Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — هود 11:122 – يوسف 12:63
المحتويات
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:39
- يوسف 12:40
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:48
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:53
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:57
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
هود 11:122
﴿وقُلْ لِلَّذِينِ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] الآيَةَ؛ لِأنَّها لَمّا اشْتَمَلَتْ عَلى أنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أمَرَ بِأنْ يُخاطِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِما فِيها خِطابُ الآيِسِ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرى الَّذِي لا يَعْبَأُ بِإعْراضِهِمْ ولا يَصُدُّهُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ تَألُّبُهم عَلى باطِلِهِمْ ومُقاوَمَتُهُمُ الحَقَّ. فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَدِيلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] . وهَذا القَوْلُ مَأْمُورٌ أنْ يَقُولَهُ عَلى لِسانِهِ ولِسانِ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ هو نَظِيرُ ما حُكِيَ عَنْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ السُّورَةِ آنِفًا.
وضَمائِرُ ﴿إنّا عامِلُونَ﴾ وإنّا مُنْتَظِرُونَ لِلنَّبِيِّ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ.
صفحة ١٩٤
وفِي أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ المُؤْمِنِينَ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ التَّفْوِيضُ إلى رَأْسِ الأُمَّةِ بِأنْ يَقْطَعَ أمْرًا عَنْ أُمَّتِهِ ثِقَةً بِأنَّهم لا يَرُدُّونَ فِعْلَهُ. كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِهَوازِنَ لَمّا جاءُوا تائِبِينَ وطالِبِينَ رَدَّ سَباياهم وغَنائِمِهِمُ اخْتارُوا أحَدَ الأمْرَيْنِ السَّبْيَ أوِ الأمْوالَ» . فَلَمّا اخْتارُوا السَّبْيَ رَجَعَ السَّبْيُ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَسْتَشِرِ المُسْلِمِينَ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ لِمَن يُطَيِّبُ ذَلِكَ لِهَوازِنَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِّهِ في أوَّلِ ما يَجِيءُ مِنَ السَّبْيِ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: طَيَّبْنا ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، كَما يُقالُ في الوَعِيدِ: سَوْفَ تَرى.
هود 11:123
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
كَلامٌ جامِعٌ وهو تَزْيِيلٌ لِلسُّورَةِ مُؤْذِنٌ بِخِتامِها، فَهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ. والواوُ عاطِفَةٌ كَلامًا عَلى كَلامٍ، أوْ واوُ الِاعْتِراضِ في آخِرِ الكَلامِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.
واللّامُ في لِلَّهِ لِلْمِلْكِ وهو مِلْكُ إحاطَةِ العِلْمِ، أيْ لِلَّهِ ما غابَ عَنْ عِلْمِ النّاسِ في السَّماواتِ والأرْضِ. وهَذا كَلامٌ يَجْمَعُ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ بِما وُعِدُوا مِنَ النَّعِيمِ المُغَيَّبِ عَنْهم، ونِذارَةُ المُشْرِكِينَ بِما تُوُعِّدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ المُغَيَّبِ عَنْهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ يَمْلِكُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ. وإلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ، وهو تَعْرِيضٌ
صفحة ١٩٥
بِفَسادِ آراءِ الَّذِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُفْرَدَ بِالعِبادَةِ.
ومَعْنى إرْجاعِ الأمْرِ إلَيْهِ: أنَّ أمْرَ التَّدْبِيرِ والنَّصْرِ والخِذْلانِ وغَيْرِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، أيْ إلى عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وإنْ حَسَبَ النّاسُ وهَيَّأُوا فَطالَما كانَتِ الأُمُورُ حاصِلَةً عَلى خِلافِ ما اسْتَعَدَّ إلَيْهِ المُسْتَعِدُّ، وكَثِيرًا ما اعْتَزَّ العَزِيزُ بِعِزَّتِهِ فَلَقِيَ الخِذْلانَ مِن حَيْثُ لا يَرْتَقِبُ، ورُبَّما كانَ المُسْتَضْعَفُونَ بِمَحَلِّ العِزَّةِ والنُّصْرَةِ عَلى أُولِي العِزَّةِ والقُوَّةِ.
والتَّعْرِيفُ في الأمْرُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَعُمُّ الأُمُورَ، وتَأْكِيدُ الأمْرِ بِـ كُلِّهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.
وقَرَأ مَن عَدا نافِعًا يُرْجَعُ بِبِناءِ الفِعْلِ بِصِيغَةِ النّائِبِ، أيْ يُرْجِعُ كُلُّ ذِي أمْرٍ أمْرَهُ إلى اللَّهِ. وقَرَأهُ نافِعٌ بِصِيغَةِ الفاعِلِ عَلى أنْ يَكُونَ الأمْرُ هو فاعِلُ الرُّجُوعِ، أيْ يَرْجِعُ هو إلى اللَّهِ.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فالرُّجُوعُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ عَجْزِ النّاسِ عَنِ التَّصَرُّفِ في الأُمُورِ حَسَبَ رَغَباتِهِمْ بِهَيْئَةِ مُتَناوِلِ شَيْءٍ لِلتَّصَرُّفِ بِهِ ثُمَّ عَدِمَ اسْتِطاعَتَهُ التَّصَرُّفَ بِهِ فَيُرْجِعُهُ إلى الحَرِيِّ بِالتَّصَرُّفِ بِهِ، أوْ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ خُضُوعِ الأُمُورِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ دُونَ تَصَرُّفِ المُحاوِلِينَ التَّصَرُّفَ فِيها بِهَيْئَةِ المُتَجَوِّلِ الباحِثِ عَنْ مَكانٍ يَسْتَقِرُّ بِهِ ثُمَّ إيوائِهِ إلى المَقَرِّ اللّائِقِ بِهِ ورُجُوعِهِ إلَيْهِ، فَهي تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ رَمَزَ إلَيْها بِفِعْلِ يُرْجَعُ وتَعْدِيَتُهُ بِـ إلَيْهِ.
وتَفْرِيعُ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِعِبادَةِ اللَّهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ عَلى رُجُوعِ الأمْرِ كُلِّهِ إلَيْهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِأنْ يُعْبَدَ وأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ في كُلِّ مُهِمٍّ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّخْطِئَةِ لِلَّذِينِ عَبَدُوا غَيْرَهُ وتَوَكَّلُوا عَلى شَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَفْعِها. ويَتَضَمَّنُ أمْرُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالدَّوامِ عَلى العِبادَةِ والتَّوَكُّلِ.
صفحة ١٩٦
والمُرادُ أنْ يَعْبُدَهُ دُونَ غَيْرِهِ ويَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بِقَرِينَةِ ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾، وبِقَرِينَةِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ كُلُّ أمْرٍ لا يُعْقَلُ أنْ يُصْرَفَ شَيْءٌ مِنَ العِبادَةِ ولا مِنَ التَّوَكُّلِ إلى غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِوُجُوبِ سَبَبِ تَخْصِيصِهِ بِهِما.
وجُمْلَةُ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ فَذْلَكَةٌ جامِعَةٌ، فَهو تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ. والواوُ فِيهِ كالواوِ في قَوْلِهِ: ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ فَإنَّ عَدَمَ غَفْلَتِهِ عَنْ أيِّ عَمَلٍ أنَّهُ يُعْطِي كُلَّ عامِلٍ جَزاءَ عَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، ولِذَلِكَ عُلِّقَ وصْفُ الغافِلِ بِالعَمَلِ ولَمْ يُعَلَّقْ بِالذَّواتِ نَحْوَ: بِغافِلٍ عَنْكم، إيماءً إلى أنَّ عَلى العَمَلِ جَزاءً.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ عَمّا تَعْمَلُونَ - بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ - خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ والنّاسُ مَعَهُ في الخِطابِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الكُفّارِ فَهو تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
* * *
صفحة ١٩٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ يُوسُفالِاسْمُ الوَحِيدُ لِهَذِهِ السُّورَةِ اسْمُ سُورَةِ يُوسُفَ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في كِتابِ الإصابَةِ في تَرْجَمَةِ رافِعِ بْنِ مالِكٍ الزُّرَقِيِّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ أبا رافِعِ بْنَ مالِكٍ أوَّلُ مَن قَدِمَ المَدِينَةَ بِسُورَةِ يُوسُفَ، يَعْنِي بَعْدَ أنْ بايَعَ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ العَقَبَةِ.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها ظاهِرٌ لِأنَّها قَصَّتْ قِصَّةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كُلَّها، ولَمْ تُذْكَرْ قِصَّتُهُ في غَيْرِها. ولَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ في غَيْرِها إلّا في سُورَةِ الأنْعامِ وغافِرٍ.
وفِي هَذا الِاسْمِ تَمَيُّزٌ لَها مِن بَيْنِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ الَرَ، كَما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ يُونُسَ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ عَلى القَوْلِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى غَيْرِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآياتِ الثَّلاثَ مِن أوَّلِها مَدَنِيَّةٌ. قالَ في الإتْقانِ: وهو واهٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ هُودٍ، وقَبْلَ سُورَةِ الحِجْرِ.
وهِيَ السُّورَةُ الثّالِثَةُ والخَمْسُونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ.
ولَمْ تُذْكَرْ قِصَّةُ نَبِيٍّ في القُرْآنِ بِمِثْلِ ما ذُكِرَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الإطْنابِ.
صفحة ١٩٨
وعَدَدُ آيِها مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِاتِّفاقِ أصْحابِ العَدَدِ في الأمْصارِ.
* * *
مِن مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ
رَوى الواحِدِيُّ والطَّبَرِيُّ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ فَتَلاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أصْحابِهِ زَمانًا، فَقالُوا أيِ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١] الآياتِ الثَّلاثَ» .
فَأهَمُّ أغْراضِها: بَيانُ قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إخْوَتِهِ، وما لَقِيَهُ في حَياتِهِ، وما في ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ مِن نَواحٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وفِيها إثْباتُ أنَّ بَعْضَ المَرائِي قَدْ يَكُونُ إنْباءً بِأمْرٍ مُغَيَّبٍ، وذَلِكَ مِن أُصُولِ النُّبُوءاتِ وهو مِن أُصُولُ الحِكْمَةِ المَشْرِقِيَّةِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] الآياتِ.
وأنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا عِلْمٌ يَهَبُهُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِن صالِحِي عِبادِهِ.
وتَحاسُدُ القَرابَةِ بَيْنَهم.
ولُطْفُ اللَّهِ بِمَن يَصْطَفِيهِ مِن عِبادِهِ.
والعِبْرَةُ بِحُسْنِ العَواقِبِ، والوَفاءِ، والأمانَةِ، والصِّدْقِ، والتَّوْبَةِ.
وسُكْنى إسْرائِيلَ وبَنِيهِ بِأرْضِ مِصْرَ.
وتَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِما لَقِيَهُ يَعْقُوبُ ويُوسُفُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن آلِهِمْ مِنَ الأذى. وقَدْ لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِن آلِهِ أشَدَّ ما لَقِيَهُ مِن بُعَداءِ كَفّارِ قَوْمِهِ، مِثْلَ عَمِّهِ أبِي لَهَبٍ، والنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ،
صفحة ١٩٩
وأبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وإنْ كانَ هَذا قَدْ أسْلَمَ بَعْدُ وحَسُنَ إسْلامُهُ، فَإنَّ وقْعَ أذى الأقارِبِ في النُّفُوسِ أشَدُّ مِن وقْعِ أذى البُعَداءِ، كَما قالَ طَرَفَةُ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مَضَـاضَةً عَلى المَرْءِ مِن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] .
وفِيها العِبْرَةُ بِصَبْرِ الأنْبِياءِ مِثْلَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى البَلْوى. وكَيْفَ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ.
وفِيها العِبْرَةُ بِهِجْرَةِ قَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ إلى البَلَدِ الَّذِي حَلَّ بِهِ كَما فَعَلَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلُهُ، وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ قُرَيْشًا يَنْتَقِلُونَ إلى المَدِينَةِ مُهاجِرِينَ تَبَعًا لِهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وفِيها مِن عِبَرِ تارِيخِ الأُمَمِ والحَضارَةِ القَدِيمَةِ وقَوانِينِها ونِظامِ حُكُوماتِها وعُقُوباتِها وتِجارَتِها. واسْتِرْقاقُ الصَّبِيِّ اللَّقِيطِ. واسْتِرْقاقُ السّارِقِ، وأحْوالُ المَساجِينِ. ومُراقَبَةُ المَكايِيلِ.
وإنَّ في هَذِهِ السُّورَةِ أُسْلُوبًا خاصًّا مِن أسالِيبِ إعْجازِ القُرْآنِ وهو الإعْجازُ في أُسْلُوبِ القَصَصِ الَّذِي كانَ خاصَّةُ أهْلِمَكَّةَ يَعْجَبُونَ مِمّا يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهُ مِن بَيْنِ أقاصِيصِ العَجَمِ والرُّومِ، فَقَدْ كانَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وغَيْرُهُ يَفْتِنُونَ قُرَيْشًا بِأنَّ ما يَقُولُهُ القُرْآنُ في شَأْنِ الأُمَمِ هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها مُحَمَّدٌ ﷺ .
وكانَ النَّضْرُ يَتَرَدَّدُ عَلى الحِيرَةِ فَتَعَلَّمَ أحادِيثَ (رُسْتُمَ) و(اسْفَنْدَيارَ) مِن أبْطالِ فارِسٍ، فَكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا بِذَلِكَ ويَقُولُ لَهم: أنا واللَّهِ أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ فَهَلُمَّ أُحَدِّثُكم أحْسَنَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهم بِأخْبارِ الفُرْسِ، فَكانَ ما بَعْضُها مِنَ التَّطْوِيلِ عَلى عادَةِ أهْلِ الأخْبارِ مِنَ الفُرْسِ يُمَوِّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ
صفحة ٢٠٠
أشْبَعُ لِلسّامِعِ، فَجاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى أُسْلُوبِ اسْتِيعابِ القِصَّةِ تَحَدِّيًا لَهم بِالمُعارَضَةِ.
عَلى أنَّها مَعَ ذَلِكَ قَدْ طَوَتْ كَثِيرًا مِنَ القِصَّةِ مِن كُلِّ ما لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ أثَرٍ في العِبْرَةِ. ولِذَلِكَ تَرى في خِلالِ السُّورَةِ وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] فَتِلْكَ عِبَرٌ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ.
وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ في أقْوالِ الصّالِحِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] .
يوسف 12:1
﴿الر﴾
تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظايِرِ الر ونَحْوِها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾
الكَلامُ عَلى تِلْكَ آياتُ الكِتابِ مَضى في سُورَةِ يُونُسَ. ووُصِفَ الكِتابُ هُنا بِـ المُبِينِ ووُصِفَ بِهِ في طالِعَةِ سُورَةِ يُونُسَ بِـ الحَكِيمِ لِأنَّ ذِكْرَ وصْفِ إبانَتِهِ هُنا أنْسَبُ، إذْ كانَتِ القِصَّةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها هَذِهِ السُّورَةُ مُفَصَّلَةً مُبَيِّنَةً لِأهَمِّ ما جَرى في مُدَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمِصْرَ. فَقِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً لِلْعَرَبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ إجْمالًا ولا تَفْصِيلًا، بِخِلافِ قَصَصِ الأنْبِياءِ: هُودٍ، وصالِحٍ، وإبْراهِيمَ، ولُوطٍ، وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أجْمَعِينَ، إذْ كانَتْ مَعْرُوفَةً لَدَيْهِمْ إجْمالًا، فَلِذَلِكَ كانَ القُرْآنُ مُبَيِّنًا إيّاها ومُفَصِّلًا.
صفحة ٢٠١
ونُزُولُها قَبْلَ اخْتِلاطِ النَّبِيِّ ﷺ بِاليَهُودِ في المَدِينَةِ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ مِن إعْلامِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاهُ بِعُلُومِ الأوَّلِينَ، وبِذَلِكَ ساوى الصَّحابَةُ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ في عِلْمِ تارِيخِ الأدْيانِ والأنْبِياءِ وذَلِكَ مِن أهَمِّ ما يَعْلَمُهُ المُشَرِّعُونَ.
فالمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي. والمُرادُ: الإبانَةُ التّامَّةُ بِاللَّفْظِ والمَعْنى.
يوسف 12:2
﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ تَعْلِيلَ الإبانَةِ مِن جِهَتَيْ لَفْظِهِ ومَعْناهُ، فَإنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا يَدُلُّ عَلى إبانَةِ المَعانِي؛ لِأنَّهُ ما جُعِلَ مَقْرُوءًا إلّا لِما في تَراكِيبِهِ مِنَ المَعانِي المُفِيدَةِ لِلْقارِئِ.
وكَوْنُهُ عَرَبِيًّا يُفِيدُ إبانَةَ ألْفاظِهِ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ لِلَّذِينِ خُوطِبُوا بِهِ ابْتِداءً، وهُمُ العَرَبُ، إذْ لَمْ يَكُونُوا يَتَبَيَّنُونَ شَيْئًا مِنَ الأُمَمِ الَّتِي حَوْلَهم لِأنَّ كُتُبَهم كانَتْ بِاللُّغاتِ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مُتَوَجِّهٌ إلى خَبَرِها وهو فِعْلُ أنْزَلْناهُ رَدًّا عَلى الَّذِينَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وضَمِيرُ أنْزَلْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: الكِتابِ المُبِينِ.
وقُرْآنًا حالٌ مِنَ الهاءِ في أنْزَلْناهُ، أيْ كِتابًا يُقْرَأُ، أيْ مُنَظَّمًا عَلى أُسْلُوبٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُقْرَأ لا كَأُسْلُوبِ الرَّسائِلِ والخُطَبِ أوِ الأشْعارِ، بَلْ هو أُسْلُوبُ كِتابٍ نافِعٍ نَفْعًا مُسْتَمِرًّا يَقْرَأُهُ النّاسُ.
وعَرَبِيًّا صِفَةٌ لِـ قُرْآنًا. فَهو كِتابٌ بِالعَرَبِيَّةِ لَيْسَ كالكُتُبِ السّالِفَةِ فَإنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ كِتابٌ بِلُغَةِ العَرَبِ.
صفحة ٢٠٢
وقَدْ أفْصَحَ عَنِ التَّعْلِيلِ المَقْصُودِ جُمْلَةُ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ، أيْ رَجاءُ حُصُولِ العِلْمِ لَكم مِن لَفْظِهِ ومَعْناهُ؛ لِأنَّكم عَرَبٌ فَنُزُولُهُ بِلُغَتِكم مُشْتَمِلًا عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم هو سَبَبٌ لِعَقْلِكم ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ، وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالعَقْلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دَلالَةَ القُرْآنِ عَلى هَذا العِلْمِ قَدْ بَلَغَتْ في الوُضُوحِ حَدَّ أنْ يَنْزِلَ مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ العِلْمُ مِنها مَنزِلَةَ مَن لا عَقْلَ لَهُ، وأنَّهم ما دامُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ فَهم في عِدادِ غَيْرِ العُقَلاءِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ تَعْقِلُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْزالَهُ كَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِحُصُولِ تَعَقُّلٍ لِأشْياءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ مِن إعْجازٍ وغَيْرِهِ.
وتَقَدَّمَ وجْهُ وُقُوعِ لَعَلَّ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى. ومَحْمَلُ الرَّجاءِ المُفادِ بِها عَلى ما يُئَوَّلُ إلى التَّعْلِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي آياتٍ كَثِيرَةٍ بَعْدَها بِما لا التِباسَ بَعْدَهُ.
يوسف 12:3
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِأنَّ أحْسَنَ القَصَصِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ إنْزالُ القُرْآنِ. وكَوْنُ القَصَصَ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ تَأْكِيدِ إنْزالِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ يَتَضَمَّنُ رابِطًا بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِالخَبَرِ، كَما يَقُولُ كِتابُ الدِّيوانِ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ بِكَذا.
صفحة ٢٠٣
وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ نَقُصُّ لا غَيْرُنا، رَدًّا عَلى مَن يَطْعَنُ مِنَ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] - وقَوْلِهِمْ - ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥] وقَوْلِهِمْ: يُعَلِّمُهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمامَةِ اسْمُهُ الرَّحْمانُ. وقَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ المُتَقَدِّمُ دِيباجَةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وفِي هَذا الِاخْتِصاصِ تَوافُقٌ بَيْنَ جُمْلَةِ البَدَلِ والجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها في تَأْكِيدِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ المُفادِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] .
ومَعْنى نَقُصُّ نُخْبِرُ الأخْبارَ السّالِفَةَ. وهو مَنقُولٌ مِن قَصَّ الأثَرَ إذا تَتَبَّعَ مَواقِعَ الأقْدامِ لِيَتَعَرَّفَ مُنْتَهى سَيْرِ صاحِبِها. ومَصْدَرُهُ: القَصُّ بِالإدْغامِ، والقَصَصُ بِالفَكِّ، قالَ - تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] . وذَلِكَ أنَّ حِكايَةَ أخْبارِ الماضِينَ تُشْبِهُ اتِّباعَ خُطاهم، ألا تَرى أنَّهم سَمُّوا الأعْمالَ سِيرَةً وهي في الأصْلِ هَيْئَةُ السَّيْرِ، وقالُوا: سارَ فُلانٌ سِيرَةَ فُلانٍ، أيْ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ هَذا الإطْلاقِ المَجازِيِّ وبَيْنَ قَصِّ الأثَرِ فَخَصُّوا المُجازِيَّ بِالصَّدْرِ المُفَكَّكِ وغَلَّبُوا المَصْدَرَ المُدْغَمَ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ بَقاءِ المَصْدَرِ المُفَكَّكِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] .
فَـ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ هُنا إمّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ فِعْلِهِ. وإمّا أنْ يَكُونَ القَصَصُ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ المَفْعُولِ. كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وهو إطْلاقٌ لِلْقَصَصِ شائِعٌ أيْضًا. قالَ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] . وقَدْ يَكُونُ وزْنُ فَعَلٍ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالنَّبَأِ والخَبَرِ بِمَعْنى المُنَبَّأِ بِهِ والمُخْبَرِ بِهِ، ومِثْلُهُ الحَسَبُ والنَّقَضُ.
وجُعِلَ هَذا القَصَصُ أحْسَنَ القَصَصِ لِأنَّ بَعْضَ القَصَصِ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ تَرْتاحُ لَهُ النُّفُوسُ. وقَصَصُ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن قَصَصِ غَيْرِهِ مِن جِهَةِ حُسْنِ نَظْمِهِ وإعْجازِ أُسْلُوبِهِ وبِما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ، فَكُلُّ قَصَصٍ في القُرْآنِ هو أحْسَنُ القَصَصِ في بابِهِ، وكُلُّ قِصَّةٍ في القُرْآنِ هي أحْسَنُ مِن كُلِّ ما يَقُصُّهُ
صفحة ٢٠٤
القاصُّ في غَيْرِ القُرْآنِ. ولَيْسَ المُرادُ أحْسَنَ قَصَصِ القُرْآنِ حَتّى تَكُونَ قِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْسَنَ مِن بَقِيَّةِ قَصَصِ القُرْآنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾ .
والباءُ في ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ نَقُصُّ، فَإنَّ القَصَصَ الوارِدَ في القُرْآنِ كانَ أحْسَنَ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ العَلِيمِ الحَكِيمِ، فَهو يُوحِي ما يَعْلَمُ أنَّهُ أحْسَنُ نَفْعًا لِلسّامِعِينَ في أبْدَعِ الألْفاظِ والتَّراكِيبِ، فَيَحْصُلُ مِنهُ غِذاءُ العَقْلِ والرُّوحِ وابْتِهاجُ النَّفْسِ والذَّوْقِ مِمّا لا تَأْتِي بِمِثْلِهِ عُقُولُ البَشَرِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ، فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ القُرْآنِ بِالتَّصْرِيحِ والإضْمارِ واسْمِ الإشارَةِ سِتَّ مَرّاتٍ، وجُمِعَ لَهُ طُرُقُ التَّعْرِيفِ كُلُّها وهي اللّامُ والإضْمارُ والعَلَمِيَّةُ والإشارَةُ والإضافَةُ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ. وحَرْفُ إنْ مُخَفَّفٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ المَحْذُوفِ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كُنْتَ لامُ الفَرْقِ بَيْنَ إنْ المُخَفَّفَةِ و”إنْ“ النّافِيَةِ.
وأُدْخِلَتِ اللّامُ في خَبَرِ كانَ لِأنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْ إنْ.
والضَّمِيرُ في قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ. والمُرادُ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ.
والغَفْلَةُ: انْتِفاءُ العِلْمِ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الذِّهْنِ إلى المَعْلُومِ. والمَعْنى المَقْصُودُ مِنَ الغَفْلَةِ ظاهِرٌ. ونُكْتَةُ جَعْلِهِ مِنَ الغافِلِينَ دُونَ أنْ يُوصَفَ وحْدَهُ بِالغَفْلَةِ لِلْإشارَةِ إلى تَفْضِيلِهِ بِالقُرْآنِ عَلى كُلِّ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالقُرْآنِ فَدَخَلَ في هَذا الفَضْلِ أصْحابُهُ والمُسْلِمُونَ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ في العِلْمِ.
ومَفْهُومُ مِن قَبْلِهِ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ هُدى القُرْآنِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ
صفحة ٢٠٥
«مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً. فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ. ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»، أيِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِ مَن لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ لِيَنْظُرَ.
يوسف 12:4
﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾
إذْ قالَ بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ بَعْضٍ مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى أنْ يَكُونَ (أحْسَنَ القَصَصِ) بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَإنَّ أحْسَنَ القَصَصِ يَشْتَمِلُ عَلى قَصَصٍ كَثِيرٍ، مِنهُ قَصَصُ زَمانِ قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ وما عَقَبَ قَوْلَهُ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ. فَإذا حُمِلَ ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] عَلى المَصْدَرِ فالأحْسَنُ أنْ يَكُونَ إذْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، والتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ.
ويُوسُفُ اسْمٌ عِبْرانِيٌّ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلَخْ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ مِن زَوْجِهِ ”راحِيلَ“ . وهو أحَدُ الأسْباطِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ يُوسُفُ أحَبَّ أبْناءِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - إلَيْهِ وكانَ فَرْطُ مَحَبَّةِ أبِيهِ إيّاهُ سَبَبَ غَيْرَةِ إخْوَتِهِ مِنهُ فَكادُوا لَهُ مَكِيدَةً فَسَألُوا أباهم أنْ يَتْرُكَهُ يَخْرُجُ مَعَهم. فَأخْرَجُوهُ مَعَهم بِعِلَّةِ اللَّعِبِ والتَّفَسُّحِ، وألْقُوهُ في جُبٍّ، وأخْبَرُوا أباهم أنَّهم فَقَدُوهُ، وأنَّهم وجَدُوا قَمِيصَهُ مُلَوَّثًا بِالدَّمِ، وأرَوْهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ أنْ لَطَّخُوهُ بِدَمٍ، والتَقَطَهُ مِنَ البِئْرِ سَيّارَةٌ مِنَ العَرَبِ الإسْماعِيلِيِّينَ كانُوا سائِرِينَ في طَرِيقِهِمْ إلى مِصْرَ، وباعُوهُ كَرَقِيقٍ في سُوقِ عاصِمَةِ مِصْرَ
صفحة ٢٠٦
السُّفْلى الَّتِي كانَتْ يَوْمَئِذٍ في حُكْمِ أُمَّةٍ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ يُعْرَفُونَ بِالعَمالِقَةِ أوِ (الهُكْصُوصُ) . وذَلِكَ في زَمَنِ المَلِكِ (أبُو فِيسَ) أوِ (ابِيبِي) . ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ تِسْعٍ وعِشْرِينَ وسَبْعمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فاشْتَراهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ المُلَقَّبُ في القُرْآنِ بِالعَزِيزِ، أيْ رَئِيسُ المَدِينَةِ. وحَدَثَتْ مَكِيدَةٌ لَهُ مِن زَوْجِ سَيِّدِهِ أُلْقِيَ بِسَبَبِها في السِّجْنِ. وبِسَبَبِ رُؤْيا رَآها المَلِكُ وعَبَّرَها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو في السِّجْنِ، قَرَّبَهُ المَلِكُ إلَيْهِ زُلْفى، وأوْلاهُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، وهو لَقَبُ العَزِيزِ وسَمّاهُ (صَفْناتِ فَعَنِيجِ)، وزَوَّجَهُ (أسْنات) بِنْتَ أحَدِ الكَهَنَةِ وعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ ثَلاثُونَ سَنَةً. وفي مُدَّةِ حُكْمِهِ جَلَبَ أباهُ وأقارِبَهُ مِنَ البَرِّيَّةِ إلى أرْضِ مِصْرَ، فَذَلِكَ سَبَبُ اسْتِيطانِ بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ مِصْرَ. وتُوُفِّيَ بِمِصْرَ في حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ وثَلاثِينَ وسِتِّمِائَةٍ وألْفٍ قَبْلَ مِيلادِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وحُنِّطَ عَلى الطَّرِيقَةِ المِصْرِيَّةِ. ووُضِعَ في تابُوتٍ، وأوْصى قَبْلَ مَوْتِهِ بِأنَّهم إذا خَرَجُوا مِن مِصْرَ يَرْفَعُونَ جَسَدَهُ مَعَهم. ولَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ رَفَعُوا تابُوتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم وانْتَقَلُوهُ مَعَهم في رِحْلَتِهِمْ إلى أنْ دَفَنُوهُ في (شَكِيمَ) في مُدَّةِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ.
والتّاءُ في أبَتِ تاءٌ خاصَّةٌ بِكَلِمَةِ الأبِ وكَلِمَةِ الأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً عَلى نِيَّةِ الإضافَةِ إلى المُتَكَلِّمِ، فَمُفادُها مُفادُ: يا أبِي، ولا يَكادُ العَرَبُ يَقُولُونَ: يا أبِي. ووَرَدَ في سَلامِ ابْنِ عُمَرَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وصاحِبِهِ حِينَ وقَفَ عَلى قُبُورِهِمُ المُنَوَّرَةِ. وقَدْ تَحَيَّرَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في تَعْلِيلِ وصْلِها بِآخِرِ الكَلِمَةِ في النِّداءِ واخْتارُوا أنَّ أصْلَها تاءُ تَأْنِيثٍ بِقَرِينَةِ أنَّهم قَدْ يَجْعَلُونَها هاءً في الوَقْفِ، وأنَّها جُعِلَتْ عِوَضًا عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ لِعِلَّةٍ غَيْرِ وجِيهَةٍ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ أصْلَها هاءُ السَّكْتِ جَلَبُوها لِلْوَقْفِ عَلى آخِرِ الأبِ لِأنَّهُ نُقِصَ مِن لامِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ لَمّا شابَهَتْ هاءَ التَّأْنِيثِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ آخِرِ الكَلِمَةِ إذا أضافُوا المُنادى فَقالُوا: يا أبَتِي، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ياءِ الإضافَةِ
صفحة ٢٠٧
بِالكَسْرَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ بَقاءُ الياءِ في بَعْضِ الكَلامِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي لا نَعْرِفُهُ:
أيا أبَتِي لا زِلْتَ فِينَـا فَـإنَّـمَـا لَنا أمَلٌ في العَيْشِ ما دُمْتَ عائِشًا
ويَجُوزُ كَسْرُ هَذِهِ التّاءِ وفَتْحُها، وبِالكَسْرِ قَرَأها الجُمْهُورُ، وبِفَتْحِ التّاءِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.
والنِّداءُ في الآيَةِ مَعَ كَوْنِ المُنادى حاضِرًا مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمامُ بِالخَبَرِ الَّذِي سَيُلْقى إلى المُخاطَبِ فَيُنْزِلُ المُخاطَبَ مَنزِلَةَ الغائِبِ المَطْلُوبِ حُضُورُهُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الِاهْتِمامِ أوِ اسْتِعارَةٌ لَهُ.
والكَوْكَبُ: النَّجْمُ، تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ رَأيْتُهم مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، جِيءَ بِها عَلى الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المَرائِي الحُلْمِيَّةِ أنْ يُعادَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا أوِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّ سامِعَ الرُّؤْيا يَسْتَزِيدُ الرّائِي أخْبارًا عَمّا رَأى.
ومِثالُ ذَلِكَ ما وقَعَ في المُوَطَّأِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أرانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَرَأيْتُ رَجُلًا آدَمَ» الحَدِيثَ.
وفِي البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ في المَنامِ أنِّي أُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ بِها نَخْلٌ، ورَأيْتُ فِيها بَقَرًا تُذْبَحُ، ورَأيْتُ. . واللَّهِ خَيْرٌ» . وقَدْ يَكُونُ لَفْظٌ آخَرُ في الرُّؤْيا غَيْرَ فِعْلِها كَما في الحَدِيثِ الطَّوِيلِ «إنَّهُ أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، وإنَّهُما ابْتَعَثانِي، وإنَّهُما قالا لِي: انْطَلِقْ، وإنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُما، وإنّا أتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ» الحَدِيثَ بِتَكْرارِ كَلِمَةِ ”إنَّ“ وكَلِمَةِ ”إنّا“ مِرارًا في هَذا الحَدِيثِ.
صفحة ٢٠٨
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ - بِفَتْحِ العَيْنِ - مِن عَشَرَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ - بِسُكُونِ العَيْنِ - .
واسْتَعْمَلَ ضَمِيرَ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِلْكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ في قَوْلِهِ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾؛ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ لِلْعُقَلاءِ غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ، كَما قالَ - تَعالى - في الأصْنامِ ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨]، وقالَ ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا﴾ [النمل: ١٨] .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهُ لَمّا كانَتِ الحالَةُ المَرْئِيَّةُ مِنَ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ حالَةَ العُقَلاءِ، وهي حالَةُ السُّجُودِ نَزَّلَها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، فَأطْلَقَ عَلَيْها ضَمِيرَ هم وصِيغَةَ جَمْعِهِمْ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِي ساجِدِينَ﴾ لِلِاهْتِمامِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ مَعْنى تَضَمُّنِهِ كَلامَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلُغَتِهِ يَدُلُّ عَلى حالَةٍ في الكَواكِبِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَهُ تَقْتَضِي الِاهْتِمامَ بِذِكْرِهِ فَأفادَهُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
وابْتِداءُ قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذِكْرِ رُؤْياهُ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ هَيَّأ نَفْسَهُ لِلنُّبُوَّةِ فابْتَدَأهُ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ كَما جاءَ في حَدِيثِ عائِشَةَ ”«أنَّ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّادِقَةُ فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ» “ . وفي ذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ وهو تَقْرِيرُ فَضْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن طَهارَةٍ وزَكاءِ نَفْسٍ وصَبْرٍ. فَذَكَرَ هَذِهِ الرُّؤْيا في صَدْرِ القِصَّةِ كالمُقَدِّمَةِ والتَّمْهِيدِ لِلْقِصَّةِ المَقْصُودَةِ.
وجَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّؤْيا تَنْبِيهًا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعُلُوِّ شَأْنِهِ لِيَتَذَكَّرَها كُلَّما حَلَّتْ بِهِ ضائِقَةٌ فَتَطَمَئِنَّ بِها نَفْسُهُ أنَّ عاقِبَتَهُ طَيِّبَةٌ.
وإنَّما أخْبَرَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهُ بِهاتِهِ الرُّؤْيا لِأنَّهُ عَلِمَ بِإلْهامٍ أوْ بِتَعْلِيمٍ سابِقٍ مِن أبِيهِ أنَّ لِلرُّؤْيا تَعْبِيرًا، وعَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ والشَّمْسَ والقَمَرَ كِنايَةٌ
صفحة ٢٠٩
عَنْ مَوْجُوداتٍ شَرِيفَةٍ، وأنَّ سُجُودَ المَخْلُوقاتِ الشَّرِيفَةِ لَهُ كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ شَأْنِهِ. ولَعَلَّهُ عَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ كِنايَةٌ عَنْ مَوْجُوداتٍ مُتَماثِلَةٍ، وأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كِنايَةٌ عَنْ أصْلَيْنِ لِتِلْكَ المَوْجُوداتِ فاسْتَشْعَرَ عَلى الإجْمالِ دَلالَةَ رُؤْياهُ عَلى رِفْعَةِ شَأْنِهِ فَأخْبَرَ بِها أباهُ.
وكانُوا يَعُدُّونَ الرُّؤْيا مِن طُرُقِ الإنْباءِ بِالغَيْبِ، إذا سَلِمَتْ مِنَ الِاخْتِلاطِ وكانَ مِزاجُ الرّائِيَ غَيْرَ مُنْحَرِفٍ ولا مُضْطَرِبٍ، وكانَ الرّائِي قَدِ اعْتادَ وُقُوعَ تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، وهو شَيْءٌ ورِثُوهُ مِن صَفاءِ نُفُوسِ أسْلافِهِمْ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، فَقَدْ كانُوا آلَ بَيْتِ نُبُوَّةٍ وصَفاءِ سَرِيرَةٍ.
ولَمّا كانَتْ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيًا، وقَدْ رَأى إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَنامِ أنَّهُ يَذْبَحُ ولَدَهُ فَلَمّا أخْبَرَهُ ﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢] . وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ قَوْلُ أبِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾ [يوسف: ٦] . فَلا جَرَمَ أنْ تَكُونَ مِرائِي أبْنائِهِمْ مُكاشَفَةً وحَدِيثًا مَلَكِيًّا.
وفِي الحَدِيثِ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُّؤْيا الصّالِحَةَ يَراها المُسْلِمُ أوْ تُرى لَهُ» .
والِاعْتِدادُ بِالرُّؤْيا مِن قَدِيمِ أُمُورِ النُّبُوءَةِ. وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ خاطَبَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤْيا رَآها وهو في طَرِيقِهِ بِبِلادِ شالِيمَ بَلَدٌ مَلْكِيٌّ صادِقٌ وبَشَّرَهُ بِأنَّهُ يَهَبُهُ نَسْلًا كَثِيرًا، ويُعْطِيهِ الأرْضَ الَّتِي هو سائِرٌ فِيها (في الإصْحاحِ ١٥ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ) .
أمّا العَرَبُ فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَرِدْ في كَلامِهِمْ شَيْءٌ يُفِيدُ اعْتِدادَهم بِالأحْلامِ، ولَعَلَّ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
إنَّ الأمانِيَ والأحْلامَ تَضْلِيلُ
صفحة ٢١٠
يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِدادِهِمْ بِالأحْلامِ، فَإنَّ الأحْلامَ في البَيْتِ هي مِرائِي النَّوْمِ.
ولَكِنَّ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ رُؤْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو قائِمٌ في الحِجْرِ أنَّهُ أتاهُ آتٍ فَأمَرَهُ بِحَفْرِ بِئْرِ زَمْزَمَ فَوَصَفَ لَهُ مَكانَها، وكانَتْ جُرْهم سَدَمُوها عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ. وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ رُؤْيا عاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أنَّ: ”راكِبًا أقْبَلَ عَلى بَعِيرٍ فَوَقَفَ بِالأبْطُحِ ثُمَّ صَرَخَ: يا آلَ غَدَرَ اخْرُجُوا إلى مُصارِعِكم في ثَلاثٍ“ فَكانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ عَقِبَها بِثَلاثِ لَيالٍ.
وقَدْ عُدَّتِ المَرائِي النَّوْمِيَّةُ في أُصُولِ الحِكْمَةِ الإشْراقِيَّةِ وهي مِن تُراثِها عَنْ حِكْمَةِ الأدْيانِ السّالِفَةِ مِثْلَ الحَنِيفِيَّةِ. وبالَغَ في تَقْرِيبِها بِالأُصُولِ النَّفْسِيَّةِ شِهابُ الدِّينِ الحَكِيمُ السُّهْرَوَرْدِيُّ في هَياكِلِ النُّورِ وحِكْمَةِ الإشْراقِ، وأبُو عَلِيٍّ ابْنُ سِينا في الإشاراتِ بِما حاصِلُهُ: وأصْلُهُ: أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ - وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِالرُّوحِ - هي مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ الَّتِي مَقَرُّها العالَمُ العُلْوِيُّ، فَهي قابِلَةٌ لِاكْتِشافِ الكائِناتِ عَلى تَفاوُتٍ في هَذا القَبُولِ، وأنَّها تُودَعُ في جِسْمِ الجَنِينِ عِنْدَ اكْتِمالِ طَوْرِ المُضْغَةِ، وأنَّ لِلنَّفْسِ النّاطِقَةِ آثارًا مِنَ الِانْكِشافاتِ إذا ظَهَرَتْ فَقَدْ يَنْتَقِشُ بَعْضُها بِمَدارِكِ صاحِبِ النَّفْسِ في لَوْحِ حِسِّهِ المُشْتَرَكِ، وقَدْ يَصْرِفُهُ عَنِ الِانْتِقاشِ شاغِلانِ: أحَدُهُما حِسِّيٌّ خارِجِيٌّ، والآخَرُ باطِنِيٌّ عَقْلِيٌّ أوْ وهْمِيٌّ، وقُوى النَّفْسِ مُتَجاذِبَةٌ مُتَنازِعَةٌ فَإذا اشْتَدَّ بَعْضُها ضَعُفَ البَعْضُ الآخَرُ، كَما إذا هاجَ الغَضَبُ ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ، فَكَذَلِكَ إنْ تَجَرَّدَ الحِسُّ الباطِنُ لِلْعَمَلِ شُغِلَ عَنِ الحِسِّ الظّاهِرِ، والنَّوْمُ شاغِلٌ لِلْحِسِّ، فَإذا قَلَّتْ شَواغِلُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ فَقَدْ تَتَخَلَّصُ النَّفْسُ عَنْ شَغْلِ مُخَيِّلاتِها، فَتَطَّلِعُ عَلى أُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ، فَتَكُونُ المَناماتُ الصّادِقَةُ.
والرُّؤْيا الصّادِقَةُ حالَةٌ يُكْرِمُ اللَّهُ بِها بَعْضَ أصْفِيائِهِ الَّذِينَ زَكَتْ نُفُوسُهم فَتَتَّصِلُ نُفُوسُهم بِتَعَلُّقاتٍ مِن عِلْمِ اللَّهِ وتَعَلُّقاتٍ مِن إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ وأمْرِهِ التَّكْوِينِيِّ فَتَنْكَشِفُ بِها الأشْياءُ المُغَيَّبَةُ بِالزَّمانِ قَبْلَ وُقُوعِها، أوِ المُغَيَّبَةُ بِالمَكانِ قَبْلَ اطِّلاعِ النّاسِ عَلَيْها اطِّلاعًا عادِيًّا. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ
صفحة ٢١١
«الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ» .
وقَدْ بَيَّنَ تَحْدِيدُ هَذِهِ النِّسْبَةِ الواقِعَةِ في الحَدِيثِ في شُرُوحِ الحَدِيثِ. وقالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوءَةِ إلّا المُبَشِّراتِ وهي الرُّؤْيا الصّالِحَةُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ يَراها أوْ تُرى لَهُ» .
وإنَّما شُرِطَتِ المُرائِي الصّادِقَةُ بِالنّاسِ الصّالِحِينَ لِأنَّ الِارْتِياضَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ شاغِلٌ لِلنَّفْسِ عَنِ السَّيِّئاتِ، ولِأنَّ الأعْمالَ الصّالِحاتِ ارْتِقاءاتٌ وكَمالاتٌ فَهي مُعِينَةٌ لِجَوْهَرِ النَّفْسِ عَلى الِاتِّصالِ بِعالَمِها الَّذِي خُلِقَتْ فِيهِ وأُنْزِلَتْ مِنهُ، وبِعَكْسِ ذَلِكَ الأعْمالُ السَّيِّئَةُ تُبْعِدُها عَنْ مَأْلُوفاتِها وتُبَلِّدُها وتُذَبْذِبُها.
والرُّؤْيا مَراتِبُ:
مِنها أنْ: تَرى صُوَرَ أفْعالٍ تَتَحَقَّقُ أمْثالُها في الوُجُودِ مِثْلَ «رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ»، وظَنُّهُ أنَّ تِلْكَ الأرْضَ اليَمامَةُ فَظَهَرَ أنَّها المَدِينَةُ، ولا شَكَّ أنَّهُ لَمّا رَأى المَدِينَةَ وجَدَها مُطابِقَةً لِلصُّورَةِ الَّتِي رَآها، ومِثْلَ «رُؤْياهُ امْرَأةً في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ فَقِيلَ لَهُ اكْتَشِفْها فَهي زَوْجُكَ فَكَشَفَ فَإذا هي عائِشَةُ، فَعَلِمَ أنْ سَيَتَزَوَّجَها» . وهَذا النَّوْعُ نادِرٌ وحالَةُ الكَشْفِ فِيهِ قَوِيَّةٌ.
ومِنها أنْ تَرى صُوَرًا تَكُونُ رُمُوزًا لِلْحَقائِقِ الَّتِي سَتَحْصُلُ أوِ الَّتِي حَصَلَتْ في الواقِعِ، وتِلْكَ مِن قَبِيلِ مُكاشَفَةِ النَّفْسِ لِلْمَعانِي والمَواهِي وتَشْكِيلِ المُخَيِّلَةِ تِلْكَ الحَقائِقَ في أشْكالٍ مَحْسُوسَةٍ هي مِن مَظاهِرَ تِلْكَ المَعانِي، وهو ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ الَّذِي تَخْتَرِعُهُ ألْبابُ الخُطَباءِ والشُّعَراءِ، إلّا أنَّ هَذا تَخْتَرِعُهُ الألْبابُ في حالَةِ هَدُوِّ الدِّماغِ مِنَ الشَّواغِلِ الشّاغِلَةِ، فَيَكُونُ أتْقَنَ وأصْدَقَ. وهَذا أكْثَرُ أنْواعِ المَرائِي. ومِنهُ «رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ يَشْرَبُ مِن قَدَحِ لَبَنٍ رَأى الرِّيَّ في أظْفارِهِ ثُمَّ أعْطى فَضْلَهُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» . وتَعْبِيرُهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ العِلْمُ.
صفحة ٢١٢
وكَذَلِكَ «رُؤْياهُ امْرَأةً سَوْداءَ ناشِرَةً شَعْرَها خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ إلى الجَحْفَةِ»، فَعَبَّرَها بِالحُمّى تَنْتَقِلُ مِنَ المَدِينَةِ إلى الجَحْفَةِ، «ورُئِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ أنَّهُ في رَوْضَةٍ، وأنَّ فِيها عَمُودًا، وأنَّ فِيهِ عُرْوَةً، وأنَّهُ أخَذَ بِتِلْكَ العُرْوَةِ فارْتَقى إلى أعْلى العَمُودِ، فَعَبَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ لا يَزالُ آخِذًا بِالإيمانِ الَّذِي هو العُرْوَةُ الوُثْقى، وأنَّ الرَّوْضَةَ هي الجَنَّةُ»، فَقَدْ تَطابَقَ التَّمْثِيلُ النَّوْمِيُّ مَعَ التَّمْثِيلِ المُتَعارَفِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وفي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما بَيْنَ بَيْتِي ومِنبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ» .
وسَيَأْتِي تَأْوِيلُ هَذِهِ الرُّؤْيا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] .
يوسف 12:5
﴿قالَ يا بُنَيِّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
جاءَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والنِّداءُ مَعَ حُضُورِ المُخاطَبِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ إحْضارِ الذِّهْنِ اهْتِمامًا بِالغَرَضِ المُخاطَبِ فِيهِ.
و(بُنَيِّ) - بِكَسْرِ الياءِ المُشَدَّدَةِ - تَصْغِيرُ ابْنٍ مَعَ إضافَتِهِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ وأصْلُهُ بُنَيْوِي أوْ بُنَيْيِي عَلى الخِلافِ في أنَّ لامَ ابْنٍ المُلْتَزَمَ عَدَمُ ظُهُورِها هي واوٌ أمْ ياءٌ. وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَإنَّها أُدْغِمَتْ فِيها ياءُ التَّصْغِيرِ بَعْدَ قَلْبِ الواوِ ياءً لِتَقارُبِ الياءِ والواوِ، أوْ لِتَماثُلِهِما فَصارَ ”بُنَيِّي“ . وقَدِ اجْتَمَعَ ثَلاثُ ياءاتٍ فَلَزِمَ حَذْفُ واحِدَةٍ مِنها فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ لُزُومًا وأُلْقِيَتِ الكَسْرَةُ
صفحة ٢١٣
الَّتِي اجْتُلِبَتْ لِأجْلِها عَلى ياءِ التَّصْغِيرِ دَلالَةً عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ. وحَذْفُ ياءِ المُتَكَلِّمِ مِنَ المُنادى المُضافِ شائِعٌ. وبِخاصَّةٍ إذا كانَ في إبْقائِها ثِقَلٌ كَما هُنا؛ لِأنَّ التِقاءَ ياءاتٍ ثَلاثٍ فِيهِ ثِقَلٌ.
وهَذا التَّصْغِيرُ كِنايَةٌ عَنْ تَحْبِيبٍ وشَفَقَةٍ. نَزَّلَ الكَبِيرَ مَنزِلَةَ الصَّغِيرِ لِأنَّ شَأْنَ الصَّغِيرِ أنْ يُحَبَّ ويُشْفَقَ عَلَيْهِ. وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إمْحاضِ النُّصْحِ لَهُ.
والقَصُّ: حِكايَةُ الرُّؤْيا. يُقالُ: قَصَّ الرُّؤْيا إذا حَكاها وأخْبَرَ بِها. وهو جاءَ مِنَ القَصَصِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
والرُّؤْيا - بِألِفِ التَّأْنِيثِ - هي: رُؤْيَةُ الصُّوَرِ في النَّوْمِ، فَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ رُؤْيَةِ اليَقَظَةِ بِاخْتِلافِ عَلامَتَيِ التَّأْنِيثِ، وهي بِوَزْنِ البُشْرى والبُقْيا.
وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَشَرَةَ كانُوا يَغارُونَ مِنهُ لِفَرْطِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ خُلُقًا وخَلْقًا، وعَلِمَ أنَّهم يُعَبِّرُونَ الرُّؤْيا إجْمالًا وتَفْصِيلًا، وعَلِمَ أنَّ تِلْكَ الرُّؤْيا تُؤْذِنُ بِرِفْعَةٍ يَنالُها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ هم أحَدَ عَشَرَ فَخَشِيَ إنْ قَصَّها يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ أنْ تَشْتَدَّ بِهِمُ الغَيْرَةُ إلى حَدِّ الحَسَدِ، وأنْ يَعْبُرُوها عَلى وجْهِها فَيَنْشَأُ فِيهِمْ شَرُّ الحاسِدِ إذا حَسَدَ، فَيَكِيدُوا لَهُ كَيْدًا لِيَسْلَمُوا مِن تَفَوُّقِهِ عَلَيْهِمْ وفَضْلِهِ فِيهِمْ.
والكَيْدُ: إخْفاءُ عَمَلٍ يَضُرُّ المَكِيدَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
واللّامُ في (لَكَ) لِتَأْكِيدِ صِلَةِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى.
وتَنْوِينُ كَيْدًا لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ زِيادَةٌ في تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلَيْهِمْ.
وقَصَدَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذَلِكَ نَجاةَ ابْنِهِ مِن أضْرارٍ تَلْحَقُهُ، ولَيْسَ قَصْدُهُ إبْطالَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا فَإنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ أضْرارٍ ومَشاقَّ. وكانَ يَعْلَمُ أنَّ بَنِيهِ لَمْ يَبْلُغُوا في العِلْمِ مَبْلَغَ غَوْصِ النَّظَرِ المُفْضِي إلى أنَّ الرُّؤْيا إنْ كانَتْ
صفحة ٢١٤
دالَّةً عَلى خَيْرٍ عَظِيمٍ يَنالُهُ فَهي خَبَرٌ إلَهِيٌّ، وهو لا يَجُوزُ عَلَيْهِ عَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ لَعَلَّهم يَحْسَبُونَها مِنَ الإنْذارِ بِالأسْبابِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي يَزُولُ تَسَبُّبُها بِتَعْطِيلِ بَعْضِها.
وقَوْلُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا لِابْنِهِ تَحْذِيرٌ لَهُ مَعَ ثِقَتِهِ بِأنَّ التَّحْذِيرَ لا يُثِيرُ في نَفْسِهِ كَراهَةً لِإخْوَتِهِ لِأنَّهُ وثِقَ مِنهُ بِكَمالِ العَقْلِ، وصَفاءِ السَّرِيرَةِ، ومَكارِمِ الخُلُقِ. ومَن كانَ حالُهُ هَكَذا كانَ سَمْحًا، عاذِرًا، مُعْرِضًا عَنِ الزَّلّاتِ، عالِمًا بِأثَرِ الصَّبْرِ في رِفْعَةِ الشَّأْنِ، ولِذَلِكَ قالَ لِإخْوَتِهِ ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠] وقالَ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] . وقَدْ قالَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأخِيهِ الَّذِي قالَ لَهُ لِأقْتُلُنَّكَ حَسَدًا ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] . فَلا يُشْكِلُ كَيْفَ حَذَّرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن كَيْدِ إخْوَتِهِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّهُ ما حَذَّرَهُ إلّا مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ في نُفُوسِ إخْوَتِهِ. وهَذا «كاعْتِذارِ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ مِنَ الأنْصارِ اللَّذَيْنِ لَقِياهُ لَيْلًا وهو يُشَيِّعُ زَوْجَهُ أُمَّ المُؤْمِنِينَ إلى بَيْتِها فَلَمّا رَأياهُ ولَّيا، فَقالَ: عَلى رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّةُ، فَقالا: سُبْحانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ وأكْبَرا ذَلِكَ، فَقالَ لَهُما: إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ وإنِّي خَشِيتُ أنْ يَقْذِفَ في نُفُوسِكُما» . فَهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِتَوَسُّمِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحْوالَ أبْنائِهِ وارْتِيائِهِ أنْ يَكُفَّ كَيْدَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ﴾ إلَخْ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَصِّ الرُّؤْيا عَلى إخْوَتِهِ. وعَداوَةُ الشَّيْطانِ لِجِنْسِ الإنْسانِ تَحْمِلُهُ عَلى أنْ يَدْفَعَهم إلى إضْرارِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقُصَّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ وهو
صفحة ٢١٥
المُناسِبُ لِكَمالِهِ الَّذِي يَبْعَثُهُ عَلى طاعَةِ أمْرِ أبِيهِ. ووَقَعَ في الإسْرائِيلِيّاتِ أنَّهُ قَصَّها عَلَيْهِمْ فَحَسَدُوهُ.
يوسف 12:6
﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
عَطَفَ هَذا الكَلامَ عَلى تَحْذِيرِهِ مِن قَصِّ الرُّؤْيا عَلى إخْوَتِهِ إعْلامًا لَهُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ ومُسْتَقْبَلِ كَمالِهِ، كَيْ يَزِيدَ تَمَلِّيًا مِن سُمُوِّ الأخْلاقِ فَيَتَّسِعُ صَدْرُهُ لِاحْتِمالِ أذى إخْوَتِهِ، وصَفْحًا عَنْ غَيْرَتِهِمْ مِنهُ وحَسَدِهِمْ إيّاهُ لِيَتَمَحَّضَ تَحْذِيرُهُ لِلصَّلاحِ، وتَنْتَفِي عَنْهُ مَفْسَدَةُ إثارَةِ البَغْضاءِ ونَحْوِها، حِكْمَةً نَبَوِيَّةً عَظِيمَةً وطِبًّا رُوحانِيًّا ناجِعًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: وكَذَلِكَ إلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا مِنَ العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِهِ، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ في المُسْتَقْبَلِ، والتَّشْبِيهُ هُنا تَشْبِيهُ تَعْلِيلٍ لِأنَّهُ تَشْبِيهُ أحَدِ المَعْلُولَيْنِ بِالآخَرِ لِاتِّحادِ العِلَّةِ. ومَوْقِعُ الجارِّ والمَجْرُورِ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ (يَجْتَبِيكَ) المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الِاجْتِباءِ ووَجْهِهِ.
والِاجْتِباءُ: الِاخْتِيارُ والِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: واجْتَبَيْناهم في سُورَةِ الأنْعامِ، أيِ اخْتِيارُهُ مِن بَيْنِ إخْوَتِهِ، أوْ مِن بَيْنِ كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ. وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيا ودَلالَتِها عَلى رِفْعَةِ شَأْنٍ في المُسْتَقْبَلِ فَتِلْكَ إذا ضُمَّتْ إلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ آلَتْ إلى اجْتِباءِ اللَّهِ إيّاهُ، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِنُبُوءَتِهِ. وإنَّما عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ رِفْعَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُسْتَقْبَلِهِ رِفْعَةٌ إلَهِيَّةٌ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ - تَعالى - مُتَناسِبَةٌ فَلَمّا كانَ ما ابْتَدَأهُ مِنَ النِّعَمِ اجْتِباءً وكَمالًا نَفْسِيًّا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ما يَلْحَقُ بِها، مِن نَوْعِها.
صفحة ٢١٦
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الِارْتِقاءَ النَّفْسانِيَّ الَّذِي هو مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ غايَتُهُ أنْ يَبْلُغَ بِصاحِبِهِ إلى النُّبُوَّةِ أوِ الحِكْمَةِ فَلِذَلِكَ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ سَيُعَلِّمُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ؛ لِأنَّ مُسَبِّبَ الشَّيْءِ مُسَبَّبٌ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَتَعْلِيمُ التَّأْوِيلِ ناشِئٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: وكَذَلِكَ، ولِأنَّ اهْتِمامَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِرُؤْياهُ وعَرْضِها عَلى أبِيهِ دَلَّ أباهُ عَلى أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في نَفْسِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الِاعْتِناءَ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وتَعْبِيرِها. وهَذِهِ آيَةُ عِبْرَةٍ بِحالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ ابْنِهِ إذْ أشْعَرَهُ بِما تَوَسَّمَهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ لِيَزْدادَ إقْبالًا عَلى الكَمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ .
والتَّأْوِيلُ: إرْجاعُ الشَّيْءِ إلى حَقِيقَتِهِ ودَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
والأحادِيثُ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى الشَّيْءِ الحادِثِ، فَتَأْوِيلُ الأحادِيثِ: إرْجاعُ الحَوادِثِ إلى عِلَلِها وأسْبابِها بِإدْراكِ حَقائِقِها عَلى التَّمامِ، وهو المَعْنِيُّ بِالحِكْمَةِ، وذَلِكَ بِالِاسْتِدْلالِ بِأصْنافِ المَوْجُوداتِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأحادِيثُ جَمْعَ حَدِيثٍ بِمَعْنى الخَبَرِ المُتَحَدَّثِ بِهِ، فالتَّأْوِيلُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا. سُمِّيَتْ أحادِيثُ لِأنَّ المُرائِيَ يَتَحَدَّثُ بِها الرّاءُونَ وعَلى هَذا المَعْنى حَمَلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ في آخِرِ القِصَّةِ ﴿وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] . ولَعَلَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ بِناءً عَلى صِحَّةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ وهو الأصَحُّ، أوْ يَكُونُ اخْتِيارُ هَذا اللَّفْظِ إيجازًا مُعْجِزًا، إذْ يَكُونُ قَدْ حُكِيَ بِهِ كَلامٌ طَوِيلٌ صَدَرَ مِن يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلُغَتِهِ يُعَبِّرُ عَنْ تَأْوِيلِ الأشْياءِ بِجَمِيعِ تِلْكَ المَعانِي.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ هو إعْطاؤُهُ أفْضَلَ النِّعَمِ وهي نِعْمَةُ النُّبُوَّةِ، أوْ هو ضَمِيمُهُ المُلْكَ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، فَيَكُونُ المُرادُ إتْمامُ نِعْمَةِ الِاجْتِباءِ الأُخْرَوِيِّ بِنِعْمَةِ المَجْدِ الدُّنْيَوِيِّ.
صفحة ٢١٧
وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى سُجُودِ الكَواكِبِ والنَّيِّرَيْنِ لَهُ، وقَدْ عَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَأْوِيلَ تِلْكَ بِإخْوَتِهِ وأبَوَيْهِ أوْ زَوْجِ أبِيهِ وهي خالَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وعَلِمَ مِن تَمْثِيلِهِمْ في الرُّؤْيا أنَّهم حِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ يَكُونُ أُخُوَتُهُ قَدْ نالُوا النُّبُوءَةَ، وبِذَلِكَ عَلِمَ أيْضًا أنَّ اللَّهَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلى إخْوَتِهِ وعَلى زَوْجِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالصَّدِيقِيَّةِ إذْ كانَتْ زَوْجَةُ نَبِيٍّ. فالمُرادُ مِن آلِ يَعْقُوبَ خاصَّتُهم وهم أبْناؤُهُ وزَوْجُهُ، وإنْ كانَ المُرادُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إعْطاءُ المُلْكِ فَإتْمامِها عَلى آلِ يَعْقُوبَ هو أنْ زادَهم عَلى ما أعْطاهم مِنَ الفَضْلِ نِعْمَةَ قَرابَةِ المَلِكِ، فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن آلِهِ جَمِيعَ قَرابَتِهِ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِنِعَمٍ سابِقَةٍ، ولَيْسَ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا. ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ النُّبُوءَةَ فالتَّشْبِيهُ تامٌّ، وإنْ كانَ المُرادُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ المُلْكَ فالتَّشْبِيهُ في إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى الإطْلاقِ.
وجَعَلَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أبَوَيْنِ لَهُ لِأنَّ لَهُما وِلادَةً عَلَيْهِ، فَهُما أبَواهُ الأعْلَيانِ بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ بِتَمْجِيدِ هَذِهِ النِّعَمِ، وأنَّها كائِنَةٌ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، فَعَلِمُهُ هو عِلْمُهُ بِالنُّفُوسِ الصّالِحَةِ لِهَذِهِ الفَضائِلِ لِأنَّهُ خَلَقَها لِقَبُولِ ذَلِكَ فَعَلِمُهُ بِها سابِقٌ، وحِكْمَتُهُ وضْعُ النِّعَمِ في مَواضِعِها المُناسِبَةِ.
وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِـ إنَّ لِلِاهْتِمامِ لا لِلتَّأْكِيدِ إذْ لا يَشُكُّ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. والِاهْتِمامُ ذَرِيعَةٌ إلى إفادَةِ التَّعْلِيلِ. والتَّفْرِيعُ في ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالثَّناءِ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَأهُّلُهُ لِمِثْلِ تِلْكَ الفَضائِلِ.
يوسف 12:7
صفحة ٢١٨
﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مَبْدَأُ القَصَصِ المَقْصُودِ، إذْ كانَ ما قَبْلَهُ كالمُقَدِّمَةِ لَهُ المُنْبِئَةِ بِنَباهَةِ شَأْنِ صاحِبِ القِصَّةِ، فَلَيْسَ هو مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَحِقَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِهَذا كانَ أُسْلُوبُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَأُسْلُوبِ القَصَصِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا﴾ [يوسف: ٨] نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلّا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص: ٧٠] ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] إلى آخِرِ القِصَّةِ.
والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن (في) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ مُقارَنَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ بِمُقارَنَةِ المَظْرُوفِ لِلظَّرْفِ، أيْ لَقَدْ كانَ شَأْنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ مُقارِنًا لِدَلائِلَ عَظِيمَةٍ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ، والتَّعْرِيفُ بِعَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - وتَقْدِيرِهِ.
والآياتُ: الدَّلائِلُ عَلى ما تَتَطَلَّبُ مَعْرِفَتُهُ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ.
والآياتُ حَقِيقَةٌ في آياتِ الطَّرِيقِ، وهي عَلاماتٌ يَجْعَلُونَها في المَفاوِزِ تَكُونُ بادِيَةً لا تَغْمُرُها الرِّمالُ لِتَكُونَ مُرْشِدَةً لِلسّائِرِينَ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى حُجَجِ الصِّدْقِ، وأدِلَّةِ المَعْلُوماتِ الدَّقِيقَةِ. وجَمْعُ الآياتِ هُنا مُراعًى فِيهِ تَعَدُّدُها وتَعَدُّدُ أنْواعِها، فَفي قِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَلائِلُ عَلى ما لِلصَّبْرِ وحُسْنِ الطَّوِيَّةِ مِن عَواقِبِ الخَيْرِ والنَّصْرِ، أوْ عَلى ما لِلْحَسَدِ والإضْرارِ بِالنّاسِ مِنَ الخَيْبَةِ والِانْدِحارِ والهُبُوطِ.
وفِيها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ، وأنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ، إذْ جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ دُونَ قِراءَةٍ ولا كِتابٍ وذَلِكَ مِنَ المُعْجِزاتِ.
صفحة ٢١٩
وفِي بَلاغَةِ نَظْمِها وفَصاحَتِها مِنَ الإعْجازِ ما هو دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الكَلامَ مِن صُنْعِ اللَّهِ ألْقاهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مُعْجِزَةً لَهُ عَلى قَوْمِهِ أهْلِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ.
والسّائِلُونَ مُرادٌ مِنهم مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ السُّؤالُ عَنِ المَواعِظِ والحِكَمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] . ومِثْلَ هَذا يُسْتَعْمَلُ في كَلامِ العَرَبِ لِلتَّشْوِيقِ، والحَثِّ عَلى تَطَلُّبِ الخَبَرِ والقِصَّةِ. قالَ طَرَفَةُ:
سائِلُوا عَنّا الَّذِي يَعْرِفُنا بِقُوانا يَوْمَ تَحْلاقِ اللِّمَمِ
وقالَ السَّمَوءَلُ أوْ عَبْدُ المَلِكِ الحارِثِيُّ:
سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءً عالِـمٌ وجَـهُـولُ
وقالَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ:
طُلِّقْتِ إنْ لَمْ تَسْألِي أيُّ فارِسٍ ∗∗∗ حَلِيلُكِ إذْ لاقى صُداءً وخَثْعَما
وقالَ أنِيفُ بْنُ زِبّانَ النَّبْهانِيُّ:
فَلَمّا التَقَيْنا بَيْنَ السَّيْفِ بَيْنَنا ∗∗∗ لِسائِلَةٍ عَنّا حَفِيٌّ سُؤالُها
وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في كَلامِهِمْ يَكُونُ تَوْجِيهُهُ إلى ضَمِيرِ الأُنْثى؛ لِأنَّ النِّساءَ يُعْنَيْنَ بِالسُّؤالِ عَنِ الأخْبارِ الَّتِي يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِها، ولَمّا جاءَ القُرْآنُ وكانَتْ أخْبارُهُ الَّتِي يُشَوِّقُ إلى مَعْرِفَتِها أخْبارُ عِلْمٍ وحِكْمَةٍ صَرَفَ ذَلِكَ الِاسْتِعْمالَ عَنِ التَّوْجِيهِ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ، ووَجَّهَ إلى ضَمِيرِ المُذَكَّرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وقَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] .
وقِيلَ المُرادُ بِـ (السّائِلِينَ) اليَهُودُ إذْ سَألَ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ لِلْيَهُودِ مُخالَطَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ.
يوسف 12:8
صفحة ٢٢٠
﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
إذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ كانَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]، فَإنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ مَوْقِعٌ مِن مَواقِعِ الآياتِ فَإنَّ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ حِينَئِذٍ عِبْرَةً مِن عِبَرِ الأخْلاقِ الَّتِي تَنْشَأُ مِن حَسَدِ الإخْوَةِ والأقْرِباءِ، وعِبْرَةٌ مِنَ المُجازَفَةِ في تَغْلِيطِهِمْ أباهم، واسْتِخْفافِهِمْ بِرَأْيهِ غُرُورًا مِنهم، وغَفْلَةً عَنْ مَراتِبِ مُوجِباتِ مَيْلِ الأبِ إلى بَعْضِ أبْنائِهِ. وتِلْكَ الآياتُ قائِمَةٌ في الحِكايَةِ عَنْ ذَلِكَ الزَّمَنِ.
وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم قَوْلُ تَآمُرٍ وتَحاوُرٍ.
وافْتِتاحُ المَقُولِ بِلامِ الِابْتِداءِ المُفِيدَةِ لِلتَّوْكِيدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ.
والمُرادُ: تَوْكِيدُ لازِمِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَن يَشُكُّ في أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى أبِيهِمْ مِن بَقِيَّتِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا سَواءً في الحَسَدِ لَهُما والغَيْرَةِ مِن تَفْضِيلِ أبِيهِمْ إيّاهُما عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَأرادَ بَعْضُهم إقْناعَ بَعْضٍ بِذَلِكَ لِيَتَمالَئُوا عَلى الكَيْدِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ، كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠]؛ فَقائِلُ الكَلامِ بَعْضُ إخْوَتِهِ، أيْ جَماعَةٌ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩] وقَوْلُهم ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١٠] .
وأخُو يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرِيدَ بِهِ (بِنْيامِينَ) وإنَّما خَصُّوهُ بِالأُخُوَّةِ لِأنَّهُ كانَ شَقِيقَهُ، أُمُّهُما (راحِيلُ) بِنْتُ (لابانَ)، وكانَ بَقِيَّةُ إخْوَتِهِ إخْوَةً لِلْأبِ، أُمُّ بَعْضِهِمْ (لَيْئَةُ) بِنْتُ (لابانَ)، وأُمُّ بَعْضِهِمْ (بِلِهَةُ) جارِيَةُ (لَيْئَةَ) وهَبَتْها (لَيْئَةُ) لِزَوْجِها يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وأحَبُّ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ يَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ بِـ ”مِن“، ويَتَعَدّى إلى المُفَضَّلِ عِنْدَهُ بِـ ”إلى“ .
صفحة ٢٢١
ودَعْواهم أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ أحَبُّ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْوى باطِلَةً أثارَ اعْتِقادُها في نُفُوسِهِمْ شِدَّةَ الغَيْرَةِ مِن أفْضَلِيَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ عَلَيْهِمْ في الكَمالاتِ ورُبَّما سَمِعُوا ثَناءَ أبِيهِمْ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ في أعْمالٍ تَصْدُرُ مِنهُما أوْ شاهَدُوهُ يَأْخُذُ بِإشارَتِهِما أوْ رَأوْا مِنهُ شَفَقَةً عَلَيْهِما لِصِغَرِهِما ووَفاةِ أُمِّهِما فَتَوَهَّمُوا مِن ذَلِكَ أنَّهُ أشَدُّ حُبًّا إيّاهُما مِنهم تَوَهُّمًا باطِلًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ دَعْواهم مُطابِقَةً لِلْواقِعِ وتَكُونَ زِيادَةُ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما أمْرًا لا يَمْلِكُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ وِجْدانٌ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤْثِرُهُما عَلَيْهِمْ في المُعامَلاتِ والأُمُورِ الظّاهِرِيَّةِ ويَكُونُ أبْناؤُهُ قَدْ عَلِمُوا فَرْطَ مَحَبَّةِ أبِيهِمْ إيّاهُما مِنَ التَّوَسُّمِ والقَرائِنِ لا مِن تَفْضِيلِهِما في المُعامَلَةِ فَلا يَكُونُ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُؤاخَذًا بِشَيْءٍ يُفْضِي إلى التَّباغُضِ بَيْنَ الإخْوَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (أحَبُّ)، أيْ ونَحْنُ أكْثَرُ عَدَدًا. والمَقْصُودُ مِنَ الحالِ التَّعَجُّبُ مِن تَفْضِيلِهِما في الحُبِّ في حالِ أنَّ رَجاءَ انْتِفاعِهِ مِن إخْوَتِهِما أشَدُّ مِن رَجائِهِ مِنهُما، بِناءً عَلى ما هو الشّائِعُ عِنْدَ عامَّةِ أهْلِ البَدْوِ مِنَ الِاعْتِزازِ بِالكَثْرَةِ، فَظَنُّوا مَدارِكَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُساوِيَةً لِمَدارِكِ الدَّهْماءِ، والعُقُولُ قَلَّما تُدْرِكُ مَراقِي ما فَوْقَها، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ ما يَنْظُرُ إلَيْهِ أهْلُ الكَمالِ مِن أسْبابِ التَّفْضِيلِ غَيْرُ ما يَنْظُرُهُ مَن دُونَهم.
وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلًا لِلتَّعَجُّبِ وتَفْرِيعًا عَلَيْهِ، وضَمِيرُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ لِجَمِيعِ الإخْوَةِ عَدا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخاهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا﴾ . والمَقْصُودُ لازِمُ الخَبَرِ وهو تَجْرِئَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ إتْيانِ العَمَلِ الَّذِي سَيُغْرِيهِمْ بِهِ في قَوْلِهِمُ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٩]، أيْ إنّا لا يُعْجِزُنا الكَيْدُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخِيهِ فَإنّا عُصْبَةُ والعُصْبَةُ يَهُونُ عَلَيْهِمُ العَمَلُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُهُ العَدَدُ القَلِيلُ كَقَوْلِهِ:
صفحة ٢٢٢
﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤]، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنَّ أبانا﴾ تَعْلِيلًا لِلْإغْراءِ وتَفْرِيعًا عَلَيْهِ.
و”العُصْبَةُ“: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، مِثْلَ أسْماءِ الجَماعاتِ، ويُقالُ: العِصابَةُ. قالَ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ: تُطْلَقُ العُصْبَةُ عَلى الجَماعَةِ مِن عَشْرَةٍ إلى أرْبَعِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مِن ثَلاثَةٍ إلى عَشْرَةٍ، وذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ وذَكَرُوا أنَّ في مُصْحَفِ حَفْصَةٍ قَوْلَهُ - تَعالى: ”إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ أرْبَعَةٌ مِنكم“ .
وكانَ أبْناءُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اثْنَيْ عَشَرَ، وهُمُ الأسْباطُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٤٠] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”الضَّلالُ“ إخْطاءُ مَسْلَكِ الصَّوابِ. وإنَّما: أرادَ وأخْطَأ التَّدْبِيرَ لِلْعَيْشِ لا الخَطَأُ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ. والتَّخْطِئَةُ في أحْوالِ الدُّنْيا لا تُنافِي الِاعْتِرافَ لِلْمُخْطِئِ بِالنُّبُوَّةِ.
يوسف 12:9
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ عَنْ غَرَضِ القائِلِينَ مِمّا قالُوهُ فَهَذا المَقْصُودُ لِلْقائِلِينَ. وإنَّما جَعَلُوا لَهُ الكَلامَ السّابِقَ كالمُقَدِّمَةِ لِتَتَأثَّرَ نُفُوسُ السّامِعِينَ فَإذا أُلْقِيَ إلَيْها المَطْلُوبُ كانَتْ سَرِيعَةَ الِامْتِثالِ إلَيْهِ.
وهَذا فَنٌّ مِن صِناعَةِ الخَطابَةِ أنْ يَفْتَتِحَ الخَطِيبُ كَلامَهُ بِتَهْيِئَةِ نُفُوسِ السّامِعِينَ لِتَتَأثَّرَ بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ، فَإنَّ حالَةَ تَأثُّرِ النُّفُوسِ تُغْنِي عَنِ الخَطِيبِ
صفحة ٢٢٣
غِناءَ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِن بَيانِ العِلَلِ والفَوائِدِ، كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ عَشْرَةَ: ”فَلَمّا دَفَنُوا المَيْتَ، وفاتَ قَوْلُ لَيْتَ، أشْرَفَ شَيْخٌ مِن رِباوَةٍ، مُتَأبِّطًا لِهِراوَةٍ، فَقالَ لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ“ . وانْهَلَّ في الخُطَبِ.
والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإرْشادِ. وأرادُوا ارْتِكابَ شَيْءٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ يُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - تَفْرِقَةً لا يُحاوِلُ مِن جَرّائِها اقْتِرابًا بِأنْ يَعْدِمُوهُ أوْ يَنْقُلُوهُ إلى أرْضٍ أُخْرى فَيَهْلَكُ أوْ يُفْتَرَسُ.
وهَذِهِ آيَةٌ مِن عِبَرِ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ وهي التَّخَلُّصُ مِن مُزاحَمَةِ الفاضِلِ بِفَضْلِهِ لِمَن هو دُونَهُ فِيهِ أوْ مُساوِيَهُ بِإعْدامِ صاحِبِ الفَضْلِ وهي أكْبَرُ جَرِيمَةٍ لِاشْتِمالِها عَلى الحَسَدِ، والإضْرارِ بِالغَيْرِ، وانْتِهاكِ ما أمَرَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وهم قَدْ كانُوا أهْلَ دِينٍ ومِن بَيْتِ نُبُوَّةٍ وقَدْ أصْلَحَ اللَّهُ حالَهم مِن بَعْدُ وأثْنى عَلَيْهِمْ وسَمّاهُمُ الأسْباطَ.
وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أوْدِعُوهُ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِهِ بِالمَفْعُولِ فِيهِ لِأنَّ أرْضًا اسْمُ مَكانٍ فَلَمّا كانَ غَيْرَ مَحْدُودٍ وزادَ إبْهامًا بِالتَّنْكِيرِ عُومِلَ مُعامَلَةَ أسْماءِ الجِهاتِ، وهَذا أضْعَفُ الوُجُوهِ. وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ أرْضٌ مَجْهُولَةٌ لِأبِيهِ.
وجَزْمُ (يَخْلُ) في جَوابِ الأمْرِ، أيْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم.
والخُلُوُّ: حَقِيقَتُهُ الفَراغُ. وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا مَجازًا في عَدَمِ التَّوَجُّهِ لِمَن لا يَرْغَبُونَ تَوَجُّهَهُ لَهُ، فَكَأنَّ الوَجْهَ خَلا مِن أشْياءٍ كانَتْ حالَّةً فِيهِ.
واللّامُ في قَوْلِهُ: (لَكم) لامُ العِلَّةِ، أيْ يَخْلُ وجْهُ أبِيكم لِأجْلِكم، بِمَعْنى أنَّهُ يَخْلُو مِمَّنْ عَداكم فَيَنْفَرِدُ لَكم.
صفحة ٢٢٤
وهَذا المَعْنى كِنايَةُ تَلْوِيحٍ عَنْ خُلُوصِ مَحَبَّتِهِ لَهم دُونَ مُشارِكٍ.
وعَطَفَ ﴿وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى (يَخْلُ) لِيَكُونَ مِن جُمْلَةِ الجَوابِ لِلْأمْرِ. فالمُرادُ كَوْنٌ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّلاحِ فِيهِ الصَّلاحَ الدُّنْيَوِيَّ، أيْ صَلاحَ الأحْوالِ في عَيْشِهِمْ مَعَ أبِيهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاحَ الدِّينِيَّ.
وإنَّما لَمْ يُدَبِّرُوا شَيْئًا في إعْدامِ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَفَقَةً عَلَيْهِ لِصِغَرِهِ.
وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمًا) بَيْنَ كانَ وخَبَرِها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ صَلاحَ الحالِ صِفَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ فِيهِمْ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.
وهَذا الأمْرُ صَدَرَ مِن قائِلِهِ وسامِعِيهِ مِنهم قَبْلَ اتِّصافِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ أوْ بِالوِلايَةِ لِأنَّ فِيهِ ارْتِكابَ كَبِيرَةِ القَتْلِ أوِ التَّعْذِيبِ والِاعْتِداءِ، وكَبِيرَةِ العُقُوقِ.
يوسف 12:10
﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ يَلْتَقِطُهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾
فَصْلُ جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ﴾ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَراتِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَذا القائِلُ أحَدُ الإخْوَةِ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ مِنهم.
والعُدُولُ عَنِ اسْمِهِ العَلْمِ إلى التَّنْكِيرِ والوَصْفِيَّةِ لِعَدَمِ الجَدْوى في مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ وإنَّما المُهِمُّ أنَّهُ مِن جَماعَتِهِمْ، وتَجَنُّبًا لِما في اسْمِهِ العَلَمِ مِنَ الثِّقَلِ
صفحة ٢٢٥
اللَّفْظِيِّ الَّذِي لا داعِيَ إلى ارْتِكابِهِ. قِيلَ: إنَّهُ (يَهُوذا) وقِيلَ (شَمْعُونَ) وقِيلَ (رُوبِينَ)، والَّذِي في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ أنَّهُ (راوبِينُ) صَدَّهم عَنْ قَتْلِهِ وأنَّ (يَهُوذا) دَلَّ عَلَيْهِ السَّيّارَةَ كَما في الإصْحاحِ ٣٧ . وعادَةُ القُرْآنِ أنْ لا يَذْكُرَ إلّا اسْمَ المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ دُونَ أسْماءِ الَّذِينَ شَمَلَتْهم، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] .
والإلْقاءُ: الرَّمْيُ.
والغَياباتُ: جَمْعُ غَيابَةٍ، وهي ما غابَ عَنِ البَصَرِ مِن شَيْءٍ. فَيُقالُ: غَيابَةُ الجُبِّ وغَيابَةُ القَبْرِ والمُرادُ قَعْرُ الجُبِّ.
والجُبُّ: البِئْرُ الَّتِي تُحْفَرُ ولا تُطْوى.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ ”غَياباتِ“ بِالجَمْعِ. ومَعْناهُ جِهاتُ تِلْكَ الغَيابَةِ، أوْ يَجْعَلُ الجَمْعَ لِلْمُبالَغَةِ في ماهِيَّةِ الِاسْمِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] وقَرَأ الباقُونَ ﴿فِي غَيابَةِ الجُبِّ﴾ بِالإفْرادِ.
والتَّعْرِيفُ في الجُبِّ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ في غَيابَةِ جُبٍّ مِنَ الجِبابِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ادْخُلِ السُّوقَ. وهو في المَعْنى كالنَّكِرَةِ.
فَلَعَلَّهم كانُوا قَدْ عَهِدُوا جِبابًا كائِنَةً عَلى أبْعادٍ مُتَناسِبَةٍ في طُرُقِ أسْفارِهِمْ يَأْوُونَ إلى قُرْبِها في مَراحِلِهِمْ لِسَقْيِ رَواحِلِهِمْ وشُرْبِهِمْ، وقَدْ تَوَخَّوْا أنْ تَكُونَ طَرائِقُهم عَلَيْها، وأحْسَبُ أنَّها كانَتْ يَنْصَبُّ إلَيْها ماءُ السُّيُولِ، وأنَّها لَمْ تَكُنْ بَعِيدَةَ القَعْرِ حَيْثُ عَلِمُوا أنَّ إلْقاءَهُ في الجُبِّ لا يُهَشِّمُ عِظامَهُ ولا ماءَ فِيهِ فَيُغْرِقُهُ.
و(يَلْتَقِطُهُ) جَوابُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: وألْقُوهُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُلْقُوهُ يَلْتَقِطُهُ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّسَبُّبِ الَّذِي يُفِيدُهُ جَوابُ الأمْرِ إظْهارُ أنَّ ما أشارَ بِهِ
صفحة ٢٢٦
القائِلُ مِن إلْقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيابَةِ جُبٍّ هو أمْثَلُ مِمّا أشارَ بِهِ الآخَرُونَ مِن قَتْلِهِ أوْ تَرْكِهِ بِفَيْفاءَ مُهْلِكَةٍ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ إبْعادُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أبِيهِ إبْعادًا لا يُرْجى بَعْدَهُ تَلاقِيهِما دُونَ إلْحاقِ ضُرِّ الإعْدامِ بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَإنَّ التِقاطَ السَّيّارَةِ إيّاهُ أبْقى لَهُ وأدْخَلُ في الغَرَضِ مِنَ المَقْصُودِ لَهم وهو إبْعادُهُ؛ لِأنَّهُ إذا التَقَطَهُ السَّيّارَةُ أخَذُوهُ عِنْدَهم أوْ باعُوهُ فَزادَ بُعْدًا عَلى بُعْدٍ.
والِالتِقاطُ: تَناوُلُ شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ أوِ الطَّرِيقِ، واسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ مُضاعٍ.
والسَّيّارَةُ: الجَماعَةُ المَوْصُوفَةُ بِحالَةِ السَّيْرِ وكَثْرَتِهِ، فَتَأْنِيثُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ الَّتِي تَسِيرُ مِثْلَ الفَلّاحَةِ والبَحّارَةِ.
والتَّعْرِيفُ فِيهِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ الطَّرِيقَ لا تَخْلُو مِن قَوافِلَ بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ لِلتِّجارَةِ والمِيرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ وألْقُوهُ، أيْ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ إبْعادَهُ عَنْ أبِيهِ فَألْقُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ ولا تَقْتُلُوهُ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِزِيادَةِ التَّرَيُّثِ فِيما أضْمَرُوهُ لَعَلَّهم يَرَوْنَ الرُّجُوعَ عَنْهُ أوْلى مِن تَنْفِيذِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ في شَرْطِهِ بِحَرْفِ الشَّرْطِ وهو (إنْ) إيماءً إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الجَزْمُ بِهِ، فَكانَ هَذا القائِلُ أمْثَلَ الإخْوَةِ رَأيًا وأقْرَبَهم إلى التَّقْوى، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ السَّيّارَةَ يَقْصِدُونَ إلى جَمِيعِ الجِبابِ لِلِاسْتِقاءِ؛ لِأنَّها كانَتْ مُحْتَفَرَةً عَلى مَسافاتِ مَراحِلِ السَّفَرِ. وفي هَذا الرَّأْيِ عِبْرَةٌ في الِاقْتِصادِ مِنَ الِانْتِقامِ والِاكْتِفاءِ بِما يَحْصُلُ بِهِ الغَرَضُ دُونَ إفْراطٍ.
يوسف 12:11
صفحة ٢٢٧
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ سَوْقَ القِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَساؤُلَ السّامِعِ عَمّا جَرى بَعْدَ إشارَةِ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَلْ رَجَعُوا عَمّا بَيَّتُوا وصَمَّمُوا عَلى ما أشارَ بِهِ أخُوهم.
وابْتِداءُ الكَلامِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ يا أبانا يَقْضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهم في خِطابِ الِابْنِ أباهُ.
ولَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَ إخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِن كَيْدِهِمْ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهم بِأنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ ولَكِنَّ حالَهُ في مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ كَحالِ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم، وأتَوْا بِالِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ عَلى نَفْيِ الِائْتِمانِ.
وفِي التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْسَلَهُ إلى إخْوَتِهِ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أوْ بَعْدَ أنْ سَمِعَ لَوْمَهم عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.
وتَرْكِيبُ ما لَكَ لا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ (﴿لا تَأْمَنّا﴾) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِن نُونِ أمِنَ ونُونِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. واخْتَلَفُوا
صفحة ٢٢٨
فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إدْغامٍ مَحْضٍ، وإدْغامٍ بِإشْمامٍ، وإخْفاءٍ بِلا إدْغامٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مَرْجُوحٌ، وأرْجَحُ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ الإدْغامُ بِإشْمامٍ، وهُما طَرِيقَتانِ لِلْكُلِّ ولَيْسا مَذْهَبَيْنِ.
وحَرْفُ (عَلى) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الأمْنِ المَنفِيِّ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِن تَعَلُّقِ الِائْتِمانِ بِمَدْخُولِ (عَلى) .
والنُّصْحُ عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنصُوحِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ غالِبًا وبِنَفْسِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ وجُمْلَةِ (أرْسِلْهُ) . والمَعْنى هُنا: أنَّهم يَعْمَلُونَ ما فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وجُمْلَةُ أرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الإنْكارَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَعْرِفَةِ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و (يَرْتَعِ) قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِياءِ الغائِبِ وكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وكَسْرِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ مُضارِعُ ارْتَعى وهو افْتِعالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ.
فَهُوَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ المَواشِي والبَهائِمِ واسْتُعِيرَ في كَلامِهِمْ لِلْأكْلِ الكَثِيرِ لِأنَّ النّاسَ إذا خَرَجُوا إلى الرِّياضِ والأرْيافِ لِلَّعِبِ والسَّبْقِ تَقْوى شَهْوَةُ الأكْلِ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ أكْلًا ذَرِيعًا فَلِذَلِكَ شَبَّهَ أكْلَهم بِأكْلِ الأنْعامِ. وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسُرُّ أباهم أنْ يَكُونُوا فَرِحِينَ.
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِنُونٍ وسُكُونِ العَيْنِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ وسُكُونِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَتَيْ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ مُضارِعُ رَتَعَ إذا أقامَ في خِصْبٍ وسَعَةٍ مِنَ الطَّعامِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ
صفحة ٢٢٩
هَذا مُسْتَعارٌ مِن رَتَعَتِ الدّابَّةُ إذا أكَلَتْ في المَرْعى حَتّى شَبِعَتْ. فَمُفادُ المَعْنى عَلى التَّأْوِيلَيْنِ واحِدٌ.
واللَّعِبُ: فِعْلٌ أوْ كَلامٌ لا يُرادُ مِنهُ ما شَأْنُهُ أنْ يُرادَ بِمِثْلِهِ نَحْوَ الجَرْيِ والقَفْزِ والسَّبْقِ والمُراعاةِ، نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَظَلَّ العَذارى يَرْتَمِينَ بِشَحْمِها
يَقْصِدُ مِنهُ الِاسْتِجْمامَ ودَفْعَ السَّآمَةِ. وهو مُباحٌ في الشَّرائِعِ كُلِّها إذا لَمْ يَصِرْ دَأبًا. فَلا وجْهَ لِتَساؤُلِ صاحِبِ الكَشّافِ عَنِ اسْتِجازَةِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُمُ اللَّعِبَ.
والَّذِينَ قَرَأُوا ”نَرْتَعْ“ بِنُونِ المُشارَكَةِ قَرَأُوا ”ونَلْعَبْ“ بِالنُّونِ أيْضًا.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِثْلَ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ . والتَّأْكِيدُ فِيهِما لِلتَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِأبِيهِمْ مَنزِلَةَ الشّاكِّ في أنَّهم يَحْفَظُونَهُ ويَنْصَحُونَهُ كَما نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ لا يَأْذَنُ لَهُ بِالخُرُوجِ مَعَهم لِلرَّعْيِ ونَحْوِهِ.
وتَقْدِيمُ لَهُ في ﴿لَهُ لَناصِحُونَ﴾ و﴿لَهُ لَحافِظُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ الرِّعايَةِ لِلْفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ظاهِرِ الأمْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ؛ جَعَلُوا أنْفُسَهم لِفَرْطِ عِنايَتِهِمْ بِهِ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَحْفَظُ غَيْرَهُ ولا يَنْصَحُ غَيْرَهُ.
وفِي هَذا القَوْلِ الَّذِي تَواطَأُوا عَلَيْهِ عِنْدَ أبِيهِمْ عِبْرَةٌ مِن تَواطُؤِ أهْلِ الغَرَضِ الواحِدِ عَلى التَّحَيُّلِ لِنَصْبِ الأحابِيلِ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ دَنِيءٍ، وكَيْفَ ابْتَدَأُوا بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عَدَمِ أمْنِهِ إيّاهم عَلى أخِيهِمْ وإظْهارُ أنَّهم نُصَحاءُ لَهُ، وحَقَّقُوا ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ثُمَّ أظْهَرُوا أنَّهم ما حَرَصُوا إلّا عَلى فائِدَةِ أخِيهِمْ وأنَّهم حافِظُونَ لَهُ وأكَّدُوا ذَلِكَ أيْضًا.
يوسف 12:12
صفحة ٢٢٧
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعِ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ سَوْقَ القِصَّةِ يَسْتَدْعِي تَساؤُلَ السّامِعِ عَمّا جَرى بَعْدَ إشارَةِ أخِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وهَلْ رَجَعُوا عَمّا بَيَّتُوا وصَمَّمُوا عَلى ما أشارَ بِهِ أخُوهم.
وابْتِداءُ الكَلامِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَوْلِهِمْ يا أبانا يَقْضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهم في خِطابِ الِابْنِ أباهُ.
ولَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لا يَأْذَنُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَ إخْوَتِهِ لِلرَّعْيِ أوْ لِلسَّبْقِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن أنْ يُصِيبَهُ سُوءٌ مِن كَيْدِهِمْ أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ يُصَرِّحُ لَهم بِأنَّهُ لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ ولَكِنَّ حالَهُ في مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ كَحالِ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ فَنَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم، وأتَوْا بِالِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في الإنْكارِ عَلى نَفْيِ الِائْتِمانِ.
وفِي التَّوْراةِ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْسَلَهُ إلى إخْوَتِهِ وكانُوا قَدْ خَرَجُوا يَرْعَوْنَ، وإذا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيفًا فَلَعَلَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ، أوْ بَعْدَ أنْ سَمِعَ لَوْمَهم عَلَيْهِ سَمَحَ لَهُ بِذَلِكَ.
وتَرْكِيبُ ما لَكَ لا تَفْعَلُ. تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] في سُورَةِ يُونُسَ، وانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ بَراءَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] في سُورَةِ النِّساءِ.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَةِ (﴿لا تَأْمَنّا﴾) بِنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ مِن نُونِ أمِنَ ونُونِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ. واخْتَلَفُوا
صفحة ٢٢٨
فِي كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِهَذِهِ النُّونِ بَيْنَ إدْغامٍ مَحْضٍ، وإدْغامٍ بِإشْمامٍ، وإخْفاءٍ بِلا إدْغامٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ مَرْجُوحٌ، وأرْجَحُ الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ الإدْغامُ بِإشْمامٍ، وهُما طَرِيقَتانِ لِلْكُلِّ ولَيْسا مَذْهَبَيْنِ.
وحَرْفُ (عَلى) الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ الأمْنِ المَنفِيِّ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِن تَعَلُّقِ الِائْتِمانِ بِمَدْخُولِ (عَلى) .
والنُّصْحُ عَمَلٌ أوْ قَوْلٌ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمَنصُوحِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى بِاللّامِ غالِبًا وبِنَفْسِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَتَيْ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ وجُمْلَةِ (أرْسِلْهُ) . والمَعْنى هُنا: أنَّهم يَعْمَلُونَ ما فِيهِ نَفْعٌ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وجُمْلَةُ أرْسِلْهُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الإنْكارَ المُتَقَدِّمَ يُثِيرُ تَرَقُّبَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِمَعْرِفَةِ ما يُرِيدُونَ مِنهُ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
و (يَرْتَعِ) قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ بِياءِ الغائِبِ وكَسْرِ العَيْنِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وكَسْرِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ مُضارِعُ ارْتَعى وهو افْتِعالٌ مِنَ الرَّعْيِ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ.
فَهُوَ حَقِيقَةٌ في أكْلِ المَواشِي والبَهائِمِ واسْتُعِيرَ في كَلامِهِمْ لِلْأكْلِ الكَثِيرِ لِأنَّ النّاسَ إذا خَرَجُوا إلى الرِّياضِ والأرْيافِ لِلَّعِبِ والسَّبْقِ تَقْوى شَهْوَةُ الأكْلِ فِيهِمْ فَيَأْكُلُونَ أكْلًا ذَرِيعًا فَلِذَلِكَ شَبَّهَ أكْلَهم بِأكْلِ الأنْعامِ. وإنَّما ذَكَرُوا ذَلِكَ لِأنَّهُ يَسُرُّ أباهم أنْ يَكُونُوا فَرِحِينَ.
وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِنُونٍ وسُكُونِ العَيْنِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ وسُكُونِ العَيْنِ وهو عَلى قِراءَتَيْ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ مُضارِعُ رَتَعَ إذا أقامَ في خِصْبٍ وسَعَةٍ مِنَ الطَّعامِ. والتَّحْقِيقُ أنَّ
صفحة ٢٢٩
هَذا مُسْتَعارٌ مِن رَتَعَتِ الدّابَّةُ إذا أكَلَتْ في المَرْعى حَتّى شَبِعَتْ. فَمُفادُ المَعْنى عَلى التَّأْوِيلَيْنِ واحِدٌ.
واللَّعِبُ: فِعْلٌ أوْ كَلامٌ لا يُرادُ مِنهُ ما شَأْنُهُ أنْ يُرادَ بِمِثْلِهِ نَحْوَ الجَرْيِ والقَفْزِ والسَّبْقِ والمُراعاةِ، نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَظَلَّ العَذارى يَرْتَمِينَ بِشَحْمِها
يَقْصِدُ مِنهُ الِاسْتِجْمامَ ودَفْعَ السَّآمَةِ. وهو مُباحٌ في الشَّرائِعِ كُلِّها إذا لَمْ يَصِرْ دَأبًا. فَلا وجْهَ لِتَساؤُلِ صاحِبِ الكَشّافِ عَنِ اسْتِجازَةِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُمُ اللَّعِبَ.
والَّذِينَ قَرَأُوا ”نَرْتَعْ“ بِنُونِ المُشارَكَةِ قَرَأُوا ”ونَلْعَبْ“ بِالنُّونِ أيْضًا.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِثْلَ ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ . والتَّأْكِيدُ فِيهِما لِلتَّحْقِيقِ تَنْزِيلًا لِأبِيهِمْ مَنزِلَةَ الشّاكِّ في أنَّهم يَحْفَظُونَهُ ويَنْصَحُونَهُ كَما نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ مَن لا يَأْمَنُهم عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ لا يَأْذَنُ لَهُ بِالخُرُوجِ مَعَهم لِلرَّعْيِ ونَحْوِهِ.
وتَقْدِيمُ لَهُ في ﴿لَهُ لَناصِحُونَ﴾ و﴿لَهُ لَحافِظُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأجْلِ الرِّعايَةِ لِلْفاصِلَةِ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ظاهِرِ الأمْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ؛ جَعَلُوا أنْفُسَهم لِفَرْطِ عِنايَتِهِمْ بِهِ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَحْفَظُ غَيْرَهُ ولا يَنْصَحُ غَيْرَهُ.
وفِي هَذا القَوْلِ الَّذِي تَواطَأُوا عَلَيْهِ عِنْدَ أبِيهِمْ عِبْرَةٌ مِن تَواطُؤِ أهْلِ الغَرَضِ الواحِدِ عَلى التَّحَيُّلِ لِنَصْبِ الأحابِيلِ لِتَحْصِيلِ غَرَضٍ دَنِيءٍ، وكَيْفَ ابْتَدَأُوا بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ عَدَمِ أمْنِهِ إيّاهم عَلى أخِيهِمْ وإظْهارُ أنَّهم نُصَحاءُ لَهُ، وحَقَّقُوا ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، ثُمَّ أظْهَرُوا أنَّهم ما حَرَصُوا إلّا عَلى فائِدَةِ أخِيهِمْ وأنَّهم حافِظُونَ لَهُ وأكَّدُوا ذَلِكَ أيْضًا.
يوسف 12:13
صفحة ٢٣٠
﴿قالَ إنِّي لَيُحْزِنُنِيَ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ) جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
أظْهَرَ لَهم سَبَبَ امْتِناعِهِ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم إلى الرِّيفِ بِأنَّهُ يُحْزِنُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ أيّامًا، وبِأنَّهُ يَخْشى عَلَيْهِ الذِّئابَ، إذْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ غُلامًا، وكانَ قَدْ رُبِّيَ في دَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنا بِمُقاوَمَةِ الوُحُوشِ، والذِّئابُ تَجْتَرِئُ عَلى الَّذِي تُحِسُّ مِنهُ ضَعْفًا في دِفاعِها. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:
والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَـرَرْتُ بِـهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وقالَ الفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ ذِئْبًا:
فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَكَشَّرَ ضاحِكًـا ∗∗∗ وقائِمُ سَيْفِي مِن يَدِي بِمَـكَـانِ
تَعِشْ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونَنِـي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
فَذِئابُ بادِيَةِ الشّامِ كانَتْ أشَدَّ خُبْثًا مِن بَقِيَّةِ الذِّئابِ، ولَعَلَّها كانَتْ كَذِئابِ بِلادِ الرُّوسِ. والعَرَبُ يَقُولُونَ: إنَّ الذِّئْبَ إذا حُورِبَ ودافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى عَضَّ الإنْسانَ وأسالَ دَمَهُ أنَّهُ يَضْرى حِينَ يَرى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلى الإنْسانِ، قالَ:
فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ
وقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئابِ فَتَكُونُ أشَدَّ خَطَرًا عَلى الواحِدِ مِنَ النّاسِ والصَّغِيرِ.
صفحة ٢٣١
والتَّعْرِيفُ في الذِّئْبِ تَعْرِيفُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ، ويُسَمّى تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وهو هَنا مُرادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِن نَوْعِ الذِّئْبِ أوْ جَماعَةٍ مِنهُ، ولَيْسَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ مِن أحْوالِ الذَّواتِ لا مِن أحْوالِ الجِنْسِ، لَكِنَّ المُرادَ أيَّةُ ذاتٍ مِن هَذا الجِنْسِ دُونَ تَعْيِينٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أيْ فَرْدٍ مِنَ الحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقَرِينَةُ إرادَةِ الفَرْدِ دُونَ الجِنْسِ إسْنادُ حَمْلِ الأسْفارِ إلَيْهِ لِأنَّ الجِنْسَ لا يَحْمِلُ. ومِنهُ قَوْلُهم: ”ادْخُلِ السُّوقَ“ إذا أرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الأسْواقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُكَ: ادْخُلْ، قَرِينَةٌ عَلى ما ذُكِرَ. وهَذا التَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِالنَّكِرَةِ في المَعْنى إلّا أنَّهُ مُرادٌ بِهِ فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ التَّعْرِيفُ بِعَلَمِ الجِنْسِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ اللّامِ وبَيْنَ المُنْكَرِ كالفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الجِنْسِ والنَّكِرَةِ.
فالمَعْنى: أخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، أيْ يَقْتُلَهُ فَيَأْكُلُ مِنهُ فَإنَّكم تَبْعُدُونَ عَنْهُ، لِما يَعْلَمُ مِن إمْعانِهِمْ في اللَّعِبِ والشُّغْلِ بِاللَّهْوِ والمُسابَقَةِ، فَتَجْتَرِئُ الذِّئابُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والذِّئْبُ: حَيَوانٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الكَلْبِيَّةِ، وهو كَلْبٌ بَرِّيٌّ وحْشِيٌّ. مِن خُلُقِهِ الِاحْتِيالُ والنُّفُورُ. وهو يَفْتَرِسُ الغَنَمَ. وإذا قاتَلَ الإنْسانَ فَجَرَحَهُ ورَأى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرى بِهِ فَرُبَّما مَزَّقَهُ.
وإنَّما ذَكَرَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَهابَهم بِهِ غَدًا يُحْدِثُ بِهِ حُزْنًا مُسْتَقْبَلًا لِيَصْرِفَهم عَنِ الإلْحاحِ في طَلَبِ الخُرُوجِ بِهِ لِأنَّ شَأْنَ الِابْنِ البارِّ أنْ يَتَّقِيَ ما يُحْزِنُ أباهُ.
صفحة ٢٣٢
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِقَطْعِ إلْحاحِهِمْ بِتَحْقِيقِ أنَّ حُزْنَهُ لِفِراقِهِ ثابِتٌ، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ، إذْ رَأى إلْحاحَهم. ويَسْرِي التَّأْكِيدُ إلى جُمْلَةِ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ .
فَأبَوْا إلّا المُراجَعَةَ قالُوا ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ .
واللّامُ في لَئِنْ أكَلَهُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، أرادُوا تَأْكِيدَ الجَوابِ بِاللّامِ وإنْ ولامِ الِابْتِداءِ وإذَنِ الجَوابِيَّةِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ خُسْرانِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ. والمُرادُ: الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ تَفْرِيطِهِمْ فِيهِ وعَنْ حِفْظِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ المَرْءَ لا يَرْضى أنْ يُوصَفَ بِالخُسْرانِ.
والمُرادُ بِالخُسْرانِ: انْتِفاءُ النَّفْعِ المَرْجُوِّ مِنَ الرِّجالِ، اسْتَعارُوا لَهُ انْتِفاءَ نَفْعِ التّاجِرِ مِن تَجْرِهِ، وهو خَيْبَةٌ مَذْمُومَةٌ، أيْ إنّا إذَنْ لَمَسْلُوبُونَ مِن صِفاتِ الفُتُوَّةِ مِن قُوَّةٍ ومَقْدِرَةٍ ويَقَظَةٍ. فَكَوْنُهم عُصْبَةً يَحُولُ دُونَ تَواطِيهِمْ عَلى ما يُوجِبُ الخُسْرانَ لِجَمِيعِهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى العُصْبَةِ آنِفًا. وفي هَذا عِبْرَةٌ مِن مِقْدارِ إظْهارِ الصَّلاحِ مَعَ اسْتِبْطانِ الضُّرِّ والإهْلاكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِ هَمْزَةِ الذِّئْبِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ، والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً. وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ نُسِبَ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ إلى خَلَفٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وذَلِكَ لا يُعْرَفُ في كُتُبِ القِراءاتِ. وفي البَيْضاوِيُّ أنَّ أبا عَمْرٍو أظْهَرَ الهَمْزَةَ في التَّوَقُّفِ، وأنَّ حَمْزَةَ أظْهَرَها في الوَصْلِ.
يوسف 12:14
صفحة ٢٣٠
﴿قالَ إنِّي لَيُحْزِنُنِيَ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ) جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ.
أظْهَرَ لَهم سَبَبَ امْتِناعِهِ مِن خُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهم إلى الرِّيفِ بِأنَّهُ يُحْزِنُهُ لِبُعْدِهِ عَنْهُ أيّامًا، وبِأنَّهُ يَخْشى عَلَيْهِ الذِّئابَ، إذْ كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ غُلامًا، وكانَ قَدْ رُبِّيَ في دَعَةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُرِّنا بِمُقاوَمَةِ الوُحُوشِ، والذِّئابُ تَجْتَرِئُ عَلى الَّذِي تُحِسُّ مِنهُ ضَعْفًا في دِفاعِها. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبْعٍ الفَزارِيُّ يَشْكُو ضَعْفَ الشَّيْخُوخَةِ:
والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَـرَرْتُ بِـهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وقالَ الفَرَزْدَقُ يَذْكُرُ ذِئْبًا:
فَقُلْتُ لَهُ لَمّا تَكَشَّرَ ضاحِكًـا ∗∗∗ وقائِمُ سَيْفِي مِن يَدِي بِمَـكَـانِ
تَعِشْ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونَنِـي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
فَذِئابُ بادِيَةِ الشّامِ كانَتْ أشَدَّ خُبْثًا مِن بَقِيَّةِ الذِّئابِ، ولَعَلَّها كانَتْ كَذِئابِ بِلادِ الرُّوسِ. والعَرَبُ يَقُولُونَ: إنَّ الذِّئْبَ إذا حُورِبَ ودافَعَ عَنْ نَفْسِهِ حَتّى عَضَّ الإنْسانَ وأسالَ دَمَهُ أنَّهُ يَضْرى حِينَ يَرى الدَّمَ فَيَسْتَأْسِدُ عَلى الإنْسانِ، قالَ:
فَكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ
وقَدْ يَتَجَمَّعُ سِرْبٌ مِنَ الذِّئابِ فَتَكُونُ أشَدَّ خَطَرًا عَلى الواحِدِ مِنَ النّاسِ والصَّغِيرِ.
صفحة ٢٣١
والتَّعْرِيفُ في الذِّئْبِ تَعْرِيفُ الحَقِيقَةِ والطَّبِيعَةِ، ويُسَمّى تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وهو هَنا مُرادٌ بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِن نَوْعِ الذِّئْبِ أوْ جَماعَةٍ مِنهُ، ولَيْسَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ بِقَرِينَةِ أنَّ الأكْلَ مِن أحْوالِ الذَّواتِ لا مِن أحْوالِ الجِنْسِ، لَكِنَّ المُرادَ أيَّةُ ذاتٍ مِن هَذا الجِنْسِ دُونَ تَعْيِينٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥] أيْ فَرْدٍ مِنَ الحَمِيرِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وقَرِينَةُ إرادَةِ الفَرْدِ دُونَ الجِنْسِ إسْنادُ حَمْلِ الأسْفارِ إلَيْهِ لِأنَّ الجِنْسَ لا يَحْمِلُ. ومِنهُ قَوْلُهم: ”ادْخُلِ السُّوقَ“ إذا أرَدْتَ فَرْدًا مِنَ الأسْواقِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وقَوْلُكَ: ادْخُلْ، قَرِينَةٌ عَلى ما ذُكِرَ. وهَذا التَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِالنَّكِرَةِ في المَعْنى إلّا أنَّهُ مُرادٌ بِهِ فَرْدٌ مِنَ الجِنْسِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّعْرِيفِ بِاللّامِ التَّعْرِيفُ بِعَلَمِ الجِنْسِ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ اللّامِ وبَيْنَ المُنْكَرِ كالفَرْقِ بَيْنَ عَلَمِ الجِنْسِ والنَّكِرَةِ.
فالمَعْنى: أخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، أيْ يَقْتُلَهُ فَيَأْكُلُ مِنهُ فَإنَّكم تَبْعُدُونَ عَنْهُ، لِما يَعْلَمُ مِن إمْعانِهِمْ في اللَّعِبِ والشُّغْلِ بِاللَّهْوِ والمُسابَقَةِ، فَتَجْتَرِئُ الذِّئابُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والذِّئْبُ: حَيَوانٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الكَلْبِيَّةِ، وهو كَلْبٌ بَرِّيٌّ وحْشِيٌّ. مِن خُلُقِهِ الِاحْتِيالُ والنُّفُورُ. وهو يَفْتَرِسُ الغَنَمَ. وإذا قاتَلَ الإنْسانَ فَجَرَحَهُ ورَأى عَلَيْهِ الدَّمَ ضَرى بِهِ فَرُبَّما مَزَّقَهُ.
وإنَّما ذَكَرَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَهابَهم بِهِ غَدًا يُحْدِثُ بِهِ حُزْنًا مُسْتَقْبَلًا لِيَصْرِفَهم عَنِ الإلْحاحِ في طَلَبِ الخُرُوجِ بِهِ لِأنَّ شَأْنَ الِابْنِ البارِّ أنْ يَتَّقِيَ ما يُحْزِنُ أباهُ.
صفحة ٢٣٢
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِقَطْعِ إلْحاحِهِمْ بِتَحْقِيقِ أنَّ حُزْنَهُ لِفِراقِهِ ثابِتٌ، تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ، إذْ رَأى إلْحاحَهم. ويَسْرِي التَّأْكِيدُ إلى جُمْلَةِ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ .
فَأبَوْا إلّا المُراجَعَةَ قالُوا ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ .
واللّامُ في لَئِنْ أكَلَهُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، أرادُوا تَأْكِيدَ الجَوابِ بِاللّامِ وإنْ ولامِ الِابْتِداءِ وإذَنِ الجَوابِيَّةِ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ خُسْرانِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الشَّرْطِ. والمُرادُ: الكِنايَةُ عَنْ عَدَمِ تَفْرِيطِهِمْ فِيهِ وعَنْ حِفْظِهِمْ إيّاهُ لِأنَّ المَرْءَ لا يَرْضى أنْ يُوصَفَ بِالخُسْرانِ.
والمُرادُ بِالخُسْرانِ: انْتِفاءُ النَّفْعِ المَرْجُوِّ مِنَ الرِّجالِ، اسْتَعارُوا لَهُ انْتِفاءَ نَفْعِ التّاجِرِ مِن تَجْرِهِ، وهو خَيْبَةٌ مَذْمُومَةٌ، أيْ إنّا إذَنْ لَمَسْلُوبُونَ مِن صِفاتِ الفُتُوَّةِ مِن قُوَّةٍ ومَقْدِرَةٍ ويَقَظَةٍ. فَكَوْنُهم عُصْبَةً يَحُولُ دُونَ تَواطِيهِمْ عَلى ما يُوجِبُ الخُسْرانَ لِجَمِيعِهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى العُصْبَةِ آنِفًا. وفي هَذا عِبْرَةٌ مِن مِقْدارِ إظْهارِ الصَّلاحِ مَعَ اسْتِبْطانِ الضُّرِّ والإهْلاكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِ هَمْزَةِ الذِّئْبِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ، والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً. وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ نُسِبَ تَخْفِيفُ الهَمْزَةِ إلى خَلَفٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وذَلِكَ لا يُعْرَفُ في كُتُبِ القِراءاتِ. وفي البَيْضاوِيُّ أنَّ أبا عَمْرٍو أظْهَرَ الهَمْزَةَ في التَّوَقُّفِ، وأنَّ حَمْزَةَ أظْهَرَها في الوَصْلِ.
يوسف 12:15
صفحة ٢٣٣
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنَّ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾
تَفْرِيعُ حِكايَةِ الذَّهابِ بِهِ والعَزْمِ عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ عَلى حِكايَةِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنِيهِ في مُحاوَلَةِ الخُرُوجِ بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى البادِيَةِ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ فِيها ذِكْرُ أنَّهم ألَحُّوا عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أقْنَعُوهُ فَأذِنَ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُرُوجِ مَعَهم، وهو إيجازٌ.
والمَعْنى: فَلَمّا أجابَهم يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى ما طَلَبُوا ذَهَبُوا بِهِ وبَلَغُوا المَكانَ الَّذِي فِيهِ الجُبُّ.
وفِعْلُ ”أجْمَعَ“ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ. ومَعْناهُ: صَمَّمَ عَلى الفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: أنْ يَجْعَلُوهُ هو مَفْعُولُ (وأجْمَعُوا) .
وجَوابُ ”لَمّا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ”أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ“، والتَّقْدِيرُ: جَعَلُوهُ في الجُبِّ. ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. وهو مِنَ الإيجازِ الخاصِّ بِالقُرْآنِ فَهو تَقْلِيلٌ في اللَّفْظِ لِظُهُورِ المَعْنى.
وجُمْلَةُ ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَياباتِ الجُبِّ﴾؛ لِأنَّ هَذا المُوحى مِن مُهِمِّ عِبَرِ القِصَّةِ.
وقِيلَ: الواوُ مَزِيدَةٌ وجُمْلَةُ (أوْحَيْنا) هو جَوابُ ”لَمّا“، وقَدْ قِيلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى
. . . البَيْتَ.
وقِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] الآيَةَ، وفي جَمِيعِ ذَلِكَ نَظَرٌ.
صفحة ٢٣٤
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (إلَيْهِ) عائِدٌ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ مُقْتَصِرِينَ عَلَيْهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ قِيلَ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وجُمْلَةُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ أوْحَيْنا. وأُكِّدَتْ بِاللّامِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها سَواءً كانَ المُرادُ مِنها الإخْبارُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ أوِ الأمْرِ في الحالِ. فَعَلى الأوَّلِ فَهَذا الوَحْيُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْهامًا ألْقاهُ اللَّهُ في نَفْسِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ كَيْدِهِمْ لَهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ وحْيٌ بِواسِطَةِ المَلَكِ فَيَكُونُ إرْهاصًا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ النُّبُوَّةِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ كَرْبَهُ، فَأعْلَمَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُهُ مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ وتَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ عَلى الَّذِينَ كادُوا لَهُ، وإيذانٌ بِأنَّهُ سَيُؤانِسُهُ في وحْشَةِ الجُبِّ بِالوَحْيِ والبِشارَةِ، وبِأنَّهُ سَيُنَبِّئُ في المُسْتَقْبَلِ إخْوَتَهُ بِما فَعَلُوهُ مَعَهُ كَما تُؤْذِنُ بِهِ نُونُ التَّوْكِيدِ إذا اقْتَرَنَتْ بِالجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَجاتَهُ وتَمَكُّنَهُ مِن إخْوَتِهِ لِأنَّ الإنْباءَ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في حالِ تَمَكُّنٍ مِنهم وأمْنٍ مِن شَرِّهِمْ.
ومَعْنى بِأمْرِهِمْ: بِفِعْلِهِمُ العَظِيمِ في الإساءَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ لَتُخْبِرَنَّهم بِما فَعَلُوا بِكَ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ أخُوهم بَلْ في حالَةِ يَحْسَبُونَهُ مُطَّلِعًا عَلى المُغَيَّباتِ مُتَكَهِّنًا بِها، وذَلِكَ إخْبارٌ بِما وقَعَ بَعْدَ سِنِينَ مِمّا حُكِيَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] الآيَتَيْنِ.
وعَلى احْتِمالِ عَوْدِ ضَمِيرِ إلَيْهِ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالوَحْيُ هو إلْقاءُ اللَّهِ إلَيْهِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، والواوُ أظْهَرُ في العَطْفِ حِينَئِذٍ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ إلى آخِرِها ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ. و(﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾) أمْرٌ، أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ نَبِّئْهم بِأمْرِهِمْ هَذا، أيْ أشْعَرِهِمْ بِما كادُوا لِيُوسُفَ
صفحة ٢٣٥
- عَلَيْهِ السَّلامُ -، إشْعارًا بِالتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] .
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ حالٌ مِن ضَمِيرِ جَمْعِ الغائِبِينَ، أيْ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّنا أوْحَيْنا إلَيْهِ بِذَلِكَ.
وهَذا الجُبُّ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَعَ في التَّوْراةِ أنَّهُ في أرْضِ (دَوْثانَ)، ودَوْثانَ كانَتْ مَدِينَةً حَصِينَةً وصارَتْ خَرابًا. والمُرادُ: أنَّهُ كانَتْ حَوْلَهُ صَحْراءُ هي مَرْعى ومَرْبَعٌ. ووَصْفُ الجُبِّ يَقْتَضِي أنَّهُ عَلى طَرِيقِ القَوافِلِ. واتَّفَقَ واصِفُو الجُبِّ عَلى أنَّهُ بَيْنَ (بانْياسَ) و(طَبَرِيَّةَ) . وأنَّهُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِن طَبَرِيَّةَ مِمّا يَلِي دِمَشْقَ، وأنَّهُ قُرْبَ قَرْيَةٍ يُقالُ لَها (سَنْجَلُ) أوْ (سَنْجِيلُ) . قالَ قُدامَةُ: هي طَرِيقُ البَرِيدِ بَيْنَ بَعْلَبَكَّ وطَبَرِيَّةَ.
ووَصَفَها المُتَأخِّرُونَ بِالضَّبْطِ المَأْخُوذِ مِنَ الأوْصافِ التّارِيخِيَّةِ القَدِيمَةِ أنَّهُ الطَّرِيقُ الكُبْرى بَيْنَ الشّامِ ومِصْرَ. وكانَتْ تَجْتازُ الأُرْدُنَّ تَحْتَ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ وتَمُرُّ عَلى (دَوْثانَ) وكانَتْ تَسْلُكُها قَوافِلُ العَرَبِ الَّتِي تَحْمِلُ الأطْيابَ إلى المَشْرِقِ، وفي هَذِهِ الطَّرِيقِ جِبابٌ كَثِيرَةٌ في دَوْثانَ. وجُبُّ يُوسُفَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ طَبَرِيَّةَ وصَفَدَ، بُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ في زَمَنِ الدَّوْلَةِ الأيُّوبِيَّةِ بِحَسَبِ التَّوَسُّمِ وهي قائِمَةٌ إلى الآنَ.
يوسف 12:16
﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] عَطْفُ جُزْءِ القِصَّةِ.
صفحة ٢٣٦
والعِشاءُ: وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الباقِي مِن بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها.
والبُكاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ العَيْنَيْنِ عِنْدَ الحُزْنِ والأسَفِ والقَهْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] . وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البُكاءِ المُصْطَنَعِ وهو التَّباكِي. وإنَّما اصْطَنَعُوا البُكاءَ تَمْوِيهًا عَلى أبِيهِمْ لِئَلّا يَظُنُّ بِهِمْ أنَّهُمُ اغْتالُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى البُكاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدانِ مُوجِبِهِ، وفي النّاسِ عَجائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ والكَيْدِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَتَأثَّرُ أعْصابُهم بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ ومُحاكاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ ما يَعْتَرِي النّاسَ بِالحَقِيقَةِ.
وبَعْضُ المُتَظَلِّمِينَ بِالباطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وفِطْنَةُ الحاكِمِ لا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحِيَلِ ولا تَنُوطُ بِها حُكْمًا، وإنَّما يُناطُ الحُكْمُ بِالبَيِّنَةِ.
جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ وكانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وأظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنانِ لِدَعْواها، فَقِيلَ لَهُ: أما تَراها تَبْكِي ؟ فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهم عِشاءً يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. ومِنَ الخَلْقِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ومِنهم مَن يَقْدِرُ.
قُلْتُ: ومِنَ الأمْثالِ (دُمُوعُ الفاجِرِ بِيَدَيْهِ) وهَذِهِ عِبْرَةٌ في هَذِهِ العِبْرَةِ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ وهو هُنا بِمَعْنى التَّسابُقِ قالَ في الكَشّافِ: والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ، والِارْتِماءِ والتَّرامِي، أيْ فَهو بِمَعْنى المُفاعَلَةِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: السِّباقُ أيْضًا. كَما يُقالُ النِّضالُ والرِّماءُ.
والمُرادُ: الِاسْتِباقُ بِالجَرْيِ عَلى الأرْجُلِ، وذَلِكَ مِن مَرَحِ الشَّبابِ ولَعِبِهِمْ.
والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ثَقَلُهم مِنَ الثِّيابِ والآنِيَةِ والزّادِ.
صفحة ٢٣٧
ومَعْنى ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَتَلَهُ وأكَلَ مِنهُ، وفِعْلُ الأكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بَعْضُهُ. يُقالُ: أكَلَهُ الأسَدُ إذا أكَلَ مِنهُ. قالَ - تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ عَنْ أنْ يُؤْكَلَ مِنها، أيْ بِقَتْلِها.
ومِن كَلامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أبُو لُؤْلُؤَةَ ”أكَلَنِي الكَلْبُ“، أيْ عَضَّنِي.
والمُرادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئابِ عَلى ما عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]؛ بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئابُ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنّاهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ. وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما ادَّعَوْهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أباهم لا يُصَدِّقُهم فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إيّاهم.
وفِعْلُ الإيمانِ يُعَدّى بِاللّامِ إلى المُصَدَّقِ بِفَتْحِ الدّالِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] . وتَقَدَمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فالواوُ واوُ الحالِ. (ولَوِ) اتِّصالِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَها هو أبْعَدُ الأحْوالِ عَنْ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها في ذَلِكَ الحالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ انْتِفاءَ إيمانِكَ لَنا في الحالَيْنِ فَلا نَطْمَعُ أنَّ نُمَوِّهَ عَلَيْكَ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هو ضِدُّ الشَّرْطِ المَنطُوقِ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى جَعْلِ الواوِ لِلْحالِ مَعَ ”لَوْ وإنْ“ الوَصْلِيَّتَيْنِ ولَيْسَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي:
وإنِّي وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ لَآتٍ بِما لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأوائِلُ
كَيْفَ لا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إنِّي إنْ كُنْتُ المُتَقَدِّمَ زَمانُهُ بَلْ وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ، فَشَرْطُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةُ و(إنْ) الوَصْلِيَّةُ لَيْسَ لَهُما مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ؛
صفحة ٢٣٨
لِأنَّ الشَّرْطَ مَعَهُما لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] في مَوْضِعِ الحالِ. ولَمّا كانَ الدَّمُ مُلَطَّخًا بِهِ القَمِيصُ وكانُوا قَدْ جاءُوا مُصاحِبِينَ لِلْقَمِيصِ فَقَدْ جاءُوا بِالدَّمِ عَلى القَمِيصِ.
ووَصَفُ الدَّمِ بِالكَذِبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَصْدَرُ هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ مَكْذُوبٍ كَوْنُهُ دَمَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو دَمُ جَدْيٍ، فَهو دَمٌ حَقًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ الدَّمُ المَزْعُومُ. ولا شَكَّ في أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا كَيْفِيَّةً مِن كَيْفِيّاتِ تَمْوِيهِ الدَّمِ وحالَةِ القَمِيصِ بِحالِ قَمِيصِ مَن يَأْكُلُهُ الذِّئْبُ مِن آثارِ تَخْرِيقٍ وتَمْزِيقٍ مِمّا لا تَخْلُو عَنْهُ حالَةُ افْتِراسِ الذِّئْبِ، وأنَّهم أفْطَنُ مِن أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ وهم عُصْبَةٌ لا يَعْزُبُ عَنْ مَجْمُوعِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. فَما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأبْنائِهِ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا، أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ قَمِيصَهُ، فَذَلِكَ مِن تَظَرُّفاتِ القَصَصِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] حالٌ مِن (دَمٍ) فَقُدِّمَ عَلى صاحِبِ الحالِ.
يوسف 12:17
﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨]
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] عَطْفُ جُزْءِ القِصَّةِ.
صفحة ٢٣٦
والعِشاءُ: وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ الباقِي مِن بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها.
والبُكاءُ: خُرُوجُ الدُّمُوعِ مِنَ العَيْنَيْنِ عِنْدَ الحُزْنِ والأسَفِ والقَهْرِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] . وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى البُكاءِ المُصْطَنَعِ وهو التَّباكِي. وإنَّما اصْطَنَعُوا البُكاءَ تَمْوِيهًا عَلى أبِيهِمْ لِئَلّا يَظُنُّ بِهِمْ أنَّهُمُ اغْتالُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَعَلَّهم كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ عَلى البُكاءِ مَعَ عَدَمِ وِجْدانِ مُوجِبِهِ، وفي النّاسِ عَجائِبُ مِنَ التَّمْوِيهِ والكَيْدِ. ومِنَ النّاسِ مَن تَتَأثَّرُ أعْصابُهم بِتَخَيُّلِ الشَّيْءِ ومُحاكاتِهِ فَيَعْتَرِيهِمْ ما يَعْتَرِي النّاسَ بِالحَقِيقَةِ.
وبَعْضُ المُتَظَلِّمِينَ بِالباطِلِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وفِطْنَةُ الحاكِمِ لا تَنْخَدِعُ لِمِثْلِ هَذِهِ الحِيَلِ ولا تَنُوطُ بِها حُكْمًا، وإنَّما يُناطُ الحُكْمُ بِالبَيِّنَةِ.
جاءَتِ امْرَأةٌ إلى شُرَيْحٍ تُخاصِمُ في شَيْءٍ وكانَتْ مُبْطِلَةً فَجَعَلَتْ تَبْكِي، وأظْهَرَ شُرَيْحٌ عَدَمَ الِاطْمِئْنانِ لِدَعْواها، فَقِيلَ لَهُ: أما تَراها تَبْكِي ؟ فَقالَ: قَدْ جاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أباهم عِشاءً يَبْكُونَ وهم ظَلَمَةٌ كَذَبَةٌ. لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقْضِيَ إلّا بِالحَقِّ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بُكاءَ المَرْءِ لا يَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَقالِهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ تَصَنُّعًا. ومِنَ الخَلْقِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ومِنهم مَن يَقْدِرُ.
قُلْتُ: ومِنَ الأمْثالِ (دُمُوعُ الفاجِرِ بِيَدَيْهِ) وهَذِهِ عِبْرَةٌ في هَذِهِ العِبْرَةِ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ وهو هُنا بِمَعْنى التَّسابُقِ قالَ في الكَشّافِ: والِافْتِعالُ والتَّفاعُلُ يَشْتَرِكانِ كالِانْتِضالِ والتَّناضُلِ، والِارْتِماءِ والتَّرامِي، أيْ فَهو بِمَعْنى المُفاعَلَةِ. ولِذَلِكَ يُقالُ: السِّباقُ أيْضًا. كَما يُقالُ النِّضالُ والرِّماءُ.
والمُرادُ: الِاسْتِباقُ بِالجَرْيِ عَلى الأرْجُلِ، وذَلِكَ مِن مَرَحِ الشَّبابِ ولَعِبِهِمْ.
والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ أيْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ثَقَلُهم مِنَ الثِّيابِ والآنِيَةِ والزّادِ.
صفحة ٢٣٧
ومَعْنى ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَتَلَهُ وأكَلَ مِنهُ، وفِعْلُ الأكْلِ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بَعْضُهُ. يُقالُ: أكَلَهُ الأسَدُ إذا أكَلَ مِنهُ. قالَ - تَعالى: ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ عَنْ أنْ يُؤْكَلَ مِنها، أيْ بِقَتْلِها.
ومِن كَلامِ عُمَرَ حِينَ طَعَنَهُ أبُو لُؤْلُؤَةَ ”أكَلَنِي الكَلْبُ“، أيْ عَضَّنِي.
والمُرادُ بِالذِّئْبِ جَمْعٌ مِنَ الذِّئابِ عَلى ما عَرَفْتَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]؛ بِحَيْثُ لَمْ يَتْرُكِ الذِّئابُ مِنهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُولُوا فَدَفَنّاهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ. وهو أنَّ المُتَكَلِّمَ عَلِمَ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ. وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما ادَّعَوْهُ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أباهم لا يُصَدِّقُهم فِيهِ، فَلَمْ يَكُونُوا طامِعِينَ بِتَصْدِيقِهِ إيّاهم.
وفِعْلُ الإيمانِ يُعَدّى بِاللّامِ إلى المُصَدَّقِ بِفَتْحِ الدّالِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] . وتَقَدَمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فالواوُ واوُ الحالِ. (ولَوِ) اتِّصالِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَها هو أبْعَدُ الأحْوالِ عَنْ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ ما قَبْلَها في ذَلِكَ الحالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ نَحْنُ نَعْلَمُ انْتِفاءَ إيمانِكَ لَنا في الحالَيْنِ فَلا نَطْمَعُ أنَّ نُمَوِّهَ عَلَيْكَ.
ولَيْسَ يَلْزَمُ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هو ضِدُّ الشَّرْطِ المَنطُوقِ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى جَعْلِ الواوِ لِلْحالِ مَعَ ”لَوْ وإنْ“ الوَصْلِيَّتَيْنِ ولَيْسَ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي:
وإنِّي وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ لَآتٍ بِما لَمْ تَسْتَطِعْهُ الأوائِلُ
كَيْفَ لا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إنِّي إنْ كُنْتُ المُتَقَدِّمَ زَمانُهُ بَلْ وإنْ كُنْتُ الأخِيرَ زَمانُهُ، فَشَرْطُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةُ و(إنْ) الوَصْلِيَّةُ لَيْسَ لَهُما مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ؛
صفحة ٢٣٨
لِأنَّ الشَّرْطَ مَعَهُما لَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ (لَوِ) الوَصْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] في مَوْضِعِ الحالِ. ولَمّا كانَ الدَّمُ مُلَطَّخًا بِهِ القَمِيصُ وكانُوا قَدْ جاءُوا مُصاحِبِينَ لِلْقَمِيصِ فَقَدْ جاءُوا بِالدَّمِ عَلى القَمِيصِ.
ووَصَفُ الدَّمِ بِالكَذِبِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، والمَصْدَرُ هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ مَكْذُوبٍ كَوْنُهُ دَمَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ هو دَمُ جَدْيٍ، فَهو دَمٌ حَقًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ الدَّمُ المَزْعُومُ. ولا شَكَّ في أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا كَيْفِيَّةً مِن كَيْفِيّاتِ تَمْوِيهِ الدَّمِ وحالَةِ القَمِيصِ بِحالِ قَمِيصِ مَن يَأْكُلُهُ الذِّئْبُ مِن آثارِ تَخْرِيقٍ وتَمْزِيقٍ مِمّا لا تَخْلُو عَنْهُ حالَةُ افْتِراسِ الذِّئْبِ، وأنَّهم أفْطَنُ مِن أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ وهم عُصْبَةٌ لا يَعْزُبُ عَنْ مَجْمُوعِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. فَما قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لِأبْنائِهِ: ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذِئْبًا أحْلَمُ مِن هَذا، أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ قَمِيصَهُ، فَذَلِكَ مِن تَظَرُّفاتِ القَصَصِ.
وقَوْلُهُ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ [يوسف: ١٨] حالٌ مِن (دَمٍ) فَقُدِّمَ عَلى صاحِبِ الحالِ.
يوسف 12:18
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾
حَرْفُ الإضْرابِ إبْطالٌ لِدَعْواهم أنَّ الذِّئْبَ أكَلَهُ فَقَدْ صَرَّحَ لَهم بِكَذِبِهِمْ.
والتَّسْوِيلُ: التَّسْهِيلُ وتَزْيِينُ النَّفْسِ ما تَحْرِصُ عَلى حُصُولِهِ.
والإبْهامُ الَّذِي في كَلِمَةِ (أمْرًا) يَحْتَمِلُ عِدَّةَ أشْياءَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُؤْذُوا بِهِ
صفحة ٢٣٩
يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: مِن قَتْلٍ، أوْ بَيْعٍ، أوْ تَغْرِيبٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ ما فَعَلُوهُ. وتَنْكِيرُ (أمْرًا) لِلتَّهْوِيلِ.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ إنْشاءُ التَّصَبُّرِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ نائِبٌ مَنابَ اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا. عَدَلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩] في سُورَةِ هُودٍ. ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِراضًا في أثْناءِ خِطابِ أبْنائِهِ، أوْ يَكُونُ تَقْدِيرُ: اصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِنَفْسِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَبْرٌ جَمِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَأمْرِي صَبْرٌ. أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَذَلِكَ. والمَعْنى عَلى الإنْشاءِ أوْقَعُ، وتَقَدَّمَ الصَّبْرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ووَصْفُ جَمِيلٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا كاشِفًا إذِ الصَّبْرُ كُلُّهُ حَسَنٌ دُونَ الجَزَعِ. كَما قالَ إبْراهِيمُ بْنُ كُنَيفٍ النَّبْهانِيُّ:
تَصَبَّرْ فَإنَّ الصَّبْرَ بِالحُرِّ أجْمَلُ ولَيْسَ عَلى رَيْبِ الزَّمانِ مُعَوَّلُ
أيْ: أجْمَلُ مِنَ الجَزَعِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مُخَصَّصًا. وقَدْ فُسِّرَ الصَّبْرُ الجَمِيلُ بِالَّذِي لا يُخالِطُهُ جَزَعٌ.
والجَمالُ: حُسْنُ الشَّيْءِ في صِفاتِ مَحاسِنِ صِنْفِهِ، فَجَمالُ الصَّبْرِ أحْسَنُ أحْوالِهِ، وهو أنْ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ يُقَلِّلُ خَصائِصَ ماهِيَّتِهِ.
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ بِامْرَأةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقالَ لَها: اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي، فَقالَتْ: إلَيْكَ عَنِّي فَإنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي - ولَمْ تَعْرِفْهُ - فَلَمّا انْصَرَفَ مَرَّ بِها رَجُلٌ، فَقالَ لَها: إنَّهُ النَّبِيءُ ﷺ . فَأتَتْ بابَ النَّبِيِّ ﷺ
صفحة ٢٤٠
فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى»، أيِ الصَّبْرُ الكامِلُ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَتَكُونُ مُحْتَمِلَةً لِلْمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِن إنْشاءِ الِاسْتِعانَةِ أوِ الإخْبارِ بِحُصُولِ اسْتِعانَتِهِ بِاللَّهِ عَلى تَحَمُّلِ الصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، أوْ أرادَ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الخَلاصِ مِمّا أحاطَ بِهِ.
والتَّعْبِيرُ عَمّا أصابَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما تَصِفُونَ في غايَةِ البَلاغَةِ لِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِأنَّهم كاذِبُونَ في الصِّفَةِ وواثِقًا بِأنَّهم ألْحَقُوا بِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضُرًّا فَلَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَهُ المُصابُ أجْمَلَ التَّعْبِيرَ عَنْهُ إجْمالًا مُوَجَّهًا لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو مَوْتُهُ بِأكْلِ الذِّئْبِ إيّاهُ ويَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُرِيدُ أنَّ ما يَصِفُونَهُ هو المُصابُ الواقِعُ الَّذِي وصَفُوهُ وصْفًا كاذِبًا. فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] .
وإنَّما فَوَّضَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرَ إلى اللَّهِ ولَمْ يَسْعَ لِلْكَشْفِ عَنْ مَصِيرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ عَلِمَ تَعَذُّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِكِبَرِ سِنِّهِ، ولِأنَّهُ لا عَضُدَ لَهُ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى أبْنائِهِ أُولَئِكَ. وقَدْ صارُوا هُمُ السّاعِينَ في البُعْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأيِسَ مِنِ اسْتِطاعَةِ الكَشْفِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدُونِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا وجَدَ مِنهم فُرْصَةً قالَ لَهُمُ ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] .
يوسف 12:19
صفحة ٢٤١
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. وهَذا رُجُوعٌ إلى ما جَرى في شَأْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والمَعْنى: وجاءَتِ الجُبَّ.
و﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] تَقَدَّمَ آنِفًا.
والوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.
والإدْلاءُ: إرْسالُ الدَّلْوِ في البِئْرِ لِنَزْعِ الماءِ.
والدَّلْوُ: ظَرْفٌ كَبِيرٌ مِن جِلْدٍ مَخِيطٍ لَهُ خُرْطُومٌ في أسْفَلِهِ يَكُونُ مَطْوِيًّا عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِ بِسَبَبِ شَدِّهِ بِحَبْلٍ مُقارِنٍ لِلْحَبْلِ المُعَلَّقَةِ فِيهِ الدَّلْوُ. والدَّلْوُ مُؤَنَّثَةٌ.
وجُمْلَةُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ذِكْرَ إدْلاءِ الدَّلْوِ يُهَيِّئُ السّامِعَ لِلسُّؤالِ عَمّا جَرى حِينَئِذٍ فَيَقَعُ جَوابُهُ ”قالَ يا بُشْرايَ“ .
والبُشْرى: تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] في سُورَةِ يُونُسَ.
ونِداءُ البُشْرى مَجازٌ؛ لِأنَّ البُشْرى لا تُنادى، ولَكِنَّها شُبِّهَتْ بِالعاقِلِ الغائِبِ الَّذِي احْتِيجَ إلَيْهِ فَيُنادى كَأنَّهُ يُقالُ لَهُ: هَذا آنُ حُضُورِكَ. ومِنهُ: يا حَسْرَتا، وياعَجَبًا، فَهي مَكْنِيَّةٌ وحَرْفُ النِّداءِ تَخْيِيلٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ.
والمَعْنى: أنَّهُ فَرِحَ وابْتَهَجَ بِالعُثُورِ عَلى غُلامٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا بُشْرايَ“ بِإضافَةِ البُشْرى إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِدُونِ إضافَةٍ.
صفحة ٢٤٢
واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى ذاتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ خاطَبَ الوارِدُ بَقِيَّةَ السَّيّارَةِ، ولَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ ذاتَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أصْعَدَهُ الوارِدُ مِنَ الجُبِّ، إذْ لَوْ كانُوا يَرَوْنَهُ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِتَعْرِيفِهِمْ بِأنَّهُ غُلامٌ إذِ المُشاهَدَةُ كافِيَةٌ عَنِ الإعْلامِ، فَتَعَيَّنَ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُشاهِدِينَ شَبَحَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَهَرَ مِنَ الجُبِّ، فالظّاهِرُ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ لا يُقْصَدُ بِهِ الدَّلالَةُ عَلى ذاتٍ مُعَيَّنَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَلْ يُقْصَدُ بِهِ إشْعارُ السّامِعِ بِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ شَيْءٌ فَرِحَ بِهِ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، كَما يَقُولُ الصّائِدُ لِرِفاقِهِ: هَذا غَزالٌ ! وكَما يَقُولُ الغائِصُ: هَذِهِ صَدَفَةٌ ! أوْ لُؤْلُؤَةٌ ! ويَقُولُ الحافِرُ لِلْبِئْرِ: هَذا الماءُ ! قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الصّائِدَ وكِلابَهُ وفَرَسَهُ:
يَقُولُ راكِبُهُ الجِنِّيُّ مُرْتَفِقًـا هَذا لَكِنْ ولَحْمُ الشّاةِ مَحْجُورُ
وكانَ الغائِصُونَ إذا وجَدُوا لُؤْلُؤَةً يَصِيحُونَ. قالَ النّابِغَةُ:
أوْ دُرَّةُ صَدَفاتِهِ غَوّاصُهَـا ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
والمَعْنى: وجَدْتُ في البِئْرِ غُلامًا، فَهو لُقَطَةٌ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِمَنِ التَقَطَهُ. وذَلِكَ سَبَبُ ابْتِهاجِهِ بِقَوْلِهِ: ”﴿يا بُشْرايَ هَذا غُلامٌ﴾“ .
والغُلامُ: مِن سِنِّهِ بَيْنَ العَشْرِ والعِشْرِينَ. وكانَ سِنُّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وكانَ هَؤُلاءِ السَّيّارَةُ مِنَ الإسْماعِيلِيِّنَ كَما في التَّوْراةِ، أيْ أبْناءُ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ. وقِيلَ: كانُوا مِن أهْلِ مَدْيَنَ وكانَ مَجِيئُهُمُ الجُبَّ لِلِاسْتِقاءِ مِنها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ إخْوَةُ يُوسُفَ إذْ كانُوا قَدِ ابْتَعَدُوا عَنِ الجُبِّ.
ومَعْنى أسَرُّوهُ أخْفَوْهُ. والضَّمِيرُ لِلسَّيّارَةِ لا مَحالَةَ، أيْ أخْفَوْا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أيْ خَبَرُ التِقاطِهِ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ مِن وِلْدانِ بَعْضِ الأحْياءِ القَرِيبَةِ مِنَ الماءِ قَدْ تَرَدّى في الجُبِّ، فَإذا عَلِمَ أهْلُهُ بِخَبَرِهِ طَلَبُوهُ وانْتَزَعُوهُ
صفحة ٢٤٣
مِنهم لِأنَّهم تَوَسَّمُوا مِنهُ مَخائِلَ أبْناءِ البُيُوتِ، وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَعْرِفُوا مَن كانَ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ الجُبِّ ويُعْلِنُوا كَما هو الشَّأْنُ في التَّعْرِيفِ بِاللُّقَطَةِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: ﴿وأسَرُّوهُ﴾ بِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْبَرَهم بِقِصَّتِهِ، فَأعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ طَمَعًا في أنْ يَبِيعُوهُ. وذَلِكَ مِن فِقْدانِ الدِّينِ بَيْنَهم أوْ لِعَدَمِ العَمَلِ بِالدِّينِ.
و﴿بِضاعَةً﴾ مَنصُوبُ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أسَرُّوهُ، أيْ جَعَلُوهُ بِضاعَةً. والبِضاعَةُ: عُرُوضُ التِّجارَةِ ومَتاعُها، أيْ عَزَمُوا عَلى بَيْعِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، أيْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ مِنِ اسْتِرْقاقِ مَن لَيْسَ لَهم حَقٌّ في اسْتِرْقاقِهِ، ومَن كانَ حَقُّهُ أنْ يَسْألُوا عَنْ قَوْمِهِ ويُبَلِّغُوهُ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا خَبَرَهُ، أوْ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْألُوهُ لِأنَّهُ كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يُخْبِرَهم بِخَبَرِهِ.
وفِي عُثُورِ السَّيّارَةِ عَلى الجُبِّ الَّذِي فِيهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آيَةٌ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِهِ.
يوسف 12:20
﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾
مَعْنى شَرَوْهُ باعُوهُ. يُقالُ: شَرى كَما يُقالُ: باعَ، ويُقالُ: اشْتَرى كَما يُقالُ: ابْتاعَ. ومِثْلُهُما رَهَنَ وارْتَهَنَ، وعاوَضَ واعْتاضَ، وكَرى واكْتَرى.
والأصْلُ في ذَلِكَ وأمْثالِهِ أنَّ الفِعْلَ لِلْحَدَثِ والِافْتِعالَ لِمُطاوَعَةِ الحَدَثِ.
ومَن فَسَّرَ شَرَوْهُ بِاشْتَرَوْهُ أخْطَأ خَطَأً أوْقَعَهُ فِيهِ سُوءُ تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ . وما ادَّعاهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ شَرى واشْتَرى مُتَرادِفانِ في مَعْنَيَيْهِما يَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ وهَمَ إذْ لا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٤٤
والبَخْسُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ بَخَسَهُ إذا نَقَصَهُ عَنْ قِيمَةِ شَيْئِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى المَبْخُوسِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وتَقَدَّمَ فِعْلُ البَخْسِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن ثَمَنٍ وهي جُمَعُ دِرْهَمٍ، وهو المَسْكُوكُ. وهو مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ كَما في صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ.
وقَدْ أغْفَلَهُ الَّذِينَ جَمَعُوا ما هو مُعَرَّبٌ في القُرْآنِ كالسُّيُوطِيِّ في الإتْقانِ.
و﴿مَعْدُودَةٍ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِها قَلِيلَةً لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ فَإذا كَثُرَ صارَ تَقْدِيرُهُ بِالوَزْنِ أوِ الكَيْلِ. ويُقالُ في الكِنايَةِ عَنِ الكَثْرَةِ: لا يُعَدُّ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ كُلُّها لِلسَّيّارَةِ عَلى أصَحِّ التَّفاسِيرِ.
والزَّهادَةُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في حُصُولِ الشَّيْءِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَرْغَبَ فِيهِ، أوْ قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في عِوَضِهِ كَما هُنا، أيْ كانَ السَّيّارَةُ غَيْرَ راغِبِينَ في إغْلاءِ ثَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولَعَلَّ سَبَبَ ذَلِكَ قِلَّةُ مَعْرِفَتِهِمْ بِالأسْعارِ.
وصَوْغُ الإخْبارِ عَنْ زَهادَتِهِمْ فِيهِ بِصِيغَةِ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِمّا لَوْ أخْبَرَ بِكانُوا فِيهِ زاهِدِينَ؛ لِأنَّ جَعْلَهم مِن فَرِيقٍ زاهِدِينَ يُنْبِي بِأنَّهم جَرَوْا في زُهْدِهِمْ في أمْثالِهِ عَلى سُنَنِ أمْثالِهِمُ البُسَطاءِ الَّذِينَ لا يُقَدِّرُونَ قَدْرَ نَفائِسِ الأُمُورِ.
وفِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿الزّاهِدِينَ﴾ و”ألْ“ حَرفٌ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، ولَيْسَتِ اسْمًا مَوْصُولًا خِلافًا لِأكْثَرِ النُّحاةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ ”ألِ“ الدّاخِلَةَ عَلى الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ اسْمًا مَوْصُولًا ما لَمْ يَتَحَقَّقْ عَهْدٌ وتَمَسَّكُوا بِعِلَلٍ واهِيَةٍ وخالَفَهُمُ الأخْفَشُ والمازِنِيُّ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المَزْهُودِ فِيهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ تَوَسُّمِهِمْ وبَصارَتِهِمْ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
يوسف 12:21
صفحة ٢٤٥
﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾
﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ مُرادٌ مِنهُ الَّذِي دَفَعَ الثَّمَنَ فَمَلَكَهُ وإنْ كانَ لَمْ يَتَوَلَّ الِاشْتِراءَ بِنَفْسِهِ، فَإنَّ فِعْلَ الِاشْتِراءِ لا يَدُلُّ إلّا عَلى دَفْعِ العِوَضِ، بِحَيْثُ إنَّ إسْنادَ الِاشْتِراءِ لِمَن يَتَوَلّى إعْطاءَ الثَّمَنِ وتَبسَلُّمَ المَبِيعِ إذا لَمْ يَكُنْ هو مالِكُ الثَّمَنِ ومالِكُ المَبِيعِ يَكُونُ إسْنادًا مَجازِيًّا، ولِذَلِكَ يَكْتُبُ المُوَثِّقُونَ في مِثْلِ هَذا أنَّ شِراءَهُ لِفُلانٍ.
والَّذِي اشْتَرى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلٌ اسْمُهُ (فُوطِيفارُ) رَئِيسُ شُرْطَةِ مَلِكِ مِصْرَ، وهو والِي مَدِينَةِ مِصْرَ، ولُقِّبَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالعَزِيزِ، وسَيَأْتِي.
ومَدِينَةُ مِصْرَ هي (مَنفِيسُ) ويُقالُ (مَنفُ) وهي قاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلى الَّتِي يَحْكُمُها قَبائِلُ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ عُرِفُوا عِنْدَ القِبْطِ باسِمِ (الهِكْسُوسُ) أيِ الرُّعاةُ. وكانَتْ مِصْرُ العُلْيا المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالصَّعِيدِ تَحْتَ حُكْمِ فَراعِنَةِ القِبْطِ. وكانَتْ مَدِينَتُها (ثِيبَةَ) أوْ (طِيبَةَ)، وهي اليَوْمَ خَرابٌ ومَوْضِعُها يُسَمّى الأقْصُرُ، جَمْعُ قَصْرٍ؛ لِأنَّ بِها أطْلالَ القُصُورِ القَدِيمَةِ، أيِ الهَياكِلُ. وكانَتْ حُكُومَةُ مِصْرَ العُلْيا أيامَئِذٍ مُسْتَضْعَفَةً لِغَلَبَةِ الكَنْعانِيِّينَ عَلى مُعْظَمِ القُطْرِ وأجْوَدِهِ.
وامْرَأتُهُ تُسَمّى في كُتُبِ العَرَبِ (زَلِيخا) بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِ اللّامِ وقَصْرِ آخِرِهِ وسَمّاها اليَهُودُ راعِيلَ. و(﴿مِن مِصْرَ﴾) صِفَةٌ لِـ ﴿الَّذِي اشْتَراهُ﴾ .
و﴿لِامْرَأتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ قالَ أوْ بِـ اشْتَراهُ أوْ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ، فَيَكُونُ اشْتَراهُ لِيَهَبَهُ لَها لِتَتَّخِذَهُ ولَدًا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُما لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ.
وامْرَأتُهُ: مَعْناهُ زَوْجُهُ، فَإنَّ الزَّوْجَةَ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ المَرْأةِ ويُرادُ مِنهُ مَعْنى الزَّوْجَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] .
صفحة ٢٤٦
والمَثْوى: حَقِيقَتُهُ المَحَلُّ الَّذِي يَثْوِي المَرْءُ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ حالِ الإقامَةِ عِنْدَهُما لِأنَّ المَرْءَ يُثَوى إلى مَنزِلِ إقامَتِهِ.
فالمَعْنى: اجْعَلِي إقامَتَهُ عِنْدَكِ كَرِيمَةً، أيْ كامِلَةً في نَوْعِها. أرادَ أنْ يُجْعَلَ الإحْسانُ إلَيْهِ سَبَبًا في اجْتِلابِ مَحَبَّتِهِ إيّاهُما ونُصْحِهِ لَهُما فَيَنْفَعُهُما، أوْ يَتَّخِذانِهِ ولَدًا فَيَبَرُّ بِهِما وذَلِكَ أشَدُّ تَقْرِيبًا. ولَعَلَّهُ كانَ آيِسًا مِن وِلادَةِ زَوْجِهِ. وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِحُسْنِ تَفَرُّسِهِ في مَلامِحِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُؤْذِنَةِ بِالكَمالِ، وكَيْفَ لا يَكُونُ رَجُلًا ذا فِراسَةٍ وقَدْ جَعَلَهُ المَلِكُ رَئِيسَ شُرْطَتِهِ، فَقَدْ كانَ المُلُوكُ أهْلَ حَذَرٍ فَلا يُوَلُّونَ أُمُورَهم غَيْرَ الأكْفاءِ.
* * *
﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
إنْ أجْرَيْنا اسْمَ الإشارَةِ عَلى قِياسِ كَثِيرٍ مِن أمْثالِهِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ كانَتِ الإشارَةُ إلى التَّمْكِينِ المُسْتَفادِ مِن ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ تَنْوِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ التَّمْكِينَ بَلَغَ غايَةَ ما يُطْلَبُ مِن نَوْعِهِ بِحَيْثُ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ بِتَمْكِينٍ أتَمَّ مِنهُ لَما كانَ إلّا أنْ يُشَبَّهَ بِنَفْسِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ النّابِغَةِ:
والسَّفاهَةُ كاسْمِها
فَيَكُونُ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ. والتَّقْدِيرُ: مَكَّنا لِيُوسُفَ تَمْكِينًا كَذَلِكَ التَّمْكِينِ.
وإنْ أجْرَيْنا عَلى ما يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ كانَتْ لِحاصِلِ المَذْكُورِ آنِفًا، وهو ما يُفِيدُهُ عُثُورُ السَّيّارَةِ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ إنْجاءٌ لَهُ عَجِيبُ الحُصُولِ بِمُصادَقَةِ عَدَمِ
صفحة ٢٤٧
الإسْراعِ بِانْتِشالِهِ مِنَ الجُبِّ، أيْ مَكَّنا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَمْكِينًا مِن صُنْعِنا مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي نَجَّيْناهُ، فَتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن مَكَّنّا. ونَظِيرُهُ ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّمْكِينُ في الأرْضِ هَنا مُرادٌ بِهِ ابْتِداؤُهُ وتَقْدِيرُ أوَّلِ أجْزائِهِ، فَيُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحُلُولِهِ مَحَلَّ العِنايَةِ مِن عَزِيزِ مِصْرَ قَدْ خَطَّ لَهُ مُسْتَقْبَلَ تَمْكِينِهِ مِنَ الأرْضِ بِالوَجْهِ الأتَمِّ الَّذِي أُشِيرَ لَهُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - بَعْدُ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]، فَما ذُكِرَ هُنالِكَ هو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِمّا هُنا، وهو تَمامُهُ.
وعَطَفَ عَلى وكَذَلِكَ عِلَّةً لِمَعْنًى مُسْتَفادٍ مِنَ الكَلامِ، وهو الإيتاءُ، تِلْكَ العِلَّةُ هي ﴿ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا قَدَّرَ في سابِقِ عِلْمِهِ أنْ يَجْعَلَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عالِمًا بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وأنْ يَجْعَلَهُ نَبِيًّا أنْجاهُ مِنَ الهَلاكِ، ومَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ تَهْيِئَةً لِأسْبابِ مُرادِ اللَّهِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى تَأْوِيلِ الأحادِيثِ آنِفًا عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِ أبِيهِ لَهُ ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [يوسف: ٦] أيْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، وتَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ مَفْهُومَها عامٌّ يَشْمَلُ غَلَبَ اللَّهِ إخْوَةَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإبْطالِ كَيْدِهِمْ، وضَمِيرُ أمْرِهِ عائِدٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ.
وحَرْفُ عَلى بَعْدَ مادَّةِ الغَلَبِ ونَحْوِها يَدْخُلُ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي يُتَوَقَّعُ فِيهِ النِّزاعُ، كَقَوْلِهِمْ: غَلَبْناهم عَلى الماءِ.
و”أمْرُ اللَّهِ“ هو ما قَدَّرَهُ وأرادَهُ، فَمَن سَعى إلى عَمَلٍ يُخالِفُ ما أرادَهُ اللَّهُ فَحالُهُ كَحالِ المُنازِعِ عَلى أنْ يُحَقِّقَ الأمْرَ الَّذِي أرادَهُ ويَمْنَعَ حُصُولَ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - ولا يَكُونُ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ - تَعالى - فَشَأْنُ اللَّهِ - تَعالى - كَحالِ الغالِبِ لِمُنازِعِهِ. والمَعْنى واللَّهُ مُتَمِّمٌ ما قَدَّرَهُ، ولِذَلِكَ
صفحة ٢٤٨
عَقَّبَهُ بِالِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ اسْتِدْراكًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ هَذا الحُكْمُ مِن كَوْنِهِ حَقِيقَةً ثابِتَةً شَأْنُها أنْ لا تُجْهَلَ لِأنَّ عَلَيْها شَواهِدَ مِن أحْوالِ الحَدَثانِ، ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ.
يوسف 12:22
﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
هَذا إخْبارٌ عَنِ اصْطِفاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنُّبُوءَةِ. ذُكِرَ هُنا في ذِكْرِ مَبْدَأِ حُلُولِهِ بِمِصْرَ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِتَمْكِينِهِ في الأرْضِ وتَعْلِيمِهِ تَأْوِيلَ الأحادِيثِ.
والأشُدُّ: القُوَّةُ. وفُسِّرَ بِبُلُوغِهِ ما بَيْنَ خَمْسٍ وثَلاثِينَ سَنَةً إلى أرْبَعِينَ.
والحُكْمُ والحِكْمَةُ مُتَرادِفانِ، وهو: عِلْمُ حَقائِقِ الأشْياءِ والعَمَلُ بِالصّالِحِ واجْتِنابُ ضِدِّهِ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا النُّبُوءَةُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - في ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] . والمُرادُ بِالعِلْمِ عِلْمٌ زائِدٌ عَلى النُّبُوءَةِ.
وتَنْكِيرُ عِلْمًا لِلنَّوْعِيَّةِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ. والمُرادُ: عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - عَنْهُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧] .
وقالَ فَخْرُ الدِّينِ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ العَمَلِيَّةُ لِأنَّها حُكْمٌ عَلى هُدى النَّفْسِ. والعِلْمُ: الحِكْمَةُ النَّظَرِيَّةُ.
والقَوْلُ في ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي ذِكْرِ المُحْسِنِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إحْسانَهُ هو سَبَبُ جَزائِهِ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ.
صفحة ٢٤٩
وفِي هَذا الَّذِي دَبَّرَهُ اللَّهُ - تَعالى - تَصْرِيحٌ بِآيَةٍ مِنَ الآياتِ الَّتِي كانَتْ في يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْوَتِهِ.
يوسف 12:23
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:24
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:25
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:26
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:27
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:28
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:29
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هِيتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّيَ أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدا البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهْوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهْوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ حاصِلَةً في الوُجُودِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ كانَ هَذا الحادِثُ قَبْلَ إيتائِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّ إيتاءَ النُّبُوءَةِ غَلَبَ أنْ يَكُونَ في سِنِّ الأرْبَعِينَ. والأظْهَرُ أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ والرِّسالَةَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِهِ إلى مِصْرَ وبَعْدَ وفاةِ أبِيهِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ لِتَقْرِيرِ ثَباتِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى العَفافِ والوَفاءِ وكَرَمِ الخُلُقِ.
صفحة ٢٥٠
فالمُراوَدَةُ المُقْتَضِيَةُ تَكْرِيرَ المُحاوَلَةِ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، والمُفاعَلَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّكْرِيرِ. وقِيلَ: المُفاعَلَةُ تَقْدِيرِيَّةٌ بِأنِ اعْتَبَرَ العَمَلَ مِن جانِبٍ والمُمانَعَةَ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ مِنَ العَمَلِ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ العَمَلِ بِمِثْلِهِ. والمُراوَدَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِن رادَ يَرُودُ، إذا جاءَ وذَهَبَ. شَبَّهَ حالَ المُحاوِلِ أحَدًا عَلى فِعْلِ شَيْءٍ مُكَرِّرًا ذَلِكَ بِحالِ مَن يَذْهَبُ ويَجِيءُ في المُعاوَدَةِ إلى الشَّيْءِ المَذْهُوبِ عَنْهُ، فَأطْلَقَ راوَدَ بِمَعْنى حاوَلَ.
وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ راوَدَتْهُ مُباعَدَةً لَهُ عَنْ نَفْسِهِ، أيْ بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ لَها. والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ، فالنَّفْسُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ غَرَضِ المُواقَعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أيْ فالنَّفْسُ أُرِيدَ بِها عَفافُهُ وتَمْكِينُها مِنهُ لِما تُرِيدُ، فَكَأنَّها تُراوِدُهُ عَنْ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْها إرادَتَهُ وحُكْمَهُ في نَفْسِهِ.
وأمّا تَعْدِيَتُهُ بِـ ”عَلى“ فَذَلِكَ إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ حُصُولُهُ. ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يُراوِدُ عَمَّهُ أبا طالِبٍ عَلى الإسْلامِ»: وفي حَدِيثِ الإسْراءِ فَقالَ لَهُ مُوسى: قَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَقْرِيرِ عِصْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ كَوْنَهُ في بَيْتِها مِن شَأْنِهِ أنْ يُطَوِّعَهُ لِمُرادِها.
و﴿بَيْتِها﴾ بَيْتُ سُكْناها الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ. فَمَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ كانَ حِينَئِذٍ في البَيْتِ الَّذِي هي بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالبَيْتِ المَنزِلَ كُلَّهُ، وهو قَصْرُ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهم: رَبَّةُ البَيْتِ، أيْ زَوْجَةُ صاحِبِ الدّارِ ويَكُونُ مَعْنى ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ أتْباعِ ذَلِكَ المَنزِلِ.
وغَلْقُ الأبْوابِ: جَعْلُ كُلَّ بابٍ سادًّا لِلْفُرْجَةِ الَّتِي هو بِها.
وتَضْعِيفُ غَلَّقَتْ لِإفادَةِ شِدَّةِ الفِعْلِ وقُوَّتِهِ، أيْ أُغْلِقَتْ إغْلاقًا مُحْكَمًا.
صفحة ٢٥١
والأبْوابُ: جَمْعُ بابٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
و﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ بِمَعْنى بادِرْ. قِيلَ أصْلُها مِنَ اللُّغَةِ الحَوْرانِيَّةِ، وهي نَبَطِيَّةٌ. وقِيلَ: هي مِنَ اللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.
واللّامُ في لَكَ لِزِيادَةِ بَيانِ المَقْصُودِ بِالخِطابِ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُقْيًا لَكَ، وشُكْرًا لَكَ. وأصْلُهُ: هِيتَكَ. ويَظْهَرُ أنَّها طَلَبَتْ مِنهُ أمْرًا كانَ غَيْرَ بِدْعٍ في قُصُورِهِمْ بِأنْ تَسْتَمْتِعَ المَرْأةُ بِعَبْدِها كَما يَسْتَمْتِعُ الرَّجُلُ بِأمَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَقَدَّمْ إلَيْهِ مِن قَبْلُ بِتَرْغِيبٍ بَلِ ابْتَدَأتْهُ بِالتَّمْكِينِ مِن نَفْسِها. وسَيَأْتِي لِهَذا ما يَزِيدُهُ بَيانًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ .
وفِي ”هِيتَ“ لُغاتٌ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ ذِكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ، والفَتْحَةُ والضَّمَّةُ حَرَكَتا بِناءٍ.
ومَعاذَ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَعْمُولِهِ. وأصْلُهُ: أعُوذُ عَوذًا بِاللَّهِ، أيْ أعْتَصِمُ بِهِ مِمّا تُحاوِلِينَ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ﴾ [يوسف: ٧٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و”إنَّ“ مُفِيدَةٌ تَعْلِيلَ ما أفادَهُ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ مِنَ الِامْتِناعِ والِاعْتِصامِ مِنهُ بِاللَّهِ المُقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ الِاعْتِصامِ.
وضَمِيرُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى خالِقِي. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو زَوْجُها الَّذِي لا يَرْضى بِأنْ يَمَسَّها غَيْرُهُ، فَهو مَعْلُومٌ بِدَلالَةِ العُرْفِ، ويَكُونُ رَبِّي بِمَعْنى سَيِّدِي ومالِكِي.
وهَذا مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ تَوْجِيهًا بَلِيغًا حُكِيَ بِهِ كَلامُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إمّا لِأنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في لُغَةِ
صفحة ٢٥٢
القِبْطِ، وإمّا لِأنَّهُ أتى بِتَرْكِيبَيْنِ عُذْرَيْنِ لِامْتِناعِهِ فَحَكاهُما القُرْآنُ بِطَرِيقَةِ الإيجازِ والتَّوْجِيهِ.
وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَعْلِيلٌ لِامْتِناعِهِ وتَعْرِيضٌ بِها في خِيانَةِ عَهْدِها.
وفِي هَذا الكَلامِ عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَفافِ والتَّقْوى وعِصْمَةُ الأنْبِياءِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ مِنَ الكَبائِرِ.
وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن وُجُوبِ طاعَتِهِ وشُكْرِهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، ونِعْمَةِ التَّرْبِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَوْلاهُ العَزِيزِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِجُمْلَةِ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ جَعَلَ آخِرَتِي حُسْنى، إذْ أنْقَذَنِي مِنَ الهَلاكِ، أوْ أكْرَمَ كَفالَتِي. وتَقَدَّمَ آنِفًا تَفْسِيرُ المَثْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِلِامْتِناعِ. والضَّمِيرُ المَجْعُولُ اسْمًا لِـ ”إنَّ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يُفِيدُ أهَمِّيَّةَ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ خَبَرًا عَنْهُ لِأنَّها مَوْعِظَةٌ جامِعَةٌ. وأشارَ إلى أنَّ إجابَتَها لِما راوَدَتْهُ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ فِيها ظُلْمُ كِلَيْهِما نَفْسَهُ بِارْتِكابِ مَعْصِيَةٍ مِمّا اتَّفَقَتِ الأدْيانُ عَلى أنَّها كَبِيرَةٌ، وظُلْمُ سَيِّدِهِ الَّذِي آمَنُهُ عَلى بَيْتِهِ وآمَنَها عَلى نَفْسِها إذِ اتَّخَذَها زَوَجًا وأحْصَنَها.
والهَمُّ: العَزْمُ عَلى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةَ. وأكَّدَ هَمَّها بِـ قَدْ ولامِ القَسَمِ لِيُفِيدَ أنَّها عَزَمَتْ عَزْمًا مُحَقَّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَقْصُودُ: أنَّها كانَتْ جادَّةً فِيما راوَدَتْهُ لا مُخْتَبِرَةً. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَمِّها بِهِ التَّمْهِيدُ إلى ذِكْرِ انْتِفاءِ هَمِّهِ بِها لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيْهِما في الدِّينِ فَإنَّهُ مَعْصُومٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كُلِّها. ولَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ هَمَّتِ الَّتِي هي جَوابُ القَسَمِ
صفحة ٢٥٣
المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أُرْدِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وهَمَّ بِها﴾ بِجُمْلَةِ شَرْطِ لَوْلا المُتَمَحَّضِ لِكَوْنِهِ مِن أحْوالِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لا مِن أحْوالِ امْرَأةِ العَزِيزِ تَعَيَّنَ أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الثّانِيَةَ مُسْتَقِلَّةٌ لِاخْتِصاصِ شَرْطِها بِحالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ فِيها. فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَقَدَّمَ الجَوابَ عَلى شَرْطِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَمْ يَقْرِنِ الجَوابَ بِاللّامِ الَّتِي يَكْثُرُ اقْتِرانُ جَوابِ لَوْلا بِها لِأنَّهُ لَيْسَ لازِمًا ولِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى لَوْلا كُرِهَ قَرْنُهُ بِاللّامِ قَبْلَ ذِكْرِ حَرْفِ الشَّرْطِ، فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةِ ﴿وهَمَّ بِها﴾ واضِحًا. وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُخالِطْهُ هَمٌّ بِامْرَأةِ العَزِيزِ لِأنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنَ الهَمِّ بِالمَعْصِيَةِ بِما أراهُ مِنَ البُرْهانِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: كُنْتُ أقْرَأُ غَرِيبَ القُرْآنِ عَلى أبِي عُبَيْدَةَ فَلَمّا أتَيْتُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها﴾ الآيَةَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ تَقْدِيمِ الجَوابِ وتَأْخِيرِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها.
وطَعَنَ في هَذا التَّأْوِيلِ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ جَوابَ لَوْلا لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْها. ويَدْفَعُ هَذا الطَّعْنَ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لا يَرى مَنعَ تَقْدِيمِ جَوابِ لَوْلا، عَلى أنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ المَذْكُورَ قَبْلَ لَوْلا دَلِيلًا لِلْجَوابِ والجَوابُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَ لَوْلا عَلَيْهِ. ولا مَفَرَّ مِن ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَإنَّ لَوْلا وشَرْطَها تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهَمَّ بِها عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ، فَما يُقَدَّرُ مِنَ الجَوابِ يُقَدَّرُ عَلى جَمِيعِ التَّأْوِيلاتِ.
وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ بِأنْ يُجِيبَها لِما دَعَتْهُ إلَيْهِ ثُمَّ ارْعَوى وانْكَفَّ عَلى ذَلِكَ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وثَعْلَبٌ. وبَيانُ هَذا أنَّهُ انْصَرَفَ عَمّا هَمَّ بِهِ بِحِفْظِ اللَّهِ أوْ بِعِصْمَتِهِ، والهَمُّ بِالسَّيِّئَةِ مَعَ الكَفِّ عَنْ إيقاعِها لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ فَلا يُنافِي عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى عِصْمَتَهم مِنها قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ
صفحة ٢٥٤
وفِيهِ خِلافٌ، ولِذَلِكَ جَوَّزَ ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِكَ عَلى يُوسُفَ. وقالَ جَماعَةٌ: هَمَّ يُوسُفُ وأخَذَ في التَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ فَرَأى بُرْهانًا صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأقْلَعَ عَنْ ذَلِكَ. وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهو يَرْجِعُ إلى ما بَيَّناهُ في القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقَدْ خَبَطَ صاحِبُ الكَشّافِ في إلْصاقِ هَذِهِ الرِّواياتِ بِمَن يُسَمِّيهِمُ الحَشْوِيَّةَ والمُجَبِّرَةَ، وهو يَعْنِي الأشاعِرَةَ، وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْ أسْماءِ مَن عُزِيَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ التَّأْوِيلاتُ ”رَمَتْنِي بِدائِها وانْسَلَّتْ“ ولَمْ يَتَعَجَّبْ مِن إجْماعِ الجَمِيعِ عَلى مُحاوَلَةِ إخْوَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَتْلَهُ والقَتْلُ أشَدُّ.
والرُّؤْيَةُ: هُنا عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ البُرْهانَ مِنَ المَعانِي الَّتِي لا تُرى بِالبَصَرِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وهَذا البُرْهانُ مِن جُمْلَتِهِ صَرْفُهُ عَنِ الهَمِّ بِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ حالُ البَشَرِيَّةِ لا يَسْلَمُ مِنَ الهَمِّ بِمُطاوَعَتِها في تِلْكَ الحالَةِ لِتَوَفُّرِ دَواعِي الهَمِّ مِن حُسْنِها، ورَغْبَتِها فِيهِ، واغْتِباطِ أمْثالِهِ بِطاعَتِها، والقُرْبِ مِنها. ودَواعِي الشَّبابِ المُسَوِّلَةِ لِذَلِكَ، فَكانَ بُرْهانُ اللَّهِ هو الحائِلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَمِّ بِها دُونَ شَيْءٍ آخَرَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ما هو هَذا البُرْهانُ، فَمِنهم مَن يُشِيرُ إلى أنَّهُ حُجَّةٌ نَظَرِيَّةٌ قَبَّحَتْ لَهُ هَذا الفِعْلَ، وقِيلَ: هو وحْيٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: حِفْظٌ إلَهِيٌّ، وقِيلَ: مُشاهَداتٌ تَمَثَّلَتْ لَهُ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ إلى شَيْءٍ مَفْهُومٍ مِمّا قَبْلَهُ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، وهو رَأْيُ البُرْهانِ، أيْ أرَيْناهُ كَذَلِكَ الرَّأْيِ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ.
والصَّرْفُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنِ الحِفْظِ مِن حُلُولِ الشَّيْءِ بِالمَحَلِّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحِلَّ فِيهِ. عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِصْمَةِ مِن شَيْءٍ
صفحة ٢٥٥
يُوشِكُ أنْ يُلابِسَ شَيْئًا. والتَّعْبِيرُ عَنِ العِصْمَةِ بِالصَّرْفِ يُشِيرُ إلى أنَّ أسْبابَ حُصُولِ السُّوءِ والفَحْشاءِ مَوْجُودَةٌ ولَكِنَّ اللَّهَ صَرَفَهُما عَنْهُ.
والسُّوءُ: القَبِيحُ، وهو خِيانَةُ مَنِ ائْتَمَنَهُ. والفَحْشاءُ: المَعْصِيَةُ، وهي الزِّنا. وتَقَدَّمَ السُّوءُ والفَحْشاءُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ١٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى صَرَفَهُما عَنْهُ صَرَفَ مُلابَسَتَهُ إيّاهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِحِكْمَةِ صَرْفِهِ عَنِ السُّوءِ والفَحْشاءِ الصَّرْفَ الخارِقَ لِلْعادَةِ لِئَلّا يُنْتَقَصَ اصْطَفاءُ اللَّهِ إيّاهُ في هَذِهِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ.
قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ المُخْلَصِينَ بِفَتْحِ اللّامِ أيِ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى مَعْنى المُخْلِصِينَ دِينَهم لِلَّهِ. ومَعْنى التَّعْلِيلِ عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا، وهو هُنا إشارَةٌ إلى تَكَلُّفِهِما السَّبْقُ، أيْ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يُحاوِلُ أنْ يَكُونَ هو السّابِقُ إلى البابِ.
وانْتَصَبَ (البابَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ. وأصْلُهُ: واسْتَبَقا إلى البابِ، مِثْلَ ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، أيْ مِن قَوْمِهِ، أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقا مَعْنى ابْتَدَرا.
والتَّعْرِيفُ في البابَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ إذْ كانَتْ عِدَّةَ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ. وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَّ مِن مُراوَدَتِها إلى البابِ يُرِيدُ فَتْحَهُ والخُرُوجَ وهي تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلى البابِ لِتَمْنَعَهُ مِن فَتْحِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَدَّتْ أيْ قَطَعَتْ، أيْ قَطَعَتْ مِنهُ قَدًّا، وذَلِكَ قَبْلَ الِاسْتِباقِ لا مَحالَةَ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَمْزِيقُ القَمِيصِ في حالِ الِاسْتِباقِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّها راوَدَتْهُ، إذْ لا يَدُلُّ التَّمْزِيقُ في حالِ الِاسْتِباقِ عَلى أكْثَرِ مِن أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَقَها مُسْرِعًا إلى البابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ مِن قَمِيصِهِ حِينَ أعْرَضَ عَنْها تُرِيدُ
صفحة ٢٥٦
إكْراهَهُ عَلى ما راوَدَتْهُ فَجَذَبَ نَفْسَهُ فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ مِن شِدَّةِ الجَذْبَةِ. وكانَ قَطْعُ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ لِأنَّهُ كانَ مُوَلِّيًا عَنْها مُعْرِضًا فَأمْسَكَتْهُ مِنهُ لِرَدِّهِ عَنْ إعْراضِهِ.
وقَدْ أبْدَعَ إيجازُ الآيَةِ في جَمْعِ هَذِهِ المَعانِي تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ﴾ .
وصادَفَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها، أيْ زَوْجَها، وهو العَزِيزُ، عِنْدَ البابِ الخارِجِيِّ يُرِيدُ الدُّخُولَ إلى البَيْتِ مِنَ البابِ الخارِجِيِّ. وإطْلاقُ السَّيِّدِ عَلى الزَّوْجِ قِيلَ: إنَّ القُرْآنَ حَكى بِهِ عادَةَ القِبْطِ حِينَئِذٍ، كانُوا يَدْعُونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا. والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا في عادَةِ العَرَبِ، فالتَّعْبِيرُ بِهِ هُنا مِن دَقائِقِ التّارِيخِ مِثْلَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] . ولَعَلَّ الزَّواجَ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَهْدِ كانَ بِطَرِيقِ المِلْكِ غالِبًا. وقَدْ عُلِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَحَ الأبْوابَ الَّتِي غَلَّقَتْها زَلِيخا بابًا بابًا حَتّى بَلَغَ الخارِجِيَّ، كُلُّ ذَلِكَ في حالِ اسْتِباقِهِما، وهو إيجازٌ.
والإلْفاءُ: وِجْدانُ شَيْءٍ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِن غَيْرِ سَعْيٍ لِوِجْدانِهِ، فالأكْثَرُ أنْ يَكُونَ مُفاجِئًا، أوْ حاصِلًا عَنْ جَهْلٍ بِأوَّلِ حُصُولٍ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيًّا؛ لِأنَّ السّامِعَ يَسْألُ: ماذا حَدَثَ عِنْدَ مُفاجَأةِ سَيِّدِها وهُما في تِلْكَ الحالَةِ.
وابْتَدَرَتْهُ بِالكَلامِ إمْعانًا في البُهْتانِ بِحَيْثُ لَمْ تَتَلَعْثَمْ، تُخَيِّلُ لَهُ أنَّها عَلى الحَقِّ، وأفْرَغَتِ الكَلامَ في قالَبٍ كُلِّيٍّ لِيَأْخُذَ صِيغَةَ القانُونِ، ولِيَكُونَ قاعِدَةً لا يُعْرَفُ المَقْصُودُ مِنها فَلا يَسْعُ المُخاطَبُ إلّا الإقْرارَ لَها. ولَعَلَّها كانَتْ تَخْشى أنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ العَزِيزِ لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مانِعَةً لَهُ مِن عِقابِهِ، فَأفْرَغَتْ كَلامَها في قالَبٍ كُلِّيٍّ. وكانَتْ تُرِيدُ بِذَلِكَ أنْ لا يَشْعُرَ زَوْجُها بِأنَّها تَهْوى غَيْرَ سَيِّدِها، وأنْ تُخِيفَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كَيْدِها لِئَلّا يَمْتَنِعَ مِنها مَرَّةً أُخْرى.
صفحة ٢٥٧
ورَدَّدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَ صِنْفَيْنِ مِنَ العِقابِ، وهُما: السِّجْنُ، أيِ الحَبْسُ. وكانَ الحَبْسُ عِقابًا قَدِيمًا في ذَلِكَ العَصْرِ، واسْتَمَرَّ إلى زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَدْ قالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] .
وأمّا العَذابُ فَهو أنْواعٌ، وهو عِقابٌ أقْدَمُ في اصْطِلاحِ البَشَرِ. ومِنهُ الضَّرْبُ والإيلامُ بِالنّارِ وبِقَطْعِ الأعْضاءِ. وسَيَأْتِي ذِكْرُ السِّجْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِرارًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ مِن قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وفُصِلَتْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ مَعَ كَلامِها. ومُخالَفَةُ التَّعْبِيرِ بَيْنَ ﴿أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: إلّا السَّجْنُ أوْ عَذابٌ؛ لِأنَّ لَفْظَ السَّجْنِ يُطْلَقُ عَلى البَيْتِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ المَسْجُونُ ويُطْلَقُ عَلى مَصْدَرِ سَجَنَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُسْجَنَ﴾ أوْضَحُ في تَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلَيْهِ.
وتَقْدِيمُ المُبْتَدَأِ عَلى خَبَرِهِ الَّذِي هو فِعْلٌ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلرَّدِّ عَلَيْها. وكانَ مَعَ العَزِيزِ رَجُلٌ مِن أهْلِ امْرَأتِهِ، وهو الَّذِي شَهِدَ وكانَ فَطِنًا عارِفًا بِوُجُوهِ الدَّلالَةِ.
وسُمِّيَ قَوْلُهُ شَهادَةً لِأنَّهُ يَئُولُ إلى إظْهارِ الحَقِّ في إثْباتِ اعْتِداءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَيِّدَتِهِ أوْ دَحْضِهِ. وهَذا مِنَ القَضاءِ بِالقَرِينَةِ البَيِّنَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ أمْسَكَتْ ثَوْبَهُ لِأجْلِ القَبْضِ عَلَيْهِ لِعِقابِهِ لَكانَ ذَلِكَ في حالِ اسْتِقْبالِهِ لَهُ إيّاها فَإذا أرادَ الِانْفِلاتَ مِنها تَخَرَّقَ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ، وبِالعَكْسِ إنْ كانَ إمْساكُهُ في حالِ فِرارٍ وإعْراضٍ. ولا شَكَّ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِكَيْفِيَّةِ تَمْزِيقِ القَمِيصِ نَشَأ عَنْ ذِكْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وُقُوعُ تَمْزِيقِ القَمِيصِ تُحاوِلُ أنْ تَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى أنَّها أمْسَكَتْهُ لِتُعاقِبَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما خَطَرَ بِبالِ المُشاهِدِ أنَّ تَمْزِيقًا وقَعَ وإلّا فَمِن أيْنَ عَلِمَ الشّاهِدُ تَمْزِيقَ القَمِيصِ. والظّاهِرُ أنَّ الشّاهِدَ كانَ يَظُنُّ صِدْقَها فَأرادَ أنْ يُقِيمَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِها فَوَقَعَ عَكْسُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٢٥٨
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِفِعْلِ شَهِدَ.
وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ بَعْدَ ﴿فَصَدَقَتْ﴾، وزِيادَةُ ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ بَعْدَ فَكَذَبَتْ تَأْكِيدٌ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحَقِّ كَما هو شَأْنُ الأحْكامِ.
وأدَواتُ الشَّرْطِ لا تَدُلُّ عَلى أكْثَرِ مِنَ الرَّبْطِ والتَّسَبُّبِ بَيْنَ مَضْمُونِ شَرْطِها ومَضْمُونِ جَوابِها مِن دُونِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِقْبالٍ ولا مُضِيٍّ. فَمَعْنى ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ وما بَعْدَها: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ حَصَلَ في الماضِي فَقَدْ حَصَلَ صِدْقُها في الماضِي.
والَّذِي رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ وقالَ: إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ، هو العَزِيزُ لا مَحالَةَ. وقَدِ اسْتَبانَ لَدَيْهِ بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ فاكْتَفى بِلَوْمِ زَوْجِهِ بِأنَّ ادِّعاءَها عَلَيْهِ مِن كَيْدِ النِّساءِ؛ فَضَمِيرُ جَمْعِ الإناثِ خِطابٌ لَها فَدَخَلَ فِيهِ مَن هُنَّ مِن صِنْفِها بِتَنْزِيلِهِنَّ مَنزِلَةَ الحَواضِرِ.
والكَيْدُ: فِعْلُ شَيْءٍ في صُورَةٍ غَيْرِ المَقْصُودَةِ لِلتَّوَصُّلِ إلى مَقْصُودٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ثُمَّ أمَرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالإعْراضِ عَمّا رَمَتْهُ بِهِ، أيْ عَدَمُ مُؤاخَذَتِها بِذَلِكَ، وبِالكَفِّ عَنْ إعادَةِ الخَوْضِ فِيهِ. وأمَرَ زَوْجَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن ذَنْبِها، أيْ في اتِّهامِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُرْأةِ والِاعْتِداءِ عَلَيْها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ العَزِيزُ قَلِيلَ الغَيْرَةِ. وقِيلَ: كانَ حَلِيمًا عاقِلًا. ولَعَلَّهُ كانَ مُولَعًا بِها، أوْ كانَتْ شُبْهَةُ المُلْكِ تُخَفِّفُ مُؤاخَذَةَ المَرْأةِ بِمُراوَدَةِ مَمْلُوكِها. وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ حالُ مُراوَدَتِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بادَرَتْهُ بِقَوْلِها ”هِيتَ لَكَ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
صفحة ٢٥٩
والخاطِئُ: فاعِلُ الخَطِيئَةِ، وهي الجَرِيمَةُ. وجَعَلَها مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ خَطِئُوا تَخْفِيفًا في مُؤاخَذَتِها. وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ تَغْلِيبٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ مِن قَوْلِ العَزِيزِ إذْ هو صاحِبُ الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ في كَلامِ العَزِيزِ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ والمَأْمُورُ مُخْتَلِفٌ. وكافُ المُؤَنَّثَةِ المُخاطَبَةِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ خِطابٌ لِامْرَأةِ العَزِيزِ، فالعَزِيزُ بَعْدَ أنْ خاطَبَها بِأنَّ ما دَبَّرَتْهُ هو مِن كَيْدِ النِّساءِ وجَّهَ الخِطابَ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالنِّداءِ ثُمَّ أعادَ الخِطابَ إلى المَرْأةِ.
وهَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الخِطابِ يُسَمّى بِالإقْبالِ، وقَدْ يُسَمّى بِالِالتِفاتِ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ الِالتِفاتِ البَلاغِيِّ، وهو عَزِيزٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. ومِنهُ قَوْلُ الجَرْمِيِّ مِن طَيٍّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إخالُكَ مُوعِدِي بِبُنِّيٍّ جُفَيْفٍ وهالَةَ إنَّنِي أنْهاكِ هَـالا
قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ: والعَرَبُ تَجْمَعُ في الخِطابِ والإخْبارِ بَيْنَ عِدَّةٍ ثُمَّ تُقْبِلُ أوْ تَلْتَفِتُ مِن بَيْنِهِمْ إلى واحِدٍ لِكَوْنِهِ أكْبَرَهم أوْ أحْسَنَهم سَماعًا وأخَصَّهم بِالحالِ.
يوسف 12:30
﴿وقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأةُ العَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
النِّسْوَةُ: اسْمُ جَمْعِ امْرَأةٍ لا مُفْرَدَ لَهُ، وهو اسْمُ جَمْعِ قِلَّةٍ مِثْلُهُ نِساءٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونِساءَنا ونِساءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ صِفَةٌ لِنِسْوَةٍ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ أنَّهُنَّ كُنَّ مُتَفَرِّقاتٍ في دِيارٍ مِنَ المَدِينَةِ. وهَذِهِ المَدِينَةُ هي قاعِدَةُ مِصْرَ السُّفْلى
صفحة ٢٦٠
وهِيَ مَدِينَةُ (مَنفِيسَ) حَيْثُ كانَ قَصْرُ العَزِيزِ، فَنُقِلَ الخَبَرُ في بُيُوتِ المُتَّصِلِينَ بِبَيْتِ العَزِيزِ. وقِيلَ: إنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ باحَتْ بِالسِّرِّ لِبَعْضِ خَلائِلِها فَأفْشَيْنَهُ كَأنَّها أرادَتِ التَّشاوُرَ مَعَهُنَّ، أوْ أرادَتِ الِارْتِياحَ بِالحَدِيثِ إلَيْهِنَّ ”ومَن أحَبَّ شَيْئًا أكْثَرَ مِن ذِكْرِهِ“ . وهَذا الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾ [يوسف: ٣٢]
والفَتى: الَّذِي في سِنِّ الشَّبابِ، ويُكَنّى بِهِ عَنِ المَمْلُوكِ وعَنِ الخادِمِ كَما يُكَنّى بِالغُلامِ والجارِيَةِ وهو المُرادُ هُنا. وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ ﴿امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ لِأنَّهُ غُلامُ زَوْجِها فَهو غُلامٌ لَها بِالتَّبَعِ ما دامَتْ زَوْجَةٌ لِمالِكِهِ.
وشَغَفَ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ، وهو الشِّغافُ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وهو غِلافُ القَلْبِ. وهَذا الفِعْلُ مِثْلَ كَبَدَهُ ورَآهُ وجَبَهَهُ، إذا أصابَ كَبِدَهُ ورِئَتَهُ وجَبْهَتَهُ.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ﴿شَغَفَها﴾ لِـ ﴿فَتاها﴾ . ولِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ جِيءَ بِالتَّمْيِيزِ لِلنِّسْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حُبًّا﴾ . وأصْلُهُ شَغَفَها حُبُّهُ، أيْ أصابَ حُبُّهُ شِغافَها، أيِ اخْتَرَقَ الشَّغافَ فَبَلَغَ القَلْبَ، كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ.
وتَذْكِيرُ الفِعْلِ في ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ لِأنَّ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى ألْفاظِ الجُمُوعِ غَيْرُ الجَمْعِ المُذَكِّرِ السّالِمِ يَجُوزُ تَجْرِيدُهُ مِنَ التّاءِ بِاعْتِبارِ الجَمْعِ، وقَرْنُهُ بِالتّاءِ بِاعْتِبارِ الجَماعَةِ مِثْلَ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ [يوسف: ١٩]
وأمّا الهاءُ الَّتِي في آخِرِ ﴿نِسْوَةٌ﴾ فَلَيْسَتْ عَلامَةَ تَأْنِيثٍ بَلْ هي هاءُ فِعْلَةٍ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، مِثْلَ صِبْيَةٍ وغَلِمَةٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَةِ الَّذِي اشْتَرى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِ العَزِيزِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ﴾ [يوسف: ٢١] . وتَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْمِهِ واسْمِها في العَرَبِيَّةِ وفي العِبْرانِيَّةِ.
صفحة ٢٦١
ومَجِيءُ ﴿تُراوِدُ﴾ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ كَوْنِ المُراوَدَةِ مَضَتْ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ لِقَصْدِ الإنْكارِ عَلَيْها في أنْفُسِهِنَّ ولَوْمِها عَلى صَنِيعِها. ونَظِيرُهُ في اسْتِحْضارِ الحالَةِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]
وجُمْلَةُ ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾
وجُمْلَةُ ﴿إنّا لَنَراها في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإظْهارِ اللَّوْمِ والإنْكارِ عَلَيْها. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ لِتَحْقِيقِ اعْتِقادِهِنَّ ذَلِكَ، وإبْعادًا لِتُهْمَتِهِنَّ بِأنَّهُنَّ يَحْسُدْنَها عَلى ذَلِكَ الفَتى.
والضَّلالُ هُنا: مُخالَفَةُ طَرِيقِ الصَّوابِ، أيْ هي مَفْتُونَةُ العَقْلِ بِحُبِّ هَذا الفَتى، ولَيْسَ المُرادُ الضَّلالَ الدِّينِيَّ. وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - آنِفًا ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]
يوسف 12:31
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
صفحة ٢٦٢
وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .
ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]
والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.
وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.
ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.
صفحة ٢٦٣
وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وبَراءَتُهُ مِنهُ. وأصْلُ ”حاشا“ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى المُباعَدَةِ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الحَرْفِ فَيُجَرُّ بِهِ في الِاسْتِثْناءِ فَيُقْتَصِرُ عَلَيْهِ تارَةً. وقَدْ يُوصَلُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ فَيَصِيرُ كاليَمِينِ عَلى النَّفْيِ يُقالُ: حاشا اللَّهَ، أيْ أُحاشِيَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ، كَما يُقالُ: لا أُقْسِمُ. وقَدْ تُزادُ فِيهِ لامُ الجَرِّ فَيُقالُ: حاشا لِلَّهِ وحاشَ لِلَّهِ، بِحَذْفِ الألِفِ، أيْ حاشا لِأجْلِهِ، أيْ لِخَوْفِهِ أنْ أكْذِبَ. حُكِيَ بِهَذا التَّرْكِيبِ كَلامٌ قالَتْهُ النِّسْوَةُ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى في لُغَةِ القِبْطِ حِكايَةً بِالمَعْنى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”حاشا لِلَّهِ“ بِإثْباتِ ألْفِ حاشا في الوَصْلِ. وقَرَأ البَقِيَّةَ بِحَذْفِها فِيهِ. واتَّفَقُوا عَلى الحَذْفِ في حالَةِ الوَقْفِ.
وقَوْلُهُنَّ ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ مُبالَغَةٌ في فَوْتِهِ مَحاسِنَ البَشَرِ، فَمَعْناهُ التَّفْضِيلُ في مَحاسِنِ البَشَرِ، وهو ضِدُّ مَعْنى التَّشابُهِ في بابِ التَّشْبِيهِ.
ثُمَّ شَبَّهْنَهُ بِواحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِطَرِيقَةِ حَصْرِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مُؤَكَّدًا. وكانَ القِبْطُ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ مَوْجُوداتٍ عُلْوِيَّةٍ هي مِن جِنْسِ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ، ويُعَبِّرُونَ عَنْها بِالآلِهَةِ أوْ قُضاةِ يَوْمَ الجَزاءِ، ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَتَوَخَّوْنَ أنْ تَكُونَ ذَواتًا حَسَنَةً. ومِنها ما هي مُدافِعَةٌ عَنِ المَيِّتِ يَوْمَ الجَزاءِ. فَأطْلَقَ في الآيَةِ اسْمَ المَلَكِ عَلى ما كانَتْ حَقِيقَتُهُ مُماثِلَةً لِحَقِيقَةِ مُسَمّى المَلَكِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تَقْرِيبًا لِأفْهامِ السّامِعِينَ.
فَهَذا التَّشْبِيهُ مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمُتَخَيَّلِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ومَسْنُونَةُ زُرْقٍ كَأنْيابِ أغْوالِ
صفحة ٢٦٤
والفاءُ في ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانَ هَذا كَما زَعَمْتُنَّ مَلَكًا فَهو الَّذِي بَلَغَكُنَّ خَبَرُهُ فَلُمْتُنَّنِي فِيهِ.
و﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ”في“ لِلتَّعْلِيلِ، مِثْلَ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ» . وهُنالِكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في شَأْنِهِ أوْ في مَحَبَّتِهِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكُنَّ لِتَمْيِيزِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إذْ كُنَّ لَمْ يَرَيْنَهُ قَبْلُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِعَدَمِ عِلْمِ النِّسْوَةِ بِشَيْءٍ مِن مُعَرِّفاتِهِ غَيْرَ تِلْكَ الصِّلَةِ، وقَدْ باحَتْ لَهُنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ لِأنَّها رَأتْ مِنهُنَّ الِافْتِنانَ بِهِ فَعَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها. والظّاهِرُ أنَّهُنَّ كُنَّ خَلائِلَ لَها فَلَمْ تَكْتُمْ عَنْهُنَّ أمْرَها.
واسْتَعْصَمَ: مُبالَغَةٌ في عَصَمَ نَفْسَهُ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلَ: اسْتَمْسَكَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ واسْتَجابَ. فالمَعْنى: أنَّهُ امْتَنَعَ امْتِناعَ مَعْصُومٍ، أيْ جاعِلًا المُراوَدَةَ خَطِيئَةً عَصَمَ نَفْسَهُ مِنها.
ولَمْ تَزَلْ مُصَمِّمَةً عَلى مُراوَدَتِهِ تَصْرِيحًا بِفَرْطِ حُبِّها إيّاهُ، واسْتِشْماخًا بِعَظَمَتِها، وأنْ لا يَعْصِيَ أمْرَها، فَأكَّدَتْ حُصُولَ سِجْنِهِ بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وقَدْ قالَتْ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنهُ إرْهابًا لَهُ.
وحُذِفَ عائِدُ صِلَةِ ﴿ما آمُرُهُ﴾ وهو ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِالباءِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ مِثْلَ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ. . .
والسَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ: قِياسُ مَصْدَرِ سَجَنَهُ، بِمَعْنى الحَبْسِ في مَكانٍ مُحِيطٍ لا يَخْرُجُ مِنهُ. ولَمْ أرَهُ في كَلامِهِمْ بِفَتْحِ السِّينِ إلّا في قِراءَةِ يَعْقُوبَ هَذِهِ الآيَةَ. والسِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ: اسْمٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ، كَأنَّهم سَمَّوْهُ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ كالذَّبْحِ وأرادُوا المَسْجُونَ فِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُا آنِفًا ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]
والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ. وتَرْكِيبُ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أقْوى في مَعْنى الوَصْفِ بِالصَّغارِ مِن أنْ يُقالَ: ولَيَكُونَنَّ صاغِرًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:
صفحة ٢٦٥
﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.
وإعْدادُ المُتَّكَأِ لَهُنَّ، وبَوْحُها بِسِرِّها لَهُنَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ كُنَّ مِن خَلائِلِها.
يوسف 12:32
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتُ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ولَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
حَقُّ سَمِعَ أنْ يُعَدّى إلى المَسْمُوعِ بِنَفْسِهِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ هُنا إمّا لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى أُخْبِرَتْ، كَقَوْلِ المَثَلِ: ”تَسْمَعُ بِالمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ“ أيْ تُخْبَرُ عَنْهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَزِيدَةً لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
صفحة ٢٦٢
وأطْلَقَ عَلى كَلامِهِنَّ اسْمَ المَكْرِ، قِيلَ: لِأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ قَوْلُهُنَّ إلَيْهِا فَيُغْرِيَها بِعَرْضِها يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِنَّ فَيَرَيْنَ جَمالَهُ لِأنَّهُنَّ أحْبَبْنَ أنْ يَرَيْنَهُ. وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ خُفْيَةً فَأشْبَهَ المَكْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى قَوْلِهِنَّ اسْمُ المَكْرِ لِأنَّهُنَّ قُلْنَهُ في صُورَةِ الإنْكارِ وهُنَّ يُضْمِرْنَ حَسَدَها عَلى اقْتِناءِ مِثْلِهِ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّغَفُ بِالعَبْدِ في عادَتِهِمْ غَيْرَ مُنْكَرٍ.
﴿وأعْتَدَتْ﴾: أصْلُهُ أعْدَدَتْ، أُبْدِلَتِ الدّالُ الأُولى تاءً، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمُتَّكَأُ: مَحَلُّ الِاتِّكاءِ. والِاتِّكاءُ: جَلْسَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ مَعَ انْتِصابٍ قَلِيلٍ في النِّصْفِ الأعْلى. وإنَّما يَكُونُ الِاتِّكاءُ إذا أُرِيدَ إطالَةُ المُكْثِ والِاسْتِراحَةِ، أيْ أحْضَرَتْ لَهُنَّ نَمارِقَ يَتَّكِئْنَ عَلَيْها لِتَناوُلِ طَعامٍ. وكانَ أهْلُ التَّرَفِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كَما كانَتْ عادَةً لِلرُّومانِ، ولَمْ تَزَلْ أسِرَّةُ اتِّكائِهِمْ مَوْجُودَةً في دِيارِ الآثارِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» .
ومَعْنى ﴿آتَتْ﴾ [الكهف: ٣٣] أمَرَتْ خَدَمَها بِالإيتاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]
والسِّكِّينُ: آلَةُ قَطْعِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ. قِيلَ: أحْضَرَتْ لَهُنَّ أُتْرُجًّا ومَوْزًا فَحَضَرْنَ واتَّكَأْنَ، وقَدْ حَذَفَ هَذانِ الفِعْلانِ إيجازًا. وأعْطَتْ كُلَّ واحِدَةٍ سِكِّينًا لِقَشْرِ الثِّمارِ.
وقَوْلُهُا ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في بَيْتٍ آخَرَ وكانَ لا يَدْخُلُ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها. وعُدِّيَ فِعْلُ الخُرُوجِ بِحَرْفِ عَلى لِأنَّهُ ضُمًّنَ مَعْنى ”ادْخُلْ“ لِأنَّ المَقْصُودَ دُخُولُهُ عَلَيْهِنَّ لا مُجَرَّدَ خُرُوجِهِ مِنَ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ.
ومَعْنى ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أعْظَمْنَهُ، أيْ أعَظَمْنَ جَمالَهُ وشَمائِلَهُ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْعَدِّ، أيْ أعْدَدْنَهُ كَبِيرًا. وأُطْلِقَ الكِبَرُ عَلى عَظِيمِ الصِّفاتِ تَشْبِيهًا لِوَفْرَةِ الصِّفاتِ بِعِظَمِ الذّاتِ.
صفحة ٢٦٣
وتَقْطِيعُ أيْدِيَهُنَّ كانَ مِنَ الذُّهُولِ. أيْ أجْرَيْنَ السَّكاكِينَ عَلى أيْدِيهِنَّ يَحْسَبْنَ أنَّهُنَّ يَقْطَعْنَ الفَواكِهَ. وأُرِيدَ بِالقَطْعِ الجَرْحُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ القَطْعُ مَجازًا لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَطَعَ قِطْعَةً مِن لَحْمِ اليَدِ.
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ تَرْكِيبٌ عَرَبِيٌّ جَرى مَجْرى المَثَلِ يُرادُ مِنهُ إبْطالُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وبَراءَتُهُ مِنهُ. وأصْلُ ”حاشا“ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلى المُباعَدَةِ عَنْ شَيْءٍ، ثُمَّ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الحَرْفِ فَيُجَرُّ بِهِ في الِاسْتِثْناءِ فَيُقْتَصِرُ عَلَيْهِ تارَةً. وقَدْ يُوصَلُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ فَيَصِيرُ كاليَمِينِ عَلى النَّفْيِ يُقالُ: حاشا اللَّهَ، أيْ أُحاشِيَهُ عَنْ أنْ يَكْذِبَ، كَما يُقالُ: لا أُقْسِمُ. وقَدْ تُزادُ فِيهِ لامُ الجَرِّ فَيُقالُ: حاشا لِلَّهِ وحاشَ لِلَّهِ، بِحَذْفِ الألِفِ، أيْ حاشا لِأجْلِهِ، أيْ لِخَوْفِهِ أنْ أكْذِبَ. حُكِيَ بِهَذا التَّرْكِيبِ كَلامٌ قالَتْهُ النِّسْوَةُ يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى في لُغَةِ القِبْطِ حِكايَةً بِالمَعْنى.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ”حاشا لِلَّهِ“ بِإثْباتِ ألْفِ حاشا في الوَصْلِ. وقَرَأ البَقِيَّةَ بِحَذْفِها فِيهِ. واتَّفَقُوا عَلى الحَذْفِ في حالَةِ الوَقْفِ.
وقَوْلُهُنَّ ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ مُبالَغَةٌ في فَوْتِهِ مَحاسِنَ البَشَرِ، فَمَعْناهُ التَّفْضِيلُ في مَحاسِنِ البَشَرِ، وهو ضِدُّ مَعْنى التَّشابُهِ في بابِ التَّشْبِيهِ.
ثُمَّ شَبَّهْنَهُ بِواحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِطَرِيقَةِ حَصْرِهِ في جِنْسِ المَلائِكَةِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا مُؤَكَّدًا. وكانَ القِبْطُ يَعْتَقِدُونَ وُجُودَ مَوْجُوداتٍ عُلْوِيَّةٍ هي مِن جِنْسِ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ، ويُعَبِّرُونَ عَنْها بِالآلِهَةِ أوْ قُضاةِ يَوْمَ الجَزاءِ، ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا، ولَعَلَّهم كانُوا يَتَوَخَّوْنَ أنْ تَكُونَ ذَواتًا حَسَنَةً. ومِنها ما هي مُدافِعَةٌ عَنِ المَيِّتِ يَوْمَ الجَزاءِ. فَأطْلَقَ في الآيَةِ اسْمَ المَلَكِ عَلى ما كانَتْ حَقِيقَتُهُ مُماثِلَةً لِحَقِيقَةِ مُسَمّى المَلَكِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ تَقْرِيبًا لِأفْهامِ السّامِعِينَ.
فَهَذا التَّشْبِيهُ مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمُتَخَيَّلِ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
ومَسْنُونَةُ زُرْقٍ كَأنْيابِ أغْوالِ
صفحة ٢٦٤
والفاءُ في ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ، أيْ إنْ كانَ هَذا كَما زَعَمْتُنَّ مَلَكًا فَهو الَّذِي بَلَغَكُنَّ خَبَرُهُ فَلُمْتُنَّنِي فِيهِ.
و﴿لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ”في“ لِلتَّعْلِيلِ، مِثْلَ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ» . وهُنالِكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: في شَأْنِهِ أوْ في مَحَبَّتِهِ.
والإشارَةُ بِـ ذَلِكُنَّ لِتَمْيِيزِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إذْ كُنَّ لَمْ يَرَيْنَهُ قَبْلُ. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِعَدَمِ عِلْمِ النِّسْوَةِ بِشَيْءٍ مِن مُعَرِّفاتِهِ غَيْرَ تِلْكَ الصِّلَةِ، وقَدْ باحَتْ لَهُنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ لِأنَّها رَأتْ مِنهُنَّ الِافْتِنانَ بِهِ فَعَلِمَتْ أنَّهُنَّ قَدْ عَذَرْنَها. والظّاهِرُ أنَّهُنَّ كُنَّ خَلائِلَ لَها فَلَمْ تَكْتُمْ عَنْهُنَّ أمْرَها.
واسْتَعْصَمَ: مُبالَغَةٌ في عَصَمَ نَفْسَهُ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، مِثْلَ: اسْتَمْسَكَ واسْتَجْمَعَ الرَّأْيَ واسْتَجابَ. فالمَعْنى: أنَّهُ امْتَنَعَ امْتِناعَ مَعْصُومٍ، أيْ جاعِلًا المُراوَدَةَ خَطِيئَةً عَصَمَ نَفْسَهُ مِنها.
ولَمْ تَزَلْ مُصَمِّمَةً عَلى مُراوَدَتِهِ تَصْرِيحًا بِفَرْطِ حُبِّها إيّاهُ، واسْتِشْماخًا بِعَظَمَتِها، وأنْ لا يَعْصِيَ أمْرَها، فَأكَّدَتْ حُصُولَ سِجْنِهِ بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وقَدْ قالَتْ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنهُ إرْهابًا لَهُ.
وحُذِفَ عائِدُ صِلَةِ ﴿ما آمُرُهُ﴾ وهو ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِالباءِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ مِثْلَ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ. . .
والسَّجْنُ بِفَتْحِ السِّينِ: قِياسُ مَصْدَرِ سَجَنَهُ، بِمَعْنى الحَبْسِ في مَكانٍ مُحِيطٍ لا يَخْرُجُ مِنهُ. ولَمْ أرَهُ في كَلامِهِمْ بِفَتْحِ السِّينِ إلّا في قِراءَةِ يَعْقُوبَ هَذِهِ الآيَةَ. والسِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ: اسْمٌ لِلْبَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ، كَأنَّهم سَمَّوْهُ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ كالذَّبْحِ وأرادُوا المَسْجُونَ فِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُا آنِفًا ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]
والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ. وتَرْكِيبُ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أقْوى في مَعْنى الوَصْفِ بِالصَّغارِ مِن أنْ يُقالَ: ولَيَكُونَنَّ صاغِرًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:
صفحة ٢٦٥
﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ.
وإعْدادُ المُتَّكَأِ لَهُنَّ، وبَوْحُها بِسِرِّها لَهُنَّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ كُنَّ مِن خَلائِلِها.
يوسف 12:33
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ قَبْلَهُ مَقامُ شِدَّةٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْألَ سامِعُهُ عَنْ حالِ تَلَقِّي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ لِكَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ.
وهَذا الكَلامُ مُناجاةٌ لِرَبِّهِ الَّذِي هو شاهِدُهم، فالظّاهِرُ أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ في مَلَئِهِنَّ تَأْيِيسًا لَهُنَّ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَأْمُرُهُ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ السِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنَّ السَّجْنَ أحَبُّ إلَيَّ. وفَضَّلَ السَّجْنَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الألَمِ والشِّدَّةِ وضِيقِ النَّفَسِ عَلى ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ الحَسَنَةِ النَّفِيسَةِ عَلى ما فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ ولَكِنَّ كُرْهَهُ لِفِعْلِ الحَرامِ فَضُلَ عِنْدَهُ مُقاساةُ السِّجْنِ. فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ صارَ السَّجْنُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ فَهي مَحَبَّةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مُلاءَمَةِ الفِكْرِ، كَمَحَبَّةِ الشُّجاعِ الحَرْبَ.
فالإخْبارُ بِأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الرِّضى بِالسِّجْنِ في مَرْضاةِ اللَّهِ - تَعالى - والتَّباعُدِ عَنْ مَحارِمِهِ، إذْ لا فائِدَةَ في إخْبارِ مَن يَعْلَمُ ما في نَفْسِهِ فاسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِهِ بِمَسْلُوبِ المُفاضَلَةِ.
صفحة ٢٦٦
وعَبَّرَ عَمّا عَرَضَتْهُ المَرْأةُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى كَوْنِ المَطْلُوبِ حالَةً هي مَظَنَّةُ الطَّواعِيَةِ؛ لِأنْ تُمالِئَ النّاسُ عَلى طَلَبِ الشَّيْءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَ المَطْلُوبِ لِلْفِعْلِ، فَأظْهَرَ أنَّ تَمالُئَهُنَّ عَلى طَلَبِهِنَّ مِنهُ امْتِثالُ أمْرِ المَرْأةِ لَمْ يَفُلَّ مِن صارِمِ عَزْمِهِ عَلى المُمانَعَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِسُؤالِ العِصْمَةِ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ كَيْدِهِنَّ، فانْتَقَلَ مِن ذِكْرِ الرِّضى بِوَعِيدِها إلى سُؤالِ العِصْمَةِ مِن كَيْدِها.
وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نُونِ النِّسْوَةِ، فالواوُ الَّذِي فِيهِ هو حَرْفٌ أصْلِيٌّ ولَيْسَتْ واوُ الجَماعَةِ، والنُّونُ لَيْسَتْ نُونُ رَفْعٍ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ النِّساءِ مَعَ أنَّ الَّتِي دَعَتْهُ امْرَأةٌ واحِدَةٌ، إمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن رَغَباتِ صِنْفِ النِّساءِ فَيَكُونُ عَلى وزانِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدِهِنَّ، وإمّا لِأنَّ النِّسْوَةَ اللّاتِي جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا سَمِعْنَ كَلامَها تَمالَأْنَ عَلى لَوْمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَحْرِيضِهِ عَلى إجابَةِ الدّاعِيَةِ، وتَحْذِيرِهِ مِن وعِيدِها بِالسِّجْنِ. وعَلى وزانِ هَذا يَكُونُ القَوْلُ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدَهُنَّ أيْ كَيْدَ صِنْفِ النِّساءِ، مِثْلَ قَوْلِ العَزِيزِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، أيْ كَيْدَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخَوُّفِ والتَّوَقُّعِ التِجاءً إلى اللَّهِ ومُلازَمَةً لِلْأدَبِ نَحْوَ رَبِّهِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والخَشْيَةِ مِن تُقَلُّبِ القَلْبِ ومِنَ الفِتْنَةِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذَّةِ الحَرامِ. فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ جُمْلَةَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾
ومَعْنى أصْبُ أمِلْ. والصَّبْوُ: المَيْلُ إلى المَحْبُوبِ.
والجاهِلُونَ: سُفَهاءُ الأحْلامِ، فالجَهْلُ هُنا مُقابِلُ الحِلْمِ. والقَوْلُ في أنَّ مُبالَغَةَ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أكْثَرُ مِن أكُنْ جاهِلًا كالقَوْلِ في ﴿ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢]
صفحة ٢٦٧
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿فاسْتَجابَ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَجَّلَ إجابَةَ دُعائِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ . واسْتَجابَ: مُبالَغَةٌ في أجابَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]
وصَرْفُ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ صَرْفُ أثَرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ فَلَمْ يَنْخَدِعْ لِكَيْدِها ولا لِكَيْدِ خَلائِلِها في أضْيَقِ الأوْقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِـ اسْتَجابَ المَعْطُوفِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، أيْ أجابَ دُعاءَهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ لِأنَّهُ سَرِيعُ الإجابَةِ وعَلِيمٌ بِالضَّمائِرِ الخالِصَةِ. فالسَّمْعُ مُسْتَعْمَلٌ في إجابَةِ المَطْلُوبِ، يُقالُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. وتَأْكِيدُهُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى.
يوسف 12:34
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ قَبْلَهُ مَقامُ شِدَّةٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْألَ سامِعُهُ عَنْ حالِ تَلَقِّي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِيهِ لِكَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ.
وهَذا الكَلامُ مُناجاةٌ لِرَبِّهِ الَّذِي هو شاهِدُهم، فالظّاهِرُ أنَّهُ قالَ هَذا القَوْلَ في نَفْسِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جَهَرَ بِهِ في مَلَئِهِنَّ تَأْيِيسًا لَهُنَّ مِن أنْ يَفْعَلَ ما تَأْمُرُهُ بِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ السِّجْنُ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنَّ السَّجْنَ أحَبُّ إلَيَّ. وفَضَّلَ السَّجْنَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الألَمِ والشِّدَّةِ وضِيقِ النَّفَسِ عَلى ما يَدْعُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ الحَسَنَةِ النَّفِيسَةِ عَلى ما فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ ولَكِنَّ كُرْهَهُ لِفِعْلِ الحَرامِ فَضُلَ عِنْدَهُ مُقاساةُ السِّجْنِ. فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا مَحِيصَ مِن أحَدِ الأمْرَيْنِ صارَ السَّجْنُ مَحْبُوبًا إلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُخَلِّصُهُ مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ فَهي مَحَبَّةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مُلاءَمَةِ الفِكْرِ، كَمَحَبَّةِ الشُّجاعِ الحَرْبَ.
فالإخْبارُ بِأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِالمَرْأةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الرِّضى بِالسِّجْنِ في مَرْضاةِ اللَّهِ - تَعالى - والتَّباعُدِ عَنْ مَحارِمِهِ، إذْ لا فائِدَةَ في إخْبارِ مَن يَعْلَمُ ما في نَفْسِهِ فاسْمُ التَّفْضِيلِ عَلى حَقِيقَتِهِ ولا داعِيَ إلى تَأْوِيلِهِ بِمَسْلُوبِ المُفاضَلَةِ.
صفحة ٢٦٦
وعَبَّرَ عَمّا عَرَضَتْهُ المَرْأةُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى كَوْنِ المَطْلُوبِ حالَةً هي مَظَنَّةُ الطَّواعِيَةِ؛ لِأنْ تُمالِئَ النّاسُ عَلى طَلَبِ الشَّيْءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَ المَطْلُوبِ لِلْفِعْلِ، فَأظْهَرَ أنَّ تَمالُئَهُنَّ عَلى طَلَبِهِنَّ مِنهُ امْتِثالُ أمْرِ المَرْأةِ لَمْ يَفُلَّ مِن صارِمِ عَزْمِهِ عَلى المُمانَعَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِسُؤالِ العِصْمَةِ مِنَ الوُقُوعِ في شَرَكِ كَيْدِهِنَّ، فانْتَقَلَ مِن ذِكْرِ الرِّضى بِوَعِيدِها إلى سُؤالِ العِصْمَةِ مِن كَيْدِها.
وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نُونِ النِّسْوَةِ، فالواوُ الَّذِي فِيهِ هو حَرْفٌ أصْلِيٌّ ولَيْسَتْ واوُ الجَماعَةِ، والنُّونُ لَيْسَتْ نُونُ رَفْعٍ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ النِّسْوَةِ، ووَزْنُهُ يَفْعَلْنَ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِ النِّساءِ مَعَ أنَّ الَّتِي دَعَتْهُ امْرَأةٌ واحِدَةٌ، إمّا لِأنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن رَغَباتِ صِنْفِ النِّساءِ فَيَكُونُ عَلى وزانِ جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدِهِنَّ، وإمّا لِأنَّ النِّسْوَةَ اللّاتِي جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا سَمِعْنَ كَلامَها تَمالَأْنَ عَلى لَوْمِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَحْرِيضِهِ عَلى إجابَةِ الدّاعِيَةِ، وتَحْذِيرِهِ مِن وعِيدِها بِالسِّجْنِ. وعَلى وزانِ هَذا يَكُونُ القَوْلُ في جَمْعِ الضَّمِيرِ في كَيْدَهُنَّ أيْ كَيْدَ صِنْفِ النِّساءِ، مِثْلَ قَوْلِ العَزِيزِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، أيْ كَيْدَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّخَوُّفِ والتَّوَقُّعِ التِجاءً إلى اللَّهِ ومُلازَمَةً لِلْأدَبِ نَحْوَ رَبِّهِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والخَشْيَةِ مِن تُقَلُّبِ القَلْبِ ومِنَ الفِتْنَةِ بِالمَيْلِ إلى اللَّذَّةِ الحَرامِ. فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَنْهُ جُمْلَةَ ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾
ومَعْنى أصْبُ أمِلْ. والصَّبْوُ: المَيْلُ إلى المَحْبُوبِ.
والجاهِلُونَ: سُفَهاءُ الأحْلامِ، فالجَهْلُ هُنا مُقابِلُ الحِلْمِ. والقَوْلُ في أنَّ مُبالَغَةَ ﴿وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أكْثَرُ مِن أكُنْ جاهِلًا كالقَوْلِ في ﴿ولَيَكُونَنْ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [يوسف: ٣٢]
صفحة ٢٦٧
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿فاسْتَجابَ﴾ بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَجَّلَ إجابَةَ دُعائِهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ . واسْتَجابَ: مُبالَغَةٌ في أجابَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعْصَمَ﴾ [يوسف: ٣٢]
وصَرْفُ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ صَرْفُ أثَرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ ثَبَّتَهُ عَلى العِصْمَةِ فَلَمْ يَنْخَدِعْ لِكَيْدِها ولا لِكَيْدِ خَلائِلِها في أضْيَقِ الأوْقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِـ اسْتَجابَ المَعْطُوفِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ، أيْ أجابَ دُعاءَهُ بِدُونِ مُهْلَةٍ لِأنَّهُ سَرِيعُ الإجابَةِ وعَلِيمٌ بِالضَّمائِرِ الخالِصَةِ. فالسَّمْعُ مُسْتَعْمَلٌ في إجابَةِ المَطْلُوبِ، يُقالُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ. وتَأْكِيدُهُ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى.
يوسف 12:35
﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِّن بَعْدَ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾
ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِ الجُمَلِ فَإنَّ ما بَدا لَهم أعْجَبُ بَعْدَ ما تَحَقَّقَتْ بَراءَتُهُ. وإنَّما بَدا لَهم أنْ يَسْجُنُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ شاعَتِ القالَةُ عَنِ امْرَأةِ العَزِيزِ في شَأْنِهِ فَكانَ ذَلِكَ عَقِبَ انْصِرافِ النِّسْوَةِ لِأنَّها خَشِيَتْ إنْ هُنَّ انْصَرَفْنَ أنْ تَشِيعَ القالَةُ في شَأْنِها وشَأْنِ بَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرامَتْ أنْ تُغَطِّيَ ذَلِكَ بِسِجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَظْهَرَ في صُورَةِ المُجْرِمِينَ بِإرادَتِهِ السُّوءَ بِامْرَأةِ العَزِيزِ، وهي تَرْمِي بِذَلِكَ إلى تَطْوِيعِهِ لَها. ولَعَلَّها أرادَتْ أنْ تُوهِمَ النّاسَ بِأنَّ مُراوَدَتَهُ إيّاها وقَعَتْ يَوْمَ ذَلِكَ المَجْمَعِ، وأنْ تُوهِمَ أنَّهُنَّ شَواهِدُ عَلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
والضَّمِيرُ في لَهم لِجَماعَةِ العَزِيزِ مِن مُشِيرٍ وآمِرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مُعَلِّقَةُ فِعْلَ بَدا عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَهُ لِأجْلِ لامِ القَسَمِ لِأنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وفِيهِ
صفحة ٢٦٨
دَلِيلٌ لِلْمَعْمُولِ المَحْذُوفِ إذِ التَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْلِيقَ لا يَخْتَصُّ بِأفْعالِ الظَّنِّ، وهو مَذْهَبُ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ؛ لِأنَّ سَبَبَ التَّعْلِيقِ وُجُودُ أداةٍ لَها صَدْرُ الكَلامِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلُهُ.
والتَّقْدِيرُ: بَدا لَهم ما يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذا القَسَمُ، أيْ بَدا لَهم تَأْكِيدُ أنْ يَسْجُنُوهُ.
وذَكَرَ في المُغْنِي في آخِرِ الجُمَلِ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ: وُقُوعَ الخِلافِ في الفاعِلِ ونائِبِ الفاعِلِ، هَلْ يَكُونُ جُمْلَةً ؟ فَأجازَهُ هِشامُ وثَعْلَبٌ مُطْلَقًا، وأجازَهُ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ إذا كانَ الفِعْلُ قَلْبِيًّا ووُجِدَ مُعَلَّقٌ، وحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ. وهو يُئَوَّلُ إلى مَعْنى التَّعْلِيقِ، والتَّعْلِيقُ أنْسَبُ بِالمَعْنى.
والحِينُ: زَمَنٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، فَإنْ كانَ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ مِن كَلامِهِمْ كانَ المَعْنى: أنَّهم أمَرُوا بِسَجْنِهِ سَجْنًا غَيْرَ مُؤَجَّلِ المُدَّةِ. وإنْ كانَ مِنَ الحِكايَةِ كانَ القُرْآنُ قَدْ أبْهَمَ المُدَّةَ الَّتِي أذِنُوا بِسِجْنِهِ إلَيْها إذْ لا يَتَعَلَّقُ فِيها الغَرَضُ مِنَ القِصَّةِ.
والآياتُ: دَلائِلُ صِدْقِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذِبِ امْرَأةِ العَزِيزِ.
يوسف 12:36
﴿ودَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أحَدُهُما إنِّيَ أرانِيَ أعْصِرُ خَمْرًا وقالَ الآخَرُ إنِّيَ أرانِيَ أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبَئِنا بِتَأْوِيلِهِ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ اتَّفَقَ جَمِيعُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنَ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُناسِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ إلّا بِالمَكانِ لا بِالمَصْدَرِ.
وهَذانَ الفَتَيانِ هُما ساقَيِ المَلِكِ وخَبّازُهُ غَضِبَ عَلَيْهِما المَلِكُ فَأمَرَ بِسَجْنِهِما. قِيلَ: اتُّهِما بِتَسْمِيمِ المَلِكِ في الشَّرابِ والطَّعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ القَوْلِ.
صفحة ٢٦٩
وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِن فُنُونِ عُلَمائِهِمْ فَلِذَلِكَ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيْنَهم.
وهَذانَ الفَتَيانِ تَوَسَّما مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَمالَ العَقْلِ والفَهْمِ فَظَنّا أنَّهُ يُحْسِنُ تَعْبِيرَ الرُّؤْيا ولَمْ يَكُونا عَلِما مِنهُ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، وقَدْ صادَفا الصَّوابَ، ولِذَلِكَ قالا ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، أيِ المُحْسِنِينَ التَّعْبِيرَ، أوِ المُحْسِنِينَ الفَهْمَ.
والإحْسانُ: الإتْقانُ، يُقالُ: هو لا يُحْسِنُ القِراءَةَ، أيْ لا يُتْقِنُها. ومِن عادَةِ المَساجِينِ حِكايَةُ المَرائِي الَّتِي يَرَوْنَها، لِفِقْدانِهِمُ الأخْبارَ الَّتِي هي وسائِلُ المُحادَثَةِ والمُحاوَرَةِ، ولِأنَّهم يَتَفاءَلُونَ بِما عَسى أنْ يُبَشِّرَهم بِالخَلاصِ في المُسْتَقْبَلِ. وكانَ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا مِنَ العُلُومِ الَّتِي يَشْتَغِلُ بِها كَهَنَةُ المِصْرِيِّينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ مَلِكِ مِصْرَ ﴿أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] كَما سَيَأْتِي.
والعَصْرُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ أوْ بِحَجْرٍ أوْ نَحْوِهِ عَلى شَيْءٍ فِيهِ رُطُوبَةٌ لِإخْراجِ ما فِيهِ مِنَ المائِعِ زَيْتٍ أوْ ماءٍ. والعَصِيرُ: ما يُسْتَخْرَجُ مِنَ المَعْصُورِ سُمِّيَ بِاسْمِ مَحَلِّهِ، أيْ مَعْصُورٍ مِن كَذا.
والخُبْزُ: اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِن دَقِيقِ البُرِّ أوِ الشَّعِيرِ أوْ نَحْوِهِما يُعْجَنُ بِالماءِ ويُوضَعُ قُرْبَ النّارِ حَتّى يَنْضُجَ لِيُؤْكَلَ، ويُسَمّى رَغِيفًا أيْضًا.
والضَّمِيرُ في ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ لِلْمَذْكُورِ، أوْ لِلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ.
صفحة ٢٧٠
وجُمْلَةُ ﴿إنّا نَراكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ المُسْتَفادِ مِن ﴿نَبِّئْنا﴾
يوسف 12:37
”﴿قالَ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذالِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِيَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾“
جُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِما فَفُصِّلَتْ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ جُمَلِ التَّحاوُرِ.
أرادَ بِهَذا الجَوابِ أنْ يَفْتَرِضَ إقْبالَهُما عَلَيْهِ ومُلازِمَةَ الحَدِيثِ مَعَهُ إذْ هُما يَتَرَقَّبانِ تَعْبِيرَهُ الرُّؤْيا فَيُدْمَجُ في ذَلِكَ دَعَوْتُهُما إلى الإيمانِ الصَّحِيحِ مَعَ الوَعْدِ بِأنَّهُ يَعْبُرُ لَهُما رُؤْياهُما غَيْرَ بَعِيدٍ، وجَعَلَ لِذَلِكَ وقْتًا مَعْلُومًا لَهم، وهو وقْتُ إحْضارِ طَعامِ المَساجِينِ إذْ لَيْسَ لَهم في السِّجْنِ حَوادِثُ يُوَقِّتُونَ بِها، ولِأنَّ انْطِباقَ الأبْوابِ وإحاطَةَ الجُدْرانِ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا حَوادِثُ أحْوالِهِمْ مِن طَعامٍ أوْ نَوْمٍ أوْ هُبُوبٍ مِنهُ.
ويُظْهِرُ أنَّ أمَدَ إتْيانِ الطَّعامِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مِن تَعْجِيلِهِ لَهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُما وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ في ذَلِكَ.
ووَصْفُ الطَّعامِ بِجُمْلَةِ تُرْزَقانِهِ تَصْرِيحٌ بِالضَّبْطِ بِأنَّهُ طَعامٌ مَعْلُومُ الوَقْتِ لا تَرَقُّبَ طَعامٍ يُهْدى لَهُما بِحَيْثُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ.
صفحة ٢٧١
وحَقِيقَةُ الرِّزْقِ: ما بِهِ النَّفْعُ، ويُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ طَعامًا، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . ويُطْلَقُ عَلى الإنْفاقِ المُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] . ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ المُوَقَّتِ، يُقالُ: كانَ بَنُو فُلانٍ مِن مُرْتَزِقَةِ الجُنْدِ، ورِزْقُ الجُنْدِ كَذا كُلَّ يَوْمٍ.
وضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) الأوَّلِ، وهو المَرْئِيُّ أوِ المَنامُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَعُودَ إلى طَعامٍ إذْ لا يَحْسُنُ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَنِ الأنْباءِ بِأسْماءِ أصْنافِ الطَّعامِ خِلافًا لِما سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُناسِبُ الغَرَضَ، وهي حالُ الإنْباءِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وحالُ عَدَمِهِ، أيْ لا يَأْتِي الطَّعامُ المُعْتادُ إلّا في حالِ أنِّي قَدْ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِ رُؤْياكُما، أيْ لا في حالِ عَدَمِهِ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إضافِيٌّ.
وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِنَ الواوِ ”وقَدْ“ مَعَ أنَّها ماضِيَةٌ اكْتِفاءً بِرَبْطِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ وعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا في وقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِها هَذا العِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَخَلُّصًا إلى دَعْوَتِهِما لِلْإيمانِ بِإلَهٍ واحِدٍ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ إيذانٌ بِأنَّهُ عَلَّمَهُ عُلُومًا أُخْرى، وهي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ والحِكْمَةِ والِاقْتِصادِ والأمانَةِ كَما قالَ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
وزادَ في الِاسْتِينافِ البَيانِيِّ جُمْلَةَ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لِأنَّ الإخْبارَ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ وعُلُومًا أُخْرى مِمّا يُثِيرُ السُّؤالَ عَنْ وسِيلَةِ
صفحة ٢٧٢
حُصُولِ هَذا العِلْمِ، فَأخْبَرَ بِأنَّ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ أنَّهُ انْفَرَدَ في ذَلِكَ المَكانِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرَكَ مِلَّةَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَأرادَ اللَّهُ اخْتِيارَهُ لِهَدْيِهِمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ما يَشْمَلُ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ والقِبْطَ الَّذِينَ شَبَّ بَيْنَهم، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠]، أوْ أرادَ الكَنْعانِيِّينَ خاصَّةً، وهُمُ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ تَعْرِيضًا بِالقِبْطِ الَّذِينَ ماثَلُوهم في الإشْراكِ. وأرادَ بِهَذا أنْ لا يُواجِهَهم بِالتَّشْنِيعِ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ مِن مَوْعِظَتِهِ.
وزِيادَةُ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أرادَ بِهِ تَخْصِيصَ قَوْمٍ مِنهم بِذَلِكَ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ مِثْلَ كُفّارِ العَرَبِ. وأرادَ بِذَلِكَ إخْراجَ القِبْطِ لِأنَّ القِبْطَ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فَقَدْ كانُوا يُثْبِتُونَ بَعْثَ الأرْواحِ والجَزاءِ.
والتَّرْكُ: عَدَمُ الأخْذِ لِلشَّيْءِ مَعَ إمْكانِهِ. أشارَ بِهِ إلى أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مِلَّةَ القِبْطِ مَعَ حُلُولِهِ بَيْنَهم، وكَوْنُ مَوْلاهُ مُتَدَيِّنًا بِها.
وذَكَرَ آباءَهُ تَعْلِيمًا بِفَضْلِهِمْ، وإظْهارًا لِسابِقِيَّةِ الصَّلاحِ فِيهِ، وأنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِن آبائِهِ، وقَدْ عَقَلَهُ مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ ثُمَّ تَأيَّدَ بِما عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ العِظامِيُّ والشَّرَفُ العِصامِيُّ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ أكْرَمِ النّاسِ: «يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيٍّ» . ومِثْلَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ في النُّبُوَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ غَيْرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا كانَ المُرادُ بِالنُّبُوءَةِ أكْمَلَها وهو الرِّسالَةُ، أوْ إذا كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ أنْبِياءٍ عَلى رَأْيِ فَرِيقٍ مِنَ العُلَماءِ.
صفحة ٢٧٣
وأرادَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ آبائِهِ اتِّباعَها في أُصُولِها قَبْلَ أنْ يُعْطى النُّبُوَّةَ إذا كانَ فِيما إذا كانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ زِيادَةٌ عَلى ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا والِاقْتِصادِ؛ أوْ أنَّ نُبُوءَتَهُ كانَتْ بِوَحْيٍ مِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
وذِكْرُ السَّلَفِ الصّالِحِ في الحَقِّ يَزِيدُ دَلِيلَ الحَقِّ تَمَكُّنًا، وذِكْرُ ضِدِّهِمْ في الباطِلِ لِقَصْدِ عَدَمِ الحُجَّةِ بِهِمْ بِمُجَرَّدِهِمْ. كَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ في قُوَّةِ البَيانِ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ مِن كَوْنِ التَّوْحِيدِ صارَ كالسَّجِيَّةِ لَهم عُرِفَ بِها أسْلافُهم بَيْنَ الأُمَمِ، وعَرَّفَهم بِها لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الفُرْصَةِ. ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الجُحُودِ مِن مُبالَغَةِ انْتِفاءِ الوَصْفِ عَلى المَوْصُوفِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ.
ومِن في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وأُدْخِلَتْ عَلى المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ في الِاسْتِئْنافِ والبَيانِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ في اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ بِأنَّهُ فَضْلٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالجُمْلَةِ.
وأتى الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ في إشْراكِهِمْ حالُ مَن يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ إرْسالَ الهُداةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْظُرَ النّاسُ فِيها فَيَعْلَمُوا أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ خَيْرٌ وإنْقاذٌ لَهم مِنَ
صفحة ٢٧٤
الِانْحِطاطِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، ولِأنَّ الإعْراضَ عَنِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ العَقْلِ والنَّظَرِ.
يوسف 12:38
”﴿قالَ لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما ذالِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّيَ إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِيَ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنَّ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾“
جُمْلَةُ ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِما فَفُصِّلَتْ عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ جُمَلِ التَّحاوُرِ.
أرادَ بِهَذا الجَوابِ أنْ يَفْتَرِضَ إقْبالَهُما عَلَيْهِ ومُلازِمَةَ الحَدِيثِ مَعَهُ إذْ هُما يَتَرَقَّبانِ تَعْبِيرَهُ الرُّؤْيا فَيُدْمَجُ في ذَلِكَ دَعَوْتُهُما إلى الإيمانِ الصَّحِيحِ مَعَ الوَعْدِ بِأنَّهُ يَعْبُرُ لَهُما رُؤْياهُما غَيْرَ بَعِيدٍ، وجَعَلَ لِذَلِكَ وقْتًا مَعْلُومًا لَهم، وهو وقْتُ إحْضارِ طَعامِ المَساجِينِ إذْ لَيْسَ لَهم في السِّجْنِ حَوادِثُ يُوَقِّتُونَ بِها، ولِأنَّ انْطِباقَ الأبْوابِ وإحاطَةَ الجُدْرانِ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ، فَلَيْسَ لَهم إلّا حَوادِثُ أحْوالِهِمْ مِن طَعامٍ أوْ نَوْمٍ أوْ هُبُوبٍ مِنهُ.
ويُظْهِرُ أنَّ أمَدَ إتْيانِ الطَّعامِ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ مِن تَعْجِيلِهِ لَهُما تَأْوِيلَ رُؤْياهُما وأنَّهُ لا يَتَرَيَّثُ في ذَلِكَ.
ووَصْفُ الطَّعامِ بِجُمْلَةِ تُرْزَقانِهِ تَصْرِيحٌ بِالضَّبْطِ بِأنَّهُ طَعامٌ مَعْلُومُ الوَقْتِ لا تَرَقُّبَ طَعامٍ يُهْدى لَهُما بِحَيْثُ لا يَنْضَبِطُ حُصُولُهُ.
صفحة ٢٧١
وحَقِيقَةُ الرِّزْقِ: ما بِهِ النَّفْعُ، ويُطْلَقُ عَلى الطَّعامِ كَقَوْلِهِ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧] أيْ طَعامًا، وقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] . ويُطْلَقُ عَلى الإنْفاقِ المُتَعارَفِ كَقَوْلِهِ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] . ومِن هُنا يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ المُوَقَّتِ، يُقالُ: كانَ بَنُو فُلانٍ مِن مُرْتَزِقَةِ الجُنْدِ، ورِزْقُ الجُنْدِ كَذا كُلَّ يَوْمٍ.
وضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (بِتَأْوِيلِهِ) الأوَّلِ، وهو المَرْئِيُّ أوِ المَنامُ. ولا يَنْبَغِي أنْ يَعُودَ إلى طَعامٍ إذْ لا يَحْسُنُ إطْلاقُ التَّأْوِيلِ عَنِ الأنْباءِ بِأسْماءِ أصْنافِ الطَّعامِ خِلافًا لِما سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُناسِبُ الغَرَضَ، وهي حالُ الإنْباءِ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وحالُ عَدَمِهِ، أيْ لا يَأْتِي الطَّعامُ المُعْتادُ إلّا في حالِ أنِّي قَدْ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِ رُؤْياكُما، أيْ لا في حالِ عَدَمِهِ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ إضافِيٌّ.
وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ الحالِ مِنَ الواوِ ”وقَدْ“ مَعَ أنَّها ماضِيَةٌ اكْتِفاءً بِرَبْطِ الِاسْتِثْناءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ وعْدَهُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا في وقْتٍ قَرِيبٍ يُثِيرُ عَجَبَ السّائِلِينَ عَنْ قُوَّةِ عِلْمِهِ وعَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي حَصَلَ بِها هَذا العِلْمُ، فَيُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا عَلَّمَهُ اللَّهُ تَخَلُّصًا إلى دَعْوَتِهِما لِلْإيمانِ بِإلَهٍ واحِدٍ. وكانَ القِبْطُ مُشْرِكِينَ يَدِينُونَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ إيذانٌ بِأنَّهُ عَلَّمَهُ عُلُومًا أُخْرى، وهي عُلُومُ الشَّرِيعَةِ والحِكْمَةِ والِاقْتِصادِ والأمانَةِ كَما قالَ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]
وزادَ في الِاسْتِينافِ البَيانِيِّ جُمْلَةَ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لِأنَّ الإخْبارَ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ التَّأْوِيلَ وعُلُومًا أُخْرى مِمّا يُثِيرُ السُّؤالَ عَنْ وسِيلَةِ
صفحة ٢٧٢
حُصُولِ هَذا العِلْمِ، فَأخْبَرَ بِأنَّ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ أنَّهُ انْفَرَدَ في ذَلِكَ المَكانِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وتَرَكَ مِلَّةَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَأرادَ اللَّهُ اخْتِيارَهُ لِهَدْيِهِمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأرادَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ما يَشْمَلُ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ والقِبْطَ الَّذِينَ شَبَّ بَيْنَهم، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠]، أوْ أرادَ الكَنْعانِيِّينَ خاصَّةً، وهُمُ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ تَعْرِيضًا بِالقِبْطِ الَّذِينَ ماثَلُوهم في الإشْراكِ. وأرادَ بِهَذا أنْ لا يُواجِهَهم بِالتَّشْنِيعِ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ مِن مَوْعِظَتِهِ.
وزِيادَةُ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أرادَ بِهِ تَخْصِيصَ قَوْمٍ مِنهم بِذَلِكَ وهُمُ الكَنْعانِيُّونَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ مِثْلَ كُفّارِ العَرَبِ. وأرادَ بِذَلِكَ إخْراجَ القِبْطِ لِأنَّ القِبْطَ وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فَقَدْ كانُوا يُثْبِتُونَ بَعْثَ الأرْواحِ والجَزاءِ.
والتَّرْكُ: عَدَمُ الأخْذِ لِلشَّيْءِ مَعَ إمْكانِهِ. أشارَ بِهِ إلى أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مِلَّةَ القِبْطِ مَعَ حُلُولِهِ بَيْنَهم، وكَوْنُ مَوْلاهُ مُتَدَيِّنًا بِها.
وذَكَرَ آباءَهُ تَعْلِيمًا بِفَضْلِهِمْ، وإظْهارًا لِسابِقِيَّةِ الصَّلاحِ فِيهِ، وأنَّهُ مُتَسَلْسِلٌ مِن آبائِهِ، وقَدْ عَقَلَهُ مِن أوَّلِ نَشْأتِهِ ثُمَّ تَأيَّدَ بِما عَلَّمَهُ رَبُّهُ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرَفُ العِظامِيُّ والشَّرَفُ العِصامِيُّ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ أكْرَمِ النّاسِ: «يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ نَبِيُّ ابْنُ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيِّ ابْنِ نَبِيٍّ» . ومِثْلَ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ في النُّبُوَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ لِأحَدٍ غَيْرَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا كانَ المُرادُ بِالنُّبُوءَةِ أكْمَلَها وهو الرِّسالَةُ، أوْ إذا كانَ إخْوَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرَ أنْبِياءٍ عَلى رَأْيِ فَرِيقٍ مِنَ العُلَماءِ.
صفحة ٢٧٣
وأرادَ بِاتِّباعِ مِلَّةِ آبائِهِ اتِّباعَها في أُصُولِها قَبْلَ أنْ يُعْطى النُّبُوَّةَ إذا كانَ فِيما إذا كانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ زِيادَةٌ عَلى ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ مِن تَعْبِيرِ الرُّؤْيا والِاقْتِصادِ؛ أوْ أنَّ نُبُوءَتَهُ كانَتْ بِوَحْيٍ مِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى آبائِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]
وذِكْرُ السَّلَفِ الصّالِحِ في الحَقِّ يَزِيدُ دَلِيلَ الحَقِّ تَمَكُّنًا، وذِكْرُ ضِدِّهِمْ في الباطِلِ لِقَصْدِ عَدَمِ الحُجَّةِ بِهِمْ بِمُجَرَّدِهِمْ. كَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ في قُوَّةِ البَيانِ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ مِن كَوْنِ التَّوْحِيدِ صارَ كالسَّجِيَّةِ لَهم عُرِفَ بِها أسْلافُهم بَيْنَ الأُمَمِ، وعَرَّفَهم بِها لِنَفْسِهِ في هَذِهِ الفُرْصَةِ. ولا يَخْفى ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الجُحُودِ مِن مُبالَغَةِ انْتِفاءِ الوَصْفِ عَلى المَوْصُوفِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] في آخِرِ سُورَةِ العُقُودِ.
ومِن في قَوْلِهِ: مِن شَيْءٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. وأُدْخِلَتْ عَلى المَقْصُودِ بِالنَّفْيِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ في الِاسْتِئْنافِ والبَيانِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ في اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ بِأنَّهُ فَضْلٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهم، وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّرْغِيبِ بِالجُمْلَةِ.
وأتى الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ في إشْراكِهِمْ حالُ مَن يَكْفُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ إرْسالَ الهُداةِ نِعْمَةٌ يَنْبَغِي أنْ يَنْظُرَ النّاسُ فِيها فَيَعْلَمُوا أنَّ ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ خَيْرٌ وإنْقاذٌ لَهم مِنَ
صفحة ٢٧٤
الِانْحِطاطِ في الدُّنْيا والعَذابِ في الآخِرَةِ، ولِأنَّ الإعْراضَ عَنِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ صِدْقِ الرُّسُلِ كُفْرٌ بِنِعْمَةِ العَقْلِ والنَّظَرِ.
يوسف 12:39
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أاَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُصَدَّرٌ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّداءِ المُسْتَرْعِي سَمْعَهُما إلى ما يَقُولُهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وعَبَّرَ عَنْهُما بِوَصْفِ الصُّحْبَةِ في السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِما إمّا لِجَهْلِ اسْمَيْهِما عِنْدَهُ إذْ كانا قَدْ دَخَلا السِّجْنَ مَعَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ قَبْلَ أنْ تَطُولَ المُعاشَرَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ، وإمّا لِلْإيذانِ بِما حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُما وهي صِلَةُ المُماثَلَةِ في الضَّرّاءِ الإلْفَ في الوَحْشَةِ، فَإنَّ المُوافَقَةَ في الأحْوالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقامَ صِلَةِ القَرابَةِ أوْ تَفُوقُها.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنِ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ المُعاقَبُونَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ لا يُضافُ إلى السِّجْنِ إلّا بِمَعْنى المَكانِ.
والإضافَةُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ، أيْ يا صاحِبَيْنِ في السِّجْنِ.
وأرادَ بِالكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُما بِهِ تَقْرِيرَهُما بِإبْطالِ دِينِهِما، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وقَدْ رَتَّبَ لَهُما الِاسْتِدْلالُ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ قَرِيبٍ مِن أفْهامِ العامَّةِ، إذْ
صفحة ٢٧٥
فَرَضَ لَهُما إلَهًا واحِدًا مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ كَما هو حالُ مِلَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَهم بِها. وفَرَضَ لَهُما آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ إلَهٍ مِنهم إنَّما يَتَصَرَّفُ في أشْياءٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ تَحْتَ سُلْطانِهِ لا يَعُدُّوها إلى ما هو مِن نِطاقِ سُلْطانِ غَيْرِهِ مِنهم، وذَلِكَ حالُ مِلَّةِ القِبْطِ.
ثُمَّ فَرَضَ لَهُما مُفاضَلَةً بَيْنَ مَجْمُوعِ الحالَيْنِ حالِ الإلَهِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ والأحْوالِ المُتَفَرِّقَةِ لِلْآلِهَةِ المُتَعَدِّدِينَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى إقْناعِهِما بِأنَّ حالَ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْظَمُ وأغْنى، فَيَرْجِعانِ عَنِ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وُجُودَ الحالَيْنِ في الإلَهِيَّةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ أصْحابِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الإلَهِ الواحِدِ.
هَذا إذا حُمِلَ لَفْظُ (خَيْرٌ) عَلى ظاهِرِ المُتَعارَفِ مِنهُ وهو التَّفْضِيلُ بَيْنَ مُشْتَرَكاتٍ في صِفَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الخَيْرِ عِنْدَ العَقْلِ، أيِ الرُّجْحانِ والقَبُولِ. والمَعْنى: اعْتِقادُ وُجُودِ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ أرْجَحُ أمِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، لِيَسْتَنْزِلَ بِذَلِكَ طائِرَ نَظَرِهِما واسْتِدْلالِهِما حَتّى يَنْجَلِيَ لَهُما فَسادُ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، إذْ يَتَبَيَّنُ لَهُما أنَّ أرْبابًا مُتَفَرِّقِينَ لا يَخْلُو حالُهم مِن تَطَرُّقِ الفَسادِ والخَلَلِ في تَصَرُّفِهِمْ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُ التَّفَرُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَدُّدِ ووَصْفُ القَهّارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْدانِيَّةِ.
وكانَتْ دِيانَةُ القِبْطِ في سائِرِ العُصُورِ الَّتِي حَفِظَها التّارِيخُ وشَهِدَتْ بِها الآثارُ دِيانَةَ شِرْكٍ، أيْ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وبِالرَّغْمِ عَلى ما يُحاوِلُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المِصْرِيِّينَ والإفْرِنْجِ مِن إثْباتِ اعْتِرافِ القِبْطِ بِإلَهٍ واحِدٍ وتَأْوِيلِهِمْ لَهم تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِأنَّها رُمُوزٌ لِلْعَناصِرِ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنَّ يُثْبِتُوا إلّا أنَّ هَذا الإلَهَ هو مُعْطِي التَّصَرُّفَ لِلْآلِهَةِ الأُخْرى. وذَلِكَ هو شَأْنُ سائِرِ أدْيانِ الشِّرْكِ، فَإنَّ الشِّرْكَ يَنْشَأُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الخَيالِ فَيُصْبِحُ تَعَدُّدَ آلِهَةٍ. والأُمَمُ الجاهِلَةُ تَتَخَيَّلُ هَذِهِ الِاعْتِقاداتِ مِن تَخَيُّلاتِ نِظامِ مُلُوكِها وسَلاطِينِها وهو النِّظامُ الإقْطاعِيُّ القَدِيمُ.
صفحة ٢٧٦
نَعَمْ إنَّ القِبْطَ بَنَوْا تَعَدُّدَ الآلِهَةِ عَلى تَعَدُّدِ القُوى والعَناصِرِ وبَعْضِ الكَواكِبِ ذاتِ القُوى. ومَثَلُهُمُ الإغْرِيقُ فَهم في ذَلِكَ أحْسَنُ حالًا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ ألَّهُوا الحِجارَةَ. وقُصارى ما قَسَّمُوهُ في عِبادَتِها أنْ جَعَلُوا بَعْضَها آلِهَةً لِبَعْضِ القَبائِلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها
وأحْسَنُ حالًا مِنَ الصّابِئَةِ الكِلْدانُ والآشُورِيِّونَ الَّذِينَ جَعَلُوا الآلِهَةَ رُمُوزًا لِلنُّجُومِ والكَواكِبِ.
وكانَتْ آلِهَةُ القِبْطِ نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ رَبًّا أكْبَرَها عِنْدَهم آمَونْ رَعْ. ومِن أعْظَمِ آلِهَتِهِمْ ثَلاثَةٌ أُخَرُ وهي: أُوزُورِيسُ، وإزيسُ، وهُورُوسُ. فَلِلَّهِ بَلاغَةُ القُرْآنِ إذْ عَبَّرَ عَنْ تَعَدُّدِها بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾
وبَعْدَ أنْ أثارَ لَهُما الشَّكَّ في صِحَّةِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمُ المُتَعَدِّدِينَ انْتَقَلَ إلى إبْطالِ وُجُودِ تِلْكَ الآلِهَةِ عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾، يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ لا تَحَقُّقَ لِحَقائِقِها في الوُجُودِ الخارِجِيِّ بَلْ هي تَوَهُّماتٌ تَخَيَّلُوها.
ومَعْنى قَصْرِها عَلى أنَّها أسْماءٌ قَصْرًا إضافِيًّا، أنَّها أسْماءٌ لا مُسَمَّياتٍ لَها فَلَيْسَ لَها في الوُجُودِ إلّا أسْماؤُها.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الرَّدُّ عَلى آبائِهِمْ سَدًّا لِمَنافِذِ الِاحْتِجاجِ لِأحَقِّيَّتِها بِأنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعْبُوداتُ آبائِهِمْ، وإدْماجًا لِتَلْقِينِ المَعْذِرَةِ لَهُما لِيَسْهُلَ لَهُما الإقْلاعُ عَنْ عِبادَةِ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وإنْزالُ السُّلْطانِ: كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ دَلِيلِ إلَهِيَّتِها في شَواهِدِ العالَمِ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
صفحة ٢٧٧
وجُمْلَةُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] إبْطالٌ لِجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ المَزْعُومَةِ لِآلِهَتِهِمْ بِأنَّها لا حُكْمَ لَها فِيما زَعَمُوا أنَّهُ مِن حُكْمِها وتَصَرُّفِها.
وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ انْتِقالٌ مِن أدِلَّةِ إثْباتِ انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ إلى التَّعْلِيمِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةً لِإثْباتِ الإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ، فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ مِن حَيْثُ ما فِيها مِن مَعْنى الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ خُلاصَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، أيْ ذَلِكَ الدِّينُ لا غَيْرُهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرُكم. وهو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] إلى ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]
يوسف 12:40
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أاَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُصَدَّرٌ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الفَتَيَيْنِ بِطَرِيقِ النِّداءِ المُسْتَرْعِي سَمْعَهُما إلى ما يَقُولُهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
وعَبَّرَ عَنْهُما بِوَصْفِ الصُّحْبَةِ في السَّجْنِ دُونَ اسْمَيْهِما إمّا لِجَهْلِ اسْمَيْهِما عِنْدَهُ إذْ كانا قَدْ دَخَلا السِّجْنَ مَعَهُ في تِلْكَ السّاعَةِ قَبْلَ أنْ تَطُولَ المُعاشَرَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ، وإمّا لِلْإيذانِ بِما حَدَثَ مِنَ الصِّلَةِ بَيْنَهُما وهي صِلَةُ المُماثَلَةِ في الضَّرّاءِ الإلْفَ في الوَحْشَةِ، فَإنَّ المُوافَقَةَ في الأحْوالِ صِلَةٌ تَقُومُ مَقامَ صِلَةِ القَرابَةِ أوْ تَفُوقُها.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ سِينِ السِّجْنِ هُنا بِمَعْنى البَيْتِ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ المُعاقَبُونَ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ لا يُضافُ إلى السِّجْنِ إلّا بِمَعْنى المَكانِ.
والإضافَةُ هُنا عَلى تَقْدِيرِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، مِثْلَ: مَكْرُ اللَّيْلِ، أيْ يا صاحِبَيْنِ في السِّجْنِ.
وأرادَ بِالكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُما بِهِ تَقْرِيرَهُما بِإبْطالِ دِينِهِما، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ. وقَدْ رَتَّبَ لَهُما الِاسْتِدْلالُ بِوَجْهٍ خِطابِيٍّ قَرِيبٍ مِن أفْهامِ العامَّةِ، إذْ
صفحة ٢٧٥
فَرَضَ لَهُما إلَهًا واحِدًا مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ كَما هو حالُ مِلَّتِهِ الَّتِي أخْبَرَهم بِها. وفَرَضَ لَهُما آلِهَةً مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ إلَهٍ مِنهم إنَّما يَتَصَرَّفُ في أشْياءٍ مُعَيَّنَةٍ مِن أنْواعِ المَوْجُوداتِ تَحْتَ سُلْطانِهِ لا يَعُدُّوها إلى ما هو مِن نِطاقِ سُلْطانِ غَيْرِهِ مِنهم، وذَلِكَ حالُ مِلَّةِ القِبْطِ.
ثُمَّ فَرَضَ لَهُما مُفاضَلَةً بَيْنَ مَجْمُوعِ الحالَيْنِ حالِ الإلَهِ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ والأحْوالِ المُتَفَرِّقَةِ لِلْآلِهَةِ المُتَعَدِّدِينَ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى إقْناعِهِما بِأنَّ حالَ المُنْفَرِدِ بِالإلَهِيَّةِ أعْظَمُ وأغْنى، فَيَرْجِعانِ عَنِ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ وُجُودَ الحالَيْنِ في الإلَهِيَّةِ والمُفاضَلَةِ بَيْنَ أصْحابِ هَذَيْنِ الحالَيْنِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ الإلَهِ الواحِدِ.
هَذا إذا حُمِلَ لَفْظُ (خَيْرٌ) عَلى ظاهِرِ المُتَعارَفِ مِنهُ وهو التَّفْضِيلُ بَيْنَ مُشْتَرَكاتٍ في صِفَةٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَيْرٌ) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الخَيْرِ عِنْدَ العَقْلِ، أيِ الرُّجْحانِ والقَبُولِ. والمَعْنى: اعْتِقادُ وُجُودِ أرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ أرْجَحُ أمِ اعْتِقادُ أنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا إلَهٌ واحِدٌ، لِيَسْتَنْزِلَ بِذَلِكَ طائِرَ نَظَرِهِما واسْتِدْلالِهِما حَتّى يَنْجَلِيَ لَهُما فَسادُ اعْتِقادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، إذْ يَتَبَيَّنُ لَهُما أنَّ أرْبابًا مُتَفَرِّقِينَ لا يَخْلُو حالُهم مِن تَطَرُّقِ الفَسادِ والخَلَلِ في تَصَرُّفِهِمْ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ وصْفُ التَّفَرُّقِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعَدُّدِ ووَصْفُ القَهّارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْدانِيَّةِ.
وكانَتْ دِيانَةُ القِبْطِ في سائِرِ العُصُورِ الَّتِي حَفِظَها التّارِيخُ وشَهِدَتْ بِها الآثارُ دِيانَةَ شِرْكٍ، أيْ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وبِالرَّغْمِ عَلى ما يُحاوِلُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المِصْرِيِّينَ والإفْرِنْجِ مِن إثْباتِ اعْتِرافِ القِبْطِ بِإلَهٍ واحِدٍ وتَأْوِيلِهِمْ لَهم تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِأنَّها رُمُوزٌ لِلْعَناصِرِ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنَّ يُثْبِتُوا إلّا أنَّ هَذا الإلَهَ هو مُعْطِي التَّصَرُّفَ لِلْآلِهَةِ الأُخْرى. وذَلِكَ هو شَأْنُ سائِرِ أدْيانِ الشِّرْكِ، فَإنَّ الشِّرْكَ يَنْشَأُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الخَيالِ فَيُصْبِحُ تَعَدُّدَ آلِهَةٍ. والأُمَمُ الجاهِلَةُ تَتَخَيَّلُ هَذِهِ الِاعْتِقاداتِ مِن تَخَيُّلاتِ نِظامِ مُلُوكِها وسَلاطِينِها وهو النِّظامُ الإقْطاعِيُّ القَدِيمُ.
صفحة ٢٧٦
نَعَمْ إنَّ القِبْطَ بَنَوْا تَعَدُّدَ الآلِهَةِ عَلى تَعَدُّدِ القُوى والعَناصِرِ وبَعْضِ الكَواكِبِ ذاتِ القُوى. ومَثَلُهُمُ الإغْرِيقُ فَهم في ذَلِكَ أحْسَنُ حالًا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ ألَّهُوا الحِجارَةَ. وقُصارى ما قَسَّمُوهُ في عِبادَتِها أنْ جَعَلُوا بَعْضَها آلِهَةً لِبَعْضِ القَبائِلِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها
وأحْسَنُ حالًا مِنَ الصّابِئَةِ الكِلْدانُ والآشُورِيِّونَ الَّذِينَ جَعَلُوا الآلِهَةَ رُمُوزًا لِلنُّجُومِ والكَواكِبِ.
وكانَتْ آلِهَةُ القِبْطِ نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ رَبًّا أكْبَرَها عِنْدَهم آمَونْ رَعْ. ومِن أعْظَمِ آلِهَتِهِمْ ثَلاثَةٌ أُخَرُ وهي: أُوزُورِيسُ، وإزيسُ، وهُورُوسُ. فَلِلَّهِ بَلاغَةُ القُرْآنِ إذْ عَبَّرَ عَنْ تَعَدُّدِها بِالتَّفَرُّقِ فَقالَ ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾
وبَعْدَ أنْ أثارَ لَهُما الشَّكَّ في صِحَّةِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمُ المُتَعَدِّدِينَ انْتَقَلَ إلى إبْطالِ وُجُودِ تِلْكَ الآلِهَةِ عَلى الحَقِيقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾، يَعْنِي أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ لا تَحَقُّقَ لِحَقائِقِها في الوُجُودِ الخارِجِيِّ بَلْ هي تَوَهُّماتٌ تَخَيَّلُوها.
ومَعْنى قَصْرِها عَلى أنَّها أسْماءٌ قَصْرًا إضافِيًّا، أنَّها أسْماءٌ لا مُسَمَّياتٍ لَها فَلَيْسَ لَها في الوُجُودِ إلّا أسْماؤُها.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِلضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الرَّدُّ عَلى آبائِهِمْ سَدًّا لِمَنافِذِ الِاحْتِجاجِ لِأحَقِّيَّتِها بِأنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ مَعْبُوداتُ آبائِهِمْ، وإدْماجًا لِتَلْقِينِ المَعْذِرَةِ لَهُما لِيَسْهُلَ لَهُما الإقْلاعُ عَنْ عِبادَةِ آلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وإنْزالُ السُّلْطانِ: كِنايَةٌ عَنْ إيجادِ دَلِيلِ إلَهِيَّتِها في شَواهِدِ العالَمِ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ.
صفحة ٢٧٧
وجُمْلَةُ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٦٧] إبْطالٌ لِجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ المَزْعُومَةِ لِآلِهَتِهِمْ بِأنَّها لا حُكْمَ لَها فِيما زَعَمُوا أنَّهُ مِن حُكْمِها وتَصَرُّفِها.
وجُمْلَةُ ﴿لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ انْتِقالٌ مِن أدِلَّةِ إثْباتِ انْفِرادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ إلى التَّعْلِيمِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةً لِإثْباتِ الإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ، فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ مِن حَيْثُ ما فِيها مِن مَعْنى الحُكْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ خُلاصَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ، أيْ ذَلِكَ الدِّينُ لا غَيْرُهُ مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرُكم. وهو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] إلى ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]
يوسف 12:41
﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾
افْتَتَحَ خِطابَهُما بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِما مِنَ التَّعْبِيرِ، وخاطَبَهُما بِوَصْفِ ﴿صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيْضًا.
ثُمَّ إذا كانَ الكَلامُ المَحْكِيُّ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الآيَةِ صَدَرَ مِنهُ عَلى نَحْوِ النَّظْمِ الَّذِي نُظِمَ بِهِ في الآيَةِ وهو الظّاهِرُ كانَ جَمْعُ التَّأْوِيلِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ مُجْمَلَةٍ؛ لِأنَّ في تَأْوِيلِ إحْدى الرُّؤيَتَيْنِ ما يَسُوءُ صاحِبَها قَصْدًا لِتَلَقِّيهِ ما يَسُوءُ بَعْدَ تَأمُّلٍ قَلِيلٍ كَيْلا يَفْجَأهُ مِن أوَّلِ الكَلامِ، فَإنَّهُ بَعْدَ التَّأمُّلِ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا هو رائِي عَصْرَ الخَمْرِ، وأنَّ الَّذِي تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ هو رائِي أكْلَ الطَّيْرِ مِن خُبْزٍ عَلى رَأْسِهِ.
صفحة ٢٧٨
وإذا كانَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما صَدَرَ مِن يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الآيَةِ إيجازٌ لِحِكايَةِ كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ كَلامًا مُعَيَّنًا فِيهِ كُلٌّ مِنَ الفَتَيَيْنِ بِأنْ قالَ: أمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، وأمّا أنْتَ فَكَيْتُ وكَيْتُ، فَحُكِيَ في الآيَةِ بِالمَعْنى.
وجُمْلَةُ ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ تَحْقِيقٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الرُّؤْيا، وأنَّ تَعْبِيرَها هو ما أخْبَرَهُما بِهِ فَإنَّهُما يَسْتَفْتِيانِ في دَلالَةِ الرُّؤْيا عَلى ما سَيَكُونُ في شَأْنِ سِجْنِهِما لِأنَّ ذَلِكَ أكْبَرُ هَمِّهِما، فالمُرادُ بِالأمْرِ تَعْبِيرُ رُؤْياهُما.
والِاسْتِفْتاءُ: مَصْدَرُ اسْتَفْتى إذا طَلَبَ الإفْتاءَ. وهو: الإخْبارُ بِإزالَةِ مُشْكِلٍ، أوْ إرْشادٌ إلى إزالَةِ حَيْرَةٍ. وفِعْلُهُ أفْتى مُلازِمٌ لِلْهَمْزِ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَمَزَهُ في الأصْلِ مُجْتَلَبٌ لِمَعْنًى، قالُوا: أصْلُ اشْتِقاقِ أفْتى مِنَ الفَتى وهو الشّابُّ، فَكَأنَّ الَّذِي يُفْتِيهِ يُقَوِّي نَهْجَهُ بِبَيانِهِ فَيَصِيرُ بِقُوَّةِ بَيانِهِ فَتِيًّا أيْ قَوِيًّا. واسْمُ الخَبَرِ الصّادِرِ مِنَ المُفْتِي: فَتْوى بِفَتْحِ الفاءِ وبِضَمِّها مَعَ الواوِ مَقْصُورًا، وبِضَمِّ الفاءِ مَعَ الياءِ مَقْصُورًا.
يوسف 12:42
﴿وقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
قالَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلَّذِي ظَنَّ نَجاتَهُ مِنَ الفَتَيَيْنِ وهو السّاقِي. والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في القَرِيبِ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ لا يَشُكُّ في صِحَّةِ تَعْبِيرِهِ الرُّؤْيا. وأرادَ بِذِكْرِهِ ذِكْرُ قَضِيَّتِهِ ومَظْلَمَتِهِ، أيِ اذْكُرْنِي لِرَبِّكَ، أيْ سَيِّدِكَ. وأرادَ بِرَبِّهِ مَلِكَ مِصْرَ.
وضَمِيرا (فَأنْساهُ) و(رَبِّهُ) يَحْتَمِلانِ العَوْدَ إلى الَّذِي، أيْ أنْسى الشَّيْطانُ الَّذِي نَجا أنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي هو الذِّكْرُ الأوَّلُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ
صفحة ٢٧٩
الضَّمِيرانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (وقالَ) أيْ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ اللَّهِ، فالذِّكْرُ الثّانِي غَيْرُ الذِّكْرِ الأوَّلِ. ولَعَلَّ كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مُرادٌ، وهو مِن بَدِيعِ الإيجازِ. وذَلِكَ أنَّ نِسْيانَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْألَ اللَّهَ إلْهامَ المَلِكِ تَذَكُّرِ شَأْنِهِ كانَ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَهِيًّا في نِسْيانِ السّاقِي تَذْكِيرَ المَلِكِ، وكانَ ذَلِكَ عِتابًا إلَهِيًّا لِيُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى اشْتِغالِهِ بِعَوْنِ العِبادِ دُونَ اسْتِعانَةِ رَبِّهِ عَلى خَلاصِهِ.
ولَعَلَّ في إيرادِ هَذا الكَلامِ عَلى هَذا التَّوْجِيهِ تَلَطُّفًا في الخَبَرِ عَنْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّ الكَلامَ المُوَجَّهَ في المَعانِي المُوَجَّهَةِ ألْطَفُ مِنَ الصَّرِيحِ.
والبِضْعُ: مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ.
وفِيما حَكاهُ القُرْآنُ عَنْ حالِ سِجْنِهِمْ ما يُنْبِئُ عَلى أنَّ السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ مَضْبُوطًا بِسِجِلٍّ يُذْكَرُ فِيهِ أسْماءُ المَساجِينِ، وأسْبابُ سَجْنِهِمْ، والمُدَّةُ المَسْجُونُ إلَيْها، ولا كانَ مِن وزَعَةِ السُّجُونِ ولا مِمَّنْ فَوْقَهم مَن يَتَعَهَّدُ أسْبابَ السَّجْنِ ويَفْتَقِدُ أمْرَ المَساجِينِ ويَرْفَعُ إلى المَلِكِ في يَوْمٍ مِنَ الأُسْبُوعِ أوْ مِنَ العامِ. وهَذا مِنَ الإهْمالِ والتَّهاوُنِ بِحُقُوقِ النّاسِ وقَدْ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، فَإنَّ مِنَ الشَّرِيعَةِ أنْ يَنْظُرَ القاضِي أوَّلَ ما يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ أمْرَ المَساجِينِ.
يوسف 12:43
﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾
هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.
صفحة ٢٨٠
والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.
فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ
و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ
والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.
والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.
صفحة ٢٨١
و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.
وتَقْدِيمُ (لِلرُّؤْيا) عَلى عامِلِهِ وهو (تَعْبُرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِالرُّؤْيا في التَّعْبِيرِ. والتَّعْرِيفُ في لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
واللّامُ في لِلرُّؤْيا لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ. يُقالُ: عَبَرَ الرُّؤْيا مِن بابِ نَصَرَ. قالَ في الكَشّافِ: وعَبَرَتِ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الإثْباتُ. ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّعْبِيرِ، وقَدْ عَثَرْتُ عَلى بَيْتٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في كِتابِ الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ:
رَأيْتُ رُؤْيايَ ثُمَّ عَبَرْتُها ∗∗∗ وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا
والمَعْنى: فَسَّرَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ وأوَّلَ إشاراتِها ورُمُوزَها.
وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِمّا يَشْتَغِلُونَ بِهِ. وكانَ الكَهَنَةُ مِنهم يَعُدُّونَهُ مِن عُلُومِهِمْ ولَهم قَواعِدُ في حَلِّ رُمُوزِ ما يَراهُ النّائِمُ. وقَدْ وُجِدَتْ في آثارِ القِبْطِ أوْراقٌ مِنَ البَرْدِي فِيها ضَوابِطُ وقَواعِدُ لِتَعْبِيرِ الرُّؤى، فَإنَّ اسْتِفْتاءَ صاحِبَيِ السِّجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤيَيْهِما يُنْبِئُ بِأنَّ ذَلِكَ شائِعٌ فِيهِمْ، وسُؤالُ المَلِكِ أهْلَ مَلَئِهِ تَعْبِيرَ رُؤْياهُ يُنْبِئُ عَنِ احْتِواءِ ذَلِكَ المَلَأِ عَلى مَن يُظَنُّ بِهِمْ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ولا يَخْلُو مَلَأُ المَلِكِ مِن حُضُورِ كُهّانٍ مِن شَأْنِهِمْ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا.
صفحة ٢٨٢
وفِي التَّوْراةِ ”فَأرْسَلَ ودَعا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وجَمِيعَ حُكَمائِها وقَصَّ عَلَيْهِمْ حُلْمَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَن يَعْبُرُهُ لَهُ.“ وإنَّما كانَ مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ إلى الكَهَنَةِ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ. وقَدْ ورَدَ في أخْبارِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ كِسْرى أرْسَلَ إلى سُطَيْحٍ الكاهِنِ لِيَعْبُرَ لَهُ الرُّؤْيا أيّامَ وِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الإرْهاصاتِ النَّبَوِيَّةِ. وحَصَلَ لِكِسْرى فَزَعٌ فَأوْفَدَ إلَيْهِ عَبْدَ المَسِيحِ.
فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ الرُّؤْيا الَّتِي كانَ يَقُصُّها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ هَذِهِ الرُّؤْيا.
والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وهو: ما جُمِعَ في حُزْمَةٍ واحِدَةٍ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وأعْوادِ الشَّجَرِ، وإضافَتُهُ إلى الأحْلامِ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أيْ أضْغاثٌ لِلْأحْلامِ.
والأحْلامُ: جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو ما يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الرُّؤْيا أضْغاثُ أحْلامٍ. شُبِّهَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا بِالأضْغاثِ في اخْتِلاطِها وعَدَمِ تَمَيُّزِ ما تَحْتَوِيهِ لَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُها.
والتَّعْرِيفُ فِيهِ أيْضًا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ أحْلامِكَ هَذِهِ بِعالِمِينَ. وجُمِعَتْ أحْلامٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأشْياءِ المَرْئِيَّةِ في ذَلِكَ الحُلْمِ، فَهي عِدَّةُ رُؤى.
والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العامِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مِن قَبِيلِ باءِ الإلْصاقِ مِثْلَ باءِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لِأنَّهم نَفَوُا التَّمَكُّنَ مِن تَأْوِيلِ هَذا الحُلْمِ. وتَقْدِيمُ هَذا المَعْمُولِ عَلى الوَصْفِ العامِلِ فِيهِ كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾
صفحة ٢٨٣
فَلَمّا ظَهَرَ عَوَصُ تَعْبِيرِ هَذا الحُلُمِ تَذَكَّرَ ساقَيِ المَلِكِ ما جَرى لَهُ مَعَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾
وابْتِداءُ كَلامِهِ بِضَمِيرِهِ وجَعْلِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ وخَبَرُهُ فِعْلِيٌّ لِقَصْدِ اسْتِجْلابِ تَعَجُّبِ المَلِكِ مِن أنْ يَكُونَ السّاقِي يُنْبِئُ بِتَأْوِيلِ رُؤْيا عَوِصَتْ عَلى عُلَماءِ بَلاطِ المَلِكِ، مَعَ إفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، وهو إنْباؤُهُ إيّاهم بِتَأْوِيلِها؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإثْباتِ يُفِيدُ التَّقَوِّي، وإسْنادُ الإنْباءِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ الإنْباءِ، ولِذَلِكَ قالَ فَأرْسِلُونِ. وفي ذَلِكَ ما يَسْتَفِزُّ المَلِكَ إلى أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالذَّهابِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ لِيَأْتِيَ بِنَبَأِ التَّأْوِيلِ إذْ لا يَجُوزُ لِمِثْلِهِ أنْ يُغادِرَ مَجْلِسَ المَلِكِ دُونَ إذْنٍ. وقَدْ كانَ مُوقِنًا بِأنَّهُ يَجِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ لِأنَّهُ قالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ دُونَ تَرَدُّدٍ. ولَعَلَّ سَبَبَ يَقِينِهِ بِبَقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ أنَّهُ كانَ سِجْنَ الخاصَّةِ فَكانَ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن إطْلاقٍ أوْ مَوْتٍ يَبْلُغُ مَسامِعَ المَلِكِ وشِيعَتِهِ.
وادَّكَرَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الذِّكْرِ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِثِقَلِها ولِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما ثُمَّ قُلِبَتِ الذّالُ لِيَتَأتّى إدْغامُها في الدّالِ لِأنَّ الدّالَ أخَفُّ مِنَ الذّالِ. وهَذا أفْصَحُ الإبْدالِ في ادَّكَرَ. وهو قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] كَما في الصَّحِيحِ.
ومَعْنى ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بَعْدَ زَمَنٍ مَضى عَلى نِسْيانِهِ وِصايَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأُمَّةُ: أُطْلِقَتْ هُنا عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ إطْلاقِ الأُمَّةِ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هو أنَّها زَمَنٌ يَنْقَرِضُ في مِثْلِهِ جِيلٌ، والجِيلُ يُسَمّى أُمَّةً، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّحابَةِ.
وإطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ في زَمَنِ نِسْيانِ السّاقِي. وفي التَّوْراةِ كانَتْ مُدَّةُ نِسْيانِهِ سَنَتَيْنِ.
وضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في (أُنَبِّئُكم فَأرْسِلُونِ) مُخاطَبٌ بِها المَلِكُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]
صفحة ٢٨٤
ولَمْ يُسَمِّ لَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُفاجِئَهم بِخَبَرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ تَعْبِيرِهِ لِيَكُونَ أوْقَعَ، إذْ لَيْسَ مِثْلُهُ مَظِنَّةَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَساجِينِ.
يوسف 12:44
﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾
هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.
صفحة ٢٨٠
والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.
فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ
و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ
والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.
والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.
صفحة ٢٨١
و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.
وتَقْدِيمُ (لِلرُّؤْيا) عَلى عامِلِهِ وهو (تَعْبُرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِالرُّؤْيا في التَّعْبِيرِ. والتَّعْرِيفُ في لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
واللّامُ في لِلرُّؤْيا لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ. يُقالُ: عَبَرَ الرُّؤْيا مِن بابِ نَصَرَ. قالَ في الكَشّافِ: وعَبَرَتِ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الإثْباتُ. ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّعْبِيرِ، وقَدْ عَثَرْتُ عَلى بَيْتٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في كِتابِ الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ:
رَأيْتُ رُؤْيايَ ثُمَّ عَبَرْتُها ∗∗∗ وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا
والمَعْنى: فَسَّرَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ وأوَّلَ إشاراتِها ورُمُوزَها.
وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِمّا يَشْتَغِلُونَ بِهِ. وكانَ الكَهَنَةُ مِنهم يَعُدُّونَهُ مِن عُلُومِهِمْ ولَهم قَواعِدُ في حَلِّ رُمُوزِ ما يَراهُ النّائِمُ. وقَدْ وُجِدَتْ في آثارِ القِبْطِ أوْراقٌ مِنَ البَرْدِي فِيها ضَوابِطُ وقَواعِدُ لِتَعْبِيرِ الرُّؤى، فَإنَّ اسْتِفْتاءَ صاحِبَيِ السِّجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤيَيْهِما يُنْبِئُ بِأنَّ ذَلِكَ شائِعٌ فِيهِمْ، وسُؤالُ المَلِكِ أهْلَ مَلَئِهِ تَعْبِيرَ رُؤْياهُ يُنْبِئُ عَنِ احْتِواءِ ذَلِكَ المَلَأِ عَلى مَن يُظَنُّ بِهِمْ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ولا يَخْلُو مَلَأُ المَلِكِ مِن حُضُورِ كُهّانٍ مِن شَأْنِهِمْ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا.
صفحة ٢٨٢
وفِي التَّوْراةِ ”فَأرْسَلَ ودَعا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وجَمِيعَ حُكَمائِها وقَصَّ عَلَيْهِمْ حُلْمَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَن يَعْبُرُهُ لَهُ.“ وإنَّما كانَ مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ إلى الكَهَنَةِ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ. وقَدْ ورَدَ في أخْبارِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ كِسْرى أرْسَلَ إلى سُطَيْحٍ الكاهِنِ لِيَعْبُرَ لَهُ الرُّؤْيا أيّامَ وِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الإرْهاصاتِ النَّبَوِيَّةِ. وحَصَلَ لِكِسْرى فَزَعٌ فَأوْفَدَ إلَيْهِ عَبْدَ المَسِيحِ.
فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ الرُّؤْيا الَّتِي كانَ يَقُصُّها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ هَذِهِ الرُّؤْيا.
والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وهو: ما جُمِعَ في حُزْمَةٍ واحِدَةٍ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وأعْوادِ الشَّجَرِ، وإضافَتُهُ إلى الأحْلامِ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أيْ أضْغاثٌ لِلْأحْلامِ.
والأحْلامُ: جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو ما يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الرُّؤْيا أضْغاثُ أحْلامٍ. شُبِّهَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا بِالأضْغاثِ في اخْتِلاطِها وعَدَمِ تَمَيُّزِ ما تَحْتَوِيهِ لَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُها.
والتَّعْرِيفُ فِيهِ أيْضًا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ أحْلامِكَ هَذِهِ بِعالِمِينَ. وجُمِعَتْ أحْلامٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأشْياءِ المَرْئِيَّةِ في ذَلِكَ الحُلْمِ، فَهي عِدَّةُ رُؤى.
والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العامِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مِن قَبِيلِ باءِ الإلْصاقِ مِثْلَ باءِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لِأنَّهم نَفَوُا التَّمَكُّنَ مِن تَأْوِيلِ هَذا الحُلْمِ. وتَقْدِيمُ هَذا المَعْمُولِ عَلى الوَصْفِ العامِلِ فِيهِ كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾
صفحة ٢٨٣
فَلَمّا ظَهَرَ عَوَصُ تَعْبِيرِ هَذا الحُلُمِ تَذَكَّرَ ساقَيِ المَلِكِ ما جَرى لَهُ مَعَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾
وابْتِداءُ كَلامِهِ بِضَمِيرِهِ وجَعْلِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ وخَبَرُهُ فِعْلِيٌّ لِقَصْدِ اسْتِجْلابِ تَعَجُّبِ المَلِكِ مِن أنْ يَكُونَ السّاقِي يُنْبِئُ بِتَأْوِيلِ رُؤْيا عَوِصَتْ عَلى عُلَماءِ بَلاطِ المَلِكِ، مَعَ إفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، وهو إنْباؤُهُ إيّاهم بِتَأْوِيلِها؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإثْباتِ يُفِيدُ التَّقَوِّي، وإسْنادُ الإنْباءِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ الإنْباءِ، ولِذَلِكَ قالَ فَأرْسِلُونِ. وفي ذَلِكَ ما يَسْتَفِزُّ المَلِكَ إلى أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالذَّهابِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ لِيَأْتِيَ بِنَبَأِ التَّأْوِيلِ إذْ لا يَجُوزُ لِمِثْلِهِ أنْ يُغادِرَ مَجْلِسَ المَلِكِ دُونَ إذْنٍ. وقَدْ كانَ مُوقِنًا بِأنَّهُ يَجِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ لِأنَّهُ قالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ دُونَ تَرَدُّدٍ. ولَعَلَّ سَبَبَ يَقِينِهِ بِبَقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ أنَّهُ كانَ سِجْنَ الخاصَّةِ فَكانَ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن إطْلاقٍ أوْ مَوْتٍ يَبْلُغُ مَسامِعَ المَلِكِ وشِيعَتِهِ.
وادَّكَرَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الذِّكْرِ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِثِقَلِها ولِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما ثُمَّ قُلِبَتِ الذّالُ لِيَتَأتّى إدْغامُها في الدّالِ لِأنَّ الدّالَ أخَفُّ مِنَ الذّالِ. وهَذا أفْصَحُ الإبْدالِ في ادَّكَرَ. وهو قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] كَما في الصَّحِيحِ.
ومَعْنى ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بَعْدَ زَمَنٍ مَضى عَلى نِسْيانِهِ وِصايَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأُمَّةُ: أُطْلِقَتْ هُنا عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ إطْلاقِ الأُمَّةِ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هو أنَّها زَمَنٌ يَنْقَرِضُ في مِثْلِهِ جِيلٌ، والجِيلُ يُسَمّى أُمَّةً، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّحابَةِ.
وإطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ في زَمَنِ نِسْيانِ السّاقِي. وفي التَّوْراةِ كانَتْ مُدَّةُ نِسْيانِهِ سَنَتَيْنِ.
وضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في (أُنَبِّئُكم فَأرْسِلُونِ) مُخاطَبٌ بِها المَلِكُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]
صفحة ٢٨٤
ولَمْ يُسَمِّ لَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُفاجِئَهم بِخَبَرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ تَعْبِيرِهِ لِيَكُونَ أوْقَعَ، إذْ لَيْسَ مِثْلُهُ مَظِنَّةَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَساجِينِ.
يوسف 12:45
﴿وقالَ المَلِكُ إنِّيَ أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرُ يابِساتٍ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ﴾
هَذا عَطْفُ جُزْءٍ مِن قِصَّةٍ عَلى جُزْءٍ مِنها تَكْمِلَةً لِوَصْفِ خَلاصِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ السِّجْنِ.
صفحة ٢٨٠
والتَّعْرِيفُ في المَلِكِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَلِكُ مِصْرَ. وسَمّاهُ القُرْآنُ هُنا مَلِكًا ولَمْ يُسَمِّهِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَذا المَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَراعِنَةِ مُلُوكِ مِصْرَ القِبْطِ، وإنَّما كانَ مَلِكًا لِمِصْرَ أيّامَ حَكَمَها (الهِكْسُوسُ)، وهُمُ العَمالِقَةُ، وهم مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، أوْ مِنَ العَرَبِ، ويُعَبِّرُ عَنْهم مُؤَرِّخُو الإغْرِيقِ بِمُلُوكِ الرُّعاةِ، أيِ البَدْوُ. وقَدْ مَلَكُوا بِمِصْرَ مِن عامِ ١٩٠٠ إلى عامِ ١٥٢٥ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكانَ عَصْرُهم فِيما بَيْنَ مُدَّةِ العائِلَةِ الثّالِثَةِ عَشْرَةَ والعائِلَةِ الثّامِنَةِ عَشْرَةَ مِن مُلُوكِ القِبْطِ، إذْ كانَتْ عائِلاتُ مُلُوكِ القِبْطِ قَدْ بَقِيَ لَها حُكْمٌ في مِصْرَ العُلْيا في مَدِينَةِ طِيبَةَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ [يوسف: ٢١] . وكانَ مَلِكُهم في تِلْكَ المُدَّةِ ضَعِيفًا لِأنَّ السِّيادَةَ كانَتْ لِمُلُوكِ مِصْرَ السُّفْلى. ويُقَدِّرُ المُؤَرِّخُونَ أنَّ مَلِكَ مِصْرَ السُّفْلى في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في مُدَّةِ العائِلَةِ السّابِعَةِ عَشْرَةَ.
فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالمَلِكِ في القُرْآنِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِفِرْعَوْنٍ مَعَ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِلَقَبِ فِرْعَوْنَ هو مِن دَقائِقِ إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ. وقَدْ وقَعَ في التَّوْراةِ إذْ عَبَّرَ فِيها عَنْ مَلِكِ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِفِرْعَوْنَ وما هو بِفِرْعَوْنَ لِأنَّ أُمَّتَهُ ما كانَتْ تَتَكَلَّمُ بِالقِبْطِيَّةِ وإنَّما كانَتْ لُغَتُهم كَنْعانِيَّةً قَرِيبَةً مِنَ الآرامِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ، فَيَكُونُ زَمَنُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آخِرِ أزْمانِ حُكْمِ مُلُوكِ الرُّعاةِ عَلى اخْتِلافٍ شَدِيدٍ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: سِمانٍ جَمْعُ سَمِينَةٍ وسَمِينٍ، مِثْلَ كِرامٍ، وهو وصْفٌ لِـ بَقَراتٍ
و(عِجافٌ) جَمْعُ عَجْفاءَ. والقِياسُ في جَمْعِ عَجْفاءَ عُجْفٌ لَكِنَّهُ صِيغَ هُنا بِوَزْنِ فِعالٍ لِأجْلِ المُزاوَجَةِ لِمُقارِنِهِ وهو سِمانٌ. كَما قالَ الشّاعِرُ:
هَتّاكُ أخْبِيَةٍ ولّاجُ أبَوِيَةٍ
والقِياسُ أبْوابٌ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ عَلى أخْبِيَةٍ.
والعَجْفاءُ: ذاتُ العَجَفِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو الهُزالُ الشَّدِيدُ.
صفحة ٢٨١
و﴿وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ﴾ . والسُّنْبُلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَلَأُ: أعْيانُ النّاسِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى. وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ أفْتُونِي إفْتاءً مُلابِسًا لِرُؤْيايَ مُلابَسَةَ البَيانِ لِلْمُجْمَلِ.
وتَقْدِيمُ (لِلرُّؤْيا) عَلى عامِلِهِ وهو (تَعْبُرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِالرُّؤْيا في التَّعْبِيرِ. والتَّعْرِيفُ في لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
واللّامُ في لِلرُّؤْيا لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ. يُقالُ: عَبَرَ الرُّؤْيا مِن بابِ نَصَرَ. قالَ في الكَشّافِ: وعَبَرَتِ الرُّؤْيا بِالتَّخْفِيفِ هو الَّذِي اعْتَمَدَهُ الإثْباتُ. ورَأيْتُهم يُنْكِرُونَ عَبَّرَتْ بِالتَّشْدِيدِ والتَّعْبِيرِ، وقَدْ عَثَرْتُ عَلى بَيْتٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في كِتابِ الكامِلِ لِبَعْضِ الأعْرابِ:
رَأيْتُ رُؤْيايَ ثُمَّ عَبَرْتُها ∗∗∗ وكُنْتُ لِلْأحْلامِ عَبّارًا
والمَعْنى: فَسَّرَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ وأوَّلَ إشاراتِها ورُمُوزَها.
وكانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا مِمّا يَشْتَغِلُونَ بِهِ. وكانَ الكَهَنَةُ مِنهم يَعُدُّونَهُ مِن عُلُومِهِمْ ولَهم قَواعِدُ في حَلِّ رُمُوزِ ما يَراهُ النّائِمُ. وقَدْ وُجِدَتْ في آثارِ القِبْطِ أوْراقٌ مِنَ البَرْدِي فِيها ضَوابِطُ وقَواعِدُ لِتَعْبِيرِ الرُّؤى، فَإنَّ اسْتِفْتاءَ صاحِبَيِ السِّجْنِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤيَيْهِما يُنْبِئُ بِأنَّ ذَلِكَ شائِعٌ فِيهِمْ، وسُؤالُ المَلِكِ أهْلَ مَلَئِهِ تَعْبِيرَ رُؤْياهُ يُنْبِئُ عَنِ احْتِواءِ ذَلِكَ المَلَأِ عَلى مَن يُظَنُّ بِهِمْ عِلْمُ تَعْبِيرِ الرُّؤْيا، ولا يَخْلُو مَلَأُ المَلِكِ مِن حُضُورِ كُهّانٍ مِن شَأْنِهِمْ تَعْبِيرُ الرُّؤْيا.
صفحة ٢٨٢
وفِي التَّوْراةِ ”فَأرْسَلَ ودَعا جَمِيعَ سَحَرَةِ مِصْرَ وجَمِيعَ حُكَمائِها وقَصَّ عَلَيْهِمْ حُلْمَهُ فَلَمْ يَكُنْ مَن يَعْبُرُهُ لَهُ.“ وإنَّما كانَ مِمّا يَقْصِدُ فِيهِ إلى الكَهَنَةِ لِأنَّهُ مِنَ المُغَيَّباتِ. وقَدْ ورَدَ في أخْبارِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ كِسْرى أرْسَلَ إلى سُطَيْحٍ الكاهِنِ لِيَعْبُرَ لَهُ الرُّؤْيا أيّامَ وِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الإرْهاصاتِ النَّبَوِيَّةِ. وحَصَلَ لِكِسْرى فَزَعٌ فَأوْفَدَ إلَيْهِ عَبْدَ المَسِيحِ.
فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: لِلرُّؤْيا تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمَعْهُودُ الرُّؤْيا الَّتِي كانَ يَقُصُّها عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ إعادَةِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفَةً بِاللّامِ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ عَيْنَ الأُولى. والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ هَذِهِ الرُّؤْيا.
والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وهو: ما جُمِعَ في حُزْمَةٍ واحِدَةٍ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وأعْوادِ الشَّجَرِ، وإضافَتُهُ إلى الأحْلامِ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أيْ أضْغاثٌ لِلْأحْلامِ.
والأحْلامُ: جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّتَيْنِ وهو ما يَراهُ النّائِمُ في نَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ الرُّؤْيا أضْغاثُ أحْلامٍ. شُبِّهَتْ تِلْكَ الرُّؤْيا بِالأضْغاثِ في اخْتِلاطِها وعَدَمِ تَمَيُّزِ ما تَحْتَوِيهِ لَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ تَأْوِيلُها.
والتَّعْرِيفُ فِيهِ أيْضًا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ أحْلامِكَ هَذِهِ بِعالِمِينَ. وجُمِعَتْ أحْلامٌ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الأشْياءِ المَرْئِيَّةِ في ذَلِكَ الحُلْمِ، فَهي عِدَّةُ رُؤى.
والباءُ في ﴿بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ﴾ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ العامِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مِن قَبِيلِ باءِ الإلْصاقِ مِثْلَ باءِ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]؛ لِأنَّهم نَفَوُا التَّمَكُّنَ مِن تَأْوِيلِ هَذا الحُلْمِ. وتَقْدِيمُ هَذا المَعْمُولِ عَلى الوَصْفِ العامِلِ فِيهِ كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾
صفحة ٢٨٣
فَلَمّا ظَهَرَ عَوَصُ تَعْبِيرِ هَذا الحُلُمِ تَذَكَّرَ ساقَيِ المَلِكِ ما جَرى لَهُ مَعَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾
وابْتِداءُ كَلامِهِ بِضَمِيرِهِ وجَعْلِهِ مُسْنَدًا إلَيْهِ وخَبَرُهُ فِعْلِيٌّ لِقَصْدِ اسْتِجْلابِ تَعَجُّبِ المَلِكِ مِن أنْ يَكُونَ السّاقِي يُنْبِئُ بِتَأْوِيلِ رُؤْيا عَوِصَتْ عَلى عُلَماءِ بَلاطِ المَلِكِ، مَعَ إفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، وهو إنْباؤُهُ إيّاهم بِتَأْوِيلِها؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الإثْباتِ يُفِيدُ التَّقَوِّي، وإسْنادُ الإنْباءِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ الإنْباءِ، ولِذَلِكَ قالَ فَأرْسِلُونِ. وفي ذَلِكَ ما يَسْتَفِزُّ المَلِكَ إلى أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالذَّهابِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ لِيَأْتِيَ بِنَبَأِ التَّأْوِيلِ إذْ لا يَجُوزُ لِمِثْلِهِ أنْ يُغادِرَ مَجْلِسَ المَلِكِ دُونَ إذْنٍ. وقَدْ كانَ مُوقِنًا بِأنَّهُ يَجِدُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ لِأنَّهُ قالَ ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ دُونَ تَرَدُّدٍ. ولَعَلَّ سَبَبَ يَقِينِهِ بِبَقاءِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ أنَّهُ كانَ سِجْنَ الخاصَّةِ فَكانَ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن إطْلاقٍ أوْ مَوْتٍ يَبْلُغُ مَسامِعَ المَلِكِ وشِيعَتِهِ.
وادَّكَرَ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الذِّكْرِ، قُلِبَتْ تاءُ الِافْتِعالِ دالًا لِثِقَلِها ولِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما ثُمَّ قُلِبَتِ الذّالُ لِيَتَأتّى إدْغامُها في الدّالِ لِأنَّ الدّالَ أخَفُّ مِنَ الذّالِ. وهَذا أفْصَحُ الإبْدالِ في ادَّكَرَ. وهو قِراءَةُ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] كَما في الصَّحِيحِ.
ومَعْنى ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بَعْدَ زَمَنٍ مَضى عَلى نِسْيانِهِ وِصايَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأُمَّةُ: أُطْلِقَتْ هُنا عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ، وأصْلُ إطْلاقِ الأُمَّةِ عَلى المُدَّةِ الطَّوِيلَةِ هو أنَّها زَمَنٌ يَنْقَرِضُ في مِثْلِهِ جِيلٌ، والجِيلُ يُسَمّى أُمَّةً، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الصَّحابَةِ.
وإطْلاقُهُ في هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ في زَمَنِ نِسْيانِ السّاقِي. وفي التَّوْراةِ كانَتْ مُدَّةُ نِسْيانِهِ سَنَتَيْنِ.
وضَمائِرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في (أُنَبِّئُكم فَأرْسِلُونِ) مُخاطَبٌ بِها المَلِكُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]
صفحة ٢٨٤
ولَمْ يُسَمِّ لَهُمُ المُرْسَلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُفاجِئَهم بِخَبَرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ حُصُولِ تَعْبِيرِهِ لِيَكُونَ أوْقَعَ، إذْ لَيْسَ مِثْلُهُ مَظِنَّةَ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَساجِينِ.
يوسف 12:46
﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّيَ أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾
الخِطابُ بِالنِّداءِ مُؤْذِنٌ بِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ في الكَلامِ، وأنَّهُ مِن قَوْلِ الَّذِي نَجا وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ. وحُذِفَ مِنَ الكَلامِ ذِكْرُ إرْسالِهِ ومَشْيِهِ ووُصُولِهِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِنَ القِصَّةِ. وهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ.
والصِّدِّيقُ: أصْلُهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وغَلَبَ اسْتِعْمالُ وصْفِ الصِّدِّيقِ اسْتِعْمالُ اللَّقَبِ الجامِعِ لِمَعانِي الكَمالِ واسْتِقامَةِ السُّلُوكِ في طاعَةِ اللَّهِ - تَعالى -؛ لِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ لا تَجْتَمِعُ إلّا لِمَن قَوِيَ صِدْقُهُ في الوَفاءِ بِعَهْدِ الدِّينِ.
وأحْسَنُ ما رَأيْتُ في هَذا المَعْنى كَلِمَةُ الرّاغِبِ الأصْفَهانِيِّ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ قالَ: ”الصِّدِّيقُونَ هم دُوَيْنَ الأنْبِياءِ“ . وهَذا ما يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالُ القُرْآنِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] . ومِنهُ ما لَقَّبَ النَّبِيُّ ﷺ أبا بَكْرٍ بِالصِّدِّيقِ في قَوْلِهِ في حَدِيثِ رَجْفِ جَبَلِ أُحُدٍ «اسْكُنْ أُحُدُ فَإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهِيدانِ» . مِن أجْلِ ذَلِكَ أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أفْضَلُ الأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ . وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هَذا الوَصْفَ مَعَ صِفَةِ النُّبُوَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٦] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
صفحة ٢٨٥
وقَدْ يُطْلَقُ الصِّدِّيقُ عَلى أصْلِ وصْفِهِ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيها.
فَهَذا الَّذِي اسْتَفْتى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في رُؤْيا المَلِكِ وصَفَ في كَلامِهِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَعْنًى يَدُلُّ عَلَيْهِ وصْفُ الصِّدِّيقِ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ، وإنَّما وصَفَهُ بِهِ عَنْ خِبْرَةٍ وتَجْرِبَةٍ اكْتَسَبَها مِن مُخالَطَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السِّجْنِ.
فَضَمَّ ما ذَكَرْناهُ هُنا إلى ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥] في سُورَةِ العُقُودِ، وإلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] في سُورَةِ النِّساءِ.
وإعادَةُ العِباراتِ المَحْكِيَّةِ عَنِ المَلِكِ بِعَيْنِها إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَلَّغَ السُّؤالَ كَما تَلَقّاهُ، وذَلِكَ تَمامُ أمانَةِ النّاقِلِ.
والنّاسُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِـ النّاسِ بَعْضِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . والنّاسُ هُنا هُمُ المَلِكُ وأهْلُ مَجْلِسِهِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَ تِلْكَ الرُّؤْيا يُهِمُّهم جَمِيعًا لِيَعْلَمَ المَلِكُ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ ويَعْلَمَ أهْلُ مَجْلِسِهِ أنَّ ما عَجَزُوا عَنْ تَأْوِيلِهِ قَدْ عُلِّمَهُ مَن هو أعْلَمُ مِنهم. وهَذا وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ مَعَ حَذْفِ مَعْمُولِ (يَعْلَمُونَ) لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ ما يُفِيدُهُ عِلْمُهُ.
يوسف 12:47
صفحة ٢٨٦
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.
والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.
وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا
والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.
صفحة ٢٨٧
وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾
والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.
والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو مِن لازِمِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الشِّدَّةِ، ومِن سُنَنِ اللَّهِ - تَعالى - في حُصُولِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ.
ويُغاثُ مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الغَيْثَ، وهو المَطَرُ. والعَصْرُ: عَصْرُ الأعْنابِ خُمُورًا. وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: يَعْصِرُ خَمْرًا
يوسف 12:48
صفحة ٢٨٦
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.
والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.
وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا
والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.
صفحة ٢٨٧
وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾
والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.
والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو مِن لازِمِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الشِّدَّةِ، ومِن سُنَنِ اللَّهِ - تَعالى - في حُصُولِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ.
ويُغاثُ مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الغَيْثَ، وهو المَطَرُ. والعَصْرُ: عَصْرُ الأعْنابِ خُمُورًا. وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: يَعْصِرُ خَمْرًا
يوسف 12:49
صفحة ٢٨٦
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأْبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلّا قَلِيلًا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾
عَبَرَ الرُّؤْيا بِجَمِيعِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ، فالبَقَراتُ لِسِنِينِ الزِّراعَةِ؛ لِأنَّ البَقَرَةَ تُتَّخَذُ لِلْإثْمارِ. والسِمَنُ رَمْزٌ لِلْخِصْبِ. والعَجَفُ رَمْزٌ لِلْقَحْطِ. والسُّنْبُلاتُ رَمْزٌ لِلْأقْواتِ؛ فالسُّنْبُلاتُ الخُضْرُ رَمْزٌ لِطَعامٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمَزٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَكُلُّ سُنْبُلَةٍ رَمْزٌ لِطَعامِ سَنَةٍ، فَذَلِكَ يَقْتاتُونَهُ في تِلْكَ السِّنِينِ جَدِيدًا.
والسُّنْبُلاتُ اليابِساتُ رَمْزٌ لِما يُدَّخَرُ، وكَوْنُها سَبْعًا رَمْزٌ لِادِّخارِها في سَبْعِ سِنِينَ لِأنَّ البَقَراتِ العِجافَ أكَلَتِ البَقَراتِ السِّمانَ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ سِنِي الجَدْبِ أتَتْ عَلى ما أثْمَرَتْهُ سِنُو الخِصْبِ.
وقَوْلُهُ: (تَزْرَعُونَ) خَبَرٌ عَمّا يَكُونُ مِن عَمَلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ الزَّرْعَ عادَتُهم، فَذِكْرُهُ إيّاهُ تَمْهِيدٌ لِلْكَلامِ الآتِي ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِـ دَأبًا
والدَّأبُ: العادَةُ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [آل عمران: ١١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ يَزْرَعُونَ، أيْ كَدَأْبِكم. وقَدْ مَزَجَ تَعْبِيرَهُ بِإرْشادٍ جَلِيلٍ لِأحْوالِ التَّمْوِينِ والِادِّخارِ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وهو مَنامٌ حِكْمَتُهُ كانَتْ رُؤْيا المَلِكِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ بِالأُمَّةِ الَّتِي آوَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ووَحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ رُؤْيا المَلِكِ، كَما أوْحى إلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِواسِطَةِ الطَّيْرِ. ولَعَلَّ المَلِكَ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلصَّلاحِ والإيمانِ.
صفحة ٢٨٧
وكانَ ما أشارَ بِهِ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى المَلِكِ مِنَ الِادِّخارِ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ ادِّخارِ الأقْواتِ لِلتَّمْوِينِ، كَما كانَ الوَفاءُ في الكَيْلِ والمِيزانِ ابْتِداءَ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأشارَ إلى إبْقاءِ ما فَضُلَ عَنْ أقْواتِهِمْ في سُنْبُلِهِ لِيَكُونَ أسْلَمَ لَهُ مِن إصابَةِ السُّوسِ الَّذِي يُصِيبُ الحَبَّ إذا تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَإذا كانَ في سُنْبُلِهِ دُفِعَ عَنْهُ السُّوسُ، وأشارَ عَلَيْهِمْ بِتَقْلِيلِ ما يَأْكُلُونَ في سَنَواتِ الخِصْبِ لِادِّخارِ ما فَضُلَ عَنْ ذَلِكَ لِزَمَنِ الشِّدَّةِ، فَقالَ ﴿إلّا قَلِيلًا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾
والشِّدادُ: وصْفٌ لِسِنِي الجَدْبِ؛ لِأنَّ الجَدْبَ حاصِلٌ فِيها، فَوَصَفَها بِالشِّدَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ.
وأطْلَقَ الأكْلَ في قَوْلِهِ: يَأْكُلْنَ عَلى الإفْناءِ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وإسْنادُهُ بِهَذا الإطْلاقِ إلى السِّنِينَ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ؛ لِأنَّهُنَّ زَمَنُ وُقُوعِ الفَناءِ.
والإحْصانُ: الإحْرازُ والِادِّخارُ، أيِ الوَضْعُ في الحِصْنِ وهو المَطْمُورُ. والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّنِينَ المُجْدِبَةَ يَفْنى فِيها ما ادُّخِرَ لَها إلّا قَلِيلًا مِنهُ يَبْقى في الأهْراءِ. وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى اسْتِكْثارِ الِادِّخارِ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فَهو بِشارَةٌ وإدِّخارٌ لِمَسَرَّةِ الأمَلِ بَعْدَ الكَلامِ المُؤَيِّسِ، وهو مِن لازِمِ انْتِهاءِ مُدَّةِ الشِّدَّةِ، ومِن سُنَنِ اللَّهِ - تَعالى - في حُصُولِ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ.
ويُغاثُ مَعْناهُ يُعْطَوْنَ الغَيْثَ، وهو المَطَرُ. والعَصْرُ: عَصْرُ الأعْنابِ خُمُورًا. وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: يَعْصِرُ خَمْرًا
يوسف 12:50
صفحة ٢٨٨
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ الّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾
قالَ المَلِكُ: ائْتُونِي بِهِ لَمّا أبْلَغَهُ السّاقِي صُورَةَ التَّعْبِيرِ. والخِطابِ لِلْمَلَأِ لِيُرْسِلُوا مَن يُعِينُونَهُ لِجَلْبِهِ. ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: فَأرْسَلُوا رَسُولًا مِنهم. وضَمِيرا الغائِبِ في قَوْلِهِ: (بِهِ) وقَوْلِهِ: (جاءَهُ) عائِدانِ إلى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وضَمِيرُ قالَ المُسْتَتِرُ كَذَلِكَ.
وقَدْ أبى يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الخُرُوجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلَ أنْ تَثْبُتَ بَراءَتُهُ مِمّا رُمِيَ بِهِ في بَيْتِ العَزِيزِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ المَلِكَ لا مَحالَةَ لِئَلّا يَكُونَ تَبْرِيزُهُ في التَّعْبِيرِ المُوجِبِ لِإطْلاقِهِ مِنَ السِّجْنِ كالشَّفِيعِ فِيهِ فَيَبْقى حَدِيثُ قَرَفِهِ بِما قُرِفَ بِهِ فاشِيًا في النّاسِ فَيَتَسَلَّقُ بِهِ الحاسِدُونَ إلى انْتِقاصِ شَأْنِهِ عِنْدَ المَلِكِ يَوْمًا ما، فَإنَّ تَبْرِئَةَ العِرْضِ مِنَ التُّهَمِ الباطِلَةِ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ، ولِيَكُونَ حُضُورُهُ لَدى المَلِكِ مَرْمُوقًا بِعَيْنٍ لا تَنْظُرُ إلَيْهِ بِشائِبَةِ نَقْصٍ.
وجَعَلَ طَرِيقَ تَقْرِيرِ بَراءَتِهِ مُفْتَتَحَةً بِالسُّؤالِ عَنِ الخَبَرِ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ مِن أوَّلِهِ، فَمَعْنى فاسْألْهُ بَلِّغْ إلَيْهِ سُؤالًا مِن قِبَلِي. وهَذِهِ حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَحِقُّ بِأنْ يُؤْتَسى بِها. وهي تَطَلُّبُ المَسْجُونِ باطِلًا أنْ يَبْقى في السِّجْنِ حَتّى تَتَبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِنَ السَّبَبِ الَّذِي سُجِنَ لِأجْلِهِ، وهي راجِعَةٌ إلى التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ حَتّى يَظْهَرَ النَّصْرُ.
وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ»، أيْ داعِيَ المَلِكِ وهو الرَّسُولُ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾، أيْ لَمّا راجَعْتُ المَلِكَ. فَهَذِهِ إحْدى الآياتِ والعِبَرِ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
صفحة ٢٨٩
والسُّؤالُ: مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ دُونَ طَلَبِ الفَهْمِ؛ لِأنَّ السّائِلَ عالِمٌ بِالأمْرِ المَسْئُولِ عَنْهُ وإنَّما يُرِيدُ السّائِلُ حَثَّ المَسْئُولِ عَنْ عِلْمِ الخَبَرِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]
وجُعِلَ السُّؤالُ عَنِ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ تَسْهِيلًا لِلْكَشْفِ عَنْ أمْرِها؛ لِأنَّ ذِكْرَها مَعَ مَكانَةِ زَوْجِها مِنَ المَلِكِ رُبَّما يَصْرِفُ المَلِكَ عَنِ الكَشْفِ رَعْيًا لِلْعَزِيزِ، ولِأنَّ حَدِيثَ المُتَّكَأِ شاعَ بَيْنَ النِّساءِ وأصْبَحَتْ قَضِيَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَشْهُورَةً بِذَلِكَ اليَوْمِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥]، ولِأنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ شَواهِدَ عَلى إقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِأنَّها راوَدَتْ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ نَفْسِهِ. فَلا جَرَمَ كانَ طَلَبُ الكَشْفِ عَنْ أُولَئِكَ النِّسْوَةِ مُنْتَهى الحِكْمَةِ في البَحْثِ وغايَةِ الإيجازِ في الخِطابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ مِن كَلامِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. وهي تَذْيِيلٌ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الكَشْفَ المَطْلُوبَ سَيَنْجَلِي عَنْ بَراءَتِهِ وظُهُورِ كَيْدِ الكائِداتِ لَهُ ثِقَةً بِاللَّهِ رَبِّهِ أنَّهُ ناصِرُهُ.
وإضافَةُ كَيْدٍ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ لِأنَّ الكَيْدَ واقِعٌ مِن بَعْضِهِنَّ، وهي امْرَأةُ العَزِيزِ في غَرَضِها مِن جَمْعِ النِّسْوَةِ فَأُضِيفَ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِنَّ قَصْدًا لِلْإبْهامِ المُعَيَّنِ عَلى التِّبْيانِ.
يوسف 12:51
﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾
جُمْلَةُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي سَبَقَتْها تُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ عَمّا حَصَلَ مِنَ المَلِكِ لَمّا أُبْلِغَ إلَيْهِ اقْتِراحُ يُوسُفَ
صفحة ٢٩٠
- عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ شِدَّةِ تَشَوُّقِهِ إلى حُضُورِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ قالَ المَلِكُ لِلنِّسْوَةِ.
ووُقُوعُ هَذا بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] إلى آخِرِها مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَرَجَعَ فَأخْبَرَ المَلِكَ فَأحْضَرَ المَلِكُ النِّسْوَةَ اللّائِي كانَتْ جَمَعَتْهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ لَمّا أعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا فَقالَ لَهُنَّ ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ إلى آخِرِهِ.
وأُسْنِدَتِ المُراوَدَةُ إلى ضَمِيرِ النِّسْوَةِ لِوُقُوعِها مِن بَعْضِهِنَّ غَيْرَ مُعَيِّنٍ، أوْ لِأنَّ القالَةَ الَّتِي شاعَتْ في المَدِينَةِ كانَتْ مَخْلُوطَةً ظَنًّا أنَّ المُراوَدَةَ وقَعَتْ في مَجْلِسِ المُتَّكَأِ.
والخَطْبُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ مِن حالَةٍ أوْ حادِثَةٍ. قِيلَ: سُمِّيَ خَطْبًا لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُخاطِبَ المَرْءُ صاحِبَهُ بِالتَّساؤُلِ عَنْهُ. وقِيلَ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الخُطْبَةِ. أيْ يَخْطُبُ فِيهِ. وإنَّما تَكُونُ الخُطْبَةُ في أمْرٍ عَظِيمٍ، فَأصْلُهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَخْطُوبٌ فِيهِ.
وجُمْلَةُ (قُلْنَ) مَفْصُولَةٌ لِأجْلِ كَوْنِها حِكايَةَ جَوابٍ عَنْ كَلامِ المَلِكِ. أيْ قالَتِ النِّسْوَةُ عَدا امْرَأةِ العَزِيزِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾
و﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ مُبالَغَةٌ في النَّفْيِ والتَّنْزِيهِ. والمَقْصُودُ: التَّبَرُّؤُ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِنَّ مِنَ المُراوَدَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها آنِفًا واخْتِلافُ القُرّاءِ فِيها.
وجُمْلَةُ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإجْمالِ النَّفْيِ الَّذِي في ﴿حاشَ لِلَّهِ﴾ . وهي جامِعَةٌ لِنَفْيِ مُراوَدَتِهِنَّ إيّاهُ ومُراوَدَتِهِ إيّاهُنَّ لِأنَّ الحالَتَيْنِ مِن أحْوالِ السُّوءِ.
ونَفْيُ عِلْمِهِنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ دَعْوَتِهِنَّ إيّاهُ إلى السُّوءِ ونَفْيِ دَعْوَتِهِ إيّاهُنَّ إلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَكانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُنَّ، ثُمَّ إنَّهُنَّ لَمْ يَزِدْنَ في الشَّهادَةِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِسُؤالِ المَلِكِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْنَ لِإقْرارِ امْرَأةِ العَزِيزِ في مَجْلِسِهِنَّ بِأنَّها راوَدَتْهُ
صفحة ٢٩١
عَنْ نَفْسِهِ فاسْتَعْصَمَ، خَشْيَةً مِنها، أوْ مَوَدَّةً لَها، فاقْتَصَرْنَ عَلى جَوابِ ما سُئِلْنَ عَنْهُ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ وهو أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ كانَتْ مِن جُمْلَةِ النِّسْوَةِ اللّائِي أحْضَرَهُنَّ المَلِكُ. ولَمْ يَشْمَلْها قَوْلُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] لِأنَّها لَمْ تَقْطَعْ يَدَها مَعَهُنَّ، ولَكِنْ شَمَلَها كَلامُ المَلِكِ إذْ قالَ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فَإنَّ المُراوَدَةَ إنَّما وقَعَتْ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ دُونَ النِّسْوَةِ اللّاتِي أعَدَّتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ﴾ مَفْصُولَةٌ لِأنَّها حِكايَةُ جَوابٍ عَنْ سُؤالِ المَلِكِ.
والآنَ: ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وحَصْحَصَ: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ.
والحَقُّ: هو بَراءَةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا رَمَتْهُ بِهِ امْرَأةُ العَزِيزِ. وإنَّما ثَبَتَ حِينَئِذٍ لِأنَّهُ كانَ مَحَلَّ قِيلَ وقالَ وشَكٍّ، فَزالَ ذَلِكَ بِاعْتِرافِها بِما وقَعَ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إلّا مِن إقْرارِها الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِأنَّهُ قَرِيبُ الوُقُوعِ فَهو لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِنَ المُضِيِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ثُبُوتَ الحَقِّ بِقَوْلِ النِّسْوَةِ ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾ فَيَكُونُ الماضِي عَلى حَقِيقَتِهِ. وتَقْدِيمُ اسْمِ الزَّمانِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ، أيِ الآنَ لا قَبْلَهُ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ما قَبْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ كانَ زَمَنٌ باطِلٌ وهو زَمَنُ تُهْمَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالمُراوَدَةِ، فالقَصْرُ قَصْرُ تَعْيِينٍ إذْ كانَ المَلِكُ لا يَدْرِي أيُّ الوَقْتَيْنِ وقْتُ الصِّدْقِ أهُوَ وقْتُ اعْتِرافِ النِّسْوَةِ بِنَزاهَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْ هو وقْتُ رَمْيِ امْرَأةِ العَزِيزِ إيّاهُ بِالمُراوَدَةِ.
صفحة ٢٩٢
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ لِلْقَصْرِ، لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ النِّسْوَةُ راوَدْنَ. فَهَذا إقْرارٌ مِنها عَلى نَفْسِها، وشَهادَةٌ لِغَيْرِها بِالبَراءَةِ، وزادَتْ فَأكَّدَتْ صِدْقَهُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ.
وصِيغَةِ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِها، مِنها قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكم قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
يوسف 12:52
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾
ظاهِرُ نَظْمِ الكَلامِ أنَّ الجُمْلَةَ مِن قَوْلِ امْرَأةِ العَزِيزِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ الأقَلُّ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى فِرْقَةٍ مِن أهْلِ التَّأْوِيلِ، ونُسِبَ إلى الجُبّائِيِّ، واخْتارَهُ الماوَرْدِيُّ، وهو في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أنا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١] وما عُطِفَ عَلَيْها مِن إقْرارٍ بِبَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما كانَتْ رَمَتْهُ بِهِ، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإقْرارِ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ [يوسف: ٥١] أيْ ذَلِكَ الإقْرارُ لِيَعْلَمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنِّي لَمْ أخُنْهُ.
واللّامُ في لِيَعْلَمَ لامُ كَيْ، والفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبٌ بِـأنْ مُضْمَرَةٍ، فَهو في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وهو خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلْمُلابَسَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ في غَيْبَتِهِ، أيْ لَمْ أرْمِهِ بِما يَقْدَحُ فِيهِ في مَغِيبِهِ. ومَحَلُّ المَجْرُورِ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ.
والخِيانَةُ: هي تُهْمَتُهُ بِمُحاوَلَةِ السُّوءِ مَعَها كَذِبًا؛ لِأنَّ الكَذِبَ ضِدَّ أمانَةِ القَوْلِ بِالحَقِّ.
والتَّعْرِيفُ في الغَيْبِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. تَمَدَّحَتْ بِعَدَمِ الخِيانَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ نَفَتِ الخِيانَةَ في المَغِيبِ وهو حائِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ دِفاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وحالَةُ
صفحة ٢٩٣
المَغِيبِ أمْكَنُ لِمَزِيدِ الخِيانَةِ أنْ يَخُونَ فِيها مِن حالَةِ الحَضْرَةِ؛ لِأنَّ الحاضِرَ قَدْ يَتَفَطَّنُ لِقَصْدِ الخائِنِ فَيَدْفَعُ خِيانَتَهُ بِالحُجَّةِ.
وأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَعْلَمَ وهو عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِإصْداعِها بِالحَقِّ، أيْ ولِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو كَوْنُ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ إقْرارِها هو عِلْمُها بِأنَّ ﴿اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ .
ومَعْنى ﴿لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ لا يُنَفِّذُهُ ولا يُسَدِّدُهُ. فَأُطْلِقَتِ الهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ عَلى تَيْسِيرِ الوُصُولِ، وأُطْلِقَ نَفْيُها عَلى نَفْيِ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ، أيْ إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في الكَوْنِ جَرَتْ عَلى أنَّ فُنُونَ الباطِلِ وإنْ راجَتْ أوائِلُها لا تَلْبَثُ أنْ تَنْقَشِعَ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]
والكَيْدُ: تَقَدَّمَ.
يوسف 12:53
صفحة ٥
﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِيَ إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلّا ما رَحِمَ رَبِّيَ إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
ظاهِرُ تَرْتِيبِ الكَلامِ أنَّ هَذا مِن كَلامِ امْرَأةِ العَزِيزِ، مَضَتْ في بَقِيَّةِ إقْرارِها فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، وذَلِكَ كالِاحْتِراسِ مِمّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُها ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] مِن أنَّ تَبْرِئَةَ نَفْسِها مِن هَذا الذَّنْبِ العَظِيمِ ادِّعاءٌ بِأنَّ نَفْسَها بَرِيئَةٌ بَراءَةً عامَّةً فَقالَتْ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ أيْ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي مِن مُحاوَلَةِ هَذا الإثْمِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ أمّارَةٌ بِالسُّوءِ وقَدْ أمَرَتْنِي بِالسُّوءِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
فالواوُ الَّتِي في الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةٌ، والجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النَّفْسَ لَأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، أيْ لا أدَّعِي بَراءَةَ نَفْسِي مِنِ ارْتِكابِ الذَّنْبِ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ كَثِيرَةُ الأمْرِ بِالسُّوءِ.
والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأزْمانِ، أيْ أزْمانِ وُقُوعِ السُّوءِ، بِناءً عَلى أنَّ أمْرَ النَّفْسِ بِهِ يَبْعَثُ عَلى ارْتِكابِهِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا وقْتَ رَحْمَةِ اللَّهِ عَبْدَهُ، أيْ رَحْمَتُهُ بِأنْ يُقَيِّضَ لَهُ ما يَصْرِفُهُ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ، أوْ يُقَيِّضُ حائِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ فِعْلِ السُّوءِ، كَما جَعَلَ إبايَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إجابَتِها إلى ما دَعَتْهُ إلَيْهِ حائِلًا بَيْنَها وبَيْنَ التَّوَرُّطِ في هَذا الإثْمِ، وذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِما.
ولِذَلِكَ ذَيَّلَتْهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثَناءً عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ شَدِيدُ المَغْفِرَةِ لِمَن أذْنَبَ، وشَدِيدُ الرَّحْمَةِ لِعَبْدِهِ إذا أرادَ صَرْفَهُ عَنِ الذَّنْبِ.
صفحة ٦
وهَذا يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَها يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ويُحَرِّمُونَ الحَرامَ، وذَلِكَ لا يُنافِي أنَّهم كانُوا مُشْرِكِينَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أيْضًا. قالَ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] وكانُوا يَعْرِفُونَ البِرَّ والذَّنْبَ.
وفِي اعْتِرافِ امْرَأةِ العَزِيزِ بِحَضْرَةِ المَلِكِ عِبْرَةٌ بِفَضِيلَةِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، وتَبْرِئَةُ البَرِيءِ مِمّا أُلْصِقَ بِهِ، ومِن خَشْيَةِ عِقابِ اللَّهِ الخائِنِينَ.
وقِيلَ: هَذا الكَلامُ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللّاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٥١] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢] اعْتِراضٌ في خِلالِ كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِذَلِكَ فَسَّرَها مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ وابْنُ جُرَيْجٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَّبَرِيُّ. قالَ في الكَشّافِ: وكَفى بِالمَعْنى دَلِيلًا قائِدًا إلى أنْ يُجْعَلَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] ثُمَّ قالَ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] وهو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ يُخاطِبُهم ويَسْتَشِيرُهم اهـ.
يُرِيدُ أنَّ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ ألْيَقُ بِأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْدُرَ عَنْ قَلْبٍ مَلِيءٍ بِالمَعْرِفَةِ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ [يوسف: ٥٢] عائِدًا إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ القَضِيَّةِ وهو العَزِيزُ، أيْ لَمْ أخُنْ سَيِّدِي في حُرْمَتِهِ حالَ مَغِيبِهِ.
ويَكُونُ مَعْنى ﴿وما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ إلَخْ. . مِثْلَ ما تَقَدَّمَ قَصَدَ بِهِ التَّواضُعَ، أيْ لَسْتُ أقُولُ هَذا ادِّعاءً بِأنَّ نَفْسِي بَرِيئَةٌ مِنِ ارْتِكابِ الذُّنُوبِ إلّا مُدَّةَ رَحْمَةِ اللَّهِ النَّفْسَ بِتَوْفِيقِها لِأكُفَّ عَنِ السُّوءِ، أيْ أنِّي لَمْ أفْعَلْ ما اتُّهِمْتُ بِهِ وأنا لَسْتُ بِمَعْصُومٍ
يوسف 12:54
صفحة ٧
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ السِّينُ والتّاءُ في ”أسْتَخْلِصْهُ“ لِلْمُبالَغَةِ. مِثْلَها في اسْتَجابَ واسْتَأْجَرَ. والمَعْنى أجْعَلُهُ خالِصًا لِنَفْسِي، أيْ خاصًّا بِي لا يُشارِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ والعَمَلِ مَعَهُ. وقَدْ دَلَّ المَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيبَهُ مِنهُ ما ظَهَرَ مِن حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وصَبْرِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وحُسْنِ خُلُقِهِ ونَزاهَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أوْجَبَ اصْطِفاءَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِ، أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَضَرَ لَدَيْهِ وكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”كَلَّمَهُ“ عائِدٌ إلى المَلِكِ، فالمُكَلِّمُ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامًا أعْجَبَ المَلِكَ بِما فِيهِ مِن حِكْمَةٍ وأدَبٍ. ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والقائِلُ هو المَلِكُ لا مَحالَةَ.
والمَكِينُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ ذا مَكانَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَكانِ.
والأمِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ. أيْ مَوْثُوقٍ بِهِ في حِفْظِهِ.
وتَرَتُّبُ هَذا القَوْلِ عَلى تَكْلِيمِهِ إيّاهُ دالٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامَ حَكِيمٍ أدِيبٍ فَلَمّا رَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ وبَلاغَةَ قَوْلِهِ وأصالَةَ رَأْيِهِ رَآهُ أهْلًا لِثِقَتِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ.
صفحة ٨
وهَذِهِ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِيُّ الأمْرِ مِنَ الخِصالِ؛ لِأنَّ المَكانَةَ تَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ، إذْ بِالعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والقَصْدِ إلَيْهِ، وبِالقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ما يَبْدُو لَهُ مِنَ الخَيْرِ، والأمانَةُ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةَ والعَدالَةَ، إذْ بِالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الأفْعالَ ويَتْرُكُ الهُوّاتِ الباطِلَةَ، وبِالعَدالَةِ يُوصِلُ الحُقُوقَ إلى أهْلِها. وهَذا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعانَةَ بِهِ في أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وبِأنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ ما يَرْجُو مِن خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أجابَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ حِكايَةُ جَوابِهِ لِكَلامِ المَلِكِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
و(عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّصَرُّفُ والتَّمَكُّنُ، أيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا في خَزائِنِ الأرْضِ.
و”خَزائِنُ“ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ، أيِ البَيْتُ الَّذِي يُخْتَزَنُ فِيهِ الحُبُوبُ والأمْوالُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهي الأرْضُ المَعْهُودَةُ لَهم، أيْ أرْضُ مِصْرَ. والمُرادُ مِن ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ خَزائِنُ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي خَزائِنُ الأمْوالِ؛ إذْ لا يَخْلُو سُلْطانٌ مِن خَزائِنَ مَعْدُودَةٍ لِنَوائِبِ بِلادِهِ لا الخَزائِنُ الَّتِي زِيدَتْ مِن بَعْدُ لِخَزْنِ الأقْواتِ اسْتِعْدادًا لِلسَّنَواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] .
واقْتِراحُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إعْدادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيامِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ عَلى سُنَّةِ أهْلِ الفَضْلِ والكَمالِ مِنِ ارْتِياحِ نُفُوسِهِمْ لِلْعَمَلِ في المَصالِحِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْ مالًا لِنَفْسِهِ ولا عَرَضًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ولَكِنْ سَألَ أنْ يُوَلِّيَهُ خَزائِنَ المَمْلَكَةِ لِيَحْفَظَ الأمْوالَ ويَعْدِلَ في تَوْزِيعِها ويَرْفُقَ بِالأُمَّةِ في جَمْعِها وإبْلاغِها لِمَحالِّها.
صفحة ٩
وعَلَّلَ طَلَبَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ المُفِيدُ تَعْلِيلَ ما قَبْلَها لِوُقُوعِ إنَّ في صَدْرِ الجُمْلَةِ فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ يَعْسُرُ حُصُولُ إحْداهُما في النّاسِ بَلْ كِلْتَيْهِما، وهُما: الحِفْظُ لِما يَلِيهِ، والعِلْمُ بِتَدْبِيرِ ما يَتَوَلّاهُ، لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنَّ مَكانَتَهُ لَدَيْهِ وائْتِمانَهُ إيّاهُ قَدْ صادَفا مَحَلَّهُما وأهْلَهُما، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِهِما لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِما يَفِي بِواجِبِهِما، وذَلِكَ صِفَةُ الحِفْظِ المُحَقِّقِ لِلِائْتِمانِ، وصِفَةُ العِلْمِ المُحَقِّقِ لِلْمَكانَةِ. وفي هَذا تَعْرِيفٌ بِفَضْلِهِ لِيَهْتَدِيَ النّاسُ إلى اتِّباعِهِ. وهَذا مِن قَبِيلِ الحِسْبَةِ.
وشَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مَقامَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في دُخُولِهِ في الخِلافَةِ مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ مِن أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ. قُلْتُ: وهو تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إذْ كِلاهُما صِدِّيقٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ المَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلايَةِ عَمَلٍ مِن أُمُورِ الأُمَّةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وخاصَّةً إذا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلى إيثارِ مَنفَعَةٍ عَلى مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أفْضَلُ النّاسِ هُنالِكَ لِأنَّهُ كانَ المُؤْمِنَ الوَحِيدَ في ذَلِكَ القُطْرِ، فَهو لِإيمانِهِ بِاللَّهِ يَبُثُّ أُصُولَ الفَضائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيها شَرِيعَةُ آبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها»؛ لِأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِالفَضْلِ مِن بَيْنِ أمْثالِهِ ولا راجِحًا عَلى جَمِيعِهِمْ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ فُقَهاءُ المَذْهَبِ جَوازَ طَلَبِ القَضاءِ لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ أهْلٌ وأنَّهُ إنْ لَمْ يُوَلَّ ضاعَتِ الحُقُوقُ. قالَ المازِرِيُّ: يَجِبُ عَلى مَن هو أهْلُ الِاجْتِهادِ والعَدالَةِ السَّعْيُ في طَلَبِ القَضاءِ إنَّ عَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضاعَتِ الحُقُوقُ
صفحة ١٠
أوْ ولِيَهُ مَن لا يَحِلُّ أنْ يُوَلّى. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ولِيَهُ مَن لا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ ولا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلّا بِطَلَبِ أهْلِهِ.
وقالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أقِفْ عَلى هَذا لِأحَدٍ مِن قُدَماءِ أهْلِ المَذْهَبِ غَيْرِ المازِرِيِّ.
وقالَ عِياضٌ في كِتابِ الإمارَةِ، أيْ مِن شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ما ظاهِرُهُ الِاتِّفاقُ عَلى جَوازِ الطَّلَبِ في هَذِهِ الحالَةِ، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وإنَّما رَأيْتُ مِثْلَ ما نَقَلَ المازِرِيُّ أوْ قَرِيبًا مِنهُ لِلْغَزّالِيِّ في الوَجِيزِ.
يوسف 12:55
صفحة ٧
﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ السِّينُ والتّاءُ في ”أسْتَخْلِصْهُ“ لِلْمُبالَغَةِ. مِثْلَها في اسْتَجابَ واسْتَأْجَرَ. والمَعْنى أجْعَلُهُ خالِصًا لِنَفْسِي، أيْ خاصًّا بِي لا يُشارِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ اتِّصالِهِ بِهِ والعَمَلِ مَعَهُ. وقَدْ دَلَّ المَلِكَ عَلى اسْتِحْقاقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَقْرِيبَهُ مِنهُ ما ظَهَرَ مِن حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ، وصَبْرِهِ عَلى تَحَمُّلِ المَشاقِّ، وحُسْنِ خُلُقِهِ ونَزاهَتِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ أوْجَبَ اصْطِفاءَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها ﴿وقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِ، أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَضَرَ لَدَيْهِ وكَلَّمَهُ فَلَمّا كَلَّمَهُ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”كَلَّمَهُ“ عائِدٌ إلى المَلِكِ، فالمُكَلِّمُ هو يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامًا أعْجَبَ المَلِكَ بِما فِيهِ مِن حِكْمَةٍ وأدَبٍ. ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾ جَوابُ (لَمّا)، والقائِلُ هو المَلِكُ لا مَحالَةَ.
والمَكِينُ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن مَكُنَ بِضَمِّ الكافِ إذا صارَ ذا مَكانَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ العَظِيمَةُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ المَكانِ.
والأمِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَأْمُونٍ عَلى شَيْءٍ. أيْ مَوْثُوقٍ بِهِ في حِفْظِهِ.
وتَرَتُّبُ هَذا القَوْلِ عَلى تَكْلِيمِهِ إيّاهُ دالٌّ عَلى أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَلَّمَ المَلِكَ كَلامَ حَكِيمٍ أدِيبٍ فَلَمّا رَأى حُسْنَ مَنطِقِهِ وبَلاغَةَ قَوْلِهِ وأصالَةَ رَأْيِهِ رَآهُ أهْلًا لِثِقَتِهِ وتَقْرِيبِهِ مِنهُ.
صفحة ٨
وهَذِهِ صِيغَةُ تَوْلِيَةٍ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ولِيُّ الأمْرِ مِنَ الخِصالِ؛ لِأنَّ المَكانَةَ تَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ، إذْ بِالعِلْمِ يَتَمَكَّنُ مِن مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والقَصْدِ إلَيْهِ، وبِالقُدْرَةِ يَسْتَطِيعُ فِعْلَ ما يَبْدُو لَهُ مِنَ الخَيْرِ، والأمانَةُ تَسْتَدْعِي الحِكْمَةَ والعَدالَةَ، إذْ بِالحِكْمَةِ يُؤْثِرُ الأفْعالَ ويَتْرُكُ الهُوّاتِ الباطِلَةَ، وبِالعَدالَةِ يُوصِلُ الحُقُوقَ إلى أهْلِها. وهَذا التَّنْوِيهُ بِشَأْنِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يُرِيدُ الِاسْتِعانَةَ بِهِ في أُمُورِ مَمْلَكَتِهِ وبِأنْ يَقْتَرِحَ عَلَيْهِ ما يَرْجُو مِن خَيْرٍ، فَلِذَلِكَ أجابَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ حِكايَةُ جَوابِهِ لِكَلامِ المَلِكِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ.
و(عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو التَّصَرُّفُ والتَّمَكُّنُ، أيِ اجْعَلْنِي مُتَصَرِّفًا في خَزائِنِ الأرْضِ.
و”خَزائِنُ“ جَمْعُ خِزانَةٍ بِكَسْرِ الخاءِ، أيِ البَيْتُ الَّذِي يُخْتَزَنُ فِيهِ الحُبُوبُ والأمْوالُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، وهي الأرْضُ المَعْهُودَةُ لَهم، أيْ أرْضُ مِصْرَ. والمُرادُ مِن ﴿خَزائِنِ الأرْضِ﴾ خَزائِنُ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي خَزائِنُ الأمْوالِ؛ إذْ لا يَخْلُو سُلْطانٌ مِن خَزائِنَ مَعْدُودَةٍ لِنَوائِبِ بِلادِهِ لا الخَزائِنُ الَّتِي زِيدَتْ مِن بَعْدُ لِخَزْنِ الأقْواتِ اسْتِعْدادًا لِلسَّنَواتِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] .
واقْتِراحُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إعْدادٌ لِنَفْسِهِ لِلْقِيامِ بِمَصالِحِ الأُمَّةِ عَلى سُنَّةِ أهْلِ الفَضْلِ والكَمالِ مِنِ ارْتِياحِ نُفُوسِهِمْ لِلْعَمَلِ في المَصالِحِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْألْ مالًا لِنَفْسِهِ ولا عَرَضًا مِن مَتاعِ الدُّنْيا، ولَكِنْ سَألَ أنْ يُوَلِّيَهُ خَزائِنَ المَمْلَكَةِ لِيَحْفَظَ الأمْوالَ ويَعْدِلَ في تَوْزِيعِها ويَرْفُقَ بِالأُمَّةِ في جَمْعِها وإبْلاغِها لِمَحالِّها.
صفحة ٩
وعَلَّلَ طَلَبَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ المُفِيدُ تَعْلِيلَ ما قَبْلَها لِوُقُوعِ إنَّ في صَدْرِ الجُمْلَةِ فَإنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ اتَّصَفَ بِصِفَتَيْنِ يَعْسُرُ حُصُولُ إحْداهُما في النّاسِ بَلْ كِلْتَيْهِما، وهُما: الحِفْظُ لِما يَلِيهِ، والعِلْمُ بِتَدْبِيرِ ما يَتَوَلّاهُ، لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنَّ مَكانَتَهُ لَدَيْهِ وائْتِمانَهُ إيّاهُ قَدْ صادَفا مَحَلَّهُما وأهْلَهُما، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِهِما لِأنَّهُ مُتَّصِفٌ بِما يَفِي بِواجِبِهِما، وذَلِكَ صِفَةُ الحِفْظِ المُحَقِّقِ لِلِائْتِمانِ، وصِفَةُ العِلْمِ المُحَقِّقِ لِلْمَكانَةِ. وفي هَذا تَعْرِيفٌ بِفَضْلِهِ لِيَهْتَدِيَ النّاسُ إلى اتِّباعِهِ. وهَذا مِن قَبِيلِ الحِسْبَةِ.
وشَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا مَقامَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في دُخُولِهِ في الخِلافَةِ مَعَ نَهْيِهِ المُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الأنْصارِ مِن أنْ يَتَأمَّرَ عَلى اثْنَيْنِ. قُلْتُ: وهو تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إذْ كِلاهُما صِدِّيقٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ المَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلايَةِ عَمَلٍ مِن أُمُورِ الأُمَّةِ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وخاصَّةً إذا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلى إيثارِ مَنفَعَةٍ عَلى مَصْلَحَةِ الأُمَّةِ. وقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أفْضَلُ النّاسِ هُنالِكَ لِأنَّهُ كانَ المُؤْمِنَ الوَحِيدَ في ذَلِكَ القُطْرِ، فَهو لِإيمانِهِ بِاللَّهِ يَبُثُّ أُصُولَ الفَضائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيها شَرِيعَةُ آبائِهِ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلا يُعارِضُ هَذا ما جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْألِ الإمارَةَ فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها»؛ لِأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِالفَضْلِ مِن بَيْنِ أمْثالِهِ ولا راجِحًا عَلى جَمِيعِهِمْ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ أخَذَ فُقَهاءُ المَذْهَبِ جَوازَ طَلَبِ القَضاءِ لِمَن يَعْلَمُ أنَّهُ أهْلٌ وأنَّهُ إنْ لَمْ يُوَلَّ ضاعَتِ الحُقُوقُ. قالَ المازِرِيُّ: يَجِبُ عَلى مَن هو أهْلُ الِاجْتِهادِ والعَدالَةِ السَّعْيُ في طَلَبِ القَضاءِ إنَّ عَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضاعَتِ الحُقُوقُ
صفحة ١٠
أوْ ولِيَهُ مَن لا يَحِلُّ أنْ يُوَلّى. وكَذَلِكَ إنْ كانَ ولِيَهُ مَن لا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ ولا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلّا بِطَلَبِ أهْلِهِ.
وقالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أقِفْ عَلى هَذا لِأحَدٍ مِن قُدَماءِ أهْلِ المَذْهَبِ غَيْرِ المازِرِيِّ.
وقالَ عِياضٌ في كِتابِ الإمارَةِ، أيْ مِن شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، ما ظاهِرُهُ الِاتِّفاقُ عَلى جَوازِ الطَّلَبِ في هَذِهِ الحالَةِ، وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وإنَّما رَأيْتُ مِثْلَ ما نَقَلَ المازِرِيُّ أوْ قَرِيبًا مِنهُ لِلْغَزّالِيِّ في الوَجِيزِ.
يوسف 12:56
﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ آنِفًا. والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ لِلْبَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، فَمَعْنى التَّبَوُّءِ النُّزُولُ والإقامَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ في جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهو عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكانٍ مِنَ المَمْلَكَةِ لَوْ شاءَ أنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ، فَجُمْلَةُ يَتَبَوَّأُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، أيْ حَيْثُ نَأْمُرُهُ أوْ نُلْهِمُهُ. والمَعْنى مُتَّحِدٌ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما شاءَهُ اللَّهُ
صفحة ١١
وجُمْلَةُ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِمُناسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ ما أصابَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّحْمَةِ في أحْوالِهِ في الدُّنْيا وما كانَ لَهُ مِن مَواقِفِ الإحْسانِ الَّتِي كانَ ما أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وشَرَفِ المُنْزِلَةِ جَزاءً لَها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. ولَأجْرُهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولِكُلِّ مَن آمَنَ واتَّقى.
والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الإيمانِ بِصِيغَةِ الماضِي وفي جانِبِ التَّقْوى بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عَقْدُ القَلْبِ الجازِمُ فَهو حاصِلٌ دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا التَّقْوى فَهي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أسْبابِ الأمْرِ والنَّهْيِ واخْتِلافِ الأعْمالِ والأزْمانِ.
يوسف 12:57
﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ ولا نُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ آيَةِ ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ آنِفًا. والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ لِلْبَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، فَمَعْنى التَّبَوُّءِ النُّزُولُ والإقامَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] في سُورَةِ يُونُسَ. وقَوْلُهُ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَصَرُّفِهِ في جَمِيعِ مَمْلَكَةِ مِصْرَ فَهو عِنْدَ حُلُولِهِ بِمَكانٍ مِنَ المَمْلَكَةِ لَوْ شاءَ أنْ يَحِلَّ بِغَيْرِهِ لَفَعَلَ، فَجُمْلَةُ يَتَبَوَّأُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] بِنُونِ العَظَمَةِ، أيْ حَيْثُ يَشاءُ اللَّهُ، أيْ حَيْثُ نَأْمُرُهُ أوْ نُلْهِمُهُ. والمَعْنى مُتَّحِدٌ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما شاءَهُ اللَّهُ
صفحة ١١
وجُمْلَةُ ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَن نَشاءُ﴾ إلى آخِرِها تَذْيِيلٌ لِمُناسَبَةِ عُمُومِهِ لِخُصُوصِ ما أصابَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الرَّحْمَةِ في أحْوالِهِ في الدُّنْيا وما كانَ لَهُ مِن مَواقِفِ الإحْسانِ الَّتِي كانَ ما أُعْطِيَهُ مِنَ النِّعَمِ وشَرَفِ المُنْزِلَةِ جَزاءً لَها في الدُّنْيا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ. ولَأجْرُهِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولِكُلِّ مَن آمَنَ واتَّقى.
والتَّعْبِيرُ في جانِبِ الإيمانِ بِصِيغَةِ الماضِي وفي جانِبِ التَّقْوى بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ الإيمانَ عَقْدُ القَلْبِ الجازِمُ فَهو حاصِلٌ دُفْعَةً واحِدَةً، وأمّا التَّقْوى فَهي مُتَجَدِّدَةٌ بِتَجَدُّدِ أسْبابِ الأمْرِ والنَّهْيِ واخْتِلافِ الأعْمالِ والأزْمانِ.
يوسف 12:58
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.
وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ
صفحة ١٢
السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .
ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.
وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.
والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.
وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم
صفحة ١٣
أنَّهُ يُكَلِّمُهم عارِفٌ بِهِمْ وهو لا يُرِيدُ أنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ لَهم. وفي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتالَ لِذَلِكَ بِأنْ أوْهَمَهم أنَّهُ اتَّهَمَهم أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ لِلْعَدُوِّ أوْ أنَّهم تَبَرَّءُوا مِن ذَلِكَ فَعَرَّفُوهُ بِمَكانِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ وبِأبِيهِمْ وعَدَدِ عائِلَتِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ أظْهَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ إلى أنْ يَرْجِعُوا ويَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرِ لِيُصَدِّقُوا قَوْلَهم فِيما أخْبَرُوهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ .
و(مِن أبِيكم) حالٌ مِن (أخٍ لَكم) أيْ أُخُوَّتُهُ مِن جِهَةِ أبِيكم، وهَذا مِن مَفْهُومِ الِاقْتِصارِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ، أيْ مِن أبِيكم ولَيْسَ مِن أُمِّكم، أيْ لَيْسَ بِشَقِيقٍ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِأخِيهِمْ إلّا مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ عِنْدَهُ. فَعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ المُقْتَضِيَةِ المَعْرِفَةَ إلى التَّنْكِيرِ تَنابُهًا في التَّظاهُرِ بِجَهْلِهِ بِهِ.
﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ لا تَعُودُوا إلى مِصْرَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أخاهم رَهِينَةً.
وقَوْلُهُ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ تَرْغِيبٌ لَهم في العَوْدَةِ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم مُضْطَرُّونَ إلى العَوْدِ إلَيْهِ لِعَدَمِ كِفايَةِ المِيرَةِ الَّتِي امْتارُوها لِعائِلَةٍ ذاتِ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ مِثْلَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم بَعْدُ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] .
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يُنْزِلُ المُمْتارِينَ في ضِيافَتِهِ لِكَثْرَةِ الوافِدِينَ عَلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ. والمُنْزِلُ: المُضِيفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعْدِ بِأنْ يُوفِيَ لَهُمُ الكَيْلَ ويُكْرِمَ ضِيافَتَهم إنْ أتَوْا بِأخِيهِمْ. والكَيْلُ في المَوْضِعَيْنِ مُرادٌ مِنَ المَصْدَرِ. فَمَعْنى ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ أيْ لا يُكالُ لَكم، كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنِ ابْتِياعِ الطَّعامِ.
يوسف 12:59
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.
وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ
صفحة ١٢
السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .
ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.
وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.
والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.
وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم
صفحة ١٣
أنَّهُ يُكَلِّمُهم عارِفٌ بِهِمْ وهو لا يُرِيدُ أنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ لَهم. وفي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتالَ لِذَلِكَ بِأنْ أوْهَمَهم أنَّهُ اتَّهَمَهم أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ لِلْعَدُوِّ أوْ أنَّهم تَبَرَّءُوا مِن ذَلِكَ فَعَرَّفُوهُ بِمَكانِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ وبِأبِيهِمْ وعَدَدِ عائِلَتِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ أظْهَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ إلى أنْ يَرْجِعُوا ويَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرِ لِيُصَدِّقُوا قَوْلَهم فِيما أخْبَرُوهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ .
و(مِن أبِيكم) حالٌ مِن (أخٍ لَكم) أيْ أُخُوَّتُهُ مِن جِهَةِ أبِيكم، وهَذا مِن مَفْهُومِ الِاقْتِصارِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ، أيْ مِن أبِيكم ولَيْسَ مِن أُمِّكم، أيْ لَيْسَ بِشَقِيقٍ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِأخِيهِمْ إلّا مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ عِنْدَهُ. فَعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ المُقْتَضِيَةِ المَعْرِفَةَ إلى التَّنْكِيرِ تَنابُهًا في التَّظاهُرِ بِجَهْلِهِ بِهِ.
﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ لا تَعُودُوا إلى مِصْرَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أخاهم رَهِينَةً.
وقَوْلُهُ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ تَرْغِيبٌ لَهم في العَوْدَةِ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم مُضْطَرُّونَ إلى العَوْدِ إلَيْهِ لِعَدَمِ كِفايَةِ المِيرَةِ الَّتِي امْتارُوها لِعائِلَةٍ ذاتِ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ مِثْلَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم بَعْدُ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] .
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يُنْزِلُ المُمْتارِينَ في ضِيافَتِهِ لِكَثْرَةِ الوافِدِينَ عَلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ. والمُنْزِلُ: المُضِيفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعْدِ بِأنْ يُوفِيَ لَهُمُ الكَيْلَ ويُكْرِمَ ضِيافَتَهم إنْ أتَوْا بِأخِيهِمْ. والكَيْلُ في المَوْضِعَيْنِ مُرادٌ مِنَ المَصْدَرِ. فَمَعْنى ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ أيْ لا يُكالُ لَكم، كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنِ ابْتِياعِ الطَّعامِ.
يوسف 12:60
﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿ولَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكم ألا تَرَوْنَ أنِّيَ أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ طَوى القُرْآنُ أخَرَةَ أمْرِ امْرَأةِ العَزِيزِ وحُلُولَ سِنِي الخِصْبِ والِادِّخارِ ثُمَّ اعْتِراءَ سِنِي القَحْطِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ كُلِّهِ في الغَرَضِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ، وهو إظْهارُ ما يَلْقاهُ الأنْبِياءُ مِن ذَوِيهِمْ وكَيْفَ تَكُونُ لَهم عاقِبَةُ النَّصْرِ والحُسْنى، ولِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ، ولِذَلِكَ انْتَقَلَتِ القِصَّةُ إلى ما فِيها مِن مَصِيرِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في حاجَةٍ إلى نِعْمَتِهِ، ومِن جَمْعِ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ الَّذِي يُحِبُّهُ، ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبَوَيْهِ، ثُمَّ مَظاهِرِ عَفْوِهِ عَنْ إخْوَتِهِ وصِلَتِهِ رَحِمَهُ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ كُلِّهِ أثَرًا في مَعْرِفَةِ فَضائِلِهِ.
وكانَ مَجِيءُ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ عِنْدَ حُلُولِ القَحْطِ بِأرْضِ مِصْرَ وما جاوَرَها مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ مَنازِلِ آلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ
صفحة ١٢
السَّلامُ، وكانَ مَجِيئُهم في السَّنَةِ الثّالِثَةِ مِن سِنِي القَحْطِ. وإنَّما جاءَ إخْوَتُهُ عَدا بِنْيامِينَ لِصِغَرِهِ، وإنَّما رَحَلُوا لِلْمِيرَةِ كُلُّهم لَعَلَّ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّزْوِيدَ مِنَ الطَّعامِ كانَ بِتَقْدِيرٍ يُراعى فِيهِ عَدَدُ المُمْتارِينَ، وأيْضًا لِيَكُونُوا جَماعَةً لا يَطْمَعُ فِيهِمْ قُطّاعُ الطَّرِيقِ، وكانَ الَّذِينَ جاءُوا عَشَرَةً. وقَدْ عُرِفَ أنَّهم جاءُوا مُمْتارِينَ مِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] وقَوْلِهِ الآتِي ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ .
ودُخُولُهم عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يُراقِبُ أمْرَ بَيْعِ الطَّعامِ بِحُضُورِهِ ويَأْذَنُ بِهِ في مَجْلِسِهِ خَشْيَةَ إضاعَةِ الأقْواتِ؛ لِأنَّ بِها حَياةَ الأُمَّةِ.
وعَرَفَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ إخْوَتَهِ بَعْدَ مُضِيِّ سِنِينَ عَلى فِراقِهِمْ لِقُوَّةِ فِراسَتِهِ وزَكانَةِ عَقْلِهِ دُونَهم.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَعَرَفَهم)، ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أمْرٌ ثابِتٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، وكانَ الإخْبارُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إيّاهم بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُفِيدَةِ لِلتَّجَدُّدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَعْرِفَتَهُ إيّاهم حَصَلَتْ بِحِدْثانِ رُؤْيَتِهِ إيّاهم دُونَ تَوَسُّمٍ وتَأمُّلٍ. وقُرِنَ مَفْعُولُ (مُنْكِرُونَ) الَّذِي هو ضَمِيرُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ ولَمْ يَقُلْ وهم مُنْكِرُونَ لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ جَهْلِهِمْ بِمَعْرِفَتِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ في (لَهُ مُنْكِرُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ نُكْرَتِهِمْ إيّاهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وإلّا فَإنَّ شَمائِلَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَجْهَلَ ويَنْسى.
والجَهازُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِها ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ، وأوَّلُهُ ما سافَرَ لِأجْلِهِ مِنَ الأحْمالِ. والتَّجْهِيزُ: إعْطاءُ الجِهازِ.
وقَوْلُهُ ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ﴾ يَقْتَضِي وُقُوعَ حَدِيثٍ مِنهم عَنْ أنَّ لَهم أخًا مِن أبِيهِمْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهم وإلّا لَكانَ إنْباءُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهَذا يُشْعِرُهم
صفحة ١٣
أنَّهُ يُكَلِّمُهم عارِفٌ بِهِمْ وهو لا يُرِيدُ أنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ لَهم. وفي التَّوْراةِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ احْتالَ لِذَلِكَ بِأنْ أوْهَمَهم أنَّهُ اتَّهَمَهم أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ لِلْعَدُوِّ أوْ أنَّهم تَبَرَّءُوا مِن ذَلِكَ فَعَرَّفُوهُ بِمَكانِهِمْ مِن قَوْمِهِمْ وبِأبِيهِمْ وعَدَدِ عائِلَتِهِمْ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ أظْهَرَ أنَّهُ يَأْخُذُ أحَدَهم رَهِينَةً عِنْدَهُ إلى أنْ يَرْجِعُوا ويَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرِ لِيُصَدِّقُوا قَوْلَهم فِيما أخْبَرُوهُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ .
و(مِن أبِيكم) حالٌ مِن (أخٍ لَكم) أيْ أُخُوَّتُهُ مِن جِهَةِ أبِيكم، وهَذا مِن مَفْهُومِ الِاقْتِصارِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ إرادَةِ غَيْرِهِ، أيْ مِن أبِيكم ولَيْسَ مِن أُمِّكم، أيْ لَيْسَ بِشَقِيقٍ.
والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ائْتُونِي بِأخِيكم مِن أبِيكم؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِأخِيهِمْ إلّا مِن ذِكْرِهِمْ إيّاهُ عِنْدَهُ. فَعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ المُقْتَضِيَةِ المَعْرِفَةَ إلى التَّنْكِيرِ تَنابُهًا في التَّظاهُرِ بِجَهْلِهِ بِهِ.
﴿ولا تَقْرَبُونِ﴾ أيْ لا تَعُودُوا إلى مِصْرَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ أخاهم رَهِينَةً.
وقَوْلُهُ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ تَرْغِيبٌ لَهم في العَوْدَةِ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم مُضْطَرُّونَ إلى العَوْدِ إلَيْهِ لِعَدَمِ كِفايَةِ المِيرَةِ الَّتِي امْتارُوها لِعائِلَةٍ ذاتِ عَدَدٍ مِنَ النّاسِ مِثْلَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم بَعْدُ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ [يوسف: ٦٥] .
ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ عَلى أنَّهُ كانَ يُنْزِلُ المُمْتارِينَ في ضِيافَتِهِ لِكَثْرَةِ الوافِدِينَ عَلى مِصْرَ لِلْمِيرَةِ. والمُنْزِلُ: المُضِيفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كِنايَةٌ عَنِ الوَعْدِ بِأنْ يُوفِيَ لَهُمُ الكَيْلَ ويُكْرِمَ ضِيافَتَهم إنْ أتَوْا بِأخِيهِمْ. والكَيْلُ في المَوْضِعَيْنِ مُرادٌ مِنَ المَصْدَرِ. فَمَعْنى ﴿فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي﴾ أيْ لا يُكالُ لَكم، كِنايَةٌ عَنْ مَنعِهِمْ مِنِ ابْتِياعِ الطَّعامِ.
يوسف 12:61
صفحة ١٤
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾
وعْدٌ بِأنْ يَبْذُلُوا قُصارى جُهْدِهِمْ في الإتْيانِ بِأخِيهِمْ وإشْعارٌ بِصُعُوبَةِ ذَلِكَ. فَمَعْنى ﴿سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ﴾ سَنُحاوِلُ أنْ لا يَشِحَّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣] .
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الوَعْدِ بِتَحْقِيقِ المَوْعُودِ بِهِ، فَهو فِعْلُ ما أمَرَهم بِهِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ.
يوسف 12:62
﴿وقالَ لِفِتْيَتِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ”لِفِتْيَتِهِ“ بِوَزْنِ فِعْلَةٍ جَمْعُ تَكْسِيرِ فَتًى مِثْلِ أخٍ وإخْوَةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ (لِفِتْيانِهِ) بِوَزْنِ إخْوانٍ. والأوَّلُ صِيغَةُ قِلَّةٍ والثّانِي صِيغَةُ كَثْرَةٍ وكِلاهُما يُسْتَعْمَلُ في الآخَرِ. وعَدَدُ الفِتْيانِ لا يَخْتَلِفُ. والفَتى: مَن كانَ في مَبْدَأِ الشَّبابِ، ومُؤَنَّثُهُ فَتاةٌ، ويُطْلَقُ عَلى الخادِمِ تَلَطُّفًا، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالشَّبابِ في الخِدْمَةِ، وكانُوا أكْثَرَ ما يَسْتَخْدِمُونَ العَبِيدَ.
والبِضاعَةُ: المالُ أوِ المَتاعُ المُعَدُّ لِلتِّجارَةِ. والمُرادُ بِها هُنا الدَّراهِمُ الَّتِي ابْتاعُوا بِها الطَّعامَ كَما في التَّوْراةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ رَجاءَ أنْ يَعْرِفُوا أنَّها عَيْنُ بِضاعَتِهِمْ إمّا بِكَوْنِها مَسْكُوكٌ سِكَّةَ بِلادِهِمْ وإمّا بِمَعْرِفَةِ الصُّرَرِ الَّتِي كانَتْ مَصْرُورَةً فِيها كَما في التَّوْراةِ، أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها وُضِعَتْ هُنالِكَ قَصْدَ عَطِيَّةٍ مِن عَزِيزِ مِصْرَ.
صفحة ١٥
والرِّحالُ: جَمْعُ رَحْلٍ، وهو ما يُوضَعُ عَلى البَعِيرِ مِن مَتاعِ الرّاكِبِ، ولِذا سُمِّيَ البَعِيرُ راحِلَةً.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ جَوابٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ﴾ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِالرُّجُوعِ اسْتَشْعَرَ بِنَفاذِ رَأْيِهِ أنَّهم قَدْ يَكُونُونَ غَيْرَ واجِدِينَ بِضاعَةً لِيَبْتاعُوا بِها المِيرَةَ لِأنَّهُ رَأى مَخايِلَ الضِّيقِ عَلَيْهِمْ.
يوسف 12:63
﴿فَلَمّا رَجَعُوا إلى أبِيهِمْ قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلّا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا وهْوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
مَعْنى ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ الكَيْلِ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ رُجُوعَهم بِالطَّعامِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالجَهازِ أنَّ المَنعَ مِنَ الكَيْلِ يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، ولِأنَّ تَرْكِيبَ (مُنِعَ مِنّا) يُؤْذِنُ بِذَلِكَ، إذْ جَعَلُوا الكَيْلَ مَمْنُوعَ الِابْتِداءِ مِنهم؛ لِأنَّ (مِن) حَرْفُ ابْتِداءٍ.
والكَيْلُ مَصْدَرٌ صالِحٌ لِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ والمَفْعُولِيَّةِ، وهو هُنا بِمَعْنى الإسْنادِ إلى الفاعِلِ، أيْ لَنْ نَكِيلَ، فالمَمْنُوعُ هو ابْتِداءُ الكَيْلِ مِنهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِمْ ما يُكالُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الكَيْلِ بِطَلَبِهِ، أيْ مُنِعَ مِنّا ذَلِكَ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِأنَّنا لا نُمْنَحُهُ إلّا إذا وفَّيْنا بِما وعَدْنا مِن إحْضارِ أخِينا. ولِذَلِكَ صَحَّ تَفْرِيعُ ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا﴾ عَلَيْهِ، فَصارَ تَقْدِيمُ الكَلامِ: مُنِعْنا مِن أنْ نَطْلُبَ الكَيْلَ إلّا إذا حَضَرَ
صفحة ١٦
مَعَنا أخُونا. فَتَعَيَّنَ أنَّهم حَكَوُا القِصَّةَ لِأبِيهِمْ مُفَصَّلَةً واخْتَصَرَها القُرْآنُ لِظُهُورِ المُرادِ. والمَعْنى: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا نَرْحَلْ لِلِاكْتِيالِ ونَطْلُبْهُ. وإطْلاقُ المَنعِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ، لِأنَّهم أُنْذِرُوا بِالحِرْمانِ فَصارَ طَلَبُهم مَمْنُوعًا مِنهم؛ لِأنَّ طَلَبَهُ عَبَثٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَكْتَلْ) بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عِوَضَ النُّونِ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى (أخانا): أيْ يَكْتَلْ مَعَنا.
وجُمْلَةُ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأرْسِلْ)، وأكَّدُوا حِفْظَهُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ وبِحَرْفِ التَّوْكِيدِ.
وجَوابُ أبِيهِمْ كَلامٌ مُوَجَّهٌ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنِّي آمَنُكم عَلَيْهِ كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ ماذا أفادَ ائْتِمانُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ حَتّى آمَنَكم عَلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ فِيهِ مَعْنى النَّفْيِ، فَهو يَسْتَفْهِمُ عَنْ وجْهِ التَّأْكِيدِ في قَوْلِهِمْ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ عَلى احْتِمالَيْها هو التَّفْرِيعُ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿فاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا﴾)، أيْ خَيْرٌ حِفْظًا مِنكم، فَإنْ حَفِظَهُ اللَّهُ سَلِمَ وإنْ لَمْ يَحْفَظْهُ لَمْ يَسْلَمْ كَما لَمْ يَسْلَمْ أخُوهُ مِن قَبْلُ حِينَ أمِنتُكم عَلَيْهِ.
وهم قَدِ اقْتَنَعُوا بِجَوابِهِ وعَلِمُوا مِنهُ أنَّهُ مُرْسِلٌ مَعَهم أخاهم، ولِذَلِكَ لَمْ يُراجِعُوهُ في شَأْنِهِ.
و(حِفْظًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ حافِظًا عَلى أنَّهُ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وهي حالٌ لازِمَةٌ.