Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الإسراء 17:72 – الكهف 18:33

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الإسراء 17:72
  2. الإسراء 17:73
  3. الإسراء 17:74
  4. الإسراء 17:75
  5. الإسراء 17:76
  6. الإسراء 17:77
  7. الإسراء 17:78
  8. الإسراء 17:79
  9. الإسراء 17:80
  10. الإسراء 17:81
  11. الإسراء 17:82
  12. الإسراء 17:83
  13. الإسراء 17:84
  14. الإسراء 17:85
  15. الإسراء 17:86
  16. الإسراء 17:87
  17. الإسراء 17:88
  18. الإسراء 17:89
  19. الإسراء 17:90
  20. الإسراء 17:91
  21. الإسراء 17:92
  22. الإسراء 17:93
  23. الإسراء 17:94
  24. الإسراء 17:95
  25. الإسراء 17:96
  26. الإسراء 17:97
  27. الإسراء 17:98
  28. الإسراء 17:99
  29. الإسراء 17:100
  30. الإسراء 17:101
  31. الإسراء 17:102
  32. الإسراء 17:103
  33. الإسراء 17:104
  34. الإسراء 17:105
  35. الإسراء 17:106
  36. الإسراء 17:107
  37. الإسراء 17:108
  38. الإسراء 17:109
  39. الإسراء 17:110
  40. الإسراء 17:111
  41. الكهف 18:1
  42. الكهف 18:2
  43. الكهف 18:3
  44. الكهف 18:4
  45. الكهف 18:5
  46. الكهف 18:6
  47. الكهف 18:7
  48. الكهف 18:8
  49. الكهف 18:9
  50. الكهف 18:10
  51. الكهف 18:11
  52. الكهف 18:12
  53. الكهف 18:13
  54. الكهف 18:14
  55. الكهف 18:15
  56. الكهف 18:16
  57. الكهف 18:17
  58. الكهف 18:18
  59. الكهف 18:19
  60. الكهف 18:20
  61. الكهف 18:21
  62. الكهف 18:22
  63. الكهف 18:23
  64. الكهف 18:24
  65. الكهف 18:25
  66. الكهف 18:26
  67. الكهف 18:27
  68. الكهف 18:28
  69. الكهف 18:29
  70. الكهف 18:30
  71. الكهف 18:31
  72. الكهف 18:32
  73. الكهف 18:33

الإسراء 17:72

صفحة ١٦٧ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهْوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّهْدِيدِ بِعاجِلِ العَذابِ في الدُّنْيا الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦] إلى قَوْلِهِ ثُمَّ ﴿لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] إلى ذِكْرِ حالِ النّاسِ في الآخِرَةِ تَبْشِيرًا وإنْذارًا، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ، ولا يَحْسُنُ لَفْظُ (يَوْمَ) لِلتَّعَلُّقِ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠] عَلى أنْ يَكُونَ تَخَلُّصًا مِن ذِكْرِ التَّفْضِيلِ إلى ذِكْرِ اليَوْمِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ فَوائِدُ التَّفْضِيلِ، فَتَرَجَّحَ أنَّهُ ابْتِداءٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَفَتْحَةُ يَوْمَ إمّا فَتْحَةَ إعْرابٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ شائِعِ الحَذْفِ في ابْتِداءِ العِبَرِ القُرْآنِيَّةِ، وهو فِعْلُ اذْكُرْ فَيَكُونُ يَوْمَ هُنا اسْمَ زَمانٍ مَفْعُولًا لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، ولَيْسَ ظَرْفًا. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن أُوتِيَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ؛ لِأنَّ فِعْلَ اذْكُرِ المُقَدَّرَ يَقْتَضِي أمْرًا عَظِيمًا مُجْمَلًا فَوَقَعَ تَفْضِيلُهُ بِذِكْرِ الفاءِ، وما بَعْدَها، فَإنَّ التَّفْصِيلَ يَتَفَرَّعُ عَلى الإجْمالِ. وإمّا أنْ تَكُونَ فَتْحَتُهُ فَتْحَةَ بِناءٍ لْإضافَتِهِ اسْمَ الزَّمانِ إلى الفِعْلِ، وهو إمّا في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وقَدْ حَكى ابْنُ هِشامٍ عَنِ ابْنِ بَرْهانٍ أنَّ الفاءَ تَزْدادُ في الخَبَرِ عِنْدَ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ ما عَدا سِيبَوَيْهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْسِيمُ الَّذِي بَعْدَهُ، أعْنِي قَوْلَهُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ صفحة ١٦٨ إلى قَوْلِهِ ﴿وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: تَتَفاوَتُ النّاسُ وتَتَغابَنُ، وبَيْنَ تَفْصِيلِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ إلَخْ. والإمامُ: ما يُؤْتَمُّ بِهِ، أيْ يُعْمَلُ عَلى مِثْلِ عَمَلِهِ أوْ سِيرَتِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا مُبَيِّنُ الدِّينِ مِن دِينِ حَقٍّ لِلْأُمَمِ المُؤْمِنَةِ، ومِن دِينِ كُفْرٍ، وباطِلٍ لِلْأُمَمِ الضّالَّةِ. ومَعْنى دُعاءِ النّاسِ أنْ يُدْعى يا أُمَّةَ فُلانٍ ويا أتْباعَ فُلانٍ، مِثْلُ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، ومِثْلُ: يا أُمَّةَ زُرادَشْتَ، ويا أُمَّةَ بَرْهَما، ويا أُمَّةَ بُوذا، ومِثْلُ: يا عَبَدَةَ العُزّى، يا عَبَدَةَ بَعْلَ، يا عَبَدَةَ نَسْرٍ. والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ نَدْعُو لِأنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ، يُقالُ: دَعَوْتُهُ بِكُنْيَتِهِ وتَداعَوْا بِشِعارِهِمْ. وفائِدَةُ نِدائِهِمْ بِمَتْبُوعِيهِمُ التَّعَجُّلُ بِالمَسَرَّةِ؛ لِاتِّباعِ الهُداةِ وبِالمَساءَةِ لِاتِّباعِ الغُواةِ؛ لِأنَّهم إذا دَعَوْا بِذَلِكَ رَأوْا مَتْبُوعِيهِمْ في المَقاماتِ المُناسِبَةِ لَهم فَعَلِمُوا مَصِيرَهم. وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تَفْرِيعَ التَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ قَوْلُهُ: (﴿نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾) . أي ومِنَ النّاسِ مَن يُؤْتى كِتابَهُ، أيْ كِتابَ أعْمالِهِ بِيَمِينِهِ. وقَوْلُهُ فَمَن أُوتِيَ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: (﴿نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾) . أيْ فَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهم، أيْ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ. وإيتاءُ الكِتابِ بِاليَمِينِ إلْهامُ صاحِبِهِ إلى تَناوُلِهِ بِاليَمِينِ، وتِلْكَ عَلامَةُ عِنايَةٍ بِالمَأْخُوذِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ يَأْخُذُ بِها مَن يَعْزِمُ عَمَلًا عَظِيمًا قالَ تَعالى لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ» . . . إلَخْ، وقالَ الشَّمّاخُ: صفحة ١٦٩ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَقّاها عَرابَةُ بِاليَمِينِ وأمّا أهْلُ الشَّقاوَةِ فَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ، كَما في آيَةِ الحاقَّةِ ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] . والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ فاءِ جَوابِ (أمّا)؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم دُونَ غَيْرِهِمْ يَقْرَءُونَ كِتابَهم؛ لِأنَّ في اطِّلاعِهِمْ عَلى ما فِيهِ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والجَزاءِ عَلَيْهِ مَسَرَّةً لَهم ونَعِيمًا بِتَذَكُّرِ ومَعْرِفَةِ ثَوابِهِ، وذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ صَحِيفَةٍ تَشْتَمِلُ عَلى ما يَسُرُّ وعَلى تَذَكُّرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، كَما يُطالِعُ المَرْءُ أخْبارَ سَلامَةِ أحِبّائِهِ وأصْدِقائِهِ ورَفاهَةِ حالِهِمْ، فَتَوَفُّرُ الرَّغْبَةِ في قِراءَةِ أمْثالِ هَذِهِ الكُتُبِ شِنْشِنَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وأمّا الفَرِيقُ الآخَرُ فَسَكَتَ عَنْ قِراءَةِ كِتابِهِمْ هُنا، ووَرَدَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣]، والظُّلْمُ مُسْتَعْمَلٌ هُنا بِمَعْنى النَّقْصِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]؛ لِأنَّ غالِبَ الظُّلْمِ يَكُونُ بِانْتِزاعِ بَعْضِ ما عِنْدَ المَظْلُومِ، فَلَزِمَهُ النُّقْصانُ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ ما يُعْطاهُ مِنَ الجَزاءِ مِمّا يَرْغَبُ النّاسُ في ازْدِيادِهِ. والفَتِيلُ: شِبْهُ الخَيْطِ تَكُونُ في شَقِّ النَّواةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا في سُورَةِ النِّساءِ، وهو مَثَلٌ لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ، أيْ لا يَنْقُصُونَ شَيْئًا، ولَوْ قَلِيلًا جِدًّا. وعَطْفُ ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى عَطْفُ القَسِيمِ عَلى قَسِيمِهِ فَهو في حَيِّزِ (أمّا) التَّفْصِيلِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وأمّا ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ ولَمّا كانَ القَسِيمُ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ هم مَن أُوتُوا كِتابَهم بِاليَمِينِ عُلِمَ أنَّ المَعْطُوفَ بِضِدِّ ذَلِكَ يُؤْتى صفحة ١٧٠ كِتابَهُ بِالشَّمالِ فاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ، وأُتِيَ لَهُ بِصِلَةٍ أُخْرى وهي كَوْنُهُ أعْمى حُكْمًا آخَرَ مِن أحْوالِهِ الفَظِيعَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. والإشارَةُ بِ هَذِهِ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهو الدُّنْيا، ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ، والمُرادُ بِالعَمى في الدُّنْيا الضَّلالَةُ في الدِّينِ، أُطْلِقَ عَلَيْها العَمى عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. والمُرادُ بِالعَمى في الآخِرَةِ ما يَنْشَأُ عَنِ العَمى مِنَ الحَيْرَةِ واضْطِرابِ البالِ، فالأعْمى أيْضًا مُسْتَعارٌ لِمُشابِهِ الأعْمى بِإحْدى العَلاقَتَيْنِ. ووَصْفُ أعْمى في المَرَّتَيْنِ مُرادٌ بِهِ مُجَرَّدُ الوَصْفِ لا التَّفْضِيلُ، ولَمّا كانَ وجْهُ الشَّبَهِ في أحْوالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ أقْوى مِنهُ في حالِهِ في الدُّنْيا أُشِيرَ إلى شِدَّةِ تِلْكَ الحالَةِ بِقَوْلِهِ وأضَلُّ سَبِيلًا القائِمِ مَقامَ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ في العَمى لِكَوْنِ وصْفِ أعْمى غَيْرَ قابِلٍ لِأنْ يُصاغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ؛ لِأنَّهُ جاءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ في حالِ الوَصْفِ. وعَدَلَ عَنْ لَفْظِ أشَدَّ ونَحْوِهِ ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى التَّفْضِيلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اشْتِقاقِ صِيغَةِ (أفْعَلَ) لِيَتَأتّى ذِكْرُ السَّبِيلِ، لِما في الضَّلالِ عَنِ السَّبِيلِ مِن تَمْثِيلِ حالِ العَمى وإيضاحِهِ؛ لِأنَّ ضَلالَ فاقِدِ البَصَرِ عَنِ الطَّرِيقِ فَيُحالُ السَّيْرُ أشَدَّ وقْعًا في الإضْرارِ مِنهُ، وهو قابِعٌ بِمَكانِهِ، فَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الوَجِيزِ إلى التَّرْكِيبِ المُطْنِبِ لِما في الإطْنابِ مِن تَمْثِيلِ الحالِ، وإيضاحِهِ وإفْظاعِهِ، وهو إطْنابٌ بَدِيعٌ، وقَدْ أُفِيدَ بِذَلِكَ أنَّ عَماهُ في الدّارَيْنِ عَمى ضَلالٍ عَنِ السَّبِيلِ المُوَصِّلِ، ومَعْنى المُفاضَلَةِ راجِعٌ إلى مُفاضَلَةِ إحْدى حالَتَيْهِ عَلى الأُخْرى في الضَّلالِ وأثَرِهِ لا إلى حالِ غَيْرِهِ، فالمَعْنى: وأضَلُّ سَبِيلًا مِنهُ في الدُّنْيا. ووَجْهُ كَوْنِ ضَلالِهِ في الآخِرَةِ أشَدَّ: أنَّ ضَلالَهُ في الدُّنْيا كانَ في مُكْنَتِهِ أنْ يَنْجُوَ مِنهُ بِطَلَبِ ما يُرْشِدُهُ إلى السَّبِيلِ المُوصِلُ مِن هَدْيِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ خَلِيًّا عَنْ لَحاقِ الألَمِ بِهِ، وأمّا ضَلالُهُ في الآخِرَةِ فَهو ضَلالٌ لا خَلاصَ مِنهُ، وهو مُقارِنٌ لِلْعَذابِ الدّائِمِ، فَلا جَرَمَ كانَ ضَلالُهُ في الآخِرَةِ أدْخَلَ في حَقِيقَةِ الضَّلالِ وماهِيَّتِهِ.

الإسراء 17:73

صفحة ١٧١ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ حِكايَةُ فَنٍّ مِن أفانِينِ ضَلالِهِمْ وعَماهم في الدُّنْيا، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢]، وهو انْتِقالٌ مِن وصْفِ حالِهِمْ، وإبْطالِ مَقالِهِمْ في تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ إلى ذِكْرِ حالٍ آخَرَ مِن حالِ مُعارَضَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ، وهي حالُ طَمَعِهِمْ في أنْ يَسْتَنْزِلُوا النَّبِيءَ ﷺ لِأنْ يَقُولَ قَوْلًا فِيهِ حُسْنُ ذِكْرٍ لَآلِهَتِهِمْ لِيَتَنازَلُوا إلى مُصالَحَتِهِ ومُوافَقَتِهِ إذا وافَقَهم في بَعْضِ ما سَألُوهُ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ مُرادٌ مِنها كُفّارُ قُرَيْشٍ، أيْ مُتَوَلُّو تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ. وغَيْرُ الأُسْلُوبِ مِن خِطابِهِمْ في آياتِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ [الإسراء: ٦٦] إلى الإقْبالِ عَلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ لِتَغَيُّرِ المَقامِ مِن مَقامِ اسْتِدْلالٍ إلى مَقامِ امْتِنانٍ. والفَتْنُ والفُتُونُ: مُعامَلَةٌ يَلْحَقُ مِنها ضُرُّ واضْطِرابُ النَّفْسِ في أنْواعٍ مِنَ المُعامَلَةِ يَعْسُرُ دَفْعُها، مِن تَغَلُّبٍ عَلى القُوَّةِ وعَلى الفِكْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُدِّيَ يَفْتِنُونَكَ بِحَرْفِ (عَنْ) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى فِعْلٍ كانَ الفَتْنُ لِأجْلِهِ، وهو ما فِيهِ مَعْنى يَصْرِفُونَكَ. والَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو القُرْآنُ. هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ بِما تُعْطِيهِ مَعانِي تَراكِيبِها مَعَ مُلاحَظَةِ ما تَقْتَضِيهِ أدِلَّةُ عِصْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أنْ تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ خَواطِرُ إجابَةِ المُشْرِكِينَ لِما يَطْمَعُونَ. صفحة ١٧٢ ولِلْمُفَسِّرِينَ بِضْعَةُ مَحامِلَ أُخْرى لِهَذِهِ الآيَةِ اسْتَقْصاها القُرْطُبِيُّ، فَمِنها ما لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ القَبُولِ؛ لِوَهَنِ سَنَدِهِ، وعَدَمِ انْطِباقِهِ عَلى مَعانِي الآيَةِ، ومِنها ما هو ضَعِيفُ السَّنَدِ، وتَتَحَمَّلُهُ الآيَةُ بِتَكَلُّفٍ، ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ راوَدُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ لا يُسَوِّيَهم مَعَ مَن يَعُدُّونَهم مُنْحَطِّينَ عَنْهم مِنَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ عِنْدَهم مِثْلِ: بِلالٍ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وخَبّابٍ، وصُهَيْبٍ، وأنَّهم وعَدُوا النَّبِيءَ إنْ هو فَعَلَ ذَلِكَ بِأنْ يَجْلِسُوا إلَيْهِ، ويَسْتَمِعُوا القُرْآنَ حِين لا يَكُونُ فِيهِ تَنْقِيصُ آلِهَتِهِمْ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ هَمَّ بِأنْ يُظْهِرَ لَهم بَعْضَ اللِّينِ؛ رَغْبَةً في إقْبالِهِمْ عَلى سَماعِ القُرْآنِ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ بَعْضَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، وهو ما فِيهِ فَضْلُ المُؤْمِنِينَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ ما فِيهِ تَنْقِيضُ الأصْنامِ. وسِماتُ التَّخَرُّصِ وضِيقِ العَطَنِ في مَعْنى الآيَةِ بِحاقِّ ألْفاظِها بادِيَةٌ عَلى جَمِيعِ هاتِهِ الأخْبارِ، وإذْ قَدْ مُلِئَتْ بِها كُتُبُ التَّفْسِيرِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ بِأمْثَلِ ما يُناسِبُ تِلْكَ الأخْبارَ؛ لِئَلّا تَكُونَ فِتْنَةً لِلنّاظِرِينَ فَنَقُولُ: إنَّ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ في اقْتِرابِهِمْ مِنَ الإسْلامِ، وفي تَأْمِينِ المُسْلِمِينَ، أجالَتْ في خاطِرِهِ أنْ يُجِيبَهم إلى بَعْضِ ما دَعَوْهُ إلَيْهِ مِمّا يَرْجِعُ إلى تَخْفِيفِ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ أوْ إنْظارِهِمْ، أوْ إرْضاءِ بَعْضِ أصْحابِهِ بِالتَّخَلِّي عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ يَحْضُرُهُ صَنادِيدُ المُشْرِكِينَ، وهو يَعْلَمُ أنَّهم يُنْتَدَبُونَ إلى ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِنَشْرِ الدِّينِ، ولَيْسَ فِيهِ فَواتُ شَيْءٍ عَلى المُسْلِمِينَ، أيْ كادُوا يَصْرِفُونَكَ عَنْ بَعْضِ ما أوْحَيْناهُ إلَيْكَ مِمّا هو مُخالِفٌ لِما سَألُوهُ. فَبِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ لِلْعَهْدِ لِما هو مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ بِحَسَبِ ما سَألَهُ المُشْرِكُونَ مِن مُخالَفَتِهِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مَسُوقَةٌ مَساقَ المَنِّ عَلى النَّبِيءِ بِعِصْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ مِنَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، ومَساقُ إظْهارِ مِلَلِ المُشْرِكِينَ مِن أمْرِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ، وتَخَوُّفِهِمْ مِن عَواقِبِها، وفي ذَلِكَ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وتَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ ذَلِكَ لَنْ يَكُونَ. صفحة ١٧٣ وقَوْلُهُ ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ يَفْتِنُونَكَ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إضْمارًا مِنهم وطَمَعًا في أنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ، أيْ غَيْرَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، وهَذا طَمَعٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أنْ يَسْتَدْرِجُوا النَّبِيءَ مِن سُؤالٍ إلى آخَرَ، فَهو راجِعٌ إلى نِيّاتِهِمْ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ هَمَّ بِذَلِكَ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، إذْ لامُ التَّعْلِيلِ لا تَقْتَضِي أكْثَرَ مِن غَرَضِ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، ولا تَقْتَضِي غَرَضَ المَفْعُولِ، ولا عِلْمَهُ. و(إنَّ) مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، واللّامُ في لَيَفْتِنُونَكَ هي اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ فَلا تَقْتَضِي تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ. و(إذَنْ) حَرْفُ جَزاءٍ، والنُّونُ الَّتِي بِآخِرِها نُونُ كَلِمَةٍ ولَيْسَتْ تَنْوِينَ تَمْكِينٍ فَتَكُونُ جَزاءً لِفِعْلِ يَفْتِنُونَكَ بِما مَعَهُ مِنَ المُتَعَلِّقاتِ مُقْحَمًا بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِتَصِيرَ واوُ العَطْفِ مَعَ (إذًا) مُفِيدَةً مَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ. ووَجْهُ عَطْفِها بِالواوِ دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى حَرْفِ الجَزاءِ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي حاوَرُوا النَّبِيءَ ﷺ فِيها، وألَحُّوا عَلَيْهِ ناسَبَ أنْ يُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ أحْوالِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: فَلَوْ صَرَفُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، واللّامُ في قَوْلِهِ لاتَّخَذُوكَ اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وهو لَوْ صَرَفُوكَ عَنْ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. واللّامُ في قَوْلِهِ لاتَّخَذُوكَ لامُ جَوابِ (لَوْ) إذْ كانَ فِعْلًا ماضِيًا مُثْبَتًا. والخَلِيلُ: الصَّدِيقُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ.

الإسراء 17:74

صفحة ١٧٤ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] بِناءً عَلى ما نَحَوْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ أُخْرى، ومَقامٌ آخَرُ مِن مَقامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِجاهَ المُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَكْمِلَةِ ما قَبْلَهُ فَيَكُونُ الرُّكُونُ إلَيْهِمْ رُكُونًا فِيما سَألُوهُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما ساقَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ. و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعَ جَوابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ بِسَبَبِ وُجُودِ شَرْطِهِ. والتَّثْبِيتُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ثابِتًا، أيْ مُتَمَكِّنًا مِن مَكانِهِ غَيْرَ مُقَلْقَلٍ ولا مَقْلُوعٍ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْبَقاءِ عَلى حالِهِ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُدِّيَ التَّثْبِيتُ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ الدّالِّ عَلى ذاتِهِ، والمُرادُ تَثْبِيتُ فَهْمِهِ ورَأْيِهِ، وهَذا مِنَ الحُكْمِ عَلى الذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِحَسَبِ دَلالَةِ المَقامِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمَعْنى: ولَوْلا أنْ ثَبَّتْنا رَأْيَكَ فَأقْرَرْناهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ لَقارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ. واللّامُ في لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ جَوابِ (لَوْلا)، وهي مُلازِمَةٌ لِجَوابِها لِتَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرْطِ. والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرُّكُونَ مُجْمَلٌ في أشْياءَ هي مَظِنَّةُ الرُّكُونِ، ولَكِنَّ الرُّكُونَ مُنْتَفٍ مِن أصْلِهِ لِأجْلِ التَّثْبِيتِ بِالعِصْمَةِ كَما صفحة ١٧٥ انْتَفى أنْ يَفْتِنَهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ بِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ تَنْفِيذِ فِتْنَتِهِمْ. والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الثّانِي: ولَوْلا أنْ عَصَمْناكَ مِنَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، وأرَيْناكَ أنَّ مَصْلَحَةَ الشِّدَّةِ في الدِّينِ والتَّنْوِيهِ بِأتْباعِهِ ولَوْ كانُوا مِن ضُعَفاءِ أهْلِ الدُّنْيا لا تُعارِضُها مَصْلَحَةُ تَأْلِيفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ولَوْ كانَ المُسْلِمُونَ راضِينَ بِالغَضاضَةِ مِن أنْفُسِهِمِ اسْتِئْلافًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ إظْهارَ الهَوادَةِ في أمْرِ الدِّينِ تُطْمِعُ المُشْرِكِينَ في التَّرَقِّي إلى سُؤالِ ما هو أبْعَدُ مَدًى مِمّا سَألُوهُ، فَمَصْلَحَةُ مُلازَمَةِ مَوْقِفِ الحَزْمِ مَعَهم أرْجَحُ مِن مَصْلَحَةِ مُلايَنَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ، أيْ فَلا فائِدَةَ مِن ذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ كُلُّهُ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ قَلِيلًا، أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ، أيْ تَوَعَّدْتَهم بِالإجابَةِ إلى بَعْضِ ما سَألُوكَ اسْتِنادًا لِدَلِيلِ مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ واضِحَةٍ وغَفْلَةً عَنْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ خَفِيَّةٍ؛ اغْتِرارًا بِخِفَّةِ بَعْضِ ما سَألُوهُ في جانِبِ عِظَمِ ما وعَدُوا بِهِ مِن إيمانِهِمْ. والرُّكُونُ: المَيْلُ بِالرُّكْنِ، أيْ بِالجانِبِ مِنَ الجَسَدِ، واسْتُعْمِلَ في المُوافَقَةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا في سُورَةِ هُودٍ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ في المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ تَرْكَنُ، أيْ شَيْئًا مِنَ الرُّكُونِ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ مَصْدَرِ تَرَكْنُ طَلَبُ الخِفَّةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ تَرْكَنُ وهو الرُّكُونُ فِيهِ ثِقَلٌ فَتَرْكُهُ أفْصَحُ، وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَلِيلًا؛ لِأنَّ تَنْكِيرَ شَيْئًا مُفِيدٌ التَّقْلِيلَ، فَكانَ في ذِكْرِهِ تَهْيِئَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى التَّقْلِيلِ، فَإنَّ كَلِمَةَ شَيْءٍ لِتَوَغُّلِها في إيهامِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ أوْ جِنْسِ المَوْجُودِ مُطْلَقًا مُفِيدَةٌ لِلتَّقْلِيلِ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] . و(إذَنْ) الثّانِيَةُ جَزاءٌ لِ ﴿كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، ولِكَوْنِها جَزاءً فُصِلَتْ عَنِ العَطْفِ إذْ لا مُقْتَضى لَهُ، فَرُكُونُ النَّبِيءِ ﷺ إلَيْهِمْ غَيْرُ صفحة ١٧٦ واقِعٍ ولا مُقارِبٍ الوُقُوعَ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ نَفَتْهُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ، وهي: لَوْلا الِامْتِناعِيَّةُ، وفِعْلُ المُقارَبَةِ المُقْتَضِي أنَّهُ ما كانَ يَقَعُ الرُّكُونُ ولَكِنْ يَقَعُ الِاقْتِرابُ مِنهُ، والتَّحْقِيرُ المُسْتَفادُ مِن شَيْئًا، والتَّقْلِيلُ المُسْتَفادُ مِن قَلِيلًا. أيْ لَوْلا إفْهامُنا إيّاكَ وجْهَ الحَقِّ لَخَشِيَ أنْ تَقْتَرِبَ مِن رُكُونٍ ضَعِيفٍ قَلِيلٍ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، ودَخَلَتْ قَدْ في حَيِّزِ الِامْتِناعِ فَأصْبَحَ تَحْقِيقُها مَعْدُومًا، أيْ لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَتَحَقَّقَ قُرْبُ مَيْلِكَ القَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ؛ لِأنّا ثَبَّتْناكَ. وجُمْلَةُ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ جَزاءٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، والمَعْنى: لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ، ولِما في إذَنْ مِن مَعْنى الجَزاءِ اسْتُغْنِيَ عَنْ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّفْرِيعِ، والمَعْنى: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ فَلَأذَقْناكَ. والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: مُماثِلٌ مِقْدارَ شَيْءٍ ذِي مِقْدارٍ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مُبَيِّنًا بِجِنْسِهِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أيْ ضِعْفَيْ ما أُعِدَّ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ ساغَ إطْلاقُهُ دُونَ بَيانٍ اعْتِمادًا عَلى بَيانِ السِّياقِ كَما هُنا، فَإنَّ ذِكْرَ الإذاقَةِ في مَقامِ التَّحْذِيرِ يُنْبِئُ بِأنَّها إذاقَةُ عَذابٍ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ ضِعْفٌ. ثُمَّ إنَّ الضِّعْفَ أُطْلِقَ هُنا عَلى القَوِيِّ الشَّدِيدِ؛ لِعَدَمِ حَمْلِ الضِّعْفِ عَلى حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عِلْمٌ بِمِقْدارِ العَذابِ يُرادُ تَضْعِيفُهُ كَقَوْلِهِ فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وإضافَةُ الضِّعْفِ إلى الحَياةِ وإلى المَماتِ عَلى مَعْنى (في)، فَإنَّ تَقْدِيرَ مَعْنى (في) بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ لا يَخْتَصُّ بِإضافَةِ ما يُضافُ إلى الأوْقاتِ، فالتَّقْدِيرُ: لَأذَقْناكَ ضِعْفًا في الحَياةِ، وضِعْفًا في المَماتِ، فَضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ هو تَراكُمُ المَصائِبِ، والأرْزاءِ في مُدَّةِ الحَياةِ، أيِ العُمْرِ بِزَوالِ ما كانَ يَنالُهُ صفحة ١٧٧ مِن بَهْجَةٍ وسُرُورٍ بِتَمامِ دَعْوَتِهِ وانْتِظامِ أُمَّتِهِ، ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ أعْداؤُهُ، وعَذابُ المَماتِ أنْ يَمُوتَ مَكْمُودًا مُسْتَذَلًّا بَيْن كُفّارٍ يَرَوْنَ أنَّهم قَدْ فازُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أشْرَفُوا عَلى السُّقُوطِ أمامَهُ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وضِعْفَ المَماتِ﴾ في اسْتِمْرارِ ضِعْفِ الحَياةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ حَتّى المَماتِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِن ضِعْفِ المَماتِ عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا لَكانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ، واجْتِلابًا لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ في نَظَرِهِ، فَلا يَكُونُ عَلى الِاجْتِهادِ عِقابٌ في الآخِرَةِ إذِ العِقابُ الأُخْرَوِيُّ لا يَكُونُ إلّا عَلى مُخالَفَةٍ في التَّكْلِيفِ، وقَدْ سَوَّغَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الِاجْتِهادَ، وجَعَلَ لِلْمُخْطِئِ في اجْتِهادِهِ أجْرًا كَما قَرَّرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا، وأرْزاؤُها فَهي مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ مَنِ الأغْلاطِ والأخْطاءِ فَلا يُؤَثِّرُ في التَّفادِي مِنها حُسْنُ النِّيَّةِ إنْ كانَ صاحِبُها قَدْ أخْطَأ وجْهَ الصَّوابِ، فَتَدَبَّرْ في هَذِهِ المَعانِي تَدَبُّرَ ذَوِي الألْبابِ، ولِهَذا خُولِفَ التَّعْبِيرُ المُعْتادُ اسْتِعْمالُهُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وعُبِّرَ هُنا بِ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ . وجُمْلَةُ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ لَأذَقْناكَ. ومَوْقِعُها تَحْقِيقُ عَدَمِ الخَلاصِ مِن تِلْكَ الإذاقَةِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ عَدَمَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ أهَمُّ مِن إذاقَتِهِ، فَرُتْبَتُهُ في الأهَمِّيَّةِ أرْقى، والنَّصِيرُ: النّاصِرُ المُخَلِّصُ مِنَ الغَلَبَةِ أوِ الَّذِي يَثْأرُ لِلْمَغْلُوبِ، أيْ لا تَجِدُ لِنَفْسِكَ مَن يَنْتَصِرُ لَكَ فَيَصُدُّنا عَنْ إلْحاقِ ذَلِكَ بِكَ أوْ يَثْأرُ لَكَ مِنّا.

الإسراء 17:75

صفحة ١٧٤ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] بِناءً عَلى ما نَحَوْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ السّابِقَةِ، وهَذِهِ مِنَّةٌ أُخْرى، ومَقامٌ آخَرُ مِن مَقامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِجاهَ المُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَكْمِلَةِ ما قَبْلَهُ فَيَكُونُ الرُّكُونُ إلَيْهِمْ رُكُونًا فِيما سَألُوهُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما ساقَهُ المُفَسِّرُونَ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ. و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعًا لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي امْتِناعَ جَوابِهِ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ بِسَبَبِ وُجُودِ شَرْطِهِ. والتَّثْبِيتُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ثابِتًا، أيْ مُتَمَكِّنًا مِن مَكانِهِ غَيْرَ مُقَلْقَلٍ ولا مَقْلُوعٍ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْبَقاءِ عَلى حالِهِ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُدِّيَ التَّثْبِيتُ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ الدّالِّ عَلى ذاتِهِ، والمُرادُ تَثْبِيتُ فَهْمِهِ ورَأْيِهِ، وهَذا مِنَ الحُكْمِ عَلى الذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها بِحَسَبِ دَلالَةِ المَقامِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالمَعْنى: ولَوْلا أنْ ثَبَّتْنا رَأْيَكَ فَأقْرَرْناهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ في مُعامَلَةِ المُشْرِكِينَ لَقارَبْتَ أنْ تَرْكَنَ إلَيْهِمْ. واللّامُ في لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ جَوابِ (لَوْلا)، وهي مُلازِمَةٌ لِجَوابِها لِتَحْقِيقِ الرَّبْطِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرْطِ. والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرُّكُونَ مُجْمَلٌ في أشْياءَ هي مَظِنَّةُ الرُّكُونِ، ولَكِنَّ الرُّكُونَ مُنْتَفٍ مِن أصْلِهِ لِأجْلِ التَّثْبِيتِ بِالعِصْمَةِ كَما صفحة ١٧٥ انْتَفى أنْ يَفْتِنَهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ بِصَرْفِ اللَّهِ إيّاهم عَنْ تَنْفِيذِ فِتْنَتِهِمْ. والمَعْنى عَلى الوَجْهِ الثّانِي: ولَوْلا أنْ عَصَمْناكَ مِنَ الخَطَأِ في الِاجْتِهادِ، وأرَيْناكَ أنَّ مَصْلَحَةَ الشِّدَّةِ في الدِّينِ والتَّنْوِيهِ بِأتْباعِهِ ولَوْ كانُوا مِن ضُعَفاءِ أهْلِ الدُّنْيا لا تُعارِضُها مَصْلَحَةُ تَأْلِيفِ قُلُوبِ المُشْرِكِينَ، ولَوْ كانَ المُسْلِمُونَ راضِينَ بِالغَضاضَةِ مِن أنْفُسِهِمِ اسْتِئْلافًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَإنَّ إظْهارَ الهَوادَةِ في أمْرِ الدِّينِ تُطْمِعُ المُشْرِكِينَ في التَّرَقِّي إلى سُؤالِ ما هو أبْعَدُ مَدًى مِمّا سَألُوهُ، فَمَصْلَحَةُ مُلازَمَةِ مَوْقِفِ الحَزْمِ مَعَهم أرْجَحُ مِن مَصْلَحَةِ مُلايَنَتِهِمْ ومُوافَقَتِهِمْ، أيْ فَلا فائِدَةَ مِن ذَلِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ كُلُّهُ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ قَلِيلًا، أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ، أيْ تَوَعَّدْتَهم بِالإجابَةِ إلى بَعْضِ ما سَألُوكَ اسْتِنادًا لِدَلِيلِ مَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ واضِحَةٍ وغَفْلَةً عَنْ مَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ خَفِيَّةٍ؛ اغْتِرارًا بِخِفَّةِ بَعْضِ ما سَألُوهُ في جانِبِ عِظَمِ ما وعَدُوا بِهِ مِن إيمانِهِمْ. والرُّكُونُ: المَيْلُ بِالرُّكْنِ، أيْ بِالجانِبِ مِنَ الجَسَدِ، واسْتُعْمِلَ في المُوافَقَةِ بِعَلاقَةِ القُرْبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا في سُورَةِ هُودٍ، كَما اسْتُعْمِلَ ضِدُّهُ في المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. وانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ تَرْكَنُ، أيْ شَيْئًا مِنَ الرُّكُونِ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنْ مَصْدَرِ تَرَكْنُ طَلَبُ الخِفَّةِ؛ لِأنَّ مَصْدَرَ تَرْكَنُ وهو الرُّكُونُ فِيهِ ثِقَلٌ فَتَرْكُهُ أفْصَحُ، وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَلِيلًا؛ لِأنَّ تَنْكِيرَ شَيْئًا مُفِيدٌ التَّقْلِيلَ، فَكانَ في ذِكْرِهِ تَهْيِئَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى التَّقْلِيلِ، فَإنَّ كَلِمَةَ شَيْءٍ لِتَوَغُّلِها في إيهامِ جِنْسِ ما تُضافُ إلَيْهِ أوْ جِنْسِ المَوْجُودِ مُطْلَقًا مُفِيدَةٌ لِلتَّقْلِيلِ غالِبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] . و(إذَنْ) الثّانِيَةُ جَزاءٌ لِ ﴿كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، ولِكَوْنِها جَزاءً فُصِلَتْ عَنِ العَطْفِ إذْ لا مُقْتَضى لَهُ، فَرُكُونُ النَّبِيءِ ﷺ إلَيْهِمْ غَيْرُ صفحة ١٧٦ واقِعٍ ولا مُقارِبٍ الوُقُوعَ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ نَفَتْهُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ، وهي: لَوْلا الِامْتِناعِيَّةُ، وفِعْلُ المُقارَبَةِ المُقْتَضِي أنَّهُ ما كانَ يَقَعُ الرُّكُونُ ولَكِنْ يَقَعُ الِاقْتِرابُ مِنهُ، والتَّحْقِيرُ المُسْتَفادُ مِن شَيْئًا، والتَّقْلِيلُ المُسْتَفادُ مِن قَلِيلًا. أيْ لَوْلا إفْهامُنا إيّاكَ وجْهَ الحَقِّ لَخَشِيَ أنْ تَقْتَرِبَ مِن رُكُونٍ ضَعِيفٍ قَلِيلٍ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، ودَخَلَتْ قَدْ في حَيِّزِ الِامْتِناعِ فَأصْبَحَ تَحْقِيقُها مَعْدُومًا، أيْ لَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَتَحَقَّقَ قُرْبُ مَيْلِكَ القَلِيلِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ؛ لِأنّا ثَبَّتْناكَ. وجُمْلَةُ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾ جَزاءٌ لِجُمْلَةِ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ﴾، والمَعْنى: لَوْ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ، ولِما في إذَنْ مِن مَعْنى الجَزاءِ اسْتُغْنِيَ عَنْ رَبْطِ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّفْرِيعِ، والمَعْنى: لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ فَلَأذَقْناكَ. والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: مُماثِلٌ مِقْدارَ شَيْءٍ ذِي مِقْدارٍ، فَهو لا يَكُونُ إلّا مُبَيِّنًا بِجِنْسِهِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أيْ ضِعْفَيْ ما أُعِدَّ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ، ولَمّا كانَ كَذَلِكَ ساغَ إطْلاقُهُ دُونَ بَيانٍ اعْتِمادًا عَلى بَيانِ السِّياقِ كَما هُنا، فَإنَّ ذِكْرَ الإذاقَةِ في مَقامِ التَّحْذِيرِ يُنْبِئُ بِأنَّها إذاقَةُ عَذابٍ مَوْصُوفٍ بِأنَّهُ ضِعْفٌ. ثُمَّ إنَّ الضِّعْفَ أُطْلِقَ هُنا عَلى القَوِيِّ الشَّدِيدِ؛ لِعَدَمِ حَمْلِ الضِّعْفِ عَلى حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عِلْمٌ بِمِقْدارِ العَذابِ يُرادُ تَضْعِيفُهُ كَقَوْلِهِ فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وإضافَةُ الضِّعْفِ إلى الحَياةِ وإلى المَماتِ عَلى مَعْنى (في)، فَإنَّ تَقْدِيرَ مَعْنى (في) بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ لا يَخْتَصُّ بِإضافَةِ ما يُضافُ إلى الأوْقاتِ، فالتَّقْدِيرُ: لَأذَقْناكَ ضِعْفًا في الحَياةِ، وضِعْفًا في المَماتِ، فَضِعْفُ عَذابِ الحَياةِ هو تَراكُمُ المَصائِبِ، والأرْزاءِ في مُدَّةِ الحَياةِ، أيِ العُمْرِ بِزَوالِ ما كانَ يَنالُهُ صفحة ١٧٧ مِن بَهْجَةٍ وسُرُورٍ بِتَمامِ دَعْوَتِهِ وانْتِظامِ أُمَّتِهِ، ذَلِكَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ أعْداؤُهُ، وعَذابُ المَماتِ أنْ يَمُوتَ مَكْمُودًا مُسْتَذَلًّا بَيْن كُفّارٍ يَرَوْنَ أنَّهم قَدْ فازُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أشْرَفُوا عَلى السُّقُوطِ أمامَهُ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وضِعْفَ المَماتِ﴾ في اسْتِمْرارِ ضِعْفِ الحَياةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ حَتّى المَماتِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِن ضِعْفِ المَماتِ عَذابَ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَوْ رَكَنَ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا لَكانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ، واجْتِلابًا لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ في نَظَرِهِ، فَلا يَكُونُ عَلى الِاجْتِهادِ عِقابٌ في الآخِرَةِ إذِ العِقابُ الأُخْرَوِيُّ لا يَكُونُ إلّا عَلى مُخالَفَةٍ في التَّكْلِيفِ، وقَدْ سَوَّغَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ الِاجْتِهادَ، وجَعَلَ لِلْمُخْطِئِ في اجْتِهادِهِ أجْرًا كَما قَرَّرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ، وأمّا مَصائِبُ الدُّنْيا، وأرْزاؤُها فَهي مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ مَنِ الأغْلاطِ والأخْطاءِ فَلا يُؤَثِّرُ في التَّفادِي مِنها حُسْنُ النِّيَّةِ إنْ كانَ صاحِبُها قَدْ أخْطَأ وجْهَ الصَّوابِ، فَتَدَبَّرْ في هَذِهِ المَعانِي تَدَبُّرَ ذَوِي الألْبابِ، ولِهَذا خُولِفَ التَّعْبِيرُ المُعْتادُ اسْتِعْمالُهُ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وعُبِّرَ هُنا بِ ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ . وجُمْلَةُ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ لَأذَقْناكَ. ومَوْقِعُها تَحْقِيقُ عَدَمِ الخَلاصِ مِن تِلْكَ الإذاقَةِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ عَدَمَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ أهَمُّ مِن إذاقَتِهِ، فَرُتْبَتُهُ في الأهَمِّيَّةِ أرْقى، والنَّصِيرُ: النّاصِرُ المُخَلِّصُ مِنَ الغَلَبَةِ أوِ الَّذِي يَثْأرُ لِلْمَغْلُوبِ، أيْ لا تَجِدُ لِنَفْسِكَ مَن يَنْتَصِرُ لَكَ فَيَصُدُّنا عَنْ إلْحاقِ ذَلِكَ بِكَ أوْ يَثْأرُ لَكَ مِنّا.

الإسراء 17:76

صفحة ١٧٨ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] تِعْدادًا لِسَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ، والضَّمائِرُ مُتَّحِدَةٌ. والِاسْتِفْزازُ: الحَمْلُ عَلى التَّرَحُّلِ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن (فَزَّ) بِمَعْنى بارَحَ المَكانَ، أيْ كادُوا أنْ يَسْعَوْا أنْ تَكُونَ فازًّا، أيْ خارِجًا مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ مَعْنى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: كادُوا أنْ يُخْرِجُوكَ مِن بَلَدِكَ، وذَلِكَ بِأنْ هَمُّوا بِأنْ يُخْرِجُوهُ كُرْهًا ثُمَّ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ بِغَيْرِ إكْراهٍ حِينَ خَرَجَ مُهاجِرًا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ ارْتَأوْا بَعْدَ زَمانٍ أنْ يُبْقُوهُ بَيْنَهم حَتّى يَقْتُلُوهُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ مِن أرْضِكَ وهي مَكَّةُ. وقَوْلُهُ لِيُخْرِجُوكَ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِفْزازِ، أيِ اسْتِفْزازًا لِقَصْدِ الإخْراجِ. والمُرادُ بِالإخْراجِ: مُفارَقَةُ المَكانِ دُونَ رُجُوعٍ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ عِلَّةً لِلِاسْتِفْزازِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْزازَ أعَمُّ مِنَ الإخْراجِ. وجُمْلَةُ (﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنْ كادُوا، أوْ هي اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، فَتَكُونُ الواوُ لِلِاعْتِراضِ و(إذًا) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ لا يَلْبَثُونَ وهي (إذْ) المُلازِمَةُ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذا) حَرْفَ جَوابٍ، وجَزاءٍ لِكَلامٍ سابِقٍ، وهي الَّتِي نُونُها حَرْفٌ مِنَ الكَلِمَةِ، ولَكِنْ كَثُرَتْ كِتابَتُها بِألِفٍ في صُورَةِ الِاسْمِ صفحة ١٧٩ المُنَوَّنِ، والأصْلُ فِيها أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبًا بِ (أنْ) مُضْمَرَةٍ، فَإذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ جازَ رَفْعُ المُضارِعِ بَعْدَها ونَصْبُهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إذًا) ظَرْفًا لِلزَّمانِ، وتَنْوِّنِيُها عِوَضًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ مِن نُحاةِ الكُوفَةِ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ، ألا تَرى أنَّها إذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ لَمْ يَنْتَصِبْ بَعْدَها المُضارِعُ إلّا نادِرًا؛ لِانْتِفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، ولِأنَّها حِينَئِذٍ لا يَظْهَرُ فِيها مَعْنى الجَوابِ والجَزاءِ. والتَّقْدِيرُ: وإذًا أخْرَجُوكَ، أوْ وإذًا خَرَجْتَ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلْفَكَ)، و(خَلْفَكَ) أُرِيدَ بِهِ بَعْدَكَ، وأصْلُ الخَلْفِ الوَراءُ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في البَعْدِيَّةِ، أيْ لا يَلْبَثُونَ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ خِلافَكَ وهو لُغَةٌ في خَلْفٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ. واللُّبْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، أيْ لا يَسْتَقِرُّونَ في مَكَّةَ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنها فَلا يَرْجِعُونَ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مُهاجِرًا وكانُوا السَّبَبَ في خُرُوجِهِ فَكَأنَّهم أخْرَجُوهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا في إخْراجِهِ وألَّبُوا عَلَيْهِ قَوْمَهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا ثُمَّ خَرَجُوا إلى وقْعَةٍ بَدْرٍ، فَلَقُوا حَتْفَهم هُنالِكَ فَلَمْ يَرْجِعُوا، وحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ، وأبْقى اللَّهُ عامَّتَهم ودَهْماءَهم لِضَعْفِ كَيْدِهِمْ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ مُخْرِجِيهِ، أيِ المُتَسَبِّبِينَ في خُرُوجِهِ، لا يَلْبَثُونَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ إلّا قَلِيلًا. والسُّنَّةُ: العادَةُ والسِّيرَةُ الَّتِي يَلْتَزِمُها صاحِبُها، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في أنَّها اسْمٌ جامِدٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أيْ عادَةُ اللَّهِ في كُلِّ صفحة ١٨٠ رَسُولٍ أخْرَجَهُ قَوْمُهُ أنْ لا يَبْقَوْا بَعْدَهُ، خَرَجَ هُودٌ مِن دِيارِ عادٍ إلى مَكَّةَ، وخَرَجَ صالِحٌ مِن دِيارِ ثَمُودَ، وخَرَجَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ وهَلَكَتْ أقْوامُهم، فَإضافَةُ (سُنَّةَ) إلى مَن قَدْ أرْسَلْنا لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ سُنَّتُنا فِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هي الإضافَةُ الحَقِيقِيَّةُ. وانْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمَ مَصْدَرٍ فَهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: سَنَنّا ذَلِكَ لِمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَلَمّا عَدَلَ عَنِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى التَّوَسُّعِ، وإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمًا جامِدًا فانْتِصابُهُ عَلى الحالِ؛ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنًى اشْتِقاقِيٍّ. وجُمْلَةُ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ لُبْثِهِمْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، وإنَّما سَنَّ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ لِرُسُلِهِ؛ لِأنَّ تَآمُرَ الأقْوامِ عَلى إخْراجِهِمْ يَسْتَدْعِي حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنْ تَتَعَلَّقَ إرادَتُهُ بِأمْرِهِ إيّاهم بِالهِجْرَةِ؛ لِئَلّا يَبْقَوْا مَرْمُوقِينَ بِعَيْنِ الغَضاضَةِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ وأجْوارِهِمْ بِشِبْهِ ما كانَ يُسَمّى بِالخَلْعِ عِنْدَ العَرَبِ. وجُمْلَةُ ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا اعْتِراضٌ لِتَكْمِلَةِ البَيانِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّنا أجْرَيْناهُ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولِأنَّ عادَتَنا لا تَتَحَوَّلُ. والتَّعْبِيرُ ب لا تَجِدُ مُبالَغَةٌ في الِانْتِفاءِ كَما في قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ. والتَّحْوِيلُ: تَغْيِيرُ الحالِ وهو التَّبْدِيلُ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيءِ: الحَقْ بِأرْضِ الشّامِ فَإنَّها أرْضُ الأنْبِياءِ فَصَدَّقَ النَّبِيءُ قَوْلَهم فَغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ صفحة ١٨١ الآيَةَ، وهي رِوايَةٌ باطِلَةٌ، وسَبَبُ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، ومِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ قالَ فَرِيقٌ: إنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.

الإسراء 17:77

صفحة ١٧٨ ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣] تِعْدادًا لِسَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ، والضَّمائِرُ مُتَّحِدَةٌ. والِاسْتِفْزازُ: الحَمْلُ عَلى التَّرَحُّلِ، وهو اسْتِفْعالٌ مِن (فَزَّ) بِمَعْنى بارَحَ المَكانَ، أيْ كادُوا أنْ يَسْعَوْا أنْ تَكُونَ فازًّا، أيْ خارِجًا مِن مَكَّةَ، وتَقَدَّمَ مَعْنى هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ في هَذِهِ السُّورَةِ، والمَعْنى: كادُوا أنْ يُخْرِجُوكَ مِن بَلَدِكَ، وذَلِكَ بِأنْ هَمُّوا بِأنْ يُخْرِجُوهُ كُرْهًا ثُمَّ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ بِغَيْرِ إكْراهٍ حِينَ خَرَجَ مُهاجِرًا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ ارْتَأوْا بَعْدَ زَمانٍ أنْ يُبْقُوهُ بَيْنَهم حَتّى يَقْتُلُوهُ. والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ مِن أرْضِكَ وهي مَكَّةُ. وقَوْلُهُ لِيُخْرِجُوكَ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِفْزازِ، أيِ اسْتِفْزازًا لِقَصْدِ الإخْراجِ. والمُرادُ بِالإخْراجِ: مُفارَقَةُ المَكانِ دُونَ رُجُوعٍ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ عِلَّةً لِلِاسْتِفْزازِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْزازَ أعَمُّ مِنَ الإخْراجِ. وجُمْلَةُ (﴿وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنْ كادُوا، أوْ هي اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، فَتَكُونُ الواوُ لِلِاعْتِراضِ و(إذًا) ظَرْفًا لِقَوْلِهِ لا يَلْبَثُونَ وهي (إذْ) المُلازِمَةُ الإضافَةِ إلى الجُمْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذا) حَرْفَ جَوابٍ، وجَزاءٍ لِكَلامٍ سابِقٍ، وهي الَّتِي نُونُها حَرْفٌ مِنَ الكَلِمَةِ، ولَكِنْ كَثُرَتْ كِتابَتُها بِألِفٍ في صُورَةِ الِاسْمِ صفحة ١٧٩ المُنَوَّنِ، والأصْلُ فِيها أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بَعْدَها مَنصُوبًا بِ (أنْ) مُضْمَرَةٍ، فَإذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ جازَ رَفْعُ المُضارِعِ بَعْدَها ونَصْبُهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إذًا) ظَرْفًا لِلزَّمانِ، وتَنْوِّنِيُها عِوَضًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ مِن نُحاةِ الكُوفَةِ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ، ألا تَرى أنَّها إذا وقَعَتْ بَعْدَ عاطِفٍ لَمْ يَنْتَصِبْ بَعْدَها المُضارِعُ إلّا نادِرًا؛ لِانْتِفاءِ مَعْنى التَّسَبُّبِ، ولِأنَّها حِينَئِذٍ لا يَظْهَرُ فِيها مَعْنى الجَوابِ والجَزاءِ. والتَّقْدِيرُ: وإذًا أخْرَجُوكَ، أوْ وإذًا خَرَجْتَ لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إلّا قَلِيلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (خَلْفَكَ)، و(خَلْفَكَ) أُرِيدَ بِهِ بَعْدَكَ، وأصْلُ الخَلْفِ الوَراءُ، فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في البَعْدِيَّةِ، أيْ لا يَلْبَثُونَ بَعْدَكَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ خِلافَكَ وهو لُغَةٌ في خَلْفٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ. واللُّبْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، أيْ لا يَسْتَقِرُّونَ في مَكَّةَ بَلْ يَخْرُجُونَ مِنها فَلا يَرْجِعُونَ، وقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ مُهاجِرًا وكانُوا السَّبَبَ في خُرُوجِهِ فَكَأنَّهم أخْرَجُوهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا في إخْراجِهِ وألَّبُوا عَلَيْهِ قَوْمَهم بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا ثُمَّ خَرَجُوا إلى وقْعَةٍ بَدْرٍ، فَلَقُوا حَتْفَهم هُنالِكَ فَلَمْ يَرْجِعُوا، وحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ، وأبْقى اللَّهُ عامَّتَهم ودَهْماءَهم لِضَعْفِ كَيْدِهِمْ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَدْخُلُوا في الإسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الرَّسُولَ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ مُخْرِجِيهِ، أيِ المُتَسَبِّبِينَ في خُرُوجِهِ، لا يَلْبَثُونَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ إلّا قَلِيلًا. والسُّنَّةُ: العادَةُ والسِّيرَةُ الَّتِي يَلْتَزِمُها صاحِبُها، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في أنَّها اسْمٌ جامِدٌ أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أيْ عادَةُ اللَّهِ في كُلِّ صفحة ١٨٠ رَسُولٍ أخْرَجَهُ قَوْمُهُ أنْ لا يَبْقَوْا بَعْدَهُ، خَرَجَ هُودٌ مِن دِيارِ عادٍ إلى مَكَّةَ، وخَرَجَ صالِحٌ مِن دِيارِ ثَمُودَ، وخَرَجَ إبْراهِيمُ ولُوطٌ وهَلَكَتْ أقْوامُهم، فَإضافَةُ (سُنَّةَ) إلى مَن قَدْ أرْسَلْنا لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ سُنَّتُنا فِيهِمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا﴾ فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هي الإضافَةُ الحَقِيقِيَّةُ. وانْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، فَإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمَ مَصْدَرٍ فَهو بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: سَنَنّا ذَلِكَ لِمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَلَمّا عَدَلَ عَنِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ أُضِيفَ المَصْدَرُ إلى المُتَعَلِّقِ بِالفِعْلِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ عَلى التَّوَسُّعِ، وإنْ كانَتْ (سُنَّةَ) اسْمًا جامِدًا فانْتِصابُهُ عَلى الحالِ؛ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنًى اشْتِقاقِيٍّ. وجُمْلَةُ ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ سَبَبِ كَوْنِ لُبْثِهِمْ بَعْدَهُ قَلِيلًا، وإنَّما سَنَّ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ لِرُسُلِهِ؛ لِأنَّ تَآمُرَ الأقْوامِ عَلى إخْراجِهِمْ يَسْتَدْعِي حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنْ تَتَعَلَّقَ إرادَتُهُ بِأمْرِهِ إيّاهم بِالهِجْرَةِ؛ لِئَلّا يَبْقَوْا مَرْمُوقِينَ بِعَيْنِ الغَضاضَةِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ وأجْوارِهِمْ بِشِبْهِ ما كانَ يُسَمّى بِالخَلْعِ عِنْدَ العَرَبِ. وجُمْلَةُ ولا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا اعْتِراضٌ لِتَكْمِلَةِ البَيانِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ كائِنٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّنا أجْرَيْناهُ عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، ولِأنَّ عادَتَنا لا تَتَحَوَّلُ. والتَّعْبِيرُ ب لا تَجِدُ مُبالَغَةٌ في الِانْتِفاءِ كَما في قَوْلِهِ ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ. والتَّحْوِيلُ: تَغْيِيرُ الحالِ وهو التَّبْدِيلُ، ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ أنَّ المُرادَ: أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيءِ: الحَقْ بِأرْضِ الشّامِ فَإنَّها أرْضُ الأنْبِياءِ فَصَدَّقَ النَّبِيءُ قَوْلَهم فَغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ صفحة ١٨١ الآيَةَ، وهي رِوايَةٌ باطِلَةٌ، وسَبَبُ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعْرُوفٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والسِّيَرِ، ومِن أجْلِ هَذِهِ الرِّوايَةِ قالَ فَرِيقٌ: إنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ.

