Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأنعام 6:54 – الأنعام 6:88
المحتويات
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
الأنعام 6:54
﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] وهو ارْتِقاءٌ في إكْرامِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ. فَهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ .
صفحة ٢٥٧
ومَعْنى ﴿يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ أنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آياتٍ جَمَّةً. فَهم يُؤْمِنُونَ بِما نَزَلَ مِنَ الآياتِ وبِخاصَّةٍ آياتِ القُرْآنِ وهو مِنَ الآياتِ، قالَ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] .
وقَوْلُهُ ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ حَيِّهِمْ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وهي كَلِمَةُ (سَلامٌ عَلَيْكم)، وقِيلَ: أبْلِغْهُمُ السَّلامَ مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكْرِمَةً لَهم لِمُضادَّةِ طَلَبِ المُشْرِكِينَ طَرْدَهم.
وقَدْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ كَرامَتَيْنِ: الأوْلى أنْ يَبْدَأهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالسَّلامِ حِينَ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ وهي مَزِيَّةٌ لَهم، لِأنَّ شَأْنَ السَّلامِ أنَّ يَبْتَدِئَهُ الدّاخِلُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّ هَذا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ مَعَهم كُلَّما أُدْخِلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لِلْمَرَّةِ الَّتِي يُبَلِّغُهم فِيها هَذِهِ البِشارَةَ، فَنَزَلَ هو مَنزِلَةَ القادِمِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ زَفَّ إلَيْهِمْ هَذِهِ البُشْرى.
والكَرامَةُ الثّانِيَةُ: هي بِشارَتُهم بِرِضى اللَّهِ عَنْهم بِأنْ غَفَرَ لَهم ما يَعْمَلُونَ مِن سُوءٍ إذا تابُوا مِن بَعْدِهِ وأصْلَحُوا. وهَذا الخَبَرُ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا، فَكانَتِ البِشارَةُ بِهِ في وُجُوهِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ تَكْرِمَةً لَهم لِيَكُونُوا مَيْمُونِيَ النَّقِيبَةِ عَلى بَقِيَّةِ إخْوانِهِمْ والَّذِينَ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِهِمْ.
والسَّلامُ: الأمانُ، كَلِمَةٌ قالَتْها العَرَبُ عِنْدَ لِقاءِ المَرْءِ بِغَيْرِهِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مُسالِمٌ لا مُحارِبٌ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ بَيْنَهم دِماءٌ وتِراتٌ وكانُوا يَثْأرُونَ لِأنْفُسِهِمْ ولَوْ بِغَيْرِ المُعْتَدِي مِن قَبِيلَتِهِ، فَكانَ الرَّجُلُ إذا لَقِيَ مَن لا يَعْرِفُهُ لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَبِيلَتِهِ إحَنٌ وحَفائِظُ فَيُؤَمِّنُ أحَدُهُما الآخَرَ بِقَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْكم، أوْ سَلامٌ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ حَكاها اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ شاعَ هَذا اللَّفْظُ فَصارَ مُسْتَعْمَلًا في التَّكْرِمَةِ. ومَصْدَرُ سَلَّمَ التَّسْلِيمُ. والسَّلامُ اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو يَأْتِي في الِاسْتِعْمالِ مُنَكَّرًا مَرْفُوعًا ومَنصُوبًا، ومُعَرَّفًا بِاللّامِ مَرْفُوعًا لا غَيْرَ. فَأمّا تَنْكِيرُهُ مَعَ الرَّفْعِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَهو عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا بِمَعْنى الأمانِ، وساغَ الِابْتِداءُ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ النَّوْعِيَّةُ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ. وإنَّما لَمْ يُقَدَّمِ الخَبَرُ لِاهْتِمامِ القادِمِ بِإدْخالِ الطُّمَأْنِينَةِ في نَفْسِ المَقْدُومِ عَلَيْهِ، أنَّهُ طارِقُ خَيْرٍ لا طارِقُ شَرٍّ. فَهو مِنَ التَّقْدِيمِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّفاؤُلِ.
وأمّا تَعْرِيفُهُ مَعَ الرَّفْعِ فَلِدُخُولِ لامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٥٨
وكَلِمَةُ (عَلى) في الحالَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ بِالأمانِ، أيِ الأمانُ مُسْتَقَرٌّ مِنكم مُتَلَبِّسٌ بِكم، أيْ لا تَخَفْ.
وأمّا إنْ نَصَبُوا مَعَ التَّنْكِيرِ فَعَلى اعْتِبارِهِ كَمَصْدَرِ سَلَّمَ، فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أتى بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. تَقْدِيرُهُ: سَلَّمْتُ سَلامًا، فَلِذَلِكَ لا يُؤْتى مَعَهُ بِـ (عَلى) . ثُمَّ أنَّهم يَرْفَعُونَهُ أيْضًا عَلى هَذا الِاعْتِبارِ فَلا يَأْتُونَ مَعَهُ بِـ (عَلى) لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِالرَّفْعِ، لِأنَّهُ يَقْطَعُ عَنْهُ اعْتِبارَ البَدَلِيَّةِ عَنِ الفِعْلِ ولِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُبْتَدَأٍ، أيْ أمْرُكم سَلامٌ، عَلى حَدِّ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . والرَّفْعُ أقْوى، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ رَدَّ تَحِيَّةً أحْسَنَ مِن تَحِيَّةِ المَلائِكَةِ، كَما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] . وقَدْ ورَدَ في رَدِّ السَّلامِ أنْ يَكُونَ بِمِثْلِ كَلِمَةِ السَّلامِ الأوْلى، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ووَرَدَ بِالتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ فَيَنْبَغِي جَعْلُ الرَّدِّ أحْسَنَ دَلالَةً. فَأمّا التَّعْرِيفُ والتَّنْكِيرُ فَهُما سَواءٌ لِأنَّ التَّعْرِيفَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. ولِذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ عِيسى ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] وجاءَ أنَّهُ قالَ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم: ٣٣] .
وجُمْلَةُ ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا وهي أوَّلُ المَقْصُودِ مِنَ المَقُولِ، وأمّا السَّلامُ فَمُقَدِّمَةٌ لِلْكَلامِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ كَلامًا ثانِيًا.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنعام: ١٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
فَقَوْلُهُ هُنا ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ إلخ.
وقَوْلُهُ ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الرَّحْمَةِ بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ العامَّةَ تَشْتَمِلُ عَلى غُفْرانِ ذَنْبِ مَن عَمِلَ ذَنْبًا ثُمَّ تابَ وأصْلَحَ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ مُتَوَقَّعٍ عَنْ مَبْلَغِ الرَّحْمَةِ.
صفحة ٢٥٩
(ومَن) شَرْطِيَّةٌ، وهي أدَلُّ عَلى التَّعْمِيمِ مِنَ المَوْصُولَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِجَهالَةٍ“ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِجَهالَةٍ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”عَمِلَ“ .
والجَهالَةُ تُطْلَقُ عَلى انْتِفاءِ العِلْمِ بِشَيْءٍ ما. وتُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ الحِلْمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُناسِبُ هُنا هو المَعْنى الثّانِي، أيْ مَن عَمِلَ سُوءًا عَنْ حَماقَةٍ مِن نَفْسِهِ وسَفاهَةٍ، لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَأْتِي السَّيِّئاتِ إلّا عَنْ غَلَبَةِ هَواهُ رُشْدَهُ ونُهاهُ. وهَذا الوَجْهُ هو المُناسِبُ لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّحْمَةِ. . وأمّا حَمْلُ الجَهالَةِ عَلى مَعْنى عَدَمِ العِلْمِ بِناءً عَلى أنَّ الجاهِلَ بِالذَّنْبِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، فَلا قُوَّةَ لِتَفْرِيعِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ﴾ عَلَيْهِ، إلّا إذا أُرِيدَ ثُمَّ تَفَطَّنَ إلى أنَّهُ عَمِلَ سُوءًا.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ عائِدٌ إلى ”سُوءًا“ أيْ بَعْدَ السُّوءِ، أيْ بَعْدَ عَمَلِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عائِدًا إلى المَصْدَرِ المَضْمُونِ في عَمَلِ مِثْلِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] .
ومَعْنى أصْلَحَ صَيَّرَ نَفْسَهُ صالِحَةً، أوْ أصْلَحَ عَمَلَهُ بَعْدَ أنْ أساءَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] في سُورَةِ المائِدَةِ. وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، أيْ هو شَدِيدُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ المَغْفِرَةِ لِهَذا التّائِبِ المُصْلِحِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُؤَكَّدَةٌ بِـ (إنَّ) فَيُعْلَمُ أنَّ المُرادَ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِمَن تابَ لِأنَّهُ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ (فَأنَّهُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّها (أنَّ) المَفْتُوحَةُ أُخْتُ (إنَّ)، فَيَكُونُ ما بَعْدَها مُئَوَّلًا بِمَصْدَرٍ. والتَّقْدِيرُ: فَغُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ. وهَذا جُزْءُ جُمْلَةٍ يَلْزَمُهُ تَقْدِيرُ خَبَرٍ، أيْ لَهُ، أيْ ثابِتٌ لِمَن عَمِلَ سُوءًا ثُمَّ تابَ.
الأنعام 6:55
﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ .
صفحة ٢٦٠
الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] . والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ الَّذِي مَضى مُبْتَدَئًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١] .
والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والتَّوْضِيحُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ، وهو تُفَرُّقُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ. ولَمّا كانَتِ الأشْياءُ المُخْتَلِطَةُ إذا فُصِّلَتْ يَتَبَيَّنُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ أُطْلِقَ التَّفْصِيلُ عَلى التَّبْيِينِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، ومِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا تَسْمِيَةُ الإيضاحِ تَبْيِينًا وإبانَةً، فَإنَّ أصْلَ الإبانَةِ القَطْعُ. والمُرادُ بِالتَّفْصِيلِ الإيضاحُ، أيِ الإتْيانُ بِالآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى المَقْصُودِ مِنها.
والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ. والمَعْنى نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها تَفْصِيلًا مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ الَّذِي لا فَوْقَهُ تَفْصِيلٌ، وهو تَفْصِيلٌ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمُ المُرادِ مِنها بَيِّنًا.
وقَوْلُهُ ”ولِتَسْتَبِينَ“ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ التَّفْصِيلُ البالِغُ غايَةَ البَيانِ، فَيُعْلَمُ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ أنَّ الغَرَضَ مِنهُ اتِّضاحُ العِلْمِ لِلرَّسُولِ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ بِهَذِهِ المَثابَةِ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ عِلَّةٌ لِشَيْءٍ يُناسِبُهُ وهو تَبَيُّنُ الرَّسُولِ ذَلِكَ التَّفْصِيلَ، فَصَحَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرى مِن عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ، وهي اسْتِبانَتُهُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ. فالتَّقْدِيرُ مَثَلًا: وكَذَلِكَ التَّفْصِيلُ نُفَصِّلُ الآياتِ لِتَعْلَمَ بِتَفْصِيلِها كُنْهَها، ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ، فَفي الكَلامِ إيجازُ الحَذْفِ.
وهَكَذا كُلَّما كانَ اسْتِعْمالُ (كَذَلِكَ) نَفْعَلُ بَعْدَ ذِكْرِ أفْعالٍ عَظِيمَةٍ صالِحًا الفِعْلُ المَذْكُورُ بَعْدَ الإشارَةِ لِأنْ يَكُونَ عِلَّةً لِأمْرٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَلَّلَ بِمِثْلِهِ صَحَّ أنْ تُعْطَفَ عَلَيْهِ عِلَّةٌ أُخْرى كَما هُنا، وكَما في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِخِلافِ ما لا يَصْلُحُ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ إذا أُرِيدَ ذِكْرُ عِلَّةٍ بَعْدَهُ ذُكِرَتْ بِدُونِ عَطْفٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] .
و﴿سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ طَرِيقَهم وسِيرَتَهم في الظُّلْمِ والحَسَدِ والكِبْرِ واحْتِقارِ النّاسِ والتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
صفحة ٢٦١
والمُجْرِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ. وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُمُ المُرادُ ولِإجْراءِ وصْفِ الإجْرامِ عَلَيْهِمْ.
وخَصَّ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآياتِ كُلِّها لِإيضاحِ خَفِيِّ أحْوالِهِمْ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في أوَّلِ الفِعْلِ عَلى أنَّها تاءُ خِطابٍ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ، ثُمَّ إنَّ نافِعًا، وأبا جَعْفَرٍ قَرَأ سَبِيلَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ تَسْتَبِينَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلطَّلَبِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِرَفْعِ اللّامِ عَلى أنَّهُ فاعِلُ (يَسْتَبِينَ) أوْ تَسْتَبِينَ. فالسِّينُ والتّاءُ لَيْسا لِلطَّلَبِ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، عَنْ عاصِمٍ بِرَفْعٍ (سَبِيلُ) عَلى أنَّ تاءَ المُضارَعَةِ تاءُ المُؤَنَّثَةِ. لِأنَّ السَّبِيلَ مُؤَنَّثَةٌ في لُغَةِ عَرَبِ الحِجازِ، وعَلى أنَّهُ مِنِ اسْتَبانَ القاصِرُ بِمَعْنى بانَ فَـ (سَبِيلُ) فاعِلُ تَسْتَبِينَ، أيْ لِتَتَّضِحَ سَبِيلُهم لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
الأنعام 6:56
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالتَّبَرُّؤِ مِن عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أبْطَلَ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] الآيَةَ. وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] الآيَةَ. جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِطَرِيقَةٍ أُخْرى لِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ وهي أنَّ اللَّهَ نَهى رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ عِبادَتِها وعَنِ اتِّباعِ أهْواءٍ عَبَدَتِها.
صفحة ٢٦٢
وبُنِيَ نُهِيتُ عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ الفاعِلِ لِظُهُورِ المُرادِ، أيْ نَهانِي اللَّهُ. وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) فَحُذِفَ الجَرُّ حَذْفًا مُطَّرِدًا مَعَ (أنْ) .
وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ اسْمُ المَوْصُولِ المَوْضُوعُ لِلْعُقَلاءِ لِأنَّهم عامَلُوهم مُعامَلَةَ العُقَلاءِ فَأتى لَهم بِما يَحْكِي اعْتِقادَهم، أوْ لِأنَّهم عَبَدُوا الجِنَّ وبَعْضَ البَشَرِ فَغُلِّبَ العُقَلاءُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ.
ومَعْنى تَدْعُونَ تَعْبُدُونَ وتَلْجَئُونَ إلَيْهِمْ في المُهِمّاتِ، أيْ تَدْعُونَهم. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ، فَعامِلُهُ تَدْعُونَ. وهو حِكايَةٌ لِما غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ودُعائِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ودُعائِهِ، حَتّى كَأنَّهم عَبَدُوهم دُونَ اللَّهِ، وإنْ كانُوا إنَّما أشْرَكُوهم بِالعِبادَةِ مَعَ اللَّهِ ولَوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ. وفِيهِ نِداءٌ عَلَيْهِمْ بِاضْطِرابِ عَقِيدَتِهِمْ إذْ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ مَن لا يَسْتَحِقُّونَها مَعَ أنَّهم قائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو مالِكُ الأصْنامِ وجاعِلُها شُفَعاءَ لَكِنَّ ذَلِكَ كالعَدَمِ لِأنَّ كُلَّ عِبادَةٍ تَوَجَّهُوا بِها إلى الأصْنامِ قَدِ اعْتَدَوْا بِها عَلى حَقِّ اللَّهِ في أنْ يَصْرِفُوها إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ابْتِدائِيٌّ، وقَدْ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ إلى الِاسْتِئْنافِ لِيَكُونَ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ زِيادَةً في الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِئْنافِ واسْتِقْلالِهِ لِيَكُونَ هَذا النَّفْيُ شامِلًا لِلِاتِّباعِ في عِبادَةِ الأصْنامِ وفي غَيْرِها مِن ضَلالَتِهِمْ كَطَلَبِ طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ.
والأهْواءُ جَمْعُ هَوًى، وهو المَحَبَّةُ المُفْرِطَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما قالَ ﴿لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ دُونَ لا أتْبَعُكم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في دِينِهِمْ تابِعُونَ لِلْهَوى نابِذُونَ لِدَلِيلِ العَقْلِ. وفي هَذا تَجْهِيلٌ لَهم في إقامَةِ دِينِهِمْ عَلى غَيْرِ أصْلٍ مَتِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم إذًا قَدْ ضَلَلْتُ. وكَذَلِكَ مَوْقِعُ ”إذًا“ حِينَ تَدْخُلُ عَلى فِعْلٍ غَيْرِ مُسْتَقْبَلٍ فَإنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ جَوابًا لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ مَشْرُوطٍ بِـ (إنَّ) أوْ (لَوْ) مُصَرَّحٍ بِهِ تارَةً، كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ:
صفحة ٢٦٣
لَئِنْ عادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِها وأمْكَنَنِي مِنها إذَنْ لا أُقِيلُهَـا
ومُقَدَّرٍ أُخْرى كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
وتَقْدِيمُ جَوابِ إذًا عَلى إذًا في هَذِهِ الآيَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالجَوابِ. ولِذَلِكَ الِاهْتِمامُ أُكِّدَ بِـ ”قَدْ“ مَعَ كَوْنِهِ مَفْرُوضًا ولَيْسَ بِواقِعٍ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ وُقُوعَهُ مُحَقَّقٌ لَوْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ المُقَدَّرُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ إذا.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾، عُطِفَ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءٌ آخَرُ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَنْ حالِهِ الَّتِي هو عَلَيْها الآنَ مِن كَوْنِهِ في عِدادِ المُهْتَدِينَ إلى الكَوْنِ في حالَةِ الضَّلالِ، وأفادَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ لِأنَّهُ نَفى عَنْ نَفْسِهِ ضِدَّ الضَّلالِ فَتَقَرَّرَتْ حَقِيقَةُ الضَّلالِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
وتَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قَدِ اهْتَدَيْتُ إلَيْها ونَبَّهْتُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] .
وقَدْ أُتِيَ بِالخَبَرِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ فَقِيلَ ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما أنا مُهْتَدٍ، لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ الجُمْلَةِ الَّتِي خَبَرُها ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، فَإنَّ التَّعْرِيفَ في المُهْتَدِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَإخْبارُ المُتَكَلِّمِ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ مِنَ المُهْتَدِينَ يُفِيدُ أنَّهُ واحِدٌ مِنَ الفِئَةِ الَّتِي تُعْرَفُ عِنْدَ النّاسِ بِفِئَةِ المُهْتَدِينَ، فَيُفِيدُ أنَّهُ مُهْتَدٍ إفادَةً بِطَرِيقَةٍ تُشْبِهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِدْلالِ. فَهو مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ الَّتِي هي إثْباتُ الشَّيْءِ بِإثْباتِ مَلْزُومِهِ. وهي أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ. قالَ في الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٨]: قَوْلُكَ فُلانٌ مِنَ العُلَماءِ أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ عالِمٌ، لِأنَّكَ تَشْهَدُ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعْدُودًا في زُمْرَتِهِمْ ومَعْرُوفَةً مُساهَمَتُهُ لَهم في العِلْمِ. وقالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أوَعَظْتَ أمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الواعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦] في سُورَةِ الشُّعَراءِ: فَإنْ قُلْتَ لَوْ قِيلَ: أوَعَظْتَ أوْ لَمْ تَعِظْ، كانَ أخْصَرَ، والمَعْنى واحِدٌ. قُلْتُ:
صفحة ٢٦٤
لَيْسَ المَعْنى بِواحِدٍ وبَيْنَهُما فَرْقٌ لِأنَّ المُرادَ سَواءٌ عَلَيْنا أفَعَلْتَ هَذا الفِعْلَ الَّذِي هو الوَعْظُ أمْ لَمْ تَكُنْ أصْلًا مِن أهْلِهِ ومُباشَرَتِهِ، فَهو أبْلَغُ في قِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِوَعْظِهِ مِن قَوْلِهِ: أمْ لَمْ تَعِظْ. وقالَ الخَفاجِيُّ إنَّ أصْلَ هَذا لِابْنِ جِنِّي.
ولِهَذا كانَ نَفْيُ هَذا الخَبَرِ مُفِيدًا نَفْيَ هَذِهِ النِّسْبَةَ الكِنائِيَّةَ فَكانَتْ أبْلَغِيَّتُهُ في النَّفْيِ كَأبْلَغِيَّتِهِ في الإثْباتِ، لِأنَّ المُفادَ الكِنائِيَّ هو هو. ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ في الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: ”وما أنا مِنَ الهُدى في شَيْءٍ“ . ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ بَعْضُ النّاظِرِينَ نَقَلَهُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُكَ: هو مِنَ المُهْتَدِينَ، مُفِيدًا في الإثْباتِ أنَّ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ حُظُوظًا عَظِيمَةً في الهُدى فَهو في النَّفْيِ يُوجِبُ أنْ تُنْفى عَنْهُ الحُظُوظُ الكَثِيرَةُ، وذَلِكَ يَصْدُقُ بِأنْ يَبْقى لَهُ حَظٌّ قَلِيلٌ. وهَذِهِ سَفْسَطَةٌ خَفِيَتْ عَنْ قائِلِها لِأنَّهُ إنَّما تَصِحُّ إفادَةُ النَّفْيِ ذَلِكَ لَوْ كانَتْ دَلالَةُ المُثْبَتِ بِواسِطَةِ القُيُودِ اللَّفْظِيَّةِ، فَأمّا وهي بِطَرِيقِ التَّكْنِيَةِ فَهي مُلازِمَةٌ لِلَّفْظِ إثْباتًا ونَفْيًا لِأنَّها دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ لا لَفْظِيَّةٌ. ولِذا قالَ التَّفْتَزانِيُّ هو مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لا نَفْيِ التَّأْكِيدِ فَهو يُفِيدُ أنَّهُ قَدِ انْسَلَخَ عَنْ هَذِهِ الزُّمْرَةِ الَّتِي كانَ مَعْدُودًا مِنها وهو أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الِاتِّصافِ بِعَدَمِ الهُدى لِأنَّ مُفارَقَةَ المَرْءِ فِئَتَهُ بَعْدَ أنْ كانَ مِنها أشَدُّ عَلَيْهِ مِنِ اتِّصافِهِ بِما يُخالِفُ صِفاتِهِمْ قَبْلَ الِاتِّصالِ بِهِمْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأحَلْنا بَسْطَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ.
الأنعام 6:57
﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ بِدَلِيلِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ المُؤَيِّدِ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ إلى إثْباتِ صِدْقِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِنَ اللَّهِ مُؤَيِّدٍ لِلْأدِلَّةِ السّابِقَةِ أيْضًا، لِيَيْأسُوا مِن مُحاوَلَةِ إرْجاعِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإسْلامِ وتَشْكِيكِهِ في وحْيِهِ بِقَوْلِهِمْ: ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، شاعِرٌ، أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولِيَيْأسُوا
صفحة ٢٦٥
أيْضًا مِن إدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِ في صِدْقِ إيمانِ أصْحابِهِ، وإلْقاءِ الوَحْشَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِما حاوَلُوا مِن طَرْدِهِ أصْحابَهُ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ حُضُورِ خُصُومِهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم إنَّهُ عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِ رَبِّهِ لا يَتَزَعْزَعُ. وعُطِفَ عَلى ذَلِكَ جَوابٌ عَنْ شُبْهَةِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى تَكْذِيبِ الوَعِيدِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ كانَ صِدْقًا لَعُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ، فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ويَقُولُونَ ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]، فَقالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨]، وأكَّدَ الجُمْلَةَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ.
وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِتَكْرِيرِ الِاهْتِمامِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] .
والبَيِّنَةُ في الأصْلِ وصْفٌ مُؤَنَّثُ بَيِّنٍ، أيِ الواضِحَةُ، فَهي صِفَةٌ جَرَتْ عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ في الكَلامِ، أيْ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ أوْ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ فَصارَ اسْمًا لِلْحُجَّةِ المُثْبِتَةِ لِلْحَقِّ الَّتِي لا يَعْتَرِيها شَكٌّ، ولِلدَّلالَةِ الواضِحَةِ، ولِلْمُعْجِزَةِ أيْضًا، فَهي هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الدَّلالَةِ البَيِّنَةِ، أيِ اليَقِينِ. وهو أنْسَبُ بِـ (عَلى) الدّالَّةِ عَلى التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ فُلانٌ عَلى بَصِيرَةٍ، أيْ أنِّي مُتَمَكِّنٌ مِنَ اليَقِينِ في أمْرِ الوَحْيِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيِّنَةِ القُرْآنَ، وتَكُونَ (عَلى) مُسْتَعْمَلَةً في المُلازَمَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاسْتِعْلاءَ يَسْتَلْزِمُ المُلازَمَةَ، أيْ أنِّي لا أُخالِفُ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.
ومِن رَبِّي صِفَةٌ لِـ بَيِّنَةٍ يُفِيدُ تَعْظِيمَها وكَمالَها. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ بَيِّنَةٍ جائِيَةٍ إلَيَّ مِن رَبِّي، وهي الأدِلَّةُ الَّتِي أوْحاها اللَّهُ إلَيْهِ وجاءَ بِها القُرْآنُ وغَيْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ اتِّصالِيَّةً، أيْ عَلى يَقِينٍ مُتَّصِلٍ بِرَبِّي، أيْ بِمَعْرِفَتِهِ تَوْحِيدَهُ، أيْ فَلا أتَرَدَّدُ في ذَلِكَ فَلا تَطْمَعُوا في صَرْفِي عَنْ ذَلِكَ، أيْ أنِّي آمَنتُ بِإلَهٍ واحِدٍ دَلَّتْ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ دَلائِلُ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ، فَأنا مُوقِنٌ بِما آمَنتُ بِهِ لا يَتَطَرَّقُنِي شَكٌّ. وهَذا حِينَئِذٍ
صفحة ٢٦٦
مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم عَلى اضْطِرابٍ مِن أمْرِ آلِهَتِهِمْ وعَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن بَيِّنَةٍ. وهي تُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِنهم أنْ كَذَّبُوا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾، أيْ أنا عَلى بَيِّنَةٍ وأنْتُمْ كَذَّبْتُمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ البَيِّناتُ فَشَتّانَ بَيْنِي وبَيْنَكم.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِهِ يَعُودُ إلى البَيِّنَةِ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِها بِالبَيانِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ ما صَدَّقَها اليَقِينُ أوِ القُرْآنُ عَلى وجْهٍ جَعَلَ مِنِ ابْتِدائِيَّةً، أيْ وكَذَّبْتُمْ بِاليَقِينِ مُكابَرَةً وعِنادًا، ويَعُودُ إلى رَبِّي عَلى وجْهٍ جَعَلَ مِنِ اتِّصالِيَّةً، أيْ كُنْتُ أنا عَلى يَقِينٍ في شَأْنِ رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ مَعَ أنَّ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ بَيِّنَةٌ واضِحَةٌ. ويَعُودُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، وهو القُرْآنُ لِشُهْرَةِ التَّداوُلِ بَيْنَهم في شَأْنِهِ فَإذا أُطْلِقَ ضَمِيرُ الغائِبِ انْصَرَفَ إلَيْهِ بِالقَرِينَةِ.
والباءُ الَّتِي عُدِّيَ بِها فِعْلُ كَذَّبْتُمْ هي لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ مَعْنى الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . فَلِذَلِكَ يَدُلُّ فِعْلُ التَّكْذِيبِ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيِ التَّكْذِيبِ القَوِيِّ. ولَعَلَّ الِاسْتِعْمالَ أنَّهم لا يُعَدُّونَ فِعْلَ التَّكْذِيبِ بِالباءِ إلّا إذا أُرِيدَ تَكْذِيبُ حُجَّةٍ أوْ بُرْهانٍ مِمّا يُحْسَبُ سَبَبَ تَصْدِيقٍ، فَلا يُقالُ: كَذَّبْتُ بِفُلانٍ، بَلْ يُقالُ: كَذَّبْتُ فُلانًا، قالَ تَعالى ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [الفرقان: ٣٧] وقالَ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣] .
والمَعْنى التَّعْرِيضِيُّ بِهِمْ في شَأْنِ اعْتِقادِهِمْ في آلِهَتِهِمْ باقٍ عَلى ما بَيَّنّاهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ حالَهم في الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ مِمّا يَزِيدُهم عِنادًا عِنْدَ سَماعِ تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَنَقُّصِ عَقائِدِهِمْ فَكانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كانَ قَوْلُكَ حَقًّا فَأيْنَ الوَعِيدُ الَّذِي تَوَعَّدْتَنا. فَإنَّهم قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقالُوا ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] فَأُمِرَ بِأنْ يُجِيبَ أنْ يَقُولَ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ .
صفحة ٢٦٧
والِاسْتِعْجالُ طَلَبُ التَّعْجِيلِ بِشَيْءٍ، فَهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وهو المَطْلُوبُ مِنهُ تَعْجِيلُ شَيْءٍ. فَإذا أُرِيدَ ذِكْرُ الأمْرِ المُعَجَّلِ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ. والباءُ فِيهِ لِلتَّعَدِّيَةِ. والمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ما عِنْدِي﴾ . والتَّقْدِيرُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي بِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] فالأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، وسَيَأْتِي في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ.
ومَعْنى ﴿ما عِنْدِي﴾ أنَّهُ لَيْسَ في مَقْدِرَتِي، كَما يُقالُ: ما بِيَدِي كَذا. فالعِنْدِيَّةُ مَجازٌ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالعِلْمِ والمَقْدِرَةِ. والمَعْنى: أنِّي لَسْتُ العَلِيمَ القَدِيرَ، أيْ لَسْتُ إلَهًا ولَكِنَّنِي عَبْدٌ مُرْسَلٌ أقِفُ عِنْدَ ما أُرْسِلْتُ بِهِ.
وحَقِيقَةُ (عِنْدَ) أنَّها ظَرْفُ المَكانِ القَرِيبِ. وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في اسْتِقْرارِ الشَّيْءِ لِشَيْءٍ ومِلْكِهِ إيّاهُ، كَقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وتُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الِاحْتِفاظِ بِالشَّيْءِ، كَقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] ﴿وعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] ولا يَحْسُنُ في غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِـ ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ العَذابُ المُتَوَعَّدُ بِهِ. عُبِّرَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما تُنْبِئُ بِهِ الصِّلَةُ
صفحة ٢٦٨
مِن كَوْنِهِ مُؤَخَّرًا مُدَّخَرًا لَهم وأنَّهم يَسْتَعْجِلُونَهُ وأنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، لِأنَّ التَّعْجِيلَ والتَّأْخِيرَ حالانِ لِلْأمْرِ الواقِعِ؛ فَكانَ قَوْلُهُ تَسْتَعْجِلُونَ في نَفْسِهِ وعِيدًا. وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُقَدِّرُ وقْتَهُ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ فِيهِ، لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ الظَّرْفِ أفادَ قَصْرَ القَلْبِ، لِأنَّهم تَوَهَّمُوا مِن تَوَعُّدِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِعِقابٍ في مَقْدِرَتِهِ. فَجَعَلُوا تَأخُّرَهُ إخْلافًا لِتَوَعُّدِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الوَعِيدَ بِيَدِ اللَّهِ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ . فَقَوْلُهُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ القَصْرِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ. وعَلى وجْهِ كَوْنِ ضَمِيرِ (بِهِ) لِلْقُرْآنِ، فالمَعْنى كَذَّبْتُمْ بِالقُرْآنِ وهو بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ، وسَألْتُمْ تَعْجِيلَ العَذابِ تَعْجِيزًا لِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي.
وجُمْلَةُ ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوِ اسْتِئْنافٌ، أيْ هو أعْلَمُ بِالحِكْمَةِ في التَّأْخِيرِ أوِ التَّعْجِيلِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ يَقُصُّ بِضَمِّ القافِ وبِالصّادِّ المُهْمَلَةِ فَهو مِنَ الِاقْتِصاصِ، وهو اتِّباعُ الأثَرِ، أيْ يُجْرِي قَدَرَهُ عَلى أثَرِ الحَقِّ، أيْ عَلى وفْقِهِ؛ أوْ هو مِنَ القَصَصِ، وهو الحِكايَةُ أيْ يَحْكِي بِالحَقِّ، أيْ أنَّ وعْدَهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ فَهو لا يُخْبِرُ إلّا بِالحَقِّ. والحَقُّ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ.
وقَرَأ الباقُونَ (يَقْضِ) بِسُكُونِ القافِ وبِضادٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (قَضى)، وهو في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ. فاعْتُذِرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ الياءَ حُذِفَتْ في الخَطِّ تَبَعًا لِحَذْفِها في اللَّفْظِ في حالِ الوَصْلِ، إذْ هو غَيْرُ مَحَلِّ وقْفٍ، وذَلِكَ مِمّا أُجْرِيَ فِيهِ الرَّسْمُ عَلى اعْتِبارِ الوَصْلِ عَلى النّادِرِ كَما كُتِبَ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] . قالَ مَكِّيٌّ قِراءَةُ الصّادِ أيِ المُهْمَلَةِ أحَبُّ إلَيَّ لِاتِّفاقِ الحَرَمِيَّيْنِ أيْ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ عَلَيْها ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ القَضاءِ لَلَزِمَتِ الباءُ المُوَحَّدَةُ فِيهِ، يَعْنِي أنْ يُقالَ: يَقُصُّ بِالحَقِّ. وتَأْوِيلُهُ بِأنَّهُ نَصْبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ نادِرٌ. وأجابَ الزُّجاجُ بِأنَّ الحَقَّ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيِ القَضاءُ الحَقُّ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَنْبَغِي أنْ لا يُوقَفُ عَلَيْهِ لِئَلّا يُضْطَرَّ الواقِفُ إلى إظْهارِ الياءِ فَيُخالِفُ الرَّسْمَ المُصْحَفِيَّ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ أيْ يَقُصُّ ويُخْبِرُ بِالحَقِّ، وهو خَيْرُ مَن يَفْصِلُ بَيْنَ النّاسِ، أوْ يَقْضِي بِالحَقِّ، وهو خَيْرُ مَن يَفْصِلُ القَضاءَ.
صفحة ٢٦٩
والفَصْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنى القَضاءِ. قالَ عُمَرُ في كِتابِهِ إلى أبِي مُوسى: فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُورِثُ الضَّغائِنَ. ويُطْلَقُ بِمَعْنى الكَلامِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّوابِ والخَطَأِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾ [ص: ٢٠] وقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] . فَمَعْنى ﴿خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ يَشْمَلُ القَوْلَ الحَقَّ والقَضاءَ العَدْلَ.
الأنعام 6:58
﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكم واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَلَوْ كانَ بِيَدِكَ إنْزالُ العَذابِ بِهِمْ ماذا تَصْنَعُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. وإذْ قَدْ كانَ قَوْلُهُ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ إلخ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فالأمْرُ بِأنْ يَقُولَهُ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لِأنَّ الكَلامَ لَمّا بُنِيَ كُلُّهُ عَلى تَلْقِينِ الرَّسُولِ ما يَقُولُهُ لَهم فالسّائِلُ يَتَطَلَّبُ مِنَ المُلَقِّنِ ماذا سَيُلَقَّنُ بِهِ رَسُولُهُ إلَيْهِمْ. ومَعْنى ﴿عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ لَوْ كانَ في عِلْمِي حِكْمَتُهُ وفي قُدْرَتِي فِعْلُهُ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى لَسْتُ إلَهًا ولَكِنَّنِي عَبْدٌ أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ.
وقَوْلُهُ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ جَوابُ (لَوْ) . فَمَعْنى قُضِيَ تَمَّ وانْتَهى. والأمْرُ مُرادٌ بِهِ النِّزاعُ والخِلافُ. فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وبُنِيَ قُضِيَ الأمْرُ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ قاضِيَهُ هو مَن بِيَدِهِ ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.
وتَرْكِيبُ قُضِيَ الأمْرُ شاعَ فَجَرى مَجْرى المَثَلِ، فَحُذِفَ الفاعِلُ لِيَصْلُحَ التَّمَثُّلُ بِهِ في كُلِّ مَقامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] وقَوْلُهُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٢١] وقَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]؛ ولِذَلِكَ إذا جاءَ في غَيْرِ طَرِيقَةِ المَثَلِ يُصَرَّحُ بِفاعِلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] .
وذَلِكَ القَضاءُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا: مِنها أنْ يَأْتِيَهم بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ فَيُؤْمِنُوا، أوْ أنْ يَغْضَبَ فَيُهْلِكَهم، أوْ أنْ يَصْرِفَ قُلُوبَهم عَنْ طَلَبِ ما لا يُجِيبُهم إلَيْهِ فَيَتُوبُوا ويَرْجِعُوا.
صفحة ٢٧٠
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ مِنِّي ومِن كُلِّ أحَدٍ بِحِكْمَةِ تَأْخِيرِ العَذابِ وبِوَقْتِ نُزُولِهِ، لِأنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي عِنْدَهُ ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ. والتَّعْبِيرُ بِالظّالِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ ضَمِيرِ الخِطابِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في شِرْكِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ، وظالِمُونَ في تَكْذِيبِهِمْ إذِ اعْتَدَوْا عَلى حَقِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وظالِمُونَ في مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ .
الأنعام 6:59
﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٨] عَلى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ. والمُناسَبَةُ في هَذا التَّخَلُّصِ هي الإخْبارُ بِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِحالَةِ الظّالِمِينَ، فَإنَّها غائِبَةٌ عَنْ عَيانِ النّاسِ، فاللَّهُ أعْلَمُ بِما يُناسِبُ حالَهم مِن تَعْجِيلِ الوَعِيدِ أوْ تَأْخِيرِهِ، وهَذا انْتِقالٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ وسَعَةِ عِلْمِهِ ثُمَّ سَعَةِ قُدْرَتِهِ وأنَّ الخَلْقَ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ عِنْدَهُ لا عِنْدَ غَيْرِهِ. والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ واسْتِئْثارٍ ولَيْسَتْ عِنْدِيَّةَ مَكانٍ.
والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ - بِكَسْرِ المِيمِ - وهو الآلَةُ الَّتِي يُفْتَحُ بِها المُغْلَقُ، وتُسَمّى المِفْتاحُ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِفْتَحَ أفْصَحُ مِن مِفْتاحٍ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] .
والغَيْبُ ما غابَ عَلى عِلْمِ النّاسِ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَهم إلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ يَشْمَلُ الأعْيانَ المُغَيَّبَةَ كالمَلائِكَةِ والجِنِّ، والأعْراضَ الخَفِيَّةَ، ومَواقِيتَ الأشْياءِ.
و﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ هُنا اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ تَنْبَنِي عَلى مَكْنِيَّةٍ بِأنْ شُبِّهَتِ الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ بِالمَتاعِ النَّفِيسِ الَّذِي يُدَّخَرُ بِالمَخازِنِ والخَزائِنِ المُسْتَوْثَقِ عَلَيْها بِأقْفالٍ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ ما فِيها إلّا الَّذِي بِيَدِهِ مَفاتِحُها. وأُثْبِتَتْ لَها المَفاتِحُ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِيَّةِ. والقَرِينَةُ
صفحة ٢٧١
هِيَ إضافَةُ المَفاتِحِ إلى الغَيْبِ، فَقَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ: عِنْدَهُ عَلِمُ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ.
ومَفاتِحُ الغَيْبِ جَمْعٌ مُضافٌ يَعُمُّ كُلَّ المُغَيَّباتِ، لِأنَّ عِلْمَها كُلَّها خاصٌّ بِهِ تَعالى، وأمّا الأُمُورُ الَّتِي لَها أماراتٌ مِثْلُ أماراتِ الأنْواءِ وعَلاماتِ الأمْراضِ عِنْدَ الطَّبِيبِ فَتِلْكَ لَيْسَتْ مِنَ الغَيْبِ بَلْ مِن أُمُورِ الشَّهادَةِ الغامِضَةِ. وغُمُوضُها مُتَفاوِتٌ والنّاسُ في التَّوَصُّلِ إلَيْها مُتَفاوِتُونَ ومَعْرِفَتُهم بِها مِن قَبِيلِ الظَّنِّ لا مِن قَبِيلِ اليَقِينِ فَلا تُسَمّى عِلْمًا، وقِيلَ: المَفاتِحُ جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ وهو البَيْتُ أوِ المَخْزَنُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنَّ يُغْلَقَ عَلى ما فِيهِ ثُمَّ يُفْتَحُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى ما فِيهِ، ونُقِلَ هَذا عَنِ السُّدِّيِّ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً مُصَرَّحَةً والمُشَبَّهُ هو العِلْمُ بِالغَيْبِ شُبِّهَ في إحاطَتِهِ وحَجْبِهِ المُغَيَّباتِ بِبَيْتِ الخَزْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنًى عِنْدَهُ، فَهي بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ومُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى أيْضًا لِرَفْعِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَأُعِيدَ ما فِيهِ طَرِيقٌ مُتَعَيِّنٌ كَوْنُهُ لِلْقَصْرِ.
وضَمِيرُ يَعْلَمُها عائِدٌ إلى ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُ مَكانَها إلّا هو، لِأنَّ العِلْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المَفاتِحِ، وهو تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ مَفاتِحِ الغَيْبِ لِلْعِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ، ونَفْيُ عِلْمِ غَيْرِهِ لَها كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ العِلْمِ بِما تُغْلَقُ عَلَيْهِ المَفاتِحُ مِن عِلْمِ المُغَيَّباتِ.
ومَعْنى ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ أيْ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا بِهِ، فَأمّا ما أطْلَعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أصْفِيائِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦] فَذَلِكَ عِلْمٌ يَحْصُلُ لِمَن أطْلَعَهُ بِإخْبارٍ مِنهُ فَكانَ راجِعًا إلى عِلْمِهِ هو. والعِلْمُ مَعْرِفَةُ الأشْياءِ بِكَيْفِيَّةِ اليَقِينِ.
وفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «مَفاتِحُ الغَيْبِ خَمْسٌ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان»: ٣٤] .
صفحة ٢٧٢
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾، لِأنَّ كِلْتَيْهِما اشْتَمَلَتْ عَلى إثْباتِ عِلْمٍ لِلَّهِ ونَفْيِ عِلْمٍ عَنْ غَيْرِهِ، فَعُطِفَتْ عَلَيْهِما هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى إثْباتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، دُونَ نَفْيِ عِلْمِ غَيْرِهِ وذَلِكَ عِلْمُ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ الَّتِي قَدْ يَتَوَصَّلُ النّاسُ إلى عِلْمِ بَعْضِها، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ لِإفادَةِ تَعْمِيمِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأشْياءِ الظّاهِرَةِ المُتَفاوِتَةِ في الظُّهُورِ بَعْدَ إفادَةِ عِلْمِهِ بِما لا يَظْهَرُ لِلنّاسِ.
وظُهُورُ ما في البَرِّ لِلنّاسِ عَلى الجُمْلَةِ أقْوى مِن ظُهُورِ ما في البَحْرِ. وذَكَرَ البَرَّ والبَحْرَ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ ما حَوَتْهُ هَذِهِ الكُرَةُ، لِأنَّ البَرَّ هو سَطْحُ الأرْضِ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ الحَيَوانُ غَيْرَ سابِحٍ، والبَحْرَ هو الماءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ جُزْءًا مِنَ الأرْضِ سَواءٌ كانَ الماءُ مِلْحًا أمْ عَذْبًا. والعَرَبُ تُسَمِّي النَّهْرَ بَحْرًا كالفُراتِ ودِجْلَةَ.
والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ فَيَشْمَلُ الذَّواتِ والمَعانِيَ كُلَّها.
وجُمْلَةُ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ في الجُزْئِيّاتِ الدَّقِيقَةِ. فَإحاطَةُ العِلْمِ بِالخَفايا مَعَ كَوْنِها مِن أضْعَفَ الجُزْئِيّاتِ مُؤْذِنٌ بِإحاطَةِ العِلْمِ بِما هو أعْظَمُ أوْلى بِهِ. وهَذِهِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما يَعْتَقِدُهُ الفَلاسِفَةُ وعَلِمَ أنْ سَيَقُولَ بِقَوْلِهِمْ مَن لا رُسُوخَ لَهُ في الدِّينِ مِن أتْباعِ الإسْلامِ فَلَمْ يَتْرُكْ لِلتَّأْوِيلِ في حَقِيقَةِ عِلْمِهِ مَجالًا، إذْ قالَ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ كَما سَنُبَيِّنُ الِاخْتِيارَ في وجْهِ إعْرابِهِ.
والمُرادُ بِالوَرَقَةِ ورَقَةٌ مِنَ الشَّجَرِ. وحَرْفُ (مِن) زائِدٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ العُمُومَ نَصًّا. وجُمْلَةُ يَعْلَمُها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ورَقَةٍ الواقِعَةِ في حَيِّزِ النَّفْيِ المُسْتَغْنِيَةِ بِالعُمُومِ عَنِ الصِّفَةِ. وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفْرَغٌ مِن أحْوالٍ، وهَذِهِ الحالُ حالٌ لازِمَةٌ بَعْدَ النَّفْيِ حَصَلَ بِها مَعَ الفِعْلِ المَنفِيِّ الفائِدَةُ الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، أيْ ما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ في حالَةٍ إلّا حالَةً يَعْلَمُها.
والأظْهَرُ في نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ أنْ يَكُونَ ورَقَةً في مَحَلِّ المُبْتَدَأِ مَجْرُورٌ بِـ مِنَ الزّائِدَةِ، وجُمْلَةُ تَسْقُطُ صِفَةٌ لِـ ورَقَةٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْها فَتُعْرَبُ حالًا،
صفحة ٢٧٣
وجُمْلَةُ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ خَبَرٌ مُفْرَغٌ لَهُ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ. ﴿ولا حَبَّةٍ﴾ عُطِفَ عَلى المُبْتَدَأِ بِإعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، و﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ صِفَةٌ لِـ حَبَّةٍ، أيْ ولا حَبَّةٍ مِن بُذُورِ النَّبْتِ مَظْرُوفَةٍ في طَبَقاتِ الأرْضِ إلى أبْعَدِ عُمْقٍ يُمْكِنُ، فَلا يَكُونُ ”حَبَّةٍ“ مَعْمُولًا لِفِعْلِ ”تَسْقُطُ“ لِأنَّ الحَبَّةَ الَّتِي تَسْقُطُ لا تَبْلُغُ بِسُقُوطِها إلى ظُلُماتِ الأرْضِ. ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى المُبْتَدَأِ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . والخَبَرُ عَنْ هَذِهِ المُبْتَدَآتِ الثَّلاثَةِ هو قَوْلُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ لِوُرُودِهِ بَعْدَ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ ظاهِرُ وُقُوعِ الإخْبارِ بِهِ عَنِ الثَّلاثَةِ، وأنَّ الخَبَرَ الأوَّلَ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ مِن ورَقَةٍ.
والمُرادُ بِالكِتابِ المُبِينِ العِلْمُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ، وما عَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ مِن آثارِ العِلْمِ مِن كِتابَةٍ أوْ غَيْرِها لَمْ يُطْلِعْنا عَلى كُنْهِها.
وقِيلَ: جَرُّ حَبَّةٍ عَطْفٌ عَلى ورَقَةٍ مَعَ إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، و﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ وصْفٌ لِـ ”حَبَّةٍ“ .
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ”حَبَّةٍ“ و”ورِقَّةٍ“، فَيَقْتَضِي أنَّها مَعْمُولَةٌ لِفِعْلِ ”تَسْقُطُ“، أيْ ما يَسْقُطُ رَطْبٌ ولا يابِسٌ، ومُقَيَّدَةٌ بِالحالِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿إلّا يَعْلَمُها﴾ لِأنَّ المُرادَ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى سَواءٌ كانَ الكِتابُ حَقِيقَةً أمْ مَجازًا عَنِ الضَّبْطِ وعَدَمِ التَّبْدِيلِ. وحَسَّنَ هَذا التَّأْكِيدَ تَجْدِيدُ المَعْنى لِبُعْدِ الأوَّلِ بِالمَعْطُوفاتِ وصِفاتِها، وأُعِيدَ بِعِبارَةٍ أُخْرى تَفَنُّنًا.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وجْهِ جَمْعِ ظُلُماتٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] في هَذِهِ السُّورَةِ. ومُبِينٌ إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُبَيِّنٌ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ ما يُرِيدُهُ كالمَلائِكَةِ، أوْ مَن أبانَ القاصِرِ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ بَيِّنٌ، أيْ فُصِّلَ بِما لا احْتِمالَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ.
وقَدْ عُلِمَ مَن هاتِهِ الآياتِ عُمُومُ عِلْمِهِ تَعالى بِالكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ. وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الأدْيانِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ وما أعْلَنَهُ إلّا القُرْآنُ في نَحْوِ قَوْلِهِ
صفحة ٢٧٤
﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . وفِيهِ إبْطالٌ لِقَوْلِ جُمْهُورِ الفَلاسِفَةِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ خاصَّةً ولا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، زَعْمًا مِنهم بِأنَّهم يُنَزِّهُونَ العِلْمَ الأعْلى عَنِ التَّجَزِّي؛ فَهم أثْبَتُوا صِفَةَ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وأنْكَرُوا تَعَلُّقَ عِلْمِهِ بِجُزْئِيّاتِ المَوْجُوداتِ. وهَذا هو المَأْثُورُ عَنْهم عِنْدَ العُلَماءِ. وقَدْ تَأوَّلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ ونُصَيْرُ الدِّينِ الطُّوسِيُّ. وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ: ولا بُدَّ مِن تَفْصِيلِ مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ فَإنَّ اللّائِقَ بِأُصُولِهِمْ أنْ يُقالَ: الأُمُورُ أرْبَعَةُ أقْسامٍ؛ فَإنَّها إمّا أنْ لا تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً ولا مُتَغَيِّرَةً، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً غَيْرَ مُتَغَيِّرَةٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَغَيِّرَةً غَيْرَ مُتَشَكِّلَةٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُتَشَكِّلَةً ومُتَغَيِّرَةً مَعًا. فَأمّا ما لا تَكُونُ مُتَشَكِّلَةً ولا مُتَغَيِّرَةً فَإنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ سَواءٌ كانَ كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا. وكَيْفَ يُمْكِنُ القَوْلُ بِأنَّهُ تَعالى لا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِنها مَعَ اتِّفاقِ الأكْثَرِ مِنهم عَلى عِلْمِهِ تَعالى بِذاتِهِ المَخْصُوصَةِ وبِالعُقُولِ.
وأمّا المُتَشَكِّلَةُ غَيْرُ المُتَغَيِّرَةِ وهي الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ فَهي غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ تَعالى بِأشْخاصِها عِنْدَهم، لِأنَّ إدْراكَ الجُسْمانِيّاتِ لا يَكُونُ إلّا بِآلاتٍّ جُسْمانِيَّةٍ.
وأمّا المُتَغَيِّرَةُ غَيْرُ المُتَشَكِّلَةِ فَذَلِكَ مِثْلُ الصُّوَرِ والأعْراضِ الحادِثَةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ، فَإنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَهُ لِأنَّ تَعَلُّقَها يُحْوِجُ إلى آلَةٍ جُسْمانِيَّةٍ بَلْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُتَغَيِّرَةً يَلْزَمُ مِن تَغَيُّرِها العِلْمُ.
وأمّا ما يَكُونُ مُتَشَكِّلًا ومُتَغَيِّرًا فَهو الأجْسامُ الكائِنَةُ الفاسِدَةُ. وهي يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ مُدْرَكَةً لَهُ تَعالى لِلْوَجْهَيْنِ أيِ المَذْكُورَيْنِ في القِسْمَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ اهـ.
وقَدْ عُدَّ إنْكارُ الفَلاسِفَةِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ مِن أُصُولٍ ثَلاثَةٍ لَهم خالَفَتِ المَعْلُومَ بِالضَّرُورَةِ مِن دِينِ الإسْلامِ. وهي: إنْكارُ عِلْمِ اللَّهِ بِالجُزْئِيّاتِ؛ وإنْكارُ حَشْرِ الأجْسادِ، والقَوْلُ بِقِدَمِ العالَمِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الغَزّالِيُّ في تَهافُتِ الفَلاسِفَةِ فَمَن يُوافِقُهم في
صفحة ٢٧٥
ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ كُفْرًا، لَكِنَّهُ مِن قَبِيلِ الكُفْرِ بِاللّازِمِ فَلا يُعْتَبَرُ قائِلُهُ مُرْتَدًّا إلّا بَعْدَ أنْ يُوقَفَ عَلى ما يُفْضِي إلَيْهِ قَوْلُهُ ويَأْبى أنْ يَرْجِعَ عَنْهُ فَحِينَئِذٍ يُسْتَتابُ ثَلاثًا فَإنْ تابَ وإلّا حُكِمَ بِرِدَّتِهِ.
الأنعام 6:60
﴿وهْوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
عَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩] انْتِقالًا مِن بَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ إلى بَيانِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ تَعْلِيمًا لِأوْلِيائِهِ ونَعْيًا عَلى المُشْرِكِينَ أعْدائِهِ. وقَدْ جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِذِكْرِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ في أنْفُسِ النّاسِ عَقِبَ ذِكْرِ دَلائِلِها في الآفاقِ فَجُمِعَ ذَلِكَ هُنا عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ مُؤْذِنٍ بِتَعْلِيمِ صِفاتِهِ في ضِمْنِ دَلِيلِ وحْدانِيَّتِهِ. وفي هَذا تَقْرِيبٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
فَقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِتَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، أيْ هو الَّذِي يَتَوَفّى الأنْفُسَ دُونَ الأصْنامِ فَإنَّها لا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ السّابِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] واللّاحِقُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ويَقْتَضِيهِ طَرِيقُ القَصْرِ. ولَمّا كانَ هَذا الحالُ غَيْرَ خاصٍّ بِالمُشْرِكِينَ عُلِمَ مِنهُ أنَّ النّاسَ فِيهِ سَواءٌ.
والتَّوَفِّي حَقِيقَتُهُ الإماتَةُ، لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في قَبْضِ الشَّيْءِ مُسْتَوْفًى. وإطْلاقُهُ عَلى النَّوْمِ مُجازٌ لِشَبَهِ النَّوْمِ بِالمَوْتِ في انْقِطاعِ الإدْراكِ والعَمَلِ. ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٢٧٦
والمُرادُ بِقَوْلِهِ يَتَوَفّاكم يُنِيمُكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾، أيْ في النَّهارِ، فَأرادَ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمَ عَلى التَّشْبِيهِ. وفائِدَتُهُ أنَّهُ تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، ولِذا اسْتُعِيرَ البَعْثُ لِلْإفاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِيَتِمَّ التَّقْرِيبُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ .
ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، وأصْلُ الجَرْحِ تَمْزِيقُ جِلْدِ الحَيِّ بِشَيْءٍ مُحَدَّدٍ مِثْلَ السِّكِّينِ والسَّيْفِ والظُّفُرِ والنّابِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] في سُورَةِ العُقُودِ. وأُطْلِقَ عَلى كِلابِ الصَّيْدِ وبُزاتِهِ ونَحْوِها اسْمُ الجَوارِحِ لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ لِيُمْسِكَهُ الصّائِدُ. قالَ تَعالى ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. كَما سَمَّوْها كَواسِبَ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
غُضْفًا كَواسِبَ ما يُمَنُّ طَعامُها
فَصارَ لَفْظُ الجَوارِحِ مُرادِفًا لِلْكَواسِبِ؛ وشاعَ ذَلِكَ فَأُطْلِقَ عَلى الكَسْبِ اسْمُ الجَرْحِ، وهو المُرادُ هُنا. وقالَ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] .
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الإمْهالِ، أيْ ولَوْلا فَضْلُهُ لَما بَعَثَكم في النَّهارِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّكم تَكْتَسِبُونَ في النَّهارِ عِبادَةَ غَيْرِهِ ويَكْتَسِبُ بَعْضُكم بَعْضَ ما نَهاهم عَنْهُ كالمُؤْمِنِينَ.
ووَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِهِ تَعالى ما يَكْسِبُ النّاسُ في النَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ رَعْيًا لِلْغالِبِ، لِأنَّ النَّهارَ هو وقْتُ أكْثَرِ العَمَلِ والِاكْتِسابِ، فَفي الإخْبارِ أنَّهُ يَعْلَمُ ما يَقَعُ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنِ اكْتِسابِ ما لا يَرْضى اللَّهُ بِاكْتِسابِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ فَتَكُونُ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ، وهو الأظْهَرُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ فَتَعْطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ﴾، أيْ وهو يَعْلَمُ ما تَكْتَسِبُونَ مِنَ المَناهِي ثُمَّ يَرُدُّكم ويُمْهِلُكم. وهَذا بِفَرِيقِ المُشْرِكِينَ أنْسَبُ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ. والضَّمِيرُ لِلنَّهارِ. والبَعْثُ مُسْتَعارٌ لِلْإفاقَةِ مِنَ النَّوْمِ لِأنَّ البَعْثَ شاعَ
صفحة ٢٧٧
فِي إحْياءِ المَيِّتِ وخاصَّةً في اصْطِلاحِ القُرْآنِ ﴿قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ كَوْنُها مَبْنِيَّةً عَلى اسْتِعارَةِ التَّوَفِّي لِلنَّوْمِ تَقْرِيبًا لِكَيْفِيَّةِ البَعْثِ الَّتِي حارَتْ فِيها عُقُولُهم، فَكُلٌّ مِنَ الِاسْتِعارَتَيْنِ مُرَشِّحٌ لِلْأُخْرى.
واللّامُ في ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ لامُ التَّعْلِيلِ لِأنَّ مِنَ الحِكَمِ والعِلَلِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَها نِظامَ اليَقَظَةِ والنَّوْمِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَجْزِئَةً لِعُمُرِ الحَيِّ، وهو أجَلُهُ الَّذِي أُجِّلَتْ إلَيْهِ حَياتُهُ يَوْمَ خَلْقِهِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ «يُؤْمَرُ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ وعَمَلِهِ» . فالأجْلُ مَعْدُودٌ بِالأيّامِ واللَّيالِي، وهي زَمانُ النُّوَّمِ واليَقَظَةِ. والعِلَّةُ الَّتِي بِمَعْنى الحِكْمَةِ لا يُلْزَمُ اتِّحادُها فَقَدْ يَكُونُ لِفِعْلِ اللَّهِ حِكَمٌ عَدِيدَةٌ. فَلا إشْكالَ في جَعْلِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ.
وقَضاءُ الأجَلِ انْتِهاؤُهُ. ومَعْنى كَوْنِهِ مُسَمًّى أنَّهُ مُعَيَّنٌ مُحَدَّدٌ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الرُّجُوعَ بِالمَوْتِ، لِأنَّ الأرْواحَ تَصِيرُ في قَبْضَةِ اللَّهِ ويُبْطِلُ ما كانَ لَها مِنَ التَّصَرُّفِ بِإرادَتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالرُّجُوعِ الحَشْرَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا أظْهَرُ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ يُحاسِبُكم عَلى أعْمالِكم بَعْدَ المَوْتِ، فالمُهْلَةُ في (ثُمَّ) ظاهِرَةٌ، أوْ بَعْدَ الحَشْرِ، فالمُهْلَةُ لِأنَّ بَيْنَ الحَشْرِ وبَيْنَ ابْتِداءِ الحِسابِ زَمَنًا، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ.
الأنعام 6:61
﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
* * *
﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
صفحة ٢٧٨
ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .
فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.
وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.
فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.
صفحة ٢٧٩
وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.
وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (تَوَفّاهُ رُسُلُنا) وهي في المُصْحَفِ مَرْسُومَةٌ بِنُتْأةٍ بَعْدَ الفاءِ فَتَصْلُحُ لِأنَّ تَكُونُ مُثَنّاةً فَوْقِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُثَنّاةً تَحْتِيَّةً عَلى لُغَةِ الإمالَةِ. وهي الَّتِي يُرْسَمُ بِها الألِفاتُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ الياءاتِ. والوَجْهانِ جائِزانِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ حالٌ. والتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ في العَمَلِ والإضاعَةُ في الذَّواتِ. والمَعْنى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أحَدًا قَدْ تَمَّ أجْلُهُ ولا يُؤَخِّرُونَ تَوَفِّيَهُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ رُدُّوا عائِدٌ إلى أحَدٍ بِاعْتِبارِ تَنْكِيرِهِ الصّادِقِ بِكُلِّ أحَدٍ، أيْ ثُمَّ يُرَدُّ المُتَوَفَّوْنَ إلى اللَّهِ. والمُرادُ رُجُوعُ النّاسِ إلى أمْرِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ رُدُّوا إلى حُكْمِهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَلَيْسَ في الضَّمِيرِ التِفاتٌ.
والمَوْلى هُنا بِمَعْنى السَّيِّدِ، وهو اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ وعَلى العَبْدِ.
و”الحَقِّ“ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِـ مَوْلاهم، لِما في مَوْلاهم مِن مَعْنى مالِكِهِمْ، أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ الَّذِي لا يَشُوبُ مُلْكَهُ باطِلٌ يُوهِنُ مُلْكَهُ. وأصْلُ الحَقِّ أنَّهُ الأمْرُ الثّابِتُ فَإنَّ كُلَّ مُلْكٍ غَيْرَ مُلْكِ الخالِقِيَّةِ فَهو مَشُوبٌ بِاسْتِقْلالِ مَمْلُوكِهِ عَنْهُ اسْتِقْلالًا مُتَفاوِتًا، وذَلِكَ يُوهِنُ المُلْكَ ويُضْعِفُ حَقِّيَّتَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَذْيِيلٌ ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ. والعَرَبُ يَجْعَلُونَ التَّذْيِيلاتِ مُشْتَمِلَةً عَلى اهْتِمامٍ أوْ عُمُومٍ أوْ كَلامٍ جامِعٍ.
صفحة ٢٨٠
وقَدَّمَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ ”لَهُ الحُكْمُ“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ جِنْسَ الحُكْمِ فَقَصْرُهُ عَلى اللَّهِ إمّا حَقِيقِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وإمّا إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لِأصْنامِكم حُكْمٌ مَعَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ الحِسابَ، أيِ الحُكْمُ المَعْهُودُ يَوْمَ القِيامَةِ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ورُبَّما تَرَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ أيْ ألا لَهُ الحِسابُ، وهو أسْرَعُ مَن يُحاسِبُ فَلا يَتَأخَّرُ جَزاؤُهُ.
وهَذا يَتَضَمَّنُ وعْدًا ووَعِيدًا لِأنَّهُ لَمّا أُتِيَ بِحَرْفِ المُهْلَةِ في الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ وكانَ المُخاطَبُونَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ صالِحٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ، وذَكَرَ أنَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ كانَ المَقامُ مَقامَ طَماعِيَةٍ ومُخالَفَةٍ؛ فالصّالِحُونَ لا يُحِبُّونَ المُهْلَةَ والكافِرُونَ بِعَكْسِ حالِهِمْ، فَعُجِّلَتِ المَسَرَّةُ لِلصّالِحِينَ والمُساءَةُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلُهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
الأنعام 6:62
﴿وهْوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا. والمُناسَبَةُ هُنا أنَّ النَّوْمَ والمَوْتَ خَلَقَهُما اللَّهُ فَغَلَبا شِدَّةَ الإنْسانِ كَيْفَما بَلَغَتْ فَبَيَّنَ عَقِبَ ذِكْرِهِما أنَّ اللَّهَ هو القادِرُ الغالِبُ دُونَ الأصْنامِ. فالنَّوْمُ قَهْرٌ، لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يُرِيدُ أنْ لا يَنامَ فَيَغْلِبُهُ النَّوْمُ، والمَوْتُ قَهْرٌ وهو أظْهَرُ، ومِنَ الكَلِمِ الحَقِّ: سُبْحانَ مَن قَهَرَ العِبادَ بِالمَوْتِ.
* * *
﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهْوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
صفحة ٢٧٨
ويُرْسِلُ عَطْفٌ عَلى القاهِرِ، فَيُعْتَبَرُ المُسْنَدُ إلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ أيْضًا بِقَرِينَةِ المَقامِ، أيْ هو الَّذِي يُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً دُونَ غَيْرِهِ. والقَصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ، فَلا يَسْتَدْعِي رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ. والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِهَذا الخَبَرِ الحَقِّ لِيَحْذَرَ السّامِعُونَ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
ومَعْنى (عَلى) في قَوْلِهِ ”عَلَيْكم“ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، أيْ إرْسالُ قَهْرٍ وإلْزامٍ، كَقَوْلِهِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥]، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما عَلِمْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] .
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ يُرْسِلُ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِحِفْظِ الحَفَظَةِ الإحْصاءُ والضَّبْطُ مِن قَوْلِهِمْ: حَفِظْتُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ كَذا. وهو ضِدُّ نَسِيَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . ولَيْسَ هو مِن حِفْظِ الرِّعايَةِ والتَّعَهُّدِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤] .
فالحَفَظَةُ مَلائِكَةٌ وظِيفَتُهم إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ» الحَدِيثَ.
وقَوْلُهُ ﴿إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ غايَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَفَظَةِ مِن مَعْنى الإحْصاءِ، أيْ فَيَنْتَهِي الإحْصاءُ بِالمَوْتِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ أجْلُ الحَياةِ تَوَفّاهُ المَلائِكَةُ المُرْسَلُونَ لَقَبْضِ الأرْواحِ.
فَقَوْلُهُ ”رُسُلُنا“ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ لِأنَّ المُضافَ مُشْتَقٌّ فَهو بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ فَلا تُفِيدُهُ الإضافَةُ تَعْرِيفًا، ولِذَلِكَ فالمُرادُ مِنَ الرُّسُلِ الَّتِي تَتَوَفّى رُسُلٌ غَيْرُ الحَفَظَةِ المُرْسَلِينَ عَلى العِبادِ، بِناءً عَلى الغالِبِ في مَجِيءِ نَكِرَةٍ عَقِبَ نَكِرَةٍ أنَّ الثّانِيَةَ غَيْرُ الأُولى. وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ أنَّ عَدَدًا مِنَ المَلائِكَةِ يَتَوَلّى تَوَفِّيَ الواحِدَ مِنَ النّاسِ.
صفحة ٢٧٩
وفِي الآيَةِ الأُخْرى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وسُمِّيَ في الآثارِ عِزْرائِيلُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ لِمَلَكِ المَوْتَ أعْوانًا. فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ظاهِرٌ.
وعُلِّقَ فِعْلُ التَّوَفِّي بِضَمِيرِ أحَدِكُمُ الَّذِي هو في مَعْنى الذّاتِ. والمَقْصُودُ تَعْلِيقُ الفِعْلِ بِحالٍ مِن أحْوالِ أحَدِكُمُ المُناسِبِ لِلتَّوَفِّي، وهو الحَياةُ، أيْ تَوَفَّتْ حَيّاتُهُ وخَتْمَتْها، وذَلِكَ بِقَبْضِ رُوحِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَوَفَّتْهُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الفاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (تَوَفّاهُ رُسُلُنا) وهي في المُصْحَفِ مَرْسُومَةٌ بِنُتْأةٍ بَعْدَ الفاءِ فَتَصْلُحُ لِأنَّ تَكُونُ مُثَنّاةً فَوْقِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُثَنّاةً تَحْتِيَّةً عَلى لُغَةِ الإمالَةِ. وهي الَّتِي يُرْسَمُ بِها الألِفاتُ المُنْقَلِبَةُ عَنِ الياءاتِ. والوَجْهانِ جائِزانِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى جَمْعِ التَّكْسِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ حالٌ. والتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ في العَمَلِ والإضاعَةُ في الذَّواتِ. والمَعْنى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أحَدًا قَدْ تَمَّ أجْلُهُ ولا يُؤَخِّرُونَ تَوَفِّيَهُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ رُدُّوا عائِدٌ إلى أحَدٍ بِاعْتِبارِ تَنْكِيرِهِ الصّادِقِ بِكُلِّ أحَدٍ، أيْ ثُمَّ يُرَدُّ المُتَوَفَّوْنَ إلى اللَّهِ. والمُرادُ رُجُوعُ النّاسِ إلى أمْرِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ رُدُّوا إلى حُكْمِهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ، فَلَيْسَ في الضَّمِيرِ التِفاتٌ.
والمَوْلى هُنا بِمَعْنى السَّيِّدِ، وهو اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلى السَّيِّدِ وعَلى العَبْدِ.
و”الحَقِّ“ بِالجَرِّ صِفَةٌ لِـ مَوْلاهم، لِما في مَوْلاهم مِن مَعْنى مالِكِهِمْ، أيْ مالِكِهِمُ الحَقِّ الَّذِي لا يَشُوبُ مُلْكَهُ باطِلٌ يُوهِنُ مُلْكَهُ. وأصْلُ الحَقِّ أنَّهُ الأمْرُ الثّابِتُ فَإنَّ كُلَّ مُلْكٍ غَيْرَ مُلْكِ الخالِقِيَّةِ فَهو مَشُوبٌ بِاسْتِقْلالِ مَمْلُوكِهِ عَنْهُ اسْتِقْلالًا مُتَفاوِتًا، وذَلِكَ يُوهِنُ المُلْكَ ويُضْعِفُ حَقِّيَّتَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ تَذْيِيلٌ ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ. والعَرَبُ يَجْعَلُونَ التَّذْيِيلاتِ مُشْتَمِلَةً عَلى اهْتِمامٍ أوْ عُمُومٍ أوْ كَلامٍ جامِعٍ.
صفحة ٢٨٠
وقَدَّمَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ ”لَهُ الحُكْمُ“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ جِنْسَ الحُكْمِ فَقَصْرُهُ عَلى اللَّهِ إمّا حَقِيقِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحُكْمِ غَيْرِهِ، وإمّا إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ، أيْ لَيْسَ لِأصْنامِكم حُكْمٌ مَعَهُ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُكْمِ الحِسابَ، أيِ الحُكْمُ المَعْهُودُ يَوْمَ القِيامَةِ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ. ورُبَّما تَرَجَّحَ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ أيْ ألا لَهُ الحِسابُ، وهو أسْرَعُ مَن يُحاسِبُ فَلا يَتَأخَّرُ جَزاؤُهُ.
وهَذا يَتَضَمَّنُ وعْدًا ووَعِيدًا لِأنَّهُ لَمّا أُتِيَ بِحَرْفِ المُهْلَةِ في الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ وكانَ المُخاطَبُونَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٌ صالِحٌ وفَرِيقٌ كافِرٌ، وذَكَرَ أنَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ كانَ المَقامُ مَقامَ طَماعِيَةٍ ومُخالَفَةٍ؛ فالصّالِحُونَ لا يُحِبُّونَ المُهْلَةَ والكافِرُونَ بِعَكْسِ حالِهِمْ، فَعُجِّلَتِ المَسَرَّةُ لِلصّالِحِينَ والمُساءَةُ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْلُهُ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ .
الأنعام 6:63
﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ تَهْدِيدًا وافْتُتِحَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِضَمائِرِ الخِطابِ المُشْرِكُونَ دُونَ المُسْلِمِينَ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإلْجاءِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُنازَعُونَ فِيهِ بِحَسْبِ عَقائِدِ الشِّرْكِ.
والظُّلُماتُ قِيلَ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ مِن إضْرارِ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَظُلُماتُ البَرِّ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي يَلْتَبِسُ فِيها الطَّرِيقُ لِلسّائِرِ والَّتِي يُخْشى فِيها العَدُوُّ
صفحة ٢٨١
لِلسّائِرِ ولِلْقاطِنِ، أيْ ما يَحْصُلُ في ظُلُماتِ البَرِّ مِنَ الآفاتِ. وظُلُماتُ البَحْرِ يُخْشى فِيها الغَرَقُ والضَّلالَ والعَدُوُّ. وقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُماتُ مَجازًا عَلى المَخاوِفِ الحاصِلَةِ في البَرِّ والبَحْرِ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ شَدائِدُ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (رَأى الكَواكِبَ مُظْهِرًا)، أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ إظْلامًا في عَيْنَيْهِ لِما لاقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَيْلٌ يُرى فِيهِ الكَواكِبُ. والجَمْعُ عَلى الوَجْهَيْنِ رُوعِيَ فِيهِ تَعَدُّدُ أنْواعِ ما يَعْرِضُ مِنَ الظُّلُماتِ، عَلى أنَّنا قَدَّمْنا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الجَمْعَ في لَفْظِ الظُّلُماتِ جَرى عَلى قانُونِ الفَصاحَةِ.
وجُمْلَةُ تَدْعُونَهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يُنَجِّيكم.
وقُرِئَ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وخَلَفٍ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.
والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والخُفْيَةُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ضِدُّ الجَهْرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ مِثْلُ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وعَطَفَ خُفْيَةً عَلى تَضَرُّعًا إمّا عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ كَما تُعْطَفُ الأوْصافُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَطْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الدُّعاءِ، أيْ تَدْعُونَهُ في الظُّلُماتِ مُخْفِينَ أصْواتَكم خَشْيَةَ انْتِباهِ العَدُوِّ مِنَ النّاسِ أوِ الوُحُوشِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢] في مَحَلٍّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ. وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الكَلامِ. واللّامُ في لَئِنِ المُوَطِّئَةِ لِلْقِسْمِ، واللّامُ في لَتَكُونَنَّ لامُ جَوابِ القِسْمِ. وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ حِكايَةُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الدُّعاءِ بِحَيْثُ يَدْعُو كُلُّ واحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ رِفاقِهِ. وإمّا أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ خَيْلَهم، وإنَّما رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ فَرَسًا.
صفحة ٢٨٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْجَيْتَنا بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الجِيمِ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (أنْجانا) بِألْفٍ بَعْدَ الجِيمِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَن في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ .
والإشارَةُ بِـ هَذِهِ إلى الظُّلْمَةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِاعْتِبارِ ما يَنْشَأُ عَنْها، أوْ بِاعْتِبارِ المَعْنى المَجازِيِّ وهو الشِّدَّةُ، أوْ إلى حالَةٍ يُعَبَّرُ عَنْها بِلَفْظٍ مُؤَنَّثٍ مِثْلَ الشِّدَّةِ أوِ الوَرْطَةِ أوِ الرِّبْقَةِ.
والشّاكِرُ هو الَّذِي يُراعِي نِعْمَةَ المُنْعِمِ فَيُحْسِنُ مُعامَلَتَهُ كُلَّما وجَدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَرَوْنَ الشُّكْرَ حَقًّا عَظِيمًا ويُعَيِّرُونَ مَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ.
وقَوْلُهم مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لِنَكُونَنَّ شاكِرِينَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها﴾ تَلْقِينٌ لِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِهِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أنْ يُجِيبَ عَنِ المَسْئُولِينَ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قُلْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى القَوْلِ في المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَوَلّى الجَوابَ عَنْهم لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ.
وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ يُنَجِّيكم لا غَيْرُهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَّحَ بِالفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. ولَوْلا هَذا لاقْتَصَرَ عَلى قُلِ اللَّهُ. والضَّمِيرُ في مِنها لِلظُّلُماتِ أوْ لِلْحادِثَةِ.
وزادَ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ، وأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ بِالمَعْنَيَيْنِ لِمُجَرَّدِ المِثالِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ يُنْجِيكم بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مِن أنْجاهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ. وهَذا مِنَ التَّفَنُّنِ لِتَجَنُّبِ الإعادَةِ. ونَظِيرُهُ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] .
صفحة ٢٨٣
وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ مِثْلَ الأُولى.
وثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إشْراكَهم مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لا يَلْجَأُونَ إلّا إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ أمْرٌ عَجِيبٌ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ المُهْلَةَ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِخَبَرِ إسْنادِ الشِّرْكِ إلَيْهِمْ، أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ تَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِاعْتِرافِكم تُشْرِكُونَ بِهِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، مِن بابِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ومِن بابِ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها، ولَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ تَجَدُّدِ شِرْكِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ التَّجَدُّدَ والدَّوامَ عَلَيْهِ أعْجَبُ.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْجاكم فَوَعَدْتُمْ أنْ تَكُونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ فَإذا أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. وبَيْنَ الشّاكِرِينَ وتُشْرِكُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ.
الأنعام 6:64
﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ تَهْدِيدًا وافْتُتِحَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ بِضَمائِرِ الخِطابِ المُشْرِكُونَ دُونَ المُسْلِمِينَ. وأصْرَحُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ .
وإعادَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والإلْجاءِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ لا يُنازَعُونَ فِيهِ بِحَسْبِ عَقائِدِ الشِّرْكِ.
والظُّلُماتُ قِيلَ عَلى حَقِيقَتِها، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ مِن إضْرارِ ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ، فَظُلُماتُ البَرِّ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ الَّتِي يَلْتَبِسُ فِيها الطَّرِيقُ لِلسّائِرِ والَّتِي يُخْشى فِيها العَدُوُّ
صفحة ٢٨١
لِلسّائِرِ ولِلْقاطِنِ، أيْ ما يَحْصُلُ في ظُلُماتِ البَرِّ مِنَ الآفاتِ. وظُلُماتُ البَحْرِ يُخْشى فِيها الغَرَقُ والضَّلالَ والعَدُوُّ. وقِيلَ: أُطْلِقَتِ الظُّلُماتُ مَجازًا عَلى المَخاوِفِ الحاصِلَةِ في البَرِّ والبَحْرِ، كَما يُقالُ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ إذا حَصَلَتْ فِيهِ شَدائِدُ. ومِن أمْثالِ العَرَبِ (رَأى الكَواكِبَ مُظْهِرًا)، أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ إظْلامًا في عَيْنَيْهِ لِما لاقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ لَيْلٌ يُرى فِيهِ الكَواكِبُ. والجَمْعُ عَلى الوَجْهَيْنِ رُوعِيَ فِيهِ تَعَدُّدُ أنْواعِ ما يَعْرِضُ مِنَ الظُّلُماتِ، عَلى أنَّنا قَدَّمْنا في أوَّلِ السُّورَةِ أنَّ الجَمْعَ في لَفْظِ الظُّلُماتِ جَرى عَلى قانُونِ الفَصاحَةِ.
وجُمْلَةُ تَدْعُونَهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يُنَجِّيكم.
وقُرِئَ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ بِالتَّشْدِيدِ لِنافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، وخَلَفٍ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِالتَّخْفِيفِ.
والتَّضَرُّعُ: التَّذَلُّلُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في هَذِهِ السُّورَةِ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والخُفْيَةُ بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِها ضِدُّ الجَهْرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ مِثْلُ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وعَطَفَ خُفْيَةً عَلى تَضَرُّعًا إمّا عَطْفَ الحالِ عَلى الحالِ كَما تُعْطَفُ الأوْصافُ فَيَكُونُ مَصْدَرًا مُؤَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ عَطْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ عَلى الحالِ عَلى أنَّهُ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الدُّعاءِ، أيْ تَدْعُونَهُ في الظُّلُماتِ مُخْفِينَ أصْواتَكم خَشْيَةَ انْتِباهِ العَدُوِّ مِنَ النّاسِ أوِ الوُحُوشِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢] في مَحَلٍّ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ. وحَذْفُ القَوْلِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ الكَلامِ. واللّامُ في لَئِنِ المُوَطِّئَةِ لِلْقِسْمِ، واللّامُ في لَتَكُونَنَّ لامُ جَوابِ القِسْمِ. وجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ إمّا لِأنَّ المَقْصُودَ حِكايَةُ اجْتِماعِهِمْ عَلى الدُّعاءِ بِحَيْثُ يَدْعُو كُلُّ واحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ رِفاقِهِ. وإمّا أُرِيدَ التَّعْبِيرُ عَنِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ خَيْلَهم، وإنَّما رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ فَرَسًا.
صفحة ٢٨٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْجَيْتَنا بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الجِيمِ ومُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (أنْجانا) بِألْفٍ بَعْدَ الجِيمِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مَن في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ .
والإشارَةُ بِـ هَذِهِ إلى الظُّلْمَةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُتَكَلِّمِ بِاعْتِبارِ ما يَنْشَأُ عَنْها، أوْ بِاعْتِبارِ المَعْنى المَجازِيِّ وهو الشِّدَّةُ، أوْ إلى حالَةٍ يُعَبَّرُ عَنْها بِلَفْظٍ مُؤَنَّثٍ مِثْلَ الشِّدَّةِ أوِ الوَرْطَةِ أوِ الرِّبْقَةِ.
والشّاكِرُ هو الَّذِي يُراعِي نِعْمَةَ المُنْعِمِ فَيُحْسِنُ مُعامَلَتَهُ كُلَّما وجَدَ لِذَلِكَ سَبِيلًا. وقَدْ كانَ العَرَبُ يَرَوْنَ الشُّكْرَ حَقًّا عَظِيمًا ويُعَيِّرُونَ مَن يَكْفُرُ النِّعْمَةَ.
وقَوْلُهم مِنَ الشّاكِرِينَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لِنَكُونَنَّ شاكِرِينَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿قُلِ اللَّهُ يُنْجِيكم مِنها﴾ تَلْقِينٌ لِجَوابِ الِاسْتِفْهامِ مِن قَوْلِهِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أنْ يُجِيبَ عَنِ المَسْئُولِينَ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قُلْ لِأنَّها جارِيَةٌ مَجْرى القَوْلِ في المُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَوَلّى الجَوابَ عَنْهم لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ.
وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ يُنَجِّيكم لا غَيْرُهُ، ولِأجْلِ ذَلِكَ صَرَّحَ بِالفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. ولَوْلا هَذا لاقْتَصَرَ عَلى قُلِ اللَّهُ. والضَّمِيرُ في مِنها لِلظُّلُماتِ أوْ لِلْحادِثَةِ.
وزادَ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ، وأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ بِالمَعْنَيَيْنِ لِمُجَرَّدِ المِثالِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ يُنْجِيكم بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مِن أنْجاهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ. وهَذا مِنَ التَّفَنُّنِ لِتَجَنُّبِ الإعادَةِ. ونَظِيرُهُ ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] .
صفحة ٢٨٣
وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ مِثْلَ الأُولى.
وثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إشْراكَهم مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لا يَلْجَأُونَ إلّا إلى اللَّهِ في الشَّدائِدِ أمْرٌ عَجِيبٌ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ المُهْلَةَ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِخَبَرِ إسْنادِ الشِّرْكِ إلَيْهِمْ، أيْ أنْتُمُ الَّذِينَ تَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ بِاعْتِرافِكم تُشْرِكُونَ بِهِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، مِن بابِ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ومِن بابِ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها، ولَوْ ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْنِي.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ تَجَدُّدِ شِرْكِهِمْ وأنَّ ذَلِكَ التَّجَدُّدَ والدَّوامَ عَلَيْهِ أعْجَبُ.
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْجاكم فَوَعَدْتُمْ أنْ تَكُونُوا مِنَ الشّاكِرِينَ فَإذا أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. وبَيْنَ الشّاكِرِينَ وتُشْرِكُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ.
الأنعام 6:65
﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عَقَّبَ بِهِ ذِكْرَ النِّعْمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٣] بِذِكْرِ القُدْرَةِ عَلى الِانْتِقامِ، تَخْوِيفًا لِلْمُشْرِكِينَ. وإعادَةُ فِعْلِ الأمْرِ بِالقَوْلِ مِثْلَ إعادَتِهِ في نَظائِرِهِ لِلِاهْتِمامِ المُبَيَّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] . والمَعْنى قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، فالمُخاطَبُ بِضَمائِرِ الخِطابِ هُمُ المُشْرِكُونَ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإعْلامَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَعْلُومَةٌ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ التَّهْدِيدُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ القادِرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُخافَ بَأْسُهُ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ مَجازًا مُرْسَلًا مُرَكَّبًا، أوْ كِنايَةً تَرْكِيبِيَّةً. وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم، لِقَوْلِهِمْ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ.
صفحة ٢٨٤
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ أفادَ القَصْرَ، فَأفادَ اخْتِصاصَهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ العَذابِ عَلَيْهِمْ وأنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَخْشَوُا الأصْنامَ، ولَوْ أرادُوا الخَيْرَ لِأنْفُسِهِمْ لَخافُوا اللَّهَ تَعالى وأفْرَدُوهُ بِالعِبادَةِ لِمَرْضاتِهِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ إضافِيٌّ. والتَّعْرِيفُ في (القادِرُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، إذْ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ تَعالى عَلى مِثْلِ هَذا العَذابِ.
والعَذابُ الَّذِي مِن فَوْقُ مِثْلُ الصَّواعِقِ والرِّيحِ، والَّذِي مِن تَحْتِ الأرْجُلِ مِثْلُ الزَّلازِلِ والخَسْفِ والطُّوفانِ.
و”يَلْبِسَكم“ مُضارِعُ لَبَسَهُ بِالتَّحْرِيكِ أيْ خَلَطَهُ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَلْبِسَكم إلى ضَمِيرِ الأشْخاصِ بِتَقْدِيرِ اخْتِلاطِ أمْرِهِمْ واضْطِرابِهِ ومَرْجِهِ، أيِ اضْطِرابُ شُؤُونِهِمْ، فَإنَّ اسْتِقامَةَ الأُمُورِ تُشْبِهُ انْتِظامَ السِّلْكِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ اسْتِقامَةُ أُمُورِ النّاسِ نِظامًا. وبِعَكْسِ ذَلِكَ اخْتِلالُ الأُمُورِ والفَوْضى تُشْبِهُ اخْتِلاطَ الأشْياءِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ مَرْجًا ولَبْسًا. وذَلِكَ بِزَوالِ الأمْنِ ودُخُولِ الفَسادِ في أُمُورِ الأُمَّةِ، ولِذَلِكَ يُقْرَنُ الهَرْجُ (وهو القَتْلُ) بِالمَرْجِ (وهو الخَلْطُ) فَيُقالُ: هم في هَرْجٍ ومَرْجٍ، فَسُكُونُ الرّاءِ في الثّانِي لِلْمُزاوَجَةِ.
وانْتَصَبَ شِيَعًا عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في يَلْبِسَكم. والشِّيَعُ جَمْعُ شِيعَةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ وهي الجَماعَةُ المُتَّحِدَةُ في غَرَضٍ أوْ عَقِيدَةٍ أوْ هَوًى فَهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] . وشِيعَةُ الرَّجُلِ أتْباعُهُ والمُقْتَدُونَ بِهِ قالَ تَعالى ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ٨٣] أيْ مِن شِيعَةِ نُوحٍ.
وتَشَتُّتُ الشِّيَعِ وتَعَدُّدُ الآراءِ أشَدُّ في اللَّبْسِ والخَلْطِ، لِأنَّ اللَّبْسَ الواقِعَ كَذَلِكَ لَبْسٌ لا يُرْجى بَعْدَهُ انْتِظامٌ.
وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لِأنَّ مِن عَواقِبِ ذَلِكَ اللَّبْسِ التَّقاتُلَ. فالبَأْسُ هو القَتْلُ والشَّرُّ، قالَ تَعالى ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] . والإذاقَةُ اسْتِعارَةٌ لِلْألَمِ.
وهَذا تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ كَما قُلْنا بِطَرِيقِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ. وقَدْ وقَعَ مِنهُ الأخِيرُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ ذاقُوا بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وفي غَزَواتٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٢٨٥
فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعُوذُ بِوَجْهِكَ. قالَ ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ قالَ: أعُوذُ بِوَجْهِكَ، قالَ ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: هَذا أهْوَنُ، أوْ هَذا أيْسَرُ» . اهـ. واسْتِعاذَةُ النَّبِيءِ ﷺ مِن ذَلِكَ خَشْيَةَ أنْ يَعُمَّ العَذابُ إذا نَزَلَ عَلى الكافِرِينَ مَن هو بِجِوارِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لِقَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وفي الحَدِيثِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . ومَعْنى قَوْلِهِ: هَذِهِ أهْوَنُ، أنَّ القَتْلَ إذا حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ فَهو بِيَدِ المُسْلِمِينَ فَيَلْحَقُ المُسْلِمِينَ مِنهُ أذًى عَظِيمٌ لَكِنَّهُ أهْوَنُ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اسْتِئْصالُ وانْقِطاعُ كَلِمَةِ الدِّينِ، فَهو عَذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ وشَهادَةٌ وتَأْيِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وفي الحَدِيثِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ» . وبَعْضُ العُلَماءِ فَسَّرَ الحَدِيثَ بِأنَّهُ اسْتَعاذَ أنْ يَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. ويَتَّجِهُ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: لِماذا لَمْ يَسْتَعِذِ الرَّسُولُ ﷺ مِن وُقُوعِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَلَعَلَّهُ لِأنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ في المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّ اللَّهَ وعَدَهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ. ولَيْسَتِ اسْتِعاذَتُهُ بِدالَّةٍ عَلى أنَّ الآيَةَ مُرادٌ بِها خِطابُ المُسْلِمِينَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ولا أنَّها تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، إلّا عَلى مَعْنى أنَّ مُفادَها غَيْرُ الصَّرِيحِ صالِحٌ لِلْفَرِيقَيْنِ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ صالِحَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، ولَكِنَّ المَعْنى التَّهْدِيدِيَّ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمُسْلِمِينَ هُنا. وهَذا الوَجْهُ يُناسِبُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في أصْلِ الإخْبارِ وفي لازِمِهِ فَيَكُونُ صَرِيحًا وكِنايَةً ولا يُناسِبُ المَجازَ المُرَكَّبَ المُتَقَدِّمَ بَيانُهُ.
* * *
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ورَدَ بَعْدَ الِاسْتِفْهامَيْنِ السّابِقَيْنِ.
وفِي الأمْرِ بِالنَّظَرِ تَنْزِيلٌ لِلْمَعْقُولِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِنهُ، وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
صفحة ٢٨٦
وتَصْرِيفُ الآياتِ تَنْوِيعُها بِالتَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى. فالمُرادُ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى التَّصْرِيفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ فائِدَةِ تَصْرِيفِ الآياتِ، وذَلِكَ رَجاءَ حُصُولِ فَهْمِهِمْ لِأنَّهم لِعِنادِهِمْ كانُوا في حاجَةٍ إلى إحاطَةِ البَيانِ بِأفْهامِهِمْ لَعَلَّها تَتَذَكَّرُ وتَرْعَوِي.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى (لَعَلَّ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى الفِقْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
الأنعام 6:66
﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهْوَ الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٦٥]، أيْ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ فَلَمْ يَفْقَهُوا وكَذَّبُوا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى العَذابِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، وتَكْذِيبُهم بِهِ مَعْناهُ تَكْذِيبُهم بِأنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِأجْلِ إعْراضِهِمْ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ ”قَوْمُكَ“ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِمَن هو مِن أنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ طَرْفَةُ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (كَذَّبَ) بِالباءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ وهو الحَقُّ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا إلخ.
وقَدْ تَحَقَّقَ بَعْضُ ذَلِكَ بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ وهو عَذابُ القَحْطِ، وبِإذاقَتِهِمْ بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٢٨٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عائِدًا إلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، أيْ كَذَبْتُمْ بِالقُرْآنِ، عَلى وجْهٍ جَعَلَ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَبِّي“ ابْتِدائِيَّةً كَما تَقَدَّمَ، أيْ كَذَّبْتُمْ بِآيَةِ القُرْآنِ وسَألْتُمْ نُزُولَ العَذابِ تَصْدِيقًا لِرِسالَتِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. أُولاها: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ إرْغامٌ لَهم لِأنَّهم يَرَوْنَهُ أنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ أغاظُوهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُغِيظُهُ ذَلِكَ وأنَّ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَإنْ كانُوا يَغِيظُونَ فَلا يَغِيظُونَ إلّا أنْفُسَهم.
والوَكِيلُ هُنا بِمَعْنى المُدافِعِ النّاصِرِ، وهو الحَفِيظُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ والسُّلْطَةِ، أيْ لَسْتُ بِقَيِّمٍ عَلَيْكم يَمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] . وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ يُثِيرُ سُؤالَهم أنْ يَقُولُوا: فَمَتى يَنْزِلُ العَذابُ. فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ .
والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِن أخْبارِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لِكُلِّ مُخْبَرٍ بِهِ، أيْ ما أُخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ.
والمُسْتَقَرُّ وقْتُ الِاسْتِقْرارِ، فَهو اسْمُ زَمانِهِ، ولِذَلِكَ صِيغَ بِوَزْنِ اسْمِ المَفْعُولِ، كَما هو قِياسُ صَوْغِ اسْمِ الزَّمانِ المُشْتَقِّ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ. والِاسْتِقْرارُ بِمَعْنى الحُصُولِ، أيْ لِكُلِّ مَوْعُودٍ بِهِ وقْتٌ يَحْصُلُ فِيهِ. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْوَعِيدِ وتَفْوِيضُ زَمانِهِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ المُسْتَقَرُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا في الِانْتِهاءِ والغايَةِ مَجازًا، كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٨٨
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨]، وهو شامِلٌ لِوَعِيدِ الآخِرَةِ ووَعِيدِ الدُّنْيا ولِكُلٍّ مُسْتَقَرٌّ. وعَنِ السُّدِّيِّ: اسْتَقَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ ما كانَ يَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ.
وعَطْفُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ تَعْلَمُونَهُ، أيْ هو الآنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وتَعْلَمُونَهُ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ حُلُولِهِ بِكم. وهَذا أظْهَرُ في وعِيدِ العَذابِ في الدُّنْيا.
الأنعام 6:67
﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهْوَ الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٦٥]، أيْ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ فَلَمْ يَفْقَهُوا وكَذَّبُوا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى العَذابِ في قَوْلِهِ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ [الأنعام: ٦٥]، وتَكْذِيبُهم بِهِ مَعْناهُ تَكْذِيبُهم بِأنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهم لِأجْلِ إعْراضِهِمْ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ ”قَوْمُكَ“ تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لِمَن هو مِن أنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ طَرْفَةُ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ (كَذَّبَ) بِالباءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ وهو الحَقُّ مُعْتَرِضَةٌ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ القُدْرَةِ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذابًا إلخ.
وقَدْ تَحَقَّقَ بَعْضُ ذَلِكَ بِعَذابٍ مِن فَوْقِهِمْ وهو عَذابُ القَحْطِ، وبِإذاقَتِهِمْ بَأْسَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٢٨٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ بِهِ عائِدًا إلى القُرْآنِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ رُجُوعًا بِالكَلامِ إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، أيْ كَذَبْتُمْ بِالقُرْآنِ، عَلى وجْهٍ جَعَلَ ”مِن“ في قَوْلِهِ ”مِن رَبِّي“ ابْتِدائِيَّةً كَما تَقَدَّمَ، أيْ كَذَّبْتُمْ بِآيَةِ القُرْآنِ وسَألْتُمْ نُزُولَ العَذابِ تَصْدِيقًا لِرِسالَتِي وذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِي. ثُمَّ اعْتَرَضَ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. أُولاها: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وكَذَّبْتُمْ بِهِ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ.
وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ إرْغامٌ لَهم لِأنَّهم يَرَوْنَهُ أنَّهم لَمّا كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ أغاظُوهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُغِيظُهُ ذَلِكَ وأنَّ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ فَإنْ كانُوا يَغِيظُونَ فَلا يَغِيظُونَ إلّا أنْفُسَهم.
والوَكِيلُ هُنا بِمَعْنى المُدافِعِ النّاصِرِ، وهو الحَفِيظُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الغَلَبَةِ والسُّلْطَةِ، أيْ لَسْتُ بِقَيِّمٍ عَلَيْكم يَمْنَعُكم مِنَ التَّكْذِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] . وجُمْلَةُ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ يُثِيرُ سُؤالَهم أنْ يَقُولُوا: فَمَتى يَنْزِلُ العَذابُ. فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ .
والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِن أخْبارِ القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أطْلَقَ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ لِكُلِّ مُخْبَرٍ بِهِ، أيْ ما أُخْبَرُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] الآيَةَ.
والمُسْتَقَرُّ وقْتُ الِاسْتِقْرارِ، فَهو اسْمُ زَمانِهِ، ولِذَلِكَ صِيغَ بِوَزْنِ اسْمِ المَفْعُولِ، كَما هو قِياسُ صَوْغِ اسْمِ الزَّمانِ المُشْتَقِّ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ. والِاسْتِقْرارُ بِمَعْنى الحُصُولِ، أيْ لِكُلِّ مَوْعُودٍ بِهِ وقْتٌ يَحْصُلُ فِيهِ. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْوَعِيدِ وتَفْوِيضُ زَمانِهِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ المُسْتَقَرُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا في الِانْتِهاءِ والغايَةِ مَجازًا، كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٨٨
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨]، وهو شامِلٌ لِوَعِيدِ الآخِرَةِ ووَعِيدِ الدُّنْيا ولِكُلٍّ مُسْتَقَرٌّ. وعَنِ السُّدِّيِّ: اسْتَقَرَّ يَوْمَ بَدْرٍ ما كانَ يَعِدُهم بِهِ مِنَ العَذابِ.
وعَطْفُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ تَعْلَمُونَهُ، أيْ هو الآنَ غَيْرُ مَعْلُومٍ وتَعْلَمُونَهُ في المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ حُلُولِهِ بِكم. وهَذا أظْهَرُ في وعِيدِ العَذابِ في الدُّنْيا.
الأنعام 6:68
﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦] .
والعُدُولُ عَنِ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ إلى الإتْيانِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وهو اسْمُ المَوْصُولِ، فَلَمْ يَقُلْ: وإذا رَأيْتَهم فَأعْرِضْ عَنْهم، يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ فَرِيقٌ خاصٌّ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أوْ بِالعَذابِ. فَعُمُومُ القَوْمِ أنْكَرُوا وكَذَّبُوا دُونَ خَوْضٍ في آياتِ القُرْآنِ، فَأُولَئِكَ قِسْمٌ، والَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ قِسْمٌ كانَ أبْذى وأقْذَعَ، وأشَدَّ كُفْرًا وأشْنَعَ، وهُمُ المُتَصَدُّونَ لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ. وهَؤُلاءِ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ وتَرْكِ مُجالِسِهِمْ حَتّى يَرْعَوُوا عَنْ ذَلِكَ. ولَوْ أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ المُكَذِّبِينَ لَتَعَطَّلَتِ الدَّعْوَةُ والتَّبْلِيغُ.
ومَعْنى ﴿إذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ إذا رَأيْتَهم في حالِ خَوْضِهِمْ.
وجاءَ تَعْرِيفُ هَؤُلاءِ بِالمَوْصُولِيَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ الخائِضِينَ أوْ قَوْمًا خائِضِينَ لِأنَّ المَوْصُولَ فِيهِ إيماءٌ إلى وجْهِ الأمْرِ بِالإعْراضِ لِأنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ، إذْ شَأْنُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُمارِسَ النّاسَ لِعَرْضِ دَعْوَةِ الدِّينِ، فَأمْرُ اللَّهِ إيّاهُ بِالإعْراضِ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم يَحْتاجُ إلى تَوْجِيهٍ واسْتِئْناسٍ. وذَلِكَ بِالتَّعْلِيلِ الَّذِي أفادَهُ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ، أيْ فَأعْرِضْ عَنْهم لِأنَّهم يَخُوضُونَ في آياتِنا.
صفحة ٢٨٩
وهَذِهِ الآيَةُ أحْسَنُ ما يُمَثَّلُ بِهِ، لِمَجِيءِ المَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى إفادَةِ تَعْلِيلِ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن خَبَرٍ أوْ إنْشاءٍ، ألا تَرى أنَّ الأمْرَ بِالإعْراضِ حُدِّدَ بِغايَةِ حُصُولِ ضِدِّ الصِّلَةِ. وهي أيْضًا أعْدَلُ شاهِدٍ لِصِحَّةِ ما فَسَّرَ بِهِ القُطْبُ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِ المِفْتاحِ قَوْلَ السَّكّاكِيِّ: أوْ أنْ تُومِئَ بِذَلِكَ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ بِأنَّ وجْهَ بِناءِ الخَبَرِ هو عِلَّتُهُ وسَبَبُهُ، وإنْ أبى التَّفْتَزانِيُّ ذَلِكَ التَّفْسِيرَ.
والخَوْضُ حَقِيقَتُهُ الدُّخُولُ في الماءِ مَشْيًا بِالرِّجْلَيْنِ دُونَ سِباحَةٍ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّصَرُّفِ الَّذِي فِيهِ كُلْفَةٌ أوْ عَنَتٌ، كَما اسْتُعِيرَ التَّعَسُّفُ وهو المَشْيُ في الرَّمْلِ لِذَلِكَ. واسْتُعِيرَ الخَوْضُ أيْضًا لِلْكَلامِ الَّذِي فِيهِ تُكَلُّفُ الكَذِبِ والباطِلِ لِأنَّهُ يَتَكَلَّفُ لَهُ قائِلُهُ، قالَ الرّاغِبُ: وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ ورَدَ فِيما يُذَمُّ الشُّرُوعُ فِيهِ، قالَ تَعالى ﴿يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ و﴿نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] و﴿خُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] و﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] . فَمَعْنى ﴿يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ يَتَكَلَّمُونَ فِيها بِالباطِلِ والِاسْتِهْزاءِ.
والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ مُباشَرَةً وحُكْمُ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ كَحُكْمِهِ، كَما قالَ في ذِكْرِ المُنافِقِينَ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠] .
والإعْراضُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
والإعْراضُ عَنْهم هُنا هو تَرْكُ الجُلُوسِ إلى مَجالِسِهِمْ، وهو مَجازٌ قَرِيبٌ مِنَ الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الإعْراضُ الحَقِيقِيُّ غالِبًا، فَإنْ هم غَشَوْا مَجْلِسَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فالإعْراضُ عَنْهم أنْ يَقُومَ عَنْهم وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: فَجَعَلَ إذا اسْتَهْزَأُوا قامَ فَحُذِّرُوا وقالُوا لا تَسْتَهْزِئُوا فَيَقُومَ. وفائِدَةُ هَذا الإعْراضِ زَجْرُهم وقَطْعُ الجِدالِ مَعَهم لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنْ عِنادِهِمْ.
وحَتّى غايَةٌ لِلْإعْراضِ لِأنَّهُ إعْراضُ فِيهِ تَوْقِيفُ دَعْوَتِهِمْ زَمانًا أوْجَبَهُ رَعْيُ مَصْلَحَةٍ أُخْرى هي مِن قَبِيلِ الدَّعْوَةِ فَلا يَضُرُّ تَوْقِيفُ الدَّعْوَةِ زَمانًا، فَإذا زالَ مُوجِبُ ذَلِكَ عادَتْ مُحاوَلَةُ هَدْيِهِمْ إلى أصْلِها لِأنَّها تَمَحَّضَتْ لِلْمَصْلَحَةِ.
صفحة ٢٩٠
وإنَّما عَبَّرَ عَنِ انْتِقالِهِمْ إلى حَدِيثٍ آخَرَ بِالخَوْضِ لِأنَّهم لا يَتَحَدَّثُونَ إلّا فِيما لا جَدْوى لَهُ مِن أحْوالِ الشِّرْكِ وأُمُورِ الجاهِلِيَّةِ.
و”غَيْرِهِ“ صِفَةٌ لِـ ”حَدِيثٍ“ . والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى الخَوْضِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَدِيثًا حَسْبَما اقْتَضاهُ وصْفُ ”حَدِيثٍ“ بِأنَّهُ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ عَطْفُ حالَةِ النِّسْيانِ زِيادَةٌ في تَأْكِيدِ الأمْرِ بِالإعْراضِ. وأسْنَدَ الإنْساءَ إلى الشَّيْطانِ فَدَلَّنا عَلى أنَّ النِّسْيانَ مِن آثارِ الخِلْقَةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ فِيها حَظًّا لِعَمَلِ الشَّيْطانِ. كَما ورَدَ أنَّ «التَّثاؤُبَ مِنَ الشَّيْطانِ»، ولَيْسَ هَذا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في أعْمالِ الإنْسانِ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْصُومٌ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في ذَلِكَ، فالنِّسْيانُ مِنَ الأعْراضِ البَشَرِيَّةِ الجائِزَةِ عَلى الأنْبِياءِ في غَيْرِ تَبْلِيغِ ما أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ، عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ السُّنَّةِ مِنَ الأشاعِرَةِ وغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: إنَّ كِبارَ الرّافِضَةِ هُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ النِّسْيانِ اهـ. وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ الأشْعَرِيَّةِ وعُزِيَ إلى الأُسْتاذِ أبِي إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيِّ فِيما حَكاهُ نُورُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في شَرْحٍ لِلْقَصِيدَةِ النُّونِيَّةِ لِشَيْخِهِ تاجِ الدِّينِ السُّبْكِيِّ. ويَتَعَيَّنُ أنَّ مُرادَهُ بِذَلِكَ فِيما طَرِيقُهُ البَلاغُ كَما يَظْهَرُ مِمّا حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ: «وقَدْ نَسِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ مِن رَكْعَتَيْنِ في الصَّلاةِ الرُّباعِيَّةِ، ونَسِيَ آياتٍ مِن بَعْضِ السُّوَرِ تَذَكَّرَها لَمّا سَمِعَ قِراءَةَ رَجُلٍ في صَلاةِ اللَّيْلِ»، كَما في الصَّحِيحِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إنَّما أنا بَشَرٌ أنْسى كَما تَنْسَوْنَ فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» فَذَلِكَ نِسْيانُ اسْتِحْضارِها بَعْدَ أنْ بُلِّغَها. ولَيْسَ نَظَرُنا في جَوازِ ذَلِكَ وإنَّما نَظَرُنا في إسْنادِ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ لِلشَّيْطانِ حَظًّا لَهُ أثَرٌ في نَفْسِ الرَّسُولِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ الأعْراضِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي يَجُوزُ طُرُوُّها عَلى الأنْبِياءِ قَدْ جَعَلَها اللَّهُ في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن عَمَلِ الشَّياطِينِ، كَما جَعَلَ بَعْضَ الأعْراضِ مَوْكُولَةً لِلْمَلائِكَةِ، ويَكُونُ النِّسْيانُ مِن جُمْلَةِ الأعْراضِ المَوْكُولَةِ إلى الشَّياطِينِ كَما تَكَرَّرَ إسْنادُهُ إلى الشَّيْطانِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها. وهَذا مِثْلُ كَوْنِ التَّثاؤُبِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكَوْنِ ذاتِ الجَنْبِ مِنَ الشَّيْطانِ. وقَدْ قالَ أيُّوبُ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ [ص: ٤١]، وحِينَئِذٍ فالوَجْهُ أنَّ الأعْراضَ البَشَرِيَّةَ الجائِزَةَ عَلى الأنْبِياءِ الَّتِي لا تُخِلُّ بِتَبْلِيغٍ ولا تُوقِعُ في المَعْصِيَةِ قَدْ يَكُونُ بَعْضُها مِن أثَرِ عَمَلِ الشَّيْطانِ وأنَّ اللَّهَ عَصَمَهم مِنَ الشَّيْطانِ فِيما عَدا ذَلِكَ.
صفحة ٢٩١
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ خُصَّ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ بِأنْ لا سُلْطَةَ لِعَمَلٍ شَيْطانِيٍّ عَلَيْهِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ الجائِزَةِ عَلى مَقامِ الرِّسالَةِ، فَإنَّما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن تِلْكَ الأعْراضِ ما لا أثَرَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ. وقَدْ يَدُلُّ لِهَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ شَقِّ الصَّدْرِ: «أنَّ جِبْرِيلَ لَمّا اسْتَخْرَجَ العَلَقَةَ قالَ: هَذا حَظُّ الشَّيْطانِ مِنكَ»، يَعْنِيَ مَرْكَزُ تَصَرُّفاتِهِ، فَيَكُونُ الشَّيْطانُ لا يَتَوَصَّلُ إلى شَيْءٍ يَقَعُ في نَفْسِ نَبِيِّنا ﷺ إلّا بِواسِطَةِ تَدْبِيرِ شَيْءٍ يَشْغَلُ النَّبِيءَ حَتّى يَنْسى مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ المُوَطَّأِ حِينَ «نامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووَكَّلَ بِلالًا بِأنْ يَكْلَأ لَهُمُ الفَجْرَ، فَنامَ بِلالٌ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَإنَّ النَّبِيءَ قالَ: إنَّ الشَّيْطانَ أتى بِلالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَما يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتّى نامَ» . فَأمّا نَوْمُ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ عَدا بِلالًا فَكانَ نَوْمًا مُعْتادًا لَيْسَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ. وإلى هَذا الوَجْهِ أشارَ عِياضٌ في الشِّفاءِ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما ورَدَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى لَيْلَةَ القَدْرِ، فَخَرَجَ لِيَعْلَمَ النّاسُ فَتَلاحى رَجُلانِ فَرُفِعَتْ» . فَإنَّ التَّلاحِيَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ رَفْعَ لَيْلَةِ القَدْرِ بِنَفْسِهِ فَوَسْوَسَ بِالتَّلاحِي.
والحاصِلُ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَعْصُومٌ مِنَ الوَسْوَسَةِ، وأمّا ما دُونَها مِثْلَ الإنْساءِ والنَّزْغِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يُعْصَمَ مِنهُ. وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: أنَّ الوَسْوَسَةَ آثارُها وُجُودِيَّةٌ والإنْساءَ والنَّزْغَ آثارُهُما عَدَمِيَّةٌ، وهي الذُّهُولُ والشَّغْلُ ونَحْوُ ذَلِكَ.
فالمَعْنى إنْ أنْساكَ الشَّيْطانُ الإعْراضَ عَنْهم فَإنْ تَذَكَّرْتَ فَلا تَقْعُدْ مَعَهم، فَهَذا النِّسْيانُ يَنْتَقِلُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن عِبادَةٍ إلى عِبادَةٍ، ومِن أُسْلُوبٍ في الدَّعْوَةِ إلى أُسْلُوبٍ آخَرَ، فَلَيْسَ إنْساءُ الشَّيْطانِ إيّاهُ إيقاعًا في مَعْصِيَةٍ إذْ لا مَفْسَدَةَ في ارْتِكابِ ذَلِكَ ولا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضٌ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ في الضَّلالِ، وقَدْ رَفَعَ اللَّهُ المُؤاخَذَةَ بِالنِّسْيانِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، أيْ بَعْدَ أنْ تَتَذَكَّرَ الأمْرَ بِالإعْراضِ. فالذِّكْرى اسْمٌ لِلتَّذَكُّرِ وهو ضِدُّ النِّسْيانِ، فَهي اسْمُ مَصْدَرٍ، أيْ إذا أغْفَلْتَ بَعْدَ هَذا فَقَعَدْتَ إلَيْهِمْ فَإذا تَذَكَّرْتَ فَلا تَقْعُدْ، وهو ضِدُّ فَأعْرِضْ، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يُنْسِيَنَّكَ بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ السِّينِ مِنَ التَّنْسِيَةِ، وهي مُبالَغَةٌ في أنْساهُ. ومِنَ العُلَماءِ مَن تَأوَّلَ
صفحة ٢٩٢
هَذِهِ الآيَةَ بِأنَّها مِمّا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ إذا عَذَرْنا أصْحابَنا في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ في ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] لِاسْتِحالَةِ الشِّرْكِ عَلَيْهِ فَلا عُذْرَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ لِجَوازِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ هُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ فائِدَةِ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ، فَيُعْلَمُ أنَّ خَوْضَهم في آياتِ اللَّهِ ظُلْمٌ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ خَوْضُ إنْكارٍ لِلْحَقِّ ومُكابَرَةٍ لِلْمُشاهَدَةِ.
الأنعام 6:69
﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ .
لَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ مَجالِسِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ بِالطَّعْنِ في الآياتِ قَدْ لا يَحُولُ دُونَ بُلُوغِ أقْوالِهِمْ في ذَلِكَ إلى أسْماعِ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ أتْبَعَ اللَّهُ النَّهْيَ السّابِقَ بِالعَفْوِ عَمّا تَتَلَقَّفُهُ أسْماعُ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ عَفْوًا، فَتَكُونُ الآيَةُ عُذْرًا لِما يَطْرُقُ أسْماعَ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قُعُودِهِمْ مَعَ الطّاعِنِينَ.
والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ المُؤْمِنُونَ، والنَّبِيءُ ﷺ هو أوَّلُ المُتَّقِينَ، فالمَوْصُولُ كَتَعْرِيفِ الجِنْسِ فَيَكُونُ شامِلًا لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ كَما كانَ قَوْلُهُ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] حُكْمُهُ شامِلًا لِبَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ بِحُكْمِ التَّبَعِ. وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: كانَتْ آيَةُ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] خاصَّةً بِالنَّبِيءِ ﷺ وجاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ رُخْصَةً لِغَيْرِ النَّبِيءِ مِنَ المُسْلِمِينَ في الحُضُورِ في تِلْكَ المَجالِسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانَ يُغْضِبُهم قِيامُ النَّبِيءِ مِن مَجالِسِهِمْ. ونُسِبَ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ جُبَيْرٍ، فَيَكُونُ عُمُومُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مَخْصُوصًا بِما اقْتَضَتْهُ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها.
ورَوى البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] قالَ المُسْلِمُونَ: كَيْفَ نَقْعُدُ في المَسْجِدِ الحَرامِ ونَطُوفُ بِالبَيْتِ
صفحة ٢٩٣
وهم يَخُوضُونَ أبَدًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ يَعْنِي إذا قُمْتُمْ عَنْهم فَما عَلَيْكم تَبِعَةُ ما يَقُولُونَ في حالِ مُجانَبَتِكم إيّاهم إذْ لَيْسَ عَلَيْكم جَرى ذَلِكَ وما عَلَيْهِمْ أنْ يَمْنَعُوهم.
وقَوْلُهُ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ آنِفًا، وهو قَوْلُهُ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] .
ثُمَّ الحِسابُ هُنا مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ. فَهَذا المَصْدَرُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ عَلى وِزانِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، أيْ ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنْ يُحاسِبُوا الخائِضِينَ، أيْ أنْ يَمْنَعُوهم مِنَ الخَوْضِ إذْ لَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ زَجْرَ المُشْرِكِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ تَبِعَةُ حِسابِ المُشْرِكِينَ، أيْ ما عَلَيْهِمْ نَصِيبٌ مِن إثْمِ ذَلِكَ الخَوْضِ إذا سَمِعُوهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ عَطَفَتِ الواوُ الِاسْتِدْراكَ عَلى النَّفْيِ، أيْ ما عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِهِمْ ولَكِنْ عَلَيْهِمُ الذِّكْرى. والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى وعَظَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، أيْ عَلَيْهِمْ إنْ سَمِعُوهم يَسْتَهْزِئُونَ أنْ يَعِظُوهم ويُخَوِّفُوهم غَضَبَ اللَّهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرى مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ يَذْكُرُونَهم ذِكْرى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرى مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى.
وضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ حِسابِهِمْ أيْ لَعَلَّ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ يَتَّقُونَ، أيْ يَتْرُكُونَ الخَوْضَ. وعَلى هَذا فالتَّقْوى مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمُ الذِّكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ بِتَحْصِيلِ واجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَعَلَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى تَقْواهم.
صفحة ٢٩٤
وعَنِ الكِسائِيِّ: المَعْنى ولَكِنْ هَذِهِ ذِكْرى، أيْ قَوْلُهُ ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] تَذْكِرَةً لَكَ ولَيْسَتْ مُؤاخَذَةً بِالنِّسْيانِ، إذْ لَيْسَ عَلى المُتَّقِينَ تَبِعَةُ سَماعِ اسْتِهْزاءِ المُسْتَهْزِئِينَ ولَكِنّا ذَكَّرْناهم بِالإعْراضِ عَنْهم لَعَلَّهم يَتَّقُونَ سَماعَهم.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] بِناءً عَلى رَأْيِهِمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أباحَ لِلْمُؤْمِنِينَ القُعُودَ ولَمْ يَمْنَعْهُ إلّا عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
الأنعام 6:70
﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩] . وهَذا حُكْمٌ آخَرُ غَيْرُ حُكْمِ الإعْراضِ عَنِ الخائِضِينَ في آياتِ اللَّهِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ. وأُتِيَ بِمَوْصُولٍ وصِلَةٍ أُخْرى فَلَيْسَ ذَلِكَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.
و”ذَرْ“ فِعْلُ أمْرٍ. قِيلَ: لَمْ يَرِدْ لَهُ ماضٍ ولا مَصْدَرٌ ولا اسْمُ فاعِلٍ ولا اسْمُ مَفْعُولٍ. فَتَصارِيفُهُ هَذِهِ مُماثَلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ اسْتِغْناءً عَنْها بِأمْثالِها مِن مادَّةِ تَرَكَ تَجَنُّبًا لِلثِّقَلِ واسْتَعْمَلُوا مُضارِعَهُ والأمْرَ مِنهُ. وجَعَلَهُ عُلَماءُ التَّصْرِيفِ مِثالًا واوِيًّا لِأنَّهم
صفحة ٢٩٥
وجَدُوهُ مَحْذُوفَ أحَدِ الأُصُولِ، ووَجَدُوهُ جارِيًا عَلى نَحْوِ يَعِدُ ويَرِثُ فَجَزَمُوا بِأنَّ المَحْذُوفَ مِنهُ الفاءُ وأنَّها واوٌ. وإنَّما حُذِفَتْ في نَحْوِ ذَرْ ودَعْ مَعَ أنَّها مَفْتُوحَةُ العَيْنِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ، وهو حَذْفُ تَخْفِيفٍ لا حَذْفُ دَفْعِ ثِقَلٍ، بِخِلافِ حَذْفِ يَعِدُ ويَرِثُ.
ومَعْنى (ذَرِ) اتْرُكْ، أيْ لا تُخالِطْ. وهو هُنا مَجازٌ في عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِهِمْ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِاسْتِهْزائِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقَوْلِهِ ﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤]، وقَوْلِ طَرَفَةَ:
فَذَرْنِي وخُلْقِي إنَّنِي لَكَ شاكِرٌ ولَوْ حَلَّ بَيْتِي نائِيًا عِنْدَ ضَرْغَدِ
أيْ لا تُبالِ بِهِمْ ولا تَهْتَمَّ بِضَلالِهِمُ المُسْتَمِرِّ ولا تَشْغَلْ قَلْبَكَ بِهِمْ فالتَّذْكِيرُ بِالقُرْآنِ شامِلٌ لَهم، أوْ لا تَعْبَأْ بِهِمْ وذَكِّرْهم بِهِ، أيْ لا يَصُدَّكَ سُوءُ اسْتِجابَتِهِمْ عَنْ إعادَةِ تَذْكِيرِهِمْ.
والدِّينُ في قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المِلَّةَ، أيْ ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلَـهِ ودِينُـهُـمْ ∗∗∗ قَوِيمٌ فَما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ
أيِ اتَّخَذُوهُ لَعِبًا ولَهْوًا، أيْ جَعَلُوا الدِّينَ مَجْمُوعَ أُمُورٍ هي مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، أيِ العَبَثِ واللَّهْوِ عِنْدَ الأصْنامِ في مَواسِمِها، والمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ عِنْدَ الكَعْبَةِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] .
وإنَّما لَمْ يَقُلِ اتَّخَذُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ دِينًا لِمَكانِ قَوْلِهِ اتَّخَذُوا فَإنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا كُلَّ ما هو مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ دِينًا لَهم بَلْ عَمَدُوا إلى أنْ يَنْتَحِلُوا دِينًا فَجَمَعُوا لَهُ أشْياءَ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ وسَمَّوْها دِينًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الدَّيْنِ العادَةَ، كَقَوْلِ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ:
تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي ∗∗∗ أهَذا دِينُـهُ أبَـدًا ودِينِـي
أيِ الَّذِينَ دَأْبُهُمُ اللَّعِبُ واللَّهْوُ المُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ، وذَلِكَ في مُعامَلَتِهِمُ الرَّسُولَ. ﷺ .
صفحة ٢٩٦
واللَّعِبُ واللَّهْوُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا فَرِيقٌ عُرِفُوا بِحالِ هَذِهِ الصِّلَةِ واخْتُصَّتْ بِهِمْ، فَهم غَيْرُ المُرادِ مِنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ بَلْ بَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في الآياتِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكِينَ كُلَّهم بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الدِّينِ بِالمِلَّةِ والنِّحْلَةِ فَهم أعَمُّ مِنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فَبَيْنَهُمُ العُمُومُ والخُصُوصُ المُطْلَقُ. وهَذا يُناسِبُ تَفْسِيرَ ذَرْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِدِينِهِمْ لِقَصْدِ عَدَمِ اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ أوْ لِزِيادَةِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، أيْ وذَكِّرْهم بِالقُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ فَرِيقًا مِنَ المُشْرِكِينَ سُفَهاءَ اتَّخَذُوا دَأْبَهُمُ اللَّعِبَ واللَّهْوَ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الدِّينِ بِمَعْنى العادَةِ فَبَيْنَهم وبَيْنَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ.
وغَرَّتْهم أيْ خَدَعَتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وظَنُّوا أنَّها لا حَياةَ بَعْدَها وأنَّ نَعِيمَها دائِمٌ لَهم بَطَرًا مِنهم. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الغُرُورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وذِكْرُ الحَياةِ هُنا لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ وهو أنَّ هَمَّهم مِن هَذِهِ الدُّنْيا هو الحَياةُ فِيها لا ما يُكْتَسَبُ فِيها مِنَ الخَيْراتِ الَّتِي تَكُونُ بِها سَعادَةُ الحَياةِ في الآخِرَةِ، أيْ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا فَأوْهَمَتْهم أنْ لا حَياةَ بَعْدَها وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] .
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ لِأنَّ التَّذْكِيرَ هو التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ وبِالبَعْثِ وبِالنَّعِيمِ والعَذابِ. وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالقُرْآنِ فَيَعْلَمُ السّامِعُ أنَّ ضَمِيرَ الغَيْبَةِ يَرْجِعُ إلى ما في ذِهْنِ المُخاطَبِ مِنَ المَقامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] . وحَذَفَ مَفْعُولَ ذَكِّرْ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ أيْ وذَكِّرْهم بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ ذَكِّرْ وهو الأظْهَرُ،
صفحة ٢٩٧
أيْ ذَكِّرْهم بِهِ إبْسالَ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ أعْطى لِأنَّ أصْلَ فِعْلَهُ المُجَرَّدِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَهو بِالتَّضْعِيفِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ هُما (هم) و﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ . وخُصَّ هَذا المَصْدَرُ مِن بَيْنِ الأحْداثِ المُذَكَّرِ بِها لِما فِيهِ مِنَ التَّهْوِيلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ لامِ الجَرِّ تَعْلِيلًا لِلتَّذْكِيرِ، فَهو كالمَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ لا النّافِيَةِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ المَحْذُوفَةِ. والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا تُبْسَلَ نَفْسٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ. وجُوِّزَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ ولَمْ أكُنْ مِنهُ عَلى ثَلَجٍ.
ووَقَعَ لَفْظُ ”نَفْسٌ“ وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ وقُصِدَ بِهِ العُمُومُ بِقَرِينَةِ مَقامِ المَوْعِظَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ كُلُّ نَفْسٍ عَلِمَتْ نَفْسَ ما أحْضَرَتْ، أيْ كُلُّ نَفْسٍ.
والإبْسالُ: الإسْلامُ إلى العَذابِ، وقِيلَ: السَّجْنُ والِارْتِهانُ، وقَدْ ورَدَ في كَلامِهِمْ بِالمَعْنَيَيْنِ وهُما صالِحانِ هُنا. وأصْلُهُ مِنَ البَسْلِ وهو المَنعُ والحَرامُ. قالَ ضَمْرَةُ النَّهْشَلِيُّ:
بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وهْنٍ في النَّدى ∗∗∗ بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلامَتِي وعِتابِـي
وأمّا الإبْسالُ بِمَعْنى الإسْلامِ فَقَدْ جاءَ فِيهِ قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الكِلابِيِّ:
وإبْسالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ∗∗∗ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقِ
ومَعْنى ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ بِما جَنَتْ. فَهو كَسْبُ الشَّرِّ بِقَرِينَةِ تُبْسَلَ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلخ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَفْسٍ لِعُمُومِ ”نَفْسٌ“، أوْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ نَظَرًا لِكَوْنِ لَفْظِهِ مُفْرَدًا.
والوَلِيُّ: النّاصِرُ. والشَّفِيعُ: الطّالِبُ لِلْعَفْوِ عَنِ الجانِي لِمَكانَةٍ لَهُ عِنْدَ مَن بِيَدِهِ العِقابُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الوَلِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في هَذِهِ السُّورَةِ، والشَّفاعَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ .
صفحة ٢٩٨
وتَعْدِلُ مُضارِعُ عَدَلَ إذا فَدى شَيْئًا بِشَيْءٍ وقَدَّرَهُ بِهِ. فالفِداءُ يُسَمّى العَدْلُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجِيءَ في الشَّرْطِ بِـ إنِ المُفِيدَةِ عَدَمَ تَحَقُّقِ حُصُولِ الشَّرْطِ لِأنَّ هَذا الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ كَما يُفْرَضُ المُحالُ.
والعَدْلُ في قَوْلِهِ ”كُلَّ عَدْلٍ“ مَصْدَرُ عَدَلَ المُتَقَدِّمِ. وهو مَصْدَرُهُ القِياسِيُّ فَيَكُونُ ”كُلَّ“ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ كَما في الكَشّافِ، أيْ وإنْ تُعْطَ كُلَّ عَطاءٍ لِلْفِداءِ لا يُقْبَلُ عَطاؤُها، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِـ تَعْدِلْ لِأنَّ فِعْلَ (عَدَلَ) يَتَعَدّى لِلْعِوَضِ بِالباءِ وإنَّما يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِلْمُعَوَّضِ ولَيْسَ هو المَقْصُودُ هُنا. فَلِذَلِكَ مَنَعَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ ”كُلَّ عَدْلٍ“ مَفْعُولًا بِهِ، وهو تَدْقِيقٌ.
و”كُلَّ“ هُنا مُجازٌ في الكَثْرَةِ إذْ لَيْسَ لِلْعَدْلِ، أيْ لِلْفِداءِ حَصْرٌ حَتّى يُحاطَ بِهِ كُلِّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُ (كُلَّ) بِمَعْنى الكَثْرَةِ وهو مَجازٌ شائِعٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ أيْ لا يُؤْخَذْ مِنها ما تَعْدِلُ بِهِ. فَقَوْلُهُ مِنها هو نائِبُ الفاعِلِ لِـ يُؤْخَذُ. ولَيْسَ في يُؤْخَذُ ضَمِيرُ العَدْلِ لِأنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ العَدْلَ هُنا بِمَعْنى المَصْدَرِ، فَلا يُسْنَدُ إلَيْهِ الأخْذُ كَما في الكَشّافِ، فَقَدْ نَزَلَ فِعْلُ الأخْذِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَفْعُولٌ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُؤْخَذُ مِنها أخْذٌ. والمَعْنى لا يُؤْخَذُ مِنها شَيْءٌ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ جَمِيعَ ما تَعارَفَ النّاسُ التَّخَلُّصَ بِهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبِ، وهو النّاصِرُ والشَّفِيعُ والفِدْيَةُ. فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] . في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: فَما حالُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا مِن حالِ النُّفُوسِ الَّتِي تُبْسَلُ بِما كَسَبَتْ، فَأُجِيبَ بِأنَّ أُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا، فَتَكُونُ الإشارَةُ إلى المَوْصُولِ بِما لَهُ مِنَ الصِّلَةِ، والتَّعْرِيفُ لِلْجُزْأيْنِ أفادَ القَصْرَ، أيْ أُولَئِكَ هُمُ المُبْسَلُونَ لا غَيْرُهم. وهو قَصْرُ مُبالَغَةٍ لِأنَّ إبْسالَهم هو أشَدُّ إبْسالٍ يَقَعُ فِيهِ النّاسُ فَجَعَلَ ما عَداهُ كالمَعْدُومِ.
صفحة ٢٩٩
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَّفْسِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَةِ النَّكِرَةِ عَلى العُمُومِ، أيْ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَّفْسِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَةِ النَّكِرَةِ عَلى العُمُومِ، أيْ أنَّ أُولَئِكَ المُبْسَلُونَ العادِمُونَ ولِيًّا وشَفِيعًا وقَبُولَ فِدْيَتِهِمْ هُمُ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا، أيْ ذَلِكَ هو الإبْسالُ الحَقُّ لا ما تَعْرِفُونَهُ في جَرائِرِكم وحُرُوبِكم مِنَ الإبْسالِ، كَإبْسالِ أبْناءِ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في شِعْرِهِ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] .
وجُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى الإبْسالِ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَعْنى الإبْسالِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ، ومِنهُ الحَمَّةُ بِفَتْحِ الحاءِ العَيْنُ الجارِيَةُ بِالماءِ الحارِّ الَّذِي يُسْتَشْفى بِهِ مِن أوْجاعِ الأعْضاءِ والدُّمَّلِ. وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ العالِمِ مَثَلُ الحَمَّةِ يَأْتِيها البُعَداءُ ويَتْرُكُها القُرَباءُ» . وخُصَّ الشَّرابُ مِنَ الحَمِيمِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أنْواعِ العَذابِ المَذْكُورِ مِن بُعْدٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَعْطَشُونَ فَلا يَشْرَبُونَ إلّا ماءً يَزِيدُهم حَرارَةً عَلى حَرارَةِ العَطَشِ.
والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ.
وزِيدَ فِعْلُ (كانَ) لِيَدُلَّ عَلى تَمَكُّنِ الكُفْرِ مِنهم واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ لِأنَّ فِعْلَ مادَّةِ الكَوْنِ تَدُلُّ عَلى الوُجُودِ، فالإخْبارُ بِهِ عَنْ شَيْءٍ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِغَيْرِهِ أوْ مَوْصُوفٍ بِغَيْرِهِ لا يُفِيدُ فائِدَةَ الأوْصافِ سِوى أنَّهُ أفادَ الوُجُودَ في الزَّمَنِ الماضِي، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ.
الأنعام 6:71
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ
صفحة ٣٠٠
مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .
والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.
وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى
صفحة ٣٠١
الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ .
ارْتَقى في تَمْثِيلِ حالِهِمْ لَوْ فُرِضَ رُجُوعُهم عَلى أعْقابِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ أدَقَّ، بِقَوْلِهِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾، وهو تَمْثِيلٌ بِهَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ في أحْوالِ المَمْسُوسِينَ. فالكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾، أيْ حالَ كَوْنِنا مُشْبِهِينَ لِلَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فَهَذِهِ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ مِن مَعْنى التَّمْثِيلِ بِالمُرْتَدِّ عَلى أعْقابِهِ.
والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ، أيْ طَلَبُ هَوى المَرْءِ ومَحَبَّتِهِ، أيِ اسْتِجْلابُ هَوى المَرْءِ إلى شَيْءٍ يُحاوِلُهُ المُسْتَجْلِبُ. وقَرَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِمَعْنى هَمْزَةِ التَّعَدِّيَةِ. فَقالَ: اسْتَهْواهُ بِمَعْنى أهْواهُ مِثْلُ اسْتَزَلَّ بِمَعْنى أزَلَّ. ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها، ولا يُعْرَفُ هَذا المَعْنى مِن كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ هو في الأساسِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى هَذا مَن جاءَ بَعْدَهُ.
والعَرَبُ يَقُولُونَ: اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، إذا اخْتَطَفَتِ الجِنُّ عَقْلَهُ فَسَيَّرَتْهُ كَما تُرِيدُ. وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَحَرَتْهُ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ الغِيلانَ هي سَحَرَةُ الجِنِّ، وتُسَمّى السَّعالى أيْضًا، واحِدَتُها سِعْلاةٌ، ويَقُولُونَ أيْضًا: اسْتَهامَتْهُ الجِنُّ إذا طَلَبَتْ هُيامَهُ بِطاعَتِها.
وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اسْتَهْوَتْهُ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى ذَهَبَتْ بِهِ وضَلَّ في الأرْضِ. وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الَّتِي تَتَوَهَّمُها العَرَبُ اسْتِهْواءَ الجِنِّ يُصاحِبُها التَّوَحُّشُ وذَهابُ المَجْنُونِ عَلى وجْهِهِ في الأرْضِ راكِبًا رَأْسَهُ لا يَنْتَصِحُ لِأحَدٍ، كَما وقَعَ لِكَثِيرٍ مِن
صفحة ٣٠٢
مَجانِينِهِمْ ومَن يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ اخْتَطَفَتْهم. ومِن أشْهَرِهِمْ عَمْرُو بْنُ عُدَيٍّ الإيادِيُّ اللَّخْمِيُّ ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ بْنِ مالِكٍ مَلِكِ الحَيْرَةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الأرْضِ مُتَعَلِّقًا بِـ حَيْرانَ، وهو بَعِيدٌ لِعَدَمِ وُجُودِ مُقْتَضٍ لِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ.
وحَيْرانَ حالٌ مِنَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ، وهو وصْفٌ مِنَ الحَيْرَةِ، وهي عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى السَّبِيلِ. يُقالُ: حارَ يَحارُ إذْ تاهَ في الأرْضِ فَلَمْ يَعْلَمِ الطَّرِيقَ. وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى التَّرَدُّدِ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ مَخْرَجُهُ، وانْتَصَبَ حَيْرانُ عَلى الحالِ مِنَ الَّذِي.
وجُمْلَةُ ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَهُ رُفْقَةٌ مَعَهُ حِينَ أصابَهُ اسْتِهْواءُ الجِنِّ. فَجُمْلَةُ يَدْعُونَهُ صِفَةٌ لِـ ”أصْحابٌ“ .
والدُّعاءُ: القَوْلُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ عَمَلٍ مِنَ المُخاطَبِ. والهُدى: ضِدُّ الضَّلالِ. أيْ يَدْعُونَهُ إلى ما فِيهِ هُداهُ. وإيثارُ لَفْظِ الهُدى هُنا لِما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْحالَةِ المُشَبَّهَةِ. فَفي هَذا اللَّفْظِ تَجْرِيدٌ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولِذَلِكَ كانَ لِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ وقْعٌ بَدِيعٌ. وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الهُدى مُسْتَعارًا لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وجُمْلَةُ ائْتِنا بَيانٌ لِـ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. فَصَحَّ أنْ يُبَيَّنَ بِما يَقُولُونَهُ إذا دَعَوْهُ، ولِكَوْنِها بَيانًا فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإنَّما احْتاجَ إلى بَيانِ الدُّعاءِ إلى الهُدى لِتَمْكِينِ التَّمْثِيلِ مِن ذِهْنِ السّامِعِ، لِأنَّ المَجْنُونَ لا يُخاطَبُ بِصَرِيحِ المَقْصِدِ فَلا يُدْعى إلى الهُدى بِما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ، لِأنَّ مِن خُلُقِ المَجانِينِ العِنادَ والمُكابَرَةَ. فَلِذَلِكَ يَدْعُونَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ رَغْبَتُهم في صُحْبَتِهِ ومَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ، فَيَقُولُونَ: ائْتِنا، حَتّى إذا تَمَكَّنُوا مِنهُ أوْثَقُوهُ وعادُوا بِهِ إلى بَيْتِهِ.
وقَدْ شُبِّهَتْ بِهَذا التَّمْثِيلِ العَجِيبِ حالَةُ مَن فُرِضَ ارْتِدادُهُ إلى ضَلالَةِ الشِّرْكِ بَعْدَ هُدى الإسْلامِ لِدَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ وتَرْكِهِ أصْحابَهُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُ عَنْهُ، بِحالِ الَّذِي فَسَدَ عَقْلُهُ بِاسْتِهْواءٍ مِنَ الشَّياطِينِ والجِنِّ، فَتاهَ في الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ عاقِلًا عارِفًا بِمَسالِكِها، وتَرَكَ رُفْقَتَهُ العُقَلاءَ يَدْعُونَهُ إلى مُوافَقَتِهِمْ، وهَذا التَّرْكِيبُ البَدِيعُ
صفحة ٣٠٣
صالِحٌ لِلتَّفْكِيكِ بِأنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها، بِأنْ يُشَبَّهَ الِارْتِدادُ بَعْدَ الإيمانِ بِذَهابِ عَقْلِ المَجْنُونِ، ويُشَبَّهَ الكُفْرُ بِالهُيامِ في الأرْضِ، ويُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى الِارْتِدادِ بِالشَّياطِينِ وتُشَبَّهُ دَعْوَةُ اللَّهِ النّاسَ لِلْإيمانِ ونُزُولُ المَلائِكَةِ بِوَحْيِهِ بِالأصْحابِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى الهُدى. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الَّذِي صادِقًا عَلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ كانَ كافِرًا وكانَ أبُوهُ وأُمُّهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ فَيَأْبى، وقَدْ أسْلَمَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
* * *
﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهْوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَكْرِيرٍ لِما أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ اعْبُدْ آلِهَتَنا زَمَنًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ زَمَنًا. وكانُوا في خِلالِ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أنَّ دِينَهم هُدًى، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِصِيغَةِ القَصْرِ. وهي إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى فَجِيءَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ، فاجْتَمَعَ في الجُمْلَةِ أرْبَعَةُ مُؤَكِّداتٍ، لِأنَّ القَصْرَ بِمَنزِلَةِ مُؤَكِّدَيْنِ إذْ لَيْسَ القَصْرُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، وضَمِيرُ الفَصْلِ تَأْكِيدٌ، و(إنَّ) تَأْكِيدٌ، فَكانَتْ مُقْتَضى حالِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ أنَّ الإسْلامَ هُدًى.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الهُدى الوارِدِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو الدِّينُ المُوصى بِهِ، وهو هُنا الإسْلامُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ . وقَدْ وصَفَ الإسْلامَ بِأنَّهُ
صفحة ٣٠٤
هُدى اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيِ القُرْآنُ هو الهُدى لا كُتُبُهم.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى قَصْرِ جِنْسِ الهُدى عَلى دِينِ الإسْلامِ، كَما هو الغالِبُ في تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِأنَّ السِّياقَ لِرَدِّ دَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُمُ الرُّجُوعَ إلى دِينِهِمُ المُتَضَمِّنَةِ اعْتِقادَهم أنَّهُ هُدًى، فالقَصْرُ لِلْقَلْبِ إذْ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى، فَلا يَكُونُ قَصْرُ الهُدى عَلى هُدى القُرْآنِ بِمَعْنى الهُدى الكامِلِ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَقُولِ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
واللّامُ في لِنُسْلِمَ أصْلُها لِلتَّعْلِيلِ وتُنُوسِيَ مِنها مَعْنى التَّعْلِيلِ فَصارَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. وهي اللّامُ الَّتِي يَكْثُرُ وُرُودُها بَعْدَ مادَّةِ الأمْرِ ومادَّةِ الإرادَةِ. وسَمّاها بَعْضُهم لامَ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ. فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وإذا حَذَفُوها فَهي مُقَدَّرَةٌ مَعَ (أنْ) . وأمّا أمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ. يَعْنِي وأغْنَتِ العِلَّةُ عَنْ ذِكْرِ المُعَلَّلِ.
وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَـ (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها، أيْ لِأجْلِ أنْ نُسْلِمَ. والمَعْنى: وأُمِرْنا بِالإسْلامِ، أيْ أُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ نُسْلِمَ لِأنَّهُ مَعْنى تَخَلُّصٍ لَهُ قالَ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الإسْلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ وأحَقِّيَّتِهِ.
صفحة ٣٠٥
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إنْ جَعَلْتَ (أنْ) فِيهِ مَصْدَرِيَّةً عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، إذْ يُسَوِّغُ دُخُولَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى فِعْلِ الأمْرِ فَتُفِيدُ الأمْرَ والمَصْدَرِيَّةَ مَعًا لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لَمْ يُؤْتَ بِها عَبَثًا، فَقَوْلُ المُعْرِبِينَ: إنَّهُ يَتَجَرَّدُ عَنِ الأمْرِيَّةِ، مُرادُهم بِهِ أنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ إلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ فَهو مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وهو إمّا عُطِفَ عَلى لِنُسْلِمَ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (أنْ) وهو الباءُ. وتَقْدِيرُ الحَرْفِ المَحْذُوفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، وإمّا عُطِفَ عَلى مَعْنى لِنُسْلِمَ لِأنَّهُ وقَعَ في مَوْقِعِ بِأنْ نُسْلِمَ، كَما تَقَدَّمَ عَنِ الزَّجّاجِ. فالتَّقْدِيرُ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ وأنْ أقِيمُوا أيْ وأُمِرْنا بِأنْ أقِيمُوا، والعَطْفُ عَلى مَعْنى اللَّفْظِ ومَوْقِعِهِ اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] إذِ المَعْنى إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ.
وإنْ جَعَلْتَ أنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةً فَهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ. فَيُقَدَّرُ قَوْلُهُ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ بِأُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا لِنُسْلِمَ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، أيْ لِنُقِيمَ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ.
وأظْهَرُ مِن هَذا أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. وهي تَفْسِيرٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ واوُ العَطْفِ مِن تَقْدِيرِ العامِلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ”وأُمِرْنا“، فَإنَّ أُمِرْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَناسَبَ مَوْقِعُ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واتَّقَوْهُ عَطْفٌ عَلى أقِيمُوا ويَجْرِي فِيهِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ أقِيمُوا﴾ .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى رَبِّ العالَمِينَ وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي أُمِرُوا بِمُقْتَضاهُ بِأنْ قالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى بِأنْ قالَ اللَّهُ: اتَّقَوْنِ، فَحُكِيَ بِما يُوافِقُ كَلامَ النَّبِيءِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾، كَما في حِكايَةِ قَوْلِ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
صفحة ٣٠٦
وجَمَعَ قَوْلُهُ واتَّقَوْهُ جَمِيعَ أُمُورِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُ إقامَةِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اتَّقَوْهُ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ فَتَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾، أيْ وقُلْ لَهم وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أوْ عَطْفٌ عَلى قُلْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ المَقُولِ. وفي هَذا إثْباتٌ لِلْحَشْرِ عَلى مُنْكِرِيهِ وتَذْكِيرٌ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ تَحْرِيضًا عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ والتَّقْوى.
واشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ عَلى عِدَّةِ مُؤَكِّداتٍ وهي: صِيغَةُ الحَصْرِ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ تُحْشَرُونَ المُفِيدُ لِلتَّقَوِّي لِأنَّ المَقْصُودَ تَحْقِيقُ وُقُوعِ الحَشْرِ عَلى مَن أنْكَرَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَحْقِيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والحُصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ إذْ هم لَمْ يُنْكِرُوا كَوْنَ الحَشْرِ إلى اللَّهِ وإنَّما أنْكَرُوا وُقُوعَ الحَشْرِ، فَسَلَكَ في إثْباتِهِ طَرِيقَ الكِنايَةِ بِقَصْرِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَلْزِمِ وُقُوعَهُ وأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا إلى اللَّهِ، تَعْرِيضًا بِأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، والقَصْرُ حَقِيقِيٌّ إذْ لَيْسَ ثَمَّ رَدِّ اعْتِقادٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ لِلْأشْياءِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ كَما قَدَّمْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالقَصْرِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لِأنَّ الخَلائِقَ عَبِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
والباءُ مِن قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.
والحَقُّ في الأصْلِ مَصْدَرُ (حَقَّ) إذا ثَبَتَ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُنَكَّرُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ ”فُلانٌ عَدْلٌ“ . والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ. فالباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ ما يُسَمّى بِهِ الحَقُّ فَيُطْلَقُ الحَقُّ إطْلاقًا شائِعًا عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ الَّذِي هو عَدْلٌ وإعْطاءُ المُسْتَحِقِّ ما يَسْتَحِقُّهُ، وهو حِينَئِذٍ مُرادِفُ العَدْلِ ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ الجَوْرَ والظُّلْمَ، ويُطْلَقُ الحَقُّ عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ السَّدِيدِ الصّالِحِ البالِغِ حَدَّ الإتْقانِ والصَّوابِ، ويُرادِفُ الحِكْمَةَ والحَقِيقَةَ، ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ العَبَثَ
صفحة ٣٠٦
واللَّعِبَ. والحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وكَقَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . فاللَّهُ تَعالى أخْرَجَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ وأوْدَعَ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ قُوًى وخَصائِصَ تَصْدُرُ بِسَبَبِها الآثارُ المَخْلُوقَةُ هي لَها ورَتَّبَها عَلى نُظُمٍ عَجِيبَةٍ تَحْفَظُ أنْواعَها وتُبْرِزُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، وأعْظَمُها خَلْقُ الإنْسانِ وخَلْقُ العَقْلِ فِيهِ والعِلْمِ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِإثْباتِ الجَزاءِ إذْ لَوْ أُهْمِلَتْ أعْمالُ المُكَلَّفِينَ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا مِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُلابِسَةً لَهُ، فَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِمُناسَبَةِ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِأفْعالِهِ تَعالى فَبَيَّنَتْ مُلابَسَةَ الحَقِّ لِأمْرِهِ تَعالى الدّالِّ عَلَيْهِ يَقُولُ. والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ﴾ يَوْمُ البَعْثِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ .
وقَدْ أشْكَلَ نَظْمُ قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾، وذَهَبَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ طَرائِقَ. والوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، والمُبْتَدَأُ هو قَوْلُهُ ويَكُونُ الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: وقَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ. ونُكْتَةُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وُقُوعَ هَذا التَّكْوِينِ بَعْدَ العَدَمِ.
ووَصْفُ القَوْلِ بِأنَّهُ الحَقُّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ أيْضًا. وهَذا القَوْلُ هو عَيْنُ المَقُولِ لِفِعْلِ يَقُولُ كُنْ، وحَذْفُ المَقُولِ لَهُ كُنْ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ يَقُولُ لِغَيْرِ المَوْجُودِ الكائِنِ: كُنْ. وقَوْلُهُ فَيَكُونُ اعْتِراضٌ، أيْ يَقُولُ لِما أرادَ تَكْوِينَهُ (كُنْ) فَيُوجَدُ المَقُولُ لَهُ (كُنْ) عَقِبَ أمْرِ التَّكْوِينِ.
والمَعْنى أنَّهُ أنْشَأ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، وأنَّهُ يُعِيدُ الخَلْقَ الَّذِي بَدَأهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن تَكْوِينِهِ الأوَّلِ ولا مِن تَكْوِينِهِ الثّانِي عَنِ الحَقِّ. ويَتَضَمَّنُ
صفحة ٣٠٨
أنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وهو الخَلْقُ الثّانِي المُقابِلُ لِلْخَلْقِ الأوَّلِ، ولِذَلِكَ أُتِيَ بِكَلِمَةِ ”يَوْمَ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَكْوِينٌ خاصٌّ مُقَدَّرٌ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِلْمُبالِغَةِ، أيْ هو الحَقُّ الكامِلُ لِأنَّ أقْوالَ غَيْرِهِ وإنْ كانَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ الحَقِّ فَهي مُعَرَّضَةٌ لِلْخَطَأِ وما كانَ فِيها غَيْرَ مُعَرَّضٍ لِلْخَطَأِ فَهو مِن وحْيِ اللَّهِ أوْ مِن نِعْمَتِهِ بِالعَقْلِ والإصابَةِ، فَذَلِكَ اعْتِدادٌ بِأنَّهُ راجِعٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ «قَوْلُكَ الحَقُّ ووَعْدُكَ الحَقُّ» .
والمُرادُ بِالقَوْلِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ في يَوْمِ الحَشْرِ، وهو يَوْمُ يَقُولُ كُنْ، مِن أمْرِ تَكْوِينٍ، أوْ أمْرِ ثَوابٍ، أوْ عِقابٍ، أوْ خَبَرٍ بِما اكْتَسَبَهُ النّاسُ مِن صالِحِ الأعْمالِ وأضْدادِها، فَكُلُّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو حَقٌّ. وخَصَّ مِن بَيْنِ الأقْوالِ أمْرَ التَّكْوِينِ لِما اقْتَضاهُ التَّقْدِيمُ مِن تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَما عَلِمْتَ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وإقامَةِ المَعْنى مِن ذَلِكَ مَسالِكُ أُخْرى غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى السُّبُلِ الواضِحَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وانْتِظامُها كانْتِظامِ جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ إلّا أنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ قَصْرُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيِ المُلْكُ مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِرَدِّ ما عَسى أنْ يَطْمَعَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن مُشارَكَةِ أصْنامِهِمْ يَوْمَئِذٍ في التَّصَرُّفِ والقَضاءِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الظَّرْفِ تَهْوِيلُ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والنَّفْخُ في الصُّورِ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْأمْرِ التَّكْوِينِيِّ بِحَياةِ الأمْواتِ الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ الأمْواتِ، فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَحْضُرُونَ لِلْحَشْرِ كَما يَحْضُرُ الجَيْشُ بِنَفْخِ الأبْواقِ ودَقِّ الطُّبُولِ. والصُّورُ: البُوقُ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِنَفْخِ الصُّورِ هو إسْرافِيلُ»، ولا يَعْلَمُ كُنْهَ هَذا النَّفْخِ إلّا اللَّهُ تَعالى. ويَوْمُ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، ولَكِنَّهُ عُبِّرَ عَنْهُ هُنا بِـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِإفادَةِ هَذا الحالِ العَجِيبِ، ولِأنَّ اليَوْمَ لَمّا جُعِلَ
صفحة ٣٠٩
ظَرْفًا لِلْقَوْلِ عُرِّفَ بِالإضافَةِ إلى جُمْلَةِ ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ولَمّا جُعِلَ اليَوْمُ ظَرْفًا لِلْمُلْكِ ناسَبَ أنْ يُعَرِّفَ اليَوْمَ بِما هو مِن شِعارِ المُلْكِ والجُنْدِ.
وقَدِ انْتَصَبَ يَوْمَ يُنْفَخُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ لِلِاسْتِقْرارِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِن ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ويُجْعَلُ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ عَلى أنَّ الجَمِيعَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الصُّورُ هُنا جَمْعُ صُورَةٍ، أيْ يُنْفَخُ في صُوَرِ المَوْجُوداتِ.
ولَمّا انْتَهى المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ شُؤُونٍ مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى أُتْبِعَ بِصِفاتٍ تُشِيرُ إلى المُحاسَبَةِ عَلى كُلِّ جَلِيلٍ ودَقِيقٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ بِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . وجاءَ أُسْلُوبُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُخْبَرِ عَنْهُ في مَقامِ تَقَدُّمِ صِفاتِهِ. فَحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِهِ تَبَعٌ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في تَعْقِيبِ الأخْبارِ بِخَبَرٍ أعْظَمَ مِنها يُجْعَلُ فِيهِ المُخْبَرُ عَنْهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ ويُلْتَزَمُ حَذْفُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا عالِمُ الغَيْبِ فَحَذَفَ المُسْنَدَ إلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَحْذِفِ المُسْنَدَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
والغَيْبُ: ما هو غائِبٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والشَّهادَةُ: ضِدُّ الغَيْبِ، وهي الأُمُورُ الَّتِي يُشاهِدُها النّاسُ ويَتَوَصَّلُونَ إلى عَمَلِها يُقالُ: شَهِدَ، بِمَعْنى حَضَرَ، وضِدُّهُ غابَ، ولا تَخْرُجُ المَوْجُوداتُ عَنِ الِاتِّصافِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: العالِمُ بِأحْوالِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ. والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ عالِمٌ كُلَّ غَيْبٍ وكُلَّ شَهادَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ .
وصِفَةُ الحَكِيمِ تَجْمَعُ إتْقانَ الصُّنْعِ فَتَدُلُّ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ مَعَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَصْنُوعاتِ. وصِفَةُ الخَبِيرِ تَجْمَعُ العِلْمَ بِالمَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخَفِيِّها. فَكانَتِ الصِّفَتانِ
صفحة ٣١٠
كالفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
الأنعام 6:72
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ
صفحة ٣٠٠
مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .
والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.
وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى
صفحة ٣٠١
الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ .
ارْتَقى في تَمْثِيلِ حالِهِمْ لَوْ فُرِضَ رُجُوعُهم عَلى أعْقابِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ أدَقَّ، بِقَوْلِهِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾، وهو تَمْثِيلٌ بِهَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ في أحْوالِ المَمْسُوسِينَ. فالكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾، أيْ حالَ كَوْنِنا مُشْبِهِينَ لِلَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فَهَذِهِ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ مِن مَعْنى التَّمْثِيلِ بِالمُرْتَدِّ عَلى أعْقابِهِ.
والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ، أيْ طَلَبُ هَوى المَرْءِ ومَحَبَّتِهِ، أيِ اسْتِجْلابُ هَوى المَرْءِ إلى شَيْءٍ يُحاوِلُهُ المُسْتَجْلِبُ. وقَرَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِمَعْنى هَمْزَةِ التَّعَدِّيَةِ. فَقالَ: اسْتَهْواهُ بِمَعْنى أهْواهُ مِثْلُ اسْتَزَلَّ بِمَعْنى أزَلَّ. ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها، ولا يُعْرَفُ هَذا المَعْنى مِن كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ هو في الأساسِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى هَذا مَن جاءَ بَعْدَهُ.
والعَرَبُ يَقُولُونَ: اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، إذا اخْتَطَفَتِ الجِنُّ عَقْلَهُ فَسَيَّرَتْهُ كَما تُرِيدُ. وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَحَرَتْهُ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ الغِيلانَ هي سَحَرَةُ الجِنِّ، وتُسَمّى السَّعالى أيْضًا، واحِدَتُها سِعْلاةٌ، ويَقُولُونَ أيْضًا: اسْتَهامَتْهُ الجِنُّ إذا طَلَبَتْ هُيامَهُ بِطاعَتِها.
وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اسْتَهْوَتْهُ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى ذَهَبَتْ بِهِ وضَلَّ في الأرْضِ. وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الَّتِي تَتَوَهَّمُها العَرَبُ اسْتِهْواءَ الجِنِّ يُصاحِبُها التَّوَحُّشُ وذَهابُ المَجْنُونِ عَلى وجْهِهِ في الأرْضِ راكِبًا رَأْسَهُ لا يَنْتَصِحُ لِأحَدٍ، كَما وقَعَ لِكَثِيرٍ مِن
صفحة ٣٠٢
مَجانِينِهِمْ ومَن يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ اخْتَطَفَتْهم. ومِن أشْهَرِهِمْ عَمْرُو بْنُ عُدَيٍّ الإيادِيُّ اللَّخْمِيُّ ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ بْنِ مالِكٍ مَلِكِ الحَيْرَةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الأرْضِ مُتَعَلِّقًا بِـ حَيْرانَ، وهو بَعِيدٌ لِعَدَمِ وُجُودِ مُقْتَضٍ لِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ.
وحَيْرانَ حالٌ مِنَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ، وهو وصْفٌ مِنَ الحَيْرَةِ، وهي عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى السَّبِيلِ. يُقالُ: حارَ يَحارُ إذْ تاهَ في الأرْضِ فَلَمْ يَعْلَمِ الطَّرِيقَ. وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى التَّرَدُّدِ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ مَخْرَجُهُ، وانْتَصَبَ حَيْرانُ عَلى الحالِ مِنَ الَّذِي.
وجُمْلَةُ ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَهُ رُفْقَةٌ مَعَهُ حِينَ أصابَهُ اسْتِهْواءُ الجِنِّ. فَجُمْلَةُ يَدْعُونَهُ صِفَةٌ لِـ ”أصْحابٌ“ .
والدُّعاءُ: القَوْلُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ عَمَلٍ مِنَ المُخاطَبِ. والهُدى: ضِدُّ الضَّلالِ. أيْ يَدْعُونَهُ إلى ما فِيهِ هُداهُ. وإيثارُ لَفْظِ الهُدى هُنا لِما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْحالَةِ المُشَبَّهَةِ. فَفي هَذا اللَّفْظِ تَجْرِيدٌ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولِذَلِكَ كانَ لِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ وقْعٌ بَدِيعٌ. وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الهُدى مُسْتَعارًا لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وجُمْلَةُ ائْتِنا بَيانٌ لِـ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. فَصَحَّ أنْ يُبَيَّنَ بِما يَقُولُونَهُ إذا دَعَوْهُ، ولِكَوْنِها بَيانًا فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإنَّما احْتاجَ إلى بَيانِ الدُّعاءِ إلى الهُدى لِتَمْكِينِ التَّمْثِيلِ مِن ذِهْنِ السّامِعِ، لِأنَّ المَجْنُونَ لا يُخاطَبُ بِصَرِيحِ المَقْصِدِ فَلا يُدْعى إلى الهُدى بِما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ، لِأنَّ مِن خُلُقِ المَجانِينِ العِنادَ والمُكابَرَةَ. فَلِذَلِكَ يَدْعُونَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ رَغْبَتُهم في صُحْبَتِهِ ومَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ، فَيَقُولُونَ: ائْتِنا، حَتّى إذا تَمَكَّنُوا مِنهُ أوْثَقُوهُ وعادُوا بِهِ إلى بَيْتِهِ.
وقَدْ شُبِّهَتْ بِهَذا التَّمْثِيلِ العَجِيبِ حالَةُ مَن فُرِضَ ارْتِدادُهُ إلى ضَلالَةِ الشِّرْكِ بَعْدَ هُدى الإسْلامِ لِدَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ وتَرْكِهِ أصْحابَهُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُ عَنْهُ، بِحالِ الَّذِي فَسَدَ عَقْلُهُ بِاسْتِهْواءٍ مِنَ الشَّياطِينِ والجِنِّ، فَتاهَ في الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ عاقِلًا عارِفًا بِمَسالِكِها، وتَرَكَ رُفْقَتَهُ العُقَلاءَ يَدْعُونَهُ إلى مُوافَقَتِهِمْ، وهَذا التَّرْكِيبُ البَدِيعُ
صفحة ٣٠٣
صالِحٌ لِلتَّفْكِيكِ بِأنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها، بِأنْ يُشَبَّهَ الِارْتِدادُ بَعْدَ الإيمانِ بِذَهابِ عَقْلِ المَجْنُونِ، ويُشَبَّهَ الكُفْرُ بِالهُيامِ في الأرْضِ، ويُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى الِارْتِدادِ بِالشَّياطِينِ وتُشَبَّهُ دَعْوَةُ اللَّهِ النّاسَ لِلْإيمانِ ونُزُولُ المَلائِكَةِ بِوَحْيِهِ بِالأصْحابِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى الهُدى. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الَّذِي صادِقًا عَلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ كانَ كافِرًا وكانَ أبُوهُ وأُمُّهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ فَيَأْبى، وقَدْ أسْلَمَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
* * *
﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهْوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَكْرِيرٍ لِما أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ اعْبُدْ آلِهَتَنا زَمَنًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ زَمَنًا. وكانُوا في خِلالِ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أنَّ دِينَهم هُدًى، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِصِيغَةِ القَصْرِ. وهي إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى فَجِيءَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ، فاجْتَمَعَ في الجُمْلَةِ أرْبَعَةُ مُؤَكِّداتٍ، لِأنَّ القَصْرَ بِمَنزِلَةِ مُؤَكِّدَيْنِ إذْ لَيْسَ القَصْرُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، وضَمِيرُ الفَصْلِ تَأْكِيدٌ، و(إنَّ) تَأْكِيدٌ، فَكانَتْ مُقْتَضى حالِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ أنَّ الإسْلامَ هُدًى.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الهُدى الوارِدِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو الدِّينُ المُوصى بِهِ، وهو هُنا الإسْلامُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ . وقَدْ وصَفَ الإسْلامَ بِأنَّهُ
صفحة ٣٠٤
هُدى اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيِ القُرْآنُ هو الهُدى لا كُتُبُهم.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى قَصْرِ جِنْسِ الهُدى عَلى دِينِ الإسْلامِ، كَما هو الغالِبُ في تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِأنَّ السِّياقَ لِرَدِّ دَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُمُ الرُّجُوعَ إلى دِينِهِمُ المُتَضَمِّنَةِ اعْتِقادَهم أنَّهُ هُدًى، فالقَصْرُ لِلْقَلْبِ إذْ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى، فَلا يَكُونُ قَصْرُ الهُدى عَلى هُدى القُرْآنِ بِمَعْنى الهُدى الكامِلِ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَقُولِ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
واللّامُ في لِنُسْلِمَ أصْلُها لِلتَّعْلِيلِ وتُنُوسِيَ مِنها مَعْنى التَّعْلِيلِ فَصارَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. وهي اللّامُ الَّتِي يَكْثُرُ وُرُودُها بَعْدَ مادَّةِ الأمْرِ ومادَّةِ الإرادَةِ. وسَمّاها بَعْضُهم لامَ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ. فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وإذا حَذَفُوها فَهي مُقَدَّرَةٌ مَعَ (أنْ) . وأمّا أمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ. يَعْنِي وأغْنَتِ العِلَّةُ عَنْ ذِكْرِ المُعَلَّلِ.
وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَـ (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها، أيْ لِأجْلِ أنْ نُسْلِمَ. والمَعْنى: وأُمِرْنا بِالإسْلامِ، أيْ أُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ نُسْلِمَ لِأنَّهُ مَعْنى تَخَلُّصٍ لَهُ قالَ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الإسْلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ وأحَقِّيَّتِهِ.
صفحة ٣٠٥
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إنْ جَعَلْتَ (أنْ) فِيهِ مَصْدَرِيَّةً عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، إذْ يُسَوِّغُ دُخُولَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى فِعْلِ الأمْرِ فَتُفِيدُ الأمْرَ والمَصْدَرِيَّةَ مَعًا لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لَمْ يُؤْتَ بِها عَبَثًا، فَقَوْلُ المُعْرِبِينَ: إنَّهُ يَتَجَرَّدُ عَنِ الأمْرِيَّةِ، مُرادُهم بِهِ أنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ إلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ فَهو مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وهو إمّا عُطِفَ عَلى لِنُسْلِمَ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (أنْ) وهو الباءُ. وتَقْدِيرُ الحَرْفِ المَحْذُوفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، وإمّا عُطِفَ عَلى مَعْنى لِنُسْلِمَ لِأنَّهُ وقَعَ في مَوْقِعِ بِأنْ نُسْلِمَ، كَما تَقَدَّمَ عَنِ الزَّجّاجِ. فالتَّقْدِيرُ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ وأنْ أقِيمُوا أيْ وأُمِرْنا بِأنْ أقِيمُوا، والعَطْفُ عَلى مَعْنى اللَّفْظِ ومَوْقِعِهِ اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] إذِ المَعْنى إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ.
وإنْ جَعَلْتَ أنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةً فَهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ. فَيُقَدَّرُ قَوْلُهُ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ بِأُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا لِنُسْلِمَ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، أيْ لِنُقِيمَ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ.
وأظْهَرُ مِن هَذا أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. وهي تَفْسِيرٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ واوُ العَطْفِ مِن تَقْدِيرِ العامِلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ”وأُمِرْنا“، فَإنَّ أُمِرْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَناسَبَ مَوْقِعُ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واتَّقَوْهُ عَطْفٌ عَلى أقِيمُوا ويَجْرِي فِيهِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ أقِيمُوا﴾ .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى رَبِّ العالَمِينَ وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي أُمِرُوا بِمُقْتَضاهُ بِأنْ قالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى بِأنْ قالَ اللَّهُ: اتَّقَوْنِ، فَحُكِيَ بِما يُوافِقُ كَلامَ النَّبِيءِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾، كَما في حِكايَةِ قَوْلِ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
صفحة ٣٠٦
وجَمَعَ قَوْلُهُ واتَّقَوْهُ جَمِيعَ أُمُورِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُ إقامَةِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اتَّقَوْهُ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ فَتَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾، أيْ وقُلْ لَهم وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أوْ عَطْفٌ عَلى قُلْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ المَقُولِ. وفي هَذا إثْباتٌ لِلْحَشْرِ عَلى مُنْكِرِيهِ وتَذْكِيرٌ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ تَحْرِيضًا عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ والتَّقْوى.
واشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ عَلى عِدَّةِ مُؤَكِّداتٍ وهي: صِيغَةُ الحَصْرِ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ تُحْشَرُونَ المُفِيدُ لِلتَّقَوِّي لِأنَّ المَقْصُودَ تَحْقِيقُ وُقُوعِ الحَشْرِ عَلى مَن أنْكَرَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَحْقِيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والحُصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ إذْ هم لَمْ يُنْكِرُوا كَوْنَ الحَشْرِ إلى اللَّهِ وإنَّما أنْكَرُوا وُقُوعَ الحَشْرِ، فَسَلَكَ في إثْباتِهِ طَرِيقَ الكِنايَةِ بِقَصْرِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَلْزِمِ وُقُوعَهُ وأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا إلى اللَّهِ، تَعْرِيضًا بِأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، والقَصْرُ حَقِيقِيٌّ إذْ لَيْسَ ثَمَّ رَدِّ اعْتِقادٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ لِلْأشْياءِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ كَما قَدَّمْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالقَصْرِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لِأنَّ الخَلائِقَ عَبِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
والباءُ مِن قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.
والحَقُّ في الأصْلِ مَصْدَرُ (حَقَّ) إذا ثَبَتَ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُنَكَّرُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ ”فُلانٌ عَدْلٌ“ . والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ. فالباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ ما يُسَمّى بِهِ الحَقُّ فَيُطْلَقُ الحَقُّ إطْلاقًا شائِعًا عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ الَّذِي هو عَدْلٌ وإعْطاءُ المُسْتَحِقِّ ما يَسْتَحِقُّهُ، وهو حِينَئِذٍ مُرادِفُ العَدْلِ ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ الجَوْرَ والظُّلْمَ، ويُطْلَقُ الحَقُّ عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ السَّدِيدِ الصّالِحِ البالِغِ حَدَّ الإتْقانِ والصَّوابِ، ويُرادِفُ الحِكْمَةَ والحَقِيقَةَ، ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ العَبَثَ
صفحة ٣٠٦
واللَّعِبَ. والحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وكَقَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . فاللَّهُ تَعالى أخْرَجَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ وأوْدَعَ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ قُوًى وخَصائِصَ تَصْدُرُ بِسَبَبِها الآثارُ المَخْلُوقَةُ هي لَها ورَتَّبَها عَلى نُظُمٍ عَجِيبَةٍ تَحْفَظُ أنْواعَها وتُبْرِزُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، وأعْظَمُها خَلْقُ الإنْسانِ وخَلْقُ العَقْلِ فِيهِ والعِلْمِ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِإثْباتِ الجَزاءِ إذْ لَوْ أُهْمِلَتْ أعْمالُ المُكَلَّفِينَ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا مِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُلابِسَةً لَهُ، فَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِمُناسَبَةِ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِأفْعالِهِ تَعالى فَبَيَّنَتْ مُلابَسَةَ الحَقِّ لِأمْرِهِ تَعالى الدّالِّ عَلَيْهِ يَقُولُ. والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ﴾ يَوْمُ البَعْثِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ .
وقَدْ أشْكَلَ نَظْمُ قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾، وذَهَبَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ طَرائِقَ. والوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، والمُبْتَدَأُ هو قَوْلُهُ ويَكُونُ الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: وقَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ. ونُكْتَةُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وُقُوعَ هَذا التَّكْوِينِ بَعْدَ العَدَمِ.
ووَصْفُ القَوْلِ بِأنَّهُ الحَقُّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ أيْضًا. وهَذا القَوْلُ هو عَيْنُ المَقُولِ لِفِعْلِ يَقُولُ كُنْ، وحَذْفُ المَقُولِ لَهُ كُنْ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ يَقُولُ لِغَيْرِ المَوْجُودِ الكائِنِ: كُنْ. وقَوْلُهُ فَيَكُونُ اعْتِراضٌ، أيْ يَقُولُ لِما أرادَ تَكْوِينَهُ (كُنْ) فَيُوجَدُ المَقُولُ لَهُ (كُنْ) عَقِبَ أمْرِ التَّكْوِينِ.
والمَعْنى أنَّهُ أنْشَأ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، وأنَّهُ يُعِيدُ الخَلْقَ الَّذِي بَدَأهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن تَكْوِينِهِ الأوَّلِ ولا مِن تَكْوِينِهِ الثّانِي عَنِ الحَقِّ. ويَتَضَمَّنُ
صفحة ٣٠٨
أنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وهو الخَلْقُ الثّانِي المُقابِلُ لِلْخَلْقِ الأوَّلِ، ولِذَلِكَ أُتِيَ بِكَلِمَةِ ”يَوْمَ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَكْوِينٌ خاصٌّ مُقَدَّرٌ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِلْمُبالِغَةِ، أيْ هو الحَقُّ الكامِلُ لِأنَّ أقْوالَ غَيْرِهِ وإنْ كانَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ الحَقِّ فَهي مُعَرَّضَةٌ لِلْخَطَأِ وما كانَ فِيها غَيْرَ مُعَرَّضٍ لِلْخَطَأِ فَهو مِن وحْيِ اللَّهِ أوْ مِن نِعْمَتِهِ بِالعَقْلِ والإصابَةِ، فَذَلِكَ اعْتِدادٌ بِأنَّهُ راجِعٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ «قَوْلُكَ الحَقُّ ووَعْدُكَ الحَقُّ» .
والمُرادُ بِالقَوْلِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ في يَوْمِ الحَشْرِ، وهو يَوْمُ يَقُولُ كُنْ، مِن أمْرِ تَكْوِينٍ، أوْ أمْرِ ثَوابٍ، أوْ عِقابٍ، أوْ خَبَرٍ بِما اكْتَسَبَهُ النّاسُ مِن صالِحِ الأعْمالِ وأضْدادِها، فَكُلُّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو حَقٌّ. وخَصَّ مِن بَيْنِ الأقْوالِ أمْرَ التَّكْوِينِ لِما اقْتَضاهُ التَّقْدِيمُ مِن تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَما عَلِمْتَ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وإقامَةِ المَعْنى مِن ذَلِكَ مَسالِكُ أُخْرى غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى السُّبُلِ الواضِحَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وانْتِظامُها كانْتِظامِ جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ إلّا أنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ قَصْرُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيِ المُلْكُ مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِرَدِّ ما عَسى أنْ يَطْمَعَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن مُشارَكَةِ أصْنامِهِمْ يَوْمَئِذٍ في التَّصَرُّفِ والقَضاءِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الظَّرْفِ تَهْوِيلُ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والنَّفْخُ في الصُّورِ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْأمْرِ التَّكْوِينِيِّ بِحَياةِ الأمْواتِ الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ الأمْواتِ، فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَحْضُرُونَ لِلْحَشْرِ كَما يَحْضُرُ الجَيْشُ بِنَفْخِ الأبْواقِ ودَقِّ الطُّبُولِ. والصُّورُ: البُوقُ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِنَفْخِ الصُّورِ هو إسْرافِيلُ»، ولا يَعْلَمُ كُنْهَ هَذا النَّفْخِ إلّا اللَّهُ تَعالى. ويَوْمُ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، ولَكِنَّهُ عُبِّرَ عَنْهُ هُنا بِـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِإفادَةِ هَذا الحالِ العَجِيبِ، ولِأنَّ اليَوْمَ لَمّا جُعِلَ
صفحة ٣٠٩
ظَرْفًا لِلْقَوْلِ عُرِّفَ بِالإضافَةِ إلى جُمْلَةِ ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ولَمّا جُعِلَ اليَوْمُ ظَرْفًا لِلْمُلْكِ ناسَبَ أنْ يُعَرِّفَ اليَوْمَ بِما هو مِن شِعارِ المُلْكِ والجُنْدِ.
وقَدِ انْتَصَبَ يَوْمَ يُنْفَخُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ لِلِاسْتِقْرارِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِن ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ويُجْعَلُ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ عَلى أنَّ الجَمِيعَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الصُّورُ هُنا جَمْعُ صُورَةٍ، أيْ يُنْفَخُ في صُوَرِ المَوْجُوداتِ.
ولَمّا انْتَهى المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ شُؤُونٍ مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى أُتْبِعَ بِصِفاتٍ تُشِيرُ إلى المُحاسَبَةِ عَلى كُلِّ جَلِيلٍ ودَقِيقٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ بِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . وجاءَ أُسْلُوبُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُخْبَرِ عَنْهُ في مَقامِ تَقَدُّمِ صِفاتِهِ. فَحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِهِ تَبَعٌ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في تَعْقِيبِ الأخْبارِ بِخَبَرٍ أعْظَمَ مِنها يُجْعَلُ فِيهِ المُخْبَرُ عَنْهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ ويُلْتَزَمُ حَذْفُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا عالِمُ الغَيْبِ فَحَذَفَ المُسْنَدَ إلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَحْذِفِ المُسْنَدَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
والغَيْبُ: ما هو غائِبٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والشَّهادَةُ: ضِدُّ الغَيْبِ، وهي الأُمُورُ الَّتِي يُشاهِدُها النّاسُ ويَتَوَصَّلُونَ إلى عَمَلِها يُقالُ: شَهِدَ، بِمَعْنى حَضَرَ، وضِدُّهُ غابَ، ولا تَخْرُجُ المَوْجُوداتُ عَنِ الِاتِّصافِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: العالِمُ بِأحْوالِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ. والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ عالِمٌ كُلَّ غَيْبٍ وكُلَّ شَهادَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ .
وصِفَةُ الحَكِيمِ تَجْمَعُ إتْقانَ الصُّنْعِ فَتَدُلُّ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ مَعَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَصْنُوعاتِ. وصِفَةُ الخَبِيرِ تَجْمَعُ العِلْمَ بِالمَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخَفِيِّها. فَكانَتِ الصِّفَتانِ
صفحة ٣١٠
كالفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
الأنعام 6:73
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَنِ الدِّينِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ ارْتِدادَ بَعْضِ قَرابَتِهِمْ أوْ مَن لَهم بِهِ صِلَةٌ. كَما ورَدَ في خَبَرِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وما لَقِيَ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ دَعا أباهُ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ
صفحة ٣٠٠
مُشِيرَةً إلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ وإلّا فَإنَّ سُورَةَ الأنْعامِ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً. وحاوَلَ المُشْرِكُونَ صَرْفَ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وهم يُرْضُونَهُ بِما أحَبَّ كَما ورَدَ في خَبَرِ أبِي طالِبٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَأْيِيسٌ، وجِيءَ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ لِأنَّ الكَلامَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ وعَنِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٧٠] مُتَعَلِّقٌ بِـ نَدْعُو. والمُرادُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ الأصْنامُ، فَإنَّها حِجارَةٌ مَشاهَدٌ عَدَمُ نَفْعِها وعَجْزُها عَنِ الضُّرِّ، ولَوْ كانَتْ تَسْتَطِيعُ الضُّرَّ لَأضَرَّتْ بِالمُسْلِمِينَ لِأنَّهم خَلَعُوا عِبادَتَها وسَفَّهُوا أتْباعَها وأعْلَنُوا حَقارَتَها، فَلَمّا جَعَلُوا عَدَمَ النَّفْعِ ولا الضُّرِّ عِلَّةً لِنَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَقَدْ كَنَّوْا بِذَلِكَ عَنْ عِبادَتِهِمُ النّافِعَ الضّارَّ وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى نَدْعُو فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الإنْكارِ. والرَّدُّ: الإرْجاعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُؤْتى مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] .
والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهي مُؤَخَّرُ القَدَمِ. وعَقِبُ كُلِّ شَيْءٍ طَرَفُهُ وآخِرُهُ ويُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ وعَلى عَقِبَيْهِ ونَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِمَعْنى رَجَعَ إلى المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ لِأنَّهُ كانَ جاعِلًا إيّاهُ وراءَهُ فَرَجَعَ.
وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ رَجَعَ عَلى طَرِيقِ جِهَةِ عَقِبِهِ، كَما يُقالُ: رَجَعَ وراءَهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ تَمْثِيلًا شائِعًا في التَّلَبُّسِ بِحالَةٍ ذَمِيمَةٍ كانَ فارَقَها صاحِبُها ثُمَّ عادَ إلَيْها وتَلَبَّسَ بِها، وذَلِكَ أنَّ الخارِجَ إلى سَفَرٍ أوْ حاجَةٍ فَإنَّما يَمْشِي إلى غَرَضٍ يُرِيدُهُ فَهو يَمْشِي القُدُمِيَّةَ فَإذا رَجَعَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى غَرَضِهِ فَقَدْ أضاعَ مَشْيَهُ، فَيُمَثَّلُ حالُهُ بِحالِ مَن رَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ. وفي الحَدِيثِ «اللَّهُمَّ أمْضِ لِأصْحابِي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم عَلى أعْقابِهِمْ» . فَكَذَلِكَ في الآيَةِ هو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُرْتَدِّ إلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ بِحالِ مَن خَرَجَ في مُهِمٍّ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ ولَمْ يَقْضِ ما خَرَجَ لَهُ. وهَذا أبْلَغُ في تَمْثِيلِ سُوءِ الحالَةِ مِن أنْ يُقالَ: ونَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ.
وقَدْ أُضِيفَ ”بَعْدَ“ إلى ”إذْ هَدانا“ وكِلاهُما اسْمُ زَمانٍ، فَإنَّ بَعْدَ يَدُلُّ عَلى
صفحة ٣٠١
الزَّمانِ المُتَأخِّرِ عَنْ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ [النور: ٥٨] وإذا يَدُلُّ عَلى زَمانٍ مُعَرَّفٍ بِشَيْءٍ، فَـ إذا اسْمُ زَمَنٍ مُتَصَرِّفٍ مُرادٌ بِهِ الزَّمانُ ولَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ. والمَعْنى بَعْدَ الزَّمَنِ الَّذِي هَدانا اللَّهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
* * *
﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ .
ارْتَقى في تَمْثِيلِ حالِهِمْ لَوْ فُرِضَ رُجُوعُهم عَلى أعْقابِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ أدَقَّ، بِقَوْلِهِ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾، وهو تَمْثِيلٌ بِهَيْئَةٍ مُتَخَيَّلَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ في أحْوالِ المَمْسُوسِينَ. فالكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾، أيْ حالَ كَوْنِنا مُشْبِهِينَ لِلَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فَهَذِهِ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في ﴿نُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ مِن مَعْنى التَّمْثِيلِ بِالمُرْتَدِّ عَلى أعْقابِهِ.
والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ، أيْ طَلَبُ هَوى المَرْءِ ومَحَبَّتِهِ، أيِ اسْتِجْلابُ هَوى المَرْءِ إلى شَيْءٍ يُحاوِلُهُ المُسْتَجْلِبُ. وقَرَّبَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِمَعْنى هَمْزَةِ التَّعَدِّيَةِ. فَقالَ: اسْتَهْواهُ بِمَعْنى أهْواهُ مِثْلُ اسْتَزَلَّ بِمَعْنى أزَلَّ. ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّهُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها، ولا يُعْرَفُ هَذا المَعْنى مِن كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ هو في الأساسِ مَعَ كَوْنِهِ ذَكَرَ ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ ولَمْ يُنَبِّهْ عَلى هَذا مَن جاءَ بَعْدَهُ.
والعَرَبُ يَقُولُونَ: اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، إذا اخْتَطَفَتِ الجِنُّ عَقْلَهُ فَسَيَّرَتْهُ كَما تُرِيدُ. وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَحَرَتْهُ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ الغِيلانَ هي سَحَرَةُ الجِنِّ، وتُسَمّى السَّعالى أيْضًا، واحِدَتُها سِعْلاةٌ، ويَقُولُونَ أيْضًا: اسْتَهامَتْهُ الجِنُّ إذا طَلَبَتْ هُيامَهُ بِطاعَتِها.
وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اسْتَهْوَتْهُ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى ذَهَبَتْ بِهِ وضَلَّ في الأرْضِ. وذَلِكَ لِأنَّ الحالَةَ الَّتِي تَتَوَهَّمُها العَرَبُ اسْتِهْواءَ الجِنِّ يُصاحِبُها التَّوَحُّشُ وذَهابُ المَجْنُونِ عَلى وجْهِهِ في الأرْضِ راكِبًا رَأْسَهُ لا يَنْتَصِحُ لِأحَدٍ، كَما وقَعَ لِكَثِيرٍ مِن
صفحة ٣٠٢
مَجانِينِهِمْ ومَن يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ اخْتَطَفَتْهم. ومِن أشْهَرِهِمْ عَمْرُو بْنُ عُدَيٍّ الإيادِيُّ اللَّخْمِيُّ ابْنُ أُخْتِ جُذَيْمَةَ بْنِ مالِكٍ مَلِكِ الحَيْرَةِ. وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الأرْضِ مُتَعَلِّقًا بِـ حَيْرانَ، وهو بَعِيدٌ لِعَدَمِ وُجُودِ مُقْتَضٍ لِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ.
وحَيْرانَ حالٌ مِنَ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ، وهو وصْفٌ مِنَ الحَيْرَةِ، وهي عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى السَّبِيلِ. يُقالُ: حارَ يَحارُ إذْ تاهَ في الأرْضِ فَلَمْ يَعْلَمِ الطَّرِيقَ. وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى التَّرَدُّدِ في الأمْرِ بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ مَخْرَجُهُ، وانْتَصَبَ حَيْرانُ عَلى الحالِ مِنَ الَّذِي.
وجُمْلَةُ ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَهُ رُفْقَةٌ مَعَهُ حِينَ أصابَهُ اسْتِهْواءُ الجِنِّ. فَجُمْلَةُ يَدْعُونَهُ صِفَةٌ لِـ ”أصْحابٌ“ .
والدُّعاءُ: القَوْلُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ عَمَلٍ مِنَ المُخاطَبِ. والهُدى: ضِدُّ الضَّلالِ. أيْ يَدْعُونَهُ إلى ما فِيهِ هُداهُ. وإيثارُ لَفْظِ الهُدى هُنا لِما فِيهِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلْحالَةِ المُشَبَّهَةِ. فَفي هَذا اللَّفْظِ تَجْرِيدٌ لِلتَّمْثِيلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولِذَلِكَ كانَ لِتَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ وقْعٌ بَدِيعٌ. وجَوَّزَ في الكَشّافِ أنْ يَكُونَ الهُدى مُسْتَعارًا لِلطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وجُمْلَةُ ائْتِنا بَيانٌ لِـ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. فَصَحَّ أنْ يُبَيَّنَ بِما يَقُولُونَهُ إذا دَعَوْهُ، ولِكَوْنِها بَيانًا فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، وإنَّما احْتاجَ إلى بَيانِ الدُّعاءِ إلى الهُدى لِتَمْكِينِ التَّمْثِيلِ مِن ذِهْنِ السّامِعِ، لِأنَّ المَجْنُونَ لا يُخاطَبُ بِصَرِيحِ المَقْصِدِ فَلا يُدْعى إلى الهُدى بِما يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضالٌّ، لِأنَّ مِن خُلُقِ المَجانِينِ العِنادَ والمُكابَرَةَ. فَلِذَلِكَ يَدْعُونَهُ بِما يُفْهَمُ مِنهُ رَغْبَتُهم في صُحْبَتِهِ ومَحَبَّتِهِمْ إيّاهُ، فَيَقُولُونَ: ائْتِنا، حَتّى إذا تَمَكَّنُوا مِنهُ أوْثَقُوهُ وعادُوا بِهِ إلى بَيْتِهِ.
وقَدْ شُبِّهَتْ بِهَذا التَّمْثِيلِ العَجِيبِ حالَةُ مَن فُرِضَ ارْتِدادُهُ إلى ضَلالَةِ الشِّرْكِ بَعْدَ هُدى الإسْلامِ لِدَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُ وتَرْكِهِ أصْحابَهُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَهُ عَنْهُ، بِحالِ الَّذِي فَسَدَ عَقْلُهُ بِاسْتِهْواءٍ مِنَ الشَّياطِينِ والجِنِّ، فَتاهَ في الأرْضِ بَعْدَ أنْ كانَ عاقِلًا عارِفًا بِمَسالِكِها، وتَرَكَ رُفْقَتَهُ العُقَلاءَ يَدْعُونَهُ إلى مُوافَقَتِهِمْ، وهَذا التَّرْكِيبُ البَدِيعُ
صفحة ٣٠٣
صالِحٌ لِلتَّفْكِيكِ بِأنْ يُشَبَّهَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِجُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِها، بِأنْ يُشَبَّهَ الِارْتِدادُ بَعْدَ الإيمانِ بِذَهابِ عَقْلِ المَجْنُونِ، ويُشَبَّهَ الكُفْرُ بِالهُيامِ في الأرْضِ، ويُشَبَّهَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى الِارْتِدادِ بِالشَّياطِينِ وتُشَبَّهُ دَعْوَةُ اللَّهِ النّاسَ لِلْإيمانِ ونُزُولُ المَلائِكَةِ بِوَحْيِهِ بِالأصْحابِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى الهُدى. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الَّذِي صادِقًا عَلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَهو بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ كانَ كافِرًا وكانَ أبُوهُ وأُمُّهُ يَدْعُوانِهِ إلى الإسْلامِ فَيَأْبى، وقَدْ أسْلَمَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
* * *
﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهْوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
جُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ تَكْرِيرٍ لِما أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى الرُّجُوعِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ اعْبُدْ آلِهَتَنا زَمَنًا ونَعْبُدُ إلَهَكَ زَمَنًا. وكانُوا في خِلالِ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أنَّ دِينَهم هُدًى، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِصِيغَةِ القَصْرِ. وهي إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى فَجِيءَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ، فاجْتَمَعَ في الجُمْلَةِ أرْبَعَةُ مُؤَكِّداتٍ، لِأنَّ القَصْرَ بِمَنزِلَةِ مُؤَكِّدَيْنِ إذْ لَيْسَ القَصْرُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، وضَمِيرُ الفَصْلِ تَأْكِيدٌ، و(إنَّ) تَأْكِيدٌ، فَكانَتْ مُقْتَضى حالِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ أنَّ الإسْلامَ هُدًى.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الهُدى الوارِدِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو الدِّينُ المُوصى بِهِ، وهو هُنا الإسْلامُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ . وقَدْ وصَفَ الإسْلامَ بِأنَّهُ
صفحة ٣٠٤
هُدى اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيِ القُرْآنُ هو الهُدى لا كُتُبُهم.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ لِلدَّلالَةِ عَلى قَصْرِ جِنْسِ الهُدى عَلى دِينِ الإسْلامِ، كَما هو الغالِبُ في تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِأنَّ السِّياقَ لِرَدِّ دَعْوَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهُمُ الرُّجُوعَ إلى دِينِهِمُ المُتَضَمِّنَةِ اعْتِقادَهم أنَّهُ هُدًى، فالقَصْرُ لِلْقَلْبِ إذْ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِنَ الهُدى، فَلا يَكُونُ قَصْرُ الهُدى عَلى هُدى القُرْآنِ بِمَعْنى الهُدى الكامِلِ، بِخِلافِ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَقُولِ. وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
واللّامُ في لِنُسْلِمَ أصْلُها لِلتَّعْلِيلِ وتُنُوسِيَ مِنها مَعْنى التَّعْلِيلِ فَصارَتْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ. وهي اللّامُ الَّتِي يَكْثُرُ وُرُودُها بَعْدَ مادَّةِ الأمْرِ ومادَّةِ الإرادَةِ. وسَمّاها بَعْضُهم لامَ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ قالَ الزَّجّاجُ: العَرَبُ تَقُولُ: أمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ وأمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ. فالباءُ لِلْإلْصاقِ، وإذا حَذَفُوها فَهي مُقَدَّرَةٌ مَعَ (أنْ) . وأمّا أمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ. يَعْنِي وأغْنَتِ العِلَّةُ عَنْ ذِكْرِ المُعَلَّلِ.
وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى الباءِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَـ (أنْ) مُضْمَرَةٌ بَعْدَها، أيْ لِأجْلِ أنْ نُسْلِمَ. والمَعْنى: وأُمِرْنا بِالإسْلامِ، أيْ أُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ اللّامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ نُسْلِمَ لِأنَّهُ مَعْنى تَخَلُّصٍ لَهُ قالَ ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى الإسْلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ إشارَةٌ إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ وأحَقِّيَّتِهِ.
صفحة ٣٠٥
وقَوْلُهُ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إنْ جَعَلْتَ (أنْ) فِيهِ مَصْدَرِيَّةً عَلى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، إذْ يُسَوِّغُ دُخُولَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى فِعْلِ الأمْرِ فَتُفِيدُ الأمْرَ والمَصْدَرِيَّةَ مَعًا لِأنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لَمْ يُؤْتَ بِها عَبَثًا، فَقَوْلُ المُعْرِبِينَ: إنَّهُ يَتَجَرَّدُ عَنِ الأمْرِيَّةِ، مُرادُهم بِهِ أنَّهُ تَجَرَّدَ عَنْ مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ إلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ فَهو مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وهو إمّا عُطِفَ عَلى لِنُسْلِمَ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ قَبْلَ (أنْ) وهو الباءُ. وتَقْدِيرُ الحَرْفِ المَحْذُوفِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، وإمّا عُطِفَ عَلى مَعْنى لِنُسْلِمَ لِأنَّهُ وقَعَ في مَوْقِعِ بِأنْ نُسْلِمَ، كَما تَقَدَّمَ عَنِ الزَّجّاجِ. فالتَّقْدِيرُ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ وأنْ أقِيمُوا أيْ وأُمِرْنا بِأنْ أقِيمُوا، والعَطْفُ عَلى مَعْنى اللَّفْظِ ومَوْقِعِهِ اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٍّ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠] إذِ المَعْنى إنْ تُؤَخِّرْنِي أصَّدَّقْ وأكُنْ.
وإنْ جَعَلْتَ أنْ فِيهِ تَفْسِيرِيَّةً فَهو مِن عَطْفِ الجُمَلِ. فَيُقَدَّرُ قَوْلُهُ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ بِأُمِرْنا أنْ أسْلِمُوا لِنُسْلِمَ ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، أيْ لِنُقِيمَ فَيَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ.
وأظْهَرُ مِن هَذا أنْ تَكُونَ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. وهي تَفْسِيرٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ واوُ العَطْفِ مِن تَقْدِيرِ العامِلِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو ”وأُمِرْنا“، فَإنَّ أُمِرْنا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَناسَبَ مَوْقِعُ (أنِ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى إقامَةِ الصَّلاةِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واتَّقَوْهُ عَطْفٌ عَلى أقِيمُوا ويَجْرِي فِيهِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ أقِيمُوا﴾ .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى رَبِّ العالَمِينَ وهو مِنَ الكَلامِ الَّذِي أُمِرُوا بِمُقْتَضاهُ بِأنْ قالَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أسْلِمُوا لِرَبِّ العالَمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى بِأنْ قالَ اللَّهُ: اتَّقَوْنِ، فَحُكِيَ بِما يُوافِقُ كَلامَ النَّبِيءِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾، كَما في حِكايَةِ قَوْلِ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] .
صفحة ٣٠٦
وجَمَعَ قَوْلُهُ واتَّقَوْهُ جَمِيعَ أُمُورِ الدِّينِ، وتَخْصِيصُ إقامَةِ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمامِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ اتَّقَوْهُ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ فَتَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾، أيْ وقُلْ لَهم وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، أوْ عَطْفٌ عَلى قُلْ فَيَكُونُ مِن غَيْرِ المَقُولِ. وفي هَذا إثْباتٌ لِلْحَشْرِ عَلى مُنْكِرِيهِ وتَذْكِيرٌ بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ تَحْرِيضًا عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ والتَّقْوى.
واشْتَمَلَتْ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ عَلى عِدَّةِ مُؤَكِّداتٍ وهي: صِيغَةُ الحَصْرِ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ تُحْشَرُونَ المُفِيدُ لِلتَّقَوِّي لِأنَّ المَقْصُودَ تَحْقِيقُ وُقُوعِ الحَشْرِ عَلى مَن أنْكَرَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَحْقِيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والحُصْرُ هُنا حَقِيقِيٌّ إذْ هم لَمْ يُنْكِرُوا كَوْنَ الحَشْرِ إلى اللَّهِ وإنَّما أنْكَرُوا وُقُوعَ الحَشْرِ، فَسَلَكَ في إثْباتِهِ طَرِيقَ الكِنايَةِ بِقَصْرِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى المُسْتَلْزِمِ وُقُوعَهُ وأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا إلى اللَّهِ، تَعْرِيضًا بِأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، والقَصْرُ حَقِيقِيٌّ إذْ لَيْسَ ثَمَّ رَدِّ اعْتِقادٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الخالِقُ لِلْأشْياءِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ كَما قَدَّمْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ. فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالقَصْرِ عَلى أنَّهُ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لِأنَّ الخَلائِقَ عَبِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
والباءُ مِن قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ.
والحَقُّ في الأصْلِ مَصْدَرُ (حَقَّ) إذا ثَبَتَ، ثُمَّ صارَ اسْمًا لِلْأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا يُنَكَّرُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ ”فُلانٌ عَدْلٌ“ . والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ. فالباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ ما يُسَمّى بِهِ الحَقُّ فَيُطْلَقُ الحَقُّ إطْلاقًا شائِعًا عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ الَّذِي هو عَدْلٌ وإعْطاءُ المُسْتَحِقِّ ما يَسْتَحِقُّهُ، وهو حِينَئِذٍ مُرادِفُ العَدْلِ ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ الجَوْرَ والظُّلْمَ، ويُطْلَقُ الحَقُّ عَلى الفِعْلِ أوِ القَوْلِ السَّدِيدِ الصّالِحِ البالِغِ حَدَّ الإتْقانِ والصَّوابِ، ويُرادِفُ الحِكْمَةَ والحَقِيقَةَ، ويُقابِلُهُ الباطِلُ فَيُرادِفُ العَبَثَ
صفحة ٣٠٦
واللَّعِبَ. والحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِالمَعْنى الثّانِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وكَقَوْلِهِ ﴿ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . فاللَّهُ تَعالى أخْرَجَ السَّماواتِ والأرْضَ وما فِيهِنَّ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ وأوْدَعَ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ قُوًى وخَصائِصَ تَصْدُرُ بِسَبَبِها الآثارُ المَخْلُوقَةُ هي لَها ورَتَّبَها عَلى نُظُمٍ عَجِيبَةٍ تَحْفَظُ أنْواعَها وتُبْرِزُ ما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ، وأعْظَمُها خَلْقُ الإنْسانِ وخَلْقُ العَقْلِ فِيهِ والعِلْمِ، وفي هَذا تَمْهِيدٌ لِإثْباتِ الجَزاءِ إذْ لَوْ أُهْمِلَتْ أعْمالُ المُكَلَّفِينَ لَكانَ ذَلِكَ نُقْصانًا مِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مُلابِسَةً لَهُ، فَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِمُناسَبَةِ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِأفْعالِهِ تَعالى فَبَيَّنَتْ مُلابَسَةَ الحَقِّ لِأمْرِهِ تَعالى الدّالِّ عَلَيْهِ يَقُولُ. والمُرادُ بِـ ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ﴾ يَوْمُ البَعْثِ، لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ .
وقَدْ أشْكَلَ نَظْمُ قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾، وذَهَبَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ طَرائِقَ. والوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ خَبَرُهُ مُقَدَّمًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ، والمُبْتَدَأُ هو قَوْلُهُ ويَكُونُ الحَقُّ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: وقَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ. ونُكْتَةُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ وُقُوعَ هَذا التَّكْوِينِ بَعْدَ العَدَمِ.
ووَصْفُ القَوْلِ بِأنَّهُ الحَقُّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ أيْضًا. وهَذا القَوْلُ هو عَيْنُ المَقُولِ لِفِعْلِ يَقُولُ كُنْ، وحَذْفُ المَقُولِ لَهُ كُنْ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ يَقُولُ لِغَيْرِ المَوْجُودِ الكائِنِ: كُنْ. وقَوْلُهُ فَيَكُونُ اعْتِراضٌ، أيْ يَقُولُ لِما أرادَ تَكْوِينَهُ (كُنْ) فَيُوجَدُ المَقُولُ لَهُ (كُنْ) عَقِبَ أمْرِ التَّكْوِينِ.
والمَعْنى أنَّهُ أنْشَأ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالحَقِّ، وأنَّهُ يُعِيدُ الخَلْقَ الَّذِي بَدَأهُ بِقَوْلٍ حَقٍّ، فَلا يَخْلُو شَيْءٌ مِن تَكْوِينِهِ الأوَّلِ ولا مِن تَكْوِينِهِ الثّانِي عَنِ الحَقِّ. ويَتَضَمَّنُ
صفحة ٣٠٨
أنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، وهو الخَلْقُ الثّانِي المُقابِلُ لِلْخَلْقِ الأوَّلِ، ولِذَلِكَ أُتِيَ بِكَلِمَةِ ”يَوْمَ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَكْوِينٌ خاصٌّ مُقَدَّرٌ لَهُ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ صِيغَةُ قَصْرٍ لِلْمُبالِغَةِ، أيْ هو الحَقُّ الكامِلُ لِأنَّ أقْوالَ غَيْرِهِ وإنْ كانَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ الحَقِّ فَهي مُعَرَّضَةٌ لِلْخَطَأِ وما كانَ فِيها غَيْرَ مُعَرَّضٍ لِلْخَطَأِ فَهو مِن وحْيِ اللَّهِ أوْ مِن نِعْمَتِهِ بِالعَقْلِ والإصابَةِ، فَذَلِكَ اعْتِدادٌ بِأنَّهُ راجِعٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ «قَوْلُكَ الحَقُّ ووَعْدُكَ الحَقُّ» .
والمُرادُ بِالقَوْلِ كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ في يَوْمِ الحَشْرِ، وهو يَوْمُ يَقُولُ كُنْ، مِن أمْرِ تَكْوِينٍ، أوْ أمْرِ ثَوابٍ، أوْ عِقابٍ، أوْ خَبَرٍ بِما اكْتَسَبَهُ النّاسُ مِن صالِحِ الأعْمالِ وأضْدادِها، فَكُلُّ ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو حَقٌّ. وخَصَّ مِن بَيْنِ الأقْوالِ أمْرَ التَّكْوِينِ لِما اقْتَضاهُ التَّقْدِيمُ مِن تَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ كَما عَلِمْتَ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في إعْرابِ هَذِهِ الآيَةِ وإقامَةِ المَعْنى مِن ذَلِكَ مَسالِكُ أُخْرى غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى السُّبُلِ الواضِحَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وانْتِظامُها كانْتِظامِ جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ إلّا أنَّ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ قَصْرُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيِ المُلْكُ مَقْصُورٌ عَلى الكَوْنِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ لِرَدِّ ما عَسى أنْ يَطْمَعَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن مُشارَكَةِ أصْنامِهِمْ يَوْمَئِذٍ في التَّصَرُّفِ والقَضاءِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الظَّرْفِ تَهْوِيلُ ذَلِكَ اليَوْمِ.
والنَّفْخُ في الصُّورِ مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْأمْرِ التَّكْوِينِيِّ بِحَياةِ الأمْواتِ الَّذِي يَعُمُّ سائِرَ الأمْواتِ، فَيَحْيَوْنَ بِهِ ويَحْضُرُونَ لِلْحَشْرِ كَما يَحْضُرُ الجَيْشُ بِنَفْخِ الأبْواقِ ودَقِّ الطُّبُولِ. والصُّورُ: البُوقُ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِنَفْخِ الصُّورِ هو إسْرافِيلُ»، ولا يَعْلَمُ كُنْهَ هَذا النَّفْخِ إلّا اللَّهُ تَعالى. ويَوْمُ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ يَقُولُ: كُنْ فَيَكُونُ، ولَكِنَّهُ عُبِّرَ عَنْهُ هُنا بِـ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِإفادَةِ هَذا الحالِ العَجِيبِ، ولِأنَّ اليَوْمَ لَمّا جُعِلَ
صفحة ٣٠٩
ظَرْفًا لِلْقَوْلِ عُرِّفَ بِالإضافَةِ إلى جُمْلَةِ ﴿يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ولَمّا جُعِلَ اليَوْمُ ظَرْفًا لِلْمُلْكِ ناسَبَ أنْ يُعَرِّفَ اليَوْمَ بِما هو مِن شِعارِ المُلْكِ والجُنْدِ.
وقَدِ انْتَصَبَ يَوْمَ يُنْفَخُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ لِلِاسْتِقْرارِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مِن ﴿يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . ويُجْعَلُ ﴿ولَهُ المُلْكُ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ عَلى أنَّ الجَمِيعَ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الصُّورُ هُنا جَمْعُ صُورَةٍ، أيْ يُنْفَخُ في صُوَرِ المَوْجُوداتِ.
ولَمّا انْتَهى المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ شُؤُونٍ مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى أُتْبِعَ بِصِفاتٍ تُشِيرُ إلى المُحاسَبَةِ عَلى كُلِّ جَلِيلٍ ودَقِيقٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ بِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ . وجاءَ أُسْلُوبُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُخْبَرِ عَنْهُ في مَقامِ تَقَدُّمِ صِفاتِهِ. فَحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في مِثْلِهِ تَبَعٌ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في تَعْقِيبِ الأخْبارِ بِخَبَرٍ أعْظَمَ مِنها يُجْعَلُ فِيهِ المُخْبَرُ عَنْهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ ويُلْتَزَمُ حَذْفُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا عالِمُ الغَيْبِ فَحَذَفَ المُسْنَدَ إلَيْهِ ثُمَّ لَمْ يَحْذِفِ المُسْنَدَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ .
والغَيْبُ: ما هو غائِبٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والشَّهادَةُ: ضِدُّ الغَيْبِ، وهي الأُمُورُ الَّتِي يُشاهِدُها النّاسُ ويَتَوَصَّلُونَ إلى عَمَلِها يُقالُ: شَهِدَ، بِمَعْنى حَضَرَ، وضِدُّهُ غابَ، ولا تَخْرُجُ المَوْجُوداتُ عَنِ الِاتِّصافِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: العالِمُ بِأحْوالِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ. والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ عالِمٌ كُلَّ غَيْبٍ وكُلَّ شَهادَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ .
وصِفَةُ الحَكِيمِ تَجْمَعُ إتْقانَ الصُّنْعِ فَتَدُلُّ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ مَعَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَصْنُوعاتِ. وصِفَةُ الخَبِيرِ تَجْمَعُ العِلْمَ بِالمَعْلُوماتِ ظاهِرِها وخَفِيِّها. فَكانَتِ الصِّفَتانِ
صفحة ٣١٠
كالفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ ولِقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ .
الأنعام 6:74
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّيَ أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ الَّتِي أُولاها ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] المُشْتَمِلَةِ عَلى الحُجَجِ والمُجادِلَةِ في شَأْنِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ، فَعُقِّبَتْ تِلْكَ الحُجَجُ بِشاهِدٍ مِن أحْوالِ الأنْبِياءِ بِذِكْرِ مُجادَلَةِ أوَّلِ رَسُولٍ أعْلَنَ التَّوْحِيدَ وناظَرَ في إبْطالِ الشِّرْكِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ والمُناظَرَةِ السّاطِعَةِ، ولِأنَّها أعْدَلُ حُجَّةٍ في تارِيخِ الدِّينِ إذْ كانَتْ مُجادَلَةَ رَسُولٍ لِأبِيهِ ولِقَوْمِهِ، وكانَتْ أكْبَرَ حُجَّةٍ عَلى المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِأنَّ أباهم لَمْ يَكُنْ مُشْرِكًا ولا مُقِرًّا لِلشِّرْكِ في قَوْمِهِ، وأعْظَمُ حُجَّةٍ لِلرَّسُولِ ﷺ إذْ جاءَهم بِالإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ.
والكَلامُ في افْتِتاحِ القِصَّةِ بِـ ”إذْ“ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وآزَرُ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أبُو إبْراهِيمَ. ولا شَكَّ أنَّهُ عُرِفَ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ أبا إبْراهِيمَ اسْمُهُ آزَرُ فَإنَّ العَرَبَ كانُوا مُعْتَنِينَ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَسَبِهِ وأبْنائِهِ. ولَيْسَ مِن عادَةِ القُرْآنِ التَّعَرُّضُ لِذِكْرِ أسْماءِ غَيْرِ الأنْبِياءِ فَما ذُكِرَ اسْمُهُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لِقَصْدٍ سَنَذْكُرُهُ. ولَمْ يَذْكُرْ هَذا الِاسْمَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. والَّذِي في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ (تارَحُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ فَألِفٍ فَراءٍ مَفْتُوحَةٍ فَحاءٍ مُهْمَلَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: لا خِلافَ بَيْنَ النَّسّابِينَ في أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ تارَحُ. وتَبِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الجُوَيْنِيُّ الشّافِعِيُّ في تَفْسِيرِ النُّكَتِ. وفي كَلامِهِما نَظَرٌ لِأنَّ الِاخْتِلافَ المَنفِيَّ إنَّما هو في أنَّ آزَرَ اسْمٌ لِأبِي إبْراهِيمَ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْمٌ آخَرُ بَيْنَ قَوْمِهِ أوْ غَيْرِهِمْ أوْ في لُغَةٍ أُخْرى غَيْرَ لُغَةِ قَوْمِهِ. ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ (آزَرَ) وصْفٌ.
صفحة ٣١١
قالَ الفَخْرُ: قِيلَ مَعْناهُ الهَرِمُ بِلُغَةِ خُوارَزْمَ، وهي الفارِسِيَّةُ الأصْلِيَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الضَّحّاكِ: (آزَرُ) الشَّيْخُ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ بِلُغَةِ الفُرْسِ (آزَرُ) . وقالَ ابْنُ إسْحاقَ ومُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ والضَّحّاكُ: اسْمُ أبِي إبْراهِيمَ تارَحُ وآزَرُ لَقَبٌ لَهُ مِثْلَ يَعْقُوبَ المُلَقَّبِ إسْرائِيلَ، وقالَ مُجاهِدٌ: (آزَرُ) اسْمُ الصَّنَمِ الَّذِي كانَ يَعْبُدُهُ أبُو إبْراهِيمَ فَلُقِّبَ بِهِ. وأظْهَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: أنَّهُ الصَّنَمُ الَّذِي كانَ أبُو إبْراهِيمَ سادِنُ بَيْتِهِ.
وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ والفَرّاءِ: (آزَرُ) كَلِمَةُ سَبٍّ في لُغَتِهِمْ بِمَعْنى المُعْوَجِّ، أيْ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ. وهَذا وهْمٌ لِأنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ لَفْظٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ لَيْسَ بِعَلَمٍ ولا بِمُعَرَّبِ في القُرْآنِ. فَإنَّ المُعَرَّبَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَفْظًا غَيْرَ عَلَمٍ نَقَلَهُ العَرَبُ إلى لُغَتِهِمْ. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: أنَّ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يَكُونَ (آزَرُ) عَمَّ إبْراهِيمَ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الأبِ لِأنَّ العَمَّ قَدْ يُقالُ لَهُ: أبٌ. ونُسِبَ هَذا إلى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ. وهَذا بَعِيدٌ لا يَنْبَغِي المَصِيرُ إلَيْهِ فَقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذِهِ المُجادَلَةِ مَعَ أبِيهِ، فَيَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ عَمُّهُ في تِلْكَ الآياتِ كُلِّها.
قالَ الفَخْرُ: وقالَتِ الشِّيعَةُ: لا يَكُونُ أحَدٌ مِن آباءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأجْدادِهِ كافِرًا. وأنْكَرُوا أنَّ (آزَرَ) أبٌ لِإبْراهِيمَ وإنَّما كانَ عَمَّهُ. وأمّا أصْحابُنا فَلَمْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ. قُلْتُ: هو كَما قالَ الفَخْرُ مِن عَدَمِ التِزامِ هَذا وقَدْ بَيَّنْتُ في رِسالَةٍ لِي في طَهارَةِ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ الكُفْرَ لا يُنافِي خُلُوصَ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ خُلُوصًا جِبِلِّيًّا لِأنَّ الخُلُوصَ المَبْحُوثَ عَنْهُ هو الخُلُوصُ مِمّا يُتَعَيَّرُ بِهِ في العادَةِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ: أنَّ (تارَحَ) لُقِّبَ في بَلَدِ غُرْبَةٍ بِلَقَبِ (آزَرَ) باسِمِ البَلَدِ الَّذِي جاءَ مِنهُ، فَفي مُعْجَمِ ياقُوتَ (آزَرُ) بِفَتْحِ الزّايِ وبِالرّاءِ ناحِيَةٌ بَيْنَ سُوقِ الأهْوازِ ورامَهُرْمُزَ. وفي الفَصْلِ الحادِي عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّ بَلَدَ تارَحَ أبِي إبْراهِيمَ هو أُورُ الكِلْدانِيِّينَ. وفي مُعْجَمِ ياقُوتٍ (أُورُ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الواوِ مِن أصْقاعِ رامَهُرْمُزَ مِن خُوزِسْتانَ. ولَعَلَّهُ هو أُورُ الكَلْدانِيِّينَ أوْ جُزْءٌ مِنهُ أُضِيفَ إلى سُكّانِهِ. وفي سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ (تارَحَ) خَرَجَ هو وابْتُهُ إبْراهِيمُ مِن بَلَدِهِ أُورِ الكِلْدانِيِّينَ قاصِدِينَ أرْضَ كَنْعانَ وأنَّهُما مَرّا في طَرِيقِهِما بِبَلَدِ حارانَ وأقاما هُناكَ وماتَ تارِحُ في
صفحة ٣١٢
حارانَ. فَلَعَلَّ أهْلَ حارانَ دَعَوْهُ آزَرَ لِأنَّهُ جاءَ مِن صِقْعِ آزَرَ. وفي الفَصْلِ الثّانِي عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ في حارانَ في حَياةِ أبِيهِ.
ولَمْ يَرِدْ في التَّوْراةِ ذِكْرٌ لِلْمُحاوَرَةِ بَيْنَ إبْراهِيمَ وأبِيهِ ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ. ولِذا فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ (آزَرُ) في الآيَةِ مُنادًى وأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ يَعْقُوبَ (آزَرُ) مَضْمُومًا. ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رُوِيَ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأهُ (أإزْرُ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والثّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، ورُوِيَ: عَنْهُ أنَّهُ قَرَأهُ بِفَتْحِ الهَمْزَتَيْنِ وبِهَذا يَكُونُ ذِكْرُ اسْمِهِ حِكايَةً لِخِطابِ إبْراهِيمَ إيّاهُ خِطابَ غِلْظَةٍ، فَذَلِكَ مُقْتَضى ذِكْرِ اسْمِهِ العَلَمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ آزَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِضَمِّها. واقْتَصَرَ المُفَسِّرُونَ عَلى جَعْلِهِ في قِراءَةِ فَتْحِ الرّاءِ بَيانًا مِن أبِيهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا مُقْتَضى لَهُ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ.
والظّاهِرُ أنَّ المَحْكِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ إبْراهِيمَ مَعَ أبِيهِ، وهو مَوْقِفُ غِلْظَةٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ كانَ عِنْدَما أظْهَرَ أبُوهُ تَصَلُّبًا في الشِّرْكِ. وهو ما كانَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ أبُوهُ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: ٤٦] وهو غَيْرُ المَوْقِفِ الَّذِي خاطَبَهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] الآياتِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وتَتَّخِذُ مُضارِعُ اتَّخَذَ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ، فَصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ دالَّةٌ عَلى التَّكَلُّفِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْصِيلِ الفِعْلِ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأصْلِيَّةُ تاءً لِقَصْدِ الإدْغامِ تَخْفِيفًا ولَيَّنُوا الهَمْزَةَ ثُمَّ اعْتَبَرُوا التّاءَ كالأصْلِيَّةِ فَرُبَّما قالُوا: تَخِذَ بِمَعْنى اتَّخَذَ، وقَدْ قُرِئَ بِالوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] و(لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا) فَأصْلُ فِعْلِ اتَّخَذَ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وكانَ أصْلُ المَفْعُولِ الثّانِي حالًا، وقَدْ وعَدْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ بِأنَّ نُبَيِّنَ اسْتِعْمالَ (اتَّخَذَ) وتَعَدِّيَتَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ. ومَعْنى تَتَّخِذُ هُنا تَصْطَفِي وتَخْتارُ؛ فالمُرادُ أتَعْبُدُ أصْنامًا.
صفحة ٣١٣
وفِي فِعْلِ تَتَّخِذُ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُفْتَعَلٌ وأنَّ الأصْنامَ لَيْسَتْ أهْلًا لِلْإلَهِيَّةِ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِسَخافَةِ عَقْلِهِ أنْ يَجْعَلَ إلَهَهُ شَيْئًا هو صَنَعَهُ.
والأصْنامُ جَمْعُ صَنَمٍ، والصَّنَمُ الصُّورَةُ الَّتِي تُمَثِّلُ شَكْلَ إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ، والظّاهِرُ أنَّ اعْتِبارَ كَوْنِهِ مَعْبُودًا داخِلٌ في مَفْهُومِ اسْمِ صَنَمٍ كَما تَظافَرَتْ عَلَيْهِ كَلِماتُ أهْلِ اللُّغَةِ فَلا يُطْلَقُ عَلى كُلِّ صُورَةٍ، وفي شِفاءِ الغَلِيلِ: أنَّ صَنَمَ مُعَرَّبٌ عَنْ (شَمَنَ)، وهو الوَثَنُ، أيْ مَعَ قَلْبٍ في بَعْضِ حُرُوفِهِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللُّغَةَ المُعَرَّبَ مِنها، وعَلى اعْتِبارِ كَوْنِ العِبادَةِ داخِلَةً في مَفْهُومِ الِاسْمِ يَكُونُ قَوْلُهُ أصْنامًا مَفْعُولَ تَتَّخِذُ عَلى أنَّ تَتَّخِذَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِهِ ومَحَلُّ الإنْكارِ هو المَفْعُولُ، أيْ أصْنامًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”آلِهَةً“ حالًا مِن ”أصْنامًا“ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى صاحِبِ الحالِ، أوْ بَدَلًا مِن أصْنامًا. وهَذا الَّذِي يُناسِبُ تَنْكِيرَ أصْنامًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَفْعُولًا أوَّلَ لِـ ”تَتَّخِذُ“ لَكانَ مُعَرَّفًا لِأنَّ أصْلَهُ المُبْتَدَأُ. وعَلى احْتِمالِ أنَّ الصَّنَمَ اسْمٌ لِلصُّورَةِ سَواءٌ عُبِدَتْ أمْ لَمْ تُعْبَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ ”آلِهَةً“ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ تَتَّخِذُ عَلى أنَّ تَتَّخِذَ مُضَمَّنٌ مَعْنى تَجْعَلُ وتَصِيرُ، أيْ أتَجْعَلُ صُوَرًا آلِهَةً لَكَ كَقَوْلِهِ ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] .
وقَدْ تَضَمَّنَ ما حُكِيَ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُما جَعْلُهُ الصُّوَرَ آلِهَةً مَعَ أنَّها ظاهِرَةُ الِانْحِطاطِ عَنْ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، وثانِيهُما تَعَدُّدُ الآلِهَةِ ولِذَلِكَ جُعِلَ مَفْعُولا تَتَّخِذُ جَمْعَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: أتَتَّخِذُ الصَّنَمَ إلَهًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّيَ أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْإنْكارِ في جُمْلَةِ ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ . وأكَّدَ الإخْبارَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِما يَتَضَمَّنُهُ ذَلِكَ الإخْبارُ مِن كَوْنِ ضَلالِهِمْ بَيِّنًا، وذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُهُ المُخاطَبُ؛ ولِأنَّ المُخاطَبَ لَمّا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَ الإنْكارَ عَلَيْهِ في اعْتِقادِهِ قَبْلَ ذَلِكَ يَحْسَبُ نَفْسَهُ عَلى هُدًى ولا يَحْسَبُ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما هو فِيهِ، ويَظُنُّ أنَّ إنْكارَ ابْنِهِ عَلَيْهِ لا يَبْلُغُ إلى حَدِّ أنْ يَراهُ وقَوْمَهُ في ضَلالٍ مُبِينٍ. فَقَدَ يَتَأوَّلُهُ بِأنَّهُ رامَ مِنهُ ما هو أوْلى.
صفحة ٣١٤
والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً قُصِدَ مِنها في كَلامِ إبْراهِيمَ أنَّ ضَلالَ أبِيهِ وقَوْمِهِ صارَ كالشَّيْءِ المُشاهَدِ لِوُضُوحِهِ في أحْوالِ تَقَرُّباتِهِمْ لِلْأصْنامِ مِنَ الحِجارَةِ فَهي حالَةٌ مُشاهَدٌ ما فِيها مِنَ الضَّلالِ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. ويَجُوزُ كَوْنُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيَّةً، وقَوْلُهُ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي.
وفائِدَةُ عَطْفِ ”وقَوْمَكَ“ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ رُؤْيَتَهُ أباهُ في ضَلالٍ يَقْتَضِي أنْ يَرى مُماثِلِيهِ في ضَلالٍ أيْضًا لِأنَّ المَقامَ مَقامُ صَراحَةٍ لا يُكْتَفى فِيهِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ ولِيُنَبِّئَهُ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ عِلَّةَ أنَّ مُوافَقَةَ جَمْعٍ عَظِيمٍ إيّاهُ عَلى ضَلالِهِ لا تُعَضِّدُ دِينَهُ ولا تُشَكِّكُ مَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما هو فِيهِ.
ومُبِينٌ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أيْ ظاهِرٌ.
ووَصْفُ الضَّلالِ بِـ مُبِينٍ نِداءٌ عَلى قُوَّةِ فَسادِ عُقُولِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِضَلالِهِمْ مَعَ أنَّهُ كالمُشاهَدِ المَرْئِيِّ.
ومُباشَرَتُهُ إيّاهُ بِهَذا القَوْلِ الغَلِيظِ كانَتْ في بَعْضِ مُجادَلاتِهِ لِأبِيهِ بَعْدَ أنْ تَقَدَّمَ لَهُ بِالدَّعْوَةِ بِالرِّفْقِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢] ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] إلى قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] . فَلَمّا رَأى تَصْمِيمَهُ عَلى الكُفْرِ سَلَكَ مَعَهُ الغِلْظَةَ اسْتِقْصاءً لِأسالِيبِ المَوْعِظَةِ لَعَلَّ بَعْضَها أنْ يَكُونَ أنْجَعَ في نَفْسِ أبِيهِ مِن بَعْضٍ فَإنَّ لِلنُّفُوسِ مَسالِكَ ولِمَجالِ أنْظارِها مَيادِينُ مُتَفاوِتَةٌ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقالَ لَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .
فَحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ بَعْضَ مَواقِفِهِ مَعَ أبِيهِ ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُنافِي البُرُورَ بِهِ لِأنَّ المُجاهَرَةَ بِالحَقِّ دُونَ سَبٍّ ولا اعْتِداءٍ لا تُنافِي البُرُورَ. ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يُخَطِّئُونَ أساتِذَتَهم وأئِمَّتَهم وآباءَهم في المَسائِلِ العِلْمِيَّةِ بِدُونِ تَنْقِيصٍ. وقَدْ قالَ أرِسْطالِيسُ في اعْتِراضٍ عَلى أفْلاطُونَ: أفْلاطُونُ صَدِيقٌ والحَقُّ صَدِيقٌ لَكِنَّ الحَقَّ أصْدَقُ.
صفحة ٣١٥
عَلى أنَّ مَراتِبَ بِرِّ الوالِدَيْنِ مُتَفاوِتَةٌ في الشَّرائِعِ. وقَدْ قالَ أبْناءُ يَعْقُوبَ ﴿تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] .
الأنعام 6:75
﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] . فالمَعْنى وإذْ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ إرادَةً لا إرادَةَ أوْضَحَ مِنها في جِنْسِها والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى الإراءِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الإراءِ العَجِيبِ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فاسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا الِاسْتِعْمالِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى حُجَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ مِن دَلالَةِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ عَلى وُجُودِ صانِعِها.
والرُّؤْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ لِلِانْكِشافِ والمَعْرِفَةِ، فالإراءَةُ بِمَعْنى الكَشْفِ والتَّعْرِيفِ، فَتَشْمَلُ المُبْصَراتِ والمَعْقُولاتِ المُسْتَدَلَّ بِجَمِيعِها عَلى الحَقِّ وهي إراءَةُ إلْهامٍ وتَوْفِيقٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتُدِئَ في أوَّلِ أمْرِهِ بِالإلْهامِ إلى الحَقِّ كَما ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإراءَةِ العِلْمُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ. وقَدْ حَصَلَتْ هَذِهِ الإراءَةُ في الماضِي فَحَكاها القُرْآنُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الإراءَةِ العَجِيبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .
والمَلَكُوتُ اتَّفَقَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالرَّغَبُوتِ والرَّحَمُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ. وقالُوا: إنَّ الواوَ والتّاءَ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. وظاهِرُهُ أنَّ مَعْناهُ المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ لِأنَّ مَصْدَرَ مَلَكَ المِلْكُ بِكَسْرِ المِيمِ ولَمّا كانَ فِيهِ زِيادَةٌ تُفِيدُ المُبالَغَةَ كانَ مَعْناهُ المِلْكَ القَوِيَّ الشَّدِيدَ. ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّةِ.
صفحة ٣١٦
وفِي اللِّسانِ: مُلْكُ اللَّهِ ومَلَكُوتُهُ سُلْطانُهُ ولِفُلانٍ مَلَكُوتُ العِراقِ، أيْ سُلْطانُهُ ومِلْكُهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ مُرادِفٌ لِلْمُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ وفي طَبْعَةِ اللِّسانِ في بُولاقَ رُقِّمَتْ عَلى مِيمِ مُلْكِهِ ضَمَّةٌ.
وفِي الإتْقانِ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المَلَكُوتَ كَلِمَةٌ نَبَطِيَّةٌ. فَيَظْهَرُ أنَّ صِيغَةَ فَعَلَوْتٍ في جَمِيعِ المَوارِدِ الَّتِي ورَدَتْ فِيها أنَّها مِنَ الصِّيَغِ الدَّخِيلَةِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّها في النَّبَطِيَّةِ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ، فَنَقَلَها العَرَبُ إلى لُغَتِهِمْ لِما فِيها مِن خُصُوصِيَّةِ القُوَّةِ. ويُسْتَخْلَصُ مِن هَذا أنَّ المَلَكُوتَ يُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ في المُلْكِ، وأنَّ المُلْكَ (بِالضَّمِّ) لَمّا كانَ مِلْكًا (بِالكَسْرِ) عَظِيمًا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أيْضًا المَلَكُوتُ.
فَأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مُجازٌ عَلى كِلا الإطْلاقَيْنِ لِأنَّهُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، وهو المَمْلُوكُ، كالخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ، إمّا مِنَ المِلْكِ بِكَسْرِ المِيمِ أوْ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّها.
وإضافَةُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى مَعْنى (في) . والمَعْنى ما يَشْمَلُهُ المُلْكُ أوِ المِلْكُ، والمُرادُ مُلْكُ اللَّهِ. والمَعْنى نَكْشِفُ لِإبْراهِيمَ دَلائِلَ مَخْلُوقاتِنا أوْ عَظَمَةَ سُلْطانِنا كَشْفًا يُطْلِعُهُ عَلى حَقائِقِها ومَعْرِفَةِ أنْ لا خالِقَ ولا مُتَصَرِّفَ فِيما كَشَفْنا لَهُ سِوانا.
وعَطْفُ قَوْلِهِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ عَلى قَوْلِهِ وكَذَلِكَ لِأنَّ وكَذَلِكَ أفادَ كَوْنَ المُشَبَّهِ بِهِ تَعْلِيمًا فائِقًا. فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ المُشَبَّهَ بِهِ عِلَّةٌ لِأمْرٍ مُهِمٍّ هو مِن جِنْسِ المُشَبَّهِ بِهِ. فالتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ إراءَ تَبْصِيرٍ وفَهْمٍ لِيَعْلَمَ عِلْمًا عَلى وفْقٍ لِذَلِكَ التَّفْهِيمِ، وهو العِلْمُ الكامِلُ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والمُوقِنُ هو العالِمُ عِلْمًا لا يَقْبَلُ الشَّكَّ، وهو الإيقانُ. والمُرادُ الإيقانُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: ولِيَكُونَ مُوقِنًا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
الأنعام 6:76
صفحة ٣١٧
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.
وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.
ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
صفحة ٣١٨
يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.
واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ الكَوْكَبِ مِن بَيْنِ الكَواكِبِ ولَكِنَّ إجْراءَهُ عَلى نَظِيرَيْهِ في قَوْلِهِ حِينَ رَأى القَمَرَ وحِينَ رَأى الشَّمْسَ هَذا رَبِّي، هَذا رَبِّي يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ الأصْلِيُّ مِنهُ هو الكِنايَةُ بِالإشارَةِ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ فَإذا عُثِرَ عَلَيْهِ أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَلِكَ كالإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] ولَمْ يُقَلْ فَهو الَّذِي لُمْتُنَّنِي. ولَعَلَّ مِنهُ قَوْلَهُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] إذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ﴿بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّ عَلِيًّا وشَأْنُهُ هو الجارِي في خَواطِرِ النّاسِ أيّامَ صِفِّينَ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ، وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ: «فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ»
صفحة ٣١٩
بِهَذا الرَّجُلِ (يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ)، وهَذا مِنَ الأغْراضِ الدّاعِيَةِ لِلتَّعْرِيفِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّتِي أهْمَلَها عُلَماءُ البَلاغَةِ فَيَصِحُّ هُنا أنْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ والكِنايَةِ.
وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبٌّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ اسْتِدْراجَ قَوْمِهِ فابْتَدَأ بِإظْهارِ أنَّهُ لا يَرى تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ واسْتَبْقى واحِدًا مِن مَعْبُوداتِهِمْ فَفَرَضَ اسْتِحْقاقَهُ الإلَهِيَّةَ كَيْلا يَنْفِرُوا مِنَ الإصْغاءِ إلى اسْتِدْلالِهِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إنَّهُ خاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأنَّ القَوْلَ حَقِيقَتُهُ الكَلامُ، وإنَّما يُساقُ الكَلامُ إلى مُخاطَبٍ.
ولِذَلِكَ كانَتْ حَقِيقَةُ القَوْلِ هي ظاهِرُ الآيَةِ مِن لَفْظِها ومِن تَرْتِيبِ نَظْمِها إذْ رَتَّبَ قَوْلَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ورَتَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] الآيَةَ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما يَقُولُهُ لِمُخاطَبٍ، ولِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، ولِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى إبْطالِ كَوْنِ الكَواكِبِ آلِهَةً واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ بُطْلانُ إلَهِيَّةِ أجْرامٍ أُخْرى لَوْلا أنَّ ذَلِكَ هو مُدَّعى قَوْمِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُجادَلَةِ لِقَوْمِهِ وإرْخاءِ العِنانِ لَهم لِيَصِلُوا إلى تَلَقِّي الحُجَّةِ ولا يَنْفِرُوا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِن قَوْمِهِ وأرادَ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا رَبِّي﴾ أيْ خالِقِي ومُدَبِّرِي فَهو مُسْتَحِقٌّ عِبادَتِي. قالَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ جَرْيًا عَلى مُعْتَقَدِ قَوْمِهِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى نَقْضِ اعْتِقادِهِمْ فَأظْهَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهم لِيَهَشُّوا إلى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالإبْطالِ إظْهارًا لِلْإنْصافِ وطَلَبِ الحَقِّ. ولا يَرِيبُكَ في هَذا أنَّ صُدُورَ ما ظاهِرُهُ كُفْرٌ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّهُ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلى إرْشادِ قَوْمِهِ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، واجْتَهَدَ فَرَآهُ أرْجى لِلْقَبُولِ عِنْدَهم ساغَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِقَصْدِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ وهو لا يَعْتَقِدُهُ، ولا يَزِيدُ قَوْلُهُ هَذا قَوْمَهُ كُفْرًا، كالَّذِي يُكْرَهُ عَلى أنْ يَقُولَ
صفحة ٣٢٠
كَلِمَةَ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ لِحِفْظِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وإنْقاذِها مِنَ الهَلاكِ كانَ جَوازُهُ لِإنْقاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْلى. وقَدْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ.
وعَلى هَذا فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وأنَّهم عَلى دِينِ الصّابِئَةِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ الدِّينُ شائِعًا في بُلْدانِ الكِلْدانِ الَّتِي نَشَأ فِيها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها أرادُوا بِها أنَّها صُوَرٌ لِلْكَواكِبِ وتَماثِيلُ لَها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ وأساطِيرِهِمْ مِثْلَما كانَ عَلَيْهِ اليُونانُ القُدَماءُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَبَدُوا الكَواكِبَ وعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرى عَلى أنَّها دُونَ الكَواكِبِ كَما كانَ اليُونانُ يُقَسِّمُونَ المَعْبُوداتِ إلى آلِهَةٍ وأنْصافِ آلِهَةٍ. عَلى أنَّ الصّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الكَواكِبَ رُوحانِيّاتٌ تَخْدِمُها.
وأفَلَ النَّجْمُ أُفُولًا: غابَ، والأُفُولُ خاصٌّ بِغِيابِ النَّيِّراتِ السَّماوِيَّةِ، يُقالُ: أفَلَ النَّجْمُ وأفَلَتِ الشَّمْسُ، وهو المَغِيبُ الَّذِي يَكُونُ بِغُرُوبِ الكَوْكَبِ وراءَ الأُفُقِ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ اليَوْمِيَّةِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَلا يُقالُ: أفَلَتِ الشَّمْسُ أوْ أفَلَ النَّجْمُ إذا احْتَجَبَ بِسَحابٍ.
وقَوْلُهُ ”لا أُحِبُّ“ الحُبُّ فِيهِ بِمَعْنى الرِّضى والإرادَةِ، أيْ لا أرْضى بِالآفِلِ إلَهًا، أوْ لا أُرِيدُ الآفِلَ إلَهًا. وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَحَبَّةِ هو إرادَتُهُ إلَهًا لَهُ بِقَوْلِهِ هَذا رَبِّي. وإطْلاقُ المُحِبَّةِ عَلى الإرادَةِ شائِعٌ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] . وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ.
وجاءَ بِـ الآفِلِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ قَوْمِهِ أنَّ الكَواكِبَ عاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ في الأكْوانِ، ولا يَكُونُ المَوْجُودُ مَعْبُودًا إلّا وهو عالِمٌ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ أنَّ الأُفُولَ مَغِيبٌ وابْتِعادٌ عَنِ النّاسِ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ يَكُونَ دائِمَ المُراقَبَةِ لِتَدْبِيرِ عِبادِهِ فَلَمّا أفَلَ النَّجْمُ كانَ في حالَةِ أُفُولِهِ مَحْجُوبًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى النّاسِ، وقَدْ بَنى هَذا الِاسْتِدْلالَ عَلى ما هو شائِعٌ عِنْدَ القَوْمِ مِن كَوْنِ أُفُولِ النَّجْمِ مَغِيبًا عَنْ هَذا العالَمِ، يَعْنِي أنَّ ما يَغِيبُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا
صفحة ٣٢١
لِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْ عِبادِهِ فِيما يَحْتاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ. ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ مَنظُورًا فِيهِ إلى التَّغَيُّرِ لِأنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ المُلازَمَةَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وانْتِفاءِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ الأُفُولَ لَيْسَ بِتَغَيُّرٍ في ذاتِ الكَوْكَبِ بَلْ هو عَرَضٌ لِلْأبْصارِ المُشاهِدَةِ لَهُ، أمّا الكَوْكَبُ فَهو باقٍ في فَلَكِهِ ونِظامِهِ يَغِيبُ ويَعُودُ إلى الظُّهُورِ وقَوْمُ إبْراهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهم.
ولِأجْلِ هَذا احْتَجَّ بِحالَةِ الأُفُولِ دُونَ حالَةِ البُزُوغِ فَإنَّ البُزُوغَ وإنْ كانَ طَرَأ بَعْدَ أُفُولٍ لَكِنَّ الأُفُولَ السّابِقَ غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهم فَكانَ الأُفُولُ أخْصَرَ في الِاحْتِجاجِ مِن أنْ يَقُولَ إنَّ هَذا البازِغَ كانَ مِن قَبْلُ آفِلًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ إلخ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ. والتَّقْدِيرُ: فَطَلَعَ القَمَرُ فَلَمّا رَآهُ بازِغًا، فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ لِلْإيجازِ وهو يَقْتَضِي أنَّ القَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ولَعَلَّهُ اخْتارَ لِمُحاجَّةِ قَوْمِهِ الوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الكَوْكَبُ ويَطْلُعُ بِقُرْبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ كانَ آخِرَ اللَّيْلِ لِيَعْقُبَهُما طُلُوعُ الشَّمْسِ. وأظْهَرَ اسْمَ القَمَرَ لِأنَّهُ حَذَفَ مُعادَ الضَّمِيرِ.
والبازِغُ: الشّارِقُ في ابْتِداءِ شُرُوقِهِ، والبُزُوغُ ابْتِداءُ الشُّرُوقِ.
وقَوْلُهُ هَذا رَبِّي أفادَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ أنَّهُ أكْثَرُ ضَوْءًا مِنَ الكَوْكَبِ فَإذا كانَ اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فالَّذِي هو أشَدُّ نُورًا أوْلى بِها مِنَ الأضْعَفِ. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ خاصَّةً وهو كَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ قَوْمِهِ لِلنَّظَرِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ وأنَّهُ واحِدٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ والقَمَرَ كِلَيْهِما لا يَسْتَحِقّانِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ عَرَّضَ في كَلامِهِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وهم لا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم قائِلُونَ بِعِدَّةِ أرْبابٍ. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِ قَوْمِهِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ الكَواكِبِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِقَوْمِهِ أنَّهم ضالُّونَ وهَيَّأهم قَبْلَ المُصارَحَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم ضالُّونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ يُدْخِلُ عَلى
صفحة ٣٢٢
نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ أنْ يَكُونَ ضَلالًا، ولِأجْلِ هَذا التَّعْرِيضِ لَمْ يَقُلْ: لَأكُونَنَّ ضالًّا، وقالَ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ لِيُشِيرَ إلى أنَّ في النّاسِ قَوْمًا ضالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ.
وإنَّما تَرَيَّثَ إلى أُفُولِ القَمَرِ فاسْتَدَلَّ بِهِ عَلى انْتِفاءِ الهَيْئَةِ ولَمْ يَنْفِها عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ بازِغًا مَعَ أنَّ أُفُولَهُ مُحَقَّقٌ بِحَسْبِ المُعْتادِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقِيمَ الِاسْتِدْلالَ عَلى أساسِ المُشاهَدَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في العُقُولِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ في الصَّباحِ بَعْدَ أنْ أفَلَ القَمَرُ، وذَلِكَ في إحْدى اللَّيالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيها القَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ كُلَّهُ وقَعَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ لِلشَّمْسِ هَذا رَبِّي باسِمِ إشارَةِ المُذَكَّرِ مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَنَّثِ، لِأنَّهُ اعْتَبَرَها رَبًّا، فَرُوعِيَ في الإشارَةِ مَعْنى الخَبَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الجِرْمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الشَّمْسَ تَبَيَّنَ أنَّهُ هو رَبِّي.
وجُمْلَةُ ”هَذا أكْبَرُ“ جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”هَذا رَبِّي“ المُقْتَضِيَةِ نَقْضَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ وحَصْرَ الرُّبُوبِيَّةِ في الشَّمْسِ ونَفْيَها عَنِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أيْ هو أكْبَرُ مِنهُما، يَعْنِي أنَّ الأكْبَرَ الأكْثَرَ إضاءَةً أوْلى بِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، إقْناعٌ لَهم بِأنْ لا يُحاوِلُوا مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا انْتَفى اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ عَنْ أعْظَمِ الكَواكِبِ الَّتِي عَبَدُوها فَقَدِ انْتَفى عَمّا دُونَها بِالأحْرى.
والبَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن بَرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ لا غَيْرَ يَبْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ لا غَيْرَ بِمَعْنى تَفَصّى وتَنَزَّهَ ونَفى المُخالَطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . ومِنهُ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] و﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] و﴿ما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] . فَمَعْنى قَوْلِهِ بَرِيءٌ هُنا أنَّهُ لا صِلَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ. والصِّلَةُ في هَذا المَقامِ هي العِبادَةُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ مُرادًا بِهِ الأصْنامُ، أوْ هي التَّلَبُّسُ والِاتِّباعُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ.
صفحة ٣٢٣
والأظْهَرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ ما تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أيْ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] لِأنَّ الغالِبَ في فِعْلِ البَراءَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّواتِ، ولِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ مِن إشْراكِكم، أيْ لا أتَقَلَّدُهُ.
وتَسْمِيَتُهُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ إشْراكًا لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ كَما كانَ إشْراكُ العَرَبِ وهو ظاهِرُ آيِ القُرْآنِ حَيْثُ ورَدَ فِيها الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المُناسِبُ لِضَرْبِ المَثَلِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، ولِقَوْلِهِ الآتِي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، لِأنَّ البَراءَةَ مِنَ الإشْراكِ تَشْتَمِلُ عَلى تَوْجِيهِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، وهو إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ. والوَجْهُ في قَوْلِهِ وجْهِي حَقِيقَةٌ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجِهَةِ والوِجْهَةِ، أيْ صَرَفْتُهُ إلى جِهَةٍ، أيْ جَعَلْتُ كَذا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُها. يُقالُ: وجَّهَهُ فَتَوَجَّهَ إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ. ويُقالُ لِلْمَكانِ المَقْصُودِ وِجْهَةٌ بِكَسْرِ الواوِ، وكَأنَّهم صاغُوهُ عَلى زِنَةِ الهَيْئَةِ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّ القاصِدَ إلى مَكانٍ يَقْصِدُهُ مِن نَحْوِ وجْهِهِ، وفَعَلُوهُ عَلى زِنَةِ الفِعْلَةِ بِكَسْرِ الفاءِ لِأنَّ قاصِدَ المَكانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ في وجْهِهِ وهي هَيْئَةُ العَزْمِ وتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنى ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ صَرَفْتُهُ وأدَرْتُهُ. وهَذا تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِ عَنِ الأصْنامِ وقَصْدِهِ إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ بِمَنِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَيْئًا وقَصَدَهُ وانْصَرَفَ عَنْ غَيْرِهِ.
وأُتِيَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِيُومِئَ إلى عِلَّةِ تَوَجُّهِهِ إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّ الكَواكِبَ مِن مَوْجُوداتِ السَّماءِ، والأصْنامَ مِن مَوْجُوداتِ الأرْضِ فَهي مَفْطُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وفِعْلُ وجَّهَ يَتَعَدّى إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ إذا أُرِيدَ أنَّهُ انْصَرَفَ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ الشَّيْءُ المَقْصُودُ مُراعًى إرْضاؤُهُ
صفحة ٣٢٤
وطاعَتُهُ كَما تَقُولُ: تَوَجَّهْتُ لِلْحَبِيبِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ تَعَدِّيهِ هُنا بِاللّامِ، لِأنَّ في هَذا التَّوَجُّهِ إرْضاءً وطاعَةً.
وفَطَرَ: خَلَقَ، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ. يُقالُ فُطِرَ فُطُورًا إذا شُقَّ قالَ تَعالى ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيِ اخْتِلالٍ، شَبَّهَ الخَلْقَ بِصِناعَةِ الجِلْدِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ الصّانِعَ يَشُقُّ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يَصْنَعَهُ، وهَذا كَما يُقالُ: الفَتْقُ والفَلْقُ، فَأُطْلِقَ الفَطْرُ عَلى إيجادِ الشَّيْءِ وإبْداعِهِ عَلى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ.
و”حَنِيفًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وجَّهْتُ. وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالمُشْرِكِينَ وفي عِدادِهِمْ.
فَلَمّا تَبَرَّأ مِن أصْنامِهِمْ تَبَرَأ مِنَ القَوْمِ، وقَدْ جَمَعَهُما أيْضًا في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ إذْ قالَ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾، وإنَّما عُطِفَتْ لِأنَّها قُصِدَ مِنها التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وهَذا قَدْ جَرَيْنا فِيهِ عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى النَّيِّراتِ ”هَذا رَبِّي“ هو مُناظَرَةٌ لِقَوْمِهِ واسْتِدْراجٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ مُوقِنًا بِنَفْيِ إلَهِيَّتِها، وهو المُناسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبُطْلانِ الإشْراكِ وبِالحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِها عَلى قَوْمِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ ذَلِكَ كانَ نَظَرًا واسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ لِأنَّهُ طَلَبُ هِدايَةٍ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ أيْ لِأجْلِ أداةِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ هَذا بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ لِتَنْبِيهِ قَوْمِهِ إلى أنَّ لَهم رَبًّا بِيَدِهِ الهِدايَةُ، كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلامُهُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْرِيضِ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُرادًا بِهِ الدَّوامُ عَلى الهِدايَةِ والزِّيادَةِ فِيها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ الهِدايَةَ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى لا يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ.
صفحة ٣٢٥
فَإذا بَنَيْنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ اسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ قَبْلَ الجَزْمِ بِالتَّوْحِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] مَعْناهُ نُرِيهِ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ نُوحِيَ إلَيْهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ بِمَعْنى نَظَرَ في السَّماءِ فَرَأى هَذا الكَوْكَبَ ولَمْ يَكُنْ نَظَرَ في ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ قَوْلًا في نَفْسِهِ عَلى نَحْوِ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ المُفَكِّرُ في نَفْسِهِ، وهو حَدِيثُ النَّفْسِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ في كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا وأنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَـمْ يَصِـدِ
وقَوْلِ العَجّاجِ في ثَوْرٍ وحْشِيٍّ:
ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَّفْكِـيرِ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ
وقَوْلِهِ هَذا رَبِّي وقَوْلِهِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقائِقِهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الحَقِيقِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ هو ابْتِداءُ خِطابِهِ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ الحَقُّ لَهُ فَأعْلَنَ بِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ حِينَئِذٍ.
الأنعام 6:77
صفحة ٣١٧
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.
وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.
ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
صفحة ٣١٨
يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.
واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ الكَوْكَبِ مِن بَيْنِ الكَواكِبِ ولَكِنَّ إجْراءَهُ عَلى نَظِيرَيْهِ في قَوْلِهِ حِينَ رَأى القَمَرَ وحِينَ رَأى الشَّمْسَ هَذا رَبِّي، هَذا رَبِّي يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ الأصْلِيُّ مِنهُ هو الكِنايَةُ بِالإشارَةِ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ فَإذا عُثِرَ عَلَيْهِ أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَلِكَ كالإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] ولَمْ يُقَلْ فَهو الَّذِي لُمْتُنَّنِي. ولَعَلَّ مِنهُ قَوْلَهُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] إذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ﴿بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّ عَلِيًّا وشَأْنُهُ هو الجارِي في خَواطِرِ النّاسِ أيّامَ صِفِّينَ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ، وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ: «فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ»
صفحة ٣١٩
بِهَذا الرَّجُلِ (يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ)، وهَذا مِنَ الأغْراضِ الدّاعِيَةِ لِلتَّعْرِيفِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّتِي أهْمَلَها عُلَماءُ البَلاغَةِ فَيَصِحُّ هُنا أنْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ والكِنايَةِ.
وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبٌّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ اسْتِدْراجَ قَوْمِهِ فابْتَدَأ بِإظْهارِ أنَّهُ لا يَرى تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ واسْتَبْقى واحِدًا مِن مَعْبُوداتِهِمْ فَفَرَضَ اسْتِحْقاقَهُ الإلَهِيَّةَ كَيْلا يَنْفِرُوا مِنَ الإصْغاءِ إلى اسْتِدْلالِهِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إنَّهُ خاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأنَّ القَوْلَ حَقِيقَتُهُ الكَلامُ، وإنَّما يُساقُ الكَلامُ إلى مُخاطَبٍ.
ولِذَلِكَ كانَتْ حَقِيقَةُ القَوْلِ هي ظاهِرُ الآيَةِ مِن لَفْظِها ومِن تَرْتِيبِ نَظْمِها إذْ رَتَّبَ قَوْلَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ورَتَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] الآيَةَ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما يَقُولُهُ لِمُخاطَبٍ، ولِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، ولِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى إبْطالِ كَوْنِ الكَواكِبِ آلِهَةً واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ بُطْلانُ إلَهِيَّةِ أجْرامٍ أُخْرى لَوْلا أنَّ ذَلِكَ هو مُدَّعى قَوْمِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُجادَلَةِ لِقَوْمِهِ وإرْخاءِ العِنانِ لَهم لِيَصِلُوا إلى تَلَقِّي الحُجَّةِ ولا يَنْفِرُوا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِن قَوْمِهِ وأرادَ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا رَبِّي﴾ أيْ خالِقِي ومُدَبِّرِي فَهو مُسْتَحِقٌّ عِبادَتِي. قالَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ جَرْيًا عَلى مُعْتَقَدِ قَوْمِهِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى نَقْضِ اعْتِقادِهِمْ فَأظْهَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهم لِيَهَشُّوا إلى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالإبْطالِ إظْهارًا لِلْإنْصافِ وطَلَبِ الحَقِّ. ولا يَرِيبُكَ في هَذا أنَّ صُدُورَ ما ظاهِرُهُ كُفْرٌ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّهُ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلى إرْشادِ قَوْمِهِ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، واجْتَهَدَ فَرَآهُ أرْجى لِلْقَبُولِ عِنْدَهم ساغَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِقَصْدِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ وهو لا يَعْتَقِدُهُ، ولا يَزِيدُ قَوْلُهُ هَذا قَوْمَهُ كُفْرًا، كالَّذِي يُكْرَهُ عَلى أنْ يَقُولَ
صفحة ٣٢٠
كَلِمَةَ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ لِحِفْظِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وإنْقاذِها مِنَ الهَلاكِ كانَ جَوازُهُ لِإنْقاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْلى. وقَدْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ.
وعَلى هَذا فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وأنَّهم عَلى دِينِ الصّابِئَةِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ الدِّينُ شائِعًا في بُلْدانِ الكِلْدانِ الَّتِي نَشَأ فِيها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها أرادُوا بِها أنَّها صُوَرٌ لِلْكَواكِبِ وتَماثِيلُ لَها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ وأساطِيرِهِمْ مِثْلَما كانَ عَلَيْهِ اليُونانُ القُدَماءُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَبَدُوا الكَواكِبَ وعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرى عَلى أنَّها دُونَ الكَواكِبِ كَما كانَ اليُونانُ يُقَسِّمُونَ المَعْبُوداتِ إلى آلِهَةٍ وأنْصافِ آلِهَةٍ. عَلى أنَّ الصّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الكَواكِبَ رُوحانِيّاتٌ تَخْدِمُها.
وأفَلَ النَّجْمُ أُفُولًا: غابَ، والأُفُولُ خاصٌّ بِغِيابِ النَّيِّراتِ السَّماوِيَّةِ، يُقالُ: أفَلَ النَّجْمُ وأفَلَتِ الشَّمْسُ، وهو المَغِيبُ الَّذِي يَكُونُ بِغُرُوبِ الكَوْكَبِ وراءَ الأُفُقِ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ اليَوْمِيَّةِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَلا يُقالُ: أفَلَتِ الشَّمْسُ أوْ أفَلَ النَّجْمُ إذا احْتَجَبَ بِسَحابٍ.
وقَوْلُهُ ”لا أُحِبُّ“ الحُبُّ فِيهِ بِمَعْنى الرِّضى والإرادَةِ، أيْ لا أرْضى بِالآفِلِ إلَهًا، أوْ لا أُرِيدُ الآفِلَ إلَهًا. وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَحَبَّةِ هو إرادَتُهُ إلَهًا لَهُ بِقَوْلِهِ هَذا رَبِّي. وإطْلاقُ المُحِبَّةِ عَلى الإرادَةِ شائِعٌ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] . وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ.
وجاءَ بِـ الآفِلِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ قَوْمِهِ أنَّ الكَواكِبَ عاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ في الأكْوانِ، ولا يَكُونُ المَوْجُودُ مَعْبُودًا إلّا وهو عالِمٌ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ أنَّ الأُفُولَ مَغِيبٌ وابْتِعادٌ عَنِ النّاسِ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ يَكُونَ دائِمَ المُراقَبَةِ لِتَدْبِيرِ عِبادِهِ فَلَمّا أفَلَ النَّجْمُ كانَ في حالَةِ أُفُولِهِ مَحْجُوبًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى النّاسِ، وقَدْ بَنى هَذا الِاسْتِدْلالَ عَلى ما هو شائِعٌ عِنْدَ القَوْمِ مِن كَوْنِ أُفُولِ النَّجْمِ مَغِيبًا عَنْ هَذا العالَمِ، يَعْنِي أنَّ ما يَغِيبُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا
صفحة ٣٢١
لِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْ عِبادِهِ فِيما يَحْتاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ. ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ مَنظُورًا فِيهِ إلى التَّغَيُّرِ لِأنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ المُلازَمَةَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وانْتِفاءِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ الأُفُولَ لَيْسَ بِتَغَيُّرٍ في ذاتِ الكَوْكَبِ بَلْ هو عَرَضٌ لِلْأبْصارِ المُشاهِدَةِ لَهُ، أمّا الكَوْكَبُ فَهو باقٍ في فَلَكِهِ ونِظامِهِ يَغِيبُ ويَعُودُ إلى الظُّهُورِ وقَوْمُ إبْراهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهم.
ولِأجْلِ هَذا احْتَجَّ بِحالَةِ الأُفُولِ دُونَ حالَةِ البُزُوغِ فَإنَّ البُزُوغَ وإنْ كانَ طَرَأ بَعْدَ أُفُولٍ لَكِنَّ الأُفُولَ السّابِقَ غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهم فَكانَ الأُفُولُ أخْصَرَ في الِاحْتِجاجِ مِن أنْ يَقُولَ إنَّ هَذا البازِغَ كانَ مِن قَبْلُ آفِلًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ إلخ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ. والتَّقْدِيرُ: فَطَلَعَ القَمَرُ فَلَمّا رَآهُ بازِغًا، فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ لِلْإيجازِ وهو يَقْتَضِي أنَّ القَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ولَعَلَّهُ اخْتارَ لِمُحاجَّةِ قَوْمِهِ الوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الكَوْكَبُ ويَطْلُعُ بِقُرْبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ كانَ آخِرَ اللَّيْلِ لِيَعْقُبَهُما طُلُوعُ الشَّمْسِ. وأظْهَرَ اسْمَ القَمَرَ لِأنَّهُ حَذَفَ مُعادَ الضَّمِيرِ.
والبازِغُ: الشّارِقُ في ابْتِداءِ شُرُوقِهِ، والبُزُوغُ ابْتِداءُ الشُّرُوقِ.
وقَوْلُهُ هَذا رَبِّي أفادَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ أنَّهُ أكْثَرُ ضَوْءًا مِنَ الكَوْكَبِ فَإذا كانَ اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فالَّذِي هو أشَدُّ نُورًا أوْلى بِها مِنَ الأضْعَفِ. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ خاصَّةً وهو كَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ قَوْمِهِ لِلنَّظَرِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ وأنَّهُ واحِدٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ والقَمَرَ كِلَيْهِما لا يَسْتَحِقّانِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ عَرَّضَ في كَلامِهِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وهم لا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم قائِلُونَ بِعِدَّةِ أرْبابٍ. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِ قَوْمِهِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ الكَواكِبِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِقَوْمِهِ أنَّهم ضالُّونَ وهَيَّأهم قَبْلَ المُصارَحَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم ضالُّونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ يُدْخِلُ عَلى
صفحة ٣٢٢
نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ أنْ يَكُونَ ضَلالًا، ولِأجْلِ هَذا التَّعْرِيضِ لَمْ يَقُلْ: لَأكُونَنَّ ضالًّا، وقالَ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ لِيُشِيرَ إلى أنَّ في النّاسِ قَوْمًا ضالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ.
وإنَّما تَرَيَّثَ إلى أُفُولِ القَمَرِ فاسْتَدَلَّ بِهِ عَلى انْتِفاءِ الهَيْئَةِ ولَمْ يَنْفِها عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ بازِغًا مَعَ أنَّ أُفُولَهُ مُحَقَّقٌ بِحَسْبِ المُعْتادِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقِيمَ الِاسْتِدْلالَ عَلى أساسِ المُشاهَدَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في العُقُولِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ في الصَّباحِ بَعْدَ أنْ أفَلَ القَمَرُ، وذَلِكَ في إحْدى اللَّيالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيها القَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ كُلَّهُ وقَعَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ لِلشَّمْسِ هَذا رَبِّي باسِمِ إشارَةِ المُذَكَّرِ مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَنَّثِ، لِأنَّهُ اعْتَبَرَها رَبًّا، فَرُوعِيَ في الإشارَةِ مَعْنى الخَبَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الجِرْمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الشَّمْسَ تَبَيَّنَ أنَّهُ هو رَبِّي.
وجُمْلَةُ ”هَذا أكْبَرُ“ جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”هَذا رَبِّي“ المُقْتَضِيَةِ نَقْضَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ وحَصْرَ الرُّبُوبِيَّةِ في الشَّمْسِ ونَفْيَها عَنِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أيْ هو أكْبَرُ مِنهُما، يَعْنِي أنَّ الأكْبَرَ الأكْثَرَ إضاءَةً أوْلى بِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، إقْناعٌ لَهم بِأنْ لا يُحاوِلُوا مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا انْتَفى اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ عَنْ أعْظَمِ الكَواكِبِ الَّتِي عَبَدُوها فَقَدِ انْتَفى عَمّا دُونَها بِالأحْرى.
والبَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن بَرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ لا غَيْرَ يَبْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ لا غَيْرَ بِمَعْنى تَفَصّى وتَنَزَّهَ ونَفى المُخالَطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . ومِنهُ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] و﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] و﴿ما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] . فَمَعْنى قَوْلِهِ بَرِيءٌ هُنا أنَّهُ لا صِلَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ. والصِّلَةُ في هَذا المَقامِ هي العِبادَةُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ مُرادًا بِهِ الأصْنامُ، أوْ هي التَّلَبُّسُ والِاتِّباعُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ.
صفحة ٣٢٣
والأظْهَرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ ما تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أيْ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] لِأنَّ الغالِبَ في فِعْلِ البَراءَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّواتِ، ولِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ مِن إشْراكِكم، أيْ لا أتَقَلَّدُهُ.
وتَسْمِيَتُهُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ إشْراكًا لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ كَما كانَ إشْراكُ العَرَبِ وهو ظاهِرُ آيِ القُرْآنِ حَيْثُ ورَدَ فِيها الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المُناسِبُ لِضَرْبِ المَثَلِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، ولِقَوْلِهِ الآتِي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، لِأنَّ البَراءَةَ مِنَ الإشْراكِ تَشْتَمِلُ عَلى تَوْجِيهِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، وهو إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ. والوَجْهُ في قَوْلِهِ وجْهِي حَقِيقَةٌ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجِهَةِ والوِجْهَةِ، أيْ صَرَفْتُهُ إلى جِهَةٍ، أيْ جَعَلْتُ كَذا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُها. يُقالُ: وجَّهَهُ فَتَوَجَّهَ إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ. ويُقالُ لِلْمَكانِ المَقْصُودِ وِجْهَةٌ بِكَسْرِ الواوِ، وكَأنَّهم صاغُوهُ عَلى زِنَةِ الهَيْئَةِ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّ القاصِدَ إلى مَكانٍ يَقْصِدُهُ مِن نَحْوِ وجْهِهِ، وفَعَلُوهُ عَلى زِنَةِ الفِعْلَةِ بِكَسْرِ الفاءِ لِأنَّ قاصِدَ المَكانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ في وجْهِهِ وهي هَيْئَةُ العَزْمِ وتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنى ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ صَرَفْتُهُ وأدَرْتُهُ. وهَذا تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِ عَنِ الأصْنامِ وقَصْدِهِ إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ بِمَنِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَيْئًا وقَصَدَهُ وانْصَرَفَ عَنْ غَيْرِهِ.
وأُتِيَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِيُومِئَ إلى عِلَّةِ تَوَجُّهِهِ إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّ الكَواكِبَ مِن مَوْجُوداتِ السَّماءِ، والأصْنامَ مِن مَوْجُوداتِ الأرْضِ فَهي مَفْطُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وفِعْلُ وجَّهَ يَتَعَدّى إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ إذا أُرِيدَ أنَّهُ انْصَرَفَ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ الشَّيْءُ المَقْصُودُ مُراعًى إرْضاؤُهُ
صفحة ٣٢٤
وطاعَتُهُ كَما تَقُولُ: تَوَجَّهْتُ لِلْحَبِيبِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ تَعَدِّيهِ هُنا بِاللّامِ، لِأنَّ في هَذا التَّوَجُّهِ إرْضاءً وطاعَةً.
وفَطَرَ: خَلَقَ، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ. يُقالُ فُطِرَ فُطُورًا إذا شُقَّ قالَ تَعالى ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيِ اخْتِلالٍ، شَبَّهَ الخَلْقَ بِصِناعَةِ الجِلْدِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ الصّانِعَ يَشُقُّ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يَصْنَعَهُ، وهَذا كَما يُقالُ: الفَتْقُ والفَلْقُ، فَأُطْلِقَ الفَطْرُ عَلى إيجادِ الشَّيْءِ وإبْداعِهِ عَلى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ.
و”حَنِيفًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وجَّهْتُ. وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالمُشْرِكِينَ وفي عِدادِهِمْ.
فَلَمّا تَبَرَّأ مِن أصْنامِهِمْ تَبَرَأ مِنَ القَوْمِ، وقَدْ جَمَعَهُما أيْضًا في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ إذْ قالَ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾، وإنَّما عُطِفَتْ لِأنَّها قُصِدَ مِنها التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وهَذا قَدْ جَرَيْنا فِيهِ عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى النَّيِّراتِ ”هَذا رَبِّي“ هو مُناظَرَةٌ لِقَوْمِهِ واسْتِدْراجٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ مُوقِنًا بِنَفْيِ إلَهِيَّتِها، وهو المُناسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبُطْلانِ الإشْراكِ وبِالحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِها عَلى قَوْمِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ ذَلِكَ كانَ نَظَرًا واسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ لِأنَّهُ طَلَبُ هِدايَةٍ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ أيْ لِأجْلِ أداةِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ هَذا بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ لِتَنْبِيهِ قَوْمِهِ إلى أنَّ لَهم رَبًّا بِيَدِهِ الهِدايَةُ، كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلامُهُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْرِيضِ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُرادًا بِهِ الدَّوامُ عَلى الهِدايَةِ والزِّيادَةِ فِيها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ الهِدايَةَ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى لا يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ.
صفحة ٣٢٥
فَإذا بَنَيْنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ اسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ قَبْلَ الجَزْمِ بِالتَّوْحِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] مَعْناهُ نُرِيهِ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ نُوحِيَ إلَيْهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ بِمَعْنى نَظَرَ في السَّماءِ فَرَأى هَذا الكَوْكَبَ ولَمْ يَكُنْ نَظَرَ في ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ قَوْلًا في نَفْسِهِ عَلى نَحْوِ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ المُفَكِّرُ في نَفْسِهِ، وهو حَدِيثُ النَّفْسِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ في كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا وأنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَـمْ يَصِـدِ
وقَوْلِ العَجّاجِ في ثَوْرٍ وحْشِيٍّ:
ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَّفْكِـيرِ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ
وقَوْلِهِ هَذا رَبِّي وقَوْلِهِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقائِقِهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الحَقِيقِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ هو ابْتِداءُ خِطابِهِ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ الحَقُّ لَهُ فَأعْلَنَ بِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ حِينَئِذٍ.
الأنعام 6:78
صفحة ٣١٧
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.
وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.
ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
صفحة ٣١٨
يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.
واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ الكَوْكَبِ مِن بَيْنِ الكَواكِبِ ولَكِنَّ إجْراءَهُ عَلى نَظِيرَيْهِ في قَوْلِهِ حِينَ رَأى القَمَرَ وحِينَ رَأى الشَّمْسَ هَذا رَبِّي، هَذا رَبِّي يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ الأصْلِيُّ مِنهُ هو الكِنايَةُ بِالإشارَةِ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ فَإذا عُثِرَ عَلَيْهِ أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَلِكَ كالإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] ولَمْ يُقَلْ فَهو الَّذِي لُمْتُنَّنِي. ولَعَلَّ مِنهُ قَوْلَهُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] إذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ﴿بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّ عَلِيًّا وشَأْنُهُ هو الجارِي في خَواطِرِ النّاسِ أيّامَ صِفِّينَ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ، وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ: «فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ»
صفحة ٣١٩
بِهَذا الرَّجُلِ (يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ)، وهَذا مِنَ الأغْراضِ الدّاعِيَةِ لِلتَّعْرِيفِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّتِي أهْمَلَها عُلَماءُ البَلاغَةِ فَيَصِحُّ هُنا أنْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ والكِنايَةِ.
وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبٌّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ اسْتِدْراجَ قَوْمِهِ فابْتَدَأ بِإظْهارِ أنَّهُ لا يَرى تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ واسْتَبْقى واحِدًا مِن مَعْبُوداتِهِمْ فَفَرَضَ اسْتِحْقاقَهُ الإلَهِيَّةَ كَيْلا يَنْفِرُوا مِنَ الإصْغاءِ إلى اسْتِدْلالِهِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إنَّهُ خاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأنَّ القَوْلَ حَقِيقَتُهُ الكَلامُ، وإنَّما يُساقُ الكَلامُ إلى مُخاطَبٍ.
ولِذَلِكَ كانَتْ حَقِيقَةُ القَوْلِ هي ظاهِرُ الآيَةِ مِن لَفْظِها ومِن تَرْتِيبِ نَظْمِها إذْ رَتَّبَ قَوْلَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ورَتَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] الآيَةَ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما يَقُولُهُ لِمُخاطَبٍ، ولِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، ولِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى إبْطالِ كَوْنِ الكَواكِبِ آلِهَةً واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ بُطْلانُ إلَهِيَّةِ أجْرامٍ أُخْرى لَوْلا أنَّ ذَلِكَ هو مُدَّعى قَوْمِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُجادَلَةِ لِقَوْمِهِ وإرْخاءِ العِنانِ لَهم لِيَصِلُوا إلى تَلَقِّي الحُجَّةِ ولا يَنْفِرُوا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِن قَوْمِهِ وأرادَ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا رَبِّي﴾ أيْ خالِقِي ومُدَبِّرِي فَهو مُسْتَحِقٌّ عِبادَتِي. قالَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ جَرْيًا عَلى مُعْتَقَدِ قَوْمِهِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى نَقْضِ اعْتِقادِهِمْ فَأظْهَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهم لِيَهَشُّوا إلى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالإبْطالِ إظْهارًا لِلْإنْصافِ وطَلَبِ الحَقِّ. ولا يَرِيبُكَ في هَذا أنَّ صُدُورَ ما ظاهِرُهُ كُفْرٌ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّهُ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلى إرْشادِ قَوْمِهِ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، واجْتَهَدَ فَرَآهُ أرْجى لِلْقَبُولِ عِنْدَهم ساغَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِقَصْدِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ وهو لا يَعْتَقِدُهُ، ولا يَزِيدُ قَوْلُهُ هَذا قَوْمَهُ كُفْرًا، كالَّذِي يُكْرَهُ عَلى أنْ يَقُولَ
صفحة ٣٢٠
كَلِمَةَ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ لِحِفْظِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وإنْقاذِها مِنَ الهَلاكِ كانَ جَوازُهُ لِإنْقاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْلى. وقَدْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ.
وعَلى هَذا فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وأنَّهم عَلى دِينِ الصّابِئَةِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ الدِّينُ شائِعًا في بُلْدانِ الكِلْدانِ الَّتِي نَشَأ فِيها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها أرادُوا بِها أنَّها صُوَرٌ لِلْكَواكِبِ وتَماثِيلُ لَها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ وأساطِيرِهِمْ مِثْلَما كانَ عَلَيْهِ اليُونانُ القُدَماءُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَبَدُوا الكَواكِبَ وعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرى عَلى أنَّها دُونَ الكَواكِبِ كَما كانَ اليُونانُ يُقَسِّمُونَ المَعْبُوداتِ إلى آلِهَةٍ وأنْصافِ آلِهَةٍ. عَلى أنَّ الصّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الكَواكِبَ رُوحانِيّاتٌ تَخْدِمُها.
وأفَلَ النَّجْمُ أُفُولًا: غابَ، والأُفُولُ خاصٌّ بِغِيابِ النَّيِّراتِ السَّماوِيَّةِ، يُقالُ: أفَلَ النَّجْمُ وأفَلَتِ الشَّمْسُ، وهو المَغِيبُ الَّذِي يَكُونُ بِغُرُوبِ الكَوْكَبِ وراءَ الأُفُقِ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ اليَوْمِيَّةِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَلا يُقالُ: أفَلَتِ الشَّمْسُ أوْ أفَلَ النَّجْمُ إذا احْتَجَبَ بِسَحابٍ.
وقَوْلُهُ ”لا أُحِبُّ“ الحُبُّ فِيهِ بِمَعْنى الرِّضى والإرادَةِ، أيْ لا أرْضى بِالآفِلِ إلَهًا، أوْ لا أُرِيدُ الآفِلَ إلَهًا. وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَحَبَّةِ هو إرادَتُهُ إلَهًا لَهُ بِقَوْلِهِ هَذا رَبِّي. وإطْلاقُ المُحِبَّةِ عَلى الإرادَةِ شائِعٌ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] . وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ.
وجاءَ بِـ الآفِلِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ قَوْمِهِ أنَّ الكَواكِبَ عاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ في الأكْوانِ، ولا يَكُونُ المَوْجُودُ مَعْبُودًا إلّا وهو عالِمٌ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ أنَّ الأُفُولَ مَغِيبٌ وابْتِعادٌ عَنِ النّاسِ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ يَكُونَ دائِمَ المُراقَبَةِ لِتَدْبِيرِ عِبادِهِ فَلَمّا أفَلَ النَّجْمُ كانَ في حالَةِ أُفُولِهِ مَحْجُوبًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى النّاسِ، وقَدْ بَنى هَذا الِاسْتِدْلالَ عَلى ما هو شائِعٌ عِنْدَ القَوْمِ مِن كَوْنِ أُفُولِ النَّجْمِ مَغِيبًا عَنْ هَذا العالَمِ، يَعْنِي أنَّ ما يَغِيبُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا
صفحة ٣٢١
لِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْ عِبادِهِ فِيما يَحْتاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ. ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ مَنظُورًا فِيهِ إلى التَّغَيُّرِ لِأنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ المُلازَمَةَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وانْتِفاءِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ الأُفُولَ لَيْسَ بِتَغَيُّرٍ في ذاتِ الكَوْكَبِ بَلْ هو عَرَضٌ لِلْأبْصارِ المُشاهِدَةِ لَهُ، أمّا الكَوْكَبُ فَهو باقٍ في فَلَكِهِ ونِظامِهِ يَغِيبُ ويَعُودُ إلى الظُّهُورِ وقَوْمُ إبْراهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهم.
ولِأجْلِ هَذا احْتَجَّ بِحالَةِ الأُفُولِ دُونَ حالَةِ البُزُوغِ فَإنَّ البُزُوغَ وإنْ كانَ طَرَأ بَعْدَ أُفُولٍ لَكِنَّ الأُفُولَ السّابِقَ غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهم فَكانَ الأُفُولُ أخْصَرَ في الِاحْتِجاجِ مِن أنْ يَقُولَ إنَّ هَذا البازِغَ كانَ مِن قَبْلُ آفِلًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ إلخ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ. والتَّقْدِيرُ: فَطَلَعَ القَمَرُ فَلَمّا رَآهُ بازِغًا، فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ لِلْإيجازِ وهو يَقْتَضِي أنَّ القَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ولَعَلَّهُ اخْتارَ لِمُحاجَّةِ قَوْمِهِ الوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الكَوْكَبُ ويَطْلُعُ بِقُرْبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ كانَ آخِرَ اللَّيْلِ لِيَعْقُبَهُما طُلُوعُ الشَّمْسِ. وأظْهَرَ اسْمَ القَمَرَ لِأنَّهُ حَذَفَ مُعادَ الضَّمِيرِ.
والبازِغُ: الشّارِقُ في ابْتِداءِ شُرُوقِهِ، والبُزُوغُ ابْتِداءُ الشُّرُوقِ.
وقَوْلُهُ هَذا رَبِّي أفادَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ أنَّهُ أكْثَرُ ضَوْءًا مِنَ الكَوْكَبِ فَإذا كانَ اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فالَّذِي هو أشَدُّ نُورًا أوْلى بِها مِنَ الأضْعَفِ. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ خاصَّةً وهو كَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ قَوْمِهِ لِلنَّظَرِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ وأنَّهُ واحِدٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ والقَمَرَ كِلَيْهِما لا يَسْتَحِقّانِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ عَرَّضَ في كَلامِهِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وهم لا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم قائِلُونَ بِعِدَّةِ أرْبابٍ. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِ قَوْمِهِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ الكَواكِبِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِقَوْمِهِ أنَّهم ضالُّونَ وهَيَّأهم قَبْلَ المُصارَحَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم ضالُّونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ يُدْخِلُ عَلى
صفحة ٣٢٢
نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ أنْ يَكُونَ ضَلالًا، ولِأجْلِ هَذا التَّعْرِيضِ لَمْ يَقُلْ: لَأكُونَنَّ ضالًّا، وقالَ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ لِيُشِيرَ إلى أنَّ في النّاسِ قَوْمًا ضالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ.
وإنَّما تَرَيَّثَ إلى أُفُولِ القَمَرِ فاسْتَدَلَّ بِهِ عَلى انْتِفاءِ الهَيْئَةِ ولَمْ يَنْفِها عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ بازِغًا مَعَ أنَّ أُفُولَهُ مُحَقَّقٌ بِحَسْبِ المُعْتادِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقِيمَ الِاسْتِدْلالَ عَلى أساسِ المُشاهَدَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في العُقُولِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ في الصَّباحِ بَعْدَ أنْ أفَلَ القَمَرُ، وذَلِكَ في إحْدى اللَّيالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيها القَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ كُلَّهُ وقَعَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ لِلشَّمْسِ هَذا رَبِّي باسِمِ إشارَةِ المُذَكَّرِ مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَنَّثِ، لِأنَّهُ اعْتَبَرَها رَبًّا، فَرُوعِيَ في الإشارَةِ مَعْنى الخَبَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الجِرْمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الشَّمْسَ تَبَيَّنَ أنَّهُ هو رَبِّي.
وجُمْلَةُ ”هَذا أكْبَرُ“ جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”هَذا رَبِّي“ المُقْتَضِيَةِ نَقْضَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ وحَصْرَ الرُّبُوبِيَّةِ في الشَّمْسِ ونَفْيَها عَنِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أيْ هو أكْبَرُ مِنهُما، يَعْنِي أنَّ الأكْبَرَ الأكْثَرَ إضاءَةً أوْلى بِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، إقْناعٌ لَهم بِأنْ لا يُحاوِلُوا مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا انْتَفى اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ عَنْ أعْظَمِ الكَواكِبِ الَّتِي عَبَدُوها فَقَدِ انْتَفى عَمّا دُونَها بِالأحْرى.
والبَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن بَرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ لا غَيْرَ يَبْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ لا غَيْرَ بِمَعْنى تَفَصّى وتَنَزَّهَ ونَفى المُخالَطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . ومِنهُ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] و﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] و﴿ما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] . فَمَعْنى قَوْلِهِ بَرِيءٌ هُنا أنَّهُ لا صِلَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ. والصِّلَةُ في هَذا المَقامِ هي العِبادَةُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ مُرادًا بِهِ الأصْنامُ، أوْ هي التَّلَبُّسُ والِاتِّباعُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ.
صفحة ٣٢٣
والأظْهَرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ ما تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أيْ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] لِأنَّ الغالِبَ في فِعْلِ البَراءَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّواتِ، ولِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ مِن إشْراكِكم، أيْ لا أتَقَلَّدُهُ.
وتَسْمِيَتُهُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ إشْراكًا لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ كَما كانَ إشْراكُ العَرَبِ وهو ظاهِرُ آيِ القُرْآنِ حَيْثُ ورَدَ فِيها الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المُناسِبُ لِضَرْبِ المَثَلِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، ولِقَوْلِهِ الآتِي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، لِأنَّ البَراءَةَ مِنَ الإشْراكِ تَشْتَمِلُ عَلى تَوْجِيهِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، وهو إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ. والوَجْهُ في قَوْلِهِ وجْهِي حَقِيقَةٌ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجِهَةِ والوِجْهَةِ، أيْ صَرَفْتُهُ إلى جِهَةٍ، أيْ جَعَلْتُ كَذا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُها. يُقالُ: وجَّهَهُ فَتَوَجَّهَ إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ. ويُقالُ لِلْمَكانِ المَقْصُودِ وِجْهَةٌ بِكَسْرِ الواوِ، وكَأنَّهم صاغُوهُ عَلى زِنَةِ الهَيْئَةِ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّ القاصِدَ إلى مَكانٍ يَقْصِدُهُ مِن نَحْوِ وجْهِهِ، وفَعَلُوهُ عَلى زِنَةِ الفِعْلَةِ بِكَسْرِ الفاءِ لِأنَّ قاصِدَ المَكانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ في وجْهِهِ وهي هَيْئَةُ العَزْمِ وتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنى ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ صَرَفْتُهُ وأدَرْتُهُ. وهَذا تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِ عَنِ الأصْنامِ وقَصْدِهِ إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ بِمَنِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَيْئًا وقَصَدَهُ وانْصَرَفَ عَنْ غَيْرِهِ.
وأُتِيَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِيُومِئَ إلى عِلَّةِ تَوَجُّهِهِ إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّ الكَواكِبَ مِن مَوْجُوداتِ السَّماءِ، والأصْنامَ مِن مَوْجُوداتِ الأرْضِ فَهي مَفْطُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وفِعْلُ وجَّهَ يَتَعَدّى إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ إذا أُرِيدَ أنَّهُ انْصَرَفَ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ الشَّيْءُ المَقْصُودُ مُراعًى إرْضاؤُهُ
صفحة ٣٢٤
وطاعَتُهُ كَما تَقُولُ: تَوَجَّهْتُ لِلْحَبِيبِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ تَعَدِّيهِ هُنا بِاللّامِ، لِأنَّ في هَذا التَّوَجُّهِ إرْضاءً وطاعَةً.
وفَطَرَ: خَلَقَ، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ. يُقالُ فُطِرَ فُطُورًا إذا شُقَّ قالَ تَعالى ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيِ اخْتِلالٍ، شَبَّهَ الخَلْقَ بِصِناعَةِ الجِلْدِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ الصّانِعَ يَشُقُّ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يَصْنَعَهُ، وهَذا كَما يُقالُ: الفَتْقُ والفَلْقُ، فَأُطْلِقَ الفَطْرُ عَلى إيجادِ الشَّيْءِ وإبْداعِهِ عَلى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ.
و”حَنِيفًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وجَّهْتُ. وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالمُشْرِكِينَ وفي عِدادِهِمْ.
فَلَمّا تَبَرَّأ مِن أصْنامِهِمْ تَبَرَأ مِنَ القَوْمِ، وقَدْ جَمَعَهُما أيْضًا في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ إذْ قالَ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾، وإنَّما عُطِفَتْ لِأنَّها قُصِدَ مِنها التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وهَذا قَدْ جَرَيْنا فِيهِ عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى النَّيِّراتِ ”هَذا رَبِّي“ هو مُناظَرَةٌ لِقَوْمِهِ واسْتِدْراجٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ مُوقِنًا بِنَفْيِ إلَهِيَّتِها، وهو المُناسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبُطْلانِ الإشْراكِ وبِالحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِها عَلى قَوْمِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ ذَلِكَ كانَ نَظَرًا واسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ لِأنَّهُ طَلَبُ هِدايَةٍ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ أيْ لِأجْلِ أداةِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ هَذا بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ لِتَنْبِيهِ قَوْمِهِ إلى أنَّ لَهم رَبًّا بِيَدِهِ الهِدايَةُ، كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلامُهُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْرِيضِ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُرادًا بِهِ الدَّوامُ عَلى الهِدايَةِ والزِّيادَةِ فِيها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ الهِدايَةَ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى لا يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ.
صفحة ٣٢٥
فَإذا بَنَيْنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ اسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ قَبْلَ الجَزْمِ بِالتَّوْحِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] مَعْناهُ نُرِيهِ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ نُوحِيَ إلَيْهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ بِمَعْنى نَظَرَ في السَّماءِ فَرَأى هَذا الكَوْكَبَ ولَمْ يَكُنْ نَظَرَ في ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ قَوْلًا في نَفْسِهِ عَلى نَحْوِ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ المُفَكِّرُ في نَفْسِهِ، وهو حَدِيثُ النَّفْسِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ في كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا وأنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَـمْ يَصِـدِ
وقَوْلِ العَجّاجِ في ثَوْرٍ وحْشِيٍّ:
ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَّفْكِـيرِ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ
وقَوْلِهِ هَذا رَبِّي وقَوْلِهِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقائِقِهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الحَقِيقِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ هو ابْتِداءُ خِطابِهِ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ الحَقُّ لَهُ فَأعْلَنَ بِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ حِينَئِذٍ.
الأنعام 6:79
صفحة ٣١٧
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .
﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ فَإنَّ الكَوْكَبَ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ، وقَوْلِهِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ﴿نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الخاصَّةُ الَّتِي اهْتَدى بِها إلى طَرِيقٍ عَجِيبٍ في إبْكاتٍ لِقَوْمِهِ مُلْجِئٌ إيّاهم لِلِاعْتِرافِ بِفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هي فَرْعٌ مِن تِلْكَ الإراءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ العَطْفَ بِالفاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِما في مَعْنى الفاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ، ولِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَطْفًا عَلى قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ، وجَعْلَهُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.
وقَوْلُهُ ﴿جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ أظْلَمَ اللَّيْلُ إظْلامًا عَلى إبْراهِيمَ، أيْ كانَ إبْراهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وهو يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ تَحْتَ السَّماءِ ولَمْ يَكُنْ في بَيْتٍ.
ويُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أنَّهُ كانَ سائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِن قَوْمِهِ يُشاهِدُونَ الكَواكِبَ، وقَدْ كانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئِينَ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويُصَوِّرُونَ لَها أصْنامًا. وتِلْكَ دِيانَةُ الكِلْدانِيِّينَ قَوْمِ إبْراهِيمَ.
صفحة ٣١٨
يُقالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أيْ أخْفاهُ، وجَنانُ اللَّيْلِ بِفَتْحِ الجِيمِ، وجَنَّهُ: سَتْرُهُ الأشْياءَ المَرْئِيَّةَ بِظَلامِهِ الشَّدِيدِ. يُقالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وهو الأصْلُ. ويُقالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وهَذا يُقْصَدُ بِهِ المُبالَغَةُ في السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتّى صارَتْ كَأنَّها غِطاءٌ، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ في كَلامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قاصِرًا بِمَعْنى أظْلَمَ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الكَواكِبِ عَرَضًا مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأمُّلِ وإلّا فَإنَّ الأُفُقَ في اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كَواكِبَ، وأنَّ الكَوْكَبَ كانَ حِينَ رَآهُ واضِحًا في السَّماءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وذَلِكَ أنْوَرُ ما يَكُونُ في وسَطِ السَّماءِ. فالظّاهِرُ أنَّهُ رَأى كَوْكَبًا مِن بَيْنِها شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّ الكَوْكَبَ هو الزُّهَرَةُ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ المُشْتَرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ الكَواكِبَ فَرَأى كَوْكَبًا فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مِثْلُ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أيْ فَضَرَبَ فانْفَلَقَ. وجُمْلَةُ رَأى كَوْكَبًا جَوابُ لَمّا. والكَوْكَبُ: النَّجْمُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ: فَماذا كانَ عِنْدَما رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ جَوابًا لِذَلِكَ.
واسْمُ الإشارَةِ هُنا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ الكَوْكَبِ مِن بَيْنِ الكَواكِبِ ولَكِنَّ إجْراءَهُ عَلى نَظِيرَيْهِ في قَوْلِهِ حِينَ رَأى القَمَرَ وحِينَ رَأى الشَّمْسَ هَذا رَبِّي، هَذا رَبِّي يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ القَصْدُ الأصْلِيُّ مِنهُ هو الكِنايَةُ بِالإشارَةِ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ فَإذا عُثِرَ عَلَيْهِ أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَلِكَ كالإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦]، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] ولَمْ يُقَلْ فَهو الَّذِي لُمْتُنَّنِي. ولَعَلَّ مِنهُ قَوْلَهُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] إذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ﴿بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ [يوسف: ٦٥] . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ ذَهَبْتُ لِأنْصُرَ هَذا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لِأنَّ عَلِيًّا وشَأْنُهُ هو الجارِي في خَواطِرِ النّاسِ أيّامَ صِفِّينَ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ، وفي حَدِيثِ سُؤالِ القَبْرِ: «فَيُقالُ لَهُ ما عِلْمُكَ»
صفحة ٣١٩
بِهَذا الرَّجُلِ (يَعْنِي الرَّسُولَ ﷺ)، وهَذا مِنَ الأغْراضِ الدّاعِيَةِ لِلتَّعْرِيفِ بِاسْمِ الإشارَةِ الَّتِي أهْمَلَها عُلَماءُ البَلاغَةِ فَيَصِحُّ هُنا أنْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ والكِنايَةِ.
وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذا رَبٌّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ اسْتِدْراجَ قَوْمِهِ فابْتَدَأ بِإظْهارِ أنَّهُ لا يَرى تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ واسْتَبْقى واحِدًا مِن مَعْبُوداتِهِمْ فَفَرَضَ اسْتِحْقاقَهُ الإلَهِيَّةَ كَيْلا يَنْفِرُوا مِنَ الإصْغاءِ إلى اسْتِدْلالِهِ.
وظاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إنَّهُ خاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأنَّ القَوْلَ حَقِيقَتُهُ الكَلامُ، وإنَّما يُساقُ الكَلامُ إلى مُخاطَبٍ.
ولِذَلِكَ كانَتْ حَقِيقَةُ القَوْلِ هي ظاهِرُ الآيَةِ مِن لَفْظِها ومِن تَرْتِيبِ نَظْمِها إذْ رَتَّبَ قَوْلَهُ ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ورَتَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] الآيَةَ، ولِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما يَقُولُهُ لِمُخاطَبٍ، ولِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، ولِأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى إبْطالِ كَوْنِ الكَواكِبِ آلِهَةً واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى بَراءَتِهِ مِمّا يُشْرِكُونَ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الكَواكِبِ بُطْلانُ إلَهِيَّةِ أجْرامٍ أُخْرى لَوْلا أنَّ ذَلِكَ هو مُدَّعى قَوْمِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُجادَلَةِ لِقَوْمِهِ وإرْخاءِ العِنانِ لَهم لِيَصِلُوا إلى تَلَقِّي الحُجَّةِ ولا يَنْفِرُوا مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِن قَوْمِهِ وأرادَ الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا رَبِّي﴾ أيْ خالِقِي ومُدَبِّرِي فَهو مُسْتَحِقٌّ عِبادَتِي. قالَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ جَرْيًا عَلى مُعْتَقَدِ قَوْمِهِ لِيَصِلَ بِهِمْ إلى نَقْضِ اعْتِقادِهِمْ فَأظْهَرَ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهم لِيَهَشُّوا إلى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالإبْطالِ إظْهارًا لِلْإنْصافِ وطَلَبِ الحَقِّ. ولا يَرِيبُكَ في هَذا أنَّ صُدُورَ ما ظاهِرُهُ كُفْرٌ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّهُ ذَلِكَ طَرِيقٌ إلى إرْشادِ قَوْمِهِ وإنْقاذِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، واجْتَهَدَ فَرَآهُ أرْجى لِلْقَبُولِ عِنْدَهم ساغَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِقَصْدِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ وهو لا يَعْتَقِدُهُ، ولا يَزِيدُ قَوْلُهُ هَذا قَوْمَهُ كُفْرًا، كالَّذِي يُكْرَهُ عَلى أنْ يَقُولَ
صفحة ٣٢٠
كَلِمَةَ الكُفْرِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ لِحِفْظِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وإنْقاذِها مِنَ الهَلاكِ كانَ جَوازُهُ لِإنْقاذِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ مِنَ الهَلاكِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْلى. وقَدْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ.
وعَلى هَذا فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وأنَّهم عَلى دِينِ الصّابِئَةِ وقَدْ كانَ ذَلِكَ الدِّينُ شائِعًا في بُلْدانِ الكِلْدانِ الَّتِي نَشَأ فِيها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها أرادُوا بِها أنَّها صُوَرٌ لِلْكَواكِبِ وتَماثِيلُ لَها عَلى حَسَبِ تَخَيُّلاتِهِمْ وأساطِيرِهِمْ مِثْلَما كانَ عَلَيْهِ اليُونانُ القُدَماءُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَبَدُوا الكَواكِبَ وعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرى عَلى أنَّها دُونَ الكَواكِبِ كَما كانَ اليُونانُ يُقَسِّمُونَ المَعْبُوداتِ إلى آلِهَةٍ وأنْصافِ آلِهَةٍ. عَلى أنَّ الصّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ الكَواكِبَ رُوحانِيّاتٌ تَخْدِمُها.
وأفَلَ النَّجْمُ أُفُولًا: غابَ، والأُفُولُ خاصٌّ بِغِيابِ النَّيِّراتِ السَّماوِيَّةِ، يُقالُ: أفَلَ النَّجْمُ وأفَلَتِ الشَّمْسُ، وهو المَغِيبُ الَّذِي يَكُونُ بِغُرُوبِ الكَوْكَبِ وراءَ الأُفُقِ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ اليَوْمِيَّةِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَلا يُقالُ: أفَلَتِ الشَّمْسُ أوْ أفَلَ النَّجْمُ إذا احْتَجَبَ بِسَحابٍ.
وقَوْلُهُ ”لا أُحِبُّ“ الحُبُّ فِيهِ بِمَعْنى الرِّضى والإرادَةِ، أيْ لا أرْضى بِالآفِلِ إلَهًا، أوْ لا أُرِيدُ الآفِلَ إلَهًا. وقَدْ عُلِمَ أنَّ مُتَعَلِّقَ المَحَبَّةِ هو إرادَتُهُ إلَهًا لَهُ بِقَوْلِهِ هَذا رَبِّي. وإطْلاقُ المُحِبَّةِ عَلى الإرادَةِ شائِعٌ في الكَلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨] . وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ بِحَذْفِ مُضافٍ، أيْ لا أُحِبُّ عِبادَةَ الآفِلِينَ.
وجاءَ بِـ الآفِلِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ المُخْتَصِّ بِالعُقَلاءِ بِناءً عَلى اعْتِقادِ قَوْمِهِ أنَّ الكَواكِبَ عاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ في الأكْوانِ، ولا يَكُونُ المَوْجُودُ مَعْبُودًا إلّا وهو عالِمٌ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالأُفُولِ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ أنَّ الأُفُولَ مَغِيبٌ وابْتِعادٌ عَنِ النّاسِ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ يَكُونَ دائِمَ المُراقَبَةِ لِتَدْبِيرِ عِبادِهِ فَلَمّا أفَلَ النَّجْمُ كانَ في حالَةِ أُفُولِهِ مَحْجُوبًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى النّاسِ، وقَدْ بَنى هَذا الِاسْتِدْلالَ عَلى ما هو شائِعٌ عِنْدَ القَوْمِ مِن كَوْنِ أُفُولِ النَّجْمِ مَغِيبًا عَنْ هَذا العالَمِ، يَعْنِي أنَّ ما يَغِيبُ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَّخَذَ إلَهًا
صفحة ٣٢١
لِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْ عِبادِهِ فِيما يَحْتاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ. ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ مَنظُورًا فِيهِ إلى التَّغَيُّرِ لِأنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ المُلازَمَةَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وانْتِفاءِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ الأُفُولَ لَيْسَ بِتَغَيُّرٍ في ذاتِ الكَوْكَبِ بَلْ هو عَرَضٌ لِلْأبْصارِ المُشاهِدَةِ لَهُ، أمّا الكَوْكَبُ فَهو باقٍ في فَلَكِهِ ونِظامِهِ يَغِيبُ ويَعُودُ إلى الظُّهُورِ وقَوْمُ إبْراهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهم.
ولِأجْلِ هَذا احْتَجَّ بِحالَةِ الأُفُولِ دُونَ حالَةِ البُزُوغِ فَإنَّ البُزُوغَ وإنْ كانَ طَرَأ بَعْدَ أُفُولٍ لَكِنَّ الأُفُولَ السّابِقَ غَيْرُ مُشاهَدٍ لَهم فَكانَ الأُفُولُ أخْصَرَ في الِاحْتِجاجِ مِن أنْ يَقُولَ إنَّ هَذا البازِغَ كانَ مِن قَبْلُ آفِلًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ إلخ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ. والتَّقْدِيرُ: فَطَلَعَ القَمَرُ فَلَمّا رَآهُ بازِغًا، فَحُذِفَتِ الجُمْلَةُ لِلْإيجازِ وهو يَقْتَضِي أنَّ القَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ولَعَلَّهُ اخْتارَ لِمُحاجَّةِ قَوْمِهِ الوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الكَوْكَبُ ويَطْلُعُ بِقُرْبِ ذَلِكَ، وأنَّهُ كانَ آخِرَ اللَّيْلِ لِيَعْقُبَهُما طُلُوعُ الشَّمْسِ. وأظْهَرَ اسْمَ القَمَرَ لِأنَّهُ حَذَفَ مُعادَ الضَّمِيرِ.
والبازِغُ: الشّارِقُ في ابْتِداءِ شُرُوقِهِ، والبُزُوغُ ابْتِداءُ الشُّرُوقِ.
وقَوْلُهُ هَذا رَبِّي أفادَ بِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ أنَّهُ أكْثَرُ ضَوْءًا مِنَ الكَوْكَبِ فَإذا كانَ اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فالَّذِي هو أشَدُّ نُورًا أوْلى بِها مِنَ الأضْعَفِ. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ خاصَّةً وهو كَوْنُ المُشارِ إلَيْهِ مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ قَوْمِهِ لِلنَّظَرِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ وأنَّهُ واحِدٌ، وأنَّ الكَوْكَبَ والقَمَرَ كِلَيْهِما لا يَسْتَحِقّانِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ عَرَّضَ في كَلامِهِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وهم لا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّهم قائِلُونَ بِعِدَّةِ أرْبابٍ. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِ قَوْمِهِ لِما عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ الكَواكِبِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِقَوْمِهِ أنَّهم ضالُّونَ وهَيَّأهم قَبْلَ المُصارَحَةِ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم ضالُّونَ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ يُدْخِلُ عَلى
صفحة ٣٢٢
نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ في مُعْتَقَدِهِمْ أنْ يَكُونَ ضَلالًا، ولِأجْلِ هَذا التَّعْرِيضِ لَمْ يَقُلْ: لَأكُونَنَّ ضالًّا، وقالَ ﴿لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ لِيُشِيرَ إلى أنَّ في النّاسِ قَوْمًا ضالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ.
وإنَّما تَرَيَّثَ إلى أُفُولِ القَمَرِ فاسْتَدَلَّ بِهِ عَلى انْتِفاءِ الهَيْئَةِ ولَمْ يَنْفِها عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ بازِغًا مَعَ أنَّ أُفُولَهُ مُحَقَّقٌ بِحَسْبِ المُعْتادِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقِيمَ الِاسْتِدْلالَ عَلى أساسِ المُشاهَدَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ في العُقُولِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى.
وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ في الصَّباحِ بَعْدَ أنْ أفَلَ القَمَرُ، وذَلِكَ في إحْدى اللَّيالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيها القَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ كُلَّهُ وقَعَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ.
وقَوْلُهُ لِلشَّمْسِ هَذا رَبِّي باسِمِ إشارَةِ المُذَكَّرِ مَعَ أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي مَجْرى المُؤَنَّثِ، لِأنَّهُ اعْتَبَرَها رَبًّا، فَرُوعِيَ في الإشارَةِ مَعْنى الخَبَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: هَذا الجِرْمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الشَّمْسَ تَبَيَّنَ أنَّهُ هو رَبِّي.
وجُمْلَةُ ”هَذا أكْبَرُ“ جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ”هَذا رَبِّي“ المُقْتَضِيَةِ نَقْضَ رُبُوبِيَّةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ وحَصْرَ الرُّبُوبِيَّةِ في الشَّمْسِ ونَفْيَها عَنِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أيْ هو أكْبَرُ مِنهُما، يَعْنِي أنَّ الأكْبَرَ الأكْثَرَ إضاءَةً أوْلى بِاسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، إقْناعٌ لَهم بِأنْ لا يُحاوِلُوا مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَلى ضَلالِهِمْ لِأنَّهُ لَمّا انْتَفى اسْتِحْقاقُ الإلَهِيَّةِ عَنْ أعْظَمِ الكَواكِبِ الَّتِي عَبَدُوها فَقَدِ انْتَفى عَمّا دُونَها بِالأحْرى.
والبَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن بَرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ لا غَيْرَ يَبْرَأُ بِفَتْحِ الرّاءِ لا غَيْرَ بِمَعْنى تَفَصّى وتَنَزَّهَ ونَفى المُخالَطَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ بِـ (مِن) . ومِنهُ ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣] و﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] و﴿ما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣] . فَمَعْنى قَوْلِهِ بَرِيءٌ هُنا أنَّهُ لا صِلَةَ بَيْنِهِ وبَيْنَ ما يُشْرِكُونَ. والصِّلَةُ في هَذا المَقامِ هي العِبادَةُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ مُرادًا بِهِ الأصْنامُ، أوْ هي التَّلَبُّسُ والِاتِّباعُ إنْ كانَ ما يُشْرِكُونَ بِمَعْنى الشِّرْكِ.
صفحة ٣٢٣
والأظْهَرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ ما تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ وأنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، أيْ ما تُشْرِكُونَ بِهِ، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] لِأنَّ الغالِبَ في فِعْلِ البَراءَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّواتِ، ولِئَلّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، أيْ مِن إشْراكِكم، أيْ لا أتَقَلَّدُهُ.
وتَسْمِيَتُهُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ إشْراكًا لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ كَما كانَ إشْراكُ العَرَبِ وهو ظاهِرُ آيِ القُرْآنِ حَيْثُ ورَدَ فِيها الِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو المُناسِبُ لِضَرْبِ المَثَلِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ بِشَأْنِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ، ولِقَوْلِهِ الآتِي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾، لِأنَّ البَراءَةَ مِنَ الإشْراكِ تَشْتَمِلُ عَلى تَوْجِيهِ الوَجْهِ إلى اللَّهِ، وهو إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ. والوَجْهُ في قَوْلِهِ وجْهِي حَقِيقَةٌ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجِهَةِ والوِجْهَةِ، أيْ صَرَفْتُهُ إلى جِهَةٍ، أيْ جَعَلْتُ كَذا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُها. يُقالُ: وجَّهَهُ فَتَوَجَّهَ إلى كَذا إذا ذَهَبَ إلَيْهِ. ويُقالُ لِلْمَكانِ المَقْصُودِ وِجْهَةٌ بِكَسْرِ الواوِ، وكَأنَّهم صاغُوهُ عَلى زِنَةِ الهَيْئَةِ مِنَ الوَجْهِ لِأنَّ القاصِدَ إلى مَكانٍ يَقْصِدُهُ مِن نَحْوِ وجْهِهِ، وفَعَلُوهُ عَلى زِنَةِ الفِعْلَةِ بِكَسْرِ الفاءِ لِأنَّ قاصِدَ المَكانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ في وجْهِهِ وهي هَيْئَةُ العَزْمِ وتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنى ﴿وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ صَرَفْتُهُ وأدَرْتُهُ. وهَذا تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِ عَنِ الأصْنامِ وقَصْدِهِ إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ بِمَنِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَيْئًا وقَصَدَهُ وانْصَرَفَ عَنْ غَيْرِهِ.
وأُتِيَ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِيُومِئَ إلى عِلَّةِ تَوَجُّهِهِ إلى عِبادَتِهِ، لِأنَّ الكَواكِبَ مِن مَوْجُوداتِ السَّماءِ، والأصْنامَ مِن مَوْجُوداتِ الأرْضِ فَهي مَفْطُورَةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وفِعْلُ وجَّهَ يَتَعَدّى إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِإلى، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ إذا أُرِيدَ أنَّهُ انْصَرَفَ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إذا كانَ الشَّيْءُ المَقْصُودُ مُراعًى إرْضاؤُهُ
صفحة ٣٢٤
وطاعَتُهُ كَما تَقُولُ: تَوَجَّهْتُ لِلْحَبِيبِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ تَعَدِّيهِ هُنا بِاللّامِ، لِأنَّ في هَذا التَّوَجُّهِ إرْضاءً وطاعَةً.
وفَطَرَ: خَلَقَ، وأصْلُ الفَطْرِ الشَّقُّ. يُقالُ فُطِرَ فُطُورًا إذا شُقَّ قالَ تَعالى ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيِ اخْتِلالٍ، شَبَّهَ الخَلْقَ بِصِناعَةِ الجِلْدِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ الصّانِعَ يَشُقُّ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يَصْنَعَهُ، وهَذا كَما يُقالُ: الفَتْقُ والفَلْقُ، فَأُطْلِقَ الفَطْرُ عَلى إيجادِ الشَّيْءِ وإبْداعِهِ عَلى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ.
و”حَنِيفًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وجَّهْتُ. وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الحالِ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالمُشْرِكِينَ وفي عِدادِهِمْ.
فَلَمّا تَبَرَّأ مِن أصْنامِهِمْ تَبَرَأ مِنَ القَوْمِ، وقَدْ جَمَعَهُما أيْضًا في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ إذْ قالَ ﴿إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وأفادَتْ جُمْلَةُ ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾، وإنَّما عُطِفَتْ لِأنَّها قُصِدَ مِنها التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وهَذا قَدْ جَرَيْنا فِيهِ عَلى أنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى النَّيِّراتِ ”هَذا رَبِّي“ هو مُناظَرَةٌ لِقَوْمِهِ واسْتِدْراجٌ لَهم، وأنَّهُ كانَ مُوقِنًا بِنَفْيِ إلَهِيَّتِها، وهو المُناسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أنْ يَكُونَ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبُطْلانِ الإشْراكِ وبِالحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِها عَلى قَوْمِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن قالَ: إنَّ كَلامَهُ ذَلِكَ كانَ نَظَرًا واسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في ضَلالٍ لِأنَّهُ طَلَبُ هِدايَةٍ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ أيْ لِأجْلِ أداةِ الشَّرْطِ، ولَيْسَ هَذا بِمُتَعَيِّنٍ لِأنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ لِتَنْبِيهِ قَوْمِهِ إلى أنَّ لَهم رَبًّا بِيَدِهِ الهِدايَةُ، كَما بَيَّنّاهُ في مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلامُهُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْرِيضِ. عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أيْضًا مُرادًا بِهِ الدَّوامُ عَلى الهِدايَةِ والزِّيادَةِ فِيها، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ أرادَ الهِدايَةَ إلى إقامَةِ الحُجَّةِ حَتّى لا يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ.
صفحة ٣٢٥
فَإذا بَنَيْنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ اسْتِدْلالًا في نَفْسِهِ قَبْلَ الجَزْمِ بِالتَّوْحِيدِ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] مَعْناهُ نُرِيهِ ما فِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ قَبْلَ أنْ نُوحِيَ إلَيْهِ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ بِمَعْنى نَظَرَ في السَّماءِ فَرَأى هَذا الكَوْكَبَ ولَمْ يَكُنْ نَظَرَ في ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ قَوْلًا في نَفْسِهِ عَلى نَحْوِ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ المُفَكِّرُ في نَفْسِهِ، وهو حَدِيثُ النَّفْسِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ في كَلْبِ صَيْدٍ:
قالَتْ لَهُ النَّفْسُ إنِّي لا أرى طَمَعًا وأنَّ مَوْلاكَ لَمْ يَسْلَمْ ولَـمْ يَصِـدِ
وقَوْلِ العَجّاجِ في ثَوْرٍ وحْشِيٍّ:
ثُمَّ انْثَنى وقالَ في التَّفْكِـيرِ ∗∗∗ إنَّ الحَياةَ اليَوْمَ في الكُرُورِ
وقَوْلِهِ هَذا رَبِّي وقَوْلِهِ ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقائِقِهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الحَقِيقِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ هو ابْتِداءُ خِطابِهِ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أنْ ظَهَرَ الحَقُّ لَهُ فَأعْلَنَ بِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ حِينَئِذٍ.
الأنعام 6:80
﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ .
لَمّا أعْلَنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَقَدَهُ لِقَوْمِهِ أخَذُوا في مُحاجَّتِهِ، فَجُمْلَةُ وحاجَّهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .
وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً بِالإخْبارِ بِمَضْمُونِها مَعَ أنَّ تَفَرُّعَ مَضْمُونِها عَلى ما قَبْلَها مَعْلُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ.
صفحة ٣٢٦
والمُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ مِنَ الحُجَّةِ، وهي الدَّلِيلُ المُؤَيِّدُ لِلدَّعْوى. ولا يُعْرَفُ لِهَذِهِ المُفاعَلَةِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بِمَعْنى اسْتَدَلَّ بِحُجَّةٍ، وإنَّما المَعْرُوفُ فِعْلُ حَجَّ إذا غَلَبَ في الحُجَّةِ، فَإنْ كانَتِ احْتِجاجًا مِنَ الجانِبَيْنِ فَهي حَقِيقَةٌ وهو الأصْلُ، وإنْ كانَتْ مِن جانِبٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ أنَّ مُحاوِلَ الغَلَبِ في الحُجَّةِ لا بُدَّ أنْ يَتَلَقّى مِن خَصْمِهِ ما يَرُدُّ احْتِجاجَهُ فَتَحْصُلُ المُحاوَلَةُ مِنَ الجانِبَيْنِ، فَبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أُطْلِقَ عَلى الِاحْتِجاجِ مُحاجَّةٌ، أوِ المُفاعَلَةُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. والأوْلى حَمْلُها هُنا عَلى الحَقِيقَةِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى حُصُولَ مُحاجَّةٍ بَيْنَهم وبَيْنَ إبْراهِيمَ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ في دَرْسِ تَفْسِيرِهِ: أنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي أنَّ المَجْعُولَ فِيها فاعِلًا هو البادِئُ بِالمُحاجَّةِ، وأنَّ بَعْضَ العُلَماءِ اسْتَشْكَلَ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حَيْثُ قالَ ﴿إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . فَبَدَأ بِكَلامِ إبْراهِيمَ وهو مَفْعُولُ الفِعْلِ وأجابَ بِأنَّ إبْراهِيمَ بَدَأ بِالمُقاوَلَةِ ونُمْرُوذَ بَدَأ المُحاجَّةَ. ولَمْ يَذْكُرْ أئِمَّةُ اللُّغَةِ هَذا القَيْدَ في اسْتِعْمالِ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا أنَّهم سَلَكُوا مَعَهُ طَرِيقَ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ دِينِهِمْ أوْ عَلى إبْطالِ مُعْتَقَدِهِ وهو يَسْمَعُ، فَجَعَلَ سَماعَهُ كَلامَهم بِمَنزِلَةِ جَوابٍ مِنهُ فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ كَلِمَةَ المُحاجَّةِ. وأبْهَمَ احْتِجاجَهم هُنا إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لِأنَّ الغَرَضَ هو الِاعْتِبارُ بِثَباتِ إبْراهِيمَ عَلى الحَقِّ. وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ حاجَّهُ لِدَلالَةِ المَقامِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أتُحاجُّونِي في اللَّهِ﴾ الآياتِ.
وقَدْ ذُكِرَتْ حُجَجُهم في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ قالَ ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] الآياتِ، وفي سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَجَعَلْناهُمُ الأسْفَلِينَ﴾ [الصافات: ٩٨] وكُلُّها مُحاجَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، ويَدْخُلُ في المُحاجَّةِ ما لَيْسَ
صفحة ٣٢٧
بِحُجَّةٍ ولَكِنَّهُ مِمّا يَرَوْنَهُ حُجَجًا بِأنْ خَوَّفُوهُ غَضَبَ آلِهَتِهِمْ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ. والتَّقْدِيرُ: وحاجَّهُ قَوْمُهُ فَقالُوا: كَيْتَ وكَيْتَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أتُحاجُّونِي في اللَّهِ﴾ جَوابُ مُحاجَّتِهِمْ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَإنْ كانَتِ المُحاجَّةُ عَلى حَقِيقَةِ المُفاعَلَةِ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونِي غَلْقٌ لِبابِ المُجادَلَةِ وخَتْمٌ لَها، وإنْ كانَتِ المُحاجَّةُ مُسْتَعْمَلَةً في الِاحْتِجاجِ فَقَوْلُهُ أتُحاجُّونِّي جَوابٌ لِمُحاجَّتِهِمْ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ وتَأْيِيسٌ مِن رُجُوعِهِ إلى مُعْتَقَدِهِمْ.
و(في) لِظَرْفِيَّةٍ المَجازِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تُحاجُّونِّي“ ودُخُولُها عَلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، لِأنَّ المُحاجَّةَ لا تَكُونُ في الذَّواتِ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ ما يَصْلُحُ لَهُ المَقامُ وهو صِفاتُ اللَّهِ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، أيْ في تَوْحِيدِ اللَّهِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] أيْ في اسْتِئْصالِهِمْ.
وجُمْلَةُ وقَدْ هَدانِي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ لا جَدْوى لِمُحاجَّتِكم إيّايَ بَعْدَ أنْ هَدانِي اللَّهُ إلى الحَقِّ، وشَأْنُ الحالِ المُؤَكِّدَةِ لِلْإنْكارِ أنْ يَكُونَ اتِّصافُ صاحِبِها بِها مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ. فالظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ نَزَّلَهم في خِطابِهِ مَنزِلَةَ مَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ هَداهُ كِنايَةً عَلى ظُهُورِ دَلائِلِ الهِدايَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ أتُحاجُّونِي بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ وأصْلُهُ أتُحاجُّونَنِي بِنُونَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِلتَّخْفِيفِ، والمَحْذُوفَةُ هي الثّانِيَةُ الَّتِي هي نُونُ الوِقايَةِ عَلى مُخْتارِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: لِأنَّ الأُولى نُونُ الإعْرابِ وأمّا الثّانِيَةُ فَهي مُوَطِّئَةٌ لِياءِ المُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ حَذْفُها تَخْفِيفًا، كَما قالُوا، لَيْتِي في لَيْتَنِي. وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ المَحْذُوفَةَ هي الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ جُلِبَتْ لِتَحْمِلَ الكَسْرَةَ المُناسِبَةَ لِلْياءِ، ونُونُ الرَّفْعِ لا تَكُونُ مَكْسُورَةً، وأيًّا ما كانَ فَهَذا الحَذْفُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ.
صفحة ٣٢٨
وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لَحْنٌ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ فَهو مُخْطِئٌ في زَعْمِهِ، أوْ أخْطَأ مَن عَزاهُ إلَيْهِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ لِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ أيْضًا، ولِذَلِكَ تُمَدُّ الواوُ لِتَكُونَ المَدَّةُ فاصِلَةً بَيْنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّ المَدَّةَ خِفَّةٌ وهَذا الِالتِقاءُ هو الَّذِي يَدْعُونَهُ التِقاءَ السّاكِنَيْنِ عَلى حِدَةٍ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ لِلتَّخْفِيفِ وصْلًا ووَقْفًا في قِراءَةِ نافِعٍ مِن رِوايَةِ قالُونَ، وفي الوَقْفِ فَقَطْ في قِراءَةِ بَعْضِ العَشَرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
وقَوْلُهُ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ مَعْطُوفٌ عَلى أتُحاجُّونِّي فَتَكُونُ إخْبارًا، أوْ عَلى جُمْلَةِ وقَدْ هَدانِ فَتَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ. وتَأْكِيدُ الإنْكارِ بِها أظْهَرُ مِنهُ لِقَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ لِأنَّ عَدَمَ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ قَدْ ظَهَرَتْ دَلائِلُهُ عَلَيْهِ. فَقَوْمُهُ إمّا عالِمُونَ بِهِ أوْ مُنْزَلُونَ مَنزِلَةَ العالِمِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وقَدْ هَدانِ، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهم حاجُّوهُ في التَّوْحِيدِ وخَوَّفُوهُ بَطْشَ آلِهَتِهِمْ ومَسَّهم إيّاهُ بِسُوءٍ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ إنْكارِ مُحاجَّتِهِمْ إيّاهُ وبَيْنَ نَفْيِ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ، ولا بَيْنَ هُدى اللَّهِ إيّاهُ وبَيْنَ نَفْيِ خَوْفِهِ آلِهَتَهم، فَتَعَيَّنَ أنَّهم خَوَّفُوهُ مَكْرَ آلِهَتِهِمْ. ونَظِيرُ ذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِ هُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .
وما مِن قَوْلِهِ ”ما تُشْرِكُونَ بِهِ“ مَوْصُولَةٌ ما صَدَّقَها آلِهَتُهُمُ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ بِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى اسْمِ الجَلالَةِ فَتَكُونُ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُشْرِكُونَ، وأنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما المَوْصُولَةُ فَتَكُونُ الباءُ سَبَبِيَّةً، أيِ الأصْنامُ الَّتِي بِسَبَبِها أشْرَكْتُمْ.
وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِمّا قَبْلَهُ وقَدْ جَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا بِمَعْنى لَكِنْ. وهو ظاهِرُ كَلامِ الطَّبَرِيِّ، وهو الأظْهَرُ فَإنَّهُ لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ يَخافُ إضْرارَ آلِهَتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ قَدْ يَتَوَهَّمُ مِنهُ السّامِعُونَ أنَّهُ لا يَخافُ شَيْئًا
صفحة ٣٢٩
اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ، أيْ لَكِنْ أخافُ مَشِيئَةَ رَبِّي شَيْئًا مِمّا أخافُهُ، فَذَلِكَ أخافُهُ. وفي هَذا الِاسْتِدْراكِ زِيادَةُ نِكايَةٍ لِقَوْمِهِ إذْ كانَ لا يَخافُ آلِهَتَهم في حِينِ أنَّهُ يَخْشى رَبَّهُ المُسْتَحِقَّ لِلْخَشْيَةِ إنْ كانَ قَوْمُهُ لا يَعْتَرِفُونَ بِرَبٍّ غَيْرِ آلِهَتِهِمْ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلًا مُفْرَغًا عَنْ مُسْتَثْنًى مِنهُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أوْقاتٍ، أيْ لا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ أبَدًا، لِأنَّ الفِعْلَ المُضارِعَ المَنفِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ عَلى وجْهِ عُمُومِ الأزْمِنَةِ لِأنَّهُ كالنَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ، أيْ إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أخافُهُ مِن شُرَكائِكم، أيْ بِأنْ يُسَلِّطَ رَبِّي بَعْضَها عَلَيَّ فَذَلِكَ مِن قُدْرَةِ رَبِّي بِواسِطَتِها لا مِن قُدْرَتِها عَلَيَّ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِنهُ أحْوالًا عامَّةً، أيْ إلّا حالَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أخافُهُ مِنها.
وجُمْلَةُ ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّهُ قَدْ يَخْتَلِجُ في نُفُوسِهِمْ: كَيْفَ يَشاءُ رَبُّكَ شَيْئًا تَخافُهُ وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ قائِمٌ بِمَرْضاتِهِ ومُؤَيِّدٌ لِدِينِهِ فَما هَذا إلّا شَكٌّ في أمْرِكَ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، أيْ إنَّما لَمْ آمَن إرادَةَ اللَّهِ بِي ضُرًّا وإنْ كَنْتُ عَبْدَهُ وناصِرَ دِينِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِحِكْمَةِ إلْحاقِ الضُّرِّ. أوِ النَّفْعِ بِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. وهَذا مَقامُ أدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعالى ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
وجُمْلَةُ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أتُحاجُّونِي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ .
وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى فاءِ العَطْفِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ مَعَ وُضُوحِ دَلائِلِ التَّذَكُّرِ. والمُرادُ التَّذَكُّرُ في صِفاتِ آلِهَتِهِمُ المُنافِيَةِ لِمَقامِ الإلَهِيَّةِ، وفي صِفاتِ الإلَهِ الحَقِّ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها مَصْنُوعاتُهُ.
الأنعام 6:81
صفحة ٣٣٠
﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
عُطِفَتْ جُمْلَةُ ”وكَيْفَ أخافُ“ عَلى جُمْلَةِ ”ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ“ لِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ عَدَمَ خَوْفِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أقَلُّ عَجَبًا مِن عَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وأنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ فَلِذَلِكَ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا بِرَبِّهِمُ المُعْتَرِفِ بِهِ دُونَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا بِذَلِكَ.
و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، لِأنَّهم دَعَوْهُ إلى أنْ يَخافَ بَأْسَ الآلِهَةِ فَأنْكَرَ هو عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وقَلَبَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنَّهم لَمْ يَخافُوا اللَّهَ حِينَ أشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ بِدُونِ دَلِيلٍ نَصَبَهُ لَهم فَجَمَعَتْ كَيْفَ الإنْكارَ عَلى الأمْرَيْنِ.
قالُوا وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ فَيَدْخُلُ كِلْتاهُما في حُكْمِ الإنْكارِ، فَخَوْفُهُ مِن آلِهَتِهِمْ مُنْكَرٌ، وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ مُنْكَرٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ فَيَكُونَ مَحَلُّ الإنْكارِ هو دَعْوَتُهم إيّاهُ إلى الخَوْفِ مِن آلِهَتِهِمْ في حالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِمَّنْ هو أعْظَمُ سُلْطانًا وأشَدُّ بَطْشًا، فَتُفِيدُ كَيْفَ مَعَ الإنْكارِ مَعْنى التَّعْجِيبِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] . ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ تَخْوِيفَهم إيّاهُ مِن أصْنامِهِمْ لا يُنْكَرُ عَلَيْهِمْ إلّا في حالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ عَلى هَذا إنْكارُ تَحْمِيقٍ ومُقابَلَةِ حالٍ بِحالٍ، لا بَيانُ ما هو مُنْكَرٌ وما لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في آخِرِهِ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ . وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ.
و”ما أشْرَكْتُمْ“ مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ. حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٨٠] عَلَيْهِ، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ المَفْعُولِ (بِهِ)، لِـ ما أشْرَكْتُمْ.
صفحة ٣٣١
وفِي قَوْلِهِ ”أنَّكم أشْرَكْتُمْ“ حُذِفَتْ (مِن) المُتَعَلِّقَةُ بِـ ”تَخافُونَ“ لِاطِّرادِ حَذْفِ الجارِّ مَعَ (أنْ)، أيْ مِن إشْراكِكم، ولَمْ يَقُلْ: ولا تَخافُونَ اللَّهَ، لِأنَّ القَوْمَ كانُوا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَخافُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَخافُوا الإشْراكَ بِهِ. و﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ مَوْصُولٌ مَعَ صِلَتِهِ مَفْعُولُ ”أنَّكم أشْرَكْتُمْ“ .
ومَعْنى ﴿لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ﴾ لَمْ يُخْبِرْكم بِإلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي عَبَدْتُمُوها ولَمْ يَأْمُرْكم بِعِبادَتِها خَبَرًا تَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ فَلِذَلِكَ اسْتَعارَ لِذَلِكَ الخَبَرِ التَّنْزِيلَ تَشْبِيهًا لِعِظَمِ قَدْرِهِ بِالرِّفْعَةِ، ولِبُلُوغِهِ إلى مَن هم دُونَ المُخْبَرِ، بِنُزُولِ الشَّيْءِ العالِي إلى أسْفَلِ مِنهُ.
والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ لِأنَّها تَتَسَلَّطُ عَلى نَفْسِ المُخاصِمِ، أيْ لَمْ يَأْتِكم خَبَرٌ مِنهُ تَجْعَلُونَهُ حُجَّةً عَلى صِحَّةِ عِبادَتِكُمُ الأصْنامَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإنْكارِ، والتَّعْجِيبُ فَرْعٌ عَلَيْهِما اسْتِفْهامًا مُلْجِئًا إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم أوْلى بِالخَوْفِ مِنَ اللَّهِ مِنإبْراهِيمَ مِن آلِهَتِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِـ ”أيُّ“ لِلتَّقْرِيرِ بِأنَّ فَرِيقَهُ هو وحْدَهُ أحَقُّ بِالأمْنِ.
والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ المُتَمَيِّزَةُ عَنْ غَيْرِها بِشَيْءٍ يَجْمَعُها مِن نَسَبٍ أوْ مَكانٍ أوْ غَيْرِهِما، مُشْتَقٌّ مِن فَرَّقَ إذا مَيَّزَ. والفِرْقَةُ أقَلُّ مِنَ الفَرِيقِ، وأرادَ بِالفَرِيقَيْنِ هُنا قَوْمَهُ ونَفْسَهُ، فَأطْلَقَ عَلى نَفْسِهِ الفَرِيقَ تَغْلِيبًا، أوْ أرادَ نَفْسَهُ ومَن تَبِعَهُ إنْ كانَ لَهُ أتْباعٌ ساعَتَئِذٍ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، أوْ أرادَ مَن سَيُوجَدُ مِن أتْباعِ مِلَّتِهِ، كَما يُناسِبُ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] .
والتَّعْرِيفُ في الأمْنِ لِلْجِنْسِ، وهو ضِدُّ الخَوْفِ، وجُمْلَةُ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وجَوابُ شَرْطِها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُونِي، وفِيهِ اسْتِحْثاثٌ عَلى الجَوابِ.
الأنعام 6:82
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ فَيَكُونُ
صفحة ٣٣٢
جَوابًا مِنهُ عَنْ قَوْلِهِ فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ. تَوَلّى جَوابَ اسْتِفْهامِهِ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَنْتَظِرْ جَوابَهم لِكَوْنِ الجَوابِ مِمّا لا يَسَعُ المَسْئُولَ إلّا أنْ يُجِيبَ بِمِثْلِهِ، وهو تَبْكِيتٌ لَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَما يَسْألُ العالِمُ ويُجِيبُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، أيْ بِقَوْلِهِ (فَإنْ قُلْتَ قُلْتُ) . وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.
وقِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وقَدِ انْتَهى قَوْلُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ”إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ“ بَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِابْتِداءِ حُكْمٍ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا تَصْدِيقًا لِقَوْلِ إبْراهِيمَ.
وقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِكَلامٍ صَدَرَ مِن قَوْمِ إبْراهِيمَ جَوابًا عَنْ سُؤالِ إبْراهِيمَ ”فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ“ . ولا يَصِحُّ لِأنَّ الشَّأْنَ في ذَلِكَ أنْ يُقالَ: قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إلخ، ولِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن قَوْلِ قَوْمِهِ لَما اسْتَمَرَّ بِهِمُ الضَّلالُ والمُكابَرَةُ إلى حَدِّ أنْ ألْقَوْا إبْراهِيمَ في النّارِ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ آمَنُوا لِظُهُورِهِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ. والتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ.
وحَقِيقَةُ ”يَلْبِسُوا“ يَخْلِطُوا، وهو هُنا مَجازٌ في العَمَلِ بِشَيْئَيْنِ مُتَشابِهَيْنِ في وقْتٍ واحِدٍ. شُبِّهَ بِخَلْطِ الأجْسامِ كَما في قَوْلِهِ ”ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ“ .
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ صاحِبِ حَقٍّ، والمُرادُ بِهِ هُنا إشْراكُ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ اللَّهِ في اعْتِقادِ الإلَهِيَّةِ وفي العِبادَةِ، قالَ تَعالى إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ أكْبَرُ الِاعْتِداءِ، إذْ هو اعْتِداءٌ عَلى المُسْتَحِقِّ المُطْلَقِ العَظِيمِ، لِأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ اعْتِقادًا وعَمَلًا وقَوْلًا لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ. فَفي الحَدِيثِ «حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» . وقَدْ ورَدَ تَفْسِيرُ الظُّلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ بِالشِّرْكِ. في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمّا نَزَلَتِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ كَما تَظُنُّونَ إنَّما هو كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» . اهـ. وذَلِكَ أنَّ الشِّرْكَ جَمَعَ بَيْنَ
صفحة ٣٣٣
الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والِاعْتِرافِ لِغَيْرِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ أيْضًا. ولَمّا كانَ الِاعْتِرافُ لِغَيْرِهِ ظُلْمًا كانَ إيمانُهم بِاللَّهِ مَخْلُوطًا بِظُلْمٍ وهو إيمانُهم بِغَيْرِهِ، وحَمْلُهُ عَلى هَذا المَعْنى هو المُلائِمُ لِاسْتِعارَةِ اسْمِ الخَلْطِ لِهَذا المَعْنى لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ وإشْراكَ غَيْرِهِ في ذَلِكَ كِلاهُما مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو اعْتِقادُ الرُّبُوبِيَّةِ فَهُما مُتَماثِلانِ، وذَلِكَ أظْهَرُ في وجْهِ الشَّبَهِ، لِأنَّ شَأْنَ الأجْسامِ المُتَماثِلَةِ أنْ يَكُونَ اخْتِلاطُها أشَدَّ، فَإنَّ التَّشابُهَ أقْوى أحْوالِ التَّشْبِيهِ عِنْدَ أهْلِ البَيانِ. والمَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ولَمْ يُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ.
وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الظُّلْمَ عَلى ما يَشْمَلُ المَعاصِيَ، لِأنَّ المَعْصِيَةَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] تَأْوِيلًا لِلْآيَةِ عَلى أُصُولِ الِاعْتِزالِ لِأنَّ العاصِيَ غَيْرُ آمِنٍ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ فَهو مُساوٍ لِلْكافِرِ في ذَلِكَ عِنْدَهم، مَعَ أنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا﴾ إلى آخِرِهِ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ، وهو إنْ كانَ مَحْكِيًّا مِن كَلامِ إبْراهِيمَ لا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الظُّلْمِ مِنهُ بِالمَعْصِيَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ داعِيًا إلّا لِلتَّوْحِيدِ ولَمْ تَكُنْ لَهُ بَعْدُ شَرِيعَةٌ، وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْكِيٍّ مِن كَلامِهِ فَلا يُناسِبُ تَفْسِيرُهُ فِيهِ بِالمَعْصِيَةِ، لِأنَّ تَعْقِيبَ كَلامِ إبْراهِيمَ بِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ تَأْيِيدُ قَوْلِهِ وتَبْيِينُهُ، فالحَقُّ أنَّ الآيَةَ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ لِلتَّأْوِيلِ عَلى أُصُولِهِمْ نَظَرًا لِهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِالمُسْنَدِ مِن أجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن أوْصافِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهَذا كَقَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ.
وقَوْلُهُ ”لَهُمُ الأمْنُ“ أشارَتِ اللّامُ إلى أنَّ الأمْنَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ وثابِتٌ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: آمِنُونَ. والمُرادُ الأمْنُ مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ونَحْوِهِ وما عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ الجاحِدَةُ، ومِن عَذابِ الآخِرَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَطْلُوبًا مِنهم حِينَئِذٍ إلّا التَّوْحِيدُ.
والتَّعْرِيفُ في الأمْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو الأمْنُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، لِأنَّهُ جِنْسٌ واحِدٌ، ولَيْسَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ العَهْدِ حَتّى يَجِيءَ فِيهِ قَوْلُهم: إنَّ المَعْرِفَةَ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فالثّانِيَةُ عَيْنُ الأُولى إذْ لا يُحْتَمَلُ هُنا غَيْرُ ذَلِكَ.
صفحة ٣٣٤
وقَوْلُهُ ”وهم مُهْتَدُونَ“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ لَهُمُ الأمْنُ عَطْفُ جُزْءِ جُمْلَةٍ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي في حُكْمِ المُفْرَدِ، فَيَكُونُ مُهْتَدُونَ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ عَلى إحْدى الطَّرِيقَتَيْنِ في الأخْبارِ المُتَكَرِّرَةِ.
والضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيِ الِاهْتِداءُ مَقْصُورٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ أنَّ غَيْرَهم لَيْسُوا بِمُهْتَدِينَ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وقَوْلِهِ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُخْبَرَ عَنْهم لَمّا نَبَذُوا الشِّرْكَ فَقَدِ اهْتَدَوْا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وهم مُهْتَدُونَ جُمْلَةً، بِأنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ مُبْتَدَأً ومُهْتَدُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ“، فَيَكُونُ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ اسْمِ المَوْصُولِ، ويَكُونُ ذِكْرُ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأجْلِ حُسْنِ العَطْفِ لِأنَّهُ لَمّا كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لَمْ يَحْسُنْ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ مُفْرَدٌ في مَعْنى الفِعْلِ، إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: ”﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾“؛ فَصِيَغُ المَعْطُوفِ في صُورَةِ الجُمْلَةِ. وحِينَئِذٍ فالضَّمِيرُ لا يُفِيدُ اخْتِصاصًا إذْ لَمْ يُؤْتَ بِهِ لِلْفَصْلِ، وهَذا النَّظْمُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢] عَلى اعْتِبارِ ”﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحديد: ٢]“ عَطْفًا عَلى ”﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢]“ وما بَيْنَهُما حالٌ، وهَذا مِن مُحَسِّناتِ الوَصْلِ كَما عُرِفَ في البَلاغَةِ، وهو مِن بَدائِعِ نَظْمِ الكَلامِ العَرَبِيِّ.
الأنعام 6:83
﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”وحاجَّهُ قَوْمُهُ“ . وتِلْكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما تَكَلَّمَ بِهِ إبْراهِيمُ في مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأُتِيَ بِاسْمِ إشارَةِ المُؤَنَّثِ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ حُجَّةٌ فَأخْبَرَ عَنْهُ بِحُجَّةٍ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مُشارٌ إلَيْهِ مَحْسُوسٌ تَعَيَّنَ أنْ يُعْتَبَرَ في الإشارَةِ لَفْظُ الخَبَرِ لا غَيْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
صفحة ٣٣٥
وإضافَةُ الحُجَّةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِها وصِحَّتِها.
و”آتَيْناها“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ مِنَ الخَبَرِ.
وحَقِيقَةُ الإيتاءِ الإعْطاءُ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى الذَّواتِ، ويَكُونُ بِمُناوَلَةِ اليَدِ إلى اليَدِ. قالَ تَعالى ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] ولِذَلِكَ يُقالُ: اليَدُ العُلْيا هي المُعْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى هي المُعْطاةُ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا شائِعًا في تَعْلِيمِ العُلُومِ وإفادَةِ الآدابِ الصّالِحَةِ وتَخْوِيلِها وتَعْيِينِها لِأحَدٍ دُونَ مُناوَلَةِ يَدٍ سَواءٌ كانَتِ الأُمُورُ المَمْنُوحَةُ ذَواتًا أمْ مَعانِيَ. يُقالُ: آتاهُ اللَّهُ مالًا، ويُقالُ: آتاهُ الخَلِيفَةُ إمارَةً وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ. فَإيتاءُ الحُجَّةِ إلْهامُهُ إيّاها وإلْقاءُ ما يُعَبِّرُ عَنْها في نَفْسِهِ، وهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَلى إبْراهِيمَ إذْ نَصَرَهُ عَلى مُناظِرِيهِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَشْبِيهُ الغالِبِ بِالمُسْتَعْلِي المُتَمَكِّنِ مِنَ المَغْلُوبِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِحُجَّتِنا خِلافًا لِمَن مَنَعَهُ. يُقالُ: هَذا حُجَّةٌ عَلَيْكَ وشاهِدٌ عَلَيْكَ، أيْ تِلْكَ حُجَّتُنا عَلى قَوْمِهِ أقْحَمْناهم بِها بِواسِطَةِ إبْراهِيمَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”آتَيْناها“ لِما يَتَضَمَّنُهُ الإيتاءُ مِن مَعْنى النَّصْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في آتَيْناها أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أنَّ مِثْلَ هَذا الإيتاءِ تَفْضِيلٌ لِلْمُؤْتى وتَكْرِمَةً لَهُ.
ورَفْعُ الدَّرَجاتِ تَمْثِيلٌ لِتَفْضِيلِ الشَّأْنِ، شُبِّهَتْ حالَةُ المُفَضَّلِ عَلى غَيْرِهِ بِحالِ المُرْتَقِي في سُلَّمٍ إذا ارْتَفَعَ مِن دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ، وفي جَمِيعِها رَفْعٌ، وكُلُّ أجْزاءِ هَذا التَّمْثِيلِ صالِحٌ لِاعْتِبارِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ، فالتَّفْضِيلُ يُشْبِهُ الرَّفْعَ، والفَضائِلُ المُتَفاوِتَةُ تُشْبِهُ الدَّرَجاتِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ عِزَّةُ حُصُولِ ذَلِكَ لِغالِبِ النّاسِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، بِإضافَةِ ”دَرَجاتٍ“ إلى ”مَن“ . فَإضافَةُ الدَّرَجاتِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ مُلابَسَةِ المُرْتَقِي في الدَّرَجَةِ لَها لِأنَّها إنَّما تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ مُرْتَقِيًا عَلَيْها،
صفحة ٣٣٦
والإتْيانُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في دَرَجاتٍ بِاعْتِبارِ صَلاحِيَةِ مَن نَشاءُ لِأفْرادٍ كَثِيرِينَ مُتَفاوِتِينَ في الرِّفْعَةِ، ودَلَّ فِعْلُ المَشِيئَةِ عَلى أنَّ التَّفاضُلَ بَيْنَهم بِكَثْرَةِ مُوجِباتِ التَّفْضِيلِ، أوِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُفَضَّلَ الواحِدَ يَتَفاوَتُ حالُهُ في تَزايُدِ مُوجِباتِ فَضْلِهِ. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ بِتَنْوِينِ دَرَجاتٍ، فَيَكُونُ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الرَّفْعِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الرَّفْعِ مَجازًا في التَّفْضِيلِ، والدَّرَجاتِ مَجازًا في الفَضائِلِ المُتَفاوِتَةِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ ”مَن نَشاءُ“ عَلى أنَّ هَذا التَّكْرِيمَ لا يَكُونُ لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حاصِلًا لِكُلِّ النّاسِ لَمْ يَحْصُلِ الرَّفْعُ ولا التَّفْضِيلُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ﴾ يُثِيرُ سُؤالًا، يَقُولُ: لِماذا يُرْفَعُ بَعْضُ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ، فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مُسْتَحِقَّ ذَلِكَ ومِقْدارَ اسْتِحْقاقِهِ ويَخْلُقُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ. فَحَكِيمٌ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، أيْ مُتْقِنٍ لِلْخَلْقِ والتَّقْدِيرِ.
وقُدِّمَ حَكِيمٌ عَلى عَلِيمٍ لِأنَّ هَذا التَّفْضِيلَ مُظْهِرٌ لِلْحِكْمَةِ ثُمَّ عُقِّبَ بِـ عَلِيمٍ لِيُشِيرَ إلى أنَّ ذَلِكَ الإحْكامَ جارٍ عَلى وفْقِ العِلْمِ.
الأنعام 6:84
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
صفحة ٣٣٧
جُمْلَةُ ووَهَبْنا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ آتَيْناها لِأنَّ مَضْمُونَها تَكْرِمَةٌ وتَفْضِيلٌ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وإنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً هو مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إبْطالُ الشِّرْكِ وإقامَةُ الحُجَجِ عَلى فَسادِهِ وعَلى أنَّ الصّالِحِينَ كُلَّهم كانُوا عَلى خِلافِهِ.
والوَهْبُ والهِبَةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ بِلا عِوَضٍ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّفَضُّلِ والتَّيْسِيرِ.
ومَعْنى هِبَةِ يَعْقُوبَ لِإبْراهِيمَ أنَّهُ وُلِدَ لِابْنِهِ إسْحاقَ في حَياةِ إبْراهِيمَ وكَبِرَ وتَزَوَّجَ في حَياتِهِ فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ.
وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ. وتَرْجَمَةُ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] كُلُّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾“ اعْتِراضٌ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ هَدَيْناهم يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِظُهُورِهِ وعَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينَ في كُلًّا تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المُخْتارُ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَدْيِهِما التَّنْوِيهُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وأنَّهُما نَبِيئانِ نالا هُدى اللَّهِ كَهَدْيِهِ إبْراهِيمَ، وفِيهِ أيْضًا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ، ودَمْغٌ لِقُرَيْشٍ ومُشْرِكِي العَرَبِ، وتَسْفِيهٌ لَهم بِإثْباتِ أنَّ الصّالِحِينَ المَشْهُورِينَ كانُوا عَلى ضِدِّ مُعْتَقَدِهِمْ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وجُمْلَةُ ”﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾“ عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، أيْ وهَدَيْنا نُوحًا مِن قَبْلِهِمْ. وهَذا اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ بَعْضِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهُدى، وإشارَةٌ إلى أنَّ الهُدى هو الأصْلُ، ومِن أعْظَمِ الهُدى التَّوْحِيدُ كَما عَلِمْتَ.
صفحة ٣٣٨
وانْتَصَبَ نُوحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى هَدَيْنا لِلِاهْتِمامِ، و”مِن قَبْلُ“ حالٌ مِن ”نُوحًا“ . وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الهِدايَةَ مُتَأصِّلَةٌ في أُصُولِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، عَلى ما هو المَعْرُوفُ في (قَبْلُ) وأخَواتِ غَيْرٍ مِن حَذْفِ ما يُضافُ إلَيْهِ قَبْلُ ويُنْوى مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ”مِن ذُرِّيَّتِهِ“ حالٌ مِن ”داوُدَ“، وداوُدُ مَفْعُولُ هَدَيْنا مَحْذُوفًا. وفائِدَةُ هَذا الحالِ التَّنْوِيهُ بِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ بِشَرَفِ أصْلِهِمْ وبِأصْلِ فَضْلِهِمْ، والتَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ أوْ بِنُوحٍ بِفَضائِلِ ذُرِّيَّتِهِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى نُوحٍ لا إلى إبْراهِيمَ لِأنَّ نُوحًا أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِأنَّ لُوطًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ حَسْبَما جاءَ في كِتابِ التَّوْراةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُوطٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ، كَما يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ اسْمِهِ بَعْدَ انْتِهاءِ أسْماءِ مَن هم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لا عَلى العَطْفِ.
وداوُدُ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ونُكْمِلُها هُنا بِأنَّهُ داوُدُ بْنُ يِسِّي مِن سِبْطِ يَهُوذا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وُلِدَ بِقَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ سَنَةَ ١٠٨٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وتُوُفِّيَ في أُورَشْلِيمَ سَنَةَ ١٠١٥ . وكانَ في شَبابِهِ راعِيًا لِغَنَمِ أبِيهِ. ولَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّغَمِ والعَزْفِ والرَّمْيِ بِالمِقْلاعِ. فَأوْحى اللَّهُ إلى (شَمْوِيلَ) نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُبارِكَ داوُدَ بْنَ يِسِّي، ويَمْسَحَهُ بِالزَّيْتِ المُقَدَّسِ لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، عَلى حَسَبِ تَقالِيدِ بَنِي إسْرائِيلَ إنْباءً بِأنَّهُ سَيَصِيرُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ (شاوُلَ) الَّذِي غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا مَسَحَهُ (شَمْوِيلُ) في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ دُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَدٌ
صفحة ٣٣٩
خَطَرَ لِشاوُلَ - وكانَ مَرِيضًا - أنْ يَتَّخِذَ مَن يَضْرِبُ لَهُ بِالعُودِ عِنْدَما يَعْتادُهُ المَرَضُ، فَصادَفَ أنِ اخْتارُوا لَهُ داوُدَ فَألْحَقَهُ بِأهْلِ مَجْلِسِهِ لِيَسْمَعَ أنْغامَهُ. ولَمّا حارَبَ جُنْدُ (شاوُلَ) الكَنْعانِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، كانَ النَّصْرُ لِلْإسْرائِيلِيِّينَ بِسَبَبِ داوُدَ إذْ رَمى البَطَلَ الفِلَسْطِينِيَّ (جالُوتَ) بِمِقْلاعِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَصَرَعَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَلِذَلِكَ صاهَرَهُ (شاوُلُ) بِابْنَتِهِ (مِيكالَ)، ثُمَّ إنَّ (شاوُلَ) تَغَيَّرَ عَلى داوُدَ، فَخَرَجَ داوُدُ إلى بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ وجَمَعَ جَماعَةً تَحْتَ قِيادَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ (شاوُلُ) سَنَةَ ١٠٥٥ بايَعَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجُنْدِ الإسْرائِيلِيِّ في فِلَسْطِينَ داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ مَقَرَّ مُلْكِهِ (حَبْرُونَ)، وبَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قُتِلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ الَّذِي خَلَفَ شاوُلَ فَبايَعَتِ الإسْرائِيلِيُّونَ كُلُّهم داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، ورَجَعَ إلى أُورَشْلِيمَ، وآتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ وأمَرَهُ بِكِتابَةِ الزَّبُورِ المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ بِالمَزامِيرِ.
وسُلَيْمانُ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأيُّوبُ نَبِيءٌ أثْبَتَ القُرْآنُ نُبُوءَتَهُ. ولَهُ قِصَّةٌ مُفَصَّلَةٌ في الكِتابِ المَعْرُوفِ بِكِتابِ أيُّوبَ، مِن جُمْلَةِ كُتُبِ اليَهُودِ. ويَظُنُّ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ أيُّوبَ مِن ذُرِّيَّةِ (ناحُورَ) أخِي إبْراهِيمَ. وبَعْضُهم ظَنَّ أنَّهُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي كِتابِهِ أنَّ أيُّوبَ كانَ ساكِنًا بِأرْضِ عُوصَ وهي أرْضُ حُورانَ بِالشّامِ، وهي مَنازِلُ بَنِي عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وهم أُصُولُ عادٍ وكانَتْ مُجاوِرَةً لِحُدُودِ بِلادِ الكِلْدانِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ البُلْدانِ في كِتابِ أيُّوبَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَظُنُّ أنَّهُ مَن صِنْفٍ عَرَبِيٍّ وأنَّهُ مَن عُوصَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنِسْبَتِهِ في كِتابِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ كانَ بِأرْضِ عُوصَ الَّذِينَ هم مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ. وزَعَمُوا أنَّ كَلامَهُ المَسْطُورَ في كِتابِهِ كانَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ. وبَعْضُهم يَظُنُّ أنَّ الكَلامَ المَنسُوبَ إلَيْهِ كانَ شِعْرًا تَرْجَمَهُ مُوسى في كِتابِهِ وأنَّهُ أوَّلُ شِعْرٍ عُرِفَ
صفحة ٣٤٠
بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الأصْلِيَّةِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أوَّلُ شِعْرٍ عَرَفَهُ التّارِيخُ، ذَلِكَ لِأنَّ كَلامَهُ وكَلامَ أصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ عَزَّوْهُ عَلى مَصائِبِهِ جارٍ عَلى طَرِيقَةٍ شِعْرِيَّةٍ لا مَحالَةَ.
ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ ويَأْتِي تَفْصِيلُ تَرْجَمَتِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ.
ومُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا، تَقَدَّمَتْ تَراجِمُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْجَمَةُ عِيسى تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَحْيى تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ وكَذَلِكَ الوَهْبُ الَّذِي وهَبْنا لِإبْراهِيمَ والهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّتَهُ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَهُ، أوْ وكَذَلِكَ الهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَ نُوحٍ، فَعُلِمَ أنَّ نُوحًا أوْ إبْراهِيمَ مِنَ المُحْسِنِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَأمّا إحْسانُ نُوحٍ فَيَكُونُ مُسْتَفادًا مِن هَذا الِاعْتِراضِ، وأمّا إحْسانُ إبْراهِيمَ فَهو مُسْتَفادٌ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن دَعْوَتِهِ قَوْمَهُ وبَذْلِهِ كُلَّ الوُسْعِ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ هُنا إلى الهَدْيِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”هَدَيْنا“ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ وكَذَلِكَ الهَدْيِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، أيْ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَهْدِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ أوْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. فالمَعْنى أنَّهم أحْسَنُوا فَكانَ جَزاءُ إحْسانِهِمْ أنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ.
وأمّا إلْياسُ فَهو المَعْرُوفُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ باسِمِ إيلِيا، ويُسَمّى في بِلادِ العَرَبِ باسِمِ إلْياسَ أوْ (مارِ إلْياسَ) وهو إلْياسُ التَّشَبِيُّ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ إلْياسُ بْنُ فِنْحاصَ بْنِ إلْعازَ، أوِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى فَيَكُونُ مِن سِبْطِ لاوِي. كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ في
صفحة ٣٤١
حُدُودِ سَنَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ وتِسْعِمِائَةٍ قَبْلَ المَسِيحِ. وهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سُكّانِ (جِلْعادَ) بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ اللّامِ صِقْعٌ جَبَلِيٌّ في شَرْقِ الأُرْدُنِّ ومِنهُ بَعْلَبَكُّ. وكانَ إلْياسُ مِن سِبْطِ رُوبِينَ أوْ مِن سِبْطِ جادَ. وهَذانِ السِّبْطانِ هُما سُكّانُ صِقْعِ جِلْعادَ، ويُقالُ لِإلْياسَ في كُتُبِ اليَهُودِ التَّشَبِيُّ، وقَدْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَبَدُوا الأوْثانَ في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) وعَبَدُوا (بَعْلَ) صَنَمَ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ وعَظَهم إلْياسُ ولَهُ أخْبارٌ مَعَهم. أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ اليَسَعَ خَلِيفَةً لَهُ في النُّبُوءَةِ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ إلْياسَ في عاصِفَةٍ إلى السَّماءِ فَلَمْ يُرَ لَهُ أثَرٌ بَعْدُ، وخَلَفَهُ اليَسَعُ في النُّبُوءَةِ في زَمَنِ المَلِكِ تَهُورامَ بْنِ آخابَ مَلِكِ إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾“ اعْتِراضٌ. والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ وهو يَشْمَلُ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ إسْحاقَ ومَن بَعْدَهُ.
وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واليَسَعُ اسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إلْيَشَعُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وعَيْنٌ، وتَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ اليَسَعُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ ولامٍ ساكِنَةٍ في أوَّلِهِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (اللَّيْسَعُ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ اللّامِ مُشَدَّدَةً بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بِوَزْنِ ضَيْغَمٍ، فَهُما لُغَتانِ فِيهِ. وهو ابْنُ (شافاطَ) مِن أهْلِ (آبُلِ مَحُولَةَ) . كانَ فَلّاحًا فاصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ إلْياسَ في مُدَّةِ (آخابَ) وصَحِبَ إلْياسَ. ولَمّا رُفِعَ إلْياسُ لازَمَ سِيرَةَ إلْياسَ وظَهَرَتْ لَهُ مُعْجِزاتٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ في (أرِيحا) وغَيْرِها. وتُوُفِّيَ في مُدَّةِ المَلِكِ (يُوءاشَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وكانَتْ وفاتُهُ سَنَةَ أرْبَعِينَ وثَمانِمِائَةٍ ٨٤٠ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِالسّامِرَةِ. والألِفُ واللّامُ في اليَسَعَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ لِلتَّخْفِيفِ
صفحة ٣٤٢
فَأشْبَهَ الِاسْمَ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ الَّتِي لِلَمْحِ الأصْلِ مِثْلَ العَبّاسِ، وما هي مِنها.
وأمّا يُونُسُ فَهو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ أمِتّاي) وهو مِن سِبْطِ (زَبُولُونَ) . ويَجُوزُ في نُونِهِ في العَرَبِيَّةِ الضَّمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ. وُلِدَ في بَلْدَةِ (غاثِ ايفَرَ) مِن فِلَسْطِينَ، أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ (نِينَوى) مِن بِلادِ آشُورَ. وكانَ أهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطًا مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ في أسْرِ الآشُورِيِّينَ، ولَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ فَأبَوْا تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ، فَتَأخَّرَ العَذابُ فَخَرَجَ مُغاضِبًا وذَهَبَ إلى (يافا) فَرَكِبَ سَفِينَةً لِلْفِينِيقِيِّينَ لِتَذْهَبَ بِهِ إلى (تَرْشِيشَ) مَدِينَةٍ غَرْبِيِّ فِلَسْطِينَ إلى غَرْبِيِّ صُورَ وهي عَلى البَحْرِ ولَعَلَّها مِن مَراسِي الوَجْهِ البَحْرِيِّ مِن مِصْرَ أوْ مِن مَراسِي بُرْقَةَ لِأنَّهُ وُصِفَ في كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ يُجْلَبُ إلَيْهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والقُرُودُ والطَّواوِيسُ مِن تَرْشِيشَ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِتَرْشِيشَ تِجارَةٌ مَعَ الحَبَشَةِ أوِ السُّودانِ، ومِنها تُصَدَّرُ هَذِهِ المَحْصُولاتُ. وقِيلَ هي طَرْطُوشَةُ مِن مِراسِي الأنْدَلُسِ. وقِيلَ قَرْطاجَنَّةُ مَرْسى إفْرِيقِيَّةَ قُرْبَ تُونُسَ. وقَدْ قِيلَ في تَوارِيخِنا أنَّ تُونُسَ كانَ اسْمُها قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ تَرْشِيشَ. وهَذا قَرِيبٌ لِأنَّ تِجارَتَها مَعَ السُّودانِ قَدْ تَكُونُ أقْرَبَ فَهالَ البَحْرُ عَلى السَّفِينَةِ وثَقُلَتْ وخِيفَ غَرَقُها، فاقْتَرَعُوا فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خابَ في القُرْعَةِ فَرُمِيَ في البَحْرِ والتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ فَنادى في جَوْفِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وقَذَفَهُ الحُوتُ عَلى الشّاطِئِ. وأرْسَلَهُ اللَّهُ ثانِيًا إلى أهْلِ نِينَوى وآمَنُوا وكانُوا يَزِيدُونَ عَلى مِائَةِ ألْفٍ. وكانَتْ مُدَّتُهُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المِيلادِ. ولَمْ نَقِفْ عَلى ضَبْطِ وفاتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ قَبْرَهُ بِقَرْيَةِ جَلْجُونَ بَيْنَ القُدْسِ وبَلَدِ الخَلِيلِ، وأنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في رِحْلَتِهِ. وسَتَأْتِي أخْبارُ يُونُسَ في سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ الأنْبِياءِ وسُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٣٤٣
وأمّا لُوطٌ فَهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَحَ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ. وُلِدَ في (أُورِ الكَلْدانِيِّينَ) . وماتَ أبُوهُ قَبْلَ تارَحَ، فاتَّخَذَ تارَحُ لُوطًا في كَفالَتِهِ. ولَمّا ماتَ تارَحُ كانَ لُوطٌ مَعَ إبْراهِيمَ ساكِنَيْنِ في أرْضِ حارانَ (حُورانَ) بَعْدَ أنْ خَرَجَ تارَحُ أبُو إبْراهِيمَ مِن أُورِ الكَلْدانِيِّينَ قاصِدَيْنِ أرْضَ كَنْعانَ. وهاجَرَ إبْراهِيمُ مَعَ لُوطٍ إلى مِصْرَ لِقَحْطٍ أصابَ بِلادَ كَنْعانَ، ثُمَّ رَجَعا إلى بِلادِ كَنْعانَ، وافْتَرَقَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ بِسَبَبِ خِصامٍ وقَعَ بَيْنَ رُعاتِهِما، فارْتَحَلَ لُوطٌ إلى (سَدُومَ)، وهي مِن شَرْقِ الأُرْدُنِّ إلى أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنها حِينَ قَدَّرَ اللَّهُ خَسْفَها عِقابًا لِأهْلِها فَخَرَجَ إلى (صَوْغَرَ) مَعَ ابْنَتِهِ ونَسْلِهِ هُناكَ، وهُمُ (المُؤابِيُّونَ) و(بَنُو عَمُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِن إسْحاقَ إلى هُنا. و(كُلٌّ) يَقْتَضِي اسْتِغْراقَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ. وحُكْمُ الِاسْتِغْراقِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لا لِلْمَجْمُوعِ. والمُرادُ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِهِ عَدا مَن كانَ أفْضَلَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ، فاللّامُ في (العالَمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، فَقَدْ كانَ لُوطٌ في عَصْرِ إبْراهِيمَ وإبْراهِيمُ أفْضَلُ مِنهُ. وكانَ مِن غَيْرِهِما مَن كانُوا في عَصْرٍ واحِدٍ ولا يُعْرَفُ فَضْلُ أحَدِهِمْ عَلى الآخَرِ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ وكُلٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يُفَضَّلُونَ عَلى كُلِّ مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. ثُمَّ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنَّ أيَّ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، كَلامٌ في غَرَضٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ اهـ. ولا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى حُكْمِ الِاسْتِغْراقِ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
وتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ مُهِمَّةٌ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. وهي ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ أسْمائِهِمْ فِيها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن أحْكامٍ في الإيمانِ وحَقِّ النُّبُوءَةِ. وقَدْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِها المُفَسِّرُونَ وكانَ يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَها لِأنَّها تَتَفَرَّعُ إلى مَسائِلَ تَهُمُّ طالِبَ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ مَعْرِفَتُها،
صفحة ٣٤٤
وأحَقُّ مَظِنَّةً بِذِكْرِها هو هَذِهِ الآيَةُ وما هو بِمَعْنى بَعْضِها. فَأمّا ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أسْماؤُهم فِيها فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ أسْماءَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ. فَثُبُوتُ النُّبُوءَةِ لَهم أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ ”أُولَئِكَ“ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ في عَوْدِهِ إلى جَمِيعِ المُسَمَّيْنَ قَبْلَهُ مَعَ ما يُعَضِّدُهُ ويُكَمِّلُهُ مِنَ النَّصِّ بِنُبُوءَةِ بَعْضِهِمْ في آياتٍ تُماثِلُ هَذِهِ الآيَةَ، مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] الآياتِ، ومِثْلِ الآياتِ مِن سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] الآياتِ.
ولِلنُّبُوءَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْصُوفِها وبِمُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ لِمَن يَتَّصِفُ بِها: مِنها مَعْنى النَّبِيءِ والرَّسُولِ، ومَعْنى المُعْجِزَةِ الَّتِي هي دَلِيلُ تَحَقُّقِ النُّبُوءَةِ أوِ الرِّسالَةِ لِمَن أتى بِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن وُجُوبِ الإيمانِ بِما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن شَرْعٍ وآدابٍ، ومَسائِلُ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ مَبْسُوطَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْها. إنَّما الَّذِي يَهُمُّنا مِن ذَلِكَ في هَذا التَّفْسِيرِ هو ما أوْمَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِها فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ السُّورَةِ وكانَ عالِمًا بِمَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ مَن جَرَتْ أسْماؤُهم فِيها.
وقَدْ ذَكَرَ عُلَماؤُنا أنَّ الإيمانَ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا ونَبَّأ أنْبِياءَ لِإرْشادِ النّاسِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ، أيْ إيمانًا بِإرْسالِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، أوْ بِنُبُوءَةِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِاسْمِهِ ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ . قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: الباعِثُ (صِفَةُ لِلَّهِ تَعالى) الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ جائِزٌ في حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ واجِبٍ، وهو واقِعٌ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المَقاصِدِ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وجَمْعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (أيْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ) مِمّا وراءَ النَّهْرِ بِوُجُوبِ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ تَعالى.
صفحة ٣٤٥
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أئِمَّتِنا وُجُوبَ الإيمانِ بِنَبِيءٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا إلى الخَلْقِ كافَّةً. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ: ثُمَّ خَتَمَ - أيِ اللَّهُ - الرِّسالَةَ والنِّذارَةَ والنُّبُوءَةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيئِهِ ﷺ إلَخْ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإيمانِ فَقالَ «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ» إلَخْ. فَلَمْ يُعَيِّنْ رُسُلًا مَخْصُوصِينَ. وقالَ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ «الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» .
فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ وفَهِمَ مَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِقادُ بِنُبُوءَةِ المَذْكُورِينَ فِيها. ولَعَلَّ كَثِيرًا لا يَقْرَءُونَها وكَثِيرًا مِمَّنْ يَقْرَءُونَها لا يَفْهَمُونَ مَدْلُولاتِها حَقَّ الفَهْمِ فَلا يُطالَبُونَ بِتَطَلُّبِ فَهْمِها واعْتِقادِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الإيمانِ والإسْلامِ، ولَكِنَّهُ مِنَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ في فَصْلٍ سابِعٍ مِن فُصُولِ البابِ الثّالِثِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ: وهَذا كُلُّهُ (أيْ ما ذَكَرَهُ مِن إلْزامِ الكُفْرِ أوِ الجُرْمِ المُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ لِمَن جاءَ في حَقِّهِمْ بِما يُنافِي ما يَجِبُ لَهم) فِيمَن تُكُلِّمَ فِيهِمْ؛ أيِ الأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ، بِما قُلْناهُ عَلى جُمْلَةِ المَلائِكَةِ والنَّبِيئِينَ أيْ عَلى مَجْمُوعِهِمْ لا عَلى جَمِيعِهِمْ قالَهُ الخَفاجِيُّ يُرِيدُ بِالجَمِيعِ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِمَّنْ حَقَّقْنا كَوْنَهُ مِنهم مِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ في كِتابِهِ أوْ حَقَّقْنا عِلْمَهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ والإجْماعِ القاطِعِ والخَبَرِ المُشْتَهِرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”الواوُ“ في هَذا التَّقْسِيمِ بِمَعْنى ”أوْ“ . فَأمّا مَن لَمْ يَثْبُتِ الإخْبارُ بِتَعْيِينِهِ ولا وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كالخَضِرِ، ولُقْمانَ، وذِي القَرْنَيْنِ، ومَرْيَمَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ المَذْكُورِ أنَّهُ نَبِيءُ أهْلِ الرَّسِّ، فَلَيْسَ الحُكْمُ في سابِّهِمْ والكافِرِ بِهِمْ كالحُكْمِ فِيما قَدَّمْناهُ اهـ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ ما وقَعَ في أبْياتٍ ثَلاثَةٍ نَظَمَها البَعْضُ،
صفحة ٣٤٦
ذَكَرَها الشَّيْخُ إبْراهِيمُ البَيْجُورِيُّ في مَبْحَثِ الإيمانِ مِن شَرْحِهِ عَلى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ:
حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءٍ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وُهُمُ
إدْرِيسُ. هُودٌ. شُعَيْبٌ، صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ، آدَمُ، بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا
لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتْمًا يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الِاصْطِلاحِيُّ أنَّهُ واجِبٌ، وهَذا لا قائِلَ بِهِ، فَإنْ أرادَ بِالحَتْمِ الأمْرَ الَّذِي لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ كانَ مُتَأكِّدًا لِقَوْلِهِ: عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ. فَلَوْ عَوَّضَهُ بِكُلِّ ذِي التَّعْلِيمِ.
ولَعَلَّهُ أرادَ بِالحَتْمِ أنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ عَدَمُ إنْكارِ كَوْنِ هَؤُلاءِ أنْبِياءَ بِالتَّعْيِينِ، ولَكِنْ شاءَ بَيْنَ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ وبَيْنَ مَنعِ إنْكارِهِ بَعْدَ أنْ يُعْرَفَ.
فَأمّا رِسالَةُ هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا مَعْرِفَةُ نُبُوءَةِ ذِي الكِفْلِ فَفِيها نَظَرٌ؛ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِهِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّالِحِينَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عِدَّةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، ونُسِبَ إلى الجُمْهُورِ القَوْلُ بِأنَّهُ نَبِيءٌ. وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ: أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وأمّا آدَمُ فَإنَّهُ نَبِيءٌ مُنْذُ كَوْنِهِ في الجَنَّةِ فَقَدْ كَلَّمَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] فَهو قَدْ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مُشَرَّفًا
صفحة ٣٤٧
بِصِفَةِ النُّبُوءَةِ. وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ آدَمَ بَلَّغَ لِأبْنائِهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ الَّذِي يُنْكِرُ نُبُوءَةَ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ سُمِّيَ في القُرْآنِ في عِدادِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، وكانَ المُنْكَرُ مُحَقَّقًا عِلْمُهُ بِالآيَةِ الَّتِي وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ نَبِيءٌ، ووَقَفَ عَلى دَلِيلِ صِحَّةِ ما أنْكَرَهُ ورُوجِعَ فَصَمَّمَ عَلى إنْكارِهِ، إنَّ ذَلِكَ الإنْكارَ يَكُونُ كُفْرًا لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَذِرَ بِجَهْلٍ أوْ تَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ.
واعْلَمْ أنِّي تَطَلَّبْتُ كَشْفَ القِناعِ عَنْ وجْهِ الِاقْتِصارِ عَلى تَسْمِيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أوْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، عَلى الوَجْهَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ ذُرِّيَّتِهِ. فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وتَطَلَّبْتُ وجْهَ تَرْتِيبِ أسْمائِهِمْ هَذا التَّرْتِيبَ، ومُوالاةِ بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ لِبَعْضٍ في العَطْفِ فَلَمْ يَبْدُ لِي، وغالِبُ ظَنِّي أنَّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَوْنَ هَؤُلاءِ مَعْرُوفِينَ لِأهْلِ الكِتابِ ولِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّ المُناسَبَةَ في تَرْتِيبِهِمْ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ ناشِئَةً عَنِ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ أنَّ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ مَوْهِبَةٌ لِإبْراهِيمَ وهُما أبٌ وابْنُهُ، فَنَشَأ الِانْتِقالُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بِمُناسَبَةٍ لِلِانْتِقالِ، وأنَّ تَوْزِيعَ أسْمائِهِمْ عَلى فَواصِلَ ثَلاثٍ لا يَخْلُو عَنْ مُناسَبَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أصْحابِ تِلْكَ الأسْماءِ في الفاصِلَةِ الشّامِلَةِ لِأسْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنَّ خِفَّةَ أسْماءِ هَؤُلاءِ في تَعْرِيبِها إلى العَرَبِيَّةِ حُرُوفًا ووَزْنًا لَها أثَرٌ في إيثارِها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأسْماءِ نَحْوُ (شَمْعُونَ وشَمْوِيلَ وحِزْقيالَ ونَحْمِيا)، وأنَّ المَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَوَزَّعُوا الفَضائِلَ، إذْ مِنهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والمُلُوكُ وأهْلُ الأخْلاقِ الجَلِيلَةِ العَزِيزَةِ مِنَ الصَّبْرِ وجِهادِ النَّفْسِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُصابَرَةِ
صفحة ٣٤٨
لِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والشَّرِيعَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآياتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ومِن بَيْنِهِمْ أصْلا الأُمَّتَيْنِ العَرَبِيَّةِ والإسْرائِيلِيَّةِ.
فَلَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أرْدَفَ ذِكْرَهُما بِذِكْرِ نَبِيئَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وهُما أبٌ وابْنُهُ مِنَ الأنْبِياءِ هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ مُبْتَدَءًا بِهِما عَلى بَقِيَّةِ ذَرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّهُما نالا مَجْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ مَجْدَ الآخِرَةِ بِالنُّبُوءَةِ ومَجْدَ الدُّنْيا بِالمُلْكِ. ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ”نَبِيئَيْنِ“ تَماثَلا في أنَّ الضُّرَّ أصابَ كِلَيْهِما وأنَّ انْفِراجَ الكَرْبِ عَنْهُما بِصَبْرِهِما. وهُما أيُّوبُ ويُوسُفُ. ثُمَّ بِذِكْرِ رَسُولَيْنِ أخَوَيْنِ هُما مُوسى وهارُونُ، وقَدْ أصابَ مُوسى مِثْلُ ما أصابَ يُوسُفَ مِنَ الكَيْدِ لَهُ لِقَتْلِهِ ومِن نَجاتِهِ مِن ذَلِكَ وكَفالَتِهِ في بَيْتِ المُلْكِ، فَهَؤُلاءِ السِّتَّةُ شَمِلَتْهُمُ الفاصِلَةُ الأُولى المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.
ثُمَّ بِذِكْرِ نَبِيئَيْنِ أبٍ وابْنِهِ وهُما زَكَرِيّا ويَحْيى. فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُما رَسُولانِ لا ذُرِّيَّةَ لَهُما، وهُما عِيسى وإلْياسُ، وهُما مُتَماثِلانِ في أنَّهُما رُفِعا إلى السَّماءِ. فَأمّا عِيسى فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وأمّا إلْياسُ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ وعَلَيْهِ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ [مريم: ٥٦] ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا في سُورَةِ مَرْيَمَ. وابْتُدِئَ بِعِيسى عَطْفًا عَلى يَحْيى لِأنَّهُما قَرِيبانِ ابْنا خالَةٍ، ولِأنَّ عِيسى رَسُولٌ وإلْياسَ نَبِيءٌ غَيْرُ رَسُولٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّانِيَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ”كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ“ . وعَطَفَ اليَسَعَ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ إلْياسَ وتِلْمِيذُهُ، وأدْمَجَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْياسَ إسْماعِيلَ تَنْهِيَةً بِذِكْرِ النَّبِيءِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ العَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. وخُتِمُوا بِيُونُسَ ولُوطٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ صَغِيرَةٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّالِثَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ.
صفحة ٣٤٩
وقَوْلُهُ ”ومِن آبائِهِمْ“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”كُلًّا“ . فالتَّقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، أيْ؛ وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ. وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَن تَبِعَهُ المَعْطُوفَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ومِن آبائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا أوْ مَهْدِيِّينَ كَثِيرِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً مُتَعَلِّقَةٍ بِـ ”هَدَيْنا“ .
والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وهي مَن تَناسَلَ مِنَ الآدَمِيِّ مِن أبْناءٍ أدْنَيْنَ وأبْنائِهِمْ، فَيَشْمَلُ أوْلادَ البَنِينَ وأوْلادَ البَناتِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ إرادَةُ أنَّ الهُدى تَعَلَّقَ بِذُرِّيَّةِ كُلِّ مِن لَهُ ذَرِّيَّةٌ مِنَ المَذْكُورِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ في هَدْيِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ كَرامَةً لِلْجِدِّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ مُرادٌ وُقُوعُ الهَدْيِ في ذُرِّيَّتِهِ. وإنْ كانَتْ ذُرِّيّاتُهم راجِعِينَ إلى جَدٍّ واحِدٍ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالهُدى المُقَدَّرِ الهُدى المُماثِلَ لِلْهُدى المُصَرَّحِ بِهِ، وهو هُدى النُّبُوءَةِ، فالآباءُ يَشْمَلُ مِثْلَ آدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم آباءُ نُوحٍ. والذُّرِّيّاتُ يَشْمَلُ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ ودانْيالَ. فَهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والأنْبِياءَ مِن أبْناءِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ، وهُودًا، وصالِحًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وشُعَيْبًا، مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والإخْوانُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الأسْباطِ إخْوَةَ يُوسُفَ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما هو أعَمُّ مِنَ النُّبُوءَةِ شَمِلَ الصّالِحِينَ مِنَ الآباءِ مِثْلَ هابِيلَ بْنِ آدَمَ. وشَمِلَ الذُّرِّيّاتِ جَمِيعَ صالِحِي الأُمَمِ مِثْلَ أهْلِ الكَهْفِ، قالَ تَعالى ”وزِدْناهم هُدًى“، ومِثْلَ طالُوتَ مَلِكِ إسْرائِيلَ، ومِثْلَ مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَقَدْ ورَدَ أنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ. رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ويَشْمَلُ الإخْوانُ هارانَ بْنَ تارَحَ أخا إبْراهِيمَ، وهو أبُو لُوطٍ، وعيسو أخا، يَعْقُوبَ وغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
صفحة ٣٥٠
والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، قالُوا هو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْيِ، وهو الجَمْعُ، ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ. وجَبْيُ الماءِ في الحَوْضِ الَّذِي سُمِّيَتْ مِنهُ الجابِيَةُ، فالِافْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ الِاضْطِرارِ، ووَجْهُ الِاشْتِقاقِ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ في تَحْصِيلِهِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم فَجَعَلَهم مَوْضِعَ هَدْيِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ونُبُوءَتَهُ وهَدْيَهُ.
وعَطَفَ قَوْلَهُ ”وهَدَيْناهم“ عَلى ”اجْتَبَيْناهم“ عَطْفًا يُؤَكِّدُ إثْباتَ هُداهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا الهَدْيِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ هَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ إلى ما بِهِ نَوالُ ما يَعْمَلُ أهْلُ الكَمالِ لِنَوالِهِ، فَضَرَبَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مَثَلًا لِذَلِكَ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ العامِلِ لِيَنالَ ما يَطْلُبُهُ مِنَ الكَمالِ بِهَيْئَةِ السّاعِي عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوَصِّلُهُ إلى ما سارَ بِدُونِ تَرَدُّدٍ ولا تَحَيُّرٍ ولا ضَلالٍ، وذَكَرَ مِن ألْفاظِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بَعْضُهُ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ لِدَلالَتِهِ عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المَحْذُوفَةِ لِلْإيجازِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو التَّوْحِيدُ والإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ فِيها الشَّرائِعُ، والمَقْصُودُ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خالَفُوا مُعْتَقَدَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ”هَدى اللَّهُ“ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
الأنعام 6:85
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
صفحة ٣٣٧
جُمْلَةُ ووَهَبْنا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ آتَيْناها لِأنَّ مَضْمُونَها تَكْرِمَةٌ وتَفْضِيلٌ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وإنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً هو مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إبْطالُ الشِّرْكِ وإقامَةُ الحُجَجِ عَلى فَسادِهِ وعَلى أنَّ الصّالِحِينَ كُلَّهم كانُوا عَلى خِلافِهِ.
والوَهْبُ والهِبَةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ بِلا عِوَضٍ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّفَضُّلِ والتَّيْسِيرِ.
ومَعْنى هِبَةِ يَعْقُوبَ لِإبْراهِيمَ أنَّهُ وُلِدَ لِابْنِهِ إسْحاقَ في حَياةِ إبْراهِيمَ وكَبِرَ وتَزَوَّجَ في حَياتِهِ فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ.
وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ. وتَرْجَمَةُ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] كُلُّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾“ اعْتِراضٌ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ هَدَيْناهم يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِظُهُورِهِ وعَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينَ في كُلًّا تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المُخْتارُ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَدْيِهِما التَّنْوِيهُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وأنَّهُما نَبِيئانِ نالا هُدى اللَّهِ كَهَدْيِهِ إبْراهِيمَ، وفِيهِ أيْضًا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ، ودَمْغٌ لِقُرَيْشٍ ومُشْرِكِي العَرَبِ، وتَسْفِيهٌ لَهم بِإثْباتِ أنَّ الصّالِحِينَ المَشْهُورِينَ كانُوا عَلى ضِدِّ مُعْتَقَدِهِمْ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وجُمْلَةُ ”﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾“ عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، أيْ وهَدَيْنا نُوحًا مِن قَبْلِهِمْ. وهَذا اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ بَعْضِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهُدى، وإشارَةٌ إلى أنَّ الهُدى هو الأصْلُ، ومِن أعْظَمِ الهُدى التَّوْحِيدُ كَما عَلِمْتَ.
صفحة ٣٣٨
وانْتَصَبَ نُوحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى هَدَيْنا لِلِاهْتِمامِ، و”مِن قَبْلُ“ حالٌ مِن ”نُوحًا“ . وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الهِدايَةَ مُتَأصِّلَةٌ في أُصُولِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، عَلى ما هو المَعْرُوفُ في (قَبْلُ) وأخَواتِ غَيْرٍ مِن حَذْفِ ما يُضافُ إلَيْهِ قَبْلُ ويُنْوى مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ”مِن ذُرِّيَّتِهِ“ حالٌ مِن ”داوُدَ“، وداوُدُ مَفْعُولُ هَدَيْنا مَحْذُوفًا. وفائِدَةُ هَذا الحالِ التَّنْوِيهُ بِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ بِشَرَفِ أصْلِهِمْ وبِأصْلِ فَضْلِهِمْ، والتَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ أوْ بِنُوحٍ بِفَضائِلِ ذُرِّيَّتِهِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى نُوحٍ لا إلى إبْراهِيمَ لِأنَّ نُوحًا أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِأنَّ لُوطًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ حَسْبَما جاءَ في كِتابِ التَّوْراةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُوطٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ، كَما يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ اسْمِهِ بَعْدَ انْتِهاءِ أسْماءِ مَن هم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لا عَلى العَطْفِ.
وداوُدُ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ونُكْمِلُها هُنا بِأنَّهُ داوُدُ بْنُ يِسِّي مِن سِبْطِ يَهُوذا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وُلِدَ بِقَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ سَنَةَ ١٠٨٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وتُوُفِّيَ في أُورَشْلِيمَ سَنَةَ ١٠١٥ . وكانَ في شَبابِهِ راعِيًا لِغَنَمِ أبِيهِ. ولَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّغَمِ والعَزْفِ والرَّمْيِ بِالمِقْلاعِ. فَأوْحى اللَّهُ إلى (شَمْوِيلَ) نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُبارِكَ داوُدَ بْنَ يِسِّي، ويَمْسَحَهُ بِالزَّيْتِ المُقَدَّسِ لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، عَلى حَسَبِ تَقالِيدِ بَنِي إسْرائِيلَ إنْباءً بِأنَّهُ سَيَصِيرُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ (شاوُلَ) الَّذِي غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا مَسَحَهُ (شَمْوِيلُ) في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ دُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَدٌ
صفحة ٣٣٩
خَطَرَ لِشاوُلَ - وكانَ مَرِيضًا - أنْ يَتَّخِذَ مَن يَضْرِبُ لَهُ بِالعُودِ عِنْدَما يَعْتادُهُ المَرَضُ، فَصادَفَ أنِ اخْتارُوا لَهُ داوُدَ فَألْحَقَهُ بِأهْلِ مَجْلِسِهِ لِيَسْمَعَ أنْغامَهُ. ولَمّا حارَبَ جُنْدُ (شاوُلَ) الكَنْعانِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، كانَ النَّصْرُ لِلْإسْرائِيلِيِّينَ بِسَبَبِ داوُدَ إذْ رَمى البَطَلَ الفِلَسْطِينِيَّ (جالُوتَ) بِمِقْلاعِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَصَرَعَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَلِذَلِكَ صاهَرَهُ (شاوُلُ) بِابْنَتِهِ (مِيكالَ)، ثُمَّ إنَّ (شاوُلَ) تَغَيَّرَ عَلى داوُدَ، فَخَرَجَ داوُدُ إلى بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ وجَمَعَ جَماعَةً تَحْتَ قِيادَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ (شاوُلُ) سَنَةَ ١٠٥٥ بايَعَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجُنْدِ الإسْرائِيلِيِّ في فِلَسْطِينَ داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ مَقَرَّ مُلْكِهِ (حَبْرُونَ)، وبَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قُتِلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ الَّذِي خَلَفَ شاوُلَ فَبايَعَتِ الإسْرائِيلِيُّونَ كُلُّهم داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، ورَجَعَ إلى أُورَشْلِيمَ، وآتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ وأمَرَهُ بِكِتابَةِ الزَّبُورِ المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ بِالمَزامِيرِ.
وسُلَيْمانُ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأيُّوبُ نَبِيءٌ أثْبَتَ القُرْآنُ نُبُوءَتَهُ. ولَهُ قِصَّةٌ مُفَصَّلَةٌ في الكِتابِ المَعْرُوفِ بِكِتابِ أيُّوبَ، مِن جُمْلَةِ كُتُبِ اليَهُودِ. ويَظُنُّ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ أيُّوبَ مِن ذُرِّيَّةِ (ناحُورَ) أخِي إبْراهِيمَ. وبَعْضُهم ظَنَّ أنَّهُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي كِتابِهِ أنَّ أيُّوبَ كانَ ساكِنًا بِأرْضِ عُوصَ وهي أرْضُ حُورانَ بِالشّامِ، وهي مَنازِلُ بَنِي عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وهم أُصُولُ عادٍ وكانَتْ مُجاوِرَةً لِحُدُودِ بِلادِ الكِلْدانِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ البُلْدانِ في كِتابِ أيُّوبَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَظُنُّ أنَّهُ مَن صِنْفٍ عَرَبِيٍّ وأنَّهُ مَن عُوصَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنِسْبَتِهِ في كِتابِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ كانَ بِأرْضِ عُوصَ الَّذِينَ هم مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ. وزَعَمُوا أنَّ كَلامَهُ المَسْطُورَ في كِتابِهِ كانَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ. وبَعْضُهم يَظُنُّ أنَّ الكَلامَ المَنسُوبَ إلَيْهِ كانَ شِعْرًا تَرْجَمَهُ مُوسى في كِتابِهِ وأنَّهُ أوَّلُ شِعْرٍ عُرِفَ
صفحة ٣٤٠
بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الأصْلِيَّةِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أوَّلُ شِعْرٍ عَرَفَهُ التّارِيخُ، ذَلِكَ لِأنَّ كَلامَهُ وكَلامَ أصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ عَزَّوْهُ عَلى مَصائِبِهِ جارٍ عَلى طَرِيقَةٍ شِعْرِيَّةٍ لا مَحالَةَ.
ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ ويَأْتِي تَفْصِيلُ تَرْجَمَتِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ.
ومُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا، تَقَدَّمَتْ تَراجِمُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْجَمَةُ عِيسى تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَحْيى تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ وكَذَلِكَ الوَهْبُ الَّذِي وهَبْنا لِإبْراهِيمَ والهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّتَهُ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَهُ، أوْ وكَذَلِكَ الهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَ نُوحٍ، فَعُلِمَ أنَّ نُوحًا أوْ إبْراهِيمَ مِنَ المُحْسِنِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَأمّا إحْسانُ نُوحٍ فَيَكُونُ مُسْتَفادًا مِن هَذا الِاعْتِراضِ، وأمّا إحْسانُ إبْراهِيمَ فَهو مُسْتَفادٌ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن دَعْوَتِهِ قَوْمَهُ وبَذْلِهِ كُلَّ الوُسْعِ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ هُنا إلى الهَدْيِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”هَدَيْنا“ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ وكَذَلِكَ الهَدْيِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، أيْ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَهْدِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ أوْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. فالمَعْنى أنَّهم أحْسَنُوا فَكانَ جَزاءُ إحْسانِهِمْ أنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ.
وأمّا إلْياسُ فَهو المَعْرُوفُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ باسِمِ إيلِيا، ويُسَمّى في بِلادِ العَرَبِ باسِمِ إلْياسَ أوْ (مارِ إلْياسَ) وهو إلْياسُ التَّشَبِيُّ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ إلْياسُ بْنُ فِنْحاصَ بْنِ إلْعازَ، أوِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى فَيَكُونُ مِن سِبْطِ لاوِي. كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ في
صفحة ٣٤١
حُدُودِ سَنَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ وتِسْعِمِائَةٍ قَبْلَ المَسِيحِ. وهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سُكّانِ (جِلْعادَ) بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ اللّامِ صِقْعٌ جَبَلِيٌّ في شَرْقِ الأُرْدُنِّ ومِنهُ بَعْلَبَكُّ. وكانَ إلْياسُ مِن سِبْطِ رُوبِينَ أوْ مِن سِبْطِ جادَ. وهَذانِ السِّبْطانِ هُما سُكّانُ صِقْعِ جِلْعادَ، ويُقالُ لِإلْياسَ في كُتُبِ اليَهُودِ التَّشَبِيُّ، وقَدْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَبَدُوا الأوْثانَ في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) وعَبَدُوا (بَعْلَ) صَنَمَ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ وعَظَهم إلْياسُ ولَهُ أخْبارٌ مَعَهم. أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ اليَسَعَ خَلِيفَةً لَهُ في النُّبُوءَةِ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ إلْياسَ في عاصِفَةٍ إلى السَّماءِ فَلَمْ يُرَ لَهُ أثَرٌ بَعْدُ، وخَلَفَهُ اليَسَعُ في النُّبُوءَةِ في زَمَنِ المَلِكِ تَهُورامَ بْنِ آخابَ مَلِكِ إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾“ اعْتِراضٌ. والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ وهو يَشْمَلُ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ إسْحاقَ ومَن بَعْدَهُ.
وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واليَسَعُ اسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إلْيَشَعُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وعَيْنٌ، وتَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ اليَسَعُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ ولامٍ ساكِنَةٍ في أوَّلِهِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (اللَّيْسَعُ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ اللّامِ مُشَدَّدَةً بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بِوَزْنِ ضَيْغَمٍ، فَهُما لُغَتانِ فِيهِ. وهو ابْنُ (شافاطَ) مِن أهْلِ (آبُلِ مَحُولَةَ) . كانَ فَلّاحًا فاصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ إلْياسَ في مُدَّةِ (آخابَ) وصَحِبَ إلْياسَ. ولَمّا رُفِعَ إلْياسُ لازَمَ سِيرَةَ إلْياسَ وظَهَرَتْ لَهُ مُعْجِزاتٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ في (أرِيحا) وغَيْرِها. وتُوُفِّيَ في مُدَّةِ المَلِكِ (يُوءاشَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وكانَتْ وفاتُهُ سَنَةَ أرْبَعِينَ وثَمانِمِائَةٍ ٨٤٠ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِالسّامِرَةِ. والألِفُ واللّامُ في اليَسَعَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ لِلتَّخْفِيفِ
صفحة ٣٤٢
فَأشْبَهَ الِاسْمَ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ الَّتِي لِلَمْحِ الأصْلِ مِثْلَ العَبّاسِ، وما هي مِنها.
وأمّا يُونُسُ فَهو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ أمِتّاي) وهو مِن سِبْطِ (زَبُولُونَ) . ويَجُوزُ في نُونِهِ في العَرَبِيَّةِ الضَّمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ. وُلِدَ في بَلْدَةِ (غاثِ ايفَرَ) مِن فِلَسْطِينَ، أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ (نِينَوى) مِن بِلادِ آشُورَ. وكانَ أهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطًا مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ في أسْرِ الآشُورِيِّينَ، ولَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ فَأبَوْا تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ، فَتَأخَّرَ العَذابُ فَخَرَجَ مُغاضِبًا وذَهَبَ إلى (يافا) فَرَكِبَ سَفِينَةً لِلْفِينِيقِيِّينَ لِتَذْهَبَ بِهِ إلى (تَرْشِيشَ) مَدِينَةٍ غَرْبِيِّ فِلَسْطِينَ إلى غَرْبِيِّ صُورَ وهي عَلى البَحْرِ ولَعَلَّها مِن مَراسِي الوَجْهِ البَحْرِيِّ مِن مِصْرَ أوْ مِن مَراسِي بُرْقَةَ لِأنَّهُ وُصِفَ في كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ يُجْلَبُ إلَيْهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والقُرُودُ والطَّواوِيسُ مِن تَرْشِيشَ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِتَرْشِيشَ تِجارَةٌ مَعَ الحَبَشَةِ أوِ السُّودانِ، ومِنها تُصَدَّرُ هَذِهِ المَحْصُولاتُ. وقِيلَ هي طَرْطُوشَةُ مِن مِراسِي الأنْدَلُسِ. وقِيلَ قَرْطاجَنَّةُ مَرْسى إفْرِيقِيَّةَ قُرْبَ تُونُسَ. وقَدْ قِيلَ في تَوارِيخِنا أنَّ تُونُسَ كانَ اسْمُها قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ تَرْشِيشَ. وهَذا قَرِيبٌ لِأنَّ تِجارَتَها مَعَ السُّودانِ قَدْ تَكُونُ أقْرَبَ فَهالَ البَحْرُ عَلى السَّفِينَةِ وثَقُلَتْ وخِيفَ غَرَقُها، فاقْتَرَعُوا فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خابَ في القُرْعَةِ فَرُمِيَ في البَحْرِ والتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ فَنادى في جَوْفِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وقَذَفَهُ الحُوتُ عَلى الشّاطِئِ. وأرْسَلَهُ اللَّهُ ثانِيًا إلى أهْلِ نِينَوى وآمَنُوا وكانُوا يَزِيدُونَ عَلى مِائَةِ ألْفٍ. وكانَتْ مُدَّتُهُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المِيلادِ. ولَمْ نَقِفْ عَلى ضَبْطِ وفاتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ قَبْرَهُ بِقَرْيَةِ جَلْجُونَ بَيْنَ القُدْسِ وبَلَدِ الخَلِيلِ، وأنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في رِحْلَتِهِ. وسَتَأْتِي أخْبارُ يُونُسَ في سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ الأنْبِياءِ وسُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٣٤٣
وأمّا لُوطٌ فَهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَحَ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ. وُلِدَ في (أُورِ الكَلْدانِيِّينَ) . وماتَ أبُوهُ قَبْلَ تارَحَ، فاتَّخَذَ تارَحُ لُوطًا في كَفالَتِهِ. ولَمّا ماتَ تارَحُ كانَ لُوطٌ مَعَ إبْراهِيمَ ساكِنَيْنِ في أرْضِ حارانَ (حُورانَ) بَعْدَ أنْ خَرَجَ تارَحُ أبُو إبْراهِيمَ مِن أُورِ الكَلْدانِيِّينَ قاصِدَيْنِ أرْضَ كَنْعانَ. وهاجَرَ إبْراهِيمُ مَعَ لُوطٍ إلى مِصْرَ لِقَحْطٍ أصابَ بِلادَ كَنْعانَ، ثُمَّ رَجَعا إلى بِلادِ كَنْعانَ، وافْتَرَقَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ بِسَبَبِ خِصامٍ وقَعَ بَيْنَ رُعاتِهِما، فارْتَحَلَ لُوطٌ إلى (سَدُومَ)، وهي مِن شَرْقِ الأُرْدُنِّ إلى أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنها حِينَ قَدَّرَ اللَّهُ خَسْفَها عِقابًا لِأهْلِها فَخَرَجَ إلى (صَوْغَرَ) مَعَ ابْنَتِهِ ونَسْلِهِ هُناكَ، وهُمُ (المُؤابِيُّونَ) و(بَنُو عَمُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِن إسْحاقَ إلى هُنا. و(كُلٌّ) يَقْتَضِي اسْتِغْراقَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ. وحُكْمُ الِاسْتِغْراقِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لا لِلْمَجْمُوعِ. والمُرادُ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِهِ عَدا مَن كانَ أفْضَلَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ، فاللّامُ في (العالَمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، فَقَدْ كانَ لُوطٌ في عَصْرِ إبْراهِيمَ وإبْراهِيمُ أفْضَلُ مِنهُ. وكانَ مِن غَيْرِهِما مَن كانُوا في عَصْرٍ واحِدٍ ولا يُعْرَفُ فَضْلُ أحَدِهِمْ عَلى الآخَرِ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ وكُلٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يُفَضَّلُونَ عَلى كُلِّ مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. ثُمَّ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنَّ أيَّ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، كَلامٌ في غَرَضٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ اهـ. ولا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى حُكْمِ الِاسْتِغْراقِ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
وتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ مُهِمَّةٌ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. وهي ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ أسْمائِهِمْ فِيها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن أحْكامٍ في الإيمانِ وحَقِّ النُّبُوءَةِ. وقَدْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِها المُفَسِّرُونَ وكانَ يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَها لِأنَّها تَتَفَرَّعُ إلى مَسائِلَ تَهُمُّ طالِبَ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ مَعْرِفَتُها،
صفحة ٣٤٤
وأحَقُّ مَظِنَّةً بِذِكْرِها هو هَذِهِ الآيَةُ وما هو بِمَعْنى بَعْضِها. فَأمّا ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أسْماؤُهم فِيها فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ أسْماءَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ. فَثُبُوتُ النُّبُوءَةِ لَهم أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ ”أُولَئِكَ“ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ في عَوْدِهِ إلى جَمِيعِ المُسَمَّيْنَ قَبْلَهُ مَعَ ما يُعَضِّدُهُ ويُكَمِّلُهُ مِنَ النَّصِّ بِنُبُوءَةِ بَعْضِهِمْ في آياتٍ تُماثِلُ هَذِهِ الآيَةَ، مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] الآياتِ، ومِثْلِ الآياتِ مِن سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] الآياتِ.
ولِلنُّبُوءَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْصُوفِها وبِمُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ لِمَن يَتَّصِفُ بِها: مِنها مَعْنى النَّبِيءِ والرَّسُولِ، ومَعْنى المُعْجِزَةِ الَّتِي هي دَلِيلُ تَحَقُّقِ النُّبُوءَةِ أوِ الرِّسالَةِ لِمَن أتى بِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن وُجُوبِ الإيمانِ بِما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن شَرْعٍ وآدابٍ، ومَسائِلُ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ مَبْسُوطَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْها. إنَّما الَّذِي يَهُمُّنا مِن ذَلِكَ في هَذا التَّفْسِيرِ هو ما أوْمَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِها فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ السُّورَةِ وكانَ عالِمًا بِمَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ مَن جَرَتْ أسْماؤُهم فِيها.
وقَدْ ذَكَرَ عُلَماؤُنا أنَّ الإيمانَ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا ونَبَّأ أنْبِياءَ لِإرْشادِ النّاسِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ، أيْ إيمانًا بِإرْسالِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، أوْ بِنُبُوءَةِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِاسْمِهِ ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ . قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: الباعِثُ (صِفَةُ لِلَّهِ تَعالى) الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ جائِزٌ في حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ واجِبٍ، وهو واقِعٌ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المَقاصِدِ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وجَمْعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (أيْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ) مِمّا وراءَ النَّهْرِ بِوُجُوبِ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ تَعالى.
صفحة ٣٤٥
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أئِمَّتِنا وُجُوبَ الإيمانِ بِنَبِيءٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا إلى الخَلْقِ كافَّةً. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ: ثُمَّ خَتَمَ - أيِ اللَّهُ - الرِّسالَةَ والنِّذارَةَ والنُّبُوءَةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيئِهِ ﷺ إلَخْ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإيمانِ فَقالَ «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ» إلَخْ. فَلَمْ يُعَيِّنْ رُسُلًا مَخْصُوصِينَ. وقالَ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ «الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» .
فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ وفَهِمَ مَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِقادُ بِنُبُوءَةِ المَذْكُورِينَ فِيها. ولَعَلَّ كَثِيرًا لا يَقْرَءُونَها وكَثِيرًا مِمَّنْ يَقْرَءُونَها لا يَفْهَمُونَ مَدْلُولاتِها حَقَّ الفَهْمِ فَلا يُطالَبُونَ بِتَطَلُّبِ فَهْمِها واعْتِقادِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الإيمانِ والإسْلامِ، ولَكِنَّهُ مِنَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ في فَصْلٍ سابِعٍ مِن فُصُولِ البابِ الثّالِثِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ: وهَذا كُلُّهُ (أيْ ما ذَكَرَهُ مِن إلْزامِ الكُفْرِ أوِ الجُرْمِ المُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ لِمَن جاءَ في حَقِّهِمْ بِما يُنافِي ما يَجِبُ لَهم) فِيمَن تُكُلِّمَ فِيهِمْ؛ أيِ الأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ، بِما قُلْناهُ عَلى جُمْلَةِ المَلائِكَةِ والنَّبِيئِينَ أيْ عَلى مَجْمُوعِهِمْ لا عَلى جَمِيعِهِمْ قالَهُ الخَفاجِيُّ يُرِيدُ بِالجَمِيعِ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِمَّنْ حَقَّقْنا كَوْنَهُ مِنهم مِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ في كِتابِهِ أوْ حَقَّقْنا عِلْمَهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ والإجْماعِ القاطِعِ والخَبَرِ المُشْتَهِرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”الواوُ“ في هَذا التَّقْسِيمِ بِمَعْنى ”أوْ“ . فَأمّا مَن لَمْ يَثْبُتِ الإخْبارُ بِتَعْيِينِهِ ولا وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كالخَضِرِ، ولُقْمانَ، وذِي القَرْنَيْنِ، ومَرْيَمَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ المَذْكُورِ أنَّهُ نَبِيءُ أهْلِ الرَّسِّ، فَلَيْسَ الحُكْمُ في سابِّهِمْ والكافِرِ بِهِمْ كالحُكْمِ فِيما قَدَّمْناهُ اهـ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ ما وقَعَ في أبْياتٍ ثَلاثَةٍ نَظَمَها البَعْضُ،
صفحة ٣٤٦
ذَكَرَها الشَّيْخُ إبْراهِيمُ البَيْجُورِيُّ في مَبْحَثِ الإيمانِ مِن شَرْحِهِ عَلى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ:
حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءٍ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وُهُمُ
إدْرِيسُ. هُودٌ. شُعَيْبٌ، صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ، آدَمُ، بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا
لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتْمًا يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الِاصْطِلاحِيُّ أنَّهُ واجِبٌ، وهَذا لا قائِلَ بِهِ، فَإنْ أرادَ بِالحَتْمِ الأمْرَ الَّذِي لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ كانَ مُتَأكِّدًا لِقَوْلِهِ: عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ. فَلَوْ عَوَّضَهُ بِكُلِّ ذِي التَّعْلِيمِ.
ولَعَلَّهُ أرادَ بِالحَتْمِ أنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ عَدَمُ إنْكارِ كَوْنِ هَؤُلاءِ أنْبِياءَ بِالتَّعْيِينِ، ولَكِنْ شاءَ بَيْنَ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ وبَيْنَ مَنعِ إنْكارِهِ بَعْدَ أنْ يُعْرَفَ.
فَأمّا رِسالَةُ هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا مَعْرِفَةُ نُبُوءَةِ ذِي الكِفْلِ فَفِيها نَظَرٌ؛ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِهِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّالِحِينَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عِدَّةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، ونُسِبَ إلى الجُمْهُورِ القَوْلُ بِأنَّهُ نَبِيءٌ. وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ: أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وأمّا آدَمُ فَإنَّهُ نَبِيءٌ مُنْذُ كَوْنِهِ في الجَنَّةِ فَقَدْ كَلَّمَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] فَهو قَدْ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مُشَرَّفًا
صفحة ٣٤٧
بِصِفَةِ النُّبُوءَةِ. وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ آدَمَ بَلَّغَ لِأبْنائِهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ الَّذِي يُنْكِرُ نُبُوءَةَ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ سُمِّيَ في القُرْآنِ في عِدادِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، وكانَ المُنْكَرُ مُحَقَّقًا عِلْمُهُ بِالآيَةِ الَّتِي وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ نَبِيءٌ، ووَقَفَ عَلى دَلِيلِ صِحَّةِ ما أنْكَرَهُ ورُوجِعَ فَصَمَّمَ عَلى إنْكارِهِ، إنَّ ذَلِكَ الإنْكارَ يَكُونُ كُفْرًا لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَذِرَ بِجَهْلٍ أوْ تَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ.
واعْلَمْ أنِّي تَطَلَّبْتُ كَشْفَ القِناعِ عَنْ وجْهِ الِاقْتِصارِ عَلى تَسْمِيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أوْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، عَلى الوَجْهَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ ذُرِّيَّتِهِ. فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وتَطَلَّبْتُ وجْهَ تَرْتِيبِ أسْمائِهِمْ هَذا التَّرْتِيبَ، ومُوالاةِ بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ لِبَعْضٍ في العَطْفِ فَلَمْ يَبْدُ لِي، وغالِبُ ظَنِّي أنَّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَوْنَ هَؤُلاءِ مَعْرُوفِينَ لِأهْلِ الكِتابِ ولِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّ المُناسَبَةَ في تَرْتِيبِهِمْ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ ناشِئَةً عَنِ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ أنَّ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ مَوْهِبَةٌ لِإبْراهِيمَ وهُما أبٌ وابْنُهُ، فَنَشَأ الِانْتِقالُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بِمُناسَبَةٍ لِلِانْتِقالِ، وأنَّ تَوْزِيعَ أسْمائِهِمْ عَلى فَواصِلَ ثَلاثٍ لا يَخْلُو عَنْ مُناسَبَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أصْحابِ تِلْكَ الأسْماءِ في الفاصِلَةِ الشّامِلَةِ لِأسْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنَّ خِفَّةَ أسْماءِ هَؤُلاءِ في تَعْرِيبِها إلى العَرَبِيَّةِ حُرُوفًا ووَزْنًا لَها أثَرٌ في إيثارِها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأسْماءِ نَحْوُ (شَمْعُونَ وشَمْوِيلَ وحِزْقيالَ ونَحْمِيا)، وأنَّ المَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَوَزَّعُوا الفَضائِلَ، إذْ مِنهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والمُلُوكُ وأهْلُ الأخْلاقِ الجَلِيلَةِ العَزِيزَةِ مِنَ الصَّبْرِ وجِهادِ النَّفْسِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُصابَرَةِ
صفحة ٣٤٨
لِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والشَّرِيعَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآياتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ومِن بَيْنِهِمْ أصْلا الأُمَّتَيْنِ العَرَبِيَّةِ والإسْرائِيلِيَّةِ.
فَلَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أرْدَفَ ذِكْرَهُما بِذِكْرِ نَبِيئَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وهُما أبٌ وابْنُهُ مِنَ الأنْبِياءِ هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ مُبْتَدَءًا بِهِما عَلى بَقِيَّةِ ذَرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّهُما نالا مَجْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ مَجْدَ الآخِرَةِ بِالنُّبُوءَةِ ومَجْدَ الدُّنْيا بِالمُلْكِ. ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ”نَبِيئَيْنِ“ تَماثَلا في أنَّ الضُّرَّ أصابَ كِلَيْهِما وأنَّ انْفِراجَ الكَرْبِ عَنْهُما بِصَبْرِهِما. وهُما أيُّوبُ ويُوسُفُ. ثُمَّ بِذِكْرِ رَسُولَيْنِ أخَوَيْنِ هُما مُوسى وهارُونُ، وقَدْ أصابَ مُوسى مِثْلُ ما أصابَ يُوسُفَ مِنَ الكَيْدِ لَهُ لِقَتْلِهِ ومِن نَجاتِهِ مِن ذَلِكَ وكَفالَتِهِ في بَيْتِ المُلْكِ، فَهَؤُلاءِ السِّتَّةُ شَمِلَتْهُمُ الفاصِلَةُ الأُولى المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.
ثُمَّ بِذِكْرِ نَبِيئَيْنِ أبٍ وابْنِهِ وهُما زَكَرِيّا ويَحْيى. فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُما رَسُولانِ لا ذُرِّيَّةَ لَهُما، وهُما عِيسى وإلْياسُ، وهُما مُتَماثِلانِ في أنَّهُما رُفِعا إلى السَّماءِ. فَأمّا عِيسى فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وأمّا إلْياسُ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ وعَلَيْهِ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ [مريم: ٥٦] ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا في سُورَةِ مَرْيَمَ. وابْتُدِئَ بِعِيسى عَطْفًا عَلى يَحْيى لِأنَّهُما قَرِيبانِ ابْنا خالَةٍ، ولِأنَّ عِيسى رَسُولٌ وإلْياسَ نَبِيءٌ غَيْرُ رَسُولٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّانِيَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ”كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ“ . وعَطَفَ اليَسَعَ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ إلْياسَ وتِلْمِيذُهُ، وأدْمَجَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْياسَ إسْماعِيلَ تَنْهِيَةً بِذِكْرِ النَّبِيءِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ العَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. وخُتِمُوا بِيُونُسَ ولُوطٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ صَغِيرَةٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّالِثَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ.
صفحة ٣٤٩
وقَوْلُهُ ”ومِن آبائِهِمْ“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”كُلًّا“ . فالتَّقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، أيْ؛ وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ. وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَن تَبِعَهُ المَعْطُوفَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ومِن آبائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا أوْ مَهْدِيِّينَ كَثِيرِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً مُتَعَلِّقَةٍ بِـ ”هَدَيْنا“ .
والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وهي مَن تَناسَلَ مِنَ الآدَمِيِّ مِن أبْناءٍ أدْنَيْنَ وأبْنائِهِمْ، فَيَشْمَلُ أوْلادَ البَنِينَ وأوْلادَ البَناتِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ إرادَةُ أنَّ الهُدى تَعَلَّقَ بِذُرِّيَّةِ كُلِّ مِن لَهُ ذَرِّيَّةٌ مِنَ المَذْكُورِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ في هَدْيِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ كَرامَةً لِلْجِدِّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ مُرادٌ وُقُوعُ الهَدْيِ في ذُرِّيَّتِهِ. وإنْ كانَتْ ذُرِّيّاتُهم راجِعِينَ إلى جَدٍّ واحِدٍ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالهُدى المُقَدَّرِ الهُدى المُماثِلَ لِلْهُدى المُصَرَّحِ بِهِ، وهو هُدى النُّبُوءَةِ، فالآباءُ يَشْمَلُ مِثْلَ آدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم آباءُ نُوحٍ. والذُّرِّيّاتُ يَشْمَلُ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ ودانْيالَ. فَهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والأنْبِياءَ مِن أبْناءِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ، وهُودًا، وصالِحًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وشُعَيْبًا، مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والإخْوانُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الأسْباطِ إخْوَةَ يُوسُفَ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما هو أعَمُّ مِنَ النُّبُوءَةِ شَمِلَ الصّالِحِينَ مِنَ الآباءِ مِثْلَ هابِيلَ بْنِ آدَمَ. وشَمِلَ الذُّرِّيّاتِ جَمِيعَ صالِحِي الأُمَمِ مِثْلَ أهْلِ الكَهْفِ، قالَ تَعالى ”وزِدْناهم هُدًى“، ومِثْلَ طالُوتَ مَلِكِ إسْرائِيلَ، ومِثْلَ مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَقَدْ ورَدَ أنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ. رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ويَشْمَلُ الإخْوانُ هارانَ بْنَ تارَحَ أخا إبْراهِيمَ، وهو أبُو لُوطٍ، وعيسو أخا، يَعْقُوبَ وغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
صفحة ٣٥٠
والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، قالُوا هو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْيِ، وهو الجَمْعُ، ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ. وجَبْيُ الماءِ في الحَوْضِ الَّذِي سُمِّيَتْ مِنهُ الجابِيَةُ، فالِافْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ الِاضْطِرارِ، ووَجْهُ الِاشْتِقاقِ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ في تَحْصِيلِهِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم فَجَعَلَهم مَوْضِعَ هَدْيِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ونُبُوءَتَهُ وهَدْيَهُ.
وعَطَفَ قَوْلَهُ ”وهَدَيْناهم“ عَلى ”اجْتَبَيْناهم“ عَطْفًا يُؤَكِّدُ إثْباتَ هُداهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا الهَدْيِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ هَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ إلى ما بِهِ نَوالُ ما يَعْمَلُ أهْلُ الكَمالِ لِنَوالِهِ، فَضَرَبَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مَثَلًا لِذَلِكَ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ العامِلِ لِيَنالَ ما يَطْلُبُهُ مِنَ الكَمالِ بِهَيْئَةِ السّاعِي عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوَصِّلُهُ إلى ما سارَ بِدُونِ تَرَدُّدٍ ولا تَحَيُّرٍ ولا ضَلالٍ، وذَكَرَ مِن ألْفاظِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بَعْضُهُ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ لِدَلالَتِهِ عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المَحْذُوفَةِ لِلْإيجازِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو التَّوْحِيدُ والإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ فِيها الشَّرائِعُ، والمَقْصُودُ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خالَفُوا مُعْتَقَدَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ”هَدى اللَّهُ“ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
الأنعام 6:86
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
صفحة ٣٣٧
جُمْلَةُ ووَهَبْنا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ آتَيْناها لِأنَّ مَضْمُونَها تَكْرِمَةٌ وتَفْضِيلٌ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وإنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً هو مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إبْطالُ الشِّرْكِ وإقامَةُ الحُجَجِ عَلى فَسادِهِ وعَلى أنَّ الصّالِحِينَ كُلَّهم كانُوا عَلى خِلافِهِ.
والوَهْبُ والهِبَةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ بِلا عِوَضٍ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّفَضُّلِ والتَّيْسِيرِ.
ومَعْنى هِبَةِ يَعْقُوبَ لِإبْراهِيمَ أنَّهُ وُلِدَ لِابْنِهِ إسْحاقَ في حَياةِ إبْراهِيمَ وكَبِرَ وتَزَوَّجَ في حَياتِهِ فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ.
وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ. وتَرْجَمَةُ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] كُلُّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾“ اعْتِراضٌ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ هَدَيْناهم يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِظُهُورِهِ وعَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينَ في كُلًّا تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المُخْتارُ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَدْيِهِما التَّنْوِيهُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وأنَّهُما نَبِيئانِ نالا هُدى اللَّهِ كَهَدْيِهِ إبْراهِيمَ، وفِيهِ أيْضًا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ، ودَمْغٌ لِقُرَيْشٍ ومُشْرِكِي العَرَبِ، وتَسْفِيهٌ لَهم بِإثْباتِ أنَّ الصّالِحِينَ المَشْهُورِينَ كانُوا عَلى ضِدِّ مُعْتَقَدِهِمْ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وجُمْلَةُ ”﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾“ عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، أيْ وهَدَيْنا نُوحًا مِن قَبْلِهِمْ. وهَذا اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ بَعْضِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهُدى، وإشارَةٌ إلى أنَّ الهُدى هو الأصْلُ، ومِن أعْظَمِ الهُدى التَّوْحِيدُ كَما عَلِمْتَ.
صفحة ٣٣٨
وانْتَصَبَ نُوحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى هَدَيْنا لِلِاهْتِمامِ، و”مِن قَبْلُ“ حالٌ مِن ”نُوحًا“ . وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الهِدايَةَ مُتَأصِّلَةٌ في أُصُولِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، عَلى ما هو المَعْرُوفُ في (قَبْلُ) وأخَواتِ غَيْرٍ مِن حَذْفِ ما يُضافُ إلَيْهِ قَبْلُ ويُنْوى مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ”مِن ذُرِّيَّتِهِ“ حالٌ مِن ”داوُدَ“، وداوُدُ مَفْعُولُ هَدَيْنا مَحْذُوفًا. وفائِدَةُ هَذا الحالِ التَّنْوِيهُ بِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ بِشَرَفِ أصْلِهِمْ وبِأصْلِ فَضْلِهِمْ، والتَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ أوْ بِنُوحٍ بِفَضائِلِ ذُرِّيَّتِهِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى نُوحٍ لا إلى إبْراهِيمَ لِأنَّ نُوحًا أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِأنَّ لُوطًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ حَسْبَما جاءَ في كِتابِ التَّوْراةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُوطٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ، كَما يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ اسْمِهِ بَعْدَ انْتِهاءِ أسْماءِ مَن هم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لا عَلى العَطْفِ.
وداوُدُ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ونُكْمِلُها هُنا بِأنَّهُ داوُدُ بْنُ يِسِّي مِن سِبْطِ يَهُوذا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وُلِدَ بِقَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ سَنَةَ ١٠٨٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وتُوُفِّيَ في أُورَشْلِيمَ سَنَةَ ١٠١٥ . وكانَ في شَبابِهِ راعِيًا لِغَنَمِ أبِيهِ. ولَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّغَمِ والعَزْفِ والرَّمْيِ بِالمِقْلاعِ. فَأوْحى اللَّهُ إلى (شَمْوِيلَ) نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُبارِكَ داوُدَ بْنَ يِسِّي، ويَمْسَحَهُ بِالزَّيْتِ المُقَدَّسِ لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، عَلى حَسَبِ تَقالِيدِ بَنِي إسْرائِيلَ إنْباءً بِأنَّهُ سَيَصِيرُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ (شاوُلَ) الَّذِي غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا مَسَحَهُ (شَمْوِيلُ) في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ دُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَدٌ
صفحة ٣٣٩
خَطَرَ لِشاوُلَ - وكانَ مَرِيضًا - أنْ يَتَّخِذَ مَن يَضْرِبُ لَهُ بِالعُودِ عِنْدَما يَعْتادُهُ المَرَضُ، فَصادَفَ أنِ اخْتارُوا لَهُ داوُدَ فَألْحَقَهُ بِأهْلِ مَجْلِسِهِ لِيَسْمَعَ أنْغامَهُ. ولَمّا حارَبَ جُنْدُ (شاوُلَ) الكَنْعانِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، كانَ النَّصْرُ لِلْإسْرائِيلِيِّينَ بِسَبَبِ داوُدَ إذْ رَمى البَطَلَ الفِلَسْطِينِيَّ (جالُوتَ) بِمِقْلاعِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَصَرَعَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَلِذَلِكَ صاهَرَهُ (شاوُلُ) بِابْنَتِهِ (مِيكالَ)، ثُمَّ إنَّ (شاوُلَ) تَغَيَّرَ عَلى داوُدَ، فَخَرَجَ داوُدُ إلى بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ وجَمَعَ جَماعَةً تَحْتَ قِيادَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ (شاوُلُ) سَنَةَ ١٠٥٥ بايَعَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجُنْدِ الإسْرائِيلِيِّ في فِلَسْطِينَ داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ مَقَرَّ مُلْكِهِ (حَبْرُونَ)، وبَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قُتِلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ الَّذِي خَلَفَ شاوُلَ فَبايَعَتِ الإسْرائِيلِيُّونَ كُلُّهم داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، ورَجَعَ إلى أُورَشْلِيمَ، وآتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ وأمَرَهُ بِكِتابَةِ الزَّبُورِ المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ بِالمَزامِيرِ.
وسُلَيْمانُ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأيُّوبُ نَبِيءٌ أثْبَتَ القُرْآنُ نُبُوءَتَهُ. ولَهُ قِصَّةٌ مُفَصَّلَةٌ في الكِتابِ المَعْرُوفِ بِكِتابِ أيُّوبَ، مِن جُمْلَةِ كُتُبِ اليَهُودِ. ويَظُنُّ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ أيُّوبَ مِن ذُرِّيَّةِ (ناحُورَ) أخِي إبْراهِيمَ. وبَعْضُهم ظَنَّ أنَّهُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي كِتابِهِ أنَّ أيُّوبَ كانَ ساكِنًا بِأرْضِ عُوصَ وهي أرْضُ حُورانَ بِالشّامِ، وهي مَنازِلُ بَنِي عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وهم أُصُولُ عادٍ وكانَتْ مُجاوِرَةً لِحُدُودِ بِلادِ الكِلْدانِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ البُلْدانِ في كِتابِ أيُّوبَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَظُنُّ أنَّهُ مَن صِنْفٍ عَرَبِيٍّ وأنَّهُ مَن عُوصَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنِسْبَتِهِ في كِتابِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ كانَ بِأرْضِ عُوصَ الَّذِينَ هم مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ. وزَعَمُوا أنَّ كَلامَهُ المَسْطُورَ في كِتابِهِ كانَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ. وبَعْضُهم يَظُنُّ أنَّ الكَلامَ المَنسُوبَ إلَيْهِ كانَ شِعْرًا تَرْجَمَهُ مُوسى في كِتابِهِ وأنَّهُ أوَّلُ شِعْرٍ عُرِفَ
صفحة ٣٤٠
بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الأصْلِيَّةِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أوَّلُ شِعْرٍ عَرَفَهُ التّارِيخُ، ذَلِكَ لِأنَّ كَلامَهُ وكَلامَ أصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ عَزَّوْهُ عَلى مَصائِبِهِ جارٍ عَلى طَرِيقَةٍ شِعْرِيَّةٍ لا مَحالَةَ.
ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ ويَأْتِي تَفْصِيلُ تَرْجَمَتِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ.
ومُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا، تَقَدَّمَتْ تَراجِمُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْجَمَةُ عِيسى تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَحْيى تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ وكَذَلِكَ الوَهْبُ الَّذِي وهَبْنا لِإبْراهِيمَ والهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّتَهُ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَهُ، أوْ وكَذَلِكَ الهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَ نُوحٍ، فَعُلِمَ أنَّ نُوحًا أوْ إبْراهِيمَ مِنَ المُحْسِنِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَأمّا إحْسانُ نُوحٍ فَيَكُونُ مُسْتَفادًا مِن هَذا الِاعْتِراضِ، وأمّا إحْسانُ إبْراهِيمَ فَهو مُسْتَفادٌ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن دَعْوَتِهِ قَوْمَهُ وبَذْلِهِ كُلَّ الوُسْعِ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ هُنا إلى الهَدْيِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”هَدَيْنا“ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ وكَذَلِكَ الهَدْيِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، أيْ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَهْدِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ أوْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. فالمَعْنى أنَّهم أحْسَنُوا فَكانَ جَزاءُ إحْسانِهِمْ أنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ.
وأمّا إلْياسُ فَهو المَعْرُوفُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ باسِمِ إيلِيا، ويُسَمّى في بِلادِ العَرَبِ باسِمِ إلْياسَ أوْ (مارِ إلْياسَ) وهو إلْياسُ التَّشَبِيُّ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ إلْياسُ بْنُ فِنْحاصَ بْنِ إلْعازَ، أوِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى فَيَكُونُ مِن سِبْطِ لاوِي. كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ في
صفحة ٣٤١
حُدُودِ سَنَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ وتِسْعِمِائَةٍ قَبْلَ المَسِيحِ. وهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سُكّانِ (جِلْعادَ) بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ اللّامِ صِقْعٌ جَبَلِيٌّ في شَرْقِ الأُرْدُنِّ ومِنهُ بَعْلَبَكُّ. وكانَ إلْياسُ مِن سِبْطِ رُوبِينَ أوْ مِن سِبْطِ جادَ. وهَذانِ السِّبْطانِ هُما سُكّانُ صِقْعِ جِلْعادَ، ويُقالُ لِإلْياسَ في كُتُبِ اليَهُودِ التَّشَبِيُّ، وقَدْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَبَدُوا الأوْثانَ في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) وعَبَدُوا (بَعْلَ) صَنَمَ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ وعَظَهم إلْياسُ ولَهُ أخْبارٌ مَعَهم. أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ اليَسَعَ خَلِيفَةً لَهُ في النُّبُوءَةِ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ إلْياسَ في عاصِفَةٍ إلى السَّماءِ فَلَمْ يُرَ لَهُ أثَرٌ بَعْدُ، وخَلَفَهُ اليَسَعُ في النُّبُوءَةِ في زَمَنِ المَلِكِ تَهُورامَ بْنِ آخابَ مَلِكِ إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾“ اعْتِراضٌ. والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ وهو يَشْمَلُ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ إسْحاقَ ومَن بَعْدَهُ.
وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واليَسَعُ اسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إلْيَشَعُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وعَيْنٌ، وتَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ اليَسَعُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ ولامٍ ساكِنَةٍ في أوَّلِهِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (اللَّيْسَعُ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ اللّامِ مُشَدَّدَةً بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بِوَزْنِ ضَيْغَمٍ، فَهُما لُغَتانِ فِيهِ. وهو ابْنُ (شافاطَ) مِن أهْلِ (آبُلِ مَحُولَةَ) . كانَ فَلّاحًا فاصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ إلْياسَ في مُدَّةِ (آخابَ) وصَحِبَ إلْياسَ. ولَمّا رُفِعَ إلْياسُ لازَمَ سِيرَةَ إلْياسَ وظَهَرَتْ لَهُ مُعْجِزاتٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ في (أرِيحا) وغَيْرِها. وتُوُفِّيَ في مُدَّةِ المَلِكِ (يُوءاشَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وكانَتْ وفاتُهُ سَنَةَ أرْبَعِينَ وثَمانِمِائَةٍ ٨٤٠ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِالسّامِرَةِ. والألِفُ واللّامُ في اليَسَعَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ لِلتَّخْفِيفِ
صفحة ٣٤٢
فَأشْبَهَ الِاسْمَ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ الَّتِي لِلَمْحِ الأصْلِ مِثْلَ العَبّاسِ، وما هي مِنها.
وأمّا يُونُسُ فَهو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ أمِتّاي) وهو مِن سِبْطِ (زَبُولُونَ) . ويَجُوزُ في نُونِهِ في العَرَبِيَّةِ الضَّمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ. وُلِدَ في بَلْدَةِ (غاثِ ايفَرَ) مِن فِلَسْطِينَ، أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ (نِينَوى) مِن بِلادِ آشُورَ. وكانَ أهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطًا مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ في أسْرِ الآشُورِيِّينَ، ولَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ فَأبَوْا تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ، فَتَأخَّرَ العَذابُ فَخَرَجَ مُغاضِبًا وذَهَبَ إلى (يافا) فَرَكِبَ سَفِينَةً لِلْفِينِيقِيِّينَ لِتَذْهَبَ بِهِ إلى (تَرْشِيشَ) مَدِينَةٍ غَرْبِيِّ فِلَسْطِينَ إلى غَرْبِيِّ صُورَ وهي عَلى البَحْرِ ولَعَلَّها مِن مَراسِي الوَجْهِ البَحْرِيِّ مِن مِصْرَ أوْ مِن مَراسِي بُرْقَةَ لِأنَّهُ وُصِفَ في كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ يُجْلَبُ إلَيْهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والقُرُودُ والطَّواوِيسُ مِن تَرْشِيشَ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِتَرْشِيشَ تِجارَةٌ مَعَ الحَبَشَةِ أوِ السُّودانِ، ومِنها تُصَدَّرُ هَذِهِ المَحْصُولاتُ. وقِيلَ هي طَرْطُوشَةُ مِن مِراسِي الأنْدَلُسِ. وقِيلَ قَرْطاجَنَّةُ مَرْسى إفْرِيقِيَّةَ قُرْبَ تُونُسَ. وقَدْ قِيلَ في تَوارِيخِنا أنَّ تُونُسَ كانَ اسْمُها قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ تَرْشِيشَ. وهَذا قَرِيبٌ لِأنَّ تِجارَتَها مَعَ السُّودانِ قَدْ تَكُونُ أقْرَبَ فَهالَ البَحْرُ عَلى السَّفِينَةِ وثَقُلَتْ وخِيفَ غَرَقُها، فاقْتَرَعُوا فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خابَ في القُرْعَةِ فَرُمِيَ في البَحْرِ والتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ فَنادى في جَوْفِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وقَذَفَهُ الحُوتُ عَلى الشّاطِئِ. وأرْسَلَهُ اللَّهُ ثانِيًا إلى أهْلِ نِينَوى وآمَنُوا وكانُوا يَزِيدُونَ عَلى مِائَةِ ألْفٍ. وكانَتْ مُدَّتُهُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المِيلادِ. ولَمْ نَقِفْ عَلى ضَبْطِ وفاتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ قَبْرَهُ بِقَرْيَةِ جَلْجُونَ بَيْنَ القُدْسِ وبَلَدِ الخَلِيلِ، وأنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في رِحْلَتِهِ. وسَتَأْتِي أخْبارُ يُونُسَ في سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ الأنْبِياءِ وسُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٣٤٣
وأمّا لُوطٌ فَهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَحَ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ. وُلِدَ في (أُورِ الكَلْدانِيِّينَ) . وماتَ أبُوهُ قَبْلَ تارَحَ، فاتَّخَذَ تارَحُ لُوطًا في كَفالَتِهِ. ولَمّا ماتَ تارَحُ كانَ لُوطٌ مَعَ إبْراهِيمَ ساكِنَيْنِ في أرْضِ حارانَ (حُورانَ) بَعْدَ أنْ خَرَجَ تارَحُ أبُو إبْراهِيمَ مِن أُورِ الكَلْدانِيِّينَ قاصِدَيْنِ أرْضَ كَنْعانَ. وهاجَرَ إبْراهِيمُ مَعَ لُوطٍ إلى مِصْرَ لِقَحْطٍ أصابَ بِلادَ كَنْعانَ، ثُمَّ رَجَعا إلى بِلادِ كَنْعانَ، وافْتَرَقَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ بِسَبَبِ خِصامٍ وقَعَ بَيْنَ رُعاتِهِما، فارْتَحَلَ لُوطٌ إلى (سَدُومَ)، وهي مِن شَرْقِ الأُرْدُنِّ إلى أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنها حِينَ قَدَّرَ اللَّهُ خَسْفَها عِقابًا لِأهْلِها فَخَرَجَ إلى (صَوْغَرَ) مَعَ ابْنَتِهِ ونَسْلِهِ هُناكَ، وهُمُ (المُؤابِيُّونَ) و(بَنُو عَمُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِن إسْحاقَ إلى هُنا. و(كُلٌّ) يَقْتَضِي اسْتِغْراقَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ. وحُكْمُ الِاسْتِغْراقِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لا لِلْمَجْمُوعِ. والمُرادُ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِهِ عَدا مَن كانَ أفْضَلَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ، فاللّامُ في (العالَمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، فَقَدْ كانَ لُوطٌ في عَصْرِ إبْراهِيمَ وإبْراهِيمُ أفْضَلُ مِنهُ. وكانَ مِن غَيْرِهِما مَن كانُوا في عَصْرٍ واحِدٍ ولا يُعْرَفُ فَضْلُ أحَدِهِمْ عَلى الآخَرِ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ وكُلٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يُفَضَّلُونَ عَلى كُلِّ مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. ثُمَّ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنَّ أيَّ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، كَلامٌ في غَرَضٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ اهـ. ولا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى حُكْمِ الِاسْتِغْراقِ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
وتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ مُهِمَّةٌ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. وهي ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ أسْمائِهِمْ فِيها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن أحْكامٍ في الإيمانِ وحَقِّ النُّبُوءَةِ. وقَدْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِها المُفَسِّرُونَ وكانَ يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَها لِأنَّها تَتَفَرَّعُ إلى مَسائِلَ تَهُمُّ طالِبَ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ مَعْرِفَتُها،
صفحة ٣٤٤
وأحَقُّ مَظِنَّةً بِذِكْرِها هو هَذِهِ الآيَةُ وما هو بِمَعْنى بَعْضِها. فَأمّا ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أسْماؤُهم فِيها فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ أسْماءَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ. فَثُبُوتُ النُّبُوءَةِ لَهم أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ ”أُولَئِكَ“ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ في عَوْدِهِ إلى جَمِيعِ المُسَمَّيْنَ قَبْلَهُ مَعَ ما يُعَضِّدُهُ ويُكَمِّلُهُ مِنَ النَّصِّ بِنُبُوءَةِ بَعْضِهِمْ في آياتٍ تُماثِلُ هَذِهِ الآيَةَ، مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] الآياتِ، ومِثْلِ الآياتِ مِن سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] الآياتِ.
ولِلنُّبُوءَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْصُوفِها وبِمُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ لِمَن يَتَّصِفُ بِها: مِنها مَعْنى النَّبِيءِ والرَّسُولِ، ومَعْنى المُعْجِزَةِ الَّتِي هي دَلِيلُ تَحَقُّقِ النُّبُوءَةِ أوِ الرِّسالَةِ لِمَن أتى بِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن وُجُوبِ الإيمانِ بِما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن شَرْعٍ وآدابٍ، ومَسائِلُ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ مَبْسُوطَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْها. إنَّما الَّذِي يَهُمُّنا مِن ذَلِكَ في هَذا التَّفْسِيرِ هو ما أوْمَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِها فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ السُّورَةِ وكانَ عالِمًا بِمَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ مَن جَرَتْ أسْماؤُهم فِيها.
وقَدْ ذَكَرَ عُلَماؤُنا أنَّ الإيمانَ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا ونَبَّأ أنْبِياءَ لِإرْشادِ النّاسِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ، أيْ إيمانًا بِإرْسالِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، أوْ بِنُبُوءَةِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِاسْمِهِ ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ . قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: الباعِثُ (صِفَةُ لِلَّهِ تَعالى) الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ جائِزٌ في حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ واجِبٍ، وهو واقِعٌ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المَقاصِدِ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وجَمْعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (أيْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ) مِمّا وراءَ النَّهْرِ بِوُجُوبِ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ تَعالى.
صفحة ٣٤٥
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أئِمَّتِنا وُجُوبَ الإيمانِ بِنَبِيءٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا إلى الخَلْقِ كافَّةً. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ: ثُمَّ خَتَمَ - أيِ اللَّهُ - الرِّسالَةَ والنِّذارَةَ والنُّبُوءَةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيئِهِ ﷺ إلَخْ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإيمانِ فَقالَ «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ» إلَخْ. فَلَمْ يُعَيِّنْ رُسُلًا مَخْصُوصِينَ. وقالَ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ «الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» .
فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ وفَهِمَ مَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِقادُ بِنُبُوءَةِ المَذْكُورِينَ فِيها. ولَعَلَّ كَثِيرًا لا يَقْرَءُونَها وكَثِيرًا مِمَّنْ يَقْرَءُونَها لا يَفْهَمُونَ مَدْلُولاتِها حَقَّ الفَهْمِ فَلا يُطالَبُونَ بِتَطَلُّبِ فَهْمِها واعْتِقادِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الإيمانِ والإسْلامِ، ولَكِنَّهُ مِنَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ في فَصْلٍ سابِعٍ مِن فُصُولِ البابِ الثّالِثِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ: وهَذا كُلُّهُ (أيْ ما ذَكَرَهُ مِن إلْزامِ الكُفْرِ أوِ الجُرْمِ المُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ لِمَن جاءَ في حَقِّهِمْ بِما يُنافِي ما يَجِبُ لَهم) فِيمَن تُكُلِّمَ فِيهِمْ؛ أيِ الأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ، بِما قُلْناهُ عَلى جُمْلَةِ المَلائِكَةِ والنَّبِيئِينَ أيْ عَلى مَجْمُوعِهِمْ لا عَلى جَمِيعِهِمْ قالَهُ الخَفاجِيُّ يُرِيدُ بِالجَمِيعِ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِمَّنْ حَقَّقْنا كَوْنَهُ مِنهم مِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ في كِتابِهِ أوْ حَقَّقْنا عِلْمَهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ والإجْماعِ القاطِعِ والخَبَرِ المُشْتَهِرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”الواوُ“ في هَذا التَّقْسِيمِ بِمَعْنى ”أوْ“ . فَأمّا مَن لَمْ يَثْبُتِ الإخْبارُ بِتَعْيِينِهِ ولا وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كالخَضِرِ، ولُقْمانَ، وذِي القَرْنَيْنِ، ومَرْيَمَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ المَذْكُورِ أنَّهُ نَبِيءُ أهْلِ الرَّسِّ، فَلَيْسَ الحُكْمُ في سابِّهِمْ والكافِرِ بِهِمْ كالحُكْمِ فِيما قَدَّمْناهُ اهـ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ ما وقَعَ في أبْياتٍ ثَلاثَةٍ نَظَمَها البَعْضُ،
صفحة ٣٤٦
ذَكَرَها الشَّيْخُ إبْراهِيمُ البَيْجُورِيُّ في مَبْحَثِ الإيمانِ مِن شَرْحِهِ عَلى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ:
حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءٍ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وُهُمُ
إدْرِيسُ. هُودٌ. شُعَيْبٌ، صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ، آدَمُ، بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا
لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتْمًا يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الِاصْطِلاحِيُّ أنَّهُ واجِبٌ، وهَذا لا قائِلَ بِهِ، فَإنْ أرادَ بِالحَتْمِ الأمْرَ الَّذِي لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ كانَ مُتَأكِّدًا لِقَوْلِهِ: عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ. فَلَوْ عَوَّضَهُ بِكُلِّ ذِي التَّعْلِيمِ.
ولَعَلَّهُ أرادَ بِالحَتْمِ أنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ عَدَمُ إنْكارِ كَوْنِ هَؤُلاءِ أنْبِياءَ بِالتَّعْيِينِ، ولَكِنْ شاءَ بَيْنَ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ وبَيْنَ مَنعِ إنْكارِهِ بَعْدَ أنْ يُعْرَفَ.
فَأمّا رِسالَةُ هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا مَعْرِفَةُ نُبُوءَةِ ذِي الكِفْلِ فَفِيها نَظَرٌ؛ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِهِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّالِحِينَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عِدَّةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، ونُسِبَ إلى الجُمْهُورِ القَوْلُ بِأنَّهُ نَبِيءٌ. وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ: أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وأمّا آدَمُ فَإنَّهُ نَبِيءٌ مُنْذُ كَوْنِهِ في الجَنَّةِ فَقَدْ كَلَّمَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] فَهو قَدْ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مُشَرَّفًا
صفحة ٣٤٧
بِصِفَةِ النُّبُوءَةِ. وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ آدَمَ بَلَّغَ لِأبْنائِهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ الَّذِي يُنْكِرُ نُبُوءَةَ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ سُمِّيَ في القُرْآنِ في عِدادِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، وكانَ المُنْكَرُ مُحَقَّقًا عِلْمُهُ بِالآيَةِ الَّتِي وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ نَبِيءٌ، ووَقَفَ عَلى دَلِيلِ صِحَّةِ ما أنْكَرَهُ ورُوجِعَ فَصَمَّمَ عَلى إنْكارِهِ، إنَّ ذَلِكَ الإنْكارَ يَكُونُ كُفْرًا لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَذِرَ بِجَهْلٍ أوْ تَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ.
واعْلَمْ أنِّي تَطَلَّبْتُ كَشْفَ القِناعِ عَنْ وجْهِ الِاقْتِصارِ عَلى تَسْمِيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أوْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، عَلى الوَجْهَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ ذُرِّيَّتِهِ. فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وتَطَلَّبْتُ وجْهَ تَرْتِيبِ أسْمائِهِمْ هَذا التَّرْتِيبَ، ومُوالاةِ بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ لِبَعْضٍ في العَطْفِ فَلَمْ يَبْدُ لِي، وغالِبُ ظَنِّي أنَّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَوْنَ هَؤُلاءِ مَعْرُوفِينَ لِأهْلِ الكِتابِ ولِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّ المُناسَبَةَ في تَرْتِيبِهِمْ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ ناشِئَةً عَنِ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ أنَّ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ مَوْهِبَةٌ لِإبْراهِيمَ وهُما أبٌ وابْنُهُ، فَنَشَأ الِانْتِقالُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بِمُناسَبَةٍ لِلِانْتِقالِ، وأنَّ تَوْزِيعَ أسْمائِهِمْ عَلى فَواصِلَ ثَلاثٍ لا يَخْلُو عَنْ مُناسَبَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أصْحابِ تِلْكَ الأسْماءِ في الفاصِلَةِ الشّامِلَةِ لِأسْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنَّ خِفَّةَ أسْماءِ هَؤُلاءِ في تَعْرِيبِها إلى العَرَبِيَّةِ حُرُوفًا ووَزْنًا لَها أثَرٌ في إيثارِها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأسْماءِ نَحْوُ (شَمْعُونَ وشَمْوِيلَ وحِزْقيالَ ونَحْمِيا)، وأنَّ المَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَوَزَّعُوا الفَضائِلَ، إذْ مِنهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والمُلُوكُ وأهْلُ الأخْلاقِ الجَلِيلَةِ العَزِيزَةِ مِنَ الصَّبْرِ وجِهادِ النَّفْسِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُصابَرَةِ
صفحة ٣٤٨
لِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والشَّرِيعَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآياتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ومِن بَيْنِهِمْ أصْلا الأُمَّتَيْنِ العَرَبِيَّةِ والإسْرائِيلِيَّةِ.
فَلَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أرْدَفَ ذِكْرَهُما بِذِكْرِ نَبِيئَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وهُما أبٌ وابْنُهُ مِنَ الأنْبِياءِ هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ مُبْتَدَءًا بِهِما عَلى بَقِيَّةِ ذَرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّهُما نالا مَجْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ مَجْدَ الآخِرَةِ بِالنُّبُوءَةِ ومَجْدَ الدُّنْيا بِالمُلْكِ. ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ”نَبِيئَيْنِ“ تَماثَلا في أنَّ الضُّرَّ أصابَ كِلَيْهِما وأنَّ انْفِراجَ الكَرْبِ عَنْهُما بِصَبْرِهِما. وهُما أيُّوبُ ويُوسُفُ. ثُمَّ بِذِكْرِ رَسُولَيْنِ أخَوَيْنِ هُما مُوسى وهارُونُ، وقَدْ أصابَ مُوسى مِثْلُ ما أصابَ يُوسُفَ مِنَ الكَيْدِ لَهُ لِقَتْلِهِ ومِن نَجاتِهِ مِن ذَلِكَ وكَفالَتِهِ في بَيْتِ المُلْكِ، فَهَؤُلاءِ السِّتَّةُ شَمِلَتْهُمُ الفاصِلَةُ الأُولى المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.
ثُمَّ بِذِكْرِ نَبِيئَيْنِ أبٍ وابْنِهِ وهُما زَكَرِيّا ويَحْيى. فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُما رَسُولانِ لا ذُرِّيَّةَ لَهُما، وهُما عِيسى وإلْياسُ، وهُما مُتَماثِلانِ في أنَّهُما رُفِعا إلى السَّماءِ. فَأمّا عِيسى فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وأمّا إلْياسُ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ وعَلَيْهِ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ [مريم: ٥٦] ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا في سُورَةِ مَرْيَمَ. وابْتُدِئَ بِعِيسى عَطْفًا عَلى يَحْيى لِأنَّهُما قَرِيبانِ ابْنا خالَةٍ، ولِأنَّ عِيسى رَسُولٌ وإلْياسَ نَبِيءٌ غَيْرُ رَسُولٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّانِيَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ”كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ“ . وعَطَفَ اليَسَعَ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ إلْياسَ وتِلْمِيذُهُ، وأدْمَجَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْياسَ إسْماعِيلَ تَنْهِيَةً بِذِكْرِ النَّبِيءِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ العَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. وخُتِمُوا بِيُونُسَ ولُوطٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ صَغِيرَةٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّالِثَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ.
صفحة ٣٤٩
وقَوْلُهُ ”ومِن آبائِهِمْ“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”كُلًّا“ . فالتَّقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، أيْ؛ وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ. وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَن تَبِعَهُ المَعْطُوفَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ومِن آبائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا أوْ مَهْدِيِّينَ كَثِيرِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً مُتَعَلِّقَةٍ بِـ ”هَدَيْنا“ .
والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وهي مَن تَناسَلَ مِنَ الآدَمِيِّ مِن أبْناءٍ أدْنَيْنَ وأبْنائِهِمْ، فَيَشْمَلُ أوْلادَ البَنِينَ وأوْلادَ البَناتِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ إرادَةُ أنَّ الهُدى تَعَلَّقَ بِذُرِّيَّةِ كُلِّ مِن لَهُ ذَرِّيَّةٌ مِنَ المَذْكُورِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ في هَدْيِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ كَرامَةً لِلْجِدِّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ مُرادٌ وُقُوعُ الهَدْيِ في ذُرِّيَّتِهِ. وإنْ كانَتْ ذُرِّيّاتُهم راجِعِينَ إلى جَدٍّ واحِدٍ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالهُدى المُقَدَّرِ الهُدى المُماثِلَ لِلْهُدى المُصَرَّحِ بِهِ، وهو هُدى النُّبُوءَةِ، فالآباءُ يَشْمَلُ مِثْلَ آدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم آباءُ نُوحٍ. والذُّرِّيّاتُ يَشْمَلُ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ ودانْيالَ. فَهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والأنْبِياءَ مِن أبْناءِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ، وهُودًا، وصالِحًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وشُعَيْبًا، مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والإخْوانُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الأسْباطِ إخْوَةَ يُوسُفَ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما هو أعَمُّ مِنَ النُّبُوءَةِ شَمِلَ الصّالِحِينَ مِنَ الآباءِ مِثْلَ هابِيلَ بْنِ آدَمَ. وشَمِلَ الذُّرِّيّاتِ جَمِيعَ صالِحِي الأُمَمِ مِثْلَ أهْلِ الكَهْفِ، قالَ تَعالى ”وزِدْناهم هُدًى“، ومِثْلَ طالُوتَ مَلِكِ إسْرائِيلَ، ومِثْلَ مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَقَدْ ورَدَ أنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ. رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ويَشْمَلُ الإخْوانُ هارانَ بْنَ تارَحَ أخا إبْراهِيمَ، وهو أبُو لُوطٍ، وعيسو أخا، يَعْقُوبَ وغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
صفحة ٣٥٠
والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، قالُوا هو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْيِ، وهو الجَمْعُ، ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ. وجَبْيُ الماءِ في الحَوْضِ الَّذِي سُمِّيَتْ مِنهُ الجابِيَةُ، فالِافْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ الِاضْطِرارِ، ووَجْهُ الِاشْتِقاقِ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ في تَحْصِيلِهِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم فَجَعَلَهم مَوْضِعَ هَدْيِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ونُبُوءَتَهُ وهَدْيَهُ.
وعَطَفَ قَوْلَهُ ”وهَدَيْناهم“ عَلى ”اجْتَبَيْناهم“ عَطْفًا يُؤَكِّدُ إثْباتَ هُداهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا الهَدْيِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ هَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ إلى ما بِهِ نَوالُ ما يَعْمَلُ أهْلُ الكَمالِ لِنَوالِهِ، فَضَرَبَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مَثَلًا لِذَلِكَ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ العامِلِ لِيَنالَ ما يَطْلُبُهُ مِنَ الكَمالِ بِهَيْئَةِ السّاعِي عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوَصِّلُهُ إلى ما سارَ بِدُونِ تَرَدُّدٍ ولا تَحَيُّرٍ ولا ضَلالٍ، وذَكَرَ مِن ألْفاظِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بَعْضُهُ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ لِدَلالَتِهِ عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المَحْذُوفَةِ لِلْإيجازِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو التَّوْحِيدُ والإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ فِيها الشَّرائِعُ، والمَقْصُودُ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خالَفُوا مُعْتَقَدَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ”هَدى اللَّهُ“ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
الأنعام 6:87
﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
صفحة ٣٣٧
جُمْلَةُ ووَهَبْنا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ آتَيْناها لِأنَّ مَضْمُونَها تَكْرِمَةٌ وتَفْضِيلٌ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وإنْ كانَتْ مَعْطُوفَةً هو مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إبْطالُ الشِّرْكِ وإقامَةُ الحُجَجِ عَلى فَسادِهِ وعَلى أنَّ الصّالِحِينَ كُلَّهم كانُوا عَلى خِلافِهِ.
والوَهْبُ والهِبَةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ بِلا عِوَضٍ، وهو هُنا مَجازٌ في التَّفَضُّلِ والتَّيْسِيرِ.
ومَعْنى هِبَةِ يَعْقُوبَ لِإبْراهِيمَ أنَّهُ وُلِدَ لِابْنِهِ إسْحاقَ في حَياةِ إبْراهِيمَ وكَبِرَ وتَزَوَّجَ في حَياتِهِ فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِإبْراهِيمَ.
وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ. وتَرْجَمَةُ إسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] وقَوْلِهِ ﴿وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] كُلُّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلًّا هَدَيْنا﴾“ اعْتِراضٌ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ هَدَيْناهم يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ لِظُهُورِهِ وعَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينَ في كُلًّا تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ كَما هو المُخْتارُ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَدْيِهِما التَّنْوِيهُ بِإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وأنَّهُما نَبِيئانِ نالا هُدى اللَّهِ كَهَدْيِهِ إبْراهِيمَ، وفِيهِ أيْضًا إبْطالٌ لِلشِّرْكِ، ودَمْغٌ لِقُرَيْشٍ ومُشْرِكِي العَرَبِ، وتَسْفِيهٌ لَهم بِإثْباتِ أنَّ الصّالِحِينَ المَشْهُورِينَ كانُوا عَلى ضِدِّ مُعْتَقَدِهِمْ، كَما سَيُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
وجُمْلَةُ ”﴿ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾“ عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، أيْ وهَدَيْنا نُوحًا مِن قَبْلِهِمْ. وهَذا اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ بَعْضِ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالهُدى، وإشارَةٌ إلى أنَّ الهُدى هو الأصْلُ، ومِن أعْظَمِ الهُدى التَّوْحِيدُ كَما عَلِمْتَ.
صفحة ٣٣٨
وانْتَصَبَ نُوحًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى هَدَيْنا لِلِاهْتِمامِ، و”مِن قَبْلُ“ حالٌ مِن ”نُوحًا“ . وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الحالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الهِدايَةَ مُتَأصِّلَةٌ في أُصُولِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ، عَلى ما هو المَعْرُوفُ في (قَبْلُ) وأخَواتِ غَيْرٍ مِن حَذْفِ ما يُضافُ إلَيْهِ قَبْلُ ويُنْوى مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ.
وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ نُوحٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ”مِن ذُرِّيَّتِهِ“ حالٌ مِن ”داوُدَ“، وداوُدُ مَفْعُولُ هَدَيْنا مَحْذُوفًا. وفائِدَةُ هَذا الحالِ التَّنْوِيهُ بِهَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ بِشَرَفِ أصْلِهِمْ وبِأصْلِ فَضْلِهِمْ، والتَّنْوِيهُ بِإبْراهِيمَ أوْ بِنُوحٍ بِفَضائِلِ ذُرِّيَّتِهِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى نُوحٍ لا إلى إبْراهِيمَ لِأنَّ نُوحًا أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ولِأنَّ لُوطًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ حَسْبَما جاءَ في كِتابِ التَّوْراةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُوطٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ، كَما يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذِكْرُ اسْمِهِ بَعْدَ انْتِهاءِ أسْماءِ مَن هم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لا عَلى العَطْفِ.
وداوُدُ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ونُكْمِلُها هُنا بِأنَّهُ داوُدُ بْنُ يِسِّي مِن سِبْطِ يَهُوذا مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وُلِدَ بِقَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ سَنَةَ ١٠٨٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وتُوُفِّيَ في أُورَشْلِيمَ سَنَةَ ١٠١٥ . وكانَ في شَبابِهِ راعِيًا لِغَنَمِ أبِيهِ. ولَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّغَمِ والعَزْفِ والرَّمْيِ بِالمِقْلاعِ. فَأوْحى اللَّهُ إلى (شَمْوِيلَ) نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يُبارِكَ داوُدَ بْنَ يِسِّي، ويَمْسَحَهُ بِالزَّيْتِ المُقَدَّسِ لِيَكُونَ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، عَلى حَسَبِ تَقالِيدِ بَنِي إسْرائِيلَ إنْباءً بِأنَّهُ سَيَصِيرُ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ (شاوُلَ) الَّذِي غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمّا مَسَحَهُ (شَمْوِيلُ) في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ دُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَدٌ
صفحة ٣٣٩
خَطَرَ لِشاوُلَ - وكانَ مَرِيضًا - أنْ يَتَّخِذَ مَن يَضْرِبُ لَهُ بِالعُودِ عِنْدَما يَعْتادُهُ المَرَضُ، فَصادَفَ أنِ اخْتارُوا لَهُ داوُدَ فَألْحَقَهُ بِأهْلِ مَجْلِسِهِ لِيَسْمَعَ أنْغامَهُ. ولَمّا حارَبَ جُنْدُ (شاوُلَ) الكَنْعانِيِّينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، كانَ النَّصْرُ لِلْإسْرائِيلِيِّينَ بِسَبَبِ داوُدَ إذْ رَمى البَطَلَ الفِلَسْطِينِيَّ (جالُوتَ) بِمِقْلاعِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَصَرَعَهُ وقَطَعَ رَأْسَهُ، فَلِذَلِكَ صاهَرَهُ (شاوُلُ) بِابْنَتِهِ (مِيكالَ)، ثُمَّ إنَّ (شاوُلَ) تَغَيَّرَ عَلى داوُدَ، فَخَرَجَ داوُدُ إلى بِلادِ الفِلَسْطِينِيِّينَ وجَمَعَ جَماعَةً تَحْتَ قِيادَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ (شاوُلُ) سَنَةَ ١٠٥٥ بايَعَتْ طائِفَةٌ مِنَ الجُنْدِ الإسْرائِيلِيِّ في فِلَسْطِينَ داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ مَقَرَّ مُلْكِهِ (حَبْرُونَ)، وبَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قُتِلَ مَلِكُ إسْرائِيلَ الَّذِي خَلَفَ شاوُلَ فَبايَعَتِ الإسْرائِيلِيُّونَ كُلُّهم داوُدَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، ورَجَعَ إلى أُورَشْلِيمَ، وآتاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ وأمَرَهُ بِكِتابَةِ الزَّبُورِ المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ بِالمَزامِيرِ.
وسُلَيْمانُ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأيُّوبُ نَبِيءٌ أثْبَتَ القُرْآنُ نُبُوءَتَهُ. ولَهُ قِصَّةٌ مُفَصَّلَةٌ في الكِتابِ المَعْرُوفِ بِكِتابِ أيُّوبَ، مِن جُمْلَةِ كُتُبِ اليَهُودِ. ويَظُنُّ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ أنَّ أيُّوبَ مِن ذُرِّيَّةِ (ناحُورَ) أخِي إبْراهِيمَ. وبَعْضُهم ظَنَّ أنَّهُ ابْنُ حَفِيدِ عِيسُو بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، وفي كِتابِهِ أنَّ أيُّوبَ كانَ ساكِنًا بِأرْضِ عُوصَ وهي أرْضُ حُورانَ بِالشّامِ، وهي مَنازِلُ بَنِي عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وهم أُصُولُ عادٍ وكانَتْ مُجاوِرَةً لِحُدُودِ بِلادِ الكِلْدانِ، وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ البُلْدانِ في كِتابِ أيُّوبَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَظُنُّ أنَّهُ مَن صِنْفٍ عَرَبِيٍّ وأنَّهُ مَن عُوصَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنِسْبَتِهِ في كِتابِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى أنَّهُ كانَ بِأرْضِ عُوصَ الَّذِينَ هم مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ. وزَعَمُوا أنَّ كَلامَهُ المَسْطُورَ في كِتابِهِ كانَ بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَقَلَهُ إلى العِبْرانِيَّةِ. وبَعْضُهم يَظُنُّ أنَّ الكَلامَ المَنسُوبَ إلَيْهِ كانَ شِعْرًا تَرْجَمَهُ مُوسى في كِتابِهِ وأنَّهُ أوَّلُ شِعْرٍ عُرِفَ
صفحة ٣٤٠
بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الأصْلِيَّةِ. وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أوَّلُ شِعْرٍ عَرَفَهُ التّارِيخُ، ذَلِكَ لِأنَّ كَلامَهُ وكَلامَ أصْحابِهِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ عَزَّوْهُ عَلى مَصائِبِهِ جارٍ عَلى طَرِيقَةٍ شِعْرِيَّةٍ لا مَحالَةَ.
ويُوسُفُ هو ابْنُ يَعْقُوبَ ويَأْتِي تَفْصِيلُ تَرْجَمَتِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ.
ومُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا، تَقَدَّمَتْ تَراجِمُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَرْجَمَةُ عِيسى تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويَحْيى تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ وكَذَلِكَ الوَهْبُ الَّذِي وهَبْنا لِإبْراهِيمَ والهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّتَهُ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَهُ، أوْ وكَذَلِكَ الهَدْيُ الَّذِي هَدَيْنا ذُرِّيَّةَ نُوحٍ نَجْزِي المُحْسِنِينَ مِثْلَ نُوحٍ، فَعُلِمَ أنَّ نُوحًا أوْ إبْراهِيمَ مِنَ المُحْسِنِينَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَأمّا إحْسانُ نُوحٍ فَيَكُونُ مُسْتَفادًا مِن هَذا الِاعْتِراضِ، وأمّا إحْسانُ إبْراهِيمَ فَهو مُسْتَفادٌ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن دَعْوَتِهِ قَوْمَهُ وبَذْلِهِ كُلَّ الوُسْعِ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ ضَلالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ هُنا إلى الهَدْيِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”هَدَيْنا“ الأوَّلِ والثّانِي، أيْ وكَذَلِكَ الهَدْيِ العَظِيمِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، أيْ بِمِثْلِهِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُحْسِنِينَ أُولَئِكَ المَهْدِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ أوْ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. فالمَعْنى أنَّهم أحْسَنُوا فَكانَ جَزاءُ إحْسانِهِمْ أنْ جَعَلْناهم أنْبِياءَ.
وأمّا إلْياسُ فَهو المَعْرُوفُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ باسِمِ إيلِيا، ويُسَمّى في بِلادِ العَرَبِ باسِمِ إلْياسَ أوْ (مارِ إلْياسَ) وهو إلْياسُ التَّشَبِيُّ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ إلْياسُ بْنُ فِنْحاصَ بْنِ إلْعازَ، أوِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى فَيَكُونُ مِن سِبْطِ لاوِي. كانَ مَوْجُودًا في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ في
صفحة ٣٤١
حُدُودِ سَنَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ وتِسْعِمِائَةٍ قَبْلَ المَسِيحِ. وهو إسْرائِيلِيٌّ مِن سُكّانِ (جِلْعادَ) بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ اللّامِ صِقْعٌ جَبَلِيٌّ في شَرْقِ الأُرْدُنِّ ومِنهُ بَعْلَبَكُّ. وكانَ إلْياسُ مِن سِبْطِ رُوبِينَ أوْ مِن سِبْطِ جادَ. وهَذانِ السِّبْطانِ هُما سُكّانُ صِقْعِ جِلْعادَ، ويُقالُ لِإلْياسَ في كُتُبِ اليَهُودِ التَّشَبِيُّ، وقَدْ أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَبَدُوا الأوْثانَ في زَمَنِ المَلِكِ (آخابَ) وعَبَدُوا (بَعْلَ) صَنَمَ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ وعَظَهم إلْياسُ ولَهُ أخْبارٌ مَعَهم. أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ اليَسَعَ خَلِيفَةً لَهُ في النُّبُوءَةِ، ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ إلْياسَ في عاصِفَةٍ إلى السَّماءِ فَلَمْ يُرَ لَهُ أثَرٌ بَعْدُ، وخَلَفَهُ اليَسَعُ في النُّبُوءَةِ في زَمَنِ المَلِكِ تَهُورامَ بْنِ آخابَ مَلِكِ إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ ”﴿كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾“ اعْتِراضٌ. والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ وهو يَشْمَلُ جَمِيعَ المَذْكُورِينَ إسْحاقَ ومَن بَعْدَهُ.
وأمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واليَسَعُ اسْمُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إلْيَشَعُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَكْسُورَةٍ ولامٍ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وعَيْنٌ، وتَعْرِيبُهُ في العَرَبِيَّةِ اليَسَعُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ ولامٍ ساكِنَةٍ في أوَّلِهِ بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (اللَّيْسَعُ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وفَتْحِ اللّامِ مُشَدَّدَةً بَعْدَها تَحْتِيَّةٌ ساكِنَةٌ بِوَزْنِ ضَيْغَمٍ، فَهُما لُغَتانِ فِيهِ. وهو ابْنُ (شافاطَ) مِن أهْلِ (آبُلِ مَحُولَةَ) . كانَ فَلّاحًا فاصْطَفاهُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ إلْياسَ في مُدَّةِ (آخابَ) وصَحِبَ إلْياسَ. ولَمّا رُفِعَ إلْياسُ لازَمَ سِيرَةَ إلْياسَ وظَهَرَتْ لَهُ مُعْجِزاتٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ في (أرِيحا) وغَيْرِها. وتُوُفِّيَ في مُدَّةِ المَلِكِ (يُوءاشَ) مَلِكِ إسْرائِيلَ وكانَتْ وفاتُهُ سَنَةَ أرْبَعِينَ وثَمانِمِائَةٍ ٨٤٠ قَبْلَ المَسِيحِ ودُفِنَ بِالسّامِرَةِ. والألِفُ واللّامُ في اليَسَعَ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، ولَكِنَّ الهَمْزَةَ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ هَمْزَةِ الوَصْلِ لِلتَّخْفِيفِ
صفحة ٣٤٢
فَأشْبَهَ الِاسْمَ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ اللّامُ الَّتِي لِلَمْحِ الأصْلِ مِثْلَ العَبّاسِ، وما هي مِنها.
وأمّا يُونُسُ فَهو ابْنُ مَتّى، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (يُونانُ بْنُ أمِتّاي) وهو مِن سِبْطِ (زَبُولُونَ) . ويَجُوزُ في نُونِهِ في العَرَبِيَّةِ الضَّمُّ والفَتْحُ والكَسْرُ. وُلِدَ في بَلْدَةِ (غاثِ ايفَرَ) مِن فِلَسْطِينَ، أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ (نِينَوى) مِن بِلادِ آشُورَ. وكانَ أهْلُها يَوْمَئِذٍ خَلِيطًا مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ في أسْرِ الآشُورِيِّينَ، ولَمّا دَعاهم إلى الإيمانِ فَأبَوْا تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ، فَتَأخَّرَ العَذابُ فَخَرَجَ مُغاضِبًا وذَهَبَ إلى (يافا) فَرَكِبَ سَفِينَةً لِلْفِينِيقِيِّينَ لِتَذْهَبَ بِهِ إلى (تَرْشِيشَ) مَدِينَةٍ غَرْبِيِّ فِلَسْطِينَ إلى غَرْبِيِّ صُورَ وهي عَلى البَحْرِ ولَعَلَّها مِن مَراسِي الوَجْهِ البَحْرِيِّ مِن مِصْرَ أوْ مِن مَراسِي بُرْقَةَ لِأنَّهُ وُصِفَ في كُتُبِ اليَهُودِ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ يُجْلَبُ إلَيْهِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والقُرُودُ والطَّواوِيسُ مِن تَرْشِيشَ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لِتَرْشِيشَ تِجارَةٌ مَعَ الحَبَشَةِ أوِ السُّودانِ، ومِنها تُصَدَّرُ هَذِهِ المَحْصُولاتُ. وقِيلَ هي طَرْطُوشَةُ مِن مِراسِي الأنْدَلُسِ. وقِيلَ قَرْطاجَنَّةُ مَرْسى إفْرِيقِيَّةَ قُرْبَ تُونُسَ. وقَدْ قِيلَ في تَوارِيخِنا أنَّ تُونُسَ كانَ اسْمُها قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ تَرْشِيشَ. وهَذا قَرِيبٌ لِأنَّ تِجارَتَها مَعَ السُّودانِ قَدْ تَكُونُ أقْرَبَ فَهالَ البَحْرُ عَلى السَّفِينَةِ وثَقُلَتْ وخِيفَ غَرَقُها، فاقْتَرَعُوا فَكانَ يُونُسُ مِمَّنْ خابَ في القُرْعَةِ فَرُمِيَ في البَحْرِ والتَقَمَهُ حُوتٌ عَظِيمٌ فَنادى في جَوْفِهِ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، وقَذَفَهُ الحُوتُ عَلى الشّاطِئِ. وأرْسَلَهُ اللَّهُ ثانِيًا إلى أهْلِ نِينَوى وآمَنُوا وكانُوا يَزِيدُونَ عَلى مِائَةِ ألْفٍ. وكانَتْ مُدَّتُهُ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المِيلادِ. ولَمْ نَقِفْ عَلى ضَبْطِ وفاتِهِ. وذَكَرَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ قَبْرَهُ بِقَرْيَةِ جَلْجُونَ بَيْنَ القُدْسِ وبَلَدِ الخَلِيلِ، وأنَّهُ وقَفَ عَلَيْهِ في رِحْلَتِهِ. وسَتَأْتِي أخْبارُ يُونُسَ في سُورَةِ يُونُسَ وسُورَةِ الأنْبِياءِ وسُورَةِ الصّافّاتِ.
صفحة ٣٤٣
وأمّا لُوطٌ فَهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَحَ، فَهو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ. وُلِدَ في (أُورِ الكَلْدانِيِّينَ) . وماتَ أبُوهُ قَبْلَ تارَحَ، فاتَّخَذَ تارَحُ لُوطًا في كَفالَتِهِ. ولَمّا ماتَ تارَحُ كانَ لُوطٌ مَعَ إبْراهِيمَ ساكِنَيْنِ في أرْضِ حارانَ (حُورانَ) بَعْدَ أنْ خَرَجَ تارَحُ أبُو إبْراهِيمَ مِن أُورِ الكَلْدانِيِّينَ قاصِدَيْنِ أرْضَ كَنْعانَ. وهاجَرَ إبْراهِيمُ مَعَ لُوطٍ إلى مِصْرَ لِقَحْطٍ أصابَ بِلادَ كَنْعانَ، ثُمَّ رَجَعا إلى بِلادِ كَنْعانَ، وافْتَرَقَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ بِسَبَبِ خِصامٍ وقَعَ بَيْنَ رُعاتِهِما، فارْتَحَلَ لُوطٌ إلى (سَدُومَ)، وهي مِن شَرْقِ الأُرْدُنِّ إلى أنْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِالخُرُوجِ مِنها حِينَ قَدَّرَ اللَّهُ خَسْفَها عِقابًا لِأهْلِها فَخَرَجَ إلى (صَوْغَرَ) مَعَ ابْنَتِهِ ونَسْلِهِ هُناكَ، وهُمُ (المُؤابِيُّونَ) و(بَنُو عَمُونَ) .
وقَوْلُهُ ﴿وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِن إسْحاقَ إلى هُنا. و(كُلٌّ) يَقْتَضِي اسْتِغْراقَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ. وحُكْمُ الِاسْتِغْراقِ أنْ يَثْبُتَ الحُكْمُ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لا لِلْمَجْمُوعِ. والمُرادُ تَفْضِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى العالَمِينَ مِن أهْلِ عَصْرِهِ عَدا مَن كانَ أفْضَلَ مِنهُ أوْ مُساوِيًا لَهُ، فاللّامُ في (العالَمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، فَقَدْ كانَ لُوطٌ في عَصْرِ إبْراهِيمَ وإبْراهِيمُ أفْضَلُ مِنهُ. وكانَ مِن غَيْرِهِما مَن كانُوا في عَصْرٍ واحِدٍ ولا يُعْرَفُ فَضْلُ أحَدِهِمْ عَلى الآخَرِ. وقالَ عَبْدُ الجَبّارِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ وكُلٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يُفَضَّلُونَ عَلى كُلِّ مَن سِواهم مِنَ العالَمِينَ. ثُمَّ الكَلامُ بَعْدَ ذَلِكَ في أنَّ أيَّ الأنْبِياءِ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ، كَلامٌ في غَرَضٍ آخَرَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأوَّلِ اهـ. ولا يَسْتَقِيمُ؛ لِأنَّ مُقْتَضى حُكْمِ الِاسْتِغْراقِ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.
وتَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ مُهِمَّةٌ مِن مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ. وهي ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ أسْمائِهِمْ فِيها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ثُبُوتِ ذَلِكَ مِن أحْكامٍ في الإيمانِ وحَقِّ النُّبُوءَةِ. وقَدْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِها المُفَسِّرُونَ وكانَ يَنْبَغِي التَّعَرُّضُ لَها لِأنَّها تَتَفَرَّعُ إلى مَسائِلَ تَهُمُّ طالِبَ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ مَعْرِفَتُها،
صفحة ٣٤٤
وأحَقُّ مَظِنَّةً بِذِكْرِها هو هَذِهِ الآيَةُ وما هو بِمَعْنى بَعْضِها. فَأمّا ثُبُوتُ نُبُوءَةِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أسْماؤُهم فِيها فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ بَعْدَ أنْ عَدَّ أسْماءَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ. فَثُبُوتُ النُّبُوءَةِ لَهم أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الإشارَةِ ”أُولَئِكَ“ قَرِيبٌ مِنَ النَّصِّ في عَوْدِهِ إلى جَمِيعِ المُسَمَّيْنَ قَبْلَهُ مَعَ ما يُعَضِّدُهُ ويُكَمِّلُهُ مِنَ النَّصِّ بِنُبُوءَةِ بَعْضِهِمْ في آياتٍ تُماثِلُ هَذِهِ الآيَةَ، مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣] الآياتِ، ومِثْلِ الآياتِ مِن سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ﴾ [مريم: ٤١] الآياتِ.
ولِلنُّبُوءَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَوْصُوفِها وبِمُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ لِمَن يَتَّصِفُ بِها: مِنها مَعْنى النَّبِيءِ والرَّسُولِ، ومَعْنى المُعْجِزَةِ الَّتِي هي دَلِيلُ تَحَقُّقِ النُّبُوءَةِ أوِ الرِّسالَةِ لِمَن أتى بِها، وما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن وُجُوبِ الإيمانِ بِما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن شَرْعٍ وآدابٍ، ومَسائِلُ كَثِيرَةٌ مِن ذَلِكَ مَبْسُوطَةٌ في عِلْمِ الكَلامِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْها. إنَّما الَّذِي يَهُمُّنا مِن ذَلِكَ في هَذا التَّفْسِيرِ هو ما أوْمَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِها فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ. فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ في هَذِهِ السُّورَةِ وكانَ عالِمًا بِمَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ مَن جَرَتْ أسْماؤُهم فِيها.
وقَدْ ذَكَرَ عُلَماؤُنا أنَّ الإيمانَ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ رُسُلًا ونَبَّأ أنْبِياءَ لِإرْشادِ النّاسِ واجِبٌ عَلى الجُمْلَةِ، أيْ إيمانًا بِإرْسالِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، أوْ بِنُبُوءَةِ أفْرادٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِاسْمِهِ ولا غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ . قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: الباعِثُ (صِفَةُ لِلَّهِ تَعالى) الرُّسُلِ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. فَإرْسالُ الرُّسُلِ جائِزٌ في حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ واجِبٍ، وهو واقِعٌ عَلى الإجْمالِ دُونَ تَعْيِينِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ المَقاصِدِ أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ ولَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ وجَمْعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ (أيْ مِن أهْلِ السُّنَّةِ) مِمّا وراءَ النَّهْرِ بِوُجُوبِ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ تَعالى.
صفحة ٣٤٥
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن أئِمَّتِنا وُجُوبَ الإيمانِ بِنَبِيءٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا إلى الخَلْقِ كافَّةً. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ: ثُمَّ خَتَمَ - أيِ اللَّهُ - الرِّسالَةَ والنِّذارَةَ والنُّبُوءَةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيئِهِ ﷺ إلَخْ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإيمانِ فَقالَ «أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ» إلَخْ. فَلَمْ يُعَيِّنْ رُسُلًا مَخْصُوصِينَ. وقالَ في جَوابِ سُؤالِهِ عَنِ الإسْلامِ «الإسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» .
فَمَن عَلِمَ هَذِهِ الآياتِ وفَهِمَ مَعْناها وجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِقادُ بِنُبُوءَةِ المَذْكُورِينَ فِيها. ولَعَلَّ كَثِيرًا لا يَقْرَءُونَها وكَثِيرًا مِمَّنْ يَقْرَءُونَها لا يَفْهَمُونَ مَدْلُولاتِها حَقَّ الفَهْمِ فَلا يُطالَبُونَ بِتَطَلُّبِ فَهْمِها واعْتِقادِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الإيمانِ والإسْلامِ، ولَكِنَّهُ مِنَ التَّفَقُّهِ في الدِّينِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ في فَصْلٍ سابِعٍ مِن فُصُولِ البابِ الثّالِثِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِن كِتابِ الشِّفاءِ: وهَذا كُلُّهُ (أيْ ما ذَكَرَهُ مِن إلْزامِ الكُفْرِ أوِ الجُرْمِ المُوجِبِ لِلْعُقُوبَةِ لِمَن جاءَ في حَقِّهِمْ بِما يُنافِي ما يَجِبُ لَهم) فِيمَن تُكُلِّمَ فِيهِمْ؛ أيِ الأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ، بِما قُلْناهُ عَلى جُمْلَةِ المَلائِكَةِ والنَّبِيئِينَ أيْ عَلى مَجْمُوعِهِمْ لا عَلى جَمِيعِهِمْ قالَهُ الخَفاجِيُّ يُرِيدُ بِالجَمِيعِ كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِمَّنْ حَقَّقْنا كَوْنَهُ مِنهم مِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ في كِتابِهِ أوْ حَقَّقْنا عِلْمَهُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ والإجْماعِ القاطِعِ والخَبَرِ المُشْتَهِرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ ”الواوُ“ في هَذا التَّقْسِيمِ بِمَعْنى ”أوْ“ . فَأمّا مَن لَمْ يَثْبُتِ الإخْبارُ بِتَعْيِينِهِ ولا وقَعَ الإجْماعُ عَلى كَوْنِهِ مِنَ الأنْبِياءِ كالخَضِرِ، ولُقْمانَ، وذِي القَرْنَيْنِ، ومَرْيَمَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ المَذْكُورِ أنَّهُ نَبِيءُ أهْلِ الرَّسِّ، فَلَيْسَ الحُكْمُ في سابِّهِمْ والكافِرِ بِهِمْ كالحُكْمِ فِيما قَدَّمْناهُ اهـ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا عَلِمْتَ أنَّ ما وقَعَ في أبْياتٍ ثَلاثَةٍ نَظَمَها البَعْضُ،
صفحة ٣٤٦
ذَكَرَها الشَّيْخُ إبْراهِيمُ البَيْجُورِيُّ في مَبْحَثِ الإيمانِ مِن شَرْحِهِ عَلى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ:
حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءٍ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا
فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وُهُمُ
إدْرِيسُ. هُودٌ. شُعَيْبٌ، صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ، آدَمُ، بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا
لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ حَتْمًا يَقْتَضِي ظاهِرُهُ الِاصْطِلاحِيُّ أنَّهُ واجِبٌ، وهَذا لا قائِلَ بِهِ، فَإنْ أرادَ بِالحَتْمِ الأمْرَ الَّذِي لا يَنْبَغِي إهْمالُهُ كانَ مُتَأكِّدًا لِقَوْلِهِ: عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ. فَلَوْ عَوَّضَهُ بِكُلِّ ذِي التَّعْلِيمِ.
ولَعَلَّهُ أرادَ بِالحَتْمِ أنَّهُ يَتَحَتَّمُ عَلى مَن عَلِمَ ذَلِكَ عَدَمُ إنْكارِ كَوْنِ هَؤُلاءِ أنْبِياءَ بِالتَّعْيِينِ، ولَكِنْ شاءَ بَيْنَ وُجُوبِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ وبَيْنَ مَنعِ إنْكارِهِ بَعْدَ أنْ يُعْرَفَ.
فَأمّا رِسالَةُ هُودٍ وصالِحٍ وشُعَيْبٍ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في آياتٍ كَثِيرَةٍ.
وأمّا مَعْرِفَةُ نُبُوءَةِ ذِي الكِفْلِ فَفِيها نَظَرٌ؛ إذْ لَمْ يُصَرَّحْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِهِ مِنَ الصّابِرِينَ والصّالِحِينَ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في عِدَّةٍ مِنَ الأنْبِياءِ، ونُسِبَ إلى الجُمْهُورِ القَوْلُ بِأنَّهُ نَبِيءٌ. وعَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ومُجاهِدٍ: أنَّ ذا الكِفْلِ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا. وسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وأمّا آدَمُ فَإنَّهُ نَبِيءٌ مُنْذُ كَوْنِهِ في الجَنَّةِ فَقَدْ كَلَّمَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقالَ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] فَهو قَدْ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ مُشَرَّفًا
صفحة ٣٤٧
بِصِفَةِ النُّبُوءَةِ. وقِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ آدَمَ بَلَّغَ لِأبْنائِهِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] .
فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ الَّذِي يُنْكِرُ نُبُوءَةَ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ سُمِّيَ في القُرْآنِ في عِدادِ الأنْبِياءِ في سُورَةِ النِّساءِ وسُورَةِ هُودٍ وسُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ مَرْيَمَ، وكانَ المُنْكَرُ مُحَقَّقًا عِلْمُهُ بِالآيَةِ الَّتِي وُصِفَ فِيها بِأنَّهُ نَبِيءٌ، ووَقَفَ عَلى دَلِيلِ صِحَّةِ ما أنْكَرَهُ ورُوجِعَ فَصَمَّمَ عَلى إنْكارِهِ، إنَّ ذَلِكَ الإنْكارَ يَكُونُ كُفْرًا لِأنَّهُ أنْكَرَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يَعْتَذِرَ بِجَهْلٍ أوْ تَأْوِيلٍ مَقْبُولٍ.
واعْلَمْ أنِّي تَطَلَّبْتُ كَشْفَ القِناعِ عَنْ وجْهِ الِاقْتِصارِ عَلى تَسْمِيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ أوْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، عَلى الوَجْهَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ ذُرِّيَّتِهِ. فَلَمْ يَتَّضِحْ لِي وتَطَلَّبْتُ وجْهَ تَرْتِيبِ أسْمائِهِمْ هَذا التَّرْتِيبَ، ومُوالاةِ بَعْضِ هَذِهِ الأسْماءِ لِبَعْضٍ في العَطْفِ فَلَمْ يَبْدُ لِي، وغالِبُ ظَنِّي أنَّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَوْنَ هَؤُلاءِ مَعْرُوفِينَ لِأهْلِ الكِتابِ ولِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَبِسُونَ مَعْرِفَةَ الأنْبِياءِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وأنَّ المُناسَبَةَ في تَرْتِيبِهِمْ لا تَخْلُو مِن أنْ تَكُونَ ناشِئَةً عَنِ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ أنَّ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ مَوْهِبَةٌ لِإبْراهِيمَ وهُما أبٌ وابْنُهُ، فَنَشَأ الِانْتِقالُ مِن واحِدٍ إلى آخَرَ بِمُناسَبَةٍ لِلِانْتِقالِ، وأنَّ تَوْزِيعَ أسْمائِهِمْ عَلى فَواصِلَ ثَلاثٍ لا يَخْلُو عَنْ مُناسَبَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أصْحابِ تِلْكَ الأسْماءِ في الفاصِلَةِ الشّامِلَةِ لِأسْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنَّ خِفَّةَ أسْماءِ هَؤُلاءِ في تَعْرِيبِها إلى العَرَبِيَّةِ حُرُوفًا ووَزْنًا لَها أثَرٌ في إيثارِها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأسْماءِ نَحْوُ (شَمْعُونَ وشَمْوِيلَ وحِزْقيالَ ونَحْمِيا)، وأنَّ المَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ تَوَزَّعُوا الفَضائِلَ، إذْ مِنهُمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ والمُلُوكُ وأهْلُ الأخْلاقِ الجَلِيلَةِ العَزِيزَةِ مِنَ الصَّبْرِ وجِهادِ النَّفْسِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُصابَرَةِ
صفحة ٣٤٨
لِتَبْلِيغِ التَّوْحِيدِ والشَّرِيعَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآياتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ومِن بَيْنِهِمْ أصْلا الأُمَّتَيْنِ العَرَبِيَّةِ والإسْرائِيلِيَّةِ.
فَلَمّا ذَكَرَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أرْدَفَ ذِكْرَهُما بِذِكْرِ نَبِيئَيْنَ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وهُما أبٌ وابْنُهُ مِنَ الأنْبِياءِ هُما داوُدُ وسُلَيْمانُ مُبْتَدَءًا بِهِما عَلى بَقِيَّةِ ذَرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّهُما نالا مَجْدَيْنِ عَظِيمَيْنِ؛ مَجْدَ الآخِرَةِ بِالنُّبُوءَةِ ومَجْدَ الدُّنْيا بِالمُلْكِ. ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ”نَبِيئَيْنِ“ تَماثَلا في أنَّ الضُّرَّ أصابَ كِلَيْهِما وأنَّ انْفِراجَ الكَرْبِ عَنْهُما بِصَبْرِهِما. وهُما أيُّوبُ ويُوسُفُ. ثُمَّ بِذِكْرِ رَسُولَيْنِ أخَوَيْنِ هُما مُوسى وهارُونُ، وقَدْ أصابَ مُوسى مِثْلُ ما أصابَ يُوسُفَ مِنَ الكَيْدِ لَهُ لِقَتْلِهِ ومِن نَجاتِهِ مِن ذَلِكَ وكَفالَتِهِ في بَيْتِ المُلْكِ، فَهَؤُلاءِ السِّتَّةُ شَمِلَتْهُمُ الفاصِلَةُ الأُولى المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ.
ثُمَّ بِذِكْرِ نَبِيئَيْنِ أبٍ وابْنِهِ وهُما زَكَرِيّا ويَحْيى. فَناسَبَ أنْ يُذْكَرَ بَعْدَهُما رَسُولانِ لا ذُرِّيَّةَ لَهُما، وهُما عِيسى وإلْياسُ، وهُما مُتَماثِلانِ في أنَّهُما رُفِعا إلى السَّماءِ. فَأمّا عِيسى فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، وأمّا إلْياسُ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَمْ يَذْكُرْهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ إلْياسَ هو إدْرِيسُ وعَلَيْهِ فَرَفْعُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ [مريم: ٥٦] ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا في سُورَةِ مَرْيَمَ. وابْتُدِئَ بِعِيسى عَطْفًا عَلى يَحْيى لِأنَّهُما قَرِيبانِ ابْنا خالَةٍ، ولِأنَّ عِيسى رَسُولٌ وإلْياسَ نَبِيءٌ غَيْرُ رَسُولٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّانِيَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ”كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ“ . وعَطَفَ اليَسَعَ لِأنَّهُ خَلِيفَةُ إلْياسَ وتِلْمِيذُهُ، وأدْمَجَ بَيْنَهُ وبَيْنَ إلْياسَ إسْماعِيلَ تَنْهِيَةً بِذِكْرِ النَّبِيءِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي نَسَبُ العَرَبُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. وخُتِمُوا بِيُونُسَ ولُوطٍ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ صَغِيرَةٍ. وهَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ تَضَمَّنَتْهُمُ الفاصِلَةُ الثّالِثَةُ المُنْتَهِيَةُ بِقَوْلِهِ وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ.
صفحة ٣٤٩
وقَوْلُهُ ”ومِن آبائِهِمْ“ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ”كُلًّا“ . فالتَّقْدِيرُ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، أيْ؛ وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ عَلى طَرِيقَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ. وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَن تَبِعَهُ المَعْطُوفَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: ومِن آبائِهِمْ جَمْعًا كَثِيرًا أوْ مَهْدِيِّينَ كَثِيرِينَ، فَتَكُونُ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةً مُتَعَلِّقَةٍ بِـ ”هَدَيْنا“ .
والذُّرِّيّاتُ جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، وهي مَن تَناسَلَ مِنَ الآدَمِيِّ مِن أبْناءٍ أدْنَيْنَ وأبْنائِهِمْ، فَيَشْمَلُ أوْلادَ البَنِينَ وأوْلادَ البَناتِ. ووَجْهُ جَمْعِهِ إرادَةُ أنَّ الهُدى تَعَلَّقَ بِذُرِّيَّةِ كُلِّ مِن لَهُ ذَرِّيَّةٌ مِنَ المَذْكُورِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ في هَدْيِ بَعْضِ الذُّرِّيَّةِ كَرامَةً لِلْجِدِّ، فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ مُرادٌ وُقُوعُ الهَدْيِ في ذُرِّيَّتِهِ. وإنْ كانَتْ ذُرِّيّاتُهم راجِعِينَ إلى جَدٍّ واحِدٍ وهو نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالهُدى المُقَدَّرِ الهُدى المُماثِلَ لِلْهُدى المُصَرَّحِ بِهِ، وهو هُدى النُّبُوءَةِ، فالآباءُ يَشْمَلُ مِثْلَ آدَمَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهم آباءُ نُوحٍ. والذُّرِّيّاتُ يَشْمَلُ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ يُوشَعَ ودانْيالَ. فَهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، والأنْبِياءَ مِن أبْناءِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ وخالِدِ بْنِ سِنانٍ، وهُودًا، وصالِحًا مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وشُعَيْبًا، مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ. والإخْوانُ يَشْمَلُ بَقِيَّةَ الأسْباطِ إخْوَةَ يُوسُفَ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الهُدى ما هو أعَمُّ مِنَ النُّبُوءَةِ شَمِلَ الصّالِحِينَ مِنَ الآباءِ مِثْلَ هابِيلَ بْنِ آدَمَ. وشَمِلَ الذُّرِّيّاتِ جَمِيعَ صالِحِي الأُمَمِ مِثْلَ أهْلِ الكَهْفِ، قالَ تَعالى ”وزِدْناهم هُدًى“، ومِثْلَ طالُوتَ مَلِكِ إسْرائِيلَ، ومِثْلَ مُضَرَ ورَبِيعَةَ فَقَدْ ورَدَ أنَّهُما كانا مُسْلِمَيْنِ. رَواهُ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ. ويَشْمَلُ الإخْوانُ هارانَ بْنَ تارَحَ أخا إبْراهِيمَ، وهو أبُو لُوطٍ، وعيسو أخا، يَعْقُوبَ وغَيْرَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
صفحة ٣٥٠
والِاجْتِباءُ الِاصْطِفاءُ والِاخْتِيارُ، قالُوا هو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْيِ، وهو الجَمْعُ، ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ. وجَبْيُ الماءِ في الحَوْضِ الَّذِي سُمِّيَتْ مِنهُ الجابِيَةُ، فالِافْتِعالُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ الِاضْطِرارِ، ووَجْهُ الِاشْتِقاقِ أنَّ الجَمْعَ إنَّما يَكُونُ لِشَيْءٍ مَرْغُوبٍ في تَحْصِيلِهِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ اخْتارَهم فَجَعَلَهم مَوْضِعَ هَدْيِهِ لِأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ونُبُوءَتَهُ وهَدْيَهُ.
وعَطَفَ قَوْلَهُ ”وهَدَيْناهم“ عَلى ”اجْتَبَيْناهم“ عَطْفًا يُؤَكِّدُ إثْباتَ هُداهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا الهَدْيِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ هَدى إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أيْ إلى ما بِهِ نَوالُ ما يَعْمَلُ أهْلُ الكَمالِ لِنَوالِهِ، فَضَرَبَ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ مَثَلًا لِذَلِكَ تَشْبِيهًا لِهَيْئَةِ العامِلِ لِيَنالَ ما يَطْلُبُهُ مِنَ الكَمالِ بِهَيْئَةِ السّاعِي عَلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يُوَصِّلُهُ إلى ما سارَ بِدُونِ تَرَدُّدٍ ولا تَحَيُّرٍ ولا ضَلالٍ، وذَكَرَ مِن ألْفاظِ المُرَكَّبِ الدّالِّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بَعْضُهُ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ لِدَلالَتِهِ عَلى جَمِيعِ الألْفاظِ المَحْذُوفَةِ لِلْإيجازِ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو التَّوْحِيدُ والإيمانُ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الَّتِي اشْتَرَكَتْ فِيها الشَّرائِعُ، والمَقْصُودُ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ خالَفُوا مُعْتَقَدَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ”هَدى اللَّهُ“ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] .
الأنعام 6:88
﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ لا تَعْجَبُوا مِن هَدْيِهِمْ وضَلالِ غَيْرِهِمْ.
والإشارَةُ إلى الهُدى الَّذِي هو مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِن أفْعالِ الهِدايَةِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلَها، وخُصُوصًا المَذْكُورُ آخِرًا بِقَوْلِهِ ”﴿وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧]“ . وقَدْ زادَ اسْمُ الإشارَةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الهَدْيِ إذْ جُعِلَ كالشَّيْءِ
صفحة ٣٥١
المُشاهَدِ فَزِيدَ باسِمِ الإشارَةِ كَمالُ تَمْيِيزٍ، وأخْبَرَ عَنِ الهُدى بِأنَّهُ هُدى اللَّهِ لِتَشْرِيفِ أمْرِهِ وبَيانِ عِصْمَتِهِ مِنَ الخَطَأِ والضَّلالِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ مِمّا يَزْعُمُونَهُ هُدًى ويَتَلَقَّوْنَهُ عَنْ كُبَرائِهِمْ، أمْثالِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي وضَعَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ، ومِثْلِ الكُهّانِ وأضْرابِهِمْ. وقَدْ جاءَ هَذا الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ الفَذْلَكَةِ لِأحْوالِ الهِدايَةِ الَّتِي تَكَرَّرَ ذِكْرُها كَأبْياتِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
ولِلَّهِ صُعْلُوكٌ يُساوِرُ هَمَّهُ ويَمْضِي عَلى الأحْداثِ والدَّهْرِ مُقْدِما
إلى أنْ قالَ بَعْدَ أبْياتٍ سَبْعَةٍ في مَحامِدِ ذَلِكَ الصُّعْلُوكِ:
فَذَلِكَ إنْ يَهْلِكْ فَحُسْنى ثَناؤُهُ ∗∗∗ وإنْ عاشَ لَمْ يَقْعُدْ ضَعِيفًا مُذَمَّما
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”هَدى اللَّهُ“ . والمُرادُ بِـ مَن يَشاءُ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ واجْتَباهم، وهو أعْلَمُ بِهِمْ وبِاسْتِعْدادِهِمْ لِهَدْيهِ ونَبْذِهِمُ المُكابَرَةَ وإقْبالِهِمْ عَلى طَلَبِ الخَيْرِ وتَطَلُّعِهِمْ إلَيْهِ وتَدَرُّجِهِمْ فِيهِ إلى أنْ يَبْلُغُوا مَرْتَبَةَ إفاضَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الوَحْيَ أوِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ الصّادِقَ.
فَفِي قَوْلِهِ ”مَن يَشاءُ“ مِنَ الإبْهامِ ما يَبْعَثُ النُّفُوسَ عَلى تَطَلُّبِ هُدى اللَّهِ تَعالى والتَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَسَدًا، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ تَفْظِيعًا لِأمْرِ الشِّرْكِ وأنَّهُ لا يُغْتَفَرُ لِأحَدٍ ولَوْ بَلَغَ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ مَبْلَغًا عَظِيمًا مِثْلَ هَؤُلاءِ المَعْدُودِينَ المُنَوَّهِ بِهِمْ. ”والواوُ“ لِلْحالِ. وحَبِطَ مَعْناهُ تَلِفَ. أيْ بَطَلَ ثَوابُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.