Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأنعام 6:1 – الأنعام 6:53

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الأنعام 6:1
  2. الأنعام 6:2
  3. الأنعام 6:3
  4. الأنعام 6:4
  5. الأنعام 6:5
  6. الأنعام 6:6
  7. الأنعام 6:7
  8. الأنعام 6:8
  9. الأنعام 6:9
  10. الأنعام 6:10
  11. الأنعام 6:11
  12. الأنعام 6:12
  13. الأنعام 6:13
  14. الأنعام 6:14
  15. الأنعام 6:15
  16. الأنعام 6:16
  17. الأنعام 6:17
  18. الأنعام 6:18
  19. الأنعام 6:19
  20. الأنعام 6:20
  21. الأنعام 6:21
  22. الأنعام 6:22
  23. الأنعام 6:23
  24. الأنعام 6:24
  25. الأنعام 6:25
  26. الأنعام 6:26
  27. الأنعام 6:27
  28. الأنعام 6:28
  29. الأنعام 6:29
  30. الأنعام 6:30
  31. الأنعام 6:31
  32. الأنعام 6:32
  33. الأنعام 6:33
  34. الأنعام 6:34
  35. الأنعام 6:35
  36. الأنعام 6:36
  37. الأنعام 6:37
  38. الأنعام 6:38
  39. الأنعام 6:39
  40. الأنعام 6:40
  41. الأنعام 6:41
  42. الأنعام 6:42
  43. الأنعام 6:43
  44. الأنعام 6:44
  45. الأنعام 6:45
  46. الأنعام 6:46
  47. الأنعام 6:47
  48. الأنعام 6:48
  49. الأنعام 6:49
  50. الأنعام 6:50
  51. الأنعام 6:51
  52. الأنعام 6:52
  53. الأنعام 6:53

الأنعام 6:1

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّهِ تَعالى الحَمْدَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الحَصْرِ. واللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَدَلَّتْ عَلى انْحِصارِ اسْتِحْقاقِ هَذا الجِنْسِ لِلَّهِ تَعالى. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هُنا خَبَرٌ لَفْظًا ومَعْنًى إذْ لَيْسَ هُنا ما يَصْرِفُ إلى قَصْدِ إنْشاءِ الحَمْدِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ الفاتِحَةِ لِأنَّهُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ، فَمَن جَوَّزَ في هَذِهِ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ مَعْنًى لَمْ يَجِدِ التَّأمُّلَ. صفحة ١٢٦ فالمَعْنى هُنا أنَّ الحَمْدَ كُلَّهُ لا يَسْتَحِقُّهُ إلّا اللَّهُ، وهَذا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا الأصْنامَ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ مِن إسْدائِها إلَيْهِمْ نِعَمًا ونَصْرًا وتَفْرِيجَ كُرُباتٍ، فَقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ حِينَ انْتَصَرَ هو وفَرِيقُهُ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلُ، لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا عَلى مَعْنى الكَمالِ وأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ تَعالى مِنَ المُنْعِمِينَ تَسامُحٌ لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ واسِطَةٌ صُورِيَّةٌ لِجَرَيانِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى يَدَيْهِ. والمَقْصُودُ هو هو، وهو الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَحِقُّ الحَمْدَ الصُّورِيَّ بَلْهَ الحَقِيقِيَّ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] . ولِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ الحَمْدِ عَلى عَظِيمِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى بِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ . والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أفادَ مَعَ صِلَتِهِ التَّذْكِيرَ بِعَظِيمِ صِفَةِ الخَلْقِ الَّذِي عَمَّ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ. وذَلِكَ أوْجَزُ لَفْظٍ في اسْتِحْضارِ عَظَمَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ في التَّعْرِيفِ بِالمَوْصُولِيَّةِ هُنا إيذانٌ بِتَعْلِيلِ الجُمْلَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، إذْ لَيْسَتِ الجُمْلَةُ إنْشائِيَّةً كَما عَلِمْتَ. والجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ لا تُعَلَّلُ، لِأنَّ الخَبَرَ حِكايَةُ ما في الواقِعِ فَلا حاجَةَ لِتَعْلِيلِهِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الأوْصافِ التَّمْهِيدُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ . وجَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها عَوالِمُ كَثِيرَةٌ، إذْ كُلُّ كَوْكَبٍ مِنها عالَمٌ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنها الكَواكِبُ السَّبْعَةُ المَشْهُورَةُ المُعَبَّرُ عَنْها في القُرْآنِ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ فِيما نَرى. وأفْرَدَ الأرْضَ لِأنَّها عالَمٌ واحِدٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَجِئْ لَفْظُ الأرْضِ في القُرْآنِ جَمْعًا. وقَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ أشارَ في الكَشّافِ أنَّ (جَعَلَ) إذا تَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَهو بِمَعْنى أحْدَثَ وأنْشَأ فَيُقارِبُ مُرادِفَةَ مَعْنى (خَلَقَ) . والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (خَلَقَ)؛ فَإنَّ في الخَلْقِ مُلاحَظَةَ مَعْنى التَّقْدِيرِ، وفي الجَعْلِ مُلاحَظَةَ مَعْنى الِانْتِسابِ، يَعْنِي كَوْنَ المَجْعُولِ مَخْلُوقًا لِأجْلِ غَيْرِهِ أوْ مُنْتَسِبًا إلى غَيْرِهِ، فَيُعْرَفُ المُنْتَسِبُ إلَيْهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ. فالظُّلُماتُ والنُّورُ لَمّا كانا عَرَضَيْنِ كانَ خَلْقُهُما تَكْوِينًا لِتَكَيُّفِ مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ بِهِما. ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِذِكْرِ ﴿الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَقِبَ ذِكْرِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾، وبِاخْتِيارِ لَفْظِ الخَلْقِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، ولَفْظِ الجَعْلِ لِلظُّلُماتِ صفحة ١٢٧ والنُّورِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ [الأعراف: ١٨٩] فَإنَّ الزَّوْجَ - وهو الأُنْثى - مُراعًى في إيجادِهِ أنْ يَكُونَ تَكْمِلَةً لِخَلْقِ الذِّكْرِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] والخَلْقُ أعَمُّ في الإطْلاقِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾ [النساء: ١] لِأنَّ كُلَّ تَكْوِينٍ لا يَخْلُو مِن تَقْدِيرٍ ونِظامٍ. وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ عَرَضَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وهُما: الظُّلُماتُ والنُّورُ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ لِاسْتِواءِ جَمِيعِ النّاسِ في إدْراكِهِما والشُّعُورِ بِهِما. وبِذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ حَصَلَتِ الإشارَةُ إلى جِنْسَيِ المَخْلُوقاتِ مِن جَواهِرَ وأعْراضٍ. فالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ فِعْلِ (خَلَقَ) وفِعْلِ (جَعَلَ) هُنا مَعْدُودٌ مِن فَصاحَةِ الكَلِماتِ. وإنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعَ صاحِبَتِها مَقامًا، وهو ما يُسَمّى في عُرْفِ الأُدَباءِ بِرَشاقَةِ الكَلِمَةِ، فَفِعْلُ (خَلَقَ) ألْيَقُ بِإيجادِ الذَّواتِ، وفِعْلُ (جَعَلَ) ألْيَقُ بِإيجادِ أعْراضِ الذَّواتِ وأحْوالِها ونِظامِها. والِاقْتِصارُ في ذِكْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ عَقائِدِ كُفّارِ العَرَبِ فَإنَّهم بَيْنَ مُشْرِكِينَ وصابِئَةٍ ومَجُوسٍ ونَصارى، وكُلُّهم قَدْ أثْبَتُوا آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ؛ فالمُشْرِكُونَ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ، والصّابِئَةُ أثْبَتُوا آلِهَةً مِنَ الكَواكِبِ السَّماوِيَّةِ، والنَّصارى أثْبَتُوا إلَهِيَّةَ عِيسى أوْ عِيسى ومَرْيَمَ وهُما مِنَ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ، والمَجُوسُ وهُمُ المانَوِيَّةُ ألَّهُوا النُّورَ والظُّلْمَةَ، فالنُّورُ إلَهُ الخَيْرِ والظُّلْمَةُ إلَهُ الشَّرِّ عِنْدَهم. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ بِما فِيهِنَّ، وخالِقُ الظُّلُماتِ والنُّورِ. ثُمَّ إنَّ في إيثارِ الظُّلُماتِ والنُّورِ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الأعْراضِ إيماءً وتَعْرِيضًا بِحالَيِ المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ مِن كُفْرِ فَرِيقٍ وإيمانِ فَرِيقٍ، فَإنَّ الكُفْرَ يُشْبِهُ الظُّلْمَةَ لِأنَّهُ انْغِماسٌ في جَهالَةٍ وحَيْرَةٍ، والإيمانُ يُشْبِهُ النُّورَ لِأنَّهُ اسْتِبانَةُ الهُدى والحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وقَدَّمَ ذِكْرَ الظُّلُماتِ مُراعاةً لِلتَّرَتُّبِ في الوُجُودِ لِأنَّ الظُّلْمَةَ سابِقَةٌ النُّورَ، فَإنَّ النُّورَ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الذَّواتِ المُضِيئَةِ، وكانَتِ الظُّلْمَةُ عامَّةً. وإنَّما جَمَعَ الظُّلُماتِ وأفْرَدَ النُّورَ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، لِأنَّ لَفْظَ الظُّلُماتِ بِالجَمْعِ أخَفُّ، ولَفْظَ النُّورِ بِالإفْرادِ أخَفُّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ لَفْظُ الظُّلُماتِ في القُرْآنِ إلّا جَمْعًا صفحة ١٢٨ ولَمْ يَرِدْ لَفْظُ النُّورِ إلّا مُفْرَدًا. وهُما مَعًا دالّانِ عَلى الجِنْسِ، والتَّعْرِيفُ الجِنْسِيُّ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاخْتِلافِ سَبَبٌ لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ، خِلافًا لِما في الكَشّافِ. * * * ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ . عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ . فَـ ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ الدّالِّ عَلى أنَّ ما بَعْدَها يَتَضَمَّنُ مَعْنى مِن نَوْعِ ما قَبْلَهُ، وهو أهَمُّ في بابِهِ. وذَلِكَ شَأْنُ (ثُمَّ) إذا ورَدَتْ عاطِفَةً جُمْلَةً عَلى أُخْرى، فَإنَّ عُدُولَ المُشْرِكِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ أمْرٌ غَرِيبٌ فِيهِمْ أعْجَبُ مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ. والحُجَّةُ ناهِضَةٌ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّ جَمِيعَهم عَدا المانَوِيَّةَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ والمُدَبِّرُ لِلْكَوْنِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ بِقَرِينَةِ مَوْقِعِ ثُمَّ ودَلالَةِ المُضارِعِ عَلى التَّجَدُّدِ، فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِ المُشْرِكِينَ ظاهِرٌ وأمّا المانَوِيَّةُ فالتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ في أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا إلى الخالِقِ وعَبَدُوا بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ. فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] كُلُّ مَن كَفَرَ بِإثْباتِ إلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً في ذَلِكَ مَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ والصّابِئَةِ ومَن خَصَّ غَيْرَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ كالمانَوِيَّةِ. وهَذا المُرادُ دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ وإنْ كانَ غالِبَ عُرْفِ القُرْآنِ إطْلاقُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى المُشْرِكِينَ. ومَعْنى يَعْدِلُونَ يُسَوُّونَ. والعَدْلُ: التَّسْوِيَةُ. تَقُولُ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ، إذا سَوَّيْتَهُ بِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَعْدِلُونَ ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذَلِكَ. وحَذْفُ مَفْعُولِ يَعْدِلُونَ، أيْ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ فَرِيقٍ ماذا عَدَلَ بِاللَّهِ. والمُرادُ يَعْدِلُونَهُ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَ بَعْضُهم يَعْتَرِفُ بِأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ كَما كانَ صفحة ١٢٩ مُشْرِكُو العَرَبِ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وكَما قالَتِ الصّابِئَةُ في الأرْواحِ، والنَّصارى في الِابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ. ومَعْنى التَّعْجِيبِ عامٌّ في أحْوالِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى سَواءً فِيهِمْ مَن كانَ أهْلًا لِلِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن لَمْ يَكُنْ أهْلًا لِذَلِكَ، لِأنَّ مَحَلَّ التَّعْجِيبِ أنَّهُ يَخْلُقُهم ويَخْلُقُ مَعْبُوداتِهِمْ فَلا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بَلْ ويَخْتَلِقُونَ إلَهِيَّةَ غَيْرِهِ. ومَعْلُومٌ أنَّ التَّعْجِيبَ مِن شَأْنِهِمْ مُتَفاوِتٌ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ.

الأنعام 6:2

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِغَرَضٍ آخَرَ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا البَعْثَ، فَإنَّهُ ذَكَّرَهُمُ ابْتِداءً بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ في تَسْوِيَتِهِمْ ما لَمْ يَخْلُقِ السَّماواتِ ولا الأرْضَ بِاللَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَّرَهم بِخَلْقِهِمُ الأوَّلِ، وعَجِبَ مِن حالِهِمْ كَيْفَ جَمَعُوا بَيْنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُهُمُ الخَلْقَ الأوَّلَ فَكَيْفَ يَمْتَرُونَ في الخَلْقِ الثّانِي ؟ وأُتِيَ بِضَمِيرِ (هو) في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ مَعًا، فَتُفِيدُ الجُمْلَةُ القَصْرَ في رُكْنَيِ الإسْنادِ وفي مُتَعَلِّقِها، أيْ هو خالِقُكم لا غَيْرُهُ، مَن طِينٍ لا مَن غَيْرِهِ، وهو الَّذِي قَضى أجَلًا وعِنْدَهُ أجَلٌ مُسَمًّى فَيَنْسَحِبُ حُكْمُ القَصْرِ عَلى المَعْطُوفِ عَلى المَقْصُورِ. والحالُ الَّذِي اقْتَضى القَصْرَ هو حالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوهُ وهو الخَلْقُ الثّانِي نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن أنْكَرَ الخَلْقَ الأوَّلَ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ بَلِ الإعادَةُ في مُتَعارَفِ الصّانِعِينَ أيْسَرُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] وقالَ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . والقَصْرُ أفادَ نَفْيَ جَمِيعِ هَذِهِ التَّكْوِيناتِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مِن أصْنامِهِمْ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] . والخِطابُ في قَوْلِهِ خَلَقَكم مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغِيبَةِ إلى الخِطابِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ. صفحة ١٣٠ وذَكَرَ مادَّةَ ما مِنهُ الخَلْقُ بِقَوْلِهِ ﴿مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] لِإظْهارِ فَسادِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، لِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُعادَ خَلْقُ الإنْسانِ بَعْدَ أنْ صارَ تُرابًا. وتَكَرَّرَتْ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في القُرْآنِ، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم يَصِيرُونَ تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ، وهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ بَيْنَ النّاسِ في سائِرِ العُصُورِ، فاسْتَدَلُّوا عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِما هو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ اسْتِدْلالًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ، لِأنَّ مَصِيرَهم إلى تُرابٍ يُقَرِّبُ إعادَةَ خَلْقِهِمْ، إذْ صارُوا إلى مادَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ هُنا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وقالَ في آياتِ الِاعْتِبارِ بِعَجِيبِ تَكْوِينِهِ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، وأمْثالَ ذَلِكَ. وهَذا القَدْحُ في اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى في اصْطِلاحِ عِلْمِ الجَدَلِ القَوْلَ بِالمُوجِبِ، والمُنَبَّهُ عَلَيْهِ مِن خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ يُسَمّى فَسادَ الوَضْعِ. ومَعْنى ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ أنَّهُ خَلَقَ أصْلَ النّاسِ وهو البَشَرُ الأوَّلُ مِن طِينٍ، فَكانَ كُلُّ البَشَرِ راجِعًا إلى الخَلْقِ مِنَ الطِّينِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ . وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أيِ الإنْسانَ المُتَناسِلَ مِن أصْلِ البَشَرِ. وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ، عاطِفَةٌ فِعْلَ قَضى عَلى فِعْلِ خَلَقَ فَهو عَطْفُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ ولَيْسَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ. والمُهْلَةُ هُنا بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ، أيْ خَلَقَ كُلَّ فَرْدٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ قَضى لَهُ أجَلَهُ، أيِ اسْتَوْفاهُ لَهُ، فَـ قَضى هُنا لَيْسَ بِمَعْنى (قَدَّرَ) لِأنَّ تَقْدِيرَ الأجَلِ مُقارِنٌ لِلْخَلْقِ أوْ سابِقٌ لَهُ ولَيْسَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ ولَكِنْ قَضى هُنا بِمَعْنى (أوْفى) أجَلَ كُلِّ مَخْلُوقٍ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ: ١٤]، أيْ أمَتْناهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ. وإنَّما اخْتِيرَ هُنا ما يَدُلُّ عَلى تَنْهِيَةِ أجَلِ كُلِّ مَخْلُوقٍ مِن طِينٍ دُونَ أنْ يُقالَ إلى أجَلٍ، لِأنَّ دَلالَةَ تَنْهِيَةِ الأجَلِ عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي، وهو البَعْثُ - أوْضَحُ مِن دَلالَةِ تَقْدِيرِ الأجَلِ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ خَفِيٌّ والَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ هو انْتِهاءُ أجَلِ الحَياةِ، ولِأنَّ انْتِهاءَ أجَلِ الحَياةِ مُقَدِّمَةٌ لِلْحَياةِ الثّانِيَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ . وجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ . وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ إعْلامُ الخَلْقِ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ آجالَ النّاسِ رَدًّا عَلى صفحة ١٣١ قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] . وقَدْ خُولِفَتْ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الظَّرْفِ عَلى كُلِّ مُبْتَدَأٍ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] حَتّى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إنَّهُ الكَلامُ السّائِرُ، فَلَمْ يُقَدِّمِ الظَّرْفَ في هَذِهِ الآيَةِ لِإظْهارِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ حَيْثُ خُولِفَ الِاسْتِعْمالُ الغالِبُ مِن تَأْخِيرِهِ فَصارَ بِهَذا التَّقْدِيمِ تَنْكِيرُهُ مُفِيدًا لِمَعْنى التَّعْظِيمِ، أيْ وأجَلٌ عَظِيمٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ. ومَعْنى مُسَمًّى مُعَيَّنٌ، لِأنَّ أصْلَ السِّمَةِ العَلامَةُ الَّتِي يَتَعَيَّنُ بِها المُعَلَّمُ. والتَّعْيِينُ هُنا تَعْيِينُ الحَدِّ والوَقْتِ. والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ: عِنْدَهُ عِنْدِيَّةُ العِلْمِ، أيْ مَعْلُومٌ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ أجَلُ بَعْثِ النّاسِ إلى الحَشْرِ، فَإنَّ إعادَةَ النَّكِرَةِ بَعْدَ نَكِرَةٍ يُفِيدُ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى، فَصارَ المَعْنى: ثُمَّ قَضى لَكم أجَلَيْنِ: أجَلًا تَعْرِفُونَ مُدَّتَهُ بِمَوْتِ صاحِبِهِ، وأجَلًا مُعَيَّنَ المُدَّةِ في عِلْمِ اللَّهِ. فالمُرادُ بِالأجَلِ الأوَّلِ عُمُرُ كُلِّ إنْسانٍ، فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ النّاسُ عِنْدَ مَوْتِ صاحِبِهِ، فَيَقُولُونَ: عاشَ كَذا وكَذا سَنَةً، وهو وإنْ كانَ عِلْمُهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا عِنْدَ انْتِهائِهِ فَما هو إلّا عِلْمٌ حاصِلٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ بِالمُقايَسَةِ. والأجَلُ المَعْلُومُ وإنْ كانَ قَدِ انْتَهى فَإنَّهُ في الأصْلِ أجَلٌ مُمْتَدٌّ. والمُرادُ بِالأجَلِ الثّانِي ما بَيْنَ مَوْتِ كُلِّ أحَدٍ وبَيْنَ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَإنَّهُ لا يَعْلَمُهُ في الدُّنْيا أحَدٌ ولا يَعْلَمُونَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وقالَ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾، فَحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَغالِبِ وُقُوعِها في عَطْفِ الجُمَلِ لِانْتِقالٍ مِن خَبَرٍ إلى أعْجَبَ مِنهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ فالتَّعْجِيبُ حَقِيقٌ مِمَّنْ يَمْتَرُونَ في أمْرِ البَعْثِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالخَلْقِ الأوَّلِ وبِالمَوْتِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ ضَمِيرًا بارِزًا لِلتَّوْبِيخِ. صفحة ١٣٢ والِامْتِراءُ الشَّكُّ والتَّرَدُّدُ في الأمْرِ، وهو بِوَزْنِ الِافْتِعالِ، مُشْتَقٌّ مِنِ المِرْيَةِ بِكَسْرِ المِيمِ اسْمٌ لِلشَّكِّ، ولَمْ يَرِدْ فِعْلُهُ إلّا بِزِيادَةِ التّاءِ، ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تَمْتَرُونَ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ تَمْتَرُونَ في إمْكانِ البَعْثِ وإعادَةِ الخَلْقِ. والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ هَذا هو المُمارِي فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ إذْ لَوْلا قَصْدُ التَّذْكِيرِ بِدَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ لَما كانَ لِذِكْرِ الخَلْقِ مِنَ الطِّينِ وذِكْرِ الأجَلِ الأوَّلِ والأجْلِ الثّانِي - مُرَجِّحٌ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ.

الأنعام 6:3

﴿وهْوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ خَلَقَكم ولَمْ يُهْمِلْ مُراقَبَتَكم، فَهو يَعْلَمُ أحْوالَكم كُلَّها. فالضَّمِيرُ مُبْتَدَأٌ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] ولَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ إذْ لا يَقَعُ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ. وإذْ كانَ المُبْتَدَأُ ضَمِيرًا عائِدًا إلى اسْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الإخْبارَ بِأنَّ هَذا الَّذِي خَلَقَ وقَضى هو اللَّهُ إذْ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ مِن مُعادِ الضَّمائِرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ اللَّهُ مَعْنًى يُفِيدُهُ المَقامُ، وذَلِكَ هو أنْ يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلْأخْبارِ الماضِيَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ﴾ [الأنعام: ١] فَنَبَّهَ عَلى فَسادِ اعْتِقادِ الَّذِينَ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ وحَمِدُوا آلِهَتَهم بِأنَّهُ خالِقُ الأكْوانِ وخالِقُ الإنْسانِ ومُعِيدُهُ، ثُمَّ أعْلَنَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ إذْ لا خالِقَ غَيْرُهُ كَما تَقَرَّرَ آنِفًا. وإذْ هو عالِمُ السِّرِّ والجَهْرِ، وغَيْرُهُ لا إحْساسَ لَهُ فَضْلًا عَنِ العَقْلِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ عالِمًا. ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَعْرُوفًا عِنْدَهم لا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ صارَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ في مَعْنى المَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو صاحِبُ هَذا الِاسْمِ لا غَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ القَصْرِ، أوْ بِما صفحة ١٣٣ فِي ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١] مِن مَعْنى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ، كَما يَقُولُ مَن يَذْكُرُ جَوّادًا ثُمَّ يَقُولُ: هو حاتِمٌ في العَرَبِ، وهَذا لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يُشارِكُهُ أحَدٌ في صِفاتِهِ في الكائِناتِ كُلِّها. وقَوْلُهُ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾؛ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، لِأنَّها تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ التَّوْكِيدِ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ مِمّا يَقْتَضِي عِلْمَهُ بِأحْوالِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ. ولا يَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ لِأنَّ سِرَّ النّاسِ وجَهْرَهم وكَسْبَهم حاصِلٌ في الأرْضِ خاصَّةً دُونَ السَّماواتِ، فَمَن قَدَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً خَفِيًّا. وذَكَرَ السِّرَّ لِأنَّ عِلْمَ السِّرِّ دَلِيلُ عُمُومِ العِلْمِ، وذَكَرَ الجَهْرَ لِاسْتِيعابِ نَوْعَيِ الأقْوالِ. والمُرادُ بِـ ﴿ما تَكْسِبُونَ﴾ جَمِيعُ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. والخِطابُ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ؛ فَدَخَلَ فِيهِ الكافِرُونَ، وهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا الخِطابِ، لِأنَّهُ تَعْلِيمٌ وإيقاظٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وتَذْكِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِينَ.

الأنعام 6:4

﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ . هَذا انْتِقالٌ إلى كُفْرانِ المُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِبُطْلانِ كُفْرِهِمْ في أمْرِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وقَدْ عُطِفَ لِأنَّ الأمْرَيْنِ مِن أحْوالِ كُفْرِهِمْ ولِأنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ هو دَعْوَتُهُ إيّاهم إلى التَّوْحِيدِ، فَمِن أجْلِهِ نَشَأ النِّزاعُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ فَكَذَّبُوهُ وسَألُوهُ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ مُرادٌ مِنها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ هم بَعْضُ مَن شَمِلَتْهُ ضَمائِرُ الخِطابِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَفي العُدُولِ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمِ التِفاتٌ أوْجَبَهُ تَشْهِيرُهم بِهَذا الحالِ الذَّمِيمِ، تَنْصِيصًا عَلى ذَلِكَ، وإعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ، صفحة ١٣٤ وتَمْحِيضًا لِلْخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهو مِن أحْسَنِ الِالتِفاتِ، لِأنَّ الِالتِفاتَ يُحَسِّنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مُقْتَضًى زائِدٌ عَلى نَقْلِ الكَلامِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ المُرادُ مِنهُ تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ. وتَكُونُ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةً وما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَأْنَفًا ابْتِدائِيًّا. واسْتَعْمَلَ المُضارِعَ في قَوْلِهِ: تَأْتِيهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ وإنْ كانَ هَذا الإتْيانُ ماضِيًا أيْضًا بِقَرِينَةِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا﴾ . والمُرادُ بِإتْيانِها بُلُوغُها إلَيْهِمْ وتَحَدِّيهِمْ بِها، فَشَبَّهَ البُلُوغَ بِمَجِيءِ الجائِي، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي وحَذَفَ ما يَدُلُّ عَلى الجانِبِ المَأْتِيِّ مِنهُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ ما تَأْتِيهِمْ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ آيَةٌ مِن آياتِهِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِقَصْدِ عُمُومِ أنْواعِ الآياتِ الَّتِي أتَتْ وتَأْتِي. ومِنَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ كُلُّ دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. مِن ذَلِكَ آياتُ القُرْآنِ الَّتِي لِإعْجازِها لَهم كانَتْ دَلائِلَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ. وكَذَلِكَ مُعْجِزاتُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِثْلُ انْشِقاقِ القَمَرِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ (هم) لِقَصْدِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوقِ لِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّ مِن حَقِّ العَبْدِ أنْ يُقْبِلَ عَلى ما يَأْتِيهِ مِن رَبِّهِ وعَلى مَن يَأْتِيهِ يَقُولُ لَهُ: إنِّي مُرْسَلٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، ثُمَّ يَتَأمَّلَ ويَنْظُرَ، ولَيْسَ مِن حَقِّهِ أنْ يُعْرِضَ عَنْ ذَلِكَ إذْ لَعَلَّهُ يُعْرِضُ عَمّا إنْ تَأمَّلَهُ عَلِمَ أنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. واخْتِيرَ الإتْيانُ في خَبَرِ كانَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإعْراضَ مُتَحَقِّقٌ مِن دَلالَةِ فِعْلِ الكَوْنِ، ومُتَجَدِّدٌ مِن دَلالَةِ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِأنَّ المُشْتَقّاتِ في قُوَّةِ الفِعْلِ المُضارِعِ. والِاسْتِثْناءُ دَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم حالٌ إلّا الإعْراضُ. صفحة ١٣٥ وإنَّما يَنْشَأُ الإعْراضُ عَنِ اعْتِقادِ عَدَمِ جَدْوى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُعْرِضَ مُكَذِّبٌ لِلْمُخْبِرِ المُعْرِضِ عَنْ سَماعِهِ. وأصْلُ الإعْراضِ صَرْفُ الوَجْهِ عَنِ النَّظَرِ في الشَّيْءِ. وهو هُنا مَجازٌ في إباءِ المَعْرِفَةِ، فَيَشْمَلُ المَعْنى الحَقِيقِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلى الآياتِ المُبْصَراتِ كانْشِقاقِ القَمَرِ، ويَشْمَلُ تَرْكَ الِاسْتِماعِ لِلْقُرْآنِ، ويَشْمَلُ المُكابَرَةَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِإعْجازِهِ وكَوْنِهِ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ ويُكابِرُونَهُ، كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

الأنعام 6:5

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ عَلى الأظْهَرِ أفْصَحَتْ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، أيْ إذا تَقَرَّرَ هَذا الإعْراضُ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّ الإعْراضَ عَلامَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ، كَما قَدَّمْتُهُ آنِفًا، فَما بَعْدَ فاءِ الفَصِيحَةِ هو الجَزاءُ. ومَعْناهُ أنَّ مِنَ المَعْلُومِ لِلْأُمَمِ سُوءَ عَواقِبِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الآتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا تَقَرَّرَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ آياتِ اللَّهِ فَقَدْ ثَبَتَ أنَّهم كَذَّبُوا بِالحَقِّ الوارِدِ مِنَ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَأْكِيدًا لِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وإظْهارِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وإنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنْ سَيَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم مِمَّنْ عَرَفُوا مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ. وبِهَذا التَّقْدِيرِ لَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى جَعْلِ الفاءِ تَفْرِيعًا مَحْضًا وجَعْلِ ما بَعْدَها عِلَّةً لِجَزاءٍ مَحْذُوفٍ مَدْلُولٍ عَلَيْهِ بِعِلَّتِهِ كَما هو ظاهِرُ الكَشّافِ، وهي مَضْمُونُ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بِأنْ يُقَدَّرَ: فَلا تَعْجَبْ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ، لِأنَّ مَن قَدَّرَ ذَلِكَ أوْهَمَهُ أنَّ تَكْذِيبَهُمُ المُرادَ هو تَكْذِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أعْرَضُوا عَنْها ما عَدا آيَةَ القُرْآنِ. وهَذا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ [الأعراف: ١٣٢] بِلا مُخَصِّصٍ، فَإنَّ القُرْآنَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ بَلْ هو المَقْصُودُ أوَّلًا، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ هو الجَزاءُ وأنَّ لَهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن بَلاغَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ يَقْتَضِي صفحة ١٣٦ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] ما عَدا القُرْآنَ. وهو تَخْصِيصٌ لا يُناسِبُ مَقامَ كَوْنِ القُرْآنِ أعْظَمَها. والفاءُ في قَوْلِهِ: فَسَوْفَ فاءُ التَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ إصابَتُهم بِما تَوَعَّدَهم بِهِ اللَّهُ. وحَرْفُ التَّسْوِيفِ هُنا لِتَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. واسْتَعْمَلَ الإتْيانَ هُنا في الإصابَةِ والحُصُولِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ. والأنْباءُ جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ أهَمِّيَّةٌ. وأطْلَقَ النَّبَأ هُنا عَلى تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، أيْ تَحَقُّقَ نَبَئِهِ، لِأنَّ النَّبَأ نَفْسَهُ قَدْ عُلِمَ مِن قَبْلُ. و﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] هو القُرْآنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (ذَلِكم بِأنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا) فَإنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى وعِيدِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ، وعَذابِ الآخِرَةِ. فَتِلْكَ أنْباءٌ أنْبَأهم بِها فَكَذَّبُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ تِلْكَ الأنْباءَ سَيُصِيبُهم مَضْمُونُها. فَلَمّا قالَ لَهم: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] عَلِمُوا أنَّها أنْباءُ القُرْآنِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ وعَلِمَ السّامِعُونَ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِهْزاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .

الأنعام 6:6

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلَنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلَنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مَن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمُ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] . جاءَ بَيانُها بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَةِ القُرُونِ الكَثِيرَةِ الَّذِينَ أهْلَكَتْهم حَوادِثُ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ يَدُلُّ حالُها عَلى أنَّها مُسَلَّطَةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ عِقابًا لَهم عَلى التَّكْذِيبِ. صفحة ١٣٧ والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً، أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا كَثْرَةَ القُرُونِ الَّذِينَ أهْلَكْناهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ: ألَمْ يَرَوْا آثارَ القُرُونِ الَّتِي أهْلَكْناها كَدِيارِ عادٍ وحِجْرِ ثَمُودَ، وقَدْ رَآها كَثِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ في رِحْلاتِهِمْ، وحَدَّثُوا عَنْها النّاسَ حَتّى تَواتَرَتْ بَيْنَهم فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ المَرْئِيِّ وتَحَقَّقَتْها نُفُوسُهم. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَفِعْلُ يَرَوْا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولَيْنِ أوِ المَفْعُولِ، بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ وهو كَمْ. وكَمِ اسْمٌ لِلسُّؤالِ عَنْ عَدَدٍ مُبْهَمٍ فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِن تَفْسِيرٍ، وهو تَمْيِيزُهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَكُونُ خَبَرِيَّةً فَتَدُلُّ عَلى عَدَدٍ كَبِيرٍ مُبْهَمٍ ولا بُدَّ مِن مُفَسِّرٍ هو تَمْيِيزٌ لِلْإبْهامِ. فَأمّا الِاسْتِفْهامِيَّةُ فَمُفَسِّرُها مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً فَمُفَسِّرُها مَجْرُورٌ لا غَيْرَ، ولَمّا كانَ كَمِ اسْمًا في المَوْضِعَيْنِ كانَ لَهُ مَوْقِعُ الأسْماءِ بِحَسَبِ العَوامِلِ رَفْعٌ ونَصْبٌ وجَرٌّ، فَهي هُنا في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ أوْ مَفْعُولَيْنِ لِـ يَرَوْا. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ القَبْلِيَّةِ. وأمّا مِن في قَوْلِهِ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ فَزائِدَةٌ جارَّةٌ لِمُمَيِّزِ كَمِ الخَبَرِيَّةِ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ مُمَيِّزِها فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ جَرَّهُ بِـ (مِن)، كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والقَرْنُ أصْلُهُ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ، وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي دامَتْ طَوِيلًا. قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣] . وفَسَّرَ القَرْنَ بِالأُمَّةِ البائِدَةِ. ويُطْلَقُ القَرْنُ عَلى الجِيلِ مِنَ الأُمَّةِ، ومِنهُ حَدِيثُ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» . ويُطْلَقُ عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمَنِ قَدْرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ عَلى الأشْهَرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ مَكَّنّاهم صِفَةٌ لِـ قَرْنٍ. ورُوعِيَ في الضَّمِيرِ مَعْنى القَرْنِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى جَمْعٍ. ومَعْنى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ ثَبَّتْناهم ومَلَّكْناهم، وأصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَكانِ. فَمَعْنى مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ، وضَعَ لَهُ مَكانًا. قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] . ومِثْلُهُ قَوْلُهم: أرْضٌ لَهُ. ويُكَنّى بِالتَّمْكِينِ عَنِ الإقْدارِ وإطْلاقِ التَّصَرُّفِ، لِأنَّ صاحِبَ المَكانِ يَتَصَرَّفُ في مَكانِهِ وبَيْتِهِ صفحة ١٣٨ ثُمَّ يُطْلَقُ عَلى التَّثْبِيتِ والتَّقْوِيَةِ والِاسْتِقْلالِ بِالأمْرِ. ويُقالُ: هو مَكِينٌ بِمَعْنى مُمَكَّنٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٤] فَهو كِنايَةٌ أيْضًا بِمَرْتَبَةٍ ثانِيَةٍ، أوْ هو مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَتَّبٌ عَلى المَعْنى الكِنائِيِّ. والتَّمْكِينُ في الأرْضِ تَقْوِيَةُ التَّصَرُّفِ في مَنافِعِ الأرْضِ والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا، بِأنْ يَكُونَ في مَنَعَةٍ مِنَ العَدُوِّ وفي سِعَةٍ في الرِّزْقِ وفي حُسْنِ حالٍ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤]، وقالَ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج: ٤١] الآيَةَ. فَمَعْنى مَكَّنَهُ: جَعَلَهُ مُتَمَكِّنًا، ومَعْنى مَكَّنَ لَهُ: جَعَلَهُ مُتَمَكِّنًا لِأجْلِهِ، أيْ رَعْيًا لَهُ، مِثْلَ حَمِدَهُ وحَمِدَ لَهُ، فَلَمْ تَزِدْهُ اللّامُ ومَجْرُورُها إلّا إشارَةً إلى أنَّ الفاعِلَ فَعَلَ ذَلِكَ رَغْبَةً في نَفْعِ المَفْعُولِ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ أزالَ الفَرْقَ بَيْنَهُما وصَيَّرَ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَكانَتِ اللّامُ زائِدَةً كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالفِعْلَيْنِ هُنا شَيْءٌ واحِدٌ لِتَعَيُّنِ أنْ يَكُونَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ مُسْتَوِيًا، لِيَظْهَرَ وجْهُ فَوْتِ القُرُونِ الماضِيَةِ في التَّمْكِينِ عَلى تَمْكِينِ المُخاطَبِينَ، إذِ التَّفاوُتُ لا يَظْهَرُ إلّا في شَيْءٍ واحِدٍ، ولِأنَّ كَوْنَ القُرُونِ الماضِيَةِ أقْوى تَمَكُّنًا مِنَ المُخاطَبِينَ كانَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المُقْتَرِنُ بِلامِ الأجَلِ في جانِبِهِمْ لا في جانِبِ المُخاطَبِينَ، وقَدْ عُكِسَ هُنا. وبِهَذا البَيانِ نَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الرّاغِبِ بِاسْتِواءِ فِعْلِ مَكَّنَهُ ومَكَّنَ لَهُ، وقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ بِأنَّ: مَكَّنَ لَهُ بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ مَكانًا، ومَكَّنَهُ بِمَعْنى أثْبَتَهُ. وكَلامُ الرّاغِبِ أمْكَنُ عَرَبِيَّةً. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّنْبِيهَ عَلى هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ كُتُبُ اللُّغَةِ. واسْتِعْمالُ التَّمْكِينِ في مَعْنى التَّثْبِيتِ والتَّقْوِيَةِ كِنايَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّقْوِيَةَ. وقَدْ شاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ حَتّى صارَ كالصَّرِيحِ أوْ كالحَقِيقَةِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ مَعْناها التَّمْكِينُ، فَهي نائِبَةٌ عَنْ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، فَتَنْتَصِبُ ما عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ المُبَيِّنَةِ لِلنَّوْعِ. والمَقْصُودُ مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم، أيْ هو أشَدُّ مِن تَمْكِينِكم في الأرْضِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: لَكُمُ - التِفاتٌ مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّهُمُ المُمَكَّنُونَ في الأرْضِ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، ولَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ تَمْكِينٌ. والِالتِفاتُ هُنا عَكْسُ الِالتِفاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] . والمَعْنى أنَّ الأُمَمَ الخالِيَةَ مِنَ صفحة ١٣٩ العَرَبِ البائِدَةِ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا مِنَ العَرَبِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وأعْظَمَ مِنهم آثارَ حَضارَةٍ وسَطْوَةٍ. وحَسْبُكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَضْرِبُونَ الأمْثالَ لِلْأُمُورِ العَظِيمَةِ بِأنَّها عادِيَّةٌ أوْ ثَمُودِيَّةٌ أوْ سَبَئِيَّةٌ قالَ تَعالى: ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] أيْ عَمَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِ أهْلِ العَصْرِ الأرْضَ أكْثَرَ مِمّا عَمَرَها أهْلُ العَصْرِ. والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى إثْرِ سَماءٍ» . أيْ عَقِبَ مَطَرٍ. وهو المُرادُ هُنا لِأنَّهُ المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: أرْسَلْنا بِخِلافِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [المؤمنون: ١٨] . والمِدْرارُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، مِثْلَ مِنحارٍ لِكَثِيرِ النَّحْرِ لِلْأضْيافِ، ومِذْكارٍ لِمَن يُولَدُ لَهُ الذُّكُورُ، مِن دَرَّتِ النّاقَةُ ودَرَّ الضَّرْعُ إذا سَمَحَ ضَرْعُها بِاللَّبَنِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ اللَّبَنُ الدَّرَّ. ووَصْفُ المَطَرِ بِالمِدْرارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما المِدْرارُ سَحابَةٌ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ. والمُرادُ إرْسالُ المَطَرِ في أوْقاتِ الحاجَةِ إلَيْهِ بِحَيْثُ كانَ لا يُخَلِّفُهم في مَواسِمِ نُزُولِهِ. ومِن لَوازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ بِكَثْرَةِ انْفِجارِ العُيُونِ مِن سِعَةِ رِيِّ طَبَقاتِ الأرْضِ. وقَدْ كانَتْ حالَةُ مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ في هَذا الخِصْبِ والسِّعَةِ، كَما عَلِمَهُ اللَّهُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ آثارُ مَصانِعِهِمْ وسُدُودِهِمْ ونَسَلانُ الأُمَمِ إلَيْها، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الأحْوالُ بِحَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالجَدْبِ الَّذِي حَلَّ سِنِينَ بِبِلادِ عادٍ، أوْ أرْضِيَّةٍ، فَصارَ مُعْظَمُها قاحِلًا فَهَلَكَتْ أُمَمُها وتَفَرَّقُوا أيادِيَ سَبا. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الأنْهارِ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ في نَظِيرِهِ وهو أنَّ ﴿لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [التوبة: ٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: فَأهْلَكْناهم لِلتَّعْقِيبِ عَطْفٌ عَلى مَكَّنّاهم وما بَعْدَهُ. ولَمّا تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: فَأهْلَكْناهم قَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ دَلَّ عَلى أنَّ تَعْقِيبَ التَّمْكِينِ وما مَعَهُ بِالإهْلاكِ وقَعَ بَعْدَ أنْ أذْنَبُوا؛ فالتَّقْدِيرُ: فَأذْنَبُوا فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ، أوْ فَبَطَرُوا النِّعْمَةَ فَأهْلَكْناهم، فَفِيهِ إيجازُ حَذْفٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] الآيَةَ. أيْ فَضَرَبَ فانْفَجَرَتْ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ لِلتَّفْصِيلِ تَفْصِيلًا لِـ أهْلَكْنا الأوَّلِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ١٤٠ والإهْلاكُ: الإفْناءُ، وهو عِقابٌ لِلْأُمَّةِ دالٌّ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْها، لِأنَّ فَناءَ الأُمَمِ لا يَكُونُ إلّا بِما تَجُرُّهُ إلى نَفْسِها مِن سُوءِ فِعْلِها، بِخِلافِ فَناءِ الأفْرادِ فَإنَّهُ نِهايَةٌ مُحَتَّمَةٌ ولَوِ اسْتَقامَ المَرْءُ طُولَ حَياتِهِ، لِأنَّ تَرْكِيبَ الحَيَوانِ مُقْتَضٍ لِلِانْتِهاءِ بِالفَناءِ عِنْدَ عَجْزِ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ عَنْ إمْدادِ البَدَنِ بِمَوادِّ الحَياةِ فَلا يَكُونُ عِقابًا إلّا فِيما يَحُفُّ بِهِ مِن أحْوالِ الخِزْيِ لِلْهالِكِ. والذُّنُوبُ هُنا هي الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْظِيرُ بِحالِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ هُنا: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]، ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]، ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥]، وما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: الإنْشاءُ الإيجادُ المُبْتَكَرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] . والمُرادُ بِهِ إنْشاؤُهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي كانَ عَلَيْها القَرْنُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ التَّمْكِينِ في الأرْضِ والإسْعافِ بِالخِصْبِ، فَخَلَّفُوا القَرْنَ المُنْقَرِضِينَ سَواءٌ كانَ إنْشاؤُهم في دِيارِ القَوْمِ الَّذِينَ هَلَكُوا، كَما أنْشَأ قُرَيْشًا في دِيارِ جُرْهُمٍ، أمْ في دِيارٍ أُخْرى كَما أنْشَأ اللَّهُ ثَمُودًا بَعْدَ عادٍ في مَنازِلَ أُخْرى. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم ومُنْشِئٌ مِن بَعْدِهِمْ قَرْنَ المُسْلِمِينَ في دِيارِهِمْ. فَفِيهِ نِذارَةٌ بِفَتْحِ مَكَّةَ وسائِرِ بِلادِ العَرَبِ عَلى أيْدِي المُسْلِمِينَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالإنْشاءِ الوِلادَةُ والخَلْقُ، لِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في البَشَرِ لا يَنْتَهِي، ولَيْسَ فِيهِ عِظَةٌ ولا تَهْدِيدٌ لِلْجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ، وأفْرَدَ قَرْنًا مَعَ أنَّ الفِعْلَ النّاصِبَ لَهُ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِن بَعْدِ جَمْعِ القُرُونِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ أنْشَأْنا مِن بَعْدِ كُلِّ قَرْنٍ مِنَ المُهْلِكِينَ قَرْنًا آخَرِينَ.

الأنعام 6:7

﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] إلَخْ، وما بَيْنَهُما جُمَلًا تَعَلَّقَتْ بِالجُمْلَةِ الأُولى عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، فَلَمّا ذَكَرَ الآياتِ صفحة ١٤١ فِي الجُمْلَةِ الأُولى عَلى وجْهِ العُمُومِ ذَكَرَ هُنا فَرْضَ آيَةٍ تَكُونُ أوْضَحَ الآياتِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتابًا مِنَ السَّماءِ عَلى صُورَةِ الكُتُبِ المُتَعارَفَةِ، فَرَأوْهُ بِأبْصارِهِمْ ولَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ - لَما آمَنُوا ولادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ الكِتابَ سِحْرٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ كَذَّبُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] أيْ أنْكَرُوا كَوْنَ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكَوْنَهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وزَعَمُوا أنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ في صُورَةِ كِتابٍ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقالُوا: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] مُشْتَمِلًا بِالإجْمالِ عَلى أقْوالِهِمْ فَصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْضًا. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فالكِتابُ الشَّيْءُ المَكْتُوبُ سَواءً كانَ سِفْرًا أمْ رِسالَةً، وعَلى الثّانِي فالمُرادُ بِكِتابٍ سِفْرٌ أيْ مِثْلَ التَّوْراةِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لا مَحالَةَ لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ، فانْتِقالُ الخِطابِ إلَيْهِ بَعْدَ الحَدِيثِ عَنْ ذَوِي ضَمائِرَ أُخْرى لا يَحْتاجُ إلى مُناسَبَةٍ في الِانْتِقالِ. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كِتابًا فِيهِ تَصْدِيقُهُ بَلْ أعَمَّ مِن ذَلِكَ. وقَوْلُهُ في: قِرْطاسٍ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مِن ظَرْفِيَّةِ اسْمِ الشَّيْءِ في اسْمِ جُزْئِهِ. والقِرْطاسُ بِكَسْرِ القافِ عَلى الفَصِيحِ، ونُقِلَ ضَمُّ القافِ وهو ضَعِيفٌ. وهو اسْمٌ لِلصَّحِيفَةِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيها ويَكُونُ مِن رِقٍّ ومِن بَرْدِيٍّ ومِن كاغِدٍ، ولا يَخْتَصُّ بِما كانَ مِن كاغِدٍ بَلْ يُسَمّى قِرْطاسًا ما كانَ مِن رِقٍّ. ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يُقالُ قِرْطاسٌ إلّا لِما كانَ مَكْتُوبًا وإلّا سُمِّيَ طِرْسًا، ولَمْ يَصِحَّ. وسَمّى العَرَبُ الأدِيمَ الَّذِي يُجْعَلُ غَرَضًا لِمُتَعَلِّمِ الرَّمْيِ قِرْطاسًا فَقالُوا: سَدَّدَ القِرْطاسَ، أيْ سَدَّدَ رَمْيَهُ. قالَ الجَوالِيقِيُّ: القِرْطاسُ تَكَلَّمُوا بِهِ قَدِيمًا ويُقالُ: إنَّ أصْلَهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الرّاغِبُ ولا لِسانُ العَرَبِ ولا القامُوسُ، وأثْبَتَهُ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ. وقالَ: هو الفَرَسُ الأبْيَضُ. وقالَ الآلُوسِيُّ: أصْلُهُ كُرّاسَةٌ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ أيِّ لُغَةٍ، فَإنْ كانَ مُعَرَّبًا فَلَعَلَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، ولِذَلِكَ كانَ اسْمُ الوَرَقَةِ في لُغَةِ بَعْضِهِمُ اليَوْمَ (كارْتا) . صفحة ١٤٢ وقَوْلُهُ فَلَمَسُوهُ عَطْفٌ عَلى نَزَّلْنا. واللَّمْسُ وضْعُ اليَدِ عَلى الشَّيْءِ لِمَعْرِفَةِ وُجُودِهِ، أوْ لِمَعْرِفَةِ وصْفِ ظاهِرِهِ مِن لِينٍ أوْ خُشُونَةٍ، ومِن بُرُودَةٍ أوْ حَرارَةٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ بِأيْدِيهِمْ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللَّمْسِ لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مَجازًا في التَّأمُّلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨]، ولِلْإفْصاحِ عَنْ مُنْتَهى ما اعْتِيدَ مِن مُكابَرَتِهِمْ ووَقاحَتِهِمْ في الإنْكارِ والتَّكْذِيبِ، ولِلتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، لِأنَّ المَظاهِرَ السِّحْرِيَّةَ تَخَيُّلاتٌ لا تُلْمَسُ. وجاءَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: لَقالُوا، كَما قالَ: فَلَمَسُوهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ تَسْجِيلِ أنَّ دافِعَهم إلى هَذا التَّعَنُّتِ هو الكُفْرُ، لِأنَّ المَوْصُولَ يُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ. ومَعْنى ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أنَّهم يُغالِطُونَ أنْفُسَهم ويُغالِطُونَ قَوْمَهم لِسَتْرِ مُكابَرَتِهِمْ ولِدَفْعِ ما ظَهَرَ مِنَ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ. وهَذا شَأْنُ المَغْلُوبِ المَحْجُوجِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ. والمُبِينُ: البَيِّنُ الواضِحُ، مُشْتَقٌّ مِن (أبانَ) مُرادِفُ (بانَ) . وتَقَدَّمَ مَعْنى السِّحْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأنعام 6:8

﴿وقالُوا لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ هَذا خَبَرٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ وعِنادِهِمْ، وما قَبْلَهُ بَيانٌ لِعَدَمِ جَدْوى مُحاوَلَةِ ما يُقْلِعُ عِنادَهم، فَذَلِكَ فَرْضٌ بِإنْزالِ كِتابٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فِيهِ تَصْدِيقُ النَّبِيءِ ﷺ وهَذا حِكايَةٌ لِاقْتِراحٍ مِنهم آيَةً يُصَدِّقُونَهُ بِها. وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا القَوْلَ واقِعٌ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَن قالَ هَذا زَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ؛ وأُبَيَّ صفحة ١٤٣ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِي بْنَ وائِلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومَن مَعَهم، أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نُشاهِدُهُ ويُخْبِرُنا بِصِدْقِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ المُعانِدُ. أمّا نُزُولُ المَلَكِ الَّذِي لا يَرَوْنَهُ فَهو أمْرٌ واقِعٌ، وفَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] في سُورَةِ الفُرْقانِ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٢٥] وإنْ كانَ قالَهُ بَعْضُهم، لِأنَّ الجَمِيعَ قائِلُونَ بِقَوْلِهِ ومُوافِقُونَ عَلَيْهِ. ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . ومُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، لِأنَّهُ إذا جاءَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ غائِبٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ وكانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَن هو صاحِبُ خَبَرٍ أوْ قِصَّةٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها - تَعَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ ابْنِ صَيّادٍ «إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وإلّا يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ» . يُرِيدُ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الثَّلاثَةِ الأُولى الدَّجّالَ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ أنَّ ابْنَ صَيّادٍ هو الدَّجّالُ. ومِثْلُ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ إذا لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ. كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ. وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ «فَيُقالُ لَهُ (أيْ لِلْمَقْبُورِ): ما عَلَّمَكَ بِهَذا الرَّجُلِ» يَعْنِي أنَّ هَذا قَوْلُهم فِيما بَيْنَهم، أوْ قَوْلُهم لِلَّذِي أرْسَلُوهُ إلى النَّبِيءِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا. وقَدْ شافَهُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرى فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] فَإنَّ (لَوْما) أُخْتُ (لَوْلا) في إفادَةِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ مَعْناهُ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها يُكَلِّمُهم لَقُضِيَ الأمْرُ، أيْ أمْرُهم؛ فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. أيْ لَقُضِيَ أمْرُ عَذابِهِمُ الَّذِي يَتَهَدَّدُهم بِهِ. صفحة ١٤٤ ومَعْنى قُضِيَ تُمِّمَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾؛ ذَلِكَ أنَّهُ لا تَنْزِلُ مَلائِكَةٌ غَيْرُ الَّذِينَ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِلْأُمُورِ المُعْتادَةِ مِثْلَ الحَفَظَةِ، ومَلَكِ المَوْتِ، والمَلَكِ الَّذِي يَأْتِي بِالوَحْيِ؛ إلّا مَلائِكَةٌ تَنْزِلُ لِتَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالنَّصْرِ عَلى مَن يُكَذِّبُهم، مِثْلَ المَلائِكَةِ الَّتِي نَزَلَتْ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ في بَدْرٍ. ولا تَنْزِلُ المَلائِكَةُ بَيْنَ القَوْمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلّا لِإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ، كَما نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في قَوْمِ لُوطٍ. فَمُشْرِكُو مَكَّةَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ أنْ يُرِيَهم مَلَكًا مَعَهُ ظَنُّوا مُقْتَرَحَهم تَعْجِيزًا، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أمْرًا لَوْ أُجِيبُوا إلَيْهِ لَكانَ سَبَبًا في مُناجَزَةِ هَلاكِهِمُ الَّذِي أمْهَلَهم إلَيْهِ فِيهِ، رَحْمَةً مِنهُ. ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ فَطَرَ المَلائِكَةَ عَلى الصَّلابَةِ والغَضَبِ لِلْحَقِّ بِدُونِ هَوادَةٍ، وجَعَلَ الفِطْرَةَ المَلَكِيَّةَ سَرِيعَةً لِتَنْفِيذِ الجَزاءِ عَلى وفْقِ العَمَلِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فَلِذَلِكَ حَجَزَهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاتِّصالِ بِغَيْرِ العِبادِ المُكْرَمِينَ الَّذِينَ شابَهَتْ نُفُوسُهُمُ الإنْسانِيَّةُ النُّفُوسَ المَلَكِيَّةَ، ولِذَلِكَ حَجَبَهُمُ اللَّهُ عَنِ النُّزُولِ إلى الأرْضِ إلّا في أحْوالٍ خاصَّةٍ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، وكَما قالَ: ﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] فَلَوْ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مَلائِكَةً في الوَسَطِ البَشَرِيِّ لَما أمْهَلُوا أهْلَ الضَّلالِ والفَسادِ ولَناجَزُوهم جَزاءَ العَذابِ، ألا تَرى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا لَقُوا لُوطًا ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] . ولَمّا جادَلَهم إبْراهِيمُ في قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ أنْ بَشَّرُوهُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ ﴿قالُوا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٥] وهو نُزُولُ المَلائِكَةِ؛ فَلَيْسَ المَلائِكَةُ تُصْرَفُ في غَيْرِ ما وُجِّهُوا إلَيْهِ. فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ ما اقْتَرَحُوهُ لَوْ وقَعَ لَكانَ سَيِّئَ المَغَبَّةِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ سَبَبَ عَدَمِ إنْزالِ المَلَكِ رَحْمَةً بِهِمْ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ ما كانَ لِيُظْهِرَ آياتِهِ عَنِ اقْتِراحِ الضّالِّينَ، إذْ لَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ بِصَدَدِ التَّصَدِّي لِرَغَباتِ النّاسِ مِثْلَ ما يَتَصَدّى الصّانِعُ أوِ التّاجِرُ، ولَوْ أُجِيبَتْ رَغَباتُ بَعْضِ المُقْتَرِحِينَ لَرامَ كُلُّ مَن عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ أنْ تَظْهَرَ لَهُ آيَةٌ حَسَبَ مُقْتَرَحِهِ فَيَصِيرُ الرَّسُولُ ﷺ مُضَيِّعًا مُدَّةَ الإرْشادِ وتَلْتَفُّ عَلَيْهِ النّاسُ التِفافَهم عَلى المُشَعْوِذِينَ، وذَلِكَ يُنافِي حُرْمَةَ صفحة ١٤٥ النُّبُوءَةِ، ولَكِنَّ الآياتِ تَأْتِي عَنْ مَحْضِ اخْتِيارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ مَسْألَةٍ. وإنَّما أجابَ اللَّهُ اقْتِراحَ الحَوارِيِّينَ إنْزالَ المائِدَةِ لِأنَّهم كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ، وما أرادُوا إلّا خَيْرًا. ولَكِنَّ اللَّهَ أنْبَأهم أنَّ إجابَتَهم لِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وهي تَسْتَتْبِعُ نَفْعًا لَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَكانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيما فِيهِ اسْتِبْقاءٌ لَهم لَوْ كانُوا مُوَفَّقِينَ. وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ [يوسف: ٤١] بِمَعْنى هَلاكِهِمْ مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ ولَيْسَ هَذا بِلازِمٍ لِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا ذَلِكَ. ولا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُ مَلَكِيَّتِهِ عِنْدَهم عَلى رُؤْيَةِ صُورَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، بَلْ يَكْفِي أنْ يَرَوْهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ مَثَلًا حَتّى يُصاحِبَ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾، فَهو جَوابٌ ثانٍ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، فِيهِ ارْتِقاءٌ في الجَوابِ، وذَلِكَ أنَّ مُقْتَرَحَهم يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْناءَ عَنْ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ لِأنَّهُ إذا كانَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ عِنْدَهم إلّا إذا قارَنَهُ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ نَذِيرًا كَما قالُوهُ وحُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ - فَقَدْ صارَ مَجِيءُ رَسُولٍ بَشَرِيٍّ إلَيْهِمْ غَيْرَ مُجْدٍ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالمَلَكِ الَّذِي يُصاحِبُهُ، عَلى أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذا اللّازِمِ فِيما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، فَجاءَ هَذا الجَوابُ الثّانِي صالِحًا لَرَدَّ الِاقْتِراحَيْنِ، ولَكِنَّهُ رُوعِيَ في تَرْكِيبِ ألْفاظِهِ ما يُناسِبُ المَعْنى اللّازِمَ لِكَلامِهِمْ فَجِيءَ بِفِعْلِ (جَعَلْنا) المُقْتَضِي تَصْيِيرَ شَيْءٍ آخَرَ أوْ تَعْوِيضَهُ بِهِ. فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الرَّسُولِ الَّذِي عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، أيْ ولَوِ اكْتَفَيْنا عَنْ إرْسالِ رَسُولٍ مِن نَوْعِ البَشَرِ وجَعَلْنا الرَّسُولَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَتَعَيَّنَ أنْ نُصَوِّرَ ذَلِكَ المَلَكَ بِصُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ تَشَكُّلِهِ بِشَكْلٍ لِتَمَكُّنِ إحاطَةِ أبْصارِهِمْ بِهِ وتَحَيُّزِهِ، فَإذا تَشَكَّلَ فَإنَّما يَتَشَكَّلُ في صُورَةِ رَجُلٍ لِيُطِيقُوا رُؤْيَتَهُ وخِطابَهُ، وحِينَئِذٍ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كَما التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ . صفحة ١٤٦ فَجُمْلَةُ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ مِن تَمامِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ جَدْوى إرْسالِ المَلَكِ. واللَّبْسُ: خَلْطٌ يَعْرِضُ في الصِّفاتِ والمَعانِي بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَمْيِيزُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ (عَلى) لِأنَّ المُرادَ لَبْسٌ فِيهِ غَلَبَةٌ لِعُقُولِهِمْ. والمَعْنى: ولَلَبَسْنا عَلى عُقُولِهِمْ، فَشَكُّوا في كَوْنِهِ مَلَكًا فَكَذَّبُوهُ، إذْ كانَ دَأْبُ عُقُولِهِمْ تَطَلُّبَ خَوارِقِ العاداتِ اسْتِدْلالًا بِها عَلى الصِّدْقِ، وتَرْكَ إعْمالِ النَّظَرِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ الصّادِقِ. و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، والمَعْنى عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ لَبْسَهُمُ الَّذِي وقَعَ لَهم حِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ مِثْلَ لَبْسِهِمُ السّابِقِ الَّذِي عَرَضَ لَهم في صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ لِأنَّ كِلا اللَّبْسَيْنِ هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ. فالتَّقْدِيرُ: ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ في شَأْنِ المَلَكِ فَيَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في شَأْنِهِ كَما لَبَسْنا عَلَيْهِمْ في شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في شَأْنِهِ. وهَذا الكَلامُ كُلُّهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حَمْلِ اقْتِراحِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِ مِن إرادَتِهِمُ الِاسْتِدْلالَ، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا عَنْ كَلامِهِمْ إرْخاءً لِلْعِنانِ، وإلّا فَإنَّهم ما أرادُوا بِكَلامِهِمْ إلّا التَّعْجِيزَ والِاسْتِهْزاءَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ١٠] الآيَةَ.

الأنعام 6:9

﴿وقالُوا لَوْلا أنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا﴾ [الأنعام: ٧] لِأنَّ هَذا خَبَرٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ وعِنادِهِمْ، وما قَبْلَهُ بَيانٌ لِعَدَمِ جَدْوى مُحاوَلَةِ ما يُقْلِعُ عِنادَهم، فَذَلِكَ فَرْضٌ بِإنْزالِ كِتابٍ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ فِيهِ تَصْدِيقُ النَّبِيءِ ﷺ وهَذا حِكايَةٌ لِاقْتِراحٍ مِنهم آيَةً يُصَدِّقُونَهُ بِها. وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ هَذا القَوْلَ واقِعٌ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَن قالَ هَذا زَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ كَلَدَةَ، وعَبْدَةَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ؛ وأُبَيَّ صفحة ١٤٣ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِي بْنَ وائِلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومَن مَعَهم، أرْسَلُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ. فَقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ نُشاهِدُهُ ويُخْبِرُنا بِصِدْقِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَتَطَلَّبُهُ المُعانِدُ. أمّا نُزُولُ المَلَكِ الَّذِي لا يَرَوْنَهُ فَهو أمْرٌ واقِعٌ، وفَسَّرَهُ قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] في سُورَةِ الفُرْقانِ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٢٥] وإنْ كانَ قالَهُ بَعْضُهم، لِأنَّ الجَمِيعَ قائِلُونَ بِقَوْلِهِ ومُوافِقُونَ عَلَيْهِ. ولَوْلا لِلتَّحْضِيضِ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِهِمْ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . ومُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، لِأنَّهُ إذا جاءَ في الكَلامِ ضَمِيرٌ غائِبٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ وكانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ مَن هو صاحِبُ خَبَرٍ أوْ قِصَّةٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها - تَعَيَّنَ أنَّهُ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ اسْتَأْذَنَهُ في قَتْلِ ابْنِ صَيّادٍ «إنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ وإلّا يَكُنْهُ فَلا خَيْرَ لَكَ في قَتْلِهِ» . يُرِيدُ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الثَّلاثَةِ الأُولى الدَّجّالَ لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَتَحَدَّثُونَ أنَّ ابْنَ صَيّادٍ هو الدَّجّالُ. ومِثْلُ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ إذا لَمْ يُذْكَرْ في الكَلامِ اسْمٌ يُشارُ إلَيْهِ. كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ قالَ لِأخِيهِ عِنْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ. وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ «فَيُقالُ لَهُ (أيْ لِلْمَقْبُورِ): ما عَلَّمَكَ بِهَذا الرَّجُلِ» يَعْنِي أنَّ هَذا قَوْلُهم فِيما بَيْنَهم، أوْ قَوْلُهم لِلَّذِي أرْسَلُوهُ إلى النَّبِيءِ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا. وقَدْ شافَهُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرى فِيما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧] فَإنَّ (لَوْما) أُخْتُ (لَوْلا) في إفادَةِ التَّحْضِيضِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ مَعْناهُ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها يُكَلِّمُهم لَقُضِيَ الأمْرُ، أيْ أمْرُهم؛ فاللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. أيْ لَقُضِيَ أمْرُ عَذابِهِمُ الَّذِي يَتَهَدَّدُهم بِهِ. صفحة ١٤٤ ومَعْنى قُضِيَ تُمِّمَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾؛ ذَلِكَ أنَّهُ لا تَنْزِلُ مَلائِكَةٌ غَيْرُ الَّذِينَ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِلْأُمُورِ المُعْتادَةِ مِثْلَ الحَفَظَةِ، ومَلَكِ المَوْتِ، والمَلَكِ الَّذِي يَأْتِي بِالوَحْيِ؛ إلّا مَلائِكَةٌ تَنْزِلُ لِتَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالنَّصْرِ عَلى مَن يُكَذِّبُهم، مِثْلَ المَلائِكَةِ الَّتِي نَزَلَتْ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ في بَدْرٍ. ولا تَنْزِلُ المَلائِكَةُ بَيْنَ القَوْمِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ إلّا لِإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ، كَما نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في قَوْمِ لُوطٍ. فَمُشْرِكُو مَكَّةَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ أنْ يُرِيَهم مَلَكًا مَعَهُ ظَنُّوا مُقْتَرَحَهم تَعْجِيزًا، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أمْرًا لَوْ أُجِيبُوا إلَيْهِ لَكانَ سَبَبًا في مُناجَزَةِ هَلاكِهِمُ الَّذِي أمْهَلَهم إلَيْهِ فِيهِ، رَحْمَةً مِنهُ. ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ فَطَرَ المَلائِكَةَ عَلى الصَّلابَةِ والغَضَبِ لِلْحَقِّ بِدُونِ هَوادَةٍ، وجَعَلَ الفِطْرَةَ المَلَكِيَّةَ سَرِيعَةً لِتَنْفِيذِ الجَزاءِ عَلى وفْقِ العَمَلِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فَلِذَلِكَ حَجَزَهُمُ اللَّهُ عَنِ الِاتِّصالِ بِغَيْرِ العِبادِ المُكْرَمِينَ الَّذِينَ شابَهَتْ نُفُوسُهُمُ الإنْسانِيَّةُ النُّفُوسَ المَلَكِيَّةَ، ولِذَلِكَ حَجَبَهُمُ اللَّهُ عَنِ النُّزُولِ إلى الأرْضِ إلّا في أحْوالٍ خاصَّةٍ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤]، وكَما قالَ: ﴿ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] فَلَوْ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مَلائِكَةً في الوَسَطِ البَشَرِيِّ لَما أمْهَلُوا أهْلَ الضَّلالِ والفَسادِ ولَناجَزُوهم جَزاءَ العَذابِ، ألا تَرى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِقَوْمِ لُوطٍ لَمّا لَقُوا لُوطًا ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] . ولَمّا جادَلَهم إبْراهِيمُ في قَوْمِ لُوطٍ بَعْدَ أنْ بَشَّرُوهُ واسْتَأْنَسَ بِهِمْ ﴿قالُوا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٥] وهو نُزُولُ المَلائِكَةِ؛ فَلَيْسَ المَلائِكَةُ تُصْرَفُ في غَيْرِ ما وُجِّهُوا إلَيْهِ. فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ ما اقْتَرَحُوهُ لَوْ وقَعَ لَكانَ سَيِّئَ المَغَبَّةِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ سَبَبَ عَدَمِ إنْزالِ المَلَكِ رَحْمَةً بِهِمْ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ ما كانَ لِيُظْهِرَ آياتِهِ عَنِ اقْتِراحِ الضّالِّينَ، إذْ لَيْسَ الرَّسُولُ ﷺ بِصَدَدِ التَّصَدِّي لِرَغَباتِ النّاسِ مِثْلَ ما يَتَصَدّى الصّانِعُ أوِ التّاجِرُ، ولَوْ أُجِيبَتْ رَغَباتُ بَعْضِ المُقْتَرِحِينَ لَرامَ كُلُّ مَن عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ أنْ تَظْهَرَ لَهُ آيَةٌ حَسَبَ مُقْتَرَحِهِ فَيَصِيرُ الرَّسُولُ ﷺ مُضَيِّعًا مُدَّةَ الإرْشادِ وتَلْتَفُّ عَلَيْهِ النّاسُ التِفافَهم عَلى المُشَعْوِذِينَ، وذَلِكَ يُنافِي حُرْمَةَ صفحة ١٤٥ النُّبُوءَةِ، ولَكِنَّ الآياتِ تَأْتِي عَنْ مَحْضِ اخْتِيارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ مَسْألَةٍ. وإنَّما أجابَ اللَّهُ اقْتِراحَ الحَوارِيِّينَ إنْزالَ المائِدَةِ لِأنَّهم كانُوا قَوْمًا صالِحِينَ، وما أرادُوا إلّا خَيْرًا. ولَكِنَّ اللَّهَ أنْبَأهم أنَّ إجابَتَهم لِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى وهي تَسْتَتْبِعُ نَفْعًا لَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَكانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيما فِيهِ اسْتِبْقاءٌ لَهم لَوْ كانُوا مُوَفَّقِينَ. وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] زِيادَةُ بَيانٍ لِهَذا. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ [يوسف: ٤١] بِمَعْنى هَلاكِهِمْ مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ ولَيْسَ هَذا بِلازِمٍ لِأنَّهم لَمْ يَسْألُوا ذَلِكَ. ولا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُ مَلَكِيَّتِهِ عِنْدَهم عَلى رُؤْيَةِ صُورَةٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، بَلْ يَكْفِي أنْ يَرَوْهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ مَثَلًا حَتّى يُصاحِبَ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾، فَهو جَوابٌ ثانٍ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ، فِيهِ ارْتِقاءٌ في الجَوابِ، وذَلِكَ أنَّ مُقْتَرَحَهم يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْناءَ عَنْ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنَ البَشَرِ لِأنَّهُ إذا كانَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ عِنْدَهم إلّا إذا قارَنَهُ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ نَذِيرًا كَما قالُوهُ وحُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ - فَقَدْ صارَ مَجِيءُ رَسُولٍ بَشَرِيٍّ إلَيْهِمْ غَيْرَ مُجْدٍ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالمَلَكِ الَّذِي يُصاحِبُهُ، عَلى أنَّهم صَرَّحُوا بِهَذا اللّازِمِ فِيما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، فَجاءَ هَذا الجَوابُ الثّانِي صالِحًا لَرَدَّ الِاقْتِراحَيْنِ، ولَكِنَّهُ رُوعِيَ في تَرْكِيبِ ألْفاظِهِ ما يُناسِبُ المَعْنى اللّازِمَ لِكَلامِهِمْ فَجِيءَ بِفِعْلِ (جَعَلْنا) المُقْتَضِي تَصْيِيرَ شَيْءٍ آخَرَ أوْ تَعْوِيضَهُ بِهِ. فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الرَّسُولِ الَّذِي عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، أيْ ولَوِ اكْتَفَيْنا عَنْ إرْسالِ رَسُولٍ مِن نَوْعِ البَشَرِ وجَعَلْنا الرَّسُولَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَتَعَيَّنَ أنْ نُصَوِّرَ ذَلِكَ المَلَكَ بِصُورَةِ رَجُلٍ، لِأنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ تَشَكُّلِهِ بِشَكْلٍ لِتَمَكُّنِ إحاطَةِ أبْصارِهِمْ بِهِ وتَحَيُّزِهِ، فَإذا تَشَكَّلَ فَإنَّما يَتَشَكَّلُ في صُورَةِ رَجُلٍ لِيُطِيقُوا رُؤْيَتَهُ وخِطابَهُ، وحِينَئِذٍ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كَما التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ . صفحة ١٤٦ فَجُمْلَةُ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ مِن تَمامِ الدَّلِيلِ والحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ جَدْوى إرْسالِ المَلَكِ. واللَّبْسُ: خَلْطٌ يَعْرِضُ في الصِّفاتِ والمَعانِي بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَمْيِيزُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ (عَلى) لِأنَّ المُرادَ لَبْسٌ فِيهِ غَلَبَةٌ لِعُقُولِهِمْ. والمَعْنى: ولَلَبَسْنا عَلى عُقُولِهِمْ، فَشَكُّوا في كَوْنِهِ مَلَكًا فَكَذَّبُوهُ، إذْ كانَ دَأْبُ عُقُولِهِمْ تَطَلُّبَ خَوارِقِ العاداتِ اسْتِدْلالًا بِها عَلى الصِّدْقِ، وتَرْكَ إعْمالِ النَّظَرِ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ الصّادِقِ. و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، والمَعْنى عَلى التَّشْبِيهِ، أيْ ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ لَبْسَهُمُ الَّذِي وقَعَ لَهم حِينَ قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ مِثْلَ لَبْسِهِمُ السّابِقِ الَّذِي عَرَضَ لَهم في صِدْقِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وفِي الكَلامِ احْتِباكٌ لِأنَّ كِلا اللَّبْسَيْنِ هو بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ. فالتَّقْدِيرُ: ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ في شَأْنِ المَلَكِ فَيَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في شَأْنِهِ كَما لَبَسْنا عَلَيْهِمْ في شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في شَأْنِهِ. وهَذا الكَلامُ كُلُّهُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حَمْلِ اقْتِراحِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِ مِن إرادَتِهِمُ الِاسْتِدْلالَ، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا عَنْ كَلامِهِمْ إرْخاءً لِلْعِنانِ، وإلّا فَإنَّهم ما أرادُوا بِكَلامِهِمْ إلّا التَّعْجِيزَ والِاسْتِهْزاءَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ١٠] الآيَةَ.

الأنعام 6:10

﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] لِبَيانِ تَفَنُّنِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ تَصَلُّبًا في شِرْكِهِمْ وإصْرارًا عَلَيْهِ، فَلا يَتْرُكُونَ وسِيلَةً مِن وسائِلِ التَّنْفِيرِ مِن قَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ إلّا تَوَسَّلُوا بِها. ومُناسَبَةُ عَطْفِ هَذا الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] صفحة ١٤٧ أنَّهم كانُوا في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ قاصِدِينَ التَّعْجِيزَ والِاسْتِهْزاءَ مَعًا، لِأنَّهم ما قالُوهُ إلّا عَنْ يَقِينٍ مِنهم أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، فابْتَدَأ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِإبْطالِ ظاهِرِ كَلامِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] . ثُمَّ ثَنّى بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى ما أرادُوهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّهم سَيَحِيقُ بِهِمُ العَذابُ وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ أُمَّةٍ اسْتَهْزَأتْ بِرَسُولٍ لَهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ يَدُلُّ عَلى جُمْلَةٍ مَطْوِيَّةٍ إيجازًا، تَقْدِيرُها: واسْتَهْزَءُوا بِكَ ولَقَدِ اسْتَهْزَأ أُمَمٌ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتُهْزِئَ بِهِ هو أيْضًا وإلّا لَمْ تَكُنْ فائِدَةٌ في وصْفِ الرُّسُلِ بِأنَّهم مِن قَبْلِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ. وحَذَفَ فاعِلَ الِاسْتِهْزاءِ فَبَنى الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا هو تُرَتُّبُ أثَرِ الِاسْتِهْزاءِ لا تَعْيِينُ المُسْتَهْزِئِينَ. واللّامُ لِلْقَسَمِ، و(قَدْ) لِلتَّحْقِيقِ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ الخَبَرِ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُهُ بِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَنْهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ إلَخْ، لِأنَّ حالَ المُشْرِكِينَ حالُ مَن يَتَرَدَّدُ في أنَّ سَبَبَ هَلاكِ الأُمَمِ السّالِفَةِ هو الِاسْتِهْزاءُ بِالرُّسُلِ، إذْ لَوْلا تَرَدُّدُهم في ذَلِكَ لَأخَذُوا الحَيْطَةَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي جاءَهم فَنَظَرُوا في دَلائِلِ صِدْقِهِ وما أعْرَضُوا، لِيَسْتَبْرِئُوا لِأنْفُسِهِمْ مِن عَذابٍ مُتَوَقَّعٍ، أوْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ إنْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ. واسْتِهْزاؤُهم لَهُ أفانِينُ، مِنها قَوْلُهم لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ. ومَعْنى الِاسْتِهْزاءِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهو مُرادِفٌ لِلسُّخْرِيَةِ في كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَذَكَرَ اسْتُهْزِئَ أوَّلًا لِأنَّهُ أشْهَرُ، ولَمّا أُعِيدَ عَبَّرَ بِسَخِرُوا، ولَمّا أُعِيدَ ثالِثَ مَرَّةٍ رَجَعَ إلى فِعْلِ يَسْتَهْزِئُونَ، لِأنَّهُ أخَفُّ مِن (يَسْخَرُونَ) . وهَذا مِن بَدِيعِ فَصاحَةِ القُرْآنِ المُعْجِزَةِ. وسَخِرُوا بِمَعْنى هَزِئُوا، ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِـ (مِن)، قِيلَ: لا يَتَعَدّى بِغَيْرِها. وقِيلَ: يَتَعَدّى بِالباءِ. وكَذا الخِلافُ في تَعْدِيَةِ هَزَأ واسْتَهْزَأ. والأصَحُّ أنَّ كِلا الفِعْلَيْنِ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (مِن) والباءِ، وأنَّ الغالِبَ في (هَزَأ) أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ، وفي (سَخِرَ) أنْ يَتَعَدّى بِـ (مِن) . وأصْلُ مادَّةِ (سَخِرَ) مُؤْذِنٌ بِأنَّ الفاعِلَ اتَّخَذَ المَفْعُولَ مُسَخَّرًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شاءَ بِدُونِ حُرْمَةٍ لِشِدَّةِ قُرْبِ مادَّةِ (سَخِرَ) المُخَفَّفِ مِن مادَّةِ التَّسْخِيرِ، أيِ التَّطْوِيعِ فَكَأنَّهُ حَوَّلَهُ عَنْ حَقِّ الحُرْمَةِ الذّاتِيَّةِ فاتَّخَذَ مِنهُ لِنَفْسِهِ سُخْرِيَةً. صفحة ١٤٨ وفِعْلُ حاقَ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في مَعْناهُ. فَقالَ الزَّجّاجُ: هو بِمَعْنى أحاطَ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفَسَّرَهُ الفَرّاءُ بِمَعْنى عادَ عَلَيْهِ. وقالَ الرّاغِبُ: أصْلُهُ حَقَّ، أيْ بِمَعْنى وجَبَ، فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ حَرْفَ عِلَّةٍ تَخْفِيفًا، كَما قالُوا تَظَنّى في تَظَنَّنَ، أيْ وكَما قالُوا: تَقَضّى البازِي، بِمَعْنى تَقَضَّضَ. والأظْهَرُ ما قالَهُ أبُو إسْحاقَ الزَّجّاجُ. واخْتِيرَ فِعْلُ الإحاطَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ ذَلِكَ مِنهم وعَدَمِ إفْلاتِهِ أحَدًا مِنهم. وإنَّما جِيءَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ ولَمْ يَقُلْ بِالسّاخِرِينَ لِلْإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: فَحاقَ. ومِنهم يَتَعَلَّقُ بِـ سَخِرُوا، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى الرُّسُلِ، لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ كَوْنِ العِقابِ لِأجْلِهِمْ تَرْفِيعًا لِشَأْنِهِمْ. و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والباءُ في بِهِ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الِاسْتِهْزاءِ. ووُجُودُ الباءِ مانِعٌ مِن جَعْلِ (ما) غَيْرَ مَوْصُولَةٍ. وهو ما أطالَ التَّرَدُّدَ فِيهِ الكاتِبُونَ. والمُرادُ بِـ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما أنْذَرَهُمُ الرُّسُلُ بِهِ مِن سُوءِ العاقِبَةِ وحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالرُّسُلِ وخاصَّةً بِما يُنْذِرُونَهم بِهِ مِن حُلُولِ العَذابِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى عَدَمِ التَّصْدِيقِ بِما جاءُوا بِهِ. فاسْتِهْزاؤُهم بِما أُنْذِرُوا بِهِ جَعَلَ ما أُنْذِرُوا بِهِ كالشَّخْصِ المَهْزُوءِ بِهِ إذا جَعَلْنا الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أوِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرُّسُلِ بِسَبَبِ ما أنْذَرُوهم بِهِ إذا جُعِلَتِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

الأنعام 6:11

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ وِزانَها وِزانُ البَيانِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها تُخْبِرُ بِأنَّ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ قَدْ حاقَ بِهِمْ عَواقِبُ اسْتِهْزائِهِمْ، وهَذِهِ تَحْدُوهم إلى مُشاهَدَةِ دِيارِ أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئِينَ. ولَيْسَ افْتِتاحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِخِطابِ صفحة ١٤٩ النَّبِيءِ ﷺ مُنافِيًا لِكَوْنِها بَيانًا لِأنَّهُ خُوطِبَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ البَيانَ. فالمَقْصُودُ ما بَعْدَ القَوْلِ. وافْتِتاحُها بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِأنَّها وارِدَةٌ مَوْرِدَ المُحاوِرَةِ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] . وهَذِهِ سِلْسِلَةُ رُدُودٍ وأجْوِبَةٍ عَلى مَقالَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ آنِفًا لِتَضَمُّنِها التَّصْمِيمَ عَلى الشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرِّسالَةِ، فَكانَتْ مُنْحَلَّةً إلى شُبَهٍ كَثِيرَةٍ أُرِيدَ رَدُّها وتَفْنِيدُها فَكانَتْ هاتِهِ الرُّدُودُ كُلُّها مُفْتَتَحَةً بِكَلِمَةِ قُلْ عَشْرَ مَرّاتٍ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ، فَإنَّ النَّظَرَ في عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ هو المَقْصِدُ مِنَ السَّيْرِ، فَهو مِمّا يُرْتَقى إلَيْهِ بَعْدَ الأمْرِ بِالسَّيْرِ، ولِأنَّ هَذا النَّظَرَ مُحْتاجٌ إلى تَأمُّلٍ وتَرَسُّمٍ فَهو أهَمُّ مِنَ السَّيْرِ. والنَّظَرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَصَرِيًّا وأنْ يَكُونَ قَلْبِيًّا، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ عَلَّقَهُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ نَصْبِ مَفْعُولِهِ أوْ مَفْعُولَيْهِ. و(كَيْفَ) خَبَرٌ لِـ كانَ ) مُقَدَّمٌ عَلَيْها وُجُوبًا. والعاقِبَةُ آخِرُ الشَّيْءِ ومَآلُهُ وما يَعْقُبُهُ مِن مُسَبَّباتِهِ. ويُقالُ: عاقِبَةٌ وعُقْبى، وهي اسْمٌ كالعافِيَةِ والخاتِمَةِ. وإنَّما وُصِفُوا بِالمُكَذِّبِينَ دُونَ المُسْتَهْزِئِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ والِاسْتِهْزاءَ كانا خُلُقَيْنِ مِن أخْلاقِهِمْ، وأنَّ الواحِدَ مِن هَذَيْنِ الخُلُقَيْنِ كافٍ في اسْتِحْقاقِ تِلْكَ العاقِبَةِ، إذْ قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ . وهَذا رَدٌّ جامِعٌ لِدَحْضِ ضَلالاتِهِمُ الجارِيَةِ عَلى سُنَنِ ضَلالاتِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ المُكَذِّبِينَ.

الأنعام 6:12

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . صفحة ١٥٠ جُمْلَةُ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَكْرِيرٌ في مَقامِ الِاسْتِدْلالِ، فَإنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ تَضَمَّنَ اسْتِفْهامًا تَقْرِيرِيًّا، والتَّقْرِيرُ مِن مُقْتَضَياتِ التَّكْرِيرِ، لِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَصْدِيرُ هَذا الكَلامِ بِالأمْرِ بِأنْ يَقُولَهُ مَقْصُودًا بِهِ الِاهْتِمامُ بِما بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّقْرِيرِ. والتَّقْرِيرُ هَنا مُرادٌ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ، وهو تَبْكِيتُ المُشْرِكِينَ وإلْجاؤُهم إلى الإقْرارِ بِما يَقْتَضِي إلى إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمُ الشِّرْكَ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ مَعَ مَعْناهُ الصَّرِيحِ، والمَقْصُودُ هو المَعْنى الكِنائِيُّ. ولِكَوْنِهِ مُرادًا بِهِ الإلْجاءُ إلى الإقْرارِ كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِما يُرِيدُهُ السّائِلُ مِن إقْرارِ المَسْئُولِ مُحَقَّقًا لا مَحِيصَ عَنْهُ، إذْ لا سَبِيلَ إلى الجَحْدِ فِيهِ أوِ المُغالَطَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْتَظِرِ السّائِلُ جَوابَهم وبادَرَهُمُ الجَوابَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ لِلَّهِ تَبْكِيتًا لَهم، لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ إبْلاغِ الحُجَّةِ مُقَدَّرَةً فِيهِ مُحاوَرَةٌ ولَيْسَ هو مُحاوَرَةً حَقِيقِيَّةً. وهَذا مِن أُسْلُوبِ الكَلامِ الصّادِرِ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ. فَهَؤُلاءِ القَوْمُ المُقَدَّرُ إلْجاؤُهم إلى الجَوابِ سَواءً أنْصَفُوا فَأقَرُّوا حَقِّيَّةَ الجَوابِ أمْ أنْكَرُوا وكابَرُوا فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ مِن دَمْغِهِمْ بِالحُجَّةِ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في القُرْآنِ، فَتارَةً لا يُذْكَرُ جَوابٌ مِنهم كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، وتارَةً يَذْكُرُ ما سَيُجِيبُونَ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ السُّؤالِ مَنسُوبًا إلَيْهِمْ أنَّهم يُجِيبُونَ بِهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن تَوْبِيخٍ ونَحْوِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] . وابْتُدِئَ بِإبْطالِ أعْظَمِ ضَلالِهِمْ، وهو ضَلالُ الإشْراكِ. وأُدْمِجَ مَعَهُ ضَلالُ إنْكارِهِمُ البَعْثَ المُبْتَدَأ بِهِ السُّورَةُ بَعْدَ أنِ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى الإنْذارِ النّاشِئِ عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ ولِذَلِكَ لَمّا كانَ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ السّالِفُ دالًّا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِها بِالصَّراحَةِ، وعَلى عُبُودِيَّةِ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَشْمَلُها بِالِالتِزامِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ العُبُودِيَّةَ بِالصَّراحَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ . صفحة ١٥١ وقَوْلُهُ: لِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ. ويُقَدَّرُ المُبْتَدَأُ مُؤَخَّرًا عَنِ الخَبَرِ عَلى وِزانِ السُّؤالِ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ الحَصْرِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلَّهِ“ لِلْمِلْكِ؛ دَلَّتْ عَلى عُبُودِيَّةِ النّاسِ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وتَسْتَلْزِمُ أنَّ العَبْدَ صائِرٌ إلى مالِكِهِ لا مَحالَةَ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِدَلِيلِ البَعْثِ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى إثْباتِ العُبُودِيَّةِ بِحَقِّ الخَلْقِ. ولا سَبَبَ لِلْعُبُودِيَّةِ أحَقُّ وأعْظَمُ مِنَ الخالِقِيَّةِ، ويَسْتَتْبِعُ هَذا الِاسْتِدْلالَ الإنْذارُ بِغَضَبِهِ عَلى مَن أشْرَكَ مَعَهُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيْسَ أهْلًا لِلْإلَهِيَّةِ، لِأنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إذْ مُلْكُ ذَلِكَ لِخالِقِ ذَلِكَ. وهو تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، لِأنَّ مالِكَ الأشْياءِ لا يُهْمِلُ مُحاسَبَتَها. وجُمْلَةُ ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مِنَ المَقُولِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ بِأنْ يَقُولَهُ. وفِي هَذا الِاعْتِراضِ مَعانٍ: أحَدُها أنَّ ما بَعْدَهُ لَمّا كانَ مُشْعِرًا بِإنْذارٍ بِوَعِيدٍ قَدَّمَ لَهُ التَّذْكِيرَ بِأنَّهُ رَحِيمٌ بِعَبِيدِهِ عَساهم يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ عَنْ عِنادِهِمْ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، والشِّرْكُ بِاللَّهِ أعْظَمُ سُوءًا وأشَدُّ تَلَبُّسًا بِجَهالَةٍ. والثّانِي أنَّ الإخْبارَ بِأنَّ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ عَدَمِ تَعْجِيلِ أخْذِهِمْ عَلى شِرْكِهِمْ بِمَن هم مِلْكُهُ. فالكافِرُ يَقُولُ: لَوْ كانَ ما تَقُولُونَ صِدْقًا لَعَجَّلَ لَنا العَذابَ، والمُؤْمِنُ يَسْتَبْطِئُ تَأْخِيرَ عِقابِهِمْ، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جَوابًا لِكِلا الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُ تَفَضُّلٌ بِالرَّحْمَةِ، فَمِنها رَحْمَةٌ كامِلَةٌ: وهَذِهِ رَحْمَتُهُ بِعِبادِهِ الصّالِحِينَ، ومِنها رَحْمَةٌ مُوَقَّتَةٌ وهي رَحْمَةُ الإمْهالِ والإمْلاءِ لِلْعُصاةِ والضّالِّينَ. والثّالِثُ أنَّ ما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ مِنَ التَّمْهِيدِ لِما في جُمْلَةِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] مِنَ الوَعِيدِ والوَعْدِ. ذُكِرَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعْرِيضًا بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ وبِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ. صفحة ١٥٢ الرّابِعُ أنَّ فِيهِ إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ نَجّى أُمَّةَ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ رُسُلَها مِن قَبْلُ، وذَلِكَ بِبَرَكَةِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ في سائِرِ أحْوالِهِ بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وإذْ أرادَ تَكْثِيرَ تابِعِيهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْضِ عَلى مُكَذِّبِيهِ قَضاءً عاجِلًا بَلْ أمْهَلَهم وأمْلى لَهم لِيَخْرُجَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ، كَما رَجا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ولِذَلِكَ لَمّا قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وقَدْ حَصَلَ ما رَجاهُ رَسُولُ اللَّهِ فَلَمْ يَلْبَثْ مَن بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ودَخَلُوا في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وأيَّدَ اللَّهُ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ دِينَهُ ورَسُولَهُ ونَشَرُوا كَلِمَةَ الإسْلامِ في آفاقِ الأرْضِ. وإذْ قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَكُونَ هَذا الدِّينُ خاتِمَةَ الأدْيانِ كانَ مِنَ الحِكْمَةِ إمْهالُ المُعانِدِينَ لَهُ والجاحِدِينَ، لِأنَّ اللَّهَ لَوِ اسْتَأْصَلَهم في أوَّلِ ظُهُورِ الدِّينِ لَأتى عَلى مَن حَوَتْهُ مَكَّةُ مِن مُشْرِكٍ ومُسْلِمٍ، ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «لَمّا قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أنَهْلَكُ وفِينا الصّالِحُونَ، قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . فَلَوْ كانَ ذَلِكَ في وقْتِ ظُهُورِ الإسْلامِ لارْتَفَعَ بِذَلِكَ هَذا الدِّينُ فَلَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِن جَعْلِهِ خاتِمَةَ الأدْيانِ. وقَدِ «اسْتَعاذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] فَقالَ أعُوذُ بِسُبُحاتِ وجْهِكَ الكَرِيمِ» . ومَعْنى كَتَبَ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ، بِأنْ جَعَلَ رَحْمَتَهُ المَوْصُوفَ بِها بِالذّاتِ مُتَعَلِّقَةً تَعَلُّقًا عامًّا مُطَّرِدًا بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقاتِ وإنْ كانَ خاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأزْمانِ والجِهاتِ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُطَّرِدًا شُبِّهَتْ إرادَتُهُ بِالإلْزامِ، فاسْتُعِيرَ لَها فِعْلُ كَتَبَ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الإيجابِ، والقَرِينَةُ هي مَقامُ الإلَهِيَّةِ، أوْ جَعَلَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ لِأنَّ أحَدًا لا يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ إلّا اخْتِيارًا وإلّا فَإنَّ غَيْرَهُ يَلْزَمُهُ. والمَقْصُودُ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَخَلَّفُ كالأمْرِ الواجِبِ المَكْتُوبِ، فَإنَّهم كانُوا إذا أرادُوا تَأْكِيدَ وعْدٍ أوْ عَهْدٍ كَتَبُوهُ، كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجَـازِ وما قُدِّمَ فِيهِ العُهُودُ والكُفَلاءُ حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِـي وهَلْ ∗∗∗ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ صفحة ١٥٣ فالرَّحْمَةُ هُنا مَصْدَرٌ، أيْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَرْحَمَ، ولَيْسَ المُرادُ الصِّفَةَ؛ أيْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الِاتِّصافَ بِالرَّحْمَةِ، أيْ بِكَوْنِهِ رَحِيمًا، لِأنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى واجِبَةٌ لَهُ. والواجِبُ العَقْلِيُّ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ؛ إلّا إذا جَعَلْنا كَتَبَ مُسْتَعْمَلًا في تَمَجُّزٍ آخَرَ، وهو تَشْبِيهُ الوُجُوبِ الذّاتِيِّ بِالأمْرِ المُحَتَّمِ المَفْرُوضِ، والقَرِينَةُ هي هي؛ إلّا أنَّ المَعْنى الأوَّلَ أظْهَرُ في الِامْتِنانِ، وفي المَقْصُودِ مِن شُمُولِ الرَّحْمَةِ لِلْعَبِيدِ المُعْرِضِينَ عَنْ حَقِّ شُكْرِهِ والمُشْرِكِينَ لَهُ في مُلْكِهِ غَيْرَهُ. وفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا فَوَضَعَهُ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وجُمْلَةُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ والمُسَبَّبِ مِنَ السَّبَبِ، فَإنَّهُ لَمّا أُبْطِلَتْ أهْلِيَّةُ أصْنامِهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ ومُحِّضَتْ وحْدانِيَّةُ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بَطَلَتْ إحالَتُهُمُ البَعْثَ بِشُبْهَةِ تَفَرُّقِ أجْزاءِ الأجْسادِ أوِ انْعِدامِها. ولامُ القَسَمِ ونُونُ التَّوْكِيدِ أفادا تَحْقِيقَ الوَعِيدِ. والمُرادُ بِالجَمْعِ اسْتِقْصاءُ مُتَفَرَّقِ جَمِيعِ النّاسِ أفْرادًا وأجْزاءً مُتَفَرِّقَةً. وتَعْدِيَتُهُ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى السُّوقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: لَيَجْمَعَنَّكم مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ المَحْجُوجِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا القَوْلِ مِن أوَّلِهِ؛ فَيَكُونُ نِذارَةً لَهم وتَهْدِيدًا وجَوابًا عَنْ أقَلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كَما تَقَدَّمَ. وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها مُتَفَرِّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ وأنَّ الفاءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ والسَّبَبِيَّةِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: فَأنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ لِأنَّكم خَسِرْتُمْ أنْفُسَكم في يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى المَوْصُولِ لِإفادَةِ الصِّلَةِ أنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَدَمِ إيمانِهِمْ. صفحة ١٥٤ وجَعَلَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: أنْتُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ. ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الوَجْهِ أدْعى لِإسْماعِهِمْ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يُسْتَغْنى عَنْ سُؤالِ الكَشّافِ عَنْ صِحَّةِ تَرَتُّبِ عَدَمِ الإيمانِ عَلى خُسْرانِ أنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ. وقِيلَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ خَبَرُهُ، وقَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّ المَوْصُولَ تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٥] . وأُشْرِبَ الوُصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ لِيُفِيدَ شُمُولُهُ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ويُفِيدُ تَعْلِيقَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الخَبَرِ المُنَزَّلِ مَنزِلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ المُنَزَّلَةِ مَنزِلَةَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ مُسْتَمِرُّ الِارْتِباطِ والتَّعْلِيلِ في جَمِيعِ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيها مَعْنى الصِّلَةِ. فَقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ البَلاغِيَّةِ ما لا يُوجَدُ مِثْلُهُ في غَيْرِ الكَلامِ المُعْجِزِ. ومَعْنى ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أضاعُوها كَما يُضِيعُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، فالخُسْرانُ مُسْتَعارٌ لِإضاعَةِ ما شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ نَفْعٍ. فَمَعْنى ﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ عَدِمُوا فائِدَةَ الِانْتِفاعِ بِما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مِن أنْفُسِهِمْ وهو العَقْلُ والتَّفْكِيرُ، فَإنَّهُ حَرَكَةُ النَّفْسِ في المَعْقُولاتِ لِمَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأُمُورِ. وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ في صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ أضاعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنْفَعَ سَبَبٍ لِلْفَوْزِ في العاجِلِ والآجِلِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ والرَّسُولِ واليَوْمِ الآخِرِ. فَعَدَمُ الإيمانِ مُسَبَّبٌ عَنْ حِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِأفْضَلِ نافِعٍ. ويَتَسَبَّبُ عَلى عَدَمِ الإيمانِ خُسْرانٌ آخَرُ، وهو خُسْرانُ الفَوْزِ في الدُّنْيا بِالسَّلامَةِ مِنَ العَذابِ، وفي الآخِرَةِ بِالنَّجاةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ يُقالُ لَهُ خُسْرانٌ ولا يُقالُ لَهُ خُسْرانُ الأنْفُسِ. وقَدْ أشارَ إلى الخَسْرانَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ.

الأنعام 6:13

﴿ولَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى لِلَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] الَّذِي هو في تَقْدِيرِ الجُمْلَةِ، أيْ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، ولَهُ ما سَكَنَ. صفحة ١٥٥ والسُّكُونُ اسْتِقْرارُ الجِسْمِ في مَكانٍ، أيْ حَيِّزٍ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مُدَّةً، فَهو ضِدُّ الحَرَكَةِ، وهو مِن أسْبابِ الِاخْتِفاءِ، لِأنَّ المُخْتَفِيَ يَسْكُنُ ولا يَنْتَشِرُ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هُنا كِنايَةً عَنِ الخَفاءِ مَعَ إرادَةِ المَعْنى الصَّرِيحِ. ووَجْهُ كَوْنِهِ كِنايَةً أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم ومُحاسِبُكم عَلَيْها يَوْمَ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ [الرعد: ٨] إلى أنْ قالَ: ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ [الرعد: ١٠] . فالَّذِي سَكَنَ اللَّيْلَ والنَّهارَ بَعْضُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ عَطَفَ عَلَيْهِ الإعْلامَ بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما سَكَنَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يُغْفِلُ عَنْ شُمُولِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إيّاهُ، لِأنَّ المُتَعارَفَ بَيْنَ النّاسِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أشْياءَ بِحُكْمِ أنْ يُرِيدُوا الأشْياءَ المَعْرُوفَةَ المُتَداوَلَةَ. فَهَذا مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ المُلْكِ لِلَّهِ تَعالى بِأنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، فَفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لِيُوَجِّهُوا النَّظَرَ العَقْلِيَّ في المَوْجُوداتِ الخَفِيَّةِ وما في إخْفائِها مِن دَلالَةٍ عَلى سَعَةِ القُدْرَةِ وتَصَرُّفاتِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، لِأنَّ فِعْلَ السُّكُونِ لا يَتَعَدّى إلى الزَّمانِ تَعْدِيَةَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ كَما يَتَعَدّى إلى المَكانِ لَوْ كانَ بِمَعْنى حَلَّ واسْتَقَرَّ وهو ما لا يُناسِبُ حَمْلَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ. والكَلامُ تَمْهِيدٌ لِسَعَةِ العِلْمِ، لِأنَّ شَأْنَ المالِكِ أنْ يَعْلَمَ مَمْلُوكاتِهِ. وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ السّاكِنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَزْدادُ خَفاءً، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وعَطَفَ النَّهارَ عَلَيْهِ لِقَصْدِ زِيادَةِ الشُّمُولِ، لِأنَّ اللَّيْلَ لَمّا كانَ مَظِنَّةَ الِاخْتِفاءِ فِيهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّ العالِمَ يَقْصِدُ الِاطِّلاعَ عَلى السّاكِناتِ فِيهِ بِأهَمِّيَّةٍ ولا يَقْصِدُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى السّاكِناتِ في النَّهارِ، فَذَكَرَ النَّهارَ لِتَحْقِيقِ تَمامِ الإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ، وهو حَصْرُ السّاكِناتِ في كَوْنِها لَهُ لا لِغَيْرِهِ، أيْ في كَوْنِ مِلْكِها التّامِّ لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] . وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ كالنَّتِيجَةِ لِلْمُقَدِّمَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ السّاكِناتِ - التَّمْهِيدُ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِهِ، وإلّا فَإنَّ مِلْكَ المُتَحَرِّكاتِ المُتَصَرِّفاتِ صفحة ١٥٦ أقْوى مِن مِلْكِ السّاكِناتِ الَّتِي لا تُبْدِي حَراكًا، فَظَهَرَ حُسْنُ وقْعِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَقِبَ هَذا. والسَّمِيعُ العالِمُ العَظِيمُ بِالمَسْمُوعاتِ أوْ بِالمَحْسُوساتِ. والعَلِيمُ الشَّدِيدُ العالِمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

الأنعام 6:14

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهْوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ . اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] . وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهَذا المَقُولِ، لِأنَّهُ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي أمَرَ فِيهِ بِالقَوْلِ قَبْلَهُ، فَإنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ بِالقَوْلِ السّابِقِ عُبُودِيَّةُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ وأنَّ مَصِيرَ كُلِّ ذَلِكَ إلَيْهِ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيرِ وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لازَمَةٌ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِجَمِيعِ ما احْتَوَتْهُ السَّماواتُ والأرْضُ، فَكانَ هَذا التَّقْرِيرُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ إذْ أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَعْبُدَ غَيْرَ اللَّهِ. والمَقْصُودُ الإنْكارُ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ واتَّخَذُوهم أوْلِياءَ، كَما يَقُولُ القائِلُ بِمَحْضَرِ المُجادِلِ المُكابِرِ (لا أجْحَدُ الحَقَّ) لِدَلالَةِ المَقامِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَصْدُرُ مِنهُ ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ دَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ مِن أوَّلِ بَعْثَتِهِ، وهَذِهِ السُّورَةُ ما نَزَلَتْ إلّا بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، كَما اسْتَخْلَصْناهُ مِمّا تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذا القَوْلَ أُمِرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ لِيُجِيبَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ، أيْ هو مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وهو لَعَمْرِي مِمّا يُشْعِرُ بِهِ أُسْلُوبُ الكَلامِ، وإنْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ كَيْفَ ولا بُدَّ لِلِاسْتِئْنافِ مِن نُكْتَةٍ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ. وقَدَّمَ المَفْعُولَ الأوَّلَ لِـ أتَّخِذُ عَلى الفِعْلِ وفاعِلِهِ لِيَكُونَ مُوالِيًا لِلِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالإنْكارِ لا مُطْلَقُ اتِّخاذِ الوَلِيِّ. وشَأْنُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ صفحة ١٥٧ بِجَمِيعِ اسْتِعْمالاتِهِ أنْ يَلِيَها جُزْءُ الجُمْلَةِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كالمُنْكَرِ هُنا، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهو مِن جُزْئِيّاتِ العِنايَةِ الَّتِي قالَ فِيها عَبْدُ القاهِرِ أنْ لا بُدَّ مِن بَيانِ وجْهِ العِنايَةِ، ولَيْسَ مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ في مِثْلِ هَذا لِظُهُورِ أنَّ داعِيَ التَّقْدِيمِ هو تَعْيِينُ المُرادِ بِالِاسْتِفْهامِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ غَيْرِ ذَلِكَ. فَمَن جَعَلَ التَّقْدِيمَ هُنا مُفِيدًا لِلِاخْتِصاصِ، أيِ انْحِصارِ إنْكارِ اتِّخاذِ الوَلِيِّ في غَيْرِ اللَّهِ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ شُرّاحِ الكَشّافِ فَقَدْ تَكَلَّفَ ما يَشْهَدُ الِاسْتِعْمالُ والذَّوْقُ بِخِلافِهِ. وكَلامُ الكَشّافِ بَرِيءٌ مِنهُ بَلِ الحَقُّ أنَّ التَّقْدِيمَ هُنا لَيْسَ إلّا لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ لِيَلِيَ أداةَ الِاسْتِفْهامِ فَيُعْلَمُ أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا، وأمّا ما زادَ عَلى ذَلِكَ فَلا التِفاتَ إلَيْهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ المَفْعُولَ في هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها مِثْلَ ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠] هو كَلِمَةُ غَيْرَ المُضافَةُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وهي عامَّةٌ في كُلِّ ما عَدا اللَّهَ، فَكانَ اللَّهُ مَلْحُوظًا مِن لَفْظِ المَفْعُولِ فَكانَ إنْكارُ اتِّخاذِ اللَّهِ ولِيًّا لِأنَّ إنْكارَ اتِّخاذِ غَيْرِهِ ولِيًّا مُسْتَلْزِمًا عَدَمَ إنْكارِ اتِّخاذِ اللَّهِ ولِيًّا، لِأنَّ إنْكارَ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ لا يَبْقى مَعَهُ إلّا اتِّخاذُ اللَّهِ ولِيًّا؛ فَكانَ هَذا التَّرْكِيبُ مُسْتَلْزِمًا مَعْنى القَصْرِ وآئِلًا إلَيْهِ ولَيْسَ هو بِدالٍّ عَلى القَصْرِ مُطابَقَةً، ولا مُفِيدًا لِما يُفِيدُهُ القَصْرُ الإضافِيُّ مِن قَلْبِ اعْتِقادٍ أوْ إفْرادٍ أوْ تَعْيِينٍ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ المَفْعُولُ خِلافَ كَلِمَةِ (غَيْرَ) لَما صَحَّ اعْتِبارُ القَصْرِ، كَما لَوْ قُلْتَ: أزَيْدًا أتَتَّخِذُ صَدِيقًا، لَمْ يَكُنْ مُفِيدًا إلّا إنْكارَ اتِّخاذِ زَيْدٍ صَدِيقًا مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى اتِّخاذِ غَيْرِهِ، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّكَ تَراهُ لَيْسَ أهْلًا لِلصَّداقَةِ فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِكَ: أتَتَّخِذُ زَيْدًا صَدِيقًا، إلّا أنَّكَ أرَدْتَ تَوَجُّهَ الإنْكارِ لِلْمُتَّخِذِ لا لِلِاتِّخاذِ اهْتِمامًا بِهِ. والفَرْقُ بَيْنَهُما دَقِيقٌ فَأجِدَّ فِيهِ نَظَرَكَ. ثُمَّ إنْ كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ سَألُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَتَّخِذَ أصْنامَهم أوْلِياءَ كانَ لِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ نُكْتَةُ اهْتِمامٍ ثانِيَةٍ وهي كَوْنُهُ جَوابًا لِكَلامٍ هو المَقْصُودُ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠] . وأشارَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤] الآتِي في آخِرِ السُّورَةِ إلى أنَّ تَقْدِيمَ ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٦] عَلى أبْغِي لِكَوْنِهِ جَوابًا عَنْ نِدائِهِمْ لَهُ إلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ. قالَ الطَّيْبِيُّ: لِأنَّ كُلَّ تَقْدِيمٍ إمّا لِلِاهْتِمامِ أوْ لِجَوابِ إنْكارٍ. صفحة ١٥٨ والوَلِيُّ: النّاصِرُ المُدَبِّرُ، فَفِيهِ مَعْنى العِلْمِ والقُدْرَةِ. يُقالُ: تَوَلّى فَلانًا، أيِ اتَّخَذَهُ ناصِرًا. وسُمِّيَ الحَلِيفُ ولِيًّا لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحِلْفِ النُّصْرَةُ. ولَمّا كانَ الإلَهُ هو الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ عابِدُهُ سُمِّيَ ولِيًّا لِذَلِكَ. ومِن أسْمائِهِ تَعالى الوَلِيُّ. والفاطِرُ: المُبْدِعُ والخالِقُ. وأصْلُهُ مِنَ الفَطْرِ وهو الشَّقُّ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها. وإجْراءُ هَذا الوَصْفِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ وصْفٍ آخَرَ اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ جَدارَةِ غَيْرِهِ لِأنْ يُتَّخَذَ ولِيًّا، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . ولَيْسَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِدْلالٌ عَلَيْهِمْ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ وهَذا اسْتِدْلالٌ بِالِافْتِقارِ إلى اللَّهِ في أسْبابِ بَقائِهِمْ إلى أجَلٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ يُطْعِمُ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يُعْطِي النّاسَ ما يَأْكُلُونَهُ مِمّا أخْرَجَ لَهم مِنَ الأرْضِ: مِن حُبُوبٍ وثِمارٍ وكَلَأٍ وصَيْدٍ. وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَهم، لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الرّازِقَ هو اللَّهُ وهو خالِقُ المَخْلُوقاتِ وإنَّما جَعَلُوا الآلِهَةَ الأُخْرى شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ. وقَدْ كَثُرَ الِاحْتِجاجُ عَلى المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ العَيْنِ فَتَكْمِيلٌ دالٌّ عَلى الغِنى المُطْلَقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] . ولا أثَرَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ إذْ لَيْسَ في آلِهَةِ العَرَبِ ما كانُوا يُطْعِمُونَهُ الطَّعامَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ فِيما يُقَدِّمُونَهُ إلى أصْنامِهِمْ مِنَ القَرابِينِ وما يُهْرِقُونَ عَلَيْها مِنَ الدِّماءِ، إذْ لا يَخْلُو فِعْلُهم مِنِ اعْتِقادِ أنَّ الأصْنامَ تَنْعَمُ بِذَلِكَ. * * * ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ مُكَرَّرٌ لِأُسْلُوبِ الِاسْتِئْنافِ الَّذِي قَبْلَهُ. ومَثارُ الِاسْتِئْنافَيْنِ واحِدٌ ولَكِنَّ الغَرَضَ مِنهُما مُخْتَلِفٌ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ يَحُومُ حَوْلَ الِاسْتِدْلالِ بِدَلالَةِ العَقْلِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ، وهَذا صفحة ١٥٩ اسْتِدْلالٌ بِدَلالَةِ الوَحْيِ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِاتِّباعِ دِينِ الإسْلامِ وما بُنِيَ عَلَيْهِ اسْمُ الإسْلامِ مِن صَرْفِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، فَهَذا إبْطالٌ لِطَعْنِهِمْ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُسَمّى بِالإسْلامِ، وشِعارُهُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ المُبْطِلَةُ لِلْإشْراكِ. وبُنِيَ فِعْلُ أُمِرْتُ لِلْمَفْعُولِ، لِأنَّ فاعِلَ هَذا الأمْرِ مَعْلُومٌ بِما تَكَرَّرَ مِن إسْنادِ الوَحْيِ إلى اللَّهِ. ومَعْنى ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أنَّهُ أوَّلُ مَن يَتَّصِفُ بِالإسْلامِ الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، فَهو الإسْلامُ الخاصُّ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، وهو زائِدٌ عَلى ما آمَنَ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلُ، بِما فِيهِ مِن وُضُوحِ البَيانِ والسَّماحَةِ، فَلا يُنافِي أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ وُصِفُوا بِأنَّهم مُسْلِمُونَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ ﴿يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِمَّنْ دُعُوا إلى الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ كِنايَةً عَنِ الأقْوى والأمْكَنِ في الإسْلامِ، لِأنَّ الأوَّلَ في كُلِّ عَمَلٍ هو الأحْرَصُ عَلَيْهِ والأعْلَقُ بِهِ، فالأوَّلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الحِرْصَ والقُوَّةَ في العَمَلِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى قَوْلَهُ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . فَإنَّ كَوْنَهُ أوَّلَهم مَعْلُومٌ وإنَّما أرادَ: أنِّي الآنَ بَعْدَ الصَّعْقَةِ أقْوى النّاسِ إيمانًا. وفي الحَدِيثِ «نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ» . وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ تَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن عَوْدِهِ إلى دِينِهِمْ لِأنَّهم رُبَّما كانُوا إذا رَأوْا مِنهُ رَحْمَةً بِهِمْ ولِينًا في القَوْلِ طَمِعُوا في رُجُوعِهِ إلى دِينِهِمْ وقالُوا إنَّهُ دِينُ آبائِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ قُلْ، أيْ قُلْ لَهم ذَلِكَ لِيَيْأسُوا. والكَلامُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالإسْلامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ صفحة ١٦٠ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ، فَذِكْرُ النَّهْيِ عَنِ الضِّدِّ بَعْدَ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لَهُ، وهَذا التَّأْكِيدُ لِتُقْطَعَ جُرْثُومَةُ الشِّرْكِ مِن هَذا الدِّينِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، فَمَعْنى مِنَ المُشْرِكِينَ أيْ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ، ويُحْتَمَلُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الِانْتِماءِ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ هو أمْرٌ بِالبَراءَةِ مِنهم فَتَكُونُ (مِن) اتِّصالِيَّةً ويَكُونُ المُشْرِكِينَ بِالمَعْنى اللَّقَبِيِّ، أيِ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِهَذا الِاسْمِ، أيْ لا يَكُنْ مِنكَ شَيْءٌ فِيهِ صِلَةٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي والتَّأْيِيسُ عَلى هَذا الوَجْهِ أشَدُّ وأقْوى. وقَدْ يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ اسْتِدْلالٌ لِلْمَأْثُورِ عَنِ الأشْعَرِيِّ: أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ وحْدَهُ لَيْسَ مِمّا يَجِبُ بِدَلِيلِ العَقْلِ بَلْ تَتَوَقَّفُ المُؤاخَذَةُ بِهِ عَلى بَعْثَةِ الرَّسُولِ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُنْكِرَ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَ اللَّهِ ولِيًّا لِأنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ ﴿إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ ثُمَّ أمَرَهُ بِما يَدُلُّ عَلى المُؤاخَذَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الأنعام: ١٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦] .

الأنعام 6:15

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ . هَذا اسْتِئْنافٌ مُكَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو تَدَرُّجٌ في الغَرَضِ المُشْتَرَكِ بَيْنَها مِن أنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مُتَوَعَّدٌ صاحِبُهُ بِالعَذابِ ومَوْعُودٌ تارِكُهُ بِالرَّحْمَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ - رَفْضٌ لِلشِّرْكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ، رَفْضٌ لِلشِّرْكِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وجَلالِهِ. وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ﴾ الآيَةَ تَجَنُّبٌ لِلشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ. وقَدْ جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلى تَرْتِيبِها في نَفْسِ الأمْرِ. صفحة ١٦١ وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ والنّاهِيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هو اللَّهُ تَعالى. وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى قَوْلِهِ رَبِّي إيماءً إلى أنَّ عِصْيانَهُ أمْرٌ قَبِيحٌ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ. وأُضِيفُ العَذابُ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا لَهُ لِأنَّ في مُعْتادِ العَرَبِ أنْ يُطْلَقَ اليَوْمُ عَلى يَوْمِ نَصْرِ فَرِيقٍ وانْهِزامِ فَرِيقٍ مِنَ المُحارِبِينَ، فَيَكُونَ اليَوْمُ نَكالًا عَلى المُنْهَزِمِينَ، إذْ يَكْثُرُ فِيهِمُ القَتْلُ والأسْرُ ويُسامُ المَغْلُوبُ سُوءَ العَذابِ، فَذِكْرُ يَوْمٍ يُثِيرُ مِنَ الخَيالِ مَخاوِفَ مَأْلُوفَةً، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ولَمْ يَقُلْ عَذابَ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابًا عَظِيمًا. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] في سُورَةِ التَّغابُنِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ جَعْلُ إضافَةِ العَذابِ إلى اليَوْمِ العَظِيمِ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ ذَلِكَ العَذابِ، لِأنَّ عَظَمَةَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَسْتَلْزِمُ عِظَمَ ما يَقَعُ فِيهِ عُرْفًا. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ وقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِـ (عَذابَ) . و﴿يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ العَذابِ أوْ لِضَمِيرِ (مَن) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (عَنْ) عائِدٌ إلى (مَن) أيْ يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ، أوْ عائِدٌ إلى العَذابِ، أيْ مِن يُصْرَفْ هو عَنِ العَذابِ، وعَلى عَكْسِ هَذا العَوْدِ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ يُصْرَفْ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ (يَصْرِفْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ رَبِّي عَلى الفاعِلِيَّةِ. أمّا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في رَحِمَهُ فَهو عائِدٌ إلى رَبِّي، والمَنصُوبُ عائِدٌ إلى (مَن) عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. ومَعْنى وصْفِ العَذابِ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ ذَلِكَ العَذابِ فَهو قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ ويَسَّرَ لَهُ أسْبابَها. صفحة ١٦٢ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ مُقابِلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أرْجُو إنْ أطَعْتُهُ أنْ يَرْحَمَنِي رَبِّي، لِأنَّ مَن صُرِفَ عَنْهُ العَذابُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحْمَةُ. فَجاءَ في إفادَةِ هَذا المَعْنى بِطَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. وهو ذِكْرُ الدَّلِيلِ لِيُعْلَمَ المَدْلُولُ. وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الكِنايَةِ وأُسْلُوبٌ بَدِيعٌ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المَحْكُومُ لَهُ في الحُكْمِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ العُمُومِ الَّذِينَ ثَبَتَ لَهُمُ الحُكْمُ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ . والإشارَةُ مُوَجَّهَةٌ إلى الصَّرْفِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أوْ إلى المَذْكُورِ. وإنَّما كانَ الصَّرْفُ عَنِ العَذابِ فَوْزًا لِأنَّهُ إذا صُرِفَ عَنِ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ دَخَلَ في النَّعِيمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مَن أبانَ بِمَعْنى بانَ.

الأنعام 6:16

﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ . هَذا اسْتِئْنافٌ مُكَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو تَدَرُّجٌ في الغَرَضِ المُشْتَرَكِ بَيْنَها مِن أنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ مُتَوَعَّدٌ صاحِبُهُ بِالعَذابِ ومَوْعُودٌ تارِكُهُ بِالرَّحْمَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ - رَفْضٌ لِلشِّرْكِ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّيَ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ، رَفْضٌ لِلشِّرْكِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ وجَلالِهِ. وقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُلْ إنِّيَ أخافُ﴾ الآيَةَ تَجَنُّبٌ لِلشِّرْكِ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ. وقَدْ جاءَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلى تَرْتِيبِها في نَفْسِ الأمْرِ. صفحة ١٦١ وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ والنّاهِيَ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ هو اللَّهُ تَعالى. وفِي العُدُولِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى قَوْلِهِ رَبِّي إيماءً إلى أنَّ عِصْيانَهُ أمْرٌ قَبِيحٌ لِأنَّهُ رَبُّهُ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ. وأُضِيفُ العَذابُ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ تَهْوِيلًا لَهُ لِأنَّ في مُعْتادِ العَرَبِ أنْ يُطْلَقَ اليَوْمُ عَلى يَوْمِ نَصْرِ فَرِيقٍ وانْهِزامِ فَرِيقٍ مِنَ المُحارِبِينَ، فَيَكُونَ اليَوْمُ نَكالًا عَلى المُنْهَزِمِينَ، إذْ يَكْثُرُ فِيهِمُ القَتْلُ والأسْرُ ويُسامُ المَغْلُوبُ سُوءَ العَذابِ، فَذِكْرُ يَوْمٍ يُثِيرُ مِنَ الخَيالِ مَخاوِفَ مَأْلُوفَةً، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ولَمْ يَقُلْ عَذابَ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابًا عَظِيمًا. وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] في سُورَةِ التَّغابُنِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ جَعْلُ إضافَةِ العَذابِ إلى اليَوْمِ العَظِيمِ كِنايَةً عَنْ عِظَمِ ذَلِكَ العَذابِ، لِأنَّ عَظَمَةَ اليَوْمِ العَظِيمِ تَسْتَلْزِمُ عِظَمَ ما يَقَعُ فِيهِ عُرْفًا. وقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن شَرْطٍ وجَزاءٍ وقَعَتْ مَوْقِعَ الصِّفَةِ لِـ (عَذابَ) . و﴿يُصْرَفْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الأكْثَرِ، عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ العَذابِ أوْ لِضَمِيرِ (مَن) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (عَنْ) عائِدٌ إلى (مَن) أيْ يُصْرَفِ العَذابُ عَنْهُ، أوْ عائِدٌ إلى العَذابِ، أيْ مِن يُصْرَفْ هو عَنِ العَذابِ، وعَلى عَكْسِ هَذا العَوْدِ يَكُونُ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ يُصْرَفْ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ (يَصْرِفْ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ رَبِّي عَلى الفاعِلِيَّةِ. أمّا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في رَحِمَهُ فَهو عائِدٌ إلى رَبِّي، والمَنصُوبُ عائِدٌ إلى (مَن) عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. ومَعْنى وصْفِ العَذابِ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، أيْ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ ذَلِكَ العَذابِ فَهو قَدْ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّحْمَةَ ويَسَّرَ لَهُ أسْبابَها. صفحة ١٦٢ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إثْباتُ مُقابِلِ قَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ . كَأنَّهُ قالَ: أرْجُو إنْ أطَعْتُهُ أنْ يَرْحَمَنِي رَبِّي، لِأنَّ مَن صُرِفَ عَنْهُ العَذابُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحْمَةُ. فَجاءَ في إفادَةِ هَذا المَعْنى بِطَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. وهو ذِكْرُ الدَّلِيلِ لِيُعْلَمَ المَدْلُولُ. وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الكِنايَةِ وأُسْلُوبٌ بَدِيعٌ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المَحْكُومُ لَهُ في الحُكْمِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ العُمُومِ الَّذِينَ ثَبَتَ لَهُمُ الحُكْمُ. ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ . والإشارَةُ مُوَجَّهَةٌ إلى الصَّرْفِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أوْ إلى المَذْكُورِ. وإنَّما كانَ الصَّرْفُ عَنِ العَذابِ فَوْزًا لِأنَّهُ إذا صُرِفَ عَنِ العَذابِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَقَدْ دَخَلَ في النَّعِيمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. قالَ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مَن أبانَ بِمَعْنى بانَ.

الأنعام 6:17

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهْوَ عَلى شَيْءٍ قَدِيرٍ﴾ . عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِفِعْلِ (قُلْ) فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ خَوَّفُوا النَّبِيءَ ﷺ أوْ عَرَّضُوا لَهُ بِعَزْمِهِمْ عَلى إصابَتِهِ بِشَرٍّ وأذًى فَخاطَبَهُ اللَّهُ بِما يُثَبِّتُ نَفْسَهُ وما يُؤَيِّسُ أعْداءَهُ مِن أنْ يَسْتَزِلُّوهُ. وهَذا كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ [الأنعام: ٨١]، ومِن وراءِ ذَلِكَ إثْباتُ أنَّ المُتَصَرِّفَ المُطْلَقَ في أحْوالِ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أثْبَتَ بِالجُمَلِ السّابِقَةِ أنَّهُ مُحْدِثُ المَوْجُوداتِ كُلِّها في السَّماءِ والأرْضِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ تَثْبِيتٍ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى عَدَمِ الخَشْيَةِ مِن بَأْسِ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ، ووَعْدِهِ بِحُصُولِ الخَيْرِ لَهُ مِن أثَرِ رِضى رَبِّهِ وحْدَهُ عَنْهُ، وتَحَدِّي المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ إضْرارَهُ ولا يَجْلِبُونَ نَفْعَهُ. ويَحْصُلُ مِنهُ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا إذا ذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ أقَرُّوا بِذَلِكَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّها تَجْلِبُ الخَيْرَ وتَدْفَعُ صفحة ١٦٣ الشَّرَّ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ الإلَهِيَّةَ لِأنَّها لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا، وأوْجَبَتْ عِبادَةَ المُسْتَحِقِّ الإلَهِيَّةَ بِحَقٍّ؛ أبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِحْقاقَهُمُ العِبادَةَ لِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ لِلنّاسِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] . وقَدْ هَيَّأتِ الجُمَلُ السّابِقَةُ مَوْقِعًا لَهاتِهِ الجُمْلَةِ، لِأنَّهُ إذا تَقَرَّرَ أنَّ خالِقَ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ وحْدَهُ لَزِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ مُقَدِّرٌ أحْوالَهم وأعْمالَهم، لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ في دائِرَةِ قُدْرَتِهِ أوْلى وأحَقُّ بَعْدَ كَوْنِ مَعْرُوضاتِ تِلْكَ العَوارِضِ مَخْلُوقَةً لَهُ. فالمَعْرُوضاتُ العارِضَةُ لِلْمَوْجُوداتِ حاصِلَةٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَعالى مُقَدِّرُ أسْبابِها، واضِعُ نِظامِ حُصُولِها وتَحْصِيلِها، وخالِقُ وسائِلِ الدَّواعِي النَّفْسانِيَّةِ إلَيْها أوِ الصَّوارِفِ عَنْها. والمَسُّ حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ. وقَدْ يَكُونُ مُباشَرَةً وقَدْ يَكُونُ بِآلَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في إيصالِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ فَيُسْتَعارُ إلى مَعْنى الإيصالِ فَيَكْثُرُ أنْ يُذْكَرَ مَعَهُ ما هو مُسْتَعارٌ لِلْآلَةِ. ويَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الآلَةِ وهو الباءُ كَما هُنا، فَتَكُونُ فِيهِ اسْتِعارَتانِ تَبَعِيَّتانِ إحْداهُما في الفِعْلِ والأُخْرى في مَعْنى الحَرْفِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] . فالمَعْنى: وإنْ يُصِبْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، أوْ وإنْ يَنَلْكَ مِنَ اللَّهِ ضُرٌّ. والضُّرُّ بِضَمِّ الضّادِ هو الحالُ الَّذِي يُؤْلِمُ الإنْسانَ، وهو مِنَ الشَّرِّ، وهو المُنافِرُ لِلْإنْسانِ. ويُقابِلُهُ النَّفْعُ، وهو مِنَ الخَيْرِ، وهو المُلائِمُ. والمَعْنى إنْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَكَ الضُّرَّ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ كَشْفَهُ عَنْكَ إلّا هو إنْ شاءَ ذَلِكَ، لِأنَّ مُقَدَّراتِهِ مَرْبُوطَةٌ ومَحُوطَةٌ بِنَوامِيسَ ونُظُمٍ لا تَصِلُ إلى تَحْوِيلِها إلّا قُدْرَةُ خالِقِها. وقابَلَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مُقابَلَةً بِالأعَمِّ، لِأنَّ الخَيْرَ يَشْمَلُ النَّفْعَ وهو المُلائِمُ ويَشْمَلُ السَّلامَةَ مِنَ المُنافِرِ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ الضُّرِّ ما هو أعَمُّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَمْسَسْكَ بِضُرٍّ وشَرٍّ وإنْ يَمْسَسْكَ بِنَفْعٍ وخَيْرٍ، فَفي الآيَةِ احْتِباكٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَّرِّ والشَّرُّ أعَمُّ وهو مُقابِلُ الخَيْرِ. وهو مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ مِن بابِ التَّكَلُّفِ صفحة ١٦٤ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ ونَظَرَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٨] . اهـ. وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جُعِلَ جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ عِلَّةُ الجَوابِ المَحْذُوفِ والجَوابِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَلا مانِعَ لَهُ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ في الضُّرِّ والنَّفْعِ. وقَدْ جَعَلَ هَذا العُمُومَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] .

الأنعام 6:18

﴿وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] الآيَةَ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ مَضْمُونَ كِلْتَيْهِما يُبْطِلُ اسْتِحْقاقَ الأصْنامِ العِبادَةَ. فالآيَةُ الأُولى أبْطَلَتْ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ تَصَرُّفٌ في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ أبْطَلَتْ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ قاهِرًا عَلى أحَدٍ أوْ خَبِيرًا أوْ عالِمًا بِإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما يُناسِبُهُ، ولا جَرَمَ أنَّ الإلَهَ تَجِبُ لَهُ القُدْرَةُ والعِلْمُ، وهُما جِماعُ صِفاتِ الكَمالِ، كَما تَجِبُ لَهُ صِفاتُ الأفْعالِ مِن نَفْعٍ وضُرٍّ وإحْياءٍ وإماتَةٍ، وهي تَعَلُّقاتٌ لِلْقُدْرَةِ أُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ الصِّفاتِ عِنْدَ غَيْرِ الأشْعَرِيِّ نَظَرًا لِلْعُرْفِ، وأدْخَلَها الأشْعَرِيُّ في صِفَةِ القُدْرَةِ لِأنَّها تَعَلُّقاتٌ لَها، وهو التَّحْقِيقُ. ولِذَلِكَ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ لِأنَّ الَّتِي قَبْلَها ذَكَرَتْ كَمالَ تَصَرُّفِهِ في المَخْلُوقاتِ وجاءَتْ بِهِ في قالَبِ تَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ كَما قَدَّمْنا، وهَذِهِ الآيَةُ أوْعَتْ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وذَلِكَ أصْلُ جَمِيعِ الفِعْلِ والصُّنْعِ. والقاهِرُ الغالِبُ المُكْرِهُ الَّذِي لا يَنْفَلِتُ مِن قُدْرَتِهِ مِن عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ القَهْرِ. وقَدْ أفادَ تَعْرِيفُ الجُزْءَيْنِ القَصْرَ، أيْ لا قاهِرَ إلّا هو، لِأنَّ قَهْرَ اللَّهِ تَعالى هو القَهْرُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي لا يَجِدُ المَقْهُورُ مِنهُ مَلاذًا، لِأنَّهُ قَهْرٌ بِأسْبابٍ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ خَلْقَ ما يُدافِعُها. ومِمّا يُشاهَدُ مِنها دَوْمًا النَّوْمُ وكَذَلِكَ المَوْتُ. سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ. صفحة ١٦٥ و(فَوْقَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (القاهِرُ) وهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحالَةِ القاهِرِ بِأنَّهُ كالَّذِي يَأْخُذُ المَغْلُوبَ مِن أعْلاهُ فَلا يَجِدُ مُعالَجَةً ولا حَراكًا. وهو تَمْثِيلٌ بَدِيعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] . ولا يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ جِهَةٌ هي في عُلُوٍّ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، فَلا تُعَدُّ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المُتَشابِهاتِ. و(العِبادُ): هُمُ المَخْلُوقُونَ مِنَ العُقَلاءِ، فَلا يُقالُ لِلدَّوابِّ عِبادُ اللَّهِ، وهو في الأصْلِ جَمْعُ عَبْدٍ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّهُ بِالمَخْلُوقاتِ، وخَصَّ العَبِيدَ بِجَمْعِ عَبْدٍ بِمَعْنى المَمْلُوكِ. ومَعْنى القَهْرِ فَوْقَ العِبادِ أنَّهُ خالِقُ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدَرِهِمْ؛ بِحَيْثُ يُوجِدُ ما لا يُرِيدُونَ وُجُودَهُ كالمَوْتِ، ويَمْنَعُ ما يُرِيدُونَ تَحْصِيلَهُ كالوَلَدِ لِلْعَقِيمِ والجَهْلِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأشْياءِ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجِدُ في نَفْسِهِ أُمُورًا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا لا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها وأُمُورًا يَفْعَلُها تارَةً ولا يَسْتَطِيعُ فِعْلَها تارَةً، كالمَشْيِ لِمَن خَدِرَتْ رِجْلُهُ؛ فَيَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ القُدَرِ والِاسْتِطاعاتِ لِأنَّهُ قَدْ يَمْنَعُها، ولِأنَّهُ يَخْلُقُ ما يَخْرُجُ عَنْ مَقْدُورِ البَشَرِ، ثُمَّ يَقِيسُ العَقْلُ عَوالِمَ الغَيْبِ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ. وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ العَناصِرَ والقُوى وسَلَّطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فَلا تَسْتَطِيعُ المُدافَعَةَ إلّا ما خَوَّلَها اللَّهُ. و(الحَكِيمُ): المُحْكِمُ المُتْقِنُ لِلْمَصْنُوعاتِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ. والخَبِيرُ: مُبالَغَةٌ في اسْمِ الفاعِلِ مِن (خَبَرَ) المُتَعَدِّي، بِمَعْنى (عَلِمَ)، يُقالُ: خَبَرَ الأمْرَ، إذا عَلِمَهُ وجَرَّبَهُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الخَبَرِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عُلِمَ أمْكَنَ الإخْبارُ بِهِ.

الأنعام 6:19

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ . صفحة ١٦٦ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ ما يَلِيقُ بِاللَّهِ مِنَ الصِّفاتِ، إلى إثْباتِ صِدْقِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإلى جَعْلِ اللَّهِ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَ مُكَذِّبِيهِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ومُناسَبَةٌ ظاهِرَةٌ. رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ رُؤَساءَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ ما نَرى أحَدًا مُصَدِّقَكَ بِما تَقُولُ، وقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُكَ ولا صِفَتُكَ فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَدِ ابْتُدِئَتِ المُحاوَرَةُ بِأُسْلُوبِ إلْقاءِ اسْتِفْهامٍ مُسْتَعْمَلٍ في التَّقْرِيرِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٢] ومِثْلُ هَذا الأُسْلُوبِ لِإعْدادِ السّامِعِينَ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ. وأيُّ اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ بَيانُ أحَدِ المُشْتَرَكاتِ فِيما أُضِيفَ إلَيْهِ هَذا الِاسْتِفْهامُ، والمُضافُ إلَيْهِ هُنا هو (شَيْءٍ) المُفَسَّرُ بِأنَّهُ مِن نَوْعِ الشَّهادَةِ. و(شَيْءٍ) اسْمٌ عامٌّ مِنَ الأجْناسِ العالِيَةِ ذاتِ العُمُومِ الكَثِيرِ، قِيلَ: هو المَوْجُودُ، وقِيلَ: هو ما يُعْلَمُ ويَصِحُّ وُجُودُهُ. والأظْهَرُ في تَعْرِيفِهِ أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يُعْلَمُ. ويَجْرِي عَلَيْهِ الإخْبارُ سَواءٌ كانَ مَوْجُودًا أوْ صِفَةَ مَوْجُودٍ أوْ مَعْنًى يُتَعَقَّلُ ويُتَحاوَرَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَواقِعِ حُسْنِ اسْتِعْمالِ كَلِمَةِ (شَيْءٍ) ومَواقِعِ ضَعْفِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(أكْبَرُ) هُنا بِمَعْنى أقْوى وأعْدَلُ في جِنْسِ الشَّهاداتِ، وهو مِن إطْلاقِ ما مَدْلُولُهُ عِظَمُ الذّاتِ عَلى عِظَمِ المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقُوَّةُ الشَّهادَةِ بِقُوَّةِ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ إلَيْها وتَصْدِيقِ مَضْمُونِها. وقَوْلُهُ (شَهادَةً) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأكْبَرِيَّةِ إلى الشَّيْءِ فَصارَ ماصَدَقَ الشَّيْءِ بِهَذا التَّمْيِيزِ هو الشَّهادَةُ. فالمَعْنى: أيَّةُ شَهادَةٍ هي أصْدَقُ الشَّهاداتِ، فالمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِـ (أيُّ) فَرْدٌ مِن أفْرادِ الشَّهاداتِ يُطْلَبُ عِلْمُ أنَّهُ أصْدَقُ أفْرادِ جِنْسِهِ. صفحة ١٦٧ والشَّهادَةُ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] في سُورَةِ المائِدَةِ. ولَمّا كانَتْ شَهادَةُ اللَّهِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ لِلْمُخاطَبِينَ المُكَذَّبِينَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، صارَتْ شَهادَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في مَعْنى القَسَمِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٨] أيْ أنْ تُشْهِدَ اللَّهَ عَلى كَذِبِ الزَّوْجِ، أيْ أنْ تَحْلِفَ عَلى ذَلِكَ بِاسْمِ اللَّهِ، فَإنَّ لَفْظَ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] مِن صِيَغِ القَسَمِ إلّا أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَعْنى الإشْهادِ يَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا، وإنْ كانَ مَعَهُ مَعْنى الإشْهادِ كَما هُنا فَهو كِنايَةٌ عَنِ القَسَمِ مُرادٌ مِنهُ مَعْنى إشْهادِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، أيْ أُشْهِدُهُ عَلَيْكم. وقَرِيبٌ مِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ هُودٍ ﴿قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ جَوابٌ لِلسُّؤالِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَتُهُ المُصَدَّرَةُ بِـ قُلْ. وهَذا جَوابٌ أُمِرَ بِهِ المَأْمُورُ بِالسُّؤالِ عَلى مَعْنى أنْ يَسْألَ ثُمَّ يُبادِرُ هو بِالجَوابِ لِكَوْنِ المُرادِ بِالسُّؤالِ التَّقْرِيرَ، وكَوْنِ الجَوابِ مِمّا لا يَسَعُ المُقَرِّرَ إنْكارُهُ، عَلى نَحْوِ ما بَيَّناهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] . ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ جَوابًا عَلى لِسانِهِمْ لِأنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلى السُّؤالِ وهو المَقْصُودُ مِنهُ فالتَّقْدِيرُ: قُلْ شَهادَةُ اللَّهِ أكْبَرُ شَهادَةً، فاللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم، فَحَذَفَ المُرَتَّبَ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ المُرَتَّبِ إيجازًا كَما هو مُقْتَضى جَزالَةِ أُسْلُوبِ الإلْجاءِ والجَدَلِ. والمَعْنى: أنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ الَّذِي شَهادَتُهُ أعْظَمُ شَهادَةً أنَّنِي أبْلَغْتُكم أنَّهُ لا يَرْضى بِأنْ تُشْرِكُوا بِهِ وأنْذَرْتُكم. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي صِحَّةَ إطْلاقِ اسْمِ (شَيْءٍ) عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ قَوْلَهُ اللَّهُ شَهِيدٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ قَوْلِهِ أيُّ شَيْءٍ فاقْتَضى إطْلاقَ اسْمِ (شَيْءٍ) خَبَرًا عَنِ اللَّهِ تَعالى وإنْ لَمْ يَدُلَّ صَرِيحًا. وعَلَيْهِ فَلَوْ أطْلَقَهُ المُؤْمِنُ عَلى اللَّهِ تَعالى لَما كانَ في إطْلاقِهِ تَجاوُزٌ لِلْأدَبِ ولا إثْمٌ. وهَذا قَوْلُ الأشْعَرِيَّةِ خِلافًا لِجَهْمِ بْنِ صَفْوانَ وأصْحابِهِ. ومَعْنى ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أنَّهُ لَمّا لَمْ تَنْفَعُهُمُ الآياتُ والنُّذُرُ فَيَرْجِعُوا عَنِ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكِلَهم إلى حِسابِ اللَّهِ تَعالى. والمَقْصُودُ: إنْذارُهم بِعَذابِ اللَّهِ في صفحة ١٦٨ الدُّنْيا والآخِرَةِ. ووَجْهُ ذِكْرِ بَيْنِي وبَيْنَكم أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ لَهُ، كَما هو مُقْتَضى السِّياقِ. فَمَعْنى البَيْنِ أنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالصِّدْقِ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ، كَما هو شَأْنُ الشّاهِدِ في الخُصُوماتِ. وقَوْلُهُ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، وهو الأهَمُّ فِيما أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن إثْباتِ الرِّسالَةِ. ويَنْطَوِي في ذَلِكَ جَمِيعُ ما أبْلَغَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ وما أقامَهُ مِنَ الدَّلائِلِ. فَعَطْفُ ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وحُذِفَ فاعِلُ الوَحْيِ وبُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ وهو اللَّهُ تَعالى. والإشارَةُ بِـ هَذا القُرْآنُ إلى ما هو في ذِهْنِ المُتَكَلِّمِ والسّامِعِ. وعَطْفُ البَيانِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بَيَّنَ المَقْصُودَ بِالإشارَةِ. واقْتَصَرَ عَلى جَعْلِ عِلَّةِ نُزُولِ القُرْآنِ لِلنِّذارَةِ دُونَ ذِكْرِ البِشارَةِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ في حالِ مُكابَرَتِهِمُ الَّتِي هي مَقامُ الكَلامِ لا يُناسِبُهم إلّا الإنْذارُ، فَغايَةُ القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى حالِهِمْ هي الإنْذارُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿لِأُنْذِرَكم بِهِ﴾ مُصَرِّحًا بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ. ولَمْ يَقُلْ: لِأُنْذِرَ بِهِ، وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن هَذا الخِطابِ وإنْ كانَ المَعْطُوفُ عَلى ضَمِيرِهِمْ يُنْذِرُ ويُبَشِّرُ. عَلى أنَّ لامَ العِلَّةِ لا تُؤْذِنُ بِانْحِصارِ العِلَّةِ في مَدْخُولِها إذْ قَدْ تَكُونُ لِلْفِعْلِ المُعَدّى بِها عِلَلٌ كَثِيرَةٌ. ﴿ومَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ ولِأُنْذِرَ بِهِ مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ وسَمِعَهُ ولَوْ لَمْ أُشافِهْهُ بِالدَّعْوَةِ، فَحَذَفَ ضَمِيرَ النَّصْبِ الرّابِطَ لِلصِّلَةِ لِأنَّ حَذْفَهُ كَثِيرٌ حَسَنٌ، كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وعُمُومُ مَن وصِلَتِها يَشْمَلُ كُلَّ مَن يَبْلُغُهُ القُرْآنُ في جَمِيعِ العُصُورِ. * * * ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم. صفحة ١٦٩ فَهِيَ اسْتِئْنافٌ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ . خَصَّ هَذا بِالذِّكْرِ لِأنَّ نَفْيَ الشَّرِيكِ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ هو أصْلُ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ فَبَعْدَ أنْ قَرَّرَهم أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ أكْبَرُ شَهادَةً وأشْهَدَ اللَّهَ عَلى نَفْسِهِ فِيما بَلَّغَ، وعَلَيْهِمْ فِيما أعْرَضُوا وكابَرُوا؛ اسْتَأْنَفَ اسْتِفْهامًا عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ اسْتِقْصاءً في الإعْذارِ لَهم فَقالَ: أتَشْهَدُونَ أنْتُمْ عَلى ما أصْرَرْتُمْ عَلَيْهِ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى كَما شَهِدْتُ أنا عَلى ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ، والمُقَرَّرُ عَلَيْهِ هُنا أمْرٌ يُنْكِرُونَهُ بِدَلالَةِ المَقامِ. وإنَّما جَعَلَ الِاسْتِفْهامَ المُسْتَعْمَلَ في الإنْكارِ عَنِ الخَبَرِ المُوَكَّدِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُفِيدَ أنَّ شَهادَتَهم هَذِهِ مِمّا لا يَكادُ يُصَدِّقُ السّامِعُونَ أنَّهم يَشْهَدُونَها لِاسْتِبْعادِ صُدُورِها مِن عُقَلاءَ، فَيَحْتاجُ المُخْبِرُ عَنْهم بِها إلى تَأْكِيدِ خَبَرِهِ بِمُؤَكِّدَيْنِ فَيَقُولُ: إنَّهم لَيَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، فَهُنالِكَ يَحْتاجُ مُخاطِبُهم بِالإنْكارِ إلى إدْخالِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُحْكى بِها خَبَرُهم، فَيُفِيدُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ إنْكارَيْنِ: أحَدُهُما صَرِيحٌ بِأداةِ الإنْكارِ، والآخَرُ كَنائِيٌّ بِلازِمِ تَأْكِيدِ الإخْبارِ لِغَرابَةِ هَذا الزَّعْمِ بِحَيْثُ يَشُكُّ السّامِعُ في صُدُورِهِ مِنهم. ومَعْنى ﴿لَتَشْهَدُونَ﴾ لَتَدَّعُونَ دَعْوى تُحَقِّقُونَها تَحْقِيقًا يُشْبِهُ الشَّهادَةَ عَلى أمْرٍ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، فَإطْلاقُ تَشْهَدُونَ مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ . والآلِهَةُ جَمْعُ إلَهٍ، وأُجْرِيَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِالتَّأْنِيثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لا تَعْقِلُ فَإنَّ جَمْعَ غَيْرِ العاقِلِ يَكُونُ وصْفُهُ كَوَصْفِ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ﴾ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ: قُلْ أإنَّكم، ووَقَعَتِ المُبادَرَةُ بِالجَوابِ بِتَبْرِيءِ المُتَكَلِّمِ مِن أنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ، لِأنَّ جَوابَ المُخاطَبِينَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مَعْلُومٌ مِن حالِهِمْ أنَّهم مُقِرُّونَ بِهِ فَأعْرَضَ عَنْهم بَعْدَ سُؤالِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْنا مِن شَهادَتِكم وخُذُوا شَهادَتِي فَإنِّي لا أشْهَدُ بِذَلِكَ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] . صفحة ١٧٠ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا أشْهَدُ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ، لِأنَّ مَعْنى لا أشْهَدُ بِأنَّ مَعَهُ آلِهَةً هو مَعْنى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، وأُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ لِتَأْكِيدِ التَّبْلِيغِ. وكَلِمَةُ (إنَّما) أفادَتِ الحَصْرَ، أيْ هو المَخْصُوصُ بِالوَحْدانِيَّةِ. ثُمَّ بالَغَ في إثْباتِ ذَلِكَ بِالتَّبْرِيءِ مِن ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ . وفِيهِ قَطْعٌ لِلْمُجادَلَةِ مَعَهم عَلى طَرِيقَةِ المُتارَكَةِ. و(ما) في قَوْلِهِ مِمّا تُشْرِكُونَ يَجُوزُ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً، أيْ مِن إشْراكِكم. ويَجُوزُ كَوْنُها مَوْصُولَةً، وهو الأظْهَرُ، أيْ مِن أصْنامِكُمُ الَّتِي تُشْرِكُونَ بِها، وفِيهِ حَذْفُ العائِدِ المَجْرُورِ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ المَحْذُوفَ مَعَ العائِدِ مُتَعَيِّنٌ تَقْدِيرُهُ بِلا لَبْسٍ، وذَلِكَ هو ضابِطُ جَوازِ حَذْفِ العائِدِ المَجْرُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ [الفرقان: ٦٠] أيْ بِتَعْظِيمِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] أيْ بِالجَهْرِ بِهِ. وظاهِرُ كَلامِ التَّسْهِيلِ أنَّ هَذا مَمْنُوعٌ، وهو غَفْلَةٌ مِن مُؤَلِّفِهِ اغْتَرَّ بِها بَعْضُ شُرّاحِ كُتُبِهِ.

الأنعام 6:20

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، انْتَقَلَ بِها أُسْلُوبُ الكَلامِ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ المُشْرِكِينَ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى إخْبارٍ عامٍّ كَسائِرِ أخْبارِ القُرْآنِ. أظْهَرَ اللَّهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ بَعْدَ شَهادَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، فَإنَّهُ لَمّا جاءَ ذِكْرُ القُرْآنِ هُنالِكَ وقَعَ هَذا الِانْتِقالُ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ المُتَضَمِّنِ صِدْقَ مَن جاءَ بِهِ، لِأنَّهُ هو الآيَةُ المُعْجِزَةُ العامَّةُ الدّائِمَةُ. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ الواحِدِيَّ ذَكَرَ أنَّ رُؤَساءَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: قَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُكَ ولا صِفَتُكُ إلى آخِرِهِ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ التَّعَرُّضُ لِأهْلِ الكِتابِ هُنا إبْطالًا لِما قالُوهُ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم ذِكْرُ النَّبِيءِ ولا صِفَتُهُ، أيْ فَهم صفحة ١٧١ وأنْتُمْ سَواءٌ في جَحْدِ الحَقِّ، وإنْ لَمْ تَجْعَلِ الآيَةَ مُشِيرَةً إلى ما ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ تَعَيَّنَ أنْ تَجْعَلَ المُرادَ بِـ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُنْصِفُونَ مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومُخَيْرِيقٍ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُقَدِّرُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَثِقُونَ بِعِلْمِهِمْ ورُبَّما اتَّبَعَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ دِينَ أهْلِ الكِتابِ وأقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ مِثْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَلِذَلِكَ كانَتْ شَهادَتُهم في مَعْرِفَةِ صِحَّةِ الدِّينِ مَوْثُوقًا بِها عِنْدَهم إذا أدَّوْها ولَمْ يَكْتُمُوها. وفِيهِ تَسْجِيلٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ بِوُجُوبِ أداءِ هَذِهِ الشَّهادَةِ إلى النّاسِ. فالضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ يَعْرِفُونَهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩] . والمُرادُ أنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَعْرِفُونَ ما تَضَمَّنَهُ مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ كُتُبُهم، ومِن ذَلِكَ رِسالَةُ مَن جاءَ بِهِ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ لِما في كُتُبِهِمْ مِنَ البِشارَةِ بِهِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ تَشْبِيهُ المَعْرِفَةِ بِالمَعْرِفَةِ. فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التَّحَقُّقُ والجَزْمُ بِأنَّهُ هو الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وإنَّما جُعِلَتِ المَعْرِفَةُ المُشَبَّهُ بِها هي مَعْرِفَةَ أبْنائِهِمْ لِأنَّ المَرْءَ لا يَضِلُّ عَنْ مَعْرِفَةِ شَخْصِ ابْنِهِ وذاتِهِ إذا لَقِيَهُ وأنَّهُ هو ابْنُهُ المَعْرُوفُ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُلازَمَةِ الأبْناءِ آباءَهم عُرْفًا. وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ إلى التَّوْحِيدِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وهَذا بِعِيدٌ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِيما تَقَدَّمَ صَرِيحًا ولا تَأْوِيلًا. ويَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُخاطَبُ غَيْرَ الرَّسُولِ ﷺ وهو غَيْرُ مُناسِبٍ عَلى أنَّ في عَوْدِهِ إلى القُرْآنِ غُنْيَةً عَنْ ذَلِكَ مَعَ زِيادَةِ إثْباتِهِ بِالحُجَّةِ وهي القُرْآنُ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ إيضاحِ تَصَلُّبِ المُشْرِكِينَ وإصْرارِهِمْ، فَهُمُ المُرادُ بِالَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، كَما أُرِيدُوا بِنَظِيرِهِ السّابِقِ الواقِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الأنعام: ١٢] . فَهَذا مِنَ التَّكْرِيرِ لِلتَّسْجِيلِ وإقامَةِ الحُجَّةِ وقَطْعِ المَعْذِرَةِ، وأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ حَتّى ولَوْ شَهِدَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ صفحة ١٧٢ أهْلُ الكِتابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] . وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ الكِتابِ، أيِ الَّذِينَ كَتَمُوا الشَّهادَةَ، فَيَكُونُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعام: ١٢] بَدَلًا مِنَ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ .

الأنعام 6:21

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] . فالمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِافْتِرائِهِمْ عَقِيدَةُ الشِّرْكِ في الجاهِلِيَّةِ بِما فِيها مِن تَكاذِيبَ، وبِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ تَكْذِيبُهُمُ القُرْآنَ بَعْدَ البَعْثَةِ. وقَدْ جَعَلَ الآتِيَ بِواحِدَةٍ مِن هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ أظْلَمَ النّاسِ فَكَيْفَ بِمَن جَمَعُوا بَيْنَهُما ؟ وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، أيْ إذا تَحَقَّقَ أنَّهم لا أظْلَمَ مِنهم فَهم غَيْرُ مُفْلِحِينَ، لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ فَكَيْفَ بِمَن بَلَغَ ظُلْمُهُ النِّهايَةَ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ العِلَّةِ عَنْ ذِكْرِ المَعْلُولِ. ومُوقِعُ (إنَّ) في هَذا المَقامِ يُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، كَما تَقَرَّرَ في كَلامِ عَبْدِ القاهِرِ. ومَوْقِعُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَها أفادَ الِاهْتِمامَ بِهَذا الخَبَرِ اهْتِمامَ تَحْقِيقٍ لِتَقَعَ الجُمْلَةُ الواقِعَةُ تَفْسِيرًا لَهُ في نَفْسِ السّامِعِ مَوْقِعَ الرُّسُوخِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ المُتَعَمَّدُ. وقَوْلُهُ كَذِبًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وهو أعَمُّ مِنَ الِافْتِراءِ. والتَّأْكِيدُ يَحْصُلُ بِالأعَمِّ، كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ، وقَدْ نَفى فَلاحَهم فَعَمَّ كُلَّ فَلاحٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ الفَلاحَ المُعْتَدَّ بِهِ في نَظَرِ الدِّينِ في الدُّنْيا هو الإيمانُ والعَمَلُ، وهو سَبَبُ فَلاحِ الآخِرَةِ.

الأنعام 6:22

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . صفحة ١٧٣ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ. وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ صفحة ١٧٤ شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَشَفَعُوا، أوْ أنَّهم شُغِلُوا عَنْهم بِما هم فِيهِ مِنَ الجَلالَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الأسْرى كانُوا قَدْ يَأْمَلُونَ حُضُورَ شُفَعائِهِمْ أوْ مَن يُفادِيهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارِ وعَطَفَ (نَقُولُ) بِـ (ثُمَّ) لِأنَّ القَوْلَ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَمَنِ حَشْرِهِمْ بِمُهْلَةٍ لِأنَّ حِصَّةَ انْتِظارِ المُجْرِمِ ما سَيَحُلُّ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ في إهْمالِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ تَحْقِيرًا لَهم. وتُفِيدُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الرُّتْبِيَّ. وصَرَّحَ بِـ الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّهم بَعْضُ ما شَمِلَهُ الضَّمِيرُ، أيْ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ. وأصْلُ السُّؤالِ بِـ (أيْنَ) أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ، نَحْوَ: أيْنَ بَيْتُكَ، وأيْنَ تَذْهَبُونَ. وقَدْ يُسْألُ بِها عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا مَكانَ لَهُ، فَيُرادُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِهِ، كَقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ حِينَ خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فَقَصَدَ المِنبَرَ قَبْلَ الصَّلاةِ: (أيْنَ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ) . وقَدْ يُسْألُ بِـ (أيْنَ) عَنْ عَمَلِ أحَدٍ كانَ مَرْجُوًّا مِنهُ، فَإذا حَضَرَ وقْتُهُ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ يُسْألُ عَنْهُ بِـ (أيْنَ)، كَأنَّ السّائِلَ يَبْحَثُ عَنْ مَكانِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَجْهُولِ مَكانَهُ؛ فالسُّؤالُ بِـ (أيْنَ) هُنا عَنِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ وهم حاضِرُونَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى. قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢] صفحة ١٧٥ والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ عَمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أنَّها تَنْصُرُهم عِنْدَ الحاجَةِ، فَلَمّا رَأوْها لا غَناءَ لَها قِيلَ لَهم: أيْنَ شُرَكاؤُكم، أيْ أيْنَ عَمَلُهم فَكَأنَّهم غُيِّبَ عَنْهم. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إضافَةَ اخْتِصاصٍ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الشِّرْكَةَ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَلَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ إلّا في اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ شُرَكاؤُكم. وهَذا كَقَوْلِ أحَدِ أبْطالِ العَرَبِ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ لَمّا حَدَّثَ عَمْرٌو في جَمْعٍ أنَّهُ قَتَلَهُ، وكانَ هو حاضِرًا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَقالَ لَهُ (مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكَ يَسْمَعُ)، أيِ المَزْعُومُ أنَّهُ قَتِيلُكَ. ووُصِفُوا بِـ (﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) تَكْذِيبًا لَهم؛ وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (تَزْعُمُونَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ أمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَحُذِفَ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ عائِدِ الصِّلَةِ المَنصُوبِ. والزَّعْمُ: ظَنٌّ يَمِيلُ إلى الكَذِبِ أوِ الخَطَأِ أوْ لِغَرابَتِهِ يُتَّهَمُ صاحِبُهُ، فَيُقالُ: زَعَمَ، بِمَعْنى أنَّ عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلَيْهِ لا عَلى النّاقِلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ. في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْتِي زِيادَةُ بَيانٍ لِمَعْنى الزَّعْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ثُمَّ نَقُولُ) و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ وهو الِانْتِقالُ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ أعْظَمَ مِنهُ. والفِتْنَةُ أصْلُها الِاخْتِبارُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ الذَّهَبَ إذا اخْتَبَرَ خُلُوصَهُ مِنَ الغَلَثِ. وتُطْلَقُ عَلى اضْطِرابِ الرَّأْيِ مِن حُصُولِ خَوْفٍ لا يُصْبَرُ عَلى مِثْلِهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مِقْدارِ ثَباتِ مَن يَنالُهُ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في حالَةِ العَيْشِ؛ وقَدْ يَكُونُ في البُغْضِ والحُبِّ؛ وقَدْ يَكُونُ في الِاعْتِقادِ والتَّفْكِيرِ وارْتِباكِ الأُمُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(فِتْنَتُهم) هُنا اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَذَلِكَ القَوْلُ إمّا أنْ صفحة ١٧٦ يَكُونَ مِن نَوْعِ ما اسْتُثْنِيَ هو مِنهُ المَحْذُوفِ في تَفْرِيغِ الِاسْتِثْناءِ، فَيَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ مِنَ الأقْوالِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها فِتْنَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَوْلٌ هو فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُسْتَثْنى دالًّا عَلى فِتْنَتِهِمْ، أيْ عَلى أنَّهم في فِتْنَةٍ حِينَ قالُوهُ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ أنَّهم مَفْتُونُونَ حِينَئِذٍ. وعَلى ذَلِكَ تَحْتَمِلُ الفِتْنَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى اضْطِرابِ الرَّأْيِ والحَيْرَةِ في الأمْرِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: فافْتَتَنُوا في ماذا يُجِيبُونَ، فَكانَ جَوابُهم ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُقَدَّرِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ جَوابَهم ذَلِكَ هو فِتْنَتُهم لِأنَّهُ أثَرُها ومَظْهَرُها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفِتْنَةِ جَوابُهُمُ الكاذِبُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى فِتْنَةِ صاحِبِهِ، أيْ تَجْرِيبِ حالَةِ نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وهو الِاخْتِبارُ. والمُرادُ بِهِ السُّؤالُ لِأنَّ السُّؤالَ اخْتِبارٌ عَمّا عِنْدَ المَسْئُولِ مِنَ العِلْمِ، أوْ مِنَ الصِّدْقِ وضِدِّهِ، ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُ فِتْنَتِهِمْ، أيْ سُؤالُهم عَنْ حالِ إشْراكِهِمْ إلّا ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمْ تَكُنْ بِتاءِ تَأْنِيثِ حَرْفِ المُضارَعَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِياءِ المُضارَعَةِ لِلْغائِبَةِ بِاعْتِبارِ (أنْ قالُوا) هو اسْمُ كانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَنْتَهم) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَتَكُونُ كانَ ناقِصَةً واسْمُها ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحْصُورٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و(أنْ قالُوا) خَبَرُ كانَ، فَتُجْعَلُ كانَ تامَّةً. والمَعْنى: لَمْ تُوجَدْ فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، أيْ لَمْ تَقَعْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ نَفَوْا أنَّهم أشْرَكُوا. ووَجْهُ اتِّصالِ الفِعْلِ بِعَلامَةٍ مُضارِعَةٍ لِلْمُؤَنَّثِ عَلى قِراءَةِ نَصْبِ (فِتْنَتَهم) هو أنَّ صفحة ١٧٧ فاعِلَهُ مُؤَنَّثٌ تَقْدِيرًا، لِأنَّ القَوْلَ المُنْسَبِكَ مِن (أنْ) وصِلَتِها مِن جُمْلَةِ الفِتْنَةِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ نَظِيرُ التَّأْنِيثِ في اسْمِ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لِأنَّ الأمْثالَ لَمّا كانَتْ في مَعْنى الحَسَناتِ أُنِّثَ اسْمُ عَدَدِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (رَبِّنا) بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِهِ. وذِكْرُهُمُ الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مُبالَغَةٌ في التَّنَصُّلِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ لا رَبَّ لَنا غَيْرُهُ. وقَدْ كَذَبُوا وحَلَفُوا عَلى الكَذِبِ جَرْيًا عَلى سَنَنِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الحَيْرَةَ والدَّهْشَ الَّذِي أصابَهم خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَتَخَلَّصُونَ مِنَ العِقابِ. ولا مانِعَ مِن صُدُورِ الكَذِبِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِيقَةِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ الحَقائِقَ تَظْهَرُ لَهم وهم يَحْسَبُونَ أنَّ غَيْرَهم لا تَظْهَرُ لَهُ، ولِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنهم عَنْ أمْرٍ غائِبٍ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهم أُخْبِرُوا عَنْ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، فَذَكَرَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلَهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا. وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ جَعَلَ حالَهُمُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ، لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ سامِعَهُ أوْ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ حاضِرٌ. والأظْهَرُ أنَّ (كَيْفَ) لِمُجَرَّدِ الحالِ غَيْرُ دالٍّ عَلى الِاسْتِفْهامِ. والنَّظَرُ إلى الحالَةِ هو النَّظَرُ إلى أصْحابِها حِينَ تَكَيُّفِهِمْ بِها. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ. وجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّظَرَ هُنا نَظَرًا صفحة ١٧٨ قَلْبِيًّا فَإنَّهُ يَجِيءُ كَما يَجِيءُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ، أيْ تَأمَّلْ جَوابَ قَوْلِ القائِلِ (﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]) تَجِدُهُ جَوابًا واضِحًا بَيِّنًا. ولِأجْلِ هَذا التَّحَقُّقِ مِن خَبَرِ حَشْرِهِمْ عَبَّرَ عَنْ كَذِبِهِمُ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وفِعْلُ كَذَبَ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) إلى مَن يُخْبِرُ عَنْهُ الكاذِبُ كَذِبًا مِثْلَ تَعْدِيَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُعْتَمِدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، وأمّا تَعْدِيَتُهُ إلى مَن يُخْبِرُهُ الكاذِبُ خَبَرًا كَذِبًا فَبِنَفْسِهِ، يُقالُ: كَذَبَكَ، إذا أخْبَرَكَ بِكَذِبٍ. وضَلَّ بِمَعْنى غابَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ غُيِّبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ و(يَفْتَرُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَخْتَلِقُونَهُ وما صَدَّقَ ذَلِكَ هو (شُرَكاؤُهم) . والمُرادُ: غَيْبَةُ شَفاعَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَأْمُولُ مِنهم فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَزَّلَ حُضُورَهم مَنزِلَةَ الغَيْبَةِ، كَما يُقالُ: أُخِذْتَ وغابَ نَصِيرُكَ، وهو حاضِرٌ.

الأنعام 6:23

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . صفحة ١٧٣ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ. وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ صفحة ١٧٤ شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَشَفَعُوا، أوْ أنَّهم شُغِلُوا عَنْهم بِما هم فِيهِ مِنَ الجَلالَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الأسْرى كانُوا قَدْ يَأْمَلُونَ حُضُورَ شُفَعائِهِمْ أوْ مَن يُفادِيهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارِ وعَطَفَ (نَقُولُ) بِـ (ثُمَّ) لِأنَّ القَوْلَ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَمَنِ حَشْرِهِمْ بِمُهْلَةٍ لِأنَّ حِصَّةَ انْتِظارِ المُجْرِمِ ما سَيَحُلُّ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ في إهْمالِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ تَحْقِيرًا لَهم. وتُفِيدُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الرُّتْبِيَّ. وصَرَّحَ بِـ الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّهم بَعْضُ ما شَمِلَهُ الضَّمِيرُ، أيْ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ. وأصْلُ السُّؤالِ بِـ (أيْنَ) أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ، نَحْوَ: أيْنَ بَيْتُكَ، وأيْنَ تَذْهَبُونَ. وقَدْ يُسْألُ بِها عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا مَكانَ لَهُ، فَيُرادُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِهِ، كَقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ حِينَ خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فَقَصَدَ المِنبَرَ قَبْلَ الصَّلاةِ: (أيْنَ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ) . وقَدْ يُسْألُ بِـ (أيْنَ) عَنْ عَمَلِ أحَدٍ كانَ مَرْجُوًّا مِنهُ، فَإذا حَضَرَ وقْتُهُ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ يُسْألُ عَنْهُ بِـ (أيْنَ)، كَأنَّ السّائِلَ يَبْحَثُ عَنْ مَكانِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَجْهُولِ مَكانَهُ؛ فالسُّؤالُ بِـ (أيْنَ) هُنا عَنِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ وهم حاضِرُونَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى. قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢] صفحة ١٧٥ والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ عَمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أنَّها تَنْصُرُهم عِنْدَ الحاجَةِ، فَلَمّا رَأوْها لا غَناءَ لَها قِيلَ لَهم: أيْنَ شُرَكاؤُكم، أيْ أيْنَ عَمَلُهم فَكَأنَّهم غُيِّبَ عَنْهم. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إضافَةَ اخْتِصاصٍ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الشِّرْكَةَ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَلَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ إلّا في اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ شُرَكاؤُكم. وهَذا كَقَوْلِ أحَدِ أبْطالِ العَرَبِ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ لَمّا حَدَّثَ عَمْرٌو في جَمْعٍ أنَّهُ قَتَلَهُ، وكانَ هو حاضِرًا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَقالَ لَهُ (مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكَ يَسْمَعُ)، أيِ المَزْعُومُ أنَّهُ قَتِيلُكَ. ووُصِفُوا بِـ (﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) تَكْذِيبًا لَهم؛ وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (تَزْعُمُونَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ أمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَحُذِفَ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ عائِدِ الصِّلَةِ المَنصُوبِ. والزَّعْمُ: ظَنٌّ يَمِيلُ إلى الكَذِبِ أوِ الخَطَأِ أوْ لِغَرابَتِهِ يُتَّهَمُ صاحِبُهُ، فَيُقالُ: زَعَمَ، بِمَعْنى أنَّ عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلَيْهِ لا عَلى النّاقِلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ. في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْتِي زِيادَةُ بَيانٍ لِمَعْنى الزَّعْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ثُمَّ نَقُولُ) و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ وهو الِانْتِقالُ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ أعْظَمَ مِنهُ. والفِتْنَةُ أصْلُها الِاخْتِبارُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ الذَّهَبَ إذا اخْتَبَرَ خُلُوصَهُ مِنَ الغَلَثِ. وتُطْلَقُ عَلى اضْطِرابِ الرَّأْيِ مِن حُصُولِ خَوْفٍ لا يُصْبَرُ عَلى مِثْلِهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مِقْدارِ ثَباتِ مَن يَنالُهُ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في حالَةِ العَيْشِ؛ وقَدْ يَكُونُ في البُغْضِ والحُبِّ؛ وقَدْ يَكُونُ في الِاعْتِقادِ والتَّفْكِيرِ وارْتِباكِ الأُمُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(فِتْنَتُهم) هُنا اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَذَلِكَ القَوْلُ إمّا أنْ صفحة ١٧٦ يَكُونَ مِن نَوْعِ ما اسْتُثْنِيَ هو مِنهُ المَحْذُوفِ في تَفْرِيغِ الِاسْتِثْناءِ، فَيَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ مِنَ الأقْوالِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها فِتْنَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَوْلٌ هو فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُسْتَثْنى دالًّا عَلى فِتْنَتِهِمْ، أيْ عَلى أنَّهم في فِتْنَةٍ حِينَ قالُوهُ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ أنَّهم مَفْتُونُونَ حِينَئِذٍ. وعَلى ذَلِكَ تَحْتَمِلُ الفِتْنَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى اضْطِرابِ الرَّأْيِ والحَيْرَةِ في الأمْرِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: فافْتَتَنُوا في ماذا يُجِيبُونَ، فَكانَ جَوابُهم ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُقَدَّرِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ جَوابَهم ذَلِكَ هو فِتْنَتُهم لِأنَّهُ أثَرُها ومَظْهَرُها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفِتْنَةِ جَوابُهُمُ الكاذِبُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى فِتْنَةِ صاحِبِهِ، أيْ تَجْرِيبِ حالَةِ نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وهو الِاخْتِبارُ. والمُرادُ بِهِ السُّؤالُ لِأنَّ السُّؤالَ اخْتِبارٌ عَمّا عِنْدَ المَسْئُولِ مِنَ العِلْمِ، أوْ مِنَ الصِّدْقِ وضِدِّهِ، ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُ فِتْنَتِهِمْ، أيْ سُؤالُهم عَنْ حالِ إشْراكِهِمْ إلّا ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمْ تَكُنْ بِتاءِ تَأْنِيثِ حَرْفِ المُضارَعَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِياءِ المُضارَعَةِ لِلْغائِبَةِ بِاعْتِبارِ (أنْ قالُوا) هو اسْمُ كانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَنْتَهم) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَتَكُونُ كانَ ناقِصَةً واسْمُها ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحْصُورٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و(أنْ قالُوا) خَبَرُ كانَ، فَتُجْعَلُ كانَ تامَّةً. والمَعْنى: لَمْ تُوجَدْ فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، أيْ لَمْ تَقَعْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ نَفَوْا أنَّهم أشْرَكُوا. ووَجْهُ اتِّصالِ الفِعْلِ بِعَلامَةٍ مُضارِعَةٍ لِلْمُؤَنَّثِ عَلى قِراءَةِ نَصْبِ (فِتْنَتَهم) هو أنَّ صفحة ١٧٧ فاعِلَهُ مُؤَنَّثٌ تَقْدِيرًا، لِأنَّ القَوْلَ المُنْسَبِكَ مِن (أنْ) وصِلَتِها مِن جُمْلَةِ الفِتْنَةِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ نَظِيرُ التَّأْنِيثِ في اسْمِ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لِأنَّ الأمْثالَ لَمّا كانَتْ في مَعْنى الحَسَناتِ أُنِّثَ اسْمُ عَدَدِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (رَبِّنا) بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِهِ. وذِكْرُهُمُ الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مُبالَغَةٌ في التَّنَصُّلِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ لا رَبَّ لَنا غَيْرُهُ. وقَدْ كَذَبُوا وحَلَفُوا عَلى الكَذِبِ جَرْيًا عَلى سَنَنِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الحَيْرَةَ والدَّهْشَ الَّذِي أصابَهم خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَتَخَلَّصُونَ مِنَ العِقابِ. ولا مانِعَ مِن صُدُورِ الكَذِبِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِيقَةِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ الحَقائِقَ تَظْهَرُ لَهم وهم يَحْسَبُونَ أنَّ غَيْرَهم لا تَظْهَرُ لَهُ، ولِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنهم عَنْ أمْرٍ غائِبٍ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهم أُخْبِرُوا عَنْ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، فَذَكَرَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلَهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا. وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ جَعَلَ حالَهُمُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ، لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ سامِعَهُ أوْ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ حاضِرٌ. والأظْهَرُ أنَّ (كَيْفَ) لِمُجَرَّدِ الحالِ غَيْرُ دالٍّ عَلى الِاسْتِفْهامِ. والنَّظَرُ إلى الحالَةِ هو النَّظَرُ إلى أصْحابِها حِينَ تَكَيُّفِهِمْ بِها. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ. وجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّظَرَ هُنا نَظَرًا صفحة ١٧٨ قَلْبِيًّا فَإنَّهُ يَجِيءُ كَما يَجِيءُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ، أيْ تَأمَّلْ جَوابَ قَوْلِ القائِلِ (﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]) تَجِدُهُ جَوابًا واضِحًا بَيِّنًا. ولِأجْلِ هَذا التَّحَقُّقِ مِن خَبَرِ حَشْرِهِمْ عَبَّرَ عَنْ كَذِبِهِمُ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وفِعْلُ كَذَبَ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) إلى مَن يُخْبِرُ عَنْهُ الكاذِبُ كَذِبًا مِثْلَ تَعْدِيَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُعْتَمِدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، وأمّا تَعْدِيَتُهُ إلى مَن يُخْبِرُهُ الكاذِبُ خَبَرًا كَذِبًا فَبِنَفْسِهِ، يُقالُ: كَذَبَكَ، إذا أخْبَرَكَ بِكَذِبٍ. وضَلَّ بِمَعْنى غابَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ غُيِّبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ و(يَفْتَرُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَخْتَلِقُونَهُ وما صَدَّقَ ذَلِكَ هو (شُرَكاؤُهم) . والمُرادُ: غَيْبَةُ شَفاعَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَأْمُولُ مِنهم فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَزَّلَ حُضُورَهم مَنزِلَةَ الغَيْبَةِ، كَما يُقالُ: أُخِذْتَ وغابَ نَصِيرُكَ، وهو حاضِرٌ.

الأنعام 6:24

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . صفحة ١٧٣ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ لَهُ مُناسَبَةٌ بِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ [الأنعام: ٢١] ومَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]، لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ مِن آثارِ الظُّلْمِ وآثارِ عَدَمِ الفَلاحِ، ولِأنَّ مَضْمُونَ الآيَةِ جامِعٌ لِلتَّهْدِيدِ عَلى الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ، ولِإثْباتِ الحَشْرِ ولِإبْطالِ الشِّرْكِ. وانْتَصَبَ يَوْمَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وعامِلُهُ مَحْذُوفٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُقَدَّرُ مِمّا تَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفاتُ وهي: نَقُولُ، أوْ قالُوا، أوْ كَذَّبُوا، أوْ ضَلَّ، وكُلُّها صالِحَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الأفْعالُ مُتَعَلِّقًا بِها الظَّرْفُ بَلْ هي دَلالَةٌ عَلى المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ المَقْصُودَ تَهْوِيلُ ما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ الحَشْرِ مِنَ الفِتْنَةِ والِاضْطِرابِ النّاشِئَيْنِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾، وتَصْدِيرُ تِلْكَ الحالَةِ المَهُولَةِ. وقُدِّرَ في الكَشّافِ الجَوابُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الحِكايَةِ. وتَقْدِيرُهُ: كانَ ما كانَ، وأنَّ حَذْفَهُ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامُ الَّذِي هو داخِلٌ في التَّخْوِيفِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا ما اعْتادَهُ أئِمَّةُ البَلاغَةِ في تَقْدِيرِ المَحْذُوفاتِ مِنَ الأجْوِبَةِ والمُتَعَلِّقاتِ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنَّهُ إنَّما يُصارُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ في الكَلامِ عَلى تَعْيِينِ المَحْذُوفِ وإلّا فَقَدْ يَكُونُ التَّخْوِيفُ والتَّهْوِيلُ بِالتَّفْصِيلِ أشَدَّ مِنهُ بِالإبْهامِ إذا كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ التَّفْصِيلِ حاصِلًا بِهِ تَخْوِيفٌ. وقَدَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: اذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهم. ولا نُكْتَةَ فِيهِ. وهُنالِكَ تَقْدِيراتٌ أُخْرى لِبَعْضِهِمْ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَرَّجَ عَلَيْها. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في نَحْشُرُهم يَعُودُ إلى ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] أوْ إلى (الظّالِمُونَ) إذِ المَقْصُودُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، فَيُؤْذِنُ بِمُشْرِكِينَ ومُشْرَكٍ بِهِمْ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ جِيءَ بِقَوْلِهِ جَمِيعًا لِيَدُلَّ عَلى قَصْدِ الشُّمُولِ، فَإنَّ صفحة ١٧٤ شُمُولَ الضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ لا يَتَرَدَّدُ فِيهِ السّامِعُ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَأْكِيدِهِ بِاسْمِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ ذِكْرَ (جَمِيعًا) قُصِدَ مِنهُ التَّنْبِيهُ. عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الفرقان: ١٧] ) . وانْتَصَبَ جَمِيعًا هُنا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَقْصُودُ مِن حَشْرِ أصْنامِهِمْ مَعَهم أنْ تَظْهَرَ مَذَلَّةُ الأصْنامِ وعَدَمُ جَدْواها كَما يَحْشُرُ الغالِبُ أسْرى قَبِيلَةٍ ومَعَهم مَن كانُوا يَنْتَصِرُونَ بِهِ، لِأنَّهم لَوْ كانُوا غائِبِينَ لَظَنُّوا أنَّهم لَوْ حَضَرُوا لَشَفَعُوا، أوْ أنَّهم شُغِلُوا عَنْهم بِما هم فِيهِ مِنَ الجَلالَةِ والنَّعِيمِ، فَإنَّ الأسْرى كانُوا قَدْ يَأْمَلُونَ حُضُورَ شُفَعائِهِمْ أوْ مَن يُفادِيهِمْ. قالَ النّابِغَةُ: يَأْمُلْنَ رِحْلَةَ نَصْرٍ وابْنِ سَيّارِ وعَطَفَ (نَقُولُ) بِـ (ثُمَّ) لِأنَّ القَوْلَ مُتَأخِّرٌ عَنْ زَمَنِ حَشْرِهِمْ بِمُهْلَةٍ لِأنَّ حِصَّةَ انْتِظارِ المُجْرِمِ ما سَيَحُلُّ بِهِ أشَدُّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ في إهْمالِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ تَحْقِيرًا لَهم. وتُفِيدُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ التَّرْتِيبَ الرُّتْبِيَّ. وصَرَّحَ بِـ الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّهم بَعْضُ ما شَمِلَهُ الضَّمِيرُ، أيْ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ. وأصْلُ السُّؤالِ بِـ (أيْنَ) أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يَحُلُّ فِيهِ المُسْنَدُ إلَيْهِ، نَحْوَ: أيْنَ بَيْتُكَ، وأيْنَ تَذْهَبُونَ. وقَدْ يُسْألُ بِها عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لا مَكانَ لَهُ، فَيُرادُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عَدَمِهِ، كَقَوْلِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ لِمَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ حِينَ خَرَجَ يَوْمَ العِيدِ فَقَصَدَ المِنبَرَ قَبْلَ الصَّلاةِ: (أيْنَ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ) . وقَدْ يُسْألُ بِـ (أيْنَ) عَنْ عَمَلِ أحَدٍ كانَ مَرْجُوًّا مِنهُ، فَإذا حَضَرَ وقْتُهُ ولَمْ يَحْصُلْ مِنهُ يُسْألُ عَنْهُ بِـ (أيْنَ)، كَأنَّ السّائِلَ يَبْحَثُ عَنْ مَكانِهِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَجْهُولِ مَكانَهُ؛ فالسُّؤالُ بِـ (أيْنَ) هُنا عَنِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ وهم حاضِرُونَ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى. قالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢] صفحة ١٧٥ والِاسْتِفْهامُ تَوْبِيخِيٌّ عَمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أنَّها تَنْصُرُهم عِنْدَ الحاجَةِ، فَلَمّا رَأوْها لا غَناءَ لَها قِيلَ لَهم: أيْنَ شُرَكاؤُكم، أيْ أيْنَ عَمَلُهم فَكَأنَّهم غُيِّبَ عَنْهم. وأُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إضافَةَ اخْتِصاصٍ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الشِّرْكَةَ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَلَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ إلّا في اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ شُرَكاؤُكم. وهَذا كَقَوْلِ أحَدِ أبْطالِ العَرَبِ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ لَمّا حَدَّثَ عَمْرٌو في جَمْعٍ أنَّهُ قَتَلَهُ، وكانَ هو حاضِرًا في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَقالَ لَهُ (مَهْلًا أبا ثَوْرٍ قَتِيلُكَ يَسْمَعُ)، أيِ المَزْعُومُ أنَّهُ قَتِيلُكَ. ووُصِفُوا بِـ (﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾) تَكْذِيبًا لَهم؛ وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (تَزْعُمُونَ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ لَهم مِنَ الإلَهِيَّةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ أمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَحُذِفَ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ عائِدِ الصِّلَةِ المَنصُوبِ. والزَّعْمُ: ظَنٌّ يَمِيلُ إلى الكَذِبِ أوِ الخَطَأِ أوْ لِغَرابَتِهِ يُتَّهَمُ صاحِبُهُ، فَيُقالُ: زَعَمَ، بِمَعْنى أنَّ عُهْدَةَ الخَبَرِ عَلَيْهِ لا عَلى النّاقِلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] الآيَةَ. في سُورَةِ النِّساءِ. وتَأْتِي زِيادَةُ بَيانٍ لِمَعْنى الزَّعْمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] في سُورَةِ التَّغابُنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ثُمَّ نَقُولُ) و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ وهو الِانْتِقالُ مِن خَبَرٍ إلى خَبَرٍ أعْظَمَ مِنهُ. والفِتْنَةُ أصْلُها الِاخْتِبارُ، مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ الذَّهَبَ إذا اخْتَبَرَ خُلُوصَهُ مِنَ الغَلَثِ. وتُطْلَقُ عَلى اضْطِرابِ الرَّأْيِ مِن حُصُولِ خَوْفٍ لا يُصْبَرُ عَلى مِثْلِهِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مِقْدارِ ثَباتِ مَن يَنالُهُ، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في حالَةِ العَيْشِ؛ وقَدْ يَكُونُ في البُغْضِ والحُبِّ؛ وقَدْ يَكُونُ في الِاعْتِقادِ والتَّفْكِيرِ وارْتِباكِ الأُمُورِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(فِتْنَتُهم) هُنا اسْتُثْنِيَ مِنها ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، فَذَلِكَ القَوْلُ إمّا أنْ صفحة ١٧٦ يَكُونَ مِن نَوْعِ ما اسْتُثْنِيَ هو مِنهُ المَحْذُوفِ في تَفْرِيغِ الِاسْتِثْناءِ، فَيَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ مِنَ الأقْوالِ المَوْصُوفَةِ بِأنَّها فِتْنَةٌ. فالتَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ لَهم قَوْلٌ هو فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ المُسْتَثْنى دالًّا عَلى فِتْنَتِهِمْ، أيْ عَلى أنَّهم في فِتْنَةٍ حِينَ قالُوهُ. وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مُتَضَمِّنٌ أنَّهم مَفْتُونُونَ حِينَئِذٍ. وعَلى ذَلِكَ تَحْتَمِلُ الفِتْنَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى اضْطِرابِ الرَّأْيِ والحَيْرَةِ في الأمْرِ، ويَكُونُ في الكَلامِ إيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: فافْتَتَنُوا في ماذا يُجِيبُونَ، فَكانَ جَوابُهم ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَعَدَلَ عَنِ المُقَدَّرِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ جَوابَهم ذَلِكَ هو فِتْنَتُهم لِأنَّهُ أثَرُها ومَظْهَرُها. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالفِتْنَةِ جَوابُهُمُ الكاذِبُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى فِتْنَةِ صاحِبِهِ، أيْ تَجْرِيبِ حالَةِ نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أُطْلِقَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ وهو الِاخْتِبارُ. والمُرادُ بِهِ السُّؤالُ لِأنَّ السُّؤالَ اخْتِبارٌ عَمّا عِنْدَ المَسْئُولِ مِنَ العِلْمِ، أوْ مِنَ الصِّدْقِ وضِدِّهِ، ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ لَمْ يَكُنْ جَوابُ فِتْنَتِهِمْ، أيْ سُؤالُهم عَنْ حالِ إشْراكِهِمْ إلّا ﴿أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ لَمْ تَكُنْ بِتاءِ تَأْنِيثِ حَرْفِ المُضارَعَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ بِياءِ المُضارَعَةِ لِلْغائِبَةِ بِاعْتِبارِ (أنْ قالُوا) هو اسْمُ كانَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَتَنْتَهم) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ، فَتَكُونُ كانَ ناقِصَةً واسْمُها ﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ وإنَّما أُخِّرَ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحْصُورٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و(أنْ قالُوا) خَبَرُ كانَ، فَتُجْعَلُ كانَ تامَّةً. والمَعْنى: لَمْ تُوجَدْ فِتْنَةٌ لَهم إلّا قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، أيْ لَمْ تَقَعْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ نَفَوْا أنَّهم أشْرَكُوا. ووَجْهُ اتِّصالِ الفِعْلِ بِعَلامَةٍ مُضارِعَةٍ لِلْمُؤَنَّثِ عَلى قِراءَةِ نَصْبِ (فِتْنَتَهم) هو أنَّ صفحة ١٧٧ فاعِلَهُ مُؤَنَّثٌ تَقْدِيرًا، لِأنَّ القَوْلَ المُنْسَبِكَ مِن (أنْ) وصِلَتِها مِن جُمْلَةِ الفِتْنَةِ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وذَلِكَ نَظِيرُ التَّأْنِيثِ في اسْمِ العَدَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، لِأنَّ الأمْثالَ لَمّا كانَتْ في مَعْنى الحَسَناتِ أُنِّثَ اسْمُ عَدَدِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ (رَبِّنا) بِالجَرِّ عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِهِ. وذِكْرُهُمُ الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مُبالَغَةٌ في التَّنَصُّلِ مِنَ الشِّرْكِ، أيْ لا رَبَّ لَنا غَيْرُهُ. وقَدْ كَذَبُوا وحَلَفُوا عَلى الكَذِبِ جَرْيًا عَلى سَنَنِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ في الحَياةِ، لِأنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الحَيْرَةَ والدَّهْشَ الَّذِي أصابَهم خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى فَيَتَخَلَّصُونَ مِنَ العِقابِ. ولا مانِعَ مِن صُدُورِ الكَذِبِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِيقَةِ يَوْمَئِذٍ، لِأنَّ الحَقائِقَ تَظْهَرُ لَهم وهم يَحْسَبُونَ أنَّ غَيْرَهم لا تَظْهَرُ لَهُ، ولِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنهم عَنْ أمْرٍ غائِبٍ عَنْ ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهم أُخْبِرُوا عَنْ أُمُورِهِمْ في الدُّنْيا. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، فَذَكَرَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقَوْلَهُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ . فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهم، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ تَعالَوْا نَقُلْ: ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَيُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا. وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ جَعَلَ حالَهُمُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ المُشاهَدِ، لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، فَلِذَلِكَ أمَرَ سامِعَهُ أوْ أمَرَ الرَّسُولَ ﷺ بِما يَدُلُّ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ حاضِرٌ. والأظْهَرُ أنَّ (كَيْفَ) لِمُجَرَّدِ الحالِ غَيْرُ دالٍّ عَلى الِاسْتِفْهامِ. والنَّظَرُ إلى الحالَةِ هو النَّظَرُ إلى أصْحابِها حِينَ تَكَيُّفِهِمْ بِها. وقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ نَظائِرُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ. وجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّظَرَ هُنا نَظَرًا صفحة ١٧٨ قَلْبِيًّا فَإنَّهُ يَجِيءُ كَما يَجِيءُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ، أيْ تَأمَّلْ جَوابَ قَوْلِ القائِلِ (﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠]) تَجِدُهُ جَوابًا واضِحًا بَيِّنًا. ولِأجْلِ هَذا التَّحَقُّقِ مِن خَبَرِ حَشْرِهِمْ عَبَّرَ عَنْ كَذِبِهِمُ الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وفِعْلُ كَذَبَ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) إلى مَن يُخْبِرُ عَنْهُ الكاذِبُ كَذِبًا مِثْلَ تَعْدِيَتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُعْتَمِدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ»، وأمّا تَعْدِيَتُهُ إلى مَن يُخْبِرُهُ الكاذِبُ خَبَرًا كَذِبًا فَبِنَفْسِهِ، يُقالُ: كَذَبَكَ، إذا أخْبَرَكَ بِكَذِبٍ. وضَلَّ بِمَعْنى غابَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]، أيْ غُيِّبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ و(يَفْتَرُونَ) صِلَتُها، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَخْتَلِقُونَهُ وما صَدَّقَ ذَلِكَ هو (شُرَكاؤُهم) . والمُرادُ: غَيْبَةُ شَفاعَتِهِمْ ونَصْرِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَأْمُولُ مِنهم فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نَزَّلَ حُضُورَهم مَنزِلَةَ الغَيْبَةِ، كَما يُقالُ: أُخِذْتَ وغابَ نَصِيرُكَ، وهو حاضِرٌ.

الأنعام 6:25

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . عَطَفَ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً عَلى الجُمَلِ الِابْتِدائِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] . والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الحَدِيثُ مَعَهم وعَنْهُمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أيْ ومِنَ المُشْرِكِينَ مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ. وقَدِ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى أحْوالِ خاصَّةِ عُقَلائِهِمُ الَّذِينَ يَرْبَئُونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يُقابِلُوا دَعْوَةَ صفحة ١٧٩ الرَّسُولِ ﷺ بِمِثْلِ ما يُقابِلُهُ بِهِ سُفَهاؤُهم مِنَ الإعْراضِ التّامِّ، وقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] . ولَكِنَّ هَؤُلاءِ العُقَلاءَ يَتَظاهَرُونَ بِالحِلْمِ والأناةِ والإنْصافِ ويُخَيِّلُونَ لِلدَّهْماءِ أنَّهم قادِرُونَ عَلى مُجادَلَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإبْطالِ حُجَجِهِ ثُمَّ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ. رَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى مِن هَؤُلاءِ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلٍ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، اجْتَمَعُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا سَمِعُوهُ قالُوا لِلنَّضْرِ: ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ (يَعْنِي الكَعْبَةَ) ما أدْرِي ما يَقُولُ إلّا أنِّي أرى تَحَرُّكَ شَفَتَيْهِ فَما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما كُنْتُ أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ. يَعْنِي أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُكابَرَةً مِنهُ لِلْحَقِّ وحَسَدًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وكانَ النَّضْرُ كَثِيرَ الحَدِيثِ عَنِ القُرُونِ الأوَّلِينَ. وكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا عَنْ أقاصِيصِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ (رُسْتُمَ) و(إسْفِنْدِيارَ) فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثَهُ، وكانَ صاحِبَ أسْفارٍ إلى بِلادِ الفُرْسِ، وكانَ النَّضْرُ شَدِيدَ البَغْضاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ وهو الَّذِي أهْدَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَمَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. ورُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهم: إنِّي لَأراهُ حَقًّا. فَقالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ: كَلّا. فَوَصَفَ اللَّهُ حالَهم بِهَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ نَفَعَ اللَّهُ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِكَلِمَتِهِ هَذِهِ، فَأسْلَمَ هو دُونَهم لَيْلَةَ فَتْحِ مَكَّةَ وثَبَتَتْ لَهُ فَضِيلَةُ الصُّحْبَةِ وصِهْرُ النَّبِيءِ ﷺ ولِزَوْجِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. و(الأكِنَّةُ) جَمْعُ كِنانٍ - بِكَسْرِ الكافِ - و(أفْعِلَةٌ) يَتَعَيَّنُ في (فِعالٍ) المَكْسُورِ الفاءِ إذا كانَ عَيْنُهُ ولامُهُ مِثْلَيْنِ. والكِنانُ: الغِطاءُ، لِأنَّهُ يَكُنُّ الشَّيْءَ، أيْ يَسْتُرُهُ. وهي هُنا تَخْيِيلٌ لِأنَّهُ شُبِّهَتْ قُلُوبُهم في عَدَمِ خُلُوصِ الحَقِّ إلَيْها بِأشْياءَ مَحْجُوبَةٍ عَنْ شَيْءٍ. وأُثْبِتَتْ لَها الأكِنَّةُ تَخْيِيلًا، ولَيْسَ في قَلْبِ أحَدِهِمْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الكِنانَ. وأُسْنِدَ جَعْلُ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ خَلَقَهم عَلى هَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ والتَّعَقُّلِ المُنْحَرِفُ، فَهم لَهم عُقُولٌ وإدْراكٌ لِأنَّهم كَسائِرِ البَشَرِ، ولَكِنَّ أهْواءَهم تَخَيَّرَ لَهُمُ المَنعَ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ، فَلِذَلِكَ كانُوا مُخاطَبِينَ بِالإيمانِ مَعَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهم صفحة ١٨٠ لا يُؤْمِنُونَ إذْ كانُوا عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، عَلى أنَّ خِطابَ التَّكْلِيفِ عامٌّ لا تَعْيِينَ فِيهِ لِأُناسٍ ولا اسْتِثْناءَ فِيهِ لِأُناسٍ. فالجَعْلُ بِمَعْنى الخَلْقِ ولَيْسَ لِلتَّحْوِيلِ مِن حالٍ إلى حالٍ. وقَدْ ماتَ المُسَمَّوْنَ كُلُّهم عَلى الشِّرْكِ عَدا أبا سُفْيانَ فَإنَّهُ شَهِدَ حِينَئِذٍ بِأنَّ ما سَمِعَهُ حَقٌّ، فَدَلَّتْ شَهادَتُهُ عَلى سَلامَةِ قَلْبِهِ مِنَ الكِنانِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أنْ يَفْقَهُوهُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ. وحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: مِن أنْ يَفْقَهُوهُ، ويَتَعَلَّقُ بِـ (أكِنَّةً) لِما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ، أيْ أكِنَّةً تَمْنَعُ مِن أنْ يَفْهَمُوا القُرْآنَ. والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ: الصَّمَمُ الشَّدِيدُ وفِعْلُهُ كَوَعَدَ ووَجَدَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، ومُتَعَدِّيًا يُقالُ: وقَرَ اللَّهُ أُذُنَهُ فَوَقَرَتْ. والوَقْرُ مَصْدَرٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ لِـ (وقَرَتْ) أُذُنُهُ، لِأنَّ قِياسَ مَصْدَرِهِ تَحْرِيكُ القافِ، وهو قِياسِيٌّ لِـ (وقَرَ) المُتَعَدِّي، وهو مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ فَهْمِ المَسْمُوعاتِ. جَعَلَ عَدَمَ الفَهْمِ بِمَنزِلَةِ الصَّمَمِ ولَمْ يُذْكَرْ لِلْوَقْرِ مُتَعَلِّقٌ يَدُلُّ عَلى المَمْنُوعِ بِوَقْرِ آذانِهِمْ لِظُهُورِ أنَّهُ مِن أنْ يَسْمَعُوهُ، لِأنَّ الوَقْرَ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ، ولِأنَّ المُرادَ السَّمْعُ المَجازِيُّ وهو العِلْمُ بِما تَضَمَّنَهُ المَسْمُوعُ. وقَوْلُهُ: عَلى قُلُوبِهِمْ، وقَوْلُهُ: في آذانِهِمْ يَتَعَلَّقانِ بِـ (جَعَلْنا) . وقُدِّمَ كُلٌّ مِنهُما عَلى مَفْعُولِ (جَعَلْنا) لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ. فَإنْ قُلْتَ: هَلْ تَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ حُجَّةً لِلَّذِينَ قالُوا مِن عُلَمائِنا: إنَّ إعْجازَ القُرْآنِ بِالصِّرْفَةِ، أيْ أعْجَزَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأنْ صَرَفَهم عَنْ مُحاوَلَةِ المُعارَضَةِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، فَتَكُونُ الصِّرْفَةُ مِن جُمْلَةِ الأكِنَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ. قُلْتُ: لَمْ يَحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ تِلْكَ المَقالَةِ لِأنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الأكِنَّةَ تَخْيِيلٌ وأنَّ الوَقْرَ اسْتِعارَةٌ وأنَّ قَوْلَ النَّضْرِ ما أدْرِي ما أقُولُ، بُهْتانٌ ومُكابَرَةٌ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ . وكَلِمَةُ (كُلَّ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ مَجازًا لِتَعَذُّرِ الحَقِيقَةِ سَواءٌ كانَ التَّعَذُّرُ عَقْلًا - كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ تَنْحَصِرُ أفْرادُها صفحة ١٨١ لِأنَّها أفْرادٌ مُقَدَّرَةٌ تَظْهَرُ عِنْدَ تَكْوِينِها إذْ هي مَن جِنْسٍ عامٍّ - أمْ كانَ التَعَذُّرُ عادَةً كَقَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ فَإنَّ العادَةَ تُحِيلُ اجْتِماعَ جَمِيعِ بَقَرِ الوَحْشِ في هَذا المَوْضِعِ. فَيَتَعَذَّرُ أنْ يَرى القَوْمُ كُلَّ أفْرادِ ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ آيَةً، فَلِذَلِكَ كانَ المُرادُ بِـ (كُلِّ) مَعْنى الكَثْرَةِ الكَثِيرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(حَتّى) حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِإفادَةِ الغايَةِ، أيْ أنَّ ما بَعْدَها غايَةٌ لِما قَبْلَها. وأصْلُ (حَتّى) أنْ يَكُونَ حَرْفَ جَرٍّ مِثْلَ (إلى) فَيَقَعَ بَعْدَهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ مَدْلُولُهُ غايَةٌ لِما قَبْلَ (حَتّى) . وقَدْ يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ ويَقَعُ بَعْدَ (حَتّى) جُمْلَةٌ، فَتَكُونُ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةً، أيْ تُؤْذِنُ بِابْتِداءِ كَلامٍ مَضْمُونُهُ غايَةٌ لِكَلامٍ قَبْلَ (حَتّى) . ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ الحاجِبِ في الكافِيَةِ: إنَّها تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّ اسْتِماعَهم يَمْتَدُّ إلى وقْتِ مَجِيئِهِمْ ولا أنَّ جَعْلَ الأكِنَّةِ عَلى قُلُوبِهِمْ والوَقْرِ في آذانِهِمْ يَمْتَدُّ إلى وقْتِ مَجِيئِهِمْ، بَلِ المَعْنى أنْ يَتَسَبَّبَ عَلى اسْتِماعِهِمْ بِدُونِ فَهْمٍ. وجَعَلَ الوَقْرَ عَلى آذانِهِمْ والأكِنَّةَ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهم إذا جاءُوكَ جادَلُوكَ. وسُمِّيَتْ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةً لِأنَّ ما بَعْدَها في حُكْمِ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. ويَأْتِي قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ، وزِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِمَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ [الأعراف: ٣٧] إلَخْ في سُورَةِ الأعْرافِ. و(إذا) شَرْطِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ. و(جاءُوكَ) شَرْطُها، وهو العامِلُ فِيها. وجُمْلَةُ (يُجادِلُونَكَ) حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن ضَمِيرِ (جاءُوكَ) أيْ جاءُوكَ مُجادِلِينَ، أيْ مُقَدِّرِينَ المُجادَلَةَ مَعَكَ يُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمْ أنَّهم أكْفاءٌ لِهَذِهِ المُجادَلَةِ. وجُمْلَةُ (يَقُولُ) جَوابُ إذا، وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صفحة ١٨٢ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وأنَّهم ما جاءُوا طالِبِينَ الحَقَّ كَما يَدَّعُونَ ولَكِنَّهم قَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وخَرَجُوا بِهِ فَيَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، فَهم قَدْ عَدَلُوا عَنِ الجَدَلِ إلى المُباهَتَةِ والمُكابَرَةِ. والأساطِيرُ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ السِّينِ وهي القِصَّةُ والخَبَرُ عَنِ الماضِينَ. والأظْهَرُ أنَّ الأُسْطُورَةَ لَفْظٌ مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ: أصْلُهُ (إسْطُورْيا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو القِصَّةُ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ اخْتِلافُ العَرَبِ فِيهِ، فَقالُوا: أُسْطُورَةٌ وأُسْطِيرَةٌ وأُسْطُورٌ وأُسْطِيرٌ، كُلُّها بِضَمِّ الهَمْزَةِ وإسْطارَةٌ وإسْطارٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. والِاخْتِلافُ في حَرَكاتِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ مِن جُمْلَةِ أماراتِ التَّعْرِيبِ. ومِن أقْوالِهِمْ: أعْجَمِيٌّ فالعَبْ بِهِ ما شِئْتَ. وأحْسَنُ الألْفاظِ لَها أُسْطُورَةٌ لِأنَّها تُصادِفُ صِيغَةً تُفِيدُ مَعْنى المَفْعُولِ أيِ القِصَّةَ المَسْطُورَةَ. وتُفِيدُ الشُّهْرَةَ في مَدْلُولِ مادَّتِها مِثْلَ الأُعْجُوبَةِ والأُحْدُوثَةِ والأُكْرُومَةِ. وقِيلَ: الأساطِيرُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِثْلَ أبابِيلَ وعَبادِيدَ وشَماطِيطَ. وكانَ العَرَبُ يُطْلِقُونَهُ عَلى ما يَتَسامَرُ النّاسُ بِهِ مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها مِن صِدْقٍ وكَذِبٍ. وقَدْ كانُوا لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ التَّوارِيخِ والقِصَصِ والخُرافاتِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ مَرْمِيٌّ بِالكَذِبِ والمُبالَغَةِ. فَقَوْلُهم ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . يَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا نِسْبَةَ أخْبارِ القُرْآنِ إلى الكَذِبِ عَلى ما تَعارَفُوهُ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في الأساطِيرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرادُوا أنَّ القُرْآنَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَجْمُوعَ قِصَصٍ وأساطِيرَ، يَعْنُونَ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِأنَّهم لِقُصُورِ أفْهامِهِمْ أوْ لِتَجاهُلِهِمْ يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ المَقْصُودِ مِن تِلْكَ القِصَصِ ويَأْخُذُونَها بِمَنزِلَةِ الخُرافاتِ الَّتِي يَتَسامَرُ النّاسُ بِها لِتَقْصِيرِ الوَقْتِ. وسَيَأْتِي في سُورَةِ الأنْفالِ أنَّ مَن قالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ كانَ يُمَثِّلُ القُرْآنَ بِأخْبارِ (رُسْتُمَ) و(إسْفِنْدِيارَ) .

الأنعام 6:26

﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ عائِدانِ إلى القُرْآنِ المُشارِ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . ومَعْنى النَّهْيُ عَنْهُ النَّهْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ. فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ حالَةٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُها صفحة ١٨٣ المَقامُ. وكَذَلِكَ النَّأْيُ عَنْهُ مَعْناهُ النَّأْيُ عَنِ اسْتِماعِهِ، أيْ هم يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ ويَتَباعَدُونَ عَنِ اسْتِماعِهِ. قالَ النّابِغَةُ: لَقَدْ نَهَيْتُ بَنِي ذُبْيانَ عَنْ أُقُرٍ وعَنْ تَرَبُّعِهِمْ في كُلِّ أصْفارِ يَعْنِي نَهَيْتُهم عَنِ الرَّعْيِ في ذِي أُقُرٍ، وهو حِمى المَلِكِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ. وبَيْنَ قَوْلِهِ (يَنْهَوْنَ) و(ويَنْأوْنَ) الجِناسُ القَرِيبُ مِنَ التَّمامِ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفِيدُ قَلْبَ اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم يَظُنُّونَ بِالنَّهْيِ والنَّأْيِ عَنِ القُرْآنِ أنَّهم يَضُرُّونَ النَّبِيءَ ﷺ لِئَلّا يَتَّبِعُوهُ ولا يَتَّبِعَهُ النّاسُ، وهم إنَّما يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم بِدَوامِهِمْ عَلى الضَّلالِ وبِتَضْلِيلِ النّاسِ، فَيَحْمِلُونَ أوْزارَهم وأوْزارَ النّاسِ، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّ ما أرادُوا بِهِ نِكايَتَهُ إنَّما يَضُرُّونَ بِهِ أنْفُسَهم. وأصْلُ الهَلاكِ المَوْتُ. ويُطْلَقُ عَلى المَضَرَّةِ الشَّدِيدَةِ لِأنَّ الشّائِعَ بَيْنَ النّاسِ أنَّ المَوْتَ أشَدُّ الضُّرِّ. فالمُرادُ بِالهَلاكِ هُنا ما يَلْقَوْنَهُ في الدُّنْيا مِنَ القَتْلِ والمَذَلَّةِ عِنْدَ نَصْرِ الإسْلامِ وفي الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ. والنَّأْيُ: البُعْدُ. وهو قاصِرٌ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ إلّا بِحَرْفِ جَرٍّ، وما ورَدَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ فَذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الحَذْفِ والإيصالِ في الضَّرُورَةِ. وعَقَّبَ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ زِيادَةً في تَحْقِيقِ الخَطَأِ في اعْتِقادِهِمْ، وإظْهارًا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ مَعَ أنَّهم كانُوا يَعُدُّونَ أنْفُسَهم قادَةً لِلنّاسِ، ولِذَلِكَ فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ لِلْعَطْفِ لا لِلْحالِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ كَوْنَ ما بَعْدَها مَقْصُودًا بِهِ الإخْبارُ المُسْتَقِلُّ لِأنَّ النّاسَ يَعُدُّونَهم أعْظَمَ عُقَلائِهِمْ.

الأنعام 6:27

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رَدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . صفحة ١٨٤ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ في الخَبَرِ الواقِعِ بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لَهُ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فَإنَّهُ ابْتَدَأ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَرِكُ مَعَ الرَّسُولِ في هَذا الخِطابِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ. و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ، و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (وقَفُوا)، أيْ لَوْ تَراهم، و(وقَفُوا) ماضٍ لَفْظًا والمَعْنى بِهِ الِاسْتِقْبالُ، أيْ: إذْ يُوقَفُونَ. وجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ. ومَعْنى (﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾) أُبْلِغُوا إلَيْها بَعْدَ سَيْرٍ إلَيْها، وهو يَتَعَدّى بِـ (عَلى) . والِاسْتِعْلاءُ المُسْتَفادُ بِـ (عَلى) مَجازِيٌّ مَعْناهُ قُوَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ، فَلا تَدُلُّ (عَلى) عَلى أنَّ وُقُوفَهم عَلى النّارِ كانَ مِن أعْلى النّارِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ: وقَفْتُ راحِلَتِي عَلى زَيْدٍ، أيْ بَلَغْتُ إلَيْهِ فَحَبَسْتُ ناقَتِي عَنِ السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِـي فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ فَحَذَفُوا مَفْعُولَ (وقَفْتُ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويُقالُ: وقَفَهُ فَوَقَفَ، ولا يُقالُ: أوْقَفَهُ بِالهَمْزَةِ. وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ ما شاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإلْهامٍ أوْقَعَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِ مَلائِكَةِ العَذابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أنْ يَرْجِعُوا. وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ يا لَيْتَنا نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ، لِأنَّ النِّداءَ يَقْتَضِي بُعْدَ المُنادى، فاسْتُعْمِلَ في التَّحَسُّرِ لِأنَّ المُتَمَنّى صارَ بَعِيدًا عَنْهم، أيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . ومَعْنى نُرَدُّ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفًا عَلى (نُرَدُّ)، فَيَكُونُ صفحة ١٨٥ مِن جُمْلَةِ ما تَمَنَّوْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ التَّمَنِّي إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الجَزاءَ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الجَزاءِ مَعَ الواوِ غَيْرُ مَشْهُورٍ، بِخِلافِهِ مَعَ الفاءِ لِأنَّ الفاءَ مُتَأصِّلَةٌ في السَّبَبِيَّةِ. والرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ وإنَّما تَمَنَّوْهُ لِما يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكْذِيبِ. وإنَّما قَدَّمَ في الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلى الإيمانِ لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْصِيلِ المُتَمَنّى عَلى اعْتِبارِ الواوِ لِلْمَعِيَّةِ واقِعَةً مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ولا نُكَذِّبُ﴾ بِالرَّفْعِ كالجُمْهُورِ، عَلى مَعْنى أنَّ انْتِفاءَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ في حِينِ كَلامِهِمْ، فَلَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ حَتّى يَكُونَ بِتَقْدِيرِ (أنْ) المُفِيدَةِ لِلِاسْتِقْبالِ. وقَرَأ (ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، أيْ نَكُونَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِالمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . والمَعْنى بَلْ لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم مَطْمَعٌ في الخَلاصِ. وبَدا الشَّيْءُ: ظَهَرَ. ويُقالُ: بَدا لَهُ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ لَهُ عِيانًا. وهو هُنا مَجازٌ في زَوالِ الشَّكِّ في الشَّيْءِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيا ولَمّا قُوبِلَ (بَدا لَهم) في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ عَلِمْنا أنَّ البَداءَ هو ظُهُورُ أمْرٍ في أنْفُسِهِمْ كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا، أيْ خَطَرَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ، أيِ الَّذِي كانَ يَبْدُو لَهم، أيْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ وُقُوعُهُ فَلا يُعْلِنُونَ بِهِ فَبَدا لَهُمُ الآنَ فَأعْلَنُوا بِهِ وصَرَّحُوا مُعْتَرِفِينَ بِهِ. فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ بَدا لَهم ما كانَ يَبْدُو لَهم في الدُّنْيا فَأظْهَرُوهُ الآنَ وكانُوا يُخْفُونَهُ. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَخْطُرُ لَهُمُ الإيمانُ لِما يَرَوْنَ مِن دَلائِلِهِ أوْ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَصُدُّهم عَنْهُ العِنادُ والحِرْصُ عَلى اسْتِبْقاءِ السِّيادَةِ والأنَفَةِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِفَضْلِ الرَّسُولِ وبِسَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الخَيْراتِ قَبْلَهم، وفِيهِمْ ضُعَفاءُ القَوْمِ وعَبِيدُهم، كَما ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١٨٦ ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] في سُورَةِ الحِجْرِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُغْنِي عَنِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَحَيَّرَ فِيها المُفَسِّرُونَ وهي لا تُلائِمُ نَظْمَ الآيَةِ، فَبَعْضُها يُساعِدُهُ صَدْرُها وبَعْضُها يُساعِدُهُ عَجُزُها ولَيْسَ فِيها ما يُساعِدُهُ جَمِيعُها. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ارْتِقاءٌ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في المُناظَرَةِ، أيْ لَوْ أُجِيبَتْ أُمْنِيَّتُهم ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِلْأمْرِ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ يَنْهاهم عَنْهُ، وهو التَّكْذِيبُ وإنْكارُ البَعْثِ، وذَلِكَ لِأنَّ نُفُوسَهُمُ الَّتِي كَذَّبَتْ فِيما مَضى تَكْذِيبَ مُكابَرَةٍ بَعْدَ إتْيانِ الآياتِ البَيِّناتِ، هي النُّفُوسُ الَّتِي أُرْجِعَتْ إلَيْهِمْ يَوْمَ البَعْثِ، فالعَقْلُ العَقْلُ والتَّفْكِيرُ التَّفْكِيرُ، وإنَّما تَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا مِن شِدَّةِ الهَوْلِ فَتَوَهَّمُوا التَّخَلُّصَ مِنهُ بِهَذا التَّمَنِّي، فَلَوْ تَحَقَّقَ تَمَنِّيهِمْ ورُدُّوا واسْتَراحُوا مِن ذَلِكَ الهَوْلِ لَغَلَبَتْ أهْواؤُهم رُشْدَهم فَنَسُوا ما حَلَّ بِهِمْ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَواطِرَ النّاشِئَةَ عَنْ عَوامِلِ الحِسِّ دُونَ النَّظَرِ والدَّلِيلِ لا قَرارَ لَها في النَّفْسِ ولا تَسِيرُ عَلى مُقْتَضاها إلّا رَيْثَما يَدُومُ ذَلِكَ الإحْساسُ فَإذا زالَ زالَ أثَرُهُ، فالِانْفِعالُ بِهِ يُشْبِهُ انْفِعالَ العَجْماواتِ مِنَ الزَّجْرِ والسَّوْطِ ونَحْوِهِما. ويَزُولُ بِزَوالِهِ حَتّى يُعاوِدَهُ مِثْلُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ. جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، أيْ أنَّ الكَذِبَ سَجِيَّةٌ لَهم قَدْ تَطَبَّعُوا عَلَيْها مِنَ الدُّنْيا فَلا عَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا الرُّجُوعَ لِيُؤْمِنُوا فَلَوْ رَجَعُوا لَعادُوا لَما كانُوا عَلَيْهِ فَإنَّ الكَذِبَ سَجِيَّتُهم. وقَدْ تَضَمَّنَ تَمَنِّيهِمْ وعْدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ إدْخالُهُ في حُكْمِ كَذِبِهِمْ دُخُولَ الخاصِّ في العامِّ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ يُؤْذِنُ بِشُمُولِ ما ذُيِّلَ بِهِ وزِيادَةٌ. فَلَيْسَ وصْفُهم بِالكَذِبِ بِعائِدٍ إلى التَّمَنِّي بَلْ إلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ.

الأنعام 6:28

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رَدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ . صفحة ١٨٤ الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ في الخَبَرِ الواقِعِ بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لَهُ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فَإنَّهُ ابْتَدَأ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَرِكُ مَعَ الرَّسُولِ في هَذا الخِطابِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ. و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ، و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (وقَفُوا)، أيْ لَوْ تَراهم، و(وقَفُوا) ماضٍ لَفْظًا والمَعْنى بِهِ الِاسْتِقْبالُ، أيْ: إذْ يُوقَفُونَ. وجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ. ومَعْنى (﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾) أُبْلِغُوا إلَيْها بَعْدَ سَيْرٍ إلَيْها، وهو يَتَعَدّى بِـ (عَلى) . والِاسْتِعْلاءُ المُسْتَفادُ بِـ (عَلى) مَجازِيٌّ مَعْناهُ قُوَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ، فَلا تَدُلُّ (عَلى) عَلى أنَّ وُقُوفَهم عَلى النّارِ كانَ مِن أعْلى النّارِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ: وقَفْتُ راحِلَتِي عَلى زَيْدٍ، أيْ بَلَغْتُ إلَيْهِ فَحَبَسْتُ ناقَتِي عَنِ السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِـي فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ فَحَذَفُوا مَفْعُولَ (وقَفْتُ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويُقالُ: وقَفَهُ فَوَقَفَ، ولا يُقالُ: أوْقَفَهُ بِالهَمْزَةِ. وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ ما شاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإلْهامٍ أوْقَعَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِ مَلائِكَةِ العَذابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أنْ يَرْجِعُوا. وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ يا لَيْتَنا نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ، لِأنَّ النِّداءَ يَقْتَضِي بُعْدَ المُنادى، فاسْتُعْمِلَ في التَّحَسُّرِ لِأنَّ المُتَمَنّى صارَ بَعِيدًا عَنْهم، أيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] . ومَعْنى نُرَدُّ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفًا عَلى (نُرَدُّ)، فَيَكُونُ صفحة ١٨٥ مِن جُمْلَةِ ما تَمَنَّوْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ التَّمَنِّي إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الجَزاءَ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الجَزاءِ مَعَ الواوِ غَيْرُ مَشْهُورٍ، بِخِلافِهِ مَعَ الفاءِ لِأنَّ الفاءَ مُتَأصِّلَةٌ في السَّبَبِيَّةِ. والرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ وإنَّما تَمَنَّوْهُ لِما يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكْذِيبِ. وإنَّما قَدَّمَ في الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلى الإيمانِ لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْصِيلِ المُتَمَنّى عَلى اعْتِبارِ الواوِ لِلْمَعِيَّةِ واقِعَةً مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ولا نُكَذِّبُ﴾ بِالرَّفْعِ كالجُمْهُورِ، عَلى مَعْنى أنَّ انْتِفاءَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ في حِينِ كَلامِهِمْ، فَلَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ حَتّى يَكُونَ بِتَقْدِيرِ (أنْ) المُفِيدَةِ لِلِاسْتِقْبالِ. وقَرَأ (ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، أيْ نَكُونَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِالمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ. وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . والمَعْنى بَلْ لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم مَطْمَعٌ في الخَلاصِ. وبَدا الشَّيْءُ: ظَهَرَ. ويُقالُ: بَدا لَهُ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ لَهُ عِيانًا. وهو هُنا مَجازٌ في زَوالِ الشَّكِّ في الشَّيْءِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ: بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيا ولَمّا قُوبِلَ (بَدا لَهم) في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ عَلِمْنا أنَّ البَداءَ هو ظُهُورُ أمْرٍ في أنْفُسِهِمْ كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا، أيْ خَطَرَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ، أيِ الَّذِي كانَ يَبْدُو لَهم، أيْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ وُقُوعُهُ فَلا يُعْلِنُونَ بِهِ فَبَدا لَهُمُ الآنَ فَأعْلَنُوا بِهِ وصَرَّحُوا مُعْتَرِفِينَ بِهِ. فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ بَدا لَهم ما كانَ يَبْدُو لَهم في الدُّنْيا فَأظْهَرُوهُ الآنَ وكانُوا يُخْفُونَهُ. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَخْطُرُ لَهُمُ الإيمانُ لِما يَرَوْنَ مِن دَلائِلِهِ أوْ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَصُدُّهم عَنْهُ العِنادُ والحِرْصُ عَلى اسْتِبْقاءِ السِّيادَةِ والأنَفَةِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِفَضْلِ الرَّسُولِ وبِسَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الخَيْراتِ قَبْلَهم، وفِيهِمْ ضُعَفاءُ القَوْمِ وعَبِيدُهم، كَما ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: صفحة ١٨٦ ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] في سُورَةِ الحِجْرِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُغْنِي عَنِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَحَيَّرَ فِيها المُفَسِّرُونَ وهي لا تُلائِمُ نَظْمَ الآيَةِ، فَبَعْضُها يُساعِدُهُ صَدْرُها وبَعْضُها يُساعِدُهُ عَجُزُها ولَيْسَ فِيها ما يُساعِدُهُ جَمِيعُها. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ارْتِقاءٌ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في المُناظَرَةِ، أيْ لَوْ أُجِيبَتْ أُمْنِيَّتُهم ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِلْأمْرِ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ يَنْهاهم عَنْهُ، وهو التَّكْذِيبُ وإنْكارُ البَعْثِ، وذَلِكَ لِأنَّ نُفُوسَهُمُ الَّتِي كَذَّبَتْ فِيما مَضى تَكْذِيبَ مُكابَرَةٍ بَعْدَ إتْيانِ الآياتِ البَيِّناتِ، هي النُّفُوسُ الَّتِي أُرْجِعَتْ إلَيْهِمْ يَوْمَ البَعْثِ، فالعَقْلُ العَقْلُ والتَّفْكِيرُ التَّفْكِيرُ، وإنَّما تَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا مِن شِدَّةِ الهَوْلِ فَتَوَهَّمُوا التَّخَلُّصَ مِنهُ بِهَذا التَّمَنِّي، فَلَوْ تَحَقَّقَ تَمَنِّيهِمْ ورُدُّوا واسْتَراحُوا مِن ذَلِكَ الهَوْلِ لَغَلَبَتْ أهْواؤُهم رُشْدَهم فَنَسُوا ما حَلَّ بِهِمْ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَواطِرَ النّاشِئَةَ عَنْ عَوامِلِ الحِسِّ دُونَ النَّظَرِ والدَّلِيلِ لا قَرارَ لَها في النَّفْسِ ولا تَسِيرُ عَلى مُقْتَضاها إلّا رَيْثَما يَدُومُ ذَلِكَ الإحْساسُ فَإذا زالَ زالَ أثَرُهُ، فالِانْفِعالُ بِهِ يُشْبِهُ انْفِعالَ العَجْماواتِ مِنَ الزَّجْرِ والسَّوْطِ ونَحْوِهِما. ويَزُولُ بِزَوالِهِ حَتّى يُعاوِدَهُ مِثْلُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ. جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، أيْ أنَّ الكَذِبَ سَجِيَّةٌ لَهم قَدْ تَطَبَّعُوا عَلَيْها مِنَ الدُّنْيا فَلا عَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا الرُّجُوعَ لِيُؤْمِنُوا فَلَوْ رَجَعُوا لَعادُوا لَما كانُوا عَلَيْهِ فَإنَّ الكَذِبَ سَجِيَّتُهم. وقَدْ تَضَمَّنَ تَمَنِّيهِمْ وعْدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ إدْخالُهُ في حُكْمِ كَذِبِهِمْ دُخُولَ الخاصِّ في العامِّ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ يُؤْذِنُ بِشُمُولِ ما ذُيِّلَ بِهِ وزِيادَةٌ. فَلَيْسَ وصْفُهم بِالكَذِبِ بِعائِدٍ إلى التَّمَنِّي بَلْ إلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ.

الأنعام 6:29

﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فَيَكُونَ جَوابَ لَوْ، أيْ صفحة ١٨٧ لَوْ رُدُّوا لَكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أيْضًا، ولَكَذَّبُوا بِالبَعْثِ كَما كانُوا مُدَّةَ الحَياةِ الأُولى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَكُونَ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ اعْتِراضًا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْذِيبِ لِلْقُرْآنِ. وقَوْلُهُ إنْ هي (إنْ) نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، والضَّمِيرُ بَعْدَها مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. قَصَدَ مِن إبْهامِهِ الإيجازَ اعْتِمادًا عَلى مُفَسِّرِهِ، والضَّمِيرُ لَمّا كانَ مُفَسَّرًا بِنَكِرَةٍ فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ، ولَيْسَ هو ضَمِيرَ قِصَّةٍ وشَأْنٍ، لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ لَنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، أيِ انْحَصَرَ جِنْسُ حَياتِنا في حَياتِنا الدُّنْيا فَلا حَياةَ لَنا غَيْرُها فَبَطَلَتْ حَياةُ بَعْدِ المَوْتِ، فالِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَ (إلّا) في حُكْمِ البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ نَفْيٌ لِلْبَعْثِ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَأْكِيدَ نَفْيِ الحَياةِ غَيْرِ حَياةِ الدُّنْيا، لِأنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ حَياةٍ. وإنَّما عُطِفَتْ ولَمْ تُفْصَلْ فَتَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ قَصْدَهم إبْطالُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ «إنَّهم يَحْيَوْنَ حَياةً ثانِيَةً»، وقَوْلِهِ تارَةً «إنَّهم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ»، فَقَصَدُوا إبْطالَ كُلٍّ بِاسْتِقْلالِهِ.

الأنعام 6:30

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ البَعْثَ أعْقَبَهُ بِوَصْفِ حالِهِمْ حِينَ يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ، وهو حالُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ. والقَوْلُ في الخِطابِ وفي مَعْنى وُقِفُوا وفي جَوابِ لَوْ - تَقَدَّمَ في نَظَرِيَّتِها آنِفًا. وتَعْلِيقُ (عَلى رَبِّهِمْ) بِـ (وُقِفُوا) تَمْثِيلٌ لِحُضُورِهِمُ المَحْشَرَ عِنْدَ البَعْثِ. شُبِّهَتْ حالُهم في الحُضُورِ لِلْحِسابِ بِحالِ عَبْدٍ جَنى فَقُبِضَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وبِذَلِكَ تَظْهَرُ مَزِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ رَبِّهِمْ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ. وجُمْلَةُ قالَ ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧] صفحة ١٨٨ قَدْ آذَنَ بِمَشْهَدٍ عَظِيمٍ مَهُولٍ فَكانَ مِن حَقِّ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: ماذا لَقُوا مِن رَبِّهِمْ، فَيُجابُ: قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ الآيَةَ. والإشارَةُ إلى البَعْثِ الَّذِي عايَنُوهُ وشاهَدُوهُ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ دَخَلَ عَلى نَفْيِ الأمْرِ المُقَرَّرِ بِهِ لِاخْتِبارِ مِقْدارِ إقْرارِ المَسْئُولِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ عَنْ نَفْيِ ما هو واقِعٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ لَهُ مَطْمَعٌ في الإنْكارِ تَذَرَّعَ إلَيْهِ بِالنَّفْيِ الواقِعِ في سُؤالِ المُقَرَّرِ. والمَقْصُودُ: أهَذا حَقٌّ، فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَهُ باطِلًا. ولِذَلِكَ أجابُوا بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإبْطالِ ما قَبْلَهُ وهو (بَلى) فَهو يُبْطِلُ النَّفْيَ فَهو إقْرارٌ بِوُقُوعِ المُنى، أيْ بَلى هو حَقٌّ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِاعْتِرافِهِمْ لِلْمُعْتَرِفِ بِهِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ نُقِرُّ ولا نَشُكُّ فِيهِ فَلِذَلِكَ نُقْسِمُ عَلَيْهِ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ. وفَصَلَ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ كَلامِهِمْ، أوَ فاءٌ فَصِيحَةٌ، أيْ إذْ كانَ هَذا الحَقَّ فَذُوقُوا العَذابَ عَلى كُفْرِكم، أيْ بِالبَعْثِ. والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم، أيْ بِهَذا. وذَوْقُ العَذابِ اسْتِعارَةٌ لِإحْساسِهِ، لِأنَّ الذَّوْقَ أقْوى الحَواسِّ المُباشِرَةِ لِلْجِسْمِ، فَشَبَّهَ بِهِ إحْساسَ الجِلْدِ.

الأنعام 6:31

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمُ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ حِينَ يَقَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ عَلى ما اسْتَدامُوهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي جَرَّأهم عَلى اسْتَدامَتِهِ اعْتِقادُهم نَفْيَ البَعْثِ فَذاقُوا العَذابَ لِذَلِكَ، فَتِلْكَ حالَةٌ يَسْتَحِقُّونَ بِها أنْ يُقالَ فِيهِمْ: قَدْ خَسِرُوا وخابُوا. والخُسْرانُ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. صفحة ١٨٩ والخَسارَةُ هُنا حِرْمانُ خَيْراتِ الآخِرَةِ لا الدُّنْيا. والَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ حَكى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وما بَعْدَهُ، بِأنْ يُقالَ: قَدْ خَسِرُوا، لَكِنْ عَدَلَ إلى الإظْهارِ لِيَكُونَ الكَلامُ مُسْتَقِلًّا ولِيُبْنى عَلَيْهِ ما في الصِّلَةِ مِن تَفْصِيلٍ بِقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ إلَخْ. ولِقاءُ اللَّهِ هو ظُهُورُ آثارِ رِضاهُ وغَضَبِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ ولا إمْهالٍ ولا وِقايَةٍ بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ العالَمُ الأُخْرَوِيُّ وهو ما بَعْدَ البَعْثِ عالَمَ ظُهُورِ الحَقائِقِ بِآثارِها دُونَ مَوانِعَ، وتِلْكَ الحَقائِقُ هي مُرادُ اللَّهِ الأعْلى الَّذِي جَعَلَهُ عالَمَ كَمالِ الحَقائِقِ، جَعَلَ المَصِيرَ إلَيْهِ مُماثِلًا لِلِقاءِ صاحِبِ الحَقِّ بَعْدَ الغَيْبَةِ والِاسْتِقْلالِ عَنْهُ زَمانًا طَوِيلًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ البَعْثُ مُلاقاةَ اللَّهِ، ولِقاءَ اللَّهِ ومَصِيرًا إلى اللَّهِ، ومَجِيئًا إلَيْهِ، في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والألْفاظِ النَّبَوِيَّةِ، وإلّا فَإنَّ النّاسَ في الدُّنْيا هم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ لَوْ شاءَ لَقَبَضَهم إلَيْهِ ولَعَجَّلَ إلَيْهِمْ جَزاءَهم. قالَ تَعالى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] . ولَكِنَّهُ لَمّا أمْهَلَهم واسْتَدْرَجَهم في هَذا العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ ورَغَّبَ ورَهَّبَ ووَعَدَ وتَوَعَّدَ كانَ حالُ النّاسِ فِيهِ كَحالِ العَبِيدِ يَأْتِيهِمُ الأمْرُ مِن مَوْلاهُمُ الغائِبِ عَنْهم ويُرَغِّبُهم ويُحَذِّرُهم، فَمِنهم مَن يَمْتَثِلُ ومِنهم مَن يَعْصِي، وهم لا يَلْقَوْنَ حِينَئِذٍ جَزاءً عَنْ طاعَةٍ ولا عِقابًا عَنْ مَعْصِيَةٍ لِأنَّهُ يُمْلِي لَهم ويُؤَخِّرُهم، فَإذا طُوِيَ هَذا العالَمُ وجاءَتِ الحَياةُ الثّانِيَةُ صارَ النّاسُ في نِظامٍ آخَرَ، وهو نِظامُ ظُهُورِ الآثارِ دُونَ رَيْثٍ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَكانُوا كَعَبِيدٍ لَقُوا رَبَّهم بَعْدَ أنْ غابُوا وأُمْهِلُوا. فاللِّقاءُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ حالَةَ الخَلْقِ عِنْدَ المَصِيرِ إلى تَنْفِيذِ وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ بِحالَةِ العَبِيدِ عِنْدَ حُضُورِ سَيِّدِهِمْ بَعْدَ غَيْبَةٍ لِيَجْزِيَهم عَلى ما فَعَلُوهُ في مُدَّةِ المَغِيبِ. وشاعَ هَذا التَّمْثِيلُ في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، كَما قالَ «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وفي القُرْآنِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] . وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وهي لا تُفِيدُ الغايَةَ وإنَّما تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ، أيْ فَإذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ صفحة ١٩٠ مَجِيءَ السّاعَةِ غايَةً لِلْخُسْرانِ، وهو فاسِدٌ لِأنَّ الخُسْرانَ المَقْصُودَ هُنا هو خُسْرانُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَفِيهِمْ مَن لَمْ يَخْسَرْ شَيْئًا. وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامٌ عَلى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. وسَيَجِيءُ لِمَعْنى (حَتّى) زِيادَةُ بَيانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ [الأعراف: ٣٧] في سُورَةِ الأعْرافِ. والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ البَعْثِ والحَشْرِ. والبَغْتَةُ: فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ، وهو مَصْدَرٌ. بَغَتَهُ الأمْرُ إذا نَزَلَ بِهِ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَرَقُّبٍ ولا إعْلامٍ ولا ظُهُورِ شَبَحٍ أوْ نَحْوِهِ. فَفي البَغْتِ مَعْنى المَجِيءِ عَنْ غَيْرِ إشْعارٍ. وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، فَإنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ حالًا إذا كانَ ظاهِرًا تَأْوِيلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، وهو يَرْجِعُ إلى الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ. وقَوْلُهُ (قالُوا) جَوابُ (إذا) . و(يا حَسْرَتَنا) نِداءٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّعَجُّبُ والتَّنَدُّمُ، وهو في أصْلِ الوَضْعِ نِداءٌ لِلْحَسْرَةِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ شَخْصٍ يَسْمَعُ ويُنادى لِيَحْضُرَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا حَسْرَةً احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ. ومِنهُ قَوْلُهم: يا لَيْتَنِي فَعَلْتُ كَذا، ويا أسَفِي أوْ يا أسَفا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وأضافُوا الحَسْرَةَ إلى أنْفُسِهِمْ لِيَكُونَ تَحَسُّرُهم لِأجْلِ أنْفُسِهِمْ، فَهُمُ المُتَحَسِّرُونَ والمُتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ، بِخِلافِ قَوْلِ القائِلِ: يا حَسْرَةً، فَإنَّهُ في الغالِبِ تَحَسَّرَ لِأجْلِ غَيْرِهِ فَهو يَتَحَسَّرُ لِحالِ غَيْرِهِ. ولِذَلِكَ تَجِيءُ مَعَهُ (عَلى) الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّيْءِ المُتَحَسَّرِ مِن أجْلِهِ داخِلَةً عَلى ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ التَّحَسُّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، فَأمّا مَعَ (يا حَسْرَتِي، أوْ يا حَسْرَتا) فَإنَّما تَجِيءُ (عَلى) داخِلَةً عَلى الأمْرِ الَّذِي كانَ سَبَبًا في التَّحَسُّرِ كَما هُنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهم: يا ويْلِي ويا ويْلَتِي، قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَإذا أرادَ المُتَكَلِّمُ أنَّ الوَيْلَ لِغَيْرِهِ قالَ: ويْلَكَ، قالَ تَعالى: ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ [الأحقاف: ١٧] ويَقُولُونَ: ويْلٌ لَكَ. صفحة ١٩١ والحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ، وهو التَّلَهُّفُ، وهي فَعْلَةٌ مِن حَسِرَ يَحْسَرُ حَسَرًا، مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ: تَحَسَّرَ تَحَسُّرًا. والعَرَبُ يُعامِلُونَ اسْمَ المَرَّةِ مُعامَلَةَ مُطْلَقِ المَصْدَرِ غَيْرَ مُلاحَظِينَ فِيهِ مَعْنى المَرَّةِ، ولَكِنَّهم يُلاحِظُونَ المَصْدَرَ في ضِمْنِ فَرْدٍ، كَمَدْلُولِ لامِ الحَقِيقَةِ، ولِذَلِكَ يَحْسُنُ هَذا الِاعْتِبارُ في مَقامِ النِّداءِ لِأنَّ المَصْدَرَ اسْمٌ لِلْحاصِلِ بِالفِعْلِ بِخِلافِ اسْمِ المَرَّةِ فَهو اسْمٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ المَصْدَرِ فَيَقُومُ مَقامَ الماهِيَّةِ. و(فَرَّطْنا) أضَعْنا. يُقالُ: فَرَّطَ في الأمْرِ إذا تَهاوَنَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَحْفَظْهُ، أوْ في اكْتِسابِهِ حَتّى فاتَهُ وأفْلَتَ مِنهُ. وهو يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والأكْثَرُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (في) فَيُقالُ فَرَّطَ في مالِهِ، إذا أضاعَهُ. و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ومَفْعُولُ فَرَّطْنا مَحْذُوفٌ يَعُودُ إلى (ما) . تَقْدِيرُهُ: ما فَرَّطْناهُ وهم عامٌّ مِثْلَ مُعادِهِ، أيْ نَدِمْنا عَلى إضاعَةِ كُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْفَعَنا فَفَرَطْناهُ، وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى السّاعَةِ. و(في) تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ ما فَوَّتْناهُ مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ لِأجْلِ نَفْعِ هَذِهِ السّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (في) لِلتَّعْدِيَةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى الضَّمِيرِ، أيْ في خَيْراتِها. والمَعْنى عَلى ما فَرَّطْنا في السّاعَةِ، يَعْنُونَ ما شاهَدُوهُ مِن نَجاةِ ونَعِيمِ أهْلِ الفَلّاحِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ (فِيها) عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونَ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ قالُوا ذَلِكَ في حالِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم فَهم بَيْنَ تَلَهُّفٍ عَلى التَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ والإيمانِ وبَيْنَ مُقاساةِ العَذابِ عَلى الأوْزارِ الَّتِي اقْتَرَفُوها، أيْ لَمْ يَكُونُوا مَحْرُومِينَ مِن خَيْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَحَسْبُ؛ بَلْ كانُوا مَعَ ذَلِكَ مُتْعَبِينَ مُثْقَلِينَ بِالعَذابِ. والأوْزارُ جَمْعُ وِزْرٍ بِكَسْرِ الواوِ، وهو الحِمْلُ الثَّقِيلُ، وفِعْلُهُ وزَرَ يَزِرُ إذا حَمَلَ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وأُطْلِقَ الوِزْرُ عَلى الذَّنْبِ والجِنايَةِ لِثِقَلِ عاقِبَتِها عَلى جانِيها. وقَوْلُهُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ عَنَتِهِمْ مِن جَرّاءِ ذُنُوبِهِمْ صفحة ١٩٢ بِحالِ مَن يَحْمِلُ حِمْلًا ثَقِيلًا. وذَكَرَ عَلى ظُهُورِهِمْ هُنا مُبالَغَةً في تَمْثِيلِ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . فَذَكَرَ الأيْدِي لِأنَّ الكَسْبَ يَكُونُ بِاليَدِ، فَهو يُشْبِهُ تَخْيِيلَ الِاسْتِعارَةِ ولَكِنَّهُ لا يَتَأتّى التَّخْيِيلُ في التَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ ما يُذْكَرُ فِيها صالِحٌ لِاعْتِبارِهِ مِن جُمْلَةِ الهَيْئَةِ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلى الظَّهْرِ مُؤْذِنٌ بِنِهايَةِ ثِقَلِ المَحْمُولِ عَلى الحامِلِ. ومِن لَطائِفِ التَّوْجِيهِ وضْعُ لَفْظِ الأوْزارِ في هَذا التَّمْثِيلِ؛ فَإنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ الذُّنُوبِ، وهم إنَّما وقَعُوا في هَذِهِ الشِّدَّةِ مِن جَرّاءِ ذُنُوبِهِمْ فَكَأنَّهم يَحْمِلُونَها لِأنَّهم يُعانُونَ شِدَّةَ آلامِها. وجُمْلَةُ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ. و(ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ. و(﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾) إنْشاءُ ذَمٍّ. و(يَزِرُونَ) بِمَعْنى يَحْمِلُونَ، أيْ ساءَ ما يُمَثَّلُ مِن حالِهِمْ بِالحَمْلِ. و(ما يَزِرُونَ) فاعِلُ ساءَ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: حِمْلُهم.

الأنعام 6:32

﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا جَرى ذِكْرُ السّاعَةِ وما يَلْحَقُ المُشْرِكِينَ فِيها مِنَ الحَسْرَةِ عَلى ما فَرَّطُوا ناسَبَ أنْ يُذَكِّرَ النّاسَ بِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا زائِلَةٌ وأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَسْتَعِدُّوا لِلْحَياةِ الآخِرَةِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] . فَتَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ تَقُولُونَ إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا ولَوْ نَظَرْتُمْ حَقَّ النَّظَرِ لَوَجَدْتُمُ الحَياةَ الدُّنْيا لَعِبًا ولَهْوًا ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ باقٍ، فَلَعَلِمْتُمْ أنَّ وراءَها حَياةً أُخْرى فِيها مِنَ الخَيْراتِ ما هو أعْظَمُ مِمّا في الدُّنْيا وإنَّما يَنالُهُ المُتَّقُونَ، أيِ المُؤْمِنُونَ، فَتَكُونَ الآيَةُ إعادَةً لِدَعَواتِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّقْوى، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ التِفاتًا مِنَ الحَدِيثِ عَنْهم بِالغَيْبَةِ إلى خِطابِهِمْ بِالدَّعْوَةِ. صفحة ١٩٣ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اعْتِراضٌ بِالتَّذْيِيلِ لِحِكايَةِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ لَمّا حَكى قَوْلَهم يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها عَلِمَ السّامِعُ أنَّهم فَرَّطُوا في الأُمُورِ النّافِعَةِ لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِ الِانْهِماكِ في زَخارِفِ الدُّنْيا، فَذَيَّلَ ذَلِكَ بِخِطابِ المُؤْمِنِينَ تَعْرِيفًا بِقِيمَةِ زَخارِفِ الدُّنْيا وتَبْشِيرًا لَهم بِأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ البِشارَةِ عَلى حِكايَةِ النِّذارَةِ. والمُناسَبَةُ هي التَّضادُّ. وأيْضًا في هَذا نِداءٌ عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ إذْ غَرَّتْهم في الدُّنْيا فَسُوِّلَ لَهُمُ الِاسْتِخْفافُ بِدَعْوَةِ اللَّهِ إلى الحَقِّ. فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ أفَلا تَعْقِلُونَ خِطابًا مُسْتَأْنَفًا لِلْمُؤْمِنِينَ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ تَغُرَّهم زَخارِفُ الدُّنْيا فَتُلْهِيَهِمْ عَنِ العَمَلِ لِلْآخِرَةِ. وهَذا الحُكْمُ عامٌّ عَلى جِنْسِ الحَياةِ الدُّنْيا، فالتَّعْرِيفُ في الحَياةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ الحَياةُ الَّتِي يَحْياها كُلُّ أحَدٍ المَعْرُوفَةُ بِالدُّنْيا، أيِ الأُولى والقَرِيبَةُ مِنَ النّاسِ، وأُطْلِقَتِ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى أحْوالِها، أوْ عَلى مُدَّتِها. واللَّعِبُ: عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ في خِفَّةٍ وسُرْعَةٍ وطَيْشٍ لَيْسَتْ لَهُ غايَةٌ مُفِيدَةٌ بَلْ غايَتُهُ إراحَةُ البالِ وتَقْصِيرُ الوَقْتِ واسْتِجْلابُ العُقُولِ في حالَةِ ضَعْفِها كَعَقْلِ الصَّغِيرِ وعَقْلِ المُتْعَبِ، وأكْثَرُهُ أعْمالُ الصِّبْيانِ. قالُوا ولِذَلِكَ فَهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللُّعابِ، وهو رِيقُ الصَّبِيِّ السّائِلُ. وضِدَّ اللَّعِبِ الجِدُّ. واللَّهْوُ: ما يَشْتَغِلُ بِهِ الإنْسانُ مِمّا تَرْتاحُ إلَيْهِ نَفْسُهُ ولا يَتْعَبُ في الِاشْتِغالِ بِهِ عَقْلُهُ، فَلا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما فِيهِ اسْتِمْتاعٌ ولَذَّةٌ ومُلائِمَةٌ لِلشَّهْوَةِ. وبَيْنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ. فَهُما يَجْتَمِعانِ في العَمَلِ الَّذِي فِيهِ مُلاءَمَةٌ ويُقارِنُهُ شَيْءٌ مِنَ الخِفَّةِ والطَّيْشِ كالطَّرَبِ واللَّهْوِ بِالنِّساءِ. ويَنْفَرِدُ اللَّعِبُ في لَعِبِ الصِّبْيانِ. ويَنْفَرِدُ اللَّهْوُ في نَحْوِ المَيْسِرِ والصَّيْدِ. وقَدْ أفادَتْ صِيغَةُ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ قَصْرَ الحَياةِ عَلى اللَّعِبِ واللَّهْوِ، وهو قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ. والمُرادُ بِالحَياةِ الأعْمالُ الَّتِي يُحِبُّ الإنْسانُ الحَياةَ لِأجْلِها، لِأنَّ الحَياةَ مُدَّةٌ وزَمَنٌ لا يَقْبَلُ الوَصْفَ بِغَيْرِ أوْصافِ الأزْمانِ مِن طُولٍ أوْ قِصَرٍ، صفحة ١٩٤ وتَحْدِيدٍ أوْ ضِدِّهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الأعْمالُ المَظْرُوفَةُ فِيها. واللَّعِبُ واللَّهْوُ في قُوَّةِ الوَصْفِ، لِأنَّهُما مُصْدَرانِ أُرِيدَ بِهِما الوَصْفُ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِ الخَنْساءِ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ وهَذا القَصْرُ ادِّعائِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ، لِأنَّ الأعْمالَ الحاصِلَةَ في الحَياةِ كَثِيرَةٌ، مِنها اللَّهْوُ واللَّعِبُ، ومِنها غَيْرُهُما، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنِكم وتَكاثُرٌ في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الحديد: ٢٠] . فالحَياةُ تَشْتَمِلُ عَلى أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها المُلائِمُ كالأكْلِ واللَّذّاتِ، ومِنها المُؤْلِمُ كالأمْراضِ والأحْزانِ، فَأمّا المُؤْلِماتُ فَلا اعْتِدادَ بِها هُنا ولا التِفاتَ إلَيْها لِأنَّها لَيْسَتْ مِمّا يَرْغَبُ فِيهِ الرّاغِبُونَ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الحَياةِ هُنا ما يَحْصُلُ فِيها مِمّا يُحِبُّها النّاسُ لِأجْلِهِ، وهو المُلائِماتُ. وأمّا المُلائِماتُ فَهي كَثِيرَةٌ، ومِنها ما لَيْسَ بِلَعِبٍ ولَهْوٍ، كالطَّعامِ والشَّرابِ والتَّدَفُّؤِ في الشِّتاءِ والتَّبَرُّدِ في الصَّيْفِ وجَمْعِ المالِ عِنْدَ المُولِعِ بِهِ وقَرْيِ الضَّيْفِ ونِكايَةِ العَدُوِّ وبَذْلِ الخَيْرِ لِلْمُحْتاجِ، إلّا أنَّ هَذِهِ لَمّا كانَ مُعْظَمُها يَسْتَدْعِي صَرْفَ هِمَّةٍ وعَمَلٍ كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى شَيْءٍ مِنَ التَّعَبِ وهو مُنافِرٌ، فَكانَ مُعْظَمُ ما يُحِبُّ النّاسُ الحَياةَ لِأجْلِهِ هو اللَّهْوُ واللَّعِبُ، لِأنَّهُ الأغْلَبُ عَلى أعْمالِ النّاسِ في أوَّلِ العُمُرِ والغالِبُ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ. فَمِنَ اللَّعِبِ المُزاحُ ومُغازَلَةُ النِّساءِ، ومِنَ اللَّهْوِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ والمَغانِي والأسْمارُ ورُكُوبُ الخَيْلِ والصَّيْدُ. فَأمّا أعْمالُهم في القُرُباتِ كالحَجِّ والعُمْرَةِ والنَّذْرِ والطَّوافِ بِالأصْنامِ والعَتِيرَةِ ونَحْوِها فَلِأنَّها لَمّا كانَتْ لا اعْتِدادَ بِها بِدُونِ الإيمانِ كانَتْ مُلْحَقَةً بِاللَّعِبِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقالَ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الأعراف: ٥١] . فَلا جَرَمَ كانَ الأغْلَبُ عَلى المُشْرِكِينَ والغالِبُ عَلى النّاسِ اللَّعِبَ واللَّهْوَ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا. فَلِذَلِكَ وقَعَ القَصْرُ الِادِّعائِيُّ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ . وعَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، فَعُلِمَ مِنهُ أنَّ أعْمالَ المُتَّقِينَ في صفحة ١٩٥ الدُّنْيا هي ضِدُّ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، لِأنَّهم جُعِلَتْ لَهم دارٌ أُخْرى هي خَيْرٌ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الفَوْزَ فِيها لا يَكُونُ إلّا بِعَمَلٍ في الدُّنْيا فَأنْتَجَ أنَّ عَمَلَهم في الدُّنْيا لَيْسَ اللَّهْوَ واللَّعِبَ وأنَّ حَياةَ غَيْرِهِمْ هي المَقْصُورَةُ عَلى اللَّهْوِ واللَّعِبِ. والدّارُ مَحَلُّ إقامَةِ النّاسِ، وهي الأرْضُ الَّتِي فِيها بُيُوتُ النّاسِ مِن بِناءٍ أوْ خِيامٍ أوْ قِبابٍ. والآخِرَةُ مُؤَنَّثُ وصْفِ الآخِرِ - بِكَسْرِ الخاءِ - وهو ضِدُّ الأوَّلِ، أيْ مَقَرُّ النّاسِ الأخِيرِ الَّذِي لا تَحَوُّلَ بَعْدَهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ (ولَلدّارُ) بِلامَيْنِ لامِ الِابْتِداءِ ولامِ التَّعْرِيفِ، وقَرَءُوا (الآخِرَةُ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (ولَدارُ الآخِرَةِ) بِلامِ الِابْتِداءِ فَقَطْ وبِإضافَةِ (دارُ) مُنَكَّرَةً إلى الآخِرَةِ فَهو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ تَكُونُ (الآخِرَةُ) وصْفًا لَهُ. والتَّقْدِيرُ: دارُ الحَياةِ الآخِرَةِ. و(خَيْرٌ) تَفْضِيلٌ عَلى الدُّنْيا بِاعْتِبارِ ما في الدُّنْيا مِن نَعِيمٍ عاجِلٍ زائِلٍ يَلْحَقُ مُعْظَمَهُ مُؤاخَذَةٌ وعَذابٌ. وقَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى الآخِرَةِ لَكِنَّها لَيْسَتْ لَهم بِخَيْرٍ مِمّا كانُوا في الدُّنْيا. والمُرادُ بِالَّذِينَ يَتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ التّابِعُونَ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، فَإنَّ الآخِرَةَ لِهَؤُلاءِ خَيْرٌ مَحْضٌ. وأمّا مَن تَلْحَقُهم مُؤاخَذَةٌ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا كانَ مَصِيرُهم بَعْدُ إلى الجَنَّةِ كانَتِ الآخِرَةُ خَيْرًا لَهم مِنَ الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ بِالفاءِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إلى آخِرِها لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَمِ عَقْلِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ في التَّحْذِيرِ إنْ كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ اسْتِعْمالُهُ في أحَدِ هَذَيْنِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ صَحَّ أنْ يُرادَ مِنهُ الأمْرانِ بِاعْتِبارِ كِلا الفَرِيقَيْنِ، لِأنَّ المَدْلُولاتِ الكِنائِيَّةَ تَتَعَدَّدُ ولا يَلْزَمُ مِن تَعَدُّدِها الِاشْتِراكُ، لِأنَّ دَلالَتَها التِزامِيَّةٌ، عَلى أنَّنا نَلْتَزِمُ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. صفحة ١٩٦ وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، (﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾) بِتاءِ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ، فَهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عائِدٌ لِما عادَ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ قَبْلَهُ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

الأنعام 6:33

﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَتْ بِهِ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ وأمْرُهُ بِالصَّبْرِ، ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ، وتَأْيِيسُهُ مِن إيمانِ المُتَغالِينَ في الكُفْرِ، ووَعْدُهُ بِإيمانِ فِرَقٍ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى قَوْلِهِ يَسْمَعُونَ. وقَدْ تَهَيَّأ المَقامُ لِهَذا الغَرَضِ بَعْدَ الفَراغِ مِن مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في إبْطالِ شِرْكِهِمْ، وإبْطالِ إنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ والفَراغِ مِن وعِيدِهِمْ وفَضِيحَةِ مُكابَرَتِهِمِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٤] إلى هُنا. و(قَدْ) تَحْقِيقٌ لِلْخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَهو في تَحْقِيقِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ بِمَنزِلَةِ (إنَّ) في تَحْقِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. فَحَرْفُ (قَدْ) مُخْتَصٌّ بِالدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ المُتَصَرِّفَةِ الخَبَرِيَّةِ المُثْبَتَةِ المُجَرَّدَةِ مَن ناصِبٍ وجازِمٍ وحَرْفِ تَنْفِيسٍ، ومَعْنى التَّحْقِيقِ مُلازِمٌ لَهُ. والأصَحُّ أنَّهُ كَذَلِكَ سَواءٌ كانَ مَدْخُولُها ماضِيًا أوْ مُضارِعًا، ولا يَخْتَلِفُ مَعْنى (قَدْ) بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْلَيْنِ. وقَدْ شاعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ (قَدْ) إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ أفادَ تَقْلِيلَ حُصُولِ الفِعْلِ. وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ سِيبَوَيْهِ، ومِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ كَلامَ سِيبَوَيْهِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ (قَدْ) يُسْتَعْمَلُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّقْلِيلِ لَكِنْ بِالقَرِينَةِ ولَيْسَتْ بِدَلالَةٍ أصْلِيَّةٍ. وهَذا هو الَّذِي اسْتَخْلَصْتُهُ مِن كَلامِهِمْ وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدِي. ولِذَلِكَ فَلا فَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ (قَدْ) عَلى فِعْلِ المُضِيِّ ودُخُولِهِ عَلى الفِعْلِ المُضارِعِ في إفادَةِ تَحْقِيقِ الحُصُولِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] في سُورَةِ النُّورِ. فالتَّحْقِيقُ يُعْتَبَرُ في الزَّمَنِ الماضِي إنْ صفحة ١٩٧ كانَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَ (قَدْ) فِعْلَ مُضِيٍّ، وفي زَمَنِ الحالِ أوِ الِاسْتِقْبالِ إنْ كانَ الفِعْلُ بَعْدَ (قَدْ) فِعْلًا مُضارِعًا مَعَ ما يُضَمُّ إلى التَّحْقِيقِ مِن دَلالَةِ المَقامِ، مِثْلَ تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ في نَحْوِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. وهو كِنايَةٌ تَنْشَأُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِتَحْقِيقِ فِعْلٍ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ في أنَّهُ يَقَعُ، ومِثْلَ إفادَةِ التَّكْثِيرِ مَعَ المُضارِعِ تَبَعًا لِما يَقْتَضِيهِ المُضارِعُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، كالبَيْتِ الَّذِي نَسَبَهُ سِيبَوَيْهِ لِلْهُذَلِيِّ، وحَقَّقَ ابْنُ بَرِّيٍّ أنَّهُ لِعَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ، وهو: قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصَـادِ وبَيْتُ زُهَيْرٍ: أخا ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ وإفادَةُ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، كَقَوْلِ كَعْبٍ: لَقَدْ أقُومُ مَقامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ ∗∗∗ أرى وأسْمَعُ ما لَوْ يَسْمَعُ الفِيلُ لَظَلَّ يُرْعَدُ إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ ∗∗∗ مِنَ الرَّسُولِ بِإذْنِ اللَّهِ تَنْوِيلُ أرادَ تَحْقِيقَ حُضُورِهِ لَدى الرَّسُولِ ﷺ مَعَ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِنَ الوَجَلِ المَشُوبِ بِالرَّجاءِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ كَلامَ سِيبَوَيْهِ بَرِيءٌ مِمّا حَمَّلُوهُ، وما نَشَأ اضْطِرابُ كَلامِ النُّحاةِ فِيهِ إلّا مِن فَهْمِ ابْنِ مالِكٍ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ رَدًّا وجِيهًا. فَمَعْنى الآيَةِ عَلِمْنا بِأنَّ الَّذِي يَقُولُونَهُ يُحْزِنُكَ مُحَقَّقًا فَتَصْبِرُ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِي كَلامٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَ فِيهِ إجْمالٌ وأحَلْتُ عَلى تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ، فَهَذا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيِي. وفِعْلُ نَعْلَمُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْنِ بِوُجُودِ اللّامِ. صفحة ١٩٨ والمُرادُ بِـ (الَّذِي يَقُولُونَ) أقْوالَهُمُ الدّالَّةَ عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ، فَعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ التَّكْذِيبِ ونَحْوِهِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْزِيهًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ الشَّنِيعِ في جانِبِهِ تَلَطُّفًا مَعَهُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ لَيُحْزِنُكَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ. يُقالُ: أحْزَنْتَ الرَّجُلَ بِهَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ لِفِعْلِ حَزَنَ، ويُقالُ: حَزَنْتُهُ أيْضًا. وعَنِ الخَلِيلِ: أنَّ حَزَنْتُهُ، مَعْناهُ جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا كَما يُقالُ: دَهَنْتُهُ. وأمّا التَّعْدِيَةُ فَلَيْسَتْ إلّا بِالهَمْزَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: حَزَنْتُ الرَّجُلَ، أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وأحْزَنْتُهُ، أقْيَسُ. و(الَّذِي يَقُولُونَ) هو قَوْلُهم ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، كاذِبٌ، شاعِرٌ. فَعَدَلَ عَنْ تَفْصِيلِ قَوْلِهِمْ إلى إجْمالِهِ إيجازًا أوْ تَحاشِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ في جانِبِ المُنَزَّهِ عَنْهُ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمَ (إنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، واللّامُ لامُ القَسَمِ، وفِعْلُ (يُحْزِنُكَ) فِعْلُ القَسَمِ، و(الَّذِي يَقُولُونَ) فاعِلُهُ، واللّامُ في (لَيُحْزِنُكَ) لامُ الِابْتِداءِ، وجُمْلَةُ (يُحْزِنُكَ) خَبَرُ إنَّ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ ثُمَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] . والفاءُ في قَوْلِهِ (فَإنَّهم) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (قَدْ نَعْلَمُ)، أيْ فَلا تَحْزَنْ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، أيْ لِأنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ. ويَجُوزُ كَوْنُها لِلْفَصِيحَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كانَ يُحْزِنُكَ ذَلِكَ لِأجْلِ التَّكْذِيبِ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، فاللَّهُ قَدْ سَلّى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ أخْبَرَهُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُكَذِّبُونَهُ ولَكِنَّهم أهْلُ جُحُودٍ ومُكابَرَةٍ. وكَفى بِذَلِكَ تَسْلِيَةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَدْ نَعْلَمُ، أيْ فَعِلْمُنا بِذَلِكَ يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أنّا نُثَبِّتُ فُؤادَكَ ونَشْرَحُ صَدْرَكَ بِإعْلامِكَ أنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، وبِأنْ نُذَكِّرَكَ بِسُنَّةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ونُذَكِّرَكَ بِأنَّ العاقِبَةَ هي نَصْرُكَ كَما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ (﴿لا يُكْذِبُونَكَ﴾)، بِسُكُونِ الكافِ وتَخْفِيفِ الذّالِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ. وقَدْ قالَ بَعْضُ أئِمَّةِ اللُّغَةِ إنَّ أكْذَبَ وكَذَّبَ بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ. وقالَ بَعْضُهم: أكْذَبَهُ، وجَدَهُ كاذِبًا، صفحة ١٩٩ كَما يُقالُ: أحْمَدَهُ، وجَدَهُ مَحْمُودًا. وأمّا كَذَّبَ بِالتَّشْدِيدِ فَهو لِنِسْبَةِ المَفْعُولِ إلى الكَذِبِ. وعَنِ الكِسائِيِّ: أنَّ أكْذَبَهُ هو بِمَعْنى كَذَّبَ ما جاءَ بِهِ ولَمْ يَنْسِبِ المَفْعُولَ إلى الكَذِبِ، وأنَّ كَذَّبَهُ هو نَسَبَهُ إلى الكَذِبِ. وهو مَعْنى ما نُقِلَ عَنِ الزَّجّاجِ مَعْنى كَذَّبْتُهُ، قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، ومَعْنى أكْذَبْتُهُ، أرَيْتُهُ أنَّ ما أتى بِهِ كَذِبٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ لِدَفْعِ أنْ يَتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يُكْذِبُونَكَ﴾ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ومَن وافَقَهُ أنَّهم صَدَّقُوا وآمَنُوا، وعَلى قِراءَةِ البَقِيَّةِ ﴿لا يُكْذِبُونَكَ﴾ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ مِنهم أصْلُ التَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ الواقِعَ خِلافُ ذَلِكَ، فاسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِأنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ فَيَظْهَرُ حالُهم كَحالِ مَن يَنْسُبُ الآتِيَ بِالآياتِ إلى الكَذِبِ وما هم بِمُكَذِّبِينَ في نُفُوسِهِمْ. والجَحْدُ والجُحُودُ، الإنْكارُ لِلْأمْرِ المَعْرُوفِ، أيِ الإنْكارُ مَعَ العِلْمِ بِوُقُوعِ ما يُنْكَرُ، فَهو نَفْيُ ما يَعْلَمُ النّافِي ثُبُوتَهُ، فَهو إنْكارُ مُكابَرَةٍ. وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ﴾ ذَمًّا لَهم وإعْلامًا بِأنَّ شَأْنَ الظّالِمِ الجَحْدُ بِالحُجَّةِ، وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ الظُّلْمَ سَجِيَّتُهم. وعَدّى يَجْحَدُونَ بِالباءِ كَما عُدِّيَ في قَوْلِهِ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ الجَحْدِ بِالمَجْحُودِ، كالباءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقَوْلِ النّابِغَةِ: لَكَ الخَيْرُ إنْ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا ∗∗∗ وأصْبَحَ جَدُّ النّاسِ يَظْلَـعُ عَـاثِـرا ثُمَّ إنَّ الجَحْدَ بِآياتِ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ الجَحْدُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الآياتِ. وجَحْدُها إنْكارُ أنَّها مِن آياتِ اللَّهِ، أيْ تَكْذِيبُ الآتِي بِها في قَوْلِهِ: إنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَآلَ ذَلِكَ إلى أنَّهم يُكَذِّبُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكَيْفَ يُجْمَعُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ فَإنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّكَ كاذِبٌ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم بِالصِّدْقِ وكانَ يُلَقَّبُ بَيْنَهم بِالأمِينِ. وقَدْ قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ لَمّا تَشاوَرَتْ قُرَيْشٌ في شَأْنِ الرَّسُولِ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَدْ كانَ مُحَمَّدٌ فِيكم غُلامًا أرْضاكم صفحة ٢٠٠ فِيكم وأصْدَقُكم حَدِيثًا حَتّى إذا رَأيْتُمُ الشَّيْبَ في صُدْغَيْهِ قُلْتُمْ ساحِرٌ وقُلْتُمْ كاهِنٌ وقُلْتُمْ شاعِرٌ وقُلْتُمْ مَجْنُونٌ وواللَّهِ ما هو بِأُولَئِكم. ولِأنَّ الآياتِ الَّتِي جاءَ بِها لا يَمْتَرِي أحَدٌ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولِأنَّ دَلائِلَ صِدْقِهِ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ ولَكِنَّكم ظالِمُونَ. والظّالِمُ هو الَّذِي يَجْرِي عَلى خِلافِ الحَقِّ بِدُونِ شُبْهَةٍ. فَهم يُنْكِرُونَ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ الحَقُّ، وذَلِكَ هو الجُحُودُ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِذَلِكَ وهو أعْلَمُ بِسَرائِرِهِمْ. ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فَيَكُونُ في الآيَةِ احْتِباكٌ. والتَّقْدِيرُ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولا يُكَذِّبُونَ الآياتِ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِالآياتِ ويَجْحَدُونَ بِصِدْقِكَ، فَحَذَفَ مِن كُلٍّ لِدَلالَةِ الآخَرِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ناجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ التّابِعِيِّ «أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لا نُكَذِّبُكَ ولَكِنْ نُكَذِّبُ ما جِئْتَ بِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فَإنَّهم ﴿لا يُكْذِبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ»﴾ . ولا أحْسَبُ هَذا هو سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. لِأنَّ أبا جَهْلٍ إنْ كانَ قَدْ قالَ ذَلِكَ فَقَدْ أرادَ الِاسْتِهْزاءَ، كَما قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: ذَلِكَ أنَّهُ التَّكْذِيبُ بِما جاءَ بِهِ تَكْذِيبٌ لَهُ لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: لا نُكَذِّبُكَ، اسْتِهْزاءٌ بِإطْماعِ التَّصْدِيقِ.

الأنعام 6:34

﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لَكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ مِنَ الكَلامِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الفاءِ، أيْ فَلا تَحْزَنْ، أوْ إنْ أحْزَنَكَ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ والحالُ قَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ. والكَلامُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تَسْلِيَةٌ وتَهْوِينٌ وتَكْرِيمٌ بِأنَّ إساءَةَ أهْلِ الشِّرْكِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هي دُونَ ما أساءَ الأقْوامُ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ؛ فَإنَّهم كَذَّبُوا بِالقَوْلِ والِاعْتِقادِ وأمّا قَوْمُهُ فَكَذَّبُوا بِالقَوْلِ فَقَطْ. وفي الكَلامِ أيْضًا تَأسٍّ لِلرَّسُولِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ. صفحة ٢٠١ ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِتَنْزِيلِ الرَّسُولِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن ذُهِلَ طَوِيلًا عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ لَمّا أحْزَنَهُ قَوْلُ قَوْمِهِ فِيهِ كانَ كَمَن بَعُدَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ. و(مِن قَبْلِكَ) وصْفٌ كاشِفٌ لِـ (رُسُلٌ) جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَعْنى التَّأسِّي بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ. وفِي مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها إيماءٌ لِرَجاحَةِ عُقُولِ العَرَبِ عَلى عُقُولِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ، فَإنَّ الأُمَمَ كَذَّبَتْ رُسُلَها بِاعْتِقادِ ونُطْقِ ألْسِنَتِها، والعَرَبُ كَذَّبُوا بِاللِّسانِ وأيْقَنُوا بِصِدْقِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُقُولِهِمُ الَّتِي لا يَرُوجُ عِنْدَها الزَّيْفُ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ صَبَرُوا عَلى التَّكْذِيبِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُوذُوا عَطْفًا عَلى كُذِّبُوا وتَكُونَ جُمْلَةُ (فَصَبَرُوا) مُعْتَرِضَةً. والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ كُذِّبَتْ وأُوذِيَتْ رُسُلٌ فَصَبَرُوا. فَلا يُعْتَبَرُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلى ما كُذِّبُوا﴾ بَلْ يُوصَلُ الكَلامُ إلى قَوْلِهِ نَصْرُنا، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾، أيْ كُذِّبَتْ وأُوذُوا. ويُفْهَمُ الصَّبْرُ عَلى الأذى مِنَ الصَّبْرِ عَلى التَّكْذِيبِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ أذًى فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿عَلى ما كُذِّبُوا﴾ . وقَرَنَ فِعْلَ كُذِّبَتْ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَ الفِعْلِ إذا كانَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ يُرَجَّحُ اتِّصالُ الفِعْلِ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ عَلى التَّأْوِيلِ بِالجَماعَةِ. ومِن ثَمَّ جاءَ فِعْلا (فَصَبَرُوا) و(كُذِّبُوا) مُقْتَرِنَيْنِ بِواوِ الجَمْعِ، لِأنَّ فاعِلَيْهِما ضَمِيرانِ مُسْتَتِرانِ فَرَجَّحَ اعْتِبارَ التَّذْكِيرِ. وعَطَفَ (وأُوذُوا) عَلى (كُذِّبَتْ) عَطْفَ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، والأذى أعَمُّ مِنَ التَّكْذِيبِ، لِأنَّ الأذى هو ما يَسُوءُ ولَوْ إساءَةً ما، قالَ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] ويُطْلَقُ عَلى التَّشْدِيدِ مِنهُ. فالأذى اسْمٌ اشْتُقَّ مِنهُ أذًى إذا جُعِلَ لَهُ أذًى وألْحَقَهُ بِهِ. فالهَمْزَةُ بِهِ لِلْجَعْلِ أوْ لِلتَّصْيِيرِ. ومَصادِرُ هَذا الفِعْلِ أذًى وأذاةٌ وأذِيَّةٌ. وكُلُّها أسْماءُ مَصادِرَ ولَيْسَتْ مُصادَرَ. وقِياسُ مَصْدَرِهِ الإيذاءُ لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِ العَرَبِ. فَلِذَلِكَ قالَ صاحِبُ القامُوسِ: لا يُقالُ: إيذاءٌ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: إيذاءٌ. ولَعَلَّ الخِلافَ مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في أنَّ القِياسِيَّ يَصِحُّ إطْلاقُهُ ولَوْ لَمْ يُسْمَعْ في كَلامِهِمْ أوْ يَتَوَقَّفُ إطْلاقُهُ صفحة ٢٠٢ عَلى سَماعِ نَوْعِهِ مِن مادَّتِهِ. ومَن أنْكَرَ عَلى صاحِبِ القامُوسِ فَقَدْ ظَلَمَهُ. وأيًّا ما كانَ فالإيذاءُ لَفْظٌ غَيْرُ فَصِيحٍ لِغَرابَتِهِ. ولَقَدْ يُعَدُّ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ اسْتِعْمالُهُ هُنا وهو ما هو في عِلْمِ البَلاغَةِ. و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ أفادَتْ غايَةَ ما قَبْلَها، وهو التَّكْذِيبُ والأذى والصَّبْرُ عَلَيْهِما، فَإنَّ النَّصْرَ كانَ بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ المُؤْذِينَ، فَكانَ غايَةً لِلتَّكْذِيبِ والأذى، وكانَ غايَةً لِلصَّبْرِ الخاصِّ، وهو الصَّبْرُ عَلى التَّكْذِيبِ والأذى، وبَقِيَ صَبْرُ الرُّسُلِ عَلى أشْياءَ مِمّا أُمِرَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ. والإتْيانُ في قَوْلِهِ ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾ مَجازٌ في وُقُوعِ النَّصْرِ بَعْدَ انْتِظارِهِ، فَشَبَّهَ وُقُوعَهُ بِالمَجِيءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ كَما يَجِيءُ المُنادى المُنْتَظَرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا مُبَدِّلَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾ . وكَلِماتُ اللَّهِ وحْيُهُ لِلرُّسُلِ الدّالُّ عَلى وعْدِهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ إضافَةُ النَّصْرِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. فالمُرادُ كَلِماتٌ مِن نَوْعٍ خاصٍّ، فَلا يَرِدُ أنَّ بَعْضَ كَلِماتِ اللَّهِ في التَّشْرِيعِ قَدْ تُبَدَّلُ بِالنَّسْخِ؛ عَلى أنَّ التَّبْدِيلَ المَنفِيَّ مَجازٌ في النَّقْضِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وسَيَأْتِي تَحْقِيقٌ لِهَذا المَعْنى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهَذا تَطْمِينٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِماتُ اللَّهِ ما كَتَبَهُ في أزَلِهِ وقَدَّرَهُ مِن سُنَنِهِ في الأُمَمِ، أيْ أنَّ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ يَقَعُ كَما وقَعَ إهْلاكُ مَن قَبْلَهم. ونَفْيُ المُبَدِّلِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ التَّبْدِيلِ، أيْ لا تَبْدِيلَ، لِأنَّ التَّبْدِيلَ لا يَكُونُ إلّا مِن مُبَدِّلٍ. ومَعْناهُ: أنَّ غَيْرَ اللَّهِ عاجِزٌ عَنْ أنْ يُبَدِّلَ مُرادَ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ لا يُبَدِّلَ كَلِماتِهِ في هَذا الشَّأْنِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾، صفحة ٢٠٣ وهُوَ كَلامٌ جامِعٌ لِتَفاصِيلِ ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ، وبِكَيْفَ كانَ نَصْرُ اللَّهِ رُسُلَهُ. وذَلِكَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في ذَلِكَ. والقَوْلُ في جاءَكَ كالقَوْلِ في ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾، فَهو مَجازٌ في بُلُوغِ ذَلِكَ وإعْلامِ النَّبِيءِ ﷺ بِهِ. و(مِن) في قَوْلِهِ مِن نَبَأِ إمّا اسْمٌ بِمَعْنى (بَعْضٍ) فَتَكُونُ فاعِلًا مُضافَةً إلى (لِنَبَأِ)، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] . والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ. والنَّبَأُ الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، قالَ تَعالى ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَأ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢]، وقالَ ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧]، وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] .

الأنعام 6:35

﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهِمْ بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيُحْزِنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُحْزِنُهُ ما يَقُولُونَهُ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ وبِالقُرْآنِ حُزْنًا عَلى جَهْلِ قَوْمِهِ بِقَدْرِ النَّصِيحَةِ وإنْكارِهِمْ فَضِيلَةَ صاحِبِها، وحُزْنًا مِن جَرّاءِ الأسَفِ عَلَيْهِمْ مِن دَوامِ ضَلالِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، وقَدْ سَلّاهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ الحُزْنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لا يُكْذِبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وسَلّاهُ عَنِ الثّانِي بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ الآيَةَ. و(كَبُرَ) كَكَرُمَ، كِبَرًا كَعِنَبٍ: عَظُمَتْ جُثَّتُهُ. ومَعْنى كَبُرَ هُنا شَقَّ عَلَيْكَ. وأصْلُهُ عِظَمُ الجُثَّةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الأُمُورِ العَظِيمَةِ الثَّقِيلَةِ لِأنَّ عِظَمَ الجُثَّةِ يَسْتَلْزِمُ الثِّقَلَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعْنى (شَقَّ) لِأنَّ الثَّقِيلَ يَشُقُّ حَمْلُهُ. فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِلُزُومَيْنِ. وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي يَكْثُرُ وُرُودُهُ في الشَّرْطِ الَّذِي لا يُظَنُّ صفحة ٢٠٤ حُصُولُهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ بِمَظِنَّةِ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ. وزِيدَتْ كانَ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما هو فِعْلُ الشَّرْطِ في المَعْنى لِيَبْقى فِعْلُ الشَّرْطِ عَلى مَعْنى المُضِيِّ فَلا تُخَلِّصُهُ (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ إلى الِاسْتِقْبالِ، كَما هو شَأْنُ أفْعالِ الشُّرُوطِ بَعْدَ (إنْ)، فَإنْ (كانَ) لِقُوَّةِ دَلالَتِهِ عَلى المُضِيِّ لا تَقْبَلُهُ أداةُ الشَّرْطِ إلى الِاسْتِقْبالِ. والإعْراضُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ هو الَّذِي مَضى ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . وهو حالَةٌ أُخْرى غَيْرُ حالَةِ التَّكْذِيبِ، وكِلْتاهُما مِن أسْبابِ اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ﴾ جَوابُ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ﴾ [يونس: ٧١]، وهو شَرْطٌ ثانٍ وقَعَ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ. والِاسْتِطاعَةُ: القُدْرَةُ. والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في طاعَ، أيِ انْقادَ. والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ أنْ تَطْلُبَ نَفَقًا أوْ سُلَّمًا لِتَبْلُغَ إلى خَبايا الأرْضِ وعَجائِبِها وإلى خَبايا السَّماءِ. ومَعْنى الطَّلَبِ هُنا: البَحْثُ. وانْتَصَبَ نَفَقًا وسُلَّمًا عَلى المَفْعُولَيْنِ لِـ (تَبْتَغِيَ) . والنَّفَقُ: سِرْبٌ في الأرْضِ عَمِيقٌ. والسُّلَّمُ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مَعَ تَشْدِيدِ اللّامِ آلَةٌ لِلِارْتِقاءِ تُتَّخَذُ مِن حَبْلَيْنِ غَلِيظَيْنِ مُتَوازِيَيْنِ تَصِلُ بَيْنَهُما أعْوادٌ أوْ حِبالٌ أُخْرى مُتَفَرِّقَةٌ في عَرْضِ الفَضاءِ الَّذِي بَيْنَ الحَبْلَيْنِ مِن مِساحَةِ ما بَيْنَ كُلٍّ مِن تِلْكَ الأعْوادِ بِمِقْدارِ ما يَرْفَعُ المُرْتَقِي إحْدى رِجْلَيْهِ إلى العُودِ الَّذِي فَوْقَ ذَلِكَ، وتُسَمّى تِلْكَ الأعْوادُ دَرَجاتٌ. ويُجْعَلُ طُولُ الحَبْلَيْنِ بِمِقْدارِ الِارْتِفاعِ الَّذِي يُرادُ الِارْتِقاءُ إلَيْهِ. ويُسَمّى السُّلَّمُ مِرْقاةً ومِدْرَجَةً. وقَدْ سَمَّوُا الغَرْزَ الَّذِي يَرْتَقِي بِهِ الرّاكِبُ عَلى رَحْلِ ناقَتِهِ سُلَّمًا. وكانُوا يَرْتَقُونَ صفحة ٢٠٥ بِالسُّلَّمِ إلى النَّخِيلِ لِلْجِذاذِ. ورُبَّما كانَتِ السَّلالِيمُ في الدُّورِ تُتَّخَذُ مِنَ العُودِ فَتُسَمّى المِرْقاةَ. فَأمّا الدُّرُجُ المَبْنِيَّةُ في العَلالِيِّ فَإنَّها تُسَمّى سُلَّمًا وتُسَمّى الدَّرَجَةُ كَما ورَدَ في حَدِيثِ مَقْتَلِ أبِي رافِعٍ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ في إحْدى الرِّواياتِ: «حَتّى انْتَهَيْتُ إلى دَرَجَةٍ لَهُ»، وفي رِوايَةٍ «حَتّى أتَيْتُ السُّلَّمِ أُرِيدُ أنْ أنْزِلَ فَأسْقُطُ مِنهُ» . وقَوْلُهُ في الأرْضِ صِفَةُ نَفَقًا أيْ مُتَغَلْغِلًا، أيْ عَمِيقًا. فَذَكَرَ هَذا المَجْرُورَ لِإفادَةِ المُبالِغَةِ في العُمْقِ مَعَ اسْتِحْضارِ الحالَةِ وتَصْوِيرِ حالَةِ الِاسْتِطاعَةِ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ النَّفَقَ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ. وأمّا قَوْلُهُ في السَّماءِ فَوَصَفَ بِهِ سُلَّمًا، أيْ كائِنًا في السَّماءِ، أيْ واصِلًا إلى السَّماءِ. والمَعْنى تَبْلُغُ بِهِ إلى السَّماءِ. كَقَوْلِ الأعْشى: ورُقِّيتُ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمٍ والمَعْنى: فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَطْلُبَ آيَةً مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لِلْكائِناتِ. ولَعَلَّ اخْتِيارَ الِابْتِغاءِ في الأرْضِ والسَّماءِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَألُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ مَن جِنْسِ ما في الأرْضِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، ومِن جِنْسِ ما في السَّماءِ، كَقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] . وقَوْلُهُ (بِآيَةٍ) أيْ بِآيَةٍ يُسَلِّمُونَ بِها، فَهُنالِكَ وصْفٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إعْراضُهم، أيْ عَنِ الآياتِ الَّتِي جِئْتَهم بِها. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الشَّرْطِ، وهو اسْتَطَعْتَ. والشَّرْطُ وجَوابُهُ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ وإقْناعِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها. ويَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ فَأْتِهِمْ بِآيَةٍ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، كَما يَقُولُ القائِلُ لِلرّاغِبِ في إرْضاءِ مُلِحٍّ: إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَجْلِبَ ما في بَيْتِكَ، أيْ فَهو لا يَرْضى بِما تَقْصُرُ عَنْهُ الِاسْتِطاعَةُ بَلْهَ ما في الِاسْتِطاعَةِ. وهو صفحة ٢٠٦ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللَّوْمِ ولا مِنَ التَّوْبِيخِ، كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقَوْلُهُ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ شَرْطٌ امْتِناعِيٌّ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى لِجَمَعَهم عَلَيْهِ؛ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لَقَصْدِ البَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَسْلُوكَةِ في فِعْلِ المَشِيئَةِ إذا كانَ تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ غَيْرَ غَرِيبٍ وكانَ شَرْطًا لِإحْدى أدَواتِ الشَّرْطِ كَما هُنا، وكَقَوْلِهِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] . ومَعْنى ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ لَهَداهم أجْمَعِينَ. فَوَقَعَ تَفَنُّنٌ في أُسْلُوبِ التَّعْبِيرِ فَصارَ تَرْكِيبًا خاصِّيًّا عَدَلَ بِهِ عَنِ التَّرْكِيبِ المَشْهُورِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] لِلْإشارَةِ إلى تَمْيِيزِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى مَن بَقِيَ فِيها مِنَ المُشْرِكِينَ، أيْ لَوْ شاءَ لِجَمَعَهم مَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما هَدى إلَيْهِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِهِمْ. والمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَهم بِعُقُولٍ قابِلَةٍ لِلْحَقِّ لِخَلَقَهم بِها فَلَقَبِلُوا الهُدى، ولَكِنَّهُ خَلَقَهم عَلى ما وصَفَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] الآيَةَ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨]، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ مَشِيئَةٌ كُلِّيَّةٌ تَكْوِينِيَّةٌ، فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] الآيَةَ. فَهَذا مِنَ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ لا مِنَ المَشِيئَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْرِ والتَّشْرِيعِ. وبَيْنَهُما بَوْنٌ، سَقَطَ في مِهْواتِهِ مَن لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ صَوْنٌ. وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُفَرَّعٌ عَلى ما سَبَقَ. والمُرادُ بِـ (الجاهِلِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَهْلِ الَّذِي هو ضِدَّ العِلْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى خِطابًا لِنُوحٍ ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، وهو ما حَمَلَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ هُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَهْلِ ضِدَّ الحِلْمِ، أيْ لا تَضِقْ صَدْرًا بِإعْراضِهِمْ. وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ . وإرادَةُ كِلا المَعْنَيَيْنِ يَنْتَظِمُ مَعَ مُفادِ الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ . ومَعَ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ السّابِقِ فالمَعْنى: فَلا يَكْبُرْ عَلَيْكَ إعْراضُهم صفحة ٢٠٧ ولا تَضِقْ بِهِ صَدْرًا، وأيْضًا فَكُنْ عالِمًا بِأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لِجَمَعَهم عَلى الهُدى. وهَذا إنْباءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ بِأمْرٍ مِن عِلْمِ الحَقِيقَةِ يَخْتَصُّ بِحالَةٍ خاصَّةٍ فَلا يُطْرَدُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَواقِفِ التَّشْرِيعِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الأمْرِ بِالعِلْمِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الجَهْلِ يَتَضَمَّنُهُ فَيَتَقَرَّرُ في الذِّهْنِ مَرَّتَيْنِ، ولِأنَّ في النَّهْيِ عَنِ الجَهْلِ بِذَلِكَ تَحْرِيضًا عَلى اسْتِحْضارِ العِلْمِ بِهِ، كَما يُقالُ لِلْمُتَعَلِّمِ: لا تَنْسَ هَذِهِ المَسْألَةَ. ولَيْسَ في الكَلامِ نَهْيٌ عَنْ شَيْءٍ تَلَبَّسَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كَما تَوَهَّمَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وذَهَبُوا فِيهِ مَذاهِبَ لا تَسْتَبِينُ.

الأنعام 6:36

﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ . تَعْلِيلٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] مِن تَأْيِيسٍ مِن وُلُوجِ الدَّعْوَةِ إلى أنْفُسِهِمْ، أيْ لا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ دُونَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَمَهم فائِدَةَ السَّمْعِ وفَهْمِ المَسْمُوعِ. ومَفْهُومُ الحَصْرِ مُؤْذِنٌ بِإعْمالِ مَنطُوقِهِ الَّذِي يُومِئُ إلى إرْجاءٍ بَعْدَ تَأْيِيسٍ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ قُلُوبًا يَفْقَهُونَ بِها وآذانًا يَسْمَعُونَ بِها فَأُولَئِكَ يَسْتَجِيبُونَ. وقَوْلُهُ يَسْتَجِيبُ بِمَعْنى يُجِيبُ، فالسِّينُ والتّاءُ زائِدانِ لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ يَسْتَجِيبُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ. ومَعْنى يَسْمَعُونَ، أنَّهم يَفْقَهُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الإرْشادِ لِأنَّ الضّالِّينَ كَمَن لا يَسْمَعُ. فالمَقْصُودُ سَمْعٌ خاصٌّ وهو سَمْعُ الِاعْتِبارِ. أمّا قَوْلُهُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ فالوَجْهُ أنَّهُ مُقابِلٌ لِـ ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ . فَمَعْنى الكَلامِ: وأمّا المُعْرِضُونَ صفحة ٢٠٨ عَنْكَ فَهم مِثْلَ المَوْتى فَلا يَسْتَجِيبُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] . فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَإنَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ قَدْ يَكُونُ فُقْدانُ سَمْعِهِ مِن عِلَّةٍ كالصَّمَمِ، وقَدْ يَكُونُ مِن عَدَمِ الحَياةِ، كَما قالَ عَبْدُ الرَّحِمَنِ بْنُ الحَكَمِ الثَّقَفِيُّ: لَقَدْ أسْمَعْتَ لَوْ نادَيْتَ حَيًّا ولَكِنْ لا حَياةَ لِمَن تُنادِي فَتَضَمَّنَ عَطْفُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ تَعْرِيضًا بِأنَّ هَؤُلاءِ كالأمْواتِ لا تُرْجى مِنهُمُ اسْتِجابَةٌ. وتَخَلَّصَ إلى وعِيدِهِمْ بِأنَّهُ يَبْعَثُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، أيْ لا يُرْجى مِنهم رُجُوعٌ إلى الحَقِّ إلى أنْ يُبْعَثُوا، وحِينَئِذٍ يُلاقُونَ جَزاءَ كُفْرِهِمْ. والمَوْتى اسْتِعارَةٌ لِمَن لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ ومَواهِبِهِمْ في أهَمِّ الأشْياءِ، وهو ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى. و(يَبْعَثُهم) عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، وهو تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ، لِأنَّ البَعْثَ مِن مُلائِماتِ المُشَبَّهِ بِهِ في العُرْفِ وإنْ كانَ الحَيُّ يُخْبَرُ عَنْهُ بِأنَّهُ يُبْعَثُ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ، ولَكِنَّ العُرْفَ لا يَذْكُرُ البَعْثَ إلّا بِاعْتِبارِ وصْفِ المَبْعُوثِ بِأنَّهُ مَيِّتٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البَعْثُ اسْتِعارَةً أيْضًا لِلْهِدايَةِ بَعْدَ الضَّلالِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ المَوْتِ لِعَدَمِ قَبُولِ الهُدى عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ في التَّرْشِيحِ في فَنِّ البَيانِ مِن كَوْنِهِ تارَةً يَبْقى عَلى حَقِيقَتِهِ لا يَقْصِدُ مِنهُ إلّا تَقْوِيَةَ الِاسْتِعارَةِ، وتارَةً يُسْتَعارُ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى شِبْهِهِ مِن مُلائِمِ المُشَبَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . فَيَكُونُ عَلى هَذا الوَجْهِ في الكَلامِ وعْدٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ الضّالِّينَ المُكَذِّبِينَ سَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ تَعالى إلى الإسْلامِ، وهم مَن لَمْ يَسْبِقْ في عِلْمِهِ حِرْمانُهم مِنَ الإيمانِ. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ زِيادَةً في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ تَحْرِيضًا لَهم عَلى الإيمانِ لِيَلْقَوْا جَزاءَهُ حِينَ يُرْجَعُونَ إلى اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. وتَمَّ التَّمْثِيلُ هُنالِكَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ اسْتِطْرادًا تَخَلَّصَ بِهِ إلى قَرْعِ أسْمائِهِمْ بِإثْباتِ الحَشْرِ الَّذِي يَقَعُ بَعْدَ البَعْثِ الحَقِيقِيِّ، فَيَكُونُ البَعْثُ في قَوْلِهِ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ في التَّخَلُّصِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البقرة: ٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأنعام 6:37

صفحة ٢٠٩ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآياتِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما جاءَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] . ثُمَّ ذَكَرَ ما تَفَنَّنُوا بِهِ مِنَ المَعاذِيرِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ وقالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ، أيْ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ، وقَدِ اقْتَرَحُوا آياتٍ مُخْتَلِفَةً في مُجادَلاتٍ عَدِيدَةٍ. ولِذَلِكَ أجْمَلَها اللَّهُ تَعالى هُنا اعْتِمادًا عَلى عِلْمِها عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ وقَعَ عَطْفُها مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] وجُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] إلَخْ. وفي الإتْيانِ بِفِعْلِ النُّزُولِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المَسْئُولَةَ مِن قَبِيلِ ما يَأْتِي مِنَ السَّماءِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] وشَبَّهَ ذَلِكَ. وجَرَّدَ نُزِّلَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ المُؤَنَّثَ الَّذِي تَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ بَحْتٌ يَجُوزُ تَجْرِيدُ فِعْلِهِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ؛ فَإذا وقَعَ بَيْنَ الفِعْلِ ومَرْفُوعِهِ فاصِلٌ اجْتَمَعَ مُسَوِّغانِ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَإنَّ الفَصْلَ بِوَحْدِهِ مُسَوِّغٌ لِتَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ العَلامَةِ. وقَدْ صَرَّحَ في الكَشّافِ بِأنَّ تَجْرِيدَ الفِعْلِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ حِينَئِذٍ حَسَنٌ. و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى (هَلّا) . والتَّحْضِيضُ هُنا لِقَطْعِ الخَصْمِ وتَعْجِيزِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اشْتِقاقِ آيَةٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢١٠ وفُصِلَ فِعْلُ (قُلْ) فَلَمْ يُعْطَفْ لِأنَّهُ وقَعَ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ فَجاءَ عَلى طَرِيقَةِ الفَصْلِ الَّتِي بَيَّنّاها في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ آيَةً عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِها الحُجَّةُ في تَصْدِيقِ الرَّسُولِ، ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها؛ فَعَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ، ولِذَلِكَ سَألُوا الآيَةَ، ولَكِنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَثْبُتُ صِدْقُهُ إلّا إذا أيَّدَهُ اللَّهُ بِآيَةٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ. فَقَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ، وهو انْتِفاءُ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ تَعالى إجابَةَ مُقْتَرَحِهِمْ، لِأنَّهُ لَمّا أرْسَلَ رَسُولَهُ بِآياتٍ بَيِّناتٍ حَصَلَ المَقْصُودُ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَوْ شاءَ لَزادَهم مِنَ الآياتِ لِأنَّهُ قادِرٌ. فَفِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنَ الجَوابِ إثْباتٌ لِلرَّدِّ بِالدَّلِيلِ، وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ راجِعٌ إلى المَدْلُولِ الِالتِزامِيِّ، أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُعانِدِينَ لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَفَعَلَهُ، ويَحْسَبُونَ أنَّ عَدَمَ الإجابَةِ إلى مُقْتَرَحِهِمْ بَدَلٌ عَلى عَدَمِ صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ مِن ظُلْمَةِ عُقُولِهِمْ، فَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ. فَيَكُونُ المَعْنى الَّذِي أفادَهُ هَذا الرَّدُّ غَيْرَ المَعْنى الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] فَإنَّ ذَلِكَ نُبِّهُوا فِيهِ عَلى أنَّ عَدَمَ إجابَتِهِمْ فِيهِ فائِدَةٌ لَهم وهو اسْتِبْقاؤُهم، وهَذا نُبِّهُوا فِيهِ عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ في اسْتِدْلالِهِمْ. وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَبَ الآياتِ دَلائِلَ مُناسِبَةً لِلْغَرَضِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ كَما يَقُولُ المَنطِقِيُّونَ: إنَّ المُقَدِّماتِ والنَّتِيجَةَ تَدُلُّ عَقْلًا عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ، وإنَّ النَّتِيجَةَ هي عَيْنُ المَطْلُوبِ في الواقِعِ وإنْ كانَتْ غَيْرَهُ في الِاعْتِبارِ؛ فَلِذَلِكَ نَجِدُ القُرْآنَ يَذْكُرُ الحُجَجَ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، كَإخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ وإخْراجِ صفحة ٢١١ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ والحَشْرِ. ويُسَمِّي تِلْكَ الحُجَجَ آياتًا كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨]، وكَما سَيَجِيءُ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] . وذَكَرَ في خِلالِ ذَلِكَ تَفْصِيلَ الآياتِ إلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] . وكَذَلِكَ ذِكْرُ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ بِاسْتِقْلالِهِ بِالخَلْقِ، كَقَوْلِهِ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ [الأنعام: ١٠٥] إلَخْ، وكَقَوْلِهِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِأنْواعِ الهِدايَةِ، ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] . ولَمّا كانَ نُزُولُ القُرْآنِ عَلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حُجَّةً عَلى صِدْقِهِ في إخْبارِهِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ وتَفاصِيلِ المَواعِظِ وأحْوالِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ وشَرْعِ الأحْكامِ مَعَ كَوْنِ الَّذِي جاءَ بِهِ مَعْلُومَ الأُمِّيَّةِ بَيْنَهم قَدْ قَضى شَبابَهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، جَعَلَهُ آيَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَسَمّاهُ آياتٍ في قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢] فَلَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ الدَّلائِلَ عَلى الأشْياءِ مِن غَيْرِ ما يُناسِبُها. أمّا الجَهَلَةُ والضّالُّونَ فَهم يَرُومُونَ آياتٍ مِن عَجائِبِ التَّصارِيفِ الخارِقَةِ لِنِظامِ العالَمِ يُرِيدُونَ أنْ تَكُونَ عَلامَةً بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ بِأنْ يُجِيبَهم إلَيْها إشارَةً مِنهُ إلى أنَّهُ صَدَقَ الرَّسُولُ فِيما بَلَّغَ عَنْهُ، فَهَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِدْلالِ ولَكِنَّهُ مِن قَبِيلِ المُخاطَرَةِ لِيَزْعُمُوا أنَّ عَدَمُ إجابَتِهِمْ لِما اقْتَرَحُوهُ عَلامَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُصَدِّقِ الرَّسُولَ ﷺ في دَعْوى الرِّسالَةِ. ومِن أيْنَ لَهم أنَّ اللَّهَ يَرْضى بِالنُّزُولِ مَعَهم إلى هَذا المَجالِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ لا يَعْلَمُونَ ما وجْهُ الِارْتِباطِ بَيْنَ دَلالَةِ الآيَةِ ومَدْلُولِها. ولِذَلِكَ قالَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] فَهم جَعَلُوا إيمانَهم مَوْقُوفًا عَلى أنْ تُنَزَّلَ آيَةٌ مِنَ السَّماءِ. وهم يَعْنُونَ أنَّ تَنْزِيلَ آيَةٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً واحِدَةً. فَقَدْ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] وقالُوا صفحة ٢١٢ ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] . فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، أيْ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الإنْذارِ وبَيْنَ اشْتِراطِ كَوْنِ الإنْذارِ في كِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، لِأنَّ الإنْذارَ حاصِلٌ بِكَوْنِهِ إنْذارًا مُفَصَّلًا بَلِيغًا دالًّا عَلى أنَّ المُنْذِرَ بِهِ ما اخْتَرَعَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ ولِذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِما يُبَيِّنُ هَذا في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذَنْ لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، أيْ فَما فائِدَةُ كَوْنِهِ يَنْزِلُ في قِرْطاسٍ مِنَ السَّماءِ مَعَ أنَّ المَضْمُونَ واحِدٌ. وقالَ في رَدِّ قَوْلِهِمْ ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] . نَعَمْ إنَّ اللَّهَ قَدْ يُقِيمُ آياتٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِن تِلْقاءِ اخْتِيارِهِ بِدُونِ اقْتِراحٍ عَلَيْهِ، وهو ما يُسَمّى بِالمُعْجِزَةِ مِثْلَ ما سَمّى بَعْضَ ذَلِكَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، فَذَلِكَ أمْرٌ أُنُفٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَقْتَرِحْهُ عَلَيْهِ أحَدٌ. وقَدْ أعْطى نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ مِن ذَلِكَ كَثِيرًا في غَيْرِ مَقامِ اقْتِراحٍ مِنَ المُعْرِضِينَ، مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، وتَكْثِيرِ الطَّعامِ القَلِيلِ، ونَبْعِ الماءِ مِنَ الأرْضِ بِسَهْمٍ رَشَقَهُ في الأرْضِ. هَذا هو البَيانُ الَّذِي وعَدَتْ بِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] في هَذِهِ السُّورَةِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ إنْزالَ الآيَةِ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ يَعْقُبُها الِاسْتِئْصالُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهم لِعِنادِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ. إلّا أنَّ ما فَسَّرْتُها بِهِ أوْلى لِئَلّا يَكُونَ مَعْناها إعادَةً لِمَعْنى الآيَةِ الَّتِي سَبَقَتْها، وبِهِ يَنْدَفِعُ التَّوَقُّفُ في وجْهِ مُطابَقَةِ الجَوابِ لِمُقْتَضى السُّؤالِ حَسْبَما تَوَقَّفَ فِيهِ التَّفْتَزانِيُّ في تَقْرِيرِ كَلامِ الكَشّافِ. وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُكابِرُ ويُظْهِرُ أنَّهُ لا يَتِمُّ عِنْدَهُ الِاسْتِدْلالُ إلّا عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوهُ. وإعادَةُ لَفْظِ آيَةٍ بِالتَّنْكِيرِ في قَوْلِهِ (أنْ يُنَزِّلَ آيَةً) مِن إعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً وهي عَيْنُ صفحة ٢١٣ الأُولى. وهَذا يُبْطِلُ القاعِدَةَ المُتَداوَلَةَ بَيْنَ المُعَرَّبِينَ مِن أنَّ اللَّفْظَ المُنَكَّرَ إذا أُعِيدَ في الكَلامِ مُنَكَّرًا كانَ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ. وقَدْ ذَكَرَها ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في البابِ السّادِسِ ونَقَضَها. ومِمّا مَثَّلَ بِهِ لِإعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً وهي عَيْنُ الأُولى لا غَيْرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] في سُورَةِ النِّساءِ.

الأنعام 6:38

﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ . مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ غامِضٌ بَدْءًا. ونِهايَتُها أشَدُّ غُمُوضًا، ومَوْقِعُها في هَذا السِّياقِ خَفِيُّ المُناسِبَةِ. فاعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ أنَّ لَها خَصائِصَ لِكُلِّ جِنْسٍ ونَوْعٍ مِنها كَما لِأُمَمِ البَشَرِ خَصائِصُها، أيْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ نَوْعٍ ما بِهِ قِوامُهُ وألْهَمَهُ اتِّباعَ نِظامِهِ وأنَّ لَها حَياةً مُؤَجَّلَةً لا مَحالَةَ. فَمَعْنى أمْثالُكُمُ المُماثَلَةُ في الحَياةِ الحَيَوانِيَّةِ وفي اخْتِصاصِها بِنِظامِها. وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أنَّها صائِرَةٌ إلى المَوْتِ. ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: حَشْرُ البَهائِمِ مَوْتُها، أيْ فالحَشْرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَجازٍ قَرِيبٍ إلى حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٧] . فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّها بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] عَلى أنَّها مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهُمْ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] عَلى أنَّها مِن خِطابِ اللَّهِ لَهم. أيْ أنَّ الَّذِي خَلَقَ أنْواعَ الأحْياءِ كُلَّها وجَعَلَها كالأُمَمِ ذاتَ خَصائِصَ جامِعَةٍ لِأفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها فَكانَ خَلْقُها صفحة ٢١٤ آيَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ - لا يُعْجِزُهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ حَسَبَ مُقْتَرَحِكم ولَكِنَّكم لا تَعْلَمُونَ الحِكْمَةَ في عَدَمِ إجابَتِكم لِما سَألْتُمْ. ويَكُونُ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ [الأنعام: ٣٩] الآيَةَ. واضِحَ المُناسِبَةِ، أيْ لا يَهْتَدُونَ إلى ما في عَوالِمِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ فَإنْ نَظَرْنا إلَيْهِ مُسْتَقْبَلًا بِنَصِّهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى ما نِيطَ بِهِ مِن آثارٍ مَرْوِيَّةٍ في تَفْسِيرِهِ؛ فَأوَّلُ ما يَبْدُو لِلنّاظِرِ أنَّ ضَمِيرَيْ (رَبِّهِمْ) و(يُحْشَرُونَ) عائِدانِ إلى (دابَّةٍ) و(طائِرٍ) بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِما عَلى جَماعاتِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ لِوُقُوعِهِما في حَيِّزِ حَرْفِ (مِن) المُفِيدَةِ لِلْعُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَيَتَساءَلُ النّاظِرُ عَنْ ذَلِكَ وهُما ضَمِيرانِ مَوْضُوعانِ لِلْعُقَلاءِ. وقَدْ تَأوَّلُوا لِوُقُوعِ الضَّمِيرَيْنِ عَلى غَيْرِ العُقَلاءِ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ بِناءٌ عَلى التَّغْلِيبِ إذْ جاءَ بَعْدَهُ (إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم) . الوَجْهُ الثّانِي أنَّهُما عائِدانِ إلى ﴿أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾، أيْ أنَّ الأُمَمَ كُلَّها مَحْشُورَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ تَأْوِيلًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ عائِدَيْنِ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في هَذِهِ الآياتِ الَّتِي آخِرُها ضَمِيرٌ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فَيَكُونَ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ مَوْقِعَ الإدْماجِ والِاسْتِطْرادِ مُجابَهَةً لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ لا مَحالَةَ وإنْ أنْكَرُوا ذَلِكَ. فَإذا وقَعَ الِالتِفاتُ إلى ما رُوِيَ مِنَ الآثارِ المُتَعَلِّقَةِ بِالآيَةِ كانَ الأمْرُ مُشْكِلًا. فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لَتُؤَدَّنَّ الحُقُوقُ إلى أهْلِها يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُقادَ لِلشّاةِ الجَلْحاءِ (الَّتِي لا قَرْنَ لَها، وفي رِوايَةِ غَيْرِهِ: الجَمّاءِ) مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ» . ورَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِما عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «انْتَطَحَتْ شاتانِ أوْ عَنْزانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ أتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتا، قُلْتُ: لا، قالَ: لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي وسَيَقْضِي بَيْنَهُما يَوْمَ القِيامَةِ» . فَهَذا مُقْتَضٍ إثْباتَ حَشْرِ الدَّوابِّ لِيَوْمِ الحِسابِ، فَكانَ مَعْناهُ خَفِيَّ الحِكْمَةِ إذْ مِنَ المُحَقَّقِ انْتِفاءُ تَكْلِيفِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ تَبَعًا لِانْتِفاءِ العَقْلِ عَنْها. وكانَ مَوْقِعُها جَلِيَّ المُناسِبَةِ بِما قالَهُ صفحة ٢١٥ الفَخْرُ نَقْلًا عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ بِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ اللَّهُ أنَّ الكُفّارَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ ويُحْشَرُونَ؛ بَيَّنَ بَعْدَهُ أنَّ الدَّوابَّ والطَّيْرَ أُمَمٌ أمْثالُهم في أنَّهم يُحْشَرُونَ. والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ الحَشْرَ والبَعْثَ كَما هو حاصِلٌ في النّاسِ حاصِلٌ في البَهائِمِ. وهَذا ظاهِرُ قَوْلِهِ (يُحْشَرُونَ) لِأنَّ غالِبَ إطْلاقِ الحَشْرِ في القُرْآنِ عَلى الحَشْرِ لِلْحِسابِ، فَيُناسِبُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦]، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ البَعْثَ ويَجْعَلُونَ إخْبارَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ مِن أسْبابِ تُهْمَتِهِ فِيما جاءَ بِهِ، فَلَمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِالآيَةِ السّابِقَةِ بِأنَّهم إلَيْهِ يُرْجَعُونَ زادَ أنْ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ جَهْلَهم فَأخْبَرَهم بِما هو أعْجَبُ مِمّا أنْكَرُوهُ، وهو إعْلامُهم بِأنَّ الحَشْرَ لَيْسَ يَخْتَصُّ بِالبَشَرِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ ما فِيهِ حَياةٌ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ هو قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ . وأمّا ما قَبْلَهُ فَهو بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، أيْ فالدَّوابُّ والطَّيْرُ تُبْعَثُ مِثْلَ البَشَرِ وتَحْضُرُ أفْرادُها كُلُّها يَوْمَ الحَشْرِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي لا مَحالَةَ أنْ يُقْتَصَّ لَها، فَقَدْ تَكُونُ حِكْمَةُ حَشْرِها تابِعَةً لِإلْقاءِ الأرْضِ ما فِيها وإعادَةِ أجْزاءِ الحَيَوانِ. وإذا كانَ المُرادُ مِن هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ ظاهِرَهُما فَإنَّ هَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الحَقِّ يَوْمَ القِيامَةِ لِإصْلاحِ ما فَرَطَ في عالَمِ الفَناءِ مِن رَواجِ الباطِلِ وحُكْمِ القُوَّةِ عَلى العَدالَةِ، ويَكُونُ القِصاصُ بِتَمْكِينِ المَظْلُومِ مِنَ الدَّوابِّ مِن رَدِّ فِعْلِ ظالِمِهِ كَيْلا يَسْتَقِرَّ الباطِلُ. فَهو مِن قَبِيلِ تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها شَبِيهٌ بِخِطابِ الوَضْعِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ثَوابٌ ولا عِقابٌ لِانْتِفاءِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ تَصِيرُ الدَّوابُّ يَوْمَئِذٍ تُرابًا، كَما ورَدَ في رِوايَةٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] . قالَ المازِرِيُّ في المُعَلِّمِ: واضْطَرَبَ العُلَماءُ في بَعْثِ البَهائِمِ. وأقْوى ما تَعَلَّقَ بِهِ مَن يَقُولُ بِبَعْثِها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] . وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كُلَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَدْلِ. ونَسَبَهُ المازِرِيُّ إلى بَعْضِ شُيُوخِهِ قالَ: هو ضَرْبُ مَثَلٍ إعْلامًا لِلْخَلْقِ بِأنْ لا يَبْقى حَقٌّ عِنْدَ أحَدٍ. والدّابَّةُ مُشْتَقَّةٌ مَن دَبَّ إذا مَشى عَلى الأرْضِ، وهي اسْمٌ لِكُلِّ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ. وقَوْلُهُ في الأرْضِ صِفَةٌ قُصِدَ مِنها إفادَةُ التَّعْمِيمِ والشُّمُولِ بِذِكْرِ اسْمِ المَكانِ الَّذِي يَحْوِي جَمِيعَ الدَّوابِّ وهو الأرْضُ، وكَذَلِكَ وصْفُ (طائِرٍ) بِقَوْلِهِ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ صفحة ٢١٦ قَصَدَ بِهِ الشُّمُولَ والإحاطَةَ، لِأنَّهُ وصْفٌ آيِلٌ إلى مَعْنى التَّوْكِيدِ، لِأنَّ مُفادَ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ أنَّهُ طائِرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا طائِرٌ ولا طائِرٌ. والتَّوْكِيدُ هُنا يُؤَكِّدُ مَعْنى الشُّمُولِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ (مِنَ) الزّائِدَةُ في سِياقِ النَّفْيِ، فَحَصَلَ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ تَقْرِيرُ مَعْنى الشُّمُولِ الحاصِلِ مِن نَفْيِ اسْمَيِ الجِنْسَيْنِ. ونُكْتَةُ التَّوْكِيدِ أنَّ الخَبَرَ لِغَرابَتِهِ عِنْدَهم وكَوْنِهِ مَظِنَّةَ إنْكارِهِمْ أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُؤَكَّدَ. ووَقَعَ في المِفْتاحِ في بَحْثِ إتْباعِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالبَيانِ أنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَصْدَ مِنَ اللَّفْظَيْنِ الجِنْسُ لا بَعْضُ الأفْرادِ وهو غَيْرُ ما في الكَشّافِ، وكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنَّ المَقْصُودَ بَعْضُ الأفْرادِ ووُجُودُ (مِن) في النَّفْيِ نَصٌّ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ دُونَ الوَحْدَةِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ وصْفُ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وارِدًا لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ في طائِرٍ كَما جَنَحَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ وإنْ كانَ رَفْعُ احْتِمالِ المَجازِ مِن جُمْلَةِ نُكَتِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، ولِأنَّ اعْتِبارَ تَأْكِيدِ العُمُومِ أوْلى، بِخِلافِ نَحْوِ قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُهُ بِعَيْنَيَّ وسَمِعْتُهُ بِأُذُنَيَّ. وقَوْلِ صَخْرٍ: واتَّخَذَتْ مِن شَعَرٍ صِدارَها إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الصَّدارَ لا يَكُونُ إلّا مَن شَعَرٍ. و(أُمَمٌ) جَمْعُ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ أصْلُها الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ المُتَماثِلَةُ في صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ مِن نَسَبٍ أوْ لُغَةٍ أوْ عادَةٍ أوْ جِنْسٍ أوْ نَوْعٍ. قِيلَ: سُمِّيَتْ أُمَّةً لِأنَّ أفْرادَها تَؤُمُّ أُمَمًا واحِدًا وهو ما يَجْمَعُ مُقَوِّماتِها. وأحْسَبُ أنَّ لَفْظَ أُمَّةٍ خاصٌّ بِالجَماعَةِ العَظِيمَةِ مِنَ البَشَرِ، فَلا يُقالُ في اللُّغَةِ أُمَّةُ المَلائِكَةِ ولا أُمَّةُ السِّباعِ. فَأمّا إطْلاقُ الأُمَمِ عَلى الدَّوابِّ والطَّيْرِ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مَجازٌ، أيْ مِثْلُ الأُمَمِ لِأنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنها تَجْتَمِعُ أفْرادُهُ في صِفاتٍ مُتَّحِدَةٍ بَيْنَها أُمَمًا واحِدَةً، وهو ما يَجْمَعُها وأحْسَبُ أنَّها خاصَّةٌ بِالبَشَرِ. و(دابَّةٍ) و(طائِرٍ) في سِياقِ النَّفْيِ يُرادُ بِهِما جَمِيعُ أفْرادِ النَّوْعَيْنِ كَما هو شَأْنُ الِاسْتِغْراقِ، فالإخْبارُ عَنْهُما بِلَفْظِ (أُمَمٌ) وهو جَمْعٌ عَلى تَأْوِيلِهِ بِجَماعاتِها، أيْ إلّا جَماعاتُها أُمَمٌ، أوْ إلّا أفْرادُ أُمَمٍ. صفحة ٢١٧ وتَشْمَلُ الأرْضُ البَحْرَ لِأنَّهُ مِنَ الأرْضِ ولِأنَّ مَخْلُوقاتِهِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَفْظُ الدّابَّةِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ سَرِيَّةِ سَيْفِ البَحْرِ قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «فَألْقى لَنا البَحْرُ دابَّةً يُقالُ لَها العَنْبَرُ» . والمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ أمْثالُكُمُ التَّشابُهُ في فُصُولِ الحَقائِقِ والخاصّاتِ الَّتِي تُمَيِّزُ كُلَّ نَوْعٍ مِن غَيْرِهِ، وهي النُّظُمُ الفِطْرِيَّةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها أنْواعَ المَخْلُوقاتِ. فالدَّوابُّ والطَّيْرُ تُماثِلُ الأناسِيَّ في أنَّها خُلِقَتْ عَلى طَبِيعَةٍ تَشْتَرِكُ فِيها أفْرادُ أنْواعِها وأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ مُعْطاةٌ حَياةً مُقَدَّرَةً مَعَ تَقْدِيرِ أرْزاقِها ووِلادَتِها وشَبابِها وهِرَمِها، ولَها نُظُمٌ لا تَسْتَطِيعُ تَبْدِيلَها. ولَيْسَتِ المُماثَلَةُ بِراجِعَةٍ إلى جَمِيعِ الصِّفاتِ فَإنَّها لا تُماثِلُ الإنْسانَ في التَّفْكِيرِ والحَضارَةِ المُكْتَسَبَةِ مِنَ الفِكْرِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الإنْسانُ. ولِذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ الإنْسانِ نِظامُ دَوْلَةٍ ولا شَرائِعُ ولا رُسُلٌ تُرْسَلُ إلَيْهِنَّ لِانْعِدامِ عَقْلِ التَّكْلِيفِ فِيهِنَّ، وكَذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ تُوصَفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] فَذَلِكَ بِلِسانِ الحالِ في العَجْماواتِ حِينَ نَراها بَهِجَةً عِنْدَ حُصُولِ ما يُلائِمُها فَنَراها مَرِحَةً فَرِحَةً. وإنَّما ذَلِكَ بِما ساقَ اللَّهُ إلَيْها مِنَ النِّعْمَةِ وهي لا تَفْقَهُ أصْلَها ولَكِنَّها تُحِسُّ بِأثَرِها فَتَبْتَهِجُ، ولِأنَّ في كُلَّ نَوْعٍ مِنها خَصائِصَ لَها دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعِلْمِهِ تَخْتَلِفُ عَنْ بَقِيَّةِ الأنْواعِ مِن جِنْسِهِ، والمَقْصِدُ مِن هَذا صَرْفُ الأفْهامِ إلى الِاعْتِبارِ بِنِظامِ الخَلْقِ الَّذِي أوْدَعَهُ اللَّهُ في كُلِّ نَوْعٍ، والخِطابُ في قَوْلِهِ أمْثالُكم مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ. فالكِتابُ هُنا بِمَعْنى المَكْتُوبِ، وهو المُكَنّى عَنْهُ بِالقَلَمِ المُرادِ بِهِ ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ وإرادَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] . وقِيلَ الكِتابُ بِالقُرْآنِ. وهَذا بَعِيدٌ إذْ لا مُناسَبَةَ بِالغَرَضِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، فَقَدْ أوْرَدَ كَيْفَ يَشْتَمِلُ القُرْآنُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ. وقَدْ بَسَطَ فَخْرُ الدِّينِ بَيانَ ذَلِكَ لِاخْتِيارِ هَذا القَوْلِ وكَذَلِكَ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ في المُوافَقاتِ. والتَّفْرِيطُ: التَّرْكُ والإهْمالُ، وتَقَدَّمَ بَيانَهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: قالُوا ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] . والشَّيْءُ هو المَوْجُودُ. والمُرادُ بِهِ هُنا أحْوالُ المَخْلُوقاتِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ فَشَمِلَ أحْوالَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ فَإنَّها مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُقَدَّرَةٌ عِنْدِهِ بِما أوْدَعَ فِيها مِن حِكْمَةِ خَلْقِهِ تَعالى. صفحة ٢١٨ وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ آنِفًا في أوَّلِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وفِي الآيَةِ تَنْبِيهٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى الرِّفْقِ بِالحَيَوانِ فَإنَّ الإخْبارَ بِأنَّها أُمَمٌ أمْثالُنا تَنْبِيهٌ عَلى المُشارَكَةِ في المَخْلُوقِيَّةِ وصِفاتِ الحَيَوانِيَّةِ كُلِّها. وفي قَوْلِهِ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ إلْقاءً لِلْحَذَرِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْها بِما نَهى الشَّرْعُ عَنْهُ مِن تَعْذِيبِها وإذا كانَ يُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ وهي غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ، فالِاقْتِصاصُ مِنَ الإنْسانِ لَها أوْلى بِالعَدْلِ. وقَدْ ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أنَّ اللَّهَ شَكَرَ لِلَّذِي سَقى الكَلْبَ العَطْشانَ»، «وأنَّ اللَّهَ أدْخَلَ امْرَأةً النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها فَماتَتْ جُوعًا» .

الأنعام 6:39

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ مِن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) . والمَعْنى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ يَسْتَمِعُوا لَها، أيْ لا يَسْتَجِيبُونَ - بِمَنزِلَةِ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظُلُماتٍ لا يَهْتَدُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ اسْتِئْنافِيَّةً، أيْ عاطِفَةً كَلامًا مُبْتَدَأً لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِجُمْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ ولَكِنَّهُ ناشِئٌ عَنْ جَمِيعِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ مِن مَخْلُوقاتِهِ وآثارِ قُدْرَتِهِ ما شَأْنُهُ أنْ يُعَرِّفَ النّاسَ بِوَحْدانِيَّتِهِ ويَدُلَّهم عَلى آياتِهِ وصِدْقِ رَسُولِهِ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّ المُكَذِّبِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ عَنِ الِاهْتِداءِ لِذَلِكَ، وعَنِ التَّأمُّلِ والتَّفْكِيرِ فِيهِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُناسِبَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ جُمْلَةِ (وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ) الآيَةَ. قَدْ تَعَرَّضْنا إلَيْها آنِفًا. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا المُشْرِكُونَ الَّذِينَ مَضى الكَلامُ عَلى أحْوالِهِمْ عُمُومًا وخُصُوصًا. وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في ضَلالِ عَقائِدِهِمْ والِابْتِعادِ عَنِ الِاهْتِداءِ بِحالِ قَوْمٍ صُمٍّ وبُكْمٍ في ظَلامٍ. فالصَّمَمُ يَمْنَعُهم مِن تَلَقِّي هُدى مَن يَهْدِيهِمْ، صفحة ٢١٩ والبَكَمُ يَمْنَعُهم مِنَ الِاسْتِرْشادِ مِمَّنْ يَمُرُّ بِهِمْ، والظَّلامُ يَمْنَعُهم مِنَ التَّبَصُّرِ في الطَّرِيقِ أوِ المَنفَذِ المُخْرِجِ لَهم مِن مَأْزِقِهِمْ. وإنَّما قِيلَ في الظُّلُماتِ ولَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم عُمْيٌ كَما في قَوْلِهِ ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] لِيَكُونَ لِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها ما يَصْلُحُ لِشَبَهِ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ فَإنَّ الكُفْرَ الَّذِي هم فِيهِ والَّذِي أصارَهم إلى اسْتِمْرارِ الضَّلالِ يُشْبِهُ الظُّلُماتِ في الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الدّاخِلِ فِيهِ وبَيْنَ الِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ. وفي الحَدِيثِ «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ» . فَهَذا التَّمْثِيلُ جاءَ عَلى أتَمِّ شُرُوطِ التَّمْثِيلِ. وهو قَبُولُهُ لِتَفْكِيكِ أجْزاءِ الهَيْئَتَيْنِ إلى تَشْبِيهاتٍ مُفْرَدَةٍ، كَقَوْلِبَشّارٍ: كَأنَّ مُثارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنا وأسْيافَنا لَيْلٌ تَهاوى كَواكِبُهْ وجَمْعُ الظُّلُماتِ جارٍ عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ اسْتِعْمالِ الظُّلْمَةِ مُفْرَدًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى ظُلْمَةِ الكُفْرِ، وظُلْمَةِ الجَهْلِ، وظُلْمَةِ العِنادِ. وقَوْلُهُ ﴿صُمٌّ وبُكْمٌ﴾ خَبَرٌ ومَعْطُوفٌ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ في الظُّلُماتِ خَبَرٌ ثالِثٌ لِأنَّهُ يَجُوزُ في الأخْبارِ المُتَعَدِّدَةِ ما يَجُوزُ في النُّعُوتِ المُتَعَدِّدَةِ مِنَ العَطْفِ وتَرْكِهِ. وقَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ تُثِيرُ سُؤالًا وهو أنْ يَقُولَ قائِلٌ ما بالُهم لا يَهْتَدُونَ مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّناتِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهم فَلا يَهْتَدُونَ، وأنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ هم مِمَّنْ شاءَ اللَّهُ إضْلالَهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ بِالحَذْفِ لِظُهُورِ المَحْذُوفِ، وهَذا مُرْتَبِطٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] . ومَعْنى إضْلالِ اللَّهِ تَقْدِيرُهُ الضَّلالَ؛ بِأنْ يَخْلُقَ الضّالَّ بِعَقْلٍ قابِلٍ لِلضَّلالِ مُصِرٍّ عَلى ضَلالِهِ عَنِيدٍ عَلَيْهِ فَإذا أخَذَ في مَبادِئِ الضَّلالِ كَما يَعْرِضُ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ فَوَعَظَهُ واعِظٌ أوْ خَطَرَ لَهُ في نَفْسِهِ خاطِرٌ أنَّهُ عَلى ضَلالٍ مَنَعَهُ إصْرارُهُ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ فَلا يَزالُ يَهْوِي بِهِ في مَهاوِي الضَّلالَةِ حَتّى يَبْلُغَ بِهِ إلى غايَةِ التَّخَلُّقِ بِالضَّلالِ فَلا يَنْكَفُّ عَنْهُ. وهَذا مِمّا أشارَ صفحة ٢٢٠ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يَكُونَ صِدِّيقًا وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» . وكُلُّ هَذا مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالتَّكْوِينِ والخَلْقِ وهو تَصَرُّفُ القَدَرِ. ولَهُ اتِّصالٌ بِنامُوسِ التَّسَلْسُلِ في تَطَوُّرِ أحْوالِ البَشَرِ في تَصَرُّفاتٍ بِعُقُولِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، وهي سِلْسِلَةٌ بَعِيدَةُ المَدى اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ نِظامِ هَذا العالَمِ، ولا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولَيْسَ هَذا الإضْلالُ بِالأمْرِ بِالضَّلالِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ ولا بِتَلْقِينِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ وتَسْهِيلِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ، كَما أنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَمَ مَن أرادَ إضْلالَهُ مِنِ انْتِشالِهِ واللُّطْفِ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلُ مَن هو أعْلَمُ بِأهْلِهِ. ومَفْعُولُ (يَشَأْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ، كَما هو الشّائِعُ في مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا. والصِّراطُ هو الطَّرِيقُ البَيِّنُ. ومَعْنى المُسْتَقِيمُ أنَّهُ لا اعْوِجاجَ فِيهِ، لِأنَّ السَّيْرَ في الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أيْسَرُ عَلى السّائِرِ وأقْرَبُ وُصُولًا إلى المَقْصُودِ. ومَعْنى (عَلى) الِاسْتِعْلاءُ. وهو اسْتِعْلاءُ السّائِرِ عَلى الطَّرِيقِ. فالكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ فَمَنَّ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ يَرْعَوِي مِن غَيِّهِ ويُصْغِي إلى النَّصِيحَةِ فَلا يَقَعُ في الفَسادِ فاتَّبَعَ الدِّينَ الحَقَّ، بِحالِ السّائِرِ في طَرِيقٍ واضِحَةٍ لا يَتَحَيَّرُ ولا يُخْطِئُ القَصْدَ، ومُسْتَقِيمَةٌ لا تُطَوِّحُ بِهِ في طُولِ السَّيْرِ. وهَذا التَّمْثِيلُ أيْضًا صالِحٌ لِتَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . فالدِّينُ يُشْبِهُ الصِّراطَ المُوَصِّلَ بِغَيْرِ عَناءٍ، والهَدْيُ إلَيْهِ شَبِيهُ الجَعْلِ عَلى الصِّراطِ.

الأنعام 6:40

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ . صفحة ٢٢١ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِالوَعِيدِ طَرْدًا لِلْأغْراضِ السّابِقَةِ، وتَخَلَّلَهُ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى خَلْعِ الشِّرْكِ إذْ لَيْسَ لِشُرَكائِهِمْ نَفْعٌ بِأيْدِيهِمْ، فَذُكِّرُوا بِأحْوالٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهم يَلْجَئُونَ فِيها إلى اللَّهِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ: أيَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ في تِلْكَ الحالَةِ وهَلْ يَسْتَمِرُّونَ مِنَ الآنَ عَلى الشِّرْكِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أوْ تَأْتِيَهُمُ القِيامَةُ حِينَ يَلْجَئُونَ إلى الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، ولاتَ حِينَ إيمانٍ. وافْتَتَحَ هَذا التَّهْدِيدَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهِ وإلّا فَإنَّ مُعْظَمَ ما في القُرْآنِ مَأْمُورٌ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم. وقَدْ تَتابَعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ في الآياتِ بَعْدَ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. ووَرَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ (أرَأيْتَكم) تَرْكِيبٌ شَهِيرُ الِاسْتِعْمالِ، يُفْتَتَحُ بِمِثْلِهِ الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فِيهِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ. و(رَأى) فِيهِ بِمَعْنى الظَّنِّ. يُسْنَدُ إلى تاءِ خِطابٍ تُلازِمُ حالَةً واحِدَةً مُلازِمَةً حَرَكَةً واحِدَةً، وهي الفُتْحَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَدَدِ المُخاطَبِ وصِنْفِهِ سَواءٌ كانَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَهُ، مُذَكَّرًا أوْ غَيْرَهُ، ويُجْعَلُ المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذا التَّرْكِيبِ غالِبًا ضَمِيرَ خِطابٍ عائِدًا إلى فاعِلِ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ومُسْتَغْنًى بِهِ لِبَيانِ المُرادِ بِتاءِ الخِطابِ. والمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ نَفْسَهُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ، فالمُخاطَبُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ أفْعالِ بابِ الظَّنِّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُها ومَفْعُولُها واحِدًا وأُلْحِقَ بِأفْعالِ العِلْمِ فِعْلانِ: فَقَدَ، وعَدِمَ في الدُّعاءِ، نَحْوَ فَقَدْتُنِي، وتَقَعُ بَعْدَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ جُمْلَةً في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي، وقَدْ يَجِيءُ في تِلْكَ الجُمْلَةِ ما يُعَلِّقُ فِعْلَ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ. هَذا هو الوَجْهُ في تَحْلِيلِ هَذا التَّرْكِيبِ. وبَعْضُ النُّحاةِ يَجْعَلُ تِلْكَ الجُمْلَةَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ تَقَصِّيًا مِن جَعْلِ ضَمائِرِ الخِطابِ مَفاعِيلَ إذْ يَجْعَلُونَها مُجَرَّدَ عَلاماتِ خِطابٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ حِفاظًا عَلى مُتَعارَفِ قَواعِدِ النَّحْوِ في الِاسْتِعْمالِ الأصْلِيِّ المُتَعارَفِ مَعَ أنَّ لِغَرائِبَ الِاسْتِعْمالِ أحْوالًا خاصَّةً لا يَنْبَغِي غَضُّ النَّظَرِ عَنْها إلّا إذا قُصِدَ بَيانُ أصْلِ الكَلامِ أوْ عَدَمُ التَّشْوِيشِ عَلى المُتَعَلِّمِينَ. ولا يَخْفى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو أشَدُّ صفحة ٢٢٢ غَرابَةً وهو الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيْ خِطابٍ مُخْتَلِفَتَيْنِ في الصُّورَةِ ومَرْجِعُهُما مُتَّحِدٌ. وعَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي في هَذا التَّرْكِيبِ هو جُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ. وإنَّما تُرِكَتِ التّاءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَمّا جُعِلَتْ ذاتُ الفاعِلِ ذاتَ المَفْعُولِ إعْرابًا ورامُوا أنْ يَجْعَلُوا هَذا التَّرْكِيبَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ في كَوْنِهِ قَلِيلَ الألْفاظِ وافِرَ المَعْنى تَجَنَّبُوا ما يُحْدِثُهُ الجَمْعُ بَيْنَ ضَمِيرَيْ خِطابٍ مَرْفُوعٍ ومَنصُوبٍ مِنَ الثِّقَلِ في نَحْوِ أرَأيْتُماكُما، وأرَأيْتُمْكم وأرَيْتُنَّكُنَّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، سَلَكُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الغَرِيبَةَ فاسْتَغْنَوْا بِاخْتِلافِ حالَةِ الضَّمِيرِ الثّانِي عَنِ اخْتِلافِ حالَةِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، وبِذَلِكَ تَأتّى أنْ يَكُونَ هَذا التَّرْكِيبُ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ تَسْهِيلًا لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِهِ اسْتِعْمالًا خاصًّا لا يُغَيَّرُ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ لا تُكْسَرُ تِلْكَ التّاءُ في خِطابِ المُؤَنَّثِ ولا تُضَمُّ في خِطابِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ. وعَنِ الأخْفَشِ: أخْرَجَتِ العَرَبُ هَذا اللَّفْظَ مِن مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَألْزَمَتْهُ الخِطابَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلى مَعْنى (أمّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَجَعَلَتِ الفاءَ بَعْدَهُ في بَعْضِ اسْتِعْمالاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ أخْرَجَتْ أرَأيْتَ لِمَعْنى (أمّا)، وأخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى (أخْبَرَنِي) فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنَ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ؛ وتَلْزَمُ الجُمْلَةَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ. اهـ. فِي الكَشّافِ: مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ، ثُمَّ بَكَّتْهم بِقَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، أيْ أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَها بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ اهـ. وجُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ هي المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ أرَأيْتَكم. واعْلَمْ أنَّ هَذا اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بِهَذا التَّرْكِيبِ الخاصِّ الجارِي مَجْرى المَثَلِ، فَأمّا إذا أُرِيدَ جَرَيانُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ العِلْمِيَّةِ عَلى أصْلِ بابِهِ فَإنَّهُ يَجْرِي عَلى المُتَعارَفِ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ صفحة ٢٢٣ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولَيْهِ. فَمَن قالَ لَكَ: رَأيْتُنِي عالِمًا بِفُلانٍ. فَأرَدْتَ التَّحَقُّقَ فِيهِ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ عالِمًا بِفُلانٍ. وتَقُولُ لِلْمُثَنّى: أرَأيْتُماكُما عالِمَيْنِ بِفُلانٍ، ولِلْجَمْعِ: أرَأيْتُمُوكم، ولِلْمُؤَنَّثَةِ: أرَأيْتِكِ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأهُ نافِعٌ في المَشْهُورِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ ألِفًا؛ وعَنْهُ رِوايَةٌ بِجَعْلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ، فَيَقُولُ: أرَيْتَ وهي لُغَةٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ. وجُمْلَةُ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها لِدَلالَةِ جُمْلَةِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلَيْهِ. وإتْيانُ العَذابِ: حُلُولُهُ وحُصُولُهُ، فَهو مَجازٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإتْيانِ المَجِيءُ، وهو الِانْتِقالُ مِن مَوْضِعٍ بَعِيدٍ إلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ مَفْعُولُ الإتْيانِ، فَيُطْلَقُ مَجازًا عَلى حُصُولِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا. وكَذَلِكَ القَوْلُ في إتْيانِ السّاعَةِ سَواءٌ. ووَجْهُ إعادَةِ فِعْلِ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَعَ كَوْنِ حَرْفِ العَطْفِ مُغْنِيًا عَنْ إعادَةِ العامِلِ بِأنْ يُقالَ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوِ السّاعَةُ، هو ما يُوَجَّهُ بِهِ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ مِن إرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُظْهَرِ بِحَيْثُ يُعادُ لَفْظُهُ الصَّرِيحُ لِأنَّهُ أقْوى اسْتِقْرارًا في ذِهْنِ السّامِعِ. والِاهْتِمامُ هُنا دَعا إلَيْهِ التَّهْوِيلُ وإدْخالُ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ بِأنْ يُصَرَّحَ بِإسْنادِ هَذا الإتْيانِ لِاسْمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الدّالِّ عَلى أمْرٍ مَهُولٍ لِيَدُلَّ تَعَلُّقُ هَذا الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ عَلى تَهْوِيلِهِ وإراعَتِهِ. وقَدِ اسْتَشْعَرَ الِاحْتِياجَ إلى تَوْجِيهِ إعادَةِ الفِعْلِ هُنا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّهُ وجَّهَهُ بِأنَّهُ إذا كانَ العامِلانِ مُتَفاوِتَيْنِ في المَعْنى لِكَوْنِ أحَدِهِما أشَدَّ يُعادُ العامِلُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ إشْعارًا بِالتَّفاوُتِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ أشَدُّ مِن إتْيانِ السّاعَةِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِعَذابِ اللَّهِ عَذابُ الآخِرَةِ أوْ كانَ العامِلانِ مُتَباعِدَيْنِ. فَإنْ أُرِيدَ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ وبِعَذابِ اللَّهِ المَحْقُ والرَّزايا في الدُّنْيا فَيَعْقُبُهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ تامَّةٍ. وإنْ أُرِيدَ بِالسّاعَةِ المُدَّةِ فالمَحْقُ الدُّنْيَوِيُّ كَثِيرٌ، مِنهُ مُتَقَدِّمٌ ومِنهُ مُتَأخِّرٌ إلى المَوْتِ، فالتَّقَدُّمُ ظاهِرٌ اهـ. وفي تَوْجِيهِهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمالُ. صفحة ٢٢٤ وإضافَةُ العَذابِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِهِ لِصُدُورِهِ مِن أقْدَرِ القادِرِينَ. والمُرادُ عَذابٌ يَحْصُلُ في الدُّنْيا يَضَّرَّعُونَ إلى اللَّهِ لِرَفْعِهِ عَنْهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، فَإنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ بِطَلَبِ رَفْعِ عَذابِ الجَزاءِ. وهَذا تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ. والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ انْقِراضِ الدُّنْيا، أيْ إنْ أدْرَكَتْكُمُ السّاعَةُ. وتَقْدِيمُ أغَيْرَ اللَّهِ عَلى عامِلِهِ وهو تَدْعُونَ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ المُسْتَفْهَمُ عَنْها جُمْلَةَ قَصْرٍ، أيْ أتُعْرِضُونَ عَنْ دُعاءِ اللَّهِ فَتَدْعُونَ غَيْرَهُ دُونَهُ كَما هو دَأْبُكُمُ الآنَ، فالقَصْرُ لِحِكايَةِ حالِهِمْ لا لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى الغَيْرِ. وقَدْ دَلَّ الكَلامُ عَلى التَّعَجُّبِ، أيْ تَسْتَمِرُّونَ عَلى هَذِهِ الحالِ. والكَلامُ زِيادَةٌ في الإنْذارِ. وجُمْلَةُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أرَأيْتَكُمُ) الَّذِي هو بِمَعْنى التَّقْرِيرِ. فَتَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأنَّكم لا تَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ. ذَكَّرَهم في هَذِهِ الآيَةِ وألْجَأهم إلى النَّظَرِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إذا أرادُ اللَّهُ عَذابَهم لا تَسْتَطِيعُ آلِهَتُهم دَفْعَهُ عَنْهم، فَهم إنْ تَوَخَّوُا الصِّدْقَ في الخَبَرِ عَنْ هَذا المُسْتَقْبِلِ أعادُوا التَّأمُّلَ فَلا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ إذا شاءَ شَيْئًا لا يَدْفَعُهُ غَيْرُهُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الأصْنامَ إنَّما تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى، فَإذا صَدَقُوا وقالُوا: نَدْعُو اللَّهَ، فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآنَ لِأنَّ مَن لا يُغْنِي في بَعْضِ الشَّدائِدِ لا يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في بَعْضٍ آخَرَ. ولِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ (﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾) عَقِبَ هَذا الِاسْتِفْهامِ مُوقِعَ النَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ. فَحَرْفُ بَلْ لِإبْطالِ دَعْوَةِ غَيْرِ اللَّهِ. أيْ فَأنا أُجِيبُ عَنْكم بِأنَّكم لا تَدْعُونَ إلّا اللَّهَ. ووَجْهُ تَوَلِّي الجَوابِ عَنْهم مِنَ السّائِلِ نَفْسِهِ أنَّ هَذا الجَوابَ لَمّا كانَ لا يَسَعُ المَسْئُولَ إلّا إقْرارُهُ صَحَّ أنْ يَتَوَلّى السّائِلُ الجَوابَ عَنْهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ﴾ [الأنعام: ١٢] لِلَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى تَدْعُونَ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرُ إفْرادٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في زَعْمِهِمْ أنَّهم يَدَعُونَ اللَّهَ ويَدْعُونَ أصْنامَهم، وهم وإنْ كانُوا لَمْ يَزْعُمُوا ذَلِكَ في حالِ صفحة ٢٢٥ ما إذا أتاهم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْهُمُ السّاعَةُ؛ إلّا أنَّهم لَمّا ادَّعَوْهُ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَسْتَصْحِبُ هَذا الزَّعْمَ في تِلْكَ الحالَةِ أيْضًا. وقَوْلُهُ (فَيَكْشِفُ) عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ، وهَذا إطْماعٌ في رَحْمَةِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ولِأجْلِ التَّعْجِيلِ بِهِ قَدَّمَ (وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) وكانَ حَقُّهُ التَّأْخِيرَ. فَهو شَبِيهٌ بِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ. ومَفْعُولُ تَدْعُونَ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ ما تَدْعُونَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (إلى) عائِدٌ عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ ما تَدْعُونَ أيْ يَكْشِفُ الَّذِي تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ. وإنَّما قَيَّدَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهم بِالمَشِيئَةِ لِأنَّهُ إطْماعٌ لا وعْدٌ. وعُدِّيَ فِعْلُ تَدْعُونَ بِحَرْفِ (إلى) لِأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ نِداءٌ فَكَأنَّ المَدْعُوَّ مَطْلُوبٌ بِالحُضُورِ إلى مَكانِ اليَأْسِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وفِي قَوْلِهِ إنْ شاءَ إشارَةً إلى مُقابِلِهِ، وهو إنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْشِفْ، وذَلِكَ في عَذابِ الدُّنْيا. وأمّا إتْيانُ السّاعَةِ فَلا يُكْشَفُ إلّا أنْ يُرادَ بِإتْيانِها ما يَحْصُلُ مَعَها مِنَ القَوارِعِ والمَصائِبِ مِن خَسْفٍ وشِبْهِهِ فَيَجُوزُ كَشْفُهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ. ومِمّا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم مِن عَذابِ الدُّنْيا عَذابُ الجُوعِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فُسِّرَتِ البَطْشَةُ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وجُمْلَةُ (فَيَكْشِفُ) إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إيّاهُ تَدْعُونَ﴾، أيْ فَإنَّكم في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ، وهو الأصْنامُ. وقَوْلُهُ ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ تَذْهَلُونَ عَنِ الأصْنامِ لِما تَرَوْنَ مِن هَوْلِ العَذابِ وما يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ مِن أنَّهُ مُرْسَلٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ فَتَنْشَغِلُ أذْهانُهم بِالَّذِي أرْسَلَ العَذابَ ويَنْسَوْنَ الأصْنامَ الَّتِي اعْتادُوا أنْ يَسْتَشْفِعُوا بِها صفحة ٢٢٦ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في التَّرْكِ والإعْراضِ، أيْ وتُعْرِضُونَ عَنِ الأصْنامِ، إذْ لَعَلَّهم يُلْهِمُونَ أوْ يَسْتَدِلُّونَ في تِلْكَ السّاعَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَكْشِفُ عَنْهم مِن ذَلِكَ العَذابِ شَيْئًا، وإطْلاقُ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤]، أيْ نُهْمِلُكم كَما أنْكَرْتُمْ لِقاءَ اللَّهِ هَذا اليَوْمَ. ومِن قَبِيلِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] . وفِي قَوْلِهِ ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُجِيبُ دَعْوَةَ الكافِرِ في الدُّنْيا تَبَعًا لِإجْراءِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ. والخِلافُ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ آئِلٌ إلى الِاخْتِلافِ اللَّفْظِيِّ.

الأنعام 6:41

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ . صفحة ٢٢١ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يَتَضَمَّنُ تَهْدِيدًا بِالوَعِيدِ طَرْدًا لِلْأغْراضِ السّابِقَةِ، وتَخَلَّلَهُ تَعْرِيضٌ بِالحَثِّ عَلى خَلْعِ الشِّرْكِ إذْ لَيْسَ لِشُرَكائِهِمْ نَفْعٌ بِأيْدِيهِمْ، فَذُكِّرُوا بِأحْوالٍ قَدْ تَعْرِضُ لَهم يَلْجَئُونَ فِيها إلى اللَّهِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِمْ سُؤالٌ: أيَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ في تِلْكَ الحالَةِ وهَلْ يَسْتَمِرُّونَ مِنَ الآنَ عَلى الشِّرْكِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أوْ تَأْتِيَهُمُ القِيامَةُ حِينَ يَلْجَئُونَ إلى الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، ولاتَ حِينَ إيمانٍ. وافْتَتَحَ هَذا التَّهْدِيدَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ اهْتِمامًا بِهِ وإلّا فَإنَّ مُعْظَمَ ما في القُرْآنِ مَأْمُورٌ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم. وقَدْ تَتابَعَ الأمْرُ بِالقَوْلِ في الآياتِ بَعْدَ هَذِهِ إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. ووَرَدَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ (أرَأيْتَكم) تَرْكِيبٌ شَهِيرُ الِاسْتِعْمالِ، يُفْتَتَحُ بِمِثْلِهِ الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فِيهِ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ. و(رَأى) فِيهِ بِمَعْنى الظَّنِّ. يُسْنَدُ إلى تاءِ خِطابٍ تُلازِمُ حالَةً واحِدَةً مُلازِمَةً حَرَكَةً واحِدَةً، وهي الفُتْحَةُ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ عَدَدِ المُخاطَبِ وصِنْفِهِ سَواءٌ كانَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَهُ، مُذَكَّرًا أوْ غَيْرَهُ، ويُجْعَلُ المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذا التَّرْكِيبِ غالِبًا ضَمِيرَ خِطابٍ عائِدًا إلى فاعِلِ الرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ ومُسْتَغْنًى بِهِ لِبَيانِ المُرادِ بِتاءِ الخِطابِ. والمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ نَفْسَهُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ، فالمُخاطَبُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ أفْعالِ بابِ الظَّنِّ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُها ومَفْعُولُها واحِدًا وأُلْحِقَ بِأفْعالِ العِلْمِ فِعْلانِ: فَقَدَ، وعَدِمَ في الدُّعاءِ، نَحْوَ فَقَدْتُنِي، وتَقَعُ بَعْدَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ جُمْلَةً في مَوْضِعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي، وقَدْ يَجِيءُ في تِلْكَ الجُمْلَةِ ما يُعَلِّقُ فِعْلَ الرُّؤْيَةِ عَنِ العَمَلِ. هَذا هو الوَجْهُ في تَحْلِيلِ هَذا التَّرْكِيبِ. وبَعْضُ النُّحاةِ يَجْعَلُ تِلْكَ الجُمْلَةَ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ تَقَصِّيًا مِن جَعْلِ ضَمائِرِ الخِطابِ مَفاعِيلَ إذْ يَجْعَلُونَها مُجَرَّدَ عَلاماتِ خِطابٍ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وذَلِكَ حِفاظًا عَلى مُتَعارَفِ قَواعِدِ النَّحْوِ في الِاسْتِعْمالِ الأصْلِيِّ المُتَعارَفِ مَعَ أنَّ لِغَرائِبَ الِاسْتِعْمالِ أحْوالًا خاصَّةً لا يَنْبَغِي غَضُّ النَّظَرِ عَنْها إلّا إذا قُصِدَ بَيانُ أصْلِ الكَلامِ أوْ عَدَمُ التَّشْوِيشِ عَلى المُتَعَلِّمِينَ. ولا يَخْفى أنَّ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ هو أشَدُّ صفحة ٢٢٢ غَرابَةً وهو الجَمْعُ بَيْنَ عَلامَتَيْ خِطابٍ مُخْتَلِفَتَيْنِ في الصُّورَةِ ومَرْجِعُهُما مُتَّحِدٌ. وعَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْناهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي في هَذا التَّرْكِيبِ هو جُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ. وإنَّما تُرِكَتِ التّاءُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لِأنَّهُ لَمّا جُعِلَتْ ذاتُ الفاعِلِ ذاتَ المَفْعُولِ إعْرابًا ورامُوا أنْ يَجْعَلُوا هَذا التَّرْكِيبَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ في كَوْنِهِ قَلِيلَ الألْفاظِ وافِرَ المَعْنى تَجَنَّبُوا ما يُحْدِثُهُ الجَمْعُ بَيْنَ ضَمِيرَيْ خِطابٍ مَرْفُوعٍ ومَنصُوبٍ مِنَ الثِّقَلِ في نَحْوِ أرَأيْتُماكُما، وأرَأيْتُمْكم وأرَيْتُنَّكُنَّ، ونَحْوِ ذَلِكَ، سَلَكُوا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الغَرِيبَةَ فاسْتَغْنَوْا بِاخْتِلافِ حالَةِ الضَّمِيرِ الثّانِي عَنِ اخْتِلافِ حالَةِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ اخْتِصارًا وتَخْفِيفًا، وبِذَلِكَ تَأتّى أنْ يَكُونَ هَذا التَّرْكِيبُ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ تَسْهِيلًا لِشُيُوعِ اسْتِعْمالِهِ اسْتِعْمالًا خاصًّا لا يُغَيَّرُ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ لا تُكْسَرُ تِلْكَ التّاءُ في خِطابِ المُؤَنَّثِ ولا تُضَمُّ في خِطابِ المُثَنّى والمَجْمُوعِ. وعَنِ الأخْفَشِ: أخْرَجَتِ العَرَبُ هَذا اللَّفْظَ مِن مَعْناهُ بِالكُلِّيَّةِ فَألْزَمَتْهُ الخِطابَ، وأخْرَجَتْهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إلى مَعْنى (أمّا) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، فَجَعَلَتِ الفاءَ بَعْدَهُ في بَعْضِ اسْتِعْمالاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] فَما دَخَلَتِ الفاءُ إلّا وقَدْ أخْرَجَتْ أرَأيْتَ لِمَعْنى (أمّا)، وأخْرَجَتْهُ أيْضًا إلى مَعْنى (أخْبَرَنِي) فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِنَ اسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ؛ وتَلْزَمُ الجُمْلَةَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ يَخْرُجُ لِهَذا المَعْنى وبَعْدَهُ الشَّرْطُ وظَرْفُ الزَّمانِ. اهـ. فِي الكَشّافِ: مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ، ثُمَّ بَكَّتْهم بِقَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، أيْ أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَها بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ اهـ. وجُمْلَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ هي المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ أرَأيْتَكم. واعْلَمْ أنَّ هَذا اسْتِعْمالٌ خاصٌّ بِهَذا التَّرْكِيبِ الخاصِّ الجارِي مَجْرى المَثَلِ، فَأمّا إذا أُرِيدَ جَرَيانُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ العِلْمِيَّةِ عَلى أصْلِ بابِهِ فَإنَّهُ يَجْرِي عَلى المُتَعارَفِ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ صفحة ٢٢٣ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولَيْهِ. فَمَن قالَ لَكَ: رَأيْتُنِي عالِمًا بِفُلانٍ. فَأرَدْتَ التَّحَقُّقَ فِيهِ تَقُولُ: أرَأيْتَكَ عالِمًا بِفُلانٍ. وتَقُولُ لِلْمُثَنّى: أرَأيْتُماكُما عالِمَيْنِ بِفُلانٍ، ولِلْجَمْعِ: أرَأيْتُمُوكم، ولِلْمُؤَنَّثَةِ: أرَأيْتِكِ بِكَسْرِ التّاءِ. وقَرَأهُ نافِعٌ في المَشْهُورِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ ألِفًا؛ وعَنْهُ رِوايَةٌ بِجَعْلِها بَيْنَ الهَمْزَةِ والألِفِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ، فَيَقُولُ: أرَيْتَ وهي لُغَةٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ. وجُمْلَةُ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ مَفْعُولَيْ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، وهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها لِدَلالَةِ جُمْلَةِ المَفْعُولِ الثّانِي عَلَيْهِ. وإتْيانُ العَذابِ: حُلُولُهُ وحُصُولُهُ، فَهو مَجازٌ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإتْيانِ المَجِيءُ، وهو الِانْتِقالُ مِن مَوْضِعٍ بَعِيدٍ إلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ مَفْعُولُ الإتْيانِ، فَيُطْلَقُ مَجازًا عَلى حُصُولِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا. وكَذَلِكَ القَوْلُ في إتْيانِ السّاعَةِ سَواءٌ. ووَجْهُ إعادَةِ فِعْلِ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَعَ كَوْنِ حَرْفِ العَطْفِ مُغْنِيًا عَنْ إعادَةِ العامِلِ بِأنْ يُقالَ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوِ السّاعَةُ، هو ما يُوَجَّهُ بِهِ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ مِن إرادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُظْهَرِ بِحَيْثُ يُعادُ لَفْظُهُ الصَّرِيحُ لِأنَّهُ أقْوى اسْتِقْرارًا في ذِهْنِ السّامِعِ. والِاهْتِمامُ هُنا دَعا إلَيْهِ التَّهْوِيلُ وإدْخالُ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ بِأنْ يُصَرَّحَ بِإسْنادِ هَذا الإتْيانِ لِاسْمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الدّالِّ عَلى أمْرٍ مَهُولٍ لِيَدُلَّ تَعَلُّقُ هَذا الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ عَلى تَهْوِيلِهِ وإراعَتِهِ. وقَدِ اسْتَشْعَرَ الِاحْتِياجَ إلى تَوْجِيهِ إعادَةِ الفِعْلِ هُنا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّهُ وجَّهَهُ بِأنَّهُ إذا كانَ العامِلانِ مُتَفاوِتَيْنِ في المَعْنى لِكَوْنِ أحَدِهِما أشَدَّ يُعادُ العامِلُ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ إشْعارًا بِالتَّفاوُتِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ أشَدُّ مِن إتْيانِ السّاعَةِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِعَذابِ اللَّهِ عَذابُ الآخِرَةِ أوْ كانَ العامِلانِ مُتَباعِدَيْنِ. فَإنْ أُرِيدَ بِالسّاعَةِ القِيامَةُ وبِعَذابِ اللَّهِ المَحْقُ والرَّزايا في الدُّنْيا فَيَعْقُبُهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ تامَّةٍ. وإنْ أُرِيدَ بِالسّاعَةِ المُدَّةِ فالمَحْقُ الدُّنْيَوِيُّ كَثِيرٌ، مِنهُ مُتَقَدِّمٌ ومِنهُ مُتَأخِّرٌ إلى المَوْتِ، فالتَّقَدُّمُ ظاهِرٌ اهـ. وفي تَوْجِيهِهِ نَظَرٌ؛ إذْ لا يَشْهَدُ لَهُ الِاسْتِعْمالُ. صفحة ٢٢٤ وإضافَةُ العَذابِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِهِ لِصُدُورِهِ مِن أقْدَرِ القادِرِينَ. والمُرادُ عَذابٌ يَحْصُلُ في الدُّنْيا يَضَّرَّعُونَ إلى اللَّهِ لِرَفْعِهِ عَنْهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، فَإنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ بِطَلَبِ رَفْعِ عَذابِ الجَزاءِ. وهَذا تَهْدِيدٌ وإنْذارٌ. والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ انْقِراضِ الدُّنْيا، أيْ إنْ أدْرَكَتْكُمُ السّاعَةُ. وتَقْدِيمُ أغَيْرَ اللَّهِ عَلى عامِلِهِ وهو تَدْعُونَ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ المُسْتَفْهَمُ عَنْها جُمْلَةَ قَصْرٍ، أيْ أتُعْرِضُونَ عَنْ دُعاءِ اللَّهِ فَتَدْعُونَ غَيْرَهُ دُونَهُ كَما هو دَأْبُكُمُ الآنَ، فالقَصْرُ لِحِكايَةِ حالِهِمْ لا لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى الغَيْرِ. وقَدْ دَلَّ الكَلامُ عَلى التَّعَجُّبِ، أيْ تَسْتَمِرُّونَ عَلى هَذِهِ الحالِ. والكَلامُ زِيادَةٌ في الإنْذارِ. وجُمْلَةُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (أرَأيْتَكُمُ) الَّذِي هو بِمَعْنى التَّقْرِيرِ. فَتَقْدِيرُ الجَوابِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأنَّكم لا تَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ. ذَكَّرَهم في هَذِهِ الآيَةِ وألْجَأهم إلى النَّظَرِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ إذا أرادُ اللَّهُ عَذابَهم لا تَسْتَطِيعُ آلِهَتُهم دَفْعَهُ عَنْهم، فَهم إنْ تَوَخَّوُا الصِّدْقَ في الخَبَرِ عَنْ هَذا المُسْتَقْبِلِ أعادُوا التَّأمُّلَ فَلا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ إذا شاءَ شَيْئًا لا يَدْفَعُهُ غَيْرُهُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الأصْنامَ إنَّما تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى، فَإذا صَدَقُوا وقالُوا: نَدْعُو اللَّهَ، فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآنَ لِأنَّ مَن لا يُغْنِي في بَعْضِ الشَّدائِدِ لا يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ في بَعْضٍ آخَرَ. ولِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ (﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾) عَقِبَ هَذا الِاسْتِفْهامِ مُوقِعَ النَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ. فَحَرْفُ بَلْ لِإبْطالِ دَعْوَةِ غَيْرِ اللَّهِ. أيْ فَأنا أُجِيبُ عَنْكم بِأنَّكم لا تَدْعُونَ إلّا اللَّهَ. ووَجْهُ تَوَلِّي الجَوابِ عَنْهم مِنَ السّائِلِ نَفْسِهِ أنَّ هَذا الجَوابَ لَمّا كانَ لا يَسَعُ المَسْئُولَ إلّا إقْرارُهُ صَحَّ أنْ يَتَوَلّى السّائِلُ الجَوابَ عَنْهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ﴾ [الأنعام: ١٢] لِلَّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى تَدْعُونَ لِلْقَصْرِ وهو قَصْرُ إفْرادٍ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في زَعْمِهِمْ أنَّهم يَدَعُونَ اللَّهَ ويَدْعُونَ أصْنامَهم، وهم وإنْ كانُوا لَمْ يَزْعُمُوا ذَلِكَ في حالِ صفحة ٢٢٥ ما إذا أتاهم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْهُمُ السّاعَةُ؛ إلّا أنَّهم لَمّا ادَّعَوْهُ في غَيْرِ تِلْكَ الحالَةِ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَسْتَصْحِبُ هَذا الزَّعْمَ في تِلْكَ الحالَةِ أيْضًا. وقَوْلُهُ (فَيَكْشِفُ) عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ، وهَذا إطْماعٌ في رَحْمَةِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ. ولِأجْلِ التَّعْجِيلِ بِهِ قَدَّمَ (وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) وكانَ حَقُّهُ التَّأْخِيرَ. فَهو شَبِيهٌ بِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ. ومَفْعُولُ تَدْعُونَ مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ ما تَدْعُونَهُ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ (إلى) عائِدٌ عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ ما تَدْعُونَ أيْ يَكْشِفُ الَّذِي تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ. وإنَّما قَيَّدَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهم بِالمَشِيئَةِ لِأنَّهُ إطْماعٌ لا وعْدٌ. وعُدِّيَ فِعْلُ تَدْعُونَ بِحَرْفِ (إلى) لِأنَّ أصْلَ الدُّعاءِ نِداءٌ فَكَأنَّ المَدْعُوَّ مَطْلُوبٌ بِالحُضُورِ إلى مَكانِ اليَأْسِ. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الواقِعِ شَرْطًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وفِي قَوْلِهِ إنْ شاءَ إشارَةً إلى مُقابِلِهِ، وهو إنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكْشِفْ، وذَلِكَ في عَذابِ الدُّنْيا. وأمّا إتْيانُ السّاعَةِ فَلا يُكْشَفُ إلّا أنْ يُرادَ بِإتْيانِها ما يَحْصُلُ مَعَها مِنَ القَوارِعِ والمَصائِبِ مِن خَسْفٍ وشِبْهِهِ فَيَجُوزُ كَشْفُهُ عَنْ بَعْضِ النّاسِ. ومِمّا كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم مِن عَذابِ الدُّنْيا عَذابُ الجُوعِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فُسِّرَتِ البَطْشَةُ بِيَوْمِ بَدْرٍ. وجُمْلَةُ (فَيَكْشِفُ) إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إيّاهُ تَدْعُونَ﴾، أيْ فَإنَّكم في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ، وهو الأصْنامُ. وقَوْلُهُ ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النِّسْيانُ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ تَذْهَلُونَ عَنِ الأصْنامِ لِما تَرَوْنَ مِن هَوْلِ العَذابِ وما يَقَعُ في نُفُوسِهِمْ مِن أنَّهُ مُرْسَلٌ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ فَتَنْشَغِلُ أذْهانُهم بِالَّذِي أرْسَلَ العَذابَ ويَنْسَوْنَ الأصْنامَ الَّتِي اعْتادُوا أنْ يَسْتَشْفِعُوا بِها صفحة ٢٢٦ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في التَّرْكِ والإعْراضِ، أيْ وتُعْرِضُونَ عَنِ الأصْنامِ، إذْ لَعَلَّهم يُلْهِمُونَ أوْ يَسْتَدِلُّونَ في تِلْكَ السّاعَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَكْشِفُ عَنْهم مِن ذَلِكَ العَذابِ شَيْئًا، وإطْلاقُ النِّسْيانِ عَلى التَّرْكِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [الجاثية: ٣٤]، أيْ نُهْمِلُكم كَما أنْكَرْتُمْ لِقاءَ اللَّهِ هَذا اليَوْمَ. ومِن قَبِيلِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] . وفِي قَوْلِهِ ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يُجِيبُ دَعْوَةَ الكافِرِ في الدُّنْيا تَبَعًا لِإجْراءِ نِعَمِ اللَّهِ عَلى الكُفّارِ. والخِلافُ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ آئِلٌ إلى الِاخْتِلافِ اللَّفْظِيِّ.

الأنعام 6:42

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ صفحة ٢٢٧ و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ. وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم. ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا. والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ . و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ. ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ. والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ صفحة ٢٢٨ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ المُمازِجَةِ لِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إنْذارٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم سَيُصِيبُهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ، وهو اسْتِئْصالُ السَّيْفِ. وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ إظْهارًا لِكَوْنِ نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ كانَ بِيَدِهِ ويَدِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. وذَلِكَ أوْقَعُ عَلى العَرَبِ، ولِذَلِكَ رُوعِيَ حالُ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ وهم حاضِرُونَ. فَنَزَّلَ جَمِيعَ الأُمَمِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾، فَإنَّ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَوْبِيخٍ لِدُخُولِها عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضَوِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَيْسَتْ (لَوْلا) حَرْفَ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. والتَّوْبِيخُ إنَّما يَلِيقُ بِالحاضِرِينَ دُونَ المُنْقَرِضِينَ لِفَواتِ المَقْصُودِ. فَفي هَذا التَّنْزِيلِ إيماءٌ إلى مُساواةِ الحالَيْنِ وتَوْبِيخٌ لِلْحاضِرِينَ بِالمُهِمِّ مِنَ العِبْرَةِ لِبَقاءِ زَمَنِ التَّدارُكِ قَطْعًا لِمَعْذَرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لَوْلا) هُنا لِلتَّمَنِّي عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، ويَكُونَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ الأمْرَ المُتَمَنّى فَيَكُونَ مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ، فَتَكُونَ هَذِهِ المَحَبَّةُ هي ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالفَرَحِ في الحَدِيثِ «اللَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ» الحَدِيثَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُضافِ مَعَ جُمْلَتِهِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ جُمْلَتِهِ، وأنَّهُ زَمَنٌ يَحِقُّ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الإسْراعِ بِالتَّضَرُّعِ مِمّا حَصَلَ فِيهِ مِنَ البَأْسِ. والبَأْسُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وحِينَ البَأْسِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ وغَلَبَتُهُ. ومَجِيءُ البَأْسِ: مَجِيءُ أثَرِهِ، فَإنَّ ما أصابَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ أثَرٌ مِن آثارِ قُوَّةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وغَلَبِهِ عَلَيْهِمْ. والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِلْحُدُوثِ والحُصُولِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا لِحُدُوثِ الشَّيْءِ بِوُصُولِ القادِمِ مِن مَكانٍ آخَرَ بِتَنَقُّلِ الخُطُواتِ. ولَمّا دَلَّ التَّوْبِيخُ أوِ التَّمَنِّي عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِـ (لَكِنْ) عَطْفًا عَلى مَعْنى الكَلامِ، لِأنَّ التَّضَرُّعَ يَنْشَأُ عَنْ لِينِ القَلْبِ فَكانَ نَفْيُهُ المُفادُ بِحَرْفِ التَّوْبِيخِ ناشِئًا عَنْ ضِدِّ اللِّينِ وهو القَساوَةُ، فَعَطَفَ بِـ (لَكِنْ) . صفحة ٢٢٩ والمَعْنى: ولَكِنِ اعْتَراهم ما في خِلْقَتِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَتَأثَّرُ فَشُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ القاسِي. والقَسْوَةُ: الصَّلابَةُ. وقَدْ وجَدَ الشَّيْطانُ مِن طِباعِهِمْ عَوْنًا عَلى نَفْثِ مُرادِهِ فِيهِمْ فَحَسُنَ لَهم تِلْكَ القَساوَةُ وأغْراهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى آثامِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الضَّلالَ يَنْشَأُ عَنِ اسْتِعْدادِ اللَّهِ في خِلْقَةِ النَّفْسِ. والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ. والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى الإعْراضِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. وظاهِرُ تَفَرُّعِ التَّرْكِ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم. و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها البَأْساءُ والضَّرّاءُ، أيْ لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الفِطْنَةِ بِذَلِكَ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى تَدارُكِ أمْرِهِمْ. ومَعْنى ذُكِّرُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم عِقابَهُ العَظِيمَ بِما قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. و(لَمّا) حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ وُجُودِ جَوابِهِ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ أدَواتِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والفَتْحُ ضِدَّ الغَلْقِ. فالغَلْقُ: سَدُّ الفُرْجَةِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاجْتِيازُ مِنها إلى ما وراءَها بِبابٍ ونَحْوِهِ، بِخِلافِ إقامَةِ الحائِطِ فَلا تُسَمّى غَلْقًا. والفَتْحُ: جَعْلُ الشَّيْءِ الحاجِزِ غَيْرَ حاجِزٍ وقابِلًا لِلْحَجْزِ، كالبابِ حِينَ يُفْتَحُ. ولِكَوْنِ مَعْنى الفَتْحِ والغَلْقِ نِسْبِيَّيْنِ بَعْضُهُما مِنَ الآخَرِ قِيلَ لِلْآلَةِ الَّتِي يُمْسَكُ بِها الحاجِزُ ويُفْتَحُ بِها مِفْتاحًا ومِغْلاقًا، وإنَّما يُعْقَلُ الفَتْحُ بَعْدَ تَعَقُّلِ الغَلْقِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُقْتَضِيًا أنَّ الأبْوابَ المُرادَ هاهُنا كانَتْ مُغْلَقَةً وقْتَ أنْ أُخِذُوا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَعُلِمَ أنَّها أبْوابُ الخَيْرِ لِأنَّها الَّتِي لا تَجْتَمِعُ مَعَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. صفحة ٢٣٠ فالفَتْحُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ ما يُؤْلِمُ ويَغُمُّ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ومِنهُ تَسْمِيَةُ النَّصْرِ فَتْحًا لِأنَّهُ إزالَةُ غَمِّ القَهْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإعْراضَ عَمّا ذُكِّرُوا بِهِ وقْتًا لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الِاتِّعاظِ بِنُذُرِ العَذابِ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذَنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ فَتَحْنا بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِها لِلْمُبالَغَةِ في الفَتْحِ بِكَثْرَتِهِ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ (أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) . ولَفْظُ (كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أوِ اسْتُعْمِلَ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ عَلى أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يَبْتَغُونَهُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُلِّ شَيْءٍ جَمِيعُ الأشْياءِ مِنَ الخَيْرِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (حَتّى إذا فَرِحُوا)، وبِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ هَذا بِقَوْلِهِ (أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ)، فَهُنالِكَ وصْفٌ مُقَدَّرٌ، أيْ كُلَّ شَيْءٍ صالِحٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ صالِحَةٍ. و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الفَرَحِ هُنا هو الِازْدِهاءُ والبَطَرُ بِالنِّعْمَةِ ونِسْيانُ المُنْعِمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . قالَ الرّاغِبُ: ولَمْ يُرَخَّصْ في الفَرَحِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] . و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي. ومُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا هو الإمْهالُ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ اللَّهَ ويُوَحِّدُونَهُ فَتُطَهَّرُ صفحة ٢٣١ نُفُوسُهم، فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالضَّرِّ والخَيْرِ لِيَسْتَقْصِيَ لَهم سَبَبَيِ التَّذَكُّرِ والخَوْفِ، لِأنَّ مِنَ النُّفُوسِ نُفُوسًا تَقُودُها الشِّدَّةُ ونُفُوسًا يَقُودُها اللِّينُ. ومَعْنى الأخْذِ هُنا الإهْلاكُ. ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أخْذٌ لا هَوادَةَ فِيهِ. والبَغْتَةُ فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ وهو الفَجْأةُ، أيْ حُصُولُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ عِنْدَ مَن حَصَلَ لَهُ وهي تَسْتَلْزِمُ الخَفاءَ. فَلِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِالجَهْرَةِ في الآيَةِ الآتِيَةِ. وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أيْ مُباغِتِينَ لَهم، أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ مَبْغُوتِينَ، ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فُجائِيَّةٌ. وهي ظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وحَرْفٌ عِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ. والمُبْلِسُونَ اليائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ المُتَحَيِّرُونَ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الوُجُومُ والسُّكُوتُ عِنْدَ طَلَبِ العَفْوِ يَأْسًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أخَذْناهم، أيْ فَأخَذْناهم أخْذَ الِاسْتِئْصالِ. فَلَمْ يُبْقِ فِيهِمْ أحَدًا. والدّابِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَبَرَهُ مِن بابِ كَتَبَ، إذا مَشى مِن ورائِهِ. والمَصْدَرُ الدُّبُورُ بِضَمِّ الدّالِّ، ودابِرُ النّاسِ آخِرُهم، وذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، وهو الوَراءُ، قالَ تَعالى ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] . وقَطْعُ الدّابِرِ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الجَمِيعِ لِأنَّ المُسْتَأْصِلَ يَبْدَأُ بِما يَلِيهِ ويَذْهَبُ يَسْتَأْصِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ آخِرَهُ وهو دابِرُهُ، وهَذا مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. والمُرادُ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) المُشْرِكُونَ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ في أنْ يَعْتَرِفُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وحْدَهُ، وأنَّ الشِّرْكَ يَسْتَتْبِعُ مَظالِمَ عِدَّةً لِأنَّ أصْحابَ الشِّرْكِ لا يُؤْمِنُونَ بِشَرْعٍ يَزَعُ النّاسَ عَنِ الظُّلْمِ. صفحة ٢٣٢ وجُمْلَةُ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ بِما اتَّصَلَ بِها. عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وأيًّا ما كانَ مَوْقِعُها فَفي المُرادِ مِنها اعْتِباراتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تَلْقِينًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلى نَصْرِهِ رُسُلَهُ وأوْلِياءَهم وإهْلاكِ الظّالِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ نِعْمَةٌ بِإزالَةِ فَسادٍ كانَ في الأرْضِ، ولِأنَّ في تَذْكِيرِ اللَّهِ النّاسَ بِهِ إيماءً إلى تَرَقُّبِ الأُسْوَةِ بِما حَصَلَ لِمَن قَبْلَهم أنْ يَتَرَقَّبُوا نَصْرَ اللَّهِ كَما نَصَرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ فَيَكُونُ الحَمْدُ لِلَّهِ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، عُدِلَ عَنْ نَصْبِهِ وتَنْكِيرِهِ إلى رَفْعِهِ وتَعْرِيفِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ نِعْمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مِن لَوازِمِ الحَمْدِ أنْ يَكُونَ عَلى نِعْمَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. وتِلْكَ نِعْمَةٌ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَقْتَضِي حَمْدَهُ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ إنْشاءُ حَمْدِ لِلَّهِ تَعالى مِن قِبَلِ جَلالِهِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم وتَدْرِيجِهِمْ في دَرَجاتِ الإمْهالِ إلى أنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْشاءُ اللَّهِ تَعالى ثَناءً عَلى نَفْسِهِ، تَعْرِيضًا بِالِامْتِنانِ عَلى الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ. واللّامُ في الحَمْدِ لِلْجِنْسِ، أيْ وجِنْسُ الحَمْدِ كُلُّهُ الَّذِي مِنهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَةِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ الحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، لِأنَّ هَلاكَهم صَلاحٌ لِلنّاسِ، والصَّلاحُ أعْظَمُ النِّعَمِ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ واجِبٌ. وهَذا الحَمْدُ شُكْرٌ لِأنَّهُ مُقابِلُ نِعْمَةٍ. وإنَّما كانَ هَلاكُهم صَلاحًا لِأنَّ الظُّلْمَ تَغْيِيرٌ لِلْحُقُوقِ وإبْطالٌ لِلْعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، فَإذا تَغَيَّرَ الحَقُّ والصَّلاحُ جاءَ الدَّمارُ والفَوْضى وافْتُتِنَ النّاسُ في حَياتِهِمْ فَإذا هَلَكَ الظّالِمُونَ عادَ العَدْلُ، وهو مِيزانُ قِوامِ العالَمِ. صفحة ٢٣٣ أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

الأنعام 6:43

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ صفحة ٢٢٧ و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ. وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم. ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا. والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ . و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ. ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ. والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ صفحة ٢٢٨ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ المُمازِجَةِ لِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إنْذارٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم سَيُصِيبُهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ، وهو اسْتِئْصالُ السَّيْفِ. وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ إظْهارًا لِكَوْنِ نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ كانَ بِيَدِهِ ويَدِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. وذَلِكَ أوْقَعُ عَلى العَرَبِ، ولِذَلِكَ رُوعِيَ حالُ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ وهم حاضِرُونَ. فَنَزَّلَ جَمِيعَ الأُمَمِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾، فَإنَّ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَوْبِيخٍ لِدُخُولِها عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضَوِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَيْسَتْ (لَوْلا) حَرْفَ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. والتَّوْبِيخُ إنَّما يَلِيقُ بِالحاضِرِينَ دُونَ المُنْقَرِضِينَ لِفَواتِ المَقْصُودِ. فَفي هَذا التَّنْزِيلِ إيماءٌ إلى مُساواةِ الحالَيْنِ وتَوْبِيخٌ لِلْحاضِرِينَ بِالمُهِمِّ مِنَ العِبْرَةِ لِبَقاءِ زَمَنِ التَّدارُكِ قَطْعًا لِمَعْذَرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لَوْلا) هُنا لِلتَّمَنِّي عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، ويَكُونَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ الأمْرَ المُتَمَنّى فَيَكُونَ مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ، فَتَكُونَ هَذِهِ المَحَبَّةُ هي ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالفَرَحِ في الحَدِيثِ «اللَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ» الحَدِيثَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُضافِ مَعَ جُمْلَتِهِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ جُمْلَتِهِ، وأنَّهُ زَمَنٌ يَحِقُّ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الإسْراعِ بِالتَّضَرُّعِ مِمّا حَصَلَ فِيهِ مِنَ البَأْسِ. والبَأْسُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وحِينَ البَأْسِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ وغَلَبَتُهُ. ومَجِيءُ البَأْسِ: مَجِيءُ أثَرِهِ، فَإنَّ ما أصابَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ أثَرٌ مِن آثارِ قُوَّةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وغَلَبِهِ عَلَيْهِمْ. والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِلْحُدُوثِ والحُصُولِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا لِحُدُوثِ الشَّيْءِ بِوُصُولِ القادِمِ مِن مَكانٍ آخَرَ بِتَنَقُّلِ الخُطُواتِ. ولَمّا دَلَّ التَّوْبِيخُ أوِ التَّمَنِّي عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِـ (لَكِنْ) عَطْفًا عَلى مَعْنى الكَلامِ، لِأنَّ التَّضَرُّعَ يَنْشَأُ عَنْ لِينِ القَلْبِ فَكانَ نَفْيُهُ المُفادُ بِحَرْفِ التَّوْبِيخِ ناشِئًا عَنْ ضِدِّ اللِّينِ وهو القَساوَةُ، فَعَطَفَ بِـ (لَكِنْ) . صفحة ٢٢٩ والمَعْنى: ولَكِنِ اعْتَراهم ما في خِلْقَتِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَتَأثَّرُ فَشُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ القاسِي. والقَسْوَةُ: الصَّلابَةُ. وقَدْ وجَدَ الشَّيْطانُ مِن طِباعِهِمْ عَوْنًا عَلى نَفْثِ مُرادِهِ فِيهِمْ فَحَسُنَ لَهم تِلْكَ القَساوَةُ وأغْراهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى آثامِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الضَّلالَ يَنْشَأُ عَنِ اسْتِعْدادِ اللَّهِ في خِلْقَةِ النَّفْسِ. والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ. والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى الإعْراضِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. وظاهِرُ تَفَرُّعِ التَّرْكِ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم. و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها البَأْساءُ والضَّرّاءُ، أيْ لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الفِطْنَةِ بِذَلِكَ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى تَدارُكِ أمْرِهِمْ. ومَعْنى ذُكِّرُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم عِقابَهُ العَظِيمَ بِما قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. و(لَمّا) حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ وُجُودِ جَوابِهِ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ أدَواتِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والفَتْحُ ضِدَّ الغَلْقِ. فالغَلْقُ: سَدُّ الفُرْجَةِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاجْتِيازُ مِنها إلى ما وراءَها بِبابٍ ونَحْوِهِ، بِخِلافِ إقامَةِ الحائِطِ فَلا تُسَمّى غَلْقًا. والفَتْحُ: جَعْلُ الشَّيْءِ الحاجِزِ غَيْرَ حاجِزٍ وقابِلًا لِلْحَجْزِ، كالبابِ حِينَ يُفْتَحُ. ولِكَوْنِ مَعْنى الفَتْحِ والغَلْقِ نِسْبِيَّيْنِ بَعْضُهُما مِنَ الآخَرِ قِيلَ لِلْآلَةِ الَّتِي يُمْسَكُ بِها الحاجِزُ ويُفْتَحُ بِها مِفْتاحًا ومِغْلاقًا، وإنَّما يُعْقَلُ الفَتْحُ بَعْدَ تَعَقُّلِ الغَلْقِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُقْتَضِيًا أنَّ الأبْوابَ المُرادَ هاهُنا كانَتْ مُغْلَقَةً وقْتَ أنْ أُخِذُوا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَعُلِمَ أنَّها أبْوابُ الخَيْرِ لِأنَّها الَّتِي لا تَجْتَمِعُ مَعَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. صفحة ٢٣٠ فالفَتْحُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ ما يُؤْلِمُ ويَغُمُّ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ومِنهُ تَسْمِيَةُ النَّصْرِ فَتْحًا لِأنَّهُ إزالَةُ غَمِّ القَهْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإعْراضَ عَمّا ذُكِّرُوا بِهِ وقْتًا لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الِاتِّعاظِ بِنُذُرِ العَذابِ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذَنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ فَتَحْنا بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِها لِلْمُبالَغَةِ في الفَتْحِ بِكَثْرَتِهِ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ (أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) . ولَفْظُ (كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أوِ اسْتُعْمِلَ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ عَلى أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يَبْتَغُونَهُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُلِّ شَيْءٍ جَمِيعُ الأشْياءِ مِنَ الخَيْرِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (حَتّى إذا فَرِحُوا)، وبِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ هَذا بِقَوْلِهِ (أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ)، فَهُنالِكَ وصْفٌ مُقَدَّرٌ، أيْ كُلَّ شَيْءٍ صالِحٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ صالِحَةٍ. و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الفَرَحِ هُنا هو الِازْدِهاءُ والبَطَرُ بِالنِّعْمَةِ ونِسْيانُ المُنْعِمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . قالَ الرّاغِبُ: ولَمْ يُرَخَّصْ في الفَرَحِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] . و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي. ومُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا هو الإمْهالُ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ اللَّهَ ويُوَحِّدُونَهُ فَتُطَهَّرُ صفحة ٢٣١ نُفُوسُهم، فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالضَّرِّ والخَيْرِ لِيَسْتَقْصِيَ لَهم سَبَبَيِ التَّذَكُّرِ والخَوْفِ، لِأنَّ مِنَ النُّفُوسِ نُفُوسًا تَقُودُها الشِّدَّةُ ونُفُوسًا يَقُودُها اللِّينُ. ومَعْنى الأخْذِ هُنا الإهْلاكُ. ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أخْذٌ لا هَوادَةَ فِيهِ. والبَغْتَةُ فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ وهو الفَجْأةُ، أيْ حُصُولُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ عِنْدَ مَن حَصَلَ لَهُ وهي تَسْتَلْزِمُ الخَفاءَ. فَلِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِالجَهْرَةِ في الآيَةِ الآتِيَةِ. وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أيْ مُباغِتِينَ لَهم، أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ مَبْغُوتِينَ، ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فُجائِيَّةٌ. وهي ظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وحَرْفٌ عِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ. والمُبْلِسُونَ اليائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ المُتَحَيِّرُونَ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الوُجُومُ والسُّكُوتُ عِنْدَ طَلَبِ العَفْوِ يَأْسًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أخَذْناهم، أيْ فَأخَذْناهم أخْذَ الِاسْتِئْصالِ. فَلَمْ يُبْقِ فِيهِمْ أحَدًا. والدّابِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَبَرَهُ مِن بابِ كَتَبَ، إذا مَشى مِن ورائِهِ. والمَصْدَرُ الدُّبُورُ بِضَمِّ الدّالِّ، ودابِرُ النّاسِ آخِرُهم، وذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، وهو الوَراءُ، قالَ تَعالى ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] . وقَطْعُ الدّابِرِ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الجَمِيعِ لِأنَّ المُسْتَأْصِلَ يَبْدَأُ بِما يَلِيهِ ويَذْهَبُ يَسْتَأْصِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ آخِرَهُ وهو دابِرُهُ، وهَذا مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. والمُرادُ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) المُشْرِكُونَ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ في أنْ يَعْتَرِفُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وحْدَهُ، وأنَّ الشِّرْكَ يَسْتَتْبِعُ مَظالِمَ عِدَّةً لِأنَّ أصْحابَ الشِّرْكِ لا يُؤْمِنُونَ بِشَرْعٍ يَزَعُ النّاسَ عَنِ الظُّلْمِ. صفحة ٢٣٢ وجُمْلَةُ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ بِما اتَّصَلَ بِها. عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وأيًّا ما كانَ مَوْقِعُها فَفي المُرادِ مِنها اعْتِباراتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تَلْقِينًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلى نَصْرِهِ رُسُلَهُ وأوْلِياءَهم وإهْلاكِ الظّالِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ نِعْمَةٌ بِإزالَةِ فَسادٍ كانَ في الأرْضِ، ولِأنَّ في تَذْكِيرِ اللَّهِ النّاسَ بِهِ إيماءً إلى تَرَقُّبِ الأُسْوَةِ بِما حَصَلَ لِمَن قَبْلَهم أنْ يَتَرَقَّبُوا نَصْرَ اللَّهِ كَما نَصَرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ فَيَكُونُ الحَمْدُ لِلَّهِ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، عُدِلَ عَنْ نَصْبِهِ وتَنْكِيرِهِ إلى رَفْعِهِ وتَعْرِيفِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ نِعْمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مِن لَوازِمِ الحَمْدِ أنْ يَكُونَ عَلى نِعْمَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. وتِلْكَ نِعْمَةٌ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَقْتَضِي حَمْدَهُ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ إنْشاءُ حَمْدِ لِلَّهِ تَعالى مِن قِبَلِ جَلالِهِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم وتَدْرِيجِهِمْ في دَرَجاتِ الإمْهالِ إلى أنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْشاءُ اللَّهِ تَعالى ثَناءً عَلى نَفْسِهِ، تَعْرِيضًا بِالِامْتِنانِ عَلى الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ. واللّامُ في الحَمْدِ لِلْجِنْسِ، أيْ وجِنْسُ الحَمْدِ كُلُّهُ الَّذِي مِنهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَةِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ الحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، لِأنَّ هَلاكَهم صَلاحٌ لِلنّاسِ، والصَّلاحُ أعْظَمُ النِّعَمِ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ واجِبٌ. وهَذا الحَمْدُ شُكْرٌ لِأنَّهُ مُقابِلُ نِعْمَةٍ. وإنَّما كانَ هَلاكُهم صَلاحًا لِأنَّ الظُّلْمَ تَغْيِيرٌ لِلْحُقُوقِ وإبْطالٌ لِلْعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، فَإذا تَغَيَّرَ الحَقُّ والصَّلاحُ جاءَ الدَّمارُ والفَوْضى وافْتُتِنَ النّاسُ في حَياتِهِمْ فَإذا هَلَكَ الظّالِمُونَ عادَ العَدْلُ، وهو مِيزانُ قِوامِ العالَمِ. صفحة ٢٣٣ أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

الأنعام 6:44

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ صفحة ٢٢٧ و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ. وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم. ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا. والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ . و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ. ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ. والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ صفحة ٢٢٨ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ المُمازِجَةِ لِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إنْذارٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم سَيُصِيبُهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ، وهو اسْتِئْصالُ السَّيْفِ. وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ إظْهارًا لِكَوْنِ نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ كانَ بِيَدِهِ ويَدِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. وذَلِكَ أوْقَعُ عَلى العَرَبِ، ولِذَلِكَ رُوعِيَ حالُ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ وهم حاضِرُونَ. فَنَزَّلَ جَمِيعَ الأُمَمِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾، فَإنَّ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَوْبِيخٍ لِدُخُولِها عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضَوِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَيْسَتْ (لَوْلا) حَرْفَ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. والتَّوْبِيخُ إنَّما يَلِيقُ بِالحاضِرِينَ دُونَ المُنْقَرِضِينَ لِفَواتِ المَقْصُودِ. فَفي هَذا التَّنْزِيلِ إيماءٌ إلى مُساواةِ الحالَيْنِ وتَوْبِيخٌ لِلْحاضِرِينَ بِالمُهِمِّ مِنَ العِبْرَةِ لِبَقاءِ زَمَنِ التَّدارُكِ قَطْعًا لِمَعْذَرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لَوْلا) هُنا لِلتَّمَنِّي عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، ويَكُونَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ الأمْرَ المُتَمَنّى فَيَكُونَ مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ، فَتَكُونَ هَذِهِ المَحَبَّةُ هي ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالفَرَحِ في الحَدِيثِ «اللَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ» الحَدِيثَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُضافِ مَعَ جُمْلَتِهِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ جُمْلَتِهِ، وأنَّهُ زَمَنٌ يَحِقُّ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الإسْراعِ بِالتَّضَرُّعِ مِمّا حَصَلَ فِيهِ مِنَ البَأْسِ. والبَأْسُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وحِينَ البَأْسِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ وغَلَبَتُهُ. ومَجِيءُ البَأْسِ: مَجِيءُ أثَرِهِ، فَإنَّ ما أصابَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ أثَرٌ مِن آثارِ قُوَّةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وغَلَبِهِ عَلَيْهِمْ. والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِلْحُدُوثِ والحُصُولِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا لِحُدُوثِ الشَّيْءِ بِوُصُولِ القادِمِ مِن مَكانٍ آخَرَ بِتَنَقُّلِ الخُطُواتِ. ولَمّا دَلَّ التَّوْبِيخُ أوِ التَّمَنِّي عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِـ (لَكِنْ) عَطْفًا عَلى مَعْنى الكَلامِ، لِأنَّ التَّضَرُّعَ يَنْشَأُ عَنْ لِينِ القَلْبِ فَكانَ نَفْيُهُ المُفادُ بِحَرْفِ التَّوْبِيخِ ناشِئًا عَنْ ضِدِّ اللِّينِ وهو القَساوَةُ، فَعَطَفَ بِـ (لَكِنْ) . صفحة ٢٢٩ والمَعْنى: ولَكِنِ اعْتَراهم ما في خِلْقَتِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَتَأثَّرُ فَشُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ القاسِي. والقَسْوَةُ: الصَّلابَةُ. وقَدْ وجَدَ الشَّيْطانُ مِن طِباعِهِمْ عَوْنًا عَلى نَفْثِ مُرادِهِ فِيهِمْ فَحَسُنَ لَهم تِلْكَ القَساوَةُ وأغْراهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى آثامِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الضَّلالَ يَنْشَأُ عَنِ اسْتِعْدادِ اللَّهِ في خِلْقَةِ النَّفْسِ. والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ. والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى الإعْراضِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. وظاهِرُ تَفَرُّعِ التَّرْكِ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم. و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها البَأْساءُ والضَّرّاءُ، أيْ لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الفِطْنَةِ بِذَلِكَ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى تَدارُكِ أمْرِهِمْ. ومَعْنى ذُكِّرُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم عِقابَهُ العَظِيمَ بِما قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. و(لَمّا) حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ وُجُودِ جَوابِهِ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ أدَواتِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والفَتْحُ ضِدَّ الغَلْقِ. فالغَلْقُ: سَدُّ الفُرْجَةِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاجْتِيازُ مِنها إلى ما وراءَها بِبابٍ ونَحْوِهِ، بِخِلافِ إقامَةِ الحائِطِ فَلا تُسَمّى غَلْقًا. والفَتْحُ: جَعْلُ الشَّيْءِ الحاجِزِ غَيْرَ حاجِزٍ وقابِلًا لِلْحَجْزِ، كالبابِ حِينَ يُفْتَحُ. ولِكَوْنِ مَعْنى الفَتْحِ والغَلْقِ نِسْبِيَّيْنِ بَعْضُهُما مِنَ الآخَرِ قِيلَ لِلْآلَةِ الَّتِي يُمْسَكُ بِها الحاجِزُ ويُفْتَحُ بِها مِفْتاحًا ومِغْلاقًا، وإنَّما يُعْقَلُ الفَتْحُ بَعْدَ تَعَقُّلِ الغَلْقِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُقْتَضِيًا أنَّ الأبْوابَ المُرادَ هاهُنا كانَتْ مُغْلَقَةً وقْتَ أنْ أُخِذُوا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَعُلِمَ أنَّها أبْوابُ الخَيْرِ لِأنَّها الَّتِي لا تَجْتَمِعُ مَعَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. صفحة ٢٣٠ فالفَتْحُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ ما يُؤْلِمُ ويَغُمُّ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ومِنهُ تَسْمِيَةُ النَّصْرِ فَتْحًا لِأنَّهُ إزالَةُ غَمِّ القَهْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإعْراضَ عَمّا ذُكِّرُوا بِهِ وقْتًا لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الِاتِّعاظِ بِنُذُرِ العَذابِ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذَنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ فَتَحْنا بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِها لِلْمُبالَغَةِ في الفَتْحِ بِكَثْرَتِهِ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ (أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) . ولَفْظُ (كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أوِ اسْتُعْمِلَ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ عَلى أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يَبْتَغُونَهُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُلِّ شَيْءٍ جَمِيعُ الأشْياءِ مِنَ الخَيْرِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (حَتّى إذا فَرِحُوا)، وبِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ هَذا بِقَوْلِهِ (أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ)، فَهُنالِكَ وصْفٌ مُقَدَّرٌ، أيْ كُلَّ شَيْءٍ صالِحٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ صالِحَةٍ. و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الفَرَحِ هُنا هو الِازْدِهاءُ والبَطَرُ بِالنِّعْمَةِ ونِسْيانُ المُنْعِمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . قالَ الرّاغِبُ: ولَمْ يُرَخَّصْ في الفَرَحِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] . و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي. ومُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا هو الإمْهالُ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ اللَّهَ ويُوَحِّدُونَهُ فَتُطَهَّرُ صفحة ٢٣١ نُفُوسُهم، فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالضَّرِّ والخَيْرِ لِيَسْتَقْصِيَ لَهم سَبَبَيِ التَّذَكُّرِ والخَوْفِ، لِأنَّ مِنَ النُّفُوسِ نُفُوسًا تَقُودُها الشِّدَّةُ ونُفُوسًا يَقُودُها اللِّينُ. ومَعْنى الأخْذِ هُنا الإهْلاكُ. ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أخْذٌ لا هَوادَةَ فِيهِ. والبَغْتَةُ فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ وهو الفَجْأةُ، أيْ حُصُولُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ عِنْدَ مَن حَصَلَ لَهُ وهي تَسْتَلْزِمُ الخَفاءَ. فَلِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِالجَهْرَةِ في الآيَةِ الآتِيَةِ. وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أيْ مُباغِتِينَ لَهم، أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ مَبْغُوتِينَ، ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فُجائِيَّةٌ. وهي ظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وحَرْفٌ عِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ. والمُبْلِسُونَ اليائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ المُتَحَيِّرُونَ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الوُجُومُ والسُّكُوتُ عِنْدَ طَلَبِ العَفْوِ يَأْسًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أخَذْناهم، أيْ فَأخَذْناهم أخْذَ الِاسْتِئْصالِ. فَلَمْ يُبْقِ فِيهِمْ أحَدًا. والدّابِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَبَرَهُ مِن بابِ كَتَبَ، إذا مَشى مِن ورائِهِ. والمَصْدَرُ الدُّبُورُ بِضَمِّ الدّالِّ، ودابِرُ النّاسِ آخِرُهم، وذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، وهو الوَراءُ، قالَ تَعالى ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] . وقَطْعُ الدّابِرِ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الجَمِيعِ لِأنَّ المُسْتَأْصِلَ يَبْدَأُ بِما يَلِيهِ ويَذْهَبُ يَسْتَأْصِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ آخِرَهُ وهو دابِرُهُ، وهَذا مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. والمُرادُ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) المُشْرِكُونَ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ في أنْ يَعْتَرِفُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وحْدَهُ، وأنَّ الشِّرْكَ يَسْتَتْبِعُ مَظالِمَ عِدَّةً لِأنَّ أصْحابَ الشِّرْكِ لا يُؤْمِنُونَ بِشَرْعٍ يَزَعُ النّاسَ عَنِ الظُّلْمِ. صفحة ٢٣٢ وجُمْلَةُ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ بِما اتَّصَلَ بِها. عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وأيًّا ما كانَ مَوْقِعُها فَفي المُرادِ مِنها اعْتِباراتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تَلْقِينًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلى نَصْرِهِ رُسُلَهُ وأوْلِياءَهم وإهْلاكِ الظّالِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ نِعْمَةٌ بِإزالَةِ فَسادٍ كانَ في الأرْضِ، ولِأنَّ في تَذْكِيرِ اللَّهِ النّاسَ بِهِ إيماءً إلى تَرَقُّبِ الأُسْوَةِ بِما حَصَلَ لِمَن قَبْلَهم أنْ يَتَرَقَّبُوا نَصْرَ اللَّهِ كَما نَصَرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ فَيَكُونُ الحَمْدُ لِلَّهِ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، عُدِلَ عَنْ نَصْبِهِ وتَنْكِيرِهِ إلى رَفْعِهِ وتَعْرِيفِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ نِعْمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مِن لَوازِمِ الحَمْدِ أنْ يَكُونَ عَلى نِعْمَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. وتِلْكَ نِعْمَةٌ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَقْتَضِي حَمْدَهُ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ إنْشاءُ حَمْدِ لِلَّهِ تَعالى مِن قِبَلِ جَلالِهِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم وتَدْرِيجِهِمْ في دَرَجاتِ الإمْهالِ إلى أنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْشاءُ اللَّهِ تَعالى ثَناءً عَلى نَفْسِهِ، تَعْرِيضًا بِالِامْتِنانِ عَلى الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ. واللّامُ في الحَمْدِ لِلْجِنْسِ، أيْ وجِنْسُ الحَمْدِ كُلُّهُ الَّذِي مِنهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَةِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ الحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، لِأنَّ هَلاكَهم صَلاحٌ لِلنّاسِ، والصَّلاحُ أعْظَمُ النِّعَمِ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ واجِبٌ. وهَذا الحَمْدُ شُكْرٌ لِأنَّهُ مُقابِلُ نِعْمَةٍ. وإنَّما كانَ هَلاكُهم صَلاحًا لِأنَّ الظُّلْمَ تَغْيِيرٌ لِلْحُقُوقِ وإبْطالٌ لِلْعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، فَإذا تَغَيَّرَ الحَقُّ والصَّلاحُ جاءَ الدَّمارُ والفَوْضى وافْتُتِنَ النّاسُ في حَياتِهِمْ فَإذا هَلَكَ الظّالِمُونَ عادَ العَدْلُ، وهو مِيزانُ قِوامِ العالَمِ. صفحة ٢٣٣ أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

الأنعام 6:45

﴿ولَقَدْ أرْسَلَنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْنَهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعُ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . لَمّا أنْذَرَهم بِتَوَقُّعِ العَذابِ أعْقَبَهُ بِالِاسْتِشْهادِ عَلى وُقُوعِ العَذابِ بِأُمَمٍ مِن قَبْلُ، لِيَعْلَمَ هَؤُلاءِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالشِّرْكِ. وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْذارِ السّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِالقَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. فَجُمْلَةُ (ولَقَدْ أرْسَلَنا) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ أرَأيْتَكم)، والواوُ لِعَطْفِ الجُمَلِ، فَتَكُونُ اسْتِئْنافِيَّةً إذْ كانَتِ المَعْطُوفُ عَلَيْها اسْتِئْنافًا. وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ صفحة ٢٢٧ و(قَدْ) لِتَوْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وهو المُفَرَّعُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ . نَزَلَ السّامِعُونَ المُعَرَّضُ بِإنْذارِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ ما أصابَ الأُمَمَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عِقابًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى إعْراضِهِمْ. وقَوْلُهُ (فَأخَذْناهم) عَطْفٌ عَلى أرْسَلْنا بِاعْتِبارِ ما يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُ مِن قَبْلِكَ مِن مُعامَلَةِ أُمَمِهِمْ إيّاهم بِمِثْلِ ما عامَلَكَ بِهِ قَوْمُكَ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَّبُوهم. ولَمّا كانَ أخْذُهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ مُقارِنًا لِزَمَنِ وُجُودِ رُسُلِهِمْ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ كانَ المَوْقِعُ لِفاءِ العَطْفِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَرْأى رُسُلِهِمْ وقَبْلَ انْقِراضِهِمْ لِيَكُونَ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ أيَّدَ رُسُلَهُ ونَصَرَهم في حَياتِهِمْ؛ لِأنَّ أخْذَ الأُمَمِ بِالعِقابِ فِيهِ حِكْمَتانِ: إحْداهُما زَجْرُهم عَنِ التَّكْذِيبِ، والثّانِيَةُ إكْرامُ الرُّسُلِ بِالتَّأْيِيدِ بِمَرْأًى مِنَ المُكَذِّبِينَ. وفِيهِ تَكْرِمَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإيذانِهِ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ عَلى مُكَذِّبِيهِ. ومَعْنى أخَذْناهم أصَبْناهم إصابَةَ تَمَكُّنٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأخْذِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ ذُكِرَ مُتَعَلِّقُ الأخْذِ هُنا لِأنَّهُ أخْذٌ بِشَيْءٍ خاصٍّ بِخِلافِ الآتِي بُعَيْدَ هَذا. والبَأْساءُ والضَّرّاءُ تَقَدَّما عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ فُسِّرَ البَأْساءُ بِالجُوعِ والضَّرّاءُ بِالمَرَضِ، وهو تَخْصِيصٌ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما أصابَ الأُمَمَ مِنَ العَذابِ كانَ أصْنافًا كَثِيرَةً. ولَعَلَّ مَن فَسَّرَهُ بِذَلِكَ اعْتَبَرَ ما أصابَ قُرَيْشًا بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ . و(لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي. جُعِلَ عِلَّةً لِابْتِداءِ أخْذِهِمْ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ. ومَعْنى يَتَضَرَّعُونَ يَتَذَلَّلُونَ لِأنَّ الضَّراعَةَ التَّذَلُّلُ والتَّخَشُّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ مِنهُ، وهي الإيمانُ بِالرُّسُلِ. والمُرادُ: أنَّ اللَّهَ قَدَّمَ لَهم عَذابًا هَيِّنًا قَبْلَ العَذابِ الأكْبَرِ، كَما قالَ ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ صفحة ٢٢٨ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ وهَذا مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ المُمازِجَةِ لِمُقْتَضى حِكْمَتِهِ، وفِيهِ إنْذارٌ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم سَيُصِيبُهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ، وهو اسْتِئْصالُ السَّيْفِ. وإنَّما اخْتارَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ إظْهارًا لِكَوْنِ نَصْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ كانَ بِيَدِهِ ويَدِ المُصَدِّقِينَ بِهِ. وذَلِكَ أوْقَعُ عَلى العَرَبِ، ولِذَلِكَ رُوعِيَ حالُ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ وهم حاضِرُونَ. فَنَزَّلَ جَمِيعَ الأُمَمِ مَنزِلَتَهم، فَقالَ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾، فَإنَّ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَوْبِيخٍ لِدُخُولِها عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ ماضَوِيَّةٍ واحِدَةٍ، فَلَيْسَتْ (لَوْلا) حَرْفَ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ. والتَّوْبِيخُ إنَّما يَلِيقُ بِالحاضِرِينَ دُونَ المُنْقَرِضِينَ لِفَواتِ المَقْصُودِ. فَفي هَذا التَّنْزِيلِ إيماءٌ إلى مُساواةِ الحالَيْنِ وتَوْبِيخٌ لِلْحاضِرِينَ بِالمُهِمِّ مِنَ العِبْرَةِ لِبَقاءِ زَمَنِ التَّدارُكِ قَطْعًا لِمَعْذَرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ (لَوْلا) هُنا لِلتَّمَنِّي عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، ويَكُونَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ الأمْرَ المُتَمَنّى فَيَكُونَ مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ، فَتَكُونَ هَذِهِ المَحَبَّةُ هي ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالفَرَحِ في الحَدِيثِ «اللَّهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ» الحَدِيثَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُضافِ مَعَ جُمْلَتِهِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِ جُمْلَتِهِ، وأنَّهُ زَمَنٌ يَحِقُّ أنْ يَكُونَ باعِثًا عَلى الإسْراعِ بِالتَّضَرُّعِ مِمّا حَصَلَ فِيهِ مِنَ البَأْسِ. والبَأْسُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (وحِينَ البَأْسِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهِ هُنا الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ وغَلَبَتُهُ. ومَجِيءُ البَأْسِ: مَجِيءُ أثَرِهِ، فَإنَّ ما أصابَهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ أثَرٌ مِن آثارِ قُوَّةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وغَلَبِهِ عَلَيْهِمْ. والمَجِيءُ مُسْتَعارٌ لِلْحُدُوثِ والحُصُولِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ تَشْبِيهًا لِحُدُوثِ الشَّيْءِ بِوُصُولِ القادِمِ مِن مَكانٍ آخَرَ بِتَنَقُّلِ الخُطُواتِ. ولَمّا دَلَّ التَّوْبِيخُ أوِ التَّمَنِّي عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ الشَّيْءِ عَطَفَ عَلَيْهِ بِـ (لَكِنْ) عَطْفًا عَلى مَعْنى الكَلامِ، لِأنَّ التَّضَرُّعَ يَنْشَأُ عَنْ لِينِ القَلْبِ فَكانَ نَفْيُهُ المُفادُ بِحَرْفِ التَّوْبِيخِ ناشِئًا عَنْ ضِدِّ اللِّينِ وهو القَساوَةُ، فَعَطَفَ بِـ (لَكِنْ) . صفحة ٢٢٩ والمَعْنى: ولَكِنِ اعْتَراهم ما في خِلْقَتِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الباطِلِ كَأنَّ قُلُوبَهم لا تَتَأثَّرُ فَشُبِّهَتْ بِالشَّيْءِ القاسِي. والقَسْوَةُ: الصَّلابَةُ. وقَدْ وجَدَ الشَّيْطانُ مِن طِباعِهِمْ عَوْنًا عَلى نَفْثِ مُرادِهِ فِيهِمْ فَحَسُنَ لَهم تِلْكَ القَساوَةُ وأغْراهم بِالِاسْتِمْرارِ عَلى آثامِهِمْ وأعْمالِهِمْ. ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ الضَّلالَ يَنْشَأُ عَنِ اسْتِعْدادِ اللَّهِ في خِلْقَةِ النَّفْسِ. والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ. والنِّسْيانُ هُنا بِمَعْنى الإعْراضِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. وظاهِرُ تَفَرُّعِ التَّرْكِ عَنْ قَسْوَةِ القُلُوبِ وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم أعْمالَهم. و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها البَأْساءُ والضَّرّاءُ، أيْ لَمّا انْصَرَفُوا عَنِ الفِطْنَةِ بِذَلِكَ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى تَدارُكِ أمْرِهِمْ. ومَعْنى ذُكِّرُوا بِهِ أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم عِقابَهُ العَظِيمَ بِما قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. و(لَمّا) حَرْفُ شَرْطٍ يَدُلُّ عَلى اقْتِرانِ وُجُودِ جَوابِهِ بِوُجُودِ شَرْطِهِ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ مِثْلَ بَقِيَّةِ أدَواتِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والفَتْحُ ضِدَّ الغَلْقِ. فالغَلْقُ: سَدُّ الفُرْجَةِ الَّتِي يُمْكِنُ الِاجْتِيازُ مِنها إلى ما وراءَها بِبابٍ ونَحْوِهِ، بِخِلافِ إقامَةِ الحائِطِ فَلا تُسَمّى غَلْقًا. والفَتْحُ: جَعْلُ الشَّيْءِ الحاجِزِ غَيْرَ حاجِزٍ وقابِلًا لِلْحَجْزِ، كالبابِ حِينَ يُفْتَحُ. ولِكَوْنِ مَعْنى الفَتْحِ والغَلْقِ نِسْبِيَّيْنِ بَعْضُهُما مِنَ الآخَرِ قِيلَ لِلْآلَةِ الَّتِي يُمْسَكُ بِها الحاجِزُ ويُفْتَحُ بِها مِفْتاحًا ومِغْلاقًا، وإنَّما يُعْقَلُ الفَتْحُ بَعْدَ تَعَقُّلِ الغَلْقِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُقْتَضِيًا أنَّ الأبْوابَ المُرادَ هاهُنا كانَتْ مُغْلَقَةً وقْتَ أنْ أُخِذُوا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَعُلِمَ أنَّها أبْوابُ الخَيْرِ لِأنَّها الَّتِي لا تَجْتَمِعُ مَعَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. صفحة ٢٣٠ فالفَتْحُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ ما يُؤْلِمُ ويَغُمُّ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] . ومِنهُ تَسْمِيَةُ النَّصْرِ فَتْحًا لِأنَّهُ إزالَةُ غَمِّ القَهْرِ. وقَدْ جَعَلَ الإعْراضَ عَمّا ذُكِّرُوا بِهِ وقْتًا لِفَتْحِ أبْوابِ الخَيْرِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الِاتِّعاظِ بِنُذُرِ العَذابِ رَفَعْنا عَنْهُمُ العَذابَ وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ الخَيْرِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذَنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ فَتَحْنا بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِها لِلْمُبالَغَةِ في الفَتْحِ بِكَثْرَتِهِ كَما أفادَهُ قَوْلُهُ (أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) . ولَفْظُ (كُلِّ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي إلى كُلِّ رَجّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فارِدِ أوِ اسْتُعْمِلَ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ عَلى أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، أيْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يَبْتَغُونَهُ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُلِّ شَيْءٍ جَمِيعُ الأشْياءِ مِنَ الخَيْرِ خاصَّةً بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (حَتّى إذا فَرِحُوا)، وبِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ هَذا بِقَوْلِهِ (أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ)، فَهُنالِكَ وصْفٌ مُقَدَّرٌ، أيْ كُلَّ شَيْءٍ صالِحٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] أيْ صالِحَةٍ. و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الفَرَحِ هُنا هو الِازْدِهاءُ والبَطَرُ بِالنِّعْمَةِ ونِسْيانُ المُنْعِمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] . قالَ الرّاغِبُ: ولَمْ يُرَخَّصْ في الفَرَحِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] . و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي. ومُرادُ اللَّهِ تَعالى مِن هَذا هو الإمْهالُ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ اللَّهَ ويُوَحِّدُونَهُ فَتُطَهَّرُ صفحة ٢٣١ نُفُوسُهم، فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالضَّرِّ والخَيْرِ لِيَسْتَقْصِيَ لَهم سَبَبَيِ التَّذَكُّرِ والخَوْفِ، لِأنَّ مِنَ النُّفُوسِ نُفُوسًا تَقُودُها الشِّدَّةُ ونُفُوسًا يَقُودُها اللِّينُ. ومَعْنى الأخْذِ هُنا الإهْلاكُ. ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أخْذٌ لا هَوادَةَ فِيهِ. والبَغْتَةُ فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ وهو الفَجْأةُ، أيْ حُصُولُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ عِنْدَ مَن حَصَلَ لَهُ وهي تَسْتَلْزِمُ الخَفاءَ. فَلِذَلِكَ قُوبِلَتْ بِالجَهْرَةِ في الآيَةِ الآتِيَةِ. وهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ مَنصُوبًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أيْ مُباغِتِينَ لَهم، أوْ مُؤَوَّلًا باسِمِ المَفْعُولِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ مَبْغُوتِينَ، ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢] . وقَوْلُهُ ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ (إذا) فُجائِيَّةٌ. وهي ظَرْفُ مَكانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وحَرْفٌ عِنْدَ نُحاةِ الكُوفَةِ. والمُبْلِسُونَ اليائِسُونَ مِنَ الخَيْرِ المُتَحَيِّرُونَ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الوُجُومُ والسُّكُوتُ عِنْدَ طَلَبِ العَفْوِ يَأْسًا مِنَ الِاسْتِجابَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أخَذْناهم، أيْ فَأخَذْناهم أخْذَ الِاسْتِئْصالِ. فَلَمْ يُبْقِ فِيهِمْ أحَدًا. والدّابِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن دَبَرَهُ مِن بابِ كَتَبَ، إذا مَشى مِن ورائِهِ. والمَصْدَرُ الدُّبُورُ بِضَمِّ الدّالِّ، ودابِرُ النّاسِ آخِرُهم، وذَلِكَ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، وهو الوَراءُ، قالَ تَعالى ﴿واتَّبِعْ أدْبارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥] . وقَطْعُ الدّابِرِ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ الجَمِيعِ لِأنَّ المُسْتَأْصِلَ يَبْدَأُ بِما يَلِيهِ ويَذْهَبُ يَسْتَأْصِلُ إلى أنْ يَبْلُغَ آخِرَهُ وهو دابِرُهُ، وهَذا مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. والمُرادُ بِـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) المُشْرِكُونَ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ في أنْ يَعْتَرِفُوا لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وحْدَهُ، وأنَّ الشِّرْكَ يَسْتَتْبِعُ مَظالِمَ عِدَّةً لِأنَّ أصْحابَ الشِّرْكِ لا يُؤْمِنُونَ بِشَرْعٍ يَزَعُ النّاسَ عَنِ الظُّلْمِ. صفحة ٢٣٢ وجُمْلَةُ ﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ بِما اتَّصَلَ بِها. عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا تَذْيِيلِيًّا فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. وأيًّا ما كانَ مَوْقِعُها فَفي المُرادِ مِنها اعْتِباراتٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ تَلْقِينًا لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ عَلى نَصْرِهِ رُسُلَهُ وأوْلِياءَهم وإهْلاكِ الظّالِمِينَ، لِأنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ نِعْمَةٌ بِإزالَةِ فَسادٍ كانَ في الأرْضِ، ولِأنَّ في تَذْكِيرِ اللَّهِ النّاسَ بِهِ إيماءً إلى تَرَقُّبِ الأُسْوَةِ بِما حَصَلَ لِمَن قَبْلَهم أنْ يَتَرَقَّبُوا نَصْرَ اللَّهِ كَما نَصَرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ فَيَكُونُ الحَمْدُ لِلَّهِ مَصْدَرًا بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، عُدِلَ عَنْ نَصْبِهِ وتَنْكِيرِهِ إلى رَفْعِهِ وتَعْرِيفِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الدَّوامِ والثَّباتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ثانِيها: أنْ يَكُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ نِعْمَةً مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ مِن لَوازِمِ الحَمْدِ أنْ يَكُونَ عَلى نِعْمَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا. وتِلْكَ نِعْمَةٌ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَقْتَضِي حَمْدَهُ. ثالِثُها: أنْ يَكُونَ إنْشاءُ حَمْدِ لِلَّهِ تَعالى مِن قِبَلِ جَلالِهِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن مُعامَلَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم وتَدْرِيجِهِمْ في دَرَجاتِ الإمْهالِ إلى أنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْشاءُ اللَّهِ تَعالى ثَناءً عَلى نَفْسِهِ، تَعْرِيضًا بِالِامْتِنانِ عَلى الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ. واللّامُ في الحَمْدِ لِلْجِنْسِ، أيْ وجِنْسُ الحَمْدِ كُلُّهُ الَّذِي مِنهُ الحَمْدُ عَلى نِعْمَةِ إهْلاكِ الظّالِمِينَ. وفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَحِقُّ الحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ، لِأنَّ هَلاكَهم صَلاحٌ لِلنّاسِ، والصَّلاحُ أعْظَمُ النِّعَمِ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ واجِبٌ. وهَذا الحَمْدُ شُكْرٌ لِأنَّهُ مُقابِلُ نِعْمَةٍ. وإنَّما كانَ هَلاكُهم صَلاحًا لِأنَّ الظُّلْمَ تَغْيِيرٌ لِلْحُقُوقِ وإبْطالٌ لِلْعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، فَإذا تَغَيَّرَ الحَقُّ والصَّلاحُ جاءَ الدَّمارُ والفَوْضى وافْتُتِنَ النّاسُ في حَياتِهِمْ فَإذا هَلَكَ الظّالِمُونَ عادَ العَدْلُ، وهو مِيزانُ قِوامِ العالَمِ. صفحة ٢٣٣ أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِ ما يُحِبُّ فَإنَّما هو اسْتِدْراجٌ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

الأنعام 6:46

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ إلى الجِدالِ مَعَهم في إشْراكِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنِ انْصَرَفَ الكَلامُ عَنْهُ بِخُصُوصِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً وما تَفَنَّنَ عَقِبَ ذَلِكَ مِن إثْباتِ البَعْثِ وإثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ وذِكْرِ القَوارِعِ والوَعِيدِ إلى قَوْلِهِ قُلْ ﴿أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآياتِ. وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلْواحِدِ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ الِاسْتِعْمالِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. واخْتِلافُ القُرّاءِ في أرَأيْتُمْ كاخْتِلافِهِمْ في مِثْلِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. والأخْذُ: انْتِزاعُ الشَّيْءِ وتَناوُلُهُ مِن مَقَرِّهِ، وهو هُنا مَجازٌ في السَّلْبِ والإعْدامِ، لِأنَّ السَّلْبَ مِن لَوازِمِ الأخْذِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَأْخُوذِ مِنهُ فَهو مَجازٌ مُرْسَلٌ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ تَمْثِيلًا لِأنَّ اللَّهَ هو مُعْطِي السَّمْعِ والبَصَرِ فَإذا أزالَها كانَتْ تِلْكَ الإزالَةُ كَحالَةِ أخْذِ ما كانَ صفحة ٢٣٤ أعْطاهُ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ إعْدامِ الخالِقِ بَعْضَ مَواهِبِ مَخْلُوقِهِ بِهَيْئَةِ انْتِزاعِ الآخِذِ شَيْئًا مِن مَقَرِّهِ. فالهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ هُنا عَقْلِيَّةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ والهَيْئَةُ المُشَبَّهَةُ بِها مَحْسُوسَةٌ. والخَتْمُ عَلى القُلُوبِ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] . والمُرادُ بِالقُلُوبِ العُقُولُ الَّتِي بِها إدْراكُ المَعْقُولاتِ. والسَّمْعُ مَصْدَرٌ دالٌّ عَلى الجِنْسِ فَكانَ في قُوَّةِ الجَمْعِ، فَعَمَّ بِإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ولا حاجَةَ إلى جَمْعِهِ. والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ، وهو في اللُّغَةِ العَيْنُ عَلى التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: يُطْلَقُ البَصَرُ عَلى حاسَّةِ الإبْصارِ ولِذَلِكَ جُمِعَ لِيَعُمَّ بِالإضافَةِ جَمِيعَ أبْصارِ المُخاطَبِينَ، ولَعَلَّ إفْرادَ السَّمْعِ وجَمْعَ الأبْصارِ جَرى عَلى ما يَقْتَضِيهِ تَمامُ الفَصاحَةِ مِن خِفَّةِ أحَدِ اللَّفْظَيْنِ مُفْرَدًا والآخَرُ مَجْمُوعًا عِنْدَ اقْتِرانِهِما، فَإنَّ في انْتِظامِ الحُرُوفِ والحَرَكاتِ والسَّكَناتِ في تَنَقُّلِ اللِّسانِ سِرًّا عَجِيبًا مِن فَصاحَةِ كَلامِ القُرْآنِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالنَّظْمِ. وكَذَلِكَ نَرى مَواقِعَها في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٦] . والقُلُوبُ مُرادٌ بِها العُقُولُ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ إمْدادِ العَقْلِ بِقُوَّةِ الإدْراكِ. وقَوْلُهُ مَن إلَهٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِأنَّهُ اسْتِفْهامٌ، أيْ أعَلِمْتُمْ جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ أمْ أنْتُمْ في شَكٍّ. وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ يُقْصَدُ مِنهُ إلْجاءُ السّامِعِينَ إلى النَّظَرِ في جَوابِهِ فَيُوقِنُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيهِمْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الخالِقُ لِلسَّمْعِ والأبْصارِ والعُقُولِ فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ الأصْنامَ لا تَخْلُقُ، ولِذَلِكَ قالَ لَهُمُ القُرْآنُ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] . و(مَن) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(إلَهٌ) خَبَرُ (مَن)، و(غَيْرُ اللَّهِ) صِفَةُ إلَهٌ، و(يَأْتِيكم) جُمْلَةٌ في مَحَلِّ الصِّفَةِ أيْضًا، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو (إلَهٌ)، أيْ لَيْسَ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِي بِذَلِكَ، فَدَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ. ومَعْنى يَأْتِيكم بِهِ يُرْجِعُهُ، فَإنَّ أصْلَ أتى بِهِ، جاءَ بِهِ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ المَسْلُوبُ إذا اسْتَنْقَذَهُ مُنْقِذٌ يَأْتِي بِهِ إلى مَقَرِّهِ أطْلَقَ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ عَلى إرْجاعِهِ مَجازًا أوْ كِنايَةً. صفحة ٢٣٥ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى السَّمْعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ، عَلى تَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِها. وهَذا اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ في الضَّمِيرِ، ولَكِنَّهُ فَصِيحٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٣٦] في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] في سُورَةِ النِّساءِ. وإيثارُهُ هُنا عَلى أنْ يُقالَ: يَأْتِيكم بِها، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى خُصُوصِ القُلُوبِ. والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، اخْتِيرَ فِيهِ التَّهْدِيدُ بِانْتِزاعِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وسَلْبِ الإدْراكِ مِن قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا نِعْمَةَ هَذِهِ المَواهِبِ بَلْ عَدِمُوا الِانْتِفاعَ بِها، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ آنِفًا ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] . فَكانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى عَدَمِ إجْداءِ هَذِهِ المَواهِبِ عَلَيْهِمْ مَعَ صَلاحِيَتِها لِلِانْتِفاعِ، وناسَبَ هُنا أنْ يُهَدَّدُوا بِزَوالِها بِالكُلِّيَّةِ إنْ دامُوا عَلى تَعْطِيلِ الِانْتِفاعِ بِها فِيما أمَرَ بِهِ خالِقُها. وقَوْلُهُ انْظُرْ تَنْزِيلٌ لِلْأمْرِ المَعْقُولِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ، وهو تَصْرِيفُ الآياتِ مَعَ الإعْراضِ عَنْها حَتّى إنَّ النّاظِرَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَراها، فَأمّا الأمْرُ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ إعْراضِهِمْ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، فَإنَّهُ لَمّا غَمَرَهم بِالأدِلَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرَّسُولِ، وأبْطَلَ شُبَهَهم عَقَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأدِلَّةِ مَعَ اسْتِمْرارِ الإعْراضِ والمُكابَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ. وهَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وألْبابِهِمْ فَما كانَ غَيْرُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَعْبُدُوهُ. وتَصْرِيفُ الآياتِ اخْتِلافُ أنْواعِها بِأنْ تَأْتِيَ مَرَّةً بِحُجَجٍ مِن مُشاهَداتٍ في السَّماواتِ والأرْضِ، وأُخْرى بِحُجَجٍ مِن دَلائِلَ في نُفُوسِ النّاسِ، ومَرَّةً بِحُجَجٍ مِن أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ الَّتِي أنْشَأها اللَّهُ، فالآياتُ هُنا هي دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ، فَهي مُتَّحِدَةٌ في الغايَةِ مُخْتَلِفَةُ صفحة ٢٣٦ الأسالِيبِ مُتَفاوِتَةٌ في الِاقْتِرابِ مِن تَناوُلِ الأفْهامِ عامِّها وخاصِّها، وهي أيْضًا مُخْتَلِفَةٌ في تَرْكِيبِ دَلائِلِها مِن جِهَتَيِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ وغَيْرِها، ومِن جِهَتَيِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ومِنَ التَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ، بِحَيْثُ تَسْتَوْعِبُ الإحاطَةَ بِالأفْهامِ عَلى اخْتِلافِ مَدارِكِ العُقُولِ. والتَّعْرِيفُ في الآياتِ لِلْعَهْدِ، وهي المَعْهُودَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] . و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأنَّها عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، فَهي تُؤْذِنُ بِأنَّ الجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ أدْخَلُ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو هُنا التَّعْجِيبُ مِن قُوَّةِ الأدِلَّةِ، وأنَّ اسْتِمْرارَ الإعْراضِ والمُكابَرَةِ مَعَ ذَلِكَ أجْدَرُ بِالتَّعْجِيبِ بِهِ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ في جُمْلَةِ ﴿هم يَصْدِفُونَ﴾ فِعْلًا مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإعْراضِ مِنهم. وتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ. و(يَصْدِفُونَ) يُعْرِضُونَ إعْراضًا شَدِيدًا. يُقالُ: صَدَفَ صَدْفًا وصُدُوفًا، إذا مالَ إلى جانِبٍ وأعْرَضَ عَنِ الشَّيْءِ. وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِـ (عَنْ) . وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا كَما صَرَّحَ بِهِ في القامُوسِ. وقَلَّ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ في كُتُبِ اللُّغَةِ ولَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في أواخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧] قَدَّرَ: وصَدَفَ النّاسَ عَنْها، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ في الأساسِ ولا عَلَّقَ عَلى تَقْدِيرِهِ شارِحُوهُ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الآياتِ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَصْدِفُونَ لِظُهُورِهِ، أيْ صَدَفَ عَنِ الآياتِ.

الأنعام 6:47

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِلتَّهْدِيدِ والتَّوَعُّدِ وإعْذارٌ لَهم بِأنَّ إعْراضَهم لا يَرْجِعُ بِالسُّوءِ إلّا عَلَيْهِمْ ولا يَضُرُّ بِغَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] . صفحة ٢٣٧ والقَوْلُ في ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾ الآيَةَ. كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِ المُتَقَدِّمَيْنِ. وجِيءَ في هَذا وفي نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ بِكافِ الخِطابِ مَعَ ضَمِيرِ الخِطابِ دُونَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ لِأنَّ هَذا ونَظِيرَهُ أبْلَغُ في التَّوْبِيخِ لِأنَّهُما أظْهَرُ في الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ المُشْرِكِينَ في مُكْنَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ، فَإنَّ إتْيانَ العَذابِ أمْكَنُ وُقُوعًا مِن سَلْبِ الأبْصارِ والأسْماعِ والعُقُولِ لِنُدْرَةِ حُصُولِ ذَلِكَ، فَكانَ التَّوْبِيخُ عَلى إهْمالِ الحَذَرِ مِن إتْيانِ عَذابِ اللَّهِ، أقْوى مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى الِاطْمِئْنانِ مِن أخْذِ أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ، فاجْتَلَبَ كافَ الخِطابِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّنْبِيهُ دُونَ أعْيانِ المُخاطَبِينَ. والبَغْتَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. والجَهْرَةُ: الجَهْرُ، ضِدَّ الخُفْيَةِ، وضِدَّ السِّرِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ أوْقَعَ الجَهْرَةَ هُنا في مُقابَلَةِ البَغْتَةِ وكانَ الظّاهِرُ أنْ تُقابَلَ البَغْتَةُ بِالنَّظْرَةِ أوْ أنْ تُقابَلَ الجَهْرَةُ بِالخُفْيَةِ، إلّا أنَّ البَغْتَةَ لَمّا كانَتْ وُقُوعَ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ كانَ حُصُولُها خَفِيًّا فَحَسُنَ مُقابَلَتُهُ بِالجَهْرَةِ، فالعَذابُ الَّذِي يَجِيءُ بَغْتَةً هو الَّذِي لا تَسْبِقُهُ عَلامَةٌ ولا إعْلامٌ بِهِ. والَّذِي يَجِيءُ جَهْرَةً هو الَّذِي تَسْبِقُهُ عَلامَةٌ مِثْلَ الكَسْفِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]، أوْ يَسْبِقُهُ إعْلامٌ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] . فَإطْلاقُ الجَهْرَةِ عَلى سَبْقِ ما يَشْعُرُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ إطْلاقٌ مَجازِيٌّ. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ البَغْتَةِ الحاصِلُ لَيْلًا ومِنَ الجَهْرَةِ الحاصِلُ نَهارًا. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ فَلِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ. والمَعْنى لا يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا الكافِرُونَ. والمُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ المُخاطَبُونَ أنْفُسُهم فَأُظْهِرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِيَتَأتّى وصْفُهم أنَّهم ظالِمُونَ، أيْ مُشْرِكُونَ، لِأنَّهم ظالِمُونَ أنْفُسَهم وظالِمُونَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ. صفحة ٢٣٨ وهَذا يَتَضَمَّنُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ مُنْجِي المُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ أذِنَ رَسُولُهُ بِالهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَحُلَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ تَكْرِمَةً لَهم كَما أكْرَمَ لُوطًا وأهْلَهُ، وكَما أكْرَمَ نُوحًا ومَن آمَنَ مَعَهُ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤] .

الأنعام 6:48

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ صُدُوفَهم وإعْراضَهم كانُوا يَتَعَلَّلُونَ لَهُ بِأنَّهم يَرُومُونَ آياتٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ وأنَّهم لا يَقْنَعُونَ بِآياتِ الوَحْدانِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ ما حُكِيَ عَنْهم في تِلْكَ الآيَةِ، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ لِلتَّبْلِيغِ والتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لا لِلتَّلَهِّي بِهِمْ بِاقْتِراحِ الآياتِ. وعَبَّرَ بِـ (نُرْسِلُ) دُونَ أرْسَلْنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإرْسالِ مُقارِنًا لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ، أيْ ما أرْسَلْنا وما نُرْسِلُ. فَقَوْلُهُ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ بِاعْتِبارِ المُسْتَقْبَلِ ومُحَقَّقَتانِ بِاعْتِبارِ الماضِي. والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أرْسَلْناهم إلّا في حالَةِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمُوا أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لَمْ نُرْسِلِ الرَّسُولَ لِلْإعْجابِ بِإظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ. وكَنّى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَنِ التَّبْلِيغِ لِأنَّ التَّبْلِيغَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَيْنِ وهُما التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الكِنايَةِ إيجازٌ إذِ اسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّازِمِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلْزُومِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَمَن آمَنَ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَمَن آمَنَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَلا خَوْفٌ إلَخْ. صفحة ٢٣٩ و(مِنَ) الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ كَما يُرَجِّحُهُ عَطْفُ والَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لا سِيَّما وهي في مَعْنى التَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ . فَإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً فاقْتِرانُ فَلا خَوْفٌ بِالفاءِ بَيِّنٌ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فالفاءُ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، والِاسْتِعْمالانِ مُتَقارِبانِ. ومَعْنى (أصْلَحَ) فَعَلَ الصَّلاحَ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، لِأنَّ اللَّهَ ما أرادَ بِشَرْعِهِ إلّا إصْلاحَ النّاسِ كَما حَكى عَنْ شُعَيْبٍ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ مُباشَرَةُ الجِسْمِ بِاليَدِ وهو مُرادِفُ اللَّمْسِ والجَسِّ، ويُسْتَعارُ لِإصابَةِ جِسْمٍ جِسْمًا آخَرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. ويُسْتَعارُ أيْضًا لِلتَّكَيُّفِ بِالأحْوالِ كَما يُقالُ: بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] . وجَمَعَ الضَّمائِرَ العائِدَةَ إلى (مِن) مُراعاةً لِمَعْناها، وأمّا إفْرادُ فِعْلِ (آمَنَ) و(أصْلَحَ) فَلِرَعْيِ لَفْظِها. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. والفِسْقُ حَقِيقَتُهُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الخَيْرِ. وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في مَعْنى الكُفْرِ وتَجاوُزِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ بِخَبَرِ (كانَ) جُمْلَةً مُضارِعَةً لِلْإشارَةِ إلى أنَّ فِسْقَهم كانَ مُتَجَدِّدًا مُتَكَرِّرًا، عَلى أنَّ الإتْيانَ بِـ (كانَ) أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِأنَّ (كانَ) إذا لَمْ يُقْصَدْ بِها انْقِضاءُ خَبَرِها فِيما مَضى دَلَّتْ عَلى اسْتِمْرارِ الخَبَرِ بِالقَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.

الأنعام 6:49

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ صُدُوفَهم وإعْراضَهم كانُوا يَتَعَلَّلُونَ لَهُ بِأنَّهم يَرُومُونَ آياتٍ عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ وأنَّهم لا يَقْنَعُونَ بِآياتِ الوَحْدانِيَّةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِ ما حُكِيَ عَنْهم في تِلْكَ الآيَةِ، فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ لِلتَّبْلِيغِ والتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لا لِلتَّلَهِّي بِهِمْ بِاقْتِراحِ الآياتِ. وعَبَّرَ بِـ (نُرْسِلُ) دُونَ أرْسَلْنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإرْسالِ مُقارِنًا لِهَذَيْنِ الحالَيْنِ، أيْ ما أرْسَلْنا وما نُرْسِلُ. فَقَوْلُهُ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ بِاعْتِبارِ المُسْتَقْبَلِ ومُحَقَّقَتانِ بِاعْتِبارِ الماضِي. والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أرْسَلْناهم إلّا في حالَةِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ. والقَصْرُ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى مَن زَعَمُوا أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِهِمْ بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا فَلَيْسَ بِرَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ؛ أيْ لَمْ نُرْسِلِ الرَّسُولَ لِلْإعْجابِ بِإظْهارِ خَوارِقِ العاداتِ. وكَنّى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ عَنِ التَّبْلِيغِ لِأنَّ التَّبْلِيغَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَيْنِ وهُما التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الكِنايَةِ إيجازٌ إذِ اسْتَغْنى بِذِكْرِ اللّازِمِ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلْزُومِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَمَن آمَنَ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَمَن آمَنَ مِنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَلا خَوْفٌ إلَخْ. صفحة ٢٣٩ و(مِنَ) الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ كَما يُرَجِّحُهُ عَطْفُ والَّذِينَ كَذَّبُوا عَلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً لا سِيَّما وهي في مَعْنى التَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ . فَإنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً فاقْتِرانُ فَلا خَوْفٌ بِالفاءِ بَيِّنٌ، وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فالفاءُ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، والِاسْتِعْمالانِ مُتَقارِبانِ. ومَعْنى (أصْلَحَ) فَعَلَ الصَّلاحَ، وهو الطّاعَةُ لِلَّهِ فِيما أمَرَ ونَهى، لِأنَّ اللَّهَ ما أرادَ بِشَرْعِهِ إلّا إصْلاحَ النّاسِ كَما حَكى عَنْ شُعَيْبٍ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] . والمَسُّ حَقِيقَتُهُ مُباشَرَةُ الجِسْمِ بِاليَدِ وهو مُرادِفُ اللَّمْسِ والجَسِّ، ويُسْتَعارُ لِإصابَةِ جِسْمٍ جِسْمًا آخَرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. ويُسْتَعارُ أيْضًا لِلتَّكَيُّفِ بِالأحْوالِ كَما يُقالُ: بِهِ مَسٌّ مِنَ الجُنُونِ. قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] . وجَمَعَ الضَّمائِرَ العائِدَةَ إلى (مِن) مُراعاةً لِمَعْناها، وأمّا إفْرادُ فِعْلِ (آمَنَ) و(أصْلَحَ) فَلِرَعْيِ لَفْظِها. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ. والفِسْقُ حَقِيقَتُهُ الخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الخَيْرِ. وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في القُرْآنِ في مَعْنى الكُفْرِ وتَجاوُزِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ بِخَبَرِ (كانَ) جُمْلَةً مُضارِعَةً لِلْإشارَةِ إلى أنَّ فِسْقَهم كانَ مُتَجَدِّدًا مُتَكَرِّرًا، عَلى أنَّ الإتْيانَ بِـ (كانَ) أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِأنَّ (كانَ) إذا لَمْ يُقْصَدْ بِها انْقِضاءُ خَبَرِها فِيما مَضى دَلَّتْ عَلى اسْتِمْرارِ الخَبَرِ بِالقَرِينَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.

الأنعام 6:50

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ . صفحة ٢٤٠ لَمّا تَقَضَّتِ المُجادَلَةُ مَعَ المُشْرِكِينَ في إبْطالِ شِرْكِهِمْ ودَحْضِ تَعالِيلِ إنْكارِهِمْ نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ إلّا إذا جاءَ بِآيَةٍ عَلى وفْقِ هَواهم، وأُبْطِلَتْ شُبْهَتُهم بِقَوْلِهِ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] وكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِمَّنْ شَمِلَهُ لَفْظُ المُرْسَلِينَ، نَقَلَ الكَلامَ إلى إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ حَقِيقَةَ الرِّسالَةِ واقْتِرانِها بِالآياتِ فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الرَّسُولَ هو الَّذِي يَتَحَدّى الأُمَّةَ لِأنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ في تَبْلِيغِ مُرادِهِ مِن خَلْقِهِ، ولَيْسَتِ الأُمَّةُ هي الَّتِي تَتَحَدّى الرَّسُولَ، فَآيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ تَجِيءُ عَلى وفْقِ دَعْواهُ الرِّسالَةَ، فَلَوِ ادَّعى أنَّهُ مَلَكٌ أوْ أنَّهُ بُعِثَ لِإنْقاذِ النّاسِ مِن أرْزاءِ الدُّنْيا ولِإدْناءِ خَيْراتِها إلَيْهِمْ؛ لَكانَ مِن عُذْرِهِمْ أنْ يَسْألُوهُ آياتٍ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ. فَأمّا والرَّسُولُ مَبْعُوثٌ لِلْهُدى فَآيَتُهُ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ هو الهُدى وأنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ هو ما قارَنَ دَعْوَتَهُ مِمّا يَعْجِزُ البَشَرُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في زَمَنِهِمْ. فَقَوْلُهُ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ. وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِإبْلاغِهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] . وقَدْ تَكَرَّرَ الأمْرُ بِالقَوْلِ مِن هُنا إلى قَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦٧] اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً. والِاقْتِصارُ عَلى نَفْيِ ادِّعاءِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ ناظِرٌ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي سَألُوها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] وقَوْلِهِ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٥] الآيَةَ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِنَفْيِ القَوْلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوى الرِّسالَةِ فَلا وجْهَ لِاقْتِراحِ تِلْكَ الأُمُورِ المَنفِيِّ قَوْلُها عَلى الرَّسُولِ لِأنَّ المُعْجِزَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَجِيءَ عَلى وفْقِ دَعْوى الرِّسالَةِ. واللّامُ في لَكم لامُ التَّبْلِيغِ، وهي مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ فِعْلِ القَوْلِ عِنْدَما لا تَكُونُ حاجَةٌ صفحة ٢٤١ لِذِكْرِ المُواجَهِ بِالقَوْلِ كَما هُنا لِظُهُورِ أنَّ المُواجَهَ بِالقَوْلِ هُمُ المُكَذِّبُونَ، ولِذَلِكَ ورَدَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] مُجَرَّدًا عَنْ لامِ التَّبْلِيغِ. فَإذا كانَ الغَرَضُ ذِكْرَ المُواجَهِ بِالقَوْلِ فاللّامُ حِينَئِذٍ تُسَمّى لامَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ فالَّذِي اقْتَضى اجْتِلابَ هَذِهِ اللّامِ هُنا هو هَذا القَوْلُ بِحَيْثُ لَوْ قالَهُ قائِلٌ لَكانَ جَدِيرًا بِلامِ التَّبْلِيغِ. والخَزائِنُ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهي البَيْتُ أوِ الصُّنْدُوقُ الَّذِي يَحْتَوِي ما تَتُوقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وما يَنْفَعُ عِنْدَ الشِّدَّةِ والحاجَةِ. والمَعْنى أنِّي لَيْسَ لِي تَصَرُّفٌ مَعَ اللَّهِ ولا أدَّعِي أنِّي خازِنُ مَعْلُوماتِ اللَّهِ وأرْزاقِهِ. و﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِالإنْعامِ وإعْطاءِ الخَيْراتِ النّافِعَةِ لِلنّاسِ في الدُّنْيا. شُبِّهَتْ تِلْكَ التَّعَلُّقاتُ الصُّلُوحِيَّةُ والتَّنْجِيزِيَّةُ في حَجْبِها عَنْ عُيُونِ النّاسِ وتَناوُلِهِمْ مَعَ نَفْعِها إيّاهم، بِخَزائِنِ أهْلِ اليَسارِ والثَّرْوَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الأمْوالَ والأجْبِيَةَ والخِلَعَ والطَّعامَ، كَما أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [المنافقون: ٧]، أيْ ما هو مُودَعٌ في العَوالِمِ العُلْيا والسُّفْلى مِمّا يَنْفَعُ النّاسَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] . وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ وهو قَوْلُهُ عِنْدِي لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ والبِشارَةِ لِلْمُخْبَرِينَ بِهِ لَوْ كانَ يَقُولُهُ. وقَوْلُهُ ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ فَهو في حَيِّزِ القَوْلِ المَنفِيِّ. وأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى طَرِيقَةِ عَطْفِ المَنفِيّاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ فَإنَّ الغالِبَ أنْ يُعادَ مَعَها حَرْفُ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ تِلْكَ المُتَعاطِفاتِ جَمِيعَها مَقْصُودَةٌ بِالنَّفْيِ بِآحادِها لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المَنفِيَّ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ. والمَعْنى لا أقُولُ أعْلَمُ الغَيْبَ، أيْ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا مُلازِمًا لِصِفَةِ الرِّسالَةِ. فَأمّا إخْبارُهُ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ فَذَلِكَ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ بِوَحْيٍ خاصٍّ، كَما قالَ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] وهو داخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ . وعَطْفُ ﴿ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ عَلى ﴿لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ صفحة ٢٤٢ بِإظْهارِ فِعْلِ القَوْلِ فِيهِ، خِلافًا لِقَوْلِهِ ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ - لَعَلَّهُ لِدَفْعِ ثِقَلِ التِقاءِ حَرْفَيْنِ: (لا) وحَرْفِ (إنَّ) الَّذِي اقْتَضاهُ مَقامُ التَّأْكِيدِ، لِأنَّ ادِّعاءَ مِثْلِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤَكَّدَ، أيْ لَمْ أدَّعِ أنِّي مِنَ المَلائِكَةِ فَتَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] . فَنَفْيُ كَوْنِهِ مَلَكًا جَوابٌ عَنْ مُقْتَرَحِهِمْ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكٌ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مَلَكٌ نَذِيرٌ. والمَقْصُودُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ حَتّى يَكُونَ مُقارِنًا لِمَلَكٍ آخَرَ مُقارَنَةَ تَلازُمٍ كَشَأْنِ أفْرادِ الجِنْسِ الواحِدِ. وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّ الرِّسالَةَ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِن غَيْرِ جِنْسِ البَشَرِ فَلِذَلِكَ قالُوا ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] . فالمَعْنى نَفْيُ ماهِيَّةِ المَلَكِيَّةِ عَنْهُ لِأنَّ لِجِنْسِ المَلَكِ خَصائِصَ أُخْرى مُغايِرَةً لِخَصائِصِ البَشَرِ. وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ لِمَن يُكَلِّفُهُ عَنَتًا: إنِّي لَسْتُ مِن حَدِيدٍ. ومِن تَلْفِيقِ الِاسْتِدْلالِ أنْ يَسْتَدِلَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْيِيدِ قَوْلِ أصْحابِهِ المُعْتَزِلَةِ بِتَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ مَعَ بُعْدِ ذَلِكَ عَنْ مَهْيَعِ الآيَةِ. وقَدْ تابَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَذَلِكَ دَأْبُهُ؛ كَثِيرًا ما يُرْغِمُ مَعانِيَ القُرْآنِ عَلى مُسايَرَةِ مَذْهَبِهِ فَتَنْزَوِي عَصَبِيَّتُهُ وتَنْزَوِي عَبْقَرِيَّتُهُ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ سَنَتَكَلَّمُ عَلَيْها في مَظِنَّتِها. وجُمْلَةُ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا نَفى أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالاتِ كانَ المَقامُ مُثِيرًا سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: فَماذا تَدَّعِي بِالرِّسالَةِ وما هو حاصِلُها ؟ لِأنَّ الجَهَلَةَ يَتَوَهَّمُونَ أنَّ مَعْنى النُّبُوءَةِ هو تِلْكَ الأشْياءُ المُتَبَرَّأُ مِنها في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ﴾ إلَخْ، فَيُجابُ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾، أيْ لَيْسَتِ الرِّسالَةُ إلّا التَّبْلِيغَ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ الوَحْيِ. فَمَعْنى أتَّبِعُ مَجازٌ مُرْسَلٌ في الِاقْتِصارِ عَلى الشَّيْءِ ومُلازَمَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ. لِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ مَعْنى الِاتِّباعِ الحَقِيقِيِّ وهو المَشْيُ خَلْفَ المُتَّبَعِ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ، أيْ لا أحِيدُ عَنْ تَبْلِيغِ ما يُوحى إلَيَّ إلى إجابَةِ المُقْتَرَحاتِ مِن إظْهارِ الخَوارِقِ أوْ لِإضافَةِ الأرْزاقِ أوْ إخْبارٍ بِالغَيْبِ. فالتَّلَقِّي والتَّبْلِيغُ هو مَعْنى الِاتِّباعِ، وهو كُنْهُ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ هُنا إضافِيٌّ، أيْ دُونَ الِاشْتِغالِ بِإظْهارِ ما تَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الخَوارِقِ لِلْعادَةِ. والغَرَضُ مِنَ القَصْرِ قَلْبُ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ رَسُولًا حَتّى يَأْتِيَهم بِالعَجائِبِ صفحة ٢٤٣ المَسْئُولَةِ. وقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ بَيانُ حَقِيقَةِ الرِّسالَةِ، تِلْكَ الحَقِيقَةُ الَّتِي ضَلَّ عَنْ إدْراكِها المُعانِدُونَ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨] . وإذْ قَدْ كانَ القَصْرُ إضافِيًّا كانَ لا مَحالَةَ ناظِرًا إلى قَلْبِ اعْتِقادِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِمَطالِبِهِمْ بِاتِّباعِ مُقْتَرَحاتِهِمْ، أيْ لا أتَّبِعُ في التَّبْلِيغِ إلَيْكم إلّا ما يُوحى إلَيَّ. فَلَيْسَ في هَذا الكَلامِ ما يَقْتَضِي قَصْرَ تَصَرُّفِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى العَمَلِ بِالوَحْيِ حَتّى يَحْتَجَّ بِها مَن يَنْفِي مِن عُلَمائِنا جَوازَ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في أُمُورِ الدِّينِ لِأنَّ تِلْكَ مَسْألَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَها أدِلَّةٌ لِلْجانِبَيْنِ، ولا مِساسَ لَها بِهَذا القَصْرِ. ومَن تَوَهَّمَهُ فَقَدْ أساءَ التَّأْوِيلَ. * * * ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ . هَذا خِتامٌ لِلْمُجادَلَةِ مَعَهم وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾، أيْ قُلْ لَهم هَذا التَّذْيِيلَ عَقِبَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالِ. وشُبِّهَتْ حالَةُ مَن لا يَفْقَهُ الأدِلَّةَ ولا يُفَكِّكُ بَيْنَ المَعانِي المُتَشابِهَةِ بِحالَةِ الأعْمى الَّذِي لا يَعْرِفُ أيْنَ يَقْصِدُ ولا أيْنَ يَضَعُ قَدَمَهُ. وشُبِّهَتْ حالَةُ مَن يُمَيِّزُ الحَقائِقَ ولا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ بَعْضُها بِبَعْضٍ بِحالَةِ القَوِيِّ البَصَرِ حَيْثُ لا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ الأشْباحُ. وهَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ في فَسادِ الوَضْعِ لِأدِلَّتِهِمْ وعُقْمِ أقْيِسَتِهِمْ، ولِحالِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا ووَضَعُوا الأشْياءَ مَواضِعَها، أوْ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُشْرِكِينَ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها والحالِ المَطْلُوبَةِ مِنهُمُ الَّتِي نَفَرُوا مِنها لِيَعْلَمُوا أيُّ الحالَيْنِ أوْلى بِالتَّخَلُّقِ. وقَوْلُهُ ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. وهو مَعْطُوفٌ بِالفاءِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، لِأنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ لِأنَّ عَدَمَ اسْتِواءِ الأعْمى والبَصِيرِ بَدَهِيٌّ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِعَدَمِ اسْتِوائِهِما فَلا جَرَمَ أنْ يَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ إنْكارُ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في أنَّهم بِأيِّهِما أشْبَهُ. والكَلامُ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] . صفحة ٢٤٤ والتَّفَكُّرُ: جَوَلانُ العَقْلِ في طَرِيقِ اسْتِفادَةِ عِلْمٍ صَحِيحٍ.

الأنعام 6:51

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مَن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ . الأظْهَرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الأنعام: ٥٠] لِأنَّ ذَلِكَ مُقَدِّمَةٌ لِذِكْرِ مَن مُثِّلَتْ حالُهم بِحالِ البَصِيرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى ﴿ما يُوحى إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وهو القُرْآنُ وما يُوحى بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ الإعْجازُ. و﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ المُمَثَّلُونَ بِحالِ البَصِيرِ. وعُرِّفُوا بِالمَوْصُولِ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ المَدْحِ، ومِنَ التَّعْلِيلِ بِتَوْجِيهِ إنْذارِهِ إلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّ الإنْذارَ لِلَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إنْذارٌ نافِعٌ، خِلافًا لِحالِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الحَشْرَ، فَلا يَخافُونَهُ فَضْلًا عَنِ الِاحْتِياجِ إلى شُفَعاءَ. و﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾ مَفْعُولُ يَخافُونَ، أيْ يَخافُونَ الحَشْرَ إلى رَبِّهِمْ فَهم يُقَدِّمُونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ ويَنْتَهُونَ عَمّا نَهاهم خِيفَةَ أنْ يَلْقَوُا اللَّهَ وهو غَيْرُ راضٍ عَنْهم. وخَوْفُ الحَشْرِ يَقْتَضِي الإيمانَ بِوُقُوعِهِ. فَفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَنْجَحُ فِيهِمُ الإنْذارُ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالحَشْرِ فَكَيْفَ يَخافُونَهُ. ولِذَلِكَ قالَ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] . وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾، أيْ يُحْشَرُوا في هَذِهِ الحالَةِ، فَهَذِهِ الحالُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الخَوْفِ. فَمَضْمُونُ الحالِ مُعْتَقَدٌ لَهم، أيْ لَيْسُوا مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ لا تُرَدُّ شَفاعَتُهم، فَهم بِخِلافِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِهِ﴾ حالٌ مِن (ولِيٍ و( شَفِيعٍ)، والعامِلُ في الحالِ فِعْلُ يَخافُونَ، صفحة ٢٤٥ أيْ لَيْسَ لَهم ولِيٌ دُونَ اللَّهِ ولا شَفِيعٌ دُونَ اللَّهِ، ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا. وهو تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا شُفَعاءَ وأوْلِياءَ غَيْرَ اللَّهِ. وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ بِإذْنِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ولِصاحِبِ الكَشّافِ هُنا تَكَلُّفاتٌ في مَعْنى ﴿يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا﴾ وفي جَعْلِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يُحْشَرُوا حالًا لازِمَةً، ولَعَلَّهُ يَرْمِي بِذَلِكَ إلى أصْلِ مَذْهَبِهِ في إنْكارِ الشَّفاعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ رَجاءٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإنْذارِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم يُرْجى تَقْواهم، بِخِلافِ مَن لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ.

الأنعام 6:52

﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] لِأنَّهُ في مَعْنى أنْذَرَهم ولازَمَهم وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ مُتَكَبِّرُو المُشْرِكِينَ. فَقَدْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ هُنا صِلَةٌ أُخْرى هي أنْسَبُ بِهَذا الحُكْمِ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَما أنَّ تِلْكَ أنْسَبُ بِالحُكْمِ الَّذِي اقْتَرَنَتْ مَعَهُ مِنها بِهَذا، فَلِذَلِكَ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقَ الإضْمارِ، فَيُقالُ: ولا تَطْرُدْهم، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ داعِيًا إلى اللَّهِ فَأوْلى النّاسِ بِمُلازَمَتِهِ الَّذِينَ هِجِّيراهم دُعاءُ اللَّهِ تَعالى بِإخْلاصٍ فَكَيْفَ يَطْرُدُهم فَإنَّهم أوْلى بِذَلِكَ المَجْلِسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] . رَوى مُسْلِمٌ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كُنّا مَعَ النَّبِيءِ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيءِ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنا. قالَ: وكُنْتُ أنا، وابْنُ مَسْعُودٍ، ورَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ، وبِلالٌ، ورَجُلانِ، لَسْتُ أُسَمِّيهِما، فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ آهـ» . وسَمّى الواحِدِيُّ بَقِيَّةَ السِّتَّةِ: وهم صُهَيْبٌ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، والمِقْدادُ صفحة ٢٤٦ بْنُ الأسْوَدِ، وخَبّابُ بْنُ الأرَتِّ. وفي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَوَقَعَ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ - إجْمالٌ بَيَّنَهُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ «أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ وأرْواحَ جِبابِهِمْ - جَمْعُ جُبَّةٍ - جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ. فَقالَ: ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ. فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا فَإذا قُمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، فَقالَ: نَعَمْ، طَمَعًا في إيمانِهِمْ» . . فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ووَقَعَ في سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنْ خَبّابٍ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَعِيدٌ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ. وعُيَيْنَةُ والأقْرَعُ إنَّما وفَدا مَعَ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ بِالمَدِينَةِ سَنَةَ الوُفُودِ. اهـ. قُلْتُ: ولَعَلَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهُما فَأجابَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ في نَظِيرِ اقْتِراحِهِما. وفِي سَنَدِهِ أسْباطُ بْنُ نَصْرٍ أوْ نَضْرٍ، ولَمْ يَكُنْ بِالقَوِيِّ، وفِيهِ السُّدِّيُّ ضَعِيفٌ. ورُوِيَ مِثْلُهُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، ولا يُعْرَفُ سَنَدُهُ. وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ أنَّهُمُ المُسْتَضْعَفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهم: خَبّابٌ، وعَمّارٌ، وأبُو فُكَيْهَةَ، يَسارٌ مَوْلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وصُهَيْبٌ وأشْباهُهم، وأنَّ قُرَيْشًا قالُوا: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا. وذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَياةِ أبِي طالِبٍ. فَعَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، ومُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والحارِثُ بْنُ نَوْفَلٍ، في أشْرافِ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ مُحَمَّدًا يَطْرُدُ عَنْهُ مَوالِينا وعَبِيدَنا وعُتَقاءَنا كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا وأطْمَعَ لَهُ عِنْدَنا وأرْجى لِاتِّباعِنا إيّاهُ وتَصْدِيقِنا لَهُ. فَأتى أبُو طالِبٍ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ وإلامَ يَصِيرُونَ مِن قَوْلِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ. فَلَمّا نَزَلَتْ أقْبَلَ عُمَرُ يَعْتَذِرُ. والمَعْنى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ عُظَماءِ قُرَيْشٍ لِيَكُونُوا قُدْوَةً لِقَوْمِهِمْ ولِعِلْمِهِ بِأنَّ أصْحابَهُ يَحْرِصُونَ حِرْصَهُ ولا يُوحِشُهم أنْ يُقامُوا مِنَ المَجْلِسِ إذا حَضَرَهُ عُظَماءُ قُرَيْشٍ لِأنَّهم آمَنُوا يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ نَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وسَمّاهُ طَرْدًا تَأْكِيدًا لِمَعْنى النَّهْيِ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ: وهي كانَتْ أرْجَحَ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِ أُولَئِكَ، لِأنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى صفحة ٢٤٧ سَرائِرِهِمْ فَعُلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأرادَ اللَّهُ أنْ يُظْهِرَ اسْتِغْناءَ دِينِهِ ورَسُولِهِ عَنِ الِاعْتِزازِ بِأُولَئِكَ الطُّغاةِ القُساةِ، ولِيُظْهِرَ لَهم أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ خَيْرٌ مِنهم، وأنَّ الحِرْصَ عَلى قُرْبِهِمْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ أوْلى مِنَ الحِرْصِ عَلى قُرْبِ المُشْرِكِينَ، وأنَّ الدِّينَ يَرْغَبُ النّاسُ فِيهِ ولَيْسَ هو يَرْغَبُ في النّاسِ كَما قالَ تَعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] . ومَعْنى ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ يُعْلِنُونَ إيمانَهم بِهِ دُونَ الأصْنامِ إعْلانًا بِالقَوْلِ، وهو يَسْتَلْزِمُ اعْتِقادَ القائِلِ بِما يَقُولُهُ، إذْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نِفاقٌ وإنَّما ظَهَرَ المُنافِقُونَ بِالمَدِينَةِ. والغَداةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والعَشِيُّ مِنَ الزَّوالِ إلى الصَّباحِ. والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والتَّعْرِيفُ فِيهِما تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ اللَّهَ اليَوْمَ كُلَّهُ. فالغَداةُ والعَشِيُّ قُصِدَ بِهِما اسْتِيعابُ الزَّمانِ والأيّامِ كَما يُقْصَدُ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ اسْتِيعابُ الأمْكِنَةِ. وكَما يُقالُ: الحَمْدُ لِلَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالدُّعاءِ الصَّلاةُ. وبِالغَداةِ والعَشِيِّ عُمُومُ أوْقاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ. فالمَعْنى ولا تَطْرُدِ المُصَلِّينَ، أيِ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالغَداةِ بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِألِفٍ بَعْدَ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الدّالِ وبِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الدّالِّ وهي لُغَةٌ في الغَداةِ. وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في يَدْعُونَ، أيْ يَدْعُونَ مُخْلِصِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ، أيْ لا يُرِيدُونَ حَظًّا دُنْيَوِيًّا. والوَجْهُ حَقِيقَةُ الجُزْءِ مِنَ الرَّأْسِ الَّذِي فِيهِ العَيْنانِ والأنْفُ والفَمُ. ويُطْلَقُ الوَجْهُ عَلى الذّاتِ كُلِّها مَجازًا مُرْسَلًا. والوَجْهُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلذّاتِ عَلى اعْتِبارِ مُضافٍ، أيْ يُرِيدُونَ رِضى اللَّهِ، أيْ يُرِيدُونَ إرْضاءَ غَيْرِهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وقَوْلُهُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَمَعْنى ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أنَّهم آمَنُوا ودَعَوُا اللَّهَ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا. وقَدْ قِيلَ: إنَّ قُرَيْشًا طَعَنُوا في إيمانِ الضُّعَفاءِ ونَسَبُوهم إلى النِّفاقِ، إلّا أنَّ هَذا لَمْ يَرِدْ بِهِ أثَرٌ صَحِيحٌ، فالأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ صفحة ٢٤٨ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ إيمانِهِمْ، وشَهادَةٌ لَهم بِأنَّهم مُجَرَّدُونَ عَنِ الغاياتِ الدُّنْيَوِيَّةِ كُلِّها، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ طَرْدِهِمْ، أوْ إبْطالٌ لِعِلَّةِ الهَمِّ بِطَرْدِهِمْ، أوْ لِعِلَّةِ طَلَبِ طَرْدِهِمْ. فَإنَّ إبْطالَ عِلَّةِ فِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ يَئُولُ إلى كَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، ولِذا فُصِّلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ. والحِسابُ: عَدُّ أفْرادِ الشَّيْءِ ذِي الأفْرادِ ويُطْلَقُ عَلى إعْمالِ النَّظَرِ في تَمْيِيزِ بَعْضِ الأحْوالِ عَنْ بَعْضٍ إذا اشْتَبَهَتْ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ تَتَبُّعِ الأحْوالِ بَعْدَ الأفْرادِ. ومِنهُ جاءَ مَعْنى الحِسْبَةِ بِكَسْرِ الحاءِ، وهي النَّظَرُ في تَمْيِيزِ أحْوالِ أهْلِ السُّوقِ مِنِ اسْتِقامَةٍ وضِدِّها. ويُقالُ: حاسَبَ فُلانًا عَلى أعْمالِهِ إذا اسْتَقْراها وتَتَبَّعَها. قالَ النّابِغَةُ: يُحاسِبُ نَفْسَهُ بِكَمِ اشْتَراها فالحِسابُ هُنا مَصْدَرُ حاسَبَ. والمُرادُ بِهِ تَتَبُّعُ الأعْمالِ والأحْوالِ والنَّظَرُ فِيما تُقابَلُ بِهِ مِن جَزاءٍ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا عائِدِينَ إلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ وهو مُعادٌ مَذْكُورٌ، وهو المُناسِبُ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ . فالمَعْنى أنَّهم أهْلُ الحَقِّ في مَجْلِسِكَ لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ فَلا يُطْرَدُونَ عَنْهُ وما عَلَيْكَ أنْ تَحْسِبَ ما عَدا ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العارِضَةِ لَهم بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ، وأنَّ حُضُورَ أُولَئِكَ في مَجْلِسِكَ يَصُدُّ كُبَراءَ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ مَدْحُوضٌ تُجاهَ حَقِّ المُؤْمِنِينَ في مَجْلِسِ رَسُولِهِمْ وسَماعِ هَدْيِهِ. وقِيلَ مَعْنى ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ﴾ أنَّ المُشْرِكِينَ طَعَنُوا في إخْلاصِ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّ هَؤُلاءِ إنَّما اجْتَمَعُوا عِنْدَكَ وقَبِلُوا دِينَكَ لِأنَّهم يَجِدُونَ مَأْكُولًا ومَلْبُوسًا عِنْدَكَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ما يَلْزَمُكَ إلّا اعْتِبارُ ظاهِرِهِمْ وإنْ كانَ لَهم باطِنٌ يُخالِفُهُ فَحِسابُهم عَلى اللَّهِ، أيْ إحْصاءُ أحْوالِهِمْ ومُناقَشَتُهم عَلَيْها عَلى نَحْوِ قَوْلِ نُوحٍ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء: ١١٣] . فَمَعْنى حِسابِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ تَمْحِيصُ صفحة ٢٤٩ نِيّاتِهِمْ وبَواطِنِهِمْ. والقَصْدُ مِن هَذا تَبْكِيتُ المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ، ولَيْسَ المُرادُ اسْتِضْعافَ يَقِينِ المُؤْمِنِينَ. وحِسابُهم عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرانِ عائِدَيْنِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، فَيَعُودُ الضَّمِيرانِ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَألُوا طَرْدَ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ مِن مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ ضَمِيرُ فَتَطْرُدَهم عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ. ويَخْتَلِفُ مَعادُ الضَّمِيرَيْنِ اعْتِمادًا عَلى ما يَعْنِيهِ سِياقُ الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]، وقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ في وقْعَةِ حُنَيْنٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا أيْ أحْرَزَ المُشْرِكُونَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الغَنائِمِ. والمَعْنى: ما عَلَيْكَ مِن حِسابِ المُشْرِكِينَ عَلى الإيمانِ بِكَ أوْ عَلى عَدَمِ الإيمانِ شَيْءٌ، فَإنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَيَّ فَلا تَظْلِمِ المُؤْمِنِينَ بِحِرْمانِهِمْ حَقًّا لِأجْلِ تَحْصِيلِ إيمانِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥] . وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ كَوْنُ إضافَةِ حِسابِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ مُحاسَبَتُكَ إيّاهم. ويَجُوزُ كَوْنُها مِن إضافَتِهِ إلى فاعِلِهِ، أيْ مِن حِسابِ المُشْرِكِينَ عَلى هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ فَقْرَهم وضَعْفَهم. وعَلَيْكَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(عَلى) فِيهِ دالَّةٌ عَلى مَعْنى اللُّزُومِ والوُجُوبِ لِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَمَّ أوْ كانَ بِحَيْثُ يَهُمُّ بِإجابَةِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ لَمّا سَألُوهُ، فَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تِلْكَ المَصْلَحَةَ مَدْحُوضَةٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] زائِدَةٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الشُّمُولِ في سِياقِ النَّفْيِ، وهو الحَرْفُ الَّذِي بِتَقْدِيرِهِ بُنِيَ اسْمُ (لا) عَلى الفَتْحِ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ نَفْيِ الجِنْسِ. صفحة ٢٥٠ وتَقْدِيمُ المُسْنَدَيْنِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِما في قَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ تَقْدِيمٌ غَيْرُ واجِبٍ لِأنَّ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَتَيْنِ هُنا مُسَوِّغًا، وهو وُقُوعُهُما في سِياقِ النَّفْيِ، فَكانَ تَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ هُنا اخْتِيارِيًّا فَلا بُدَّ لَهُ مِن غَرَضٍ. والغَرَضُ يَحْتَمِلُ مُجَرَّدَ الِاهْتِمامِ ويَحْتَمِلُ الِاخْتِصاصَ. وحَيْثُ تَأتّى مَعْنى الِاخْتِصاصِ هُنا فاعْتِبارُهُ ألْيَقُ بِأبْلَغِ كَلامٍ، ولِذَلِكَ جَرى عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ. وعَلَيْهِ فَمَعْنى الكَلامِ قَصْرُ نَفْيِ حِسابِهِمْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِيُفِيدَ أنَّ حِسابَهم عَلى غَيْرِهِ وهو اللَّهُ تَعالى. وذَلِكَ هو مُفادُ القَصْرِ الحاصِلِ بِالتَّقْدِيمِ إذا وقَعَ في سِياقِ النَّفْيِ، وهو مُفادٌ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ لِقِلَّةِ وُقُوعِ القَصْرِ بِواسِطَةِ التَّقْدِيمِ في سِياقِ النَّفْيِ. ومِثالُهُ المَشْهُورُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧] فَإنَّهم فَسَّرُوهُ بِأنَّ عَدَمَ الغَوْلِ مَقْصُورٌ عَلى الِاتِّصافِ بِفي خُمُورِ الجَنَّةِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ. وقَدِ اجْتَمَعَ في هَذا الكَلامِ خَمْسَةُ مُؤَكِّداتٍ وهي (مِنَ) البَيانِيَّةُ، و(مِنَ) الزّائِدَةُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ، وصِيغَةُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، والتَّأْكِيدُ بِالتَّتْمِيمُ بِنَفْيِ المُقابِلِ في قَوْلِهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ فَإنَّهُ شَبِيهٌ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ. وكُلُّ ذَلِكَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى مُنْتَهى التَّبْرِئَةِ مِن مُحاوَلَةِ إجابَتِهِمْ لِاقْتِراحِهِمْ. ويُفِيدُ هَذا الكَلامُ التَّعْرِيضَ بِرُؤَساءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ سَألُوا إبْعادَ الفُقَراءِ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ ما يَحْضُرُونَ وأوْهَمُوا أنَّ ذَلِكَ هو الحائِلُ لَهم دُونَ حُضُورِ مَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيمانِ بِهِ والكَوْنِ مِن أصْحابِهِ، فَخاطَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَذا الكَلامِ إذْ كانَ الرَّسُولُ هو المَسْئُولُ أنْ يُقْصِيَ أصْحابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ لِيَعْلَمَ السّائِلُونَ أنَّهم سَألُوهُ ما لا يَقَعُ ويَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى كَذِبِهِمْ، وأنَّهم لَوْ كانُوا راغِبِينَ في الإيمانِ لَما كانَ عَلَيْهِمْ حِسابُ أحْوالِ النّاسِ ولاشْتَغَلُوا بِإصْلاحِ خُوَيْصِّتِهِمْ، فَيَكُونُ الخِطابُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] . وإذْ كانَ القَصْرُ يَنْحَلُّ عَلى نِسْبَتَيْ إثْباتٍ ونَفْيٍ فالنِّسْبَةُ المُقَدَّرَةُ مَعَ القَصْرِ وهي نِسْبَةُ الإثْباتِ ظاهِرَةٌ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ ضَمِيرِ المُخاطَبِ وضَمِيرِ الغائِبِينَ، أيْ عَدَمُ حِسابِهِمْ مَقْصُورٌ عَلَيْكَ، فَحِسابُهم عَلى أنْفُسِهِمْ إذْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا أيْضًا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ فَإنَّهُ ذُكِرَ صفحة ٢٥١ لِاسْتِكْمالِ التَّعْلِيلِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى العِلَّةِ، لِأنَّ مَجْمُوعَ مَدْلُولِ الجُمْلَتَيْنِ هو العِلَّةُ، أيْ حِسابُهم لَيْسَ عَلَيْكَ كَما أنَّ حِسابَكَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ بَلْ عَلى نَفْسِكَ، إذْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . فَكَما أنَّكَ لا تَنْظُرُ إلّا إلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَهم كَذَلِكَ لا يُطْلَبُ مِنهُمُ التَّفْرِيطُ في حَقٍّ مِن حُقُوقِ المُؤْمِنِينَ لِتَسْدِيدِ رَغْبَةٍ مِنكَ في شَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ أوْ لِتَحْصِيلِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ في إيمانِهِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ هُنا كَتَقْدِيمِهِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم أظْهَرُوا أنَّهم أرادُوا بِطَرْدِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ النُّصْحَ لَهُ لِيَكْتَسِبَ إقْبالَ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ والإطْماعَ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ فَيَكْثُرُ مُتَّبِعُوهُ. ثُمَّ بِهَذا يَظْهَرُ أنْ لَيْسَ المَعْنى: بَلْ حِسابُهم عَلى اللَّهِ وحِسابُكَ عَلى اللَّهِ، لِأنَّ هَذا غَيْرُ مُناسِبٍ لِسِياقِ الآيَةِ، ولِأنَّهُ يَصِيرُ بِهِ قَوْلُهُ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ مُسْتَدْرَكًا في هَذا المَقامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَكَرَّرْ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مَعَ نَظِيرِ الجُمْلَةِ الأُولى فِيما حَكى اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ لِأنَّ ذَلِكَ حُكِيَ بِهِ ما صَدَرَ مِن نُوحٍ وما هُنا حُكِيَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ، فَتَنَبَّهْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الآيَةِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِنَفْيِ اللُّزُومِ والوُجُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (عَلى) في المَوْضِعَيْنِ، لا سِيَّما واعْتِبارُ مَعْنى القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ غَيْرُ واضِحٍ، لِأنَّنا إذا سَلَّمْنا أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شِبْهُ اعْتِقادِ لُزُومِ تَتَبُّعِ أحْوالِهِمْ فَقُلِبَ ذَلِكَ الِاعْتِقادُ بِالقَصْرِ، لا نَجِدُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ إذْ لا اعْتِقادَ لَهم في هَذا الشَّأْنِ. وقَدَّمَ البَيانَ عَلى المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ﴿وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ الأهَمَّ في المَقامَيْنِ هو ما يَخْتَصُّ بِالمُخاطَبِ المُعَرِّضِ فِيهِ بِالَّذِينَ سَألُوهُ الطَّرْدَ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وإنَّما جِيءَ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِاسْتِكْمالِ التَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ فَتَطْرُدَهم مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ . وإعادَةُ فِعْلِ الطَّرْدِ دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، صفحة ٢٥٢ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ ذَلِكَ النَّهْيِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لِوُقُوعِ طُولِ الفَصْلِ بَيْنَ التَّفْرِيعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ. فَحَصَلَ بِإعادَةِ فِعْلِ فَتَطْرُدَهم غَرَضانِ لَفْظِيٌّ ومَعْنَوِيٌّ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ فَتَطْرُدَهم مَنصُوبًا في جَوابِ النَّفْيِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، أيْ لا تَطْرُدْهم إجابَةً لِرَغْبَةِ أعْدائِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ عُطِفَ عَلى فَتَطْرُدَهم مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، أيْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ بِطَرْدِهِمْ، أيْ فَكَوْنُهُ مِنَ الظّالِمِينَ مُنْتَفٍ تَبَعًا لِانْتِفاءٍ سَبَبِهِ وهو الطَّرْدُ. وإنَّما جَعَلَ طَرْدَهم ظُلْمًا لِأنَّهُ لَمّا انْتَفى تَكْلِيفُهُ بِأنْ يُحاسِبَهم صارَ طَرْدُهم لِأجْلٍ إرْضاءِ غَيْرِهِمْ ظُلْمًا لَهم. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ سَألُوا طَرْدَهم لِإرْضاءِ كِبْرِيائِهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ مُفْرِطُونَ عَلى الظُّلْمِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ مَنصُوبًا في جَوابِ النَّهْيِ، ويُجْعَلَ قَوْلُهُ فَتَطْرُدَهم جِيءَ بِهِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِتَجْدِيدِ رَبْطِ الكَلامِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ بِالظَّرْفِ والحالِ والتَّعْلِيلِ؛ فَكانَ قَوْلُهُ فَتَطْرُدَهم كالمُقَدَّمَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ولَيْسَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِلْجَوابِيَّةِ؛ فالتَّقْدِيرُ: فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ بِطَرْدِهِمْ.

الأنعام 6:53

﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ . الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما هي في نَظائِرِهِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ لَمّا شَعَرَ بِقِصَّةٍ أوْمَأ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ يَأْخُذُهُ العَجَبُ مِن كِبْرِياءِ عُظَماءِ أهْلِ الشِّرْكِ وكَيْفَ يَرْضَوْنَ البَقاءَ في ضَلالَةٍ تَكَبُّرًا عَنْ غِشْيانِ مَجْلِسٍ فِيهِ ضُعَفاءُ النّاسِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا الخُلُقَ العَجِيبَ فِتْنَةٌ لَهم خَلَقَها اللَّهُ في نُفُوسِهِمْ بِسُوءِ خُلُقِهِمْ. وقَعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ تَعْجِيلًا لِلْبَيانِ، وقُرِنَتْ بِالواوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِراضِ، وهي الواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ، وتُسَمّى الِاسْتِئْنافِيَّةَ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ داعِيَهم صفحة ٢٥٣ إلى طَلَبِ طَرْدِهِمْ هو احْتِقارٌ في حَسَدٍ؛ والحَسَدُ يَكُونُ أعْظَمُ ما يَكُونُ إذا كانَ الحاسِدُ يَرى نَفْسَهُ أوْلى بِالنِّعْمَةِ المَحْسُودِ عَلَيْها، فَكانَ ذَلِكَ الدّاعِي فِتْنَةً عَظِيمَةً في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ إذْ جَمَعَتْ كِبْرًا وعُجْبًا وغُرُورًا بِما لَيْسَ فِيهِمْ إلى احْتِقارٍ لِلْأفاضِلِ وحَسَدٍ لَهم، وظُلْمٍ لِأصْحابِ الحَقِّ، وإذْ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ والِانْتِفاعِ بِالقُرْبِ مِن مَجْلِسِ الرَّسُولِ ﷺ . والتَّشْبِيهُ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْجِيبُ مِنَ المُشَبَّهِ بِأنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في العُجْبِ. واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى الفُتُونِ المَأْخُوذِ مِن فَتَنّا كَما يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى المَصْدَرِ في نَحْوِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] أيْ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ فُتُونًا يُرَغِّبُ السّامِعَ في تَشْبِيهِهِ وتَمْثِيلِهِ لِتَقْرِيبِ كُنْهِهِ فَإذا رامَ المُتَكَلِّمُ أنْ يُقَرِّبَهُ لَهُ بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ لَمْ يَجِدْ لَهُ شَبِيهًا في غَرائِبِهِ وفَظاعَتِهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ إذْ لا أعْجَبَ مِنهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: والسَّفاهَةُ كاسْمِها. ولَيْسَ ثَمَّةَ إشارَةٍ إلى شَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ مُغايِرٍ لِلْمُشَبَّهِ. وجِيءَ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ المُشارِ إلَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ مِثْلِ هَذا التَّشْبِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِالبَعْضِ المَنصُوبِ المُشْرِكُونَ فَهُمُ المَفْتُونُونَ، وبِالبَعْضِ المَجْرُورِ بِالباءِ المُؤْمِنُونَ، أيْ فَتَنّا عُظَماءَ المُشْرِكِينَ في اسْتِمْرارِ شِرْكِهِمْ وشِرْكِ مُقَلِّدِيهِمْ بِحالِ الفُقَراءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَقُولُهُ غَيْرُ المُشْرِكِينَ، وكَما يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى في تَذْيِيلِهِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ . والقَوْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنهم في أنْفُسِهِمْ أوْ كَلامًا قالُوهُ في مَلَئِهِمْ. وأيًّا ما كانَ فَهم لا يَقُولُونَهُ إلّا وقَدِ اعْتَقَدُوا مَضْمُونَهُ، فالقائِلُونَ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِيَقُولُوا لامُ التَّعْلِيلِ، ومَدْخُولُها هو أثَرُ العِلَّةِ دالٌّ عَلَيْها بَعْدَ طَيِّها صفحة ٢٥٤ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَنّاهم لِيَرَوْا لِأنْفُسِهِمْ شُفُوفًا واسْتِحْقاقًا لِلتَّقَدُّمِ في الفَضائِلِ اغْتِرارًا - بِحالِ التَّرَفُّهِ فَيَعْجَبُوا كَيْفَ يُدَّعى أنَّ اللَّهَ يَمُنُّ بِالهُدى والفَضْلِ عَلى ناسٍ يَرَوْنَهم أحَطَّ مِنهم، وكَيْفَ يُعَدُّونَ هم دُونَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا مِنَ الغُرُورِ والعُجْبِ الكاذِبِ. ونَظِيرُهُ في طَيِّ العِلَّةِ والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ أثَرِها قَوْلُ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْدَمْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أيْ لِيَظْهَرَ الجَبانُ والشُّجاعُ فَأعْلَمَهُما. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ والإنْكارِ، كَما هو في قَوْلِهِ ﴿أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥] . والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْقِيرِ أوِ التَّعْجِيبِ كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ. وقَوْلُهم ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ ومُجاراةِ الخَصْمِ، أيْ حَيْثُ اعْتَقَدَ المُؤْمِنُونَ أنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ وحَرَمَ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ تَعَجَّبَ أُولَئِكَ مِن هَذا الِاعْتِقادِ، أيْ كَيْفَ يُظَنُّ أنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى فُقَراءٍ وعَبِيدٍ ويَتْرُكُ سادَةَ أهْلِ الوادِي. وهَذا كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . وهَذِهِ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ والطُّغاةِ. وقَدْ حَدَثَ بِالمَدِينَةِ مِثْلُ هَذا. رَوى البُخارِيُّ «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّما بايَعَكَ سُرّاقُ الحَجِيجِ مِن أسْلَمَ وغِفارٍ ومُزَيْنَةَ وجُهَيْنَةَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: أرَأيْتَ إنْ كانَتْ أسْلَمُ وغِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ خَيْرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي عامِرٍ وأسَدٍ وغَطَفانَ أخابُوا وخَسِرُوا (أيْ أخابَ بَنُو تَمِيمٍ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ) فَقالَ: نَعَمْ قالَ: فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لِخَيْرٌ مِنهم» . وفِي الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُضْمَرًا في النَّفْسِ، وضَمِيرُ لِيَقُولُوا عائِدًا إلى المُؤْمِنِينَ الفُقَراءِ، فَيَكُونُوا هُمُ البَعْضَ المَفْتُونِينَ، ويَكُونُ البَعْضُ المَجْرُورُ بِالباءِ صادِقًا صفحة ٢٥٥ عَلى أهْلِ النِّعْمَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وتَكُونُ إشارَةُ هَؤُلاءِ راجِعَةً إلى عُظَماءِ المُشْرِكِينَ ويَكُونُ المُرادُ بِالمَنِّ إعْطاءَ المالِ وحُسْنَ حالِ العَيْشِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحَيُّرِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، والإشارَةُ إلى المُشْرِكِينَ مُعْتَبَرٌ فِيها ما عُرِفُوا بِهِ مِنَ الإشْراكِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ في اللَّهِ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ الفُتُونُ الواقِعُ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ، وهو فُتُونُ الإعْجابِ والكِبْرِياءِ حِينَ تَرَفَّعُوا عَنِ الدُّخُولِ فِيما دَخَلَ فِيهِ الضُّعَفاءُ والعَبِيدُ مِن تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وصُحْبَتِهِ اسْتِكْبارًا عَنْ مُساواتِهِمْ، كَذَلِكَ كانَ فُتُونُ بَعْضٍ آخَرَ وهم بَعْضُ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُشاهِدُونَ طِيبَ عَيْشِ عُظَماءِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا مَعَ إشْراكِهِمْ بِرَبِّهِمْ فَيَعْجَبُونَ كَيْفَ مَنَّ اللَّهُ بِالرِّزْقِ الواسِعِ عَلى مَن يَكْفُرُونَ بِهِ ولَمْ يَمُنَّ بِذَلِكَ عَلى أوْلِيائِهِ وهم أوْلى بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ. وقَدْ أعْرَضَ القُرْآنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِفَسادِ هَذا الخاطِرِ النَّفْسانِيِّ اكْتِفاءً بِأنَّهُ سَمّاهُ فِتْنَةً، فَعُلِمَ أنَّهُ خاطِرٌ غَيْرُ حَقٍّ، وبِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ مُشِيرٌ إلى إبْطالِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ. ذَلِكَ بِأنَّها شُبْهَةٌ خَلَطَتْ أمْرَ شَيْئَيْنِ مُتَفارِقَيْنِ في الأسْبابِ، فاشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الجَزاءُ عَلى الإيمانِ وما أعَدَّ اللَّهُ لِأهْلِهِ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ في الآخِرَةِ، المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ المَجْعُولِ عَنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى، بِالرِّزْقِ في الدُّنْيا المُتَرَتِّبِ عَلى أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ كالتِّجارَةِ والغَزْوِ والإرْثِ والهِباتِ. فالرِّزْقُ الدُّنْيَوِيُّ لا تَسَبُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحْوالِ القَلْبِيَّةِ ولَكِنَّهُ مِن مُسَبِّباتِ الأحْوالِ المادِّيَّةِ فاللَّهُ أعْلَمُ بِشُكْرِ الشّاكِرِينَ، وقَدْ أعَدَّ لَهم جَزاءَ شُكْرِهِمْ، وأعْلَمُ بِأسْبابِ رِزْقِ المَرْزُوقِينَ المَحْظُوظِينَ. فالتَّخْلِيطُ بَيْنَ المَقامَيْنِ مِن ضَعْفِ الفِكْرِ العارِضِ لِلْخَواطِرِ البَشَرِيَّةِ والنّاشِئِ عَنْ سُوءِ النَّظَرِ وتَرْكِ التَّأمُّلِ في الحَقائِقِ وفي العِلَلِ ومَعْلُولاتِها. وكَثِيرًا ما عَرَضَتْ لِلْمُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ شُبَهٌ وأغْلاطٌ في هَذا المَعْنى صَرَفَتْهم عَنْ تَطَلُّبِ الأشْياءِ مِن مَظانِّها وقَعَدَتْ بِهِمْ عَنْ رَفْوِ أخَلّالِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ غَرَّتْهم بِالتَّفْرِيطِ فِيما يَجِبُ الِاسْتِعْدادُ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ لِلتَّخْلِيطِ بَيْنَ الأحْوالِ الدِّينِيَّةِ الأُخْرَوِيَّةِ وبَيْنَ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَما عَرَضَ لِابْنِ الرّاوَنْدِيِّ مِن حَيْرَةِ الجَهْلِ في قَوْلِهِ: كَمْ عالِمٍ عالِمٍ أعْيَتْ مَذاهِبُـهُ ∗∗∗ وجاهِلٍ جاهِلٍ تَلْقاهُ مَرْزُوقًا هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا صفحة ٢٥٦ ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ قَدِ اهْتَدَوْا واسْتَفاقُوا، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ تَأهَّلُوا لِامْتِلاكِ العالِمِ ولاقَوْا. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن بَيْنِنا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. وبَيْنَ ظَرْفٌ يَدُلُّ عَلى التَّوَسُّطِ، أيْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُخْتارًا لَهم مِن وسَطِنا، أيْ مَنَّ عَلَيْهِمْ وتَرَكَنا، فَيَئُولُ إلى مَعْنى مِن دُونِنا. وقَوْلُهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ كُلِّها، فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ مِن مَقُولِ القَوْلِ، ولِذَلِكَ فُصِّلَ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وعُدِّيَ ”أعْلَمَ“ بِالباءِ لِأنَّهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ صارَ قاصِرًا. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِالشّاكِرِينَ مِن عِبادِهِ فَلِذَلِكَ مَنَّ عَلى الَّذِينَ أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِمِنَّةِ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ. ومَعْنى عِلْمُهُ تَعالى بِالشّاكِرِينَ أنَّهُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ جاءُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ بِقَرِيحَةٍ طالِبِينَ النَّجاةَ مِنَ الكُفْرِ راغِبِينَ في حُسْنِ العاقِبَةِ، فَهو يَلْطُفُ بِهِمْ ويُسَهِّلُ لَهُمُ الإيمانَ ويُحَبِّبُهُ إلَيْهِمْ ويُزَيِّنُهُ في قُلُوبِهِمْ ويَزِيدُهم يَوْمًا فَيَوْمًا تَمَكُّنًا مِنهُ وتَوْفِيقًا وصَلاحًا، فَهو أعْلَمُ بِقُلُوبِهِمْ وصِدْقِهِمْ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّ رَثاثَةَ حالِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ تُطابِقُ حالَةَ قُلُوبِهِمْ في الإيمانِ فَيَأْخُذُونَ النّاسَ بِبَزّاتِهِمْ دُونَ نِيّاتِهِمْ. فَهَذا التَّذْيِيلُ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] . وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أنَّهُ أيْضًا أعْلَمُ بِأضْدادِهِمْ. ضِدُّ الشُّكْرِ هو الكُفْرُ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] فَهو أعْلَمُ بِالَّذِينَ يَأْتُونَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَهْزِئِينَ مُتَكَبِّرِينَ لا هَمَّ لَهم إلّا تَحْقِيرُ الإسْلامِ والمُسْلِمِينَ، وقَدِ اسْتَفْرَغُوا وُسْعَهم ولُبَّهم في مُجادَلَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَضْلِيلِ الدَّهْماءِ في حَقِيقَةِ الدِّينِ. فَفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ.