Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — يوسف 12:64 – يوسف 12:111
المحتويات
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:75
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:82
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:87
- يوسف 12:88
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:92
- يوسف 12:93
- يوسف 12:94
- يوسف 12:95
- يوسف 12:96
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
يوسف 12:64
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
مَعْنى ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكَيْلِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ رُجُوعَهم بِالطَّعامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالجَهازِ أنَّ المَنعَ مِنَ الكَيْلِ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ تَرْكِيبَ (مُنِعَ مِنّا) يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، إذْ جَعَلُوا الكَيْلَ مَمْنُوعَ الِابْتِداءِ مِنهم؛ لِأنَّ (مِن) حَرْفُ ابْتِداءٍ.
والكَيْلُ مَصْدَرٌ صالِحٌ لِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ، وهو هُنا بِمَعْنى الإسْنادِ إلى الفاعِلِ، أيْ لَنْ نَكِيلَ، فالمَمْنُوعُ هو ابْتِداءُ الكَيْلِ مِنهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ ما يُكالُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الكَيْلِ بِطَلَبِهِ، أيْ مُنِعَ مِنّا ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّنا لا نُمْنَحُهُ إلّا إذا وفَّيْنا بِما وعَدْنا مِن إحْضارِ أخِينا. ولِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ عَلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيمُ الكَلامِ: مُنِعْنا مِن أنْ نَطْلُبَ الكَيْلَ إلّا إذا حَضَرَ
صفحة ١٦
مَعَنا أخُونا. فَتَعَيَّنَ أنَّهم حَكَوُا القِصَّةَ لِأبِيهِمْ مُفَصَّلَةً واخْتَصَرَها القُرْآنُ لِظُهُورِ المُرادِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا نَرْحَلْ لِلِاكْتِيالِ ونَطْلُبْهُ. وإطْلاقُ المَنعِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، لِأنَّهم أُنْذِرُوا بِالحِرْمانِ فَصارَ طَلَبُهم مَمْنُوعًا مِنهم؛ لِأنَّ طَلَبَهُ عَبَثٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَكْتَلْ) بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عِوَضَ النُّونِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى (أخانا): أيْ يَكْتَلْ مَعَنا.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأرْسِلْ)، وأكَّدُوا حِفْظَهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.
وجَوابُ أبِيهِمْ كَلامٌ مُوَجَّهٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنِّي آمَنُكم عَلَيْهِ كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ ماذا أفادَ ائْتِمانُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى آمَنَكم عَلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَهو يَسْتَفْهِمُ عَنْ وجْهِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى احْتِمالَيْها هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾)، أيْ خَيْرٌ حِفْظًا مِنكم، فَإنْ حَفِظَهُ اللَّهُ سَلِمَ وإنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لَمْ يَسْلَمْ كَما لَمْ يَسْلَمْ أخُوهُ مِن قَبْلُ حِينَ أمِنتُكم عَلَيْهِ.
وهم قَدِ اقْتَنَعُوا بِجَوابِهِ وعَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُرْسِلٌ مَعَهم أخاهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُراجِعُوهُ في شَأْنِهِ.
و(حِفْظًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ حافِظًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهي حالٌ لازِمَةٌ.
يوسف 12:65
صفحة ١٧
﴿ولَمّا فَتَحُوا مَتاعَهم وجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أصْلُ المَتاعِ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ العُرُوضِ والثِّيابِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى أعْدالِ المَتاعِ وأحْمالِهِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ الحالِّ فِيهِ.
وجُمْلَةُ قالُوا يا أبانا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِتَرَقُّبِ السّامِعِ أنْ يَعْلَمَ ماذا صَدَرَ مِنهم حِينَ فَجَأهم وِجْدانُ بِضاعَتِهِمْ في ضِمْنِ مَتاعِهِمْ لِأنَّها مُفاجَأةٌ غَرِيبَةٌ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُعْطَفْ بِالفاءِ.
و(ما) في قَوْلِهِ ما نَبْغِي يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ مَنزِلَةَ مَن يَتَطَلَّبُ مِنهم تَحْصِيلَ بُغْيَةٍ فَيُنْكِرُونَ أنْ تَكُونَ لَهم بُغْيَةٌ أُخْرى أيْ ماذا نَطْلُبُ بَعْدَ هَذا. ويَجُوزُ كَوْنُ (ما) نافِيَةً، والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في مَعْنى النَّفْيِ.
وجُمْلَةُ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما نَبْغِي﴾ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. وإنَّما عَلِمُوا أنَّها رُدَّتْ إلَيْهِمْ بِقَرِينَةِ وضْعِها في العِدْلِ بَعْدَ وضْعِ الطَّعامِ وهم قَدْ كانُوا دَفَعُوها إلى الكَيّالِينَ، أوْ بِقَرِينَةِ ما شاهَدُوا في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَطْفِ عَلَيْهِمْ، والوَعْدِ بِالخَيْرِ إنْ هم أتَوْا بِأخِيهِمْ إذْ قالَ لَهم ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] .
وجُمْلَةُ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا﴾، لِأنَّها في قُوَّةِ هَذا ثَمَنُ ما نَحْتاجُهُ مِنَ المِيرَةِ صارَ إلَيْنا ونَمِيرُ بِهِ أهْلَنا، أيْ نَأْتِيهِمْ بِالمِيرَةِ.
والمِيرَةُ بِكَسْرِ المِيمِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ: هي الطَّعامُ المَجْلُوبُ.
صفحة ١٨
وجُمْلَةُ ﴿نَحْفَظُ أخانا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾؛ لِأنَّ المَيْرَ يَقْتَضِي ارْتِحالًا لِلْجَلْبِ، وكانُوا سَألُوا أباهم أنْ يَكُونَ أخُوهم رَفِيقًا لَهم في الِارْتِحالِ المَذْكُورِ، فَكانَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ وجُمْلَةِ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ بِهَذا الِاعْتِبارِ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ تَطْمِينًا لِخاطِرٍ فِيهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ زِيادَةٌ في إظْهارِ حِرْصِهِمْ عَلى سَلامَةِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ في سَلامَتِهِ فائِدَةً لَهم بِازْدِيادِ كَيْلِ بَعِيرٍ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يُعْطِي المُمْتارَ أكْثَرَ مِن حِمْلِ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ، فَإذا كانَ أخُوهم مَعَهم أعْطاهُ حِمْلَ بَعِيرٍ في عِدادِ الأُخْوَةِ. وبِهِ تَظْهَرُ المُناسَبَةُ بَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والَّتِي قَبْلَها.
وهَذِهِ الجُمَلُ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيبًا بَدِيعًا؛ لِأنَّ بَعْضَها مُتَوَلِّدٌ عَنْ بَعْضٍ.
والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ إلى الطَّعامِ الَّذِي في مَتاعِهِمْ. وإطْلاقُ الكَيْلِ عَلَيْهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ بِقَرِينَةِ الإشارَةِ.
قِيلَ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: لَعَلَّهم نَسُوا البِضاعَةَ فَإذا قَدِمْتُمْ عَلَيْهِمْ فَأخْبِرُوهم بِأنَّكم وجَدْتُمُوها في رِحالِكم.
يوسف 12:66
﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ اشْتَهَرَ الإيتاءُ والإعْطاءُ وما يُرادُ بِهِما في إنْشاءِ الحَلِفِ لِيَطْمَئِنَّ بِصِدْقِ الحالِفِ غَيْرُهُ وهو المَحْلُوفُ لَهُ.
وفِي حَدِيثِ الحَشْرِ «فَيُعْطِي اللَّهَ مِن عُهُودٍ ومَواثِيقَ أنْ لا يَسْألَهُ غَيْرَهُ» . كَما أُطْلِقَ فِعْلُ الأخْذِ عَلى تَلَقِّي المَحْلُوفِ لَهُ لِلْحَلِفِ، قالَ تَعالى ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] و﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٠] .
صفحة ١٩
ولَعَلَّ سَبَبَ إطْلاقِ فِعْلِ الإعْطاءِ أنَّ الحالِفَ كانَ في العُصُورِ القَدِيمَةِ يُعْطِي المَحْلُوفَ لَهُ شَيْئًا تَذْكِرَةً لِلْيَمِينِ مِثْلَ سَوْطِهِ أوْ خاتَمِهِ، أوْ أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ عِنْدَ صاحِبِ الحَقِّ ضَمانًا يَكُونُ رَهِينَةً عِنْدَهُ. وكانَتِ الحَمالَةُ طَرِيقَةً لِلتَّوْثِيقِ فَشَبَّهَ اليَمِينَ بِالحَمالَةِ. وأثْبَتَ لَهُ الإعْطاءَ والأخْذَ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وقَدِ اشْتُهِرَ ضِدُّ ذَلِكَ في إبْطالِ التَّوْثِيقِ يُقالُ: رَدَّ عَلَيْهِ حِلْفَهُ.
والمَوْثِقُ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلتَّوْثِيقِ، أُطْلِقَ هُنا عَلى المَفْعُولِ وهو ما بِهِ التَّوَثُّقُ، يَعْنِي اليَمِينَ.
ومِنَ اللَّهِ صِفَةٌ لِـ (مَوْثِقًا)، و(مِنَ) لِلِابْتِداءِ، أيْ مَوْثِقًا صادِرًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى ذَلِكَ أنْ يَجْعَلُوا اللَّهَ شاهِدًا عَلَيْهِمْ فِيما وعَدُوا بِهِ بِأنْ يَحْلِفُوا بِاللَّهِ فَتَصِيرُ شَهادَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَتَوَثُّقٍ صادِرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الِاعْتِبارِ. وذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: لَكَ مِيثاقُ اللَّهِ أوْ عَهْدُ اللَّهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وبِهَذا يُضافُ المِيثاقُ والعَهْدُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ كَأنَّ الحالِفَ اسْتَوْدَعَ اللَّهَ ما بِهِ التَّوَثُّقُ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (مَوْثِقًا)، وهو حِكايَةٌ لِقَوْلٍ يَقُولُهُ أبْناؤُهُ المَطْلُوبُ مِنهم إيقاعُهُ حِكايَةً بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ الأقْوالِ لِأنَّهم لَوْ نَطَقُوا بِالقَسَمِ لَقالُوا: لَنَأْتِيَنَّكَ بِهِ، فَلَمّا حَكاهُ هو رَكَّبَ الحِكايَةَ بِالجُمْلَةِ الَّتِي هي كَلامُهم وبِالضَّمائِرِ المُناسِبَةِ لِكَلامِهِ بِخِطابِهِ إيّاهم.
ومِن هَذا النَّوْعِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، وإنَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ: قُلْ لَهم أنْ يَعْبُدُوا رَبَّكَ ورَبَّهم.
ومَعْنى ﴿يُحاطَ بِكُمْ﴾ يُحِيطُ بِكم مُحِيطٌ. والإحاطَةُ: الأخْذُ بِأسْرٍ أوْ هَلاكٍ مِمّا هو خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِمْ، وأصْلُهُ إحاطَةُ الجَيْشِ في الحَرْبِ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في الحالَةِ الَّتِي لا يُسْتَطاعُ التَّغَلُّبُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] .
صفحة ٢٠
والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أحْوالٍ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ مَعَ الفِعْلِ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، فَتَأْوِيلُهُ: إلّا مُحاطًا بِكم.
وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ رَقِيبٌ عَلى ما وقَعَ بَيْنَهم. وهَذا تَوْكِيدٌ لِلْحَلِفِ.
والوَكِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَوْكُولٍ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ في ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
يوسف 12:67
﴿وقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾
وقالَ يا بَنِيَّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ [يوسف: ٦٦] .
وإعادَةُ فِعْلِ ”قالَ“ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ زَمَنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانا مَعًا مُسَبَّبَيْنِ عَلى إيتاءِ مَوْثِقِهِمْ، لِأنَّهُ اطْمَأنَّ لِرِعايَتِهِمُ ابْنَهُ وظَهَرَتْ لَهُ المَصْلَحَةُ في سَفَرِهِمْ لِلِامْتِيارِ، فَقَوْلُهُ ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ﴾ صادِرٌ في وقْتِ إزْماعِهِمُ الرَّحِيلَ. والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ هَذا العِبْرَةُ بِقَوْلِهِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ إلَخَّ.
والأبْوابُ: أبْوابُ المَدِينَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البابِ آنِفًا. وكانَتْ مَدِينَةَ مَنفِيسَ مِن أعْظَمِ مُدُنِ العالَمِ فَهي ذاتُ أبْوابٍ. وإنَّما نَهاهم أنْ يَدْخُلُوها مِن بابٍ واحِدٍ خَشْيَةَ أنْ يَسْتَرْعِيَ عَدَدُهم أبْصارَ أهْلِ المَدِينَةِ وحُرّاسَها وأزْياؤُهم أزْياءُ الغُرَباءِ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ أنْ يُوجِسُوا مِنهم خِيفَةً مِن تَجَسُّسٍ أوْ سَرِقَةٍ فَرُبَّما سَجَنُوهم
صفحة ٢١
أوْ رَصَدُوا الأعْيُنَ إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ ضُرًّا لَهم وحائِلًا دُونَ سُرْعَةِ وُصُولِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ودُونَ قَضاءِ حاجَتِهِمْ. وقَدْ قِيلَ في الحِكْمَةِ: اسْتَعِينُوا عَلى قَضاءِ حَوائِجِكم بِالكِتْمانِ.
ولَمّا كانَ شَأْنُ إقامَةِ الحُرّاسِ والأرْصادِ أنْ تَكُونَ عَلى أبْوابِ المَدِينَةِ اقْتَصَرَ عَلى تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ مِن بابٍ واحِدٍ دُونَ أنْ يُحَذِّرَهم مِنَ المَشْيِ في سِكَّةٍ واحِدَةٍ مِن سِكَكِ المَدِينَةِ، ووَثِقَ بِأنَّهم عارِفُونَ بِسِكَكِ المَدِينَةِ فَلَمْ يَخْشَ ضَلالَهم فِيها، وعَلِمَ أنَّ بِنْيامِينَ يَكُونُ في صُحْبَةِ أحَدِ إخْوَتِهِ لِئَلّا يَضِلَّ في المَدِينَةِ.
والمُتَفَرِّقَةُ أرادَ بِها المُتَعَدِّدَةَ لِأنَّهُ جَعَلَها في مُقابَلَةِ الواحِدِ. ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ المُتَعَدِّدَةِ إلى المُتَفَرِّقَةِ الإيماءُ إلى عِلَّةِ الأمْرِ وهي إخْفاءُ كَوْنِهِمْ جَماعَةً واحِدَةً.
وجُمْلَةُ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، أيْ وما أُغْنِي عَنْكم بِوَصِيَّتِي هَذِهِ شَيْئًا. ومِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُغْنِي، أيْ لا يَكُونُ ما أمَرْتُكم بِهِ مُغْنِيًا غَناءً مُبْتَدِئًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بَلْ هو الأدَبُ والوُقُوفُ عِنْدَ ما أمَرَ اللَّهُ، فَإنْ صادَفَ ما قَدَّرَهُ فَقَدْ حَصَلَ فائِدَتانِ، وإنْ خالَفَ ما قَدَّرَهُ حَصَلَتْ فائِدَةُ امْتِثالِ أوامِرِهِ واقْتِناعُ النَّفْسِ بِعَدَمِ التَّفْرِيطِ.
وتَقَدَّمَ وجْهُ تَرْكِيبِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.
وأرادَ بِهَذا تَعْلِيمَهُمُ الِاعْتِمادَ عَلى تَوْفِيقِ اللَّهِ ولُطْفِهِ مَعَ الأخْذِ بِالأسْبابِ المُعْتادَةِ الظّاهِرَةِ تَأدُّبًا مَعَ واضِعِ الأسْبابِ ومُقَدِّرِ الألْطافِ في رِعايَةِ الحالَيْنِ، لِأنّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَطَّلِعَ عَلى مُرادِ اللَّهِ في الأعْمالِ فَعَلَيْنا أنْ نَتَعَرَّفَها بِعَلاماتِها ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِالسَّعْيِ لَها.
وهَذا سِرُّ مَسْألَةِ القَدَرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، وفي الأثَرِ: ”إذا أرادَ اللَّهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبابَهُ“ .
صفحة ٢٢
قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ الأسْبابِ أنْ تَحْصُلَ عِنْدَها مُسَبَّباتُها. وقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ بِمُعارَضَةِ أسْبابٍ أُخْرى مُضادَّةٍ لِتِلْكَ الأسْبابِ حاصِلَةٍ في وقْتٍ واحِدٍ، أوْ لِكَوْنِ السَّبَبِ الواحِدِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِأشْياءَ مُتَضادَّةٍ بِاعْتِباراتٍ فَيُخْطِئُ تَعاطِيَ السَّبَبِ في مُصادَفَةِ المُسَبَّبِ المَقْصُودِ، ولَوْلا نِظامُ الأسْبابِ ومُراعاتُها لَصارَ المُجْتَمَعُ البَشَرِيُّ هَمَلًا وهَمَجًا.
والإغْناءُ: هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الغَناءِ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وبِالمَدِّ - وهو الإجْزاءُ والِاضْطِلاعُ وكِفايَةُ المُهِمِّ. وأصْلُهُ مُرادِفُ الغِنى - بِكَسْرِ الغَيْنِ والقَصْرِ - وهُما مَعًا ضِدُّ الفَقْرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الغَناءِ المَفْتُوحِ المَمْدُودِ في الإجْزاءِ والكِفايَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ مَن أجْزَأ وكَفى فَقَدْ أذْهَبَ عَنْ نَفْسِهِ الحاجَةَ إلى المُغْنِينَ وأذْهَبَ عَمَّنْ أجْزَأ عَنْهُ الِاحْتِياجَ أيْضًا. وشاعَ هَذا الِاسْتِعْمالُ المَجازِيُّ حَتّى غَلَبَ عَلى هَذا الفِعْلِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ في الكَلامِ تَخْصِيصُ الغَناءِ - بِالفَتْحِ والمَدِّ - بِهَذا المَعْنى، وتَخْصِيصُ الغِنى - بِالكَسْرِ والقَصْرِ - في مَعْنى ضِدِّ الفَقْرِ ونَحْوِهِ حَتّى صارَ الغَناءُ المَمْدُودُ لا يَكادُ يُسْمَعُ في مَعْنى ضِدِّ الفَقْرِ. وهي تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ مِن دَقائِقِ اسْتِعْمالِهِمْ في تَصارِيفِ المُتَرادِفاتِ. فَما يُوجَدُ في كَلامِ ابْنِ بِرِّيٍّ مِن قَوْلِهِ: إنَّ الغَناءَ مَصْدَرٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ أغْنى المَهْمُوزِ بِحَذْفِ الزّائِدِ المُوهِمِ أنَّهُ لا فِعْلَ لَهُ مُجَرَّدٌ فَإنَّما عَنى بِهِ أنَّ اسْتِعْمالَ فِعْلِ غَنِيَ في هَذا المَعْنى المَجازِيِّ مَتْرُوكٌ مُماتٌ لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ.
ولِذَلِكَ فَمَعْنى فِعْلِ أغْنى بِهَذا الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الأفْعالِ القاصِرَةِ، ولَمْ يُفِدْهُ الهَمْزُ تَعْدِيَةً، فَلَعَلَّ هَمْزَتَهُ دالَّةٌ عَلى الصَّيْرُورَةِ ذا غِنًى، فَلِذَلِكَ كانَ حَقُّهُ أنْ لا يَنْصِبَ المَفْعُولَ بِهِ بَلْ يَكُونُ في الغالِبِ مُرادِفًا لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
أُغْنِي غَناءَ الذّاهِبِـ ـينَ أُعَدُّ لَلْحَدَثانِ عَدًّا
صفحة ٢٣
ويَقُولُونَ: أغْنى فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، أيْ في أجْزاهُ عِوَضَهُ وقامَ مَقامَهُ، ويَأْتُونَ بِمَنصُوبٍ فَهو تَرْكِيبٌ غَرِيبٌ، فَإنَّ حَرْفَ ”عَنْ“ فِيهِ لِلْبَدَلِيَّةِ وهي المُجاوَزَةُ المَجازِيَّةُ. جَعَلَ الشَّيْءَ البَدَلَ عَنِ الشَّيْءِ مُجاوِزًا لَهُ لِأنَّهُ حَلَّ مَحَلَّهُ في حالِ غَيْبَتِهِ فَكَأنَّهُ جاوَزَهُ فَسَمَّوْا هَذِهِ المُجاوَزَةَ بَدَلِيَّةً وقالُوا: إنَّ عَنْ تَجِيءُ لِلْبَدَلِيَّةِ كَما تَجِيءُ لَها الباءُ. فَمَعْنى ﴿وما أُغْنِي عَنْكُمْ﴾ لا أُجْزِي عَنْكم، أيْ لا أكْفِي بَدَلًا عَنْ إجْزائِكم لِأنْفُسِكم.
و(مِن شَيْءٍ) نائِبٌ مَنابَ (شَيْئًا)، وزِيدَتْ (مِن) لِتَوْكِيدِ عُمُومِ شَيْءٍ في سِياقِ النَّفْيِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ [يس: ٢٣] أيْ مِنَ الضُّرِّ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ في مِثْلِهِ أنْ يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا، أيْ شَيْئًا مِنَ الغَناءِ وهو الظّاهِرُ، فَقالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، قالَ: أيْ قَلِيلًا مِنَ الجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٠]؛ لَكِنَّهُ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ (شَيْئًا) مَفْعُولًا بِهِ وهو لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَعْنى التَّوَسُّعِ بِالحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بِنَزْعِ الخافِضِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾، والحُكْمُ: هُنا بِمَعْنى التَّصَرُّفِ والتَّقْدِيرِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]، ولَيْسَ لِلْعَبْدِ أنْ يُنازِعَ مُرادَ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنْ واجِبُهُ أنْ يَتَطَلَّبَ الأُمُورَ مِن أسْبابِها؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ، وقَدْ جَمَعَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُهُ ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ في مَوْضِعِ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ لِيُبَيِّنَ لَهم أنَّ وصِيَّتَهُ بِأخْذِ الأسْبابِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ هو مَعْنى التَّوَكُّلِ الَّذِي يَضِلُّ في فَهْمِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اقْتِصارًا وإنْكارًا. ولِذَلِكَ أتى بِجُمْلَةِ ﴿وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أمْرًا لَهم
صفحة ٢٤
ولِغَيْرِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ واجِبُ الحاضِرِينَ والغائِبِينَ، وأنَّ مَقامَهُ لا يَخْتَصُّ بِالصَّدِّيقِينَ بَلْ هو واجِبُ كُلِّ مُؤْمِنٍ كامِلِ الإيمانِ لا يَخْلِطُ إيمانَهُ بِأخْطاءِ الجاهِلِيّاتِ.
يوسف 12:68
﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلّا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
ودَلَّتْ (حَيْثُ) عَلى الجِهَةِ، أيْ لَمّا دَخَلُوا مِنَ الجِهاتِ الَّتِي أمَرَهم أبُوهم بِالدُّخُولِ مِنها. فالجُمْلَةُ الَّتِي تُضافُ إلَيْها حَيْثُ هي الَّتِي تُبَيِّنُ المُرادَ مِنَ الجِهَةِ.
وقَدْ أغْنَتْ جُمْلَةُ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ عَنْ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ، وهي أنَّهُمُ ارْتَحَلُوا ودَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم، ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم سَلِمُوا مِمّا كانَ يَخافُهُ عَلَيْهِمْ. وما كانَ دُخُولُهم مِن حَيْثُ أمَرَهم يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَوْ قَدَّرَ اللَّهُ أنْ يُحاطَ بِهِمْ، فالكَلامُ إيجازٌ. ومَعْنى ﴿ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أنَّهُ ما كانَ يَرُدُّ عَنْهم قَضاءَ اللَّهِ لَوْلا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ سَلامَتَهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا حاجَةً﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الشَّيْءِ المَنفِيِّ إغْناؤُهُ عَنْهم مِنَ اللَّهِ، فالتَّقْدِيرُ: لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَضاها.
والقَضاءُ: الإنْفاذُ، ومَعْنى قَضاها أنْفَذَها. يُقالُ: قَضى حاجَةً لِنَفْسِهِ، إذا أنْفَذَ ما أضْمَرَهُ في نَفْسِهِ، أيْ نَصِيحَةً لِأبْنائِهِ أدّاها لَهم ولَمْ يَدَّخِرْها عَنْهم لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَظُنُّهُ نافِعًا لَهم إلّا أبْلَغَهُ إلَيْهِمْ.