الإسراء 17:78

﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدَلْوِكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ كانَ شَرْعُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ لِلْأُمَّةِ لَيْلَةَ الإسْراءِ، كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، ولَكِنَّهُ كانَ غَيْرَ مُثْبَتٍ في التَّشْرِيعِ المُتَواتِرِ، إنَّما أبْلَغَهُ النَّبِيءُ أصْحابَهُ فَيُوشِكُ أنْ لا يَعْلَمَهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَأْتِي مِنَ المُسْلِمِينَ، وأيْضًا فَقَدْ عَيَّنَتِ الآيَةُ أوْقاتًا لِلصَّلَواتِ بَعْدَ تَقَرُّرِ فَرْضِها، فَلِذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي نَزَلَتْ عَقِبَ حادِثِ الإسْراءِ؛ جَمْعًا لِلتَّشْرِيعِ الَّذِي شُرِعَ لِلْأُمَّةِ أيّامَئِذٍ المُبْتَدَأِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] الآياتِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها عَقِبَ ما قَبْلَها أنَّ اللَّهَ لَمّا امْتَنَّ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِالعِصْمَةِ وبِالنُّصْرِ ذَكَّرَهُ بِشُكْرِ النِّعْمَةِ بِأنْ أمَرَهُ بِأعْظَمِ عِبادَةٍ يَعْبُدُهُ بِها، وبِالزِّيادَةِ مِنها طَلَبًا لِازْدِيادِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] . فالخِطابُ بِالأمْرِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ولَكِنْ قَدْ تَقَرَّرَ مِنِ اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنَّ خِطابَ النَّبِيءِ بِتَشْرِيعٍ تَدْخُلُ فِيهِ أُمَّتُهُ إلّا إذا دَلَّ دَلِيلٌ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ الحُكْمِ، وقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وشاعَ بَيْنَهم بِحَيْثُ ما كانُوا يَسْألُونَ عِنْدَ اخْتِصاصِ حُكْمٍ إلّا في مَقامِ الِاحْتِمالِ القَوِيِّ، كَمَن سَألَهُ: ألَنا هَذِهِ أمْ لِلْأبَدِ ؟ فَقالَ: بَلْ لِلْأبَدِ. صفحة ١٨٢ والإقامَةُ: مَجازٌ في المُواظَبَةِ والإدامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. واللّامُ في ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ، وهي بِمَعْنى (عِنْدَ) . والدُّلُوكُ: مِن أحْوالِ الشَّمْسِ، فَوَرَدَ بِمَعْنى زَوالِ الشَّمْسِ عَنْ وسَطِ قَوْسٍ فَرْضِيٍّ في طَرِيقِ مَسِيرِها اليَوْمِيِّ، ووَرَدَ بِمَعْنى: مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ مِقْدارِ ثَلاثَةِ أرْباعِ القَوْسِ، وهو وقْتُ العَصْرِ، ووَرَدَ بِمَعْنى غُرُوبِها؛ فَصارَ لَفْظُ الدُّلُوكِ مُشْتَرَكًا في المَعانِي الثَّلاثَةِ. والغَسَقُ: الظُّلْمَةُ، وهي انْقِطاعُ بَقايا شُعاعِ الشَّمْسِ حِينَ يُماثِلُ سَوادُ أُفُقِ الغُرُوبِ سَوادَ بَقِيَّةِ الأُفُقِ وهو وقْتُ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وذَلِكَ وقْتَ العَشاءِ، ويُسَمّى العَتَمَةَ، أيِ الظُّلْمَةَ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ أوْقاتًا أرْبَعَةً، فالدُّلُوكُ يَجْمَعُ ثَلاثَةَ أوْقاتٍ بِاسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ، وفُهِمَ مِن حَرْفِ (إلى) الَّذِي لِلِانْتِهاءِ أنَّ في تِلْكَ الأوْقاتِ صَلَواتٍ؛ لِأنَّ الغايَةَ كانَتْ لِفِعْلِ أقِمِ الصَّلاةَ فالغايَةُ تَقْتَضِي تَكَرُّرَ إقامَةِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ المُرادُ غايَةَ لِصَلاةٍ واحِدَةٍ جَعَلَ وقْتَها مُتَّسِعًا؛ لِأنَّ هَذا فَهْمٌ يَنْبُو عَنْهُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ مِن وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الوَقْتِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّهُ الواجِبُ أوِ الأكْمَلُ، وقَدْ زادَ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ بَيانًا لِلْآيَةِ. وأمّا مِقْدارُ الِاتِّساعِ فَيُعْرَفُ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى، وفِيهِ خِلافٌ بَيْنِ الفُقَهاءِ، فَكَلِمَةُ دُلُوكٍ لا تُعادِلُها كَلِمَةٌ أُخْرى. وقَدْ ثَبَتَ في حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ في المُوَطَّأِ: أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ هو المَقْصُودُ، وثَبَتَ في حَدِيثِ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ مُرْسَلًا في المُوَطَّأِ ومَوْصُولًا عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ وغَيْرِهِ: «أنَّ لِلصُّبْحِ وقْتًا لَهُ ابْتِداءٌ ونِهايَةٌ»، وهو أيْضًا ثابِتٌ لِكُلِّ صَلاةٍ بِآثارٍ كَثِيرَةٍ عَدا المَغْرِبِ فَقَدْ سَكَتَ عَنْها الأثَرُ؛ فَتَرَدَّدَتْ صفحة ١٨٣ أنْظارُ الفُقَهاءِ فِيها بَيْنَ وُقُوفٍ عِنْدَ المَرْوِيِّ، وبَيْنَ قِياسِ وقْتِها عَلى أوْقاتِ غَيْرِها، وهَذا الثّانِي أرْجَحُ؛ لِأنَّ امْتِدادَ وقْتِ الصَّلاةِ تَوْسِعَةٌ عَلى المُصَلِّي، وهي تُناسِبُ تَيْسِيرَ الدِّينِ. وجُعِلَ الغَسَقُ نِهايَةً لِلْأوْقاتِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ أوَّلُ الغَسَقِ كَما هو الشَّأْنُ المُتَعارَفُ في الغايَةِ بِحَرْفِ (إلى) فَعُلِمَ أنَّ ابْتِداءَ الغَسَقِ وقْتُ صَلاةٍ، وهَذا جَمْعٌ بَدِيعٌ. ثُمَّ عَطَفَ ﴿قُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَلى الصَّلاةِ، والتَّقْدِيرُ: وأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، أيِ الصَّلاةَ بِهِ، كَذا قَدَّرَ القُرّاءُ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ لِكُلِّ صَلاةٍ مِن تِلْكَ الصَّلَواتِ قُرْآنًا كَقَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، أيْ صَلُّوا بِهِ نافِلَةَ اللَّيْلِ. وخُصَّ ذِكْرُ ذَلِكَ بِصَلاةِ الفَجْرِ دُونَ غَيْرِها؛ لِأنَّها يُجْهَرُ بِالقُرْآنِ في جَمِيعِ رُكُوعِها، ولِأنَّ سُنَّتَها أنْ يُقْرَأ بِسُوَرٍ مِن طُوالِ المُفَصَّلِ فاسْتِماعُ القُرْآنِ لِلْمَأْمُومِينَ أكْثَرُ فِيها وقِراءَتُهُ لِلْإمامِ والفَذُّ أكْثَرُ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفُ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ عَطْفَ جُمْلَةٍ والكَلامُ عَلى الإغْراءِ، والتَّقْدِيرُ: والزَمْ قُرْآنَ الفَجْرِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، فَيُعْلَمُ أنَّ قِراءَةَ القُرْآنِ في كُلِّ صَلاةٍ حَتْمٌ. وهَذا مُجْمَلٌ في كَيْفِيَّةِ الصَّلَواتِ، ومَقادِيرِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ والعُرْفُ في مَعْرِفَةِ أوْقاتِ النَّهارِ واللَّيْلِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِوَجْهِ تَخْصِيصِ صَلاةِ الصُّبْحِ بِاسْمِ القُرْآنِ بِأنَّ صَلاةَ الفَجْرِ مَشْهُودَةٌ، أيْ مَحْضُورَةٌ، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِأنَّها تَحْضُرُها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: وتَجْتَمِعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ الصُّبْحِ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في صفحة ١٨٤ فَضْلِها وبَرَكَتِها، وأيْضًا فَهي يَحْضُرُها أكْثَرُ المُصَلِّينَ؛ لِأنَّ وقْتَها وقْتُ النَّشاطِ، وبَعْدَها يَنْتَظِرُ النّاسُ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيَخْرُجُوا إلى أعْمالِهِمْ فَيَكْثُرَ سَماعُ القُرْآنِ حِينَئِذٍ.

الإسراء 17:79

﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فَإنَّهُ في تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ لِكَوْنِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلِ أقِمْ. وقُدِّمَ المَجْرُورُ المُتَعَلِّقُ بِ تَهَجَّدْ عَلى مُتَعَلِّقِهِ اهْتِمامًا بِهِ وتَحْرِيضًا عَلَيْهِ، وبِتَقْدِيمِهِ اكْتَسَبَ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ فَجُعِلَ مُتَعَلِّقُهُ بِمَنزِلَةِ الجَزاءِ؛ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فاءُ الجَزاءِ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى مُتَعَلِّقاتِها، وهو اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] في سُورَةِ بَراءَةَ. وجَعَلَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ في مَعْنى الإغْراءِ بِناءً عَلى أنَّ نَصْبَ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] عَلى الإغْراءِ فَيَكُونُ ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ تَفْرِيعًا عَلى الإغْراءِ تَفْرِيعَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وتَكُونُ (مِن) اسْمًا بِمَعْنى (بَعْضٍ) كالَّتِي في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ [النساء: ٤٦] وهو أيْضًا حَسَنٌ. وضَمِيرُ بِهِ لِلْقُرْآنِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وإنْ كانَ المَعادُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ في الفَجْرِ، والمَذْكُورُ هُنا مُرادًا مُطْلَقُهُ، كَقَوْلِكَ، عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ لا نِصْفُ الدِّرْهَمِ الَّذِي عِنْدَكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. صفحة ١٨٥ والتَّهَجُّدُ: الصَّلاةُ في أثْناءِ اللَّيْلِ، وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الهُجُودِ، وهو النَّوْمُ فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ فِيهِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ التَّحَرُّجِ والأتَمِّ، والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ مِنَ الأمْرِ المَحْبُوبِ. واللّامُ في لَكَ مُتَعَلِّقَةٌ بِ نافِلَةً وهي لامُ العِلَّةِ، أيْ نافِلَةً لِأجْلِكَ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالتَّهَجُّدِ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ فالأمْرُ لِلْوُجُوبِ، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ في عِدادِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ، فَبَعْضُها واجِبٌ عَلَيْهِ، وعَلى الأُمَّةِ، وبَعْضُها واجِبٌ عَلَيْهِ خاصَّةً ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ كَما صَرَّحَتْ بِهِ آيَةُ سُورَةِ المُزَّمِّلِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وفي هَذا الإيجابِ عَلَيْهِ زِيادَةُ تَشْرِيفٍ لَهُ، ولِهَذا أُعْقِبَ بِوَعْدِ أنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ مَقامًا مَحْمُودًا، فَجُمْلَةُ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَخْصِيصِهِ بِإيجابِ التَّهَجُّدِ عَلَيْهِ، والرَّجاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعْدٌ، فالمَعْنى: لِيَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا. والمَقامُ: مَحَلُّ القِيامِ، والمُرادُ بِهِ المَكانُ المَعْدُودُ لِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّهُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُومَ النّاسُ فِيهِ ولا يَجْلِسُوا، وإلّا فَهو المَجْلِسُ. وانْتَصَبَ مَقامًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِ يَبْعَثَكَ. ووَصْفُ المَقامِ بِالمَحْمُودِ وصْفٌ مَجازِيٌّ، والمَحْمُودُ مَن يَقُومُ فِيهِ، أيْ يُحْمَدُ أثَرُهُ فِيهِ، وذَلِكَ لِغَنائِهِ عَنْ أصْحابِ ذَلِكَ المَقامِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ المَقامُ المَحْمُودُ بِالشَّفاعَةِ العُظْمى. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ جُثًا بِضَمِّ الجِيمِ وتَخْفِيفِ المُثَلَّثَةِ أيْ جَماعاتٍ، كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّها، يَقُولُونَ: يا فُلانُ اشْفَعْ حَتّى تَنْتَهِيَ الشَّفاعَةُ إلى النَّبِيءِ، فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقامَ المَحْمُودَ» . وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صفحة ١٨٦ ﷺ في قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾، قالَ: هي الشَّفاعَةُ»، قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَدْ ورَدَ وصْفُ الشَّفاعَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مُفَصَّلًا، وذَلِكَ مَقامٌ يَحْمَدُهُ فِيهِ كُلُّ أهْلِ المَحْشَرِ.

الإسراء 17:80

﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالشُّكْرِ الفِعْلِيِّ عَطَفَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالشُّكْرِ اللِّسانِيِّ بِأنْ يَبْتَهِلَ إلى اللَّهِ بِسُؤالِ التَّوْفِيقِ في الخُرُوجِ مِن مَكانٍ، والدُّخُولِ إلى مَكانٍ؛ كَيْلا يَضُرَّهُ أنْ يَسْتَفِزَّهُ أعْداؤُهُ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوهُ مِنها، مَعَ ما فِيهِ مِن المُناسَبَةِ لِقَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، فَلَمّا وعَدَهُ بِأنْ يُقِيمَهُ مَقامًا مَحْمُودًا ناسَبَ أنْ يَسْألَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حالَهُ في كُلِّ مَقامٍ يَقُومُهُ، وفي هَذا التَّلْقِينِ إشارَةٌ إلَهِيَّةٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُخْرِجُهُ مِن مَكَّةَ إلى مُهاجَرٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ قُبَيْلَ العَقَبَةِ الأُولى الَّتِي كانَتْ مُقَدِّمَةً لِلْهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ. والمُدْخَلُ والمُخْرَجُ بِضَمِّ المِيمِ وبِفَتْحِ الحَرْفِ الثّالِثِ أصْلُهُ اسْمُ مَكانِ الإدْخالِ والإخْراجِ، اخْتِيرَ هُنا الِاسْمُ المُشْتَقُّ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَطْلُوبَ دُخُولٌ وخُرُوجٌ مُيَسَّرانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وواقِعانِ بِإذْنِهِ، وذَلِكَ دُعاءٌ بِكُلِّ دُخُولٍ وخُرُوجٍ مُبارَكَيْنِ؛ لِتَتِمَّ بَيْنَ المَسْئُولِ وبَيْنَ المَوْعُودِ بِهِ وهو المَقامُ المَحْمُودُ، وهَذا السُّؤالُ يَعُمُّ كُلَّ مَكانٍ يَدْخُلُ إلَيْهِ، ومَكانٍ يَخْرُجُ مِنهُ. والصِّدْقُ: هُنا المَكانُ وما يُحْمَدُ في نَوْعِهِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ بِمَحْمُودٍ فَهو كالكاذِبِ؛ لِأنَّهُ يُخْلِفُ ظَنَّ المُتَلَبِّسِ بِهِ. وقَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ جَمِيعَ المَداخِلِ إلى ما يُقَدَّرُ لَهُ الدُّخُولُ إلَيْهِ وجَمِيعَ المَخارِجِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنها حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وعَطَفَ عَلَيْهِ سُؤالَ التَّأْيِيدِ صفحة ١٨٧ والنَّصْرِ في تِلْكَ المَداخِلِ والمَخارِجِ وغَيْرِها مِن الأقْطارِ النّائِيَةِ والأعْمالِ القائِمِ بِها غَيْرُهُ مِن أتْباعِهِ وأعْدائِهِ بِنَصْرِ أتْباعِهِ وخَذْلِ أعْدائِهِ. فالسُّلْطانُ: اسْمُ مَصْدَرٍ يُطْلَقُ عَلى السُّلْطَةِ، وعَلى الحُجَّةِ، وعَلى المُلْكِ، وهو في هَذا المَقامِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ أوْ هو مِن عُمُومِ المُشْتَرَكِ، تَشْمَلُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ اللَّهُ تَأْيِيدًا وحُجَّةً وغَلَبَةً ومُلْكًا عَظِيمًا، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَنَصَرَهُ عَلى أعْدائِهِ، وسَخَّرَ لَهُ مَن لَمْ يُنَوِّهْ بِنُهُوضِ الحُجَّةِ وظُهُورِ دَلائِلِ الصِّدْقِ، ونَصْرِهِ بِالرُّعْبِ. ومِنهم مَن فَسَّرَ المُدْخَلَ بِأنَّ المُخْرَجَ الإخْراجُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ والمُدْخَلَ الإدْخالُ إلى بَلَدِ مَكَّةَ فاتِحًا، وجَعَلَ الآيَةَ نازِلَةً قُبَيْلَ الفَتْحِ، فَبَنى عَلَيْهِ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهو مَدْخُولٌ مِن جِهاتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ عَلى الصَّحِيحِ. والنَّصِيرُ: مُبالَغَةٌ في النّاصِرِ، أيْ سُلْطانًا يَنْصُرُنِي، وإذا قَدْ كانَ العَمَلُ القائِمُ بِهِ النَّبِيءُ هو الدَّعْوَةَ إلى الإسْلامِ كانَ نَصْرُهُ تَأْيِيدًا لَهُ فِيما هو قائِمٌ بِهِ، فَصارَ هَذا الوَصْفُ تَقْيِيدًا لِلسُّلْطانِ بِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ سُلْطانًا لِلِاسْتِعْلاءِ عَلى النّاسِ، وإنَّما سَألَ سُلْطانًا لِنَصْرِهِ فِيما يَطْلُبُ النُّصْرَةَ، وهو التَّبْلِيغُ وبَثُّ الإسْلامِ في النّاسِ.

الإسراء 17:81

﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أعْقَبَ تَلْقِينَهُ الدُّعاءَ بِسَدادِ أعْمالِهِ، وتَأْيِيدِهِ فِيها بِأنْ لَقَّنَهُ هَذا الإعْلانَ المُنْبِئَ بِحُصُولِ إجابَةِ الدَّعْوَةِ المُلْهَمَةِ، بِإبْرازِ وعْدِهِ بِظُهُورِ أمْرِهِ في صُورَةِ الخَبَرِ عَنْ شَيْءٍ مَضى. ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ هي لِإقامَةِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ كانَ الوَعْدُ بِظُهُورِ الحَقِّ وعْدًا بِظُهُورِ أمْرِ الرَّسُولِ، وفَوْزِهِ عَلى أعْدائِهِ، واسْتَحْفَظَهُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجَلِيلَةَ إلى أنْ ألْقاها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى مَسامِعِ مَن كانُوا أعْداءَهُ صفحة ١٨٨ فَإنَّهُ لَمّا دَخَلَ الكَعْبَةَ ووَجَدَ فِيها وحَوْلَها الأصْنامَ جَعَلَ يُشِيرُ إلَيْها بِقَضِيبٍ ويَقُولُ ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ فَتَسْقُطُ تِلْكَ الأنْصابُ عَلى وُجُوهِها. ومَجِيءُ الحَقِّ مُسْتَعْمَلٌ في إدْراكِ النّاسِ إيّاهُ، وعَمَلِهِمْ بِهِ وانْتِصارِ القائِمِ بِهِ عَلى مُعاضِدِيهِ؛ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الظّاهِرِ بِالشَّيْءِ الَّذِي كانَ غايِبا فَوَرَدَ جائِيًا. و(زَهَقَ) اضْمَحَلَّ بَعْدَ وُجُودٍ، ومَصْدَرُهُ الزُّهُوقُ والزَّهَقُ، وزُهُوقُ الباطِلِ مَجازٌ في تَرْكِهِ أصْحابَهُ، فَكَأنَّهُ كانَ مُقِيمًا بَيْنَهم فَفارَقَهم، والمَعْنى: اسْتَقَرَّ وشاعَ الحَقُّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ النَّبِيءُ، وانْقَضى الباطِلُ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْهى عَنْهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لِما فِيهِ مِن عُمُومٍ يَشْمَلُ كُلَّ باطِلٍ في كُلِّ زَمانٍ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ الباطِلِ كانَ الثَّباتُ والِانْتِصارُ شَأْنَ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الباطِلِ فَإذا انْتَفى الباطِلُ ثَبَتَ الحَقُّ. وبِهَذا كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى: ظَهَرَ الحَقُّ في هَذِهِ الأُمَّةِ وانْقَضى الباطِلُ فِيها، وذَلِكَ شَأْنُ الباطِلِ فِيما مَضى مِنَ الشَّرائِعِ أنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ. ودَلَّ فِعْلُ كانَ عَلى أنَّ الزُّهُوقَ شِنْشِنَةُ الباطِلِ، وشَأْنُهُ في كُلِّ زَمانٍ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ.

الإسراء 17:82

﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] عَلى ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي سَبَقَتْها مِن مَعْنى التَّأْيِيدِ لِلنَّبِيءِ ﷺ ومِنَ صفحة ١٨٩ الإغاظَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، فَإنَّهُ بَعْدَ أنِ امْتَنَّ عَلَيْهِ بِأنْ أيَّدَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ وتَبْشِيرِهِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ وبِالخَلاصِ مِن كَيْدِهِمْ، وبَعْدَ أنْ هَدَّدَهم بِأنَّهم صائِرُونَ قَرِيبًا إلى هَلاكٍ، وأنَّ دِينَهم صائِرٌ إلى الِاضْمِحْلالِ، أعْلَنَ لَهُ ولَهم في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ ما مِنهُ غَيْظُهم وحَنَقُهم، وهو القُرْآنُ الَّذِي طَمِعُوا أنْ يَسْألُوا النَّبِيءَ أنْ يُبَدِّلَهُ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أصْنامِهِمْ بِسُوءٍ، أنَّهُ لا يَزالُ مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا، فِيهِ شِفاءٌ لِلرَّسُولِ وأتْباعِهِ، وخَسارَةٌ لِلظّالِمِينَ، ولِأنَّ القُرْآنَ مَصْدَرُ الحَقِّ ومُدْحِضُ الباطِلِ أعْقَبَ قَوْلَهُ ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] بِقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ الآيَةَ، ولِهَذا اخْتِيرَ لِلْإخْبارِ عَنِ التَّنْزِيلِ الفِعْلُ المُضارِعُ المُشْتَقُّ مِن فِعْلِ المُضاعَفِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ والتَّكْثِيرِ، وهو وعْدٌ بِأنَّهُ يَسْتَمِرُّ هَذا التَّنْزِيلُ زَمَنًا طَوِيلًا. و﴿ما هو شِفاءٌ﴾ مَفْعُولُ نُنَزِّلُ، ومِنَ القُرْآنِ بَيانٌ لِما في (ما) مِنَ الإبْهامِ كالَّتِي في قَوْلِهِ ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، أيِ الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ، وتَقْدِيمُ البَيانِ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ القُرْآنِ مَعَ غَرَضِ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ﴾ إلَخْ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنهُ بِحَيْثُ يُعْرَفُ بِهِ، والمَعْنى: نُنَزِّلُ الشِّفاءَ والرَّحْمَةَ وهو القُرْآنُ، ولَيْسَتْ مِن لِلتَّبْعِيضِ، ولا لِلِابْتِداءِ. والشِّفاءُ حَقِيقَتُهُ زَوالُ الدّاءِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في زَوالِ ما هو نَقْصٌ وضَلالٌ وعائِقٌ عَنِ النَّفْعِ مِنَ العَقائِدِ الباطِلَةِ والأعْمالِ الفاسِدَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِبُرْءِ السَّقَمِ، كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سُقْمَها قِيلُ الفَوارِسِ: ويْكَ عَنْتَرُ قَدِّمِ والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَزِيدُ خَسارَةً لِلْكافِرِينَ؛ لِأنَّ كُلَّ آيَةٍ مِن القُرْآنِ مِن أمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ وقَصَصِهِ وأمْثالِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، كُلُّ آيَةٍ مِن ذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَدْيِ وصَلاحِ حالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ المُتَّبِعِينَهُ. صفحة ١٩٠ ومُشْتَمِلَةٌ بِضِدِّ ذَلِكَ عَلى ما يَزِيدُ غَيْظَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى الظُّلْمِ. أيِ الشِّرْكِ، فَيَزْدادُونَ بِالغَيْظِ كَراهِيَةً لِلْقُرْآنِ فَيَزْدادُونَ بِذَلِكَ خَسارًا بِزِيادَةِ آثامِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى فاسِدِ أخْلاقِهِمْ، وبُعْدِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥] . وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ في القُرْآنِ آياتٍ يُشْتَفى بِها مِنَ الأدْواءِ والآلامِ ورَدَ تَعْيِينُها في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ فَشَمِلَتْها الآيَةُ بِطَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وهَذا مِمّا بَيَّنّا تَأْصِيلَهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. والأخْبارُ الصَّحِيحَةُ في قِراءَةِ آياتٍ مُعَيَّنَةٍ لِلِاسْتِشْفاءِ مِن أدْواءٍ مَوْصُوفَةٍ، بَلْهُ الِاسْتِعاذَةِ بِآياتٍ مِنهُ مِنَ الضَّلالِ كَثِيرَةٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِما، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ في سِرِّيَّةٍ ثَلاثِينَ راكِبًا فَنَزَلْنا عَلى قَوْمٍ مِن العَرَبِ فَسَألْناهم أنْ يُضَيِّفُونا فَأبَوْا، فَلُدِغَ سَيِّدُ الحَيِّ فَأتَوْنا، فَقالُوا: أفِيكم أحَدٌ يَرْقِي مِنَ العَقْرَبِ ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، ولَكِنْ لا أفْعَلُ حَتّى يُعْطُونا، فَقالُوا: فَإنّا نُعْطِيكم ثَلاثِينَ شاةً، قالَ: فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فاتِحَةَ الكِتابِ سَبْعَ مَرّاتٍ فَبَرَأ، الحَدِيثَ، وفِيهِ: حَتّى أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: وما يُدْرِيكَ أنَّها رُقْيَةٌ ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، شَيْءٌ أُلْقِيَ في رُوعِي أيْ: إلْهامٌ ألْهَمَهُ اللَّهُ، قالَ: كُلُوا وأطْعِمُونا مِنَ الغَنَمِ»، فَهَذا تَقْرِيرٌ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بِصِحَّةِ إلْهامِ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الإسراء 17:83

صفحة ١٩١ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ لَمّا كانَ القُرْآنُ نِعْمَةً عَظِيمَةً لِلنّاسِ، وكانَ إعْراضُ المُشْرِكِينَ عَنْهُ حِرْمانًا عَظِيمًا لَهم مِن خَيْراتٍ كَثِيرَةٍ، ولَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ أنْ يَرْضَوْا بِالحِرْمانِ مِنَ الخَيْرِ، كانَ الإخْبارُ عَنْ زِيادَتِهِ الظّالِمِينَ خَسارًا مُسْتَغْرَبًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ التَّساؤُلَ عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانِ السَّبَبِ النَّفْسانِيِّ الَّذِي يُوقِعُ العُقَلاءَ في مَهْواةِ هَذا الحِرْمانِ، وذَلِكَ بَعْدَ الِاشْتِغالِ بِما هو فِيهِ مِن نِعْمَةٍ هَواها وأُولِعَ بِها، وهي نِعْمَةٌ تَتَقاصَرُ عَنْ أوْجِ تِلْكَ النِّعَمِ الَّتِي حُرِمَ مِنها لَوْلا الهَوى الَّذِي عُلِّقَ بِها، والغُرُورُ الَّذِي أراهُ إيّاها قُصارى المَطْلُوبِ، وما هي إلّا إلى زَوالٍ قَرِيبٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] وقَوْلُهُ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَضْمُونُها مَقْصُودٌ بِذاتِهِ اسْتُفِيدَ بَيانُها بِوُقُوعِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها. والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيْ أكْثَرُ أفْرادِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ كُفّارٌ، وأكْثَرَ العَرَبِ مُشْرِكُونَ، فالمَعْنى: إذا أنْعَمْنا عَلى المُشْرِكِينَ أعْرَضُوا، وإذا مَسَّهُمُ الشَّرُّ يَئِسُوا، وهَذا مُقابِلُ حالِ أهْلِ الإيمانِ الَّذِينَ كانَ القُرْآنُ شِفاءً لِأنْفُسِهِمْ، وشُكْرُ النِّعْمَةِ مِن شِيَمِهِمْ، والصَّبْرُ عَلى الضُّرِّ مِن خُلُقِهِمْ. والمُرادُ بِالإنْعامِ: إعْطاءُ النِّعْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ النِّعَمَ الكامِلَةَ مِنَ الإيمانِ والتَّوْفِيقِ، كَما في قَوْلِهِ ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وقَوْلِهِ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . صفحة ١٩٢ والإعْراضُ: الصَّدُّ، وضِدُّ الإقْبالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. والنَّأْيُ: البُعْدُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] في سُورَةِ الأنْعامِ. والجانِبُ: الجَنْبُ، وهو الجِهَةُ مِنَ الجَسَدِ الَّتِي فِيها اليَدُ، وهُما جانِبانِ: يَمِينٌ ويَسارٌ. والباءُ في قَوْلِهِ بِجانِبِهِ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ بَعُدَ مُصاحِبًا لِجانِبِهِ، أيْ مُبْعِدًا جانِبَهُ، والبُعْدُ بِالجانِبِ تَمْثِيلُ الإجْفالِ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ عَنْتَرَةُ: وكَأنَّما يَنْأى بِجانِبِ دُفِّها ال وحْشِيِّ مِن هَزَجِ العَشِيِّ مُؤَوَّمٍ فالمُفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَأى بِجانِبِهِ﴾ صَدَّ عَنِ العِبادَةِ والشُّكْرِ، وهَذا غَيْرُ المُفادِ مِن مَعْنى أعْرَضَ فَلَيْسَ تَأْكِيدًا لَهُ، فالمَعْنى: أعْرَضَ وتَباعَدَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ﴿أعْرَضَ ونَأى﴾ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾، أيْ أعْرَضَ عَنّا وأجْفَلَ مِنّا، أيْ مِن عِبادَتِنا وأمْرِنا ونَهْيِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ونَأى بِهَمْزَةٍ بَعْدَ النُّونِ، وألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وأبُو جَعْفَرٍ (وناءَ) بِألِفٍ بَعْدَ النُّونِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وهَذا مِنَ القَلْبِ المَكانِيِّ؛ لِأنَّ العَرَبَ قَدْ يَتَطَلَّبُونَ تَخْفِيفَ الهَمْزَةِ إذا وقَعَتْ بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ، وبَعْدَها مَدَّةٌ فَيَقْلِبُونَ المَدَّةَ قَبْلَ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ وُقُوعَها بَعْدَ المَدِّ أخَفُّ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: راءَ في رَأى، وقَوْلُهم: آرامٌ في أرْآمٍ، جَمْعُ رِئْمٍ، وقِيلَ: ناءَ في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى ثَقُلَ، أيْ عَنِ الشُّكْرِ، أيْ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] . صفحة ١٩٣ وجُمْلَةُ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَئُوسًا﴾ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ مِنَ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ وإذا أنْعَمْنا أنَّهُ إذا زالَتْ عَنْهُ النِّعْمَةُ صَلُحَ حالُهُ فَبَيَّنَ أنَّ حالَهُ مُلازِمٌ لِنُكْرانِ الجَمِيلِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَإذا زالَتِ النِّعْمَةُ عَنْهُ لَمْ يُقْلِعْ عَنِ الشِّرْكِ والكُفْرِ ويَتُبْ إلى اللَّهِ، ولَكِنَّهُ يَيْأسُ مِنَ الخَيْرِ، ويَبْقى حَنِقًا ضَيِّقَ الصَّدْرِ لا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَدارَكُ أمْرَهُ. ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ في سُورَةِ فُصِّلَتْ ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ. ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿كانَ يَئُوسًا﴾ عَلى قُوَّةِ يَأْسِهِ؛ إذْ صِيغَ لَهُ مِثالُ المُبالَغَةِ، وأُقْحِمَ مَعَهُ فِعْلُ (كانَ) الدّالُّ عَلى رُسُوخِ الفِعْلِ، تَعْجِيبًا مِن حالِهِ في وقْتِ مَسِّ الضُّرِّ إيّاهُ؛لِأنَّ حالَةَ الضُّرِّ أدْعى إلى الفِكْرَةِ في وسائِلِ دَفْعِهِ، بِخِلافِ حالَةِ الإعْراضِ في وقْتِ النِّعْمَةِ، فَإنَّها حالَةٌ لا يُسْتَغْرَبُ فِيها الِازْدِهاءُ لِما هو فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ.

الإسراء 17:84

﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾ هَذا تَذْيِيلٌ، وهو تَنْهِيَةٌ لِلْغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: ٦٦] الرّاجِعِ إلى التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ الوَحِيدُ، وإلى التَّحْذِيرِ مِن عَواقِبِ كُفْرانِ النِّعَمِ، وإذْ قَدْ ذُكِرَ في خِلالِ ذَلِكَ فَرِيقانِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] . ولِما في كَلِمَةِ كُلٍّ مِنَ العُمُومِ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا. صفحة ١٩٤ وتَنْوِينُ كُلٍّ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] وقَوْلِهِ ﴿ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] وقَوْلِهِ ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ [الإسراء: ٨٣] . والشّاكِلَةُ: الطَّرِيقَةُ والسِّيرَةُ الَّتِي اعْتادَها صاحِبُها، ونَشَأ عَلَيْها، وأصْلُها شاكِلَةُ الطَّرِيقِ، وهي الشُّعْبَةُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنهُ، قالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ ثَوْبًا يُشَبِّهُ بِهِ بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ: لَهُ خُلُجٌ تَهْوِي فُرادى وتَرْعَوِي إلى كُلِّ ذِي نَيِّرَيْنِ بادِي الشَّواكِلِ وهَذا أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ الشّاكِلَةُ هُنا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في الآيَةِ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلًا﴾، وهو كَلامٌ جامِعٌ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ تَشْكِيكِهِمْ في حَقِّيَّةِ دِينِهِمْ لَعَلَّهم يَنْظُرُونَ، كَقَوْلِهِ ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى﴾ [سبإ: ٢٤] الآيَةَ.

الإسراء 17:85

﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ وقْعُ هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الآيِ الَّتِي مَعَها يَقْتَضِي نَظْمُهُ أنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ يَسْألُونَكَ هو مَرْجِعُ الضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ، فالسّائِلُونَ عَنِ الرُّوحِ هم قُرَيْشٌ، وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ أعْطُونا شَيْئًا نَسْألُ هَذا الرَّجُلَ عَنْهُ، فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، قالَ: فَسَألُوهُ عَنِ الرَّوْحِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ. وظاهِرُ هَذا أنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ خاصَّةً، وأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِهِمْ، وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ في إفْرادِ هَذا السُّؤالِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ، وبِذَلِكَ صفحة ١٩٥ يَكُونُ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها مُسَبَّبًا عَلى نُزُولِها بَيْنَ نُزُولِ تِلْكَ الآياتِ. واعْلَمْ أنَّهُ كانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وبَيْنَ أهْلِ يَثْرِبَ صِلاتٍ كَثِيرَةً مِن صِهْرٍ وتِجارَةٍ وصُحْبَةٍ، وكانَ لِكُلِّ يَثْرِبِيٍّ صاحِبٌ بِمَكَّةَ يَنْزِلُ عِنْدَهُ إذا قَدِمَ الآخَرُ بَلَدَهُ، كَما كانَ بَيْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقِصَّتُهُما مَذْكُورَةٌ في حَدِيثِ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. رَوى ابنُ إسْحاقَ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِيَثْرِبَ يَسْألانِهِمْ عَنْ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ، فَقالَ اليَهُودُ لَهُما: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثَةٍ، وذَكَرُوا لَهم أهْلَ الكَهْفِ وذا القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ، فَسَألَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْها فَأجابَ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ بِما في سُورَةِ الكَهْفِ، وأجابَ عَنِ الرُّوحِ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ. وهَذِهِ الرِّوايَةُ تُثِيرُ إشْكالًا في وجْهِ فَصْلِ جَوابِ سُؤالِ الرُّوحِ عَنِ المَسْألَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِذِكْرِ جَوابِ مَسْألَةِ الرُّوحِ في سُورَةِ الإسْراءِ وهي مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى سُورَةِ الكَهْفِ، ويَدْفَعُ الإشْكالَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الرُّوحِ، وقَعَ مُنْفَرِدًا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ جُمِعَ مَعَ المَسْألَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ ثانِي مَرَّةٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ آيَةُ سُؤالِ الرُّوحِ مِمّا أُلْحِقُ بِسُورَةِ الإسْراءِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الجَمِيعَ نَزَلَ بِمَكَّةَ، قالَ الطَّبَرِيُّ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ نَزَلَ قَوْلُهُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ بِمَكَّةَ. وأمّا ما رُوِيَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «بَيْنَما أنا مَعَ النَّبِيءِ في حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ إذْ مَرَّ اليَهُودُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَسَألُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَأمْسَكَ النَّبِيءُ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ صفحة ١٩٦ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ، فَقُمْتُ مَقامِي، فَلَمّا نَزَلَ الوَحْيُ قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ»، فالجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ: أنَّ اليَهُودَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ قَدْ ظَنَّ النَّبِيءُ أنَّهم أقْرَبُ مِن قُرَيْشٍ إلى فَهْمِ الرُّوحِ فانْتَظَرَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما يُجِيبُهم بِهِ أبْيَنَ مِمّا أجابَ بِهِ قُرَيْشًا، فَكَرَّرَ اللَّهُ تَعالى إنْزالَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ أوْ أمَرَهُ أنْ يَتْلُوَها عَلَيْهِمْ؛ لِيَعْلَمَ أنَّهم وقُرَيْشًا سَواءٌ في العَجْزِ عَنْ إدْراكِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ أوْ أنَّ الجَوابَ لا يَتَغَيَّرُ. هَذا، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي: أنَّ فِيما ذَكَرَهُ أهْلُ السِّيَرِ تَخْلِيطًا، وأنَّ قُرَيْشًا اسْتَقَوْا مِنَ اليَهُودِ شَيْئًا، ومِنَ النَّصارى شَيْئًا فَقَدْ كانَتْ لِقُرَيْشٍ مُخالَطَةٌ مَعَ نَصارى الشّامِ في رِحْلَتِهِمُ الصَّيْفِيَّةِ إلى الشّامِ؛ لِأنَّ قِصَّةَ أهْلِ الكَهْفِ لَمْ تَكُنْ مِن أُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما هي مِن شُئُونِ النَّصارى، بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ الكَهْفِ كانُوا نَصارى كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ الكَهْفِ، وكَذَلِكَ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ الإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ يَظْهَرُ أنَّها مِمّا عُنِيَ بِهِ النَّصارى؛ لِارْتِباطِ فُتُوحاتِهِ بِتارِيخِ بِلادِ الرُّومِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ اليَهُودَ ما لَقَّنُوا قُرَيْشًا إلّا السُّؤالَ عَنِ الرُّوحِ، وبِهَذا يَتَّضِحُ السَّبَبُ في إفْرادِ السُّؤالِ عَنِ الرُّوحِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وذِكْرُ القِصَّتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَكَرَّرَ السُّؤالُ في مُناسَباتٍ، وذَلِكَ شَأْنُ الَّذِينَ مَعارِفُهم مَحْدُودَةٌ فَهم يُلْقُونَها في كُلِّ مَجْلِسٍ. وسُؤالُهم عَنِ الرُّوحِ مَعْناهُ أنَّهم سَألُوهُ عَنْ بَيانِ ماهِيَّةِ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ بِالرُّوحِ، والَّتِي يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ بِوَجْهِ الإجْمالِ أنَّها حالَّةٌ فِيهِ. والرُّوحُ: يُطْلَقُ عَلى المَوْجُودِ الخَفِيِّ المُنْتَشِرِ في سائِرِ الجَسَدِ الإنْسانِيِّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آثارُهُ مِنَ الإدْراكِ والتَّفْكِيرِ، وهو الَّذِي يَتَقَوَّمُ في الجَسَدِ الإنْسانِيِّ حِينَ يَكُونُ جَنِينًا بَعْدَ أنْ يَمْضِيَ عَلى نُزُولِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، وهَذا الإطْلاقُ هو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وهَذا يُسَمّى أيْضًا بِالنَّفْسِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] . صفحة ١٩٧ ويُطْلَقُ الرُّوحُ عَلى الكائِنِ الشَّرِيفِ المُكَوَّنِ بِأمْرٍ إلَهِيٍّ بِدُونِ سَبَبٍ اعْتِيادِيٍّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلُهُ ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] . ويُطْلَقُ لَفْظُ الرُّوحِ عَلى المَلَكِ الَّذِي يَنْزِلُ بِالوَحْيِ عَلى الرُّسُلِ، وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] . واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في الرُّوحِ المَسْئُولِ عَنْهُ المَذْكُورِ هُنا ما هو مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فالجُمْهُورُ قالُوا: المَسْئُولُ عَنْهُ هو الرُّوحُ بِالمَعْنى الأوَّلِ، قالُوا: لِأنَّهُ الأمْرُ المُشْكِلُ الَّذِي لَمْ تَتَّضِحْ حَقِيقَتُهُ، وأمّا الرُّوحُ بِالمَعْنَيَيْنِ الآخَرِينَ، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنْهُ سُؤالًا عَنْ مَعْنى مُصْطَلَحٍ قُرْآنِيٍّ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ اليَهُودَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ هو الوارِدُ في أوَّلِ كِتابِهِمْ، وهو سِفْرُ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ لِقَوْلِهِ في الإصْحاحِ الأوَّلِ (ورُوحُ اللَّهِ يَرِفُّ عَلى وجْهِ المِياهِ)، ولَيْسَ الرُّوحُ بِالمَعْنَيَيْنِ الآخَرَيْنِ بِوارِدٍ في كُتُبِهِمْ. وعَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ: أنَّهم سَألُوا عَنْ جِبْرِيلَ، والأصَحُّ القَوْلُ الأوَّلُ، وفي الرَّوْضِ الأُنُفِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أجابَهم مَرَّةً، فَقالَ لَهم: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ أوْضَحْناهُ في سُورَةِ الكَهْفِ. وإنَّما سَألُوا عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وبَيانِ ماهِيَّتِها، فَإنَّها قَدْ شَغَلَتِ الفَلاسِفَةَ وحُكَماءَ المُتَشَرِّعِينَ، لِظُهُورِ أنَّ في الجَسَدِ الحَيِّ شَيْئًا زائِدًا عَلى الجِسْمِ، بِهِ يَكُونُ الإنْسانُ مُدْرِكًا، وبِزَوالِهِ يَصِيرُ الجِسْمُ مَسْلُوبَ الإرادَةِ والإدْراكِ، فَعُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ في الجِسْمِ شَيْئًا زائِدًا عَلى الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ غَيْرَ مُشاهَدٍ، إذْ قَدْ ظَهَرَ بِالتَّشْرِيحِ أنَّ جِسْمَ المَيِّتِ لَمْ يَفْقِدْ شَيْئًا مِنَ الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ في حالِ الحَياةِ. وإذْ قَدْ كانَتْ عُقُولُ النّاسِ قاصِرَةً عَنْ فَهْمِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ، وكَيْفِيَّةِ اتِّصالِها بِالبَدَنِ، وكَيْفِيَّةِ انْتِزاعِها مِنهُ، وفي مَصِيرِها بَعْدَ ذَلِكَ الِانْتِزاعِ، أُجِيبُوا بِأنَّ صفحة ١٩٨ الرُّوحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، أيْ أنَّهُ كائِنٌ عَظِيمٌ مِنَ الكائِناتِ المُشَرَّفَةِ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعَمَلِهِ، فَلَفْظُ أمْرٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادِفَ الشَّيْءِ، فالمَعْنى: الرُّوحُ بَعْضُ الأشْياءِ العَظِيمَةِ الَّتِي هي لِلَّهِ، فَإضافَةُ أمْرٍ إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أمْرٍ اخْتُصَّ بِاللَّهِ اخْتِصاصَ عِلْمٍ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ هَذا الإطْلاقُ كَقَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ أمْرَ التَّكْوِينِ، فَإمّا أنْ يُرادَ نَفْسُ المَصْدَرِ وتَكُونَ (مِن) ابْتِدائِيَّةً كَما في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْرُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، أيِ الرَّوْحُ يَصْدُرُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ بِتَكْوِينِهِ، أوْ يُرادُ بِالمَصْدَرِ مَعْنى المَفْعُولِ مِثْلُ الخَلْقِ و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيِ الرَّوْحُ بَعْضُ مَأْمُوراتِ اللَّهِ فَيَكُونُ المُرادُ بِالرُّوحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أيِ الرَّوْحُ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّذِينَ يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِ الوَحْيِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ لَمْ تَكُنِ الآيَةُ جَوابًا عَنْ سُؤالِهِمْ. ورَوى ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ عَنِ ابْنِ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَأْتِهِ في ذَلِكَ جَوابٌ اهـ، أيْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ لَيْسَ جَوابًا بِبَيانِ ما سَألُوا عَنْهُ، ولَكِنَّهُ صَرْفٌ عَنِ اسْتِعْلامِهِ، وإعْلامٌ لَهم بِأنَّ هَذا مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ يُؤْتَوْهُ، والِاحْتِمالاتُ كُلُّها مُرادَةٌ، وهي كَلِمَةٌ جامِعَةٌ، وفِيها رَمْزٌ إلى تَعْرِيفِ الرُّوحِ تَعْرِيفًا بِالجِنْسِ، وهو رَسْمٌ. وجُمْلَةُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ لِلسّائِلِينَ؛ فَيَكُونُ الخِطابُ لِقُرَيْشٍ أوْ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ لَقَّنُوهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا أوِ اعْتِراضًا فَيَكُونُ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والمُخاطَبُونَ مُتَفاوِتُونَ في القَلِيلِ المُسْتَثْنى مِنَ المُؤْتى مِنَ العِلْمِ، وأنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُسْلِمِينَ. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا المَعْلُومُ، أيْ ما شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ أوْ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ، ووَصْفُهُ بِالقَلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ مِنَ المَوْجُوداتِ، والحَقائِقِ. وفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ قالُوا أيِ اليَهُودُ: أُوتِينا عِلْمًا كَثِيرًا التَّوْراةَ صفحة ١٩٩ ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأُنْزِلَتْ ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآيَةَ. وأوْضَحُ مِن هَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ «عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ أتاهُ أحْبارُ يَهُودَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَمْ يَبْلُغْنا أنَّكَ تَقُولُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾، أفَعَنَيْتَنا أمْ قَوْمَكَ ؟ قالَ: كُلًّا قَدْ عَنَيْتُ، قالُوا: فَإنَّكَ تَتْلُو أنّا أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: هي في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وقَدْ آتاكم ما إنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان»: ٢٧] . هَذا، والَّذِينَ حاوَلُوا تَقْرِيبَ شَرْحِ ماهِيَّةِ الرُّوحِ مِنَ الفَلاسِفَةِ والمُتَشَرِّعِينَ بِواسِطَةِ القَوْلِ الشّارِحِ لَمْ يَأْتُوا إلّا بِرُسُومٍ ناقِصَةٍ، مَأْخُوذَةٌ فِيها الأجْناسُ البَعِيدَةُ والخَواصُّ التَّقْرِيبِيَّةُ غَيْرُ المُنْضَبِطَةِ، وتَحْكِيمُ الآثارِ الَّتِي بَعْضُها حَقِيقِيٌّ وبَعْضُها خَيالِيٌّ، وكُلُّها مُتَفاوِتَةٌ في القُرْبِ مِن شَرْحِ خاصّاتِهِ، وأماراتِهِ بِحَسَبِ تَفاوُتِ تَصَوُّراتِهِمْ لِماهِيَّتِهِ المَبْنِيّاتِ عَلى تَفاوُتِ قُوى مَدارِكِهِمْ، وكُلُّها لا تَعْدُو أنْ تَكُونَ رُسُومًا خَيالِيَّةً، وشِعْرِيَّةً مُعَبِّرَةً عَنْ آثارِ الرُّوحِ في الإنْسانِ. وإذْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الرُّوحِ في هَذِهِ الآيَةِ وصُرِفَ السّائِلُونَ عَنْ مُرادِهِمْ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ اقْتَضاهُ حالُهم، وحالُ زَمانِهِمْ ومَكانِهِمْ، فَما عَلَيْنا أنْ نَتَعَرَّضَ لِمُحاوَلَةِ تَعَرُّفِ حَقِيقَةِ الرُّوحِ بِوَجْهِ الإجْمالِ، فَقَدْ تَهَيَّأ لِأهْلِ العِلْمِ مِن وسائِلِ المَعْرِفَةِ ما تَغَيَّرَتْ بِهِ الحالَةُ الَّتِي اقْتَضَتْ صَرْفَ السّائِلِينَ في هَذِهِ الآيَةِ - بَعْضَ التَّغَيُّرِ، وقَدْ تَتَوَفَّرُ تَغَيُّراتٌ في المُسْتَقْبَلِ تَزِيدُ أهْلَ العِلْمِ؛ اسْتِعْدادًا لِتَجَلِّي بَعْضِ ماهِيَّةِ الرُّوحِ، فَلِذَلِكَ لا نُجارِي الَّذِينَ قالُوا: إنَّ حَقِيقَةَ الرُّوحِ يَجِبُ الإمْساكُ عَنْ بَيانِها؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمْسَكَ عَنْها فَلا يَنْبَغِي الخَوْضُ في شَأْنِ الرُّوحِ بِأكْثَرَ مِن كَوْنِها مَوْجُودَةً، فَقَدْ رَأى جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ صفحة ٢٠٠ والفُقَهاءِ، مِنهم أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في العَواصِمِ، والنَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَصُدُّ العُلَماءَ عَنِ البَحْثِ عَنِ الرُّوحِ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ لِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ اليَهُودِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِها المُسْلِمُونَ، فَقالَ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّها مِنَ الجَواهِرِ المُجَرَّدَةِ، وهو غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: هي مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ، والأرْواحُ حادِثَةٌ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُ أرِسْطالِيسَ، وقالَ قُدَماءُ الفَلاسِفَةِ: هي قَدِيمَةٌ، وذَلِكَ قَرِيبٌ مِن مُرادِهِمْ في القَوْلِ بِقِدَمِ العالَمِ، ومَعْنى كَوْنِها حادِثَةً أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَقِيلَ: الأرْواحُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ خَلْقِ الأبْدانِ الَّتِي تُنْفَخُ فِيها، وهو الأصَحُّ الجارِي عَلى ظَواهِرِ كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ فَهي مَوْجُودَةٌ مِنَ الأزَلِ كَوُجُودِ المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ، وقِيلَ: تُخْلَقُ عِنْدَ إرادَةِ إيجادِ الحَياةِ في البَدَنِ الَّذِي تُوضَعُ فِيهِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ فَناءِ أجْسادِها وأنَّها تَحْضُرُ يَوْمَ الحِسابِ.

الإسراء 17:86

﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] الآيَةَ أفْضَتْ إلَيْهِ المُناسَبَةُ فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَلْقِينَ كَلِمَةِ عِلْمٍ جامِعَةٍ، وتَضَمَّنَ أنَّ الأُمَّةَ أُوتِيَتْ عِلْمًا ومُنِعَتْ عِلْمًا، وأنَّ عِلْمَ النُّبُوءَةِ مِن أعْظَمِ ما أُوتِيَتْهُ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ إلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ العِلْمِ؛ دَفْعًا لِغُرُورِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأشْياءِ يُكْسِبُها إعْجابًا بِتَمَيُّزِها عَمَّنْ دُونَها فِيهِ، فَأُوقِظَتْ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَ العِلْمَ قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وخُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ أعْظَمُ عِلْمٍ، فَإذا كانَ وُجُودُ عِلْمِهِ خاضِعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَما الظَّنُّ بِعِلْمِ غَيْرِهِ ؟ تَعْرِيضًا لِبَقِيَّةِ العُلَماءِ، فالكَلامُ صَرِيحُهُ تَحْذِيرٌ، وهو كِنايَةٌ عَنِ صفحة ٢٠١ الِامْتِنانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وتَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ أهْلِ العِلْمِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الشَّرْطِ، وجُمْلَةُ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ومُغْنٍ عَنْهُ. و﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا﴾ بِمَعْنى لَنُذْهِبَنَّهُ، أيْ عَنْكَ، وهو أبْلَغُ مِن (نُذْهِبُهُ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وماصَدَقَ المَوْصُولِ القُرْآنُ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ نَفْيَ الطَّمَعِ في اسْتِرْجاعِ المَسْلُوبِ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن سَلْبِهِ، فَذِكْرُهُ أدْخَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الغُرُورِ. والوَكِيلُ: مَن يُوكَلُ إلَيْهِ المُهِمُّ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُدافِعُ عَنْكَ والشَّفِيعُ لَكُ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ عُدِّيَ بِـ (عَلى)، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعَهُّدِ والمُطالَبَةِ عُدِّيَ إلى المَرْدُودِ بِالباءِ، أيْ مُتَعَهِّدًا بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، ومَعْنى التَّعَهُّدِ بِهِ: التَّعَهُّدُ بِاسْتِرْجاعِهِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ولِأنَّ التَّعَهُّدَ لا يَكُونُ بِذاتِ شَيْءٍ، بَلْ بِحالٍ مِن أحْوالِهِ فَجَرى الكَلامُ عَلى الإيجازِ. وذَكَرَ هُنا ”وكَيْلًا“ وفي الآيَةِ قَبْلَها ”نَصِيرًا“؛ لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ عَلى فَرْضِ سَلْبِ نِعْمَةِ الِاصْطِفاءِ، فالمُطالَبَةُ بِإرْجاعِ النِّعْمَةِ شَفاعَةٌ، ووَكالَةٌ عَنْهُ، وأمّا الآيَةُ قَبْلَها فَهي في فَرْضِ إلْحاقِ عُقُوبَةٍ بِهِ، فَمُدافِعَةُ تِلْكَ العُقُوبَةِ أوِ الثَّأْرِ بِها نَصْرٌ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ، فَحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَلى ما اقْتَضاهُ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن تَوَقُّعِ ذَلِكَ، أيْ صفحة ٢٠٢ لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ نَفَتْ مَشِيئَةَ الذَّهابِ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَهو باقٍ غَيْرُ مَذْهُوبٍ بِهِ. وهَذا إيماءٌ إلى بَقاءِ القُرْآنِ وحِفْظِهِ، قالَ تَعالى ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . ومَوْقِعُ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ مَنَعَتْ تَعَلُّقَ المَشِيئَةِ بِإذْهابِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ؛ لِأنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا فَلا يَحْرِمُكَ فَضْلَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْكَ، وزِيادَةُ فِعْلِ (كانَ) لِتَوْكِيدِ الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى تَوْكِيدِها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ المُسْتَعْمَلِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ.

الإسراء 17:87

﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] الآيَةَ أفْضَتْ إلَيْهِ المُناسَبَةُ فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] تَلْقِينَ كَلِمَةِ عِلْمٍ جامِعَةٍ، وتَضَمَّنَ أنَّ الأُمَّةَ أُوتِيَتْ عِلْمًا ومُنِعَتْ عِلْمًا، وأنَّ عِلْمَ النُّبُوءَةِ مِن أعْظَمِ ما أُوتِيَتْهُ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ إلى الشُّكْرِ عَلى نِعْمَةِ العِلْمِ؛ دَفْعًا لِغُرُورِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالأشْياءِ يُكْسِبُها إعْجابًا بِتَمَيُّزِها عَمَّنْ دُونَها فِيهِ، فَأُوقِظَتْ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَ العِلْمَ قادِرٌ عَلى سَلْبِهِ، وخُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ أعْظَمُ عِلْمٍ، فَإذا كانَ وُجُودُ عِلْمِهِ خاضِعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَما الظَّنُّ بِعِلْمِ غَيْرِهِ ؟ تَعْرِيضًا لِبَقِيَّةِ العُلَماءِ، فالكَلامُ صَرِيحُهُ تَحْذِيرٌ، وهو كِنايَةٌ عَنِ صفحة ٢٠١ الِامْتِنانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وتَعْرِيضٌ بِتَحْذِيرِ أهْلِ العِلْمِ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ الشَّرْطِ، وجُمْلَةُ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ومُغْنٍ عَنْهُ. و﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا﴾ بِمَعْنى لَنُذْهِبَنَّهُ، أيْ عَنْكَ، وهو أبْلَغُ مِن (نُذْهِبُهُ) كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وماصَدَقَ المَوْصُولِ القُرْآنُ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ نَفْيَ الطَّمَعِ في اسْتِرْجاعِ المَسْلُوبِ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن سَلْبِهِ، فَذِكْرُهُ أدْخَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى الشُّكْرِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الغُرُورِ. والوَكِيلُ: مَن يُوكَلُ إلَيْهِ المُهِمُّ، والمُرادُ بِهِ هُنا المُدافِعُ عَنْكَ والشَّفِيعُ لَكُ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ عُدِّيَ بِـ (عَلى)، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعَهُّدِ والمُطالَبَةِ عُدِّيَ إلى المَرْدُودِ بِالباءِ، أيْ مُتَعَهِّدًا بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، ومَعْنى التَّعَهُّدِ بِهِ: التَّعَهُّدُ بِاسْتِرْجاعِهِ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ولِأنَّ التَّعَهُّدَ لا يَكُونُ بِذاتِ شَيْءٍ، بَلْ بِحالٍ مِن أحْوالِهِ فَجَرى الكَلامُ عَلى الإيجازِ. وذَكَرَ هُنا ”وكَيْلًا“ وفي الآيَةِ قَبْلَها ”نَصِيرًا“؛ لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ عَلى فَرْضِ سَلْبِ نِعْمَةِ الِاصْطِفاءِ، فالمُطالَبَةُ بِإرْجاعِ النِّعْمَةِ شَفاعَةٌ، ووَكالَةٌ عَنْهُ، وأمّا الآيَةُ قَبْلَها فَهي في فَرْضِ إلْحاقِ عُقُوبَةٍ بِهِ، فَمُدافِعَةُ تِلْكَ العُقُوبَةِ أوِ الثَّأْرِ بِها نَصْرٌ، والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مُنْقَطِعٌ، فَحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، وهو اسْتِدْراكٌ عَلى ما اقْتَضاهُ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن تَوَقُّعِ ذَلِكَ، أيْ صفحة ٢٠٢ لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ نَفَتْ مَشِيئَةَ الذَّهابِ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَهو باقٍ غَيْرُ مَذْهُوبٍ بِهِ. وهَذا إيماءٌ إلى بَقاءِ القُرْآنِ وحِفْظِهِ، قالَ تَعالى ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . ومَوْقِعُ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، أيْ لَكِنَّ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ مَنَعَتْ تَعَلُّقَ المَشِيئَةِ بِإذْهابِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ؛ لِأنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا فَلا يَحْرِمُكَ فَضْلَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْكَ، وزِيادَةُ فِعْلِ (كانَ) لِتَوْكِيدِ الجُمْلَةِ زِيادَةٌ عَلى تَوْكِيدِها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ المُسْتَعْمَلِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّفْرِيعِ.

الإسراء 17:88

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِلزِّيادَةِ في الِامْتِنانِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧]، وافْتِتاحُهُ بِـ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وهَذا تَنْوِيهٌ يُشَرِّفُ القُرْآنَ، فَكانَ هَذا التَّنْوِيهُ امْتِنانًا عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ لَهم شِفاءً ورَحْمَةً، وتَحَدِّيًا بِالعَجْزِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ لِلَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ، وهُمُ الَّذِينَ لا يَزِيدُهم إلّا خَسارًا، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. وجَرَّدَ الجَوابَ مِنَ اللّامِ الغالِبِ اقْتِرانُها بِجَوابِ القَسَمِ؛ كَراهِيَةَ اجْتِماعِ لامَيْنِ: لامِ القَسَمِ، ولامِ النّافِيَةِ. صفحة ٢٠٣ ومَعْنى الِاجْتِماعِ: الِاتِّفاقُ واتِّحادُ الرَّأْيِ، أيْ لَوْ تَوارَدَتْ عُقُولُ الإنْسِ والجِنِّ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لَما أتَوْا بِمِثْلِهِ، فَهو اجْتِماعُ الرَّأْيِ لا اجْتِماعُ التَّعاوُنِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ . وذِكْرُ الجِنِّ مَعَ الإنْسِ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، كَما يُقالُ ”لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ“ وأيْضًا؛ لَأنَّ المُتَحَدَّيْنَ بِإعْجازِ القُرْآنِ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الجِنَّ يَقْدِرُونَ عَلى الأعْمالِ العَظِيمَةِ. والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ لِلْقُرْآنِ: المُماثَلَةُ في مَجْمُوعِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ، والمَعانِي، والآدابِ، والشَّرائِعِ، وهي نَواحِي إعْجازِ القُرْآنِ اللَّفْظِيِّ، والعِلْمِيِّ. وجُمْلَةُ ”لا يَأْتُونَ“ جَوابُ القَسَمِ المُوَطَّأِ لَهُ بِاللّامِ، وجَوابُ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لا يَأْتُونَ“ . و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ أنَّ ما بَعْدَها مَظِنَّةُ أنْ لا يَشْمَلَهُ ما قَبْلَها، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في آلِ عِمْرانَ. والظَّهِيرُ: المُعِينُ، والمَعْنى: ولَوْ تَعاوَنَ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لَما أتَوْا بِمِثْلِهِ، فَكَيْفَ بِهِمْ إذا حاوَلُوا ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ ؟ وفائِدَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدُ مَعْنى الِاجْتِماعِ المَدْلُولِ بِقَوْلِهِ ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾ أنَّهُ اجْتِماعٌ تَظافَرَ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ ومَقْصِدٍ واحِدٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مُفْحِمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ في التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ.

