Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — يونس 10:71 – هود 11:42
المحتويات
- يونس 10:71
- يونس 10:72
- يونس 10:73
- يونس 10:74
- يونس 10:75
- يونس 10:76
- يونس 10:77
- يونس 10:78
- يونس 10:79
- يونس 10:80
- يونس 10:81
- يونس 10:82
- يونس 10:83
- يونس 10:84
- يونس 10:85
- يونس 10:86
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:90
- يونس 10:91
- يونس 10:92
- يونس 10:93
- يونس 10:94
- يونس 10:95
- يونس 10:96
- يونس 10:97
- يونس 10:98
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:102
- يونس 10:103
- يونس 10:104
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- يونس 10:109
- هود 11:1
- هود 11:2
- هود 11:3
- هود 11:4
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:9
- هود 11:10
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:15
- هود 11:16
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:21
- هود 11:22
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:26
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:30
- هود 11:31
- هود 11:32
- هود 11:33
- هود 11:34
- هود 11:35
- هود 11:36
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:39
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
يونس 10:71
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونَ﴾
انْتِقالٌ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ بِالحُجَجِ السّاطِعَةِ عَلى بُطْلانِ دِينِهِمْ، وبِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ عَلى تَفْنِيدِ أكاذِيبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَوْعِظَةِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ العاجِلِ والآجِلِ والإرْهابِ، إلى التَّعْرِيضِ لَهم بِذِكْرِ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ أحْوالُها لِأحْوالِهِمْ، اسْتِقْصاءً لِطَرائِقِ الحِجاجِ عَلى أصْحابِ اللَّجاجِ؛ فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ مَثَلٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ - مَعَ المُشْرِكِينَ مِن قَوْمِهِ في ابْتِداءِ الأمْرِ وتَطَوُّرِهِ، فَفي ذِكْرِ عاقِبَةِ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَتَهم كَعاقِبَةِ أُولَئِكَ أوْ أنَّهم إنَّما يُمَتَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يُؤْخَذُونَ أخْذَةً رابِيَةً،
صفحة ٢٣٥
كَما مُتِّعَ قَوْمُ نُوحٍ زَمَنًا طَوِيلًا ثُمَّ لَمْ يُفْلِتُوا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، فَذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومُلْقِيًا بِالوَجَلِ والذُّعْرِ في قُلُوبِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَأْنِيسٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّهم أُسْوَةٌ بِالأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ مِن أقْوامِهِمْ، وكَذَلِكَ قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَقِبَها كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في نِهايَةِ هَذِهِ القِصَصِ ”﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]“ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ”﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]“ الآياتِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ ”إذْ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّبَأِ بِزَمَنِ قَوْلِهِ: لِقَوْمِهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُحاوَرَتَهُ قَوْمَهُ وإصْرارَهم عَلى الإعْراضِ هو مَحَلُّ العِبْرَةِ؛ لِأنَّهُ وجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في صَمِّ آذانِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وقَوْلُهُ ذَلِكَ لَهم إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ دُعاءَهم زَمَنًا طَوِيلًا فَكانَ ذَلِكَ آخِرَ جَدَلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، والنَّبِيءُ ﷺ قَدْ دَعا أهْلَ مَكَّةَ سِنِينَ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ حاوَرَهم وجادَلَهم ولِأنَّ ذَلِكَ الزَّمَنَ هو أعْظَمُ مَوْقِفٍ وقَفَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، وكانَ هو المَوْقِفُ الفاصِلُ الَّذِي أعْقَبَهُ العَذابُ بِالغَرَقِ.
و”إذْ“ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهو هُنا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”نَبَأ“ أوْ مِن نُوحٍ. وفي ذِكْرِ قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها تَفْصِيلٌ لِما تَقَدَّمَ إجْمالُهُ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [يونس: ١٣]
وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [يونس: ٦٠]
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْفالِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ”﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]“ في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ٢٣٦
والتَّعْرِيفُ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتارِيخِهِ مَضى في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ.
وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ”﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ طَرِيقٍ لِتَعْرِيفِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ إذْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الأُمَّةِ اسْمٌ تُعْرَفُ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الأرْضِ فَلَمْ يَحْصُلْ داعٍ إلى تَسْمِيَتِهِمْ بِاسْمِ جَدٍّ أوْ أرْضٍ إذْ لَمْ يَكُنْ ما يَدْعُو إلى تَمْيِيزِهِمْ إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ غَيْرُهم، ألا تَرى إلى حِكايَةِ اللَّهِ عَنْ هُودٍ في قَوْلِهِ لِقَوْمِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]، ولَمّا حَكى عَنْ صالِحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]
وظَرْفُ“ إذْ ”وما أُضِيفَ إلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن“ نَبَأ ”نُوحٍ
وافْتِتاحُ خِطابِ نُوحٍ قَوْمَهُ بِـ“ يا قَوْمِ ”إيذانٌ بِأهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ النِّداءَ طَلَبُ الإقْبالِ. ولَمّا كانَ هُنا لَيْسَ لِطَلَبِ إقْبالِ قَوْمِهِ إلَيْهِ لِأنَّهُ ما ابْتَدَأ خِطابَهم إلّا في مَجْمَعِهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ النِّداءَ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في طَلَبِ الإقْبالِ المَجازِيِّ، وهو تَوْجِيهُ أذْهانِهِمْ إلى فَهْمِ ما سَيَقُولُهُ.
واخْتِيارُ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِوَصْفِ كَوْنِهِمْ قَوْمَهُ تَحْبِيبٌ لَهم في نَفْسِهِ لِيَأْخُذُوا قَوْلَهُ مَأْخَذَ قَوْلِ النّاصِحِ المُتَطَلِّبِ الخَيْرَ لَهم؛ لِأنَّ المَرْءَ لا يُرِيدُ لِقَوْمِهِ إلّا خَيْرًا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِنَ المُنادى المُضافِ إلَيْها عَلى الِاسْتِعْمالِ المَشْهُورِ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ شَقَّ عَلَيْكم وأحْرَجَكم.
والكِبَرُ: وفْرَةُ حَجْمِ الجِسْمِ بِالنِّسْبَةِ لِأمْثالِهِ مِن أجْسامِ نَوْعِهِ، ويُسْتَعارُ الكِبَرُ لِكَوْنِ وصْفٍ مِن أوْصافِ الذَّواتِ أوِ المَعانِي أقْوى فِيهِ مِنهُ في أمْثالِهِ مِن نَوْعِهِ، فَقَدْ يَكُونُ مَدْحًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، ويَكُونُ ذَمًّا كَقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، ويُسْتَعارُ الكِبَرُ لِلْمَشَقَّةِ والحَرَجِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] وكَذَلِكَ هُنا.
صفحة ٢٣٧
والمَقامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مُرادِفٌ لِلْقِيامِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَعْنى شَأْنِ المَرْءِ وحالِهِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣] أيْ خَيْرٌ حالَةً وشَأْنًا. وهو اسْتِعْمالٌ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ؛ لِأنَّ مَكانَ المَرْءِ ومَقامَهُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وفِيهِما مَظاهِرُ أحْوالِهِ.
وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِ فِيهِمْ تَذْكِيرُهُ إيّاهم بِآياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أهَمِّ شُئُونِهِ مَعَ قَوْمِهِ، فَعَطْفُهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. فَمَعْنى ﴿كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي﴾ سَئِمْتُمْ أحْوالِي مَعَكم وخاصَّةً بِتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ.
وتَجَهُّمُ الحَقِّ عَلى أمْثالِهِمْ شِنْشِنَةُ المُتَوَغِّلِينَ في الفَسادِ المَأْسُورِينَ لِلْهَوى إذْ تَقَعُ لَدَيْهِمُ الدَّعْوَةُ إلى الإقْلاعِ عَنْهُ والتَّثْوِيبُ بِهِمْ إلى الرَّشادِ مَوْقِعًا مُرَّ المَذاقِ مِن نُفُوسِهِمْ، شَدِيدَ الإيلامِ لِقُلُوبِهِمْ، لِما في مُنازَعَةِ الحَقِّ نُفُوسَهم مِن صَوْلَةٍ عَلَيْها لا يَسْتَطِيعُونَ الِاسْتِخْفافَ بِها ولا يُطاوِعُهم هَواهم عَلى الإذْعانِ إلَيْها، فَيَتَوَرَّطُونَ في حَيْرَةٍ ومُنازَعَةٍ نَفْسانِيَّةٍ تَثْقُلُ عَلَيْهِمْ، وتَشْمَئِزُّ مِنها نُفُوسُهم، وتُكَدِّرُ عَلَيْهِمْ صَفْوَ انْسِياقِهِمْ مَعَ هَواهم.
وإضافَةُ التَّذْكِيرِ إلى ضَمِيرِهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ.
والباءُ في“ بِآياتِ اللَّهِ ”لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ الثّانِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: تَذْكِيرِي إيّاكم.
و“ آياتِ اللَّهِ ”مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّذْكِيرِ. يُقالُ: ذَكَّرْتُهُ أمْرًا نَسِيَهُ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]، وقَوْلِ مِسْوَرِ بْنِ زِيادَةَ الحارِثِيِّ:
أُذَكِّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي
ولِذَلِكَ قالُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إنَّ الباءَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ أيْ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ.
صفحة ٢٣٨
و“ آياتِ اللَّهِ ”: دَلائِلُ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، ودَلائِلُ وحْدانِيَّتِهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أشْرَكُوا بِاللَّهِ فَقَدْ نَسُوا تِلْكَ الدَّلائِلَ، فَكانَ يُذَكِّرُهم بِها، وذَلِكَ يُبْرِمُهم ويُحْرِجُهم.
وجُمْلَةُ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ تَضَمَّنَ أنَّ إنْكارَهُ عَلَيْهِمْ قَدْ بَلَغَ مِن نُفُوسِهِمْ ما لا طاقَةَ لَهم بِحَمْلِهِ، وأنَّهم مُتَهَيِّئُونَ لِمُدافَعَتِهِ فَأنْبَأهم أنَّ احْتِمالَ صُدُورِ الدِّفاعِ مِنهم، وهم في كَثْرَةٍ ومَنَعَةٍ وهو في قِلَّةٍ وضَعْفٍ، لا يَصُدُّهُ عَنِ اسْتِمْرارِ الدَّعْوَةِ، وأنَّهُ وإنْ كانَ بَيْنَهم وحِيدًا فَذَلِكَ يُوهِنُهُ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ.
ولِأجْلِ هَذا قُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ لا عَلى غَيْرِهِ.
والتَّوَكُّلُ: التَّعْوِيلُ عَلى مَن يُدَبِّرُ أمْرَهُ. وقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والفاءُ في ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فَلِلْجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ حُكْمُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّها مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْلا قَصْدُهُ المُبادَرَةَ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِمُناوَأتِهِمْ لَكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ الكَلامِ أنْ يَقُولَ: إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي إلَخْ، فَأجْمِعُوا أمْرَكم فَإنِّي عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ، كَما قالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]
وإجْماعُ الأمْرِ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ بَعْدَ التَّرَدُّدِ بَيْنَ فِعْلِهِ وفِعْلٍ ضِدَّهُ. وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي هو ضِدُّ التَّفْرِيقِ؛ لِأنَّ المُتَرَدِّدَ في ماذا يَعْمَلُهُ تَكُونُ عِنْدَهُ أشْياءُ مُتَفَرِّقَةٌ فَهو يَتَدَبَّرُ ويَتَأمَّلُ فَإذا اسْتَقَرَّ رَأْيُهُ عَلى شَيْءٍ مِنها فَقَدْ جَمَعَ ما كانَ مُتَفَرِّقًا. فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعَلَ أمْرَهُ جَمْعًا بَعْدَ أنْ كانَ مُتَفَرِّقًا.
ويَقُولُونَ: جاءُوا وأمْرُهم جَمِيعٌ، أيْ مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُتَفَرِّقٍ بِوُجُوهِ الِاخْتِلافِ.
والأمْرُ: هو شَأْنُهم مِن قَصْدِ دَفْعِهِ وأذاهُ وتَرَدُّدِهِمْ في وُجُوهِ ذَلِكَ ووَسائِلِهِ.
صفحة ٢٣٩
و“ شُرَكاءَكم ”مَنصُوبٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ. والواوُ بِمَعْنى“ مَعَ ”أيْ أجْمِعُوا أمْرَكم ومَعَكم شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ“ وشُرَكاؤُكم ”مَرْفُوعًا عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ“ فَأجْمِعُوا ”، وسَوَّغَهُ الفَصْلُ بَيْنَ الضَّمِيرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالمَفْعُولِ. والمَعْنى: ولْيَجْمَعْ شُرَكاؤُكم أمْرَهم.
وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ:“ فَأجْمِعُوا ”مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، أيْ إنَّ عَزْمَهم لا يَضِيرُهُ بِحَيْثُ هو يُغْرِيهِمْ بِأخْذِ الأُهْبَةِ التّامَّةِ لِمُقاوَمَتِهِ. وزادَ ذِكْرُ شُرَكائِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَخْشاها لِأنَّها في اعْتِقادِهِمْ أشَدُّ بَطْشًا مِنَ القَوْمِ، وذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلُ ادْعُوا شُرَكاءَكم ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ بِثُمَّ الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِما تَتَضَمَّنُهُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مِنَ التَّرَقِّي في قِلَّةِ مُبالاتِهِ بِما يُهَيِّئُونَهُ لَهُ مِنَ الضُّرِّ بِحَيْثُ يَتَصَدّى لَهم تَصَدِّي المُشِيرِ بِما يُسَهِّلُ لَهُمُ البُلُوغَ إلى الإضْرارِ بِهِ الَّذِي يَنْوُونَهُ وإزالَةَ العَوائِقِ الحائِلَةِ دُونَ مَقْصِدِهِمْ. وجاءَ بِما ظاهِرُهُ نَهْيُ أمْرِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونَ غُمَّةً عَلَيْهِمْ مُبالَغَةً في نَهْيِهِمْ عَنِ التَّرَدُّدِ في تَبَيُّنِ الوُصُولِ إلى قَصْدِهِمْ حَتّى كَأنَّ شَأْنَهم هو المَنهِيُّ عَنْ أنْ يَكُونَ التِباسًا عَلَيْهِمْ، أيِ اجْتَهِدُوا في أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ.
والغُمَّةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِلْغَمِّ. وهو السِّتْرُ. والمُرادُ بِها في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ السِّتْرُ المَجازِيُّ، وهو انْبِهامُ الحالِ، وعَدَمُ تَبَيُّنِ السَّدادِ فِيهِ، ولَعَلَّ هَذا التَّرْكِيبَ جَرى مَجْرى المَثَلِ فَقَدْ قالَ طَرَفَةُ مِن قَبْلُ:
لَعَمْرُكَ ما أمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ ∗∗∗ نَهارِي ولا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
وإظْهارُ لَفْظِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾ مَعَ أنَّهُ عَيْنُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ لِكَوْنِ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَيَقْتَضِي أنْ لا تُغَيَّرَ ألْفاظُهُ.
صفحة ٢٤٠
و“ ثُمَّ ”في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ﴾“ لِلتَّراخِي في الرُّتْبةِ، فَإنَّ رُتْبَةَ إنْفاذِ الرَّأْيِ بِما يُزْمِعُونَ عَلَيْهِ مِن أذاهُ أقْوى مِن تَدْبِيرِ ذَلِكَ، ومِن رُتْبَةِ إجْماعِ الرَّأْيِ عَلَيْهِ فَهو ارْتِقاءٌ مِنَ الشَّيْءِ إلى أعْلى مِنهُ، فَعُطِفَ بِـ ”ثُمَّ“ الَّتِي تُفِيدُ التَّراخِي في الرُّتْبَةِ في عَطْفِها الجُمَلَ.
و”اقْضُوا“ أمْرٌ مِنَ القَضاءِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَضاءِ بِمَعْنى الإتْمامِ والفَصْلِ، أيِ أنْفِذُوا ما تَرَوْنَهُ مِنَ الإضْرارِ بِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَضاءِ بِمَعْنى الحُكْمِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، أيْ أنْفِذُوا حُكْمَكم.
وعُدِّيَ بِـ ”إلى“ دُونَ ”عَلى“ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإبْلاغِ والإيصالِ تَنْصِيصًا عَلى مَعْنى التَّنْفِيذِ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ القَضاءَ يَكُونُ بِالقَوْلِ فَيَعْقُبُهُ التَّنْفِيذُ أوِ الإرْجاءُ أوِ العَفْوُ، ويَكُونُ بِالفِعْلِ، فَهو قَضاءٌ بِتَنْفِيذٍ، ويُسَمّى عِنْدَ الفُقَهاءِ بِالقَضاءِ الفِعْلِيِّ.
وقَوْلُهُ: ”﴿ولا تُنْظِرُونِ﴾“ تَأْكِيدٌ لِمَدْلُولِ التَّضْمِينِ المُشارِ إلَيْهِ بِحَرْفِ ”إلى“ . والإنْظارُ التَّأْخِيرُ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن ”تُنْظِرُونَ“ لِلتَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في فَصِيحِ الكَلامِ، وبَقاءُ نُونِ الوِقايَةِ مُشْعِرٌ بِها.
يونس 10:72
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ فَجُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابُهُ مُفَرَّعَتانِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ قَدْ وقَعَ واسْتَمَرَّ تَعَيَّنَ أنَّ جَعْلَ التَّوَلِّي في جُمْلَةِ الشَّرْطِ مُرادٌ بِهِ ما كانَ حَصَلَ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَيْءٌ قَدْ وقَعَ أيْضًا. وإنَّما قُصِدَ إقْرارُهم بِهِ قَطْعًا لِتَعَلُّلاتِهِمْ واسْتِقْصاءً لِقَطْعِ مَعاذِيرِهِمْ. والمَعْنى:
صفحة ٢٤١
فَإنْ كُنْتُمْ قَدْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي ما سَألْتُكم أجْرًا فَتَتَّهِمُونِي بِرَغْبَةٍ في نَفْعٍ يَنْجَرُّ لِي مِن دَعْوَتِكم حَتّى تُعْرِضُوا عَنْها شُحًّا بِأمْوالِكم أوِ اتِّهامًا بِتَكْذِيبِي، وهَذا إلْزامٌ لَهم بِأنَّ تَوَلِّيَهم لَمْ يَكُنْ فِيهِ احْتِمالُ تُهْمَتِهِمْ إيّاهُ بِتَطَلُّبِ نَفْعٍ لِنَفْسِهِ. وبِذَلِكَ بَرَّأ نَفْسَهُ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِتَوَلِّيهِمْ، وبِهَذا تَعَيَّنَ أنَّ المُعَلَّقَ بِهَذا الشَّرْطِ هو التَّحَقُّقُ بَيْنَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ الجَزاءِ لا وُقُوعُ جُمْلَةِ الجَزاءِ عِنْدَ وُقُوعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ. وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ [الأعراف: ٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ تَعْمِيمٌ لِنَفْيِ تَطَلُّبِهِ أجْرًا عَلى دَعْوَتِهِمْ سَواءٌ مِنهم أمْ مِن غَيْرِهِمْ، فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ وبِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ مَعَ زِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وطَرِيقُ جَزْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ يُؤْجِرُهُ عَلى ذَلِكَ هو وعْدُ اللَّهِ إيّاهُ بِهِ بِما أوْحى إلَيْهِ.
وأتى بِحَرْفِ ”عَلى“ المُفِيدِ لِكَوْنِهِ حَقًّا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى وعْدِ اللَّهِ إيّاهُ وأعْلَمَهُ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ، فَصارَ بِالوَعْدِ حَقًّا عَلى اللَّهِ التَزَمَ اللَّهُ بِهِ.
والأجْرُ: العِوَضُ الَّذِي يُعْطى لِأجْلِ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ آخِذُ العِوَضِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ أمَرَنِي اللَّهُ أنْ أتَّبِعَ الدِّينَ الحَقَّ ولَوْ كُنْتُ وحْدِي. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم بِأنَّ إجْماعَهم عَلى التَّوَلِّي عَنْهُ لا يَفُلُّ حَدَّهُ ولا يَصُدُّهُ عَنْ مُخالَفَةِ دِينِهِمُ الضَّلّالِ.
وبُنِيَ فِعْلُ ”أُمِرْتُ“ لِلْمَجْهُولِ في اللَّفْظِ لِلْعِلْمِ بِهِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ مِن سِياقِ الكَلامِ أنَّ الَّذِي أمَرَهُ هو اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ مِنَ الفِئَةِ الَّتِي يَصْدُقُ عَلَيْها هَذا الوَصْفُ وهو الإسْلامُ، أيْ تَوْحِيدُ اللَّهِ دُونَ عِبادَةِ شَرِيكٍ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن إسْلامِ العِبادَةِ
صفحة ٢٤٢
وتَخْلِيصِها لِلَّهِ - تَعالى - دُونَ غَيْرِهِ. كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
وقَدْ سُمِّيَ التَّوْحِيدُ ودِينُ الحَقِّ الخالِصُ إسْلامًا في مُخْتَلِفِ العُصُورِ وسَمّى اللَّهُ بِهِ سُنَنَ الرُّسُلِ فَحَكاهُ عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هُنا وعَنْ إبْراهِيمَ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، وعَنْ إسْماعِيلَ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ إذْ حَكى عَنْهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وعَنْ يُوسُفَ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١]، وعَنْ مُوسى قالَ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]، وعَنْ سُلَيْمانَ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، وعَنْ عِيسى والحَوارِيِّينَ ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالإسْلامِ مِن: أنْ أكُونَ مُسْلِمًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
يونس 10:73
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ، أيْ تَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذِهِ الجُمَلِ السّابِقَةِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ لِما بَعْدَ الفاءِ مُناسَبَةٌ لِما قَبْلَها تَقْتَضِي أنْ يُذْكَرَ بَعْدَها فَيُؤْتى بِالفاءِ لِلْإشارَةِ إلى تِلْكَ المُناسَبَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]، وإلّا فَإنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِ نُوحٍ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] إلَخْ؛ لِأنَّهُ ما قالَ لَهم ذَلِكَ إلّا وقَدْ رَأى مِنهم تَجَهُّمَ دَعْوتِهِ.
صفحة ٢٤٣
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى فِعْلِ كَذَّبُوهُ الِاسْتِمْرارَ عَلى تَكْذِيبِهِ مِثْلَ فِعْلِ آمَنُوا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فَتَكُونُ الفاءُ لِتَفْرِيعِ حُصُولِ ما بَعْدَها عَلى حُصُولِ ما قَبْلَها.
وأمّا الفاءُ الَّتِي في جُمْلَةِ فَنَجَّيْناهُ فَهي لِلتَّرْتِيبِ والتَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ قَوْمِهِ قَدِ اسْتَمَرَّ إلى وقْتِ إغْراقِهِمْ وإنْجاءِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَنِ اتَّبَعَهُ. وهَذا نَظْمٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ مُعْجِزٌ إذْ رَجَعَ الكَلامُ إلى التَّصْرِيحِ بِتَكْذِيبِ قَوْمِهِ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ قَبْلُ بَلْ أُشِيرَ لَهُ ضِمْنًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ، فَكانَ كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ثُمَّ أُشِيرَ إلى اسْتِمْرارِهِ في الأزْمِنَةِ كُلِّها حَتى انْتَهى بِإغْراقِهِمْ، فَذَكَرَ إنْجاءَ نُوحٍ وإغْراقَ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وبِذَلِكَ عادَ الكَلامُ إلى ما عَقِبَ مُجادَلَةِ نُوحٍ الأخِيرَةِ قَوْمَهُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] فَكانَ تَفَنُّنًا بَدِيعًا في النَّظْمِ مَعَ إيجازٍ بَهِيجٍ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إنْجائِهِ قَبْلَ ذِكْرِ الإغْراقِ الَّذِي وقَعَ الإنْجاءُ مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْجاءَهُ أهَمُّ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - مِن إغْراقِ مُكَذِّبِيهِ، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ السّامِعِينَ لِهَذِهِ القِصَّةِ.
والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو اسْمٌ لِلَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ هُنا بِاعْتِبارِ الَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ تَفَرَّعَ عَلى كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنهم أمَةٌ.
وتَعْرِيفُ قَوْمِ نُوحٍ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ لِلْإيماءِ إلى سَبَبِ تَعْذِيبِهِمْ بِالغَرَقِ، وأنَّهُ التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾، أيِ المُنْذَرِينَ بِالعَذابِ المُكَذِّبِينَ بِالإنْذارِ.
صفحة ٢٤٤
والنَّظَرُ: هُنا نَظَرُ عَيْنٍ، نُزِّلَ خَبَرُهم لِوُضُوحِهِ واليَقِينِ بِهِ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ.
والخِطابُ بِـ انْظُرْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ فَلا يُرادُ بِهِ مُخاطَبٌ مُعَيَّنٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَخُصَّ بِالخِطابِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ يُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم مِنَ العَذابِ نَحْوٌ مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن أذاهم وإظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِ.
يونس 10:74
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ لِأنَّ بَعْثَةَ رُسُلٍ كَثِيرِينَ إلى أُمَمٍ تَلَقَّوْهم بِمِثْلِ ما تَلَقّى بِهِ نُوحًا قَوْمُهُ أعْجَبُ مِن شَأْنِ قَوْمِ نُوحٍ حَيْثُ تَمالَأتْ تِلْكَ الأُمَمُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الكُفْرِ. ولَيْسَتْ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي في الزَّمَنِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مِن بَعْدِهِمْ
وقَدْ أبْهَمَ الرُّسُلَ في هَذِهِ الآيَةِ. ووَقَعَ في آياتٍ أُخْرى التَّصْرِيحُ بِأنَّهم: هُودٌ وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وشُعَيْبٌ. وقَدْ يَكُونُ هُنالِكَ رُسُلٌ آخَرُونَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]، ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هُنا مَن كانُوا قَبْلَ مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ [يونس: ٧٥]
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُوحًا أوَّلُ الرُّسُلِ.والبَيِّناتُ: هي الحُجَجُ الواضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ أظْهَرُوا لَهُمُ المُعْجِزاتِ بِإثْرِ إرْسالِهِمْ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ جاءُوا قَوْمَهم مُبَلِّغِينَ الرِّسالَةَ مُلابِسِينَ البَيِّناتِ.
صفحة ٢٤٥
وقَدْ قُوبِلَ جَمْعُ الرُّسُلِ بِجَمْعِ البَيِّناتِ فَكانَ صادِقًا بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ مُوَزَّعَةٍ عَلى رُسُلٍ كَثِيرِينَ، فَقَدْ يَكُونُ لِكُلِّ نَبِيءٍ مِنَ الأنْبِياءِ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ الأنْبِياءِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِثْلَ آيَةِ صالِحٍ وهي النّاقَةُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّفْرِيعِ، أيْ فَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا.
وصِيَغَ النَّفْيُ بِصِيغَةِ لامِ الجُحُودِ مُبالِغَةً في انْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهم بِأقْصى أحْوالِ الِانْتِفاءِ. حَتّى كَأنَّهم لَمْ يُوجَدُوا لِأنْ يُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ، أيْ لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنْهُ. ودَلَّتْ صِيغَةُ الجُحُودِ عَلى أنَّ الرُّسُلَ حاوَلُوا إيمانَهم مُحاوَلَةً مُتَكَرِّرَةً.
ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ أنَّ هُنالِكَ تَكْذِيبًا بادَرُوا بِهِ لِرُسُلِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمُ الَّذِي قابَلُوا بِهِ الرُّسُلَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ إنَّما يَكُونُ لِخَبَرِ مُخْبَرٍ فَقَوْلُهُ: ﴿فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ مُؤْذِنٌ بِحُصُولِ التَّكْذِيبِ فَلَمّا كَذَّبُوهم جاءُوهم بِالبَيِّناتِ عَلى صِدْقِهِمْ فاسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ لِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ. وهَذا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الدَّعْوَةِ وتَكَرُّرَ البَيِّناتِ وإلّا لَما كانَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ وقْعٌ لِأنَّ التَّكْذِيبَ الَّذِي حَصَلَ أوَّلَ مَرَّةٍ إذا لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْلِعَهُ كانَ تَكْذِيبًا واحِدًا مَنسِيًّا.
وهَذا مِن بَلاغَةِ مَعانِي القُرْآنِ.
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ فَإنَّ الطَّبْعَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قُلُوبَهم قَدْ ورَدَ عَلَيْها ما لَوْ خَلَتْ عِنْدَ وُرُودِهِ عَنِ الطَّبْعِ عَلَيْها لَكانَ شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ بِهِمْ إلى الإيمانِ، ولَكِنَّ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ حالَ دُونَ تَأْثِيرِ البَيِّناتِ في قُلُوبِهِمْ.
وقَدْ جُعِلَ الطَّبْعُ الَّذِي وقَعَ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ مَثَلًا لِكَيْفِيّاتِ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ فَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾، أيْ مِثْلَ هَذا الطَّبْعِ العَجِيبِ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ فَتَأمَّلُوهُ واعْتَبِرُوا بِهِ.
صفحة ٢٤٦
والطَّبْعُ: الخَتْمُ. وهو اسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ دُخُولِ الإيمانِ قُلُوبَهم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والِاعْتِداءُ: افْتِعالٌ مِن عَدا عَلَيْهِ، إذا ظَلَمَهُ، فالمُعْتَدِينَ مُرادِفُ الظّالِمِينَ، والمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّ الشِّرْكَ اعْتِداءٌ، فَإنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ فاعْتَدَوْا عَلى الصّادِقِينَ بِلَمْزِهِمْ بِالكَذِبِ وقَدْ جاءَ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الأعْرافِ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] فَهَذا التَّحالُفُ لِلتَّفَنُّنِ في حِكايَةِ هَذِهِ العِبْرَةِ في المَوْضِعَيْنِ.
يونس 10:75
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾
ثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانَتْ أعْظَمَ مِن بِعْثَةِ مَن سَبَقَهُما مِنَ الرُّسُلِ، وخُصَّتْ بِعْثَةُ مُوسى وهارُونَ بِالذِّكْرِ لِأنَّها كانَتِ انْقِلابًا عَظِيمًا وتَطَوُّرًا جَدِيدًا في تارِيخِ الشَّرائِعِ وفي نِظامِ الحَضارَةِ العَقْلِيَّةِ والتَّشْرِيعِيَّةِ فَإنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى إنَّما بُعِثُوا في أُمَمٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وكانَتْ أدْيانُهم مُقْتَصِرَةً عَلى الدَّعْوَةِ إلى إصْلاحِ العَقِيدَةِ، وتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، وإبْطالِ ما عَظُمَ مِن مَفاسِدَ في المُعامَلاتِ، ولَمْ تَكُنْ شَرائِعَ شامِلَةً لِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن نَظْمِ الأُمَّةِ وتَقْرِيرِ حاضِرِها ومُسْتَقْبَلِها.
فَأمّا بِعْثَةُ مُوسى فَقَدْ أتَتْ بِتَكْوِينِ أُمَّةٍ، وتَحْرِيرِها مِنِ اسْتِعْبادِ أُمَّةٍ أُخْرى إيّاها، وتَكْوِينِ وطَنٍ مُسْتَقِلٍّ لَها، وتَأْسِيسِ قَواعِدِ اسْتِقْلالِها، وتَأْسِيسِ جامِعَةٍ كامِلَةٍ لَها، ووَضْعِ نِظامِ سِياسَةِ الأُمَّةِ، ووَضْعِ سِياسَةٍ يُدَبِّرُونَ شُئُونَها، ونِظامِ دِفاعٍ يَدْفَعُ المُعْتَدِينَ عَلَيْها مِنَ الأُمَمِ، ويُمَكِّنُها مِنِ اقْتِحامِ أوْطانِ أُمَمٍ أُخْرى، وإعْطاءِ كِتابٍ يَشْتَمِلُ عَلى قَوانِينِ حَياتِها الِاجْتِماعِيَّةِ مِن كَثِيرِ نَواحِيها، فَبَعْثَةُ مُوسى كانَتْ أوَّلَ مَظْهَرٍ عامٍّ مِن مَظاهِرِ الشَّرائِعِ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ نَظِيرٌ في تارِيخِ الشَّرائِعِ ولا في تارِيخِ نِظامِ الأُمَمِ،
صفحة ٢٤٧
وهُوَ مَعَ تَفَوُّقِهِ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرائِعِ قَدِ امْتازَ بِكَوْنِهِ تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ المُطَّلِعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، المُرِيدِ إقْرارَ الصّالِحِ وإزالَةَ الفاسِدِ.
وجَعَلَ مُوسى وهارُونَ مَبْعُوثَيْنِ كِلَيْهِما مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ طَلَبَ مُوسى أنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أخاهُ هارُونَ مُؤَيِّدًا ومُعْرِبًا عَنْ مَقاصِدَ مُوسى فَكانَ بِذَلِكَ مَأْمُورًا مِنَ اللَّهِ بِالمُشارَكَةِ في أعْمالِ الرِّسالَةِ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ سُورَةُ القَصَصِ، فالمَبْعُوثُ أصالَةً هو مُوسى وأمّا هارُونُ فَبُعِثَ مُعِينًا لَهُ وناصِرًا؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِّسالَةَ كانَتْ أوَّلُ رِسالَةٍ يَصْحَبُها تَكْوِينُ أُمَّةٍ.
وفِرْعَوْنُ مَلِكُ مِصْرَ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ، وعَلى صِفَةِ إرْسالِ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنِفْطاحُ الثّانِي أحَدُ فَراعِنَةِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الَّتِي مَلَكَتْ بِلادَ القِبْطِ.
والمُرادُ بِالمَلَأِ خاصَةُ النّاسِ وسادَتُهم وذَلِكَ أنَّ مُوسى بُعِثَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وبُعِثَ إلى فِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلتِهِ لِيُطْلِقُوا بَنِي إسْرائِيلَ.
والسَّينُ والتّاءُ في اسْتَكْبَرُوا لِلْمُبالَغَةِ في التَّكَبُّرِ، والمُرادُ أنَّهم تَكَبَّرُوا عَنْ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ مِن مُوسى؛ لِأنَّهم احْتَقَرُوهُ وأحالُوا أنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن اللهِ وهو مِن قَوْمٍ مُسْتَعْبَدِينَ اسْتَعْبَدَهم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وهَذا وجْهُ اخْتِيارِ التَّعْبِيرِ عَنْ إعْراَضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ بِالِاسْتِكْبارِ كَما حَكى اللهُ عَنْهم فَقالُوا ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]
وتَفْرِيعُ اسْتَكْبَرُوا عَلى جُمْلَةِ بَعَثْنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ إعْراضٍ مِنهم وإنْكارٍ في مُدَّةِ الدَّعْوَةِ والبَعْثَةِ هو اسْتِكْبارٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وقَدْ كانَ الإجْرامُ دَأْبَهم وخُلُقَهم فَكانَ اسْتِكْبارُهم عَلى مُوسى مِن جُمْلَةِ إجْرامِهِمْ.
صفحة ٢٤٨
والإجْرامُ: فِعْلُ الجُرْمِ، وهو الجِنايَةُ والذَّنْبُ العَظِيمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَدْ كانَ الفَراعِنَةُ طُغاةً جَبابِرَةً فَكانُوا يَعْتَبِرُونَ أنْفُسَهم آلِهَةً لِلْقِبْطِ وكانُوا قَدْ وضَعُوا شَرائِعَ لا تَخْلُو عَنْ جَوْرٍ، وكانُوا يَسْتَعْبِدُونَ الغُرَباءَ، وقَدِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ وأذَلُّوهم قُرُونًا فَإذا سَألُوا حَقَّهُمُ اسْتَأْصَلُوهم ومَثَّلُوا بِهِمْ وقَتَلُوهم، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]، وكانَ القِبْطُ يَعْتَقِدُونَ أوْهامًا ضالَّةً وخُرافاتٍ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾، أيْ فَلا يُسْتَغْرَبُ اسْتِكْبارُهم عَنِ الحَقِّ والرَّشادِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ في مُوسى وهارُونَ ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] فَأغْراهُمُ الغَرُورُ عَلى أنَّ سَمَّوْا ضَلالَهم وخَوَرَهم طَرِيقَةً مُثْلى.
وعَبَّرَ بِـ قَوْمًا مُجْرِمِينَ دُونَ كانُوا مُجْرِمِينَ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
يونس 10:76
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾
أيْ لَمّا رَأوْا المُعْجِزاتِ الَّتِي هي حَقٌ ثابِتٌ ولَيْسَتْ بِتَخَيُّلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ، وعَلِمُوا أنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما ادَّعاهُ، تَدَرَّجُوا مِن مُجَرَّدِ الإباءِ المُنْبَعِثِ عَنِ الِاسْتِكْبارِ إلى البُهْتانِ المُنْبَعِثِ عَنِ الشُّعُورِ بِالمَغْلُوبِيَّةِ.
والحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلى ما قابَلَ الباطِلَ وهو العَدْلُ الصالِحُ، ويُطْلَقُ وصْفًا عَلى الثّابِتِ الَّذِي لا رِيبَةَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أنْتَ الصَّدِيقُ الحَقُّ. ويُلازِمُ الإفِرْادَ لِأنَّهُ
صفحة ٢٤٩
مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. والَّذِي أثْبَتَ لَهُ المَجِيءَ هُنا هو الآياتُ الَّتِي أظْهَرَها مُوسى إعْجازًا لَهم لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٠٣] فَكانَ جَعْلُ الحَقِّ جائِيًا بِتِلْكَ الآياتِ صالِحًا لِمَعْنَيَيِ الحَقِّ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمّا كانَتْ ثابِتَةً لا رِيبَةَ فِيها كانَتْ في ذاتِها حَقًّا فَمَجِيئُها حُصُولُها وظُهُورُها المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ صِدْقِ مُوسى في رِسالَتِهِ فَكانَ الحَقُّ جائِيًا مَعَها، فَمَجِيئُهُ ثُبُوتُهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكَلِمَةِ الحَقِّ هُنا مِنَ الوَقْعِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ المَعْنى المُرادِ، ولِكَلِمَةِ مِن عِنْدِنا ما لَيْسَ لِغَيْرِها في الإيجازِ، وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ.
وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ آياتِ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ وأنَّ المَحْجُوجِينَ أيْقَنُوا بِصِدْقِ مُوسى وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.
واعْتِذارُهم عَنْ ظُهُورِ الآياتِ بِأنَّها سِحْرٌ هو اعْتِذارُ المَغْلُوبِ العَدِيمِ الحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ وبَهَرَهُ سُلْطانُ الحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ المُعارَضَةِ المَقْبُولَةِ فَهو يُهْرَعُ إلى انْتِحالِ مُعارَضاتٍ بِمَعاذِيرَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ ولا تَثْبُتُ في مَحَكِّ النَّقْدِ.
ولا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ
وإذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْماءِ مِن ذَوِي الأوْهامِ أنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ في صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ ما ظَهَرَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُوسى هو سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الباطِلُ في صُورَةِ الحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.
ومَعْنى ادِّعاءِ الحَقِّ سِحْرًا أنَّ دَلائِلَهُ مِن قَبِيلِ التَّخَيُّلاتِ والتَّمْوِيهاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هو مَدْلُولُ السِّحْرِ وهو إنْشاءُ تَخَيُّلٍ باطِلٍ في نُفُوسِ المَسْحُورِينَ، وقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعارُهم وهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلى أنْ أبْرَزُوا دَعْواهم في صُورَةِ الكَلامِ المُتَثَبِّتِ صاحِبُهُ فَأكَّدُوا الكَلامَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ ولامُ الِابْتِداءِ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وزادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأنْ وصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أيْ شَدِيدَ الوُضُوحِ. والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ، مُرادِفُ بانَ: ظَهَرَ.
صفحة ٢٥٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ هَذا) إلى ما هو مُشاهَدٌ بَيْنَهم حِينَ إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِثْلُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ، أيْ أنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ سِحْرٌ مُبِينٌ.
وجُمْلَةُ قالَ مُوسى مُجاوِبَةٌ مِنهُ عَنْ كَلامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ العَطْفِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْناها في حِكايَةِ الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. تَوَلّى مُوسى وحْدَهُ دُونَ هارُونَ مُجادَلَتَهم لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً، ولِأنَّ المُعْجِزاتِ ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ.
واسْتِفْهامُ أتَقُولُونَ إنْكارِيٌّ.
واللّامُ في لِلْحَقِّ لامُ التَّعْلِيلِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ البَيانِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ المُجاوَزَةِ بِمَعْنى عَنْ
وجُمْلَةُ أسِحْرٌ هَذا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ، أنْكَرَ مُوسى عَلَيْهِمْ وصْفَهُمُ الآياتِ الحَقَّ بِأنَّها سِحْرٌ. والإشارَةُ تُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِجَهْلِهِمْ وفَسادِ قَوْلِهِمْ، بِأنَّ الإشارَةَ إلى تِلْكَ الآياتِ كافِيَةٌ في ظُهُورِ حَقِيقَتِها وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ. ولِذَلِكَ كانَ مَفْعُولُ أتَقُولُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وهو ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فالتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ هَذا القَوْلَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وقَوْلُهُ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]
ولَمّا نَفى مُوسى عَنْ آياتِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ سِحْرًا ارْتَقى فَأبانَ لَهم فَسادَ السِّحْرِ وسُوءَ عاقِبَةِ مُعالِجِيهِ تَحْقِيرًا لَهم؛ لِأنَّهم كانُوا يُنَوِّهُونَ بِشَأْنِ السِّحْرِ. فَجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أسِحْرٌ هَذا
فالمَعْنى: هَذا لَيْسَ بِسِحْرٍ وإنَّما أعْلَمُ أنَّ السّاحِرَ لا يُفْلِحُ، أيْ لَوْ كانَ ساحِرًا لَمّا شَنَّعَ حالَ السّاحِرِينَ، إذْ صاحَبُ الصِّناعَةِ لا يُحَقِّرُ صِناعَتَهُ لِأنَّهُ لَوْ رَآها مُحَقَّرَةً لَما التَزَمَها.
يونس 10:77
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾
أيْ لَمّا رَأوْا المُعْجِزاتِ الَّتِي هي حَقٌ ثابِتٌ ولَيْسَتْ بِتَخَيُّلاتٍ وتَمْوِيهاتٍ، وعَلِمُوا أنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما ادَّعاهُ، تَدَرَّجُوا مِن مُجَرَّدِ الإباءِ المُنْبَعِثِ عَنِ الِاسْتِكْبارِ إلى البُهْتانِ المُنْبَعِثِ عَنِ الشُّعُورِ بِالمَغْلُوبِيَّةِ.
والحَقُّ: يُطْلَقُ اسْمًا عَلى ما قابَلَ الباطِلَ وهو العَدْلُ الصالِحُ، ويُطْلَقُ وصْفًا عَلى الثّابِتِ الَّذِي لا رِيبَةَ فِيهِ، كَما يُقالُ: أنْتَ الصَّدِيقُ الحَقُّ. ويُلازِمُ الإفِرْادَ لِأنَّهُ
صفحة ٢٤٩
مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ. والَّذِي أثْبَتَ لَهُ المَجِيءَ هُنا هو الآياتُ الَّتِي أظْهَرَها مُوسى إعْجازًا لَهم لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٠٣] فَكانَ جَعْلُ الحَقِّ جائِيًا بِتِلْكَ الآياتِ صالِحًا لِمَعْنَيَيِ الحَقِّ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآياتِ لَمّا كانَتْ ثابِتَةً لا رِيبَةَ فِيها كانَتْ في ذاتِها حَقًّا فَمَجِيئُها حُصُولُها وظُهُورُها المَقْصُودُ مِنهُ إثْباتُ صِدْقِ مُوسى في رِسالَتِهِ فَكانَ الحَقُّ جائِيًا مَعَها، فَمَجِيئُهُ ثُبُوتُهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ لِكَلِمَةِ الحَقِّ هُنا مِنَ الوَقْعِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ المَعْنى المُرادِ، ولِكَلِمَةِ مِن عِنْدِنا ما لَيْسَ لِغَيْرِها في الإيجازِ، وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ.
وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ آياتِ الصِّدْقِ ظَهَرَتْ وأنَّ المَحْجُوجِينَ أيْقَنُوا بِصِدْقِ مُوسى وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ.
واعْتِذارُهم عَنْ ظُهُورِ الآياتِ بِأنَّها سِحْرٌ هو اعْتِذارُ المَغْلُوبِ العَدِيمِ الحُجَّةِ الَّذِي قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ وبَهَرَهُ سُلْطانُ الحَقِّ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنْتَشَبٌ مِنَ المُعارَضَةِ المَقْبُولَةِ فَهو يُهْرَعُ إلى انْتِحالِ مُعارَضاتٍ بِمَعاذِيرَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّمْحِيصِ ولا تَثْبُتُ في مَحَكِّ النَّقْدِ.
ولا بُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ
وإذْ قَدِ اشْتُهِرَ بَيْنَ الدَّهْماءِ مِن ذَوِي الأوْهامِ أنَّ السِّحْرَ يُظْهِرُ الشَّيْءَ في صُورَةِ ضِدِّهِ، ادَّعى هَؤُلاءِ أنَّ ما ظَهَرَ مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُوسى هو سِحْرٌ ظَهَرَ بِهِ الباطِلُ في صُورَةِ الحَقِّ بِتَخْيِيلِ السِّحْرِ.
ومَعْنى ادِّعاءِ الحَقِّ سِحْرًا أنَّ دَلائِلَهُ مِن قَبِيلِ التَّخَيُّلاتِ والتَّمْوِيهاتِ، فَكَذَلِكَ مَدْلُولُهُ هو مَدْلُولُ السِّحْرِ وهو إنْشاءُ تَخَيُّلٍ باطِلٍ في نُفُوسِ المَسْحُورِينَ، وقَدْ حَمَلَهُمُ اسْتِشْعارُهم وهَنَ مَعْذِرَتِهِمْ عَلى أنْ أبْرَزُوا دَعْواهم في صُورَةِ الكَلامِ المُتَثَبِّتِ صاحِبُهُ فَأكَّدُوا الكَلامَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّوْكِيدِ ولامُ الِابْتِداءِ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ، وزادُوا ذَلِكَ تَرْوِيجًا بِأنْ وصَفُوا السِّحْرَ بِكَوْنِهِ مُبِينًا، أيْ شَدِيدَ الوُضُوحِ. والمُبِينُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ، مُرادِفُ بانَ: ظَهَرَ.
صفحة ٢٥٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (إنَّ هَذا) إلى ما هو مُشاهَدٌ بَيْنَهم حِينَ إظْهارِ المُعْجِزَةِ مِثْلُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ، أيْ أنَّ هَذا العَمَلَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ سِحْرٌ مُبِينٌ.
وجُمْلَةُ قالَ مُوسى مُجاوِبَةٌ مِنهُ عَنْ كَلامِهِمْ فَفُصِلَتْ مِنَ العَطْفِ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي اسْتَخْرَجْناها في حِكايَةِ الأقْوالِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. تَوَلّى مُوسى وحْدَهُ دُونَ هارُونَ مُجادَلَتَهم لِأنَّهُ المُباشِرُ لِلدَّعْوَةِ أصالَةً، ولِأنَّ المُعْجِزاتِ ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ.
واسْتِفْهامُ أتَقُولُونَ إنْكارِيٌّ.
واللّامُ في لِلْحَقِّ لامُ التَّعْلِيلِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ البَيانِ. وبَعْضُهم يُسَمِّيها لامَ المُجاوَزَةِ بِمَعْنى عَنْ
وجُمْلَةُ أسِحْرٌ هَذا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والإنْكارِ، أنْكَرَ مُوسى عَلَيْهِمْ وصْفَهُمُ الآياتِ الحَقَّ بِأنَّها سِحْرٌ. والإشارَةُ تُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِجَهْلِهِمْ وفَسادِ قَوْلِهِمْ، بِأنَّ الإشارَةَ إلى تِلْكَ الآياتِ كافِيَةٌ في ظُهُورِ حَقِيقَتِها وأنَّها لَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ. ولِذَلِكَ كانَ مَفْعُولُ أتَقُولُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وهو ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فالتَّقْدِيرُ: أتَقُولُونَ هَذا القَوْلَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] وقَوْلُهُ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١]
ولَمّا نَفى مُوسى عَنْ آياتِ اللَّهِ أنْ تَكُونَ سِحْرًا ارْتَقى فَأبانَ لَهم فَسادَ السِّحْرِ وسُوءَ عاقِبَةِ مُعالِجِيهِ تَحْقِيرًا لَهم؛ لِأنَّهم كانُوا يُنَوِّهُونَ بِشَأْنِ السِّحْرِ. فَجُمْلَةُ ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ أسِحْرٌ هَذا
فالمَعْنى: هَذا لَيْسَ بِسِحْرٍ وإنَّما أعْلَمُ أنَّ السّاحِرَ لا يُفْلِحُ، أيْ لَوْ كانَ ساحِرًا لَمّا شَنَّعَ حالَ السّاحِرِينَ، إذْ صاحَبُ الصِّناعَةِ لا يُحَقِّرُ صِناعَتَهُ لِأنَّهُ لَوْ رَآها مُحَقَّرَةً لَما التَزَمَها.
يونس 10:78
صفحة ٢٥١
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾
الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ قالُوا أجِئْتَنا مِثْلُ الكَلامِ عَلى جُمْلَةِ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتَنا بَنَوْا إنْكارَهم عَلى تَخْطِئَةِ مُوسى فِيما جاءَ بِهِ، وعَلى سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِ وبِهارُونَ في الغايَةِ الَّتِي يَتَطَلَّبانِها مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى. وإنَّما واجَهُوا مُوسى بِالخِطابِ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ الَّذِي باشَرَ الدَّعْوَةَ وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، ثُمَّ أشْرَكاهُ مَعَ أخِيهِ هارُونَ في سُوءِ ظَنِّهِمْ بِهِما في الغايَةِ مِن عَمَلِهِما.
وتَلْفِتَنا مُضارِعُ لَفَتَ مِن بابِ ضَرَبَ مُتَعَدِّيًا: إذا صَرَفَ وجْهَهُ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُقابِلٍ لِوَجْهِهِ. والفِعْلُ القاصِرُ مِنهُ لَيْسَ إلّا لِلْمُطاوَعَةِ. يُقالُ: التَفَتَ. وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التَّحْوِيلِ عَنِ العَمَلِ أوِ الِاعْتِقادِ إلى غَيْرِهِ تَحْوِيلًا لا يَبْقى بَعْدَهُ نَظَرٌ إلى ما كانَ يَنْظُرُهُ، فَأصْلُهُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ثُمَّ غَلَبَتْ حَتّى صارَتْ مُساوِيَةَ الحَقِيقَةِ.
وقَدْ جَمَعَتْ صِلَةُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا كُلَّ الأحْوالِ الَّتِي كانَ آباؤُهم مُتَلَبِّسِينَ بِها.
واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِـ وجَدْنا لِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهم نَشَئُوا عَلَيْها وعَقَلُوها، وذَلِكَ مِمّا يُكْسِبُهم تَعَلُّقًا بِها، وأنَّها كانَتْ أحْوالَ آبائِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهم تَعَلُّقًا بِها تَبَعًا لِمَحَبَّةِ آبائِهِمْ لِأنَّ مَحَبَّةَ الشَّيْءِ تَقْتَضِي مَحَبَّةَ أحْوالِهِ ومُلابَساتِهِ.
وفِي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّها عِنْدَهم صَوابٌ وحَقٌّ لِأنَّهم قَدِ اقْتَدَوْا بِآبائِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . وقالَ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء: ٥٤]، وقَدْ
صفحة ٢٥٢
جاءَهم مُوسى لِقَصْدِ لَفْتِهِمْ عَمّا وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم فَكانَ ذَلِكَ مَحَلَّ الإنْكارِ عِنْدَهم لِأنَّ تَغْيِيرَ ذَلِكَ يَحْسَبُونَهُ إفْسادًا ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧]
والإتْيانُ بِحَرْفِ عَلى لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ آبائِهِمْ مِن تِلْكَ الأحْوالِ ومُلازَمَتِهِمْ لَها.
وعَطْفُ ﴿وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ عَلى الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ، والمَعْطُوفُ هو العِلَّةُ في المَعْنى لِأنَّهم أرادُوا أنَّهم تَفَطَّنُوا لِغَرَضِ مُوسى وهارُونَ في مَجِيئِهِما إلَيْهِمْ بِما جاءُوا بِهِ، أيْ أنَّهُما يُحاوِلانِ نَفْعًا لِأنْفُسِهِما لا صَلاحًا لِلْمَدْعُوِّينَ، وذَلِكَ النَّفْعُ هو الِاسْتِحْواذُ عَلى سِيادَةِ مِصْرَ بِالحِيلَةِ.
والكِبْرِياءُ: العَظَمَةُ وإظْهارُ التَّفَوُّقِ عَلى النّاسِ.
والأرْضُ: هي المَعْهُودَةُ بَيْنَهم، وهي أرْضُ مِصْرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] . ولَمّا كانُوا ظَنُّوا تَطَلُّبَهُما لِلسِّيادَةِ أتَوْا في خِطابِ مُوسى بِضَمِيرِ المُثَنّى المُخاطَبِ لِأنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا فالتَفَتُوا عَنْ خِطابِ الواحِدِ إلى خِطابِ الِاثْنَيْنِ. وإنَّما شَرَّكُوا هارُونَ في هَذا الظَّنِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ جاءَ مَعَ مُوسى ولَمْ يُباشِرِ الدَّعْوَةَ فَظَنُّوا أنَّهُ جاءَ مَعَهُ لِيَنالَ مِن سِيادَةِ أخِيهِ حَظًّا لِنَفْسِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أجِئْتَنا. وهي في قُوَّةِ النَّتِيجَةِ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ بِما مَعَها مِنَ العِلَّةِ، أيْ لَمّا تَبَيَّنَ مَقْصِدُكُما فَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ.
وتَقْدِيمُ لَكُما عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ المُخاطَبَيْنِ هُما الأهَمُّ مِن جُمْلَةِ النَّفْيِ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ في زَعْمِهِمْ كانَ لِأجَلِ مُوسى وهارُونَ إذْ تَوَهَّمُوهُما مُتَطَلِّبَيْ نَفْعٍ لِأنْفُسِهِما.
فالمُرادُ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ ذاتاهُما بِاعْتِبارِ ما انْطَوَيا عَلَيْهِ مِن قَصْدِ إبْطالِ دِينِ آباءِ القِبْطِ والِاسْتِيلاءِ عَلى سِيادَةِ بِلادِهِمْ.
وصِيغَتْ جُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يَقُولُوا وما نُؤْمِنُ لَكُما لِإفادَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ وأنَّ انْتِفاءَ إيمانُهم بِهِما مُتَقَرِّرٌ مُتَمَكِّنٌ لا طَماعِيَةَ لِأحَدٍ في ضِدِّهِ.
يونس 10:79
صفحة ٢٥٣
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.
وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.
والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ
صفحة ٢٥٤
بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.
والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.
وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ المُرادُ مِنها الِاخْتِيارُ وإظْهارُ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.
والإلْقاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ في اليَدِ إلى الأرْضِ. وإطْلاقُ الإلْقاءِ عَلى عَمَلِ السِّحْرِ لِأنَّ أكْثَرَ تَصارِيفِ السَّحَرَةِ في أعْمالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أشْياءَ إلى الأرْضِ. وقَدْ ورَدَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وأنَّها يُخَيَّلُ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، وكانَ مُنْتَهى أعْمالِ السّاحِرِ أنْ يُخَيِّلَ الجَمادَ حَيًّا.
و﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ البَدَلِيُّ، أيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وهَذا زِيادَةٌ في إظْهارِ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الحاضِرِينَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهم عَلى يَدِ رَسُولِهِ.
ولا يُشْكِلُ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِإلْقاءِ السِّحْرِ بِأنَّهُ أمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا كافِرِينَ والكافِرُ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِهِ
صفحة ٢٥٥
إظْهارُ بُطْلانِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ المُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدّى لِإبْطالِها بَعْدَ تَقْرِيرِها مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الأيْجِي في كِتابِهِ المَواقِفِ.
وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ العِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ إصْرارِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وما لَقِيَهُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اعْتِلاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وكَيْفَ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ الحُسْنى ولِمَن كَفَرُوا عاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إلّا عَلى مَقالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى سِحْرَهُمُ الدّالَّةِ عَلى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ ووَعْدِهِ، وبِأنَّ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ. وذَلِكَ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِن ذِكْرِ انْدِحاضِ سِحْرِهِمْ تِجاهَ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ ألْقَوْا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ ألْقُوا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ مَفْعُولِهِ.
ومَعْنى جِئْتُمْ بِهِ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا، فالمَجِيءُ قَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإظْهارِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُظْهِرُهُ في المَكانِ الَّذِي جاءَهُ، فالمُلازَمَةُ عُرْفِيَّةٌ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم جاءُوا مِن بِقاعٍ أُخْرى مُصاحِبِينَ لِلسِّحْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ كُلُّهم قَدْ أقْبَلُوا مِن مُدُنٍ عَدِيدَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ ما يُعَبَّرُ فِيهِ بِنَحْوِ: جاءَ بِكَذا، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَقامَ في نَحْوِ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] لا يَسْتَقِيمُ في نَحْوِ ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]
ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ بِجَعْلِ ما جِئْتُمْ مُسْنَدًا إلَيْهِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، وبِجَعْلِهِ اسْمًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِجُمْلَةِ جِئْتُمْ بِهِ ثُمَّ بَيانِهِ بِعَطْفِ البَيانِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ، وهو جُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثُمَّ مَجِيءُ ضَمِيرِ السِّحْرِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، كُلُّ ذَلِكَ إطْنابٌ وتَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِيَتَقَرَّرَ الإخْبارُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةٍ في السِّحْرِ لَهُ ويَتَمَكَّنُ في أذْهانِ السّامِعِينَ فَضْلُ تَمَكُّنٍ ويَقَعُ الرُّعْبُ في نُفُوسِهِمْ.
صفحة ٢٥٦
وقَوْلُهُ: السِّحْرُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أوَّلِهِ هي هَمْزَةُ ال، فَتَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والسَّحَرُ عَطْفُ بَيانٍ لِاسْمِ المَوْصُولِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”آلسِّحْرَ“ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ وبِالمَدِّ لِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، فَتَكُونُ (ما) في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْتِفْهامِيَّةً ويَكُونُ ”آلسِّحْرَ“ اسْتِفْهامًا مُبَيِّنًا لِـ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ. والمَعْنى: أنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ يَسْتَطِيعُهُ ناسٌ كَثِيرُونَ.
وإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خَبَرُ ما المَوْصُولَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، واسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن وافَقَهُ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ زِيادَةٌ في إلْقاءِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.
وإبْطالُهُ: إظْهارُ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ إظْهارَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما أُرِيدَ مِنهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ تَأْثِيرَهُ عَلى النّاسِ بِفَضْحِ سَرِّهِ، وأشارَتْ عَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ إلى قُرْبِ إبْطالِهِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ الخاصِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ، أوِ العامِّ بِانْدِراجِهِ تَحْتَ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي مَدْلُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ بِما فِيهِ نَفْيُ الإصْلاحِ. وتَعْرِيفُ المُفْسِدِينَ بِلامِ الجِنْسِ، مِنَ التَّعْمِيمِ في جِنْسِ الإصْلاحِ المَنفِيِّ وجِنْسِ المُفْسِدِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ سِحْرَهم هو مِن قَبِيلِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ، وإضافَةُ عَمَلَ إلى المُفْسِدِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ مَن شَأْنُهُمُ الإفْسادُ فَيَكُونُ نَسْجًا عَلى مِنوالِهِمْ وسِيرَةً عَلى مُعْتادِهِمْ، والمُرادُ بِإصْلاحِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ الَّذِي نَفاهُ أنَّهُ لا يُؤَيِّدُهُ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ تَصْيِيرِهِ صالِحًا؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإفْسادِ لا تَقْبَلُ أنْ تَصِيرَ صَلاحًا حَتّى يُنْفى تَصْيِيرُها كَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما إصْلاحُها هو إعْطاؤُها الصَّلاحَ، فَإذا نَفى اللَّهُ إصْلاحَها فَذَلِكَ بِتَرْكِها وشَأْنِها، ومِن شَأْنِ الفَسادِ أنْ يَتَضاءَلَ مَعَ الزَّمانِ حَتّى يَضْمَحِلَّ.
صفحة ٢٥٧
ولَمّا قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ إصْلاحِهِ تَسْلِيطُ أسْبابِ بُطْلانِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَبْطُلَ تَأْثِيرُهُ، وأنَّ عَدَمَ إصْلاحِ أعْمالِ أمْثالِهِمْ هو إبْطالُ أغْراضِهِمْ مِنها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أيْ يُظْهِرَ بُطْلانَهُ.
وإنَّما كانَ السَّحَرَةُ مُفْسِدِينَ لِأنَّ قَصْدَهم تَضْلِيلُ عُقُولِ النّاسِ لِيَكُونُوا مُسَخَّرِينَ لَهم ولا يَعْلَمُوا أسْبابَ الأشْياءِ فَيَبْقُوا آلَةً فِيما تَأْمُرُهُمُ السَّحَرَةُ، ولا يَهْتَدُوا إلى إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ سَبِيلًا. أمّا السَّحَرَةُ الَّذِينَ خاطَبَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإفْسادُهم أظْهَرُ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ دَعْوَةِ الحَقِّ والدِّينِ القَوِيمِ وتَرْوِيجِ الشِّرْكِ والضَّلالاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُبْطِلُهُ ويُحِقُّ الحَقَّ، أيْ يُثْبِتُ المُعْجِزَةَ.
والإحْقاقُ: التَّثْبِيتُ. ومِنهُ سُمِّيَ الحَقُّ حَقًّا لِأنَّهُ الثّابِتُ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِقَصْدِ تَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِهِمْ.
والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ.
والكَلِماتُ: مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ - تَعالى - بِالإيجادِ وهو التَّعَلُّقُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ الجارِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وهي اسْتِعارَةٌ رَشِيقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ يُشْبِهُ الكَلامَ في أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ إدْراكُ مَعْنًى ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، وعَلى عِلْمِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَةٌ، وهي تَقْتَضِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ فِيما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفُ حُكْمِ ما قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَيَكُونُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ أجْدَرَ وأوْلى بِتَحْقِيقِ الحُكْمِ السّابِقِ مَعَهُ. وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ المُجْرِمِينَ إحْقاقَ الحَقِّ غايَةً لِما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفَ الإحْقاقِ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَهم عَلى
صفحة ٢٥٨
مُعارَضَةِ الحَقِّ الَّذِي يَسُوءُهم ومُحاوَلَةِ دَحْضِهِ وهم جَماعَةٌ أقْوِياءُ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الصَّعْبُ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ خاذِلُهم.
وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ تَعْرِيضًا بِهِمْ. وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهم بِصِفَةِ الإجْرامِ بِأنْ يَقُولَ: وإنْ كَرِهْتُمْ أيُّها المُجْرِمُونَ عُدُولًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِالذَّمِّ، وُقُوفًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ قالَ لَهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَأتى بِالقَضِيَّةِ في صُورَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِن جُزْئِيّاتِها بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ. وهَذا بِخِلافِ مَقامِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ. ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُحاوِلِينَ مِنَ النَّبِيءِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم، فَكانَ في مَقامِ الإنْكارِ بِأبْلَغِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ومُوسى كانَ مُحاوِلًا فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ أنْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ بِاللِّينِ.
يونس 10:80
صفحة ٢٥٣
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.
وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.
والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ
صفحة ٢٥٤
بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.
والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.
وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ المُرادُ مِنها الِاخْتِيارُ وإظْهارُ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.
والإلْقاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ في اليَدِ إلى الأرْضِ. وإطْلاقُ الإلْقاءِ عَلى عَمَلِ السِّحْرِ لِأنَّ أكْثَرَ تَصارِيفِ السَّحَرَةِ في أعْمالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أشْياءَ إلى الأرْضِ. وقَدْ ورَدَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وأنَّها يُخَيَّلُ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، وكانَ مُنْتَهى أعْمالِ السّاحِرِ أنْ يُخَيِّلَ الجَمادَ حَيًّا.
و﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ البَدَلِيُّ، أيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وهَذا زِيادَةٌ في إظْهارِ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الحاضِرِينَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهم عَلى يَدِ رَسُولِهِ.
ولا يُشْكِلُ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِإلْقاءِ السِّحْرِ بِأنَّهُ أمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا كافِرِينَ والكافِرُ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِهِ
صفحة ٢٥٥
إظْهارُ بُطْلانِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ المُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدّى لِإبْطالِها بَعْدَ تَقْرِيرِها مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الأيْجِي في كِتابِهِ المَواقِفِ.
وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ العِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ إصْرارِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وما لَقِيَهُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اعْتِلاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وكَيْفَ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ الحُسْنى ولِمَن كَفَرُوا عاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إلّا عَلى مَقالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى سِحْرَهُمُ الدّالَّةِ عَلى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ ووَعْدِهِ، وبِأنَّ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ. وذَلِكَ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِن ذِكْرِ انْدِحاضِ سِحْرِهِمْ تِجاهَ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ ألْقَوْا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ ألْقُوا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ مَفْعُولِهِ.
ومَعْنى جِئْتُمْ بِهِ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا، فالمَجِيءُ قَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإظْهارِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُظْهِرُهُ في المَكانِ الَّذِي جاءَهُ، فالمُلازَمَةُ عُرْفِيَّةٌ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم جاءُوا مِن بِقاعٍ أُخْرى مُصاحِبِينَ لِلسِّحْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ كُلُّهم قَدْ أقْبَلُوا مِن مُدُنٍ عَدِيدَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ ما يُعَبَّرُ فِيهِ بِنَحْوِ: جاءَ بِكَذا، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَقامَ في نَحْوِ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] لا يَسْتَقِيمُ في نَحْوِ ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]
ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ بِجَعْلِ ما جِئْتُمْ مُسْنَدًا إلَيْهِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، وبِجَعْلِهِ اسْمًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِجُمْلَةِ جِئْتُمْ بِهِ ثُمَّ بَيانِهِ بِعَطْفِ البَيانِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ، وهو جُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثُمَّ مَجِيءُ ضَمِيرِ السِّحْرِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، كُلُّ ذَلِكَ إطْنابٌ وتَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِيَتَقَرَّرَ الإخْبارُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةٍ في السِّحْرِ لَهُ ويَتَمَكَّنُ في أذْهانِ السّامِعِينَ فَضْلُ تَمَكُّنٍ ويَقَعُ الرُّعْبُ في نُفُوسِهِمْ.
صفحة ٢٥٦
وقَوْلُهُ: السِّحْرُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أوَّلِهِ هي هَمْزَةُ ال، فَتَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والسَّحَرُ عَطْفُ بَيانٍ لِاسْمِ المَوْصُولِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”آلسِّحْرَ“ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ وبِالمَدِّ لِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، فَتَكُونُ (ما) في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْتِفْهامِيَّةً ويَكُونُ ”آلسِّحْرَ“ اسْتِفْهامًا مُبَيِّنًا لِـ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ. والمَعْنى: أنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ يَسْتَطِيعُهُ ناسٌ كَثِيرُونَ.
وإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خَبَرُ ما المَوْصُولَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، واسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن وافَقَهُ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ زِيادَةٌ في إلْقاءِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.
وإبْطالُهُ: إظْهارُ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ إظْهارَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما أُرِيدَ مِنهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ تَأْثِيرَهُ عَلى النّاسِ بِفَضْحِ سَرِّهِ، وأشارَتْ عَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ إلى قُرْبِ إبْطالِهِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ الخاصِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ، أوِ العامِّ بِانْدِراجِهِ تَحْتَ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي مَدْلُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ بِما فِيهِ نَفْيُ الإصْلاحِ. وتَعْرِيفُ المُفْسِدِينَ بِلامِ الجِنْسِ، مِنَ التَّعْمِيمِ في جِنْسِ الإصْلاحِ المَنفِيِّ وجِنْسِ المُفْسِدِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ سِحْرَهم هو مِن قَبِيلِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ، وإضافَةُ عَمَلَ إلى المُفْسِدِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ مَن شَأْنُهُمُ الإفْسادُ فَيَكُونُ نَسْجًا عَلى مِنوالِهِمْ وسِيرَةً عَلى مُعْتادِهِمْ، والمُرادُ بِإصْلاحِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ الَّذِي نَفاهُ أنَّهُ لا يُؤَيِّدُهُ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ تَصْيِيرِهِ صالِحًا؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإفْسادِ لا تَقْبَلُ أنْ تَصِيرَ صَلاحًا حَتّى يُنْفى تَصْيِيرُها كَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما إصْلاحُها هو إعْطاؤُها الصَّلاحَ، فَإذا نَفى اللَّهُ إصْلاحَها فَذَلِكَ بِتَرْكِها وشَأْنِها، ومِن شَأْنِ الفَسادِ أنْ يَتَضاءَلَ مَعَ الزَّمانِ حَتّى يَضْمَحِلَّ.
صفحة ٢٥٧
ولَمّا قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ إصْلاحِهِ تَسْلِيطُ أسْبابِ بُطْلانِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَبْطُلَ تَأْثِيرُهُ، وأنَّ عَدَمَ إصْلاحِ أعْمالِ أمْثالِهِمْ هو إبْطالُ أغْراضِهِمْ مِنها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أيْ يُظْهِرَ بُطْلانَهُ.
وإنَّما كانَ السَّحَرَةُ مُفْسِدِينَ لِأنَّ قَصْدَهم تَضْلِيلُ عُقُولِ النّاسِ لِيَكُونُوا مُسَخَّرِينَ لَهم ولا يَعْلَمُوا أسْبابَ الأشْياءِ فَيَبْقُوا آلَةً فِيما تَأْمُرُهُمُ السَّحَرَةُ، ولا يَهْتَدُوا إلى إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ سَبِيلًا. أمّا السَّحَرَةُ الَّذِينَ خاطَبَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإفْسادُهم أظْهَرُ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ دَعْوَةِ الحَقِّ والدِّينِ القَوِيمِ وتَرْوِيجِ الشِّرْكِ والضَّلالاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُبْطِلُهُ ويُحِقُّ الحَقَّ، أيْ يُثْبِتُ المُعْجِزَةَ.
والإحْقاقُ: التَّثْبِيتُ. ومِنهُ سُمِّيَ الحَقُّ حَقًّا لِأنَّهُ الثّابِتُ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِقَصْدِ تَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِهِمْ.
والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ.
والكَلِماتُ: مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ - تَعالى - بِالإيجادِ وهو التَّعَلُّقُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ الجارِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وهي اسْتِعارَةٌ رَشِيقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ يُشْبِهُ الكَلامَ في أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ إدْراكُ مَعْنًى ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، وعَلى عِلْمِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَةٌ، وهي تَقْتَضِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ فِيما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفُ حُكْمِ ما قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَيَكُونُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ أجْدَرَ وأوْلى بِتَحْقِيقِ الحُكْمِ السّابِقِ مَعَهُ. وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ المُجْرِمِينَ إحْقاقَ الحَقِّ غايَةً لِما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفَ الإحْقاقِ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَهم عَلى
صفحة ٢٥٨
مُعارَضَةِ الحَقِّ الَّذِي يَسُوءُهم ومُحاوَلَةِ دَحْضِهِ وهم جَماعَةٌ أقْوِياءُ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الصَّعْبُ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ خاذِلُهم.
وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ تَعْرِيضًا بِهِمْ. وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهم بِصِفَةِ الإجْرامِ بِأنْ يَقُولَ: وإنْ كَرِهْتُمْ أيُّها المُجْرِمُونَ عُدُولًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِالذَّمِّ، وُقُوفًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ قالَ لَهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَأتى بِالقَضِيَّةِ في صُورَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِن جُزْئِيّاتِها بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ. وهَذا بِخِلافِ مَقامِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ. ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُحاوِلِينَ مِنَ النَّبِيءِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم، فَكانَ في مَقامِ الإنْكارِ بِأبْلَغِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ومُوسى كانَ مُحاوِلًا فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ أنْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ بِاللِّينِ.
يونس 10:81
صفحة ٢٥٣
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.
وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.
والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ
صفحة ٢٥٤
بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.
والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.
وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ المُرادُ مِنها الِاخْتِيارُ وإظْهارُ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.
والإلْقاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ في اليَدِ إلى الأرْضِ. وإطْلاقُ الإلْقاءِ عَلى عَمَلِ السِّحْرِ لِأنَّ أكْثَرَ تَصارِيفِ السَّحَرَةِ في أعْمالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أشْياءَ إلى الأرْضِ. وقَدْ ورَدَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وأنَّها يُخَيَّلُ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، وكانَ مُنْتَهى أعْمالِ السّاحِرِ أنْ يُخَيِّلَ الجَمادَ حَيًّا.
و﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ البَدَلِيُّ، أيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وهَذا زِيادَةٌ في إظْهارِ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الحاضِرِينَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهم عَلى يَدِ رَسُولِهِ.
ولا يُشْكِلُ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِإلْقاءِ السِّحْرِ بِأنَّهُ أمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا كافِرِينَ والكافِرُ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِهِ
صفحة ٢٥٥
إظْهارُ بُطْلانِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ المُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدّى لِإبْطالِها بَعْدَ تَقْرِيرِها مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الأيْجِي في كِتابِهِ المَواقِفِ.
وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ العِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ إصْرارِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وما لَقِيَهُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اعْتِلاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وكَيْفَ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ الحُسْنى ولِمَن كَفَرُوا عاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إلّا عَلى مَقالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى سِحْرَهُمُ الدّالَّةِ عَلى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ ووَعْدِهِ، وبِأنَّ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ. وذَلِكَ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِن ذِكْرِ انْدِحاضِ سِحْرِهِمْ تِجاهَ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ ألْقَوْا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ ألْقُوا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ مَفْعُولِهِ.
ومَعْنى جِئْتُمْ بِهِ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا، فالمَجِيءُ قَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإظْهارِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُظْهِرُهُ في المَكانِ الَّذِي جاءَهُ، فالمُلازَمَةُ عُرْفِيَّةٌ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم جاءُوا مِن بِقاعٍ أُخْرى مُصاحِبِينَ لِلسِّحْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ كُلُّهم قَدْ أقْبَلُوا مِن مُدُنٍ عَدِيدَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ ما يُعَبَّرُ فِيهِ بِنَحْوِ: جاءَ بِكَذا، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَقامَ في نَحْوِ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] لا يَسْتَقِيمُ في نَحْوِ ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]
ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ بِجَعْلِ ما جِئْتُمْ مُسْنَدًا إلَيْهِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، وبِجَعْلِهِ اسْمًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِجُمْلَةِ جِئْتُمْ بِهِ ثُمَّ بَيانِهِ بِعَطْفِ البَيانِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ، وهو جُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثُمَّ مَجِيءُ ضَمِيرِ السِّحْرِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، كُلُّ ذَلِكَ إطْنابٌ وتَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِيَتَقَرَّرَ الإخْبارُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةٍ في السِّحْرِ لَهُ ويَتَمَكَّنُ في أذْهانِ السّامِعِينَ فَضْلُ تَمَكُّنٍ ويَقَعُ الرُّعْبُ في نُفُوسِهِمْ.
صفحة ٢٥٦
وقَوْلُهُ: السِّحْرُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أوَّلِهِ هي هَمْزَةُ ال، فَتَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والسَّحَرُ عَطْفُ بَيانٍ لِاسْمِ المَوْصُولِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”آلسِّحْرَ“ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ وبِالمَدِّ لِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، فَتَكُونُ (ما) في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْتِفْهامِيَّةً ويَكُونُ ”آلسِّحْرَ“ اسْتِفْهامًا مُبَيِّنًا لِـ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ. والمَعْنى: أنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ يَسْتَطِيعُهُ ناسٌ كَثِيرُونَ.
وإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خَبَرُ ما المَوْصُولَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، واسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن وافَقَهُ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ زِيادَةٌ في إلْقاءِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.
وإبْطالُهُ: إظْهارُ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ إظْهارَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما أُرِيدَ مِنهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ تَأْثِيرَهُ عَلى النّاسِ بِفَضْحِ سَرِّهِ، وأشارَتْ عَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ إلى قُرْبِ إبْطالِهِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ الخاصِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ، أوِ العامِّ بِانْدِراجِهِ تَحْتَ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي مَدْلُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ بِما فِيهِ نَفْيُ الإصْلاحِ. وتَعْرِيفُ المُفْسِدِينَ بِلامِ الجِنْسِ، مِنَ التَّعْمِيمِ في جِنْسِ الإصْلاحِ المَنفِيِّ وجِنْسِ المُفْسِدِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ سِحْرَهم هو مِن قَبِيلِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ، وإضافَةُ عَمَلَ إلى المُفْسِدِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ مَن شَأْنُهُمُ الإفْسادُ فَيَكُونُ نَسْجًا عَلى مِنوالِهِمْ وسِيرَةً عَلى مُعْتادِهِمْ، والمُرادُ بِإصْلاحِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ الَّذِي نَفاهُ أنَّهُ لا يُؤَيِّدُهُ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ تَصْيِيرِهِ صالِحًا؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإفْسادِ لا تَقْبَلُ أنْ تَصِيرَ صَلاحًا حَتّى يُنْفى تَصْيِيرُها كَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما إصْلاحُها هو إعْطاؤُها الصَّلاحَ، فَإذا نَفى اللَّهُ إصْلاحَها فَذَلِكَ بِتَرْكِها وشَأْنِها، ومِن شَأْنِ الفَسادِ أنْ يَتَضاءَلَ مَعَ الزَّمانِ حَتّى يَضْمَحِلَّ.
صفحة ٢٥٧
ولَمّا قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ إصْلاحِهِ تَسْلِيطُ أسْبابِ بُطْلانِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَبْطُلَ تَأْثِيرُهُ، وأنَّ عَدَمَ إصْلاحِ أعْمالِ أمْثالِهِمْ هو إبْطالُ أغْراضِهِمْ مِنها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أيْ يُظْهِرَ بُطْلانَهُ.
وإنَّما كانَ السَّحَرَةُ مُفْسِدِينَ لِأنَّ قَصْدَهم تَضْلِيلُ عُقُولِ النّاسِ لِيَكُونُوا مُسَخَّرِينَ لَهم ولا يَعْلَمُوا أسْبابَ الأشْياءِ فَيَبْقُوا آلَةً فِيما تَأْمُرُهُمُ السَّحَرَةُ، ولا يَهْتَدُوا إلى إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ سَبِيلًا. أمّا السَّحَرَةُ الَّذِينَ خاطَبَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإفْسادُهم أظْهَرُ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ دَعْوَةِ الحَقِّ والدِّينِ القَوِيمِ وتَرْوِيجِ الشِّرْكِ والضَّلالاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُبْطِلُهُ ويُحِقُّ الحَقَّ، أيْ يُثْبِتُ المُعْجِزَةَ.
والإحْقاقُ: التَّثْبِيتُ. ومِنهُ سُمِّيَ الحَقُّ حَقًّا لِأنَّهُ الثّابِتُ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِقَصْدِ تَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِهِمْ.
والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ.
والكَلِماتُ: مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ - تَعالى - بِالإيجادِ وهو التَّعَلُّقُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ الجارِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وهي اسْتِعارَةٌ رَشِيقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ يُشْبِهُ الكَلامَ في أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ إدْراكُ مَعْنًى ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، وعَلى عِلْمِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَةٌ، وهي تَقْتَضِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ فِيما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفُ حُكْمِ ما قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَيَكُونُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ أجْدَرَ وأوْلى بِتَحْقِيقِ الحُكْمِ السّابِقِ مَعَهُ. وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ المُجْرِمِينَ إحْقاقَ الحَقِّ غايَةً لِما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفَ الإحْقاقِ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَهم عَلى
صفحة ٢٥٨
مُعارَضَةِ الحَقِّ الَّذِي يَسُوءُهم ومُحاوَلَةِ دَحْضِهِ وهم جَماعَةٌ أقْوِياءُ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الصَّعْبُ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ خاذِلُهم.
وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ تَعْرِيضًا بِهِمْ. وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهم بِصِفَةِ الإجْرامِ بِأنْ يَقُولَ: وإنْ كَرِهْتُمْ أيُّها المُجْرِمُونَ عُدُولًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِالذَّمِّ، وُقُوفًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ قالَ لَهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَأتى بِالقَضِيَّةِ في صُورَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِن جُزْئِيّاتِها بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ. وهَذا بِخِلافِ مَقامِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ. ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُحاوِلِينَ مِنَ النَّبِيءِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم، فَكانَ في مَقامِ الإنْكارِ بِأبْلَغِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ومُوسى كانَ مُحاوِلًا فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ أنْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ بِاللِّينِ.
يونس 10:82
صفحة ٢٥٣
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.
وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.
والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ
صفحة ٢٥٤
بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.
والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.
وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.
وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ المُرادُ مِنها الِاخْتِيارُ وإظْهارُ قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.
والإلْقاءُ: رَمْيُ شَيْءٍ في اليَدِ إلى الأرْضِ. وإطْلاقُ الإلْقاءِ عَلى عَمَلِ السِّحْرِ لِأنَّ أكْثَرَ تَصارِيفِ السَّحَرَةِ في أعْمالِهِمُ السِّحْرِيَّةِ يَكُونُ بِرَمْيِ أشْياءَ إلى الأرْضِ. وقَدْ ورَدَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ أنَّهم ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم، وأنَّها يُخَيَّلُ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، وكانَ مُنْتَهى أعْمالِ السّاحِرِ أنْ يُخَيِّلَ الجَمادَ حَيًّا.
و﴿ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ البَدَلِيُّ، أيَّ شَيْءٍ تُلْقُونَهُ، وهَذا زِيادَةٌ في إظْهارِ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَبْلَغِ سِحْرِهِمْ، وتَهْيِئَةٍ لِلْمَلَأ الحاضِرِينَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُبْطِلٌ سِحْرَهم عَلى يَدِ رَسُولِهِ.
ولا يُشْكِلُ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِإلْقاءِ السِّحْرِ بِأنَّهُ أمَرَ بِمَعْصِيَةٍ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا كافِرِينَ والكافِرُ غَيْرُ مُخاطَبٍ بِالشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِهِ
صفحة ٢٥٥
إظْهارُ بُطْلانِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ تَقْرِيرِ شُبْهَةِ المُلْحِدِ مِمَّنْ يَتَصَدّى لِإبْطالِها بَعْدَ تَقْرِيرِها مِثْلُ طَرِيقَةِ عَضُدِ الدِّينِ الأيْجِي في كِتابِهِ المَواقِفِ.
وقَدْ طُوِيَ ذِكْرُ صُورَةِ سِحْرِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مِنَ العِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ إصْرارِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدَّعْوَةِ، وما لَقِيَهُ المُسْتَضْعَفُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اعْتِلاءِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْتَضْعَفِينَ مَعَهُ، وكَيْفَ كانَتْ لَهُمُ العاقِبَةُ الحُسْنى ولِمَن كَفَرُوا عاقِبَةُ السُّوءِ، لِيَكُونُوا مَثَلًا لِلْمُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجُ بِالذِّكْرِ إلّا عَلى مَقالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى سِحْرَهُمُ الدّالَّةِ عَلى يَقِينِهِ بِرَبِّهِ ووَعْدِهِ، وبِأنَّ العاقِبَةَ لِلْحَقِّ. وذَلِكَ أهَمُّ في هَذا المَقامِ مِن ذِكْرِ انْدِحاضِ سِحْرِهِمْ تِجاهَ مُعْجِزَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِأجْلِ هَذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولَ ألْقَوْا لِتَنْزِيلِ فِعْلِ ألْقُوا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ مَفْعُولِهِ.
ومَعْنى جِئْتُمْ بِهِ أظْهَرْتُمُوهُ لَنا، فالمَجِيءُ قَدِ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإظْهارِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُظْهِرُهُ في المَكانِ الَّذِي جاءَهُ، فالمُلازَمَةُ عُرْفِيَّةٌ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم جاءُوا مِن بِقاعٍ أُخْرى مُصاحِبِينَ لِلسِّحْرِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ كَثِيرٌ مِنَ السَّحَرَةِ أوْ كُلُّهم قَدْ أقْبَلُوا مِن مُدُنٍ عَدِيدَةٍ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ لا يَطَّرِدُ في كُلِّ ما يُعَبَّرُ فِيهِ بِنَحْوِ: جاءَ بِكَذا، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَقامَ في نَحْوِ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] لا يَسْتَقِيمُ في نَحْوِ ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]
ونَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ بِجَعْلِ ما جِئْتُمْ مُسْنَدًا إلَيْهِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، وبِجَعْلِهِ اسْمًا مُبْهَمًا، ثُمَّ تَفْسِيرِهِ بِجُمْلَةِ جِئْتُمْ بِهِ ثُمَّ بَيانِهِ بِعَطْفِ البَيانِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ والتَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ، وهو جُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثُمَّ مَجِيءُ ضَمِيرِ السِّحْرِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ سَيُبْطِلُهُ، كُلُّ ذَلِكَ إطْنابٌ وتَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِيَتَقَرَّرَ الإخْبارُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةٍ في السِّحْرِ لَهُ ويَتَمَكَّنُ في أذْهانِ السّامِعِينَ فَضْلُ تَمَكُّنٍ ويَقَعُ الرُّعْبُ في نُفُوسِهِمْ.
صفحة ٢٥٦
وقَوْلُهُ: السِّحْرُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةِ وصْلٍ في أوَّلِهِ هي هَمْزَةُ ال، فَتَكُونُ ما في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْمٌ مَوْصُولٌ، والسَّحَرُ عَطْفُ بَيانٍ لِاسْمِ المَوْصُولِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ ”آلسِّحْرَ“ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ في أوَّلِهِ وبِالمَدِّ لِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ، فَتَكُونُ (ما) في قَوْلِهِ: ما جِئْتُمْ بِهِ اسْتِفْهامِيَّةً ويَكُونُ ”آلسِّحْرَ“ اسْتِفْهامًا مُبَيِّنًا لِـ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ. والمَعْنى: أنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ يَسْتَطِيعُهُ ناسٌ كَثِيرُونَ.
وإنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ خَبَرُ ما المَوْصُولَةِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، واسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ومَن وافَقَهُ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ زِيادَةٌ في إلْقاءِ الرَّوْعِ في نُفُوسِهِمْ.
وإبْطالُهُ: إظْهارُ أنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ؛ لِأنَّ إظْهارَ ذَلِكَ إبْطالٌ لِما أُرِيدَ مِنهُ، أيْ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُ تَأْثِيرَهُ عَلى النّاسِ بِفَضْحِ سَرِّهِ، وأشارَتْ عَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ إلى قُرْبِ إبْطالِهِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ العِلْمُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقِ الوَحْيِ الخاصِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ، أوِ العامِّ بِانْدِراجِهِ تَحْتَ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ، وهي مَدْلُولُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، وتَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ بِما فِيهِ نَفْيُ الإصْلاحِ. وتَعْرِيفُ المُفْسِدِينَ بِلامِ الجِنْسِ، مِنَ التَّعْمِيمِ في جِنْسِ الإصْلاحِ المَنفِيِّ وجِنْسِ المُفْسِدِينَ لِيُعْلَمَ أنَّ سِحْرَهم هو مِن قَبِيلِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ، وإضافَةُ عَمَلَ إلى المُفْسِدِينَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ فِعْلُ مَن شَأْنُهُمُ الإفْسادُ فَيَكُونُ نَسْجًا عَلى مِنوالِهِمْ وسِيرَةً عَلى مُعْتادِهِمْ، والمُرادُ بِإصْلاحِ عَمَلِ المُفْسِدِينَ الَّذِي نَفاهُ أنَّهُ لا يُؤَيِّدُهُ. ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ تَصْيِيرِهِ صالِحًا؛ لِأنَّ ماهِيَّةَ الإفْسادِ لا تَقْبَلُ أنْ تَصِيرَ صَلاحًا حَتّى يُنْفى تَصْيِيرُها كَذَلِكَ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما إصْلاحُها هو إعْطاؤُها الصَّلاحَ، فَإذا نَفى اللَّهُ إصْلاحَها فَذَلِكَ بِتَرْكِها وشَأْنِها، ومِن شَأْنِ الفَسادِ أنْ يَتَضاءَلَ مَعَ الزَّمانِ حَتّى يَضْمَحِلَّ.
صفحة ٢٥٧
ولَمّا قُدِّمَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ إصْلاحِهِ تَسْلِيطُ أسْبابِ بُطْلانِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَبْطُلَ تَأْثِيرُهُ، وأنَّ عَدَمَ إصْلاحِ أعْمالِ أمْثالِهِمْ هو إبْطالُ أغْراضِهِمْ مِنها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] أيْ يُظْهِرَ بُطْلانَهُ.
وإنَّما كانَ السَّحَرَةُ مُفْسِدِينَ لِأنَّ قَصْدَهم تَضْلِيلُ عُقُولِ النّاسِ لِيَكُونُوا مُسَخَّرِينَ لَهم ولا يَعْلَمُوا أسْبابَ الأشْياءِ فَيَبْقُوا آلَةً فِيما تَأْمُرُهُمُ السَّحَرَةُ، ولا يَهْتَدُوا إلى إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ سَبِيلًا. أمّا السَّحَرَةُ الَّذِينَ خاطَبَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإفْسادُهم أظْهَرُ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ إبْطالَ دَعْوَةِ الحَقِّ والدِّينِ القَوِيمِ وتَرْوِيجِ الشِّرْكِ والضَّلالاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ سَيُبْطِلُهُ ويُحِقُّ الحَقَّ، أيْ يُثْبِتُ المُعْجِزَةَ.
والإحْقاقُ: التَّثْبِيتُ. ومِنهُ سُمِّيَ الحَقُّ حَقًّا لِأنَّهُ الثّابِتُ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ لِقَصْدِ تَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِهِمْ.
والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ.
والكَلِماتُ: مُسْتَعارَةٌ لِتَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ - تَعالى - بِالإيجادِ وهو التَّعَلُّقُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّكْوِينِ الجارِي عَلى وفْقِ إرادَتِهِ وعَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وهي اسْتِعارَةٌ رَشِيقَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ يُشْبِهُ الكَلامَ في أنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ إدْراكُ مَعْنًى ويَدُلُّ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ، وعَلى عِلْمِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَوْ وصْلِيَةٌ، وهي تَقْتَضِي أنَّ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَها غايَةٌ فِيما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفُ حُكْمِ ما قَبْلَها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَيَكُونُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ أجْدَرَ وأوْلى بِتَحْقِيقِ الحُكْمِ السّابِقِ مَعَهُ. وإنَّما كانَتْ كَراهِيَةُ المُجْرِمِينَ إحْقاقَ الحَقِّ غايَةً لِما يُظَنُّ فِيهِ تَخَلُّفَ الإحْقاقِ لِأنَّ تِلْكَ الكَراهِيَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَهم عَلى
صفحة ٢٥٨
مُعارَضَةِ الحَقِّ الَّذِي يَسُوءُهم ومُحاوَلَةِ دَحْضِهِ وهم جَماعَةٌ أقْوِياءُ يَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الصَّعْبُ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ خاذِلُهم.
وأرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما فِيهِ مِن وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ تَعْرِيضًا بِهِمْ. وإنَّما لَمْ يُخاطِبْهم بِصِفَةِ الإجْرامِ بِأنْ يَقُولَ: وإنْ كَرِهْتُمْ أيُّها المُجْرِمُونَ عُدُولًا عَنْ مُواجَهَتِهِمْ بِالذَّمِّ، وُقُوفًا عِنْدَ أمْرِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ قالَ لَهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] فَأتى بِالقَضِيَّةِ في صُورَةِ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِن جُزْئِيّاتِها بِدُونِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ. وهَذا بِخِلافِ مَقامِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤] لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ، ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ. ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُحاوِلِينَ مِنَ النَّبِيءِ أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم، فَكانَ في مَقامِ الإنْكارِ بِأبْلَغِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ومُوسى كانَ مُحاوِلًا فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ أنْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ في مَقامِ التَّرْغِيبِ بِاللِّينِ.
يونس 10:83
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحاوَرَةِ، أيْ فَتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُوسى لِأنَّ حَصْرَ المُؤْمِنِينَ في ذُرِّيَّةٍ مِن قَوْمِ مُوسى يُفِيدُ أنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المَقْصُودُ، فَكانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ في هَذا المَقامِ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ تَصْمِيمٌ عَلى الإعْراضِ.
وقَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ المُحاوَرَةِ وبَيْنَ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الإعْراضِ، وهو إلْقاءُ مُوسى عَصاهُ والتِقامُها ما ألْقَوْهُ مِن سِحْرِهِمْ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ ذَلِكَ إذِ
صفحة ٢٥٩
المَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى أنَّهم صَمَّمُوا عَلى الإعْراضِ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ تَمْثِيلِ أعْمالِهِمْ بِحالِ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.
وفِعْلُ آمَنَ أصْلُهُ (أأْمَنَ) بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما أصْلِيَّةٌ في الكَلِمَةِ لِأنَّ الكَلِمَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأمانَةِ، والثّانِيَةُ هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهُ ذا أمانَةٍ، أيْ غَيْرَ كاذِبٍ فَصارَ فِعْلُ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ، وحَقُّهُ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ولَكِنْ عُدِّيَ بِاللّامِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ مِنَ الأمانَةِ وبَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى جَعَلَهُ في أمْنٍ، أيْ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنهُ.
وهَذِهِ اللّامُ سَمّاها ابْنُ مالِكٍ لامَ التَّبْيِينِ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ، وهي تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، ويُؤَكِّدُ قَصْدَ التَّقْوِيَةِ في مِثْلِ فِعْلِ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ دَفْعَ أنْ يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ آمَنَهُ إذا جَعَلَهُ في أمْنٍ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
وقَدْ يُعَدّى بِالباءِ لِتُضَمُّنِهِ مَعْنى صَدَّقَ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]
والذُّرِّيَّةُ: الأبْناءُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
أيْ فَما آمَنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى إلّا أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَبْلُغْ دَعْوَتُهُ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ.
وعَلى في قَوْلِهِ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ﴾ بِمَعْنى مَعَ مِثْلُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيْ آمَنُوا مَعَ خَوْفِهِمْ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذُرِّيَّةِ، أيْ في حالِ خَوْفِهِمِ المُتَمَكِّنِ مِنهم.
وهَذا ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا ولَمْ يَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ خَوْفُهم مِن فِرْعَوْنَ.
والمَعْنى: أنَّهم آمَنُوا عِنْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، أيْ أعْلَنُوا الإيمانَ بِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ لِأنَّ الإيمانَ لا يُعَرَفُ إلّا بِإظْهارِهِ ولا فائِدَةَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ الإظْهارُ. أيْ مِنَ الحاضِرِينَ
صفحة ٢٦٠
فِي ذَلِكَ المَشْهَدِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ عادَةَ هَذِهِ المَجامِعِ أنْ يَغْشاها الشَّبابُ واليافِعُونَ فَعَبَّرَ عَنْهم بِالذُّرِّيَّةِ أيِ الأبْناءِ، كَما يُقالُ: الغِلْمانُ، فَيَكُونُونَ قَدْ آمَنُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكُلُّ هَذا لا يَقْتَضِي أنَّ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ كَفَرُوا بِهِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدِ ابْتَدَأ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ مُبادَرَةً لِامْتِثالِ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ ابْتِداءً هو دَعْوَةُ فِرْعَوْنَ وتَخْلِيصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ.
والمَلَأُ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ القِصَّةِ، وأُضِيفَ المَلَأُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ وهو عائِدٌ إلى الذُّرِّيَّةِ، أيْ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ وعَلى خَوْفٍ مِن قَوْمِهِمْ، وهم بَقِيَّةُ القَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوا ذَلِكَ المَشْهَدَ خَشْيَةَ أنْ يَغْضَبُوا عَلَيْهِمْ ويُؤْذُوهم لِإيمانِهِمْ بِمُوسى لِما يَتَوَقَّعُونَ مِن مُؤاخَذَةِ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ جَمِيعَ قَبِيلَتِهِمْ عَلى عادَةِ الجَبابِرَةِ في أخْذِ القَبِيلَةِ بِفَعْلَةٍ مِن بَعْضِ رِجالِها.
والفَتْنُ إدْخالُ الرَّوْعِ والِاضْطِرابِ عَلى العَقْلِ بِسَبَبِ تَسْلِيطِ ما لا تَسْتَطِيعُ النَّفْسُ تَحَمُّلَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ﴾ وهي تُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِخَوْفِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ، أيْ أنَّهم مُحِقُّونَ في خَوْفِهِمُ الشَّدِيدِ، فَبَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا في حالِ شِدَّةِ الخَوْفِ زادَ فَبَيَّنَ أنَّهم أحِقّاءُ بِالخَوْفِ، وفي هَذا زِيادَةُ ثَناءٍ عَلى قُوَّةِ إيمانِهِمْ إذْ آمَنُوا في حالِ خَوْفِهِمْ مِنَ المَلِكِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى أذاهم، ومِن مَلَئِهِمْ، أيْ قَوْمِهِمْ، وهو خَوْفٌ شَدِيدٌ؛ لِأنَّ آثارَهُ تَتَطَرَّقُ المَرْءُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ حَتّى في خَلْوَتِهِ وخُوَيِّصَّتِهِ لِشِدَّةِ مُلابَسَةِ قَوْمِهِ إيّاهُ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ مَفَرًّا مِنهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِبَيانِ اتِّساعِ مَقْدِرَةِ فِرْعَوْنَ بَيانِ تَجاوُزِهِ الحَدَّ في الجَوْرِ، ومَن هَذِهِ حالَتُهُ لا يَزَعُهُ عَنْ إلْحاقِ الضُّرِّ بِأضْدادِهِ وازِعٌ.
صفحة ٢٦١
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ بَطْشِ فِرْعَوْنَ.
والعُلُوُّ: مُسْتَعارٌ لِلْغَلَبَةِ والِاسْتِبْدادِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]
والإسْرافُ: تَجاوُزُ حَدِّ الِاعْتِدالِ المَعْرُوفِ في فِعْلٍ، فَهو تَجاوُزٌ مَذْمُومٌ، وأشْهَرُ مَوارِدِهِ في الإنْفاقِ، ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ الإفْراطِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ إسْرافًا فِيما عُرِفَ بِهِ مُلُوكُ زَمانِهِمْ مِنَ الصِّفاتِ المَكْرُوهَةِ عِنْدَ النّاسِ المُلازِمَةِ لِلْمُلُوكِ في العادَةِ.
وقَوْلُهُ: مِنَ المُسْرِفِينَ أبْلَغُ في وصْفِهِ بِالإسْرافِ مِن أنْ يُقالَ: وإنَّهُ لَمُسْرِفٌ لِما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في الأنْعامِ.
يونس 10:84
﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.
صفحة ٢٦٢
وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]
فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.
والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.
وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ جُسْمانِيٌّ، وهُما مُتَلازِمانِ في الِاعْتِدادِ بِهِما في اتِّباعِ الدِّينِ إذْ لا يُعْلَمُ حُصُولُ تَصْدِيقِ القَلْبِ إلّا بِالقَوْلِ والطّاعَةِ، وإذْ لا يَكُونُ القَوْلُ حَقًّا إلّا إذا وافَقَ ما في
صفحة ٢٦٣
النَّفْسِ، قالَ - تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ في الصَّحِيحَيْنِ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتَوَكَّلُوا كانُوا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، ولا أنَّهم إنْ تَوَكَّلُوا كانُوا مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ التَّدَيُّنُ بِالدِّينِ. ومِن ثَمَّ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما. أيْ يُقَدَّرُ لِلشَّرْطِ الثّانِي جَوابٌ مُماثِلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ. هَذا هو مَحْمَلُ الآيَةِ وما حاوَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ الكَلامِ.
وقَدْ كانَ صادِقُ إيمانِهِمْ مَعَ نُورِ الأمْرِ النَّبَوِيِّ الَّذِي واجَهَهم بِهِ نَبِيُّهم مُسْرِعًا بِهِمْ إلى التَّجَرُّدِ عَنِ التَّخَوُّفِ والمُصانَعَةِ، وإلى عَقْدِ العَزْمِ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَلِذَلِكَ بادَرُوا بِجَوابِهِ بِكَلِمَةٍ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ القَصْرِ المُقْتَضِي تَجَرُّدَهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وأُشِيرَ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِأنْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى مَقالَةِ مُوسى بِفاءِ التَّعْقِيبِ خِلافًا لِلْأُسْلُوبِ الغالِبِ في حِكايَةِ جُمَلِ الأقْوالِ الجارِيَةِ في المُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.
ثُمَّ ذَيَّلُوا كَلِمَتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ بِسُؤالِهِمْ مِنهُ أنْ يَقِيَهم ضُرَّ فِرْعَوْنَ، ناظِرِينَ في ذَلِكَ إلى مَصْلَحَةِ الدِّينِ قَبْلَ مَصْلَحَتِهِمْ لِأنَّهم إنْ تَمَكَّنَ الكَفَرَةُ مِن إهْلاكِهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أنْصارِ الكُفّارِ فَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ما أصابَهم فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ عامَّةُ الكَفَرَةِ ويَظُنُّونَ أنَّ دِينَهُمُ الحَقُّ.
والفِتْنَةُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا. وسَمَّوْا ذَلِكَ فِتْنَةً لِأنَّها تَزِيدُ النّاسَ تَوَغُّلًا في الكُفْرِ، والكُفْرُ فِتْنَةٌ.
والفِتْنَةُ مَصْدَرٌ. فَمَعْنى سُؤالِهِمْ أنْ لا يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ فِتْنَةً هو أنْ لا يَجْعَلَهم سَبَبَ فِتْنَةٍ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَجْعَلْنا إلى ضَمِيرِهِمُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِ - ”فِتْنَةً“ تَعْدِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ
صفحة ٢٦٤
العَقْلِيِّ، ولَيْسَ الخَبَرُ بِفِتْنَةٍ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ إذْ لا يَفْرِضُونَ أنْ يَكُونُوا فاتِنِينَ ولا يَسْمَحُ المَقامُ بِأنَّهم أرادُوا لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ.
ووَصَفُوا الكُفّارَ بِـ الظّالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِأنْواعِ الظُّلْمِ: ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وظُلْمِ الخَلائِقِ، ثُمَّ سَألُوا ما فِيهِ صَلاحُهم فَطَلَبُوا النَّجاةَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ، أيْ مِن بَطْشِهِمْ وإضْرارِهِمْ.
وزِيادَةُ (بِرَحْمَتِكَ) لِلتَّبَرُّؤِ مِنَ الإدْلالِ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ المِنَّةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]
وذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ لِلْوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في أواسِطِ البَقَرَةِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
يونس 10:85
﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.
صفحة ٢٦٢
وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]
فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.
والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.
وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ جُسْمانِيٌّ، وهُما مُتَلازِمانِ في الِاعْتِدادِ بِهِما في اتِّباعِ الدِّينِ إذْ لا يُعْلَمُ حُصُولُ تَصْدِيقِ القَلْبِ إلّا بِالقَوْلِ والطّاعَةِ، وإذْ لا يَكُونُ القَوْلُ حَقًّا إلّا إذا وافَقَ ما في
صفحة ٢٦٣
النَّفْسِ، قالَ - تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ في الصَّحِيحَيْنِ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتَوَكَّلُوا كانُوا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، ولا أنَّهم إنْ تَوَكَّلُوا كانُوا مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ التَّدَيُّنُ بِالدِّينِ. ومِن ثَمَّ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما. أيْ يُقَدَّرُ لِلشَّرْطِ الثّانِي جَوابٌ مُماثِلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ. هَذا هو مَحْمَلُ الآيَةِ وما حاوَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ الكَلامِ.
وقَدْ كانَ صادِقُ إيمانِهِمْ مَعَ نُورِ الأمْرِ النَّبَوِيِّ الَّذِي واجَهَهم بِهِ نَبِيُّهم مُسْرِعًا بِهِمْ إلى التَّجَرُّدِ عَنِ التَّخَوُّفِ والمُصانَعَةِ، وإلى عَقْدِ العَزْمِ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَلِذَلِكَ بادَرُوا بِجَوابِهِ بِكَلِمَةٍ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ القَصْرِ المُقْتَضِي تَجَرُّدَهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وأُشِيرَ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِأنْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى مَقالَةِ مُوسى بِفاءِ التَّعْقِيبِ خِلافًا لِلْأُسْلُوبِ الغالِبِ في حِكايَةِ جُمَلِ الأقْوالِ الجارِيَةِ في المُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.
ثُمَّ ذَيَّلُوا كَلِمَتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ بِسُؤالِهِمْ مِنهُ أنْ يَقِيَهم ضُرَّ فِرْعَوْنَ، ناظِرِينَ في ذَلِكَ إلى مَصْلَحَةِ الدِّينِ قَبْلَ مَصْلَحَتِهِمْ لِأنَّهم إنْ تَمَكَّنَ الكَفَرَةُ مِن إهْلاكِهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أنْصارِ الكُفّارِ فَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ما أصابَهم فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ عامَّةُ الكَفَرَةِ ويَظُنُّونَ أنَّ دِينَهُمُ الحَقُّ.
والفِتْنَةُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا. وسَمَّوْا ذَلِكَ فِتْنَةً لِأنَّها تَزِيدُ النّاسَ تَوَغُّلًا في الكُفْرِ، والكُفْرُ فِتْنَةٌ.
والفِتْنَةُ مَصْدَرٌ. فَمَعْنى سُؤالِهِمْ أنْ لا يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ فِتْنَةً هو أنْ لا يَجْعَلَهم سَبَبَ فِتْنَةٍ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَجْعَلْنا إلى ضَمِيرِهِمُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِ - ”فِتْنَةً“ تَعْدِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ
صفحة ٢٦٤
العَقْلِيِّ، ولَيْسَ الخَبَرُ بِفِتْنَةٍ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ إذْ لا يَفْرِضُونَ أنْ يَكُونُوا فاتِنِينَ ولا يَسْمَحُ المَقامُ بِأنَّهم أرادُوا لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ.
ووَصَفُوا الكُفّارَ بِـ الظّالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِأنْواعِ الظُّلْمِ: ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وظُلْمِ الخَلائِقِ، ثُمَّ سَألُوا ما فِيهِ صَلاحُهم فَطَلَبُوا النَّجاةَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ، أيْ مِن بَطْشِهِمْ وإضْرارِهِمْ.
وزِيادَةُ (بِرَحْمَتِكَ) لِلتَّبَرُّؤِ مِنَ الإدْلالِ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ المِنَّةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]
وذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ لِلْوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في أواسِطِ البَقَرَةِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
يونس 10:86
﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.
صفحة ٢٦٢
وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]
فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.
والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.
وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ جُسْمانِيٌّ، وهُما مُتَلازِمانِ في الِاعْتِدادِ بِهِما في اتِّباعِ الدِّينِ إذْ لا يُعْلَمُ حُصُولُ تَصْدِيقِ القَلْبِ إلّا بِالقَوْلِ والطّاعَةِ، وإذْ لا يَكُونُ القَوْلُ حَقًّا إلّا إذا وافَقَ ما في
صفحة ٢٦٣
النَّفْسِ، قالَ - تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] . وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ في الصَّحِيحَيْنِ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتَوَكَّلُوا كانُوا مُؤْمِنِينَ غَيْرَ مُسْلِمِينَ، ولا أنَّهم إنْ تَوَكَّلُوا كانُوا مُسْلِمِينَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ التَّدَيُّنُ بِالدِّينِ. ومِن ثَمَّ كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ جَوابًا لِلشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما. أيْ يُقَدَّرُ لِلشَّرْطِ الثّانِي جَوابٌ مُماثِلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ الأوَّلِ. هَذا هو مَحْمَلُ الآيَةِ وما حاوَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ خُرُوجٌ عَنْ مَهْيَعِ الكَلامِ.
وقَدْ كانَ صادِقُ إيمانِهِمْ مَعَ نُورِ الأمْرِ النَّبَوِيِّ الَّذِي واجَهَهم بِهِ نَبِيُّهم مُسْرِعًا بِهِمْ إلى التَّجَرُّدِ عَنِ التَّخَوُّفِ والمُصانَعَةِ، وإلى عَقْدِ العَزْمِ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، فَلِذَلِكَ بادَرُوا بِجَوابِهِ بِكَلِمَةٍ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ القَصْرِ المُقْتَضِي تَجَرُّدَهم عَنِ التَّوَكُّلِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وأُشِيرَ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِأنْ عُطِفَتْ جُمْلَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَلى مَقالَةِ مُوسى بِفاءِ التَّعْقِيبِ خِلافًا لِلْأُسْلُوبِ الغالِبِ في حِكايَةِ جُمَلِ الأقْوالِ الجارِيَةِ في المُحاوَراتِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ.
ثُمَّ ذَيَّلُوا كَلِمَتَهم بِالتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ بِسُؤالِهِمْ مِنهُ أنْ يَقِيَهم ضُرَّ فِرْعَوْنَ، ناظِرِينَ في ذَلِكَ إلى مَصْلَحَةِ الدِّينِ قَبْلَ مَصْلَحَتِهِمْ لِأنَّهم إنْ تَمَكَّنَ الكَفَرَةُ مِن إهْلاكِهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أنْصارِ الكُفّارِ فَيَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أصابَهم ما أصابَهم فَيَفْتَتِنُ بِذَلِكَ عامَّةُ الكَفَرَةِ ويَظُنُّونَ أنَّ دِينَهُمُ الحَقُّ.
والفِتْنَةُ: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا. وسَمَّوْا ذَلِكَ فِتْنَةً لِأنَّها تَزِيدُ النّاسَ تَوَغُّلًا في الكُفْرِ، والكُفْرُ فِتْنَةٌ.
والفِتْنَةُ مَصْدَرٌ. فَمَعْنى سُؤالِهِمْ أنْ لا يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ فِتْنَةً هو أنْ لا يَجْعَلَهم سَبَبَ فِتْنَةٍ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَجْعَلْنا إلى ضَمِيرِهِمُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِ - ”فِتْنَةً“ تَعْدِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ
صفحة ٢٦٤
العَقْلِيِّ، ولَيْسَ الخَبَرُ بِفِتْنَةٍ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ إذْ لا يَفْرِضُونَ أنْ يَكُونُوا فاتِنِينَ ولا يَسْمَحُ المَقامُ بِأنَّهم أرادُوا لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ.
ووَصَفُوا الكُفّارَ بِـ الظّالِمِينَ لِأنَّ الشِّرْكَ ظُلْمٌ، ولِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِأنْواعِ الظُّلْمِ: ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ، وظُلْمِ الخَلائِقِ، ثُمَّ سَألُوا ما فِيهِ صَلاحُهم فَطَلَبُوا النَّجاةَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ، أيْ مِن بَطْشِهِمْ وإضْرارِهِمْ.
وزِيادَةُ (بِرَحْمَتِكَ) لِلتَّبَرُّؤِ مِنَ الإدْلالِ بِإيمانِهِمْ لِأنَّ المِنَّةَ لِلَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]
وذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ لِلْوَجْهِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ في أواسِطِ البَقَرَةِ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
يونس 10:87
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بِيُوتًا واجْعَلُوا بِيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٨٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، أيْ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَصَصَهِ هي حِكايَةُ أطْوارٍ لِقِصَّةِ مُوسى وقَوْمِهِ.
ووَقَعَ الوَحْيُ بِهَذا الأمْرِ إلى مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الرّاجِعَةِ إلى تَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ، فَيُمْكِنُ الِاشْتِراكُ فِيها بَيْنَ الرَّسُولِ ومُؤازِرِهِ.
والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ يَسْكُنُهُ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، كَأنَّ صاحِبَ المَسْكَنِ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الرُّجُوعَ إلى مَحَلِّ سَكَنِهِ ولَوْ كانَ تَباعَدَ عَنْهُ في شُئُونِ اكْتِسابِهِ بِالسَّيْرِ إلى السُّوقِ أوِ الصَّيْدِ أوِ الِاحْتِطابِ أوْ قَطْفِ الثِّمارِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ
صفحة ٢٦٥
عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] في آلِ عِمْرانَ. فَمَعْنى ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما﴾ اجْعَلا قَوْمَكُما مُتَبَوِّئِينَ بُيُوتًا.
وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ في الأصْلِ هو السّاكِنُ بِالمَباءَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ هُنا إلى ضَمِيرِ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، إذْ كانا سَبَبَ تَبَوُّءِ قَوْمِهِما لِلْبُيُوتِ. والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمِكُما﴾ إذْ جَعَلَ التَّبَوُّؤَ لِأجْلِ القَوْمِ.
ومَعْنى تَبَوُّءِ البُيُوتِ لِقَوْمِهِما أنْ يَأْمُرا قَوْمَهُما بِاتِّخاذِ البُيُوتِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَأْمُرانِهِمْ بِهِ. وإذْ قَدْ كانَلِبَنِي إسْرائِيلَ دِيارٌ في مِصْرَ مِن قَبْلُ، إذْ لا يَكُونُونَ قاطِنِينَ مِصْرَ بِدُونِ مَساكِنَ، وقَدْ كانُوا ساكِنِينَ أرْضَ (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ (مَنفِيسَ) قاعِدَةِ المَمْلَكَةِ يَوْمَئِذٍ في جَنُوبِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ، كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، لا جَرَمَ أنْ تَكُونَ البُيُوتُ المَأْمُورُ بِتَبَوُّئِها غَيْرَ البُيُوتِ الَّتِي كانُوا ساكِنِيها.
واضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ وذَكَرُوا رِواياتٍ غَيْرَ مُلائِمَةٍ لِحالَةِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالبُيُوتِ بُيُوتُ العِبادَةِ أيْ مَساجِدُ يُصَلُّونَ فِيها، ورُبَّما حَمَلَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مَن تَأوَّلَهُ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَقِبَهُ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مُفارِقُونَ مِصْرَ قَرِيبًا بِإذْنِهِ. وقِيلَ: البُيُوتُ بُيُوتُ السُّكْنى وأمْسَكُوا عَنِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ. وهَذا القَوْلُ هو المُناسِبُ لِلتَّبَوُّءِ لِأنَّ التَّبَوُّءَ السُّكْنى، والمُناسِبُ أيْضًا لِإطْلاقِ البُيُوتِ، وكَوْنِها بِمِصْرَ.
فالَّذِي يَظْهَرُ بِناءً عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ البُيُوتَ خِيامٌ أوْ أخْصاصٌ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِاتِّخاذِها تَهْيِئَةً لِلِارْتِحالِ وهي غَيْرُ دِيارِهِمُ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها في (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ ما يَشْهَدُ بِهَذا التَّأْوِيلِ في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى البادِيَةِ لِيَعْمَلُوا عِيدَ الفِصْحِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما سَألَهُ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ، وأنَّ مُوسى كَرَّرَ طَلَبَ ذَلِكَ مِن فِرْعَوْنَ كُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ كَما في الفَصْلِ السّابِعِ والفَصْلِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ، وقَدْ صارَ لَهم ذَلِكَ عِيدًا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ.
صفحة ٢٦٦
وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ أيْ هَذِهِ الخِيامَ أوِ الأخْصاصَ الَّتِي تَتَّخِذُونَها تَجْعَلُونَها مَفْتُوحَةً إلى القِبْلَةِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقِبْلَةُ: اسْمٌ في العَرَبِيَّةِ لِجِهَةِ الكَعْبَةِ. وتِلْكَ الجِهَةُ هي ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِأنَّ قِبْلَةَ بِلادِ مِصْرَ كَقِبْلَةِ المَدِينَةِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وهي الجَنُوبُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ عَنْ تِلْكَ الجِهَةِ بِالقِبْلَةِ في الآيَةِ حِكايَةً لِتَعْبِيرِ مُوسى عَنْها بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى التَّوَجُّهِ إلى الجِهَةِ الَّتِي يُصَلُّونَ إلَيْها، وهي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، فَيَكُونُ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ جارِيًا عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ بِالِاسْتِقْبالِ إلى صَخْرَةِ القُدْسِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوسى قَدْ عَبَّرَ بِما يُفِيدُ مَعْنى الجَنُوبِ فَحُكِيَتْ عِبارَتُهُ في القُرْآنِ بِاللَّفْظِ المُرادِفِ لَهُ الشّائِعِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الجَنُوبِ عِنْدَ العَرَبِ وهو كَلِمَةُ قِبْلَةٍ.
والحِكْمَةُ في جَعْلِ البُيُوتِ إلى القِبْلَةِ أنَّ الشَّمْسَ تَدْخُلُها مِن أبْوابِها في غالِبِ أوْقاتِ النَّهارِ في جَمِيعِ الفُصُولِ وفي ذَلِكَ مَنافِعُ كَثِيرَةٌ.
والَّذِينَ فَسَّرُوا البُيُوتَ بِأنَّها بُيُوتُ السُّكْنى فَسَّرُوا قِبْلَةً: إمّا بِمَعْنى مُتَقابِلَةً، وإمّا بِمَعْنى اجْعَلُوا بُيُوتَكم مَحَلَّ صَلاتِكم، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ بَعِيدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ.
وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوا البُيُوتَ بِالمَساجِدِ فَقَدْ فَسَّرُوا القِبْلَةَ بِأنَّها قِبْلَةُ الصَّلاةِ، أيْ جِهَةُ الكَعْبَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسى.
وعَنِ الحَسَنِ: كانَتِ الكَعْبَةُ قِبْلَةَ كُلِّ الأنْبِياءِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُلائِمُ تَرْكِيبَ ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾ لِأنَّ التَّرْكِيبَ اقْتَضى أنَّ المَجْعُولَ قِبْلَةً هو البُيُوتُ أنْفُسُها لا أنْ تُجْعَلَ الصَّلاةُ فِيها إلى جِهَةِ القِبْلَةِ فَإذا افْتَقَدْنا التَّأْوِيلاتِ كُلَّها لا نَجِدُها إلّا مُفَكَّكَةً مُتَعَسِّفَةً خَلا التَّفْسِيرِ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ.
وأُسْنِدَ فِعْلُ اجْعَلُوا إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مِن عَمَلِ مُوسى وأخِيهِ وقَوْمِهِما إذْ كُلُّ أحَدٍ مُكَلَّفٌ بِأنْ يَجْعَلَ بَيْتَهُ قِبْلَةً.
صفحة ٢٦٧
وأمَرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، أيِ الَّتِي فَرَضَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى، والَّتِي كانُوا يُصَلُّونَها مِن قَبْلِ مَجِيءِ مُوسى اتِّباعًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأبْنائِهِ. والظّاهِرُ أنَّ الدّاعِيَ إلى أمْرِهِمْ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أنَّ اتِّخاذَ البُيُوتِ كانَ في حالَةِ رَحِيلٍ فَكانَتْ حالَتُهم مَظِنَّةَ الشُّغُلِ عَنْ إقامَةِ الصَّلَواتِ فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالمُحافَظَةِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ في مُدَّةِ رِحْلَتِهِمْ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى ما قَبْلَها يُؤْذِنُ بِأنَّ ما أُمِرُوا بِهِ مِنِ اتِّخاذِ البُيُوتِ أمْرٌ بِحالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِتَرَقُّبِ أخْطارٍ وتَخَوُّفٍ فَإنَّهم قالُوا ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ [يونس: ٨٥] فَأمَرَ مُوسى أنْ يُبَشِّرَهم بِحُسْنِ العاقِبَةِ، وأنَّهم مَنصُورُونَ عَلى عَدُوِّهِمْ وناجُونَ مِنهُ، والمُؤْمِنُونَ هم قَوْمُ مُوسى الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [يونس: ٨٥]
يونس 10:88
﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾
عَطَفَ بَقِيَّةَ ما جَرى في القِصَّةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ. وهَذا مُقَدِّمَةٌ لِخَبَرِ خُرُوجِ مُوسى ومَن مَعَهُ مِن أرْضِ مِصْرَ. فَهَذِهِ المُقَدِّمَةُ لِتَعْرِيفِ كَرامَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى رَبِّهِ بِأنِ اسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، وأنْفَذَ بِرِسالَتِهِ مُرادَهُ - تَعالى - مِن إنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الِاسْتِعْبادِ.ومَهَّدَ مُوسى لِدُعائِهِ تَمْهِيدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سَألَهُ مِنَ اللَّهِ لِزَجْرِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّما هو لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ لا لِلِانْتِقامِ مِنهُ لِقَوْمِهِ ولِنَفْسِهِ، فَسَألَ اللَّهَ سَلْبَ النِّعْمَةِ عَنْ
صفحة ٢٦٨
فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وحُلُولَ العَذابِ بِهِمْ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَذْلِيلِ تَجَبُّرِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ ويَسْهُلَ قَبُولُهُمُ الإيمانَ. .
ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ مُغْرِيَةً بِالطُّغْيانِ لِأهْلِ الجَهالَةِ والخَباثَةِ جَعَلَ مُوسى إمْدادَ فِرْعَوْنَ بِالنِّعْمَةِ مُغْرِيًا لِفِرْعَوْنَ بِالِاسْتِرْسالِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ فَكانَ دُعاءُ مُوسى عَلَيْهِمُ اسْتِصْلاحًا لَهم وتَطَلُّبًا لِإيمانِهِمْ بِوَسائِلِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن قُلُوبِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى وقَضى عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.
وافْتُتِحَ الدُّعاءُ بِالنِّداءِ لِمُناسَبَتِهِ لِمَقامِ الدُّعاءِ. ونُودِيَ اللَّهُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَذَلُّلًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ تَوْطِئَةٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ حَقِيقَةَ الإخْبارِ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى يُوقِنُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْهِيدِ لِطَلَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . ثُمَّ الِانْتِقالِ إلى الدُّعاءِ بِسَلْبِ ما أُوتُوهُ.
فاقْتِرانُ الخَبَرِ بِحَرْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمامُ بِهَذا المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ دَفْعِ تَرَدُّدٍ أوْ دَفْعِ إنْكارٍ.
وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في مَحَلِّ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . والَّذِي سَلَكَهُ أهْلُ التَّدْقِيقِ مِنهم أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ نُحاةِ البَصْرَةِ: الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ، وأصْحابِهِما، عَلى نَحْوِ اللّامِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فاللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلتَّعْلِيلِ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ والتَّعْقِيبِ المَوْضُوعِ لَهُ فاءُ التَّعْقِيبِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ فَشَبَّهَ تَرَتُّبَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ عِلَّةً فِيهِ بِتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّرَتُّبِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَن ظَهَرَ عِنْدَهُ أثَرُهُ، فالمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا فَضَّلُوا بِذَلِكَ وأضَلُّوا.
ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ خَمْسَةٌ أُخْرى:
صفحة ٢٦٩
أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ المَعْنى: إنَّكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم، ونُسِبَ إلى الفَرّاءِ، وفَسَّرَ بِهِ الطَّبَرَيُّ.
الثّانِي: أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ حَرْفٍ، والتَّقْدِيرُ: لِئَلّا يَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ أيْ فَضَلُّوا. حَكاهُ الفَخْرُ.
الثّالِثُ: أنَّ اللّامَ لامُ الدُّعاءِ. رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. واقْتُصِرَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ. وقالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وهو أبْعَدُ الوُجُوهِ وأثْقَلُها.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ عَلى حَذْفِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: ألِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ آتَيْناهم زِينَةً وأمْوالًا تَقْرِيرًا لِلشُّنْعَةِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، قالَهُ الفَخْرُ.
الخامِسُ: تَأْوِيلُ مَعْنى الضَّلالِ بِأنَّهُ الهَلاكُ، قالَهُ الفَخْرُ. وهي وُجُوهٌ ضَعِيفَةٌ مُتَفاوِتَةُ الضَّعْفِ فَلا نُطِيلُ بِتَقْرِيرِها.
والزِّينَةُ: ما يَتَزَيَّنُ بِهِ النّاسُ، وما يَحْسُنُ في أنْظارِهِمْ مِن طَرائِفِ الدُّنْيا، كالحُلِيِّ والجَواهِرِ والمَبانِي الضَّخْمَةِ. قالَ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ [آل عمران: ١٤] وقالَ ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقالَ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]
والأمْوالُ: ما بِهِ قِوامُ المَعاشِ، فالزِّينَةُ تُلْهِيهِمْ عَنِ اتِّباعِ المَواعِظِ، وتُعَظِّمُ شَأْنَهم في أنْظارِ قَوْمِهِمْ، والأمْوالُ يُسَخِّرُونَ بِها الرَّعِيَّةَ لِطاعَتِهِمْ، وقَدْ كانَ لِلْفَراعِنَةِ مِن سَعَةِ الرِّزْقِ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ ما سارَ ذِكْرُهُ في الآفاقِ. وظَهَرَتْ مُثُلٌ مِنهُ في أهْرامِهِمْ ونَواوِيسِهِمْ.
وأُعِيدَ النِّداءُ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُعَلَّلَةِ والجُمْلَةِ المُعَلِّلَةِ لِتَأْكِيدِ التَّذَلُّلِ والتَّعَرُّضِ لِلْإجابَةِ ولِإظْهارِ التَّبَرُّؤِ مِن قَصْدِ الِاعْتِراضِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ لِيَضِلُّوا بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ عَلى مَعْنى سَعْيِهِمْ في تَضْلِيلِ النّاسِ.
صفحة ٢٧٠
والمَعْنى الحاصِلُ مِنَ القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدٌ لِأنَّهم إذا ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وهم قادَةُ قَوْمِهِمْ كانَ ضَلالُهم تَضْلِيلًا لِغَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ إذا أضَلُّوا النّاسَ فَإنَّهم ما أضَلُّوهم إلّا وهم ضالُّونَ مِثْلُهم. وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ الزِّينَةَ سَبَبُ ضَلالِهِمْ والأمْوالَ سَبَبُ إضْلالِ النّاسِ.
وأُعِيدَ النِّداءُ ثالِثَ مَرَّةٍ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّوَجُّهِ والتَّضَرُّعِ.
وجُمْلَةُ ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ، والنِّداءُ يَقُومُ مَقامَ وصْلِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها بِمَنزِلَةِ حَرْفِ العَطْفِ.
والطَّمْسُ: المَحْوُ والإزالَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [النساء: ٤٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ، ويُعَدّى بِحَرْفِ عَلى كَما هُنا. وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] في سُورَةِ يس.
ولَعَلَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ عَلى لِإرادَةِ تَمَكُّنِ الفِعْلِ مِنَ المَفْعُولِ، أوْ لِتَضْمِينِ الطَّمْسِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ بِآلَةِ المَحْوِ والإزالَةِ، فَطَمْسُ الأمْوالِ إتْلافُها وإهْلاكُها.
وأمّا قَوْلُهُ: واشْدُدْ فَأحْسَبُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّدِّ، وهو العُسْرُ. ومِنهُ الشِّدَّةُ لِلْمُصِيبَةِ والتَّحَرُّجِ، ولَوْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ لَقِيلَ: واطْبَعْ، أوْ واخْتِمْ، أوْ نَحْوُهُما، فَيَكُونُ شَدَّ بِمَعْنى أدْخَلَ الشَّدَّ، أوِ اسْتَعْمَلَهُ مِثْلَ جَدَّ في كَلامِهِ، أيِ اسْتَعْمَلَ الجَدَّ.
وحَرْفُ عَلى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِإفادَةِ تَمَكُّنِ الشِّدَّةِ.
والمَعْنى: أدْخَلَ الشِّدَّةَ في قُلُوبِهِمْ.
والقُلُوبُ: النُّفُوسُ والعُقُولُ.
والمَعْنى: أنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ بِالأنْكادِ والأحْزانِ الَّتِي تَجْعَلُ قُلُوبَهم في ضِيقٍ وحَرَجٍ أيِ اجْعَلْهم في عَناءٍ وبَلْبَلَةِ بالٍ ما دامُوا في الكُفْرِ. وهَذا حِرْصٌ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى وسائِلِ هِدايَتِهِمْ رَجاءَ أنَّهم إذا زالَتْ عَنْهُمُ النِّعَمُ وضاقَتْ صُدُورُهم بِكُرُوبِ
صفحة ٢٧١
الحَياةِ تُفَكَّرُوا في سَبَبِ ذَلِكَ، فَعَجَّلُوا بِالنَّوْبَةِ إلى اللَّهِ كَما هو مُعْتادُ النُّفُوسِ الغافِلَةِ قالَ - تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ [الزمر: ٨]
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اشْدُدْ مِنَ الشَّدِّ، وهو الهُجُومُ. يُقالُ: شَدَّ عَلَيْهِ، إذا هَجَمَ، وذَلِكَ أنَّ قُلُوبَهم في حالَةِ النِّعْمَةِ والدَّعَةِ آمِنَةٌ ساكِنَةٌ فَدَعا اللَّهَ أنْ يَشُدَّ عَلَيْهِمْ بِعَذابِهِ، تَمْثِيلًا لِحالِ إصابَةِ نُفُوسِهِمْ بِالأكْدارِ والأحْزانِ بِحالِ مَن يَشُدُّ عَلى عَدْوِهِ لِيَقْتُلَهُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ طَوِّعْهم لِحُكْمِكَ وسَخِّرْهم.
وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ مَوْقِعَ الفاءِ في قَوْلِهِ ”﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾“ أنْ تَكُونَ فاءَ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ الدُّعاءِ، أيِ افْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ لِيُؤْمِنُوا. والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ إضْمارًا واجِبًا بَعْدَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَيُؤْمِنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ لا قَبْلَ ذَلِكَ.
وإنَّما عُدِلَ عَنْ إيقاعِ جَوابِ الدُّعاءِ بِصِيغَةِ إثْباتِ الإيمانِ، إلى إيرادِهِ بِصِيغَةِ نَفْيٍ مُغَيًّا بِغايَةٍ هي رُؤْيَةُ العَذابِ سُلُوكًا لِأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ في نَظْمِ الكَلامِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ تَرْتِيبِ الجَوابِ عَلى الدُّعاءِ وبَيْنَ ما اسْتَبانَ لَهُ مِن طَبْعِ نُفُوسِهِمْ بِطَبْعِ أنَّهم لا تَنْفَعُ فِيهِمُ الحُجَجُ وأنَّ قَساوَةَ قُلُوبِهِمْ وشَراسَةَ نُفُوسِهِمْ لا تُذَلِّلُها إلّا الآلامُ الجَسَدِيَّةُ والنَّفْسانِيَّةُ، وكُلُّ ذَلِكَ عِلاجٌ بِما هو مَظِنَّةُ إيصالِهِمْ مِن طُرُقِ الضَّغْطِ والشِّدَّةِ حَيْثُ لَمْ تُجْدِ فِيهِمْ وسائِلُ الحُجَّةِ، فَقالَ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ أنَّ شَأْنَهم ذَلِكَ، وهَذا إيجازٌ بَدِيعُ إذْ جَمَعَ في هَذا التَّرْكِيبِ جَوابَ الدُّعاءِ وبَيانَ عِلَّةِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. وأصْلُ الكَلامِ: فَيُؤْمِنُوا فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا رَأوُا العَذابَ الألِيمَ.
والمَقْصُودُ مِن جَوابِ فِعْلِ الدُّعاءِ هو غايَةُ الجَوابِ الَّتِي بَعْدَ حَتّى، فَتِلْكَ هي مَصَبُّ الجَوابِ. وهَذا الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وجْهٌ لا تُرْهِقُهُ غَبَرَةُ الإشْكالِ، ولا يَعْسُرُ
صفحة ٢٧٢
مَعَهُ المَنالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ إلَخْ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ وجُمْلَةُ الدُّعاءِ بَيْنَهُما مُعْتَرِضَةٌ.
والمَعْنى: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ فَيَسْتَمِرُّ ضَلالُهم حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ. وهَذا تَأْوِيلُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ.
والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ عَذابُ الفَقْرِ والجُوعِ وعَذابُ النَّكَدِ في النَّفْسِ.
والرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإحْساسِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ، أوْ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةً عَنْ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ لِأنَّ المُشاهَدَةَ مُلازِمَةٌ لِحُلُولِ الشَّيْءِ المُشاهَدِ.
يونس 10:89
﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾
جَوابٌ مِنَ اللَّهِ لِكَلامِ مُوسى جَرى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ أنْ لا تُعْطَفَ جُمَلُها كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ قَدْ والفِعْلِ الماضِي يُفِيدُ تَحْقِيقَ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ، فَشُبِّهَ بِالمُضِيِّ.
وأُضِيفَتِ الدَّعْوَةُ إلى ضَمِيرٍ التَّثْنِيَةِ المُخاطَبِ بِهِ مُوسى وهارُونُ وإنْ كانَتِ الدَّعْوَةُ إنَّما حُكِيَتْ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَمّا كانَ هارُونُ مُواطِئًا لَهُ وقائِلًا بِمِثْلِهِ لِأنَّ دَعْوَتَهُما واحِدَةٌ. وقِيلَ: كانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو وهارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُؤَمِّنُ.
ومَعْنى إجابَةِ الدَّعْوَةِ إعْطاءُ ما سَألَهُ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَسْلِبَ عَنْ فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ النِّعَمَ، ويُوالِيَ عَلَيْهِمُ المَصائِبَ حَتّى يَسْأمُوا مُقاوَمَةَ دَعْوَةِ مُوسى وتَنْحَطُّ غَلْواؤُهم،
صفحة ٢٧٣
قالَ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] وقالَ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]
وفَرَّعَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِهِما أمَرَهُما بِالِاسْتِقامَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ شُكْرٌ عَلى الكَرامَةِ فَإنَّ إجابَةَ اللَّهِ دَعْوَةَ عَبْدِهِ إحْسانٌ لِلْعَبْدِ وإكْرامٌ، وتِلْكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها وأعْظَمُ الشُّكْرِ طاعَةُ المُنَعِّمِ.
وإذْ قَدْ كانَ مُوسى وهارُونُ مُسْتَقِيمِينِ، وناهِيكَ بِاسْتِقامَةِ النُّبُوَّةِ كانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ مُسْتَعْمَلًا في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْها. وأعْقَبَ حَثَّهُما عَلى الِاسْتِقامَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ طَرِيقِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَشْمُولًا لِلِاسْتِقامَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَوَخِّي السَّلامَةِ مِنَ العُدُولِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ اهْتِمامًا بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الفَسادِ.
والِاسْتِقامَةُ: حَقِيقَتُها الِاعْتِدالُ، وهي ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ كَثِيرًا في مَعْنى مُلازِمَةِ الحَقِّ والرُّشْدِ؛ لِأنَّهُ شاعَ تَشْبِيهُ الضَّلالِ والفَسادِ بِالِاعْوِجاجِ والِالتِواءِ. وقِيلَ لِلْحَقِّ: طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فَكانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ جامِعًا لِجَمِيعِ خِصالِ الخَيْرِ والصَّلاحِ.
وفِي حَدِيثِ أبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ: آمَنَتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» .
ومِنَ الِاسْتِقامَةِ أنْ يَسْتَمِرّا عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ ولا يَضْجَرا.
والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وهو هُنا مُسْتَعْمِلٌ لِلسِّيرَةِ والعَمَلِ الغالِبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً. وهُما نُونانِ: إحْداهُما نُونُ المُثَنّى والأُخْرى نُونُ التَّوْكِيدِ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ولا تَتَّبِعانِ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ. وهي نُونُ رَفْعِ المُثَنّى لا نُونُ التَّوْكِيدِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لا عَلى هاتِهِ القِراءَةِ نافِيَةً غَيْرَ ناهِيَةٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ المُضارِعَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ نَفْيٍ يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمِهِ.
يونس 10:90
صفحة ٢٧٤
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] عَطَفَ الغَرَضَ عَلى التَّمْهِيدِ، أيْ، أمَرْناهُما بِاتِّخاذِ تِلْكَ البُيُوتِ تَهْيِئَةً لِلسَّفَرِ ومُجاوَزَةِ البَحْرِ.
وجاوَزْنا، أيْ قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أقْطَعْناهُمُ البَحْرَ بِمَعْنى جَعَلْناهم قاطِعِينَ البَحْرَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. ومُجاوَزَتُهُمُ البَحْر تَقْتَضِي خَوْضَهم فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم طَرائِقَ في البَحْرِ يَمُرُّونَ مِنها.
وأتْبَعَهم بِمَعْنى لَحِقَهم. يُقالُ: تَبِعَهُ فَأتْبَعُهُ إذا سارَ خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ. ومِنهُ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . وقِيلَ: أتْبَعَ مُرادِفُ تَبِعَ.
والبَغْيُ: الظُّلْمُ، مَصْدَرُ بَغى. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] في الأعْرافِ.
والعَدْوُ: مَصْدَرُ عَدا. وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البَغْيِ. وإنَّما عُطِفَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى في الظُّلْمِ بِاعْتِبارِ اشْتِقاقِ فِعْلِ عَدا.
والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ دَخَلَ البَحْرَ يَتَقَصّى آثارَهم فَسارَ في تِلْكَ الطَّرائِقِ يُرِيدُ الإحاطَةَ بِهِمْ ومَنعَهم مِنَ السَّفَرِ، وإنَّما كانَ اتِّباعُهُ إيّاهم ظُلْمًا وعُدْوانًا إذْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شائِبَةُ حَقٍّ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادُوا مُفارَقَةَ بِلادِ فِرْعَوْنَ ولَيْسَتْ مُفارَقَةُ أحَدٍ بَلَدَهُ مَحْظُورَةً إنْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ في البَقاءِ، فَإنَّ لِذِي الوَطَنِ حَقًّا في الإقامَةِ في وطَنِهِ فَإذا رامَ مُغادَرَةَ وطَنِهِ فَقَدْ تَخَلّى عَنْ حَقٍّ لَهُ، ولِلْإنْسانِ أنْ يَتَخَلّى عَنْ حَقِّهِ،
صفحة ٢٧٥
فَلِذَلِكَ كانَ الخَلْعُ في الجاهِلِيَّةِ عِقابًا، وكانَ النَّفْيُ والتَّغْرِيبُ في الإسْلامِ عُقُوبَةً لا تَقَعُ إلّا بِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، وكانَ الإمْساكُ بِالمَكانِ عِقابًا، ومِنهُ السِّجْنُ، فَلَيْسَ الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ طَوْعًا بِعُدْوانٍ. فَلَمّا رامَ فِرْعَوْنَ مَنعَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخُرُوجِ وشَدَّ لِلِّحاقِ بِهِمْ لَرَدِّهِمْ كَرْهًا كانَ في ذَلِكَ ظالِمًا مُعْتَدِيًا؛ لِأنَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ إكْراهَهم عَلى البَقاءِ ولِأنَّ غَرَضَهُ مِن ذَلِكَ تَسْخِيرُهم.
وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ لِوُقُوعِ إذا الفُجائِيَّةِ بَعْدَها. وهي غايَةٌ لِلِاتِّباعِ، أيِ اسْتَمَرَّ اِتِّباعُهُ إيّاهم إلى وقْتِ إدْراكِ الغَرَقِ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَفْتَأُ يَجِدُّ في إدْراكِهِمْ إلى أنْ أنْجى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ فاخْتَرَقُوا البَحْرَ، ورَدَّ اللَّهُ غَمْرَةَ الماءِ عَلى فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَغَرِقُوا وهَلَكَ فِرْعَوْنُ غَرِيقًا، فَمُنْتَهى الغايَةِ هو الزَّمانُ المُسْتَفادُ مِن إذا، والجُمْلَةُ المُضافَةُ هي إلَيْها وفي ذَلِكَ إيجازُ حَذْفٍ. والتَّقْدِيرُ: حَتّى أدْرَكَهُ الغَرَقُ فَإذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنَتُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِكَوْنِ الغايَةِ وهي إدْراكُ الغَرَقِ إيّاهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَهى الِاتِّباعُ، ولَيْسَتِ الغايَةُ هي قَوْلُهُ: آمَنَتُ وإنْ كانَ الأمْرانِ مُتَقارِنَيْنِ.
والإدْراكُ: اللِّحاقُ وانْتِهاءُ السَّيْرِ. وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ الغَرَقَ دَنا مِنهُ تَدْرِيجِيًّا بِهَوْلِ البَحْرِ ومُصارَعَتِهِ المَوْجَ، وهو يَأْمَلُ النَّجاةَ مِنهُ، وأنَّهُ لَمْ يُظْهِرِ الإيمانَ حَتّى أيِسَ مِنَ النَّجاةِ وأيْقَنَ بِالمَوْتِ، وذَلِكَ لِتَصَلُّبِهِ في الكُفْرِ.
وتَرْكِيبُ الجُمْلَةِ إيجازٌ؛ لِأنَّها قامَتْ مَقامَ خَمْسَ جُمَلٍ:
جُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّ فِرْعَوْنَ حاوَلَ اللِّحاقَ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى أقْصى أحْوالِ الإمْكانِ والطَّمَعِ في اللِّحاقِ.
وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَلْحَقْهم.
وهاتانِ مُسْتَفادَتانِ مِن حَتّى، وهاتانِ مِنَّةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ غَمَرَهُ الماءُ فَغَرِقَ، وهَذِهِ مُسْتَفادَةٌ مِن قَوْلِهِ: أدْرَكَهُ الغَرَقُ وهي عُقُوبَةٌ لَهُ وكَرامَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٧٦
وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَسَعْهُ إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ لِأنَّهُ قَهَرَتْهُ أدِلَّةُ الإيمانِ. وهَذِهِ مُسْتَفادَةٌ مِن رَبْطِ جُمْلَةِ إيمانِهِ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ . وهَذِهِ مَنقَبَةٌ لِلْإيمانِ وأنَّ الحَقَّ يَغْلِبُ الباطِلَ في النِّهايَةِ.
وجُمْلَةٌ: تُفِيدُ أنَّهُ ما آمَنَ حَتّى أيْسَ مِنَ النَّجاةِ لِتَصَلُّبِهِ في الكُفْرِ ومَعَ ذَلِكَ غَلَبَهُ اللَّهُ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لِلْكافِرِينَ وعِزَّةٌ لِلَّهِ تَعالى.
وقَدْ بُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾، وجُعِلَ ما مَعَها كالوَسِيلَةِ إلَيْها، فَجُعِلَتْ حَتّى لِبَيانِ غايَةِ الِاتِّباعِ وجُعِلَتِ الغايَةُ أنْ قالَ آمَنتُ لِأنَّ اتِّباعَهُبَنِي إسْرائِيلَ كانَ مُنْدَفِعًا إلَيْهِ بِدافِعِ حَنَقِهِ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ رَسُولُهم لِيُخْرِجَهم مِن أرْضِهِ، فَكانَتْ غايَتُهُ إيمانُهُ بِحَقِّهِمْ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ لِيُفِيدَ مَعَ اعْتِرافِهِ بِاللَّهِ تَصْوِيبَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فِيما هُدُوا إلَيْهِ، فَجَعَلَ الصِّلَةَ طَرِيقًا لِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ، ولِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالصِّفاتِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّهِ إلّا ما تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ إذْ لَمْ يَتَبَصَّرْ في دَعْوَةِ مُوسى تَمامَ التَّبَصُّرِ، ولِذَلِكَ احْتاجَ أنْ يَزِيدَ ﴿وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ لِأنَّهُ كانَ يَسْمَعُ مِن مُوسى دَعَوْتَهُ لِأنْ يَكُونَ مُسْلِمًا فَنَطَقَ بِما كانَ يَسْمَعُهُ وجَعَلَ نَفْسَهُ مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الوَصْفُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أسْلَمْتُ، بَلْ قالَ أنا مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ يَلْزَمُنِي ما التَزَمُوهُ. جاءَ بِإيمانِهِ مُجْمَلًا لِضِيقِ الوَقْتِ عَنِ التَّفْصِيلِ ولِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ تَفْصِيلَهُ.
وسَيَأْتِي قَرِيبًا في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ تَحْقِيقُ صِفَةِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، وما كانَ في بَقاءِ بَدَنِهِ بَعْدَ غَرَقِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ آمَنتُ أنَّهُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ مَحْذُوفَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى اعْتِبارِ إنَّ واقِعَةً في أوَّلِ جُمْلَةٍ، وأنَّ جُمْلَتَها بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ آمَنتُ بِحَذْفِ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ آمَنتُ لِأنَّ جُمْلَةَ البَدَلِ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
يونس 10:91
صفحة ٢٧٧
﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾
مَقُولٌ لِقَوْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: آمَنتُ لِأنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ طَلَبَ الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ اعْتِرافًا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ كَلامًا. فَأجابَهُ اللَّهُ بِكَلامٍ.
وقالَ اللَّهُ هَذا الكَلامُ لَهُ عَلى لِسانِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِتَعْذِيبِهِ تَأْيِيسًا لَهُ مِنَ النَّجاةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، تِلْكَ النَّجاةُ الَّتِي هي مَأْمُولَةٌ حِينَ قالَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّهُ ما آمَنَ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِ ما قالَهُ مُوسى، وعَلِمَ أنَّ ما حَلَّ بِهِ كانَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ، ورَجا مِنِ اعْتِرافِهِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ويُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَقِبَ كَلامِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.
والِاسْتِفْهامُ في آلْآنَ إنْكارِيٌّ.
والآنَ: ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: آمَنتُ تَقْدِيرُهُ: الآنَ تُؤْمِنُ، أيْ هَذا الوَقْتُ. ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ دَلَّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ.
والإنْكارُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الإنْكارَ لَيْسَ وقْتًا يَنْفَعُ فِيهِ الإيمانُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا إيمانَ الآنَ.
والمَنفِيُّ هو إيمانٌ يُنْجِي مَن حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ لِأنَّهُ جاءَ بِهِ في وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ. وهو وقْتٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إيمانُ الكافِرِ ولا تَوْبَةُ العاصِي، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]
صفحة ٢٧٨
والآنَ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَعْمُولِ تُؤَمِنُ المَحْذُوفِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِما في الِاسْتِفْهامِ مِن مَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ إيمانَهُ في ذَلِكَ الحِينِ مُنْكَرٌ، ويَزِيدُهُ إنْكارًا أنَّ صاحِبَهُ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ ومُفْسِدًا لِلدِّينِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومُفْسِدًا في الأرْضِ بِالجَوْرِ والظُّلْمِ والتَّمْوِيهِ بِالسِّحْرِ.
وصِيغَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالإفْسادِ مِن: وكُنْتَ مُفْسِدًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِمِقْدارِ ما قَدَّمَهُ مِنَ الآثامِ والفَسادِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ العَذابُ.
والفاءُ الَّتِي في قَوْلِهِ: (فاليَوْمَ) فاءُ الفَصِيحَةِ، تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والمَعْنى: فَإنْ رُمْتَ بِإيمانِكَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ أنْ أُنْجِيَكَ مِنَ الغَرَقِ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، فَإطْلاقُ الإنْجاءِ عَلى إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.
ولَيْسَ مُسَوِّغُها التَّهَكُّمَ المَحْضَ كَما هو الغالِبُ في نَوْعِها، بَلْ فِيها عَلاقَةُ المُشابِهَةِ؛ لِأنَّ إخْراجَهُ إلى البَرِّ كامِلًا بِشَكَّتِهِ يُشْبِهُ الإنْجاءَ، ولَكِنَّهُ ضِدُّ الإنْجاءِ، فَكانَ بِالمُشابِهَةِ، اسْتِعارَةً، وبِالضِّدْيَةِ تَهَكُّمًا، والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ حالٌ.
والأظْهَرُ أنَّ الباءَ مِن قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ تَأْكِيدِ آيَةِ إنْجاءِ الجَسَدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَدَنِكَ في مَعْنى البَدَلِ المُطابِقِ مِنَ الكافِ في نُنَجِّيكَ كَزِيادَةِ الباءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: ”فَإذا هو أبُو زَيْدٍ بِعَيْنِهِ ومَيْنِهِ“ .
والبَدَنُ: الجِسْمُ بِدُونِ رُوحٍ وهَذا احْتِراسٌ مِن أنْ يُظَنَّ المُرادُ الإنْجاءَ مِنَ الغَرَقِ. والمَعْنى: نُنْجِيكَ وأنْتَ جِسْمٌ. كَما يُقالُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإذا هو جُثَّةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الِاقْتِصارَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما كانَ داعٍ لِلْبَلِيغِ أنْ يَزِيدَ ذَلِكَ القَيْدَ،
صفحة ٢٧٩
فَإنَّ كُلَّ زِيادَةٍ في الكَلامِ البَلِيغِ يُقْصَدُ مِنها مَعْنًى زائِدٌ، وإلّا لَكانَتْ حَشْوًا في الكَلامِ والكَلامُ البَلِيغُ مَوْزُونٌ، ولُغَةُ العَرَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أساسِ الإيجازِ.
ولِمَن خَلْفَكَ أيْ مَن وراءَكَ. والوَراءُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُتَأخِّرِ والباقِي، أيْ مَن لَيْسُوا مَعَكَ. والمُرادُ بِهِمْ مَن يَخْلُفُهُ مِنَ الفَراعِنَةِ ومَن مَعَهم مِنَ الكَهَنَةِ والوُزَراءِ، أيْ لِتَكُونَ ذاتُهُ آيَةً عَلى أنَّ اللَّهَ غالِبُ مَن أشْرَكُوا بِهِ، وأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ وأقْهَرُ مِن فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ في اعْتِقادِ القِبْطِ، إذْ يَرَوْنَ فِرْعَوْنَ الإلَهَ عِنْدَهم طَرِيحًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ غَرِيقًا. فَتِلْكَ مِيتَةٌ لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَها الدَّجَلَ بِأنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُتابِعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّكاذِيبِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ لا يُغْلَبُ، وأنَّ الفَراعِنَةَ حِينَ يَمُوتُونَ إنَّما يُنْقَلُونَ إلى دارِ الخُلُودِ. ولِذَلِكَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ فَيَبْنُونَ لَهُ البُيُوتَ في الأهْرامِ ويُودِعُونَ بِها لِباسَهُ وطَعامَهُ ورِياشَهُ وأنْفَسَ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَمَوْتُهُ بِالغَرَقِ وهو يَتَّبِعُ أعْداءَهُ مِيتَةً لا تُئَوَّلُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ كَوْنُهُ آيَةً لِمَن خَلْفَهُ عِلَّةً لِإخْراجِهِ مِن غَمْرَةِ الماءِ مَيِّتًا كامِلًا، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ غَرِقَ إذا نَظَرُوا في تِلْكَ الآيَةِ.
ولَمْ يَعْدِمْ فِرْعَوْنُ فائِدَةً مِن إيمانِهِ، فَإنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ مِن غَمَراتِ الماءِ، فَلَمْ يَبْقَ في الماءِ أكْلَةً لِلْحِيتانِ ولَكِنْ لَفَظَتْهُ الأمْواجُ، وتِلْكَ حالَةٌ أقَلُّ خِزْيًا مِن حالاتِ سائِرِ جَيْشِهِ، بِها ظَهَرَ نَفْعُ ما لَهُ بِما حَصَلَ لِنَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ في آخِرِ أحْوالِهِ.
وكَلِمَةُ فاليَوْمَ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الآنَ لِأنَّ اسْمَ اليَوْمِ أُطْلِقَ عَلى جُزْءٍ مِن زَمَنِ الحالِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أوْ واوُ الحالِ.
صفحة ٢٨٠
والمُرادُ مِنهُ: دَفْعُ تَوَهُّمِ النَّقْصِ عَنْ آياتِ اللَّهِ عِنْدَ ما يُحْرَمُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الِاهْتِداءَ بِها، فَهي في ذاتِها دَلائِلُ هُدًى سَواءٌ انْتَفَعَ بِها بَعْضُ النّاسِ أمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا فالتَّقْصِيرُ مِنهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْرَحُ آيَةٍ في القُرْآنِ دَلالَةً عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى والَّذِي اتَّبَعَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ قَدْ أصابَهُ الغَرَقُ. وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الأعْرافِ وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنفِطاحُ الثّانِي، ويُقالُ لَهُ (مَيْرَنْبَتا) - بِباءٍ فارِسِيَّةٍ - أوْ (مِنفِتاحُ)، أوْ (مِنِيفْتا) وهو ابْنُ رَعَمْسِيسَ الثّانِي المَعْرُوفُ عِنْدَ اليُونانِ باسِمِ (سِيزُوسْتِرِيسَ)، مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، وكانُوا في حُدُودِ سَنَةِ ١٤٩١ قَبْلَ المَسِيحِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ فِرْعَوْنُ هَذا قَصِيرًا أحْمَرَ فَلا نَشُكُّ في أنَّ مِنِفْطاحَ الثّانِي ماتَ غَرِيقًا في البَحْرِ، وأنَّهُ خَرَجَتْ جُثَّتُهُ بَعْدَ الغَرَقِ فَدُفِنَ في وادِي المُلُوكِ في صَعِيدِ مِصْرَ. فَذَكَرَ المُنَقِّبُونَ عَنِ الآثارِ أنَّهُ وُجِدَ قَبْرُهُ هُناكَ، وذَلِكَ يُومِئُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . ووُجُودُ قَبْرٍ لَهُ إنْ صَحَّ بِوَجْهٍ مُحَقَّقٍ، لا يُنافِي أنْ يَكُونَ ماتَ غَرِيقًا، وإنْ كانَ مُؤَرِّخُو القِبْطِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِصِفَةِ مَوْتِهِ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الكَهَنَةَ أجْمَعُوا عَلى إخْفائِها كَيْلا يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلى الأُمَّةِ فِيما يُمَجِّدُ بِهِ الكَهَنَةُ كُلَّ فِرْعَوْنَ مِن صِفاتِ بُنُوَّةِ الآلِهَةِ.
وخَلَفَتْهُ في مُلْكِ مِصْرَ ابْنَتُهُ المُسَمّاةُ (طُوسِيرُ) لِأنَّهُ تَرَكَها وابْنًا صَغِيرًا.
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ غَرَقِ فِرْعَوْنَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةِ الصَّراحَةِ والإغْلاقِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ وهي عِبارَةٌ لَمْ يَأْتِ مِثْلُها فِيما كُتِبَ مِن أخْبارٍ فِرْعَوْنَ، وإنَّها لَمِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في
صفحة ٢٨١
القُرْآنِ إذْ كانَتِ الآيَةُ مُنْطَبِقَةً عَلى الواقِعِ التّارِيخِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْواجَ ألْقَتْ جُثَّتَهُ عَلى السّاحِلِ الغَرْبِيِّ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ فَعَثَرَ عَلَيْهِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَقَصَّوْنَ آثارَهُ مِمَّنْ بَقَوْا بَعْدَهُ بِمَدِينَةِ مِصْرَ لَمّا اسْتَبْطَئُوا رُجُوعَهُ ورُجُوعَ جَيْشِهِ، فَرَفَعُوهُ إلى المَدِينَةِ وكانَ عِبْرَةً لَهم.
يونس 10:92
صفحة ٢٧٧
﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾
مَقُولٌ لِقَوْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: آمَنتُ لِأنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ طَلَبَ الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ اعْتِرافًا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ كَلامًا. فَأجابَهُ اللَّهُ بِكَلامٍ.
وقالَ اللَّهُ هَذا الكَلامُ لَهُ عَلى لِسانِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِتَعْذِيبِهِ تَأْيِيسًا لَهُ مِنَ النَّجاةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، تِلْكَ النَّجاةُ الَّتِي هي مَأْمُولَةٌ حِينَ قالَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّهُ ما آمَنَ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِ ما قالَهُ مُوسى، وعَلِمَ أنَّ ما حَلَّ بِهِ كانَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ، ورَجا مِنِ اعْتِرافِهِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ويُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَقِبَ كَلامِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.
والِاسْتِفْهامُ في آلْآنَ إنْكارِيٌّ.
والآنَ: ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: آمَنتُ تَقْدِيرُهُ: الآنَ تُؤْمِنُ، أيْ هَذا الوَقْتُ. ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ دَلَّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ.
والإنْكارُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الإنْكارَ لَيْسَ وقْتًا يَنْفَعُ فِيهِ الإيمانُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا إيمانَ الآنَ.
والمَنفِيُّ هو إيمانٌ يُنْجِي مَن حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ لِأنَّهُ جاءَ بِهِ في وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ. وهو وقْتٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إيمانُ الكافِرِ ولا تَوْبَةُ العاصِي، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]
صفحة ٢٧٨
والآنَ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَعْمُولِ تُؤَمِنُ المَحْذُوفِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِما في الِاسْتِفْهامِ مِن مَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ إيمانَهُ في ذَلِكَ الحِينِ مُنْكَرٌ، ويَزِيدُهُ إنْكارًا أنَّ صاحِبَهُ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ ومُفْسِدًا لِلدِّينِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومُفْسِدًا في الأرْضِ بِالجَوْرِ والظُّلْمِ والتَّمْوِيهِ بِالسِّحْرِ.
وصِيغَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالإفْسادِ مِن: وكُنْتَ مُفْسِدًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِمِقْدارِ ما قَدَّمَهُ مِنَ الآثامِ والفَسادِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ العَذابُ.
والفاءُ الَّتِي في قَوْلِهِ: (فاليَوْمَ) فاءُ الفَصِيحَةِ، تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والمَعْنى: فَإنْ رُمْتَ بِإيمانِكَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ أنْ أُنْجِيَكَ مِنَ الغَرَقِ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، فَإطْلاقُ الإنْجاءِ عَلى إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.
ولَيْسَ مُسَوِّغُها التَّهَكُّمَ المَحْضَ كَما هو الغالِبُ في نَوْعِها، بَلْ فِيها عَلاقَةُ المُشابِهَةِ؛ لِأنَّ إخْراجَهُ إلى البَرِّ كامِلًا بِشَكَّتِهِ يُشْبِهُ الإنْجاءَ، ولَكِنَّهُ ضِدُّ الإنْجاءِ، فَكانَ بِالمُشابِهَةِ، اسْتِعارَةً، وبِالضِّدْيَةِ تَهَكُّمًا، والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ حالٌ.
والأظْهَرُ أنَّ الباءَ مِن قَوْلِهِ: بِبَدَنِكَ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ تَأْكِيدِ آيَةِ إنْجاءِ الجَسَدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: بَدَنِكَ في مَعْنى البَدَلِ المُطابِقِ مِنَ الكافِ في نُنَجِّيكَ كَزِيادَةِ الباءِ في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: ”فَإذا هو أبُو زَيْدٍ بِعَيْنِهِ ومَيْنِهِ“ .
والبَدَنُ: الجِسْمُ بِدُونِ رُوحٍ وهَذا احْتِراسٌ مِن أنْ يُظَنَّ المُرادُ الإنْجاءَ مِنَ الغَرَقِ. والمَعْنى: نُنْجِيكَ وأنْتَ جِسْمٌ. كَما يُقالُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإذا هو جُثَّةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ الِاقْتِصارَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ لَما كانَ داعٍ لِلْبَلِيغِ أنْ يَزِيدَ ذَلِكَ القَيْدَ،
صفحة ٢٧٩
فَإنَّ كُلَّ زِيادَةٍ في الكَلامِ البَلِيغِ يُقْصَدُ مِنها مَعْنًى زائِدٌ، وإلّا لَكانَتْ حَشْوًا في الكَلامِ والكَلامُ البَلِيغُ مَوْزُونٌ، ولُغَةُ العَرَبِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أساسِ الإيجازِ.
ولِمَن خَلْفَكَ أيْ مَن وراءَكَ. والوَراءُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المُتَأخِّرِ والباقِي، أيْ مَن لَيْسُوا مَعَكَ. والمُرادُ بِهِمْ مَن يَخْلُفُهُ مِنَ الفَراعِنَةِ ومَن مَعَهم مِنَ الكَهَنَةِ والوُزَراءِ، أيْ لِتَكُونَ ذاتُهُ آيَةً عَلى أنَّ اللَّهَ غالِبُ مَن أشْرَكُوا بِهِ، وأنَّ اللَّهَ أعْظَمُ وأقْهَرُ مِن فِرْعَوْنَ وآلِهَتِهِ في اعْتِقادِ القِبْطِ، إذْ يَرَوْنَ فِرْعَوْنَ الإلَهَ عِنْدَهم طَرِيحًا عَلى شاطِئِ البَحْرِ غَرِيقًا. فَتِلْكَ مِيتَةٌ لا يَسْتَطِيعُونَ مَعَها الدَّجَلَ بِأنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، أوْ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُتابِعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّكاذِيبِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ لا يُغْلَبُ، وأنَّ الفَراعِنَةَ حِينَ يَمُوتُونَ إنَّما يُنْقَلُونَ إلى دارِ الخُلُودِ. ولِذَلِكَ كانُوا يُمَوِّهُونَ عَلى النّاسِ فَيَبْنُونَ لَهُ البُيُوتَ في الأهْرامِ ويُودِعُونَ بِها لِباسَهُ وطَعامَهُ ورِياشَهُ وأنْفَسَ الأشْياءِ عِنْدَهُ، فَمَوْتُهُ بِالغَرَقِ وهو يَتَّبِعُ أعْداءَهُ مِيتَةً لا تُئَوَّلُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ كَوْنُهُ آيَةً لِمَن خَلْفَهُ عِلَّةً لِإخْراجِهِ مِن غَمْرَةِ الماءِ مَيِّتًا كامِلًا، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ غَرِقَ إذا نَظَرُوا في تِلْكَ الآيَةِ.
ولَمْ يَعْدِمْ فِرْعَوْنُ فائِدَةً مِن إيمانِهِ، فَإنَّ اللَّهَ بِحِكْمَتِهِ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ مِن غَمَراتِ الماءِ، فَلَمْ يَبْقَ في الماءِ أكْلَةً لِلْحِيتانِ ولَكِنْ لَفَظَتْهُ الأمْواجُ، وتِلْكَ حالَةٌ أقَلُّ خِزْيًا مِن حالاتِ سائِرِ جَيْشِهِ، بِها ظَهَرَ نَفْعُ ما لَهُ بِما حَصَلَ لِنَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ في آخِرِ أحْوالِهِ.
وكَلِمَةُ فاليَوْمَ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الآنَ لِأنَّ اسْمَ اليَوْمِ أُطْلِقَ عَلى جُزْءٍ مِن زَمَنِ الحالِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أوْ واوُ الحالِ.
صفحة ٢٨٠
والمُرادُ مِنهُ: دَفْعُ تَوَهُّمِ النَّقْصِ عَنْ آياتِ اللَّهِ عِنْدَ ما يُحْرَمُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الِاهْتِداءَ بِها، فَهي في ذاتِها دَلائِلُ هُدًى سَواءٌ انْتَفَعَ بِها بَعْضُ النّاسِ أمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا فالتَّقْصِيرُ مِنهم.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أصْرَحُ آيَةٍ في القُرْآنِ دَلالَةً عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى والَّذِي اتَّبَعَ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ قَدْ أصابَهُ الغَرَقُ. وقَدْ أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ الأعْرافِ وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِرْعَوْنُ هَذا هو مِنفِطاحُ الثّانِي، ويُقالُ لَهُ (مَيْرَنْبَتا) - بِباءٍ فارِسِيَّةٍ - أوْ (مِنفِتاحُ)، أوْ (مِنِيفْتا) وهو ابْنُ رَعَمْسِيسَ الثّانِي المَعْرُوفُ عِنْدَ اليُونانِ باسِمِ (سِيزُوسْتِرِيسَ)، مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشَرَةَ مِنَ الأُسَرِ الفِرْعَوْنِيَّةِ، وكانُوا في حُدُودِ سَنَةِ ١٤٩١ قَبْلَ المَسِيحِ.
قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ فِرْعَوْنُ هَذا قَصِيرًا أحْمَرَ فَلا نَشُكُّ في أنَّ مِنِفْطاحَ الثّانِي ماتَ غَرِيقًا في البَحْرِ، وأنَّهُ خَرَجَتْ جُثَّتُهُ بَعْدَ الغَرَقِ فَدُفِنَ في وادِي المُلُوكِ في صَعِيدِ مِصْرَ. فَذَكَرَ المُنَقِّبُونَ عَنِ الآثارِ أنَّهُ وُجِدَ قَبْرُهُ هُناكَ، وذَلِكَ يُومِئُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ . ووُجُودُ قَبْرٍ لَهُ إنْ صَحَّ بِوَجْهٍ مُحَقَّقٍ، لا يُنافِي أنْ يَكُونَ ماتَ غَرِيقًا، وإنْ كانَ مُؤَرِّخُو القِبْطِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِصِفَةِ مَوْتِهِ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ الكَهَنَةَ أجْمَعُوا عَلى إخْفائِها كَيْلا يَتَطَرَّقَ الشَّكُّ إلى الأُمَّةِ فِيما يُمَجِّدُ بِهِ الكَهَنَةُ كُلَّ فِرْعَوْنَ مِن صِفاتِ بُنُوَّةِ الآلِهَةِ.
وخَلَفَتْهُ في مُلْكِ مِصْرَ ابْنَتُهُ المُسَمّاةُ (طُوسِيرُ) لِأنَّهُ تَرَكَها وابْنًا صَغِيرًا.
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ غَرَقِ فِرْعَوْنَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةِ الصَّراحَةِ والإغْلاقِ.
ومِن دَقائِقِ القُرْآنِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ وهي عِبارَةٌ لَمْ يَأْتِ مِثْلُها فِيما كُتِبَ مِن أخْبارٍ فِرْعَوْنَ، وإنَّها لَمِنَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ في
صفحة ٢٨١
القُرْآنِ إذْ كانَتِ الآيَةُ مُنْطَبِقَةً عَلى الواقِعِ التّارِيخِيِّ. والظّاهِرُ أنَّ الأمْواجَ ألْقَتْ جُثَّتَهُ عَلى السّاحِلِ الغَرْبِيِّ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ فَعَثَرَ عَلَيْهِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَتَقَصَّوْنَ آثارَهُ مِمَّنْ بَقَوْا بَعْدَهُ بِمَدِينَةِ مِصْرَ لَمّا اسْتَبْطَئُوا رُجُوعَهُ ورُجُوعَ جَيْشِهِ، فَرَفَعُوهُ إلى المَدِينَةِ وكانَ عِبْرَةً لَهم.
يونس 10:93
﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ فَإنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الجُمَلِ مَقْصُودٌ مِنها مَوْعِظَةُ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأحْوالِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ في مُشابَهَةِ كُفْرِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وبِما حَلَّ بِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ جَزاءَ كُفْرِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]
فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ السَّوْءِ أتْبَعَهُ بِمَثَلِ الصَّلاحِ بِحالِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ واتَّبَعُوهُ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمِ الحُسْنى لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ مَصِيرَيْ فَرِيقَيْنِ جاءَهم رَسُولٌ فَآمَنَ بِهِ فَرِيقٌ وكَفَرَ بِهِ فَرِيقٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْمُشْرِكِينَ في الإيمانِ، وبِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
فالمُرادُ بِبَنِي إسْرائِيلَ القَوْمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] الآيَةَ وتَرْتِيبُ الإخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ عَقِبَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَإنَّهم دَخَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ صَحْراءَ التِّيهِ وأمِنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإصْلاحِ شُئُونِهِمْ، ورُزِقُوا المَنَّ والسَّلْوى، وأُعْطُوا النَّصْرَ عَلى الأُمَمِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهم تُحاوِلُ مَنعَهم مِنِ امْتِلاكِ الأرْضِ الطَّيِّبَةِ.
فَما زالُوا يَتَدَرَّجُونَ في مَدارِجِ الخَيْرِ والإنْعامِ فَذَلِكَ مُبَوَّأُ الصِّدْقِ.
صفحة ٢٨٢
والرِّزْقُ: مِنَ الطَّيِّباتِ.
فَمَعْنى ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ أُولَئِكَ ولا مَن خَلَفَهم مِن أبْنائِهِمْ وأخْلافِهِمْ.
والتَّبَوُّءُ تَقَدَّمَ آنِفًا، والمُبَوَّأُ: مَكانُ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، والمُرادُ المَسْكَنُ كَما تَقَدَّمَ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُبَوَّأُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا. والصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى الخالِصِ في نَوْعِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] . والمُرادُ بِمُبَوَّأِ الصِّدْقِ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِ فِلَسْطِين وما فِيها مِن خِصْبٍ وثَراءٍ قالَ - تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: فَما اخْتَلَفُوا عَلى بَوَّأْنا وما عُطِفَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ ثَناءٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم شَكَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ ولَمْ يُكْفُرُوها كَما كَفَرَها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بَوَّأهُمُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِالرَّسُولِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ. وتَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَشَكَرُوا النِّعْمَةَ واتَّبَعُوا وصايا الأنْبِياءِ وما خالَفُوا ذَلِكَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ.
والِاخْتِلافُ افْتِعالٌ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ التَّخالُفِ ولا يُعْرَفُ لِمادَّةِ هَذا المَعْنى فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الخَلْفُ لِمَعْنى الوَراءِ فَتَعِينَ أنَّ زِيادَةَ التّاءِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ (اكْتَسَبَ) مُبالَغَةً في (كَسَبَ)، فَيُحْمَلُ عَلى خِلافِ تَشْدِيدٍ وهو مُضادَّةُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ وما دَعا إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ فَإنَّ الكَلامَ ثَناءٌ مُرْدَفٌ بِغايَةٍ تُؤْذِنُ أنَّ ما بَعْدَ الغايَةِ نِهايَةٌ لِلثَّناءِ وإثْباتٌ لِلَّوْمِ إذْ قَدْ نَفى عَنْهُمُ الِاخْتِلافَ إلى غايَةٍ تُؤْذِنُ بِحُصُولِ الِاخْتِلافِ مِنهم عِنْدَ تِلْكَ الغايَةِ فالَّذِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا هُمُ الَّذِينَ بَوَّأهُمُ اللَّهُ مُبَوَّأ صِدْقٍ. وقَدْ جاءُوا بِعْدَهم إلى أنْ جاءَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا عَلى الأنْبِياءِ. وهَؤُلاءِ ما صَدَقَ ضَمِيرُ الرَّفْعِ في قَوْلِهِ: ﴿جاءَهُمُ العِلْمُ﴾
صفحة ٢٨٣
وما جاءَهم مِنَ العِلْمِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما جاءَهم بِهِ الأنْبِياءُ مِن شَرْعِ اللَّهِ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِما جاءُوهم بِهِ، وأعْظَمُ ذَلِكَ تَكْذِيبُهم بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا قَبْل مَبْعَثِهِ مُقِرِّينَ بِنَبِيءٍ يَأْتِي، فَلَمّا جاءَهُمُ العِلْمُ، وهو القُرْآنُ اخْتَلَفُوا في تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ هو القُرْآنَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فَإنَّ البَيِّنَةَ هي مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ قَبْلَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] الآيَةَ. وقالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]
وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِحَرْفِ حَتّى في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾
وتَعْقِيبُ فَما اخْتَلَفُوا بِالغايَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما بَعْدَ الغايَةِ مُنْتَهى حالَةِ الشُّكْرِ، أيْ فَبَقُوا في ذَلِكَ المُبَوَّأِ، وفي تِلْكَ النِّعْمَةِ، حَتّى اخْتَلَفُوا فَسُلِبَتْ نِعْمَتُهم فَإنَّ اللَّهَ سَلَبَهم أوْطانَهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَوَعُّدٌ، والمَقْصُودُ مِنهُ: أنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ مَضَوْا بِما عَمِلُوا وأنَّ أمْرَهم إلى رَبِّهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ عَلى الحاضِرِينَ اليَوْمَ أنْ يُفَكِّرُوا في وسائِلِ الخَلاصِ مِنَ الضَّلالِ والوُقُوعِ في المُؤاخَذَةِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وبَيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ لِلْقَضاءِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ يَقْضِي فَفِعْلُ القَضاءِ كَأنَّهُ مُتَخَلِّلٌ بَيْنَهم لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَبْيِينِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.
صفحة ٢٨٤
وضَمِيرُ بَيْنَهم عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: فَما اخْتَلَفُوا مِن وُجُودِ مُخالِفٍ (بِكَسْرِ اللّامِ) ومُخالَفٌ (بِفَتْحِها) .
يونس 10:94
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى سِياقِ القَصَصِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ وعِظَةً بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. انْتَقَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كِلاهُما تَعْرِيضٌ بِالمُكَذِّبِينَ، فالأُسْلُوبُ السّابِقُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم، وهَذا الأُسْلُوبُ المَوالِي تَعْرِيضٌ لَهم بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وما في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمُرادُ مِن (ما أنْزَلْنا) هو المُنَزَّلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ وهو ما أُنْزِلَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القَصَصِ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لا يَسْتَقِيمُ ما سِواهُما؛ أوَّلُهُما أنْ تَبْقى الظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها في عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ الشَّكُّ قَدْ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ أصْحابُهُ، أيْ فَإنْ كُنْتَ في قَوْمٍ أهْلِ شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، أيْ يَشُكُّونَ في وُقُوعِ هَذِهِ القَصَصِ، كَما يُقالُ: دَخَلَ في الفِتْنَةِ، أيْ في أهْلِها. ويَكُونُ مَعْنى ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وإشْهادٍ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الأخْبارِ يُخْبِرُوا بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم بِهِ، فَيَزُولُ الشَّكُّ مِن نُفُوسِ أهْلِ الشَّكِّ إذْ لا يُحْتَمَلُ تَواطُؤَكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِتِلْكَ الأخْبارِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ.
صفحة ٢٨٥
وثانِيهِما أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ سَوْقُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَيَكُونُ اسْتِقْرارُ حاصِلِ المُحاوَرَةِ في نُفُوسِهِمْ أمْكَنَ مِمّا لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الإلْقاءِ التَّعْرِيضِيِّ يَسْلُكُها الحُكَماءُ وأصْحابُ الأخْلاقِ مَتى كانَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَظِنَّةَ نُفُورٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أوْ كانَ في ذَلِكَ الإلْقاءِ وفْقٌ بِالَّذِي يُقْصَدُ سَوْقُ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قِصَّةِ الخَصْمِ مِنَ اللَّذَيْنِ اخْتَصَما إلى داوُدَ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ص.
وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِمّا لا يَكْتُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ في القَصَصِ المُوافَقَةُ لِما في كُتُبِهِمْ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّجُونَ مِن إعْلانِها والشَّهادَةِ بِها. وغَيْرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما في الآيَةِ، ويَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَكانِ قَوْلِهِ: مَن قَبْلِكَ
ولَيْسَ المُرادُ بِضَمائِرِ الخِطابِ كُلَّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ يُناكِدُ ذَلِكَ إلّا بِتَعَسُّفٍ.
وإنَّما تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مادَّةُ السُّؤالِ مِن كَوْنِهِمْ يُجِيبُونَ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ، فَبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَوابِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾
وقَرَأ الجُمْهُورُ فاسْألْ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وسُكُونِ السِّينِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”فَسَلْ“ بِفَتْحِ السِّينِ دُونَ هَمْزَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ السِّينِ مُخَفَّفُ سَألَ.
فَجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، كَأنَّ السّامِعَ يَقُولُ: فَإذا سَألْتَهم ماذا يَكُونُ، فَقِيلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ .
صفحة ٢٨٦
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ عِلْمَ السّامِعِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لا عِلْمَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الحاجَةِ لِإعْلامِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ قُرِنَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وهُما: لامُ القَسَمِ وقَدْ، لِدَفْعِ إنْكار المُعَرَّضِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ تَفْرِيعُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَعْرِيضًا أيْضًا بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَحْذَرُ الكَوْنُ مِنهم.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ فِيما لا شُبْهَةَ لِلشَّكِّ فِيهِ. فَهو أخَصُّ مِنَ الشَّكِّ.
وكَذَلِكَ عَطَفَ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهو أصْرَحُ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم خاسِرُونَ. ونَظِيرُهُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وحاصِلُ المَعْنى: فَإنْ كُنْتُمْ شاكِّينَ في صِدْقِ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ مِمّا أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَكم فاسْألُوا أهْلَ الكِتابِ يُخْبِرُوكم بِأنَّ ذَلِكَ صِدْقٌ، لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا تَكُونُوا شاكِّينَ ولا تُكَذِّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونُوا خاسِرِينَ.
يونس 10:95
﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى سِياقِ القَصَصِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ وعِظَةً بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. انْتَقَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كِلاهُما تَعْرِيضٌ بِالمُكَذِّبِينَ، فالأُسْلُوبُ السّابِقُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم، وهَذا الأُسْلُوبُ المَوالِي تَعْرِيضٌ لَهم بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وما في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمُرادُ مِن (ما أنْزَلْنا) هو المُنَزَّلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ وهو ما أُنْزِلَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القَصَصِ.
ثُمَّ إنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لا يَسْتَقِيمُ ما سِواهُما؛ أوَّلُهُما أنْ تَبْقى الظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها في عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ الشَّكُّ قَدْ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ أصْحابُهُ، أيْ فَإنْ كُنْتَ في قَوْمٍ أهْلِ شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، أيْ يَشُكُّونَ في وُقُوعِ هَذِهِ القَصَصِ، كَما يُقالُ: دَخَلَ في الفِتْنَةِ، أيْ في أهْلِها. ويَكُونُ مَعْنى ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وإشْهادٍ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الأخْبارِ يُخْبِرُوا بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم بِهِ، فَيَزُولُ الشَّكُّ مِن نُفُوسِ أهْلِ الشَّكِّ إذْ لا يُحْتَمَلُ تَواطُؤَكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِتِلْكَ الأخْبارِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ.
صفحة ٢٨٥
وثانِيهِما أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ سَوْقُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَيَكُونُ اسْتِقْرارُ حاصِلِ المُحاوَرَةِ في نُفُوسِهِمْ أمْكَنَ مِمّا لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الإلْقاءِ التَّعْرِيضِيِّ يَسْلُكُها الحُكَماءُ وأصْحابُ الأخْلاقِ مَتى كانَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَظِنَّةَ نُفُورٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أوْ كانَ في ذَلِكَ الإلْقاءِ وفْقٌ بِالَّذِي يُقْصَدُ سَوْقُ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قِصَّةِ الخَصْمِ مِنَ اللَّذَيْنِ اخْتَصَما إلى داوُدَ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ص.
وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِمّا لا يَكْتُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ في القَصَصِ المُوافَقَةُ لِما في كُتُبِهِمْ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّجُونَ مِن إعْلانِها والشَّهادَةِ بِها. وغَيْرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما في الآيَةِ، ويَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَكانِ قَوْلِهِ: مَن قَبْلِكَ
ولَيْسَ المُرادُ بِضَمائِرِ الخِطابِ كُلَّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ يُناكِدُ ذَلِكَ إلّا بِتَعَسُّفٍ.
وإنَّما تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ ما تُفِيدُهُ مادَّةُ السُّؤالِ مِن كَوْنِهِمْ يُجِيبُونَ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ، فَبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَوابِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾
وقَرَأ الجُمْهُورُ فاسْألْ بِهَمْزَةِ وصْلٍ وسُكُونِ السِّينِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ”فَسَلْ“ بِفَتْحِ السِّينِ دُونَ هَمْزَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ السِّينِ مُخَفَّفُ سَألَ.
فَجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ، كَأنَّ السّامِعَ يَقُولُ: فَإذا سَألْتَهم ماذا يَكُونُ، فَقِيلَ: ﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ .
صفحة ٢٨٦
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ عِلْمَ السّامِعِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لا عِلْمَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الحاجَةِ لِإعْلامِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ قُرِنَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وهُما: لامُ القَسَمِ وقَدْ، لِدَفْعِ إنْكار المُعَرَّضِ بِهِمْ.
وبِذَلِكَ كانَ تَفْرِيعُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ تَعْرِيضًا أيْضًا بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بِحَيْثُ يَحْذَرُ الكَوْنُ مِنهم.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ فِيما لا شُبْهَةَ لِلشَّكِّ فِيهِ. فَهو أخَصُّ مِنَ الشَّكِّ.
وكَذَلِكَ عَطَفَ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ وهو أصْرَحُ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم خاسِرُونَ. ونَظِيرُهُ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وحاصِلُ المَعْنى: فَإنْ كُنْتُمْ شاكِّينَ في صِدْقِ ما أنْزَلْنا عَلى مُحَمَّدٍ مِمّا أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَكم فاسْألُوا أهْلَ الكِتابِ يُخْبِرُوكم بِأنَّ ذَلِكَ صِدْقٌ، لَقَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلا تَكُونُوا شاكِّينَ ولا تُكَذِّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونُوا خاسِرِينَ.
يونس 10:96
﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾
تَبَيَّنَ تَناسُبُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ فَإنَّهُ لَمّا سَبَقَ التَّعْرِيضُ إلى المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في صِدْقِ النَّبِيئِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِمْ في صِدْقِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّهم مِن زُمْرَةِ الفِرَقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا، فَهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الحُجَّةُ لِأنَّهم أهْلُ مُكابَرَةٍ، ولَيْسُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها عُقُولُهم غَيْرُ قابِلَةٍ لِحَقائِقِ الإيمانِ، فالَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ الآياتِ هم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، تِلْكَ أماراتُهم. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ.
صفحة ٢٨٧
ومَعْنى حَقَّتْ ثَبَتَتْ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَمَكُّنُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ. والمُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ، وجُمِعَتِ الكَلِماتُ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَها ناسٌ كَثِيرُونَ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم تَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“ عَلى مُراعاةِ الجِنْسِ إذْ تَحِقُّ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كَلِمَةٌ، وهَذا الكَلامُ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. قالَ غَيْرُهم: وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مَظْهَرًا لِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشِّقْوَةِ وإنْذارٌ بِوَشْكِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.
فالمَوْصُولُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُرادٌ بِهِ مَعْهُودٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّ لِلتَّوْكِيدِ المَقْصُودِ بِهِ التَّحْقِيقُ، أيْ لا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ مِن أُولَئِكَ فَقَدِ اتَّضَحَ أمْرُهم واليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْقَصَصِ السّابِقَةِ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ الجامِعِ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي هي بِمَثابَةِ الأُمَمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وتَكُونُ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كالَّتِي في قَوْلِ بِشارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَكُونُ في الآيَةِ تَعْرِيضٌ آخَرُ بِالمُشْرِكِينَ.
ولَوْ وصَلْيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَكَيْفَ إذا لَمْ تَجِئْهم إلّا بَعْضُ الآياتِ.
وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ولَوْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ في الكَثْرَةِ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ الآياتِ المُمْكِنِ وُقُوعُها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ آنِفًا.
صفحة ٢٨٨
ورُؤْيَةُ العَذابِ، كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِهِ بِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا حِين لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ لِأنَّ نُزُولَ العَذابِ هو ابْتِداءُ مُجازاتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الشُّرُوعِ في المُجازاةِ عَفْوٌ.
ومِن بَرَكَةِ هَذا الدِّينِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذابًا.
يونس 10:97
﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾
تَبَيَّنَ تَناسُبُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ فَإنَّهُ لَمّا سَبَقَ التَّعْرِيضُ إلى المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في صِدْقِ النَّبِيئِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِمْ في صِدْقِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّهم مِن زُمْرَةِ الفِرَقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا، فَهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الحُجَّةُ لِأنَّهم أهْلُ مُكابَرَةٍ، ولَيْسُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها عُقُولُهم غَيْرُ قابِلَةٍ لِحَقائِقِ الإيمانِ، فالَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ الآياتِ هم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، تِلْكَ أماراتُهم. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ.
صفحة ٢٨٧
ومَعْنى حَقَّتْ ثَبَتَتْ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَمَكُّنُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ. والمُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ، وجُمِعَتِ الكَلِماتُ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَها ناسٌ كَثِيرُونَ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم تَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“ عَلى مُراعاةِ الجِنْسِ إذْ تَحِقُّ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كَلِمَةٌ، وهَذا الكَلامُ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. قالَ غَيْرُهم: وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مَظْهَرًا لِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشِّقْوَةِ وإنْذارٌ بِوَشْكِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.
فالمَوْصُولُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُرادٌ بِهِ مَعْهُودٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّ لِلتَّوْكِيدِ المَقْصُودِ بِهِ التَّحْقِيقُ، أيْ لا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ مِن أُولَئِكَ فَقَدِ اتَّضَحَ أمْرُهم واليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْقَصَصِ السّابِقَةِ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ الجامِعِ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي هي بِمَثابَةِ الأُمَمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وتَكُونُ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كالَّتِي في قَوْلِ بِشارٍ:
إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ
كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَكُونُ في الآيَةِ تَعْرِيضٌ آخَرُ بِالمُشْرِكِينَ.
ولَوْ وصَلْيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَكَيْفَ إذا لَمْ تَجِئْهم إلّا بَعْضُ الآياتِ.
وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ولَوْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ في الكَثْرَةِ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ الآياتِ المُمْكِنِ وُقُوعُها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ آنِفًا.
صفحة ٢٨٨
ورُؤْيَةُ العَذابِ، كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِهِ بِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا حِين لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ لِأنَّ نُزُولَ العَذابِ هو ابْتِداءُ مُجازاتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الشُّرُوعِ في المُجازاةِ عَفْوٌ.
ومِن بَرَكَةِ هَذا الدِّينِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذابًا.
يونس 10:98
﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّغْلِيطِ عَلى امْتِناعِ أهْلِ القُرى مِنَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَإنَّ أهْلَ القُرى مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ بِأنْ لا يُؤْمِنُوا. والغَرَضُ مَن ذِكْرِ أهْلِ القُرى التَّعْرِيضُ بِالمَقْصُودِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ فَكانَ ذَلِكَ كالتَّخَلُّصِ بِالتَّعْرِيضِ إلى المَخْصُوصِينَ بِهِ، ولِلْإفْضاءِ بِهِ إلى ذِكْرِ قَوْمِ يُونُسَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ.
ولَوْلا حَرْفٌ يَرِدُ لَمَعانٍ مِنها التَّوْبِيخُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّوْبِيخِ كِنايَةً عَنِ التَّغْلِيطِ؛ لِأنَّ أهْلَ القُرى قَدِ انْقَضَوْا، وذَلِكَ أنَّ أصْلَ مَعْنى لَوْلا التَّحْضِيضُ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ بِحَثٍّ، فَإذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ قَدْ فاتَ وُقُوعُهُ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّغْلِيطِ والتَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ عَلى تَفْوِيتِهِ، ويَكُونُ ما بَعْدَها في هَذا الِاسْتِعْمالِ فِعْلَ مُضِيٍّ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦] . وإذا تَوَجَّهَ الكَلامُ الَّذِي فِيهِ (لَوْلا) إلى غَيْرِ صاحِبِ الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]
صفحة ٢٨٩
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] وهَذِهِ الآيَةُ أصْرَحُ في ذَلِكَ لِوُجُودِ كانَ الدّالَّةِ عَلى المُضِيِّ والِانْقِضاءِ. والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ يُوشِكُ أنْ يَكُونُوا عَلى سُنَنِ أهْلِ القُرى. قالَ - تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالًا ومَعْنًى قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْرِيضِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ.
والمُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ الوارِدَةِ في قَوْمِ يُونُسَ أنَّهم بادَرُوا إلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم يُونُسُ، تَوَقُّعًا لِنُزُولِ العَذابِ، وقَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ إيّاهم لَيْسَتْ مُخالَفَةً لِما عامَلَ بِهِ غَيْرَهم مِن أهْلِ القُرى، وأنْ لَيْسَتْ لِقَوْمِ يُونُسَ خُصُوصِيَّةً، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ اسْتِثْناؤُهِمُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.
وإذْ كانَ الكَلامُ تَغْلِيطًا لِأهْلِ القُرى المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ. كانَ الكَلامُ إثْباتًا صَرِيحًا، ووُقُوعُ ”قَرْيَةٌ“ وهو نَكِرَةٌ في مَساقِ الإثْباتِ أفادَ العُمُومَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ مِثْلَ قَوْلِ الحَرِيرِيِّ ”يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا“ أيْ كُلَّ ضُرٍّ لا ضُرًّا مُعَيَّنًا، وبِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ مِعْيارُ العُمُومِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن كَلامٍ مُوجَبٍ فَلِذَلِكَ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ. وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ العُكْبَرِيِّ في إعْرابِ القُرْآنِ، والكَواشِيِّ في التَّخْلِيصِ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا جُمْلَةَ ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ في قُوَّةِ المَنفِيَّةِ، وجَعَلُوا الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا مَنصُوبًا ولا داعِيَ إلى ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ لَمّا آمَنُوا مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَفْصِيلِ مُجْمَلِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ. وفي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ أهْلَ مَكَّةَ يُعامِلُهُمُ اللَّهُ مُعامَلَةَ قَوْمِ يُونُسَ إذْ آمَنُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ. وذَلِكَ حالُهم عِنْدَما تَسامَعُوا بِقُدُومِ جَيْشِ غَزْوَةِ الفَتْحِ الَّذِي لا قِبَلَ لَهم بِهِ عِدَّةً وعُدَّةً، فَيَكادُ يَحِلُّ بِهِمْ عَذابُ اسْتِئْصالٍ لَوْلا أنَّهم عَجَّلُوا بِالإيمانِ يَوْمَ الفَتْحِ. فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ: أنْتُمُ الطُّلَقاءُ.
صفحة ٢٩٠
وقَوْمُ يُونُسَ هم أهْلُ قَرْيَةِ نَيْنَوى مِن بِلادِ العِراقِ. وهم خَلِيطٌ مِنَ الآشُورِيِّينَ واليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في أُسَرِ مُلُوكِ بابِلَ بَعْدَ بُخْتُنَصَّرَ. وكانَتْ بِعْثَةُ يُونُسَ إلَيْهِمْ في أوَّلِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ يُونُسَ وتَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ.
ولَمّا كَذَّبَهُ أهْلُ نَيْنَوى تَوَعَّدَهم بِخَسْفِ مَدِينَتِهِمْ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ غاضِبًا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا خَرَجَ خافُوا نُزُولَ العَذابِ بِهِمْ فَتابُوا وآمَنُوا بِاللَّهِ فَقَبِلَ اللَّهُ إيمانَهم ولَمْ يُعَذِّبْهم. والمَذْكُورُ أنَّهم رَأوْا غَيْمًا أسْوَدَ بَعْدَ مُضِيِّ خَمْسَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا مِن حِينِ تَوَعَّدَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحُلُولِ العَذابِ فَعَلِمُوا أنَّهُ مُقَدِّمَةُ العَذابِ فَآمَنُوا وخَضَعُوا لِلَّهِ - تَعالى - فَأمْسَكَ عَنْهُمُ العَذابَ. وسَيَجِيءُ ذِكْرُ ما حَلَّ بِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في خُرُوجِهِ ذَلِكَ مِنِ ابْتِلاعِ الحُوتِ إيّاهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والكَشْفُ: إزالَةُ ما هو ساتِرٌ لِشَيْءٍ، وهو هُنا مَجازٌ في الرَّفْعِ. والمُرادُ: تَقْدِيرُ الرَّفْعِ وإبْطالُ العَذابِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَعُبِّرَ عَنْهُ بِالكَشْفِ تَنْزِيلًا لِمُقارَبَةِ الوُقُوعِ مَنزِلَةَ الوُقُوعِ.
والخِزْيُ: الإهانَةُ والذُّلُّ. وإضافَةُ العَذابِ إلى الخِزْيِ يَجُوزُ كَوْنُها بَيانِيَّةً لِأنَّ العَذابَ كُلَّهُ خِزْيٌ، إذْ هو حالَةٌ مِنَ الهَلاكِ غَيْرُ مُعْتادَةٍ فَإذا قَدَّرَها اللَّهُ لِقَوْمٍ فَقَدْ أرادَ إذْلالَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً لِلتَّخْصِيصِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الخِزْيِ الحالَةُ المُتَصَوَّرَةُ مِن حُلُولِهِ. وهي شَناعَةُ الحالَةِ لِمَن يُشاهِدُهم مِثْلُ الخَسْفِ والحَرْقِ والغَرَقِ، وأشْنَعُ الخِزْيِ ما كانَ بِأيْدِي أُناسٍ مِثْلِهِمْ، وهو عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، والَّذِي كادَ أنْ يَحِلَّ بِجَمِيعِ قُرَيْشٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَنَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُ كَما نَجّى قَوْمَ يُونُسَ.
صفحة ٢٩١
و﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ صِفَةٌ لـِ ﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالأُمَمِ الكافِرَةِ هو عُقابٌ في الدُّنْيا وبَعْدَهُ عِقابٌ في الآخِرَةِ، وأنَّ الأُمَمَ الَّتِي لَمْ تُعَذَّبْ في الدُّنْيا قَدِ ادُّخِرَ لَها عَذابُ الآخِرَةِ.
والتَّمْتِيعُ: الإمْهالُ.
وإبْهامُ حِينَ لِأنَّهُ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ آجالِ آحادِهِمْ، والمُرادُ بِهِ التَّمْتِيعُ بِالحَياةِ لا بِكَشْفِ العَذابِ؛ لِأنَّهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ ناجُونَ مِنَ العَذابِ إذْ كانُوا قَدْ آمَنُوا وأخْلَصُوا.
ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في نَجاةِ قَوْمِ يُونُسَ تَتَمَثَّلُ في أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ تَكْذِيبَهم يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ ناشِئًا عَنْ تَصْمِيمٍ عَلى الكُفْرِ واسْتِخْفافٍ بِعَظَمَةِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ كانَ شَكًّا في صِدْقِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَعَلَّ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا عَلى بَقِيَّةٍ مِن شَرِيعَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنَّما حَرَّفُوا وحادُوا عَنْ طَرِيقِ الإيمانِ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَإنَّ في نَيْنَوى كَثِيرًا مِن أسْرى بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا في أسْرِ الآشُورِيِّينَ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَلَمّا أوْعَدَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالعَذابِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ورَأوْا أماراتِهِ بَعْدَ خَمْسَةٍ وثَلاثِينَ يَوْمًا اهْتَدَوْا وآمَنُوا إيمانًا خالِصًا.
وثانِيهُما: أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةُ المُغاضَبَةِ كانَ قَدْ خَلَطَ في دَعْوَتِهِ شَيْئًا مِن حَظِّ النَّفْسِ وإنْ كانَ لِفائِدَةِ الدِّينِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ إيمانَ قَوْمِهِ لِعِلْمِهِ كَمالَ الإيمانِ والصَّبْرِ والتَّسْلِيمِ لِلَّهِ، وهَذا عَتّابٌ وتَأْدِيبٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأُمَّةَ مِن تَوَهُّمِ أنَّ ما جَرى لِيُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُغاضَبَةِ والمُعاقَبَةِ يُنْقِصُ مِن قَدْرِهِ فَقالَ ﷺ: «لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى» يَعْنِي في صِحَّةِ الرِّسالَةِ لا في التَّفاضُلِ فِيها.
وقَدْ كانَ حالُ أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ قَوْمِ يُونُسَ إذْ بادَرُوا إلى الإيمانِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ جَيْشِ الفَتْحِ مَكَّةَ وقَبْلَ أنْ يَقَعُوا في قَبْضَةِ الأسْرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْجُ مِنهم
صفحة ٢٩٢
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ مُؤْمِنًا قَبْل أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَنْفَعْهُ التَّعَلُّقُ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ لِأنَّ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ لَيْسَ بِإيمانٍ وإنَّما هو مِن شِعارِ العَوَذِ في الجاهِلِيَّةِ بِما أبْطَلَهُ الإسْلامُ إذْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا» . وقَدْ بَيَّنّا في آخِرِ سُورَةِ غافِرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] إلى آخَرِ السُّورَةِ فانْظُرْهُ.
يونس 10:99
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ. وهَذا تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن مُشابَهَةِ حالِ قُرَيْشٍ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِحالٍ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ مُوسى وقَوْمِ يُونُسَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالمُقَدِّمَةِ الكُلِّيَّةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها، وهي جُمْلَةُ أفَأنْتَ تُكْرِهُ المُفَرَّعَةُ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وهي المَقْصُودُ مِنَ التَّسْلِيَةِ.
والنّاسُ: العَرَبُ، أوْ أهْلُ مَكَّةَ مِنهم، وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ مَن سَوْقِ القَصَصِ الماضِيَةِ كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١]
والتَّأْكِيدُ بِـ كُلُّهم لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن مَنِ المَوْصُولَةِ فَإنَّها لِلْعُمُومِ، والتَّأْكِيدُ بِـ جَمِيعًا لِزِيادَةِ رَفْعِ احْتِمالِ العُمُومِ العُرْفِيِّ دُونَ الحَقِيقِيِّ.
والمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَدارِكَ النّاسِ مُتَساوِيَةً مُنْساقَةً إلى الخَيْرِ، فَكانُوا سَواءً في قَبُولِ الهُدى والنَّظَرِ الصَّحِيحِ.
صفحة ٢٩٣
ولَوْ تَقْتَضِي انْتِفاءَ جَوابِها لِانْتِفاءِ شَرْطِها. فالمَعْنى: لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ خَلَقَ عُقُولَ النّاسِ مُتَأثِّرَةً ومُنْفَعِلَةً بِمُؤَثِّراتِ التَّفاوُتِ في إدْراكِ الحَقائِقِ فَلَمْ يَتَواطَئُوا عَلى الإيمانِ، وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا إذا اسْتَكْمَلَتْ خِلْقَةُ عَقْلِها ما يُهَيِّئُها لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ وحُسْنِ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الخَيْرِ ومُغالَبَةِ الهُدى في الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ.
وجُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إلَخْ مُفَرَّعَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ اللَّهَ لَمْ تَتَعَلَّقْ مَشِيئَتُهُ بِاتِّفاقِ النّاسِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارُ ما هو كالمُحاوَلَةِ لِتَحْصِيلِ إيمانِهِمْ جَمِيعًا.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إنْكارِيٌّ، فَنَزَّلَ النَّبِيءَ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ أهْلِ مَكَّةَ وحَثِيثِ سَعْيِهِ لِذَلِكَ بِكُلِّ وسِيلَةٍ صالِحَةٍ مَنزِلَةَ مَن يُحاوِلُ إكْراهَهم عَلى الإيمانِ حَتّى تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ إنْكارَهُ عَلَيْهِ.
ولِأجْلِ كَوْنِ هَذا الحِرْصِ الشَّدِيدِ هو مَحَلُّ التَّنْزِيلِ ومَصَبُّ الإنْكارِ وقَعَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، فَقِيلَ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: أفَتُكْرِهُ النّاسَ، أوْ أفَأنْتَ مُكْرِهُ النّاسِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى مِثْلِ هَذا المُسْنَدِ يُفِيدُ تَقَوِّيَ الحُكْمِ فَيُفِيدُ تَقْوِيَةَ صُدُورِ الإكْراهِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِتَكُونَ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ مَحَلَّ الإنْكارِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ومَعْذِرَةٌ لَهُ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ إيّاهُ، ومَن بَلَغَ المَجْهُودَ حَقَّ لَهُ العُذْرُ.
ولَيْسَ تَقْدِيُمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ، أيِ القَصْرِ؛ لِأنَّ المَقامَ غَيْرُ صالِحٍ لِاعْتِبارِ القَصْرِ، إذْ مُجَرَّدُ تَنْزِيلِ النَّبِيءِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَ النّاسِ عَلى الإيمانِ كافٍ في الإشارَةِ إلى تَشْبِيهِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِحِرْصِ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَهم عَلَيْهِ. فَما وقَعَ في الكَشّافِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ غَيْرُ وجِيهٍ؛ لِأنَّ قَرِينَةَ التَّقَوِّي واضِحَةٌ كَما أشارَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ.
والإكْراهُ: الإلْجاءُ والقَسْرُ.
يونس 10:100
صفحة ٢٩٤
﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾
عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها لِأنَّ مَضْمُونَها إنْكارُ أنْ يَقْدِرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى إلْجاءِ النّاسِ إلى الإيمانِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ كَيْفَ يُمْكِنُكَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ والحالُ أنَّهُ لا تَسْتَطِيعُ نَفْسٌ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لَها بِالإيمانِ.
والإذْنُ: هُنا إذَنُ تَكْوِينٍ وتَقْدِيرٍ. فَهو، خَلَقَ النَّفْسَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الحَقِّ مُمَيِّزَةً بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّلاحِ والفَسادِ، مُتَوَصِّلَةً بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إلى مَعْرِفَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يُتَّبَعَ وما لا يَنْبَغِي، مُتَمَكِّنَةً بِصِحَّةِ الإرادَةِ مِن زَجْرِ داعِيَةِ الهَوى والأعْراضِ العاجِلَةِ ومِنِ اتِّباعِ داعِيَةِ الحَقِّ والعاقِبَةِ الدّائِمَةِ حَتّى إذا وُجِّهَ إلَيْها الإرْشادُ حَصَلَ فِيها الهُدى.
ويُومِئُ إلى هَذا المَعْنى مِنَ الإذْنِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَقابَلَ هَذِهِ الحالَةَ بِحالَةِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فَعَلِمَ أنَّ حالَةَ الإيمانِ حالَةُ مَن يَعْقِلُونَ، فَبَيَّنَتْ آيَةُ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] أنَّ إيمانَ مَن لَمْ يُؤْمِن هو لِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ. وبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ إيمانَ مَن آمَنَ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ، وكِلاهُما راجِعٌ إلى تَقْدِيرِ التَّكْوِينِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ.
والرِّجْسُ: حَقِيقَتُهُ الخُبْثُ والفَسادُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ خُبْثٌ نَفْسانِيٌّ، والقَرِينَةُ مُقابَلَتُهُ بِالإيمانِ كالمُقابِلَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . والمَعْنى: ويُوقِعُ
صفحة ٢٩٥
الكُفْرَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. والمُرادُ نَفْيُ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِينَ لا تَهْتَدِي عُقُولُهم إلى إدْراكِ الحَقِّ ولا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُسْتَعْمَلِ في التَّمَكُّنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَجْعَلُ بِنُونِ العَظَمَةِ.
يونس 10:101
﴿قُلُ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] إلَخْ. قَسَّمَ النّاسَ إلى قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، أيْ فادْعُهم إلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ والإرْشادِ إلى تَحْصِيلِ أسْبابِ الإيمانِ ودَفْعِ غِشاواتِ الكُفْرِ، وذَلِكَ بِالإرْشادِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِما هو حَوْلَ الإنْسانِ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ وتَصارِيفِها الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، مِثْلِ أجْرامِ الكَواكِبِ، وتَقادِيرِ مَسِيرِها، وأحْوالِ النُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ، وكَذَلِكَ البِحارُ والجِبالُ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِـ قُلْ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.
وقَدْ عَمَّمَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِتَتَوَجَّهَ كُلُّ نَفْسٍ إلى ما هو أقْرَبُ إلَيْها وأيْسَرُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِ لَدَيْها.
والنَّظَرُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ القَلْبِيِّ والنَّظَرِ البَصَرِيِّ، ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنْ إعْمالِهِ عَمَلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ لِكَيْلا يَتَمَحَّضَ لَهُ، فَجِيءَ بَعْدَهُ بِالِاسْتِفْهامِ المُعَلِّقِ لِكِلا الفِعْلَيْنِ بِحَيْثُ أصْبَحَ حَمْلُ النَّظَرِ عَلى كِلَيْهِما عَلى حَدِّ السَّواءِ فَصارَ صالِحًا لِلْمَعْنَيَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وذَلِكَ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ.
صفحة ٢٩٦
وماذا بِمَعْنى ما الَّذِي، وما اسْتِفْهامٌ، وذا أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ، وهو إذا وقَعَ بَعْدَ ما قامَ مَقامَ اسْمٍ مَوْصُولٍ. و﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قائِمٌ مَقامَ صِلَةِ المَوْصُولِ. وأصْلُ وضْعِ التَّرْكِيبِ: ما هَذا في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ ما المُشارُ إلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ في مَعْنى: ما الَّذِي. والمَقْصُودُ: انْظُرُوا ما يَدُلُّكم عَلى جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ حالَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ بِتَرْكِيبِهِ في صُورَةِ مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ: انْظُرُوا الشَّمْسَ طالِعَةً، وانْظُرُوا السَّحابَ مُمْطِرًا، وهَكَذا، وكُلُّ شَيْءٍ هو في ذاتِهِ آيَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ البَصَرِيِّ نَحْوَ: انْظُرُوا إنْباتَ الأرْضِ بَعْدَ جَدْبِها فَهو آيَةٌ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. فَـ ذا لَمّا قامَ مَقامَ اسْمِ المَوْصُولِ صارَ مِن صِيَغِ العُمُومِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الأجْرامِ وأعْراضِها الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وأخَصُّ ذَلِكَ التَّأمُّلُ في خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ ونَشْأةِ دَعْوَتِهِ، والنَّظَرِ فِيما جاءَ بِهِ. فَكُلُّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَمالِهِ وصِدْقِهِ.
وقَدْ طُوِيَ في الكَلامِ جَوابُ الأمْرِ لِوُقُوعِ الأمْرِ عَقِبَ أسْبابِ الإيمانِ، فالتَّقْدِيرُ: انْظُرُوا تَرَوْا آياتٍ مُوصِلَةٍ إلى الإيمانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ ذُيِّلَتْ بِها جُمْلَةُ ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً لِمَقُولِ القَوْلِ مِمّا أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهم ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى أبْلِغْهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ ولَيْسَتْ تُغْنِي الآياتُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، أيِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ نُفُوسَهم لا تُؤْمِنُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا أنَّ ذَلِكَ آياتٌ كَما تَقَدَّمَ حَسُنَ وقْعُ التَّعْبِيرِ عَنْها بِالآياتِ هُنا، فَمَعْنى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾: وما يُغْنِي ما في السَّماواتِ والأرْضِ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِالآياتِ كالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. وزِيدَتِ النُّذُرُ فَعُطِفَتْ عَلى الآياتِ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ حَتّى تَكُونَ أوْسَعَ دَلالَةٍ مِنَ الَّتِي قَبْلَها لِتَكُونَ كالتَّذْيِيلِ لَها، وذَلِكَ أنَّ
صفحة ٢٩٧
القُرْآنَ جاءَ لِلنّاسِ بِالِاسْتِدْلالِ وبِالتَّخْوِيفِ ثُمَّ سَجَّلَ عَلى هَذا الفَرِيقِ بِأنَّهُ لا تَنْجَعُ فِيهِ الآياتُ والأدِلَّةُ ولا النُّذُرُ والمُخَوِّفاتُ.
ولَفْظُ ﴿قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يُفِيدُ أنَّ انْتِفاءَ الإيمانِ عَنْهم وصْفٌ عُرِفُوا بِهِ وأنَّهُ مُسْتَقِرٌّ مِن نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّ اجْتِلابَ لَفْظِ قَوْمٍ هُنا مَعَ صِحَّةِ حُلُولِ غَيْرِهِ مَحَلَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الوَصْفَ المَذْكُورَ بَعْدَهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لِأنَّهُ صارَ مِن خَصائِصِهِمْ، بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: عَمَّنْ لا يُؤْمِنُونَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ العَنْبَرِيِّ:
قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذِيهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا
أيْ: قَوْمٌ هَذِهِ سَجِيَّتُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ آنِفًا. وهو هُنا أبْدَعُ لِأنَّهُ عُدِلَ بِهِ عَنِ الإضْمارِ. وهَذا مِن بَدائِعِ الإعْجازِ هُنا.
يونس 10:102
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ النُّذُرِ. فَهي خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ ﷺ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ والنُّذُرِ وعَلى إصْرارِهِمْ أنْ يَسْألَ عَنْهم: ماذا يُنْتَظَرُونَ، ويُجابُ بِأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ سِيقَتْ قَصَصُهم في الآياتِ الماضِيَةِ، ووَقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ لِإفادَتِها تَحْقِيقَ السُّؤالِ وهو بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وأنَّهُ جَدِيرٌ بِالجَوابِ بِالتَّحْقِيقِ.
صفحة ٢٩٨
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ تَهَكُّمِيٌّ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا يَأْتِيهِمْ لِيُؤْمِنُوا، ولَيْسَ ثَمَّةُ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَنْتَظِرُوهُ إلّا أنْ يَنْتَظِرُوا حُلُولَ مِثْلِ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيها.
وضُمِّنَ الِاسْتِفْهامُ مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. والتَّقْدِيرُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا، ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ.
وأُطْلِقَتِ الأيّامُ عَلى ما يَقَعُ فِيها مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ. ومِن هَذا إطْلاقُ (أيّامِ العَرَبِ) عَلى الوَقائِعِ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ . وفُصِلَ بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ بِـ قُلْ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ. ولِيَنْتَقِلَ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْمَهُ وبِذَلِكَ يَصِيرُ التَّفْرِيعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُخْتَلِفَيِ القائِلِ شَبِيهًا بِعَطْفِ التَّلْقِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ في مَقامِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ اخْتِلافٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُما آئِلان إلى كَلامٍ واحِدٍ. وهَذا مَوْقِعٌ غَرِيبٌ لِفاءِ التَّفْرِيعِ.
وبِهَذا النَّسْجِ حَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ بِالتَّفْرِيعِ اعْتُبِرَ ناشِئًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - فَكَأنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيءَ - صَلّى اٌللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا التَّبْلِيغُ، وهو يَتَضَمَّنُ وعْدَ اللَّهِ نَبِيَهُ بِأنَّهُ يَرى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ، فَهو وعِيدٌ وهو يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ. وسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ انْتَظَرُوا لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ها نَحْنُ أُولاءِ نَنْتَظِرُ وأنْتَ ماذا تَفْعَلُ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَرَقُّبِهِ النَّصْرَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سُوءًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ
صفحة ٢٩٩
يَنْتَظِرُ مِن ذَلِكَ ضِدَّ ما يَحْصُلُ لَهم، فالمَعِيَّةُ في أصْلِ الِانْتِظارِ لا في الحاصِلِ بِالِانْتِظارِ.
ومَعَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ومِنَ المُنْتَظَرِينَ خَبَرُ إنَّ ومُفادُهُ مُفادُ مَعَ إذْ ماصَدَقَ، المُنْتَظِرِينَ: هُمُ المُخاطَبُونَ المُنْتَظِرُونَ.
و﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ لِأنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأيّامِ يَوْمُ عَذابٍ. ولَمّا كانُوا مُهَدَّدِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ عَجَّلَ اللَّهُ البِشارَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ بِقُدْرَتِهِ كَما أنْجى الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ كَذَلِكَ إلى الإنْجاءِ المُسْتَفادِ مِن ثُمَّ نُنَجِّي
وحَقًّا عَلَيْنا: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّ المَصْدَرَ بُدِّلَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا.
وجَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلتَّفَضُّلِ بِهِ والكَرامَةِ حَتّى صارَ كالحَقِّ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى وِزانِ نُنَجِّي رُسُلَنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مِنَ الإنْجاءِ. فالمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَظِيرِهِ الَّذِي قَبْلَهُ تَفَنُّنٌ، والمَعْنى واحِدٌ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ نُنَجِّ المُؤْمِنِينَ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الجِيمِ عَلى صُورَةِ النُّطْقِ بِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
يونس 10:103
﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ النُّذُرِ. فَهي خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ ﷺ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ والنُّذُرِ وعَلى إصْرارِهِمْ أنْ يَسْألَ عَنْهم: ماذا يُنْتَظَرُونَ، ويُجابُ بِأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ سِيقَتْ قَصَصُهم في الآياتِ الماضِيَةِ، ووَقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ لِإفادَتِها تَحْقِيقَ السُّؤالِ وهو بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وأنَّهُ جَدِيرٌ بِالجَوابِ بِالتَّحْقِيقِ.
صفحة ٢٩٨
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ تَهَكُّمِيٌّ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا يَأْتِيهِمْ لِيُؤْمِنُوا، ولَيْسَ ثَمَّةُ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَنْتَظِرُوهُ إلّا أنْ يَنْتَظِرُوا حُلُولَ مِثْلِ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيها.
وضُمِّنَ الِاسْتِفْهامُ مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. والتَّقْدِيرُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا، ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ.
وأُطْلِقَتِ الأيّامُ عَلى ما يَقَعُ فِيها مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ. ومِن هَذا إطْلاقُ (أيّامِ العَرَبِ) عَلى الوَقائِعِ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ . وفُصِلَ بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ بِـ قُلْ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ. ولِيَنْتَقِلَ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْمَهُ وبِذَلِكَ يَصِيرُ التَّفْرِيعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُخْتَلِفَيِ القائِلِ شَبِيهًا بِعَطْفِ التَّلْقِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ في مَقامِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ اخْتِلافٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُما آئِلان إلى كَلامٍ واحِدٍ. وهَذا مَوْقِعٌ غَرِيبٌ لِفاءِ التَّفْرِيعِ.
وبِهَذا النَّسْجِ حَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ بِالتَّفْرِيعِ اعْتُبِرَ ناشِئًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - فَكَأنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيءَ - صَلّى اٌللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا التَّبْلِيغُ، وهو يَتَضَمَّنُ وعْدَ اللَّهِ نَبِيَهُ بِأنَّهُ يَرى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ، فَهو وعِيدٌ وهو يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ. وسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ انْتَظَرُوا لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ها نَحْنُ أُولاءِ نَنْتَظِرُ وأنْتَ ماذا تَفْعَلُ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَرَقُّبِهِ النَّصْرَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سُوءًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ
صفحة ٢٩٩
يَنْتَظِرُ مِن ذَلِكَ ضِدَّ ما يَحْصُلُ لَهم، فالمَعِيَّةُ في أصْلِ الِانْتِظارِ لا في الحاصِلِ بِالِانْتِظارِ.
ومَعَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ومِنَ المُنْتَظَرِينَ خَبَرُ إنَّ ومُفادُهُ مُفادُ مَعَ إذْ ماصَدَقَ، المُنْتَظِرِينَ: هُمُ المُخاطَبُونَ المُنْتَظِرُونَ.
و﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ لِأنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأيّامِ يَوْمُ عَذابٍ. ولَمّا كانُوا مُهَدَّدِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ عَجَّلَ اللَّهُ البِشارَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ يُنَجِّيهِمْ مِن ذَلِكَ العَذابِ بِقُدْرَتِهِ كَما أنْجى الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ بِـ كَذَلِكَ إلى الإنْجاءِ المُسْتَفادِ مِن ثُمَّ نُنَجِّي
وحَقًّا عَلَيْنا: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِأنَّ المَصْدَرَ بُدِّلَ مِنَ الفِعْلِ، أيْ حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا.
وجَعَلَهُ اللَّهُ حَقًّا عَلَيْهِ تَحْقِيقًا لِلتَّفَضُّلِ بِهِ والكَرامَةِ حَتّى صارَ كالحَقِّ عَلَيْهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى وِزانِ نُنَجِّي رُسُلَنا. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مِنَ الإنْجاءِ. فالمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَظِيرِهِ الَّذِي قَبْلَهُ تَفَنُّنٌ، والمَعْنى واحِدٌ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ نُنَجِّ المُؤْمِنِينَ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الجِيمِ عَلى صُورَةِ النُّطْقِ بِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
يونس 10:104
صفحة ٣٠٠
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةُ المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿قُلُ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، إذِ المَقْصُودُ مِنَ النَّظَرِ المَأْمُورِ بِهِ هُنالِكَ النَّظَرُ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّ جُحُودَهم إيّاها هو الَّذِي أقْدَمَهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ بِإثْباتِها وأبْطَلَ الإشْراكَ، فَلَمّا أمَرَهم بِالنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى إثْباتِ انْفِرادِهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ أعْقَبَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهم إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الشَّكِّ فِيما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ ثابِتٌ عَلى ما جاءَ بِهِ وأنَّ دَلائِلَ صِحَّةِ دِينِهِ بَيِّنَةٌ لِلنّاظِرِينَ. والمُرادُ بِـ النّاسِ في هَذا الخِطابِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أوْ جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ لَمّا يَسْتَجِيبُوا لِلدَّعْوَةِ.
و(في) مِن قَوْلِهِ: (في شَكٍّ) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّمَكُّنِ تَشْبِيهًا لِتَمَكُّنِ الصِّفَةِ بِتَمَكُّنِ الظَّرْفِ مِنَ المَظْرُوفِ مِن جِهَةِ الإحاطَةِ.
وعَلَّقَ الظَّرْفَ بِذاتِ الدِّينِ، والمُرادُ الشَّكُّ في حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وهي الحالَةُ المُلْتَبِسَةُ بِهِمْ أعْنِي حالَةَ حَقِّيَّتِهِ.
ومِن في قَوْلِهِ: مِن دِينِي لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ شَكٌّ آتٍ مِن دِينِي. وهو ابْتِداءٌ يَئُولُ إلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ شاكِّينَ شَكًّا سَبَبُهُ دِينِي، أيْ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ الشَّكَّ يُحْمَلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣]
صفحة ٣٠١
والشَّكُّ في الدِّينِ هو الشَّكُّ في كَوْنِهِ حَقًّا، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما يَكُونُ هَذا الشَّكُّ عِنْدَ عَدَمِ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ هَذا الدِّينِ بِالكُنْهِ وعَدَمِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، فالشَّكُّ في صِدْقِهِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في ماهِيَّتِهِ لِأنَّهم لَوْ أدْرَكُوا كُنْهَهُ لَما شَكُّوا في حَقِّيَّتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ودالَّةٌ عَلَيْهِ في المَعْنى. فَتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَأنا عَلى يَقِينٍ مِن فَسادِ دِينِكم، فَلا أتَّبِعُهُ، فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ.
ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو أصْلُ دِينِ الإسْلامِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ مَعْنًى ثانٍ، أيْ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن مَعْرِفَةِ هَذا الدِّينِ فَخُلاصَتُهُ أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ولَكِنِّي أعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فَيَتَأتّى في هَذِهِ الآيَةِ غَرَضانِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ جَمِيعُ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.
والَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمُ الأصْنامُ. وعُومِلَتِ الأصْنامُ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ المَوْصُولِ الَّذِي لِجَماعَةِ العُقَلاءِ مُجاراةً لِما يَعْتَقِدُونَهُ فِيها مِنَ العَقْلِ والتَّدْبِيرِ. ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ.
واخْتِيارُ صِلَةِ التَّوَفِّي هُنا في نَعْتِ اسْمِ الجَلالَةِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّصَرُّفِ في المَخْلُوقِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمُ الإشْراكُ إلى ادِّعاءِ أنَّ الأصْنامَ تُحْيِي وتُمِيتُ. واخْتِيارُ ذَلِكَ مِن بَيْنِ الصِّفاتِ الخاصَّةِ بِاللَّهِ - تَعالى - تَعْرِيضٌ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم مُعَرَّضُونَ لِلْمَوْتِ فَيُقْصِرُونَ مِن طُغْيانِهِمْ.
والجَمْعُ بَيْنَ نَفْيِ أنْ يَعْبُدَ الأصْنامَ وبَيْنَ إثْباتِ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ يَقُومُ مَقامَ صِيغَةِ القَصْرِ لَوْ قالَ: فَلا أعْبُدُ إلّا اللَّهَ، فَوَجْهُ العُدُولِ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ: أنَّ شَأْنَها أنْ يُطْوى فِيها الطَّرَفُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالظَّرْفِ المُثْبِتِ لِأنَّهُ
صفحة ٣٠٢
المَقْصُودُ. وذَلِكَ حِينَ يَكُونُ الغَرَضُ الأصْلِيُّ هو طَرَفُ الإثْباتِ، فَأمّا إذا كانَ طَرَفُ النَّفْيِ هو الأهَمُّ كَما هُنا وهو إبْطالُ عِبادَةِ الأصْنامِ أوَّلًا عُدِلَ عَنْ صِيغَةِ القَصْرِ إلى ذِكْرِ صِيغَتَيْ نَفْيٍ وإثْباتٍ. فَهو إطْنابٌ اقْتَضاهُ المَقامُ، كَقَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ أوِ السَّمَوْألِ
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
وأُمِرْتُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
وأنْ أكُونَ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُمِرْتُ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. وهو الباءُ الَّتِي هي لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ أُمِرْتُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّ نَصْبَ الفِعْلِ المُضارِعِ بَعْدَها يُعَيِّنُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ ويَمْنَعُ احْتِمالَ أنَّها تَفْسِيرِيَّةٌ.
وأُرِيدَ بِالمُؤْمِنِينَ عَقائِبُ هَذا اللَّقَبِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ ﷺ وبِالقُرْآنِ والبَعْثِ فَإذا أُطْلِقَ لَفْظُ المُؤْمِنِينَ انْصَرَفَ إلى القَوْمِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِالإسْلامِ، ولِذَلِكَ لا يُقَدَّرُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُتَعَلِّقٌ. وفي جَعْلِ النَّبِيءِ ﷺ مِن جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفٌ لِهَذا الجَمْعِ وتَنْوِيهٌ بِهِ.
يونس 10:105
﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُعْضِلٌ لِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ لا مَحالَةَ، ووَقَعَتْ بَعْدَها أنْ. فالأظْهَرُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً، فَوُقُوعُ فِعْلِ الطَّلَبِ بَعْدَها غَيْرُ مَأْلُوفٍ لِأنَّ حَقَّ صِلَةِ أنْ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً. قالَ في الكَشّافِ: قَدْ سَوَّغَ سِيبَوَيْهِ أنْ تُوصَلَ أنْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ وصْلُ أنْ بِما تَكُونُ مَعَهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، وفِعْلا الأمْرِ والنَّهْيِ دالّانِ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ غَيْرُهُما مِنَ الأفْعالِ ا ه. يُشِيرُ إلى ما في كِتابِ سِيبَوَيْهِ " بابٌ تَكُونُ (أنْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ (أيْ) . فالمَعْنى: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ وجْهِيَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، ويَكُونُ العَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.
صفحة ٣٠٣
وقِيلَ الواوُ عَطَفَتْ فِعْلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ أُمِرْتُ. والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ، وتَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ لِأنَّهُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وعِنْدِي: أنَّ أُسْلُوبَ نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَقَعْ إلّا لِمُقْتَضًى بَلاغِيٍّ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِصِيغَةِ أقِمْ وجْهَكَ خُصُوصِيَّةٌ في هَذا المَقامِ، فَلْنُعْرِضْ عَمّا وقَعَ في الكَشّافِ وعَنْ جَعْلِ الآيَةِ مِثالًا لِما سَوَّغَهُ سِيبَوَيْهِ ولْنَجْعَلِ الواوَ مُتَوَسَّعًا في اسْتِعْمالِها بِأنِ اسْتُعْمِلَتْ نائِبَةً مَنابَ الفِعْلِ الَّذِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ، أيْ فِعْلِ أُمِرْتُ دُونَ قَصْدِ تَشْرِيكِها لِمَعْطُوفِها مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِهِ. والتَّقْدِيرُ: أُمِرْتُ أنْ أقِمْ وجْهَكَ فَتَكُونُ أنْ تَفْسِيرًا لِما في الواوِ مِن تَقْدِيرِ لَفْظِ فِعْلِ أُمِرْتُ لِقَصْدِ حِكايَةِ اللَّفْظِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِلَفْظِهِ، ولِيَتَأتّى عَطْفُ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهَذا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لا مَن عَطَفِ المُفْرَداتِ، وقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] في سُورَةِ العُقُودِ، وهو هُنا أوَعْبُ.
والإقامَةُ: جَعْلَ الشَّيْءِ قائِمًا. وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِإفْرادِ الوَجْهِ بِالتَّوَجُّهِ إلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لا يَتْرُكُ وجْهَهُ يَنْثَنِي إلى شَيْءٍ آخَرَ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الدِّينِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: مَحِّضْ وجْهَكَ لِلدِّينِ لا تَجْعَلْ لِغَيْرِ الدِّينِ شَرِيكًا في تَوَجُّهِكَ. وهَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةُ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ نَفْسِهِ بِأسْرِها لِأجْلِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وإرْشادِ الأُمَّةِ وإصْلاحِها. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ وهو دِينُ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّهُ حَنِفَ أيْ مالَ عَنِ الآلِهَةِ وتَمَحَّضَ لِلَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
صفحة ٣٠٤
﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نَهْيٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَصْرِيحًا بِمَعْنى حَنِيفًا. وتَأْكِيدُ الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ اعْتِناءً بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الشِّرْكِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ المُشْرِكِينَ ونَحْوَهُ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ مِن نَحْوِ: لا تَكُنْ مُشْرِكًا، لِما فِيهِ مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنَ الطّائِفَةِ ذاتِ نِحْلَةِ الإشْراكِ.
يونس 10:106
﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥]
ولَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِئَلّا يَمْنَعَ وُجُودُها مِن حَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ بِأنَّ حَذْفَهُ تَخْفِيفٌ وفَصاحَةٌ، ولِأنَّ النَّهْيَ لَمّا اقْتَرَنَ بِما يُومِئُ إلى التَّعْلِيلِ كانَ فِيهِ غُنْيَةٌ عَنْ تَأْكِيدِهِ لِأنَّ المَوْصُولَ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ يُومِئُ إلى وجْهِ النَّهْيِ عَنْ دُعائِكَ، إذْ دُعاءُ أمْثالِها لا يَقْصِدُهُ العاقِلُ.
ومِن دُونِ اللَّهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ فِعْلِ تَدْعُ ومَفْعُولِهِ، وهو إدْماجٌ لِلْحَثِّ عَلى دُعائِهِ اللَّهَ.
وتَفْرِيعُ: فَإنْ فَعَلْتَ عَلى النَّهْيَيْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَعْذِرَةَ لِمَن يَأْتِي ما نُهِيَ عَنْهُ بَعْدَ أنْ أُكِّدَ نَهْيُهُ وبُيِّنَتْ عِلَّتُهُ، فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ واعْتَدى عَلى حَقِّ رَبِّهِ.
وأكَّدَ الكَوْنَ مِنَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِـ إنَّ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ، وأُتِيَ بِـ إذَنْ لِلْإشارَةِ إلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ: فَإنْ فَعَلْتَ فَماذا يَكُونُ ؟ .
صفحة ٣٠٥
وفِي قَوْلِهِ: مِنَ الظّالِمِينَ مِن تَأْكِيدٌ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: مِنَ المُشْرِكِينَ ونَظائِرِهِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا الفَرْضِ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى فَظاعَةِ عِظَمِ هَذا الفِعْلِ حَتّى لَوْ فَعَلَهُ أشْرَفُ المَخْلُوقِينَ لَكانَ مِنَ الظّالِمِينَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
يونس 10:107
﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهْوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِإبْطالِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نافِعَةً أوْ ضارَّةً، وكانَ إسْنادُ النَّفْعِ أوِ الضُّرِّ أكْثَرَ ما يَقَعُ عَلى مَعْنى صُدُورِهِما مِن فاعِلِهِما ابْتِداءً، ولا يَتَبادَرُ مِن ذَلِكَ الإسْنادِ مَعْنى الوَساطَةِ في تَحْصِيلِهِما مِن فاعِلٍ، عُقِّبَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ النَّفْعَ أوِ الضُّرَّ لِأحَدٍ لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْها أوْ يَتَعَرَّضَ فِيها إلّا مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ بِدُعاءٍ أوْ شَفاعَةٍ.
ووَجْهُ عَطْفِها عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِما بَيْنَهُما مِن تَغايُرٍ في المَعْنى بِالتَّفْصِيلِ والزِّيادَةِ، وبِصِيغَتَيِ العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الدّاخِلِ فِيهِما أصْنامُهم وهي المَقْصُودَةُ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]
صفحة ٣٠٦
وتَوْجِيهُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِالخَيْرِ ونَفْيِ الضُّرِّ. فَيَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ أوْلى بِهَذا الحَكَمِ وهَذا المَقْصُودُ.
والمَسُّ: حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى جِسْمٍ لِاخْتِبارِ مَلْمَسِهِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الإصابَةِ مَجازًا مُرْسَلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.
والإرادَةُ بِالخَيْرِ: تَقْدِيرُهُ والقَصْدُ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَتَرَدَّدُ عِلْمُهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا فَعَلَهُ، فَإطْلاقُ الإرادَةِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . وقَدْ عَبَّرَ بِالمَسِّ في مَوْضِعِ الإرادَةِ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] . ولَكِنْ عَبَّرَ هُنا بِالإرادَةِ مُبالَغَةً في سَلْبِ المَقْدِرَةِ عَمَّنْ يُرِيدُ مُعارَضَةَ مُرادِهِ - تَعالى - كائِنًا مَن كانَ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ التَّعَرُّضَ لِلَّهِ في خَيْرِهِ ولَوْ كانَ بِمُجَرَّدِ إرادَتِهِ قَبْلَ حُصُولِ فِعْلِهِ، فَإنَّ التَّعَرُّضَ حِينَئِذٍ أهْوَنُ لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ الأنْعامِ فَسِياقُها في بَيانِ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعالى - لا في تَنْزِيهِهِ عَنِ المُعارِضِ والمُعانِدِ.
والفَضْلُ: هو الخَيْرُ، ولِذَلِكَ فَإيقاعُهُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَيْرَ الواصِلَ إلى النّاسِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم بِهِ لِأنَّهم عَبِيدٌ إلَيْهِ يُصِيبُهم بِما يَشاءُ.
وتَنْكِيرُ ضُرٍّ وخَيْرٍ لِلنَّوْعِيَّةِ الصّالِحَةِ لِلْقِلَّةِ والكَثْرَةِ.
وكُلٌّ مِن جُمْلَةِ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَها، ولَيْسَ الجَوابُ بِمَحْذُوفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِما قَبْلَها والحَوْصَلَةِ لَهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى الخَيْرِ، فَيَكُونُ امْتِنانًا وحَثًّا عَلى التَّعَرُّضِ لِمَرْضاةِ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ مِمّا حَقَّتْ عَلَيْهِمْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أنْ يُصِيبَهم بِالخَيْرِ، أوْ يَعُودَ
صفحة ٣٠٧
إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الضُّرِّ، والضَّمِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَذْكُورٌ فَيَكُونُ تَخْوِيفًا وتَبْشِيرًا وتَحْذِيرًا وتَرْغِيبًا.
وقَدْ أُجْمِلَتِ المَشِيئَةُ هُنا ولَمْ تُبَيَّنْ أسْبابُها لِيَسْلُكَ لَها النّاسُ كُلَّ مَسْلَكٍ يَأْمُلُونَ مِنهُ تَحْصِيلَها في العَطاءِ وكُلَّ مَسْلَكٍ يَتَّقُونَ يُوقِعُهم فِيها في الحِرْمانِ.
والإصابَةُ: اتِّصالُ شَيْءٍ بِآخَرَ ووُرُودُهُ عَلَيْهِ، وهي في مَعْنى المَسِّ المُتَقَدِّمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ هو في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]
والتَّذْيِيلُ بِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ إعْطاءَ الخَيْرِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ وتَجاوُزٌ مِنهُ - تَعالى - عَنْ سَيِّئاتِ عِبادِهِ الصّالِحِينَ، وتَقْصِيرِهِمْ وغَفَلاتِهِمْ، فَلَوْ شاءَ لَما تَجاوَزَ لَهم عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَتَوَرَّطُوا كُلُّهم.
ولَوْلا غُفْرانُهُ لَما كانُوا أهْلًا لِإصابَةِ الخَيْرِ؛ لِأنَّهم مَعَ تَفاوُتِهِمْ في الكَمالِ لا يَخْلُونَ مِن قُصُورٍ عَنِ الفَضْلِ الخاَلِدِ الَّذِي هو الكَمالُ عِنْدَ اللَّهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ «إنِّي لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
ويُشِيرُ أيْضًا إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ تَجاوَزَ عَنْ كَثِيرٍ مِن سَيِّئاتِ عِبادِهِ المُسْرِفِينَ ولَمْ يُؤاخِذْهم إلّا بِما لا يَرْضى عَنْهُ بِحالٍ كَما قالَ ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وأنَّهُ لَوْلا تَجاوُزُهُ عَنْ كَثِيرٍ لَمَسَّهُمُ اللَّهُ بِضُرٍّ شَدِيدٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
يونس 10:108
صفحة ٣٠٨
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو كَذَيْلٍ لِما مَضى في السُّورَةِ كُلِّها وحَوْصَلَةٍ لِما جَرى مِنَ الِاسْتِدْلالِ والمُجادَلَةِ والتَّخْوِيفِ والتَّرْغِيبِ، ولِذَلِكَ جاءَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلامًا جامِعًا ومُوادَعَةً قاطِعَةً.
وافْتِتاحُها بِـ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - فَهو جَدِيرٌ بِالتَّلَقِّي.
وافْتِتاحُ المَقُولِ بِالنِّداءِ لِاسْتِيعاءِ سَماعِهِمْ لِأهَمِّيَّةِ ما سَيُقالُ لَهم، والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ، ولِذَلِكَ أُطِيلُ الكَلامُ في شَأْنِهِمْ. وقَدْ ذُكِرَ مَعَهم مَنِ اهْتَدى تَشْرِيفًا لَهم.
وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ قَدْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما فِيهِ الحَقُّ قَدْ أُبْلِغَ إلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ حَقًّا.
والحَقُّ: هو الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ووَصَفَهُ بِـ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِأنَّهُ حَقٌّ مُبِينٌ لا يَخْلِطُهُ باطِلٌ ولا رَيْبٌ، فَهو مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ.
واخْتِيارُ وصْفِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ إرْشادٌ مِنَ الَّذِي يُحِبُّ صَلاحَ عِبادِهِ ويَدْعُوهم إلى ما فِيهِ نَفْعُهم شَأْنُ مَن يَرُبُّ، أيْ يَسُوسُ ويُدَبِّرُ.
وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ جاءَكُمُ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَجِيءَ الحَقِّ الواضِحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّ إتْباعَهُ غُنْمٌ لِمُتَّبِعِهِ ولَيْسَ مَزِيَّةً لَهُ عَلى اللَّهِ، لِيُتَوَصَّلَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ المُعْرِضَ عَنْهُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، ورَتَّبَ عَلَيْها تَبِعَةَ الإعْراضِ.
صفحة ٣٠٩
واللّامُ في قَوْلِهِ: لِنَفْسِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الِاهْتِداءَ نِعْمَةٌ وغِنًى وأنَّ الإعْراضَ ضُرٌّ عَلى صاحِبِهِ.
ووَجْهُ الإتْيانِ بِطَرِيقَتَيِ الحَصْرِ في ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ وفي ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَتَمَطَّوْنَ في الِاقْتِراحِ فَيَقُولُونَ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ أنَّهم يَمُنُّونَ عَلَيْهِ لَوْ أسْلَمُوا، وكانَ بَعْضُهم يُظْهِرُ أنَّهُ يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ بِالبَقاءِ عَلى الكُفْرِ فَكانَ القَصْرُ مُفِيدًا أنَّ اهْتِداءَهُ مَقْصُورٌ عَلى تَعَلُّقِ اهْتِدائِهِ بِمَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ: لِنَفْسِهِ أيْ بِفائِدَةِ نَفْسِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى التَّعَلُّقِ بِفائِدَتِي. وأنَّ ضَلالَهُ مَقْصُورٌ عَلى التَّعَلُّقِ بِمَعْنى عَلى نَفْسِهِ، أيْ لِمَضَرَّتْها لا يَتَجاوَزُهُ إلى التَّعَلُّقِ بِمَضَرَّتِي.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ التَّفْرِيعِ، وإتْمامٌ لِلْمُفَرَّعِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ اهْتِداءُ المُهْتَدِي لِنَفْسِهِ وضَلالُ الضّالِّ عَلى نَفْسِهِ تَحَقَّقَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنَ اللَّهِ بِأكْثَرَ مِنَ التَّبْلِيغِ وأنَّهُ لا نَفْعَ لِنَفْسِهِ في اهْتِدائِهِمْ ولا يَضُرُّهُ ضَلالُهم، فَلا يَحْسَبُوا حِرْصَهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها حَتّى يَتَمَطَّوْا ويَشْتَرِطُوا، وأنَّهُ ناصِحٌ لَهم ومُبَلِّغٌ ما في اتِّباعِهِ خَيْرُهم والإعْراضُ عَنْهُ ضُرُّهم.
والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المَنفِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ انْتِفاءِ ذَلِكَ الحُكْمِ وثَباتِهِ في سائِرِ الأحْوالِ.
ومَعْنى الوَكِيلِ: المَوْكُولُ إلَيْهِ تَحْصِيلُ الأمْرِ. وعَلَيْكم بِمَعْنى عَلى اهْتِدائِكم فَدَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الذّاتِ والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ.
يونس 10:109
صفحة ٣١٠
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى قُلْ أيْ بَلِّغِ النّاسَ ذَلِكَ القَوْلَ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾، أيِ اتَّبِعْ في نَفْسِكَ وأصْحابِكَ ما يُوحى إلَيْكَ. واصْبِرْ أيْ عَلى مُعانَدَةِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقَرِينَةِ الغايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ فَإنَّها غايَةٌ لِهَذا الصَّبْرِ الخاصِّ لا لِمُطْلَقِ الصَّبْرِ.
ولَمّا كانَ الحُكْمُ يَقْتَضِي فَرِيقَيْنِ حَذَفَ مُتَعَلِّقَهُ تَعْوِيلًا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ، أيْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ثَناءٌ وتَذْيِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، أيْ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ بَيْنَ كُلِّ خَصْمَيْنِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ وفي غَيْرِها، فالتَّعْرِيفُ في الحاكِمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ.
وخَيْرُ تَفْضِيلٌ، أصْلُهُ أخْيَرُ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. والأخْيَرِيَّةُ مِنَ الحاكِمِينَ أخْيَرِيَّةُ وفاءِ الإنْصافِ في إعْطاءِ الحُقُوقِ. وهي هُنا كِنايَةٌ عَنْ مُعاقَبَةِ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّبْرِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَفي الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ خَيْرُ الحاكِمِينَ إيماءٌ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا وعانَدُوا. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ فِيهِ بَراعَةُ المَقْطَعِ.
* * *
صفحة ٣١١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ هُودٍ
سُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ سُورَةَ هُودٍ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ، والواقِعَةُ، والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ. ورُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخْرى بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ.
وسُمِّيَتُ باسِمِ هُودٍ لِتَكَرُّرِ اسْمِهِ فِيها خَمْسَ مَرّاتٍ، ولِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ فِيها أطْوَلُ مِمّا حُكِيَ عَنْهُ في غَيْرِها، ولِأنَّ عادًا وُصِفُوا فِيها بِأنَّهم قَوْمُ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠]، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَسْمِيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وجْهٌ آخَرُ لِلتَّسْمِيَةِ يَنْطَبِقُ عَلى هَذِهِ وهو تَمْيِيزُها مِن بَيْنِ السُّوَرِ ذَواتِ الِافْتِتاحِ بِـ الر
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقَتادَةَ إلّا آيَةً واحِدَةً وهي ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] إلى قَوْلِهِ: لِلذّاكِرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وهي قَوْلُهُ - تَعالى:
صفحة ٣١٢
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] قِيلَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] الآيَةَ. قِيلَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي اليَسَرِ كَما سَيَأْتِي، والأصَحُّ أنَّها كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما رُوِيَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ في بَعْضِ آيِها تَوَهُّمٌ لِاشْتِباهِ الِاسْتِدْلالِ بِها في قِصَّةٍ بِأنَّها نَزَلَتْ حِينَئِذٍ كَما يَأْتِي، عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى مِن هَذِهِ الثَّلاثِ واضِحٌ أنَّها مَكِّيَّةٌ.
نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بَعْدَ سُورَةِ يُونُسَ وقَبْلَ سُورَةِ يُوسُفَ. وقَدْ عُدَّتِ الثّانِيَةَ والخَمْسِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ في أثْناءِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ لِأنَّ التَّحَدِّيَ فِيها وقَعَ بِعَشْرِ سُوَرٍ وفي سُورَةِ يُونُسَ وقَعَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ هَذا.
وقَدْ عُدَّتْ آياتُها مِائَةً وإحْدى وعِشْرِينَ في العَدَدِ المَدَنِيِّ الأخِيرِ. وكانَتْ آياتُها مَعْدُودَةً في المَدَنِيِّ الأوَّلِ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ، وهي كَذَلِكَ في عَدَدِ أهْلِ الشّامِ وفي عَدَدِ أهْلِ البَصْرَةِ وأهْلِ الكُوفَةِ مِائَةٌ وثَلاثٌ وعِشْرُونَ.
* * *
وأغْراضُها: ابْتَدَأتْ بِالإيماءِ إلى التَّحَدِّي لِمُعارَضَةِ القُرْآنِ بِما تُومِئُ إلَيْهِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ السُّورَةِ.
وبِاتِّلائِها بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ.
وبِالنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وبِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَذِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِعَذابِ يَوْمٍ عَظِيمٍ وبَشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَتاعٍ حَسَنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى.
وإثْباتِ الحَشْرِ.
والإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى خَفايا النّاسِ.
صفحة ٣١٣
وأنَّ اللَّهَ مُدَبِّرُ أُمُورِ كُلِّ حَيٍّ عَلى الأرْضِ.
وخَلْقِ العَوالِمِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ.
وأنَّ مَرْجِعَ النّاسِ إلَيْهِ، وأنَّهُ ما خَلَقَهم إلّا لِلْجَزاءِ.
وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ عَمّا يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ وما يَقْتَرِحُونَهُ مِن آياتٍ عَلى وِفْقِ هَواهم ﴿أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢]
وأنَّ حَسْبَهم آيَةُ القُرْآنِ الَّذِي تَحَدّاهم بِمُعارَضَتِهِ فَعَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ فَتَبَيَّنَ خُذْلانُهم فَهم أحِقّاءُ بِالخَسارَةِ في الآخِرَةِ.
وضَرْبِ مَثَلٍ لِفَرِيقِي المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ.
وذِكْرِ نُظَرائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وتَفْصِيلِ ما حَلَّ بِهِمْ وعادٍ وثَمُودَ، وإبْراهِيمَ، وقَوْمِ لُوطٍ، ومَدْينَ، ورِسالَةِ مُوسى، تَعْرِيضًا بِما في جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ وما يَنْبَغِي مِنهُ الحَذَرُ فَإنَّ أُولَئِكَ لَمْ تَنْفَعْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَها.
وأنَّ في تِلْكَ الأنْباءِ عِظَةٌ لِلْمُتَّبِعِينَ بِسِيَرِهِمْ.
وأنَّ مِلاكَ ضَلالِ الضّالِّينَ عَدَمُ خَوْفِهِمْ عَذابَ اللَّهِ في الآخِرَةِ فَلا شَكَّ في أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ صائِرُونَ إلى ما صارَ إلَيْهِ أُولَئِكَ.
وانْفَرَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِتَفْصِيلِ حادِثِ الطُّوفانِ وغَيْضِهِ.
ثُمَّ عَرَّضَ بِاسْتِئْناسِ النَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ بِاخْتِلافِ قَوْمِ مُوسى في الكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ فَما عَلى الرَّسُولِ وأتْباعِهِ إلّا أنْ يَسْتَقِيمَ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ وأنْ لا يَرْكَنُوا إلى المُشْرِكِينَ، وأنَّ عَلَيْهِمْ بِالصَّلاةِ والصَّبْرِ والمُضِيِّ في الدَّعْوَةِ إلى الصَّلاحِ فَإنَّهُ لا هَلاكَ مَعَ الصَّلاحِ.
وقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ عِظاتٌ وعِبَرٌ والأمْرُ بِإقامَةِ الصَّلاةِ.
هود 11:1
صفحة ٣١٤
﴿ألر﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها مِن نُظَرائِها وما سُورَةُ يُونُسَ بِبَعِيدٍ.
* * *
﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾
القَوْلُ في الِافْتِتاحِ بِقَوْلِهِ: كِتابٌ وتَنْكِيرُهُ مُماثِلٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلِماذا يَعْجَبُ المُشْرِكُونَ مِن ذَلِكَ ويُكَذِّبُونَ بِهِ. فَـ كِتابٌ مُبْتَدَأٌ، سَوَّغَ الِابْتِداءُ ما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِلنَّوْعِيَّةِ.
و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ خَبَرٌ و﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةٌ لِـ كِتابٍ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ صِفَةً مُخَصَّصَةً، وهي مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُحْكِمَتْ هو الخَبَرُ. وتَجْعَلَ ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ
والإحْكامُ: إتْقانُ الصُّنْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الحِكْمَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الكافِ. وهي إتْقانُ الأشْياءِ بِحَيْثُ تَكُونُ سالِمَةً مِنَ الأخْلالِ الَّتِي تَعْرِضُ لِنَوْعِها، أيْ جُعِلَتْ آياتُهُ كامِلَةً في نَوْعِ الكَلامِ بِحَيْثُ سَلِمَتْ مِن مُخالَفَةِ الواقِعِ ومِن أخْلالِ المَعْنى واللَّفْظِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وبِهَذا المَعْنى تُنْبِئُ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ﴾
وآياتُ القُرْآنِ: الجُمَلُ المُسْتَقِلَّةُ بِمَعانِيها المُخْتَتَمَةِ بِفَواصِلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ جُمَلِ القُرْآنِ بِالآياتِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [البقرة: ٣٩] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي المُقَدِّمَةِ الثّامِنَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
صفحة ٣١٥
والتَّفْصِيلُ: التَّوْضِيحُ والبَيانُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفَصْلِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الشَّيْءِ وغَيْرِهِ بِما يُمَيِّزُهُ، فَصارَ كِنايَةً مَشْهُورَةً عَنِ البَيانِ لِما فِيهِ مِن فَصْلِ المَعانِي. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونَظِيرُهُ: الفَرْقُ، كَنّى بِهِ عَنِ البَيانِ فَسُمِّيَ القُرْآنُ فُرْقانًا. وعَنِ الفَصْلِ فَسُمِّيَ يَوْمُ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ، ومِنهُ في ذِكْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] .
وثُمَّ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ لِما في التَّفْصِيلِ مِنَ الِاهْتِمامِ لَدى النُّفُوسِ لِأنَّ العُقُولَ تَرْتاحُ إلى البَيانِ والإيضاحِ.
و﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أيْ مِن عِنْدِ المَوْصُوفِ بِإبْداعِ الصُّنْعِ لِحِكْمَتِهِ، وإيضاحِ التَّبْيِينِ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ. والخَبِيرُ: العالِمُ بِخَفايا الأشْياءِ، وكُلَّما كَثُرَتِ الأشْياءُ كانَتِ الإحاطَةُ بِها أعَزَّ، فالحَكِيمُ مُقابِلٌ لِـ أُحْكِمَتْ، والخَبِيرُ مُقابِلٌ لِـ فُصِّلَتْ. وهُما وإنْ كانا مُتَعَلِّقَ العِلْمِ ومُتَعَلِّقَ القُدْرَةِ إذِ القُدْرَةُ لا تَجْرِي إلّا عَلى وِفْقِ العِلْمِ، إلّا أنَّهُ رُوعِيَ في المُقابَلَةِ الفِعْلُ الَّذِي هو أثَرُ إحْدى الصِّفَتَيْنِ أشَدُّ تَبادُرًا فِيهِ لِلنّاسِ مِنَ الآخَرِ وهَذا مِن بَلِيغِ المُزاوَجَةِ.
هود 11:2
﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾
(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في مَعْنى ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أقْوالٍ مُحْكَمَةٍ ومُفَصَّلَةٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُوحِيَ إلَيْكَ في هَذا الكِتابِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِما أُحْكِمَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وإيجابِ عِبادَةِ اللَّهِ هو أصْلُ الدِّينِ، وإلَيْهِ مَرْجِعُ جَمِيعِ الصِّفاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ لِلَّهِ - تَعالى - بِالدَّلِيلِ، وهو الَّذِي يَتَفَرَّعُ عَنْهُ جَمِيعُ التَّفاصِيلِ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ
صفحة ٣١٦
الأمْرُ بِالتَّوْحِيدِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ، وأنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ كانَ فِيها الأمْرُ بِمُلابَسَةِ اسْمِ اللَّهِ لِأوَّلِ قِراءَةِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]
والخِطابُ في ﴿ألّا تَعْبُدُوا﴾ وضَمائِرُ الخِطابِ الَّتِي بَعْدَهُ مُوَجَّهَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا وهم كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الكَلامَ المَأْمُورَ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] الآيَةَ، وهو اعْتِراضٌ لِلتَّحْذِيرِ مِن مُخالَفَةِ النَّهْيِ والتَّحْرِيضِ عَلى امْتِثالِهِ.
ووُقُوعُ هَذا الِاعْتِراضِ عَقِبَ الجُمْلَةِ الأُولى الَّتِي هي مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ إشْعارٌ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مِنَ الآياتِ المُحْكَماتِ وإنْ لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةً وذَلِكَ لِأنَّ شَأْنَ الِاعْتِراضِ أنْ يَكُونَ مُناسِبًا لِما وقَعَ بَعْدَهُ وناشِئًا مِنهُ فَإنَّ مَضْمُونَ البَشِيرِ والنَّذِيرِ هو جامِعُ عَمَلِ الرَّسُولِ ﷺ في رِسالَتِهِ فَهو بَشِيرٌ لِمَن آمَنَ وأطاعَ، ونَذِيرٌ لِمَن أعْرَضَ وعَصى، وذَلِكَ أيْضًا جامِعٌ لِلْأُصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّسالَةِ وأحْوالِ الرُّسُلِ وما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الغَيْبِ فانْدَرَجَ في ذَلِكَ العَقائِدُ السَّمْعِيَّةُ، وهَذا عَيْنُ الإحْكامِ.
ومَن في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ إنِّي نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لَكم جائِيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والجَمْعُ بَيْنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ لِمُقابَلَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الأوْلى مِن طَلَبِ تَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِطَرِيقِ النَّهْيِ وطَلَبِ عِبادَةِ اللَّهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ، فالنِّذارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الأوَّلِ، والبِشارَةُ تَرْجِعُ إلى الجُزْءِ الثّانِي.
هود 11:3
صفحة ٣١٧
﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وهو تَفْسِيرٌ ثانٍ يَرْجِعُ إلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن لَفْظِ التَّفْصِيلِ، فَهَذا ابْتِداءُ التَّفْصِيلِ لِأنَّهُ بَيانٌ وإرْشادٌ لِوَسائِلِ نَبْذِ عِبادَةِ ما عَدا اللَّهَ تَعالى، ودَلائِلُ عَلى ذَلِكَ وأمْثالٌ ونُذُرٌ، فالمَقْصُودُ: تَقْسِيمُ التَّفْسِيرِ وهو وجْهُ إعادَةِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ مَضى، وذَلِكَ النَّدَمُ.
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ عَمَلِ ذَنْبٍ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ.
وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِفَسادِ ما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ أهَمُّ مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ، فَإنَّ تَصْحِيحَ العَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلَيْها هو مُسَمّى التَّوْبَةِ، وهَذا تَرْغِيبٌ في نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وبَيانٌ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَوائِدِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والمَتاعُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّمْتِيعِ لِما يُتَمَتَّعُ بِهِ، أيْ يُنْتَفَعُ. ويُطْلَقُ عَلى مَنافِعِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والحَسَنُ: تَقْيِيدٌ لِنَوْعِ المَتاعِ بِأنَّهُ الحَسَنُ في نَوْعِهِ، أيْ خالِصًا مِنَ المُكَدِّراتِ طَوِيلًا بَقاؤُهُ لِصاحِبِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ . والمُرادُ بِالمَتاعِ: الإبْقاءُ، أيِ الحَياةُ، والمَعْنى أنَّهُ لا يَسْتَأْصِلُهم. ووَصَفَهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّها حَياةٌ طَيِّبَةٌ.
صفحة ٣١٨
وإلى أجَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُمَتِّعُكم وهو غايَةٌ لِلتَّمْتِيعِ، وذَلِكَ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَذا المَتاعَ لَهُ نِهايَةٌ، فَعُلِمَ أنَّهُ مَتاعُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ بِالأجَلِ: أجْلُ كُلِّ واحِدٍ وهو نِهايَةُ حَياتِهِ، وهَذا وعْدٌ بِأنَّهُ نِعْمَةٌ باقِيَةٌ طُولَ الحَياةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يُمَتِّعْكم. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ المَتاعِ الحَسَنِ، فَيُعْلَمُ أنَّهُ إعْطاءُ نَعِيمِ الآخِرَةِ. والفَضْلُ: إعْطاءُ اَلْخَيْرِ. سُمِّيَ فَضْلًا لِأنَّ الغالِبَ أنَّ فاعِلَ اَلْخَيْرِ يَفْعَلُهُ بِما هو فاضِلٌ عَنْ حاجَتِهِ، ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَصارَ الفَضْلُ بِمَعْنى إعْطاءِ اَلْخَيْرِ.
والفَضْلُ الأوَّلُ: العَمَلُ الصّالِحُ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِفَضْلِ اللَّهِ الغَنِيِّ عَنِ النّاسِ. والفَضْلُ الثّانِي المُضافُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هو ثَوابُ الآخِرَةِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالمَتاعِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: ويُؤْتِ اللَّهُ فَضْلَهُ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في عَمَلِهِ.
ولَمّا عُلِّقَ الإيتاءُ بِالفَضْلَيْنِ عُلِمَ أنَّ مِقْدارَ الجَزاءِ بِقَدْرِ المُجْزِيِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عُلِّقَ بِذِي فَضْلٍ وهو في قُوَّةِ المُشْتَقِّ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِالتَّعْلِيلِ وبِالتَّقْدِيرِ. وضَبْطُ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ. ونَظِيرُ هَذا مَعَ اخْتِلافٍ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وزِيادَةِ بَيانٍ، قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]
* * *
﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهو مِن تَمامِ ما جاءَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] وهو مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَبَلِّغَهُ إلى النّاسِ.
وتَوَلَّوْا: أصْلُهُ تَتَوَلَّوْا، حُذِفَتْ إحْدى التّائَيْنِ تَخْفِيفًا.
صفحة ٣١٩
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِـ إنْ وبِكَوْنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها اسْمًا مُخْبَرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ لِقَصْدِ شِدَّةِ تَأْكِيدِ تَوَقُّعِ العَذابِ.
وتَنْكِيرُ يَوْمٍ لِلتَّهْوِيلِ، لِتَذْهَبَ نُفُوسُهم لِلِاحْتِمالِ المُمْكِنِ أنْ يَكُونَ يَوْمًا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ، فَتَخْوِيفُهم بِعَذابِ الدُّنْيا أوْقَعُ في نُفُوسِهِمْ. وبِذَلِكَ يَكُونُ تَنْكِيرُ يَوْمٍ صالِحًا لِإيقاعِهِ مُقابِلًا لِلْجَزاءَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، فَيُقَدِّرُ السّامِعُ: إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَيْنِ كَما رَجَوْتُ لَكم إنِ اسْتَغْفَرْتُمْ ثَوابَيْنِ.
ووَصْفُهُ بِالكَبِيرِ لِزِيادَةِ تَهْوِيلِهِ، والمُرادُ بِالكِبَرِ الكِبَرُ المَعْنَوِيُّ، وهو شِدَّةُ ما يَقَعُ فِيهِ، أعْنِي العَذابَ، فَوَصْفُ اليَوْمِ بِالكِبَرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.
هود 11:4
﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. والمَعْنى: أنَّكم صائِرُونَ إلى اللَّهِ، أيْ إلى قُدْرَتِهِ غَيْرَ مُنْفَلِتِينَ مِنهُ فَهو مُجازِيكم عَلى تَوَلِّيكم عَنْ أمْرِهِ.
فالمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ لازِمِهِ العُرْفِيِّ وهو عَدَمُ الِانْفِلاتِ وإنْ طالَ الزَّمَنُ، وذَلِكَ شامِلٌ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ المَوْتِ. ولَيْسَ المُرادُ إيّاهُ خاصَّةً لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنْسَبُ بِالمَصِيرِ الدُّنْيَوِيِّ لِأنَّهُ المُسَلَّمُ عِنْدَهم، وأمّا المَصِيرُ الأُخْرَوِيُّ فَلَوِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَما كانَ هُنالِكَ قَوِيٌّ مُقْتَضٍ لِزِيادَةٍ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ والتَّقَوِّي، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الحَصْرُ إذْ هم لا يَحْسَبُونَ أنَّهم مُرْجَعُونَ بَعْدَ المَوْتِ بَلْهَ أنْ يَرْجِعُوا إلى غَيْرِهِ.
صفحة ٣٢٠
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾، أيْ فَما ظَنُّكم بِرُجُوعِكم إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ عَصَيْتُمْ أمْرَهُ ألَيْسَ يُعَذِّبُكم عَذابًا كَبِيرًا.
هود 11:5
﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
حَوْلَ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَنْ مُخاطَبَةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أمَرَ بِتَبْلِيغِهِ إلى إعْلامِهِ بِحالٍ مِن أحْوالِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ في جَهْلِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعالى - بِكُلِّ حالٍ مِنَ الكائِناتِ مِنَ الذَّواتِ والأعْمالِ ظاهِرِها وخَفِيِّها، فَقَدَّمَ لِذَلِكَ إبْطالَ وهْمٍ مِن أوْهامِ أهْلِ الشِّرْكِ أنَّهم في مُكْنَةٍ مِن إخْفاءِ بَعْضِ أحْوالِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ إلَخْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، جَمْعًا بَيْنَ إخْبارِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ وبَيْنَ إبْطالِ تَوَهُّماتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ اللَّهِ. وقَدْ نَشَأ هَذا الكَلامُ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤] لِمُناسَبَةِ أنَّ المَرْجُوعَ إلَيْهِ لَمّا كانَ مَوْصُوفًا بِتَمامِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو أيْضًا مَوْصُوفٌ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ تَمامِ القُدْرَةِ وتَمامِ العِلْمِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ألا لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِغَرابَةِ أمْرِهِمُ المَحْكِيِّ ولِلْعِنايَةِ بِتَعْلِيمِ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
وضَمائِرُ الجَماعَةِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِالإبْلاغِ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢٦] ولَيْسَ بِالتِفاتٍ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ لِلْمُفْرَدِ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [هود: ٤]
صفحة ٣٢١
والثَّنْيُ: الطَّيُّ، وأصْلُ اشْتِقاقِهِ مِنَ اسْمِ الِاثْنَيْنِ. يُقالُ: ثَناهُ بِالتَّخْفِيفِ، إذا جَعَلَهُ ثانِيًا، يُقالُ: هَذا واحِدٌ فاثْنِهِ، أيْ كُنْ ثانِيًا لَهُ، فالَّذِي يَطْوِي الشَّيْءَ يَجْعَلُ أحَدَ طاقَيْهِ ثانِيًا لِلَّذِي قَبْلَهُ؛ فَثَنْيُ الصُّدُورِ: إمالَتُها وحَنْيُها تَشْبِيهًا بِالطَّيِّ. ومَعْنى ذَلِكَ الطَّأْطَأةُ.
وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ الإجْراءَ عَلى حَقِيقَةِ ألْفاظِهِ مِنَ الثَّنْيِ والصُّدُورِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةٍ نَفْسِيَّةٍ بِهَيْئَةٍ حِسِّيَّةٍ.
فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ تَعْجِيبًا مِن جَهالَةِ أهْلِ الشِّرْكِ إذْ كانُوا يَقِيسُونَ صِفاتَ اللَّهِ - تَعالى - عَلى صِفاتِ النّاسِ فَيَحْسَبُونَ أنَّ اللَّهَ لا يَطَّلِعُ عَلى ما يَحْجُبُونَهُ عَنْهُ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ أحَدَهم يَدْخُلُ بَيْتَهُ ويُرْخِي السِّتْرَ عَلَيْهِ ويَسْتَغْشِي ثَوْبَهُ ويَحْنِي ظَهْرَهُ ويَقُولُ: هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قَلْبِي ؟ وذَلِكَ مِن جَهْلِهِمْ بِعَظَمَةِ اللَّهِ.
فَفِي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ قُرَيْشِيّانِ وثَقَفِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا. وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]
وجَمِيعُ أخْطاءِ أهْلِ الضَّلالَةِ في الجاهِلِيَّةِ والأدْيانِ الماضِيَةِ تَسْرِي إلى عُقُولِهِمْ مِنَ النَّظَرِ السَّقِيمِ، والأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ، وتَقْدِيرِ الحَقائِقِ العالِيَةِ بِمَقادِيرَ مُتَعارَفِهِمْ وعَوائِدِهِمْ، وقِياسُ الغائِبِ عَلى المُشاهَدِ. وقَدْ ضَلَّ كَثِيرٌ مِن فَرْقِ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ المَسالِكِ لَوْلا أنَّهم يَنْتَهُونَ إلى مَعْلُوماتٍ ضَرُورِيَّةٍ مِنَ الدِّينِ تَعْصِمُهم عِنْدَ الغايَةِ عَنِ الخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الإسْلامِ وقَدْ جاءَ بَعْضُهم وأوْشَكَ أنْ يَقَعَ.
صفحة ٣٢٢
وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَهو تَمْثِيلٌ لِحالَةِ إضْمارِهِمْ العَداوَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ في نُفُوسِهِمْ وتَمْوِيهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ بِحالِ مَن يُثْنِي صَدْرَهُ لِيُخْفِيَهُ ومَن يَسْتَغْشِي ثَوْبَهُ عَلى ما يُرِيدُ أنْ يَسْتُرَهُ بِهِ. وهَذا الِاحْتِمالُ لا يُناسِبُ كَوْنَ الآيَةِ مَكِّيَّةً إذْ لَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ بِمُصانِعَيْنِ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وتَأْوِيلُها بِإرادَةِ أهْلِ النِّفاقِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الآيَةُ مَدَنِيَّةً. وهَذا نَقَلَهُ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ. وفي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِي أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ حَلِيفِ بَنِي زَهْرَةَ وكانَ رَجُلًا حُلْوَ المَنطِقِ، وكانَ يُظْهِرُ المَوَدَّةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو مُنْطَوٍ عَلى عَداوَتِهِ، أيْ عَداوَةِ الدِّينِ، فَضَرَبَ اللَّهُ ثَنْيَ الصُّدُورِ مَثَلًا لِإضْمارِهِ بُغْضَ النَّبِيءِ ﷺ . فَهو تَمْثِيلٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ. وصِيغَةُ الجَمْعِ عَلى هَذا مُسْتَعْمَلَةٌ في إرادَةٍ واحِدَةٍ لِقَصْدِ إبْهامِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] قِيلَ فَإنَّهُ هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ.
ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: كانَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَسْتَخْفُونَ أنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ وأنْ يُجامِعُوا نِساءَهم فَيُفْضُوا إلى السَّماءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وهَذا التَّفْسِيرُ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ الآيَةِ ولا اتِّساقَ الضَّمائِرِ. فَلَعَلَّ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ تَنْطَبِقُ عَلى صَنِيعِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ فِعْلُهم هو سَبَبُ نُزُولِها. واعْلَمْ أنَّ شَأْنَ دَعْوَةِ الحَقِّ أنْ لا تَذْهَبَ باطِلًا حَتّى عِنْدَ مَن لَمْ يُصَدِّقُوا بِها ولَمْ يَتَّبِعُوها، فَإنَّها تَلْفِتُ عُقُولَهم إلى فَرْضِ صِدْقِها أوِ الِاسْتِعْدادِ إلى دَفْعِها، وكُلُّ ذَلِكَ يُثِيرُ حَقِيقَتَها ويُشِيعُ دِراسَتَها. وكَمْ مِن مُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ حَقٍّ ما وسِعَهم إلّا التَّحَفُّزُ لِشَأْنِها والإفاقَةُ مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْها. وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُشْرِكِينَ حِينَ سَمِعُوا دَعْوَةَ القُرْآنِ إذْ أخَذُوا يَتَدَبَّرُونَ وسائِلَ مُقاوَمَتِها ونَقْضِها والتَّفَهُّمِ في مَعانِيها لِإيجادِ دَفْعِها، كَحالِ العاصِي بْنِ وائِلٍ قالَ لِخِبابِ بْنِ الأرَتِّ حِينَ تَقاضاهُ أجْرَ سَيْفٍ صَنَعَهُ فَقالَ لَهُ: لا أقْضِيَكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِهِ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيَكَ. فَقالَ العاصِي لَهُ: إذا أحْيانِي اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِي فَسَيَكُونُ لِي مالٌ فَأقْضِيكَ مِنهُ. فَنَزَلَ
صفحة ٣٢٣
فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] . وهَذا مِن سُوءِ فَهْمِهِ لِمَعْنى البَعْثِ وتَوَهُّمِهِ أنَّهُ يُعادُ لِما كانَ حالُهُ في الدُّنْيا مِن أهْلٍ ومالٍ.
والِاسْتِخْفاءُ: الِاخْتِفاءُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَجابَ واسْتَأْخَرَ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إتْمامًا لِجُمْلَةِ ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ مُتَّصِلَةً بِها فَيَكُونُ حَرْفُ ألا الثّانِي تَأْكِيدًا لِنَظِيرِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ الخَيْرِ، فَيَتَعَلَّقُ ظَرْفُ حِينَ بِفِعْلِ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ ويَتَنازَعُهُ مَعَ فِعْلِ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ وتَكُونُ الحالَةُ المَوْصُوفَةُ حالَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً مِن ثَنْيِ الصُّدُورِ واسْتِغْشاءِ الثِّيابِ.
والِاسْتِغْشاءُ: التَّغَشِّي بِما يُغَشِّي، أيْ يَسْتُرُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، ومِثْلُ اسْتَجابَ.
وزِيادَةُ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما فُهِمَ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عِلْمِهِ بِالخَفِيّاتِ دُونَ الظّاهِرِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ نَتِيجَةٌ وتَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أيْ يُعْلَمُ سِرَّهم وجَهْرَهم لِأنَّهُ شَدِيدُ العِلْمِ بِالخَفِيِّ في النُّفُوسِ وهو يَعْلَمُ الجَهْرَ بِالأوْلى.
فَذاتُ الصُّدُورِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ: عَلِيمٌ أيِ الأشْياءَ الَّتِي هي صاحِبَةُ الصُّدُورِ.
وكَلِمَةُ ذاتِ مُؤَنَّثُ ذُو يُتَوَصَّلُ بِها إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] في سُورَةِ الأنْفالِ.
والصُّدُورُ مُرادٌ بِها النُّفُوسُ لِأنَّ العَرَبَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الحَواسِّ الباطِنِيَّةِ بِالصَّدْرِ.
صفحة ٣٢٤
واخْتِيارُ مِثالِ المُبالَغَةِ وهو عَلِيمٌ لِاسْتِقْصاءِ التَّعْبِيرِ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِكُلِّ ما تَسَعُهُ اللُّغَةُ المَوْضُوعَةُ لِمُتَعارَفِ النّاسِ فَتَقْصُرُ عَنْ ألْفاظٍ تُعَبِّرُ عَنِ الحَقائِقِ العالِيَةِ بِغَيْرِ طَرِيقَةِ اسْتِيعابِ ما يَصْلُحُ مِنَ المُعَبِّراتِ لِتَحْصِيلِ تَقْرِيبِ المَعْنى المَقْصُودِ.
وذاتُ الصُّدُورِ: الأشْياءُ المُسْتَقِرَّةُ في النُّفُوسِ الَّتِي لا تَعْدُوها. فَأُضِيفَتْ إلَيْها.
هود 11:6
صفحة ٥
﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها كُلٌّ في كِتاب مُبِينٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥] . والتَّقْدِيرُ: وما مِن دابَّةٍ إلّا يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها، وإنَّما نُظِمَ الكَلامُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ تَفَنُّنًا لِإفادَةِ التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ بِالنَّفْيِ المُؤَكَّدِ بِـ مِن، ولِإدْماجِ تَعْمِيمِ رِزْقِ اللَّهِ كُلَّ دابَّةٍ في الأرْضِ في أثْناءِ إفادَةِ عُمُومِ عِلْمِهِ بِأحْوالِ كُلِّ دابَّةٍ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ أُخِّرَ الفِعْلُ المَعْطُوفُ لِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ رازِقُ الدَّوابِّ الَّتِي لا حِيلَةَ لَها في الِاكْتِسابِ اسْتِدْلالًا عَلى أنَّهُ عَلِيمٌ بِأحْوالِها، فَإنَّ كَوْنَهُ رازِقًا لِلدَّوابِّ قَضِيَّةٌ مِنَ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ عُمُومِ البَشَرِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ رِزْقُ اللَّهِ إيّاها دَلِيلًا عَلى عِلْمِهِ بِما تَحْتاجُهُ.
والدّابَّةُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما يَدِبُّ أيْ يَمْشِي عَلى الأرْضِ غَيْرِ الإنْسانِ.
وزِيادَةُ في الأرْضِ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى دابَّةٍ في التَّنْصِيصِ عَلى أنَّ العُمُومَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ التّابِعِ لِعُمُومِ الذَّواتِ والمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ رِزْقِها الَّذِي هو مِن أحْوالِها.
وتَقْدِيمُ عَلى اللَّهِ قَبْلَ مُتَعَلِّقِهِ وهو رِزْقُها لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، ولِإفادَةِ تَرْكِيبِ عَلى اللَّهِ رِزْقُها مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِرِزْقِها ولَمْ
صفحة ٦
يُهْمِلْهُ؛ لِأنَّ عَلى تَدُلُّ عَلى اللُّزُومِ والمَحْقُوقِيَّةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ لا يُلْزِمُهُ أحَدٌ شَيْئًا، فَما أفادَ مَعْنى اللُّزُومِ فَإنَّما هو التِزامُهُ بِنَفْسِهِ بِمُقْتَضى صِفاتِهِ المُقْتَضِيَةِ ذَلِكَ لَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعْدًا عَلَيْنا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ [يونس: ١٠٣]
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ رِزْقُ الدَّوابِّ في ظاهِرِ ما يَبْدُو لِلنّاسِ أنَّهُ رِزْقٌ مِن أصْحابِ الدَّوابِّ ومَن يُرَبُّونَها، أيْ رِزْقُها عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ، فالمُسْتَثْنى هو الكَوْنُ عَلى اللَّهِ والمُسْتَثْنى مِنهُ مُطْلَقُ الكَوْنِ مِمّا يُتَخَيَّلُ أنَّهُ رَزّاقٌ فَحَصْرُ الرِّزْقِ في الكَوْنِ عَلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ في العُرْفِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ مُسَبِّبٌ ذَلِكَ الرِّزْقَ ومُقَدِّرُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِثْناءِ لا عَلى المُسْتَثْنى، أيْ واللَّهُ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّ كُلِّ دابَّةٍ ومُسْتَوْدَعِها. فَلَيْسَ حُكْمُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِداخِلٍ في حَيِّزِ الحَصْرِ.
والمُسْتَقَرُّ: مَحَلُّ اسْتِقْرارِها. والمُسْتَوْدَعُ: مَحَلُّ الإيداعِ، والإيداعُ: الوَضْعُ والدَّخَرُ. والمُرادُ بِهِ مُسْتَوْدَعُها في الرَّحِمِ قَبْلَ بُرُوزِها إلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينِ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ اخْتِصارٌ، أيْ كُلُّ رِزْقِها ومُسْتَقَرِّها ومُسْتَوْدَعِها في كِتابٍ مُبِينٍ، أيْ كِتابَةٍ، فالكِتابُ هُنا مَصْدَرٌ كَقَوْلِهِ: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم. وهو مُسْتَعْمَلٌ في تَقْدِيرِ العِلْمِ وتَحْقِيقِهِ بِحَيْثُ لا يَقْبَلُ زِيادَةً ولا نُقْصانًا ولا تَخَلُّفًا. كَما أنَّ الكِتابَةَ يُقْصَدُ مِنها أنْ لا يُزادَ في الأمْرِ ولا يُنْقَصَ ولا يُبْطَلَ. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُ ضُ ما في المَهارِقِ الأهْـواءُ
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلِ أبانَ بِمَعْنى أظْهَرَ، وهو تَخْيِيلٌ لِاسْتِعارَةِ الكِتابِ لِلتَّقْدِيرِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُوَضِّحٌ لِمَن يُطالِعُهُ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ وقَدَرَهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ.
هود 11:7
صفحة ٧
﴿وهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] . والمُناسَبَةُ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ عِلْمِ اللَّهِ وتَعَلُّقاتِ قُدْرَتِهِ وإتْقانِ الصُّنْعِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الخَبَرِ لازَمُهُ وهو الِاعْتِبارُ بِسِعَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِها في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا وأنْ تَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ فِعْلِ خَلَقَ ولامِ التَّعْلِيلِ. وأمّا كَوْنُها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] المَسُوقَةِ مَساقَ الدَّلِيلِ عَلى سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ فَغَيْرُ رَشِيقٍ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ لَيْسَ مَحْسُوسًا ولا مُتَقَرِّرًا لَدى المُشْرِكِينَ إذْ هو مِنَ المُغَيَّباتِ وبَعْضُهُ طَرَأ عَلَيْهِ تَغْيِيرٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ فَلا يَحْسُنُ جَعْلُهُ حُجَّةً عَلى المُشْرِكِينَ لِإثْباتِ سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقَدْرَتِهِ المَأْخُوذِ مِن جُمْلَةِ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلَخْ. والمَعْنى أنَّ العَرْشَ كانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ السَّماواتِ وكانَ مُحِيطًا بِالماءِ أوْ حاوِيًا لِلْماءِ. وحَمْلُ العَرْشِ عَلى أنَّهُ ذاتٌ مَخْلُوقَةٌ فَوْقَ السَّماواتِ هو ظاهِرُ الآيَةِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ العَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّ الماءَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ. وتَفْصِيلُ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتُهُ وكَيْفِيَّةُ الِاسْتِعْلاءِ مِمّا لا قِبَلَ لِلْأفْهامِ بِهِ إذِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ تَقْرِيبٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ العَرْشِ مُلْكَ اللَّهِ وحُكْمَهُ تَمْثِيلًا بِعَرْشِ السُّلْطانِ، أيْ كانَ مُلْكُ اللَّهِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مُلْكًا عَلى الماءِ.
وقَوْلُهُ: لِيَبْلُوَكم مُتَعَلِّقٌ بِـ خَلَقَ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والبَلْوُ: الِابْتِلاءُ، أيِ اخْتِبارُ شَيْءٍ لِتَحْصِيلِ عِلْمٍ بِأحْوالِهِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ آثارٍ خَلْقِهِ
صفحة ٨
- تَعالى - لِلْمَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ البَلْوِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ لِأنَّهُ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى اخْتِبارِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَعْلُ البَلْوِ عِلَّةً لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِكَوْنِهِ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ الأرْضِ مِن مَجْمُوعِ هَذا الخَلْقِ، ثُمَّ إنَّ خَلْقَ الأرْضِ يَسْتَتْبِعُ خَلْقَ ما جُعِلَتِ الأرْضُ عامِرَةً بِهِ، واخْتِلافُ أعْمالِ المُخاطَبِينَ مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ الَّتِي اقْتَضاها الخَلْقُ فَكانَتْ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وكانَ التَّعْلِيلُ هُنا بِمَراتِبَ كَثِيرَةٍ، وعِلَّةُ العِلَّةِ عِلَّةٌ.
وأيِّكم: اسْمُ اسْتِفْهامٍ، فَهو مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ سادَّةٌ مَسَدَّ الحالِ اللّازِمِ ذِكْرُها بَعْدَ ضَمِيرِ الخِطابِ في يَبْلُوَكم، نَظَرًا إلى أنَّ الِابْتِلاءَ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يَبْلُوَ إلى ضَمِيرِ الذَّواتِ لَيْسَ فِيهِ تَمامُ الفائِدَةِ فَكانَ مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ حالِ تَقَيُّدِ مُتَعَلِّقِ الِابْتِلاءِ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَيْسَ عَيْنُهُ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِن حِكْمَةِ خَلْقِ الأرْضِ صُدُورُ الأعْمالِ الفاضِلَةِ مِن شَرَفِ المَخْلُوقاتِ فِيها. ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الجَزاءَ عَلى الأعْمالِ إكْمالًا لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ: ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ إلَخْ.
* * *
﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
يَظْهَرُ أنَّ الواوَ واوُ الحالِ والجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِاعْتِبارِ ما تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ مِن قَوْلِهِ في سِتَّةِ أيّامٍ، وقَوْلِهِ: لِيَبْلُوَكم، والتَّقْدِيرُ: فَعَلَ ذَلِكَ الخَلْقَ العَجِيبَ والحالُ أنَّهم يُنْكِرُونَ ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو إعادَةُ خَلْقِ النّاسِ. ويَجْهَلُونَ أنَّهُ لَوْلا الجَزاءُ لَكانَ هَذا الخَلْقُ عَبَثًا كَما قالَ - تَعالى:
صفحة ٩
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] . فَإنْ حُمِلَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ كانَتِ الحالُ مَقَدَّرَةً مِن فاعِلِ خَلَقَ أيْ خَلَقَ ذَلِكَ مُقَدِّرًا أنَّكم تُنْكِرُونَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ، وإنْ حُمِلَ الخَبَرُ عَلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والِاعْتِبارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ كانَتِ الحالُ مُقارِنَةً.
وُوَجْهُ جَعْلِها جُمْلَةً شَرْطِيَّةً إفادَةُ تَجَدُّدِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ كُلِّ إخْبارٍ بِالبَعْثِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ لِيَقُولُنَّ إلَخْ، فاللّامُ فِيهِ لامُ جَوابِ القَسَمِ. وجَوابُ إنَّ مَحْذُوفٌ أغْنى عَنْهُ جَوابُ القَسَمِ كَما هو الشَّأْنُ عِنْدَ اجْتِماعِ شَرْطٍ وقَسَمٍ أنْ يُحْذَفَ جَوابُ المُتَأخِّرِ مِنهُما.
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وما يَتْبَعُهُ مِن نُونِ التَّوْكِيدِ لِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في صُدُورِ هَذا القَوْلِ مِنهم لِغَرابَةِ صُدُورِهِ مِنَ العاقِلِ، فَيَكُونُ التَّأْكِيدُ القَوِيُّ والتَّنْزِيلُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ مَعْناهُ وهو التَّعْجِيبُ مِن حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يُحِيلُوا إعادَةَ الخَلْقِ وقَدْ شاهَدُوا آثارَ بَدْءِ الخَلْقِ وهو أعْظَمُ وأبْدَعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ إلّا سِحْرٌ عَلى أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ قُلْتَ، ومَعْنى الإخْبارِ عَنِ القَوْلِ بِأنَّهُ سِحْرٌ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَلامٌ مِن قَبِيلِ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُها السَّحَرَةُ لِخَصائِصَ تُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: ”إلّا ساحِرٌ“ فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَذا إلى الرَّسُولِ ﷺ المَفْهُومِ مِن ضَمِيرِ قُلْتَ أيْ أنَّهُ يَقُولُ كَلامًا يَسْحَرُنا بِذَلِكَ.
ووَجْهُ جَعْلِهِمْ هَذا القَوْلَ سِحْرًا أنَّ في مُعْتَقَداتِهِمْ وخُرافاتِهِمْ أنَّ مِن وسائِلِ السِّحْرِ الأقْوالَ المُسْتَحِيلَةَ والتَّكاذِيبَ البُهْتانِيَّةَ، والمَعْنى أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ كُلَّما أُخْبِرُوا بِهِ لا يَتَرَدَّدُونَ في عَدَمِ إمْكانِ حُصُولِهِ بَلْهَ إيمانُهم بِهِ.
ومُبِينٌ: اسْمُ فاعِلِ أبانَ المَهْمُوزَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ المُجَرَّدِ، أيْ بَيِّنٌ واضِحٌ أنَّهُ سِحْرٌ أوْ أنَّهُ ساحِرٌ.
هود 11:8
صفحة ١٠
﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾
مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ في كِلَيْهِما وصْفُ فَنٍّ مِن أفانِينِ عِنادِ المُشْرِكِينَ وتَهَكُّمِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، فَإذا خَبَّرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالبَعْثِ وأنَّ شِرْكَهم سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ جَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا، وإذا أنْذَرَهم بِعُقُوبَةِ العَذابِ عَلى الإشْراكِ اسْتَعْجَلُوهُ، فَإذا تَأخَّرَ عَنْهم إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الرَّبّانِيَّةُ اسْتَفْهَمُوا عَنْ سَبَبِ حَبْسِهِ عَنْهُمُ اسْتِفْهامَ تَهَكُّمٍ ظَنًّا أنَّ تَأخُّرَهُ عَجْزٌ.
واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ لِيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ جَوابُ القَسَمِ مُغْنِيَةٌ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.
والأُمَّةُ: حَقِيقَتُها الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، وتُطْلَقُ عَلى المُدَّةِ كَأنَّهم راعَوْا أنَّها الأمَدُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ جِيلٌ فَأُطْلِقَتْ عَلى مُطْلَقِ المُدَّةِ، أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ.
ومَعْدُودَةٍ مَعْناهُ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُؤَجَّلَةٌ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَدِيدَةً لِأنَّهُ شاعَ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ العَدِّ والحِسابِ ونَحْوِهِما عَلى التَّقْلِيلِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالعَدَدِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ في عَكْسِهِ: بِغَيْرِ حِسابٍ، مِثْلُ ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]
والحَبْسُ: إلْزامُ الشَّيْءِ مَكانًا لا يَتَجاوَزُهُ. ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المَنعِ كَما هُنا، أيْ ما يَمْنَعُ أنْ يَصِلَ إلَيْنا ويَحِلَّ بِنا وهم يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
* * *
صفحة ١١
﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهم وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ كَلامِهِمْ إذْ يَقُولُونَ ما يَحْبِسُ عَنّا العَذابَ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ كَما تُفَصَّلُ المُحاوَرَةُ. وهَذا تَهْدِيدٌ وتَخْوِيفٌ بِأنَّهُ لا يُصْرَفُ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ.
وافْتُتِحَ الكَلامُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ وإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِهِمْ.
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْإيماءِ بِأنَّ إتْيانَ العَذابِ لا شَكَّ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يُوَقَّتُ بِوَقْتٍ.
والصَّرْفُ: الدَّفْعُ والإقْصاءُ.
والحَوْقُ: الإحاطَةُ.
والمَعْنى أنَّهُ حالٌّ بِهِمْ حُلُولًا لا مُخَلِّصَ مِنهُ بِحالٍ.
وجُمْلَةُ وحاقَ بِهِمْ في مَوْضِعِ الحالِ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ لَيْسَ
وصِيغَةُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهَذا عَذابُ القَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وماصَدَقَ ”﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾“ هو العَذابُ، وباءُ بِهِ سَبَبِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ ذِكْرِهِ فَإنَّ ذِكْرَ العَذابِ كانَ سَبَبًا لِاسْتِهْزائِهِمْ حِينَ تَوَعَّدَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ .
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ اسْتِهْزاءَهم كانَ مِن أسِبابِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وتَقْدِيرُهُ إحاطَةُ العَذابِ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مِنهُ مُخَلِّصًا.
هود 11:9
صفحة ١٢
﴿ولَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ. فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ ما هم فِيهِ مَتاعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ. وأنَّهم بَطِرُوا نِعْمَةَ التَّمْتِيعِ فَسَخِرُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ أهْلَ الضَّلالَةِ راسِخُونَ في ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُفَكِّرُونَ في غَيْرِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَتَجْرِي انْفِعالاتُهم عَلى حَسْبِ ذَلِكَ دُونَ رَجاءٍ لِتَغَيُّرِ الحالِ، ولا يَتَفَكَّرُونَ في أسْبابِ النَّعِيمِ والبُؤْسِ وتَصَرُّفاتِ خالِقِ النّاسَ ومُقَدِّرِ أحْوالِهِمْ، ولا يَتَّعِظُونَ بِتَقَلُّباتِ أحْوالِ الأُمَمِ، فَشَأْنُ أهْلِ الضَّلالَةِ أنَّهم إنْ حَلَّتْ بِهِمُ الضَّرّاءُ بَعْدَ النِّعْمَةِ مَلَكَهُمُ اليَأْسُ مِنَ الَخَيْرِ ونَسُوا النِّعْمَةَ فَجَحَدُوها وكَفَرُوا مُنْعِمَها، فَإنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ رَحْمَةٌ وإتْيانُ العَذابِ نَزْعٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. فَتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، وبِذَلِكَ اكْتَسَبَتِ الجُمْلَةُ قُوَّةَ التَّذْيِيلِ. فَمِعْيارُ العُمُومِ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [هود: ١١] كَما يَأْتِي، فَيَكُونُ الِاسْتِغْراقُ عُرْفِيًّا جارِيًا عَلى اصْطِلاحِ القُرْآنِ مِن إطْلاقِ لَفْظِ الإنْسانِ أوِ النّاسِ، ولِأنَّ وصْفَيْ ”يَئُوسٌ كَفُورٌ“ يُناسِبانِ المُشْرِكِينَ فَيَتَخَصَّصُ العامُّ بِهِمْ.
وقِيلَ التَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْعَهْدِ مُرادٌ مِنهُ إنْسانٌ خاصٌّ، فَرَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. وعَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كُلَّ إنْسانٍ إذا حَلَّ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى تَفاوُتٍ في النّاسِ في هَذا اليَأْسِ.
واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.
والإذاقَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في إيصالِ الإدْراكِ عَلى وجْهِ المَجازِ، واخْتِيرَتْ مادَّةُ الإذاقَةِ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن إدْراكِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ لِأنَّ المَرْءَ لا يَذُوقُ إلّا ما يَشْتَهِيهِ.
صفحة ١٣
والرَّحْمَةُ أُرِيدَ بِها رَحْمَةُ الدُّنْيا. وأُطْلِقَتْ عَلى أثَرِها وهو النِّعْمَةُ كالصِّحَّةِ والأمْنِ والعافِيَةِ، والمُرادُ النِّعْمَةُ السّابِقَةُ قَبْلَ نُزُولِ الضُّرِّ.
والنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ خَلْعُ الثَّوْبِ عَنِ الجَسَدِ. واسْتُعْمِلَ هُنا في سَلْبِ النِّعْمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ مِن دُونَ عَنْ لِأنَّ المَعْنى عَلى السَّلْبِ والِافْتِكاكِ، فَذِكْرُ مِن تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجُرِّدَتْ مِنَ الِافْتِتاحِ بِاللّامِ اسْتِغْناءً عَنْها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِلامِ الِابْتِداءِ في خَبَرِ إنَّ. واسْتُغْنِيَ بِجَوابِ القَسَمِ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ المُقارِنِ لَهُ كَما هو شَأْنُ الكَلامِ المُشْتَمِلِ عَلى شَرْطٍ وقَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ [هود: ٨] إلى آخِرِهِ.
واليَئُوسُ والكَفُورُ مِثالا مُبالَغَةٍ في الآيِسِ وكافِرِ النِّعْمَةِ، أيْ جاحِدِها، والمُرادُ بِالكَفُورِ مُنْكِرُ نِعْمَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أقْوالٌ وخَواطِرُ مِنَ السُّخْطِ عَلى ما انْتابَهُ كَأنَّهُ لَمْ يُنْعِمْ عَلَيْهِ قَطُّ.
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقِسْمِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِها وأنَّهُ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ لا مُبالَغَةَ فِيها ولا تَغْلِيبَ.
هود 11:10
﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّيَ إنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتْمِيمٌ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّها حَكَتْ حالَةً ضِدَّ الحالَةِ في الَّتِي قَبْلَها، وهي جُمْلَةُ قَسَمٍ وشَرْطٍ وجَوابُ قَسَمٍ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِها.
وضَمِيرُ أذَقْناهُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ فَتَعْرِيفُهُ كَتَعْرِيفِ مَعادِهِ لِلِاسْتِغْراقِ بِالمَعْنى المُتَقَدِّمِ.
صفحة ١٤
والنَّعْماءُ - بِفَتْحِ النُّونِ وبِالمَدِّ - النَّعْمَةُ واخْتِيرَ هَذا اللَّفْظُ هُنا وإنْ كانَ لَفْظُ النَّعْمَةِ أشْهَرُ لِمُحَسِّنِ رَعْيِ النَّظِيرِ في زِنَةِ اللَّفْظَيْنِ النَّعْماءِ والضَّرّاءِ. والمُرادُ هُنا النِّعْمَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ الضَّرّاءِ.
والمَسُّ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الإصابَةِ عَلى وجْهِ المَجازِ. واخْتِيارُ فِعْلِ الإذاقَةِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتِيارُ فِعْلِ المَسِّ بِالنِّسْبَةِ إلى إدْراكِ الضَّرّاءِ إيماءً إلى أنَّ إصابَةَ الضَّرّاءِ أخَفُّ مِن إصابَةِ النَّعْماءِ، وأنَّ لُطْفَ اللَّهِ شامِلٌ لِعِبادِهِ في كُلِّ حالٍ.
وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ في جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي بَيَّنّاهُ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ.
وجُعِلَ جَوابُ القَسَمِ القَوْلَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ تَبَجُّحٌ وتَفاخُرٌ، فالَخَبَرُ في قَوْلِهِ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي مُسْتَعْمَلٌ في الِازْدِهاءِ والإعْجابِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى زِيادَةِ عَنِّي مُتَعَلِّقًا بِـ ذَهَبَ لِلْإشارَةِ إلى اعْتِقادِ كُلِّ واحِدٍ أنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ تَذْهَبَ عَنْهُ السَّيِّئاتُ غُرُورًا مِنهُ بِنَفْسِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]
وجُمْلَةُ إنَّهُ لِفَرِحٌ فَخَوْرٌ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِ، و(فَرِحٌ وفَخُورٌ) مِثالا مُبالَغَةٍ، أيْ لِشَدِيدِ الفَرَحِ شَدِيدِ الفَخْرِ. وشِدَّةُ الفَرَحِ: تَجاوُزُهُ الحَدَّ وهو البَطَرُ والأشَرُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]
والفَخْرُ: تَباهِي المَرْءِ عَلى غَيْرِهِ بِما لَهُ مِنَ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لِلنّاسِ.
والمَعْنى أنَّهُ لا يَشْكُرُ اللَّهَ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ البَأْساءِ وما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّرّاءِ فَلا يَتَفَكَّرُ في وُجُودِ خالِقِ الأسْبابِ وناقِلِ الأحْوالِ، والمُخالِفِ بَيْنَ أسْبابِها. وفي مَعْنى الآيَتَيْنِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّورى ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٨]
هود 11:11
صفحة ١٥
﴿إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾
احْتِراسٌ بِاسْتِثْناءٍ مِنَ الإنْسانِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ صَبَرُوا المُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لِأنَّ الصَّبْرَ مِن مُقارَناتِ الإيمانِ فَكَنَّيَ بِالَّذِينِ صَبَرُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّ الإيمانَ يُرَوِّضُ صاحِبَهُ عَلى مُفارَقَةِ الهَوى ونَبْذِ مُعْتادِ الضَّلالَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]
ومِن مَعانِي الصَّبْرِ انْتِظارُ الفَرَجِ ولِذَلِكَ أُوثِرَ هُنا وصْفُ صَبَرُوا دُونَ (آمَنُوا) لِأنَّ المُرادَ مُقابَلَةُ حالِهِمْ بِحالِ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: ٩] . ودَلَّ الِاسْتِثْناءُ عَلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِضِدِّ صِفاتِ المُسْتَثْنى مِنهم. وفي هَذا تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُماثِلُ صِفاتِ الكافِرِينَ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرٍ. وقَدْ نُسِجَتِ الآيَةُ عَلى هَذا المِنوالِ مِنَ الإجْمالِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في طُرُقِ الحَذَرِ مِن صِفَتَيِ اليَأْسِ وكُفْرانِ النِّعْمَةِ، ومِن صِفَتَيِ الفَرَحِ والفَخْرِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ وصْفِهِمْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ وبِالصَّبْرِ وعَمِلَ الصّالِحات تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ كَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]
هود 11:12
﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] إلى قَوْلِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مَن ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ وعِنادِهِمْ. يُشِيرُ هَذا التَّفْرِيعُ
صفحة ١٦
إلى أنَّ مَضْمُونَ الكَلامِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ سَبَبٌ لِتَوْجِيهِ هَذا التَّوَقُّعِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المُفَرَّعَ عَلَيْهِ اليَأْسُ مِنِ ارْعِوائِهِمْ لِتَكَرُّرِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ يَأْسًا قَدْ يَبْعَثُ عَلى تَرْكِ دُعائِهِمْ، فَذَلِكَ كُلُّهُ أُفِيدُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.
والتَّوَقُّعُ المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْذِيرٍ مِن شَأْنِهِ التَّبْلِيغُ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ أداتُهُ. والتَّقْدِيرُ: ألَعَلَّكَ تارِكٌ. ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في النَّفْيِ لِلتَّحْذِيرِ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]
والِاسْتِفْهامُ كِنايَةٌ عَنْ بُلُوغِ الحالَةِ حَدًّا يُوجِبُ تَوَقُّعَ الأمْرِ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَسْتَفْهِمُ عَنْ حُصُولِهِ. وهَذا أُسْلُوبٌ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن هِمَّةِ المُخاطَبِ وإلْهابُ هِمَّتِهِ لِدَفْعِ الفُتُورِ عَنْهُ، فَلَيْسَ في هَذا تَجْوِيزُ تَرْكِ النَّبِيءِ ﷺ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ البَعْضُ هو ما فِيهِ دَعْوَتُهم إلى الإيمانِ وإنْذارُهم بِالعَذابِ وإعْلامُهم بِالبَعْثِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى ﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها﴾ [الأعراف: ٢٠٣] . والمَعْنى تَحْذِيرُهُ مِنَ التَّأثُّرِ بِعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ تَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن تَرْكِهِ ذِكْرِ البَعْثِ والإنْذارِ بِالعَذابِ، فالخِطابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومُرادٌ مِنهُ مَعَ ذَلِكَ عِلْمُ السّامِعِينَ بِمَضْمُونِهِ.
وضائِقٌ: اسْمُ فاعِلٍ مَن ضاقَ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ (ضَيِّقٌ) هُنا إلى ضائِقٍ لِمُراعاةِ النَّظِيرِ مَعَ قَوْلِهِ: تارِكٌ لِأنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ فَصاحَةً. ولِأنَّ ضائِقٌ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَمَكُّنِ وصْفِ الضِّيقِ مِن صَدْرِهِ بِخِلافِ ضَيِّقٍ، إذْ هو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وهي دالَّةٌ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، وإيماءً إلى أنَّ أقْصى ما يُتَوَهَّمُ تَوَقُّعُهُ في جانِبِهِ ﷺ هو ضِيقٌ قَلِيلٌ يَعْرِضُ لَهُ.
والضِّيقُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الغَمِّ والأسَفِ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ وهو الِانْشِراحُ في الفَرَحِ والمَسَرَّةِ.
صفحة ١٧
وضائِقٌ عَطْفٌ عَلى ”تارِكٌ“ فَهو وفاعِلُهُ جُمْلَةُ خَبَرٍ عَنْ لَعَلَّكَ فَيَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ.
والباءُ في بِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ عَلى ما بَعْدَهُ وهو أنْ يَقُولُوا. وأنْ يَقُولُوا بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ. ومِثْلُ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ لِاقْتِراحِهِمُ الآياتِ بِأنْ يَقُولُوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾، ويَحْصُلُ مَعَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧]، ومِن قَوْلِهِمْ: ما يَحْبِسُ العَذابَ عَنّا، بِواسِطَةِ كَوْنِ ”ضائِقٌ“ داخِلًا في تَفْرِيعِ التَّحْذِيرِ عَلى قَوْلَيْهِمُ السّابِقَيْنِ. وإنَّما جِيءَ بِالضَّمِيرِ ثُمَّ أُبْدِلَ مِنهُ لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يُعْقِبُهُ التَّفْصِيلُ لِيَكُونَ أشَدُّ تَمَكُّنًا في الذِّهْنِ، ولِقَصْدِ تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُتَعَلِّقِ بِاسْمِ الفاعِلِ عَلى فاعِلِهِ تَنْبِيهًا عَلى الِاهْتِمامِ بِالمُتَعَلِّقِ لِأنَّهُ سَبَبُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْ فاعِلِهِ فَجِيءَ بِالضَّمِيرِ المُفَسِّرِ فِيما بَعْدُ لِما في لَفْظِ التَّفْسِيرِ مِنَ الطُّولِ، فَيَحْصُلُ بِذِكْرِهِ بُعْدٌ بَيْنَ اسْمِ الفاعِلِ ومَرْفُوعِهِ، فَلِذَلِكَ اخْتُصِرَ في ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ الِاهْتِمامُ وقَوِيَ الِاهْتِمامُ بِما يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِهِ في الذِّهْنِ.
ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا ضَمِيرَ بِهِ عائِدًا إلى بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ. عَلى أنَّ ما يُوحى إلَيْهِ سَبَبٌ لِضِيقِ صَدْرِهِ، أيْ لا يَضِيقُ لَهُ صَدْرُكَ، وجَعَلُوا أنْ يَقُولُوا مَجْرُورًا بِلامِ التَّعْلِيلِ مُقَدَّرَةً. وعَلَيْهِ فالمُضارِعُ في قَوْلِهِ: أنْ يَقُولُوا بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”ضائِقٌ“ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ بِالمَتِينِ.
ولَوْلا: لِلتَّحْضِيضِ. والكَنْزُ: المالُ المَكْنُوزُ أيِ المَخْبُوءُ.
وإنْزالُهُ: إتْيانُهُ مِن مَكانٍ عالٍ أيْ مِنَ السَّماءِ.
وهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَلِذَلِكَ فالفِعْلُ المُضارِعُ مُرادٌ بِهِ تَجَدُّدُ هَذا القَوْلِ وتُكَرُّرُهُ مِنهم بِقَرِينَةِ العِلْمِ بِأنَّهُ صَدَرَ مِنهم في
صفحة ١٨
الماضِي، وبِقَرِينَةِ التَّحْذِيرِ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا في ضِيقِ صَدْرِهِ لِأنَّ التَّحْذِيرَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ.
ومُرادُهم بِـ جاءَ مَعَهُ ”مَلَكٌ“ أنْ يَجِيءَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ شاهِدًا بِرِسالَتِهِ، وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِحَقائِقِ الأُمُورِ وتَوَهُّمِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ويَتَنازَلُ لِإجابَةِ مُقْتَرِحِ عِنادِهِمْ، ومِن قُصُورِهِمْ عَنْ فَهْمِ المُعْجِزاتِ الإلَهِيَّةِ ومَدى التَّأْيِيدِ الرَّبّانِيِّ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلتَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ وضِيقِ صَدْرِهِ مِن مَقالَتِهِمْ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لا تَتْرُكْ إبْلاغَهم بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن مَقالِهِمْ لِأنَّكَ نَذِيرٌ لا وكِيلٌ عَلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ، حَتّى يَتَرَتَّبَ عَلى يَأْسِكَ مِن إيمانِهِمْ تَرْكُ دَعْوَتِهِمْ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ أنْتَ نَذِيرٌ لا مُوَكَّلٌ بِإيقاعِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ إلَيْكَ بَلْ هو لِلَّهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ يَأْتِي بِما يُسْألُ عَنْهُ مِنَ الخَوارِقِ فَإذا لَمْ يَأْتِهِمْ بِهِ جَعَلُوا ذَلِكَ سَنَدًا لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ رَدًّا حاصِلًا مِن مُسْتَتْبَعاتِ الخِطابِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ إذْ كَثُرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ نَحْوِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَقامِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ والكافِرِينَ الَّذِينَ سَألُوا الإتْيانَ بِمُعْجِزاتٍ عَلى وِفْقِ هَواهم.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ إلى هُنا، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ لِما اقْتَضاهُ القَصْرُ مِن إبْطالِ أنْ يَكُونَ وكِيلًا عَلى إَلْجائِهِمْ لِلْإيمانِ. ومِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ أنَّ اللَّهَ وكِيلٌ عَلى قُلُوبِ المُكَذِّبِينَ وهُمُ المَقْصُودُ، وإنَّما جاءَ الكَلامُ بِصِيغَةِ العُمُومِ لِيَكُونَ تَذْيِيلًا وإتْيانًا لِلْغَرَضِ بِما هو كالدَّلِيلِ،
صفحة ١٩
ولِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ العُمُومِ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى مَكْرِ أُولَئِكَ، وأنَّهُ وكِيلٌ عَلى جَزائِهِمْ وأنَّ اللَّهُ عالِمٌ بِبَذْلِ النَّبِيءِ جُهْدَهُ في التَّبْلِيغِ.
هود 11:13
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
أمْ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلِ الَّتِي لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى آخَرَ، إلّا أنَّ أمْ مُخْتَصَّةٌ بِالِاسْتِفْهامِ فَتُقَدَّرُ بَعْدَها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ في قُوَّةِ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِئْنافِ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ الكَلامَ في إبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم قالُوا: هَذا كَلامٌ مُفْتَرًى، وقَرَّعَهم بِالحُجَّةِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.
والِافْتِراءُ: الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِصاحِبِهِ، فَهو الكَذِبُ عَنْ عَمْدٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
وجُمْلَةُ قُلْ فَأْتُوا جَوابٌ لِكَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَلى ما هو مُسْتَعْمَلٌ في المُحاوَرَةِ سَواءٌ كانَتْ حِكايَةُ المُحاوِرَةِ بِصِيغَةِ حِكايَةِ القَوْلِ أوْ كانَتْ أمْرًا بِالقَوْلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] . والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ. وضَمِيرُ الغائِبِ البارِزِ المَنصُوبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: جَلْبُهُ، سَواءٌ كانَ بِالِاسْتِرْفادِ مِنَ الغَيْرِ أمْ بِالِاخْتِراعِ مِنَ الجالِبِ وهَذا تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِمْ في التَّحَدِّي.
صفحة ٢٠
وتَحَدّاهم هُنا بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ خِلافَ ما تَحَدّاهم في غَيْرِ هَذا المَكانِ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ التَّحَدِّي أوَّلَ الأمْرِ بِأنْ يَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِ القُرْآنِ. وهو ما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ يُونُسَ. فَتَخَطّى أصْحابُ هَذا القَوْلِ إلى أنْ قالُوا: إنَّ سُورَةَ هُودٍ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ، وهو الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ.
وقالَ المُبَرِّدُ: تَحَدّاهم أوَّلًا بِسُورَةٍ ثُمَّ تَحَدّاهم هُنا بِعَشْرِ سُوَرٍ لِأنَّهم قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ هُنا بِالِاكْتِفاءِ بِسُوَرٍ مُفْتَرَياتٍ فَلَمّا وسَّعَ عَلَيْهِمْ في صِفَتِها أكْثَرَ عَلَيْهِمْ عَدَدَها. وما وقَعَ مِنَ التَّحَدِّي بِسُورَةٍ اعْتُبِرَ فِيهِ مُماثَلَتُها لِسُوَرِ القُرْآنِ في كَمالِ المَعانِي، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ.
ومَعْنى مُفْتَرَياتٍ أنَّها مُفْتَرَياتُ المَعانِي كَما تَزْعُمُونَ عَلى القُرْآنِ أيْ بِمِثْلِ قَصَصِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وتَكاذِيبِهِمْ. وهَذا مِن إرْخاءِ العِنانِ والتَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، فالمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ: (مِثْلِهِ) هي المُماثَلَةُ في بَلاغَةِ الكَلامِ وفَصاحَتِهِ لا في سَدادِ مَعانِيهِ. قالَ عُلَماؤُنا: وفي هَذا دَلِيلُ عَلى أنَّ إعْجازَهُ وفَصاحَتَهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ عُلُوِّ مَعانِيهِ وتَصْدِيقِ بَعْضِهِ بَعْضًا. وهو كَذَلِكَ.
والدُّعاءُ: النِّداءُ لِعَمَلٍ. وهو مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ مَجازًا ولَوْ بِدُونِ نِداءٍ.
وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ وادْعُوا لِذَلِكَ. والأمْرُ فِيهِ لِلْإباحَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ حِينَ تَكُونُونَ قَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم فَلَكم أنْ تَدْعُوا مَن تَتَوَسَّمُونَ فِيهِ المَقْدِرَةَ عَلى ذَلِكَ ومَن تَرْجُونَ أنْ يَنْفَحَكم بِتَأْيِيدِهِ مِن آلِهَتِكم وبِتَيْسِيرِ النّاسِ لِيُعاوِنُوكم كَقَوْلِهِ: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]
و(﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣]) وصْفٌ لِـ (﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾)، ونُكْتَةُ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ التَّذْكِيرُ بِأنَّهم أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا عَمَّمَ لَهم في الِاسْتِعانَةِ بِمَنِ
صفحة ٢١
اسْتَطاعُوا أكَّدَ أنَّهم دُونَ اللَّهِ فَإنْ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الِاسْتِعانَةِ بِكُلِّ مَن عَدا اللَّهَ تَبَيَّنَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
ومَعْنى (﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾) أيْ في قَوْلِكُمُ افْتَراهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: (﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾) . وُوَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَزائِهِ أنَّهُ إذا كانَ الِافْتِراءُ يَأْتِي بِهَذا القُرْآنِ فَما لَكَمَ لا تَفْتَرُونَ أنْتُمْ مِثْلَهُ فَتَنْهَضَ حُجَّتُكم.
هود 11:14
﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وأنْ لا إلَهَ إلّا هو فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى (﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [هود: ١٣]) أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لَكم مَن تَدْعُونَ لَهم فَأنْتُمْ أعْجَزُ مِنهم لِأنَّكم ما تَدْعُونَهم إلّا حِينَ تَشْعُرُونَ بِعَجْزِكم دُونَ مُعاوِنٍ فَلا جَرَمَ يَكُونُ عَجْزُ هَؤُلاءِ مُوقِعًا في يَأْسِ الدّاعِينَ مِنَ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ.
والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ. وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في المُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ عَلى الأمْرِ المُسْتَعانِ فِيهِ، وهي مَجازٌ مُرْسَلٌ لِأنَّ المُعاوَنَةَ تَنْشَأُ عَنِ النِّداءِ إلى الإعانَةِ غالِبًا فَإذا انْتُدِبَ المُسْتَعانُ بِهِ إلى الإعانَةِ أجابَ النِّداءَ بِحُضُورِهِ فَسُمِّيَتِ اسْتِجابَةً.
والعِلْمُ: الِاعْتِقادُ اليَقِينُ، أيْ فَأيْقِنُوا أنَّ القُرْآنَ ما أُنْزِلَ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ، أيْ مُلابِسًا لِعِلْمِ اللَّهِ. أيْ لِأثَرِ العِلْمِ، وهو جَعْلُهُ بِهَذا النَّظْمِ لِلْبَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أثَرٌ لِقُدْرَةِ اللَّهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ. وقَدْ أفادَتْ أنَّما الحَصْرَ، أيْ حَصْرَ أحْوالِ القُرْآنِ في حالَةِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. (﴿وأنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَطْفٌ عَلى أنَّما أُنْزِلَ لِأنَّهم إذا عَجَزُوا فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَنِ اسْتَنْصَرُوهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم. ومِن جُمْلَةِ مَن يَسْتَنْصِرُونَهم بِطَلَبِ الإعانَةِ عَلى المُعارَضَةِ بَيْنَ الأصْنامِ عَنْ إعانَةِ أتْباعِهِمْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْهم.
صفحة ٢٢
والفاءُ في (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾) لِلتَّفْرِيعِ عَلى (فاعْلَمُوا) . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ تَأْخِيرِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) أيْ: عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ وفِعْلِ المَيْسِرِ. والمَعْنى: فَهَلْ تُسلِمُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِكم أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ الفِعْلِ وثَباتِهِ. ولَمْ يَقُلْ فَهَلْ تُسْلِمُونَ لِأنَّ حالَةَ عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ تُكْسِبُ اليَقِينَ بِصِحَّةِ الإسْلامِ فَتَقْتَضِي تَمَكُّنَهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ التَّمَكُّنُ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ.
هود 11:15
﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]“ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَفَرَّعَتْ عَلى نُهُوضِ الحُجَّةِ فَإنْ كانُوا طالِبِينَ الحَقَّ والفَوْزَ فَقَدِ اسْتَتَبَّ لَهم ما يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الإسْلامِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ كانُوا إنَّما يَطْلُبُونَ الكِبْرِياءَ والسِّيادَةَ في الدُّنْيا ويَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ فَهم مُرِيدُونَ الدُّنْيا؛ فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِالمَتاعِ العاجِلِ، وأُعْلِمُوا بِأنَّ وراءَ ذَلِكَ العَذابَ الدّائِمَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، أعْنِي جُمْلَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إلَخْ. . . وما قَبْلَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى بِوارِقِ الغُرُورِ ومَزالِقِ الذُّهُولِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو حالَهم كانَ في هَذا الِاعْتِراضِ زِيادَةُ بَيانٍ لِأسْبابِ مُكابَرَتِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِظاهِرِ حُسْنِ
صفحة ٢٣
حالِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَحْسَبُوا أيْضًا أنَّ الكُفْرَ يُوجِبُ تَعْجِيلَ العَذابِ فَأُوقِظُوا مِن هَذا التَّوَهُّمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]
وفِعْلُ الشَّرْطِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُفِيدُ اقْتِصارَ الفاعِلِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إذْ حُصِرَ أمْرُهم في اسْتِحْقاقِ النّارِ وهو مَعْنى الخُلُودِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فالمَعْنى مَن كانَ لا يَطْلُبُ إلّا مَنافِعَ الحَياةِ وزِينَتَها. وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكافِرِينَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن إرادَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ وما آمَنَ إلّا لِذَلِكَ، فَمَوْرِدُ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرِها في حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فَذَلِكَ في مَعْنًى آخَرَ مِن مَعانِي الحَياةِ وزِينَتِها وهو تَرَفُ العَيْشِ وزِينَةُ اللِّباسِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيه إعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ التَّرَفِ وتِلْكَ الزِّينَةِ.
وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأقْوامُ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.
والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، أيْ نَجْعَلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا وافِيَةً ومَعْنى وفائِها أنَّها غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِطَلَبِ تَكالِيفِ الإيمانِ والجِهادِ والقِيامِ بِالحَقِّ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن نُقْصانٍ في تَمَتُّعِ أصْحابِ تِلْكَ الأعْمالِ
صفحة ٢٤
بِأعْمالِهِمْ وهو النُّقْصانُ النّاشِئُ عَنْ مُعاكَسَةِ هَوى النَّفْسِ، فالمُرادُ أنَّهم لا يَنْقُصُونَ مِن لَذّاتِهِمُ الَّتِي هَيَّئُوها لِأنْفُسِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم تَتَهَيَّأُ لَهم أسْبابُ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في ذَلِكَ التَّهَيُّؤِ فَيَتْرُكُونَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ لِمُراعاتِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ - تَعالى - وحَذَّرَهم مِن تَبِعاتِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في هَذِهِ المُراعاةِ.
وعُدِّيَ فِعْلُ نُوَفِّ بِحَرْفِ إلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى نُوَصِّلُ أوْ نُبْلِغُ لِإفادَةِ مَعْنَيَيْنِ.
فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أرادَ الحَياةَ وزِينَتَها أعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ لِأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تُفِيدُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾، فالتَّوْفِيَةُ: عَدَمُ النَّقْصِ. وعُلِّقَتْ بِالأعْمالِ وهي المَساعِي. وإضافَةُ الأعْمالِ إلى ضَمِيرِ هم تُفِيدُ أنَّها الأعْمالُ الَّتِي عَنَوْا بِها وأعَدُّوها لِصالِحِهِمْ أيْ نَتْرُكُها لَهم كَما أرادُوا لا نُدْخِلُ عَلَيْهِمْ نَقْصًا في ذَلِكَ. وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ مُتَفاوِتَةٌ والقَدْرُ المُشْتَرِكُ فِيها بَيْنَهم هو خَلُوُّهم مِن كُلَفِ الإيمانِ ومَصاعِبِ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلى عِصْيانِ الهَوى، فَكَأنَّهُ قِيلَ نَتْرُكُهم وشَأْنَهم في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا لا يُجازَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ بِجَزاءِ سَلْبِ بَعْضِ النِّعَمِ عَنْهم بَلْ يُتْرَكُونَ وشَأْنَهم اسْتِدْراجًا لَهم وإمْهالًا. فَهَذا كالتَّكْمِلَةِ لِمَعْنى جُمْلَةِ (﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾)، إذِ البَخْسُ هو الحَطُّ مِنَ الشَّيْءِ والنَّقْصُ مِنهُ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُلْمًا. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِما رَآهُ الأشْعَرِيُّ أنْ الكُفْرَ لا يَمْنَعُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ.
وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الحَياةِ وأنْ يَعُودَ إلى الأعْمالِ
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَكِنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَرْبُطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ ما يُذْكَرُ
صفحة ٢٥
بَعْدَ اخْتِيارِهِ مِنَ الحُكْمِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”إلّا النّارُ“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن لَيْسَ لَهم أيْ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِمّا يُعْطاهُ النّاسُ في الآخِرَةِ إلّا النّارُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ في النّارِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارٌ عِنْدَنا.
والحَبْطُ: البُطْلانُ أيِ الِانْعِدامُ.
والمُرادُ بِـ (ما صَنَعُوا) ما عَمِلُوا، ومِنَ الإحْسانِ في الدُّنْيا كَإطْعامِ العُفاةِ ونَحْوِهِ مِن مُواساةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ولِذَلِكَ عَبَّرَ هُنا بِـ (صَنَعُوا) لِأنَّ الإحْسانَ يُسَمّى صَنِيعَةً.
وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الدُّنْيا المُتَحَدَّثِ عَنْها فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ صَنَعُوا. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الآخِرَةِ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ بَطَلَ، أيِ انْعَدَمَ أثَرُهُ. ومَعْنى الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَظَّهم مِنَ النِّعْمَةِ هو ما يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ لا تَعْدُو ذَلِكَ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُمَرَ لَمّا ذَكَرَ لَهُ فارِسَ والرُّومَ وما هم فِيهِ مِنَ المُتْعَةِ «أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا» .
والباطِلُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَذْهَبُ ضَياعًا وخُسْرانًا.
هود 11:16
﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ اعْتِراضِيٌّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ ”﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]“ لِأنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ تَفَرَّعَتْ عَلى نُهُوضِ الحُجَّةِ فَإنْ كانُوا طالِبِينَ الحَقَّ والفَوْزَ فَقَدِ اسْتَتَبَّ لَهم ما يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الإسْلامِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ كانُوا إنَّما يَطْلُبُونَ الكِبْرِياءَ والسِّيادَةَ في الدُّنْيا ويَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِغَيْرِهِمْ فَهم مُرِيدُونَ الدُّنْيا؛ فَلِذَلِكَ حُذِّرُوا مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِالمَتاعِ العاجِلِ، وأُعْلِمُوا بِأنَّ وراءَ ذَلِكَ العَذابَ الدّائِمَ، وأنَّهم عَلى الباطِلِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ، أعْنِي جُمْلَةَ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إلَخْ. . . وما قَبْلَ ذَلِكَ تَمْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى بِوارِقِ الغُرُورِ ومَزالِقِ الذُّهُولِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو حالَهم كانَ في هَذا الِاعْتِراضِ زِيادَةُ بَيانٍ لِأسْبابِ مُكابَرَتِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ بِأنْ لا يَغْتَرُّوا بِظاهِرِ حُسْنِ
صفحة ٢٣
حالِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، وأنْ لا يَحْسَبُوا أيْضًا أنَّ الكُفْرَ يُوجِبُ تَعْجِيلَ العَذابِ فَأُوقِظُوا مِن هَذا التَّوَهُّمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]
وفِعْلُ الشَّرْطِ في المَقامِ الخِطابِيِّ يُفِيدُ اقْتِصارَ الفاعِلِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فالمَعْنى مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ إذْ حُصِرَ أمْرُهم في اسْتِحْقاقِ النّارِ وهو مَعْنى الخُلُودِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] . فالمَعْنى مَن كانَ لا يَطْلُبُ إلّا مَنافِعَ الحَياةِ وزِينَتَها. وهَذا لا يَصْدُرُ إلّا عَنِ الكافِرِينَ لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَخْلُو مِن إرادَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ وما آمَنَ إلّا لِذَلِكَ، فَمَوْرِدُ هَذِهِ الآياتِ ونَظائِرِها في حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ.
فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨] فَذَلِكَ في مَعْنًى آخَرَ مِن مَعانِي الحَياةِ وزِينَتِها وهو تَرَفُ العَيْشِ وزِينَةُ اللِّباسِ، خِلافًا لِما يَقْتَضِيه إعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ التَّرَفِ وتِلْكَ الزِّينَةِ.
وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ لِأنَّ المُرادَ بِها الأقْوامُ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ.
والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ كامِلًا غَيْرَ مَنقُوصٍ، أيْ نَجْعَلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا وافِيَةً ومَعْنى وفائِها أنَّها غَيْرُ مَشُوبَةٍ بِطَلَبِ تَكالِيفِ الإيمانِ والجِهادِ والقِيامِ بِالحَقِّ، فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن نُقْصانٍ في تَمَتُّعِ أصْحابِ تِلْكَ الأعْمالِ
صفحة ٢٤
بِأعْمالِهِمْ وهو النُّقْصانُ النّاشِئُ عَنْ مُعاكَسَةِ هَوى النَّفْسِ، فالمُرادُ أنَّهم لا يَنْقُصُونَ مِن لَذّاتِهِمُ الَّتِي هَيَّئُوها لِأنْفُسِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ في التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم تَتَهَيَّأُ لَهم أسْبابُ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في ذَلِكَ التَّهَيُّؤِ فَيَتْرُكُونَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ لِمُراعاتِهِمْ مَرْضاةَ اللَّهِ - تَعالى - وحَذَّرَهم مِن تَبِعاتِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في هَذِهِ المُراعاةِ.
وعُدِّيَ فِعْلُ نُوَفِّ بِحَرْفِ إلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى نُوَصِّلُ أوْ نُبْلِغُ لِإفادَةِ مَعْنَيَيْنِ.
فَلَيْسَ مَعْنى الآيَةِ أنَّ مَن أرادَ الحَياةَ وزِينَتَها أعْطاهُ اللَّهُ مُرادَهُ لِأنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لا تُفِيدُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾، فالتَّوْفِيَةُ: عَدَمُ النَّقْصِ. وعُلِّقَتْ بِالأعْمالِ وهي المَساعِي. وإضافَةُ الأعْمالِ إلى ضَمِيرِ هم تُفِيدُ أنَّها الأعْمالُ الَّتِي عَنَوْا بِها وأعَدُّوها لِصالِحِهِمْ أيْ نَتْرُكُها لَهم كَما أرادُوا لا نُدْخِلُ عَلَيْهِمْ نَقْصًا في ذَلِكَ. وهَذِهِ التَّوْفِيَةُ مُتَفاوِتَةٌ والقَدْرُ المُشْتَرِكُ فِيها بَيْنَهم هو خَلُوُّهم مِن كُلَفِ الإيمانِ ومَصاعِبِ القِيامِ بِالحَقِّ والصَّبْرِ عَلى عِصْيانِ الهَوى، فَكَأنَّهُ قِيلَ نَتْرُكُهم وشَأْنَهم في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا لا يُجازَوْنَ عَلى كُفْرِهِمْ بِجَزاءِ سَلْبِ بَعْضِ النِّعَمِ عَنْهم بَلْ يُتْرَكُونَ وشَأْنَهم اسْتِدْراجًا لَهم وإمْهالًا. فَهَذا كالتَّكْمِلَةِ لِمَعْنى جُمْلَةِ (﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾)، إذِ البَخْسُ هو الحَطُّ مِنَ الشَّيْءِ والنَّقْصُ مِنهُ عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ظُلْمًا. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لِما رَآهُ الأشْعَرِيُّ أنْ الكُفْرَ لا يَمْنَعُ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ.
وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الحَياةِ وأنْ يَعُودَ إلى الأعْمالِ
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، ولَكِنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَرْبُطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، وأُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وفي اسْمِ الإشارَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ ما يُذْكَرُ
صفحة ٢٥
بَعْدَ اخْتِيارِهِ مِنَ الحُكْمِ مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”إلّا النّارُ“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن لَيْسَ لَهم أيْ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِمّا يُعْطاهُ النّاسُ في الآخِرَةِ إلّا النّارُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى الخُلُودِ في النّارِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كُفّارٌ عِنْدَنا.
والحَبْطُ: البُطْلانُ أيِ الِانْعِدامُ.
والمُرادُ بِـ (ما صَنَعُوا) ما عَمِلُوا، ومِنَ الإحْسانِ في الدُّنْيا كَإطْعامِ العُفاةِ ونَحْوِهِ مِن مُواساةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ولِذَلِكَ عَبَّرَ هُنا بِـ (صَنَعُوا) لِأنَّ الإحْسانَ يُسَمّى صَنِيعَةً.
وضَمِيرُ فِيها يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الدُّنْيا المُتَحَدَّثِ عَنْها فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ صَنَعُوا. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الآخِرَةِ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِفِعْلِ بَطَلَ، أيِ انْعَدَمَ أثَرُهُ. ومَعْنى الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَظَّهم مِنَ النِّعْمَةِ هو ما يَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ لا تَعْدُو ذَلِكَ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُمَرَ لَمّا ذَكَرَ لَهُ فارِسَ والرُّومَ وما هم فِيهِ مِنَ المُتْعَةِ «أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهم طَيِّباتُهم في الحَياةِ الدُّنْيا» .
والباطِلُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَذْهَبُ ضَياعًا وخُسْرانًا.
هود 11:17
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾
أُغْلِقَتْ مَعانِي هَذِهِ الآيَةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَعْتَوِرُها مِن جِهَةِ مَعادِ الضَّمائِرِ واسْمِ الإشارَةِ، ومِن جِهَةِ إجْمالِ المُرادِ مِنَ المَوْصُولِ، ومَوْقِعِ الِاسْتِفْهامِ،
صفحة ٢٦
ومَوْقِعِ فاءِ التَّفْرِيعِ. وقَدْ حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا كَثِيرَةً في تَفْسِيرِهِ بِما لَمْ يُلَخِّصْهُ أحَدٌ مِثْلُهُ وتَبِعَهُ القُرْطُبِيُّ في حِكايَةِ بَعْضِها. والِاخْتِلافُ في ماصَدَقَ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وفي المُرادِ مِن (﴿بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾)، وفي المَعْنِيِّ بِـ يَتْلُوهُ. وفي المُرادِ مِن (شاهِدٌ) . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: يَتْلُوهُ. وفي مَعْنى مِن مِن قَوْلِهِ: مِنهُ، وفي مَعادِ الضَّمِير المَجْرُورِ بِـ مِن. وفي مَوْقِعِ قَوْلِهِ: مِن قَبْلِهِ مِن قَوْلِهِ: كِتابُ مُوسى. وفي مَرْجِعِ اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وفي مَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالباءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ إلَخْ فَهَذِهِ مَفاتِيحُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والَّذِي تَخَلَّصَ لِي مِن ذَلِكَ ومِمّا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ مِمّا هو أوْضَحُ وجْهًا وأقْرَبُ بِالمَعْنى المَقْصُودِ شَبَهًا: أنَّ الفاءَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] وأنَّ ما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِتَقْرِيرِ تَوَغُّلِهِمْ في المُكابَرَةِ وابْتِعادِهِمْ عَنِ الإيمانِ، وهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ الضِّدِ عَلى ضِدِّهِ في إثْباتِ ضِدِّ حُكْمِهِ لَهُ، أيْ إنْ كانَ حالُ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ كَما وُصِفَ فَثَمَّ قَوْمٌ هم بِعَكْسِ حالِهِمْ قَدْ نَفَعَتْهُمُ البَيِّناتُ والشَّواهِدُ، فَهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ وذَلِكَ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]، أيْ كَما أسْلَمَ مَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مِنكم ومِن أهْلِ الكِتابِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، أيْ إنْ كَفَرَ بِهِ هَؤُلاءِ أفَيُؤْمِنُ بِهِ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وهَذا عَلى نَحْوِ نَظْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] أيْ أنْتَ تُنْقِذُ مِنَ النّارِ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.
ومَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ لا يُرادُ بِها شَخْصٌ مُعَيَّنٌ. فَكَلِمَةُ (مَن) هُنا تَكُونُ كالمُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ صادِقَةً عَلى مَن تَحَقَّقَتْ لَهُ الصِّلَةُ، أعْنِي أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ. وبِدُونِ ذَلِكَ لا تَسْتَقِيمُ الإشارَةُ. وإفْرادُ ضَمائِرِ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ مُراعاةً لِلَّفْظِ مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ أحَدُ اسْتِعْمالَيْنِ. والجَمْعُ في قَوْلِهِ: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ مُراعاةً لِمَعْنى مَنِ المَوْصُولَةِ وذَلِكَ اسْتِعْمالٌ آخَرُ. والتَّقْدِيرُ:
صفحة ٢٧
أفَمَن كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤] في سُورَةِ القِتالِ.
والَّذِينَ هم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا النَّصارى فَقَطْ فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ في العَرَبِ ويَعْرِفُ أهْلُ مَكَّةَ كَثِيرًا مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا أحَقِّيَّةَ الإسْلامِ مِثْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ودِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ النَّصارى واليَهُودُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ مِمَّنْ آمَنُ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَدَلُّوا عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَةِ البَيِّنَةِ لِصِحَّةِ أفْهامِهِمْ ولِوُضُوحِ دَلالَةِ البَيِّنَةِ، فَأصْحابُها مُؤْمِنُونَ بِها.
والمُرادُ بِالبَيِّنَةِ حُجَّةُ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ المُبَشَّرِ بِهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَكَوْنُ النَّصارى عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ ظاهِرٌ لِأنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا رَسُولًا صادِقًا. وكَوْنُ اليَهُودِ عَلى بَيِّنَةٍ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِانْتِظارِهِمْ رَسُولًا مُبَشَّرًا بِهِ في كِتابِهِمْ وإنْ كانُوا في كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسُوا عَلى بَيِّنَةٍ. فالمُرادُ عَلى بَيِّنَةٍ خاصَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْها سِياقُ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، ويُعَيِّنُها اللّاحِقُ مِن قَوْلِهِ: (﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾) أيْ بِالقُرْآنِ.
و) مِن (في قَوْلِهِ: ( مِن رَبِّهِ) ابْتِدائِيَّةٌ ابْتِداءً مَجازِيًّا. ومَعْنى كَوْنِها مِن رَبِّهِ أنَّها مِن وحْيِ اللَّهِ ووِصايَتِهِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وقَوْلُهُ: (﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]) . وذَكَرَ كِتابَ مُوسى وأنَّهُ مِن قَبْلِهِ يُشِيرُ إلى أنَّ البَيِّنَةَ المَذْكُورَةَ هُنا مِنَ الإنْجِيلِ، ويُقَوِّي أنَّ المُرادَ بِـ (مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ) النَّصارى.
وفِعْلُ يَتْلُوهُ مُضارِعُ التَّلْوِ وهو الِاتِّباعُ ولَيْسَ مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ يَتْبَعُهُ. والِاتِّباعُ مُسْتَعارٌ لِلتَّأْيِيدِ والِاقْتِداءِ فَإنَّ الشّاهِدَ بِالحَقِّ يَحْضُرُ وراءَ المَشْهُودِ لَهُ. وضَمِيرُ الغائِبِ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: يَتْلُوهُ عائِدٌ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ
صفحة ٢٨
والمُرادُ بِـ شاهِدٌ مِنهُ شاهِدٌ مِن رَبِّهِ، أيْ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ وهو القُرْآنُ لِأنَّهُ لِإعْجازِهِ المُعانِدِينَ عَنِ الإتْيانِ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ كانَ حُجَّةً عَلى أنَّهُ آتٍ مِن جانِبِ اللَّهِ.
ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وضَمِيرُ مِنهُ عائِدٌ إلى رَبِّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى شاهِدٌ. أيْ شاهِدٌ عَلى صِدْقِهِ كائِنٌ في ذاتِهِ وهو إعْجازُهُ إيّاهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
ومِن قَبْلِهِ حالٌ مِن كِتابِ مُوسى. وكِتابُ مُوسى عَطْفٌ عَلى شاهِدٌ مِنهُ والمُرادُ تَلْوُهُ في الِاسْتِدْلالِ بِطَرِيقِ الِارْتِقاءِ فَإنَّ النَّصارى يَهْتَدُونَ بِالإنْجِيلِ ثُمَّ يَسْتَظْهِرُونَ عَلى ما في الإنْجِيلِ بِالتَّوْراةِ لِأنَّها أصْلُهُ وفِيها بَيانُهُ، ولِذَلِكَ لَمّا عُطِفَ كِتابُ مُوسى عَلى شاهِدٌ الَّذِي هو مَعْمُولُ يَتْلُوهُ قُيِّدَ كِتابُ مُوسى بِأنَّهُ مِن قَبْلِهِ، أيْ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ. ويَتْلُوهُ كِتابُ مُوسى حالَةَ كَوْنِهِ مِن قِبَلِ الشّاهِدِ أيْ سابِقًا عَلَيْهِ في النُّزُولِ. وإذا كانَ المُرادُ بِـ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ النَّصارى خاصَّةً كانَ لِذِكْرِ كِتابِ مُوسى إيماءً إلى أنَّ كِتابَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - شاهِدٌ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلَ ذَلِكَ الكِتابِ وهُمُ اليَهُودُ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ كامِلَةٍ مِن جِهَةِ عَدَمِ تَصْدِيقِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وإمامًا ورَحْمَةً حالانِ ثَناءٌ عَلى التَّوْراةِ بِما فِيها مِن تَفْصِيلِ الشَّرِيعَةِ فَهو إمامٌ يُهْتَدى بِهِ ورَحْمَةٌ لِلنّاسِ يَعْمَلُونَ بِأحْكامِها فَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا بِإقامَةِ العَدْلِ وفي الآخِرَةِ بِجَزاءِ الِاسْتِقامَةِ إذِ الإمامُ ما يُؤْتَمُّ بِهِ ويُعْمَلُ عَلى مِثالِهِ.
والإشارَةُ بِـ أُولَئِكَ إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، أيْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ولَيْسُوا مِثْلَكم يا مَعْشَرَ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]
وإقْحامُ أُولَئِكَ هُنا يُشْبِهُ إقْحامَ ضَمِيرِ الفَصْلِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الخَبَرِ مُسَبَّبٌ عَلى ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مُعَضَّدَةٍ بِشَواهِدَ مِنَ الإنْجِيلِ والتَّوْراةِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خَبَرُ مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ
وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ أوْ مِن تَقَدُّمِ ضَمِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]
وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ مَعَ قَوْلِهِ: أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] أيْ يُؤْمِنُونَ بِكَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ لا لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَعْدِيَةُ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ إلى ضَمِيرِ القُرْآنِ مِن بابِ إضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ وإرادَةِ أوْصافِها مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، أيْ يُؤْمِنُونَ بِما وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ مِن أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ وارْتِباطِها بِما قَبْلَها ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] فَإنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ مُؤَيَّدَةٍ بِشاهِدٍ مِن رَبِّهِمْ ومَعْضُودَةٍ بِكِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَبْلِ بَيِّنَتِهِمْ.
وقَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] فاسْتَقامَ تَفْسِيرُ الآيَةِ تَمامُ الِاسْتِقامَةِ، وأنْتَ لا يَعُوزُكَ تَرْكِيبُ الوُجُوهِ الَّتِي تَأوَّلَ بِها المُفَسِّرُونَ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرْناهُ كُلًّا أوْ بَعْضًا فَبَصَرُكَ فِيها حَدِيدٌ، وبِيَدِكَ لِفَتْحِ مَغالِقِها مَقالِيدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ لِأنَّهُ لَمّا حَرَّضَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى الإسْلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]، وأراهُمُ القُدْوَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، عادَ فَحَذَّرَ مِنَ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ فَقالَ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ﴾، وأعْرَضَ عَمّا تَبَيَّنَ لَهُ مِن بَيِّنَةِ رَبِّهِ وشَواهِدِ رُسُلِهِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ.
والأحْزابُ: هم جَماعاتُ الأُمَمِ الَّذِينَ يَجْمَعُهم أمْرٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فالمُشْرِكُونَ حِزْبٌ، واليَهُودُ حِزْبٌ، والنَّصارى حِزْبٌ، قالَ - تَعالى:
صفحة ٣٠
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢] ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ [ص: ١٣]
والباءُ في يَكْفُرُ بِهِ كالباءِ في يُؤْمِنُونَ بِهِ
والمَوْعِدُ: ظَرْفٌ لِلْوَعْدِ مِن مَكانٍ أوْ زَمانٍ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى المَصِيرِ الصّائِرِ إلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ المَكانِ المُعَيَّنِ لِعَمَلٍ أنْ يُعَيَّنَ بِهِ بِوَعْدٍ سابِقٍ.
* * *
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ
والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً تَعْرِيضِيَّةً بِالكافِرِينَ بِالقُرْآنِ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسادَ المَنهِيِّ عَنْهُ ونَقْصَهُ، فَمِن لَوازِمِهِ ذَمُّ المُتَلَبِّسِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ. ولَمّا كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ مَظِنَّةٍ لِلتَّلَبُّسِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ فَيُطْلَبُ مِنهُ تَرْكُهُ ويَكُونُ النَّهْيُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ غَيْرَ مُرادٍ بِهِ الكَفُّ والإقْلاعُ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ومِمّا يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ الم السَّجْدَةِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] فَإنَّهُ لَوْ كانَ المَقْصُودُ تَحْذِيرَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الِامْتِراءِ في اللَّوْحِ لَما كانَ لِتَفْرِيعِ ذَلِكَ عَلى إيتاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الكِتابَ مُلازَمَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المُرادُ التَّعْرِيضَ بِالَّذِينِ أنْكَرُوا الوَحْيَ قَدَّمَ إلَيْهِمُ احْتِجاجَ سَبْقِ الوَحْيِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في تَمَكُّنِ التَّلَبُّسِ نَظَرًا لِحالِ الَّذِينَ اسْتُعْمِلَ النَّهْيُ كِنايَةً عَنْ ذَمِّهِمْ فَإنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِمَزِيَّةٍ شَدِيدَةٍ في شَأْنِ القُرْآنِ.
صفحة ٣١
وضَمِيرا الغَيْبَةِ عائِدانِ إلى القُرْآنِ الَّذِي عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ افْتَراهُ
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ تَأْكِيدٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ مِن أنَّهُ لِوُضُوحِ حَقِّيَّتِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يُمْتَرى في صِدْقِهِ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ يَقُومُ مَقامَ الأمْرِ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ مِنَ الِاهْتِمامِ.
والمِرْيَةُ: الشَّكُّ. وهي مُرادِفَةُ الِامْتِراءِ المُتَقَدِّمِ في أوَّلِ الأنْعامِ. واخْتِيرَ النَّهْيُ عَلى المِرْيَةِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ اعْتِقادِ أنَّهُ كَذِبٌ كَما هو حالُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الِامْتِراءِ فِيهِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنِ الجَزْمِ بِالكَذِبِ بِالأوْلى، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما فِيهِ المُشْرِكُونَ مِنَ اليَقِينِ بِكَذِبِ القُرْآنِ أشَدُّ ذَمًّا وشَناعَةً.
ومِن ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ في شَكٍّ ناشِئٍ عَنِ القُرْآنِ، وإنَّما يَنْشَأُ الشَّكُّ عَنْهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ شَكًّا في ذاتِهِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ حَقِيقَةَ القُرْآنِ أنَّهُ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالشَّكُّ النّاشِئُ عَلى نُزُولِهِ شَكٌّ في مَجْمُوعِ حَقِيقَتِهِ، وهَذا مِثْلُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: يُؤْمِنُونَ بِهِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ يُئَوَّلُ بِهِ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الأعْيانِ المُرادِ أوْصافُها.
وتَعْرِيفُ الحَقِّ لِإفادَةِ قَصْرِ جِنْسِ الحَقِّ عَلى القُرْآنِ. وهو قَصْرُ مُبالِغَةٍ لِكَمالِ جِنْسِ الحَقِّ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ لا يُوجَدُ حَقٌّ غَيْرُهُ مِثْلُ قَوْلِكَ: حاتِمٌ الجَوادُ.
والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ناشِئٌ عَلى حُكْمِ الحَصْرِ، فَإنَّ الحَصْرَ يَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ بِهِ كُلُّ مَن بَلَغَهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ.
والإيمانُ هو التَّصْدِيقُ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الدِّينِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ المُرادَ انْتِفاءُ حَقِيقَةِ الإيمانِ عَنْهم في كُلِّ ما طُلِبَ الإيمانُ بِهِ مِنَ الحَقِّ، أيْ أنَّ في طِباعِ أكْثَرِ النّاسِ تَغْلِيبُ الهَوى عَلى الحَقِّ فَإذا جاءَ ما يُخالِفُ هَواهم لَمْ يُؤْمِنُوا.
هود 11:18
صفحة ٣٢
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
لَمّا انْقَضى الكَلامُ مِن إبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ افْتَرى القُرْآنَ، ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. وتَعْجِيزُهم عَنْ بُرْهانٍ لِما زَعَمُوهُ، كَرَّ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ وضَّحَ أنَّهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عِدَّةَ أكاذِيبَ، مِنها نَفْيُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ.
فَعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ النّارَ عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ إذْ نَسَبُوا القُرْآنَ إلى غَيْرِ مَن أنْزَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ افْتَراهُ، فَكانُوا بالِغِينَ غايَةَ الظُّلْمِ حَتّى لَقَدْ يُسْألُ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ أظْلَمَ مِنهم سُؤالَ إنْكارٍ يَئُولُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدٌ أظْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]
وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ هو ما وضَعُوهُ مِن دِينِ الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَوْلُهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقالَ - تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ إذْ يَقُولُونَ: أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ
صفحة ٣٣
الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ، وهَذا أشَدُّ الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولِما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى تَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ. عُلِمَ أنَّ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ عَرْضُ زَجْرٍ وانْتِقامٍ.
والعَرْضُ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى أفادَ مَعْنى الإحْضارِ بِإرادَةٍ.
واخْتِيارُ وصْفِ السَّبَبِ لِلْإيماءِ إلى القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وعَطْفُ فِعْلِ يَقُولُ عَلى فِعْلِ يُعْرَضُونَ الَّذِي هو خَبَرٌ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُزْءِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو هُنا ابْتِداءُ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ فَكِلا الفِعْلَيْنِ مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والمَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْعِقابِ ويُعْلَنُ الأشْهادُ بِأنَّهم كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ فَضْحًا لَهم.
والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ بِمَعْنى حاضِرٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى المُخْبِرِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. وهَؤُلاءِ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ.
واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى يَشْتَهِرَ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْ حالِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ شُهْرَتُهم بِالسُّوءِ وافْتِضاحُهم.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في الخَبَرِ عَنْهم إيماءً إلى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي في الصِّلَةِ فِيما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ وهو ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَشْهِيرُهم دُونَ الشَّهادَةِ. والمَقْصُودُ مِن إعْلانِ هَذِهِ الصِّفَةِ التَّشْهِيرُ والخِزْيُ لا إثْباتُ كَذِبِهِمْ لِأنَّ إثْباتَ ذَلِكَ حاصِلٌ في صُحُفِ أعْمالِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يُسْنَدْ العَرْضُ إلى أعْمالِهِمْ وأُسْنِدَ إلى ذَواتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ مِن بَقِيَّةِ قَوْلِ الأشْهادِ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ يُناسِبُ مَقامَ التَّشْهِيرِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ خِزْيًا وتَحْقِيرًا
صفحة ٣٤
لَهم، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّهُ مِن قَوْلِ الأشْهادِ وُقُوعُ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُصَرَّحًا فِيهِ بِذَلِكَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ: يَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ سَبِيلَ يَجُوزُ اعْتِبارُهُ مُؤَنَّثًا.
والمَعْنى: أنَّهم يَبْغُونَ أنْ تَصِيرَ سَبِيلُ اللَّهِ عَوْجاءَ، فَعُلِمَ أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ مُسْتَقِيمَةٌ وأنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يُصَيِّرُوها عَوْجاءَ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَتْبَعَ النَّبِيءُ ﷺ دِينَهم ويَغْضَبُونَ مِن مُخالَفَتِهِ إيّاهُ. وهُنا انْتَهى كَلامُ الأشْهادِ لِأنَّ نَظِيرَهُ الَّذِي في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ انْتَهى بِما يُماثِلُ آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
واخْتُصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَظِيرِها في الأعْرافِ بِزِيادَةِ هم في قَوْلِهِ: هم كافِرُونَ وهو تَوْكِيدٌ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمَ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ تَسْجِيلِ إنْكارِهِمْ البَعْثَ وتَقْرِيرِهِ إشْعارًا بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ العِقابِ المُناسِبِ فَحُكِيَ بِهِ مِن كَلامِ الأشْهادِ ما يُناسِبُ هَذا، وما في سُورَةِ الأعْرافِ حِكايَةٌ لِما قِيلَ في شَأْنِ قَوْمٍ أُدْخِلُوا النّارَ وظَهَرَ عِقابُهم فَلا غَرَضَ لِحِكايَةِ ما فِيهِ تَأْكِيدٌ مِن كَلامِ الأشْهادِ، وكِلا المَقالَتَيْنِ واقِعٌ وإنَّما يَحْكِي البَلِيغُ فِيما يَحْكِيهِ ما لَهُ مُناسِبَةٌ لِمَقامِ الحِكايَةِ.
هود 11:19
صفحة ٣٢
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
لَمّا انْقَضى الكَلامُ مِن إبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ افْتَرى القُرْآنَ، ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. وتَعْجِيزُهم عَنْ بُرْهانٍ لِما زَعَمُوهُ، كَرَّ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ وضَّحَ أنَّهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ عِدَّةَ أكاذِيبَ، مِنها نَفْيُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ.
فَعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] لِبَيانِ اسْتِحْقاقِهِمْ النّارَ عَلى كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ إذْ نَسَبُوا القُرْآنَ إلى غَيْرِ مَن أنْزَلَهُ، وزَعَمُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ افْتَراهُ، فَكانُوا بالِغِينَ غايَةَ الظُّلْمِ حَتّى لَقَدْ يُسْألُ عَنْ وُجُودِ فَرِيقٍ أظْلَمَ مِنهم سُؤالَ إنْكارٍ يَئُولُ إلى مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أحَدٌ أظْلَمُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]
وافْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ هو ما وضَعُوهُ مِن دِينِ الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وقَوْلُهم في كَثِيرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وقالَ - تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ إذْ يَقُولُونَ: أمَرَنا اللَّهُ بِذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. وتَصْدِيرُها بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ بِسَبَبِ ما قَبْلَ اسْمِ
صفحة ٣٣
الإشارَةِ مِنَ الوَصْفِ، وهَذا أشَدُّ الظُّلْمِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولِما يُؤْذِنُ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ مِن مَعْنى تَعْلِيلِ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ. عُلِمَ أنَّ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ عَرْضُ زَجْرٍ وانْتِقامٍ.
والعَرْضُ إذا عُدِّيَ بِحَرْفِ عَلى أفادَ مَعْنى الإحْضارِ بِإرادَةٍ.
واخْتِيارُ وصْفِ السَّبَبِ لِلْإيماءِ إلى القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ.
وعَطْفُ فِعْلِ يَقُولُ عَلى فِعْلِ يُعْرَضُونَ الَّذِي هو خَبَرٌ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُزْءِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو هُنا ابْتِداءُ عَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ فَكِلا الفِعْلَيْنِ مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والمَعْنى أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْعِقابِ ويُعْلَنُ الأشْهادُ بِأنَّهم كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ فَضْحًا لَهم.
والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ بِمَعْنى حاضِرٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى المُخْبِرِ بِما عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ. وهَؤُلاءِ الأشْهادُ مِنَ المَلائِكَةِ.
واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ حَتّى يَشْتَهِرَ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْ حالِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ شُهْرَتُهم بِالسُّوءِ وافْتِضاحُهم.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في الخَبَرِ عَنْهم إيماءً إلى سَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الوَصْفِ الَّذِي في الصِّلَةِ فِيما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُكْمِ وهو ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، عَلى أنَّ المَقْصُودَ تَشْهِيرُهم دُونَ الشَّهادَةِ. والمَقْصُودُ مِن إعْلانِ هَذِهِ الصِّفَةِ التَّشْهِيرُ والخِزْيُ لا إثْباتُ كَذِبِهِمْ لِأنَّ إثْباتَ ذَلِكَ حاصِلٌ في صُحُفِ أعْمالِهِمْ ولِذَلِكَ لَمْ يُسْنَدْ العَرْضُ إلى أعْمالِهِمْ وأُسْنِدَ إلى ذَواتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾
وجُمْلَةُ ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ مِن بَقِيَّةِ قَوْلِ الأشْهادِ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ يُناسِبُ مَقامَ التَّشْهِيرِ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ خِزْيًا وتَحْقِيرًا
صفحة ٣٤
لَهم، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّهُ مِن قَوْلِ الأشْهادِ وُقُوعُ نَظِيرِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُصَرَّحًا فِيهِ بِذَلِكَ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في قَوْلِهِ: يَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّ سَبِيلَ يَجُوزُ اعْتِبارُهُ مُؤَنَّثًا.
والمَعْنى: أنَّهم يَبْغُونَ أنْ تَصِيرَ سَبِيلُ اللَّهِ عَوْجاءَ، فَعُلِمَ أنَّ سَبِيلَ اللَّهِ مُسْتَقِيمَةٌ وأنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يُصَيِّرُوها عَوْجاءَ لِأنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يَتْبَعَ النَّبِيءُ ﷺ دِينَهم ويَغْضَبُونَ مِن مُخالَفَتِهِ إيّاهُ. وهُنا انْتَهى كَلامُ الأشْهادِ لِأنَّ نَظِيرَهُ الَّذِي في سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ انْتَهى بِما يُماثِلُ آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ.
واخْتُصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى نَظِيرِها في الأعْرافِ بِزِيادَةِ هم في قَوْلِهِ: هم كافِرُونَ وهو تَوْكِيدٌ يُفِيدُ تَقَوِّي الحُكْمَ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ تَسْجِيلِ إنْكارِهِمْ البَعْثَ وتَقْرِيرِهِ إشْعارًا بِما يَتَرَقَّبُهم مِنَ العِقابِ المُناسِبِ فَحُكِيَ بِهِ مِن كَلامِ الأشْهادِ ما يُناسِبُ هَذا، وما في سُورَةِ الأعْرافِ حِكايَةٌ لِما قِيلَ في شَأْنِ قَوْمٍ أُدْخِلُوا النّارَ وظَهَرَ عِقابُهم فَلا غَرَضَ لِحِكايَةِ ما فِيهِ تَأْكِيدٌ مِن كَلامِ الأشْهادِ، وكِلا المَقالَتَيْنِ واقِعٌ وإنَّما يَحْكِي البَلِيغُ فِيما يَحْكِيهِ ما لَهُ مُناسِبَةٌ لِمَقامِ الحِكايَةِ.
هود 11:20
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ الِاقْتِصارِ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى وصْفِ بَعْضِ عِقابِهِمْ في الآخِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: هَلْ هم سالِمُونَ مِن عَذابِ الدُّنْيا. فَأُجِيبَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الدُّنْيا، أيْ لا يَخْرُجُونَ عَنْ مَقْدِرَةِ اللَّهِ عَلى تَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا إذا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ.
صفحة ٣٥
وإعادَةُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِتَقْرِيرِ فائِدَةِ اسْمِ الإشارَةِ السّابِقِ. والمَعْنى: أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِيهِ أنْ يُعَذِّبَهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ تَعْذِيبَهم ولَكِنَّهُ أرادَ إمْهالَهم.
والمُعْجِزُ هُنا الَّذِي أفْلَتَ مِمَّنْ يَرُومُ إضْرارَهُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأرْضُ: الدُّنْيا. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنَ اللَّهِ لَوْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهم فَلا يَجِدُونَ مَوْضِعًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَعْصِمُونَ بِهِ. فَهَذا نَفْيٌ لِلْمَلاجِئِ والمَعاقِلِ الَّتِي يَسْتَعْصِمُ فِيها الهارِبُ. وعِنْدِي أنَّ مُقارَنَةَ ”في الأرْضِ“ بِـ مُعْجِزِينَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ولَعَلَّهُ مِمّا جَرى كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُ إياسِ ابْنِ قُبَيْصَةَ الطّائِيِّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
* * *
﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ الأنْصارُ، أيْ ما لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم مِن دُونِ اللَّهِ. فَجَمَعَ لَهم نَفْيَ سَبَبَيْ النَّجاةِ مِن عَذابِ القادِرِ وهُما المَكانُ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ القادِرُ أوْ مُعارَضَةُ قادِرٍ آخَرَ إيّاهُ يَمْنَعُهُ مِن تَسْلِيطِ عِقابِهِ. ومِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أوْلِياءَ لِما في الوَلِيِّ هُنا مِن مَعانِي الحائِلِ والمُباعِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوْلِياءِ الأصْنامُ الَّتِي تَوَلَّوْها، أيْ أخْلَصُوا لَها المَحَبَّةَ والعِبادَةَ.
صفحة ٣٦
ومَعْنى نَفْيِ الأوْلِياءِ عَنْهم بِهَذا المَعْنى نَفْيُ أثَرِ هَذا الوَصْفِ، أيْ لَمْ تَنْفَعْهم أصْنامُهم وآلِهَتُهم.
ومِن دُونِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَـ دُونِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ دُونِ زائِدَةٌ تُزادُ في الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ أوْلِياءَ زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ المَنفِيِّ، أيْ ما كانَ لَهم فَرْدٌ مِن أفْرادِ جِنْسِ الأوْلِياءِ.
والعَذابُ المُضاعَفُ هو عَذابُ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ المُشْعِرِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لا عَنْ عَجْزٍ.
* * *
﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾
خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ خَبَرًا أوَّلَ وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا ثانِيًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ حالًا وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا أوَّلَ.
* * *
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ حالًا مِنهُ فَتَكُونُ اسْتِطاعَةُ السَّمْعِ المَنفِيَّةُ عَنْهم مُسْتَعارَةٌ لِكَراهِيَتِهِمْ سَماعَ القُرْآنِ وأقْوالَ النَّبِيءِ ﷺ كَما نُفِيَتْ الإطاقَةُ في قَوْلِ الأعْشى:
وهَلْ تُطِيقُ وداعًا أيُّها الرَّجُلُ
أرادَ بِنَفْيِ إطاقَةِ الوَداعَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَحْزَنُ لِذَلِكَ الحُزْنِ مِنَ الوَداعِ فَأشْبَهَ الشَّيْءَ غَيْرَ المُطاقِ وعَبَّرَ هُنا بِالِاسْتِطاعَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ
صفحة ٣٧
يَدْعُوهم إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ فَيُعْرِضُونَ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ أنْ يَسْمَعُوهُ. قالَ - تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [الجاثية: ٨] وقالَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] لِأنَّهم لَوْ سَمِعُوا ووَعَوْا لاهْتَدَوْا لَأنَّ الكَلامَ المَسْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ ونَتائِجِها فَسَماعُهُ كافٍ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ.
والإبْصارُ المَنفَيُّ هو النَّظَرُ في المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، أيْ ما كانُوا يُوَجِّهُونَ أنْظارَهم إلى المَصْنُوعاتِ تَوْجِيهَ تَأمُّلٍ واعْتِبارٍ بَلْ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ الغافِلِ عَمّا فِيها مِنَ الدَّقائِقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا: وما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُبْصِرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُبْصِرُونَها ولَكِنَّ مُجَرَّدَ الإبْصارِ غَيْرُ كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِدْلالِ حَتّى يُضَمَّ إلَيْهِ عَمَلُ الفِكْرِ بِخِلافِ السَّمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا لِـ أوْلِياءَ، وسَوَّغَ كَوْنَها حالًا مِنَ النَّكِرَةِ أنَّ النَّكِرَةَ وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ. والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوها آلِهَةً لَهم في حالِ أنَّها لا تَسْتَطِيعُ السَّمْعَ ولا الإبْصارَ.
وإعادَةُ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ اعْتَقَدُوها تَعْقِلُ، فَفي هَذا الإضْمارِ مَعَ نَفْيِ السَّمْعِ والبَصَرِ عَنْها ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
والإتْيانُ بِأفْعالِ الكَوْنِ في هَذِهِ الجُمَلِ أرْبَعَ مَرّاتٍ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِإفادَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الحَدَثِ المُخْبَرِ بِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ آكُدُ مِن: لا يُعْجِزُونَ وكَذَلِكَ أخَواتُهُ.
والِاخْتِلافُ بَيْنَ صِيَغِ أفْعالِ الكَوْنِ إذْ جاءَ أوَّلُها بِصِيغَةِ المُضارِعِ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المُضارِعَ المَجْزُومَ بِحَرْفِ (لَمْ) لَهُ مَعْنى المُضِيِّ فَلَيْسَ المُخالَفَةُ مِنها إلّا تَفَنُّنًا.
هود 11:21
صفحة ٣٨
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا تَأْكِيدٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]
والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ أنْ بَلَغَكم أنَّ قَوْمًا خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وخَسارَةُ أنْفُسِهِمْ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِها في الِاهْتِداءِ، فَلَمّا ضَلُّوا فَقَدْ خَسِرُوها.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَسِرُوا أنْفُسَهم عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ.
و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]
وفِي إسْنادِ الضَّلالِ إلى الأصْنامِ تَهَكُّمٌ عَلى أصْحابِها. شُبِّهَتْ أصْنامُهم بِمَن سَلَكَ طَرِيقًا لِيَلْحَقَ بِمَنِ اسْتَنْجَدَ بِهِ فَضَلَّ في طَرِيقِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِأنَّ ما جُمِعَ لَهم مِنَ الزَّجِّ لِلْعُقُوبَةِ ومِنِ افْتِضاحِ أمْرِهِمْ ومِن إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ النُّذُرِ وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهُمُ الأخْسَرُونَ في الآخِرَةِ.
ولا جَرَمَ كَلِمَةُ جَزْمٍ ويَقِينٍ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ، وأحْسَبُ أنَّ جَرَمَ مُشْتَقٌّ مِمّا تُنُوسِيَ، وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في تَرْكِيبِها، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ
صفحة ٣٩
تَكُونَ (لا) مِن أوَّلِ الجُمْلَةِ و(جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنى مَحالَةَ أيْ لا مَحالَةَ أوْ بِمَعْنى بُدَّ أيْ لا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها أنَّ واسْمُها وخَبَرُها فَتَكُونُ (أنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مِن أنَّ الأمْرَ كَذا. ولِما فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّوْثِيقِ وتُعامَلُ مُعامَلَةَ القَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَها في ما يَصْلُحُ لِجَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لا جَرَمَ لَأفْعَلَنَّ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِأبِي بَكْرٍ.
وعَبَّرَ عَمّا لَحِقَهم مِنَ الضُّرِّ بِالخَسارَةِ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ ضُرٌّ أصابَهم مِن حَيْثُ كانُوا يَرْجُونَ المَنفَعَةَ فَهم مِثْلُ التُّجّارِ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الخَسارَةُ مِن حَيْثُ أرادُوا الرِّبْحَ.
وإنَّما كانُوا أخْسَرِينَ، أيْ شَدِيدِي الخَسارَةِ لِأنَّهم قَدْ اجْتَمَعَ لَهم مِن أسْبابِ الشَّقاءِ والعَذابِ ما افْتَرَقَ بَيْنَ الأُمَمِ الضّالَّةِ. ولِأنَّهم شَقَوْا مِن حَيْثُ كانُوا يَحْسَبُونَهُ سَعادَةً قالَ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَكانُوا أخْسَرِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهم خَسارَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وضَمِيرُ هُمُ الأخْسَرُونَ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الحَدَّ الأقْصى في الخَسارَةِ، فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالأخْسَرِيَّةِ.
هود 11:22
صفحة ٣٨
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ، واسْمُ الإشارَةِ هُنا تَأْكِيدٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]
والمَوْصُولُ في ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٠] مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، أيْ أنْ بَلَغَكم أنَّ قَوْمًا خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهُمُ المُفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وخَسارَةُ أنْفُسِهِمْ عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِها في الِاهْتِداءِ، فَلَمّا ضَلُّوا فَقَدْ خَسِرُوها.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَسِرُوا أنْفُسَهم عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ.
و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم وتَدْفَعُ عَنْهُمُ الضُّرَّ عِنْدَ الشَّدائِدِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهم وما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨]
وفِي إسْنادِ الضَّلالِ إلى الأصْنامِ تَهَكُّمٌ عَلى أصْحابِها. شُبِّهَتْ أصْنامُهم بِمَن سَلَكَ طَرِيقًا لِيَلْحَقَ بِمَنِ اسْتَنْجَدَ بِهِ فَضَلَّ في طَرِيقِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ فَذْلَكَةٌ ونَتِيجَةٌ لِلْجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِأنَّ ما جُمِعَ لَهم مِنَ الزَّجِّ لِلْعُقُوبَةِ ومِنِ افْتِضاحِ أمْرِهِمْ ومِن إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ النُّذُرِ وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّهُمُ الأخْسَرُونَ في الآخِرَةِ.
ولا جَرَمَ كَلِمَةُ جَزْمٍ ويَقِينٍ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ، وأحْسَبُ أنَّ جَرَمَ مُشْتَقٌّ مِمّا تُنُوسِيَ، وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ في تَرْكِيبِها، وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ
صفحة ٣٩
تَكُونَ (لا) مِن أوَّلِ الجُمْلَةِ و(جَرَمَ) اسْمٌ بِمَعْنى مَحالَةَ أيْ لا مَحالَةَ أوْ بِمَعْنى بُدَّ أيْ لا بُدَّ. ثُمَّ يَجِيءُ بَعْدَها أنَّ واسْمُها وخَبَرُها فَتَكُونُ (أنَّ) مَعْمُولَةً لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لا جَرَمَ مِن أنَّ الأمْرَ كَذا. ولِما فِيها مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ والتَّوْثِيقِ وتُعامَلُ مُعامَلَةَ القَسَمِ فَيَجِيءُ بَعْدَها في ما يَصْلُحُ لِجَوابِ قَسَمٍ نَحْوَ: لا جَرَمَ لَأفْعَلَنَّ. قالَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ لِأبِي بَكْرٍ.
وعَبَّرَ عَمّا لَحِقَهم مِنَ الضُّرِّ بِالخَسارَةِ اسْتِعارَةً لِأنَّهُ ضُرٌّ أصابَهم مِن حَيْثُ كانُوا يَرْجُونَ المَنفَعَةَ فَهم مِثْلُ التُّجّارِ الَّذِينَ أصابَتْهُمُ الخَسارَةُ مِن حَيْثُ أرادُوا الرِّبْحَ.
وإنَّما كانُوا أخْسَرِينَ، أيْ شَدِيدِي الخَسارَةِ لِأنَّهم قَدْ اجْتَمَعَ لَهم مِن أسْبابِ الشَّقاءِ والعَذابِ ما افْتَرَقَ بَيْنَ الأُمَمِ الضّالَّةِ. ولِأنَّهم شَقَوْا مِن حَيْثُ كانُوا يَحْسَبُونَهُ سَعادَةً قالَ - تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] فَكانُوا أخْسَرِينَ لِأنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ لَهم خَسارَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وضَمِيرُ هُمُ الأخْسَرُونَ ضَمِيرُ فَصْلٍ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ؛ لِأنَّهم بَلَغُوا الحَدَّ الأقْصى في الخَسارَةِ، فَكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالأخْسَرِيَّةِ.
هود 11:23
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ أحْوالَ البالِغِينَ أقْصى غاياتِ الخَسارَةِ ذَكَرَ مُقابِلَهم الَّذِينَ بَلَغُوا أعْلى دَرَجاتِ السَّعادَةِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ النُّفُوسَ تَشْرَئِبُّ عِنْدَ سَماعِ حُكْمِ الشَّيْءِ إلى مَعْرِفَةِ حُكْمِ ضِدِّهِ.
والإخْباتُ: الخُضُوعُ والتَّواضُعُ، أيْ أطاعُوا رَبَّهم أحْسَنَ طاعَةٍ.
ومُوقِعُ أُولَئِكَ هُنا مِثْلُ مَوْقِعِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.
صفحة ٤٠
وجُمْلَةُ هم فِيها خالِدُونَ في مَوْقِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ أصْحابِ الجَنَّةِ لِأنَّ الخُلُودَ في المَكانِ هو أحَقُّ الأحْوالِ بِإطْلاقِ وصْفِ الصّاحِبِ عَلى الحالِ بِذَلِكَ المَكانِ إذِ الأمْكِنَةُ لا تُقْصَدُ إلّا لِأجْلِ الحُلُولِ فِيها فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ ما قَبْلَها فَمَنزِلَتُها مَنزِلَةُ عَطْفِ البَيانِ، ولا تُعْرَبُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢] . فَعُدْ إلَيْهِ وزِدْ إلَيْهِ ما هُنا.
هود 11:24
﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾
بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا وبَيْنَ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في مَنازِلِ الآخِرَةِ أُعْقِبَ بِبَيانِ التَّنْظِيرِ بَيْنَ حالَيْ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقَةِ تَمْثِيلِ ما تَسْتَحِقُّهُ مِن ذَمٍّ ومَدْحٍ.
فالجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ وتَحْصِيلٌ لَهُ ولِلتَّحْذِيرِ مِن مُواقَعَةِ سَبَبِهِ.
والمَثَلُ، بِالتَّحْرِيكِ: الحالَةُ والصِّفَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥] الآيَةَ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ، أيْ حالَةُ الفَرِيقَيْنِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ تُشْبِهُ حالَ الأعْمى الأصَمِّ مِن جِهَةٍ وحالَ البَصِيرِ السَّمِيعِ مِنَ الجِهَةِ الأُخْرى، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ ولَيْسَ اسْتِعارَةً لِوُجُودِ كافِ التَّشْبِيهِ وهو أيْضًا تَشْبِيهٌ مُفْرَدٌ لا مُرَكَّبٌ.
والفَرِيقانِ هُما المَعْهُودانِ في الذِّكْرِ في هَذا الكَلامِ، وهَما فَرِيقُ المُشْرِكِينَ وفَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، إذْ قَدْ سَبَقَ ما يُؤْذِنُ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] . ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] الآيَةَ.
صفحة ٤١
والفَرِيقُ: الجَماعَةُ الَّتِي تُفارِقُ، أيْ يُخالِفُ حالُها حالَ جَماعَةٍ أُخْرى في عَمَلٍ أوْ نِحْلَةٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
شَبَّهَ حالَ فَرِيقِ الكُفّارِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالنَّظَرِ في دَلائِلِ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ الواضِحَةِ مِن مَخْلُوقاتِهِ بِحالِ الأعْمى، وشُبِّهُوا في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِأدِلَّةِ القُرْآنِ بِحالِ مَن هو أصَمُّ.
وشَبَّهَ حالَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ في ضِدِّ ذَلِكَ بِحالِ مَن كانَ سَلِيمَ البَصَرِ، سَلِيمَ السَّمْعِ فَهو في هُدًى ويَقِينٍ مِن مُدْرَكاتِهِ.
وتَرْتِيبُ الحالَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما في الذِّكْرِ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ فِيما تَقَدَّمَ يُنْبِئُ بِالمُرادِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ. والتَّرْتِيبُ في اللَّفِّ والنَّشْرِ هو الأصْلُ والغالِبُ.
وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشَبَّهِينَ بِالأعْمى والأصَمِّ هُمُ الفَرِيقُ المَقُولُ فِيهِمْ ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]
والواوُ في قَوْلِهِ: والأصَمِّ لِلْعَطْفِ عَلى الأعْمى عَطَفَ أحَدَ المُشَبَّهَيْنِ عَلى الآخَرِ. وكَذَلِكَ الواوُ في قَوْلِهِ: والسَّمِيعِ لِلْعَطْفِ عَلى البَصِيرِ
وأمّا الواوُ في قَوْلِهِ: والبَصِيرُ فَهي لِعِطْفِ التَّشْبِيهِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وهو النَّشْرُ بَعْدَ اللَّفِّ. فَهي لِعَطْفِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ، والعَطْفُ بِها لِلتَّقْسِيمِ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.
وقَدْ يَظُنُّ النّاظِرُ أنَّ المُناسِبَ تَرْكُ عَطْفِ صِفَةِ الأصَمِّ عَلى صِفَةِ الأعْمى كَما لَمْ يُعْطَفْ نَظِيراهُما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ ظَنًّا بِأنَّ مَوْرِدَ الآيَتَيْنِ سَواءٌ في أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن جَمَعُوا بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ. وذَلِكَ أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما صاحِبُ الكَشّافِ. وقَدْ أجابَ أصْحابُ حَواشِي الكَشّافِ بِأنَّ
صفحة ٤٢
العَطْفَ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ تَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ. ولَمْ يَذْكُرُوا لِهَذا التَّنْزِيلِ نُكْتَةً ولَعَلَّهم أرادُوا أنَّهُ مُجَرَّدُ اسْتِعْمالٍ في الكَلامِ كَقَوْلِ ابْنِ زَيّابَةَ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ ال صابِحِ فالغانِـمِ فَـالآيِبِ
والوَجْهُ عِنْدِي في الدّاعِي إلى عَطْفِ صِفَةِ الأصَمِّ عَلى صِفَةِ الأعْمى أنَّهُ مَلْحُوظٌ فِيهِ أنَّ لِفَرِيقِ الكُفّارِ حالَيْنِ كُلُّ حالٍ مِنهُما جَدِيرٌ بِتَشْبِيهِهِ بِصِفَةٍ مِن تَيْنَكَ الصِّفَتَيْنِ عَلى حِدَةٍ، فَهم يُشَبِّهُونَ الأعْمى في عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى الدَّلائِلِ الَّتِي طَرِيقُ إدْراكِها البَصَرَ، يُشَبِّهُونَ الأصَمَّ في عَدَمِ فَهْمِ المَواعِظِ النّافِعَةِ الَّتِي طَرِيقُ فَهْمِها السَّمْعُ، فَهم في حالَتَيْنِ كُلُّ حالٍ مِنهُما مُشَبَّهٌ بِهِ، فَفي قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ تَشْبِيهانِ مُفَرَّقانِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبـًا ويابِـسًـا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي
والَّذِي في الآيَةِ تَشْبِيهُ مَعْقُولَيْنِ بِمَحْسُوسَيْنِ، واعْتِبارُ كُلِّ حالٍ مِن حالَيْ فَرِيقِ الكُفّارِ لا مَحِيدَ عَنْهُ لِأنَّ حُصُولَ أحَدِ الحالَيْنِ كافٍ في جَرِّ الضَّلالِ إلَيْهِمْ بَلْهَ اجْتِماعُهُما، إذِ المُشَبَّهُ بِهِما أمْرٌ عَدَمِيٌّ فَهو في قُوَّةِ المَنفِيِّ.
وأمّا الدّاعِي إلى العَطْفِ في صِفَتَيِ البَصِيرِ والسَّمِيعِ بِالنِّسْبَةِ لِحالِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ فَبِخِلافِ ما قَرَّرْنا في حالِ فَرِيقِ الكافِرِينَ لِأنَّ حالَ المُؤْمِنِينَ تُشْبِهُ حالَةَ مَجْمُوعِ صِفَتَيِ البَصِيرِ والسَّمِيعِ، إذِ الِاهْتِداءُ يَحْصُلُ بِمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ فَلَوْ ثَبَتَتْ إحْدى الصِّفَتَيْنِ وانْتَفَتِ الأُخْرى لَمْ يَحْصُلْ الِاهْتِداءُ إذِ الأمْرانِ المُشَبَّهُ بِهِما أمْرانِ وُجُودِيّانِ، فَهُما في قُوَّةِ الإثْباتِ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ الكَوْنَ الدّاعِيَ إلى عَطْفِ السَّمِيعِ عَلى البَصِيرِ في تَشْبِيهِ حالِ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ هو المُزاوَجَةُ في العِبارَةِ لِتَكُونَ العِبارَةُ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ مُماثِلَةً لِلْعِبارَةِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ في سِياقِ الكَلامِ، والمُزاوَجَةُ مِن مُحَسِّناتِ الكَلامِ ومَرْجِعُها إلى فَصاحَتِهِ.
صفحة ٤٣
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو نَفْيُ اسْتِواءِ حالِهِما، ونَفْيُ الِاسْتِواءِ كِنايَةٌ عَنِ التَّفْضِيلِ والمُفَضَّلِ مِنهُما مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيْ مَعْلُومٌ تَفْضِيلُ الفَرِيقِ المُمَثَّلِ بِالسَّمِيعِ والبَصِيرِ عَلى الفَرِيقِ المُمَثَّلِ بِالأعْمى والأصَمِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ.
وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ مِن جِهَةِ حالِهِما، والمَثَلُ: الحالُ.
والمَقْصُودُ تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالَةِ لَعَلَّهم يَتَدارَكُونَ أمْرَهم فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ بِالفاءِ جُمْلَةَ أفَلا تَذَكَّرُونَ
والهَمْزَةُ اسْتِفْهامٌ وإنْكارُ انْتِفاءِ تَذَكُّرِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ في ضَلالِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَذَّكَّرُونَ بِتَشْدِيدِ الذّالِ. وأصْلُهُ تَتَذَكَّرُونَ، فَقُلِبَتِ التّاءُ دالًّا لِقُرْبِ مُخْرَجَيْهِما ولِيَتَأتّى الإدْغامُ تَخْفِيفًا. وقَرَأهُ حَفْصٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ - بِتَخْفِيفِ الذّالِ - عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن أوَّلِ الفِعْلِ.
وفِي مُقابَلَةِ الأعْمى والأصَمِّ بِـ البَصِيرِ والسَّمِيعِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
هود 11:25
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾
انْتِقالٌ مِن إنْذارِ المُشْرِكِينَ ووَصْفِ أحْوالِهِمْ وما ناسَبَ ذَلِكَ إلى مَوْعِظَتِهِمْ بِما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ المَصائِبِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما لاقاهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ مِن أقْوامِهِمْ.
فالعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهي الَّتِي تُسَمّى الواوَ الِابْتِدائِيَّةُ.
وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لِما غَفَلُوا عَنِ الحَذَرِ مِمّا بِقَوْمِ نُوحٍ مَعَ مُماثَلَةِ حالِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ رِسالَتِهِ.
صفحة ٤٤
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ إنِّي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَحَلِّ حالٍ، أيْ قائِلًا.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، أيْ بِمَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنِّي نَذِيرٌ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالنِّذارَةِ البَيِّنَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ أرْسَلْنا لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُها تَفْسِيرًا لِـ نَذِيرٌ لِما في ”نَذِيرٌ“ مِن مَعْنى القَوْلِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] . وهَذا الوَجْهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ أنِّي إذا اعْتُبِرَتْ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. ويَجُوزُ جَعْلُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ) عَلى قِراءَةِ - فَتْحِ الهَمْزَةِ - واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهُ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ”نَذِيرٌ“ لِأنَّ شَأْنَ النِّذارَةِ أنْ تَثْقُلَ عَلى النُّفُوسِ وتُخْزِهِمْ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالتَّعْلِيلِ لِدَفْعِ حَرَجِ ما يُلاقُونَهُ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِالألِيمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُوصَفَ العَذابُ بِالألِيمِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ لَمّا بَلَغَتِ الغايَةَ جُعِلَ زَمانُهُ ألِيمًا، أيْ مُؤْلِمًا.
وجُمْلَةُ أخافُ عَلَيْكم ونَحْوُها مِثْلُ أخْشى عَلَيْكَ، تُسْتَعْمَلُ لِلتَّوَقُّعِ في الأمْرِ المَظْنُونِ أوِ المَقْطُوعِ بِهِ بِاعْتِبارِ إمْكانِ الِانْفِلاتِ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا
فَيَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى الخَوْفِ مِنهُ ويَتَعَدّى إلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ لَبِيَدٍ.
صفحة ٤٥
والعَذابُ هُنا نَكِرَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ فَكانَ مُحْتَمِلًا لِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِنُزُولِهِ بِهِمْ ولَكِنَّهُ مَظْنُونٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ما عَلِمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِإيمانِ قَوْمِهِ وما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ في التَّبْلِيغِ، فَعَلِمَ أنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أنْ لا يَتْرُكَ مَن عَصَوْهُ دُونَ عُقُوبَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ في كَلامِهِ الآتِي ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود: ٣٣] عَلى ما يَأْتِي هُنالِكَ. وكانَ العَذابُ شامِلًا لِعَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا إنْ بَقَوْا عَلى الكُفْرِ، وهو مَقْطُوعٌ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ يَقْرِنُ الوَعِيدَ بِالدَّعْوَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كَلامِهِ الآتِي ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣]، وقَدْ تَبادَرَ إلى أذْهانِ قَوْمِهِ عَذابُ الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلِذَلِكَ قالُوا في كَلامِهِمُ الآتِي ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . ولَعَلَّ في كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تُفِيدُهم أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ في الدُّنْيا وهو الطُّوفانُ.
هود 11:26
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾
انْتِقالٌ مِن إنْذارِ المُشْرِكِينَ ووَصْفِ أحْوالِهِمْ وما ناسَبَ ذَلِكَ إلى مَوْعِظَتِهِمْ بِما أصابَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ المَصائِبِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما لاقاهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَهُ مِن أقْوامِهِمْ.
فالعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهي الَّتِي تُسَمّى الواوَ الِابْتِدائِيَّةُ.
وأُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لِما غَفَلُوا عَنِ الحَذَرِ مِمّا بِقَوْمِ نُوحٍ مَعَ مُماثَلَةِ حالِهِمْ نَزَلُوا مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ رِسالَتِهِ.
صفحة ٤٤
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ إنِّي بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ مَحْكِيٌّ بِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ في مَحَلِّ حالٍ، أيْ قائِلًا.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ وهو الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أرْسَلْناهُ مُتَلَبِّسًا بِذَلِكَ، أيْ بِمَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن أنِّي نَذِيرٌ، أيْ مُتَلَبِّسًا بِالنِّذارَةِ البَيِّنَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في آلِ عِمْرانَ. وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ أرْسَلْنا لِأنَّ الإرْسالَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، ويَجُوزُ كَوْنُها تَفْسِيرًا لِـ نَذِيرٌ لِما في ”نَذِيرٌ“ مِن مَعْنى القَوْلِ، كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿قالَ يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾ [نوح: ٣] . وهَذا الوَجْهُ مُتَعَيِّنٌ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ هَمْزَةِ أنِّي إذا اعْتُبِرَتْ أنْ تَفْسِيرِيَّةً. ويَجُوزُ جَعْلُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ فَيَكُونُ بَدَلًا مِن (أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ) عَلى قِراءَةِ - فَتْحِ الهَمْزَةِ - واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، أيْ أنَّهُ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ”نَذِيرٌ“ لِأنَّ شَأْنَ النِّذارَةِ أنْ تَثْقُلَ عَلى النُّفُوسِ وتُخْزِهِمْ فَكانَتْ جَدِيرَةً بِالتَّعْلِيلِ لِدَفْعِ حَرَجِ ما يُلاقُونَهُ.
ووَصْفُ اليَوْمِ بِالألِيمِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُوصَفَ العَذابُ بِالألِيمِ؛ لِأنَّ شِدَّةَ العَذابِ لَمّا بَلَغَتِ الغايَةَ جُعِلَ زَمانُهُ ألِيمًا، أيْ مُؤْلِمًا.
وجُمْلَةُ أخافُ عَلَيْكم ونَحْوُها مِثْلُ أخْشى عَلَيْكَ، تُسْتَعْمَلُ لِلتَّوَقُّعِ في الأمْرِ المَظْنُونِ أوِ المَقْطُوعِ بِهِ بِاعْتِبارِ إمْكانِ الِانْفِلاتِ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
أخْشى عَلى أرْبَدَ الحُتُوفَ ولا أخْشى عَلَيْهِ الرِّياحَ والمَطَرا
فَيَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى الخَوْفِ مِنهُ ويَتَعَدّى إلى المَخُوفِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ عَلى كَما في الآيَةِ وبَيْتِ لَبِيَدٍ.
صفحة ٤٥
والعَذابُ هُنا نَكِرَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ فَكانَ مُحْتَمِلًا لِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ. فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَلَيْسَ مَقْطُوعًا بِنُزُولِهِ بِهِمْ ولَكِنَّهُ مَظْنُونٌ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِناءً عَلى ما عَلِمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِإيمانِ قَوْمِهِ وما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ في التَّبْلِيغِ، فَعَلِمَ أنَّ شَأْنَ ذَلِكَ أنْ لا يَتْرُكَ مَن عَصَوْهُ دُونَ عُقُوبَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ في كَلامِهِ الآتِي ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود: ٣٣] عَلى ما يَأْتِي هُنالِكَ. وكانَ العَذابُ شامِلًا لِعَذابِ الآخِرَةِ أيْضًا إنْ بَقَوْا عَلى الكُفْرِ، وهو مَقْطُوعٌ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ يَقْرِنُ الوَعِيدَ بِالدَّعْوَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كَلامِهِ الآتِي ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣]، وقَدْ تَبادَرَ إلى أذْهانِ قَوْمِهِ عَذابُ الدُّنْيا لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلِذَلِكَ قالُوا في كَلامِهِمُ الآتِي ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [هود: ٣٢] . ولَعَلَّ في كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تُفِيدُهم أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِعَذابٍ في الدُّنْيا وهو الطُّوفانُ.
هود 11:27
﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾
عَطَفَ قَوْلَ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ عَلى فِعْلِ أرْسَلْنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم بادَرُوهُ بِالتَّكْذِيبِ والمُجادَلَةِ الباطِلَةِ لَمّا قالَ لَهم ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] إلى آخِرِهِ. ولَمْ تَقَعْ حِكايَةُ ابْتِداءِ مُحاوَرَتِهِمْ إيّاهُ بِـ قالَ مُجَرَّدًا عَنِ الفاءِ كَما وقَعَ في الأعْرافِ لِأنَّ ابْتِداءَ مُحاوَرَتِهِ إيّاهم هُنا لَمْ يَقَعْ بِلَفْظِ القَوْلِ فَلَمْ يُحْكَ جَوابُهم بِطَرِيقَةِ المُحاوَراتِ بِخِلافِ آيَةِ الأعْرافِ.
والمَلَأُ: سادَةُ القَوْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٤٦
جَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فَقَدَّمُوا لِذَلِكَ مُقْدِماتٍ اسْتَخْلَصُوا مِنها تَكْذِيبَهُ، وتِلْكَ مُقْدِماتٌ باطِلَةٌ أقامُوها عَلى ما شاعَ بَيْنَهم مِنَ المُغالَطاتِ الباطِلَةِ الَّتِي رَوَّجَها الإلْفُ والعادَةُ فَكانُوا يُعِدِّونَ التَّفاضُلَ بِالسُّؤْدُدِ وهو شَرَفٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ قِوامُهُ الشَّجاعَةُ والكَرَمُ، وكانُوا يَجْعَلُونَ أسْبابَ السُّؤْدُدِ أسْبابًا مادِّيَّةً جَسَدِيَّةً، فَيُسَوِّدُونَ أصْحابَ الأجْسامِ البَهِجَةِ كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ لِأنَّهم بِبَساطَةِ مَدارِكِهِمْ العَقْلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ حُسْنَ الذَّواتِ، ويُسَوِّدُونَ أهْلَ الغِنى لِأنَّهم يَطْمَعُونَ في نَوالِهِمْ، ويُسَوِّدُونَ الأبْطالَ لِأنَّهم يُعِدُّونَهم لِدِفاعِ أعْدائِهِمْ. ثُمَّ هم يَعْرِفُونَ أصْحابَ تِلْكَ الخِلالِ إمّا بِمُخالَطَتِهِمْ وإمّا بِمُخالَطَةِ أتْباعِهِمْ فَإذا تَسامَعُوا بِسَيِّدِ قَوْمٍ ولَمْ يَعْرِفُوهُ تَعَرَّفُوا أتْباعَهُ وأنْصارَهُ، فَإنْ كانُوا مِنَ الأشْرافِ والسّادَةِ عَلِمُوا أنَّهم ما اتَّبَعُوهُ إلّا لَمّا رَأوْا فِيهِ مِن مُوجِباتِ السِّيادَةِ؛ وهَذِهِ أسْبابٌ مُلائِمَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الضَّلالَةِ إذْ لا عِنايَةَ لَهم بِالجانِبِ النَّفْسانِيِّ مِنَ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ.
فَلَمّا دَعاهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعْوَةً عَلِمُوا مِنها أنَّهُ يَقُودُهم إلى طاعَتِهِ فَفَكَّرُوا وقَدَّرُوا فَرَأوُا الأسْبابَ المَأْلُوفَةَ بَيْنَهم لِلسُّؤْدُدِ مَفْقُودَةً مَن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَجَزَمُوا بِأنَّهُ غَيْرُ حَقِيقٍ بِالسِّيادَةِ عَلَيْهِمْ فَجَزَمُوا بِتَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الرِّسالَةِ بِسِيادَةٍ لِلْأُمَّةِ وقِيادَةٍ لَها.
وهَؤُلاءِ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وضَعْفِ مَدارِكِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا إدْراكَ أسْبابِ الكَمالِ الحَقِّ، فَذَهَبُوا يَتَطَلَّبُونَ الكَمالَ مِن أعْراضٍ تَعْرِضُ لِلنّاسِ بِالصُّدْفَةِ مِن سَعَةِ مالٍ، أوْ قُوَّةِ أتْباعٍ، أوْ عِزَّةِ قَبِيلَةٍ. وتِلْكَ أشْياءُ لا يَطَّرِدُ أثَرُها في جَلْبِ النَّفْعِ العامِّ ولا إشْعارٍ لَها بِكَمالِ صاحِبِها إذْ يُشارِكُهُ فِيها أقَلُّ النّاسِ عُقُولًا، والحَيَوانُ الأعْجَمُ مِثْلُ البَقَرَةِ بِما في ضَرْعِها مِن لَبَنٍ، والشّاةُ بِما عَلى ظَهْرِها مِن صُوفٍ، بَلْ غالِبُ حالِها أنَّها بِضِدِّ ذَلِكَ.
ورُبَّما تَطَلَّبُوا الكَمالَ في أجْناسٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ كالجِنِّ، أوْ زِيادَةِ خِلْقَةٍ لا أثَرَ لَها في عَمَلِ المُتَّصِفِ بِها مِثْلِ جَمالِ الصُّورَةِ وكَمالِ القامَةِ، وتِلْكَ وإنْ كانَتْ مُلازِمَةً لِمَوْصُوفاتِها لَكِنَّها لا تُفِيدُهم أنْ يَكُونُوا مَصادِرَ كَمالاتٍ،
صفحة ٤٧
فَقَدْ يُشارِكُهم فِيها كَثِيرٌ مِنَ العَجْماواتِ كالظِّباءِ والمَها والطَّواوِيسِ، فَإنِ ارْتَقَوْا عَلى ذَلِكَ تَطَلَّبُوا الكَمالَ في أسْبابِ القُوَّةِ والعِزَّةِ مِن بَسْطَةِ الجِسْمِ وإجادَةِ الرِّمايَةِ والمُجالَدَةِ والشَّجاعَةِ عَلى لِقاءِ العَدُوِّ. وهَذِهِ أشْبَهُ بِأنْ تُعَدَّ في أسْبابِ الكَمالِ ولَكِنَّها مُكَمِّلاتٌ لِلْكَمالِ الإنْسانِيِّ لِأنَّها آلاتٌ لِإنْقاذِ المَقاصِدِ السّامِيَّةِ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ الرّاجِحَةِ والحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ كالأنْبِياءِ والمُلُوكِ الصّالِحِينَ وبِدُونِ ذَلِكَ تَكُونُ آلاتٍ لِإنْفاذِ المَقاصِدِ السَّيِّئَةِ مِثْلَ شَجاعَةِ أهْلِ الحِرابَةِ وقُطّاعِ الطَّرِيقِ والشُّطّارِ، ومِثْلَ القُوَّةِ عَلى خَلْعِ الأبْوابِ لِاقْتِحامِ مَنازِلِ الآمِنِينَ.
وإنَّما الكَمالُ الحَقُّ هو زَكاءُ النَّفْسِ واسْتِقامَةِ العَقْلِ، فَهُما السَّبَبُ المُطَّرِدُ لِإيصالِ المَنافِعِ العامَّةِ لِما في هَذا العالَمِ، ولَهُما تَكُونُ القُوى المُنَفِّذَةُ خادِمَةً كالشَّجاعَةِ لِلْمُدافِعِينَ عَنِ الحَقِّ والمُلْجِئِينَ لِلطُّغاةِ عَلى الخُنُوعِ إلى الدِّينِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُعَرَّضٌ لِلْخَطَأِ وغَيْبَةِ الصَّوابِ فَلا يَكُونُ لَهُ العِصْمَةُ مِن ذَلِكَ إلّا إذا كانَ مَحْفُوفًا بِالإرْشادِ الإلَهِيِّ المَعْصُومِ، وهو مَقامُ النُّبُوءَةِ والرِّسالَةِ.
فَهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ مَن قَوْمِ نُوحٍ لَمّا قَصَّرُوا عَنْ إدْراكِ أسْبابِ الكَمالِ وتَطَلَّبُوا الأسْبابَ مِن غَيْرِ مَكانِها نَظَرُوا نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعَهُ فَلَمْ يَرَوْهُ مِن جِنْسِ غَيْرِ البَشَرِ، وتَأمَّلُوهُ وأتْباعَهُ فَلَمْ يَرَوْا في أجْسامِهِمْ ما يُمَيِّزُهم عَنِ النّاسِ ورُبَّما كانَ في عُمُومِ الأُمَّةِ مَن هم أجْمَلُ وُجُوهًا أوْ أطْوَلُ أجْسامًا.
مِن أجْلِ ذَلِكَ أخْطَئُوا الِاسْتِدْلالَ فَقالُوا ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾، فَأسْنَدُوا الِاسْتِدْلالَ إلى الرُّؤْيَةِ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ لِأنَّهم جَعَلُوا اسْتِدْلالَهم ضَرُورِيًّا مِنَ المَحْسُوسِ مِن أحْوالِ الأجْسامِ، أيْ ما نَراكَ غَيْرَ إنْسانٍ، وهو مُماثِلٌ لِلنّاسِ لا يَزِيدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحَ أوْ قَوائِمَ زائِدَةً.
والبَشَرُ مُحَرَّكَةً: الإنْسانُ ذِكْرًا أوْ أُنْثى، واحِدًا كانَ أوْ جَمْعًا. قالَ الرّاغِبُ: ”عَبَّرَ عَنِ الإنْسانِ بِالبَشَرِ اعْتِبارًا بِظُهُورِ بَشَرَتَهُ وهي جِلْدُهُ مِنَ الشَّعْرِ بِخِلافِ الحَيَواناتِ الَّتِي عَلَيْها الصُّوفُ والشَّعْرُ والوَبَرُ“ أيْ والرِّيشُ. والبَشَرُ مُرادِفُ
صفحة ٤٨
الإنْسانِ فَيُطْلَقُ كَما يُطْلَقُ الإنْسانُ عَلى الواحِدِ والأكْثَرِ والمُؤَنَّثِ والمُذَكَّرِ. وقَدْ يُثَنّى كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]
وقالُوا ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ فَجَعَلُوا أتْباعَ النّاسِ المَعْدُودِينَ في عادَتِهِمْ أراذِلَ مَحْقُورِينَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا مَيْزَةَ لَهُ عَلى سادَتِهِمُ الَّذِينَ يَلُوذُ بِهِمْ أشْرافُ القَوْمِ وأقْوِياؤُهم. فَنَفَوْا عَنْهُ سَبَبَ السِّيادَةِ مِن جِهَتَيْ ذاتِهِ وأتْباعِهِ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ لِأنَّهم يَتَرَفَّعُونَ عَنْ مُخالَطَةِ أمْثالِهِمْ وأنَّهُ لَوْ أبْعَدَهم عَنْهُ لاتَّبَعُوهُ، ولِذَلِكَ ورَدَ بَعْدَهُ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود: ٢٩] الآيَةَ.
والأراذِلُ: جَمْعُ أرْذَلَ المَجْعُولِ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ كَذَلِكَ عَلى القِياسِ، أوْ جَمْعُ رَذِيلٍ عَلى خِلافِ القِياسِ. والرَّذِيلُ: المُحْتَقَرُ. وأرادُوا أنَّهم مِن لَفِيفِ القَوْمِ غَيْرُ سادَةٍ ولا أثْرِياءَ. وإضافَةُ (أراذِلُ) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ لِتَعْيِينِ القَبِيلَةِ، أيْ أراذِلُ قَوْمِنا. وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ دُونَ أنْ يُقالَ: إلّا أراذِلُنا لِحِكايَةِ أنَّ في كَلامِ الَّذِينَ كَفَرُوا إيماءً إلى شُهْرَةِ أتْباعِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ قَوْمِهِمْ بِوَصْفِ الرَّذالَةِ والحَقارَةِ، وكانَ أتْباعُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ضُعَفاءِ القَوْمِ ولَكِنَّهم مِن أزْكِياءِ النُّفُوسِ مِمَّنْ سَبَقَ لَهُمُ الهُدى.
وبادِيَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ في آخِرِهِ - عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن بَدا المَقْصُورِ إذا ظَهَرَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ لَمّا تَحَرَّكَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها، فَلَمّا صِيغَ مِنهُ وزْنُ فاعِلٍ وقَعَتِ الواوُ مُتَطَرِّفَةً إثْرَ كَسْرَةٍ فَقُلِبَتْ ياءً. والمَعْنى فِيما يَبْدُو لَهم مِنَ الرَّأْيِ دُونَ بَحْثٍ عَنْ خَفاياهُ ودَقائِقِهِ.
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ - بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ - عَلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَداءِ، وهو أوَّلُ الشَّيْءِ.
والمَعْنى: فِيما يَقَعُ أوَّلَ الرَّأْيِ، أيْ دُونَ إعادَةِ النَّظَرِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ مِنَ التَّمْوِيهِ، ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ.
والرَّأْيُ: نَظَرُ العَقْلِ، مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ رَأى، كَما اسْتُعْمِلَ رَأى بِمَعْنى ظَنَّ وعَلِمَ.
صفحة ٤٩
يَعْنُونَ أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ غَرَّتْهم دَعْوَتُكَ فَتَسَرَّعُوا إلى مُتابَعَتِكَ ولَوْ أعادُوا النَّظَرَ والتَّأمُّلَ لَعَلِمُوا أنَّكَ لا تَسْتَحِقُّ أنْ تُتَّبَعَ.
وانْتِصابُ (بادِئَ الرَّأْيِ) بِالنِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ، أيْ في وقْتِ الرَّأْيِ دُونَ بَحْثٍ عَنْ خَفِيِّهِ، أوْ في الرَّأْيِ الأوَّلِ دُونَ إعادَةِ نَظَرٍ.
وإضافَةُ بادِئَ إلى الرَّأْيِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ومَعْنى كَلامِهِمْ: لا يَلْبَثُ أنْ يَرْجِعَ إلى مُتَّبِعِيكَ رُشْدُهم فَيُعِيدُوا التَّأمُّلَ في وقْتٍ آخَرَ ويُكْشَفَ لَهم خَطَؤُهم.
ولَمّا وصَفُوا كُلَّ فَرِيقٍ مِنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ بِما يَنْفِي سِيادَةَ المَتْبُوعِ وتَزْكِيَةَ التّابِعِ جَمَعُوا الوَصْفَ الشّامِلَ لَهُما. وهو المَقْصُودُ مِنَ الوَصْفَيْنِ المُفَرِّقَيْنِ. وذَلِكَ قَوْلُهم ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ فَنَفَوْا أنْ يَكُونَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعِهِ فَضْلٌ عَلى الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَتّى يَكُونَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيِّدًا لَهم ويَكُونُ أتْباعُهُ مُفَضَّلَيْنِ بِسِيادَةِ مَتْبُوعِهِمْ.
والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في الشَّرَفِ والكَمالِ، والمُرادُ هُنا آثارُهُ وعَلاماتُهُ لِأنَّها الَّتِي تُرى، فَجَعَلُوا عَدَمَ ظُهُورِ فَضْلٍ لَهم عَلَيْهِمْ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ فَضْلِهِمْ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا تَخْفى آثارُهُ يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ انْتِفاءُ رُؤْيَتِها دَلِيلًا عَلى انْتِفائِها إذْ لَوْ ثَبَتَتْ لَرُئِيَتْ.
وجُمْلَةُ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ إبْطالٌ لِلْمَنفِيِّ كُلِّهِ الدّالِّ عَلى صِدْقِهِ في دَعْواهُ بِإثْباتِ ضِدِّ المَنفِيِّ، وهو ظَنُّهم إيّاهم كاذِبِينَ لِأنَّهُ إذا بَطَلَ الشَّيْءُ ثَبَتَ ضِدَّهُ، فَزَعَمُوا نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ وأتْباعَهُ كاذِبِينَ في دَعْوى حُصُولِ اليَقِينِ بِصِدْقِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، بَلْ ذَلِكَ مِنهُمُ اعْتِقادٌ باطِلٌ، وهَذا الظَّنُّ الَّذِي زَعَمُوهُ مُسْتَنِدٌ إلى الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ في اعْتِقادِهِمْ.
واسْتُعْمَلَ الظَّنُّ هُنا في العِلْمِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وهو إطْلاقٌ شائِعٌ في الكَلامِ.
هود 11:28
صفحة ٥٠
﴿قالَ يا قَوْمِ أراَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعَمِيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذِهِ لَمّا وقَعَتْ مُقابِلًا لِكَلامٍ مَحْكِيٍّ يُقالُ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٧]
وافْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ إقْبالِ أذْهانِهِمْ لِوَعْيِ كَلامِهِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ، واخْتِيارِ اسْتِحْضارِهِمْ بِعُنْوانِ قَوْمِهِ لِاسْتِنْزالِ طائِرِ نُفُورِهِمْ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّهُ مِنهم فَلا يُرِيدُ لَهم إلّا خَيْرًا.
وإذْ قَدْ كانَ طَعْنُهم في رِسالَتِهِ مُدَلِّلًا بِأنَّهم ما رَأوْا لَهُ مَزِيَّةً وفَضْلًا، وما رَأوْا أتْباعَهُ إلّا ضُعَفاءَ قَوْمِهِمْ وإنَّ ذَلِكَ عَلامَةُ كَذِبِهِ وضَلالِ أتْباعِهِ، سَلَكَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُجادَلَتِهِمْ مَسْلَكَ إجْمالٍ لِإبْطالِ شُبْهَتِهِمْ ثُمَّ مَسْلَكَ تَفْصِيلٍ لِرَدِّ أقْوالِهِمْ، فَأمّا مَسْلَكُ الإجْمالِ فَسَلَكَ فِيهِ مَسْلَكَ القَلْبِ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ وفي أتْباعِهِ ما يَحْمِلُ عَلى التَّصْدِيقِ بِرِسالَتِهِ، فَكَذَلِكَ هو لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَحْمِلَهم عَلى رُؤْيَةِ المَعانِي الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ ولا يَسْتَطِيعُ مَنعَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِن مُتابَعَتِهِ والِاهْتِداءِ بِالهَدْيِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى آخِرِهِ. مَعْناهُ إنْ كُنْتَ ذا بُرْهانٍ واضِحٍ، ومُتَّصِفًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ بِالرِّسالَةِ بِالهُدى فَلَمْ تَظْهَرْ لَكُمُ الحُجَّةُ ولا دَلائِلُ الهُدى، فَهَلْ أُلْزِمُكم أنا وأتْباعِي بِها، أيْ بِالإذْعانِ إلَيْها والتَّصْدِيقِ
صفحة ٥١
بِها إنْ أنْتُمْ تَكْرَهُونَ قَبُولَها. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا تَأمُّلًا بَرِيئًا مِنَ الكَراهِيَةِ والعَداوَةِ لَعَلِمُوا صِدْقَ دَعْوَتِهِ.
وأرَأيْتُمْ، اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنى الِاعْتِقادِ. وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ إذا كانَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ غَيْرَ عامِلٍ في مُفْرَدٍ فَهو تَقْرِيرٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّادَّةِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ رَأيْتُمْ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْناهُ آيِلًا إلى مَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكِنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في طَلَبِ مَن حالُهُ حالُ مَن يَجْحَدُ الخَبَرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾ [الأنعام: ٤٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ أرَأيْتُمْ وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ إنْكارِيٌّ، أيْ لا نُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها، فَعُلِّقَ الإلْزامُ بِضَمِيرِ البَيِّنَةِ أوِ الرَّحْمَةِ. والمُرادُ تَعْلِيقُهُ بِقَبُولِها بِدَلالَةِ القَرِينَةِ.
والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ، وتُطْلَقُ عَلى المُعْجِزَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَتُهُ الطُّوفانَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَهُ مُعْجِزاتٌ أُخْرى لَمْ تُذْكَرْ، فَإنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا تَخْلُو مِن مُعْجِزاتٍ.
والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ نِعْمَةُ النُّبُوءَةِ والتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمُ الَّذِي أنْكَرُوهُ، مَعَ ما صَحِبَها مِنَ البَيِّنَةِ لِأنَّها مِن تَمامِها، فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلى البَيِّنَةِ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَهُما، وهي مُغايِرَةٌ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أعَمُّ مِنَ البَيِّنَةِ إذِ البَيِّنَةُ عَلى صِدْقِهِ مِن جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ بِهِ، ولِذَلِكَ لَمّا أُعِيدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعُمِّيَتْ أُعِيدَ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّها أعَمُّ.
وعَلَيْكم مُتَعَلِّقَةٌ بِـ عُمِّيَتْ وهو حَرْفٌ تَتَعَدّى بِهِ الأفْعالُ الدّالَّةُ عَلى مَعْنى الَخَفاءِ، مِثْلُ: خَفِيَ عَلَيْكَ. ولَمّا كانَ عُمِّيَ في مَعْنى خَفِيَ عُدِّيَ بِـ (عَلى)، وهو لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ أيِ التَّمَكُّنِ، أيْ قُوَّةِ مُلازَمَةِ البَيِّنَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ.
صفحة ٥٢
واخْتِيارُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إعْطاءَهُ البَيِّنَةَ والرَّحْمَةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أرادَ بِهِ إظْهارَ رِفْقِهِ وعِنايَتِهِ بِهِ.
ومَعْنى فَعُمِّيَتْ فَخَفِيَتْ، وهو اسْتِعارَةٌ، إذْ شُبِّهَتِ الحُجَّةُ الَّتِي لَمْ يُدْرِكْها المُخاطَبُونَ كالعَمْياءِ في أنَّها لَمْ تَصِلْ إلى عُقُولِهِمْ كَما أنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي لِلْوُصُولِ إلى مَقْصِدِهِ فَلا يَصِلُ إلَيْهِ. ولَمّا ضُمِّنَ مَعْنى: الخَفاءِ عُدِّيَ فِعْلُ فَعُمِّيَتْ بِحَرْفِ عَلى تَجْرِيدًا لِلِاسْتِعارَةِ. وفي ضِدِّ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ جاءَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩]، أيْ آتَيْناهم آيَةً واضِحَةً لا يُسْتَطاعُ جَحْدُها لِأنَّها آيَةٌ مَحْسُوسَةٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ جَحْدُهم إيّاها ظُلْمًا فَقالَ فَظَلَمُوا بِها
ومِن بَدِيعِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هُنا أنَّ فِيها طِباقًا لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ في مُجادَلَتِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا﴾ [هود: ٢٧] - وما نَراكَ اتَّبَعَكَ - ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] . فَقابَلَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَهم مُقابَلَةً بِالمَعْنى واللَّفْظِ إذْ جَعَلَ عَدَمَ رُؤْيَتِهِمْ مِن قَبِيلِ العَمى.
وعَطْفُ عُمِّيَتْ بِفاءِ التَّعْقِيبِ إيماءً إلى عَدَمِ الفَتْرَةِ بَيْنَ إيتائِهِ البَيِّنَةَ والرَّحْمَةَ وبَيْنَ خَفائِها عَلَيْهِمْ. وهو تَعْرِيضٌ لَهم بِأنَّهم بادَرُوا بِالإنْكارِ قَبْلَ التَّأمُّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ سادَّةُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ أرَأيْتُمْ لِأنَّ الفِعْلَ عُلِّقَ عَنِ العَمَلِ بِدُخُولِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ فَعْلُ أرَأيْتُمْ وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يا قَوْمِ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي إلى آخِرِهِ أتَرَوْنَ أنُلْزِمُكم قَبُولَ البَيِّنَةِ وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ.
وجِيءَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإلْزامَ لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ لَكانَ لَهُ أعْوانٌ عَلَيْهِ وهم أتْباعُهُ فَأرادَ أنْ لا يُهْمِلَ ذِكْرَ أتْباعِهِ وأنَّهم أنْصارٌ لَهُ لَوْ شاءَ أنْ يَهِيبَ بِهِمْ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِمْ في مُقابَلَةِ تَحْقِيرِ الآخَرِينَ إيّاهم.
صفحة ٥٣
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ ما كانَ لَنا ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإكْراهِهِمْ إعْراضًا عَنِ العِنايَةِ بِهِمْ فَتَرَكَ أمْرَهم إلى اللَّهِ، وذَلِكَ أشَدُّ في تَوَقُّعِ العِقابِ العَظِيمِ.
والكارِهُ: المُبْغِضُ لِشَيْءٍ. وعُدِّيَ بِاللّامِ إلى مَفْعُولِهِ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ تَعَلُّقِ الكَراهِيَةِ بِالرَّحْمَةِ أوِ البَيِّنَةِ، أيْ وأنْتُمْ مُبْغِضُونَ قَبُولَها لِأجْلِ إعْراضِكم عَنِ التَّدَبُّرِ فِيها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى كارِهُونَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها. والمَقْصُودُ مِن كَلامِهِ بَعَثُهم عَلى إعادَةِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، وتَخْفِيضُ نُفُوسِهِمْ، واسْتِنْزالُهم إلى الإنْصافِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ مَعْذِرَتَهم بِما صَنَعُوا ولا العُدُولَ عَنْ تَكْرِيرِ دَعْوَتِهِمْ.
هود 11:29
﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾
إعادَةُ الخِطابِ بِـ يا قَوْمِ تَأْكِيدٌ لِما في الخِطابِ بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ المَعانِي الَّتِي ذَكَرْناها، وأمّا عَطْفُ النِّداءِ بِالواوِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ بِهِ واحِدٌ وشَأْنُ عَطْفِ النِّداءِ أنْ يَكُونَ عِنْدَ اخْتِلافِ المُنادى كَقَوْلِ المَعَرِّيِّ:
يا ساهِرَ البَرْقِ أيْقِظْ راقِدَ السَّمُرِ لَعَلَّ بِالجِزْعِ أعْوانًا عَلى السَّهَـرِ
ثُمَّ قالَ:
ويا أسِيرَةَ حِجْلَيْها أرى سَفَـهًـا ∗∗∗ حَمْلَ الحُلِيِّ بِمَن أعْيا عَنِ النَّظَرِ
فَأمّا إذا اتَّحَدَ المُنادى فالشَّأْنُ عَدَمُ العَطْفِ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ولِيًّا فَقَدْ تَكَرَّرَ النِّداءُ أرْبَعَ مَرّاتٍ.
صفحة ٥٤
فَتَعَيَّنَ هُنا أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن مَقُولِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا مِن حِكايَةِ اللَّهِ عَنْهُ. ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلى اتِّصالِ النِّداءاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنَّ أحَدَها لا يُغْنِي عَنِ الآخَرِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الوَصْلِ لِأنَّ النِّداءَ افْتِتاحُ كَلامٍ فَجُمْلَتُهُ ابْتِدائِيَّةٌ وعَطْفُها إذا عُطِفَتْ مُجَرَّدُ عَطْفٍ لَفْظِيٍّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفَنُّنًا عَرَبِيًّا في الكَلامِ عِنْدَ تَكَرُّرِ النِّداءِ اسْتِحْسانًا لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ. وسَيَجِيءُ نَظِيرُ هَذا قَرِيبًا في قِصَّةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
ومِنهُ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿ويا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم يَوْمَ التَّنادِ﴾ [غافر: ٣٢] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] ثُمَّ قالَ ﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٣٨] ﴿يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾ [غافر: ٣٩] ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكم إلى النَّجاةِ وتَدْعُونَنِي إلى النّارِ﴾ [غافر: ٤١] . فَعَطَفَ ويا قَوْمِ تارَةً وتَرَكَ العَطْفَ أُخْرى.
وأمّا مَعَ اخْتِلافِ الوَصْفِ المُنادى بِهِ فَقَدْ جاءَ العَطْفُ وهو أظْهَرُ لِما في اخْتِلافِ وصْفِ المُنادى مِن شِبْهِ التَّغايُرِ كَقَوْلِ قَيْسٍ بْنِ عاصِمٍ، وقِيلَ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
أيا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّـهِ وابْـنَةَ مَـالِـكٍ ∗∗∗ ويا ابْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ والفَرَسِ الوَرْدِ
فَقَوْلُهُ: ”ويا بْنَةَ ذِي البُرْدَيْنِ“ عَطْفُ نِداءٍ عَلى نِداءٍ والمُنادى بِهِما واحِدٌ.
لَمّا أظْهَرَ لَهم نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُجْبِرُهم عَلى إيمانٍ يَكْرَهُونَهُ انْتَقَلَ إلى تَقْرِيبِهِمْ مِنَ النَّظَرِ في نَزاهَةِ ما جاءَهم بِهِ، وأنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْعًا دُنْيَوِيًّا بِأنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى ما جاءَ بِهِ ما لا يُعْطُونَهُ إيّاهُ فَماذا يَتَّهِمُونَهُ حَتّى يَقْطَعُونَ بِكَذِبِهِ.
صفحة ٥٥
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّ الضَّمِيرَ يُعامَلُ مُعامَلَةَ اسْمِ الإشارَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ احْتِراسٌ لِأنَّهُ لَمّا نَفى أنْ يَسْألَهم مالًا، والمالُ أجْرٌ، نَشَأ تَوَهُّمُ أنَّهُ لا يَسْألُ جَزاءً عَلى الدَّعْوَةِ فَجاءَ بِجُمْلَةِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ احْتِراسًا. والمُخالَفَةُ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ في قَوْلِهِ: مالًا وأجْرِيَ تُفِيدُ أنَّهُ لا يَسْألُ مِنَ اللَّهِ مالًا ولَكِنَّهُ يَسْألُ ثَوابًا. والأجْرُ: العِوَضُ عَلى عَمَلٍ. ويُسَمّى ثَوابُ اللَّهِ أجْرًا لِأنَّهُ جَزاءٌ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ.
وعَطَفَ جُمْلَةَ ﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى جُمْلَةٍ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا﴾ لِأنَّ مَضْمُونَها كالنَّتِيجَةِ لِمَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها لِأنَّ نَفْيَ طَمَعِهِ في المُخاطَبِينَ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُؤْذِي أتْباعَهُ لِأجْلِ إرْضاءِ هَؤُلاءِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ أتْباعِهِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ: الَّذِينَ آمَنُوا لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِن تَغْلِيطِ قَوْمِهِ في تَعْرِيضِهِمْ لَهُ بِأنْ يَطْرُدَهم بِما أنَّهم لا يُجالِسُونَ أمْثالَهم إيذانًا بِأنَّ إيمانَهم يُوجِبُ تَفْضِيلَهم عَلى غَيْرِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ والرَّغْبَةَ فِيهِمْ فَكَيْفَ يَطْرُدُهم. وهَذا إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ قَوْلُهم ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم لا يُماثِلُونَهم في مُتابَعَتِهِ.
والطَّرْدُ: الأمْرُ بِالبُعْدِ عَنْ مَكانِ الحُضُورِ تَحْقِيرًا أوْ زَجْرًا. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِنَفِيَ أنْ يَطْرُدَهم بِأنَّهم صائِرُونَ إلى اللَّهِ في الآخِرَةِ فَمُحاسِبٌ مَن يَطْرُدُهم، هَذا إذا كانَتِ المُلاقاةُ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ أرادَ أنَّهم يَدْعُونَ رَبَّهم في صَلاتِهِمْ فَيَنْتَصِرُ اللَّهُ لَهم إذا كانَتِ المُلاقاةُ مَجازِيَّةً، أوْ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ حِينَ يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ دَعْوَتِي لِأنِّي أدْعُو إلى اللَّهِ لا إلى شَيْءٍ يَخُصُّنِي فَهم عِنْدَ مُلاقاتِي كَمَن يُلاقُونَ رَبَّهم لِأنَّهم يَتَلَقَّوْنَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في قِصَّةِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ
صفحة ٥٦
حَضَرُوا مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ فَجَلَسَ أحَدُهم، واسْتَحْيا أحَدُهم، وأعْرَضَ الثّالِثُ «”أمّا الأوَّلُ فَآوى إلى اللَّهِ فَآواهُ اللَّهُ، وأمّا الثّانِي فاسْتَحْيا فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنهُ، وأمّا الثّالِثُ فَأعْرَضَ فَأعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ“» .
وتَأْكِيدُ الَخَبَرِ بِـ إنَّ إنْ كانَ اللِّقاءُ حَقِيقَةً لِرَدِّ إنْكارِ قَوْمِهِ البَعْثَ، وإنْ كانَ اللِّقاءُ مَجازًا فالتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اللِّقاءِ. وقَدْ زِيدَ هَذا التَّأْكِيدُ تَأْكِيدًا بِجُمْلَةِ (ولَكِنِّيَ أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ)
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ هو أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ ضِدُّ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها وهي جُمْلَةُ ﴿إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ أيْ لا رَيْبَ في ذَلِكَ ولَكِنَّكم تَجْهَلُونَ فَتَحْسَبُونَهم لا حَضْرَةَ لَهم وأنْ لا تَبِعَةَ في طَرْدِهِمْ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ تَجْهَلُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ تَجْهَلُونَ ذَلِكَ.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ: (قَوْمًا) يَدُلُّ عَلى أنَّ جَهْلَهم صِفَةٌ لازِمَةٌ لَهم كَأنَّها مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
هود 11:30
﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ .
إعادَةُ ويا قَوْمِ مِثْلُ إعادَتِهِ في الآيَةِ قَبْلَها.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والنَّصْرُ: إعانَةُ المُقاوِمِ لِضِدٍّ أوْ عَدُوٍّ، وضُمِّنَ مَعْنى الإنْجاءِ فَعُدِّيَ بِـ مِن أيْ مَن يُخَلِّصُنِي، أيْ يُنْجِينِي مِنَ اللَّهِ، أيْ مِن عِقابِهِ؛ لِأنَّ طَرْدَهم إهانَةٌ تُؤْذِيهِمْ بِلا مُوجِبٍ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ اللَّهِ، واللَّهُ لا يُحِبُّ إهانَةَ أوْلِيائِهِ.
وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارًا عَلى قَوْمِهِ في إهْمالِهِمُ التَّذَكُّرِ، أيِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ ومَدْلُولاتِها، والأسْبابِ ومُسَبِّباتِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَذَّكِّرُونَ - بِتَشْدِيدِ الذّالِ - .
صفحة ٥٧
وأصْلُ تَذَّكَّرُونَ، تَتَذَكَّرُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَتْ في الذّالِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ وبِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. والتَّذَكُّرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.
هود 11:31
﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّيَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾
هَذا تَفْصِيلٌ لِما رَدَّ بِهِ مَقالَةَ قَوْمِهِ إجْمالًا، فَهُمُ اسْتَدَلُّوا عَلى نَفْيِ نُبُوَّتِهِ بِأنَّهم لَمْ يَرَوْا لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ، فَجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالقَوْلِ بِالمُوجِبِ أنَّهُ لَمْ يَدَعْ فَضْلًا غَيْرِ الوَحْيِ إلَيْهِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]، ولِذَلِكَ نَفى أنْ يَكُونَ قَدْ ادَّعى غَيْرَ ذَلِكَ. واقْتَصَرَ عَلى بَعْضِ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وهو أنْ يَكُونَ أغْنى مِنهم، أوْ أنْ يَعْلَمَ الأُمُورَ الغائِبَةَ. والقَوْلُ بِمَعْنى الدَّعْوى، وإنَّما نَفى ذَلِكَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مُنْتَفٍ عَنْهُ ذَلِكَ في الحالِ، فَأمّا انْتِفاؤُهُ في الماضِي فَمَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْهُ، أيْ لا تَظُنُّوا أنِّي مُضْمِرٌ ادِّعاءَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ أقُلْهُ.
والخَزائِنُ: جَمْعُ خِزانَةٍ - بِكَسْرِ الخاءِ - وهي بَيْتٌ أوْ مِشْكاةٌ كَبِيرَةٌ يُجْعَلُ لَها بابٌ، وذَلِكَ لِخَزْنِ المالِ أوِ الطَّعامِ، أيْ حِفْظِهِ مِنَ الضَّياعِ. وذِكْرُ الخَزائِنِ هُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ؛ شُبِّهَتِ النِّعَمُ والأشْياءُ النّافِعَةُ بِالأمْوالِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُدَّخَرُ في الخَزائِنِ، ورَمَزَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما هو مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو الخَزائِنُ. وإضافَةُ خَزائِنُ إلى اللَّهِ لِاخْتِصاصِ اللَّهِ بِها.
صفحة ٥٨
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَنَفْيٌ لِشُبْهَةِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ولِذَلِكَ أعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إبْطالُ دَعْوى أُخْرى ألْصَقُوها بِهِ، وتَأْكِيدُهُ بِـ إنَّ لِأنَّهُ قَوْلٌ لا يَقُولُهُ قائِلُهُ إلّا مُؤَكَّدًا لِشِدَّةِ إنْكارِهِ لَوِ ادَّعاهُ مُدَّعٍ، فَلَمّا نَفاهُ نَفى صِيغَةَ إثْباتِهِ. ولَمّا أرادَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ ﴿وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] أبْطَلَهُ بِطَرِيقَةِ التَّغْلِيطِ لِأنَّهم جَعَلُوا ضَعْفَهم وفَقْرَهم سَبَبًا لِانْتِفاءِ فَضْلِهِمْ، فَأبْطَلَهُ بِأنَّ ضَعْفَهم لَيْسَ بِحائِلٍ بَيْنَهم وبَيْنَ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ إذْ لا ارْتِباطَ بَيْنَ الضَّعْفِ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِن فَقْرٍ وقِلَّةٍ وبَيْنَ الحِرْمانِ مَن نَوالِ الكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ والدِّينِيَّةِ، وأعادَ مَعَهُ فِعْلَ القَوْلِ لِأنَّهُ أرادَ مِنَ القَوْلِ مَعْنًى غَيْرَ المُرادِ مِنهُ فِيما قِيلَ، فالقَوْلُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِقادِ لِأنَّ المَرْءَ إنَّما يَقُولُ ما يَعْتَقِدُ، وهي تَعْرِيضِيَّةٌ بِالمُخاطَبِينَ لِأنَّهم يُضْمِرُونَ ذَلِكَ ويُقَدِّرُونَهُ.
والِازْدِراءُ: افْتِعالٌ مِنَ الزَّرْيِ وهو الِاحْتِقارُ وإلْصاقُ العَيْبِ، فَأصْلُهُ: ازْتِراءٌ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا بَعْدَ الزّايِ كَما قُلِبَتْ في الِازْدِيادِ.
وإسْنادُ الِازْدِراءِ إلى الأعْيُنِ وإنَّما هو مِن أفْعالِ النَّفْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الأعْيُنَ سَبَبُ الِازْدِراءِ غالِبًا؛ لِأنَّ الِازْدِراءَ يَنْشَأُ عَنْ مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ الحَقِيرَةِ عِنْدَ النّاظِرِ. ونَظِيرُهُ إسْنادُ الفَرَقِ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى:
كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وإنَّما سَحَرُوا عُقُولَهم ولَكِنَّ الأعْيُنَ تَرى حَرَكاتِ السَّحَرَةِ فَتُؤْثِرُ رُؤْيَتُها عَلى عُقُولِ المُبْصِرِينَ.
وجِيءَ في النَّفْيِ بِحَرْفِ لَنِ الدّالَّةِ عَلى تَأْكِيدِ نَفْيِ الفِعْلِ في المُسْتَقْبَلِ تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ لِأنَّهم جَعَلُوا ضَعْفَ أتْباعِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفَقْرِهِمْ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ الخَيْر عَنْهم فاقْتَضى دَوامُ ذَلِكَ ما دامُوا ضُعَفاءَ فُقَراءَ، فَلِسانُ حالِهِمْ يَقُولُ: لَنْ يَنالُوا خَيْرًا، فَكانَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَقُولُ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ .
صفحة ٥٩
وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ أنْ يَقُولَ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ . ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ، ومَعْنى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ أنَّ أمْرَهم مَوْكُولٌ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي عَلِمَ ما أوْدَعَهُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الخَيْرِ والَّذِي وفَّقَهم إلى الإيمانِ، أيْ فَهو يُعامِلُهم بِما يَعْلَمُ مِنهم. وتَعْلِيقُهُ بِالنُّفُوسِ تَنْبِيهٌ لِقَوْمِهِ عَلى غَلَطِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] بِأنَّهم نَظَرُوا إلى الجانِبِ الجُثْمانِيِّ الدُّنْيَوِيِّ وجَهِلُوا الفَضائِلَ والكِمالاتِ النَّفْسانِيَّةَ والعَطايا اللَّدُنِّيَّةَ الَّتِي اللَّهُ أعْلَمُ بِها.
واسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ شِدَّةُ العِلْمِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾) تَعْلِيلٌ ثانٍ لِنَفْيِ أنْ يَقُولَ (﴿لَنْ يُوتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾) . وإذَنْ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُجازاةً لِلْقَوْلِ، أيْ لَوْ قُلْتَ ذَلِكَ لَكُنْتَ مِنَ الظّالِمِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يَظْلِمُهم بِالقَضاءِ عَلَيْهِمْ بِما لا يَعْلَمُ مِن حَقِيقَتِهِمْ، ويَظْلِمُ نَفْسَهُ بِاقْتِحامِ القَوْلِ بِما لا يُصَدَّقُ.
وقَوْلُهُ: مِنَ الظّالِمِينَ أبْلَغُ في إثْباتِ الظُّلْمِ مِن: إنِّي ظالِمٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأكَّدَهُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ: إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ وحَرْفِ الجَزاءِ، تَحْقِيقًا لِظُلْمِ الَّذِينَ رَمَوُا المُؤْمِنِينَ بِالرَّذالَةِ وسَلَبُوا الفَضْلَ عَنْهم؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّعْرِيضَ بِقَوْمِهِ في ذَلِكَ. وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ذِكْرُ مَوْقِفٍ آخَرَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ في شَأْنِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ.
هود 11:32
صفحة ٦٠
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فَصْلًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ بِالقَوْلِ وإيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ويَكُونُ في الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما أرادُوا أنَّهُ جادَلَهم فِيما هو شَرٌّ فَعَبَّرَ عَنْ مُرادِهِمْ بِلَفْظِ الجِدالِ المُوَجَّهِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وهَذا قَوْلٌ وقَعَ عَقِبَ مُجادَلَتِهِ المَحْكِيَّةِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ كانَتْ آخِرَ مُجادَلَةٍ جادَلَها قَوْمَهُ، وأنَّ ضَجَرَهم وسَآمَتَهم مِن تَكْرارِ مُجادَلَتِهِ حَصَلَ ساعَتَئِذٍ فَقالُوا قَوْلَهم هَذا، فَكانَتْ كُلُّها مُجادَلاتٍ مَضَتْ. وكانَتِ المُجادَلَةُ الأخِيرَةُ هي الَّتِي اسْتَفَزَّتِ امْتِعاضِهِمْ مِن قَوارِعِ جَدَلِهِ حَتّى سَئِمُوا مِن تَزْيِيفِ مُعارَضَتِهِمْ وآرائِهِمْ شَأْنَ المُبْطِلِ إذا دَمَغَتْهُ الحُجَّةُ، ولِذَلِكَ أرادُوا طَيَّ بِساطِ الجِدالِ، وأرادُوا إفْحامَهُ بِأنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ ما تَوَعَّدَهم مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]
وقَوْلُهم ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذَمُّرِ والتَّضْجِيرِ والتَّأْيِيسِ مِن الِاقْتِناعِ أجابَهم بِالمُبادَرَةِ لِبَيانِ العَذابِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المَوْعِظَةِ فَبادَرَ بِهِ ثُمَّ عادَ إلى بَيانِ مُجادَلَتِهِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ. وأرادُوا بِهِ تَعْجِيلَهُ وعَدَمَ إنْظارِهِ.
صفحة ٦١
) ما تَعِدُنا ) مِصْداقُهُ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِناءً عَلى ظاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلا لِكَلامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الَخَصْمِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ كاذِبًا وهم جازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهم، ولَعَلَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: إنْ شاءَ احْتِراسٌ راجِعٌ إلى حَمْلِ العَذابِ عَلى عَذابِ الدُّنْيا.
ومَعْنى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أنْتُمْ بِناجِينَ وفالِتِينَ مِنَ الوَعِيدِ، يُرِيدُ أنَّ العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. ولَعَلَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إلى المَشِيئَةِ؛ أوْ لَعَلَّهُ كانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِـ إنْ شاءَ مَنظُورًا فِيهِ إلى كَوْنِ العَذابِ مُعَجَّلًا أوْ مُؤَخَّرًا.
هود 11:33
صفحة ٦٠
﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ فَصْلًا عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ في المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُجادَلَةُ: المُخاصَمَةُ بِالقَوْلِ وإيرادُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَتَكُونُ في الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، ويَكُونُ في الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وإنَّما أرادُوا أنَّهُ جادَلَهم فِيما هو شَرٌّ فَعَبَّرَ عَنْ مُرادِهِمْ بِلَفْظِ الجِدالِ المُوَجَّهِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وهَذا قَوْلٌ وقَعَ عَقِبَ مُجادَلَتِهِ المَحْكِيَّةِ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المُجادَلَةَ كانَتْ آخِرَ مُجادَلَةٍ جادَلَها قَوْمَهُ، وأنَّ ضَجَرَهم وسَآمَتَهم مِن تَكْرارِ مُجادَلَتِهِ حَصَلَ ساعَتَئِذٍ فَقالُوا قَوْلَهم هَذا، فَكانَتْ كُلُّها مُجادَلاتٍ مَضَتْ. وكانَتِ المُجادَلَةُ الأخِيرَةُ هي الَّتِي اسْتَفَزَّتِ امْتِعاضِهِمْ مِن قَوارِعِ جَدَلِهِ حَتّى سَئِمُوا مِن تَزْيِيفِ مُعارَضَتِهِمْ وآرائِهِمْ شَأْنَ المُبْطِلِ إذا دَمَغَتْهُ الحُجَّةُ، ولِذَلِكَ أرادُوا طَيَّ بِساطِ الجِدالِ، وأرادُوا إفْحامَهُ بِأنْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ ما تَوَعَّدَهم مِن عَذابٍ يَنْزِلُ بِهِمْ كَقَوْلِهِ آنِفًا ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]
وقَوْلُهم ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذَمُّرِ والتَّضْجِيرِ والتَّأْيِيسِ مِن الِاقْتِناعِ أجابَهم بِالمُبادَرَةِ لِبَيانِ العَذابِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ في المَوْعِظَةِ فَبادَرَ بِهِ ثُمَّ عادَ إلى بَيانِ مُجادَلَتِهِ.
والإتْيانُ بِالشَّيْءِ: إحْضارُهُ. وأرادُوا بِهِ تَعْجِيلَهُ وعَدَمَ إنْظارِهِ.
صفحة ٦١
) ما تَعِدُنا ) مِصْداقُهُ عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ
والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ قَصْرُ قَلْبٍ بِناءً عَلى ظاهِرِ طَلَبِهِمْ، حَمَلا لِكَلامِهِمْ عَلى ظاهِرِهِ عَلى طَرِيقَةِ مُجاراةِ الَخَصْمِ في المُناظَرَةِ، وإلّا فَإنَّهم جازِمُونَ بِتَعَذُّرِ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم لِأنَّهم يَحْسَبُونَهُ كاذِبًا وهم جازِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَوَعَّدْهم، ولَعَلَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: إنْ شاءَ احْتِراسٌ راجِعٌ إلى حَمْلِ العَذابِ عَلى عَذابِ الدُّنْيا.
ومَعْنى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أنْتُمْ بِناجِينَ وفالِتِينَ مِنَ الوَعِيدِ، يُرِيدُ أنَّ العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ. ولَعَلَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ فَوَّضَهُ إلى المَشِيئَةِ؛ أوْ لَعَلَّهُ كانَ يُوقِنُ بِنُزُولِهِ بِهِمْ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ بِـ إنْ شاءَ مَنظُورًا فِيهِ إلى كَوْنِ العَذابِ مُعَجَّلًا أوْ مُؤَخَّرًا.
هود 11:34
﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى وعْظِهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ وتَوَقُّعِهِ بَيانَ حالِ مُجادَلَتِهِ إيّاهُمُ الَّتِي امْتَعَضُوا مِنها بِأنَّها مُجادَلَةٌ لِنَفْعِهِمْ وصَلاحِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ حَيْثُ كَرِهُوا ما هو نَفْعٌ لَهم.
والنُّصْحُ: قَوْلٌ أوْ عَمَلٌ يُرِيدُ صاحِبُهُ صَلاحَ المَعْمُولِ لِأجْلِهِ. وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ النّافِعَةِ المُنْقِذَةِ مِنَ الأضْرارِ. ويَكُونُ بِالعَمَلِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ ”«الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» “ أيِ الإخْلاصُ في العَمَلِ لَهُما لِأنَّ اللَّهَ لا يُنَبَّأُ بِشَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ. فالمُرادُ بِالنُّصْحِ هُنا هو ما سَمّاهُ قَوْمُهُ بِالجِدالِ، أيْ هو أوْلى بِأنْ يُسَمّى نُصْحًا لِأنَّ الجِدالَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ٦٢
وجُمْلَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، فَجَوابُها في مَعْنى قَوْلِهِ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ بُنِيَ عَلى الإخْبارِ بِعَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ اهْتِمامًا بِذَلِكَ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ وأُتِيَ بِالشَّرْطِ قَيْدًا لَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ فَهو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ دَلِيلِ جَوابِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَكِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى تَعْلِيقٍ، وغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّقْيِيدُ أصْلًا، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الشَّرْطِ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ في مَسائِلِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ أكَلْتِ إنْ شَرِبْتِ فَأنْتِ طالِقٌ؛ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ في شَرْطٍ مُقَيِّدٍ لِشَرْطٍ آخَرَ. عَلى أنَّ المَقْصُودَ إذا اجْتَمَعَ فِعْلا الشَّرْطَيْنِ حَصَلَ مَضْمُونُ جَوابِهِما. ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَهَـا كَـرَمُ
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فَكُلٌّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَقْصُودٌ التَّعْلِيقِ بِهِ. وقَدْ حُذِفَ جَوابُ أحَدِهِما لِدَلالَةِ جَوابِ الآخَرِ عَلَيْهِ.
والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ مُؤْذِنٌ بِعَزْمِهِ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ واجِبَهُ هو البَلاغُ وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ.
وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إلى ما هم فِيهِ مِن كَراهِيَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبُهُ خِذْلانُ اللَّهِ إيّاهم ولَوْلاهُ لَنَفَعَهم نُصْحُهُ، ولَكِنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَعْلَمُ مُرادَ اللَّهِ مِن إغْوائِهِمْ ولا مَدى اسْتِمْرارِ غَوايَتِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَنْصَحَ لَهم إلى نِهايَةِ الأمْرِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ اللّامِ عَلى مَفْعُولِ نَصَحَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في بَراءَةَ.
صفحة ٦٣
والإغْواءُ: جَعْلُ الشَّخْصِ ذا غِوايَةٍ، وهي الضَّلالُ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم إنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ، أوْ لِتَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ إنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرًا.
والتَّقْدِيمُ في ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ؛ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا بَلْهَ أنْ يَزْعُمُوا أنَّهم يَحْضُرُونَ إلى اللَّهِ وإلى غَيْرِهِ.
وتَمَثَّلَتْ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ صُورَةٌ واضِحَةٌ مِن تَفْكِيرِ أهْلِ العُقُولِ السَّخِيفَةِ الَّتِي رانَ عَلَيْها الضَّلالُ فَقَلَبَ أفْكارَها إلى اعْوِجاجٍ فَظِيعٍ، وهي الصُّورَةُ الَّتِي تَتَمَثَّلُ في الأُمَمِ الَّتِي لَمْ يُثَقِّفْ عُقُولَها الإرْشادُ الدِّينِيُّ فَغَلَبَ عَلَيْها الِانْسِياقُ وراءَ داعِي الهَوى، وامْتَلَكَها الغُرُورُ بِظَنِّ الخَطَأِ صَوابًا، ومُصانَعَةِ مَن تُصَأْصِئُ عَيْنُ بَصِيرَتِهِ بِلائِحٍ مِنَ النُّورِ، مَن يَدْعُوهُ إلى إغْماضِها وعَدِمَتِ الوازِعَ النَّفْسانِيَّ فَلَمْ تَعْبَأْ إلّا بِالصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ ولَمْ تَهْتَمَّ إلّا بِاللَّذّاتِ وحُبِّ الذّاتِ ولا تَزِنُ بِمِعْيارِ النَّقْدِ الصَّحِيحِ خُلُوصَ النُّفُوسِ مِن دَخَلِ النَّقائِصِ.
هود 11:35
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ القِصَّةِ، ومَن جَعَلَها مِنها فَقَدْ أبْعَدَ، وهي تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِها السّابِقِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ومُناسَبَةُ هَذا الِاعْتِراضِ أنَّ تَفاصِيلَ القِصَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُونَ تَفاصِيلٌ عَجِيبَةٌ تَدْعُو المُنْكِرِينَ إلى أنْ يَتَذَكَّرُوا إنْكارَهم ويُعِيدُوا ذِكْرَهُ.
صفحة ٦٤
وكَوْنُ ذَلِكَ مُطابِقًا لِما حَصَلَ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وشاهِدَةٌ بِهِ كُتُبُ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مَعَ أُمِّيَّتِهِ وبُعْدِ قَوْمِهِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ آيَةٌ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مَن خَلْفِهِ.
فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حَرْفُ (أمِ) المُخْتَصُّ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. ومَوْقِعُ الإنْكارِ بَدِيعٌ لِتَضَمُّنِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ.
وأمْ هُنا لِلْإضْرابِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ لِغَرَضٍ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ.
وجُمْلَةُ قُلْ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يُعْرَضَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بِالدَّلِيلِ لِأنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِذَلِكَ إذْ قَدْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَلَمْ تُغْنِ فِيهِمْ شَيْئًا، فَلِذَلِكَ أُجِيبُوا بِأنَّهُ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لَكانَتْ تَبِعَةُ افْتِرائِهِ عَلى نَفْسِهِ لا يَنالُهم مِنها شَيْءٌ.
وتَقْدِيُمُ عَلَيَّ مُؤْذِنٌ بِالقَصْرِ، أيْ إجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم فَلِماذا تُكْثِرُونَ ادِّعاءَ الِافْتِراءِ كَأنَّكم سَتُؤاخَذُونَ بِتَبِعَتِهِ. وهَذا جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ لَهم والكَلامِ المُنْصِفِ.
ومَعْنى جَعْلِ الِافْتِراءِ فِعْلًا لِلشَّرْطِ: أنَّهُ إنْ كانَ وقَعَ الِافْتِراءُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]
ولَمّا كانَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ إجْرامًا عَدَلَ في الجَوابِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالِافْتِراءِ مَعَ أنَّهُ المُدَّعِي إلى التَّعْبِيرِ بِالإجْرامِ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: فَعَلَيَّ إجْرامُ افْتِرائِي.
وذِكْرُ حَرْفِ عَلى مَعَ الإجْرامِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الإجْرامَ مُؤاخَذٌ بِهِ كَما تَقْتَضِيهِ مادَّةُ الإجْرامِ.
صفحة ٦٥
والإجْرامُ: اكْتِسابُ الجُرْمِ وهو الذَّنْبُ، فَهو يَقْتَضِي المُؤاخَذَةَ لا مَحالَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَهي ابْتِدائِيَّةٌ. وظاهِرُها أنَّها تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَأْيِيدُهُ بِمُقابِلِهِ، أيْ فَإجْرامِي عَلَيَّ لا عَلَيْكم كَما أنَّ إجْرامَكم لا تَنالُنِي مِنهُ تَبِعَةٌ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ تَبِعَتِهِ وإنَّما هو تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرَ إعْرابٍ، والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]
وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَوْجِيهٌ بَدِيعٌ وهو إفادَةُ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِن أنْ يَفْتَرِيَ القُرْآنَ فَإنَّ افْتِراءَ القُرْآنِ دَعْوًى باطِلَةً ادَّعَوْها عَلَيْهِ فَهي إجْرامٌ مِنهم عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى وأنا بَرِيءٌ مِن قَوْلِكُمُ الَّذِي تُجْرِمُونَهُ عَلَيَّ باطِلًا.
هود 11:36
﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ [هود: ٣٢] أيْ بَعْدَ ذَلِكَ أُوحِيَ إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾
واسْمُ (أنَّ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ دالٌّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ أمْرُهم خَطِيرٌ لِأنَّها تَأْيِيسٌ لَهُ مِن إيمانِ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ كَما دَلَّ حَرْفُ لَنِ المُفِيدُ تَأْبِيدَ النَّفْيِ في المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِتَسْلِيَتِهِ بِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فالفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّسْلِيَةِ عَلى الخَبَرِ المُحْزِنِ.
والِابْتِئاسُ افْتِعالٌ مِنَ البُؤْسِ وهو الهَمُّ والحَزَنُ، أيْ لا تَحْزَنْ.
ومَعْنى الِافْتِعالِ هُنا التَّأثُّرِ بِالبُؤْسِ الَّذِي أحْدَثَهُ الخَبَرُ المَذْكُورُ. و(ما كانُوا يَفْعَلُونَ) هو إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ واعْتِراضُهم عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ إلى وقْتِ أنْ
صفحة ٦٦
أُوحِيَ إلَيْهِ هَذا. قالَ اللَّهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْهُ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦] ﴿وإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧]
وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِـ قَدْ في قَوْلِهِ: ﴿مَن قَدْ آمَنَ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المُرادَ مَن حَصَلَ مِنهُمُ الإيمانُ يَقِينًا دُونَ الَّذِينَ تَرَدَّدُوا.
هود 11:37
﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾
لَمّا كانَ نَهْيُهُ عَنِ الِابْتِئاسِ بِفِعْلِهِمْ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِهِمْ مُؤْذِنًا بِأنَّ اللَّهَ يَنْتَصِرُ لَهُ أعْقَبَهُ بِالأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ لِتَهْيِئَةِ نَجاتِهِ ونَجاةِ مَن قَدْ آمَنَ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِقَوْمِهِ. كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] الآيَةَ. فَجُمْلَةُ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ [هود: ٣٦] وهي بِذَلِكَ داخِلَةٌ في المُوحى بِهِ فَتَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ووَحْيِنا، ولِذَلِكَ فَنُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن صَنَعَ الفُلْكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْرُوفًا لِلْبَشَرِ، وكانَ ذَلِكَ مُنْذُ قُرُونٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ تَعالى، ولا يُعْتَدُّ بِما يُوجَدُ في الإسْرائِيلِيّاتِ مِن إحْصاءِ قُرُونِها.
والفُلْكُ اسْمٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في بِأعْيُنِنا لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اصْنَعِ
والأعْيُنُ اسْتِعارَةٌ لِلْمُراقَبَةِ والمُلاحَظَةِ. وصِيغَةُ الجَمْعِ في (أعْيُنِنا) بِمَعْنى المُثَنّى، أيْ بِعَيْنَيْنا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] . والمُرادُ الكِنايَةُ بِالمَعْنى المَجازِيِّ عَنْ لازِمِهِ وهو الحِفْظُ مِنَ الخَلَلِ والخَطَأِ في الصُّنْعِ.
صفحة ٦٧
والمُرادُ بِالوَحْيِ هُنا الوَحْيُ الَّذِي بِهِ وصَفَ كَيْفِيَّةَ صُنْعِ الفُلْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُهُ عَلى المَجْرُورِ بِباءِ المُلابَسَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأمْرِ بِالصُّنْعِ.
ودَلَّ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ . عَلى أنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ سَيَنْزِلُ بِهِمْ عِقابٌ عَظِيمٌ لِأنَّ المُرادَ بِالمُخاطَبَةِ المَنهِيِّ عَنْها المُخاطَبَةُ الَّتِي تَرْفَعُ عِقابَهم فَتَكُونُ لِنَفْعِهِمْ كالشَّفاعَةِ، وطَلَبِ تَخْفِيفِ العِقابِ لا مُطْلَقَ المُخاطَبَةِ. ولَعَلَّ هَذا تَوْطِئَةٌ لِنَهْيِهِ عَنْ مُخاطَبَتِهِ في شَأْنِ ابْنِهِ الكافِرِ قَبْلَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالُ نَجاتِهِ حَتّى يَكُونَ الرَّدُّ عَلَيْهِ حِينَ السُّؤالِ ألْطَفَ.
وجُمْلَةُ إنَّهم مُغْرَقُونَ إخْبارٌ بِما سَيَقَعُ وبَيانٌ لِسَبَبِ الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ مِثالٌ لِتَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ المُتَرَدِّدِ مَنزِلَةَ السّائِلِ إذا قَدَّمَ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ مِمّا يُلَوِّحُ إلى جِنْسِ الخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُهُ لِتَعْيِينِهِ اسْتِشْرافًا يُشْبِهُ اسْتِشْرافَ السّائِلِ عَنْ عَيْنِ الخَبَرِ.
هود 11:38
﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧] . أيْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وصَنَعَ الفُلْكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ صُنْعِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ لِتَخْيِيلِ السّامِعِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَدَدِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]
وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصْنَعُ
صفحة ٦٨
وكُلَّما كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (كُلَّ) و(ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ. وانْتَصَبَتْ (كُلَّ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّها اكْتَسَبَتِ الظَّرْفِيَّةَ بِالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، وهو مُتَعَلِّقُ سَخِرُوا، وهو جَوابُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: وسَخِرَ مِنهُ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ في كُلِّ زَمَنِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ.
ولَمّا في كُلَّما مِنَ العُمُومِ مَعَ الظَّرْفِيَّةِ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلُ إذا فاحْتاجَتْ إلى جَوابٍ وهو ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾
وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ حِكايَةٌ لِما يُجِيبُ بِهِ سُخْرِيَتَهم، أُجْرِيَتْ عَلى طَرِيقَةِ فِعْلِ القَوْلِ إذا وقَعَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَخِرُوا تَتَضَمَّنُ أقْوالًا تَنْبَنِي عَنْ سُخْرِيَتِهِمْ أوْ تُبِينُ عَنْ كَلامٍ في نُفُوسِهِمْ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنّا يُشِيرُ إلى أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في عَمَلِ السَّفِينَةِ ومِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إذْ كانُوا حَوْلَهُ واثِقِينَ بِأنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ جَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾
والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. وهو تَعَجُّبٌ بِاحْتِقارٍ واسْتِحْماقٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِـ مِن
وسُخْرِيَتُهم مِنهُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلى العَبَثِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ما يَصْنَعُهُ لا يَأْتِي بِتَصْدِيقِ مُدَّعاهُ.
وسُخْرِيَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ. مِنَ الكافِرِينَ مِن سَفَهِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. فالسُّخْرِيَتانِ مُقْتَرِنَتانِ في الزَّمَنِ.
وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ فَهو تَشْبِيهٌ في السَّبَبِ الباعِثِ عَلى السُّخْرِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ بَوْنٌ.
صفحة ٦٩
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَيُفِيدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ السُّخْرِيَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ المُعَلَّلَةَ أحَقُّ مِنَ الأُخْرى، فالكُفّارُ سَخِرُوا مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَمَلٍ يَجْهَلُونَ غايَتَهُ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ سَخِرُوا مِنَ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم جاهِلُونَ في غُرُورٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُسْخَرَ مِنهُ.
وفِي إسْنادِ العِلْمِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دُونَ الضَّمِيرِ المُشارِكِ بِأنْ يُقالَ: فَسَوْفَ نَعْلَمُ، إيماءٌ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الأحَقُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ. وهَذا يُفِيدُ أدَبًا شَرِيفًا بِأنَّ الواثِقَ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ لا يُزَعْزِعُ ثِقَتَهُ مُقابَلَةُ السُّفَهاءِ أعْمالَهُ النّافِعَةَ بِالسُّخْرِيَةِ، وأنَّ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ أنْ يَسْخَرُوا مِنَ السّاخِرِينَ.
والخِزْيُ: الإهانَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آخِرِ سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ مَن يَأْتِيهِ عَذابُ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا، والعَذابُ الخالِدُ في الآخِرَةِ.
ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وحُلُولُ العَذابِ: حُصُولُهُ؛ شَبَّهَ الحُصُولَ بِحُلُولِ القادِمِ إلى المَكانِ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
هود 11:39
﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٧] . أيْ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، وصَنَعَ الفُلْكَ. وإنَّما عَبَّرَ عَنْ صُنْعِهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ لِتَخْيِيلِ السّامِعِ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصَدَدِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وقَوْلِهِ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]
وجُمْلَةُ ﴿وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَصْنَعُ
صفحة ٦٨
وكُلَّما كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن (كُلَّ) و(ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ. وانْتَصَبَتْ (كُلَّ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّها اكْتَسَبَتِ الظَّرْفِيَّةَ بِالإضافَةِ إلى الظَّرْفِ، وهو مُتَعَلِّقُ سَخِرُوا، وهو جَوابُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: وسَخِرَ مِنهُ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ في كُلِّ زَمَنِ مُرُورِهِمْ عَلَيْهِ.
ولَمّا في كُلَّما مِنَ العُمُومِ مَعَ الظَّرْفِيَّةِ أُشْرِبَتْ مَعْنى الشَّرْطِ مِثْلُ إذا فاحْتاجَتْ إلى جَوابٍ وهو ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾
وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ حِكايَةٌ لِما يُجِيبُ بِهِ سُخْرِيَتَهم، أُجْرِيَتْ عَلى طَرِيقَةِ فِعْلِ القَوْلِ إذا وقَعَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ سَخِرُوا تَتَضَمَّنُ أقْوالًا تَنْبَنِي عَنْ سُخْرِيَتِهِمْ أوْ تُبِينُ عَنْ كَلامٍ في نُفُوسِهِمْ.
وجَمْعُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: مِنّا يُشِيرُ إلى أنَّهم يَسْخَرُونَ مِنهُ في عَمَلِ السَّفِينَةِ ومِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ إذْ كانُوا حَوْلَهُ واثِقِينَ بِأنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ جَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾
والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ. وهو تَعَجُّبٌ بِاحْتِقارٍ واسْتِحْماقٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وفِعْلُها يَتَعَدّى بِـ مِن
وسُخْرِيَتُهم مِنهُ حَمْلُ فِعْلِهِ عَلى العَبَثِ بِناءً عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ما يَصْنَعُهُ لا يَأْتِي بِتَصْدِيقِ مُدَّعاهُ.
وسُخْرِيَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ. مِنَ الكافِرِينَ مِن سَفَهِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وصِفاتِهِ. فالسُّخْرِيَتانِ مُقْتَرِنَتانِ في الزَّمَنِ.
وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ وجْهُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ فَهو تَشْبِيهٌ في السَّبَبِ الباعِثِ عَلى السُّخْرِيَةِ، وإنْ كانَ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ بَوْنٌ.
صفحة ٦٩
ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ كافَ التَّشْبِيهِ مُفِيدَةً مَعْنى التَّعْلِيلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فَيُفِيدُ التَّفاوُتَ بَيْنَ السُّخْرِيَتَيْنِ؛ لِأنَّ السُّخْرِيَةَ المُعَلَّلَةَ أحَقُّ مِنَ الأُخْرى، فالكُفّارُ سَخِرُوا مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعَمَلٍ يَجْهَلُونَ غايَتَهُ، ونُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأتْباعُهُ سَخِرُوا مِنَ الكُفّارِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّهم جاهِلُونَ في غُرُورٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ أيْ سَيَظْهَرُ مَن هو الأحَقُّ بِأنْ يُسْخَرَ مِنهُ.
وفِي إسْنادِ العِلْمِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ دُونَ الضَّمِيرِ المُشارِكِ بِأنْ يُقالَ: فَسَوْفَ نَعْلَمُ، إيماءٌ إلى أنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ الأحَقُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ. وهَذا يُفِيدُ أدَبًا شَرِيفًا بِأنَّ الواثِقَ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ لا يُزَعْزِعُ ثِقَتَهُ مُقابَلَةُ السُّفَهاءِ أعْمالَهُ النّافِعَةَ بِالسُّخْرِيَةِ، وأنَّ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ أنْ يَسْخَرُوا مِنَ السّاخِرِينَ.
والخِزْيُ: الإهانَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] في آخِرِ سُورَةِ آلَ عِمْرانَ.
والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ مَن يَأْتِيهِ عَذابُ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا، والعَذابُ الخالِدُ في الآخِرَةِ.
ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وحُلُولُ العَذابِ: حُصُولُهُ؛ شَبَّهَ الحُصُولَ بِحُلُولِ القادِمِ إلى المَكانِ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
هود 11:40
﴿حَتّى إذا جا أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾
حَتّى غايَةٌ لِـ يَصْنَعُ الفُلْكَ أيْ يَصْنَعُهُ إلى زَمَنِ مَجِيءِ أمْرِنا، فَـ إذا ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ ولِذَلِكَ جِيءَ لَهُ بِجَوابٍ. وهو جُمْلَةُ ﴿قُلْنا احْمِلْ﴾ .
صفحة ٧٠
وجَعَلَ الشَّرْطَ وجَوابَهُ غايَةً بِاعْتِبارِ ما في حَرْفِ الشَّرْطِ مِن مَعْنى الزَّمانِ وإضافَتِهِ إلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَحَصَلَ مَعْنى الغايَةِ عِنْدَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الجَزاءِ. وهو نَظْمٌ بَدِيعٌ بِإيجازِهِ.
وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ.
والأمْرُ هُنا يَحْتَمِلُ أمْرَ التَّكْوِينِ بِالطُّوفانِ، ويَحْتَمِلُ الشَّأْنَ وهو حادِثُ الغَرَقِ، وإضافَتُهُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِتَهْوِيلِهِ بِأنَّهُ فَوْقَ ما يَعْرِفُونَ.
ومَجِيءُ الأمْرِ: حُصُولُهُ.
والفَوَرانُ: غَلَيانُ القِدْرِ، ويُطْلِقُ عَلى نَبْعِ الماءِ بِشِدَّةٍ، تَشْبِيهًا بِفَوَرانِ ماءٍ في القِدْرِ إذا غَلِيَ، وحَمَلُوهُ عَلى ما جاءَ في آياتٍ أُخْرى مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] . ولِذَلِكَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهم إسْنادُهُ إلى التَّنُّورِ. فَإنَّ التَّنُّورَ هو المَوْقِدُ الَّذِي يَنْضَجُ فِيهِ الخُبْزُ، فَكَثُرَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِ التَّنُّورِ بَلَغَتْ نِسْبَةُ أقْوالٍ مِنها ما لا يَنْبَغِي قَبُولُهُ. ومِنها ما لَهُ وجْهٌ وهو مُتَفاوِتٌ.
فَمِنَ المُفَسِّرِينَ مَن أبْقى التَّنُّورَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَجَعَلَ الفَوَرانَ خُرُوجَ الماءِ مِن أحَدِ التَّنانِيرِ وأنَّهُ عَلامَةٌ جَعَلَها اللَّهُ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا فارَ الماءُ مِن تَنُّورِهِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ مَبْدَأ الطُّوفانِ فَرَكِبَ الفُلْكَ وأرْكَبَ مَن مَعَهُ.
ومِنهم مَن حَمَلَ التَّنُّورَ عَلى المَجازِ المُفْرَدِ فَفَسَّرَهُ بِسَطْحِ الأرْضِ. أيْ فارَ الماءُ مِن جَمِيعِ الأرْضِ حَتّى صارَ بِسَطْحِ الأرْضِ كَفُوَّهَةِ التَّنُّورِ.
ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِأعْلى الأرْضِ.
ومِنهم مَن حَمَلَ فارَ والتَّنُّورَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ لِاشْتِدادِ الحالِ، كَما يُقالُ: حَمِيَ الوَطِيسُ. وقَعَ حِكايَةُ ذَلِكَ في
صفحة ٧١
تَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي الكَشّافِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنُونَ: وأنْشَدَ الطَّبَرْسِيُّ قَوْلَ الشّاعِرِ. وهو النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ:
تَفُورُ عَلَيْنا قِدْرُهم فَنُدِيمُهَـا ونَفْثَأُها عَنّا إذا قِدْرُها غَلى
يُرِيدُ بِالقِدْرِ الحَرْبَ، ونَفْثَأُها، أيْ نُسَكِّنُها، يُقالُ: فَثَأ القِدْرُ إذا سَكَنَ غَلَيانُها بِصَبِّ الماءِ فِيها. وهَذا أحْسَنُ ما حُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ مَثَلٌ لِبُلُوغِ الشَّيْءِ إلى أقْصى ما يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ. كَما يُقالُ: بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى، وامْتَلَأ الصّاعُ، وفاضَتِ الكَأْسُ وتَفاقَمَ.
والتَّنُّورُ: مَحْفِلُ الوادِي، أيْ ضَفَّتُهُ، فَيَكُونُ مِثْلَ طَما الوادِي مِن قَبِيلِ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى. والمَعْنى: بِأنَّ نَفاذَ أمْرِنا فِيهِمْ وبَلَغُوا مِن طُولِ مُدَّةِ الكُفْرِ مَبْلَغًا لا يُغْتَفَرُ لَهم بَعْدُ كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]
والتَّنُّورُ: اسْمٌ لِمَوْقِدِ النّارِ لِلْخُبْزِ. وزَعَمَهُ اللَّيْثُ مِمّا اتَّفَقَتْ فِيهِ اللُّغاتُ، أيْ كالصّابُونِ والسَّمُّورِ. ونَسَبَ الخَفاجِيُّ في شِفاءِ الغَلِيلِ هَذا إلى ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: كَلامُ اللَّيْثِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ أعْجَمِيٌّ.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ فَعُّولٌ مِن تَنَرَ ولا نَعْرِفُ تَنَرَ في كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهُ مُهْمَلٌ، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ نُونٌ قَبْلَ راءٍ فَإنَّ نَرْجِسَ مُعَرَّبٌ أيْضًا. وقَدْ عُدَّ في الألْفاظِ المُعَرَّبَةِ الواقِعَةِ في القُرْآنِ. ونَظَمَها ابْنُ السُّبْكِيِّ في شَرْحِهِ عَلى مُخْتَصَرِ ابْنِ الحاجِبِ الأصْلِيِّ ونَسَبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ دُرَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وزْنُهُ فَعَّولٌ. وعَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، قالَ: وزْنُهُ تَفْعُولٌ مِنَ النُّورِ (أيْ فالتّاءُ زايِدَةٌ) وأصْلُهُ تَنُوُورٌ بِواوَيْنِ، فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً لِانْضِمامِها ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا ثُمَّ شُدِّدَتِ النُّونُ عِوَضًا عَمّا حُذِفَ أيْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَقَضّى البازِيُّ بِمَعْنى تَقَضَّضَ.
صفحة ٧٢
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ بِإضافَةِ (كُلِّ) إلى زَوْجَيْنِ
والزَّوْجُ: شَيْءٌ يَكُونُ ثانِيًا لِآخَرَ في حالِةٍ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِما يَنْضَمُّ إلى فَرْدٍ فَيَصِيرُ زَوْجًا لَهُ، وكُلٌّ مِنهُما زَوْجٌ لِلْآخَرِ. والمُرادُ بِزَوْجَيْنِ هُنا الذَّكَرُ والأُنْثى مِنَ النَّوْعِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ إضافَةُ (كُلِّ) إلى (زَوْجَيْنِ)، أيِ احْمِلْ فِيها مِن أزْواجِ جَمِيعِ الأنْواعِ.
و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(اثْنَيْنِ) مَفْعُولُ (احْمِلْ)، وهو بَيانٌ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنْ يَحْمِلَ كُلَّ زَوْجَيْنِ واحِدًا مِنهُما لِأنَّ الزَّوْجَ هو واحِدٌ مِنِ اثْنَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. ولِئَلّا يَحْمِلَ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ مِن نَوْعٍ لِتَضِيقَ السَّفِينَةُ وتَثْقُلَ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ (مِن كُلٍّ) بِتَنْوِينِ (كُلٍّ) فَيَكُونُ تَنْوِينَ عِوَضٍ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ مِن كُلِّ المَخْلُوقاتِ، ويَكُونُ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولَ (احْمِلْ)، ويَكُونُ (اثْنَيْنِ) صِفَةً لِـ (زَوْجَيْنِ) أيْ لا تَزِدْ عَلى اثْنَيْنِ.
وأهْلُ الرَّجُلِ قَرابَتُهُ وأهْلُ بَيْتِهِ وهو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ. وزَوْجُهُ أوَّلُ مَن يُبادَرُ مِنَ اللَّفْظِ، ويُطْلَقُ لَفْظُ الأهْلِ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ قالَ - تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]، وقالَ ﴿وإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١] أيْ مِن عِنْدِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
و﴿مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ أيْ مَن مَضى قَوْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أيْ وعِيدُهُ. فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِلْعَهْدِ، يَعْنِي إلّا مَن كانَ مِن أهْلِكَ كافِرًا. وماصَدَقُ هَذا إحْدى امْرَأتَيْهِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وابْنُهُ مِنها المَذْكُورُ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ. وكانَ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - امْرَأتانِ.
وعُدِّيَ (سَبَقَ) بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (سَبَقَ) مَعْنى: حَكَمَ، كَما عُدِّيَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِالتِزامِ النّافِعِ.
صفحة ٧٣
و(مَن آمَنَ) كُلُّ المُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ اعْتِراضٌ لِتَكْمِيلِ الفائِدَةِ مِنَ القِصَّةِ في قِلَّةِ الصّالِحِينَ. قِيلَ: كانَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن أهْلِهِ وغَيْرِهِمْ نَيِّفًا وسَبْعِينَ بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، فَكانَ مُعْظَمُ حُمُولَةِ السَّفِينَةِ مِنَ الحَيَوانِ.
* * *
[ قَوْلُهُ تَعالى: وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها. . . ]
هود 11:41
﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] أيْ قُلْنا لَهُ ذَلِكَ. وقالَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ (ارْكَبُوا)
وضَمِيرُ (فِيها) لَمَفْهُومٍ مِنَ المَقامِ، أيِ السَّفِينَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] أيْ سَفِينَةٍ.
وعُدِّيَ فِعْلُ (ارْكَبُوا) بِـ (في) جَرْيًا عَلى الفَصِيحِ فَإنَّهُ يُقالُ: رَكِبَ الدّابَّةَ إذا عَلاها. وأمّا رُكُوبُ الفُلْكِ فَيُعَدّى بِفي لِأنَّ إطْلاقَ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ مَجازٌ، وإنَّما هو جُلُوسٌ واسْتِقْرارٌ فَلا يُقالُ: رَكِبَ السَّفِينَةَ، فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرُّكُوبِ الحَقِيقِيِّ والرُّكُوبِ المُشابِهِ لَهُ، وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ.
والباءُ في بِاسْمِ اللَّهِ لِلْمُلابَسَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ البَسْمَلَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا أيْ مُلابِسِينَ لِاسْمِ اللَّهِ، وهي مُلابَسَةُ القَوْلِ لِقائِلِهِ، أيْ قائِلِينَ: بِاسْمِ اللَّهِ.
و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ - بِضَمِّ المِيمَيْنِ فِيهِما - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهُما مَصْدَرا أجْرى السَّفِينَةَ إذا جَعَلَها جارِيَةً، أيْ سَيَّرَها بِسُرْعَةٍ، وأرْساها إذا جَعَلَها راسِيَةً أيْ واقِفَةً عَلى الشّاطِئِ. يُقالُ: رَسا إذا ثَبَتَ في المَكانِ.
صفحة ٧٤
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ مَجْراها فَقَطْ - بِفَتْحِ المِيمِ - عَلى أنَّهُ مَفْعَلٌ لِلْمَصْدَرِ أوِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ. وأمّا (مُرْساها) - فَبِضَمِّ المِيمِ - مِثْلَ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ: مَرْساها - بِفَتْحِ المِيمِ - . والعُدُولُ عَنِ الفَتْحِ في مَرْساها في كَلامِ العَرَبِ مَعَ أنَّهُ في القِياسِ مُماثِلُ مَجْراها وجْهُهُ دَفْعُ اللَّبْسِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِاسْمِ المَرْسى الَّذِي هو المَكانُ المُعَدُّ لِرُسُوِّ السُّفُنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِالنِّيابَةِ عَنْ ظَرْفِ الزَّمانِ، أيْ وقْتَ إجْرائِها ووَقْتَ إرْسائِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، وهو رَأْيُ نُحاةِ الكُوفَةِ، وما هو بِبَعِيدٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالرُّكُوبِ المُقَيَّدِ بِالمُلابَسَةِ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، فَفي التَّعْلِيلِ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ رَمْزٌ إلى أنَّ اللَّهَ وعَدَهُ بِنَجاتِهِمْ، وذَلِكَ مِن غُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ. وأكَّدَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ تَحْقِيقًا لِأتْباعِهِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهم بِالإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ.
هود 11:42
﴿وهْيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعا إلى اعْتِراضِها هُنا ذِكْرُ (مُجْراها) إتْمامًا لِلْفائِدَةِ وصْفًا لِعِظَمِ اليَوْمِ وعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - في تَيْسِيرِ نَجاتِهِمْ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]
والمَوْجُ: ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عَلى سَطْحِهِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، وتَشْبِيهُهُ بِالجِبالِ في ضَخامَتِهِ. وذَلِكَ إمّا لِكَثْرَةِ الرِّياحِ الَّتِي تَعْلُو الماءَ وإمّا لِدَفْعِ دَفَقاتِ الماءِ
صفحة ٧٥
الوارِدَةِ مِنَ السُّيُولِ والتِقاءِ الأوْدِيَةِ الماءَ السّابِقَ لَها، فَإنَّ حادِثَ الطُّوفانِ ما كانَ إلّا عَنْ مِثْلِ زَلازِلَ تَفَجَّرَتْ بِها مِياهُ الأرْضِ وأمْطارٌ جَمَّةٌ تَلْتَقِي سُيُولُها مَعَ مِياهِ العُيُونِ فَتَخْتَلِطُ وتَجْتَمِعُ وتَصُبُّ في الماءِ الَّذِي كانَ قَبْلَها حَتّى عَمَّ الماءُ جَمِيعَ الأرْضِ الَّتِي أرادَ اللَّهُ إغْراقَ أهْلِها، كَما سَيَأْتِي.
* * *
﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيِّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾
عُطِفَتْ جُمْلَةُ (ونادى) عَلى أعْلَقِ الجُمَلِ بِها اتِّصالًا وهي ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] لِأنَّ نِداءَهُ ابْنَهُ كانَ قَبْلَ جَرَيانِ السَّفِينَةِ في مَوْجٍ كالجِبالِ، إذْ يَتَعَذَّرُ إيقافُها بَعْدَ جَرْيِها لِأنَّ الرّاكِبِينَ كُلُّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في جَوْفِ السَّفِينَةِ.
وابْنُ نُوحٍ هَذا هو ابْنٌ رابِعٌ في أبْنائِهِ مِن زَوْجٍ ثانِيَةٍ لِنُوحٍ كانَ اسْمُها واعِلَةَ غَرِقَتْ، وأنَّها المَذْكُورَةُ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قِيلَ كانَ اسْمُ ابْنِهِ (ياما) وقِيلَ اسْمُهُ (كَنْعانُ) وهو غَيْرُ كَنْعانَ بْنِ حامٍ جَدِّ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ الآنَ ذِكْرَ هَذا الِابْنِ وقَضِيَّةِ غَرَقِهِ وهَلْ كانَ ذا زَوْجَةٍ أوْ كانَ عَزَبًا.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ حالٌ مِنِ ابْنِهِ. والمَعْزِلُ: مَكانُ العُزْلَةِ أيِ الِانْفِرادِ، أيْ في مَعْزِلٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ إمّا لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُؤْمِن بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُصَدِّقْ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ، وإمّا لِأنَّهُ ارْتَدَّ فَأنْكَرَ وُقُوعَ الطُّوفانِ فَكَفَرَ بِذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِ الرَّسُولَ.
صفحة ٧٦
وجُمْلَةُ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ نادى وهي إرْشادٌ لَهُ ورِفْقٌ بِهِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ لِإعْلامِهِ بِأنَّ إعْراضَهُ عَنِ الرُّكُوبِ يَجْعَلُهُ في صَفِّ الكُفّارِ إذْ لا يَكُونُ إعْراضُهُ عَنِ الرُّكُوبِ إلّا أثَرًا لِتَكْذِيبِهِ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ. فَقَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ بِطَرِيقَةِ العَرْضِ والتَّحْذِيرِ. وقَدْ زادَ ابْنَهُ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ بِالطُّوفانِ قَوْلُهُ مُتَهَكِّمًا ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾
وبُنَيَّ تَصْغِيرُ (ابْنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وتَصْغِيرُهُ هُنا تَصْغِيرُ شَفَقَةٍ بِحَيْثُ يُجْعَلُ كالصَّغِيرِ في كَوْنِهِ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ. فَأصْلُهُ بُنَيْو؛ لِأنَّ أصْلَ (ابْنٍ) بَنْو، فَلَمّا حَذَفُوا مِنهُ الواوَ لِثِقَلِها في آخِرِ كَلِمَةٍ ثُلاثِيَّةٍ نَقَصَ عَنْ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَعَوَّضُوهُ هَمْزَةَ وصْلٍ في أوَّلِهِ، ومَهْما عادَتْ لَهُ الواوُ المَحْذُوفَةُ لِزَوالِ داعِي الحَذْفِ طُرِحَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، ثُمَّ لَمّا أُرِيدَ إضافَةُ المُصَغَّرِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لَزِمَ كَسْرُ الواوِ لِيَصِيرَ بُنَيْوِي، فَلَمّا وقَعَتِ الواوُ بَيْنَ عَدُوَّتَيْها الياءَيْنِ قُلِبَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ في ياءِ التَّصْغِيرِ فَصارَ بُنَيَّي بِياءَيْنِ في آخِرِهِ أُولاهُما مُشَدَّدَةٌ، ولَمّا كانَ المُنادى المُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ يَجُوزُ حَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِنهُ وإبْقاءُ الكَسْرَةِ صارَ بُنَيِّ - بِكَسْرِ الياءِ مُشَدَّدَةً - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ (بُنَيَّ) بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لِأنَّها يَجُوزُ فَتْحُها في النِّداءِ، وأصْلُهُ يا بُنَيِّيَ بِياءَيْنِ أُولاهُما مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ وهي ياءُ التَّصْغِيرِ مَعَ لامِ الكَلِمَةِ الَّتِي أصْلُها الواوُ ثُمَّ اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ وحُذِفَتِ الياءُ الأصْلِيَّةُ.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ سَآوِي﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا عاصِمَ﴾ لِوُقُوعِهِما في سِياقِ المُحاوَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ قَدْ كانَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الماءُ أعالِيَ الجِبالِ. وآوِي: أنْزِلُ، ومَصْدَرُهُ: الأُوِيُّ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ الياءِ - .
صفحة ٧٧
وجُمْلَةُ ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ إمّا صِفَةٌ لِـ (جَبَلٍ) أيْ جَبَلٍ عالٍ، وإمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّهُ اسْتَشْعَرَ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْألُ لِماذا يَأْوِي إلى جَبَلٍ إذِ ابْنُهُ قَدْ سَمِعَهُ حِينَ يُنْذِرُ النّاسَ بِطُوفانٍ عَظِيمٍ فَظَنَّ الِابْنُ أنَّ أرْفَعَ الجِبالِ لا يَبْلُغُهُ الماءُ، وأنَّ أباهُ ما أرادَ إلّا بُلُوغَ الماءِ غالِبَ المُرْتَفَعاتِ دُونَ الجِبالِ الشّامِخاتِ.
ولِذَلِكَ أجابَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، أيْ مَأْمُورِهِ وهو الطُّوفانُ ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾
واسْتِثْناءُ مَن رَحِمَ مِن مَفْعُولٍ يَتَضَمَّنُهُ (عاصِمَ) إذِ العاصِمُ يَقْتَضِي مَعْصُومًا وهو المُسْتَثْنى مِنهُ. وأرادَ بِـ مَن رَحِمَ مَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ النَّجاةَ مِنَ الغَرَقِ بِرَحْمَتِهِ. وهَذا التَّقْدِيرُ مُظْهِرُهُ الوَحْيُ بِصُنْعِ الفُلْكِ والإرْشادِ إلى كَيْفِيَّةِ رُكُوبِهِ.
والمَوْجُ: اسْمُ جَمْعِ مَوْجَةٍ، وهي: مَقادِيرُ مِن ماءِ البَحْرِ أوِ النَّهْرِ تَتَصاعَدُ عَلى سَطْحِ الماءِ مِنَ اضْطِرابِ الماءِ بِسَبَبِ شِدَّةِ رِياحٍ، أوْ تَزايُدِ مِياهٍ تَنْصَبُّ فِيهِ ويُقالُ: ماجَ البَحْرُ إذا اضْطَرَبَ ماؤُهُ. وقالُوا: ماجَ القَوْمُ، تَشْبِيهًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ واضْطِرابِهِمْ بِاضْطِرابِ البَحْرِ.
وحَيْلُولَةُ المَوْجِ بَيْنَهُما في آخِرِ المُحاوَرَةِ يُشِيرُ إلى سُرْعَةِ فَيَضانِ الماءِ في حِينِ المُحاوَلَةِ.
وأفادَ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ أنَّهُ غَرِقَ وغَرِقَ مَعَهُ مَن تَوَعَّدَهُ بِالغَرَقِ، فَهو إيجازٌ بَدِيعٌ.