صفحة ٢٥
والحاجَةُ: الأمْرُ المَرْغُوبُ فِيهِ. سُمِّيَ حاجَةً لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، فَهي مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ المَصْدَرِ. والحاجَةُ الَّتِي في نَفْسِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ هي حِرْصُهُ عَلى تَنْبِيهِهِمْ لِلْأخْطارِ الَّتِي تَعْرِضُ لِأمْثالِهِمْ في مِثْلِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ إذا دَخَلُوا مِن بابٍ واحِدٍ. وتَعْلِيمُهُمُ الأخْذَ بِالأسْبابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخْ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وهُوَ ثَناءٌ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ والتَّدْبِيرِ، وأنَّ ما أسْداهُ مِنَ النُّصْحِ لَهم هو مِنَ العِلْمِ الَّذِي آتاهُ اللَّهُ وهو مِن عِلْمِ النُّبُوءَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ إلَخَّ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأخْذِ أسْبابِ الِاحْتِياطِ والنَّصِيحَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَدَّرَهُ لَهم، فَإنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى خَفِيٌّ عَنِ النّاسِ، وقَدْ أمَرَ بِسُلُوكِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ. وعَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ تَطَلُّبَ الأمْرَيْنِ فَيُهْمِلُونَ أحَدَهُما. فَمِنهم مَن يُهْمِلُ مَعْرِفَةَ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرِيَّةَ لا تَدْفَعُ أمْرًا قَدَّرَهُ اللَّهُ وعَلِمَ أنَّهُ واقِعٌ، ومِنهم مَن يُهْمِلُ الأسْبابَ وهو لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أرادَ في بَعْضِ الأحْوالِ عَدَمَ تَأْثِيرِها.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بِصَرِيحِهِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمِلَ بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ. ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ بِتَعْرِيضِهِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القَلِيلِ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ عَلِمُوا مُراعاةَ الأمْرَيْنِ لِيَتَقَرَّرَ الثَّناءُ عَلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاسْتِفادَتِهِ مِنَ الكَلامِ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالصَّراحَةِ ومَرَّةً بِالِاسْتِدْراكِ.
والمَعْنى أنَّ أكْثَرَ النّاسِ في جَهالَةٍ عَنْ وضْعِ هاتِهِ الحَقائِقِ مَوْضِعَها ولا يَخْلُونَ عَنْ مُضَيِّعٍ لِإحْداهِما. ويُفَسِّرُ هَذا المَعْنى قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ
صفحة ٢٦
اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أمَرَ المُسْلِمِينَ بِالقُفُولِ عَنْ عَمْواسَ لَمّا بَلَغَهُ ظُهُورُ الطّاعُونِ بِها وقالَ لَهُ أبُو عُبَيْدَةَ: أفِرارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ ؟ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها يا أبا عُبَيْدَةَ ألَسْنا نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إلى قَدَرِ اللَّهِ. . . إلى آخِرِ الخَبَرِ.
يوسف 12:69
﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّيَ أنا أخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ كَمُوقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهُمْ﴾ [يوسف: ٦٨] في إيجازِ الحَذْفِ.
والإيواءُ: الإرْجاعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ [يونس: ٨] في سُورَةِ يُونُسَ.
وأُطْلِقَ الإيواءُ هُنا مَجازًا عَلى الإدْناءِ والتَّقْرِيبِ كَأنَّهُ إرْجاعٌ إلى مَأْوًى، وإنَّما أدْناهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإسْرارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ إنِّي أنا أخُوكَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾، وكَلَّمَهُ بِكَلِمَةٍ مُخْتَصَرَةٍ بَلِيغَةٍ إذْ أفادَهُ أنَّهُ هو أخُوهُ الَّذِي ظَنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ. فَأكَّدَ الخَبَرَ بِـ (إنَّ) وبِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِالقَصْرِ الَّذِي أفادَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ، أيْ (أنا) مَقْصُورَةٌ عَلى الكَوْنِ أخاكَ لا أجْنَبِيٌّ عَنْكَ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ لِاعْتِقادِهِ أنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ.
وفَرَّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والِابْتِئاسُ: مُطاوَعَةُ الإبْئاسِ، أيْ جَعْلُ أحَدٍ بائِسًا، أيْ صاحِبَ بُؤْسٍ.
والبُؤْسُ: هو الحُزْنُ والكَدَرُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ هُودٍ. والضَّمِيرانِ في (كانُوا) و(يَعْلَمُونَ) راجِعانِ إلى
صفحة ٢٧
إخْوَتِهِما بِقَرِينَةِ المَقامِ، وأرادَ بِذَلِكَ ما كانَ يَجِدُهُ أخُوهُ بِنْيامِينُ مِنَ الحُزْنِ لِهَلاكِ أخِيهِ الشَّقِيقِ وفَظاظَةِ إخْوَتِهِ وغَيْرَتِهِمْ مِنهُ.
والنَّهْيُ عَنِ الِابْتِئاسِ مُقْتَضٍ الكَفَّ عَنْهُ، أيْ أزِلْ عَنْكَ الحُزْنَ واعْتَضْ عَنْهُ بِالسُّرُورِ.
وأفادَ فِعْلُ الكَوْنِ في المُضِيِّ أنَّ المُرادَ ما عَمِلُوهُ فِيما مَضى. وأفادَ صَوْغُ (يَعْلَمُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ أنَّهُ أعْمالٌ مُتَكَرِّرَةٌ مِنَ الأذى. وفي هَذا تَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ أخِيهِ لِتَلَقِّي حادِثِ الصُّواعِ بِاطْمِئْنانٍ حَتّى لا يَخْشى أنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ الرِّيبَةِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
يوسف 12:70
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:71
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:72
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:73
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:74
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:75
﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهْوَ جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ في الآياتِ قَبْلَ هَذِهِ. وإسْنادُ (جَعَلَ السِّقايَةَ) إلى ضَمِيرِ يُوسُفَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وإنَّما هو آمِرٌ بِالجَعْلِ والَّذِينَ جَعَلُوا السِّقايَةَ هُمُ العَبِيدُ المُوَكَّلُونَ بِالكَيْلِ.
والسِّقايَةُ: إناءٌ كَبِيرٌ يُسْقى بِهِ الماءُ والخَمْرُ. والصُّواعُ: لُغَةٌ في الصّاعِ، وهو وِعاءٌ لِلْكَيْلِ يُقَدَّرُ بِوَزْنِ رِطْلٍ ورُبُعٍ أوْ وثُلُثٍ. وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ
صفحة ٢٨
بِالمِقْدارِ، يُقَدِّرُ كُلُّ شارِبٍ لِنَفْسِهِ ما اعْتادَ أنَّهُ لا يَصْرَعُهُ، ويَجْعَلُونَ آنِيَةَ الخَمْرِ مُقَدَّرَةً بِمَقادِيرَ مُخْتَلِفَةٍ، فَيَقُولُ الشّارِبُ لِلسّاقِي: رِطْلًا أوْ صاعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. فَتَسْمِيَةُ هَذا الإناءِ سِقايَةً وتَسْمِيَتُهُ صُواعًا جارِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ سُمِّيَ طاسًا، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن فِضَّةٍ.
وتَعْرِيفُ السِّقايَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ سِقايَةٌ مَعْرُوفَةٌ لا يَخْلُو عَنْ مِثْلِها مَجْلِسُ العَظِيمِ.
وإضافَةُ الصُّواعِ إلى المَلِكِ لِتَشْرِيفِهِ، وتَهْوِيلِ سَرِقَتِهِ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ شُئُونَ الدَّوْلَةِ كُلَّها لِلْمَلِكِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ المَلِكُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْظِيمًا لَهُ.
والتَّأْذِينُ: النِّداءُ المُكَرَّرُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والعِيرُ: اسْمٌ لِلْحَمُولَةِ مِن إبِلٍ وحَمِيرٍ وما عَلَيْها مِن أحْمالٍ وما مَعَها مِن رُكّابِها، فَهو اسْمٌ لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُسْنِدَتِ السَّرِقَةُ إلى جَمِيعِهِمْ جَرْيًا عَلى المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعَةِ بِجُرْمِ الواحِدِ مِنهم.
وتَأْنِيثُ اسْمِ الإشارَةِ وهو أيَّتُها لِتَأْوِيلِ العِيرِ بِمَعْنى الجَماعَةِ؛ لِأنَّ الرُّكّابَ هُمُ الأهَمُّ.
وجُمْلَةُ (قالُوا) جَوابٌ لِنِداءِ المُنادِي إيّاهم ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، فَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِأنَّها في طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى العِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (قالُوا)، ومَرْجِعُ ضَمِيرِ (أقْبَلُوا) عائِدٌ إلى فِتْيانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) راجِعٌ
صفحة ٢٩
إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا)، أيْ وقَدْ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجَعَلُوا جُعْلًا لِمَن يَأْتِي بِالصُّواعِ. والَّذِي قالَ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ واحِدٌ مِنَ المُقْبِلِينَ وهو كَبِيرُهم. والزَّعِيمُ: الكَفِيلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ جَعَلَها الفُقَهاءُ أصْلًا لِمَشْرُوعِيَّةِ الجُعْلِ والكَفالَةِ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ ذا شَرْعٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ لِلْأخْذِ بِـ (أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا) إذا حَكاهُ كَلامُ اللَّهِ أوْ رَسُولِهِ. ولَوْ قُدِّرَ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَلا يَثْبُتُ أنَّهُ رَسُولٌ بِشَرْعٍ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّهُ بُعِثَ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولَمْ يَكُنْ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتْباعٌ في مِصْرَ قَبْلَ وُرُودِ أبِيهِ وإخْوَتِهِ وأهْلِيهِمْ. فَهَذا مَأْخَذٌ ضَعِيفٌ.
والتّاءُ في (تاللَّهِ) حَرْفُ قَسَمٍ عَلى المُخْتارِ، ويَخْتَصُّ بِالدُّخُولِ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى وعَلى لَفْظِ رَبِّ، ويَخْتَصُّ أيْضًا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ العَجِيبِ. وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهم ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ . أكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ لِأنَّهم كانُوا وفَدَوْا عَلى مِصْرَ مَرَّةً سابِقَةً واتُّهِمُوا بِالجَوْسَسَةِ فَتَبَيَّنَتْ بَراءَتُهم بِما صَدَقُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما وصَفُوهُ مِن حالِ أبِيهِمْ وأخِيهِمْ. فالمُرادُ بِـ (الأرْضِ) المَعْهُودَةُ، وهي مِصْرُ.
وأمّا بَراءَتُهم مِنَ السَّرِقَةِ فَبِما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ قُدُومِهِمْ مِن وِجْدانِ بِضاعَتِهِمْ في رِحالِهِمْ، ولَعَلَّها وقَعَتْ في رِحالِهِمْ غَلَطًا.
عَلى أنَّهم نَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ الِاتِّصافَ بِالسَّرِقَةِ بِأبْلَغَ مِمّا نَفَوْا بِهِ الإفْسادَ عَنْهم، وذَلِكَ بِنَفْيِ الكَوْنِ سارِقِينَ دُونَ أنْ يَقُولُوا: وما جِئْنا لِنَسْرِقَ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ وصْفٌ يُتَعَيَّرُ بِهِ، وأمّا الإفْسادُ الَّذِي نَفَوْهُ، أيِ التَّجَسُّسُ فَهو مِمّا يَقْصِدُهُ العَدُوُّ عَلى عَدُوِّهِ فَلا يَكُونُ عارًا، ولَكِنَّهُ اعْتِداءٌ في نَظَرِ العَدُوِّ.
صفحة ٣٠
وقَوْلُ الفِتْيانِ ﴿ما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ تَحْكِيمٌ، لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا أنْ يُعَيِّنُوا جَزاءً يُؤْخَذُونَ بِهِ، فَهَذا تَحْكِيمُ المَرْءِ في ذَنْبِهِ.
ومَعْنى ما جَزاؤُهُ: ما عِقابُهُ. وضَمِيرُ (جَزاؤُهُ) عائِدٌ إلى الصُّواعِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامِ، أيْ ما جَزاءُ سارِقِهِ أوْ سَرِقَتِهِ.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ إنْ تَبَيَّنَ كَذِبُكم بِوُجُودِ الصُّواعِ في رِحالِكم.
وقَوْلُهُ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ (جَزاؤُهُ) الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ، و(مَن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وهي مُبْتَدَأٌ ثانٍ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ جُمْلَةُ الشَّرْطِ، وجُمْلَةَ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفاءُ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والجُمْلَةُ المُرَكَّبَةُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً مُبْتَدَأً ثانِيًا، وجُمْلَةُ ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ صِلَةَ المَوْصُولِ. والمَعْنى أنَّ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ الصُّواعُ هو جَزاءُ السَّرِقَةِ، أيْ ذاتُهُ هي جَزاءُ السَّرِقَةِ، فالمَعْنى أنَّ ذاتَهُ تَكُونُ عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الجَرِيمَةِ، أيْ أنْ يَصِيرَ رَقِيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ لِيَتِمَّ مَعْنى الجَزاءِ بِذاتٍ أُخْرى. وهَذا مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ إذْ لَيْسَ المُرادُ إتْلافَ ذاتِ السّارِقِ؛ لِأنَّ السَّرِقَةَ لا تَبْلُغُ عُقُوبَتُها حَدَّ القَتْلِ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾، لِتَقْرِيرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الِانْفِلاتِ مِنهُ، وتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعِ التَّأْكِيدِ عَلى المُوَكَّدِ. وقَدْ حَكَمَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ وتَراضَوْا عَلَيْهِ فَلَزِمَهم ما التَزَمُوهُ.
ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا مَشْهُورًا بَيْنَ الأُمَمِ أنْ يُسْتَرَقَّ السّارِقُ. وهو قَرِيبٌ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَغْلُوبِ في القِتالِ. ولَعَلَّهُ كانَ حُكْمًا مَعْرُوفًا في مِصْرَ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ بَقِيَّةُ كَلامِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة ٣١
أيْ كَذَلِكَ حُكْمُ قَوْمِنا في جَزاءِ السّارِقِ الظّالِمِ بِسَرِقَتِهِ، أوْ أرادُوا أنَّهُ حُكْمُ الإخْوَةِ عَلى مَن يَقْدِرُ مِنهم أنْ يُظْهِرَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ، أيْ فَهو حَقِيقٌ لِأنْ نَجْزِيَهُ بِذَلِكَ.
والإشارَةُ بِـ (كَذَلِكَ) إلى الجَزاءِ المَأْخُوذِ مِن (نَجْزِي)، أيْ نَجْزِي الظّالِمِينَ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وهو مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ.
يوسف 12:76
﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
بَدَأ أيْ أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَداءَةِ بِأوْعِيَةِ بَقِيَّةِ إخْوَتِهِ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ الشَّقِيقِ.
وأوْعِيَةٌ: جَمْعُ وِعاءٍ، وهو الظَّرْفُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الوَعْيِ وهو الحِفْظُ. والِابْتِداءُ بِأوْعِيَةِ غَيْرِ أخِيهِ لِإبْعادِ أنْ يَكُونَ الَّذِي يُوجَدُ في وِعائِهِ هو المَقْصُودَ مِن أوَّلِ الأمْرِ. وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ (اسْتَخْرَجَها) لِلسِّقايَةِ. وهَذا التَّأْنِيثُ في تَمامِ الرَّشاقَةِ إذْ كانَتِ الحَقِيقَةُ أنَّها سِقايَةٌ جُعِلَتْ صُواعًا. فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
والقَوْلُ في كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ كالقَوْلِ في كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ.
والكَيْدُ: فِعْلٌ يُتَوَصَّلُ بِظاهِرِهِ إلى مَقْصِدٍ خَفِيٍّ. والكَيْدُ: هُنا هو إلْهامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذِهِ الحِيلَةِ المُحْكَمَةِ في وضْعِ الصُّواعِ وتَفْتِيشِهِ وإلْهامِ إخْوَتِهِ إلى ذَلِكَ الحُكْمِ المُصْمَتِ.
وأُسْنِدَ الكَيْدُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُلْهِمُهُ فَهو مُسَبِّبُهُ. وجَعَلَ الكَيْدَ لِأجَلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لِفائِدَتِهِ.
صفحة ٣٢
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ بَيانٌ لِلْكَيْدِ بِاعْتِبارِ جَمِيعِ ما فِيهِ مِن وضْعِ السِّقايَةِ ومِن حُكْمِ إخْوَتِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما يُلائِمُ مَرْغُوبَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْقاءِ أخِيهِ عِنْدَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ شَرِيعَةُ القِبْطِ تُخَوِّلُهُ ذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ شَرْعَهم في جَزاءِ السّارِقِ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ الشَّيْءُ ويُضْرَبَ ويُغَرَّمَ ضِعْفَيِ المَسْرُوقِ أوْ ضِعْفَيْ قِيمَتِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ (﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾) أيْ حُكْمِهِ وهو اسْتِرْقاقُ السّارِقِ. وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ لِقَوْلِهِ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ أيْ لَوْلا حِيلَةُ وضْعِ الصُّواعِ في مَتاعِ أخِيهِ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ حُكْمًا شائِعًا في كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَما تَقَدَّمَ، أيْ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ كانَ عادِلًا فَلا يُؤْخَذُ أحَدٌ في بِلادِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. ومِثْلُهُ ما كانَ في شَرْعِ الرُّومانِ مِنِ اسْتِرْقاقِ المَدِينِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالدِّينِ الشَّرِيعَةٌ لا مُطْلَقُ السُّلْطانِ.
ومَعْنى لامِ الجَحُودِ هُنا نَفْيُ أنْ يَكُونَ في نَفْسِ الأمْرِ سَبَبٌ يُخَوِّلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ أخِيهِ عِنْدَهُ.
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أسْبابِ أخْذِ أخِيهِ المَنفِيَّةِ. وفي الكَلامِ حَرْفُ جَرٍّ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ، وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها نَفْيُ الأخْذِ، أيْ أسْبابُهُ. فالتَّقْدِيرُ: إلّا بِأنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ يُلْهِمَ تَصْوِيرَ حالَتِهِ ويَأْذَنَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في عَمَلِهِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ الجَمَّةِ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ لَهم ولِذُرِّيَّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ تَذْيِيلٌ لِقِصَّةِ أخْذِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهُ؛ لِأنَّ فِيها رَفْعَ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ بِالتَّدْبِيرِ الحَكِيمِ مِن وقْتِ مُناجاتِهِ أخاهُ إلى وقْتِ اسْتِخْراجِ السِّقايَةِ مِن رَحْلِهِ. ورَفْعَ دَرَجَةِ أخِيهِ في الحالِ بِإلْحاقِهِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في العَيْشِ الرَّفِيهِ والكَمالِ بِتَلَقِّي الحِكْمَةِ مِن فِيهِ. ورَفْعَ دَرَجاتِ إخْوَتِهِ وأبِيهِ في الِاسْتِقْبالِ بِسَبَبِ رَفْعِ دَرَجَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحُنُوِّهِ عَلَيْهِمْ. فالدَّرَجاتُ مُسْتَعارَةٌ لِقُوَّةِ الشَّرَفِ مِنِ
صفحة ٣٣
اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ الآيَةَ.
وفِيها شاهِدٌ لِتَفاوُتِ النّاسِ في العِلْمِ المُؤْذِنِ بِأنَّ عِلْمَ الَّذِي خَلَقَ لَهُمُ العِلْمَ لا يَنْحَصِرُ مَداهُ، وأنَّهُ فَوْقَ كُلِّ نِهايَةٍ مِن عِلْمِ النّاسِ.
والفَوْقِيَّةُ مَجازٌ في شَرَفِ الحالِ؛ لِأنَّ الشَّرَفَ يُشَبَّهُ بِالِارْتِفاعِ.
وعَبَّرَ عَنْ جِنْسِ المُتَفَوِّقِ في العِلْمِ بِوَصْفِ (عَلِيمٌ) بِاعْتِبارِ نِسْبَتِهِ إلى مَن هو فَوْقَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ إلى العَلِيمِ المُطْلَقِ سُبْحانَهُ.
وظاهِرُ تَنْكِيرِ (عَلِيمٌ) أنْ يُرادَ بِهِ الجِنْسُ فَيَعُمُّ كُلَّ مَوْصُوفٍ بِقُوَّةِ العِلْمِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. فَعُمُومُ هَذا الحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَخْلُوقاتِ لا إشْكالَ فِيهِ، ويَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِدَلِيلِ العَقْلِ إذْ لَيْسَ فَوْقَ اللَّهِ عَلِيمٌ.
وقَدْ يُحْمَلُ التَّنْكِيرُ عَلى الوَحْدَةِ ويَكُونُ المُرادُ عَلِيمٌ واحِدٌ فَيَكُونُ التَّنْكِيرُ لِلْوَحْدَةِ والتَّعْظِيمِ، وهو اللَّهُ تَعالى فَلا يَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾) بِإضافَةِ (دَرَجاتٍ) إلى (مَن نَشاءُ)، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَنْوِينِ دَرَجاتٍ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِتَعَلُّقِ فِعْلِ (نَرْفَعُ) بِمَفْعُولِهِ وهو (مَن نَشاءُ) .
يوسف 12:77
صفحة ٣٤
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ لَمّا بُهِتُوا بِوُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ أخِيهِمُ اعْتَراهم ما يَعْتَرِي المَبْهُوتَ فاعْتَذَرُوا عَنْ دَعْواهم تَنَزُّهَهم عَنِ السَّرِقَةِ. إذْ قالُوا (﴿وما كُنّا سارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]) . عُذْرًا بَأنَّ أخاهم قَدْ تَسَرَّبَتْ إلَيْهِ خَصْلَةُ السَّرِقَةِ مِن غَيْرِ جانِبِ أبِيهِمْ فَزَعَمُوا أنَّ أخاهُ الَّذِي أُشِيعَ فَقْدُهُ كانَ سَرَقَ مِن قَبْلُ. وقَدْ عَلِمَ فِتْيانُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المُتَّهَمَ أخٌ مِن أُمٍّ أُخْرى. فَهَذا اعْتِذارٌ بِتَعْرِيضٍ بِجانِبِ أُمِّ أخَوَيْهِمْ وهي زَوْجَةُ أبِيهِمْ وهي راحِيلُ ابْنَةُ لابانَ خالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وكانَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعُ زَوْجاتٍ: راحِيلُ هَذِهِ أُمُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ، ولِيئَةُ بِنْتُ لابانَ أُخْتُ راحِيلَ وهي أُمُّ رُوبِينَ، وشَمْعُونَ، ولاوِي، ويَهُوذا، وبِساكِرَ، وزَبُولُونَ، وبُلْهَةُ جارِيَةُ راحِيلَ وهي أُمُّ دانا، ونَفْتالِي، وزُلْفَةُ جارِيَةُ راحِيلَ أيْضًا وهي أُمُّ جادَ، وأشِيرَ.
وإنَّما قالُوا: (﴿قَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) بُهْتانًا ونَفْيًا لِلْمَعَرَّةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ. ولَيْسَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ سَرِقَةٌ قَبْلُ. ولَمْ يَكُنْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبِياءَ. وشَتّانَ بَيْنَ السَّرِقَةِ وبَيْنَ الكَذِبِ إذا لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَضَرَّةٌ.
وكانَ هَذا الكَلامُ بِمَسْمَعٍ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ البارِزُ إلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾) عَلى تَأْوِيلِ ذَلِكَ القَوْلِ بِمَعْنى المَقالَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]) بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، ويَكُونُ مَعْنى (﴿أسَرَّها في نَفْسِهِ﴾) أنَّهُ تَحَمَّلَها ولَمْ يُظْهِرْ
صفحة ٣٥
غَضَبًا مِنها، وأعْرَضَ عَنْ زَجْرِهِمْ وعِقابِهِمْ مَعَ أنَّها طَعْنٌ فِيهِ وكَذِبٌ. وإلى هَذا التَّفْسِيرِ يَنْحُو أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وأبُو حَيّانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾) كَلامًا مُسْتَأْنَفًا حِكايَةً لِما أجابَهم بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ صَراحَةً عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَرَةِ، وهو كَلامٌ لا يَقْتَضِي تَقْرِيرَ ما نَسَبُوهُ إلى أخِي أخِيهِمْ، أيْ أنْتُمْ أشَدُّ شَرًّا في حالَتِكم هَذِهِ؛ لِأنَّ سَرِقَتَكم مُشاهَدَةٌ وأمّا سَرِقَةُ أخِي أخِيكم فَمُجَرَّدُ دَعْوى، وفِعْلُ (قالَ) يُرَجِّحُ هَذا الوَجْهَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (فَأسَرَّها) إلى ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾)، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ قالَ في نَفْسِهِ، وهو يُشْبِهُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ والقِصَّةِ، لَكِنَّ تَأْنِيثَهُ بِتَأْوِيلِ المَقُولَةِ أوِ الكَلِمَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ ) تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ في (أسَرَّها) .
والإسْرارُ، عَلى هَذا الوَجْهِ، مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، وهو إخْفاءُ الكَلامِ عَنْ أنْ يَسْمَعَهُ سامِعٌ.
وجُمْلَةُ (﴿ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾) قِيلَ هي تَوْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ﴾)، وشَأْنُ التَّوْكِيدِ أنْ لا يُعْطَفَ. وُوَجْهُ عَطْفِها ما فِيها مِنَ المُغايَرَةِ لِلَّتِي قَبْلَها بِزِيادَةِ قَيْدِ (لَهم) المُشْعِرِ بِأنَّهُ أبْدى لِأخِيهِ أنَّهم كاذِبُونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لَمْ يُبْدِ لَهم غَضَبًا ولا عِقابًا كَما تَقَدَّمَ مُبالَغَةً في كَظْمِ غَيْظِهِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ مُناسِبٍ، أيْ لَمْ يُبْدِ أثَرَها.
و(شَرٌّ) اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأصْلُهُ أشَّرُ، و(مَكانًا) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأشَرِّ.
وأُطْلِقَ المَكانُ عَلى الحالَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، والحالَةُ هي السَّرِقَةُ، وإطْلاقُ المَكانِ والمَكانَةِ عَلى الحالَةِ شائِعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهو تَشْبِيهُ الِاتِّصافِ بِوَصْفٍ ما بِالحُلُولِ في مَكانٍ. والمَعْنى أنَّهم لَمّا عَلَّلُوا سَرِقَةَ أخِيهِمْ بِأنَّ أخاهُ مِن قَبْلُ قَدْ سَرَقَ فَإذا كانَتْ سَرِقَةٌ سابِقَةٌ مِن أخٍ أعْدَتْ أخاهُ الآخَرَ لِلسَّرِقَةِ، فَهم وقَدْ سَبَقَهم أخَوانِ
صفحة ٣٦
بِالسَّرِقَةِ أجْدَرُ بِأنْ يَكُونُوا سارِقِينَ مِنَ الَّذِي سَبَقَهُ أخٌ واحِدٌ. والكَلامُ قابِلٌ لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى أنْتُمْ شَرٌّ حالَةً مِن أخِيكم هَذا والَّذِي قَبْلَهُ لِأنَّهُما بَرِيئانِ مِمّا رَمَيْتُمُوهُما بِهِ وأنْتُمْ مُجْرِمُونَ عَلَيْهِما إذْ قَذَفْتُمْ أوَّلَهُما في الجُبِّ، وأيَّدْتُمْ تُهْمَةَ ثانِيهِما بِالسَّرِقَةِ.
ثُمَّ ذَيَّلَهُ بِجُمْلَةِ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ وهو كَلامٌ جامِعٌ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ بِصِدْقِكم فِيما وصَفْتُمْ أوْ بِكَذِبِكم. والمُرادُ: أنَّهُ يَعْلَمُ كَذِبَهم، فالمُرادُ: أعْلَمُ بِحالِ ما تَصِفُونَ.
يوسف 12:78
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ نادَوْا بِوَصْفِ العَزِيزِ إمّا؛ لِأنَّ كُلَّ رَئِيسِ وِلايَةٍ مُهِمَّةٍ يُدْعى بِما يُرادِفُ العَزِيزَ فَيَكُونُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزِيزًا، كَما أنَّ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ يُدْعى العَزِيزَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى امْرَأةُ العَزِيزِ، وإمّا؛ لِأنَّ يُوسُفَ ضُمَّتْ إلَيْهِ وِلايَةُ العَزِيزِ الَّذِي اشْتَراهُ فَجَمَعَ التَّصَرُّفاتِ وراجَعُوهُ في أخْذِ أخِيهِمْ.
ووَصَفُوا أباهم بِثَلاثِ صِفاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وهي: حَنانُ الأُبُوَّةِ، وصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، واسْتِحْقاقُهُ جَبْرَ خاطِرِهِ لِأنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أوْ لِأنَّهُ انْتَهى في الكِبَرِ إلى أقْصاهُ، فالأوْصافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلى سَراحِ الِابْنِ لا لِأصْلِ الفائِدَةِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا أخْبَرُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ أبِيهِمْ.
والمُرادُ بِالكَبِيرِ: إمّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإساءَتُهُ تَسُوءُهم جَمِيعًا، ومِن عادَةِ الوُلاةِ اسْتِجْلابُ القَبائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَبِيرًا تَأْكِيدًا لِـ (شَيْخًا) أيْ بَلَغَ الغايَةَ في
صفحة ٣٧
الكِبَرِ في السِّنِّ، ولِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ (﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾) إذْ كانَ هو أصْغَرَ الإخْوَةِ، والأصْغَرُ أقْرَبُ إلى رِقَّةِ الأبِ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإجابَةِ المَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لا يَصْدُرُ مِنهُ ما يَسُوءُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا.
والمَكانُ: أصْلُهُ مَحَلُّ الكَوْنِ، أيْ ما يَسْتَقِرُّ فِيهِ الجِسْمُ، وهو هُنا مَجازٌ في العِوَضِ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ في مَكانِ الشَّيْءِ المُعَوَّضِ عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ «هَذِهِ مَكانُ حُجَّتِكَ» .
و(مَعاذَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وهو اللَّجَأُ إلى مَكانٍ لِلتَّحَصُّنِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ جُعِلَ الِاسْمُ المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ مُتَّصِلًا بِالمَصْدَرِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ فَقِيلَ: مَعاذَ اللَّهِ، كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، عِوَضًا عَنْ أُسَبِّحُ اللَّهَ. والمُسْتَعاذُ مِنهُ هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، والمَعْنى: الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ، أيْ نَلْجَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن أخْذِ مَن لا حَقَّ لَنا في أخْذِهِ، أيْ أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ أخْذَ مَن وُجِدَ المَتاعُ عِنْدَهُ صارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أخْذُ غَيْرِهِ فَلا يَسُوغُ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا.
ودَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئانِ: وُقُوعُ (إنَّ) في صَدْرِ الجُمْلَةِ، والإتْيانُ بِحَرْفِ الجَزاءِ هو (إذَنْ) وضَمائِرُ (نَأْخُذَ) و(وجَدْنا) و(مَتاعَنا) و(إنّا) و(لَظالِمُونَ) مُرادٌ بِها المُتَكَلِّمُ وحْدَهُ دُونَ مُشارِكٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في
صفحة ٣٨
التَّعْظِيمِ حِكايَةً لِعِبارَتِهِ في اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها فَإنَّهُ كانَ عَظِيمَ المَدِينَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ تَواضُعًا مِنهُ تَشْبِيهًا لِنَفْسِهِ بِمَن لَهُ مُشارِكٌ في الفِعْلِ وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما الآيَةَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنَّما لَمْ يُكاشِفْهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِهِ ويَأْمُرْهم بِجَلْبِ أبِيهِمْ يَوْمَئِذٍ: إمّا لِأنَّهُ خَشِيَ إنْ هو تَرَكَهم إلى اخْتِيارِهِمْ أنْ يَكِيدُوا لِبِنْيامِينَ فَيَزْعُمُوا أنَّهم يَرْجِعُونَ جَمِيعًا إلى أبِيهِمْ فَإذا انْفَرَدُوا بِبِنْيامِينَ أهْلَكُوهُ في الطَّرِيقِ، وإمّا لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ الكَنْعانِيِّينَ في تِلْكَ المُدَّةِ عَداواةٌ فَخافَ إنْ هو جَلَبَ عَشِيرَتَهُ إلى مِصْرَ أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ ظُنُونُ السُّوءِ مِن مَلِكِ مِصْرَ فَتَرَيَّثَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةً لِذَلِكَ، وكانَ المَلِكُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الوَفاءِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَكْرَهُهُ أوْ يُسِيءُ ظَنَّهُ، فَتَرَقَّبَ وفاةَ المَلِكِ أوِ السَّعْيَ في إرْضائِهِ بِذَلِكَ، أوْ أرادَ أنْ يَسْتَعْلِمَ مِن أخِيهِ في مُدَّةِ الِانْفِرادِ بِهِ أحْوالَ أبِيهِ وأهْلِهِمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِمْ أوْ بِبَعْضِهِمْ، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] .
يوسف 12:79
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ نادَوْا بِوَصْفِ العَزِيزِ إمّا؛ لِأنَّ كُلَّ رَئِيسِ وِلايَةٍ مُهِمَّةٍ يُدْعى بِما يُرادِفُ العَزِيزَ فَيَكُونُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَزِيزًا، كَما أنَّ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ يُدْعى العَزِيزَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى امْرَأةُ العَزِيزِ، وإمّا؛ لِأنَّ يُوسُفَ ضُمَّتْ إلَيْهِ وِلايَةُ العَزِيزِ الَّذِي اشْتَراهُ فَجَمَعَ التَّصَرُّفاتِ وراجَعُوهُ في أخْذِ أخِيهِمْ.
ووَصَفُوا أباهم بِثَلاثِ صِفاتٍ تَقْتَضِي التَّرْقِيقَ عَلَيْهِ، وهي: حَنانُ الأُبُوَّةِ، وصِفَةُ الشَّيْخُوخَةِ، واسْتِحْقاقُهُ جَبْرَ خاطِرِهِ لِأنَّهُ كَبِيرُ قَوْمِهِ أوْ لِأنَّهُ انْتَهى في الكِبَرِ إلى أقْصاهُ، فالأوْصافُ مَسُوقَةٌ لِلْحَثِّ عَلى سَراحِ الِابْنِ لا لِأصْلِ الفائِدَةِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا أخْبَرُوا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ أبِيهِمْ.
والمُرادُ بِالكَبِيرِ: إمّا كَبِيرُ عَشِيرَتِهِ فَإساءَتُهُ تَسُوءُهم جَمِيعًا، ومِن عادَةِ الوُلاةِ اسْتِجْلابُ القَبائِلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَبِيرًا تَأْكِيدًا لِـ (شَيْخًا) أيْ بَلَغَ الغايَةَ في
صفحة ٣٧
الكِبَرِ في السِّنِّ، ولِذَلِكَ فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ (﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾) إذْ كانَ هو أصْغَرَ الإخْوَةِ، والأصْغَرُ أقْرَبُ إلى رِقَّةِ الأبِ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾) تَعْلِيلٌ لِإجابَةِ المَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ. والتَّقْدِيرُ: فَلا تَرُدَّ سُؤالَنا لِأنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ فَمِثْلُكَ لا يَصْدُرُ مِنهُ ما يَسُوءُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا.
والمَكانُ: أصْلُهُ مَحَلُّ الكَوْنِ، أيْ ما يَسْتَقِرُّ فِيهِ الجِسْمُ، وهو هُنا مَجازٌ في العِوَضِ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَضَعُهُ آخِذُهُ في مَكانِ الشَّيْءِ المُعَوَّضِ عَنْهُ كَما في الحَدِيثِ «هَذِهِ مَكانُ حُجَّتِكَ» .
و(مَعاذَ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ اسْمٌ لِلْعَوْذِ، وهو اللَّجَأُ إلى مَكانٍ لِلتَّحَصُّنِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ [يوسف: ٢٣] .
وانْتَصَبَ هَذا المَصْدَرُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ جُعِلَ الِاسْمُ المَجْرُورُ بِباءِ التَّعْدِيَةِ مُتَّصِلًا بِالمَصْدَرِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ فَقِيلَ: مَعاذَ اللَّهِ، كَما قالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ، عِوَضًا عَنْ أُسَبِّحُ اللَّهَ. والمُسْتَعاذُ مِنهُ هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، والمَعْنى: الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ، أيْ نَلْجَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَعْصِمَنا مِن أخْذِ مَن لا حَقَّ لَنا في أخْذِهِ، أيْ أنْ يَعْصِمَنا مِنَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ أخْذَ مَن وُجِدَ المَتاعُ عِنْدَهُ صارَ حَقًّا عَلَيْهِ بِحُكْمِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّحْكِيمَ لَهُ قُوَّةُ الشَّرِيعَةِ. وأمّا أخْذُ غَيْرِهِ فَلا يَسُوغُ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَرِقَّ نَفْسَهُ بِغَيْرِ حُكْمٍ، ولِذَلِكَ عُلِّلَ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ بِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ ذَلِكَ ظُلْمًا.
ودَلِيلُ التَّعْلِيلِ شَيْئانِ: وُقُوعُ (إنَّ) في صَدْرِ الجُمْلَةِ، والإتْيانُ بِحَرْفِ الجَزاءِ هو (إذَنْ) وضَمائِرُ (نَأْخُذَ) و(وجَدْنا) و(مَتاعَنا) و(إنّا) و(لَظالِمُونَ) مُرادٌ بِها المُتَكَلِّمُ وحْدَهُ دُونَ مُشارِكٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الجَمْعِ في
صفحة ٣٨
التَّعْظِيمِ حِكايَةً لِعِبارَتِهِ في اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها فَإنَّهُ كانَ عَظِيمَ المَدِينَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتُعْمِلَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ تَواضُعًا مِنهُ تَشْبِيهًا لِنَفْسِهِ بِمَن لَهُ مُشارِكٌ في الفِعْلِ وهو اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ في الكَلامِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما الآيَةَ مِن سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنَّما لَمْ يُكاشِفْهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحالِهِ ويَأْمُرْهم بِجَلْبِ أبِيهِمْ يَوْمَئِذٍ: إمّا لِأنَّهُ خَشِيَ إنْ هو تَرَكَهم إلى اخْتِيارِهِمْ أنْ يَكِيدُوا لِبِنْيامِينَ فَيَزْعُمُوا أنَّهم يَرْجِعُونَ جَمِيعًا إلى أبِيهِمْ فَإذا انْفَرَدُوا بِبِنْيامِينَ أهْلَكُوهُ في الطَّرِيقِ، وإمّا لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَيْنَ القِبْطِ وبَيْنَ الكَنْعانِيِّينَ في تِلْكَ المُدَّةِ عَداواةٌ فَخافَ إنْ هو جَلَبَ عَشِيرَتَهُ إلى مِصْرَ أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ ظُنُونُ السُّوءِ مِن مَلِكِ مِصْرَ فَتَرَيَّثَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةً لِذَلِكَ، وكانَ المَلِكُ قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الوَفاءِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَكْرَهُهُ أوْ يُسِيءُ ظَنَّهُ، فَتَرَقَّبَ وفاةَ المَلِكِ أوِ السَّعْيَ في إرْضائِهِ بِذَلِكَ، أوْ أرادَ أنْ يَسْتَعْلِمَ مِن أخِيهِ في مُدَّةِ الِانْفِرادِ بِهِ أحْوالَ أبِيهِ وأهْلِهِمْ لِيَنْظُرَ كَيْفَ يَأْتِي بِهِمْ أوْ بِبَعْضِهِمْ، وسَنَذْكُرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ قالَ ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩] .
يوسف 12:80
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ٣٩
اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .
واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.
و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.
والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.
وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما
صفحة ٤٠
تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.
وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.
واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بِما فِيهِ نَفْعِي. والمُرادُ بِالحُكْمِ التَّقْدِيرُ.
وجُمْلَةُ وهو (﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ. و(﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) إنْ كانَ عَلى التَّعْمِيمِ فَهو الَّذِي حُكْمُهُ لا جَوْرَ فِيهِ أوِ الَّذِي حُكْمُهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَهُ، وإنْ كانَ عَلى إرادَةِ ”وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ لِي“ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالسُّؤالِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما فِيهِ رَأْفَةٌ في رَدِّ غُرْبَتِهِ.
وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِقَوْلٍ صَدَرَ مِن بِنْيامِينَ يُدافِعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لازِمُ السُّكُوتِ لِأنَّهُ كانَ مُطَّلِعًا عَلى مُرادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ اسْتِبْقائِهِ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ.
ثُمَّ لَقَّنَهم كَبِيرُهم ما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ. ومَعْنى (﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾) احْتِراسٌ مِن تَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَرَقَ، وهو إمّا لِقَصْدِ التَّلَطُّفِ مَعَ أبِيهِمْ في نِسْبَةِ ابْنِهِ إلى السَّرِقَةِ وإمّا لِأنَّهم عَلِمُوا مِن أمانَةِ أخِيهِمْ ما خالَجَهم بِهِ الشَّكُّ في وُقُوعِ السَّرِقَةِ مِنهُ.
والغَيْبُ: الأحْوالُ الغائِبَةُ عَنِ المَرْءِ. والحِفْظُ: بِمَعْنى العِلْمِ.
وسُؤالُ القَرْيَةِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها. والمُرادُ بِها مَدِينَةُ مِصْرَ. والمَدِينَةُ والقَرْيَةُ مُتَرادِفَتانِ. وقَدْ خُصَّتِ المَدِينَةُ في العُرْفِ بِالقَرْيَةِ الكَبِيرَةِ.
والمُرادُ بِالعِيرِ الَّتِي كانُوا فِيها رِفاقُهم في عِيرِهِمُ القادِمِينَ إلى مِصْرَ مِن
صفحة ٤١
أرْضِ كَنْعانَ، فَأمّا سُؤالُ العِيرِ فَسَهْلٌ وأمّا سُؤالُ القَرْيَةِ فَيَكُونُ بِالإرْسالِ أوِ المُراسَلَةِ أوِ الذَّهابِ بِنَفْسِهِ إنْ أرادَ الِاسْتِثْباتَ.
يوسف 12:81
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ٣٩
اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .
واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.
و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.
والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.
وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما
صفحة ٤٠
تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.
وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.
واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بِما فِيهِ نَفْعِي. والمُرادُ بِالحُكْمِ التَّقْدِيرُ.
وجُمْلَةُ وهو (﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ. و(﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) إنْ كانَ عَلى التَّعْمِيمِ فَهو الَّذِي حُكْمُهُ لا جَوْرَ فِيهِ أوِ الَّذِي حُكْمُهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَهُ، وإنْ كانَ عَلى إرادَةِ ”وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ لِي“ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالسُّؤالِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما فِيهِ رَأْفَةٌ في رَدِّ غُرْبَتِهِ.
وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِقَوْلٍ صَدَرَ مِن بِنْيامِينَ يُدافِعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لازِمُ السُّكُوتِ لِأنَّهُ كانَ مُطَّلِعًا عَلى مُرادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ اسْتِبْقائِهِ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ.
ثُمَّ لَقَّنَهم كَبِيرُهم ما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ. ومَعْنى (﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾) احْتِراسٌ مِن تَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَرَقَ، وهو إمّا لِقَصْدِ التَّلَطُّفِ مَعَ أبِيهِمْ في نِسْبَةِ ابْنِهِ إلى السَّرِقَةِ وإمّا لِأنَّهم عَلِمُوا مِن أمانَةِ أخِيهِمْ ما خالَجَهم بِهِ الشَّكُّ في وُقُوعِ السَّرِقَةِ مِنهُ.
والغَيْبُ: الأحْوالُ الغائِبَةُ عَنِ المَرْءِ. والحِفْظُ: بِمَعْنى العِلْمِ.
وسُؤالُ القَرْيَةِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها. والمُرادُ بِها مَدِينَةُ مِصْرَ. والمَدِينَةُ والقَرْيَةُ مُتَرادِفَتانِ. وقَدْ خُصَّتِ المَدِينَةُ في العُرْفِ بِالقَرْيَةِ الكَبِيرَةِ.
والمُرادُ بِالعِيرِ الَّتِي كانُوا فِيها رِفاقُهم في عِيرِهِمُ القادِمِينَ إلى مِصْرَ مِن
صفحة ٤١
أرْضِ كَنْعانَ، فَأمّا سُؤالُ العِيرِ فَسَهْلٌ وأمّا سُؤالُ القَرْيَةِ فَيَكُونُ بِالإرْسالِ أوِ المُراسَلَةِ أوِ الذَّهابِ بِنَفْسِهِ إنْ أرادَ الِاسْتِثْباتَ.
يوسف 12:82
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِيَ أبِيَ أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ٣٩
اسْتَيْأسُوا بِمَعْنى يَئِسُوا فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، ومِثْلُها (﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: ٣٤]) و(اسْتَعْصَمَ) .
واليَأْسُ مِنهُ: اليَأْسُ مِن إطْلاقِهِ أخاهم، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ. والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِقَرِينَةِ المَقامِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿اسْتَيْأسُوا﴾) بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ عَلى أصْلِ التَّصْرِيفِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِخُلْفٍ عَنْهُ بِألِفٍ بَعْدَ الفَوْقِيَّةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ عَلى اعْتِبارِ القَلْبِ في المَكانِ ثُمَّ إبْدالِ الهَمْزَةِ.
و(خَلَصُوا) بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا. وأصْلُهُ مِنَ الخُلُوصِ وهو الصَّفاءُ مِنَ الأخْلاطِ. ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها حَيْثُ عَزَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى أنْ يَخْطُبَ في النّاسِ فَيُحَذِّرَهم مِن قَوْمٍ يُرِيدُونَ المُزاحَمَةَ في الخِلافَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعاعَ النّاسِ فَأمْهِلْ حَتّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ فَتَخْلُصَ بِأهْلِ الفِقْهِ. . . إلَخْ.
والنَّجِيُّ: اسْمٌ مِنَ المُناجاةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ. كانَ الوَصْفُ بِالمَصْدَرِ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذْ هم نَجْوى، والمَعْنى: انْفَرَدُوا تَناجِيًا. والتَّناجِي: المُحادَثَةُ سِرًّا، أيْ مُتَناجِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾) وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ المُناجاةَ تَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها قَوْلُ كَبِيرِهِمْ هَذا، وكَبِيرُهم هو أكْبَرُهم سَنًّا وهو رُوبِينُ بِكْرُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾) تَقْرِيرِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِعَدَمِ اطْمِئْنانِ أبِيهِمْ بِحِفْظِهِمْ لِابْنِهِ.
وجُمْلَةُ (ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِن قِبَلِ المَوْثِقِ، أيْ فَهو غَيْرُ مُصَدِّقِكم فِيما
صفحة ٤٠
تُخْبِرُونَ بِهِ مِن أخْذِ بِنْيامِينَ في سَرِقَةِ الصُّواعِ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ كَبِيرُهم أنَّهُ يَبْقى في مِصْرَ لِيَكُونَ بَقاؤُهُ عَلامَةً عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْرِفُ بِها صِدْقَهم في سَبَبِ تَخَلُّفِ بِنْيامِينَ، إذْ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَبْقى غَرِيبًا لَوْلا خَوْفُهُ مِن أبِيهِ، ولا يَرْضى بَقِيَّةُ أشِقّائِهِ أنْ يَكِيدُوا لَهُ كَما يَكِيدُونَ لِغَيْرِ الشَّقِيقِ.
وقَوْلُهُ (﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾) تَرْدِيدٌ بَيْنَ ما رَسَمَهُ هو لِنَفْسِهِ وبَيْنَ ما عَسى أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِدَفْعِهِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَحْكُمَ) المَجْرُورُ بِالباءِ لِتَنْزِيلِ فِعْلِ (يَحْكُمَ) مَنزِلَةَ ما لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا.
واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ يَحْكُمَ اللَّهُ بِما فِيهِ نَفْعِي. والمُرادُ بِالحُكْمِ التَّقْدِيرُ.
وجُمْلَةُ وهو (﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ. و(﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾) إنْ كانَ عَلى التَّعْمِيمِ فَهو الَّذِي حُكْمُهُ لا جَوْرَ فِيهِ أوِ الَّذِي حُكْمُهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَهُ، وإنْ كانَ عَلى إرادَةِ ”وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ لِي“ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ لِلتَّعْرِيضِ بِالسُّؤالِ أنْ يُقَدِّرَ لَهُ ما فِيهِ رَأْفَةٌ في رَدِّ غُرْبَتِهِ.
وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِقَوْلٍ صَدَرَ مِن بِنْيامِينَ يُدافِعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لازِمُ السُّكُوتِ لِأنَّهُ كانَ مُطَّلِعًا عَلى مُرادِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ اسْتِبْقائِهِ عِنْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آوى إلَيْهِ أخاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ.
ثُمَّ لَقَّنَهم كَبِيرُهم ما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ. ومَعْنى (﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾) احْتِراسٌ مِن تَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَرَقَ، وهو إمّا لِقَصْدِ التَّلَطُّفِ مَعَ أبِيهِمْ في نِسْبَةِ ابْنِهِ إلى السَّرِقَةِ وإمّا لِأنَّهم عَلِمُوا مِن أمانَةِ أخِيهِمْ ما خالَجَهم بِهِ الشَّكُّ في وُقُوعِ السَّرِقَةِ مِنهُ.
والغَيْبُ: الأحْوالُ الغائِبَةُ عَنِ المَرْءِ. والحِفْظُ: بِمَعْنى العِلْمِ.
وسُؤالُ القَرْيَةِ مَجازٌ عَنْ سُؤالِ أهْلِها. والمُرادُ بِها مَدِينَةُ مِصْرَ. والمَدِينَةُ والقَرْيَةُ مُتَرادِفَتانِ. وقَدْ خُصَّتِ المَدِينَةُ في العُرْفِ بِالقَرْيَةِ الكَبِيرَةِ.
والمُرادُ بِالعِيرِ الَّتِي كانُوا فِيها رِفاقُهم في عِيرِهِمُ القادِمِينَ إلى مِصْرَ مِن
صفحة ٤١
أرْضِ كَنْعانَ، فَأمّا سُؤالُ العِيرِ فَسَهْلٌ وأمّا سُؤالُ القَرْيَةِ فَيَكُونُ بِالإرْسالِ أوِ المُراسَلَةِ أوِ الذَّهابِ بِنَفْسِهِ إنْ أرادَ الِاسْتِثْباتَ.
يوسف 12:83
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾) في صُورَةِ الجَوابِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي لَقَّنَهُ أخُوهم عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ فَقالُوا ذَلِكَ الكَلامَ الَّذِي لَقَّنَهُ إيّاهم رُوبِينُ قالَ أبُوهم: بَلْ سَوَّلَتْ. . . إلَخَّ.
وقَوْلُهُ هُنا كَقَوْلِهِ لَهم حِينَ زَعَمُوا أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَهو تُهْمَةٌ لَهم بِالتَّغْرِيرِ بِأخِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ظَنَّ بِهِمْ سُوءًا فَصَدَقَ ظَنُّهُ في زَعْمِهِمْ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَتَحَقَّقْ ما ظَنَّهُ في أمْرِ بِنْيامِينَ، أيْ أخْطَأ في ظَنِّهِ بِهِمْ في قَضِيَّةِ بِنْيامِينَ، ومُسْتَنَدُهُ في هَذا الظَّنِّ عِلْمُهُ أنَّ ابْنَهُ لا يَسْرِقُ، فَعَلِمَ أنَّ في دَعْوى السَّرِقَةِ مَكِيدَةً. فَظَنُّهُ صادِقٌ عَلى الجُمْلَةِ لا عَلى التَّفْصِيلِ. وأمّا تُهْمَتُهُ أبْناءَهُ بِأنْ يَكُونُوا تَمالَئُوا عَلى أخِيهِمْ بِنْيامِينَ فَهو ظَنٌّ مُسْتَنِدٌ إلى القِياسِ عَلى ما سَبَقَ مِن أمْرِهِمْ في قَضِيَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ قالَ لَهم هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ، ويَجُوزُ عَلى النَّبِيءِ الخَطَأُ في الظَّنِّ في أُمُورِ العاداتِ كَما جاءَ في حَدِيثِ تَرْكِ إبّارِ النَّخْلِ.
ولَعَلَّهُ اتَّهَمَ رُوبِينَ أنْ يَكُونَ قَدِ اخْتَفى لِتَرْوِيجِ دَعْوى إخْوَتِهِ. وضَمِيرُ (بِهِمْ) لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِنْيامِينَ ورُوبِينَ. وهَذا كَشْفٌ مِنهُ إذْ لَمْ يَيْأسْ مِن حَياةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِرَجائِهِ مِنَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ فَلا تَخْفى عَلَيْهِ مَواقِعُهُمُ المُتَفَرِّقَةُ. حَكِيمٌ فَهو قادِرٌ عَلى إيجادِ أسْبابِ جَمْعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ.
يوسف 12:84
صفحة ٤٢
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.
ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.
ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.
والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.
وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.
صفحة ٤٣
وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.
وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.
قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ
وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.
والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ عِنْدَما سَمِعُوا قَوْلَهُ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾) وقَدْ قالَها في خَلْوَتِهِ فَسَمِعُوها.
والتّاءُ حَرْفُ قَسَمٍ، وهي عِوَضٌ عَنْ واوِ القَسَمِ. قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: التّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ. وسَلَّمَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ،
صفحة ٤٤
وفَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ يَكُونُ نادِرَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَعَجَّبَ مِنهُ لا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، ومِن ثَمَّ قَلَّ اسْتِعْمالُ التّاءِ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ هو (﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾) بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِنَ الغايَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اليَمِينِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الهَلاكِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَناسِيهِ مُصِيبَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ المَقْصُودُ تَحْقِيقَ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْ تَذَكُّرِ يُوسُفَ. وجَوابُ القَسَمِ هُنا فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْبَتًا لَوَجَبَ قَرْنُهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا.
ومَعْنى (تَفْتَأُ) تَفْتُرُ. يُقالُ: فَتِئَ مِن بابِ عَلِمَ. إذا فَتَرَ عَنِ الشَّيْءِ. والمَعْنى: لا تَفْتُرُ في حالِ كَوْنِكَ تَذْكُرُ يُوسُفَ. ولِمُلازَمَةِ النَّفْيِ لِهَذا الفِعْلِ ولُزُومِ حالٍ يَعْقُبُ فاعِلَهُ صارَ شَبِيهًا بِالأفْعالِ النّاقِصَةِ.
و(حَرَضًا) مَصْدَرٌ هو شِدَّةُ المَرَضِ المُشْفِي عَلى الهَلاكِ، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا، أيْ بالِيًا لا شُعُورَ لَكَ. ومَقْصُودُهُمُ الإنْكارُ عَلَيْهِ صَدًّا لَهُ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى لِسانِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ بِاللِّسانِ يُفْضِي إلى دَوامِ حُضُورِهِ في ذِهْنِهِ.
وفِي جَعْلِهِمُ الغايَةَ الحَرَضَ أوِ الهَلاكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَذْكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِهِ، فَأجابَهم بِأنَّ ذِكْرَهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ دُعاءً بِأنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ أسَفَهُ بِرَدِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهْلِكْ ولَكِنَّهُ بِأرْضِ غُرْبَةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِفِراسَةٍ صادِقَةٍ وهي المُسَمّاةُ بِالإلْهامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ مُفِيدَةٌ قَصْرَ شَكْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ، أيْ يَشْكُو إلى اللَّهِ لا إلى نَفْسِهِ لِيُجَدِّدَ الحُزْنَ، فَصارَتِ الشَّكْوى بِهَذا القَصْدِ ضَراعَةً وهي عِبادَةٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ. وصارَ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ النّاشِئُ عَنِ التَّذَكُّرِ
صفحة ٤٥
النّاشِئِ عَنِ الشَّكْوى أثَرًا جَسَدِيًّا ناشِئًا عَنْ عِبادَةٍ مِثْلَ تَفَطُّرِ أقْدامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
والبَثُّ: الهَمُّ الشَّدِيدُ، وهو التَّفْكِيرُ في الشَّيْءِ المُسِيءِ. والحُزْنُ: الأسَفُ عَلى فائِتٍ. فَبَيْنَ الهَمِّ والحُزْنِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ، وقَدِ اجْتَمَعا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بِالتَّفْكِيرِ في مَصِيرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَعْتَرِضُهُ مِنَ الكَرْبِ في غُرْبَتِهِ وكانَ آسِفًا عَلى فِراقِهِ.
وقَدْ أعْقَبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَهم إلى قُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ العالِيَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ أنْ يَعْلَمُوهُ أوْ يَلُومُوهُ، أيْ أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُونَهُ وهو عِلْمُ النُّبُوءَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ الأعْرافِ فَهي مِن كَلامِ النُّبُوءَةِ الأُولى. وحُكِيَ مِثْلُها عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ يَطْمَعُ في المُحالِ بِأنَّ ما يَحْسَبُونَهُ مُحالًا سَيَقَعُ.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَعْلَمُهُ وكاشَفَهم بِما يُحَقِّقُ كَذِبَهُمُ ادِّعاءَ ائْتِكالَ الذِّئْبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَقْدِيرِ انْتِهاءِ البَلْوى فَقالَ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ (﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُثِيرُ في أنْفُسِهِمْ تَرَقُّبَ مُكاشَفَتِهِ عَلى كَذِبِهِمْ فَإنَّ صاحِبَ الكَيْدِ كَثِيرُ الظُّنُونِ (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]) .
والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: شِدَّةُ التَّطَلُّبِ والتَّعَرُّفِ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ بِالجِيمِ فَهو التَّطَلُّبُ مَعَ اخْتِفاءٍ وتَسَتُّرٍ.
والرَّوْحُ بِفَتْحِ الرّاءِ: النَّفَسُ بِفَتْحِ الفاءِ اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الكَرْبِ؛ لِأنَّ الكَرْبَ والهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِما الغَمُّ وضِيقُ النَّفَسِ وضِيقُ الصَّدْرِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ والتَّرَوُّحُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ومِنهُ اسْتِعارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إذا زالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
صفحة ٤٦
وفِي خِطابِهِمْ بِوَصْفِ البُنُوَّةِ مِنهُ تَرْقِيقٌ لَهم وتَلَطُّفٌ لِيَكُونَ أبْعَثَ عَلى الِامْتِثالِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ، فَمَوْقِعُ إنَّ التَّعْلِيلُ. والمَعْنى: لا تَيْأسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ البُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَها اللِّقاءُ عادَةً. فَإنَّ اللَّهَ إذا شاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأ لَها أسْبابَها، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ لا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَقُّهُ أنْ يَأْخُذَ في سَبَبِهِ ويَعْتَمِدَ عَلى اللَّهِ في تَيْسِيرِهِ، وأمّا القَوْمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ فَهم يَقْتَصِرُونَ عَلى الأُمُورِ الغالِبَةِ في العادَةِ ويُنْكِرُونَ غَيْرَها.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ (ولا تَأْيَسُوا) و(إنَّهُ لا يَأْيَسُ) بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ الثّانِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (فَلَمّا اسْتَيْئَسُوا مِنهُ) .
يوسف 12:85
صفحة ٤٢
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.
ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.
ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.
والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.
وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.
صفحة ٤٣
وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.
وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.
قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ
وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.
والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ عِنْدَما سَمِعُوا قَوْلَهُ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾) وقَدْ قالَها في خَلْوَتِهِ فَسَمِعُوها.
والتّاءُ حَرْفُ قَسَمٍ، وهي عِوَضٌ عَنْ واوِ القَسَمِ. قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: التّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ. وسَلَّمَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ،
صفحة ٤٤
وفَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ يَكُونُ نادِرَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَعَجَّبَ مِنهُ لا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، ومِن ثَمَّ قَلَّ اسْتِعْمالُ التّاءِ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ هو (﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾) بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِنَ الغايَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اليَمِينِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الهَلاكِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَناسِيهِ مُصِيبَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ المَقْصُودُ تَحْقِيقَ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْ تَذَكُّرِ يُوسُفَ. وجَوابُ القَسَمِ هُنا فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْبَتًا لَوَجَبَ قَرْنُهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا.
ومَعْنى (تَفْتَأُ) تَفْتُرُ. يُقالُ: فَتِئَ مِن بابِ عَلِمَ. إذا فَتَرَ عَنِ الشَّيْءِ. والمَعْنى: لا تَفْتُرُ في حالِ كَوْنِكَ تَذْكُرُ يُوسُفَ. ولِمُلازَمَةِ النَّفْيِ لِهَذا الفِعْلِ ولُزُومِ حالٍ يَعْقُبُ فاعِلَهُ صارَ شَبِيهًا بِالأفْعالِ النّاقِصَةِ.
و(حَرَضًا) مَصْدَرٌ هو شِدَّةُ المَرَضِ المُشْفِي عَلى الهَلاكِ، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا، أيْ بالِيًا لا شُعُورَ لَكَ. ومَقْصُودُهُمُ الإنْكارُ عَلَيْهِ صَدًّا لَهُ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى لِسانِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ بِاللِّسانِ يُفْضِي إلى دَوامِ حُضُورِهِ في ذِهْنِهِ.
وفِي جَعْلِهِمُ الغايَةَ الحَرَضَ أوِ الهَلاكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَذْكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِهِ، فَأجابَهم بِأنَّ ذِكْرَهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ دُعاءً بِأنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ أسَفَهُ بِرَدِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهْلِكْ ولَكِنَّهُ بِأرْضِ غُرْبَةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِفِراسَةٍ صادِقَةٍ وهي المُسَمّاةُ بِالإلْهامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ مُفِيدَةٌ قَصْرَ شَكْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ، أيْ يَشْكُو إلى اللَّهِ لا إلى نَفْسِهِ لِيُجَدِّدَ الحُزْنَ، فَصارَتِ الشَّكْوى بِهَذا القَصْدِ ضَراعَةً وهي عِبادَةٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ. وصارَ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ النّاشِئُ عَنِ التَّذَكُّرِ
صفحة ٤٥
النّاشِئِ عَنِ الشَّكْوى أثَرًا جَسَدِيًّا ناشِئًا عَنْ عِبادَةٍ مِثْلَ تَفَطُّرِ أقْدامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
والبَثُّ: الهَمُّ الشَّدِيدُ، وهو التَّفْكِيرُ في الشَّيْءِ المُسِيءِ. والحُزْنُ: الأسَفُ عَلى فائِتٍ. فَبَيْنَ الهَمِّ والحُزْنِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ، وقَدِ اجْتَمَعا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بِالتَّفْكِيرِ في مَصِيرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَعْتَرِضُهُ مِنَ الكَرْبِ في غُرْبَتِهِ وكانَ آسِفًا عَلى فِراقِهِ.
وقَدْ أعْقَبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَهم إلى قُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ العالِيَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ أنْ يَعْلَمُوهُ أوْ يَلُومُوهُ، أيْ أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُونَهُ وهو عِلْمُ النُّبُوءَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ الأعْرافِ فَهي مِن كَلامِ النُّبُوءَةِ الأُولى. وحُكِيَ مِثْلُها عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ يَطْمَعُ في المُحالِ بِأنَّ ما يَحْسَبُونَهُ مُحالًا سَيَقَعُ.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَعْلَمُهُ وكاشَفَهم بِما يُحَقِّقُ كَذِبَهُمُ ادِّعاءَ ائْتِكالَ الذِّئْبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَقْدِيرِ انْتِهاءِ البَلْوى فَقالَ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ (﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُثِيرُ في أنْفُسِهِمْ تَرَقُّبَ مُكاشَفَتِهِ عَلى كَذِبِهِمْ فَإنَّ صاحِبَ الكَيْدِ كَثِيرُ الظُّنُونِ (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]) .
والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: شِدَّةُ التَّطَلُّبِ والتَّعَرُّفِ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ بِالجِيمِ فَهو التَّطَلُّبُ مَعَ اخْتِفاءٍ وتَسَتُّرٍ.
والرَّوْحُ بِفَتْحِ الرّاءِ: النَّفَسُ بِفَتْحِ الفاءِ اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الكَرْبِ؛ لِأنَّ الكَرْبَ والهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِما الغَمُّ وضِيقُ النَّفَسِ وضِيقُ الصَّدْرِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ والتَّرَوُّحُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ومِنهُ اسْتِعارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إذا زالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
صفحة ٤٦
وفِي خِطابِهِمْ بِوَصْفِ البُنُوَّةِ مِنهُ تَرْقِيقٌ لَهم وتَلَطُّفٌ لِيَكُونَ أبْعَثَ عَلى الِامْتِثالِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ، فَمَوْقِعُ إنَّ التَّعْلِيلُ. والمَعْنى: لا تَيْأسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ البُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَها اللِّقاءُ عادَةً. فَإنَّ اللَّهَ إذا شاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأ لَها أسْبابَها، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ لا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَقُّهُ أنْ يَأْخُذَ في سَبَبِهِ ويَعْتَمِدَ عَلى اللَّهِ في تَيْسِيرِهِ، وأمّا القَوْمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ فَهم يَقْتَصِرُونَ عَلى الأُمُورِ الغالِبَةِ في العادَةِ ويُنْكِرُونَ غَيْرَها.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ (ولا تَأْيَسُوا) و(إنَّهُ لا يَأْيَسُ) بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ الثّانِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (فَلَمّا اسْتَيْئَسُوا مِنهُ) .
يوسف 12:86
صفحة ٤٢
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.
ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.
ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.
والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.
وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.
صفحة ٤٣
وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.
وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.
قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ
وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.
والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ عِنْدَما سَمِعُوا قَوْلَهُ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾) وقَدْ قالَها في خَلْوَتِهِ فَسَمِعُوها.
والتّاءُ حَرْفُ قَسَمٍ، وهي عِوَضٌ عَنْ واوِ القَسَمِ. قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: التّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ. وسَلَّمَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ،
صفحة ٤٤
وفَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ يَكُونُ نادِرَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَعَجَّبَ مِنهُ لا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، ومِن ثَمَّ قَلَّ اسْتِعْمالُ التّاءِ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ هو (﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾) بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِنَ الغايَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اليَمِينِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الهَلاكِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَناسِيهِ مُصِيبَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ المَقْصُودُ تَحْقِيقَ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْ تَذَكُّرِ يُوسُفَ. وجَوابُ القَسَمِ هُنا فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْبَتًا لَوَجَبَ قَرْنُهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا.
ومَعْنى (تَفْتَأُ) تَفْتُرُ. يُقالُ: فَتِئَ مِن بابِ عَلِمَ. إذا فَتَرَ عَنِ الشَّيْءِ. والمَعْنى: لا تَفْتُرُ في حالِ كَوْنِكَ تَذْكُرُ يُوسُفَ. ولِمُلازَمَةِ النَّفْيِ لِهَذا الفِعْلِ ولُزُومِ حالٍ يَعْقُبُ فاعِلَهُ صارَ شَبِيهًا بِالأفْعالِ النّاقِصَةِ.
و(حَرَضًا) مَصْدَرٌ هو شِدَّةُ المَرَضِ المُشْفِي عَلى الهَلاكِ، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا، أيْ بالِيًا لا شُعُورَ لَكَ. ومَقْصُودُهُمُ الإنْكارُ عَلَيْهِ صَدًّا لَهُ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى لِسانِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ بِاللِّسانِ يُفْضِي إلى دَوامِ حُضُورِهِ في ذِهْنِهِ.
وفِي جَعْلِهِمُ الغايَةَ الحَرَضَ أوِ الهَلاكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَذْكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِهِ، فَأجابَهم بِأنَّ ذِكْرَهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ دُعاءً بِأنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ أسَفَهُ بِرَدِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهْلِكْ ولَكِنَّهُ بِأرْضِ غُرْبَةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِفِراسَةٍ صادِقَةٍ وهي المُسَمّاةُ بِالإلْهامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ مُفِيدَةٌ قَصْرَ شَكْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ، أيْ يَشْكُو إلى اللَّهِ لا إلى نَفْسِهِ لِيُجَدِّدَ الحُزْنَ، فَصارَتِ الشَّكْوى بِهَذا القَصْدِ ضَراعَةً وهي عِبادَةٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ. وصارَ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ النّاشِئُ عَنِ التَّذَكُّرِ
صفحة ٤٥
النّاشِئِ عَنِ الشَّكْوى أثَرًا جَسَدِيًّا ناشِئًا عَنْ عِبادَةٍ مِثْلَ تَفَطُّرِ أقْدامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
والبَثُّ: الهَمُّ الشَّدِيدُ، وهو التَّفْكِيرُ في الشَّيْءِ المُسِيءِ. والحُزْنُ: الأسَفُ عَلى فائِتٍ. فَبَيْنَ الهَمِّ والحُزْنِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ، وقَدِ اجْتَمَعا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بِالتَّفْكِيرِ في مَصِيرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَعْتَرِضُهُ مِنَ الكَرْبِ في غُرْبَتِهِ وكانَ آسِفًا عَلى فِراقِهِ.
وقَدْ أعْقَبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَهم إلى قُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ العالِيَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ أنْ يَعْلَمُوهُ أوْ يَلُومُوهُ، أيْ أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُونَهُ وهو عِلْمُ النُّبُوءَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ الأعْرافِ فَهي مِن كَلامِ النُّبُوءَةِ الأُولى. وحُكِيَ مِثْلُها عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ يَطْمَعُ في المُحالِ بِأنَّ ما يَحْسَبُونَهُ مُحالًا سَيَقَعُ.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَعْلَمُهُ وكاشَفَهم بِما يُحَقِّقُ كَذِبَهُمُ ادِّعاءَ ائْتِكالَ الذِّئْبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَقْدِيرِ انْتِهاءِ البَلْوى فَقالَ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ (﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُثِيرُ في أنْفُسِهِمْ تَرَقُّبَ مُكاشَفَتِهِ عَلى كَذِبِهِمْ فَإنَّ صاحِبَ الكَيْدِ كَثِيرُ الظُّنُونِ (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]) .
والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: شِدَّةُ التَّطَلُّبِ والتَّعَرُّفِ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ بِالجِيمِ فَهو التَّطَلُّبُ مَعَ اخْتِفاءٍ وتَسَتُّرٍ.
والرَّوْحُ بِفَتْحِ الرّاءِ: النَّفَسُ بِفَتْحِ الفاءِ اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الكَرْبِ؛ لِأنَّ الكَرْبَ والهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِما الغَمُّ وضِيقُ النَّفَسِ وضِيقُ الصَّدْرِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ والتَّرَوُّحُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ومِنهُ اسْتِعارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إذا زالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
صفحة ٤٦
وفِي خِطابِهِمْ بِوَصْفِ البُنُوَّةِ مِنهُ تَرْقِيقٌ لَهم وتَلَطُّفٌ لِيَكُونَ أبْعَثَ عَلى الِامْتِثالِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ، فَمَوْقِعُ إنَّ التَّعْلِيلُ. والمَعْنى: لا تَيْأسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ البُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَها اللِّقاءُ عادَةً. فَإنَّ اللَّهَ إذا شاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأ لَها أسْبابَها، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ لا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَقُّهُ أنْ يَأْخُذَ في سَبَبِهِ ويَعْتَمِدَ عَلى اللَّهِ في تَيْسِيرِهِ، وأمّا القَوْمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ فَهم يَقْتَصِرُونَ عَلى الأُمُورِ الغالِبَةِ في العادَةِ ويُنْكِرُونَ غَيْرَها.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ (ولا تَأْيَسُوا) و(إنَّهُ لا يَأْيَسُ) بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ الثّانِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (فَلَمّا اسْتَيْئَسُوا مِنهُ) .
يوسف 12:87
صفحة ٤٢
﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهْوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِيَ إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾
انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ حالِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ في انْفِرادِهِ عَنْ أبْنائِهِ ومُناجاتِهِ نَفْسَهُ، فالتَّوَلِّي حاصِلٌ عَقِبَ المُحاوَرَةِ. وتَوَلّى: انْصَرَفَ، وهو انْصِرافُ غَضَبٍ.
ولَمّا كانَ التَّوَلِّي يَقْتَضِي الِاخْتِلاءَ بِنَفْسِهِ ذَكَرَ مِن أحْوالِهِ تَجَدُّدَ أسَفِهِ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾)، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ، أسِفَ كَحَزِنَ.
ونِداءُ الأسَفِ مَجازٌ. نَزَّلَ الأسَفَ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ فَيَقُولُ لَهُ: احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وأضافَ الأسَفَ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ هَذا الأسَفَ جُزْئِيٌّ مُخْتَصٌّ بِهِ مِن بَيْنِ جُزْئِيّاتِ جِنْسِ الأسَفِ.
والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَإنَّها في النِّداءِ تُبْدَلُ ألِفًا.
وإنَّما ذَكَرَ القُرْآنُ تَحَسُّرَهُ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَذْكُرْ تَحَسُّرَهُ عَلى ابْنَيْهِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحَسُّرَ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ القِصَّةِ فَلا يَقْتَضِي ذِكْرُهُ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَتَحَسَّرْ قَطُّ إلّا عَلى يُوسُفَ، مَعَ أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الجُمَلِ المَعْطُوفَةِ بِها.
صفحة ٤٣
وكَذَلِكَ عَطْفُ جُمْلَةِ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ إذْ لَمْ يَكُنِ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ إلّا في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. فَكُلٌّ مِنَ التَّوَلِّي والتَّحَسُّرِ وابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ مِن أحْوالِهِ إلّا أنَّها مُخْتَلِفَةُ الأزْمانِ.
وابْيِضاضُ العَيْنَيْنِ: ضَعْفُ البَصَرِ. وظاهِرَةٌ أنَّهُ تَبَدَّلَ لَوْنُ سَوادِهِما مِنَ الهُزالِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِـ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ دُونَ عَمِيَتْ عَيْناهُ.
و(مِنَ) في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الحُزْنِ﴾) سَبَبِيَّةٌ. والحُزْنُ سَبَبُ البُكاءِ الكَثِيرِ الَّذِي هو سَبَبُ ابْيِضاضِ العَيْنَيْنِ. وعِنْدِي أنَّ ابْيِضاضَ العَيْنَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإبْصارِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ.
قَبْلَ ما اليَوْمِ بَيَّضَتْ بِعُيُونِ النَّـ ـاسِ فِيها تَغَيُّضٌ وإباءُ
وأنَّ الحُزْنَ هو السَّبَبُ لِعَدَمِ الإبْصارِ كَما هو الظّاهِرُ، فَإنَّ تَوالِيَ إحْساسِ الحُزْنِ عَلى الدِّماغِ قَدْ أفْضى إلى تَعْطِيلِ عَمَلِ عَصَبِ الإبْصارِ؛ عَلى أنَّ البُكاءَ مِنَ الحُزْنِ أمْرٌ جِبِلِّيٌّ فَلا يُسْتَغْرَبُ صُدُورُهُ مِن نَبِيٍّ، أوْ أنَّ التَّصَبُّرَ عِنْدَ المَصائِبِ لَمْ يَكُنْ مِن سُنَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَلْ كانَ مِن سُنَنِهِمْ إظْهارُ الحُزْنِ والجَزَعِ عِنْدَ المَصائِبِ. وقَدْ حَكَتِ التَّوْراةُ بُكاءَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وحَكَتْ تَمْزِيقَ بَعْضِ الأنْبِياءِ ثِيابَهم مِنَ الجَزَعِ. وإنَّما التَّصَبُّرُ في المُصِيبَةِ كَمالٌ بَلَغَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ.
والكَظِيمُ: مُبالَغَةٌ لِلْكاظِمِ. والكَظْمُ: الإمْساكُ النَّفْسانِيُّ، أيْ كاظِمٌ لِلْحُزْنِ لا يُظْهِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، ويَبْكِي في خَلْوَتِهِ، أوْ هو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْزُونٍ، كَقَوْلِهِ وهو مَكْظُومٌ.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا تاللَّهِ﴾) مُحاوَرَةُ بَنِيهِ إيّاهُ عِنْدَما سَمِعُوا قَوْلَهُ (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾) وقَدْ قالَها في خَلْوَتِهِ فَسَمِعُوها.
والتّاءُ حَرْفُ قَسَمٍ، وهي عِوَضٌ عَنْ واوِ القَسَمِ. قالَ في الكَشّافِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ: التّاءُ فِيها زِيادَةُ مَعْنًى وهو التَّعَجُّبُ. وسَلَّمَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ،
صفحة ٤٤
وفَسَّرَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِالتّاءِ يَكُونُ نادِرَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُتَعَجَّبَ مِنهُ لا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، ومِن ثَمَّ قَلَّ اسْتِعْمالُ التّاءِ إلّا مَعَ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ القَسَمَ بِاسْمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ.
وجَوابُ القَسَمِ هو (﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾) بِاعْتِبارِ ما بَعْدَهُ مِنَ الغايَةِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا اليَمِينِ الإشْفاقُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ صائِرٌ إلى الهَلاكِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَناسِيهِ مُصِيبَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَيْسَ المَقْصُودُ تَحْقِيقَ أنَّهُ لا يَنْقَطِعُ عَنْ تَذَكُّرِ يُوسُفَ. وجَوابُ القَسَمِ هُنا فِيهِ حَرْفُ النَّفْيِ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ عَدَمِ قَرْنِهِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُثْبَتًا لَوَجَبَ قَرْنُهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ فَحُذِفَ حَرْفُ النَّفْيِ هُنا.
ومَعْنى (تَفْتَأُ) تَفْتُرُ. يُقالُ: فَتِئَ مِن بابِ عَلِمَ. إذا فَتَرَ عَنِ الشَّيْءِ. والمَعْنى: لا تَفْتُرُ في حالِ كَوْنِكَ تَذْكُرُ يُوسُفَ. ولِمُلازَمَةِ النَّفْيِ لِهَذا الفِعْلِ ولُزُومِ حالٍ يَعْقُبُ فاعِلَهُ صارَ شَبِيهًا بِالأفْعالِ النّاقِصَةِ.
و(حَرَضًا) مَصْدَرٌ هو شِدَّةُ المَرَضِ المُشْفِي عَلى الهَلاكِ، وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، أيْ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا، أيْ بالِيًا لا شُعُورَ لَكَ. ومَقْصُودُهُمُ الإنْكارُ عَلَيْهِ صَدًّا لَهُ عَنْ مُداوَمَةِ ذِكْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى لِسانِهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَهُ بِاللِّسانِ يُفْضِي إلى دَوامِ حُضُورِهِ في ذِهْنِهِ.
وفِي جَعْلِهِمُ الغايَةَ الحَرَضَ أوِ الهَلاكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَذْكُرُ أمْرًا لا طَمَعَ في تَدارُكِهِ، فَأجابَهم بِأنَّ ذِكْرَهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوَجَّهٌ إلى اللَّهِ دُعاءً بِأنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ تَعْرِيضٌ بِدُعاءِ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ أسَفَهُ بِرَدِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهْلِكْ ولَكِنَّهُ بِأرْضِ غُرْبَةٍ مَجْهُولَةٍ، وعَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ بِفِراسَةٍ صادِقَةٍ وهي المُسَمّاةُ بِالإلْهامِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ.
فَجُمْلَةُ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ مُفِيدَةٌ قَصْرَ شَكْواهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِاسْمِ اللَّهِ، أيْ يَشْكُو إلى اللَّهِ لا إلى نَفْسِهِ لِيُجَدِّدَ الحُزْنَ، فَصارَتِ الشَّكْوى بِهَذا القَصْدِ ضَراعَةً وهي عِبادَةٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ. وصارَ ابْيِضاضُ عَيْنَيْهِ النّاشِئُ عَنِ التَّذَكُّرِ
صفحة ٤٥
النّاشِئِ عَنِ الشَّكْوى أثَرًا جَسَدِيًّا ناشِئًا عَنْ عِبادَةٍ مِثْلَ تَفَطُّرِ أقْدامِ النَّبِيءِ ﷺ مِن قِيامِ اللَّيْلِ.
والبَثُّ: الهَمُّ الشَّدِيدُ، وهو التَّفْكِيرُ في الشَّيْءِ المُسِيءِ. والحُزْنُ: الأسَفُ عَلى فائِتٍ. فَبَيْنَ الهَمِّ والحُزْنِ العُمُومُ والخُصُوصُ الوَجْهِيُّ، وقَدِ اجْتَمَعا لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ كانَ مُهْتَمًّا بِالتَّفْكِيرِ في مَصِيرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما يَعْتَرِضُهُ مِنَ الكَرْبِ في غُرْبَتِهِ وكانَ آسِفًا عَلى فِراقِهِ.
وقَدْ أعْقَبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِيُنَبِّهَهم إلى قُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ العالِيَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّهم دُونَ مَرْتَبَةِ أنْ يَعْلَمُوهُ أوْ يَلُومُوهُ، أيْ أنا أعْلَمُ عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لا تَعْلَمُونَهُ وهو عِلْمُ النُّبُوءَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن سُورَةِ الأعْرافِ فَهي مِن كَلامِ النُّبُوءَةِ الأُولى. وحُكِيَ مِثْلُها عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِرَدِّ تَعْرِيضِهِمْ بِأنَّهُ يَطْمَعُ في المُحالِ بِأنَّ ما يَحْسَبُونَهُ مُحالًا سَيَقَعُ.
ثُمَّ صَرَّحَ لَهم بِشَيْءٍ مِمّا يَعْلَمُهُ وكاشَفَهم بِما يُحَقِّقُ كَذِبَهُمُ ادِّعاءَ ائْتِكالَ الذِّئْبِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ تَقْدِيرِ انْتِهاءِ البَلْوى فَقالَ ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ .
فَجُمْلَةُ (﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُثِيرُ في أنْفُسِهِمْ تَرَقُّبَ مُكاشَفَتِهِ عَلى كَذِبِهِمْ فَإنَّ صاحِبَ الكَيْدِ كَثِيرُ الظُّنُونِ (﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]) .
والتَّحَسُّسُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ: شِدَّةُ التَّطَلُّبِ والتَّعَرُّفِ، وهو أعَمُّ مِنَ التَّجَسُّسِ بِالجِيمِ فَهو التَّطَلُّبُ مَعَ اخْتِفاءٍ وتَسَتُّرٍ.
والرَّوْحُ بِفَتْحِ الرّاءِ: النَّفَسُ بِفَتْحِ الفاءِ اسْتُعِيرَ لِكَشْفِ الكَرْبِ؛ لِأنَّ الكَرْبَ والهَمَّ يُطْلَقُ عَلَيْهِما الغَمُّ وضِيقُ النَّفَسِ وضِيقُ الصَّدْرِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ التَّنَفُّسُ والتَّرَوُّحُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، ومِنهُ اسْتِعارَةُ قَوْلِهِمْ: تَنَفَّسَ الصُّبْحُ إذا زالَتْ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ.
صفحة ٤٦
وفِي خِطابِهِمْ بِوَصْفِ البُنُوَّةِ مِنهُ تَرْقِيقٌ لَهم وتَلَطُّفٌ لِيَكُونَ أبْعَثَ عَلى الِامْتِثالِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ اليَأْسِ، فَمَوْقِعُ إنَّ التَّعْلِيلُ. والمَعْنى: لا تَيْأسُوا مِنَ الظَّفَرِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَلِّينَ بِطُولِ مُدَّةِ البُعْدِ الَّتِي يَبْعُدُ مَعَها اللِّقاءُ عادَةً. فَإنَّ اللَّهَ إذا شاءَ تَفْرِيجَ كُرْبَةٍ هَيَّأ لَها أسْبابَها، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِأنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ لا يُحِيلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَحَقُّهُ أنْ يَأْخُذَ في سَبَبِهِ ويَعْتَمِدَ عَلى اللَّهِ في تَيْسِيرِهِ، وأمّا القَوْمُ الكافِرُونَ بِاللَّهِ فَهم يَقْتَصِرُونَ عَلى الأُمُورِ الغالِبَةِ في العادَةِ ويُنْكِرُونَ غَيْرَها.
وقَرَأ البَزِّيُّ بِخُلْفٍ عَنْهُ (ولا تَأْيَسُوا) و(إنَّهُ لا يَأْيَسُ) بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ الثّانِيَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (فَلَمّا اسْتَيْئَسُوا مِنهُ) .
يوسف 12:88
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى كَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ فارْتَحَلُوا إلى مِصْرَ بِقَصْدِ اسْتِطْلاقِ بِنْيامِينَ مِن عَزِيزِ مِصْرَ ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى التَّحَسُّسِ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَوَصَلُوا مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلى يُوسُفَ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ إلَخْ. . .
وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا وجْهُ دُعائِهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوَصْفِ العَزِيزِ.
وأرادُوا بِمَسِّ الضُّرِّ إصابَتَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ إطْلاقُ مَسِّ الضُّرِّ عَلى الإصابَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
والبِضاعَةُ تَقَدَّمَتْ آنِفًا. والمُزْجاةُ: القَلِيلَةُ الَّتِي لا يُرْغَبُ فِيها فَكَأنَّ صاحِبَها يُزْجِيها، أيْ يَدْفَعُها بِكُلْفَةٍ لِيَقْبَلَها المَدْفُوعَةُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِها مالٌ
صفحة ٤٧
قَلِيلٌ لِلِامْتِيارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ (﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾)، وطَلَبُوا التَّصَدُّقَ مِنهُ تَعْرِيضًا بِإطْلاقِ أخِيهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنهُ إذْ صارَ مَمْلُوكًا لَهُ كَما تَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ التَّصَدُّقَ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:89
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
يوسف 12:90
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
يوسف 12:91
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
يوسف 12:92
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
يوسف 12:93
﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
و(هَلْ) مُفِيدَةٌ لِلتَّحْقِيقِ لِأنَّها بِمَعْنى (قَدْ) في الِاسْتِفْهامِ، فَهو تَوْبِيخٌ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مُحَقَّقًا مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخِيهِ، أيْ أفْعالَهُمُ الذَّمِيمَةَ بِقَرِينَةِ التَّوْبِيخِ، وهي بِالنِّسْبَةِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحَةٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى بِنْيامِينَ فَهي ما كانُوا يُعامِلُونَهُ بِهِ مَعَ أخِيهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإهانَةِ الَّتِي تُنافِيها الأُخُوَّةُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ ذَلِكَ الزَّمَنَ زَمَنَ جَهالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾) .
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ صَلُحَ حالُهم مِن بَعْدُ، وذَلِكَ إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إنْ كانَ صارَ نَبِيًّا أوْ بِالفِراسَةِ لِأنَّهُ لَمّا رَآهم حَرِيصِينَ عَلى رَغَباتِ أبِيهِمْ في طَلَبِ
صفحة ٤٨
فِداءِ بِنْيامِينَ حِينَ أُخِذَ في حُكْمِ تُهْمَةِ السَّرِقَةِ وفي طَلَبِ سَراحِهِ في هَذا المَوْقِفِ مَعَ الإلْحاحِ في ذَلِكَ وكانَ يَعْرِفُ مِنهم مُعاكَسَةَ أبِيهِمْ في شَأْنِ بِنْيامِينَ عَلِمَ أنَّهم ثابُوا إلى صَلاحٍ.
وإنَّما كاشَفَهم بِحالِهِ الآنَ؛ لِأنَّ الِاطِّلاعَ عَلى حالِهِ يَقْتَضِي اسْتِجْلابَ أبِيهِ وأهْلِهِ إلى السُّكْنى بِأرْضِ وِلايَتِهِ، وذَلِكَ كانَ مُتَوَقِّفًا عَلى أشْياءَ لَعَلَّها لَمْ تَتَهَيَّأْ إلّا حِينَئِذٍ. وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] فَقَدْ صارَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَدَّ مَكِينٍ عِنْدَ فِرْعَوْنَ.
وفِي الإصْحاحِ ٤٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِإخْوَتِهِ حِينَئِذٍ وهو أيِ اللَّهُ قَدْ جَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِكُلِّ بَيْتِهِ ومُتَسَلِّطًا عَلى كُلِّ أرْضِ مِصْرَ. فالظّاهِرُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي أطْلَقَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السِّجْنِ وجَعَلَهُ عَزِيزَ مِصْرَ قَدْ تُوُفِّيَ وخَلَفَهُ ابْنٌ لَهُ فَحَجَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصارَ لِلْمَلِكِ الشّابِّ بِمَنزِلَةِ الأبِ، وصارَ مُتَصَرِّفًا بِما يُرِيدُ، فَرَأى الحالَ مُساعِدًا لِجَلْبِ عَشِيرَتِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ.
ولا تُعْرَفُ أسْماءُ مُلُوكِ مِصْرَ في هَذا الزَّمَنِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ المَمْلَكَةَ أيّامَئِذٍ كانَتْ مُنْقَسِمَةً إلى مَمْلَكَتَيْنِ: إحْداهُما مُلُوكُها مِنَ القِبْطِ وهُمُ المُلُوكُ الَّذِينَ يُقَسِّمُهُمُ المُؤَرِّخُونَ الإفْرِنْجُ إلى العائِلاتِ الخامِسَةَ عَشْرَةَ، والسّادِسَةَ عَشْرَةَ، والسّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبَعْضِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ.
والمَمْلَكَةُ الثّانِيَةُ مُلُوكُها مِنَ الهُكْسُوسِ. ويُقالُ لَهُمُ: العَمالِقَةُ أوِ الرُّعاةُ وهم عَرَبٌ.
ودامَ هَذا الِانْقِسامُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وإحْدى عَشْرَةَ سَنَةً ٢٢١٤ قَبْلَ المَسِيحِ إلى سَنَةِ ١٧٠٣ قَبْلَ المَسِيحِ.
وقَوْلُهم (﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَشْعَرُوا مِن كَلامِهِ ثُمَّ مِن مَلامِحِهِ ثُمَّ مِن تَفَهُّمِ قَوْلِ أبِيهِمْ لَهم ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] إذْ قَدِ اتَّضَحَ لَهُمُ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ مِن كَلامِهِ فَعَرَفُوا أنَّهُ يَتَكَلَّمُ مُرِيدًا نَفْسَهُ.
صفحة ٤٩
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ وضَمِيرِ الفَصْلِ لِشِدَّةِ تَحَقُّقِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأُدْخِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ لِأنَّهم تَطَلَّبُوا تَأْيِيدَهُ لِعِلْمِهِمْ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ إنَّكَ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمُرادُ لازِمُ فائِدَةِ الخَبَرِ، أيْ عَرَفْناكَ. ألا تَرى أنَّ جَوابَهُ بِـ أنا يُوسُفُ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهم كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ فَلَمْ يَبْقَ إلّا تَأْيِيدُهُ لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿وهَذا أخِي﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُما بَعْدَ طُولِ الفُرْقَةِ، فَجُمْلَةُ (﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿وهَذا أخِي﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾) . فَيُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّقى اللَّهَ وصَبَرَ وبِنْيامِينُ صَبَرَ ولَمْ يَعْصِ اللَّهَ فَكانَ تَقِيًّا. أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْلِيمَهم وسائِلَ التَّعَرُّضِ إلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى، وحَثَّهم عَلى التَّقْوى والتَّخَلُّقِ بِالصَّبْرِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَمْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِيهِ وفي أخِيهِ ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى إيثارِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِن أفانِينِ الخَطابَةِ أنْ يَغْتَنِمَ الواعِظُ الفُرْصَةَ لِإلْقاءِ المَوْعِظَةِ، وهي فُرْصَةُ تَأثُّرِ السّامِعِ وانْفِعالِهِ وظُهُورِ شَواهِدِ صِدْقِ الواعِظِ في مَوْعِظَتِهِ.
وذِكْرُ المُحْسِنِينَ وضْعٌ لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم. فَعَدَلَ عَنْهُ إلى المُحْسِنِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الإحْسانِ، ولِلتَّعْمِيمِ في الحُكْمِ لِيَكُونَ كالتَّذْيِيلِ، ويَدْخُلَ في عُمُومِهِ هو وأخُوهُ.
ثُمَّ إنَّ هَذا في مَقامِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ، وإظْهارُ المَوْعِظَةِ سائِغٌ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنِّي لَأتْقاكم لِلَّهِ وأعْلَمُكم بِهِ» .
صفحة ٥٠
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ بِالعَطاءِ. وصِيغَةُ اليَمِينِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ، وهي عِلْمُهم ويَقِينُهم بِأنَّ ما نالَهُ هو تَفْضِيلٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهم عَرَفُوا مَرْتَبَتَهُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ تَحْصِيلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُهُ. والمُرادُ: الإيثارُ في الدُّنْيا بِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ.
واعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ إذْ قالُوا (﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾)، والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، أيِ الجَرِيمَةِ، فَنَفَعَتْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ.
ولِذَلِكَ أعْلَمَهم بِأنَّ الذَّنْبَ قَدْ غُفِرَ فَرُفِعَ عَنْهُمُ الذَّمُّ فَقالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكم.
والتَّثْرِيبُ: التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. والظّاهِرُ أنَّ مُنْتَهى الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ عَلَيْكم؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ مِمّا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ فَيُبْنى عَلى الِاخْتِصارِ فَيَكْتَفِي بِـ (﴿لا تَثْرِيبَ﴾) مِثْلَ قَوْلِهِمْ: لا باسَ، وقَوْلُهُ تَعالى (﴿لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]) .
وزِيادَةُ (عَلَيْكم) لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ سَقْيًا ورَعْيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (اليَوْمَ) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾) . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أعْلَمَهم بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم في تِلْكَ السّاعَةِ لِأنَّها ساعَةُ تَوْبَةٍ، فالذَّنْبُ مَغْفُورٌ لِإخْبارِ اللَّهِ في شَرائِعِهِ السّالِفَةِ دُونَ احْتِياجٍ إلى وحْيٍ سِوى أنَّ الوَحْيَ لِمَعْرِفَةِ إخْلاصِ تَوْبَتِهِمْ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمَنِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم في أوَّلِ سُورَةِ العُقُودِ.
وقَوْلُهُ (﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْطاهم قَمِيصًا، فَلَعَلَّهُ جَعَلَ قَمِيصَهُ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى حَياتِهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ مُصْطَلَحًا عَلَيْهِ بَيْنَهُما. وكانَ لِلْعائِلاتِ في النِّظامِ القَدِيمِ عَلاماتٌ يَصْطَلِحُونَ عَلَيْها ويَحْتَفِظُونَ بِها لِتَكُونَ وسائِلَ لِلتَّعارُفِ بَيْنَهم عِنْدَ الفِتَنِ والِاغْتِرابِ، إذْ كانَتْ تَعْتَرِيهِمْ حَوادِثُ الفَقْدِ والفِراقِ بِالغَزْوِ والغاراتِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ، وتِلْكَ العَلاماتُ مِن لِباسٍ ومِن كَلِماتٍ يَتَعارَفُونَ بِها وهي الشِّعارُ، ومِن عَلاماتٍ في البَدَنِ وشاماتٍ.
صفحة ٥١
وفائِدَةُ إرْسالِهِ إلى أبِيهِ القَمِيصَ أنْ يَثِقَ أبُوهُ بِحَياتِهِ ووُجُودِهِ في مِصْرَ، فَلا يَظُنُّ الدَّعْوَةَ إلى قُدُومِهِ مَكِيدَةً مِن مَلِكِ مِصْرَ. ولِقَصْدِ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لَهُ.
والأظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ فِيما يُبَلِّغُونَهُ إلى أبِيهِمْ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَلْبِهِ فَإنَّ قُمْصانَ المُلُوكِ والكُبَراءِ تُنْسَجُ إلَيْهِمْ خِصِّيصًا ولا تُوجَدُ أمْثالُها عِنْدَ النّاسِ وكانَ المُلُوكُ يَخْلَعُونَها عَلى خاصَّتِهِمْ، فَجَعَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إرْسالَ قَمِيصِهِ عَلامَةً لِأبِيهِ عَلى صِدْقِ إخْوَتِهِ أنَّهم جاءُوا مِن عِنْدِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِ صِدْقٍ.
ومِنَ البَعِيدِ ما قِيلَ: إنَّ القَمِيصَ كانَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّ قَمِيصَ يُوسُفَ قَدْ جاءَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى أبِيهِمْ حِينَ جاءُوا عَلَيْهِ بِدَمٍ كَذِبٍ.
وأمّا إلْقاءُ القَمِيصِ عَلى وجْهِ أبِيهِ فَلِقَصْدِ المُفاجَأةِ بِالبُشْرى لِأنَّهُ كانَ لا يُبْصِرُ مِن بَعِيدٍ فَلا يَتَبَيَّنُ رِفْعَةَ القَمِيصِ إلّا مِن قُرْبٍ.
وأمّا كَوْنُهُ يَصِيرُ بَصِيرًا فَحَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ فَبَشَّرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ الحِينِ. ولَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُبِّئَ ساعَتَئِذٍ.
وأُدْمِجَ الأمْرُ بِالإتْيانِ بِأبِيهِ في ضِمْنِ تَبْشِيرِهِ بِوُجُودِهِ إدْماجًا بَلِيغًا إذْ قالَ (﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾) ثُمَّ قالَ ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾ لِقَصْدِ صِلَةِ أرْحامِ عَشِيرَتِهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتْ عَشِيرَةُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ سِتًّا وسَبْعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ.
يوسف 12:94
صفحة ٥٢
﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] التَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا وارْتَحَلُوا في عِيرٍ.
ومَعْنى فَصَلَتِ: ابْتَعَدَتْ عَنِ المَكانِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعِيرُ تَقَدَّمَ آنِفًا، وهي العِيرُ الَّتِي أقْبَلُوا فِيها مِن فِلَسْطِينَ.
ووِجْدانُ يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْهامٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ بِشارَةً لَهُ إذْ ذَكَّرَهُ بِشَمِّهِ الرِّيحَ الَّذِي ضَمَّخَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ إخْوَتِهِ وهَذا مِن صِنْفِ الوَحْيِ بِدُونِ كَلامِ مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] .
والرِّيحُ: الرّائِحَةُ، وهي ما يَعْبَقُ مِن طِيبٍ تُدْرِكُهُ حاسَّةُ الشَّمِّ.
وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (أنْ) واللّامِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِـ (﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾) .
وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ، أيْ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَتَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ.
والتَّفْنِيدُ: النِّسْبَةُ لِلْفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو اخْتِلالُ العَقْلِ مِنَ الخَوْفِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ وبَقِيَتِ الكِسْرَةُ.
والَّذِينَ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ هُمُ الحاضِرُونَ مِن أهْلِهِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِظُهُورِ المُرادِ مِنهم ولَيْسُوا أبْناءَهُ لِأنَّهم كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ.
صفحة ٥٣
والضَّلالُ: البُعْدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازٌ في قُوَّةِ الِاتِّصافِ والتَّلَبُّسِ وأنَّهُ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. والمَعْنى: أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ في التَّلَبُّسِ بِتَطَلُّبِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ. أرادُوا طَمَعَهُ في لِقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وكانَ خِطابُهم إيّاهُ بِهَذا مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الخُشُونَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ أدَبُ عَشِيرَتِهِ مُنافِيًا لِذَلِكَ في عُرْفِهِمْ.
و(أنْ) في قَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ووُقُوعُ (أنْ) بَعْدَ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقُ هَذِهِ الكَرامَةِ الحاصِلَةِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها خارِقُ عادَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (أنْ) في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ داعٍ لِلتَّأْكِيدِ.
والبَشِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفَعِّلٍ، أيِ المُبَشِّرُ مِثْلَ السَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
والتَّبْشِيرُ: المُبادَرَةُ بِإبْلاغِ الخَبَرِ المُسِرِّ بِقَصْدِ إدْخالِ السُّرُورِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ. وهَذا البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ العِيرِ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن يُخْبِرُ أباهُ بِخَبَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
وارْتَدَّ: رَجَعَ، وهو افْتِعالٌ مُطاوِعُ رَدَّهُ، أيْ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ قُوَّةَ بَصَرِهِ كَرامَةً لَهُ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ وخارِقَةً لِلْعادَةِ. وقَدْ أشَرْتُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] .
يوسف 12:95
صفحة ٥٢
﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ قالَ أبُوهم إنِّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ ألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ [يوسف: ٩٦] التَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا وارْتَحَلُوا في عِيرٍ.
ومَعْنى فَصَلَتِ: ابْتَعَدَتْ عَنِ المَكانِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعِيرُ تَقَدَّمَ آنِفًا، وهي العِيرُ الَّتِي أقْبَلُوا فِيها مِن فِلَسْطِينَ.
ووِجْدانُ يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلْهامٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ بِشارَةً لَهُ إذْ ذَكَّرَهُ بِشَمِّهِ الرِّيحَ الَّذِي ضَمَّخَ بِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ خُرُوجِهِ مَعَ إخْوَتِهِ وهَذا مِن صِنْفِ الوَحْيِ بِدُونِ كَلامِ مَلَكٍ مُرْسَلٍ، وهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] .
والرِّيحُ: الرّائِحَةُ، وهي ما يَعْبَقُ مِن طِيبٍ تُدْرِكُهُ حاسَّةُ الشَّمِّ.
وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (أنْ) واللّامِ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِـ (﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾) .
وجَوابُ (لَوْلا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ، أيْ لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِي لَتَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ.
والتَّفْنِيدُ: النِّسْبَةُ لِلْفَنَدِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو اخْتِلالُ العَقْلِ مِنَ الخَوْفِ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ وبَقِيَتِ الكِسْرَةُ.
والَّذِينَ ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ هُمُ الحاضِرُونَ مِن أهْلِهِ ولَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُهم لِظُهُورِ المُرادِ مِنهم ولَيْسُوا أبْناءَهُ لِأنَّهم كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلَيْهِ.
صفحة ٥٣
والضَّلالُ: البُعْدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازٌ في قُوَّةِ الِاتِّصافِ والتَّلَبُّسِ وأنَّهُ كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. والمَعْنى: أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ في التَّلَبُّسِ بِتَطَلُّبِ شَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ. أرادُوا طَمَعَهُ في لِقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوا ذَلِكَ بِالقَدِيمِ لِطُولِ مُدَّتِهِ، وكانَتْ مُدَّةُ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْ أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ سَنَةً. وكانَ خِطابُهم إيّاهُ بِهَذا مُشْتَمِلًا عَلى شَيْءٍ مِنَ الخُشُونَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ أدَبُ عَشِيرَتِهِ مُنافِيًا لِذَلِكَ في عُرْفِهِمْ.
و(أنْ) في قَوْلِهِ (﴿فَلَمّا أنْ جاءَ البَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ. ووُقُوعُ (أنْ) بَعْدَ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ.
وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيقُ هَذِهِ الكَرامَةِ الحاصِلَةِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها خارِقُ عادَةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِـ (أنْ) في نَظائِرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ داعٍ لِلتَّأْكِيدِ.
والبَشِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفَعِّلٍ، أيِ المُبَشِّرُ مِثْلَ السَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ
والتَّبْشِيرُ: المُبادَرَةُ بِإبْلاغِ الخَبَرِ المُسِرِّ بِقَصْدِ إدْخالِ السُّرُورِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ [التوبة: ٢١] في سُورَةِ بَراءَةَ. وهَذا البَشِيرُ هو يَهُوذا بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيِ العِيرِ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن يُخْبِرُ أباهُ بِخَبَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ
وارْتَدَّ: رَجَعَ، وهو افْتِعالٌ مُطاوِعُ رَدَّهُ، أيْ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ قُوَّةَ بَصَرِهِ كَرامَةً لَهُ ولِيُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ وخارِقَةً لِلْعادَةِ. وقَدْ أشَرْتُ إلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] .
يوسف 12:96
صفحة ٥٤
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.
وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
يوسف 12:97
صفحة ٥٤
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.
وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
يوسف 12:98
صفحة ٥٤
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّيَ أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّيَ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتِ القَوْلَ. ولِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ قالَ مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ، وكانَ بَقِيَّةُ أبْنائِهِ قَدْ دَخَلُوا فَخاطَبَهم بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَبَيَّنَ لَهم مُجْمَلَ كَلامِهِ الَّذِي أجابَهم بِهِ حِينَ قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ إلَخْ.
وقَوْلُهُمُ (﴿اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾) تَوْبَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنْبِ، فَسَألُوا أباهم أنْ يَطْلُبَ لَهُمُ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما وعَدَهم بِالِاسْتِغْفارِ في المُسْتَقْبَلِ إذْ قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُلازِمُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لَهم في الحالِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهم إلى عِظَمِ الذَّنَبِ وعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ سَيُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ لَهم في أزْمِنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ. وقِيلَ: أخَّرَ الِاسْتِغْفارَ لَهم إلى ساعَةٍ هي مَظِنَّةُ الإجابَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا أنَّهُ أخَّرَ إلى لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، رَواهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في رِفْعَةِ نَظَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ (﴿أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾)، وأكَّدَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
يوسف 12:99
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
صفحة ٥٥
طَوى ذِكْرَ سَفَرِهِمْ مِن بِلادِهِمْ إلى دُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَيْسَ فِيهِ مِنَ العِبَرِ شَيْءٌ.
وأبَواهُ أحَدُهُما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمّا الآخَرُ فالصَّحِيحُ أنَّ أُمَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي راحِيلُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ ولَدَتْ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأبَوانِ عَلى الأبِ وزَوْجِ الأبِ وهي لِيئَةُ خالَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي الَّتِي تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ والتَّنْزِيلِ. وإعادَةُ اسْمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ بُعْدِ المُعادِ.
وقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ دِعائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) لِكَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ حِينَئِذٍ. فالأمْرُ في ادْخُلُوا لِلدُّعاءِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم.
والمَقْصُودُ: تَقْيِيدُ الدُّخُولِ بِـ (آمِنِينَ) وهو مَناطُ الدُّعاءِ.
والأمْنُ: حالَةُ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ وراحَةِ البالِ وانْتِفاءِ الخَوْفِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ، وهو يَجْمَعُ جَمِيعَ الأحْوالِ الصّالِحَةِ لِلْإنْسانِ مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالُوا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا إنَّهُ جَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جَمِيعَ ما يُطْلَبُ لِخَيْرِ البَلَدِ.
وجُمْلَةُ (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ كالِاحْتِراسِ في الدُّعاءِ الوارِدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وهو لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ، فَوُقُوعُهُ في الوَعْدِ والعَزْمِ والدُّعاءِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ
صفحة ٥٦
التَّسْمِيَةِ في أوَّلِ الكَلامِ ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ النَّهْيُ عَنْهُ في الحَدِيثِ: أنْ «لا يَقُولَ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ»؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّعاءِ المُخاطَبِ بِهِ اللَّهُ صَراحَةً. وجُمْلَةُ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (ادْخُلُوا) والحالِ مِن ضَمِيرِها.
والعَرْشُ: سَرِيرٌ لِلْقُعُودِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى سُوقٍ، وفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الجالِسَ مِنَ الِاتِّكاءِ. والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ تَعْظِيمًا لِلذّاتِ أوْ لِصُورَتِها أوْ لِذِكْرِها، قالَ الأعْشى:
فَلَمّا أتانا بُعَيْدَ الكَرى سَجَدْنا لَهُ ورَفَعْنا العَمارا
وفِعْلُهُ قاصِرٌ فَيُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ كَما في الآيَةِ.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ والسُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ.
والَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا هم أبَواهُ وإخْوَتُهُ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ وهم أحَدَ عَشَرَ وهم: رُوبِينُ، وسَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، ورِبُولُونُ، وجادٌ، وأشِيرُ، ودانِ، ونَفْتالِي، وبِنْيامِينُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، تَعْبِيرُهُما أبَواهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وراحِيلُ.
وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعًا في الشَّرائِعِ وإنَّما مَنَعَهُ الإسْلامُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى مُساواةِ النّاسِ في العُبُودِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ. ولِذَلِكَ فَلا يُعَدُّ قَبُولُهُ السُّجُودَ مِن أبِيهِ عُقُوقًا لِأنَّهُ لا غَضاضَةَ عَلَيْهِما مِنهُ إذْ هو عادَتُهم.
والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وخَرُّوا) حالِيَّةً؛ لِأنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.
و(سُجَّدًا) حالٌ مُبَيِّنَةٌ؛ لِأنَّ الخُرُورَ يَقَعُ بِكَيْفِيّاتٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٥٧
والإشارَةُ في قَوْلِهِ (﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾) إشارَةٌ إلى سُجُودِ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هو مِصْداقَ رُؤْياهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ وأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا سُجَّدًا لَهُ.
وتَأْوِيلُ الرُّؤْيا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]) .
ومَعْنى (﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾) أنَّها كانَتْ مِنَ الأخْبارِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي يُكاشِفُ بِها العَقْلُ الحَوادِثَ المُغَيَّبَةَ عَنِ الحِسِّ، أيْ ولَمْ يَجْعَلْها باطِلًا مِن أضْغاثِ الأحْلامِ النّاشِئَةِ عَنْ غَلَبَةِ الأخْلاطِ الغِذائِيَّةِ أوِ الِانْحِرافاتِ الدِّماغِيَّةِ.
ومَعْنى (﴿أحْسَنَ بِي﴾) أحْسَنَ إلَيَّ. يُقالُ: أحْسَنَ بِهِ وأحْسَنَ إلَيْهِ، مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ. وقِيلَ: هو بِتَضْمِينِ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ. وباءُ بِي لِلْمُلابَسَةِ أيْ جَعَلَ إحْسانَهُ مُلابِسًا لِي، وخَصَّ مِن إحْسانِ اللَّهِ إلَيْهِ دُونَ مُطْلَقِ الحُضُورِ لِلِامْتِيارِ أوِ الزِّيادَةِ إحْسانَيْنِ هُما يَوْمَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ ومَجِيءِ عَشِيرَتِهِ مِنَ البادِيَةِ.
فَإنَّ (إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ لِفِعْلِ (أحْسَنَ) فَهي بِإضافَتِها إلى ذَلِكَ الفِعْلِ اقْتَضَتْ وُقُوعَ إحْسانٍ غَيْرِ مَعْدُودٍ، فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ زَمَنَ ثُبُوتِ بَراءَتِهِ مِنَ الإثْمِ الَّذِي رَمَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ وتِلْكَ مِنَّةٌ، وزَمَنَ خَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ فَإنَّ السَّجْنَ عَذابُ النَّفْسِ بِالِانْفِصالِ عَنِ الأصْدِقاءِ والأحِبَّةِ، وبِخُلْطَةِ مَن لا يُشاكِلُونَهُ، وبِشَغْلِهِ عَنْ خَلْوَةِ نَفْسِهِ بِتَلَقِّي الآدابِ الإلَهِيَّةِ، وكانَ أيْضًا زَمَنَ إقْبالِ المَلِكِ عَلَيْهِ. وأمّا مَجِيءُ أهْلِهِ فَزَوالُ ألَمٍ نَفْسانِيٍّ بِوَحْشَتِهِ في الِانْفِرادِ عَنْ قَرابَتِهِ وشَوْقِهِ إلى لِقائِهِمْ، فَأفْصَحَ بِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، ومَجِيءِ أهْلِهِ مِنَ البَدْوِ إلى حَيْثُ هو مَكِينٌ قَوِيٌّ.
وأشارَ إلى مَصائِبِهِ السّابِقَةِ مِنَ الإبْقاءِ في الجُبِّ، ومُشاهَدَةِ مَكْرِ إخْوَتِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي، فَكَلِمَةُ (بَعْدِ) اقْتَضَتْ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ انْقَضى أثَرُهُ - وقَدْ ألَمَّ - بِهِ إجْمالًا اقْتِصارًا عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ وإعْراضًا عَنِ التَّذْكِيرِ بِتِلْكَ الحَوادِثِ المُكَدِّرَةِ لِلصِّلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إخْوَتِهِ فَمَرَّ بِها مَرَّ الكِرامِ وباعَدَها عَنْهم بِقَدْرِ الإمْكانِ إذْ ناطَها بِنَزْغِ الشَّيْطانِ.
صفحة ٥٨
والمَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾) نِعْمَةٌ، فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ تَعالى وهو مَجِيئُهم بِقَصْدِ الِاسْتِيطانِ حَيْثُ هو.
والبَدْوُ: ضِدُّ الحَضَرِ، سُمِّيَ بَدْوًا؛ لِأنَّ سُكّانَهُ بادُونَ، أيْ ظاهِرُونَ لِكُلِّ وارِدٍ، إذْ لا تَحْجُبُهم جُدْرانٌ ولا تُغْلَقُ عَلَيْهِمْ أبْوابٌ. وذِكْرُ (﴿مِنَ البَدْوِ﴾) إظْهارٌ لِتَمامِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ أهْلِ البادِيَةِ إلى المَدِينَةِ ارْتِقاءٌ في الحَضارَةِ.
والنَّزْغُ: مَجازٌ في إدْخالِ الفَسادِ في النَّفْسِ. شُبِّهَ بِنَزْغِ الرّاكِبِ الدّابَّةَ وهو نَخْسُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِها وتَعْلِيمِ مَضْمُونِها.
واللُّطْفُ: تَدْبِيرُ المُلائِمِ. وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ عَلى تَقْدِيرِ لَطِيفٌ لِأجْلِ ما يَشاءُ اللُّطْفُ بِهِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، قالَ تَعالى اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى اللُّطْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا أوْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِلتَّقْوِيَةِ.
وتَفْسِيرُ العَلِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(الحَكِيمُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] أواسِطَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
يوسف 12:100
﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وقَدْ أحْسَنَ بِيَ إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
صفحة ٥٥
طَوى ذِكْرَ سَفَرِهِمْ مِن بِلادِهِمْ إلى دُخُولِهِمْ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَيْسَ فِيهِ مِنَ العِبَرِ شَيْءٌ.
وأبَواهُ أحَدُهُما يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأمّا الآخَرُ فالصَّحِيحُ أنَّ أُمَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي راحِيلُ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ ولَدَتْ بِنْيامِينَ، ولِذَلِكَ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أُطْلِقَ الأبَوانِ عَلى الأبِ وزَوْجِ الأبِ وهي لِيئَةُ خالَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي الَّتِي تَوَلَّتْ تَرْبِيَتَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ والتَّنْزِيلِ. وإعادَةُ اسْمِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأجْلِ بُعْدِ المُعادِ.
وقَوْلُهُ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ جُمْلَةٌ دِعائِيَّةٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) لِكَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ حِينَئِذٍ. فالأمْرُ في ادْخُلُوا لِلدُّعاءِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم.
والمَقْصُودُ: تَقْيِيدُ الدُّخُولِ بِـ (آمِنِينَ) وهو مَناطُ الدُّعاءِ.
والأمْنُ: حالَةُ اطْمِئْنانِ النَّفْسِ وراحَةِ البالِ وانْتِفاءِ الخَوْفِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ، وهو يَجْمَعُ جَمِيعَ الأحْوالِ الصّالِحَةِ لِلْإنْسانِ مِنَ الصِّحَّةِ والرِّزْقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالُوا في دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا إنَّهُ جَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جَمِيعَ ما يُطْلَبُ لِخَيْرِ البَلَدِ.
وجُمْلَةُ (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ كالِاحْتِراسِ في الدُّعاءِ الوارِدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ وهو لِمُجَرَّدِ التَّيَمُّنِ، فَوُقُوعُهُ في الوَعْدِ والعَزْمِ والدُّعاءِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ
صفحة ٥٦
التَّسْمِيَةِ في أوَّلِ الكَلامِ ولَيْسَ هو مِنَ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ النَّهْيُ عَنْهُ في الحَدِيثِ: أنْ «لا يَقُولَ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ، فَإنَّهُ لا مُكْرِهَ لَهُ»؛ لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّعاءِ المُخاطَبِ بِهِ اللَّهُ صَراحَةً. وجُمْلَةُ (﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (ادْخُلُوا) والحالِ مِن ضَمِيرِها.
والعَرْشُ: سَرِيرٌ لِلْقُعُودِ فَيَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى سُوقٍ، وفِيهِ سَعَةٌ تُمَكِّنُ الجالِسَ مِنَ الِاتِّكاءِ. والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ تَعْظِيمًا لِلذّاتِ أوْ لِصُورَتِها أوْ لِذِكْرِها، قالَ الأعْشى:
فَلَمّا أتانا بُعَيْدَ الكَرى سَجَدْنا لَهُ ورَفَعْنا العَمارا
وفِعْلُهُ قاصِرٌ فَيُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ كَما في الآيَةِ.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ والسُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى الأرْضِ.
والَّذِينَ خَرُّوا سُجَّدًا هم أبَواهُ وإخْوَتُهُ كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ وهم أحَدَ عَشَرَ وهم: رُوبِينُ، وسَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ويَساكِرُ، ورِبُولُونُ، وجادٌ، وأشِيرُ، ودانِ، ونَفْتالِي، وبِنْيامِينُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، تَعْبِيرُهُما أبَواهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وراحِيلُ.
وكانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعًا في الشَّرائِعِ وإنَّما مَنَعَهُ الإسْلامُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى مُساواةِ النّاسِ في العُبُودِيَّةِ والمَخْلُوقِيَّةِ. ولِذَلِكَ فَلا يُعَدُّ قَبُولُهُ السُّجُودَ مِن أبِيهِ عُقُوقًا لِأنَّهُ لا غَضاضَةَ عَلَيْهِما مِنهُ إذْ هو عادَتُهم.
والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (وخَرُّوا) حالِيَّةً؛ لِأنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، عَلى أنَّ الواوَ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.
و(سُجَّدًا) حالٌ مُبَيِّنَةٌ؛ لِأنَّ الخُرُورَ يَقَعُ بِكَيْفِيّاتٍ كَثِيرَةٍ.
صفحة ٥٧
والإشارَةُ في قَوْلِهِ (﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾) إشارَةٌ إلى سُجُودِ أبَوَيْهِ وإخْوَتِهِ لَهُ هو مِصْداقَ رُؤْياهُ الشَّمْسَ والقَمَرَ وأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا سُجَّدًا لَهُ.
وتَأْوِيلُ الرُّؤْيا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦]) .
ومَعْنى (﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾) أنَّها كانَتْ مِنَ الأخْبارِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي يُكاشِفُ بِها العَقْلُ الحَوادِثَ المُغَيَّبَةَ عَنِ الحِسِّ، أيْ ولَمْ يَجْعَلْها باطِلًا مِن أضْغاثِ الأحْلامِ النّاشِئَةِ عَنْ غَلَبَةِ الأخْلاطِ الغِذائِيَّةِ أوِ الِانْحِرافاتِ الدِّماغِيَّةِ.
ومَعْنى (﴿أحْسَنَ بِي﴾) أحْسَنَ إلَيَّ. يُقالُ: أحْسَنَ بِهِ وأحْسَنَ إلَيْهِ، مِن غَيْرِ تَضْمِينِ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ. وقِيلَ: هو بِتَضْمِينِ (أحْسَنَ) مَعْنى لَطَفَ. وباءُ بِي لِلْمُلابَسَةِ أيْ جَعَلَ إحْسانَهُ مُلابِسًا لِي، وخَصَّ مِن إحْسانِ اللَّهِ إلَيْهِ دُونَ مُطْلَقِ الحُضُورِ لِلِامْتِيارِ أوِ الزِّيادَةِ إحْسانَيْنِ هُما يَوْمَ أخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ ومَجِيءِ عَشِيرَتِهِ مِنَ البادِيَةِ.
فَإنَّ (إذْ) ظَرْفُ زَمانٍ لِفِعْلِ (أحْسَنَ) فَهي بِإضافَتِها إلى ذَلِكَ الفِعْلِ اقْتَضَتْ وُقُوعَ إحْسانٍ غَيْرِ مَعْدُودٍ، فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ كانَ زَمَنَ ثُبُوتِ بَراءَتِهِ مِنَ الإثْمِ الَّذِي رَمَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ وتِلْكَ مِنَّةٌ، وزَمَنَ خَلاصِهِ مِنَ السَّجْنِ فَإنَّ السَّجْنَ عَذابُ النَّفْسِ بِالِانْفِصالِ عَنِ الأصْدِقاءِ والأحِبَّةِ، وبِخُلْطَةِ مَن لا يُشاكِلُونَهُ، وبِشَغْلِهِ عَنْ خَلْوَةِ نَفْسِهِ بِتَلَقِّي الآدابِ الإلَهِيَّةِ، وكانَ أيْضًا زَمَنَ إقْبالِ المَلِكِ عَلَيْهِ. وأمّا مَجِيءُ أهْلِهِ فَزَوالُ ألَمٍ نَفْسانِيٍّ بِوَحْشَتِهِ في الِانْفِرادِ عَنْ قَرابَتِهِ وشَوْقِهِ إلى لِقائِهِمْ، فَأفْصَحَ بِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِنَ السِّجْنِ، ومَجِيءِ أهْلِهِ مِنَ البَدْوِ إلى حَيْثُ هو مَكِينٌ قَوِيٌّ.
وأشارَ إلى مَصائِبِهِ السّابِقَةِ مِنَ الإبْقاءِ في الجُبِّ، ومُشاهَدَةِ مَكْرِ إخْوَتِهِ بِهِ بِقَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي، فَكَلِمَةُ (بَعْدِ) اقْتَضَتْ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ انْقَضى أثَرُهُ - وقَدْ ألَمَّ - بِهِ إجْمالًا اقْتِصارًا عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ وإعْراضًا عَنِ التَّذْكِيرِ بِتِلْكَ الحَوادِثِ المُكَدِّرَةِ لِلصِّلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ إخْوَتِهِ فَمَرَّ بِها مَرَّ الكِرامِ وباعَدَها عَنْهم بِقَدْرِ الإمْكانِ إذْ ناطَها بِنَزْغِ الشَّيْطانِ.
صفحة ٥٨
والمَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وجاءَ بِكم مِنَ البَدْوِ﴾) نِعْمَةٌ، فَأسْنَدَهُ إلى اللَّهِ تَعالى وهو مَجِيئُهم بِقَصْدِ الِاسْتِيطانِ حَيْثُ هو.
والبَدْوُ: ضِدُّ الحَضَرِ، سُمِّيَ بَدْوًا؛ لِأنَّ سُكّانَهُ بادُونَ، أيْ ظاهِرُونَ لِكُلِّ وارِدٍ، إذْ لا تَحْجُبُهم جُدْرانٌ ولا تُغْلَقُ عَلَيْهِمْ أبْوابٌ. وذِكْرُ (﴿مِنَ البَدْوِ﴾) إظْهارٌ لِتَمامِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ أهْلِ البادِيَةِ إلى المَدِينَةِ ارْتِقاءٌ في الحَضارَةِ.
والنَّزْغُ: مَجازٌ في إدْخالِ الفَسادِ في النَّفْسِ. شُبِّهَ بِنَزْغِ الرّاكِبِ الدّابَّةَ وهو نَخْسُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِها وتَعْلِيمِ مَضْمُونِها.
واللُّطْفُ: تَدْبِيرُ المُلائِمِ. وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ عَلى تَقْدِيرِ لَطِيفٌ لِأجْلِ ما يَشاءُ اللُّطْفُ بِهِ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، قالَ تَعالى اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى اللُّطْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا أوْ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِلتَّقْوِيَةِ.
وتَفْسِيرُ العَلِيمِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(الحَكِيمُ) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] أواسِطَ سُورَةِ البَقَرَةِ.
يوسف 12:101
صفحة ٥٩
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ أعْقَبَ ذِكْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَوَجُّهِهِ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ بِالِاعْتِرافِ بِأعْظَمِ نِعَمِ الدُّنْيا والنِّعْمَةِ العُظْمى في الآخِرَةِ، فَذَكَرَ ثَلاثَ نِعَمٍ: اثْنَتانِ دُنْيَوِيَّتانِ وهُما: نِعْمَةُ الوِلايَةِ عَلى الأرْضِ ونِعْمَةُ العِلْمِ، والثّالِثَةُ أُخْرَوِيَّةٌ وهي نِعْمَةُ الدِّينِ الحَقِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالإسْلامِ.
وجَعَلَ الَّذِي أُوتِيَهُ بَعْضًا مِنَ المُلْكِ ومِنَ التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ ما أُوتِيَهُ بَعْضٌ مِن جِنْسِ المُلْكِ وبَعْضٌ مِنَ التَّأْوِيلِ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ في جانِبِ مُلْكِ اللَّهِ وفي جانِبِ عِلْمِهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ. وعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ بِالمُلْكِ التَّصَرُّفَ العَظِيمَ الشَّبِيهَ بِتَصَرُّفِ المَلِكِ إذْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي يُسَيِّرُ المُلْكَ بِرَأْيِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُلْكِ حَقِيقَتُهُ ويَكُونُ التَّبْعِيضُ حَقِيقِيًّا، أيْ آتَيْتَنِي بَعْضَ المُلْكِ؛ لِأنَّ المُلْكَ مَجْمُوعُ تَصَرُّفاتٍ في أمْرِ الرَّعِيَّةِ، وكانَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ الحَظُّ الأوْفَرُ، وكَذَلِكَ تَأْوِيلُ الأحادِيثِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى تَأْوِيلِ الأحادِيثِ
عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وفاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ نِداءٌ مَحْذُوفٌ حَرْفُ نِدائِهِ. والفاطِرُ: الخالِقُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والوَلِيُّ: النّاصِرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿أنْتَ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ في إنْشاءِ الدُّعاءِ وإنْ أمْكَنَ حَمْلُهُ عَلى الإخْبارِ بِالنِّسْبَةِ لِوِلايَةِ الدُّنْيا، قِيلَ لِإثْباتِهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِوِلايَةِ الآخِرَةِ. فالمَعْنى: كُنْ ولِيِّي في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
صفحة ٦٠
وأشارَ بِقَوْلِهِ (﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾) إلى النِّعْمَةِ العُظْمى وهي نِعْمَةُ الدِّينِ الحَقِّ، فَإنَّ طَلَبَ تَوَفِّيهِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ يَقْتَضِي أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالدِّينِ الحَقِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالإسْلامِ مِنَ الآنِ، فَهو يَسْألُ الدَّوامَ عَلَيْهِ إلى الوَفاةِ.
والمُسْلِمُ: الَّذِي اتَّصَفَ بِالإسْلامِ، وهو الدِّينُ الكامِلُ، وهو ما تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإلْحاقُ: حَقِيقَتُهُ جَعْلُ الشَّيْءِ لاحِقًا، أيْ مُدْرِكًا مَن سَبَقَهُ في السَّيْرِ. وأُطْلِقَ هُنا مَجازًا عَلى المَزِيدِ في عِدادِ قَوْمٍ.
والصّالِحُونَ: المُتَّصِفُونَ بِالصَّلاحِ، وهو التِزامُ الطّاعَةِ. وأرادَ بِهِمُ الأنْبِياءَ. فَإنْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا فَدُعاؤُهُ لِطَلَبِ الدَّوامِ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ نُبِّئَ فِيما بَعْدُ فَهو دُعاءٌ بِحُصُولِهِ، وقَدْ صارَ نَبِيًّا بَعْدُ ورَسُولًا.
يوسف 12:102
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ عِنْدَ انْتِهائِها.
والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَوادِثِ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ. واسْمُ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ الأنْباءِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِتَتَمَكَّنَ مِن عُقُولِ السّامِعِينَ لِما فِيها مِنَ المَواعِظِ.
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ غابَ فَسُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي لا يُشاهَدُ. وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ (نُوحِيهِ) لِأجْلِ مُراعاةِ اسْمِ الإشارَةِ.
صفحة ٦١
وضَمائِرُ ﴿لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ عائِدَةٌ إلى كُلِّ مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ، يَشْمَلُ إخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ والسَّيّارَةَ، وامْرَأةَ العَزِيزِ، ونِسْوَتَها.
و﴿أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ تَفْسِيرُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] .
والمَكْرُ تَقَدَّمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِخْلاصٌ لِمَواضِعِ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ. وفِيها مِنَّةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ، وتَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَنْبِيهِهِمْ لِإعْجازِ القُرْآنِ مِنَ الجانِبِ العِلْمِيِّ، فَإنَّ صُدُورَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ الأُمِّيِّ آيَةٌ كُبْرى عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
وكانَ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إذْ هي تَمامُ التَّعْجِيبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (أجْمَعُوا)، وأُتِيَ (يَمْكُرُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ.
يوسف 12:103
﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ انْتِقالٌ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ إلى العِبْرَةِ بِتَصْمِيمِ المُشْرِكِينَ عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] بِاعْتِبارِ إفادَتِها أنَّ هَذا القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ داعِيًا سامِعِيهِ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ . ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ
صفحة ٦٢
يَكُونُ مُطْمِعًا في إيمانِهِمْ عُقِّبَ بِإعْلامِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يُؤْمِنُونَ.
و(النّاسِ) يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ جِنْسِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ناسٌ مُعَيَّنُونَ وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها، فَيَكُونُ عُمُومًا عُرْفِيًّا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ (ما) وخَبَرِها.
(ولَوْ) هَذِهِ وصْلِيَّةٌ، وهي الَّتِي تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها هو أقْصى الأسْبابِ لِجَوابِها. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجَوابُ (لَوْ) هو ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْها أوْ دَلِيلُ الجَوابِ.
والحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ ومُعاوَدَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ إلى آخِرِها بِاعْتِبارِ ما أفادَتْهُ مِنَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِ أكْثَرِهِمْ، أيْ لا يَسُوءُكَ عَدَمُ إيمانِهِمْ فَلَسْتَ تَبْتَغِي أنْ يَكُونَ إيمانُهم جَزاءً عَلى التَّبْلِيغِ بَلْ إيمانُهم لِفائِدَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] .
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وما تَسْألُهُمْ﴾ عائِدٌ إلى النّاسِ، أيِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ .
وجُمْلَةُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لا لِتَحْصِيلِ أجْرِ مُبَلِّغِهِ.
وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
يوسف 12:104
﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ انْتِقالٌ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ إلى العِبْرَةِ بِتَصْمِيمِ المُشْرِكِينَ عَلى التَّكْذِيبِ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] بِاعْتِبارِ إفادَتِها أنَّ هَذا القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ داعِيًا سامِعِيهِ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ . ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ
صفحة ٦٢
يَكُونُ مُطْمِعًا في إيمانِهِمْ عُقِّبَ بِإعْلامِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ أكْثَرَهم لا يُؤْمِنُونَ.
و(النّاسِ) يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى جَمِيعِ جِنْسِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ناسٌ مُعَيَّنُونَ وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها، فَيَكُونُ عُمُومًا عُرْفِيًّا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اسْمِ (ما) وخَبَرِها.
(ولَوْ) هَذِهِ وصْلِيَّةٌ، وهي الَّتِي تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها هو أقْصى الأسْبابِ لِجَوابِها. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجَوابُ (لَوْ) هو ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ مُقَدَّمٌ عَلَيْها أوْ دَلِيلُ الجَوابِ.
والحِرْصُ: شِدَّةُ الطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ شَيْءٍ ومُعاوَدَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ إلى آخِرِها بِاعْتِبارِ ما أفادَتْهُ مِنَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِ أكْثَرِهِمْ، أيْ لا يَسُوءُكَ عَدَمُ إيمانِهِمْ فَلَسْتَ تَبْتَغِي أنْ يَكُونَ إيمانُهم جَزاءً عَلى التَّبْلِيغِ بَلْ إيمانُهم لِفائِدَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] .
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وما تَسْألُهُمْ﴾ عائِدٌ إلى النّاسِ، أيِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ .
وجُمْلَةُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ ما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لا لِتَحْصِيلِ أجْرِ مُبَلِّغِهِ.
وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] .
يوسف 12:105
صفحة ٦٣
﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، أيْ لَيْسَ إعْراضُهم عَنْ آيَةِ حُصُولِ العِلْمِ لِلْأُمِّيِّ بِما في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَحَسْبُ بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ آياتٍ كَثِيرَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ.
و(كَأيِّنْ) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ المُبْهَمِ يُبَيِّنُهُ تَمْيِيزٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِن)، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والآيَةُ: العَلامَةُ. والمُرادُ هُنا الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الإشْراكِ بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يَرَوْنَها، والمُرُورُ مَجازٌ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ التَّحَقُّقِ والمُشاهَدَةِ إذْ لا يَصِحُّ حَمْلُ المُرُورِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِآياتِ السَّماواتِ، فالمُرُورُ هُنا كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .
وضَمِيرُ (يَمُرُّونَ) عائِدٌ إلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
وجُمْلَةُ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَمُرُّونَ) أيْ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُ النّاسِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ. والمُرادُ بِـ أكْثَرُ النّاسِ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ. وهَذا إبْطالٌ لِما يَزْعُمُونَهُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وبِأنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ كالعَدَمِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا في تَشْرِيكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، فَجُمْلَةُ وهم مُشْرِكُونَ حالٌ مِن (أكْثَرُهم)، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَشْنِيعُ حالِهِمْ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ
صفحة ٦٤
بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ. وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ لِأنَّهم قَدْ تَصْدُرُ عَنْهم أقْوالٌ خَلِيَّةٌ عَنْ ذِكْرِ الشَّرِيكِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ بَعْضًا مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ غَيْرَ مُشْرِكٍ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ.
يوسف 12:106
صفحة ٦٣
﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، أيْ لَيْسَ إعْراضُهم عَنْ آيَةِ حُصُولِ العِلْمِ لِلْأُمِّيِّ بِما في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَحَسْبُ بَلْ هم مُعْرِضُونَ عَنْ آياتٍ كَثِيرَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ.
و(كَأيِّنْ) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ المُبْهَمِ يُبَيِّنُهُ تَمْيِيزٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِن)، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والآيَةُ: العَلامَةُ. والمُرادُ هُنا الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الإشْراكِ بَعْدَها.
ومَعْنى ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يَرَوْنَها، والمُرُورُ مَجازٌ مَكْنِيٌّ بِهِ عَنِ التَّحَقُّقِ والمُشاهَدَةِ إذْ لا يَصِحُّ حَمْلُ المُرُورِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِآياتِ السَّماواتِ، فالمُرُورُ هُنا كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .
وضَمِيرُ (يَمُرُّونَ) عائِدٌ إلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
وجُمْلَةُ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَمُرُّونَ) أيْ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُ النّاسِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ. والمُرادُ بِـ أكْثَرُ النّاسِ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ. وهَذا إبْطالٌ لِما يَزْعُمُونَهُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وبِأنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ كالعَدَمِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ إلّا في تَشْرِيكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ.
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، فَجُمْلَةُ وهم مُشْرِكُونَ حالٌ مِن (أكْثَرُهم)، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَشْنِيعُ حالِهِمْ. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَبِيلِ تَأْكِيدِ الشَّيْءِ
صفحة ٦٤
بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ. وإسْنادُ هَذا الحُكْمِ إلى أكْثَرِهِمْ بِاعْتِبارِ أكْثَرِ أحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ لِأنَّهم قَدْ تَصْدُرُ عَنْهم أقْوالٌ خَلِيَّةٌ عَنْ ذِكْرِ الشَّرِيكِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ بَعْضًا مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ غَيْرَ مُشْرِكٍ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ.
يوسف 12:107
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اعْتِراضٌ بِالتَّفْرِيعِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَتانِ قَبْلَهُ مِن تَفْظِيعِ حالِهِمْ وجُرْأتِهِمْ عَلى خالِقِهِمْ والِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ دُونَ إقْلاعٍ. فَكَأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنْ تَوَقُّعِ حُصُولِ غَضَبِ اللَّهِ بِهِمْ آمِنُونَ أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِهِ في الدُّنْيا أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً فَتَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّوْبَةِ ويَصِيرُونَ إلى العَذابِ الخالِدِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ.
والغَشْيُ والغَشَيانُ: الإحاطَةُ مِن كُلِّ جانِبٍ ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾ [لقمان: ٣٢]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والغاشِيَةُ: الحادِثَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالنّاسِ. والعَرَبُ يُؤَنِّثُونَ هَذِهِ الحَوادِثَ مِثْلَ الطّامَّةِ والصّاخَّةِ والدّاهِيَةِ والمُصِيبَةِ والكارِثَةِ والحادِثَةِ والواقِعَةِ والحاقَّةِ.
والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١] في آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ.
يوسف 12:108
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِيَ أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ نُزُولِ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّبِيِّء ﷺ الأُمِّيِّ عَلى صِدْقِ نُبُوءَتِهِ وصِدْقِهِ فِيما جاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ إلى
صفحة ٦٥
الِاعْتِبارِ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسَّبِيلِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِإبْلاغِها إلى المَطْلُوبِ وهو الفَوْزُ الخالِدُ كَإبْلاغِ الطَّرِيقِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ لِلسّائِرِ. وهي اسْتِعارَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ.
والسَّبِيلُ يُؤَنَّثُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويُذَكَّرُ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] في سُورَةِ الأعْرافِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ.
والإشارَةُ إلى الشَّرِيعَةِ بِتَنْزِيلِ المَعْقُولِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ لِبُلُوغِهِ مِنَ الوُضُوحِ لِلْعُقُولِ حَدًّا لا يَخْفى فِيهِ إلّا عَمَّنْ لا يُعَدُّ مُدْرِكًا. وما في جُمْلَةِ ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ مِنِ الإبْهامِ قَدْ فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ .
والبَصِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ، وهي الحُجَّةُ الواضِحَةُ، والمَعْنى: أدْعُو إلى اللَّهِ بِبَصِيرَةٍ مُتَمَكِّنًا مِنها. ووَصْفُ الحُجَّةِ بِبَصِيرَةٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والبَصِيرُ: صاحِبُ الحُجَّةِ لِأنَّهُ بِها صارَ بَصِيرًا بِالحَقِيقَةِ. ومِثْلُهُ وصْفُ الآيَةِ بِمُبْصِرَةٍ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: ١٣]، وبِعَكْسِهِ يُوصَفُ الخَفاءُ بِالعَمى كَقَوْلِهِ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [هود: ٢٨] .
وضَمِيرُ (أنا) تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في (أدْعُو) . أُتِيَ بِهِ لِتَحْسِينِ العَطْفِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وهو تَحْسِينٌ واجِبٌ في اللُّغَةِ.
وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مَأْمُورُونَ بِأنْ يَدْعُوا إلى الإيمانِ بِما يَسْتَطِيعُونَ. وقَدْ قامُوا بِذَلِكَ
صفحة ٦٦
بِوَسائِلِ بَثِّ القُرْآنِ وأرْكانِ الإسْلامِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وقَدْ كانَتِ الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ في صَدْرِ زَمانِ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ واجِبًا عَلى الأعْيانِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً» أيْ بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ. ثُمَّ لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ وبَلَغَتْ دَعْوَتُهُ الأسْماعَ صارَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ واجِبًا عَلى الكِفايَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآيَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ وسُبْحانَ اللَّهِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ﴾، أيْ أدْعُو إلى اللَّهِ وأُنَزِّهُهُ. وسُبْحانَ: مَصْدَرُ التَّسْبِيحِ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ لِلْمُبالَغَةِ.
والتَّقْدِيرُ: وأُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانًا، أيْ أدْعُو النّاسَ إلى تَوْحِيدِهِ وطاعَتِهِ وأُنَزِّهُهُ عَنِ النَّقائِصِ الَّتِي يُشْرِكُ بِها المُشْرِكُونَ مِنِ ادِّعاءِ الشُّرَكاءِ، والوَلَدِ، والصّاحِبَةِ.
وجُمْلَةُ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها لِأنَّها تَعُمُّ ما تَضَمَّنَتْهُ.
يوسف 12:109
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُنْجِي مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] إلَخْ. هاتانِ الآيَتانِ مُتَّصِلٌ مَعْناهُما بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] الآيَةَ، فَإنَّ تِلْكَ الآي تَضَمَّنَتِ الحُجَّةَ
صفحة ٦٧
عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَهم بِهِ، وتَضَمَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا غَيْرُ مُصَدِّقِينَهُ عِنادًا وإعْراضًا عَنْ آياتِ الصِّدْقِ. فالمَعْنى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فَلِماذا يَجْعَلُ المُشْرِكُونَ نُبُوءَتَكَ أمْرًا مُسْتَحِيلًا فَلا يُصَدِّقُونَ بِها مَعَ ما قارَنَها مِن آياتِ الصِّدْقِ فَيَقُولُونَ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وهَلْ كانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ السّابِقُونَ إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ فَبِماذا امْتازُوا عَلَيْكَ. فَسَلَّمَ المُشْرِكُونَ بِبَعْثَتِهِمْ وتَحَدَّثُوا بِقِصَصِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوءَتَكَ.
وراءَ هَذا مَعْنًى آخَرُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِاسْتِواءِ أحْوالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما لَقُوهُ مِن أقْوامِهِمْ فَهو وعِيدٌ بِاسْتِواءِ العاقِبَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
و(مِن قَبْلِكَ) يَتَعَلَّقُ بِـ (أرْسَلْنا) فَـ (مِن) لِابْتِداءِ الأزْمِنَةِ فَصارَ ماصَدَقَ القَبْلِ الأزْمِنَةَ السّابِقَةَ. أيْ مِن أوَّلِ أزْمِنَةِ الإرْسالِ. ولَوْلا وُجُودُ (مِن) لَكانَ (قَبْلِكَ) في مَعْنى الصِّفَةِ لِلْمُرْسَلِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ الإرْسالِ.
والرِّجالُ: اسْمُ جِنْسٍ جامِدٌ لا مَفْهُومَ لَهُ. وأُطْلِقَ هُنا مُرادًا بِهِ أُناسًا كَقَوْلِهِ ﷺ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ» . أيْ إنْسانٌ أوْ شَخْصٌ. فَلَيْسَ المُرادُ الِاحْتِرازَ عَنِ المَرْأةِ. واخْتِيرَ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِمُطابَقَتِهِ الواقِعَ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلًا مِنَ النِّساءِ لِحِكْمَةِ قَبُولِ قِيادَتِهِمْ في نُفُوسِ الأقْوامِ إذِ المَرْأةُ مُسْتَضْعَفَةٌ عِنْدَ الرِّجالِ دُونَ العَكْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ حِينَ تَنَبَّأتْ سِجاحِ:
أضْحَتْ نَبِيئَتُنا أُنْثى نُطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ النّاسِ ذُكْرانا
ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ وأنَّهم مِن أهْلِ القُرى لِقَصْدِ الِاحْتِرازِ عَنِ النِّساءِ ومِن أهْلِ البادِيَةِ ولَكِنَّهُ لِبَيانِ المُماثَلَةِ بَيْنَ مَن سَلَّمُوا بِرِسالَتِهِمْ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالُوا ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] . أيْ فَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ حَتّى تُبادِرُوا بِإنْكارِ رِسالَتِهِ وتُعْرِضُوا عَنِ النَّظَرِ في آياتِهِ.
صفحة ٦٨
فالقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَكَ مَلائِكَةً أوْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ المُدُنِ الكَبِيرَةِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ إرْسالِ رَسُولٍ مِن أهْلِ البادِيَةِ مِثْلَ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ، ويَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ ساكِنًا في البَدْوِ كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى) بِتَحْتِيَّةٍ وبِفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ بِنُونٍ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ والنُّونُ نُونُ العَظَمَةِ.
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا مِنَ الأُسْوَةِ، أيْ فَكَذَّبَهم أقْوامُهم مِن قَبْلِ قَوْمِكَ مِثْلَ ما كَذَّبَكَ قَوْمُكَ وكانَتْ عاقِبَتُهُمُ العِقابَ، أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الأقْوامِ السّابِقِينَ، أيْ فَيَنْظُرُوا آثارَ آخِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الهَلاكِ والعَذابِ، فَيَعْلَمُ قَوْمُكَ أنَّ عاقِبَتَهم عَلى قِياسِ عاقِبَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ قَبْلَهم، فَضَمِيرُ يَسِيرُوا عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الدّالِّ عَلَيْهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، فَإنَّ مَجْمُوعَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم سارُوا في الأرْضِ فَرَأوْا عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ. وهَذا التَّفْرِيعُ اعْتِراضٌ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
و(كَيْفَ) اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ عَنْ مَفْعُولِهِ.
وجُمْلَةُ ولَدارُ الآخِرَةِ خَبَرٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الِاعْتِراضِ فَلَها حُكْمُهُ، وهو اعْتِراضٌ بِالتَّبْشِيرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وهو تَعْرِيضٌ بِسَلامَةِ عاقِبَةِ المُتَّقِينَ في الدُّنْيا، وتَعْرِيضٌ أيْضًا بِأنَّ دارَ الآخِرَةِ أشَدُّ أيْضًا عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ العاقِبَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا فَحَصَلَ إيجازٌ بِحَذْفِ جُمْلَتَيْنِ.
وإضافَةُ دارٍ إلى آخِرَةٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلَ: «يا نِساءَ المُسْلِماتِ» في الحَدِيثِ.
صفحة ٦٩
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ المُعانِدِينَ لَمّا جَرى ذِكْرُهم وتَكَرَّرَ صارُوا كالحاضِرِينَ فالتُفِتْ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ.
و(حَتّى) مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّها حُجَّةٌ عَلى المُكَذِّبِينَ، فَتَقْدِيرُ المَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فَكَذَّبَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَهو يَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ تُبَيِّنُ الزَّمانَ، وجُمْلَةُ (اسْتَيْئَسَ) مُضافٌ إلَيْها (إذا)، وجُمْلَةُ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ جَوابُ (إذا)؛ لِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في المَعْنى هو المَقْصُودُ مِن جَلْبِ (إذا) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ. والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُ المُرادِ بِـ (رِجالًا)، فالتَّعْرِيفُ في الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ وهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإعْطاءِ الكَلامِ اسْتِقْلالًا بِالدَّلالَةِ اهْتِمامًا بِالجُمْلَةِ.
وآذَنَ حَرْفُ الغايَةِ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا بِما قُصِدَ بِها مِن مَعْنى قَصْدِ الأُسْوَةِ بِسَلَفِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى: فَدامَ تَكْذِيبُهم وإعْراضُهم وتَأخَّرَ تَحْقِيقُ ما أنْذَرُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ حَتّى اطْمَأنُّوا بِالسَّلامَةِ وسَخِرُوا بِالرُّسُلِ وأيِسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ.
و(اسْتَيْئَسَ) مُبالَغَةٌ في يَئِسَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .
وتَقَدَّمَ أيْضًا قِراءَةُ البَزِّيِّ بِخِلافٍ عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ. فَهَذِهِ أرْبَعُ كَلِماتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ خالَفَ فِيها البَزِّيُّ رِوايَةً عَنْهُ.
صفحة ٧٠
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أكُذِّبُوا أمْ كُذِبُوا أيْ بِالخَفِيفِ أمْ بِالشَّدِّ، قالَتْ: كُذِّبُوا أيْ بِالشَّدِّ قالَ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ فَهي قَدْ كُذِبُوا أيْ بِالتَّخْفِيفِ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّها وإنَّما هم أتْباعُ الَّذِينَ آمَنُوا وصَدَّقُوا فَطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ مَن كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ، وظَنَّتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ أتْباعَهم مُكَذِّبُوهُمُ اهـ. وهَذا الكَلامُ مِن عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَأْيٌ لَها في التَّفْسِيرِ وإنْكارُها أنْ تَكُونَ كُذِّبُوا مُخَفَّفَةً إنْكارٌ يَسْتَنِدُ بِما يَبْدُو مِن عَوْدِ الضَّمائِرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الرُّسُلُ، وذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، ولَمْ تَكُنْ عائِشَةُ قَدْ بَلَغَتْها رِوايَةُ كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ.
وتَفْرِيعُ فَنُنْجِي مَن نَشاءُ عَلى ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾؛ لِأنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو تَأْيِيدُهم بِعِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم بِنُزُولِ العَذابِ وهو البَأْسُ، فَيُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولا يَرُدُّ البَأْسَ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ. والبَأْسُ: هو عَذابُ المُجْرِمِينَ الَّذِي هو نَصْرُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والقَوْمُ المُجْرِمُونَ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فَنُنْجِي بِنُونَيْنِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ مُضارِعَ أنْجى. و(مَن نَشاءُ) مَفْعُولُ نُنْجِي، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ فَنُجِّيَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَكْسُورَةً وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ ماضِي نَجّى المُضاعَفِ بُنِيَ لِلنّائِبِ، وعَلَيْهِ فَـ (مَن نَشاءُ) هو نائِبُ الفاعِلِ، والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي في نُجِّيَ والمُضارِعِ في نَشاءُ احْتِباكٌ تَقْدِيرُهُ فَنُجِّيَ مَن شِئْنا مِمَّنْ نَجا في القُرُونِ السّالِفَةِ ونُنْجِي مَن نَشاءُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ.
يوسف 12:110
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُنْجِي مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ﴾ [يوسف: ١٠٣] إلَخْ. هاتانِ الآيَتانِ مُتَّصِلٌ مَعْناهُما بِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [يوسف: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وقَوْلِهِ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] الآيَةَ، فَإنَّ تِلْكَ الآي تَضَمَّنَتِ الحُجَّةَ
صفحة ٦٧
عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَهم بِهِ، وتَضَمَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا غَيْرُ مُصَدِّقِينَهُ عِنادًا وإعْراضًا عَنْ آياتِ الصِّدْقِ. فالمَعْنى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ قَدِيمَةٌ فَلِماذا يَجْعَلُ المُشْرِكُونَ نُبُوءَتَكَ أمْرًا مُسْتَحِيلًا فَلا يُصَدِّقُونَ بِها مَعَ ما قارَنَها مِن آياتِ الصِّدْقِ فَيَقُولُونَ ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وهَلْ كانَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ السّابِقُونَ إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ فَبِماذا امْتازُوا عَلَيْكَ. فَسَلَّمَ المُشْرِكُونَ بِبَعْثَتِهِمْ وتَحَدَّثُوا بِقِصَصِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوءَتَكَ.
وراءَ هَذا مَعْنًى آخَرُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِاسْتِواءِ أحْوالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما لَقُوهُ مِن أقْوامِهِمْ فَهو وعِيدٌ بِاسْتِواءِ العاقِبَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ.
و(مِن قَبْلِكَ) يَتَعَلَّقُ بِـ (أرْسَلْنا) فَـ (مِن) لِابْتِداءِ الأزْمِنَةِ فَصارَ ماصَدَقَ القَبْلِ الأزْمِنَةَ السّابِقَةَ. أيْ مِن أوَّلِ أزْمِنَةِ الإرْسالِ. ولَوْلا وُجُودُ (مِن) لَكانَ (قَبْلِكَ) في مَعْنى الصِّفَةِ لِلْمُرْسَلِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ الإرْسالِ.
والرِّجالُ: اسْمُ جِنْسٍ جامِدٌ لا مَفْهُومَ لَهُ. وأُطْلِقَ هُنا مُرادًا بِهِ أُناسًا كَقَوْلِهِ ﷺ: «ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالِيًا فَفاضَتْ عَيْناهُ» . أيْ إنْسانٌ أوْ شَخْصٌ. فَلَيْسَ المُرادُ الِاحْتِرازَ عَنِ المَرْأةِ. واخْتِيرَ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِمُطابَقَتِهِ الواقِعَ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رُسُلًا مِنَ النِّساءِ لِحِكْمَةِ قَبُولِ قِيادَتِهِمْ في نُفُوسِ الأقْوامِ إذِ المَرْأةُ مُسْتَضْعَفَةٌ عِنْدَ الرِّجالِ دُونَ العَكْسِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ حِينَ تَنَبَّأتْ سِجاحِ:
أضْحَتْ نَبِيئَتُنا أُنْثى نُطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ النّاسِ ذُكْرانا
ولَيْسَ تَخْصِيصُ الرِّجالِ وأنَّهم مِن أهْلِ القُرى لِقَصْدِ الِاحْتِرازِ عَنِ النِّساءِ ومِن أهْلِ البادِيَةِ ولَكِنَّهُ لِبَيانِ المُماثَلَةِ بَيْنَ مَن سَلَّمُوا بِرِسالَتِهِمْ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ قالُوا ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] . أيْ فَما كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ حَتّى تُبادِرُوا بِإنْكارِ رِسالَتِهِ وتُعْرِضُوا عَنِ النَّظَرِ في آياتِهِ.
صفحة ٦٨
فالقَصْرُ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَكَ مَلائِكَةً أوْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ المُدُنِ الكَبِيرَةِ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى نَفْيِ إرْسالِ رَسُولٍ مِن أهْلِ البادِيَةِ مِثْلَ خالِدِ بْنِ سِنانٍ العَبْسِيِّ، ويَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كانَ ساكِنًا في البَدْوِ كَما تَقَدَّمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحى) بِتَحْتِيَّةٍ وبِفَتْحِ الحاءِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ بِنُونٍ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ والنُّونُ نُونُ العَظَمَةِ.
وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا مِنَ الأُسْوَةِ، أيْ فَكَذَّبَهم أقْوامُهم مِن قَبْلِ قَوْمِكَ مِثْلَ ما كَذَّبَكَ قَوْمُكَ وكانَتْ عاقِبَتُهُمُ العِقابَ، أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الأقْوامِ السّابِقِينَ، أيْ فَيَنْظُرُوا آثارَ آخِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الهَلاكِ والعَذابِ، فَيَعْلَمُ قَوْمُكَ أنَّ عاقِبَتَهم عَلى قِياسِ عاقِبَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ قَبْلَهم، فَضَمِيرُ يَسِيرُوا عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الدّالِّ عَلَيْهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، فَإنَّ مَجْمُوعَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم سارُوا في الأرْضِ فَرَأوْا عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ. وهَذا التَّفْرِيعُ اعْتِراضٌ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ.
و(كَيْفَ) اسْتِفْهامٌ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ عَنْ مَفْعُولِهِ.
وجُمْلَةُ ولَدارُ الآخِرَةِ خَبَرٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى الِاعْتِراضِ فَلَها حُكْمُهُ، وهو اعْتِراضٌ بِالتَّبْشِيرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومَن آمَنَ بِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وهو تَعْرِيضٌ بِسَلامَةِ عاقِبَةِ المُتَّقِينَ في الدُّنْيا، وتَعْرِيضٌ أيْضًا بِأنَّ دارَ الآخِرَةِ أشَدُّ أيْضًا عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ العاقِبَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا فَحَصَلَ إيجازٌ بِحَذْفِ جُمْلَتَيْنِ.
وإضافَةُ دارٍ إلى آخِرَةٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلَ: «يا نِساءَ المُسْلِماتِ» في الحَدِيثِ.
صفحة ٦٩
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ المُعانِدِينَ لَمّا جَرى ذِكْرُهم وتَكَرَّرَ صارُوا كالحاضِرِينَ فالتُفِتْ إلَيْهِمْ بِالخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ.
و(حَتّى) مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّها حُجَّةٌ عَلى المُكَذِّبِينَ، فَتَقْدِيرُ المَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فَكَذَّبَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ (إذا) اسْمُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَهو يَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ تُبَيِّنُ الزَّمانَ، وجُمْلَةُ (اسْتَيْئَسَ) مُضافٌ إلَيْها (إذا)، وجُمْلَةُ ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ جَوابُ (إذا)؛ لِأنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في المَعْنى هو المَقْصُودُ مِن جَلْبِ (إذا) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ. والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ غَيْرُ المُرادِ بِـ (رِجالًا)، فالتَّعْرِيفُ في الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ وهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإعْطاءِ الكَلامِ اسْتِقْلالًا بِالدَّلالَةِ اهْتِمامًا بِالجُمْلَةِ.
وآذَنَ حَرْفُ الغايَةِ بِمَعْنًى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا بِما قُصِدَ بِها مِن مَعْنى قَصْدِ الأُسْوَةِ بِسَلَفِهِ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى: فَدامَ تَكْذِيبُهم وإعْراضُهم وتَأخَّرَ تَحْقِيقُ ما أنْذَرُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ حَتّى اطْمَأنُّوا بِالسَّلامَةِ وسَخِرُوا بِالرُّسُلِ وأيِسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ قَوْمِهِمْ.
و(اسْتَيْئَسَ) مُبالَغَةٌ في يَئِسَ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .
وتَقَدَّمَ أيْضًا قِراءَةُ البَزِّيِّ بِخِلافٍ عَنْهُ بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ. فَهَذِهِ أرْبَعُ كَلِماتٍ في هَذِهِ السُّورَةِ خالَفَ فِيها البَزِّيُّ رِوايَةً عَنْهُ.
صفحة ٧٠
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أكُذِّبُوا أمْ كُذِبُوا أيْ بِالخَفِيفِ أمْ بِالشَّدِّ، قالَتْ: كُذِّبُوا أيْ بِالشَّدِّ قالَ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ فَهي قَدْ كُذِبُوا أيْ بِالتَّخْفِيفِ، قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ لَمْ يَكُنِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّها وإنَّما هم أتْباعُ الَّذِينَ آمَنُوا وصَدَّقُوا فَطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ واسْتَأْخَرَ النَّصْرُ حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن إيمانِ مَن كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ، وظَنَّتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّ أتْباعَهم مُكَذِّبُوهُمُ اهـ. وهَذا الكَلامُ مِن عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَأْيٌ لَها في التَّفْسِيرِ وإنْكارُها أنْ تَكُونَ كُذِّبُوا مُخَفَّفَةً إنْكارٌ يَسْتَنِدُ بِما يَبْدُو مِن عَوْدِ الضَّمائِرِ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الرُّسُلُ، وذَلِكَ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، ولَمْ تَكُنْ عائِشَةُ قَدْ بَلَغَتْها رِوايَةُ كُذِبُوا بِالتَّخْفِيفِ.
وتَفْرِيعُ فَنُنْجِي مَن نَشاءُ عَلى ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾؛ لِأنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هو تَأْيِيدُهم بِعِقابِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم بِنُزُولِ العَذابِ وهو البَأْسُ، فَيُنْجِي اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولا يَرُدُّ البَأْسَ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ. والبَأْسُ: هو عَذابُ المُجْرِمِينَ الَّذِي هو نَصْرُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والقَوْمُ المُجْرِمُونَ: الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ فَنُنْجِي بِنُونَيْنِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ وسُكُونِ الياءِ مُضارِعَ أنْجى. و(مَن نَشاءُ) مَفْعُولُ نُنْجِي، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ فَنُجِّيَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَكْسُورَةً وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ ماضِي نَجّى المُضاعَفِ بُنِيَ لِلنّائِبِ، وعَلَيْهِ فَـ (مَن نَشاءُ) هو نائِبُ الفاعِلِ، والجَمْعُ بَيْنَ الماضِي في نُجِّيَ والمُضارِعِ في نَشاءُ احْتِباكٌ تَقْدِيرُهُ فَنُجِّيَ مَن شِئْنا مِمَّنْ نَجا في القُرُونِ السّالِفَةِ ونُنْجِي مَن نَشاءُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المُكَذِّبِينَ.
يوسف 12:111
صفحة ٧١
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وهي تَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإشارَةِ في قَوْلِهِ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ مِنَ التَّعْجِيبِ، وما تَضَمَّنَهُ مَعْنى وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ مَعَ دَلالَةِ الأُمِّيَّةِ.
وهِيَ أيْضًا تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ لِلْجُمَلِ المُسْتَطْرَدِ بِها لِقَصْدِ الِاعْتِبارِ بِالقِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] .
فَلَها مَواقِعُ ثَلاثَةٌ عَجِيبَةٌ مِنَ النَّظْمِ المُعْجِزِ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (قَدْ) واللّامِ لِلتَّحْقِيقِ.
وأُولُو الألْبابِ: أصْحابُ العُقُولِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] في أواسِطِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعِبْرَةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِلِاعْتِبارِ، وهو التَّوَصُّلُ بِمَعْرِفَةِ المُشاهَدِ المَعْلُومِ إلى مَعْرِفَةِ الغائِبِ. وتُطْلَقُ العِبْرَةُ عَلى ما يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِبارُ المَذْكُورُ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ كَما هُنا. ومَعْنى كَوْنِ العِبْرَةِ في قِصَصِهِمْ أنَّها مَظْرُوفَةٌ فِيهِ ظَرْفِيَّةً مَجازِيَّةً، وهي ظَرْفِيَّةُ المَدْلُولِ في الدَّلِيلِ فَهي قارَّةٌ في قِصَصِهِمْ سَواءٌ اعْتَبَرَ بِها مَن وفِّقَ لِلِاعْتِبارِ أمْ لَمْ يَعْتَبِرْ لَها بَعْضُ النّاسِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ إلى آخِرِها تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، أيْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَصَصَ خَبَرُ صِدْقٍ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ وما هو بِقِصَّةٍ
صفحة ٧٢
مُخْتَرَعَةٍ. ووَجْهُ التَّعْلِيلِ أنَّ الِاعْتِبارَ بِالقِصَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَتْ خَبَرًا عَنْ أمْرٍ وقَعَ؛ لِأنَّ تَرَتُّبَ الآثارِ عَلى الواقِعاتِ تَرَتُّبٌ طَبِيعِيٌّ، فَمِن شَأْنِها أنْ تَتَرَتَّبَ أمْثالُها عَلى أمْثالِها كُلَّما حَصَلَتْ في الواقِعِ، ولِأنَّ حُصُولَها مُمْكِنٌ إذِ الخارِجُ لا يَقَعُ فِيهِ المُحالُ ولا النّادِرُ وذَلِكَ بِخِلافِ القِصَصِ المَوْضُوعَةِ بِالخَيالِ والتَّكاذِيبِ فَإنَّها لا يَحْصُلُ بِها اعْتِبارٌ لِاسْتِبْعادِ السّامِعِ وُقُوعَها؛ لِأنَّ أمْثالَها لا يُعْهَدُ، مِثْلَ مُبالَغاتِ الخُرافاتِ وأحادِيثِ الجِنِّ والغُولِ عِنْدَ العَرَبِ وقِصَّةِ رُسْتَمَ وأسْفَنْدِيارَ عِنْدَ العَجَمِ، فالسّامِعُ يَتَلَقّاها تَلَقِّيَ الفُكاهاتِ والخَيالاتِ اللَّذِيذَةِ ولا يَتَهَيَّأُ لِلِاعْتِبارِ بِها إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والِاحْتِمالِ وذَلِكَ لا تَحْتَفِظُ بِهِ النُّفُوسُ.
وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] فَكَما سَمّاهُ اللَّهُ أحْسَنَ القَصَصِ في أوَّلِ السُّورَةِ نَفى عَنْهُ الِافْتِراءَ في هَذِهِ الآيَةِ تَعْرِيضًا بِالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وأضْرابِهِ.
والِافْتِراءُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ.
والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ السّابِقَةُ. وضَمِيرُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ هَذِهِ القِصَصُ.
والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ. والمُرادُ بِـ (كُلِّ شَيْءٍ) الأشْياءُ الكَثِيرَةُ مِمّا يَرْجِعُ إلى الِاعْتِبارِ بِالقِصَصِ.
وإطْلاقُ الكُلِّ عَلى الكَثْرَةِ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والهُدى الَّذِي في القَصَصِ: العِبَرُ الباعِثَةُ عَلى الإيمانِ والتَّقْوى بِمُشاهَدَةِ ما جاءَ مِنَ الأدِلَّةِ في أثْناءِ القَصَصِ عَلى أنَّ المُتَصَرِّفَ هو اللَّهُ تَعالى، وعَلى أنَّ التَّقْوى هي أساسُ الخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ فَإنَّ في قِصَصِ أهْلِ الفَضْلِ
صفحة ٧٣
دَلالَةً عَلى رَحْمَةِ اللَّهِ لَهم وعِنايَتِهِ بِهِمْ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم بِاعْتِبارِهِمْ بِها يَأْتُونَ ويَذَرُونَ، فَتَصْلُحُ أحْوالُهم ويَكُونُونَ في اطْمِئْنانِ بالٍ، وذَلِكَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ في حَياتِهِمْ وسَبَبٌ لِرَحْمَتِهِ إيّاهم في الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
* * *
صفحة ٧٤
صفحة ٧٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الرَّعْدِ
هَكَذا سُمِّيَتْ مِن عَهْدِ السَّلَفِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها مُسَمّاةٌ بِذَلِكَ مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ إذْ لَمْ يَخْتَلِفُوا في اسْمِها.
وإنَّما سُمِّيَتْ بِإضافَتِها إلى الرَّعْدِ لِوُرُودِ ذِكْرِ الرَّعْدِ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ [الرعد: ١٣] . فَسُمِّيَتْ بِالرَّعْدِ؛ لِأنَّ الرَّعْدَ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةٍ مِثْلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها أوْ مُعْظَمُها. وإنَّما ذُكِرَ الرَّعْدُ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهي نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وإذا كانَتْ آياتُ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] مِمّا نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، كَما سَيَأْتِي، تَعَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ ورِوايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ وهو قَوْلُ قَتادَةَ. وعَنْ أبِي بِشْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] أيْ في آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ أهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ؟ فَقالَ: كَيْفَ وهَذِهِ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقَتادَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وجَمَعَ السُّيُوطِيُّ وغَيْرُهُ بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
صفحة ٧٦
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ المَدَنِيَّ فِيها كَثِيرٌ، وكُلُّ ما نَزَلْ في شَأْنِ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وأرْبَدَ بْنِ رَبِيعَةَ فَهو مَدَنِيٌّ.
وأقُولُ: أشْبَهُ آياتِها بِأنْ يَكُونَ مَدَنِيًّا قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] كَما سَتَعْلَمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: ٣٠] إلى (وإلَيْهِ مَتابِ) فَقَدْ قالَ مُقاتِلٌ وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ تَفْسِيرِها.
ومَعانِيها جارِيَةٌ عَلى أُسْلُوبِ مَعانِي القُرْآنِ المَكِّيِّ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وتَفْرِيعِ المُشْرِكِينَ وتَهْدِيدِهِمْ. والأسْبابُ الَّتِي أثارَتِ القَوْلَ بِأنَّها مَدَنِيَّةٌ أخْبارٌ واهِيَةٌ، وسَنَذْكُرُها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ ولا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً. ومِن آياتِها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وأُلْحِقَتْ بِها، فَإنَّ ذَلِكَ في بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ، فالَّذِينَ قالُوا: هي مَكِّيَّةٌ لَمْ يَذْكُرُوا مَوْقِعَها مِن تَرْتِيبِ المَكِّيّاتِ سِوى أنَّهم ذَكَرُوها بَعْدَ سُورَةِ يُوسُفَ وذَكَرُوا بَعْدَها سُورَةَ إبْراهِيمَ.
والَّذِينَ جَعَلُوها مَدَنِيَّةً عَدُّوها في النُّزُولِ بَعْدَ سُورَةِ القِتالِ وقَبْلَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ وعَدُّوها سابِعَةً وتِسْعِينَ في عِدادِ النُّزُولِ. وإذْ قَدْ كانَتْ سُورَةُ القِتالِ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ أوْ عامَ الفَتْحِ تَكُونُ سُورَةُ الرَّعْدِ بَعْدَها.
وعُدَّتْ آياتُها ثَلاثًا وأرْبَعِينَ مِنَ الكُوفِيِّينَ وأرْبَعًا وأرْبَعِينَ في عَدَدِ المَدَنِيِّينَ وخَمْسًا وأرْبَعِينَ عِنْدَ الشّامِ.
* * *
أُقِيمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى أساسِ إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن إفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والبَعْثِ وإبْطالِ أقْوالِ المُكَذِّبِينَ فَلِذَلِكَ تَكَرَّرَتْ حِكايَةُ أقْوالِهِمْ خَمْسَ مَرّاتٍ مُوَزَّعَةً عَلى السُّورَةِ بَدْءًا ونِهايَةً.
ومُهِّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ، والِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ
صفحة ٧٧
تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ خَلْقِ العالَمَيْنِ ونِظامِهِما الدّالِّ عَلى انْفِرادِهِ بِتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ وإدْماجِ الِامْتِنانِ لِما في ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ عَلى النّاسِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إلى أقْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ ومَزاعِمِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ.
وتَهْدِيدِهِمْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. والتَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلى النّاسِ. وإثْباتِ أنَّ اللَّهَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ آلِهَتِهِمْ. وأنَّ اللَّهَ العالِمَ بِالخَفايا وأنَّ الأصْنامَ لا تَعْلَمُ شَيْئًا ولا تُنْعِمُ بِنِعْمَةٍ.
والتَّهْدِيدِ بِالحَوادِثِ الجَوِّيَّةِ أنْ يَكُونَ مِنها عَذابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ كَما حَلَّ بِالأُمَمِ قَبْلَهم.
والتَّخْوِيفِ مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ قَرارٍ.
وبَيانِ مُكابَرَةِ المُشْرِكِينَ في اقْتِراحِهِمْ مَجِيءَ الآياتِ عَلى نَحْوِ مُقْتَرَحاتِهِمْ.
ومُقابَلَةِ ذَلِكَ بِيَقِينِ المُؤْمِنِينَ. وما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الخَيْرِ.
وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ ما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ إلّا كَما لَقِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِهِ.
والثَّناءِ عَلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكُتُبِ يُؤْمِنُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والإشارَةِ إلى حَقِيقَةِ القَدَرِ ومَظاهِرِ المَحْوِ والإثْباتِ. وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والعِبَرِ والأمْثالِ.