الإسراء 17:89

صفحة ٢٠٤ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ لَمّا تَحَدّى اللَّهُ بُلَغاءَ المُشْرِكِينَ بِالإعْجازِ تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ فَضائِلِ القُرْآنِ عَلى ما سِواهُ مِنَ الكَلامِ، مُدْمِجًا في ذَلِكَ النَّعْيَ عَلَيْهِمْ، إذْ حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِما في القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ، وذُكِرَتْ هُنا ناحِيَةٌ مِن نَواحِي إعْجازِهِ، وهي ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ الأمْثالِ، وتَقَدَّمُ ذِكْرُ المَثَلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ الحالُ، أيْ مِن كُلِّ حالٍ حَسَنٍ مِنَ المَعانِي يَجْدُرُ أنْ يُمَثَّلَ بِهِ ويُشَبَّهَ - ما يُزادُ بَيانُهُ في نَوْعِهِ. فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِها المُتَقَدِّمِ بَيانُهُ زِيادَةً في الِامْتِنانِ والتَّعْجِيزِ. وتَأْكِيدُها بِلامِ القَسَمِ، وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِرَدِّ أفْكارِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَمَوْرِدُ التَّأْكِيدِ هو فَصْلُ صَرَّفْنا الدّالِّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والتَّصْرِيفُ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] . وزِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ قَيْدُ ”لِلنّاسِ“ دُونَ الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ وارِدَةٌ في مَقامِ التَّحَدِّي والإعْجازِ، فَكانَ النّاسُ مَقْصُودِينَ بِهِ قَصْدًا أصْلِيًّا مُؤْمِنُهم وكافِرُهم، بِخِلافِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّها في مَقامِ تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ خاصَّةً فَكانُوا مَعْلُومِينَ كَما تَقَدَّمَ. ووَجْهُ تَقْدِيمِ أحَدِ المُتَعَلِّقَيْنِ بِفِعْلِ ”صَرَّفْنا“ عَلى الآخَرِ: أنَّ ذِكْرَ النّاسِ أهَمُّ في هَذا المَقامِ؛ لِأجْلِ كَوْنِ الكَلامِ مَسُوقًا لِتَحَدِّيهِمْ والحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ صفحة ٢٠٥ ذِكْرُ القُرْآنِ أهَمَّ بِالأصالَةِ، إلّا أنَّ الِاعْتِباراتِ الطّارِئَةَ تُقَدَّمُ في الكَلامِ البَلِيغِ عَلى الِاعْتِباراتِ الأصْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الِاعْتِباراتِ الأصْلِيَّةَ لِتَقَرُّرِها في النُّفُوسِ تَصِيرُ مُتَعارَفَةً؛ فَتَكُونُ الِاعْتِباراتُ الطّارِئَةُ أعَزَّ مَنالًا، ومِن هَذا بابُ تَخْرِيجِ الكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، والأظْهَرُ كَوْنُ التَّعْرِيفِ في ”النّاسِ“ لِلْعُمُومِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ . وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَعَلِّقَ التَّصْرِيفِ بِقَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ أدْخَلُ في الإعْجازِ، فَإنَّ كَثْرَةَ أغْراضِ الكَلامِ أشَدُّ تَعْجِيزًا لِمَن يَرُومُ مُعارَضَتَهُ عَنْ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، إذْ قَدْ يَقْدِرُ بَلِيغٌ مِنَ البُلَغاءِ عَلى غَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ولا يَقْدِرُ عَلى غَرَضٍ آخَرَ، فَعَجْزُهم عَنْ مُعارَضَةِ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ أغْراضِهِ عَجْزٌ بَيِّنٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّهم عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَوْ في بَعْضِ الأغْراضِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فَإنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، وتَنْوِينُ (مَثَلٍ) لِلتَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ، أيْ مِن كُلِّ مَثَلٍ شَرِيفٍ، والمُرادُ: شَرَفُهُ في المَقْصُودِ مِنَ التَّمْثِيلِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، و(كُلِّ) تُفِيدُ العُمُومَ، فالقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى أبْعاضٍ مِن جَمِيعِ أنْواعِ المَثَلِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ ”أبى“ لِلْقَرِينَةِ، أيْ أبى العَمَلَ بِهِ. وفِي قَوْلِهِ إلّا كُفُورًا تَأْكِيدُ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ تَأْكِيدٌ في صُورَةِ النَّقْصِ، لِما فِيهِ مِنَ الإطْماعِ بِأنْ إبايَتَهم غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي المُسْتَثْنى مُؤَكِّدًا لِمَعْنى المُسْتَثْنى مِنهُ، إذِ الكُفُورُ أخَصُّ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي حُذِفَ لِلْقَرِينَةِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّعٌ لِما في فِعْلِ ”أبى“ مِن مَعْنى النَّفْيِ الَّذِي هو شَرْطُ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ؛ لِأنَّ المَدارَ عَلى مَعْنى النَّفْيِ، مِثْلَ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في النَّفْيِ كَقَوْلِهِ ﴿هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] . والكُفُورُ بِضَمِّ الكافِ المَحْجُودُ، أيْ جَحَدُوا بِما في القُرْآنِ مِن هُدًى وعانَدُوا.

الإسراء 17:90

صفحة ٢٠٦ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ . عَطَفَ جُمْلَةَ وقالُوا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ وطَلَبُوا بِمُعْجِزاتٍ أُخْرى. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ الَّذِينَ أبَوْا إلّا كُفُورًا، بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ بَيْنَهم، وهم راضُونَ بِهِ، ومُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ مَتى عَلِمُوهُ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ بَلْ يَكُونُ بَعْضُهم قائِلًا جَمِيعَهُ أوْ بَعْضُهم قائِلًا بَعْضَهُ. ولَمّا اشْتَمَلَ قَوْلُهم عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مُباشَرَةً؛ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ، وإمّا في مَقاماتٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمَعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وناسًا مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وبَعَثُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ صفحة ٢٠٧ يَأْتِيَهم؛ فَأسْرَعَ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى هُداهم، فَعاتَبُوهُ عَلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ والطَّعْنِ في دِينِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما يَشاءُ مِن مالٍ أوْ تَسْوِيدٍ، وأجابَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ لا يَنْبَغِي غَيْرُ نُصْحِهِمْ، فَلَمّا رَأوْا مِنهُ الثَّباتَ انْتَقَلُوا إلى طَلَبِ بَعْضِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ورُوِي أنَّ الَّذِي سَألَ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وحَكى اللَّهُ امْتِناعَهم عَنِ الإيمانِ بِحَرْفِ (لَنِ) المُفِيدِ لِلتَّأْيِيدِ؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ قالُوهُ. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِها أنَّ أرْضَها قَلِيلَةُ المِياهِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الجَنّاتِ. والتَّفْجِيرُ: مَصْدَرُ فَجَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - مُبالَغَةً في الفَجْرِ، وهو الشَّقُّ بِاتِّساعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ فَجْرُ الصَّباحِ فَجْرًا؛ لِأنَّ الضَّوْءَ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا طَوِيلًا عَرِيضًا، فالتَّفْجِيرُ أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الفَجْرِ، وهو تَشْقِيقٌ شَدِيدٌ بِاعْتِبارِ اتِّساعِهِ، ولِذَلِكَ ناسَبَ اليَنْبُوعَ هُنا، والنَّهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (فَجَّرَ) المُضاعَفِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”فَجَرَ“ كَنَصَرَ، فَلا التِفاتَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ اليَنْبُوعَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، أوْ يُعَبِّرُ عَنْ مُخْتَلِفِ أقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّصْمِيمِ في الِامْتِناعِ. ومَعْنى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا. والإيمانُ: التَّصْدِيقُ، يُقالُ: آمَنَهُ، أيْ صَدَّقَهُ، وكَثُرَ أنْ يُعَدّى إلى صفحة ٢٠٨ المَفْعُولِ بِاللّامِ، قالَ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وقالَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذِهِ اللّامُ مِن قَبِيلِ ما سَمّاهُ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) لامَ التَّبْيِينِ، وغَفَلَ عَنِ التَّمْثِيلِ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ مَجْرُورَ اللّامِ بَعْدَ فِعْلِ ”نُؤْمِنُ“ مَفْعُولٌ لا التِباسَ لَهُ بِالفاعِلِ، وإنَّما تُذْكَرُ اللّامُ؛ لِزِيادَةِ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِدَفْعِ التِباسِ مَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ بِمَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) إذا جَعَلَهُ أمِينًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ. واليَنْبُوعُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الكَثِيرَةِ النَّبْعِ الَّتِي لا يَنْضُبُ ماؤُها، وصِيغَةُ ”يَفْعُولٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ غَيْرُ قِياسِيَّةٍ، واليَنْبُوعُ مُشْتَقَّةٌ مِن مادَّةِ النَّبْعِ، غَيْرَ أنَّ الأسْماءَ الوارِدَةَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها ظاهِرٌ اشْتِقاقُهُ كاليَنْبُوعِ واليَنْبُوتِ، وبَعْضُها خَفِيٌّ كاليَعْبُوبِ لِلْفَرَسِ الكَثِيرِ الجَرْيِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ مِنَ العَبِّ المَجازِيِّ، ومِنهُ أسْماءٌ مُعَرَّبَةٌ جاءَ تَعْرِيبُها عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ مِثْلَ: يَكْسُومَ، اسْمِ قائِدٍ حَبَشِيٍّ، ويَرْمُوكَ اسْمِ نَهْرٍ، وقَدِ اسْتَقْرى الحَسَنُ الصّاغانِيُّ ما جاءَ مِنَ الكَلِماتِ في العَرَبِيَّةِ عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ في مُخْتَصَرٍ لَهُ مُرَتَّبٍ عَلى حُرُوفِ العَجَمِ، وقالَ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ: إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ عَقَدَ لَهُ في الجَمْهَرَةِ بابًا. والجَنَّةُ، والنَّخِيلُ، والعِنَبُ، والأنْهارُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصُّوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأنْ تَكُونَ لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الجَنَّةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً لِمِلْكِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَأرَوْهُ أنَّهم لا يَبْتَغُونَ مِن هَذا الِاقْتِراحِ نَفْعَ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم يَبْتَغُونَ حُصُولَهُ، ولَوْ كانَ لِفائِدَةِ المُقْتَرَحِ عَلَيْهِ، والمُقْتَرَحُ هو تَفْجِيرُ الماءِ في الأرْضِ القاحِلَةِ، وإنَّما ذَكَرُوا وُجُودَ الجَنَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِتَفْجِيرِ أنْهارٍ خِلالَها، فَكَأنَّهم قالُوا: حَتّى تُفَجِّرَ لَنا يَنْبُوعًا يَسْقِي النّاسَ كُلَّهم، أوْ تُفَجِّرَ أنْهارًا تَسْقِي جَنَّةً واحِدَةً، تَكُونُ تِلْكَ الجَنَّةُ وأنْهارُها لَكَ، فَنَحْنُ مُقْتَنِعُونَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لا بُغْيَةَ الِانْتِفاعِ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ . صفحة ٢٠٩ وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ ”تُفَجِّرَ“ قَدْ كَفى في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الفَجْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلْمُبالَغَةِ في العَدَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ خِلالَها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَتَخَلَّلُها شُعَبُ النَّهْرِ لِسَقْيِ الأشْجارِ، فَجَمَعَ الأنْهارَ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِ ماءِ النَّهْرِ إلى شُعَبٍ عَدِيدَةٍ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى إجْماعُ القُرّاءِ عَلى قِراءَةِ ”فَتُفَجِّرَ“ هُنا بِالتَّشْدِيدِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في الَّذِي قَبْلَهُ، وهَذا مِن لَطائِفِ مَعانِي القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَهي مِن أفانِينِ إعْجازِ القُرْآنِ. وقَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ انْتِقالٌ مِن تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَنافِعُ لَهم إلى تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَضَرَّتُهم، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ، أيْ فَلْيَأْتِهِمْ بِآيَةٍ عَلى ذَلِكَ ولَوْ في مَضَرَّتِهِمْ، وهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَما قالُوا، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ الإغْراقَ في التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ جَعْلِ الإسْقاطِ لِنَفْسِ السَّماءِ، وعَزَّزُوا تَعْجِيبَهم بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنْباءً بِأنَّ ذَلِكَ لا يُصَدِّقُ بِهِ أحَدٌ، وعَنَوْا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، إذْ هو تَهْدِيدٌ لَهم بِأشْراطِ السّاعَةِ، وإشْرافِهِمْ عَلى الحِسابِ، وجَعَلُوا (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الطور: ٤٤] تَبْعِيضِيَّةً، أيْ قِطْعَةً مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أبَوْا تَعْدِيَةَ فِعْلِ ”تُسْقِطَ“ إلى ذاتِ السَّماءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاتانِ الآيَتانِ أوْ إحْداها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ. والكِسَفُ - بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ_ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَكْسُوفِ بِمَعْنى المَقْطُوعِ. صفحة ٢١٠ والزَّعْمُ: القَوْلُ المُسْتَبْعَدُ أوِ المُحالُ. والقَبِيلُ: الجَماعَةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ هم قَبِيلٌ خاصٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَأنَّهم قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِفَرِيقٍ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وإنَّما عُدِّيَ ﴿تَرْقى في السَّماءِ﴾ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرُّقِيَّ تَدَرُّجٌ في السَّماواتِ كَمَن يَصْعَدُ في المِرْقاةِ والسُّلَّمِ. ثُمَّ تَفَنَّنُوا في الِاقْتِراحِ فَسَألُوهُ إنْ رَقى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِكِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ يَقْرَءُونَهُ، فِيهِ شَهادَةٌ بِأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ. ولَعَلَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ كِتابًا كامِلًا دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَكُونُوا قَدْ ألْحَدُوا بِتَنْجِيمِ القُرْآنِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ تَنْجِيمَهُ لا يُناسِبُ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ التَّنْجِيمَ عِنْدَهم يَقْتَضِي التَّأمُّلَ والتَّصَنُّعَ في تَأْلِيفِهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ بَيانُ حِكْمَةِ تَنْجِيمِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّبْيِينِ، عَلى أنَّ ”رُقِيَّكَ“ مَفْعُولُ ”نُؤْمِنُ“ مِثْلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَيَكُونُ ادِّعاءُ الرُّقِيِّ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّصْدِيقُ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العِلَّةِ، ومَفْعُولُ ”نُؤْمِنَ“ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ، هي ”تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا“ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ رَقى في السَّماءِ لَكَذَّبُوا أعْيُنَهم حَتّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ كِتابًا يَرَوْنَهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، وهَذا تَوَرُّكٌ مِنهم وتَهَكُّمٌ. ولَمّا كانَ اقْتِراحُهُمُ اقْتِراحَ مُلاجَّةٍ وعِنادٍ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَما صفحة ٢١١ تَقَدَّمَ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وصِيغَةِ الحَصْرِ المُقْتَضِيَةِ قَصْرَ نَفْسِهِ عَلى البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لَسْتُ رَبًّا مُتَصَرِّفًا أخْلُقُ ما يُطْلَبُ مِنِّي، فَكَيْفَ آتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ ؟ وكَيْفَ أخْلُقُ في الأرْضِ ما لَمْ يُخْلَقْ فِيها ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ (قالَ) بِألْفٍ بَعْدَ القافِ بِصِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

الإسراء 17:91

صفحة ٢٠٦ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ . عَطَفَ جُمْلَةَ وقالُوا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ وطَلَبُوا بِمُعْجِزاتٍ أُخْرى. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ الَّذِينَ أبَوْا إلّا كُفُورًا، بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ بَيْنَهم، وهم راضُونَ بِهِ، ومُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ مَتى عَلِمُوهُ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ بَلْ يَكُونُ بَعْضُهم قائِلًا جَمِيعَهُ أوْ بَعْضُهم قائِلًا بَعْضَهُ. ولَمّا اشْتَمَلَ قَوْلُهم عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مُباشَرَةً؛ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ، وإمّا في مَقاماتٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمَعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وناسًا مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وبَعَثُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ صفحة ٢٠٧ يَأْتِيَهم؛ فَأسْرَعَ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى هُداهم، فَعاتَبُوهُ عَلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ والطَّعْنِ في دِينِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما يَشاءُ مِن مالٍ أوْ تَسْوِيدٍ، وأجابَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ لا يَنْبَغِي غَيْرُ نُصْحِهِمْ، فَلَمّا رَأوْا مِنهُ الثَّباتَ انْتَقَلُوا إلى طَلَبِ بَعْضِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ورُوِي أنَّ الَّذِي سَألَ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وحَكى اللَّهُ امْتِناعَهم عَنِ الإيمانِ بِحَرْفِ (لَنِ) المُفِيدِ لِلتَّأْيِيدِ؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ قالُوهُ. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِها أنَّ أرْضَها قَلِيلَةُ المِياهِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الجَنّاتِ. والتَّفْجِيرُ: مَصْدَرُ فَجَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - مُبالَغَةً في الفَجْرِ، وهو الشَّقُّ بِاتِّساعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ فَجْرُ الصَّباحِ فَجْرًا؛ لِأنَّ الضَّوْءَ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا طَوِيلًا عَرِيضًا، فالتَّفْجِيرُ أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الفَجْرِ، وهو تَشْقِيقٌ شَدِيدٌ بِاعْتِبارِ اتِّساعِهِ، ولِذَلِكَ ناسَبَ اليَنْبُوعَ هُنا، والنَّهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (فَجَّرَ) المُضاعَفِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”فَجَرَ“ كَنَصَرَ، فَلا التِفاتَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ اليَنْبُوعَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، أوْ يُعَبِّرُ عَنْ مُخْتَلِفِ أقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّصْمِيمِ في الِامْتِناعِ. ومَعْنى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا. والإيمانُ: التَّصْدِيقُ، يُقالُ: آمَنَهُ، أيْ صَدَّقَهُ، وكَثُرَ أنْ يُعَدّى إلى صفحة ٢٠٨ المَفْعُولِ بِاللّامِ، قالَ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وقالَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذِهِ اللّامُ مِن قَبِيلِ ما سَمّاهُ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) لامَ التَّبْيِينِ، وغَفَلَ عَنِ التَّمْثِيلِ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ مَجْرُورَ اللّامِ بَعْدَ فِعْلِ ”نُؤْمِنُ“ مَفْعُولٌ لا التِباسَ لَهُ بِالفاعِلِ، وإنَّما تُذْكَرُ اللّامُ؛ لِزِيادَةِ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِدَفْعِ التِباسِ مَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ بِمَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) إذا جَعَلَهُ أمِينًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ. واليَنْبُوعُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الكَثِيرَةِ النَّبْعِ الَّتِي لا يَنْضُبُ ماؤُها، وصِيغَةُ ”يَفْعُولٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ غَيْرُ قِياسِيَّةٍ، واليَنْبُوعُ مُشْتَقَّةٌ مِن مادَّةِ النَّبْعِ، غَيْرَ أنَّ الأسْماءَ الوارِدَةَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها ظاهِرٌ اشْتِقاقُهُ كاليَنْبُوعِ واليَنْبُوتِ، وبَعْضُها خَفِيٌّ كاليَعْبُوبِ لِلْفَرَسِ الكَثِيرِ الجَرْيِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ مِنَ العَبِّ المَجازِيِّ، ومِنهُ أسْماءٌ مُعَرَّبَةٌ جاءَ تَعْرِيبُها عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ مِثْلَ: يَكْسُومَ، اسْمِ قائِدٍ حَبَشِيٍّ، ويَرْمُوكَ اسْمِ نَهْرٍ، وقَدِ اسْتَقْرى الحَسَنُ الصّاغانِيُّ ما جاءَ مِنَ الكَلِماتِ في العَرَبِيَّةِ عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ في مُخْتَصَرٍ لَهُ مُرَتَّبٍ عَلى حُرُوفِ العَجَمِ، وقالَ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ: إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ عَقَدَ لَهُ في الجَمْهَرَةِ بابًا. والجَنَّةُ، والنَّخِيلُ، والعِنَبُ، والأنْهارُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصُّوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأنْ تَكُونَ لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الجَنَّةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً لِمِلْكِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَأرَوْهُ أنَّهم لا يَبْتَغُونَ مِن هَذا الِاقْتِراحِ نَفْعَ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم يَبْتَغُونَ حُصُولَهُ، ولَوْ كانَ لِفائِدَةِ المُقْتَرَحِ عَلَيْهِ، والمُقْتَرَحُ هو تَفْجِيرُ الماءِ في الأرْضِ القاحِلَةِ، وإنَّما ذَكَرُوا وُجُودَ الجَنَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِتَفْجِيرِ أنْهارٍ خِلالَها، فَكَأنَّهم قالُوا: حَتّى تُفَجِّرَ لَنا يَنْبُوعًا يَسْقِي النّاسَ كُلَّهم، أوْ تُفَجِّرَ أنْهارًا تَسْقِي جَنَّةً واحِدَةً، تَكُونُ تِلْكَ الجَنَّةُ وأنْهارُها لَكَ، فَنَحْنُ مُقْتَنِعُونَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لا بُغْيَةَ الِانْتِفاعِ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ . صفحة ٢٠٩ وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ ”تُفَجِّرَ“ قَدْ كَفى في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الفَجْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلْمُبالَغَةِ في العَدَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ خِلالَها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَتَخَلَّلُها شُعَبُ النَّهْرِ لِسَقْيِ الأشْجارِ، فَجَمَعَ الأنْهارَ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِ ماءِ النَّهْرِ إلى شُعَبٍ عَدِيدَةٍ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى إجْماعُ القُرّاءِ عَلى قِراءَةِ ”فَتُفَجِّرَ“ هُنا بِالتَّشْدِيدِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في الَّذِي قَبْلَهُ، وهَذا مِن لَطائِفِ مَعانِي القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَهي مِن أفانِينِ إعْجازِ القُرْآنِ. وقَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ انْتِقالٌ مِن تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَنافِعُ لَهم إلى تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَضَرَّتُهم، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ، أيْ فَلْيَأْتِهِمْ بِآيَةٍ عَلى ذَلِكَ ولَوْ في مَضَرَّتِهِمْ، وهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَما قالُوا، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ الإغْراقَ في التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ جَعْلِ الإسْقاطِ لِنَفْسِ السَّماءِ، وعَزَّزُوا تَعْجِيبَهم بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنْباءً بِأنَّ ذَلِكَ لا يُصَدِّقُ بِهِ أحَدٌ، وعَنَوْا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، إذْ هو تَهْدِيدٌ لَهم بِأشْراطِ السّاعَةِ، وإشْرافِهِمْ عَلى الحِسابِ، وجَعَلُوا (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الطور: ٤٤] تَبْعِيضِيَّةً، أيْ قِطْعَةً مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أبَوْا تَعْدِيَةَ فِعْلِ ”تُسْقِطَ“ إلى ذاتِ السَّماءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاتانِ الآيَتانِ أوْ إحْداها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ. والكِسَفُ - بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ_ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَكْسُوفِ بِمَعْنى المَقْطُوعِ. صفحة ٢١٠ والزَّعْمُ: القَوْلُ المُسْتَبْعَدُ أوِ المُحالُ. والقَبِيلُ: الجَماعَةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ هم قَبِيلٌ خاصٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَأنَّهم قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِفَرِيقٍ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وإنَّما عُدِّيَ ﴿تَرْقى في السَّماءِ﴾ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرُّقِيَّ تَدَرُّجٌ في السَّماواتِ كَمَن يَصْعَدُ في المِرْقاةِ والسُّلَّمِ. ثُمَّ تَفَنَّنُوا في الِاقْتِراحِ فَسَألُوهُ إنْ رَقى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِكِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ يَقْرَءُونَهُ، فِيهِ شَهادَةٌ بِأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ. ولَعَلَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ كِتابًا كامِلًا دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَكُونُوا قَدْ ألْحَدُوا بِتَنْجِيمِ القُرْآنِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ تَنْجِيمَهُ لا يُناسِبُ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ التَّنْجِيمَ عِنْدَهم يَقْتَضِي التَّأمُّلَ والتَّصَنُّعَ في تَأْلِيفِهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ بَيانُ حِكْمَةِ تَنْجِيمِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّبْيِينِ، عَلى أنَّ ”رُقِيَّكَ“ مَفْعُولُ ”نُؤْمِنُ“ مِثْلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَيَكُونُ ادِّعاءُ الرُّقِيِّ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّصْدِيقُ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العِلَّةِ، ومَفْعُولُ ”نُؤْمِنَ“ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ، هي ”تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا“ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ رَقى في السَّماءِ لَكَذَّبُوا أعْيُنَهم حَتّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ كِتابًا يَرَوْنَهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، وهَذا تَوَرُّكٌ مِنهم وتَهَكُّمٌ. ولَمّا كانَ اقْتِراحُهُمُ اقْتِراحَ مُلاجَّةٍ وعِنادٍ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَما صفحة ٢١١ تَقَدَّمَ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وصِيغَةِ الحَصْرِ المُقْتَضِيَةِ قَصْرَ نَفْسِهِ عَلى البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لَسْتُ رَبًّا مُتَصَرِّفًا أخْلُقُ ما يُطْلَبُ مِنِّي، فَكَيْفَ آتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ ؟ وكَيْفَ أخْلُقُ في الأرْضِ ما لَمْ يُخْلَقْ فِيها ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ (قالَ) بِألْفٍ بَعْدَ القافِ بِصِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

الإسراء 17:92

صفحة ٢٠٦ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ . عَطَفَ جُمْلَةَ وقالُوا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ وطَلَبُوا بِمُعْجِزاتٍ أُخْرى. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ الَّذِينَ أبَوْا إلّا كُفُورًا، بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ بَيْنَهم، وهم راضُونَ بِهِ، ومُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ مَتى عَلِمُوهُ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ بَلْ يَكُونُ بَعْضُهم قائِلًا جَمِيعَهُ أوْ بَعْضُهم قائِلًا بَعْضَهُ. ولَمّا اشْتَمَلَ قَوْلُهم عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مُباشَرَةً؛ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ، وإمّا في مَقاماتٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمَعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وناسًا مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وبَعَثُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ صفحة ٢٠٧ يَأْتِيَهم؛ فَأسْرَعَ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى هُداهم، فَعاتَبُوهُ عَلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ والطَّعْنِ في دِينِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما يَشاءُ مِن مالٍ أوْ تَسْوِيدٍ، وأجابَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ لا يَنْبَغِي غَيْرُ نُصْحِهِمْ، فَلَمّا رَأوْا مِنهُ الثَّباتَ انْتَقَلُوا إلى طَلَبِ بَعْضِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ورُوِي أنَّ الَّذِي سَألَ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وحَكى اللَّهُ امْتِناعَهم عَنِ الإيمانِ بِحَرْفِ (لَنِ) المُفِيدِ لِلتَّأْيِيدِ؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ قالُوهُ. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِها أنَّ أرْضَها قَلِيلَةُ المِياهِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الجَنّاتِ. والتَّفْجِيرُ: مَصْدَرُ فَجَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - مُبالَغَةً في الفَجْرِ، وهو الشَّقُّ بِاتِّساعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ فَجْرُ الصَّباحِ فَجْرًا؛ لِأنَّ الضَّوْءَ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا طَوِيلًا عَرِيضًا، فالتَّفْجِيرُ أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الفَجْرِ، وهو تَشْقِيقٌ شَدِيدٌ بِاعْتِبارِ اتِّساعِهِ، ولِذَلِكَ ناسَبَ اليَنْبُوعَ هُنا، والنَّهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (فَجَّرَ) المُضاعَفِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”فَجَرَ“ كَنَصَرَ، فَلا التِفاتَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ اليَنْبُوعَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، أوْ يُعَبِّرُ عَنْ مُخْتَلِفِ أقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّصْمِيمِ في الِامْتِناعِ. ومَعْنى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا. والإيمانُ: التَّصْدِيقُ، يُقالُ: آمَنَهُ، أيْ صَدَّقَهُ، وكَثُرَ أنْ يُعَدّى إلى صفحة ٢٠٨ المَفْعُولِ بِاللّامِ، قالَ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وقالَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذِهِ اللّامُ مِن قَبِيلِ ما سَمّاهُ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) لامَ التَّبْيِينِ، وغَفَلَ عَنِ التَّمْثِيلِ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ مَجْرُورَ اللّامِ بَعْدَ فِعْلِ ”نُؤْمِنُ“ مَفْعُولٌ لا التِباسَ لَهُ بِالفاعِلِ، وإنَّما تُذْكَرُ اللّامُ؛ لِزِيادَةِ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِدَفْعِ التِباسِ مَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ بِمَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) إذا جَعَلَهُ أمِينًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ. واليَنْبُوعُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الكَثِيرَةِ النَّبْعِ الَّتِي لا يَنْضُبُ ماؤُها، وصِيغَةُ ”يَفْعُولٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ غَيْرُ قِياسِيَّةٍ، واليَنْبُوعُ مُشْتَقَّةٌ مِن مادَّةِ النَّبْعِ، غَيْرَ أنَّ الأسْماءَ الوارِدَةَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها ظاهِرٌ اشْتِقاقُهُ كاليَنْبُوعِ واليَنْبُوتِ، وبَعْضُها خَفِيٌّ كاليَعْبُوبِ لِلْفَرَسِ الكَثِيرِ الجَرْيِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ مِنَ العَبِّ المَجازِيِّ، ومِنهُ أسْماءٌ مُعَرَّبَةٌ جاءَ تَعْرِيبُها عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ مِثْلَ: يَكْسُومَ، اسْمِ قائِدٍ حَبَشِيٍّ، ويَرْمُوكَ اسْمِ نَهْرٍ، وقَدِ اسْتَقْرى الحَسَنُ الصّاغانِيُّ ما جاءَ مِنَ الكَلِماتِ في العَرَبِيَّةِ عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ في مُخْتَصَرٍ لَهُ مُرَتَّبٍ عَلى حُرُوفِ العَجَمِ، وقالَ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ: إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ عَقَدَ لَهُ في الجَمْهَرَةِ بابًا. والجَنَّةُ، والنَّخِيلُ، والعِنَبُ، والأنْهارُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصُّوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأنْ تَكُونَ لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الجَنَّةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً لِمِلْكِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَأرَوْهُ أنَّهم لا يَبْتَغُونَ مِن هَذا الِاقْتِراحِ نَفْعَ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم يَبْتَغُونَ حُصُولَهُ، ولَوْ كانَ لِفائِدَةِ المُقْتَرَحِ عَلَيْهِ، والمُقْتَرَحُ هو تَفْجِيرُ الماءِ في الأرْضِ القاحِلَةِ، وإنَّما ذَكَرُوا وُجُودَ الجَنَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِتَفْجِيرِ أنْهارٍ خِلالَها، فَكَأنَّهم قالُوا: حَتّى تُفَجِّرَ لَنا يَنْبُوعًا يَسْقِي النّاسَ كُلَّهم، أوْ تُفَجِّرَ أنْهارًا تَسْقِي جَنَّةً واحِدَةً، تَكُونُ تِلْكَ الجَنَّةُ وأنْهارُها لَكَ، فَنَحْنُ مُقْتَنِعُونَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لا بُغْيَةَ الِانْتِفاعِ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ . صفحة ٢٠٩ وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ ”تُفَجِّرَ“ قَدْ كَفى في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الفَجْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلْمُبالَغَةِ في العَدَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ خِلالَها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَتَخَلَّلُها شُعَبُ النَّهْرِ لِسَقْيِ الأشْجارِ، فَجَمَعَ الأنْهارَ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِ ماءِ النَّهْرِ إلى شُعَبٍ عَدِيدَةٍ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى إجْماعُ القُرّاءِ عَلى قِراءَةِ ”فَتُفَجِّرَ“ هُنا بِالتَّشْدِيدِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في الَّذِي قَبْلَهُ، وهَذا مِن لَطائِفِ مَعانِي القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَهي مِن أفانِينِ إعْجازِ القُرْآنِ. وقَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ انْتِقالٌ مِن تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَنافِعُ لَهم إلى تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَضَرَّتُهم، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ، أيْ فَلْيَأْتِهِمْ بِآيَةٍ عَلى ذَلِكَ ولَوْ في مَضَرَّتِهِمْ، وهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَما قالُوا، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ الإغْراقَ في التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ جَعْلِ الإسْقاطِ لِنَفْسِ السَّماءِ، وعَزَّزُوا تَعْجِيبَهم بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنْباءً بِأنَّ ذَلِكَ لا يُصَدِّقُ بِهِ أحَدٌ، وعَنَوْا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، إذْ هو تَهْدِيدٌ لَهم بِأشْراطِ السّاعَةِ، وإشْرافِهِمْ عَلى الحِسابِ، وجَعَلُوا (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الطور: ٤٤] تَبْعِيضِيَّةً، أيْ قِطْعَةً مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أبَوْا تَعْدِيَةَ فِعْلِ ”تُسْقِطَ“ إلى ذاتِ السَّماءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاتانِ الآيَتانِ أوْ إحْداها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ. والكِسَفُ - بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ_ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَكْسُوفِ بِمَعْنى المَقْطُوعِ. صفحة ٢١٠ والزَّعْمُ: القَوْلُ المُسْتَبْعَدُ أوِ المُحالُ. والقَبِيلُ: الجَماعَةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ هم قَبِيلٌ خاصٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَأنَّهم قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِفَرِيقٍ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وإنَّما عُدِّيَ ﴿تَرْقى في السَّماءِ﴾ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرُّقِيَّ تَدَرُّجٌ في السَّماواتِ كَمَن يَصْعَدُ في المِرْقاةِ والسُّلَّمِ. ثُمَّ تَفَنَّنُوا في الِاقْتِراحِ فَسَألُوهُ إنْ رَقى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِكِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ يَقْرَءُونَهُ، فِيهِ شَهادَةٌ بِأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ. ولَعَلَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ كِتابًا كامِلًا دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَكُونُوا قَدْ ألْحَدُوا بِتَنْجِيمِ القُرْآنِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ تَنْجِيمَهُ لا يُناسِبُ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ التَّنْجِيمَ عِنْدَهم يَقْتَضِي التَّأمُّلَ والتَّصَنُّعَ في تَأْلِيفِهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ بَيانُ حِكْمَةِ تَنْجِيمِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّبْيِينِ، عَلى أنَّ ”رُقِيَّكَ“ مَفْعُولُ ”نُؤْمِنُ“ مِثْلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَيَكُونُ ادِّعاءُ الرُّقِيِّ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّصْدِيقُ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العِلَّةِ، ومَفْعُولُ ”نُؤْمِنَ“ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ، هي ”تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا“ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ رَقى في السَّماءِ لَكَذَّبُوا أعْيُنَهم حَتّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ كِتابًا يَرَوْنَهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، وهَذا تَوَرُّكٌ مِنهم وتَهَكُّمٌ. ولَمّا كانَ اقْتِراحُهُمُ اقْتِراحَ مُلاجَّةٍ وعِنادٍ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَما صفحة ٢١١ تَقَدَّمَ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وصِيغَةِ الحَصْرِ المُقْتَضِيَةِ قَصْرَ نَفْسِهِ عَلى البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لَسْتُ رَبًّا مُتَصَرِّفًا أخْلُقُ ما يُطْلَبُ مِنِّي، فَكَيْفَ آتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ ؟ وكَيْفَ أخْلُقُ في الأرْضِ ما لَمْ يُخْلَقْ فِيها ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ (قالَ) بِألْفٍ بَعْدَ القافِ بِصِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

الإسراء 17:93

صفحة ٢٠٦ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ . عَطَفَ جُمْلَةَ وقالُوا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]، أيْ كَفَرُوا بِالقُرْآنِ وطَلَبُوا بِمُعْجِزاتٍ أُخْرى. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أكْثَرِ النّاسِ الَّذِينَ أبَوْا إلّا كُفُورًا، بِاعْتِبارِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ بَيْنَهم، وهم راضُونَ بِهِ، ومُتَمالِئُونَ عَلَيْهِ مَتى عَلِمُوهُ، فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ بَلْ يَكُونُ بَعْضُهم قائِلًا جَمِيعَهُ أوْ بَعْضُهم قائِلًا بَعْضَهُ. ولَمّا اشْتَمَلَ قَوْلُهم عَلى ضَمائِرِ الخِطابِ تَعَيَّنَ أنَّ بَعْضَهم خاطَبَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ مُباشَرَةً؛ إمّا في مَقامٍ واحِدٍ، وإمّا في مَقاماتٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ: أنّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والأسْوَدَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمَعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وناسًا مَعَهُمُ اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، وبَعَثُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ صفحة ٢٠٧ يَأْتِيَهم؛ فَأسْرَعَ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى هُداهم، فَعاتَبُوهُ عَلى تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ والطَّعْنِ في دِينِهِمْ، وعَرَضُوا عَلَيْهِ ما يَشاءُ مِن مالٍ أوْ تَسْوِيدٍ، وأجابَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ لا يَنْبَغِي غَيْرُ نُصْحِهِمْ، فَلَمّا رَأوْا مِنهُ الثَّباتَ انْتَقَلُوا إلى طَلَبِ بَعْضِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ. ورُوِي أنَّ الَّذِي سَألَ ما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ إلى آخِرِهِ، هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيُّ، وحَكى اللَّهُ امْتِناعَهم عَنِ الإيمانِ بِحَرْفِ (لَنِ) المُفِيدِ لِلتَّأْيِيدِ؛ لِأنَّهم كَذَلِكَ قالُوهُ. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِها أنَّ أرْضَها قَلِيلَةُ المِياهِ، بَعِيدَةٌ عَنِ الجَنّاتِ. والتَّفْجِيرُ: مَصْدَرُ فَجَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - مُبالَغَةً في الفَجْرِ، وهو الشَّقُّ بِاتِّساعٍ، ومِنهُ سُمِّيَ فَجْرُ الصَّباحِ فَجْرًا؛ لِأنَّ الضَّوْءَ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا طَوِيلًا عَرِيضًا، فالتَّفْجِيرُ أشَدُّ مِن مُطْلَقِ الفَجْرِ، وهو تَشْقِيقٌ شَدِيدٌ بِاعْتِبارِ اتِّساعِهِ، ولِذَلِكَ ناسَبَ اليَنْبُوعَ هُنا، والنَّهَرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾ . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (فَجَّرَ) المُضاعَفِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ، وسُكُونِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مُخَفَّفَةً، عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ”فَجَرَ“ كَنَصَرَ، فَلا التِفاتَ فِيها لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ اليَنْبُوعَ يَدُلُّ عَلى المَقْصُودِ، أوْ يُعَبِّرُ عَنْ مُخْتَلِفِ أقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى التَّصْمِيمِ في الِامْتِناعِ. ومَعْنى ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ لَنْ نُصَدِّقَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْنا. والإيمانُ: التَّصْدِيقُ، يُقالُ: آمَنَهُ، أيْ صَدَّقَهُ، وكَثُرَ أنْ يُعَدّى إلى صفحة ٢٠٨ المَفْعُولِ بِاللّامِ، قالَ تَعالى ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] وقالَ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهَذِهِ اللّامُ مِن قَبِيلِ ما سَمّاهُ في (مُغْنِي اللَّبِيبِ) لامَ التَّبْيِينِ، وغَفَلَ عَنِ التَّمْثِيلِ لَها بِهَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ مَجْرُورَ اللّامِ بَعْدَ فِعْلِ ”نُؤْمِنُ“ مَفْعُولٌ لا التِباسَ لَهُ بِالفاعِلِ، وإنَّما تُذْكَرُ اللّامُ؛ لِزِيادَةِ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها لِدَفْعِ التِباسِ مَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ بِمَفْعُولِ فِعْلِ (آمَنَ) إذا جَعَلَهُ أمِينًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] في سُورَةِ يُونُسَ. واليَنْبُوعُ: اسْمٌ لِلْعَيْنِ الكَثِيرَةِ النَّبْعِ الَّتِي لا يَنْضُبُ ماؤُها، وصِيغَةُ ”يَفْعُولٍ“ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ غَيْرُ قِياسِيَّةٍ، واليَنْبُوعُ مُشْتَقَّةٌ مِن مادَّةِ النَّبْعِ، غَيْرَ أنَّ الأسْماءَ الوارِدَةَ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَبَعْضُها ظاهِرٌ اشْتِقاقُهُ كاليَنْبُوعِ واليَنْبُوتِ، وبَعْضُها خَفِيٌّ كاليَعْبُوبِ لِلْفَرَسِ الكَثِيرِ الجَرْيِ، وقِيلَ: اشْتُقَّ مِنَ العَبِّ المَجازِيِّ، ومِنهُ أسْماءٌ مُعَرَّبَةٌ جاءَ تَعْرِيبُها عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ مِثْلَ: يَكْسُومَ، اسْمِ قائِدٍ حَبَشِيٍّ، ويَرْمُوكَ اسْمِ نَهْرٍ، وقَدِ اسْتَقْرى الحَسَنُ الصّاغانِيُّ ما جاءَ مِنَ الكَلِماتِ في العَرَبِيَّةِ عَلى وزْنِ ”يَفْعُولٍ“ في مُخْتَصَرٍ لَهُ مُرَتَّبٍ عَلى حُرُوفِ العَجَمِ، وقالَ السُّيُوطِيُّ في المُزْهِرِ: إنَّ ابْنَ دُرَيْدٍ عَقَدَ لَهُ في الجَمْهَرَةِ بابًا. والجَنَّةُ، والنَّخِيلُ، والعِنَبُ، والأنْهارُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصُّوا هَذِهِ الجَنَّةَ بِأنْ تَكُونَ لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الجَنَّةِ أنْ تَكُونَ خاصَّةً لِمِلْكِ واحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَأرَوْهُ أنَّهم لا يَبْتَغُونَ مِن هَذا الِاقْتِراحِ نَفْعَ أنْفُسِهِمْ، ولَكِنَّهم يَبْتَغُونَ حُصُولَهُ، ولَوْ كانَ لِفائِدَةِ المُقْتَرَحِ عَلَيْهِ، والمُقْتَرَحُ هو تَفْجِيرُ الماءِ في الأرْضِ القاحِلَةِ، وإنَّما ذَكَرُوا وُجُودَ الجَنَّةِ؛ تَمْهِيدًا لِتَفْجِيرِ أنْهارٍ خِلالَها، فَكَأنَّهم قالُوا: حَتّى تُفَجِّرَ لَنا يَنْبُوعًا يَسْقِي النّاسَ كُلَّهم، أوْ تُفَجِّرَ أنْهارًا تَسْقِي جَنَّةً واحِدَةً، تَكُونُ تِلْكَ الجَنَّةُ وأنْهارُها لَكَ، فَنَحْنُ مُقْتَنِعُونَ بِحُصُولِ ذَلِكَ لا بُغْيَةَ الِانْتِفاعِ مِنهُ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ . صفحة ٢٠٩ وذَكَرَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ ”تُفَجِّرَ“ قَدْ كَفى في الدَّلالَةِ عَلى المُبالَغَةِ في الفَجْرِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلْمُبالَغَةِ في العَدَدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦]، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ خِلالَها؛ لِأنَّ الجَنَّةَ تَتَخَلَّلُها شُعَبُ النَّهْرِ لِسَقْيِ الأشْجارِ، فَجَمَعَ الأنْهارَ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِ ماءِ النَّهْرِ إلى شُعَبٍ عَدِيدَةٍ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى إجْماعُ القُرّاءِ عَلى قِراءَةِ ”فَتُفَجِّرَ“ هُنا بِالتَّشْدِيدِ مَعَ اخْتِلافِهِمْ في الَّذِي قَبْلَهُ، وهَذا مِن لَطائِفِ مَعانِي القِراءاتِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، فَهي مِن أفانِينِ إعْجازِ القُرْآنِ. وقَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ انْتِقالٌ مِن تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَنافِعُ لَهم إلى تَحَدِّيهِ بِخَوارِقَ فِيها مَضَرَّتُهم، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ التَّوْسِيعَ عَلَيْهِ، أيْ فَلْيَأْتِهِمْ بِآيَةٍ عَلى ذَلِكَ ولَوْ في مَضَرَّتِهِمْ، وهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ كَما قالُوا، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ الإغْراقَ في التَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ، فَجَمَعُوا بَيْنَ جَعْلِ الإسْقاطِ لِنَفْسِ السَّماءِ، وعَزَّزُوا تَعْجِيبَهم بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ وهي ﴿كَما زَعَمْتَ﴾ إنْباءً بِأنَّ ذَلِكَ لا يُصَدِّقُ بِهِ أحَدٌ، وعَنَوْا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]، إذْ هو تَهْدِيدٌ لَهم بِأشْراطِ السّاعَةِ، وإشْرافِهِمْ عَلى الحِسابِ، وجَعَلُوا (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِسْفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الطور: ٤٤] تَبْعِيضِيَّةً، أيْ قِطْعَةً مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أبَوْا تَعْدِيَةَ فِعْلِ ”تُسْقِطَ“ إلى ذاتِ السَّماءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هاتانِ الآيَتانِ أوْ إحْداها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَبْعَدٍ. والكِسَفُ - بِكَسْرِ الكافِ وفَتْحِ السِّينِ_ جَمْعُ كِسْفَةٍ، وهي القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ السِّينِ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ المَكْسُوفِ بِمَعْنى المَقْطُوعِ. صفحة ٢١٠ والزَّعْمُ: القَوْلُ المُسْتَبْعَدُ أوِ المُحالُ. والقَبِيلُ: الجَماعَةُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ هم قَبِيلٌ خاصٌّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، كَأنَّهم قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِفَرِيقٍ مِن جِنْسِ المَلائِكَةِ. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. وإنَّما عُدِّيَ ﴿تَرْقى في السَّماءِ﴾ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرُّقِيَّ تَدَرُّجٌ في السَّماواتِ كَمَن يَصْعَدُ في المِرْقاةِ والسُّلَّمِ. ثُمَّ تَفَنَّنُوا في الِاقْتِراحِ فَسَألُوهُ إنْ رَقى أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِكِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ يَقْرَءُونَهُ، فِيهِ شَهادَةٌ بِأنَّهُ بَلَغَ السَّماءَ، قِيلَ: قائِلُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، قالَ: حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ. ولَعَلَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ كِتابًا كامِلًا دُفْعَةً واحِدَةً، فَيَكُونُوا قَدْ ألْحَدُوا بِتَنْجِيمِ القُرْآنِ؛ تَوَهُّمًا بِأنَّ تَنْجِيمَهُ لا يُناسِبُ كَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ التَّنْجِيمَ عِنْدَهم يَقْتَضِي التَّأمُّلَ والتَّصَنُّعَ في تَأْلِيفِهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ بَيانُ حِكْمَةِ تَنْجِيمِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِرُقِيِّكَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ التَّبْيِينِ، عَلى أنَّ ”رُقِيَّكَ“ مَفْعُولُ ”نُؤْمِنُ“ مِثْلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ فَيَكُونُ ادِّعاءُ الرُّقِيِّ مَنفِيًّا عَنْهُ التَّصْدِيقُ حَتّى يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العِلَّةِ، ومَفْعُولُ ”نُؤْمِنَ“ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، والتَّقْدِيرُ: لَنْ نُصَدِّقَكَ لِأجْلِ رُقِيِّكَ، هي ”تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا“ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ رَقى في السَّماءِ لَكَذَّبُوا أعْيُنَهم حَتّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ كِتابًا يَرَوْنَهُ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، وهَذا تَوَرُّكٌ مِنهم وتَهَكُّمٌ. ولَمّا كانَ اقْتِراحُهُمُ اقْتِراحَ مُلاجَّةٍ وعِنادٍ؛ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَجُّبِ مِن كَلامِهِمْ بِكَلِمَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّي﴾ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَما صفحة ٢١١ تَقَدَّمَ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وصِيغَةِ الحَصْرِ المُقْتَضِيَةِ قَصْرَ نَفْسِهِ عَلى البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لَسْتُ رَبًّا مُتَصَرِّفًا أخْلُقُ ما يُطْلَبُ مِنِّي، فَكَيْفَ آتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ ؟ وكَيْفَ أخْلُقُ في الأرْضِ ما لَمْ يُخْلَقْ فِيها ؟ وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ (قالَ) بِألْفٍ بَعْدَ القافِ بِصِيغَةِ الماضِي، عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

الإسراء 17:94

﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ . بَعْدَ أنْ عُدَّتْ أشْكالُ عِنادِهِمْ ومَظاهِرُ تَكْذِيبِهِمْ أُعْقِبَتْ بِبَيانِ العِلَّةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الجُحُودِ في جَمِيعِ الأُمَمِ، وهي تَوَهُّمُهُمُ اسْتِحالَةَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لِلنّاسِ بِرِسالَةٍ بَشَرًا مِثْلَهم، فَذَلِكَ التَّوَهُّمُ هو مَثارُ ما يَأْتُونَهُ مِنَ المَعاذِيرِ، فالَّذِينَ هَذا أصْلُ مُعْتَقَدِهِمْ لا يُرْجى مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ، وما قَصْدُهم مِن مُخْتَلَفِ المُقْتَرَحاتِ إلّا إرْضاءُ أوْهامِهِمْ بِالتَّنَصُّلِ مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ، فَلَوْ أتاهُمُ الرَّسُولُ بِما سَألُوهُ، لانْتَقَلُوا فَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، أوْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَعَ ما في هَذا مِن بَيانِ أصْلِ كُفْرِهِمْ، هو أيْضًا رَدٌّ بِالخُصُوصِ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] إلى آخِرِهِ. صفحة ٢١٢ وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّهم قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اعْتِقادِهِمْ ما قالُوهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَوْلَهم ذَلِكَ مانِعًا مِن أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ اعْتِقادَ قائِلِيهِ يَمْنَعُ مِن إيمانِهِمْ بِضِدِّهِ، ونُطْقَهم بِما يَعْتَقِدُونَهُ يَمْنَعُ مَن يَسْمَعُونَهم مِن مُتَّبِعِي دِينِهِمْ. وإلْقاءُ هَذا الكَلامِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ، وأداةِ العُمُومِ جَعَلَهُ تَذْيِيلًا لِما مَضى مِن حِكايَةِ تَفَنُّنِهِمْ في أسالِيبِ التَّكْذِيبِ، والتَّهَكُّمِ. فالظّاهِرُ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في النّاسِ عَلى الِاسْتِغْراقِ، أيْ ما مَنَعَ جَمِيعَ النّاسِ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا ذَلِكَ التَّوَهُّمُ الباطِلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَكى مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها فَقالَ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] . وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ هُودٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وعَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وحُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقالَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] وإذا شَمِلَ العُمُومُ كَفّارَ قُرَيْشٍ أمَرَ الرَّسُولُ بِأنْ يُجِيبَهم عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ الآيَةَ، فاخْتَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاجْتِثاثِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن أصْلِها، اخْتِصاصًا لَمْ يُلَقِّنْهُ مَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّهم تَلَقَّوْا تِلْكَ الشُّبْهَةَ بِاسْتِنْصارِ اللَّهِ تَعالى عَلى أقْوالِهِمْ فَقالَ عَنْ نُوحٍ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧] . صفحة ٢١٣ وقالَ مِثْلَهُ عَنْ هُودٍ وصالِحٍ، وقالَ عَنْ مُوسى وهارُونَ: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨]، فَقَدِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ قَواطِعَ الأدِلَّةِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ وشُبَهِ الضَّلالَةِ بِما يُناسِبُ كَوْنَهُ خاتَمَ الرُّسُلِ، ولِهَذا قالَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أنْ يُطاعَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم» . ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ إلَخْ: أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الرَّسُولَ لِلْقَوْمِ مِن نَوْعِهِمْ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المُخالَطَةِ؛ لِأنَّ اتِّحادَ النَّوْعِ هو قِوامُ تَيْسِيرِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، أيْ في صُورَةِ رَجُلٍ لِيُمْكِنَ التَّخاطُبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ. وجُمْلَةُ ”يَمْشُونَ“ وصْفٌ لِـ ”مَلائِكَةٌ“ . و”مُطْمَئِنِّينَ“ حالٌ، والمُطْمَئِنُّ: السّاكِنُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المُتَمَكِّنُ غَيْرُ المُضْطَرِبِ، أيْ مَشْيُ قَرارٍ في الأرْضِ، أيْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ قاطِنُونَ عَلى الأرْضِ غَيْرُ نازِلِينَ بِرِسالَةٍ لِلرُّسُلِ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا. ولَمّا كانَ المَشْيُ والِاطْمِئْنانُ في الأرْضِ مِن صِفَةِ الإنْسانِ آلَ المَعْنى إلى: لَوْ كُنْتُمْ مَلائِكَةً لَنَزَّلْنا عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا، فَلَمّا كُنْتُمْ بَشَرًا أرْسَلَنا إلَيْكم بَشَرًا مِثْلَكم، ومَجِيءُ الهُدى هو دَعْوَةُ الرُّسُلِ إلى الهُدى.

الإسراء 17:95

﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ . بَعْدَ أنْ عُدَّتْ أشْكالُ عِنادِهِمْ ومَظاهِرُ تَكْذِيبِهِمْ أُعْقِبَتْ بِبَيانِ العِلَّةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي تَبْعَثُ عَلى الجُحُودِ في جَمِيعِ الأُمَمِ، وهي تَوَهُّمُهُمُ اسْتِحالَةَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لِلنّاسِ بِرِسالَةٍ بَشَرًا مِثْلَهم، فَذَلِكَ التَّوَهُّمُ هو مَثارُ ما يَأْتُونَهُ مِنَ المَعاذِيرِ، فالَّذِينَ هَذا أصْلُ مُعْتَقَدِهِمْ لا يُرْجى مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا، ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ، وما قَصْدُهم مِن مُخْتَلَفِ المُقْتَرَحاتِ إلّا إرْضاءُ أوْهامِهِمْ بِالتَّنَصُّلِ مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ، فَلَوْ أتاهُمُ الرَّسُولُ بِما سَألُوهُ، لانْتَقَلُوا فَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، أوْ قُلُوبُنا غُلْفٌ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ومَعَ ما في هَذا مِن بَيانِ أصْلِ كُفْرِهِمْ، هو أيْضًا رَدٌّ بِالخُصُوصِ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] إلى آخِرِهِ. صفحة ٢١٢ وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّهم قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهو مَعَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اعْتِقادِهِمْ ما قالُوهُ، ولِذَلِكَ جَعَلَ قَوْلَهم ذَلِكَ مانِعًا مِن أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ اعْتِقادَ قائِلِيهِ يَمْنَعُ مِن إيمانِهِمْ بِضِدِّهِ، ونُطْقَهم بِما يَعْتَقِدُونَهُ يَمْنَعُ مَن يَسْمَعُونَهم مِن مُتَّبِعِي دِينِهِمْ. وإلْقاءُ هَذا الكَلامِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ، وأداةِ العُمُومِ جَعَلَهُ تَذْيِيلًا لِما مَضى مِن حِكايَةِ تَفَنُّنِهِمْ في أسالِيبِ التَّكْذِيبِ، والتَّهَكُّمِ. فالظّاهِرُ حَمْلُ التَّعْرِيفِ في النّاسِ عَلى الِاسْتِغْراقِ، أيْ ما مَنَعَ جَمِيعَ النّاسِ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا ذَلِكَ التَّوَهُّمُ الباطِلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَكى مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها فَقالَ حِكايَةً عَنْ قَوْمِ نُوحٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] . وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ هُودٍ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٥٤]، وعَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﴿وما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وحُكِيَ عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وقالَ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] وإذا شَمِلَ العُمُومُ كَفّارَ قُرَيْشٍ أمَرَ الرَّسُولُ بِأنْ يُجِيبَهم عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ الآيَةَ، فاخْتَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِاجْتِثاثِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن أصْلِها، اخْتِصاصًا لَمْ يُلَقِّنْهُ مَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، فَإنَّهم تَلَقَّوْا تِلْكَ الشُّبْهَةَ بِاسْتِنْصارِ اللَّهِ تَعالى عَلى أقْوالِهِمْ فَقالَ عَنْ نُوحٍ ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا ونَجِّنِي ومَن مَعِيْ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١٧] . صفحة ٢١٣ وقالَ مِثْلَهُ عَنْ هُودٍ وصالِحٍ، وقالَ عَنْ مُوسى وهارُونَ: ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨]، فَقَدِ ادَّخَرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ قَواطِعَ الأدِلَّةِ عَلى إبْطالِ الشِّرْكِ وشُبَهِ الضَّلالَةِ بِما يُناسِبُ كَوْنَهُ خاتَمَ الرُّسُلِ، ولِهَذا قالَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ أنْ يُطاعَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم» . ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ﴾ إلَخْ: أنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ الرَّسُولَ لِلْقَوْمِ مِن نَوْعِهِمْ؛ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ المُخالَطَةِ؛ لِأنَّ اتِّحادَ النَّوْعِ هو قِوامُ تَيْسِيرِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، أيْ في صُورَةِ رَجُلٍ لِيُمْكِنَ التَّخاطُبُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ. وجُمْلَةُ ”يَمْشُونَ“ وصْفٌ لِـ ”مَلائِكَةٌ“ . و”مُطْمَئِنِّينَ“ حالٌ، والمُطْمَئِنُّ: السّاكِنُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المُتَمَكِّنُ غَيْرُ المُضْطَرِبِ، أيْ مَشْيُ قَرارٍ في الأرْضِ، أيْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ قاطِنُونَ عَلى الأرْضِ غَيْرُ نازِلِينَ بِرِسالَةٍ لِلرُّسُلِ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ مَلَكًا. ولَمّا كانَ المَشْيُ والِاطْمِئْنانُ في الأرْضِ مِن صِفَةِ الإنْسانِ آلَ المَعْنى إلى: لَوْ كُنْتُمْ مَلائِكَةً لَنَزَّلْنا عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا، فَلَمّا كُنْتُمْ بَشَرًا أرْسَلَنا إلَيْكم بَشَرًا مِثْلَكم، ومَجِيءُ الهُدى هو دَعْوَةُ الرُّسُلِ إلى الهُدى.

الإسراء 17:96

﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ بَعْدَ أنْ خَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِتَلْقِينِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ لِلضَّلالَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَلْقِينِهِ أيْضًا ما لَقَّنَهُ الرُّسُلَ السّابِقِينَ مِن تَفْوِيضِ الأمْرِ إلى اللَّهِ صفحة ٢١٤ وتَحْكِيمِهِ في أعْدائِهِ، فَأمَرَهُ بِـ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ، وتَثْبِيتًا لِنَفْسِهِ، وتَعَهُّدًا لَهُ بِالفَصْلِ بَيْنَهُ، وبَيْنَهم كَما قالَ نُوحٌ وهُودٌ ﴿رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦]، وغَيْرُهُما مِنَ الرُّسُلِ قالَ قَرِيبًا مِن ذَلِكَ. وفِي هَذا رَدٌّ لِمَجْمُوعِ مُقْتَرَحاتِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ. ومَفْعُولُ ”كَفى“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: كَفانِي، والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ، وهو المُخْبِرِ بِالأمْرِ الواقِعِ كَما وقَعَ. وأُرِيدَ بِالشَّهِيدِ هُنا الشَّهِيدُ لِلْمُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ النَّصِيرِ والحاكِمِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ سَبَبُ الحُكْمِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾؛ لِأنَّ ظَرْفَ (بَيْنَ) يُناسِبُ مَعْنى الحُكْمِ، وهَذا بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧] وقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] . والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ فِعْلِ ”كَفى“ بِفاعِلِهِ، وأصْلُهُ: كَفى اللَّهُ شَهِيدًا. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاكْتِفاءِ بِهِ تَعالى، و”الخَبِيرُ“ العَلِيمُ، وأُرِيدَ بِهِ العَلِيمُ بِالنَّوايا والحَقائِقِ، و”البَصِيرُ“ العَلِيمُ بِالذَّواتِ والمُشاهَداتِ مِن أحْوالِها، والمَقْصُودُ مِنِ اتِّباعِهِ بِهِ إحاطَةُ العِلْمِ وشُمُولُهُ.

الإسراء 17:97

﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ [الإسراء: ٩٤] جَمْعًا بَيْنَ المانِعِ الظّاهِرِ المُعْتادِ مِنَ الهُدى، وبَيْنَ المانِعِ الحَقِيقِيِّ، وهو حِرْمانُ التَّوْفِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَمَن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الدَّلِيلِ صفحة ٢١٥ لِذَوِي العُقُولِ، فَذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُوَفِّقْهُ، وأسْبابُ الحِرْمانِ غَضَبُ اللَّهِ عَلى مَن لا يُلْقِي عَقْلَهُ لِتَلَقِّي الحَقِّ، ويَتَّخِذُ هَواهُ رائِدًا لَهُ في مَواقِفِ الجِدِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الإسراء: ٩٦] ارْتِقاءً في التَّسْلِيَةِ، أيْ لا يَحْزُنْكَ عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ الِاهْتِداءَ لَمّا أخَذُوا بِالعِنادِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ في حَقِيقَةِ الرِّسالَةِ. والمُرادُ بِالهُدى: الهُدى إلى الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . والتَّعْرِيفُ في المُهْتَدِي تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فالمُعَرَّفُ مُساوٍ لِلنَّكِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهو مُهْتَدٍ، وفائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ مُهْتَدٍ التَّوْطِئَةُ إلى ذِكْرِ مُقابِلِهِ، وهو ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ﴾، كَما يُقالُ: مَن عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي ومَن لَمْ يَعْرِفْنِي فَأنا فُلانٌ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ التَّعْرِيفَ في قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ تَعْرِيفَ الجِنْسِ؛ فَيُفِيدُ قَصْرَ الهِدايَةِ عَلى الَّذِي هَداهُ اللَّهُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ دُونَ مَن تُرِيدُ أنْتَ هَداهُ، وأضَلَّهُ اللَّهُ، ولا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى القَصْرِ الِادِّعائِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الكَمالِ؛ لِأنَّ الهُدى المُرادَ هُنا هُدًى واحِدٌ، وهو الهُدى إلى الإيمانِ. وحُذِفَتْ ياءُ ”المُهْتَدِي“ في رَسْمِ المُصْحَفِ؛ لِأنَّهم وقَفُوا عَلَيْها بِدُونِ ياءٍ، عَلى لُغَةِ مَن يَقِفُ عَلى الِاسْمِ المَنقُوصِ غَيْرِ المُنَوَّنِ بِحَذْفِ الياءِ، وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى القِياسِ، ولَكِنَّها أُوثِرَتْ مِن جِهَةِ التَّخْفِيفِ لِثِقَلِ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مَعَ ثِقَلِ حَرْفِ العِلَّةِ في آخِرِ الكَلِمَةِ، ورُسِمَتْ بِدُونِ ياءٍ؛ لِأنَّ شَأْنَ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُرْسَمَ بِمُراعاةِ حالِ الوَقْفِ، وأمّا في حالِ النُّطْقِ في الوَصْلِ فَقَرَأها نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ وهو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ كَتَبُوا الياءَ في مَصاحِفِهِمْ بِاللَّوْنِ الأحْمَرِ، وجَعَلُوها أدَقَّ مِن بَقِيَّةِ الحُرُوفِ المَرْسُومَةِ صفحة ٢١٦ فِي المُصْحَفِ؛ تَفْرِقَةً بَيْنِها وبَيْنَ ما رَسَمَهُ الصَّحابَةُ كُتّابُ المُصْحَفِ، والباقُونَ حَذَفُوا الياءَ في النُّطْقِ في الوَصْلِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وذَلِكَ - وإنْ كانَ نادِرًا في غَيْرِ الشِّعْرِ_ إلّا أنَّ الفُصَحاءَ يُجْرُونَ الفَواصِلَ مَجْرى القَوافِي، واعْتَبَرُوا الفاصِلَةَ كُلَّ جُمْلَةٍ تَمَّ بِها الكَلامُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَمْثِيلُ سِيبَوَيْهِ في كِتابَةِ الفاصِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] وقَوْلِهِ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] في سُورَةِ الرَّعْدِ. والخِطابُ في ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ هَذا الكَلامَ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لَهُ، فَنَفْيُ وُجْدانِ الأوْلِياءِ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ وُجُودِ الأوْلِياءِ لَهم؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ لَوَجَدَهم هو وعَرَفَهم. والأوْلِياءُ: الأنْصارُ، أيْ لَنْ تَجِدَ لَهم أنْصارًا يُخَلِّصُونَهم مِن جَزاءِ الضَّلالِ، وهو العَذابُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوْلِياءُ بِمَعْنى مُتَوَلِّي شَأْنِهِمْ، أيْ لَنْ تَجِدَ لَهم مَن يُصْلِحُ حالَهم؛ فَيَنْقُلُهم مِنَ الضَّلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وجَمْعُ (الأوْلِياءِ) بِاعْتِبارِ مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، أيْ لَنْ تَجِدَ لِكُلِّ واحِدٍ ولِيًّا، ولا لِجَماعَتِهِ، ولِيًّا، كَما يُقالُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم. ومِن دُونِهِ أيْ غَيْرِهِ. * * * ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ ذَكَرَ المَقْصُودَ مِن نَفْيِ الوَلِيِّ أوِ المَآلِ لَهُ بِذِكْرِ صُورَةِ عِقابِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ الآيَةَ. صفحة ٢١٧ والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ مِن مَواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَشْيَهم عُدِّيَ الحَشْرُ بِحَرْفِ (عَلى)؛ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (يَمْشُونَ)، وقَدْ فَهِمَ النّاسُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ فَسَألُوا النَّبِيءَ ﷺ «كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ ؟ فَقالَ: إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ» . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ التَّشْوِيهِ، والتَّعْذِيبِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أرَقُّ تَحَمُّلًا لِصَلابَةِ الأرْضِ - مِنَ الرِّجْلِ. وهَذا جَزاءٌ مُناسِبٌ لِلْجُرْمِ؛ لِأنَّهم رَوَّجُوا الضَّلالَةَ في صُورَةِ الحَقِّ، ووَسَمُوا الحَقَّ بِسِماتِ الضَّلالِ، فَكانَ جَزاؤُهم أنْ حُوِّلَتْ وُجُوهُهم أعْضاءَ مَشْيٍ عِوَضًا عَنِ الأرْجُلِ، ثُمَّ كانُوا ﴿عُمْيًا وبُكْمًا﴾ جَزاءَ أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى الرَّسُولِ، وعَلى القُرْآنِ، وصُمًّا جَزاءَ امْتِناعِهِمْ مِن سَماعِ الحَقِّ، كَما قالَ تَعالى عَنْهُمْ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وقالَ عَنْهم ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٥]، وقالَ عَنْهم ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ [الإسراء: ٧٢] أيْ مَن كانَ أعْمى عَنِ الحَقِّ فَهو في الحَشْرِ يَكُونُ مَحْرُومًا مِن مُتْعَةِ النَّظَرِ، وهَذِهِ حالَتُهم عِنْدَ الحَشْرِ والمَأْوى مَحَلُّ الأوْيِ، أيِ النُّزُولِ بِالمَأْوى، أيِ المَنزِلِ والمَقَرِّ. وخَبَتِ النّارُ خُبُوًا وخَبْوًا: نَقَصَ لَهِيبُها. والسَّعِيرُ: لَهَبُ النّارِ، وهو مُشْتَقٌّ مِن سَعْرِ النّارِ، إذا هُيِّجَ وقُودُها، وقَدْ جَرى الوَصْفُ فِيهِ عَلى التَّذْكِيرِ تَبَعًا لِتَذْكِيرِ اللَّهَبِ، والمَعْنى: زِدْناهم لَهَبًا فِيها. وفِي قَوْلِهِ ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ إشْكالٌ؛ لِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ لا تَخْبُو، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾ [البقرة: ٨٦]، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الكَفَرَةَ وقُودٌ لِلنّارِ قالَ تَعالى ﴿وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فَإذا أحْرَقَتْهُمُ النّارُ زالَ اللَّهَبُ الَّذِي كانَ مُتَصاعِدًا مِن أجْسامِهِمْ، فَلا يَلْبَثُونَ أنْ يُعادَوْا كَما كانُوا فَيَعُودَ الِالتِهابُ لَهم. صفحة ٢١٨ فالخَبْوُ وازْدِيادُ الِاشْتِعالِ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسادِهِمْ لا في أصْلِ نارِ جَهَنَّمَ، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ سُلِّطَ فِعْلُ زِدْناهم عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ازْدِيادَ السَّعِيرِ كانَ فِيهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّما خَبَتْ فِيهِمْ زِدْناهم سَعِيرًا، ولَمْ يُقَلْ: زِدْناها سَعِيرًا. وعِنْدِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ جارٍ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ، وبادِئِ الإطْماعِ المُسْفِرِ عَنْ خَيْبَةٍ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ ازْدِيادَ السَّعِيرِ مُقْتَرِنًا بِكُلِّ زَمانٍ مِن أزْمِنَةِ الخَبْوِ، كَما تُفِيدُهُ كَلِمَةُ (كُلَّما) الَّتِي هي بِمَعْنى كُلِّ زَمانٍ، وهَذا في ظاهِرِهِ إطْماعٌ بِحُصُولِ خَبْوٍ؛ لِوُرُودِ لَفْظِ الخَبْوِ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ يَئُولُ إلى يَأْسٍ مِنهُ، إذْ يَدُلُّ عَلى دَوامِ سَعِيرِها في كُلِّ الأزْمانِ؛ لِاقْتِرانِ ازْدِيادِ سَعِيرِها بِكُلِّ أزْمانِ خَبْوِها، فَهَذا الكَلامُ مِن قَبِيلِ التَّمْلِيحِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وقَوْلُ إياسٍ القاضِي لِلْخَصْمِ الَّذِي سَألَهُ: عَلى مَن قَضَيْتَ ؟ فَقالَ: عَلى ابْنِ أُخْتِ خالِكَ.

الإسراء 17:98

﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ العِقابَ الفَظِيعَ المَحْكِيَّ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ السُّؤالَ عَنْ سَبَبِ تَرَكُّبِ هَذِهِ الهَيْئَةِ مِن تِلْكَ الصُّورَةِ المُفْظِعَةِ، فالجَوابُ بِأنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ الكُفْرِ بِالآياتِ، وإنْكارِ المَعادِ. فالإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ بِتَأْوِيلِ ”المَذْكُورُ“ . والجَزاءُ: العِوَضُ عَنْ عَمَلٍ. والباءُ في ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ. صفحة ٢١٩ والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وقالُوا أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بِأنَّهم كَفَرُوا﴾، فَذُكِرَ وجْهُ اجْتِماعِ تِلْكَ العُقُوباتِ لَهم، وذُكِرَ سَبَبانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ بِالآياتِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ صُنُوفٌ مِنَ الجَرائِمِ تَفْصِيلًا وجَمْعًا، تُناسِبُها العُقُوبَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [الإسراء: ٩٧] . وثانِيهِما: إنْكارُهُمُ البَعْثَ بِقَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ المُناسِبُ لَهُ أنْ يُعاقَبُوا عِقابًا يُناسِبُ ما أنْكَرُوهُ مِن تَجَدُّدِ الحَياةِ بَعْدَ المَصِيرِ رُفاتًا، فَإنَّ رُفاتَ الإحْراقِ أشَدُّ اضْمِحْلالًا مِن رُفاتِ العِظامِ في التُّرابِ. والِاسْتِفْهامُ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿أئِذا كُنّا عِظامًا﴾ وقَوْلِهِ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ إنْكارِيٌّ، وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في إثْباتِ الهَمْزَتَيْنِ في قَوْلِهِ أإذا وفي إثْباتِها في قَوْلِهِ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

الإسراء 17:99

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ جُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٨] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ الرَّدْعِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، فَبَعْدَ زَجْرِهِمْ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأُسْلُوبِ التَّهْدِيدِ عَطَفَ عَلَيْهِ إبْطالَ اعْتِقادِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ بِقِياسِ التَّمْثِيلِ في الإمْكانِ، وهو كافٍ في إقْناعِهِمْ هُنا؛ لِأنَّهم إنَّما أنْكَرُوا البَعْثَ بِاعْتِقادِ اسْتِحالَتِهِ، كَما أفْصَحَ عَنْهُ صفحة ٢٢٠ حِكايَةً كَلامُهم بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وإحالَتُهم ذَلِكَ مُسْتَنِدَةٌ إلى أنَّهم صارُوا عِظامًا ورُفاتًا، أيْ بِتَعَذُّرِ خَلْقِ أمْثالِ تِلْكَ الأجْزاءِ، ولَمْ يَسْتَدِلُّوا بِدَلِيلٍ آخَرَ، فَكانَ تَمْثِيلُ خَلْقِ أجْسامٍ مِن أجْزاءٍ بالِيَةٍ بِخَلْقِ أشْياءَ أعْظَمَ مِنها مِن عَدَمٍ أوْغَلَ في الفَناءِ دَلِيلًا يَقْطَعُ دَعْواهم. والِاسْتِفْهامُ في ”أوَلَمَ يَرَوْا“ إنْكارِيٌّ مَشُوبٌ بِتَعْجِيبٍ مِنِ انْتِفاءِ عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمّا جَرَتْ عَقائِدُهم عَلى اسْتِبْعادِ البَعْثِ كانُوا بِحالِ مَن لَمْ تَظْهَرْ لَهُ دَلائِلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، فَيَئُولُ الكَلامُ إلى إثْباتِ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ. والرُّؤْيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الِاعْتِقادِ؛ لِأنَّها عُدِّيَتَ إلى كَوْنِ اللَّهِ قادِرًا، وذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المُبْصَراتِ، والمَعْنى: أوَلَمَ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم ؟ وضَمِيرُ ”مِثْلَهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَرَوْا“ وهو النّاسُ في قَوْلِهِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ [الإسراء: ٩٤] أيِ المُشْرِكِينَ. والمِثْلُ: المُماثِلُ، أيْ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ ناسًا أمْثالَهم؛ لِأنَّ الكَلامَ في إثْباتِ إعادَةِ أجْسامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ، لا في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا آخَرَ، ويَكُونُ في الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ البَعْثَ إعادَةُ أجْسامٍ أُخْرى عَنْ عَدَمٍ، فَيُخْلَقُ لِكُلِّ مَيِّتٍ جَسَدٌ جَدِيدٌ عَلى مِثالِ جَسَدِهِ الَّذِي كانَ في الدُّنْيا، وتُوضَعُ فِيهِ الرُّوحُ الَّتِي كانَتْ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ ”مِثْلَ“ هُنا كِنايَةً عَنْ نَفْسِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ فِيهِ، أيْ عَلى جَعْلِ الكافِ الدّاخِلَةِ عَلى لَفْظِ ”مِثْلِهِ“ غَيْرَ زائِدَةٍ، والمَعْنى: قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهم، أيْ أنْ يُعِيدَ خَلْقَهم، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأعْجَبَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ. ولِعُلَمائِنا طُرُقٌ في إعادَةِ الأجْسامِ عِنْدَ البَعْثِ فَقِيلَ: تَكُونُ الإعادَةُ عَنْ عَدَمٍ، وقِيلَ: تَكُونُ عَنْ جَمِيعِ ما تَفَرَّقَ مِنَ الأجْسامِ، وقِيلَ: يَنْبُتُ مِن عَجْبِ صفحة ٢٢١ ذَنَبِ كُلِّ شَخْصٍ جَسَدٌ جَدِيدٌ مُماثِلٌ لِجَسَدِهِ، كَما تَنْبُتُ مِنَ النَّواةِ شَجَرَةٌ مُماثِلَةٌ لِلشَّجَرَةِ الَّتِي أثْمَرَتْ ثَمَرَةَ تِلْكَ النَّواةِ. ووَصْفُ اسْمِ الجَلالَةِ بِالمَوْصُولِ؛ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وهو الإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أمْرٌ مُشاهَدٌ مَعْلُومٌ، وكَوْنُهُ مِن فِعْلِ اللَّهِ لا يُنازِعُونَ فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”أوْلَمَ يَرَوْا“ لِتَأْوِيلِها بِمَعْنى قَدْ رَأوْا ذَلِكَ لَوْ كانَ لَهم عُقُولٌ، أيْ تَحَقَّقُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ، وقَدْ جَعَلَ لَهم أجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ. والأجْلُ: الزَّمانُ المَجْعُولُ غايَةً يُبْلَغُ إلَيْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى امْتِدادِ الحَياةِ، وهو المُدَّةُ المُقَدَّرَةُ لِكُلِّ حَيٍّ بِحَسَبِ ما أوْدَعَ اللَّهُ فِيهِ مِن سَلامَةِ آلاتِ الجِسْمِ، وما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فَتَخْرِمُ بَعْضَ تِلْكَ السَّلامَةِ أوْ تُقَوِّيها. والأجَلُ هُنا مُحْتَمِلٌ لِإرادَةِ الوَقْتِ الَّذِي جُعِلَ لِوُقُوعِ البَعْثِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. ووَجْهُ كَوْنِ هَذا (الجَعْلِ) لَهم أنَّهم داخِلُونَ في ذَلِكَ الأجَلِ؛ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ مَن يُبْعَثُ حِينَئِذٍ، فَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، والمَعْنى: وجَعَلَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ أجَلًا. ومَعْنى كَوْنِ الأجَلِ لا رَيْبَ فِيهِ: أنَّهُ لا يَنْبَغِي فِيهِ رَيْبٌ، وأنَّ رَيْبَ المُرْتابِينَ فِيهِ مُكابَرَةٌ، أوْ إعْراضٌ عَنِ النَّظَرِ، فَهو مِن بابِ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأجَلُ أجْلَ الحَياةِ، أيْ وجُعِلَ لِحَياتِهِمْ أجَلًا، فَيَكُونَ اسْتِدْلالًا ثانِيًا عَلى البَعْثِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ جَعَلَ لَهم أجَلًا لِحَياتِهِمْ ؟ فَما أوَجَدَهم، وأحْياهم، وجَعَلَ لِحَياتِهِمْ أجَلًا إلّا لِأنَّهُ سَيُعِيدُهم إلى حَياةٍ أُخْرى، صفحة ٢٢٢ وإلّا لَما أفْناهم بَعْدَ أنْ أحْياهم؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي أنَّ ما يُوجِدُهُ الحَكِيمُ يَحْرِصُ عَلى بَقائِهِ، وعَدَمِ فَنائِهِ، فَما كانَ هَذا الفَناءُ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ إلّا فَناءً عارِضًا؛ لِاسْتِقْبالِ وُجُودٍ أعْظَمَ مِن هَذا الوُجُودِ وأبْقى. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَوَجْهُ كَوْنِ هَذا الجَعْلِ لَهم ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الآجالَ آجالُهم، وكَوْنُهُ لا رَيْبَ فِيهِ أيْضًا ظاهِرٌ؛ لِأنَّهم لا يَرْتابُونَ في أنَّ لِحَياتِهِمْ آجالًا، وقَدْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَهم أجَلًا﴾ تَعْرِيضًا بِالمِنَّةِ بِنِعْمَةِ الإمْهالِ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ، وتَعْرِيضًا بِالتَّذْكِيرِ بِإفاضَةِ الأرْزاقِ عَلَيْهِمْ في مُدَّةِ الأجَلِ؛ لِأنَّ في ذِكْرِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ تَذْكِيرًا بِما تَحْتَوِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ مِنَ الأرْزاقِ وأسْبابِها. وجُمْلَةُ ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الجُمْلَتَيْنِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتاهُ مِنَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، أيْ عَلِمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ الأجْسامِ - ومَعَ عِلْمِهِمْ - أبَوْا إلّا كُفُورًا، فالتَّفْرِيعُ مِن تَمامِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. واسْتِثْناءُ الكُفُورِ مِنَ الإبايَةِ تَأْكِيدٌ لِلشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. والكُفُورُ: جُحُودُ النِّعْمَةِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا، واخْتِيرَ الكُفُورُ هُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كَفَرُوا بِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ، وكَفَرُوا نِعْمَةَ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ؛ فَعَبَدُوا غَيْرَ المُنْعِمِ.

الإسراء 17:100

﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّيَ إذًا لَأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ اعْتِراضٌ ناشِئٌ عَنْ بَعْضِ مُقْتَرَحاتِهِمُ الَّتِي تَوَهَّمُوا عَدَمَ حُصُولِها دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ إرْسالِ بَشِيرٍ، فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ لِتَكْمِلَةِ رَدِّ شُبُهاتِهِمْ، وهَذا رَدٌّ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ”تَفْجِيرًا“، وقَوْلُهم ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣] مِن تَعَذُّرِ حُصُولِ ذَلِكَ؛ لِعَظِيمِ قِيمَتِهِ. صفحة ٢٢٣ ومَعْنى الرَّدِّ: أنَّ هَذا لَيْسَ بِعَظِيمٍ في جانِبِ خَزائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ، لَوْ شاءَ أنْ يُظْهِرَهُ لَكم. وأُدْمِجَ في هَذا الرَّدِّ بَيانُ ما فِيهِمْ مِنَ البُخْلِ عَنِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أيْضًا تَذْكِيرُهم بِأنَّ اللَّهَ أعْطاهم مِن خَزائِنِ رَحْمَتِهِ، فَكَفَرُوا نِعْمَتَهُ، وشَكَرُوا الأصْنامَ الَّتِي لا نِعْمَةَ لَها، ويَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، كُلٌّ عَلى قَدْرِ نَصِيبِهِ. وشَأْنُ (لَوْ) أنْ يَلِيَها الفِعْلُ ماضِيًا في الأكْثَرِ أوْ مُضارِعًا في اعْتِباراتٍ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالدُّخُولِ عَلى الأفْعالِ، فَإذا أوْقَعُوا الِاسْمَ بَعْدَها في الكَلامِ، وأخَّرُوا الفِعْلَ عَنْهُ فَإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِقَصْدٍ بَلِيغٍ: إمّا لِقَصْدِ التَّقَوِّي والتَّأْكِيدِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذِكْرَ الفِعْلِ بَعْدَ الأداةِ ثُمَّ ذِكْرَ فاعِلِهِ، ثُمَّ ذِكْرَ الفِعْلِ مَرَّةً ثانِيَةً تَأْكِيدٌ وتَقْوِيَةٌ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التوبة: ٦] وإمّا لِلِانْتِقالِ مِنَ التَّقَوِّي إلى الِاخْتِصاصِ، بِناءً عَلى أنَّهُ ما قُدِّمَ الفاعِلُ مِن مَكانِهِ إلّا لِقَصْدِ طَرِيقٍ غَيْرِ مَطْرُوقٍ، وهَذا الِاعْتِبارُ هو الَّذِي يَتَعَيَّنُ التَّخْرِيجُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مِنَ الكَلامِ البَلِيغِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ لِأبِي عُبَيْدَةَ: لَوْ غَيْرُكَ قالَها. والمَعْنى: لَوْ أنْتُمْ أُخْصِصْتُمْ بِمِلْكِ خَزائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ دُونَ اللَّهِ لَما أنْفَقْتُمْ عَلى الفُقَراءِ شَيْئًا، وذَلِكَ أشَدُّ في التَّقْرِيعِ، وفي الِامْتِنانِ بِتَخْيِيلِ أنَّ إنْعامَ غَيْرِهِ كالعَدَمِ. وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ لا يُناكِدُ اخْتِصاصَ (لَوْ) بِالأفْعالِ؛ لِلِاكْتِفاءِ بِوُقُوعِ الفِعْلِ في حَيِّزِها غَيْرَ مُوالٍ إيّاها، ومُوالاتُهُ إيّاها أمْرٌ أغْلَبِيٌّ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَوْ أنْتَ عالِمٌ لَبَذَذْتَ الأقْرانَ. واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ فَرْضُ أنْ يَمْلِكُوا ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. و”أمْسَكْتُمْ“ هُنا مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ: إذًا لاتَّصَفْتُمْ بِالإمْساكِ، أيِ البُخْلِ، يُقالُ: فُلانٌ مُمْسِكٌ، أيْ بَخِيلٌ، ولا يُرادُ أنَّهُ مُمْسِكٌ شَيْئًا مُعَيَّنًا. صفحة ٢٢٤ وأكَّدَ جَوابَ (لَوْ) بِزِيادَةِ حَرْفِ (إذًا) فِيهِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الجَوابِيَّةِ، ولِأنَّ في (إذًا) مَعْنى الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ عَوانَةَ: أفاطِمُ لَوْ شَهِدْتِ بِبَطْنِ خَبْتٍ وقَدْ لاقى الهِزَبْرُ أخاكَ بِشْرا إذًا لَرَأيْتِ لَيْثًا أمْ لَيْثًا ∗∗∗ هِزَبْرًا أغْلَبًا لاقى هِزَبْرا وجُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾ حالِيَّةٌ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ في آخِرِ الكَلامِ، وهي تُفِيدُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّها عامَّةُ الحُكْمِ، فالواوُ فِيها لَيْسَتْ عاطِفَةً. والقَتُورُ: الشَّدِيدُ البُخْلِ، مُشْتَقٌّ مِنَ (القَتْرِ) وهو التَّضْيِيقُ في الإنْفاقِ.

الإسراء 17:101

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ بَقِيَ قَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] غَيْرَ مَرْدُودٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ مُخالَفَةً لِبَقِيَّةِ ما اقْتَرَحُوهُ بِأنَّهُ اقْتِراحُ آيَةِ عَذابٍ ورُعْبٍ، فَهو مِن قَبِيلِ آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ، فَكانَ ذِكْرُ ما آتاهُ اللَّهُ مُوسى مِنَ الآياتِ، وعَدَمِ إجْداءِ ذَلِكَ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ تَنْظِيرًا لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ. والمَقْصُودُ: أنَّنا آتَيْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وزَعَمُوا ذَلِكَ سِحْرًا، فَفي ذَلِكَ صفحة ٢٢٥ مَثَلٌ لِلْمُكابِرِينَ كُلِّهِمْ، وما قُرَيْشٌ إلّا مِنهم، فَفي هَذا مَثَلٌ لِلْمُعانِدِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، والآياتُ التِّسْعُ هي: بَياضُ يَدِهِ كُلَّما أدْخَلَها في جَيْبِهِ وأخْرَجَها، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والرِّجْزُ وهو الدُّمَّلُ، والقَحْطُ وهو السُّنُونَ ونَقَصُ الثَّمَراتِ، وهي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجَمَعَها الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في قَوْلِهِ: عَصًا سَنَةٌ بَحْرٌ جَرادٌ وقُمَّلُ يَدٌ ودَمٌ بَعْدَ الضَّفادِعِ طُوفانُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ الآياتِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالمُقارَنَةِ بَيْنَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالرِّسالَةِ بِعِلَّةِ أنَّ الَّذِي جاءَهم بَشَرٌ، ولِلْحُجَّةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ، ولَقَّنُوهم شُبَهَ الإلْحادِ في الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؛ لِيَصْفُوَ لَهم جَوُّ العِلْمِ في بِلادِ العَرَبِ، وهم ما كانُوا يَحْسُبُونَ لِما وراءَ ذَلِكَ حِسابًا. فالمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ عَلى رِسالَتِهِ. وهَذا مِثْلُ التَّنْظِيرِ بَيْنَ إيتاءِ مُوسى، وإيتاءِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] الآيَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّفْرِيعِ إلى التَّسْجِيلِ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتِشْهادًا بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وإدْماجًا لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ بِأنَّهم ساوَوُا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ صفحة ٢٢٦ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومُظاهَرَتِهِمُ المُشْرِكِينَ بِالدَّسِّ وتَلْقِينِ الشُّبَهِ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذْ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ . والخِطابُ في قَوْلِهِ ”فاسْألْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمُرادُ: سُؤالُ الِاحْتِجاجِ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، لا سُؤالُ الِاسْتِرْشادِ كَما هو بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ مَسْحُورًا ظاهِرُهُ أنَّ مَعْناهُ مُتَأثِّرًا بِالسِّحْرِ، أيْ سَحَرَكَ السَّحَرَةُ، وأفْسَدُوا عَقْلَكَ؛ فَصِرْتَ تَهْرِفُ بِالكَلامِ الباطِلِ الدّالِّ عَلى خَلَلِ العَقْلِ، مِثْلَ المَيْمُونِ والمَشْئُومِ، وهَذا قَوْلٌ قالَهُ فِرْعَوْنُ في مَقامٍ غَيْرِ الَّذِي قالَ لَهُ فِيهِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]، والَّذِي قالَ فِيهِ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، فَيَكُونُ إعْراضًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالآياتِ، وإقْبالًا عَلى تَطَلُّعِ حالِ مُوسى فِيما يَقُولُهُ مِن غَرائِبِ الأقْوالِ عِنْدَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]، وكُلُّ تِلْكَ الأقْوالِ صَدَرَتْ مِن فِرْعَوْنَ في مَقاماتِ مُحاوَراتِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحُكِيَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها شَيْءٌ مِنها. و(إذا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”آتَيْنا“، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”جاءَهم“ عائِدٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأصْلُ الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ، فاسْألْهم. وكانَ فِرْعَوْنُ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ ما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّها سِحْرٌ، أوْ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ حالِ مُوسى، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّهُ أصابَهُ سِحْرٌ؛ لِأنَّ الظَّنَّ دُونَ اليَقِينِ، قالَ تَعالى ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الظَّنُّ بِمَعْنى العِلْمِ اليَقِينِ. ومَعْنى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْقَ في نَفْسِهِ شَكٌّ في أنَّ تِلْكَ الآياتِ لا تَكُونُ إلّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، وأنَّهُ إنَّما قالَ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ عِنادًا ومُكابَرَةً وكِبْرِياءً. صفحة ٢٢٧ وأُكِّدَ كَلامُ مُوسى بِلامِ القَسَمِ، وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ عِلْمِ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ، وإنَّما أيْقَنَ مُوسى بِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ: إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أعْلَمَهُ بِهِ، وإمّا بِرَأْيٍ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ عِنْدَ قِيامِ البُرْهانِ الضَّرُورِيِّ حُصُولٌ عَقْلِيٌّ طَبِيعِيٌّ، لا يَتَخَلَّفُ عَنْ عَقْلٍ سَلِيمٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ (لَقَدْ عَلِمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ، أيْ أنَّ تِلْكَ الآياتِ لَيْسَتْ بِسِحْرٍ - كَما زَعَمْتَ - كِنايَةً عَلى أنَّهُ واثِقٌ مِن نَفْسِهِ السَّلامَةَ مِنَ السِّحْرِ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى الآياتِ التِّسْعِ جِيءَ لَها بِاسْمِ إشارَةِ العاقِلِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقَوْلُ جَرِيرٍ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ والأكْثَرُ أنْ يُشارَ بِـ (أُولاءِ) إلى العاقِلِ. والبَصائِرُ: الحُجَجُ المُفِيدَةُ لِلْبَصِيرَةِ، أيِ العِلْمِ، فَكَأنَّها نَفْسُ البَصِيرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] في آخِرِ الأعْرافِ. وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِطَرِيقِ إضافَةِ وصْفِ الرَّبِّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ؛ تَذْكِيرًا بِأنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو القادِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الخَوارِقِ. والمَثْبُورُ: الَّذِي أصابَهُ الثُّبُورُ، وهو الهَلاكُ، وهَذا نِذارَةٌ وتَهْدِيدٌ لِفِرْعَوْنَ بِقُرْبِ هَلاكِهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُوسى ظَنًّا؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْراءٍ تامٍّ، أفادَهُ هَلاكُ المُعانِدِينَ لِلرُّسُلِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَدْرِ لَعَلَّ فِرْعَوْنَ يُقْلِعُ عَنْ ذَلِكَ، وكانَ عِنْدَهُ احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ تَوَقُّعَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ظَنًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى اليَقِينِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وفِي ذِكْرِ هَذا مِن قِصَّةِ مُوسى إتْمامٌ لِتَمْثِيلِ حالِ مُعانِدِي الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِحالِ مَن عانَدَ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. صفحة ٢٢٨ وجاءَ في جَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما شافَهَهُ فِرْعَوْنُ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ مُقارَعَةً لَهُ، وإظْهارًا لِكَوْنِهِ لا يَخافُهُ، وأنَّهُ يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ المِثْلِ قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .

الإسراء 17:102

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ بَقِيَ قَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] غَيْرَ مَرْدُودٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ لَهُ مُخالَفَةً لِبَقِيَّةِ ما اقْتَرَحُوهُ بِأنَّهُ اقْتِراحُ آيَةِ عَذابٍ ورُعْبٍ، فَهو مِن قَبِيلِ آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّسْعِ، فَكانَ ذِكْرُ ما آتاهُ اللَّهُ مُوسى مِنَ الآياتِ، وعَدَمِ إجْداءِ ذَلِكَ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ تَنْظِيرًا لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ. والمَقْصُودُ: أنَّنا آتَيْنا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتِ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِهِ، فَلَمْ يَهْتَدِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، وزَعَمُوا ذَلِكَ سِحْرًا، فَفي ذَلِكَ صفحة ٢٢٥ مَثَلٌ لِلْمُكابِرِينَ كُلِّهِمْ، وما قُرَيْشٌ إلّا مِنهم، فَفي هَذا مَثَلٌ لِلْمُعانِدِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، والآياتُ التِّسْعُ هي: بَياضُ يَدِهِ كُلَّما أدْخَلَها في جَيْبِهِ وأخْرَجَها، وانْقِلابُ العَصا حَيَّةً، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والرِّجْزُ وهو الدُّمَّلُ، والقَحْطُ وهو السُّنُونَ ونَقَصُ الثَّمَراتِ، وهي مَذْكُورَةٌ في سُورَةِ الأعْرافِ، وجَمَعَها الفَيْرُوزَ آبادِيُّ في قَوْلِهِ: عَصًا سَنَةٌ بَحْرٌ جَرادٌ وقُمَّلُ يَدٌ ودَمٌ بَعْدَ الضَّفادِعِ طُوفانُ فَقَدْ حَصَلَتْ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ الآياتِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالمُقارَنَةِ بَيْنَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ورِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالرِّسالَةِ بِعِلَّةِ أنَّ الَّذِي جاءَهم بَشَرٌ، ولِلْحُجَّةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ، ولَقَّنُوهم شُبَهَ الإلْحادِ في الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ؛ لِيَصْفُوَ لَهم جَوُّ العِلْمِ في بِلادِ العَرَبِ، وهم ما كانُوا يَحْسُبُونَ لِما وراءَ ذَلِكَ حِسابًا. فالمَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ عَلى رِسالَتِهِ. وهَذا مِثْلُ التَّنْظِيرِ بَيْنَ إيتاءِ مُوسى، وإيتاءِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الإسراء: ٢] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] . فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] الآيَةَ ثُمَّ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ بِطَرِيقَةِ التَّفْرِيعِ إلى التَّسْجِيلِ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ اسْتِشْهادًا بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، وإدْماجًا لِلتَّعْرِيضِ بِهِمْ بِأنَّهم ساوَوُا المُشْرِكِينَ في إنْكارِ صفحة ٢٢٦ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومُظاهَرَتِهِمُ المُشْرِكِينَ بِالدَّسِّ وتَلْقِينِ الشُّبَهِ؛ تَذْكِيرًا لَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذْ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ . والخِطابُ في قَوْلِهِ ”فاسْألْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمُرادُ: سُؤالُ الِاحْتِجاجِ بِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ، لا سُؤالُ الِاسْتِرْشادِ كَما هو بَيِّنٌ. وقَوْلُهُ مَسْحُورًا ظاهِرُهُ أنَّ مَعْناهُ مُتَأثِّرًا بِالسِّحْرِ، أيْ سَحَرَكَ السَّحَرَةُ، وأفْسَدُوا عَقْلَكَ؛ فَصِرْتَ تَهْرِفُ بِالكَلامِ الباطِلِ الدّالِّ عَلى خَلَلِ العَقْلِ، مِثْلَ المَيْمُونِ والمَشْئُومِ، وهَذا قَوْلٌ قالَهُ فِرْعَوْنُ في مَقامٍ غَيْرِ الَّذِي قالَ لَهُ فِيهِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]، والَّذِي قالَ فِيهِ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، فَيَكُونُ إعْراضًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالآياتِ، وإقْبالًا عَلى تَطَلُّعِ حالِ مُوسى فِيما يَقُولُهُ مِن غَرائِبِ الأقْوالِ عِنْدَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]، وكُلُّ تِلْكَ الأقْوالِ صَدَرَتْ مِن فِرْعَوْنَ في مَقاماتِ مُحاوَراتِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحُكِيَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها شَيْءٌ مِنها. و(إذا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”آتَيْنا“، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”جاءَهم“ عائِدٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأصْلُ الكَلامِ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ، فاسْألْهم. وكانَ فِرْعَوْنُ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ ما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّها سِحْرٌ، أوْ تَعَلَّقَ ظَنُّهُ بِحَقِيقَةِ حالِ مُوسى، فَرَجَحَ عِنْدَهُ أنَّهُ أصابَهُ سِحْرٌ؛ لِأنَّ الظَّنَّ دُونَ اليَقِينِ، قالَ تَعالى ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الظَّنُّ بِمَعْنى العِلْمِ اليَقِينِ. ومَعْنى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْقَ في نَفْسِهِ شَكٌّ في أنَّ تِلْكَ الآياتِ لا تَكُونُ إلّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ، إذْ لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُ اللَّهِ، وأنَّهُ إنَّما قالَ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ عِنادًا ومُكابَرَةً وكِبْرِياءً. صفحة ٢٢٧ وأُكِّدَ كَلامُ مُوسى بِلامِ القَسَمِ، وحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ عِلْمِ فِرْعَوْنَ بِذَلِكَ، وإنَّما أيْقَنَ مُوسى بِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ: إمّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أعْلَمَهُ بِهِ، وإمّا بِرَأْيٍ مُصِيبٍ؛ لِأنَّ حُصُولَ العِلْمِ عِنْدَ قِيامِ البُرْهانِ الضَّرُورِيِّ حُصُولٌ عَقْلِيٌّ طَبِيعِيٌّ، لا يَتَخَلَّفُ عَنْ عَقْلٍ سَلِيمٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ (لَقَدْ عَلِمْتُ) بِضَمِّ التّاءِ، أيْ أنَّ تِلْكَ الآياتِ لَيْسَتْ بِسِحْرٍ - كَما زَعَمْتَ - كِنايَةً عَلى أنَّهُ واثِقٌ مِن نَفْسِهِ السَّلامَةَ مِنَ السِّحْرِ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى الآياتِ التِّسْعِ جِيءَ لَها بِاسْمِ إشارَةِ العاقِلِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقَوْلُ جَرِيرٍ: ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللَّوى ∗∗∗ والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ والأكْثَرُ أنْ يُشارَ بِـ (أُولاءِ) إلى العاقِلِ. والبَصائِرُ: الحُجَجُ المُفِيدَةُ لِلْبَصِيرَةِ، أيِ العِلْمِ، فَكَأنَّها نَفْسُ البَصِيرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٠٣] في آخِرِ الأعْرافِ. وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِطَرِيقِ إضافَةِ وصْفِ الرَّبِّ لِلسَّماواتِ والأرْضِ؛ تَذْكِيرًا بِأنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو القادِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ هَذِهِ الخَوارِقِ. والمَثْبُورُ: الَّذِي أصابَهُ الثُّبُورُ، وهو الهَلاكُ، وهَذا نِذارَةٌ وتَهْدِيدٌ لِفِرْعَوْنَ بِقُرْبِ هَلاكِهِ، وإنَّما جَعَلَهُ مُوسى ظَنًّا؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْراءٍ تامٍّ، أفادَهُ هَلاكُ المُعانِدِينَ لِلرُّسُلِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَدْرِ لَعَلَّ فِرْعَوْنَ يُقْلِعُ عَنْ ذَلِكَ، وكانَ عِنْدَهُ احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ تَوَقُّعَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ظَنًّا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلًا بِمَعْنى اليَقِينِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وفِي ذِكْرِ هَذا مِن قِصَّةِ مُوسى إتْمامٌ لِتَمْثِيلِ حالِ مُعانِدِي الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِحالِ مَن عانَدَ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. صفحة ٢٢٨ وجاءَ في جَوابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ بِمِثْلِ ما شافَهَهُ فِرْعَوْنُ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ مُقارَعَةً لَهُ، وإظْهارًا لِكَوْنِهِ لا يَخافُهُ، وأنَّهُ يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ المِثْلِ قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] .

الإسراء 17:103

﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ . أُكْمِلَتْ قِصَّةُ المَثَلِ بِما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ الحالَيْنِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُحاوَلاتِهِمْ صائِرَةٌ إلى ما صارَ إلَيْهِ مَكْرُ فِرْعَوْنَ وكَيْدُهُ، فَفَرَّعَ عَلى تَمْثِيلِ حالَيِ الرِّسالَتَيْنِ وحالَيِ المُرْسَلِ إلَيْهِما ذِكْرَ عاقِبَةِ الحالِ المُمَثَّلِ بِها إنْذارًا لِلْمُمَثَّلِينَ بِذَلِكَ المَصِيرِ. فَقَدْ أضْمَرَ المُشْرِكُونَ إخْراجَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ، فَمُثِّلَتْ إرادَتُهم بِإرادَةِ فِرْعَوْنَ إخْراجَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] . والِاسْتِفْزازُ: الِاسْتِخْفافُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإبْعادِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمُرادُ (بِمَن مَعَهُ) جُنْدُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ يَتَّبِعُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. والأرْضُ الأُولى هي المَعْهُودَةُ، وهي أرْضُ مِصْرَ، والأرْضُ الثّانِيَةُ أرْضُ الشّامِ، وهي المَعْهُودَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِوَعْدِ اللَّهِ إبْراهِيمَ إيّاها. صفحة ٢٢٩ ووَعْدُ الآخِرَةِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ الخَلائِقَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ. واللَّفِيفُ: الجَماعاتُ المُخْتَلِطُونَ مِن أصْنافٍ شَتّى، والمَعْنى: حَكَمْنا بَيْنَهم في الدُّنْيا بِغَرَقِ الكَفَرَةِ، وتَمْلِيكِ المُؤْمِنِينَ، وسَنَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. ومَعْنى ﴿جِئْنا بِكُمْ﴾ أحْضَرْناكم لَدَيْنا، والتَّقْدِيرُ: جِئْنا بِكم إلَيْنا.

الإسراء 17:104

﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ . أُكْمِلَتْ قِصَّةُ المَثَلِ بِما فِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ الحالَيْنِ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ ومُحاوَلاتِهِمْ صائِرَةٌ إلى ما صارَ إلَيْهِ مَكْرُ فِرْعَوْنَ وكَيْدُهُ، فَفَرَّعَ عَلى تَمْثِيلِ حالَيِ الرِّسالَتَيْنِ وحالَيِ المُرْسَلِ إلَيْهِما ذِكْرَ عاقِبَةِ الحالِ المُمَثَّلِ بِها إنْذارًا لِلْمُمَثَّلِينَ بِذَلِكَ المَصِيرِ. فَقَدْ أضْمَرَ المُشْرِكُونَ إخْراجَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ، فَمُثِّلَتْ إرادَتُهم بِإرادَةِ فِرْعَوْنَ إخْراجَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، قالَ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها وإذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] . والِاسْتِفْزازُ: الِاسْتِخْفافُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإبْعادِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. والمُرادُ (بِمَن مَعَهُ) جُنْدُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ يَتَّبِعُونَ بَنِي إسْرائِيلَ. والأرْضُ الأُولى هي المَعْهُودَةُ، وهي أرْضُ مِصْرَ، والأرْضُ الثّانِيَةُ أرْضُ الشّامِ، وهي المَعْهُودَةُ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِوَعْدِ اللَّهِ إبْراهِيمَ إيّاها. صفحة ٢٢٩ ووَعْدُ الآخِرَةِ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ الخَلائِقَ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ. واللَّفِيفُ: الجَماعاتُ المُخْتَلِطُونَ مِن أصْنافٍ شَتّى، والمَعْنى: حَكَمْنا بَيْنَهم في الدُّنْيا بِغَرَقِ الكَفَرَةِ، وتَمْلِيكِ المُؤْمِنِينَ، وسَنَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ. ومَعْنى ﴿جِئْنا بِكُمْ﴾ أحْضَرْناكم لَدَيْنا، والتَّقْدِيرُ: جِئْنا بِكم إلَيْنا.

الإسراء 17:105

﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ عَوْدٌ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، فَلَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] الآياتِ إلى هُنا، وسَمَحَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ تَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، عادَ الكَلامُ إلى التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ. وقَدْ وُصِفَ القُرْآنُ بِصِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما تَحْتَوِي عَلى ثَناءٍ عَظِيمٍ، وتَنْبِيهٍ لِلتَّدَبُّرِ فِيهِما. وقَدْ ذُكِرَ فِعْلُ النُّزُولِ مَرَّتَيْنِ، وذُكِرَ لَهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مُتَعَلِّقٌ مُتَماثِلُ اللَّفْظِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلِفُ المَعْنى، فَعَلَّقَ إنْزالَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ ”بِالحَقِّ“، فَكانَ مَعْنى الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ، ولا كَذِبَ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، وهو رَدٌّ لِتَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. وعَلَّقَ نُزُولَ القُرْآنِ، أيْ بُلُوغَهُ لِلنّاسِ بِأنَّهُ بِالحَقِّ، فَكانَ مَعْنى الحَقِّ الثّانِي مُقابِلَ الباطِلِ، أيْ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقِّ الَّذِي بِهِ قِوامُ صَلاحِ النّاسِ، وفَوْزِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]، وقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] . وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ المَعْرُوفِ مِنَ المَقامِ. والباءُ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُصاحَبَةِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحَقِّ والهُدى، والمُصاحَبَةُ صفحة ٢٣٠ تُشْبِهُ الظَّرْفِيَّةَ، ولَوْلا اخْتِلافُ مَعْنى الباءَيْنِ في الآيَةِ لَكانَ قَوْلُهُ ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾؛ لِأنَّهُ إذا أُنْزِلَ بِالحَقِّ نَزَلَ بِهِ، ولا يَنْبَغِي المَصِيرُ إلَيْهِ ما لَمْ يَتَعَيَّنْ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى عامِلِهِ لِلْقَصْرِ؛ رَدًّا عَلى المُنْكِرِينَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أوْ سِحْرٌ مُبِينٌ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ. * * * ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٦]، أيْ وفي ذَلِكَ الحَقِّ نَفْعٌ وضُرٌّ، فَأنْتَ بِهِ مُبَشِّرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَذِيرٌ لِلْكافِرِينَ. والقَصْرُ لِلرَّدِّ عَلى الَّذِينَ سَألُوهُ أشْياءَ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى والَّذِينَ ظَنُّوا أنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ بَشَرًا.

الإسراء 17:106

﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أنْزَلْناهُ. وانْتَصَبَ ”قُرْآنًا“ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”فَرَقْناهُ“ مُقَدَّمَةً عَلى صاحِبِها تَنْوِيهًا الكَوْنُ قُرْآنًا، أيْ كَوْنُهُ كِتابًا مَقْرُوءًا، فَإنَّ اسْمَ القُرْآنِ مُشْتَقٌّ مِنَ القِراءَةِ، وهي التِّلاوَةُ، إشارَةً إلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الكَلامِ الَّذِي يُحْفَظُ، ويُتْلى، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ، فَهَذا الكِتابُ لَهُ أسْماءٌ بِاخْتِلافِ صِفاتِهِ فَهو كِتابٌ، وقُرْآنٌ، وفُرْقانٌ، وذِكْرٌ، وتَنْزِيلٌ، وتَجْرِي عَلَيْهِ الأوْصافُ أوْ بَعْضُها بِاخْتِلافِ المَقامِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقَوْلِهِ ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] بِاعْتِبارِ أنَّ صفحة ٢٣١ المَقامَ لِلْأمْرِ بِالتِّلاوَةِ في الصَّلاةِ أوْ مُطْلَقًا، وإلى قَوْلِهِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] في مَقامِ كَوْنِهِ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولِهَذا لَمْ يُوصَفْ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِوَصْفِ القُرْآنِ غَيْرُ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . ومَعْنى ”فَرَقْناهُ“ جَعَلْناهُ فَرْقًا، أيْ أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا غَيْرَ مُجْتَمِعٍ صَبْرَةً واحِدَةً، يُقالُ: فَرَّقَ الأشْياءَ إذا باعَدَ بَيْنَها، وفَرَّقَ الصَّبْرَةَ إذا جَزَّأها، ويُطْلَقُ الفَرْقُ عَلى البَيانِ؛ لِأنَّ البَيانَ يُشْبِهُ تَفْرِيقَ الأشْياءِ المُخْتَلِطَةِ، فَيَكُونُ ”فَرَقْناهُ“ مُحْتَمِلًا مَعْنى بَيَّنّاهُ، وفَصَّلْناهُ، وإذْ قَدْ كانَ قَوْلُهُ ”قُرْآنًا“ حالًا مِن ضَمِيرِ ”فَرَقْناهْ“ آلَ المَعْنى إلى: أنّا فَرَقْناهُ وأقْرَأْناهُ. وقَدْ عُلِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾، فَهُما عِلَّتانِ: أنْ يُقْرَأ عَلى النّاسِ، وتِلْكَ عِلَّةٌ لِجَعْلِهِ قُرْآنًا، وأنْ يُقْرَأ عَلى مُكْثٍ، أيْ مَهَلٍ وبُطْءٍ، وهي عِلَّةٌ لِتَفْرِيقِهِ. والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ألْفاظُهُ ومَعانِيهِ أثْبَتَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ. وجُمْلَةُ ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾، وفي فِعْلِ ”نَزَّلْناهُ“ المُضاعَفِ وتَأْكِيدِهِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ إشارَةٌ إلى تَفْرِيقِ إنْزالِهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] . وطُوِيَ بَيانُ الحِكْمَةِ لِلِاجْتِزاءِ بِما في قَوْلِهِ ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ مِنِ اتِّحادِ الحِكْمَةِ، وهي ما صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَرَّقْنا إنْزالَهُ؛ رَعْيًا لِلْأسْبابِ والحَوادِثِ، وفي كِلا الوَجْهَيْنِ إبْطالٌ لَشُبْهَتِهِمْ إذْ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] .

الإسراء 17:107

صفحة ٢٣٢ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ . اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِيُلَقِّنَهُ بِما يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ لَهُمُ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ بَيانِ فَضائِلِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ يَكْشِفُ شُبْهَتَهُمُ الَّتِي يُمَوِّهُونَ بِها امْتِناعَهم مِنَ الإيمانِ بِرِسالَةِ البَشَرِ، وبَيَّنَ لَهم غَلَطَهم أوْ مُغالَطَتَهم، ثُمَّ بِالأمْرِ بِإقامَةِ اللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بِتَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَعَ مُوسى، وما عُجِّلَ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ في تَنْجِيمِ القُرْآنِ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ النَّظَرِ في تَرْجِيحِ الإيمانِ بِصِدْقِ القُرْآنِ، وعَدَمِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ وعَدَمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ في قَوْلِهِ ”آمِنُوا“ لِلتَّسْوِيَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ. وجُزِمَ ”لا تُؤْمِنُوا“ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، فَحَرْفُ (لا) حَرْفُ نَفْيٍ، ولَيْسَ حَرْفَ نَهْيٍ، ولا يَقَعُ مَعَ الأمْرِ المُرادِ بِهِ التَّسْوِيَةُ إلّا كَذَلِكَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ، ويَنْدَمِجُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٢٣٣ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ بِهِ وعَدَمِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“، أوْ لِكِلَيْهِما، شَأْنَ العِلَلِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما كانَ إيمانُكم بِالقُرْآنِ وعَدَمُهُ سَواءً؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إيمانِكم بِهِ بِإيمانِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، فَهم أرْجَحُ مِنكم أحْلامًا، وأفْضَلُ مَقامًا، وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَزِيدُهم إيمانًا بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُنْزِلَ هَذا عَلَيْهِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ جَهَلَةٌ، وأهْلُ جاهِلِيَّةٍ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أمْثالُ: ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَدْ تَسامَعَ أهْلُ مَكَّةَ بِشَهادَتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ومَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مِثْلِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُعَيْقِيبٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ. وضَمائِرُ (بِهِ، ومِن قَبْلِهِ، ويُتْلى) عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ مَعْهُودِ الحَذْفِ، أيْ آمَنُوا بِصِدْقِهِ، ومِن قَبْلِ نُزُولِهِ. والخُرُورُ: سُقُوطُ الجِسْمِ، قالَ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ في لِلْأذْقانِ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ صفحة ٢٣٤ وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ التَّمَكُّنِ، كَتَمَكُنِّ الشَّيْءِ بِما هو مُخْتَصٌّ بِهِ. والأذْقانُ: جَمْعُ الذَّقَنِ - بِفَتْحِ الذّالِ وفَتْحِ القافِ - مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وذَكَرَ الذَّقَنَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِهِمُ الوُجُوهَ كُلَّها مِنَ الأرْضِ مِن قُوَّةِ الرَّغْبَةِ في السُّجُودِ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى. و”سُجَّدًا“ جَمْعُ ساجِدٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَخِرُّونَ“؛ لِبَيانِ الغَرَضِ مِن هَذا الخُرُورِ، وسُجُودُهم سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آيَةٍ مِن دَلائِلِ عَلْمِهِ وصَدِقِ رُسُلِهِ، وتَحْقِيقِ وعْدِهِ. وعُطِفَتْ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَلى ”يَخِرُّونَ“؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَجْمَعُونَ بَيْنَ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الخُضُوعِ والقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ، والبَهْجَةِ مِن تَحَقُّقِ وعْدِ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ الخاتَمِ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ، وهو المَقْصُودُ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ تَسْبِيحَهم - قَبْلَهُ - تَسْبِيحُ تَعَجُّبٍ واعْتِبارٍ بِأنَّهُ الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وبِرَسُولِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدْ بَطَلَ عَمَلُها بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، ووَلِيَها فِعْلٌ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ؛ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِنَ خَبَرُ النّاسِخِ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. والوَعْدُ باقٍ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الوَعْدِ يَسْتَلْزِمُ تَحْقِيقَ المَوْعُودِ بِهِ؛ فَحَصَلَ التَّصْدِيقُ بِالوَعْدِ والمَوْعُودِ بِهِ. ومَعْنى ”مَفْعُولًا“ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما جاءَ في وعْدِهِ، أيْ يُكَوِّنُهُ ويُحَقِّقُهُ، وهَذا السُّجُودُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ، إذْ حَقَّقَ وعْدَهُ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. صفحة ٢٣٥ وقَوْلُهُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ بِاخْتِلافِ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بِها، أُعِيدَتِ الجُمْلَةُ؛ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الحالِ، وقَدْ يَقَعُ التَّكْرِيرُ مَعَ العَطْفِ؛ لِأجْلِ اخْتِلافِ القُيُودِ، فَتَكُونُ تِلْكَ المُغايَرَةُ مُصَحِّحَةً العَطْفَ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ: فَهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ إذا الخَصْمُ أبْزى مائِلُ الرَّأْسِ أنْكَبُ وهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ وفي الأرْضِ مَثْبُوتٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ فالخُرُورُ المَحْكِيُّ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ هو الخُرُورُ الأوَّلُ، وإنَّما خَرُّوا خُرُورًا واحِدًا ساجِدِينَ باكِينَ، فَذُكِرَ مَرَّتَيْنِ؛ اهْتِمامًا بِما صَحِبَهُ مِن عَلاماتِ الخُشُوعِ. وذَكَرَ ”يَبْكُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ. والبُكاءُ بُكاءُ فَرَحٍ وبَهْجَةٍ، والبُكاءُ: يَحْصُلُ مِنِ انْفِعالٍ باطِنِيٍّ ناشِئٍ عَنْ حُزْنٍ، أوْ عَنْ خَوْفٍ، أوْ عَنْ شَوْقٍ. ويَزِيدُهُمُ القُرْآنُ خُشُوعًا عَلى خُشُوعِهِمُ الَّذِي كانَ لَهم مِن سَماعِ كِتابِهِمْ. ومِنَ السُّنَّةِ سُجُودُ القارِئِ والمُسْتَمِعِ لَهُ؛ بِقَصْدِ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِداءً بِأُولَئِكَ السّاجِدِينَ بِحَيْثُ لا يَذْكُرُ المُسْلِمُ سُجُودَ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إلّا وهو يُرى أجْدَرَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

الإسراء 17:108

صفحة ٢٣٢ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ . اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِيُلَقِّنَهُ بِما يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ لَهُمُ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ بَيانِ فَضائِلِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ يَكْشِفُ شُبْهَتَهُمُ الَّتِي يُمَوِّهُونَ بِها امْتِناعَهم مِنَ الإيمانِ بِرِسالَةِ البَشَرِ، وبَيَّنَ لَهم غَلَطَهم أوْ مُغالَطَتَهم، ثُمَّ بِالأمْرِ بِإقامَةِ اللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بِتَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَعَ مُوسى، وما عُجِّلَ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ في تَنْجِيمِ القُرْآنِ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ النَّظَرِ في تَرْجِيحِ الإيمانِ بِصِدْقِ القُرْآنِ، وعَدَمِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ وعَدَمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ في قَوْلِهِ ”آمِنُوا“ لِلتَّسْوِيَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ. وجُزِمَ ”لا تُؤْمِنُوا“ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، فَحَرْفُ (لا) حَرْفُ نَفْيٍ، ولَيْسَ حَرْفَ نَهْيٍ، ولا يَقَعُ مَعَ الأمْرِ المُرادِ بِهِ التَّسْوِيَةُ إلّا كَذَلِكَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ، ويَنْدَمِجُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٢٣٣ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ بِهِ وعَدَمِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“، أوْ لِكِلَيْهِما، شَأْنَ العِلَلِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما كانَ إيمانُكم بِالقُرْآنِ وعَدَمُهُ سَواءً؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إيمانِكم بِهِ بِإيمانِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، فَهم أرْجَحُ مِنكم أحْلامًا، وأفْضَلُ مَقامًا، وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَزِيدُهم إيمانًا بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُنْزِلَ هَذا عَلَيْهِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ جَهَلَةٌ، وأهْلُ جاهِلِيَّةٍ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أمْثالُ: ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَدْ تَسامَعَ أهْلُ مَكَّةَ بِشَهادَتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ومَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مِثْلِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُعَيْقِيبٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ. وضَمائِرُ (بِهِ، ومِن قَبْلِهِ، ويُتْلى) عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ مَعْهُودِ الحَذْفِ، أيْ آمَنُوا بِصِدْقِهِ، ومِن قَبْلِ نُزُولِهِ. والخُرُورُ: سُقُوطُ الجِسْمِ، قالَ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ في لِلْأذْقانِ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ صفحة ٢٣٤ وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ التَّمَكُّنِ، كَتَمَكُنِّ الشَّيْءِ بِما هو مُخْتَصٌّ بِهِ. والأذْقانُ: جَمْعُ الذَّقَنِ - بِفَتْحِ الذّالِ وفَتْحِ القافِ - مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وذَكَرَ الذَّقَنَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِهِمُ الوُجُوهَ كُلَّها مِنَ الأرْضِ مِن قُوَّةِ الرَّغْبَةِ في السُّجُودِ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى. و”سُجَّدًا“ جَمْعُ ساجِدٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَخِرُّونَ“؛ لِبَيانِ الغَرَضِ مِن هَذا الخُرُورِ، وسُجُودُهم سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آيَةٍ مِن دَلائِلِ عَلْمِهِ وصَدِقِ رُسُلِهِ، وتَحْقِيقِ وعْدِهِ. وعُطِفَتْ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَلى ”يَخِرُّونَ“؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَجْمَعُونَ بَيْنَ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الخُضُوعِ والقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ، والبَهْجَةِ مِن تَحَقُّقِ وعْدِ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ الخاتَمِ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ، وهو المَقْصُودُ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ تَسْبِيحَهم - قَبْلَهُ - تَسْبِيحُ تَعَجُّبٍ واعْتِبارٍ بِأنَّهُ الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وبِرَسُولِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدْ بَطَلَ عَمَلُها بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، ووَلِيَها فِعْلٌ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ؛ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِنَ خَبَرُ النّاسِخِ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. والوَعْدُ باقٍ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الوَعْدِ يَسْتَلْزِمُ تَحْقِيقَ المَوْعُودِ بِهِ؛ فَحَصَلَ التَّصْدِيقُ بِالوَعْدِ والمَوْعُودِ بِهِ. ومَعْنى ”مَفْعُولًا“ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما جاءَ في وعْدِهِ، أيْ يُكَوِّنُهُ ويُحَقِّقُهُ، وهَذا السُّجُودُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ، إذْ حَقَّقَ وعْدَهُ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. صفحة ٢٣٥ وقَوْلُهُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ بِاخْتِلافِ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بِها، أُعِيدَتِ الجُمْلَةُ؛ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الحالِ، وقَدْ يَقَعُ التَّكْرِيرُ مَعَ العَطْفِ؛ لِأجْلِ اخْتِلافِ القُيُودِ، فَتَكُونُ تِلْكَ المُغايَرَةُ مُصَحِّحَةً العَطْفَ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ: فَهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ إذا الخَصْمُ أبْزى مائِلُ الرَّأْسِ أنْكَبُ وهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ وفي الأرْضِ مَثْبُوتٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ فالخُرُورُ المَحْكِيُّ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ هو الخُرُورُ الأوَّلُ، وإنَّما خَرُّوا خُرُورًا واحِدًا ساجِدِينَ باكِينَ، فَذُكِرَ مَرَّتَيْنِ؛ اهْتِمامًا بِما صَحِبَهُ مِن عَلاماتِ الخُشُوعِ. وذَكَرَ ”يَبْكُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ. والبُكاءُ بُكاءُ فَرَحٍ وبَهْجَةٍ، والبُكاءُ: يَحْصُلُ مِنِ انْفِعالٍ باطِنِيٍّ ناشِئٍ عَنْ حُزْنٍ، أوْ عَنْ خَوْفٍ، أوْ عَنْ شَوْقٍ. ويَزِيدُهُمُ القُرْآنُ خُشُوعًا عَلى خُشُوعِهِمُ الَّذِي كانَ لَهم مِن سَماعِ كِتابِهِمْ. ومِنَ السُّنَّةِ سُجُودُ القارِئِ والمُسْتَمِعِ لَهُ؛ بِقَصْدِ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِداءً بِأُولَئِكَ السّاجِدِينَ بِحَيْثُ لا يَذْكُرُ المُسْلِمُ سُجُودَ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إلّا وهو يُرى أجْدَرَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

الإسراء 17:109

صفحة ٢٣٢ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ . اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِيُلَقِّنَهُ بِما يَقُولُهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أوْضَحَ لَهُمُ الدَّلائِلَ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ القُرْآنِ لا يَكُونُ إلّا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ بَيانِ فَضائِلِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الإسراء: ٨٩]، ثُمَّ بِالتَّعَرُّضِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الإتْيانِ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ، ثُمَّ يَكْشِفُ شُبْهَتَهُمُ الَّتِي يُمَوِّهُونَ بِها امْتِناعَهم مِنَ الإيمانِ بِرِسالَةِ البَشَرِ، وبَيَّنَ لَهم غَلَطَهم أوْ مُغالَطَتَهم، ثُمَّ بِالأمْرِ بِإقامَةِ اللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، ثُمَّ بِتَهْدِيدِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَعَ مُوسى، وما عُجِّلَ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بِكَشْفِ شُبْهَتِهِمْ في تَنْجِيمِ القُرْآنِ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ النَّظَرِ في تَرْجِيحِ الإيمانِ بِصِدْقِ القُرْآنِ، وعَدَمِ الإيمانِ بِقَوْلِهِ ﴿آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ وعَدَمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فالأمْرُ في قَوْلِهِ ”آمِنُوا“ لِلتَّسْوِيَةِ، أيْ إنْ شِئْتُمْ. وجُزِمَ ”لا تُؤْمِنُوا“ بِالعَطْفِ عَلى المَجْزُومِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الطُّورِ ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]، فَحَرْفُ (لا) حَرْفُ نَفْيٍ، ولَيْسَ حَرْفَ نَهْيٍ، ولا يَقَعُ مَعَ الأمْرِ المُرادِ بِهِ التَّسْوِيَةُ إلّا كَذَلِكَ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإعْراضِ عَنْهم واحْتِقارِهِمْ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ، ويَنْدَمِجُ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ٢٣٣ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ إيمانِهِمْ بِهِ وعَدَمِهِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِفِعْلِ ”قُلْ“، أوْ لِكِلَيْهِما، شَأْنَ العِلَلِ الَّتِي تَرِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ، ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما كانَ إيمانُكم بِالقُرْآنِ وعَدَمُهُ سَواءً؛ لِأنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ إيمانِكم بِهِ بِإيمانِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، فَهم أرْجَحُ مِنكم أحْلامًا، وأفْضَلُ مَقامًا، وهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ، فَإنَّهم يَسْمَعُونَهُ، ويُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَزِيدُهم إيمانًا بِما في كُتُبِهِمْ مِنَ الوَعْدِ بِالرَّسُولِ الَّذِي أُنْزِلَ هَذا عَلَيْهِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ جَهَلَةٌ، وأهْلُ جاهِلِيَّةٍ. والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أمْثالُ: ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَدْ تَسامَعَ أهْلُ مَكَّةَ بِشَهادَتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ومَن آمَنَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن مِثْلِ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُعَيْقِيبٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيِّ. فَفِي هَذِهِ الآيَةِ إخْبارٌ بِمَغِيبٍ. وضَمائِرُ (بِهِ، ومِن قَبْلِهِ، ويُتْلى) عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ مَعْهُودِ الحَذْفِ، أيْ آمَنُوا بِصِدْقِهِ، ومِن قَبْلِ نُزُولِهِ. والخُرُورُ: سُقُوطُ الجِسْمِ، قالَ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. واللّامُ في لِلْأذْقانِ بِمَعْنى (عَلى) كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ صفحة ٢٣٤ وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، اسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى مَزِيدِ التَّمَكُّنِ، كَتَمَكُنِّ الشَّيْءِ بِما هو مُخْتَصٌّ بِهِ. والأذْقانُ: جَمْعُ الذَّقَنِ - بِفَتْحِ الذّالِ وفَتْحِ القافِ - مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وذَكَرَ الذَّقَنَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِهِمُ الوُجُوهَ كُلَّها مِنَ الأرْضِ مِن قُوَّةِ الرَّغْبَةِ في السُّجُودِ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى. و”سُجَّدًا“ جَمْعُ ساجِدٍ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَخِرُّونَ“؛ لِبَيانِ الغَرَضِ مِن هَذا الخُرُورِ، وسُجُودُهم سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ آيَةٍ مِن دَلائِلِ عَلْمِهِ وصَدِقِ رُسُلِهِ، وتَحْقِيقِ وعْدِهِ. وعُطِفَتْ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عَلى ”يَخِرُّونَ“؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يَجْمَعُونَ بَيْنَ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى الخُضُوعِ والقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٥]، عَلى أنَّ في قَوْلِهِمْ ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ دَلالَةٌ عَلى التَّعَجُّبِ، والبَهْجَةِ مِن تَحَقُّقِ وعْدِ اللَّهِ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ الخاتَمِ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ مِن تَمامِ مَقُولِهِمْ، وهو المَقْصُودُ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ تَسْبِيحَهم - قَبْلَهُ - تَسْبِيحُ تَعَجُّبٍ واعْتِبارٍ بِأنَّهُ الكِتابُ المَوْعُودُ بِهِ، وبِرَسُولِهِ في الكُتُبِ السّابِقَةِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وقَدْ بَطَلَ عَمَلُها بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، ووَلِيَها فِعْلٌ مِن نَواسِخِ المُبْتَدَأِ؛ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ المُخَفَّفَةِ، وقُرِنَ خَبَرُ النّاسِخِ بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. والوَعْدُ باقٍ عَلى أصْلِهِ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ، وتَحْقِيقُ الوَعْدِ يَسْتَلْزِمُ تَحْقِيقَ المَوْعُودِ بِهِ؛ فَحَصَلَ التَّصْدِيقُ بِالوَعْدِ والمَوْعُودِ بِهِ. ومَعْنى ”مَفْعُولًا“ أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما جاءَ في وعْدِهِ، أيْ يُكَوِّنُهُ ويُحَقِّقُهُ، وهَذا السُّجُودُ سُجُودُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ، إذْ حَقَّقَ وعْدَهُ بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. صفحة ٢٣٥ وقَوْلُهُ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ بِاخْتِلافِ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بِها، أُعِيدَتِ الجُمْلَةُ؛ تَمْهِيدًا لِذِكْرِ الحالِ، وقَدْ يَقَعُ التَّكْرِيرُ مَعَ العَطْفِ؛ لِأجْلِ اخْتِلافِ القُيُودِ، فَتَكُونُ تِلْكَ المُغايَرَةُ مُصَحِّحَةً العَطْفَ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ: فَهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ إذا الخَصْمُ أبْزى مائِلُ الرَّأْسِ أنْكَبُ وهَلّا أعَدُّونِي لِمِثْلِي تَفاقَدُوا ∗∗∗ وفي الأرْضِ مَثْبُوتٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ فالخُرُورُ المَحْكِيُّ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ هو الخُرُورُ الأوَّلُ، وإنَّما خَرُّوا خُرُورًا واحِدًا ساجِدِينَ باكِينَ، فَذُكِرَ مَرَّتَيْنِ؛ اهْتِمامًا بِما صَحِبَهُ مِن عَلاماتِ الخُشُوعِ. وذَكَرَ ”يَبْكُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ. والبُكاءُ بُكاءُ فَرَحٍ وبَهْجَةٍ، والبُكاءُ: يَحْصُلُ مِنِ انْفِعالٍ باطِنِيٍّ ناشِئٍ عَنْ حُزْنٍ، أوْ عَنْ خَوْفٍ، أوْ عَنْ شَوْقٍ. ويَزِيدُهُمُ القُرْآنُ خُشُوعًا عَلى خُشُوعِهِمُ الَّذِي كانَ لَهم مِن سَماعِ كِتابِهِمْ. ومِنَ السُّنَّةِ سُجُودُ القارِئِ والمُسْتَمِعِ لَهُ؛ بِقَصْدِ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِداءً بِأُولَئِكَ السّاجِدِينَ بِحَيْثُ لا يَذْكُرُ المُسْلِمُ سُجُودَ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، إلّا وهو يُرى أجْدَرَ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ.

الإسراء 17:110

﴿قُلُ ادْعُوا اللَّهَ أوُ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . لا شَكَّ أنَّ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سَبَبًا خاصًّا؛ إذْ لا مُوجِبَ لِذِكْرِ هَذا التَّخْيِيرِ بَيْنَ دُعاءِ اللَّهِ تَعالى بِاسْمِهِ العَلَمِ وبَيْنَ دُعائِهِ بِصِفَةِ الرَّحْمَنِ خاصَّةً دُونَ صفحة ٢٣٦ ذِكْرِ غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ مِن صِفاتِ اللَّهِ مِثْلِ: الرَّحِيمِ أوِ العَزِيزِ وغَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ الحُسْنى. ثُمَّ لا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِن طَلَبِ المُناسَبَةِ؛ لِوُقُوعِها في هَذا المَوْضِعِ مِنَ السُّورَةِ. فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى الطَّبَرِيُّ، والواحِدِيُّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ النَّبِيءُ ﷺ ساجِدًا يَدْعُو يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: هَذا يَزْعُمُ أنَّهُ يَدْعُو واحِدًا وهو يَدْعُو مَثْنى مَثْنى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى»﴾، وعَلَيْهِ فالِاقْتِصارُ عَلى التَّخْيِيرِ في الدُّعاءِ بَيْنَ اسْمِ اللَّهِ، وبَيْنَ صِفَةِ الرَّحْمَنِ اكْتِفاءً، أيْ: أوِ الرَّحِيمِ. وفِي الكَشّافِ: «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: سَمِعَ أبُو جَهْلٍ النَّبِيءَ ﷺ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ؛ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّهُ يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آخَرَ»، وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وهَذا أنْسَبُ بِالآيَةِ؛ لِاقْتِصارِها عَلى اسْمِ اللَّهِ، وصِفَةِ الرَّحْمَنِ. وأمّا مَوْقِعُها هُنا فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِها حَدَثَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. والكَلامُ رَدٌّ وتَعْلِيمٌ بِأنَّ تَعَدُّدَ الأسْماءِ لا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ المُسَمّى، وشَتّانَ بَيْنَ ذَلِكَ، وبَيْنَ دُعاءِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً مُخْتَلِفَةَ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ، والتَّوْحِيدُ والإشْراكُ يَتَعَلَّقانِ بِالذَّواتِ، لا بِالأسْماءِ. و(أيٌّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ في الأصْلِ، فَإذا اقْتَرَنَتْ بِها (ما) الزّائِدَةُ أفادَتِ الشَّرْطَ، كَما تُفِيدُهُ (كَيْفَ) إذا اقْتَرَنَتْ بِها (ما) الزّائِدَةُ، ولِذَلِكَ جُزِمَ الفِعْلُ بَعْدَها وهو ”تَدْعُوا“ شَرْطًا، وجِيءَ لَها بِجَوابٍ مُقْتَرِنٍ بِالفاءِ، وهو ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . صفحة ٢٣٧ والتَّحْقِيقُ أنَّ ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ عِلَّةُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: أيَّ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى تَدْعُونَ فَلا حَرَجَ في دُعائِهِ بِعِدَّةِ أسْماءٍ؛ إذْ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى، وإذِ المُسَمّى واحِدٌ. ومَعْنى ﴿ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ ادْعُوا هَذا الِاسْمَ أوْ هَذا الِاسْمَ، أيِ اذْكُرُوا في دُعائِكم هَذا أوْ هَذا، فالمُسَمّى واحِدٌ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَدْ وقَعَ تَجَوُّزٌ في فِعْلِ ”ادْعُوا“ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى (اذْكُرُوا) أوْ (سَمُّوا) في دُعائِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى (سَمُّوا)، وهو حِينَئِذٍ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: سَمُّوا رَبَّكُمُ اللَّهَ، أوْ سَمُّوهُ الرَّحْمَنَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مِنَ الفِعْلَيْنِ، وأُبْقِيَ الثّانِي لِدَلالَةِ المَقامِ. * * * ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ لا شَكَّ أنَّ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالًا بِجُمْلَةِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ في وجْهِ اتِّصالِ قَوْلِهِ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَقَدْ كانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ جَهْرِ النَّبِيءِ ﷺ في دُعائِهِ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ. والصَّلاةُ: تَحْتَمِلُ الدُّعاءَ، وتَحْتَمِلُ العِبادَةَ المَعْرُوفَةَ، وقَدْ فَسَّرَها السَّلَفُ هُنا بِالمَعْنَيَيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ مَن فَسَّرَ الصَّلاةَ بِالعِبادَةِ المَعْرُوفَةِ فَإنَّما أرادَ قِراءَتَها خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُوصَفُ بِالجَهْرِ والمُخافَتَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ جَهَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ: ما الرَّحْمَنُ ؟ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَدْعُو إلَهَيْنِ، وقامَ فَرِيقٌ مِنهم يَسُبُّ القُرْآنَ، ومَن جاءَ بِهِ، أوْ يَسُبُّ الرَّحْمَنَ ظَنًّا صفحة ٢٣٨ أنَّهُ رَبٌّ آخَرُ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وغَيْرُ آلِهَتِهِمْ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ لا يَجْهَرَ بِدُعائِهِ، أوْ لا يَجْهَرَ بِقِراءَةِ صَلاتِهِ في الصَّلاةِ الجَهْرِيَّةِ. ولَعَلَّ سُفَهاءَ المُشْرِكِينَ تَوَهَّمُوا مِن صَدْعِ النَّبِيءِ ﷺ بِالقِراءَةِ أوْ بِالدُّعاءِ أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ التَّحَكُّكَ بِهِمْ، والتَّطاوُلَ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مُجَرَّدًا عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ فاغْتاظُوا وسَبُّوا، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ لا يَجْهَرَ بِصَلاتِهِ هَذا الجَهْرَ؛ تَجَنُّبًا لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ حَفائِظَهم، ويَزِيدَ تَصَلُّبَهم في كُفْرِهِمْ في حِينِ أنَّ المَقْصُودَ تَلْيِينُ قُلُوبِهِمْ. والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ النَّهْيُ عَنْ شِدَّةِ الجَهْرِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تُخافِتْ بِها﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ الِاحْتِراسُ؛ لِكَيْلا يَجْعَلَ دُعاءَهُ سِرًّا أوْ صَلاتَهُ كُلَّها سِرًّا، فَلا يَبْلُغُ أسْماعَ المُتَهَيِّئِينَ لِلِاهْتِداءِ بِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الجَهْرِ تَجَنُّبُ جَهْرٍ يَتَوَهَّمُ مِنهُ الكُفّارُ تَحَكُّكًا أوْ تَطاوُلًا كَما قُلْنا. والجَهْرُ: قُوَّةُ صَوْتِ النّاطِقِ بِالكَلامِ. والمُخافَتَةُ مُفاعَلَةٌ: مِن خَفَتَ بِكَلامِهِ، إذا أسَرَّ بِهِ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الشِّدَّةِ، أيْ لا تُسِرَّها. وقَوْلُهُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ، أيِ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ المَعْلُومَيْنِ مِن فِعْلَيْ ”تَجْهَرْ“ و”تُخافِتْ“ أيِ اطْلُبْ سَبِيلًا بَيْنَ الأمْرَيْنِ؛ لِيَحْصُلَ المَقْصُودُ مِن إسْماعِ النّاسِ القُرْآنَ، ويَنْتَفِي تَوَهُّمُ قَصْدِ التَّطاوُلِ عَلَيْهِمْ.

الإسراء 17:111

صفحة ٢٣٩ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ . لَمّا كانَ النَّهْيُ عَنِ الجَهْرِ بِالدُّعاءِ، أوْ قِراءَةِ الصَّلاةِ؛ سَدًّا لِذَرِيعَةِ زِيادَةِ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ بِإعْلانِ التَّوْحِيدِ؛ لِقَطْعِ دابِرِ تَوَهُّمِ مَن تَوَهَّمُوا أنَّ الرَّحْمَنَ اسْمٌ لِمُسَمًّى غَيْرِ مُسَمّى اسْمِ اللَّهِ، فَبَعْضُهم تَوَهَّمَهُ إلَهًا شَرِيكًا، وبَعْضُهم تَوَهَّمَهُ مُعِينًا وناصِرًا، أُمِرَ النَّبِيءُ بِأنْ يَقُولَ ما يَقْلَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وأنْ يُعَظِّمَهُ بِأنْواعٍ مِنَ التَّعْظِيمِ. وجُمْلَةُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ تَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ تَعالى بِالحَمْدِ، أيْ قَصْرِ جِنْسِ الحَمْدِ عَلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مُسْتَحِقٍّ لِأنْ يُحْمَدَ، فالتَّخْصِيصُ ادِّعائِيٌّ بِادِّعاءِ أنَّ دَواعِيَ حَمْدِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في جانِبِ دَواعِي حَمْدِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِنَ الذُّلِّ“ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ. والذُّلُّ: العَجْزُ والِافْتِقارُ، وهو ضِدُّ العِزِّ، أيْ لَيْسَ لَهُ ناصِرٌ مِن أجْلِ الذُّلِّ، والمُرادُ: نَفِيُ النّاصِرِ لَهُ عَلى وجْهٍ مُؤَكَّدٍ، فَإنَّ الحاجَةَ إلى النّاصِرِ لا تَكُونُ إلّا مِنَ العَجْزِ عَنِ الِانْتِصارِ لِلنَّفْسِ، ويَجُوزُ تَضْمِينُ (الوَلِيِّ) مَعْنى المانِعِ فَتَكُونُ (مِن) لِتَعْدِيَةِ الِاسْمِ المُضَمَّنِ مَعْناهُ. ومَعْنى ”كَبِّرْهُ“ اعْتَقِدْ أنَّهُ كَبِيرٌ، أيْ عَظِيمٌ العِظَمَ المَعْنَوِيَّ الشّامِلَ لِوُجُوبِ الوُجُودِ والغِنى المُطْلَقِ، وصِفاتِ الكَمالِ كُلِّها الكامِلَةِ التَّعَلُّقاتِ؛ لِأنَّ الِاتِّصافَ بِذَلِكَ كُلِّهِ كَمالٌ، والِاتِّصافَ بِأضْدادِ ذَلِكَ نَقْصٌ وصَغارٌ مَعْنَوِيٌّ. صفحة ٢٤٠ وإجْراءُ هَذِهِ الصِّلاتِ الثَّلاثِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي هو مُتَعَلِّقُ الحَمْدِ؛ لِأنَّ في هَذِهِ الصِّلاتِ إيماءً إلى وجْهِ تَخْصِيصِهِ بِالحَمْدِ. والإتْيانُ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ بَعْدَ ”كَبِّرْهُ“ لِلتَّوْكِيدِ، ولِما في التَّنْوِينِ مِنَ التَّعْظِيمِ، ولِأنَّ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطاءِ النِّعَمِ الَّتِي يَعْجِزُ غَيْرُهُ عَنْ إسْدائِها. * * * صفحة ٢٤١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ الكَهْفِ. سَمّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ الكَهْفِ. رَوى مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «مَن حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مِن آخِرِ الكَهْفِ، عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ بِلَفْظِ: «مَن قَرَأ ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِ الكَهْفِ عُصِمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ»، قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وكَذَلِكَ ورَدَتْ تَسْمِيَتُها عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو، وتَدْنُو، وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيءَ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» . وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سَمّاها سُورَةَ أصْحابِ الكَهْفِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ كَما حَكاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: ورُوِيَ عَنْ فَرْقَدٍ أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ”جُرُزًا“ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، قالَ: والأوَّلُ أصَحُّ. صفحة ٢٤٢ وقِيلَ قَوْلُهُ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] الآيَتَيْنِ، نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧] إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، كَما سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ في مَواضِعِهِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الغاشِيَةِ، وقَبْلَ سُورَةِ الشُّورى. وهِيَ الثّامِنَةُ والسِتُّونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِها أحادِيثُ مُتَفاوِتَةٌ، أصَحُّها الأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ وهي مِنَ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، رَوى الدَّيْلَمِيُّ في سَنَدِ الفِرْدَوْسِ «عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الكَهْفِ جُمْلَةً، مَعَها سَبْعُونَ ألْفًا مِنَ المَلائِكَةِ»، وقَدْ أغْفَلَ هَذا صاحِبُ الإتْقانِ. وعُدَّتْ آيُها في عَدَدِ قُرّاءِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ مِائَةً وخَمْسًا، وفي عَدَدِ قُرّاءِ الشّامِ مِائَةً وسِتًّا، وفي عَدَدِ قُرّاءِ البَصْرَةِ مِائَةً وإحْدى عَشْرَةَ، وفي عَدِّ قُرّاءِ الكُوفَةِ مِائَةً وعَشْرًا، بِناءً عَلى اخْتِلافِهِمْ في تَقْسِيمِ بَعْضِ الآياتِ إلى آيَتَيْنِ. وسَبَبُ نُزُولِها ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وبَسَطَهُ ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ بِدُونِ سَنَدٍ، وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدٍ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ: «أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا أهَمَّهم أمْرُ النَّبِيءِ ﷺ، وازْدِيادُ المُسْلِمِينَ مَعَهُ، وكَثُرَ تَساؤُلُ الوافِدِينَ إلى مَكَّةَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ عَنْ أمْرِ دَعْوَتِهِ، بَعَثُوا النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ إلى أحْبارِ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ ”يَثْرِبَ“، يَسْألُونَهم رَأْيَهم في دَعْوَتِهِ، وهم يَطْمَعُونَ أنْ يَجِدَ لَهُمُ الأحْبارُ ما لَمْ يَهْتَدُوا إلَيْهِ مِمّا يُوَجِّهُونَ بِهِ تَكْذِيبَهم إيّاهُ، قالُوا: فَإنَّ اليَهُودَ أهْلُ الكِتابِ الأوَّلِ، وعِنْدَهم مِن عِلْمِ الأنْبِياءِ، أيْ صِفاتِهِمْ وعَلاماتِهِمْ، عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنا، فَقَدِمَ النَّضْرُ وعُقْبَةُ إلى المَدِينَةِ، ووَصَفا لِلْيَهُودِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ صفحة ٢٤٣ وأخْبَراهم بِبَعْضِ قَوْلِهِ، فَقالَ لَهم أحْبارُ اليَهُودِ: سَلُوهُ عَنْ ثَلاثٍ ؟ فَإنْ أخْبَرَكم بِهِنَّ فَهو نَبِيءٌ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ فالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ ما كانَ أمْرُهم، وسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ما هي، فَرَجَعَ النَّضْرُ، وعُقْبَةُ فَأخْبَرا قُرَيْشًا بِما قالَهُ أحْبارُ اليَهُودِ، فَجاءَ جَمْعٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُخْبِرُكم بِما سَألْتُمْ عَنْهُ غَدًا، وهو يَنْتَظِرُ وقْتَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ عادَةٍ يَعْلَمُها، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يُوحى إلَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَأرْجَفَ أهْلُ مَكَّةَ وقالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ غَدًا وقَدْ أصْبَحْنا اليَوْمَ عِدَّةَ أيّامٍ لا يُخْبِرُنا بِشَيْءٍ مِمّا سَألْناهُ عَنْهُ، حَتّى أحْزَنَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وشَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسُورَةِ الكَهْفِ، وفِيها جَوابُهم عَنِ الفِتْيَةِ وهم أهْلُ الكَهْفِ، وعَنِ الرَّجُلِ الطَّوّافِ، وهو ذُو القَرْنَيْنِ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيما سَألُوهُ مِن أمْرِ الرُّوحِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ»، قالَ السُّهَيْلِيُّ: وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ مِن غَيْرِ طَرِيقِ البَكّائِيِّ أيْ زِيادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَكّائِيِّ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ ابْنُ هِشامٍ أنَّهُ قالَ في هَذا الخَبَرِ: فَناداهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هو - أيِ الرُّوحُ - جِبْرِيلُ، وهَذا خِلافُ ما رَوى غَيْرُهُ أنَّ يَهُودَ قالَتْ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ فَإنْ أخْبَرَكم بِهِ فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ، وإنْ لَمْ يُخْبِرْكم بِهِ فَهو نَبِيءٌ. اهـ. وأقُولُ: قَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَعْدَ أنْ أجابَهم عَنْ أمْرِ الرُّوحِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] بِحَسَبِ ما عَنَوْهُ بِالرُّوحِ عَدَلَ بِهِمْ إلى الجَوابِ عَنْ أمْرٍ كانَ أوْلى لَهُمُ العِلْمُ بِهِ، وهو الرُّوحُ الَّذِي تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في القُرْآنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقَوْلُهُ ﴿والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] (وهو مِن ألْقابِ جِبْرِيلَ) عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ صفحة ٢٤٤ الحَكِيمِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإغاظَةِ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم أعْداءُ جِبْرِيلَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآيَةَ، ووَضَّحَهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ في قَوْلِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَلَمْ يَتْرُكِ النَّبِيءُ ﷺ لَهم مَنفَذًا قَدْ يُلْقُونَ مِنهُ التَّشْكِيكَ عَلى قُرَيْشٍ إلّا سَدَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَدْ يَعْتَرِضُكَ هُنا: أنَّ الآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ في أمْرِ الرُّوحِ هي مِن سُورَةِ الإسْراءِ، فَلَمْ تَكُنْ مُقارِنَةً لِلْآيَةِ النّازِلَةِ في شَأْنِ الفِتْيَةِ، وشَأْنِ الرَّجُلِ الطَّوّافِ، فَماذا فَرَّقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ؟ وأنَّ سُورَةَ الإسْراءِ يُرْوى أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ، فَإنَّها مَعْدُودَةٌ سادِسَةً وخَمْسِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، وسُورَةُ الكَهْفِ مَعْدُودَةٌ ثامِنَةً وسِتِّينَ في النُّزُولِ، وقَدْ يُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ آيَةَ الرُّوحِ قَدْ تَكُونُ نَزَلَتْ عَلى أنْ تُلْحَقَ بِسُورَةِ الإسْراءِ؛ فَإنَّها نَزَلَتْ في أُسْلُوبِ سُورَةِ الإسْراءِ، وعَلى مِثْلِ فَواصَلِها، ولِأنَّ الجَوابَ فِيها جَوابٌ بِتَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ، وهو مَقامٌ يَقْتَضِي الإيجازَ، بِخِلافِ الجَوابِ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي بَسْطًا وإطْنابًا، فَفَرَّقَتْ آيَةُ الرُّوحِ عَنِ القِصَّتَيْنِ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ سُورَةِ الإسْراءِ مُسْتَمِرًّا إلى وقْتِ نُزُولِ سُورَةِ الكَهْفِ، فَأُنْزِلَ قُرْآنٌ مُوَزَّعٌ عَلَيْها وعَلى سُورَةِ الكَهْفِ، وهَذا عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في مَعْنى كَوْنِ الرُّوحِ مِن أمْرِ رَبِّي كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ، والَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الرُّواةِ أنَّ آيَةَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] مَكِّيَّةٌ إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَدْ عَلِمْتَ تَأْوِيلَهُ في سُورَةِ الإسْراءِ. فاتَّضَحَ مِن هَذا أنَّ أهَمَّ غَرَضٍ نَزَلَتْ فِيهِ سُورَةُ الكَهْفِ هو بَيانُ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، وقَدْ ذُكِرَتْ أُولاهُما في أوَّلِ السُّورَةِ، وذُكِرَتِ الأُخْرى في آخِرِها. كَرامَةٌ قُرْآنِيَّةٌ: لِوَضْعِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ في المُصْحَفِ مُناسَبَةٌ حَسَنَةٌ ألْهَمَ اللَّهُ صفحة ٢٤٥ إلَيْها أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا رَتَّبُوا المُصْحَفَ، فَإنَّها تُقارِبُ نِصْفَ المُصْحَفِ، إذْ كانَ في أوائِلِها مَوْضِعٌ قِيلَ هو نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ، وهو (التّاءُ) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] وقِيلَ: نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ هو (النُّونُ) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] في أثْنائِها، وهو نِهايَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِن أجْزاءِ القُرْآنِ، وذَلِكَ نِصْفُ أجْزائِهِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥]، فَجُعِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مَكانِ قُرابَةِ نِصْفِ المُصْحَفِ. وهِيَ مُفْتَتَحَةٌ بِالحَمْدِ حَتّى يَكُونَ افْتِتاحُ النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القُرْآنِ بِـ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ كَما كانَ افْتِتاحُ النِّصْفِ الأوَّلِ بِـ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“، وكَما كانَ أوَّلُ الرُّبُعِ الرّابِعِ مِنهُ تَقْرِيبًا بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطر: ١] . * * * أغْراضُ السُّورَةِ: أغْراضُ السُّورَةِ: افْتُتُحَتْ بِالتَّحْمِيدِ عَلى إنْزالِ الكِتابِ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ تَطاوُلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى المُشْرِكِينَ، ومُلَقِّنِيهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأُدْمِجَ فِيهِ إنْذارُ المُعانِدِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا لِلَّهِ ولَدًا، وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أقْوالِهِمْ حِينَ تَرَيَّثَ الوَحْيُ لِما اقْتَضَتْهُ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ أوْلِيائِهِ مِن إظْهارِ عَتْبِهِ عَلى الغَفْلَةِ عَنْ مُراعاةِ الآدابِ الكامِلَةِ. وذَكَرَ افْتِتانَ المُشْرِكِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها، وأنَّها لا تُكْسِبُ النُّفُوسَ تَزْكِيَةً. وانْتَقَلَ إلى خَبَرِ أصْحابِ الكَهْفِ المَسْئُولِ عَنْهُ. وحَذَّرَهم مِنَ الشَّيْطانِ وعَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ؛ لِيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن كَيْدِهِ. وقَدَّمَ لِقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ قِصَّةً أهَمَّ مِنها، وهي قِصَّةُ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ لِأنَّ كِلْتا القِصَّتَيْنِ تَشابَهَتا في السَّفَرِ لِغَرَضٍ شَرِيفٍ، فَذُو القَرْنَيْنِ خَرَجَ لِبَسْطِ سُلْطانِهِ عَلى الأرْضِ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ. صفحة ٢٤٦ وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى تَعْرِيضٌ بِأحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ تَهَمَّمُوا بِخَبَرِ مَلِكٍ مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ، ولا مِن أهْلِ دِينِهِمْ، ونَسُوا خَبَرًا مِن سِيرَةِ نَبِيئِهِمْ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ مُسْتَطْرَداتٌ مِن إرْشادِ النَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتِهِ، وأنَّ الحَقَّ فِيما أخْبَرَ بِهِ، وأنَّ أصْحابَهُ المُلازِمِينَ لَهُ خَيْرٌ مِن صَنادِيدِ المُشْرِكِينَ، ومِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَمْثِيلِ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وتَمْثِيلِ الحَياةِ الدُّنْيا وانْقِضائِها، وما يَعْقُبُها مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ، والتَّذْكِيرِ بِعَواقِبِ الأُمَمِ الدُّنْيا وانْقِضائِها، وما يَعْقُبُها مِنَ البَعْثِ والحَشْرِ، والتَّذْكِيرِ بِعَواقِبِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ، وما خُتِمَتْ بِهِ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ، ووَعِيدِ أهْلِهِ، ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِضِدِّهِمْ، والتَّمْثِيلِ لِسَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وخُتِمَتْ بِتَقْرِيرِ أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى رَسُولِهِ ﷺ، فَكانَ في هَذا الخِتامِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.

الكهف 18:1

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢] مَوْقِعُ الِافْتِتاحِ بِهَذا التَّحْمِيدِ كَمَوْقِعِ الخُطْبَةِ يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ في الغَرَضِ المُهِمِّ. ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أجْزَلَ نَعْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ نَجاتِهِمْ في حَياتِهِمُ الأبَدِيَّةِ، وسَبَبُ فَوْزِهِمْ في الحَياةِ العاجِلَةِ بِطِيبِ الحَياةِ وانْتِظامِ الأحْوالِ، والسِّيادَةِ عَلى النّاسِ، ونِعْمَةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ جَعَلَهُ واسِطَةَ ذَلِكَ ومُبَلِّغَهُ ومُبَيِّنَهُ؛ لِأجْلِ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ اللَّهُ تَعالى أكْمَلَ الحَمْدِ إخْبارًا وإنْشاءً، وقَدْ تَقَدَّمَ إفادَةُ جُمْلَةِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ اسْتِحْقاقَهُ أكْمَلَ الحَمْدِ في صَدْرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. وهِيَ هُنا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، والمُسْلِمِينَ بِأنَّ مُسْتَحِقَّ الحَمْدِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ؛ فَأجْرى عَلى اسْمِ الجَلالَةِ الوَصْفَ بِالمَوْصُولِ؛ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ، ولِما يُفِيدُهُ المَوْصُولُ مِن تَعْلِيلِ الخَبَرِ. صفحة ٢٤٧ وذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ؛ تَقْرِيبٌ لِمَنزِلَتِهِ، وتَنْوِيهٌ بِهِ بِما في إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ مِن رِفْعَةِ قَدْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] . والكِتابُ: القُرْآنُ، فَكُلُّ مِقْدارٍ مُنَزَّلٍ مِنَ القُرْآنِ فَهو الكِتابُ، فالمُرادُ بِالكِتابِ هُنا ما وقَعَ إنْزالُهُ مِن يَوْمِ البَعْثَةِ في غارِ حِراءٍ إلى يَوْمِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، ويُلْحَقُ بِهِ ما يَنْزِلُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ويُزادُ بِهِ مِقْدارُهُ. وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الكِتابِ وبَيْنَ الحالِ مِنهُ وهو ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢]، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ الجُمْلَةِ حالًا، والواوِ حالِيَّةً. والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِها وبِفَتْحِ الواوِ حَقِيقَتُهُ: انْحِرافُ جِسْمٍ ما عَنِ الشَّكْلِ المُسْتَقِيمِ، فَهو ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الِانْحِرافِ عَنِ الصَّوابِ والمَعانِي المَقْبُولَةِ المُسْتَحْسَنَةِ. والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ أنَّ مَكْسُورَ العَيْنِ ومَفْتُوحَها سَواءٌ في الإطْلاقَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وقِيلَ: المَكْسُورُ العَيْنِ يَخْتَصُّ بِالإطْلاقِ المَجازِيِّ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في الكَشّافِ، ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ نَسْفَ الجِبالِ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٦] حَيْثُ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِهِ بِكَسْرِ العَيْنِ، وعَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ: أنَّ المَكْسُورَ أعَمُّ يَجِيءُ في الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وأنَّ المَفْتُوحَ خاصٌّ بِالمَجازِيِّ. والمُرادُ بِالعِوَجِ هُنا: عِوَجُ مَدْلُولاتِ كَلامِهِ بِمُخالَفَتِها لِلصَّوابِ، وتَناقُضِها، وبُعْدِها عَنِ الحِكْمَةِ، وإصابَةِ المُرادِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ أوِ الحالِيَّةِ إبْطالُ ما يَرْمِيهِ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْلِهِمُ: افْتَراهُ، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقَوْلُ كاهِنٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ لا تَخْلُو مِن عِوَجٍ، قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] . صفحة ٢٤٨ وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”الكِتابَ“ . وإنَّما عُدِّيَ الجَعْلُ بِاللّامِ دُونَ ”في“؛ لِأنَّ العِوَجَ المَعْنَوِيَّ يُناسِبُهُ حَرْفُ الِاخْتِصاصِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ مِن عَلائِقِ الأجْسامِ، وأمّا مَعْنى الِاخْتِصاصِ فَهو أعَمُّ. فالمَعْنى: أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِكَمالِ أوْصافِ الكُتُبِ مِن صِحَّةِ المَعانِي والسَّلامَةِ مِنَ الخَطَأِ والِاخْتِلافِ، وهَذا وصْفُ كَمالٍ لِلْكِتابِ في ذاتِهِ، وهو مُقْتَضٍ أنَّهُ أهْلٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ، فَهَذا كَوَصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و”قَيِّمًا“ حالٌ مِنَ الكِتابِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَجْرُورِ بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا مِن أحَدِهِما ثَبَتَ الِاتِّصافُ بِهِ لِلْآخَرِ، إذْ هُما شَيْءٌ واحِدٌ، فَلا طائِلَ فِيما أطالُوا بِهِ مِنَ الإعْرابِ. والقَيِّمُ: صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِيامِ المَجازِيِّ، الَّذِي يُطْلَقُ عَلى دَوامِ تَعَهُّدِ شَيْءٍ، ومُلازَمَةِ صَلاحِهِ؛ لِأنَّ التَّعَهُّدَ يَسْتَلْزِمُ القِيامَ لِرُؤْيَةِ الشَّيْءِ، والتَّيَقُّظَ لِأحْوالِهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهِ هُنا أنَّهُ قَيِّمٌ عَلى هَدْيِ الأُمَّةِ، وإصْلاحِها، فالمُرادُ أنَّ كَمالَهُ مُتَعَدٍّ بِالنَّفْعِ، فَوِزانُهُ وِزانُ وصْفِهِ بِأنَّهُ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ وقَوْلِهِ ”قَيِّمًا“ كالجَمْعِ بَيْنَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وبَيْنَ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ولَيْسَ هو تَأْكِيدًا لِنَفْيِ العِوَجِ.

الكهف 18:2

﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ ”لِيُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أنْزَلَ“، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ لِيُنْذِرَ اللَّهُ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ ”يُنْذِرَ“ مَحْذُوفٌ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، صفحة ٢٤٩ أوْ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُنْذَرُ بِهِ، وهو البَأْسُ الشَّدِيدُ تَهْوِيلًا لَهُ، ولِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ. والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الألَمِ، ويُطْلَقُ عَلى القُوَّةِ في الحَرْبِ؛ لِأنَّها تُؤْلِمُ العَدُوَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هُنا: شِدَّةُ الحالِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُطْلِقَ عَلى اسْمِ البَأْسِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الطَّبَرِيُّ، وهَذا إيماءٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما سَيَلْقَوْنَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بَأْسٌ مِن لَدُنْهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ، وبِأمْرِهِ عِبادَهُ أنْ يَفْعَلُوهُ، فاسْتِعْمالُ لَدُنْ هُنا في مَعْنَيَيْهِ؛ الحَقِيقِيِّ، والمَجازِيِّ. ولَيْسَ في جَعْلِ الإنْذارِ بِبَأْسِ الدُّنْيا عِلَّةً لِإنْزالِ الكِتابِ ما يَقْتَضِي اقْتِصارَ عِلَلِ إنْزالِهِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ بَعْضُها، ويُتْرَكُ بَعْضٌ. وإنَّما آثَرْتُ الحَمْلَ عَلى جَعْلِ البَأْسِ الشَّدِيدِ بَأْسَ الدُّنْيا لِلتَّفَصِّي مِمّا يَرِدُ عَلى إعادَةِ فِعْلِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] كَما سَيَأْتِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، وبِهَذا الوَجْهِ فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ الشَّدِيدِ ما يَشْمَلُ بَأْسَ عَذابِ الآخِرَةِ وبَأْسَ عَذابِ الدُّنْيا، وعَلى هَذا دَرَجَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، ويَكُونَ اسْتِعْمالُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، أمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في عَذابِ الدُّنْيا فَلِأنَّ بَعْضَهُ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وهُما مِن أفْعالِ النّاسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِهِما، فَهُما مِن لَدُنْهُ. وحَذْفُ مَفْعُولِ ”يُنْذِرَ“ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنْذِرُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الكِتابِ، ولا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مُقابَلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ . * * * صفحة ٢٥٠ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾، فَهو سَبَبٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ أثارَتْهُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ الإنْذارِ لِيَبْقى الإنْذارُ مُوَجَّهًا إلى غَيْرِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَشِّرَ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنَّ) أيْ بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا، وذِكْرُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَ ذَلِكَ الأجْرِ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِأمْرَيْنِ، ولا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ في الغالِبِ لِحالَةِ حُصُولِ الإيمانِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، ولِحُكْمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ. والمُكْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، شَبَّهَ ما لَهم مِنَ اللَّذّاتِ والمُلائِماتِ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ حالُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأجْرَ الحَسَنَ كالمُحِيطِ بِهِمْ لا يُفارِقُهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ أبَدًا بِتَأْكِيدٍ لِمَعْنى ”ماكِثِينَ“ بَلْ أُفِيدَ بِمَجْمُوعِها الإحاطَةُ والدَّوامُ.

الكهف 18:3

﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ ”لِيُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أنْزَلَ“، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ لِيُنْذِرَ اللَّهُ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ ”يُنْذِرَ“ مَحْذُوفٌ؛ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، صفحة ٢٤٩ أوْ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُنْذَرُ بِهِ، وهو البَأْسُ الشَّدِيدُ تَهْوِيلًا لَهُ، ولِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ إنْزالَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ. والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في الألَمِ، ويُطْلَقُ عَلى القُوَّةِ في الحَرْبِ؛ لِأنَّها تُؤْلِمُ العَدُوَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ هُنا: شِدَّةُ الحالِ في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ هو الَّذِي أُطْلِقَ عَلى اسْمِ البَأْسِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ دَرَجَ الطَّبَرِيُّ، وهَذا إيماءٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما سَيَلْقَوْنَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ بِأيْدِي المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ بَأْسٌ مِن لَدُنْهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ بِتَقْدِيرِهِ، وبِأمْرِهِ عِبادَهُ أنْ يَفْعَلُوهُ، فاسْتِعْمالُ لَدُنْ هُنا في مَعْنَيَيْهِ؛ الحَقِيقِيِّ، والمَجازِيِّ. ولَيْسَ في جَعْلِ الإنْذارِ بِبَأْسِ الدُّنْيا عِلَّةً لِإنْزالِ الكِتابِ ما يَقْتَضِي اقْتِصارَ عِلَلِ إنْزالِهِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ تَكُونُ لَهُ عِلَلٌ كَثِيرَةٌ يُذْكَرُ بَعْضُها، ويُتْرَكُ بَعْضٌ. وإنَّما آثَرْتُ الحَمْلَ عَلى جَعْلِ البَأْسِ الشَّدِيدِ بَأْسَ الدُّنْيا لِلتَّفَصِّي مِمّا يَرِدُ عَلى إعادَةِ فِعْلِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] كَما سَيَأْتِي. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّهُ بَأْسٌ شَدِيدٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، وبِهَذا الوَجْهِ فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَأْسِ الشَّدِيدِ ما يَشْمَلُ بَأْسَ عَذابِ الآخِرَةِ وبَأْسَ عَذابِ الدُّنْيا، وعَلى هَذا دَرَجَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، ويَكُونَ اسْتِعْمالُ ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، أمّا في عَذابِ الآخِرَةِ فَظاهِرٌ، وأمّا في عَذابِ الدُّنْيا فَلِأنَّ بَعْضَهُ بِالقَتْلِ، والأسْرِ، وهُما مِن أفْعالِ النّاسِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِهِما، فَهُما مِن لَدُنْهُ. وحَذْفُ مَفْعُولِ ”يُنْذِرَ“ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ يُنْذِرُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الكِتابِ، ولا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مُقابَلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ . * * * صفحة ٢٥٠ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾، فَهو سَبَبٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ أثارَتْهُ مُناسَبَةُ ذِكْرِ الإنْذارِ لِيَبْقى الإنْذارُ مُوَجَّهًا إلى غَيْرِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُبَشِّرَ“ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنَّ) أيْ بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا، وذِكْرُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِحْقاقَ ذَلِكَ الأجْرِ بِحُصُولِ ذَلِكَ لِأمْرَيْنِ، ولا يَتَعَرَّضُ القُرْآنُ في الغالِبِ لِحالَةِ حُصُولِ الإيمانِ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، ولِحُكْمِهِ أدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ. والمُكْثُ: الِاسْتِقْرارُ في المَكانِ، شَبَّهَ ما لَهم مِنَ اللَّذّاتِ والمُلائِماتِ بِالظَّرْفِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ حالُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأجْرَ الحَسَنَ كالمُحِيطِ بِهِمْ لا يُفارِقُهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ أبَدًا بِتَأْكِيدٍ لِمَعْنى ”ماكِثِينَ“ بَلْ أُفِيدَ بِمَجْمُوعِها الإحاطَةُ والدَّوامُ.

الكهف 18:4

﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ ولا لِآبائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] تَعْلِيلٌ آخَرُ لِإنْزالِ الكِتابِ عَلى عَبْدِهِ، جُعِلَ تالِيًا لِقَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ هُنا إنْذارٌ مَخْصُوصٌ مُقابِلٌ لِما بَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهَذا إنْذارٌ بِجَزاءٍ خالِدِينَ فِيهِ، وهو عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنْ جَرَيْتَ عَلى تَخْصِيصِ البَأْسِ في قَوْلِهِ ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] بِعَذابِ الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ كانَ هَذا الإنْذارُ مُغايِرًا لِما قَبْلَهُ، وإنْ جَرَيْتَ عَلى شُمُولِ البَأْسِ لِلْعَذابَيْنِ كانَتْ إعادَةُ فِعْلِ ”يُنْذِرَ“ تَأْكِيدًا، فَكانَ عَطْفُهُ بِاعْتِبارِ أنَّ لِمَفْعُولِهِ صِفَةً زائِدَةً عَلى مَعْنى مَفْعُولِ فِعْلِ صفحة ٢٥١ ”يُنْذِرَ“ السّابِقِ، يُعْرَفُ بِها الفَرِيقُ المُنْذَرُونُ بِكِلا الإنْذارَيْنِ، وهو يُومِئُ إلى ”المُنْذَرِينَ“ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] ويُغْنِي عَنْ ذِكْرِهِ، وهَذِهِ العِلَّةُ أثارَتْها مُناسَبَةُ ذِكْرِ التَّبْشِيرِ قَبْلَها، وقَدْ حُذِفَ هَنا المُنْذَرُ بِهِ اعْتِمادًا عَلى مُقابِلِهِ المُبَشَّرِ بِهِ. والمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ هُنا المُشْرِكُونَ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ النَّصارى الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ القُرْآنَ المَكِّيَّ ما تَعَرَّضَ لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ مَعَ تَأهُّلِهِمْ لِلدُّخُولِ في العُمُومِ لِاتِّحادِ السَّبَبِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ عُرِفُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ بَيْنَ أقْوامِهِمْ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ؛ تَشْنِيعًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ المَقالَةِ، وإيماءً إلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما أُنْذِرُوا بِهِ لِأجْلِها، ولِغَيْرِها، فَمَضْمُونُ الصِّلَةِ مِن مُوجِباتِ ما أُنْذِرُوا بِهِ؛ لِأنَّ العِلَلَ تَتَعَدَّدُ. والوَلَدُ: اسْمٌ لِمَن يُولَدُ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ [يونس: ٦٨] في سُورَةِ يُونُسَ. وجُمْلَةُ ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ [الكهف: ٥] حالٌ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِن ”قالُوا“ . و(مِن) لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الحالِ أنَّها أشْنَعُ في كُفْرِهِمْ، وهي أنْ يَقُولُوا كَذِبًا لَيْسَتْ لَهم فِيهِ شُبْهَةٌ، فَأطْلَقَ العِلْمَ عَلى سَبَبِ العِلْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . وضَمِيرُ ”بِهِ“ عائِدٌ عَلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن فِعْلِ ”قالُوا“، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ القَوْلِ مَن عِلْمٍ. وعَطْفُ ﴿ولا لِآبائِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] لِقَطْعِ حُجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] فَإذا لَمْ يَكُنْ لِآبائِهِمْ حُجَّةٌ عَلى ما يَقُولُونَ فَلَيْسُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يُقَلِّدُوهم.

الكهف 18:5

صفحة ٢٥٢ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ اسْتِئْنافٌ بِالتَّشاؤُمِ بِذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ. ووَجْهُ فَصْلِ الجُمْلَةِ أنَّها مُخالِفَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها بِالإنْشائِيَّةِ المُخالَفَةِ لِلْخَبَرِيَّةِ. وفِعْلُ كَبُرَتْ بِضَمِّ الباءِ، أصْلُهُ: الإخْبارُ عَنِ الشَّيْءِ بِضَخامَةِ جِسْمِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الشِّدَّةِ والقُوَّةِ في وصْفٍ مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ والمَذْمُومَةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ مِن كِبَرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في الشَّناعَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، ودَلَّ عَلى قَصْدِ التَّعَجُّبِ مِنها انْتِصابُ ”كَلِمَةً“ عَلى التَّمْيِيزِ، إذْ لا يَحْتَمِلُ التَّمْيِيزُ هُنا مَعْنًى غَيْرَ أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ التَّعَجُّبِ، ومِن أجْلِ هَذا مَثَّلُوا بِهَذِهِ الآيَةِ لِوُرُودِ (فَعُلَ) الأصْلِيِّ والمُحَوَّلِ لِمَعْنى المَدْحِ والذَّمِّ في مَعْنى نِعْمَ وبِئْسَ، بِحَسَبِ المَقامِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”كَبُرَتْ“ يَرْجِعُ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها التَّمْيِيزُ. وأُطْلِقَتِ الكَلِمَةُ عَلى الكَلامِ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ وجُمْلَةُ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِـ ”كَلِمَةً“ مَقْصُودٌ بِها مِن جَرْأتِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها، ووَقاحَتِهِمْ في قَوْلِها. والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ خُرُوجِها مِن أفْواهِهِمْ تَخَيُّلًا لِفَظاعَتِها، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الكَلامِ لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ غَيْرُ الأفْواهِ،؛ لِأنَّهُ لِاسْتِحالَتِهِ تَتَلَقّاهُ وتَنْطِقُ بِهِ أفْواهُهم وتَسْمَعُهُ أسْماعُهم، ولا تَعْقِلُهُ عُقُولُهم؛ لِأنَّ المُحالَ لا يَعْتَقِدُهُ العَقْلُ، ولَكِنَّهُ يَتَلَقّاهُ المُقَلِّدُ دُونَ تَأمُّلٍ. صفحة ٢٥٣ والأفْواهُ: جَمْعُ (فَمٍ) بِوَزْنِ أفْعالٍ؛ لِأنَّ أصْلَ فَمٍ (فَوَهٌ) بِفَتْحَتَيْنِ بِوَزْنِ جَمَلٍ، أوْ فِيهٍ بِوَزْنِ رِيحٍ، فَحُذِفَتِ الهاءُ مِن آخِرِهِ لِثِقَلِها مَعَ قِلَّةِ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ لا يَجِدُ النّاطِقُ حَرْفًا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ لِسانُهُ، ولِأنَّ ما قَبْلَها حَرْفٌ ثَقِيلٌ وهو الواوُ المُتَحَرِّكَةُ فَلَمّا بَقِيَتِ الكَلِمَةُ مَخْتُومَةً بِواوٍ مُتَحَرِّكَةٍ أُبْدِلَتْ ألْفًا؛ لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَصارَ (فًا) ولا يَكُونُ اسْمٌ عَلى حَرْفَيْنِ أحَدُهُما تَنْوِينٌ، فَأُبْدِلَتِ الألِفُ المُنَوَّنَةُ بِحَرْفٍ صَحِيحٍ، وهو المِيمُ؛ لِأنَّها تُشابِهُ الواوَ الَّتِي هي الأصْلُ في الكَلِمَةِ؛ لِأنَّهُما شَفَهِيَّتانِ فَصارَ ”فَمٌ“، ولَمّا جَمَعُوهُ رَدُّوهُ إلى أصْلِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ الألْسُنُ ولا تَحَقُّقَ لَهُ في الخارِجِ ونَفْسِ الأمْرِ هو الكَذِبُ، أيْ تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ خُرُوجَ الكَذِبِ، فَما قَوْلُهم ذَلِكَ إلّا كَذِبٌ، أيْ لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ إلّا صِفَةُ الكَذِبِ. هَذا إذا جُعِلَ القَوْلُ المَأْخُوذُ مِن ”يَقُولُونَ“ خُصُوصَ قَوْلِهِمُ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤]، ولَكَ أنْ تَحْمِلَ ”يَقُولُونَ“ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ إلّا الكَذِبُ، فَيَكُونُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ ما يَقُولُونَهُ في القُرْآنِ والإسْلامِ، أوْ ما يَقُولُونَهُ مِن مُعْتَقَداتِهِمُ المُخالِفِ لِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”إنْ يَقُولُونَ“ تَذْيِيلًا.

الكهف 18:6

﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] بِاعْتِبارِهِمْ مُكَذِّبِينَ كافِرِينَ بِقَرِينَةِ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. صفحة ٢٥٤ و(لَعَلَّ) حَقِيقَتُها إنْشاءُ الرَّجاءِ والتَّوَقُّعِ، وتُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ والتَّحْذِيرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّهُما لازِمانِ لِتَوَقُّعِ الأمْرِ المَكْرُوهِ. وهِيَ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْذِيرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاغْتِمامِ والحُزْنِ عَلى عَدَمِ إيمانِ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في مَعْنى التَّسْلِيَةِ؛ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ. والباخِعُ: قاتِلٌ نَفْسَهَ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، وفَسَّرَهُ البُخارِيُّ بِمُهْلِكٍ، وتَفْسِيرُهُ يَرْجِعُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ. وفِي اشْتِقاقِهِ خِلافٌ، فَقِيلَ مُشْتَقُّ (البِخاعِ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ كِتابٍ، وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطَنٌ في القَفا فَإذا بَلَغَ الذّابِحُ البِخاعَ، فَذَلِكَ أعْمَقُ الذَّبْحِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وانْفَرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِذِكْرِ هَذا الِاشْتِقاقِ في الكَشّافِ والفائِقِ والأساسِ، قالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: بَحَثْتُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والطِّبِّ فَلَمْ أجِدِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ يَعْنِي أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ انْفَرَدَ بِهَذا الِاشْتِقاقِ، وبِإثْباتِ البِخاعِ اسْمًا لِهَذا العِرْقِ، قُلْتُ: كَفى بِالزَّمَخْشَرِيِّ حُجَّةً فِيما أثْبَتَهُ، وقَدْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ المُطَرِّزِيُّ في المُغْرِبِ وصاحِبُ القامُوسِ، فالبَخْعُ: أصْلُهُ أنْ يَبْلُغَ الذّابِحُ بِالذَّبْحِ إلى القَفا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَتْلِ المَشُوبِ بِغَيْظٍ. والآثارُ: جَمْعُ أثَرٍ وهو ما يُؤْثِرُهُ، أيْ يُبْقِيهِ الماشِي أوِ الرّاكِبُ في الرَّمْلِ أوِ الأرْضِ مِن مَواطِئِ أقْدامِهِ، وأخْفافِ راحِلَتِهِ، والأثَرُ أيْضًا ما يُبْقِيهِ أهْلُ الدّارِ إذا تَرَحَّلُوا عَنْها مِن تافِهِ آلاتِهِمُ الَّتِي كانُوا يُعالِجُونَ بِها شُئُونَهم كالأوْتادِ والرَّمادِ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ لِأجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْكَ، كَما يُعْرِضُ السّائِرُ عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ؛ فَتَكُونُ (عَلى) لِلتَّعْلِيلِ. صفحة ٢٥٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَمْثِيلَ حالِ الرَّسُولِ ﷺ في شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اتِّباعِ قَوْمِهِ لَهُ، وفي غَمِّهِ مِن إعْراضِهِمْ - وتَمْثِيلَ حالِهِمْ في النُّفُورِ والإعْراضِ بِحالِ مَن فارَقَهُ أهْلُهُ وأحِبَّتُهُ، فَهو يَرى آثارَ دِيارِهِمْ، ويَحْزَنُ لِفِراقِهِمْ، ويَكُونُ حَرْفُ (عَلى) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، ومَعْنى (عَلى) الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، وهو شِدَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ. وكَأنَّ هَذا الكَلامَ سَبَقَ إلى الرَّسُولِ ﷺ في آخِرِ أوْقاتِ رَجائِهِ في إيمانِهِمْ إيماءً إلى أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى الإيمانِ، وتَهْيِئَةً لِنَفْسِهِ أنْ تَتَحَمَّلَ ما سَيَلْقاهُ مِن عِنادِهِمْ رَأْفَةً مِن رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ الحُصُولَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ إنِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ إيمانِهِمْ. واسْمُ الإشارَةِ وبَيانُهُ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ لِحُضُورِهِ في الأذْهانِ كَأنَّهُ حاضِرٌ في مَقامِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، وبَيَّنَ بِأنَّهُ الحَدِيثُ. والحَدِيثُ: الخَبَرُ، وإطْلاقُ اسْمِ (الحَدِيثِ) عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، إذِ الحَدِيثُ هو الكَلامُ الطَّوِيلُ المُتَضَمِّنُ أخْبارًا وقِصَصًا، سُمِّي الحَدِيثُ حَدِيثًا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى الأمْرِ الحَدِيثِ، أيِ الَّذِي حَدَثَ وجَدَّ، أيِ الأخْبارِ المُسْتَجَدَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُ، فالحَدِيثُ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ. و”أسَفًا“ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ قاتِلُها لِأجْلِ شَدَّةِ الحُزْنِ، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ، ولا جَوابَ لَهُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ الجَوابِ بِما قَبْلَ الشَّرْطِ.

الكهف 18:7

صفحة ٢٥٦ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيَّةٌ، أعْوَزَ المُفَسِّرِينَ بَيانُها، مِنهم ساكِتٌ عَنْها، ومِنهم مُحاوِلٌ بَيانَها بِما لا يَزِيدُ عَلى السُّكُوتِ. والَّذِي يَبْدُو: أنَّها تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم، وأعْطاهُمُ الدُّنْيا لَعَلَّهم يَشْكُرُونَهُ، وأنَّهم بَطَرُوا النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُبُ عَنْهُ النِّعْمَةَ فَتَصِيرُ بِلادُهم قاحِلَةً، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنْ سَيَحُلُّ بِهِمْ قَحْطُ السِّنِينَ السَّبْعِ الَّتِي سَألَ رَسُولُ اللَّهِ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَها عَلى المُشْرِكِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولِهَذا اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] . ومَوْقِعُ (إنَّ) صَدْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] . ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَذْكِيرُ بَعْضِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، وخاصَّةً ما كانَ مِنها إيجادًا لِلْأشْياءِ، وأضْدادِها مِن حَياةِ الأرْضِ، ومَوْتِها المُماثِلِ لِحَياةِ النّاسِ ومَوْتِهِمْ، والمُماثِلِ لِلْحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ والمَوْتِ المَعْنَوِيِّ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، ونِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ، كُلُّها عِبَرٌ لِمَن يَعْتَبِرُ بِالتَّغَيُّرِ، ويَأْخُذُ إلى الِانْتِقالِ مَن حالٍ إلى حالٍ، فَلا يَثِقُ بِقُوَّتِهِ وبَطْشِهِ؛ لِيَقِيسَ الأشْياءَ بِأشْباهِها ويَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى مِعْيارِ الفَضائِلِ، وحُسْنى العَواقِبِ. وأوْثَرَ الِاسْتِدْلالُ بِحالِ الأرْضِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ؛ لِأنَّها أقْرَبُ إلى حِسِّهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وقالَ ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] . صفحة ٢٥٧ وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإعْجازِ في جَمْعِ مُعانٍ كَثِيرَةٍ يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَها مِن مُخْتَلِفِ الأعْراضِ المَقْصُودَةِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْ خَلْقِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً يَجْمَعُ الِامْتِنانَ عَلى النّاسِ والتَّذْكِيرَ بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ إذْ وضَعَ هَذا العالَمَ عَلى أتْقَنِ مِثالٍ مُلائِمٍ لِما تُحِبُّهُ النُّفُوسُ مِنَ الزِّينَةِ والزُّخْرُفِ، والِامْتِنانُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وقالَ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] . ولا تَكُونُ الأشْياءُ زِينَةً إلّا وهي مَبْثُوثَةٌ فِيها الحَياةُ الَّتِي بِها نَماؤُها وازْدِهارُها، وهَذِهِ الزِّينَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُنْذُ رَآها الإنْسانُ، واسْتِمْرارُها بِاسْتِمْرارِ أنْواعِها، وإنْ كانَ الزَّوالُ يَعْرِضُ لِأشْخاصِها فَتَخْلُفُها أشْخاصٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، فَيَتَضَمَّنُ هَذا امْتِنانًا بِبَثِّ الحَياةِ في المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ. ومِن لَوازِمِ هَذِهِ الزِّينَةِ أنَّها تُوقِظُ العُقُولَ إلى النَّظَرِ في وُجُودِ مُنْشِئِها، وتَسْبُرُ غَوْرَ النُّفُوسِ في مِقْدارِ الشُّكْرِ لِخالِقِها وجاعِلِها لَهم، فَمِن مُوفٍ بِحَقِّ الشُّكْرِ، ومُقَصِّرٍ فِيهِ، وجاحِدٍ كافِرٍ بِنِعْمَةِ هَذا المُنْعِمِ ناسِبٍ إيّاها إلى غَيْرِ مُوجِدِها، ومِن لَوازِمِها أيْضًا أنَّها تُثِيرُ الشَّهَواتِ لِاقْتِطافِها وتَناوُلِها فَتُسْتَثارُ مِن ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الكَيْفِيّاتِ في تَناوُلِها، وتَعارُضُ الشَّهَواتِ في الِاسْتِيثارِ بِها مِمّا يُفْضِي إلى تَغالُبِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، واعْتِداءِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الَّذِي أوْجَدَ حاجَتَهم إلى الشَّرائِعِ؛ لِتَضْبِطَ لَهم أحْوالَ مُعامَلاتِهِمْ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ جَعْلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً بِقَوْلِهِ ”لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا“، أيْ أفْوَتُ في حُسْنٍ مِن عَمَلِ القَلْبِ الرّاجِعِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، وعَمَلِ الجَسَدِ المُتَبَدِّي في الِامْتِثالِ لِلْحَقِّ والحَيْدَةِ عَنْهُ. فَمَجْمُوعُ النّاسِ مُتَفاوِتُونَ في حُسْنِ العَمَلِ، ومِن دَرَجاتِ التَّفاوُتِ في هَذا الحُسْنِ تُعْلَمُ بِطَرِيقِ الفَحْوى دَرَجَةَ انْعِدامِ الحُسْنِ مِن أصْلِهِ، وهي حالَةُ الكُفْرِ وسُوءِ العَمَلِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ: مَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يُقْرَأُ القُرْآنَ. صفحة ٢٥٨ والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ التَّنْجِيزِيِّ بِالمَعْلُومِ عِنْدَ حُصُولِهِ بِقَرِينَةِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الِاخْتِبارِ والتَّجْرِبَةِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الِانْتِقالُ مِنها إلى الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ النّاسِ حَتّى لا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الصّالِحُ بِضِدِّهِ، وهو كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها وقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَكْمِيلٌ لِلْعِبْرَةِ، وتَحْقِيقٌ لِفَناءِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ ”جاعِلُونَ“ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ، أيْ سَنَجْعَلُ ما عَلى الأرْضِ كُلَّهُ مَعْدُومًا فَلا يَكُونُ عَلى الأرْضِ إلّا تُرابٌ جافٌّ أجْرَدُ لا يَصْلُحُ لِلْحَياةِ فَوْقَهُ وذَلِكَ هو فَناءُ العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . والصَّعِيدُ: التُّرابُ، والجُرُزُ: القاحِلُ الأجْرَدُ، وسَيَأْتِي بَيانُ مَعْنى الصَّعِيدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.

الكهف 18:8

صفحة ٢٥٦ ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ مُناسَبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا خَفِيَّةٌ، أعْوَزَ المُفَسِّرِينَ بَيانُها، مِنهم ساكِتٌ عَنْها، ومِنهم مُحاوِلٌ بَيانَها بِما لا يَزِيدُ عَلى السُّكُوتِ. والَّذِي يَبْدُو: أنَّها تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى إعْراضِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم، وأعْطاهُمُ الدُّنْيا لَعَلَّهم يَشْكُرُونَهُ، وأنَّهم بَطَرُوا النِّعْمَةَ، فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُبُ عَنْهُ النِّعْمَةَ فَتَصِيرُ بِلادُهم قاحِلَةً، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنْ سَيَحُلُّ بِهِمْ قَحْطُ السِّنِينَ السَّبْعِ الَّتِي سَألَ رَسُولُ اللَّهِ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَها عَلى المُشْرِكِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولِهَذا اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] . ومَوْقِعُ (إنَّ) صَدْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْلِيَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] . ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ تَذْكِيرُ بَعْضِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى، وخاصَّةً ما كانَ مِنها إيجادًا لِلْأشْياءِ، وأضْدادِها مِن حَياةِ الأرْضِ، ومَوْتِها المُماثِلِ لِحَياةِ النّاسِ ومَوْتِهِمْ، والمُماثِلِ لِلْحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ والمَوْتِ المَعْنَوِيِّ مِن إيمانٍ وكُفْرٍ، ونِعْمَةٍ ونِقْمَةٍ، كُلُّها عِبَرٌ لِمَن يَعْتَبِرُ بِالتَّغَيُّرِ، ويَأْخُذُ إلى الِانْتِقالِ مَن حالٍ إلى حالٍ، فَلا يَثِقُ بِقُوَّتِهِ وبَطْشِهِ؛ لِيَقِيسَ الأشْياءَ بِأشْباهِها ويَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلى مِعْيارِ الفَضائِلِ، وحُسْنى العَواقِبِ. وأوْثَرَ الِاسْتِدْلالُ بِحالِ الأرْضِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ؛ لِأنَّها أقْرَبُ إلى حِسِّهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧]، وقالَ ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] . صفحة ٢٥٧ وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإعْجازِ في جَمْعِ مُعانٍ كَثِيرَةٍ يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَها مِن مُخْتَلِفِ الأعْراضِ المَقْصُودَةِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْ خَلْقِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً يَجْمَعُ الِامْتِنانَ عَلى النّاسِ والتَّذْكِيرَ بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ إذْ وضَعَ هَذا العالَمَ عَلى أتْقَنِ مِثالٍ مُلائِمٍ لِما تُحِبُّهُ النُّفُوسُ مِنَ الزِّينَةِ والزُّخْرُفِ، والِامْتِنانُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وقالَ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤] . ولا تَكُونُ الأشْياءُ زِينَةً إلّا وهي مَبْثُوثَةٌ فِيها الحَياةُ الَّتِي بِها نَماؤُها وازْدِهارُها، وهَذِهِ الزِّينَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُنْذُ رَآها الإنْسانُ، واسْتِمْرارُها بِاسْتِمْرارِ أنْواعِها، وإنْ كانَ الزَّوالُ يَعْرِضُ لِأشْخاصِها فَتَخْلُفُها أشْخاصٌ أُخْرى مِن نَوْعِها، فَيَتَضَمَّنُ هَذا امْتِنانًا بِبَثِّ الحَياةِ في المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ. ومِن لَوازِمِ هَذِهِ الزِّينَةِ أنَّها تُوقِظُ العُقُولَ إلى النَّظَرِ في وُجُودِ مُنْشِئِها، وتَسْبُرُ غَوْرَ النُّفُوسِ في مِقْدارِ الشُّكْرِ لِخالِقِها وجاعِلِها لَهم، فَمِن مُوفٍ بِحَقِّ الشُّكْرِ، ومُقَصِّرٍ فِيهِ، وجاحِدٍ كافِرٍ بِنِعْمَةِ هَذا المُنْعِمِ ناسِبٍ إيّاها إلى غَيْرِ مُوجِدِها، ومِن لَوازِمِها أيْضًا أنَّها تُثِيرُ الشَّهَواتِ لِاقْتِطافِها وتَناوُلِها فَتُسْتَثارُ مِن ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الكَيْفِيّاتِ في تَناوُلِها، وتَعارُضُ الشَّهَواتِ في الِاسْتِيثارِ بِها مِمّا يُفْضِي إلى تَغالُبِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، واعْتِداءِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ الَّذِي أوْجَدَ حاجَتَهم إلى الشَّرائِعِ؛ لِتَضْبِطَ لَهم أحْوالَ مُعامَلاتِهِمْ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ جَعْلَ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً بِقَوْلِهِ ”لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا“، أيْ أفْوَتُ في حُسْنٍ مِن عَمَلِ القَلْبِ الرّاجِعِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ، وعَمَلِ الجَسَدِ المُتَبَدِّي في الِامْتِثالِ لِلْحَقِّ والحَيْدَةِ عَنْهُ. فَمَجْمُوعُ النّاسِ مُتَفاوِتُونَ في حُسْنِ العَمَلِ، ومِن دَرَجاتِ التَّفاوُتِ في هَذا الحُسْنِ تُعْلَمُ بِطَرِيقِ الفَحْوى دَرَجَةَ انْعِدامِ الحُسْنِ مِن أصْلِهِ، وهي حالَةُ الكُفْرِ وسُوءِ العَمَلِ، كَما جاءَ في حَدِيثِ: مَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يُقْرَأُ القُرْآنَ. صفحة ٢٥٨ والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ التَّنْجِيزِيِّ بِالمَعْلُومِ عِنْدَ حُصُولِهِ بِقَرِينَةِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَهو مُسْتَغْنٍ عَنِ الِاخْتِبارِ والتَّجْرِبَةِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الِانْتِقالُ مِنها إلى الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ ذَلِكَ لِكُلِّ النّاسِ حَتّى لا يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الصّالِحُ بِضِدِّهِ، وهو كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها وقَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ تَكْمِيلٌ لِلْعِبْرَةِ، وتَحْقِيقٌ لِفَناءِ العالَمِ، فَقَوْلُهُ ”جاعِلُونَ“ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ، أيْ سَنَجْعَلُ ما عَلى الأرْضِ كُلَّهُ مَعْدُومًا فَلا يَكُونُ عَلى الأرْضِ إلّا تُرابٌ جافٌّ أجْرَدُ لا يَصْلُحُ لِلْحَياةِ فَوْقَهُ وذَلِكَ هو فَناءُ العالَمِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] . والصَّعِيدُ: التُّرابُ، والجُرُزُ: القاحِلُ الأجْرَدُ، وسَيَأْتِي بَيانُ مَعْنى الصَّعِيدِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.

الكهف 18:9

﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، ولَمّا كانَ هَذا مِنَ المَقاصِدِ الَّتِي أُنْزِلَتِ السُّورَةُ لِبَيانِها لَمْ يَكُنْ هَذا الِانْتِقالُ اقْتِضابًا، بَلْ هو كالِانْتِقالِ مِنَ الدِّيباجَةِ، والمُقَدِّمَةِ إلى المَقْصُودِ. عَلى أنَّ مُناسَبَةَ الِانْتِقالِ إلَيْهِ تَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، إذْ كانَ مِمّا صَرَفَ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ إحالَتُهُمُ الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ، فَكانَ ذِكْرُ أهْلِ الكَهْفِ، وبَعْثُهم بَعْدَ خُمُودِهِمْ سِنِينَ طَوِيلَةً مِثالًا لِإمْكانِ البَعْثِ. صفحة ٢٥٩ و(أمْ) هَذِهِ هي أمِ المُنْقَطِعَةُ بِمَعْنى (بَلْ)، وهي مُلازِمَةٌ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهامِ مَعَها، يُقَدَّرُ بَعْدَها حَرْفُ اسْتِفْهامٍ، وقَدْ يَكُونُ ظاهِرًا بَعْدَها كَقَوْلِ أُفْنُونٍ التَّغْلِبِيِّ: أنّى جَزَوْا عامِرًا سُوءًا بِفِعْلِهِمُ أمْ كَيْفَ يَجْزُونَنِي السُّوأى عَنِ الحَسَنِ والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) تَعْجِيبِيٌّ، مِثْلُ الَّذِي في البَيْتِ. والتَّقْدِيرُ هُنا: أحَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ كانُوا عَجَبًا مِن بَيْنِ آياتِنا، أيْ أعْجَبَ مِن بَقِيَّةِ آياتِنا، فَإنَّ إماتَةَ الأحْياءِ بَعْدَ حَياتِهِمْ أعْظَمُ مِن عَجَبِ إنامَةِ أهْلِ الكَهْفِ؛ لِأنَّ في إنامَتِهِمْ إبْقاءٌ لِلْحَياةِ في أجْسامِهِمْ، ولَيْسَ في إماتَةِ الأحْياءِ إبْقاءٌ لِشَيْءٍ مِنَ الحَياةِ فِيهِمْ عَلى كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِغَفْلَةِ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بَيانَ قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ؛ لِاسْتِعْلامِ ما فِيها مِنَ العَجَبِ، بِأنَّهم سَألُوا عَنْ عَجِيبٍ، وكَفَرُوا بِما هو أعْجَبُ، وهو انْقِراضُ العالَمِ، فَإنَّهم كانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ ذِكْرِ فَناءِ العالَمِ ويَقُولُونَ ﴿ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، أيْ إنِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا لا حَياةُ الآخِرَةُ، وإنَّ الدَّهْرَ يُهْلِكُنا، وهو باقٍ. وفِيهِ لَفْتٌ لِعُقُولِ السّائِلِينَ عَنِ الِاشْتِغالِ بِعَجائِبِ القَصَصِ إلى أنَّ الأوْلى لَهُمُ الِاتِّعاظُ بِما فِيها مِنَ العِبَرِ والأسْبابِ وآثارِها، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ ذِكْرُ أحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]، فَأعْلَمَ النّاسَ بِثَباتِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ورَجائِهِمْ فِيهِ، وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] الآياتِ، الدّالِّ عَلى أنَّهم أبْطَلُوا الشِّرْكَ، وسَفَّهُوا أهْلَهُ تَعْرِيضًا بِأنَّ حَقَّ السّامِعِينَ أنْ يَقْتَدُوا بِهُداهم. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُرادُ: قَوْمُهُ الَّذِينَ سَألُوا عَنِ القِصَّةِ، وأهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أغْرَوْهم بِالسُّؤالِ عَنْها، وتَطَلُّبِ بَيانِها، ويُظْهِرُ أنَّ الَّذِينَ لَقَّنُوا قُرَيْشًا السُّؤالَ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ هم بَعْضُ النَّصارى الَّذِينَ لَهم صِلَةٌ صفحة ٢٦٠ بِأهْلِ مَكَّةَ مِنَ التُّجّارِ الوارِدَيْنِ إلى مَكَّةَ، أوْ مِنَ الرُّهْبانِ الَّذِينَ في الأدْيِرَةِ الواقِعَةِ في طَرِيقِ رِحْلَةِ قُرَيْشٍ مِن مَكَّةَ إلى الشّامِ وهي رِحْلَةُ الصَّيْفِ، ومَحَلُّ التَّعَجُّبِ هو قَوْلُهُ مِن آياتِنا، أيْ مِن بَيْنِ آياتِنا الكَثِيرَةِ المُشاهَدَةِ لَهم، وهم لا يَتَعَجَّبُونَ مِنها ويَقْصُرُونَ تَعَجُّبَهم عَلى أمْثالِ هَذِهِ الخَوارِقِ، فَيُئَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّ أهْلَ الكَهْفِ لَيْسُوا هُمُ العَجَبُ مِن بَيْنِ الآياتِ الأُخْرى، بَلْ عَجائِبُ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ، مِنها ما هو أعْجَبُ مِن حالِ أهْلِ الكَهْفِ، ومِنها ما يُساوِيها. فَمَعْنى (مِن) في قَوْلِهِ ”مِن آياتِنا“ التَّبْعِيضُ، أيْ لَيْسَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ مُنْفَرِدَةً بِالعَجَبِ مِن بَيْنِ الآياتِ الأُخْرى، كَما تَقُولُ: سَألَ فُلانًا فَهو العالِمُ مِنّا، أيِ المُنْفَرِدُ بِالعِلْمِ مِن بَيْنِنا. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ كانُوا عَجَبًا في آياتِنا، أيْ وبَقِيَّةُ الآياتِ لَيْسَتْ عَجَبًا، وهَذا نِداءٌ عَلى سُوءِ نَظَرِهِمْ إذْ يُعَلِّقُونَ اهْتِمامَهم بِأشْياءَ نادِرَةٍ، وبَيْنَ يَدَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ ما هو أجْدَرُ بِالِاهْتِمامِ. وأخْبَرَ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ بِالعَجَبِ، وإنَّما العَجَبُ حالُهم في قَوْمِهِمْ، فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وأخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، والمُرادُ عَجِيبٌ. والكَهْفُ: الشَّقُّ المُتَّسِعُ الوَسَطِ في جَبَلٍ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا فَهو غارٌ. والرَّقِيمُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ الرَّقْمِ وهو الكِتابَةُ، فالرَّقِيمُ كِتابٌ كانَ مَعَ أصْحابِ الكَهْفِ في كَهْفِهِمْ، قِيلَ: كَتَبُوا فِيهِ ما كانُوا يَدِينُونَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: هو كِتابُ دِينِهِمْ، دِينٍ كانَ قَبْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو دِينُ عِيسى، وقِيلَ: كَتَبُوا فِيهِ الباعِثَ الَّذِي بَعَثَهم عَلى الِالتِجاءِ إلى الكَهْفِ؛ فِرارًا مِن كُفْرِ قَوْمِهِمْ. وابْتَدَأ القُرْآنُ مِن قِصَّتِهِمْ بِمَحَلِ العِبْرَةِ الصّادِقَةِ والقُدْوَةِ الصّالِحَةِ مِنها، وهو التِجاؤُهم إلى رَبِّهِمْ، واسْتِجابَتُهُ لَهم. صفحة ٢٦١ وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى قِصَّةِ نَفَرٍ مِن صالِحِي الأُمَمِ السّالِفَةِ ثَبَتُوا عَلى دِينِ الحَقِّ في وقْتِ شُيُوعِ الكُفْرِ والباطِلِ؛ فانْزَوَوْا إلى الخَلْوَةِ؛ تَجَنُّبًا لِمُخالَطَةِ أهْلِ الكُفْرِ فَأوَوْا إلى كَهْفٍ اسْتَقَرُّوا فِيهِ فِرارًا مِنَ الفِتْنَةِ في دِينِهِمْ، فَأكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ ألْقى عَلَيْهِمْ نَوْمًا بَقُوا فِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ أيْقَظَهم فَأراهُمُ انْقِراضَ الَّذِينَ كانُوا يَخافُونَهم عَلى دِينِهِمْ، وبَعْدَ أنْ أيْقَنُوا بِذَلِكَ أعادَ نَوْمَتَهُمُ الخارِقَةَ لِلْعادَةِ، فَأبْقاهم أحْياءً إلى أمَدٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ أوْ أماتَهم وحَفِظَ أجْسادَهم مِنَ البِلى كَرامَةً لَهم. وقَدْ عَرَفَ النّاسُ خَبَرَهم، ولَمْ يَقِفُوا عَلى أعْيانِهِمْ، ولا وقَفُوا عَلى رَقِيمِهِمْ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في شَأْنِهِمْ، فَمِنهم مَن يُثْبِتُ وُقُوعَ قِصَّتِهِمْ ومِنهم مَن يَنْفِيها. ولَمّا كانَتْ مَعانِي الآياتِ لا تَتَّضِحُ إلّا بِمَعْرِفَةِ ما أشارَتْ إلَيْهِ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ تَعَيَّنَ أنْ نَذْكُرَ ما صَحَّ عِنْدَ أعْلامِ المُؤَرِّخِينَ عَلى ما فِيهِ مِنِ اخْتِلافٍ، وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ مُلَخَّصًا في ذَلِكَ دُونَ تَعْرِيجٍ عَلى ما هو مِن زِياداتِ المُبالِغِينَ والقُصّاصِ. والَّذِي ذَكَرَهُ الأكْثَرُ: أنَّ في بَلَدٍ يُقالُ لَهُ (أبْسُسُ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المُوَحِّدَةِ، وضَمِّ السِّينِ بَعْدَها سِينٌ أُخْرى مُهْمَلَةٌ، وكانَ بَلَدًا مِن ثُغُورِ (طَرْطُوسَ) بَيْنَ حَلَبَ، وبِلادِ أرْمِينِيَّةَ وأنْطاكِيَّةَ. ولَيْسَتْ هي (أفْسُسَ) بِالفاءِ أُخْتِ القافِ - المَعْرُوفَةَ في بِلادِ اليُونانِ بِشُهْرَةِ هَيْكَلِ المُشْتَرِي فِيها، فَإنَّها مِن بِلادِ اليُونانِ، وإلى أهْلِها كَتَبَ بُولُسُ رِسالَتَهُ المَشْهُورَةَ، وقَدِ اشْتَبَهَ ذَلِكَ عَلى بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ والمُفَسِّرِينَ، وهي قَرِيبَةٌ مِن ”مَرْعَشَ“ مِن بِلادِ أرْمِينِيَّةَ، وكانَتِ الدِّيانَةُ النَّصْرانِيَّةُ دَخَلَتْ في تِلْكَ الجِهاتِ، وكانَ الغالِبُ عَلَيْها دِينَ عِبادَةِ الأصْنامِ عَلى الطَّرِيقَةِ الرُّومِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ قَبْلَ تَنَصُّرِ قُسْطَنْطِينَ، فَكانَ مِن أهْلِ أبْسُسَ نَفَرٌ مِن صالِحِي النَّصارى يُقاوِمُونَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وكانُوا في زَمَنِ الإمْبِراطُورِ (دُوقْيُوسْ) ويُقالُ (دِقْيانُوسْ) الَّذِي صفحة ٢٦٢ مَلَكَ في حُدُودِ سَنَةِ ٢٣٧، وكانَ مُلْكُهُ سَنَةً واحِدَةً، وكانَ مُتَعَصِّبًا لِلدِّيانَةِ الرُّومانِيَّةِ، وشَدِيدَ البُغْضِ لِلنَّصْرانِيَّةِ، فَأظْهَرَ كَراهِيَةَ الدِّيانَةِ الرُّومانِيَّةِ، وتَوَعَّدَهم (دُوقْيُوسْ) بِالتَّعْذِيبِ، فاتَّفَقُوا عَلى أنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ إلى جَبَلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ فَرْسَخانِ، يُقالُ لَهُ (بِنْجَلُوسْ) فِيهِ كَهْفٌ أوَوْا إلَيْهِ، وانْفَرَدُوا فِيهِ بِعِبادَةِ اللَّهِ، ولَمّا بَلَغَ خَبَرُ فِرارِهِمْ مَسامِعَ المَلِكِ، وأنَّهم أوَوْا إلى الكَهْفِ أرْسَلَ وراءَهم، فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَوْمَةً، فَظَنَّهم أتْباعُ المَلِكِ أمْواتًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ أمَرَ أنْ تُسَدَّ فُوَّهَةُ كَهْفِهِمْ بِحائِطٍ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتِمَّ فِيما يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لَوْ بُنِيَ عَلى فُوَّهَةِ كَهْفِهِمْ حائِطٌ لَما أمْكَنَ خُرُوجُ مَنِ انْبَعَثَ مِنهم، ولَعَلَّ الَّذِي حالَ دُونَ تَنْفِيذِ ما أمَرَ بِهِ المَلِكُ أنَّ مُدَّتَهُ لَمْ تَطُلْ في المُلْكِ؛ إذْ لَمْ تَزِدْ مُدَّتُهُ عَلى عامٍ واحِدٍ، وقَدْ بَقُوا في رَقْدَتِهِمْ مُدَّةً طَوِيلَةً قَرَّبَها ابْنُ العِبْرِيِّ بِمِائَتَيْنِ وأرْبَعِينَ سَنَةً، وكانَ انْبِعاثُهم في مُدَّةِ مُلْكِ (ثاوِذُوسِيُوسْ) قَيْصَرٍ الصَّغِيرِ، وذَكَرَ القُرْآنُ أنَّها ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ جَعَلَهم آيَةً لِأنْفُسِهِمْ، ولِلنّاسِ فَبَعَثَهم مِن مَرْقَدِهِمْ، ولَمْ يَعْلَمُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ، وأرْسَلُوا أحَدَهم إلى المَدِينَةِ، وهي (أبْسُسُ)، بِدَراهِمَ لِيَشْتَرِيَ لَهم طَعامًا، تَعَجَّبَ النّاسُ مِن هَيْئَتِهِ، ومِن دَراهِمِهِ وعَجِبَ هو مِمّا رَأى مِن تَغْيِيرِ الأحْوالِ، وتَسامَعَ أهْلُ المَدِينَةِ بِأمْرِهِمْ، فَخَرَجَ قَيْصَرٌ الصَّغِيرُ مَعَ أساقِفَةٍ وقِسِّيسِينَ وبَطارِقَةٍ إلى الكَهْفِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وكَلَّمُوهم، وآمَنُوا بِآيَتِهِمْ، ولَمّا انْصَرَفُوا عَنْهم ماتُوا في مَواضِعِهِمْ، وكانَتْ آيَةً تَأيَّدَ بِها دِينُ المَسِيحِ. والَّذِي في كِتابِ الطَّبَرِيِّ أنَّ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى مُشاهَدَةِ أصْحابِ الكَهْفِ هم رَئِيسا المَدِينَةِ (أرْيُوسْ) و(أطْيُوسْ) ومَن مَعَهُما مِن أهْلِ المَدِينَةِ، وقِيلَ: لَمّا شاهَدَهُمُ النّاسُ كَتَبَ والِيا المَدِينَةِ إلى مَلِكِ الرُّومِ، فَحَضَرَ وشاهَدَهم وأمَرَ بِأنْ يُبْنى عَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، ولَمْ يَذْكُرُوا هَلْ نُفِّذَ بِناءُ المَسْجِدِ أوْ لَمْ يُنَفَّذْ، ولَمْ يُذْكَرْ أنَّهُ وقَعَ العُثُورُ عَلى هَذا الكَهْفِ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ قَدِ انْسَدَّ بِحادِثِ زِلْزالٍ أوْ نَحْوِهِ كَرامَةً مِنَ اللَّهِ لِأصْحابِهِ، وإنْ كانَتِ الأخْبارُ الزّائِفَةُ عَنْ تَعْيِينِهِ في مَواضِعَ مِن بُلْدانِ المُسْلِمِينَ مِن أقْطارِ الأرْضِ - كَثِيرَةً، وفي جَنُوبِ القُطْرِ التُّونِسِيِّ مَوْضِعٌ يُدْعى صفحة ٢٦٣ أنَّهُ الكَهْفُ، وفي مَواضِعَ أُخْرى مِن بادِيَةِ القُطْرِ مَشاهِدُ يُسَمُّونَها السَّبْعَةَ الرُّقُودَ؛ اعْتِقادًا بِأنَّ أهْلَ الكَهْفِ كانُوا سَبْعَةً، وسَتُعْلَمُ مَثارُ هَذِهِ التَّوَهُّماتِ. وفِي تَفْسِيرِ الآلُوسِيِّ عَنِ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: غَزَوْنا مَعَ مُعاوِيَةَ غَزْوَ المَضِيقِ نَحْوَ الرُّومِ، فَمَرَرْنا بِالكَهْفِ الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: لَوْ كُشِفَ لَنا عَنْ هَؤُلاءِ فَنَظَرْنا إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، قَدْ مَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ مَن هو خَيْرٌ مِنكَ، فَقالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]، فَقالَ مُعاوِيَةُ: لا أنْتَهِي حَتّى أعْلَمَ عِلْمَهم فَبَعَثَ رِجالًا، وقالَ: اذْهَبُوا فادْخُلُوا الكَهْفَ وانْظُرُوا، فَذَهَبُوا فَلَمّا دَخَلُوهُ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأخْرَجَتْهم، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ غَزا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَمَرُّوا بِالكَهْفِ فَإذا فِيهِ عِظامٌ، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ عِظامُ أهْلِ الكَهْفِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَقَدْ ذَهَبَتْ عِظامُهم مُنْذُ أكْثَرَ مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ. وفِي تَفْسِيرِ الفَخْرِ عَنِ القَفّالِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسى الخُوارَزْمِيِّ المُنَجِّمِ: أنَّ الواثِقَ أنْفَذَهُ لِيَعْرِفَ حالَ أصْحابِ الكَهْفِ، فَسافَرَ إلى الرُّومِ فَوَجَّهَ مَلِكُ الرُّومِ مَعَهُ أقْوامًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُقالُ إنَّهم فِيهِ، قالَ: وإنَّ الرَّجُلَ المُوَكَّلَ بِذَلِكَ المَوْضِعِ فَزَّعَنِي مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، قالَ: فَدَخَلْتُ ورَأيْتُ الشُّعُورَ عَلى صُدُورِهِمْ، قالَ: وعَرَفْتُ أنَّهُ تَمْوِيهٌ واحْتِيالٌ، وأنَّ النّاسَ كانُوا قَدْ عالَجُوا تِلْكَ الجُثَثَ بِالأدْوِيَةِ المُجَفِّفَةِ لِأبْدانِ المَوْتى لِتَصُونَها عَنِ البِلى مِثْلِ التَّلْطِيخِ بِالصَّبْرِ وغَيْرِهِ ا هـ. وقَوْلُهُ فَسافَرَ إلى الرُّومِ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ الكَهْفَ كانَ حَوْلَ مَدِينَةِ (أفْسُوسْ) بِالفاءِ أُخْتِ القافِ، وهو وهْمٌ حَصَلَ مِن تَشابُهِ اسْمَيِ البَلَدَيْنِ، كَما نَبَّهْنا عَلَيْهِ آنِفًا، فَإنَّ بَلَدَ (أفْسُسْ) في زَمَنِ الواثِقِ لا تَزالُ في حُكْمِ قَياصِرَةِ الرُّومِ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ: إنَّ قَيْصَرَ الرُّومِ لَمّا بَلَغَتْهُ بَعْثَةُ الجَماعَةِ الَّذِينَ وجَّهَهُمُ الخَلِيفَةُ الواثِقُ، أمَرَ بِأنْ يُجْعَلَ دَلِيلٌ في صفحة ٢٦٤ رُفْقَةِ البَعْثَةِ لِيُسَهِّلَ لَهم ما يَحْتاجُونَهُ، أمّا مَدِينَةُ (أبْسُسْ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ فَقَدْ كانَتْ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ مَمْلَكَةِ الإسْلامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وبِالأنْدَلُسِ في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ تُسَمّى (لُوشَةَ) كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى، ومَعَهم كَلْبٌ رِمَّةٌ، وأكْثَرُهم قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ، وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ السّالِفَةُ، ولَمْ نَجِدْ مِن عِلْمِ شَأْنِهِمْ أثارَةً، ويَزْعُمُ النّاسُ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، دَخَلْتُ إلَيْهِمْ، ورَأيْتُهم سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ، وهم بِهَذِهِ الحالِ وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى (الرَّقِيمَ) كَأنَّهُ قَصْرٌ مُحَلِّقٌ - كَذا بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ، لَعَلَّهُ بِمَعْنى مُسْتَدِيرٍ كالحَلْقَةِ - وقَدْ بَقِيَ بَعْضُ جُدْرانِهِ، وهو في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ حَزْنَةٍ، وبِأعْلى حَضْرَةِ (أغِرْناطَةَ) مِمّا يَلِي القِبْلَةَ آثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ رُومِيَّةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دِقْيُوسْ، وجَدْنا في آثارِها غَرائِبَ في قُبُورِها ونَحْوِها. ا هـ. وقِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ لَها اتِّصالٌ بِتارِيخِ طَوْرٍ كَبِيرٍ مِن أطْوارِ ظُهُورِ الأدْيانِ الحَقِّ، وبِخاصَّةٍ طَوْرُ انْتِشارِ النَّصْرانِيَّةِ في الأرْضِ. ولِلْكُهُوفِ ذِكْرٌ شائِعٌ في اللَّوْذِ إلَيْها والدَّفْنِ بِها. وقَدْ كانَ المُتَنَصِّرُونَ يُضْطَهَدُونَ في البِلادِ، فَكانُوا يَفِرُّونَ مِنَ المُدُنِ والقُرى إلى الكُهُوفِ يَتَّخِذُونَها مَساكِنَ، فَإذا ماتَ أحَدُهم دُفِنَ هُنالِكَ، ورُبَّما كانُوا إذا قَتَلُوهم وضَعُوهم في الكُهُوفِ الَّتِي كانُوا يَتَعَبَّدُونَ فِيها، ولِذَلِكَ يُوجَدُ في رُومِيَّةَ كَهْفٌ عَظِيمٌ مِن هَذِهِ الكُهُوفِ اتَّخَذَهُ النَّصارى لِأنْفُسِهِمْ هُنالِكَ، وكانُوا كَثِيرًا ما يَسْتَصْحِبُونَ مَعَهم كَلْبًا؛ لِيَدْفَعَ عَنْهُمُ الوُحُوشَ مِن ذِئابٍ ونَحْوِها، وما الكَهْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا واحِدٌ مِن هَذِهِ الكُهُوفِ. غَيْرَ أنَّ ما ذَكَرَ في سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ مِن عِلْمِ اليَهُودِ بِأهْلِ الكَهْفِ، وجَعْلِهِمُ العِلْمَ بِأمْرِهِمْ أمارَةً عَلى نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ - يُبْعِدُ أنْ يَكُونَ أهْلُ الكَهْفِ هَؤُلاءِ مِن أهْلِ الدِّينِ المَسِيحِيِّ، فَإنَّ اليَهُودَ يَتَجافَوْنَ عَنْ صفحة ٢٦٥ كُلِّ خَبَرٍ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْمَسِيحِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ أوَوْا إلى بَعْضِ الكُهُوفِ في الِاضْطِهاداتِ الَّتِي أصابَتِ اليَهُودَ، وكانُوا يَأْوُونَ إلى الكُهُوفِ، ويُوجِدُ مَكانٌ بِأرْضِ (سَكْرَةَ) قُرْبَ المَرْسى مِن أحْوازِ تُونِسَ فِيهِ كُهُوفٌ صِناعِيَّةٌ حَقَّقَ لِي بَعْضُ عُلَماءِ الآثارِ مِنَ الرُّهْبانِ النَّصارى بِتُونِسَ أنَّها كانَتْ مَخابِئَ لِلْيَهُودِ، يَخْتَفُونَ فِيها مِنِ اضْطِهادِ الرُّومانِ القَرْطاجَنِّيِّينَ لَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِأهْلِ كِلْتا المِلَّتَيْنِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ خَبَرٌ عَنْ قَوْمٍ مِن صالِحِيهِمْ عُرِفُوا بِأهْلِ الكَهْفِ، أوْ كانُوا جَماعَةً واحِدَةً ادَّعى أهْلُ كِلْتا المِلَّتَيْنِ خَبَرَها لِصالِحِي مِلَّتِهِ، وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ اخْتِلافٌ في تَسْمِيَةِ البِلادِ الَّتِي كانَ بِها كَهْفُهم. قالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: وأصْحابُ الكَهْفِ مِن أُمَّةٍ عَجَمِيَّةٍ، والنَّصارى يَعْرِفُونَ حَدِيثَهم، ويُؤَرِّخُونَ بِهِ ا هـ. وقَدْ تَقَدَّمَ طَرَفٌ مِن هَذا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ”ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ“ في سُورَةِ الإسْراءِ.

الكهف 18:10

﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ . (إذْ) ظَرْفٌ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”كانُوا“ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةً بِالَّتِي قَبْلَها. ويَجُوزُ كَوْنُ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، فَتَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، وأيًّاما كانَ فالمَقْصُودُ إجْمالُ قِصَّتِهِمِ ابْتِداءً؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ قِصَّتَهم لَيْسَتْ أعْجَبَ آياتِ اللَّهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العِنايَةِ إنَّما كانَ تَأْيِيدًا لَهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ . صفحة ٢٦٦ وأوى أوْيًا إلى المَكانِ: جَعَلَهُ مَسْكَنًا لَهُ، فالمَكانُ: المَأْوى، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨] في سُورَةِ يُونُسَ. والفِتْيَةُ: جَمْعُ قِلَّةٍ لِـ (فَتًى)، وهو الشّابُّ المُكْتَمِلُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ، والمُرادُ بِالفِتْيَةِ: أصْحابُ الكَهْفِ، وهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: إذْ أوَوْا، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الفِتْيَةِ مِن كَوْنِهِمْ أتْرابًا مُتَقارِبِي السِّنِّ، وذَكَرَهم بِهَذا الوَصْفِ لِلْإيماءِ إلى ما فِيهِ مِنِ اكْتِمالِ خَلْقِ الرُّجُولِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالفُتُوَّةِ الجامِعِ لِمَعْنى سَدادِ الرَّأْيِ، وثَباتِ الجَأْشِ، والدِّفاعِ عَنِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ، فَلَمْ يَقِلْ: إذْ أوَوْا إلى الكَهْفِ. ودَلَّتِ الفاءُ في جُمْلَةِ فَقالُوا عَلى أنَّهم لَمّا أوَوْا إلى الكَهْفِ، بادَرُوا بِالِابْتِهالِ إلى اللَّهِ. ودَعَوُا اللَّهَ أنْ يُؤْتِيَهم رَحْمَةً مِن لَدُنْهُ، وذَلِكَ جامِعٌ لِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أيْ أنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ تُناسِبُ عِنايَتَهُ بِاتِّباعِ الدِّينِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، فَزِيادَةُ مِن لَدُنْكَ لِلتَّعَلُّقِ بِفِعْلِ الإيتاءِ، تُشِيرُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ في (مِن) مَعْنى الِابْتِداءِ وفي (لَدُنْ) مَعْنى العِنْدِيَّةِ والِانْتِسابِ إلَيْهِ، فَذَلِكَ أبْلَغُ مِمّا لَوْ قالُوا: آتِنا رَحْمَةً؛ لِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهم بِمَحَلِّ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّهم سَألُوا رَحْمَةً خاصَّةً وافِرَةً في حِينِ تَوَقُّعِ ضِدِّها، وقَصَدُوا الأمْنَ عَلى إيمانِهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ، ولِئَلّا يُلاقُوا في اغْتِرابِهِمْ مَشَقَّةً وألَمًا، وأنْ لا يُهِينَهم أعْداءُ الدِّينِ فَيَصِيرُوا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الكافِرِينَ. ثُمَّ سَألُوا اللَّهَ أنْ يُقَدِّرَ لَهم أحْوالًا تَكُونُ عاقِبَتُها حُصُولَ ما خَوَّلَهم مِنَ الثَّباتِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والنَّجاةِ مِن مُناوَأةِ المُشْرِكِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِالتَّهْيِئَةِ الَّتِي هي إعْدادُ أسْبابِ حُصُولِ الشَّيْءِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن أمْرِنا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. صفحة ٢٦٧ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ والحالُ الَّذِي يَكُونُونَ فِيهِ، وهو مَجْمُوعُ الإيمانِ والِاعْتِصامِ إلى مَحَلِّ العُزْلَةِ عَنْ أهْلِ الشِّرْكِ، وقَدْ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الأحْوالِ ما بِهِ رُشْدُهم، فَمِن ذَلِكَ صَرْفُ أعْدائِهِمْ عَنْ تَتَبُّعِهِمْ، وأنْ ألْهَمَهم مَوْضِعَ الكَهْفِ، وأنْ كانَ وضْعُهُ عَلى جِهَةٍ صالِحَةٍ بِبَقاءِ أجْسامِهِمْ سَلِيمَةً، وأنْ أنامَهم نَوْمًا طَوِيلًا لِيَمْضِيَ عَلَيْهِمُ الزَّمَنُ الَّذِي تَتَغَيَّرُ فِيهِ أحْوالُ المَدِينَةِ، وحَصَلَ رُشْدُهم إذْ ثَبَتُوا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وشاهَدُوهُ مَنصُورًا مُتَّبَعًا، وجَعَلَهم آيَةً لِلنّاسِ عَلى صِدْقِ الدِّينِ، وعَلى قُدْرَةِ اللَّهِ، وعَلى البَعْثِ. والرَّشَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: الخَيْرُ وإصابَةُ الحَقِّ والنَّفْعُ والصَّلاحُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في سُورَةِ الجِنِّ بِاخْتِلافِ هَذِهِ المَعانِي، والرُّشْدُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ مُرادِفُ الرَّشَدِ، وغُلِّبَ في حُسْنِ تَدْبِيرِ المالِ، ولَمْ يُقْرَأْ هَذا اللَّفْظُ هُنا في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ إلّا بِفَتْحِ الرّاءِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ فَلَمْ يُقْرَأْ فِيهِما إلّا بِضَمِّ الرّاءِ. ووَجْهُ إيثارِ مَفْتُوحِ الرّاءِ والشِّينِ في هَذِهِ السُّورَةِ في هَذا المَوْضِعِ وفي قَوْلِهِ الآتِي ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤]: أنَّ تَحْرِيكَ الحَرْفَيْنِ فِيهِما أنْسَبُ بِالكَلِماتِ الواقِعَةِ في قَرائِنِ الفَواصِلِ، ألا تَرى أنَّ الجُمْهُورَ قَرَءُوا قَوْلَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] بِضَمِّ الرّاءِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالقَرائِنِ المُجاوِرَةِ لَهُ، وهي ﴿مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، مَعِيَ صَبْرًا ﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩] إلى آخِرِهِ، ولَمْ يَقْرَأْهُ هُنالِكَ بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ إلّا أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ.

الكهف 18:11

صفحة ٢٦٨ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ تَفْرِيعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالفاءِ إمّا عَلى جُمْلَةِ دُعائِهِمْ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ مَضْمُونَها اسْتِجابَةُ دَعْوَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ إنامَتَهم كَرامَةً لَهم، بِأنْ سَلَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ بِأيْدِي أعْدائِهِمْ. وأيَّدَ بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، وأرى النّاسَ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ. وإمّا عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ [الكهف: ١٠] إلَخْ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّهَ عَجَّلَ لَهم حُصُولَ ما قَصَدُوهُ مِمّا لَمْ يَكُنْ في حُسْبانِهِمْ. والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى الوَضْعِ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ عَلَيْهِ حِجابًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] . وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ضَرَبْنا“ لِظُهُورِهِ، أيْ ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ غِشاوَةً أوْ حائِلًا عَنِ السَّمْعِ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، تَقْدِيرُهُ: بَنى بَيْتًا، والضَّرْبُ عَلى الآذانِ كِنايَةٌ عَنِ الإنامَةِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السَّمْعِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ السَّلِيمَ لا يَحْجُبُهُ إلّا النَّوْمُ، بِخِلافِ البَصَرِ الصَّحِيحِ، فَقَدْ يُحْجَبُ بِتَغْمِيضِ الأجْفانِ. وهَذِهِ الكِنايَةُ مِن خَصائِصِ القُرْآنِ، لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي مِنَ الإعْجازِ. و”عَدَدًا“ نَعْتُ ”سِنِينَ“، والعَدَدُ: مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ كَثِيرٍ، ونَظِيرُهُ ما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن «قَوْلِ عائِشَةَ: فَكانَ يَخْرُجُ إلى غارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ» . تُرِيدُ الكَثِيرَةَ، وقَدْ أُجْمِلَ العَدَدُ هُنا تَبَعًا لِإجْمالِ القِصَّةِ. صفحة ٢٦٩ والبَعْثُ هُنا الإيقاظُ، أيْ أيْقَظْناهم مِن نَوْمَتِهِمْ يَقَظَةَ مَفْزُوعٍ، كَما يُبْعَثُ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ. وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ هُنا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ إثْباتُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَكانَ في ذِكْرِ لِفْظِ البَعْثِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الإفاقَةِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ وكَيْفِيَّتِهِ. والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ تَوافَقُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالحِزْبانِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما مُصِيبٌ، والآخِرُ مُخْطِئٌ في عَدِّ الأمَدِ الَّذِي مَضى عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: هُما فَرِيقانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ أنْفُسِهِمْ عَلى أنَّهُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وفي هَذا بُعْدٌ مِن لَفْظِ (حِزْبٍ)، إذْ كانَ القائِلُ واحِدًا والآخِرُونَ شاكِّينَ، وبَعِيدٌ أيْضًا مِن فِعْلِ ”أحْصى“؛ لِأنَّ أهْلَ الكَهْفِ ما قَصَدُوا الإحْصاءَ لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ عِنْدَ إفاقَتِهِمْ، بَلْ خالُوها زَمَنًا قَلِيلًا، فالوَجْهُ: أنَّ المُرادَ بِالحِزْبَيْنِ حِزْبانِ مِنَ النّاسِ أهْلِ بَلَدِهِمُ، اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا انْبِعاثَهم مِن نَوْمَتِهِمْ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مُصِيبٌ، والآخَرُ مُخْطِئٌ، واللَّهُ يَعْلَمُ المُصِيبَ مِنهم والمُخْطِئَ، فَهُما فَرِيقانِ في جانِبَيْ صَوابٍ وخَطَأٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أحْصى. ولا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الحِزْبَيْنِ بِأنَّهُما حِزْبانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ. وجَعْلُ حُصُولِ عِلْمِ اللَّهِ بِحالِ الحِزْبَيْنِ عِلَّةً لِبَعْثِهِ إيّاهم - كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِ مُدَّتِهِمْ، فَإنَّهم إذا اخْتَلَفُوا عَلِمَ اللَّهُ اخْتِلافَهم عِلْمَ الواقِعاتِ، وهو تَعَلُّقٌ لِلْعِلْمِ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ: تَنْجِيزِيٌّ، وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ الكَلامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] في أوَّلِ السُّورَةِ. و”أحْصى“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، وأنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ مَصُوغًا مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ الأوَّلَ؛ تَجَنُّبًا لِصَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِقِلَّتِهِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ صفحة ٢٧٠ الثّانِيَ، ومَعَ كَوْنِ صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ لَيْسَ قِياسًا فَهو كَثِيرٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وفي القُرْآنِ. فالوَجْهُ، أنَّ ”أحْصى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ، والتَّفْضِيلُ مُنْصَرِفٌ إلى ما في مَعْنى الإحْصاءِ مِنَ الضَّبْطِ والإصابَةِ، والمَعْنى: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أتْقَنُ إحْصاءً؛ أيْ عَدًّا، بِأنْ يَكُونَ هو المُوافِقَ لِلْواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، ويَكُونَ ما عَداهُ تَقْرِيبًا ورَجْمًا بِالغَيْبِ، وذَلِكَ هو ما فَصَّلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] الآيَةَ. فَـ (أيُّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ، وهو مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ ”لِنَعْلَمَ“ عَنِ العَمَلِ، و”أحْصى“ خَبَرٌ عَنْ ”أيُّ“ و”أمَدًا“ تَمْيِيزٌ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ تَمْيِيزَ نِسْبَةٍ، أيْ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ إلى مَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا﴾ [الكهف: ٣٤]، ولا يَرِيبُكَ أنَّهُ لا يَتَّضِحُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّمْيِيزُ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ تَقُولَ: أفْضَلُ أمَدِهِ، إذِ التَّحْوِيلُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُقْصَدُ مِنهُ التَّقْرِيبُ. والمَعْنى: لِيَظْهَرَ اضْطِرابُ النّاسِ في ضَبْطِ تَوارِيخِ الحَوادِثِ واخْتِلالِ حِرْصِهِمْ، وتَخْمِينِهِمْ إذا تَصَدَّوْا لَها، ويُعْلَمُ تَفْرِيطُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في تَحْدِيدِ الحَوادِثِ، وتارِيخِها، وكِلا الحالَيْنِ يَمُتُّ إلى الآخَرِ بِصِلَةٍ.

الكهف 18:12

صفحة ٢٦٨ ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ تَفْرِيعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالفاءِ إمّا عَلى جُمْلَةِ دُعائِهِمْ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ مَضْمُونَها اسْتِجابَةُ دَعْوَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ إنامَتَهم كَرامَةً لَهم، بِأنْ سَلَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ بِأيْدِي أعْدائِهِمْ. وأيَّدَ بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، وأرى النّاسَ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ. وإمّا عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ [الكهف: ١٠] إلَخْ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّهَ عَجَّلَ لَهم حُصُولَ ما قَصَدُوهُ مِمّا لَمْ يَكُنْ في حُسْبانِهِمْ. والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى الوَضْعِ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ عَلَيْهِ حِجابًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] . وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ضَرَبْنا“ لِظُهُورِهِ، أيْ ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ غِشاوَةً أوْ حائِلًا عَنِ السَّمْعِ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، تَقْدِيرُهُ: بَنى بَيْتًا، والضَّرْبُ عَلى الآذانِ كِنايَةٌ عَنِ الإنامَةِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السَّمْعِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ السَّلِيمَ لا يَحْجُبُهُ إلّا النَّوْمُ، بِخِلافِ البَصَرِ الصَّحِيحِ، فَقَدْ يُحْجَبُ بِتَغْمِيضِ الأجْفانِ. وهَذِهِ الكِنايَةُ مِن خَصائِصِ القُرْآنِ، لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي مِنَ الإعْجازِ. و”عَدَدًا“ نَعْتُ ”سِنِينَ“، والعَدَدُ: مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ كَثِيرٍ، ونَظِيرُهُ ما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن «قَوْلِ عائِشَةَ: فَكانَ يَخْرُجُ إلى غارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ» . تُرِيدُ الكَثِيرَةَ، وقَدْ أُجْمِلَ العَدَدُ هُنا تَبَعًا لِإجْمالِ القِصَّةِ. صفحة ٢٦٩ والبَعْثُ هُنا الإيقاظُ، أيْ أيْقَظْناهم مِن نَوْمَتِهِمْ يَقَظَةَ مَفْزُوعٍ، كَما يُبْعَثُ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ. وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ هُنا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ إثْباتُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَكانَ في ذِكْرِ لِفْظِ البَعْثِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الإفاقَةِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ وكَيْفِيَّتِهِ. والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ تَوافَقُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالحِزْبانِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما مُصِيبٌ، والآخِرُ مُخْطِئٌ في عَدِّ الأمَدِ الَّذِي مَضى عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: هُما فَرِيقانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ أنْفُسِهِمْ عَلى أنَّهُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وفي هَذا بُعْدٌ مِن لَفْظِ (حِزْبٍ)، إذْ كانَ القائِلُ واحِدًا والآخِرُونَ شاكِّينَ، وبَعِيدٌ أيْضًا مِن فِعْلِ ”أحْصى“؛ لِأنَّ أهْلَ الكَهْفِ ما قَصَدُوا الإحْصاءَ لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ عِنْدَ إفاقَتِهِمْ، بَلْ خالُوها زَمَنًا قَلِيلًا، فالوَجْهُ: أنَّ المُرادَ بِالحِزْبَيْنِ حِزْبانِ مِنَ النّاسِ أهْلِ بَلَدِهِمُ، اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا انْبِعاثَهم مِن نَوْمَتِهِمْ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مُصِيبٌ، والآخَرُ مُخْطِئٌ، واللَّهُ يَعْلَمُ المُصِيبَ مِنهم والمُخْطِئَ، فَهُما فَرِيقانِ في جانِبَيْ صَوابٍ وخَطَأٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أحْصى. ولا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الحِزْبَيْنِ بِأنَّهُما حِزْبانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ. وجَعْلُ حُصُولِ عِلْمِ اللَّهِ بِحالِ الحِزْبَيْنِ عِلَّةً لِبَعْثِهِ إيّاهم - كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِ مُدَّتِهِمْ، فَإنَّهم إذا اخْتَلَفُوا عَلِمَ اللَّهُ اخْتِلافَهم عِلْمَ الواقِعاتِ، وهو تَعَلُّقٌ لِلْعِلْمِ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ: تَنْجِيزِيٌّ، وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ الكَلامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] في أوَّلِ السُّورَةِ. و”أحْصى“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، وأنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ مَصُوغًا مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ الأوَّلَ؛ تَجَنُّبًا لِصَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِقِلَّتِهِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ صفحة ٢٧٠ الثّانِيَ، ومَعَ كَوْنِ صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ لَيْسَ قِياسًا فَهو كَثِيرٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وفي القُرْآنِ. فالوَجْهُ، أنَّ ”أحْصى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ، والتَّفْضِيلُ مُنْصَرِفٌ إلى ما في مَعْنى الإحْصاءِ مِنَ الضَّبْطِ والإصابَةِ، والمَعْنى: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أتْقَنُ إحْصاءً؛ أيْ عَدًّا، بِأنْ يَكُونَ هو المُوافِقَ لِلْواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، ويَكُونَ ما عَداهُ تَقْرِيبًا ورَجْمًا بِالغَيْبِ، وذَلِكَ هو ما فَصَّلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] الآيَةَ. فَـ (أيُّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ، وهو مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ ”لِنَعْلَمَ“ عَنِ العَمَلِ، و”أحْصى“ خَبَرٌ عَنْ ”أيُّ“ و”أمَدًا“ تَمْيِيزٌ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ تَمْيِيزَ نِسْبَةٍ، أيْ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ إلى مَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا﴾ [الكهف: ٣٤]، ولا يَرِيبُكَ أنَّهُ لا يَتَّضِحُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّمْيِيزُ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ تَقُولَ: أفْضَلُ أمَدِهِ، إذِ التَّحْوِيلُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُقْصَدُ مِنهُ التَّقْرِيبُ. والمَعْنى: لِيَظْهَرَ اضْطِرابُ النّاسِ في ضَبْطِ تَوارِيخِ الحَوادِثِ واخْتِلالِ حِرْصِهِمْ، وتَخْمِينِهِمْ إذا تَصَدَّوْا لَها، ويُعْلَمُ تَفْرِيطُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في تَحْدِيدِ الحَوادِثِ، وتارِيخِها، وكِلا الحالَيْنِ يَمُتُّ إلى الآخَرِ بِصِلَةٍ.

الكهف 18:13

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] أنَّ في نَبَأِ أهْلِ الكَهْفِ تَخَرُّصاتٍ ورَجْمًا بِالغَيْبِ، أثارَ ذَلِكَ في النَّفْسِ تَطَلُّعًا إلى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ في أمْرِهِمْ، صفحة ٢٧١ مِن أصْلِ وُجُودِ القِصَّةِ إلى تَفاصِيلِها مِن مُخْبِرٍ لا يُشَكُّ في صِدْقِ خَبَرِهِ، كانَتْ جُمْلَةُ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] . وهَذا شُرُوعٌ في مُجْمَلِ القِصَّةِ، والِاهْتِمامِ بِمَواضِعِ العِبْرَةِ مِنها، وقَدَّمَ مِنها ما فِيهِ وصْفُ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ، ومُنابِذَتِهِمْ قَوْمَهُمُ الكَفَرَةَ، ودُخُولِهِمُ الكَهْفَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ لا غَيْرُنا يَقُصُّ قِصَصَهم بِالحَقِّ. والحَقُّ: هُنا الصِّدْقُ، والصِّدْقُ مِن أنْواعِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيِ القَصَصَ المُصاحِبَ لِلصِّدْقِ لا لِلتَّخَرُّصاتِ. والقَصَصُ: سَرْدُ خَبَرٍ طَوِيلٍ، فالإخْبارُ بِمُخاطَبَةٍ مُفَرَّقَةٍ لَيْسَ بِقَصَصٍ، وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ يُوسُفَ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي فِيهِ أهَمِّيَّةٌ، ولَهُ شَأْنٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْقَصَصِ والنَّبَأِ، وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، لا لِرَدِّ الإنْكارِ. وزِيادَةُ الهُدى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْوِيَةَ هُدى الإيمانِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّفْكِيرِ في وسائِلِ النَّجاةِ بِإيمانِهِمْ، وألْهَمَهُمُ التَّوْفِيقَ والثَّباتَ، فَكُلُّ ذَلِكَ هُدًى زائِدٌ عَلى هُدى الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْوِيَةَ فَضْلِ الإيمانِ بِفَضْلِ التَّقْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . صفحة ٢٧٢ والزِّيادَةُ: وفْرَةُ مِقْدارِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، مِثْلُ وفْرَةِ عَدَدِ المَعْدُودِ، ووَزْنِ المَوْزُونِ، ووَفْرَةِ سُكّانِ المَدِينَةِ. وفِعْلُ (زادَ) يَكُونُ قاصِرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وتُسْتَعارُ الزِّيادَةُ لِقُوَّةِ الوَصْفِ كَما هُنا. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مُسْتَعارٌ إلى تَثْبِيتِ الإيمانِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، فَلَمّا شاعَ إطْلاقُ القَلْبِ عَلى الِاعْتِقادِ اسْتُعِيرَ الرَّبْطُ عَلَيْهِ لِلتَّثْبِيتِ عَلى عَقْدِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، ومِنهُ قَوْلُهم: هو رابِطُ الجَأْشِ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: اضْطَرَبَ قَلْبُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، اسْتُعِيرَ الِاضْطِرابُ، ونَحْوُهُ لِلتَّرَدُّدِ والشَّكِّ في حُصُولِ شَيْءٍ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”رَبَطْنا“ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في الشَّدِّ؛ لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِعْلاءِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ. و”إذْ قامُوا“ ظَرْفٌ لِلرَّبْطِ، أيْ كانَ الرَّبْطُ في وقْتٍ في قِيامِهِمْ، أيْ كانَ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي قامُوا بِهِ مُقارِنًا لَرَبْطِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أيْ لَوْلا ذَلِكَ لَما أقْدَمُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ العَمَلِ وذَلِكَ القَوْلِ. والقِيامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا، بِأنْ وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ المُشْرِكِ، أوْ وقَفُوا في مَجامِعِ قَوْمِهِمْ خُطَباءَ مُعْلِنِينَ فَسادَ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القِيامُ مُسْتَعارًا لِلْإقْدامِ والجَسْرِ عَلى عَمَلٍ عَظِيمٍ، ولِلِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ أوِ القَوْلِ، تَشْبِيهًا لِلِاهْتِمامِ بِقِيامِ الشَّخْصِ مِن قُعُودٍ لِلْإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ما، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَـدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ قِيامٌ بَعْدَ قُعُودٍ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ قالُوهُ وهم قُعُودٌ. وعَرَّفُوا اللَّهَ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، إمّا لِأنَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِأنَّهم عَبَدُوا اللَّهَ المُنَزَّهَ عَنِ الجِسْمِ، وخَصائِصِ المُحْدَثاتِ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا صفحة ٢٧٣ باسِمٍ عَلَمٍ عِنْدَ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَبَّ الأرْبابِ هو (جُوبْتِيرِ) المُمَثَّلُ في كَوْكَبِ المُشْتَرِي، فَلَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِتَعْرِيفِهِمُ الإلَهَ الحَقَّ إلّا طَرِيقُ الإضافَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] . وهَذا إنْ كانَ القَوْلُ مَسُوقًا إلى قَوْمِهِمُ المُشْرِكِينَ قَصَدُوا بِهِ إعْلانَ إيمانِهِمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وإظْهارَ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَهْدِيدِ المَلِكِ وقَوْمِهِ، فَيَكُونُ مَوْقِفُهم هَذا كَمَوْقِفِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أوْ قَصَدُوا بِهِ مَوْعِظَةَ قَوْمِهِمْ بِدُونِ مُواجَهَةِ خِطابِهِمْ؛ اسْتِنْزالًا لِطائِرِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِن بابِ (إيّاكِ أعْنِي فاسْمَعِي يا جارَةُ)، واسْتِقْصاءً لِتَبْلِيغِ الحَقِّ إلَيْهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِحَمْلِ القِيامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولِأنَّ القَوْلَ نُسِبَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ دُونَ بَعْضِهِمْ، بِخِلافِ الإسْنادِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فَرِيقًا آخَرَ، ولِظُهُورِ قَصْدِ الِاحْتِجاجِ مِن مَقالِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ - إعْلامًا لِقَوْمِهِمْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ لَنْ نَدْعُوَ اسْتِئْنافًا، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ قَدْ جَرى بَيْنَهم في خاصَّتِهِمْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] إلَخْ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ؛ لِأنَّها أخْطَرُ طَرِيقٍ بَيْنَهم، ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَشْرِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ صِفَةً كاشِفَةً، وجُمْلَةُ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ. وذَكَرُوا الدُّعاءَ دُونَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْمَلُ الأقْوالَ كُلَّها مِن إجْراءِ وصْفِ الإلَهِيَّةِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ومِن نِداءِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ السُّؤالِ. وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أفادَهُ تَوْكِيدُ النَّفْيِ بِـ ”لَنْ“، وإنَّ وُجُودَ حَرْفِ الجَوابِ في خِلالِ الجُمْلَةِ يُنادِي عَلى كَوْنِها مُتَفَرِّعَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، واللّامُ لِلْقَسَمِ. صفحة ٢٧٤ والشَّطَطُ: الإفْراطُ في مُخالَفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطِّ، وهو البُعْدُ عَنِ المَوْطِنِ لِما في البُعْدِ عَنْهُ مِن كَراهِيَةِ النُّفُوسِ، فاسْتُعِيرَ لِلْإفْراطِ في شَيْءٍ مَكْرُوهٍ، أيْ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا شَطَطًا، وهو نِسْبَةُ الإلَهِيَّةِ إلى مَن دُونَ اللَّهِ.

الكهف 18:14

﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢] أنَّ في نَبَأِ أهْلِ الكَهْفِ تَخَرُّصاتٍ ورَجْمًا بِالغَيْبِ، أثارَ ذَلِكَ في النَّفْسِ تَطَلُّعًا إلى مَعْرِفَةِ الصِّدْقِ في أمْرِهِمْ، صفحة ٢٧١ مِن أصْلِ وُجُودِ القِصَّةِ إلى تَفاصِيلِها مِن مُخْبِرٍ لا يُشَكُّ في صِدْقِ خَبَرِهِ، كانَتْ جُمْلَةُ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] . وهَذا شُرُوعٌ في مُجْمَلِ القِصَّةِ، والِاهْتِمامِ بِمَواضِعِ العِبْرَةِ مِنها، وقَدَّمَ مِنها ما فِيهِ وصْفُ ثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ، ومُنابِذَتِهِمْ قَوْمَهُمُ الكَفَرَةَ، ودُخُولِهِمُ الكَهْفَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، أيْ نَحْنُ لا غَيْرُنا يَقُصُّ قِصَصَهم بِالحَقِّ. والحَقُّ: هُنا الصِّدْقُ، والصِّدْقُ مِن أنْواعِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيِ القَصَصَ المُصاحِبَ لِلصِّدْقِ لا لِلتَّخَرُّصاتِ. والقَصَصُ: سَرْدُ خَبَرٍ طَوِيلٍ، فالإخْبارُ بِمُخاطَبَةٍ مُفَرَّقَةٍ لَيْسَ بِقَصَصٍ، وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ يُوسُفَ. والنَّبَأُ: الخَبَرُ الَّذِي فِيهِ أهَمِّيَّةٌ، ولَهُ شَأْنٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِلْقَصَصِ والنَّبَأِ، وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، لا لِرَدِّ الإنْكارِ. وزِيادَةُ الهُدى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْوِيَةَ هُدى الإيمانِ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ بِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ لِلتَّفْكِيرِ في وسائِلِ النَّجاةِ بِإيمانِهِمْ، وألْهَمَهُمُ التَّوْفِيقَ والثَّباتَ، فَكُلُّ ذَلِكَ هُدًى زائِدٌ عَلى هُدى الإيمانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَقْوِيَةَ فَضْلِ الإيمانِ بِفَضْلِ التَّقْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . صفحة ٢٧٢ والزِّيادَةُ: وفْرَةُ مِقْدارِ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، مِثْلُ وفْرَةِ عَدَدِ المَعْدُودِ، ووَزْنِ المَوْزُونِ، ووَفْرَةِ سُكّانِ المَدِينَةِ. وفِعْلُ (زادَ) يَكُونُ قاصِرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَقَوْلِهِ ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وتُسْتَعارُ الزِّيادَةُ لِقُوَّةِ الوَصْفِ كَما هُنا. والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مُسْتَعارٌ إلى تَثْبِيتِ الإيمانِ، وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، فَلَمّا شاعَ إطْلاقُ القَلْبِ عَلى الِاعْتِقادِ اسْتُعِيرَ الرَّبْطُ عَلَيْهِ لِلتَّثْبِيتِ عَلى عَقْدِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]، ومِنهُ قَوْلُهم: هو رابِطُ الجَأْشِ، وفي ضِدِّهِ يُقالُ: اضْطَرَبَ قَلْبُهُ، وقالَ تَعالى ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]، اسْتُعِيرَ الِاضْطِرابُ، ونَحْوُهُ لِلتَّرَدُّدِ والشَّكِّ في حُصُولِ شَيْءٍ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”رَبَطْنا“ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في الشَّدِّ؛ لِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِعْلاءِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ. و”إذْ قامُوا“ ظَرْفٌ لِلرَّبْطِ، أيْ كانَ الرَّبْطُ في وقْتٍ في قِيامِهِمْ، أيْ كانَ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي قامُوا بِهِ مُقارِنًا لَرَبْطِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أيْ لَوْلا ذَلِكَ لَما أقْدَمُوا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ العَمَلِ وذَلِكَ القَوْلِ. والقِيامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقِيًّا، بِأنْ وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ المُشْرِكِ، أوْ وقَفُوا في مَجامِعِ قَوْمِهِمْ خُطَباءَ مُعْلِنِينَ فَسادَ عَقِيدَةِ الشِّرْكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القِيامُ مُسْتَعارًا لِلْإقْدامِ والجَسْرِ عَلى عَمَلٍ عَظِيمٍ، ولِلِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ أوِ القَوْلِ، تَشْبِيهًا لِلِاهْتِمامِ بِقِيامِ الشَّخْصِ مِن قُعُودٍ لِلْإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ما، كَقَوْلِ النّابِغَةِ: بِأنَّ حِصْنًا وحَيًّا مِن بَنِي أسَـدٍ قامُوا فَقالُوا حِمانا غَيْرُ مَقْرُوبِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ قِيامٌ بَعْدَ قُعُودٍ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ قالُوهُ وهم قُعُودٌ. وعَرَّفُوا اللَّهَ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، إمّا لِأنَّهم عُرِفُوا مِن قَبْلُ بِأنَّهم عَبَدُوا اللَّهَ المُنَزَّهَ عَنِ الجِسْمِ، وخَصائِصِ المُحْدَثاتِ، وإمّا لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا صفحة ٢٧٣ باسِمٍ عَلَمٍ عِنْدَ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَبَّ الأرْبابِ هو (جُوبْتِيرِ) المُمَثَّلُ في كَوْكَبِ المُشْتَرِي، فَلَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ لِتَعْرِيفِهِمُ الإلَهَ الحَقَّ إلّا طَرِيقُ الإضافَةِ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] . وهَذا إنْ كانَ القَوْلُ مَسُوقًا إلى قَوْمِهِمُ المُشْرِكِينَ قَصَدُوا بِهِ إعْلانَ إيمانِهِمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وإظْهارَ عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِتَهْدِيدِ المَلِكِ وقَوْمِهِ، فَيَكُونُ مَوْقِفُهم هَذا كَمَوْقِفِ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا لِفِرْعَوْنَ ﴿لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] أوْ قَصَدُوا بِهِ مَوْعِظَةَ قَوْمِهِمْ بِدُونِ مُواجَهَةِ خِطابِهِمْ؛ اسْتِنْزالًا لِطائِرِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ مِن بابِ (إيّاكِ أعْنِي فاسْمَعِي يا جارَةُ)، واسْتِقْصاءً لِتَبْلِيغِ الحَقِّ إلَيْهِمْ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِحَمْلِ القِيامِ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولِأنَّ القَوْلَ نُسِبَ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ دُونَ بَعْضِهِمْ، بِخِلافِ الإسْنادِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَقُولُ لَهُ ذَلِكَ فَرِيقًا آخَرَ، ولِظُهُورِ قَصْدِ الِاحْتِجاجِ مِن مَقالِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ - إعْلامًا لِقَوْمِهِمْ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ لَنْ نَدْعُوَ اسْتِئْنافًا، وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ قَدْ جَرى بَيْنَهم في خاصَّتِهِمْ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ [الكهف: ١٦] إلَخْ، فالتَّعْرِيفُ بِالإضافَةِ؛ لِأنَّها أخْطَرُ طَرِيقٍ بَيْنَهم، ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ تَشْرِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ صِفَةً كاشِفَةً، وجُمْلَةُ ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ خَبَرَ المُبْتَدَأِ. وذَكَرُوا الدُّعاءَ دُونَ العِبادَةِ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يَشْمَلُ الأقْوالَ كُلَّها مِن إجْراءِ وصْفِ الإلَهِيَّةِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ومِن نِداءِ غَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ السُّؤالِ. وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أفادَهُ تَوْكِيدُ النَّفْيِ بِـ ”لَنْ“، وإنَّ وُجُودَ حَرْفِ الجَوابِ في خِلالِ الجُمْلَةِ يُنادِي عَلى كَوْنِها مُتَفَرِّعَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها، واللّامُ لِلْقَسَمِ. صفحة ٢٧٤ والشَّطَطُ: الإفْراطُ في مُخالَفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّطِّ، وهو البُعْدُ عَنِ المَوْطِنِ لِما في البُعْدِ عَنْهُ مِن كَراهِيَةِ النُّفُوسِ، فاسْتُعِيرَ لِلْإفْراطِ في شَيْءٍ مَكْرُوهٍ، أيْ لَقَدْ قُلْنا قَوْلًا شَطَطًا، وهو نِسْبَةُ الإلَهِيَّةِ إلى مَن دُونَ اللَّهِ.

الكهف 18:15

﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ [الكهف: ١٤] إذْ يَثُورُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَمَّنْ يَقُولُ هَذا الشَّطَطَ، إنْ كانَ في السّامِعِينَ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ أوْ بِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ مَنزِلَةَ السّائِلِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ الفِتْيَةِ كَما اقْتَضاهُ ضَمِيرُ قَوْلِهِ دُونِهِ العائِدُ إلى رَبَّنا. والإشارَةُ إلى قَوْمِهِمْ بِـ ”هَؤُلاءِ“ لِقَصْدِ تَمْيِيزِهِمْ بِما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْهم، وفي هَذِهِ الإشارَةِ تَعْرِيضٌ بِالتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ وتَفْضِيحُ صُنْعِهِمْ، وهو مِن لَوازِمِ قَصْدِ التَّمْيِيزِ. وجُمْلَةُ اتَّخِذُوا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ دُونَ الإخْبارِ، إذِ اتِّخاذُهم آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ مَعْلُومٌ بَيْنَ المُتَخاطِبِينَ، فَلَيْسَ الإخْبارُ بِهِ بِمُفِيدٍ فائِدَةَ الخَبَرِ. ومَعْنى ”مِن دُونِهِ“ مِن غَيْرِهِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آلِهَةً ناشِئَةً مِن غَيْرِ اللَّهِ، وكانَ قَوْمُهم يَوْمَئِذٍ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ عَلى عَقِيدَةِ الرُّومِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها بِاعْتِبارِ أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُقَوِّي الإنْكارَ عَلَيْهِمْ. صفحة ٢٧٥ و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ، حَقِيقَتُهُ: الحَثُّ عَلى تَحْصِيلِ مَدْخُولِها، ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِسُلْطانٍ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِيَّةِ لِلْأصْنامِ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً مُتَعَذِّرًا بِقَرِينَةِ أنَّهم أنْكَرُوهُ عَلَيْهِمُ انْصَرَفَ التَّحْضِيضُ إلى التَّبْكِيتِ والتَّغْلِيطِ، أيِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ لا بُرْهانَ عَلى إلَهِيَّتِهِمْ. ومَعْنى ”عَلَيْهِمْ“ عَلى آلِهَتِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ . والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ. والبَيِّنُ: الواضِحُ الدَّلالَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: إذْ لَمْ يَأْتُوا بِسُلْطانٍ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أقامُوا اعْتِقادَهم عَلى الكَذِبِ والخَطَأِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . و(مَن) اسْتِفْهامِيَّةٌ، وهو إنْكارٌ، أيْ لا أظْلَمَ مِمَّنِ افْتَرى، والمَعْنى: أنَّهُ أظْلَمُ مِن غَيْرِهِ، ولَيْسَ المُرادُ المُساواةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] . والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وذَلِكَ أنَّهم أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ فَقَدْ كَذَبُوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ إذْ أثْبَتُوا لَهُ صِفَةً مُخالِفَةً لِلْواقِعِ. وافْتِراءُ الكَذِبِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ. ثُمَّ إنْ كانَ الكَلامُ مِن مَبْدَئِهِ خِطابًا لِقَوْمِهِمْ أعْلَنُوا بِهِ إيمانَهم بَيْنَهم كَما تَقَدَّمَ؛ كانَتِ الإشارَةُ في قَوْلِهِمْ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ عَلى ظاهِرِها، وكانَ ارْتِقاءً في التَّعْرِيضِ لَهم بِالمَوْعِظَةِ، وإنْ كانَ الكَلامُ مِن مَبْدَئِهِ دائِرًا بَيْنَهم في خاصَّتِهِمْ؛ كانَتِ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] أيْ مُشْرِكُو مَكَّةَ.

الكهف 18:16

صفحة ٢٧٦ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مَرْفِقًا﴾ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والمَشُورَةِ الصّائِبَةِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ في حِكايَةِ أقْوالِ القائِلِينَ أنْ تَكُونَ المَحْكِيّاتُ كُلُّها صادِرَةً في وقْتٍ واحِدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ذَلِكَ بَعْدَ اليَأْسِ مِنِ ارْعِواءِ قَوْمِهِمْ عَنْ فِتْنَتِهِمْ في مَقامٍ آخَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في نَفْسِ المَقامِ الَّذِي خاطَبُوا فِيهِ قَوْمَهم بِأنْ غَيَّرُوا الخِطابَ مِن مُواجَهَةِ قَوْمِهِمْ إلى مُواجَهَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وهو ضَرْبٌ مِنَ الِالتِفاتِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ فِعْلُ ”اعْتَزَلْتُمُوهم“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الفِعْلِ، مِثْلُ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ الِاعْتِزالُ قَدْ حَصَلَ فِيما بَيْنَ مَقامِ خِطابِهِمْ قَوْمَهم وبَيْنَ مُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فالقُرْآنُ اقْتَصَرَ في حِكايَةِ أقْوالِهِمْ عَلى المَقْصِدِ الأهَمِّ مِنها في الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ دُونَ ما سِوى ذَلِكَ مِمّا لا أثَرَ لَهُ في الغَرَضِ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ قَصَصٍ. و(إذْ) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ. والِاعْتِزالُ: التَّباعُدُ والِانْفِرادُ عَنْ مُخالَطَةِ الشَّيْءِ، فَمَعْنى اعْتِزالِ القَوْمِ تَرْكُ مُخالَطَتِهِمْ، ومَعْنى اعْتِزالِ ما يَعْبُدُونَ: التَّباعُدُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا اللَّهَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَكُنْ يَعْبُدُهُ القَوْمُ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ بِاعْتِبارِ إفادَتِها مَعْنى: اعْتَزَلْتُمْ دِينَهُمُ اعْتِزالًا اعْتِقادِيًّا، فَيُقَدَّرُ بَعْدَها جُمْلَةٌ نَحْوَ: اعْتَزِلُوهُمُ اعْتِزالَ مُفارَقَةٍ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ، أوْ يُقَدَّرُ: وإذِ اعْتَزَلْتُمْ دِينَهم يُعَذِّبُونَكم فَأْوُوا صفحة ٢٧٧ إلى الكَهْفِ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ تُضَمَّنَ (إذْ) مَعْنى الشَّرْطِ، ويَكُونُ فَأْوُوا جَوابَها، وعَلى الشَّرْطِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ”اعْتَزَلْتُمُوهم“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الِاعْتِزالِ. والأوْيُ تَقَدَّمَ آنِفًا، أيْ فاسْكُنُوا الكَهْفَ. والتَّعْرِيفُ في ”الكَهْفِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ، بِأنْ كانَ الكَهْفُ مَعْهُودًا عِنْدَهم يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ مِن قَبْلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الحَقِيقَةِ مِثْلَ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣]، أيْ فَأْوُوا إلى كَهْفٍ مِنَ الكُهُوفِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ إشارَةً مِنهم إلى سُنَّةِ النَّصارى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ هَذِهِ الآياتِ، أوْ عادَةِ المُضْطَهَدِينَ مِنَ اليَهُودِ كَما ارْتَأيْناهُ هُنالِكَ. ونَشْرُ الرَّحْمَةِ: تَوَفُّرُ تَعَلُّقِها بِالمَرْحُومِينَ، شَبَّهَ تَعْلِيقَ الصِّفَةِ المُتَكَرِّرَ بِنَشْرِ الثَّوْبِ في أنَّهُ لا يُبْقِي مِنَ الثَّوْبِ شَيْئًا مَخْفِيًّا، كَما شُبِّهَ بِالبَسْطِ، وشُبِّهَ ضِدُّهُ بِالطَّيِّ وبِالقَبْضِ. والمَرْفِقُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ: ما يُرْتَفَقُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وبِذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ، وبِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ وبِهِ قَرَأ الباقُونَ وتَهْيِئَتُهُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإكْرامِ بِهِ والعِنايَةِ، تَشْبِيهًا بِتَهْيِئَةِ القِرى لِلضَّيْفِ المُعْتَنى بِهِ، وجُزِمَ ”يَنْشُرْ“ في جَوابِ الأمْرِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الثِّقَةِ بِالرَّجاءِ والدُّعاءِ، وساقُوهُ مَساقَ الحاصِلِ لِشِدَّةِ ثِقَتِهِمْ بِلُطْفِ رَبِّهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ.

الكهف 18:17

﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزّاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ عَطَفَ بَعْضَ أحْوالِهِمْ عَلى بَعْضٍ، انْتَقَلَ إلى ذِكْرِهِ بِمُناسَبَةِ الإشارَةِ إلى تَحْقِيقِ رَجائِهِمْ في رَبِّهِمْ حِينَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ [الكهف: ١٦] . صفحة ٢٧٨ وهَذا حالٌ عَظِيمٌ، وهو ما هَيَّأ اللَّهُ لَهم في أمْرِهِمْ مِن مَرْفِقٍ، وأنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهم عَلى اهْتِدائِهِمْ، وهو مِن لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: يَرى مَن تُمْكِنُهُ الرُّؤْيَةُ، وهَذا كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: تَرى عافِياتِ الطَّيْرِ قَدْ وثِقَتْ لَها بِشَبَعٍ مِنَ السَّخْلِ العِتاقِ الأكِايِلِ وقَدْ أوْجَزَ مِنَ الخَبَرِ أنَّهم لَمّا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] أنَّهم أوَوْا إلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأخَذُوا بِنَصِيحَتِهِ؛ فَأوَوْا إلى الكَهْفِ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في صَدْرِ القِصَّةِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠] فَرَدَّ عَجُزَ الكَلامِ عَلى صَدْرِهِ. و”تَزّاوَرُ“ مُضارِعٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّوْرِ بِفَتْحِ الزّايِ، وهو المَيْلُ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ الزّايِ بَعْدَها ألِفٌ وفَتْحِ الواوِ، وأصْلُهُ: تَتَزاوَرُ بِتاءَيْنِ أُدْغِمَتْ تاءُ التَّفاعُلِ في الزّايِ تَخْفِيفًا. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الزّايِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وهي تاءُ المُضارَعَةِ لِلتَّخْفِيفِ اجْتِزاءً بِرَفْعِ الفِعْلِ الدّالِّ عَلى المُضارَعَةِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ (تَزْوَرُّ) بِفَتْحِ التّاءِ بَعْدَها زايٌ ساكِنَةٌ، وبِفَتْحِ الواوِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ بِوَزْنِ ”تَحْمَرُّ“، وكُلُّها أبْنِيَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الزَّوَرِ بِالتَّحْرِيكِ، وهو المَيْلُ عَنِ المَكانِ، قالَ عَنْتَرَةُ: فازْوَرَّ مِن وقْعِ القَنا بِلَبانِهِ أيْ مالَ بَعْضُ بَدَنِهِ إلى بَعْضٍ وانْقَبَضَ. والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضارَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ و”تَقْرِضُهم“ أيْ تَنْصَرِفُ عَنْهم، وأصْلُ القَرْضِ القَطْعُ، أيْ أنَّها لا تَطَّلِعُ في كَهْفِهِمْ. صفحة ٢٧٩ و﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٨] بِمَعْنى صاحِبَةٍ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيِ الجِهَةَ صاحِبَةَ اليَمِينِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”ذاتِ“ عِنْدِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١] في سُورَةِ الأنْفالِ. والتَّعْرِيفُ في (اليَمِينِ، والشِّمالِ) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: يَمِينِ الكَهْفِ وشِمالِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ فَمَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى الشِّمالِ الشَّرْقِيِّ، فالشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ تَطْلُعُ عَلى جانِبِ الكَهْفِ ولا تَخْتَرِقُهُ أشِعَّتُها، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ أشِعَّتُها أبْعَدَ عَنْ فَمِ الكَهْفِ مِنها حِينَ طُلُوعِها. وهَذا وضْعٌ عَجِيبٌ يَسَّرَهُ اللَّهُ لَهم بِحِكْمَتِهِ؛ لِيَكُونَ داخِلَ الكَهْفِ بِحالَةِ اعْتِدالٍ، فَلا يَنْتابُ البِلى أجْسادَهم، وذَلِكَ مِن آياتِ قُدْرَةِ اللَّهِ. والفَجْوَةُ: المُتَّسَعُ مِن داخِلِ الكَهْفِ، بِحَيْثُ لَمْ يَكُونُوا قَرِيبِينَ مِن فَمِ الكَهْفِ، وفي تِلْكَ الفَجْوَةِ عَوْنٌ عَلى حِفْظِ هَذا الكَهْفِ كَما هو. * * * ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ . وآياتُ اللَّهِ: دَلائِلُ قُدْرَتِهِ وعِنايَتِهِ بِأوْلِيائِهِ ومُؤَيِّدِي دِينِ الحَقِّ. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ القِصَّةِ لِلتَّنْوِيهِ بِأصْحابِها، والإشارَةُ لِلتَّعْظِيمِ. * * * ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا﴾ مُرْشِدًا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما اقْتَضاهُ اسْمُ الإشارَةِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ الآيَةِ، وأصْحابِها. صفحة ٢٨٠ وعُمُومُ (مَنِ) الشَّرْطِيَّةِ يَشْمَلُ المُتَحَدَّثَ عَنْهم بِقَرِينَةِ المَقامِ، والمَعْنى: أنَّهم كانُوا مُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ هَداهم فِيمَن هَدى، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَيْسِيرَ ذَلِكَ لَهم مِنَ اللَّهِ هو أثَرُ تَيْسِيرِهِمْ لِلْيُسْرى والهُدى، فَأبْلَغَهُمُ الحَقَّ عَلى لِسانِ رَسُولِهِمْ، ورَزَقَهم أفْهامًا تُؤْمِنُ بِالحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾، وعَلى كِتابَةِ ”المُهْتَدِ“ بِدُونِ ياءٍ في سُورَةِ الإسْراءِ. والمُرْشِدُ: الَّذِي يُبَيِّنُ لِلْحَيْرانِ وجْهَ الرُّشْدِ، وهو إصابَةُ المَطْلُوبِ مِنَ الخَيْرِ.

الكهف 18:18

﴿وتَحْسِبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ عَطْفٌ عَلى بَقِيَّةِ القِصَّةِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، والخِطابُ فِيهِ كالخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ [الكهف: ١٧]، وهَذا انْتِقالٌ إلى ما في حالِهِمْ مِنَ العِبْرَةِ لِمَن لَوْ رَآهم مِنَ النّاسِ، مُدْمَجٌ فِيهِ بَيانُ كَرامَتِهِمْ وعَظِيمُ قُدْرَةِ اللَّهِ في شَأْنِهِمْ، وهو تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ لِمَن لَوْ رَآهُ مِنَ النّاسِ. ومَعْنى حُسْبانِهِمْ أيْقاظًا: أنَّهم في حالَةٍ تُشْبِهُ حالَ اليَقَظَةِ، وتَخالُفِ حالَ النَّوْمِ، فَقِيلَ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً. وصِيغَ فِعْلُ ”تَحْسَبُهم“ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَتَكَرَّرُ مُدَّةً طَوِيلَةً. والأيْقاظُ: جَمْعُ يَقِظٍ، بِوَزْنِ كَتِفٍ، وبِضَمِّ القافِ بِوَزْنِ عَضُدٍ. والرُّقُودُ: جَمْعُ راقِدٍ. والتَّقْلِيبُ: تَغْيِيرُ وضْعِ الشَّيْءِ مِن ظاهِرِهِ إلى باطِنِهِ، قالَ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] . صفحة ٢٨١ و﴿ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ إلى جِهَةِ أيْمانِهِمْ وشَمائِلِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أجْرى عَلَيْهِمْ حالَ الأحْياءِ الأيْقاظِ فَجَعَلَهم تَتَغَيَّرُ أوْضاعُهم مِن أيْمانِهِمْ إلى شَمائِلِهِمْ والعَكْسُ، وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ، لَعَلَّ لَها أثَرًا في بَقاءِ أجْسامِهِمْ بِحالَةِ سَلامَةٍ. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ بِحَسَبِ الزَّمَنِ المَحْكِيِّ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ. * * * ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْلِيبَهم لِلْيَمِينِ ولِلشَّمالِ كَرامَةٌ لَهم بِمَنحِهِمْ حالَةَ الأحْياءِ وعِنايَةٌ بِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ التَّقْلِيبَ لِكَلْبِهِمْ بَلِ اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ باسِطًا ذِراعَيْهِ شَأْنَ جِلْسَةِ الكَلْبِ. والوَصِيدُ: مَدْخَلُ الكَهْفِ، شُبِّهَ بِالبابِ الَّذِي هو الوَصِيدُ؛ لِأنَّهُ يُوصَدُ ويُغْلَقُ. وعَدَمُ تَقْلِيبِ الكَلْبِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَقْلِيبَهم لَيْسَ مِن أسْبابِ سَلامَتِهِمْ مِنَ البِلى، وإلّا لَكانَ كَلْبُهم مِثْلَهم فِيهِ، بَلْ هو كَرامَةٌ لَهم، وقَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمْ يَفْنَوْا، وأمّا كَلْبُهم فَفَنِيَ، وصارَ رِمَّةً مَبْسُوطَةً عِظامُ ذِراعَيْهِ. * * * ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِّئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ أيُّها السّامِعُ حِينَ كانُوا في تِلْكَ الحالَةِ قَبْلَ أنْ يَبْعَثَهُمُ اللَّهُ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ أنَّهم لَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ زَمَنَ نُزُولِ الآيَةِ. صفحة ٢٨٢ والمَعْنى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ تَكُنْ عَلِمْتَ بِقِصَّتِهِمْ لَحَسِبْتَهم لُصُوصًا قُطّاعًا لِلطَّرِيقِ، إذْ هم عَدَدٌ في كَهْفٍ، وكانَتِ الكُهُوفُ مَخابِئَ لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ، كَما قالَ تَأبَّطَ شَرًّا: أقُولُ لَلَحْيانٍ وقَدْ صَفِرَتْ لَهم وِطابِي ويَوْمِي ضَيِّقُ الجُحْرِ مِعْوَرُ فَفَرَرْتَ مِنهم، ومَلَكَكَ الرُّعْبُ مِن شَرِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]، ولَيْسَ المُرادُ الرُّعْبَ مِن ذَواتِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ في ذَواتِهِمْ ما يُخالِفُ خَلْقَ النّاسِ، ولا الخَوْفَ مِن كَوْنِهِمْ أمْواتًا، إذْ لَمْ يَكُنِ الرُّعْبُ مِنَ الأمْواتِ مِن خِلالِ العَرَبِ، عَلى أنَّهُ قَدْ سَبَقَ ﴿وتَحْسِبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ . والِاطِّلاعُ: الإشْرافُ عَلى الشَّيْءِ، ورُؤْيَتُهُ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِن طَلَعَ إذا ارْتَقى جَبَلًا، فَصِيَغُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ في الِارْتِقاءِ، وضُمِّنَ مَعْنى الإشْرافِ فَعُدِّيَ بِـ (عَلى)، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجازًا مَشْهُورًا في رُؤْيَةِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَراهُ أحَدٌ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، وفي الكَشّافِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. وانْتُصِبَ فِرارًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ ولَّيْتَ. و(مُلِّئْتَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ مَلَّأكَ الرُّعْبُ، ومَلَّأ - بِتَشْدِيدِ اللّامِ - مُضاعَفُ مَلَأ، وقُرِئَ بِهِما. والمَلْءُ: كَوْنُ المَظْرُوفِ حالًّا في جَمِيعِ فَراغِ الظَّرْفِ بِحَيْثُ لا تَبْقى في الظَّرْفِ سَعَةٌ لِزِيادَةِ شَيْءٍ مِنَ المَظْرُوفِ، فَمُثِّلَتِ الصِّفَةُ النَّفْسِيَّةُ بِالمَظْرُوفِ، ومُثِّلَ عَقْلُ الإنْسانِ بِالظَّرْفِ، ومُثِّلَ تَمَكُّنِ الصِّفَةِ مِنَ النَّفْسِ بِحَيْثُ لا يُخالِطُها تَفْكِيرٌ في غَيْرِها بِمَلْءِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَكانَ في قَوْلِهِ ”مُلِّئْتَ“ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] . صفحة ٢٨٣ وانْتَصَبَ ”رُعْبًا“ عَلى تَمْيِيزِ النِّسْبَةِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ الرُّعْبَ هو الَّذِي يَمْلَأُ، فَلَمّا بُنِيَ الفِعْلُ إلى المَجْهُولِ؛ لِقَصْدِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلُ صارَ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا تَمْيِيزًا، وهو إسْنادٌ بَدِيعٌ حَصَلَ مِنهُ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الإجْمالِ، ولَيْسَ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ المَفْعُولِ كَما قَدْ يَلُوحُ بادِئَ الرَّأْيِ. والرُّعْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ (ولَمُلِّئْتَ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى المُبالَغَةِ في المَلْءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُعْبًا“ بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ العَيْنِ.

الكهف 18:19

﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ عَطْفٌ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ الَّذِي فِيهِ عِبْرَةٌ لِأهْلِ الكَهْفِ بِأنْفُسِهِمْ لِيَعْلَمُوا ما أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن حِفْظِهِمْ عَنْ أنْ تَنالَهم أيْدِي أعْدائِهِمْ بِإهانَةٍ، ومِن إعْلامِهِمْ عِلْمَ اليَقِينِ بِبَعْضِ كَيْفِيَّةِ البَعْثِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَظِيمٌ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] . صفحة ٢٨٤ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن إنامَتِهِمْ وكَيْفِيَّتِها، أيْ كَما أنَمْناهم قُرُونًا بَعَثْناهم، ووَجْهُ الشَّبَهِ: أنَّ في الإفاقَةِ آيَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ آيَةِ الإنامَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ البَعْثِ المَذْكُورِ بِنَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى البَعْثِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي حُسْنِ مَوْقِعِ لَفْظِ البَعْثِ في هَذِهِ القِصَّةِ، وفي التَّعْلِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَتَساءَلُوا﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢]، والمَعْنى: بَعَثْناهم فَتَساءَلُوا بَيْنَهم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ لِيَتَساءَلُوا، وسُمِّيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ تَساؤُلًا؛ لِأنَّها تَحاوُرٌ عَنْ تَطَلُّبِ كُلٍّ رَأْيَ الآخَرِ لِلْوُصُولِ إلى تَحْقِيقِ المُدَّةِ، والَّذِينَ قالُوا ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ﴾ هم مَن عَدا الَّذِي قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ . وأسْنَدَ الجَوابَ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِمْ: إمّا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلَيْهِ، وإمّا عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ، أيْ مِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا يَوْمًا، ومِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا بَعْضَ يَوْمٍ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ في القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، أيْ لَمّا اخْتَلَفُوا رَجَعُوا فَعَدَلُوا عَنِ القَوْلِ بِالظَّنِّ إلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ، فالقائِلُونَ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَهم، وهو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَأوْهُ صَوابًا. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِمْ ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: فَدَعُوا الخَوْضَ في مُدَّةِ اللُّبْثِ؛ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، وخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يَهُمُّكم، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ غَيْرَهُ أوْلى بِحالِهِ، ولَوْلا قَوْلُهم ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ لَكانَ قَوْلُهم ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَيْنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. صفحة ٢٨٥ والوَرِقُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الرّاءِ: الفِضَّةُ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، ويُقالُ ”ورْقٌ“ بِفَتْحِ الواوِ، وسُكُونِ الرّاءِ، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ، والمُرادُ بِالوَرِقِ هُنا القِطْعَةُ المَسْكُوكَةُ مِنَ الفِضَّةِ، وهي الدَّراهِمُ، قِيلَ: كانَتْ مِن دَراهِمِ (دِقْيُوسْ) سُلْطانِ الرُّومِ. والإشارَةُ بِـ ”هَذِهِ“ إلى دَراهِمَ مُعَيَّنَةٍ عِنْدَهم، والمَدِينَةُ هي (أبْسُسْ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَها في صَدْرِ القِصَّةِ. و”أيُّها“ ماصَدَقَهُ أيُّ مَكانٍ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ المَدِينَةَ كُلٌّ لَهُ أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ مِنها دَكاكِينُ الباعَةِ، أيْ فَلْيَنْظُرْ أيَّ مَكانٍ مِنها هو أزْكى طَعامًا، أيْ أزْكى طَعامُهُ مِن طَعامِ غَيْرِهِ. والنَّصْبُ ”طَعامًا“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ (أزْكى) إلى (أيُّ) . والأزْكى: الأطْيَبُ والأحْسَنُ؛ لِأنَّ الزَّكْوَ الزِّيادَةُ في الخَيْرِ والنَّفْعِ. والرِّزْقُ: القُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ أمْرِهِمْ مَن يَبْعَثُونَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِطَعامٍ زَكِيٍّ، وبِأنْ يَتَلَطَّفَ. وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ”فَلْيَأْتِكم“ و”لِيَتَلَطَّفْ“ أمْرٌ لِأحَدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ سَيُوَكِّلُونَهُ، أيْ: إنْ تَبْعَثُوهُ يَأْتِكم بِرِزْقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ مُعَيَّنًا بَيْنَهم، وإنَّما الإجْمالُ في حِمايَةِ كَلامِهِمْ لا في الكَلامِ المَحْكِيِّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُوصُوهُ بِذَلِكَ. قِيلَ: التّاءُ مِن كَلِمَةٍ ”ولْيَتَلَطَّفْ“ هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ عَدًّا، وهُنالِكَ قَوْلٌ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ هو أنَّ النُّونَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ. صفحة ٢٨٦ والإشْعارُ: الإعْلامُ، وهو إفْعالٌ مِن شَعَرَ، مِن بابِ نَصَرَ وكَرُمَ، شُعُورًا، أيْ عَلِمَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، مِثْلُ هَمْزَةِ ”أعْلَمَ“ مِن ”عَلِمَ“ الَّذِي هو عَلِيمُ العِرْفانِ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقَوْلُهُ ”بِكم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُشْعِرَنَّ“، فَمَدْخُولُ الباءِ هو المَشْعُورُ، أيِ المَعْلُومُ، والمَعْلُومُ إنَّما يَكُونُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي مُتَعَلِّقَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِفِعْلِ ”يُشْعِرَنَّ“ مِن قَبِيلِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها، والتَّقْدِيرُ: ولا يُخْبِرَنَّ بِوُجُودِكم أحَدًا، فَهُنا مُضافٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ مِن عَدَدِهِمْ ومَكانِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِ النَّهْيِ تَحْذِيرًا مِن عَواقِبِهِ المُضَمَّنَةِ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ الواقِعَةِ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، وبَيانًا لِوَجْهِ تَوْكِيدِ النَّهْيِ بِالنُّونِ، فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ والبَيانِ، وكِلاهُما يَقْتَضِي فَصْلَها عَمّا قَبْلَها. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ، والنَّهْيِ عَنْ إشْعارِ أحَدٍ بِهِمْ. وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى ما أفادَهُ العُمُومُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾، فَصارَ ”أحَدًا“ في مَعْنى جَمِيعِ النّاسِ عَلى حُكْمِ النَّكِرَةِ في سِياقِ شِبْهِ النَّهْيِ. والظُّهُورُ أصْلُهُ البُرُوزُ دُونَ ساتِرٍ، ويُطْلَقُ عَلى الظَّفَرِ بِالشَّيْءِ، وعَلى الغَلَبَةِ عَلى الغَيْرِ، وهو المُرادُ هُنا. قالَ تَعالى ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وقالَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] وقالَ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥] . والرَّجْمُ: القَتْلُ بِرَمْيِ الحِجارَةِ عَلى المَرْجُومِ حَتّى يَمُوتَ، وهو قَتْلُ إذْلالٍ وإهانَةٍ وتَعْذِيبٍ. صفحة ٢٨٧ وجُمْلَةُ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ومَجْمُوعُ جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ - دَلِيلٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ. ومَعْنى ﴿يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ يُرْجِعُوكم إلى المِلَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِمْ، أيْ لا يَخْلُو أمْرُهم عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا إرْجاعِكم إلى دِينِهِمْ أوْ قَتْلِكم. والمِلَّةُ الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . وأكَّدَ التَّحْذِيرَ مِنَ الإرْجاعِ إلى مِلَّتِهِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِفاءُ فَلاحِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (إذا) مِنَ الجَزائِيَّةِ. و”أبَدًا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِـ (لَنْ) مِنَ التَّأْيِيدِ أوْ ما يُقارِبُهُ.

الكهف 18:20

﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ عَطْفٌ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ الَّذِي فِيهِ عِبْرَةٌ لِأهْلِ الكَهْفِ بِأنْفُسِهِمْ لِيَعْلَمُوا ما أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن حِفْظِهِمْ عَنْ أنْ تَنالَهم أيْدِي أعْدائِهِمْ بِإهانَةٍ، ومِن إعْلامِهِمْ عِلْمَ اليَقِينِ بِبَعْضِ كَيْفِيَّةِ البَعْثِ، فَإنَّ عِلْمَهُ عَظِيمٌ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] . صفحة ٢٨٤ والإشارَةُ بِقَوْلِهِ وكَذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن إنامَتِهِمْ وكَيْفِيَّتِها، أيْ كَما أنَمْناهم قُرُونًا بَعَثْناهم، ووَجْهُ الشَّبَهِ: أنَّ في الإفاقَةِ آيَةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ آيَةِ الإنامَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ البَعْثِ المَذْكُورِ بِنَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعَجُّبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى البَعْثِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وفي حُسْنِ مَوْقِعِ لَفْظِ البَعْثِ في هَذِهِ القِصَّةِ، وفي التَّعْلِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَتَساءَلُوا﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ [الكهف: ١٢]، والمَعْنى: بَعَثْناهم فَتَساءَلُوا بَيْنَهم. وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ لِيَتَساءَلُوا، وسُمِّيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ تَساؤُلًا؛ لِأنَّها تَحاوُرٌ عَنْ تَطَلُّبِ كُلٍّ رَأْيَ الآخَرِ لِلْوُصُولِ إلى تَحْقِيقِ المُدَّةِ، والَّذِينَ قالُوا ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ﴾ هم مَن عَدا الَّذِي قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ . وأسْنَدَ الجَوابَ إلى ضَمِيرِ جَماعَتِهِمْ: إمّا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلَيْهِ، وإمّا عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ، أيْ مِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا يَوْمًا، ومِنهم مَن قالَ: لَبِثْنا بَعْضَ يَوْمٍ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ في القَوْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، أيْ لَمّا اخْتَلَفُوا رَجَعُوا فَعَدَلُوا عَنِ القَوْلِ بِالظَّنِّ إلى تَفْوِيضِ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ، فالقائِلُونَ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمِيعَهم، وهو الظّاهِرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم رَأوْهُ صَوابًا. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِمْ ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: فَدَعُوا الخَوْضَ في مُدَّةِ اللُّبْثِ؛ فَلا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ، وخُذُوا في شَيْءٍ آخَرَ مِمّا يَهُمُّكم، وهو قَرِيبٌ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي السّائِلِ بِغَيْرِ ما يَتَطَلَّبُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ غَيْرَهُ أوْلى بِحالِهِ، ولَوْلا قَوْلُهم ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ لَكانَ قَوْلُهم ﴿فابْعَثُوا أحَدَكُمْ﴾ عَيْنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. صفحة ٢٨٥ والوَرِقُ بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الرّاءِ: الفِضَّةُ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، ويُقالُ ”ورْقٌ“ بِفَتْحِ الواوِ، وسُكُونِ الرّاءِ، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ، وخَلَفٌ، والمُرادُ بِالوَرِقِ هُنا القِطْعَةُ المَسْكُوكَةُ مِنَ الفِضَّةِ، وهي الدَّراهِمُ، قِيلَ: كانَتْ مِن دَراهِمِ (دِقْيُوسْ) سُلْطانِ الرُّومِ. والإشارَةُ بِـ ”هَذِهِ“ إلى دَراهِمَ مُعَيَّنَةٍ عِنْدَهم، والمَدِينَةُ هي (أبْسُسْ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا ذِكْرَها في صَدْرِ القِصَّةِ. و”أيُّها“ ماصَدَقَهُ أيُّ مَكانٍ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ المَدِينَةَ كُلٌّ لَهُ أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ مِنها دَكاكِينُ الباعَةِ، أيْ فَلْيَنْظُرْ أيَّ مَكانٍ مِنها هو أزْكى طَعامًا، أيْ أزْكى طَعامُهُ مِن طَعامِ غَيْرِهِ. والنَّصْبُ ”طَعامًا“ عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ (أزْكى) إلى (أيُّ) . والأزْكى: الأطْيَبُ والأحْسَنُ؛ لِأنَّ الزَّكْوَ الزِّيادَةُ في الخَيْرِ والنَّفْعِ. والرِّزْقُ: القُوتُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ أمْرِهِمْ مَن يَبْعَثُونَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِطَعامٍ زَكِيٍّ، وبِأنْ يَتَلَطَّفَ. وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ ”فَلْيَأْتِكم“ و”لِيَتَلَطَّفْ“ أمْرٌ لِأحَدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ سَيُوَكِّلُونَهُ، أيْ: إنْ تَبْعَثُوهُ يَأْتِكم بِرِزْقٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَأْمُورُ مُعَيَّنًا بَيْنَهم، وإنَّما الإجْمالُ في حِمايَةِ كَلامِهِمْ لا في الكَلامِ المَحْكِيِّ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يُوصُوهُ بِذَلِكَ. قِيلَ: التّاءُ مِن كَلِمَةٍ ”ولْيَتَلَطَّفْ“ هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ عَدًّا، وهُنالِكَ قَوْلٌ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ هو أنَّ النُّونَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤] هي نِصْفُ حُرُوفِ القُرْآنِ. صفحة ٢٨٦ والإشْعارُ: الإعْلامُ، وهو إفْعالٌ مِن شَعَرَ، مِن بابِ نَصَرَ وكَرُمَ، شُعُورًا، أيْ عَلِمَ، فالهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، مِثْلُ هَمْزَةِ ”أعْلَمَ“ مِن ”عَلِمَ“ الَّذِي هو عَلِيمُ العِرْفانِ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. وقَوْلُهُ ”بِكم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يُشْعِرَنَّ“، فَمَدْخُولُ الباءِ هو المَشْعُورُ، أيِ المَعْلُومُ، والمَعْلُومُ إنَّما يَكُونُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي مُتَعَلِّقَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِفِعْلِ ”يُشْعِرَنَّ“ مِن قَبِيلِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِها، والتَّقْدِيرُ: ولا يُخْبِرَنَّ بِوُجُودِكم أحَدًا، فَهُنا مُضافٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ مِن عَدَدِهِمْ ومَكانِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِ النَّهْيِ تَحْذِيرًا مِن عَواقِبِهِ المُضَمَّنَةِ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ الواقِعَةِ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ، وبَيانًا لِوَجْهِ تَوْكِيدِ النَّهْيِ بِالنُّونِ، فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ والبَيانِ، وكِلاهُما يَقْتَضِي فَصْلَها عَمّا قَبْلَها. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالتَّلَطُّفِ، والنَّهْيِ عَنْ إشْعارِ أحَدٍ بِهِمْ. وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى ما أفادَهُ العُمُومُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾، فَصارَ ”أحَدًا“ في مَعْنى جَمِيعِ النّاسِ عَلى حُكْمِ النَّكِرَةِ في سِياقِ شِبْهِ النَّهْيِ. والظُّهُورُ أصْلُهُ البُرُوزُ دُونَ ساتِرٍ، ويُطْلَقُ عَلى الظَّفَرِ بِالشَّيْءِ، وعَلى الغَلَبَةِ عَلى الغَيْرِ، وهو المُرادُ هُنا. قالَ تَعالى ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وقالَ ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] وقالَ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [البقرة: ٨٥] . والرَّجْمُ: القَتْلُ بِرَمْيِ الحِجارَةِ عَلى المَرْجُومِ حَتّى يَمُوتَ، وهو قَتْلُ إذْلالٍ وإهانَةٍ وتَعْذِيبٍ. صفحة ٢٨٧ وجُمْلَةُ ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ جَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ ومَجْمُوعُ جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ - دَلِيلٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) المَحْذُوفِ لِدَلالَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ عَلَيْهِ. ومَعْنى ﴿يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ يُرْجِعُوكم إلى المِلَّةِ الَّتِي هي مِن خَصائِصِهِمْ، أيْ لا يَخْلُو أمْرُهم عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا إرْجاعِكم إلى دِينِهِمْ أوْ قَتْلِكم. والمِلَّةُ الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . وأكَّدَ التَّحْذِيرَ مِنَ الإرْجاعِ إلى مِلَّتِهِمْ بِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِفاءُ فَلاحِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (إذا) مِنَ الجَزائِيَّةِ. و”أبَدًا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، وهو تَأْكِيدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ النَّفْيُ بِـ (لَنْ) مِنَ التَّأْيِيدِ أوْ ما يُقارِبُهُ.

الكهف 18:21

﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ انْتَقَلَ إلى جُزْءِ القِصَّةِ الَّذِي هو مَوْضِعُ عِبْرَةِ أهْلِ زَمانِهِمْ بِحالِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِاطْمِئْنانِ قُلُوبِهِمْ لِوُقُوعِ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيبِ بِالمُشاهَدَةِ، وتَأْيِيدِ الدِّينِ بِما ظَهَرَ مِن كَرامَةِ أنْصارِهِ. وقَدْ كانَ القَوْمُ الَّذِينَ عَثَرُوا عَلَيْهِمْ مُؤْمِنِينَ مِثْلَهم، فَكانَتْ آيَتُهم آيَةَ تَثْبِيتٍ، وتَقْوِيَةِ إيمانٍ. فالكَلامُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ. والقَوْلُ في التَّشْبِيهِ والإشارَةِ في وكَذَلِكَ نَظِيرُ القَوْلِ في الَّذِي قَبْلَهُ آنِفًا. صفحة ٢٨٨ والعُثُورُ عَلى الشَّيْءِ: الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ، والظَّفَرُ بِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وقَدْ كانَ الحَدِيثُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ في تِلْكَ المَدِينَةِ يَتَناقَلُهُ أهْلُهُ، فَيَسَّرَ اللَّهُ لِأهْلِ المَدِينَةِ العُثُورَ عَلَيْهِمْ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ الآيَةَ. ومَفْعُولُ أعْثَرْنا مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ [الكهف: ١٩]، تَقْدِيرُهُ: أعْثَرْنا أهْلَ المَدِينَةِ عَلَيْهِمْ. وضَمِيرُ ”لِيَعْلَمُوا“ عائِدٌ إلى المَفْعُولِ المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ كالمَذْكُورِ. ووَعْدُ اللَّهِ هو: إحْياءُ المَوْتى لِلْبَعْثِ، وأمّا عِلْمُهم بِأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها، أيْ ساعَةَ الحَشْرِ، فَهو إنْ صارَ عِلْمُهم بِذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ تَزُولُ بِها خَواطِرُ الخَفاءِ الَّتِي تَعْتَرِي المُؤْمِنَ في اعْتِقادِهِ حِينَ لا يَتَصَوَّرُ كَيْفِيَّةَ العَقائِدِ السَّمْعِيَّةِ، وما هو بِرَيْبٍ في العِلْمِ ولَكِنَّهُ في الكَيْفِيَّةِ، وهو الوارِدُ فِيهِ أنَّهُ لا يَخْطُرُ إلّا لِصِدِّيقٍ، ولا يَدُومُ إلّا عِنْدَ زِنْدِيقٍ. * * * ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ أعْثَرْنا، أيْ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ حِينَ تَنازَعُوا أمْرَهم، وصِيغَ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّصالِ التَّنازُعِ في أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ بِالعُثُورِ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَبادَرُوا إلى الخَوْضِ في كَرامَةٍ يَجْعَلُونَها لَهم، وهَذا إدْماجٌ لِذِكْرِ نِزاعٍ جَرى بَيْنَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ في أُمُورٍ شَتّى جَمَعَها قَوْلُهُ تَعالى ”أمْرَهم“، فَضَمِيرُ ”يَتَنازَعُونَ“ و”بَيْنَهم“ عائِدانِ إلى ما عادَ اللَّهُ ضَمِيرَ ”لِيَعْلَمُوا“ . وضَمِيرُ ”أمْرَهم“ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى أصْحابِ الكَهْفِ، والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ. صفحة ٢٨٩ والتَّنازُعُ: الجِدالُ القَوِيُّ، أيْ يَتَنازَعُ أهْلُ المَدِينَةِ بَيْنَهم شَأْنَ أهْلِ الكَهْفِ، مِثْلَ: أكانُوا نِيامًا أمْ أمْواتًا، وأيَبْقُونَ أحْياءً أمْ يَمُوتُونَ، وأيَبْقُونَ في ذَلِكَ الكَهْفِ أمْ يَرْجِعُونَ إلى سُكْنى المَدِينَةِ، وفي مُدَّةِ مُكْثِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”أمْرَهم“ عائِدًا إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَتَنازَعُونَ“، أيْ: شَأْنَهم فِيما يَفْعَلُونَهُ بِهِمْ. والإتْيانُ بِالمُضارِعِ؛ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ التَّنازُعِ. * * * ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ طُوِيَ هُنا وصْفُ العُثُورِ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ عَوْدُهم إلى الكَهْفِ؛ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِذِكْرِهِ، إذْ لَيْسَ مَوْضِعَ عِبْرَةٍ؛ لِأنَّ المَصِيرَ إلى مَرْقَدِهِمْ وطُرُوَّ المَوْتِ عَلَيْهِمْ شَأْنٌ مُعْتادٌ لِكُلِّ حَيٍّ. وتَفْرِيعُ ”فَقالُوا“ عَلى ”يَتَنازَعُونَ“ . وإنَّما ارْتَأوْا أنْ يَبْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا؛ لِأنَّهم خَشَوْا عَلَيْهِمْ مِن تَرَدُّدِ الزّائِرِينَ غَيْرِ المُتَأدِّبِينَ، فَلَعَلَّهم أنْ يُؤْذُوا أجْسادَهم وثِيابَهم بِاللَّمْسِ والتَّقْلِيبِ، فَأرادُوا أنْ يَبْنُوا عَلَيْهِمْ بِناءً يُمْكِنُ غَلْقُ بابِهِ وحِراسَتُهُ. وجُمْلَةُ ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ كَلامِ الَّذِينَ قالُوا: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا، والمَعْنى: رَبُّهم أعْلَمُ بِشُئُونِهِمُ الَّتِي تَنازَعْنا فِيها، فَهَذا تَنْهِيَةٌ لِلتَّنازُعِ في أمْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى في أثْناءِ حِكايَةِ تَنازْعِ الَّذِينَ أُعْثِرُوا عَلَيْهِمْ، أيْ: رَبُّ أهْلِ الكَهْفِ أوْ رَبُّ المُتَنازِعِينَ في أمْرِهِمْ أعْلَمُ مِنهم بِواقِعِ ما تَنازَعُوا فِيهِ. صفحة ٢٩٠ والَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ وُلاةُ الأُمُورِ بِالمَدِينَةِ، فَضَمِيرُ ”أمْرِهِمْ“ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”فَقالُوا“، أيِ اللَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِ القائِلِينَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا. وإنَّما رَأوْا أنْ يَكُونَ البِناءُ مَسْجِدًا لِيَكُونَ إكْرامًا لَهم، ويَدُومَ تَعَهُّدُ النّاسِ كَهْفَهم، وقَدْ كانَ اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى قُبُورِ الصّالِحِينَ مِن سُنَّةِ النَّصارى، «ونَهى عَنْهُ النَّبِيءُ ﷺ كما في الحَدِيثِ يَوْمَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ولَوْلا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ»، أيْ لِأُبْرِزَ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ولَمْ يُجْعَلْ وراءَ جِدارِ الحُجْرَةِ. واتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ، والصَّلاةُ فِيها مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلى عِبادَةِ صاحِبِ القَبْرِ أوْ شَبِيهٌ بِفِعْلِ مَن يَعْبُدُونَ صالِحِي مِلَّتِهِمْ، وإنَّما كانَتِ الذَّرِيعَةُ مَخْصُوصَةً بِالأمْواتِ؛ لِأنَّ ما يَعْرِضُ لِأصْحابِهِمْ مِنَ الأسَفِ عَلى فُقْدانِهِمْ يَبْعَثُهم عَلى الإفْراطِ فِيما يَحْسَبُونَ أنَّهُ إكْرامٌ لَهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ، ثُمَّ يُتَناسى الأمْرُ، ويَظُنُّ النّاسُ أنَّ ذَلِكَ لِخاصِّيَّةٍ في ذَلِكَ المَيِّتِ، وكانَ بِناءُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ سُنَّةً لِأهْلِ النَّصْرانِيَّةِ، فَإنْ كانَ شَرْعًا لَهم فَقَدْ نَسَخَهُ الإسْلامُ، وإنْ كانَ بِدْعَةً مِنهم في دِينِهِمْ فَأجْدَرُ.

الكهف 18:22

﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّيَ أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ لَمّا شاعَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ حِينَ نَزَلَ بِها القُرْآنُ صارَتْ حَدِيثَ النَّوادِي، فَكانَتْ مَثارَ تَخَرُّصاتٍ في مَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ، وحَصْرِ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في كَهْفِهِمْ، ورُبَّما أمْلى عَلَيْهِمُ المُتَنَصِّرَةُ مِنَ العَرَبِ في ذَلِكَ قِصَصًا، وقَدْ نَبَّهَهُمُ القُرْآنُ إلى ذَلِكَ وأبْهَمَ صفحة ٢٩١ عَلى عُمُومِ النّاسِ الإعْلامَ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ، وهي أنْ تَتَعَوَّدَ الأُمَّةُ بِتَرْكِ الِاشْتِغالِ فِيما لَيْسَتْ مِنهُ فائِدَةٌ لِلدِّينِ أوْ لِلنّاسِ، ودَلَّ عِلْمُ الِاسْتِقْبالِ عَلى أنَّ النّاسَ لا يَزالُونَ يَخُوضُونَ في ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”يَقُولُونَ“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، أيْ يَقُولُ النّاسُ أوِ المُسْلِمُونَ، إذْ لَيْسَ في هَذا القَوْلِ حَرَجٌ، ولَكِنَّهم نُبِّهُوا إلى أنَّ جَمِيعَهُ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ، ومَعْنى (سِينِ) الِاسْتِقْبالِ سارَ إلى الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى الفِعْلِ المُقْتَرِنِ بِالسِّينِ، ولَيْسَ في الِانْتِهاءِ إلى عَدَدِ الثَّمانِيَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ العِدَّةُ في نَفْسِ الأمْرِ. وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ قَلِيلًا مِنَ الخَلْقِ يَعْلَمُونَ عِدَّتَهم، وهم مَن أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وفي مُقَدِّمَتِهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ لِأنَّ قِصَّتَهم جاءَتْ عَلى لِسانِهِ، فَلا شَكَّ أنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى عِدَّتِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: أنا مِنَ القَلِيلِ. وكَأنَّ أقْوالَ النّاسِ تَمالَأتْ عَلى أنَّ عِدَّتَهم فَرْدِيَّةٌ؛ تَيَمُّنًا بِعَدَدِ المُفْرَدِ، وإلّا فَلا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ قَوْلَهم ذَلِكَ ”رَجْمًا بِالغَيْبِ“ . والرَّجْمُ حَقِيقَتُهُ: الرَّمْيُ بِحَجَرٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِرَمْيِ الكَلامِ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا تَثَبُّتٍ، قالَ زُهَيْرٌ: وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ والباءُ في بِالغَيْبِ لِلتَّعْدِيَةِ، كَأنَّهم لَمّا تَكَلَّمُوا عَنْ أمْرٍ غائِبٍ كانُوا يَرْجُمُونَ بِهِ. وكُلُّ جُمْلَةِ ﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ وجُمْلَةِ ﴿سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِاسْمِ العَدَدِ الَّذِي قَبْلَها، أوْ مَوْضِعِ الخَبَرِ الثّانِي عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. وجُمْلَةُ ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ الواوُ فِيها واوُ الحالِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، أوْ مِنِ اسْمِ العَدَدِ الَّذِي هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وهو إنْ كانَ نَكِرَةً صفحة ٢٩٢ فَإنَّ وُقُوعَهُ خَبَرٌ عَلى مَعْرِفَةٍ أكْسَبَهُ تَعْرِيفًا، عَلى أنَّ وُقُوعَ الحالِ جُمْلَةً مُقْتَرِنَةً بِالواوِ قَدْ عُدَّ مِن مُسَوِّغاتِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، ولا وجْهَ لِجَعْلِ الواوِ فِيهِ داخِلَةً عَلى جُمْلَةٍ هي صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ؛ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في فَصِيحِ الكَلامِ: وقَدْ رَدَّهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ، وغَيْرُ واحِدٍ. ومِن غَرائِبِ فِتَنِ الِابْتِكارِ في مَعانِي القُرْآنِ قَوْلُ مَن زَعَمَ: إنَّ هَذِهِ الواوَ، واوُ الثَّمانِيَةِ، وهو مَنسُوبٌ في كُتُبِ العَرَبِيَّةِ إلى بَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحاةِ، ولَمْ يُعَيَّنْ مُبْتَكِرُهُ، وقَدْ عَدَّ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ مِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ الحَرِيرِيَّ، وبَعْضَ ضَعْفَةِ النُّحاةِ؛ كابْنِ خالَوَيْهِ، والثَّعْلَبِيِّ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قُلْتُ: أقْدَمُ هَؤُلاءِ هو ابْنُ خالَوَيْهِ النَّحْوِيُّ المُتَوَفّى سَنَةَ ٣٧٠ فَهو المَقْصُودُ بِبَعْضِ ضَعْفَةِ النُّحاةِ، وأحْسَبُ وصْفَهُ بِهَذا الوَصْفِ أخْذَهُ ابْنُ هِشامٍ مِن كَلامِ ابْنِ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ عَلى الكَشّافِ مِن سُورَةِ التَّحْرِيمِ، إذْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ: أنَّ القاضِيَ الفاضِلَ كانَ يَعْتَقِدُ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] في سُورَةِ التَّحْرِيمِ هي الواوُ الَّتِي سَمّاها بَعْضُ ضَعْفَةِ النُّحاةِ ”واوَ الثَّمانِيَةِ“، وكانَ القاضِي يَتَبَجَّحُ بِاسْتِخْراجِها زائِدَةً عَلى المَواضِعِ الثَّلاثَةِ المَشْهُورَةِ، أحَدُها: الَّتِي في الصِّفَةِ الثّامِنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“، والثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾، والثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ ﴿وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] في الزُّمَرِ، قالَ ابْنُ الحاجِبِ: ولَمْ يَزَلِ الفاضِلُ يَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ إلى أنْ ذَكَرَهُ يَوْمًا بِحَضْرَةِ أبِي الجُودِ النَّحْوِيِّ المُقْرِي، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ واهِمٌ في عَدِّها مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وأحالَ البَيانَ عَلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن دُعاءِ الضَّرُورَةِ إلى الإتْيانِ بِالواوِ هُنا؛ لِامْتِناعِ اجْتِماعِ الصِّفَتَيْنِ في مَوْصُوفٍ واحِدٍ إلى آخِرِهِ. وقالَ في المُغْنِي: سَبَقَ الثَّعْلَبِيُّ الفاضِلَ إلى عَدِّها مِنَ المَواضِعِ في تَفْسِيرِهِ، وأقُولُ: لَعَلَّ الفاضِلَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، وزادَ الثَّعْلَبِيُّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] في سُورَةِ الحاقَّةِ حَيْثُ قَرَنَ اسْمَ عَدَدِ ”ثَمانِيَةَ“ بِحِرَفِ الواوِ. صفحة ٢٩٣ ومِن غَرِيبِ الِاتِّفاقِ أنْ كانَ لِحَقِيقَةِ الثَّمانِيَةِ اعْتِلاقٌ بِالمَواضِعِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ مِنَ القُرْآنِ؛ إمّا بِلَفْظِهِ كَما هُنا وآيَةِ ”الحاقَّةَ“، وإمّا بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ كَما في آيَةِ ”بَراءَةَ“ وآيَةِ التَّحْرِيمِ، وإمّا بِكَوْنِ مُسَمّاهُ مَعْدُودًا بِعَدَدِ الثَّمانِيَةِ كَما في آيَةِ الزُّمَرِ، ولَقَدْ يُعَدُ الِانْتِباهُ إلى ذَلِكَ مِنَ اللَّطائِفِ، ولا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَعارِفِ، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ لَها ضابِطٌ مَضْبُوطٌ فَلَيْسَ مِنَ البَعِيدِ عَدُّ القاضِي الفاضِلِ مِنها آيَةَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّها صادَفَتِ الثّامِنَةَ في الذِّكْرِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ ثامِنَةً مِن صِفاتِ المَوْصُوفِينَ، وكَذَلِكَ لِعَدِّ آيَةِ سُورَةِ الحاقَّةِ، ومِثْلُ هَذِهِ اللَّطائِفِ كالزَّهْرَةِ تُشَمُّ ولا تُحَكُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وجُمْلَةُ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما تُثِيرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ إلى آخِرِها مِن تَرَقُّبِ تَعْيِينِ ما يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ عِدَّتِهِمْ، فَأُجِيبَ بِأنْ يُحالَ العِلْمُ بِذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ، وإسْنادُ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى اللَّهِ تَعالى يُفِيدُ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِعِدَّتِهِمْ هو العِلْمُ الكامِلُ، وأنَّ عِلْمَ غَيْرِهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ وحَدَسٍ قَدْ يُصادِفُ الواقِعَ، وقَدْ لا يُصادِفُهُ. وجُمْلَةُ ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ الأعْلَمُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَسْألُوا: هَلْ يَكُونُ بَعْضُ النّاسُ عالِمًا بِعِدَّتِهِمْ عِلْمًا غَيْرَ كامِلٍ، فَأُجِيبَ بِأنَّ قَلِيلًا مِنَ النّاسِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولا مَحالَةَ هم مَن أطْلَعَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ بِوَحْيٍ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَهم لا يُوصَفُونَ بِالأغْلَبِيَّةِ؛ لِأنَّ عِلْمَهم مُكْتَسَبٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ الأعْلَمِ بِذَلِكَ. * * * صفحة ٢٩٤ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الِاخْتِلافِ في عَدَدِ أهْلِ الكَهْفِ، أيْ إذا أرادَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ المُماراةَ في عِدَّةِ أهْلِ الكَهْفِ لِأخْبارٍ تَلَقَّوْها مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ لِأجْلِ طَلَبِ تَحْقِيقِ عِدَّتِهِمْ، فَلا تُمارِهِمْ؛ إذْ هو اشْتِغالٌ بِما لَيْسَ فِيهِ جَدْوى، وهَذا التَّفْرِيعُ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُعْتَرِضٌ في أثْناءِ القِصَّةِ. والتَّمارِي: تَفاعُلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ المِرْيَةِ، وهي الشَّكُّ، واشْتِقاقُ المُفاعَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها إيقاعٌ مِنَ الجانِبَيْنِ في الشَّكِّ، فَيُئَوَّلُ إلى مَعْنى المُجادَلَةِ في المُعْتَقَدِ لِإبْطالِهِ، وهو يُفْضِي إلى الشَّكِّ فِيهِ، فَأطْلَقَ المِراءَ عَلى المُجادَلَةِ بِطَرِيقِ المَجازِ، ثُمَّ شاعَ فَصارَ حَقِيقَةً لَمّا ساوى الحَقِيقَةَ، والمُرادُ بِالمِراءِ فِيهِمُ: المِراءُ في عِدَّتِهِمْ كَما هو مُقْتَضى التَّفْرِيعِ. والمِراءُ الظّاهِرُ: هو الَّذِي لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ، ولا يَطُولُ الخَوْضُ فِيهِ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾، فَإنَّ هَذا مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ وإبايَتِهِ؛ لِوُضُوحِ حُجَّتِهِ، وما وراءَ ذَلِكَ مُحْتاجٌ إلى الحُجَّةِ، فَلا يَنْبَغِي الِاشْتِغالُ بِهِ؛ لِقِلَّةِ جَدْواهُ. والِاسْتِفْتاءُ: طَلَبُ الفَتْوى، وهي الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ عِلْمِيٍّ مِمّا لا يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، ومَعْنى ”فِيهِمْ“ أيْ: في أمْرِهِمْ، أيْ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اسْتِفْتائِهِمِ الكِنايَةُ عَنْ جَهْلِهِمْ بِأمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾، وهم أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ سَألُوا عَنْ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ. أوْ يَكُونُ كِنايَةً رَمْزِيَّةً عَنْ حُصُولِ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِحَقِيقَةِ أمْرِهِمْ بِحَيْثُ هو غَنِيٌّ عَنِ اسْتِفْتاءِ أحَدٍ، وأنَّهُ لا يُعْلِمُ المُشْرِكِينَ بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن شَأْنِ أهْلِ الكَهْفِ، وتَكُونُ (مِن) تَعْلِيلِيَّةً، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدًا إلى السّائِلِينَ صفحة ٢٩٥ المُتَعَنِّتِينَ، أيْ لا تَسْألْ عِلْمَ ذَلِكَ مِن أجْلِ حِرْصِ السّائِلِينَ عَلى أنْ تُعْلِمَهم بِيَقِينِ أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَإنَّكَ عَلِمْتَهُ، ولَمْ تُؤْمَرْ بِتَعْلِيمِهِمْ إيّاهُ، ولَوْ لَمْ يُحْمَلِ النَّهْيُ عَلى هَذا المَعْنى لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ وجْهٌ، وفي التَّقْيِيدِ بِـ ”مِنهم“ مُحْتَرَزٌ، ولا يَسْتَقِيمُ جَعْلُ ضَمِيرِ ”مِنهم“ عائِدًا إلى أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقِ الرُّواةِ والمُفَسِّرِينَ.

الكهف 18:23

﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ، ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ هُنا ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ والطَّبَرِيُّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ والواحِدِيُّ في سُورَةِ مَرْيَمَ: أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ، وعَدَهم بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ مِنَ الغَدِ ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَأْتِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَوابِ إلّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وقِيلَ: بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ كَما تَقَدَّمَ، أيْ فَكانَ تَأْخِيرُ الوَحْيِ إلَيْهِ بِالجَوابِ عِتابًا رَمْزِيًّا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ، كَما عاتَبَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فِيما رَواهُ البُخارِيُّ: «أنَّ سُلَيْمانَ قالَ: لَأُطَوِّفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى مِائَةِ امْرَأةٍ تَلِدُ كُلُّ واحِدَةٍ ولَدًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَمْ تَحْمِلْ مِنهُنَّ إلّا واحِدَةٌ ولَدَتْ شِقَّ غُلامٍ»، ثُمَّ كانَ هَذا عِتابًا صَرِيحًا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِما سُئِلَ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَدَ بِالإجابَةِ ونَسِيَ أنْ يَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ كَما نَسِيَ سُلَيْمانُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ، ثُمَّ نَهاهُ عَنْ أنْ يَعِدَ بِفِعْلِ شَيْءٍ دُونَ التَّقْيِيدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ مِنَ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، وفي كَيْفِيَّةِ نَظْمِهِ اخْتِلافٌ لِلْمُفَسِّرِينَ، فَمُقْتَضى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مِن بَقِيَّةِ جُمْلَةِ النَّهْيِ، أيْ هو اسْتِثْناءٌ مَن حُكْمِ النَّهْيِ، أيْ لا تَقُولَنَّ: إنِّي فاعِلٌ إلَخْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ أنْ تَقُولَهُ، ومَشِيئَةُ اللَّهِ تُعْلَمُ مِن إذْنِهِ بِذَلِكَ، فَصارَ المَعْنى: إلّا أنْ صفحة ٢٩٦ يَأْذَنَ اللَّهُ لَكَ بِأنْ تَقُولَهُ، وعَلَيْهِ فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ يَشاءَ اللَّهُ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ المَنهِيّاتِ، وهو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ومَفْعُولُ يَشاءَ اللَّهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ كَما هو شَأْنُ فِعْلِ المَشِيئَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا قَوْلًا شاءَهُ اللَّهُ، فَأنْتَ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْ أنْ تَقُولَهُ. ومُقْتَضى كَلامِ الكِسائِيِّ، والأخْفَشِ، والفَرّاءِ أنَّهُ مُسْتَثْنًى مِن جُمْلَةِ ﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾، فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ المَنهِيِّ عَنْهُ، أيْ إلّا قَوْلًا مُقْتَرِنًا بِـ إنْ شاءَ اللَّهُ فَيَكُونُ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ المُلابَسَةِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا بِـ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] أيْ بِما يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ مُلابَسَةَ القَوْلِ حَقِيقَةَ المَشِيئَةِ - مُحالٌ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ تَلَبُّسُهُ بِذِكْرِ المَشِيئَةِ بِلَفْظِ إنْ شاءَ اللَّهُ ونَحْوِهِ، فالمُرادُ بِالمَشِيئَةِ إذْنُ اللَّهِ لَهُ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَرامَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: الأُولى: أنَّهُ أجابَ سُؤْلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم ما سَألُوهُ إيّاهُ عَلى خِلافِ عادَةِ اللَّهِ مَعَ المُكابِرِينَ. الثّانِيَةُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ عِلْمًا عَظِيمًا مِن أدَبِ النُّبُوَّةِ. الثّالِثَةُ: أنَّهُ ما عَلَّمَهُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ أجابَ سُؤْلَهُ اسْتِئْناسًا لِنَفْسِهِ أنْ لا يُبادِرَهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُجِيبَهُ، كَيْلا يَتَوَهَّمَ أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنْ إجابَةِ سُؤالِهِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ تَأْدِيبِ الحَبِيبِ المُكَرَّمِ، ومِثالُهُ ما في الصَّحِيحِ: «أنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزامٍ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ فَأعْطانِي ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطانِي ثُمَّ سَألْتُهُ فَأعْطانِي، ثُمَّ قالَ: يا حَكِيمُ إنَّ هَذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَن أخَذَهُ بِسَخاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ومَن أخَذَهُ بِإشْرافِ نَفْسٍ لَمْ يُبارَكْ لَهُ فِيهِ، وكانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشْبَعُ، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، قالَ صفحة ٢٩٧ حَكِيمٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لا أرْزَأُ أحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتّى أُفارِقَ الدُّنْيا»، فَعَلِمَ حَكِيمٌ أنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ذَلِكَ لَيْسَ القَصْدُ مِنهُ مَنعَهُ مِن سُؤْلِهِ، وإنَّما قَصَدَ مِنهُ تَخْلِيقَهُ بِخُلُقٍ جَمِيلٍ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ حَكِيمٌ: أنْ لا يَأْخُذَ عَنْ أحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا، ولَمْ يَقُلْ: لا أسْألُكَ بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ شَيْئًا. فَنَظْمُ الآيَةِ أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ لَشَيْءٌ لَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ القَوْلِ إلى المُخاطَبِ بَلْ هي لامُ العِلَّةِ، أيْ: لا تَقُولَنَّ إنِّي فاعِلٌ كَذا لِأجْلِ شَيْءٍ تَعِدُ بِهِ، فاللّامُ بِمَنزِلَةِ (في) . و”شَيْءٍ“ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ في التَّنْكِيرِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ، أيِ الشَّيْءِ تُرِيدُ أنْ تَفْعَلَهُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ”ذَلِكَ“ عائِدَةٌ إلى ”شَيْءٍ“، أيْ: إنِّي فاعِلٌ الإخْبارَ بِأمْرٍ يَسْألُونَهُ. و”غَدًا“ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ مَجازًا، ولَيْسَتْ كَلِمَةُ ”غَدًا“ مُرادًا بِها اليَوْمَ الَّذِي يَلِي يَوْمَهُ، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، كَما يُسْتَعْمَلُ اليَوْمُ بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، والأمْسُ بِمَعْنى زَمَنِ الماضِي، وقَدْ جَمَعَها قَوْلُ زُهَيْرٍ: وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ وظاهِرُ الآيَةِ اقْتِصارُ إعْمالِها عَلى الإخْبارِ بِالعَزْمِ عَلى فِعْلٍ في المُسْتَقْبَلِ دُونَ ما كانَ مِنَ الكَلامِ إنْشاءً مِثْلَ الأيْمانِ، فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ في شُمُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِإنْشاءِ الأيْمانِ ونَحْوِها، فَقالَ جُمْهُورُهم: يَكُونُ ذِكْرُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ حَلًّا لِعَقْدِ اليَمِينِ يُسْقِطُ وُجُوبَ الكَفّارَةِ، ولَعَلَّهم أخَذُوهُ مِن مَعْنى (شَيْءٍ) في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ إلَخْ: بِحَيْثُ إذا أعْقَبْتَ اليَمِينَ بِقَوْلِ (إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) ونَحْوِهِ لَمْ يَلْزَمُ البِرُّ في اليَمِينِ، ورَوى ابْنُ القاسِمِ، وأشْهَبُ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مالِكٍ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ﴾ إلَخْ إنَّما قُصِدَ بِذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ السَّهْوِ، ولَيْسَ بِاسْتِثْناءٍ، يَعْنِي أنَّ حُكْمَ الثُّنْيا صفحة ٢٩٨ فِي الأيْمانِ لا يُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو مِمّا ثَبَتَ بِالسَّنَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُخالِفْ مالِكٌ في إعْمالِ الثُّنْيا في اليَمِينِ، وهي قَوْلُ (إنْ شاءَ اللَّهُ)، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.

الكهف 18:24

﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ، أيْ لا تَعِدْ بِوَعْدٍ فَإنْ نَسِيتَ فَقُلْتَ: إنِّي فاعِلٌ، فاذْكُرْ رَبَّكَ، أيِ اذْكُرْ ما نَهاكَ عَنْهُ، والمُرادُ بِالتَّذْكِيرِ التَّدارُكُ، وهو هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ (الذُّكْرِ) بِضَمِّ الذّالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ لازِمِ التَّذَكُّرِ، وهو الِامْتِثالُ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وفي تَعْرِيفِ الجَلالَةِ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ، مِن كَمالِ المُلاطَفَةِ - ما لا يَخْفى. وحَذْفُ مَفْعُولِ ”نَسِيتَ“؛ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ إذا نَسِيتَ النَّهْيَ فَقُلْتَ: إنِّي فاعِلٌ، وبَعْضُ الَّذِينَ أعْمَلُوا بِهِ آيَةَ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ في حَلِّ الأيْمانِ بِذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ تَرْخِيصًا في تَدارُكِ الثُّنْيا عِنْدَ تَذَكُّرِ ذَلِكَ، فَمِنهم مَن لَمْ يَحِدَّ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا تَحْدِيدَ بِمُدَّةٍ بَلْ ولَوْ طالَ ما بَيْنَ اليَمِينِ والثُّنْيا، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الثُّنْيا، واسْتَدَلُّوا بِأنَّ السُّنَّةَ ورَدَتْ بِخِلافِهِ. * * * ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ لَمّا أبَرَّ اللَّهُ وعْدَ نَبِيِّهِ ﷺ الَّذِي وعَدَهُ المُشْرِكِينَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم أمْرَ أهْلِ الكَهْفِ فَأوْحاهُ إلَيْهِ، وأوْقَفَهم عَلَيْهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِعِتابِهِ عَلى صفحة ٢٩٩ التَّصَدِّي لِمُجاراتِهِمْ في السُّؤالِ عَمّا هو خارِجٌ عَنْ غَرَضِ الرِّسالَةِ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ، وأمَرَهُ أنْ يَذْكُرَ نَهْيَ رَبِّهِ، ويَعْزِمَ عَلى تَدْرِيبِ نَفْسِهِ عَلى إمْساكِ الوَعْدِ بِبَيانِ ما يُسْألُ مِنهُ بَيانُهُ دُونَ أنْ يَأْذَنَهُ اللَّهُ بِهِ، أمَرَهُ هُنا أنْ يُخْبِرَ سائِلِيهِ بِأنَّهُ ما بُعِثَ لِلِاشْتِغالِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وأنَّهُ يَرْجُو أنَّ اللَّهَ يَهْدِيهِ إلى ما هو أقْرَبُ إلى الرُّشْدِ مِن بَيانِ أمْثالِ هَذِهِ القِصَّةِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ تَشْتَمِلُ عَلى مَوْعِظَةٍ وهُدًى، ولَكِنَّ الهُدى الَّذِي في بَيانُ الشَّرِيعَةِ أعْظَمُ وأهَمُّ، والمَعْنى: وقُلْ لَهم عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا. وجُمْلَةُ ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾، أيِ اذْكُرْ أمْرَهُ ونَهْيَهُ وقُلْ في نَفْسِكَ: عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا، أيِ ادْعُ اللَّهَ بِهَذا. وانْتَصَبَ ”رَشَدًا“ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأقْرَبَ مِن هَذا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ فِعْلِ ”أنْ يَهْدِيَنِي“؛ لِأنَّ الرُّشْدَ نَوْعٌ مِنَ الهِدايَةِ. فَـ ”عَسى“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الرَّجاءِ تَأدُّبًا، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ بِقَرِينَةِ وُقُوعِ هَذا الكَلامِ مُعْتَرِضًا في أثْنائِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وارْجُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَهْدِيَكَ فَيُذَكِّرَكَ أنْ لا تَعِدَ وعْدًا بِبَيانِ شَيْءٍ دُونَ إذْنِ اللَّهِ. والرَّشَدُ بِفَتْحَتَيْنِ: الهُدى والخَيْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] .

الكهف 18:25

صفحة ٣٠٠ ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ رُجُوعٌ إلى بَقِيَّةِ القِصَّةِ بَعْدَ أنْ تَخَلَّلَ الِاعْتِراضُ بَيْنَها بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ”رَشَدًا“ . فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”ولَبِثُوا“ عَطْفًا عَلى مَقُولِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، أيْ ويَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ، لِيَكُونَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وعَلَيْهِ فَلا يَكُونُ هَذا إخْبارًا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ (وقالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ) إلى آخِرِهِ، فَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِهَذا العَطْفِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى القِصَّةِ كُلِّها، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ إلى آخِرِهِ، وهم لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَ سِنِينَ. وعَلى اخْتِلافِ الوَجْهَيْنِ يَخْتَلِفُ المَعْنى في قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ القُرْآنَ أخْبَرَ بِمُدَّةِ لُبْثِ أهْلِ الكَهْفِ في كَهْفِهِمْ، وأنَّ المُرادَ لُبْثُهُمُ الأوَّلُ قَبْلَ الإفاقَةِ، وهو المُناسِبُ لِسَبْقِ الكَلامِ عَلى اللُّبْثِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] إلَخْ أنَّ مُؤَرِّخِي النَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ مُدَّةَ نَوْمَةِ أهْلِ الكَهْفِ مِائَتانِ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: المُرادُ لُبْثُهم مِن وقْتِ مَوْتِهِمُ الأخِيرِ إلى زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى: أنْ يُقَدَّرَ لُبْثُهم بِثَلاثِمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَعَبَّرَ عَنْ هَذا العَدَدِ بِأنَّهُ ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ وزِيادَةُ تِسْعٍ، لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بِالسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ المُناسِبَةِ لِتارِيخِ العَرَبِ والإسْلامِ مَعَ الإشارَةِ إلى مُوافَقَةِ ذَلِكَ المِقْدارِ بِالسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي بِها تارِيخُ القَوْمِ الَّذِينَ مِنهم أهْلُ الكَهْفِ، وهم أهْلُ بِلادِ الرُّومِ، قالَ السُّهَيْلِيُّ صفحة ٣٠١ فِي الرَّوْضِ الأُنُفِ: النَّصارى يَعْرِفُونَ حَدِيثَ أهْلِ الكَهْفِ ويُؤَرِّخُونَ بِهِ، وأقُولُ: واليَهُودُ الَّذِينَ لَقَّنُوا قُرَيْشًا السُّؤالَ عَنْهم يُؤَرِّخُونَ الأشْهُرَ بِحِسابِ القَمَرِ، ويُؤَرِّخُونَ السِّنِينَ بِحِسابِ الدَّوْرَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فالتَّفاوُتُ بَيْنَ أيّامِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ وأيّامِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ يَحْصُلُ مِنهُ سَنَةٌ قَمَرِيَّةٌ كامِلَةٌ في كُلِّ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً شَمْسِيَّةً، فَيَكُونُ التَّفاوُتُ في مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ بِثَلاثِ سِنِينَ زائِدَةٍ قَمَرِيَّةٍ، كَذا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ النِّقاشِ المُفَسِّرِ، وبِهَذا تَظْهَرُ نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ عَنِ التِّسْعِ السِّنِينِ بِالِازْدِيادِ، وهَذا مِن عِلْمِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ العِلْمِيِّ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِعُمُومِ العَرَبِ عِلْمٌ بِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثَلاثَمِائَةٍ“ بِالتَّنْوِينِ، وانْتَصَبَ سِنِينَ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنِ اسْمِ العَدَدِ عَلى رَأْيِ مَن يَمْنَعُ مَجِيءَ تَمْيِيزِ المِائَةِ مَنصُوبًا، أوْ هو تَمْيِيزٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُ ذَلِكَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِإضافَةِ مِائَةٍ إلى سِنِينَ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِلْمِائَةِ، وقَدْ جاءَ تَمْيِيزُ المِائَةِ جَمْعًا، وهو نادِرٌ لَكِنَّهُ فَصِيحٌ.

الكهف 18:26

﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٥] إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ قَطْعًا لِلْمُماراةِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمُ المُخْتَلَفِ فِيها بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ مِنكم بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ. وإنْ كانَ قَوْلُهُ ولَبِثُوا حِكايَةً عَنْ قَوْلِ أهْلِ الكِتابِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ كانَ قَوْلُهُ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ تَفْوِيضًا إلى اللَّهِ في عِلْمِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] . صفحة ٣٠٢ وغَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ ما غابَ عِلْمُهُ عَنِ النّاسِ مِن مَوْجُوداتِ السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِهِمْ، واللّامُ في للَّهِ لِلْمِلْكِ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ المَجْرُورِ؛ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ خَبَرِ أهْلِ الكَهْفِ ونَحْوِهِمْ. و﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ صِيغَتا تَعْجِيبٍ مِن عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُغَيَّباتِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ، وهو العِلْمُ الَّذِي لا يُشارِكُهُ فِيهِ أحَدٌ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الحَدِيثُ مَعَهم، وهو إبْطالٌ لِوَلايَةِ آلِهَتِهِمْ بِطَرِيقَةِ التَّنْصِيصِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ بِدُخُولِ (مِنِ) الزّائِدَةِ عَلى النَّكِرَةِ المَنفِيَّةِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ هو رَدٌّ عَلى زَعْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لَهُ في مِلْكِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولا يُشْرِكُ﴾ بِرَفْعِ يُشْرَكَ وبِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ﴾، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِتاءِ الخِطابِ وجَزْمِ و(يُشْرِكْ) عَلى أنَّ (لا) ناهِيَةٌ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُرادٌ بِهِ أُمَّتُهُ، أوِ الخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَلَقّاهُ. وهُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أصْحابِ الكَهْفِ بِما تَخَلَّلَها، وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ مِن رِوايَةِ الأخْبارِ المَوْضُوعَةِ فِيها.

الكهف 18:27

﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ولَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] بِما فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦] . صفحة ٣٠٣ والمَقْصُودُ مِن هَذا الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا أيّامَئِذٍ لا يَبِينُ لَهم شَيْءٌ إلّا وانْتَقَلُوا إلى طَلَبِ شَيْءٍ آخَرَ، فَسَألُوا عَنْ أهْلِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ القُرْآنِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ، ونَحْوَ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] في سُورَةِ الإسْراءِ. والمَعْنى: لا تَعْبَأْ بِهِمْ - إنْ كَرِهُوا تِلاوَةَ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ - واتْلُ جَمِيعَ ما أُوحِي إلَيْكَ، فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ، فَلَمّا وعَدَهُمُ الجَوابَ عَنِ الرُّوحِ وعَنْ أهْلِ الكَهْفِ، وأبَرَّ اللَّهُ وعْدَهُ إيّاهم قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِبَيانِ إحْدى المَسْألَتَيْنِ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، ولِكَيْ لا يُطْمِعَهُمُ الإجابَةُ عَنْ بَعْضِ ما سَألُوهُ بِالطَّمَعِ في أنْ يُجِيبَهم عَنْ كُلِّ ما طَلَبُوهُ. وأصْلُ النَّفْيِ بِـ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ أنَّهُ نَفْيُ وُجُودِ اسْمِهِ، والمُرادُ هُنا نَفْيُ الإذْنِ في أنْ يُبَدِّلَ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ. والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ، أيْ بِإخْفاءِ بَعْضِهِ، بِتَرْكِ تِلاوَةِ ما لا يَرْضَوْنَ بِسَماعِهِ مِن إبْطالِ شِرْكِهِمْ وضَلالِهِمْ، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّهم طَعَنُوا في بَعْضِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِمُ القِصَّةُ في القُرْآنِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ واتْلُ كِنايَةٌ عَنِ الِاسْتِمْرارِ، و﴿ما أُوحِيَ﴾ مُفِيدٌ لِلْعُمُومِ، أيْ كُلَّ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، ومَفْهُومُ المَوْصُولِ أنَّ ما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لا يَتْلُوهُ، وهو ما اقْتَرَحُوا أنْ يَقُولَهُ في الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وإعْطائِهِمْ شَطْرًا مِنَ التَّصْوِيبِ. صفحة ٣٠٤ والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ. والمُلْتَحَدُ: اسْمُ مَكانٍ مِيمِيٌّ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن فِعْلِهِ، والمُلْتَحَدُ: مَكانُ الِالتِحادِ، والِالتِحادُ: المَيْلُ إلى جانِبٍ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ تَكَلُّفُ المَيْلِ، ويُفْهَمُ مِن صِيغَةِ التَّكَلُّفِ أنَّهُ مَفَرٌّ مِن مَكْرُوهٍ يَتَكَلَّفُ الخائِفُ أنْ يَأْوِيَ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كانَ المُلْتَحَدُ بِمَعْنى المَلْجَأِ، والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ شَيْئًا يُنْجِيكَ مِن عِقابِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَأْيِيسُهم مِمّا طَمِعُوا فِيهِ.

الكهف 18:28

﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هَذا مِن ذُيُولِ الجَوابِ عَنْ مَسْألَتِهِمْ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ، فَهو مُشارِكٌ لِقَوْلِهِ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] أنَّ سادَةَ المُشْرِكِينَ كانُوا زَعَمُوا أنَّهُ لَوْلا أنَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ ناسًا أهْلُ خَصاصَةٍ في الدُّنْيا، وأرِقّاءُ لا يُدانُوهم، ولا يَسْتَأْهِلُونَ الجُلُوسَ مَعَهم لَأتَوْا إلى مُجالَسَةِ النَّبِيءِ ﷺ، واسْتَمَعُوا القُرْآنَ، فاقْتَرَحُوا عَلَيْهِ أنْ يَطْرُدَهم مِن حَوْلِهِ إذا غَشِيَهُ سادَةُ قُرَيْشٍ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما في سُورَةِ الأنْعامِ وما في هَذِهِ السُّورَةِ وما هُنا آكَدُ إذْ أمَرَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾، أيِ احْبِسْها مَعَهم حَبْسَ مُلازِمَةٍ، والصَّبْرُ: الشَّدُّ بِالمَكانِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ صفحة ٣٠٥ المَصْبُورَةُ: وهي الدّابَّةُ تُشَدُّ لِتُجْعَلَ غَرَضًا لِلرَّمْيِ، ولِتَضْمِينِ فِعْلِ اصْبِرْ مَعْنى المُلازِمَةِ عُلِّقَ بِهِ ظَرْفُ (مَعَ) . والغَداةِ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِّ: اسْمُ الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، والعَشِيُّ: المَساءُ، والمَقْصُودُ أنَّهم يَدْعُونَ اللَّهَ دُعاءً مُتَخَلِّلًا سائِرَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والدُّعاءُ: المُناجاةُ والطَّلَبُ، والمُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُ الصَّلَواتِ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ؛ لِلْإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الأمْرِ بِمُلازَمَتِهِمْ، أيْ: لِأنَّهم أحْرِياءُ بِذَلِكَ؛ لِأجْلِ إقْبالِهِمْ عَلى اللَّهِ فَهُمُ الأجْدَرُ بِالمُقارَنَةِ والمُصاحَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”بِالغَدْوَةِ“ بِسُكُونِ الدّالِ وواوٍ بَعْدَ الدّالِّ مَفْتُوحَةٍ، وهو مُرادِفُ الغَداةِ. وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، ووَجْهُ اللَّهِ: مُجازٌ في إقْبالِهِ عَلى العَبْدِ. ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِمُواصَلَتِهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ أقَلِّ إعْراضٍ عَنْهم. وظاهِرُ ﴿لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ نَهْيُ العَيْنَيْنِ عَنْ أنْ تَعْدُوا عَنِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم، أيْ أنْ تُجاوِزاهم، أيْ تَبْعُدا عَنْهم، والمَقْصُودُ: الإعْراضُ، ولِذَلِكَ ضُمِّنَ فِعْلُ العَدْوِ مَعْنى الإعْراضِ، فَعُدِّيَ إلى المَفْعُولِ بِـ (عَنْ) وكانَ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ بِنَفْسِهِ يُقالُ: عَداهُ، إذا جاوَزَهُ، ومَعْنى نَهْيِ العَيْنَيْنِ نَهْيُ صاحِبِهِما، فَيُئَوَّلُ إلى مَعْنى: ولا تَعْدِي عَيْنَيْكَ عَنْهم، وهو إيجازٌ بَدِيعٌ. وجُمْلَةُ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِن كافِ الخِطابِ؛ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ لا تَكُنْ إرادَةُ الزِّينَةِ سَبَبَ الإعْراضِ عَنْهم؛ لِأنَّهم لا زِينَةَ لَهم مِن بَزَّةٍ وسَمْتٍ. وهَذا الكَلامُ تَعْرِيضٌ بِحَماقَةِ سادَةِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا هَمَّهم وعِنايَتَهم بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ، وأهْمَلُوا الِاعْتِبارَ بِالحَقائِقِ والمَكارِمِ النَّفْسِيَّةِ؛ فاسْتَكْبَرُوا عَنْ مُجالَسَةِ أهْلِ الفَضْلِ، والعُقُولِ الرّاجِحَةِ والقُلُوبِ النَّيِّرَةِ، وجَعَلُوا هَمَّهُمُ الصُّوَرَ الظّاهِرَةَ. * * * صفحة ٣٠٦ ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ . هَذا نَهْيٌ جامِعٌ عَنْ مُلابَسَةِ شَيْءٍ مِمّا يَأْمُرُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ، والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ تَأْسِيسُ قاعِدَةٍ لِأعْمالِ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ تُجاهَ رَغائِبِ المُشْرِكِينَ، وتَأْيِيسُ المُشْرِكِينَ مِن نَوالِ شَيْءٍ مِمّا رَغِبُوهُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ . وماصَدَقَ (مِن) كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالصِّلَةِ، وقِيلَ نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، دَعا النَّبِيءَ ﷺ إلى طَرْدِ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ عَنْ مَجْلِسِهِ حِينَ يَجْلِسُ إلَيْهِ هو وأضْرابُهُ مِن سادَةِ قُرَيْشٍ. والمُرادُ بِإغْفالِ القَلْبِ: جَعْلُهُ غافِلًا عَنِ التَّفَكُّرِ في الوَحْدانِيَّةِ حَتّى راجَ فِيهِ الإشْراكُ، فَإنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ خِلْقَةِ عُقُولٍ ضَيِّقَةِ التَّبَصُّرِ مَسُوقَةٍ بِالهَوى والإلْفِ. وأصْلُ الإغْفالِ: إيجادُ الغَفْلَةِ، وهي الذُّهُولُ عَنْ تَذَكُّرِ الشَّيْءِ، وأُرِيدَ بِها هُنا غَفْلَةٌ خاصَّةٌ، وهي الغَفْلَةُ المُسْتَمِرَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن جَعْلِ الإغْفالِ مِنَ اللَّهِ تَعالى كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ في خِلْقَةِ تِلْكَ القُلُوبِ، وما بِالطَّبْعِ لا يَتَخَلَّفُ. وقَدِ اعْتَضَدَ هَذا المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾، فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى يَكُونُ عَنْ بَصِيرَةٍ لا عَنْ ذُهُولٍ، فالغَفْلَةُ خِلْقَةٌ في قُلُوبِهِمْ، واتِّباعُ الهَوى كَسْبٌ مِن قُدْرَتِهِمْ. والفُرُطُ بِضَمَّتَيْنِ: الظُّلْمُ والِاعْتِداءُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الفُرُوطِ وهو السَّبْقُ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ سَبَقَ في الشَّرِّ. والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الخَبَرِ مِنَ الِاسْمِ، أيْ حالَةَ تَمَكُّنِ الإفْراطِ والِاعْتِداءِ عَلى الحَقِّ.

الكهف 18:29

صفحة ٣٠٧ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ بِما فِيهِ نَقْضُ ما يَفْتِلُونَهُ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِتَأْيِيسِهِمْ مِن ذَلِكَ أمَرَهُ أنْ يُصارِحَهم بِأنَّهُ لا يَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ الَّذِي جاءَهُ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ مُبَلِّغُهُ بِدُونِ هَوادَةٍ، وأنَّهُ لا يَرْغَبُ في إيمانِهِمْ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، ولا يَتَنازَلُ إلى مُشاطَرَتِهِمْ في رَغَباتِهِمْ بِشَطْرِ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، وأنَّ إيمانَهم وكُفْرَهم مَوْكُولٌ إلى أنْفُسِهِمْ، لا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِوَعْدِ الإيمانِ يَسْتَنْزِلُونَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ بَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ. والحَقُّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ هَذا الحَقُّ، والتَّعْبِيرُ بِـ رَبَّكُمُ لِلتَّذْكِيرِ بِوُجُوبِ تَوْحِيدِهِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ لِلتَّسْوِيَةِ المُكَنّى بِها عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقَدَّمَ الإيمانَ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ إيمانَهم مَرْغُوبٌ فِيهِ. وفاعِلُ المَشِيئَةِ في المَوْضِعَيْنِ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”مَنِ“ المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ. وفِعْلُ (يُؤْمِن، ويَكْفُرْ) مُسْتَعْمَلانِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ مَن شاءَ أنْ يُوقِعَ أحَدَ الأمْرَيْنِ ولَوْ بِوَجْهِ الِاسْتِمْرارِ عَلى أحَدِهِما المُتَلَبِّسِ بِهِ الآنَ فَإنَّ العَزْمَ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ تَجْدِيدٌ لِإيقاعِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن إيكالِ الإيمانِ والكُفْرِ إلى أنْفُسِهِمْ وما يُفِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ، كِلاهُما صفحة ٣٠٨ يُثِيرُ في النُّفُوسِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: فَماذا يُلاقِي مَن شاءَ فاسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ، فَيُجابُ بِأنَّ الكُفْرَ وخِيمُ العاقِبَةِ عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وتَنْوِينُ نارًا لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ. والسُّرادِقُ بِضَمِّ السِّينِ قِيلَ: هو الفُسْطاطُ، أيِ الخَيْمَةُ، وقِيلَ: السُّرادِقُ: الحُجْزَةُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، أيِ الحاجِزُ الَّذِي يَكُونُ مُحِيطًا بِالخَيْمَةِ يَمْنَعُ الوُصُولَ إلَيْها، فَقَدْ يَكُونُ مِن جِنْسِ الفُسْطاطِ أدِيمًا أوْ ثَوْبًا، وقَدْ يَكُونُ غَيْرَ ذَلِكَ كالخَنْدَقِ، وهو كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ، أصْلُها (سُراطاقْ) قالُوا: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ اسْمٌ مُفْرَدٌ ثالِثُهُ ألِفٌ، وبَعْدَهُ حَرْفانِ، والسُّرادِقُ: هُنا تَخْيِيلٌ لِاسْتِعارَةٍ مَكْنِيَّةٍ بِتَشْبِيهِ النّارِ بِالدّارِ، وأُثْبِتَ لَها سُرادِقُ مُبالَغَةً في إحاطَةِ دارِ العَذابِ بِهِمْ، وشَأْنُ السُّرادِقِ يَكُونُ في بُيُوتِ أهْلِ التَّرَفِ، فَإثْباتُهُ لِدارِ العَذابِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ. والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو الإنْقاذُ مِن شَدَّةٍ، وبِتَخْفِيفِ الألَمِ، وشَمِلَ ﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ الِاسْتِغاثَةَ مِن حَرِّ النّارِ يَطْلُبُونَ شَيْئًا يُبْرِدُ عَلَيْهِمْ، بِأنْ يَصُبُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ ماءً مَثَلًا، كَما في آيَةِ الأعْرافِ ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، والِاسْتِغاثَةُ مِن شِدَّةِ العَطَشِ النّاشِئِ عَنِ الحَرِّ فَيَسْألُونَ الشَّرابَ، وقَدْ أوْمَأ إلى شُمُولِ الأمْرَيْنِ ذِكْرُ وصْفَيْنِ لِهَذا الماءِ بِقَوْلِهِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ﴾ . والإغاثَةُ: مُسْتَعارَةٌ لِلزِّيادَةِ مِمّا اسْتُغِيثَ مِن أجْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. والمُهْلُ: - بِضَمِّ المِيمِ - لَهُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ أشْبَهُها هُنا أنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ فَإنَّهُ يَزِيدُها التِهابًا قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] . والتَّشْبِيهُ في سَوادِ اللَّوْنِ وشِدَّةِ الحَرارَةِ فَلا يَزِيدُهم إلّا حَرارَةً، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. صفحة ٣٠٩ والوَجْهُ أشَدُّ الأعْضاءِ تَألُّمًا مِن حَرِّ النّارِ قالَ تَعالى ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] . وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا لِتَشْنِيعِ ذَلِكَ الماءِ مَشْرُوبًا كَما شُنِّعَ مُغْتَسَلًا، وفي عَكْسِهِ الماءُ المَمْدُوحُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ [ص: ٤٢] . والمَخْصُوصُ بِذَمِّ بِئْسَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: بِئْسَ الشَّرابُ ذَلِكَ الماءُ. وجُمْلَةُ ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا؛ لِإنْشاءِ ذَمِّ تِلْكَ النّارِ بِما فِيها. والمُرْتَفَقُ: مَحَلُّ الِاتِّفاقِ، وهو اسْمُ مَكانٍ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ إذِ اشْتُقَّ مِنَ المِرْفَقِ، وهو مَجْمَعُ العَضُدِ والذِّراعِ، سُمِّيَ مِرْفَقًا؛ لِأنَّ الإنْسانَ يُحَصِّلُ بِهِ الرِّفْقَ إذا أصابَهُ إعْياءٌ فَيَتَّكِئُ عَلَيْهِ، فَلَمّا سُمِّيَ بِهِ العُضْوُ تُنُوسِيَ اشْتِقاقُهُ وصارَ كالجامِدِ، ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ المُرْتَفَقُ، فالمُرْتَفَقُ هو المُتَّكَأُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وشَأْنُ المُرْتَفَقِ أنْ يَكُونَ مَكانَ اسْتِراحَةٍ، فَإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى النّارِ تَهَكُّمٌ، كَما أُطْلِقَ عَلى ما يُزادُ بِهِ عَذابُهم لَفْظُ الإغاثَةِ، وكَما أُطْلِقَ عَلى مَكانِهِمُ السُّرادِقُ. وفِعْلُ (ساءَ) يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ (بِئْسَ) فَيَعْمَلُ عَمَلَ (بِئْسَ)، فَقَوْلُهُ مُرْتَفَقًا تَمْيِيزٌ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ .

الكهف 18:30

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا مُراعًى فِيهِ حالُ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم حِينَ يَسْمَعُونَ ما أُعِدَّ لِلْمُشْرِكِينَ تَتَشَوَّفُ نُفُوسُهم إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لِلَّذِينَ صفحة ٣١٠ آمَنُوا ونَبَذُوا الشِّرْكَ فَأُعْلِمُوا أنَّ عَمَلَهم مَرْعِيٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ، والتَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ (إنَّ)؛ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، وإعادَةُ حَرْفِ (إنَّ) في الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها عَنِ المُبْتَدَأِ الواقِعِ في الجُمْلَةِ الأُولى؛ لِمَزِيدِ العِنايَةِ والتَّحْقِيقِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] ومِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ ومَوْقِعُ (إنَّ) الثّانِيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ أبْلَغُ مِنهُ في بَيْتِ جَرِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ فِيها في هَذِهِ الآيَةِ لَها اسْتِقْلالٌ بِمَضْمُونِها مِن حَيْثُ هي مُفِيدَةٌ حُكْمًا يَعُمُّ ما وقَعَتْ خَبَرًا عَنْهُ وغَيْرَهُ مِن كُلِّ مَن يُماثِلُ الخَبَرَ عَنْهم في عَمَلِهِمْ، فَذَلِكَ العُمُومُ في ذاتِهِ حُكْمٌ جَدِيرٌ بِالتَّأْكِيدِ؛ لِتَحْقِيقِ حُصُولِهِ لِأرْبابِهِ بِحَرْفِ بَيْتِ جَرِيرٍ. وأمّا آيَةُ سُورَةِ الحَجِّ فَقَدِ اقْتَضى طُولُ الفَصْلِ حَرْفَ التَّأْكِيدِ؛ حِرْصًا عَلى إفادَةِ التَّأْكِيدِ. والإضاعَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ضائِعًا، وحَقِيقَةُ الضَّيْعَةِ: تَلَفُ الشَّيْءِ مِن مَظِنَّةِ وجُودِهِ، وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى انْعِدامِ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مَوْجُودٍ، فَكَأنَّهُ قَدْ ضاعَ وتَلِفَ، قالَ تَعالى ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] في البَقَرَةِ، ويُطْلَقُ عَلى مَنعِ التَّمْكِينِ مِن شَيْءٍ، والِانْتِفاعِ بِهِ تَشْبِيهًا لِلْمَمْنُوعِ بِالضّائِعِ في اليَأْسِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنهُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ إنّا لا نَحْرِمُ مَن أحْسَنَ عَمَلًا أجْرَ عَمَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] .

الكهف 18:31

صفحة ٣١١ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما أجْمَلَ مِن عَدَمِ إضاعَةِ أجْرِهِمْ يَسْتَشْرِفُ بِالسّامِعِ إلى تَرَقُّبِ ما يُبِينُ هَذا الأجْرَ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ لِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ؛ لِأجْلِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، وهي كَوْنُهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. واللّامُ في ﴿لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ لامُ المُلْكِ، و(مِن) لِلِابْتِداءِ، جُعِلَتْ جِهَةَ ”تَحْتَهم“ مَنشَأً لِجَرْيِ الأنْهارِ، وتَقَدَّمَ شَبِيهُ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وعُدَنَّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢] في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . و﴿مِن تَحْتِهِمُ﴾ بِمَنزِلَةِ ﴿مِن تَحْتِها﴾ [التوبة: ٧٢]؛ لِأنَّ تَحْتَ جَنّاتِهِمْ هو تَحْتٌ لَهم. ووَجْهُ إيثارِ إضافَةِ (تَحْتَ) إلى ضَمِيرِهِمْ دُونَ ضَمِيرِ الجَنّاتِ زِيادَةُ تَقْرِيرِ المَعْنى الَّذِي أفادَتْهُ لامُ المِلْكِ، فاجْتَمَعَ في هَذا الخَبَرِ عِدَّةُ مُقَرِّراتٍ لِمَضْمُونِهِ، وهي: التَّأْكِيدُ مَرَّتَيْنِ، وذِكْرُ اسْمِ الإشارَةِ، ولامِ المِلْكِ، وجَرُّ اسْمِ الجِهَةِ بِـ (مِن)، وإضافَةُ اسْمِ الجِهَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: التَّعْرِيضُ بِإغاظَةِ المُشْرِكِينَ لِتَتَقَرَّرَ بِشارَةُ المُؤْمِنِينَ أتَمَّ تَقَرُّرٍ صفحة ٣١٢ وجُمْلَةُ يُحَلَّوْنَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”جَنّاتِ عَدْنٍ“ . والتَّحْلِيَةُ: التَّزْيِينُ، والحِلْيَةُ: الزِّينَةُ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ،؛ لِأنَّهم يَجِدُونَ أنْفُسَهم مُحِلِّينَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى. والأساوِرُ: جَمْعُ سِوارٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْوِرَةٍ الَّذِي هو جَمْعُ سِوارٍ، فَصِيغَةُ جَمْعِ الجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ أشْكالِ ما يُحَلَّوْنَ بِهِ مِنها، فَإنَّ الحِلْيَةَ تَكُونُ مُرَصَّعَةً بِأصْنافِ اليَواقِيتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن أساوِرَ﴾ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ، وسَيَأْتِي وجْهُهُ في سُورَةِ الحَجِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ، وهو مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ زِيادَتَها في الإثْباتِ. والسِّوارُ: حُلِيٌّ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ يُحِيطُ بِمَوْضِعِ الذِّراعِ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، وهو في الفارِسِيَّةِ (دُسْتُوراهْ) بَهاءٍ في آخِرِهِ كَما في كِتابِ الرّاغِبِ، وكُتِبَ بِدُونِ هاءٍ في تاجِ العَرُوسِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ فَإنَّ (مِن) فِيهِ لِلْبَيانِ، وفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، كَما اكْتَفى في آيَةِ سُورَةِ الإنْسانِ بِذِكْرِ الفِضَّةِ عَنْ ذِكْرِ الذَّهَبِ بِقَوْلِهِ ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١]، ولِكُلٍّ مِنَ المَعْدِنَيْنِ جَمالُهُ الخاصُّ. واللِّباسُ: سَتْرُ البَدَنِ بِثَوْبٍ مِن قَمِيصٍ أوْ إزارٍ أوْ رِداءٍ، وجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْوِقايَةِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ ولِلتَّجَمُّلِ. والثِّيابُ: جَمْعُ ثَوْبٍ، وهو الشُّقَّةُ مِنَ النَّسِيجِ. واللَّوْنُ الأخْضَرُ أعْدَلُ الألْوانِ، وأنْفَعُها عِنْدَ البَصَرِ، وكانَ مِن شِعارِ المُلُوكِ، قالَ النّابِغَةُ: يَصُونُونَ أجْسادًا قَدِيمًا نَعِيمُها بِخالِصَةِ الأرْدانِ خُضْرِ المَناكِبِ صفحة ٣١٣ والسُّنْدُسُ: صِنْفٌ مِنَ الثِّيابِ، وهو الدِّيباجُ الرَّقِيقُ يُلْبَسُ مُباشِرًا لِلْجِلْدِ لِيَقِيَهُ غِلَظَ الإسْتَبْرَقِ. والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ الغَلِيظُ المَنسُوجُ بِخُيُوطِ الذَّهَبِ، يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ المُباشِرَةِ لِلْجِلْدِ. وكِلا اللَّفْظَيْنِ مُعَرَّبٌ، فَأمّا لَفْظُ سُنْدُسٍ فَلا خِلافَ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أصْلِهِ، فَقالَ جَماعَةٌ: أصْلُهُ فارِسِيٌّ، وقالَ المُحَقِّقُونَ: أصْلُهُ هِنْدِيٌّ، وهو في اللُّغَةِ الهِنْدِيَّةِ ”سَنْدُونْ“ بِنُونٍ في آخِرِهِ، كانَ قَوْمٌ مِن وُجُوهِ الهِنْدِ وفَدُوا عَلى الإسْكَنْدَرِ يَحْمِلُونَ هَدِيَّةً مِن هَذا الدِّيباجِ، وأنَّ الرُّومَ غَيَّرُوا اسْمَهُ إلى سُنْدُوسْ، والعَرَبُ نَقَلُوهُ عَنْهم فَقالُوا سُنْدُسْ؛ فَيَكُونُ مُعَرَّبًا عَنِ الرُّومِيَّةِ، وأصْلُهُ الأصِيلُ هِنْدِيٌّ. وأمّا الإسْتَبْرَقُ فَهو مُعْرَبٌ عَنِ الفارِسِيَّةِ، وأصْلُهُ في الفارِسِيَّةِ (إسْتَبْرَهْ) أوْ (إسْتَبرْ) بِدُونِ هاءٍ أوْ (إسْتَقْرَهْ) أوْ (إسْتَفْرَهْ)، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: هو سُرْيانِيٌّ عُرِّبَ، وأصْلُهُ (إسْتُرْوَهْ) وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو رُومِيٌّ عُرِّبَ، ولِذَلِكَ فَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ قَطْعٍ عِنْدَ الجَمِيعِ، وذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَماءِ اللُّغَةِ في بابِ الهَمْزَةِ، وهو الأصْوَبُ، ويُجْمَعُ عَلى أبارِقَ قِياسًا، عَلى أنَّهم صَغَّرُوهُ عَلى أُبَيْرِقَ؛ فَعامَلُوا السِّينَ والتّاءَ مُعامَلَةَ الزَّوائِدِ. وفِي الإتْقانِ لِلسُّيُوطِيِّ عَنِ ابْنِ النَّقِيبِ: لَوِ اجْتَمَعَ فُصَحاءُ العالَمِ وأرادُوا أنْ يَتْرُكُوا هَذا اللَّفْظَ ويَأْتُوا بِلَفْظٍ يَقُومُ مَقامَهُ في الفَصاحَةِ لَعَجَزُوا. وذَلِكَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا حَثَّ عِبادَهُ عَلى الطّاعَةِ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَعْدُ بِما يَرْغَبُ فِيهِ العُقَلاءُ، وذَلِكَ مُنْحَصِرٌ في: الأماكِنِ، والمَآكِلِ، والمَشارِبِ، والمَلابِسِ، ونَحْوِها مِمّا تَتَّحِدُ فِيهِ الطِّباعُ أوْ تَخْتَلِفُ فِيهِ، وأرْفَعُ المَلابِسِ في الدُّنْيا الحَرِيرُ، والحَرِيرُ كُلَّما كانَ ثَوْبُهُ أثْقَلَ كانَ أرْفَعَ، فَإذا أُرِيدَ ذِكْرُ هَذا فالأحْسَنُ أنْ يُذْكَرَ بِلَفْظٍ واحِدٍ مَوْضُوعٍ لَهُ صَرِيحٌ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا الإسْتَبْرَقُ صفحة ٣١٤ ولا يُوجَدُ في العَرَبِيَّةِ لَفْظٌ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ إسْتَبْرَقٍ، هَذِهِ خُلاصَةُ كَلامِهِ عَلى تَطْوِيلٍ فِيهِ. و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ لِلْبَيانِ. وقَدَّمَ ذِكْرَ الحُلِيِّ عَلى اللِّباسِ هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِلْجَنّاتِ ابْتِداءً، وكانَتْ مَظاهِرُ الحُلِيِّ أبْهَجَ لِلْجَنّاتِ، فَقَدَّمَ ذِكْرَ الحُلِيِّ، وأخَّرَ اللِّباسَ؛ لِأنَّ اللِّباسَ أشَدُّ اتِّصالًا بِأصْحابِ الجَنَّةِ لا بِمَظاهِرِ الجَنَّةِ، وعَكْسُ ذَلِكَ في سُورَةِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١]؛ لِأنَّ الكَلامَ هُنالِكَ جَرى عَلى صِفاتِ أصْحابِ الجَنَّةِ، وجُمْلَةُ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَلْبِسُونَ. والِاتِّكاءُ: جِلْسَةُ الرّاحَةِ والتَّرَفِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ. والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، وهي اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ وحَجَلَةٍ، والحَجَلَةُ: قُبَّةٌ مِن ثِيابٍ تَكُونُ في البَيْتِ تَجْلِسُ فِيها المَرْأةُ أوْ تَنامُ فِيها، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلنِّساءِ: رَبّاتُ الحِجالِ، فَإذا وُضِعَ فِيها سَرِيرٌ لِلِاتِّكاءِ أوِ الِاضْطِجاعِ فَهي أرِيكَةٌ، ويَجْلِسُ فِيها الرَّجُلُ ويَنامُ مَعَ المَرْأةِ، وذَلِكَ مِن شِعارِ أهْلِ التَّرَفِ. وجُمْلَةُ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ اسْتِئْنافُ مَدْحٍ، ومَخْصُوصُ فِعْلِ المَدْحِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: نِعْمَ الثَّوابُ الجَنّاتُ المَوْصُوفَةُ. وعُطِفَ عَلَيْهِ فِعْلُ إنْشاءٍ ثانٍ وهو ﴿وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ لِأنَّ (حَسُنَ) و(ساءَ) مُسْتَعْمَلانِ اسْتِعْمالَ (نِعْمَ) و(بِئْسَ) فَعَمِلا عَمَلَهُما، ولِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ: وحَسُنَتِ الجَنّاتُ مُرْتَفَقًا، وهَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ في حِكايَةِ حالِ أهْلِ النّارِ ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] . والمُرْتَفَقُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ بِخِلافِ مُقابِلِهِ المُتَقَدِّمِ.

الكهف 18:32

صفحة ٣١٥ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ صفحة ٣١٦ بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ. وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي صفحة ٣١٧ فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ. والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ. ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ. وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ. ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ. و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: صفحة ٣١٨ كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ. وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ. ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ. والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ: فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ صفحة ٣١٩ مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ. فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ. والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ. والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ. والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ. صفحة ٣٢٠ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ. و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ. والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ. ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ. والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى. والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ. صفحة ٣٢١ والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ. وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ. ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ. وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ. وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ. وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .

الكهف 18:33

صفحة ٣١٥ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ صفحة ٣١٦ بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) . والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ. وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي صفحة ٣١٧ فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ. والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ. ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ. وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ. ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ. و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: صفحة ٣١٨ كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ. وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ. ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ. والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ: فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ صفحة ٣١٩ مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ: مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ. فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ. والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ. والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ. والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ. صفحة ٣٢٠ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ. و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ. والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ. وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ. ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ. والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى. والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ. صفحة ٣٢١ والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ. وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ. ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ. وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ. وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ. وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .