Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — هود 11:43 – هود 11:121
المحتويات
- هود 11:43
- هود 11:44
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:47
- هود 11:48
- هود 11:49
- هود 11:50
- هود 11:51
- هود 11:52
- هود 11:53
- هود 11:54
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:58
- هود 11:59
- هود 11:60
- هود 11:61
- هود 11:62
- هود 11:63
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:66
- هود 11:67
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
هود 11:43
﴿وهْيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعا إلى اعْتِراضِها هُنا ذِكْرُ (مُجْراها) إتْمامًا لِلْفائِدَةِ وصْفًا لِعِظَمِ اليَوْمِ وعَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - في تَيْسِيرِ نَجاتِهِمْ.
وقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الفِعْلِ الماضِي إلى المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩]
والمَوْجُ: ما يَرْتَفِعُ مِنَ الماءِ عَلى سَطْحِهِ عِنْدَ اضْطِرابِهِ، وتَشْبِيهُهُ بِالجِبالِ في ضَخامَتِهِ. وذَلِكَ إمّا لِكَثْرَةِ الرِّياحِ الَّتِي تَعْلُو الماءَ وإمّا لِدَفْعِ دَفَقاتِ الماءِ
صفحة ٧٥
الوارِدَةِ مِنَ السُّيُولِ والتِقاءِ الأوْدِيَةِ الماءَ السّابِقَ لَها، فَإنَّ حادِثَ الطُّوفانِ ما كانَ إلّا عَنْ مِثْلِ زَلازِلَ تَفَجَّرَتْ بِها مِياهُ الأرْضِ وأمْطارٌ جَمَّةٌ تَلْتَقِي سُيُولُها مَعَ مِياهِ العُيُونِ فَتَخْتَلِطُ وتَجْتَمِعُ وتَصُبُّ في الماءِ الَّذِي كانَ قَبْلَها حَتّى عَمَّ الماءُ جَمِيعَ الأرْضِ الَّتِي أرادَ اللَّهُ إغْراقَ أهْلِها، كَما سَيَأْتِي.
* * *
﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيِّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾
عُطِفَتْ جُمْلَةُ (ونادى) عَلى أعْلَقِ الجُمَلِ بِها اتِّصالًا وهي ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] لِأنَّ نِداءَهُ ابْنَهُ كانَ قَبْلَ جَرَيانِ السَّفِينَةِ في مَوْجٍ كالجِبالِ، إذْ يَتَعَذَّرُ إيقافُها بَعْدَ جَرْيِها لِأنَّ الرّاكِبِينَ كُلُّهم كانُوا مُسْتَقِرِّينَ في جَوْفِ السَّفِينَةِ.
وابْنُ نُوحٍ هَذا هو ابْنٌ رابِعٌ في أبْنائِهِ مِن زَوْجٍ ثانِيَةٍ لِنُوحٍ كانَ اسْمُها واعِلَةَ غَرِقَتْ، وأنَّها المَذْكُورَةُ في آخِرِ سُورَةِ التَّحْرِيمِ. قِيلَ كانَ اسْمُ ابْنِهِ (ياما) وقِيلَ اسْمُهُ (كَنْعانُ) وهو غَيْرُ كَنْعانَ بْنِ حامٍ جَدِّ الكَنْعانِيِّينَ. وقَدْ أهْمَلَتِ التَّوْراةُ المَوْجُودَةُ الآنَ ذِكْرَ هَذا الِابْنِ وقَضِيَّةِ غَرَقِهِ وهَلْ كانَ ذا زَوْجَةٍ أوْ كانَ عَزَبًا.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ في مَعْزِلٍ﴾ حالٌ مِنِ ابْنِهِ. والمَعْزِلُ: مَكانُ العُزْلَةِ أيِ الِانْفِرادِ، أيْ في مَعْزِلٍ عَنِ المُؤْمِنِينَ إمّا لِأنَّهُ كانَ لَمْ يُؤْمِن بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُصَدِّقْ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ، وإمّا لِأنَّهُ ارْتَدَّ فَأنْكَرَ وُقُوعَ الطُّوفانِ فَكَفَرَ بِذَلِكَ لِتَكْذِيبِهِ الرَّسُولَ.
صفحة ٧٦
وجُمْلَةُ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ نادى وهي إرْشادٌ لَهُ ورِفْقٌ بِهِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ لِإعْلامِهِ بِأنَّ إعْراضَهُ عَنِ الرُّكُوبِ يَجْعَلُهُ في صَفِّ الكُفّارِ إذْ لا يَكُونُ إعْراضُهُ عَنِ الرُّكُوبِ إلّا أثَرًا لِتَكْذِيبِهِ بِوُقُوعِ الطُّوفانِ. فَقَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كِنايَةٌ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ بِطَرِيقَةِ العَرْضِ والتَّحْذِيرِ. وقَدْ زادَ ابْنَهُ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَصْدِيقِهِ بِالطُّوفانِ قَوْلُهُ مُتَهَكِّمًا ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾
وبُنَيَّ تَصْغِيرُ (ابْنٍ) مُضافًا إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وتَصْغِيرُهُ هُنا تَصْغِيرُ شَفَقَةٍ بِحَيْثُ يُجْعَلُ كالصَّغِيرِ في كَوْنِهِ مَحَلَّ الرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ. فَأصْلُهُ بُنَيْو؛ لِأنَّ أصْلَ (ابْنٍ) بَنْو، فَلَمّا حَذَفُوا مِنهُ الواوَ لِثِقَلِها في آخِرِ كَلِمَةٍ ثُلاثِيَّةٍ نَقَصَ عَنْ ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَعَوَّضُوهُ هَمْزَةَ وصْلٍ في أوَّلِهِ، ومَهْما عادَتْ لَهُ الواوُ المَحْذُوفَةُ لِزَوالِ داعِي الحَذْفِ طُرِحَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ، ثُمَّ لَمّا أُرِيدَ إضافَةُ المُصَغَّرِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لَزِمَ كَسْرُ الواوِ لِيَصِيرَ بُنَيْوِي، فَلَمّا وقَعَتِ الواوُ بَيْنَ عَدُوَّتَيْها الياءَيْنِ قُلِبَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ في ياءِ التَّصْغِيرِ فَصارَ بُنَيَّي بِياءَيْنِ في آخِرِهِ أُولاهُما مُشَدَّدَةٌ، ولَمّا كانَ المُنادى المُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ يَجُوزُ حَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِنهُ وإبْقاءُ الكَسْرَةِ صارَ بُنَيِّ - بِكَسْرِ الياءِ مُشَدَّدَةً - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ (بُنَيَّ) بِفَتْحِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لِأنَّها يَجُوزُ فَتْحُها في النِّداءِ، وأصْلُهُ يا بُنَيِّيَ بِياءَيْنِ أُولاهُما مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ وهي ياءُ التَّصْغِيرِ مَعَ لامِ الكَلِمَةِ الَّتِي أصْلُها الواوُ ثُمَّ اتَّصَلَتْ بِها ياءُ المُتَكَلِّمِ وحُذِفَتِ الياءُ الأصْلِيَّةُ.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ سَآوِي﴾ وجُمْلَةُ ﴿قالَ لا عاصِمَ﴾ لِوُقُوعِهِما في سِياقِ المُحاوَرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ﴾ قَدْ كانَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الماءُ أعالِيَ الجِبالِ. وآوِي: أنْزِلُ، ومَصْدَرُهُ: الأُوِيُّ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الواوِ وتَشْدِيدِ الياءِ - .
صفحة ٧٧
وجُمْلَةُ ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ إمّا صِفَةٌ لِـ (جَبَلٍ) أيْ جَبَلٍ عالٍ، وإمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّهُ اسْتَشْعَرَ أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَسْألُ لِماذا يَأْوِي إلى جَبَلٍ إذِ ابْنُهُ قَدْ سَمِعَهُ حِينَ يُنْذِرُ النّاسَ بِطُوفانٍ عَظِيمٍ فَظَنَّ الِابْنُ أنَّ أرْفَعَ الجِبالِ لا يَبْلُغُهُ الماءُ، وأنَّ أباهُ ما أرادَ إلّا بُلُوغَ الماءِ غالِبَ المُرْتَفَعاتِ دُونَ الجِبالِ الشّامِخاتِ.
ولِذَلِكَ أجابَهُ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، أيْ مَأْمُورِهِ وهو الطُّوفانُ ﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾
واسْتِثْناءُ مَن رَحِمَ مِن مَفْعُولٍ يَتَضَمَّنُهُ (عاصِمَ) إذِ العاصِمُ يَقْتَضِي مَعْصُومًا وهو المُسْتَثْنى مِنهُ. وأرادَ بِـ مَن رَحِمَ مَن قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ النَّجاةَ مِنَ الغَرَقِ بِرَحْمَتِهِ. وهَذا التَّقْدِيرُ مُظْهِرُهُ الوَحْيُ بِصُنْعِ الفُلْكِ والإرْشادِ إلى كَيْفِيَّةِ رُكُوبِهِ.
والمَوْجُ: اسْمُ جَمْعِ مَوْجَةٍ، وهي: مَقادِيرُ مِن ماءِ البَحْرِ أوِ النَّهْرِ تَتَصاعَدُ عَلى سَطْحِ الماءِ مِنَ اضْطِرابِ الماءِ بِسَبَبِ شِدَّةِ رِياحٍ، أوْ تَزايُدِ مِياهٍ تَنْصَبُّ فِيهِ ويُقالُ: ماجَ البَحْرُ إذا اضْطَرَبَ ماؤُهُ. وقالُوا: ماجَ القَوْمُ، تَشْبِيهًا لِاخْتِلاطِ النّاسِ واضْطِرابِهِمْ بِاضْطِرابِ البَحْرِ.
وحَيْلُولَةُ المَوْجِ بَيْنَهُما في آخِرِ المُحاوَرَةِ يُشِيرُ إلى سُرْعَةِ فَيَضانِ الماءِ في حِينِ المُحاوَلَةِ.
وأفادَ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ أنَّهُ غَرِقَ وغَرِقَ مَعَهُ مَن تَوَعَّدَهُ بِالغَرَقِ، فَهو إيجازٌ بَدِيعٌ.
هود 11:44
صفحة ٧٨
﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
لَمّا أفادَ قَوْلُهُ: ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وُقُوعَ الغَرَقِ المَوْعُودِ بِهِ عَلى وجْهِ الإيجازِ كَما عَلِمْتَ انْتَقَلَ الكَلامُ إلى انْتِهاءِ الطُّوفانِ.
وبِناءُ فِعْلِ (قِيلَ) لِلْمَفْعُولِ هُنا اخْتِصارٌ لِظُهُورِ فاعِلِ القَوْلِ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اللَّهِ. والقَوْلُ هُنا أمْرُ التَّكْوِينِ. وخِطابُ الأرْضِ والسَّماءِ بِطَرِيقَةِ النِّداءِ وبِالأمْرِ اسْتِعارَةٌ لِتَعَلُّقِ أمْرِ التَّكْوِينِ بِكَيْفِيّاتِ أفْعالٍ في ذاتَيْهِما وانْفِعالِهِما بِذَلِكَ كَما يُخاطَبُ العاقِلُ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ فَيَقْبَلُهُ امْتِثالًا وخَشْيَةً. فالِاسْتِعارَةُ هُنا في حَرْفِ النِّداءِ وهي تَبَعِيَّةٌ.
والبَلْعُ: حَقِيقَتُهُ اجْتِيازُ الطَّعامِ والشَّرابِ إلى الحَلْقِ بِدُونِ اسْتِقْرارٍ في الفَمِ. وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِإدْخالِ الشَّيْءِ في باطِنِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، ومَعْنى بَلْعِ الأرْضِ ماءَها دُخُولُهُ في باطِنِها بِسُرْعَةٍ كَسُرْعَةِ ازْدِرادِ البالِعِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ جَفافُ الأرْضِ بِحَرارَةِ شَمْسٍ أوْ رِياحٍ بَلْ كانَ بِعَمَلٍ أرْضِيٍّ عاجِلٍ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِإحْداثِ اللَّهِ زَلازِلَ وخَسْفًا انْشَقَّتْ بِهِ طَبَقَةُ الأرْضِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ حَتّى غارَتِ المِياهُ الَّتِي كانَتْ عَلى سَطْحِ الأرْضِ.
وإضافَةُ الماءِ إلى الأرْضِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِكَوْنِهِ عَلى وجْهِها.
وإقْلاعُ السَّماءِ مُسْتَعارٌ لِكَفِّ نُزُولِ المَطَرِ مِنها لِأنَّهُ إذا كَفَّ نُزُولُ المَطَرِ لَمْ يُخَلِّفِ الماءَ الَّذِي غارَ في الأرْضِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالبَلْعِ لِأنَّهُ السَّبَبُ الأعْظَمُ لِغَيْضِ الماءِ.
وفِي قِرانِ الأرْضِ والسَّماءِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ، وفي مُقابَلَةِ ابْلَعِي بِـ أقْلِعِي مُحَسِّنُ الجِناسِ.
صفحة ٧٩
﴿وغِيضَ الماءُ﴾ مُغْنٍ عَنِ التَّعَرُّضِ إلى كَوْنِ السَّماءِ أقْلَعَتْ والأرْضِ بَلَعَتْ، وبُنِيَ فِعْلُ غِيضَ الماءُ لِلنّائِبِ لِمِثْلِ ما بُنِيَ فُعِلَ وقِيلَ بِاعْتِبارِ سَبَبِ الغَيْضِ، أوْ لِأنَّهُ لا فاعِلَ لَهُ حَقِيقَةً لِأنَّ حُصُولَهُ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبٍ والغَيْضُ: نُضُوبُهُ في الأرْضِ. والمُرادُ: الماءُ الَّذِي نَشَأ بِالطُّوفانِ زائِدًا عَلى بِحارِ الأرْضِ وأوْدِيَتِها. وقَضاءُ الأمْرِ: إتْمامُهُ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فاعِلَهُ لَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى.
والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ.
والجُودِيُّ: اسْمُ جَبَلٍ بَيْنَ العِراقِ وأرْمِينا، يُقالُ لَهُ اليَوْمَ (أراراطُ) . وحِكْمَةُ إرْسائِها عَلى جَبَلٍ أنَّ جانِبَ الجَبَلِ أمْكَنُ لِاسْتِقْرارِ السَّفِينَةِ عِنْدَ نُزُولِ الرّاكِبِينَ لِأنَّها تَخِفُّ عِنْدَما يَنْزِلُ مُعْظَمُهم فَإذا مالَتِ اسْتَنَدَتْ إلى جانِبِ الجَبَلِ.
و(بُعْدًا) مَصْدَرُ (بَعُدَ) عَلى مِثالِ كَرُمَ وفَرِحَ، مَنصُوبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وهو نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ في مَقامِ الدُّعاءِ ونَحْوِهِ، كالمَدْحِ والذَّمِّ مِثْلَ: تَبًّا لَهُ، وسُحْقًا، وسُقْيًا، ورَعْيًا، وشُكْرًا. والبُعْدُ كِنايَةٌ عَنِ التَّحْقِيرِ بِلازِمِ كَراهِيَةِ الشَّيْءِ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: بَعُدَ أوْ نَحْوُهُ لِمَن فُقِدَ، إذا كانَ مَكْرُوهًا كَما هُنا. ويُقالُ نَفْيُ البُعْدِ لِلْمَرْغُوبِ فِيهِ وإنْ كانَ قَدْ بَعُدَ، فَيُقالُ لِلْمَيِّتِ العَزِيزِ كَما قالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ:
يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وقالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الأحْجَمِ:
إخْوَتِي لا تَبْعُدُوا أبَدًا ∗∗∗ وبَلى واللَّهِ قَدْ بَعُدُوا
والأكْثَرُ أنْ يُقالَ (بَعِدَ) بِكَسْرِ العَيْنِ في البُعْدِ المَجازِيِّ بِمَعْنى الهَلاكِ والمَوْتِ، وبَعُدَ المَضْمُومُ العَيْنِ في البُعْدِ الحَقِيقِيِّ.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَغَرِقُوا. والقائِلُ (بُعْدًا) قَدْ يَكُونُ مِن قَوْلِ اللَّهِ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَقُولَهُ
صفحة ٨٠
المُؤْمِنُونَ تَحْقِيرًا لِلْكُفّارِ وتَشَفِّيًا مِنهم واسْتِراحَةً، فَبُنِيَ فِعْلُ (وقِيلَ) إلى المَجْهُولِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى مَعْرِفَةِ قائِلِهِ.
قالَ في الكَشّافِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ نُكَتًا مِمّا أتَيْنا عَلى أكْثَرِهِ ”ولَمّا ذَكَرْنا مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ اسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ ابْلَعِي وأقْلِعِي وإنْ كانَ لا يُخْلِي الكَلامَ مِن حُسْنٍ فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ وما عَداها قُشُورٌ“ اهـ.
وقَدْ تَصَدّى السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ في بَحْثِ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ لِبَيانِ بَعْضِ خَصائِصِ البَلاغَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، تَقْفِيَةً عَلى كَلامِ الكَشّافِ فِيما نَرى فَقالَ:
”والنَّظَرُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ، مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ، ومِن جِهَةِ عِلْمِ المَعانِي. . . ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ ومِن جِهَةِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ. أمّا النَّظَرُ فِيها مِن جِهَةِ عِلْمِ البَيانِ. . . فَنَقُولُ: إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنًى أرَدْنا أنْ نَرُدَّ ما انْفَجَرَ مِنَ الأرْضِ إلى بَطْنِها. . وأنْ نَقْطَعَ طُوفانَ السَّماءِ. . وأنْ نُغِيضَ الماءَ. . وأنْ نَقْضِيَ أمْرَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو إنْجازُ ما كُنّا وعَدْنا مِن إغْراقِ قَوْمِهِ. . وأنْ نُسَوِّيَ السَّفِينَةَ عَلى الجُودِيِّ. . وأبْقَيْنا الظَّلَمَةَ غَرْقى بُنِيَ الكَلامُ عَلى تَشْبِيهِ المُرادِ بِالمَأْمُورِ. . . وتَشْبِيهِ تَكْوِينِ المُرادِ بِالأمْرِ. . وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ. . . تابِعَةٌ لِإرادَتِهِ. . . كَأنَّها عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ. . . ثُمَّ بَنى عَلى تَشْبِيهِهِ هَذا نَظْمُ الكَلامِ فَقالَ جَلَّ وعَلا قِيلَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنِ الإرادَةِ الواقِعِ بِسَبَبِها قَوْلُ القائِلِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ المَجازِ الخِطابَ لِلْجَمادِ. . . فَقالَ: ﴿يا أرْضُ﴾ - ﴿ويا سَماءُ﴾ . . . ثُمَّ اسْتَعارَ لِغَوْرِ الماءِ في الأرْضِ البَلْعَ. . لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما وهو الذَّهابُ إلى مَقَرٍّ خَفِيٍّ ثُمَّ اسْتَعارَ الماءَ لِلْغِذاءِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالغِذاءِ لِتَقَوِّي الأرْضِ بِالماءِ في الإنْباتِ. . . تَقَوِّيَ الآكِلِ بِالطَّعامِ، وجَعَلَ قَرِينَةَ الِاسْتِعارَةِ لَفْظَةَ ابْلَعِي. . . ثُمَّ أمَرَ عَلى
صفحة ٨١
سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِلشَّبَهِ المُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وخاطَبَ في الأمْرِ تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ النِّداءِ، ثُمَّ قالَ (ماءَكِ) بِإضافَةِ الماءِ إلى الأرْضِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ تَشْبِيهًا لِاتِّصالِ الماءِ بِالأرْضِ بِاتِّصالِ المِلْكِ بِالمالِكِ واخْتارَ ضَمِيرَ الخِطابِ لِأجْلِ التَّرْشِيحِ، ثُمَّ اخْتارَ لِاحْتِباسِ المَطَرِ الإقْلاعَ الَّذِي هو تَرْكُ الفاعِلِ الفِعْلَ لِلشَّبَهِ بَيْنَهُما في عَدَمِ ما كانَ، ثُمَّ أمَرَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ وخاطَبَ في الأمْرِ قائِلًا (أقْلِعِي) لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ في ابْلَعِي، ثُمَّ قالَ ﴿وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ . ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ فَلَمْ يُصَرِّحْ بِمَن غاضَ الماءَ، ولا بِمَن قَضى الأمْرَ وسَوّى السَّفِينَةَ وقالَ (بُعْدًا)، كَما لَمْ يُصَرِّحْ بِقائِلِ ﴿يا أرْضُ﴾ ويا سَماءُ في صَدْرِ الآيَةِ، سُلُوكًا في كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ لِسَبِيلِ الكِنايَةِ أنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَتَأتّى إلّا مِن ذِي قُدْرَةٍ لا يُكْتَنَهُ قَهّارٍ لا يُغالَبُ، فَلا مَجالَ لِذَهابِ الوَهْمِ إلى أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ قائِلًا ﴿يا أرْضُ﴾ ويا سَماءُ، ولا غائِضًا ما غاضَ، ولا قاضِيًا مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ الهائِلِ، أوْ أنْ تَكُونَ تَسْوِيَةُ السَّفِينَةِ وإقْرارُها بِتَسْوِيَةِ غَيْرِهِ وإقْرارِهِ.
ثُمَّ خَتَمَ الكَلامَ بِالتَّعْرِيضِ تَنْبِيهًا لِسالِكِي مَسْلَكِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ لا غَيْرَ خَتْمَ إظْهارٍ لِمَكانِ السُّخْطِ ولِجِهَةِ اسْتِحْقاقِهِمْ إيّاهُ وأنَّ قِيامَةَ الطُّوفانِ وتِلْكَ الصُّورَةَ الهائِلَةَ إنَّما كانَتْ لِظُلْمِهِمْ.
وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن حَيْثُ عِلْمِ المَعانِي، وهو النَّظَرُ في إفادَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ فِيها، وجِهَةُ كُلِّ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ فِيما بَيْنَ جُمَلِها، لِذَلِكَ أنَّهُ اخْتِيرَ (يا) دُونَ سائِرِ أخَواتِها لِكَوْنِها أكْثَرَ في الِاسْتِعْمالِ وأنَّها دالَّةٌ عَلى بُعْدِ المُنادى الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ إظْهارِ العَظَمَةِ. . وهو تَبْعِيدُ المُنادى المُؤْذِنُ بِالتَّهاوُنِ بِهِ. . .
واخْتِيرَ (ابْلَعِي) عَلى ابْتَلِعِي لِكَوْنِهِ أخْصَرَ، ولِمَجِيءِ حَظِّ التَّجانُسِ بَيْنَهُ وبَيْنَ (أقْلِعِي) أوْفَرَ. وقِيلَ (ماءَكِ) بِالإفْرادِ دُونَ الجَمْعِ لِما كانَ في الجَمْعِ مِن صُورَةِ الِاسْتِكْثارِ المُتَأتِّي عَنْها مَقامُ إظْهارِ الكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ. . وإنَّما لَمْ يَقُلِ (ابْلَعِي) بِدُونِ المَفْعُولِ أنْ لا يَسْتَلْزِمَ تَرْكَهُ ما لَيْسَ بِمُرادٍ مِن تَعْمِيمِ الِابْتِلاعِ
صفحة ٨٢
لِلْجِبالِ والتِّلالِ والبِحارِ وساكِناتِ الماءِ بِأسْرِهِنَّ نَظَرًا إلى مَقامِ وُرُودِ الأمْرِ الَّذِي هو مَقامُ عَظَمَةٍ وكِبْرِياءٍ.
ثُمَّ إذْ بَيَّنَ المُرادَ اخْتَصَرَ الكَلامَ مَعَ (أقْلِعِيِ) احْتِرازًا عَنِ الحَشْوِ المُسْتَغْنى عَنْهُ، وهو الوَجْهُ في أنْ لَمْ يَقُلْ: قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ فَبَلَعَتْ، ويا سَماءُ أقْلِعِي فَأقْلَعَتْ. . وكَذا الأمْرُ دُونَ أنْ يُقالَ: أمْرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو إنْجازُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن إهْلاكِ قَوْمِهِ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ والِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ عَنْ ذَلِكَ.
ثُمَّ قِيلَ ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: لِيَبْعَدِ القَوْمُ، طَلَبًا لِلتَّأْكِيدِ مَعَ الِاخْتِصارِ وهو نُزُولُ (بُعْدًا) مَنزِلَةَ لِيَبْعَدُوا بُعْدًا، مَعَ فائِدَةٍ أُخْرى وهي اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ (بُعْدًا) الدّالِّ عَلى مَعْنى أنَّ البُعْدَ يَحِقُّ لَهم.
ثُمَّ أطْلَقَ الظُّلْمَ لِيَتَناوَلَ كُلَّ نَوْعٍ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ ظُلْمُهم أنْفُسَهم لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ عَلى فَظاعَةِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
وأمّا مِن حَيْثُ النَّظَرِ إلى تَرْتِيبِ الجُمَلِ، فَذَلِكَ أنَّهُ قَدْ قَدَّمَ النِّداءَ عَلى الأمْرِ، فَقِيلَ ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ - ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: ابْلَعِي يا أرْضُ وأقْلِعِي يا سَماءُ، جَرْيًا عَلى مُقْتَضى اللّازِمِ فِيمَن كانَ مَأْمُورًا حَقِيقَةً مِن تَقْدِيمِ التَّنْبِيهِ لِيَتَمَكَنَ الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبَهُ في نَفْسِ المُنادى قَصْدًا بِذَلِكَ لِمَعْنى التَّرْشِيحِ.
ثُمَّ قَدَّمَ أمْرَ الأرْضِ عَلى أمْرِ السَّماءِ وابْتُدِئَ بِهِ لِابْتِداءِ الطُّوفانِ مِنها، ونُزُولِها لِذَلِكَ في القِصَّةِ مَنزِلَةَ الأصْلِ، والأصْلُ بِالتَّقْدِيمِ أوْلى، ثُمَّ أتْبَعَها قَوْلُهُ: ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ لِاتِّصالِهِ بِغَيْضِيَّةِ الماءِ وأخْذِهِ بِحُجْزَتِها؛ ألا تَرى أصْلَ الكَلامِ: قِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ فَبَلَعَتْ ماءَها ويا سَماءُ أقْلِعِي عَنْ إرْسالِ الماءِ فَأقْلَعَتْ عَنْ إرْسالِهِ، وغِيضَ الماءُ النّازِلُ مِنَ السَّماءِ فَغاضَ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ما هو المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ وهو قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أُنْجِزَ المَوْعُودُ. . ثُمَّ أتْبَعَهُ حَدِيثُ السَّفِينَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾، ثُمَّ خُتِمَتِ القِصَّةُ بِما خُتِمَتْ. . .
صفحة ٨٣
وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ المَعْنَوِيَّةِ فَهي كَما تَرى نَظْمٌ لِلْمَعانِي لِطَيْفٌ وتَأْدِيَةٌ لَها مُلَخَّصَةٌ مُبَيَّنَةٌ، لا تَعْقِيدَ يُعَثِّرُ الفِكْرَ في طَلَبِ المُرادِ. ولا التِواءَ يُشِيكُ الطَّرِيقَ إلى المُرْتادِ، بَلْ إذا جَرَّبْتَ نَفْسَكَ عِنْدَ اسْتِماعِها وجَدْتَ ألْفاظَها تُسابِقُ مَعانِيها ومَعانِيها تُسابِقُ ألْفاظَها.
وأمّا النَّظَرُ فِيها مِن جانِبِ الفَصاحَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَألْفاظُها عَلى ما تَرى عَرَبِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ جارِيَةٌ عَلى قَوانِينِ اللُّغَةِ، سَلِيمَةٌ عَنِ التَّنافُرِ، بَعِيدَةٌ عَنِ البَشاعَةِ، عَذْبَةٌ عَلى العَذَباتِ، سَلِسَةٌ عَلى الأسَلاتِ. . .“ هَذِهِ نِهايَةُ كَلامِ المِفْتاحِ.
هود 11:45
﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.
صفحة ٨٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.
والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
والمُرادُ بِالوَعْدِ ما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] إذْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِهِ قَدْ سَبَقَ
صفحة ٨٥
مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرٌ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ. وهَذا المَوْصُولُ مُتَعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ صادِقًا عَلى ابْنِهِ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِن أهْلِهِ طَلَبَ مِنهُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ وأبى، وأنَّ مَن سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ مِنَ النّاسِ فَهو ظالِمٌ، أيْ كافِرٌ، وأنَّهُ مُغْرَقٌ، فَكانَ عَدَمُ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وغَرَقُهُ أمارَةً أنَّهُ كافِرٌ. فالمَعْنى: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَجْهَلُ أنَّ ابْنَهُ كافِرٌ، ولِذَلِكَ فَسُؤالُ المَغْفِرَةِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّهُ كافِرٌ، ولَكِنَّهُ يَطْمَعُ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِأجْلِ قَرابَتِهِ بِهِ، فَسُؤالُهُ لَهُ المَغْفِرَةُ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أخْذٌ بِأقْصى دَواعِي الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ بِابْنِهِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ المُفِيدُ أنَّهُ لا رادَّ لِما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ، وأنَّهُ لا دالَّةَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ تَضَرُّعٍ وسُؤالِ ما لَيْسَ بِمُحالٍ.
وقَدْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ في شَرْعِهِ العِلْمُ بِعَدَمِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِينَ، فَكانَ حالُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِأبِي طالِبٍ «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.
والِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ في مَقامِ الدُّعاءِ تَعْرِيضٌ بِالمَطْلُوبِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّأدُّبِ والتَّرَدُّدِ في الإقْدامِ عَلى المَسْئُولِ اسْتِغْناءً بِعِلْمِ المَسْئُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أسْألُكَ أمْ أتْرُكُ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ أنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ
ومَعْنى ﴿أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ أشَدُّهم حُكْمًا. واسْمُ التَّفْضِيلِ يَتَعَلَّقُ بِماهِيَّةِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ أنَّ حُكْمَهُ لا يَجُورُ وأنَّهُ لا يُبْطِلُهُ أحَدٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ دِينِهِ واعْتِقادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إبْطالًا لِقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ولَكِنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِّينِ بِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الإيمانِ هي القَرابَةُ، وهَذا المَعْنى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.
صفحة ٨٦
قالَ النّابِغَةُ يُخاطِبُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ:
إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقالَ - تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَـ إنَّ فِيهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ.
و(عَمَلٌ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ - بِفَتْحِ المِيمِ وتَنْوِينِ اللّامِ - مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وبِرَفْعِ (غَيْرُ) عَلى أنَّهُ صِفَةُ (عَمَلٌ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (عَمِلَ) بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ الماضِي وبِنَصْبِ (غَيْرَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (عَمِلَ) . ومَعْنى العَمَلِ غَيْرِ الصّالِحِ الكُفْرُ، وأُطْلِقَ عَلى الكُفْرِ عَمَلٌ لِأنَّهُ عَمَلُ القَلْبِ، ولِأنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في عَمَلِ صاحِبِهِ كامْتِناعِ ابْنِ نُوحٍ مِنَ الرُّكُوبِ الدّالِّ عَلى تَكْذِيبِهِ بِوَعِيدِ الطُّوفانِ.
وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيُهُ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ نَهْيَ عِتابٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ بِسَبَبِ تَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، سَقَطَ ما مَهَّدَ بِهِ لِإجابَةِ سُؤالِهِ، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يَسْألَهُ وأنْ يَتَدَبَّرَ ما أرادَ أنْ يَسْألَهُ مِنَ اللَّهِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ فَلا تَسْألَنِّي - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ ونُونُ الوِقايَةِ أُدْغِمَتا. وأثْبَتَ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَن عَدا ابْنَ كَثِيرٍ مِن هَؤُلاءِ. أمّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَرَأ (فَلا تَسْألَنَّ) - بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ - .
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ
صفحة ٨٧
(فَلا تَسْألْنِ) بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِنُونِ التَّوْكِيدِ ومُعَدّى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وأكْثَرُهم حَذَفَ الياءَ في حالَةِ الوَصْلِ. وأثْبَتَها في الوَصْلِ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ إنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ كانَ نَهْيُهُ عَنْ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأمْثالِهِ لِأنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي أنْ لا يُقْدِمَ عَلى سُؤالِ رَبِّهِ سُؤْلًا لا يَعْلَمُ إجابَتَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، وإنْ كانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ . وكانَ سُؤالُهُ المَغْفِرَةَ لِابْنِهِ طَلَبًا تَخْصِيصَهُ مِنَ العُمُومِ. وكانَ نَهْيُهُ نَهْيَ لَوْمٍ وعِتابٍ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِن رَبِّهِ جَوازَ ذَلِكَ.
وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُحْتَمِلًا لِظاهِرِهِ، ومُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العِلْمِ بِضِدِّهِ، أيْ فَلا تَسْألْنِي ما عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَقَعُ.
ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إلى آخِرِهِ تَعْرِيضًا بِالمَسْئُولِ كانَ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهْيًا عَنِ الإلْحاحِ أوِ العَوْدِ إلى سُؤالِهِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ لِلسُّؤالِ لِاخْتِبارِ حالِ إقْبالِ اللَّهِ عَلى سُؤالِهِ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى: فَلا تَسْألْنِي نَهْيًا عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِكَلامِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَنْزِيهُهُ عَنْ تَعْرِيضِ سُؤالِهِ لِلرَّدِّ.
وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ عَلى تَرْكِ التَّثَبُّتِ قَبْلَ الإقْدامِ.
والجَهْلُ فِيهِ ضِدُّ العِلْمِ، وهو المُناسِبُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
صفحة ٨٨
فَأجابَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ رَبِّهِ بِما يَدُلُّ عَلى التَّنَصُّلِ مِمّا سَألَ فاسْتَعاذَ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِكَلامِهِ الأوَّلِ التَّعْرِيضَ بِالسُّؤالِ فَهو أمْرٌ قَدْ وقَعَ فالِاسْتِعاذَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَبِعَةِ ذَلِكَ أوْ بِالعَوْدِ إلى مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وإنْ كانَ إنَّما أرادَ التَّمْهِيدَ لِلسُّؤالِ فالِاسْتِعاذَةُ ظاهِرَةٌ، أيِ الِانْكِفافُ عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ ابْتِداءٌ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ ثُمَّ أعْقَبَها بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ كانَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ.
وقَدْ سَلَكَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِمْ هَذِهِ الآياتِ مَسْلَكَ كَوْنِ سُؤالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالًا لِإنْجاءِ ابْنِهِ مِنَ الغَرَقِ فاعْتَرَضَتْهم سُبُلٌ وعْرَةٌ مُتَنائِيَةٌ، ولَقُوا عَناءً في الِاتِّصالِ بَيْنَها، والآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْها، ولَعَلَّنا سَلَكْنا الجادَّةَ في تَفْسِيرِها.
هود 11:46
﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.
صفحة ٨٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.
والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
والمُرادُ بِالوَعْدِ ما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] إذْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِهِ قَدْ سَبَقَ
صفحة ٨٥
مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرٌ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ. وهَذا المَوْصُولُ مُتَعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ صادِقًا عَلى ابْنِهِ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِن أهْلِهِ طَلَبَ مِنهُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ وأبى، وأنَّ مَن سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ مِنَ النّاسِ فَهو ظالِمٌ، أيْ كافِرٌ، وأنَّهُ مُغْرَقٌ، فَكانَ عَدَمُ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وغَرَقُهُ أمارَةً أنَّهُ كافِرٌ. فالمَعْنى: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَجْهَلُ أنَّ ابْنَهُ كافِرٌ، ولِذَلِكَ فَسُؤالُ المَغْفِرَةِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّهُ كافِرٌ، ولَكِنَّهُ يَطْمَعُ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِأجْلِ قَرابَتِهِ بِهِ، فَسُؤالُهُ لَهُ المَغْفِرَةُ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أخْذٌ بِأقْصى دَواعِي الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ بِابْنِهِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ المُفِيدُ أنَّهُ لا رادَّ لِما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ، وأنَّهُ لا دالَّةَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ تَضَرُّعٍ وسُؤالِ ما لَيْسَ بِمُحالٍ.
وقَدْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ في شَرْعِهِ العِلْمُ بِعَدَمِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِينَ، فَكانَ حالُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِأبِي طالِبٍ «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.
والِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ في مَقامِ الدُّعاءِ تَعْرِيضٌ بِالمَطْلُوبِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّأدُّبِ والتَّرَدُّدِ في الإقْدامِ عَلى المَسْئُولِ اسْتِغْناءً بِعِلْمِ المَسْئُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أسْألُكَ أمْ أتْرُكُ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ أنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ
ومَعْنى ﴿أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ أشَدُّهم حُكْمًا. واسْمُ التَّفْضِيلِ يَتَعَلَّقُ بِماهِيَّةِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ أنَّ حُكْمَهُ لا يَجُورُ وأنَّهُ لا يُبْطِلُهُ أحَدٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ دِينِهِ واعْتِقادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إبْطالًا لِقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ولَكِنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِّينِ بِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الإيمانِ هي القَرابَةُ، وهَذا المَعْنى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.
صفحة ٨٦
قالَ النّابِغَةُ يُخاطِبُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ:
إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقالَ - تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَـ إنَّ فِيهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ.
و(عَمَلٌ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ - بِفَتْحِ المِيمِ وتَنْوِينِ اللّامِ - مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وبِرَفْعِ (غَيْرُ) عَلى أنَّهُ صِفَةُ (عَمَلٌ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (عَمِلَ) بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ الماضِي وبِنَصْبِ (غَيْرَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (عَمِلَ) . ومَعْنى العَمَلِ غَيْرِ الصّالِحِ الكُفْرُ، وأُطْلِقَ عَلى الكُفْرِ عَمَلٌ لِأنَّهُ عَمَلُ القَلْبِ، ولِأنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في عَمَلِ صاحِبِهِ كامْتِناعِ ابْنِ نُوحٍ مِنَ الرُّكُوبِ الدّالِّ عَلى تَكْذِيبِهِ بِوَعِيدِ الطُّوفانِ.
وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيُهُ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ نَهْيَ عِتابٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ بِسَبَبِ تَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، سَقَطَ ما مَهَّدَ بِهِ لِإجابَةِ سُؤالِهِ، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يَسْألَهُ وأنْ يَتَدَبَّرَ ما أرادَ أنْ يَسْألَهُ مِنَ اللَّهِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ فَلا تَسْألَنِّي - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ ونُونُ الوِقايَةِ أُدْغِمَتا. وأثْبَتَ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَن عَدا ابْنَ كَثِيرٍ مِن هَؤُلاءِ. أمّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَرَأ (فَلا تَسْألَنَّ) - بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ - .
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ
صفحة ٨٧
(فَلا تَسْألْنِ) بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِنُونِ التَّوْكِيدِ ومُعَدّى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وأكْثَرُهم حَذَفَ الياءَ في حالَةِ الوَصْلِ. وأثْبَتَها في الوَصْلِ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ إنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ كانَ نَهْيُهُ عَنْ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأمْثالِهِ لِأنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي أنْ لا يُقْدِمَ عَلى سُؤالِ رَبِّهِ سُؤْلًا لا يَعْلَمُ إجابَتَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، وإنْ كانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ . وكانَ سُؤالُهُ المَغْفِرَةَ لِابْنِهِ طَلَبًا تَخْصِيصَهُ مِنَ العُمُومِ. وكانَ نَهْيُهُ نَهْيَ لَوْمٍ وعِتابٍ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِن رَبِّهِ جَوازَ ذَلِكَ.
وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُحْتَمِلًا لِظاهِرِهِ، ومُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العِلْمِ بِضِدِّهِ، أيْ فَلا تَسْألْنِي ما عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَقَعُ.
ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إلى آخِرِهِ تَعْرِيضًا بِالمَسْئُولِ كانَ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهْيًا عَنِ الإلْحاحِ أوِ العَوْدِ إلى سُؤالِهِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ لِلسُّؤالِ لِاخْتِبارِ حالِ إقْبالِ اللَّهِ عَلى سُؤالِهِ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى: فَلا تَسْألْنِي نَهْيًا عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِكَلامِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَنْزِيهُهُ عَنْ تَعْرِيضِ سُؤالِهِ لِلرَّدِّ.
وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ عَلى تَرْكِ التَّثَبُّتِ قَبْلَ الإقْدامِ.
والجَهْلُ فِيهِ ضِدُّ العِلْمِ، وهو المُناسِبُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
صفحة ٨٨
فَأجابَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ رَبِّهِ بِما يَدُلُّ عَلى التَّنَصُّلِ مِمّا سَألَ فاسْتَعاذَ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِكَلامِهِ الأوَّلِ التَّعْرِيضَ بِالسُّؤالِ فَهو أمْرٌ قَدْ وقَعَ فالِاسْتِعاذَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَبِعَةِ ذَلِكَ أوْ بِالعَوْدِ إلى مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وإنْ كانَ إنَّما أرادَ التَّمْهِيدَ لِلسُّؤالِ فالِاسْتِعاذَةُ ظاهِرَةٌ، أيِ الِانْكِفافُ عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ ابْتِداءٌ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ ثُمَّ أعْقَبَها بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ كانَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ.
وقَدْ سَلَكَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِمْ هَذِهِ الآياتِ مَسْلَكَ كَوْنِ سُؤالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالًا لِإنْجاءِ ابْنِهِ مِنَ الغَرَقِ فاعْتَرَضَتْهم سُبُلٌ وعْرَةٌ مُتَنائِيَةٌ، ولَقُوا عَناءً في الِاتِّصالِ بَيْنَها، والآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْها، ولَعَلَّنا سَلَكْنا الجادَّةَ في تَفْسِيرِها.
هود 11:47
﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلَنِّ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّيَ أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
مَوْقِعُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ نِداءَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا كانَ بَعْدَ اسْتِواءِ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ نِداءً دَعاهُ إلَيْهِ داعِيَ الشَّفَقَةِ فَأرادَ بِهِ نَفْعَ ابْنِهِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن نَجاتِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ لا نَجاةَ إلّا لِلَّذِينَ يَرْكَبُونَ السَّفِينَةَ، ولِأنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا دَعا ابْنَهُ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ فَأبى وجَرَتِ السَّفِينَةُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى نَجاتِهِ فَكَيْفَ يَسْألُها مِنَ اللَّهِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ سَألَ لَهُ المَغْفِرَةَ ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ كَما سَيَأْتِي.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا وقَعَ قَبْلَ غَرَقِ النّاسِ، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يُنَجِّيَ ابْنَهُ مِنَ الغَرَقِ.
صفحة ٨٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ غَرَقِ مَن غَرِقُوا، أيْ نادى رَبَّهُ أنْ يَغْفِرَ لِابْنِهِ وأنْ لا يُعامِلَهُ مُعامَلَةَ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ.
والنِّداءُ هَنا نِداءُ دُعاءٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ودَعا نُوحٌ رَبَّهُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَصْدُرُ بِالنِّداءِ غالِبًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفٌ لِنُوحٍ وإيماءٌ إلى رَأْفَةِ اللَّهِ بِهِ وأنَّ نَهْيَهُ الوارِدَ بَعْدَهُ نَهْيُ عِتابٍ.
وجُمْلَةُ ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ بَيانٌ لِلنِّداءِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا تُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ كَما لَمْ يُعْطَفِ البَيانُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]، وخُولِفَ ذَلِكَ هُنا. ووَجَّهَ في الكَشّافِ اقْتِرانَهُ بِالفاءِ بِأنَّ فِعْلَ (نادى) مُسْتَعْمَلٌ في إرادَةِ النِّداءِ، أيْ مِثْلَ فِعْلِ (قُمْتُمْ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيَةَ، يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ إخْراجٌ لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَإنَّ وُجُودَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي بَيانٌ لِلنِّداءِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ فِعْلَ نادى مُسْتَعارٌ لِمَعْنى إرادَةِ النِّداءِ، أيْ أرادَ نِداءَ رَبِّهِ فَأعْقَبَ إرادَتَهُ بِإصْدارِ النِّداءِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ أرادَ النِّداءَ فَتَرَدَّدَ في الإقْدامِ عَلَيْهِ لِما عَلِمَ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٧] فَلَمْ يَطُلْ تَرَدُّدُهُ لَمّا غَلَبَتْهُ الشَّفَقَةُ عَلى ابْنِهِ فَأقْدَمَ عَلى نِداءِ رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ الِاعْتِذارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ . فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاعْتِذارِ والتَّمْهِيدِ لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْألَ سُؤالًا لا يَدْرِي قَبُولَهُ ولَكِنَّهُ اقْتَحَمَهُ لِأنَّ المَسْئُولَ لَهُ مِن أهْلِهِ فَلَهُ عُذْرُ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
والمُرادُ بِالوَعْدِ ما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧] إذْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِهِ قَدْ سَبَقَ
صفحة ٨٥
مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرٌ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ. وهَذا المَوْصُولُ مُتَعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ صادِقًا عَلى ابْنِهِ إذْ لَيْسَ غَيْرُهُ مِن أهْلِهِ طَلَبَ مِنهُ رُكُوبَ السَّفِينَةِ وأبى، وأنَّ مَن سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ بِأنَّهُ لا يَرْكَبُ السَّفِينَةَ مِنَ النّاسِ فَهو ظالِمٌ، أيْ كافِرٌ، وأنَّهُ مُغْرَقٌ، فَكانَ عَدَمُ رُكُوبِهِ السَّفِينَةَ وغَرَقُهُ أمارَةً أنَّهُ كافِرٌ. فالمَعْنى: أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَجْهَلُ أنَّ ابْنَهُ كافِرٌ، ولِذَلِكَ فَسُؤالُ المَغْفِرَةِ لَهُ عَنْ عِلْمٍ بِأنَّهُ كافِرٌ، ولَكِنَّهُ يَطْمَعُ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ لِأجْلِ قَرابَتِهِ بِهِ، فَسُؤالُهُ لَهُ المَغْفِرَةُ بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ أخْذٌ بِأقْصى دَواعِي الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ بِابْنِهِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ المُفِيدُ أنَّهُ لا رادَّ لِما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ، وأنَّهُ لا دالَّةَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ مِن خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ تَضَرُّعٍ وسُؤالِ ما لَيْسَ بِمُحالٍ.
وقَدْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ مَنهِيٍّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَقَرَّرَ في شَرْعِهِ العِلْمُ بِعَدَمِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِينَ، فَكانَ حالُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قالَ لِأبِي طالِبٍ «لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ.
والِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ في مَقامِ الدُّعاءِ تَعْرِيضٌ بِالمَطْلُوبِ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّأدُّبِ والتَّرَدُّدِ في الإقْدامِ عَلى المَسْئُولِ اسْتِغْناءً بِعِلْمِ المَسْئُولِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أسْألُكَ أمْ أتْرُكُ، كَقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
أأذْكُرُ حاجَتِي أمْ قَدْ كَفانِي حَياؤُكَ أنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ
ومَعْنى ﴿أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ أشَدُّهم حُكْمًا. واسْمُ التَّفْضِيلِ يَتَعَلَّقُ بِماهِيَّةِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ أنَّ حُكْمَهُ لا يَجُورُ وأنَّهُ لا يُبْطِلُهُ أحَدٌ.
ومَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ دِينِهِ واعْتِقادِهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إبْطالًا لِقَوْلِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ولَكِنَّهُ إعْلامٌ بِأنَّ قَرابَةَ الدِّينِ بِالنِّسْبَةِ لِأهْلِ الإيمانِ هي القَرابَةُ، وهَذا المَعْنى شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.
صفحة ٨٦
قالَ النّابِغَةُ يُخاطِبُ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ:
إذا حاوَلْتَ في أسَدٍ فُجُـورًا ∗∗∗ فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي
وقالَ - تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِتَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ فَـ إنَّ فِيهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ.
و(عَمَلٌ) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ - بِفَتْحِ المِيمِ وتَنْوِينِ اللّامِ - مَصْدَرٌ أخْبَرَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ وبِرَفْعِ (غَيْرُ) عَلى أنَّهُ صِفَةُ (عَمَلٌ) . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ (عَمِلَ) بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ الماضِي وبِنَصْبِ (غَيْرَ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (عَمِلَ) . ومَعْنى العَمَلِ غَيْرِ الصّالِحِ الكُفْرُ، وأُطْلِقَ عَلى الكُفْرِ عَمَلٌ لِأنَّهُ عَمَلُ القَلْبِ، ولِأنَّهُ يَظْهَرُ أثَرُهُ في عَمَلِ صاحِبِهِ كامْتِناعِ ابْنِ نُوحٍ مِنَ الرُّكُوبِ الدّالِّ عَلى تَكْذِيبِهِ بِوَعِيدِ الطُّوفانِ.
وتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيُهُ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ نَهْيَ عِتابٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ بِسَبَبِ تَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، سَقَطَ ما مَهَّدَ بِهِ لِإجابَةِ سُؤالِهِ، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ لا يَسْألَهُ وأنْ يَتَدَبَّرَ ما أرادَ أنْ يَسْألَهُ مِنَ اللَّهِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ فَلا تَسْألَنِّي - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - وهي نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةُ ونُونُ الوِقايَةِ أُدْغِمَتا. وأثْبَتَ ياءَ المُتَكَلِّمِ مَن عَدا ابْنَ كَثِيرٍ مِن هَؤُلاءِ. أمّا ابْنُ كَثِيرٍ فَقَرَأ (فَلا تَسْألَنَّ) - بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ - .
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ
صفحة ٨٧
(فَلا تَسْألْنِ) بِسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ مُخَفَّفَةً عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَكَّدٍ بِنُونِ التَّوْكِيدِ ومُعَدّى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وأكْثَرُهم حَذَفَ الياءَ في حالَةِ الوَصْلِ. وأثْبَتَها في الوَصْلِ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ إنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِلْمُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ كانَ نَهْيُهُ عَنْ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، نَهْيَ تَنْزِيهٍ لِأمْثالِهِ لِأنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ تَقْتَضِي أنْ لا يُقْدِمَ عَلى سُؤالِ رَبِّهِ سُؤْلًا لا يَعْلَمُ إجابَتَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقَوْلِهِ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، وإنْ كانَ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ . وكانَ سُؤالُهُ المَغْفِرَةَ لِابْنِهِ طَلَبًا تَخْصِيصَهُ مِنَ العُمُومِ. وكانَ نَهْيُهُ نَهْيَ لَوْمٍ وعِتابٍ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِن رَبِّهِ جَوازَ ذَلِكَ.
وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ مُحْتَمِلًا لِظاهِرِهِ، ومُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ العِلْمِ بِضِدِّهِ، أيْ فَلا تَسْألْنِي ما عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَقَعُ.
ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إلى آخِرِهِ تَعْرِيضًا بِالمَسْئُولِ كانَ النَّهْيُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ نَهْيًا عَنِ الإلْحاحِ أوِ العَوْدِ إلى سُؤالِهِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجَرَّدَ تَمْهِيدٍ لِلسُّؤالِ لِاخْتِبارِ حالِ إقْبالِ اللَّهِ عَلى سُؤالِهِ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى: فَلا تَسْألْنِي نَهْيًا عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ الَّذِي مَهَّدَ لَهُ بِكَلامِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَنْزِيهُهُ عَنْ تَعْرِيضِ سُؤالِهِ لِلرَّدِّ.
وعَلى كُلِّ الوُجُوهِ فَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ عَلى تَرْكِ التَّثَبُّتِ قَبْلَ الإقْدامِ.
والجَهْلُ فِيهِ ضِدُّ العِلْمِ، وهو المُناسِبُ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾
صفحة ٨٨
فَأجابَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَلامَ رَبِّهِ بِما يَدُلُّ عَلى التَّنَصُّلِ مِمّا سَألَ فاسْتَعاذَ أنْ يَسْألَ ما لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإنْ كانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِكَلامِهِ الأوَّلِ التَّعْرِيضَ بِالسُّؤالِ فَهو أمْرٌ قَدْ وقَعَ فالِاسْتِعاذَةُ تَتَعَلَّقُ بِتَبِعَةِ ذَلِكَ أوْ بِالعَوْدِ إلى مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ؛ وإنْ كانَ إنَّما أرادَ التَّمْهِيدَ لِلسُّؤالِ فالِاسْتِعاذَةُ ظاهِرَةٌ، أيِ الِانْكِفافُ عَنِ الإفْضاءِ بِالسُّؤالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ طَلَبُ المَغْفِرَةِ ابْتِداءٌ لِأنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ ثُمَّ أعْقَبَها بِطَلَبِ الرَّحْمَةِ لِأنَّهُ إذا كانَ بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ كانَ أهْلًا لِلرَّحْمَةِ.
وقَدْ سَلَكَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِهِمْ هَذِهِ الآياتِ مَسْلَكَ كَوْنِ سُؤالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالًا لِإنْجاءِ ابْنِهِ مِنَ الغَرَقِ فاعْتَرَضَتْهم سُبُلٌ وعْرَةٌ مُتَنائِيَةٌ، ولَقُوا عَناءً في الِاتِّصالِ بَيْنَها، والآيَةُ بِمَعْزِلٍ عَنْها، ولَعَلَّنا سَلَكْنا الجادَّةَ في تَفْسِيرِها.
هود 11:48
﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَبِّهُ، فَإنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] إلى آخِرِهِ خاطَبَهُ رَبُّهُ إتْمامًا لِلْمُحاوَرَةِ بِما يُسَكِّنُ جَأْشَهُ.
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: قالَ يا نُوحُ اهْبِطْ، ولَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى بِناءِ الفِعْلِ لِلنّائِبِ لِيَجِيءَ عَلى وتِيرَةِ حِكايَةِ أجْزاءِ القِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ [هود: ٤٤] . . . ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] فَحَصَلَ بِذَلِكَ البِناءِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى جُزْءِ القِصَّةِ، كَما حَصَلَ بِالفَصْلِ قَضاءُ حَقِّ الإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ جُزْءُ المُحاوَرَةِ.
صفحة ٨٩
ونِداءُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلتَّنْوِيهِ بِهِ بَيْنَ المَلَأِ.
والهُبُوطُ: النُّزُولُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ: النُّزُولُ مِنَ السَّفِينَةِ لِأنَّها كانَتْ أعْلى مِنَ الأرْضِ.
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ، وهو مِمّا يُخاطَبُ بِها عِنْدَ الوَداعِ أيْضًا، يَقُولُونَ: اذْهَبْ بِسَلامٍ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمِ السَّلامِ عَلَيْكُما
وخِطابُهُ بِالسَّلامِ حِينَئِذٍ إيماءٌ إلى أنَّهُ كانَ في ضِيافَةِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ كانَ كافِلًا لَهُ النَّجاةَ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤]
وأصْلُ السَّلامِ السَّلامَةُ، فاسْتُعْمِلَ عِنْدَ اللِّقاءِ إيذانًا بِتَأْمِينِ المَرْءِ مُلاقِيَهُ وأنَّهُ لا يُضْمِرُ لَهُ سُوءًا، ثُمَّ شاعَ فَصارَ قَوْلًا عِنْدَ اللِّقاءِ لِلْإكْرامِ. وبِذَلِكَ نَهى النَّبِيُّ ﷺ الَّذِينَ قالُوا: السَّلامُ عَلى اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] فَإنَّ السَّلامَ ظاهِرٌ في التَّحِيَّةِ لِتَقْيِيدِهِ بِـ (آمِنِينَ) . ولَوْ كانَ السَّلامُ مُرادًا بِهِ السَّلامَةُ لَكانَ التَّقْيِيدُ بِـ (آمَنِينَ) تَوْكِيدًا وهو خِلافُ الأصْلِ.
و(مِنّا) تَأْكِيدٌ لِتَوْجِيهِ السَّلامِ إلَيْهِ لِأنَّ (مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، فالمَعْنى: بِسَلامٍ ناشِئٍ مِن عِنْدِنا، كَقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . وذَلِكَ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ. وهَذا التَّأْكِيدُ يُرادُ بِهِ زِيادَةُ الصِّلَةِ والإكْرامِ فَهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الَّذِي لا تُذْكَرُ مَعَهُ (مِن) .
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ اهْبِطْ مَصْحُوبًا بِسَلامٍ مِنّا. ومُصاحَبَةُ السَّلامِ الَّذِي هو التَّحِيَّةُ مُصاحِبَةٌ مَجازِيَّةٌ.
صفحة ٩٠
والبَرَكاتُ: الخَيْراتُ النّامِيَةُ، واحِدَتُها بَرَكَةٌ، وهي مِن كَلِماتِ التَّحِيَّةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدُّعاءِ.
ولَمّا كانَ الدّاعُونَ بِلَفْظِ التَّحِيَّةِ إنَّما يَسْألُونَ اللَّهَ بِدُعاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَصُدُورُ هَذا الدُّعاءِ مِن لَدُنْهِ قائِمٌ مَقامَ إجابَةِ الدُّعاءِ فَهو إفاضَةُ بَرَكاتٍ عَلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيمُهم وتَأْمِينُهم والإنْعامُ عَلَيْهِمْ.
و(عَلَيْكَ) يَتَعَلَّقُ (بِسَلامٍ) و(بَرَكاتٍ) وكَذَلِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾
والأُمَمُ: جَمْعُ أُمَّةٍ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي يَجْمَعُها نَسَبٌ إلى جَدٍّ واحِدٍ. يُقالُ: أُمَّةُ العَرَبِ، أوْ لُغَةٌ مِثْلَ أُمَّةِ التُّرْكِ، أوْ مَوْطِنٌ مِثْلَ أُمَّةِ أمْرِيكا، أوْ دِينٌ مِثْلَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَـ (أُمَمٌ) دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ يَكُونُ بَعْدَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولَيْسَ الَّذِينَ رَكِبُوا في السَّفِينَةِ أُمَمًا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] . وتَنْكِيرُ (أُمَمٍ) لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّعْمِيمَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾
و(مِن) في ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، و(مَن) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى الَّذِينَ رَكِبُوا مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّفِينَةِ. ومِنهم أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ. فالكَلامُ بِشارَةٌ لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ مِنهم أُمَمًا كَثِيرَةً يَكُونُونَ مَحَلَّ كَرامَتِهِ وبَرَكاتِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنْ يَجْعَلَ مِنهم أُمَمًا بِخِلافِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ: ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
وهَذا النَّظْمُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ بَدَأ نُوحًا بِالسَّلامِ والبَرَكاتِ وشَرَكَ مَعَهُ فِيهِما أُمَمًا ناشِئِينَ مِمَّنْ هم مَعَهُ، وفِيهِمُ النّاشِئُونَ مِن نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ في جُمْلَةِ مَن مَعَهُ أبْناءَهُ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ نَسْلُهُ مِن بَعْدِهِ. فَتَعَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ مَعَهُ يَشْمَلُهُمُ السَّلامُ والبَرَكاتُ بادِئَ بَدِيءٍ قَبْلَ نَسْلِهِمْ إذْ عُنْوِنَ عَنْهم بِوَصْفِ مَعِيَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ كَرامَتِهِمْ. وإذْ كانَ التَّنْوِيهُ بِالنّاشِئِينَ
صفحة ٩١
عَنْهم إيماءً إلى أنَّ اخْتِصاصَهم بِالكَرامَةِ لِأجْلِ كَوْنِهِمْ ناشِئِينَ عَنْ فِئَةٍ مُكَرَّمَةٍ بِمُصاحَبَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَحَصَلَ تَنْوِيهُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُحْبَتِهِ ونَسْلِهِمْ بِطَرِيقِ إيجازٍ بَدِيعٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ إلى آخِرِها، وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّها تَبْيِينٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ أُمَمٍ آخَرِينَ. وهَذِهِ الواوُ تُسَمّى اسْتِئْنافِيَّةً وأصْلُها الواوُ العاطِفَةُ وبَعْضُهم يُرْجِعُها إلى الواوِ الزّائِدَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّقْسِيمِ، والمَقْصُودُ: تَحْذِيرُ قَوْمِ نُوحٍ مِنَ اتِّباعِ سَبِيلِ الَّذِينَ أُغْرِقُوا، والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فَإنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ جَدِّهِمْ، فَأُشْعِرُوا بِأنَّهم مِنَ الأُمَمِ الَّتِي أنْبَأ اللَّهُ نُوحًا بِأنَّهُ سَيُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] أيْ وكانَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم غَيْرَ شاكِرِينَ لِلنِّعْمَةِ.
وإطْلاقُ المَسِّ عَلى الإصابَةِ القَوِيَّةِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] في الأنْعامِ.
وذِكْرُ (مِنّا) مَعَ يَمَسُّهم لِمُقابَلَةِ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّ ما يُصِيبُ الأُمَّةَ مِنَ الأحْوالِ الزّائِدَةِ عَلى المُعْتادِ في الخَيْرِ والشَّرِّ هو إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ بِالرِّضى أوِ الغَضَبِ لِئَلّا يَحْسَبُوا ذَلِكَ مِن سُنَّةِ تُرَتَّبِ المُسَبَّباتِ العادِيَّةِ عَلى أسْبابِها، إذْ مِن حَقِّ النّاسِ أنْ يَتَبَصَّرُوا في الحَوادِثِ ويَتَوَسَّمُوا في جَرَيانِ أحْوالِهِمْ عَلى مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِنهم ويَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهم بِدَلالَةِ الكائِناتِ عِنْدَ انْقِطاعِ خِطابِهِ إيّاهم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، فَإنَّ الرُّسُلَ يُبَيِّنُونَ لَهم طُرُقَ الدَّلالَةِ ويَكِلُونَ إلَيْهِمُ النَّظَرَ في وضْعِ المَدْلُولاتِ عِنْدَ دَلالاتِها. ومِثالُهُ ما هُنا فَقَدْ بَيَّنَ لَهم عَلى لِسانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُمَتِّعُ أُمَمًا ثُمَّ يَمَسُّهم عَذابٌ ألِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.
هود 11:49
صفحة ٩٢
﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ أُرِيدَ مِنهُ الِامْتِنانُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمَوْعِظَةُ والتَّسْلِيَةُ.
فالِامْتِنانُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾
والمَوْعِظَةُ مِن قَوْلِهِ: فاصْبِرْ إلَخْ.
والتَّسْلِيَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
والإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِن خَبَرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ القِصَّةُ.
والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ. وأنْباءُ الغَيْبِ الأخْبارُ المُغَيَّبَةُ عَنِ النّاسِ أوْ عَنْ فَرِيقٍ مِنهم. فَهَذِهِ الأنْباءُ مُغَيَّبَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى العَرَبِ كُلِّهِمْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأكْثَرَ مِن مُجْمَلاتِها، وهي أنَّهُ قَدْ كانَ في الزَّمَنِ الغابِرِ نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ: نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصابَ قَوْمَهُ طُوفانٌ، وما عَدا ذَلِكَ فَهو غَيْبٌ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾، فَإنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ ولَمْ يَدَّعُوا عِلْمَهُ. عَلى أنَّ فِيها ما هو غَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ مِثْلَ قِصَّةِ ابْنِ نُوحٍ الرّابِعِ وعِصْيانِهِ أباهُ وإصابَتِهِ بِالغَرَقِ، ومِثْلَ كَلامِ الرَّبِّ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ هُبُوطِهِ مِنَ السَّفِينَةِ، ومِثْلَ سُخْرِيَةِ قَوْمِهِ بِهِ وهو يَصْنَعُ الفُلْكَ، وما دارَ بَيْنَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا لَمْ يُذْكَرْ في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ.
وجُمَلُ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ ونُوحِيها و﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أخْبارٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أوْ بَعْضُها خَبَرٌ وبَعْضُها حالٌ. وضَمِيرُ أنْتَ تَصْرِيحٌ بِالضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: تَعْلَمُها لِتَصْحِيحِ العَطْفِ عَلَيْهِ.
صفحة ٩٣
وعَطْفُ ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مِنَ التَّرَقِّي؛ لِأنَّ في قَوْمِهِ مَن خالَطَ أهْلَ الكِتابِ ومَن كانَ يَقْرَأُ ويَكْتُبُ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم كَثِيرًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إمّا إلى القُرْآنِ، وإمّا إلى الوَقْتِ بِاعْتِبارِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ما ذُكِرَ في أمْثالِها مِمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ عَلَيْها، وإمّا إلى تِلْكَ بِتَأْوِيلِ النَّبَأِ، فَيَكُونُ التَّذْكِيرُ بَعْدَ التَّأْنِيثِ شَبِيهًا بِالِالتِفاتِ.
ووَجْهُ تَفْرِيعِ أمْرِ الرَّسُولِ بِالصَّبْرِ عَلى هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ فِيها قِياسَ حالِهِ مَعَ قَوْمِهِ عَلى حالِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ، فَكَما صَبَرَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكانَتِ العاقِبَةُ لَهُ كَذَلِكَ تَكُونُ العاقِبَةُ لَكَ عَلى قَوْمِكَ. وخَبَرُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسْتَفادٌ مِمّا حُكِيَ مِن مُقاوَمَةِ قَوْمِهِ ومِن ثَباتِهِ عَلى دَعْوَتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الثَّباتَ مَعَ تِلْكَ المُقاوَمَةِ مِن مُسَمّى الصَّبْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيِ اصْبِرْ لِأنَّ داعِيَ الصَّبْرِ قائِمٌ وهو أنَّ العاقِبَةَ الحَسَنَةَ تَكُونُ لِلْمُتَّقِينَ، فَسَتَكُونُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ مَعَكَ.
والعاقِبَةُ: الحالَةُ الَّتِي تَعْقُبُ حالَةً أُخْرى. وقَدْ شاعَتْ عِنْدَ الإطْلاقِ في حالَةِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]
والتَّعْرِيفُ في العاقِبَةِ لِلْجِنْسِ.
واللّامُ في لِلْمُتَّقِينَ لِلِاخْتِصاصِ والمِلْكِ، فَيَقْتَضِي مِلْكَ المُتَّقِينَ لِجِنْسِ العاقِبَةِ الحَسَنَةِ، فَهي ثابِتَةٌ لَهم لا تَفُوتُهم وهي مُنْتَفِيَةٌ عَنْ أضْدادِهِمْ.
هود 11:50
صفحة ٩٤
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.
ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)
ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.
وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.
صفحة ٩٥
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.
والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.
ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آنِفًا.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما مَضى مِنهم مِنَ الشِّرْكِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ تَرْكِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ لِأنَّ اسْتِغْفارَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ
صفحة ٩٦
بِوُجُودِهِ ويَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَ المُسْتَغْفِرِ بِذَنْبٍ في جانِبِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ قَبْلَ مَجِيءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ غَيْرَ ذَنْبِ الإشْراكِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْعٌ مِن قَبْلُ. وأمّا ذَنْبُ الإشْراكِ فَهو مُتَقَرِّرٌ مِنَ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ جَمِيعِها فَكانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكانَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ جامِعًا لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي تَصْرِيحًا وتَكْنِيَةً.
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ. وفي ماهِيَّةِ التَّوْبَةِ العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَيَئُولُ إلى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الإشْراكِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الدَّوامَ عَلى الإقْلاعِ أهَمُّ مِن طَلَبِ العَفْوِ عَمّا سَلَفَ.
و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ مِنِ اسْتَغْفِرُوا
والإرْسالُ: بَعْثٌ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَأطْلَقَ الإرْسالَ عَلى نُزُولِ المَطَرِ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَشُبِّهَ بِإرْسالِ شَيْءٍ مِن مَكانِ المُرْسِلِ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِ.
والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ. وفي الحَدِيثِ ”«خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أثَرِ سَماءٍ» “ .
و(مِدْرارًا) حالٌ مِنَ السَّماءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدُّرُورِ وهو الصَّبُّ، أيْ غَزِيرًا. جَعَلَ جَزاءَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إمْدادَهم بِالمَطَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانَتْ عادٌ أهْلَ زَرْعٍ وكُرُومٍ فَكانُوا بِحاجَةٍ إلى الماءِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ. والأظْهَرُ أنَّ اللَّهَ أمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ فَتَناقَصَ نَسْلُهم ورِزْقُهم جَزاءً عَلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُرْسِلِ السَّماءَ وعْدًا وتَنْبِيهًا عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ دِيارُهم مِن حَضْرَمَوْتَ إلى الأحْقافِ مُدُنًا وحُلَلًا وقِبابًا.
وكانُوا أيْضًا مُعْجَبِينَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِمْ وقالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لَهم جَزاءً عَلى تَرْكِ الشِّرْكِ زِيادَةَ قُوَّتِهِمْ بِكَثْرَةِ العَدَدِ وصِحَّةِ الأجْسامِ وسِعَةِ
صفحة ٩٧
الأرْزاقِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لِلْأُمَّةِ يَجْعَلُها في غِنًى عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى وقادِرَةً عَلى حِفْظِ اسْتِقْلالِها ويَجْعَلُ أُمَمًا كَثِيرَةً تَحْتاجُ إلَيْها.
و(إلى قُوَّتِكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَزِدْكم) . وإنَّما عُدِّيَ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَضُمُّ. وهَذا وعْدٌ لَهم بِصَلاحِ الحالِ في الدُّنْيا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ. وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ.
ومُجْرِمِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَتَوَلَّوْا أيْ مُتَّصِفِينَ بِالإجْرامِ، وهو الإعْراضُ عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:51
صفحة ٩٤
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.
ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)
ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.
وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.
صفحة ٩٥
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.
والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.
ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آنِفًا.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما مَضى مِنهم مِنَ الشِّرْكِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ تَرْكِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ لِأنَّ اسْتِغْفارَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ
صفحة ٩٦
بِوُجُودِهِ ويَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَ المُسْتَغْفِرِ بِذَنْبٍ في جانِبِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ قَبْلَ مَجِيءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ غَيْرَ ذَنْبِ الإشْراكِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْعٌ مِن قَبْلُ. وأمّا ذَنْبُ الإشْراكِ فَهو مُتَقَرِّرٌ مِنَ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ جَمِيعِها فَكانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكانَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ جامِعًا لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي تَصْرِيحًا وتَكْنِيَةً.
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ. وفي ماهِيَّةِ التَّوْبَةِ العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَيَئُولُ إلى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الإشْراكِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الدَّوامَ عَلى الإقْلاعِ أهَمُّ مِن طَلَبِ العَفْوِ عَمّا سَلَفَ.
و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ مِنِ اسْتَغْفِرُوا
والإرْسالُ: بَعْثٌ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَأطْلَقَ الإرْسالَ عَلى نُزُولِ المَطَرِ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَشُبِّهَ بِإرْسالِ شَيْءٍ مِن مَكانِ المُرْسِلِ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِ.
والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ. وفي الحَدِيثِ ”«خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أثَرِ سَماءٍ» “ .
و(مِدْرارًا) حالٌ مِنَ السَّماءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدُّرُورِ وهو الصَّبُّ، أيْ غَزِيرًا. جَعَلَ جَزاءَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إمْدادَهم بِالمَطَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانَتْ عادٌ أهْلَ زَرْعٍ وكُرُومٍ فَكانُوا بِحاجَةٍ إلى الماءِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ. والأظْهَرُ أنَّ اللَّهَ أمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ فَتَناقَصَ نَسْلُهم ورِزْقُهم جَزاءً عَلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُرْسِلِ السَّماءَ وعْدًا وتَنْبِيهًا عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ دِيارُهم مِن حَضْرَمَوْتَ إلى الأحْقافِ مُدُنًا وحُلَلًا وقِبابًا.
وكانُوا أيْضًا مُعْجَبِينَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِمْ وقالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لَهم جَزاءً عَلى تَرْكِ الشِّرْكِ زِيادَةَ قُوَّتِهِمْ بِكَثْرَةِ العَدَدِ وصِحَّةِ الأجْسامِ وسِعَةِ
صفحة ٩٧
الأرْزاقِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لِلْأُمَّةِ يَجْعَلُها في غِنًى عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى وقادِرَةً عَلى حِفْظِ اسْتِقْلالِها ويَجْعَلُ أُمَمًا كَثِيرَةً تَحْتاجُ إلَيْها.
و(إلى قُوَّتِكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَزِدْكم) . وإنَّما عُدِّيَ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَضُمُّ. وهَذا وعْدٌ لَهم بِصَلاحِ الحالِ في الدُّنْيا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ. وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ.
ومُجْرِمِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَتَوَلَّوْا أيْ مُتَّصِفِينَ بِالإجْرامِ، وهو الإعْراضُ عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:52
صفحة ٩٤
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِيَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، فَعَطَفَ و(إلى عادٍ) عَلى (إلى قَوْمِهِ) . وعَطَفَ (أخاهم) عَلى (نُوحًا)، والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا. وهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَطْفَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ لا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّ الجارَّ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ، وقَضاءً لِحَقِّ الإيجازِ لِيُحْضَرَ ذِكْرُ عادٍ مَرَّتَيْنِ بِلَفْظِهِ ثُمَّ بِضَمِيرِهِ.
ووَصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ أخُو عادٍ لِأنَّهُ كانَ مِن نَسَبِهِمْ كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، أيْ يا عَرَبِيُّ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ وهُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (قالَ) مُبَيِّنَةٌ لِلْجُمْلَةِ المُقَدَّرَةِ وهي (أرْسَلْنا)
ووَجْهُ التَّصْرِيحِ بِفِعْلِ القَوْلِ لِأنَّ فِعْلَ (أرْسَلْنا) مَحْذُوفٌ، فَلَوْ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا﴾ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] لَكانَ بَيانًا لِمَعْدُومٍ وهو غَيْرُ جَلِيٍّ.
وافْتِتاحُ دَعْوَتِهِ بِنِداءِ قَوْمِهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِهِمْ إشارَةٌ إلى أهَمِّيَّةِ ما سَيُلْقِي إلَيْهِمْ.
صفحة ٩٥
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا أوْ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والإتْيانُ بِالحالِ لِاستِقْصادِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِأنَّهم أشْرَكُوا غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ في حالِ أنَّهم لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، أوْ في حالِ أنَّهُ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ. وذَلِكَ تَشْنِيعٌ لِلشِّرْكِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ تَوْبِيخٌ وإنْكارٌ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أيْ ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في ادِّعاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ إنْ كانَ قالَها مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَإعادَةُ النِّداءِ في أثْناءِ الكَلامِ تَكْرِيرٌ لِلْأهَمِّيَّةِ يُقْصَدُ بِهِ تَهْوِيلُ الأمْرِ واسْتِرْعاءُ السَّمْعِ اهْتِمامًا بِما يَسْتَسْمِعُونَهُ، والنِّداءُ هو الرّابِطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ وإنْ كانَتْ مَقُولَةً في وقْتٍ غَيْرِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ الجُمْلَةُ الأُولى، فَكَوْنُها ابْتِداءَ كَلامٍ ظاهِرٌ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ لا أسْألُكم أجْرًا عَلى ما قُلْتُهُ لَكم.
والتَّعْبِيرُ بِالمَوْصُولِ ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا يَسْألُهم عَلى الإرْشادِ أجْرًا بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي خَلَقَهُ يَسُوقُ إلَيْهِ رِزْقَهُ؛ لِأنَّ إظْهارَ المُتَكَلِّمِ عِلْمَهُ بِالأسْبابِ يُكْسِبُ كَلامَهُ عَلى المُسَبِّباتِ قُوَّةً وتَحْقِيقًا.
ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عاطِفَةً اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَعَقُّلِهِمْ، أيْ تَأمُّلِهِمْ في دَلالَةِ حالِهِ عَلى صِدْقِهِ فِيما يُبَلِّغُ ونُصْحِهِ لَهم فِيما يَأْمُرُهم. والعَقْلُ: العِلْمُ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ (ويا قَوْمِ) مِثْلَ نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آنِفًا.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ، أيْ طَلَبُ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما مَضى مِنهم مِنَ الشِّرْكِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ تَرْكِ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ لِأنَّ اسْتِغْفارَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ
صفحة ٩٦
بِوُجُودِهِ ويَسْتَلْزِمُ اعْتِرافَ المُسْتَغْفِرِ بِذَنْبٍ في جانِبِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ قَبْلَ مَجِيءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ غَيْرَ ذَنْبِ الإشْراكِ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرْعٌ مِن قَبْلُ. وأمّا ذَنْبُ الإشْراكِ فَهو مُتَقَرِّرٌ مِنَ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ جَمِيعِها فَكانَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكانَ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ جامِعًا لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي تَصْرِيحًا وتَكْنِيَةً.
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ في المُسْتَقْبَلِ والنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ. وفي ماهِيَّةِ التَّوْبَةِ العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى الذَّنْبِ فَيَئُولُ إلى الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الإشْراكِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الدَّوامَ عَلى الإقْلاعِ أهَمُّ مِن طَلَبِ العَفْوِ عَمّا سَلَفَ.
و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ جَوابُ الأمْرِ مِنِ اسْتَغْفِرُوا
والإرْسالُ: بَعْثٌ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ فَأطْلَقَ الإرْسالَ عَلى نُزُولِ المَطَرِ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَشُبِّهَ بِإرْسالِ شَيْءٍ مِن مَكانِ المُرْسِلِ إلى المَبْعُوثِ إلَيْهِ.
والسَّماءُ مِن أسْماءِ المَطَرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَصْدَرِهِ. وفي الحَدِيثِ ”«خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أثَرِ سَماءٍ» “ .
و(مِدْرارًا) حالٌ مِنَ السَّماءِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدُّرُورِ وهو الصَّبُّ، أيْ غَزِيرًا. جَعَلَ جَزاءَهم عَلى الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ إمْدادَهم بِالمَطَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانَتْ عادٌ أهْلَ زَرْعٍ وكُرُومٍ فَكانُوا بِحاجَةٍ إلى الماءِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ. والأظْهَرُ أنَّ اللَّهَ أمْسَكَ عَنْهُمُ المَطَرَ سِنِينَ فَتَناقَصَ نَسْلُهم ورِزْقُهم جَزاءً عَلى الشِّرْكِ بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: يُرْسِلِ السَّماءَ وعْدًا وتَنْبِيهًا عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانَتْ دِيارُهم مِن حَضْرَمَوْتَ إلى الأحْقافِ مُدُنًا وحُلَلًا وقِبابًا.
وكانُوا أيْضًا مُعْجَبِينَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِمْ وقالُوا ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ لَهم جَزاءً عَلى تَرْكِ الشِّرْكِ زِيادَةَ قُوَّتِهِمْ بِكَثْرَةِ العَدَدِ وصِحَّةِ الأجْسامِ وسِعَةِ
صفحة ٩٧
الأرْزاقِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لِلْأُمَّةِ يَجْعَلُها في غِنًى عَنِ الأُمَمِ الأُخْرى وقادِرَةً عَلى حِفْظِ اسْتِقْلالِها ويَجْعَلُ أُمَمًا كَثِيرَةً تَحْتاجُ إلَيْها.
و(إلى قُوَّتِكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَزِدْكم) . وإنَّما عُدِّيَ بِـ (إلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَضُمُّ. وهَذا وعْدٌ لَهم بِصَلاحِ الحالِ في الدُّنْيا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ.
والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ. وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الإعْراضِ.
ومُجْرِمِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ تَتَوَلَّوْا أيْ مُتَّصِفِينَ بِالإجْرامِ، وهو الإعْراضُ عَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
هود 11:53
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]
مُحاوَرَةٌ مِنهم لِهُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَوابٍ عَنْ دَعْوَتِهِ، ولِذَلِكَ جُرِّدَتِ الجُمْلَةُ عَنِ العاطِفِ.
وافْتِتاحُ كَلامِهِمْ بِالنِّداءِ يُشِيرُ إلى الِاهْتِمامِ بِما سَيَقُولُونَهُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَنَبَّهَ لَهُ لِأنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ لِغَفْلَتِهِ فَنادَوْهُ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الكِنائِيِّ أيْضًا. وقَدْ يَكُونُ مُرادًا مِنهُ مَعَ ذَلِكَ تَوْبِيخُهُ ولَوْمُهُ فَيَكُونُ كِنايَةً ثانِيَةً، أوِ اسْتِعْمالُ النِّداءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وقَوْلُهم ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بُهْتانٌ لِأنَّهُ أتاهم بِمُعْجِزاتٍ لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٥٩] وإنْ كانَ القُرْآنُ لَمْ يَذْكُرْ آيَةً مُعَيَّنَةً لِهُودٍ - عَلَيْهِ
صفحة ٩٨
السَّلامُ - . ولَعَلَّ آيَتَهُ أنَّهُ وعَدَهم عِنْدَ بِعْثَتِهِ بِوَفْرَةِ الأرْزاقِ والأوْلادِ واطِّرادِ الخِصْبِ وفْرَةً مُطَّرِدَةً لا تَنالُهم في خِلالِها نَكْبَةٌ ولا مُصِيبَةٌ بِحَيْثُ كانَتْ خارِقَةً لِعادَةِ النِّعْمَةِ في الأُمَمِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» الحَدِيثَ.
وإنَّما أرادُوا أنَّ البَيِّناتِ الَّتِي جاءَهم بِها هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ طِبْقًا لِمُقْتَرَحاتِهِمْ. وجَعَلُوا ذَلِكَ عِلَّةً لِتَصْمِيمِهِمْ عَلى عِبادَةِ آلِهَتِهِمْ فَقالُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ . ولَمْ يَجْعَلُوا ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾
وعَنْ في ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ لا نَتْرُكُها تَرْكًا صادِرًا عَنْ قَوْلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] . والمَعْنى عَلى أنْ يَكُونَ كَلامُهُ عِلَّةً لِتَرْكِهِمْ آلِهَتَهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ لِلسّامِعِ ومَن مَعَهُ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَقُولُوا إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَماذا تَعُدُّونَ دَعْوَتَهُ فِيكم، أيْ نَقُولُ إنَّكَ مَمْسُوسٌ مِن بَعْضِ آلِهَتِنا، وجَعَلُوا ذَلِكَ مِن فِعْلِ بَعْضِ الآلِهَةِ تَهْدِيدًا لِلنّاسِ بِأنَّهُ لَوْ تَصَدّى لَهُ جَمِيعُ الآلِهَةِ لَدَكُّوهُ دَكًّا.
والِاعْتِراءُ: النُّزُولُ والإصابَةُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أصابَكَ بِسُوءٍ. ولا شَكَّ أنَّهم يَعْنُونَ أنَّ آلِهَتَهم أصابَتْهُ بِمَسٍّ مِن قَبْلِ أنْ يَقُومَ بِدَعْوَةِ رَفْضِ عِبادَتِها لِسَبَبٍ آخَرَ، وهو كَلامٌ غَيْرُ جارٍ عَلى انْتِظامِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّهُ كَلامٌ مُلَفَّقٌ مِن نَوْعِ ما يَصْدُرُ عَنِ السُّفِسْطائِيِّينَ، فَجَعَلُوهُ مَجْنُونًا وجَعَلُوا سَبَبَ جُنُونِهِ مَسًّا مِن آلِهَتِهِمْ، ولِمَ يَتَفَطَّنُوا إلى دَخَلِ كَلامِهِمْ وهو أنَّ الآلِهَةَ كَيْفَ تَكُونُ سَبَبًا في إثارَةِ ثائِرٍ عَلَيْها.
صفحة ٩٩
والقَوْلُ مُسْتَعْمَلٌ في المَقُولِ اللِّسانِيِّ، وهو يَقْتَضِي اعْتِقادَهم ما يَقُولُونَهُ.
هود 11:54
﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.
وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.
والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.
وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ في مَحَلِّ صِفَةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أوْ حالٍ مِنهُ، والغَرَضُ مِنها مِثْلُ الغَرَضِ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
والأخْذُ: الإمْساكُ.
والنّاصِيَةُ: ما انْسَدَلَ عَلى الجَبْهَةِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلتَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا بِهَيْئَةِ إمْساكِ الإنْسانِ مِن ناصِيَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ بِيَدِ آخِذِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا. وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا لِأنَّ دَوابَّ كَثِيرَةً لا نَواصِيَ لَها فَلا يَلْتَئِمُ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ مَعَ عُمُومِ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾، ولَكِنَّهُ لَمّا صارَ مَثَلًا
صفحة ١٠١
صارَ بِمَنزِلَةِ: ما مِن دابَّةٍ إلّا هو مُتَصَرِّفٌ فِيها. ومِن بَدِيعِ هَذا المَثَلِ أنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِالنَّوْعِ المَقْصُودِ مِن بَيْنِ عُمُومِ الدَّوابِّ، وهو نَوْعُ الإنْسانِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المالِكُ القاهِرُ لِجَمِيعِ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، فَكَوْنُهُ مالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَفُوتَهُ أحَدٌ مِنهم، وكَوْنُهُ قاهِرًا لَهم يَقْتَضِي أنْ لا يُعْجِزَهُ أحَدٌ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أهْلٌ لِتَوَكُّلِي عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِإجْراءِ أفْعالِهِ عَلى طَرِيقِ العَدْلِ والتَّأْيِيدِ لِرُسُلِهِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ المَعْنَوِيِّ، وهو الِاتِّصافُ الرّاسِخُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارٌ لِلْفِعْلِ الجارِي عَلى مُقْتَضى العَدْلِ والحِكْمَةِ لِأنَّ العَدْلَ يُشَبَّهُ بِالِاسْتِقامَةِ والسَّواءِ. قالَ - تَعالى: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . فَلا جَرَمَ لا يُسْلِمُ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لِلظّالِمِينَ.
هود 11:55
﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.
وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.
والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.
وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ في مَحَلِّ صِفَةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أوْ حالٍ مِنهُ، والغَرَضُ مِنها مِثْلُ الغَرَضِ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
والأخْذُ: الإمْساكُ.
والنّاصِيَةُ: ما انْسَدَلَ عَلى الجَبْهَةِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلتَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا بِهَيْئَةِ إمْساكِ الإنْسانِ مِن ناصِيَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ بِيَدِ آخِذِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا. وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا لِأنَّ دَوابَّ كَثِيرَةً لا نَواصِيَ لَها فَلا يَلْتَئِمُ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ مَعَ عُمُومِ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾، ولَكِنَّهُ لَمّا صارَ مَثَلًا
صفحة ١٠١
صارَ بِمَنزِلَةِ: ما مِن دابَّةٍ إلّا هو مُتَصَرِّفٌ فِيها. ومِن بَدِيعِ هَذا المَثَلِ أنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِالنَّوْعِ المَقْصُودِ مِن بَيْنِ عُمُومِ الدَّوابِّ، وهو نَوْعُ الإنْسانِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المالِكُ القاهِرُ لِجَمِيعِ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، فَكَوْنُهُ مالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَفُوتَهُ أحَدٌ مِنهم، وكَوْنُهُ قاهِرًا لَهم يَقْتَضِي أنْ لا يُعْجِزَهُ أحَدٌ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أهْلٌ لِتَوَكُّلِي عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِإجْراءِ أفْعالِهِ عَلى طَرِيقِ العَدْلِ والتَّأْيِيدِ لِرُسُلِهِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ المَعْنَوِيِّ، وهو الِاتِّصافُ الرّاسِخُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارٌ لِلْفِعْلِ الجارِي عَلى مُقْتَضى العَدْلِ والحِكْمَةِ لِأنَّ العَدْلَ يُشَبَّهُ بِالِاسْتِقامَةِ والسَّواءِ. قالَ - تَعالى: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . فَلا جَرَمَ لا يُسْلِمُ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لِلظّالِمِينَ.
هود 11:56
﴿قالَ إنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو ءاخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
لَمّا جاءُوا في كَلامِهِمْ بِرَفْضِ ما دَعاهم إلَيْهِ وبِجَحْدِ آياتِهِ وبِتَصْمِيمِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ وبِالتَّنْوِيهِ بِتَصَرُّفِ آلِهَتِهِمْ أجابَهم هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أبْلَغَهم وأنَّهم كابَرُوا وجَحَدُوا آياتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إنْشاءٌ لِإشْهادِ اللَّهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ لِأنَّ كُلَّ إنْشاءٍ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ في الخَلْقِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بِصِيغَةِ الخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن قَصْدِ إعْلامِ السّامِعِ بِما يُضْمِرُهُ المُتَكَلِّمُ، ولِذَلِكَ كانَ مَعْنى صِيَغِ العُقُودِ إنْشاءً بِلَفْظِ الخَبَرِ. ثُمَّ حَمَّلَهم شَهادَةً لَهُ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِن شُرَكائِهِمْ مُبادَرَةً بِإنْكارِ المُنْكَرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أتَوْا بِهِ اسْتِطْرادًا، فَلِذَلِكَ كانَ تَعَرُّضُهُ لِإبْطالِهِ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ وجُمْلَةِ فَإنْ تَوَلَّوْا بِناءً عَلى أنَّ جُمْلَةَ فَإنْ تَوَلَّوْا إلى آخِرِها مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسَيَأْتِي. ومَعْنى إشْهادِهِ فَيُرادُ مِن شُرَكائِهِمْ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ عَلى أمْرٍ جازِمٍ قَدْ أوْجَبَهُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلى نَفْسِهِ. وأتى في إشْهادِهِمْ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّهُ أرادَ مِزاجَةَ إنْشاءِ الإشْهادِ دُونَ رائِحَةِ مَعْنى الإخْبارِ.
و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مَوْصُولَةٌ. والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: مِمّا يُشْرِكُونَهُ.
وماصَدَقُ المَوْصُولِ الأصْنامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ المُؤَكَّدِ في
صفحة ١٠٠
قَوْلِهِ: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . ولَمّا كانَتِ البَراءَةُ مِنَ الشُّرَكاءِ تَقْتَضِي اعْتِقادَ عَجْزِها عَنْ إلْحاقِ إضْرارٍ بِهِ فَرَّعَ عَلى البَراءَةِ جُمْلَةَ ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ . وجَعَلَ الخِطابَ لِقَوْمِهِ لِئَلّا يَكُونَ خِطابُهُ لِما لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، فَأمَرَ قَوْمَهُ بِأنْ يَكِيدُوهُ. وأدْخَلَ في ضَمِيرِ الكائِدِينَ أصْنامَهم مُجاراةً لِاعْتِقادِهِمْ واسْتِقْصاءً لِتَعْجِيزِهِمْ، أيْ أنْتُمْ وأصْنامُكم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ عَلى البَراءَةِ مِن أصْنامِهِمْ.
والأمْرُ بـِ كِيدُونِي مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأصْنامِ وبِالنِّسْبَةِ لِقَوْمِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] . وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ تَحَدّاهم بِأنْ يَكِيدُوهُ ثُمَّ ارْتَقى في رُتْبَةِ التَّعْجِيزِ والِاحْتِقارِ فَنَهاهم عَنِ التَّأْخِيرِ بِكَيْدِهِمْ إيّاهُ، وذَلِكَ نِهايَةُ الِاسْتِخْفافِ بِأصْنامِهِمْ وبِهِمْ وكِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ لا يَصِلُونَ إلى ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ فَكِيدُونِي وهو التَّعْجِيزُ والِاحْتِقارُ. يَعْنِي: أنَّهُ واثِقٌ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كَيْدِهِ لِأنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ. فَهَذا مَعْنًى دِينِيٌّ قَدِيمٌ.
وأُجْرِيَ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ اسْتِدْلالًا عَلى صِحَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ في دَفْعِ ضُرِّهِمْ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهم جَمِيعًا يَدْفَعُ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وجُمْلَةُ ﴿ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ في مَحَلِّ صِفَةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ، أوْ حالٍ مِنهُ، والغَرَضُ مِنها مِثْلُ الغَرَضِ مِن صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ.
والأخْذُ: الإمْساكُ.
والنّاصِيَةُ: ما انْسَدَلَ عَلى الجَبْهَةِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلتَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا بِهَيْئَةِ إمْساكِ الإنْسانِ مِن ناصِيَتِهِ حَيْثُ يَكُونُ رَأْسُهُ بِيَدِ آخِذِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ انْفِلاتًا. وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا لِأنَّ دَوابَّ كَثِيرَةً لا نَواصِيَ لَها فَلا يَلْتَئِمُ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ مَعَ عُمُومِ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾، ولَكِنَّهُ لَمّا صارَ مَثَلًا
صفحة ١٠١
صارَ بِمَنزِلَةِ: ما مِن دابَّةٍ إلّا هو مُتَصَرِّفٌ فِيها. ومِن بَدِيعِ هَذا المَثَلِ أنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِالنَّوْعِ المَقْصُودِ مِن بَيْنِ عُمُومِ الدَّوابِّ، وهو نَوْعُ الإنْسانِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المالِكُ القاهِرُ لِجَمِيعِ ما يَدِبُّ عَلى الأرْضِ، فَكَوْنُهُ مالِكًا لِلْكُلِّ يَقْتَضِي أنْ لا يَفُوتَهُ أحَدٌ مِنهم، وكَوْنُهُ قاهِرًا لَهم يَقْتَضِي أنْ لا يُعْجِزَهُ أحَدٌ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ أهْلٌ لِتَوَكُّلِي عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِإجْراءِ أفْعالِهِ عَلى طَرِيقِ العَدْلِ والتَّأْيِيدِ لِرُسُلِهِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ المَعْنَوِيِّ، وهو الِاتِّصافُ الرّاسِخُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مُسْتَعارٌ لِلْفِعْلِ الجارِي عَلى مُقْتَضى العَدْلِ والحِكْمَةِ لِأنَّ العَدْلَ يُشَبَّهُ بِالِاسْتِقامَةِ والسَّواءِ. قالَ - تَعالى: ﴿فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] . فَلا جَرَمَ لا يُسْلِمُ المُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ لِلظّالِمِينَ.
هود 11:57
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءِ حَفِيظٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] . وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أوْجَبَهُ قَصْدُ المُبادَرَةِ بِإبْطالِ باطِلِهِمْ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ [هود: ٥٤] بِناءً عَلى أنَّ هَذا مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ أصْلُ تَوَلَّوْا تَتَوَلَّوْا فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ اخْتِصارًا، فَهو مُضارِعٌ، وهو خِطابُ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ، وهو ظاهِرُ إجْراءِ الضَّمائِرِ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ.
صفحة ١٠٢
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، والواوُ لِأهْلِ مَكَّةَ فَيَكُونُ كالِاعْتِراضِ في أجْزاءِ القِصَّةِ لِقَصْدِ العِبْرَةِ بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ الواقِعِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ [هود: ٣٥] الآيَةَ. خاطَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم قَدْ أبْلَغْتُكم. والفاءُ الأُولى لِتَفْرِيعِ الِاعْتِبارِ عَلى المَوْعِظَةِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ مَقُولَ قَوْلٍ مَأْمُورٍ بِهِ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والتَّقْدِيرُ: فَقُلْ قَدْ أبْلَغْتُكم. وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ الكَلامِ المُوَجَّهِ المُحْتَمَلِ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَخالِفَيْنِ، وهو مِن بَدِيعِ أسالِيبِ الإعْجازِ، ولِأجَلِهِ جاءَ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) بِتاءٍ واحِدَةٍ بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، في سُورَةِ النِّساءِ.
وجُعِلَ جَوابُ شَرْطِ التَّوَلِّي قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾ مَعَ أنَّ الإبْلاغَ سابِقٌ عَلى التَّوَلِّي المَجْعُولِ شَرْطًا لِأنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الجَوابِ هو لازِمُ ذَلِكَ الإبْلاغِ، وهو انْتِفاءُ تَبِعَةِ تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ وبَراءَتِهِ مِن جُرْمِهِمْ لِأنَّهُ أدّى ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الإبْلاغِ، فَإنْ كانَ مِن كَلامِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَـ ﴿ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ هو ما تَقَدَّمَ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ النَّبِيِّ ﷺ فَما أُرْسِلَ بِهِ هو المَوْعِظَةُ بِقِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الإنْذارِ بِتَبِعَةِ التَّوَلِّي عَلَيْهِمْ ونُزُولِ العِقابِ بِهِمْ، ولِذَلِكَ عَطَفَ ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أيْ يُزِيلُكم ويُخْلِفُكم بِقَوْمٍ آخَرِينَ لا يَتَوَلَّوْنَ عَنْ رَسُولِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]
وارْتِفاعُ (يَسْتَخْلِفُ) في قِراءَةِ الكافَّةِ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجَوابِ مُجازٌ فِيهِ الرَّفْعُ والجَزْمُ. وإنَّما كانَ الرَّفْعُ هُنا أرْجَحَ لِإعْطاءِ الفِعْلِ حُكْمَ الكَلامِ
صفحة ١٠٣
المُسْتَأْنَفِ لِيَكُونَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ لا تَبَعًا لِلْجَوابِ، فَبِذَلِكَ يَكُونُ مَقْصُودًا بِهِ إخْبارُهم لِإنْذارِهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.
وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ والمُرادُ لا تَضُرُّونَ اللَّهَ بِتَوَلِّيكم شَيْئًا. و(شَيْئًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ (تَضُرُّونَهُ) المَنفِيِّ.
وتَنْكِيرُهُ لِلتَّقْلِيلِ كَما هو شَأْنُ تَنْكِيرِ لَفْظِ الشَّيْءِ غالِبًا. والمَقْصُودُ مِنَ التَّأْكِيدِ التَّنْصِيصُ عَلى العُمُومِ بِنَفْيِ الضُّرِّ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ، أيْ فاللَّهُ يُلْحِقُ بِكُمُ الِاسْتِئْصالُ، وهو أعْظَمُ الضُّرِّ، ولا تَضُرُّونَهُ أقَلَّ ضُرٍّ؛ فَإنَّ المَعْرُوفَ في المُقارَعاتِ والخُصُوماتِ أنَّ الغالِبَ المُضِرَّ بِعَدُّوِهِ لا يَخْلُو مِن أنْ يَلْحَقَهُ بَعْضَ الضُّرِّ مِن جَرّاءِ المُقارَعَةِ والمُحارَبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ فَمُوقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.
والحَفِيظُ: أصْلُهُ مُبالَغَةُ الحافِظِ، وهو الَّذِي يَضَعُ المَحْفُوظَ في حَيْثُ لا يَنالُهُ أحَدٌ غَيْرُ حافِظِهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقَهْرِ.
هود 11:58
﴿ولَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾
اسْتِعْمالُ الماضِي في قَوْلِهِ: جاءَ أمْرُنا بِمَعْنى اقْتِرابِ المَجِيءِ لِأنَّ الإنْجاءَ كانَ قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ.
والأمْرُ أُطْلِقَ عَلى أثَرِ الأمْرِ، وهو ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أمْرَ تَكْوِينٍ، أيْ لَمّا اقْتَرَبَ مَجِيءُ أثَرِ أمْرِنا، وهو العَذابُ، أيِ الرِّيحُ العَظِيمُ.
صفحة ١٠٤
ومُتَعَلِّقُ (نَجَّيْنا) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، أيْ مِنَ العَذابِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . وكَيْفِيَّةُ إنْجاءِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ.
والباءُ في ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَكانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ بِهِمْ سَبَبًا في نَجاتِهِمْ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْحَمْهم لِشَمِلَهُمُ الِاسْتِئْصالُ فَكانَ نِقْمَةً لِلْكافِرِينَ وبَلْوًى لِلْمُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ . والتَّقْدِيرُ وأيْضًا نَجَّيْناهم مِن عَذابٍ شَدِيدٍ وهو الإنْجاءُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ وهو العَذابُ الغَلِيظُ. فَفي هَذا مِنَّةٌ ثانِيَةٌ عَلى إنْجاءٍ ثانٍ، أيْ نَجَّيْناهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ فِعْلَ (نَجَّيْناهم) عَلى (نَجَّيْنا)، وهَذانِ الإنْجاءانِ يُقابِلانِ جَمْعَ العَذابَيْنِ لِعادٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠] . وقَدْ ذُكِرَ هُنا مُتَعَلِّقُ الإنْجاءِ وحُذِفَ السَّبَبُ عَكْسُ ما في الجُمْلَةِ الأوْلى لِظُهُورِ أنَّ الإنْجاءَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ كانَ بِسَبَبِ الإيمانِ وطاعَةِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]
والغَلِيظُ حَقِيقَتُهُ: الخَشِنُ ضِدُّ الرَّقِيقِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ. واسْتَعْمَلَ الماضِي في ونَجَّيْناهم في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الوَعْدِ بِوُقُوعِهِ.
هود 11:59
﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾
الإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَدِيثِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الحِسِّ والمُشاهَدَةِ. كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ [الأعراف: ١٠١]
صفحة ١٠٥
وكَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو أيْضًا مِثْلُهُ في أنَّ الإتْيانَ بِهِ عَقِبَ الأخْبارِ الماضِيَةِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَأْتِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ الأُمَّةِ.
و(عادٌ) بَيانٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ.
وجُمْلَةُ جَحَدُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهو وما بَعْدَهُ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ التَّمْهِيدِ بِالأجْرامِ السّابِقَةِ، وهو الَّذِي اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَمْعِ العَذابَيْنِ لَهم.
والجَحْدُ: الإنْكارُ الشَّدِيدُ، مِثْلَ إنْكارِ الواقِعاتِ والمُشاهَداتِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هُودًا أتاهم بِآياتٍ فَأنْكَرُوا دَلالَتَها. وعُدِّيَ جَحَدُوا بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَفَرُوا فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قِيلَ: جَحَدُوا آياتِ رَبِّهِمْ وكَفَرُوا بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]
وجَمَعَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وإنَّما عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا، وهو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ فَناسَبَ أنْ يُناطَ الجُرْمُ بِعِصْيانِ جِنْسِ الرُّسُلِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم هُودًا لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِشَخْصِهِ لِأنَّهم قالُوا لَهُ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، فَكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بِأمْرِ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَهم مُكَذِّبُونَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]
ومَعْنى اتِّباعِ الأمْرِ: طاعَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فالِاتِّباعُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِما يُمْلى عَلى المُتَّبِعِ؛ لِأنَّ الأمَرَ يُشْبِهُ الهادِيَ لِلسّائِرِ في الطَّرِيقِ، والمُمْتَثِلَ يُشْبِهُ المُتَّبِعَ لِلسّائِرِ.
صفحة ١٠٦
والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. والعَنِيدُ: مُبالَغَةٌ في المُعانَدَةِ، يُقالُ: عَنَدَ - مُثَلَّثُ النُّونِ - إذا طَغى، ومَن كانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، والعُنُودُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ ولا يَدْعُو إلّا إلى باطِلٍ، فَدَلَّ اتِّباعُهم أمْرَ الجَبابِرَةِ المُعانِدِينَ عَلى أنَّهم أطاعُوا دُعاةَ الكُفْرِ والضَّلالِ والظُّلْمِ.
وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِن قَوْمِهِمْ فالعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جِنْسُ الجَبابِرَةِ فَـ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي
ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ.
وإتْباعُ اللَّعْنَةِ إيّاهم مُسْتَعارٌ لِإصابَتِها إيّاهم إصابَةً عاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَما يُتْبَعُ الماشِي بِمَن يَلْحَقُهُ. ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ حُسْنًا ما فِيها مِنَ المُشاكَلَةِ ومِن مُماثَلَةِ العِقابِ لِلْجُرْمِ لِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا المَلْعُونِينَ فَأُتْبِعُوا بِاللَّعْنَةِ.
وبُنِيَ فِعْلُ (أُتْبِعُوا) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِ الفاعِلِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى اللَّعْنَةِ مَعَ اسْتِيفائِهِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَجازِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إتْباعَها لَهم كانَ بِأمْرٍ فاعِلٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَبِعَتْهم عِقابًا مِنَ اللَّهِ لا مُجَرَّدَ مُصادَفَةٍ.
واللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ.
وقَرَنَ الدُّنْيا بِاسْمِ الإشارَةِ لِقَصْدِ تَهْوِينِ أمْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى لَعْنَةِ الآخِرَةِ، كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتّى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً ∗∗∗ لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
أوْمَأ إلى أنَّهُ لا يَكْتَرِثُ بِالمَوْتِ ولا يَهابُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَبَرِ ومُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ بِجُمْلَةِ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ لِيَعْتَبِرُوا بِما أصابَ عادًا.
صفحة ١٠٧
وعُدِّيَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بِدُونِ حَرْفِ الجَرِّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى عَصَوْا في مُقابَلَةِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، أوْ لِأنَّ المُرادَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ لِأنَّ مادَّةَ الكُفْرِ لا تَتَعَدّى إلى الذّاتِ وإنَّما تَتَعَدّى إلى أمْرٍ مَعْنَوِيٍّ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِإنْشاءِ ذَمٍّ لَهم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) عِنْدَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
و(قَوْمِ هُودٍ) بَيانٌ لِـ (عادٍ) أوْ وصْفٌ لِـ (عادٍ) بِاعْتِبارِ ما في لَفْظِ قَوْمٍ مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ الإيماءُ إلى أنَّ لَهُ أثَرًا في الذَّمِّ بِإعْراضِهِمْ عَنْ طاعَةِ رَسُولِهِمْ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ ذِكْرُهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ عادٍ أُخْرى وهم إرَمُ كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ في العَرَبِ عادٌ غَيْرُ قَوْمِ هُودٍ وهم إرَمُ، قالَ - تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]
هود 11:60
﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾
الإشارَةُ بِـ (تِلْكَ) إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحَدِيثِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ حاضِرٌ في الحِسِّ والمُشاهَدَةِ. كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ [الأعراف: ١٠١]
صفحة ١٠٥
وكَقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، وهو أيْضًا مِثْلُهُ في أنَّ الإتْيانَ بِهِ عَقِبَ الأخْبارِ الماضِيَةِ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَأْتِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الخَبَرِ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ بِتَأْوِيلِ الأُمَّةِ.
و(عادٌ) بَيانٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ.
وجُمْلَةُ جَحَدُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وهو وما بَعْدَهُ تَمْهِيدٌ لِلْمَعْطُوفِ وهو ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ التَّمْهِيدِ بِالأجْرامِ السّابِقَةِ، وهو الَّذِي اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ جَمْعِ العَذابَيْنِ لَهم.
والجَحْدُ: الإنْكارُ الشَّدِيدُ، مِثْلَ إنْكارِ الواقِعاتِ والمُشاهَداتِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هُودًا أتاهم بِآياتٍ فَأنْكَرُوا دَلالَتَها. وعُدِّيَ جَحَدُوا بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ، أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَفَرُوا فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ما لَوْ قِيلَ: جَحَدُوا آياتِ رَبِّهِمْ وكَفَرُوا بِها، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]
وجَمَعَ الرُّسُلَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ وإنَّما عَصَوْا رَسُولًا واحِدًا، وهو هُودٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُرادَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ فَناسَبَ أنْ يُناطَ الجُرْمُ بِعِصْيانِ جِنْسِ الرُّسُلِ لِأنَّ تَكْذِيبَهم هُودًا لَمْ يَكُنْ خاصًّا بِشَخْصِهِ لِأنَّهم قالُوا لَهُ ﴿وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣]، فَكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بِأمْرِ تَرْكِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَهم مُكَذِّبُونَ بِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]
ومَعْنى اتِّباعِ الأمْرِ: طاعَةُ ما يَأْمُرُهم بِهِ، فالِاتِّباعُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِما يُمْلى عَلى المُتَّبِعِ؛ لِأنَّ الأمَرَ يُشْبِهُ الهادِيَ لِلسّائِرِ في الطَّرِيقِ، والمُمْتَثِلَ يُشْبِهُ المُتَّبِعَ لِلسّائِرِ.
صفحة ١٠٦
والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. والعَنِيدُ: مُبالَغَةٌ في المُعانَدَةِ، يُقالُ: عَنَدَ - مُثَلَّثُ النُّونِ - إذا طَغى، ومَن كانَ خُلُقُهُ التَّجَبُّرُ، والعُنُودُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ ولا يَدْعُو إلّا إلى باطِلٍ، فَدَلَّ اتِّباعُهم أمْرَ الجَبابِرَةِ المُعانِدِينَ عَلى أنَّهم أطاعُوا دُعاةَ الكُفْرِ والضَّلالِ والظُّلْمِ.
وكُلٌّ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَإنْ أُرِيدَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِن قَوْمِهِمْ فالعُمُومُ حَقِيقِيٌّ، وإنْ أُرِيدَ جِنْسُ الجَبابِرَةِ فَـ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي
ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ.
وإتْباعُ اللَّعْنَةِ إيّاهم مُسْتَعارٌ لِإصابَتِها إيّاهم إصابَةً عاجِلَةً دُونَ تَأْخِيرٍ كَما يُتْبَعُ الماشِي بِمَن يَلْحَقُهُ. ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ حُسْنًا ما فِيها مِنَ المُشاكَلَةِ ومِن مُماثَلَةِ العِقابِ لِلْجُرْمِ لِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا المَلْعُونِينَ فَأُتْبِعُوا بِاللَّعْنَةِ.
وبُنِيَ فِعْلُ (أُتْبِعُوا) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ في بَيانِ الفاعِلِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى اللَّعْنَةِ مَعَ اسْتِيفائِهِ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَجازِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ إتْباعَها لَهم كانَ بِأمْرٍ فاعِلٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَبِعَتْهم عِقابًا مِنَ اللَّهِ لا مُجَرَّدَ مُصادَفَةٍ.
واللَّعْنَةُ: الطَّرْدُ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ.
وقَرَنَ الدُّنْيا بِاسْمِ الإشارَةِ لِقَصْدِ تَهْوِينِ أمْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى لَعْنَةِ الآخِرَةِ، كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتّى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً ∗∗∗ لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
أوْمَأ إلى أنَّهُ لا يَكْتَرِثُ بِالمَوْتِ ولا يَهابُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ افْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَبَرِ ومُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ بِجُمْلَةِ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ لِيَعْتَبِرُوا بِما أصابَ عادًا.
صفحة ١٠٧
وعُدِّيَ ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بِدُونِ حَرْفِ الجَرِّ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى عَصَوْا في مُقابَلَةِ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، أوْ لِأنَّ المُرادَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ نِعْمَةُ رَبِّهِمْ لِأنَّ مادَّةَ الكُفْرِ لا تَتَعَدّى إلى الذّاتِ وإنَّما تَتَعَدّى إلى أمْرٍ مَعْنَوِيٍّ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِإنْشاءِ ذَمٍّ لَهم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) عِنْدَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
و(قَوْمِ هُودٍ) بَيانٌ لِـ (عادٍ) أوْ وصْفٌ لِـ (عادٍ) بِاعْتِبارِ ما في لَفْظِ قَوْمٍ مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ الإيماءُ إلى أنَّ لَهُ أثَرًا في الذَّمِّ بِإعْراضِهِمْ عَنْ طاعَةِ رَسُولِهِمْ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ ذِكْرُهُ لِلِاحْتِرازِ عَنْ عادٍ أُخْرى وهم إرَمُ كَما جَوَّزَهُ صاحِبُ الكَشّافِ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ في العَرَبِ عادٌ غَيْرُ قَوْمِ هُودٍ وهم إرَمُ، قالَ - تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧]
هود 11:61
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهِ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾
قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ إلى قَوْلِهِ (غَيْرُهُ) الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [هود: ٥٠] إلَخْ.
وذِكْرُ ثَمُودَ وصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وثَمُودُ اسْمُ جَدٍّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ، وكَأنَّهم كانُوا مِثْلَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ لا يَدَّعُونَ لِأصْنامِهِمْ خَلْقًا ولا رِزْقًا، فَلِذَلِكَ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ناهِضَةً واضِحَةً.
صفحة ١٠٨
والإنْشاءُ: الإيجادُ والإحْداثُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] في الأنْعامِ.
وجَعَلَ الخَبَرَيْنِ عَنِ الضَّمِيرِ فِعْلَيْنِ دُونَ: هو مُنْشِئُكم ومُسْتَعْمِرُكم لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لَمْ يُنْشِئْكم مِنَ الأرْضِ إلّا هو ولَمْ يَسْتَعْمِرْكم فِيها غَيْرُهُ.
والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ خَلْقُ آدَمَ مِنَ الأرْضِ لِأنَّ إنْشاءَهُ إنْشاءٌ لِنَسْلِهِ، وإنَّما ذُكِرَ تَعَلُّقُ خَلْقِهِمْ بِالأرْضِ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ غَرْسٍ وزَرْعٍ، كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿أتُتْرَكُونَ فِيما هاهُنا آمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٦] ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٤٧] وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمْ ولِأنَّهم كانُوا يَنْحِتُونَ مِن جِبالِ الأرْضِ بُيُوتًا ويَبْنُونَ في الأرْضِ قُصُورًا، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا﴾ [الأعراف: ٧٤]، فَكانَتْ لَهم مَنافِعُ مِنَ الأرْضِ تُناسِبُ نِعْمَةَ إنْشائِهِمْ مِنَ الأرْضِ فَلِأجْلِ مَنافِعِهِمْ في الأرْضِ قُيِّدَتْ نِعْمَةُ الخَلْقِ بِأنَّها مِنَ الأرْضِ الَّتِي أُنْشِئُوا مِنها، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾
والِاسْتِعْمارُ: الإعْمارُ، أيْ جَعَلَكم عامِرِيها، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كالَّتِي في اسْتَبْقى واسْتَفاقَ. ومَعْنى الإعْمارِ أنَّهم جَعَلُوا الأرْضَ عامِرَةً بِالبِناءِ والغَرْسِ والزَّرْعِ لِأنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ تَعْمِيرًا لِلْأرْضِ حَتّى سُمِّيَ الحَرْثُ عِمارَةً لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ عَمْرُ الأرْضِ.
وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعَمِ أمْرَهم بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، أيْ طَلَبِ مَغْفِرَةِ إجْرامِهِمْ، والإقْلاعِعَمّا لا يَرْضاهُ مِنَ الشِّرْكِ والفَسادِ. ومِن تَفَنُّنِ الأُسْلُوبِ أنْ جُعِلَتْ هَذِهِ النِّعَمُعِلَّةً لِأمْرِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ بِطَرِيقِ جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ، وجُعِلَتْ عِلَّةً أيْضًا لِلْأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ.
وعُطِفَ الأمْرُ بِالتَّوْبَةِ بِحَرْفِ التَّراخِي لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٥٢] في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
صفحة ١٠٩
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُمُ اسْتَعْظَمُوا أنْ يَكُونَ جُرْمُهم مِمّا يُقْبَلُ الِاسْتِغْفارُ عَنْهُ، فَأُجِيبُوابِأنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مُجِيبٌ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِتَعْلِيلٍ. وحَرْفُ (إنَّ) فِيها لِلتَّأْكِيدِ تَنْزِيلًا لَهم في تَعْظِيمِ جُرْمِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في قَبُولِ اسْتِغْفارِهِ.
والقُرْبُ: هُنا مُسْتَعارٌ لِلرَّأْفَةِ والإكْرامِ؛ لِأنَّ البُعْدَ يُسْتَعارُ لِلْجَفاءِ والإعْراضِ. قالَ جُبَيْرُ بْنُ الأضْبَطِ.
تَباعَدَ عَنِّي مِطْحَلٌ إذْ دَعَوْتُهُ أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدًا
فَكَذَلِكَ يُسْتَعارُ ضِدُّهُ لِضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِي﴾ [البقرة: ١٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُجِيبُ هُنا: مُجِيبُ الدُّعاءِ، وهو الِاسْتِغْفارُ. وإجابَةُ الدُّعاءِ: إعْطاءُ السّائِلِ مَسْئُولَهُ.
هود 11:62
﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
هَذا جَوابُهم عَنْ دَعْوَتِهِ البَلِيغَةِ الوَجِيزَةِ المَلْأى إرْشادًا وهَدْيًا. وهو جَوابٌ مَلِيءٌ بِالضَّلالِ والمُكابَرَةِ وضَعْفِ الحُجَّةِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ أوِ المَلامِ والتَّنْبِيهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] . وقَرِينَةُ التَّوْبِيخِ هُنا أظْهَرُ، وهي قَوْلُهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ فَإنَّهُ تَعْرِيضٌ بِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ فِيهِ فَهو تَعْنِيفٌ.
و(قَدْ) لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ.
صفحة ١١٠
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مَرْجُوًّا) لِدَلالَةِ فِعْلِ الرَّجاءِ عَلى أنَّهُ تَرَقُّبُ الخَيْرِ، أيْ مَرْجُوًّا لِلْخَيْرِ. أيْ والآنَ وقَعَ اليَأْسُ مِن خَيْرِكَ. وهَذا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهم يَعُدُّونَ ما دَعاهم إلَيْهِ شَرًّا، وإنَّما خاطَبُوهُ بِمِثْلِ هَذا لِأنَّهُ بُعِثَ فِيهِمْ وهو شابٌّ (كَذا قالَ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ) أيْ كُنْتَ مَرْجُوًّا لِخِصالِ السِّيادَةِ وحِمايَةِ العَشِيرَةِ ونُصْرَةِ آلِهَتِهِمْ.
والإشارَةُ في (قَبْلَ هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ حِينَ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها عَلى التَّعْنِيفِ، واشْتِمالِها عَلى اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي تُبَيِّنُهُ أيْضًا جُمْلَةُ ﴿أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾
والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ.
وعَبَّرُوا عَنْ أصْنامِهِمْ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحْقاقِ تِلْكَ الأصْنامِ أنْ يَعْبُدُوها في زَعْمِهِمِ اقْتِداءً بِآبائِهِمْ لِأنَّهم أُسْوَةٌ لَهم، وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ الإنْكارَ اتِّجاهًا في اعْتِقادِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾، فَبَعْدَ أنْ ذَكَرُوا يَأْسَهم مِن صَلاحِ حالِهِ ذَكَرُوا أنَّهم يَشُكُّونَ في صِدْقِ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ وزادُوا ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. ومِن مَحاسِنِ النُّكَتِ هُنا إثْباتُ نُونِ (إنَّ) مَعَ نُونِ ضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةُ إظْهارٍ لِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، والإظْهارُ ضَرْبٌ مِنَ التَّحْقِيقِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ مِن قَوْلِ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا﴾ [إبراهيم: ٩] لِأنَّ الحِكايَةَ فِيها عَنْ أُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ في دَرَجاتِ التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ ما في هاتِهِ الآيَةِ خِطابٌ واحِدٌ، فَكانَ (تَدْعُونا) بِنُونٍ واحِدَةٍ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ ومَعَهُ غَيْرُهُ فَلَمْ يَقَعْ في الجُمْلَةِ أكْثَرُ مِن ثَلاثِ نُوناتٍ بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ لِأنَّ الحِكايَةَ هُنالِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الرُّسُلِ في تَدْعُونَنا فَلَوْ جاءَ (إنَّنا) لاجْتَمَعَ أرْبَعُ نُوناتٍ.
صفحة ١١١
والمُرِيبُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن أرابَ إذا أُوقِعَ في الرَّيْبِ. يُقالُ: رابَهُ وأرابَهُ بِمَعْنًى. ووَصْفُ الشَّكِّ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: جَدَّ جَدُّهُ.
هود 11:63
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾
جَوابٌ عَنْ كَلامِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ (قالَ) وهو الشَّأْنُ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وابْتِداءُ الجَوابِ بِالنِّداءِ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ إلى ما سَيَقُولُهُ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ.
وخاطَبَهم بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ لِلْغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ.
والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ كالكَلامِ عَلى نَظِيرِها في قِصَّةِ نُوحٍ.
وإنَّما يَتَّجِهُ هُنا أنْ يَسْألَ عَنْ مُوجِبِ تَقْدِيمِ (مِنهُ) عَلى (رَحْمَةٍ) هُنا وتَأْخِيرِ (مِن عِنْدِهِ) عَنْ (رَحْمَةٍ) في قِصَّةِ نُوحٍ السّابِقَةِ.
فالجَوابُ لِأنَّ ذَلِكَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّفَنُّنِ بِعَدَمِ التِزامِ طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ في إعادَةِ الكَلامِ المُتَماثِلِ، هو أيْضًا أسْعَدُ بِالبَيانِ في وُضُوحِ الدَّلالَةِ ودَفْعِ اللَّبْسِ. فَلَمّا كانَ مَجْرُورُ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ ظَرْفًا وهو (عِنْدَ) كانَ صَرِيحًا في وصْفِ الرَّحْمَةِ بِصِفَةٍ تَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ الرَّبّانِيِّ بِها وبِمَن أُوتِيَها. ولَمّا كانَ المَجْرُورُ هُنا ضَمِيرَ الجَلالَةِ كانَ الأحْسَنُ أنْ يَقَعَ عَقِبَ فِعْلِ (آتانِي) لِيَكُونَ تَقْيِيدُ الإيتاءِ بِأنَّهُ مِنَ اللَّهِ مُشِيرًا إلى إيتاءٍ خاصٍّ ذِي عِنايَةٍ بِالمُؤْتى إذْ لَوْلا ذَلِكَ لَكانَ كَوْنُهُ مِنَ
صفحة ١١٢
اللَّهِ تَحْصِيلًا لِما أُفِيدَ مِن إسْنادِ الإيتاءِ إلَيْهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ إيتاءً خاصًّا، ولَوْ أُوقِعَ مِنهُ عَقِبَ رَحْمَةٍ لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ ذَلِكَ عِوَضٌ عَنِ الإضافَةِ، أيْ عَنْ أنْ يُقالَ: وآتانِي رَحْمَتَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا﴾ [مريم: ٢١] أيْ ورَحْمَتَنا لَهم، أيْ لِنَعِظَهم ونَرْحَمَهم.
وجُمْلَةُ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾
والمَعْنى إلْزامٌ وجَدَلٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُنْكِرُونَ نُبُوَّتِي وتُوَبِّخُونَنِي عَلى دَعْوَتِكم فَأنا مُؤْمِنٌ بِأنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي، أفَتَرُونَ أنِّي أعْدِلُ عَنْ يَقِينِي إلى شَكِّكم، وكَيْفَ تَتَوَقَّعُونَ مِنِّي ذَلِكَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَقِينِي بِذَلِكَ يَجْعَلُنِي خائِفًا مِن عَذابِ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ ولا أحَدَ يَنْصُرُنِي.
والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠] في قِصَّةِ نُوحٍ.
وفَرَّعَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ جُمْلَةَ ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ذَلِكَ فَما دُعاؤُكم إيّايَ إلّا سَعْيٌ في خُسْرانِي.
والمُرادُ بِالزِّيادَةِ حُدُوثُ حالٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا لِأنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في أحْوالِ الإنْسانِ، أيْ فَما يَحْدُثُ لِي إنِ اتَّبَعَتْكم وعَصَيْتُ اللَّهَ إلّا الخُسْرانُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]، أيْ كُنْتُ أدْعُوهم وهم يَسْمَعُونَ فَلَمّا كَرَرْتُ دَعْوَتَهم زادُوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ فَفَرُّوا، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم كانُوا يَفِرُّونَ فَزادُوا في الفِرارِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ هُنالِكَ: فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا مِن فِرارٍ، ولَقِيلَ هُنا: فَما تَزِيدُونَنِي إلّا مِن تَخْسِيرٍ.
والتَّخْسِيرُ، مَصْدَرُ خَسِرَ، إذا جَعَلَهُ خاسِرًا.
هود 11:64
صفحة ١١٣
﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾
هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] فَأتاهم بِمُعْجِزَةٍ تُزِيلُ الشَّكَّ.
وإعادَةُ (ويا قَوْمِ) لِمِثْلِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]
والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى النّاقَةِ حِينَ شاهَدُوا انْفِلاقَ الصَّخْرَةِ عَنْها.
وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
و(آيَةً) و(لَكم) حالانِ مِن ناقَةٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الأعْرافِ. وسَتَجِيءُ قِصَّةٌ في إعْرابِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وأوْصاهم بِتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْها لِتَوَقُّعِهِ أنَّهم يَتَصَدَّوْنَ لَها مِن تَصَلُّبِهِمْ في عِنادِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَقْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.
والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والدّارُ: البَلَدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وذَلِكَ التَّأْجِيلُ اسْتِقْصاءٌ لَهم في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ.
والمَكْذُوبُ: الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الكاذِبُ. يُقالُ: كَذَبَ الخَبَرَ، إذا اخْتَلَقَهُ.
هود 11:65
صفحة ١١٣
﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾
هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] فَأتاهم بِمُعْجِزَةٍ تُزِيلُ الشَّكَّ.
وإعادَةُ (ويا قَوْمِ) لِمِثْلِ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠]
والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى النّاقَةِ حِينَ شاهَدُوا انْفِلاقَ الصَّخْرَةِ عَنْها.
وإضافَةُ النّاقَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ.
و(آيَةً) و(لَكم) حالانِ مِن ناقَةٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الحالِ في سُورَةِ الأعْرافِ. وسَتَجِيءُ قِصَّةٌ في إعْرابِها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وأوْصاهم بِتَجَنُّبِ الِاعْتِداءِ عَلَيْها لِتَوَقُّعِهِ أنَّهم يَتَصَدَّوْنَ لَها مِن تَصَلُّبِهِمْ في عِنادِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ عَقْرُها في سُورَةِ الأعْرافِ.
والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ بِالمَتاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والدّارُ: البَلَدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، وذَلِكَ التَّأْجِيلُ اسْتِقْصاءٌ لَهم في الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ.
والمَكْذُوبُ: الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ الكاذِبُ. يُقالُ: كَذَبَ الخَبَرَ، إذا اخْتَلَقَهُ.
هود 11:66
صفحة ١١٤
﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.
وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.
والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.
صفحة ١١٥
والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.
ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.
وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
هود 11:67
صفحة ١١٤
﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.
وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.
والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.
صفحة ١١٥
والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.
ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.
وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
هود 11:68
صفحة ١١٤
﴿فَلَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظائِرِ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ في قِصَّةِ هُودٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ومُتَعَلِّقُ نَجَّيْنا مَحْذُوفٌ.
وعَطْفُ ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ عَلى مُتَعَلِّقِ (نَجَّيْنا) المَحْذُوفِ، أيْ نَجَّيْنا صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ ومِنَ الخِزْيِ المُكَيَّفِ بِهِ العَذابُ فَإنَّ العَذابَ يَكُونُ عَلى كَيْفِيّاتٍ بَعْضُها أخْزى مِن بَعْضٍ. فالمَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ عَطْفُ مِنَّةٍ عَلى مِنَّةٍ لا عَطْفُ إنْجاءٍ عَلى إنْجاءٍ، ولِذَلِكَ عَطَفَ المُتَعَلِّقَ ولَمْ يَعْطِفِ الفِعْلَ، كَما عَطَفَ في قِصَّةِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] لِأنَّ ذَلِكَ إنْجاءٌ مِن عَذابٍ مُغايِرٍ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وتَنْوِينُ يَوْمِئِذٍ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جاءَ أمْرُنا.
والخِزْيُ: الذُّلُّ، وهو ذُلُّ العَذابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
وقَدْ أُكِّدَ الخَبَرُ بِثَلاثِ مُؤَكِّداتٍ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وعَبَّرَ عَنْ ثَمُودَ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا لِلْإيماءِ بِالمَوْصُولِ إلى عِلَّةِ تَرَتُّبِ الحُكْمِ، أيْ لِظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ الشِّرْكِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ لِأنَّهم ظالِمُونَ أيْضًا.
صفحة ١١٥
والصَّيْحَةُ: الصّاعِقَةُ أصابَتْهم.
ومَعْنى ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا.
وتَقَدَّمَ شُعَيْبٌ في الأعْرافِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ألا إنَّ ثَمُودًا﴾ - بِالتَّنْوِينِ - عَلى اعْتِبارِ ثَمُودٍ اسْمِ جَدِّ الأُمَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، بِدُونِ تَنْوِينٍ عَلى اعْتِبارِهِ اسْمًا لِلْأُمَّةِ أوِ القَبِيلَةِ. وهُما طَرِيقَتانِ مَشْهُورَتانِ لِلْعَرَبِ في أسْماءِ القَبائِلِ المُسَمّاةِ بِأسْماءِ الأجْدادِ الأعْلَيْنَ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بُعْدًا) في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤]
هود 11:69
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
صفحة ١١٦
والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.
والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]
والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.
والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.
و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]
صفحة ١١٧
فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن بابِ اتِّحادِ وزْنِ فَعّالٍ وفِعْلٍ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلَ: حَرامٌ وحَرْمٌ، وحَلالٌ وحَلٌّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَما لَبِثَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ إسْراعًا في إكْرامِ الضَّيْفِ، وتَعْجِيلِ القِرى سُنَّةٌ عَرَبِيَّةٌ: ظَنَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناسًا فَبادَرَ إلى قِراهِمْ.
واللُّبْثُ في المَكانِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ عَنْهُ، أيْ فَما أبْطَأ. و(أنْ جاءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (لَبِثَ)، أيْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، أيْ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ مُصاحِبًا لَهُ، أيْ بَلْ عَجَّلَ. ويَجُوزُ جَعْلُ فاعِلِ لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُقَدَّرُ جارٌّ لِـ (جاءَ) . والتَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ بِأنْ جاءَ بِهِ. وانْتِفاءُ اللُّبْثِ مُبالَغَةٌ فِي العَجَلِ .
والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ، وهو المَحْنُوذُ. والشَّيُّ أسْرَعُ مِنَ الطَّبْخِ، فَهو أعْوَنُ عَلى تَعْجِيلِ إحْضارِ الطَّعامِ لِلضَّيْفِ.
و(﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾) أشَدُّ في عَدَمِ الأخْذِ مِن (لا تَتَناوَلُهُ)
ويُقالُ: نَكِرَ الشَّيْءَ إذا أنْكَرَهُ أيْ كَرِهَهُ.
وإنَّما نَكِرَهم لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّ إمْساكَهم عَنِ الأكْلِ لِأجْلِ التَّبَرُّؤِ مِن طَعامِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في عادَةِ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا كانَ النّازِلُ بِالبَيْتِ يُضْمِرُ شَرًّا لِمُضِيفِهِ؛ لِأنَّ أكْلَ طَعامِ القِرى كالعَهْدِ عَلى السَّلامَةِ مِنَ الأذى؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ مَرْكُوزٌ في الفِطْرَةِ، فَإذا انْكَفَّ أحَدٌ عَنْ تَناوُلِ الإحْسانِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ المُسالَمَةَ ولا يَرْضى أنْ يَكُونَ كَفُورًا لِلْإحْسانِ.
صفحة ١١٨
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: (نَكِرَهم) بِـ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهم وأضْمَرَ ذَلِكَ. ومَصْدَرُهُ الإيجاسُ. وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ شَرًّا لَهُ، أيْ حَسِبَهم قُطّاعًا، وكانُوا ثَلاثَةً وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مَفْصُولَةٌ عَمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أشْبَهَتِ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ظَهَرَ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ، فَكانَ ظُهُورُ أثَرِها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ إنِّي خِفْتُ مِنكم، ولِذَلِكَ أجابُوا ما في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لا تَخَفْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُحاوَراتُ، أوْ هو جَوابُ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، أيْ وقالَ لَهم: إنِّي خِفْتُ مِنكم، كَما حُكِيَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . ومِن شَأْنِ النّاسِ إذا امْتَنَعَ أحَدٌ مِن قَبُولِ طَعامِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ: لَعَلَّكَ غادِرٌ أوْ عَدُوٌّ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْوافِدِ: أحَرْبٌ أمْ سِلْمٌ.
وقَوْلُهم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ مُكاشَفَةً مِنهم إيّاهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ.
والحِكْمَةُ مِن ذَلِكَ كَرامَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُدُورُهم عَنْ عِلْمٍ مِنهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (أرْسَلْنا) أيْ بِأيِّ شَيْءٍ، إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها.
وعَبَّرَ عَنِ الأقْوامِ المُرادِ عَذابُهم بِطَرِيقِ الإضافَةِ (قَوْمُ لُوطٍ) إذْ لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ اسْمٌ يَجْمَعُهم ولا يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ بَلْ كانُوا خَلِيطًا مِن فَصائِلَ عُرِفُوا بِأسْماءِ قُراهم، وأشْهَرُها سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْجَسَ؛ لِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ حاضِرَةً تُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ عادَتَهم كَعادَةِ العَرَبِ مِن بَعْدِهِمْ أنَّ رَبَّةَ المَنزِلِ تَكُونُ خادِمَةَ القَوْمِ: وفي الحَدِيثِ ”«والعَرُوسُ خادِمُهم» “ . وقالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانَ التَّمِيمِيُّ:
صفحة ١١٩
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالِ القَوْمِ والغُرَبا
وقَدِ اخْتُصِرَتِ القِصَّةُ هُنا اخْتِصارًا بَدِيعًا لِوُقُوعِها في خِلالِ الحِوارِ بَيْنَ الرُّسُلِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحِكايَةُ ذَلِكَ الحِوارِ اقْتَضَتْ إتْمامَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ . وأمّا البُشْرى فَقَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى قَوْمِ لُوطٍ كَما في آيَةِ سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] . فَلَمّا اقْتَضى تَرْتِيبُ المُحاوَرَةِ تَقْدِيمَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ حُكِيَتْ قِصَّةُ البُشْرى وما تَبِعَها مِنَ المُحاوَرَةِ بِطَرِيقَةِ الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ تَصْلُحُ لِلْقَبْلِيَّةِ ولِلْمُقارَنَةِ ولِلْبَعْدِيَّةِ، وهي الحالُ المُقَدَّرَةُ.
وإنَّما ضَحِكَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغُلامٍ، وكانَ ضَحِكُها ضَحِكَ تَعَجُّبٍ واسْتِبْعادٍ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ ؟ فَقالَ: ها هي في الخَيْمَةِ. فَقالُوا: يَكُونُ لِسارَّةَ امْرَأتِكَ ابْنٌ، وكانَتْ سارَّةُ سامِعَةً في بابِ الخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سارَّةُ في باطِنِها قائِلَةً: أفَبِالحَقِيقَةِ ألِدُ وأنا قَدْ شِخْتُ ؟ فَقالَ الرَّبُّ: لِماذا ضَحِكَتْ سارَّةُ ؟ فَأنْكَرَتْ سارَّةُ قائِلَةً لَمْ أضْحَكْ؛ لِأنَّها خافَتْ، قالَ: لا بَلْ ضَحِكْتِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ضَحِكَتْ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ لِأنَّها ما ضَحِكَتْ إلّا بَعْدَ أنْ بَشَّرَها المَلائِكَةُ بِابْنٍ، فَلَمّا تَعَجَّبَتْ مِن ذَلِكَ بَشَّرُوها بِابْنِ الِابْنِ زِيادَةً في البُشْرى. والتَّعْجِيبُ بِأنْ يُولَدَ لَها ابْنٌ ويَعِيشَ وتَعِيشَ هي حَتّى يُولَدَ لِابْنِها ابْنٌ. وذَلِكَ أدْخَلَ في العَجَبِ لِأنَّ شَأْنَ أبْناءِ الشُّيُوخِ أنْ يَكُونُوا مَهْزُولِينَ لا يَعِيشُونَ غالِبًا إلّا مَعْلُولَيْنِ، ولا يُولَدُ لَهم في الأكْثَرِ ولِأنَّ شَأْنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُولَدُ لَهم أنْ لا يُدْرِكُوا يَفْعَ أوْلادِهِمْ بَلْهُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ.
ولَمّا بَشَّرُوها بِذَلِكَ صَرَّحَتْ بِتَعَجُّبِها الَّذِي كَتَمَتْهُ بِالضَّحِكِ، فَقالَتْ
صفحة ١٢٠
﴿يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بِعَلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فَجُمْلَةُ قالَتْ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
ويَعْقُوبُ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَحَلِّ الحالِ. وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِفَتْحَةٍ وهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى إسْحاقَ. وفُصِلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وخَطْبُهُ سَهْلٌ وإنِ اسْتَعْظَمَهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ كَأبِي حَيّانَ بِقِياسِ حَرْفِ العَطْفِ النّائِبِ هُنا مَنابَ الجارِّ عَلى الجارِّ نَفْسِهِ، وهو قِياسٌ ضَعِيفٌ إذْ كَوْنُ لَفْظٍ بِمَعْنى لَفْظٍ لا يَقْتَضِي إعْطاءَهُ جَمِيعَ أحْكامِهِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والنِّداءُ في (يا ويْلَتا) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ حَتّى تُنادى، كَأنَّها تَقُولُ: يا ويْلَتِي احْضُرْ هُنا فَهَذا مَوْضِعُكَ.
والوَيْلَةُ: الحادِثَةُ الفَظِيعَةُ والفَضِيحَةُ. ولَعَلَّها المَرَّةُ مِنَ الوَيْلِ. وتُسْتَعْمَلُ في مَقامِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: يا ويْلَتِي.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ يا ويْلَتا - بِفَتْحَةٍ مُشْبَعَةٍ في آخِرِهِ بِألْفٍ - . والألِفُ الَّتِي في آخِرِ (يا ويْلَتا) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ. والأظْهَرُ أنَّها ألِفُ الِاسْتِغاثَةِ الواقِعَةِ خَلَفًا عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ. وأصِلُهُ: يا لِوَيْلَةَ. وأكْثَرُ ما تَجِيءُ هَذِهِ الألِفُ في التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ عَجِبَ، نَحْوَ: يا عَجَبًا، وبِاسْمِ شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، نَحْوَ: يا عُشْبًا.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِإمالَةٍ ولَمْ يُقْرَأْ بِالإمالَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: كُتِبَ بِصُورَةِ الياءِ عَلى أصْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. وجُمْلَةُ أنا عَجُوزٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَناطُ التَّعَجُّبِ.
والبَعْلُ: الزَّوْجُ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ، فانْظُرْهُ.
صفحة ١٢١
وزادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وكَأنَّها كانَتْ مُتَرَدِّدَةً في أنَّهم مَلائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْراهم.
وجُمْلَةُ (هَذا بَعْلِي) مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِأنَّ المَعْنى: هَذا المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْلِي، أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ وهو كَما تَرى. وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) - بِرَفْعِ شَيْخٍ - عَلى أنَّ (بَعْلِي) بَيانٌ مِن هَذا وشَيْخٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقَدْ جَرَتْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نادِرَةٌ لَطِيفَةٌ وهي ما أخْبَرَنا شَيْخُنا الأُسْتاذُ الجَلِيلُ سالِمُ بُو حاجِبٍ أنَّ أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الأعْيانِ في بَغْدادَ إلى مَأْدُبَةٍ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ غَنَّتْ مِن وراءِ السِّتارِ جارِيَةٌ لِرَبِّ المَنزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وقالُوا لَها هَذا حَبِيبُكِ مُـعْـرِضٌ ∗∗∗ فَقالَتْ: ألا إعْراضُهُ أهْوَنُ الخَطْبِ
فَما هي إلّا نَظْرَةٌ وابْـتِـسَـامَةٌ ∗∗∗ فَتَصْطَكُّ رِجْلاهُ ويَسْقُطُ لِلْجَنْـبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَن بِالمَجْلِسِ إلّا أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: ما لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذا ؟ فَقالَتِ الجارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ في أنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ بِالرَّفْعِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) فَطَرِبَ المُبَرِّدُ لِهَذا الجَوابِ.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِجُمْلَةِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِها لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ. وأمْرُ اللَّهِ هو أمْرُ التَّكْوِينِ، أيْ أتَعْجَبِينَ مِن
صفحة ١٢٢
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَرْقِ العاداتِ. وجَوابُهم جارٍ عَلى ثِقَتِهِمْ بِأنَّ خَبَرَهم حَقٌّ مُنْبِئٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ تَعَجُّبِها؛ لِأنَّ الإنْكارَ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَصارَ المَعْنى: لا عَجَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّ إعْطاءَكِ الوَلَدَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وبَرَكَةٌ، فَلا عَجَبَ في تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِها وأنْتُمْ أهْلٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ فَلا عَجَبَ في وُقُوعِها عِنْدَكم.
وُوَجْهُ تَعْلِيلِ نَفْيِ العَجَبِ بِهَذا أنَّ التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن صُدُورِ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ في تَخْصِيصِ اللَّهِ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وامْرَأتَهُ فَكانَ قَوْلُهم ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُفِيدًا تَعْلِيلَ انْتِفاءِ العَجَبَيْنِ.
وتَعْرِيفُ البَيْتِ تَعْرِيفُ حُضُورٍ، وهو البَيْتُ الحاضِرُ بَيْنَهُمُ الَّذِي جَرى فِيهِ هَذا التَّحاوُرُ، أيْ بَيْتُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَعْنى أهْلُ هَذا البَيْتِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النِّداءِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اخْتِصاصًا لِزِيادَةِ بَيانِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ، وبِأنَّهُ مَجِيدٌ، أيْ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا حَدَّ لِنِعَمِهِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَها ولَدًا، وفي اخْتِيارِ وصْفِ الحَمِيدِ مِن بَيْنِ الأسْماءِ الحُسْنى كِنايَةٌ عَنْ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ.
هود 11:70
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
صفحة ١١٦
والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.
والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]
والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.
والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.
و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]
صفحة ١١٧
فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن بابِ اتِّحادِ وزْنِ فَعّالٍ وفِعْلٍ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلَ: حَرامٌ وحَرْمٌ، وحَلالٌ وحَلٌّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَما لَبِثَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ إسْراعًا في إكْرامِ الضَّيْفِ، وتَعْجِيلِ القِرى سُنَّةٌ عَرَبِيَّةٌ: ظَنَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناسًا فَبادَرَ إلى قِراهِمْ.
واللُّبْثُ في المَكانِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ عَنْهُ، أيْ فَما أبْطَأ. و(أنْ جاءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (لَبِثَ)، أيْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، أيْ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ مُصاحِبًا لَهُ، أيْ بَلْ عَجَّلَ. ويَجُوزُ جَعْلُ فاعِلِ لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُقَدَّرُ جارٌّ لِـ (جاءَ) . والتَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ بِأنْ جاءَ بِهِ. وانْتِفاءُ اللُّبْثِ مُبالَغَةٌ فِي العَجَلِ .
والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ، وهو المَحْنُوذُ. والشَّيُّ أسْرَعُ مِنَ الطَّبْخِ، فَهو أعْوَنُ عَلى تَعْجِيلِ إحْضارِ الطَّعامِ لِلضَّيْفِ.
و(﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾) أشَدُّ في عَدَمِ الأخْذِ مِن (لا تَتَناوَلُهُ)
ويُقالُ: نَكِرَ الشَّيْءَ إذا أنْكَرَهُ أيْ كَرِهَهُ.
وإنَّما نَكِرَهم لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّ إمْساكَهم عَنِ الأكْلِ لِأجْلِ التَّبَرُّؤِ مِن طَعامِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في عادَةِ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا كانَ النّازِلُ بِالبَيْتِ يُضْمِرُ شَرًّا لِمُضِيفِهِ؛ لِأنَّ أكْلَ طَعامِ القِرى كالعَهْدِ عَلى السَّلامَةِ مِنَ الأذى؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ مَرْكُوزٌ في الفِطْرَةِ، فَإذا انْكَفَّ أحَدٌ عَنْ تَناوُلِ الإحْسانِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ المُسالَمَةَ ولا يَرْضى أنْ يَكُونَ كَفُورًا لِلْإحْسانِ.
صفحة ١١٨
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: (نَكِرَهم) بِـ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهم وأضْمَرَ ذَلِكَ. ومَصْدَرُهُ الإيجاسُ. وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ شَرًّا لَهُ، أيْ حَسِبَهم قُطّاعًا، وكانُوا ثَلاثَةً وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مَفْصُولَةٌ عَمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أشْبَهَتِ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ظَهَرَ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ، فَكانَ ظُهُورُ أثَرِها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ إنِّي خِفْتُ مِنكم، ولِذَلِكَ أجابُوا ما في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لا تَخَفْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُحاوَراتُ، أوْ هو جَوابُ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، أيْ وقالَ لَهم: إنِّي خِفْتُ مِنكم، كَما حُكِيَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . ومِن شَأْنِ النّاسِ إذا امْتَنَعَ أحَدٌ مِن قَبُولِ طَعامِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ: لَعَلَّكَ غادِرٌ أوْ عَدُوٌّ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْوافِدِ: أحَرْبٌ أمْ سِلْمٌ.
وقَوْلُهم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ مُكاشَفَةً مِنهم إيّاهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ.
والحِكْمَةُ مِن ذَلِكَ كَرامَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُدُورُهم عَنْ عِلْمٍ مِنهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (أرْسَلْنا) أيْ بِأيِّ شَيْءٍ، إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها.
وعَبَّرَ عَنِ الأقْوامِ المُرادِ عَذابُهم بِطَرِيقِ الإضافَةِ (قَوْمُ لُوطٍ) إذْ لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ اسْمٌ يَجْمَعُهم ولا يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ بَلْ كانُوا خَلِيطًا مِن فَصائِلَ عُرِفُوا بِأسْماءِ قُراهم، وأشْهَرُها سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْجَسَ؛ لِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ حاضِرَةً تُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ عادَتَهم كَعادَةِ العَرَبِ مِن بَعْدِهِمْ أنَّ رَبَّةَ المَنزِلِ تَكُونُ خادِمَةَ القَوْمِ: وفي الحَدِيثِ ”«والعَرُوسُ خادِمُهم» “ . وقالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانَ التَّمِيمِيُّ:
صفحة ١١٩
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالِ القَوْمِ والغُرَبا
وقَدِ اخْتُصِرَتِ القِصَّةُ هُنا اخْتِصارًا بَدِيعًا لِوُقُوعِها في خِلالِ الحِوارِ بَيْنَ الرُّسُلِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحِكايَةُ ذَلِكَ الحِوارِ اقْتَضَتْ إتْمامَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ . وأمّا البُشْرى فَقَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى قَوْمِ لُوطٍ كَما في آيَةِ سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] . فَلَمّا اقْتَضى تَرْتِيبُ المُحاوَرَةِ تَقْدِيمَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ حُكِيَتْ قِصَّةُ البُشْرى وما تَبِعَها مِنَ المُحاوَرَةِ بِطَرِيقَةِ الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ تَصْلُحُ لِلْقَبْلِيَّةِ ولِلْمُقارَنَةِ ولِلْبَعْدِيَّةِ، وهي الحالُ المُقَدَّرَةُ.
وإنَّما ضَحِكَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغُلامٍ، وكانَ ضَحِكُها ضَحِكَ تَعَجُّبٍ واسْتِبْعادٍ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ ؟ فَقالَ: ها هي في الخَيْمَةِ. فَقالُوا: يَكُونُ لِسارَّةَ امْرَأتِكَ ابْنٌ، وكانَتْ سارَّةُ سامِعَةً في بابِ الخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سارَّةُ في باطِنِها قائِلَةً: أفَبِالحَقِيقَةِ ألِدُ وأنا قَدْ شِخْتُ ؟ فَقالَ الرَّبُّ: لِماذا ضَحِكَتْ سارَّةُ ؟ فَأنْكَرَتْ سارَّةُ قائِلَةً لَمْ أضْحَكْ؛ لِأنَّها خافَتْ، قالَ: لا بَلْ ضَحِكْتِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ضَحِكَتْ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ لِأنَّها ما ضَحِكَتْ إلّا بَعْدَ أنْ بَشَّرَها المَلائِكَةُ بِابْنٍ، فَلَمّا تَعَجَّبَتْ مِن ذَلِكَ بَشَّرُوها بِابْنِ الِابْنِ زِيادَةً في البُشْرى. والتَّعْجِيبُ بِأنْ يُولَدَ لَها ابْنٌ ويَعِيشَ وتَعِيشَ هي حَتّى يُولَدَ لِابْنِها ابْنٌ. وذَلِكَ أدْخَلَ في العَجَبِ لِأنَّ شَأْنَ أبْناءِ الشُّيُوخِ أنْ يَكُونُوا مَهْزُولِينَ لا يَعِيشُونَ غالِبًا إلّا مَعْلُولَيْنِ، ولا يُولَدُ لَهم في الأكْثَرِ ولِأنَّ شَأْنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُولَدُ لَهم أنْ لا يُدْرِكُوا يَفْعَ أوْلادِهِمْ بَلْهُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ.
ولَمّا بَشَّرُوها بِذَلِكَ صَرَّحَتْ بِتَعَجُّبِها الَّذِي كَتَمَتْهُ بِالضَّحِكِ، فَقالَتْ
صفحة ١٢٠
﴿يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بِعَلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فَجُمْلَةُ قالَتْ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
ويَعْقُوبُ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَحَلِّ الحالِ. وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِفَتْحَةٍ وهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى إسْحاقَ. وفُصِلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وخَطْبُهُ سَهْلٌ وإنِ اسْتَعْظَمَهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ كَأبِي حَيّانَ بِقِياسِ حَرْفِ العَطْفِ النّائِبِ هُنا مَنابَ الجارِّ عَلى الجارِّ نَفْسِهِ، وهو قِياسٌ ضَعِيفٌ إذْ كَوْنُ لَفْظٍ بِمَعْنى لَفْظٍ لا يَقْتَضِي إعْطاءَهُ جَمِيعَ أحْكامِهِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والنِّداءُ في (يا ويْلَتا) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ حَتّى تُنادى، كَأنَّها تَقُولُ: يا ويْلَتِي احْضُرْ هُنا فَهَذا مَوْضِعُكَ.
والوَيْلَةُ: الحادِثَةُ الفَظِيعَةُ والفَضِيحَةُ. ولَعَلَّها المَرَّةُ مِنَ الوَيْلِ. وتُسْتَعْمَلُ في مَقامِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: يا ويْلَتِي.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ يا ويْلَتا - بِفَتْحَةٍ مُشْبَعَةٍ في آخِرِهِ بِألْفٍ - . والألِفُ الَّتِي في آخِرِ (يا ويْلَتا) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ. والأظْهَرُ أنَّها ألِفُ الِاسْتِغاثَةِ الواقِعَةِ خَلَفًا عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ. وأصِلُهُ: يا لِوَيْلَةَ. وأكْثَرُ ما تَجِيءُ هَذِهِ الألِفُ في التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ عَجِبَ، نَحْوَ: يا عَجَبًا، وبِاسْمِ شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، نَحْوَ: يا عُشْبًا.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِإمالَةٍ ولَمْ يُقْرَأْ بِالإمالَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: كُتِبَ بِصُورَةِ الياءِ عَلى أصْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. وجُمْلَةُ أنا عَجُوزٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَناطُ التَّعَجُّبِ.
والبَعْلُ: الزَّوْجُ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ، فانْظُرْهُ.
صفحة ١٢١
وزادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وكَأنَّها كانَتْ مُتَرَدِّدَةً في أنَّهم مَلائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْراهم.
وجُمْلَةُ (هَذا بَعْلِي) مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِأنَّ المَعْنى: هَذا المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْلِي، أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ وهو كَما تَرى. وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) - بِرَفْعِ شَيْخٍ - عَلى أنَّ (بَعْلِي) بَيانٌ مِن هَذا وشَيْخٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقَدْ جَرَتْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نادِرَةٌ لَطِيفَةٌ وهي ما أخْبَرَنا شَيْخُنا الأُسْتاذُ الجَلِيلُ سالِمُ بُو حاجِبٍ أنَّ أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الأعْيانِ في بَغْدادَ إلى مَأْدُبَةٍ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ غَنَّتْ مِن وراءِ السِّتارِ جارِيَةٌ لِرَبِّ المَنزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وقالُوا لَها هَذا حَبِيبُكِ مُـعْـرِضٌ ∗∗∗ فَقالَتْ: ألا إعْراضُهُ أهْوَنُ الخَطْبِ
فَما هي إلّا نَظْرَةٌ وابْـتِـسَـامَةٌ ∗∗∗ فَتَصْطَكُّ رِجْلاهُ ويَسْقُطُ لِلْجَنْـبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَن بِالمَجْلِسِ إلّا أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: ما لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذا ؟ فَقالَتِ الجارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ في أنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ بِالرَّفْعِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) فَطَرِبَ المُبَرِّدُ لِهَذا الجَوابِ.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِجُمْلَةِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِها لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ. وأمْرُ اللَّهِ هو أمْرُ التَّكْوِينِ، أيْ أتَعْجَبِينَ مِن
صفحة ١٢٢
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَرْقِ العاداتِ. وجَوابُهم جارٍ عَلى ثِقَتِهِمْ بِأنَّ خَبَرَهم حَقٌّ مُنْبِئٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ تَعَجُّبِها؛ لِأنَّ الإنْكارَ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَصارَ المَعْنى: لا عَجَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّ إعْطاءَكِ الوَلَدَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وبَرَكَةٌ، فَلا عَجَبَ في تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِها وأنْتُمْ أهْلٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ فَلا عَجَبَ في وُقُوعِها عِنْدَكم.
وُوَجْهُ تَعْلِيلِ نَفْيِ العَجَبِ بِهَذا أنَّ التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن صُدُورِ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ في تَخْصِيصِ اللَّهِ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وامْرَأتَهُ فَكانَ قَوْلُهم ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُفِيدًا تَعْلِيلَ انْتِفاءِ العَجَبَيْنِ.
وتَعْرِيفُ البَيْتِ تَعْرِيفُ حُضُورٍ، وهو البَيْتُ الحاضِرُ بَيْنَهُمُ الَّذِي جَرى فِيهِ هَذا التَّحاوُرُ، أيْ بَيْتُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَعْنى أهْلُ هَذا البَيْتِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النِّداءِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اخْتِصاصًا لِزِيادَةِ بَيانِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ، وبِأنَّهُ مَجِيدٌ، أيْ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا حَدَّ لِنِعَمِهِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَها ولَدًا، وفي اخْتِيارِ وصْفِ الحَمِيدِ مِن بَيْنِ الأسْماءِ الحُسْنى كِنايَةٌ عَنْ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ.
هود 11:71
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
صفحة ١١٦
والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.
والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]
والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.
والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.
و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]
صفحة ١١٧
فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن بابِ اتِّحادِ وزْنِ فَعّالٍ وفِعْلٍ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلَ: حَرامٌ وحَرْمٌ، وحَلالٌ وحَلٌّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَما لَبِثَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ إسْراعًا في إكْرامِ الضَّيْفِ، وتَعْجِيلِ القِرى سُنَّةٌ عَرَبِيَّةٌ: ظَنَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناسًا فَبادَرَ إلى قِراهِمْ.
واللُّبْثُ في المَكانِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ عَنْهُ، أيْ فَما أبْطَأ. و(أنْ جاءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (لَبِثَ)، أيْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، أيْ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ مُصاحِبًا لَهُ، أيْ بَلْ عَجَّلَ. ويَجُوزُ جَعْلُ فاعِلِ لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُقَدَّرُ جارٌّ لِـ (جاءَ) . والتَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ بِأنْ جاءَ بِهِ. وانْتِفاءُ اللُّبْثِ مُبالَغَةٌ فِي العَجَلِ .
والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ، وهو المَحْنُوذُ. والشَّيُّ أسْرَعُ مِنَ الطَّبْخِ، فَهو أعْوَنُ عَلى تَعْجِيلِ إحْضارِ الطَّعامِ لِلضَّيْفِ.
و(﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾) أشَدُّ في عَدَمِ الأخْذِ مِن (لا تَتَناوَلُهُ)
ويُقالُ: نَكِرَ الشَّيْءَ إذا أنْكَرَهُ أيْ كَرِهَهُ.
وإنَّما نَكِرَهم لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّ إمْساكَهم عَنِ الأكْلِ لِأجْلِ التَّبَرُّؤِ مِن طَعامِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في عادَةِ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا كانَ النّازِلُ بِالبَيْتِ يُضْمِرُ شَرًّا لِمُضِيفِهِ؛ لِأنَّ أكْلَ طَعامِ القِرى كالعَهْدِ عَلى السَّلامَةِ مِنَ الأذى؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ مَرْكُوزٌ في الفِطْرَةِ، فَإذا انْكَفَّ أحَدٌ عَنْ تَناوُلِ الإحْسانِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ المُسالَمَةَ ولا يَرْضى أنْ يَكُونَ كَفُورًا لِلْإحْسانِ.
صفحة ١١٨
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: (نَكِرَهم) بِـ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهم وأضْمَرَ ذَلِكَ. ومَصْدَرُهُ الإيجاسُ. وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ شَرًّا لَهُ، أيْ حَسِبَهم قُطّاعًا، وكانُوا ثَلاثَةً وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مَفْصُولَةٌ عَمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أشْبَهَتِ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ظَهَرَ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ، فَكانَ ظُهُورُ أثَرِها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ إنِّي خِفْتُ مِنكم، ولِذَلِكَ أجابُوا ما في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لا تَخَفْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُحاوَراتُ، أوْ هو جَوابُ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، أيْ وقالَ لَهم: إنِّي خِفْتُ مِنكم، كَما حُكِيَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . ومِن شَأْنِ النّاسِ إذا امْتَنَعَ أحَدٌ مِن قَبُولِ طَعامِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ: لَعَلَّكَ غادِرٌ أوْ عَدُوٌّ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْوافِدِ: أحَرْبٌ أمْ سِلْمٌ.
وقَوْلُهم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ مُكاشَفَةً مِنهم إيّاهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ.
والحِكْمَةُ مِن ذَلِكَ كَرامَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُدُورُهم عَنْ عِلْمٍ مِنهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (أرْسَلْنا) أيْ بِأيِّ شَيْءٍ، إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها.
وعَبَّرَ عَنِ الأقْوامِ المُرادِ عَذابُهم بِطَرِيقِ الإضافَةِ (قَوْمُ لُوطٍ) إذْ لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ اسْمٌ يَجْمَعُهم ولا يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ بَلْ كانُوا خَلِيطًا مِن فَصائِلَ عُرِفُوا بِأسْماءِ قُراهم، وأشْهَرُها سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْجَسَ؛ لِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ حاضِرَةً تُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ عادَتَهم كَعادَةِ العَرَبِ مِن بَعْدِهِمْ أنَّ رَبَّةَ المَنزِلِ تَكُونُ خادِمَةَ القَوْمِ: وفي الحَدِيثِ ”«والعَرُوسُ خادِمُهم» “ . وقالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانَ التَّمِيمِيُّ:
صفحة ١١٩
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالِ القَوْمِ والغُرَبا
وقَدِ اخْتُصِرَتِ القِصَّةُ هُنا اخْتِصارًا بَدِيعًا لِوُقُوعِها في خِلالِ الحِوارِ بَيْنَ الرُّسُلِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحِكايَةُ ذَلِكَ الحِوارِ اقْتَضَتْ إتْمامَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ . وأمّا البُشْرى فَقَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى قَوْمِ لُوطٍ كَما في آيَةِ سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] . فَلَمّا اقْتَضى تَرْتِيبُ المُحاوَرَةِ تَقْدِيمَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ حُكِيَتْ قِصَّةُ البُشْرى وما تَبِعَها مِنَ المُحاوَرَةِ بِطَرِيقَةِ الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ تَصْلُحُ لِلْقَبْلِيَّةِ ولِلْمُقارَنَةِ ولِلْبَعْدِيَّةِ، وهي الحالُ المُقَدَّرَةُ.
وإنَّما ضَحِكَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغُلامٍ، وكانَ ضَحِكُها ضَحِكَ تَعَجُّبٍ واسْتِبْعادٍ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ ؟ فَقالَ: ها هي في الخَيْمَةِ. فَقالُوا: يَكُونُ لِسارَّةَ امْرَأتِكَ ابْنٌ، وكانَتْ سارَّةُ سامِعَةً في بابِ الخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سارَّةُ في باطِنِها قائِلَةً: أفَبِالحَقِيقَةِ ألِدُ وأنا قَدْ شِخْتُ ؟ فَقالَ الرَّبُّ: لِماذا ضَحِكَتْ سارَّةُ ؟ فَأنْكَرَتْ سارَّةُ قائِلَةً لَمْ أضْحَكْ؛ لِأنَّها خافَتْ، قالَ: لا بَلْ ضَحِكْتِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ضَحِكَتْ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ لِأنَّها ما ضَحِكَتْ إلّا بَعْدَ أنْ بَشَّرَها المَلائِكَةُ بِابْنٍ، فَلَمّا تَعَجَّبَتْ مِن ذَلِكَ بَشَّرُوها بِابْنِ الِابْنِ زِيادَةً في البُشْرى. والتَّعْجِيبُ بِأنْ يُولَدَ لَها ابْنٌ ويَعِيشَ وتَعِيشَ هي حَتّى يُولَدَ لِابْنِها ابْنٌ. وذَلِكَ أدْخَلَ في العَجَبِ لِأنَّ شَأْنَ أبْناءِ الشُّيُوخِ أنْ يَكُونُوا مَهْزُولِينَ لا يَعِيشُونَ غالِبًا إلّا مَعْلُولَيْنِ، ولا يُولَدُ لَهم في الأكْثَرِ ولِأنَّ شَأْنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُولَدُ لَهم أنْ لا يُدْرِكُوا يَفْعَ أوْلادِهِمْ بَلْهُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ.
ولَمّا بَشَّرُوها بِذَلِكَ صَرَّحَتْ بِتَعَجُّبِها الَّذِي كَتَمَتْهُ بِالضَّحِكِ، فَقالَتْ
صفحة ١٢٠
﴿يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بِعَلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فَجُمْلَةُ قالَتْ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
ويَعْقُوبُ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَحَلِّ الحالِ. وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِفَتْحَةٍ وهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى إسْحاقَ. وفُصِلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وخَطْبُهُ سَهْلٌ وإنِ اسْتَعْظَمَهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ كَأبِي حَيّانَ بِقِياسِ حَرْفِ العَطْفِ النّائِبِ هُنا مَنابَ الجارِّ عَلى الجارِّ نَفْسِهِ، وهو قِياسٌ ضَعِيفٌ إذْ كَوْنُ لَفْظٍ بِمَعْنى لَفْظٍ لا يَقْتَضِي إعْطاءَهُ جَمِيعَ أحْكامِهِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والنِّداءُ في (يا ويْلَتا) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ حَتّى تُنادى، كَأنَّها تَقُولُ: يا ويْلَتِي احْضُرْ هُنا فَهَذا مَوْضِعُكَ.
والوَيْلَةُ: الحادِثَةُ الفَظِيعَةُ والفَضِيحَةُ. ولَعَلَّها المَرَّةُ مِنَ الوَيْلِ. وتُسْتَعْمَلُ في مَقامِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: يا ويْلَتِي.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ يا ويْلَتا - بِفَتْحَةٍ مُشْبَعَةٍ في آخِرِهِ بِألْفٍ - . والألِفُ الَّتِي في آخِرِ (يا ويْلَتا) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ. والأظْهَرُ أنَّها ألِفُ الِاسْتِغاثَةِ الواقِعَةِ خَلَفًا عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ. وأصِلُهُ: يا لِوَيْلَةَ. وأكْثَرُ ما تَجِيءُ هَذِهِ الألِفُ في التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ عَجِبَ، نَحْوَ: يا عَجَبًا، وبِاسْمِ شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، نَحْوَ: يا عُشْبًا.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِإمالَةٍ ولَمْ يُقْرَأْ بِالإمالَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: كُتِبَ بِصُورَةِ الياءِ عَلى أصْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. وجُمْلَةُ أنا عَجُوزٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَناطُ التَّعَجُّبِ.
والبَعْلُ: الزَّوْجُ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ، فانْظُرْهُ.
صفحة ١٢١
وزادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وكَأنَّها كانَتْ مُتَرَدِّدَةً في أنَّهم مَلائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْراهم.
وجُمْلَةُ (هَذا بَعْلِي) مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِأنَّ المَعْنى: هَذا المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْلِي، أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ وهو كَما تَرى. وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) - بِرَفْعِ شَيْخٍ - عَلى أنَّ (بَعْلِي) بَيانٌ مِن هَذا وشَيْخٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقَدْ جَرَتْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نادِرَةٌ لَطِيفَةٌ وهي ما أخْبَرَنا شَيْخُنا الأُسْتاذُ الجَلِيلُ سالِمُ بُو حاجِبٍ أنَّ أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الأعْيانِ في بَغْدادَ إلى مَأْدُبَةٍ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ غَنَّتْ مِن وراءِ السِّتارِ جارِيَةٌ لِرَبِّ المَنزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وقالُوا لَها هَذا حَبِيبُكِ مُـعْـرِضٌ ∗∗∗ فَقالَتْ: ألا إعْراضُهُ أهْوَنُ الخَطْبِ
فَما هي إلّا نَظْرَةٌ وابْـتِـسَـامَةٌ ∗∗∗ فَتَصْطَكُّ رِجْلاهُ ويَسْقُطُ لِلْجَنْـبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَن بِالمَجْلِسِ إلّا أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: ما لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذا ؟ فَقالَتِ الجارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ في أنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ بِالرَّفْعِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) فَطَرِبَ المُبَرِّدُ لِهَذا الجَوابِ.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِجُمْلَةِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِها لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ. وأمْرُ اللَّهِ هو أمْرُ التَّكْوِينِ، أيْ أتَعْجَبِينَ مِن
صفحة ١٢٢
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَرْقِ العاداتِ. وجَوابُهم جارٍ عَلى ثِقَتِهِمْ بِأنَّ خَبَرَهم حَقٌّ مُنْبِئٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ تَعَجُّبِها؛ لِأنَّ الإنْكارَ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَصارَ المَعْنى: لا عَجَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّ إعْطاءَكِ الوَلَدَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وبَرَكَةٌ، فَلا عَجَبَ في تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِها وأنْتُمْ أهْلٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ فَلا عَجَبَ في وُقُوعِها عِنْدَكم.
وُوَجْهُ تَعْلِيلِ نَفْيِ العَجَبِ بِهَذا أنَّ التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن صُدُورِ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ في تَخْصِيصِ اللَّهِ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وامْرَأتَهُ فَكانَ قَوْلُهم ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُفِيدًا تَعْلِيلَ انْتِفاءِ العَجَبَيْنِ.
وتَعْرِيفُ البَيْتِ تَعْرِيفُ حُضُورٍ، وهو البَيْتُ الحاضِرُ بَيْنَهُمُ الَّذِي جَرى فِيهِ هَذا التَّحاوُرُ، أيْ بَيْتُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَعْنى أهْلُ هَذا البَيْتِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النِّداءِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اخْتِصاصًا لِزِيادَةِ بَيانِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ، وبِأنَّهُ مَجِيدٌ، أيْ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا حَدَّ لِنِعَمِهِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَها ولَدًا، وفي اخْتِيارِ وصْفِ الحَمِيدِ مِن بَيْنِ الأسْماءِ الحُسْنى كِنايَةٌ عَنْ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ.
هود 11:72
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
صفحة ١١٦
والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.
والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]
والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.
والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.
و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]
صفحة ١١٧
فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن بابِ اتِّحادِ وزْنِ فَعّالٍ وفِعْلٍ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلَ: حَرامٌ وحَرْمٌ، وحَلالٌ وحَلٌّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَما لَبِثَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ إسْراعًا في إكْرامِ الضَّيْفِ، وتَعْجِيلِ القِرى سُنَّةٌ عَرَبِيَّةٌ: ظَنَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناسًا فَبادَرَ إلى قِراهِمْ.
واللُّبْثُ في المَكانِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ عَنْهُ، أيْ فَما أبْطَأ. و(أنْ جاءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (لَبِثَ)، أيْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، أيْ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ مُصاحِبًا لَهُ، أيْ بَلْ عَجَّلَ. ويَجُوزُ جَعْلُ فاعِلِ لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُقَدَّرُ جارٌّ لِـ (جاءَ) . والتَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ بِأنْ جاءَ بِهِ. وانْتِفاءُ اللُّبْثِ مُبالَغَةٌ فِي العَجَلِ .
والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ، وهو المَحْنُوذُ. والشَّيُّ أسْرَعُ مِنَ الطَّبْخِ، فَهو أعْوَنُ عَلى تَعْجِيلِ إحْضارِ الطَّعامِ لِلضَّيْفِ.
و(﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾) أشَدُّ في عَدَمِ الأخْذِ مِن (لا تَتَناوَلُهُ)
ويُقالُ: نَكِرَ الشَّيْءَ إذا أنْكَرَهُ أيْ كَرِهَهُ.
وإنَّما نَكِرَهم لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّ إمْساكَهم عَنِ الأكْلِ لِأجْلِ التَّبَرُّؤِ مِن طَعامِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في عادَةِ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا كانَ النّازِلُ بِالبَيْتِ يُضْمِرُ شَرًّا لِمُضِيفِهِ؛ لِأنَّ أكْلَ طَعامِ القِرى كالعَهْدِ عَلى السَّلامَةِ مِنَ الأذى؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ مَرْكُوزٌ في الفِطْرَةِ، فَإذا انْكَفَّ أحَدٌ عَنْ تَناوُلِ الإحْسانِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ المُسالَمَةَ ولا يَرْضى أنْ يَكُونَ كَفُورًا لِلْإحْسانِ.
صفحة ١١٨
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: (نَكِرَهم) بِـ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهم وأضْمَرَ ذَلِكَ. ومَصْدَرُهُ الإيجاسُ. وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ شَرًّا لَهُ، أيْ حَسِبَهم قُطّاعًا، وكانُوا ثَلاثَةً وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مَفْصُولَةٌ عَمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أشْبَهَتِ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ظَهَرَ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ، فَكانَ ظُهُورُ أثَرِها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ إنِّي خِفْتُ مِنكم، ولِذَلِكَ أجابُوا ما في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لا تَخَفْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُحاوَراتُ، أوْ هو جَوابُ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، أيْ وقالَ لَهم: إنِّي خِفْتُ مِنكم، كَما حُكِيَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . ومِن شَأْنِ النّاسِ إذا امْتَنَعَ أحَدٌ مِن قَبُولِ طَعامِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ: لَعَلَّكَ غادِرٌ أوْ عَدُوٌّ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْوافِدِ: أحَرْبٌ أمْ سِلْمٌ.
وقَوْلُهم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ مُكاشَفَةً مِنهم إيّاهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ.
والحِكْمَةُ مِن ذَلِكَ كَرامَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُدُورُهم عَنْ عِلْمٍ مِنهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (أرْسَلْنا) أيْ بِأيِّ شَيْءٍ، إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها.
وعَبَّرَ عَنِ الأقْوامِ المُرادِ عَذابُهم بِطَرِيقِ الإضافَةِ (قَوْمُ لُوطٍ) إذْ لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ اسْمٌ يَجْمَعُهم ولا يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ بَلْ كانُوا خَلِيطًا مِن فَصائِلَ عُرِفُوا بِأسْماءِ قُراهم، وأشْهَرُها سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْجَسَ؛ لِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ حاضِرَةً تُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ عادَتَهم كَعادَةِ العَرَبِ مِن بَعْدِهِمْ أنَّ رَبَّةَ المَنزِلِ تَكُونُ خادِمَةَ القَوْمِ: وفي الحَدِيثِ ”«والعَرُوسُ خادِمُهم» “ . وقالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانَ التَّمِيمِيُّ:
صفحة ١١٩
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالِ القَوْمِ والغُرَبا
وقَدِ اخْتُصِرَتِ القِصَّةُ هُنا اخْتِصارًا بَدِيعًا لِوُقُوعِها في خِلالِ الحِوارِ بَيْنَ الرُّسُلِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحِكايَةُ ذَلِكَ الحِوارِ اقْتَضَتْ إتْمامَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ . وأمّا البُشْرى فَقَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى قَوْمِ لُوطٍ كَما في آيَةِ سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] . فَلَمّا اقْتَضى تَرْتِيبُ المُحاوَرَةِ تَقْدِيمَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ حُكِيَتْ قِصَّةُ البُشْرى وما تَبِعَها مِنَ المُحاوَرَةِ بِطَرِيقَةِ الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ تَصْلُحُ لِلْقَبْلِيَّةِ ولِلْمُقارَنَةِ ولِلْبَعْدِيَّةِ، وهي الحالُ المُقَدَّرَةُ.
وإنَّما ضَحِكَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغُلامٍ، وكانَ ضَحِكُها ضَحِكَ تَعَجُّبٍ واسْتِبْعادٍ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ ؟ فَقالَ: ها هي في الخَيْمَةِ. فَقالُوا: يَكُونُ لِسارَّةَ امْرَأتِكَ ابْنٌ، وكانَتْ سارَّةُ سامِعَةً في بابِ الخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سارَّةُ في باطِنِها قائِلَةً: أفَبِالحَقِيقَةِ ألِدُ وأنا قَدْ شِخْتُ ؟ فَقالَ الرَّبُّ: لِماذا ضَحِكَتْ سارَّةُ ؟ فَأنْكَرَتْ سارَّةُ قائِلَةً لَمْ أضْحَكْ؛ لِأنَّها خافَتْ، قالَ: لا بَلْ ضَحِكْتِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ضَحِكَتْ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ لِأنَّها ما ضَحِكَتْ إلّا بَعْدَ أنْ بَشَّرَها المَلائِكَةُ بِابْنٍ، فَلَمّا تَعَجَّبَتْ مِن ذَلِكَ بَشَّرُوها بِابْنِ الِابْنِ زِيادَةً في البُشْرى. والتَّعْجِيبُ بِأنْ يُولَدَ لَها ابْنٌ ويَعِيشَ وتَعِيشَ هي حَتّى يُولَدَ لِابْنِها ابْنٌ. وذَلِكَ أدْخَلَ في العَجَبِ لِأنَّ شَأْنَ أبْناءِ الشُّيُوخِ أنْ يَكُونُوا مَهْزُولِينَ لا يَعِيشُونَ غالِبًا إلّا مَعْلُولَيْنِ، ولا يُولَدُ لَهم في الأكْثَرِ ولِأنَّ شَأْنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُولَدُ لَهم أنْ لا يُدْرِكُوا يَفْعَ أوْلادِهِمْ بَلْهُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ.
ولَمّا بَشَّرُوها بِذَلِكَ صَرَّحَتْ بِتَعَجُّبِها الَّذِي كَتَمَتْهُ بِالضَّحِكِ، فَقالَتْ
صفحة ١٢٠
﴿يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بِعَلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فَجُمْلَةُ قالَتْ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
ويَعْقُوبُ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَحَلِّ الحالِ. وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِفَتْحَةٍ وهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى إسْحاقَ. وفُصِلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وخَطْبُهُ سَهْلٌ وإنِ اسْتَعْظَمَهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ كَأبِي حَيّانَ بِقِياسِ حَرْفِ العَطْفِ النّائِبِ هُنا مَنابَ الجارِّ عَلى الجارِّ نَفْسِهِ، وهو قِياسٌ ضَعِيفٌ إذْ كَوْنُ لَفْظٍ بِمَعْنى لَفْظٍ لا يَقْتَضِي إعْطاءَهُ جَمِيعَ أحْكامِهِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والنِّداءُ في (يا ويْلَتا) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ حَتّى تُنادى، كَأنَّها تَقُولُ: يا ويْلَتِي احْضُرْ هُنا فَهَذا مَوْضِعُكَ.
والوَيْلَةُ: الحادِثَةُ الفَظِيعَةُ والفَضِيحَةُ. ولَعَلَّها المَرَّةُ مِنَ الوَيْلِ. وتُسْتَعْمَلُ في مَقامِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: يا ويْلَتِي.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ يا ويْلَتا - بِفَتْحَةٍ مُشْبَعَةٍ في آخِرِهِ بِألْفٍ - . والألِفُ الَّتِي في آخِرِ (يا ويْلَتا) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ. والأظْهَرُ أنَّها ألِفُ الِاسْتِغاثَةِ الواقِعَةِ خَلَفًا عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ. وأصِلُهُ: يا لِوَيْلَةَ. وأكْثَرُ ما تَجِيءُ هَذِهِ الألِفُ في التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ عَجِبَ، نَحْوَ: يا عَجَبًا، وبِاسْمِ شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، نَحْوَ: يا عُشْبًا.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِإمالَةٍ ولَمْ يُقْرَأْ بِالإمالَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: كُتِبَ بِصُورَةِ الياءِ عَلى أصْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. وجُمْلَةُ أنا عَجُوزٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَناطُ التَّعَجُّبِ.
والبَعْلُ: الزَّوْجُ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ، فانْظُرْهُ.
صفحة ١٢١
وزادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وكَأنَّها كانَتْ مُتَرَدِّدَةً في أنَّهم مَلائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْراهم.
وجُمْلَةُ (هَذا بَعْلِي) مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِأنَّ المَعْنى: هَذا المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْلِي، أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ وهو كَما تَرى. وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) - بِرَفْعِ شَيْخٍ - عَلى أنَّ (بَعْلِي) بَيانٌ مِن هَذا وشَيْخٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقَدْ جَرَتْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نادِرَةٌ لَطِيفَةٌ وهي ما أخْبَرَنا شَيْخُنا الأُسْتاذُ الجَلِيلُ سالِمُ بُو حاجِبٍ أنَّ أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الأعْيانِ في بَغْدادَ إلى مَأْدُبَةٍ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ غَنَّتْ مِن وراءِ السِّتارِ جارِيَةٌ لِرَبِّ المَنزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وقالُوا لَها هَذا حَبِيبُكِ مُـعْـرِضٌ ∗∗∗ فَقالَتْ: ألا إعْراضُهُ أهْوَنُ الخَطْبِ
فَما هي إلّا نَظْرَةٌ وابْـتِـسَـامَةٌ ∗∗∗ فَتَصْطَكُّ رِجْلاهُ ويَسْقُطُ لِلْجَنْـبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَن بِالمَجْلِسِ إلّا أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: ما لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذا ؟ فَقالَتِ الجارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ في أنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ بِالرَّفْعِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) فَطَرِبَ المُبَرِّدُ لِهَذا الجَوابِ.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِجُمْلَةِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِها لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ. وأمْرُ اللَّهِ هو أمْرُ التَّكْوِينِ، أيْ أتَعْجَبِينَ مِن
صفحة ١٢٢
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَرْقِ العاداتِ. وجَوابُهم جارٍ عَلى ثِقَتِهِمْ بِأنَّ خَبَرَهم حَقٌّ مُنْبِئٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ تَعَجُّبِها؛ لِأنَّ الإنْكارَ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَصارَ المَعْنى: لا عَجَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّ إعْطاءَكِ الوَلَدَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وبَرَكَةٌ، فَلا عَجَبَ في تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِها وأنْتُمْ أهْلٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ فَلا عَجَبَ في وُقُوعِها عِنْدَكم.
وُوَجْهُ تَعْلِيلِ نَفْيِ العَجَبِ بِهَذا أنَّ التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن صُدُورِ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ في تَخْصِيصِ اللَّهِ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وامْرَأتَهُ فَكانَ قَوْلُهم ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُفِيدًا تَعْلِيلَ انْتِفاءِ العَجَبَيْنِ.
وتَعْرِيفُ البَيْتِ تَعْرِيفُ حُضُورٍ، وهو البَيْتُ الحاضِرُ بَيْنَهُمُ الَّذِي جَرى فِيهِ هَذا التَّحاوُرُ، أيْ بَيْتُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَعْنى أهْلُ هَذا البَيْتِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النِّداءِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اخْتِصاصًا لِزِيادَةِ بَيانِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ، وبِأنَّهُ مَجِيدٌ، أيْ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا حَدَّ لِنِعَمِهِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَها ولَدًا، وفي اخْتِيارِ وصْفِ الحَمِيدِ مِن بَيْنِ الأسْماءِ الحُسْنى كِنايَةٌ عَنْ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ.
هود 11:73
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ﴾ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا ءاَلِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
صفحة ١١٦
والغَرَضُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِمَصِيرِ قَوْمِ لُوطٍ إذْ عَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَحَلَّ بِهِمُ العَذابُ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم مُجادَلَةُ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ لِذَلِكَ ولِلتَّنْوِيهِ بِمَقامِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى وجْهِ الإدْماجِ، ولِذَلِكَ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الحِكايَةِ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها نَحْوَ (وإلى عادٍ) إلَخْ.
والرُّسُلُ: المَلائِكَةُ. قالَ - تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]
والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ والبِشارَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. هَذِهِ البُشْرى هي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ لِأنَّ بِشارَةَ زَوْجِهِ بِابْنٍ بِشارَةٌ لَهُ أيْضًا.
والباءُ في (بِالبُشْرى) لِلْمُصاحَبَةِ لِأنَّهم جاءُوا لِأجْلِ البُشْرى فَهي مُصاحِبَةٌ لَهم كَمُصاحَبَةِ الرِّسالَةِ لِلْمُرْسَلِ بِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا سَلامًا﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِلْبُشْرى؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مَبْدَأُ البُشْرى، وإنَّ ما اعْتُرِضَ بَيْنَها حِكايَةُ أحْوالٍ، وقَدِ انْتَهى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(سَلامًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ وقَعَ بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ. والتَّقْدِيرُ: سَلَّمْنا سَلامًا.
و(سَلامٌ) المَرْفُوعُ مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، أيْ لَكم، مِثْلَ (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) . ورَفْعُ المَصْدَرِ أبْلَغُ مِن نَصْبِهِ؛ لِأنَّ الرَّفْعَ فِيهِ تَنامِي مَعْنى الفِعْلِ فَهو أدَلُّ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ. ولِذَلِكَ خالَفَ بَيْنَهُما لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدَّ السَّلامَ بِعِبارَةٍ أحْسَنَ مِن عِبارَةِ الرُّسُلِ زِيادَةً في الإكْرامِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنِ مِمّا حُيِّيَ بِهِ، أيْ نَظَرًا إلى الأدَبِ الإلَهِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ لَنا في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦]
صفحة ١١٧
فَحُكِيَ ذَلِكَ بِأوْجَزِ لَفْظٍ في العَرَبِيَّةِ أداءً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الكَلْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿قالَ سَلامٌ﴾ - بِفَتْحِ السِّينِ وبِألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - . وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (قالَ سِلْمٌ) - بِكَسْرِ السِّينِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ اللّامِ - وهو اسْمُ المُسالَمَةِ. وسُمِّيَتْ بِهِ التَّحِيَّةُ كَما سُمِّيَتْ بِمُرادِفِهِ (سَلامٌ) فَهو مِن بابِ اتِّحادِ وزْنِ فَعّالٍ وفِعْلٍ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلَ: حَرامٌ وحَرْمٌ، وحَلالٌ وحَلٌّ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: فَما لَبِثَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ إسْراعًا في إكْرامِ الضَّيْفِ، وتَعْجِيلِ القِرى سُنَّةٌ عَرَبِيَّةٌ: ظَنَّهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناسًا فَبادَرَ إلى قِراهِمْ.
واللُّبْثُ في المَكانِ يَقْتَضِي الِانْتِقالَ عَنْهُ، أيْ فَما أبْطَأ. و(أنْ جاءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلَ (لَبِثَ)، أيْ فَما لَبِثَ مَجِيئُهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، أيْ فَما أبْطَأ مَجِيئُهُ مُصاحِبًا لَهُ، أيْ بَلْ عَجَّلَ. ويَجُوزُ جَعْلُ فاعِلِ لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُقَدَّرُ جارٌّ لِـ (جاءَ) . والتَّقْدِيرُ: فَما لَبِثَ بِأنْ جاءَ بِهِ. وانْتِفاءُ اللُّبْثِ مُبالَغَةٌ فِي العَجَلِ .
والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ، وهو المَحْنُوذُ. والشَّيُّ أسْرَعُ مِنَ الطَّبْخِ، فَهو أعْوَنُ عَلى تَعْجِيلِ إحْضارِ الطَّعامِ لِلضَّيْفِ.
و(﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾) أشَدُّ في عَدَمِ الأخْذِ مِن (لا تَتَناوَلُهُ)
ويُقالُ: نَكِرَ الشَّيْءَ إذا أنْكَرَهُ أيْ كَرِهَهُ.
وإنَّما نَكِرَهم لِأنَّهُ حَسِبَ أنَّ إمْساكَهم عَنِ الأكْلِ لِأجْلِ التَّبَرُّؤِ مِن طَعامِهِ، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في عادَةِ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إذا كانَ النّازِلُ بِالبَيْتِ يُضْمِرُ شَرًّا لِمُضِيفِهِ؛ لِأنَّ أكْلَ طَعامِ القِرى كالعَهْدِ عَلى السَّلامَةِ مِنَ الأذى؛ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى الإحْسانِ بِالإحْسانِ مَرْكُوزٌ في الفِطْرَةِ، فَإذا انْكَفَّ أحَدٌ عَنْ تَناوُلِ الإحْسانِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ المُسالَمَةَ ولا يَرْضى أنْ يَكُونَ كَفُورًا لِلْإحْسانِ.
صفحة ١١٨
ولِذَلِكَ عَقَّبَ قَوْلَهُ: (نَكِرَهم) بِـ أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً، أيْ أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهم وأضْمَرَ ذَلِكَ. ومَصْدَرُهُ الإيجاسُ. وذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ شَرًّا لَهُ، أيْ حَسِبَهم قُطّاعًا، وكانُوا ثَلاثَةً وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ مَفْصُولَةٌ عَمّا قَبْلَها؛ لِأنَّها أشْبَهَتِ الجَوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا أوْجَسَ مِنهم خِيفَةً ظَهَرَ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ، فَكانَ ظُهُورُ أثَرِها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ إنِّي خِفْتُ مِنكم، ولِذَلِكَ أجابُوا ما في نَفْسِهِ بِقَوْلِهِمْ لا تَخَفْ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُحاوَراتُ، أوْ هو جَوابُ كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [الذاريات: ٢٨]، أيْ وقالَ لَهم: إنِّي خِفْتُ مِنكم، كَما حُكِيَ في سُورَةِ الحِجْرِ ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . ومِن شَأْنِ النّاسِ إذا امْتَنَعَ أحَدٌ مِن قَبُولِ طَعامِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ: لَعَلَّكَ غادِرٌ أوْ عَدُوٌّ، وقَدْ كانُوا يَقُولُونَ لِلْوافِدِ: أحَرْبٌ أمْ سِلْمٌ.
وقَوْلُهم ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ مُكاشَفَةً مِنهم إيّاهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنَةٌ لِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ.
والحِكْمَةُ مِن ذَلِكَ كَرامَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصُدُورُهم عَنْ عِلْمٍ مِنهُ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (أرْسَلْنا) أيْ بِأيِّ شَيْءٍ، إيجازًا لِظُهُورِهِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها.
وعَبَّرَ عَنِ الأقْوامِ المُرادِ عَذابُهم بِطَرِيقِ الإضافَةِ (قَوْمُ لُوطٍ) إذْ لَمْ يَكُنْ لِأُولَئِكَ الأقْوامِ اسْمٌ يَجْمَعُهم ولا يَرْجِعُونَ إلى نَسَبٍ بَلْ كانُوا خَلِيطًا مِن فَصائِلَ عُرِفُوا بِأسْماءِ قُراهم، وأشْهَرُها سَدُومُ كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْجَسَ؛ لِأنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ حاضِرَةً تُقَدِّمُ الطَّعامَ إلَيْهِمْ، فَإنَّ عادَتَهم كَعادَةِ العَرَبِ مِن بَعْدِهِمْ أنَّ رَبَّةَ المَنزِلِ تَكُونُ خادِمَةَ القَوْمِ: وفي الحَدِيثِ ”«والعَرُوسُ خادِمُهم» “ . وقالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانَ التَّمِيمِيُّ:
صفحة ١١٩
يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالِ القَوْمِ والغُرَبا
وقَدِ اخْتُصِرَتِ القِصَّةُ هُنا اخْتِصارًا بَدِيعًا لِوُقُوعِها في خِلالِ الحِوارِ بَيْنَ الرُّسُلِ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحِكايَةُ ذَلِكَ الحِوارِ اقْتَضَتْ إتْمامَهُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ . وأمّا البُشْرى فَقَدْ حَصَلَتْ قَبْلَ أنْ يُخْبِرُوهُ بِأنَّهم أُرْسِلُوا إلى قَوْمِ لُوطٍ كَما في آيَةِ سُورَةِ الذّارِياتِ ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] . فَلَمّا اقْتَضى تَرْتِيبُ المُحاوَرَةِ تَقْدِيمَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ حُكِيَتْ قِصَّةُ البُشْرى وما تَبِعَها مِنَ المُحاوَرَةِ بِطَرِيقَةِ الحالِ؛ لِأنَّ الحالَ تَصْلُحُ لِلْقَبْلِيَّةِ ولِلْمُقارَنَةِ ولِلْبَعْدِيَّةِ، وهي الحالُ المُقَدَّرَةُ.
وإنَّما ضَحِكَتِ امْرَأةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَبْشِيرِ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِغُلامٍ، وكانَ ضَحِكُها ضَحِكَ تَعَجُّبٍ واسْتِبْعادٍ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّامِنِ عَشَرَ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ ؟ فَقالَ: ها هي في الخَيْمَةِ. فَقالُوا: يَكُونُ لِسارَّةَ امْرَأتِكَ ابْنٌ، وكانَتْ سارَّةُ سامِعَةً في بابِ الخَيْمَةِ فَضَحِكَتْ سارَّةُ في باطِنِها قائِلَةً: أفَبِالحَقِيقَةِ ألِدُ وأنا قَدْ شِخْتُ ؟ فَقالَ الرَّبُّ: لِماذا ضَحِكَتْ سارَّةُ ؟ فَأنْكَرَتْ سارَّةُ قائِلَةً لَمْ أضْحَكْ؛ لِأنَّها خافَتْ، قالَ: لا بَلْ ضَحِكْتِ.
وتَفْرِيعُ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ضَحِكَتْ بِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ وهو ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ لِأنَّها ما ضَحِكَتْ إلّا بَعْدَ أنْ بَشَّرَها المَلائِكَةُ بِابْنٍ، فَلَمّا تَعَجَّبَتْ مِن ذَلِكَ بَشَّرُوها بِابْنِ الِابْنِ زِيادَةً في البُشْرى. والتَّعْجِيبُ بِأنْ يُولَدَ لَها ابْنٌ ويَعِيشَ وتَعِيشَ هي حَتّى يُولَدَ لِابْنِها ابْنٌ. وذَلِكَ أدْخَلَ في العَجَبِ لِأنَّ شَأْنَ أبْناءِ الشُّيُوخِ أنْ يَكُونُوا مَهْزُولِينَ لا يَعِيشُونَ غالِبًا إلّا مَعْلُولَيْنِ، ولا يُولَدُ لَهم في الأكْثَرِ ولِأنَّ شَأْنَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ يُولَدُ لَهم أنْ لا يُدْرِكُوا يَفْعَ أوْلادِهِمْ بَلْهُ أوْلادِ أوْلادِهِمْ.
ولَمّا بَشَّرُوها بِذَلِكَ صَرَّحَتْ بِتَعَجُّبِها الَّذِي كَتَمَتْهُ بِالضَّحِكِ، فَقالَتْ
صفحة ١٢٠
﴿يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بِعَلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لِشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، فَجُمْلَةُ قالَتْ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ.
ويَعْقُوبُ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ﴾ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَحَلِّ الحالِ. وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ يَعْقُوبَ بِفَتْحَةٍ وهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى إسْحاقَ. وفُصِلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ وخَطْبُهُ سَهْلٌ وإنِ اسْتَعْظَمَهُ ظاهِرِيَّةُ النُّحاةِ كَأبِي حَيّانَ بِقِياسِ حَرْفِ العَطْفِ النّائِبِ هُنا مَنابَ الجارِّ عَلى الجارِّ نَفْسِهِ، وهو قِياسٌ ضَعِيفٌ إذْ كَوْنُ لَفْظٍ بِمَعْنى لَفْظٍ لا يَقْتَضِي إعْطاءَهُ جَمِيعَ أحْكامِهِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
والنِّداءُ في (يا ويْلَتا) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَنْزِيلِ الوَيْلَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ حَتّى تُنادى، كَأنَّها تَقُولُ: يا ويْلَتِي احْضُرْ هُنا فَهَذا مَوْضِعُكَ.
والوَيْلَةُ: الحادِثَةُ الفَظِيعَةُ والفَضِيحَةُ. ولَعَلَّها المَرَّةُ مِنَ الوَيْلِ. وتُسْتَعْمَلُ في مَقامِ التَّعَجُّبِ، يُقالُ: يا ويْلَتِي.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ يا ويْلَتا - بِفَتْحَةٍ مُشْبَعَةٍ في آخِرِهِ بِألْفٍ - . والألِفُ الَّتِي في آخِرِ (يا ويْلَتا) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ. والأظْهَرُ أنَّها ألِفُ الِاسْتِغاثَةِ الواقِعَةِ خَلَفًا عَنْ لامِ الِاسْتِغاثَةِ. وأصِلُهُ: يا لِوَيْلَةَ. وأكْثَرُ ما تَجِيءُ هَذِهِ الألِفُ في التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ عَجِبَ، نَحْوَ: يا عَجَبًا، وبِاسْمِ شَيْءٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ، نَحْوَ: يا عُشْبًا.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِإمالَةٍ ولَمْ يُقْرَأْ بِالإمالَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: كُتِبَ بِصُورَةِ الياءِ عَلى أصْلِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. وجُمْلَةُ أنا عَجُوزٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي مَناطُ التَّعَجُّبِ.
والبَعْلُ: الزَّوْجُ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] في سُورَةِ النُّورِ، فانْظُرْهُ.
صفحة ١٢١
وزادَتْ تَقْرِيرَ التَّعَجُّبِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهي جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ التَّعَجُّبِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وكَأنَّها كانَتْ مُتَرَدِّدَةً في أنَّهم مَلائِكَةٌ فَلَمْ تَطْمَئِنَّ لِتَحْقِيقِ بُشْراهم.
وجُمْلَةُ (هَذا بَعْلِي) مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ لِأنَّ المَعْنى: هَذا المُشارُ إلَيْهِ هو بَعْلِي، أيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ وهو كَما تَرى. وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ مُبَيِّنَةً لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) - بِرَفْعِ شَيْخٍ - عَلى أنَّ (بَعْلِي) بَيانٌ مِن هَذا وشَيْخٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
وقَدْ جَرَتْ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نادِرَةٌ لَطِيفَةٌ وهي ما أخْبَرَنا شَيْخُنا الأُسْتاذُ الجَلِيلُ سالِمُ بُو حاجِبٍ أنَّ أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ دُعِيَ عِنْدَ بَعْضِ الأعْيانِ في بَغْدادَ إلى مَأْدُبَةٍ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ غَنَّتْ مِن وراءِ السِّتارِ جارِيَةٌ لِرَبِّ المَنزِلِ بِبَيْتَيْنِ:
وقالُوا لَها هَذا حَبِيبُكِ مُـعْـرِضٌ ∗∗∗ فَقالَتْ: ألا إعْراضُهُ أهْوَنُ الخَطْبِ
فَما هي إلّا نَظْرَةٌ وابْـتِـسَـامَةٌ ∗∗∗ فَتَصْطَكُّ رِجْلاهُ ويَسْقُطُ لِلْجَنْـبِ
فَطَرِبَ كُلُّ مَن بِالمَجْلِسِ إلّا أبا العَبّاسِ المُبَرِّدَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، فَقالَ لَهُ رَبُّ المَنزِلِ: ما لَكَ لَمْ يُطْرِبْكَ هَذا ؟ فَقالَتِ الجارِيَةُ: مَعْذُورٌ يَحْسَبُنِي لَحَنْتُ في أنْ قُلْتُ: مُعْرِضٌ بِالرَّفْعِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ (وهَذا بَعْلِي شَيْخٌ) فَطَرِبَ المُبَرِّدُ لِهَذا الجَوابِ.
وجَوابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِجُمْلَةِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ لِتَعَجُّبِها لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ مُرادٌ مِنهُ الِاسْتِبْعادُ. وأمْرُ اللَّهِ هو أمْرُ التَّكْوِينِ، أيْ أتَعْجَبِينَ مِن
صفحة ١٢٢
قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى خَرْقِ العاداتِ. وجَوابُهم جارٍ عَلى ثِقَتِهِمْ بِأنَّ خَبَرَهم حَقٌّ مُنْبِئٌ عَنْ أمْرِ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِإنْكارِ تَعَجُّبِها؛ لِأنَّ الإنْكارَ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَصارَ المَعْنى: لا عَجَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ لِأنَّ إعْطاءَكِ الوَلَدَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وبَرَكَةٌ، فَلا عَجَبَ في تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِها وأنْتُمْ أهْلٌ لِتِلْكَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ فَلا عَجَبَ في وُقُوعِها عِنْدَكم.
وُوَجْهُ تَعْلِيلِ نَفْيِ العَجَبِ بِهَذا أنَّ التَّعَجُّبَ إمّا أنْ يَكُونَ مِن صُدُورِ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وإمّا أنْ يَكُونَ في تَخْصِيصِ اللَّهِ بِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وامْرَأتَهُ فَكانَ قَوْلُهم ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُفِيدًا تَعْلِيلَ انْتِفاءِ العَجَبَيْنِ.
وتَعْرِيفُ البَيْتِ تَعْرِيفُ حُضُورٍ، وهو البَيْتُ الحاضِرُ بَيْنَهُمُ الَّذِي جَرى فِيهِ هَذا التَّحاوُرُ، أيْ بَيْتُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. والمَعْنى أهْلُ هَذا البَيْتِ.
والمَقْصُودُ مِنَ النِّداءِ التَّنْوِيهُ بِهِمْ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اخْتِصاصًا لِزِيادَةِ بَيانِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ وبَرَكاتِهِ إلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَحْمَدُ مَن يُطِيعُهُ، وبِأنَّهُ مَجِيدٌ، أيْ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا حَدَّ لِنِعَمِهِ فَلا يَعْظُمُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَها ولَدًا، وفي اخْتِيارِ وصْفِ الحَمِيدِ مِن بَيْنِ الأسْماءِ الحُسْنى كِنايَةٌ عَنْ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ.
هود 11:74
صفحة ١٢٣
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾
التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.
وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.
والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.
وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.
والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.
والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.
صفحة ١٢٤
والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.
وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.
وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.
هود 11:75
صفحة ١٢٣
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾
التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.
وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.
والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.
وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.
والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.
والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.
صفحة ١٢٤
والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.
وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.
وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.
هود 11:76
صفحة ١٢٣
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جا أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾
التَّعْرِيفُ في الرَّوْعِ وفي البُشْرى تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ، وهُما المَذْكُورانِ آنِفًا، فالرَّوْعُ: مُرادِفُ الخِيفَةِ.
وقَوْلُهُ: (يُجادِلُنا) هو جَوابٌ لِما صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والمُجادَلَةُ: المُحاوَرَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في عِقابِ قَوْمِ لُوطٍ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِها يُعَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ أكْلُها.
والمُجادَلَةُ هُنا: دُعاءٌ ومُناجاةٌ سَألَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَبَّهُ العَفْوَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ خَشْيَةَ إهْلاكِ المُؤْمِنِينَ مِنهم.
وقَدْ تَكُونُ المُجادَلَةُ مَعَ المَلائِكَةِ. وعُدِّيَتْ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جِدالِ المَلائِكَةِ التَّعَرُّضُ إلى أمْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ العَذابِ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ.
والحَلِيمُ المَوْصُوفُ بِالحِلْمِ وهو صِفَةٌ تَقْتَضِي الصَّفْحَ واحْتِمالَ الأذى.
والأوّاهُ أصْلُهُ الَّذِي يُكْثِرُ التَّأوُّهَ، وهو قَوْلُ: أوِّهِ. وأوِّهِ: اسْمُ فِعْلٍ نائِبٍ مَنابَ أتَوَجَّعُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهُمُومِ النّاسِ.
صفحة ١٢٤
والمُنِيبُ مَن أنابَ إذا رَجَعَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْبِ وهو النُّزُولُ. والمُرادُ التَّوْبَةُ مِنَ التَّقْصِيرِ، أيْ مُحاسِبٌ نَفْسَهُ عَلى ما يَحْذَرُ مِنهُ.
وحَقِيقَةُ الإنابَةِ: الرُّجُوعُ إلى الشَّيْءِ بَعْدَ مُفارَقَتِهِ وتَرْكِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مَقُولُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ جَوابُ المَلائِكَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَإذا كانَ مِن كَلامِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمِيرِ السّامِعِ.
وأمْرُ اللَّهِ قَضاؤُهُ، أيْ أمْرُ تَكْوِينِهِ.
هود 11:77
﴿ولِما جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾
قَدْ عُلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ ذاهِبُونَ إلى قَوْمِ لُوطٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] . فالتَّقْدِيرُ: فَفارَقُوا إبْراهِيمَ وذَهَبُوا إلى لُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَلَمّا جاءُوا لُوطًا، فَحَذَفَ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ إيجازًا قُرْآنِيًّا بَدِيعًا.
وقَدْ جاءُوا لُوطًا كَما جاءُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في صُورَةِ البَشَرِ، فَظَنَّهم ناسًا وخَشِيَ أنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ قَوْمُهُ بِعادَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، فَلِذَلِكَ سِيءَ بِهِمْ.
ومَعْنى ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ ضاقَ ذَرْعَهُ بِسَبَبِهِمْ، أيْ بِسَبَبِ مَجِيئِهِمْ فَحَوَّلَ الإسْنادَ إلى المُضافِ إلَيْهِ وجَعَلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ تَمْيِيزًا لِأنَّ إسْنادَ الضِّيقِ إلى صاحِبِ الذَّرْعِ أنْسَبُ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو أشْبَهُ بِتَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ.
والذَّرْعُ: مَدُّ الذِّراعِ فَإذا أُسْنِدَ إلى الآدَمِيِّ فَهو تَقْدِيرُ المَسافَةِ. وإذا أُسْنِدَ إلى البَعِيرِ فَهو مَدُّ ذِراعَيْهِ في السَّيْرِ عَلى قَدْرِ سَعَةِ خُطْوَتِهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ضاقَ ذَرْعًا
صفحة ١٢٥
تَمْثِيلًا بِحالِ الإنْسانِ الَّذِي يُرِيدُ مَدَّ ذِراعِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ مَدَّها كَما يُرِيدُ فَيَكُونُ ذَرْعُهُ أضْيَقَ مِن مُعْتادِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا بِحالِ البَعِيرِ المُثْقَلِ بِالحِمْلِ أكْثَرَ مِن طاقَتِهِ فَلا يَسْتَطِيعُ مَدَّ ذِراعَيْهِ كَما اعْتادَهُ. وأيًّا ما كانَ فَهو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِحالِ مَن لَمْ يَجِدْ حِيلَةً في أمْرٍ يُرِيدُ عَمَلَهُ بِحالِ الَّذِي لَمْ يَسْتَطِعْ مَدَّ ذِراعِهِ كَما يَشاءُ.
وقَوْلُهُ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قالَهُ في نَفْسِهِ كَما يُناجِي المَرْءُ نَفْسَهُ إذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أمْرٌ.
والعَصِيبُ: الشَّدِيدُ فِيما لا يُرْضِي. يُقالُ: يَوْمٌ عَصِيبٌ إذا حَدَثَ فِيهِ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أحْوالِ النّاسِ أوْ أحْوالِ الجَوِّ كَشِدَّةِ البَرْدِ وشِدَّةِ الحَرِّ. وهو بِزِنَةِ فَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ ولا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وإنَّما يُقالُ: اعْصَوْصَبَ الشَّرُّ اشْتَدَّ. قالُوا: هو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِكَ: عَصَبْتَ الشَّيْءَ إذا شَدَدْتَهُ. وأصْلُ هَذِهِ المادَّةِ يُفِيدُ الشَّدَّ والضَّغْطَ، يُقالُ: عَصَبَ الشَّيْءَ إذا لَواهُ، ومِنهُ العِصابَةُ. ويُقالُ: عَصَبَتْهُمُ السُّنُونُ إذا أجاعَتْهم. ولَمْ أقِفْ عَلى فِعْلٍ مُجَرَّدٍ لِوَصْفِ اليَوْمِ بِعَصِيبٍ. وأرادَ: أنَّهُ سَيَكُونُ عَصِيبًا لِما يَعْلَمُ مِن عادَةِ قَوْمِهِ السَّيِّئَةِ وهو مُقْتَضٍ أنَّهم جاءُوهُ نَهارًا.
ومِن بَدِيعِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الجُمَلِ أنَّها جاءَتْ عَلى تَرْتِيبِ حُصُولِها في الوُجُودِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَسْبِقُ إلى نَفْسِ الكارِهِ لِلْأمْرِ أنْ يُساءَ بِهِ ويَتَطَلَّبُ المُخَلِّصَ مِنهُ، فَإذا عَلِمَ أنَّهُ لا مُخَلِّصَ مِنهُ ضاقَ بِهِ ذَرْعًا، ثُمَّ يُصْدِرُ تَعْبِيرًا عَنِ المَعانِي وتَرْتِيبًا عَنْهُ كَلامًا يُرِيحُ بِهِ نَفْسَهُ.
وتَصْلُحُ هَذِهِ الآيَةُ لِأنْ تَكُونَ مِثالًا لِإنْشاءِ المُنْشِئِ إنْشاءَهُ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ الحُصُولِ في نَفْسِ الأمْرِ، هَذا أصْلُ الإنْشاءِ ما لَمْ تَكُنْ في الكَلامِ دَواعِي التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ ودَواعِي الحَذْفِ والزِّيادَةِ.
هود 11:78
صفحة ١٢٦
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِيَ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾
أيْ جاءَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ. وإنَّما أُسْنِدَ المَجِيءُ إلى القَوْمِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَجِيءِ دَأْبُهم وقَدْ تَمالَئُوا عَلى مِثْلِهِ، فَإذا جاءَ بَعْضُهم فَسَيَعْقُبُهُ مَجِيءُ بَعْضٍ آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وهَذا مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُهُما، كَقَوْلِ الحارِثِ ابْنِ وعْلَةَ الجَرْمِيِّ:
قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
ويُهْرَعُونَ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ - فَسَّرُوهُ بِالمَشْيِ الشَّبِيهِ بِمَشْيِ المَدْفُوعِ، وهو بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ أصْلَهُ مَشْيُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرَعُ بِهِ. وهَذا البِناءُ يَقْتَضِي أنَّ الهَرْعَ هو دَفْعُ الماشِي حِينَ مَشْيِهِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ تُنُوسِيَ وبَقِيَ أهْرَعَ بِمَعْنى سارَ سَيْرًا كَسَيْرِ المَدْفُوعِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمُوا فِيها صِيغَةَ المَفْعُولِ لِأنَّها في الأصْلِ مُسْنَدَةٌ إلى فاعِلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وفَسَّرَهُ في الصِّحاحِ والقامُوسِ بِأنَّهُ الِارْتِعادُ مِن غَضَبٍ أوْ خَوْفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ يُهْرَعُونَ حالٌ.
وقَدْ طَوى القُرْآنُ ذِكْرَ الغَرَضِ الَّذِي جاءُوا لِأجْلِهِ مَعَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَقَدْ صارَتْ لَهم دَأْبًا لا يَسْعَوْنَ إلّا لِأجْلِهِ.
وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾، إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ غَرَضَهم مِن مَجِيئِهِمْ، فَهو بِحَيْثُ يَسْألُ عَمّا تَلَقّاهم بِهِ.
وبادَرَهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ وبِأنَّهم قَوْمُهُ تَرْقِيقٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَصَلُّبَهم في عادَتِهِمُ الفَظِيعَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾، كَما سَيَأْتِي.
صفحة ١٢٧
والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى (بَناتِي) . و(بَناتِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في العَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذُوهُنَّ.
وجُمْلَةُ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ. ومَعْنى (﴿هُنَّ أطْهَرُ﴾) أنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم يَحُلْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ الفاحِشَةِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ قُصِدَ بِهِ قُوَّةُ الطَّهارَةِ.
و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى جَمْعٍ، إذْ بُيِّنَ بِقَولِهِ: بَناتِي
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ابْنَتانِ، فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ البَناتِ هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ هَؤُلاءِ نِساؤُهُنَّ كَبَناتِي. وأرادَ نِساءً مِن قَوْمِهِ بِعَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ. وهَذا مَعْنى ما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِنَّ لِقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، فَإنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَهُ كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هَؤُلاءِ النِّساءُ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وهَذا أحْسَنُ المَحامِلِ.
وقِيلَ: أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ. وإذْ كانَ المَشْهُورُ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ابْنَتانِ صارَ الجَمْعُ مُسْتَعْمَلًا في الِاثْنَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ الِاثْنَيْنِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]
وقِيلَ: كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ.
وتَعْتَرِضُ هَذا المَحْمَلَ عَقَبَتانِ.
الأُولى: أنَّ القَوْمَ كانُوا عَدَدًا كَثِيرًا فَكَيْفَ تَكْفِيهِمْ بِنْتانِ أوْ ثَلاثٌ.
الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ عَرْضٌ عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَكَيْفَ كانَتْ صِفَةُ هَذِهِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ البَناتِ وهم عَدَدٌ كَثِيرٌ، فَإنْ كانَ تَزْوِيجًا لَمْ يَكْفِينَ القَوْمَ وإنْ كانَ غَيْرَ تَزْوِيجٍ فَما هو ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَدُ القَوْمُ الَّذِينَ جاءُوهُ بِقَدْرِ عَدَدِ بَناتِهِ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَ بَناتِهِ حَتّى مِن قَوْمِهِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفَ
صفحة ١٢٨
لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَناتِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ بِالوَحْيِ لِلْمَصْلَحَةِ أنْ يَكُونَ مِن شَرْعِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إباحَةُ تَمْلِيكِ الأبِ بَناتِهِ إذا شاءَ، فَإنْ كانَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ شُرَكاءَ في مِلْكِ بَناتِهِ كانَ اسْتِمْتاعُ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ عَلى نَحْوِ ما كانَ البِغاءُ مِن بَقايا الجاهِلِيَّةِ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ.
وأمّا لَحاقُ النَّسَبِ في أوْلادِ مَن تَحْمِلُ مِنهُنَّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ لاحِقًا بِالَّذِي تَلِيطُهُ أُمُّهُ بِهِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْها، كَما كانَ الأمْرُ في البَغايا في صَدْرِ الإسْلامِ، ويَجُوزُ أنْ لا يَلْحَقَ الأوْلادُ بِآباءٍ فَيَكُونُوا لاحِقِينَ بِأُمَّهاتِهِمْ مِثْلَ ابْنِ الزِّنا ووَلَدِ اللِّعانِ، ويَكُونُ هَذا التَّحْلِيلُ مُباحًا ارْتِكابًا لِأخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وهو مِمّا يُشْرَعُ شَرْعًا مُؤَقَّتًا مِثْلَ ما شُرِعَ نِكاحُ المُتْعَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صارَ مُحَرَّمًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اشْتَغَلَ المُفَسِّرُونَ عَنْ تَحْرِيرِ هَذا بِمَسْألَةٍ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ بِالكُفّارِ وهو فُضُولٌ.
وفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ لِأنَّهم إذا امْتَثَلُوا ما عَرَضَ لَهم مِنَ النِّساءِ فاتَّقُوا اللَّهَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. وأثْبَتَها أبُو عَمْرٍو.
والخِزْيُ: الإهانَةُ والمَذَلَّةُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وأرادَ مَذَلَّتَهُ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. جَعَلَ الضَّيْفَ كالظَّرْفِ، أيْ لا تَجْعَلُونِي مَخْزِيًّا عِنْدَ ضَيْفِي إذْ يَلْحَقُهم أذًى في ضِيافَتِي؛ لِأنَّ الضِّيافَةَ جِوارٌ عِنْدِ رَبِّ المَنزِلِ، فَإذا لَحِقَتِ الضَّيْفَ إهانَةٌ كانَتْ عارًا عَلى رَبِّ المَنزِلِ.
والضَّيْفٌ: الضّائِفُ، أيِ النّازِلُ في مَنزِلِ أحَدٍ نُزُولًا غَيْرَ دائِمٍ، لِأجْلِ مُرُورٍ في سَفَرٍ أوْ إجابَةِ دَعْوَةٍ.
صفحة ١٢٩
وأصْلُ ضَيْفٍ مَصْدَرُ فِعْلِ ضافَ يَضِيفُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وأكْثَرَ، وعَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ غَيْرِ المَصْدَرِ فَيُجْمَعُ كَما قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا
وقَدْ ظَنَّ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَلائِكَةَ رِجالًا مارِّينَ بِبَيْتِهِ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ لِلِاسْتِراحَةِ والطَّعامِ والمَبِيتِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ لِأنَّ إهانَةَ الضَّيْفِ مَسَبَّةٌ لا يَفْعَلُها إلّا أهْلُ السَّفاهَةِ.
وقَوْلُهُ: مِنكم بِمَعْنى بَعْضُكم، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمالُؤَهم عَلى الباطِلِ وانْعِدامِ رَجُلٍ رَشِيدٍ مِن بَيْنِهِمْ، وهَذا إغْراءٌ لَهم عَلى التَّعَقُّلِ لِيَظْهَرَ فِيهِمْ مَن يَتَفَطَّنُ إلى فَسادِ ما هم فِيهِ فَيَنْهاهم، فَإنَّ ظُهُورَ الرَّشِيدِ في الفِئَةِ الضّالَّةِ يَفْتَحُ بابَ الرَّشادِ لَهم. وبِالعَكْسِ تَمالُؤُهم عَلى الباطِلِ يَزِيدُهم ضَراوَةً بِهِ.
هود 11:79
صفحة ١٢٦
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِيَ ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾
أيْ جاءَهُ بَعْضُ قَوْمِهِ. وإنَّما أُسْنِدَ المَجِيءُ إلى القَوْمِ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ المَجِيءِ دَأْبُهم وقَدْ تَمالَئُوا عَلى مِثْلِهِ، فَإذا جاءَ بَعْضُهم فَسَيَعْقُبُهُ مَجِيءُ بَعْضٍ آخَرَ في وقْتٍ آخَرَ. وهَذا مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى القَبِيلَةِ إذا فَعَلَهُ بَعْضُهُما، كَقَوْلِ الحارِثِ ابْنِ وعْلَةَ الجَرْمِيِّ:
قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أخِي فَإذا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي
ويُهْرَعُونَ - بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ - فَسَّرُوهُ بِالمَشْيِ الشَّبِيهِ بِمَشْيِ المَدْفُوعِ، وهو بَيْنَ الخَبَبِ والجَمْزِ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ أصْلَهُ مَشْيُ الأسِيرِ الَّذِي يُسْرَعُ بِهِ. وهَذا البِناءُ يَقْتَضِي أنَّ الهَرْعَ هو دَفْعُ الماشِي حِينَ مَشْيِهِ. إلّا أنَّ ذَلِكَ تُنُوسِيَ وبَقِيَ أهْرَعَ بِمَعْنى سارَ سَيْرًا كَسَيْرِ المَدْفُوعِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّهُ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي التَزَمُوا فِيها صِيغَةَ المَفْعُولِ لِأنَّها في الأصْلِ مُسْنَدَةٌ إلى فاعِلٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ. وفَسَّرَهُ في الصِّحاحِ والقامُوسِ بِأنَّهُ الِارْتِعادُ مِن غَضَبٍ أوْ خَوْفٍ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَجُمْلَةُ يُهْرَعُونَ حالٌ.
وقَدْ طَوى القُرْآنُ ذِكْرَ الغَرَضِ الَّذِي جاءُوا لِأجْلِهِ مَعَ الإشارَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَقَدْ صارَتْ لَهم دَأْبًا لا يَسْعَوْنَ إلّا لِأجْلِهِ.
وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾، إذْ قَدْ عَلِمَ السّامِعُ غَرَضَهم مِن مَجِيئِهِمْ، فَهو بِحَيْثُ يَسْألُ عَمّا تَلَقّاهم بِهِ.
وبادَرَهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالنِّداءِ وبِأنَّهم قَوْمُهُ تَرْقِيقٌ لِنُفُوسِهِمْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ تَصَلُّبَهم في عادَتِهِمُ الفَظِيعَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ﴾، كَما سَيَأْتِي.
صفحة ١٢٧
والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى (بَناتِي) . و(بَناتِي) بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، والإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في العَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: فَخُذُوهُنَّ.
وجُمْلَةُ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْعَرْضِ. ومَعْنى (﴿هُنَّ أطْهَرُ﴾) أنَّهُنَّ حَلالٌ لَكم يَحُلْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ الفاحِشَةِ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ قُصِدَ بِهِ قُوَّةُ الطَّهارَةِ.
و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى جَمْعٍ، إذْ بُيِّنَ بِقَولِهِ: بَناتِي
وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا ابْنَتانِ، فالظّاهِرُ أنَّ إطْلاقَ البَناتِ هُنا مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ هَؤُلاءِ نِساؤُهُنَّ كَبَناتِي. وأرادَ نِساءً مِن قَوْمِهِ بِعَدَدِ القَوْمِ الَّذِينَ جاءُوا يُهْرَعُونَ إلَيْهِ. وهَذا مَعْنى ما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وهو المُناسِبُ لِجَعْلِهِنَّ لِقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، فَإنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ حَضَرُوا عِنْدَهُ كَثِيرُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى: هَؤُلاءِ النِّساءُ فَتَزَوَّجُوهُنَّ. وهَذا أحْسَنُ المَحامِلِ.
وقِيلَ: أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ قَتادَةَ. وإذْ كانَ المَشْهُورُ أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ ابْنَتانِ صارَ الجَمْعُ مُسْتَعْمَلًا في الِاثْنَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ الِاثْنَيْنِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]
وقِيلَ: كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ.
وتَعْتَرِضُ هَذا المَحْمَلَ عَقَبَتانِ.
الأُولى: أنَّ القَوْمَ كانُوا عَدَدًا كَثِيرًا فَكَيْفَ تَكْفِيهِمْ بِنْتانِ أوْ ثَلاثٌ.
الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ عَرْضٌ عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، فَكَيْفَ كانَتْ صِفَةُ هَذِهِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ البَناتِ وهم عَدَدٌ كَثِيرٌ، فَإنْ كانَ تَزْوِيجًا لَمْ يَكْفِينَ القَوْمَ وإنْ كانَ غَيْرَ تَزْوِيجٍ فَما هو ؟
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَدَدُ القَوْمُ الَّذِينَ جاءُوهُ بِقَدْرِ عَدَدِ بَناتِهِ أوْ أنْ يَكُونَ مَعَ بَناتِهِ حَتّى مِن قَوْمِهِ. وعَنِ الثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفَ
صفحة ١٢٨
لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَناتِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَصَرُّفًا بِوَصْفِ النُّبُوَّةِ بِالوَحْيِ لِلْمَصْلَحَةِ أنْ يَكُونَ مِن شَرْعِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إباحَةُ تَمْلِيكِ الأبِ بَناتِهِ إذا شاءَ، فَإنْ كانَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ شُرَكاءَ في مِلْكِ بَناتِهِ كانَ اسْتِمْتاعُ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ عَلى نَحْوِ ما كانَ البِغاءُ مِن بَقايا الجاهِلِيَّةِ في صَدْرِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ.
وأمّا لَحاقُ النَّسَبِ في أوْلادِ مَن تَحْمِلُ مِنهُنَّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَلَدُ لاحِقًا بِالَّذِي تَلِيطُهُ أُمُّهُ بِهِ مِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلَيْها، كَما كانَ الأمْرُ في البَغايا في صَدْرِ الإسْلامِ، ويَجُوزُ أنْ لا يَلْحَقَ الأوْلادُ بِآباءٍ فَيَكُونُوا لاحِقِينَ بِأُمَّهاتِهِمْ مِثْلَ ابْنِ الزِّنا ووَلَدِ اللِّعانِ، ويَكُونُ هَذا التَّحْلِيلُ مُباحًا ارْتِكابًا لِأخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وهو مِمّا يُشْرَعُ شَرْعًا مُؤَقَّتًا مِثْلَ ما شُرِعَ نِكاحُ المُتْعَةِ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ صارَ مُحَرَّمًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقَدِ اشْتَغَلَ المُفَسِّرُونَ عَنْ تَحْرِيرِ هَذا بِمَسْألَةٍ تَزْوِيجِ المُؤْمِناتِ بِالكُفّارِ وهو فُضُولٌ.
وفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ أنْ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ لِأنَّهم إذا امْتَثَلُوا ما عَرَضَ لَهم مِنَ النِّساءِ فاتَّقُوا اللَّهَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ [الحجر: ٦٩] بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. وأثْبَتَها أبُو عَمْرٍو.
والخِزْيُ: الإهانَةُ والمَذَلَّةُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وأرادَ مَذَلَّتَهُ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. جَعَلَ الضَّيْفَ كالظَّرْفِ، أيْ لا تَجْعَلُونِي مَخْزِيًّا عِنْدَ ضَيْفِي إذْ يَلْحَقُهم أذًى في ضِيافَتِي؛ لِأنَّ الضِّيافَةَ جِوارٌ عِنْدِ رَبِّ المَنزِلِ، فَإذا لَحِقَتِ الضَّيْفَ إهانَةٌ كانَتْ عارًا عَلى رَبِّ المَنزِلِ.
والضَّيْفٌ: الضّائِفُ، أيِ النّازِلُ في مَنزِلِ أحَدٍ نُزُولًا غَيْرَ دائِمٍ، لِأجْلِ مُرُورٍ في سَفَرٍ أوْ إجابَةِ دَعْوَةٍ.
صفحة ١٢٩
وأصْلُ ضَيْفٍ مَصْدَرُ فِعْلِ ضافَ يَضِيفُ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وأكْثَرَ، وعَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وقَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ غَيْرِ المَصْدَرِ فَيُجْمَعُ كَما قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
نَزَلْتُمْ مَنزِلَ الأضْيافِ مِنّا
وقَدْ ظَنَّ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَلائِكَةَ رِجالًا مارِّينَ بِبَيْتِهِ فَنَزَلُوا عِنْدَهُ لِلِاسْتِراحَةِ والطَّعامِ والمَبِيتِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ لِأنَّ إهانَةَ الضَّيْفِ مَسَبَّةٌ لا يَفْعَلُها إلّا أهْلُ السَّفاهَةِ.
وقَوْلُهُ: مِنكم بِمَعْنى بَعْضُكم، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمالُؤَهم عَلى الباطِلِ وانْعِدامِ رَجُلٍ رَشِيدٍ مِن بَيْنِهِمْ، وهَذا إغْراءٌ لَهم عَلى التَّعَقُّلِ لِيَظْهَرَ فِيهِمْ مَن يَتَفَطَّنُ إلى فَسادِ ما هم فِيهِ فَيَنْهاهم، فَإنَّ ظُهُورَ الرَّشِيدِ في الفِئَةِ الضّالَّةِ يَفْتَحُ بابَ الرَّشادِ لَهم. وبِالعَكْسِ تَمالُؤُهم عَلى الباطِلِ يَزِيدُهم ضَراوَةً بِهِ.
هود 11:80
﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾
فُصِلَتْ جُمْلَةُ (قالُوا) عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و(لَقَدْ عَلِمْتَ) تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ، فَأُكِّدَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ يَعْلَمُ لِأنَّ حالَهُ في عَرْضِهِ بَناتِهِ عَلَيْهِمْ كَحالِ مَن لا يَعْلَمُ خُلُقَهم، وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، وكِلا الخَبَرَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ ما لَنا رَغْبَةٌ في بَناتِكَ وإنَّكَ تَعْلَمُ مُرادَنا.
صفحة ١٣٠
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]
و(ما) الأُولى نافِيَةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، و(ما) الثّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ.
والحَقُّ: ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ لِأحَدٍ أوْ عَلَيْهِ، فَيُقالُ: لَهُ حَقٌّ في كَذا، إذا كانَ مُسْتَحِقًّا لَهُ، ويُقالُ: ما لَهُ حَقٌّ في كَذا بِمَعْنى لا يَسْتَحِقُّهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّعَلُّقِ بِالشَّيْءِ وعَنِ التَّجافِي عَنْهُ. وهو إطْلاقٌ لَمْ أرَ مِثْلَهُ، وقَدْ تَحَيَّزَ المُفَسِّرُونَ في تَقْرِيرِهِ. والمَعْنى: ما لَنا في بَناتِكَ رَغْبَةٌ.
وجَوابُهُ بِـ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾ جَوابُ يائِسٍ مِنِ ارْعِوائِهِمْ.
و(لَوْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي، وهَذا أقْصى ما أمْكَنَهُ في تَغْيِيرِ هَذا المُنْكَرِ.
والباءُ في بِكم لِلِاسْتِعْلاءِ، أيْ عَلَيْكم. يُقالُ: ما لِي بِهِ قُوَّةٌ وما لِي بِهِ طاقَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]
ويَقُولُونَ: ما لِي بِهَذا الأمْرِ يَدانِ، أيْ قُدْرَةٌ أوْ حِيلَةٌ عَلَيْهِ.
والمَعْنى: لَيْتَ لِي قُوَّةً أدْفَعُكم بِها، ويُرِيدُ بِذَلِكَ قُوَّةَ أنْصارٍ لِأنَّهُ كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم.
ومَعْنى ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أوْ أعْتَصِمُ بِما فِيهِ مَنَعَةٌ، أيْ بِمَكانٍ أوْ ذِي سُلْطانٍ يَمْنَعُنِي مِنكم.
والرُّكْنُ: الشِّقُّ مِنَ الجَبَلِ المُتَّصِلِ بِالأرْضِ.
هود 11:81
صفحة ١٣١
﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فاسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾
هَذا كَلامُ المَلائِكَةِ لِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كاشَفُوهُ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ مُرْسَلُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وإذْ قَدْ كانُوا في صُورَةِ البَشَرِ وكانُوا حاضِرِي المُجادَلَةِ حَكى كَلامَهم بِمِثْلِ ما تُحْكى بِهِ المُحاوَراتُ فَجاءَ قَوْلُهم بِدُونِ حَرْفِ العَطْفِ عَلى نَحْوِ ما حُكِيَ قَوْلُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُ قَوْمِهِ. وهَذا الكَلامُ الَّذِي كَلَّمُوا بِهِ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْيٌ أوْحاهُ اللَّهُ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَإنَّهُ لَمّا بَلَغَ بِلُوطٍ تَوَقُّعُ أذى ضَيْفِهِ مَبْلَغَ الجَزَعِ ونَفادَ الحِيلَةِ جاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ - تَعالى - مَعَ رُسُلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] ٣ .
وابْتَدَأ المَلائِكَةُ خِطابَهم لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالتَّعْرِيفِ بِأنْفُسِهِمْ لِتَعْجِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهم مَلائِكَةٌ عَلِمَ أنَّهم ما نَزَلُوا إلّا لِإظْهارِ الحَقِّ. قالَ تَعالى: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] . ثُمَّ ألْحَقُوا هَذا التَّعْرِيفَ بِالبِشارَةِ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ . وجِيءَ بِحَرْفِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم خاطَبُوهُ بِما يُزِيلُ الشَّكَّ مِن نَفْسِهِ. وقَدْ صَرَفَ اللَّهُ الكُفّارَ عَنْ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَجَعُوا مِن حَيْثُ أتَوْا، ولَوْ أزالَ عَنِ المَلائِكَةِ التَّشَكُّلَ بِالأجْسادِ البَشَرِيَّةِ فَأخْفاهم عَنْ عُيُونِ الكُفّارِ لَحَسِبُوا أنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْفاهم فَكانُوا يُؤْذُونَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِذَلِكَ قالَ لَهُ المَلائِكَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ ولَمْ يَقُولُوا لَنْ يَنالُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ فَإنَّهم لَمّا أعْلَمُوا لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ما كانَ يَشُكُّ في أنَّ الكُفّارَ لا يَنالُونَهم، ولَكِنَّهُ يَخْشى سَوْرَتَهم أنْ يَتَّهِمُوهُ بِأنَّهُ أخْفاهم.
ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ أعْمى أبْصارَ المُراوِدِينَ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ
صفحة ١٣٢
ضَيْفِهِ حَتّى قالُوا: إنَّ ضَيْفَ لُوطٍ سَحَرَةٌ فانْصَرَفُوا. وذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ القَمَرِ ﴿ولَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] .
وجُمْلَةُ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ جُمْلَةِ ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ فَلَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ.
وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِالسُّرى عَلى جُمْلَةِ ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ لِما في حَرْفِ لَنْ مِن ضَمانِ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، فَلَمّا رَأى ابْتِداءَ سَلامَتِهِ مِنهم بِانْصِرافِهِمْ حَسُنَ أنْ يُبَيِّنَ لَهُ وجْهَ سَلامَتِهِ في المُسْتَقْبَلِ مِنهم بِاسْتِئْصالِهِمْ وبِنَجاتِهِ، فَذَلِكَ مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.
و(أسْرِ) أمْرٌ بِالسُّرى - بِضَمِّ السِّينِ - والقَصْرِ. وهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِلسَّيْرِ في اللَّيْلِ إلى الصَّباحِ. وفِعْلُهُ: سَرى يُقالُ بِدُونِ هَمْزَةٍ في أوَّلِهِ ويُقالُ: أسْرى بِالهَمْزَةِ.
قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ. وأبُو جَعْفَرٍ - بِهَمْزَةِ وصْلٍ - عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن سَرى. وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ عَلى أنَّهُ مِن أسْرى.
وقَدْ جَمَعُوهُ في الأمْرِ مَعَ أهْلِهِ لِأنَّهُ إذا سَرى بِهِمْ فَقَدْ سَرى بِنَفْسِهِ إذْ لَوْ بَعَثَ أهْلَهُ وبَقِيَ هو لَما صَحَّ أنْ يُقالَ: أسْرِ بِهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبْتُ زَيْدًا وبَيْنَ ذَهَبْتُ بِهِ.
والقِطْعُ - بِكَسْرِ القافِ -: الجُزْءُ مِنَ اللَّيْلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ. والِالتِفاتُ المَنهِيُّ عَنْهُ هو الِالتِفاتُ إلى المَكانِ المَأْمُورِ بِمُغادَرَتِهِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ.
وسَبَبُ النَّهْيِ عَنِ الِالتِفاتِ التَّقَصِّي في تَحْقِيقِ مَعْنى الهِجْرَةِ غَضَبًا لِحُرُماتِ اللَّهِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ التَّعَلُّقَ بِالوَطَنِ ولَوْ تَعَلُّقَ الرُّؤْيَةَ. وكانَ تَعْيِينُ اللَّيْلِ لِلْخُرُوجِ كَيْلا يُلاقِي مُمانَعَةً مِن قَوْمِهِ أوْ مِن زَوْجِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ دِفاعُهم.
صفحة ١٣٣
وإلّا امْرَأتَكَ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِكَ، وهو مَنصُوبٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ اعْتِبارًا بِأنَّهُ مُسْتَثْنى مِن أهْلِكَ وذَلِكَ كَلامٌ مُوجَبٌ، والمَعْنى: لا تَسْرِ بِها، أُرِيدَ أنْ لا يُعْلِمَها بِخُرُوجِهِ لِأنَّها كانَتْ مُخْلِصَةً لِقَوْمِها فَتُخْبِرُهم عَنْ زَوْجِها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِرَفْعِ (امْرَأتُكَ) عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أحَدِ الواقِعِ في سِياقِ النَّهْيِ، وهو في مَعْنى النَّفْيِ. قِيلَ: إنَّ امْرَأتَهُ خَرَجَتْ مَعَهم ثُمَّ التَفَتَتْ إلى المَدِينَةِ فَحَنَّتْ إلى قَوْمِها فَرَجَعَتْ إلَيْهِمْ. والمَعْنى أنَّهُ نَهاهم عَنِ الِالتِفاتِ فامْتَثَلُوا ولَمْ تَمْتَثِلِ امْرَأتُهُ لِلنَّهْيِ فالتَفَتَتْ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فالِاسْتِثْناءُ مِن كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ النَّهْيُ. والتَّقْدِيرُ: فَلا يَلْتَفِتُونَ إلّا امْرَأتَكَ تَلْتَفِتُ.
وجُمْلَةُ، ﴿إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المُقَدَّرِ.
وفِي قَوْلِهِ: ما أصابَهُمُ اسْتِعْمالُ فِعْلِ المُضِيِّ في مَعْنى الحالِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ما يُصِيبُهم، فاسْتِعْمالُ فِعْلِ المُضِيِّ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى: (﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]) الآيَةَ، أوْ في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ قُطِعَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها اهْتِمامًا وتَهْوِيلًا.
والمَوْعِدُ: وقْتُ الوَعْدِ. والوَعْدُ أعَمُّ مِنَ الوَعِيدِ فَيُطْلَقُ عَلى تَعْيِينِ الشَّرِّ في المُسْتَقْبَلِ. والمُرادُ بِالمَوْعِدِ هُنا مَوْعِدُ العَذابِ الَّذِي عَلِمَهُ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إمّا بِوَحْيٍ سابِقٍ، وإمّا بِقَرِينَةِ الحالِ، وإمّا بِإخْبارٍ مِنَ المَلائِكَةِ في ذَلِكَ المَقامِ طَوَتْهُ الآيَةُ هُنا إيجازًا، وبِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ صَحَّ تَعْرِيفُ الوَعْدِ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ صَدَرَ مِنَ المَلائِكَةِ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِهِ مِنِ اسْتِبْطاءِ نُزُولِ العَذابِ.
صفحة ١٣٤
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، ولِذَلِكَ يَقَعُ في مَثَلِهِ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ إرْخاءً لِلْعِنانِ مَعَ المُخاطَبِ المُقَرَّرِ لِيَعْرِفَ خَطَأهُ. وإنَّما قالُوا ذَلِكَ في أوَّلِ اللَّيْلِ.
هود 11:82
﴿فَلَمّا جا أمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا
وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ تَعَودُ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَجْرُورَةُ بِالإضافَةِ وبِحَرْفِ (عَلى) عَلى القَرْيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.
والمَعْنى أنَّ القَرْيَةَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمِ انْقِلابَ خَسْفٍ حَتّى صارَ عالِيَ البُيُوتِ سافِلًا. أيْ وسافِلُها عالِيًا، وذَلِكَ مِنَ انْقِلابِ الأرْضِ بِهِمْ.
وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَعْلِ العالِي سافِلًا لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإهانَةِ.
والسِّجِّيلُ: فُسِّرَ بِوادٍ نارٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ: سِجِّيلٌ بِاللّامِ، وسَجِّينٌ بِالنُّونِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِحِجارَةٍ كَأنَّها مِن سِجِّيلِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وجِلْدُها مِن أطُومِ البَيْتِ
وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ كِبْرِيتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ. ولَعَلَّ الخَسْفَ فَجَّرَ مِنَ الأرْضِ بَراكِينَ قَذَفَتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةَ مَعادِنٍ مُحْرِقَةٍ كالكِبْرِيتِ، أوْ لَعَلَّ بُرْكانًا كانَ قَرِيبًا مِن مُدُنِهِمُ انْفَجَرَ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ ثُمَّ زالَ مِن ذَلِكَ
صفحة ١٣٥
المَكانِ بِحَوادِثَ تَعاقَبَتْ في القُرُونِ، أوْ طَمى عَلَيْهِ البَحْرُ وبَقِيَ أثَرُ البَحْرِ عَلَيْها حَتّى الآنَ، وهو المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ أوِ البَحْرَ المَيِّتَ.
وقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ (سَنْكَ جِيلَ) عَنِ الفارِسِيَّةِ أيْ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ.
والمَنضُودُ: المَوْضُوعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى هُنا أنَّها مُتَتابِعَةٌ مُتَتالِيَةٌ في النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَها فَتْرَةٌ. والمُرادُ وصْفُ الحِجارَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحِجارَةَ لَمّا جُعِلَتْ مِن سِجِّيلٍ أُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى سِجِّيلٍ وهو يُفْضِي إلى وصْفِ الحِجارَةِ لِأنَّها مِنهُ.
والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَها سِيما، وهي العَلامَةُ. والعَلاماتُ تُوضَعُ لِأغْراضٍ، مِنها عَدَمُ الِاشْتِباهِ، ومِنها سُهُولَةُ الإحْضارِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنِ المُعَدَّةِ المُهَيَّئَةِ لِأنَّ الإعْدادَ مِن لَوازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأنَّ تَسْوِيمَها عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْدِيرُهُ إيّاها لَهم.
وضَمِيرُ (وما هي) يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وهي المَدِينَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى وما تِلْكَ القَرْيَةُ بِبَعِيدٍ عَنِ المُشْرِكِينَ، أيِ العَرَبِ، فَمَن شاءَ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَيَنْظُرُ مَصِيرَها، فالمُرادُ البُعْدُ المَكانِيُّ. ويَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى الحِجارَةِ، أيْ وما تِلْكَ الحِجارَةُ بِبَعِيدٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْمِيَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِها. والبُعْدُ بِمَعْنى تَعَذُّرِ الحُصُولِ ونَفْيِهِ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنَيَيْنِ وهو بَعِيدٌ.
وجُرِّدَ (بَعِيدٍ) عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ الحِجارَةِ وهي مُؤَنَّثٌ لَفْظًا، ومَعَ كَوْنِ (بَعِيدٍ) هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فالشَّأْنُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في تَأْنِيثِهِ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا جَرى عَلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . وقِيلَ:
صفحة ١٣٦
إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] مِن هَذا القَبِيلِ، أيْ باغِيَةٌ. وقِيلَ: أصْلُهُ فَعُولٌ بَغُويٌ فَوَقَعَ إبْدالٌ وإدْغامٌ. وتَأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما هُنا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ (هي) .
هود 11:83
﴿فَلَمّا جا أمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةٍ عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ فَلَمّا جاءَ أمْرُنا
وقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ تَعَودُ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَجْرُورَةُ بِالإضافَةِ وبِحَرْفِ (عَلى) عَلى القَرْيَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ السِّياقِ.
والمَعْنى أنَّ القَرْيَةَ انْقَلَبَتْ عَلَيْهِمِ انْقِلابَ خَسْفٍ حَتّى صارَ عالِيَ البُيُوتِ سافِلًا. أيْ وسافِلُها عالِيًا، وذَلِكَ مِنَ انْقِلابِ الأرْضِ بِهِمْ.
وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ جَعْلِ العالِي سافِلًا لِأنَّهُ أدْخَلُ في الإهانَةِ.
والسِّجِّيلُ: فُسِّرَ بِوادٍ نارٍ في جَهَنَّمَ يُقالُ: سِجِّيلٌ بِاللّامِ، وسَجِّينٌ بِالنُّونِ. ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِحِجارَةٍ كَأنَّها مِن سِجِّيلِ جَهَنَّمَ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وجِلْدُها مِن أطُومِ البَيْتِ
وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ كِبْرِيتًا ونارًا مِنَ السَّماءِ. ولَعَلَّ الخَسْفَ فَجَّرَ مِنَ الأرْضِ بَراكِينَ قَذَفَتْ عَلَيْهِمْ حِجارَةَ مَعادِنٍ مُحْرِقَةٍ كالكِبْرِيتِ، أوْ لَعَلَّ بُرْكانًا كانَ قَرِيبًا مِن مُدُنِهِمُ انْفَجَرَ بِاضْطِراباتٍ أرْضِيَّةٍ ثُمَّ زالَ مِن ذَلِكَ
صفحة ١٣٥
المَكانِ بِحَوادِثَ تَعاقَبَتْ في القُرُونِ، أوْ طَمى عَلَيْهِ البَحْرُ وبَقِيَ أثَرُ البَحْرِ عَلَيْها حَتّى الآنَ، وهو المُسَمّى بُحَيْرَةَ لُوطٍ أوِ البَحْرَ المَيِّتَ.
وقِيلَ: سِجِّيلٌ مُعَرَّبُ (سَنْكَ جِيلَ) عَنِ الفارِسِيَّةِ أيْ حَجَرٌ مَخْلُوطٌ بِطِينٍ.
والمَنضُودُ: المَوْضُوعُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى هُنا أنَّها مُتَتابِعَةٌ مُتَتالِيَةٌ في النُّزُولِ لَيْسَ بَيْنَها فَتْرَةٌ. والمُرادُ وصْفُ الحِجارَةِ بِذَلِكَ إلّا أنَّ الحِجارَةَ لَمّا جُعِلَتْ مِن سِجِّيلٍ أُجْرِيَ الوَصْفُ عَلى سِجِّيلٍ وهو يُفْضِي إلى وصْفِ الحِجارَةِ لِأنَّها مِنهُ.
والمُسَوَّمَةُ: الَّتِي لَها سِيما، وهي العَلامَةُ. والعَلاماتُ تُوضَعُ لِأغْراضٍ، مِنها عَدَمُ الِاشْتِباهِ، ومِنها سُهُولَةُ الإحْضارِ، وهو هُنا مُكَنّى بِهِ عَنِ المُعَدَّةِ المُهَيَّئَةِ لِأنَّ الإعْدادَ مِن لَوازِمَ التَّوْسِيمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّكَ لِأنَّ تَسْوِيمَها عِنْدَ اللَّهِ هو تَقْدِيرُهُ إيّاها لَهم.
وضَمِيرُ (وما هي) يَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ المَجْرُورَةُ قَبْلَهُ وهي المَدِينَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى وما تِلْكَ القَرْيَةُ بِبَعِيدٍ عَنِ المُشْرِكِينَ، أيِ العَرَبِ، فَمَن شاءَ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَيَنْظُرُ مَصِيرَها، فالمُرادُ البُعْدُ المَكانِيُّ. ويَصْلُحُ لِأنْ يَعُودَ إلى الحِجارَةِ، أيْ وما تِلْكَ الحِجارَةُ بِبَعِيدٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْمِيَ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِها. والبُعْدُ بِمَعْنى تَعَذُّرِ الحُصُولِ ونَفْيِهِ بِإمْكانِ حُصُولِهِ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ مَعَ صِحَّةِ المَعْنَيَيْنِ وهو بَعِيدٌ.
وجُرِّدَ (بَعِيدٍ) عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِهِ خَبَرًا عَنِ الحِجارَةِ وهي مُؤَنَّثٌ لَفْظًا، ومَعَ كَوْنِ (بَعِيدٍ) هُنا بِمَعْنى فاعِلٍ لا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فالشَّأْنُ أنْ يُطابِقَ مَوْصُوفَهُ في تَأْنِيثِهِ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدْ يُجْرُونَ فَعِيلًا الَّذِي بِمَعْنى فاعِلٍ مَجْرى الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا جَرى عَلى مُؤَنَّثٍ غَيْرِ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] . وقِيلَ:
صفحة ١٣٦
إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] مِن هَذا القَبِيلِ، أيْ باغِيَةٌ. وقِيلَ: أصْلُهُ فَعُولٌ بَغُويٌ فَوَقَعَ إبْدالٌ وإدْغامٌ. وتَأوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما هُنا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مُعادِ ضَمِيرِ (هي) .
هود 11:84
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.
أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:
أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.
وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.
ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.
فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ
صفحة ١٣٧
الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.
والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.
ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.
و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.
وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ
صفحة ١٣٨
يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ضِدَّهُ ظُلْمٌ وجُورٌ وهو قَبِيحٌ مُنْكَرٌ.
والقِسْطُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.
والبَخْسُ: النَّقْصُ. وتَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُفَسَّرًا. وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ تَذْيِيلٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. لِأنَّ التَّطْفِيفَ مِن بَخْسِ النّاسِ في أشْيائِهِمْ، وتَعْدِيَةُ (تَبْخَسُوا) إلى مَفْعُولَيْنِ بِاعْتِبارِهِ ضِدَّ أعْطى فَهو مِن بابِ كَسا.
والعَثْيُ - بِالياءِ - مِن بابِ سَعى ورَمى ورَضِيَ، وبِالواوِ كَدَعا، هو: الفَسادُ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ كُلِّهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) المَقْصُودُ مِنهُ تَعْمِيمُ أماكِنِ الفَسادِ.
والفَسادُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ حَصَلَ النَّهْيُ عَنِ الأعَمِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العامِّ، وبِهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ مُؤَكِّداتٍ: بِالأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ الخاصِّ، ثُمَّ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ بِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِ التَّعْمِيمِ الأعَمِّ بِتَعْمِيمِ المَكانِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِهِ بِالمُؤَكِّدِ اللَّفْظِيِّ.
وسَلَكَ في نَهْيِهِمْ عَنِ الفَسادِ مَسْلَكَ التَّدَرُّجِ فابْتَدَأهُ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الفَسادِ فاشٍ فِيهِمْ وهو التَّطْفِيفُ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّوْعِ وهو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنِ الجِنْسِ الأعْلى لِلْفَسادِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ وهو الإفْسادُ في الأرْضِ كُلُّهُ. وهَذا مِن أسالِيبِ الحِكْمَةِ في تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ بِقَبُولِ الإرْشادِ والكَمالِ.
صفحة ١٣٩
وإذْ قَدْ كانَتْ غايَةُ المُفْسِدِ مِنَ الإفْسادِ اجْتِلابَ ما فِيهِ نَفْعٌ عاجِلٌ لَهُ مِن نَوالِ ما يُحِبُّهُ أعْقَبَ شُعَيْبٌ مَوْعِظَتَهُ بِما ادَّخَرَهُ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ وهو النَّفْعُ الباقِي هو خَيْرٌ لَهم مِمّا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ المَتاعِ العاجِلِ.
ولَفْظُ (بَقِيَّةٌ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ في كَلامِ العَرَبِ، مِنها: الدَّوامُ، ومُؤْذِنَةٌ بِضِدِّهِ وهو الزَّوالُ، فَأفادَتْ أنَّ ما يَقْتَرِفُونَهُ مَتاعٌ زائِلٌ، وما يَدْعُوهم إلَيْهِ حَظٌّ باقٍ غَيْرُ زائِلٍ، وبَقاؤُهُ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ.
فَأمّا كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا فَلِأنَّ الكَسْبَ الحَلّالَ ناشِئٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ شَرْعِيٍّ فِطْرِيٍّ، فَهو حاصِلٌ مِن تَراضٍ بَيْنَ الأُمَّةِ فَلا يَحْنَقُ المَأْخُوذُ مِنهُ عَلى آخِذِهِ فَيُعادِيهِ ويَتَرَبَّصُ بِهِ الدَّوائِرَ فَبِتَجَنُّبِ ذَلِكَ تَبْقى الأُمَّةُ في أمْنٍ مِن تَوَثُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنَ الأمْوالَ بِالدِّماءِ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» فَكَما أنَّ إهْراقَ الدِّماءِ بِدُونِ حَقٍّ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي بَيْنَ الأُمَّةِ فَكَذَلِكَ انْتِزاعُ الأمْوالِ بِدُونِ وجْهِها يُفْضِي إلى التَّواثُبِ والتَّثاوُرِ فَتَكُونُ مُعَرَّضَةً لِلِابْتِزازِ والزَّوالِ. وأيْضًا فَلِأنَّ نَوالَها بِدُونِ رِضى اللَّهِ عَنْ وسائِلِ أخْذِها كُفْرانٌ لِلَّهِ يُعَرِّضُ إلى تَسْلِيطِ عِقابِهِ بِسَلْبِها مِن أصْحابِها. قالَ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ .
وأمّا كَوْنُهُ أُخْرَوِيًّا فَلِأنَّ نَهْيَ اللَّهِ عَنْها مُقارَنٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَلى تَرْكِها، وذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] .
عَلى أنَّ لَفْظَ البَقِيَّةِ يَتَحَمَّلُ مَعْنًى آخَرَ مِنَ الفَضْلِ في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَعْنى الخَيْرِ والبَرَكَةِ لِأنَّهُ لا يَبْقى إلّا ما يَحْتَفِظُ بِهِ أصْحابُهُ وهو النَّفائِسُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَتِ البَقِيَّةُ عَلى الشَّيْءِ النَّفِيسِ المُبارَكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،
صفحة ١٤٠
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ أوْ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ:
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتٌ
قالَ المَرْزُوقِيُّ: المَعْنى ثُمَّ يَأْتِينِي خِيارُكم وأماثِلُكم يُقِيمُونَ المَعْذِرَةَ وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ أهْلٍ، أيْ مِن أفاضِلِهِمْ.
وفِي كَلِمَةِ البَقِيَّةِ مَعْنًى آخَرُ وهو الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ يَقُولُونَ عِنْدَ طَلَبِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ: ابْقُوا عَلَيْنا، ويَقُولُونَ ”البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، قالَ الأعْشى:
قالُوا البَقِيَّةَ - والهِنْدِيُّ يَحْصُدُهم - ∗∗∗ - ولا بَقِيَّةَ إلّا الثّارُ - وانْكَشَفُوا
وقالَ مِسْوَرُ بْنُ زِيادَةَ الحارِثِيُّ:
أُذَكَّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي
والمَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم ونَجاتُكم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ الأعْراضِ العاجِلَةِ السَّيِّئَةِ العاقِبَةَ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ الِاسْتِئْصالِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحَةٌ هُنا. ولَعَلَّ كَلامَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اشْتَمَلَ عَلى جَمِيعِها فَحَكاهُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجامِعَةِ.
وإضافَةُ (بَقِيَّةٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى المَعانِي كُلِّها جَمْعًا وتَفْرِيقًا إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَيَمُّنٍ. وهي إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ لِأنَّ البَقِيَّةَ مِن فَضْلِهِ أوْ مِمّا أمَرَ بِهِ.
ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم؛ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ مَفاسِدَهم ويَرْتَكِبُونَ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا إذا صَدَّقُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ تَكُونُ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرًا لَهم، فَمَوْقِعُ الشَّرْطِ هو كَوْنُ البَقِيَّةِ خَيْرًا لَهم، أيْ لا تَكُونُ البَقِيَّةُ خَيْرًا إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٤١
وجاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ في زَمانِ الحالِ تَقْرِيبًا لِإيمانِهِمْ بِإظْهارِ الحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ في الحالِ واسْتِعْجالًا بِإيمانِهِمْ لِئَلّا يَفْجَأهُمُ العَذابُ فَيَفُوتُ التَّدارُكُ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا ونَظائِرِهِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ بِاخْتِيارِكم لِأنَّهُ لِصَلاحِكم ولَسْتُ مُكْرِهِكم عَلى فِعْلِهِ.
والحَفِيظُ: المُجْبِرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ لِئَلّا يَشْمَئِزُّوا مِنَ الأمْرِ. وهَذا اسْتِقْصاءٌ في التَّرْغِيبِ وحُسْنِ الجِدالِ.
هود 11:85
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.
أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:
أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.
وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.
ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.
فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ
صفحة ١٣٧
الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.
والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.
ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.
و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.
وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ
صفحة ١٣٨
يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ضِدَّهُ ظُلْمٌ وجُورٌ وهو قَبِيحٌ مُنْكَرٌ.
والقِسْطُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.
والبَخْسُ: النَّقْصُ. وتَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُفَسَّرًا. وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ تَذْيِيلٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. لِأنَّ التَّطْفِيفَ مِن بَخْسِ النّاسِ في أشْيائِهِمْ، وتَعْدِيَةُ (تَبْخَسُوا) إلى مَفْعُولَيْنِ بِاعْتِبارِهِ ضِدَّ أعْطى فَهو مِن بابِ كَسا.
والعَثْيُ - بِالياءِ - مِن بابِ سَعى ورَمى ورَضِيَ، وبِالواوِ كَدَعا، هو: الفَسادُ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ كُلِّهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) المَقْصُودُ مِنهُ تَعْمِيمُ أماكِنِ الفَسادِ.
والفَسادُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ حَصَلَ النَّهْيُ عَنِ الأعَمِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العامِّ، وبِهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ مُؤَكِّداتٍ: بِالأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ الخاصِّ، ثُمَّ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ بِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِ التَّعْمِيمِ الأعَمِّ بِتَعْمِيمِ المَكانِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِهِ بِالمُؤَكِّدِ اللَّفْظِيِّ.
وسَلَكَ في نَهْيِهِمْ عَنِ الفَسادِ مَسْلَكَ التَّدَرُّجِ فابْتَدَأهُ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الفَسادِ فاشٍ فِيهِمْ وهو التَّطْفِيفُ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّوْعِ وهو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنِ الجِنْسِ الأعْلى لِلْفَسادِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ وهو الإفْسادُ في الأرْضِ كُلُّهُ. وهَذا مِن أسالِيبِ الحِكْمَةِ في تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ بِقَبُولِ الإرْشادِ والكَمالِ.
صفحة ١٣٩
وإذْ قَدْ كانَتْ غايَةُ المُفْسِدِ مِنَ الإفْسادِ اجْتِلابَ ما فِيهِ نَفْعٌ عاجِلٌ لَهُ مِن نَوالِ ما يُحِبُّهُ أعْقَبَ شُعَيْبٌ مَوْعِظَتَهُ بِما ادَّخَرَهُ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ وهو النَّفْعُ الباقِي هو خَيْرٌ لَهم مِمّا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ المَتاعِ العاجِلِ.
ولَفْظُ (بَقِيَّةٌ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ في كَلامِ العَرَبِ، مِنها: الدَّوامُ، ومُؤْذِنَةٌ بِضِدِّهِ وهو الزَّوالُ، فَأفادَتْ أنَّ ما يَقْتَرِفُونَهُ مَتاعٌ زائِلٌ، وما يَدْعُوهم إلَيْهِ حَظٌّ باقٍ غَيْرُ زائِلٍ، وبَقاؤُهُ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ.
فَأمّا كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا فَلِأنَّ الكَسْبَ الحَلّالَ ناشِئٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ شَرْعِيٍّ فِطْرِيٍّ، فَهو حاصِلٌ مِن تَراضٍ بَيْنَ الأُمَّةِ فَلا يَحْنَقُ المَأْخُوذُ مِنهُ عَلى آخِذِهِ فَيُعادِيهِ ويَتَرَبَّصُ بِهِ الدَّوائِرَ فَبِتَجَنُّبِ ذَلِكَ تَبْقى الأُمَّةُ في أمْنٍ مِن تَوَثُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنَ الأمْوالَ بِالدِّماءِ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» فَكَما أنَّ إهْراقَ الدِّماءِ بِدُونِ حَقٍّ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي بَيْنَ الأُمَّةِ فَكَذَلِكَ انْتِزاعُ الأمْوالِ بِدُونِ وجْهِها يُفْضِي إلى التَّواثُبِ والتَّثاوُرِ فَتَكُونُ مُعَرَّضَةً لِلِابْتِزازِ والزَّوالِ. وأيْضًا فَلِأنَّ نَوالَها بِدُونِ رِضى اللَّهِ عَنْ وسائِلِ أخْذِها كُفْرانٌ لِلَّهِ يُعَرِّضُ إلى تَسْلِيطِ عِقابِهِ بِسَلْبِها مِن أصْحابِها. قالَ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ .
وأمّا كَوْنُهُ أُخْرَوِيًّا فَلِأنَّ نَهْيَ اللَّهِ عَنْها مُقارَنٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَلى تَرْكِها، وذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] .
عَلى أنَّ لَفْظَ البَقِيَّةِ يَتَحَمَّلُ مَعْنًى آخَرَ مِنَ الفَضْلِ في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَعْنى الخَيْرِ والبَرَكَةِ لِأنَّهُ لا يَبْقى إلّا ما يَحْتَفِظُ بِهِ أصْحابُهُ وهو النَّفائِسُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَتِ البَقِيَّةُ عَلى الشَّيْءِ النَّفِيسِ المُبارَكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،
صفحة ١٤٠
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ أوْ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ:
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتٌ
قالَ المَرْزُوقِيُّ: المَعْنى ثُمَّ يَأْتِينِي خِيارُكم وأماثِلُكم يُقِيمُونَ المَعْذِرَةَ وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ أهْلٍ، أيْ مِن أفاضِلِهِمْ.
وفِي كَلِمَةِ البَقِيَّةِ مَعْنًى آخَرُ وهو الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ يَقُولُونَ عِنْدَ طَلَبِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ: ابْقُوا عَلَيْنا، ويَقُولُونَ ”البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، قالَ الأعْشى:
قالُوا البَقِيَّةَ - والهِنْدِيُّ يَحْصُدُهم - ∗∗∗ - ولا بَقِيَّةَ إلّا الثّارُ - وانْكَشَفُوا
وقالَ مِسْوَرُ بْنُ زِيادَةَ الحارِثِيُّ:
أُذَكَّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي
والمَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم ونَجاتُكم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ الأعْراضِ العاجِلَةِ السَّيِّئَةِ العاقِبَةَ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ الِاسْتِئْصالِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحَةٌ هُنا. ولَعَلَّ كَلامَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اشْتَمَلَ عَلى جَمِيعِها فَحَكاهُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجامِعَةِ.
وإضافَةُ (بَقِيَّةٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى المَعانِي كُلِّها جَمْعًا وتَفْرِيقًا إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَيَمُّنٍ. وهي إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ لِأنَّ البَقِيَّةَ مِن فَضْلِهِ أوْ مِمّا أمَرَ بِهِ.
ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم؛ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ مَفاسِدَهم ويَرْتَكِبُونَ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا إذا صَدَّقُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ تَكُونُ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرًا لَهم، فَمَوْقِعُ الشَّرْطِ هو كَوْنُ البَقِيَّةِ خَيْرًا لَهم، أيْ لا تَكُونُ البَقِيَّةُ خَيْرًا إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٤١
وجاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ في زَمانِ الحالِ تَقْرِيبًا لِإيمانِهِمْ بِإظْهارِ الحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ في الحالِ واسْتِعْجالًا بِإيمانِهِمْ لِئَلّا يَفْجَأهُمُ العَذابُ فَيَفُوتُ التَّدارُكُ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا ونَظائِرِهِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ بِاخْتِيارِكم لِأنَّهُ لِصَلاحِكم ولَسْتُ مُكْرِهِكم عَلى فِعْلِهِ.
والحَفِيظُ: المُجْبِرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ لِئَلّا يَشْمَئِزُّوا مِنَ الأمْرِ. وهَذا اسْتِقْصاءٌ في التَّرْغِيبِ وحُسْنِ الجِدالِ.
هود 11:86
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّيَ أراكم بِخَيْرٍ وإنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾
قَوْلُهُ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: مِن إلَهٍ غَيْرُهُ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [هود: ٦١] إلَخْ.
أمَرَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ:
أحَدُها: إصْلاحُ الِاعْتِقادِ، وهو مِن إصْلاحِ العُقُولِ والفِكْرِ.
وثالِثُها: صَلاحُ الأعْمالِ والتَّصَرُّفاتِ في العالَمِ بِأنْ لا يُفْسِدُوا في الأرْضِ.
ووَسَّطَ بَيْنَهُما الثّانِي: وهو شَيْءٌ مِن صَلاحِ العَمَلِ خُصَّ بِالنَّهْيِ لِأنَّ إقْدامَهم عَلَيْهِ كانَ فاشِيًا فِيهِمْ حَتّى نَسُوا ما فِيهِ مِن قُبْحٍ وفَسادٍ وهَذا هو الكَفُّ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ.
فابْتَدَأ بِالأمْرِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أصْلُ الصَّلاحِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مُتَفَشِّيَةً فِيهِمْ وهي خِيانَةُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ
صفحة ١٣٧
الأعْرافِ. وهي مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّها تَجْمَعُ خَصْلَتَيِ السَّرِقَةِ والغَدْرِ؛ لِأنَّ المُكْتالَ مُسْتَرْسِلٌ مُسْتَسْلِمٌ. ونَهاهم عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ وعَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ فَعَزَّزَهُ بِالأمْرِ بِضِدِّهِ وهو إيفاؤُهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ. والمَقْصُودُ مِن ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أنَّكم بِخَيْرٍ. وإنَّما ذَكَرَ رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ لِأنَّها في مَعْنى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَحَقٌّ عَلَيْهِمْ شُكْرُها. والباءُ في بِخَيْرٍ لِلْمُلابَسَةِ.
والخَيْرُ: حُسْنُ الحالَةِ. ويُطْلَقُ عَلى المالِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] . والأوْلى حَمْلُهُ عَلَيْهِ هُنا لِيَكُونَ أدْخَلَ في تَعْلِيلِ النَّهْيِ، أيْ إنَّكم في غِنًى عَنْ هَذا التَّطْفِيفِ بِما أُوتِيتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ والثَّرْوَةِ. وهَذا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قُبْحَ ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ التَّطْفِيفِ في نَظَرِ أهْلِ المُرُوءَةِ ويَقْطَعُ مِنهُمُ العُذْرَ في ارْتِكابِهِ. وهَذا حَثٌّ عَلى وسِيلَةِ بَقاءِ النِّعْمَةِ.
ثُمَّ ارْتَقى في تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِأنَّهُ يَخافُ عَلَيْهِمْ عَذابًا يَحِلُّ بِهِمْ إمّا يَوْمَ القِيامَةِ وإمّا في الدُّنْيا. ولِصُلُوحِيَّتِهِ لِلْأمْرَيْنِ أجْمَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ . وهَذا تَحْذِيرٌ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعْمَةِ وعِصْيانِ واهِبِها.
و(مُحِيطٌ) وصْفٌ لِيَوْمٍ عَلى وجْهِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ مُحِيطٌ عَذابُهُ، والقَرِينَةُ هي إضافَةُ العَذابِ إلَيْهِ.
وإعادَةُ النِّداءِ في جُمْلَةِ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ﴾ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالجُمْلَةِ والتَّنْبِيهِ لِمَضْمُونِها، وهو الأمْرُ بِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ. وهَذا الأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ عَنْ نَقْصِهِما. والشَّيْءُ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] . لِزِيادَةِ التَّرْغِيبِ في الإيفاءِ بِطَلَبِ حُصُولِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: بِالقِسْطِ لِلْمُلابَسَةِ. وهو مُتَعَلِّقٌ بِأوْفُوا فَيُفِيدُ أنَّ الإيفاءَ
صفحة ١٣٨
يُلابِسُهُ القِسْطُ، أيِ العَدْلُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِهِ؛ لِأنَّ العَدْلَ مَعْرُوفٌ حَسَنٌ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ضِدَّهُ ظُلْمٌ وجُورٌ وهو قَبِيحٌ مُنْكَرٌ.
والقِسْطُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.
والبَخْسُ: النَّقْصُ. وتَقَدَّمَ في قِصَّتِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ مُفَسَّرًا. وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ نَقْصِ المِكْيالِ والمِيزانِ تَذْيِيلٌ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ تَخْصِيصٍ. لِأنَّ التَّطْفِيفَ مِن بَخْسِ النّاسِ في أشْيائِهِمْ، وتَعْدِيَةُ (تَبْخَسُوا) إلى مَفْعُولَيْنِ بِاعْتِبارِهِ ضِدَّ أعْطى فَهو مِن بابِ كَسا.
والعَثْيُ - بِالياءِ - مِن بابِ سَعى ورَمى ورَضِيَ، وبِالواوِ كَدَعا، هو: الفَسادُ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (مُفْسِدِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها مِثْلَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ الفَسادِ كُلِّهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (في الأرْضِ) المَقْصُودُ مِنهُ تَعْمِيمُ أماكِنِ الفَسادِ.
والفَسادُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١١] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ حَصَلَ النَّهْيُ عَنِ الأعَمِّ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ العامِّ، وبِهِ حَصَلَتْ خَمْسَةُ مُؤَكِّداتٍ: بِالأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ الخاصِّ، ثُمَّ بِالتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ بِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِ التَّعْمِيمِ الأعَمِّ بِتَعْمِيمِ المَكانِ، ثُمَّ بِتَأْكِيدِهِ بِالمُؤَكِّدِ اللَّفْظِيِّ.
وسَلَكَ في نَهْيِهِمْ عَنِ الفَسادِ مَسْلَكَ التَّدَرُّجِ فابْتَدَأهُ بِنَهْيِهِمْ عَنْ نَوْعٍ مِنَ الفَسادِ فاشٍ فِيهِمْ وهو التَّطْفِيفُ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنْ جِنْسِ ذَلِكَ النَّوْعِ وهو أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ثُمَّ ارْتَقى فَنَهاهم عَنِ الجِنْسِ الأعْلى لِلْفَسادِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ أنْواعِ المَفاسِدِ وهو الإفْسادُ في الأرْضِ كُلُّهُ. وهَذا مِن أسالِيبِ الحِكْمَةِ في تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ بِقَبُولِ الإرْشادِ والكَمالِ.
صفحة ١٣٩
وإذْ قَدْ كانَتْ غايَةُ المُفْسِدِ مِنَ الإفْسادِ اجْتِلابَ ما فِيهِ نَفْعٌ عاجِلٌ لَهُ مِن نَوالِ ما يُحِبُّهُ أعْقَبَ شُعَيْبٌ مَوْعِظَتَهُ بِما ادَّخَرَهُ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ وهو النَّفْعُ الباقِي هو خَيْرٌ لَهم مِمّا يَقْتَرِفُونَهُ مِنَ المَتاعِ العاجِلِ.
ولَفْظُ (بَقِيَّةٌ) كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ في كَلامِ العَرَبِ، مِنها: الدَّوامُ، ومُؤْذِنَةٌ بِضِدِّهِ وهو الزَّوالُ، فَأفادَتْ أنَّ ما يَقْتَرِفُونَهُ مَتاعٌ زائِلٌ، وما يَدْعُوهم إلَيْهِ حَظٌّ باقٍ غَيْرُ زائِلٍ، وبَقاؤُهُ دُنْيَوِيٌّ وأُخْرَوِيٌّ.
فَأمّا كَوْنُهُ دُنْيَوِيًّا فَلِأنَّ الكَسْبَ الحَلّالَ ناشِئٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ شَرْعِيٍّ فِطْرِيٍّ، فَهو حاصِلٌ مِن تَراضٍ بَيْنَ الأُمَّةِ فَلا يَحْنَقُ المَأْخُوذُ مِنهُ عَلى آخِذِهِ فَيُعادِيهِ ويَتَرَبَّصُ بِهِ الدَّوائِرَ فَبِتَجَنُّبِ ذَلِكَ تَبْقى الأُمَّةُ في أمْنٍ مِن تَوَثُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قَرَنَ الأمْوالَ بِالدِّماءِ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ» فَكَما أنَّ إهْراقَ الدِّماءِ بِدُونِ حَقٍّ يُفْضِي إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي بَيْنَ الأُمَّةِ فَكَذَلِكَ انْتِزاعُ الأمْوالِ بِدُونِ وجْهِها يُفْضِي إلى التَّواثُبِ والتَّثاوُرِ فَتَكُونُ مُعَرَّضَةً لِلِابْتِزازِ والزَّوالِ. وأيْضًا فَلِأنَّ نَوالَها بِدُونِ رِضى اللَّهِ عَنْ وسائِلِ أخْذِها كُفْرانٌ لِلَّهِ يُعَرِّضُ إلى تَسْلِيطِ عِقابِهِ بِسَلْبِها مِن أصْحابِها. قالَ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ: ”مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها“ .
وأمّا كَوْنُهُ أُخْرَوِيًّا فَلِأنَّ نَهْيَ اللَّهِ عَنْها مُقارَنٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ عَلى تَرْكِها، وذَلِكَ الجَزاءُ مِنَ النَّعِيمِ الخالِدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] .
عَلى أنَّ لَفْظَ البَقِيَّةِ يَتَحَمَّلُ مَعْنًى آخَرَ مِنَ الفَضْلِ في كَلامِ العَرَبِ، وهو مَعْنى الخَيْرِ والبَرَكَةِ لِأنَّهُ لا يَبْقى إلّا ما يَحْتَفِظُ بِهِ أصْحابُهُ وهو النَّفائِسُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَتِ البَقِيَّةُ عَلى الشَّيْءِ النَّفِيسِ المُبارَكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]،
صفحة ١٤٠
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ أوْ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ:
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتٌ
قالَ المَرْزُوقِيُّ: المَعْنى ثُمَّ يَأْتِينِي خِيارُكم وأماثِلُكم يُقِيمُونَ المَعْذِرَةَ وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ أهْلٍ، أيْ مِن أفاضِلِهِمْ.
وفِي كَلِمَةِ البَقِيَّةِ مَعْنًى آخَرُ وهو الإبْقاءُ عَلَيْهِمْ، والعَرَبُ يَقُولُونَ عِنْدَ طَلَبِ الكَفِّ عَنِ القِتالِ: ابْقُوا عَلَيْنا، ويَقُولُونَ ”البَقِيَّةَ البَقِيَّةَ“ بِالنَّصْبِ عَلى الإغْراءِ، قالَ الأعْشى:
قالُوا البَقِيَّةَ - والهِنْدِيُّ يَحْصُدُهم - ∗∗∗ - ولا بَقِيَّةَ إلّا الثّارُ - وانْكَشَفُوا
وقالَ مِسْوَرُ بْنُ زِيادَةَ الحارِثِيُّ:
أُذَكَّرُ بِالبُقْيا عَلى مَن أصابَنِي ∗∗∗ وبُقْيايَ أنِّي جاهِدٌ غَيْرُ مُؤْتَلِي
والمَعْنى إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم ونَجاتُكم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ خَيْرٌ لَكم مِن هَذِهِ الأعْراضِ العاجِلَةِ السَّيِّئَةِ العاقِبَةَ، فَيَكُونُ تَعْرِيضًا بِوَعِيدِ الِاسْتِئْصالِ. وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحَةٌ هُنا. ولَعَلَّ كَلامَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اشْتَمَلَ عَلى جَمِيعِها فَحَكاهُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجامِعَةِ.
وإضافَةُ (بَقِيَّةٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى المَعانِي كُلِّها جَمْعًا وتَفْرِيقًا إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَيَمُّنٍ. وهي إضافَةٌ عَلى مَعْنى اللّامِ لِأنَّ البَقِيَّةَ مِن فَضْلِهِ أوْ مِمّا أمَرَ بِهِ.
ومَعْنى إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم؛ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ مَفاسِدَهم ويَرْتَكِبُونَ ما أُمِرُوا بِهِ إلّا إذا صَدَّقُوا بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهُنالِكَ تَكُونُ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرًا لَهم، فَمَوْقِعُ الشَّرْطِ هو كَوْنُ البَقِيَّةِ خَيْرًا لَهم، أيْ لا تَكُونُ البَقِيَّةُ خَيْرًا إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
صفحة ١٤١
وجاءَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الِاتِّصافِ بِالفِعْلِ في زَمانِ الحالِ تَقْرِيبًا لِإيمانِهِمْ بِإظْهارِ الحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ في الحالِ واسْتِعْجالًا بِإيمانِهِمْ لِئَلّا يَفْجَأهُمُ العَذابُ فَيَفُوتُ التَّدارُكُ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ اعْبُدُوا ونَظائِرِهِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ بِاخْتِيارِكم لِأنَّهُ لِصَلاحِكم ولَسْتُ مُكْرِهِكم عَلى فِعْلِهِ.
والحَفِيظُ: المُجْبِرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ اسْتِنْزالُ طائِرِهِمْ لِئَلّا يَشْمَئِزُّوا مِنَ الأمْرِ. وهَذا اسْتِقْصاءٌ في التَّرْغِيبِ وحُسْنِ الجِدالِ.
هود 11:87
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾
كانَتِ الصَّلاةُ مِن عِمادِ الأدْيانِ كُلِّها. وكانَ المُكَذِّبُونَ المُلْحِدُونَ قَدْ تَمالَئُوا في كُلِّ أُمَّةٍ عَلى إنْكارِها والِاسْتِهْزاءِ بِفاعِلِها ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، فَلَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أخَصَّ أعْمالِهِ المُخالِفَةِ لِمُعْتادِهِمْ جَعَلُوها المُشِيرَةَ عَلَيْهِ بِما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ مِن أُمُورٍ مُخالِفَةٍ لِمُعْتادِهِمْ - بِناءً عَلى التَّناسُبِ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبِّبِ في مُخالَفَةِ المُعْتادِ - قَصْدًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِ والسُّخْرِيَةِ عَلَيْهِ تَكْذِيبًا لَهُ فِيما جاءَهم بِهِ، فَإسْنادُ الأمْرِ إلى الصَّلَواتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ العُقَلاءِ أنَّ الأفْعالَ لا تَأْمُرُ. والمَعْنى أنَّ صَلاتَهُ تَأْمُرُهُ بِأنَّهم يَتْرُكُونَ، أيْ تَأْمُرُهُ بِأنْ يَحْمِلَهم عَلى تَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُهم. إذْ مَعْنى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِعَمَلِ غَيْرِهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ بِأنْ يَأْمُرَهم بِأشْياءَ.
صفحة ١٤٢
و(ما) في قَوْلِهِ: ما يَعْبُدُ آباؤُنا مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى المَعْبُوداتِ. ومَعْنى تَرَكِها تَرْكُ عِبادَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ يَعْبُدُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ: أنْ نَتْرُكَ مِثْلَ عِبادَةِ آبائِنا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أصَلَواتُكَ) بِصِيغَةِ جَمْعِ صَلاةٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ (أصَلاتُكَ) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ.
و(أوْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ لِتَقْسِيمِ ما يَأْمُرُهم بِهِ لِأنَّ مِنهم مَن لا يَتَّجِرُ فَلا يُطَفِّفُ في الكَيْلِ والمِيزانِ فَهو قِسْمٌ آخَرُ مُتَمَيِّزٌ عَنْ بَقِيَّةِ الأُمَّةِ بِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ. فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يَعْبُدُ آباؤُنا، أيْ أنْ نَتْرُكَ فِعْلَ ما نَشاءُ في أمْوالِنا فَنَكُونَ طَوْعَ أمْرِكَ نَفْعَلُ ما تَأْمُرُنا بِفِعْلِهِ ونَتْرُكُ ما تَأْمُرُنا بِتَرْكِهِ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لا داعِيَ إلى جَعْلِ (أوْ) بِمَعْنى واوِ الجَمْعِ، كَما دَرَجَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِثْلَ البَيْضاوِيُّ والكَواشِيُّ وجَعَلُوهُ عَطْفًا عَلى (نَتْرُكُ) فَتَوَجَّسُوا عَدَمَ اسْتِقامَةِ المَعْنى كَما قالَ الطَّبَرِيُّ. وتَأوَّلَهُ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ أهْلِ البَصْرَةِ والآخَرُ عَنْ أهْلِ الكُوفَةِ، أحَدُهُما مَبْنِيٌّ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ والآخَرُ عَلى تَأْوِيلِ فِعْلِ (تَأْمُرُكَ) وكِلاهُما تَكَلُّفٌ. وأمّا الأكْثَرُ فَصارُوا إلى صَرْفِ (أوْ) عَنْ مُتَعارَفِ مَعْناها وقَدْ كانُوا في سَعَةٍ عَنْ ذَلِكَ. وسَكَتَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِثْلُ صاحِبِ الكَشّافِ. وأوْمَأ البَغَوِيُّ والنَّسَفِيُّ إلى ما صَرَّحْنا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ اسْتِئْنافُ تَهَكُّمٍ آخَرَ. وقَدْ جاءَتِ الجُمْلَةُ مُؤَكَّدَةٌ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ القَسَمِ وبِصِيغَةِ القَصْرِ في جُمْلَةِ ﴿لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فاشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ.
والحَلِيمُ، زِيادَةٌ في التَّهَكُّمِ: ذُو الحِلْمِ أيِ العَقْلِ، والرَّشِيدُ: الحَسَنُ التَّدْبِيرِ في المالِ.
هود 11:88
صفحة ١٤٣
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِيَ إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾
تَقَدَّمَ نَظِيرُ الآيَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ وقِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.
والمُرادُ بِالرِّزْقِ الحَسَنِ هُنا مِثْلُ المُرادِ مِنَ الرَّحْمَةِ في كَلامِ نُوحٍ وكَلامِ صالِحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وهو نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، وإنَّما عَبَّرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ النُّبُوَّةِ بِالرِّزْقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧] لِأنَّ الأمْوالَ أرْزاقٌ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ . والتَّقْدِيرُ: ماذا يَسَعُكم في تَكْذِيبِي، أوْ ماذا يُنْجِيكم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِي، وهو تَحْذِيرٌ لَهم عَلى فَرْضِ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ صادِقًا، أيْ فالحَزْمُ أنْ تَأْخُذُوا بِهَذا الِاحْتِمالِ، أوْ فالحَزْمُ أنْ تَنْظُرُوا في كُنْهِ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ لِصَلاحِكم.
ومَعْنى ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ مِنَ التّابِعِينَ مِن بَعْدِهِمْ: ما أُرِيدُ مِمّا نَهَيْتُكم عَنْهُ أنْ أمْنَعَكم أفْعالًا وأنا أفْعَلُها، أيْ لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ شَيْءٍ وأنا أفْعَلُهُ. وبَيَّنَ في الكَشّافِ إفادَةَ التَّرْكِيبِ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ ”يُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ. . . ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَيَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، يُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا“ اهـ.
وبَيانُهُ أنَّ المُخالَفَةَ تَدُلُّ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّ حالِهِ، فَإذا ذُكِرَتْ في غَرَضٍ دَلَّتْ عَلى الِاتِّصافِ بِضِدِّهِ، ثُمَّ يُبَيِّنُ وجْهَ المُخالَفَةِ بِذِكْرِ اسْمِ الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَ
صفحة ١٤٤
بِهِ الخِلافُ مَدْخُولًا لِحَرْفِ (إلى) الدّالِ عَلى الِانْتِهاءِ إلى شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِمْ خالَفَنِي إلى الماءِ لِتَضْمِينِ (أُخالِفَكم) مَعْنى السَّعْيِ إلى شَيْءٍ. ويَتَعَلَّقُ ﴿إلى ما أنْهاكُمْ﴾ بِفِعْلِ (أُخالِفَكم)، ويَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ مَفْعُولَ (أُرِيدُ) .
فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ أيْ أنْ أفْعَلَ خِلافَ الأفْعالِ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها بِأنْ أصْرِفَكم عَنْها وأنا أصِيرُ إلَيْها. والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ أمْرًا يَعُمُّ الأُمَّةَ وإيّاهُ وذَلِكَ شَأْنُ الشَّرائِعِ، كَما قالَ عُلَماؤُنا: إنَّ خِطابَ الأُمَّةِ يَشْمَلُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَفي هَذا إظْهارُ أنَّ ما نَهاهم عَنْهُ يَنْهى أيْضًا نَفْسَهُ عَنْهُ. وفي هَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى ما في النَّهْيِ مِنَ المَصْلَحَةِ، وعَلى أنَّ شَأْنَهُ لَيْسَ شَأْنَ الجَبابِرَةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ أعْمالٍ وهم يَأْتُونَها؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُنْبِئُ بِعَدَمِ النُّصْحِ فِيما يَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ، إذْ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ النُّصْحَ والخَيْرَ في ذَلِكَ لاخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ وإلى هَذا المَعْنى يَرْمِي التَّوْبِيخُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] أيْ وأنْتُمْ تَتْلُونَ كِتابَ الشَّرِيعَةِ العامَّةِ لَكم أفَلا تَعْقِلُونَ فَتَعْلَمُوا أنَّكم أوْلى بِجَلْبِ الخَيْرِ لِأنْفُسِكم.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنَ المُخالَفَةِ المُعاكَسَةُ والمُنازَعَةُ؛ إمّا لِأنَّهُ عَرَفَ مِن مَلامِحِ تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم تَوَهَّمُوهُ ساعِيًا إلى التَّمَلُّكِ عَلَيْهِمْ والتَّجَبُّرِ، وإمّا لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَقْلَعَ مِن نُفُوسِهِمْ خَواطِرَ الشَّرِّ قَبْلَ أنْ تَهْجِسَ فِيها.
وهَذا المَحْمَلُ في الآيَةِ يَسْمَحُ بِهِ اسْتِعْمالُ التَّرْكِيبِ ومَقاصِدُ الرُّسُلِ وهو أشْمَلُ لِلْمَعانِي مِن تَفْسِيرِ المُتَقَدِّمِينَ، فَلا يَنْبَغِي قَصْرُ تَفْسِيرِ الآيَةِ عَلى ما قالُوهُ لِأنَّهُ لا يُقابِلُ قَوْلَ قَوْمِهِ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ [هود: ٨٧]، فَإنَّهم ظَنُّوا بِهِ أنَّهُ ما قَصَدَ إلّا مُخالَفَتَهم وتَخْطِئَتَهم ونَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ قَصْدٌ صالِحٌ فِيما دَعاهم إلَيْهِ، فَكانَ مُقْتَضى إبْطالِ ظِنَّتِهِمْ أنْ يَنْفِيَ أنْ يُرِيدَ مُجَرَّدَ مُخالَفَتِهِمْ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِبِهِ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾
صفحة ١٤٥
فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ أنَّهُ ما يُرِيدُ مُجَرَّدَ المُخالَفَةِ كَشَأْنِ المُنْتَقِدِينَ المُتَقَعِّرِينَ ولَكِنْ يُخالِفُهم لِمَقْصِدٍ سامٍ وهو إرادَةُ إصْلاحِهِمْ. ومِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ما ورَدَ في الحَدِيثِ لَمّا جاءَ وفْدُ فَزارَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ”أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ، وقالَ عُمَرُ: أمِّرْ فُلانًا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: ما أرَدْتَ إلى خِلافِي فَقالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ إلى خِلافِكَ“ . فَهَذا التَّفْسِيرُ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ في هَذِهِ الآيَةِ. وفي هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنْتَقِدِينَ قِسْمانِ قِسْمٌ يَنْتَقِدُ الشَّيْءَ ويَقِفُ عِنْدَ حَدِّ النَّقْدِ دُونَ ارْتِقاءٍ إلى بَيانِ ما يُصْلِحُ المَنقُودَ. وقِسْمٌ يَنْتَقِدُ لِيُبَيِّنَ وجْهَ الخَطَأِ ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِبَيانِ ما يُصْلِحُ خَطَأهُ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَتَعَلَّقُ (إلى ما أنْهاكم) بِفِعْلِ (أُرِيدُ) وكَذَلِكَ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِـ (أُرِيدُ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ لامِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: ما أُرِيدُ إلى النَّهْيِ لِأجْلِ أنْ أُخالِفَكم، أيْ لِمَحَبَّةِ خِلافِكم.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ لِأنَّ انْتِفاءَ إرادَةِ المُخالَفَةِ إلى ما نَهاهم عَنْهُ مُجْمَلٌ فِيما يُرِيدُ إثْباتَهُ مِن أضْدادِ المَنفِيِّ فَبَيَّنَهُ بِأنَّ الضِّدَّ المُرادَ إثْباتُهُ هو الإصْلاحُ في جَمِيعِ أوْقاتِ اسْتِطاعَتِهِ بِتَحْصِيلِ الإصْلاحِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ.
وأفادَتْ صِيغَةُ القَصْرِ تَأْكِيدُ ذَلِكَ لِأنَّ القَصْرَ قَدْ كانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِصارِ عَلى النَّفْيِ والإثْباتِ نَحْوَ أنْ يَقُولَ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم أُرِيدُ الإصْلاحَ، كَقَوْلِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الحارِثِيِّ أوِ السَّمَوْألِ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
ولَمّا بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ عَمَلِهِ وكانَ في بَيانِهِ ما يَجُرُّ الثَّناءَ عَلى نَفْسِهِ أعْقَبَهُ بِإرْجاعِ الفَضْلِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ فَقالَ ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ فَسَمّى إرادَتَهُ الإصْلاحَ تَوْفِيقًا وجَعَلَهُ مِنَ اللَّهِ لا يَحْصُلُ في وقْتٍ إلّا بِاللَّهِ، أيْ بِإرادَتِهِ وهَدْيِهِ، فَجُمْلَةُ ﴿وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أُرِيدُ)
صفحة ١٤٦
والتَّوْفِيقُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وفْقًا لِآخَرَ، أيْ طِبْقًا لَهُ، ولِذَلِكَ عَرَّفُوهُ بِأنَّهُ خَلْقُ القُدْرَةِ الدّاعِيَةِ إلى الطّاعَةِ.
جُمْلَةُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: تَوْفِيقِي لِأنَّ المُضافَ هُنا كالجُزْءِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ فَيُسَوِّغُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.
والتَّوَكُّلُ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والإنابَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] .
هود 11:89
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِيَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النُّكْتَةِ في إعادَةِ النِّداءِ في الكَلامِ الواحِدِ لِمُخاطَبٍ مُتَّحِدٍ قَرِيبًا.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] في أوَّلِ العُقُودِ، أيْ لا يَكْسِبَنَّكم.
والشِّقاقُ: مَصْدَرٌ شاقَّهُ إذا عاداهُ. وقَدْ مَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] في أوَّلِ الأنْفالِ.
والمَعْنى: لا تَجُرُّ إلَيْكم عَداوَتُكم إيّايَ إصابَتَكم بِمِثْلِ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ في ظاهِرِهِ أنَّهُ يَنْهى الشِّقاقَ أنْ يُجَرَّ إلَيْهِمْ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ
صفحة ١٤٧
نَهْيُهم عَنْ أنْ يَجْعَلُوا الشِّقاقَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَتِهِ، فَيُوقِعُوا أنْفُسَهم في أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم فَيَحْسَبُوا أنَّهم يَمْكُرُونَ بِهِ بِإعْراضِهِمْ وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ.
ولَقَدْ كانَ فَضْحُ سُوءِ نَواياهُمُ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ عَقِبَ إظْهارِ حُسْنِ نِيَّتِهِ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] مُصادِفًا مَحَزَّ جَوْدَةِ الخَطابَةِ إذْ رَماهم بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِضِدِّ ما يُعامِلُهم بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: أنْ يُصِيبَكُمُ والواوُ رابِطَةُ الجُمْلَةِ. ولِمَعْنى الحالِ هُنا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَتِها إذِ اعْتُبِرَ قُرْبُ زَمانِهِمْ بِالمُخاطِبِينَ كَأنَّهُ حالَةٌ مِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ.
والمُرادُ بِالبُعْدِ بُعْدُ الزَّمَنِ والمَكانِ والنَّسَبِ، فَزَمَنُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ بَعِيدٍ في زَمَنِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدِّيارُ قَرِيبَةٌ مِن دِيارِهِمْ، إذْ مَنازِلُ مَدْيَنَ عِنْدَ عَقَبَةِ أيْلَةَ مُجاوِرَةٌ مَعانٍ مِمّا يَلِي الحِجازَ، ودِيارُ قَوْمِ لُوطٍ بِناحِيَةٍ الأُرْدُنِّ إلى البَحْرِ المَيِّتِ وكانَ مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو جَدُّ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِاسْمِهِ، مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ لُوطٍ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ مِن رَجاءِ العَفْوِ عَنْهم إذا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا.
وتَفَنَّنَ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ مَرَّةً وإلى ضَمِيرِ قَوْمِهِ أُخْرى لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهم كَيْلا يَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ ولِلتَّشَرُّفِ بِانْتِسابِهِ إلى مَخْلُوقِيَّتِهِ.
والرَّحِيمُ تَقَدَّمَ.
صفحة ١٤٨
والوَدُودُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المَحَبَّةِ لِمَن يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
هود 11:90
﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِيَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النُّكْتَةِ في إعادَةِ النِّداءِ في الكَلامِ الواحِدِ لِمُخاطَبٍ مُتَّحِدٍ قَرِيبًا.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢] في أوَّلِ العُقُودِ، أيْ لا يَكْسِبَنَّكم.
والشِّقاقُ: مَصْدَرٌ شاقَّهُ إذا عاداهُ. وقَدْ مَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] في أوَّلِ الأنْفالِ.
والمَعْنى: لا تَجُرُّ إلَيْكم عَداوَتُكم إيّايَ إصابَتَكم بِمِثْلِ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ إلى آخِرِهِ، فالكَلامُ في ظاهِرِهِ أنَّهُ يَنْهى الشِّقاقَ أنْ يُجَرَّ إلَيْهِمْ ذَلِكَ. والمَقْصُودُ
صفحة ١٤٧
نَهْيُهم عَنْ أنْ يَجْعَلُوا الشِّقاقَ سَبَبًا لِلْإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَتِهِ، فَيُوقِعُوا أنْفُسَهم في أنْ يُصِيبَهم عَذابٌ مِثْلَ ما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم فَيَحْسَبُوا أنَّهم يَمْكُرُونَ بِهِ بِإعْراضِهِمْ وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ.
ولَقَدْ كانَ فَضْحُ سُوءِ نَواياهُمُ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ عَقِبَ إظْهارِ حُسْنِ نِيَّتِهِ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] مُصادِفًا مَحَزَّ جَوْدَةِ الخَطابَةِ إذْ رَماهم بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِضِدِّ ما يُعامِلُهم بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: أنْ يُصِيبَكُمُ والواوُ رابِطَةُ الجُمْلَةِ. ولِمَعْنى الحالِ هُنا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَتِها إذِ اعْتُبِرَ قُرْبُ زَمانِهِمْ بِالمُخاطِبِينَ كَأنَّهُ حالَةٌ مِن أحْوالِ المُخاطَبِينَ.
والمُرادُ بِالبُعْدِ بُعْدُ الزَّمَنِ والمَكانِ والنَّسَبِ، فَزَمَنُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ بَعِيدٍ في زَمَنِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدِّيارُ قَرِيبَةٌ مِن دِيارِهِمْ، إذْ مَنازِلُ مَدْيَنَ عِنْدَ عَقَبَةِ أيْلَةَ مُجاوِرَةٌ مَعانٍ مِمّا يَلِي الحِجازَ، ودِيارُ قَوْمِ لُوطٍ بِناحِيَةٍ الأُرْدُنِّ إلى البَحْرِ المَيِّتِ وكانَ مَدْيَنُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وهو جَدُّ القَبِيلَةِ المُسَمّاةِ بِاسْمِهِ، مُتَزَوِّجًا بِابْنَةِ لُوطٍ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِاسْتِغْفارِهِ والتَّوْبَةِ إلَيْهِ، وهو تَعْلِيلٌ لِما يَقْتَضِيهِ الأمْرُ مِن رَجاءِ العَفْوِ عَنْهم إذا اسْتَغْفَرُوا وتابُوا.
وتَفَنَّنَ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ مَرَّةً وإلى ضَمِيرِ قَوْمِهِ أُخْرى لِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ رَبُّهم كَيْلا يَسْتَمِرُّوا عَلى الإعْراضِ ولِلتَّشَرُّفِ بِانْتِسابِهِ إلى مَخْلُوقِيَّتِهِ.
والرَّحِيمُ تَقَدَّمَ.
صفحة ١٤٨
والوَدُودُ: مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ الوُدِّ وهو المَحَبَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المَحَبَّةِ لِمَن يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ.
هود 11:91
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾
الفِقْهُ: الفَهْمُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ومُرادُهم مِن هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَصْدَ المُباهَتَةِ كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] وقَوْلِهِ عَنِ اليَهُودِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما نَتَعَقَّلُهُ لِأنَّهُ عِنْدَهم كالمُحالِ لِمُخالَفَتِهِ ما يَأْلَفُونَ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، ولَيْسَ المُرادُ عَدَمَ فَهْمِ كَلامِهِ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِقْوالًا فَصِيحًا، ووَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ خَطِيبُ الأنْبِياءِ.
فالمَعْنى: أنَّكَ تَقُولُ ما لا نُصَدِّقُ بِهِ. وهَذا مُقَدِّمَةٌ لِإدانَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ الذَّمَّ والعِقابَ عِنْدَهم في قَوْلِهِمْ ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلَيْهِ ﴿وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾ أيْ وإنَّكَ فِينا لَضَعِيفٌ، أيْ غَيْرُ ذِي قُوَّةٍ ولا مَنَعَةٍ. فالمُرادُ الضَّعْفُ عَنِ المُدافَعَةِ إذا رامُوا أذاهُ وذَلِكَ مِمّا يُرى لِأنَّهُ تُرى دَلائِلُهُ وسِماتُهُ.
وذِكْرُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ هُنا لِلتَّحْقِيقِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] بِحَيْثُ نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن
صفحة ١٤٩
يَظُنُّونَ أنَّهم لا يَرَوْنَ ذَلِكَ بِأبْصارِهِمْ فَصَرَّحُوا بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ. وأكَّدُوهُ بِإنَّ ولامِ الِابْتِداءِ مُبالَغَةً في تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ مَن يَجْهَلُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فِيهِ، أوْ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ. وفي هَذا التَّنْزِيلِ تَعْرِيضٌ بِغَباوَتِهِ كَما في قَوْلِ حَجَلَ بْنِ نَضْلَةَ:
إنْ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحٌ
ومِن فَسادِ التَّفاسِيرِ تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِفاقِدِ البَصَرِ وأنَّهُ لُغَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ فَرَكَّبُوا مِنهُ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْمى، وتَطَرَّقُوا مِن ذَلِكَ إلى فَرْضِ مَسْألَةِ جَوازِ العَمى عَلى الأنْبِياءِ، وهو بِناءٌ عَلى أوْهامٍ. ولَمْ يُعْرَفْ مِنَ الأثَرِ ولا مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ ما فِيهِ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ أعْمى.
وعَطَفُوا عَلى هَذا قَوْلَهم ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ وهو المَقْصُودُ مِمّا مُهِّدَ إلَيْهِ مِنَ المُقَدِّماتِ، أيْ لا يَصُدُّنا عَنْ رَجْمِكَ شَيْءٌ إلّا مَكانُ رَهْطِكَ فِينا؛ لِأنَّكَ أوْجَبْتَ رَجْمَكَ بِطَعْنِكَ في دِينِنا.
والرَّهْطُ إذا أُضِيفَ إلى رَجُلٍ أُرِيدَ بِهِ القَرابَةُ الأدْنَوْنَ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ كَثِيرًا، فَأطْلَقُوا عَلَيْهِمْ لَفْظَ الرَّهْطِ الَّذِي أصْلُهُ الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، ولَمْ يَقُولُوا قَوْمَكَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَبَذُوهُ. وكانَ رَهْطُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن خاصَّةٍ أهْلِ دِينِ قَوْمِهِ فَلِذَلِكَ وقَّرُوهم بِكَفِّ الأذى عَنْ قَرِيبِهِمْ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ ما يُؤْذِيهِ لِقَرابَتِهِ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما نَصَرَهُ رَهْطُهُ لِأنَّهم لا يَنْصُرُونَ مَن سَخِطَهُ أهْلُ دِينِهِمْ. عَلى أنَّ قَرابَتَهُ ما هم إلّا عَدَدٌ قَلِيلٌ لا يُخْشى بَأْسُهم ولَكِنَّ الإبْقاءَ عَلَيْهِ مُجَرَّدُ كَرامَةٍ لِقَرابَتِهِ لِأنَّهم مِنَ المُخْلِصِينَ لِدِينِهِمْ.
فالخَبَرُ المَحْذُوفُ بَعْدَ لَوْلا يُقَدَّرُ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى الكَرامَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢]، فَلَمّا نَفَوْا أنْ يَكُونَ عَزِيزًا وإنَّما عِزَّةُ الرَّجُلِ بِحُماتِهِ تَعَيَّنَ أنَّ وُجُودَ رَهْطِهِ المانِعِ مِن رَجْمِهِ وُجُودٌ خاصٌّ وهو وُجُودُ التَّكْرِيمِ والتَّوْقِيرِ، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا رَهْطُكَ مُكَرَّمُونَ عِنْدَنا لَرَجَمْناكَ.
صفحة ١٥٠
والرَّجْمُ: القَتْلُ بِالحِجارَةِ رَمْيًا، وهو قِتْلَةُ حَقارَةٍ وخِزْيٍ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ حُكْمَ مَن يَخْلَعُ دِينَهُ الرَّجْمُ في عَوائِدِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ لِأنَّهُ إذا انْتَفى كَوْنُهُ قَوِيًّا في نُفُوسِهِمْ تَعَيَّنَ أنَّ كَفَّهم عَنْ رَجْمِهِ مَعَ اسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ في اعْتِقادِهِمْ ما كانَ إلّا لِأجْلِ إكْرامِهِمْ رَهْطَهُ لا لِلْخَوْفِ مِنهم.
وإنَّما عُطِفَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها مَعَ أنَّ حَقَّ الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ أنْ تُفْصَلَ ولا تُعْطَفَ لِأنَّها مَعَ إفادَتِها تَأْكِيدَ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها قَدْ أفادَتْ أيْضًا حُكْمًا يَخُصُّ المُخاطَبَ فَكانَتْ بِهَذا الِاعْتِبارِ جَدِيرَةً بِأنْ تُعْطَفَ عَلى الجُمَلِ المُفِيدَةِ أحْوالَهُ مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ والجُمَلِ بَعْدَها.
والعِزَّةُ: القُوَّةُ والشِّدَّةُ والغَلَبَةُ. والعَزِيزُ: وصْفٌ مِنهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشِّدَّةِ والوَقْعِ عَلى النَّفْسِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، أيْ شَدِيدٌ عَلى نَفْسِهِ، فَمَعْنى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ أنَّكَ لا يُعْجِزُنا قَتْلُكَ ولا يَشْتَدُّ عَلى نُفُوسِنا، أيْ لِأنَّكَ هَيِّنٌ عَلَيْنا ومُحَقَّرٌ عِنْدَنا ولَيْسَ لَكَ مَن يَنْصُرُكَ مِنّا. وعِزَّةُ المَرْءِ عَلى قَبِيلَةٍ لا تَكُونُ غَلَبَةَ ذاتِهِ إذْ لا يَغْلِبُ واحِدٌ جَماعَةً، وإنَّما عِزَّتُهُ بِقَوْمِهِ وقَبِيلَتِهِ، كَما قالَ الأعْشى:
وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
فَمَعْنى ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ غَلَبَتَنا.
وقَصْدُهم مِن هَذا الكَلامِ تَحْذِيرُهُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى مُخالَفَةِ رَهْطِهِ بِأنَّهم يُوشِكُ أنْ يَخْلَعُوهُ ويُبِيحُوا لَهم رَجْمَهُ. وهَذِهِ مَعانٍ جِدُّ دَقِيقَةٍ وإيجازٌ جِدُّ بَدِيعٍ.
ولَيْسَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ بِمُفِيدٍ تَخْصِيصًا ولا تَقَوِّيًا.
هود 11:92
صفحة ١٥١
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِيَ أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
لَمّا أرادُوا بِالكَلامِ الَّذِي وجَّهُوهُ إلَيْهِ تَحْذِيرَهُ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى مُخالَفَةِ دِينِهِمْ، أجابَهم بِما يُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مُعَوِّلًا عَلى عِزَّةِ رَهْطِهِ ولَكِنَّهُ مُتَوَكِّلٌ عَلى اللَّهِ الَّذِي هو أعَزُّ مِن كُلِّ عَزِيزٍ، فالمَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ لازِمُهُ وهو أنَّهُ يَعْلَمُ مَضْمُونَ هَذا الخَبَرِ ولَيْسَ غافِلًا عَنْهُ، أيْ لَقَدْ عَلِمْتُ ما رَهْطِي أغْلَبُ لَكم مِنَ اللَّهِ فَلا أحْتاجُ إلى أنْ تُعامِلُونِي بِأنِّي غَيْرُ عَزِيزٍ عَلَيْكم ولا بِأنَّ قَرابَتِي فِئَةٌ قَلِيلَةٌ لا تُعْجِزُكم لَوْ شِئْتُمْ رَجْمِي.
وإعادَةُ النِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ لِكَلامِهِ وأنَّهُ مُتَبَصِّرٌ فِيهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيِ اللَّهُ أعَزُّ مِن رَهْطِي، وهو كِنايَةٌ عَنِ اعْتِزازِهِ بِاللَّهِ لا بِرَهْطِهِ فَلا يُرِيبُهُ عَدَمُ عِزَّةِ رَهْطِهِ عَلَيْهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ لِأنَّهُ أرْسَلَهُ فَعِزَّتُهُ بِعِزَّةِ مُرْسِلِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أيِ اللَّهُ أعَزُّ في حالِ أنَّكم نَسِيتُمْ ذَلِكَ. والِاتِّخاذُ: الجَعْلُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ:﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والظِّهْرِيُّ - بِكَسْرِ الظّاءِ - نِسْبَةٌ إلى الظَّهْرِ عَلى غَيْرِ قِياسِ، والتَّغْيِيراتُ في الكَلِمِ لِأجْلِ النِّسْبَةِ كَثِيرَةٌ. والمُرادُ بِالظِّهْرِيِّ الكِنايَةُ عَنِ النِّسْيانِ، أوِ الِاسْتِعارَةُ لِأنَّ الشَّيْءَ المَوْضُوعَ بِالوَراءِ يُنْسى لِقِلَّةِ مُشاهَدَتِهِ، فَهو يُشْبِهُ الشَّيْءَ المَجْعُولَ خَلْفَ الظَّهْرِ في ذَلِكَ، فَوَقَعَ (ظِهْرِيًّا) حالًا مُؤَكِّدَةً لِلظَّرْفِ في قَوْلِهِ: (وراءَكم) إغْراقًا في مَعْنى النِّسْيانِ لِأنَّهُمُ اشْتَغَلُوا بِالأصْنامِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ أوْ عَنْ مُلاحَظَةِ صِفاتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ اسْتِئْنافٌ، أوْ تَعْلِيلٌ لِمَفْهُومِ جُمْلَةِ ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو تَوَكُّلُهُ عَلَيْهِ واسْتِنْصارُهُ بِهِ.
صفحة ١٥٢
والمُحِيطُ: المَوْصُوفُ بِأنَّهُ فاعِلُ الإحاطَةِ. وأصْلُ الإحاطَةِ: حِصارُ شَيْءٍ شَيْئًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ مِثْلَ إحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ والسُّورِ بِالبَلْدَةِ والسُّوارِ بِالمِعْصَمِ. وفي المَقاماتِ الحَرِيرِيَّةِ:
”
وقَدْ أحاطَتْ بِهِ أخْلاطُ الزُّمَرِ، إحاطَةَ الهالَةِ بِالقَمَرِ،
والأكْمامِ بِالثَّمَرِ
“ . ويُطْلَقُ مَجازًا في قَوْلِهِمْ: أحاطَ عِلْمُهُ بِكَذا، وأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، بِمَعْنى عِلْمِ كُلِّ ما يَتَضَمَّنُ أنْ يُعْلَمَ في ذَلِكَ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَحُذِفَ التَّمْيِيزُ وأُسْنِدَتِ الإحاطَةُ إلى العالِمِ بِمَعْنى إحاطَةِ عِلْمِهِ، أيْ شُمُولِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ ما يُعْلَمُ في غَرَضٍ ما، قالَ - تَعالى: ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أيْ عِلْمُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والمُرادُ إحاطَةُ عِلْمِهِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ، وأنَّ اللَّهَ يُوشِكُ أنْ يُعاقِبَهم عَلى ما عَلِمَهُ مِن أعْمالِهِمْ.
هود 11:93
﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾
عَطَفَ نِداءً عَلى نِداءٍ زِيادَةً في التَّنْبِيهِ، والمَقْصُودُ عَطْفُ ما بَعْدَ النِّداءِ الثّانِي عَلى ما بَعْدَ النِّداءِ الأوَّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأمْرُ لِلتَّهْدِيدِ. والمَعْنى: اعْمَلُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن مَكانَتِكم، أيْ حالُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، أيِ اعْمَلُوا ما تُحِبُّونَ أنْ تَعْمَلُوهُ بِي.
وجُمْلَةُ (إنِّي عامِلٌ) مُسْتَأْنَفَةٌ. ولَمْ يَقْرِنْ حَرْفَ (سَوْفَ) في هَذِهِ الآيَةِ بِالفاءِ وقُرِنَ في آيَةِ سُورَةِ الأنْعامِ بِالفاءِ؛ فَجُمْلَةُ (سَوْفَ تَعْلَمُونَ) هُنا جُعِلَتْ مُسْتَأْنَفَةً
صفحة ١٥٣
اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا إذْ لَمّا فاتَحَهم بِالتَّهْدِيدِ كانَ ذَلِكَ يُنْشِئُ سُؤالًا في نُفُوسِهِمْ عَمّا يَنْشَأُ عَلى هَذا التَّهْدِيدِ فَيُجابُ بِالتَّهْدِيدِ بِسَوْفَ تَعْلَمُونَ. ولِكَوْنِهِ كَذَلِكَ كانَ مُساوِيًا لِلتَّفْرِيعِ بِالفاءِ الواقِعِ في آيَةِ الأنْعامِ في المَآلِ، ولَكِنَّهُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى نَشْأةِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ عَنْ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها؛ فَفي خِطابِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهَ مِنَ الشِّدَّةِ ما لَيْسَ في الخِطابِ المَأْمُورِ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في سُورَةِ الأنْعامِ جَرْيًا عَلى ما أرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ اللِّينِ لَهم ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . وكَذَلِكَ التَّفاوُتُ بَيْنَ مَعْمُولَيْ (تَعْلَمُونَ) فَهو هُنا غَلِيظٌ شَدِيدٌ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ﴾ وهو هُنالِكَ لَيِّنٌ ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥]
و(مَنِ) اسْتِفْهامٌ مُعَلَّقٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، أيْ تَعْلَمُونَ جَوابَ هَذا السُّؤالِ. والعَذابُ: خِزْيٌ لِأنَّهُ إهانَةٌ.
والِارْتِقابُ: التَّرَقُّبُ، وهو افْتِعالٌ مِن رَقَبَهُ إذا انْتَظَرَهُ.
والرَّقِيبُ هُنا فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٌ، أيْ إنِّي مَعَكم راقِبٌ، أيْ كُلٌّ يَرْتَقِبُ ما يُجازِيهِ اللَّهُ بِهِ إنْ كانَ كاذِبًا أوْ مُكَذِّبًا.
هود 11:94
﴿ولَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
عُطِفَ لَمّا جاءَ أمْرُنا هُنا وفي قَوْلِهِ في قِصَّةِ عادٍ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا﴾ [هود: ٥٨] بِالواوِ فِيهِما وعُطِفَ نَظِيراهُما في قِصَّةِ ثَمُودٍ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا﴾ [هود: ٦٦] وفي قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [هود: ٨٢] لِأنَّ قِصَّتَيْ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ كانَ فِيهِما تَعْيِينُ أجَلِ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ النَّبِيئانِ
صفحة ١٥٤
قَوْمَهُما؛ فَفي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، وفي قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]؛ فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا تَرْقُبُ السّامِعِ لِما حَلَّ بِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ المَوْعِدِ فَكانَ المَوْقِعُ لِلْفاءِ لِتَفْرِيعِ ما حَلَّ بِهِمْ عَلى الوَعِيدِ بِهِ. ولَيْسَ في قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ تَعْيِينٌ لِمَوْعِدِ العَذابِ ولَكِنَّ الوَعِيدَ فِيهِما مُجْمَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] .
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى جاءَ أمْرُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ في قِصَّةِ ثَمُودَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بُعْدًا في قِصَّةِ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فَهو تَشْبِيهُ البُعْدِ الَّذِي هو انْقِراضُ مَدْيَنَ بِانْقِراضِ ثَمُودَ. ووَجْهُ الشَّبَهِ التَّماثُلُ في سَبَبِ عِقابِهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ، وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ الِاسْتِطْرادَ بِذَمِّ ثَمُودَ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ جُرْأةً في مُناوَأةِ رُسُلِ اللَّهِ، فَلَمّا تَهَيَّأ المَقامُ لِاخْتِتامِ الكَلامِ في قَصَصِ الأُمَمِ البائِدَةِ ناسَبَ أنْ يُعادَ ذِكْرُ أشَدِّها كُفْرًا وعِنادًا فَشَبَّهَ هَلَكَ مَدْيَنَ بِهَلَكِهِمْ.
والِاسْتِطْرادُ فَنٌّ مِنَ البَدِيعِ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في الِاسْتِطْرادِ بِالهِجاءِ بِالحارِثِ أخِي أبِي جَهْلٍ:
إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْـتِـنِـي فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِـلَ دُونَـهُـمُ ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طَمَـرَّةٍ ولِـجَـامِ
هود 11:95
﴿ولَمّا جا أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
عُطِفَ لَمّا جاءَ أمْرُنا هُنا وفي قَوْلِهِ في قِصَّةِ عادٍ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا﴾ [هود: ٥٨] بِالواوِ فِيهِما وعُطِفَ نَظِيراهُما في قِصَّةِ ثَمُودٍ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا﴾ [هود: ٦٦] وفي قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [هود: ٨٢] لِأنَّ قِصَّتَيْ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ كانَ فِيهِما تَعْيِينُ أجَلِ العَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ النَّبِيئانِ
صفحة ١٥٤
قَوْمَهُما؛ فَفي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]، وفي قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]؛ فَكانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا تَرْقُبُ السّامِعِ لِما حَلَّ بِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ المَوْعِدِ فَكانَ المَوْقِعُ لِلْفاءِ لِتَفْرِيعِ ما حَلَّ بِهِمْ عَلى الوَعِيدِ بِهِ. ولَيْسَ في قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ تَعْيِينٌ لِمَوْعِدِ العَذابِ ولَكِنَّ الوَعِيدَ فِيهِما مُجْمَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [هود: ٥٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] .
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى جاءَ أمْرُنا إلى قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ في قِصَّةِ ثَمُودَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بُعْدًا في قِصَّةِ نُوحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] .
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فَهو تَشْبِيهُ البُعْدِ الَّذِي هو انْقِراضُ مَدْيَنَ بِانْقِراضِ ثَمُودَ. ووَجْهُ الشَّبَهِ التَّماثُلُ في سَبَبِ عِقابِهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ، وهو عَذابُ الصَّيْحَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ الِاسْتِطْرادَ بِذَمِّ ثَمُودَ لِأنَّهم كانُوا أشَدَّ جُرْأةً في مُناوَأةِ رُسُلِ اللَّهِ، فَلَمّا تَهَيَّأ المَقامُ لِاخْتِتامِ الكَلامِ في قَصَصِ الأُمَمِ البائِدَةِ ناسَبَ أنْ يُعادَ ذِكْرُ أشَدِّها كُفْرًا وعِنادًا فَشَبَّهَ هَلَكَ مَدْيَنَ بِهَلَكِهِمْ.
والِاسْتِطْرادُ فَنٌّ مِنَ البَدِيعِ. ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ في الِاسْتِطْرادِ بِالهِجاءِ بِالحارِثِ أخِي أبِي جَهْلٍ:
إنْ كُنْتِ كاذِبَةً الَّذِي حَدَّثْـتِـنِـي فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِـلَ دُونَـهُـمُ ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طَمَـرَّةٍ ولِـجَـامِ
هود 11:96
صفحة ١٥٥
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ. وعُقِّبَتْ قِصَّةُ مَدْيَنَ بِذِكْرِ بَعْثَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقُرْبِ ما بَيْنَ زَمَنَيْهِما، ولِشِدَّةِ الصِّلَةِ بَيْنَ النَّبِيِّينَ فَإنَّ مُوسى بُعِثَ في حَياةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وقَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ شُعَيْبٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِقَدْ مِثْلَ تَأْكِيدِ خَبَرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
والباءُ في (بِآياتِنا) لِلْمُصاحَبَةِ فَإنَّ ظُهُورَ الآياتِ كانَ مُصاحِبًا لِزَمَنِ الإرْسالِ إلى فِرْعَوْنَ وهو مُدَّةُ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ.
والسُّلْطانُ: البُرْهانُ المُبِينُ، أيِ المُظْهِرُ صِدْقَ الجائِي بِهِ وهو الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ أوِ التَّأْيِيدُ الإلَهِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وعُقِّبَ ذِكْرُ إرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذِكْرِ اتِّباعِ المَلَإ أمْرَ فِرْعَوْنَ لِأنَّ اتِّباعَهم أمْرَ فِرْعَوْنَ حَصَلَ بِأثَرِ الإرْسالِ فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَهم بِتَكْذِيبِ تِلْكَ الرِّسالَةِ.
وإظْهارُ اسْمِ فِرْعَوْنَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ دُونَ الضَّمِيرِ والمَرَّةِ الثّالِثَةِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ، والإعْلانِ بِذَمِّهِ وهو انْتِفاءُ الرُّشْدِ عَنْ أمْرِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ حالٌ مِن فِرْعَوْنَ.
والرَّشِيدُ: فَعِيلٌ مِن رَشَدَ مِن بابِ نَصَرَ وفَرِحَ، إذا اتَّصَفَ بِإصابَةِ الصَّوابِ.
يُقالُ: أرْشَدَكَ اللَّهُ. وأُجْرِيَ وصْفُ رَشِيدٍ عَلى الأمْرِ مَجازًا عَقْلِيًّا. وإنَّما الرَّشِيدُ الآمِرُ مُبالَغَةً في اشْتِمالِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِي انْتِفاءُ الرُّشْدِ فَكَأنَّ الأمْرَ هو المَوْصُوفُ
صفحة ١٥٦
بِعَدَمِ الرُّشْدِ. والمَقْصُودُ أنَّ أمْرَ فِرْعَوْنَ سَفَهٌ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرُّشْدِ والسَّفَهِ، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ وصْفِ أمْرِهِ بِالسَّفِيهِ إلى نَفْيِ الرُّشْدِ عَنْهُ تَجْهِيلًا لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا أمْرَهُ لِأنَّ شَأْنَ العُقَلاءِ أنْ يَتَطَلَّبُوا الِاقْتِداءَ بِما فِيهِ صَلاحٌ وأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما لَيْسَ فِيهِ أمارَةٌ عَلى سَدادِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُتَّبَعَ فَماذا غَرَّهم بِاتِّباعِهِ.
هود 11:97
صفحة ١٥٥
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
عَطَفَ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ. وعُقِّبَتْ قِصَّةُ مَدْيَنَ بِذِكْرِ بَعْثَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقُرْبِ ما بَيْنَ زَمَنَيْهِما، ولِشِدَّةِ الصِّلَةِ بَيْنَ النَّبِيِّينَ فَإنَّ مُوسى بُعِثَ في حَياةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ وقَدْ تَزَوَّجَ ابْنَةَ شُعَيْبٍ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِقَدْ مِثْلَ تَأْكِيدِ خَبَرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
والباءُ في (بِآياتِنا) لِلْمُصاحَبَةِ فَإنَّ ظُهُورَ الآياتِ كانَ مُصاحِبًا لِزَمَنِ الإرْسالِ إلى فِرْعَوْنَ وهو مُدَّةُ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ.
والسُّلْطانُ: البُرْهانُ المُبِينُ، أيِ المُظْهِرُ صِدْقَ الجائِي بِهِ وهو الحُجَّةُ العَقْلِيَّةُ أوِ التَّأْيِيدُ الإلَهِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وعُقِّبَ ذِكْرُ إرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذِكْرِ اتِّباعِ المَلَإ أمْرَ فِرْعَوْنَ لِأنَّ اتِّباعَهم أمْرَ فِرْعَوْنَ حَصَلَ بِأثَرِ الإرْسالِ فَفُهِمَ مِنهُ أنَّ فِرْعَوْنَ أمَرَهم بِتَكْذِيبِ تِلْكَ الرِّسالَةِ.
وإظْهارُ اسْمِ فِرْعَوْنَ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ دُونَ الضَّمِيرِ والمَرَّةِ الثّالِثَةِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ، والإعْلانِ بِذَمِّهِ وهو انْتِفاءُ الرُّشْدِ عَنْ أمْرِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ حالٌ مِن فِرْعَوْنَ.
والرَّشِيدُ: فَعِيلٌ مِن رَشَدَ مِن بابِ نَصَرَ وفَرِحَ، إذا اتَّصَفَ بِإصابَةِ الصَّوابِ.
يُقالُ: أرْشَدَكَ اللَّهُ. وأُجْرِيَ وصْفُ رَشِيدٍ عَلى الأمْرِ مَجازًا عَقْلِيًّا. وإنَّما الرَّشِيدُ الآمِرُ مُبالَغَةً في اشْتِمالِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِي انْتِفاءُ الرُّشْدِ فَكَأنَّ الأمْرَ هو المَوْصُوفُ
صفحة ١٥٦
بِعَدَمِ الرُّشْدِ. والمَقْصُودُ أنَّ أمْرَ فِرْعَوْنَ سَفَهٌ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ الرُّشْدِ والسَّفَهِ، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ وصْفِ أمْرِهِ بِالسَّفِيهِ إلى نَفْيِ الرُّشْدِ عَنْهُ تَجْهِيلًا لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا أمْرَهُ لِأنَّ شَأْنَ العُقَلاءِ أنْ يَتَطَلَّبُوا الِاقْتِداءَ بِما فِيهِ صَلاحٌ وأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما لَيْسَ فِيهِ أمارَةٌ عَلى سَدادِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُتَّبَعَ فَماذا غَرَّهم بِاتِّباعِهِ.
هود 11:98
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (فِرْعَوْنَ) المَذْكُورِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
والإيرادُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وارِدًا، أيْ قاصِدًا الماءَ، والَّذِي يُورِدُهم هو الفارِطُ، ويُقالُ لَهُ: الفَرْطُ.
والوِرْدُ - بِكَسْرِ الواوِ -: الماءُ المَوْرُودُ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِثْلَ ذِبْحٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ اسْتِعارَةُ الإيرادِ إلى التَّقَدُّمِ بِالنّاسِ إلى العَذابِ، وهي تَهَكُّمِيَّةٌ لِأنَّ الإيرادَ يَكُونُ لِأجْلِ الِانْتِفاعِ بِالسَّقْيِ وأمّا التَّقَدُّمُ بِقَوْمِهِ إلى النّارِ فَهو ضِدُّ ذَلِكَ.
و(يَقْدُمُ) مُضارِعُ قَدَمَ - بِفَتْحِ الدّالِ - بِمَعْنى تَقَدَّمَ المُتَعَدِّي إذا كانَ مُتَقَدِّمًا غَيْرَهُ.
وإنَّما جاءَ (فَأوْرَدَهم) بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإيرادِ وإلّا فَقَرِينَةُ قَوْلِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في الماضِي.
صفحة ١٥٧
وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والضَّمِيرُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ المَحْذُوفِ هو الرّابِطُ وهو تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّ الوِرْدَ المُشَبَّهَ بِهِ لا يَكُونُ مَذْمُومًا.
والإتْباعُ: الإلْحاقُ.
واللَّعْنَةُ: هي لَعْنَةُ العَذابِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
و(يَوْمَ القِيامَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (أُتْبِعُوا)، فَعُلِمَ أنَّهم أُتْبِعُوا لَعْنَةً يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَةَ الأُولى قُيِّدَتْ بِالمَجْرُورِ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الإتْباعَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِلَعْنَةٍ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ اللَّعْنَةِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّعْنَةِ، أيْ بِئْسَ الرِّفْدُ هي.
والرِّفْدُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - اسْمٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ ذِبْحٍ. أيْ ما يُرْفَدُ بِهِ، أيْ يُعْطى. يُقالُ: رَفَدَهُ إذا أعْطاهُ ما يُعِينُهُ بِهِ مِن مالٍ ونَحْوِهِ.
وفِي حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ إيجازٌ لِيَكُونَ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا لِإحْدى اللَّعْنَتَيْنِ لا عَلى التَّعْيِينِ لِأنَّ كِلْتَيْهِما بَئِيسٌ.
وإطْلاقُ الرِّفْدِ عَلى اللَّعْنَةِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
والمَرْفُودُ: حَقِيقَتُهُ المُعْطى شَيْئًا. ووُصِفَ الرِّفْدُ بِالمَرْفُودِ لِأنَّ كِلْتا اللَّعْنَتَيْنِ مَعْضُودَةٌ بِالأُخْرى، فَشُبِّهَتْ كُلُّ واحِدَةٍ بِمَن أُعْطِيَ عَطاءً فَهي مَرْفُودَةٌ. وإنَّما أُجْرِيَ المَرْفُودُ عَلى التَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رِفْدٌ.
هود 11:99
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (فِرْعَوْنَ) المَذْكُورِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
والإيرادُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وارِدًا، أيْ قاصِدًا الماءَ، والَّذِي يُورِدُهم هو الفارِطُ، ويُقالُ لَهُ: الفَرْطُ.
والوِرْدُ - بِكَسْرِ الواوِ -: الماءُ المَوْرُودُ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِثْلَ ذِبْحٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ اسْتِعارَةُ الإيرادِ إلى التَّقَدُّمِ بِالنّاسِ إلى العَذابِ، وهي تَهَكُّمِيَّةٌ لِأنَّ الإيرادَ يَكُونُ لِأجْلِ الِانْتِفاعِ بِالسَّقْيِ وأمّا التَّقَدُّمُ بِقَوْمِهِ إلى النّارِ فَهو ضِدُّ ذَلِكَ.
و(يَقْدُمُ) مُضارِعُ قَدَمَ - بِفَتْحِ الدّالِ - بِمَعْنى تَقَدَّمَ المُتَعَدِّي إذا كانَ مُتَقَدِّمًا غَيْرَهُ.
وإنَّما جاءَ (فَأوْرَدَهم) بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ الإيرادِ وإلّا فَقَرِينَةُ قَوْلِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في الماضِي.
صفحة ١٥٧
وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ والضَّمِيرُ المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ المَحْذُوفِ هو الرّابِطُ وهو تَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ [الكهف: ٢٩]؛ لِأنَّ الوِرْدَ المُشَبَّهَ بِهِ لا يَكُونُ مَذْمُومًا.
والإتْباعُ: الإلْحاقُ.
واللَّعْنَةُ: هي لَعْنَةُ العَذابِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
و(يَوْمَ القِيامَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (أُتْبِعُوا)، فَعُلِمَ أنَّهم أُتْبِعُوا لَعْنَةً يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَةَ الأُولى قُيِّدَتْ بِالمَجْرُورِ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الإتْباعَ في يَوْمِ القِيامَةِ بِلَعْنَةٍ أُخْرى.
وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ اللَّعْنَةِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّعْنَةِ، أيْ بِئْسَ الرِّفْدُ هي.
والرِّفْدُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - اسْمٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ ذِبْحٍ. أيْ ما يُرْفَدُ بِهِ، أيْ يُعْطى. يُقالُ: رَفَدَهُ إذا أعْطاهُ ما يُعِينُهُ بِهِ مِن مالٍ ونَحْوِهِ.
وفِي حَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ إيجازٌ لِيَكُونَ الذَّمُّ مُتَوَجِّهًا لِإحْدى اللَّعْنَتَيْنِ لا عَلى التَّعْيِينِ لِأنَّ كِلْتَيْهِما بَئِيسٌ.
وإطْلاقُ الرِّفْدِ عَلى اللَّعْنَةِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
والمَرْفُودُ: حَقِيقَتُهُ المُعْطى شَيْئًا. ووُصِفَ الرِّفْدُ بِالمَرْفُودِ لِأنَّ كِلْتا اللَّعْنَتَيْنِ مَعْضُودَةٌ بِالأُخْرى، فَشُبِّهَتْ كُلُّ واحِدَةٍ بِمَن أُعْطِيَ عَطاءً فَهي مَرْفُودَةٌ. وإنَّما أُجْرِيَ المَرْفُودُ عَلى التَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رِفْدٌ.
هود 11:100
صفحة ١٥٨
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جا أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾
اسْتِئْنافٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الأنْباءِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها.
واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ كُلِّهِ مِنَ القَصَصِ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها.
والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] . وجُمْلَةُ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ القَصَصَ مَضى لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَصَصِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، حالٌ مِنَ القُرى.
و(قائِمٌ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ (وحَصِيدٍ)، والمَعْنى: مِنها زَرْعٌ قائِمٌ وزَرْعٌ حَصِيدٌ، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
والقائِمُ: الزَّرْعُ المُسْتَقِلُّ عَلى سُوقِهِ. والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ. فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وكِلاهُما مُشَبَّهٌ بِهِ لِلْباقِي مِنَ القُرى والعافِي. والمُرادُ بِالقائِمِ ما كانَ مِنَ القُرى الَّتِي قَصَّها اللَّهُ في القُرْآنِ قُرًى قائِمًا بَعْضُها كَآثارِ بَلَدِ فِرْعَوْنَ كالأهْرامِ وبَلْهُوبَةَ (وهو المَعْرُوفُ بِأبِي الهَوْلِ) وهَيْكَلِ الكَرْنَكِ بِمِصْرَ، ومِثْلَ آثارِ نِينَوى بَلَدِ قَوْمِ يُونُسَ. وأنْطاكِيَّةَ قَرْيَةِ المُرْسَلِينَ الثَّلاثَةِ، وصَنْعاءَ بَلَدِ قَوْمِ تُبَّعٍ، وقُرًى بائِدَةٍ مِثْلَ دِيارِ عادٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرْيَةِ مَدْيَنَ. ولَيْسَ المُرادُ القُرى المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ خاصَّةً. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاعْتِبارُ.
صفحة ١٥٩
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ظَلَمْناهم عائِدٌ إلى القُرى بِاعْتِبارِ أهْلِها لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ.
وإنَّما لَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - لِأنَّ ما أصابَهم بِهِ مِنَ العَذابِ جَزاءً عَنْ سُوءِ أعْمالِهِمْ فَكانُوا هُمُ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إذْ جَرُّوا لِأنْفُسِهِمُ العَذابَ.
وفَرَّعَ عَلى ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمِ انْتِفاءَ إغْناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم شَيْئًا، ووَجْهُ ذَلِكَ التَّرَتُّبُ والتَّفْرِيعُ أنَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم مَظْهَرُهُ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وهم لَمّا عَبَدُوها كانُوا يَعْبُدُونَها لِلْخَلاصِ مِن طَوارِقِ الحَدَثانِ ولِتَكُونَ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ وكانُوا في أمْنٍ مِن أنْ يَنالَهم بَأْسٌ في الدُّنْيا اعْتِمادًا عَلى دَفْعِ أصْنامِهِمْ عَنْهم فَلَمّا جاءَ أمْرُهم بِضِدِّ ذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الضِّدُّ مُضادًّا لِتَأْمِيلِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ.
والغَرَضُ مِن هَذا التَّفْرِيعِ التَّعْرِيضُ بِتَحْذِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى نَفْعِ الأصْنامِ، فَقَدْ أيْقَنَ المُشْرِكُونَ أنَّ أُولَئِكَ الأُمَمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَيْفَ وهَؤُلاءِ اقْتَبَسُوا عِبادَةَ الأصْنامِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقِينَ وأيْقَنُوا أنَّهم قَدْ حَلَّ بِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ ما شاهَدُوا آثارَهُ، فَذَلِكَ مَوْعِظَةٌ لَهم لَوْ كانُوا مُهْتَدِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ عِلاوَةً وارْتِقاءً عَلى عَدَمِ نَفْعِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ شَأْنُهم عَدَمَ الإغْناءِ عَنْهم فَحَسْبُ ولَكِنَّهم زادَتْهم تَتْبِيبًا وخُسْرانًا، أيْ زادَتْهم أسْبابَ الخُسْرانِ.
والتَّتْبِيبُ: مَصْدَرُ تَبَبَهُ إذا أوْقَعَهُ في التِّبابِ وهو الخَسارَةُ. وظاهِرُ هَذا أنَّ أصْنامَهم زادَتْهم تَتْبِيبًا لَمّا جاءَ أمْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى الفِعْلِ المُقَيِّدِ بِلَمّا التَّوْقِيتِيَّةِ المُفِيدَةِ أنَّ ذَلِكَ كانَ في وقْتِ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ وهو حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ.
ووَجْهُ زِيادَتِهِمْ إيّاهم تَتْبِيبًا حِينَئِذٍ أنَّ تَصْمِيمَهم عَلى الطَّمَعِ في إنْقاذِهِمْ إيّاهم مِنَ المَصائِبِ حالَتْ دُونَهم ودُونَ التَّوْبَةِ عِنْدَ سَماعِ الوَعِيدِ بِالعَذابِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ لِمُجَرَّدِ المُشارِكَةِ في الصِّفَةِ دُونَ قَيْدِها، أيْ زادُوهم تَتْبِيبًا قَبْلَ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ بِأنْ زادَهُمُ اعْتِقادُهم فِيها انْصِرافًا عَنِ النَّظَرِ في آياتِ
صفحة ١٦٠
الرُّسُلِ وزادَهم تَأْمِيلُهُمُ الأصْنامَ، وقَدْ كانَتْ خُرافاتُ الأصْنامِ ومَناقِبُها الباطِلَةُ مُغْرِيَةً لَهم بِارْتِكابِ الفَواحِشِ والضَّلالِ وانْحِطاطِ الأخْلاقِ وفَسادِ التَّفْكِيرِ جُرْأةً عَلى رُسُلِ اللَّهِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ المُسْتَوْجِبُ حُلُولَ عَذابِهِ بِهِمْ.
هود 11:101
صفحة ١٥٨
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جا أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾
اسْتِئْنافٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الأنْباءِ الَّتِي مَرَّ ذِكْرُها.
واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ كُلِّهِ مِنَ القَصَصِ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما بَعْدَها.
والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] . وجُمْلَةُ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ مَعَ أنَّ القَصَصَ مَضى لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَصَصِ البَلِيغِ.
وجُمْلَةُ ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، حالٌ مِنَ القُرى.
و(قائِمٌ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ (وحَصِيدٍ)، والمَعْنى: مِنها زَرْعٌ قائِمٌ وزَرْعٌ حَصِيدٌ، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.
والقائِمُ: الزَّرْعُ المُسْتَقِلُّ عَلى سُوقِهِ. والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ. فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وكِلاهُما مُشَبَّهٌ بِهِ لِلْباقِي مِنَ القُرى والعافِي. والمُرادُ بِالقائِمِ ما كانَ مِنَ القُرى الَّتِي قَصَّها اللَّهُ في القُرْآنِ قُرًى قائِمًا بَعْضُها كَآثارِ بَلَدِ فِرْعَوْنَ كالأهْرامِ وبَلْهُوبَةَ (وهو المَعْرُوفُ بِأبِي الهَوْلِ) وهَيْكَلِ الكَرْنَكِ بِمِصْرَ، ومِثْلَ آثارِ نِينَوى بَلَدِ قَوْمِ يُونُسَ. وأنْطاكِيَّةَ قَرْيَةِ المُرْسَلِينَ الثَّلاثَةِ، وصَنْعاءَ بَلَدِ قَوْمِ تُبَّعٍ، وقُرًى بائِدَةٍ مِثْلَ دِيارِ عادٍ، وقُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَرْيَةِ مَدْيَنَ. ولَيْسَ المُرادُ القُرى المَذْكُورَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ خاصَّةً. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاعْتِبارُ.
صفحة ١٥٩
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ظَلَمْناهم عائِدٌ إلى القُرى بِاعْتِبارِ أهْلِها لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ.
وإنَّما لَمْ يَظْلِمْهُمُ اللَّهُ - تَعالى - لِأنَّ ما أصابَهم بِهِ مِنَ العَذابِ جَزاءً عَنْ سُوءِ أعْمالِهِمْ فَكانُوا هُمُ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم إذْ جَرُّوا لِأنْفُسِهِمُ العَذابَ.
وفَرَّعَ عَلى ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمِ انْتِفاءَ إغْناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم شَيْئًا، ووَجْهُ ذَلِكَ التَّرَتُّبُ والتَّفْرِيعُ أنَّ ظُلْمَهم أنْفُسَهم مَظْهَرُهُ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، وهم لَمّا عَبَدُوها كانُوا يَعْبُدُونَها لِلْخَلاصِ مِن طَوارِقِ الحَدَثانِ ولِتَكُونَ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ وكانُوا في أمْنٍ مِن أنْ يَنالَهم بَأْسٌ في الدُّنْيا اعْتِمادًا عَلى دَفْعِ أصْنامِهِمْ عَنْهم فَلَمّا جاءَ أمْرُهم بِضِدِّ ذَلِكَ كانَ ذَلِكَ الضِّدُّ مُضادًّا لِتَأْمِيلِهِمْ وتَقْدِيرِهِمْ.
والغَرَضُ مِن هَذا التَّفْرِيعِ التَّعْرِيضُ بِتَحْذِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى نَفْعِ الأصْنامِ، فَقَدْ أيْقَنَ المُشْرِكُونَ أنَّ أُولَئِكَ الأُمَمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ كَيْفَ وهَؤُلاءِ اقْتَبَسُوا عِبادَةَ الأصْنامِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقِينَ وأيْقَنُوا أنَّهم قَدْ حَلَّ بِهِمْ مِنَ الِاسْتِئْصالِ ما شاهَدُوا آثارَهُ، فَذَلِكَ مَوْعِظَةٌ لَهم لَوْ كانُوا مُهْتَدِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ عِلاوَةً وارْتِقاءً عَلى عَدَمِ نَفْعِهِمْ عِنْدَ الحاجَةِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ شَأْنُهم عَدَمَ الإغْناءِ عَنْهم فَحَسْبُ ولَكِنَّهم زادَتْهم تَتْبِيبًا وخُسْرانًا، أيْ زادَتْهم أسْبابَ الخُسْرانِ.
والتَّتْبِيبُ: مَصْدَرُ تَبَبَهُ إذا أوْقَعَهُ في التِّبابِ وهو الخَسارَةُ. وظاهِرُ هَذا أنَّ أصْنامَهم زادَتْهم تَتْبِيبًا لَمّا جاءَ أمْرُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ عُطِفَ عَلى الفِعْلِ المُقَيِّدِ بِلَمّا التَّوْقِيتِيَّةِ المُفِيدَةِ أنَّ ذَلِكَ كانَ في وقْتِ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ وهو حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ.
ووَجْهُ زِيادَتِهِمْ إيّاهم تَتْبِيبًا حِينَئِذٍ أنَّ تَصْمِيمَهم عَلى الطَّمَعِ في إنْقاذِهِمْ إيّاهم مِنَ المَصائِبِ حالَتْ دُونَهم ودُونَ التَّوْبَةِ عِنْدَ سَماعِ الوَعِيدِ بِالعَذابِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ لِمُجَرَّدِ المُشارِكَةِ في الصِّفَةِ دُونَ قَيْدِها، أيْ زادُوهم تَتْبِيبًا قَبْلَ مَجِيءِ أمْرِ اللَّهِ بِأنْ زادَهُمُ اعْتِقادُهم فِيها انْصِرافًا عَنِ النَّظَرِ في آياتِ
صفحة ١٦٠
الرُّسُلِ وزادَهم تَأْمِيلُهُمُ الأصْنامَ، وقَدْ كانَتْ خُرافاتُ الأصْنامِ ومَناقِبُها الباطِلَةُ مُغْرِيَةً لَهم بِارْتِكابِ الفَواحِشِ والضَّلالِ وانْحِطاطِ الأخْلاقِ وفَسادِ التَّفْكِيرِ جُرْأةً عَلى رُسُلِ اللَّهِ حَتّى حَقَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ المُسْتَوْجِبُ حُلُولَ عَذابِهِ بِهِمْ.
هود 11:102
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهْيَ ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾
الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِنِ اسْتِئْصالِ تِلْكَ القُرى، وهو ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾) . والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ الأخْذُ الَّذِي أخَذْنا بِهِ تِلْكَ القُرى أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى. والتَّشْبِيهُ في الكَيْفِيَّةِ والعاقِبَةِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ مُشْرِكِي العَرَبِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِمَضْمُونِ ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ . وفِيهِ إشارَةٌ إلى وجْهِ الشَّبَهِ.
هود 11:103
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾
بَيانٌ لِلتَّعْرِيضِ وتَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ فاحْذَرُوهُ واحْذَرُوا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو عَذابُ الآخِرَةِ. والإشارَةُ إلى الأخْذِ المُتَقَدِّمِ. وفي هَذا تَخْلُصٌ إلى مَوْعِظَةِ المُسْلِمِينَ والتَّعْرِيضِ بِمَدْحِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهم مَن يَنْتَفِعُ بِالآياتِ ويَعْتَبِرُ بِالعِبْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
صفحة ١٦١
وجَعَلَ عَذابَ الدُّنْيا آيَةً دالَّةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِأنَّ القُرى الظّالِمَةَ تَوَعَّدَها اللَّهُ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] فَلَمّا عايَنُوا عَذابَ الدُّنْيا كانَ تَحَقُّقُهُ أمارَةً عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ الآخَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا اليَوْمِ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَبْتَدِئُ كَلامًا لِأجْلِ وصْفِهِ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الآخِرَةِ لِأنَّ ماصَدَقُها يَوْمُ القِيامَةِ، فَتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِمَعْنى الآخِرَةِ.
واللّامُ في (مَجْمُوعٍ لَهُ) لامُ العِلَّةِ، أيْ مَجْمُوعٌ النّاسُ لِأجْلِهِ.
ومَجِيءُ الخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في الإخْبارِ عَنِ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ، أيْ ثابِتٌ جَمْعُ اللَّهِ النّاسَ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالنّاسِ وتَمَكُّنِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِأجْلِ اليَوْمِ حَتّى لُقِّبَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِلْيَوْمِ بِأنَّهُ يُشْهَدُ. وطُوِيَ ذِكْرُ الفاعِلِ إذِ المُرادُ يَشْهَدُهُ الشّاهِدُونَ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى شاهِدِينَ مُعَيَّنِينَ. والإخْبارُ عَنْهُ بِهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم يَشْهَدُونَهُ شُهُودًا خاصًّا وهو شُهُودُ الشَّيْءِ المَهُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَكِنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا رُؤْيَةً خاصَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُحَقَّقِ أيْ مَشْهُودٌ بِوُقُوعِهِ، كَما يُقالُ: حَقٌّ مَشْهُودٌ، أيْ عَلَيْهِ شُهُودٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، واضِحٌ لِلْعَيانِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى كَثِيرِ الشّاهِدِينَ إيّاهُ لِشُهْرَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، كَقَوْلِ أُمِّ قَيْسٍ الضَّبِيَّةِ:
صفحة ١٦٢
ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النَّـاطِـقِـينَ بِـهِ في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ
فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ. والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُسْتَدِلِّينَ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِهِ في حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ يَحْسَبُونَ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَغِيظُ اللَّهَ - تعالى - فَيُعَجِّلُهُ لَهم جَهْلًا مِنهم بِمَقامِ الإلَهِيَّةِ فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ تَأْخِيرَهُ إلى أجَلٍ حَدَّدَهُ اللَّهُ لَهُ مِن يَوْمِ خَلْقِ العالَمِ كَما حَدَّدَ آجالَ الأحْياءِ، فَيَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
والأجَلُ: أصْلُهُ المُدَّةُ المُنْظَرُ إلَيْها في أمْرٍ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى نِهايَةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وهو المُرادُ هُنا بِقَرِينَةِ اللّامِ، كَما أُرِيدَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] .
والمَعْدُودُ: أصْلُهُ المَحْسُوبُ، وأُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنِ المُعَيَّنِ المَضْبُوطِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ ولا يَتَقَدَّمُ لِأنَّ المَعْدُودَ يَلْزَمُهُ التَّعَيُّنُ، أوْ كِنايَةً عَنِ القُرْبِ.
هود 11:104
﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾
بَيانٌ لِلتَّعْرِيضِ وتَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ. والمَعْنى: وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ فاحْذَرُوهُ واحْذَرُوا ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو عَذابُ الآخِرَةِ. والإشارَةُ إلى الأخْذِ المُتَقَدِّمِ. وفي هَذا تَخْلُصٌ إلى مَوْعِظَةِ المُسْلِمِينَ والتَّعْرِيضِ بِمَدْحِهِمْ بِأنَّ مِثْلَهم مَن يَنْتَفِعُ بِالآياتِ ويَعْتَبِرُ بِالعِبْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
صفحة ١٦١
وجَعَلَ عَذابَ الدُّنْيا آيَةً دالَّةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِأنَّ القُرى الظّالِمَةَ تَوَعَّدَها اللَّهُ بِعَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] فَلَمّا عايَنُوا عَذابَ الدُّنْيا كانَ تَحَقُّقُهُ أمارَةً عَلى تَحَقُّقِ العَذابِ الآخَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذا اليَوْمِ حَتّى أنَّ المُتَكَلِّمَ يَبْتَدِئُ كَلامًا لِأجْلِ وصْفِهِ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الآخِرَةِ لِأنَّ ماصَدَقُها يَوْمُ القِيامَةِ، فَتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِمَعْنى الآخِرَةِ.
واللّامُ في (مَجْمُوعٍ لَهُ) لامُ العِلَّةِ، أيْ مَجْمُوعٌ النّاسُ لِأجْلِهِ.
ومَجِيءُ الخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في الإخْبارِ عَنِ اليَوْمِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ، أيْ ثابِتٌ جَمْعُ اللَّهِ النّاسَ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَيَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ تَعَلُّقِ الجَمْعِ بِالنّاسِ وتَمَكُّنِ كَوْنِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِأجْلِ اليَوْمِ حَتّى لُقِّبَ ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِلْيَوْمِ بِأنَّهُ يُشْهَدُ. وطُوِيَ ذِكْرُ الفاعِلِ إذِ المُرادُ يَشْهَدُهُ الشّاهِدُونَ، إذْ لَيْسَ القَصْدُ إلى شاهِدِينَ مُعَيَّنِينَ. والإخْبارُ عَنْهُ بِهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم يَشْهَدُونَهُ شُهُودًا خاصًّا وهو شُهُودُ الشَّيْءِ المَهُولِ، إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنْ لا يَقْصِدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا لَكِنَّ المُرادَ كَوْنُهُ مَرْئِيًّا رُؤْيَةً خاصَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى المُحَقَّقِ أيْ مَشْهُودٌ بِوُقُوعِهِ، كَما يُقالُ: حَقٌّ مَشْهُودٌ، أيْ عَلَيْهِ شُهُودٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، واضِحٌ لِلْعَيانِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَشْهُودُ بِمَعْنى كَثِيرِ الشّاهِدِينَ إيّاهُ لِشُهْرَتِهِ، كَقَوْلِهِمْ: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، كَقَوْلِ أُمِّ قَيْسٍ الضَّبِيَّةِ:
صفحة ١٦٢
ومَشْهَدٌ قَدْ كَفَيْتُ النَّـاطِـقِـينَ بِـهِ في مَحْفَلٍ مِن نَواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ
فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٤٢] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ. والمَقْصُودُ الرَّدُّ عَلى المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُسْتَدِلِّينَ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِهِ في حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ يَحْسَبُونَ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَغِيظُ اللَّهَ - تعالى - فَيُعَجِّلُهُ لَهم جَهْلًا مِنهم بِمَقامِ الإلَهِيَّةِ فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم أنَّ تَأْخِيرَهُ إلى أجَلٍ حَدَّدَهُ اللَّهُ لَهُ مِن يَوْمِ خَلْقِ العالَمِ كَما حَدَّدَ آجالَ الأحْياءِ، فَيَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
والأجَلُ: أصْلُهُ المُدَّةُ المُنْظَرُ إلَيْها في أمْرٍ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى نِهايَةِ تِلْكَ المُدَّةِ، وهو المُرادُ هُنا بِقَرِينَةِ اللّامِ، كَما أُرِيدَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] .
والمَعْدُودُ: أصْلُهُ المَحْسُوبُ، وأُطْلِقَ هُنا كِنايَةً عَنِ المُعَيَّنِ المَضْبُوطِ بِحَيْثُ لا يَتَأخَّرُ ولا يَتَقَدَّمُ لِأنَّ المَعْدُودَ يَلْزَمُهُ التَّعَيُّنُ، أوْ كِنايَةً عَنِ القُرْبِ.
هود 11:105
صفحة ١٦٣
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.
و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:
تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ
فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.
وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:
كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ
صفحة ١٦٤
أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.
فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.
فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾
وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى هَذا النَّسْجِ لِأجْلِ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن شِبْهِ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] إلى قَوْلِهِ: بِإذْنِهِ وذَلِكَ نَسِيجٌ بَدِيعٌ.
والشَّقِيُّ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن شَقِيَ، إذا تَلَبَّسَ بِالشَّقاءِ والشَّقاوَةِ، أيْ سُوءِ الحالَةِ وشَرِّها وما يُنافِرُ طَبْعَ المُتَّصِفِ بِها.
والسَّعِيدُ: ضِدَّ الشَّقِيِّ، وهو المُتَلَبِّسُ بِالسَّعادَةِ الَّتِي هي الأحْوالُ الحَسَنَةُ الخَيِّرَةُ المُلائِمَةُ لِلْمُتَّصِفِ بِها. والمَعْنى: فَمِنهم يَوْمَئِذٍ مَن هو في عَذابٍ وشِدَّةٍ ومِنهم مَن هو في نِعْمَةٍ ورَخاءٍ.
صفحة ١٦٥
والشَّقاوَةُ والسَّعادَةُ مِنَ المَواهِي المَقُولَةِ بِالتَّشْكِيكِ فَكِلْتاهُما مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ الوَصْفِ. وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخِرِهِ.
والزَّفِيرُ: إخْراجُ الأنْفاسِ بِدَفْعٍ وشِدَّةٍ بِسَبَبِ ضَغْطِ التَّنَفُّسِ. والشَّهِيقُ: عَكْسُهُ وهو اجْتِلابُ الهَواءِ إلى الصَّدْرِ بِشِدَّةٍ لِقُوَّةِ الِاحْتِياجِ إلى التَّنَفُّسِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِمْ في جَهَنَّمَ الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ تَنْفِيرًا مِن أسْبابِ المَصِيرِ إلى النّارِ لِما في ذِكْرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ بِهِمْ وذَلِكَ أخْوَفُ لَهم مِنَ الألَمِ.
ومَعْنى ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ التَّأْيِيدُ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وإلّا فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ المَعْرُوفَةَ تَضْمَحِلُّ يَوْمَئِذٍ، قالَ - تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أوْ يُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها.
و﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأزْمانِ الَّتِي عَمَّها الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ما دامَتْ أيْ إلّا الأزْمانُ الَّتِي شاءَ اللَّهُ فِيها عَدَمَ خُلُودِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ بَعْضِ الخالِدِينَ تَبَعًا لِلْأزْمانِ. وهَذا بِناءً عَلى غالِبِ إطْلاقِ ما المَوْصُولَةِ أنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) لِأنَّ (ما) تُطْلَقُ عَلى العاقِلِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ.
فَأمّا الأوَّلُ مِنهُما فالمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ مَراتِبُ في طُولِ المُدَّةِ فَمِنهم مَن يُعَذَّبُ ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، مِثْلَ أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُوَحِّدِينَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّهم يُقالُ لَهُمُ الجُهَنَّمِيُّونَ في الجَنَّةِ، ومِنهُمُ الخالِدُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ إجْمالَ المُسْتَثْنى يُنْشِئُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: ما هو تَعْيِينُ المُسْتَثْنى أوْ لِماذا لَمْ يَكُنِ الخُلُودُ عامًّا. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ.
وأمّا الِاسْتِثْناءُ الثّانِي الواقِعُ في جانِبِ ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
صفحة ١٦٦
أحَدُهُما أنْ يُرادَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ في أوَّلِ أزْمِنَةِ القِيامَةِ، وهي المُدَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ في العَذابِ إلى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهم بِفَضْلِهِ بِدُونِ شَفاعَةٍ، أوْ بِشَفاعَةٍ كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ”«يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحُمَمَةِ أُخْرِجُوا وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الجُهَنَّمِيُّونَ» “ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِن تَوَهُّمُ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ ذَلِكَ النَّعِيمَ حَقًّا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُعَلَّقِ عَلى المَشِيئَةِ وُقُوعُ المَشِيئَةِ بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنَّها لَوْ تَعَلَّقَتِ المَشِيئَةُ لَوَقَعَ المُسْتَثْنى، وقَدْ دَلَّتِ الوُعُودُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ إخْراجَ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها. وأيًّا ما كانَ فَهم إذا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ كانُوا خالِدِينَ فِيها فَلا يَنْقَطِعُ عَنْهم نَعِيمُها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَعِدُوا - بِفَتْحِ السِّينِ -، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ السِّينِ - عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ، وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِهِ قاصِرًا لا مَفْعُولَ لَهُ؛ لَكِنَّهُ عَلى مُعامَلَةِ القاصِرِ مُعامَلَةَ المُتَعَدِّي في مَعْنى فُعِلَ بِهِ ما صَيَّرَهُ صاحِبَ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: جُنَّ فُلانٌ، إذا فُعِلَ بِهِ ما صارَ بِهِ ذا جُنُونٍ، فَـ (سُعِدُوا) بِمَعْنى أُسْعِدُوا. وقِيلَ: سَعِدَ مُتَعَدٍّ في لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ، يَقُولُونَ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ أصْلَهُ أُسْعِدُوا، فَحُذِفَ هَمْزُ الزِّيادَةِ كَما قالُوا مَجْنُوبٌ (بِمُوَحَّدَةٍ في آخِرِهِ)، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ مَسْعُودٌ.
هود 11:106
صفحة ١٦٣
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.
و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:
تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ
فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.
وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:
كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ
صفحة ١٦٤
أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.
فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.
فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾
وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى هَذا النَّسْجِ لِأجْلِ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن شِبْهِ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] إلى قَوْلِهِ: بِإذْنِهِ وذَلِكَ نَسِيجٌ بَدِيعٌ.
والشَّقِيُّ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن شَقِيَ، إذا تَلَبَّسَ بِالشَّقاءِ والشَّقاوَةِ، أيْ سُوءِ الحالَةِ وشَرِّها وما يُنافِرُ طَبْعَ المُتَّصِفِ بِها.
والسَّعِيدُ: ضِدَّ الشَّقِيِّ، وهو المُتَلَبِّسُ بِالسَّعادَةِ الَّتِي هي الأحْوالُ الحَسَنَةُ الخَيِّرَةُ المُلائِمَةُ لِلْمُتَّصِفِ بِها. والمَعْنى: فَمِنهم يَوْمَئِذٍ مَن هو في عَذابٍ وشِدَّةٍ ومِنهم مَن هو في نِعْمَةٍ ورَخاءٍ.
صفحة ١٦٥
والشَّقاوَةُ والسَّعادَةُ مِنَ المَواهِي المَقُولَةِ بِالتَّشْكِيكِ فَكِلْتاهُما مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ الوَصْفِ. وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخِرِهِ.
والزَّفِيرُ: إخْراجُ الأنْفاسِ بِدَفْعٍ وشِدَّةٍ بِسَبَبِ ضَغْطِ التَّنَفُّسِ. والشَّهِيقُ: عَكْسُهُ وهو اجْتِلابُ الهَواءِ إلى الصَّدْرِ بِشِدَّةٍ لِقُوَّةِ الِاحْتِياجِ إلى التَّنَفُّسِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِمْ في جَهَنَّمَ الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ تَنْفِيرًا مِن أسْبابِ المَصِيرِ إلى النّارِ لِما في ذِكْرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ بِهِمْ وذَلِكَ أخْوَفُ لَهم مِنَ الألَمِ.
ومَعْنى ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ التَّأْيِيدُ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وإلّا فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ المَعْرُوفَةَ تَضْمَحِلُّ يَوْمَئِذٍ، قالَ - تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أوْ يُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها.
و﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأزْمانِ الَّتِي عَمَّها الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ما دامَتْ أيْ إلّا الأزْمانُ الَّتِي شاءَ اللَّهُ فِيها عَدَمَ خُلُودِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ بَعْضِ الخالِدِينَ تَبَعًا لِلْأزْمانِ. وهَذا بِناءً عَلى غالِبِ إطْلاقِ ما المَوْصُولَةِ أنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) لِأنَّ (ما) تُطْلَقُ عَلى العاقِلِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ.
فَأمّا الأوَّلُ مِنهُما فالمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ مَراتِبُ في طُولِ المُدَّةِ فَمِنهم مَن يُعَذَّبُ ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، مِثْلَ أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُوَحِّدِينَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّهم يُقالُ لَهُمُ الجُهَنَّمِيُّونَ في الجَنَّةِ، ومِنهُمُ الخالِدُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ إجْمالَ المُسْتَثْنى يُنْشِئُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: ما هو تَعْيِينُ المُسْتَثْنى أوْ لِماذا لَمْ يَكُنِ الخُلُودُ عامًّا. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ.
وأمّا الِاسْتِثْناءُ الثّانِي الواقِعُ في جانِبِ ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
صفحة ١٦٦
أحَدُهُما أنْ يُرادَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ في أوَّلِ أزْمِنَةِ القِيامَةِ، وهي المُدَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ في العَذابِ إلى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهم بِفَضْلِهِ بِدُونِ شَفاعَةٍ، أوْ بِشَفاعَةٍ كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ”«يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحُمَمَةِ أُخْرِجُوا وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الجُهَنَّمِيُّونَ» “ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِن تَوَهُّمُ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ ذَلِكَ النَّعِيمَ حَقًّا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُعَلَّقِ عَلى المَشِيئَةِ وُقُوعُ المَشِيئَةِ بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنَّها لَوْ تَعَلَّقَتِ المَشِيئَةُ لَوَقَعَ المُسْتَثْنى، وقَدْ دَلَّتِ الوُعُودُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ إخْراجَ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها. وأيًّا ما كانَ فَهم إذا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ كانُوا خالِدِينَ فِيها فَلا يَنْقَطِعُ عَنْهم نَعِيمُها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَعِدُوا - بِفَتْحِ السِّينِ -، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ السِّينِ - عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ، وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِهِ قاصِرًا لا مَفْعُولَ لَهُ؛ لَكِنَّهُ عَلى مُعامَلَةِ القاصِرِ مُعامَلَةَ المُتَعَدِّي في مَعْنى فُعِلَ بِهِ ما صَيَّرَهُ صاحِبَ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: جُنَّ فُلانٌ، إذا فُعِلَ بِهِ ما صارَ بِهِ ذا جُنُونٍ، فَـ (سُعِدُوا) بِمَعْنى أُسْعِدُوا. وقِيلَ: سَعِدَ مُتَعَدٍّ في لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ، يَقُولُونَ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ أصْلَهُ أُسْعِدُوا، فَحُذِفَ هَمْزُ الزِّيادَةِ كَما قالُوا مَجْنُوبٌ (بِمُوَحَّدَةٍ في آخِرِهِ)، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ مَسْعُودٌ.
هود 11:107
صفحة ١٦٣
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.
و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:
تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ
فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.
وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:
كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ
صفحة ١٦٤
أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.
فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.
فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾
وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى هَذا النَّسْجِ لِأجْلِ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن شِبْهِ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] إلى قَوْلِهِ: بِإذْنِهِ وذَلِكَ نَسِيجٌ بَدِيعٌ.
والشَّقِيُّ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن شَقِيَ، إذا تَلَبَّسَ بِالشَّقاءِ والشَّقاوَةِ، أيْ سُوءِ الحالَةِ وشَرِّها وما يُنافِرُ طَبْعَ المُتَّصِفِ بِها.
والسَّعِيدُ: ضِدَّ الشَّقِيِّ، وهو المُتَلَبِّسُ بِالسَّعادَةِ الَّتِي هي الأحْوالُ الحَسَنَةُ الخَيِّرَةُ المُلائِمَةُ لِلْمُتَّصِفِ بِها. والمَعْنى: فَمِنهم يَوْمَئِذٍ مَن هو في عَذابٍ وشِدَّةٍ ومِنهم مَن هو في نِعْمَةٍ ورَخاءٍ.
صفحة ١٦٥
والشَّقاوَةُ والسَّعادَةُ مِنَ المَواهِي المَقُولَةِ بِالتَّشْكِيكِ فَكِلْتاهُما مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ الوَصْفِ. وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخِرِهِ.
والزَّفِيرُ: إخْراجُ الأنْفاسِ بِدَفْعٍ وشِدَّةٍ بِسَبَبِ ضَغْطِ التَّنَفُّسِ. والشَّهِيقُ: عَكْسُهُ وهو اجْتِلابُ الهَواءِ إلى الصَّدْرِ بِشِدَّةٍ لِقُوَّةِ الِاحْتِياجِ إلى التَّنَفُّسِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِمْ في جَهَنَّمَ الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ تَنْفِيرًا مِن أسْبابِ المَصِيرِ إلى النّارِ لِما في ذِكْرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ بِهِمْ وذَلِكَ أخْوَفُ لَهم مِنَ الألَمِ.
ومَعْنى ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ التَّأْيِيدُ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وإلّا فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ المَعْرُوفَةَ تَضْمَحِلُّ يَوْمَئِذٍ، قالَ - تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أوْ يُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها.
و﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأزْمانِ الَّتِي عَمَّها الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ما دامَتْ أيْ إلّا الأزْمانُ الَّتِي شاءَ اللَّهُ فِيها عَدَمَ خُلُودِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ بَعْضِ الخالِدِينَ تَبَعًا لِلْأزْمانِ. وهَذا بِناءً عَلى غالِبِ إطْلاقِ ما المَوْصُولَةِ أنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) لِأنَّ (ما) تُطْلَقُ عَلى العاقِلِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ.
فَأمّا الأوَّلُ مِنهُما فالمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ مَراتِبُ في طُولِ المُدَّةِ فَمِنهم مَن يُعَذَّبُ ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، مِثْلَ أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُوَحِّدِينَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّهم يُقالُ لَهُمُ الجُهَنَّمِيُّونَ في الجَنَّةِ، ومِنهُمُ الخالِدُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ إجْمالَ المُسْتَثْنى يُنْشِئُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: ما هو تَعْيِينُ المُسْتَثْنى أوْ لِماذا لَمْ يَكُنِ الخُلُودُ عامًّا. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ.
وأمّا الِاسْتِثْناءُ الثّانِي الواقِعُ في جانِبِ ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
صفحة ١٦٦
أحَدُهُما أنْ يُرادَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ في أوَّلِ أزْمِنَةِ القِيامَةِ، وهي المُدَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ في العَذابِ إلى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهم بِفَضْلِهِ بِدُونِ شَفاعَةٍ، أوْ بِشَفاعَةٍ كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ”«يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحُمَمَةِ أُخْرِجُوا وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الجُهَنَّمِيُّونَ» “ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِن تَوَهُّمُ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ ذَلِكَ النَّعِيمَ حَقًّا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُعَلَّقِ عَلى المَشِيئَةِ وُقُوعُ المَشِيئَةِ بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنَّها لَوْ تَعَلَّقَتِ المَشِيئَةُ لَوَقَعَ المُسْتَثْنى، وقَدْ دَلَّتِ الوُعُودُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ إخْراجَ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها. وأيًّا ما كانَ فَهم إذا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ كانُوا خالِدِينَ فِيها فَلا يَنْقَطِعُ عَنْهم نَعِيمُها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَعِدُوا - بِفَتْحِ السِّينِ -، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ السِّينِ - عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ، وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِهِ قاصِرًا لا مَفْعُولَ لَهُ؛ لَكِنَّهُ عَلى مُعامَلَةِ القاصِرِ مُعامَلَةَ المُتَعَدِّي في مَعْنى فُعِلَ بِهِ ما صَيَّرَهُ صاحِبَ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: جُنَّ فُلانٌ، إذا فُعِلَ بِهِ ما صارَ بِهِ ذا جُنُونٍ، فَـ (سُعِدُوا) بِمَعْنى أُسْعِدُوا. وقِيلَ: سَعِدَ مُتَعَدٍّ في لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ، يَقُولُونَ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ أصْلَهُ أُسْعِدُوا، فَحُذِفَ هَمْزُ الزِّيادَةِ كَما قالُوا مَجْنُوبٌ (بِمُوَحَّدَةٍ في آخِرِهِ)، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ مَسْعُودٌ.
هود 11:108
صفحة ١٦٣
﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ تَفْصِيلٌ لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] الآيَةَ، وبَيَّنَتْ عَظَمَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ في الشَّرِّ والخَيْرِ تَبَعًا لِذَلِكَ التَّفْصِيلِ. فالمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ وما بَعْدَهُ، وأمّا ما قَبْلَهُ فَتَمْهِيدٌ لَهُ أفْصَحَ عَنْ عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ اقْتَضاهُ وضْعُ الِاسْتِطْرادِ بِتَعْظِيمِ هَوْلِ اليَوْمِ في مَوْضِعِ الكَلامِ المُتَّصِلِ لِأنَّهُ أسْعَدُ بِتَناسُبِ أغْراضِ الكَلامِ، والظُّرُوفُ صالِحَةٌ لِاتِّصالِ الكَلامِ كَصَلاحِيَّةِ الحُرُوفِ العاطِفَةِ وأدَواتِ الشَّرْطِ.
و(يَوْمٌ) مِن قَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (حِينَ) أوْ (ساعَةَ)، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ في لَفْظِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ تَوَسُّعًا بِإطْلاقِهِما عَلى جُزْءٍ مِن زَمانِهِما إذْ لا يَخْلُو الزَّمانُ مِن أنْ يَقَعَ في نَهارٍ أوْ في لَيْلٍ فَذَلِكَ يَوْمٌ أوْ لَيْلَةٌ فَإذا أُطْلِقا هَذا الإطْلاقَ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنهُما إلّا مَعْنى حِينَ دُونَ تَقْدِيرٍ بِمُدَّةٍ ولا بِنَهارٍ ولا لَيْلٍ، ألا تَرى قَوْلَ النّابِغَةَ:
تَخَيَّرْنَ مِن أنْهارِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ
فَأضافَ (أنْهارَ) جَمْعَ نَهارٍ إلى اليَوْمِ. ورُوِيَ: مِن أزْمانِ يَوْمِ حَلِيمَةٍ.
وقَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيْرِ:
كَأنَّ القَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ: يُغْدى ∗∗∗ بِلَيْلى الأخْيَلِـيَّةِ أوْ يُراحُ
صفحة ١٦٤
أرادَ ساعَةَ قِيلَ: يُغْدى بِلَيْلى، ولِذَلِكَ قالَ: يُغْدى أوْ يُراحُ، فَلَمْ يُراقِبْ ما يُناسِبُ لَفْظَ لَيْلَةَ مِنَ الرَّواحِ.
فَقَوْلُهُ - تَعالى: يَوْمَ يَأْتِي مَعْناهُ حِينَ يَأْتِي. وضَمِيرُ يَأْتِي عائِدٌ إلى يَوْمٍ مَشْهُودٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. والمُرادُ بِإتْيانِهِ وُقُوعُهُ وحُلُولُهُ كَقَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ.
فَقَوْلُهُ: يَوْمَ يَأْتِي ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ﴾
وجُمْلَةُ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى فِعْلِها لِلْغَرَضِ المُتَقَدِّمِ. والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ حِينِ يَحُلُّ اليَوْمُ المَشْهُودُ. والضَّمِيرُ في (بِإذْنِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى - المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ ومِن ضَمِيرِ نُؤَخِّرُهُ. والمَعْنى أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] . والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ اعْتِقادِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أنَّ الأصْنامَ لَها حَقُّ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ.
و(نَفْسٌ) يَعُمُّ جَمِيعَ النُّفُوسِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ، فَشَمَلَ النُّفُوسَ البَرَّةَ والفاجِرَةَ، وشَمَلَ كَلامَ الشّافِعِ وكَلامَ المُجادِلِ عَنْ نَفْسِهِ. وفُصِّلَ عُمُومُ النُّفُوسِ بِاخْتِلافِ أحْوالِها. وهَذا التَّفْصِيلُ مُفِيدٌ تَفْصِيلَ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣]، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى هَذا النَّسْجِ لِأجْلِ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن شِبْهِ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] إلى قَوْلِهِ: بِإذْنِهِ وذَلِكَ نَسِيجٌ بَدِيعٌ.
والشَّقِيُّ: فَعِيلٌ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن شَقِيَ، إذا تَلَبَّسَ بِالشَّقاءِ والشَّقاوَةِ، أيْ سُوءِ الحالَةِ وشَرِّها وما يُنافِرُ طَبْعَ المُتَّصِفِ بِها.
والسَّعِيدُ: ضِدَّ الشَّقِيِّ، وهو المُتَلَبِّسُ بِالسَّعادَةِ الَّتِي هي الأحْوالُ الحَسَنَةُ الخَيِّرَةُ المُلائِمَةُ لِلْمُتَّصِفِ بِها. والمَعْنى: فَمِنهم يَوْمَئِذٍ مَن هو في عَذابٍ وشِدَّةٍ ومِنهم مَن هو في نِعْمَةٍ ورَخاءٍ.
صفحة ١٦٥
والشَّقاوَةُ والسَّعادَةُ مِنَ المَواهِي المَقُولَةِ بِالتَّشْكِيكِ فَكِلْتاهُما مَراتِبُ كَثِيرَةٌ مُتَفاوِتَةٌ في قُوَّةِ الوَصْفِ. وهَذا إجْمالٌ تَفْصِيلُهُ ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ إلى آخِرِهِ.
والزَّفِيرُ: إخْراجُ الأنْفاسِ بِدَفْعٍ وشِدَّةٍ بِسَبَبِ ضَغْطِ التَّنَفُّسِ. والشَّهِيقُ: عَكْسُهُ وهو اجْتِلابُ الهَواءِ إلى الصَّدْرِ بِشِدَّةٍ لِقُوَّةِ الِاحْتِياجِ إلى التَّنَفُّسِ.
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أحْوالِهِمْ في جَهَنَّمَ الزَّفِيرَ والشَّهِيقَ تَنْفِيرًا مِن أسْبابِ المَصِيرِ إلى النّارِ لِما في ذِكْرِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ التَّشْوِيهِ بِهِمْ وذَلِكَ أخْوَفُ لَهم مِنَ الألَمِ.
ومَعْنى ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ التَّأْيِيدُ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ، وإلّا فَإنَّ السَّماواتِ والأرْضَ المَعْرُوفَةَ تَضْمَحِلُّ يَوْمَئِذٍ، قالَ - تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] أوْ يُرادُ سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها.
و﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأزْمانِ الَّتِي عَمَّها الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: ما دامَتْ أيْ إلّا الأزْمانُ الَّتِي شاءَ اللَّهُ فِيها عَدَمَ خُلُودِهِمْ، ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ اسْتِثْناءُ بَعْضِ الخالِدِينَ تَبَعًا لِلْأزْمانِ. وهَذا بِناءً عَلى غالِبِ إطْلاقِ ما المَوْصُولَةِ أنَّها لِغَيْرِ العاقِلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) لِأنَّ (ما) تُطْلَقُ عَلى العاقِلِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ: ﴿ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] . وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الِاسْتِثْناءُ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ.
فَأمّا الأوَّلُ مِنهُما فالمَقْصُودُ أنَّ أهْلَ النّارِ مَراتِبُ في طُولِ المُدَّةِ فَمِنهم مَن يُعَذَّبُ ثُمَّ يُعْفى عَنْهُ، مِثْلَ أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُوَحِّدِينَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: أنَّهم يُقالُ لَهُمُ الجُهَنَّمِيُّونَ في الجَنَّةِ، ومِنهُمُ الخالِدُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ والكُفّارُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ إجْمالَ المُسْتَثْنى يُنْشِئُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: ما هو تَعْيِينُ المُسْتَثْنى أوْ لِماذا لَمْ يَكُنِ الخُلُودُ عامًّا. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ.
وأمّا الِاسْتِثْناءُ الثّانِي الواقِعُ في جانِبِ ﴿الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
صفحة ١٦٦
أحَدُهُما أنْ يُرادَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ في أوَّلِ أزْمِنَةِ القِيامَةِ، وهي المُدَّةُ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها عُصاةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ التّائِبِينَ في العَذابِ إلى أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهم بِفَضْلِهِ بِدُونِ شَفاعَةٍ، أوْ بِشَفاعَةٍ كَما في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: ”«يَدْخُلُ ناسٌ جَهَنَّمَ حَتّى إذا صارُوا كالحُمَمَةِ أُخْرِجُوا وأُدْخِلُوا الجَنَّةَ فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الجُهَنَّمِيُّونَ» “ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ التَّحْذِيرُ مِن تَوَهُّمُ اسْتِحْقاقِ أحَدٍ ذَلِكَ النَّعِيمَ حَقًّا عَلى اللَّهِ بَلْ هو مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُعَلَّقِ عَلى المَشِيئَةِ وُقُوعُ المَشِيئَةِ بَلْ إنَّما يَقْتَضِي أنَّها لَوْ تَعَلَّقَتِ المَشِيئَةُ لَوَقَعَ المُسْتَثْنى، وقَدْ دَلَّتِ الوُعُودُ الإلَهِيَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَشاءُ إخْراجَ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها. وأيًّا ما كانَ فَهم إذا أُدْخِلُوا الجَنَّةَ كانُوا خالِدِينَ فِيها فَلا يَنْقَطِعُ عَنْهم نَعِيمُها. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
والمَجْذُوذُ: المَقْطُوعُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَعِدُوا - بِفَتْحِ السِّينِ -، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ السِّينِ - عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلنّائِبِ، وإنْ كانَ أصْلُ فِعْلِهِ قاصِرًا لا مَفْعُولَ لَهُ؛ لَكِنَّهُ عَلى مُعامَلَةِ القاصِرِ مُعامَلَةَ المُتَعَدِّي في مَعْنى فُعِلَ بِهِ ما صَيَّرَهُ صاحِبَ ذَلِكَ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: جُنَّ فُلانٌ، إذا فُعِلَ بِهِ ما صارَ بِهِ ذا جُنُونٍ، فَـ (سُعِدُوا) بِمَعْنى أُسْعِدُوا. وقِيلَ: سَعِدَ مُتَعَدٍّ في لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ، يَقُولُونَ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وخَرَجَ أيْضًا عَلى أنَّ أصْلَهُ أُسْعِدُوا، فَحُذِفَ هَمْزُ الزِّيادَةِ كَما قالُوا مَجْنُوبٌ (بِمُوَحَّدَةٍ في آخِرِهِ)، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ مَسْعُودٌ.
هود 11:109
صفحة ١٦٧
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى القَصَصِ الماضِيَةِ فَإنَّها تُكْسِبُ سامِعَها يَقِينًا بِباطِلِ ما عَلَيْهِ عَبْدَةُ الأصْنامِ وبِخَيْبَةِ ما أمَّلُوهُ فِيهِمْ مِنَ الشَّفاعَةِ في الدُّنْيا وإنَّ سابِقَ شَقائِهِمْ في الدُّنْيا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ يُؤْذِنُ بِسُوءِ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَ السّامِعِ أنْ يَشُكَّ في سُوءِ الشِّرْكِ وفَسادِهِ.
والخِطابُ في نَحْوِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ يَقْصِدُ بِهِ أيَّ سامِعٍ لا سامِعًا مُعَيَّنًا سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ أنْ يَشُكَّ في ذَلِكَ أمْ لا؛ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مُعَيَّنًا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ لا تَكُ مَقْصُودًا بِهِ مُجَرَّدُ تَحْقِيقِ الخَبَرِ فَإنَّهُ جَرى مَجْرى المَثَلِ في ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلَ كَلِمَةِ: لا شَكَّ، ولا مَحالَةَ، ولا أعْرِفَنَّكَ، ونَحْوَها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّصَلُّبِ في الشِّرْكِ، أيْ لا تَكُنْ شاكًّا في أنَّكَ لَقِيتَ مِن قَوْمِكَ مِنَ التَّكْذِيبِ مِثْلَ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ مِن أُمَمِهِمْ فَإنَّ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ مُتَوارِثِينَها عَنْ أسْلافِهِمْ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ.
والمِرْيَةُ - بِكَسْرِ المِيمِ -: الشَّكُّ. وقَدْ جاءَ فِعْلُها عَلى وزْنِ فاعَلَ أوْ تَفاعَلَ وافْتَعَلَ. ولَمْ يَجِئْ عَلى وزْنٍ مُجَرَّدٍ لِأنَّ أصْلَ المِراءِ المُجادَلَةُ والمُدافَعَةُ مُسْتَعارًا مِن مَرَيْتُ الشّاةَ إذا اسْتَخْرَجْتُ لَبَنَها. ومِنهُ قَوْلُهم: لا يُجارى ولا يُمارى. وفي القُرْآنِ ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ١٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ الِامْتِراءُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] في أوَّلِ الأنْعامِ.
صفحة ١٦٨
و(ما) في قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا تَكُ في شَكٍّ مِن عِبادَةِ هَؤُلاءِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
وقَدْ تَتَبَّعْتُ اصْطِلاحَ القُرْآنِ فَوَجَدْتُهُ عَناهم بِاسْمِ الإشارَةِ هَذا في نَحْوِ أحَدَ عَشَرَ مَوْضِعًا وهو مِمّا أُلْهِمْتُ إلَيْهِ ونَبَّهْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ.
ومَعْنى الشَّكِّ في عِبادَتِهِمْ لَيْسَ إلّا الشَّكُّ في شَأْنِها؛ لِأنَّ عِبادَتَهم مَعْلُومَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلا وجْهَ لِنَفْيِ مِرْيَتِهِ فِيها، وإنَّما المُرادُ نَفْيُ الشَّكِّ فِيما قَدْ يَعْتَرِيهِ مِنَ الشَّكِّ مِن أنَّهم هَلْ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا أوْ يَتْرُكُهم إلى عِقابِ الآخِرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، تَعْلِيلًا لِانْتِفاءِ الشَّكِّ في عاقِبَةِ أمْرِهِمْ في الدُّنْيا.
ووَجْهُ كَوْنِهِ عِلَّةً أنَّهُ لَمّا كانَ دِينُهم عَيْنَ دِينِ مَن كانَ قَبْلَهم مِن آبائِهِمْ وقَدْ بَلَغَكم ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ عِقابًا عَلى دِينِهِمْ فَأنْتُمْ تُوقِنُونَ بِأنَّ جَزاءَهم سَيَكُونُ مُماثِلًا لِجَزاءِ أسْلافِهِمْ؛ لِأنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَقْتَضِي المُساواةَ في الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ المُتَماثِلَةِ.
والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا كَما يَعْبُدُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ المَصادِرِ. وكافُ التَّشْبِيهِ نائِبَةٌ عَنْ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. التَّقْدِيرُ: إلّا عِبادَةَ كَما يَعْبُدُ آباؤُهم.
والآباءُ: أُطْلِقَ عَلى الأسْلافِ، وهم عادٌ وثَمُودُ. وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ العَدْنانِيِّيِنَ كانَتْ أُمُّهم جُرْهُمِيَّةً، وهي امْرَأةُ إسْماعِيلَ، وجُرْهم مِن إخْوَةِ ثَمُودَ، وثَمُودُ إخْوَةٌ لَعادٍ، ولِأنَّ قُرَيْشًا كانَتْ أُمُّهم خُزاعِيَّةً وهي زَوْجُ قُصَيٍّ. وعِبادَةُ الأصْنامِ في العَرَبِ أتاهم بِها عَمْرُو بْنُ يَحْيى، وهو جَدُّ خُزاعَةَ.
وعَبَّرَ عَنْ عِبادَةِ الآباءِ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تِلْكَ العِبادَةِ، أيْ إلّا كَما اعْتادَ آباؤُهم عِبادَتَهم. والقَرِينَةُ عَلى المُضِيِّ قَوْلُهُ: مِن قَبْلُ،
صفحة ١٦٩
فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا كَما كانَ يَعْبُدُ آباؤُهم. والمُضافُ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِهِمْ، تَنْصِيصًا عَلى أنَّهم سَلَفُهم في هَذا الضَّلالِ وعَلى أنَّهُمُ اقْتَدَوْا بِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّعْلِيلِ والمَعْطُوفُ هو المَعْلُولُ، وقَدْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِ مَعْنى كافِ التَّشْبِيهِ لِذَلِكَ. فالمَعْنى: وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم مِنَ العَذابِ كَما وفَّيْنا أسْلافَهم.
والتَّوْفِيَةُ: إكْمالُ الشَّيْءِ غَيْرِ مَنقُوصٍ.
والنَّصِيبُ: أصْلُهُ الحَظُّ. وقَدِ اسْتَعْمَلَ (مُوَفُّوهم) و(نَصِيبَهم) هُنا اسْتِعْمالًا تَهَكُّمِيًّا كَأنَّ لَهم عَطاءً يَسْألُونَهُ فَوُفُّوهُ، فَوَقَعَ قَوْلُهُ: (﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾) حالًا مُؤَكِّدَةً لِتَحْقِيقِ التَّوْفِيَةِ زِيادَةً في التَّهَكُّمِ؛ لِأنَّ مِن إكْرامِ المَوْعُودِ بِالعَطاءِ أنْ يُؤَكَّدَ لَهُ الوَعْدُ ويُسَمّى ذَلِكَ بِالبِشارَةِ.
والمُرادُ نَصِيبُهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم كَما اسْتَأْصَلَ الأُمَمَ السّابِقَةَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ قالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» .
هود 11:110
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾
اعْتِراضٌ لِتَثْبِيتِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ وهم أحْسَنُ حالًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ أُوتُوا الكِتابَ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، وهم أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ فَلا تَأْسَ مِنِ اخْتِلافِ قَوْمِكَ عَلَيْكَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ﴾ [هود: ١٠٩]
ولِأجْلِ ما فِيها مِن مَعْنى التَّثْبِيتِ فَرَّعَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] .
وقَوْلُهُ: فاخْتُلِفَ فِيهِ أيْ في الكِتابِ، وهو التَّوْراةُ. ومَعْنى الِاخْتِلافِ فِيهِ اخْتِلافُ أهْلِ التَّوْراةِ في تَقْرِيرِ بَعْضِها وإبْطالِ بَعْضٍ، وفي إظْهارِ بَعْضِها
صفحة ١٧٠
وإخْفاءِ بَعْضٍ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ، وفي تَأْوِيلِ البَعْضِ عَلى هَواهم، وفي إلْحاقِ أشْياءَ بِالكِتابِ عَلى أنَّها مِنهُ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . فَهَذا مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ مِن بَعْضِهِمْ لا مِن جَمِيعِهِمْ فَيَقْتَضِي الِاخْتِلافَ بَيْنَهم بَيْنَ مُثْبِتٍ ونافٍ، وهَذا الِاخْتِلافُ بِأنْواعِهِ وأحْوالِهِ يَرْجِعُ إلى الِاخْتِلافِ في شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ. فَجُمِعَتْ هَذِهِ المَعانِي جَمْعًا بَدِيعًا في تَعْدِيَةِ الِاخْتِلافِ بِحَرْفِ (في) الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهي كالمُلابَسَةِ، أيْ فاخْتُلِفَ اخْتِلافًا يُلابِسُهُ، أيْ يُلابِسُ الكِتابَ.
ولِأنَّ الغَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَيانِ المُخْتَلِفِينَ ولا بِذَمِّهِمْ لِأنَّ مِنهُمُ المَذْمُومَ وهُمُ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى إدْخالِ الِاخْتِلافِ، ومِنهُمُ المَحْمُودَ وهُمُ المُنْكِرُونَ عَلى المُبَدِّلِينَ كَما قالَ - تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١]، بَلْ كانَ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِهِ.
بُنِيَ فِعْلُ (اخْتُلِفَ) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا غَرَضَ إلّا في ذِكْرِ الفِعْلِ لا في فاعِلِهِ.
* * *
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةٍ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ الِاعْتِراضُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: (فاخْتُلِفَ فِيهِ)، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] أيْ ولَوْلا ما سَبَقَ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُمُ العَذابَ لَقُضِيَ بَيْنَهم، أيْ لَقَضى اللَّهُ بَيْنَهم، فَأهْلَكَ المُشْرِكِينَ والمُخالِفِينَ ونَصَرَ المُؤْمِنِينَ.
فَيَكُونُ (بَيْنَهم) هو نائِبُ فاعِلِ (قُضِيَ) . والتَّقْدِيرُ: لَوَقَعَ العَذابُ بَيْنَهم، أيْ فِيهِمْ.
صفحة ١٧١
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (فاخْتُلِفَ فِيهِ) فَيَكُونُ ضَمِيرُ (بَيْنِهِمْ) عائِدًا إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: فاخْتُلِفَ فِيهِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي جَماعَةً مُخْتَلِفِينَ في أحْكامِ الكِتابِ، ويَكُونُ (بَيْنَهم) مُتَعَلِّقًا بِـ (قُضِيَ)، أيْ لِحُكْمٍ بَيْنَهم بِإظْهارِ المُصِيبِ مِنَ المُخْطِئِ في أحْكامِ الكِتابِ فَيَكُونُ تَحْذِيرًا مِنَ الِاخْتِلافِ، أيْ أنَّهُ إنْ وقَعَ أمْهَلَ اللَّهُ المُخْتَلِفِينَ فَتَرَكَهم في شَكٍّ. ولَيْسَ مِن سُنَّةِ اللَّهِ أنْ يَقْضِيَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ فَيُوقِفَهم عَلى تَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، أيْ فَعَلَيْكم بِالحَذَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ في كِتابِكم فَإنَّكم إنِ اخْتَلَفْتُمْ بَقِيتُمْ في شَكٍّ ولَحِقَكم جَزاءُ أعْمالِكم.
و(الكَلِمَةُ) هي إرادَةُ اللَّهِ الأزَلِيَّةُ وسُنَّتُهُ في خَلْقِهِ. وهي أنَّهُ وكَلَّ النّاسَ إلى إرْشادِ الرُّسُلِ لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، وإلى النَّظَرِ في الآياتِ، ثُمَّ إلى بَذْلِ الِاجْتِهادِ التّامِّ في إصابَةِ الحَقِّ، والسَّعْيِ إلى الِاتِّفاقِ ونَبْذِ الخِلافِ بِصَرْفِ الأفْهامِ السَّدِيدَةِ إلى المَعانِي، وبِالمُراجَعَةِ فِيما بَيْنَهم، والتَّبَصُّرِ في الحَقِّ، والإنْصافِ في الجَدَلِ والِاسْتِدْلالِ، وأنْ يَجْعَلُوا الحَقَّ غايَتَهم والِاجْتِهادَ دَأْبَهم وهِجِّيراهم. وحِكْمَةُ ذَلِكَ هي أنَّ الفَصْلَ والِاهْتِداءَ إلى الحَقِّ مُصْلَحَةٌ لِلنّاسِ ومَنفَعَةٌ لَهم لا لِلَّهِ. وتَمامُ المَصْلَحَةِ في ذَلِكَ يَحْصُلُ بِأنْ يَبْذُلُوا اجْتِهادَهم ويَسْتَعْمِلُوا أنْظارَهم لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى زِيادَةِ تَعَقُّلِهِمْ وتَفْكِيرِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [الأنفال: ٧] في سُورَةِ الأنْفالِ.
ووَصَفَها بِالسَّبْقِ لِأنَّها أزَلِيَّةٌ، بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِوُقُوعِها، وبِأنَّها تَرْجِعُ إلى سُنَّةٍ كُلِّيَّةٍ تَقَرَّرَتْ مِن قَبْلُ.
ومَعْنى لَقُضِيَ بَيْنَهم أنَّهُ قَضاءُ اسْتِئْصالِ المُبْطِلِ واسْتِبْقاءِ المُحِقِّ، كَما قَضى اللَّهُ بَيْنَ الرُّسُلِ والمُكَذِّبِينَ، ولَكِنَّ إرادَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ خِلافَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى فَهْمِ الأُمَّةِ كِتابَها.
وضَمِيرُ (بَيْنَهم) يَعُودُ إلى المُخْتَلِفِينَ المُفادُ مِن قَوْلِهِ: فاخْتُلِفَ فِيهِ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.
صفحة ١٧٢
ومُتَعَلِّقُ القَضاءِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنَّ رَبَّكَ هو يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥]
* * *
﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] فَيَكُونُ ضَمِيرُ (وإنَّهم) عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (ما يَعْبُدُونَ) الآيَةَ، أيْ إنَّ المُشْرِكِينَ لَفي شَكٍّ مِن تَوْفِيَةِ نَصِيبِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ. ويَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ وأوْلاهُما، فَضَمِيرُ (مِنهُ) عائِدٌ إلى (يَوْمَ) مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (فاخْتُلِفَ فِيهِ)، أيْ فاخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُهُ، أيْ أهْلُ الكِتابِ فَضَمِيرُ (وإنَّهم) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ بَيْنَهم عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ، أيِ اخْتَلَفَ أهْلُ الكِتابِ في كِتابِهِمْ وإنَّهم لَفي شَكٍّ.
أمّا ضَمِيرُ (مِنهُ) فَيَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ، أيْ أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ عَلى شَكٍّ وتَرَدُّدٍ في كِتابِهِمْ، أيْ دُونَ عِلْمٍ يُوجِبُ اليَقِينَ مِثْلَ اسْتِقْراءِ عُلَمائِنا لِلْأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، أوْ يُوجِبُ الظَّنَّ القَرِيبَ مِنَ اليَقِينِ، كَظَنِّ المُجْتَهِدِ فِيما بَلَغَ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ الصَّحِيحَ المُسْتَنْبَطَ مِنَ الكِتابِ لا يُعَدُّ اخْتِلافًا في الكِتابِ إذِ الأصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَمَناطُ الذَّمِّ هو الِاخْتِلافُ في مَتْنِ الكِتابِ لا في التَّفْرِيعِ مِن أدِلَّتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (مِنهُ) عائِدًا إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ ومِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] .
والمُرِيبُ: المُوقِعُ في الشَّكِّ، ووَصْفُ الشَّكِّ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ.
هود 11:111
صفحة ١٧٣
﴿وإنْ كُلًّا لَما لِيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
تَذْيِيلٌ لِلْأخْبارِ السّابِقَةِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأُعْمِلَتْ في اسْمِها فانْتَصَبَ بَعْدَها. و(إنْ) المُخَفَّفَةُ إذا وقَعَتْ بَعْدَها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ يَكْثُرُ إعْمالُها ويَكْثُرُ إهْمالُها قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ونُحاةُ البَصْرَةِ وهو الحَقُّ. وقَرَأ الباقُونَ (إنَّ) مُشَدَّدَةً عَلى الأصْلِ.
وبِتَنْوِينِ (كُلًّا) عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلَّهم، أيْ كُلَّ المَذْكُورِينَ آنِفًا مِن أهْلِ القُرى، ومِنَ المُشْرِكِينَ المُعَرَّضِ بِهِمْ، ومِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن أتْباعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
و(لَما) مُخَفَّفَةٌ في قِراءَةِ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ، فاللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (ما) لامُ الِابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ (إنَّ) . واللّامُ الثّانِيَةُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَيُوَفِّيَنَّهم) لامُ جَوابِ القَسَمِ. و(ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. والفَصْلُ بَيْنَ اللّامَيْنِ دَفْعًا لِكَراهَةِ تَوالِي مِثْلَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ - بِتَشْدِيدِ المِيمِ - مِن (لَمّا) . فَعِنْدَ مَن قَرَأ (إنْ) مُخَفَّفَةً وشَدَّدَ المِيمَ وهو أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُونُ (إنْ) مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، وأمّا مَن شَدَّدَ النُّونَ مِن (إنَّ) وشَدَّدَ المِيمَ مِن (لَمّا) وهُمُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ فَتَوْجِيهُ قِراءَتِهِمْ وقِراءَةُ أبِي بَكْرٍ ما قالَهُ الفَرّاءُ: إنَّها بِمَعْنى (لِمَن ما) فَحُذِفَتْ إحْدى المِيماتِ الثَّلاثِ، يُرِيدُ أنَّ (لَمّا) لَيْسَتْ كَلِمَةً واحِدَةً وإنْ كانَتْ في صُورَتِها كَصُورَةِ حَرْفِ (لَمّا) في رَسْمِ المُصْحَفِ (لِأنَّهُ اتَّبَعَ فِيهِ صُورَةَ النُّطْقِ بِها) وإنَّما هي مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و(مِنَ) الجارَّةِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى كَثْرَةِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ كالَّتِي في قَوْلِ أبِي حَيَّةَ النَّمِرِيِّ:
صفحة ١٧٤
وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ
أيْ: نُكْثِرُ ضَرْبَ الكَبْشِ، أيْ أمِيرِ جَيْشِ العَدُوِّ عَلى رَأْسِهِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُلاقِي مِنَ الوَحْيِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ لِسانَهُ حِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، فَقالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] الآيَةَ» . فَأصْلُ هَذِهِ الكَلِماتِ في الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءاتِ: وإنَّ كُلًّا لَمِن ما لَيُوَفِّيَنَّهم، فَلَمّا قُلِبَتْ نُونُ مِن مِيمًا لِإدْغامِها في مِيمِ (ما) اجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى تَخْفِيفًا وهي مِيمُ (مِن) لِوُجُودِ دَلِيلٍ عَلَيْها وهو المِيمُ الثّانِيَةُ لِأنَّ أصْلَ المِيمِ الثّانِيَةِ نُونُ (مِن) فَصارَ (لَمّا) .
ولامُ لَيُوَفِّيَنَّهم لامُ قَسَمٍ.
ومَعْنى الكَثْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِ فَرِيقٍ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الكِتابِ مِن إلْحاقِ الجَزاءِ عَنْ عَمَلِهِ بِهِ.
والمَعْنى: وإنَّ جَمِيعَهم لَلاقُونَ جَزاءَ أعْمالِهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهم أحَدٌ، وإنَّ تَوْفِيَةَ اللَّهِ إيّاهم أعْمالَهم حَقَّقَهُ اللَّهُ ولَمْ يُسامِحْ فِيهِ. فَهَذا التَّخْرِيجُ هو أوْلى الوُجُوهِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْها هَذِهِ القِراءَةُ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ المَهْدَوِيُّ ونَصْرُ الشِّيرازِيُّ النَّحْوِيُّ ومَشى عَلَيْهِ البَيْضاوِيُّ. وقَدْ أنْهاها أبُو شامَةَ في شَرْحِ مَنظُومَةِ الشّاطِبِيِّ إلى سِتَّةِ وُجُوهٍ وأنْهاها غَيْرُهُ إلى ثَمانِيَةِ وُجُوهٍ.
وفِي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأفاضِلِ قالَ: إنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا أخْبَرَ عَنْ تَوْفِيَةِ الأجْزِيَةِ عَلى المُسْتَحِقِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ فِيها سَبْعَةَ أنْواعٍ مِنَ التَّوْكِيداتِ، أوَّلُها: كَلِمَةُ (إنَّ) وهي لِلتَّأْكِيدِ، وثانِيها (كَلُّ) وهي أيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وثالِثُها اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ إنَّ، ورابِعُها حَرْفُ (ما) إذا جَعَلْناهُ مَوْصُولًا عَلى قَوْلِ
صفحة ١٧٥
الفَرّاءِ، وخامِسُها القَسَمُ المُضْمَرُ، وسادِسُها اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى جَوابِ القَسَمِ، وسابِعُها النُّونُ المُؤَكِّدَةُ في قَوْلِهِ: لَيُوَفِّيَنَّهم.
وتَوْفِيَةُ أعْمالِهِمْ بِمَعْنى تَوْفِيَةِ جَزاءِ الأعْمالِ، أيْ إعْطاءُ الجَزاءِ وافِيًا مِنَ الخَيْرِ عَلى عَمَلِ الخَيْرِ ومِنَ السُّوءِ عَلى عَمَلِ السُّوءِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ لِأنَّ إحاطَةَ العِلْمِ بِأعْمالِهِمْ مَعَ إرادَةِ جَزائِهِمْ تُوجِبُ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ مُطابِقًا لِلْعَمَلِ تَمامَ المُطابَقَةِ. وذَلِكَ مُحَقَّقُ التَّوْفِيَةِ.
هود 11:112
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾
تَرَتَّبَ عَنِ التَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠] وعَنِ التَّثْبِيتِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الحَضُّ عَلى الدَّوامِ عَلى التَّمَسُّكِ بِالإسْلامِ عَلى وجْهٍ قَوِيمٍ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِقامَةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى العَمَلِ بِتَعالِيمِ الإسْلامِ، دَوامًا جِماعُهُ الِاسْتِقامَةُ عَلَيْهِ والحَذَرُ مِن تَغْيِيرِهِ.
ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ في كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما جاءَ مِن أهْلِ الكِتابِ عَطَفَ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِقامَةِ عَلى كِتابِهِ أمْرَ المُؤْمِنِينَ بِتِلْكَ الِاسْتِقامَةِ أيْضًا؛ لِأنَّ الِاعْوِجاجَ مِن دَواعِي الِاخْتِلافِ في الكِتابِ بِنُهُوضِ فِرَقٍ مِنَ الأُمَّةِ إلى تَبْدِيلِهِ لِمُجاراةِ أهْوائِهِمْ، ولِأنَّ مُخالَفَةَ الأُمَّةِ عَمْدًا إلى أحْكامِ كِتابِها إنْ هو إلّا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ اخْتِلافُها عَلى أحْكامِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ»، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الِاسْتِقامَةُ حائِلًا دُونَ ذَلِكَ، إذِ الِاسْتِقامَةُ هي العَمَلُ بِكَمالِ الشَّرِيعَةِ بِحَيْثُ لا يَنْحَرِفُ عَنْها قِيدَ شِبْرٍ. ومُتَعَلِّقُها العَمَلُ بِالشَّرِيعَةِ
صفحة ١٧٦
بَعْدَ الإيمانِ لِأنَّ الإيمانَ أصْلٌ فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِقامَةُ. وقَدْ أشارَ إلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِأبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» فَجَعَلَ الِاسْتِقامَةَ شَيْئًا بَعْدَ الإيمانِ.
ووُجِّهَ الأمْرُ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهًا لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَما أُمِرْتَ فَيُشِيرُ إلى أنَّهُ المُتَلَقِّي لِلْأوامِرِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِداءً. وهَذا تَنْوِيهٌ لَهُ بِمَقامِ رِسالَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بِخِطابِ أُمَّتِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلُهُ: ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ . وكافُ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ المَأْخُوذَةِ مِنِ اسْتَقِمْ. ومَعْنى تَشْبِيهُ الِاسْتِقامَةِ المَأْمُورِ بِها بِما أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لِكَوْنِ الِاسْتِقامَةِ مِمْثالَةً لِسائِرِ ما أُمِرَ بِهِ، وهو تَشْبِيهُ المُجْمَلِ بِالمُفَصَّلِ في تَفْصِيلِهِ بِأنْ يَكُونَ طِبْقَهُ. ويُئَوَّلُ هَذا المَعْنى إلى أنْ تَكُونَ الكافُ في مَعْنى (عَلى) كَما يُقالُ: كُنْ كَما أنْتَ. أيْ لا تَتَغَيَّرْ ولْتُشْبِهْ أحْوالُكَ المُسْتَقْبَلَةُ حالَتَكَ هَذِهِ.
(ومَن تابَ) عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في (أُمِرْتَ) . ومُصَحِّحُ العَطْفِ مَوْجُودٌ وهو الفَصْلُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ.
و(مَن تابَ) هُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الشِّرْكِ. و(مَعَكَ) حالٌ مِن (تابَ) ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِتابَ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أُصُولَ الصَّلاحِ الدِّينِيِّ وفُرُوعِهِ لِقَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ هي أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ. ولِذَلِكَ قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ قالُوا لَهُ: لَقَدْ أسْرَعَ إلَيْكَ الشَّيْبُ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها» . وسُئِلَ عَمّا في هُودٍ فَقالَ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ .
* * *
صفحة ١٧٧
﴿ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
الخِطابُ في قَوْلِهِ: ولا تَطْغَوْا مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقَ عَلَيْهِمْ ﴿ومَن تابَ مَعَكَ﴾ .
والطُّغْيانُ أصْلُهُ التَّعاظُمُ والجَراءَةُ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ هُنا الجَراءَةُ عَلى مُخالَفَةِ ما أُمِرُوا بِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] . فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ مُخالَفَةِ أحْكامِ كِتابِهِ كَما نَهى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَدْ شَمِلَ الطُّغْيانُ أُصُولَ المَفاسِدِ، فَكانَتِ الآيَةُ جامِعَةً لِإقامَةِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ، فَكانَ النَّهْيُ عَنْهُ جامِعًا لِأحْوالِ مَصادِرِ الفَسادِ مِن نَفْسِ المُفْسِدِ وبَقِيَ ما يُخْشى عَلَيْهِ مِن عَدْوى فَسادِ خَلِيطِهِ فَهو المَنهِيُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذا ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ [هود: ١١٣] .
وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ - ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣]
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْذِيرِ مَن أخْفى الطُّغْيانَ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ المُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ (بَصِيرٌ) مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى لِدَلالَةِ مادَّتِهِ عَلى العِلْمِ البَيِّنِ ودَلالَةِ صِيغَتِهِ عَلى قُوَّتِهِ.
هود 11:113
﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكَمَ مَن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾
الرُّكُونُ: المَيْلُ والمُوافَقَةُ، وفِعْلُهُ كَعَلِمَ. ولَعَلَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّكْنِ - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - وهو الجَنْبُ؛ لِأنَّ الماثِلَ يُدْنِي جَنْبَهُ إلى الشَّيْءِ المُمالِ إلَيْهِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ
صفحة ١٧٨
لِلْمُوافِقِ، فَبَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ نَهاهم عَنِ التَّقارُبِ مِنَ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يُضِلُّوهم ويُزِلُّوهم عَنِ الإسْلامِ.
و(الَّذِينَ ظَلَمُوا) هُمُ المُشْرِكُونَ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في سَدِّ ذَرائِعِ الفَسادِ المُحَقَّقَةِ أوِ المَظْنُونَةِ.والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ الأعْرافِ، والمُرادُ: نارُ العَذابِ في جَهَنَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾ حالٌ، أيْ لا تَجِدُونَ مَن يَسْعى لِما يَنْفَعُكم.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، أيْ ولا تَجِدُونَ مَن يَنْصُرُكم، أيْ مِن يُخَفِّفُ عَنْكم مَسَّ عَذابِ النّارِ أوْ يُخْرِجُكم مِنها.
و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِأوْلِياءَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الحُماةِ والحائِلِينَ.
وقَدْ جَمَعَ قَوْلُهُ: (ولا تَطْغَوْا) وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أصْلَيِ الدِّينِ، وهُما: الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُ الحَسَنِ: جَعَلَ اللَّهُ الدِّينَ بَيْنَ لاءَيْنِ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢]، ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ .
هود 11:114
﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾
انْتَقَلَ مِن خِطابِ المُؤْمِنِينَ إلى خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا الخِطابُ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأُمَّةِ بِقَرِينَةِ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الواجِباتِ عَلى جَمِيعِ
صفحة ١٧٩
المُسْلِمِينَ، لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ مَعَهُ ما يُناسِبُ الأوْقاتَ المُعَيَّنَةَ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، وذَلِكَ ما اقْتَضاهُ حَدِيثُ أبِي اليُسْرِ الآتِي.
وطَرَفُ الشَّيْءِ: مُنْتَهاهُ مِن أوَّلِهِ أوْ مِن آخِرِهِ، فالتَّثْنِيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ المُرادَ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ.
والنَّهارُ: ما بَيْنَ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَ نَهارًا لِأنَّ الضِّياءَ يَنْهَرُ فِيهِ، أيْ يَبْرُزُ كَما يَبْرُزُ النَّهْرُ.
والأمْرُ بِالإقامَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَمَلٌ واجِبٌ لِأنَّ الإقامَةَ إيقاعُ العَمَلِ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ، فَتَقْتَضِي أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ هُنا الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ، فالطَّرَفانِ ظَرْفانِ لِإقامَةِ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ صَلاةٍ في أوَّلِ النَّهارِ وهي الصُّبْحُ وصَلاةٍ في آخِرِهِ وهي العَصْرُ وقِيلَ المَغْرِبُ.
والزُّلَفُ: جَمْعُ زُلْفَةٍ مِثْلَ غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وهي السّاعَةُ القَرِيبَةُ مِن أُخْتِها، فَعُلِمَ أنَّ المَأْمُورَ إيقاعُ الصَّلاةِ في زُلَفٍ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمّا لَمْ تُعَيَّنِ الصَّلَواتُ المَأْمُورُ بِإقامَتِها في هَذِهِ المُدَّةِ مِنَ الزَّمانِ كانَ ذَلِكَ مُجْمَلًا فَبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ والعَمَلُ المُتَواتِرُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ هي الصُّبْحُ والظُّهْرُ والعَصْرُ والمَغْرِبُ والعِشاءُ، وكانَ ذَلِكَ بَيانًا لِآياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ كانَتْ مُجْمَلَةً في تَعْيِينِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
والمَقْصُودُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ أوَّلَ أعْمالِ المُسْلِمِ إذا أصْبَحَ وهي صَلاةُ الصُّبْحِ وآخِرَ أعْمالِهِ إذا أمْسى وهي صَلاةُ العِشاءِ لِتَكُونَ السَّيِّئاتُ الحاصِلَةُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ مَمْحُوَّةً بِالحَسَناتِ الحافَّةِ بِها. وهَذا مُشِيرٌ إلى حِكْمَةِ كَراهَةِ الحَدِيثِ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ لِلْحَثِّ عَلى الصَّلاةِ وخاصَّةً ما كانَ مِنها في أوْقاتِ تَعَرُّضِ الغَفْلَةِ عَنْها. وقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُهُما بِأدِلَّةٍ أُخَرَ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي حَصْرَ الوُجُوبِ في المَذْكُورِ فِيها.
صفحة ١٨٠
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلَواتِ، وتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ إنَّ لِلِاهْتِمامِ وتَحْقِيقِ الخَبَرِ. و(إنَّ) فِيهِ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ، وهَذا التَّعْلِيلُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، والتَّعْلِيلُ مُشْعِرٌ بِعُمُومِ أصْحابِ الحَسَناتِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ أعَمَّ مِنَ المَعْلُولِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ تَعْرِيفُ الجَمْعِ بِاللّامِ مِنَ العُمُومِ.
وإذْهابُ السَّيِّئاتِ يَشْمَلُ إذْهابَ وُقُوعِها بِأنْ يَصِيرَ انْسِياقُ النَّفْسِ إلى تَرْكِ السَّيِّئاتِ سَهْلًا وهَيِّنًا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها. ويَشْمَلُ أيْضًا مَحْوَ إثْمِها إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ هَذا مِن خَصائِصِ الحَسَناتِ كُلِّها فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ الصّالِحِينَ.
ومَحْمَلُ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى السَّيِّئاتِ الصَّغائِرِ الَّتِي هي مِنَ اللَّمَمِ حَمْلًا لِمُطْلَقِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُقَيَّدِ آيَةِ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] وقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، فَيَحْصُلُ مِن مَجْمُوعِ الآياتِ أنَّ اجْتِنابَ الفَواحِشِ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِغُفْرانِ الصَّغائِرِ أوْ أنَّ الإتْيانَ بِالحَسَناتِ يُذْهِبُ أثَرَ السَّيِّئاتِ الصَّغائِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] في سُورَةِ النِّساءِ.
رَوى البُخارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنِ امْرَأةٍ قُبْلَةَ حَرامٍ فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ . فَقالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ ؟ قالَ: لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي» .
ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنِّي عالَجْتُ امْرَأةً في أقْصى المَدِينَةِ، وإنِّي أصَبْتُ مِنها ما دُونُ أنْ أمَسَّها وها أنا ذا فاقْضِ فِيَّ ما شِئْتَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ
صفحة ١٨١
ﷺ شَيْئًا، فانْطَلَقَ الرَّجُلُ فَأتْبَعَهُ رَجُلًا فَدَعاهُ فَتَلا عَلَيْهِ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: هَذا لَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: لا، بَلْ لِلنّاسِ كافَّةً» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، والآخَرُ عَنْ أبِي اليُسْرِ وهو صاحِبُ القِصَّةِ وضَعَّفَهُما.
والظّاهِرُ أنَّ المَرْوِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ هو الَّذِي حَمَلَ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ دُونَ بَقِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّهُ وقَعَ عِنْدَ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ: فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ كَما ذَكَرَهُ الرّاوِي فَهَذِهِ الآيَةُ أُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ في هَذا المَكانِ لِمُناسَبَةِ وُقُوعِ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] قَبْلَها وقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] بَعْدَها.
وأمّا الَّذِينَ رَجَّحُوا أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ فَقالُوا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلَواتِ وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْبَرَ بِها الَّذِي سَألَهُ عَنِ القُبْلَةِ الحَرامِ وقَدْ جاءَ تائِبًا لِيُعْلِمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، فَيُئَوَّلُ قَوْلُ الرّاوِي: فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ شُمُولُ عُمُومِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لِقَضِيَّةِ السّائِلِ ولِجَمِيعِ ما يُماثِلُها مِن إصابَةِ الذُّنُوبِ غَيْرِ الفَواحِشِ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما في رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ والأسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلَهُ: فَتَلا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقِمِ الصَّلاةَ، ولَمْ يَقُولا: فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ تَذْكِرَةٌ لِلَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَذَّكَّرَ ولَمْ يَكُنْ شَأْنُهُ الإعْراضَ عَنْ طَلَبِ الرُّشْدِ والخَيْرِ، وهَذا أفادَ العُمُومَ نَصًّا. وقَوْلُهُ: ذَلِكَ الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]
هود 11:115
صفحة ١٨٢
﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] الآياتِ؛ لِأنَّها سِيقَتْ مَساقَ التَّثْبِيتِ مِن جَرّاءِ تَأْخِيرِ عِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوا.
ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَقِبَ الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، أنَّ المَأْمُوراتِ لا تَخْلُو عَنْ مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ومُخالِفَةٍ لِهَوى كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ، فَناسَبَ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالصَّبْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَكُونَ الصَّبْرُ عَلى الجَمِيعِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ.
وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَنْوِيهٌ بِهِ. والمَقْصُودُ هو وأُمَّتُهُ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ والتَّفْرِيعِ المُقْتَضِي جَمْعَهُما أنَّ الصَّبْرَ مِن حَسَناتِ المُحْسِنِينَ وإلّا لَمّا كانَ لِلتَّفْرِيعِ مَوْقِعٌ. وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مَجْلُوبٌ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
وسُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا لِوُقُوعِهِ جَزاءً عَلى الأعْمالِ ومَوْعُودًا بِهِ فَأشْبَهَ الأجْرَ.
هود 11:116
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾
هَذا قَوِيُّ الِاتِّصالِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ ويَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا دَعا إلَيْهِ الِانْتِقالُ الِاسْتِطْرادِيُّ في مَعانٍ مُتَماسِكَةٍ. والمَعْنى فَهَلّا كانَ في تِلْكَ الأُمَمِ أصْحابُ بَقِيَّةٍ مِن خَيْرٍ فَنَهَوْا قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ لَمّا حَلَّ بِهِمْ ما حَلَّ. وذَلِكَ إرْشادٌ إلى وُجُوبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. ويَجُوزُ أنْ
صفحة ١٨٣
يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] والآيَةُ تَفْرِيعٌ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ وعَنِ الرُّكُونِ إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا، إذِ المَعْنى: ولا تَكُونُوا كالأُمَمِ مِن قَبِلِكم إذْ عَدِمُوا مَن يَنْهاهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ ويَنْهاهم عَنْ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ فَأسْرَفُوا في غَلْوائِهِمْ حَتّى حَلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم، فَإنْ تَرَكْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ كانَ حالُكم كَحالِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى أُتِيَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّهُ في مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ والتَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وما عُطِفَ عَلَيْها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّينَهم رَبُّكَ أعْمالَهم فَلَوْلا كانَ مِنهم بَقِيَّةٌ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى آخِرِهِ، أيْ فاحْذَرُوا أنْ تَكُونُوا كَما كانُوا فَيُصِيبُكم ما أصابَهم، وكُونُوا مُسْتَقِيمِينَ ولا تَطْغَوْا ولا تَرْكَنُوا إلى الظّالِمِينَ وأقِيمُوا الصَّلاةَ، فَغَيَّرَ نَظْمَ الكَلامِ إلى هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي في الآيَةِ لِتَفَنُّنِ فَوائِدِهِ ودَقائِقِهِ واسْتِقْلالِ أغْراضِهِ مَعَ كَوْنِها آيِلَةً إلى غَرَضٍ يُعَمِّمُها. وهَذا مِن أبْدَعِ أسالِيبِ الإعْجازِ الَّذِي هو كَرَدِّ العَجْزِ عَلى الصَّدْرِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا ظُهُورِ قَصْدٍ.
ويَقْرُبُ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ وما أمَرْتُكم بِهِ فَأتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافُهم عَلى أنْبِيائِهِمْ» .
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ بِمَعْنى هَلّا. وتَحْضِيضُ الفائِتِ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَحْذِيرُ غَيْرِهِ مِن أنْ يَقَعَ فِيما وقَعُوا فِيهِ والعِبْرَةُ بِما أصابَهم.
والقُرُونُ: الأُمَمُ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ الأنْعامِ.
والبَقِيَّةُ: الفَضْلُ والخَيْرُ. وأُطْلِقَ عَلى الفَضْلِ البَقِيَّةُ كِنايَةً غَلَبَتْ فَسارَتْ مَسْرى الأمْثالِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ أنَّ صاحِبَهُ لا يُفَرِّطُ فِيهِ.
وبَقِيَّةُ النّاسِ: سادَتُهم وأهْلُ الفَضْلِ مِنهم، قالَ رُوَيْشِدُ بْنُ كَثِيرٍ الطّائِيُّ:
إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُـمْ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكم فَوْتُ
صفحة ١٨٤
ومِن أمْثالِهِمْ ”في الزَّوايا خَبايا وفي الرِّجالِ بَقايا“ . فَمِن هُنالِكَ أُطْلِقَتْ عَلى الفَضْلِ والخَيْرِ في صِفاتِ النّاسِ فَيُقالُ: في فُلانٍ بَقِيَّةٌ، والمَعْنى هُنا: أُولُو فَضْلٍ ودِينٍ وعِلْمٍ بِالشَّرِيعَةِ، فَلَيْسَ المُرادُ الرُّسُلَ ولَكِنْ أُرِيدَ أتْباعُ الرُّسُلِ وحَمَلَةُ الشَّرائِعِ يَنْهَوْنَ قَوْمَهم عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ.
والفَسادُ: المَعاصِي واخْتِلالُ الأحْوالِ، فَنَهْيُهم يَرْدَعُهم عَنِ الِاسْتِهْتارِ في المَعاصِي فَتَصْلُحُ أحْوالُهم فَلا يَحِقُّ عَلَيْهِمُ الوَهْنُ والِانْحِلالُ كَما حَلَّ بِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ عَدِمُوا مَن يَنْهاهم. وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم أُولُو بَقِيَّةٍ مِن قُرَيْشٍ يَدْعُونَهم إلى إيمانٍ حَتّى آمَنَ كُلُّهم، وأُولُو بَقِيَّةٍ بَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اخْتَلَطُوا بِهِمْ يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ والِاسْتِقامَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ ويُعَلِّمُونَ الدِّينَ، كَما قالَ - تَعالى - فِيهِمْ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البِشارَةِ بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَكُونُونَ كَذَلِكَ مِمّا يُومِئُ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى: مِن قَبْلِكم.
وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِقْيَةٍ بِكَسْرِ الباءِ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ القافِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ فَهي لُغَةٌ ولَمْ يَذْكُرْها أصْحابُ كُتُبِ اللُّغَةِ ولَعَلَّها أُجْرِيَتْ مَجْرى الهَيْئَةِ لِما فِيها مِن تَخَيُّلِ السَّمْتِ والوَقارِ.
وإلّا قَلِيلًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن أُولُوا بَقِيَّةٍ وهو يَسْتَتْبِعُ الِاسْتِثْناءَ مِنَ القُرُونِ إذِ القُرُونُ الَّذِينَ فِيهِمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ لَيْسُوا داخِلِينَ في حُكْمِ القُرُونِ المَذْكُورَةِ مِن قَبْلُ، وهو في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ لِأنَّ مَعْنى التَّحْضِيضِ مُتَوَجِّهٌ إلى القُرُونِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ فَهْمِ الَّذِينَ يَنْعى عَلَيْهِمْ فُقْدانُ ذَلِكَ الصِّنْفِ مِنهم. وهَؤُلاءِ القُرُونُ لَيْسَ مِنهم مَن يُسْتَثْنى إذْ كُلُّهم غَيْرُ ناجِينَ مِن عَواقِبِ الفَسادِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ مَعْنى التَّحْضِيضِ قَدْ يُوهِمُ أنَّ جَمِيعَ القُرُونِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ المُسْلِمِينَ قَدْ عَدِمُوا أُولِي بَقِيَّةٍ مَعَ أنَّ بَعْضَ القُرُونِ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ كانَ المُوَقَّعُ لِلِاسْتِدْراكِ
صفحة ١٨٥
لِرَفْعِ هَذا الإيهامِ، فَصارَ المُسْتَثْنى غَيْرَ داخِلٍ في المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، فَلِذَلِكَ كانَ مُنْقَطِعًا، وعَلامَةُ انْقِطاعِهِ انْتِصابُهُ لِأنَّ نَصْبَ المُسْتَثْنى بَعْدَ النَّفْيِ إذا كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ غَيْرَ مَنصُوبٍ أمارَةً عَلى اعْتِبارِ الِانْقِطاعِ إذْ هو الأفْصَحُ. وهَلْ يَجِيءُ أفْصَحُ كَلامٍ إلّا عَلى أفْصَحِ إعْرابٍ، ولَوْ كانَ مُعْتَبَرًا اتِّصالُهُ لَجاءَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.
ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا﴾ بَيانِيَّةٌ، بَيانٌ لِلْقَلِيلِ لِأنَّ الَّذِينَ أنْجاهُمُ اللَّهُ مِنَ القُرُونِ هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ، وهم أتْباعُ الرُّسُلِ.
وفِي البَيانِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَهْيَهم عَنِ الفَسادِ هو سَبَبُ إنْجاءِ تِلْكَ القُرُونِ لِأنَّ النَّهْيَ سَبَبُ السَّبَبِ إذِ النَّهْيُ يُسَبِّبُ الإقْلاعَ عَنِ المَعاصِي الَّذِي هو سَبَبُ النَّجاةِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ عَلى أنَّ في الكَلامِ إيجازَ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: فَكانُوا يَتُوبُونَ ويُقْلِعُونَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ فَيَنْجُونَ مِن مَسِّ النّارِ الَّذِي لا دافِعَ لَهُ عَنْهم.
وجُمْلَةُ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ مِن وُجُودِ قَلِيلٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ، فَهو تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ وتَبْيِينٌ لِإجْمالِهِ. والمَعْنى: وأكْثَرُهم لَمْ يَنْهَوْا عَنِ الفَسادِ ولَمْ يَنْتَهُوا هم ولا قَوْمُهم واتَّبَعُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] تَفْصِيلًا لِمَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ.
وفِي الآيَةِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لِلْعُصاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لا يَخْلُونَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ.
واتِّباعُ ما أُتْرِفُوا فِيهِ هو الِانْقِطاعُ لَهُ والإقْبالُ عَلَيْهِ إقْبالَ المُتَّبِعِ عَلى مَتْبُوعِهِ.
وأُتْرِفُوا: أُعْطُوا التَّرَفَ، وهو السَّعَةُ والنَّعِيمُ الَّذِي سَهَّلَهُ اللَّهُ لَهم فاللَّهُ هو الَّذِي أتْرَفَهم فَلَمْ يَشْكُرُوهُ.
صفحة ١٨٦
وكانُوا مُجْرِمِينَ أيْ في اتِّباعِ التَّرَفِ فَلَمْ يَكُونُوا شاكِرِينَ، وذَلِكَ يُحَقِّقُ مَعْنى الِاتِّباعَ لِأنَّ الأخْذَ بِالتَّرَفِ مَعَ الشُّكْرِ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ بَلْ هو تَمَحُّضٌ وانْقِطاعٌ دُونَ شَوْبِهِ بِغَيْرِهِ. وفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ آخَرَ، والتَّقْدِيرُ: فَحَقَّ عَلَيْهِمْ هَلاكُ المُجْرِمِينَ، وبِذَلِكَ تَهَيَّأ المَقامُ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧]
هود 11:117
﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: ١١٦] لِما يُؤْذِنُ بِهِ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن تَعَرُّضِ المُجْرِمِينَ لِحُلُولِ العِقابِ بِهِمْ بِناءً عَلى وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ والإجْرامِ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ نُزُولَ العَذابِ مِمَّنْ نَزَلَ بِهِ مِنهم لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - ولَكِنَّهم جَرُّوا لِأنْفُسِهِمُ الهَلاكَ بِما أفْسَدُوا في الأرْضِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ.
وصِيغَةُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ﴾ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ انْتِفاءِ الفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ العُقُودِ فارْجِعْ إلى ذَيْنِكَ المَوْضِعَيْنِ.
والمُرادُ بِـ (القُرى) أهْلُها، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
والباءُ في بِظُلْمٍ لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَحَلِّ الحالِ مِن رَبُّكَ أيْ لَمّا يُهْلِكِ النّاسَ إهْلاكًا مُتَلَبِّسًا بِظُلْمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ حالٌ مِنَ القُرى أيْ لا يَقَعُ إهْلاكُ اللَّهِ ظالِمًا لِقَوْمٍ مُصْلِحِينَ.
صفحة ١٨٧
والمُصْلِحُونَ مُقابِلُ المُفْسِدِينَ في قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقَوْلِهِ ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]، فاللَّهُ - تَعالى - لا يُهْلِكُ قَوْمًا ظالِمًا لَهم ولَكِنْ يُهْلِكُ قَوْمًا ظالِمِينَ أنْفُسَهم. قالَ - تَعالى: ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩]
والمُرادُ: الإهْلاكُ العاجِلُ الحالُّ بِهِمْ في غَيْرِ وقْتِ حُلُولِ أمْثالِهِ دُونَ الإهْلاكِ المَكْتُوبِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ وهو فَناءُ أُمَّةٍ وقِيامُ أُخْرى في مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ حَسَبَ سُنَنٍ مَعْلُومَةٍ.
هود 11:118
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لِأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
لَمّا كانَ النَّعْيُ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مَن يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فاتَّبَعُوا الإجْرامَ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ وأنَّهم لَوْ كانُوا مُصْلِحِينَ لَما أُهْلِكُوا، لَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَدْ يُثِيرُ تَوَهُّمَ أنَّ تَعاصِيَ الأُمَمِ عَمّا أرادَ اللَّهُ مِنهم خُرُوجٌ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَرْفَعُ هَذا التَّوَهُّمَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الحَقِّ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ كَما أمَرَهم أنْ يَكُونُوا.
ولَكِنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ نِظامُ عُقُولِ البَشَرِ قابِلًا لِلتَّطَوُّحِ بِهِمْ في مَسْلَكِ الضَّلالَةِ أوْ في مَسْلَكِ الهُدى عَلى مَبْلَغِ اسْتِقامَةِ التَّفْكِيرِ والنَّظَرِ، والسَّلامَةُ مِن حُجُبِ الضَّلالَةِ، وأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا خَلَقَ العُقُولَ صالِحَةً لِذَلِكَ جَعَلَ مِنها قَبُولَ الحَقِّ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ الَّتِي هي سَلامَةُ العُقُولِ مِن عَوارِضِ الجَهالَةِ والضَّلالِ وهي الفِطْرَةُ الكامِلَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]
صفحة ١٨٨
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ. لَمْ يَدَّخِرْهم إرْشادًا أوْ نُصْحًا بِواسِطَةِ الرُّسُلِ ودُعاةِ الخَيْرِ ومُلَقِّنِيهِ مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، وهم أُولُو البَقِيَّةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَمِنَ النّاسِ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ولَوْ شاءَ لَخَلَقَ العُقُولَ البَشَرِيَّةِ عَلى إلْهامٍ مُتَّحِدٍ لا تَعْدُوهُ كَما خَلَقَ إدْراكَ الحَيَواناتِ العُجْمِ عَلى نِظامٍ لا تَتَخَطّاهُ مِن أوَّلِ النَّشْأةِ إلى انْقِضاءِ العالَمِ، فَنَجِدُ حالَ البَعِيرِ والشّاةِ في زَمَنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِهِما في زَمانِنا هَذا، وكَذَلِكَ يَكُونُ إلى انْقِراضِ العالَمِ، فَلا شَكَّ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ هَذا النِّظامَ في العَقْلِ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفى بِإقامَةِ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِن مَساعِي البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الزّائِلَةِ المَخْلُوطَةِ، لِيَنْتَقِلُوا مِنها إلى عالَمِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الخالِصَةِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَلَوْ خُلِقَ الإنْسانُ كَذَلِكَ لَما كانَ العَمَلُ الصّالِحُ مُقْتَضِيًا ثَوابَ النَّعِيمِ ولا كانَ الفَسادُ مُقْتَضِيًا عِقابَ الجَحِيمِ، فَلا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَشَرَ عَلى نِظامٍ مِن شَأْنِهِ طَرَيانُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم في الأُمُورِ، ومِنها أمْرُ الصَّلاحِ والفَسادِ في الأرْضِ وهو أهَمُّها وأعْظَمُها لِيَتَفاوَتَ النّاسُ في مَدارِجِ الِارْتِقاءِ ويَسْمُوا إلى مَراتِبِ الزُّلْفى فَتَتَمَيَّزُ أفْرادُ هَذا النَّوْعِ في كُلِّ أنْحاءِ الحَياةِ حَتّى يُعَدَّ الواحِدُ بِألْفٍ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] .
وهَذا وجْهُ مُناسِبَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يُساوِي مَضْمُونَ جَوابِ الشَّرْطِ فَحُذِفَ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ أنْ يَجْعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَهم كَذَلِكَ.
والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ اتَّحَدُوا في أمْرٍ مِن عَظائِمِ أُمُورِ الحَياةِ كالمَوْطِنِ واللُّغَةِ والنَّسَبِ والدِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَتُفَسَّرُ الأُمَّةُ في كُلِّ مَقامٍ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ إضافَتُها إلى شَيْءٍ مِن أسْبابِ تَكْوِينِها كَما يُقالُ: الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ والأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ.
صفحة ١٨٩
ومَعْنى كَوْنِها واحِدَةً أنْ يَكُونَ البَشَرُ كُلُّهم مُتَّفِقِينَ عَلى اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَآلَ المَعْنى إلى: لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أهْلَ مِلَّةٍ واحِدَةٍ فَكانُوا أُمَّةً واحِدَةً مِن حَيْثُ الدِّينِ الخالِصِ.
وفُهِمَ مِن شَرْطِ لَوْ أنَّ جَعْلَهم أُمَّةً واحِدَةً في الدِّينِ مُنْتَفِيَةٌ، أيْ مُنْتَفٍ دَوامُها عَلى الوَحْدَةِ في الدِّينِ وإنْ كانُوا قَدْ وُجِدُوا في أوَّلِ النَّشْأةِ مُتَّفِقِينَ فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتّى طَرَأ الِاخْتِلافُ بَيْنَ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] في سُورَةِ يُونُسَ؛ فَعُلِمَ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى فَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ لا يُدْرى هَلْ يَئُولُ أمْرُهم إلى الِاتِّفاقِ في الدِّينِ فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ الِاخْتِلافَ دائِمٌ بَيْنَهم لِأنَّهُ مِن مُقْتَضى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ العُقُولُ.
ولَمّا أشْعَرَ الِاخْتِلافُ بِأنَّهُ اخْتِلافٌ في الدِّينِ، وأنَّ مَعْناهُ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ والِاخْتِلافَ، عَقَّبَ عُمُومَ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بِاسْتِثْناءِ مَن ثَبَتُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ ولَمْ يُخالِفُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، أيْ فَعَصَمَهم مِن الِاخْتِلافِ.
وفُهِمَ مِن هَذا أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ المُحَذَّرَ مِنهُ هو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اعْتِبارُ المُخالِفِ خارِجًا عَنِ الدِّينِ وإنْ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ مِن مُتَّبِعِيهِ، فَإذا طَرَأ هَذا الِاخْتِلافُ وجَبَ عَلى الأُمَّةِ قَصْمُهُ وبَذْلُ الوُسْعِ في إزالَتِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِكُلِّ وسِيلَةٍ مِن وسائِلِ الحَقِّ والعَدْلِ بِالإرْشادِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ والمُناظَرَةِ، فَإنْ لَمْ يُنْجِعْ ذَلِكَ فَبِالقِتالِ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ في قِتالِ العَرَبِ الَّذِينَ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكاةِ، وكَما فَعَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في قِتالِ الحُرَوْرِيِّةِ الَّذِينَ كَفَّرُوا المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
وأمّا تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ بِمَضْمُونِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ . والإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّهُ
صفحة ١٩٠
لَمّا خَلَقَهم عَلى جِبِلَّةٍ قاضِيَةٍ بِاخْتِلافِ الآراءِ والنَّزَعاتِ وكانَ مُرِيدًا لِمُقْتَضى تِلْكَ الجِبِلَّةِ وعالِمًا بِهِ كَما بَيَّناهُ آنِفًا كانَ الِاخْتِلافُ عِلَّةً غائِيَّةً لِخَلْقِهِمْ، والعِلَّةُ الغائِيَّةُ لا يَلْزَمُها القَصْرُ عَلَيْها بَلْ يَكْفِي أنَّها غايَةُ الفِعْلِ، وقَدْ تَكُونُ مَعَها غاياتٌ كَثِيرَةٌ أُخْرى فَلا يُنافِي ما هُنا قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لِأنَّ القَصْرَ هُنالِكَ إضافِيٌّ، أيْ إلّا بِحالَةِ أنْ يَعْبُدُونِي لا يُشْرِكُوا، والقَصْرُ الإضافِيُّ لا يُنافِي وُجُودَ أحْوالٍ أُخْرى غَيْرَ ما قَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالقَصْرِ كَما هو بَيِّنٌ لِمَن مارَسَ أسالِيبَ البَلاغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ لَيْسَ لِلْقَصْرِ بَلْ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُوجِبُ الحَيْرَةَ في التَّفْسِيرِ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ قَوْمٌ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلافًا لا رَحْمَةَ لَهم فِيهِ، فَهو اخْتِلافٌ مُضادٌّ لِلرَّحْمَةِ، وضِدُّ النِّعْمَةِ النِّقْمَةُ فَهو اخْتِلافٌ أوْجَبَ الِانْتِقامَ.
وتَمامُ كَلِمَةِ الرَّبِّ مَجازٌ في الصِّدْقِ والتَّحَقُّقِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، فالمُخْتَلِفُونَ هم نَصِيبُ جَهَنَّمَ.
والكَلِمَةُ هُنا بِمَعْنى الكَلامِ. فَكَلِمَةُ اللَّهِ: تَقْدِيرُهُ وإرادَتُهُ. أطْلَقَ عَلَيْها كَلِمَةُ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ في صُدُورِ كَلِمَةِ (كُنْ) وهي أمْرُ التَّكْوِينِ. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ تَفْسِيرٌ لِلْكَلِمَةِ بِمَعْنى الكَلامِ. وذَلِكَ تَعْبِيرٌ عَنِ الإرادَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ.
صفحة ١٩١
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ كَلامًا خاطَبَ بِهِ المَلائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ النّاسِ فَيَكُونُ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ تَفْسِيرًا لِـ كَلِمَةُ.
ومِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ تَبْعِيضٌ، أيْ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وأجْمَعِينَ تَأْكِيدٌ لِشُمُولِ تَثْنِيَةِ كِلا النَّوْعَيْنِ لا لِشُمُولِ جَمِيعِ الأفْرادِ لِمُنافاتِهِ لِمَعْنى التَّبْعِيضِ الَّذِي أفادَتْهُ مِن.
هود 11:119
﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لِأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾
لَمّا كانَ النَّعْيُ عَلى الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَقَعْ فِيهِمْ مَن يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ فاتَّبَعُوا الإجْرامَ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ إهْلاكِهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ وأنَّهم لَوْ كانُوا مُصْلِحِينَ لَما أُهْلِكُوا، لَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَدْ يُثِيرُ تَوَهُّمَ أنَّ تَعاصِيَ الأُمَمِ عَمّا أرادَ اللَّهُ مِنهم خُرُوجٌ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِما يَرْفَعُ هَذا التَّوَهُّمَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يَجْعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقَةً عَلى الحَقِّ مُسْتَمِرَّةً عَلَيْهِ كَما أمَرَهم أنْ يَكُونُوا.
ولَكِنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ هَذا العالَمِ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ نِظامُ عُقُولِ البَشَرِ قابِلًا لِلتَّطَوُّحِ بِهِمْ في مَسْلَكِ الضَّلالَةِ أوْ في مَسْلَكِ الهُدى عَلى مَبْلَغِ اسْتِقامَةِ التَّفْكِيرِ والنَّظَرِ، والسَّلامَةُ مِن حُجُبِ الضَّلالَةِ، وأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمّا خَلَقَ العُقُولَ صالِحَةً لِذَلِكَ جَعَلَ مِنها قَبُولَ الحَقِّ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ الَّتِي هي سَلامَةُ العُقُولِ مِن عَوارِضِ الجَهالَةِ والضَّلالِ وهي الفِطْرَةُ الكامِلَةُ المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]
صفحة ١٨٨
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في سُورَةِ البَقَرَةِ. لَمْ يَدَّخِرْهم إرْشادًا أوْ نُصْحًا بِواسِطَةِ الرُّسُلِ ودُعاةِ الخَيْرِ ومُلَقِّنِيهِ مِن أتْباعِ الرُّسُلِ، وهم أُولُو البَقِيَّةِ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، فَمِنَ النّاسِ مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ ولَوْ شاءَ لَخَلَقَ العُقُولَ البَشَرِيَّةِ عَلى إلْهامٍ مُتَّحِدٍ لا تَعْدُوهُ كَما خَلَقَ إدْراكَ الحَيَواناتِ العُجْمِ عَلى نِظامٍ لا تَتَخَطّاهُ مِن أوَّلِ النَّشْأةِ إلى انْقِضاءِ العالَمِ، فَنَجِدُ حالَ البَعِيرِ والشّاةِ في زَمَنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَحالِهِما في زَمانِنا هَذا، وكَذَلِكَ يَكُونُ إلى انْقِراضِ العالَمِ، فَلا شَكَّ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ هَذا النِّظامَ في العَقْلِ الإنْسانِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفى بِإقامَةِ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - مِن مَساعِي البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا الزّائِلَةِ المَخْلُوطَةِ، لِيَنْتَقِلُوا مِنها إلى عالَمِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ الخالِصَةِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، فَلَوْ خُلِقَ الإنْسانُ كَذَلِكَ لَما كانَ العَمَلُ الصّالِحُ مُقْتَضِيًا ثَوابَ النَّعِيمِ ولا كانَ الفَسادُ مُقْتَضِيًا عِقابَ الجَحِيمِ، فَلا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَشَرَ عَلى نِظامٍ مِن شَأْنِهِ طَرَيانُ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم في الأُمُورِ، ومِنها أمْرُ الصَّلاحِ والفَسادِ في الأرْضِ وهو أهَمُّها وأعْظَمُها لِيَتَفاوَتَ النّاسُ في مَدارِجِ الِارْتِقاءِ ويَسْمُوا إلى مَراتِبِ الزُّلْفى فَتَتَمَيَّزُ أفْرادُ هَذا النَّوْعِ في كُلِّ أنْحاءِ الحَياةِ حَتّى يُعَدَّ الواحِدُ بِألْفٍ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: ٣٧] .
وهَذا وجْهُ مُناسِبَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ .
ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِأنَّ المُرادَ مِنهُ ما يُساوِي مَضْمُونَ جَوابِ الشَّرْطِ فَحُذِفَ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ أنْ يَجْعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَهم كَذَلِكَ.
والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ اتَّحَدُوا في أمْرٍ مِن عَظائِمِ أُمُورِ الحَياةِ كالمَوْطِنِ واللُّغَةِ والنَّسَبِ والدِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَتُفَسَّرُ الأُمَّةُ في كُلِّ مَقامٍ بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ إضافَتُها إلى شَيْءٍ مِن أسْبابِ تَكْوِينِها كَما يُقالُ: الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ والأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ.
صفحة ١٨٩
ومَعْنى كَوْنِها واحِدَةً أنْ يَكُونَ البَشَرُ كُلُّهم مُتَّفِقِينَ عَلى اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَآلَ المَعْنى إلى: لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أهْلَ مِلَّةٍ واحِدَةٍ فَكانُوا أُمَّةً واحِدَةً مِن حَيْثُ الدِّينِ الخالِصِ.
وفُهِمَ مِن شَرْطِ لَوْ أنَّ جَعْلَهم أُمَّةً واحِدَةً في الدِّينِ مُنْتَفِيَةٌ، أيْ مُنْتَفٍ دَوامُها عَلى الوَحْدَةِ في الدِّينِ وإنْ كانُوا قَدْ وُجِدُوا في أوَّلِ النَّشْأةِ مُتَّفِقِينَ فَلَمْ يَلْبَثُوا حَتّى طَرَأ الِاخْتِلافُ بَيْنَ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] وقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] في سُورَةِ يُونُسَ؛ فَعُلِمَ أنَّ النّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِيما مَضى فَلَمْ يَكُونُوا أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ لا يُدْرى هَلْ يَئُولُ أمْرُهم إلى الِاتِّفاقِ في الدِّينِ فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ الِاخْتِلافَ دائِمٌ بَيْنَهم لِأنَّهُ مِن مُقْتَضى ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ العُقُولُ.
ولَمّا أشْعَرَ الِاخْتِلافُ بِأنَّهُ اخْتِلافٌ في الدِّينِ، وأنَّ مَعْناهُ العُدُولَ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ والِاخْتِلافَ، عَقَّبَ عُمُومَ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ بِاسْتِثْناءِ مَن ثَبَتُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ ولَمْ يُخالِفُوهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، أيْ فَعَصَمَهم مِن الِاخْتِلافِ.
وفُهِمَ مِن هَذا أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ المُحَذَّرَ مِنهُ هو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اعْتِبارُ المُخالِفِ خارِجًا عَنِ الدِّينِ وإنْ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ مِن مُتَّبِعِيهِ، فَإذا طَرَأ هَذا الِاخْتِلافُ وجَبَ عَلى الأُمَّةِ قَصْمُهُ وبَذْلُ الوُسْعِ في إزالَتِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِكُلِّ وسِيلَةٍ مِن وسائِلِ الحَقِّ والعَدْلِ بِالإرْشادِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ والمُناظَرَةِ، فَإنْ لَمْ يُنْجِعْ ذَلِكَ فَبِالقِتالِ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ في قِتالِ العَرَبِ الَّذِينَ جَحَدُوا وُجُوبَ الزَّكاةِ، وكَما فَعَلَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في قِتالِ الحُرَوْرِيِّةِ الَّذِينَ كَفَّرُوا المُسْلِمِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ مِن ذَلِكَ الِاخْتِلافِ.
وأمّا تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ بِمَضْمُونِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ . والإشارَةُ إلى الِاخْتِلافِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّهُ
صفحة ١٩٠
لَمّا خَلَقَهم عَلى جِبِلَّةٍ قاضِيَةٍ بِاخْتِلافِ الآراءِ والنَّزَعاتِ وكانَ مُرِيدًا لِمُقْتَضى تِلْكَ الجِبِلَّةِ وعالِمًا بِهِ كَما بَيَّناهُ آنِفًا كانَ الِاخْتِلافُ عِلَّةً غائِيَّةً لِخَلْقِهِمْ، والعِلَّةُ الغائِيَّةُ لا يَلْزَمُها القَصْرُ عَلَيْها بَلْ يَكْفِي أنَّها غايَةُ الفِعْلِ، وقَدْ تَكُونُ مَعَها غاياتٌ كَثِيرَةٌ أُخْرى فَلا يُنافِي ما هُنا قَوْلُهُ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لِأنَّ القَصْرَ هُنالِكَ إضافِيٌّ، أيْ إلّا بِحالَةِ أنْ يَعْبُدُونِي لا يُشْرِكُوا، والقَصْرُ الإضافِيُّ لا يُنافِي وُجُودَ أحْوالٍ أُخْرى غَيْرَ ما قَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِ بِالقَصْرِ كَما هو بَيِّنٌ لِمَن مارَسَ أسالِيبَ البَلاغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ لَيْسَ لِلْقَصْرِ بَلْ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ العِلَّةِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُوجِبُ الحَيْرَةَ في التَّفْسِيرِ في الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ قَوْمٌ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلافًا لا رَحْمَةَ لَهم فِيهِ، فَهو اخْتِلافٌ مُضادٌّ لِلرَّحْمَةِ، وضِدُّ النِّعْمَةِ النِّقْمَةُ فَهو اخْتِلافٌ أوْجَبَ الِانْتِقامَ.
وتَمامُ كَلِمَةِ الرَّبِّ مَجازٌ في الصِّدْقِ والتَّحَقُّقِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، فالمُخْتَلِفُونَ هم نَصِيبُ جَهَنَّمَ.
والكَلِمَةُ هُنا بِمَعْنى الكَلامِ. فَكَلِمَةُ اللَّهِ: تَقْدِيرُهُ وإرادَتُهُ. أطْلَقَ عَلَيْها كَلِمَةُ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ في صُدُورِ كَلِمَةِ (كُنْ) وهي أمْرُ التَّكْوِينِ. وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ تَفْسِيرٌ لِلْكَلِمَةِ بِمَعْنى الكَلامِ. وذَلِكَ تَعْبِيرٌ عَنِ الإرادَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ.
صفحة ١٩١
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ كَلامًا خاطَبَ بِهِ المَلائِكَةَ قَبْلَ خَلْقِ النّاسِ فَيَكُونُ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ تَفْسِيرًا لِـ كَلِمَةُ.
ومِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ تَبْعِيضٌ، أيْ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وأجْمَعِينَ تَأْكِيدٌ لِشُمُولِ تَثْنِيَةِ كِلا النَّوْعَيْنِ لا لِشُمُولِ جَمِيعِ الأفْرادِ لِمُنافاتِهِ لِمَعْنى التَّبْعِيضِ الَّذِي أفادَتْهُ مِن.
هود 11:120
﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذا تَذْيِيلٌ وحَوْصَلَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أنْباءِ القُرى وأنْباءِ الرُّسُلِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ إلى آخِرِها عَطْفُ الإخْبارِ عَلى الإخْبارِ والقِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً أوِ اسْتِئْنافِيَّةً. وهَذا تَهْيِئَةٌ لِاخْتِتامِ السُّورَةِ وفَذْلَكَةٌ لِما سِيقَ فِيها مِنَ القَصَصِ والمَواعِظِ.
وانْتَصَبَ كُلًّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ نَقُصُّ. وتَقْدِيمُهُ عَلى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمامِ ولِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ لِيَأْتِيَ بَيانُهُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ أرْسَخَ في ذِهْنِ السّامِعِ.
وتَنْوِينُ كُلًّا تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ المُبَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ عَنِ الرُّسُلِ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ بَيانٌ لِلتَّنْوِينِ الَّذِي لَحِقَ كُلًّا. و﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ بَدَلٌ مِن كُلًّا.
والقَصَصُ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.
والتَّثْبِيتُ: حَقِيقَتُهُ التَّسْكِينُ في المَكانِ بِحَيْثُ يَنْتَفِي الِاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ:
صفحة ١٩٢
﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] في سُورَةِ الأنْفالِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّقْرِيرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .
والفُؤادُ: أُطْلِقَ عَلى الإدْراكِ كَما هو الشّائِعُ في كَلامِ العَرَبِ.
وتَثْبِيتُ فُؤادِ الرَّسُولِ ﷺ زِيادَةُ يَقِينِهِ ومَعْلُوماتِهِ بِما وعَدَهُ اللَّهُ لِأنَّ كُلَّ ما يُعادُ ذِكْرُهُ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ وأحْوالِ أُمَمِهِمْ مَعَهم يَزِيدُهُ تَذَكُّرًا وعِلْمًا بِأنَّ حالَهُ جارٍ عَلى سُنَنِ الأنْبِياءِ وازْدادَ تَذَكُّرًا بِأنَّ عاقِبَتَهُ النَّصْرُ عَلى أعْدائِهِ، وتَجَدُّدُ تَسْلِيَةٍ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وذَلِكَ يَزِيدُهُ صَبْرًا. والصَّبْرُ: تَثْبِيتُ الفُؤادِ.
وأنَّ تَماثُلَ أحْوالِ الأُمَمِ تِلْقاءَ دَعْوَةِ أنْبِيائِها مَعَ اخْتِلافِ العُصُورِ يَزِيدُهُ عِلْمًا بِأنَّ مَراتِبَ العُقُولِ البَشَرِيَّةِ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ قَبُولَ الهُدى هو مُنْتَهى ارْتِقاءِ العَقْلِ، فَيَعْلَمُ أنَّ الِاخْتِلافَ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في البَشَرِ، وأنَّ المُصارَعَةَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ شَأْنٌ قَدِيمٌ، وهي مِنَ النَّوامِيسِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها النِّظامُ البَشَرِيُّ، فَلا يُحْزِنُهُ مُخالَفَةُ قَوْمِهِ عَلَيْهِ، ويَزِيدُهُ عِلْمًا بِسُمُوِّ أتْباعِهِ الَّذِينَ قَبِلُوا هُداهُ، واعْتَصَمُوا مِن دِينِهِ بِعُراهُ، فَجاءَهُ في مِثْلِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ فِيهِ بَيانُ الحَقِّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ.
والإشارَةُ مِن قَوْلِهِ: في هَذِهِ قِيلَ إلى السُّورَةِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كانَتْ أوْفى بِأنْباءِ الرُّسُلِ مِنَ السُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَها وبِهَذا يَجْرِي عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ يُونُسَ. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] إلى قَوْلِهِ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ أوَّلَ ما نَزَلَ في شَأْنِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ لَيْسَ صَرِيحًا في أنَّهُ لَمْ يَجِئْ مِثْلَهُ قَبْلَ هَذِهِ الآياتِ، فَتَأمَّلْ.
صفحة ١٩٣
ولَعَلَّ المُرادَ بِـ الحَقِّ تَأْمِينُ الرَّسُولِ مِنِ اخْتِلافِ أُمَّتِهِ في كِتابِهِ بِإشارَةِ قَوْلِهِ: فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُوا بَقِيَّةٍ المُفْهِمِ أنَّ المُخاطَبِينَ لَيْسُوا بِتِلْكَ المَثابَةِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ آنِفًا.
وتَعْرِيفُهُ إشارَةٌ إلى حَقٍّ مَعْهُودٍ لِلنَّبِيِّ؛ إمّا بِأنْ كانَ يَتَطَلَّبُهُ، أوْ يَسْألُ رَبَّهُ.
والمَوْعِظَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ الوَعْظِ، وهو التَّذْكِيرُ بِما يَصُدُّ المَرْءَ عَنْ عَمَلٍ مُضِرٍّ.
والذِّكْرى: مُجَرَّدُ التَّذْكِيرِ بِما يَنْفَعُ. فَهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْذَرُوا ذَلِكَ وتَذْكِيرًا لَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ لِيَقِيسُوا عَلَيْها ويَتَبَصَّرُوا في أحْوالِها. وتَنْكِيرُ مَوْعِظَةٍ وذِكْرى لِلتَّعْظِيمِ.
هود 11:121
﴿وقُلْ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] الآيَةَ؛ لِأنَّها لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَ بِأنْ يُخاطِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِما فِيها خِطابُ الآيِسِ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى الَّذِي لا يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ولا يَصُدُّهُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ تَألُّبُهم عَلى باطِلِهِمْ ومُقاوَمَتُهُمُ الحَقَّ. فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] . وهَذا القَوْلُ مَأْمُورٌ أنْ يَقُولَهُ عَلى لِسانِهِ ولِسانِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ هو نَظِيرُ ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ السُّورَةِ آنِفًا.
وضَمائِرُ ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ وإنّا مُنْتَظِرُونَ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.
صفحة ١٩٤
وفِي أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ التَّفْوِيضُ إلى رَأْسِ الأُمَّةِ بِأنْ يَقْطَعَ أمْرًا عَنْ أُمَّتِهِ ثِقَةً بِأنَّهم لا يَرُدُّونَ فِعْلَهُ. كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَوازِنَ لَمّا جاءُوا تائِبِينَ وطالِبِينَ رَدَّ سَباياهم وغَنائِمِهِمُ اخْتارُوا أحَدَ الأمْرَيْنِ السَّبْيَ أوِ الأمْوالَ» . فَلَمّا اخْتارُوا السَّبْيَ رَجَعَ السَّبْيُ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَسْتَشِرِ المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ لِمَن يُطَيِّبُ ذَلِكَ لِهَوازِنَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِّهِ في أوَّلِ ما يَجِيءُ مِنَ السَّبْيِ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: طَيَّبْنا ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، كَما يُقالُ في الوَعِيدِ: سَوْفَ تَرى.