Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — المائدة 5:99 – المائدة 5:120

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. المائدة 5:99
  2. المائدة 5:100
  3. المائدة 5:101
  4. المائدة 5:102
  5. المائدة 5:103
  6. المائدة 5:104
  7. المائدة 5:105
  8. المائدة 5:106
  9. المائدة 5:107
  10. المائدة 5:108
  11. المائدة 5:109
  12. المائدة 5:110
  13. المائدة 5:111
  14. المائدة 5:112
  15. المائدة 5:113
  16. المائدة 5:114
  17. المائدة 5:115
  18. المائدة 5:116
  19. المائدة 5:117
  20. المائدة 5:118
  21. المائدة 5:119
  22. المائدة 5:120

المائدة 5:99

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ . صفحة ٦١ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وتَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِن حَظْرِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وإباحَةِ صَيْدِ البَحْرِ والِامْتِنانِ بِما جُعِلَ لِلْكَعْبَةِ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ لِيَطْمَئِنُّوا لِما في تَشْرِيعِ تِلْكَ الأحْكامِ مِن تَضْيِيقٍ عَلى تَصَرُّفاتِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ في صَلاحِهِمْ، فَذَيَّلَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ مِنهم بِالمِرْصادِ يُجازِي كُلَّ صانِعٍ بِما صَنَعَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدِ اسْتَوْفى قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقْسامَ مُعامَلَتِهِ تَعالى فَهو شَدِيدُ العِقابِ لِمَن خالَفَ أحْكامَهُ وغَفُورٌ لِمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِلَفْظِ اعْلَمُوا لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ ذَيَّلَ بِها التَّعْرِيضَ بِالوَعِيدِ والوَعْدِ. ومَضْمُونُها إعْذارُ النّاسِ لِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ ما أرادَ اللَّهُ مِنهم فَلا عُذْرَ لَهم في التَّقْصِيرِ، والمِنَّةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ فِيما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن خَيْرٍ. والقَصْرُ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ لِأنَّ عَلى الرَّسُولِ أُمُورًا أُخَرَ غَيْرَ البَلاغِ مِثْلَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ تَعالى، والخُرُوجِ إلى الجِهادِ، والتَّكالِيفِ الَّتِي كَلَّفَهُ اللَّهُ بِها مِثْلَ قِيامِ اللَّيْلِ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ مَعْنى القَصْرِ: ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، أيْ دُونَ إلْجائِكم إلى الإيمانِ، فالقَصْرُ إضافِيٌّ فَلا يُنافِي أنَّ عَلى الرَّسُولِ أشْياءَ كَثِيرَةً. والإتْيانُ بِحَرْفِ (عَلى) دُونَ (اللّامِ) ونَحْوِها مُؤْذِنٌ بِأنَّ المَرْدُودَ شَيْءٌ يُتَوَهَّمُ أنَّهُ لازِمٌ لِلرَّسُولِ مِن حَيْثُ أنَّهُ يَدَّعِي الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ . وهي تَتْمِيمٌ لِلتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ والوَعْدِ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ ظاهِرِها وباطِنِها. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ هُنا لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ ولَيْسَ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْ ذَلِكَ. صفحة ٦٢ وذِكْرُ (ما تُبْدُونَ) مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْمِيمُ والشُّمُولُ مَعَ (ما تَكْتُمُونَ) وإلّا فالغَرَضُ هو تَعْلِيمُهم أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَهُ أمّا ما يُبْدُونَهُ، فَلا يُظَنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُهُ.

المائدة 5:100

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ . لَمّا آذَنَ قَوْلُهُ ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] بِأنَّ النّاسَ فَرِيقانِ: مُطِيعُونَ وعُصاةٌ، فَرِيقٌ عانَدُوا الرَّسُولَ ولَمْ يَمْتَثِلُوا، وهم مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ومَن عاضَدَهم مِنَ المُنافِقِينَ، ورُبَّما كانُوا يُظْهِرُونَ لِلْقَبائِلِ أنَّهم جَمْعٌ كَثِيرٌ، وأنَّ مِثْلَهم لا يَكُونُ عَلى خَطَأٍ، فَأزالَ اللَّهُ الأوْهامَ الَّتِي خامَرَتْ نُفُوسَهم فَكانَتْ فِتْنَةً أوْ حُجَّةً ضالَّةً يُمَوِّهُ بِها بَعْضٌ مِنهم عَلى المُهْتَدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. فالآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنْ قَدْ وُجِدَتْ كَثْرَةٌ مِن أشْياءَ فاسِدَةٍ خِيفَ أنْ تَسْتَهْوِيَ مَن كانُوا بِقِلَّةٍ مِنَ الأشْياءِ الصّالِحَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الكَثْرَةُ كَثْرَةَ عَدَدٍ في النّاسِ إذْ مَعْلُومٌ في مُتَعارَفِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ وفي أوَّلِ الإسْلامِ الِاعْتِزازُ بِالكَثْرَةِ والإعْجابِ بِها. قالَ الأعْشى: ولَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْـكَـاثِـرِ وقالَ السَّمَوْألُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ: تُعَيِّرُنا أنّا قَلِيلٌ عَدِيدُنا وقَدْ تَعَجَّبَ العَنْبَرِيُّ إذْ لامَ قَوْمَهُ فَقالَ: لَكِنَّ قَوْمِيَ وإنْ كانُـوا ذَوِي عَـدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا قالَ السُّدِّيُّ: كَثْرَةُ الخَبِيثِ هُمُ المُشْرِكُونَ، والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وهَذا المَعْنى صفحة ٦٣ يُناسِبُ لَوْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ حِينَ كانَ المُشْرِكُونَ أكْثَرَ عَدَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لَكِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها نَزَلَتْ في عامِ حَجَّةِ الوَداعِ فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى كَثْرَةِ نَصارى العَرَبِ في الشّامِ والعِراقِ ومَشارِفِ الشّامِ لِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ تَطَلَّعُوا يَوْمَئِذٍ إلى تِلْكَ الأصْقاعِ، وقِيلَ: أُرِيدَ مِنها الحَرامُ والحَلالُ مِنَ المالِ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ. ومَعْنى لا يَسْتَوِي نَفْيُ المُساواةِ، وهي المُماثَلَةُ والمُقارَبَةُ والمُشابَهَةُ. والمَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ المُفاضَلَةِ بَيْنَهُما بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، والمَقامُ هو الَّذِي يُعَيِّنُ الفاضِلَ مِنَ المَفْضُولِ، فَإنَّ جَعْلَ أحَدِهِما خَبِيثًا والآخَرِ طَيِّبًا يُعَيِّنُ أنَّ المُرادَ تَفْضِيلُ الطَّيِّبِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الخَبِيثَ لا يُساوِي الطَّيِّبَ وأنَّ البَوْنَ بَيْنَهُما بَعِيدٌ، عَلِمَ السّامِعُ مِن هَذا أنَّ المَقْصُودَ اسْتِنْزالُ فَهْمِهِ إلى تَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ في كُلِّ ما يَلْتَبِسُ فِيهِ أحَدُهُما بِالآخَرِ، وهَذا فَتْحٌ لِبَصائِرِ الغافِلِينَ كَيْلا يَقَعُوا في مَهْواةِ الِالتِباسِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ثَمَّةَ خَبِيثًا قَدِ التَفَّ في لِباسِ الحَسَنِ فَتُمُوِّهَ عَلى النّاظِرِينَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . فَكانَ الخَبِيثُ المَقْصُودُ في الآيَةِ شَيْئًا تَلَبَّسَ بِالكَثْرَةِ فَراقَ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ لِكَثْرَتِهِ، فَفَتَحَ أعْيُنَهم لِلتَّأمُّلِ فِيهِ لِيَعْلَمُوا خُبْثَهُ ولا تُعْجِبُهم كَثْرَتُهُ. فَقَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أيْ قُلْ لَهم هَذا كُلَّهُ، فالكافُ في قَوْلِهِ: أعْجَبَكَ لِلْخِطابِ، والمُخاطَبُ بِها غَيْرُ مُعَيَّنٍ بَلْ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، مِثْلَ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧]، أيْ ولَوْ أعْجَبَ مُعْجَبًا كَثْرَةُ الخَبِيثِ. وقَدْ عَلِمْتَ وجْهَ الإعْجابِ بِالكَثْرَةِ في أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ كُلَّ خَبِيثٍ يَكُونُ كَثِيرًا ولا أنْ يَكُونَ أكْثَرَ مِنَ الطَّيِّبِ مِن جِنْسِهِ، فَإنَّ طَيِّبَ التَّمْرِ والبُرِّ والثِّمارِ أكْثَرُ مِن خَبِيثِها، وإنَّما المُرادُ أنْ لا تُعْجِبَكم مِنَ الخَبِيثِ كَثْرَتُهُ إذا كانَ كَثِيرًا فَتَصْرِفُكم عَنِ التَّأمُّلِ مِن خُبْثِهِ وتَحْدُوكم إلى مُتابَعَتِهِ لِكَثْرَتِهِ، أيْ ولَكِنِ انْظُرُوا إلى الأشْياءِ بِصِفاتِها ومَعانِيها لا بِأشْكالِها ومَبانِيها، أوْ كَثْرَةُ الخَبِيثِ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِوَفْرَةِ أهْلِ المِلَلِ الضّالَّةِ. صفحة ٦٤ والإعْجابُ يَأْتِي الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] في سُورَةِ بَراءَةَ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ قالَ: وكُنْتُ بَحَثْتُ مَعَ ابْنِ عَبْدِ السَّلامِ وقُلْتُ لَهُ: هَذِهِ تَدُلُّ عَلى التَّرْجِيحِ بِالكَثْرَةِ في الشَّهادَةِ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا إذا شَهِدَ عَدْلانِ بِأمْرٍ وشَهِدَ عَشَرَةُ عُدُولٍ بِضِدِّهِ، فالمَشْهُورُ أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ العَشَرَةِ والعَدْلَيْنِ، وهُما مُتَكامِلانِ. وفي المَذْهَبِ قَوْلٌ آخَرُ بِالتَّرْجِيحِ بِالكَثْرَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَثْرَةَ لَها اعْتِبارٌ بِحَيْثُ إنَّها ما أُسْقِطَتْ هُنا إلّا لِلْخُبْثِ، ولَمْ يُوافِقْنِي عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ بِوَجْهٍ. ثُمَّ وجَدْتُ ابْنَ المُنِيرِ ذَكَرَهُ بِعَيْنِهِ. اهـ. والواوُ في قَوْلِهِ ولَوْ أعْجَبَكَ واوُ الحالِ، و(لَوْ) اتِّصالِيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ عَلى ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنّا إعْمالَ النَّظَرِ في تَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، والبَحْثَ عَنِ الحَقائِقِ، وعَدَمَ الِاغْتِرارِ بِالمَظاهِرِ الخَلّابَةِ الكاذِبَةِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالنَّظَرِ في تَمْيِيزِ الأفْعالِ حَتّى يُعْرَفَ ما هو تَقْوى دُونَ غَيْرِهِ. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِدْلالِ اسْتِدْلالُ العُلَماءِ عَلى وُجُوبِ الِاجْتِهادِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لِأنَّ مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِطاعَةِ الِاجْتِهادَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَأهِّلِ إلَيْهِ الثّابِتِ لَهُ اكْتِسابُ أداتِهِ. ولِذَلِكَ قالَ هُنا يا أُولِي الألْبابِ فَخاطَبَ النّاسَ بِصِفَةٍ لِيُومِئَ إلى أنَّ خَلْقَ العُقُولِ فِيهِمْ يُمَكِّنُهم مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ لِاتِّباعِ الطَّيِّبِ ونَبْذِ الخَبِيثِ. ومِن أهَمِّ ما يَظْهَرُ فِيهِ امْتِثالُ هَذا الأمْرِ النَّظَرُ في دَلائِلَ صِدْقِ دَعْوى الرَّسُولِ وأنْ لا يَحْتاجَ في ذَلِكَ إلى تَطَلُّبِ الآياتِ والخَوارِقَ كَحالِ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ، وأنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ وحالِ السَّحَرَةِ والكُهّانِ وإنْ كانَ عَدَدُهم كَثِيرًا. وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَقْرِيبٌ لِحُصُولِ الفَلاحِ بِهِمْ إذا اتَّقَوْا هَذِهِ التَّقْوى الَّتِي مِنها تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ وعَدَمُ الِاغْتِرارِ بِكَثْرَةِ الخَبِيثِ وقِلَّةِ الطَّيِّبِ في هَذا.

المائدة 5:101

صفحة ٦٥ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلنَّهْيِ عَنِ العَوْدَةِ إلى مَسائِلَ سَألَها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْسَتْ في شُئُونِ الدِّينِ ولَكِنَّها في شُئُونٍ ذاتِيَّةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ، فَنُهُوا أنْ يَشْغَلُوا الرَّسُولَ بِمِثالِها بَعْدَ أنْ قَدَّمَ لَهم بَيانَ مُهِمَّةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِمَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ ولِمَضْمُونِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فالآيَتانِ كِلْتاهُما مُرْتَبِطَتانِ بِآيَةِ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، ولَيْسَتْ إحْدى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِمُرْتَبِطَةٍ بِالأُخْرى. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في بَيانِ نَوْعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَسْئُولِ عَنْها والصَّحِيحُ مِن ذَلِكَ حَدِيثُ مُوسى بْنِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ في الصَّحِيحَيْنِ قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم، فَأنْشَأ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، أيْ فَدَعاهُ لِأبِيهِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ»، والسّائِلُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ، كَما ورَدَ في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أبِي مُوسى: «فَقامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ مَن أبِي، قالَ: أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ» . وفي بَعْضِ رِواياتِ هَذا الخَبَرِ في غَيْرِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا آخَرَ قامَ فَقالَ: أيْنَ أبِي. وفي رِوايَةٍ: أيْنَ أنا ؟ فَقالَ: في النّارِ» . وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ، أيْ مِنَ المُنافِقِينَ، يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي، ويَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي، ويَقُولُ المُسافِرُ: ماذا ألْقى في سَفَرِي فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا صفحة ٦٦ عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ . قالَ الأيِمَّةُ: وقَدِ انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ. ومَحْمَلُهُ أنَّهُ رَأْيٌ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لا يُناسِبُ افْتِتاحَ الآيَةِ بِخِطابِ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن نَحْوِ تِلْكَ المَسائِلِ عَنْ غَفْلَةٍ مِن مَقاصِدِ المُسْتَهْزِئِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أوْ أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، عَلى أنَّ لَهْجَةَ الخِطابِ في الآيَةِ خالِيَةٌ عَنِ الإيماءِ إلى قَصْدِ المُسْتَهْزِئِينَ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: لا تَقُولُوا راعِنا فَقَدْ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] . ورَوى التِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ في كُلِّ عامٍ، فَسَكَتَ، فَأعادُوا. فَقالَ: لا، ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوى الطَّبَرِيُّ قَرِيبًا مِنهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وتَأْوِيلُ هَذِهِ الأسانِيدِ أنَّ الآيَةَ تُلِيَتْ عِنْدَ وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ وإنَّما كانَ نُزُولُها قَبْلَ حُدُوثِهِ فَظَنَّها الرّاوُونَ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ. وتَأْوِيلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ الأُمَّةَ تَكُونُ في سَعَةٍ إذا لَمْ يُشْرَعْ لَها حُكْمٌ، فَيَكُونُ النّاسُ في سَعَةِ الِاجْتِهادِ عِنْدَ نُزُولِ الحادِثَةِ بِهِمْ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، فَإذا سَألُوا وأُجِيبُوا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ العَمَلُ بِما أُجِيبُوا بِهِ. وقَدْ تَخْتَلِفُ الأحْوالُ والأعْصارُ فَيَكُونُونَ في حَرَجٍ إنْ رامُوا تَغْيِيرَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّها تَسُوءُ بَعْضَهَمْ أوْ تَسُوءُهم في بَعْضِ الأحْوالِ إذا شَقَّتْ عَلَيْهِمْ. ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وقالَ مِثْلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ. وقَوْلُهُ (أشْياءَ) تَكْثِيرُ شَيْءٍ، والشَّيْءُ هو المَوْجُودُ، فَيَصْدُقُ بِالذّاتِ وبِحالِ الذّاتِ، وقَدْ سَألُوا عَنْ أحْوالِ بَعْضِ المَجْهُولاتِ أوِ الضَّوالِّ أوْ عَنْ أحْكامِ بَعْضِ الأشْياءِ. و(أشْياءَ) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى جَمْعِ شَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ لِأنَّ زِنَةَ شَيْءٍ (فَعْلٌ)، و(فَعْلٌ) إذا كانَ مُعْتَلَّ العَيْنِ قِياسُ جَمْعِهِ (أفْعالٌ) مِثْلَ بَيْتٍ وشَيْخٍ. فالجارِي عَلى مُتَعارَفِ صفحة ٦٧ التَّصْرِيفِ أنْ يَكُونَ أشْياءُ جَمْعًا وأنَّ هَمْزَتَهُ الأُولى هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلْجَمْعِ. إلّا أنَّ (أشْياءَ) ورَدَ في القُرْآنِ هُنا مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ، فَتَرَدَّدَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وأمْثَلُ أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلُ الكِسائِيِّ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ أشْبَهَ (فَعْلاءَ)، فَمَنَعُوهُ مِنَ الصَّرْفِ لِهَذا الشَّبَهِ، كَما مَنَعُوا سَراوِيلَ مِنَ الصَّرْفِ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّهُ شابَهَ صِيغَةَ الجَمْعِ مِثْلَ مَصابِيحَ. وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: أشْياءُ اسْمُ جَمْعِ (شَيْءٍ) ولَيْسَ جَمْعًا، فَهو مِثْلُ طَرْفاءَ وحَلْفاءَ فَأصْلُهُ شَيْئاءُ، فالمَدَّةُ في آخِرِهِ مَدَّةُ تَأْنِيثٍ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ، وادَّعى أنَّهم صَيَّرُوهُ أشْياءَ بِقَلْبٍ مَكانِيٍّ. وحَقُّهُ أنْ يُقالَ: شَيْئاءُ بِوَزْنِ فَعْلاءَ فَصارَ بِوَزْنِ (لَفْعاءَ) . وقَوْلُهُ (إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم) صِفَةُ (أشْياءَ)، أيْ إنْ تَظْهَرْ لَكم وقَدْ أُخْفِيَتْ عَنْكم يَكُنْ في إظْهارِها ما يَسُوءُكم، ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَسْئُولُ عَنْها مِنها ما إذا ظَهَرَ ساءَ مَن سَألَ عَنْهُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَتْ قَبْلَ إظْهارِها غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كانَ السُّؤالُ عَنْ مَجْمُوعِها مُعَرَّضًا لِلْجَوابِ بِما بَعْضُهُ يَسُوءُ، فَلَمّا كانَ هَذا البَعْضُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلسّائِلِينَ كانَ سُؤالُهم عَنْها سُؤالًا عَنْ ما إذا ظَهَرَ يَسُوءُهم، فَإنَّهم سَألُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ أسْئِلَةً مِنها: ما سَرُّهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ عَنْ أبِيهِ فَأُجِيبَ بِالَّذِي يُصَدِّقُ نَسَبَهُ، ومِنها ما ساءَهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ مَن سَألَ أيْنَ أبِي، أوْ أيْنَ أنا فَقِيلَ: لَهُ في النّارِ، فَهَذا يَسُوءُهُ لا مَحالَةَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم رُوعِيَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ المَجْمُوعِ لِكَراهِيَةِ بَعْضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا اسْتِئْناسُهم لِلْإعْراضِ عَنْ نَحْوِ هَذِهِ المَسائِلِ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحالِ ما يَسُوءُهم جَوابُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ . لِأنَّ العَفْوَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَفْهُومَ لِلصِّفَةِ هُنا لِتَعَذُّرِ تَمْيِيزِ ما يَسُوءُ عَمّا لا يَسُوءُ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ لا تَسْألُوا، وهي تُفِيدُ إباحَةَ السُّؤالِ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ وإنْ تَسْألُوا فَجَعَلَهم مُخَيَّرِينَ في السُّؤالِ عَنْ أمْثالِها، وأنَّ تَرْكَ السُّؤالِ هو الأوْلى لَهم، فالِانْتِقالُ إلى الإذْنِ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ، وجاءَ بِـ (إنْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ عَنْها لِأنَّ الأصْلَ في (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ نادِرُ الوُقُوعِ أوْ مَرْغُوبٌ عَنْ وُقُوعِهِ. صفحة ٦٨ وقَوْلُهُ (﴿حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾) ظَرْفٌ. يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الشَّرْطِ وهو (تَسْألُوا)، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الجَوابِ وهو (﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾)، وهو أظْهَرُ إذِ الظّاهِرُ أنَّ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُجْعَلْ وقْتًا لِإلْقاءِ الأسْئِلَةِ بَلْ جُعِلَ وقْتًا لِلْجَوابِ عَنِ الأسْئِلَةِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَنْتَظِرُونَ الجَوابَ عَمّا يَسْألُونَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى أنَّ النَّبِيءَ يَتَلَقّى الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ. فَمَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَنْتَظِرِ الجَوابَ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ومَن سَألَ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ حَصَلَ جَوابُهُ عَقِبَ سُؤالِهِ. ووَقْتُ نُزُولِ القُرْآنِ يَعْرِفُهُ مَن يَحْضُرُ مِنهم مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ لَهُ حالَةً خاصَّةً تَعْتَرِي الرَّسُولَ ﷺ يَعْرِفُها النّاسُ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ في حُكْمِ العُمْرَةِ. ومِمّا يَدُلُّ لِهَذا ما وقَعَ في حَدِيثِ أنَسٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ شِهابٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى لَهم صَلاةَ الظُّهْرِ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ السّاعَةَ وذَكَرَ أنَّ قَبْلَها أُمُورًا عِظامًا ثُمَّ قالَ: مَن أحَبَّ أنْ يَسْألَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْألْنِي عَنْهُ فَواللَّهِ لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا. ثُمَّ قالَ: لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنّارُ آنِفًا في عُرْضِ هَذا الحائِطِ فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ» . الحَدِيثَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ ذَلِكَ الحِينُ في حالِ نُزُولِ وحْيٍ عَلَيْهِ. وقَدْ جاءَ في رِوايَةِ مُوسى بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ أنَسٍ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ. فَتِلْكَ لا مَحالَةَ ساعَةَ نُزُولِ القُرْآنِ واتِّصالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعالَمِ الوَحْيِ. وقَوْلُهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ نَهاكم عَنِ المَسْألَةِ وعَفا عَنْكم أنْ تَسْألُوا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. وهَذا أظْهَرُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ عَفْوِهِ عَمّا سَلَفَ مِن إكْثارِ المَسائِلِ وإحْفاءِ الرَّسُولِ ﷺ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ ما يَجِبُ مِن تَوْقِيرِهِ. صفحة ٦٩ وقَوْلُهُ قَدْ ﴿سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابُ سُؤالٍ يُثِيرُهُ النَّهْيُ عَنِ السُّؤالِ ثُمَّ الإذْنُ فِيهِ في حِينِ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، أنْ يَقُولَ سائِلٌ: إنْ كانَ السُّؤالُ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ وأنَّ بَعْضَ الأسْئِلَةِ يَسُوءُ جَوابُهُ قَوْمًا، فَهَلِ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ أوْ إلْقاؤُهُ. فَأُجِيبَ بِتَفْصِيلِ أمْرِها بِأنَّ أمْثالَها قَدْ كانَتْ سَبَبًا في كُفْرِ قَوْمٍ قَبْلَ المُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ (سَألَها) جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ تَسْألُوا، أيْ سَألَ المَسْألَةَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وجَرى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ سَألَ أمْثالَها. والمُماثَلَةُ في ضَآلَةِ الجَدْوى. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (سَألَها) عائِدًا إلى أشْياءَ، أيْ إلى لَفْظِهِ دُونَ مَدْلُولِهِ. فالتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ أشْياءَ قَوْمٌ مَن قَبْلِكم، وعُدِّيَ فِعْلُ (سَألَ) إلى الضَّمِيرِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ قَرِيبَةٍ مِن طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ بَلْ هي أحَقُّ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، فَإنَّ أصْلَ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظٍ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وقَدْ يَعُودُ إلى لَفْظٍ دُونَ مَدْلُولِهِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: لَكَ دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لا الدِّرْهَمُ الَّذِي أعْطَيْتُهُ إيّاهُ. والِاسْتِخْدامُ أشَدُّ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ عَوْدُ الضَّمِيرَ عَلى اللَّفْظِ مَعَ مَدْلُولٍ آخَرَ. و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّها لا تُفِيدُ فِيهِ تَراخِيَ الزَّمانِ وإنَّما تُفِيدُ تَراخِي مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ في تَصَوُّرِ المُتَكَلِّمِ عَنْ تَصَوُّرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمْ يَكُنْ يُتَرَقَّبُ حُصُولُ مَضْمُونِها حَتّى فاجَأ المُتَكَلِّمُ. وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِـ أصْبَحُوا، أيْ كانَتْ تِلْكَ المَسائِلُ سَبَبًا في كُفْرِهِمْ، أيْ بِاعْتِبارِ ما حَصَلَ مِن جَوابِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِـ كافِرِينَ، أيْ كَفَرُوا بِها، أيْ بِجَوابِها بِأنْ لَمْ يُصَدِّقُوا رُسُلَهم فِيما أجابُوا بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ مُفِيدٌ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ ما كَفَرُوا إلّا بِسَبَبِها، أيْ كانُوا في مَنَعَةٍ مِنَ الكُفْرِ لَوْلا تِلْكَ المَسائِلُ، فَقَدْ كانُوا كالباحِثِ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، فَهو تَخْصِيصٌ ادِّعائِيٌّ، أوْ هو تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّحْذِيرِ مِنها. صفحة ٧٠ وفِعْلُ أصْبَحُوا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى صارُوا، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مُشْعِرٌ بِمَصِيرٍ عاجِلٍ لا تَرَيُّثَ فِيهِ لِأنَّ الصَّباحَ أوَّلُ أوْقاتِ الِانْتِشارِ لِلْأعْمالِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ بَعْضُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ، سَألُوا مِثْلَ هَذِهِ المَسائِلِ، فَلَمّا أُعْطُوا ما سَألُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، مِثْلُ ثَمُودَ، سَألُوا صالِحًا آيَةً، فَلَمّا أخْرَجَ لَهم ناقَةً مِنَ الصَّخْرِ عَقَرُوها، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ مُتابَعَةُ الهَوى، فَكُلَّما يَأْتِيهِمْ مِمّا لا يُوافِقُ أهْواءَهم كَذَّبُوا بِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨]، وكَما وقَعَ لِلْيَهُودِ في خَبَرِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ ما قَدَّمْناهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَإنَّ اليَهُودَ أبْغَضُوا جِبْرِيلَ لِأنَّهُ أخْبَرَ دانْيالَ بِاقْتِرابِ خَرابِ أُورْشَلِيمَ، وتَعْطِيلِ بَيْتِ القُدْسِ، حَسْبَما في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن كِتابِ دانْيالَ. وقَدْ سَألَ اليَهُودُ زَكَرِيّاءَ وابْنَهُ يَحْيى عَنْ عِيسى، وكانا مُقَدَّسَيْنِ عِنْدَ اليَهُودِ، فَلَمّا شَهِدا لِعِيسى بِالنُّبُوءَةِ أبْغَضَهُما اليَهُودُ وأغْرَوْا بِهِما زَوْجَةَ هِيرُودَسَ فَحَمَلَتْهُ عَلى قَتْلِهِما كَما في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن إنْجِيلِ مَتّى والإصْحاحِ الثّالِثِ مِن مُرْقُسَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّ أمْثالِ هَذِهِ المَسائِلِ بِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ سَبَبًا في غَمِّ النَّفْسِ وحَشْرَجَةِ الصَّدْرِ وسَماعِ ما يُكْرَهُ مِمَّنْ يُحِبُّهُ. ولَوْلا أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ وازِعٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في أمْثالِ ما وقَعَ فِيهِ قَوْمٌ مِن قَبْلِهِمْ لَكانَتْ هَذِهِ المَسائِلُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَكُونُ ذَرِيعَةً لِلْكُفْرِ. فَهَذا اسْتِقْصاءُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ العَجِيبَةِ المَعانِي البَلِيغَةِ العِبَرِ الجَدِيرَةِ بِاسْتِجْلائِها، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ بِاسْتِضْوائِها.

المائدة 5:102

صفحة ٦٥ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلنَّهْيِ عَنِ العَوْدَةِ إلى مَسائِلَ سَألَها بَعْضُ المُؤْمِنِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْسَتْ في شُئُونِ الدِّينِ ولَكِنَّها في شُئُونٍ ذاتِيَّةٍ خاصَّةٍ بِهِمْ، فَنُهُوا أنْ يَشْغَلُوا الرَّسُولَ بِمِثالِها بَعْدَ أنْ قَدَّمَ لَهم بَيانَ مُهِمَّةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] الصّالِحُ لِأنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِمَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ ولِمَضْمُونِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهي قَوْلُهُ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فالآيَتانِ كِلْتاهُما مُرْتَبِطَتانِ بِآيَةِ ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]، ولَيْسَتْ إحْدى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِمُرْتَبِطَةٍ بِالأُخْرى. وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في بَيانِ نَوْعِ هَذِهِ الأشْياءِ المَسْئُولِ عَنْها والصَّحِيحُ مِن ذَلِكَ حَدِيثُ مُوسى بْنِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِيهِ في الصَّحِيحَيْنِ قالَ: «سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم، فَأنْشَأ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن أبِي ؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ، أيْ فَدَعاهُ لِأبِيهِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ»، والسّائِلُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ السَّهْمِيُّ، كَما ورَدَ في بَعْضِ رِواياتِ الحَدِيثِ. وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أبِي مُوسى: «فَقامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ مَن أبِي، قالَ: أبُوكَ سالِمٌ مَوْلى شَيْبَةَ» . وفي بَعْضِ رِواياتِ هَذا الخَبَرِ في غَيْرِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا آخَرَ قامَ فَقالَ: أيْنَ أبِي. وفي رِوايَةٍ: أيْنَ أنا ؟ فَقالَ: في النّارِ» . وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ، أيْ مِنَ المُنافِقِينَ، يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ اسْتِهْزاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي، ويَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي، ويَقُولُ المُسافِرُ: ماذا ألْقى في سَفَرِي فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا صفحة ٦٦ عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ . قالَ الأيِمَّةُ: وقَدِ انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ. ومَحْمَلُهُ أنَّهُ رَأْيٌ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو لا يُناسِبُ افْتِتاحَ الآيَةِ بِخِطابِ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ المُرادُ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن نَحْوِ تِلْكَ المَسائِلِ عَنْ غَفْلَةٍ مِن مَقاصِدِ المُسْتَهْزِئِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، أوْ أُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ، عَلى أنَّ لَهْجَةَ الخِطابِ في الآيَةِ خالِيَةٌ عَنِ الإيماءِ إلى قَصْدِ المُسْتَهْزِئِينَ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: لا تَقُولُوا راعِنا فَقَدْ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠٤] . ورَوى التِّرْمِذِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ في كُلِّ عامٍ، فَسَكَتَ، فَأعادُوا. فَقالَ: لا، ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ»﴾ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوى الطَّبَرِيُّ قَرِيبًا مِنهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وتَأْوِيلُ هَذِهِ الأسانِيدِ أنَّ الآيَةَ تُلِيَتْ عِنْدَ وُقُوعِ هَذا السُّؤالِ وإنَّما كانَ نُزُولُها قَبْلَ حُدُوثِهِ فَظَنَّها الرّاوُونَ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ. وتَأْوِيلُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ الأُمَّةَ تَكُونُ في سَعَةٍ إذا لَمْ يُشْرَعْ لَها حُكْمٌ، فَيَكُونُ النّاسُ في سَعَةِ الِاجْتِهادِ عِنْدَ نُزُولِ الحادِثَةِ بِهِمْ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ، فَإذا سَألُوا وأُجِيبُوا مِن قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمُ العَمَلُ بِما أُجِيبُوا بِهِ. وقَدْ تَخْتَلِفُ الأحْوالُ والأعْصارُ فَيَكُونُونَ في حَرَجٍ إنْ رامُوا تَغْيِيرَهُ؛ فَيَكُونُ مَعْنى ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّها تَسُوءُ بَعْضَهَمْ أوْ تَسُوءُهم في بَعْضِ الأحْوالِ إذا شَقَّتْ عَلَيْهِمْ. ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وقالَ مِثْلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ. وقَوْلُهُ (أشْياءَ) تَكْثِيرُ شَيْءٍ، والشَّيْءُ هو المَوْجُودُ، فَيَصْدُقُ بِالذّاتِ وبِحالِ الذّاتِ، وقَدْ سَألُوا عَنْ أحْوالِ بَعْضِ المَجْهُولاتِ أوِ الضَّوالِّ أوْ عَنْ أحْكامِ بَعْضِ الأشْياءِ. و(أشْياءَ) كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلى جَمْعِ شَيْءٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِيغَةُ جَمْعٍ لِأنَّ زِنَةَ شَيْءٍ (فَعْلٌ)، و(فَعْلٌ) إذا كانَ مُعْتَلَّ العَيْنِ قِياسُ جَمْعِهِ (أفْعالٌ) مِثْلَ بَيْتٍ وشَيْخٍ. فالجارِي عَلى مُتَعارَفِ صفحة ٦٧ التَّصْرِيفِ أنْ يَكُونَ أشْياءُ جَمْعًا وأنَّ هَمْزَتَهُ الأُولى هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلْجَمْعِ. إلّا أنَّ (أشْياءَ) ورَدَ في القُرْآنِ هُنا مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ، فَتَرَدَّدَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، وأمْثَلُ أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ قَوْلُ الكِسائِيِّ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في الكَلامِ أشْبَهَ (فَعْلاءَ)، فَمَنَعُوهُ مِنَ الصَّرْفِ لِهَذا الشَّبَهِ، كَما مَنَعُوا سَراوِيلَ مِنَ الصَّرْفِ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّهُ شابَهَ صِيغَةَ الجَمْعِ مِثْلَ مَصابِيحَ. وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: أشْياءُ اسْمُ جَمْعِ (شَيْءٍ) ولَيْسَ جَمْعًا، فَهو مِثْلُ طَرْفاءَ وحَلْفاءَ فَأصْلُهُ شَيْئاءُ، فالمَدَّةُ في آخِرِهِ مَدَّةُ تَأْنِيثٍ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ، وادَّعى أنَّهم صَيَّرُوهُ أشْياءَ بِقَلْبٍ مَكانِيٍّ. وحَقُّهُ أنْ يُقالَ: شَيْئاءُ بِوَزْنِ فَعْلاءَ فَصارَ بِوَزْنِ (لَفْعاءَ) . وقَوْلُهُ (إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم) صِفَةُ (أشْياءَ)، أيْ إنْ تَظْهَرْ لَكم وقَدْ أُخْفِيَتْ عَنْكم يَكُنْ في إظْهارِها ما يَسُوءُكم، ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المَسْئُولُ عَنْها مِنها ما إذا ظَهَرَ ساءَ مَن سَألَ عَنْهُ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ، وكانَتْ قَبْلَ إظْهارِها غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ كانَ السُّؤالُ عَنْ مَجْمُوعِها مُعَرَّضًا لِلْجَوابِ بِما بَعْضُهُ يَسُوءُ، فَلَمّا كانَ هَذا البَعْضُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلسّائِلِينَ كانَ سُؤالُهم عَنْها سُؤالًا عَنْ ما إذا ظَهَرَ يَسُوءُهم، فَإنَّهم سَألُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ أسْئِلَةً مِنها: ما سَرُّهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ عَنْ أبِيهِ فَأُجِيبَ بِالَّذِي يُصَدِّقُ نَسَبَهُ، ومِنها ما ساءَهم جَوابُهُ، وهو سُؤالُ مَن سَألَ أيْنَ أبِي، أوْ أيْنَ أنا فَقِيلَ: لَهُ في النّارِ، فَهَذا يَسُوءُهُ لا مَحالَةَ. فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم رُوعِيَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ المَجْمُوعِ لِكَراهِيَةِ بَعْضِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا اسْتِئْناسُهم لِلْإعْراضِ عَنْ نَحْوِ هَذِهِ المَسائِلِ، وإلّا فَإنَّ النَّهْيَ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِحالِ ما يَسُوءُهم جَوابُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ . لِأنَّ العَفْوَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ذَنْبٍ وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مَفْهُومَ لِلصِّفَةِ هُنا لِتَعَذُّرِ تَمْيِيزِ ما يَسُوءُ عَمّا لا يَسُوءُ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ لا تَسْألُوا، وهي تُفِيدُ إباحَةَ السُّؤالِ عَنْها عَلى الجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ وإنْ تَسْألُوا فَجَعَلَهم مُخَيَّرِينَ في السُّؤالِ عَنْ أمْثالِها، وأنَّ تَرْكَ السُّؤالِ هو الأوْلى لَهم، فالِانْتِقالُ إلى الإذْنِ رُخْصَةٌ وتَوْسِعَةٌ، وجاءَ بِـ (إنْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ عَنْها لِأنَّ الأصْلَ في (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى أنَّ الشَّرْطَ نادِرُ الوُقُوعِ أوْ مَرْغُوبٌ عَنْ وُقُوعِهِ. صفحة ٦٨ وقَوْلُهُ (﴿حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ﴾) ظَرْفٌ. يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الشَّرْطِ وهو (تَسْألُوا)، ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلِ الجَوابِ وهو (﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾)، وهو أظْهَرُ إذِ الظّاهِرُ أنَّ حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ لَمْ يُجْعَلْ وقْتًا لِإلْقاءِ الأسْئِلَةِ بَلْ جُعِلَ وقْتًا لِلْجَوابِ عَنِ الأسْئِلَةِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَنْتَظِرُونَ الجَوابَ عَمّا يَسْألُونَ عَنْهُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا عَلى أنَّ النَّبِيءَ يَتَلَقّى الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ. فَمَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَنْتَظِرِ الجَوابَ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ومَن سَألَ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ حَصَلَ جَوابُهُ عَقِبَ سُؤالِهِ. ووَقْتُ نُزُولِ القُرْآنِ يَعْرِفُهُ مَن يَحْضُرُ مِنهم مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ لَهُ حالَةً خاصَّةً تَعْتَرِي الرَّسُولَ ﷺ يَعْرِفُها النّاسُ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ في حُكْمِ العُمْرَةِ. ومِمّا يَدُلُّ لِهَذا ما وقَعَ في حَدِيثِ أنَسٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ شِهابٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى لَهم صَلاةَ الظُّهْرِ فَلَمّا سَلَّمَ قامَ عَلى المِنبَرِ فَذَكَرَ السّاعَةَ وذَكَرَ أنَّ قَبْلَها أُمُورًا عِظامًا ثُمَّ قالَ: مَن أحَبَّ أنْ يَسْألَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْألْنِي عَنْهُ فَواللَّهِ لا تَسْألُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا. ثُمَّ قالَ: لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ والنّارُ آنِفًا في عُرْضِ هَذا الحائِطِ فَلَمْ أرَ كاليَوْمِ في الخَيْرِ والشَّرِّ» . الحَدِيثَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ ذَلِكَ الحِينُ في حالِ نُزُولِ وحْيٍ عَلَيْهِ. وقَدْ جاءَ في رِوايَةِ مُوسى بْنِ أنَسٍ عَنْ أبِيهِ أنَسٍ أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ. فَتِلْكَ لا مَحالَةَ ساعَةَ نُزُولِ القُرْآنِ واتِّصالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعالَمِ الوَحْيِ. وقَوْلُهُ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ نَهاكم عَنِ المَسْألَةِ وعَفا عَنْكم أنْ تَسْألُوا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. وهَذا أظْهَرُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ عَفْوِهِ عَمّا سَلَفَ مِن إكْثارِ المَسائِلِ وإحْفاءِ الرَّسُولِ ﷺ فِيها لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ ما يَجِبُ مِن تَوْقِيرِهِ. صفحة ٦٩ وقَوْلُهُ قَدْ ﴿سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابُ سُؤالٍ يُثِيرُهُ النَّهْيُ عَنِ السُّؤالِ ثُمَّ الإذْنُ فِيهِ في حِينِ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، أنْ يَقُولَ سائِلٌ: إنْ كانَ السُّؤالُ في وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ وأنَّ بَعْضَ الأسْئِلَةِ يَسُوءُ جَوابُهُ قَوْمًا، فَهَلِ الأوْلى تَرْكُ السُّؤالِ أوْ إلْقاؤُهُ. فَأُجِيبَ بِتَفْصِيلِ أمْرِها بِأنَّ أمْثالَها قَدْ كانَتْ سَبَبًا في كُفْرِ قَوْمٍ قَبْلَ المُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ (سَألَها) جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ تَسْألُوا، أيْ سَألَ المَسْألَةَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وجَرى جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ سَألَ أمْثالَها. والمُماثَلَةُ في ضَآلَةِ الجَدْوى. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (سَألَها) عائِدًا إلى أشْياءَ، أيْ إلى لَفْظِهِ دُونَ مَدْلُولِهِ. فالتَّقْدِيرُ: قَدْ سَألَ أشْياءَ قَوْمٌ مَن قَبْلِكم، وعُدِّيَ فِعْلُ (سَألَ) إلى الضَّمِيرِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، وعَلى هَذا المَعْنى يَكُونُ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةٍ قَرِيبَةٍ مِن طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ بَلْ هي أحَقُّ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، فَإنَّ أصْلَ الضَّمِيرِ أنْ يَعُودَ إلى لَفْظٍ بِاعْتِبارِ مَدْلُولِهِ وقَدْ يَعُودُ إلى لَفْظٍ دُونَ مَدْلُولِهِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: لَكَ دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لا الدِّرْهَمُ الَّذِي أعْطَيْتُهُ إيّاهُ. والِاسْتِخْدامُ أشَدُّ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ عَوْدُ الضَّمِيرَ عَلى اللَّفْظِ مَعَ مَدْلُولٍ آخَرَ. و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّها لا تُفِيدُ فِيهِ تَراخِيَ الزَّمانِ وإنَّما تُفِيدُ تَراخِي مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ في تَصَوُّرِ المُتَكَلِّمِ عَنْ تَصَوُّرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ لَمْ يَكُنْ يُتَرَقَّبُ حُصُولُ مَضْمُونِها حَتّى فاجَأ المُتَكَلِّمُ. وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَتَعَلَّقُ بِـ أصْبَحُوا، أيْ كانَتْ تِلْكَ المَسائِلُ سَبَبًا في كُفْرِهِمْ، أيْ بِاعْتِبارِ ما حَصَلَ مِن جَوابِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَتَتَعَلَّقُ بِـ كافِرِينَ، أيْ كَفَرُوا بِها، أيْ بِجَوابِها بِأنْ لَمْ يُصَدِّقُوا رُسُلَهم فِيما أجابُوا بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ مُفِيدٌ لِلتَّخْصِيصِ، أيْ ما كَفَرُوا إلّا بِسَبَبِها، أيْ كانُوا في مَنَعَةٍ مِنَ الكُفْرِ لَوْلا تِلْكَ المَسائِلُ، فَقَدْ كانُوا كالباحِثِ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، فَهو تَخْصِيصٌ ادِّعائِيٌّ، أوْ هو تَقْدِيمٌ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّحْذِيرِ مِنها. صفحة ٧٠ وفِعْلُ أصْبَحُوا مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى صارُوا، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مُشْعِرٌ بِمَصِيرٍ عاجِلٍ لا تَرَيُّثَ فِيهِ لِأنَّ الصَّباحَ أوَّلُ أوْقاتِ الِانْتِشارِ لِلْأعْمالِ. والمُرادُ بِالقَوْمِ بَعْضُ الأُمَمِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ، سَألُوا مِثْلَ هَذِهِ المَسائِلِ، فَلَمّا أُعْطُوا ما سَألُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، مِثْلُ ثَمُودَ، سَألُوا صالِحًا آيَةً، فَلَمّا أخْرَجَ لَهم ناقَةً مِنَ الصَّخْرِ عَقَرُوها، وهَذا شَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ مُتابَعَةُ الهَوى، فَكُلَّما يَأْتِيهِمْ مِمّا لا يُوافِقُ أهْواءَهم كَذَّبُوا بِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ وإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨]، وكَما وقَعَ لِلْيَهُودِ في خَبَرِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. وقَرِيبٌ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ ما قَدَّمْناهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَإنَّ اليَهُودَ أبْغَضُوا جِبْرِيلَ لِأنَّهُ أخْبَرَ دانْيالَ بِاقْتِرابِ خَرابِ أُورْشَلِيمَ، وتَعْطِيلِ بَيْتِ القُدْسِ، حَسْبَما في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن كِتابِ دانْيالَ. وقَدْ سَألَ اليَهُودُ زَكَرِيّاءَ وابْنَهُ يَحْيى عَنْ عِيسى، وكانا مُقَدَّسَيْنِ عِنْدَ اليَهُودِ، فَلَمّا شَهِدا لِعِيسى بِالنُّبُوءَةِ أبْغَضَهُما اليَهُودُ وأغْرَوْا بِهِما زَوْجَةَ هِيرُودَسَ فَحَمَلَتْهُ عَلى قَتْلِهِما كَما في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن إنْجِيلِ مَتّى والإصْحاحِ الثّالِثِ مِن مُرْقُسَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا ذَمُّ أمْثالِ هَذِهِ المَسائِلِ بِأنَّها لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ سَبَبًا في غَمِّ النَّفْسِ وحَشْرَجَةِ الصَّدْرِ وسَماعِ ما يُكْرَهُ مِمَّنْ يُحِبُّهُ. ولَوْلا أنَّ إيمانَ المُؤْمِنِينَ وازِعٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في أمْثالِ ما وقَعَ فِيهِ قَوْمٌ مِن قَبْلِهِمْ لَكانَتْ هَذِهِ المَسائِلُ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَكُونُ ذَرِيعَةً لِلْكُفْرِ. فَهَذا اسْتِقْصاءُ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ العَجِيبَةِ المَعانِي البَلِيغَةِ العِبَرِ الجَدِيرَةِ بِاسْتِجْلائِها، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ بِاسْتِضْوائِها.

المائدة 5:103

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ . صفحة ٧١ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ فارِقًا بَيْنَ ما أحْدَثَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن نَقائِضِ الحَنِيفِيَّةِ وبَيْنَ ما نَوَّهَ اللَّهُ بِهِ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، فَإنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ قِيامًا لِلنّاسِ وجَعَلَ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لَهم، بَيَّنَ هُنا أنَّ أُمُورًا ما جَعَلَها اللَّهُ ولَكِنْ جَعَلَها أهْلُ الضَّلالَةِ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، فَيَكُونُ كالبَيانِ لِآيَةِ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠]، فَإنَّ البَحِيرَةَ وما عُطِفَ عَلَيْها هُنا تُشْبِهُ الهَدْيَ في أنَّها تُحَرَّرُ مَنافِعُها وذَواتُها حَيَّةً لِأصْنامِهِمْ كَما تُهْدى الهَدايا لِلْكَعْبَةِ مُذَكّاةً، فَكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ ويَخْلِطُونَ ذَلِكَ بِالهَدايا، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ . فالتَّصَدِّي لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الهَدْيِ وبَيْنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما، كالتَّصَدِّي لِبَيانِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الطَّوافِ وبَيْنَ السَّعْيِ لِلصَّفا والمَرْوَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا ما رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ناسًا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ ونَحْوِهِما فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ومِمّا يَزِيدُكَ ثِقَةً بِما ذَكَرْتُهُ أنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ لِتَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ. ولَوْلا ما تَوَسَّطَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ مِنَ الآيِ الكَثِيرَةِ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الأُولى بِحَرْفِ العَطْفِ إلّا أنَّ الفَصْلَ هُنا كانَ أوْقَعَ لِيَكُونَ بِهِ اسْتِقْلالُ الكَلامِ فَيُفِيدُ مَزِيدَ اهْتِمامٍ بِما تَضَمَّنَهُ. والجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الأمْرِ والتَّشْرِيعِ، لِأنَّ أصْلَ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّكْوِينِ، ثُمَّ يُسْتَعارُ إلى التَّقْدِيرِ والكَتْبِ كَما في قَوْلِهِمْ: فَرَضَ عَلَيْهِ جَعالَةً، وهو هُنا كَذَلِكَ فَيَئُولُ إلى مَعْنى التَّقْدِيرِ والأمْرِ، بِخِلافِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] . فالمَقْصُودُ هُنا نَفْيُ تَشْرِيعِ هَذِهِ الأجْناسِ مِنَ الحَقائِقِ فَإنَّها مَوْجُودَةٌ في الواقِعِ. فَنَفَيُ جَعْلِها مُتَعَيَّنٌ لِأنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ نَفْيَ الأمْرِ والتَّشْرِيعِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الرِّضا بِهِ والغَضَبِ عَلى مَن جَعَلَهُ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِمَن فَعَلَ شَيْئًا: ما أمَرْتُكَ بِهَذا. فَلَيْسَ المُرادُ إباحَتَهُ والتَّخْيِيرَ في فِعْلِهِ وتَرْكِهِ صفحة ٧٢ كَما يُسْتَفادُ مِنَ المَقامِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ [الأنعام: ١٥٠] فَإنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَضَبِ عَلى مَن حَرَّمُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم أنْ يَجْتَنِبُوهُ. وأُدْخِلَتْ (مِن) الزّائِدَةُ بَعْدَ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ النَّفْيَ نَفْيُ الجِنْسِ لا نَفْيَ أفْرادٍ مُعَيَّنَةٍ، فَقَدْ ساوى أنْ يُقالَ: لا بَحِيرَةَ ولا سائِبَةَ مَعَ قَضاءِ حَقِّ المَقامِ مِن بَيانِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِن جَعْلِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَرْضى بِهِ فَهو حَرامٌ. والبَحِيرَةُ بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، أيْ مَبْحُورَةٍ، والبَحْرُ الشَّقُّ يُقالُ: بَحَرَ شَقَّ. وفي حَدِيثِ حَفْرِ زَمْزَمَ: أنَّ عَبْدَ المُطَّلِبِ بَحَرَها بَحْرًا، أيْ شَقَّها ووَسَّعَها. فالبَحِيرَةُ هي النّاقَةُ، كانُوا يَشُقُّونَ أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ طُولًا عَلامَةً عَلى تَخْلِيَتِها، أيْ أنَّها لا تُرْكَبُ ولا تُنْحَرُ ولا تُمْنَعُ عَنْ ماءٍ ولا عَنْ مَرْعًى ولا يَجْزُرُونَها ويَكُونُ لَبَنُها لِطَواغِيتِهِمْ، أيْ أصْنامِهِمْ، ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَشْرَبُهُ إذا كانَتْ ضِيافَةً لِزِيارَةِ الصَّنَمِ أوْ إضافَةَ سادِنِهِ، فَكُلُّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ تَكُونُ بَحائِرُهم لِصَنَمِهِمْ. وقَدْ كانَتْ لِلْقَبائِلِ أصْنامٌ تَدِينُ كُلُّ قَبِيلَةٍ لِصَنَمٍ أوْ أكْثَرَ. وإنَّما يَجْعَلُونَها بَحِيرَةً إذا نُتِجَتْ عَشَرَةَ أبْطُنٍ عَلى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: إذا نُتِجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ الخامِسُ ذَكَرًا. وإذا ماتَتْ حَتْفَ أنْفِها حَلَّ أكْلُ لَحْمِها لِلرِّجالِ وحُرِّمَ عَلى النِّساءِ. والسّائِبَةُ: البَعِيرُ أوِ النّاقَةُ يُجْعَلُ نَذْرًا عَنْ شِفاءٍ مِن مَرَضٍ أوْ قُدُومٍ مِن سَفَرٍ، فَيَقُولُ: أجْعَلُهُ لِلَّهِ سائِبَةً. فالتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ كَتاءِ نَسّابَةٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: عَبْدٌ سائِبَةٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى الِانْطِلاقِ والإهْمالِ، وقِيلَ: فاعِلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُسَيَّبٌ. وحُكْمُ السّائِبَةِ كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كالعِتْقِ وكانُوا يَدْفَعُونَها صفحة ٧٣ إلى السَّدَنَةِ لِيُطْعِمُوا مِن ألْبانِها أبْناءَ السَّبِيلِ. وكانَتْ عَلامَتُها أنْ تُقْطَعَ قِطْعَةٌ مِن جِلْدَةِ فَقارِ الظَّهْرِ، فَيُقالُ لَها: صَرِيمٌ وجَمْعُهُ صُرُمٌ، وإذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلَّهُنَّ إناثٌ مُتَتابِعَةٌ سَيَّبُوها أيْضًا فَهي سائِبَةٌ، وما تَلِدُهُ السّائِبَةُ يَكُونُ بَحِيرَةً في قَوْلِ بَعْضِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَها سائِبَةً. والوَصِيلَةُ مِنَ الغَنَمِ هي الشّاةُ تَلِدُ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، فَتُسَمّى الأُمُّ وصِيلَةً لِأنَّها وصَلَتْ أُنْثى بِأُنْثى، كَذا فَسَّرَها مالِكٌ في رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ عَنْهُ، فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ تَكُونُ الوَصِيلَةُ هي المُتَقَرَّبَ بِها، ويَكُونُ تَسْلِيطُ نَفْيِ الجَعْلِ عَلَيْها ظاهِرًا. وقالَ الجُمْهُورُ: الوَصِيلَةُ أنْ تَلِدَ الشّاةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ أوْ سَبْعَةً (عَلى اخْتِلافِ مُصْطَلَحِ القَبائِلِ)، فالأخِيرُ إذا كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ لِبُيُوتِ الطَّواغِيتِ وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، أيْ لِلطَّواغِيتِ، وإنْ أتْأمَتِ اسْتَحْيَوْهُما جَمِيعًا وقالُوا: وصَلَتِ الأُنْثى أخاها فَمَنَعَتْهُ مِنَ الذَّبْحِ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالوَصِيلَةُ حالَةٌ مِن حالاتِ نَسْلِ الغَنَمِ، وهي الَّتِي أبْطَلَها اللَّهُ تَعالى، ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِبَقِيَّةِ أحْوالِ الشّاةِ. والأظْهَرُ أنَّ الوَصِيلَةَ اسْمٌ لِلشّاةِ الَّتِي وصَلَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ إناثًا، جَمْعًا بَيْنَ تَفْسِيرِ مالِكٍ وتَفْسِيرِ غَيْرِهِ، فالشّاةُ تُسَيَّبُ لِلطَّواغِيتِ، وما ذَكَرُوهُ مِن ذَبْحِ ولَدِها أوِ ابْنَتِها هو مِن فُرُوعِ اسْتِحْقاقِ تَسْيِيبِها لِتَكُونَ الآيَةُ شامِلَةً لِأحْوالِها كُلِّها. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: الوَصِيلَةُ الشّاةُ تُتْئِمُ في خَمْسَةِ أبْطُنٍ عَشَرَةَ إناثٍ فَما ولَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو لِلذُّكُورِ مِنهم دُونَ النِّساءِ إلّا أنْ يَمُوتَ شَيْءٌ مِنها فَيَشْتَرِكُ في أكْلِهِ الرِّجالُ والنِّساءُ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ إذا بَكَّرَتِ النّاقَةُ في أوَّلِ إنْتاجِ الإبِلِ بِأُنْثى ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى في آخِرِ العامِ فَكانُوا يَجْعَلُونَها لِطَواغِيتِهِمْ. وهَذا قالَهُ سَعِيدٌ مِن نَفْسِهِ ولَمْ يَرْوِهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . ووَقَعَ في سِياقِ البُخارِيِّ إيهامٌ اغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الشّارِحِينَ ونَبَّهَ عَلَيْهِ في فَتْحِ البارِي. وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالوَصِيلَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ. والحامِي هو فَحْلُ الإبِلِ إذا نُتِجَتْ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةَ أبْطُنٍ فَيُمْنَعُ مِن أنْ يُرْكَبَ أوْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ ولا يُمْنَعُ مِن مَرْعًى ولا ماءٍ. ويَقُولُونَ: إنَّهُ حَمى ظَهْرَهُ، أيْ كانَ صفحة ٧٤ سَبَبًا في حِمايَتِهِ، فَهو حامٍ. قالَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ، كانُوا يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ رِيشَ الطَّواوِيسِ ويُسَيِّبُونَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ السّائِبَةِ لا يُؤْكَلُ حَتّى يَمُوتَ ويُنْتَفَعَ بِوَبَرِهِ لِلْأصْنامِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الِاسْتِدْراكُ لِرَفْعِ ما يَتَوَهَّمُهُ المُشْرِكُونَ مِنِ اعْتِقادِ أنَّها مِن شَرْعِ اللَّهِ لِتَقادُمِ العَمَلِ بِها مُنْذُ قُرُونٍ. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يُكَذِّبُونَ في نِسْبَةِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى شَعائِرِ اللَّهِ لِأنَّهم جَمِيعًا يُخْبِرُونَ بِما هو مُخالِفٌ لِما في الواقِعِ. والكَذِبُ هو الخَبَرُ المُخالِفُ لِلْواقِعِ. والكُفّارُ فَرِيقانِ خاصَّةٌ وعامَّةٌ: فَأمّا الخاصَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ لِمَقاصِدَ مُخْتَلِفَةٍ ونَسَبُوها إلى اللَّهِ، وأشْهَرُ هَؤُلاءِ وأكْذَبُهم هو عَمْرُو بْنُ عامِرِ بْنِ لُحَيٍّ بِضَمِّ اللّامِ وفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وياءٍ مُشَدَّدَةٍ الخُزاعِيُّ، فَفي الصَّحِيحِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ - بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ الصّادِ المُهْمَلَةِ - أيْ أمْعاءَهُ في النّارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ» . ومِنهم جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ. وعَنْ مالِكٍ أنَّ مِنهم رَجُلًا مِن بَنِي مُدْلِجٍ هو أوَّلُ مَن بَحَرَ البَحِيرَةَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَأيْتُهُ مَعَ عَمْرٍو في النّارِ» . رَواهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وفي رِوايَةٍ «أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أوَّلُ مَن بَحَرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ» . وأصَحُّ الرِّواياتِ وأشْهَرُها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ: «أنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ ولَمْ يَذْكُرِ البَحِيرَةَ» . وأمّا العامَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا هَؤُلاءِ المُضِلِّينَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا بِقَوْلِهِ: وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ. فَلَمّا وُصِفَ الأكْثَرُ بِعَدَمِ الفَهْمِ تَعَيَّنَ أنَّ الأقَلَّ هُمُ الَّذِينَ دَبَّرُوا هَذِهِ الضَّلالاتِ وزَيَّنُوها لِلنّاسِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: ٩٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. صفحة ٧٥ وفِي تَسْمِيَةِ ما فَعَلَهُ الكُفّارُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ افْتِراءً وكَذِبًا ونَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أمَرَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الأحْداثَ لا تَمُتُّ إلى مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبٍ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّها تَنْتَسِبُ إلى الآلِهَةِ والأصْنامِ، وذَلِكَ إشْراكٌ وكُفْرٌ عَظِيمٌ. الثّانِيَةُ أنَّ ما يُجْعَلُ مِنها لِلَّهِ تَعالى مِثْلُ السّائِبَةِ هو عَمَلٌ ضَرُّهُ أكْثَرُ مِن نَفْعِهِ؛ لِأنَّ في تَسْيِيبِ الحَيَوانِ إضْرارًا بِهِ إذْ رُبَّما لا يَجِدُ مَرْعًى ولا مَأْوًى، ورُبَّما عَدَتْ عَلَيْهِ السِّباعُ، وفِيهِ تَعْطِيلُ مَنفَعَتِهِ حَتّى يَمُوتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وما يَحْصُلُ مِن دَرِّ بَعْضِها لِلضَّيْفِ وابْنِ السَّبِيلِ إنَّما هو مَنفَعَةٌ ضَئِيلَةٌ في جانِبِ المَفاسِدِ الحافَّةِ بِهِ.

المائدة 5:104

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَ لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . الواوُ لِلْحالِ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ أنَّهم يَنْسِبُونَ إلى اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْ بِهِ كَذِبًا، وإذا دُعُوا إلى اتِّباعِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ حَقًّا أوِ التَّدَبُّرِ فِيهِ أعْرَضُوا وتَمَسَّكُوا بِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم. فَحالُهم عَجِيبَةٌ في أنَّهم يَقْبَلُونَ ادِّعاءَ آبائِهِمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِما اخْتَلَقُوا لَهم مِنَ الضَّلالاتِ، مِثْلِ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ وما ضاهاهُما، ويُعْرِضُونَ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ الصّادِقِ بِلا حُجَّةٍ لَهم في الأُولى، وبِالإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في حُجَّةِ الثّانِيَةِ أوِ المُكابَرَةِ فِيها بَعْدَ عِلْمِها. والأمْرُ في قَوْلِهِ (تَعالَوْا) مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإقْبالِ، وفي إصْغاءِ السَّمْعِ، ونَظَرِ الفِكْرِ، وحُضُورِ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ وعَدَمِ الصَّدِّ عَنْهُ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (تَعالَ) عِنْدَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ. و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: هو القُرْآنُ. وعَطَفَ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ لِأنَّهُ يُرْشِدُهم إلى فَهْمِ القُرْآنِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (إلى) لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيِ الإقْبالِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلِّقَيْ تَعالَوْا فَإعادَةُ الحَرْفِ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ مَعْنَيَيْ تَعالَوْا الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ. صفحة ٧٦ وقَوْلُهُ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾ أيْ كافِينا، إذا جُعِلَتْ (حَسْبُ) اسْمًا صَرِيحًا و(ما وجَدْنا) هو الخَبَرَ، أوْ كَفانا إذا جُعِلَتْ (حَسْبُ) اسْمَ فِعْلٍ و(ما وجَدْنا) هو الفاعِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. و(عَلى) في قَوْلِهِ: ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ مَجازٌ في تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ) . وقَوْلُهُ: ﴿أوَ لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إلَخْ، تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ [البقرة: ١٧٠] الآيَةَ. ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِمَسْألَةِ الِاجْتِهادِ والتَّقْلِيدِ كَما تَوَهَّمَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَنازُعٍ بَيْنَ أهْلِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وأهْلِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، فَأمّا الِاجْتِهادُ والتَّقْلِيدُ في فُرُوعِ الإسْلامِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنِ اتِّباعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ. فَتَحْمِيلُ الآيَةِ هَذِهِ المَسْألَةَ إكْراهٌ لِلْآيَةِ عَلى هَذا المَعْنى.

المائدة 5:105

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . تَذْيِيلٌ جَرى عَلى مُناسَبَةٍ في الِانْتِقالِ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مُكابَرَةَ المُشْرِكِينَ وإعْراضَهم عَنْ دَعْوَةِ الخَيْرِ عَقَّبَهُ بِتَعْلِيمِ المُسْلِمِينَ حُدُودَ انْتِهاءِ المُناظَرَةِ والمُجادَلَةِ إذا ظَهَرَتِ المُكابَرَةُ، وعَذَرَ المُسْلِمِينَ بِكِفايَةِ قِيامِهِمْ بِما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ، فَأعْلَمَهم هُنا أنْ لَيْسَ تَحْصِيلُ أثَرِ الدُّعاءِ عَلى الخَيْرِ بِمَسْئُولِينَ عَنْهُ، بَلْ عَلى الدّاعِي بَذْلُ جَهْدِهِ وما عَلَيْهِ إذا لَمْ يُصْغِ المَدْعُوُّ إلى الدَّعْوَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . وعَلَيْكُمُ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى الزَمُوا، وذَلِكَ أنَّ أصْلَهُ أنْ يُقالَ: عَلَيْكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، فَتَكُونُ جُمْلَةً مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، وتَكُونُ (عَلى) دالَّةً عَلى اسْتِعْلاءٍ صفحة ٧٧ مَجازِيٍّ، كَأنَّهم جَعَلُوا فِعْلَ كَذا مُعْتَلِيًا عَلى المُخاطَبِ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى الوُجُوبِ فَلَمّا كَثُرَ في كَلامِهِمْ قالُوا: عَلَيْكَ كَذا، فَرَكَّبُوا الجُمْلَةَ مِن مَجْرُورٍ خَبَرٍ واسْمِ ذاتٍ مُبْتَدَأٍ بِتَقْدِيرِ: عَلَيْكَ فِعْلَ كَذا، لِأنَّ تِلْكَ الذّاتَ لا تُوصَفُ بِالعُلُوِّ عَلى المُخاطَبِ، أيِ التَّمَكُّنِ، فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرٍ. وذَلِكَ كَتَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ بِالذَّواتِ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقَوْلِهِ ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]، ومِن ذَلِكَ ما رُوِيَ عَلَيْكُمُ الدُّعاءُ وعَلَيَّ الإجابَةُ ومِنهُ قَوْلُهم: عَلَيَّ ألِيَّةٌ، وعَلَيَّ نَذْرٌ. ثُمَّ كَثُرَ الِاسْتِعْمالُ فَعامَلُوا (عَلى) مُعامَلَةَ فِعْلِ الأمْرِ فَجَعَلُوها بِمَعْنى أمْرِ المُخاطَبِ بِالمُلازَمَةِ ونَصَبُوا الِاسْمَ بَعْدَها عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وشاعَ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ فَسَمّاها النُّحاةُ اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّها جُعِلَتْ كالِاسْمِ لِمَعْنى أمْرٍ مَخْصُوصٍ، فَكَأنَّكَ عَمَدْتَ إلى فِعْلِ (الزَمْ) فَسَمَّيْتَهُ (عَلى) وأبْرَزْتَ ما مَعَهُ مِن ضَمِيرٍ فَألْصَقْتَهُ بِـ (عَلى) في صُورَةِ الضَّمِيرِ الَّذِي اعْتِيدَ أنْ يَتَّصِلَ بِها، وهو ضَمِيرُ الجَرِّ فَيُقالُ: عَلَيْكَ وعَلَيْكُما وعَلَيْكم. ولِذَلِكَ لا يُسْنَدُ إلى ضَمائِرِ الغَيْبَةِ لِأنَّ الغائِبَ لا يُؤْمَرُ بِصِيغَةِ الأمْرِ بَلْ يُؤْمَرُ بِواسِطَةِ لامِ الأمْرِ. فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ هو بِنَصْبِ (أنْفُسَكم) أيِ الزَمُوا أنْفُسَكم، أيِ احْرِصُوا عَلى أنْفُسِكم. والمَقامُ يُبَيِّنُ المَحْرُوصَ عَلَيْهِ، وهو مُلازَمَةُ الِاهْتِداءِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وهو يُشْعِرُ بِالإعْراضِ عَنِ الغَيْرِ وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ . فَجُمْلَةُ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ البَيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّ أمْرَهم بِمُلازَمَةِ أنْفُسِهِمْ مَقْصُودٌ مِنهُ دَفْعُ ما اعْتَراهم مِنَ الغَمِّ والأسَفِ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الضّالِّينَ لِلِاهْتِداءِ، وخَشْيَةِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَقْصِيرٍ في دَعْوَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، أيِ اشْتَغِلُوا بِإكْمالِ اهْتِدائِكم، فَفِعْلُ (يَضُرُّكم) مَرْفُوعٌ. وقَوْلُهُ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ظَرْفٌ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ يَتَعَلَّقُ بِـ (يَضُرُّكم) . وقَدْ شَمِلَ الِاهْتِداءُ جَمِيعَ ما أمَرَهم بِهِ اللَّهُ تَعالى. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ دَعْوَةُ النّاسِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَلَوْ قَصَّرُوا في الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والِاحْتِجاجِ لَهُ وسَكَتُوا عَنِ المُنْكَرِ لَضَرَّهم مَن ضَلَّ لِأنَّ إثْمَ ضَلالِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ. صفحة ٧٨ فَلا يُتَوَهَّمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ في تَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ واجِبٌ بِأدِلَّةٍ طَفَحَتْ بِها الشَّرِيعَةُ. فَكانَ ذَلِكَ داخِلًا في شَرْطِ إذا اهْتَدَيْتُمْ. ولِما في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ مِنَ الإشْعارِ بِالإعْراضِ عَنْ فَرِيقٍ آخَرَ وهو المُبَيَّنُ بِـ مَن ضَلَّ، ولِما في قَوْلِهِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ مِن خَفاءِ تَفارِيعِ أنْواعِ الِاهْتِداءِ عَرَضَ لِبَعْضِ النّاسِ قَدِيمًا في هَذِهِ الآيَةِ، فَشَكُّوا في أنْ يَكُونَ مُفادُها التَّرْخِيصَ في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقَدْ حَدَثَ ذَلِكَ الظَّنُّ في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيِّ أنَّهُ قالَ: سَألْتُ عَنْها أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ، فَقالَ لِي: سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ودَعِ العَوامَّ» . وحَدَثَ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ: أخْرَجَ أصْحابُ السُّنَنِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ النّاسِ تَأوَّلَ الآيَةَ بِسُقُوطِ وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَصَعَدَ المِنبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا المُنْكَرَ ولا يُغَيِّرُونَهُ يُوشِكُ اللَّهُ أنْ يَعُمَّهم بِعِقابِهِ، وإنَّ النّاسَ إذا رَأوْا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ» . وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قُرِئَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ: إنَّ هَذا لَيْسَ بِزَمانِها إنَّها اليَوْمَ مَقْبُولَةٌ، أيِ النَّصِيحَةُ ولَكِنْ يُوشِكُ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ فَلا يُقْبَلُ مِنكم فَحِينَئِذٍ عَلَيْكم أنْفُسَكم، يُرِيدُ أنْ لا يَجِبَ عَلَيْهِمْ قِتالٌ لِتُقْبَلَ نَصِيحَتُهم. وعَنْهُ أيْضًا: إذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا وذاقَ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ فامْرُؤٌ ونَفْسُهُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: إنَّها أيْ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ لِي ولا لِأصْحابِي لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ «ألا لِيُبَلِّغَ الشّاهِدُ الغائِبَ» فَكُنّا نَحْنُ الشُّهُودُ وأنْتُمُ الغَيْبُ، ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهم. صفحة ٧٩ فَماصَدَقُ هَذِهِ الآيَةِ هو ماصَدَقُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ» فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِطاعَةِ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّغْيِيرِ دُونَ ضُرٍّ يَلْحَقُهُ أوْ يَلْحَقُ عُمُومَ النّاسِ كالفِتْنَةِ. فالآيَةُ تُفِيدُ الإعْراضَ عَنْ ذَلِكَ إذا تَحَقَّقَ عَدَمُ الجَدْوى بَعْدَ الشُّرُوعِ في ذَلِكَ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ إذا ظَهَرَتِ الكابِرَةُ وعَدَمُ الِانْتِصاحِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، وكَذَلِكَ إذا خِيفَ حُصُولُ الضُّرِّ لِلدّاعِي بِدُونِ جَدْوى، كَما دَلَّ عَلَيْهِ كَلامُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا. وقَوْلُهُ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ عُذْرٌ لِلْمُهْتَدِي ونِذارَةٌ لِلضّالِّ. وقَدَّمَ المَجْرُورَ لِلِاهْتِمامِ بِمُتَعَلِّقِ هَذا الرُّجُوعِ وإلْقاءِ المَهابَةِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، وأكَّدَ ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ وأنْ لَيْسَ الكَلامُ عَلى التَّغْلِيبِ. والمُرادُ بِالإنْباءِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ الكِنايَةُ عَنْ إظْهارِ أثَرِ ذَلِكَ مِنَ الثَّوابِ لِلْمُهْتَدِي الدّاعِي إلى الخَيْرِ، والعَذابِ لِلضّالِّ المُعْرِضِ عَنِ الدَّعْوَةِ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لا مَحالَةَ، بِدَلِيلِ تَعْدِيَتِهِ بِـ إلى، وهو مِمّا جاءَ مِنَ المَصادِرِ المِيمِيَّةِ بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى القَلِيلِ، لِأنَّ المَشْهُورَ في المِيمِيِّ مِن (يَفْعِلُ) بِكَسْرِ العَيْنِ أنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ العَيْنِ.

المائدة 5:106

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مَن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . صفحة ٨٠ اسْتُؤْنِفَتْ هَذِهِ الآيُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِشَرْعِ أحْكامِ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ التَّشْرِيعاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ، تَحْقِيقًا لِإكْمالِ الدِّينِ، واسْتِقْصاءً لِما قَدْ يَحْتاجُ إلى عَمَلِهِ المُسْلِمُونَ. ومَوْقِعُها هُنا سَنَذْكُرُهُ. وقَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةً بِآيَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ابْتِداءِ مَشْرُوعِيَّتِها وفي مِقْدارِ ما نُسِخَ مِن حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ وما أُحْكِمَ في مَوْضِعِهِ هُنالِكَ. وحَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الوَصِيَّةِ وأمَرَ بِها، فَكانَتْ مَعْرُوفَةً مُتَداوَلَةً مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ مِنَ الإسْلامِ. وكانَتْ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ المَرْءُ يُوصِي لِمَن يُوصِي لَهُ بِحَضْرَةِ ورَثَتِهِ وقَرابَتِهِ فَلا يَقَعُ نِزاعٌ بَيْنَهم بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ ما في النُّفُوسِ مِن حُرْمَةِ الوَصِيَّةِ والحِرْصِ عَلى إنْفاذِها حِفْظًا لِحَقِّ المَيِّتِ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَحْقِيقِ حَقِّهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى القُرْآنُ عَنْ شَرْعِ التَّوَثُّقِ لَها بِالإشْهادِ، خِلافًا لِما تَقَدَّمَ بِهِ مِن بَيانِ التَّوَثُّقِ في التَّبايُعِ بِآيَةِ ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتَّوَثُّقُ في الدَّيْنِ بِآيَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَخْ، فَأكْمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانَ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِها ولِجَدارَةِ الوَصِيَّةِ بِالتَّوْثِيقِ لَها لِضَعْفِ الذِّيادِ عَنْها لِأنَّ البُيُوعَ والدُّيُونَ فِيها جانِبانِ عالِمانِ بِصُورَةِ ما انْعَقَدَ فِيها ويَذُبّانِ عَنْ مَصالِحِهِما فَيَتَّضِحُ الحَقُّ مِن خِلالِ سَعْيِهِما في إحْقاقِ الحَقِّ فِيها بِخِلافِ الوَصِيَّةِ فَإنَّ فِيها جانِبًا واحِدًا وهو جانِبُ المُوصى لَهُ لِأنَّ المُوصِي يَكُونُ قَدْ ماتَ وجانِبُ المُوصى لَهُ ضَعِيفٌ إذْ لا عِلْمَ لَهُ بِما عَقَدَ المُوصِي ولا بِما تَرَكَ، فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلضَّياعِ كُلُّها أوْ بَعْضُها. وقَدْ كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَسْتَحْفِظُونَ وصاياهم عِنْدَ المَوْتِ إلى أحَدٍ يَثِقُونَ بِهِ مِن أصْحابِهِمْ أوْ كُبَراءِ قَبِيلَتِهِمْ أوْ مَن حَضَرَ احْتِضارَ المُوصِي أوْ مَن كانَ أوْدَعَ صفحة ٨١ عِنْدَ المُوصِي خَبَرَ عَزْمِهِ. فَقَدْ أوْصى نِزارُ بْنُ مَعَدٍّ وصِيَّةً مُوجَزَةً وأحالَ أبْناءَهُ عَلى الأفْعى الجُرْهُمِيِّ أنْ يُبَيِّنَ لَهم تَفْصِيلَ مُرادِهُ مِنها. وقَدْ حَدَثَتْ في آخِرِ حَياةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حادِثَةٌ كانَتْ سَبَبًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ حُدُوثَها كانَ مُقارِنًا لِنُزُولِ الآيِ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَها في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ. ذَلِكَ أنَّهُ كانَ في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ نَزَلَتْ قَضِيَّةٌ؛ هي أنَّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما تَمِيمٌ الدّارِيُّ اللَّخْمِيُّ والآخَرُ عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، كانا مِن نَصارى العَرَبِ تاجِرَيْنِ، وهُما مِن أهْلِ (دارَيْنِ) وكانا يَتَّجِرانِ بَيْنَ الشّامِ ومَكَّةَ والمَدِينَةِ. فَخَرَجَ مَعَهُما مِنَ المَدِينَةِ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى بَنِي سَهْمٍ وكانَ مُسْلِمًا بِتِجارَةٍ إلى الشّامِ، فَمَرِضَ بُدَيْلٌ قِيلَ في الشّامِ وقِيلَ في الطَّرِيقِ بَرًّا أوْ بَحْرًا، وكانَ مَعَهُ في أمْتِعَتِهِ جامٌ مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ قاصِدًا بِهِ مَلِكَ الشّامِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أخَذَ صَحِيفَةً فَكَتَبَ فِيها ما عِنْدَهُ مِنَ المَتاعِ والمالِ ودَسَّها في مَطاوِي أمْتِعَتِهِ ودَفَعَ ما مَعَهُ إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ وأوْصاهُما بِأنْ يُبَلِّغاهُ مَوالِيهِ مِن بَنِي سَهْمٍ. وكانَ بُدَيْلٌ مَوْلًى لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، فَوَلاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِابْنِهِ عَمْرِو بْنِ العاصِي. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: إنَّ ولاءَ بُدَيْلٍ لِعَمْرِو بْنِ العاصِي والمُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ. ويُؤَيِّدُ قَوْلَهم أنَّ المُطَّلِبَ حَلَفَ مَعَ عَمْرِو بْنِ العاصِي عَلى أنَّ الجامَ لِبُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: فَلَمّا رَجَعا باعا الجامَ بِمَكَّةَ بِألْفِ دِرْهَمٍ ورَجَعا إلى المَدِينَةِ فَدَفَعا ما لِبُدَيْلٍ إلى مَوالِيهِ. فَلَمّا نَشَرُوهُ وجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الجامُ فَأنْكَرا أنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِما جامًا. ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بَعْدَ مُدَّةٍ يُباعُ بِمَكَّةَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى الَّذِي عِنْدَهُ الجامُ فَقالَ: إنَّهُ ابْتاعَهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وفي رِوايَةٍ أنَّ تَمِيمًا لَمّا أسْلَمَ في سَنَةِ تِسْعٍ تَأثَّمَ مِمّا صَنَعَ فَأخْبَرَ عَمْرَو بْنَ العاصِي بِخَبَرِ الجامِ ودَفَعَ لَهُ الخَمْسَمِائَةِ الدِّرْهَمِ الصّائِرَةِ إلَيْهِ مِن ثَمَنِهِ، وطالَبَ عَمْرُو عَدِيًّا بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ باعَهُ. وهَذا أمْثَلُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ساقَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا في كِتابِ الوَصايا. ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ، وقالَ: لَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ. وهو وإنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الصِّحَّةِ فَقَدِ اشْتُهِرَ وتُلُقِّيَ بِالقَبُولِ، وقَدْ أسْنَدَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ. صفحة ٨٢ واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ تَقاضَوْا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ، فَحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا أخْفَيا الجامَ وأنَّ بُدَيْلًا صاحِبُهُ وما باعَهُ ولا خَرَجَ مِن يَدِهِ. ودَفَعَ لَهُما عَدِيٌّ خَمْسَمِائَةَ دِرْهَمٍ وهو يَوْمَئِذٍ نَصْرانِيٌّ. وعَدِيٌّ هَذا قِيلَ: أسْلَمَ، وعَدَّهُ ابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَندَهْ في عِدادِ الصَّحابَةِ، وقِيلَ: ماتَ نَصْرانِيًّا، ورَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو قَوْلُ أبِي نُعَيْمٍ، ويُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الصَّحابَةِ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ نُزُولُها قَبْلَ التَّرافُعِ بَيْنَ الخَصْمِ في قَضِيَّةِ الجامِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُها بَعْدَ قَضاءِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ القَضِيَّةِ لِتَكُونَ تَشْرِيعًا لِما يَحْدُثُ مِن أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ. و(بَيْنَكم) أصْلُ (بَيْنَ) اسْمُ مَكانٍ مُبْهَمٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُبَيِّنُهُ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الأمْرِ المُتَعَلِّقِ بِعِدَّةِ أشْياءَ، وهو مَجْرُورٌ بِإضافَةِ شَهادَةٍ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ. وأصْلُهُ (شَهادَةٌ) بِالتَّنْوِينِ والرَّفْعِ بَيْنَكم بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. فَخَرَجَ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الِاسْمِيَّةِ كَما خَرَجَ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ جَماعَةٍ مِنَ العَشَرَةِ بِرَفْعِ (بَيْنَكم) . وارْتَفَعَ (شَهادَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ اثْنانِ. و﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ. ولَيْسَ في (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهادَةُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ لِيُشْهِدْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُشْهِدَ بِذَلِكَ ويَجِبُ عَلَيْهِما أنْ يَشْهَدا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بَدَلًا مُطابِقًا، فَإنَّ حِينَ حُضُورِ المَوْتِ هو الحِينُ الَّذِي يُوصِي فِيهِ النّاسُ غالِبًا. جِيءَ بِهَذا الظَّرْفِ الثّانِي لِيُتَخَلَّصَ بِهَذا البَدَلِ إلى المَقْصُودِ وهو الوَصِيَّةُ. وقَدْ كانَ العَرَبُ إذا رَأوْا عَلامَةَ المَوْتِ عَلى المَرِيضِ يَقُولُونَ: أوْصِ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ أخْبَرَ الطَّبِيبُ أنَّ جُرْحَهُ في أمْعائِهِ. ومَعْنى حُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ عَلاماتِهِ لِأنَّ تِلْكَ حالَةٌ يَتَخَيَّلُ فِيها المَرْءُ أنَّ المَوْتَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ لِيُصَيِّرَهُ مَيِّتًا، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ الغَرْغَرَةِ لِأنَّ ما طُلِبَ مِنَ المُوصِي صفحة ٨٣ أنْ يَعْمَلَهُ يَسْتَدْعِي وقْتًا طَوِيلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (اثْنانِ) خَبَرٌ عَنْ (شَهادَةُ)، أيْ الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأخَذَ إعْرابَهُ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ والمَقْصُودُ الإيجازُ. فَماصَدَقُ اثْنانِ شاهِدانِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقَوْلِهِ (﴿ذَوا عَدْلٍ﴾) . وهَذانِ الشّاهِدانِ هُما وصِيّانِ مِنَ المَيِّتِ عَلى صِفَةِ وصِيَّتِهِ وإبْلاغِها، إلّا أنْ يَجْعَلَ المُوصِي وصِيًّا غَيْرَهُما فَيَكُونا شاهِدَيْنِ عَلى ذَلِكَ. والعَدْلُ والعَدالَةُ مُتَّحِدانِ، أيْ صاحِبا اتِّصافٍ بِالعَدالَةِ. ومَعْنى (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مُقْتَضى الخِطابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا خاطَبَ مُخاطَبَهُ بِوَصْفٍ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى بَعْضِهِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ بَعْضُ أصْحابِ الوَصْفِ، كَما قالَ الأنْصارُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: مِنّا أمِيرٌ ومِنكم أمِيرٌ. فالكَلامُ عَلى وصِيَّةِ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا دَرَجَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. وهو الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرُ الوَصْفِ بِكَلِمَةِ مِنكم في مَواقِعِها في القُرْآنِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ (مِنكم) مِن عَشِيرَتِكم وقَرابَتِكم. ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُقابِلِهِ وهو مِن غَيْرِكم أنَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم. فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِمَّنْ قالُوا بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ إلى إعْمالِ هَذا وأجازُوا شَهادَةَ غَيْرِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ في الوَصِيَّةِ خاصَّةً، وخَصُّوا ذَلِكَ بِالذِّمِّيِّ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ، والثَّوْرِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، ونُسِبَ إلى زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عَلى الصُّورَةِ الكامِلَةِ في شَهادَةِ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . صفحة ٨٤ وقَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآياتِ. . تَفْصِيلٌ لِلْحالَةِ الَّتِي تَعْرِضُ في السَّفَرِ. و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لا لِلتَّخْيِيرِ، والتَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ: حالِ الحاضِرِ وحالِ المُسافِرِ؛ ولِذَلِكَ اقْتَرَنَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَهو قَيْدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَشَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، فالمَصِيرُ إلى شَهادَةِ شاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ مَن يَراهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والضَّرْبُ في الأرْضِ: السَّيْرُ فِيها. والمُرادُ بِهِ السَّفَرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ حَلَّتْ بِكم، والفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُشارَفَةِ والمُقارَبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء: ٩]، أيْ لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا ذُرِّيَّةً. وهَذا اسْتِعْمالٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الأفْعالِ. ومِنهُ قَوْلُهم في الإقامَةِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وعَطَفَ قَوْلَهُ (﴿فَأصابَتْكُمْ﴾) عَلى ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَكانَ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . أُعِيدَ هُنا لِرَبْطِ الكَلامِ بَعْدَ ما فُصِلَ بَيْنَهُ مِنَ الظُّرُوفِ والشُّرُوطِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (أصابَتْكم) كَضَمِيرِ الجَمْعِ في ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والمُصِيبَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِالمَرْءِ مِن شَرٍّ وضُرٍّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ (تَحْبِسُونَهُما) حالٌ مِن (آخَرانِ) عِنْدَ مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صفحة ٨٥ بِمَعْنى مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. وأمّا عِنْدَ مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم فَإنَّهُ حالٌ مِنَ (اثْنانِ) ومِن (آخَرانِ) لِأنَّهُما مُتَعاطِفانِ بِـ (أوْ) . فَهُما أحَدُ قِسْمَيْنِ، ويَكُونُ التَّحْلِيفُ عِنْدَ الِاسْتِرابَةِ. والتَّحْلِيفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعِيدٌ إذْ لا مُوجِبَ لِلِاسْتِرابَةِ في عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في تَحْبِسُونَهُما كَضَمِيرَيْ ضَرَبْتُمْ وأصابَتْكم. وكُلُّها مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَمْعِ البَدَلِيِّ دُونَ الشُّمُولِيِّ، لِأنَّ جَمِيعَ المُخاطَبِينَ صالِحُونَ لِأنْ يَعْتَرِيهِمْ هَذا الحُكْمُ وإنَّما يَحِلُّ بِبَعْضِهِمْ. فَضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ مُقْتَضى الظّاهِرِ كُلُّها. وإنَّما جاءَتْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ العُمُومِ، دَفْعًا لِأنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ هَذا التَّشْرِيعَ خاصٌّ بِشَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لِأنَّ قَضِيَّةَ سَبَبِ النُّزُولِ كانَتْ في شَخْصَيْنِ؛ أوِ الخِطابُ والجَمْعُ لِلْمُسْلِمِينَ وحُكّامِهِمْ. والحَبْسُ: الإمْساكُ أيِ المَنعُ مِنَ الِانْصِرافِ. فَمِنهُ ما هو بِإكْراهٍ كَحَبْسِ الجانِي في بَيْتٍ أوْ إثْقافِهِ في قَيْدٍ. ومِنهُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، كَما في حَدِيثِ عَتْبانَ بْنِ مالِكٍ فَغَدا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ إلى أنْ قالَ وحَبَسْناهُ عَلى خَزِيرٍ صَنَعْناهُ، أيْ أمْسَكْناهُ. وهَذا هو المُرادُ في الآيَةِ، أيْ تُمْسِكُونَهُما ولا تَتْرُكُونَهُما يُغادِرانِكم حَتّى يَتَحَمَّلا الوَصِيَّةَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ السِّجْنَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ تَوْقِيتٌ لِإحْضارِهِما وإمْساكِهِما لِأداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ. والإتْيانِ بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ لِتَقْرِيبِ البَعْدِيَّةِ، أيْ قُرْبِ انْتِهاءِ الصَّلاةِ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ صَلاةٌ مِن صَلَواتِ المُسْلِمِينَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَمِنهم مَن قالَ: هي صَلاةُ العَصْرِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أحْلَفَ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ بَدّاءٍ في قَضِيَّةِ الجامِ بَعْدَ العَصْرِ»، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وسَعِيدٍ، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِيِّ. ومِنهم مَن قالَ: الظُّهْرُ، وهو عَنِ الحَسَنِ. وتَحْتَمِلُ مِن بَعْدِ صَلاةِ دِينِهِما عَلى تَأْوِيلِ مِن غَيْرِكم بِمَعْنى صفحة ٨٦ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، أيْ تُحْضِرُونَهُما عَقِبَ أدائِهِما صَلاتَهُما لِأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِن إقْبالِهِما عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ والوُقُوفِ لِعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عُطِفَ عَلى (تَحْبِسُونَهُما) فَعُلِمَ أنَّ حَبْسَهُما بَعْدَ الصَّلاةِ لِأجْلِ أنْ يُقْسِما بِاللَّهِ. وضَمِيرُ (يُقْسِمانِ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (آخَرانِ) . فالحَلِفُ يُحَلِّفُهُ شاهِدا الوَصِيَّةِ اللَّذانِ هُما غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ لِزِيادَةِ الثِّقَةِ بِشَهادَتِهِما لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعَدالَةِ غَيْرِ المُسْلِمِ. وقَوْلُهُ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا شَرْطٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (تَحْبِسُونَهُما) وما عُطِفَ عَلَيْهِ. واسْتُغْنِيَ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِيَتَأتّى الإيجازُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْ لِقِيلَ: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم فَإنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِما تَحْبِسُونَهُما إلى آخِرِهِ. فَيَقْتَضِي هَذا التَّفْسِيرُ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلِ الرِّيبَةُ في صِدْقِهِما لَما لَزِمَ إحْضارُهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ وقَسَمُهُما، فَصارَ ذَلِكَ مَوْكُولًا لِخِيرَةِ الوَلِيِّ. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَسَمِ وجَوابِهِ. والوَجْهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي يَقُولُهُ الشّاهِدانِ، ومَعْناهُ أنَّ الشّاهِدَيْنِ يَقُولانِ: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِنا فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاللَّهِ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ الشَّهادَةَ، أيْ يَقُولانِ ذَلِكَ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِ المُوصِي، لِأنَّ العَدالَةَ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ مَعَ احْتِمالِ وُجُودِ ما يُنافِيها مِمّا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَأُكِّدَتْ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ بِالحَلِفِ؛ فَيَكُونُ شَرْعُ هَذا الكَلامِ عَلى كُلِّ شاهِدٍ لِيَسْتَوِيَ فِيهِ جَمِيعُ الأحْوالِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ تَوْجِيهُ اليَمِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَرَجًا عَلى الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِما اليَمِينُ مِن أنَّ اليَمِينَ تَعْرِيضٌ بِالشَّكِّ في صِدْقِهِما، فَكانَ فَرْضُ اليَمِينِ مِن قِبَلِ الشَّرْعِ دافِعًا لِلتَّحَرُّجِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الوَلِيِّ، لِأنَّ في كَوْنِ اليَمِينِ شَرْطًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعْذِرَةً في المُطالَبَةِ بِها، كَما قالَ جُمْهُورُ فُقَهائِنا في يَمِينِ القَضاءِ الَّتِي تَتَوَجَّهُ عَلى مَن يُثْبِتُ حَقًّا عَلى مَيِّتٍ أوْ غائِبٍ مِن أنَّها لازِمَةٌ قَبْلَ الحُكْمِ مُطْلَقًا ولَوْ أسْقَطَها الوارِثُ الرَّشِيدُ. ولَمْ أقِفْ عَلى مَن عَرَّجَ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ المُفَسِّرِينَ صفحة ٨٧ إلّا قَوْلَ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ: وبَعْضُهم يَقِفُ عَلى (يُقْسِمانِ) ويَبْتَدِئُ (بِاللَّهِ) قَسَمًا ولا أُحِبُّهُ، وإلّا ما حَكاهُ الصَّفاقُسِيُّ في مُعْرَبِهِ عَنِ الجُرْجانِيِّ أنَّ هُنا قَوْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ويَقُولانِ. ولَمْ يَظْهَرْ لِلصَّفاقُسِيِّ ما الَّذِي دَعا الجُرْجانِيَّ لِتَقْدِيرِ هَذا القَوْلِ. ولا أراهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ إلّا جَعْلُ قَوْلِهِ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن كَلامِ الشّاهِدَيْنِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ، فَإنَّ القَسَمَ أوْلى بِالجَوابِ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ إلَخْ، ذَلِكَ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ. ومَعْنى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا لا نَعْتاضُ بِالأمْرِ الَّذِي أقْسَمْنا عَلَيْهِ ثَمَنًا، أيْ عِوَضًا، فَضَمِيرُ بِهِ، عائِدٌ إلى القَسَمِ المَفْهُومِ مَن يُقْسِمانِ. وقَدْ أفادَ تَنْكِيرُ ثَمَنًا في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ ثَمَنٍ. والمُرادُ بِالثَّمَنِ العِوَضُ، أيْ لا نُبَدِّلُ ما أقْسَمْنا عَلَيْهِ بِعِوَضٍ كائِنًا ما كانَ العِوَضُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (بِهِ) عائِدًا إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو ما اسْتَشْهَدا عَلَيْهِ مِن صِيغَةِ الوَصِيِّ بِجَمِيعِ ما فِيها. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ ثَمَنًا الَّذِي هو بِمَعْنى العِوَضِ، أيْ ولَوْ كانَ العِوَضُ ذا قُرْبى، أيْ ذا قُرْبى مِنّا، و(لَوْ) شَرْطٌ يُفِيدُ المُبالَغَةَ فَإذا كانَ (ذا القُرْبى) لا يَرْضِيانِهِ عِوَضًا عَنْ تَبْدِيلِ شَهادَتِهِما فَأوْلى ما هو دُونَ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ أعْظَمَ ما يَدْفَعُ المَرْءَ إلى الحَيْفِ في عُرْفِ القَبائِلِ هو الحَمِيَّةُ والنُّصْرَةُ لِلْقَرِيبِ، فَذَلِكَ تَصْغُرُ دُونَهُ الرُّشى ومَنافِعُ الذّاتِ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (كانَ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (ثَمَنًا) . ومَعْنى كَوْنِ الثَّمَنِ، أيِ العِوَضِ، ذا قُرْبى أنَّهُ إرْضاءُ ذِي القُرْبى ونَفْعُهُ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِجَعْلِ العِوَضِ ذاتَ (ذِي القُرْبى)، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ شَيْءٌ مِن عَلائِقِهِ يُعَيِّنُهُ المَقامُ. ونَظِيرُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ دَلالَةِ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ بِـ (لَوْ) وتَسْمِيَتُها صفحة ٨٨ وصْلِيَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ (ولا نَكْتُمُ) عُطِفَ عَلى (لا نَشْتَرِي)، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إحْلافِهِما أنْ يُؤَدِّيا الشَّهادَةَ كَما تَلَقَّياها فَلا يُغَيِّرا شَيْئًا مِنها ولا يَكْتُماها أصْلًا. وإضافَةُ الشَّهادَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ تَعْظِيمٌ لِخَطَرِها عِنْدَ الشّاهِدِ وغَيْرِهِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أمَرَ بِأدائِها كَما هي وحَضَّ عَلَيْها أضافَها إلى اسْمِهِ حِفْظًا لَها مِنَ التَّغْيِيرِ، فالتَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ تَعالى تَذْكِيرٌ لِلشّاهِدِ بِهِ حِينَ القَسَمِ. وفِي قَوْلِهِ (﴿ولا نَكْتُمُ﴾) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ، وهو الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ خاصٍّ يَعْرِضُ في مِثْلِهِ التَّرافُعُ. ولَيْسَ المُرادُ بِها اليَمِينَ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَلا نُطِيلُ بِرَدِّهِ فَقَدْ رَدَّهُ اللَّفْظُ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلِ وُجُودِ (إذًا)، فَإنَّهُ حَرْفُ جَوابٍ: اسْتَشْعَرَ الشّاهِدانِ سُؤالًا مِنَ الَّذِي حَلَفا لَهُ بِقَوْلِهِما: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، يَقُولُ في نَفْسِهِ: لَعَلَّكُما لا تَبِرّانِ بِما أقْسَمْتُما عَلَيْهِ، فَأجابا: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ، أيْ إنّا نَعْلَمُ تَبِعَةَ عَدَمِ البِرِّ بِما أقْسَمْنا عَلَيْهِ أنْ نَكُونَ مِنَ الآثِمِينَ، أيْ ولا نَرْضى بِذَلِكَ. والآثِمُ: مُرْتَكِبُ الإثْمِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإثْمَ هو الحِنْثُ بِوُقُوعِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا مَعَ (إذًا) الدّالَّةِ عَلى جَوابِ كَلامٍ يَخْتَلِجُ في نَفْسِ أوْلِياءِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ الآيَةَ، أيْ إنْ تَبَيَّنَ أنَّهُما كَتَما أوْ بَدَّلا وحَنَثا في يَمِينِهِما، بَطَلَتْ شَهادَتُهُما، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَرْعٌ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما، فَحَذَفَ ما يُعَبِّرُ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما إيجازًا كَقَوْلِهِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ. صفحة ٨٩ ومَعْنى (عُثِرَ) اطَّلَعَ وتَبَيَّنَ ذَلِكَ، وأصْلُ فِعْلِ عَثَرَ أنَّهُ مُصادَفَةُ رِجْلِ الماشِي جِسْمًا ناتِئًا في الأرْضِ لَمْ يَتَرَقَّبْهُ ولَمْ يَحْذَرْ مِنهُ فَيَخْتَلُّ بِهِ انْدِفاعُ مَشْيِهِ، فَقَدْ يَسْقُطُ وقَدْ يَتَزَلْزَلُ. ومَصْدَرُهُ العِثارُ والعُثُورُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الظَّفَرِ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا الظَّفَرُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، فَخَصُّوا في الِاسْتِعْمالِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ بِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ وهو العِثارُ، وخَصُّوا المَعْنى المَجازِيَّ بِالمَصْدَرِ الآخَرِ، وهو العُثُورُ. ومَعْنى (﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾) ثَبَتَ أنَّهُما ارْتَكَبا ما يَأْثَمانِ بِهِ، فَقَدْ حُقَّ عَلَيْهِما الإثْمُ، أيْ وقَعَ عَلَيْهِما، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. والمُرادُ بِالإثْمِ هو الَّذِي تَبَرَّءا مِنهُ في قَوْلِهِ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . فالإثْمُ هو أحَدُ هَذَيْنِ، بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما اسْتَبْدَلا بِما اسْتُؤْمِنا عَلَيْهِ عِوَضًا لِأنْفُسِهِما أوْ لِغَيْرِهِما، أوْ بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما كَتَما الشَّهادَةَ، أيْ بَعْضَها. وحاصِلُ الإثْمِ أنْ يَتَّضِحَ ما يَقْدَحُ في صِدْقِهِما بِمُوجِبِ الثُّبُوتِ. وقَوْلُهُ (﴿فَآخَرانِ﴾) أيْ رَجُلانِ آخَرانِ، لِأنَّ وصْفَ آخَرَ يُطْلَقُ عَلى المُغايِرِ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ مَعَ المُماثَلَةِ في الجِنْسِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، والمُتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنا اثْنانِ. فالمَعْنى فاثْنانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في إثْباتِ الوَصِيَّةِ. ومَعْنى يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ يُعَوِّضانِ تِلْكَ الشَّهادَةَ. فَإنَّ المَقامَ هو مَحَلُّ القِيامِ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ مَحَلُّ عَمَلٍ ما ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ العَمَلُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في مَحَلٍّ يَقُومُ فِيهِ العامِلُ، وذَلِكَ في العَمَلِ المُهِمِّ. قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ [يونس: ٧١] . فَمَقامُ الشّاهِدَيْنِ هو إثْباتُ الوَصِيَّةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ شَخْصانِ آخَرانِ يَكُونانِ مِنَ الجَماعَةِ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِحْقاقُ كَوْنُ الشَّيْءِ حَقِيقًا بِشَيْءٍ آخَرَ، فَيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وهو الشَّيْءُ المُسْتَحَقُّ. وإذا كانَ الِاسْتِحْقاقُ عَنْ نِزاعٍ يُعَدّى الفِعْلُ إلى المَحْقُوقِ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ بِمَعْنى اللُّزُومِ لَهُ وإنْ كُرِهَ، كَأنَّهم ضَمَّنُوهُ مَعْنى صفحة ٩٠ وجَبَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] . ويُقالُ: اسْتَحَقَّ زَيْدٌ عَلى عَمْرٍو كَذا، أيْ وجَبَ لِزَيْدٍ حَقٌّ عَلى عَمْرٍو، فَأخَذَهُ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فالفاعِلُ المَحْذُوفُ في قَوْلِهِ (﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾) هو مُسْتَحِقٌّ ما، وهو الَّذِي انْتَفَعَ بِالشَّهادَةِ واليَمِينِ الباطِلَةِ، فَنالَ مِن تَرِكَةِ المُوصِي ما لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ المُوصِي وغَلَبَ وارِثَ المُوصِي بِذَلِكَ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي الَّذِينَ لَهم مالُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإرْثِ فَحُرِمُوا بَعْضَهُ. وقَوْلُهُ (عَلَيْهِمْ) قائِمٌ مَقامَ نائِبِ فاعِلِ (اسْتُحِقَّ) . وقَوْلُهُ: (﴿الأوْلَيانِ﴾) تَثْنِيَةُ أوْلى، وهو الأجْدَرُ والأحَقُّ، أيِ الأجْدَرانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما. فَماصَدَقُهُ هو ماصَدَقُ (الآخَرانِ) ومَرْجِعُهُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ، أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا عَنْ آخَرانِ، فَإنَّ (آخَرانِ) لَمّا وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ صَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ، أيْ فَشَخْصانِ آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما دُونَ الشّاهِدَيْنِ المُتَّهَمَيْنِ. وإنَّما عُرِّفَ بِاللّامِ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ لِلْمُخاطَبِ ذِهْنًا لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ تَرَقَّبَ أنْ يَعْرِفَ مَن هو الأوْلى بِقَبُولِ قَوْلِهِ في هَذا الشَّأْنِ، فَقِيلَ لَهُ: آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً و﴿آخَرانِ يَقُومانِ﴾ خَبَرَهُ. وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِتَعْجِيلِ الفائِدَةِ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ الحُكْمَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُثُورَ عَلى كَذِبِ الشّاهِدَيْنِ يُسْقِطُ شَهادَتَهُما ويَمِينَهُما، فَكَيْفَ يَكُونُ القَضاءُ في ذَلِكَ، فَعَجَّلَ الجَوابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آخَرانِ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُما الأوْلَيانِ. ونُكْتَةُ التَّعْرِيفِ هي عَلى الوُجُوهِ كُلِّها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ، (الأوَّلِينَ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مَفْتُوحَةً وبِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعَ أوَّلٍ الَّذِي هو مَجازٌ بِمَعْنى المُقَدَّمِ والمُبْتَدَأِ بِهِ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي حَيْثُ اسْتَحَقَّ المُوصى لَهُ الوَصِيَّةَ صفحة ٩١ مِن مالِ التَّرِكَةِ الَّذِي كانَ لِلْأوْلِياءِ، أيِ الوَرَثَةِ لَوْلا الوَصِيَّةُ، وهو مَجْرُورٌ نَعْتٌ لِـ ﴿الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (اسْتَحَقَّ) بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ (الأوْلَيانِ) هو فاعِلُ (اسْتَحَقَّ)، وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ . ومَعْنى ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أنَّهُما أوْلى بِأنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُما مِنَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا. ومَعْنى (أحَقُّ) أنَّها الحَقُّ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَةُ المُفاضَلَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْأحَقِّيَّةِ، لِأنَّ الأحَقِّيَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْعِهِما بِإثْباتِ ما كَتَمَهُ الشّاهِدانِ الأجْنَبِيّانِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الواقِعِ لَكانَتْ باطِلًا واعْتِداءً مِنهُما عَلى مالِ مُبَلِّغِي الوَصِيَّةِ. والمَعْنى: وما اعْتَدَيْنا عَلى الشّاهِدَيْنِ في اتِّهامِهِما بِإخْفاءِ بَعْضِ التَّرِكَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لَوِ اعْتَدَيْنا لَكُنّا ظالِمِينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الإشْعارُ بِأنَّهُما مُتَذَكِّرانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ وازِعٍ. وقَدْ تَضَمَّنَ القَسَمُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِما يَمِينًا عَلى إثْباتِ حَقِّهِما فَهي مِنَ اليَمِينِ الَّتِي يَثْبُتُ بِها الحَقُّ مَعَ الشّاهِدِ العُرْفِيِّ، وهو شاهِدُ التُّهْمَةِ الَّتِي عُثِرَ عَلَيْها في الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُبَلِّغانِ الوَصِيَّةَ. والكَلامُ في (إذًا) هُنا مِثْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ . والمَعْنى أنَّهُ إنِ اخْتَلَّتْ شَهادَةُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ انْتُقِلَ إلى يَمِينِ المُوصى لَهُ سَواءً كانَ المُوصى لَهُ واحِدًا أمْ مُتَعَدِّدًا. وإنَّما جاءَتِ الآيَةُ بِصِيغَةِ الِاثْنَيْنِ مُراعاةً لِلْقَضِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، وهي قَضِيَّةُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَإنَّ ورَثَةَ صاحِبِ التَّرِكَةِ كانا اثْنَيْنِ هُما: عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ، وكِلاهُما مِن بَنِي سَهْمٍ، وهُما مَوْلَيا بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ السَّهْمِيِّ صاحِبِ الجامِ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُ أنَّهُما مَوْلَيا صفحة ٩٢ بُدَيْلِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ مَوْلاهُ هو عَمْرُو بْنُ العاصِي. والظّاهِرُ مِن تَحْلِيفِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ أنَّ لَهُ ولاءً مِن بُدَيْلٍ، إذْ لا يُعْرَفُ في الإسْلامِ أنْ يَحْلِفَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِاليَمِينِ. فَإنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا حَلَفَ وحْدَهُ وإنْ كانَ أصْحابُ الحَقِّ جَماعَةً حَلَفُوا جَمِيعًا واسْتَحَقُّوا. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا يَحْلِفُ مَعَهُ مَن لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، ولا إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ ثَلاثَةً فَأكْثَرَ أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ مِنهم ويَسْتَحِقُّونَ كُلُّهم. فالِاقْتِصارُ عَلى اثْنَيْنِ في أيْمانِ الأوْلَيَيْنِ ناظِرٌ إلى قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا خاصَّةً بِتِلْكَ القَضِيَّةِ. ويَجْرِي ما يُخالِفُ تِلْكَ القَضِيَّةَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الشَّرِيعَةِ في الِاسْتِحْقاقِ والتُّهَمِ. وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ في وصِيَّةِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. وذَلِكَ ظاهِرُ بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ تَشْرِيعًا لِأمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ في اشْتِراطِ كَوْنِ الأوْلَيَيْنِ اثْنَيْنِ إنْ أمْكَنَ. وبَقِيَتْ صُورَةٌ لَمْ تَشْمَلْها الآيَةُ مِثْلُ أنْ لا يَجِدَ المُحْتَضِرُ إلّا واحِدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ واحِدًا مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، أوْ يَجِدَ اثْنَيْنِ أحَدُهُما مُسْلِمٌ والآخَرُ غَيْرُ مُسْلِمٍ. وكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلى أحْكامِهِ المَعْرُوفَةِ في الأحْكامِ كُلِّها مِن يَمِينِ مَن قامَ لَهُ شاهِدٌ أوْ يَمِينِ المُنْكِرِ. والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ أدْنى﴾) إلى المَذْكُورِ مِنَ الحُكْمِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . و(أدْنى) بِمَعْنى أقْرَبُ، والقُرْبُ هُنا مَجازٌ في قُرْبِ العِلْمِ وهو الظَّنُّ، أيْ أقْوى إلى الظَّنِّ بِالصِّدْقِ. وضَمِيرُ (﴿يَأْتُوا﴾) عائِدٌ إلى الشُّهَداءِ، وهم: الآخَرانِ مِن غَيْرِكم، والآخَرانِ اللَّذانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ أنْ يَأْتِي كُلُّ واحِدٍ مِنهم. فَجَمَعَ الضَّمِيرَ عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ. والمَعْنى أنَّ ما شَرَعَ اللَّهُ مِنَ التَّوْثِيقِ والضَّبْطِ، ومِن رَدِّ الشَّهادَةِ عِنْدَ العُثُورِ عَلى صفحة ٩٣ الرِّيبَةِ أرْجى إلى الظَّنِّ بِحُصُولِ الصِّدْقِ لِكَثْرَةِ ما ضَبَطَ عَلى كِلا الفَرِيقَيْنِ مِمّا يَنْفِي الغَفْلَةَ والتَّساهُلَ، بَلْهَ الزُّورَ والجَوْرَ مَعَ تَوَقِّي سُوءِ السُّمْعَةِ. ومَعْنى ﴿أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ﴾ أنْ يُؤَدُّوا الشَّهادَةَ. جُعِلَ أداؤُها والإخْبارُ بِها كالإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلى وجْهِها﴾، أيْ عَلى سُنَّتِها وما هو مُقَوِّمُ تَمامِها وكَمالِها، فاسْمُ الوَجْهِ في مِثْلِ هَذا مُسْتَعارٌ لِأحْسَنِ ما في الشَّيْءِ وأكْمَلِهِ تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، إذْ هو العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ المَرْءُ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ. ولَمّا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الِاسْتِعارَةِ لِهَذا المَعْنى، وشاعَ هَذا المَعْنى في كَلامِهِمْ، قالُوا: جاءَ بِالشَّيْءِ الفُلانِيِّ عَلى وجْهِهِ، فَجَعَلُوا الشَّيْءَ مَأْتِيًّا بِهِ، ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ أُتِيَ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِن وجْهِهِ، أيْ مِن كَمالِ أحْوالِهِ. فَحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ مِنهُ التَّمَكُّنُ، مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشَّهادَةِ، وصارَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَجْهِ غَيْرُ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. وسُنَّةُ الشَّهادَةِ وكَمالُها هو صِدْقُها والتَّثَبُّتُ فِيها والتَّنَبُّهُ لِما يَغْفُلُ عَنْهُ مِن مُخْتَلِفِ الأحْوالِ الَّتِي قَدْ يَسْتَخِفُّ بِها في الحالِ وتَكُونُ لِلْغَفْلَةِ عَنْها عَواقِبُ تُضَيِّعُ الحُقُوقَ، أيْ ذَلِكَ يُعَلِّمُهم وجْهَ التَّثَبُّتِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ وتَوَخِّي الصِّدْقِ، وهو يَدْخُلُ في قاعِدَةِ لُزُومِ صِفَةِ اليَقَظَةِ لِلشّاهِدِ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الإعْذارِ في الشَّهادَةِ بِالطَّعْنِ أوِ المُعارَضَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما يَحْمِلُ شُهُودَ الشَّهادَةِ عَلى التَّثَبُّتِ في مُطابَقَةِ شَهادَتِهِمْ، لِلْواقِعِ لِأنَّ المُعارَضَةَ والإعْذارَ يَكْشِفانِ عَنِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (أنْ يَأْتُوا) بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ المَجْرُوراتِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أفادَتِ الإتْيانَ بِها صادِقَةً لا نُقْصانَ فِيها بِباعِثٍ مِن أنْفُسِ الشُّهُودِ، ولِذَلِكَ قَدَّرْناهُ بِمَعْنى أنْ يَعْلَمُوا كَيْفَ تَكُونُ الشَّهادَةُ الصّادِقَةُ. فَأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها إيجادَ وازِعٍ لِلشُّهُودِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ وازِعًا هو تَوَقُّعُ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ. صفحة ٩٤ ومَعْنى ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ أنْ تَرْجِعَ أيْمانٌ إلى ورَثَةِ المُوصِي بَعْدَ أيْمانِ الشّاهِدَيْنِ. فالرَّدُّ هُنا مَجازٌ في الِانْتِقالِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قَلَبَ عَلَيْهِ اليَمِينَ، فَيُعَيَّرُوا بِهِ بَيْنَ النّاسِ، فَحَرْفُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وهو تَقْسِيمٌ يُفِيدُ تَفْضِيلَ ما أجْمَلَتْهُ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى﴾ إلَخْ. . . وجَمَعَ الأيْمانَ بِاعْتِبارِ عُمُومِ حُكْمِ الآيَةِ لِسائِرِ قَضايا الوَصايا الَّتِي مِن جِنْسِها، عَلى أنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ التَّثْنِيَةِ كَثِيرًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] . وذَيَّلَ هَذا الحُكْمَ الجَلِيلَ بِمَوْعِظَةِ جَمِيعِ الأُمَّةِ فَقالَ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾) الآيَةَ. وقَوْلُهُ (﴿واسْمَعُوا﴾) أمْرٌ بِالسَّمْعِ المُسْتَعْمَلِ في الطّاعَةِ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [المائدة: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ، لِأنَّ في اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ هُدًى وفي الإعْراضِ فِسْقًا. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾، أيِ المُعْرِضِينَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَهانُ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الرَّيْنِ عَلى القَلْبِ فَلا يَنْفُذُ إلَيْهِ الهُدى مِن بَعْدُ فَلا تَكُونُوهم وكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ. هَذا تَفْسِيرُ الآياتِ تَوَخَّيْتُ فِيهِ أوْضَحَ المَعانِي وأوْفَقَها بِالشَّرِيعَةِ، وأطَلْتُ في بَيانِ ذَلِكَ لِإزالَةِ ما غَمُضَ مِنَ المَعانِي تَحْتَ إيجازِها البَلِيغِ. وقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ مِنَ الإعْرابِ. وقالَ الفَخْرُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها. وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ. ولِقَصْدِ اسْتِيفاءِ مَعانِي الآياتِ مُتَتابِعَةً تَجَنَّبْتُ التَّعَرُّضَ لِما تُفِيدُهُ مِنَ الأحْكامِ واخْتِلافِ صفحة ٩٥ عُلَماءِ الإسْلامِ فِيها في أثْناءِ تَفْسِيرِها. وأخَّرْتُ ذَلِكَ إلى هَذا المَوْضِعِ حِينَ انْتَهَيْتُ مِن تَفْسِيرِ مَعانِيها. وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدُهُما الأمْرُ بِالإشْهادِ عَلى الوَصِيَّةِ، وثانِيهِما فَصْلُ القَضاءِ في قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ مَعَ أوْلِياءِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. فالأصْلُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . والأصْلُ الثّانِي مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ مَعْرِفَةُ وجْهِ القَضاءِ في أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يُتَّهَمُ فِيهِ الشُّهُودُ. وقَوْلُهُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وهو يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِها، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الأمْرِ لِأنَّ النّاسَ مُعْتادُونَ بِاسْتِحْفاظِ وصاياهم عِنْدَ مَحَلِّ ثِقَتِهِمْ. وأهَمُّ الأحْكامِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها اسْتِشْهادُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَهُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وثانِيها تَحْلِيفُ الشّاهِدِ عَلى أنَّهُ صادِقٌ في شَهادَتِهِ. وثالِثُها تَغْلِيظُ اليَمِينِ بِالزَّمانِ. فَأمّا الحُكْمُ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّ الغَيْرِيَّةَ غَيْرِيَّةٌ في الدِّينِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في القَضايا الجارِيَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقَوْلِهِ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، فَمِنهم مَن جَعَلَها خاصَّةً بِالشُّهَداءِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مُسْلِمُونَ. وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَضى بِذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في وصِيَّةٍ مِثْلَ هَذِهِ أيّامَ قَضائِهِ بِالكُوفَةِ، وقالَ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، وابْنِ صفحة ٩٦ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وجَماعَةٍ، وهم يَقُولُونَ: لا مَنسُوخَ في سُورَةِ المائِدَةِ، تَبَعًا لِابْنِ عَبّاسٍ. ومِنهم مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم عَلى أنَّهُ مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقِياسِ بَقِيَّةِ العُقُودِ المَشْهُودِ فِيها في السَّفَرِ عَلى شَهادَةِ الوَصِيَّةِ، فَقالَ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ ماضِيَةٌ، وزادَ فَجَعَلَها بِدُونِ يَمِينٍ. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وأنَّ قَبُولَ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ في السَّفَرِ حَيْثُ لا يُوجَدُ مُسْلِمُونَ لِلضَّرُورَةِ، وأنَّ وجْهَ اخْتِصاصِ الوَصِيَّةِ بِهَذا الحُكْمِ أنَّها تَعْرِضُ في حالَةٍ لا يَسْتَعِدُّ لَها المَرْءُ مِن قَبْلُ فَكانَ مَعْذُورًا في إشْهادِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الحالَةِ خَشْيَةَ الفَواتِ، بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ العُقُودِ فَيُمْكِنُ الِاسْتِعْدادُ لَها مِن قَبْلُ والتَّوَثُّقُ لَها بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكانَ هَذا الحُكْمُ رُخْصَةً. والحِكْمَةُ الَّتِي مِن أجْلِها لَمْ تُقْبَلْ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ شَهادَةُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إلّا في الضَّرُورَةِ، عِنْدَ مَن رَأى إعْمالَها في الضَّرُورَةِ، أنَّ قَبُولَ الشَّهادَةِ تَزْكِيَةٌ وتَعْدِيلٌ لِلشّاهِدِ وتَرْفِيعٌ لِمِقْدارِهِ إذْ جُعِلَ خَبَرُهُ مَقْطَعًا لِلْحُقُوقِ. فَقَدْ كانَ بَعْضُ القُضاةِ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُ لِلشُّهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ فِينا فَأنْتُمُ القُضاةُ ونَحْنُ المُنَفِّذُونَ. ولَمّا كانَ رَسُولُنا ﷺ قَدْ دَعا النّاسَ إلى اتِّباعِ دِينِهِ فَأعْرَضَ عَنْهُ أهْلُ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا أهْلًا أنْ تُزَكِّيَهم أُمَّتُهُ وتَسِمُهم بِالصِّدْقِ وهم كَذَّبُوا رَسُولَنا، ولِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ دِينَنا لا نَكُونُ عالِمِينَ بِحُدُودِ ما يَزَعُهُ عَنِ الكَذِبِ في خَبَرِهِ، ولا لِمَجالِ التَّضْيِيقِ والتَّوَسُّعِ في أعْمالِهِ النّاشِئَةِ عَنْ مُعْتَقَداتِهِ، إذْ لَعَلَّ في دِينِهِ ما يُبِيحُ لَهُ الكَذِبَ، وبِخاصَّةٍ إذا كانَتْ شَهادَتُهُ في حَقٍّ لِمَن يُخالِفُهُ في الدِّينِ، فَإنَّنا عَهِدْنا مِنهم أنَّهم لا يَتَوَخَّوْنَ الِاحْتِياطَ في حُقُوقِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ دِينِهِمْ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، الأُمِّيِّينَ أيِ المُسْلِمِينَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَظَنَّةً لِلْعَدالَةِ ولا كانَ مِقْدارُها فِيهِ مَضْبُوطًا. وهَذا حالُ الغالِبِ مِنهم، وفِيهِمْ مَن قالَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ولَكِنَّ الحُكْمَ لِلْغالِبِ. وأمّا حُكْمُ تَحْلِيفِ الشّاهِدِ عَلى صِدْقِهِ في شَهادَتِهِ فَلَمْ يَرِدْ في المَأْثُورِ إلّا في هَذا‌‌‌‌‌ صفحة ٩٧ المَوْضِعِ، فَأمّا الَّذِينَ قالُوا بِنَسْخِ قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ فَتَحْلِيفُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ الكافِرَيْنِ مَنسُوخٌ تَبَعًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وأمّا الَّذِينَ جَعَلُوهُ مُحْكَمًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن خَصَّ اليَمِينَ بِشاهِدَيِ الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ بِعِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَقاسَ عَلَيْهِ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ إذا تَطَرَّقَتْ إلَيْهِما الرِّيبَةُ ولَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ. وهَذا لا وجْهَ لَهُ إذْ قَدْ شَرَطَ اللَّهُ فِيهِما العَدالَةَ وهي تُنافِي الرِّيبَةَ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: هَذا إذا تَعَذَّرَتِ العَدالَةُ أوْ ضَعُفَتْ في بَعْضِ الأوْقاتِ ووَقَعَ الِاضْطِرارُ إلى اسْتِشْهادِ غَيْرِ العُدُولِ كَما هي حالَةُ مُعْظَمِ بِلادِ الإسْلامِ اليَوْمَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِتَحْلِيفِ الشّاهِدِ المَسْتُورِ الحالِ وجْهٌ في القَضاءِ. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا حُكْمُ تَغْلِيظِ اليَمِينِ فَقَدْ أُخِذَ مِنَ الآيَةِ أنَّ اليَمِينَ تَقَعُ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ أصْلًا في تَغْلِيظِ اليَمِينِ في نَظَرِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، ويَجِيءُ في تَغْلِيظِ اليَمِينِ أنْ يَكُونَ بِالزَّمانِ والمَكانِ واللَّفْظِ. وفي جَمِيعِها اخْتِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ، وأمّا التَّغْلِيظُ بِالمَكانِ وبِاللَّفْظِ فَتَفْصِيلُهُ في كُتُبِ الخِلافِ.

المائدة 5:107

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مَن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . صفحة ٨٠ اسْتُؤْنِفَتْ هَذِهِ الآيُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِشَرْعِ أحْكامِ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ التَّشْرِيعاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ، تَحْقِيقًا لِإكْمالِ الدِّينِ، واسْتِقْصاءً لِما قَدْ يَحْتاجُ إلى عَمَلِهِ المُسْلِمُونَ. ومَوْقِعُها هُنا سَنَذْكُرُهُ. وقَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةً بِآيَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ابْتِداءِ مَشْرُوعِيَّتِها وفي مِقْدارِ ما نُسِخَ مِن حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ وما أُحْكِمَ في مَوْضِعِهِ هُنالِكَ. وحَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الوَصِيَّةِ وأمَرَ بِها، فَكانَتْ مَعْرُوفَةً مُتَداوَلَةً مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ مِنَ الإسْلامِ. وكانَتْ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ المَرْءُ يُوصِي لِمَن يُوصِي لَهُ بِحَضْرَةِ ورَثَتِهِ وقَرابَتِهِ فَلا يَقَعُ نِزاعٌ بَيْنَهم بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ ما في النُّفُوسِ مِن حُرْمَةِ الوَصِيَّةِ والحِرْصِ عَلى إنْفاذِها حِفْظًا لِحَقِّ المَيِّتِ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَحْقِيقِ حَقِّهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى القُرْآنُ عَنْ شَرْعِ التَّوَثُّقِ لَها بِالإشْهادِ، خِلافًا لِما تَقَدَّمَ بِهِ مِن بَيانِ التَّوَثُّقِ في التَّبايُعِ بِآيَةِ ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتَّوَثُّقُ في الدَّيْنِ بِآيَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَخْ، فَأكْمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانَ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِها ولِجَدارَةِ الوَصِيَّةِ بِالتَّوْثِيقِ لَها لِضَعْفِ الذِّيادِ عَنْها لِأنَّ البُيُوعَ والدُّيُونَ فِيها جانِبانِ عالِمانِ بِصُورَةِ ما انْعَقَدَ فِيها ويَذُبّانِ عَنْ مَصالِحِهِما فَيَتَّضِحُ الحَقُّ مِن خِلالِ سَعْيِهِما في إحْقاقِ الحَقِّ فِيها بِخِلافِ الوَصِيَّةِ فَإنَّ فِيها جانِبًا واحِدًا وهو جانِبُ المُوصى لَهُ لِأنَّ المُوصِي يَكُونُ قَدْ ماتَ وجانِبُ المُوصى لَهُ ضَعِيفٌ إذْ لا عِلْمَ لَهُ بِما عَقَدَ المُوصِي ولا بِما تَرَكَ، فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلضَّياعِ كُلُّها أوْ بَعْضُها. وقَدْ كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَسْتَحْفِظُونَ وصاياهم عِنْدَ المَوْتِ إلى أحَدٍ يَثِقُونَ بِهِ مِن أصْحابِهِمْ أوْ كُبَراءِ قَبِيلَتِهِمْ أوْ مَن حَضَرَ احْتِضارَ المُوصِي أوْ مَن كانَ أوْدَعَ صفحة ٨١ عِنْدَ المُوصِي خَبَرَ عَزْمِهِ. فَقَدْ أوْصى نِزارُ بْنُ مَعَدٍّ وصِيَّةً مُوجَزَةً وأحالَ أبْناءَهُ عَلى الأفْعى الجُرْهُمِيِّ أنْ يُبَيِّنَ لَهم تَفْصِيلَ مُرادِهُ مِنها. وقَدْ حَدَثَتْ في آخِرِ حَياةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حادِثَةٌ كانَتْ سَبَبًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ حُدُوثَها كانَ مُقارِنًا لِنُزُولِ الآيِ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَها في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ. ذَلِكَ أنَّهُ كانَ في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ نَزَلَتْ قَضِيَّةٌ؛ هي أنَّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما تَمِيمٌ الدّارِيُّ اللَّخْمِيُّ والآخَرُ عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، كانا مِن نَصارى العَرَبِ تاجِرَيْنِ، وهُما مِن أهْلِ (دارَيْنِ) وكانا يَتَّجِرانِ بَيْنَ الشّامِ ومَكَّةَ والمَدِينَةِ. فَخَرَجَ مَعَهُما مِنَ المَدِينَةِ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى بَنِي سَهْمٍ وكانَ مُسْلِمًا بِتِجارَةٍ إلى الشّامِ، فَمَرِضَ بُدَيْلٌ قِيلَ في الشّامِ وقِيلَ في الطَّرِيقِ بَرًّا أوْ بَحْرًا، وكانَ مَعَهُ في أمْتِعَتِهِ جامٌ مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ قاصِدًا بِهِ مَلِكَ الشّامِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أخَذَ صَحِيفَةً فَكَتَبَ فِيها ما عِنْدَهُ مِنَ المَتاعِ والمالِ ودَسَّها في مَطاوِي أمْتِعَتِهِ ودَفَعَ ما مَعَهُ إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ وأوْصاهُما بِأنْ يُبَلِّغاهُ مَوالِيهِ مِن بَنِي سَهْمٍ. وكانَ بُدَيْلٌ مَوْلًى لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، فَوَلاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِابْنِهِ عَمْرِو بْنِ العاصِي. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: إنَّ ولاءَ بُدَيْلٍ لِعَمْرِو بْنِ العاصِي والمُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ. ويُؤَيِّدُ قَوْلَهم أنَّ المُطَّلِبَ حَلَفَ مَعَ عَمْرِو بْنِ العاصِي عَلى أنَّ الجامَ لِبُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: فَلَمّا رَجَعا باعا الجامَ بِمَكَّةَ بِألْفِ دِرْهَمٍ ورَجَعا إلى المَدِينَةِ فَدَفَعا ما لِبُدَيْلٍ إلى مَوالِيهِ. فَلَمّا نَشَرُوهُ وجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الجامُ فَأنْكَرا أنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِما جامًا. ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بَعْدَ مُدَّةٍ يُباعُ بِمَكَّةَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى الَّذِي عِنْدَهُ الجامُ فَقالَ: إنَّهُ ابْتاعَهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وفي رِوايَةٍ أنَّ تَمِيمًا لَمّا أسْلَمَ في سَنَةِ تِسْعٍ تَأثَّمَ مِمّا صَنَعَ فَأخْبَرَ عَمْرَو بْنَ العاصِي بِخَبَرِ الجامِ ودَفَعَ لَهُ الخَمْسَمِائَةِ الدِّرْهَمِ الصّائِرَةِ إلَيْهِ مِن ثَمَنِهِ، وطالَبَ عَمْرُو عَدِيًّا بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ باعَهُ. وهَذا أمْثَلُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ساقَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا في كِتابِ الوَصايا. ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ، وقالَ: لَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ. وهو وإنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الصِّحَّةِ فَقَدِ اشْتُهِرَ وتُلُقِّيَ بِالقَبُولِ، وقَدْ أسْنَدَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ. صفحة ٨٢ واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ تَقاضَوْا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ، فَحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا أخْفَيا الجامَ وأنَّ بُدَيْلًا صاحِبُهُ وما باعَهُ ولا خَرَجَ مِن يَدِهِ. ودَفَعَ لَهُما عَدِيٌّ خَمْسَمِائَةَ دِرْهَمٍ وهو يَوْمَئِذٍ نَصْرانِيٌّ. وعَدِيٌّ هَذا قِيلَ: أسْلَمَ، وعَدَّهُ ابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَندَهْ في عِدادِ الصَّحابَةِ، وقِيلَ: ماتَ نَصْرانِيًّا، ورَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو قَوْلُ أبِي نُعَيْمٍ، ويُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الصَّحابَةِ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ نُزُولُها قَبْلَ التَّرافُعِ بَيْنَ الخَصْمِ في قَضِيَّةِ الجامِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُها بَعْدَ قَضاءِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ القَضِيَّةِ لِتَكُونَ تَشْرِيعًا لِما يَحْدُثُ مِن أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ. و(بَيْنَكم) أصْلُ (بَيْنَ) اسْمُ مَكانٍ مُبْهَمٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُبَيِّنُهُ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الأمْرِ المُتَعَلِّقِ بِعِدَّةِ أشْياءَ، وهو مَجْرُورٌ بِإضافَةِ شَهادَةٍ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ. وأصْلُهُ (شَهادَةٌ) بِالتَّنْوِينِ والرَّفْعِ بَيْنَكم بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. فَخَرَجَ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الِاسْمِيَّةِ كَما خَرَجَ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ جَماعَةٍ مِنَ العَشَرَةِ بِرَفْعِ (بَيْنَكم) . وارْتَفَعَ (شَهادَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ اثْنانِ. و﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ. ولَيْسَ في (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهادَةُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ لِيُشْهِدْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُشْهِدَ بِذَلِكَ ويَجِبُ عَلَيْهِما أنْ يَشْهَدا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بَدَلًا مُطابِقًا، فَإنَّ حِينَ حُضُورِ المَوْتِ هو الحِينُ الَّذِي يُوصِي فِيهِ النّاسُ غالِبًا. جِيءَ بِهَذا الظَّرْفِ الثّانِي لِيُتَخَلَّصَ بِهَذا البَدَلِ إلى المَقْصُودِ وهو الوَصِيَّةُ. وقَدْ كانَ العَرَبُ إذا رَأوْا عَلامَةَ المَوْتِ عَلى المَرِيضِ يَقُولُونَ: أوْصِ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ أخْبَرَ الطَّبِيبُ أنَّ جُرْحَهُ في أمْعائِهِ. ومَعْنى حُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ عَلاماتِهِ لِأنَّ تِلْكَ حالَةٌ يَتَخَيَّلُ فِيها المَرْءُ أنَّ المَوْتَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ لِيُصَيِّرَهُ مَيِّتًا، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ الغَرْغَرَةِ لِأنَّ ما طُلِبَ مِنَ المُوصِي صفحة ٨٣ أنْ يَعْمَلَهُ يَسْتَدْعِي وقْتًا طَوِيلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (اثْنانِ) خَبَرٌ عَنْ (شَهادَةُ)، أيْ الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأخَذَ إعْرابَهُ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ والمَقْصُودُ الإيجازُ. فَماصَدَقُ اثْنانِ شاهِدانِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقَوْلِهِ (﴿ذَوا عَدْلٍ﴾) . وهَذانِ الشّاهِدانِ هُما وصِيّانِ مِنَ المَيِّتِ عَلى صِفَةِ وصِيَّتِهِ وإبْلاغِها، إلّا أنْ يَجْعَلَ المُوصِي وصِيًّا غَيْرَهُما فَيَكُونا شاهِدَيْنِ عَلى ذَلِكَ. والعَدْلُ والعَدالَةُ مُتَّحِدانِ، أيْ صاحِبا اتِّصافٍ بِالعَدالَةِ. ومَعْنى (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مُقْتَضى الخِطابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا خاطَبَ مُخاطَبَهُ بِوَصْفٍ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى بَعْضِهِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ بَعْضُ أصْحابِ الوَصْفِ، كَما قالَ الأنْصارُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: مِنّا أمِيرٌ ومِنكم أمِيرٌ. فالكَلامُ عَلى وصِيَّةِ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا دَرَجَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. وهو الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرُ الوَصْفِ بِكَلِمَةِ مِنكم في مَواقِعِها في القُرْآنِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ (مِنكم) مِن عَشِيرَتِكم وقَرابَتِكم. ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُقابِلِهِ وهو مِن غَيْرِكم أنَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم. فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِمَّنْ قالُوا بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ إلى إعْمالِ هَذا وأجازُوا شَهادَةَ غَيْرِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ في الوَصِيَّةِ خاصَّةً، وخَصُّوا ذَلِكَ بِالذِّمِّيِّ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ، والثَّوْرِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، ونُسِبَ إلى زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عَلى الصُّورَةِ الكامِلَةِ في شَهادَةِ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . صفحة ٨٤ وقَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآياتِ. . تَفْصِيلٌ لِلْحالَةِ الَّتِي تَعْرِضُ في السَّفَرِ. و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لا لِلتَّخْيِيرِ، والتَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ: حالِ الحاضِرِ وحالِ المُسافِرِ؛ ولِذَلِكَ اقْتَرَنَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَهو قَيْدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَشَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، فالمَصِيرُ إلى شَهادَةِ شاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ مَن يَراهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والضَّرْبُ في الأرْضِ: السَّيْرُ فِيها. والمُرادُ بِهِ السَّفَرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ حَلَّتْ بِكم، والفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُشارَفَةِ والمُقارَبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء: ٩]، أيْ لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا ذُرِّيَّةً. وهَذا اسْتِعْمالٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الأفْعالِ. ومِنهُ قَوْلُهم في الإقامَةِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وعَطَفَ قَوْلَهُ (﴿فَأصابَتْكُمْ﴾) عَلى ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَكانَ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . أُعِيدَ هُنا لِرَبْطِ الكَلامِ بَعْدَ ما فُصِلَ بَيْنَهُ مِنَ الظُّرُوفِ والشُّرُوطِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (أصابَتْكم) كَضَمِيرِ الجَمْعِ في ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والمُصِيبَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِالمَرْءِ مِن شَرٍّ وضُرٍّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ (تَحْبِسُونَهُما) حالٌ مِن (آخَرانِ) عِنْدَ مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صفحة ٨٥ بِمَعْنى مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. وأمّا عِنْدَ مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم فَإنَّهُ حالٌ مِنَ (اثْنانِ) ومِن (آخَرانِ) لِأنَّهُما مُتَعاطِفانِ بِـ (أوْ) . فَهُما أحَدُ قِسْمَيْنِ، ويَكُونُ التَّحْلِيفُ عِنْدَ الِاسْتِرابَةِ. والتَّحْلِيفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعِيدٌ إذْ لا مُوجِبَ لِلِاسْتِرابَةِ في عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في تَحْبِسُونَهُما كَضَمِيرَيْ ضَرَبْتُمْ وأصابَتْكم. وكُلُّها مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَمْعِ البَدَلِيِّ دُونَ الشُّمُولِيِّ، لِأنَّ جَمِيعَ المُخاطَبِينَ صالِحُونَ لِأنْ يَعْتَرِيهِمْ هَذا الحُكْمُ وإنَّما يَحِلُّ بِبَعْضِهِمْ. فَضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ مُقْتَضى الظّاهِرِ كُلُّها. وإنَّما جاءَتْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ العُمُومِ، دَفْعًا لِأنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ هَذا التَّشْرِيعَ خاصٌّ بِشَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لِأنَّ قَضِيَّةَ سَبَبِ النُّزُولِ كانَتْ في شَخْصَيْنِ؛ أوِ الخِطابُ والجَمْعُ لِلْمُسْلِمِينَ وحُكّامِهِمْ. والحَبْسُ: الإمْساكُ أيِ المَنعُ مِنَ الِانْصِرافِ. فَمِنهُ ما هو بِإكْراهٍ كَحَبْسِ الجانِي في بَيْتٍ أوْ إثْقافِهِ في قَيْدٍ. ومِنهُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، كَما في حَدِيثِ عَتْبانَ بْنِ مالِكٍ فَغَدا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ إلى أنْ قالَ وحَبَسْناهُ عَلى خَزِيرٍ صَنَعْناهُ، أيْ أمْسَكْناهُ. وهَذا هو المُرادُ في الآيَةِ، أيْ تُمْسِكُونَهُما ولا تَتْرُكُونَهُما يُغادِرانِكم حَتّى يَتَحَمَّلا الوَصِيَّةَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ السِّجْنَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ تَوْقِيتٌ لِإحْضارِهِما وإمْساكِهِما لِأداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ. والإتْيانِ بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ لِتَقْرِيبِ البَعْدِيَّةِ، أيْ قُرْبِ انْتِهاءِ الصَّلاةِ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ صَلاةٌ مِن صَلَواتِ المُسْلِمِينَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَمِنهم مَن قالَ: هي صَلاةُ العَصْرِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أحْلَفَ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ بَدّاءٍ في قَضِيَّةِ الجامِ بَعْدَ العَصْرِ»، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وسَعِيدٍ، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِيِّ. ومِنهم مَن قالَ: الظُّهْرُ، وهو عَنِ الحَسَنِ. وتَحْتَمِلُ مِن بَعْدِ صَلاةِ دِينِهِما عَلى تَأْوِيلِ مِن غَيْرِكم بِمَعْنى صفحة ٨٦ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، أيْ تُحْضِرُونَهُما عَقِبَ أدائِهِما صَلاتَهُما لِأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِن إقْبالِهِما عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ والوُقُوفِ لِعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عُطِفَ عَلى (تَحْبِسُونَهُما) فَعُلِمَ أنَّ حَبْسَهُما بَعْدَ الصَّلاةِ لِأجْلِ أنْ يُقْسِما بِاللَّهِ. وضَمِيرُ (يُقْسِمانِ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (آخَرانِ) . فالحَلِفُ يُحَلِّفُهُ شاهِدا الوَصِيَّةِ اللَّذانِ هُما غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ لِزِيادَةِ الثِّقَةِ بِشَهادَتِهِما لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعَدالَةِ غَيْرِ المُسْلِمِ. وقَوْلُهُ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا شَرْطٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (تَحْبِسُونَهُما) وما عُطِفَ عَلَيْهِ. واسْتُغْنِيَ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِيَتَأتّى الإيجازُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْ لِقِيلَ: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم فَإنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِما تَحْبِسُونَهُما إلى آخِرِهِ. فَيَقْتَضِي هَذا التَّفْسِيرُ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلِ الرِّيبَةُ في صِدْقِهِما لَما لَزِمَ إحْضارُهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ وقَسَمُهُما، فَصارَ ذَلِكَ مَوْكُولًا لِخِيرَةِ الوَلِيِّ. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَسَمِ وجَوابِهِ. والوَجْهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي يَقُولُهُ الشّاهِدانِ، ومَعْناهُ أنَّ الشّاهِدَيْنِ يَقُولانِ: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِنا فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاللَّهِ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ الشَّهادَةَ، أيْ يَقُولانِ ذَلِكَ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِ المُوصِي، لِأنَّ العَدالَةَ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ مَعَ احْتِمالِ وُجُودِ ما يُنافِيها مِمّا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَأُكِّدَتْ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ بِالحَلِفِ؛ فَيَكُونُ شَرْعُ هَذا الكَلامِ عَلى كُلِّ شاهِدٍ لِيَسْتَوِيَ فِيهِ جَمِيعُ الأحْوالِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ تَوْجِيهُ اليَمِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَرَجًا عَلى الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِما اليَمِينُ مِن أنَّ اليَمِينَ تَعْرِيضٌ بِالشَّكِّ في صِدْقِهِما، فَكانَ فَرْضُ اليَمِينِ مِن قِبَلِ الشَّرْعِ دافِعًا لِلتَّحَرُّجِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الوَلِيِّ، لِأنَّ في كَوْنِ اليَمِينِ شَرْطًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعْذِرَةً في المُطالَبَةِ بِها، كَما قالَ جُمْهُورُ فُقَهائِنا في يَمِينِ القَضاءِ الَّتِي تَتَوَجَّهُ عَلى مَن يُثْبِتُ حَقًّا عَلى مَيِّتٍ أوْ غائِبٍ مِن أنَّها لازِمَةٌ قَبْلَ الحُكْمِ مُطْلَقًا ولَوْ أسْقَطَها الوارِثُ الرَّشِيدُ. ولَمْ أقِفْ عَلى مَن عَرَّجَ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ المُفَسِّرِينَ صفحة ٨٧ إلّا قَوْلَ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ: وبَعْضُهم يَقِفُ عَلى (يُقْسِمانِ) ويَبْتَدِئُ (بِاللَّهِ) قَسَمًا ولا أُحِبُّهُ، وإلّا ما حَكاهُ الصَّفاقُسِيُّ في مُعْرَبِهِ عَنِ الجُرْجانِيِّ أنَّ هُنا قَوْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ويَقُولانِ. ولَمْ يَظْهَرْ لِلصَّفاقُسِيِّ ما الَّذِي دَعا الجُرْجانِيَّ لِتَقْدِيرِ هَذا القَوْلِ. ولا أراهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ إلّا جَعْلُ قَوْلِهِ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن كَلامِ الشّاهِدَيْنِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ، فَإنَّ القَسَمَ أوْلى بِالجَوابِ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ إلَخْ، ذَلِكَ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ. ومَعْنى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا لا نَعْتاضُ بِالأمْرِ الَّذِي أقْسَمْنا عَلَيْهِ ثَمَنًا، أيْ عِوَضًا، فَضَمِيرُ بِهِ، عائِدٌ إلى القَسَمِ المَفْهُومِ مَن يُقْسِمانِ. وقَدْ أفادَ تَنْكِيرُ ثَمَنًا في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ ثَمَنٍ. والمُرادُ بِالثَّمَنِ العِوَضُ، أيْ لا نُبَدِّلُ ما أقْسَمْنا عَلَيْهِ بِعِوَضٍ كائِنًا ما كانَ العِوَضُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (بِهِ) عائِدًا إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو ما اسْتَشْهَدا عَلَيْهِ مِن صِيغَةِ الوَصِيِّ بِجَمِيعِ ما فِيها. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ ثَمَنًا الَّذِي هو بِمَعْنى العِوَضِ، أيْ ولَوْ كانَ العِوَضُ ذا قُرْبى، أيْ ذا قُرْبى مِنّا، و(لَوْ) شَرْطٌ يُفِيدُ المُبالَغَةَ فَإذا كانَ (ذا القُرْبى) لا يَرْضِيانِهِ عِوَضًا عَنْ تَبْدِيلِ شَهادَتِهِما فَأوْلى ما هو دُونَ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ أعْظَمَ ما يَدْفَعُ المَرْءَ إلى الحَيْفِ في عُرْفِ القَبائِلِ هو الحَمِيَّةُ والنُّصْرَةُ لِلْقَرِيبِ، فَذَلِكَ تَصْغُرُ دُونَهُ الرُّشى ومَنافِعُ الذّاتِ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (كانَ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (ثَمَنًا) . ومَعْنى كَوْنِ الثَّمَنِ، أيِ العِوَضِ، ذا قُرْبى أنَّهُ إرْضاءُ ذِي القُرْبى ونَفْعُهُ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِجَعْلِ العِوَضِ ذاتَ (ذِي القُرْبى)، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ شَيْءٌ مِن عَلائِقِهِ يُعَيِّنُهُ المَقامُ. ونَظِيرُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ دَلالَةِ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ بِـ (لَوْ) وتَسْمِيَتُها صفحة ٨٨ وصْلِيَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ (ولا نَكْتُمُ) عُطِفَ عَلى (لا نَشْتَرِي)، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إحْلافِهِما أنْ يُؤَدِّيا الشَّهادَةَ كَما تَلَقَّياها فَلا يُغَيِّرا شَيْئًا مِنها ولا يَكْتُماها أصْلًا. وإضافَةُ الشَّهادَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ تَعْظِيمٌ لِخَطَرِها عِنْدَ الشّاهِدِ وغَيْرِهِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أمَرَ بِأدائِها كَما هي وحَضَّ عَلَيْها أضافَها إلى اسْمِهِ حِفْظًا لَها مِنَ التَّغْيِيرِ، فالتَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ تَعالى تَذْكِيرٌ لِلشّاهِدِ بِهِ حِينَ القَسَمِ. وفِي قَوْلِهِ (﴿ولا نَكْتُمُ﴾) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ، وهو الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ خاصٍّ يَعْرِضُ في مِثْلِهِ التَّرافُعُ. ولَيْسَ المُرادُ بِها اليَمِينَ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَلا نُطِيلُ بِرَدِّهِ فَقَدْ رَدَّهُ اللَّفْظُ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلِ وُجُودِ (إذًا)، فَإنَّهُ حَرْفُ جَوابٍ: اسْتَشْعَرَ الشّاهِدانِ سُؤالًا مِنَ الَّذِي حَلَفا لَهُ بِقَوْلِهِما: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، يَقُولُ في نَفْسِهِ: لَعَلَّكُما لا تَبِرّانِ بِما أقْسَمْتُما عَلَيْهِ، فَأجابا: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ، أيْ إنّا نَعْلَمُ تَبِعَةَ عَدَمِ البِرِّ بِما أقْسَمْنا عَلَيْهِ أنْ نَكُونَ مِنَ الآثِمِينَ، أيْ ولا نَرْضى بِذَلِكَ. والآثِمُ: مُرْتَكِبُ الإثْمِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإثْمَ هو الحِنْثُ بِوُقُوعِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا مَعَ (إذًا) الدّالَّةِ عَلى جَوابِ كَلامٍ يَخْتَلِجُ في نَفْسِ أوْلِياءِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ الآيَةَ، أيْ إنْ تَبَيَّنَ أنَّهُما كَتَما أوْ بَدَّلا وحَنَثا في يَمِينِهِما، بَطَلَتْ شَهادَتُهُما، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَرْعٌ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما، فَحَذَفَ ما يُعَبِّرُ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما إيجازًا كَقَوْلِهِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ. صفحة ٨٩ ومَعْنى (عُثِرَ) اطَّلَعَ وتَبَيَّنَ ذَلِكَ، وأصْلُ فِعْلِ عَثَرَ أنَّهُ مُصادَفَةُ رِجْلِ الماشِي جِسْمًا ناتِئًا في الأرْضِ لَمْ يَتَرَقَّبْهُ ولَمْ يَحْذَرْ مِنهُ فَيَخْتَلُّ بِهِ انْدِفاعُ مَشْيِهِ، فَقَدْ يَسْقُطُ وقَدْ يَتَزَلْزَلُ. ومَصْدَرُهُ العِثارُ والعُثُورُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الظَّفَرِ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا الظَّفَرُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، فَخَصُّوا في الِاسْتِعْمالِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ بِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ وهو العِثارُ، وخَصُّوا المَعْنى المَجازِيَّ بِالمَصْدَرِ الآخَرِ، وهو العُثُورُ. ومَعْنى (﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾) ثَبَتَ أنَّهُما ارْتَكَبا ما يَأْثَمانِ بِهِ، فَقَدْ حُقَّ عَلَيْهِما الإثْمُ، أيْ وقَعَ عَلَيْهِما، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. والمُرادُ بِالإثْمِ هو الَّذِي تَبَرَّءا مِنهُ في قَوْلِهِ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . فالإثْمُ هو أحَدُ هَذَيْنِ، بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما اسْتَبْدَلا بِما اسْتُؤْمِنا عَلَيْهِ عِوَضًا لِأنْفُسِهِما أوْ لِغَيْرِهِما، أوْ بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما كَتَما الشَّهادَةَ، أيْ بَعْضَها. وحاصِلُ الإثْمِ أنْ يَتَّضِحَ ما يَقْدَحُ في صِدْقِهِما بِمُوجِبِ الثُّبُوتِ. وقَوْلُهُ (﴿فَآخَرانِ﴾) أيْ رَجُلانِ آخَرانِ، لِأنَّ وصْفَ آخَرَ يُطْلَقُ عَلى المُغايِرِ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ مَعَ المُماثَلَةِ في الجِنْسِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، والمُتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنا اثْنانِ. فالمَعْنى فاثْنانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في إثْباتِ الوَصِيَّةِ. ومَعْنى يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ يُعَوِّضانِ تِلْكَ الشَّهادَةَ. فَإنَّ المَقامَ هو مَحَلُّ القِيامِ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ مَحَلُّ عَمَلٍ ما ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ العَمَلُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في مَحَلٍّ يَقُومُ فِيهِ العامِلُ، وذَلِكَ في العَمَلِ المُهِمِّ. قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ [يونس: ٧١] . فَمَقامُ الشّاهِدَيْنِ هو إثْباتُ الوَصِيَّةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ شَخْصانِ آخَرانِ يَكُونانِ مِنَ الجَماعَةِ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِحْقاقُ كَوْنُ الشَّيْءِ حَقِيقًا بِشَيْءٍ آخَرَ، فَيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وهو الشَّيْءُ المُسْتَحَقُّ. وإذا كانَ الِاسْتِحْقاقُ عَنْ نِزاعٍ يُعَدّى الفِعْلُ إلى المَحْقُوقِ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ بِمَعْنى اللُّزُومِ لَهُ وإنْ كُرِهَ، كَأنَّهم ضَمَّنُوهُ مَعْنى صفحة ٩٠ وجَبَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] . ويُقالُ: اسْتَحَقَّ زَيْدٌ عَلى عَمْرٍو كَذا، أيْ وجَبَ لِزَيْدٍ حَقٌّ عَلى عَمْرٍو، فَأخَذَهُ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فالفاعِلُ المَحْذُوفُ في قَوْلِهِ (﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾) هو مُسْتَحِقٌّ ما، وهو الَّذِي انْتَفَعَ بِالشَّهادَةِ واليَمِينِ الباطِلَةِ، فَنالَ مِن تَرِكَةِ المُوصِي ما لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ المُوصِي وغَلَبَ وارِثَ المُوصِي بِذَلِكَ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي الَّذِينَ لَهم مالُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإرْثِ فَحُرِمُوا بَعْضَهُ. وقَوْلُهُ (عَلَيْهِمْ) قائِمٌ مَقامَ نائِبِ فاعِلِ (اسْتُحِقَّ) . وقَوْلُهُ: (﴿الأوْلَيانِ﴾) تَثْنِيَةُ أوْلى، وهو الأجْدَرُ والأحَقُّ، أيِ الأجْدَرانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما. فَماصَدَقُهُ هو ماصَدَقُ (الآخَرانِ) ومَرْجِعُهُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ، أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا عَنْ آخَرانِ، فَإنَّ (آخَرانِ) لَمّا وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ صَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ، أيْ فَشَخْصانِ آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما دُونَ الشّاهِدَيْنِ المُتَّهَمَيْنِ. وإنَّما عُرِّفَ بِاللّامِ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ لِلْمُخاطَبِ ذِهْنًا لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ تَرَقَّبَ أنْ يَعْرِفَ مَن هو الأوْلى بِقَبُولِ قَوْلِهِ في هَذا الشَّأْنِ، فَقِيلَ لَهُ: آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً و﴿آخَرانِ يَقُومانِ﴾ خَبَرَهُ. وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِتَعْجِيلِ الفائِدَةِ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ الحُكْمَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُثُورَ عَلى كَذِبِ الشّاهِدَيْنِ يُسْقِطُ شَهادَتَهُما ويَمِينَهُما، فَكَيْفَ يَكُونُ القَضاءُ في ذَلِكَ، فَعَجَّلَ الجَوابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آخَرانِ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُما الأوْلَيانِ. ونُكْتَةُ التَّعْرِيفِ هي عَلى الوُجُوهِ كُلِّها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ، (الأوَّلِينَ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مَفْتُوحَةً وبِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعَ أوَّلٍ الَّذِي هو مَجازٌ بِمَعْنى المُقَدَّمِ والمُبْتَدَأِ بِهِ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي حَيْثُ اسْتَحَقَّ المُوصى لَهُ الوَصِيَّةَ صفحة ٩١ مِن مالِ التَّرِكَةِ الَّذِي كانَ لِلْأوْلِياءِ، أيِ الوَرَثَةِ لَوْلا الوَصِيَّةُ، وهو مَجْرُورٌ نَعْتٌ لِـ ﴿الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (اسْتَحَقَّ) بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ (الأوْلَيانِ) هو فاعِلُ (اسْتَحَقَّ)، وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ . ومَعْنى ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أنَّهُما أوْلى بِأنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُما مِنَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا. ومَعْنى (أحَقُّ) أنَّها الحَقُّ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَةُ المُفاضَلَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْأحَقِّيَّةِ، لِأنَّ الأحَقِّيَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْعِهِما بِإثْباتِ ما كَتَمَهُ الشّاهِدانِ الأجْنَبِيّانِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الواقِعِ لَكانَتْ باطِلًا واعْتِداءً مِنهُما عَلى مالِ مُبَلِّغِي الوَصِيَّةِ. والمَعْنى: وما اعْتَدَيْنا عَلى الشّاهِدَيْنِ في اتِّهامِهِما بِإخْفاءِ بَعْضِ التَّرِكَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لَوِ اعْتَدَيْنا لَكُنّا ظالِمِينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الإشْعارُ بِأنَّهُما مُتَذَكِّرانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ وازِعٍ. وقَدْ تَضَمَّنَ القَسَمُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِما يَمِينًا عَلى إثْباتِ حَقِّهِما فَهي مِنَ اليَمِينِ الَّتِي يَثْبُتُ بِها الحَقُّ مَعَ الشّاهِدِ العُرْفِيِّ، وهو شاهِدُ التُّهْمَةِ الَّتِي عُثِرَ عَلَيْها في الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُبَلِّغانِ الوَصِيَّةَ. والكَلامُ في (إذًا) هُنا مِثْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ . والمَعْنى أنَّهُ إنِ اخْتَلَّتْ شَهادَةُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ انْتُقِلَ إلى يَمِينِ المُوصى لَهُ سَواءً كانَ المُوصى لَهُ واحِدًا أمْ مُتَعَدِّدًا. وإنَّما جاءَتِ الآيَةُ بِصِيغَةِ الِاثْنَيْنِ مُراعاةً لِلْقَضِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، وهي قَضِيَّةُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَإنَّ ورَثَةَ صاحِبِ التَّرِكَةِ كانا اثْنَيْنِ هُما: عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ، وكِلاهُما مِن بَنِي سَهْمٍ، وهُما مَوْلَيا بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ السَّهْمِيِّ صاحِبِ الجامِ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُ أنَّهُما مَوْلَيا صفحة ٩٢ بُدَيْلِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ مَوْلاهُ هو عَمْرُو بْنُ العاصِي. والظّاهِرُ مِن تَحْلِيفِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ أنَّ لَهُ ولاءً مِن بُدَيْلٍ، إذْ لا يُعْرَفُ في الإسْلامِ أنْ يَحْلِفَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِاليَمِينِ. فَإنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا حَلَفَ وحْدَهُ وإنْ كانَ أصْحابُ الحَقِّ جَماعَةً حَلَفُوا جَمِيعًا واسْتَحَقُّوا. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا يَحْلِفُ مَعَهُ مَن لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، ولا إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ ثَلاثَةً فَأكْثَرَ أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ مِنهم ويَسْتَحِقُّونَ كُلُّهم. فالِاقْتِصارُ عَلى اثْنَيْنِ في أيْمانِ الأوْلَيَيْنِ ناظِرٌ إلى قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا خاصَّةً بِتِلْكَ القَضِيَّةِ. ويَجْرِي ما يُخالِفُ تِلْكَ القَضِيَّةَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الشَّرِيعَةِ في الِاسْتِحْقاقِ والتُّهَمِ. وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ في وصِيَّةِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. وذَلِكَ ظاهِرُ بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ تَشْرِيعًا لِأمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ في اشْتِراطِ كَوْنِ الأوْلَيَيْنِ اثْنَيْنِ إنْ أمْكَنَ. وبَقِيَتْ صُورَةٌ لَمْ تَشْمَلْها الآيَةُ مِثْلُ أنْ لا يَجِدَ المُحْتَضِرُ إلّا واحِدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ واحِدًا مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، أوْ يَجِدَ اثْنَيْنِ أحَدُهُما مُسْلِمٌ والآخَرُ غَيْرُ مُسْلِمٍ. وكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلى أحْكامِهِ المَعْرُوفَةِ في الأحْكامِ كُلِّها مِن يَمِينِ مَن قامَ لَهُ شاهِدٌ أوْ يَمِينِ المُنْكِرِ. والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ أدْنى﴾) إلى المَذْكُورِ مِنَ الحُكْمِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . و(أدْنى) بِمَعْنى أقْرَبُ، والقُرْبُ هُنا مَجازٌ في قُرْبِ العِلْمِ وهو الظَّنُّ، أيْ أقْوى إلى الظَّنِّ بِالصِّدْقِ. وضَمِيرُ (﴿يَأْتُوا﴾) عائِدٌ إلى الشُّهَداءِ، وهم: الآخَرانِ مِن غَيْرِكم، والآخَرانِ اللَّذانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ أنْ يَأْتِي كُلُّ واحِدٍ مِنهم. فَجَمَعَ الضَّمِيرَ عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ. والمَعْنى أنَّ ما شَرَعَ اللَّهُ مِنَ التَّوْثِيقِ والضَّبْطِ، ومِن رَدِّ الشَّهادَةِ عِنْدَ العُثُورِ عَلى صفحة ٩٣ الرِّيبَةِ أرْجى إلى الظَّنِّ بِحُصُولِ الصِّدْقِ لِكَثْرَةِ ما ضَبَطَ عَلى كِلا الفَرِيقَيْنِ مِمّا يَنْفِي الغَفْلَةَ والتَّساهُلَ، بَلْهَ الزُّورَ والجَوْرَ مَعَ تَوَقِّي سُوءِ السُّمْعَةِ. ومَعْنى ﴿أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ﴾ أنْ يُؤَدُّوا الشَّهادَةَ. جُعِلَ أداؤُها والإخْبارُ بِها كالإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلى وجْهِها﴾، أيْ عَلى سُنَّتِها وما هو مُقَوِّمُ تَمامِها وكَمالِها، فاسْمُ الوَجْهِ في مِثْلِ هَذا مُسْتَعارٌ لِأحْسَنِ ما في الشَّيْءِ وأكْمَلِهِ تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، إذْ هو العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ المَرْءُ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ. ولَمّا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الِاسْتِعارَةِ لِهَذا المَعْنى، وشاعَ هَذا المَعْنى في كَلامِهِمْ، قالُوا: جاءَ بِالشَّيْءِ الفُلانِيِّ عَلى وجْهِهِ، فَجَعَلُوا الشَّيْءَ مَأْتِيًّا بِهِ، ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ أُتِيَ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِن وجْهِهِ، أيْ مِن كَمالِ أحْوالِهِ. فَحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ مِنهُ التَّمَكُّنُ، مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشَّهادَةِ، وصارَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَجْهِ غَيْرُ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. وسُنَّةُ الشَّهادَةِ وكَمالُها هو صِدْقُها والتَّثَبُّتُ فِيها والتَّنَبُّهُ لِما يَغْفُلُ عَنْهُ مِن مُخْتَلِفِ الأحْوالِ الَّتِي قَدْ يَسْتَخِفُّ بِها في الحالِ وتَكُونُ لِلْغَفْلَةِ عَنْها عَواقِبُ تُضَيِّعُ الحُقُوقَ، أيْ ذَلِكَ يُعَلِّمُهم وجْهَ التَّثَبُّتِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ وتَوَخِّي الصِّدْقِ، وهو يَدْخُلُ في قاعِدَةِ لُزُومِ صِفَةِ اليَقَظَةِ لِلشّاهِدِ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الإعْذارِ في الشَّهادَةِ بِالطَّعْنِ أوِ المُعارَضَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما يَحْمِلُ شُهُودَ الشَّهادَةِ عَلى التَّثَبُّتِ في مُطابَقَةِ شَهادَتِهِمْ، لِلْواقِعِ لِأنَّ المُعارَضَةَ والإعْذارَ يَكْشِفانِ عَنِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (أنْ يَأْتُوا) بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ المَجْرُوراتِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أفادَتِ الإتْيانَ بِها صادِقَةً لا نُقْصانَ فِيها بِباعِثٍ مِن أنْفُسِ الشُّهُودِ، ولِذَلِكَ قَدَّرْناهُ بِمَعْنى أنْ يَعْلَمُوا كَيْفَ تَكُونُ الشَّهادَةُ الصّادِقَةُ. فَأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها إيجادَ وازِعٍ لِلشُّهُودِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ وازِعًا هو تَوَقُّعُ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ. صفحة ٩٤ ومَعْنى ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ أنْ تَرْجِعَ أيْمانٌ إلى ورَثَةِ المُوصِي بَعْدَ أيْمانِ الشّاهِدَيْنِ. فالرَّدُّ هُنا مَجازٌ في الِانْتِقالِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قَلَبَ عَلَيْهِ اليَمِينَ، فَيُعَيَّرُوا بِهِ بَيْنَ النّاسِ، فَحَرْفُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وهو تَقْسِيمٌ يُفِيدُ تَفْضِيلَ ما أجْمَلَتْهُ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى﴾ إلَخْ. . . وجَمَعَ الأيْمانَ بِاعْتِبارِ عُمُومِ حُكْمِ الآيَةِ لِسائِرِ قَضايا الوَصايا الَّتِي مِن جِنْسِها، عَلى أنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ التَّثْنِيَةِ كَثِيرًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] . وذَيَّلَ هَذا الحُكْمَ الجَلِيلَ بِمَوْعِظَةِ جَمِيعِ الأُمَّةِ فَقالَ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾) الآيَةَ. وقَوْلُهُ (﴿واسْمَعُوا﴾) أمْرٌ بِالسَّمْعِ المُسْتَعْمَلِ في الطّاعَةِ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [المائدة: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ، لِأنَّ في اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ هُدًى وفي الإعْراضِ فِسْقًا. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾، أيِ المُعْرِضِينَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَهانُ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الرَّيْنِ عَلى القَلْبِ فَلا يَنْفُذُ إلَيْهِ الهُدى مِن بَعْدُ فَلا تَكُونُوهم وكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ. هَذا تَفْسِيرُ الآياتِ تَوَخَّيْتُ فِيهِ أوْضَحَ المَعانِي وأوْفَقَها بِالشَّرِيعَةِ، وأطَلْتُ في بَيانِ ذَلِكَ لِإزالَةِ ما غَمُضَ مِنَ المَعانِي تَحْتَ إيجازِها البَلِيغِ. وقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ مِنَ الإعْرابِ. وقالَ الفَخْرُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها. وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ. ولِقَصْدِ اسْتِيفاءِ مَعانِي الآياتِ مُتَتابِعَةً تَجَنَّبْتُ التَّعَرُّضَ لِما تُفِيدُهُ مِنَ الأحْكامِ واخْتِلافِ صفحة ٩٥ عُلَماءِ الإسْلامِ فِيها في أثْناءِ تَفْسِيرِها. وأخَّرْتُ ذَلِكَ إلى هَذا المَوْضِعِ حِينَ انْتَهَيْتُ مِن تَفْسِيرِ مَعانِيها. وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدُهُما الأمْرُ بِالإشْهادِ عَلى الوَصِيَّةِ، وثانِيهِما فَصْلُ القَضاءِ في قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ مَعَ أوْلِياءِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. فالأصْلُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . والأصْلُ الثّانِي مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ مَعْرِفَةُ وجْهِ القَضاءِ في أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يُتَّهَمُ فِيهِ الشُّهُودُ. وقَوْلُهُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وهو يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِها، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الأمْرِ لِأنَّ النّاسَ مُعْتادُونَ بِاسْتِحْفاظِ وصاياهم عِنْدَ مَحَلِّ ثِقَتِهِمْ. وأهَمُّ الأحْكامِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها اسْتِشْهادُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَهُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وثانِيها تَحْلِيفُ الشّاهِدِ عَلى أنَّهُ صادِقٌ في شَهادَتِهِ. وثالِثُها تَغْلِيظُ اليَمِينِ بِالزَّمانِ. فَأمّا الحُكْمُ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّ الغَيْرِيَّةَ غَيْرِيَّةٌ في الدِّينِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في القَضايا الجارِيَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقَوْلِهِ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، فَمِنهم مَن جَعَلَها خاصَّةً بِالشُّهَداءِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مُسْلِمُونَ. وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَضى بِذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في وصِيَّةٍ مِثْلَ هَذِهِ أيّامَ قَضائِهِ بِالكُوفَةِ، وقالَ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، وابْنِ صفحة ٩٦ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وجَماعَةٍ، وهم يَقُولُونَ: لا مَنسُوخَ في سُورَةِ المائِدَةِ، تَبَعًا لِابْنِ عَبّاسٍ. ومِنهم مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم عَلى أنَّهُ مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقِياسِ بَقِيَّةِ العُقُودِ المَشْهُودِ فِيها في السَّفَرِ عَلى شَهادَةِ الوَصِيَّةِ، فَقالَ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ ماضِيَةٌ، وزادَ فَجَعَلَها بِدُونِ يَمِينٍ. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وأنَّ قَبُولَ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ في السَّفَرِ حَيْثُ لا يُوجَدُ مُسْلِمُونَ لِلضَّرُورَةِ، وأنَّ وجْهَ اخْتِصاصِ الوَصِيَّةِ بِهَذا الحُكْمِ أنَّها تَعْرِضُ في حالَةٍ لا يَسْتَعِدُّ لَها المَرْءُ مِن قَبْلُ فَكانَ مَعْذُورًا في إشْهادِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الحالَةِ خَشْيَةَ الفَواتِ، بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ العُقُودِ فَيُمْكِنُ الِاسْتِعْدادُ لَها مِن قَبْلُ والتَّوَثُّقُ لَها بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكانَ هَذا الحُكْمُ رُخْصَةً. والحِكْمَةُ الَّتِي مِن أجْلِها لَمْ تُقْبَلْ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ شَهادَةُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إلّا في الضَّرُورَةِ، عِنْدَ مَن رَأى إعْمالَها في الضَّرُورَةِ، أنَّ قَبُولَ الشَّهادَةِ تَزْكِيَةٌ وتَعْدِيلٌ لِلشّاهِدِ وتَرْفِيعٌ لِمِقْدارِهِ إذْ جُعِلَ خَبَرُهُ مَقْطَعًا لِلْحُقُوقِ. فَقَدْ كانَ بَعْضُ القُضاةِ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُ لِلشُّهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ فِينا فَأنْتُمُ القُضاةُ ونَحْنُ المُنَفِّذُونَ. ولَمّا كانَ رَسُولُنا ﷺ قَدْ دَعا النّاسَ إلى اتِّباعِ دِينِهِ فَأعْرَضَ عَنْهُ أهْلُ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا أهْلًا أنْ تُزَكِّيَهم أُمَّتُهُ وتَسِمُهم بِالصِّدْقِ وهم كَذَّبُوا رَسُولَنا، ولِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ دِينَنا لا نَكُونُ عالِمِينَ بِحُدُودِ ما يَزَعُهُ عَنِ الكَذِبِ في خَبَرِهِ، ولا لِمَجالِ التَّضْيِيقِ والتَّوَسُّعِ في أعْمالِهِ النّاشِئَةِ عَنْ مُعْتَقَداتِهِ، إذْ لَعَلَّ في دِينِهِ ما يُبِيحُ لَهُ الكَذِبَ، وبِخاصَّةٍ إذا كانَتْ شَهادَتُهُ في حَقٍّ لِمَن يُخالِفُهُ في الدِّينِ، فَإنَّنا عَهِدْنا مِنهم أنَّهم لا يَتَوَخَّوْنَ الِاحْتِياطَ في حُقُوقِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ دِينِهِمْ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، الأُمِّيِّينَ أيِ المُسْلِمِينَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَظَنَّةً لِلْعَدالَةِ ولا كانَ مِقْدارُها فِيهِ مَضْبُوطًا. وهَذا حالُ الغالِبِ مِنهم، وفِيهِمْ مَن قالَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ولَكِنَّ الحُكْمَ لِلْغالِبِ. وأمّا حُكْمُ تَحْلِيفِ الشّاهِدِ عَلى صِدْقِهِ في شَهادَتِهِ فَلَمْ يَرِدْ في المَأْثُورِ إلّا في هَذا‌‌‌‌‌ صفحة ٩٧ المَوْضِعِ، فَأمّا الَّذِينَ قالُوا بِنَسْخِ قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ فَتَحْلِيفُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ الكافِرَيْنِ مَنسُوخٌ تَبَعًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وأمّا الَّذِينَ جَعَلُوهُ مُحْكَمًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن خَصَّ اليَمِينَ بِشاهِدَيِ الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ بِعِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَقاسَ عَلَيْهِ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ إذا تَطَرَّقَتْ إلَيْهِما الرِّيبَةُ ولَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ. وهَذا لا وجْهَ لَهُ إذْ قَدْ شَرَطَ اللَّهُ فِيهِما العَدالَةَ وهي تُنافِي الرِّيبَةَ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: هَذا إذا تَعَذَّرَتِ العَدالَةُ أوْ ضَعُفَتْ في بَعْضِ الأوْقاتِ ووَقَعَ الِاضْطِرارُ إلى اسْتِشْهادِ غَيْرِ العُدُولِ كَما هي حالَةُ مُعْظَمِ بِلادِ الإسْلامِ اليَوْمَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِتَحْلِيفِ الشّاهِدِ المَسْتُورِ الحالِ وجْهٌ في القَضاءِ. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا حُكْمُ تَغْلِيظِ اليَمِينِ فَقَدْ أُخِذَ مِنَ الآيَةِ أنَّ اليَمِينَ تَقَعُ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ أصْلًا في تَغْلِيظِ اليَمِينِ في نَظَرِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، ويَجِيءُ في تَغْلِيظِ اليَمِينِ أنْ يَكُونَ بِالزَّمانِ والمَكانِ واللَّفْظِ. وفي جَمِيعِها اخْتِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ، وأمّا التَّغْلِيظُ بِالمَكانِ وبِاللَّفْظِ فَتَفْصِيلُهُ في كُتُبِ الخِلافِ.

المائدة 5:108

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مَن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ . صفحة ٨٠ اسْتُؤْنِفَتْ هَذِهِ الآيُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِشَرْعِ أحْكامِ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ التَّشْرِيعاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ، تَحْقِيقًا لِإكْمالِ الدِّينِ، واسْتِقْصاءً لِما قَدْ يَحْتاجُ إلى عَمَلِهِ المُسْلِمُونَ. ومَوْقِعُها هُنا سَنَذْكُرُهُ. وقَدْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مَشْرُوعَةً بِآيَةِ البَقَرَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] . وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ابْتِداءِ مَشْرُوعِيَّتِها وفي مِقْدارِ ما نُسِخَ مِن حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ وما أُحْكِمَ في مَوْضِعِهِ هُنالِكَ. وحَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الوَصِيَّةِ وأمَرَ بِها، فَكانَتْ مَعْرُوفَةً مُتَداوَلَةً مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ مِنَ الإسْلامِ. وكانَتْ مَعْرُوفَةً في الجاهِلِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ المَرْءُ يُوصِي لِمَن يُوصِي لَهُ بِحَضْرَةِ ورَثَتِهِ وقَرابَتِهِ فَلا يَقَعُ نِزاعٌ بَيْنَهم بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ ما في النُّفُوسِ مِن حُرْمَةِ الوَصِيَّةِ والحِرْصِ عَلى إنْفاذِها حِفْظًا لِحَقِّ المَيِّتِ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلى تَحْقِيقِ حَقِّهِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى القُرْآنُ عَنْ شَرْعِ التَّوَثُّقِ لَها بِالإشْهادِ، خِلافًا لِما تَقَدَّمَ بِهِ مِن بَيانِ التَّوَثُّقِ في التَّبايُعِ بِآيَةِ ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والتَّوَثُّقُ في الدَّيْنِ بِآيَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَخْ، فَأكْمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانَ التَّوَثُّقِ لِلْوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِها ولِجَدارَةِ الوَصِيَّةِ بِالتَّوْثِيقِ لَها لِضَعْفِ الذِّيادِ عَنْها لِأنَّ البُيُوعَ والدُّيُونَ فِيها جانِبانِ عالِمانِ بِصُورَةِ ما انْعَقَدَ فِيها ويَذُبّانِ عَنْ مَصالِحِهِما فَيَتَّضِحُ الحَقُّ مِن خِلالِ سَعْيِهِما في إحْقاقِ الحَقِّ فِيها بِخِلافِ الوَصِيَّةِ فَإنَّ فِيها جانِبًا واحِدًا وهو جانِبُ المُوصى لَهُ لِأنَّ المُوصِي يَكُونُ قَدْ ماتَ وجانِبُ المُوصى لَهُ ضَعِيفٌ إذْ لا عِلْمَ لَهُ بِما عَقَدَ المُوصِي ولا بِما تَرَكَ، فَكانَتْ مُعَرَّضَةً لِلضَّياعِ كُلُّها أوْ بَعْضُها. وقَدْ كانَ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَسْتَحْفِظُونَ وصاياهم عِنْدَ المَوْتِ إلى أحَدٍ يَثِقُونَ بِهِ مِن أصْحابِهِمْ أوْ كُبَراءِ قَبِيلَتِهِمْ أوْ مَن حَضَرَ احْتِضارَ المُوصِي أوْ مَن كانَ أوْدَعَ صفحة ٨١ عِنْدَ المُوصِي خَبَرَ عَزْمِهِ. فَقَدْ أوْصى نِزارُ بْنُ مَعَدٍّ وصِيَّةً مُوجَزَةً وأحالَ أبْناءَهُ عَلى الأفْعى الجُرْهُمِيِّ أنْ يُبَيِّنَ لَهم تَفْصِيلَ مُرادِهُ مِنها. وقَدْ حَدَثَتْ في آخِرِ حَياةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حادِثَةٌ كانَتْ سَبَبًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ حُدُوثَها كانَ مُقارِنًا لِنُزُولِ الآيِ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَقِبَها في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ. ذَلِكَ أنَّهُ كانَ في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ نَزَلَتْ قَضِيَّةٌ؛ هي أنَّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما تَمِيمٌ الدّارِيُّ اللَّخْمِيُّ والآخَرُ عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، كانا مِن نَصارى العَرَبِ تاجِرَيْنِ، وهُما مِن أهْلِ (دارَيْنِ) وكانا يَتَّجِرانِ بَيْنَ الشّامِ ومَكَّةَ والمَدِينَةِ. فَخَرَجَ مَعَهُما مِنَ المَدِينَةِ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى بَنِي سَهْمٍ وكانَ مُسْلِمًا بِتِجارَةٍ إلى الشّامِ، فَمَرِضَ بُدَيْلٌ قِيلَ في الشّامِ وقِيلَ في الطَّرِيقِ بَرًّا أوْ بَحْرًا، وكانَ مَعَهُ في أمْتِعَتِهِ جامٌ مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ قاصِدًا بِهِ مَلِكَ الشّامِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أخَذَ صَحِيفَةً فَكَتَبَ فِيها ما عِنْدَهُ مِنَ المَتاعِ والمالِ ودَسَّها في مَطاوِي أمْتِعَتِهِ ودَفَعَ ما مَعَهُ إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ وأوْصاهُما بِأنْ يُبَلِّغاهُ مَوالِيهِ مِن بَنِي سَهْمٍ. وكانَ بُدَيْلٌ مَوْلًى لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ، فَوَلاؤُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِابْنِهِ عَمْرِو بْنِ العاصِي. وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: إنَّ ولاءَ بُدَيْلٍ لِعَمْرِو بْنِ العاصِي والمُطَّلِبِ بْنِ وداعَةَ. ويُؤَيِّدُ قَوْلَهم أنَّ المُطَّلِبَ حَلَفَ مَعَ عَمْرِو بْنِ العاصِي عَلى أنَّ الجامَ لِبُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: فَلَمّا رَجَعا باعا الجامَ بِمَكَّةَ بِألْفِ دِرْهَمٍ ورَجَعا إلى المَدِينَةِ فَدَفَعا ما لِبُدَيْلٍ إلى مَوالِيهِ. فَلَمّا نَشَرُوهُ وجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الجامُ فَأنْكَرا أنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِما جامًا. ثُمَّ وُجِدَ الجامُ بَعْدَ مُدَّةٍ يُباعُ بِمَكَّةَ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى الَّذِي عِنْدَهُ الجامُ فَقالَ: إنَّهُ ابْتاعَهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وفي رِوايَةٍ أنَّ تَمِيمًا لَمّا أسْلَمَ في سَنَةِ تِسْعٍ تَأثَّمَ مِمّا صَنَعَ فَأخْبَرَ عَمْرَو بْنَ العاصِي بِخَبَرِ الجامِ ودَفَعَ لَهُ الخَمْسَمِائَةِ الدِّرْهَمِ الصّائِرَةِ إلَيْهِ مِن ثَمَنِهِ، وطالَبَ عَمْرُو عَدِيًّا بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ فَأنْكَرَ أنْ يَكُونَ باعَهُ. وهَذا أمْثَلُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ساقَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا في كِتابِ الوَصايا. ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ، وقالَ: لَيْسَ إسْنادُهُ بِصَحِيحٍ. وهو وإنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الصِّحَّةِ فَقَدِ اشْتُهِرَ وتُلُقِّيَ بِالقَبُولِ، وقَدْ أسْنَدَهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ. صفحة ٨٢ واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ تَقاضَوْا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ، فَحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ عَلى أنَّ تَمِيمًا وعَدِيًّا أخْفَيا الجامَ وأنَّ بُدَيْلًا صاحِبُهُ وما باعَهُ ولا خَرَجَ مِن يَدِهِ. ودَفَعَ لَهُما عَدِيٌّ خَمْسَمِائَةَ دِرْهَمٍ وهو يَوْمَئِذٍ نَصْرانِيٌّ. وعَدِيٌّ هَذا قِيلَ: أسْلَمَ، وعَدَّهُ ابْنُ حِبّانَ وابْنُ مَندَهْ في عِدادِ الصَّحابَةِ، وقِيلَ: ماتَ نَصْرانِيًّا، ورَجَّحَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهو قَوْلُ أبِي نُعَيْمٍ، ويُرْوى عَنْ مُقاتِلٍ، ولَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الصَّحابَةِ. واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ نُزُولُها قَبْلَ التَّرافُعِ بَيْنَ الخَصْمِ في قَضِيَّةِ الجامِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُها بَعْدَ قَضاءِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ القَضِيَّةِ لِتَكُونَ تَشْرِيعًا لِما يَحْدُثُ مِن أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ. و(بَيْنَكم) أصْلُ (بَيْنَ) اسْمُ مَكانٍ مُبْهَمٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُبَيِّنُهُ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الأمْرِ المُتَعَلِّقِ بِعِدَّةِ أشْياءَ، وهو مَجْرُورٌ بِإضافَةِ شَهادَةٍ إلَيْهِ عَلى الِاتِّساعِ. وأصْلُهُ (شَهادَةٌ) بِالتَّنْوِينِ والرَّفْعِ بَيْنَكم بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. فَخَرَجَ (بَيْنَ) عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الِاسْمِيَّةِ كَما خَرَجَ عَنْها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ جَماعَةٍ مِنَ العَشَرَةِ بِرَفْعِ (بَيْنَكم) . وارْتَفَعَ (شَهادَةُ) عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ اثْنانِ. و﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ. ولَيْسَ في (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (شَهادَةُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ لِيُشْهِدْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ اثْنانِ، يَعْنِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُشْهِدَ بِذَلِكَ ويَجِبُ عَلَيْهِما أنْ يَشْهَدا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] . و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ بَدَلًا مُطابِقًا، فَإنَّ حِينَ حُضُورِ المَوْتِ هو الحِينُ الَّذِي يُوصِي فِيهِ النّاسُ غالِبًا. جِيءَ بِهَذا الظَّرْفِ الثّانِي لِيُتَخَلَّصَ بِهَذا البَدَلِ إلى المَقْصُودِ وهو الوَصِيَّةُ. وقَدْ كانَ العَرَبُ إذا رَأوْا عَلامَةَ المَوْتِ عَلى المَرِيضِ يَقُولُونَ: أوْصِ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ أخْبَرَ الطَّبِيبُ أنَّ جُرْحَهُ في أمْعائِهِ. ومَعْنى حُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ عَلاماتِهِ لِأنَّ تِلْكَ حالَةٌ يَتَخَيَّلُ فِيها المَرْءُ أنَّ المَوْتَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ لِيُصَيِّرَهُ مَيِّتًا، ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ الغَرْغَرَةِ لِأنَّ ما طُلِبَ مِنَ المُوصِي صفحة ٨٣ أنْ يَعْمَلَهُ يَسْتَدْعِي وقْتًا طَوِيلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (اثْنانِ) خَبَرٌ عَنْ (شَهادَةُ)، أيْ الشَّهادَةُ عَلى الوَصِيَّةِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَأخَذَ إعْرابَهُ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ والمَقْصُودُ الإيجازُ. فَماصَدَقُ اثْنانِ شاهِدانِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، وقَوْلِهِ (﴿ذَوا عَدْلٍ﴾) . وهَذانِ الشّاهِدانِ هُما وصِيّانِ مِنَ المَيِّتِ عَلى صِفَةِ وصِيَّتِهِ وإبْلاغِها، إلّا أنْ يَجْعَلَ المُوصِي وصِيًّا غَيْرَهُما فَيَكُونا شاهِدَيْنِ عَلى ذَلِكَ. والعَدْلُ والعَدالَةُ مُتَّحِدانِ، أيْ صاحِبا اتِّصافٍ بِالعَدالَةِ. ومَعْنى (مِنكم) مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما هو مُقْتَضى الخِطابِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ إذا خاطَبَ مُخاطَبَهُ بِوَصْفٍ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى بَعْضِهِ كانَ مَعْناهُ أنَّهُ بَعْضُ أصْحابِ الوَصْفِ، كَما قالَ الأنْصارُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: مِنّا أمِيرٌ ومِنكم أمِيرٌ. فالكَلامُ عَلى وصِيَّةِ المُؤْمِنِينَ. وعَلى هَذا دَرَجَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وقَتادَةَ، والأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ. وهو الَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ، وهو ظاهِرُ الوَصْفِ بِكَلِمَةِ مِنكم في مَواقِعِها في القُرْآنِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: مَعْنى قَوْلِهِ (مِنكم) مِن عَشِيرَتِكم وقَرابَتِكم. ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُقابِلِهِ وهو مِن غَيْرِكم أنَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكم. فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِمَّنْ قالُوا بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ إلى إعْمالِ هَذا وأجازُوا شَهادَةَ غَيْرِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ في الوَصِيَّةِ خاصَّةً، وخَصُّوا ذَلِكَ بِالذِّمِّيِّ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ، والثَّوْرِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى. وذَهَبَ فَرِيقٌ إلى أنَّ هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، ونُسِبَ إلى زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عَلى الصُّورَةِ الكامِلَةِ في شَهادَةِ الوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . صفحة ٨٤ وقَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ الآياتِ. . تَفْصِيلٌ لِلْحالَةِ الَّتِي تَعْرِضُ في السَّفَرِ. و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لا لِلتَّخْيِيرِ، والتَّقْسِيمُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الحالَيْنِ: حالِ الحاضِرِ وحالِ المُسافِرِ؛ ولِذَلِكَ اقْتَرَنَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَهو قَيْدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَشَهادَةُ آخَرَيْنِ مِن غَيْرِكم، فالمَصِيرُ إلى شَهادَةِ شاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ مَن يَراهُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والضَّرْبُ في الأرْضِ: السَّيْرُ فِيها. والمُرادُ بِهِ السَّفَرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ومَعْنى ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ حَلَّتْ بِكم، والفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُشارَفَةِ والمُقارَبَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً﴾ [النساء: ٩]، أيْ لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا ذُرِّيَّةً. وهَذا اسْتِعْمالٌ مِنَ اسْتِعْمالِ الأفْعالِ. ومِنهُ قَوْلُهم في الإقامَةِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وعَطَفَ قَوْلَهُ (﴿فَأصابَتْكُمْ﴾) عَلى ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، فَكانَ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ . أُعِيدَ هُنا لِرَبْطِ الكَلامِ بَعْدَ ما فُصِلَ بَيْنَهُ مِنَ الظُّرُوفِ والشُّرُوطِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (أصابَتْكم) كَضَمِيرِ الجَمْعِ في ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ . والمُصِيبَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تَحِلُّ بِالمَرْءِ مِن شَرٍّ وضُرٍّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ (تَحْبِسُونَهُما) حالٌ مِن (آخَرانِ) عِنْدَ مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صفحة ٨٥ بِمَعْنى مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. وأمّا عِنْدَ مَن جَعَلَهُ بِمَعْنى مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم فَإنَّهُ حالٌ مِنَ (اثْنانِ) ومِن (آخَرانِ) لِأنَّهُما مُتَعاطِفانِ بِـ (أوْ) . فَهُما أحَدُ قِسْمَيْنِ، ويَكُونُ التَّحْلِيفُ عِنْدَ الِاسْتِرابَةِ. والتَّحْلِيفُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بَعِيدٌ إذْ لا مُوجِبَ لِلِاسْتِرابَةِ في عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في تَحْبِسُونَهُما كَضَمِيرَيْ ضَرَبْتُمْ وأصابَتْكم. وكُلُّها مُسْتَعْمَلَةٌ في الجَمْعِ البَدَلِيِّ دُونَ الشُّمُولِيِّ، لِأنَّ جَمِيعَ المُخاطَبِينَ صالِحُونَ لِأنْ يَعْتَرِيهِمْ هَذا الحُكْمُ وإنَّما يَحِلُّ بِبَعْضِهِمْ. فَضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ واقِعَةٌ مَوْقِعَ مُقْتَضى الظّاهِرِ كُلُّها. وإنَّما جاءَتْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ العُمُومِ، دَفْعًا لِأنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ هَذا التَّشْرِيعَ خاصٌّ بِشَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لِأنَّ قَضِيَّةَ سَبَبِ النُّزُولِ كانَتْ في شَخْصَيْنِ؛ أوِ الخِطابُ والجَمْعُ لِلْمُسْلِمِينَ وحُكّامِهِمْ. والحَبْسُ: الإمْساكُ أيِ المَنعُ مِنَ الِانْصِرافِ. فَمِنهُ ما هو بِإكْراهٍ كَحَبْسِ الجانِي في بَيْتٍ أوْ إثْقافِهِ في قَيْدٍ. ومِنهُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، كَما في حَدِيثِ عَتْبانَ بْنِ مالِكٍ فَغَدا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ إلى أنْ قالَ وحَبَسْناهُ عَلى خَزِيرٍ صَنَعْناهُ، أيْ أمْسَكْناهُ. وهَذا هو المُرادُ في الآيَةِ، أيْ تُمْسِكُونَهُما ولا تَتْرُكُونَهُما يُغادِرانِكم حَتّى يَتَحَمَّلا الوَصِيَّةَ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ السِّجْنَ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ تَوْقِيتٌ لِإحْضارِهِما وإمْساكِهِما لِأداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ. والإتْيانِ بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ لِتَقْرِيبِ البَعْدِيَّةِ، أيْ قُرْبِ انْتِهاءِ الصَّلاةِ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ صَلاةٌ مِن صَلَواتِ المُسْلِمِينَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، فَمِنهم مَن قالَ: هي صَلاةُ العَصْرِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أحْلَفَ تَمِيمًا الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ بَدّاءٍ في قَضِيَّةِ الجامِ بَعْدَ العَصْرِ»، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وسَعِيدٍ، وشُرَيْحٍ، والشَّعْبِيِّ. ومِنهم مَن قالَ: الظُّهْرُ، وهو عَنِ الحَسَنِ. وتَحْتَمِلُ مِن بَعْدِ صَلاةِ دِينِهِما عَلى تَأْوِيلِ مِن غَيْرِكم بِمَعْنى صفحة ٨٦ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكم. ونُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، أيْ تُحْضِرُونَهُما عَقِبَ أدائِهِما صَلاتَهُما لِأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مِن إقْبالِهِما عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ والوُقُوفِ لِعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عُطِفَ عَلى (تَحْبِسُونَهُما) فَعُلِمَ أنَّ حَبْسَهُما بَعْدَ الصَّلاةِ لِأجْلِ أنْ يُقْسِما بِاللَّهِ. وضَمِيرُ (يُقْسِمانِ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (آخَرانِ) . فالحَلِفُ يُحَلِّفُهُ شاهِدا الوَصِيَّةِ اللَّذانِ هُما غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ لِزِيادَةِ الثِّقَةِ بِشَهادَتِهِما لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِعَدالَةِ غَيْرِ المُسْلِمِ. وقَوْلُهُ ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ تَظافَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا شَرْطٌ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (تَحْبِسُونَهُما) وما عُطِفَ عَلَيْهِ. واسْتُغْنِيَ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِيَتَأتّى الإيجازُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَدِّمْ لِقِيلَ: أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم فَإنِ ارْتَبْتُمْ فِيهِما تَحْبِسُونَهُما إلى آخِرِهِ. فَيَقْتَضِي هَذا التَّفْسِيرُ أنَّهُ لَوْ لَمْ تَحْصُلِ الرِّيبَةُ في صِدْقِهِما لَما لَزِمَ إحْضارُهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ وقَسَمُهُما، فَصارَ ذَلِكَ مَوْكُولًا لِخِيرَةِ الوَلِيِّ. وجُمْلَةُ الشَّرْطِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ القَسَمِ وجَوابِهِ. والوَجْهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي يَقُولُهُ الشّاهِدانِ، ومَعْناهُ أنَّ الشّاهِدَيْنِ يَقُولانِ: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِنا فَنَحْنُ نُقْسِمُ بِاللَّهِ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ الشَّهادَةَ، أيْ يَقُولانِ ذَلِكَ لِاطْمِئْنانِ نَفْسِ المُوصِي، لِأنَّ العَدالَةَ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ مَعَ احْتِمالِ وُجُودِ ما يُنافِيها مِمّا لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَأُكِّدَتْ مَظَنَّةُ الصِّدْقِ بِالحَلِفِ؛ فَيَكُونُ شَرْعُ هَذا الكَلامِ عَلى كُلِّ شاهِدٍ لِيَسْتَوِيَ فِيهِ جَمِيعُ الأحْوالِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ تَوْجِيهُ اليَمِينِ في بَعْضِ الأحْوالِ حَرَجًا عَلى الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِما اليَمِينُ مِن أنَّ اليَمِينَ تَعْرِيضٌ بِالشَّكِّ في صِدْقِهِما، فَكانَ فَرْضُ اليَمِينِ مِن قِبَلِ الشَّرْعِ دافِعًا لِلتَّحَرُّجِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الوَلِيِّ، لِأنَّ في كَوْنِ اليَمِينِ شَرْطًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعْذِرَةً في المُطالَبَةِ بِها، كَما قالَ جُمْهُورُ فُقَهائِنا في يَمِينِ القَضاءِ الَّتِي تَتَوَجَّهُ عَلى مَن يُثْبِتُ حَقًّا عَلى مَيِّتٍ أوْ غائِبٍ مِن أنَّها لازِمَةٌ قَبْلَ الحُكْمِ مُطْلَقًا ولَوْ أسْقَطَها الوارِثُ الرَّشِيدُ. ولَمْ أقِفْ عَلى مَن عَرَّجَ عَلى هَذا المَعْنى مِنَ المُفَسِّرِينَ صفحة ٨٧ إلّا قَوْلَ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ: وبَعْضُهم يَقِفُ عَلى (يُقْسِمانِ) ويَبْتَدِئُ (بِاللَّهِ) قَسَمًا ولا أُحِبُّهُ، وإلّا ما حَكاهُ الصَّفاقُسِيُّ في مُعْرَبِهِ عَنِ الجُرْجانِيِّ أنَّ هُنا قَوْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ ويَقُولانِ. ولَمْ يَظْهَرْ لِلصَّفاقُسِيِّ ما الَّذِي دَعا الجُرْجانِيَّ لِتَقْدِيرِ هَذا القَوْلِ. ولا أراهُ حَمَلَهُ عَلَيْهِ إلّا جَعْلُ قَوْلِهِ (إنِ ارْتَبْتُمْ) مِن كَلامِ الشّاهِدَيْنِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ، فَإنَّ القَسَمَ أوْلى بِالجَوابِ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ إلَخْ، ذَلِكَ هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ. ومَعْنى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا لا نَعْتاضُ بِالأمْرِ الَّذِي أقْسَمْنا عَلَيْهِ ثَمَنًا، أيْ عِوَضًا، فَضَمِيرُ بِهِ، عائِدٌ إلى القَسَمِ المَفْهُومِ مَن يُقْسِمانِ. وقَدْ أفادَ تَنْكِيرُ ثَمَنًا في سِياقِ النَّفْيِ عُمُومَ كُلِّ ثَمَنٍ. والمُرادُ بِالثَّمَنِ العِوَضُ، أيْ لا نُبَدِّلُ ما أقْسَمْنا عَلَيْهِ بِعِوَضٍ كائِنًا ما كانَ العِوَضُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (بِهِ) عائِدًا إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو ما اسْتَشْهَدا عَلَيْهِ مِن صِيغَةِ الوَصِيِّ بِجَمِيعِ ما فِيها. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ حالٌ مِن قَوْلِهِ ثَمَنًا الَّذِي هو بِمَعْنى العِوَضِ، أيْ ولَوْ كانَ العِوَضُ ذا قُرْبى، أيْ ذا قُرْبى مِنّا، و(لَوْ) شَرْطٌ يُفِيدُ المُبالَغَةَ فَإذا كانَ (ذا القُرْبى) لا يَرْضِيانِهِ عِوَضًا عَنْ تَبْدِيلِ شَهادَتِهِما فَأوْلى ما هو دُونَ ذَلِكَ. وذَلِكَ أنَّ أعْظَمَ ما يَدْفَعُ المَرْءَ إلى الحَيْفِ في عُرْفِ القَبائِلِ هو الحَمِيَّةُ والنُّصْرَةُ لِلْقَرِيبِ، فَذَلِكَ تَصْغُرُ دُونَهُ الرُّشى ومَنافِعُ الذّاتِ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (كانَ) عائِدٌ إلى قَوْلِهِ (ثَمَنًا) . ومَعْنى كَوْنِ الثَّمَنِ، أيِ العِوَضِ، ذا قُرْبى أنَّهُ إرْضاءُ ذِي القُرْبى ونَفْعُهُ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِجَعْلِ العِوَضِ ذاتَ (ذِي القُرْبى)، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ شَيْءٌ مِن عَلائِقِهِ يُعَيِّنُهُ المَقامُ. ونَظِيرُهُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ دَلالَةِ مِثْلِ هَذا الشَّرْطِ بِـ (لَوْ) وتَسْمِيَتُها صفحة ٨٨ وصْلِيَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ (ولا نَكْتُمُ) عُطِفَ عَلى (لا نَشْتَرِي)، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إحْلافِهِما أنْ يُؤَدِّيا الشَّهادَةَ كَما تَلَقَّياها فَلا يُغَيِّرا شَيْئًا مِنها ولا يَكْتُماها أصْلًا. وإضافَةُ الشَّهادَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ تَعْظِيمٌ لِخَطَرِها عِنْدَ الشّاهِدِ وغَيْرِهِ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أمَرَ بِأدائِها كَما هي وحَضَّ عَلَيْها أضافَها إلى اسْمِهِ حِفْظًا لَها مِنَ التَّغْيِيرِ، فالتَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ تَعالى تَذْكِيرٌ لِلشّاهِدِ بِهِ حِينَ القَسَمِ. وفِي قَوْلِهِ (﴿ولا نَكْتُمُ﴾) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ هُنا مَعْناها المُتَعارَفُ، وهو الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ خاصٍّ يَعْرِضُ في مِثْلِهِ التَّرافُعُ. ولَيْسَ المُرادُ بِها اليَمِينَ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَلا نُطِيلُ بِرَدِّهِ فَقَدْ رَدَّهُ اللَّفْظُ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّها جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ بِدَلِيلِ وُجُودِ (إذًا)، فَإنَّهُ حَرْفُ جَوابٍ: اسْتَشْعَرَ الشّاهِدانِ سُؤالًا مِنَ الَّذِي حَلَفا لَهُ بِقَوْلِهِما: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ، يَقُولُ في نَفْسِهِ: لَعَلَّكُما لا تَبِرّانِ بِما أقْسَمْتُما عَلَيْهِ، فَأجابا: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ، أيْ إنّا نَعْلَمُ تَبِعَةَ عَدَمِ البِرِّ بِما أقْسَمْنا عَلَيْهِ أنْ نَكُونَ مِنَ الآثِمِينَ، أيْ ولا نَرْضى بِذَلِكَ. والآثِمُ: مُرْتَكِبُ الإثْمِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ الإثْمَ هو الحِنْثُ بِوُقُوعِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا مَعَ (إذًا) الدّالَّةِ عَلى جَوابِ كَلامٍ يَخْتَلِجُ في نَفْسِ أوْلِياءِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ﴾ الآيَةَ، أيْ إنْ تَبَيَّنَ أنَّهُما كَتَما أوْ بَدَّلا وحَنَثا في يَمِينِهِما، بَطَلَتْ شَهادَتُهُما، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ فَرْعٌ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما، فَحَذَفَ ما يُعَبِّرُ عَنْ بُطْلانِ شَهادَتِهِما إيجازًا كَقَوْلِهِ ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ. صفحة ٨٩ ومَعْنى (عُثِرَ) اطَّلَعَ وتَبَيَّنَ ذَلِكَ، وأصْلُ فِعْلِ عَثَرَ أنَّهُ مُصادَفَةُ رِجْلِ الماشِي جِسْمًا ناتِئًا في الأرْضِ لَمْ يَتَرَقَّبْهُ ولَمْ يَحْذَرْ مِنهُ فَيَخْتَلُّ بِهِ انْدِفاعُ مَشْيِهِ، فَقَدْ يَسْقُطُ وقَدْ يَتَزَلْزَلُ. ومَصْدَرُهُ العِثارُ والعُثُورُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الظَّفَرِ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا الظَّفَرُ بِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ، فَخَصُّوا في الِاسْتِعْمالِ المَعْنى الحَقِيقِيَّ بِأحَدِ المَصْدَرَيْنِ وهو العِثارُ، وخَصُّوا المَعْنى المَجازِيَّ بِالمَصْدَرِ الآخَرِ، وهو العُثُورُ. ومَعْنى (﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾) ثَبَتَ أنَّهُما ارْتَكَبا ما يَأْثَمانِ بِهِ، فَقَدْ حُقَّ عَلَيْهِما الإثْمُ، أيْ وقَعَ عَلَيْهِما، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. والمُرادُ بِالإثْمِ هو الَّذِي تَبَرَّءا مِنهُ في قَوْلِهِ ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . فالإثْمُ هو أحَدُ هَذَيْنِ، بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما اسْتَبْدَلا بِما اسْتُؤْمِنا عَلَيْهِ عِوَضًا لِأنْفُسِهِما أوْ لِغَيْرِهِما، أوْ بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُما كَتَما الشَّهادَةَ، أيْ بَعْضَها. وحاصِلُ الإثْمِ أنْ يَتَّضِحَ ما يَقْدَحُ في صِدْقِهِما بِمُوجِبِ الثُّبُوتِ. وقَوْلُهُ (﴿فَآخَرانِ﴾) أيْ رَجُلانِ آخَرانِ، لِأنَّ وصْفَ آخَرَ يُطْلَقُ عَلى المُغايِرِ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ مَعَ المُماثَلَةِ في الجِنْسِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، والمُتَحَدَّثُ عَنْهُ هُنا اثْنانِ. فالمَعْنى فاثْنانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما في إثْباتِ الوَصِيَّةِ. ومَعْنى يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ يُعَوِّضانِ تِلْكَ الشَّهادَةَ. فَإنَّ المَقامَ هو مَحَلُّ القِيامِ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ مَحَلُّ عَمَلٍ ما ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قِيامٌ، ثُمَّ يُرادُ بِهِ العَمَلُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في مَحَلٍّ يَقُومُ فِيهِ العامِلُ، وذَلِكَ في العَمَلِ المُهِمِّ. قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ [يونس: ٧١] . فَمَقامُ الشّاهِدَيْنِ هو إثْباتُ الوَصِيَّةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ شَخْصانِ آخَرانِ يَكُونانِ مِنَ الجَماعَةِ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِحْقاقُ كَوْنُ الشَّيْءِ حَقِيقًا بِشَيْءٍ آخَرَ، فَيَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وهو الشَّيْءُ المُسْتَحَقُّ. وإذا كانَ الِاسْتِحْقاقُ عَنْ نِزاعٍ يُعَدّى الفِعْلُ إلى المَحْقُوقِ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ بِمَعْنى اللُّزُومِ لَهُ وإنْ كُرِهَ، كَأنَّهم ضَمَّنُوهُ مَعْنى صفحة ٩٠ وجَبَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] . ويُقالُ: اسْتَحَقَّ زَيْدٌ عَلى عَمْرٍو كَذا، أيْ وجَبَ لِزَيْدٍ حَقٌّ عَلى عَمْرٍو، فَأخَذَهُ مِنهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فالفاعِلُ المَحْذُوفُ في قَوْلِهِ (﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾) هو مُسْتَحِقٌّ ما، وهو الَّذِي انْتَفَعَ بِالشَّهادَةِ واليَمِينِ الباطِلَةِ، فَنالَ مِن تَرِكَةِ المُوصِي ما لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ المُوصِي وغَلَبَ وارِثَ المُوصِي بِذَلِكَ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي الَّذِينَ لَهم مالُهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الإرْثِ فَحُرِمُوا بَعْضَهُ. وقَوْلُهُ (عَلَيْهِمْ) قائِمٌ مَقامَ نائِبِ فاعِلِ (اسْتُحِقَّ) . وقَوْلُهُ: (﴿الأوْلَيانِ﴾) تَثْنِيَةُ أوْلى، وهو الأجْدَرُ والأحَقُّ، أيِ الأجْدَرانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما. فَماصَدَقُهُ هو ماصَدَقُ (الآخَرانِ) ومَرْجِعُهُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ، أنْ يُجْعَلَ خَبَرًا عَنْ آخَرانِ، فَإنَّ (آخَرانِ) لَمّا وُصِفَ بِجُمْلَةِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ صَحَّ الِابْتِداءُ بِهِ، أيْ فَشَخْصانِ آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِقَبُولِ قَوْلِهِما دُونَ الشّاهِدَيْنِ المُتَّهَمَيْنِ. وإنَّما عُرِّفَ بِاللّامِ لِأنَّهُ مَعْهُودٌ لِلْمُخاطَبِ ذِهْنًا لِأنَّ السّامِعَ إذا سَمِعَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ تَرَقَّبَ أنْ يَعْرِفَ مَن هو الأوْلى بِقَبُولِ قَوْلِهِ في هَذا الشَّأْنِ، فَقِيلَ لَهُ: آخَرانِ هُما الأوْلَيانِ بِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً و﴿آخَرانِ يَقُومانِ﴾ خَبَرَهُ. وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِتَعْجِيلِ الفائِدَةِ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ الحُكْمَ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ العُثُورَ عَلى كَذِبِ الشّاهِدَيْنِ يُسْقِطُ شَهادَتَهُما ويَمِينَهُما، فَكَيْفَ يَكُونُ القَضاءُ في ذَلِكَ، فَعَجَّلَ الجَوابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (آخَرانِ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُما الأوْلَيانِ. ونُكْتَةُ التَّعْرِيفِ هي عَلى الوُجُوهِ كُلِّها. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ، (الأوَّلِينَ) بِتَشْدِيدِ الواوِ مَفْتُوحَةً وبِكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعَ أوَّلٍ الَّذِي هو مَجازٌ بِمَعْنى المُقَدَّمِ والمُبْتَدَأِ بِهِ. فالَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ هم أوْلِياءُ المُوصِي حَيْثُ اسْتَحَقَّ المُوصى لَهُ الوَصِيَّةَ صفحة ٩١ مِن مالِ التَّرِكَةِ الَّذِي كانَ لِلْأوْلِياءِ، أيِ الوَرَثَةِ لَوْلا الوَصِيَّةُ، وهو مَجْرُورٌ نَعْتٌ لِـ ﴿الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ﴾ . وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (اسْتَحَقَّ) بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ فَيَكُونُ (الأوْلَيانِ) هو فاعِلُ (اسْتَحَقَّ)، وقَوْلُهُ ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ . ومَعْنى ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ أنَّهُما أوْلى بِأنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُما مِنَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا. ومَعْنى (أحَقُّ) أنَّها الحَقُّ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَةُ المُفاضَلَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْأحَقِّيَّةِ، لِأنَّ الأحَقِّيَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْعِهِما بِإثْباتِ ما كَتَمَهُ الشّاهِدانِ الأجْنَبِيّانِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ في الواقِعِ لَكانَتْ باطِلًا واعْتِداءً مِنهُما عَلى مالِ مُبَلِّغِي الوَصِيَّةِ. والمَعْنى: وما اعْتَدَيْنا عَلى الشّاهِدَيْنِ في اتِّهامِهِما بِإخْفاءِ بَعْضِ التَّرِكَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ لَوِ اعْتَدَيْنا لَكُنّا ظالِمِينَ. والمَقْصُودُ مِنهُ الإشْعارُ بِأنَّهُما مُتَذَكِّرانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وفي ذَلِكَ زِيادَةُ وازِعٍ. وقَدْ تَضَمَّنَ القَسَمُ عَلى صِدْقِ خَبَرِهِما يَمِينًا عَلى إثْباتِ حَقِّهِما فَهي مِنَ اليَمِينِ الَّتِي يَثْبُتُ بِها الحَقُّ مَعَ الشّاهِدِ العُرْفِيِّ، وهو شاهِدُ التُّهْمَةِ الَّتِي عُثِرَ عَلَيْها في الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُبَلِّغانِ الوَصِيَّةَ. والكَلامُ في (إذًا) هُنا مِثْلُ الكَلامِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ . والمَعْنى أنَّهُ إنِ اخْتَلَّتْ شَهادَةُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ انْتُقِلَ إلى يَمِينِ المُوصى لَهُ سَواءً كانَ المُوصى لَهُ واحِدًا أمْ مُتَعَدِّدًا. وإنَّما جاءَتِ الآيَةُ بِصِيغَةِ الِاثْنَيْنِ مُراعاةً لِلْقَضِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، وهي قَضِيَّةُ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَإنَّ ورَثَةَ صاحِبِ التَّرِكَةِ كانا اثْنَيْنِ هُما: عَمْرُو بْنُ العاصِي والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ، وكِلاهُما مِن بَنِي سَهْمٍ، وهُما مَوْلَيا بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ السَّهْمِيِّ صاحِبِ الجامِ. فَبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَذْكُرُ أنَّهُما مَوْلَيا صفحة ٩٢ بُدَيْلِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ مَوْلاهُ هو عَمْرُو بْنُ العاصِي. والظّاهِرُ مِن تَحْلِيفِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ أنَّ لَهُ ولاءً مِن بُدَيْلٍ، إذْ لا يُعْرَفُ في الإسْلامِ أنْ يَحْلِفَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِاليَمِينِ. فَإنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا حَلَفَ وحْدَهُ وإنْ كانَ أصْحابُ الحَقِّ جَماعَةً حَلَفُوا جَمِيعًا واسْتَحَقُّوا. ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ أنَّهُ إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ واحِدًا يَحْلِفُ مَعَهُ مَن لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ، ولا إنْ كانَ صاحِبُ الحَقِّ ثَلاثَةً فَأكْثَرَ أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ مِنهم ويَسْتَحِقُّونَ كُلُّهم. فالِاقْتِصارُ عَلى اثْنَيْنِ في أيْمانِ الأوْلَيَيْنِ ناظِرٌ إلى قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ، فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا خاصَّةً بِتِلْكَ القَضِيَّةِ. ويَجْرِي ما يُخالِفُ تِلْكَ القَضِيَّةَ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في الشَّرِيعَةِ في الِاسْتِحْقاقِ والتُّهَمِ. وهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ حُكْمِ الرَّسُولِ ﷺ في وصِيَّةِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. وذَلِكَ ظاهِرُ بَعْضِ رِواياتِ الخَبَرِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ حَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ تَشْرِيعًا لِأمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يَحْدُثُ في المُسْتَقْبَلِ، فَيَتَعَيَّنُ المَصِيرُ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ في اشْتِراطِ كَوْنِ الأوْلَيَيْنِ اثْنَيْنِ إنْ أمْكَنَ. وبَقِيَتْ صُورَةٌ لَمْ تَشْمَلْها الآيَةُ مِثْلُ أنْ لا يَجِدَ المُحْتَضِرُ إلّا واحِدًا مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ واحِدًا مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، أوْ يَجِدَ اثْنَيْنِ أحَدُهُما مُسْلِمٌ والآخَرُ غَيْرُ مُسْلِمٍ. وكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلى أحْكامِهِ المَعْرُوفَةِ في الأحْكامِ كُلِّها مِن يَمِينِ مَن قامَ لَهُ شاهِدٌ أوْ يَمِينِ المُنْكِرِ. والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ أدْنى﴾) إلى المَذْكُورِ مِنَ الحُكْمِ مِن قَوْلِهِ ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . و(أدْنى) بِمَعْنى أقْرَبُ، والقُرْبُ هُنا مَجازٌ في قُرْبِ العِلْمِ وهو الظَّنُّ، أيْ أقْوى إلى الظَّنِّ بِالصِّدْقِ. وضَمِيرُ (﴿يَأْتُوا﴾) عائِدٌ إلى الشُّهَداءِ، وهم: الآخَرانِ مِن غَيْرِكم، والآخَرانِ اللَّذانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أيْ أنْ يَأْتِي كُلُّ واحِدٍ مِنهم. فَجَمَعَ الضَّمِيرَ عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ. والمَعْنى أنَّ ما شَرَعَ اللَّهُ مِنَ التَّوْثِيقِ والضَّبْطِ، ومِن رَدِّ الشَّهادَةِ عِنْدَ العُثُورِ عَلى صفحة ٩٣ الرِّيبَةِ أرْجى إلى الظَّنِّ بِحُصُولِ الصِّدْقِ لِكَثْرَةِ ما ضَبَطَ عَلى كِلا الفَرِيقَيْنِ مِمّا يَنْفِي الغَفْلَةَ والتَّساهُلَ، بَلْهَ الزُّورَ والجَوْرَ مَعَ تَوَقِّي سُوءِ السُّمْعَةِ. ومَعْنى ﴿أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ﴾ أنْ يُؤَدُّوا الشَّهادَةَ. جُعِلَ أداؤُها والإخْبارُ بِها كالإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿عَلى وجْهِها﴾، أيْ عَلى سُنَّتِها وما هو مُقَوِّمُ تَمامِها وكَمالِها، فاسْمُ الوَجْهِ في مِثْلِ هَذا مُسْتَعارٌ لِأحْسَنِ ما في الشَّيْءِ وأكْمَلِهِ تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، إذْ هو العُضْوُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ المَرْءُ ويَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ. ولَمّا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الِاسْتِعارَةِ لِهَذا المَعْنى، وشاعَ هَذا المَعْنى في كَلامِهِمْ، قالُوا: جاءَ بِالشَّيْءِ الفُلانِيِّ عَلى وجْهِهِ، فَجَعَلُوا الشَّيْءَ مَأْتِيًّا بِهِ، ووَصَفُوهُ بِأنَّهُ أُتِيَ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِن وجْهِهِ، أيْ مِن كَمالِ أحْوالِهِ. فَحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ مِنهُ التَّمَكُّنُ، مِثْلُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشَّهادَةِ، وصارَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الوَجْهِ غَيْرُ مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. وسُنَّةُ الشَّهادَةِ وكَمالُها هو صِدْقُها والتَّثَبُّتُ فِيها والتَّنَبُّهُ لِما يَغْفُلُ عَنْهُ مِن مُخْتَلِفِ الأحْوالِ الَّتِي قَدْ يَسْتَخِفُّ بِها في الحالِ وتَكُونُ لِلْغَفْلَةِ عَنْها عَواقِبُ تُضَيِّعُ الحُقُوقَ، أيْ ذَلِكَ يُعَلِّمُهم وجْهَ التَّثَبُّتِ في التَّحَمُّلِ والأداءِ وتَوَخِّي الصِّدْقِ، وهو يَدْخُلُ في قاعِدَةِ لُزُومِ صِفَةِ اليَقَظَةِ لِلشّاهِدِ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الإعْذارِ في الشَّهادَةِ بِالطَّعْنِ أوِ المُعارَضَةِ، فَإنَّ في ذَلِكَ ما يَحْمِلُ شُهُودَ الشَّهادَةِ عَلى التَّثَبُّتِ في مُطابَقَةِ شَهادَتِهِمْ، لِلْواقِعِ لِأنَّ المُعارَضَةَ والإعْذارَ يَكْشِفانِ عَنِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (أنْ يَأْتُوا) بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ المَجْرُوراتِ، وذَلِكَ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أفادَتِ الإتْيانَ بِها صادِقَةً لا نُقْصانَ فِيها بِباعِثٍ مِن أنْفُسِ الشُّهُودِ، ولِذَلِكَ قَدَّرْناهُ بِمَعْنى أنْ يَعْلَمُوا كَيْفَ تَكُونُ الشَّهادَةُ الصّادِقَةُ. فَأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها إيجادَ وازِعٍ لِلشُّهُودِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأفادَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ وازِعًا هو تَوَقُّعُ ظُهُورِ كَذِبِهِمْ. صفحة ٩٤ ومَعْنى ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ أنْ تَرْجِعَ أيْمانٌ إلى ورَثَةِ المُوصِي بَعْدَ أيْمانِ الشّاهِدَيْنِ. فالرَّدُّ هُنا مَجازٌ في الِانْتِقالِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ: قَلَبَ عَلَيْهِ اليَمِينَ، فَيُعَيَّرُوا بِهِ بَيْنَ النّاسِ، فَحَرْفُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وهو تَقْسِيمٌ يُفِيدُ تَفْضِيلَ ما أجْمَلَتْهُ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى﴾ إلَخْ. . . وجَمَعَ الأيْمانَ بِاعْتِبارِ عُمُومِ حُكْمِ الآيَةِ لِسائِرِ قَضايا الوَصايا الَّتِي مِن جِنْسِها، عَلى أنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ التَّثْنِيَةِ كَثِيرًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] . وذَيَّلَ هَذا الحُكْمَ الجَلِيلَ بِمَوْعِظَةِ جَمِيعِ الأُمَّةِ فَقالَ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾) الآيَةَ. وقَوْلُهُ (﴿واسْمَعُوا﴾) أمْرٌ بِالسَّمْعِ المُسْتَعْمَلِ في الطّاعَةِ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [المائدة: ٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى التَّقْوى والطّاعَةِ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، وتَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ذَلِكَ، لِأنَّ في اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ هُدًى وفي الإعْراضِ فِسْقًا. ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾، أيِ المُعْرِضِينَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُسْتَهانُ بِهِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الرَّيْنِ عَلى القَلْبِ فَلا يَنْفُذُ إلَيْهِ الهُدى مِن بَعْدُ فَلا تَكُونُوهم وكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ. هَذا تَفْسِيرُ الآياتِ تَوَخَّيْتُ فِيهِ أوْضَحَ المَعانِي وأوْفَقَها بِالشَّرِيعَةِ، وأطَلْتُ في بَيانِ ذَلِكَ لِإزالَةِ ما غَمُضَ مِنَ المَعانِي تَحْتَ إيجازِها البَلِيغِ. وقَدْ نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ مِنَ الإعْرابِ. وقالَ الفَخْرُ: رَوى الواحِدِيُّ عَنْ عُمَرَ: هَذِهِ الآيَةُ أعْضَلُ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَّلَجُ في تَفْسِيرِها. وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ. ولِقَصْدِ اسْتِيفاءِ مَعانِي الآياتِ مُتَتابِعَةً تَجَنَّبْتُ التَّعَرُّضَ لِما تُفِيدُهُ مِنَ الأحْكامِ واخْتِلافِ صفحة ٩٥ عُلَماءِ الإسْلامِ فِيها في أثْناءِ تَفْسِيرِها. وأخَّرْتُ ذَلِكَ إلى هَذا المَوْضِعِ حِينَ انْتَهَيْتُ مِن تَفْسِيرِ مَعانِيها. وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أصْلَيْنِ: أحَدُهُما الأمْرُ بِالإشْهادِ عَلى الوَصِيَّةِ، وثانِيهِما فَصْلُ القَضاءِ في قَضِيَّةِ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ مَعَ أوْلِياءِ بُدَيْلِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ. فالأصْلُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ . والأصْلُ الثّانِي مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ مَعْرِفَةُ وجْهِ القَضاءِ في أمْثالِ تِلْكَ القَضِيَّةِ مِمّا يُتَّهَمُ فِيهِ الشُّهُودُ. وقَوْلُهُ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الشَّهادَةِ، وهو يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِها، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الأمْرِ لِأنَّ النّاسَ مُعْتادُونَ بِاسْتِحْفاظِ وصاياهم عِنْدَ مَحَلِّ ثِقَتِهِمْ. وأهَمُّ الأحْكامِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ ثَلاثَةٌ: أحَدُها اسْتِشْهادُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في حُقُوقِ المُسْلِمِينَ، عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَهُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وثانِيها تَحْلِيفُ الشّاهِدِ عَلى أنَّهُ صادِقٌ في شَهادَتِهِ. وثالِثُها تَغْلِيظُ اليَمِينِ بِالزَّمانِ. فَأمّا الحُكْمُ الأوَّلُ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّ الغَيْرِيَّةَ غَيْرِيَّةٌ في الدِّينِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في قَبُولِ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في القَضايا الجارِيَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقَوْلِهِ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهَذا قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، فَمِنهم مَن جَعَلَها خاصَّةً بِالشُّهَداءِ عَلى الوَصِيَّةِ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مُسْلِمُونَ. وهو قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَضى بِذَلِكَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ في وصِيَّةٍ مِثْلَ هَذِهِ أيّامَ قَضائِهِ بِالكُوفَةِ، وقالَ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وشُرَيْحٍ، وابْنِ صفحة ٩٦ سِيرِينَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وجَماعَةٍ، وهم يَقُولُونَ: لا مَنسُوخَ في سُورَةِ المائِدَةِ، تَبَعًا لِابْنِ عَبّاسٍ. ومِنهم مَن تَأوَّلَ قَوْلَهُ مِن غَيْرِكم عَلى أنَّهُ مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكم، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِقِياسِ بَقِيَّةِ العُقُودِ المَشْهُودِ فِيها في السَّفَرِ عَلى شَهادَةِ الوَصِيَّةِ، فَقالَ بِأنَّ شَهادَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ ماضِيَةٌ، وزادَ فَجَعَلَها بِدُونِ يَمِينٍ. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ حُكْمَ الآيَةِ غَيْرُ مَنسُوخٍ، وأنَّ قَبُولَ شَهادَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ في السَّفَرِ حَيْثُ لا يُوجَدُ مُسْلِمُونَ لِلضَّرُورَةِ، وأنَّ وجْهَ اخْتِصاصِ الوَصِيَّةِ بِهَذا الحُكْمِ أنَّها تَعْرِضُ في حالَةٍ لا يَسْتَعِدُّ لَها المَرْءُ مِن قَبْلُ فَكانَ مَعْذُورًا في إشْهادِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ في تِلْكَ الحالَةِ خَشْيَةَ الفَواتِ، بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ العُقُودِ فَيُمْكِنُ الِاسْتِعْدادُ لَها مِن قَبْلُ والتَّوَثُّقُ لَها بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكانَ هَذا الحُكْمُ رُخْصَةً. والحِكْمَةُ الَّتِي مِن أجْلِها لَمْ تُقْبَلْ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ شَهادَةُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ إلّا في الضَّرُورَةِ، عِنْدَ مَن رَأى إعْمالَها في الضَّرُورَةِ، أنَّ قَبُولَ الشَّهادَةِ تَزْكِيَةٌ وتَعْدِيلٌ لِلشّاهِدِ وتَرْفِيعٌ لِمِقْدارِهِ إذْ جُعِلَ خَبَرُهُ مَقْطَعًا لِلْحُقُوقِ. فَقَدْ كانَ بَعْضُ القُضاةِ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُ لِلشُّهُودِ: اتَّقُوا اللَّهَ فِينا فَأنْتُمُ القُضاةُ ونَحْنُ المُنَفِّذُونَ. ولَمّا كانَ رَسُولُنا ﷺ قَدْ دَعا النّاسَ إلى اتِّباعِ دِينِهِ فَأعْرَضَ عَنْهُ أهْلُ الكِتابِ لَمْ يَكُونُوا أهْلًا أنْ تُزَكِّيَهم أُمَّتُهُ وتَسِمُهم بِالصِّدْقِ وهم كَذَّبُوا رَسُولَنا، ولِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ دِينُهُ دِينَنا لا نَكُونُ عالِمِينَ بِحُدُودِ ما يَزَعُهُ عَنِ الكَذِبِ في خَبَرِهِ، ولا لِمَجالِ التَّضْيِيقِ والتَّوَسُّعِ في أعْمالِهِ النّاشِئَةِ عَنْ مُعْتَقَداتِهِ، إذْ لَعَلَّ في دِينِهِ ما يُبِيحُ لَهُ الكَذِبَ، وبِخاصَّةٍ إذا كانَتْ شَهادَتُهُ في حَقٍّ لِمَن يُخالِفُهُ في الدِّينِ، فَإنَّنا عَهِدْنا مِنهم أنَّهم لا يَتَوَخَّوْنَ الِاحْتِياطَ في حُقُوقِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ دِينِهِمْ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، الأُمِّيِّينَ أيِ المُسْلِمِينَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَظَنَّةً لِلْعَدالَةِ ولا كانَ مِقْدارُها فِيهِ مَضْبُوطًا. وهَذا حالُ الغالِبِ مِنهم، وفِيهِمْ مَن قالَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] ولَكِنَّ الحُكْمَ لِلْغالِبِ. وأمّا حُكْمُ تَحْلِيفِ الشّاهِدِ عَلى صِدْقِهِ في شَهادَتِهِ فَلَمْ يَرِدْ في المَأْثُورِ إلّا في هَذا‌‌‌‌‌ صفحة ٩٧ المَوْضِعِ، فَأمّا الَّذِينَ قالُوا بِنَسْخِ قَبُولِ شَهادَةِ الكافِرِ فَتَحْلِيفُ شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ الكافِرَيْنِ مَنسُوخٌ تَبَعًا، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. وأمّا الَّذِينَ جَعَلُوهُ مُحْكَمًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا، فَمِنهم مَن خَصَّ اليَمِينَ بِشاهِدَيِ الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ بِعِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَقاسَ عَلَيْهِ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ إذا تَطَرَّقَتْ إلَيْهِما الرِّيبَةُ ولَوْ كانا مُسْلِمَيْنِ. وهَذا لا وجْهَ لَهُ إذْ قَدْ شَرَطَ اللَّهُ فِيهِما العَدالَةَ وهي تُنافِي الرِّيبَةَ، نَعَمْ قَدْ يُقالُ: هَذا إذا تَعَذَّرَتِ العَدالَةُ أوْ ضَعُفَتْ في بَعْضِ الأوْقاتِ ووَقَعَ الِاضْطِرارُ إلى اسْتِشْهادِ غَيْرِ العُدُولِ كَما هي حالَةُ مُعْظَمِ بِلادِ الإسْلامِ اليَوْمَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ لِتَحْلِيفِ الشّاهِدِ المَسْتُورِ الحالِ وجْهٌ في القَضاءِ. والمَسْألَةُ مَبْسُوطَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا حُكْمُ تَغْلِيظِ اليَمِينِ فَقَدْ أُخِذَ مِنَ الآيَةِ أنَّ اليَمِينَ تَقَعُ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَكانَ ذَلِكَ أصْلًا في تَغْلِيظِ اليَمِينِ في نَظَرِ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، ويَجِيءُ في تَغْلِيظِ اليَمِينِ أنْ يَكُونَ بِالزَّمانِ والمَكانِ واللَّفْظِ. وفي جَمِيعِها اخْتِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُتَمَسَّكُ بِهِ بِواحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ إلّا قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وقَدْ بَيَّنْتُ أنَّ الأظْهَرَ أنَّهُ خاصٌّ بِالوَصِيَّةِ، وأمّا التَّغْلِيظُ بِالمَكانِ وبِاللَّفْظِ فَتَفْصِيلُهُ في كُتُبِ الخِلافِ.

المائدة 5:109

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طائِرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . صفحة ٩٨ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ [المائدة: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] . وما بَيْنَهُما جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ نَشَأ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَعادَ الكَلامُ الآنَ إلى أحْوالِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَدَّلَ كَثِيرٌ مِنهم تَبْدِيلًا بَلَغَ بِهِمْ إلى الكُفْرِ ومُضاهاةِ المُشْرِكِينَ، لِلتَّذْكِيرِ بِهَوْلٍ عَظِيمٍ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ تَكُونُ فِيهِ شَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ وبَراءَتُهم مِمّا أحْدَثَهُ أُمَمُهم بُعْدَهم في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، والتَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ إلى شَهادَةِ عِيسى عَلى النَّصارى بِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِتَأْلِيهِهِ وعِبادَتِهِ. وهَذا مُتَّصِلٌ في الغَرَضِ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] . فَإنَّ في تِلْكَ الآياتِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، وإبْعادًا وتَقْرِيبًا، وقَعَ الِانْتِقالُ مِنها إلى أحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ ناسَبَتْ ما ابْتَدَعَهُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . . . وتَفَنُّنُ الِانْتِقالِ إلى هَذا المَبْلَغِ، فَهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ تَمامِ نُهُوضِ الحُجَّةِ عَلى النَّصارى في مَشْهَدِ يَوْمِ القِيامَةِ. ولَقَدْ جاءَ هَذا مُناسِبًا لِلتَّذْكِيرِ العامِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] . ولِمُناسَبَةِ هَذا المَقامِ التَزَمَ وصْفَ عِيسى بِابْنِ مَرْيَمَ كُلَّما تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ أرْبَعُ مَرّاتٍ تَعْرِيضًا بِإبْطالِ دَعْوى أنَّهُ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى. ولِأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى الِاسْتِشْهادِ عَلى وصايا المَخْلُوقِينَ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى شَهادَةِ الرُّسُلِ عَلى وصايا الخالِقِ تَعالى، فَإنَّ الأدْيانَ وصايا اللَّهِ إلى خَلْقِهِ. قالَ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] . وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى شُهَداءً في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾) ظَرْفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أوْ يُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ لِلظَّرْفِ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا تَقَدَّمَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في إعْطائِهِ جَوابًا. وقَدْ حُذِفَ هَذا العامِلُ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّهْوِيلِ، تَقْدِيرُهُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَكُونُ هَوْلٌ عَظِيمٌ لا يَبْلُغُهُ طُولُ التَّعْبِيرِ فَيَنْبَغِي طَيُّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ صفحة ٩٩ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ إلَخْ. فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى الأُسْلُوبِ الَّذِي وقَعَ في الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَيَفْتَتِحُ بِهَذا الظَّرْفِ المَهُولِ ولِيُورِدَ الِاسْتِشْهادَ في صُورَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ والرُّسُلِ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو ما يَأْتِي بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] لِأنَّهُ لا جَدْوى في نَفْيِ الهِدايَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولِأنَّ جَزالَةَ الكَلامِ تُناسِبُ اسْتِئْنافَهُ، ولِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَيْرُ واسِعِ المَعْنى. ومِثْلُهُ قَوْلُ الزَّجّاجِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٠٨] عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ واتَّقُوا اللَّهَ لِأنَّ جَمْعَ الرُّسُلِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ شَأْنُ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِشْهادِ. يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ، وهو تَوْبِيخُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في حَياتِهِمْ أوْ بَدَّلُوا وارْتَدُّوا بَعْدَ مَماتِهِمْ. وظاهِرُ حَقِيقَةِ الإجابَةِ أنَّ المَعْنى: ماذا أجابَكُمُ الأقْوامُ الَّذِينَ أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ، أيْ ماذا تَلَقَّوْا بِهِ دَعَواتِكم، حَمْلًا عَلى ما هو بِمَعْناهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٦] . ويُحْمَلُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا عَلى مَعْنى لا عِلْمَ لَنا بِما يُضْمِرُونَ حِينَ أجابُوا فَأنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا. أوْ هو تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِمّا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ يَعْلَمُهُ رُسُلُهُمْ؛ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ نَفْيِ الرُّسُلِ العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ وتَفْوِيضِهِمْ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى. فَأجْمَعَ الرُّسُلُ في الجَوابِ عَلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ، أيْ أنَّ عِلْمَكَ سُبْحانَكَ أعْلى مِن كُلِّ عِلْمٍ وشَهادَتَكَ أعْدَلُ مِن كُلِّ شَهادَةٍ، فَكانَ جَوابَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنًا أُمُورًا: أحَدُها الشَّهادَةُ عَلى الكافِرِينَ مِن أُمَمِهِمْ بِأنَّ ما عامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ هو الحَقُّ. والثّانِي تَسْفِيهُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ في إنْكارِهِمُ الَّذِي لا يُجْدِيهِمْ. والثّالِثُ تَذْكِيرُ أُمَمِهِمْ بِما عامَلُوا بِهِ رُسُلَهم لِأنَّ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾، تَعْمِيمًا لِلتَّذْكِيرِ بِكُلِّ ما صَدَرَ مِن أُمَمِهِمْ مِن تَكْذِيبٍ وأذًى وعِنادٍ. ويُقالُ لِمَن يَسْألُ عَنْ شَيْءٍ لا أزِيدُكَ عِلْمًا بِذَلِكَ، أوْ أنْتَ تَعْرِفُ ما جَرى. صفحة ١٠٠ وإيرادُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بَعْدَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ. وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ تَأْوِيلُ قَوْلِ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا بِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما كانَ مِن آخِرِ الأُمَمِ بَعْدَ مَوْتِ رُسُلِهِمْ مِن دَوامٍ عَلى إقامَةِ الشَّرائِعِ أوِ التَّفْرِيطِ فِيها وتَبْدِيلِها فَيَكُونُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ مَحْمَلُ (ماذا) عَلى قَوْلِهِ ماذا أُجِبْتُمْ هو ما أجابُوا بِهِ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ ومِن دَوامِ المُصَدِّقِينَ عَلى تَصْدِيقِهِمْ أوْ نَقْصِ ذَلِكَ، ويُعَضِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما جاءَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآيَةَ فَإنَّ المُحاوَرَةَ مَعَ عِيسى بَعْضٌ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. وعَبَّرَ في جَوابِ الرُّسُلِ بِـ (قالُوا) المُفِيدُ لِلْمُضِيِّ مَعَ أنَّ الجَوابَ لَمْ يَقَعْ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ أنْ سَيَقَعَ حَتّى صارَ المُسْتَقْبَلُ مِن قُوَّةِ التَّحَقُّقِ بِمَنزِلَةِ الماضِي في التَّحَقُّقِ. عَلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ لا يُلْتَزَمُ فِيهِ مُراعاةُ صِيغَتِهِ لِزَمانِ وُقُوعِهِ لِأنَّ زَمانَ الوُقُوعِ يَكُونُ قَدْ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةِ سِياقِ المُحاوَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الغُيُوبِ بِضَمِّ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي لُغَةٌ لِدَفْعِ ثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الضَّمَّةِ إلى الباءِ، كَما تَقَدَّمَ في بُيُوتٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] مِن سُورَةِ النِّساءِ. وفَصَلَ (قالُوا) جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ظَرْفٌ، هو بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَإنَّ يَوْمَ الجَمْعِ مُشْتَمِلٌ عَلى زَمَنِ هَذا الخِطابِ لِعِيسى، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ ما يُقالُ لِعِيسى يَوْمَئِذٍ هو تَقْرِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ ضَلُّوا في شَأْنِ عِيسى بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطِ بُغْضٍ وإفْراطِ حُبٍّ. فَقَوْلُهُ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] اسْتِئْناسٌ صفحة ١٠١ لِعِيسى لِئَلّا يُفْزِعَهُ السُّؤالُ الوارِدُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلَخْ. . . وهَذا تَقْرِيعٌ لِلْيَهُودِ، وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ لِلنَّصارى. والمُرادُ مِنَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذّالِ وهو اسْتِحْضارُ الأمْرِ في الذِّهْنِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ اذْكُرْ لِلِامْتِنانِ، إذْ لَيْسَ عِيسى بِناسٍ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَتِهِ. ومِن لازِمِهِ خِزْيُ اليَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ ساحِرٌ مُفْسِدٌ إذْ لَيْسَ السِّحْرُ والفَسادُ بِنِعْمَةٍ يَعُدُّها اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ. ووَجْهُ ذِكْرِ والِدَتِهِ هُنا الزِّيادَةُ مِن تَبْكِيتِ اليَهُودِ وكَمَدِهِمْ لِأنَّهم تَنَقَّصُوها بِأقْذَعَ مِمّا تَنَقَّصُوهُ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نِعْمَتِي) لِما فِيها مِن مَعْنى المَصْدَرِ، أيِ النِّعْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو وقْتُ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ. ورُوحُ القُدُسِ هُنا جِبْرِيلُ عَلى الأظْهَرِ. والتَّأْيِيدُ ورُوحُ القُدُسِ تَقَدَّما في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . وجُمْلَةُ (تُكَلِّمُ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (أيَّدْتُكَ) وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ألْقى الكَلامَ مِنَ المَلِكِ عَلى لِسانِ عِيسى وهو في المَهْدِ، وفي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لَهُ لِإثْباتِ نَزاهَةِ تَكَوُّنِهِ، وفي ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وعَلى والِدَتِهِ إذْ ثَبَتَتْ بَراءَتُها مِمّا اتُّهِمَتْ بِهِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُكَلِّمُ) . (و كَهْلًا) مَعْطُوفٌ عَلى في المَهْدِ لِأنَّهُ حالٌ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] . والمَهْدُ والكَهْلُ تَقَدَّما في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَكْلِيمُهُ كَهْلًا أُرِيدَ بِهِ الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ فَهو مِنَ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ الَّذِي يُلْقِي إلى عِيسى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ هُنالِكَ. إلّا أنَّهُ قالَ هُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَأنْفُخُ فِيهِ. فَعَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الضَّمِيرَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عادَ إلى الطَّيْرِ، والضَّمِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ صفحة ١٠٢ عادَ إلى الهَيْئَةِ واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ هُنا عائِدًا إلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً. أيْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يَقْتَضِي صُوَرًا أوْ أجْسامًا أوْ أشْكالًا، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ يَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (أخْلُقُ) . وجَعَلَهُ في الكَشّافِ عائِدًا إلى الكافِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها صِفَةً لِلَّفْظِ هَيْئَةِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ لَفْظُ هَيْئَةِ المَدْخُولِ لِلْكافِ وكُلُّ ذَلِكَ ناظِرًا إلى أنَّ الهَيْئَةَ لا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَ (تَنْفُخُ)، إذِ الهَيْئَةُ مَعْنًى لا يُنْفَخُ فِيها ولا تَكُونُ طائِرًا. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿فَتَكُونُ طائِرًا﴾ بِالإفْرادِ كَما قَرَأ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَوْجِيهُها هُنا أنَّ الضَّمِيرَ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإذْ تَخْلُقُ، أيْ تُقَدِّرُ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَتَكُونُ الهَيْئَةُ طائِرًا، أيْ كُلُّ هَيْئَةٍ تُقَدِّرُها تَكُونُ واحِدًا مِنَ الطَّيْرِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ (﴿طَيْرًا﴾) بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يُقَدِّرُهُ مِن هَيْئاتٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقالَ هُنا ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ ولَمْ يَقُلْ: وتُحْيِ المَوْتى، كَما قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ تُخْرِجُهم مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً، فَأُطْلِقَ الإخْراجُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو الإحْياءُ، لِأنَّ المَيِّتَ وُضِعَ في القَبْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَيِّتًا فَكانَ إخْراجُهُ مِنَ القَبْرِ مَلْزُومًا لِانْعِكاسِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وُضِعَ في القَبْرِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ الإحْياءَ خُرُوجًا في قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] وقالَ ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] . وقَوْلُهُ ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ عُطِفَ عَلى إذْ أيَّدْتُكَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وهي نِعْمَةُ العِصْمَةِ مِنَ الإهانَةِ، فَقَدْ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ بَنِي إسْرائِيلَ سِنِينَ، وهو يَدْعُو إلى الدِّينِ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَعَ حِقْدِهِمْ وقِلَّةِ أنْصارِهِ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ضُرِّهِ حَتّى أدّى الرِّسالَةَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَفاقُوا وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى قَتْلِهِ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنهم فَرَفَعَهُ إلَيْهِ ولَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وماتَتْ نُفُوسُهم بِغَيْظِها. وقَدْ دَلَّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُدَّةِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَإنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كُلَّها مُدَّةُ ظُهُورِ مُعْجِزاتِهِ صفحة ١٠٣ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ تَخَلُّصٌ مِن تَنْهِيَةِ تَقْرِيعِ مُكَذِّبِيهِ إلى كَرامَةِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. واقْتُصِرَ مِن دَعاوِي تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ الِادِّعاءَ قَصَدُوا بِهِ التَّوَسُّلَ إلى قَتْلِهِ، لِأنَّ حُكْمَ السّاحِرِ في شَرِيعَةِ اليَهُودِ القَتْلُ إذِ السِّحْرُ عِنْدَهم كُفْرٌ، إذْ كانَ مِن صِناعَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقَدْ قَرَنَتِ التَّوْراةُ السِّحْرَ وعِرافَةِ الجانِّ بِالشِّرْكِ، كَما جاءَ في سِفْرِ اللاوِيِّيينَ في الإصْحاحِ العِشْرِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ﴾)، والإشارَةُ بِـ هَذا إلى مَجْمُوعِ ما شاهَدُوهُ مِنَ البَيِّناتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (إلّا ساحِرٌ) . والإشارَةُ إلى عِيسى المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ . ولا شَكَّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِعِيسى كِلْتا المَقالَتَيْنِ عَلى التَّفْرِيقِ أوْ عَلى اخْتِلافِ جَماعاتِ القائِلِينَ وأوْقاتِ القَوْلِ.

المائدة 5:110

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طائِرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . صفحة ٩٨ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ [المائدة: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٥] . وما بَيْنَهُما جُمَلٌ مُعْتَرِضَةٌ نَشَأ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ، فَعادَ الكَلامُ الآنَ إلى أحْوالِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَدَّلَ كَثِيرٌ مِنهم تَبْدِيلًا بَلَغَ بِهِمْ إلى الكُفْرِ ومُضاهاةِ المُشْرِكِينَ، لِلتَّذْكِيرِ بِهَوْلٍ عَظِيمٍ مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ تَكُونُ فِيهِ شَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الأُمَمِ وبَراءَتُهم مِمّا أحْدَثَهُ أُمَمُهم بُعْدَهم في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، والتَّخَلُّصُ مِن ذَلِكَ إلى شَهادَةِ عِيسى عَلى النَّصارى بِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهم بِتَأْلِيهِهِ وعِبادَتِهِ. وهَذا مُتَّصِلٌ في الغَرَضِ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ [المائدة: ٨٢] . فَإنَّ في تِلْكَ الآياتِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، وإبْعادًا وتَقْرِيبًا، وقَعَ الِانْتِقالُ مِنها إلى أحْكامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ ناسَبَتْ ما ابْتَدَعَهُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] . . . وتَفَنُّنُ الِانْتِقالِ إلى هَذا المَبْلَغِ، فَهَذا عَوْدٌ إلى بَيانِ تَمامِ نُهُوضِ الحُجَّةِ عَلى النَّصارى في مَشْهَدِ يَوْمِ القِيامَةِ. ولَقَدْ جاءَ هَذا مُناسِبًا لِلتَّذْكِيرِ العامِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] . ولِمُناسَبَةِ هَذا المَقامِ التَزَمَ وصْفَ عِيسى بِابْنِ مَرْيَمَ كُلَّما تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ أرْبَعُ مَرّاتٍ تَعْرِيضًا بِإبْطالِ دَعْوى أنَّهُ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى. ولِأنَّهُ لَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى الِاسْتِشْهادِ عَلى وصايا المَخْلُوقِينَ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى شَهادَةِ الرُّسُلِ عَلى وصايا الخالِقِ تَعالى، فَإنَّ الأدْيانَ وصايا اللَّهِ إلى خَلْقِهِ. قالَ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] . وقَدْ سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى شُهَداءً في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾) ظَرْفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِعامِلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بِنَحْوِ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أوْ يُقَدَّرُ لَهُ عامِلٌ يَكُونُ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ لِلظَّرْفِ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا تَقَدَّمَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في إعْطائِهِ جَوابًا. وقَدْ حُذِفَ هَذا العامِلُ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ مِنَ التَّهْوِيلِ، تَقْدِيرُهُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَكُونُ هَوْلٌ عَظِيمٌ لا يَبْلُغُهُ طُولُ التَّعْبِيرِ فَيَنْبَغِي طَيُّهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ صفحة ٩٩ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ إلَخْ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وأصْلُ نَظْمِ الكَلامِ: يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ إلَخْ. فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى الأُسْلُوبِ الَّذِي وقَعَ في الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَيَفْتَتِحُ بِهَذا الظَّرْفِ المَهُولِ ولِيُورِدَ الِاسْتِشْهادَ في صُورَةِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ والرُّسُلِ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو ما يَأْتِي بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. ومِنَ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٨] لِأنَّهُ لا جَدْوى في نَفْيِ الهِدايَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولِأنَّ جَزالَةَ الكَلامِ تُناسِبُ اسْتِئْنافَهُ، ولِأنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ غَيْرُ واسِعِ المَعْنى. ومِثْلُهُ قَوْلُ الزَّجّاجِ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١٠٨] عَلى أنَّ (يَوْمَ) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، وقِيلَ: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ واتَّقُوا اللَّهَ لِأنَّ جَمْعَ الرُّسُلِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ شَأْنُ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِشْهادِ. يَنْتَقِلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ، وهو تَوْبِيخُ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في حَياتِهِمْ أوْ بَدَّلُوا وارْتَدُّوا بَعْدَ مَماتِهِمْ. وظاهِرُ حَقِيقَةِ الإجابَةِ أنَّ المَعْنى: ماذا أجابَكُمُ الأقْوامُ الَّذِينَ أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ، أيْ ماذا تَلَقَّوْا بِهِ دَعَواتِكم، حَمْلًا عَلى ما هو بِمَعْناهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٦] . ويُحْمَلُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا عَلى مَعْنى لا عِلْمَ لَنا بِما يُضْمِرُونَ حِينَ أجابُوا فَأنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا. أوْ هو تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِمّا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ يَعْلَمُهُ رُسُلُهُمْ؛ فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ نَفْيِ الرُّسُلِ العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ وتَفْوِيضِهِمْ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى. فَأجْمَعَ الرُّسُلُ في الجَوابِ عَلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ، أيْ أنَّ عِلْمَكَ سُبْحانَكَ أعْلى مِن كُلِّ عِلْمٍ وشَهادَتَكَ أعْدَلُ مِن كُلِّ شَهادَةٍ، فَكانَ جَوابَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنًا أُمُورًا: أحَدُها الشَّهادَةُ عَلى الكافِرِينَ مِن أُمَمِهِمْ بِأنَّ ما عامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ هو الحَقُّ. والثّانِي تَسْفِيهُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ في إنْكارِهِمُ الَّذِي لا يُجْدِيهِمْ. والثّالِثُ تَذْكِيرُ أُمَمِهِمْ بِما عامَلُوا بِهِ رُسُلَهم لِأنَّ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾، تَعْمِيمًا لِلتَّذْكِيرِ بِكُلِّ ما صَدَرَ مِن أُمَمِهِمْ مِن تَكْذِيبٍ وأذًى وعِنادٍ. ويُقالُ لِمَن يَسْألُ عَنْ شَيْءٍ لا أزِيدُكَ عِلْمًا بِذَلِكَ، أوْ أنْتَ تَعْرِفُ ما جَرى. صفحة ١٠٠ وإيرادُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بَعْدَ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الخَبَرِ وتَأْكِيدِهِ. وعَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ تَأْوِيلُ قَوْلِ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا بِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ما كانَ مِن آخِرِ الأُمَمِ بَعْدَ مَوْتِ رُسُلِهِمْ مِن دَوامٍ عَلى إقامَةِ الشَّرائِعِ أوِ التَّفْرِيطِ فِيها وتَبْدِيلِها فَيَكُونُ قَوْلُ الرُّسُلِ لا عِلْمَ لَنا مَحْمُولًا عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ مَحْمَلُ (ماذا) عَلى قَوْلِهِ ماذا أُجِبْتُمْ هو ما أجابُوا بِهِ مِن تَصْدِيقٍ وتَكْذِيبٍ ومِن دَوامِ المُصَدِّقِينَ عَلى تَصْدِيقِهِمْ أوْ نَقْصِ ذَلِكَ، ويُعَضِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما جاءَ بَعْدَ هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] الآيَةَ فَإنَّ المُحاوَرَةَ مَعَ عِيسى بَعْضٌ مِنَ المُحاوَرَةِ مَعَ بَقِيَّةِ الرُّسُلِ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. وعَبَّرَ في جَوابِ الرُّسُلِ بِـ (قالُوا) المُفِيدُ لِلْمُضِيِّ مَعَ أنَّ الجَوابَ لَمْ يَقَعْ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ أنْ سَيَقَعَ حَتّى صارَ المُسْتَقْبَلُ مِن قُوَّةِ التَّحَقُّقِ بِمَنزِلَةِ الماضِي في التَّحَقُّقِ. عَلى أنَّ القَوْلَ الَّذِي تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ لا يُلْتَزَمُ فِيهِ مُراعاةُ صِيغَتِهِ لِزَمانِ وُقُوعِهِ لِأنَّ زَمانَ الوُقُوعِ يَكُونُ قَدْ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةِ سِياقِ المُحاوَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الغُيُوبِ بِضَمِّ الغَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الغَيْنِ وهي لُغَةٌ لِدَفْعِ ثِقَلِ الِانْتِقالِ مِنَ الضَّمَّةِ إلى الباءِ، كَما تَقَدَّمَ في بُيُوتٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ﴾ [النساء: ١٥] مِن سُورَةِ النِّساءِ. وفَصَلَ (قالُوا) جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ظَرْفٌ، هو بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، فَإنَّ يَوْمَ الجَمْعِ مُشْتَمِلٌ عَلى زَمَنِ هَذا الخِطابِ لِعِيسى، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ ما يُقالُ لِعِيسى يَوْمَئِذٍ هو تَقْرِيعُ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ ضَلُّوا في شَأْنِ عِيسى بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطِ بُغْضٍ وإفْراطِ حُبٍّ. فَقَوْلُهُ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥] اسْتِئْناسٌ صفحة ١٠١ لِعِيسى لِئَلّا يُفْزِعَهُ السُّؤالُ الوارِدُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلَخْ. . . وهَذا تَقْرِيعٌ لِلْيَهُودِ، وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ لِلنَّصارى. والمُرادُ مِنَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ الذُّكْرُ بِضَمِّ الذّالِ وهو اسْتِحْضارُ الأمْرِ في الذِّهْنِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ اذْكُرْ لِلِامْتِنانِ، إذْ لَيْسَ عِيسى بِناسٍ لِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى والِدَتِهِ. ومِن لازِمِهِ خِزْيُ اليَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهُ ساحِرٌ مُفْسِدٌ إذْ لَيْسَ السِّحْرُ والفَسادُ بِنِعْمَةٍ يَعُدُّها اللَّهُ عَلى عَبْدِهِ. ووَجْهُ ذِكْرِ والِدَتِهِ هُنا الزِّيادَةُ مِن تَبْكِيتِ اليَهُودِ وكَمَدِهِمْ لِأنَّهم تَنَقَّصُوها بِأقْذَعَ مِمّا تَنَقَّصُوهُ. والظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نِعْمَتِي) لِما فِيها مِن مَعْنى المَصْدَرِ، أيِ النِّعْمَةَ الحاصِلَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو وقْتُ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ. ورُوحُ القُدُسِ هُنا جِبْرِيلُ عَلى الأظْهَرِ. والتَّأْيِيدُ ورُوحُ القُدُسِ تَقَدَّما في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] . وجُمْلَةُ (تُكَلِّمُ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِـ (أيَّدْتُكَ) وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ ألْقى الكَلامَ مِنَ المَلِكِ عَلى لِسانِ عِيسى وهو في المَهْدِ، وفي ذَلِكَ تَأْيِيدٌ لَهُ لِإثْباتِ نَزاهَةِ تَكَوُّنِهِ، وفي ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلَيْهِ، وعَلى والِدَتِهِ إذْ ثَبَتَتْ بَراءَتُها مِمّا اتُّهِمَتْ بِهِ. والجارُّ والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ ﴿فِي المَهْدِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُكَلِّمُ) . (و كَهْلًا) مَعْطُوفٌ عَلى في المَهْدِ لِأنَّهُ حالٌ أيْضًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] . والمَهْدُ والكَهْلُ تَقَدَّما في تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَكْلِيمُهُ كَهْلًا أُرِيدَ بِهِ الدَّعْوَةُ إلى الدِّينِ فَهو مِنَ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ الَّذِي يُلْقِي إلى عِيسى ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ هُنالِكَ. إلّا أنَّهُ قالَ هُنا ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ وقالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَأنْفُخُ فِيهِ. فَعَنْ مَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ الضَّمِيرَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عادَ إلى الطَّيْرِ، والضَّمِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ صفحة ١٠٢ عادَ إلى الهَيْئَةِ واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ هُنا عائِدًا إلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً. أيْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يَقْتَضِي صُوَرًا أوْ أجْسامًا أوْ أشْكالًا، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ المُذَكَّرُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ يَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (أخْلُقُ) . وجَعَلَهُ في الكَشّافِ عائِدًا إلى الكافِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها صِفَةً لِلَّفْظِ هَيْئَةِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ لَفْظُ هَيْئَةِ المَدْخُولِ لِلْكافِ وكُلُّ ذَلِكَ ناظِرًا إلى أنَّ الهَيْئَةَ لا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَ (تَنْفُخُ)، إذِ الهَيْئَةُ مَعْنًى لا يُنْفَخُ فِيها ولا تَكُونُ طائِرًا. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ﴿فَتَكُونُ طائِرًا﴾ بِالإفْرادِ كَما قَرَأ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَوْجِيهُها هُنا أنَّ الضَّمِيرَ جَرى عَلى التَّأْنِيثِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ وإذْ تَخْلُقُ، أيْ تُقَدِّرُ هَيْئَةً كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَتَكُونُ الهَيْئَةُ طائِرًا، أيْ كُلُّ هَيْئَةٍ تُقَدِّرُها تَكُونُ واحِدًا مِنَ الطَّيْرِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ (﴿طَيْرًا﴾) بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يُقَدِّرُهُ مِن هَيْئاتٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقالَ هُنا ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ ولَمْ يَقُلْ: وتُحْيِ المَوْتى، كَما قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ تُخْرِجُهم مِن قُبُورِهِمْ أحْياءً، فَأُطْلِقَ الإخْراجُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو الإحْياءُ، لِأنَّ المَيِّتَ وُضِعَ في القَبْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ مَيِّتًا فَكانَ إخْراجُهُ مِنَ القَبْرِ مَلْزُومًا لِانْعِكاسِ السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ وُضِعَ في القَبْرِ. وقَدْ سَمّى اللَّهُ الإحْياءَ خُرُوجًا في قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] وقالَ ﴿أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] . وقَوْلُهُ ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ عُطِفَ عَلى إذْ أيَّدْتُكَ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وهَذا مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، وهي نِعْمَةُ العِصْمَةِ مِنَ الإهانَةِ، فَقَدْ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ بَنِي إسْرائِيلَ سِنِينَ، وهو يَدْعُو إلى الدِّينِ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَعَ حِقْدِهِمْ وقِلَّةِ أنْصارِهِ، فَصَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ضُرِّهِ حَتّى أدّى الرِّسالَةَ، ثُمَّ لَمّا اسْتَفاقُوا وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى قَتْلِهِ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنهم فَرَفَعَهُ إلَيْهِ ولَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وماتَتْ نُفُوسُهم بِغَيْظِها. وقَدْ دَلَّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُدَّةِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ فَإنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كُلَّها مُدَّةُ ظُهُورِ مُعْجِزاتِهِ صفحة ١٠٣ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ﴾ تَخَلُّصٌ مِن تَنْهِيَةِ تَقْرِيعِ مُكَذِّبِيهِ إلى كَرامَةِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. واقْتُصِرَ مِن دَعاوِي تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لِأنَّ ذَلِكَ الِادِّعاءَ قَصَدُوا بِهِ التَّوَسُّلَ إلى قَتْلِهِ، لِأنَّ حُكْمَ السّاحِرِ في شَرِيعَةِ اليَهُودِ القَتْلُ إذِ السِّحْرُ عِنْدَهم كُفْرٌ، إذْ كانَ مِن صِناعَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، فَقَدْ قَرَنَتِ التَّوْراةُ السِّحْرَ وعِرافَةِ الجانِّ بِالشِّرْكِ، كَما جاءَ في سِفْرِ اللاوِيِّيينَ في الإصْحاحِ العِشْرِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ﴾)، والإشارَةُ بِـ هَذا إلى مَجْمُوعِ ما شاهَدُوهُ مِنَ البَيِّناتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (إلّا ساحِرٌ) . والإشارَةُ إلى عِيسى المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ . ولا شَكَّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِعِيسى كِلْتا المَقالَتَيْنِ عَلى التَّفْرِيقِ أوْ عَلى اخْتِلافِ جَماعاتِ القائِلِينَ وأوْقاتِ القَوْلِ.

المائدة 5:111

﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ ما يَقُولُهُ اللَّهُ لِعِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ. فَإنَّ إيمانَ الحَوارِيِّينَ نِعْمَةٌ عَلى عِيسى إذْ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ لَما وجَدَ مَن يَتَّبِعُ دِينَهُ فَلا يَحْصُلُ لَهُ الثَّوابُ المُتَجَدِّدُ بِتَجَدُّدِ اهْتِداءِ الأجْيالِ بِدِينِهِ إلى أنْ جاءَ نَسْخُهُ بِالإسْلامِ. والمُرادُ بِالوَحْيِ إلى الحَوارِيِّينَ إلْهامُهم عِنْدَ سَماعِ دَعْوَةِ عِيسى لِلْمُبادَرَةِ بِتَصْدِيقِهِ، فَلَيْسَ المُرادُ بِالوَحْيِ الَّذِي بِهِ دَعاهم عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَحْيُ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى عِيسى لِيَدْعُوَ بَنِي إسْرائِيلَ إلى دِينِهِ. وخَصَّ الحَوارِيُّونَ بِهِ هُنا تَنْوِيهًا بِهِمْ حَتّى كَأنَّ الوَحْيَ بِالدَّعْوَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا لِأجْلِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ حَصَلَ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ فَكَفَرَ أكْثَرُهم عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]؛ صفحة ١٠٤ فَكانَ الحَوارِيُّونَ سابِقِينَ إلى الإيمانِ لَمْ يَتَرَدَّدُوا في صِدْقِ عِيسى. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي ألْقاهُ اللَّهُ في قُلُوبِ الحَوارِيِّينَ. وفَصْلُ جُمْلَةِ (قالُوا آمَنّا) لِأنَّها جَوابُ ما فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وهو (أوْحَيْنا)، عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ حَصَلَ حِينَ ألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ تَصْدِيقَ عِيسى فَكَأنَّهُ خاطَبَهم فَأجابُوهُ. والخِطابُ في قَوْلِهِمْ ”واشْهَدْ“ لِلَّهِ تَعالى وإنَّما قالُوا ذَلِكَ بِكَلامٍ نَفْسِيٍّ مِن لُغَتِهِمْ، فَحَكى اللَّهُ مَعْناهُ بِما يُؤَدِّيهِ قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ . وسَمّى إيمانَهم إسْلامًا لِأنَّهُ كانَ تَصْدِيقًا راسِخًا قَدِ ارْتَفَعُوا بِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ إيمانِ عامَّةِ مَن آمَنَ بِالمَسِيحِ غَيْرُهم، فَكانُوا مُماثِلِينَ لِإيمانِ عِيسى، وهو إيمانُ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِيِّينَ، وقَدْ قَدَّمْتُ بَيانَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

المائدة 5:112

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَيَكُونُ إذْ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ قالُوا آمَنّا فَيَكُونُ مِمّا يُذَكِّرُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَحُكِيَ عَلى حَسَبِ حُصُولِهِ في الدُّنْيا ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنَّ سُؤالَهُمُ المائِدَةَ حَصَلَ في أوَّلِ أوْقاتِ إيمانِهِمْ بَلْ في وقْتٍ آخَرَ. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ فَإنَّ قَوْلَهم آمَنّا قَدْ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِمُناسَباتٍ، كَما يَكُونُ عِنْدَ سَماعِهِمْ تَكْذِيبَ اليَهُودِ عِيسى، أوْ عِنْدَ ما يُشاهِدُونَ آياتٍ عَلى يَدِ عِيسى، أوْ يَقُولُونَهُ لِإعادَةِ اسْتِحْضارِ الإيمانِ شَأْنَ الصِّدِّيقِيِّينَ الَّذِينَ يُحاسِبُونَ أنْفُسَهم ويُصْقِلُونَ إيمانَهم صفحة ١٠٥ فَيَقُولُونَ في كُلِّ مُعاوَدَةٍ. آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ. وأمّا ما قَرَّرَ بِهِ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ الكَلامِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ابْتِدائِيَّةً بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] في سُورَةِ النَّمْلِ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَخَلُّصًا إلى ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ ما دارَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ الحَوارِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] . وابْتَدَأُوا خِطابَهم عِيسى بِنِدائِهِ بِاسْمِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سَيَقُولُونَهُ أمْرٌ فِيهِ اقْتِراحٌ وكُلْفَةٌ لَهُ، وكَذَلِكَ شَأْنُ مَن يُخاطِبُ مَن يَتَجَشَّمُ مِنهُ كُلْفَةً أنْ يُطِيلَ خِطابَهُ طَلَبًا لِإقْبالِ سَمْعِهِ إلَيْهِ لِيَكُونَ أوْعى لِلْمَقْصُودِ. وجَرى قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ في العَرْضِ والدُّعاءِ، يَقُولُونَ لِلْمُسْتَطِيعِ لِأمْرٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ كَذا، عَلى مَعْنى تَطَلُّبِ العُذْرِ لَهُ إنْ لَمْ يُجِبْكَ إلى مَطْلُوبِكَ، وأنَّ السّائِلَ لا يُحِبُّ أنْ يُكَلِّفَ المَسْئُولَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ فَلَمْ يَبْقَ مَنظُورًا فِيهِ إلى صَرِيحِ المَعْنى المُقْتَضِي أنَّهُ يَشُكُّ في اسْتِطاعَةِ المَسْئُولِ، وإنَّما يَقُولُ ذَلِكَ الأدْنى لِلْأعْلى مِنهُ، وفي شَيْءٍ يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطاعٌ لِلْمَسْئُولِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ تَحَقُّقُ المَسْئُولِ أنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ اسْتِطاعَتَهُ. ومِنهُ ما جاءَ في حَدِيثِ يَحْيى المازِنِيِّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ. فَإنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ قَوْلُ الحَوارِيِّينَ المَحْكِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ في القُرْآنِ إلّا لَفْظًا مِن لُغَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى التَّلَطُّفِ والتَّأدُّبِ في السُّؤالِ، كَما هو مُناسِبُ أهْلِ الإيمانِ الخالِصِ. ولَيْسَ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهم سَألُوا آيَةً لِزِيادَةِ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِأنْ يَنْتَقِلُوا مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ إلى الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فَإنَّ النُّفُوسَ بِالمَحْسُوسِ آنَسُ، كَما لَمْ يَكُنْ سُؤالُ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] شَكًّا في الحالِ. وعَلى هَذا المَعْنى جَرى تَفْسِيرُ المُحَقِّقِينَ مِثْلَ ابْنِ عَطِيَّةَ، والواحِدِيِّ، والبَغَوِيِّ خِلافًا لِما في الكَشّافِ. صفحة ١٠٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَسْتَطِيعُ بِياءِ الغَيْبَةِ ورَفْعِ رَبُّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِتاءِ المُخاطَبِ ونَصْبِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبَّكَ) عَلى أنَّ (رَبَّكَ) مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى هَلْ تَسْألُ لَنا رَبَّكَ، فَعَبَّرَ بِالِاسْتِطاعَةِ عَنْ طَلَبِ الطّاعَةِ، أيْ إجابَةِ السُّؤالِ. وقِيلَ: هي عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ في إعْرابِهِ. وفي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، ولَكِنْ قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ. «وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أقْرَأْنا النَّبِيءُ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ») . واسْمُ (مائِدَةً) هو الخِوانُ المَوْضُوعُ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَهو اسْمٌ لِمَعْنًى مُرَكَّبٍ يَدُلُّ عَلى طَعامٍ وما يُوضَعُ عَلَيْهِ. والخِوانُ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها تَخْتٌ مِن خَشَبٍ لَهُ قَوائِمُ مَجْعُولٌ لِيُوضَعَ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ، اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: هو أعْجَمِيٌّ. وفي حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما أكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خِوانٍ قَطُّ، ولا في سُكْرُجَةٍ، قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ لِأنَسٍ: فَعَلامَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ ؟ قالَ: عَلى السُّفَرِ» . وقِيلَ: المائِدَةُ اسْمُ الطَّعامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في وِعاءٍ ولا عَلى خِوانٍ. وجَزَمَ بِذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ المَحَلِّ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ مَوائِدُ إنَّما كانَتْ لَهُمُ السُّفْرَةُ. وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في الضَّبِّ: «لَوْ كانَ حَرامًا ما أُكِلَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ»، إنَّما يُعْنى بِهِ الطَّعامُ المَوْضُوعُ عَلى سُفْرَةٍ. واسْمُ السُّفْرَةِ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى وِعاءٍ مِن أدِيمٍ مُسْتَدِيرٍ لَهُ مَعالِيقُ لِيُرْفَعَ بِها إذا أُرِيدَ السَّفَرُ بِهِ. وسُمِّيَتْ سُفْرَةً لِأنَّها يَتَّخِذُها المُسافِرُ. وإنَّما سَألَ الحَوارِيُّونَ كَوْنَ المائِدَةِ مُنَزَّلَةً مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم رَغِبُوا أنْ تَكُونَ خارِقَةً لِلْعادَةِ فَلا تَكُونُ مِمّا صُنِعَ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ مِن عالَمٍ عُلْوِيٍّ. وقَوْلُ عِيسى حِينَ أجابَهُمُ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمْرٌ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى وعَدَمِ تَزَلْزُلِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِـ (إنْ) المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في الإيمانِ لِيَعْلَمَ الدّاعِي إلى ذَلِكَ السُّؤالِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ نَشَأ لَهم عَنْ شَكٍّ في صِدْقِ رَسُولِهِمْ، فَسَألُوا مُعْجِزَةً يَعْلَمُونَ بِها صِدْقَهُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠]، صفحة ١٠٧ أيْ ألَمْ تَكُنْ غَنِيًّا عَنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فالمُرادُ بِالتَّقْوى في كَلامِ عِيسى ما يَشْمَلُ الإيمانَ وفُرُوعَهُ. وقِيلَ: نَهاهم عَنْ طَلَبِ المُعْجِزاتِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَصَلَ إيمانُكم فَما الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ. فَأجابُوهُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ما أرادُوا ذَلِكَ لِضَعْفٍ في إيمانِهِمْ إنَّما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِأكْلِ طَعامٍ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إكْرامًا لَهم، ولِذَلِكَ زادُوا مِنها ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنْ نَأْكُلَ إذْ لَيْسَ غَرَضُهم مِنَ الأكْلِ دَفْعَ الجُوعِ بَلِ الغَرَضُ التَّشَرُّفُ بِأكْلٍ مِن شَيْءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ. وهَذا مِثْلُ أكْلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي أكَلَ مِنهُ ضَيْفُهُ في بَيْتِهِ حِينَ انْتَظَرُوهُ بِالعَشاءِ إلى أنْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، وحَضَرَ أبُو بَكْرٍ وغَضِبَ مِن تَرْكِهِمُ الطَّعامَ، فَلَمّا أخَذُوا يَطْعَمُونَ جُعِلَ الطَّعامُ يَرْبُو فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِزَوْجِهِ: ما هَذا يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ. وحَمَلَ مِنَ الغَدِ بَعْضَ ذَلِكَ الطَّعامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلَ مِنهُ. ولِذَلِكَ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ أيْ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّ الدَّلِيلَ الحِسِّيَّ أظْهَرُ في النَّفْسِ، ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾، أيْ نَعْلَمُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ لا عِلْمَ اسْتِدْلالٍ فَيَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمانِ، ﴿ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، أيْ مِنَ الشّاهِدِينَ عَلى رُؤْيَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَنُبَلِّغُها مَن لَمْ يَشْهَدْها. فَهَذِهِ أرْبَعُ فَوائِدَ لِسُؤالِ إنْزالِ المائِدَةِ، كُلُّها دَرَجاتٍ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ أمْثالُهم. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

المائدة 5:113

﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُكَلِّمُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَيَكُونُ إذْ ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ قالُوا آمَنّا فَيَكُونُ مِمّا يُذَكِّرُ اللَّهُ بِهِ عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ، فَحُكِيَ عَلى حَسَبِ حُصُولِهِ في الدُّنْيا ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنَّ سُؤالَهُمُ المائِدَةَ حَصَلَ في أوَّلِ أوْقاتِ إيمانِهِمْ بَلْ في وقْتٍ آخَرَ. ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١]؛ فَإنَّ قَوْلَهم آمَنّا قَدْ يَتَكَرَّرُ مِنهم بِمُناسَباتٍ، كَما يَكُونُ عِنْدَ سَماعِهِمْ تَكْذِيبَ اليَهُودِ عِيسى، أوْ عِنْدَ ما يُشاهِدُونَ آياتٍ عَلى يَدِ عِيسى، أوْ يَقُولُونَهُ لِإعادَةِ اسْتِحْضارِ الإيمانِ شَأْنَ الصِّدِّيقِيِّينَ الَّذِينَ يُحاسِبُونَ أنْفُسَهم ويُصْقِلُونَ إيمانَهم صفحة ١٠٥ فَيَقُولُونَ في كُلِّ مُعاوَدَةٍ. آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ. وأمّا ما قَرَّرَ بِهِ الكَشّافُ ومُتابِعُوهُ فَلا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ الكَلامِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ابْتِدائِيَّةً بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] في سُورَةِ النَّمْلِ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَخَلُّصًا إلى ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ ما دارَ بَيْنَ عِيسى وبَيْنَ الحَوارِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] . وابْتَدَأُوا خِطابَهم عِيسى بِنِدائِهِ بِاسْمِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سَيَقُولُونَهُ أمْرٌ فِيهِ اقْتِراحٌ وكُلْفَةٌ لَهُ، وكَذَلِكَ شَأْنُ مَن يُخاطِبُ مَن يَتَجَشَّمُ مِنهُ كُلْفَةً أنْ يُطِيلَ خِطابَهُ طَلَبًا لِإقْبالِ سَمْعِهِ إلَيْهِ لِيَكُونَ أوْعى لِلْمَقْصُودِ. وجَرى قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ عَلى طَرِيقَةٍ عَرَبِيَّةٍ في العَرْضِ والدُّعاءِ، يَقُولُونَ لِلْمُسْتَطِيعِ لِأمْرٍ: هَلْ تَسْتَطِيعُ كَذا، عَلى مَعْنى تَطَلُّبِ العُذْرِ لَهُ إنْ لَمْ يُجِبْكَ إلى مَطْلُوبِكَ، وأنَّ السّائِلَ لا يُحِبُّ أنْ يُكَلِّفَ المَسْئُولَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ فَلَمْ يَبْقَ مَنظُورًا فِيهِ إلى صَرِيحِ المَعْنى المُقْتَضِي أنَّهُ يَشُكُّ في اسْتِطاعَةِ المَسْئُولِ، وإنَّما يَقُولُ ذَلِكَ الأدْنى لِلْأعْلى مِنهُ، وفي شَيْءٍ يَعْلَمُ أنَّهُ مُسْتَطاعٌ لِلْمَسْئُولِ، فَقَرِينَةُ الكِنايَةِ تَحَقُّقُ المَسْئُولِ أنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ اسْتِطاعَتَهُ. ومِنهُ ما جاءَ في حَدِيثِ يَحْيى المازِنِيِّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أتَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ. فَإنَّ السّائِلَ يَعْلَمُ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ. فَلَيْسَ قَوْلُ الحَوارِيِّينَ المَحْكِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ في القُرْآنِ إلّا لَفْظًا مِن لُغَتِهِمْ يَدُلُّ عَلى التَّلَطُّفِ والتَّأدُّبِ في السُّؤالِ، كَما هو مُناسِبُ أهْلِ الإيمانِ الخالِصِ. ولَيْسَ شَكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ولَكِنَّهم سَألُوا آيَةً لِزِيادَةِ اطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ بِالإيمانِ بِأنْ يَنْتَقِلُوا مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ إلى الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فَإنَّ النُّفُوسَ بِالمَحْسُوسِ آنَسُ، كَما لَمْ يَكُنْ سُؤالُ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] شَكًّا في الحالِ. وعَلى هَذا المَعْنى جَرى تَفْسِيرُ المُحَقِّقِينَ مِثْلَ ابْنِ عَطِيَّةَ، والواحِدِيِّ، والبَغَوِيِّ خِلافًا لِما في الكَشّافِ. صفحة ١٠٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَسْتَطِيعُ بِياءِ الغَيْبَةِ ورَفْعِ رَبُّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِتاءِ المُخاطَبِ ونَصْبِ الباءِ المُوَحَّدَةِ مِن قَوْلِهِ (رَبَّكَ) عَلى أنَّ (رَبَّكَ) مَفْعُولٌ بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى هَلْ تَسْألُ لَنا رَبَّكَ، فَعَبَّرَ بِالِاسْتِطاعَةِ عَنْ طَلَبِ الطّاعَةِ، أيْ إجابَةِ السُّؤالِ. وقِيلَ: هي عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ، فَأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ في إعْرابِهِ. وفي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ، ولَكِنْ قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ. «وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أقْرَأْنا النَّبِيءُ (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ») . واسْمُ (مائِدَةً) هو الخِوانُ المَوْضُوعُ عَلَيْهِ طَعامٌ، فَهو اسْمٌ لِمَعْنًى مُرَكَّبٍ يَدُلُّ عَلى طَعامٍ وما يُوضَعُ عَلَيْهِ. والخِوانُ بِكَسْرِ الخاءِ وضَمِّها تَخْتٌ مِن خَشَبٍ لَهُ قَوائِمُ مَجْعُولٌ لِيُوضَعَ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ، اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: هو أعْجَمِيٌّ. وفي حَدِيثِ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «ما أكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى خِوانٍ قَطُّ، ولا في سُكْرُجَةٍ، قالَ قَتادَةُ: قُلْتُ لِأنَسٍ: فَعَلامَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ ؟ قالَ: عَلى السُّفَرِ» . وقِيلَ: المائِدَةُ اسْمُ الطَّعامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في وِعاءٍ ولا عَلى خِوانٍ. وجَزَمَ بِذَلِكَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ولَعَلَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ المَحَلِّ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ مَوائِدُ إنَّما كانَتْ لَهُمُ السُّفْرَةُ. وما ورَدَ في الحَدِيثِ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ في الضَّبِّ: «لَوْ كانَ حَرامًا ما أُكِلَ عَلى مائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ»، إنَّما يُعْنى بِهِ الطَّعامُ المَوْضُوعُ عَلى سُفْرَةٍ. واسْمُ السُّفْرَةِ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى وِعاءٍ مِن أدِيمٍ مُسْتَدِيرٍ لَهُ مَعالِيقُ لِيُرْفَعَ بِها إذا أُرِيدَ السَّفَرُ بِهِ. وسُمِّيَتْ سُفْرَةً لِأنَّها يَتَّخِذُها المُسافِرُ. وإنَّما سَألَ الحَوارِيُّونَ كَوْنَ المائِدَةِ مُنَزَّلَةً مِنَ السَّماءِ لِأنَّهم رَغِبُوا أنْ تَكُونَ خارِقَةً لِلْعادَةِ فَلا تَكُونُ مِمّا صُنِعَ في العالَمِ الأرْضِيِّ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ مِن عالَمٍ عُلْوِيٍّ. وقَوْلُ عِيسى حِينَ أجابَهُمُ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أمْرٌ بِمُلازَمَةِ التَّقْوى وعَدَمِ تَزَلْزُلِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِـ (إنْ) المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ في الإيمانِ لِيَعْلَمَ الدّاعِي إلى ذَلِكَ السُّؤالِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ نَشَأ لَهم عَنْ شَكٍّ في صِدْقِ رَسُولِهِمْ، فَسَألُوا مُعْجِزَةً يَعْلَمُونَ بِها صِدْقَهُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِ، وهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِإبْراهِيمَ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠]، صفحة ١٠٧ أيْ ألَمْ تَكُنْ غَنِيًّا عَنْ طَلَبِ الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ. فالمُرادُ بِالتَّقْوى في كَلامِ عِيسى ما يَشْمَلُ الإيمانَ وفُرُوعَهُ. وقِيلَ: نَهاهم عَنْ طَلَبِ المُعْجِزاتِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَصَلَ إيمانُكم فَما الحاجَةُ إلى المُعْجِزَةِ. فَأجابُوهُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ما أرادُوا ذَلِكَ لِضَعْفٍ في إيمانِهِمْ إنَّما أرادُوا التَّيَمُّنَ بِأكْلِ طَعامٍ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إكْرامًا لَهم، ولِذَلِكَ زادُوا مِنها ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أنْ نَأْكُلَ إذْ لَيْسَ غَرَضُهم مِنَ الأكْلِ دَفْعَ الجُوعِ بَلِ الغَرَضُ التَّشَرُّفُ بِأكْلٍ مِن شَيْءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ. وهَذا مِثْلُ أكْلِ أبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي أكَلَ مِنهُ ضَيْفُهُ في بَيْتِهِ حِينَ انْتَظَرُوهُ بِالعَشاءِ إلى أنْ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، وحَضَرَ أبُو بَكْرٍ وغَضِبَ مِن تَرْكِهِمُ الطَّعامَ، فَلَمّا أخَذُوا يَطْعَمُونَ جُعِلَ الطَّعامُ يَرْبُو فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِزَوْجِهِ: ما هَذا يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ. وحَمَلَ مِنَ الغَدِ بَعْضَ ذَلِكَ الطَّعامِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأكَلَ مِنهُ. ولِذَلِكَ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ أيْ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّ الدَّلِيلَ الحِسِّيَّ أظْهَرُ في النَّفْسِ، ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾، أيْ نَعْلَمُ عِلْمَ ضَرُورَةٍ لا عِلْمَ اسْتِدْلالٍ فَيَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمانِ، ﴿ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، أيْ مِنَ الشّاهِدِينَ عَلى رُؤْيَةِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَنُبَلِّغُها مَن لَمْ يَشْهَدْها. فَهَذِهِ أرْبَعُ فَوائِدَ لِسُؤالِ إنْزالِ المائِدَةِ، كُلُّها دَرَجاتٍ مِنَ الفَضْلِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ أمْثالُهم. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

المائدة 5:114

﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّيَ أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ . إنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة: ١١٢] صفحة ١٠٨ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُلْقِيهِ اللَّهُ عَلى عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وهي ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلَخْ. . . مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] وجُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ. وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ ابْتِداءَ كَلامٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ اذْكُرْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا﴾ الآيَةَ مُجاوَبَةً لِقَوْلِ الحَوارِيِّينَ ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وقَوْلُهُ ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ اشْتَمَلَ عَلى نِداءَيْنِ، إذْ كانَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النِّداءِ. كَرَّرَ النِّداءَ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بَدَلًا ولا بَيانًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، لِأنَّ نِداءَ (اللَّهُمَّ) لا يُتْبَعُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى أسْماءِ الأصْواتِ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ حَتّى صارَ كَأسْماءِ الأفْعالِ. ومِنَ النُّحاةِ مَن أجازَ إتْباعَهُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ اعْتِبارَهُ نِداءً ثانِيًا أبْلَغُ هُنا لا سِيَّما وقَدْ شاعَ نِداءُ اللَّهِ تَعالى (رَبَّنا) مَعَ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ كَما في الآياتِ الخَواتِمِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجَمَعَ عِيسى بَيْنَ النِّداءِ بِاسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِصِفاتِ الجَلالِ وبَيْنَ النِّداءِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ ولِلْحَوارِيِّينَ اسْتِعْطافًا لِلَّهِ لِيُجِيبَ دُعاءَهم. ومَعْنى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ يَكُونُ تَذَكُّرُ نُزُولِها بِأنْ يَجْعَلُوا اليَوْمَ المُوافِقَ يَوْمَ نُزُولِها مِن كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا، فَإسْنادُ (الكَوْنِ) عِيدًا لِلْمائِدَةِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وإنَّما العِيدُ اليَوْمُ المُوافِقُ لِيَوْمِ نُزُولِها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾، أيْ لِأوَّلِ أُمَّةِ النَّصْرانِيَّةِ وآخِرِها، وهُمُ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ النَّصْرانِيَّةُ عِنْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والعِيدُ اسْمٌ لِيَوْمٍ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرى لِنِعْمَةٍ أوْ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيهِ لِلشُّكْرِ أوْ لِلِاعْتِبارِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ. صفحة ١٠٩ وأشْهَرُ ما كانَتِ الأعْيادُ في العَرَبِ عِنْدَ النَّصارى مِنهم قالَ العَجّاجُ: كَما يَعُودُ العِيدَ نَصْرانِيٌّ ومِثْلَ يَوْمِ السَّباسِبِ في قَوْلِ النّابِغَةَ: يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ وهُوَ عِيدُ الشَّعانِينَ عِنْدَ النَّصارى. وقَدْ سَمّى النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ لَمّا نَهى الجَوارِيَ اللّاءِ كُنَّ يُغَنِّينَ عِنْدَ عائِشَةَ «إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وهَذا عِيدُنا» . وسَمّى يَوْمَ النَّحْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحَجَّةِ» . والعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَوْدِ، وهو اسْمٌ عَلى زِنَةِ فِعْلٍ، فَجُعِلَتْ واوُهُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ لازِمَةٍ. وجَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ بِالياءِ عَلى خِلافِ القِياسِ، لِأنَّ قِياسَ الجَمْعِ أنَّهُ يَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، فَقِياسُ جَمْعِهِ أعْوادٌ لَكِنَّهم جَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ، وصَغَّرُوهُ عَلى عُيَيْدٍ، تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ جَمْعِ عُودٍ وتَصْغِيرِهِ. وقَوْلُهُ: (لِأوَّلِنا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ لَنا بَدَلُ بَعْضِ مِن كُلٍّ، وعَطْفُ (وآخِرِنا) عَلَيْهِ يُصِيِّرُ الجَمِيعَ في قُوَّةِ البَدَلِ المُطابِقِ. وقَدْ أظْهَرَ لامَ الجَرِّ في البَدَلِ، وشَأْنُ البَدَلِ أنْ لا يَظْهَرَ فِيهِ العامِلُ الَّذِي عَمِلَ في المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ تابِعًا لِلْمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ مُنافٍ لِذِكْرِ العامِلِ الَّذِي عَمِلَ في المَتْبُوعِ، ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: إنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تِكْرارِ العامِلِ، أيِ العامِلُ مَنوِيٌّ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ. وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ أنَّ عامِلَ البَدَلِ قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَنوِيٌّ في الغالِبِ ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ العَوامِلِ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، وبِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ. وجَوَّزَ البَدَلَ أيْضًا في آيَةِ الزُّخْرُفِ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامانِ بِمَنزِلَةِ اللّامَيْنِ في قَوْلِكَ: وهَبْتُ لَهُ ثَوْبًا لِقَمِيصِهِ، يُرِيدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةً بِـ تَكُونُ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ عِيدًا. صفحة ١١٠ وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ ما بَلَغْتُ إلَيْهِ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَتَحَصَّلَ عِنْدِي أنَّ العامِلَ الأصِيلَ مِن فِعْلٍ وشَبَهِهِ لا يَتَكَرَّرُ مَعَ البَدَلِ، وأمّا العامِلُ التَّكْمِيلِيُّ لِعامِلِ غَيْرِهِ وذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ خاصَّةً فَهو الَّذِي ورَدَ تَكْرِيرُهُ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وآيَةِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] . ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ مُكَمِّلٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ هو بِهِ لِأنَّهُ يُعَدِّي الفِعْلَ القاصِرَ إلى مَفْعُولِهِ في المَعْنى الَّذِي لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِمَعْنى مَصْدَرِهِ، فَحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِعامِلٍ قَوِيٍّ ولَكِنَّهُ مُكَمِّلٌ لِلْعامِلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَتَطَلَّبَ الدّاعِيَ إلى إظْهارِ حَرْفِ الجَرِّ في البَدَلِ في مَواقِعِ ظُهُورِهِ. وقَدْ جَعَلَ ابْنُ يَعِيشَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ قالَ: لِأنَّ الحَرْفَ قَدْ يَتَكَرَّرُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ. وهَذا غَيْرُ مُقْنِعٍ لَنا لِأنَّ التَّأْكِيدَ أيْضًا لا بُدَّ مِن داعٍ يَدْعُو إلَيْهِ. فَما أظْهَرَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ مِن هَذِهِ الآياتِ كانَ مُقْتَضى إظْهارِهِ إمّا قَصْدُ تَصْوِيرِ الحالَةِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ، وإمّا دَفْعُ اللَّبْسِ، وذَلِكَ في خُصُوصِ آيَةِ الأعْرافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ (مَن آمَنَ) مِنَ المَقُولِ وأنَّ ”مَن“ اسْتِفْهامٌ فَيَظُنُّ أنَّهم يَسْألُونَ عَنْ تَعْيِينِ مَن آمَنَ مِنَ القَوْمِ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ مُلازِمٌ لِإعادَةِ الكَلِمَةِ. وأمّا ما لَيْسَ بِعامِلٍ فَهو الِاسْتِفْهامُ وقَدِ التَزَمَ ظُهُورَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ مِنِ اسْمِ اسْتِفْهامٍ، نَحْوَ: أيْنَ تَنْزِلُ أفِي الدّارِ أمْ في الحائِطِ، ومَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ. وهَذا العِيدُ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّصارى ولَكِنَّهم ذَكَرُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَ مَعَ الحَوارِيِّينَ عَلى مائِدَةِ لَيْلَةِ عِيدِ الفِصْحِ، وهي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ صُلِبَ مِن صَباحِها. فَلَعَلَّ مَعْنى كَوْنِها عِيدًا أنَّها صُيِّرَتْ يَوْمَ الفِصْحِ عِيدًا في المَسِيحِيَّةِ كَما كانَ عِيدًا في اليَهُودِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْ صارَ عِيدًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ وإنْ كانَ اليَوْمُ واحِدًا لِأنَّ المَسِيحِيِّينَ وفَّقُوا لِأعْيادِ اليَهُودِ مُناسَباتٍ أُخْرى لائِقَةً بِالمَسِيحِيَّةِ إعْفاءً عَلى آثارِ اليَهُودِيَّةِ. صفحة ١١١ وجُمْلَةُ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها﴾ جَوابُ دُعاءِ عِيسى، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ. والمَعْنى إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمُ الآنَ، فَهو اسْتِجابَةٌ ولَيْسَ بِوَعْدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ إجابَةِ رَغْبَتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ إعْلامًا بِأهَمِّيَّةِ الإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَجُعِلَ جَزاءُ إجابَتِهِ إيّاهم أنْ لا يَعُودُوا إلى الكُفْرِ فَإنْ عادُوا عُذِّبُوا عَذابًا أشَدَّ مِن عَذابِ سائِرِ الكُفّارِ لِأنَّهم تَعاضَدَ لَدَيْهِمْ دَلِيلُ العَقْلِ والحِسِّ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ لا أُعَذِّبُهُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ لا أُعَذِّبُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ذَلِكَ العَذابَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ. وقَدْ وقَفَتْ قِصَّةُ سُؤالِ المائِدَةِ عِنْدَ هَذا المِقْدارِ وطُوِيَ خَبَرُ ماذا حَدَثَ بَعْدَ نُزُولِها لِأنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في المُرادِ مِنَ القِصَّةِ، وهو العِبْرَةُ بِحالِ إيمانِ الحَوارِيِّينَ وتَعَلُّقِهِمْ بِما يَزِيدُهم يَقِينًا، وبِقُرْبِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَحْصِيلِ مَرْتَبَةِ الشَّهادَةِ عَلى مَن يَأْتِي بَعْدَهم، وعَلى ضَراعَةِ المَسِيحِ الدّالَّةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وعَلى كَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ إذْ أجابَ دَعْوَتَهُ، وعَلى سَعَةِ القُدْرَةِ. وأمّا تَفْصِيلُ ما حَوَتْهُ المائِدَةُ وما دارَ بَيْنَهم عِنْدَ نُزُولِها فَلا عِبْرَةَ فِيهِ. وقَدْ أكْثَرَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ بِأخْبارٍ واهِيَةِ الأسانِيدِ سِوى ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا» الحَدِيثَ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا ولا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ولا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ المائِدَةَ هَلْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ أوْ لَمْ تَنْزِلْ. فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: فَمَن يَكْفُرُ بَعْدُ مِنكُمُ الآيَةَ خافُوا فاسْتَعَفُّوا مِن طَلَبِ نُزُولِها فَلَمْ تَنْزِلْ. وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ. وهو الظّاهِرُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ وعْدٌ لا يُخْلَفُ، ولَيْسَ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ ولَكِنَّهُ مُعَقَّبٌ بِتَحْذِيرٍ مِنَ صفحة ١١٢ الكُفْرِ، وذَلِكَ حاصِلٌ أثَرُهُ عِنْدَ الحَوارِيِّينَ ولَيْسُوا مِمَّنْ يَخْشى العَوْدَ إلى الكُفْرِ سَواءً نَزَلَتِ المائِدَةُ أمْ لَمْ تَنْزِلْ. وأمّا النَّصارى فَلا يَعْرِفُونَ خَبَرَ نُزُولِ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، وكَمْ مِن خَبَرٍ أهْمَلُوهُ في الأناجِيلِ.

المائدة 5:115

﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّيَ أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ . إنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [المائدة: ١١٢] صفحة ١٠٨ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي يُلْقِيهِ اللَّهُ عَلى عِيسى يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ وهي ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلَخْ. . . مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١] وجُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ. وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ ابْتِداءَ كَلامٍ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ اذْكُرْ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا﴾ الآيَةَ مُجاوَبَةً لِقَوْلِ الحَوارِيِّينَ ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] الآيَةَ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وقَوْلُهُ ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ اشْتَمَلَ عَلى نِداءَيْنِ، إذْ كانَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ النِّداءِ. كَرَّرَ النِّداءَ مُبالَغَةً في الضَّراعَةِ. ولَيْسَ قَوْلُهُ (رَبَّنا) بَدَلًا ولا بَيانًا مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، لِأنَّ نِداءَ (اللَّهُمَّ) لا يُتْبَعُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى أسْماءِ الأصْواتِ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ حَتّى صارَ كَأسْماءِ الأفْعالِ. ومِنَ النُّحاةِ مَن أجازَ إتْباعَهُ، وأيًّا ما كانَ فَإنَّ اعْتِبارَهُ نِداءً ثانِيًا أبْلَغُ هُنا لا سِيَّما وقَدْ شاعَ نِداءُ اللَّهِ تَعالى (رَبَّنا) مَعَ حَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ كَما في الآياتِ الخَواتِمِ مِن سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجَمَعَ عِيسى بَيْنَ النِّداءِ بِاسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِصِفاتِ الجَلالِ وبَيْنَ النِّداءِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ ولِلْحَوارِيِّينَ اسْتِعْطافًا لِلَّهِ لِيُجِيبَ دُعاءَهم. ومَعْنى ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ أيْ يَكُونُ تَذَكُّرُ نُزُولِها بِأنْ يَجْعَلُوا اليَوْمَ المُوافِقَ يَوْمَ نُزُولِها مِن كُلِّ سَنَةٍ عِيدًا، فَإسْنادُ (الكَوْنِ) عِيدًا لِلْمائِدَةِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ، وإنَّما العِيدُ اليَوْمُ المُوافِقُ لِيَوْمِ نُزُولِها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾، أيْ لِأوَّلِ أُمَّةِ النَّصْرانِيَّةِ وآخِرِها، وهُمُ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ النَّصْرانِيَّةُ عِنْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. والعِيدُ اسْمٌ لِيَوْمٍ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرى لِنِعْمَةٍ أوْ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيهِ لِلشُّكْرِ أوْ لِلِاعْتِبارِ. وقَدْ ورَدَ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ. صفحة ١٠٩ وأشْهَرُ ما كانَتِ الأعْيادُ في العَرَبِ عِنْدَ النَّصارى مِنهم قالَ العَجّاجُ: كَما يَعُودُ العِيدَ نَصْرانِيٌّ ومِثْلَ يَوْمِ السَّباسِبِ في قَوْلِ النّابِغَةَ: يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ وهُوَ عِيدُ الشَّعانِينَ عِنْدَ النَّصارى. وقَدْ سَمّى النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ الفِطْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ لِأبِي بَكْرٍ لَمّا نَهى الجَوارِيَ اللّاءِ كُنَّ يُغَنِّينَ عِنْدَ عائِشَةَ «إنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وهَذا عِيدُنا» . وسَمّى يَوْمَ النَّحْرِ عِيدًا في قَوْلِهِ «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحَجَّةِ» . والعِيدُ مُشْتَقٌّ مِنَ العَوْدِ، وهو اسْمٌ عَلى زِنَةِ فِعْلٍ، فَجُعِلَتْ واوُهُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ لازِمَةٍ. وجَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ بِالياءِ عَلى خِلافِ القِياسِ، لِأنَّ قِياسَ الجَمْعِ أنَّهُ يَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، فَقِياسُ جَمْعِهِ أعْوادٌ لَكِنَّهم جَمَعُوهُ عَلى أعْيادٍ، وصَغَّرُوهُ عَلى عُيَيْدٍ، تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ جَمْعِ عُودٍ وتَصْغِيرِهِ. وقَوْلُهُ: (لِأوَّلِنا) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ لَنا بَدَلُ بَعْضِ مِن كُلٍّ، وعَطْفُ (وآخِرِنا) عَلَيْهِ يُصِيِّرُ الجَمِيعَ في قُوَّةِ البَدَلِ المُطابِقِ. وقَدْ أظْهَرَ لامَ الجَرِّ في البَدَلِ، وشَأْنُ البَدَلِ أنْ لا يَظْهَرَ فِيهِ العامِلُ الَّذِي عَمِلَ في المُبْدَلِ مِنهُ لِأنَّ كَوْنَ البَدَلِ تابِعًا لِلْمُبْدَلِ مِنهُ في الإعْرابِ مُنافٍ لِذِكْرِ العامِلِ الَّذِي عَمِلَ في المَتْبُوعِ، ولِهَذا قالَ النُّحاةُ: إنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تِكْرارِ العامِلِ، أيِ العامِلُ مَنوِيٌّ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ. وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ أنَّ عامِلَ البَدَلِ قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مَنوِيٌّ في الغالِبِ ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ العَوامِلِ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، وبِقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] . وقالَ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ. وجَوَّزَ البَدَلَ أيْضًا في آيَةِ الزُّخْرُفِ ثُمَّ قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامانِ بِمَنزِلَةِ اللّامَيْنِ في قَوْلِكَ: وهَبْتُ لَهُ ثَوْبًا لِقَمِيصِهِ، يُرِيدُ أنْ تَكُونَ اللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةً بِـ تَكُونُ والثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِـ عِيدًا. صفحة ١١٠ وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ ما بَلَغْتُ إلَيْهِ مِن مَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ فَتَحَصَّلَ عِنْدِي أنَّ العامِلَ الأصِيلَ مِن فِعْلٍ وشَبَهِهِ لا يَتَكَرَّرُ مَعَ البَدَلِ، وأمّا العامِلُ التَّكْمِيلِيُّ لِعامِلِ غَيْرِهِ وذَلِكَ حَرْفُ الجَرِّ خاصَّةً فَهو الَّذِي ورَدَ تَكْرِيرُهُ في آياتٍ مِنَ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وآيَةِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، وقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] . ذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ مُكَمِّلٌ لِعَمَلِ الفِعْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ هو بِهِ لِأنَّهُ يُعَدِّي الفِعْلَ القاصِرَ إلى مَفْعُولِهِ في المَعْنى الَّذِي لا يَتَعَدّى إلَيْهِ بِمَعْنى مَصْدَرِهِ، فَحَرْفُ الجَرِّ لَيْسَ بِعامِلٍ قَوِيٍّ ولَكِنَّهُ مُكَمِّلٌ لِلْعامِلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ. ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نَتَطَلَّبَ الدّاعِيَ إلى إظْهارِ حَرْفِ الجَرِّ في البَدَلِ في مَواقِعِ ظُهُورِهِ. وقَدْ جَعَلَ ابْنُ يَعِيشَ في شَرْحِ المُفَصَّلِ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ قالَ: لِأنَّ الحَرْفَ قَدْ يَتَكَرَّرُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ. وهَذا غَيْرُ مُقْنِعٍ لَنا لِأنَّ التَّأْكِيدَ أيْضًا لا بُدَّ مِن داعٍ يَدْعُو إلَيْهِ. فَما أظْهَرَ فِيهِ حَرْفَ الجَرِّ مِن هَذِهِ الآياتِ كانَ مُقْتَضى إظْهارِهِ إمّا قَصْدُ تَصْوِيرِ الحالَةِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ، وإمّا دَفْعُ اللَّبْسِ، وذَلِكَ في خُصُوصِ آيَةِ الأعْرافِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ (مَن آمَنَ) مِنَ المَقُولِ وأنَّ ”مَن“ اسْتِفْهامٌ فَيَظُنُّ أنَّهم يَسْألُونَ عَنْ تَعْيِينِ مَن آمَنَ مِنَ القَوْمِ، ومَعْنى التَّأْكِيدِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ مُلازِمٌ لِإعادَةِ الكَلِمَةِ. وأمّا ما لَيْسَ بِعامِلٍ فَهو الِاسْتِفْهامُ وقَدِ التَزَمَ ظُهُورَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في البَدَلِ مِنِ اسْمِ اسْتِفْهامٍ، نَحْوَ: أيْنَ تَنْزِلُ أفِي الدّارِ أمْ في الحائِطِ، ومَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ. وهَذا العِيدُ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ النَّصارى ولَكِنَّهم ذَكَرُوا أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَ مَعَ الحَوارِيِّينَ عَلى مائِدَةِ لَيْلَةِ عِيدِ الفِصْحِ، وهي اللَّيْلَةُ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ صُلِبَ مِن صَباحِها. فَلَعَلَّ مَعْنى كَوْنِها عِيدًا أنَّها صُيِّرَتْ يَوْمَ الفِصْحِ عِيدًا في المَسِيحِيَّةِ كَما كانَ عِيدًا في اليَهُودِيَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْ صارَ عِيدًا بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ وإنْ كانَ اليَوْمُ واحِدًا لِأنَّ المَسِيحِيِّينَ وفَّقُوا لِأعْيادِ اليَهُودِ مُناسَباتٍ أُخْرى لائِقَةً بِالمَسِيحِيَّةِ إعْفاءً عَلى آثارِ اليَهُودِيَّةِ. صفحة ١١١ وجُمْلَةُ ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها﴾ جَوابُ دُعاءِ عِيسى، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ. وأُكِّدَ الخَبَرُ بِـ (إنَّ) تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ. والمَعْنى إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمُ الآنَ، فَهو اسْتِجابَةٌ ولَيْسَ بِوَعْدٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ إجابَةِ رَغْبَتِهِمْ، وتَحْذِيرٌ لَهم مِنَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ إعْلامًا بِأهَمِّيَّةِ الإيمانِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَجُعِلَ جَزاءُ إجابَتِهِ إيّاهم أنْ لا يَعُودُوا إلى الكُفْرِ فَإنْ عادُوا عُذِّبُوا عَذابًا أشَدَّ مِن عَذابِ سائِرِ الكُفّارِ لِأنَّهم تَعاضَدَ لَدَيْهِمْ دَلِيلُ العَقْلِ والحِسِّ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ لا أُعَذِّبُهُ ضَمِيرُ المَصْدَرِ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ ولَيْسَ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ لا أُعَذِّبُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ذَلِكَ العَذابَ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ. وقَدْ وقَفَتْ قِصَّةُ سُؤالِ المائِدَةِ عِنْدَ هَذا المِقْدارِ وطُوِيَ خَبَرُ ماذا حَدَثَ بَعْدَ نُزُولِها لِأنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في المُرادِ مِنَ القِصَّةِ، وهو العِبْرَةُ بِحالِ إيمانِ الحَوارِيِّينَ وتَعَلُّقِهِمْ بِما يَزِيدُهم يَقِينًا، وبِقُرْبِهِمْ إلى رَبِّهِمْ وتَحْصِيلِ مَرْتَبَةِ الشَّهادَةِ عَلى مَن يَأْتِي بَعْدَهم، وعَلى ضَراعَةِ المَسِيحِ الدّالَّةِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، وعَلى كَرامَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ إذْ أجابَ دَعْوَتَهُ، وعَلى سَعَةِ القُدْرَةِ. وأمّا تَفْصِيلُ ما حَوَتْهُ المائِدَةُ وما دارَ بَيْنَهم عِنْدَ نُزُولِها فَلا عِبْرَةَ فِيهِ. وقَدْ أكْثَرَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ بِأخْبارٍ واهِيَةِ الأسانِيدِ سِوى ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ بِسَنَدِهِ إلى عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا» الحَدِيثَ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا الحَدِيثُ رَواهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا ولا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ ولا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ المائِدَةَ هَلْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ أوْ لَمْ تَنْزِلْ. فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: فَمَن يَكْفُرُ بَعْدُ مِنكُمُ الآيَةَ خافُوا فاسْتَعَفُّوا مِن طَلَبِ نُزُولِها فَلَمْ تَنْزِلْ. وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَتْ. وهو الظّاهِرُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ وعْدٌ لا يُخْلَفُ، ولَيْسَ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ ولَكِنَّهُ مُعَقَّبٌ بِتَحْذِيرٍ مِنَ صفحة ١١٢ الكُفْرِ، وذَلِكَ حاصِلٌ أثَرُهُ عِنْدَ الحَوارِيِّينَ ولَيْسُوا مِمَّنْ يَخْشى العَوْدَ إلى الكُفْرِ سَواءً نَزَلَتِ المائِدَةُ أمْ لَمْ تَنْزِلْ. وأمّا النَّصارى فَلا يَعْرِفُونَ خَبَرَ نُزُولِ المائِدَةِ مِنَ السَّماءِ، وكَمْ مِن خَبَرٍ أهْمَلُوهُ في الأناجِيلِ.

المائدة 5:116

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، فَهو ما يَقُولُهُ اللَّهُ يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ ولَيْسَ مِمّا قالَهُ في الدُّنْيا، لِأنَّ عِبادَةَ عِيسى حَدَثَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ، ولِقَوْلِهِ ﴿هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ قَوْلٌ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مَبْدَأُ تَقْرِيعِ النَّصارى بَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن تَقْرِيعِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠] إلى هُنا. وتَقْرِيعُ النَّصارى هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآيَةَ، فالِاسْتِفْهامُ هُنا كالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ أُرِيدَ إعْلانُ كَذِبِ مَن كَفَرَ مِنَ النَّصارى. صفحة ١١٣ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَوَجِّهٌ إلى تَخْصِيصِهِ بِالخَبَرِ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ أنَّ الخَبَرَ حاصِلٌ لا مَحالَةَ. فَقَوْلُ قائِلِينَ: اتَّخِذُوا عِيسى وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، واقِعٌ. وإنَّما أُلْقِيَ الِاسْتِفْهامُ لِعِيسى أهُوَ الَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالإرْهابِ والوَعِيدِ بِتَوَجُّهِ عُقُوبَةٍ إلى مَن قالَ هَذا القَوْلَ إنْ تَنَصَّلَ مِنهُ عِيسى فَيَعْلَمُ أحْبارُهُمُ الَّذِينَ اخْتَرَعُوا هَذا القَوْلَ أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ. والمَعْنى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هو قائِلُ ذَلِكَ فَلا عُذْرَ لِمَن قالَهُ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ عِيسى وتَعالِيمَهُ، فَلَوْ كانَ هو القائِلُ لَقالَ: اتَّخِذُونِي وأُمِّي، ولِذَلِكَ جاءَ التَّعْبِيرُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في الآيَةِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ دِينِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اتَّخِذُونِي، وحَرْفُ (مِن) صِلَةٌ وتَوْكِيدٌ. وكَلِمَةُ دُونَ اسْمٌ لِلْمَكانِ المُجاوِزِ، ويَكْثُرُ أنْ يَكُونَ مَكانًا مَجازِيًّا مُرادًا بِهِ المُغايَرَةُ، فَتَكُونُ بِمَعْنى سِوى. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] . والمَعْنى اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ سِوى اللَّهِ. وقَدْ شاعَ هَذا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي خُوطِبَ بِها المُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ولَمْ يُنْكِرُوا إلَهِيَّةَ اللَّهِ. وذَكَرَ هَذا المُتَعَلِّقَ إلْزامًا لَهم بِشَناعَةِ إثْباتِ إلَهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأنَّ النَّصارى لَمّا ادَّعَوْا حُلُولَ اللَّهِ في ذاتِ عِيسى تَوَزَّعَتِ الإلَهِيَّةُ وبَطُلَتِ الوَحْدانِيَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا المَذْهَبِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجَوابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ مَضْمُونِ صفحة ١١٤ تِلْكَ المَقالَةِ. وكانَتِ المُبادَرَةُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى أهَمَّ مِن تَبْرِئَتِهِ نَفْسَهُ، عَلى أنَّها مُقَدِّمَةٌ لِلتَّبَرِّي لِأنَّهُ إذا كانَ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِهِ أحَدًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (سُبْحانِكَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبَرَّأ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾؛ فَجُمْلَةُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ السُّؤالِ. وجُمْلَةُ سُبْحانِكَ تَمْهِيدٌ. وقَوْلُهُ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِن ذَلِكَ، أيْ ما يُوجَدُ لَدَيَّ قَوْلُ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ فاللّامُ في قَوْلِهِ ما يَكُونُ لِي لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ ما يُوجَدُ حَقٌّ أنْ أقُولَ. وذَلِكَ أبْلَغُ مِن لَمْ أقُلْهُ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُوجَدَ اسْتِحْقاقُهُ ذَلِكَ القَوْلَ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِحَقٍّ) زائِدَةٌ في خَبَرِ لَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ لَيْسَ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَفْظِ (حَقٍّ) عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحاةِ أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ المَجْرُورِ بِحَرْفِ الجَرِّ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حَقٍّ) لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةً لِـ (حَقٍّ) حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ نَفى كَوْنَ ذَلِكَ حَقًّا لَهُ ولَكِنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ الَّذِينَ قالُوهُ وكَفَرُوا بِهِ، ولِلْمُبادَرَةِ بِما يَدُلُّ عَلى تَنَصُّلِهِ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ. وقَدْ أفادَ الكَلامُ تَأْكِيدَ كَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُباحَ لَهُ أنْ يَقُولَ ما لا يَحِقُّ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذَلِكَ. فَهَذا تَأْكِيدٌ في غايَةِ البَلاغَةِ والتَّفَنُّنِ. ثُمَّ ارْتَقى في التَّبَرُّئِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها دَلِيلٌ وحُجَّةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَكانَتْ كالبَيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قُلْتُهُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. ونَصْبُ القَوْلِ لِلْمُفْرَدِ إذا كانَ في مَعْنى الجُمْلَةِ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠])، فاسْتَدَلَّ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَقُولَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَلِذَلِكَ أحالَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَمْ أفْعَلْ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ عَبّادٍ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ وأنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِ صفحة ١١٥ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾، فَجُمْلَةُ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والنَّفْسُ تُطْلَقُ عَلى العَقْلِ وعَلى ما بِهِ الإنْسانُ، إنْسانٌ وهي الرُّوحُ الإنْسانِيُّ، وتُطْلَقُ عَلى الذّاتِ. والمَعْنى هُنا: تَعْلَمُ ما أعْتَقِدُهُ، أيْ تَعْلَمُ ما أعْلَمُهُ لِأنَّ النَّفْسَ مَقَرُّ العُلُومِ في المُتَعارَفِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ اعْتِراضٌ نَشَأ عَنْ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ لِقَصْدِ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الوَقْتِ الواحِدِ وفي كُلِّ حالٍ. وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في التَّنْزِيهِ ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في التَّبَرُّئِ والتَّنَصُّلِ، فَلِذَلِكَ تَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وإضافَةُ النَّفْسِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ هَنا بِمَعْنى العِلْمِ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، أيْ ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُهُ، أيْ مِمّا انْفَرَدْتَ بِعِلْمِهِ. وقَدْ حَسَّنَهُ هُنا المُشاكَلَةُ كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ. وفِي جَوازِ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ مُشاكَلَةٍ خِلافٌ؛ فَمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ السَّعْدُ والسَّيِّدُ وعَبْدُ الحَكِيمِ في شُرُوحِ المِفْتاحِ والتَّلْخِيصِ. وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ في الكِتابِ نَحْوَ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ مِثْلَ إمامِ الحَرَمَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَشْهَدُ لَهُ تَكَرُّرُ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ كَما في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي» . وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ولِذَلِكَ جِيءَ بِـ (إنَّ) المُفِيدَةِ التَّعْلِيلِ. وقَدْ جُمِعَ فِيهِ أرْبَعُ مُؤَكِّداتٍ وطَرِيقَةُ حَصْرٍ، فَضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، وإنَّ، وصِيغَةُ الحَصْرِ، وجَمْعُ الغُيُوبِ، وأداةُ الِاسْتِغْرابِ. وبَعْدَ أنْ تَبَرَّأ مِن أنْ يَكُونَ أمَرَ أُمَّتَهُ بِما اخْتَلَقُوهُ انْتَقَلَ فَبَيَّنَ أنَّهُ أمَرَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ حَسْبَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ ارْتِقاءٌ في الجَوابِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ الأوَّلِ وهو ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ إلَخْ. . . صَرَّحَ هُنا بِما قالَهُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ مَقالِهِ. والمَعْنى: ما تَجاوَزْتُ صفحة ١١٦ فِيما قُلْتُ حَدَّ التَّبْلِيغِ لِما أمَرْتَنِي بِهِ، فالمَوْصُولُ وصِلَتُهُ هو مَقُولُ ما قُلْتُ لَهم وهو مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى جُمَلٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّ وُقُوعُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلِ القَوْلِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةُ (أمَرْتَنِي) لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وجُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ (أمَرْتَنِي) . واخْتِيرَ (أمَرْتَنِي) عَلى (قُلْتُ لِي) مُبالَغَةً في الأدَبِ. ولَمّا كانَ أمَرْتَنِي مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هي المَأْمُورُ بِأنْ يُبَلِّغَهُ لَهم فاللَّهُ قالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ . فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن مَقُولِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذِهِ العِبارَةَ ولَكِنْ لَمّا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِفِعْلِ ﴿أمَرْتَنِي بِهِ﴾ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ فالَّذِي قالَهُ عِيسى هو عَيْنُ اللَّفْظِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَهُ. فَلا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ بِهِ في الكَشّافُ عَلى أنَّ صاحِبَ الِانْتِصافِ جَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ جَرى عَلى حِكايَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ بِالمَعْنى، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم. فَلَمّا حَكاهُ عِيسى قالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمُ اهـ. وهَذا التَّوْجِيهُ هو الشّائِعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ حَتّى جَعَلُوا الآيَةَ مِثالًا لِحِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى. وأقُولُ: هو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ إذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ أوْ قِيلَ لَهُ أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ: فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِي الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ اهـ. وعِنْدِي أنَّهُ ضَعِيفٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ تَبَرَّأ مِن تَبِعَتِهِمْ فَقالَ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ مُشاهِدًا لَهم ورَقِيبًا يَمْنَعُهم مِن أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ. وما دُمْتُ (ما) فِيهِ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، و(دامَ) تامَّةٌ لا تَطْلُبُ مَنصُوبًا، و(فِيهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (دُمْتُ)، أيْ بَيْنَهم، ولَيْسَ خَبَرًا لِـ (دامَ) عَلى الأظْهَرِ، لِأنَّ (دامَ) الَّتِي تَطْلُبُ خَبَرًا هي الَّتِي يُرادُ مِنها الِاسْتِمْرارُ عَلى فِعْلٍ مُعَيَّنٍ هو مَضْمُونُ خَبَرِها، أمّا هي هُنا فَهي بِمَعْنى البَقاءِ، أيْ ما بَقِيتُ فِيهِمْ، أيْ ما بَقِيتُ في الدُّنْيا. صفحة ١١٧ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ قَوْلَهَ ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ فَلَمّا قَضَيْتَ بِوَفاتِي، لِأنَّ مُباشِرَ الوَفاةِ هو مَلَكُ المَوْتِ. والوَفاةُ المَوْتُ، وتَوَفّاهُ اللَّهُ أماتَهُ، أيْ قَضى بِهِ وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ قَبَضَ رُوحَهُ وأماتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنِّي مُتَوَفِّيكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: أنَّكَ لَمّا تَوَفَّيْتَنِي قَدْ صارَتِ الوَفاةُ حائِلًا بَيْنِي وبَيْنَهم فَلَمْ يَكُنْ لِي أنْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، فَجاءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ الدّالِّ عَلى القَصْرِ، أيْ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ لا أنا إذْ لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وبَيْنَ الدُّنْيا اتِّصالٌ. والمَعْنى أنَّكَ تَعْلَمُ أمْرَهم وتُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ مَتى شِئْتَ. وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وهَداهم بِكُلِّ وُجُوهِ الِاهْتِداءِ. وأقْصى وُجُوهِ الِاهْتِداءِ إبْلاغُهم ما سَيَكُونُ في شَأْنِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ إذْ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ لِئَلّا يَكُونَ في حُكْمِ جَوابِ (لَمّا) . وقَوْلُهُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَوَّضَ أمْرَهم إلى اللَّهِ فَهو أعْلَمُ بِما يُجازِيهِمْ بِهِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إمْساكٍ عَنْ إبْداءِ رَغْبَةٍ لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وغايَةُ ما عَرَّضَ بِهِ عِيسى أنَّهُ جَوَّزَ المَغْفِرَةَ لَهم رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ذِكْرُ العَزِيزِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ يَغْفِرُ عَنْ مَقْدِرَةٍ، وذِكْرُ الحَكِيمِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّفْوِيضِ، أيِ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ العالِمُ بِما يَلِيقُ بِهِمْ.

المائدة 5:117

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، فَهو ما يَقُولُهُ اللَّهُ يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ ولَيْسَ مِمّا قالَهُ في الدُّنْيا، لِأنَّ عِبادَةَ عِيسى حَدَثَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ، ولِقَوْلِهِ ﴿هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ قَوْلٌ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مَبْدَأُ تَقْرِيعِ النَّصارى بَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن تَقْرِيعِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠] إلى هُنا. وتَقْرِيعُ النَّصارى هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآيَةَ، فالِاسْتِفْهامُ هُنا كالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ أُرِيدَ إعْلانُ كَذِبِ مَن كَفَرَ مِنَ النَّصارى. صفحة ١١٣ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَوَجِّهٌ إلى تَخْصِيصِهِ بِالخَبَرِ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ أنَّ الخَبَرَ حاصِلٌ لا مَحالَةَ. فَقَوْلُ قائِلِينَ: اتَّخِذُوا عِيسى وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، واقِعٌ. وإنَّما أُلْقِيَ الِاسْتِفْهامُ لِعِيسى أهُوَ الَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالإرْهابِ والوَعِيدِ بِتَوَجُّهِ عُقُوبَةٍ إلى مَن قالَ هَذا القَوْلَ إنْ تَنَصَّلَ مِنهُ عِيسى فَيَعْلَمُ أحْبارُهُمُ الَّذِينَ اخْتَرَعُوا هَذا القَوْلَ أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ. والمَعْنى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هو قائِلُ ذَلِكَ فَلا عُذْرَ لِمَن قالَهُ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ عِيسى وتَعالِيمَهُ، فَلَوْ كانَ هو القائِلُ لَقالَ: اتَّخِذُونِي وأُمِّي، ولِذَلِكَ جاءَ التَّعْبِيرُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في الآيَةِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ دِينِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اتَّخِذُونِي، وحَرْفُ (مِن) صِلَةٌ وتَوْكِيدٌ. وكَلِمَةُ دُونَ اسْمٌ لِلْمَكانِ المُجاوِزِ، ويَكْثُرُ أنْ يَكُونَ مَكانًا مَجازِيًّا مُرادًا بِهِ المُغايَرَةُ، فَتَكُونُ بِمَعْنى سِوى. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] . والمَعْنى اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ سِوى اللَّهِ. وقَدْ شاعَ هَذا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي خُوطِبَ بِها المُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ولَمْ يُنْكِرُوا إلَهِيَّةَ اللَّهِ. وذَكَرَ هَذا المُتَعَلِّقَ إلْزامًا لَهم بِشَناعَةِ إثْباتِ إلَهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأنَّ النَّصارى لَمّا ادَّعَوْا حُلُولَ اللَّهِ في ذاتِ عِيسى تَوَزَّعَتِ الإلَهِيَّةُ وبَطُلَتِ الوَحْدانِيَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا المَذْهَبِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجَوابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ مَضْمُونِ صفحة ١١٤ تِلْكَ المَقالَةِ. وكانَتِ المُبادَرَةُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى أهَمَّ مِن تَبْرِئَتِهِ نَفْسَهُ، عَلى أنَّها مُقَدِّمَةٌ لِلتَّبَرِّي لِأنَّهُ إذا كانَ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِهِ أحَدًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (سُبْحانِكَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبَرَّأ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾؛ فَجُمْلَةُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ السُّؤالِ. وجُمْلَةُ سُبْحانِكَ تَمْهِيدٌ. وقَوْلُهُ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِن ذَلِكَ، أيْ ما يُوجَدُ لَدَيَّ قَوْلُ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ فاللّامُ في قَوْلِهِ ما يَكُونُ لِي لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ ما يُوجَدُ حَقٌّ أنْ أقُولَ. وذَلِكَ أبْلَغُ مِن لَمْ أقُلْهُ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُوجَدَ اسْتِحْقاقُهُ ذَلِكَ القَوْلَ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِحَقٍّ) زائِدَةٌ في خَبَرِ لَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ لَيْسَ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَفْظِ (حَقٍّ) عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحاةِ أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ المَجْرُورِ بِحَرْفِ الجَرِّ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حَقٍّ) لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةً لِـ (حَقٍّ) حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ نَفى كَوْنَ ذَلِكَ حَقًّا لَهُ ولَكِنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ الَّذِينَ قالُوهُ وكَفَرُوا بِهِ، ولِلْمُبادَرَةِ بِما يَدُلُّ عَلى تَنَصُّلِهِ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ. وقَدْ أفادَ الكَلامُ تَأْكِيدَ كَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُباحَ لَهُ أنْ يَقُولَ ما لا يَحِقُّ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذَلِكَ. فَهَذا تَأْكِيدٌ في غايَةِ البَلاغَةِ والتَّفَنُّنِ. ثُمَّ ارْتَقى في التَّبَرُّئِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها دَلِيلٌ وحُجَّةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَكانَتْ كالبَيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قُلْتُهُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. ونَصْبُ القَوْلِ لِلْمُفْرَدِ إذا كانَ في مَعْنى الجُمْلَةِ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠])، فاسْتَدَلَّ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَقُولَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَلِذَلِكَ أحالَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَمْ أفْعَلْ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ عَبّادٍ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ وأنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِ صفحة ١١٥ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾، فَجُمْلَةُ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والنَّفْسُ تُطْلَقُ عَلى العَقْلِ وعَلى ما بِهِ الإنْسانُ، إنْسانٌ وهي الرُّوحُ الإنْسانِيُّ، وتُطْلَقُ عَلى الذّاتِ. والمَعْنى هُنا: تَعْلَمُ ما أعْتَقِدُهُ، أيْ تَعْلَمُ ما أعْلَمُهُ لِأنَّ النَّفْسَ مَقَرُّ العُلُومِ في المُتَعارَفِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ اعْتِراضٌ نَشَأ عَنْ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ لِقَصْدِ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الوَقْتِ الواحِدِ وفي كُلِّ حالٍ. وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في التَّنْزِيهِ ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في التَّبَرُّئِ والتَّنَصُّلِ، فَلِذَلِكَ تَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وإضافَةُ النَّفْسِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ هَنا بِمَعْنى العِلْمِ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، أيْ ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُهُ، أيْ مِمّا انْفَرَدْتَ بِعِلْمِهِ. وقَدْ حَسَّنَهُ هُنا المُشاكَلَةُ كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ. وفِي جَوازِ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ مُشاكَلَةٍ خِلافٌ؛ فَمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ السَّعْدُ والسَّيِّدُ وعَبْدُ الحَكِيمِ في شُرُوحِ المِفْتاحِ والتَّلْخِيصِ. وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ في الكِتابِ نَحْوَ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ مِثْلَ إمامِ الحَرَمَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَشْهَدُ لَهُ تَكَرُّرُ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ كَما في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي» . وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ولِذَلِكَ جِيءَ بِـ (إنَّ) المُفِيدَةِ التَّعْلِيلِ. وقَدْ جُمِعَ فِيهِ أرْبَعُ مُؤَكِّداتٍ وطَرِيقَةُ حَصْرٍ، فَضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، وإنَّ، وصِيغَةُ الحَصْرِ، وجَمْعُ الغُيُوبِ، وأداةُ الِاسْتِغْرابِ. وبَعْدَ أنْ تَبَرَّأ مِن أنْ يَكُونَ أمَرَ أُمَّتَهُ بِما اخْتَلَقُوهُ انْتَقَلَ فَبَيَّنَ أنَّهُ أمَرَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ حَسْبَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ ارْتِقاءٌ في الجَوابِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ الأوَّلِ وهو ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ إلَخْ. . . صَرَّحَ هُنا بِما قالَهُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ مَقالِهِ. والمَعْنى: ما تَجاوَزْتُ صفحة ١١٦ فِيما قُلْتُ حَدَّ التَّبْلِيغِ لِما أمَرْتَنِي بِهِ، فالمَوْصُولُ وصِلَتُهُ هو مَقُولُ ما قُلْتُ لَهم وهو مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى جُمَلٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّ وُقُوعُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلِ القَوْلِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةُ (أمَرْتَنِي) لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وجُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ (أمَرْتَنِي) . واخْتِيرَ (أمَرْتَنِي) عَلى (قُلْتُ لِي) مُبالَغَةً في الأدَبِ. ولَمّا كانَ أمَرْتَنِي مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هي المَأْمُورُ بِأنْ يُبَلِّغَهُ لَهم فاللَّهُ قالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ . فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن مَقُولِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذِهِ العِبارَةَ ولَكِنْ لَمّا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِفِعْلِ ﴿أمَرْتَنِي بِهِ﴾ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ فالَّذِي قالَهُ عِيسى هو عَيْنُ اللَّفْظِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَهُ. فَلا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ بِهِ في الكَشّافُ عَلى أنَّ صاحِبَ الِانْتِصافِ جَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ جَرى عَلى حِكايَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ بِالمَعْنى، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم. فَلَمّا حَكاهُ عِيسى قالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمُ اهـ. وهَذا التَّوْجِيهُ هو الشّائِعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ حَتّى جَعَلُوا الآيَةَ مِثالًا لِحِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى. وأقُولُ: هو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ إذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ أوْ قِيلَ لَهُ أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ: فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِي الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ اهـ. وعِنْدِي أنَّهُ ضَعِيفٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ تَبَرَّأ مِن تَبِعَتِهِمْ فَقالَ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ مُشاهِدًا لَهم ورَقِيبًا يَمْنَعُهم مِن أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ. وما دُمْتُ (ما) فِيهِ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، و(دامَ) تامَّةٌ لا تَطْلُبُ مَنصُوبًا، و(فِيهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (دُمْتُ)، أيْ بَيْنَهم، ولَيْسَ خَبَرًا لِـ (دامَ) عَلى الأظْهَرِ، لِأنَّ (دامَ) الَّتِي تَطْلُبُ خَبَرًا هي الَّتِي يُرادُ مِنها الِاسْتِمْرارُ عَلى فِعْلٍ مُعَيَّنٍ هو مَضْمُونُ خَبَرِها، أمّا هي هُنا فَهي بِمَعْنى البَقاءِ، أيْ ما بَقِيتُ فِيهِمْ، أيْ ما بَقِيتُ في الدُّنْيا. صفحة ١١٧ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ قَوْلَهَ ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ فَلَمّا قَضَيْتَ بِوَفاتِي، لِأنَّ مُباشِرَ الوَفاةِ هو مَلَكُ المَوْتِ. والوَفاةُ المَوْتُ، وتَوَفّاهُ اللَّهُ أماتَهُ، أيْ قَضى بِهِ وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ قَبَضَ رُوحَهُ وأماتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنِّي مُتَوَفِّيكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: أنَّكَ لَمّا تَوَفَّيْتَنِي قَدْ صارَتِ الوَفاةُ حائِلًا بَيْنِي وبَيْنَهم فَلَمْ يَكُنْ لِي أنْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، فَجاءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ الدّالِّ عَلى القَصْرِ، أيْ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ لا أنا إذْ لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وبَيْنَ الدُّنْيا اتِّصالٌ. والمَعْنى أنَّكَ تَعْلَمُ أمْرَهم وتُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ مَتى شِئْتَ. وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وهَداهم بِكُلِّ وُجُوهِ الِاهْتِداءِ. وأقْصى وُجُوهِ الِاهْتِداءِ إبْلاغُهم ما سَيَكُونُ في شَأْنِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ إذْ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ لِئَلّا يَكُونَ في حُكْمِ جَوابِ (لَمّا) . وقَوْلُهُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَوَّضَ أمْرَهم إلى اللَّهِ فَهو أعْلَمُ بِما يُجازِيهِمْ بِهِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إمْساكٍ عَنْ إبْداءِ رَغْبَةٍ لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وغايَةُ ما عَرَّضَ بِهِ عِيسى أنَّهُ جَوَّزَ المَغْفِرَةَ لَهم رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ذِكْرُ العَزِيزِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ يَغْفِرُ عَنْ مَقْدِرَةٍ، وذِكْرُ الحَكِيمِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّفْوِيضِ، أيِ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ العالِمُ بِما يَلِيقُ بِهِمْ.

المائدة 5:118

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، فَهو ما يَقُولُهُ اللَّهُ يَوْمَ يَجْمَعُ الرُّسُلَ ولَيْسَ مِمّا قالَهُ في الدُّنْيا، لِأنَّ عِبادَةَ عِيسى حَدَثَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ، ولِقَوْلِهِ ﴿هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . فَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأنَّ قَوْلَهُ ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ قَوْلٌ يَقُولُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مَبْدَأُ تَقْرِيعِ النَّصارى بَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن تَقْرِيعِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠] إلى هُنا. وتَقْرِيعُ النَّصارى هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] الآيَةَ، فالِاسْتِفْهامُ هُنا كالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ عِيسى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ولَكِنْ أُرِيدَ إعْلانُ كَذِبِ مَن كَفَرَ مِنَ النَّصارى. صفحة ١١٣ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُتَوَجِّهٌ إلى تَخْصِيصِهِ بِالخَبَرِ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ أنَّ الخَبَرَ حاصِلٌ لا مَحالَةَ. فَقَوْلُ قائِلِينَ: اتَّخِذُوا عِيسى وأُمَّهُ إلَهَيْنِ، واقِعٌ. وإنَّما أُلْقِيَ الِاسْتِفْهامُ لِعِيسى أهُوَ الَّذِي قالَ لَهم ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالإرْهابِ والوَعِيدِ بِتَوَجُّهِ عُقُوبَةٍ إلى مَن قالَ هَذا القَوْلَ إنْ تَنَصَّلَ مِنهُ عِيسى فَيَعْلَمُ أحْبارُهُمُ الَّذِينَ اخْتَرَعُوا هَذا القَوْلَ أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ. والمَعْنى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ هو قائِلُ ذَلِكَ فَلا عُذْرَ لِمَن قالَهُ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ عِيسى وتَعالِيمَهُ، فَلَوْ كانَ هو القائِلُ لَقالَ: اتَّخِذُونِي وأُمِّي، ولِذَلِكَ جاءَ التَّعْبِيرُ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في الآيَةِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ دِينِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اتَّخِذُونِي، وحَرْفُ (مِن) صِلَةٌ وتَوْكِيدٌ. وكَلِمَةُ دُونَ اسْمٌ لِلْمَكانِ المُجاوِزِ، ويَكْثُرُ أنْ يَكُونَ مَكانًا مَجازِيًّا مُرادًا بِهِ المُغايَرَةُ، فَتَكُونُ بِمَعْنى سِوى. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] . والمَعْنى اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ سِوى اللَّهِ. وقَدْ شاعَ هَذا في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وقالَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي خُوطِبَ بِها المُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهم أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ ولَمْ يُنْكِرُوا إلَهِيَّةَ اللَّهِ. وذَكَرَ هَذا المُتَعَلِّقَ إلْزامًا لَهم بِشَناعَةِ إثْباتِ إلَهِيَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ لِأنَّ النَّصارى لَمّا ادَّعَوْا حُلُولَ اللَّهِ في ذاتِ عِيسى تَوَزَّعَتِ الإلَهِيَّةُ وبَطُلَتِ الوَحْدانِيَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا المَذْهَبِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجَوابُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ مَضْمُونِ صفحة ١١٤ تِلْكَ المَقالَةِ. وكانَتِ المُبادَرَةُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى أهَمَّ مِن تَبْرِئَتِهِ نَفْسَهُ، عَلى أنَّها مُقَدِّمَةٌ لِلتَّبَرِّي لِأنَّهُ إذا كانَ يُنَزِّهُ اللَّهَ عَنْ ذَلِكَ فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِهِ أحَدًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (سُبْحانِكَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبَرَّأ نَفْسَهُ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾؛ فَجُمْلَةُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جَوابُ السُّؤالِ. وجُمْلَةُ سُبْحانِكَ تَمْهِيدٌ. وقَوْلُهُ ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِن ذَلِكَ، أيْ ما يُوجَدُ لَدَيَّ قَوْلُ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ فاللّامُ في قَوْلِهِ ما يَكُونُ لِي لِلِاسْتِحْقاقِ، أيْ ما يُوجَدُ حَقٌّ أنْ أقُولَ. وذَلِكَ أبْلَغُ مِن لَمْ أقُلْهُ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُوجَدَ اسْتِحْقاقُهُ ذَلِكَ القَوْلَ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِحَقٍّ) زائِدَةٌ في خَبَرِ لَيْسَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ لَيْسَ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِلَفْظِ (حَقٍّ) عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِنَ النُّحاةِ أنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ المُتَعَلِّقِ عَلى مُتَعَلَّقِهِ المَجْرُورِ بِحَرْفِ الجَرِّ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (حَقٍّ) لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ صِفَةً لِـ (حَقٍّ) حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ نَفى كَوْنَ ذَلِكَ حَقًّا لَهُ ولَكِنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِ الَّذِينَ قالُوهُ وكَفَرُوا بِهِ، ولِلْمُبادَرَةِ بِما يَدُلُّ عَلى تَنَصُّلِهِ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ. وقَدْ أفادَ الكَلامُ تَأْكِيدَ كَوْنِ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ لِأنَّهُ نَفى أنْ يُباحَ لَهُ أنْ يَقُولَ ما لا يَحِقُّ لَهُ، فَعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لَهُ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ لِأجْلِ كَوْنِهِ كَذَلِكَ. فَهَذا تَأْكِيدٌ في غايَةِ البَلاغَةِ والتَّفَنُّنِ. ثُمَّ ارْتَقى في التَّبَرُّئِ فَقالَ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها دَلِيلٌ وحُجَّةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَكانَتْ كالبَيانِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قُلْتُهُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. ونَصْبُ القَوْلِ لِلْمُفْرَدِ إذا كانَ في مَعْنى الجُمْلَةِ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠])، فاسْتَدَلَّ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَقُولَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَلِذَلِكَ أحالَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: يَعْلَمُ اللَّهُ أنِّي لَمْ أفْعَلْ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ عَبّادٍ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَّهُ وأنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِ صفحة ١١٥ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾، فَجُمْلَةُ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والنَّفْسُ تُطْلَقُ عَلى العَقْلِ وعَلى ما بِهِ الإنْسانُ، إنْسانٌ وهي الرُّوحُ الإنْسانِيُّ، وتُطْلَقُ عَلى الذّاتِ. والمَعْنى هُنا: تَعْلَمُ ما أعْتَقِدُهُ، أيْ تَعْلَمُ ما أعْلَمُهُ لِأنَّ النَّفْسَ مَقَرُّ العُلُومِ في المُتَعارَفِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ اعْتِراضٌ نَشَأ عَنْ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ لِقَصْدِ الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الوَقْتِ الواحِدِ وفي كُلِّ حالٍ. وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في التَّنْزِيهِ ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في التَّبَرُّئِ والتَّنَصُّلِ، فَلِذَلِكَ تَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وإضافَةُ النَّفْسِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ هَنا بِمَعْنى العِلْمِ الَّذِي لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، أيْ ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُهُ، أيْ مِمّا انْفَرَدْتَ بِعِلْمِهِ. وقَدْ حَسَّنَهُ هُنا المُشاكَلَةُ كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ. وفِي جَوازِ إطْلاقِ النَّفْسِ عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ مُشاكَلَةٍ خِلافٌ؛ فَمِنَ العُلَماءِ مَن مَنَعَ ذَلِكَ. وإلَيْهِ ذَهَبَ السَّعْدُ والسَّيِّدُ وعَبْدُ الحَكِيمِ في شُرُوحِ المِفْتاحِ والتَّلْخِيصِ. وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ في الكِتابِ نَحْوَ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] مِن قَبِيلِ المُتَشابِهِ. ومِنَ العُلَماءِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ مِثْلَ إمامِ الحَرَمَيْنِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، ويَشْهَدُ لَهُ تَكَرُّرُ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ كَما في الحَدِيثِ القُدُسِيِّ «فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي» . وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ولِذَلِكَ جِيءَ بِـ (إنَّ) المُفِيدَةِ التَّعْلِيلِ. وقَدْ جُمِعَ فِيهِ أرْبَعُ مُؤَكِّداتٍ وطَرِيقَةُ حَصْرٍ، فَضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، وإنَّ، وصِيغَةُ الحَصْرِ، وجَمْعُ الغُيُوبِ، وأداةُ الِاسْتِغْرابِ. وبَعْدَ أنْ تَبَرَّأ مِن أنْ يَكُونَ أمَرَ أُمَّتَهُ بِما اخْتَلَقُوهُ انْتَقَلَ فَبَيَّنَ أنَّهُ أمَرَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ حَسْبَما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾، فَقَوْلُهُ ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ ارْتِقاءٌ في الجَوابِ، فَهو اسْتِئْنافٌ بِمَنزِلَةِ الجَوابِ الأوَّلِ وهو ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ إلَخْ. . . صَرَّحَ هُنا بِما قالَهُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عَنْ مَقالِهِ. والمَعْنى: ما تَجاوَزْتُ صفحة ١١٦ فِيما قُلْتُ حَدَّ التَّبْلِيغِ لِما أمَرْتَنِي بِهِ، فالمَوْصُولُ وصِلَتُهُ هو مَقُولُ ما قُلْتُ لَهم وهو مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى جُمَلٍ، فَلِذَلِكَ صَحَّ وُقُوعُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلِ القَوْلِ. و(أنْ) مُفَسِّرَةُ (أمَرْتَنِي) لِأنَّ الأمْرَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ وجُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ (أمَرْتَنِي) . واخْتِيرَ (أمَرْتَنِي) عَلى (قُلْتُ لِي) مُبالَغَةً في الأدَبِ. ولَمّا كانَ أمَرْتَنِي مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هي المَأْمُورُ بِأنْ يُبَلِّغَهُ لَهم فاللَّهُ قالَ لَهُ: قُلْ لَهُمُ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ . فَعَلى هَذا يَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن مَقُولِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ هَذِهِ العِبارَةَ ولَكِنْ لَمّا عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِفِعْلِ ﴿أمَرْتَنِي بِهِ﴾ صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِحَرْفِ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ فالَّذِي قالَهُ عِيسى هو عَيْنُ اللَّفْظِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَهُ. فَلا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ بِهِ في الكَشّافُ عَلى أنَّ صاحِبَ الِانْتِصافِ جَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ التَّفْسِيرُ جَرى عَلى حِكايَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ بِالمَعْنى، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى قالَ لَهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم. فَلَمّا حَكاهُ عِيسى قالَ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمُ اهـ. وهَذا التَّوْجِيهُ هو الشّائِعُ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ حَتّى جَعَلُوا الآيَةَ مِثالًا لِحِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى. وأقُولُ: هو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ إذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ أوْ قِيلَ لَهُ أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ: فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِي الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ اهـ. وعِنْدِي أنَّهُ ضَعِيفٌ في هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ تَبَرَّأ مِن تَبِعَتِهِمْ فَقالَ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ مُشاهِدًا لَهم ورَقِيبًا يَمْنَعُهم مِن أنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذِهِ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ. وما دُمْتُ (ما) فِيهِ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، و(دامَ) تامَّةٌ لا تَطْلُبُ مَنصُوبًا، و(فِيهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (دُمْتُ)، أيْ بَيْنَهم، ولَيْسَ خَبَرًا لِـ (دامَ) عَلى الأظْهَرِ، لِأنَّ (دامَ) الَّتِي تَطْلُبُ خَبَرًا هي الَّتِي يُرادُ مِنها الِاسْتِمْرارُ عَلى فِعْلٍ مُعَيَّنٍ هو مَضْمُونُ خَبَرِها، أمّا هي هُنا فَهي بِمَعْنى البَقاءِ، أيْ ما بَقِيتُ فِيهِمْ، أيْ ما بَقِيتُ في الدُّنْيا. صفحة ١١٧ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ قَوْلَهَ ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ فَلَمّا قَضَيْتَ بِوَفاتِي، لِأنَّ مُباشِرَ الوَفاةِ هو مَلَكُ المَوْتِ. والوَفاةُ المَوْتُ، وتَوَفّاهُ اللَّهُ أماتَهُ، أيْ قَضى بِهِ وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ قَبَضَ رُوحَهُ وأماتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنِّي مُتَوَفِّيكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: أنَّكَ لَمّا تَوَفَّيْتَنِي قَدْ صارَتِ الوَفاةُ حائِلًا بَيْنِي وبَيْنَهم فَلَمْ يَكُنْ لِي أنْ أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم، ولِذَلِكَ قالَ ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، فَجاءَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ الدّالِّ عَلى القَصْرِ، أيْ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ لا أنا إذْ لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وبَيْنَ الدُّنْيا اتِّصالٌ. والمَعْنى أنَّكَ تَعْلَمُ أمْرَهم وتُرْسِلُ إلَيْهِمْ مَن يَهْدِيهِمْ مَتى شِئْتَ. وقَدْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وهَداهم بِكُلِّ وُجُوهِ الِاهْتِداءِ. وأقْصى وُجُوهِ الِاهْتِداءِ إبْلاغُهم ما سَيَكُونُ في شَأْنِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ إذْ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ لِئَلّا يَكُونَ في حُكْمِ جَوابِ (لَمّا) . وقَوْلُهُ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَوَّضَ أمْرَهم إلى اللَّهِ فَهو أعْلَمُ بِما يُجازِيهِمْ بِهِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ إمْساكٍ عَنْ إبْداءِ رَغْبَةٍ لِشِدَّةِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وغايَةُ ما عَرَّضَ بِهِ عِيسى أنَّهُ جَوَّزَ المَغْفِرَةَ لَهم رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ذِكْرُ العَزِيزِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ يَغْفِرُ عَنْ مَقْدِرَةٍ، وذِكْرُ الحَكِيمِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّفْوِيضِ، أيِ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ العالِمُ بِما يَلِيقُ بِهِمْ.

المائدة 5:119

﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ . جَوابٌ عَنْ قَوْلِ عِيسى، فَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَلى طَرِيقَةِ الحِوارِ. صفحة ١١٨ والإشارَةُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهو حاضِرٌ حِينَ تَجْرِي هَذِهِ المُقاوَلَةُ. وجُمْلَةُ ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ مُضافٌ إلَيْها يَوْمَ، أيْ هَذا يَوْمُ نَفْعِ الصِّدْقِ. وقَدْ قَرَأ غَيْرُ نافِعٍ مِنَ العَشَرَةِ (يَوْمُ) مَضْمُومًا ضَمَّةَ رَفْعٍ لِأنَّهُ خَبَرُ هَذا. وقَرَأهُ نافِعٌ مَفْتُوحًا عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وإضافَةُ اسْمِ الزَّمانِ إلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ تُسَوِّغُ بِناءَهُ عَلى الفَتْحِ، فَإنْ كانَتْ ماضَوِيَّةً فالبِناءُ أكْثَرُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وإنْ كانَتْ مُضارِعِيَّةً فالبِناءُ والإعْرابُ جائِزانِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهو التَّحْقِيقُ. وإضافَةُ الظَّرْفِ إلى الجُمْلَةِ تَقْتَضِي أنَّ مَضْمُونَها يَحْصُلُ فِيهِ، فَنَفْعُ الصِّدْقِ أصْحابَهُ حاصِلٌ يَوْمَئِذٍ. وعُمُومُ الصّادِقِينَ يَشْمَلُ الصِّدْقَ الصّادِرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ والصّادِرَ في الدُّنْيا، فَنَفْعُ كِلَيْهِما يَظْهَرُ يَوْمَئِذٍ؛ فَأمّا نَفْعُ الصّادِرِ في الدُّنْيا فَهو حُصُولُ ثَوابِهِ، وأمّا نَفْعُ الصّادِرِ في الآخِرَةِ كَصِدْقِ المَسِيحِ فِيما قالَهُ فَهو بِرِضى اللَّهِ عَنِ الصّادِقِ أوْ تَجَنُّبِ غَضَبِهِ عَلى الَّذِي يُكَذِّبُهُ فَلا حَيْرَةَ في مَعْنى الآيَةِ. والمُرادُ بِـ (الصّادِقِينَ) الَّذِينَ كانَ الصِّدْقُ شِعارَهم لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ. ومِن أوَّلِ مَراتِبِ الصِّدْقِ صِدْقُ الِاعْتِقادِ بِأنْ لا يَعْتَقِدُوا ما هو مُخالِفٌ لِما في نَفْسِ الأمْرِ مِمّا قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ أوِ الشَّرْعِيُّ. قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . ومَعْنى نَفْعِ الصِّدْقِ صاحِبَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ الحَقِّ فالصّادِقُ يَنْتَفِعُ فِيهِ بِصِدْقِهِ، لِأنَّ الصِّدْقَ حَسَنٌ فَلا يَكُونُ لَهُ في الحَقِّ إلّا الأثَرُ الحَسَنُ، بِخِلافِ الحالِ في عالَمِ الدُّنْيا عالَمِ حُصُولِ الحَقِّ والباطِلِ فَإنَّ الحَقَّ قَدْ يَجُرُّ ضُرًّا لِصاحِبِهِ بِتَحْرِيفِ النّاسِ لِلْحَقائِقِ، أوْ بِمُؤاخَذَتِهِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ لَما اطَّلَعَ عَلَيْهِ أحَدٌ. وأمّا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِنَ النَّفْعِ الحاصِلِ في يَوْمِ القِيامَةِ. وقَدِ ابْتُلِيَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الصِّدْقِ ثُمَّ رَأى حُسْنَ مَغَبَّتِهِ في الدُّنْيا. صفحة ١١٩ ومَعْنى نَفْعِ الصِّدْقِ أنَّهُ إنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ حَسَنٍ ارْتَكَبَهُ المُخْبِرُ فالصِّدْقُ حَسَنٌ والمُخْبَرُ عَنْهُ حَسَنٌ فَيَكُونُ نَفْعًا مَحْضًا وعَلَيْهِ جَزاءانِ، كَما في قَوْلِ عِيسى: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى آخِرِهِ، وإنْ كانَ الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ قَبِيحٍ فَإنَّ الصِّدْقَ لا يَزِيدُ المُخْبَرَ عَنْهُ قُبْحًا لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ قَبِيحًا سَواءٌ أُخْبِرَ عَنْهُ أمْ لَمْ يُخْبَرْ. وكانَ لِقُبْحِهِ مُسْتَحِقًّا أثَرًا قَبِيحًا مِثْلَهُ. ويَنْفَعُ الصِّدْقُ صاحِبَهُ مُرْتَكِبَ ذَلِكَ القَبِيحِ فَيَنالُهُ جَزاءُ الصِّدْقِ فَيَخِفُّ عَنْهُ بَعْضُ العِقابِ بِما ازْدادَ مِن وسائِلِ الإحْسانِ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ (لَهم جَنّاتٌ) مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (يَنْفَعُ) بِاعْتِبارِ أنَّها أكْمَلُ أحْوالِ نَفْعِ الصِّدْقِ. وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِجَنّاتٍ، وخالِدِينَ حالٌ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ. ومَعْنى رَضُوا عَنْهُ المَسَرَّةُ الكامِلَةُ بِما جازاهم بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ورِضْوانِهِ. وأصْلُ الرِّضا أنَّهُ ضِدَّ الغَضَبِ، فَهو المَحَبَّةُ وأثَرُها مِنَ الإكْرامِ والإحْسانِ. فَرِضى اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ في إكْرامِهِ وإحْسانِهِ مِثْلَ مَحَبَّتِهِ في قَوْلِهِ يُحِبُّهم. ورِضى الخَلْقِ عَنِ اللَّهِ هو مَحَبَّتُهُ وحُصُولُ ما أمِلُوهُ مِنهُ بِحَيْثُ لا يَبْقى في نُفُوسِهِمْ مُتَطَلَّعٌ. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، وهو الجَنّاتُ والرِّضْوانُ.

المائدة 5:120

﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَمَعَتْ عُبُودِيَّةَ كُلِّ المَوْجُوداتِ لِلَّهِ تَعالى، فَناسَبَتْ ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّدِّ عَلى النَّصارى، وتَضَمَّنَتْ أنَّ جَمِيعَها في تَصَرُّفِهِ تَعالى فَناسَبَتْ كَما تَقَدَّمَ مِن جَزاءِ الصّادِقِينَ. وفِيها مَعْنى التَّفْوِيضِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ ما يَنْزِلُ، فَآذَنَتْ بِانْتِهاءِ نُزُولِ القُرْآنِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ سُورَةَ المائِدَةِ آخِرُ ما نَزَلَ. وبِاقْتِرابِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِما في الآيَةِ مِن مَعْنى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وأنَّهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ. صفحة ١٢٠ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ (ما) في قَوْلِهِ وما فِيهِنَّ دُونَ (مَن) لِأنَّ (ما) هي الأصْلُ في المَوْصُولِ المُبْهَمِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ تَغْلِيبُ العُقَلاءِ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِـ (عَلى) في قَوْلِهِ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى حَرْفَيْنِ بَيْنَهُما حَرْفُ مَدٍّ. وما فِيهِنَّ عَطْفٌ عَلى مُلْكُ أيْ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَيُفِيدُ قَصْرَها عَلى كَوْنِها لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ. ولَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى السَّماواتِ والأرْضِ إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لِلَّهِ مُلْكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ المُلْكَ يُضافُ إلى الأقْطارِ والآفاقِ والأماكِنِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ. ويُضافُ إلى صاحِبِ المُلْكِ كَما في قَوْلِهِ: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. ويُقالُ: في مُدَّةِ مُلْكِ الآشُورِيِّينَ أوِ الرُّومانِ. * * * صفحة ١٢١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأنْعامِ لَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ إلّا هَذا الِاسْمُ مِن عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رَوى الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً وشَيَّعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ» ووَرَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ - تَسْمِيَتُها في كَلامِهِمْ سُورَةَ الأنْعامِ. وكَذَلِكَ ثَبَتَتْ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ. وسُمِّيَتْ سُورَةَ الأنْعامِ لِما تَكَرَّرَ فِيها مِن ذِكْرِ لَفْظِ الأنْعامِ سِتَّ مَرّاتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾ [الأنعام: ١٤٤] . وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ لَيْلًا جُمْلَةً واحِدَةً، كَما رَواهُ عَنْهُ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والعَوْفِيُّ، وهو المُوافِقُ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، نَزَلَ في مُدَّةِ حَياةِ أبِي طالِبٍ، أيْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البِعْثَةِ، فَإذا صَحَّ كانَ ضابِطًا لِسَنَةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. ورَوى الكَلْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ سِتَّ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى مُنْتَهى ثَلاثِ آياتٍ، وثَلاثًا مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] . وعَنْ أبِي جُحَيْفَةَ أنَّ آيَةَ ﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١] مَدَنِيَّةٌ. وقِيلَ نَزَلَتْ آيَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٩٣] الآيَةَ بِالمَدِينَةِ، بِناءً عَلى ما ذُكِرَ مِن سَبَبِ نُزُولِها الآتِي. وقِيلَ: نَزَلَتْ آيَةُ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] الآيَةَ، وآيَةُ ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧] الآيَةَ، كِلْتاهُما بِالمَدِينَةِ بِناءً عَلى ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ نُزُولِهِما كَما سَيَأْتِي. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ أنَّها في قَوْلِ الأكْثَرِ صفحة ١٢٢ نَزَلَتْ يَوْمَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] الآيَةَ، أيْ سَنَةَ عَشْرٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُسْتَثْناةً مِن مَكِّيَّةِ السُّورَةِ أُلْحِقَتْ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. إنَّ النَّقّاشَ حَكى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ. ولَكِنْ قالَ ابْنُ الحَصّارِ: لا يَصِحُّ نَقْلٌ في شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الأنْعامِ في المَدِينَةِ. وهَذا هو الأظْهَرُ وهو الَّذِي رَواهُ أبُو عُبَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ جُمْلَةً واحِدَةً ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكُتّابَ فَكَتَبُوها مِن لَيْلَتِهِمْ. ورَوى سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وشَرِيكٌ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ الأنْصارِيَّةِ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جُمْلَةً وهو في مَسِيرٍ وأنا آخِذَةٌ بِزِمامِ ناقَتِهِ إنْ كادَتْ مِن ثِقَلِها لَتَكْسِرُ عِظامَ النّاقَةِ» . ولَمْ يُعَيِّنُوا هَذا المَسِيرَ ولا زَمَنَهُ غَيْرَ أنَّ أسْماءَ هَذِهِ لا يُعْرَفُ لَها مَجِيءٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ هِجْرَتِهِ ولا هي مَعْدُودَةٌ فِيمَن بايَعَ في العَقَبَةِ الثّانِيَةِ حَتّى يُقالَ: إنَّها لَقِيَتْهُ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وإنَّما المَعْدُودَةُ أسْماءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ. فَحالُ هَذا الحَدِيثِ غَيْرُ بَيِّنٍ. ولَعَلَّهُ التَبَسَ فِيهِ قِراءَةُ السُّورَةِ في ذَلِكَ السَّفْرِ بِأنَّها نَزَلَتْ حِينَئِذٍ. قالُوا: ولَمْ تَنْزِلْ مِنَ السُّورِ الطُّوالِ سُورَةٌ جُمْلَةً واحِدَةً غَيْرُها. وقَدْ وقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ في رِوايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا، فَلَعَلَّ حِكْمَةَ إنْزالِها جُمْلَةً واحِدَةً قَطْعُ تَعَلُّلِ المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . تَوَهُّمًا مِنهم أنَّ تَنْجِيمَ نُزُولِهِ يُناكِدُ كَوْنَهُ كِتابًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الأنْعامِ. وهي في مِقْدارِ كِتابٍ مِن كُتُبِهِمُ الَّتِي يَعْرِفُونَها كالإنْجِيلِ والزَّبُورِ، لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، إلّا أنَّ حِكْمَةَ تَنْجِيمِ النُّزُولِ أوْلى بِالمُراعاةِ. وأيْضًا لِيَحْصُلَ الإعْجازُ بِمُخْتَلِفِ أسالِيبِ الكَلامِ مِن قِصَرٍ وطُولٍ وتَوَسُّطٍ، فَإنَّ طُولَ الكَلامِ قَدْ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، كَما قالَ قَيْسُ بْنُ خارِجَةَ يَفْخَرُ بِما عِنْدَهُ مِنَ الفَضائِلِ: وخُطْبَةٌ مِن لَدُنْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغْرُبَ إلَخْ. وقالَ أبُو دُؤادِ بْنُ جَرِيرٍ الإيادِيُّ يَمْدَحُ خُطَباءَ إيادٍ: صفحة ١٢٣ يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطُّوالِ وتارَةً وحْيُ المَلاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَباءِ واعْلَمْ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ جُمْلَةً واحِدَةً عَلى الصَّحِيحِ لا يُناكِدُ ما يُذْكَرُ لِبَعْضِ آياتِها مِن أسْبابِ نُزُولِها، لِأنَّ أسْبابَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ إنْ كانَ لِحَوادِثَ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَقَدْ تَتَجَمَّعُ أسْبابٌ كَثِيرَةٌ في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَيَكُونُ نُزُولُ تِلْكَ الآياتِ مُسَبَّبًا عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وإنْ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ جازَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الآياتُ مَدَنِيَّةً أُلْحِقَتْ بِسُورَةِ الأنْعامِ لِمُناسَباتٍ. عَلى أنَّ أسْبابَ النُّزُولِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُقارِنَةً لِنُزُولِ آياتِ أحْكامِها فَقَدْ يَقَعُ السَّبَبُ ويَتَأخَّرُ تَشْرِيعُ حُكْمِهِ. وعَلى القَوْلِ الأصَحِّ أنَّها مَكِّيَّةٌ فَقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ الخامِسَةَ والخَمْسِينَ في عَدِّ نُزُولِ السُّوَرِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحِجْرِ وقَبْلَ سُورَةِ الصّافّاتِ. وعَدَدُ آياتِها مِائَةٌ وسَبْعٌ وسِتُّونَ في العَدَدِ المَدَنِيِّ والمَكِّيِّ، ومِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ في العَدَدِ الكُوفِيِّ، ومِائَةٌ وأرْبَعٌ وسِتُّونَ في الشّامِيِّ والبَصْرِيِّ. * * * أغْراَضُ هَذِهِ السُورَة. ابْتَدَأتْ بِإشْعارِ النّاسِ بِأنَّ حَقَّ الحَمْدِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ لِأنَّهُ مُبْدِعُ العَوالِمِ جَواهِرَ وأعْراضًا، فَعُلِمَ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالإلَهِيَّةِ. وإبْطالِ تَأْثِيرِ الشُّرَكاءِ مِنَ الأصْنامِ والجِنِّ بِإثْباتِ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ العالَمِ جَواهِرِهِ وأعْراضِهِ، وخَلْقِ الإنْسانِ ونِظامِ حَياتِهِ ومَوْتِهِ بِحِكْمَتِهِ تَعالى وعِلْمِهِ، ولا تَمْلِكُ آلِهَتُهم تَصَرُّفًا ولا عِلْمًا. وتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ. قالَ أبُو إسْحاقِ الإسْفِرائِينِيُّ: في سُورَةِ الأنْعامِ كُلُّ قَواعِدِ التَّوْحِيدِ. ومَوْعِظَةِ المُعْرِضِينَ عَنْ آياتِ القُرْآنِ والمُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ الحَقِّ، وتَهْدِيدِهِمْ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالقُرُونِ المُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ والكافِرِينَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهم ما يَضُرُّونَ بِالإنْكارِ إلّا أنْفُسَهم. ووَعِيدِهِمْ بِما سَيَلْقَوْنَ عِنْدَ نَزْعِ أرْواحِهِمْ، ثُمَّ عِنْدَ البَعْثِ. صفحة ١٢٤ وتَسْفِيهِ المُشْرِكِينَ فِيما اقْتَرَحُوهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن طَلَبِ إظْهارِ الخَوارِقِ تَهَكُّمًا. وإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّ اللَّهَ لَقَّنَهم عَلى عَقِيدَةِ الإشْراكِ قَصْدًا مِنهم لِإفْحامِ الرَّسُولِ ﷺ وبَيانِ حَقِيقَةِ مَشِيئَةِ اللَّهِ. وإثْباتِ صِدْقِ القُرْآنِ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْرِفُونَ أنَّهُ الحَقُّ. والإنْحاءِ عَلى المُشْرِكِينَ تَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ، وتَحْقِيقِ أنَّهُ واقِعٌ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بَعْدَهُ العَذابَ، وتَتَبَرَّأُ مِنهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوها، وسَيَنْدَمُونَ عَلى ذَلِكَ، كَما أنَّها لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا في الحَياةِ الدُّنْيا، فَإنَّهم لا يَدْعُونَ إلّا اللَّهَ عِنْدَ النَّوائِبِ. وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ وأنَّهُ لا يُؤاخَذُ بِإعْراضِ قَوْمِهِ، وأمْرِهِ بِالإعْراضِ عَنْهم. وبَيانِ حِكْمَةِ إرْسالِ اللَّهِ الرُّسُلَ، وأنَّها الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ ولَيْسَتْ وظِيفَةُ الرُّسُلِ إخْبارَ النّاسِ بِما يَتَطَلَّبُونَ عِلْمَهُ مِنَ المُغَيَّباتِ. وأنَّ تَفاضُلَ النّاسِ بِالتَّقْوى والِانْتِسابِ إلى دِينِ اللَّهِ. وإبْطالِ ما شَرَعَهُ أهْلُ الشِّرْكِ مِن شَرائِعِ الضَّلالِ. وبَيانِ أنَّ التَّقْوى الحَقَّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِرْمانِ النَّفْسِ مِنَ الطَّيِّباتِ بَلْ هي حِرْمانُ النَّفْسِ مِنَ الشَّهَواتِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ النَّفْسِ وبَيْنَ الكَمالِ والتَّزْكِيَةِ. وضَرْبِ المَثَلِ لِلنَّبِيءِ مَعَ قَوْمِهِ بِمَثَلِ إبْراهِيمَ مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ وكانَ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ عَلى ذَلِكَ المَثَلِ مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرَ. والمِنَّةِ عَلى الأُمَّةِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ هُدًى لَهم كَما أنْزَلَ الكِتابَ عَلى مُوسى، وبِأنْ جَعَلَها اللَّهُ خاتِمَةَ الأُمَمِ الصّالِحَةِ. وبَيانِ فَضِيلَةِ القُرْآنِ ودِينِ الإسْلامِ وما مَنَحَ اللَّهُ لِأهْلِهِ مِن مُضاعَفَةِ الحَسَناتِ. وتَخَلَّلَتْ ذَلِكَ قَوارِعُ لِلْمُشْرِكِينَ، وتَنْوِيهٌ بِالمُؤْمِنِينَ، وامْتِنانٌ بِنِعَمٍ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها مَخْلُوقاتُ اللَّهِ، وذِكْرُ مَفاتِحِ الغَيْبِ. صفحة ١٢٥ قالَ فَخْرُ الدِّينِ: قالَ الأُصُولِيُّونَ (أيْ عُلَماءُ أُصُولِ الدِّينِ): السَّبَبُ في إنْزالِها دُفْعَةً واحِدَةً أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوءَةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُعَطِّلِينَ والمُلْحِدِينَ؛ فَإنْزالُ ما يَدُلُّ عَلى الأحْكامِ قَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلى قَدْرِ حاجاتِهِمْ وبِحَسَبِ الحَوادِثِ، وأمّا ما يَدُلُّ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ فَقَدْ أنْزَلَهُ اللَّهُ جُمْلَةً واحِدَةً. وهِيَ أجْمَعُ سُوَرِ القُرْآنِ لِأحْوالِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ، وأشَدُّها مُقارَعَةَ جِدالٍ لَهم واحْتِجاجٍ عَلى سَفاهَةِ أحْوالِهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وفِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَلاثِينَ ومِائَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] . ووَرَدَتْ في فَضْلِ سُورَةِ الأنْعامِ وفَضْلِ آياتٍ مِنها رِواياتٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ.