Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الكهف 18:34 – الكهف 18:92
المحتويات
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
الكهف 18:34
صفحة ٣١٥
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ
صفحة ٣١٦
بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.
ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي
صفحة ٣١٧
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ.
والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ.
وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ.
ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
صفحة ٣١٨
كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما
رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ.
ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ.
والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ:
فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ
صفحة ٣١٩
مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ:
مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ.
فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ.
والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ.
والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ.
والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ.
صفحة ٣٢٠
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ.
والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ.
والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ.
صفحة ٣٢١
والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ.
وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ.
ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ.
وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ.
وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ.
وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .
الكهف 18:35
صفحة ٣١٥
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ
صفحة ٣١٦
بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.
ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي
صفحة ٣١٧
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ.
والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ.
وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ.
ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
صفحة ٣١٨
كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما
رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ.
ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ.
والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ:
فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ
صفحة ٣١٩
مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ:
مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ.
فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ.
والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ.
والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ.
والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ.
صفحة ٣٢٠
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ.
والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ.
والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ.
صفحة ٣٢١
والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ.
وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ.
ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ.
وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ.
وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ.
وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .
الكهف 18:36
صفحة ٣١٥
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكْلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ ﴿وكانَ لَهُ ثُمُرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وهْوَ يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهْوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلَبًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] الآياتِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما أعَدَّ لِأهْلِ الشِّرْكِ وذَكَرَ ما يُقابِلُهُ مِمّا أعَدَّهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا ضَرَبَ مَثَلًا لِحالِ الفَرِيقَيْنِ بِمِثْلِ قِصَّةٍ أظْهَرَ اللَّهُ فِيها تَأْيِيدَهُ لِلْمُؤْمِنِ، وإهانَتَهُ لِلْكافِرِ، فَكانَ لِذَلِكَ المَثَلِ شَبَهٌ بِمَثَلِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ مِن عَصْرٍ أقْرَبَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ مِن عَصْرِ أهْلِ الكَهْفِ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِلْمُشْرِكِينَ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِمَثَلِ رَجُلَيْنِ كانَ حالُ أحَدِهِما مُعْجَبًا مُؤْنِقًا، وحالُ الآخَرِ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَكانَتْ عاقِبَةُ صاحِبِ الحالِ المُؤْنِقَةِ تَبابًا وخَسارَةً، وكانَتْ عاقِبَةُ الآخَرِ نَجاحًا، لِيُظْهِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ ما يَجُرُّهُ الغُرُورُ والإعْجابُ والجَبَرُوتُ إلى صاحِبِهِ مِنَ الأرْزاءِ، وما يَلْقاهُ المُؤْمِنُ المُتَواضِعُ العارِفُ بِسُنَنِ اللَّهِ في العالَمِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّدَبُّرِ في العَواقِبِ فَيَكُونُ مُعَرَّضًا لِلصَّلاحِ والنَّجاحِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَهم يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ واضْرِبْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا تَعَلُّقَ الحالِ
صفحة ٣١٦
بِصاحِبِها، أيْ شَبَهًا لَهم، أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (ضَرَبَ، ومَثَلًا) .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهم يَعُودُ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، ويَعُودُ إلى جَماعَةِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي.
ثُمَّ إنْ كانَ حالُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ المُمَثَّلُ بِهِ حالًا مَعْرُوفًا فالكَلامُ تَمْثِيلُ حالٍ مَحْسُوسٍ بِحالٍ مَحْسُوسٍ، فَقالَ الكَلْبِيُّ: المَعْنِيُّ بِالرَّجُلَيْنِ رَجُلانِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أخَوانِ أحَدُهُما كافِرٌ وهو (الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ) - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، والآخَرُ مُسْلِمٌ وهو أخُوهُ: (أبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الأشَدِّ بْنِ عَبْدِ يالِيلَ)، ووَقَعَ في الإصابَةِ: ابْنُ هِلالٍ، وكانَ زَوْجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ أيْنَ كانَتِ الجَنَّتانِ، ولَعَلَّهُما كانَتا بِالطّائِفِ فَإنَّ فِيهِ جَنّاتِ أهْلِ مَكَّةَ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هُما أخَوانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ماتَ أبُوهُما وتَرَكَ لَهُما مالًا؛ فاشْتَرى أحَدَهُما أرْضًا وجَعَلَ فِيها جَنَّتَيْنِ، وتَصَدَّقَ الآخَرُ بِمالِهِ فَكانَ مِن أمْرِهِما في الدُّنْيا ما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى مَصِيرَهُما في الآخِرَةِ بِما حَكاهُ اللَّهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ في قَوْلِهِ ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠] الآياتِ فَتَكُونُ قِصَّتُهُما مَعْلُومَةً بِما نَزَلَ فِيها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ الصّافّاتِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ.
وإنْ كانَ حالُ الرَّجُلَيْنِ حالًا مَفْرُوضًا كَما جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، فالكَلامُ عَلى كُلِّ حالٍ تَمْثِيلُ مَحْسُوسٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ مُتَصَوَّرَةٌ مُتَخَيَّلَةٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَهَذِهِ الهَيْئَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لا يَكادُ المَرْءُ يَتَخَيَّلُ أجْمَلَ مِنها في مَكاسِبِ النّاسِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ هَذا التَّمْثِيلُ كالَّذِي
صفحة ٣١٧
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآياتِ.
والأظْهَرُ مِن سِياقِ الكَلامِ، وصَنْعِ التَّراكِيبِ؛ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ [الكهف: ٣٧] إلَخْ فَقَدْ جاءَ (قالَ) غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِفاءٍ وذَلِكَ مِن شَأْنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الواقِعَةِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣] أنْ يَكُونَ هَذا المَثَلُ قِصَّةً مَعْلُومَةً، ولِأنَّ ذَلِكَ أوْقَعُ في العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ؛ مِثْلُ المَواعِظِ بِمَصِيرِ الأُمَمِ الخالِيَةِ.
ومَعْنى ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما﴾ قَدَّرْنا لَهُ أسْبابَ ذَلِكَ.
وذِكْرُ الجَنَّةِ والأعْنابِ والنَّخْلِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى حَفَفْناهُما أحَطْناهُما، يُقالُ: حَفَّهُ بِكَذا، إذا جَعَلَهُ حافًّا بِهِ، أيْ مُحِيطًا، قالَ تَعالى ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]؛ لِأنَّ (حَفَّ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى ثانٍ عُدِّيَ إلَيْهِ بِالباءِ، مِثْلُ: غَشِيَهُ وغَشّاهُ بِكَذا، ومِن مَحاسِنِ الجَنّاتِ أنْ تَكُونَ مُحاطَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ.
ومَعْنى ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ ألْهَمْناهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُما، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ هَذا الزَّرْعَ كانَ فاصِلًا بَيْنَ الجَنَّتَيْنِ: كانَتِ الجَنَّتانِ تَكْتَنِفانِ حَقْلَ الزَّرْعِ، فَكانَ المَجْمُوعُ ضَيْعَةً واحِدَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الزَّرْعِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
و﴿كِلْتا﴾ اسْمٌ دالٌّ عَلى الإحاطَةِ بِالمُثَنّى يُفَسِّرُهُ المُضافُ هو إلَيْهِ، فَهو اسْمٌ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى شَيْئَيْنِ، نَظِيرُ زَوْجٍ، ومُذَكَّرُهُ (كِلا)، قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُ كِلا: كِلَوْ، وأصْلُ كِلْتا: كِلْوا؛ فَحَذَفَتْ لامُ الفِعْلِ مِن كِلْتا، وعُوِّضَتِ التّاءُ عَنِ اللّامِ المَحْذُوفَةِ؛ لِتَدُلَّ التّاءُ عَلى التَّأْنِيثِ، ويَجُوزُ في خَبَرِ كِلا وكِلْتا الإفْرادُ اعْتِبارًا لِلَفْظِهِ، وهو أفْصَحُ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ تَثْنِيَتُهُ اعْتِبارًا لِمَعْناهُ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
صفحة ٣١٨
كِلاهُما حِينَ جَدَّ الجَرْيُ بَيْنَهُما قَدْ أقْلَعا وكِلا أنْفَيْهِما
رابِي وأُكُلَها قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ وهو الثَّمَرُ، وتَقَدَّمَ.
وجُمْلَةُ ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والمَعْنى: أثْمَرَتِ الجَنَّتانِ إثْمارًا كَثِيرًا حَتّى أشْبَهَتِ المُعْطِيَ مِن عِنْدِهِ.
ومَعْنى ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ، أيْ مِن أُكُلِها شَيْئًا، أيْ لَمْ تَنْقُصْهُ عَنْ مِقْدارِ ما تُعْطِيهِ الأشْجارُ في حالِ الخِصْبِ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ بِحَذْفِ مُضافٍ، والتَّقْدِيرُ: ولَمْ تَظْلِمْ مِن مِقْدارِ أمْثالِهِ، واسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِلنَّقْصِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ هَيْئَةِ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ في إتْقانِ خَبَرِهِما وتَرَقُّبِ إثْمارِهِما بِهَيْئَةِ مَن صارَ لَهُ حَقٌّ في وفْرَةِ غَلَّتِها، بِحَيْثُ إذا لَمْ تَأْتِ الجَنَّتانِ بِما هو مُتَرَقَّبٌ مِنهُما أشْبَهَتا مَن حَرَمَ ذا حَقٍّ حَقَّهُ فَظَلَمَهُ، فاسْتُعِيرَ الظُّلْمُ لِإقْلالِ الإغْلالِ، واسْتُعِيرَ نَفْيُهُ لِلْوَفاءِ بِحَقِّ الإثْمارِ.
والتَّفْجِيرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الهاءِ لُغَةٌ في النَّهْرِ بِسُكُونِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿لِأحَدِهِما﴾، والثُّمُرُ بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ: المالُ الكَثِيرُ المُخْتَلِفُ مِنَ النَّقْدَيْنِ والأنْعامِ والجَنّاتِ والمَزارِعِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ثُمِّرَ مالُهُ؛ بِتَشْدِيدِ المِيمِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، يُقالُ: ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ إذا كَثُرَ، قالَ النّابِغَةُ:
فَلَمّا رَأى أنْ ثَمَّرَ اللَّهُ مالَهُ ∗∗∗ وأثَّلَ مَوْجُودًا وسَدَّ مَفاقِرَهْ
صفحة ٣١٩
مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الثَّمَرَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأرْباحَ، وعَفْوَ المالِ يُشْبِهانِ ثَمَرَ الشَّجَرِ، وشاعَ هَذا المَجازُ حَتّى صارَ حَقِيقَةً، قالَ النّابِغَةُ:
مَهْلًا فِداءٌ لَكَ الأقْوامُ كُلُّهم ∗∗∗ وما أُثَمِّرُ مِن مالٍ ومِن ولَدِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ثُمُرٌ) بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ المُثَلَّثَةِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ وفَتْحِ المِيمِ.
فَقالُوا: إنَّهُ جَمْعُ ثِمارٍ الَّذِي هو جَمْعُ ثُمُرٍ، مِثْلُ كُتُبٍ جَمْعُ كِتابٍ فَيَكُونُ دالًّا عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِمّا تُنْتِجُهُ المَكاسِبُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في جَمْعِ أساوِرَ مِن قَوْلِهِ ﴿أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، وعَنِ النَّحّاسِ بِسَنَدِهِ إلى ثَعْلَبٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّ الحَجّاجَ قالَ: لَوْ سَمِعْتُ أحَدًا يَقْرَأُ (وكانَ لَهُ ثُمُرٌ) أيْ بِضَمِّ الثّاءِ لَقَطَعْتُ لِسانَهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: فَقُلْتُ لِلْأعْمَشِ: أنَأْخُذُ بِذَلِكَ، قالَ: لا، ولا نِعْمَةَ عَيْنٍ، وكانَ يَقْرَأُ: ثُمُرٌ، أيْ بِضَمَّتَيْنِ.
والمَعْنى: وكانَ لِصاحِبِ الجَنَّتَيْنِ مالٌ، أيْ غَيْرُ الجَنَّتَيْنِ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ جُمْلَةِ قالَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ؛ لِأنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنْهُ غُرُورٌ بِالنَّفْسِ يَنْطِقُ رَبُّهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ.
والصّاحِبُ هُنا بِمَعْنى المُقارِنِ في الذِّكْرِ حَيْثُ انْتَظَمَهُما خَبَرُ المَثَلِ، أوْ أُرِيدَ بِهِ المُلابِسُ المُخاصِمُ، كَما في قَوْلِ الحَجّاجِ يُخاطِبُ الخَوارِجَ: ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ.
والمُرادُ بِالصّاحِبِ هُنا الرَّجُلُ الآخَرُ مِنَ الرَّجُلَيْنِ، أيْ فَقالَ مَن لَيْسَ لَهُ جَنّاتٌ؛ في حِوارٍ بَيْنَهُما، ولَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ مَكانِ هَذا القَوْلِ، ولا سَبَبِهِ؛ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ في المَوْعِظَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ يُحاوِرُهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالَ، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ الكَلامِ بَيْنَ مُتَكَلِّمِينَ.
صفحة ٣٢٠
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُنْفَصِلُ عائِدٌ عَلى ذِي الجَنَّتَيْنِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُحاوِرُهُ عائِدٌ عَلى صاحِبِ ذِي الجَنَّتَيْنِ، ورَبُّ الجَنَّتَيْنِ يُحاوِرُ صاحِبَهُ، ودَلَّ فِعْلُ المُحاوَرَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ قَدْ وعَظَهُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَراجَعَهُ الكَلامَ بِالفَخْرِ عَلَيْهِ والتَّطاوُلِ شَأْنَ أهْلِ الغَطْرَسَةِ والنَّقائِضِ أنْ يَعْدِلُوا عَنِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ.
و﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] أشَدُّ عِزَّةً، والعِزَّةُ: ضِدُّ الذُّلِّ، وهي كَثْرَةُ عَدَدِ عَشِيرَةِ الرَّجُلِ وشَجاعَتِهِ.
والنَّفَرُ: عَشِيرَةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ، وأرادَ بِهِمْ هُنا ولَدُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَتُهُ في جَوابِ صاحِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩]، وانْتَصَبَ نَفَرًا عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ ﴿أعَزُّ﴾ [هود: ٩٢] إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ.
وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالَ، أيْ قالَ ذَلِكَ وقَدْ دَخَلَ جَنَّتَهُ مُرافِقًا لِصاحِبِهِ، أيْ دَخَلَ جَنَّتَهُ بِصاحِبِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾؛ لِأنَّ القَوْلَ لا يَكُونُ إلّا خِطابًا لِآخَرَ، أيْ قالَ لَهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهو يُحاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، ووُقُوعُ جَوابِ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ في خِلالِ الحِوارِ الجارِي بَيْنَهُما في تِلْكَ الجَنَّةِ.
ومَعْنى ﴿وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو مُشْرِكٌ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ بَطِرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وإنَّما أفْرَدَ الجَنَّةَ هُنا، وهُما جَنَّتانِ؛ لِأنَّ الدُّخُولَ إنَّما يَكُونُ لِإحْداها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَدْخُلُ إنَّما يَدْخُلُ إحْداهُما قَبْلَ أنْ يَنْتَقِلَ مِنها إلى الأُخْرى، فَما دَخَلَ إلّا إحْدى الجَنَّتَيْنِ.
والظَّنُّ بِمَعْنى: الِاعْتِقادِ، وإذا انْتَفى الظَّنُّ بِذَلِكَ ثَبَتَ الظَّنُّ بِضِدِّهِ، وتَبِيدُ: تَهْلِكُ، وتَفْنى.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الجَنَّةِ الَّتِي هُما فِيها، أيْ لا أعْتَقِدُ أنَّها تَنْتَفِضُ وتَضْمَحِلُّ.
صفحة ٣٢١
والأبَدُ: مُرادٌ مِنهُ طُولُ المُدَّةِ، أيْ هي باقِيَةٌ بَقاءَ أمْثالِها لا يَعْتَرِيها ما يُبِيدُها، وهَذا اغْتِرارٌ مِنهُ بِغِناهُ، واغْتِرارٌ بِما لِتِلْكَ الجَنَّةِ مِن وُثُوقِ الشَّجَرِ، وقُوَّتِهِ وثُبُوتِهِ، واجْتِماعِ أسْبابِ نَمائِهِ ودَوامِهِ حَوْلَهُ، مِن مِياهٍ وظِلالٍ.
وانْتَقَلَ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ دَوامَ تِلْكَ الجَنَّةِ إلى الإخْبارِ عَنِ اعْتِقادِهِ بِنَفْيِ قِيامِ السّاعَةِ.
ولا تَلازُمَ بَيْنَ المُعْتَقَدَيْنَ، ولَكِنَّهُ أرادَ التَّوَرُّكَ عَلى صاحِبِهِ المُؤْمِنِ تَخْطِئَةً إيّاهُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ تَهَكُّمًا بِصاحِبِهِ، وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ قَوْلُهُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا كَقَوْلِ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ لَيَكُونَنَّ لِي مالٌ هُنالِكَ فَأقْضِيَكَ دَيْنَكَ مِنهُ.
وأكَدَّ كَلامَهُ بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ؛ مُبالَغَةً في التَّهَكُّمِ.
وانْتَصَبَ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ عَلى تَمْيِيزِ نِسْبَةِ الخَبَرِ، والمُنْقَلَبُ: المَكانُ الَّذِي يُنْقَلَبُ إلَيْهِ؛ أيْ يُرْجَعُ.
وضَمِيرُ ”مِنهُما“ لِلْجَنَّتَيْنِ عَوْدًا إلى أوَّلِ الكَلامِ؛ تَفَنُّنًا في حِكايَةِ كَلامِهِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ”مِنهُما“ بِالتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ مِنها بِالإفْرادِ جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وقَوْلِهِ ﴿أنْ تَبِيدَ هَذِهِ﴾ .
الكهف 18:37
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهْوَ يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]
حُكِيَ كَلامُ صاحِبِهِ بِفِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ٣٢٢
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، ولَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ كانَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾، فالمُرادُ بِالكُفْرِ هُنا الإشْراكُ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مُعْتَقَداتِهِ إنْكارُ البَعْثِ، ولِذَلِكَ عُرِفَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ مَن يُدْرِكُهُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَ النّاسَ فَما كانَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ.
ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ الإنْسانَ عَنْ إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فَكانَ مَضْمُونُ الصِّلَةِ تَعْرِيضًا بِجَهْلِ المُخاطَبِ.
وقَوْلُهُ مِن تُرابٍ إشارَةٌ إلى الأجْزاءِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنها النُّطْفَةُ، وهي أجْزاءُ الأغْذِيَةِ المُسْتَخْلَصَةِ مِن تُرابِ الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٦] .
والنُّطْفَةُ: ماءُ الرَّجُلِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّطْفِ، وهو السَّيَلانُ، و﴿سَوّاكَ﴾ عَدَلَ خَلْقَكَ، أيْ جَعَلَهُ مُتَناسِبًا في الشَّكْلِ والعَمَلِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وقَوْلُهُ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِألْفٍ بَعْدِ النُّونِ، واتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى إثْباتِ الألْفِ في النُّطْقِ في حالِ الوَقْفِ، وأمّا في حالِ الوَصْلِ فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ نُطْقٍ بِالألْفِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِإثْباتِ النُّطْقِ بِالألْفِ في حالِ الوَصْلِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ يَسْمَحُ بِكِلْتا الرِّوايَتَيْنِ.
ولَفْظُ لَكْنا مُرَكَّبٌ مِن (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ الَّذِي هو حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، ومِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ (أنا)، وأصْلُهُ: لَكِنْ أنا، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا كَما قالَ الزَّجّاجُ، أيْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْهَمْزَةِ حُكْمُ
صفحة ٣٢٣
الثّابِتِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الإدْغامِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنهُ ما هو مَحْذُوفٌ لِعِلَّةِ بِناءٍ عَلى أنَّ المَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ بِمَنزِلَةِ الثّابِتِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى نُونِ (لَكِنِ) السّاكِنَةِ دَلِيلًا عَلى المَحْذُوفِ؛ فالتَقى نُونانِ مُتَحَرِّكَتانِ فَلَزِمَ إدْغامُهُما فَصارَ لَكْنا، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَكِنَّ المُشَدَّدَةَ النُّونِ المَفُتُوحَتَها أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها؛ لِأنَّ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ مِن أخَواتِ (إنَّ) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَها مَنصُوبًا ولَيْسَ هُنا ما هو ضَمِيرُ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ ضَمِيرِ (أنا) ضَمِيرَ نَصْبِ اسْمِ (لَكِنَّ)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المَنصُوبِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا اعْتِبارُهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ لِمُنافاتِهِ لِإفْرادِ ضَمائِرِهِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .
(فَأنا) مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ شَأْنٍ وخَبَرُهُ، وهي خَبَرُ (أنا)، أيْ شَأْنِي هو اللَّهُ رَبِّي، والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإقْرارِ، أيْ أعْتَرِفُ بِأنَّهُ رَبِّي خِلافًا لَكَ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ مُضادَّةُ ما بَعْدَ (لَكِنْ) لِما قَبْلَها، ولاسِيَّما إذا كانَ الرَّجُلانِ أخَوَيْنِ، أوْ خَلِيلَيْنِ كَما قِيلَ فَإنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ اعْتِقادَهُما سَواءٌ.
وأكَّدَ إثْباتَ اعْتِرافِهِ بِالخالِقِ الواحِدِ بِمُؤَكِّداتٍ أرْبَعَةٍ، وهي: الجُمْلَتانِ الِاسْمِيَّتانِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ في قَوْلِهِ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِ اللَّهَ رَبِّي المُفِيدِ قَصْرَ صِفَةِ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُخاطِبِهِ، أيْ دُونَكَ إذْ تَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ، وما القَصْرُ إلّا تَوْكِيدٌ مُضاعَفٌ، ثُمَّ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ [الكهف: ٣٩] عَلى جُمْلَةِ ﴿أكَفَرْتَ﴾ عَطْفُ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ، و(لَوْلا) لِلتَّوْبِيخِ، كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ الماضِي، نَحْوَ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]، أيْ كانَ الشَّأْنُ أنْ تَقُولَ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] عِوَضَ قَوْلِكَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٥]، والمَعْنى: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ، وكَفَرْتَ نِعْمَتَهُ.
صفحة ٣٢٤
و(ما) مِن قَوْلِهِ ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] أحْسَنُ ما قالُوا فِيها إنَّها مَوْصُولَةٌ، وهي خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُلابَسَةُ حالِ دُخُولِ الجَنَّةِ، أيْ هَذِهِ الجَنَّةُ ما شاءَ اللَّهُ، أيِ الأمْرُ الَّذِي شاءَ اللَّهُ إعْطاءَهُ إيّايَ.
وأحْسَنُ مِنهُ عِنْدِي: أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ شَيْءٌ شاءَ اللَّهُ، أيْ لِي.
وجُمْلَةُ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ، أيْ لا قُوَّةَ لِي عَلى إنْشائِها، أوْ لا قُوَّةَ لِمَن أنْشَأها إلّا بِاللَّهِ، فَإنَّ القُوى كُلَّها مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإعانَتِهِ بِسَلامَةِ الأسْبابِ والآلاتِ المُفَكِّرَةِ والصّانِعَةِ، فَما في جُمْلَةِ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] مِنَ العُمُومِ جَعَلَها كالعِلَّةِ والدَّلِيلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ جُزْئِيًّا مِن جُزْئِيّاتِ مُنْشَآتِ القُوى البَشَرِيَّةِ المَوْهُوبَةِ لِلنّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ.
الكهف 18:38
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهْوَ يُحاوِرُهُ أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّيَ أحَدًا﴾ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩]
حُكِيَ كَلامُ صاحِبِهِ بِفِعْلِ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ والمُجاوَبَةِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ٣٢٢
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، ولَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الصّاحِبَ كانَ يَعْلَمُ أنَّ صاحِبَهُ مُشْرِكٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَهُ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾، فالمُرادُ بِالكُفْرِ هُنا الإشْراكُ الَّذِي مِن جُمْلَةِ مُعْتَقَداتِهِ إنْكارُ البَعْثِ، ولِذَلِكَ عُرِفَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ مَن يُدْرِكُهُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَ النّاسَ فَما كانَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ.
ثُمَّ إنَّ العِلْمَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصْرِفَ الإنْسانَ عَنْ إنْكارِ الخَلْقِ الثّانِي، كَما قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فَكانَ مَضْمُونُ الصِّلَةِ تَعْرِيضًا بِجَهْلِ المُخاطَبِ.
وقَوْلُهُ مِن تُرابٍ إشارَةٌ إلى الأجْزاءِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنها النُّطْفَةُ، وهي أجْزاءُ الأغْذِيَةِ المُسْتَخْلَصَةِ مِن تُرابِ الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٦] .
والنُّطْفَةُ: ماءُ الرَّجُلِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّطْفِ، وهو السَّيَلانُ، و﴿سَوّاكَ﴾ عَدَلَ خَلْقَكَ، أيْ جَعَلَهُ مُتَناسِبًا في الشَّكْلِ والعَمَلِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ، وقَوْلُهُ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِألْفٍ بَعْدِ النُّونِ، واتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى إثْباتِ الألْفِ في النُّطْقِ في حالِ الوَقْفِ، وأمّا في حالِ الوَصْلِ فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ نُطْقٍ بِالألْفِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِإثْباتِ النُّطْقِ بِالألْفِ في حالِ الوَصْلِ، ورَسْمُ المُصْحَفِ يَسْمَحُ بِكِلْتا الرِّوايَتَيْنِ.
ولَفْظُ لَكْنا مُرَكَّبٌ مِن (لَكِنْ) بِسُكُونِ النُّونِ الَّذِي هو حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، ومِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ (أنا)، وأصْلُهُ: لَكِنْ أنا، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا كَما قالَ الزَّجّاجُ، أيْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لا لِعِلَّةٍ تَصْرِيفِيَّةٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْهَمْزَةِ حُكْمُ
صفحة ٣٢٣
الثّابِتِ فَلَمْ تَمْنَعْ مِنَ الإدْغامِ الَّذِي يَمْنَعُ مِنهُ ما هو مَحْذُوفٌ لِعِلَّةِ بِناءٍ عَلى أنَّ المَحْذُوفَ لِعِلَّةٍ بِمَنزِلَةِ الثّابِتِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى نُونِ (لَكِنِ) السّاكِنَةِ دَلِيلًا عَلى المَحْذُوفِ؛ فالتَقى نُونانِ مُتَحَرِّكَتانِ فَلَزِمَ إدْغامُهُما فَصارَ لَكْنا، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَكِنَّ المُشَدَّدَةَ النُّونِ المَفُتُوحَتَها أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها؛ لِأنَّ (لَكِنَّ) المُشَدَّدَةَ مِن أخَواتِ (إنَّ) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الِاسْمُ بَعْدَها مَنصُوبًا ولَيْسَ هُنا ما هو ضَمِيرُ نَصْبٍ، ولا يَجُوزُ اعْتِبارُ ضَمِيرِ (أنا) ضَمِيرَ نَصْبِ اسْمِ (لَكِنَّ)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المَنصُوبِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا اعْتِبارُهُ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ لِمُنافاتِهِ لِإفْرادِ ضَمائِرِهِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .
(فَأنا) مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضَمِيرُ شَأْنٍ وخَبَرُهُ، وهي خَبَرُ (أنا)، أيْ شَأْنِي هو اللَّهُ رَبِّي، والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإقْرارِ، أيْ أعْتَرِفُ بِأنَّهُ رَبِّي خِلافًا لَكَ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ مُضادَّةُ ما بَعْدَ (لَكِنْ) لِما قَبْلَها، ولاسِيَّما إذا كانَ الرَّجُلانِ أخَوَيْنِ، أوْ خَلِيلَيْنِ كَما قِيلَ فَإنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ اعْتِقادَهُما سَواءٌ.
وأكَّدَ إثْباتَ اعْتِرافِهِ بِالخالِقِ الواحِدِ بِمُؤَكِّداتٍ أرْبَعَةٍ، وهي: الجُمْلَتانِ الِاسْمِيَّتانِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ في قَوْلِهِ ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾، وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِ اللَّهَ رَبِّي المُفِيدِ قَصْرَ صِفَةِ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمُخاطِبِهِ، أيْ دُونَكَ إذْ تَعْبُدُ آلِهَةً غَيْرَ اللَّهِ، وما القَصْرُ إلّا تَوْكِيدٌ مُضاعَفٌ، ثُمَّ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ .
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا إذْ دَخَلْتَ﴾ [الكهف: ٣٩] عَلى جُمْلَةِ ﴿أكَفَرْتَ﴾ عَطْفُ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ، و(لَوْلا) لِلتَّوْبِيخِ، كَشَأْنِها إذا دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ الماضِي، نَحْوَ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]، أيْ كانَ الشَّأْنُ أنْ تَقُولَ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] عِوَضَ قَوْلِكَ ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٥]، والمَعْنى: أكَفَرْتَ بِاللَّهِ، وكَفَرْتَ نِعْمَتَهُ.
صفحة ٣٢٤
و(ما) مِن قَوْلِهِ ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٣٩] أحْسَنُ ما قالُوا فِيها إنَّها مَوْصُولَةٌ، وهي خَبَرٌ عَنْ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُلابَسَةُ حالِ دُخُولِ الجَنَّةِ، أيْ هَذِهِ الجَنَّةُ ما شاءَ اللَّهُ، أيِ الأمْرُ الَّذِي شاءَ اللَّهُ إعْطاءَهُ إيّايَ.
وأحْسَنُ مِنهُ عِنْدِي: أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: هَذِهِ شَيْءٌ شاءَ اللَّهُ، أيْ لِي.
وجُمْلَةُ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ مِن مَشِيئَةِ اللَّهِ، أيْ لا قُوَّةَ لِي عَلى إنْشائِها، أوْ لا قُوَّةَ لِمَن أنْشَأها إلّا بِاللَّهِ، فَإنَّ القُوى كُلَّها مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا تُؤَثِّرُ إلّا بِإعانَتِهِ بِسَلامَةِ الأسْبابِ والآلاتِ المُفَكِّرَةِ والصّانِعَةِ، فَما في جُمْلَةِ ﴿لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] مِنَ العُمُومِ جَعَلَها كالعِلَّةِ والدَّلِيلِ لِكَوْنِ تِلْكَ الجَنَّةِ جُزْئِيًّا مِن جُزْئِيّاتِ مُنْشَآتِ القُوى البَشَرِيَّةِ المَوْهُوبَةِ لِلنّاسِ بِفَضْلِ اللَّهِ.
الكهف 18:39
﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّيَ أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ .
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ رَجَعَ بِها إلى مُجاوَبَةِ صاحِبِهِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، وعَظَهُ فِيها بِأنَّهُ لا يَدْرِي أنْ تَصِيرَ كَثْرَةُ مالِهِ إلى قِلَّةٍ، أوْ إلى اضْمِحْلالٍ، وأنْ يَصِيرَ القَلِيلُ مالُهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ؛ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ.
و(أنا) ضَمِيرُ فَصْلٍ، فَلِذَلِكَ كانَ ”أقَلَّ“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تَرُنَّ ولا اعْتِدادَ بِالضَّمِيرِ، و(عَسى) لِلرَّجاءِ، وهو طَلَبُ الأمْرِ القَرِيبِ الحُصُولِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ لِنَفْسِهِ، وعَلى صاحِبِهِ.
صفحة ٣٢٥
والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ كالغُفْرانِ، وهو هُنا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَلاكًا حُسْبانًا، أيْ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، وقِيلَ: الحُسْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِسِهامٍ قِصارٍ يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعِ حُسْبانَةٍ وهي الصّاعِقَةُ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْجَرادِ، والمَعانِي الأرْبَعَةُ صالِحَةٌ هُنا، والسَّماءُ: الجَوُّ المُرْتَفِعُ فَوْقَ الأرْضِ.
والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفَسَّرُوهُ هُنا بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنا تَوْطِئَةً لِإجْراءِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ وهي زَلَقًا.
وفِي اللِّسانِ عَنِ اللَّيْثِ يُقالُ لِلْحَدِيقَةِ، إذا خَرِبَتْ وذَهَبَ شَجْراؤُها: قَدْ صارَتْ صَعِيدًا، أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً لا شَجَرَ فِيها ا هـ.
وهَذا إذا صَحَّ أحْسَنُ هُنا، ويَكُونُ وصْفُهُ بِـ زَلَقًا مُبالَغَةً في انْعِدامِ النَّفْعِ بِهِ بِالمَرَّةِ، لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اللَّيْثَ ابْتَكَرَ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنى الكَلامِ، ولَيْسَ تَبْيِينًا لِمَدْلُولِ لَفْظِ صَعِيدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والزَّلَقُ: مَصْدَرُ زَلَقَتِ الرِّجْلُ، إذا اضْطَرَبَتْ وزَلَّتْ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَسْتَقِرَّ، ووَصْفُ الأرْضِ بِذَلِكَ مُبالَغَةٌ، أيْ ذاتَ زَلَقٍ، أيْ هي مُزْلَقَةٌ.
والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَ الماءُ، إذا ساخَ الماءُ في الأرْضِ، ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وجاءَ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ زِيادَةً في التَّحْقِيقِ لِهَذا الرَّجاءِ الصّادِرِ مَصْدَرَ الدُّعاءِ.
الكهف 18:40
﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّيَ أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ .
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ رَجَعَ بِها إلى مُجاوَبَةِ صاحِبِهِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، وعَظَهُ فِيها بِأنَّهُ لا يَدْرِي أنْ تَصِيرَ كَثْرَةُ مالِهِ إلى قِلَّةٍ، أوْ إلى اضْمِحْلالٍ، وأنْ يَصِيرَ القَلِيلُ مالُهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ؛ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ.
و(أنا) ضَمِيرُ فَصْلٍ، فَلِذَلِكَ كانَ ”أقَلَّ“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تَرُنَّ ولا اعْتِدادَ بِالضَّمِيرِ، و(عَسى) لِلرَّجاءِ، وهو طَلَبُ الأمْرِ القَرِيبِ الحُصُولِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ لِنَفْسِهِ، وعَلى صاحِبِهِ.
صفحة ٣٢٥
والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ كالغُفْرانِ، وهو هُنا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَلاكًا حُسْبانًا، أيْ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، وقِيلَ: الحُسْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِسِهامٍ قِصارٍ يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعِ حُسْبانَةٍ وهي الصّاعِقَةُ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْجَرادِ، والمَعانِي الأرْبَعَةُ صالِحَةٌ هُنا، والسَّماءُ: الجَوُّ المُرْتَفِعُ فَوْقَ الأرْضِ.
والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفَسَّرُوهُ هُنا بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنا تَوْطِئَةً لِإجْراءِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ وهي زَلَقًا.
وفِي اللِّسانِ عَنِ اللَّيْثِ يُقالُ لِلْحَدِيقَةِ، إذا خَرِبَتْ وذَهَبَ شَجْراؤُها: قَدْ صارَتْ صَعِيدًا، أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً لا شَجَرَ فِيها ا هـ.
وهَذا إذا صَحَّ أحْسَنُ هُنا، ويَكُونُ وصْفُهُ بِـ زَلَقًا مُبالَغَةً في انْعِدامِ النَّفْعِ بِهِ بِالمَرَّةِ، لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اللَّيْثَ ابْتَكَرَ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنى الكَلامِ، ولَيْسَ تَبْيِينًا لِمَدْلُولِ لَفْظِ صَعِيدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والزَّلَقُ: مَصْدَرُ زَلَقَتِ الرِّجْلُ، إذا اضْطَرَبَتْ وزَلَّتْ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَسْتَقِرَّ، ووَصْفُ الأرْضِ بِذَلِكَ مُبالَغَةٌ، أيْ ذاتَ زَلَقٍ، أيْ هي مُزْلَقَةٌ.
والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَ الماءُ، إذا ساخَ الماءُ في الأرْضِ، ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وجاءَ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ زِيادَةً في التَّحْقِيقِ لِهَذا الرَّجاءِ الصّادِرِ مَصْدَرَ الدُّعاءِ.
الكهف 18:41
﴿إنْ تَرَنِي أنا أقَلَّ مِنكَ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿فَعَسى رَبِّيَ أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ ويُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ .
جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ رَجَعَ بِها إلى مُجاوَبَةِ صاحِبِهِ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤]، وعَظَهُ فِيها بِأنَّهُ لا يَدْرِي أنْ تَصِيرَ كَثْرَةُ مالِهِ إلى قِلَّةٍ، أوْ إلى اضْمِحْلالٍ، وأنْ يَصِيرَ القَلِيلُ مالُهُ ذا مالٍ كَثِيرٍ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ الوِقايَةِ؛ تَخْفِيفًا، وهو كَثِيرٌ.
و(أنا) ضَمِيرُ فَصْلٍ، فَلِذَلِكَ كانَ ”أقَلَّ“ مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ تَرُنَّ ولا اعْتِدادَ بِالضَّمِيرِ، و(عَسى) لِلرَّجاءِ، وهو طَلَبُ الأمْرِ القَرِيبِ الحُصُولِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ الدُّعاءَ لِنَفْسِهِ، وعَلى صاحِبِهِ.
صفحة ٣٢٥
والحُسْبانُ: مَصْدَرُ حَسَبَ كالغُفْرانِ، وهو هُنا صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَلاكًا حُسْبانًا، أيْ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، وقِيلَ: الحُسْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِسِهامٍ قِصارٍ يُرْمى بِها في طَلْقٍ واحِدٍ، ولَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ، وقِيلَ: اسْمُ جَمْعِ حُسْبانَةٍ وهي الصّاعِقَةُ، وقِيلَ: اسْمٌ لِلْجَرادِ، والمَعانِي الأرْبَعَةُ صالِحَةٌ هُنا، والسَّماءُ: الجَوُّ المُرْتَفِعُ فَوْقَ الأرْضِ.
والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وفَسَّرُوهُ هُنا بِذَلِكَ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ هُنا تَوْطِئَةً لِإجْراءِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ وهي زَلَقًا.
وفِي اللِّسانِ عَنِ اللَّيْثِ يُقالُ لِلْحَدِيقَةِ، إذا خَرِبَتْ وذَهَبَ شَجْراؤُها: قَدْ صارَتْ صَعِيدًا، أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً لا شَجَرَ فِيها ا هـ.
وهَذا إذا صَحَّ أحْسَنُ هُنا، ويَكُونُ وصْفُهُ بِـ زَلَقًا مُبالَغَةً في انْعِدامِ النَّفْعِ بِهِ بِالمَرَّةِ، لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اللَّيْثَ ابْتَكَرَ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنى الكَلامِ، ولَيْسَ تَبْيِينًا لِمَدْلُولِ لَفْظِ صَعِيدٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.
والزَّلَقُ: مَصْدَرُ زَلَقَتِ الرِّجْلُ، إذا اضْطَرَبَتْ وزَلَّتْ عَلى الأرْضِ فَلَمْ تَسْتَقِرَّ، ووَصْفُ الأرْضِ بِذَلِكَ مُبالَغَةٌ، أيْ ذاتَ زَلَقٍ، أيْ هي مُزْلَقَةٌ.
والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَ الماءُ، إذا ساخَ الماءُ في الأرْضِ، ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وجاءَ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ زِيادَةً في التَّحْقِيقِ لِهَذا الرَّجاءِ الصّادِرِ مَصْدَرَ الدُّعاءِ.
الكهف 18:42
صفحة ٣٢٦
﴿وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ .
كانَ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ رَجُلًا صالِحًا فَحَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ، أوْ كانَ رَجُلًا مُحَدَّثًا مِن مُحَدَّثِي هَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُحَدَّثِي الأُمَمِ الماضِيَةِ عَلى الخِلافِ في المَعْنِيِّ بِالرَّجُلَيْنِ في الآيَةِ، ألْهَمَهُ اللَّهُ مَعْرِفَةَ ما قَدَّرَهُ في الغَيْبِ مِن عِقابٍ في الدُّنْيا لِلرَّجُلِ الكافِرِ المُتَجَبِّرِ.
وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ ﴿وأُحِيطَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى رَجاءِ صاحِبِهِ المُؤْمِنِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ في هَذا المَقامِ بِالإشارَةِ إلى الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وإنَّما المُهِمُّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ حادِثٌ حَلَّ بِالكافِرِ عِقابًا لَهُ عَلى كُفْرِهِ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ أمْثالِهِ، وأنْ لَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ لِدَعْوَةِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ.
والإحاطَةُ: الأخْذُ مِن كُلِّ جانِبٍ، مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالقَوْمِ إذا غَزاهم، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] في سُورَةِ يُوسُفَ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمَعْنى: أُتْلِفَ مالُهُ كُلُّهُ بِأنْ أرْسَلَ عَلى الجَنَّةِ والزَّرْعِ حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ؛ فَأصْبَحَتْ صَعِيدًا زَلَقًا، وهَلَكَتْ أنْعامُهُ، وسُلِبَتْ أمْوالُهُ، أوْ خُسِفَ بِها بِزَلْزالٍ أوْ نَحْوِهِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ ”ثُمُرٍ“ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٧
وتَقْلِيبُ الكَفَّيْنِ: حَرَكَةٌ يَفْعَلُها المُتَحَسِّرُ، وذَلِكَ أنْ يُقَلِّبَهُما إلى أعْلى ثُمَّ إلى قُبالَتِهِ؛ تَحَسُّرًا عَلى ما صَرَفَهُ مِنَ المالِ في إحْداثِ تِلْكَ الجَنَّةِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّحَسُّرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَرَعَ السِّنَّ مِن نَدَمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، أيْ وهي خالِيَةٌ مِنَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، والعُرُوشِ: السَّقْفُ، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ، وجُمْلَةُ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ خاوِيَةٌ.
وهَذا التَّرْكِيبُ أرْسَلَهُ القُرْآنُ مَثَلًا لِلْخَرابِ التّامِّ الَّذِي هو سُقُوطُ سُقُوفِ البِناءِ وجُدْرانِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُرادٌ بِهِ جُدْرانُ القَرْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِعُرُوشِها، إذِ القَرْيَةُ هي المَنازِلُ المُرَكَّبَةُ مِن جُدْرانٍ وسُقُفٍ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ هَلاكٍ تامٍّ لا يَبْقى مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الشَّيْءِ الهالِكِ.
وجُمْلَةُ ويَقُولُ حِكايَةٌ لِتَنَدُّمِهِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ.
والمُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهُ.
وحَرْفُ النِّداءِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّلَهُّفِ، و(لَيْتَنِي) تَمَنٍّ مُرادٌ بِهِ التَّنَدُّمُ، وأصْلُ قَوْلِهِمْ (يا لَيْتَنِي) أنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْكَلِمَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، كَأنَّهُ يُخاطِبُ كَلِمَةَ (لَيْتَ) يَقُولُ: احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وهَذا نَدَمٌ عَلى الإشْراكِ فِيما مَضى، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهُ آمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى جَزاءِ قَوْلِهِ ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٨
والفِئَةُ: الجَماعَةُ، وجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهُ صِفَةٌ، أيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ هَذِهِ صِفَتُها، فَإنَّ فِئَتَهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ أيْ: ولا يَكُونُ لَهُ انْتِصارٌ وتَخَلُّصٌ مِنَ العَذابِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ولَمْ تَكُنْ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ اعْتِدادًا بِتَأْنِيثِ فِئَةٍ في اللَّفْظِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والوَجْهانِ جائِزانِ في العَمَلِ إذا رَفَعَ ما لَيْسَ بِحَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ.
وأحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ لا لِمُجَرَّدِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ يُمَتِّعُ كافِرِينَ كَثِيرِينَ طِوالَ حَياتِهِمْ، ويُمْلِي لَهم، ويَسْتَدْرِجُهم، وإنَّما أحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ جَزاءً عَلى طُغْيانِهِ، وجَعْلِهِ ثَرْوَتَهُ ومالَهُ وسِيلَةً إلى احْتِقارِ المُؤْمِنِ الفَقِيرِ، فَإنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وتَوَسَّلَ بِها إلى التَّكْذِيبِ بِوَعْدِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ عِقابَ اللَّهِ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعَمِ عَنْهُ كَما سُلِبَتِ النِّعْمَةُ عَنْ قارُونَ حِينَ قالَ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وبِهَذا كانَ هَذا المَثَلُ مَوْضِعَ العِبْرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّعْمَةَ وسِيلَةً لِلتَّرَفُّعِ عَنْ مَجالِسِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُ قَوْمًا يَرَوْنَهم أحَطَّ مِنهم، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ كَما تَقَدَّمَ.
الكهف 18:43
صفحة ٣٢٦
﴿وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ .
كانَ صاحِبُهُ المُؤْمِنُ رَجُلًا صالِحًا فَحَقَّقَ اللَّهُ رَجاءَهُ، أوْ كانَ رَجُلًا مُحَدَّثًا مِن مُحَدَّثِي هَذِهِ الأُمَّةِ، أوْ مِن مُحَدَّثِي الأُمَمِ الماضِيَةِ عَلى الخِلافِ في المَعْنِيِّ بِالرَّجُلَيْنِ في الآيَةِ، ألْهَمَهُ اللَّهُ مَعْرِفَةَ ما قَدَّرَهُ في الغَيْبِ مِن عِقابٍ في الدُّنْيا لِلرَّجُلِ الكافِرِ المُتَجَبِّرِ.
وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ ﴿وأُحِيطَ﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى رَجاءِ صاحِبِهِ المُؤْمِنِ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ في هَذا المَقامِ بِالإشارَةِ إلى الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، وإنَّما المُهِمُّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ حادِثٌ حَلَّ بِالكافِرِ عِقابًا لَهُ عَلى كُفْرِهِ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ أمْثالِهِ، وأنْ لَيْسَ بِخُصُوصِيَّةٍ لِدَعْوَةِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ.
والإحاطَةُ: الأخْذُ مِن كُلِّ جانِبٍ، مَأْخُوذَةٌ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ بِالقَوْمِ إذا غَزاهم، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] في سُورَةِ يُوسُفَ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.
والمَعْنى: أُتْلِفَ مالُهُ كُلُّهُ بِأنْ أرْسَلَ عَلى الجَنَّةِ والزَّرْعِ حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ؛ فَأصْبَحَتْ صَعِيدًا زَلَقًا، وهَلَكَتْ أنْعامُهُ، وسُلِبَتْ أمْوالُهُ، أوْ خُسِفَ بِها بِزَلْزالٍ أوْ نَحْوِهِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ ”ثُمُرٍ“ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٧
وتَقْلِيبُ الكَفَّيْنِ: حَرَكَةٌ يَفْعَلُها المُتَحَسِّرُ، وذَلِكَ أنْ يُقَلِّبَهُما إلى أعْلى ثُمَّ إلى قُبالَتِهِ؛ تَحَسُّرًا عَلى ما صَرَفَهُ مِنَ المالِ في إحْداثِ تِلْكَ الجَنَّةِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّحَسُّرِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهم: قَرَعَ السِّنَّ مِن نَدَمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] .
والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، أيْ وهي خالِيَةٌ مِنَ الشَّجَرِ والزَّرْعِ، والعُرُوشِ: السَّقْفُ، و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ، وجُمْلَةُ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ خاوِيَةٌ.
وهَذا التَّرْكِيبُ أرْسَلَهُ القُرْآنُ مَثَلًا لِلْخَرابِ التّامِّ الَّذِي هو سُقُوطُ سُقُوفِ البِناءِ وجُدْرانِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُرادٌ بِهِ جُدْرانُ القَرْيَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِعُرُوشِها، إذِ القَرْيَةُ هي المَنازِلُ المُرَكَّبَةُ مِن جُدْرانٍ وسُقُفٍ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ هَلاكٍ تامٍّ لا يَبْقى مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ الشَّيْءِ الهالِكِ.
وجُمْلَةُ ويَقُولُ حِكايَةٌ لِتَنَدُّمِهِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ.
والمُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهُ.
وحَرْفُ النِّداءِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّلَهُّفِ، و(لَيْتَنِي) تَمَنٍّ مُرادٌ بِهِ التَّنَدُّمُ، وأصْلُ قَوْلِهِمْ (يا لَيْتَنِي) أنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْكَلِمَةِ مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ، كَأنَّهُ يُخاطِبُ كَلِمَةَ (لَيْتَ) يَقُولُ: احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
وهَذا نَدَمٌ عَلى الإشْراكِ فِيما مَضى، وهو يُؤْذِنُ بِأنَّهُ آمَنَ بِاللَّهِ وحْدَهُ حِينَئِذٍ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَنْبِيهٌ عَلى جَزاءِ قَوْلِهِ ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] .
صفحة ٣٢٨
والفِئَةُ: الجَماعَةُ، وجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهُ صِفَةٌ، أيْ لَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ هَذِهِ صِفَتُها، فَإنَّ فِئَتَهُ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ مِن عَذابِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ أيْ: ولا يَكُونُ لَهُ انْتِصارٌ وتَخَلُّصٌ مِنَ العَذابِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ولَمْ تَكُنْ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ اعْتِدادًا بِتَأْنِيثِ فِئَةٍ في اللَّفْظِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (يَكُنْ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، والوَجْهانِ جائِزانِ في العَمَلِ إذا رَفَعَ ما لَيْسَ بِحَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ.
وأحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ لا لِمُجَرَّدِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ يُمَتِّعُ كافِرِينَ كَثِيرِينَ طِوالَ حَياتِهِمْ، ويُمْلِي لَهم، ويَسْتَدْرِجُهم، وإنَّما أحاطَ بِهِ هَذا العِقابَ جَزاءً عَلى طُغْيانِهِ، وجَعْلِهِ ثَرْوَتَهُ ومالَهُ وسِيلَةً إلى احْتِقارِ المُؤْمِنِ الفَقِيرِ، فَإنَّهُ لَمّا اعْتَزَّ بِتِلْكَ النِّعَمِ، وتَوَسَّلَ بِها إلى التَّكْذِيبِ بِوَعْدِ اللَّهِ اسْتَحَقَّ عِقابَ اللَّهِ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعَمِ عَنْهُ كَما سُلِبَتِ النِّعْمَةُ عَنْ قارُونَ حِينَ قالَ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وبِهَذا كانَ هَذا المَثَلُ مَوْضِعَ العِبْرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا النِّعْمَةَ وسِيلَةً لِلتَّرَفُّعِ عَنْ مَجالِسِ الدَّعْوَةِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُ قَوْمًا يَرَوْنَهم أحَطَّ مِنهم، وطَلَبُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ طَرْدَهم عَنْ مَجْلِسِهِ كَما تَقَدَّمَ.
الكهف 18:44
﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هو خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقُبًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ قَبْلَها لِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العُمُومِ الحاصِلِ مِن قَصْرِ الوَلايَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى المُقْتَضِي تَحْقِيقَ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]، وجُمْلَةِ ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الكهف: ٤٣]، وجُمْلَةِ ﴿وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ [الكهف: ٤٣]؛ لِأنَّ الوَلايَةَ مِن شَأْنِها أنْ تَبْعَثَ عَلى نَصْرِ المَوْلى، وأنْ تُطْمِعَ المَوْلى في أنَّ ولِيَّهُ يَنْصُرُهُ، ولِذَلِكَ لَمّا رَأى الكافِرَ ما دَهاهُ مِن جَرّاءِ كُفْرِهِ التَجَأ إلى أنْ يَقُولَ ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢]، إذْ عَلِمَ أنَّ الآلِهَةَ الأُخْرى لَمْ تُغْنِ وِلايَتُهم عَنْهُ شَيْئًا، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أسْلَمَ (لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا)، فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و﴿الوَلايَةُ لِلَّهِ﴾ جُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
صفحة ٣٢٩
واسْمُ إشارَةِ المَكانِ البَعِيدِ مُسْتَعارٌ لِلْإشارَةِ إلى الحالِ العَجِيبَةِ بِتَشْبِيهِ الحالَةِ بِالمَكانِ؛ لِإحاطَتِها بِصاحِبِها، وتَشْبِيهُ غَرابَتِها بِالبُعْدِ؛ لِنُدْرَةِ حُصُولِها، والمَعْنى: أنَّ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ تَقْصُرُ الوَلايَةُ عَلى اللَّهِ، فالوَلايَةُ: جِنْسٌ مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ يُفِيدُ أنَّ هَذا الجِنْسَ مُخْتَصٌّ بِاللّامِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ.
والوَلايَةُ بِفَتْحِ الواوِ مَصْدَرُ ولِيَ، إذا ثَبَتَ لَهُ الوَلاءُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (الوِلايَةُ) بِكَسْرِ الواوِ وهي اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، أوِ اسْمٌ بِمَعْنى السُّلْطانِ والمُلْكِ.
والحَقُّ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالجَرِّ، عَلى أنَّهُ وصْفُ اللَّهِ تَعالى، كَما وُصِفَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] في سُورَةِ يُونُسَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِلْوَلايَةِ، فَـ الحَقُّ بِمَعْنى الصِّدْقِ؛ لِأنَّ ولايَةَ غَيْرِهِ كَذِبٌ وباطِلٌ.
قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، إذْ هو الَّذِي يَسْتَبِينُ بِالعَقْلِ أنَّهُ مَوْجُودٌ حَقًّا، فَهو مِن حَيْثُ ذاتِهِ يُسَمّى مَوْجُودًا ومِن حَيْثُ إضافَتِهِ إلى العَقْلِ الَّذِي أدْرَكَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ يُسَمّى حَقًّا ا هـ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ وصْفِهِ هُنا بِالحَقِّ دُونَ وصْفٍ آخَرَ،؛ لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ أوْ لا دَوامَ لَهُ.
وخَيْرٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أخِيرَ، فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ في الخَيْرِيَّةِ عَلى ثَوابِ غَيْرِهِ وعُقُبِ غَيْرِهِ، فَإنَّ ما يَأْتِي مِن ثَوابٍ مِن غَيْرِهِ، ومِن عُقْبى إمّا زائِفٌ مُفْضٍ إلى ضُرٍّ، وإمّا زائِلٌ، وثَوابُ اللَّهِ خالِصٌ دائِمٌ، وكَذَلِكَ عُقْباهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَيْرٌ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أيْ هو الَّذِي ثَوابُهُ وعُقُبُهُ خَيْرٌ، وما سِواهُ فَهو شَرٌّ.
صفحة ٣٣٠
والتَّمْيِيزُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ الخَيْرِ إلى اللَّهِ، و”العُقُبُ“ بِضَمَّتَيْنِ وبِسُكُونِ القافِ بِمَعْنى العاقِبَةِ، أيْ آخِرَةُ الأمْرِ، وهي ما يَرْجُوهُ المَرْءُ مِن سَعْيِهِ وعِمْلِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”عُقُبًا“ بِضَمَّتَيْنِ وبِالتَّنْوِينِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِإسْكانِ القافِ وبِالتَّنْوِينِ.
فَكَأنَّ ما نالَهُ ذَلِكَ المُشْرِكُ الجَبّارُ مِن عَطاءٍ إنَّما نالَهُ بِمَساعٍ وأسْبابٍ ظاهِرِيَّةٍ، ولَمْ يَنَلْهُ بِعِنايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وكَرامَةٍ؛ فَلَمْ يَكُنْ خَيْرًا وكانَتْ عاقِبَتُهُ شَرًّا عَلَيْهِ.
الكهف 18:45
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ .
كانَ أعْظَمَ حائِلٍ بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ النَّظَرِ في أدِلَّةِ الإسْلامِ انْهِماكُهم في الإقْبالِ عَلى الحَياةِ الزّائِلَةِ ونَعِيمِها، والغُرُورُ الَّذِي غَرَّ طُغاةَ أهْلِ الشِّرْكِ، وصَرَفَهم عَنْ إعْمالِ عُقُولِهِمْ في فَهْمِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ كَما قالَ تَعالى ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]، وقالَ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤] .
وكانُوا يَحْسَبُونَ هَذا العالَمَ غَيْرَ آيِلٍ إلى الفَناءِ ﴿وقالُوا ما هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وما كانَ أحَدُ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُما إلّا واحِدًا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ قالَ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] .
فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَضْرِبَ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي غَرَّتْهم بَهْجَتُها.
والحَياةُ الدُّنْيا: تُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ بَقاءِ الأنْواعِ الحَيَّةِ عَلى الأرْضِ وبَقاءِ الأرْضِ عَلى حالَتِها، فَإطْلاقُ اسْمِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى تِلْكَ المُدَّةِ؛ لِأنَّها مُدَّةُ الحَياةِ النّاقِصَةِ غَيْرِ الأبَدِيَّةِ؛ لِأنَّها مُقَدَّرٌ زَوالُها، فَهي دُنْيا.
صفحة ٣٣١
وتُطْلَقُ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى مُدَّةِ حَياةِ الأفْرادِ، أيْ حَياةِ كُلِّ أحَدٍ، ووَصْفُها بِـ (الدُّنْيا) بِمَعْنى القَرِيبَةِ، أيِ الحاضِرَةِ غَيْرِ المُسْتَنْظَرَةِ، كَنّى عَنِ الحُضُورِ بِالقُرْبِ، والوَصْفُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وهي الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
والكافُ في قَوْلِهِ ”كَماءٍ“ في مَحَلِّ الحالِ مِنَ (الحَياةِ) المُضافِ إلَيْهِ (مَثَلَ)، أيِ اضْرِبْ لَهم مَثَلًا لَها حالَ أنَّها كَماءٍ أنْزَلْناهُ.
وهَذا المَثَلُ مُنْطَبِقٌ عَلى الحَياةِ الدُّنْيا بِإطْلاقَيْها، فَهُما مَرادانِ مِنهُ، وضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَناسُقُ ضَمائِرِ الجُمَعِ الآتِيَةِ في قَوْلِهِ (وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم - وعُرِضُوا - بَلْ زَعَمْتُمْ أنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا) .
واخْتِلاطُ النَّباتِ: وفْرَتُهُ والتِفافُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ مِن قُوَّةِ الخِصْبِ والِازْدِهارِ.
والباءُ في قَوْلِهِ (بِهِ) باءُ السَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى (ماءٍ) أيْ فاخْتَلَطَ النَّباتُ بِسَبَبِ الماءِ، أيِ اخْتَلَطَ بَعْضُ النَّباتِ بِبَعْضٍ، ولَيْسَتِ الباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ اخْتَلَطَ إلى المَفْعُولِ لِعَدَمِ وُضُوحِ المَعْنى عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ الأرْضِ بَعْدَ ذِكْرِ السَّماءِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
و(أصْبَحَ) مُسْتَعْمَلَةٌ بِمَعْنى صارَ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ.
والهَشِيمُ: اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَهْشُومًا مُحَطَّمًا، والهَشْمُ: الكَسْرُ والتَّفْتِيتُ.
و﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ أيْ تُفَرِّقُهُ في الهَواءِ، والذَّرْوُ: الرَّمْيُ في الهَواءِ، شُبِّهَتْ حالَةُ هَذا العالَمِ بِما فِيهِ بِحالَةِ الرَّوْضَةِ تَبْقى زَمانًا بَهِجَةً خَضِرَةً ثُمَّ يَصِيرُ نَبْتُها بَعْدَ حِينٍ إلى اضْمِحْلالٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ: المَصِيرُ مِن حالٍ حَسَنٍ إلى حالٍ سَيِّئٍ، وهَذا تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ؛ لِأنَّ الحالَةَ المُشَبَّهَةَ مَعْقُولَةٌ؛ إذْ لَمْ يَرَ النّاسُ بَوادِرَ تَقَلُّصِ بَهْجَةِ الحَياةِ، وأيْضًا شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إقْبالِ نَعِيمِ الدُّنْيا في الحَياةِ مَعَ الشَّبابِ والجِدَةِ وزُخْرُفِ العَيْشِ لِأهْلِهِ، ثُمَّ تَقَلُّصِ ذَلِكَ وزَوالِ نَفْعِهِ ثُمَّ انْقِراضِهِ أشْتاتًا
صفحة ٣٣٢
بِهَيْئَةِ إقْبالِ الغَيْثِ مُنْبِتِ الزَّرْعِ ونَشْأتِهِ عَنْهُ ونَضارَتِهِ ووَفْرَتِهِ، ثُمَّ أخْذِهِ في الِانْتِقاصِ وانْعِدامِ التَّمَتُّعِ بِهِ ثُمَّ تَطايُرِهِ أشْتاتًا في الهَواءِ - تَشْبِيهًا لِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ بِمُرَكَّبٍ مَحْسُوسٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ كَما عَلِمْتَ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، مَوْقِعُها التَّذْكِيرُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى خَلْقِ الأشْياءِ وأضْدادِها، وجَعْلُ أوائِلِها مُفْضِيَةً إلى أواخِرِها، وتَرْتِيبُهُ أسْبابَ الفَناءِ عَلى أسْبابِ البَقاءِ، وذَلِكَ اقْتِدارٌ عَجِيبٌ، وقَدْ أُفِيدَ ذَلِكَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِالعُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وهو بِذَلِكَ العُمُومِ أشْبَهَ التَّذْيِيلَ، والمُقْتَدِرُ: القَوِيُّ القُدْرَةِ.
الكهف 18:46
﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ .
اعْتِراضٌ أُرِيدَ بِهِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ ما فِيهِ المُشْرِكُونَ مِنَ النِّعْمَةِ مِن مالٍ وبَنِينَ ما هو إلّا زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي عَلِمْتُمْ أنَّها إلى زَوالٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] وأنَّ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ وخَيْرٌ أمَلًا، والِاغْتِباطُ بِالمالِ والبَنِينَ شَنْشَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ في العَرَبِ، قالَ طَرَفَةُ:
فَلَوْ شاءَ رَبِّي كَنْتُ قَيْسَ بْنَ عاصِمٍ ولَوْ شاءَ رَبِّي كَنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ
فَأصْبَحْتُ ذا مالٍ كَثِيرٍ وطافَ بِي ∗∗∗ بَنُونَ كِرامٌ سادَةٌ لِمُسَوَّدِ
﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ صِفَتانِ جَرَتا عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الأعْمالُ الصّالِحاتُ الباقِياتُ، أيِ الَّتِي لا زَوالَ لَها، أيْ لا زَوالَ لِخَيْرِها، وهو ثَوابُها الخالِدُ، فَهي خَيْرٌ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّتِي هي غَيْرُ باقِيَةٍ.
صفحة ٣٣٣
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ الوَصْفَيْنِ أنْ يُقَدَّمَ الصّالِحاتُ عَلى الباقِياتِ؛ لِأنَّهُما وإنْ كانا وصْفَيْنِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلّا أنَّ أعْرَفَهُما في وصْفِيَّةِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ هو الصّالِحاتُ؛ لِأنَّهُ قَدْ شاعَ أنْ يُقالَ: الأعْمالُ الصّالِحاتُ، ولا يُقالُ الأعْمالُ الباقِياتُ، ولِأنَّ بَقاءَها مُتَرَتِّبٌ عَلى صَلاحِها، فَلا جَرَمَ أنَّ الصّالِحاتِ وصْفٌ قامَ مَقامَ المَوْصُوفِ وأغْنى عَنْهُ كَثِيرًا في الكَلامِ حَتّى صارَ لَفْظُ الصّالِحاتِ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ الدّالِّ عَلى عَمَلِ خَيْرٍ، وذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]، وفي كَلامِهِمْ قالَ جَرِيرٌ:
كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
ولَكِنْ خُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا، فَقُدِّمَ الباقِياتُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ إنَّما كانَ مَفْصُولًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِباقٍ، وهو المالُ والبَنُونَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]، فَكانَ هَذا التَّقْدِيمُ قاضِيًا لِحَقِّ الإيجازِ لِإغْنائِهِ عَنْ كَلامٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنَّ ذَلِكَ زائِلٌ أوْ ما هو بِباقٍ والباقِياتُ مِنَ الصّالِحاتِ خَيْرٌ مِنهُ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ [الكهف: ٤٥] مُفِيدًا لِلزَّوالِ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وهو مِن دَلالَةِ التَّضَمُّنِ، وكانَ قَوْلُهُ ”والباقِياتُ“ مُفِيدًا زَوالَ غَيْرِها بِطَرِيقَةِ الِالتِزامِ، فَحَصَلَ دَلالَتانِ غَيْرُ مُطابِقَتَيْنِ، وهُما أوْقَعُ في صِناعَةِ البَلاغَةِ، وحَصَلَ بِثانِيَتِهِما تَأْكِيدٌ لِمُفادِ الأُولى فَجاءَ كَلامًا مُؤَكَّدًا مُوجَزًا.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم: ٧٦] فَإنَّهُ وقَعَ إثْرَ قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] الآيَةَ.
وتَقْدِيمُ المالِ عَلى البَنِينَ في الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أسْبَقُ خُطُورًا لِأذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّهُ يَرْغَبُ فِيهِ الصَّغِيرُ والكَبِيرُ والشّابُّ والشَّيْخُ، ومَن لَهُ مِنَ الأوْلادِ ما قَدْ كَفاهُ، ولِذَلِكَ أيْضًا قُدِّمَ في بَيْتِ طَرَفَةَ المَذْكُورِ آنِفًا.
صفحة ٣٣٤
ومَعْنى ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ أنَّ أمَلَ الآمِلِ في المالِ والبَنِينَ إنَّما يَأْمُلُ حُصُولَ أمْرٍ مَشْكُوكٍ في حُصُولِهِ ومَقْصُورٍ عَلى مُدَّتِهِ، وأمّا الآمِلُ لِثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَهو يَأْمُلُ حُصُولَ أمْرٍ مَوْعُودٍ بِهِ مِن صادِقِ الوَعْدِ، ويَأْمُلُ شَيْئًا تَحْصُلُ مِنهُ مَنفَعَةُ الدُّنْيا ومَنفَعَةُ الآخِرَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فَلا جَرَمَ كانَ قَوْلُهُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ بِالتَّحَقُّقِ والعُمُومِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ.
الكهف 18:47
﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] فَلَفْظُ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، كَما هو مُتَعارَفٌ في أمْثالِهِ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم تَعَرُّضَ ما هم فِيهِ مِن نَعِيمٍ إلى الزَّوالِ عَلى وجْهِ المَوْعِظَةِ، أعْقَبَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ الزَّوالِ بِتَصْوِيرِ حالِ البَعْثِ، وما يَتَرَقَّبُهم فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِضِدِّهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ غَيْرِ فِعْلِ (اذْكُرْ) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقامُ الوَعِيدِ، مِثْلَ: يَرَوْنَ أمْرًا مُفْظِعًا أوْ عَظِيمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلى تَقْدِيرِهِ نَفْسُ السّامِعِ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا عَنِ الظَّرْفِ، وما اتَّصَلَ بِهِ؛ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ وما فِيهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ القَوْلِ المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إذْ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، ولا وجْهَ مَعَهُ لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ.
صفحة ٣٣٥
وتَسْيِيرُ الجِبالِ: نَقْلُها مِن مَواضِعِها بِزَلْزالٍ أرْضِيٍّ عَظِيمٍ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقِيلَ: أُطْلِقَ التَّسْيِيرُ عَلى تَناثُرِ أجْزائِها، فالمُرادُ: ويَوْمَ نُسَيِّرُ كُلَّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، والسَّبَبُ واحِدٌ، والكَيْفِيَّتانِ مُتَلازِمَتانِ، وهو مِن أحْوالِ انْقِراضِ نِظامِ هَذا العالَمِ، وإقْبالِ عالَمِ الحَياةِ الخالِدَةِ والبَعْثِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُسَيِّرُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو (ويَوْمَ تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِبِناءِ الفِعْلِ إلى المَجْهُولِ ورَفْعِ (الجِبالِ) .
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: ويَرى الرّائِي، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدٍ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] .
والبارِزَةُ: الظّاهِرَةُ، أيِ الظّاهِرُ سَطْحُها، إذْ لَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ يَسْتُرُ وجْهَها مِن شَجَرٍ ونَباتٍ أوْ حَيَوانٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نُسَيِّرُ“ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِنُونِ العَظْمَةِ، أوْ مِنَ الفاعِلِ المَنوِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.
ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ جُمْلَةَ ”وحَشَرْناهم“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”نُسَيِّرُ الجِبالَ“ عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ ”نَحْشُرُهم“ بِأنْ أطْلَقَ الفِعْلَ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
والمُغادَرَةُ: إبْقاءُ شَيْءٍ وتَرْكُهُ مِن تَعَلُّقِ فِعْلٍ بِهِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في (حَشَرْناهم - ومِنهم - وعُرِضُوا) عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] .
صفحة ٣٣٦
وعَرْضُ الشَّيْءِ: إحْضارُهُ لِيُرى حالُهُ وما يَحْتاجُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الجَيْشِ عَلى الأمِيرِ؛ لِيَرى حالَهم وعِدَّتَهم ”، وفي الحَدِيثِ“ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإحْضارِهِمْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ أنَّهم سَيَتَلَقَّوْنَ ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ في شَأْنِهِمْ.
والصَّفُّ: جَماعَةٌ يَقِفُونَ واحِدًا حَذْوَ واحِدٍ، بِحَيْثُ يَبْدُو جَمِيعُهم لا يَحْجُبُ أحَدٌ مِنهم أحَدًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ (صَفَّهم) إذا أوْقَفَهم، أُطْلِقَ عَلى المَصْفُوفِ، وانْتُصِبَ ”صَفًّا“ عَلى الحالِ مِن واوِ ”عُرِضُوا“، وتِلْكَ الحالَةُ إيذانٌ بِأنَّهم أُحْضِرُوا بِحالَةِ الجُناةِ الَّذِينَ لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ؛ إيقاعًا لِلرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في حَشَرْناهم، أيْ: حَشَرْناهم وقَدْ عُرِضُوا؛ تَنْبِيهًا عَلى سُرْعَةِ عَرْضِهِمْ في حِينِ حَشْرِهِمْ.
وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ عَلى رَبِّكَ دُونَ أنْ يُقالَ (عَلَيْنا) لِتَضَمُّنِ الإضافَةِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّ في هَذا العَرْضِ وما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ نَصِيبًا مِنَ الِانْتِصارِ لِلْمُخاطَبِ إذْ كَذَّبُوهُ حِينَ أخْبَرَهم وأنْذَرَهم بِالبَعْثِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الجُمْلَةَ خِطابٌ لِلْمَعْرُوضِينَ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ القَوْلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، وذَلِكَ بِإسْماعِهِمْ هَذا الكَلامَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُوَجَّهٌ إلى مُعادِ ضَمِيرِ ”عُرِضُوا“ .
والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّغْلِيظِ والتَّنْدِيمِ عَلى إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَجِيءُ: مَجازٌ في الحُضُورِ، شُبِّهُوا حِينَ مَوْتِهِمْ بِالغائِبِينَ، وشُبِّهَتْ حَياتُهم بَعْدَ المَوْتِ بِمَجِيءِ الغائِبِ.
وقَوْلُهُ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُفِيدِ لِلْمُشابَهَةِ، أيْ: جِئْتُمُونا مَجِيئًا كَخَلْقِكم أوَّلَ مَرَّةٍ، فالخَلْقُ الثّانِي أشْبَهَ الخَلْقَ الأوَّلَ، أيْ فَهَذا
صفحة ٣٣٧
خَلْقٌ ثانٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كَخَلْقِنا إيّاكُمُ المَرَّةَ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِخَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ.
والإضْرابُ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ وما مَعَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّغْلِيطِ إلى التَّصْرِيحِ بِالتَّغْلِيطِ في قالَبِ الإنْكارِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيطِ مَجازًا، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في إفادَةِ مَدْلُولِهِ الأصْلِيِّ.
والزَّعْمُ: الِاعْتِقادُ المُخْطِئُ، أوِ الخَبَرُ المُعَرَّضُ لِلْكَذِبِ، والمَوْعِدُ أصْلُهُ: وقْتُ الوَعْدِ بِشَيْءٍ، أوْ مَكانُ الوَعْدِ، وهو هُنا الزَّمَنُ المَوْعُودُ بِهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
والمَعْنى: أنَّكُمُ اعْتَقَدْتُمْ باطِلًا أنْ لا يَكُونَ لَكم مَوْعِدٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ أبَدًا.
الكهف 18:48
﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] فَلَفْظُ (يَوْمَ) مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، كَما هو مُتَعارَفٌ في أمْثالِهِ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم تَعَرُّضَ ما هم فِيهِ مِن نَعِيمٍ إلى الزَّوالِ عَلى وجْهِ المَوْعِظَةِ، أعْقَبَهُ بِالتَّذْكِيرِ بِما بَعْدَ ذَلِكَ الزَّوالِ بِتَصْوِيرِ حالِ البَعْثِ، وما يَتَرَقَّبُهم فِيهِ مِنَ العِقابِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِضِدِّهِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾ [الكهف: ٤٦] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ غَيْرِ فِعْلِ (اذْكُرْ) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقامُ الوَعِيدِ، مِثْلَ: يَرَوْنَ أمْرًا مُفْظِعًا أوْ عَظِيمًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلى تَقْدِيرِهِ نَفْسُ السّامِعِ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ مُتَأخِّرًا عَنِ الظَّرْفِ، وما اتَّصَلَ بِهِ؛ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ اليَوْمِ وما فِيهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ القَوْلِ المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ إذْ لا يُناسِبُ مَوْقِعَ عَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، ولا وجْهَ مَعَهُ لِتَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ.
صفحة ٣٣٥
وتَسْيِيرُ الجِبالِ: نَقْلُها مِن مَواضِعِها بِزَلْزالٍ أرْضِيٍّ عَظِيمٍ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]، وقِيلَ: أُطْلِقَ التَّسْيِيرُ عَلى تَناثُرِ أجْزائِها، فالمُرادُ: ويَوْمَ نُسَيِّرُ كُلَّ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥] وقَوْلِهِ ﴿وسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، والسَّبَبُ واحِدٌ، والكَيْفِيَّتانِ مُتَلازِمَتانِ، وهو مِن أحْوالِ انْقِراضِ نِظامِ هَذا العالَمِ، وإقْبالِ عالَمِ الحَياةِ الخالِدَةِ والبَعْثِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُسَيِّرُ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو (ويَوْمَ تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِبِناءِ الفِعْلِ إلى المَجْهُولِ ورَفْعِ (الجِبالِ) .
والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى: ويَرى الرّائِي، كَقَوْلِ طَرَفَةَ:
تَرى جُثْوَتَيْنِ مِن تُرابٍ عَلَيْهِما صَفائِحُ صُمٌّ مِن صَفِيحٍ مُنَضَّدٍ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩] .
والبارِزَةُ: الظّاهِرَةُ، أيِ الظّاهِرُ سَطْحُها، إذْ لَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ يَسْتُرُ وجْهَها مِن شَجَرٍ ونَباتٍ أوْ حَيَوانٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نُسَيِّرُ“ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِنُونِ العَظْمَةِ، أوْ مِنَ الفاعِلِ المَنوِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (تُسَيَّرُ الجِبالُ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.
ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ جُمْلَةَ ”وحَشَرْناهم“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”نُسَيِّرُ الجِبالَ“ عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ ”نَحْشُرُهم“ بِأنْ أطْلَقَ الفِعْلَ الماضِي عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.
والمُغادَرَةُ: إبْقاءُ شَيْءٍ وتَرْكُهُ مِن تَعَلُّقِ فِعْلٍ بِهِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في (حَشَرْناهم - ومِنهم - وعُرِضُوا) عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥] .
صفحة ٣٣٦
وعَرْضُ الشَّيْءِ: إحْضارُهُ لِيُرى حالُهُ وما يَحْتاجُهُ، ومِنهُ عَرْضُ الجَيْشِ عَلى الأمِيرِ؛ لِيَرى حالَهم وعِدَّتَهم ”، وفي الحَدِيثِ“ عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإحْضارِهِمْ حَيْثُ يَعْلَمُونَ أنَّهم سَيَتَلَقَّوْنَ ما يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ في شَأْنِهِمْ.
والصَّفُّ: جَماعَةٌ يَقِفُونَ واحِدًا حَذْوَ واحِدٍ، بِحَيْثُ يَبْدُو جَمِيعُهم لا يَحْجُبُ أحَدٌ مِنهم أحَدًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ (صَفَّهم) إذا أوْقَفَهم، أُطْلِقَ عَلى المَصْفُوفِ، وانْتُصِبَ ”صَفًّا“ عَلى الحالِ مِن واوِ ”عُرِضُوا“، وتِلْكَ الحالَةُ إيذانٌ بِأنَّهم أُحْضِرُوا بِحالَةِ الجُناةِ الَّذِينَ لا يَخْفى مِنهم أحَدٌ؛ إيقاعًا لِلرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وحَشَرْناهُمْ﴾، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في حَشَرْناهم، أيْ: حَشَرْناهم وقَدْ عُرِضُوا؛ تَنْبِيهًا عَلى سُرْعَةِ عَرْضِهِمْ في حِينِ حَشْرِهِمْ.
وعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ عَلى رَبِّكَ دُونَ أنْ يُقالَ (عَلَيْنا) لِتَضَمُّنِ الإضافَةِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّ في هَذا العَرْضِ وما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ نَصِيبًا مِنَ الِانْتِصارِ لِلْمُخاطَبِ إذْ كَذَّبُوهُ حِينَ أخْبَرَهم وأنْذَرَهم بِالبَعْثِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الجُمْلَةَ خِطابٌ لِلْمَعْرُوضِينَ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ القَوْلِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ لَهم لَقَدْ جِئْتُمُونا، وذَلِكَ بِإسْماعِهِمْ هَذا الكَلامَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُوَجَّهٌ إلى مُعادِ ضَمِيرِ ”عُرِضُوا“ .
والخَبَرُ في قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّغْلِيظِ والتَّنْدِيمِ عَلى إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَجِيءُ: مَجازٌ في الحُضُورِ، شُبِّهُوا حِينَ مَوْتِهِمْ بِالغائِبِينَ، وشُبِّهَتْ حَياتُهم بَعْدَ المَوْتِ بِمَجِيءِ الغائِبِ.
وقَوْلُهُ ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُفِيدِ لِلْمُشابَهَةِ، أيْ: جِئْتُمُونا مَجِيئًا كَخَلْقِكم أوَّلَ مَرَّةٍ، فالخَلْقُ الثّانِي أشْبَهَ الخَلْقَ الأوَّلَ، أيْ فَهَذا
صفحة ٣٣٧
خَلْقٌ ثانٍ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ كَخَلْقِنا إيّاكُمُ المَرَّةَ الأُولى، قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِخَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ.
والإضْرابُ في قَوْلِهِ ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ وما مَعَهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّغْلِيطِ إلى التَّصْرِيحِ بِالتَّغْلِيطِ في قالَبِ الإنْكارِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّغْلِيطِ مَجازًا، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في إفادَةِ مَدْلُولِهِ الأصْلِيِّ.
والزَّعْمُ: الِاعْتِقادُ المُخْطِئُ، أوِ الخَبَرُ المُعَرَّضُ لِلْكَذِبِ، والمَوْعِدُ أصْلُهُ: وقْتُ الوَعْدِ بِشَيْءٍ، أوْ مَكانُ الوَعْدِ، وهو هُنا الزَّمَنُ المَوْعُودُ بِهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ.
والمَعْنى: أنَّكُمُ اعْتَقَدْتُمْ باطِلًا أنْ لا يَكُونَ لَكم مَوْعِدٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ أبَدًا.
الكهف 18:49
﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ جُمْلَةُ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٤٨]، فَهي في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ وقَدْ وُضِعَ الكِتابُ.
والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، أيْ وُضِعَتْ كُتُبُ أعْمالِ البَشَرِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أحَدِ كِتابًا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٣] الآيَةَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”مِمّا فِيهِ“ لِمُراعاةِ إفْرادِ لِفَظِ (الكِتابِ)، وعَنِ الغَزالِيِّ: أنَّهُ قالَ: يَكُونُ كِتابٌ جامِعٌ لِجَمِيعِ ما هو مُتَفَرِّقٌ في الكُتُبِ الخاصَّةِ بِكُلِّ أحَدٍ، ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وتَفَرَّعَ عَلى وضْعِ الكِتابِ بَيانُ حالِ المُجْرِمِينَ عِنْدَ وضْعِهِ.
صفحة ٣٣٨
والخِطابُ بِقَوْلِهِ فْتَرى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، ولَيْسَ لِلنَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَوْمَئِذٍ في مَقاماتٍ عالِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ.
والإشْفاقُ: الخَوْفُ مِن أمْرٍ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ.
والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في ”يَقُولُونَ“ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الفَظِيعَةِ، أوْ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وإعادَتُهُ شَأْنُ الفَزِعِينَ الخائِفِينَ.
ونِداءُ الوَيْلِ: نُدْبَةٌ لِلتَّوَجُّعِ مِنَ الوَيْلِ، وأصْلُهُ نِداءٌ اسْتُعْمِلَ مَجازًا بِتَنْزِيلِ ما لا يُنادى مَنزِلَةَ ما يُنادى؛ لِقَصْدِ حُضُورِهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا وقَتُكِ فاحْضُرِي، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ لِمُجَرَّدِ الغَرَضِ مِنَ النِّداءِ وهو التَّوَجُّعُ ونَحْوُهُ.
والوَيْلَةُ: تَأْنِيثُ الوَيْلِ لِلْمُبالَغَةِ، وهو سُوءُ الحالِ والهَلاكُ، كَما أُنِّثَتِ الدّارُ عَلى دارَةَ، لِلدَّلالَةِ عَلى سَعَةِ المَكانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ [المائدة: ٣١] في سُورَةِ العُقُودِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ ”ما لِهَذا الكِتابِ“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، فَـ (ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ، ومَعْناها: أيُّ شَيْءٍ، و”لِهَذا الكِتابِ“ صِفَةٌ لِـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ لِما فِيها مِنَ التَّنْكِيرِ، أيْ ما ثَبَتَ لِهَذا الكِتابِ.
واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ١١] .
وجُمْلَةُ ”لا يُغادِرُ“ في مَوْضِعِ الحالِ، هي مَثارُ التَّعَجُّبِ، وقَدْ جَرى الِاسْتِعْمالُ بِمُلازَمَةِ الحالِ لِنَحْوِ ”ما لَكَ“، فَيَقُولُونَ: ما لَكَ لا تَفْعَلُ، وما لَكَ فاعِلًا.
والمُغادَرَةُ: التَّرْكُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] .
والصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: وصْفانِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ فِعْلَةً أوْ هَنَةً، والمُرادُ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ هُنا الأفْعالُ العَظِيمَةُ والأفْعالُ الحَقِيرَةُ، والعِظَمُ والحَقارَةُ يَكُونانِ بِحَسَبِ الوُضُوحِ والخَفاءِ، ويَكُونانِ بِحَسَبِ القُوَّةِ والضَّعْفِ.
صفحة ٣٣٩
وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الصَّغِيرَةِ؛ لِأنَّها أهَمُّ مِن حَيْثُ يَتَعَلَّقُ التَّعَجُّبُ مِن إحْصائِها، وعُطِفَتْ عَلَيْها الكَبِيرَةُ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ في الإحْصاءِ؛ لِأنَّ التَّعْمِيمَ أيْضًا مِمّا يُثِيرُ التَّعَجُّبَ، فَقَدْ عَجِبُوا مِن إحاطَةِ كاتِبِ الكِتابِ بِجَمِيعِ الأعْمالِ.
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أحْوالِ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، أيْ لا يُبْقِي صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً في جَمِيعِ أحْوالِهِما إلّا في حالِ إحْصائِهِ إيّاها، أيْ لا يُغادِرُهُ غَيْرَ مُحْصًى، فالِاسْتِثْناءُ هُنا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ؛ لِأنَّهُ إذا أحْصاهُ فَهو لَمْ يُغادِرْهُ، فَآلَ إلى مَعْنى أنَّهُ لا يُغادِرُ شَيْئًا، وانْتَفَتْ حَقِيقَةُ الِاسْتِثْناءِ.
فَجُمْلَةُ أحْصاها في مَوْضِعِ الحالِ، والرّابِطُ بَيْنَها وبَيْنَ ذِي الحالِ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ، والإحْصاءُ: العَدُّ، أيْ كانَتْ أفْعالُهم مَعْدُودَةً مُفَصَّلَةً.
وجُمْلَةُ ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَقُولُونَ“، أيْ إنَّما قالُوا ذَلِكَ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أعْمالُهم كُلُّها عِنْدَ وضْعِ ذَلِكَ الكِتابِ عَرْضًا سَرِيعًا حَصَلَ بِهِ عِلْمُ كُلٍّ بِما في كِتابِهِ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ لِما أفْهَمَتْهُ الصِّلَةُ مِن أنَّهم لَمْ يَجِدُوا غَيْرَ ما عَمِلُوا، أيْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ لَمْ يَعْمَلُوهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ أحَدًا فَيُؤاخِذُهُ بِما لَمْ يَقْتَرِفْهُ، وقَدْ حَدَّدَ لَهم مِن قَبْلِ ذَلِكَ ما لَيْسَ لَهم أنْ يَفْعَلُوهُ، وما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ، وتَوَعَّدَهم ووَعَدَهم، فَلَمْ يَكُنْ في مُؤاخَذَتِهِمْ بِما عَمِلُوهُ مِنَ المَنهِيّاتِ بَعْدَ ذَلِكَ ظُلْمٌ لَهم، والمَقْصُودُ: إفادَةُ هَذا الشَّأْنِ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى، فَلِذَلِكَ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ لِتَكُونَ مَقْصُودَةً أصالَةً، وهي مَعَ ذَلِكَ مُفِيدَةٌ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما فِيها مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، ومِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها وغَيْرِهِ، فَكانَتْ مِن هَذا الوَجْهِ صالِحَةً لِلْفَصْلِ بِدُونِ عَطْفٍ لِتَكُونَ تَذْيِيلًا.
الكهف 18:50
صفحة ٣٤٠
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] بِتَقْدِيرِ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ، تَفَنُّنًا لِغَرَضِ المَوْعِظَةِ الَّذِي سَبَقَتْ لَهُ هَذِهِ الجُمَلُ، وهو التَّذْكِيرُ بِعَواقِبِ اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ عَنِ الصّالِحاتِ، وبِمَداحِضِ الكِبْرِياءِ والعُجْبِ واحْتِقارِ الفَضِيلَةِ والِابْتِهاجِ بِالأعْراضِ الَّتِي لا تُكْسِبُ أصْحابَها كَمالًا نَفْسِيًّا، وكَما وُعِظُوا بِآخِرِ أيّامِ الدُّنْيا ذُكِّرُوا هُنا بِالمَوْعِظَةِ بِأوَّلِ أيّامِها وهو يَوْمُ خَلْقِ آدَمَ، وهَذا أيْضًا تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٥٢] الآيَةَ، فَإنَّ الإشْراكَ كانَ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ بِبَنِي آدَمَ.
ولَها أيْضًا مُناسَبَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ الَّتِي أنْحَتْ عَلى الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِجاهِهِمْ وأمْوالِهِمْ واحْتَقَرُوا فُقَراءَ أهْلِ الإسْلامِ، ولَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الكَمالِ الحَقِّ والغُرُورِ الباطِلِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨]، فَكانَ في قِصَّةِ إبْلِيسَ نَحْوَ آدَمَ مَثَلٌ لَهم، ولِأنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الشَّيْطانَ هو أصْلُ الضَّلالِ، وأنَّ خُسْرانَ الخاسِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ آيِلٌ إلى اتِّباعِهِمْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ وأوْلِيائِهِ، ولِهَذا فَرَّعَ عَلى الأمْرَيْنِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ .
وهَذِهِ القِصَّةُ تَكَرَّرَتْ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، وهي في كُلِّ مَوْضِعٍ تَشْتَمِلُ عَلى شَيْءٍ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَيْهِ في الآخَرِ، ولَها في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ عِبْرَةٌ تُخالِفُ عِبْرَةَ غَيْرِهِ، فَذِكْرُها في سُورَةِ البَقَرَةِ مَثَلًا إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ، وذِكْرُها هُنا تَنْظِيرٌ لِلْحالِ وتَوْطِئَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، وقِسْ عَلى ذَلِكَ.
صفحة ٣٤١
وفَسَقَ: تَجاوَزَ عَنْ طاعَتِهِ، وأصْلُهُ قَوْلُهم: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها فاسْتُعْمِلَ مَجازًا في التَّجاوُزِ، قالَأبُو عُبَيْدَةَ، والفِسْقُ بِمَعْنى التَّجاوُزِ عَنِ الطّاعَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ، ولا أحادِيثِها، وإنَّما تَكَلَّمَ بِهِ العَرَبُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، أيْ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها، ووافَقَهُ المُبَرِّدُ وابْنُ الأعْرابِيِّ، وأُطْلِقَ الفِسْقُ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ عَلى العِصْيانِ العَظِيمِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] .
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ بِمَعْنى المَأْمُورِ، أيْ تَرَكَ وابْتَعَدَ عَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
والعُدُولُ في قَوْلِهِ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ إلى التَّعْرِيفِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ الضَّمِيرِ؛ لِتَفْظِيعِ فِسْقِ الشَّيْطانِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، بِأنَّهُ فِسْقُ عَبْدٍ عَنْ أمْرِ مَن تَجِبُ عَلَيْهِ طاعَتُهُ؛ لِأنَّهُ مالِكُهُ.
وفَرَّعَ عَلى التَّذْكِيرِ بِفِسْقِ الشَّيْطانِ وعَلى تَعاظُمِهِ عَلى أصْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ إنْكارَ اتِّخاذِهِ واتِّخاذِ جُنْدِهِ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ تَكَبُّرَهُ عَلى آدَمَ يَقْتَضِي عَداوَتَهُ لِلنَّوْعِ، ولِأنَّ عِصْيانَهُ أمْرَ مالِكِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُرْجى مِنهُ خَيْرٌ، ولَيْسَ أهْلًا لِأنْ يُتَّبَعَ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ، إذْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ، قالَ تَعالى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ولِذَلِكَ عَلَّلَ النَّهْيَ بِجُمْلَةِ الحالِ، وهي جُمْلَةُ ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ .
والذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، وذُرِّيَّةُ الشَّيْطانِ الشَّياطِينُ والجِنُّ.
والعَدُوُّ: اسْمٌ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١] وقالَ ﴿هُمُ العَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤] .
عُومِلَ هَذا الِاسْمُ مُعامَلَةَ المَصادِرِ؛ لِأنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ القَبُولِ والوَلُوعِ، وهُما مَصْدَرانِ،، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
صفحة ٣٤٢
والوَلِيُّ: مَن يَتَوَلّى، أيْ يَتَّخِذُ ذا ولايَةٍ - بِفَتْحِ الواوِ - وهي القُرْبُ، والمُرادُ بِهِ القُرْبُ المَعْنَوِيُّ، وهو الصَّداقَةُ والنَّسَبُ والحِلْفُ، و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مُباعِدِينَ لِي، وذَلِكَ هو إشْراكُهم في العِبادَةِ، فَإنَّ كُلَّ حالَةٍ يَعْبُدُونَ فِيها الآلِهَةَ هي اتِّخاذٌ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ.
والخِطابُ في ”أتَتَّخِذُونَهُ“ وما بَعْدَهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُ ولِيًّا، وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِن ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ ذَمِّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ بِاعْتِبارِ اتِّخاذِ المُشْرِكِينَ إيّاهم أوْلِياءَ، أيْ بِئْسَ البَدَلُ لِلْمُشْرِكِينَ الشَّيْطانُ وذُرِّيَّتُهُ، فَقَوْلُهُ بَدَلًا تَمْيِيزٌ مُفَسِّرٌ لِاسْمِ بِئْسَ المَحْذُوفِ لِقَصْدِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِالتَّمْيِيزِ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
والظّالِمُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ، وإظْهارُ الظّالِمِينَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِمْ، ولِما في الِاسْمِ الظّاهِرِ مِن مَعْنى الظُّلْمِ الَّذِي هو ذَمٌّ لَهم.
الكهف 18:51
﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ تَتَنَزَّلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها، وهُما ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ﴾ [الكهف: ٥٠] إلى قَوْلِهِ بَدَلًا، فَإنَّهم لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ لَمْ يَكُونُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الخَلْقِ بِطَرِيقِ الأوْلى فَلَمْ يَكُونُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُعْبَدُوا، وهَذا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ، فَإنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وخَلْقِ المَوْجُوداتِ.
والإشْهادُ: جَعْلُ الغَيْرِ شاهِدًا، أيْ حاضِرًا، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحْضارٍ خاصٍّ، وهو إحْضارُ المُشارَكَةِ في العَمَلِ أوِ الإعانَةِ عَلَيْهِ، ونَفْيُ هَذا الشُّهُودِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ
صفحة ٣٤٣
المُشارَكَةِ في الخَلْقِ والإلَهِيَّةِ بِالفَحْوى، أيْ: بِالأوْلى، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ كانَ قَبْلَ وُجُودِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ بِسَبْقِ العَدَمِ عَلى وُجُودِهِمْ، وكُلُّ ما جازَ عَلَيْهِ العَدَمُ اسْتَحالَ عَلَيْهِ القِدَمُ، والقِدَمُ مِن لَوازِمَ الإلَهِيَّةِ، وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”أشْهَدْتُهم“ وقَوْلِهِ ”أنْفُسِهِمْ“ عائِدَةٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، كَما عادَ إلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] .
ومَعْنى ”أنْفُسِهِمْ“: أنْفُسُ بَعْضِهِمْ بِقَرِينَةِ اسْتِحالَةِ مُشاهَدَةِ المَخْلُوقِ خَلْقَ نَفْسِهِ، فَإطْلاقُ الأنْفُسِ هَنا نَظِيرُ إطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أيْ أنْفُسَ بَعْضِكم، فَعَلى هَذا الوَجْهِ تَتَناسَقُ الضَّمائِرُ، ويَتَقَوَّمُ المَعْنى المَقْصُودُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ لَهُما سُكّانَهُما كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ [فصلت: ١٢]، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ في الأرْضِ جِنًّا مُتَصَرِّفِينَ فَكانُوا إذا نَزَلُوا وادِيًا مَخُوفًا قالُوا: أعُوذُ بِعَزِيزِ هَذا الوادِي، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن ضُرِّهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (ما أشْهَدْناهم) بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ (وما كُنْتَ) بِفَتْحِ التّاءِ عَلى الخِطابِ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ.
والمُرادُ بِالمُضِلِّينَ الشَّياطِينُ؛ لِأنَّهم أضَلُّوا النّاسَ بِإلْقاءِ خَواطِرِ الضَّلالَةِ والفَسادِ في النُّفُوسِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
وجُمْلَةُ ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
صفحة ٣٤٤
والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ: وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم إلى المُضِلِّينَ لِإفادَةِ الذَّمِّ، ولِأنَّ التَّذْيِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا.
والعَضُدُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ المُعْجَمَةِ في الأفْصَحِ، وبِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ في لُغَةِ تَمِيمٍ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخْرى أضْعَفُ، ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأهُ بِضَمِّ العَيْنِ وضَمِّ الضّادِ عَلى أنَّها لُغَةٌ في عَضُدٍ، وهي رِوايَةُ هارُونَ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ولَيْسَتْ مَشْهُورَةً، وهو: العَظْمُ الَّذِي بَيْنَ المِرْفَقِ والكَتِفِ، وهو يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُعِينِ عَلى العَمَلِ، يُقالُ: فُلانٌ عَضُدِي، واعْتَضَدْتُ بِهِ.
والمَعْنى: لا يَلِيقُ بِالكَمالِ الإلَهِيِّ أنْ أتَّخِذَ أهْلَ الإضْلالِ أعْوانًا فَأُشْرِكَهم في تَصَرُّفِي في الإنْشاءِ، فَإنَّ اللَّهَ مُفِيضٌ الهِدايَةَ وواهِبٌ الدِّرايَةَ، فَكَيْفَ يَكُونُ أعْوانُهُ مَصادِرَ الضَّلالَةِ ؟ أيْ لا يُعِينُ المُعِينَ إلّا عَلى عَمَلِ أمْثالِهِ، ولا يَكُونُ إلّا قَرِينًا لِأشْكالِهِ.
الكهف 18:52
﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ عُطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الكهف: ٥٠] فَيُقَدَّرُ: واذْكُرْ يَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ، أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١]، فالتَّقْدِيرُ: ولا أشْهَدْتُ شُرَكاءَهم جَمِيعًا ولا تَنْفَعُهم شُرَكاؤُهم يَوْمَ الحَشْرِ، فَهو انْتِقالٌ مِن إبْطالِ مَعْبُودِيَّةِ الشَّيْطانِ والجِنِّ إلى إبْطالِ إلَهِيَّةِ جَمِيعِ الآلِهَةِ الَّتِي عَبَدَها دَهْماءُ المُشْرِكِينَ مَعَ بَيانِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ الخَيْبَةِ واليَأْسِ يَوْمَئِذٍ، وقَدْ سَلَكَ في إبْطالِ إلَهِيَّتِها طَرِيقَ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ الماهِيَّةِ بِانْتِفاءِ لَوازِمِها، فَإنَّهُ إذا انْتَفى نَفْعُها لِلَّذِينَ يَعْبُدُونَها اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ انْتِفاءَ إلَهِيَّتِها، وحَصَلَ بِذَلِكَ تَشْخِيصُ خَيْبَتِهِمْ ويَأْسِهِمْ مِنَ النَّجاةِ.
صفحة ٣٤٥
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ”يَقُولُ“ بِياءِ الغَيْبَةِ، وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ (نَقُولُ) بِنُونِ العَظَمَةِ.
واليَوْمُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ يَوْمُ الحَشْرِ، والمَعْنى: يَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، أيْ: زَعَمْتُمُوهم شُرَكائِي، وقَدَّمَ وصْفَهم بِوَصْفِ الشُّرَكاءِ قَبْلَ فِعْلِ الزَّعْمِ؛ تَهَكُّمًا بِالمُخاطَبِينَ، وتَوْبِيخًا لَهم، ثُمَّ أرْدَفَ بِما يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ فِيما ادَّعَوْا بِفِعْلِ الزَّعْمِ الدّالِّ عَلى اعْتِقادٍ باطِلٍ.
والنِّداءُ: طَلَبُ الإقْبالِ لِلنُّصْرَةِ والشَّفاعَةِ.
والِاسْتِجابَةُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى سَماعِ النِّداءِ، والأخْذِ في الإقْبالِ عَلى المُنادِي بِنَحْوِ قَوْلِ: لَبَّيْكم.
وأمْرُهُ إيّاهم بِمُناداةِ شُرَكائِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ مَعَ إرادَةٍ لازِمِهِ وهو إظْهارُ باطِلِهِمْ بِقَرِينَةِ الزَّعْمِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسَعْهم إلّا أنْ يُنادُوهم حَيْثُ قالَ فَدَعَوْهم لِطَمَعِهِمْ، فَإذا نادَوْهم تَبَيَّنَ لَهم خَيْبَةُ طَمَعِهِمْ، ولِذَلِكَ عَطَفَ فِعْلَ الدُّعاءِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ، وأتى بِهِ في صِيغَةِ المُضِيِّ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْجِيلِ وُقُوعِهِ حِينَئِذٍ حَتّى كَأنَّهُ قَدِ انْقَضى.
والمَوْبِقُ: مَكانُ الوُبُوقِ، أيِ الهَلاكِ، يُقالُ: وبَقَ، مِثْلُ وعَدَ ووَجِلَ ووَرِثَ، والمَوْبِقُ هُنا أُرِيدَ بِهِ جَهَنَّمُ، أيْ حِينَ دَعَوْا أصْنامَهم بِأسْمائِهِمْ كَوَّنَ اللَّهُ فِيما بَيْنَ مَكانِهِمْ ومَكانِ أصْنامِهِمْ فُوَّهاتِ جَهَنَّمَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ جُمْلَةَ حالٍ، أيْ وقَدْ جَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾ [الكهف: ٥٣] .
الكهف 18:53
﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]، أيْ جَعَلْنا المَوْبِقَ ورَآهُ المُجْرِمُونَ، فَذِكْرُ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلدَّلالَةِ عَلى ما يُفِيدُهُ المُجْرِمُونَ مِن تَلَبُّسِهِمْ
صفحة ٣٤٦
بِما اسْتَحَقُّوا بِهِ عَذابَ النّارِ، وكَذَلِكَ بِـ (النّارِ) في مَقامِ الإضْمارِ لِلْمَوْبِقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَوْبِقَ هو النّارُ فَهو شَبِيهٌ بِعَطْفِ البَيانِ.
والظَّنُّ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في مَعْنى التَّحَقُّقِ، وهو مِنِ اسْتِعْمالاتِهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ هُنا ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، بِأنَّهم رَجَّحُوا أنَّ تِلْكَ النّارَ أُعِدَّتْ لِأجْلِهِمْ في حِينِ أنَّهم مُوقِنُونَ بِذَلِكَ.
والمُواقَعَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الوُقُوعِ، وهو الحُصُولُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، أيْ واقِعُونَ فِيها وُقُوعَ الشَّيْءِ الحاصِلِ في مَوْقِعٍ يَتَطَلَّبُهُ، فَكَأنَّهُ يَقَعُ هو فِيهِ.
والمَصْرِفُ: مَكانُ الصَّرْفِ، أيِ التَّخَلُّصِ والمُجاوَزَةِ، وفي الكَلامِ إيجازٌ، تَقْدِيرُهُ: وحاوَلُوا الِانْقِلابَ أوِ الِانْصِرافَ، فَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا، أيْ مَخْلَصًا.
الكهف 18:54
﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ عُطِفَ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ فِيها أمْثالٌ مِن قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] وقَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٥]، ولَمّا كانَ في ذَلِكَ لَهم مَقْنَعٌ، وما لَهم مِنهُ مَدْفَعٌ عادَ إلى التَّنْوِيهِ بِهَدْيِ القُرْآنِ عَوْدًا ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، فَأشارَ لَهم أنَّ هَذِهِ الأمْثالَ الَّتِي قَرَعَتْ أسْماعَهم هي مِن جُمْلَةِ هَدْيِ القُرْآنِ الَّذِي تَبَرَّمُوا مِنهُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] في سُورَةِ الإسْراءِ، سِوى أنَّهُ يُتَّجَهُ هُنا أنْ يُسْألَ: لِمَ قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ أحَدَ مُتَعَلِّقِي فِعْلِ التَّصْرِيفِ عَلى الآخَرِ ؟ إذْ قَدَّمَ هُنا قَوْلَهُ ”في هَذا القُرْآنِ“ عَلى قَوْلِهِ ”لِلنّاسِ“ عَكْسَ آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ، وهو ما أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن أنَّ ذِكْرَ القُرْآنِ أهَمُّ
صفحة ٣٤٧
مِن ذِكْرِ النّاسِ بِالأصالَةِ، ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ عَنْهُ هُنا بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ لِأنَّ الكَلامَ جارٍ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ يَنْزِلُ بِالحَقِّ لا بِهَوى الأنْفُسِ.
والنّاسُ: اسْمٌ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَبْلُغُهُ القُرْآنُ في سائِرِ العُصُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، والمَقْصُودُ عَلى الخُصُوصِ المُشْرِكُونَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، فَوِزانُهُ وِزانُ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، وسَيَجِيءُ قَوْلُهُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦]، وهَذا يُشْبِهُ العامَّ الوارِدَ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ وقَرائِنَ خاصَّةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ تَذْيِيلٌ، وهو مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى وجْهِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: فَجادَلُوا فِيهِ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ جَدَلًا، فَإنَّ الإنْسانَ اسْمٌ لِنَوْعِ بَنِي آدَمَ، وحَرْفُ (ألْ) فِيهِ لِتَعْرِيفِ الحَقِيقَةِ فَهو أوْسَعُ عُمُومًا مِن لَفْظِ النّاسِ، والمَعْنى: أنَّهم جادَلُوا، والجِدالُ: خُلُقٌ؛ مِنهُ ذَمِيمٌ يَصُدُّ عَنْهُ تَأْدِيبُ الإسْلامِ، ويَبْقى في خُلُقِ المُشْرِكِينَ، ومِنهُ مَحْمُودٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤]، فَأشارَ بِالثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ إلى أنَّ جِدالَهُ مَحْمُودٌ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإنْسانِ الإنْسانَ الكافِرَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] ولا المُرادُ بِالجَدَلِ الجَدَلَ بِالباطِلِ؛ لِأنَّ هَذا سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] الآيَةَ، فَقَوْلُهُ هُنا ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] .
و(شَيْءٌ) اسْمٌ مُفْرَدٌ مُتَوَغِّلٌ في العُمُومِ، ولِذَلِكَ صَحَّتْ إضافَةُ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلَيْهِ، أيْ أكْثَرُ الأشْياءِ، واسْمُ التَّفْضِيلِ هُنا مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]، وإنَّما أُتِيَ بِصِيغَتِهِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في شِدَّةِ جَدَلِ الإنْسانِ وجُنُوحِهِ إلى المُماراةِ والنِّزاعِ حَتّى فِيما تَرْكُ الجِدالِ في شَأْنِهِ أحْسَنُ، بِحَيْثُ إنَّ شِدَّةَ الوَصْفِ فِيهِ تُشْبِهُ تَفَوُّقَهُ في الوَصْفِ عَلى كُلِّ مَن يَعْرِضُ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ.
صفحة ٣٤٨
وإنَّما أُلْجِئْنا إلى هَذا التَّأْوِيلِ في اسْمِ التَّفْضِيلِ لِظُهُورِ أنَّ غَيْرَ الإنْسانِ مِن أنْواعِ ما عَلى الأرْضِ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الجَدَلُ، فالجَدَلُ خاصٌّ بِالإنْسانِ؛ لِأنَّهُ مِن شُعَبِ النُّطْقُ الَّذِي هو فَصْلُ حَقِيقَةِ الإنْسانِيَّةِ، أمّا المَلائِكَةُ فَجَدَلُهم مَحْمُودٌ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وأمّا الشَّياطِينُ فَهم أكْثَرُ جَدَلًا مِنَ الإنْسانِ، ولَكِنْ لَمّا نَبا المَقامُ عَنْ إرادَتِهِمْ كانُوا غَيْرَ مُرادِينَ بِالتَّفْضِيلِ عَلَيْهِمْ في الجَدَلِ.
و”جَدَلًا“ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الأكْثَرِيَّةِ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى: وكانَ الإنْسانُ كَثِيرًا مِن جِهَةِ الجَدَلِ، أيْ كَثِيرًا جَدَلُهُ، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْ عَلِيٍّ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ طَرَقَهُ وفاطِمَةَ لَيْلًا فَقالَ: ألا تُصَلِّيانِ ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما أنْفُسُنا بِيَدِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يَبْعَثَنا بَعَثَنا، قالَ: فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ويَقُولُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا»﴾، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الأوْلى بِعَلِيٍّ أنْ يَحْمَدَ إيقاظَ رَسُولِ اللَّهِ إيّاهُ لِيَقُومَ مِنَ اللَّيْلِ، وأنْ يَحْرِصَ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، وأنْ يُسَرَّ بِما في كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ مِن مَلامٍ، ولا يَسْتَدِلُّ بِما يُحَبِّذُ اسْتِمْرارَ نَوْمِهِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ تَعَجُّبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن جَوابِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولا يَحْسُنُ أنْ يُحْمَلَ التَّفْضِيلُ في الآيَةِ عَلى بابِهِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ جَدَلًا مِنَ الشَّياطِينِ والجِنِّ مِمّا يَجُوزُ عَلى حَقِيقَتِهِ الجَدَلُ؛ لِأنَّهُ مَحْمَلٌ لا يُرادُ مِثْلُهُ في مِثْلِ هَذا، ومَن أنْبَأنا أنَّ لِلشَّياطِينِ والجِنِّ مَقْدِرَةً عَلى الجَدَلِ ؟
والجَدَلُ: المُنازَعَةُ بِمُعاوَضَةِ القَوْلِ، أيْ هو الكَلامُ الَّذِي يُحاوِلُ بِهِ إبْطالَ ما في كَلامِ المُخاطَبِ مِن رَأْيٍ أوْ عَزْمٍ عَلَيْهِ: بِالحُجَّةِ أوْ بِالإقْناعِ أوْ بِالباطِلِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وقالَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١]، وقالَ ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]، وقالَ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧]، وقالَ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦] .
صفحة ٣٤٩
والمُرادُ هَنا مُطْلَقُ الجَدَلِ، وبِخاصَّةٍ ما كانَ مِنهُ بِباطِلٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ في طَبْعِهِ الحِرْصُ عَلى إقْناعِ المُخالِفِ بِأحَقِّيَّةِ مُعْتَقَدِهِ أوْ عَمَلِهِ، وسِياقُ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَةَ الجَدَلِ الباطِلِ.
الكهف 18:55
﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قِبَلًا﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ﴾ [الكهف: ٥٤] إلَخْ، ومَعْناها مُتَّصِلٌ تَمامَ الِاتِّصالِ بِمَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، بِحَيْثُ لَوْ عُطِفَتْ عَلَيْها بِفاءِ التَّفْرِيعِ لَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وتُعْتَبَرُ جُمْلَةُ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] مُعْتَرِضَةً بَيْنَهُما، لَوْلا أنَّ في جَعْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُسْتَقِلَّةً بِالعَطْفِ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها في ذاتِهِ، بِحَيْثُ يُعَدُّ تَفْرِيعُهُ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها يَحِيدُ بِهِ عَنِ المَوْقِعِ الجَدِيرِ هو بِهِ في نُفُوسِ السّامِعِينَ إذْ أُرِيدُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً مُقَرَّرَةً في النُّفُوسِ، ولِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ فِيما أرى عَدْلٌ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ بِقَوْلِهِ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وما مَنَعَهم أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى؛ قَصْدًا لِاسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِذاتِها غَيْرِ مُسْتَعانَةٍ بِغَيْرِها، فَتَكُونُ فائِدَةً مُسْتَقِلَّةً تَسْتَأْهِلُ تَوَجُّهَ العُقُولِ إلى وعْيِها لِذاتِها لا لِأنَّها فَرْعٌ عَلى غَيْرِها.
عَلى أنَّ عُمُومَ النّاسِ هُنا أشْمَلُ مِن عُمُومِ لَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ﴾ [الكهف: ٥٤] فَإنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ النّاسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ في أزْمانِ ما بَعْدَ نُزُولِ تِلْكَ الآيَةِ، وهَذا يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهُمُ الَّذِينَ امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ.
وكَذَلِكَ عُمُومُ لَفْظِ الهُدى يَشْمَلُ هُدى القُرْآنِ وما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وأقْوالِ الأنْبِياءِ كُلِّها، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ قِياسًا تَمْثِيلِيًّا بِشَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ تَلَقِّي الأُمَمِ دَعَواتِ رُسُلِهِمْ.
صفحة ٣٥٠
فالمَعْنى: ما مَنَعَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ شَيْءٌ يَمْنَعُ مِثْلَهُ، ولَكِنَّهم كالأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَهُمُ الَّذِينَ جاءَهُمُ الهُدى بِأنْواعِهِ مِن كُتُبٍ، وآياتٍ، وإرْشادٍ إلى الخَيْرِ.
والمُرادُ بِـ ”الأوَّلِينَ“ السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ في الضَّلالِ والعِنادِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمُ الآباءُ، أيْ سُنَّةُ آبائِهِمْ، أيْ طَرِيقَتُهم ودِينُهم، ولِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٌ سَبَقَتْها.
و”أنْ تَأْتِيَهُمُ“ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، هو فاعِلُ ”ما مَنَعَ“، ”أنْ يُؤْمِنُوا“ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ مِن أنْ يُؤْمِنُوا.
ومَعْنى ﴿تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ تَحِلُّ فِيهِمْ وتَعْتَرِيهِمْ، أيْ تُلْقى في نُفُوسِهِمْ وتُسَوَّلُ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم يُشْبِهُونَ خَلْقَ مَن كانُوا قَبْلَهم مِن أهْلِ الضَّلالِ ويُقَلِّدُونَهم، كَما قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
وسُنَّةُ الأوَّلِينَ: طَرِيقَتُهم في الكُفْرِ، وإضافَةُ ”سُنَّةُ“ إلَيْهِمْ تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيِ السُّنَّةُ الَّتِي سَنَّها الأوَّلُونَ، وإسْنادُ مَنعِهِمْ مِنَ الإيمانِ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ اسْتِعارَةٌ.
والمَعْنى: ما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا الَّذِي مَنَعَ الأوَّلِينَ قَبْلَهم مِن عادَةِ العِنادِ والطُّغْيانِ وطَرِيقَتِهِمْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والِاسْتِخْفافِ بِهِمْ.
وذِكْرُ الِاسْتِغْفارِ هُنا بَعْدَ ذِكْرِ الإيمانِ تَلْقِينٌ إيّاهم بِأنْ يُبادِرُوا بِالإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ، وأنْ يَتُوبُوا إلى اللَّهِ مِن تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ومُكابَرَتِهِ.
و(أوْ) هي الَّتِي بِمَعْنى (إلى)، وانْتِصابُ فِعْلِ ”يَأْتِيَهُمُ العَذابُ“ بِـ (أنْ) مُضْمَرَةً بَعْدَ (أوْ)، و(أوْ) مُتَّصِلَةَ المَعْنى بِفِعْلِ ”مَنَعَ“، أيْ مَنَعَهم تَقْلِيدُ سُنَّةِ الأوَّلِينَ مِنَ الإيمانِ إلى أنْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ كَما أتى الأوَّلِينَ.
هَذا ما بَدا لِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وأراهُ ألْيَقَ بِمَوْقِعِ هاتِهِ الآيَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها.
صفحة ٣٥١
فَأمّا جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ فَقَدْ تَأوَّلُوا الآيَةَ عَلى خِلافِ هَذا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَجَعَلُوا المُرادَ بِالنّاسِ عَيْنَ المُرادِ بِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الكهف: ٥٤]، أيْ ما مَنَعَ المُشْرِكِينَ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وجَعَلُوا المُرادَ بِالهُدى عَيْنَ المُرادِ بِالقُرْآنِ، وحَمَلُوا سُنَّةَ الأوَّلِينَ عَلى مَعْنى سُنَّةِ اللَّهِ في الأوَّلِينَ، أيِ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ الماضِينَ، أيْ: فَإضافَةُ (سُنَّةَ) إلى (الأوَّلِينَ) مِثْلُ إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وهي عادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ، أيْ يُعَذِّبُهم عَذابَ الِاسْتِئْصالِ.
وجَعَلُوا إسْنادَ المَنعِ مِنَ الإيمانِ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ، بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيِ انْتِظارُ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ اللَّهِ في الأوَّلِينَ، أيْ: ويَكُونُ الكَلامُ تَهَكُّمًا وتَعْرِيضًا بِالتَّهْدِيدِ بِحُلُولِ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ [يونس: ١٠٢] .
وجَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَسِيمًا لِقَوْلِهِ ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، فَحَرْفُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ، وفِعْلُ ”يَأْتِيَهِمْ“ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى فِعْلِ ﴿أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ بِالِاسْتِئْصالِ المُفاجِئِ، أوْ يَأْتِيَهِمُ العَذابُ مُواجِهًا لَهم، وجَعَلُوا قُبُلًا حالًا مِنَ العَذابِ، أيْ مُقابِلًا، قالَ الكَلْبِيُّ: وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، ولَعَلَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَذابُ مُقابَلَةٍ وجْهًا لِوَجْهٍ، أيْ عَذابُ الجَلّادِ بِالسُّيُوفِ، ومَعْناهُ: أنَّ المُشْرِكِينَ مِنهم مَن ذاقَ عَذابَ السَّيْفِ في غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ومِنهم مَن ماتَ فَهو يَرى عَذابَ الآخِرَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ الَّذِي سَلَكُوهُ يَنْسَلِخُ مِنَ الآيَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ، وتُقْصَرُ عَلى مَعْنى التَّهْدِيدِ.
والإتْيانُ: مَجازٌ في الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ، لِوُجُودِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، وهو اسْتِقْبالٌ نِسْبِيٌّ فَلِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتِقْبالُ سُنَّةِ مَن قَبْلَها.
والسُّنَّةُ: العادَةُ المَأْلُوفَةُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ.
وإسْنادُ مَنعِهِمُ الإيمانَ إلى إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ أوْ إتْيانِ العَذابِ إسْنادُ مَجازٍ عَقْلِيٍّ، والمُرادُ: ما مَنَعَهم إلّا سَبَبُ إتْيانِ سُنَّةِ الأوَّلِينَ لَهم أوْ إتْيانِ العَذابِ، وسَبَبُ ذَلِكَ
صفحة ٣٥٢
هُوَ التَّكَبُّرُ والمُكابَرَةُ والتَّمَسُّكُ بِالضَّلالِ، أيْ أنَّهُ لا يُوجَدُ مانِعٌ يَمْنَعُهُمُ الإيمانَ يُخَوِّلُهُمُ المَعْذِرَةَ بِهِ، ولَكِنَّهم جَرَوْا عَلى سُنَنِ مَن قَبْلَهم مِنَ الضَّلالِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ أحَدُ العَذابَيْنِ.
وفِي هَذِهِ الكِنايَةِ تَهْدِيدٌ، وإنْذارٌ، وتَحْذِيرٌ، وحَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِالِاسْتِغْفارِ مِنَ الكُفْرِ، وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦]) .
و(قِبَلًا) حالٌ مِنَ العَذابِ، وهو بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِمَعْنى المُقابِلِ الظّاهِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ ”قُبُلًا“ بِضَمَّتَيْنِ وهو جَمْعُ قَبِيلٍ، أيْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أنْواعًا.
الكهف 18:56
﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ .
بَعْدَ أنْ أشارَ إلى جِدالِهِمْ في هُدى القُرْآنِ بِما مَهَّدَ لَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وأشارَ إلى أنَّ الجِدالَ فِيهِ مُجَرَّدُ مُكابَرَةٍ وعِنادٍ، وأنَّهُ لا يَحُفُّ بِالقُرْآنِ ما يَمْنَعُ مِنَ الإيمانِ بِهِ، كَما لَمْ يَحُفَّ بِالهُدى الَّذِي أرْسَلَ إلى الأُمَمِ ما يَمْنَعُهُمُ الإيمانَ بِهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ وظِيفَةَ الرُّسُلِ التَّبْلِيغُ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ، لا التَّصَدِّي لِلْمُجادَلَةِ؛ لِأنَّها مُجادَلَةٌ لَمْ يُقْصَدْ مِنها الِاسْتِرْشادُ، بَلِ الغايَةُ مِنها إبْطالُ الحَقِّ.
والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ في حالٍ إلّا في حالِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، والمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ جَمِيعُ الرُّسُلِ.
صفحة ٣٥٣
وجُمْلَةُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾، وكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُرْتَبِطٌ بِجُمْلَتِي ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، وتَرْتِيبُ هَذِهِ الجُمَلِ في الذِّكْرِ جارٍ عَلى تَرْتِيبِ مَعانِيها في النَّفْسِ بِحَيْثُ يُشْعِرُ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها ناشِئٌ مَعْناها عَلى مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ مُفِيدَةً مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، أيْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ لِطالِبِ الهُدى، ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا جادَلُوهُ بِالباطِلِ؛ لِإزالَةِ الحَقِّ لا لِقَصْدٍ آخَرَ، واخْتِيارُ فِعْلِ المُضارَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ، أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ المُجادَلَةِ.
والمُجادِلَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] في سُورَةِ هُودٍ.
والإدْحاضُ: الإزْلاقُ، يُقالُ: دَحَضَتِ القَدَمُ، إذا زَلَّتْ، وهو مَجازٌ في الإزالَةِ؛ لِأنَّ الرِّجْلَ إذا زَلَقَتْ زالَتْ عَنْ مَوْضِعِ تَخَطِّيها، قالَ تَعالى ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] .
وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ويُجادِلُ فَإنَّهم ما قَصَدُوا مِنَ المُجادَلَةِ الِاهْتِداءَ، ولَكِنْ أرادُوا إدْحاضَ الحَقِّ، واتِّخاذَ الآياتِ كُلِّها، وبِخاصَّةٍ آياتُ الإنْذارِ هُزُؤًا.
والهُزُؤُ: مَصْدَرُ هَزَأ، أيِ اتَّخَذُوا ذَلِكَ مُسْتَهْزَأً بِهِ، والِاسْتِهْزاءُ بِالآياتِ هو الِاسْتِهْزاءُ عِنْدَ سَماعِها، كَما يَفْعَلُونَ عِنْدَ سَماعِ آياتِ الإخْبارِ بِالبَعْثِ وعِنْدَ سَماعِ آياتِ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ.
وعَطْفُ ”وما أنْذَرُوا“ عَلى ”الآياتِ“ عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الدَّلالَةِ عَلى تَوَغُّلِ كُفْرِهِمْ وحَماقَةِ عُقُولِهِمْ.
”وما أُنْذِرُوا“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ وإنْذارُهم، والإخْبارُ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (هُزُؤًا) بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ (هُزْءًا) بِسُكُونِ الزّايِ.
الكهف 18:57
صفحة ٣٥٤
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ لَمّا بَيَّنَ حالَهم مِن مُجادَلَةِ الرُّسُلِ لِسُوءِ نِيَّةٍ، ومِنِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالإنْذارِ، وعَرَّضَ بِحَماقَتِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أشَدُّ الظُّلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ظُلْمُ المَرْءِ نَفْسَهُ، وهو أعْجَبُ الظُّلْمِ، فالَّذِينَ ذُكِّرُوا ما هم في غَفْلَةٍ عَنْهُ تَذْكِيرًا بِواسِطَةِ آياتِ اللَّهِ، وأعْرَضُوا عَنِ التَّأمُّلِ فِيها مَعَ أنَّها تُنْذِرُهم بِسُوءِ العاقِبَةِ، وشَأْنُ العاقِلِ إذا سَمِعَ مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَتَأهَّبَ لِلتَّأمُّلِ وأخْذِ الحَذَرِ، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِقُرَيْشٍ «إذا أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكم غَدًا أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ فَقالُوا: ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» .
و(مَنِ) المَجْرُورَةُ مَوْصُولَةٌ، وهي غَيْرُ خاصَّةٍ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً﴾، والمُرادُ بِها المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ فَأعْرَضُوا عَنْهُ.
وعَطْفُ إعْراضِهِمْ عَنِ الذَّكَرِ عَلى التَّذْكِيرِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ - إشارَةٌ إلى أنَّهم سارَعُوا بِالإعْراضِ ولَمْ يَتْرُكُوا لِأنْفُسِهِمْ مُهْلَةَ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ.
ومَعْنى نِسْيانِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ حالَهُ وأعْمالَهُ عَلى النَّظَرِ والفِكْرِ لِيَعْلَمَ: أهِيَ صالِحَةٌ لا تُخْشى عَواقِبُها، أمْ هي سَيِّئَةٌ مِن شَأْنِها أنْ لا يَسْلَمَ مُقْتَرِفُها مِن مُؤاخَذَةٍ، والصَّلاحُ بَيِّنٌ والفَسادُ بَيِّنٌ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الأوَّلُ مَعْرُوفًا والثّانِي مُنْكَرًا، ولا سِيَّما بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ الذِّكْرى عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ فَهم بِمَجْمُوعِ الحالَيْنِ أشَدُّ النّاسِ ظُلْمًا، ولَوْ تَفَكَّرُوا قَلِيلًا لَعَلِمُوا أنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِن لِقاءِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ.
صفحة ٣٥٥
فَـ (مِن) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم.
والنِّسْيانُ: مُسْتَعْمَلٌ في التَّغاضِي عَنِ العَمَلِ، وحَقِيقَةُ النِّسْيانِ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى ”ما قَدَّمَتْ يَداهُ“ ما أسْلَفَهُ مِنَ الأعْمالِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في القُرْآنِ في العَمَلِ السَّيِّئِ، فَصارَ جارِيًا مَجْرى المَثَلِ، قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠]، وقالَ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
والآيَةُ مَصُوغَةٌ بِصِيغَةِ العُمُومِ، والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِنها مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمُ أكِنَّةً﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ بَيانِيَّةٌ نَشَأتْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾، أيْ إنْ لَمْ تَعْلَمْ سَبَبَ نِسْيانِهِ ما قَدَّمَتْ يَداهُ فاعْلَمْ أنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً، وهو يُفِيدُ مَعْنى التَّعْلِيلِ بِالمَآلِ، ولَيْسَ مَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ التَّعْلِيلِيَّةِ.
والقُلُوبُ مُرادٌ بِها: مَدارِكُ العِلْمِ.
والأكِنَّةُ: جَمْعُ كِنانٍ، وهو الغِطاءُ؛ لِأنَّهُ يُكِنُّ الشَّيْءَ، أيْ يَحْجُبُهُ.
و”أنْ يَفْقَهُوهُ“ مَجْرُورٌ بِحَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن أنْ يَفْقَهُوهُ، لِتَضْمِينِ ”أكِنَّةً“ مَعْنى الحائِلِ أوِ المانِعِ.
والوَقْرُ: ثِقَلُ السَّمْعِ المانِعُ مِن وُصُولِ الصَّوْتِ إلى الصِّماخِ.
والضَّمِيرُ المُفْرَدُ في ”يَفْقَهُوهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ والمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآياتِ.
صفحة ٣٥٦
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، وهي مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْها، ولَكِنَّها لَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ جَعْلُ ذَلِكَ في الإخْبارِ المُسْتَقِلِّ.
وأكَّدَ نَفْيَ اهْتِدائِهِمْ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ وهو (لَنْ)، وبِلَفْظِ (أبَدًا) المُؤَكِّدِ لِمَعْنى (لَنْ)، وبِحَرْفِ الجَزاءِ المُفِيدِ تَسَبُّبَ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ.
وإنَّما حَصَلَ مَعْنى الجَزاءِ بِاعْتِبارِ تَفَرُّعِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَلى فَطْرِ قُلُوبِهِمْ عَلى عَدَمِ قَبُولِ الحَقِّ.
الكهف 18:58
﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ جَرى القُرْآنُ عَلى عادَتِهِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ والعَكْسِ، فَلَمّا رَماهم بِقَوارِعِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِالتَّذْكِيرِ بِالمَغْفِرَةِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ في مَرْضاتِهِ، ثُمَّ التَّذْكِيرَ بِأنَّهُ يَشْمَلُ الخَلْقَ بِرَحْمَتِهِ في حِينِ الوَعِيدِ فَيُؤَخِّرُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ إلى حَدٍّ مَعْلُومٍ؛ إمْهالًا لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، ويَتَدَبَّرُونَ فِيما هم فِيهِ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى فَلَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مُفْتَتَحًا بِاسْتِحْضارِ الجَلالَةِ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إيماءً إلى أنَّ مَضْمُونَ الخَبَرِ تَكْرِيمٌ لَهُ، كَقَوْلِهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
والوَجْهُ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ الغَفُورُ نَعْتًا لِلْمُبْتَدَأِ ويَكُونَ ذُو الرَّحْمَةِ هو الخَبَرُ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمَقامِ ولِما بَعْدَهُ مِن جُمْلَةِ ”لَوْ يُؤاخِذُهم“، فَيَكُونُ ذِكْرُ ”الغَفُورِ“ إدْماجًا في خِلالِ المَقْصُودِ، فَخَصَّ بِالذِّكْرِ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى اسْمَ الغَفُورِ تَعْرِيضًا بِالتَّرْغِيبِ في الِاسْتِغْفارِ.
صفحة ٣٥٧
والغَفُورُ: اسْمٌ يَتَضَمَّنُ مُبالَغَةَ الغُفْرانِ؛ لِأنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ إذْ يَغْفِرُ لِمَن لا يُحْصَوْنَ، ويَغْفِرُ ذُنُوبًا لا تُحْصى، إنْ جاءَهُ عَبْدُهُ تائِبًا مُنْكَسِرًا، عَلى أنَّ إمْهالَهُ الكُفّارَ والعُصاةَ هو أيْضًا مِن أثَرِ المَغْفِرَةِ إذْ هو مَغْفِرَةٌ مُؤَقَّتَةٌ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فَهو المَقْصُودُ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا﴾، فَلِذَلِكَ كانَتْ تِلْكَ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِاعْتِبارِ ”الغَفُورُ“ الخَبَرُ، وهو الوَصْفُ الثّانِي.
والمَعْنى: أنَّهم فِيما كَسَبُوهُ مِنَ الشِّرْكِ والعِنادِ أحْرِياءُ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُهم إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ مُقَدَّرٍ، وفي ذَلِكَ التَّأْجِيلِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ بِتَمْكِينِ بَعْضِهِمْ مِن مُهْلَةِ التَّدارُكِ، وإعادَةِ النَّظَرِ، وفِيهِ اسْتِبْقاؤُهم عَلى حالِهِمْ زَمَنًا.
فَوَصْفُ ”ذُو الرَّحْمَةِ“ يُساوِي وصْفَ (الرَّحِيمِ)؛ لِأنَّ (ذُو) رُسُوخُ النِّسْبَةِ بَيْنَ مَوْصُوفِها وما تُضافُ إلَيْهِ.
وإنَّما عَدَلَ عَنْ وصْفِ الرَّحِيمِ إلى ”ذُو الرَّحْمَةِ“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا نَعْتَ تَنْبِيهًا بِطَرِيقَةِ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ، فَإنَّ اسْمَ (الرَّحِيمِ) صارَ شَبِيهًا بِالأسْماءِ الجامِدَةِ،؛ لِأنَّهُ صِيغَ بِصِيغَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، فَبَعُدَ عَنْ مُلاحَظَةِ الِاشْتِقاقِ فِيهِ، واقْتَرَبَ مِن صِنْفِ الصِّفَةِ الذّاتِيَّةِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَنْ مَضْمُونِ جَوابِ (لَوْ)، أيْ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ إذْ لَهم مَوْعِدٌ لِلْعَذابِ مُتَأخِّرٌ، وهَذا تَهْدِيدٌ بِما يَحْصُلُ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ.
والمَوْئِلُ: مَفْعِلٌ مِن (وألَ) بِمَعْنى لَجَأ، فَهو اسْمُ مَكانٍ بِمَعْنى المَلْجَأِ.
وأكَّدَ النَّفْيَ بِـ (لَنْ) رَدًّا عَلى إنْكارِهِمْ، إذْ هم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُفْلِتُونَ مِنَ العَذابِ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ تَأخَّرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، أيْ؛ لِأنْ لا مَلْجَأ لَهم مِنَ العَذابِ دُونَ وقْتِ وعْدِهِ أوْ مَكانِ وعْدِهِ، فَهو مَلْجَؤُهم، وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ، أيْ هم غَيْرُ مُفْلِتِينِ مِنهُ.
الكهف 18:59
صفحة ٣٥٨
﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمُهْلَكِهِمْ مَوْعِدًا﴾
بَعْدَ أنْ أُزِيلَ غُرُورُهم بِتَأخُّرِ العَذابِ، وأُبْطِلَ الإفْلاتُ مِنهُ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ إمْهالٌ مِن أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ في ذَلِكَ بِحالِ أهْلِ القُرى السّالِفِينَ الَّذِينَ أخَّرَ عَنْهُمُ العَذابَ مُدَّةً، ثُمَّ لَمْ يَنْجُوا مِنهُ بِأخَرَةٍ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”بَلْ لَهم مَوْعِدٌ“ .
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ، وكافُ الخِطابِ المُتَّصِلَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ لا يُرادُ بِها مُخاطَبٌ، ولَكِنَّها مِن تَمامِ اسْمِ الإشارَةِ، وتَجْرِي عَلى ما يُناسِبُ حالَ المُخاطَبِ بِالإشارَةِ مِن واحِدٍ أوْ أكْثَرَ، والعَرَبُ يَعْرِفُونَ دِيارَ عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ ويَسْمَعُونَ بِقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَكانَتْ كالحاضِرَةِ حِينَ الإشارَةِ.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ، والمُهْلَكُ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن (أهْلَكَ)، أيْ جَعَلْنا لِإهْلاكِنا إيّاهم وقْتًا مُعَيَّنًا في عِلْمِنا إذا جاءَ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّهُ اسْمُ زَمانٍ عَلى وزْنِ مَفْعِلٍ، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِهَلَكَ.
الكهف 18:60
﴿وإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ، وأمْرِ اللَّهِ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، وما عَرَضَ لِلشَّيْطانِ مِنَ الكِبْرِ والِاعْتِزازِ بِعُنْصُرِهِ جَهْلًا بِأسْبابِ الفَضائِلِ، ومُكابَرَةً في الِاعْتِرافِ بِها وحَسَدًا في الشَّرَفِ والفَضْلِ، فَضَرَبَ بِذَلِكَ مَثَلًا لِأهْلِ الضَّلالِ عَبِيدِ الهَوى
صفحة ٣٥٩
والكِبْرِ والحَسَدِ، أعْقَبَ تِلْكَ القِصَّةَ بِقِصَّةٍ هي مَثَلٌ في ضِدِّها؛ لِأنَّ تَطَلُّبَ ذِي الفَضْلِ والكَمالِ لِلِازْدِيادِ مِنهُما وسَعْيَهُ لِلظَّفَرِ بِمَن يُبْلِغُهُ الزِّيادَةَ مِنَ الكَمالِ، اعْتِرافًا لِلْفاضِلِ بِفَضِيلَتِهِ، وفي ذَلِكَ إبْداءُ المُقابَلَةِ بَيْنَ الخُلُقَيْنِ، ولِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُماثَلَةِ والمُخالَفَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وفي خِلالِ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ العِلْمِ والهُدى، وتَرْبِيَةٌ لِلْمُتَّقِينَ.
ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ ما سَألَ المُشْرِكُونَ، والَّذِينَ أمْلَوْا عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ عَنْ قِصَّتَيْنِ، قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، وقَدْ تَقَضّى الجَوابُ عَنِ القِصَّةِ الأوْلى وما ذُيِّلَتْ بِهِ، وآنَ أنْ يَنْتَقِلَ إلى الجَوابِ عَنِ القِصَّةِ الثّانِيَةِ فَتُخْتَمَ بِذَلِكَ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ لِبَيانِ القِصَّتَيْنِ، قُدِّمَتْ لِهَذِهِ القِصَّةِ الثّانِيَةِ قِصَّةٌ لَها شَبَهٌ بِها في أنَّها تَطْوافٌ في الأرْضِ لِطَلَبِ نَفْعٍ صالِحٍ، وهي قِصَّةُ سَفَرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِطَلَبِ لِقاءِ مَن هو عَلى عِلْمٍ لا يَعْلَمُهُ مُوسى، وفي سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ تَعْرِيضٌ بِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّ الأوْلى لَهم أنْ يَدُلُّوا النّاسَ عَلى أخْبارِ أنْبِياءِ إسْرائِيلَ وعَلى سَفَرٍ لِأجْلِ تَحْصِيلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لا سَفَرٍ لِأجْلِ بَسْطِ المُلْكِ والسُّلْطانِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [الكهف: ٥٠] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الزَّمَنَ، وما جَرى فِيهِ، وناسَبَها تَقْدِيرُ فِعْلِ ”اذْكُرْ“؛ لِأنَّ في هَذِهِ القِصَّةِ مَوْعِظَةً وذِكْرى كَما في قِصَّةِ خَلْقِ آدَمَ.
فانْتُصِبَ (إذْ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ.
والفَتى: الذَّكَرُ الشّابُّ، والأُنْثى فَتاةٌ، وهو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في التّابِعِ والخادِمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ [يوسف: ٣٠] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وفَتى مُوسى: خادِمُهُ وتابِعُهُ، فَإضافَةُ الفَتى إلى ضَمِيرِ مُوسى عَلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ، كَما يُقالُ: غُلامُهُ، وفَتى مُوسى هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِن سِبْطِ
صفحة ٣٦٠
أفْرايمَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ابْنُ أُخْتِ مُوسى، كانَ اسْمُهُ الأصْلِيُّ هُوشَعُ فَدَعاهُ مُوسى حِينَ بَعَثَهُ لِلتَّجَسُّسِ في أرْضِ كَنْعانَ يُوشَعَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ في الِاسْمِ تَلَطُّفٌ بِهِ، كَما «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي هُرَيْرَةَ يا أبا هِرٍّ»، وفي التَّوْراةِ: أنَّ إبْراهِيمَ كانَ اسْمُهُ أبْرامَ فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِخِصالِ الفِطْرَةِ دَعاهُ إبْراهامَ.
ولَعَلَّ هَذِهِ التَّغْيِيراتِ في العِبْرانِيَّةِ تُفِيدُ مَعانِيَ غَيْرَ مَعانِي الأسْماءِ الأُولى، فَتَكُونُ كَما «دَعا النَّبِيءُ ﷺ زيدَ الخَيْلِ زَيْدَ الخَيْرِ» .
ويُوشَعُ أحَدُ الرِّجالِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَجَسَّسُوا في أرْضِ كَنْعانَ في جِهاتِ حَلَبَ وحَبْرُونَ، ويَخْتَبِرُوا بَأْسَ أهْلِها وخَيْراتِ أرْضِها، ومَكَثُوا أرْبَعِينَ يَوْمًا في التَّجَسُّسِ، وهو أحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ شَجَّعا بَنِي إسْرائِيلَ عَلى دُخُولِ أرْضِ كَنْعانَ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما القُرْآنُ في آيَةِ ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣] .
كانَ مِيلادُ يُوشَعَ في حُدُودِ سَنَةِ ١٤٦٣ قَبْلَ المَسِيحِ، ووَفاتُهُ في حُدُودِ سَنَةِ ١٣٥٣ وعَمَّرَ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ قَرَّبَهُ إلى نَفْسِهِ، واتَّخَذَهُ تِلْمِيذًا وخادِمًا، ومِثْلُ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ يُوصَفُ صاحِبُهُ بِمِثْلِ فَتًى أوْ غُلامٍ، ومِنهُ وصْفُهُمُ الإمامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الواحِدِ المُطَرِّزَ النَّحْوِيَّ اللُّغَوِيَّ غُلامَ ثَعْلَبٍ؛ لِشِدَّةِ اتِّصالِهِ بِالإمامِ أحْمَدَ بْنِ يَحْيى الشَّيْبانِيِّ المُلَقَّبِ بِثَعْلَبٍ.
وكانَ يُوشَعُ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ عَهِدَ إلَيْهِما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُقَسِّما الأرْضَ بَيْنَ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمَرَ اللَّهُ مُوسى بِأنْ يَعْهَدَ إلى يُوشَعَ بِتَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ بَعْدَ وفاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَعَهِدَ إلَيْهِ مُوسى بِذَلِكَ فَصارَ نَبِيئًا مِن يَوْمِئِذٍ، ودَبَّرَ أمْرَ الأُمَّةِ بَعْدَ مُوسى سَبْعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وكِتابُ يُوشَعَ هو أوَّلُ كُتُبِ الأنْبِياءِ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وابْتُدِئَتِ القِصَّةُ بِحِكايَةِ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُقْتَضِي تَصْمِيمًا عَلى أنْ لا يَزُولَ عَمّا هو فِيهِ، أيْ لا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ آخَرَ حَتّى يَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ،
صفحة ٣٦١
ابْتِداءً عَجِيبًا في بابِ الإيجازِ، فَإنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في عَمَلٍ نِهايَتُهُ البُلُوغُ إلى مَكانٍ، فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ هو سَيْرُ سَفَرٍ.
ويَدُلُّ عَلى أنَّ فَتاهُ اسْتَعْظَمَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ وخَشِيَ أنْ تَنالَهُما فِيها مَشَقَّةٌ تَعُوقُهُما عَنْ إتْمامِها، أوْ هو بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُها لِلْعِلْمِ بِأنَّها رِحْلَةٌ بَعِيدَةٌ، وذَلِكَ شَأْنُ أسْبابِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَكانَ الَّذِي يَسِيرُ إلَيْهِ مَكانٌ يَجِدُ عِنْدَهُ مَطْلَبَهُ.
و”أبْرَحُ“ مُضارِعُ بَرِحَ بِكَسْرِ الرّاءِ، بِمَعْنى زالَ يَزُولُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتُعِيرَ لا أبْرَحُ لِمَعْنى: لا أتْرُكُ، أوْ لا أكُفُّ عَنِ السَّيْرِ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُضارِعُ (بَرِحَ) الَّذِي هو فِعْلٌ ناقِصٌ لا يُسْتَعْمَلُ ناقِصًا إلّا مَعَ النَّفْيِ، ويَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا بِقَرِينَةِ الكَلامِ، أيْ لا أبْرَحُ سائِرًا، وعَنِ (الرَّضِيِّ) أنَّ حَذْفَ خَبَرِها قَلِيلٌ.
وحَذْفُ ذِكْرِ الغَرَضِ الَّذِي سارَ لِأجْلِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ سَيُذْكَرُ بَعْدُ، وهو حَذْفُ إيجازٍ وتَشْوِيقٍ، لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ؛ لِإخْراجِها عَنْ مَطْرُوقِ القِصَصِ إلى أُسْلُوبِ بَدِيعِ الحِكَمِ والأمْثالِ قَضاءً لِحَقِّ بَلاغَةِ الإعْجازِ.
وتَفْصِيلُ هَذِهِ القِصَّةِ وارِدٌ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ: عَمْرِو بْنِ دِينارٍ ويَعْلى بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قامَ خَطِيبًا في بَنِي إسْرائِيلَ فَسُئِلَ: أيُّ النّاسِ أعْلَمُ ؟ فَقالَ: أنا، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: بَلى، عَبْدُنا خَضِرٌ هو أعْلَمُ مِنكَ، قالَ: فَأيْنَ هو ؟ قالَ: بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ اجْعَلْ لِي عَلَمًا أُعَلِّمُ ذَلِكَ بِهِ، قالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فَحَيْثُ ما فَقَدْتَ الحُوتَ فَهو ثَمَّ، فَأخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، وقالَ لِفَتاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ: لا أُكَلِّفُكَ إلّا أنْ تُخْبِرَنِي بِحَيْثُ يُفارِقُكَ الحُوتُ، قالَ أيْ فَتاهُ: ما كَلَّفْتَ كَثِيرًا، ثُمَّ انْطَلَقَ، وانْطَلَقَ بِفَتاهُ حَتّى إذا أتَيا الصَّخْرَةَ وضَعا رُءُوسَهُما فَناما، واضْطَرَبَ الحُوتُ في المِكْتَلِ
صفحة ٣٦٢
فَخَرَجَ مِنهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا، ومُوسى نائِمٌ، فَقالَ فَتاهُ - وكانَ لَمْ يَنَمْ -: لا أُوقِظُهُ، وأمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ فَصارَ الماءُ عَلَيْهِ مِثْلَ الطّاقِ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ مُوسى نَسِيَ صاحِبُهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِالحُوتِ، فانْطَلَقا بَقِيَّةَ يَوْمِهِما ولَيْلَتِهِما، حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَتاهُ: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا، قالَ: ولَمْ يَجِدْ مُوسى النَّصَبَ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ أيْ لِأنَّ اللَّهَ مُيَسِّرٌ أسْبابَ الِامْتِثالِ لِأوْلِيائِهِ، فَقالَ لَهُ فَتاهُ: ﴿أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهِ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]، قالَ: فَكانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا ولِمُوسى ولِفَتاهُ عَجَبًا، فَقالَ مُوسى: ”ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا“ قالَ: رَجَعا يَقُصّانِ آثارَهُما حَتّى انْتَهى إلى الصَّخْرَةِ، فَإذا رَجُلٌ مُسَجًّى ثَوْبًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى، فَقالَ الخَضِرُ: وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ» الحَدِيثَ.
قَوْلُهُ (وأنّى بِأرْضِكَ السَّلامُ) اسْتِفْهامُ تَعَجُّبٍ، والكافُ خِطابٌ لِلَّذِي سَلَّمَ عَلَيْهِ فَكانَ الخَضِرُ يَظُنُّ ذَلِكَ المَكانَ لا يُوجَدُ بِهِ قَوْمٌ تَحِيَّتُهُمُ السَّلامُ، إمّا لِكَوْنِ ذَلِكَ المَكانِ كانَ خَلاءً، وإمّا لِكَوْنِهِ مَأْهُولًا بِأُمَّةٍ لَيْسَتْ تَحِيَّتُهُمُ السَّلامَ.
وإنَّما أمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الحُوتِ جَرْيَةَ الماءِ؛ لِيَكُونَ آيَةً مَشْهُودَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفَتاهُ زِيادَةً في أسْبابِ قُوَّةِ يَقِينِهِما، ولِأنَّ المَكانَ لَمّا كانَ ظَرْفًا لِظُهُورِ مُعْجِزاتِ عِلْمِ النُّبُوءَةِ ناسَبَ أنْ يُحَفَّ بِهِ ما هو خارِقٌ لِلْعادَةِ؛ إكْرامًا لِنُزَلاءِ ذَلِكَ المَكانِ.
ومَجْمَعُ البَحْرَيْنِ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في أنَّهُ مَكانٌ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَصَبُّ نَهْرِ الأُرْدُنِّ في بُحَيْرَةِ (طَبَرِيَّةَ) فَإنَّهُ النَّهْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَمُرُّ بِجانِبِ الأرْضِ الَّتِي نَزَلَ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمُهُ، وكانَتْ تُسَمّى عِنْدَ الإسْرائِيلِيِّينَ بَحْرَ الجَلِيلِ، فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَلَغَ إلَيْهِ بَعْدَ مَسِيرِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ راجِلًا؛ فَعَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَكانًا بَعِيدًا جِدًّا، وأرادَ مُوسى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ المَكانَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَجِدَ فِيهِ العَبْدَ الَّذِي هو أعْلَمُ مِنهُ فَجَعَلَهُ مِيقاتًا لَهُ.
صفحة ٣٦٣
ومَعْنى كَوْنِ هَذا العَبْدِ أعْلَمَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ يَعْلَمُ عُلُومًا مِن مُعامَلَةِ النّاسِ لَمْ يُعَلِّمْها اللَّهُ لِمُوسى، فالتَّفاوُتُ في العِلْمِ في هَذا المَقامِ تَفاوُتٌ بِفُنُونِ العُلُومِ، وهو تَفاوُتٌ نِسْبِيٌّ.
والخَضِرُ: اسْمُ رَجُلٍ صالِحٍ، قِيلَ: هو نَبِيءٌ مِن أحْفادِ عابِرَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ، فَهو الخَضِرُ بْنُ مَلْكانَ بْنِ فالِغَ بْنِ عابِرَ، فَيَكُونُ ابْنَ عَمِّ الجَدِّ الثّانِي لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: الخَضِرُ لَقَبُهُ، وأمّا اسْمُهُ فَهو (بَلْيا) بِمُوَحَّدَةٍ أوْ (إيلْيا) بِهَمْزَةٍ وتَحْتِيَّةٍ.
واتَّفَقَ النّاسُ عَلى أنَّهُ كانَ مِنَ المُعَمِّرِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا اخْتِلافًا لَمْ يُبْنَ عَلى أدِلَّةٍ مَقْبُولَةٍ مُتَعارَفَةٍ، ولَكِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى أقْوالِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، وهي لا يَنْبَغِي اعْتِمادُها؛ لِكَثْرَةِ ما يَقَعُ في كَلامِهِمْ مِنَ الرُّمُوزِ، والخَلْطِ بَيْنَ الحَياتَيْنِ الرُّوحِيَّةِ والمادِّيَّةِ، والمُشاهَداتِ الحِسِّيَّةِ والكَشْفِيَّةِ، وقَدْ جَعَلُوهُ رَمْزَ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ كَما سَيَأْتِي.
وزَعَمَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ الخَضِرَ هو (جِرْجِسْ): وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عِيسُو بْنِ إسْحاقَ، وقِيلَ: هو نَبِيءٌ بُعِثَ بَعْدَ شُعَيْبٍ.
و(جِرْجِسْ) المَعْنى هو المَعْرُوفُ باسِمِ (مارِجِرْجِسْ)، والعَرَبُ يُسَمُّونَهُ: مارِسَرْجِسَ كَما في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، وهو مِن أهْلِ فِلَسْطِينَ وُلِدَ في الرَّمْلَةِ في النِّصْفِ الآخِرِ مِنَ القَرْنِ الثّالِثِ بَعْدَ مَوْلِدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتُوُفِّيَ سَنَةَ ٣٠٣ وهو مِنَ الشُّهَداءِ، وهَذا يُنافِي كَوْنَهُ في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والخَضِرُ لَقَبٌ لَهُ، أيِ المَوْصُوفُ بِالخُضْرَةِ، وهي رَمْزُ البَرَكَةِ، قِيلَ: لُقِّبَ خَضِرًا؛ لِأنَّهُ كانَ إذا جَلَسَ عَلى الأرْضِ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، أيِ اخْضَرَّ بِالنَّباتِ مِن أثَرِ بَرَكَتِهِ، وفي دائِرَةِ المَعارِفِ الإسْلامِيَّةِ ذُكِرَتْ تَخَرُّصاتٌ تُلْصِقُ قِصَّةَ الخَضِرِ بِقِصَصٍ، بَعْضُها فارِسِيَّةٌ، وبَعْضُها رُومانِيَّةٌ، وما رائِدُهُ في ذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ التَّشابُهِ في بَعْضِ أحْوالِ القِصَصِ، وذَلِكَ التَّشابُهُ لا تَخْلُو عَنْهُ الأساطِيرُ والقِصَصُ، فَلا يَنْبَغِي إطْلاقُ الأوْهامِ وراءَ أمْثالِها.
صفحة ٣٦٤
والمُحَقَّقُ أنَّ قِصَّةَ الخَضِرِ ومُوسى يَهُودِيَّةُ الأصْلِ، ولَكِنَّها غَيْرُ مَسْطُورَةٍ في كُتُبِ اليَهُودِ المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّوْراةِ أوِ العَهْدِ القَدِيمِ، ولَعَلَّ عَدَمَ ذِكْرِها في تِلْكَ الكُتُبِ هو الَّذِي أقْدَمَ (نَوْفًا البِكالِيَّ) عَلى أنْ قالَ: إنَّ مُوسى المَذْكُورَ في هَذِهِ الآياتِ هو غَيْرُ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ كَما ذُكِرَ ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كَذَّبَ نَوْفًا، وساقَ الحَدِيثَ المُتَقَدِّمَ.
وقَدْ كانَ سَبَبُ ذِكْرِها في القُرْآنِ سُؤالَ نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ أوْ مَن لَقَّنَهُمُ اليَهُودُ إلْقاءَ السُّؤالِ فِيها عَلى الرَّسُولِ ﷺ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
واخْتَلَفَ اليَهُودُ في أنَّ صاحِبَ الخَضِرِ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ الرَّسُولُ، وأنَّ فَتاهُ هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَقِيلَ: نَعَمْ، وقَدْ تَأيَّدَ ذَلِكَ بِما رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقِيلَ: هو رَجُلٌ آخَرُ اسْمُهُ مُوسى بْنُ مِيشا أوْ مِنسَهْ بْنُ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وقَدْ زَعَمَ بَعْضُ عُلَماءِ الإسْلامِ أنَّ الخَضِرَ لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ وعُدَّ مِن صَحابَتِهِ، وذَلِكَ تَوَهُّمٌ، وتَتَبُّعٌ لِخَيالِ القَصّاصِينَ، وسُمِّيَ الخَضِرُ بَلْيا بْنَ مِلْكانْ أوْ إيلْيا أوْ إلْياسَ، فَقِيلَ: إنَّ الخَضِرَ هو إلْياسُ المَذْكُورُ في سُورَةِ يس.
ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَضِرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِشَرِيعَةِ مُوسى ويُقِرُّهُ مُوسى عَلى أفْعالٍ لا تُبِيحُها شَرِيعَتُهُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ نَبِيئًا مُوحًى إلَيْهِ بِوَحْيٍ خاصٍّ، وعَلِمَ مُوسى أنَّهُ مِن أُمَّةٍ غَيْرُ مَبْعُوثٍ مُوسى إلَيْها، ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ مِمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: بَلى عَبْدُنا خَضِرٌ هو أعْلَمُ مِنكَ، كَما في حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ ما رَأى مِن أعْمالِهِ الَّتِي تُخالِفُ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهُ كانَ عَلى شَرِيعَةٍ أُخْرى (أُمَّةً وحْدَهُ)، وأمّا وُجُودُهُ في أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ فَهو مِنَ السِّياحَةِ في العِبادَةِ، أوْ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَحْضُرَ في المَكانِ الَّذِي قَدَّرَهُ لِلِقاءِ مُوسى؛ رِفْقًا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة ٣٦٥
ومَعْنى ”أوْ أمْضِيَ“ أوْ أسِيرَ، والمُضِيُّ: الذَّهابُ والسَّيْرُ، والحُقُبُ بِضَمَّتَيْنِ اسْمُ لِلزَّمانِ الطَّوِيلِ، غَيْرُ مُنْحَصِرِ المِقْدارِ، وجَمْعُهُ أحْقابٌ.
وعُطِفَ ”أمْضِي“ عَلى ”أبْلُغَ“ بِـ (أوْ) فَصارَ المَعْطُوفُ إحْدى غايَتَيْنِ لِلْإقْلاعِ عَنِ السَّيْرِ، أيْ: إمّا أنْ أبْلُغَ المَكانَ أوْ أمْضِيَ زَمَنًا طَوِيلًا، ولَمّا كانَ مُوسى لا يُخامِرُهُ الشَّكُّ في وُجُودِ مَكانٍ هو مَجْمَعٌ لِلْبَحْرَيْنِ وإلْقاءُ طِلْبَتِهِ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِحَرْفِ التَّرْدِيدِ تَأْكِيدَ مُضِيِّهِ زَمَنًا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الوُصُولُ إلى مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، فالمَعْنى: لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ بِسَيْرٍ قَرِيبٍ أوْ أسِيرُ أزْمانًا طَوِيلَةً، فَإنِّي بالِغٌ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وكَأنَّهُ أرادَ بِهَذا تَأْيِيسَ فَتاهُ مِن مُحاوَلَةِ رُجُوعِهِما، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ”لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا“ .
أوْ أرادَ شَحْذَ عَزِيمَةِ فَتاهُ؛ لِيُساوِيَهُ في صِحَّةِ العَزْمِ حَتّى يَكُونا عَلى عَزْمٍ مُتَّحِدٍ.
الكهف 18:61
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفَصِيحَةُ؛ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَسارا حَتّى بَلَغا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وضَمِيرُ ”بَيْنَهُما“ عائِدٌ إلى البَحْرِينِ، أيْ مَحَلًّا يَجْمَعُ بَيْنَ البَحْرَيْنِ، وأُضِيفَ (مَجْمَعُ) إلى (بَيْنَ) عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، فَإنَّ (بَيْنَ) اسْمٌ لِمَكانٍ
صفحة ٣٦٦
مُتَوَسِّطِ شَيْئَيْنِ، وشَأْنُهُ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ مَكانٍ مُتَوَسِّطٍ إمّا بِالإضافَةِ كَما هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وهو بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ أوِ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَعْمُولِهِ، أوْ بِدُونِ إضافَةٍ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِرَفْعِ (بَيْنُكم) .
والحُوتُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِاسْتِصْحابِهِ مَعَهُ؛ لِيَكُونَ لَهُ عَلامَةً عَلى المَكانِ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ، كَما تَقَدَّمَ في سِياقِ الحَدِيثِ، والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى نِسْيانِهِما أنَّهُما نَسِيا أنْ يُراقِبا حالَهُ؛ أباقٍ هو في مِكْتَلِهِ حِينَئِذٍ ؟ حَتّى إذا فَقَداهُ في مَقامِهِما ذَلِكَ تَحَقَّقا أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي فَقَداهُ هو المَوْضِعُ المُوَقَّتُ لَهُما بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَلا يَزِيدا تَعَبًا في المَشْيِ، فَإسْنادُ النِّسْيانِ إلَيْهِما حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ يُوشَعَ - وإنْ كانَ هو المُوكَلُ بِحِفْظِ الحُوتِ - فَكانَ عَلَيْهِ مُراقَبَتُهُ إلّا أنَّ مُوسى هو القاصِدُ لِهَذا العَمَلِ، فَكانَ يَهُمُّهُ تَعَهُّدُهُ ومُراقَبَتُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ العَمَلِ أوِ الحاجَةِ إذا وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ لا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ تَعَهُّدِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ، وبَقِيَ فَتاهُ يَقْظانَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ، وجَعَلَ لِنَفْسِهِ طَرِيقًا في البَحْرِ.
والسَّرَبُ: النَّفَقُ، والِاتِّخاذُ: الجَعْلُ، وقَدِ انْتَصَبَ سَرَبًا عَلى الحالِ مِن سَبِيلِهِ مُرادًا بِالحالِ التَّشْبِيهُ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
إذا قامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنهُما نَسِيمَ الصِّبا جاءَتْ بِرِيّا القَرَنْفُلِ
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ كَيْفَ اتَّخَذَ البَحْرَ سَرَبًا في الحَدِيثِ السّابِقِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ ”جاوَزا“ لِلْعِلْمِ، أيْ: جاوَزا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ.
والغَداءُ: طَعامُ النَّهارِ مُشْتَقٌّ مِن كَلِمَةِ الغُدْوَةِ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ في وقْتِ الغُدْوَةِ، وضِدُّهُ العَشاءُ، وهو طَعامُ العَشِيِّ، والنَّصَبُ التَّعَبُ،
صفحة ٣٦٧
والصَّخْرَةُ: صَخْرَةٌ مَعْهُودَةٌ لَهُما، إذْ كانا قَدْ أوَيا إلَيْها في سَيْرِهِما فَجَلَسا عَلَيْها، وكانَتْ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قِيلَ: إنَّ مَوْضِعَها دُونَ نَهْرٍ، يُقالُ لَهُ نَهْرُ الزَّيْتِ؛ لِكَثْرَةِ ما عِنْدَهُ مِن شَجَرِ الزَّيْتُونِ.
وقَوْلُهُ ”نَسِيتُ الحُوتَ“ أيْ نَسِيتُ حِفْظَهُ وافْتِقادَهُ، أيْ: فانْقَلَبَ في البَحْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾، هَذا نِسْيانٌ آخَرُ غَيْرُ النِّسْيانِ الأوَّلِ، فَهَذا نِسْيانُ ذِكْرِ الإخْبارِ عَنْهُ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما أنْسانِيهُ﴾ بِضَمِّ هاءِ الضَّمِيرِ عَلى أصْلِ الضَّمِيرِ وهي لُغَةٌ، والكَسْرُ أشْهَرُ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الكَسْرَةِ بَعْدَ الياءِ أخَفُّ.
و”أنْ أذْكُرَهُ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ ”أنْسانِيهِ“ لا مِنَ الحُوتِ، والمَعْنى: ما أنْسانِي أنْ أذْكُرَهُ لَكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالذِّكْرُ هُنا ذِكْرُ اللِّسانِ.
ووَجْهُ حَصْرِهِ إسْنادَ هَذا الإنْساءِ إلى الشَّيْطانِ: أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن نِسْيانِ أنْ يُخْبِرَ مُوسى بِتِلْكَ الحادِثَةِ نِسْيانٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في زَمَنٍ قَرِيبٍ مَعَ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِالأمْرِ المَنسِيِّ، وشِدَّةِ عِنايَتِهِ بِإخْبارِ نَبِيِّهِ بِهِ، ومَعَ كَوْنِ المَنسِيِّ أُعْجُوبَةً شَأْنُها أنْ لا تُنْسى يَتَعَيَّنُ أنَّ الشَّيْطانَ يَسُوءُهُ التِقاءُ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ، وما لَهُ مِنَ الأثَرِ في بَثِّ العُلُومِ الصّالِحَةِ، فَهو يَصْرِفُ عَنْها، ولَوْ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِها طَمَعًا في حُدُوثِ العَوائِقِ.
وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ“ وهي بَقِيَّةُ كَلامِ فَتى مُوسى، أيْ وأنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ، أيْ سَبَحَ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيِّتًا زَمَنًا طَوِيلًا.
وقَوْلُهُ ”عَجَبًا“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهي مِن حِكايَةِ قَوْلِ الفَتى، أيْ أعْجَبُ لَهُ عَجَبًا، فانْتَصَبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ.
الكهف 18:62
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفَصِيحَةُ؛ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَسارا حَتّى بَلَغا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وضَمِيرُ ”بَيْنَهُما“ عائِدٌ إلى البَحْرِينِ، أيْ مَحَلًّا يَجْمَعُ بَيْنَ البَحْرَيْنِ، وأُضِيفَ (مَجْمَعُ) إلى (بَيْنَ) عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، فَإنَّ (بَيْنَ) اسْمٌ لِمَكانٍ
صفحة ٣٦٦
مُتَوَسِّطِ شَيْئَيْنِ، وشَأْنُهُ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ مَكانٍ مُتَوَسِّطٍ إمّا بِالإضافَةِ كَما هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وهو بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ أوِ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَعْمُولِهِ، أوْ بِدُونِ إضافَةٍ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِرَفْعِ (بَيْنُكم) .
والحُوتُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِاسْتِصْحابِهِ مَعَهُ؛ لِيَكُونَ لَهُ عَلامَةً عَلى المَكانِ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ، كَما تَقَدَّمَ في سِياقِ الحَدِيثِ، والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى نِسْيانِهِما أنَّهُما نَسِيا أنْ يُراقِبا حالَهُ؛ أباقٍ هو في مِكْتَلِهِ حِينَئِذٍ ؟ حَتّى إذا فَقَداهُ في مَقامِهِما ذَلِكَ تَحَقَّقا أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي فَقَداهُ هو المَوْضِعُ المُوَقَّتُ لَهُما بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَلا يَزِيدا تَعَبًا في المَشْيِ، فَإسْنادُ النِّسْيانِ إلَيْهِما حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ يُوشَعَ - وإنْ كانَ هو المُوكَلُ بِحِفْظِ الحُوتِ - فَكانَ عَلَيْهِ مُراقَبَتُهُ إلّا أنَّ مُوسى هو القاصِدُ لِهَذا العَمَلِ، فَكانَ يَهُمُّهُ تَعَهُّدُهُ ومُراقَبَتُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ العَمَلِ أوِ الحاجَةِ إذا وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ لا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ تَعَهُّدِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ، وبَقِيَ فَتاهُ يَقْظانَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ، وجَعَلَ لِنَفْسِهِ طَرِيقًا في البَحْرِ.
والسَّرَبُ: النَّفَقُ، والِاتِّخاذُ: الجَعْلُ، وقَدِ انْتَصَبَ سَرَبًا عَلى الحالِ مِن سَبِيلِهِ مُرادًا بِالحالِ التَّشْبِيهُ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
إذا قامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنهُما نَسِيمَ الصِّبا جاءَتْ بِرِيّا القَرَنْفُلِ
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ كَيْفَ اتَّخَذَ البَحْرَ سَرَبًا في الحَدِيثِ السّابِقِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ ”جاوَزا“ لِلْعِلْمِ، أيْ: جاوَزا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ.
والغَداءُ: طَعامُ النَّهارِ مُشْتَقٌّ مِن كَلِمَةِ الغُدْوَةِ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ في وقْتِ الغُدْوَةِ، وضِدُّهُ العَشاءُ، وهو طَعامُ العَشِيِّ، والنَّصَبُ التَّعَبُ،
صفحة ٣٦٧
والصَّخْرَةُ: صَخْرَةٌ مَعْهُودَةٌ لَهُما، إذْ كانا قَدْ أوَيا إلَيْها في سَيْرِهِما فَجَلَسا عَلَيْها، وكانَتْ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قِيلَ: إنَّ مَوْضِعَها دُونَ نَهْرٍ، يُقالُ لَهُ نَهْرُ الزَّيْتِ؛ لِكَثْرَةِ ما عِنْدَهُ مِن شَجَرِ الزَّيْتُونِ.
وقَوْلُهُ ”نَسِيتُ الحُوتَ“ أيْ نَسِيتُ حِفْظَهُ وافْتِقادَهُ، أيْ: فانْقَلَبَ في البَحْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾، هَذا نِسْيانٌ آخَرُ غَيْرُ النِّسْيانِ الأوَّلِ، فَهَذا نِسْيانُ ذِكْرِ الإخْبارِ عَنْهُ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما أنْسانِيهُ﴾ بِضَمِّ هاءِ الضَّمِيرِ عَلى أصْلِ الضَّمِيرِ وهي لُغَةٌ، والكَسْرُ أشْهَرُ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الكَسْرَةِ بَعْدَ الياءِ أخَفُّ.
و”أنْ أذْكُرَهُ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ ”أنْسانِيهِ“ لا مِنَ الحُوتِ، والمَعْنى: ما أنْسانِي أنْ أذْكُرَهُ لَكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالذِّكْرُ هُنا ذِكْرُ اللِّسانِ.
ووَجْهُ حَصْرِهِ إسْنادَ هَذا الإنْساءِ إلى الشَّيْطانِ: أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن نِسْيانِ أنْ يُخْبِرَ مُوسى بِتِلْكَ الحادِثَةِ نِسْيانٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في زَمَنٍ قَرِيبٍ مَعَ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِالأمْرِ المَنسِيِّ، وشِدَّةِ عِنايَتِهِ بِإخْبارِ نَبِيِّهِ بِهِ، ومَعَ كَوْنِ المَنسِيِّ أُعْجُوبَةً شَأْنُها أنْ لا تُنْسى يَتَعَيَّنُ أنَّ الشَّيْطانَ يَسُوءُهُ التِقاءُ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ، وما لَهُ مِنَ الأثَرِ في بَثِّ العُلُومِ الصّالِحَةِ، فَهو يَصْرِفُ عَنْها، ولَوْ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِها طَمَعًا في حُدُوثِ العَوائِقِ.
وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ“ وهي بَقِيَّةُ كَلامِ فَتى مُوسى، أيْ وأنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ، أيْ سَبَحَ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيِّتًا زَمَنًا طَوِيلًا.
وقَوْلُهُ ”عَجَبًا“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهي مِن حِكايَةِ قَوْلِ الفَتى، أيْ أعْجَبُ لَهُ عَجَبًا، فانْتَصَبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ.
الكهف 18:63
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والفَصِيحَةُ؛ لِأنَّها تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ، أيْ فَسارا حَتّى بَلَغا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ، وضَمِيرُ ”بَيْنَهُما“ عائِدٌ إلى البَحْرِينِ، أيْ مَحَلًّا يَجْمَعُ بَيْنَ البَحْرَيْنِ، وأُضِيفَ (مَجْمَعُ) إلى (بَيْنَ) عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ، فَإنَّ (بَيْنَ) اسْمٌ لِمَكانٍ
صفحة ٣٦٦
مُتَوَسِّطِ شَيْئَيْنِ، وشَأْنُهُ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْفِعْلِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ مَكانٍ مُتَوَسِّطٍ إمّا بِالإضافَةِ كَما هُنا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وهو بِمَنزِلَةِ إضافَةِ المَصْدَرِ أوِ اسْمِ الفاعِلِ إلى مَعْمُولِهِ، أوْ بِدُونِ إضافَةٍ تَوَسُّعًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِرَفْعِ (بَيْنُكم) .
والحُوتُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى بِاسْتِصْحابِهِ مَعَهُ؛ لِيَكُونَ لَهُ عَلامَةً عَلى المَكانِ الَّذِي فِيهِ الخَضِرُ، كَما تَقَدَّمَ في سِياقِ الحَدِيثِ، والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومَعْنى نِسْيانِهِما أنَّهُما نَسِيا أنْ يُراقِبا حالَهُ؛ أباقٍ هو في مِكْتَلِهِ حِينَئِذٍ ؟ حَتّى إذا فَقَداهُ في مَقامِهِما ذَلِكَ تَحَقَّقا أنَّ ذَلِكَ المَوْضِعَ الَّذِي فَقَداهُ هو المَوْضِعُ المُوَقَّتُ لَهُما بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَلا يَزِيدا تَعَبًا في المَشْيِ، فَإسْنادُ النِّسْيانِ إلَيْهِما حَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ يُوشَعَ - وإنْ كانَ هو المُوكَلُ بِحِفْظِ الحُوتِ - فَكانَ عَلَيْهِ مُراقَبَتُهُ إلّا أنَّ مُوسى هو القاصِدُ لِهَذا العَمَلِ، فَكانَ يَهُمُّهُ تَعَهُّدُهُ ومُراقَبَتُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ العَمَلِ أوِ الحاجَةِ إذا وكَلَهُ إلى غَيْرِهِ لا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ تَعَهُّدِهِ، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ، وبَقِيَ فَتاهُ يَقْظانَ فاضْطَرَبَ الحُوتُ، وجَعَلَ لِنَفْسِهِ طَرِيقًا في البَحْرِ.
والسَّرَبُ: النَّفَقُ، والِاتِّخاذُ: الجَعْلُ، وقَدِ انْتَصَبَ سَرَبًا عَلى الحالِ مِن سَبِيلِهِ مُرادًا بِالحالِ التَّشْبِيهُ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
إذا قامَتا تَضَوَّعَ المِسْكُ مِنهُما نَسِيمَ الصِّبا جاءَتْ بِرِيّا القَرَنْفُلِ
وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ كَيْفَ اتَّخَذَ البَحْرَ سَرَبًا في الحَدِيثِ السّابِقِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ ”جاوَزا“ لِلْعِلْمِ، أيْ: جاوَزا مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ.
والغَداءُ: طَعامُ النَّهارِ مُشْتَقٌّ مِن كَلِمَةِ الغُدْوَةِ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ في وقْتِ الغُدْوَةِ، وضِدُّهُ العَشاءُ، وهو طَعامُ العَشِيِّ، والنَّصَبُ التَّعَبُ،
صفحة ٣٦٧
والصَّخْرَةُ: صَخْرَةٌ مَعْهُودَةٌ لَهُما، إذْ كانا قَدْ أوَيا إلَيْها في سَيْرِهِما فَجَلَسا عَلَيْها، وكانَتْ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قِيلَ: إنَّ مَوْضِعَها دُونَ نَهْرٍ، يُقالُ لَهُ نَهْرُ الزَّيْتِ؛ لِكَثْرَةِ ما عِنْدَهُ مِن شَجَرِ الزَّيْتُونِ.
وقَوْلُهُ ”نَسِيتُ الحُوتَ“ أيْ نَسِيتُ حِفْظَهُ وافْتِقادَهُ، أيْ: فانْقَلَبَ في البَحْرِ.
وقَوْلُهُ ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾، هَذا نِسْيانٌ آخَرُ غَيْرُ النِّسْيانِ الأوَّلِ، فَهَذا نِسْيانُ ذِكْرِ الإخْبارِ عَنْهُ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وما أنْسانِيهُ﴾ بِضَمِّ هاءِ الضَّمِيرِ عَلى أصْلِ الضَّمِيرِ وهي لُغَةٌ، والكَسْرُ أشْهَرُ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الكَسْرَةِ بَعْدَ الياءِ أخَفُّ.
و”أنْ أذْكُرَهُ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ ”أنْسانِيهِ“ لا مِنَ الحُوتِ، والمَعْنى: ما أنْسانِي أنْ أذْكُرَهُ لَكَ إلّا الشَّيْطانُ، فالذِّكْرُ هُنا ذِكْرُ اللِّسانِ.
ووَجْهُ حَصْرِهِ إسْنادَ هَذا الإنْساءِ إلى الشَّيْطانِ: أنَّ ما حَصَلَ لَهُ مِن نِسْيانِ أنْ يُخْبِرَ مُوسى بِتِلْكَ الحادِثَةِ نِسْيانٌ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ في زَمَنٍ قَرِيبٍ مَعَ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِالأمْرِ المَنسِيِّ، وشِدَّةِ عِنايَتِهِ بِإخْبارِ نَبِيِّهِ بِهِ، ومَعَ كَوْنِ المَنسِيِّ أُعْجُوبَةً شَأْنُها أنْ لا تُنْسى يَتَعَيَّنُ أنَّ الشَّيْطانَ يَسُوءُهُ التِقاءُ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ الصّالِحَيْنِ، وما لَهُ مِنَ الأثَرِ في بَثِّ العُلُومِ الصّالِحَةِ، فَهو يَصْرِفُ عَنْها، ولَوْ بِتَأْخِيرِ وُقُوعِها طَمَعًا في حُدُوثِ العَوائِقِ.
وجُمْلَةُ ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ“ وهي بَقِيَّةُ كَلامِ فَتى مُوسى، أيْ وأنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ، أيْ سَبَحَ في البَحْرِ بَعْدَ أنْ كانَ مَيِّتًا زَمَنًا طَوِيلًا.
وقَوْلُهُ ”عَجَبًا“ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهي مِن حِكايَةِ قَوْلِ الفَتى، أيْ أعْجَبُ لَهُ عَجَبًا، فانْتَصَبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ.
الكهف 18:64
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:65
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:66
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:67
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:68
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:69
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:70
صفحة ٣٦٨
﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألَنِّي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ .
”قالَ ذَلِكَ“ إلَخْ جَوابٌ عَنْ كَلامِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُ الفَتى مِن فَقْدِ الحُوتِ، ومَعْنى كَوْنِهِ المُبْتَغى أنَّهُ وسِيلَةُ المُبْتَغى، وإنَّما المُبْتَغى هو لِقاءُ العَبْدِ الصّالِحِ في المَكانِ الَّذِي يُفْقَدُ فِيهِ الحُوتُ.
وكُتِبَ ”نَبْغِ“ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ في آخِرِهِ، فَقِيلَ: أرادَ الكاتِبُونَ مُراعاةَ حالَةِ الوَقْفِ؛ لِأنَّ الأحْسَنَ في الوَقْفِ عَلى ياءِ المَنقُوصِ أنْ يُوقَفَ بِحَذْفِها، وقِيلَ: أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّها رُوِيَتْ مَحْذُوفَةً في هَذِهِ الآيَةِ، والعَرَبُ يَمِيلُونَ إلى التَّخْفِيفِ، فَقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَقْفِ وإثْباتِها في الوَصْلِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِها في الحالَيْنِ، والنُّونُ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ، أيْ ما أبْغِيهِ أنا وأنْتَ، وكِلاهُما يَبْغِي مُلاقاةَ العَبْدِ الصّالِحِ.
والِارْتِدادُ: مُطاوِعُ الرَّدِّ كَأنَّ رادًّا رَدَّهُما، وإنَّما رَدَّتْهُما إرادَتُهُما، أيْ رَجَعا عَلى آثارِ سَيْرِهِما، أيْ رَجَعا عَلى طَرِيقِهِما الَّذِي أتَيا مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
والقَصَصُ: مَصْدَرُ قَصَّ الأثَرَ، إذا تَوَخّى مُتابَعَتَهُ كَيْلا يُخْطِئا الطَّرِيقَ الأوَّلَ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ: الخَضِرُ، ووُصِفَ بِأنَّهُ مِن عِبادِ اللَّهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] .
وعَدَلَ عَنِ الإضافَةِ إلى التَّنْكِيرِ والصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ما يَقْتَضِي تَعْرِيفَهُ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الحالَ الغَرِيبَ العَظِيمَ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِ ما هو إلّا مِن أحْوالِ عِبادٍ كَثِيرِينَ لِلَّهِ تَعالى، وما مِنهم إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.
وإيتاءُ الرَّحْمَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أنَّهُ جَعَلَ مَرْحُومًا، وذَلِكَ بِأنْ رَفَقَ اللَّهُ بِهِ في أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعَلْناهُ سَبَبَ رَحْمَةٍ بِأنْ صَرَّفَهُ تَصَرُّفًا يَجْلِبُ الرَّحْمَةَ العامَّةَ، والعِلْمُ مِن لَدُنِ اللَّهِ: هو الإعْلامُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ.
و(عِنْدَ) و(لَدُنْ) كِلاهُما حَقِيقَتُهُ اسْمُ مَكانٍ قَرِيبٍ، ويُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في اخْتِصاصِ المُضافِ إلَيْهِ بِمَوْصُوفِهِما.
و(مِنِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ آتَيْناهُ رَحْمَةً صَدَرَتْ مِن مَكانِ القُرْبِ، أيِ الشَّرَفِ، وهو قُرْبُ تَشْرِيفٍ بِالِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، وعِلْمًا صَدَرَ مِنهُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ ما أُوتِيهِ مِنَ الوَلايَةِ أوِ النُّبُوءَةِ رَحْمَةٌ عَزِيزَةٌ، أوْ ما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ عَزِيزٌ، فَكَأنَّهُما مِمّا يُدَّخَرُ عِنْدَ اللَّهِ في مَكانِ القُرْبِ التَّشْرِيفِيِّ مِنَ اللَّهِ فَلا يُعْطى إلّا لِلْمُصْطَفَيْنَ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ ”مِن عِنْدِنا“ وبَيْنَ ”مِن لَدُنّا“ لِلتَّفَنُّنِ تَفادِيًا مِن إعادَةِ الكَلِمَةِ، وجُمْلَةُ ”فَقالَ لَهُ مُوسى“ ابْتِداءُ مُحاوَرَةٍ، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) مُجَرَّدَةً عَنِ العاطِفِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”هَلْ أتْبَعُكَ“ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عَمَلِ نَفْسِ المُسْتَفْهِمِ، والِاتِّباعُ: مَجازٌ في المُصاحَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦] .
صفحة ٣٧٠
و(عَلى) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الِاشْتِراطِ؛ لِأنَّهُ اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ، جُعِلَ الِاتِّباعُ كَأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَوْقَ التَّعْلِيمِ؛ لِشِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُما، فَصِيغَةُ: أفْعَلُ كَذا عَلى كَذا، مِن صِيَغِ الِالتِزامِ والتَّعاقُدِ.
ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ التَّعاقُدِ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ والعِلْمِ، كَما في حَدِيثِ تَزْوِيجِ المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَقْبَلْها، فَزَوَّجَها مَن رَغِبَ فِيها عَلى أنْ يُعَلِّمَها ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، وقَدْ تَفَرَّعَ عَنْ حُكْمِ لُزُومِ الِالتِزامِ أنَّ العُرْفَ فِيهِ يَقُومُ مَقامَ الِاشْتِراطِ، فَيَجِبُ عَلى المُنْتَصِبِ لِلتَّعْلِيمِ أنْ يُعامِلَ المُتَعَلِّمِينَ بِما جَرى عَلَيْهِ عُرْفُ أقالِيمِهِمْ.
وذَكَرَ عِياضٌ في بابِ صِفَةِ مَجْلِسِ مالِكٍ لِلْعِلْمِ مِن كِتابِ المَدارِكِ: أنَّ رَجُلًا خُراسانِيًّا جاءَ مِن خُراسانَ إلى المَدِينَةِ لِلسَّماعِ مِن مالِكٍ فَوَجَدَ النّاسَ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ وهو يَسْمَعُ، ولا يَسْمَعُونَ قِراءَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهُ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ فَأبى مالِكٌ، فاسْتَدْعى الخُراسانِيُّ قاضِيَ المَدِينَةِ، وقالَ: جِئْتُ مِن خُراسانَ ونَحْنُ لا نَرى العَرْضَ وأبى مالِكٌ أنْ يَقْرَأ عَلَيْنا، فَحَكَمَ القاضِي عَلى مالِكٍ: أنْ يَقْرَأ لَهُ، فَقِيلَ لِمالِكٍ: أأصابَ القاضِي الحَقَّ ؟ قالَ: نَعَمْ.
وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُعَلِّمِ عَلى المُتَعَلِّمِ اتِّباعُهُ والِاقْتِداءُ بِهِ.
وانْتَصَبَ ”رُشْدًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ ”تُعَلِّمَنِي“ أيْ ما بِهِ الرُّشْدُ، أيِ الخَيْرُ.
وهَذا العِلْمُ الَّذِي سَألَ مُوسى تَعَلُّمَهُ هو مِنَ العِلْمِ النّافِعِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالتَّشْرِيعِ لِلْأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، فَإنَّ مُوسى مُسْتَغْنٍ في عِلْمِ التَّشْرِيعِ عَنِ الِازْدِيادِ إلّا مِن وحْيِ اللَّهِ إلَيْهِ مُباشَرَةً؛ لِأنَّهُ لِذَلِكَ أرْسَلَهُ، وما عَدا ذَلِكَ لا تَقْتَضِي الرِّسالَةُ عِلْمَهُ، «وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في قِصَّةِ الَّذِينَ وجَدَهم يَأْبِرُونَ النَّخْلَ - أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكم»، ورَجَعَ يَوْمَ بَدْرٍ «إلى قَوْلِ المُنْذِرِ بْنِ الحارِثِ في أنَّ المَنزِلَ الَّذِي نَزَلَهُ جَيْشُ المُسْلِمِينَ بِبَدْرٍ أوَّلَ مَرَّةٍ لَيْسَ الألْيَقَ بِالحَرْبِ» .
صفحة ٣٧١
وإنَّما رامَ مُوسى أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ الَّذِي خَصَّ اللَّهُ بِهِ الخَضِرَ؛ لِأنَّ الِازْدِيادَ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ هو مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى تَعْلِيمًا لِنَبِيِّهِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهَذا العِلْمُ الَّذِي أُوتِيهِ الخَضِرُ هو عِلْمُ سِياسَةٍ خاصَّةٍ، غَيْرِ عامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنِينَ؛ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ، أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ بِحَسَبِ ما تُهَيِّئُهُ الحَوادِثُ والأكْوانُ، لا بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ لِنَفْعِ مُعَيَّنِينَ مِن عِنْدِهِ، كَما جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ رَحْمَةً عامَّةً لِكافَّةِ النّاسِ، ومِن هُنا فارَقَ سِياسَةَ التَّشْرِيعِ العامَّةِ، ونَظِيرُهُ مَعْرِفَةُ النَّبِيءِ ﷺ أحْوالَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ لا يُؤْمِنُونَ وهو مَعَ ذَلِكَ يَدْعُوهم دَوْمًا إلى الإيمانِ، وتَحَقُّقُهُ أنَّ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ وهو يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤْمِنِينَ، وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ بِإخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهُ بِهِمْ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”رُشْدًا“ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الشِّينِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وفَتْحِ الشِّينِ مِثْلَ اللَّفْظَيْنِ السّابِقَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كَما تَقَدَّمَ.
وأكَّدَ جُمْلَةَ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ بِحَرْفِ (إنَّ) وبِحَرْفِ (لَنْ) تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِها مِن تَوَقُّعِ ضِيقِ ذَرْعِ مُوسى عَنْ قَبُولِ ما يُبْدِيهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ ظاهِرُها المُنْكَرُ، وباطِنُها المَعْرُوفُ، ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أقامَهُمُ اللَّهُ لِإجْراءِ الأحْكامِ عَلى الظّاهِرِ عَلِمَ أنَّهُ سَيُنْكِرُ ما يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ؛ لِاخْتِلافِ المَشْرَبَيْنِ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يُقِرُّونَ المُنْكَرَ.
وهَذا تَحْذِيرٌ مِنهُ لِمُوسى، وتَنْبِيهٌ عَلى ما يَسْتَقْبِلُهُ مِنهُ حَتّى يُقْدِمَ عَلى مُتابَعَتِهِ - إنْ شاءَ - عَلى بَصِيرَةٍ وعَلى غَيْرِ اغْتِرارٍ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ الإخْبارَ، فَمَناطُ التَّأْكِيداتِ في جُمْلَةِ ”إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا“ إنَّما هو تَحْقِيقُ خُطُورَةِ أعْمالِهِ وغَرابَتِها في المُتَعارَفِ بِحَيْثُ لا تُتَحَمَّلُ، ولَوْ كانَ خَبَرًا عَلى أصْلِهِ لَمْ يَقْبَلْ فِيهِ المُراجَعَةَ، ولَمْ يُجِبْهُ مُوسى بِقَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ .
صفحة ٣٧٢
وفِي هَذا أصْلٌ مِن أُصُولِ التَّعْلِيمِ أنْ يُنَبِّهَ المُعَلِّمُ المُتَعَلِّمَ بِعَوارِضِ مَوْضُوعاتِ العُلُومِ المُلَقَّنَةِ، لاسِيَّما إذا كانَتْ في مُعالَجَتِها مَشَقَّةٌ.
وزادَها تَأْكِيدًا عُمُومُ الصَّبْرِ المَنفِيِّ؛ لِوُقُوعِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، وأنَّ المَنفِيَّ اسْتِطاعَتُهُ الصَّبْرُ المُفِيدُ أنَّهُ لَوْ تَجَشَّمَ أنْ يَصْبِرَ لَمْ يَسْتَطِعْ ذَلِكَ، فَأفادَ هَذا التَّرْكِيبُ نَفْيَ حُصُولِ الصَّبْرِ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ عَلى آكَدِ وجْهٍ.
وزِيادَةُ ”مَعِيَ“ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَجِدُ مِن أعْمالِهِ ما لا يَجِدُ مِثْلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، فانْتِفاءُ الصَّبْرِ عَلى أعْمالِهِ أجْدَرُ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ (إنَّ) أوْ مِن ضَمِيرِ ”تَسْتَطِيعَ“، فالواوُ واوُ الحالِ، ولَيْسَتْ واوَ العَطْفِ؛ لِأنَّ شَأْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا تُعْطَفَ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ بَيْنَهُما كَمالَ الِاتِّصالِ؛ إذِ الثّانِيَةُ كالعِلَّةِ لِلْأُولى، وإنَّما أُوثِرَ مَجِيئُها في صُورَةِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، دُونَ أنْ تُفْصَلَ عَنِ الجُمْلَةِ الأُولى فَتَقَعَ عِلَّةً مَعَ أنَّ التَّعْلِيلَ هو المُرادُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَها عِلَّةٌ مُلازِمَةٌ لِمَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها إذْ هي حالٌ مِنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
و(كَيْفَ) لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ: وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تَحُطْ بِهِ خُبْرًا.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ الباءِ: العِلْمُ، وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ الإحاطَةِ في قَوْلِهِ ”ما لَمْ تُحِطْ بِهِ“ أيْ إحاطَةً مِن حَيْثُ العِلْمِ.
والإحاطَةُ: مَجازٌ في التَّمَكُّنِ، تَشْبِيهًا لِقُوَّةِ تَمَكُّنِ الِاتِّصافِ بِتَمَكُّنِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ أبْلَغُ في ثُبُوتِ الصَّبْرِ مِن نَحْوِ: سَأصْبِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ صَبْرٍ ظاهِرٍ لِرَفِيقِهِ ومَتْبُوعِهِ، وظاهِرٌ أنَّ مُتَعَلِّقَ الصَّبْرِ هُنا هو الصَّبْرُ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ الجَزَعَ أوِ الضَّجَرَ مِن تَعَبٍ في
صفحة ٣٧٣
المُتابَعَةِ، ومِن مُشاهَدَةِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ إدْراكُهُ، ومِن تَرَقُّبِ بَيانِ الأسْبابِ والعِلَلِ والمَقاصِدِ.
ولَمّا كانَ هَذا الصَّبْرُ الكامِلُ يَقْتَضِي طاعَةَ الآمِرِ فِيما يَأْمُرُهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفِيدُ الطّاعَةَ؛ إبْلاغًا في الِاتِّسامِ بِأكْمَلِ أحْوالِ طالِبِ العِلْمِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ سَتَجِدُنِي، أوْ هو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ عَطْفًا عَلى ”صابِرًا“ فَيُئَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، أيْ وغَيْرَ عاصٍ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهَمَّ ما يَتَّسِمُ بِهِ طالِبُ العِلْمِ هو الصَّبْرُ والطّاعَةُ لِلْمُعَلِّمِ.
وفِي تَأْكِيدِهِ ذَلِكَ بِالتَّعْلِيقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ - اسْتِعانَةً بِهِ، وحِرْصًا عَلى تَقَدُّمِ التَّيْسِيرِ؛ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ - إيذانٌ بِأنَّ الصَّبْرَ والطّاعَةَ مِنَ المُتَعَلِّمِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ أعْسَرُ مِن صَبْرِ وطاعَةِ المُتَعَلِّمِ السّاذِجِ؛ لِأنَّ خُلُوَّ ذِهْنِهِ مِنَ العِلْمِ لا يُخْرِجُهُ مِن مُشاهَدَةِ الغَرائِبِ، إذْ لَيْسَ في ذِهْنِهِ مِنَ المَعارِفِ ما يُعارِضُ قَبُولَها، فالمُتَعَلِّمُ الَّذِي لَهُ نَصِيبٌ مِنَ العِلْمِ، وجاءَ طالِبًا الكَمالَ في عُلُومِهِ إذا بَدا لَهُ مِن عُلُومِ أُسْتاذِهِ ما يُخالِفُ ما تَقَرَّرَ في عِلْمِهِ يُبادِرُ إلى الِاعْتِراضِ والمُنازَعَةِ، وذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ النَّفْرَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسْتاذِهِ، فَلِتَجَنُّبِ ذَلِكَ خَشِيَ الخَضِرُ أنْ يَلْقى مِن مُوسى هَذِهِ المُعامَلَةَ فَقالَ لَهُ ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، فَأكَّدَ لَهُ مُوسى أنَّهُ يَصْبِرُ ويُطِيعُ أمْرَهُ إذا أمَرَهُ، والتِزامُ مُوسى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ثِقَتِهِ بِعِصْمَةِ مَتْبُوعِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ بِأنَّهُ آتاهُ عِلْمًا.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وعْدِ مُوسى إيّاهُ بِأنَّهُ يَجِدُهُ صابِرًا، فَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ نَهْيَهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُشاهِدُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ حَتّى يُبَيِّنَهُ لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وأكَّدَ النَّهْيَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ؛ تَحْقِيقًا لِحُصُولِ أكْمَلِ أحْوالِ المُتَعَلِّمِ مَعَ المُعَلِّمِ؛ لِأنَّ السُّؤالَ قَدْ يُصادِفُ وقْتَ اشْتِغالِ المَسْئُولِ بِإكْمالِ عَمَلِهِ فَتَضِيقُ لَهُ نَفْسُهُ،
صفحة ٣٧٤
فَرُبَّما كانَ الجَوابُ عَنْهُ بِدُونِ شَرَهِ نَفْسٍ، ورُبَّما خالَطَهُ بَعْضُ القَلَقِ فَيَكُونُ الجَوابُ غَيْرَ شافٍ، فَأرادَ الخَضِرُ أنْ يَتَوَلّى هو بَيانَ أعْمالِهِ في الإبّانِ الَّذِي يَراهُ مُناسِبًا؛ لِيَكُونَ البَيانُ أبْسَطَ، والإقْبالُ أبْهَجَ؛ فَيَزِيدُ الِاتِّصالَ بَيْنَ القَرِينَيْنِ.
والذِّكْرُ هُنا: ذِكْرُ اللِّسانِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أعْنِي بَيانَ العِلَلِ والتَّوْجِيهاتِ، وكَشْفَ الغَوامِضِ.
وإحْداثُ الذِّكْرِ: إنْشاؤُهُ وإبْرازُهُ، كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرا
وقَرَأ نافِعٌ (فَلا تَسْألَنِّي) بِالهَمْزِ، وبِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ (سَألَ) المَهْمُوزِ مُقْتَرِنًا بِنُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ المُدْغَمَةِ في نُونِ الوِقايَةِ، وبِإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنْ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَسْألْنِي“ بِالهَمْزِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، وأثْبَتُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ.
الكهف 18:71
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ فَعَقَّبَ تِلْكَ المُحاوَرَةَ أنَّهُما انْطَلَقا، والِانْطِلاقُ: الذَّهابُ والمَشْيُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الإطْلاقِ وهو ضِدُّ التَّقْيِيدِ؛ لِأنَّ الدّابَّةَ إذا حُلَّ عِقالُها مَشَتْ، فَأصْلُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ.
و(حَتّى) غايَةٌ لِلِانْطِلاقِ، أيْ إلى أنْ رَكِبا في السَّفِينَةِ.
و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الكَلامِ إيجازٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾، أصْلُ الكَلامِ: حَتّى اسْتَأْجَرا سَفِينَةً فَرَكِباها، فَلَمّا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها.
صفحة ٣٧٥
وتَعْرِيفُ السَّفِينَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، مِثْلُ التَّعْرِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] .
و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ الماضِي هُنا، ولَيْسَتْ مُتَضَمِّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وهَذا التَّوْقِيتُ يُؤْذِنُ بِأخْذِهِ في خَرْقِ السَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِهِما، وفي ذَلِكَ ما يُشِيرُ إلى أنَّ الرُّكُوبَ فِيها كانَ لِأجْلِ خَرْقِها؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المَقْصُودَ يُبادِرُ بِهِ قاصِدُهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ دَبَّرَهُ، وارْتَآهُ مِن قَبْلُ.
وبُنِيَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيمِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَرْقَ وقَعَ بِمُجَرَّدِ الرُّكُوبِ في السَّفِينَةِ؛ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الظَّرْفِ اهْتِمامًا بِهِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الرُّكُوبِ مَقْصُودٌ؛ لِإيقاعِ الفِعْلِ فِيهِ.
وضُمِّنَ الرُّكُوبُ مَعْنى الدُّخُولِ؛ لِأنَّهُ رُكُوبٌ مَجازِيٌّ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِحَرْفِ (في) الظَّرْفِيَّةِ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] دُونَ نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨]، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ.
والخَرْقُ: الثَّقْبُ والشَّقُّ، وهو ضِدُّ الِالتِئامِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أخَرَقْتَها﴾ لِلْإنْكارِ، ومَحَلُّ الإنْكارِ هو العِلَّةُ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾؛ لِأنَّ العِلَّةَ مُلازِمَةٌ لِلْفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ تَوَجَّهَ أنْ يُغَيِّرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المُنْكَرَ في ظاهِرِ الأمْرِ، وتَأْكِيدُ إنْكارِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ .
والإمْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: هو العَظِيمُ المُفْظِعُ، يُقالُ: أمِرَ كَفَرِحَ إمْرًا، إذا كَثُرَ في نَوْعِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِالمُنْكَرِ؛ لِأنَّ المَقامَ دالٌّ عَلى شَيْءٍ ضارٍّ، ومَقامُ الأنْبِياءِ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَقامُ شِدَّةٍ وصَراحَةٍ. ولَمْ يَجْعَلْهُ ”نُكْرًا“ كَما في الآيَةِ بَعْدَها؛ لِأنَّ العَمَلَ الَّذِي عَمِلَهُ الخَضِرُ ذَرِيعَةً لِلْغَرَقِ، ولَمْ يَقَعِ الغَرَقُ بِالفِعْلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لِتُغْرِقَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُونُهُ عَلى الخِطابِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (لِيَغْرَقَ) بِتَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ ”أهْلُها“ عَلى إسْنادِ فِعْلِ الغَرَقِ لِلْأهْلِ.
الكهف 18:72
صفحة ٣٧٦
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، وتَعْرِيضٌ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما التَزَمَ، أيْ: أتُقِرُّ أنِّي قُلْتُ إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ مَعِي صَبْرًا ؟
و”مَعِيَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَسْتَطِيعَ“، فاسْتِطاعَةُ الصَّبْرِ المَنفِيَّةُ هي الَّتِي تَكُونُ في صُحْبَتِهِ؛ لِأنَّهُ يَرى أُمُورًا عَجِيبَةً لا يُدْرِكُ تَأْوِيلَها.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ القَوْلِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ ألَمْ يَقَعْ مِنِّي قَوْلٌ فِيهِ خِطابُكَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ ؟
الكهف 18:73
﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ اعْتَذَرَ مُوسى بِالنِّسْيانِ، وكانَ قَدْ نَسِيَ التِزامَهُ بِما غَشِيَ ذِهْنَهُ مِن مُشاهَدَةِ ما يُنْكِرُهُ.
والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَطُّفِ، والتِماسِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُؤاخِذُهُ عَلى النِّسْيانِ مُؤاخَذَةَ مَن لا يَصْلُحُ لِلْمُصاحَبَةِ لِما يَنْشَأُ عَنِ النِّسْيانِ مِن خَطَرٍ، فالحَزامَةُ الِاحْتِرازُ مِن صُحْبَةِ مَن يَطْرَأُ عَلَيْهِ النِّسْيانُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ كَلامُ مُوسى عَلى طَلَبِ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِالنِّسْيانِ، ولَمْ يُبْنَ عَلى الِاعْتِذارِ بِالنِّسْيانِ، كَأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ مَحْقُوقًا بِالمُؤاخَذَةِ، فَكانَ كَلامًا بَدِيعَ النَّسِيجِ في الِاعْتِذارِ.
والمُؤاخَذَةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ الأخْذِ، وهي هُنا لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّها مِن جانِبٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النحل: ٦١] .
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ لا تُؤاخِذْنِي بِنِسْيانِي.
صفحة ٣٧٧
والإرْهاقُ: تَعْدِيَةُ رَهَقَ، إذا غَشِيَ ولَحِقَ، أيْ لا تُغْشِنِي عُسْرًا، وهو هُنا مَجازٌ في المُعامَلَةِ بِالشِّدَّةِ.
والإرْهاقُ: مُسْتَعارٌ لِلْمُعامَلَةِ والمُقابَلَةِ.
والعُسْرُ: الشِّدَّةُ وضِدُّ اليُسْرِ، والمُرادُ هُنا: عُسْرُ المُعامَلَةِ، أيْ عَدَمُ التَّسامُحِ مَعَهُ فِيما فَعَلَهُ، فَهو يَسْألُهُ الإغْضاءَ والصَّفْحَ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ.
و(مِن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، فَكَوْنُ المُرادِ بِأمْرِهِ نِسْيانَهُ، أيْ لا تَجْعَلْ نِسْيانِي مُنْشِئًا لِإرْهاقِي عُسْرًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانِيَّةً؛ فَيَكُونُ المُرادُ بِأمْرِهِ شَأْنَهُ مَعَهُ، أيْ لا تَجْعَلْ شَأْنِي إرْهاقَكَ إيّايَ عُسْرًا.
الكهف 18:74
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زاكِيَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكُرًا﴾ يَدُلُّ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ عَنِ اعْتِذارِ مُوسى، عَلى أنَّ الخَضِرَ قَبِلَ عُذْرَهُ، وانْطَلَقا مُصْطَحِبَيْنِ.
والقَوْلُ في نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ [الكهف: ٧١] .
وقَوْلُهُ ”فَقَتَلَهُ“ تَعْقِيبٌ لِفِعْلِ ”لَقِيا“ تَأْكِيدًا لِلْمُبادَرَةِ المَفْهُومَةِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، فَكانَتِ المُبادَرَةُ بِقَتْلِ الغُلامِ عِنْدَ لِقائِهِ أسْرَعَ مِنَ المُبادَرَةِ بِخَرْقِ السَّفِينَةِ حِينَ رُكُوبِها.
وكَلامُ مُوسى في إنْكارِ ذَلِكَ جَرى عَلى نَسَقِ كَلامِهِ في إنْكارِ خَرْقِ السَّفِينَةِ
صفحة ٣٧٨
سِوى أنَّهُ وصَفَ هَذا الفِعْلَ بِأنَّهُ نُكُرٌ، وهو بِضَمَّتَيْنِ: الَّذِي تُنْكِرُهُ العُقُولُ وتَسْتَقْبِحُهُ، فَهو أشَدُّ مِنَ الشَّيْءِ الإمْرِ؛ لِأنَّ هَذا فَسادٌ حاصِلٌ، والآخَرُ ذَرِيعَةُ فَسادٍ كَما تَقَدَّمَ، ووَصَفَ النَّفْسَ بِالزّاكِيَةِ؛ لِأنَّها نَفْسُ غُلامٍ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ؛ فَلَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا؛ فَكانَ زَكِيًّا طاهِرًا، والزَّكاءُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (زاكِيَةً) بِألْفٍ بَعْدِ الزّايِ اسْمَ فاعِلٍ مِن زَكا، وقَرَأ الباقُونَ ”زَكِيَّةً“، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النُّونُ مِن قَوْلِهِ نُكْرًا هي نِصْفُ القُرْآنِ، أيْ نِصْفُ حُرُوفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِقَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ نِصْفَ القُرْآنِ هو حَرْفُ التّاءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ [الكهف: ١٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
الكهف 18:75
صفحة ٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِي عُذْرًا﴾ كانَ جَوابُ الخَضِرِ هَذا عَلى نَسَقِ جَوابِهِ السّابِقِ إلّا أنَّهُ زادَ ما حُكِيَ في الآيَةِ بِكَلِمَةِ (لَكَ) وهو تَصْرِيحٌ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ. وإذْ كانَ المَقُولُ لَهُ مَعْلُومًا مِن مَقامِ الخِطابِ كانَ في التَّصْرِيحِ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ تَحْقِيقٌ لِوُقُوعِ القَوْلِ وتَثْبِيتٌ لَهُ وتَقْوِيَةٌ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّهُ أهْمَلَ العَمَلَ بِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (لَكَ) لامُ التَّبْلِيغِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى اسْمِ أوْ ضَمِيرِ السّامِعِ لِقَوْلٍ أوْ ما في مَعْناهُ، نَحْوَ: قَلْتُ لَهُ، وأذِنْتُ لَهُ، وفَسَّرْتُ لَهُ؛ وذَلِكَ عِنْدَما يَكُونُ المَقُولُ لَهُ الكَلامُ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللّامِ لِزِيادَةِ تَقَوِّي الكَلامِ وتَبْلِيغِهِ إلى السّامِعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ لامُ التَّبْلِيغِ. ألا تَرى أنَّ اللّامَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِهِ في جَوابِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] . فَكانَ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ مَعَ ذِكْرِ لامِ تَعْدِيَةِ القَوْلِ أقْوى وأشَدَّ.
صفحة ٦
وهُنا لَمْ يَعْتَذِرْ مُوسى بِالنِّسْيانِ: إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَسِيَ. ولَكِنَّهُ رَجَّحَ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ العَظِيمِ. وهو قَتْلُ النَّفْسِ بِدُونِ مُوجِبٍ عَلى واجِبِ الوَفاءِ بِالِالتِزامِ؛ وإمّا لِأنَّهُ نَسِيَ وأعَرَضَ عَنِ الِاعْتِذارِ بِالنِّسْيانِ لِسَماجَةِ تَكَرُّرِ الِاعْتِذارِ بِهِ.
وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ عَدَلَ إلى المُبادَرَةِ بِاشْتِراطِ ما تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نَفْسُ صاحِبِهِ بِأنَّهُ إنْ عادَ لِلسُّؤالِ الَّذِي لا يَبْتَغِيهِ صاحِبُهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ أنْ لا يُصاحِبَهُ بَعْدَهُ.
وفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، والثّانِيَةُ شَرْطًا، فاحْتَمَلَ كَلامُ النَّبِيءِ الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
وأنْصَفَ مُوسى إذْ جَعَلَ لِصاحِبِهِ العُذْرَ في تَرْكِ مُصاحَبَتِهِ في الثّالِثَةِ تَجَنُّبًا لِإحْراجِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَدُنِّي) - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ يَعْنِي أنَّ فِيها سَنَدًا خاصًّا مَرْوِيًّا فِيهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (مِن لَدُنِي) - بِتَخْفِيفِ النُّونِ - عَلى أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ نُونُ الوِقايَةِ تَخْفِيفًا، لِأنَّ (لَدُنْ) أثْقَلُ مِن (عَنْ) (ومِن) فَكانَ التَّخْفِيفُ فِيها مَقْبُولًا دُونَهُما.
ومَعْنى ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قَدْ وصَلْتَ مِن جِهَتِي إلى العُذْرِ. فاسْتُعِيرَ (بَلَغْتَ) لِمَعْنًى (تَحَتَّمَ وتَعَيَّنَ) لِوُجُودِ أسْبابِهِ بِتَشْبِيهِ العُذْرِ في قَطْعِ الصُّحْبَةِ بِمَكانٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ السّائِرُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ.
وأثْبَتَ لَهُ البُلُوغَ تَخْيِيلًا، أوِ اسْتَعارَ البُلُوغَ لِتَعَيُّنِ حُصُولِ الشَّيْءِ بَعْدَ المُماطَلَةِ.
الكهف 18:76
صفحة ٥
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الكَهْفِ
﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِي عُذْرًا﴾ كانَ جَوابُ الخَضِرِ هَذا عَلى نَسَقِ جَوابِهِ السّابِقِ إلّا أنَّهُ زادَ ما حُكِيَ في الآيَةِ بِكَلِمَةِ (لَكَ) وهو تَصْرِيحٌ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ. وإذْ كانَ المَقُولُ لَهُ مَعْلُومًا مِن مَقامِ الخِطابِ كانَ في التَّصْرِيحِ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القَوْلِ تَحْقِيقٌ لِوُقُوعِ القَوْلِ وتَثْبِيتٌ لَهُ وتَقْوِيَةٌ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّهُ أهْمَلَ العَمَلَ بِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (لَكَ) لامُ التَّبْلِيغِ، وهي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى اسْمِ أوْ ضَمِيرِ السّامِعِ لِقَوْلٍ أوْ ما في مَعْناهُ، نَحْوَ: قَلْتُ لَهُ، وأذِنْتُ لَهُ، وفَسَّرْتُ لَهُ؛ وذَلِكَ عِنْدَما يَكُونُ المَقُولُ لَهُ الكَلامُ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ فَيَكُونُ ذِكْرُ اللّامِ لِزِيادَةِ تَقَوِّي الكَلامِ وتَبْلِيغِهِ إلى السّامِعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ لامُ التَّبْلِيغِ. ألا تَرى أنَّ اللّامَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِهِ في جَوابِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢] . فَكانَ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ مَعَ ذِكْرِ لامِ تَعْدِيَةِ القَوْلِ أقْوى وأشَدَّ.
صفحة ٦
وهُنا لَمْ يَعْتَذِرْ مُوسى بِالنِّسْيانِ: إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَسِيَ. ولَكِنَّهُ رَجَّحَ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ العَظِيمِ. وهو قَتْلُ النَّفْسِ بِدُونِ مُوجِبٍ عَلى واجِبِ الوَفاءِ بِالِالتِزامِ؛ وإمّا لِأنَّهُ نَسِيَ وأعَرَضَ عَنِ الِاعْتِذارِ بِالنِّسْيانِ لِسَماجَةِ تَكَرُّرِ الِاعْتِذارِ بِهِ.
وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ عَدَلَ إلى المُبادَرَةِ بِاشْتِراطِ ما تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ نَفْسُ صاحِبِهِ بِأنَّهُ إنْ عادَ لِلسُّؤالِ الَّذِي لا يَبْتَغِيهِ صاحِبُهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ أنْ لا يُصاحِبَهُ بَعْدَهُ.
وفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: كانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، والثّانِيَةُ شَرْطًا، فاحْتَمَلَ كَلامُ النَّبِيءِ الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
وأنْصَفَ مُوسى إذْ جَعَلَ لِصاحِبِهِ العُذْرَ في تَرْكِ مُصاحَبَتِهِ في الثّالِثَةِ تَجَنُّبًا لِإحْراجِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لَدُنِّي) - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةُ النَّبِيءِ ﷺ يَعْنِي أنَّ فِيها سَنَدًا خاصًّا مَرْوِيًّا فِيهِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (مِن لَدُنِي) - بِتَخْفِيفِ النُّونِ - عَلى أنَّهُ حُذِفَ مِنهُ نُونُ الوِقايَةِ تَخْفِيفًا، لِأنَّ (لَدُنْ) أثْقَلُ مِن (عَنْ) (ومِن) فَكانَ التَّخْفِيفُ فِيها مَقْبُولًا دُونَهُما.
ومَعْنى ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قَدْ وصَلْتَ مِن جِهَتِي إلى العُذْرِ. فاسْتُعِيرَ (بَلَغْتَ) لِمَعْنًى (تَحَتَّمَ وتَعَيَّنَ) لِوُجُودِ أسْبابِهِ بِتَشْبِيهِ العُذْرِ في قَطْعِ الصُّحْبَةِ بِمَكانٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ السّائِرُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ.
وأثْبَتَ لَهُ البُلُوغَ تَخْيِيلًا، أوِ اسْتَعارَ البُلُوغَ لِتَعَيُّنِ حُصُولِ الشَّيْءِ بَعْدَ المُماطَلَةِ.
الكهف 18:77
صفحة ٧
﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ نَظْمُ قَوْلِهِ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ كَنَظْمِ نَظِيرَيْهِ السّابِقَيْنِ.
والِاسْتِطْعامُ: طَلَبُ الطَّعامِ. ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (اسْتَطْعَما أهْلَها) كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ (خَرَقَها) وجُمْلَةِ (فَقَتَلَهُ) . فَهو مُتَعَلِّقُ (إذا) . وإظْهارُ لَفْظِ (أهْلِها) دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ بِأنْ يُقالَ: اسْتَطْعَماهم، لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ. تَشْنِيعًا بِهِمْ في لُؤْمِهِمْ، إذْ أبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما، وذَلِكَ لُؤْمٌ لِأنَّ الضِّيافَةَ كانَتْ شائِعَةً في الأُمَمِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي مِنَ المُواساةِ المُتَّبَعَةِ عِنْدَ النّاسِ، ويَقُومُ بِها مَن يُنْتَدَبُ إلَيْها مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ عابِرُ السَّبِيلِ ويَسْألُهُمُ الضِّيافَةَ، أوْ مَن أعَدَّ نَفْسَهُ لِذَلِكَ مِن كِرامِ القَبِيلَةِ، فَإبايَةُ أهْلِ قَرْيَةٍ كُلِّهِمْ مِنَ الإضافَةِ لُؤْمٌ لِتِلْكَ القَرْيَةِ.
وقَدْ أوْرَدَ الصَّفَدِيُّ عَلى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ سُؤالًا عَنْ نُكْتَةِ هَذا الإظْهارِ في أبْياتٍ. وأجابَهُ السُّبْكِيُّ جَوابًا طَوِيلًا نَثْرًا ونَظْمًا بِما لا يُقْنِعُ. وقَدْ ذَكَرَهُما الآلُوسِيُّ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى إباحَةِ طَلَبِ الطَّعامِ لِعابِرِ السَّبِيلِ لِأنَّهُ شَرْعُ مَن قَبْلَنا، وحَكاهُ القُرْآنُ ولَمْ يَرِدْ ما يَنْسَخُهُ.
ودَلَّ لَوْمُ مُوسى الخَضِرَ، عَلى أنْ لَمْ يَأْخُذْ أجْرَ إقامَةِ الحائِطِ عَلى صاحِبِهِ مِن أهْلِ القَرْيَةِ، عَلى أنَّهُ أرادَ مُقابَلَةَ حِرْمانِهِمْ لِحَقِّ الضِّيافَةِ بِحِرْمانِهِمْ مِن إقامَةِ الجِدارِ في قَرْيَتِهِمْ.
صفحة ٨
وفِي الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ ضِيافَةِ عابِرِ السَّبِيلِ إذا نَزَلَ بِأحَدٍ مِنَ الحَيِّ أوِ القَرْيَةِ.
وفِي حَدِيثِ المُوَطَّأِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» جائِزَتُهُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ (أيْ يُتْحِفُهُ ويُبالِغُ في بِرِّهِ) وضِيافَتُهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ (أيْ إطْعامٌ وإيواءٌ بِما حَضَرَ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ كَما يُتَكَلَّفُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ) فَما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهو صَدَقَةٌ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في وُجُوبِها فَقالَ الجُمْهُورُ: الضِّيافَةُ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي مُسْتَحَبَّةٌ ولَيْسَتْ بِواجِبَةٍ. وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ. وقالَ سَحْنُونٌ: الضِّيافَةُ عَلى أهْلِ القُرى والأحْياءِ. ونُسِبَ إلى مالِكٍ، قالَ سَحْنُونٌ: أمّا الحَضَرُ فالفُنْدُقُ يَنْزِلُ فِيهِ المُسافِرُونَ. وقالَ الشّافِعِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ مِنَ المالِكِيَّةِ: الضِّيافَةُ حَقٌّ عَلى أهْلِ الحَضَرِ والبَوادِي. وقالَ اللَّيْثُ وأحْمَدُ: الضِّيافَةُ فَرْضٌ يَوْمًا ولَيْلَةً.
ويُقالُ: ضَيَّفَهُ وأضافَهُ. إذا قامَ بِضِيافَتِهِ. فَهو مُضِيِّفٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومُضِيفٌ بِالتَّخْفِيفِ. والمُتَعَرِّضُ لِلضِّيافَةِ: ضائِفٌ ومُتَضَيِّفٌ. يُقالُ: ضِفْتُهُ وتَضَيَّفْتُهُ. إذا نَزَلَ بِهِ ومالَ إلَيْهِ.
والجِدارُ: الحائِطُ المَبْنِيُّ.
ومَعْنى ”يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ“ أشْرَفَ عَلى الِانْقِضاضِ. أيِ السُّقُوطِ. أيْ يَكادُ يَسْقُطُ. وذَلِكَ بِأنْ مالَ؛ فَعَبَّرَ عَنْ إشْرافِهِ عَلى الِانْقِضاضِ بِإرادَةِ الِانْقِضاضِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المُصَرِّحَةِ التَّبَعِيَّةِ بِتَشْبِيهِ قُرْبِ انْقِضاضِهِ بِإرادَةِ مَن يَعْقِلُ فِعْلَ شَيْءٍ فَهو يُوشِكُ أنْ يَفْعَلَهُ حَيْثُ أرادَهُ.
لِأنَّ الإرادَةَ طَلَبُ النَّفْسِ حُصُولَ شَيْءٍ ومَيْلُ القَلْبِ إلَيْهِ.
وإقامَةُ الجِدارِ: تَسْوِيَةُ مَيْلِهِ. وكانَتْ إقامَتُهُ بِفِعْلٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ بِأنْ أشارَ إلَيْهِ بِيَدِهِ كالَّذِي يُسَوِّي شَيْئًا لَيِّنًا كَما ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ.
صفحة ٩
وقَوْلُ مُوسى ”﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾“ لَوْمٌ، أيْ كانَ في مُكْنَتِكَ أنْ تَجْعَلَ لِنَفْسِكَ أجْرًا عَلى إقامَةِ الجِدارِ تَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ولا تُقِيمُهُ مَجّانًا لِأنَّهم لَمْ يَقُومُوا بِحَقِّ الضِّيافَةِ ونَحْنُ بِحاجَةٍ إلى ما نُنْفِقُهُ عَلى أنْفُسِنا. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَفَقَةَ الأتْباعِ عَلى المَتْبُوعِ.
وهَذا اللَّوْمُ يَتَضَمَّنُ سُؤالًا عَنْ سَبَبِ تَرْكِ المُشارَطَةِ عَلى إقامَةِ الجِدارِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الأجْرِ. ولَيْسَ هو لَوْمًا عَلى مُجَرَّدِ إقامَتِهِ مَجّانًا، لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ وهو غَيْرُ مَلُومٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لاتَّخَذْتَ“ بِهَمْزَةِ وصْلٍ بَعْدَ اللّامِ وبِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ ماضِي (اتَّخَذَ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (لَتَخِذْتَ) بِدُونِ هَمْزَةٍ عَلى أنَّهُ ماضِي (تَخِذَ) المُفْتَتَحُ بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ عَلى أنَّهُ ماضِي (تَخِذَ) أوَّلُهُ فَوْقِيَّةٌ، وهو مِن بابِ عَلِمَ.
الكهف 18:78
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشَدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
صفحة ١٠
المُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ حاصِلٌ مِنِ اشْتِراطِ مُوسى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ سَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤالِهِ الثّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُما، أيْ هَذا الَّذِي حَصَلَ الآنَ هو فِراقُ بَيْنِنا، كَما يُقالُ: الشَّرْطُ أمْلَكُ عَلَيْكَ أمْ لَكَ. وكَثِيرًا ما يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] . وإضافَةُ ”فِراقُ“ إلى ”بَيْنِي“ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ: فِراقٌ بَيْنِي، أيْ حاصِلٌ بَيْنَنا، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ العامِلِ في الظَّرْفِ إلى مَعْمُولِهِ، كَما يُضافُ المَصْدَرُ إلى مَفْعُولِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ ”بَيْنَ“ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] . وجُمْلَةُ ”سَأُنَبِّئُكَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، تَقَعُ جَوابًا لِسُؤالٍ يَهْجِسُ في خاطِرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أسْبابِ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ عَنْها مُوسى فَإنَّهُ قَدْ وعَدَهُ أنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمّا يَفْعَلُهُ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ واضِحٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ المَعْنى عَلى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ بَعْدَ السَّيْرِ إلَيْهِ. وقَدْ مَضى في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] إلَخْ مِن أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي صِلَةِ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَعْرِيضٌ
صفحة ١١
بِاللَّوْمِ عَلى الِاسْتِعْجالِ وعَدَمِ الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ إحْداثُ الذِّكَرِ حَسْبَما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . والمَساكِينُ: هُنا بِمَعْنى ضُعَفاءِ المالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِن جُهْدِهِمْ ويُرَقُّ لَهم لِأنَّهم يَكْدَحُونَ دَهْرَهم لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم فُقَراءُ أشَدَّ الفَقْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] بَلِ المُرادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالفُقَراءِ أنَّهم يُرَقُّ لَهم كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ: (. . . . مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وأيُّ مِسْكِينٍ) .
وكانَ أصْحابُ السَّفِينَةِ هَؤُلاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهم لِلْحَمْلِ أوْ لِلصَّيْدِ.
ومَعْنى“ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ ”: هو مَلِكُ بِلادِهِمْ بِالمِرْصادِ مِنهم ومِن أمْثالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُها غَصْبًا، أيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وكانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِناءٍ أوْ نَحْوِهُ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ المَلِكُ في مَصالِحِ نَفْسِهِ وشَهَواتِهِ. كَما كانَ الفَراعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النّاسَ لِلْعَمَلِ في بِناءِ الأهْرامِ.
ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجازَ التَّسْخِيرُ مِن كُلٍّ بِحَسَبِ حالِهِ مِنَ الِاحْتِياجِ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفايَةٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ وبَعْدَ تَحَقُّقِها.
و“ وراءَ " اسْمُ الجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وهو ضِدُّ أمامَ وقُدّامَ.
ويُسْتَعارُ (الوَراءُ) لِحالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وحالِ مُلازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وحالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا. كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالكائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
صفحة ١٢
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وراءَهم مَلِكٌ بِمَعْنى أمامَهم مَلِكٌ. فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أنَّ وراءَ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأنْكَرَهُ الفَرّاءُ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ. وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ومَعْنى كُلَّ سَفِينَةٍ أيْ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . وقَدْ ذَكَرُوا في تَعْيِينِ هَذا المَلِكِ وسَبَبِ أخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وأقْوالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنها بِعَيْنِهِ، ولا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ في مَقامِ العِبْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كُلٍّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، فَكانَ حَقُّها التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ خِلافًا لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِإرادَةِ إعابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ عَمَلًا ظاهِرُهُ الإنْكارُ وحَقِيقَتُهُ الصَّلاحُ زِيادَةً في تَشْوِيقِ مُوسى إلى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَساكِينَ مِمّا يَزِيدُ السّامِعَ تَعَجُّبًا في الإقْدامِ عَلى خَرْقِها. والمَعْنى: فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وقَدْ فَعَلْتُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ وقَعَ عَنْ قَصْدٍ وتَأمُّلٍ. وقَدْ تُطْلَقُ الإرادَةُ عَلى القَصْدِ أيْضًا. وفي اللِّسانِ عَزْوُ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ.
وتَصَرُّفُ الخَضِرِ في أمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ المُصْلِحَةِ الخاصَّةِ عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في مَصالِحِ الضُّعَفاءِ إذْ كانَ الخَضِرُ عالِمًا بِحالِ
صفحة ١٣
المَلِكِ أوْ كانَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الخَضِرِ قائِمٌ مَقامَ تَصَرُّفِ المَرْءِ في مالِهِ بِإتْلافِ بَعْضِهِ لِسَلامَةِ الباقِي. فَتَصَرُّفُهُ الظّاهِرُ إفْسادٌ وفي الواقِعِ إصْلاحٌ لِأنَّهُ مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَّيْنِ.
وهَذا أمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلّا الخَضِرُ. فَلِذَلِكَ أنْكَرَهُ مُوسى.
وأمّا تَصَرُّفُهُ في قَتْلِ الغُلامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جارٍ عَلى قَطْعِ فَسادٍ خاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ الخَضِرَ بِالوَحْيِ، فَلَيْسَ مِن مَقامِ التَّشْرِيعِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن تَرْكِيبِ عَقْلِ الغُلامِ وتَفْكِيرِهِ أنَّهُ عَقْلٌ شاذٌّ وفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأسْبابٍ مُعْتادَةٍ مِنِ انْحِرافِ طَبْعٍ وقُصُورِ إدْراكٍ، وذَلِكَ مِن آثارٍ مُفْضِيَةٍ إلى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وصاحِبِها في أنَّهُ يَنْشَأُ طاغِيًا كافِرًا. وأرادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأبَوَيْهِ بِحِفْظِ إيمانِهِما وسَلامَةِ العالَمِ مِن هَذا الطّاغِي لُطْفًا أرادَهُ اللَّهُ خارِقًا لِلْعادَةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفي هَذا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أتْباعِهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ فِيها حِفْظُ الدِّينِ، ومَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَهو كَحُكْمِ قَتْلِ المُرْتَدِّ.
والزَّكاةُ: الطَّهارَةُ، مُراعاةً لِقَوْلِ مُوسى ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] . والرُّحْمُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الحاءِ: نَظِيرُ الكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ.
والخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدارَكْ بِقَتْلِهِ.
وضَمِيرا الجَماعَةِ في قَوْلِهِ فَخَشِينا وقَوْلِهِ فَأرَدْنا عائِدانِ إلى المُتَكَلِّمِ الواحِدِ بِإظْهارِ أنَّهُ مُشارِكٌ لِغَيْرِهِ في الفِعْلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ لا مِنَ التَّعاظُمِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَهُ فَناسَبَهُ التَّواضُعُ فَقالَ (فَخَشِينا. . فَأرَدْنا)، ولَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ عِنْدَما قالَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ لِأنَّ سَبَبَ الإعابَةِ إدْراكُهُ لِمَن لَهُ عِلْمٌ بِحالِ تِلْكَ الأصْقاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٤
قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُبَدِّلَهُما بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّبْدِيلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِنَ الإبْدالِ. وأمّا فالخَضِرُ تَصَرَّفَ في شَأْنِها عَنْ إرادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِاليَتِيمَيْنِ جَزاءً لِأبِيهِما عَلى صَلاحِهِ. إذْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أباهُما كانَ يُهِمُّهُ أمْرُ عَيْشِهِما بَعْدَهُ. وكانَ قَدْ أوْدَعَ تَحْتَ الجِدارِ مالًا. ولَعَلَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يُلْهِمَ ولَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أشُدِّهِما أنْ يَبْحَثا عَنْ مَدْفِنِ الكَنْزِ تَحْتَ الجِدارِ بِقَصْدٍ أوْ بِمُصادَفَةٍ. فَلَوْ سَقَطَ الجِدارُ قَبْلَ بُلُوغِهِما لَتَناوَلَتِ الأيْدِي مَكانَهُ بِالحَفْرِ ونَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عاثِرٌ، فَذَلِكَ أيْضًا لُطْفٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَدْ أسْنَدَ الإرادَةَ في قِصَّةِ الجِدارِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ العَمَلَ فِيهِما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْعى إلَيْهِ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى سِرِّهِ لِأنَّ فِيهِما دَفْعَ فَسادٍ عَنِ النّاسِ بِخِلافِ قِصَّةِ الجِدارِ فَتِلْكَ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأبِي الغُلامَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ تَصْرِيحٌ بِما يُزِيلُ إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ تَصَرُّفاتِهِ هَذِهِ بِأنَّها رَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا إنْكارَ فِيها بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِها.
ثُمَّ زادَ بِأنَّهُ فَعَلَها عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلِمَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ النَّبِيءَ إنَّما يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهادٍ أوْ عَنْ وحْيٍ، فَلَمّا نَفى أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ عَلى أنْ يَقُولَ: وفَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ
صفحة ١٥
مُوسى وإنْكارِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلاتِهِ الثَّلاثَ كانَ يُؤَيِّدُ إنْكارَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ.
وانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيُنازِعُهُ كُلٌّ مِن أرَدْتُ، وأرَدْنا، وأرادَ رَبُّكَ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ وهو تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ المُدَرِّسِ في آخِرِ دَرْسِهِ.
وتَسْطِعْ مُضارِعُ (اسْطاعَ) بِمَعْنى (اسْتَطاعَ) . حَذَفَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِها مِن مَخْرَجِ الطّاءِ. والمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرادِفِهِ. وابْتُدِئَ بِأشْهَرِهِما اسْتِعْمالًا وجِيءَ بِالثّانِيَةِ بِالفِعْلِ المُخَفَّفِ لِأنَّ التَّخْفِيفَ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ إذا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ.
وأكَدَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ الواقِعَ في قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ.
واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْها طَوائِفُ مِن أهْلِ النِّحَلِ الإسْلامِيَّةِ أصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَواعِدَ مَوْهُومَةً.
فَأوَّلُ ما أسَّسُوهُ مِنها أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا، وأنَّ العِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وحْيًا ولَكِنَّهُ إلْهامٌ، وأنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ في المَوْجُوداتِ أصْلٌ لِإثْباتِ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ، وأنَّ الخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ البَقاءَ إلى انْتِهاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي العُلُومِ
صفحة ١٦
الباطِنِيَّةِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لِأهْلِ المَراتِبِ العُلْيا مِنَ الأوْلِياءِ فَيُفِيدُهم مِن عِلْمِهِ ما هم أهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ الإلْهامَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الوَحْيِ، وسَمَّوْهُ الوَحْيَ الإلْهامِيَّ، وأنَّهُ يَجِيءُ عَلى لِسانِ مَلَكِ الإلْهامِ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ العَرَبِيِّ في البابِ الخامِسِ والثَمانِينَ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ، وبَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وحْيِ الأنْبِياءِ بِفُرُوقٍ وعَلاماتٍ ذَكَرَها مَنشُورَةً في الأبْوابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ، والثّامِنِ والسِتِّينَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ، والرّابِعِ والسِّتِينَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةٍ، وجَزَمَ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ الإلْهامِيَّ لا يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وأطالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْلُو ما قالَهُ مِن غُمُوضٍ ورُمُوزٍ. وقَدِ انْتَصَبَ عُلَماءُ الكَلامِ وأُصُولِ الفِقْهِ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ ما يُسَمّى بِالإلْهامِ حُجَّةً. وعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ إيقاعُ شَيْءٍ في القَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَواطِرِ مَن لَيْسَ مَعْصُومًا ولِتَفاوُتِ مَراتِبِ الكَشْفِ عِنْدَهم. وقَدْ تَعَرَّضَ لَها النَّسَفِيُّ في عَقائِدِهِ، وكُلُّ ما قالَهُ النَّسَفِيُّ في ذَلِكَ حَقٌّ، ولا يُقامُ التَّشْرِيعُ عَلى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لا تَنْضَبِطُ.
والأظْهَرُ أنَّ الخَضِرَ نَبِيءٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُوحًى إلَيْهِ بِما أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، وأنَّهُ قَدِ انْقَضى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قُصَّتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ المَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ البَشَرَ في أقْصى غايَةٍ مِنَ الأجَلِ يُمْكِنُ أنْ تُفْرَضَ، وأنْ يَحْمِلَ ما يُعْزى إلَيْهِ مِن بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ المَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أنَّهُ مَحُوكٌ عَلى نَسْجِ الرَّمْزِ المُعْتادِ لَدَيْهِمْ، أوْ عَلى غِشاوَةِ الخَيالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، مِمَّنْ يَقُولُ: أخْبَرَنِي الخَضِرُ.
الكهف 18:79
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشَدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
صفحة ١٠
المُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ حاصِلٌ مِنِ اشْتِراطِ مُوسى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ سَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤالِهِ الثّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُما، أيْ هَذا الَّذِي حَصَلَ الآنَ هو فِراقُ بَيْنِنا، كَما يُقالُ: الشَّرْطُ أمْلَكُ عَلَيْكَ أمْ لَكَ. وكَثِيرًا ما يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] . وإضافَةُ ”فِراقُ“ إلى ”بَيْنِي“ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ: فِراقٌ بَيْنِي، أيْ حاصِلٌ بَيْنَنا، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ العامِلِ في الظَّرْفِ إلى مَعْمُولِهِ، كَما يُضافُ المَصْدَرُ إلى مَفْعُولِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ ”بَيْنَ“ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] . وجُمْلَةُ ”سَأُنَبِّئُكَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، تَقَعُ جَوابًا لِسُؤالٍ يَهْجِسُ في خاطِرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أسْبابِ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ عَنْها مُوسى فَإنَّهُ قَدْ وعَدَهُ أنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمّا يَفْعَلُهُ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ واضِحٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ المَعْنى عَلى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ بَعْدَ السَّيْرِ إلَيْهِ. وقَدْ مَضى في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] إلَخْ مِن أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي صِلَةِ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَعْرِيضٌ
صفحة ١١
بِاللَّوْمِ عَلى الِاسْتِعْجالِ وعَدَمِ الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ إحْداثُ الذِّكَرِ حَسْبَما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . والمَساكِينُ: هُنا بِمَعْنى ضُعَفاءِ المالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِن جُهْدِهِمْ ويُرَقُّ لَهم لِأنَّهم يَكْدَحُونَ دَهْرَهم لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم فُقَراءُ أشَدَّ الفَقْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] بَلِ المُرادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالفُقَراءِ أنَّهم يُرَقُّ لَهم كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ: (. . . . مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وأيُّ مِسْكِينٍ) .
وكانَ أصْحابُ السَّفِينَةِ هَؤُلاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهم لِلْحَمْلِ أوْ لِلصَّيْدِ.
ومَعْنى“ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ ”: هو مَلِكُ بِلادِهِمْ بِالمِرْصادِ مِنهم ومِن أمْثالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُها غَصْبًا، أيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وكانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِناءٍ أوْ نَحْوِهُ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ المَلِكُ في مَصالِحِ نَفْسِهِ وشَهَواتِهِ. كَما كانَ الفَراعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النّاسَ لِلْعَمَلِ في بِناءِ الأهْرامِ.
ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجازَ التَّسْخِيرُ مِن كُلٍّ بِحَسَبِ حالِهِ مِنَ الِاحْتِياجِ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفايَةٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ وبَعْدَ تَحَقُّقِها.
و“ وراءَ " اسْمُ الجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وهو ضِدُّ أمامَ وقُدّامَ.
ويُسْتَعارُ (الوَراءُ) لِحالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وحالِ مُلازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وحالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا. كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالكائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
صفحة ١٢
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وراءَهم مَلِكٌ بِمَعْنى أمامَهم مَلِكٌ. فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أنَّ وراءَ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأنْكَرَهُ الفَرّاءُ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ. وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ومَعْنى كُلَّ سَفِينَةٍ أيْ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . وقَدْ ذَكَرُوا في تَعْيِينِ هَذا المَلِكِ وسَبَبِ أخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وأقْوالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنها بِعَيْنِهِ، ولا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ في مَقامِ العِبْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كُلٍّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، فَكانَ حَقُّها التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ خِلافًا لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِإرادَةِ إعابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ عَمَلًا ظاهِرُهُ الإنْكارُ وحَقِيقَتُهُ الصَّلاحُ زِيادَةً في تَشْوِيقِ مُوسى إلى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَساكِينَ مِمّا يَزِيدُ السّامِعَ تَعَجُّبًا في الإقْدامِ عَلى خَرْقِها. والمَعْنى: فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وقَدْ فَعَلْتُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ وقَعَ عَنْ قَصْدٍ وتَأمُّلٍ. وقَدْ تُطْلَقُ الإرادَةُ عَلى القَصْدِ أيْضًا. وفي اللِّسانِ عَزْوُ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ.
وتَصَرُّفُ الخَضِرِ في أمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ المُصْلِحَةِ الخاصَّةِ عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في مَصالِحِ الضُّعَفاءِ إذْ كانَ الخَضِرُ عالِمًا بِحالِ
صفحة ١٣
المَلِكِ أوْ كانَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الخَضِرِ قائِمٌ مَقامَ تَصَرُّفِ المَرْءِ في مالِهِ بِإتْلافِ بَعْضِهِ لِسَلامَةِ الباقِي. فَتَصَرُّفُهُ الظّاهِرُ إفْسادٌ وفي الواقِعِ إصْلاحٌ لِأنَّهُ مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَّيْنِ.
وهَذا أمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلّا الخَضِرُ. فَلِذَلِكَ أنْكَرَهُ مُوسى.
وأمّا تَصَرُّفُهُ في قَتْلِ الغُلامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جارٍ عَلى قَطْعِ فَسادٍ خاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ الخَضِرَ بِالوَحْيِ، فَلَيْسَ مِن مَقامِ التَّشْرِيعِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن تَرْكِيبِ عَقْلِ الغُلامِ وتَفْكِيرِهِ أنَّهُ عَقْلٌ شاذٌّ وفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأسْبابٍ مُعْتادَةٍ مِنِ انْحِرافِ طَبْعٍ وقُصُورِ إدْراكٍ، وذَلِكَ مِن آثارٍ مُفْضِيَةٍ إلى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وصاحِبِها في أنَّهُ يَنْشَأُ طاغِيًا كافِرًا. وأرادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأبَوَيْهِ بِحِفْظِ إيمانِهِما وسَلامَةِ العالَمِ مِن هَذا الطّاغِي لُطْفًا أرادَهُ اللَّهُ خارِقًا لِلْعادَةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفي هَذا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أتْباعِهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ فِيها حِفْظُ الدِّينِ، ومَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَهو كَحُكْمِ قَتْلِ المُرْتَدِّ.
والزَّكاةُ: الطَّهارَةُ، مُراعاةً لِقَوْلِ مُوسى ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] . والرُّحْمُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الحاءِ: نَظِيرُ الكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ.
والخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدارَكْ بِقَتْلِهِ.
وضَمِيرا الجَماعَةِ في قَوْلِهِ فَخَشِينا وقَوْلِهِ فَأرَدْنا عائِدانِ إلى المُتَكَلِّمِ الواحِدِ بِإظْهارِ أنَّهُ مُشارِكٌ لِغَيْرِهِ في الفِعْلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ لا مِنَ التَّعاظُمِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَهُ فَناسَبَهُ التَّواضُعُ فَقالَ (فَخَشِينا. . فَأرَدْنا)، ولَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ عِنْدَما قالَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ لِأنَّ سَبَبَ الإعابَةِ إدْراكُهُ لِمَن لَهُ عِلْمٌ بِحالِ تِلْكَ الأصْقاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٤
قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُبَدِّلَهُما بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّبْدِيلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِنَ الإبْدالِ. وأمّا فالخَضِرُ تَصَرَّفَ في شَأْنِها عَنْ إرادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِاليَتِيمَيْنِ جَزاءً لِأبِيهِما عَلى صَلاحِهِ. إذْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أباهُما كانَ يُهِمُّهُ أمْرُ عَيْشِهِما بَعْدَهُ. وكانَ قَدْ أوْدَعَ تَحْتَ الجِدارِ مالًا. ولَعَلَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يُلْهِمَ ولَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أشُدِّهِما أنْ يَبْحَثا عَنْ مَدْفِنِ الكَنْزِ تَحْتَ الجِدارِ بِقَصْدٍ أوْ بِمُصادَفَةٍ. فَلَوْ سَقَطَ الجِدارُ قَبْلَ بُلُوغِهِما لَتَناوَلَتِ الأيْدِي مَكانَهُ بِالحَفْرِ ونَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عاثِرٌ، فَذَلِكَ أيْضًا لُطْفٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَدْ أسْنَدَ الإرادَةَ في قِصَّةِ الجِدارِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ العَمَلَ فِيهِما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْعى إلَيْهِ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى سِرِّهِ لِأنَّ فِيهِما دَفْعَ فَسادٍ عَنِ النّاسِ بِخِلافِ قِصَّةِ الجِدارِ فَتِلْكَ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأبِي الغُلامَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ تَصْرِيحٌ بِما يُزِيلُ إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ تَصَرُّفاتِهِ هَذِهِ بِأنَّها رَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا إنْكارَ فِيها بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِها.
ثُمَّ زادَ بِأنَّهُ فَعَلَها عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلِمَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ النَّبِيءَ إنَّما يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهادٍ أوْ عَنْ وحْيٍ، فَلَمّا نَفى أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ عَلى أنْ يَقُولَ: وفَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ
صفحة ١٥
مُوسى وإنْكارِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلاتِهِ الثَّلاثَ كانَ يُؤَيِّدُ إنْكارَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ.
وانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيُنازِعُهُ كُلٌّ مِن أرَدْتُ، وأرَدْنا، وأرادَ رَبُّكَ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ وهو تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ المُدَرِّسِ في آخِرِ دَرْسِهِ.
وتَسْطِعْ مُضارِعُ (اسْطاعَ) بِمَعْنى (اسْتَطاعَ) . حَذَفَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِها مِن مَخْرَجِ الطّاءِ. والمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرادِفِهِ. وابْتُدِئَ بِأشْهَرِهِما اسْتِعْمالًا وجِيءَ بِالثّانِيَةِ بِالفِعْلِ المُخَفَّفِ لِأنَّ التَّخْفِيفَ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ إذا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ.
وأكَدَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ الواقِعَ في قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ.
واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْها طَوائِفُ مِن أهْلِ النِّحَلِ الإسْلامِيَّةِ أصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَواعِدَ مَوْهُومَةً.
فَأوَّلُ ما أسَّسُوهُ مِنها أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا، وأنَّ العِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وحْيًا ولَكِنَّهُ إلْهامٌ، وأنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ في المَوْجُوداتِ أصْلٌ لِإثْباتِ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ، وأنَّ الخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ البَقاءَ إلى انْتِهاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي العُلُومِ
صفحة ١٦
الباطِنِيَّةِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لِأهْلِ المَراتِبِ العُلْيا مِنَ الأوْلِياءِ فَيُفِيدُهم مِن عِلْمِهِ ما هم أهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ الإلْهامَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الوَحْيِ، وسَمَّوْهُ الوَحْيَ الإلْهامِيَّ، وأنَّهُ يَجِيءُ عَلى لِسانِ مَلَكِ الإلْهامِ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ العَرَبِيِّ في البابِ الخامِسِ والثَمانِينَ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ، وبَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وحْيِ الأنْبِياءِ بِفُرُوقٍ وعَلاماتٍ ذَكَرَها مَنشُورَةً في الأبْوابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ، والثّامِنِ والسِتِّينَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ، والرّابِعِ والسِّتِينَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةٍ، وجَزَمَ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ الإلْهامِيَّ لا يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وأطالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْلُو ما قالَهُ مِن غُمُوضٍ ورُمُوزٍ. وقَدِ انْتَصَبَ عُلَماءُ الكَلامِ وأُصُولِ الفِقْهِ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ ما يُسَمّى بِالإلْهامِ حُجَّةً. وعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ إيقاعُ شَيْءٍ في القَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَواطِرِ مَن لَيْسَ مَعْصُومًا ولِتَفاوُتِ مَراتِبِ الكَشْفِ عِنْدَهم. وقَدْ تَعَرَّضَ لَها النَّسَفِيُّ في عَقائِدِهِ، وكُلُّ ما قالَهُ النَّسَفِيُّ في ذَلِكَ حَقٌّ، ولا يُقامُ التَّشْرِيعُ عَلى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لا تَنْضَبِطُ.
والأظْهَرُ أنَّ الخَضِرَ نَبِيءٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُوحًى إلَيْهِ بِما أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، وأنَّهُ قَدِ انْقَضى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قُصَّتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ المَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ البَشَرَ في أقْصى غايَةٍ مِنَ الأجَلِ يُمْكِنُ أنْ تُفْرَضَ، وأنْ يَحْمِلَ ما يُعْزى إلَيْهِ مِن بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ المَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أنَّهُ مَحُوكٌ عَلى نَسْجِ الرَّمْزِ المُعْتادِ لَدَيْهِمْ، أوْ عَلى غِشاوَةِ الخَيالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، مِمَّنْ يَقُولُ: أخْبَرَنِي الخَضِرُ.
الكهف 18:80
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشَدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
صفحة ١٠
المُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ حاصِلٌ مِنِ اشْتِراطِ مُوسى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ سَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤالِهِ الثّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُما، أيْ هَذا الَّذِي حَصَلَ الآنَ هو فِراقُ بَيْنِنا، كَما يُقالُ: الشَّرْطُ أمْلَكُ عَلَيْكَ أمْ لَكَ. وكَثِيرًا ما يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] . وإضافَةُ ”فِراقُ“ إلى ”بَيْنِي“ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ: فِراقٌ بَيْنِي، أيْ حاصِلٌ بَيْنَنا، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ العامِلِ في الظَّرْفِ إلى مَعْمُولِهِ، كَما يُضافُ المَصْدَرُ إلى مَفْعُولِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ ”بَيْنَ“ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] . وجُمْلَةُ ”سَأُنَبِّئُكَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، تَقَعُ جَوابًا لِسُؤالٍ يَهْجِسُ في خاطِرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أسْبابِ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ عَنْها مُوسى فَإنَّهُ قَدْ وعَدَهُ أنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمّا يَفْعَلُهُ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ واضِحٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ المَعْنى عَلى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ بَعْدَ السَّيْرِ إلَيْهِ. وقَدْ مَضى في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] إلَخْ مِن أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي صِلَةِ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَعْرِيضٌ
صفحة ١١
بِاللَّوْمِ عَلى الِاسْتِعْجالِ وعَدَمِ الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ إحْداثُ الذِّكَرِ حَسْبَما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . والمَساكِينُ: هُنا بِمَعْنى ضُعَفاءِ المالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِن جُهْدِهِمْ ويُرَقُّ لَهم لِأنَّهم يَكْدَحُونَ دَهْرَهم لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم فُقَراءُ أشَدَّ الفَقْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] بَلِ المُرادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالفُقَراءِ أنَّهم يُرَقُّ لَهم كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ: (. . . . مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وأيُّ مِسْكِينٍ) .
وكانَ أصْحابُ السَّفِينَةِ هَؤُلاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهم لِلْحَمْلِ أوْ لِلصَّيْدِ.
ومَعْنى“ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ ”: هو مَلِكُ بِلادِهِمْ بِالمِرْصادِ مِنهم ومِن أمْثالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُها غَصْبًا، أيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وكانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِناءٍ أوْ نَحْوِهُ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ المَلِكُ في مَصالِحِ نَفْسِهِ وشَهَواتِهِ. كَما كانَ الفَراعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النّاسَ لِلْعَمَلِ في بِناءِ الأهْرامِ.
ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجازَ التَّسْخِيرُ مِن كُلٍّ بِحَسَبِ حالِهِ مِنَ الِاحْتِياجِ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفايَةٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ وبَعْدَ تَحَقُّقِها.
و“ وراءَ " اسْمُ الجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وهو ضِدُّ أمامَ وقُدّامَ.
ويُسْتَعارُ (الوَراءُ) لِحالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وحالِ مُلازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وحالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا. كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالكائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
صفحة ١٢
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وراءَهم مَلِكٌ بِمَعْنى أمامَهم مَلِكٌ. فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أنَّ وراءَ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأنْكَرَهُ الفَرّاءُ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ. وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ومَعْنى كُلَّ سَفِينَةٍ أيْ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . وقَدْ ذَكَرُوا في تَعْيِينِ هَذا المَلِكِ وسَبَبِ أخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وأقْوالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنها بِعَيْنِهِ، ولا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ في مَقامِ العِبْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كُلٍّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، فَكانَ حَقُّها التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ خِلافًا لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِإرادَةِ إعابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ عَمَلًا ظاهِرُهُ الإنْكارُ وحَقِيقَتُهُ الصَّلاحُ زِيادَةً في تَشْوِيقِ مُوسى إلى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَساكِينَ مِمّا يَزِيدُ السّامِعَ تَعَجُّبًا في الإقْدامِ عَلى خَرْقِها. والمَعْنى: فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وقَدْ فَعَلْتُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ وقَعَ عَنْ قَصْدٍ وتَأمُّلٍ. وقَدْ تُطْلَقُ الإرادَةُ عَلى القَصْدِ أيْضًا. وفي اللِّسانِ عَزْوُ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ.
وتَصَرُّفُ الخَضِرِ في أمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ المُصْلِحَةِ الخاصَّةِ عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في مَصالِحِ الضُّعَفاءِ إذْ كانَ الخَضِرُ عالِمًا بِحالِ
صفحة ١٣
المَلِكِ أوْ كانَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الخَضِرِ قائِمٌ مَقامَ تَصَرُّفِ المَرْءِ في مالِهِ بِإتْلافِ بَعْضِهِ لِسَلامَةِ الباقِي. فَتَصَرُّفُهُ الظّاهِرُ إفْسادٌ وفي الواقِعِ إصْلاحٌ لِأنَّهُ مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَّيْنِ.
وهَذا أمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلّا الخَضِرُ. فَلِذَلِكَ أنْكَرَهُ مُوسى.
وأمّا تَصَرُّفُهُ في قَتْلِ الغُلامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جارٍ عَلى قَطْعِ فَسادٍ خاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ الخَضِرَ بِالوَحْيِ، فَلَيْسَ مِن مَقامِ التَّشْرِيعِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن تَرْكِيبِ عَقْلِ الغُلامِ وتَفْكِيرِهِ أنَّهُ عَقْلٌ شاذٌّ وفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأسْبابٍ مُعْتادَةٍ مِنِ انْحِرافِ طَبْعٍ وقُصُورِ إدْراكٍ، وذَلِكَ مِن آثارٍ مُفْضِيَةٍ إلى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وصاحِبِها في أنَّهُ يَنْشَأُ طاغِيًا كافِرًا. وأرادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأبَوَيْهِ بِحِفْظِ إيمانِهِما وسَلامَةِ العالَمِ مِن هَذا الطّاغِي لُطْفًا أرادَهُ اللَّهُ خارِقًا لِلْعادَةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفي هَذا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أتْباعِهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ فِيها حِفْظُ الدِّينِ، ومَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَهو كَحُكْمِ قَتْلِ المُرْتَدِّ.
والزَّكاةُ: الطَّهارَةُ، مُراعاةً لِقَوْلِ مُوسى ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] . والرُّحْمُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الحاءِ: نَظِيرُ الكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ.
والخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدارَكْ بِقَتْلِهِ.
وضَمِيرا الجَماعَةِ في قَوْلِهِ فَخَشِينا وقَوْلِهِ فَأرَدْنا عائِدانِ إلى المُتَكَلِّمِ الواحِدِ بِإظْهارِ أنَّهُ مُشارِكٌ لِغَيْرِهِ في الفِعْلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ لا مِنَ التَّعاظُمِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَهُ فَناسَبَهُ التَّواضُعُ فَقالَ (فَخَشِينا. . فَأرَدْنا)، ولَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ عِنْدَما قالَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ لِأنَّ سَبَبَ الإعابَةِ إدْراكُهُ لِمَن لَهُ عِلْمٌ بِحالِ تِلْكَ الأصْقاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٤
قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُبَدِّلَهُما بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّبْدِيلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِنَ الإبْدالِ. وأمّا فالخَضِرُ تَصَرَّفَ في شَأْنِها عَنْ إرادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِاليَتِيمَيْنِ جَزاءً لِأبِيهِما عَلى صَلاحِهِ. إذْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أباهُما كانَ يُهِمُّهُ أمْرُ عَيْشِهِما بَعْدَهُ. وكانَ قَدْ أوْدَعَ تَحْتَ الجِدارِ مالًا. ولَعَلَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يُلْهِمَ ولَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أشُدِّهِما أنْ يَبْحَثا عَنْ مَدْفِنِ الكَنْزِ تَحْتَ الجِدارِ بِقَصْدٍ أوْ بِمُصادَفَةٍ. فَلَوْ سَقَطَ الجِدارُ قَبْلَ بُلُوغِهِما لَتَناوَلَتِ الأيْدِي مَكانَهُ بِالحَفْرِ ونَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عاثِرٌ، فَذَلِكَ أيْضًا لُطْفٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَدْ أسْنَدَ الإرادَةَ في قِصَّةِ الجِدارِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ العَمَلَ فِيهِما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْعى إلَيْهِ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى سِرِّهِ لِأنَّ فِيهِما دَفْعَ فَسادٍ عَنِ النّاسِ بِخِلافِ قِصَّةِ الجِدارِ فَتِلْكَ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأبِي الغُلامَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ تَصْرِيحٌ بِما يُزِيلُ إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ تَصَرُّفاتِهِ هَذِهِ بِأنَّها رَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا إنْكارَ فِيها بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِها.
ثُمَّ زادَ بِأنَّهُ فَعَلَها عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلِمَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ النَّبِيءَ إنَّما يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهادٍ أوْ عَنْ وحْيٍ، فَلَمّا نَفى أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ عَلى أنْ يَقُولَ: وفَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ
صفحة ١٥
مُوسى وإنْكارِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلاتِهِ الثَّلاثَ كانَ يُؤَيِّدُ إنْكارَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ.
وانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيُنازِعُهُ كُلٌّ مِن أرَدْتُ، وأرَدْنا، وأرادَ رَبُّكَ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ وهو تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ المُدَرِّسِ في آخِرِ دَرْسِهِ.
وتَسْطِعْ مُضارِعُ (اسْطاعَ) بِمَعْنى (اسْتَطاعَ) . حَذَفَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِها مِن مَخْرَجِ الطّاءِ. والمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرادِفِهِ. وابْتُدِئَ بِأشْهَرِهِما اسْتِعْمالًا وجِيءَ بِالثّانِيَةِ بِالفِعْلِ المُخَفَّفِ لِأنَّ التَّخْفِيفَ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ إذا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ.
وأكَدَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ الواقِعَ في قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ.
واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْها طَوائِفُ مِن أهْلِ النِّحَلِ الإسْلامِيَّةِ أصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَواعِدَ مَوْهُومَةً.
فَأوَّلُ ما أسَّسُوهُ مِنها أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا، وأنَّ العِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وحْيًا ولَكِنَّهُ إلْهامٌ، وأنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ في المَوْجُوداتِ أصْلٌ لِإثْباتِ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ، وأنَّ الخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ البَقاءَ إلى انْتِهاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي العُلُومِ
صفحة ١٦
الباطِنِيَّةِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لِأهْلِ المَراتِبِ العُلْيا مِنَ الأوْلِياءِ فَيُفِيدُهم مِن عِلْمِهِ ما هم أهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ الإلْهامَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الوَحْيِ، وسَمَّوْهُ الوَحْيَ الإلْهامِيَّ، وأنَّهُ يَجِيءُ عَلى لِسانِ مَلَكِ الإلْهامِ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ العَرَبِيِّ في البابِ الخامِسِ والثَمانِينَ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ، وبَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وحْيِ الأنْبِياءِ بِفُرُوقٍ وعَلاماتٍ ذَكَرَها مَنشُورَةً في الأبْوابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ، والثّامِنِ والسِتِّينَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ، والرّابِعِ والسِّتِينَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةٍ، وجَزَمَ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ الإلْهامِيَّ لا يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وأطالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْلُو ما قالَهُ مِن غُمُوضٍ ورُمُوزٍ. وقَدِ انْتَصَبَ عُلَماءُ الكَلامِ وأُصُولِ الفِقْهِ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ ما يُسَمّى بِالإلْهامِ حُجَّةً. وعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ إيقاعُ شَيْءٍ في القَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَواطِرِ مَن لَيْسَ مَعْصُومًا ولِتَفاوُتِ مَراتِبِ الكَشْفِ عِنْدَهم. وقَدْ تَعَرَّضَ لَها النَّسَفِيُّ في عَقائِدِهِ، وكُلُّ ما قالَهُ النَّسَفِيُّ في ذَلِكَ حَقٌّ، ولا يُقامُ التَّشْرِيعُ عَلى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لا تَنْضَبِطُ.
والأظْهَرُ أنَّ الخَضِرَ نَبِيءٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُوحًى إلَيْهِ بِما أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، وأنَّهُ قَدِ انْقَضى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قُصَّتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ المَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ البَشَرَ في أقْصى غايَةٍ مِنَ الأجَلِ يُمْكِنُ أنْ تُفْرَضَ، وأنْ يَحْمِلَ ما يُعْزى إلَيْهِ مِن بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ المَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أنَّهُ مَحُوكٌ عَلى نَسْجِ الرَّمْزِ المُعْتادِ لَدَيْهِمْ، أوْ عَلى غِشاوَةِ الخَيالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، مِمَّنْ يَقُولُ: أخْبَرَنِي الخَضِرُ.
الكهف 18:81
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشَدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
صفحة ١٠
المُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ حاصِلٌ مِنِ اشْتِراطِ مُوسى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ سَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤالِهِ الثّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُما، أيْ هَذا الَّذِي حَصَلَ الآنَ هو فِراقُ بَيْنِنا، كَما يُقالُ: الشَّرْطُ أمْلَكُ عَلَيْكَ أمْ لَكَ. وكَثِيرًا ما يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] . وإضافَةُ ”فِراقُ“ إلى ”بَيْنِي“ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ: فِراقٌ بَيْنِي، أيْ حاصِلٌ بَيْنَنا، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ العامِلِ في الظَّرْفِ إلى مَعْمُولِهِ، كَما يُضافُ المَصْدَرُ إلى مَفْعُولِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ ”بَيْنَ“ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] . وجُمْلَةُ ”سَأُنَبِّئُكَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، تَقَعُ جَوابًا لِسُؤالٍ يَهْجِسُ في خاطِرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أسْبابِ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ عَنْها مُوسى فَإنَّهُ قَدْ وعَدَهُ أنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمّا يَفْعَلُهُ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ واضِحٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ المَعْنى عَلى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ بَعْدَ السَّيْرِ إلَيْهِ. وقَدْ مَضى في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] إلَخْ مِن أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي صِلَةِ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَعْرِيضٌ
صفحة ١١
بِاللَّوْمِ عَلى الِاسْتِعْجالِ وعَدَمِ الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ إحْداثُ الذِّكَرِ حَسْبَما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . والمَساكِينُ: هُنا بِمَعْنى ضُعَفاءِ المالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِن جُهْدِهِمْ ويُرَقُّ لَهم لِأنَّهم يَكْدَحُونَ دَهْرَهم لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم فُقَراءُ أشَدَّ الفَقْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] بَلِ المُرادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالفُقَراءِ أنَّهم يُرَقُّ لَهم كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ: (. . . . مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وأيُّ مِسْكِينٍ) .
وكانَ أصْحابُ السَّفِينَةِ هَؤُلاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهم لِلْحَمْلِ أوْ لِلصَّيْدِ.
ومَعْنى“ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ ”: هو مَلِكُ بِلادِهِمْ بِالمِرْصادِ مِنهم ومِن أمْثالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُها غَصْبًا، أيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وكانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِناءٍ أوْ نَحْوِهُ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ المَلِكُ في مَصالِحِ نَفْسِهِ وشَهَواتِهِ. كَما كانَ الفَراعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النّاسَ لِلْعَمَلِ في بِناءِ الأهْرامِ.
ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجازَ التَّسْخِيرُ مِن كُلٍّ بِحَسَبِ حالِهِ مِنَ الِاحْتِياجِ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفايَةٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ وبَعْدَ تَحَقُّقِها.
و“ وراءَ " اسْمُ الجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وهو ضِدُّ أمامَ وقُدّامَ.
ويُسْتَعارُ (الوَراءُ) لِحالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وحالِ مُلازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وحالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا. كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالكائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
صفحة ١٢
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وراءَهم مَلِكٌ بِمَعْنى أمامَهم مَلِكٌ. فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أنَّ وراءَ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأنْكَرَهُ الفَرّاءُ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ. وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ومَعْنى كُلَّ سَفِينَةٍ أيْ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . وقَدْ ذَكَرُوا في تَعْيِينِ هَذا المَلِكِ وسَبَبِ أخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وأقْوالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنها بِعَيْنِهِ، ولا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ في مَقامِ العِبْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كُلٍّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، فَكانَ حَقُّها التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ خِلافًا لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِإرادَةِ إعابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ عَمَلًا ظاهِرُهُ الإنْكارُ وحَقِيقَتُهُ الصَّلاحُ زِيادَةً في تَشْوِيقِ مُوسى إلى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَساكِينَ مِمّا يَزِيدُ السّامِعَ تَعَجُّبًا في الإقْدامِ عَلى خَرْقِها. والمَعْنى: فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وقَدْ فَعَلْتُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ وقَعَ عَنْ قَصْدٍ وتَأمُّلٍ. وقَدْ تُطْلَقُ الإرادَةُ عَلى القَصْدِ أيْضًا. وفي اللِّسانِ عَزْوُ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ.
وتَصَرُّفُ الخَضِرِ في أمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ المُصْلِحَةِ الخاصَّةِ عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في مَصالِحِ الضُّعَفاءِ إذْ كانَ الخَضِرُ عالِمًا بِحالِ
صفحة ١٣
المَلِكِ أوْ كانَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الخَضِرِ قائِمٌ مَقامَ تَصَرُّفِ المَرْءِ في مالِهِ بِإتْلافِ بَعْضِهِ لِسَلامَةِ الباقِي. فَتَصَرُّفُهُ الظّاهِرُ إفْسادٌ وفي الواقِعِ إصْلاحٌ لِأنَّهُ مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَّيْنِ.
وهَذا أمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلّا الخَضِرُ. فَلِذَلِكَ أنْكَرَهُ مُوسى.
وأمّا تَصَرُّفُهُ في قَتْلِ الغُلامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جارٍ عَلى قَطْعِ فَسادٍ خاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ الخَضِرَ بِالوَحْيِ، فَلَيْسَ مِن مَقامِ التَّشْرِيعِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن تَرْكِيبِ عَقْلِ الغُلامِ وتَفْكِيرِهِ أنَّهُ عَقْلٌ شاذٌّ وفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأسْبابٍ مُعْتادَةٍ مِنِ انْحِرافِ طَبْعٍ وقُصُورِ إدْراكٍ، وذَلِكَ مِن آثارٍ مُفْضِيَةٍ إلى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وصاحِبِها في أنَّهُ يَنْشَأُ طاغِيًا كافِرًا. وأرادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأبَوَيْهِ بِحِفْظِ إيمانِهِما وسَلامَةِ العالَمِ مِن هَذا الطّاغِي لُطْفًا أرادَهُ اللَّهُ خارِقًا لِلْعادَةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفي هَذا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أتْباعِهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ فِيها حِفْظُ الدِّينِ، ومَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَهو كَحُكْمِ قَتْلِ المُرْتَدِّ.
والزَّكاةُ: الطَّهارَةُ، مُراعاةً لِقَوْلِ مُوسى ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] . والرُّحْمُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الحاءِ: نَظِيرُ الكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ.
والخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدارَكْ بِقَتْلِهِ.
وضَمِيرا الجَماعَةِ في قَوْلِهِ فَخَشِينا وقَوْلِهِ فَأرَدْنا عائِدانِ إلى المُتَكَلِّمِ الواحِدِ بِإظْهارِ أنَّهُ مُشارِكٌ لِغَيْرِهِ في الفِعْلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ لا مِنَ التَّعاظُمِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَهُ فَناسَبَهُ التَّواضُعُ فَقالَ (فَخَشِينا. . فَأرَدْنا)، ولَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ عِنْدَما قالَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ لِأنَّ سَبَبَ الإعابَةِ إدْراكُهُ لِمَن لَهُ عِلْمٌ بِحالِ تِلْكَ الأصْقاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٤
قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُبَدِّلَهُما بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّبْدِيلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِنَ الإبْدالِ. وأمّا فالخَضِرُ تَصَرَّفَ في شَأْنِها عَنْ إرادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِاليَتِيمَيْنِ جَزاءً لِأبِيهِما عَلى صَلاحِهِ. إذْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أباهُما كانَ يُهِمُّهُ أمْرُ عَيْشِهِما بَعْدَهُ. وكانَ قَدْ أوْدَعَ تَحْتَ الجِدارِ مالًا. ولَعَلَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يُلْهِمَ ولَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أشُدِّهِما أنْ يَبْحَثا عَنْ مَدْفِنِ الكَنْزِ تَحْتَ الجِدارِ بِقَصْدٍ أوْ بِمُصادَفَةٍ. فَلَوْ سَقَطَ الجِدارُ قَبْلَ بُلُوغِهِما لَتَناوَلَتِ الأيْدِي مَكانَهُ بِالحَفْرِ ونَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عاثِرٌ، فَذَلِكَ أيْضًا لُطْفٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَدْ أسْنَدَ الإرادَةَ في قِصَّةِ الجِدارِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ العَمَلَ فِيهِما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْعى إلَيْهِ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى سِرِّهِ لِأنَّ فِيهِما دَفْعَ فَسادٍ عَنِ النّاسِ بِخِلافِ قِصَّةِ الجِدارِ فَتِلْكَ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأبِي الغُلامَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ تَصْرِيحٌ بِما يُزِيلُ إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ تَصَرُّفاتِهِ هَذِهِ بِأنَّها رَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا إنْكارَ فِيها بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِها.
ثُمَّ زادَ بِأنَّهُ فَعَلَها عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلِمَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ النَّبِيءَ إنَّما يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهادٍ أوْ عَنْ وحْيٍ، فَلَمّا نَفى أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ عَلى أنْ يَقُولَ: وفَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ
صفحة ١٥
مُوسى وإنْكارِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلاتِهِ الثَّلاثَ كانَ يُؤَيِّدُ إنْكارَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ.
وانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيُنازِعُهُ كُلٌّ مِن أرَدْتُ، وأرَدْنا، وأرادَ رَبُّكَ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ وهو تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ المُدَرِّسِ في آخِرِ دَرْسِهِ.
وتَسْطِعْ مُضارِعُ (اسْطاعَ) بِمَعْنى (اسْتَطاعَ) . حَذَفَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِها مِن مَخْرَجِ الطّاءِ. والمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرادِفِهِ. وابْتُدِئَ بِأشْهَرِهِما اسْتِعْمالًا وجِيءَ بِالثّانِيَةِ بِالفِعْلِ المُخَفَّفِ لِأنَّ التَّخْفِيفَ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ إذا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ.
وأكَدَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ الواقِعَ في قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ.
واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْها طَوائِفُ مِن أهْلِ النِّحَلِ الإسْلامِيَّةِ أصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَواعِدَ مَوْهُومَةً.
فَأوَّلُ ما أسَّسُوهُ مِنها أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا، وأنَّ العِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وحْيًا ولَكِنَّهُ إلْهامٌ، وأنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ في المَوْجُوداتِ أصْلٌ لِإثْباتِ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ، وأنَّ الخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ البَقاءَ إلى انْتِهاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي العُلُومِ
صفحة ١٦
الباطِنِيَّةِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لِأهْلِ المَراتِبِ العُلْيا مِنَ الأوْلِياءِ فَيُفِيدُهم مِن عِلْمِهِ ما هم أهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ الإلْهامَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الوَحْيِ، وسَمَّوْهُ الوَحْيَ الإلْهامِيَّ، وأنَّهُ يَجِيءُ عَلى لِسانِ مَلَكِ الإلْهامِ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ العَرَبِيِّ في البابِ الخامِسِ والثَمانِينَ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ، وبَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وحْيِ الأنْبِياءِ بِفُرُوقٍ وعَلاماتٍ ذَكَرَها مَنشُورَةً في الأبْوابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ، والثّامِنِ والسِتِّينَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ، والرّابِعِ والسِّتِينَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةٍ، وجَزَمَ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ الإلْهامِيَّ لا يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وأطالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْلُو ما قالَهُ مِن غُمُوضٍ ورُمُوزٍ. وقَدِ انْتَصَبَ عُلَماءُ الكَلامِ وأُصُولِ الفِقْهِ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ ما يُسَمّى بِالإلْهامِ حُجَّةً. وعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ إيقاعُ شَيْءٍ في القَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَواطِرِ مَن لَيْسَ مَعْصُومًا ولِتَفاوُتِ مَراتِبِ الكَشْفِ عِنْدَهم. وقَدْ تَعَرَّضَ لَها النَّسَفِيُّ في عَقائِدِهِ، وكُلُّ ما قالَهُ النَّسَفِيُّ في ذَلِكَ حَقٌّ، ولا يُقامُ التَّشْرِيعُ عَلى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لا تَنْضَبِطُ.
والأظْهَرُ أنَّ الخَضِرَ نَبِيءٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُوحًى إلَيْهِ بِما أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، وأنَّهُ قَدِ انْقَضى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قُصَّتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ المَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ البَشَرَ في أقْصى غايَةٍ مِنَ الأجَلِ يُمْكِنُ أنْ تُفْرَضَ، وأنْ يَحْمِلَ ما يُعْزى إلَيْهِ مِن بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ المَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أنَّهُ مَحُوكٌ عَلى نَسْجِ الرَّمْزِ المُعْتادِ لَدَيْهِمْ، أوْ عَلى غِشاوَةِ الخَيالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، مِمَّنْ يَقُولُ: أخْبَرَنِي الخَضِرُ.
الكهف 18:82
﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبَدِّلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشَدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطَعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
صفحة ١٠
المُشارُ إلَيْهِ بِلَفْظِ ”هَذا“ مُقَدَّرٌ في الذِّهْنِ حاصِلٌ مِنِ اشْتِراطِ مُوسى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ سَألَهُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ سُؤالِهِ الثّانِي فَقَدِ انْقَطَعَتِ الصُّحْبَةُ بَيْنَهُما، أيْ هَذا الَّذِي حَصَلَ الآنَ هو فِراقُ بَيْنِنا، كَما يُقالُ: الشَّرْطُ أمْلَكُ عَلَيْكَ أمْ لَكَ. وكَثِيرًا ما يَكُونُ المُشارُ إلَيْهِ مُقَدَّرًا في الذِّهْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣] . وإضافَةُ ”فِراقُ“ إلى ”بَيْنِي“ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وأصْلُهُ: فِراقٌ بَيْنِي، أيْ حاصِلٌ بَيْنَنا، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ العامِلِ في الظَّرْفِ إلى مَعْمُولِهِ، كَما يُضافُ المَصْدَرُ إلى مَفْعُولِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ خُرُوجُ ”بَيْنَ“ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ [الكهف: ٦١] . وجُمْلَةُ ”سَأُنَبِّئُكَ“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، تَقَعُ جَوابًا لِسُؤالٍ يَهْجِسُ في خاطِرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ أسْبابِ الأفْعالِ الَّتِي فَعَلَها الخَضِرُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسَألَهُ عَنْها مُوسى فَإنَّهُ قَدْ وعَدَهُ أنْ يُحْدِثَ لَهُ ذِكْرًا مِمّا يَفْعَلُهُ.
والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرٌ لِشَيْءٍ غَيْرِ واضِحٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأوَّلِ وهو الرُّجُوعُ. شَبَّهَ تَحْصِيلُ المَعْنى عَلى تَكَلُّفٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَكانِ بَعْدَ السَّيْرِ إلَيْهِ. وقَدْ مَضى في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ، وأيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] إلَخْ مِن أوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي صِلَةِ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَعْرِيضٌ
صفحة ١١
بِاللَّوْمِ عَلى الِاسْتِعْجالِ وعَدَمِ الصَّبْرِ إلى أنْ يَأْتِيَهُ إحْداثُ الذِّكَرِ حَسْبَما وعَدَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] . والمَساكِينُ: هُنا بِمَعْنى ضُعَفاءِ المالِ الَّذِينَ يَرْتَزِقُونَ مِن جُهْدِهِمْ ويُرَقُّ لَهم لِأنَّهم يَكْدَحُونَ دَهْرَهم لِتَحْصِيلِ عَيْشِهِمْ. فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم فُقَراءُ أشَدَّ الفَقْرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] بَلِ المُرادُ بِتَسْمِيَتِهِمْ بِالفُقَراءِ أنَّهم يُرَقُّ لَهم كَما قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الحادِيَةِ والأرْبَعِينَ: (. . . . مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ وأيُّ مِسْكِينٍ) .
وكانَ أصْحابُ السَّفِينَةِ هَؤُلاءِ عَمَلَةٌ يَأْجُرُونَ سَفِينَتَهم لِلْحَمْلِ أوْ لِلصَّيْدِ.
ومَعْنى“ ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾ ”: هو مَلِكُ بِلادِهِمْ بِالمِرْصادِ مِنهم ومِن أمْثالِهِمْ يُسَخِّرُ كُلَّ سَفِينَةٍ يَجِدُها غَصْبًا، أيْ بِدُونِ عِوَضٍ. وكانَ ذَلِكَ لِنَقْلِ أُمُورِ بِناءٍ أوْ نَحْوِهُ مِمّا يَسْتَعْمِلُهُ المَلِكُ في مَصالِحِ نَفْسِهِ وشَهَواتِهِ. كَما كانَ الفَراعِنَةُ يُسَخِّرُونَ النّاسَ لِلْعَمَلِ في بِناءِ الأهْرامِ.
ولَوْ كانَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ عامَّةٍ لِلْأُمَّةِ لَجازَ التَّسْخِيرُ مِن كُلٍّ بِحَسَبِ حالِهِ مِنَ الِاحْتِياجِ لِأنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفايَةٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ وبَعْدَ تَحَقُّقِها.
و“ وراءَ " اسْمُ الجِهَةِ الَّتِي خَلْفَ ظَهْرِ مَن أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الِاسْمُ، وهو ضِدُّ أمامَ وقُدّامَ.
ويُسْتَعارُ (الوَراءُ) لِحالِ تَعَقُّبِ شَيْءٍ شَيْئًا وحالِ مُلازِمَةِ طَلَبِ شَيْءٍ شَيْئًا بِحَقٍّ وحالِ الشَّيْءِ الَّذِي سَيَأْتِي قَرِيبًا. كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالكائِنِ خَلْفَ شَيْءٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
صفحة ١٢
وقالَ لَبِيدٌ:
ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومَ العَصا تُحْنى عَلَيْها الأصابِعُ
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا وراءَهم مَلِكٌ بِمَعْنى أمامَهم مَلِكٌ. فَتَوَهَّمَ بَعْضُ مُدَوِّنِي اللُّغَةِ أنَّ وراءَ مِن أسْماءِ الأضْدادِ، وأنْكَرَهُ الفَرّاءُ وقالَ: لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ لِلَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ هو وراءَكَ. وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ في المَواقِيتِ مِنَ اللَّيالِي تَقُولُ: وراءَكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ، وبَيْنَ يَدَيْكَ بَرْدٌ شَدِيدٌ. يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ عَلى المَجازِ، قالَ الزَّجّاجُ: ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما زَعَمَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
ومَعْنى كُلَّ سَفِينَةٍ أيْ صالِحَةٍ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ . وقَدْ ذَكَرُوا في تَعْيِينِ هَذا المَلِكِ وسَبَبِ أخْذِهِ لِلسُّفُنِ قَصَصًا وأقْوالًا لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنها بِعَيْنِهِ، ولا يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ في مَقامِ العِبْرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى كُلٍّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ﴾، فَكانَ حَقُّها التَّأْخِيرَ عَنْ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، ولَكِنَّها قُدِّمَتْ خِلافًا لِمُقْتَضى الظّاهِرِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والعِنايَةِ بِإرادَةِ إعابَةِ السَّفِينَةِ حَيْثُ كانَ عَمَلًا ظاهِرُهُ الإنْكارُ وحَقِيقَتُهُ الصَّلاحُ زِيادَةً في تَشْوِيقِ مُوسى إلى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لِأنَّ كَوْنَ السَّفِينَةِ لِمَساكِينَ مِمّا يَزِيدُ السّامِعَ تَعَجُّبًا في الإقْدامِ عَلى خَرْقِها. والمَعْنى: فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وقَدْ فَعَلْتُ. وإنَّما لَمْ يَقُلْ: فَعِبْتُها، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ فِعْلَهُ وقَعَ عَنْ قَصْدٍ وتَأمُّلٍ. وقَدْ تُطْلَقُ الإرادَةُ عَلى القَصْدِ أيْضًا. وفي اللِّسانِ عَزْوُ ذَلِكَ إلى سِيبَوَيْهِ.
وتَصَرُّفُ الخَضِرِ في أمْرِ السَّفِينَةِ تَصَرُّفٌ بِرَعْيِ المُصْلِحَةِ الخاصَّةِ عَنْ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في مَصالِحِ الضُّعَفاءِ إذْ كانَ الخَضِرُ عالِمًا بِحالِ
صفحة ١٣
المَلِكِ أوْ كانَ اللَّهُ أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، فَتَصَرَّفُ الخَضِرِ قائِمٌ مَقامَ تَصَرُّفِ المَرْءِ في مالِهِ بِإتْلافِ بَعْضِهِ لِسَلامَةِ الباقِي. فَتَصَرُّفُهُ الظّاهِرُ إفْسادٌ وفي الواقِعِ إصْلاحٌ لِأنَّهُ مِنِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَّيْنِ.
وهَذا أمْرٌ خَفِيٌّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلّا الخَضِرُ. فَلِذَلِكَ أنْكَرَهُ مُوسى.
وأمّا تَصَرُّفُهُ في قَتْلِ الغُلامِ فَتَصَرُّفٌ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ جارٍ عَلى قَطْعِ فَسادٍ خاصٍّ عَلِمَهُ اللَّهُ وأعْلَمَ بِهِ الخَضِرَ بِالوَحْيِ، فَلَيْسَ مِن مَقامِ التَّشْرِيعِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن تَرْكِيبِ عَقْلِ الغُلامِ وتَفْكِيرِهِ أنَّهُ عَقْلٌ شاذٌّ وفِكْرٌ مُنْحَرِفٌ طُبِعَ عَلَيْهِ بِأسْبابٍ مُعْتادَةٍ مِنِ انْحِرافِ طَبْعٍ وقُصُورِ إدْراكٍ، وذَلِكَ مِن آثارٍ مُفْضِيَةٍ إلى تِلْكَ النَّفْسِيَّةِ وصاحِبِها في أنَّهُ يَنْشَأُ طاغِيًا كافِرًا. وأرادَ اللَّهُ اللُّطْفَ بِأبَوَيْهِ بِحِفْظِ إيمانِهِما وسَلامَةِ العالَمِ مِن هَذا الطّاغِي لُطْفًا أرادَهُ اللَّهُ خارِقًا لِلْعادَةِ جارِيًا عَلى مُقْتَضى سَبْقِ عِلْمِهِ، فَفي هَذا مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ بِحِفْظِ أتْباعِهِ مِنَ الكُفْرِ، وهو مَصْلَحَةٌ خاصَّةٌ فِيها حِفْظُ الدِّينِ، ومَصْلَحَةٌ عامَّةٌ لِأنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَهو كَحُكْمِ قَتْلِ المُرْتَدِّ.
والزَّكاةُ: الطَّهارَةُ، مُراعاةً لِقَوْلِ مُوسى ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] . والرُّحْمُ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الحاءِ: نَظِيرُ الكُثْرِ لِلْكَثْرَةِ.
والخَشْيَةُ: تَوَقُّعُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يُتَدارَكْ بِقَتْلِهِ.
وضَمِيرا الجَماعَةِ في قَوْلِهِ فَخَشِينا وقَوْلِهِ فَأرَدْنا عائِدانِ إلى المُتَكَلِّمِ الواحِدِ بِإظْهارِ أنَّهُ مُشارِكٌ لِغَيْرِهِ في الفِعْلِ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ يَكُونُ مِنَ التَّواضُعِ لا مِنَ التَّعاظُمِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَهُ عَلى ذَلِكَ وأمَرَهُ فَناسَبَهُ التَّواضُعُ فَقالَ (فَخَشِينا. . فَأرَدْنا)، ولَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ عِنْدَما قالَ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ لِأنَّ سَبَبَ الإعابَةِ إدْراكُهُ لِمَن لَهُ عِلْمٌ بِحالِ تِلْكَ الأصْقاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ١٤
قالَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْ يُبَدِّلَهُما بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ مِنَ التَّبْدِيلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ مِنَ الإبْدالِ. وأمّا فالخَضِرُ تَصَرَّفَ في شَأْنِها عَنْ إرادَةِ اللَّهِ اللُّطْفَ بِاليَتِيمَيْنِ جَزاءً لِأبِيهِما عَلى صَلاحِهِ. إذْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أباهُما كانَ يُهِمُّهُ أمْرُ عَيْشِهِما بَعْدَهُ. وكانَ قَدْ أوْدَعَ تَحْتَ الجِدارِ مالًا. ولَعَلَّهُ سَألَ اللَّهَ أنْ يُلْهِمَ ولَدَيْهِ عِنْدَ بُلُوغِ أشُدِّهِما أنْ يَبْحَثا عَنْ مَدْفِنِ الكَنْزِ تَحْتَ الجِدارِ بِقَصْدٍ أوْ بِمُصادَفَةٍ. فَلَوْ سَقَطَ الجِدارُ قَبْلَ بُلُوغِهِما لَتَناوَلَتِ الأيْدِي مَكانَهُ بِالحَفْرِ ونَحْوِهُ فَعَثَرَ عَلَيْهِ عاثِرٌ، فَذَلِكَ أيْضًا لُطْفٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَدْ أسْنَدَ الإرادَةَ في قِصَّةِ الجِدارِ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ لِأنَّ العَمَلَ فِيهِما كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْعى إلَيْهِ كُلُّ مَن يَقِفُ عَلى سِرِّهِ لِأنَّ فِيهِما دَفْعَ فَسادٍ عَنِ النّاسِ بِخِلافِ قِصَّةِ الجِدارِ فَتِلْكَ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأبِي الغُلامَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ تَصْرِيحٌ بِما يُزِيلُ إنْكارَ مُوسى عَلَيْهِ تَصَرُّفاتِهِ هَذِهِ بِأنَّها رَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ فَلا إنْكارَ فِيها بَعْدَ مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِها.
ثُمَّ زادَ بِأنَّهُ فَعَلَها عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ عَلِمَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ النَّبِيءَ إنَّما يَتَصَرَّفُ عَنِ اجْتِهادٍ أوْ عَنْ وحْيٍ، فَلَمّا نَفى أنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. وإنَّما أُوثِرَ نَفْيُ كَوْنِ فِعْلِهِ عَنْ أمْرِ نَفْسِهِ عَلى أنْ يَقُولَ: وفَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ رَبِّي، تَكْمِلَةً لِكَشْفِ حَيْرَةِ
صفحة ١٥
مُوسى وإنْكارِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ فَعْلاتِهِ الثَّلاثَ كانَ يُؤَيِّدُ إنْكارَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ تَصَرَّفَ عَنْ خَطَأٍ.
وانْتَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ فَيُنازِعُهُ كُلٌّ مِن أرَدْتُ، وأرَدْنا، وأرادَ رَبُّكَ. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءٌ مِن قَوْلِهِ ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في الكَلامِ السّابِقِ وهو تَلْخِيصٌ لِلْمَقْصُودِ كَحَوْصَلَةِ المُدَرِّسِ في آخِرِ دَرْسِهِ.
وتَسْطِعْ مُضارِعُ (اسْطاعَ) بِمَعْنى (اسْتَطاعَ) . حَذَفَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ تَخْفِيفًا لِقُرْبِها مِن مَخْرَجِ الطّاءِ. والمُخالَفَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِلتَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ لَفَظٍ بِعَيْنِهِ مَعَ وُجُودِ مُرادِفِهِ. وابْتُدِئَ بِأشْهَرِهِما اسْتِعْمالًا وجِيءَ بِالثّانِيَةِ بِالفِعْلِ المُخَفَّفِ لِأنَّ التَّخْفِيفَ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ إذا كَرَّرَ تَسْتَطِعْ يَحْصُلُ مِن تَكْرِيرِهِ ثِقَلٌ.
وأكَدَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ الواقِعَ في قَوْلِهِ ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ تَأْكِيدًا لِلتَّعْرِيضِ بِاللَّوْمِ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ.
واعْلَمْ أنَّ قِصَّةَ مُوسى والخَضِرِ قَدِ اتَّخَذَتْها طَوائِفُ مِن أهْلِ النِّحَلِ الإسْلامِيَّةِ أصْلًا بَنَوْا عَلَيْهِ قَواعِدَ مَوْهُومَةً.
فَأوَّلُ ما أسَّسُوهُ مِنها أنَّ الخَضِرَ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا وإنَّما كانَ عَبْدًا صالِحًا، وأنَّ العِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَيْسَ وحْيًا ولَكِنَّهُ إلْهامٌ، وأنَّ تَصَرُّفَهُ الَّذِي تَصَرَفَهُ في المَوْجُوداتِ أصْلٌ لِإثْباتِ العُلُومِ الباطِنِيَّةِ، وأنَّ الخَضِرَ مَنَحَهُ اللَّهُ البَقاءَ إلى انْتِهاءِ مُدَّةِ الدُّنْيا لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِتَلَقِّي العُلُومِ
صفحة ١٦
الباطِنِيَّةِ، وأنَّهُ يَظْهَرُ لِأهْلِ المَراتِبِ العُلْيا مِنَ الأوْلِياءِ فَيُفِيدُهم مِن عِلْمِهِ ما هم أهْلٌ لِتَلَقِّيهِ.
وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ الإلْهامَ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الوَحْيِ، وسَمَّوْهُ الوَحْيَ الإلْهامِيَّ، وأنَّهُ يَجِيءُ عَلى لِسانِ مَلَكِ الإلْهامِ، وقَدْ فَصَّلَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ العَرَبِيِّ في البابِ الخامِسِ والثَمانِينَ مِن كِتابِهِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ، وبَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وحْيِ الأنْبِياءِ بِفُرُوقٍ وعَلاماتٍ ذَكَرَها مَنشُورَةً في الأبْوابِ الثّالِثِ والسَّبْعِينَ، والثّامِنِ والسِتِّينَ بَعْدَ المِائَتَيْنِ، والرّابِعِ والسِّتِينَ بَعْدَ ثَلاثِمِائَةٍ، وجَزَمَ بِأنَّ هَذا الوَحْيَ الإلْهامِيَّ لا يَكُونُ مُخالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، وأطالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْلُو ما قالَهُ مِن غُمُوضٍ ورُمُوزٍ. وقَدِ انْتَصَبَ عُلَماءُ الكَلامِ وأُصُولِ الفِقْهِ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ ما يُسَمّى بِالإلْهامِ حُجَّةً. وعَرَّفُوهُ بِأنَّهُ إيقاعُ شَيْءٍ في القَلْبِ يَثْلَجُ لَهُ الصَّدْرُ، وأبْطَلُوا كَوْنَهُ حُجَّةً لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِخَواطِرِ مَن لَيْسَ مَعْصُومًا ولِتَفاوُتِ مَراتِبِ الكَشْفِ عِنْدَهم. وقَدْ تَعَرَّضَ لَها النَّسَفِيُّ في عَقائِدِهِ، وكُلُّ ما قالَهُ النَّسَفِيُّ في ذَلِكَ حَقٌّ، ولا يُقامُ التَّشْرِيعُ عَلى أُصُولٍ مَوْهُومَةٍ لا تَنْضَبِطُ.
والأظْهَرُ أنَّ الخَضِرَ نَبِيءٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ كانَ مُوحًى إلَيْهِ بِما أُوحِيَ، لِقَوْلِهِ ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، وأنَّهُ قَدِ انْقَضى خَبَرُهُ بَعْدَ تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي قُصَّتْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّهُ قَدْ لَحِقَهُ المَوْتُ الَّذِي يَلْحَقُ البَشَرَ في أقْصى غايَةٍ مِنَ الأجَلِ يُمْكِنُ أنْ تُفْرَضَ، وأنْ يَحْمِلَ ما يُعْزى إلَيْهِ مِن بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ المَوْسُومِينَ بِالصِّدْقِ أنَّهُ مَحُوكٌ عَلى نَسْجِ الرَّمْزِ المُعْتادِ لَدَيْهِمْ، أوْ عَلى غِشاوَةِ الخَيالِ الَّتِي قَدْ تُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ.
فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ، مِمَّنْ يَقُولُ: أخْبَرَنِي الخَضِرُ.
الكهف 18:83
صفحة ١٧
﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ القِصَّةِ بِـ ”يَسْألُونَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ لِلْجَوابِ عَنْهُ كَما كانَ الِابْتِداءُ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ اقْتِضابًا تَنْبِيهًا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرْنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ بِإغْراءٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في يَثْرِبَ. فَقالُوا: سَلُوهُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فَإنْ أجابَ عَنْها كُلِّها فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضِها وأمْسَكَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيءٌ» ؟ . وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ التَّعْجِيلِ في سُورَةِ الإسْراءِ النّازِلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ وتَأْخِيرِ الجَوابِ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ إلى سُورَةِ الكَهْفِ. وأعْقَبْنا ذَلِكَ بِما رَأيْناهُ في تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن سَوْقِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ.
فالسّائِلُونَ: قُرَيْشٌ لا مَحالَةَ. والمَسْئُولُ عَنْهُ: خَبَرُ رَجُلٌ مِن عُظَماءِ العالَمِ عُرِفَ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ، كانَتْ أخْبارُ سِيرَتِهِ خَفِيَّةً مُجْمَلَةً مُغْلَقَةً، فَسَألُوا النَّبِيءَ عَنْ تَحْقِيقِها وتَفْصِيلِها. وأذِنَ لَهُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ مِنها ما هو مَوْضِعُ العِبْرَةِ لِلنّاسِ في شُئُونِ الصَّلاحِ والعَدْلِ، وفي عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَكانَ أحْبارُ اليَهُودِ مُنْفَرِدِينَ بِمَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ وكانَتْ مِن أسْرارِهِمْ فَلِذَلِكَ جَرَّبُوا بِها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ١٨
ولَمْ يَتَجاوَزِ القُرْآنُ ذِكْرَ هَذا الرَّجُلِ بِأكْثَرِ مِن لَقَبِهِ المُشْتَهِرِ بِهِ إلى تَعْيِينِ اسْمِهِ وبِلادِهِ وقَوْمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن شُئُونِ أهْلِ التّارِيخِ والقَصَصِ ولَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ، فَكانَ مِنهُ الِاقْتِصارُ عَلى ما يُفِيدُ الأُمَّةَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ عِبْرَةً حِكَمِيَّةً أوْ خُلُقِيَّةً فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ . والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ السُّؤالُ عَنْ خَبَرِهِ فَحُذِفَ المُضافُ إيجازًا لِدَلالَةِ المَقامِ، وكَذَلِكَ حُذِفَ المُضافُ في قَوْلِهِ مِنهُ أيْ مِن خَبَرِهِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ.
والذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ، أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم ما بِهِ التَّذَكُّرُ، فَجَعَلَ المَتْلُوَّ نَفْسَهُ ذِكْرًا مُبالَغَةً بِالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ مِن حالِ الرَّجُلِ الَّذِي يُوصَفُ بِذِي القَرْنَيْنِ بِما فِيهِ إبْطالٌ لِما خَلَطَ بِهِ النّاسُ بَيْنَ أحْوالِ رِجالٍ عُظَماءَ كانُوا في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ أوْ كانَتْ قَصَصُهم تُساقُ مَساقَ مَن جاسُوا خِلالَ بِلادٍ مُتَقارِبَةٍ مُتَماثِلَةٍ وشَوَّهُوا تَخْلِيطَهم بِالأكاذِيبِ، وأكْثَرُهم في ذَلِكَ صاحِبُ الشّاهْنامَةِ الفِرْدَوْسِيُّ وهو مَعْرُوفٌ بِالأكاذِيبِ والأوْهامِ الخُرافِيَّةِ.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا تَفَرَّقَتْ بِهِمْ فِيهِ أخْبارٌ قَصَصِيَّةٌ وأخْبارٌ تارِيخِيَّةٌ واسْتِرْواحٌ مِنَ الِاشْتِقاقاتِ اللَّفْظِيَّةِ، ولَعَلَّ اخْتِلافَهم لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِاخْتِلافِ القَصّاصِينَ الَّذِينَ عُنُوا بِأحْوالِ الفاتِحِينَ عِنايَةَ تَخْلِيطٍ لا عِنايَةَ تَحْقِيقٍ فَرامُوا تَطْبِيقَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلَيْها. والَّذِي يَجِبُ الِانْفِصالُ فِيهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنَّ وصْفَهُ بِذِي القَرْنَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ وهو وصْفٌ عَرَبِيٌّ يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ عُرِفَ بِمَدْلُولِهِ بَيْنَ المُثِيرِينَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَتَرْجَمُوهُ بِهَذا اللَّفْظِ.
صفحة ١٩
ويَتَعَيَّنُ أنْ لا يُحْمَلَ القَرْنانِ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هُما عَلى التَّشْبِيهِ أوْ عَلى الصُّورَةِ. فالأظْهَرُ أنْ يَكُونا ذُؤابَتَيْنِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ مُتَدَلِّيَتَيْنِ، وإطْلاقُ القَرْنِ عَلى الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ شائِعٌ في العَرَبِيَّةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
وفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «فِي صِفَةِ غُسْلِ ابْنَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَجَعَلْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ»، فَيَكُونُ هَذا المَلِكُ قَدْ أطالَ شَعْرَ رَأْسِهِ وضَفَّرَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، كَما سُمِّيَ خِرْباقُ ذا اليَدَيْنِ.
وقِيلَ: هُما شِبْهُ قَرْنَيِ الكَبْشِ مِن نُحاسٍ كانا في خُوذَةِ هَذا المَلِكِ فَنُعِتَ بِهِما. وقِيلَ: هُما ضَرْبَتانِ عَلى مَوْضِعَيْنِ مِن رَأْسِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ مَنبَتَيِ القَرْنَيْنِ مِن ذَواتِ القُرُونِ.
ومِن هُنا تَأْتِي الأقْوالُ في تَعْيِينِ ذِي القَرْنَيْنِ،
فَأحَدُ الأقْوالِ: أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ المَقْدُونِيُّ. وذَكَرُوا في وجْهِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ ضَفَّرَ شَعْرَهُ قَرْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ يَلْبَسُ خُوذَةً في الحَرْبِ بِها قَرْنانِ، وقِيلَ: رَسَمَ ذاتَهُ عَلى بَعْضِ نُقُودِهِ بِقَرْنَيْنِ في رَأْسِهِ تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِالمَعْبُودِ آمَوُنَ مَعْبُودِ المِصْرِيِّينَ وذَلِكَ حِينَ مَلَكَ مِصْرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ هو تُبَّعٌ أبُو كَرِبٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ وأنَّهُ (أفْرِيدُونُ بْنُ أثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ) . هَذِهِ أوْضَحُ الأقْوالِ، وما دُونَها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ولا تَصْحِيحُ رِوايَتِهِ.
ونَحْنُ تُجاهَ هَذا الِاخْتِلافِ يَحِقُّ عَلَيْنا أنْ نَسْتَخْلِصَ مِن قِصَّتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالًا تُقَرِّبُ تَعْيِينَهُ وتَزْيِيفَ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ، ولَيْسَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلى تَعْيِينِهِ مِن بَيْنِ أصْحابِ هَذِهِ الأقْوالِ بَلِ الأمْرُ في ذَلِكَ أوْسَعُ
صفحة ٢٠
وهَذِهِ القِصَّةُ القُرْآنِيَّةُ تُعْطِي صِفاتٍ لا مَحِيدَ عَنْها: إحْداها: أنَّهُ كانَ مَلِكًا صالِحًا عادِلًا.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ مُلْهَمًا مِنَ اللَّهِ.
الثّالِثَةُ: أنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ أقْطارًا شاسِعَةً.
الرّابِعَةُ: أنَّهُ بَلَغَ في فُتُوحِهِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مَكانًا كانَ مَجْهُولًا وهو عَيْنٌ حَمِئَةٌ.
الخامِسَةُ: أنَّهُ بَلَغَ بِلادَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وأنَّها كانَتْ في جِهَةٍ مِمّا شَمِلَهُ مُلْكُهُ غَيْرِ الجِهَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ فَكانَتْ وسَطًا بَيْنَهُما كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِقْراءُ مَبْلَغِ أسْبابِهِ.
السّادِسَةُ: أنَّهُ أقامَ سَدًّا يَحُولُ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وبَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ.
السّابِعَةُ: أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هَؤُلاءِ كانُوا عائِثِينَ في الأرْضِ فَسادًا وأنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ بِلادَ قَوْمٍ مُوالِينَ لِهَذا المَلِكِ.
الثّامِنَةُ: أنَّهُ كانَ مَعَهُ قَوْمٌ أهْلُ صِناعَةٍ مُتْقَنَةٍ في الحَدِيدِ والبِناءِ.
التّاسِعَةُ: أنَّ خَبَرَهُ خَفِيٌّ دَقِيقٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا الأحْبارُ عِلْمًا إجْمالِيًّا كَما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.
وأنْتَ إذا تَدَبَّرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا صالِحًا بَلْ كانَ وثَنِيًّا فَلَمْ يَكُنْ أهْلًا لِتَلَقِّي الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَتْ لَهُ كَمالاتٌ عَلى الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَلا يُعْرَفُ في تارِيخِهِ أنَّهُ أقامَ سَدًّا بَيْنَ بَلَدَيْنِ.
وأمّا نِسْبَةُ السَّدِّ الفاصِلِ بَيْنَ الصِّينِ وبَيْنَ بِلادِ ياجُوجَ وماجُوجَ إلَيْهِ في كَلامِ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ فَهو ناشِئٌ عَنْ شُهْرَةِ الإسْكَنْدَرِ فَتَوَهَّمَ
صفحة ٢١
القَصّاصُونَ أنَّ ذَلِكَ السَّدَّ لا يَكُونُ إلّا مِن بِنائِهِ، كَما تَوَهَّمَ العَرَبُ أنَّ مَدِينَةَ تَدْمُرَ بَناها سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأيْضًا فَإنَّ هِيرُودُوتِسَ اليُونانِيَّ المُؤَرِّخَ ذَكَرَ أنَّ الإسْكَنْدَرَ حارَبَ أُمَّهُ (سِكْيُثُوسَ) . وهَذا الِاسْمُ هو اسْمُ ماجُوجَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وأحْسَبُ أنَّ لِتَرْكِيبِ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى اسْمِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ أثَرًا في اشْتِهارِ نِسْبَةِ السَّدِّ إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن أوْهامِ المُؤَرِّخِينَ في الإسْلامِ.
ولا يُعْرَفُ أنَّ مَمْلَكَةَ إسْكَنْدَرَ كانَتْ تَبْلُغُ في الغَرْبِ إلى عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وفي الشَّرْقِ إلى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عُراةٍ أوْ عَدِيمِي المَساكِنِ، ولا أنَّ أُمَّتَهُ كانَتْ تُلَقِّبُهُ بِذِي القَرْنَيْنِ. وإنَّما انْتُحِلَ هَذا اللَّقَبُ لَهُ لَمّا تَوَهَّمُوا أنَّهُ المَعْنِيُّ بِذِي القَرْنَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ. فَمَنحُهُ هَذا اللَّقَبَ مِن مُخْتَرَعاتِ مُؤَرِّخِي المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ رَسْمُ وجْهِهِ عَلى النُّقُودِ بِقَرْنَيْنِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُلَقَّبَ بِهِ. وأيْضًا فالإسْكَنْدَرُ كانَتْ أخْبارُهُ مَشْهُورَةً لِأنَّهُ حارَبَ الفُرْسَ والقِبْطَ وهُما أُمَّتانِ مُجاوِرَتانِ لِلْأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ.
ومِثْلُ هَذِهِ المُبْطِلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها تَتَأتّى لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ هو أفْرِيدُونُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَبابِعَةِ حِمْيَرَ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عَصْرٍ مُتَوَغِّلٍ في القِدَمِ. وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ مُعاصِرًا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ بِلادُهُ الَّتِي فَتَحَها مَجْهُولَةَ المَواقِعِ. ولَكِنْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَعْرِفُونَ مِن خَبَرِهِ مِثْلَ هَذا. وقَدْ ظَهَرَ مِن أقْوالِهِمْ أنَّ سَبَبَ هَذا التَّوَهُّمِ هو وُجُودُ كَلِمَةِ (ذُو) الَّتِي اشْتُهِرَ وُجُودُ مِثْلِها في ألْقابِ مُلُوكِ اليَمَنِ وتَبابِعَتِهِ.
صفحة ٢٢
فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الصِّينِ لِوُجُودِ أسْبابٍ: أحَدُها: أنَّ بِلادَ الصِّينِ اشْتَهَرَ أهْلُها مُنْذُ القِدَمِ بِأنَّهم أهْلُ تَدْبِيرٍ وصَنائِعَ.
الثّانِي: أنَّ مُعْظَمَ مُلُوكِهِمْ كانُوا أهْلَ عَدْلٍ وتَدْبِيرٍ لِلْمَمْلَكَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ مِن سِماتِهِمْ تَطْوِيلُ شَعْرِ رُءُوسِهِمْ وجَعْلُها في ضَفِيرَتَيْنِ فَيَظْهَرُ وجْهُ تَعْرِيفِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ.
الرّابِعُ: أنَّ سَدًّا ورَدْمًا عَظِيمًا لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في العالَمِ هو مَوْجُودٌ بَيْنَ بِلادِ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ. وهو المَشْهُورُ في كُتُبِ الجُغْرافِيا والتّارِيخِ بِالسُّورِ الأعْظَمِ، وسَيَرِدُ وصْفُهُ.
الخامِسُ: ما رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «خَرَجَ لَيْلَةً فَقالَ: ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا» . وأشارَ بِعَقْدِ تِسْعِينَ أعْنِي بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبّابَةِ عَلى طَرَفِ الإبْهامِ وقَدْ كانَ زَوالُ عَظَمَةِ سُلْطانِ العَرَبِ عَلى يَدِ المَغُولِ في بَغْدادَ فَتَعَيَّنَ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ وأنَّ الرَّدْمَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو الرَّدْمُ الفاصِلُ بَيْنَ بِلادِ المَغُولِ وبِلادِ الصِّينِ وبانِيهِ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ.
وأنَّ وصْفَهُ في القُرْآنِ بِذِي القَرْنَيْنِ تَوْصِيفٌ لا تَلْقِيبٌ فَهو مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنْ شاوَلَ مَلِكِ إسْرائِيلَ باسِمِ طالُوتَ. وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي بَنى السَّدَّ الفاصِلَ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. واسْمُ هَذا المَلِكِ (تِسِينْشِي هُوانْقَتِي) أوْ (تِسِينْ شِي هو انْقْ تِي) . وكانَ مَوْجُودًا في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِنَحْوِ قَرْنٍ. وبِلادُ الصِّينِ في ذَلِكَ العَصْرِ كانَتْ مُتَدَيِّنَةً بِدِينِ (كِنْفِيشْيُوسَ) المُشَرِّعِ المُصْلِحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أهْلُ شَرِيعَتِهِ صالِحِينَ.
صفحة ٢٣
وهَذا المَلِكُ يُؤْخَذُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ أنَّهُ ساءَتْ حالَتُهُ في آخِرِ عُمُرِهِ وأفْسَدَ كَثِيرًا وقَتَلَ عُلَماءَ وأحْرَقَ كُتُبًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالحَقِيقَةِ وبِأسْبابِها.
ولَمّا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو إسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ نَحَلُوهُ بِناءَ السَّدِّ. وزَعَمُوهُ مِن صُنْعِهُ كَما نَحَلُوهُ لَقَبَ ذِي القَرْنَيْنِ. وكُلُّ ذَلِكَ بِناءَ أوْهامٍ عَلى أوْهامٍ ولا أساسَ لِواحِدٍ مِنها ولا عَلاقَةَ لِإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. .
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ إذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنْ يَعِدَ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في مَعْناهُ.
والسِّينُ في قَوْلِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وجُعِلَ خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ تِلاوَةً وذِكْرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُهِمَّ مِن أخْبارِهِ ما فِيهِ تَذْكِيرٌ وما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ تِلاوَةً حَسَبَ شَأْنِ القُرْآنِ فَإنَّهُ يُتْلى لِأجْلِ الذِّكْرِ ولا يُساقُ مَساقَ القَصَصِ.
وقَوْلُهُ مِنهُ ذِكْرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحْوالَهُ وأخْبارَهُ كَثِيرَةٌ وأنَّهم إنَّما يُهِمُّهم بَعْضُ أحْوالِهِ المُفِيدَةِ ذِكْرًا وعِظَةً. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن نَبَئِهِمْ. لِأنَّ قِصَّتَهم مُنْحَصِرَةٌ فِيما ذَكَرَ. وأحْوالُ ذِي القَرْنَيْنِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَ هُنا.
وحَرْفُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُ ذِكْرًا لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن خَبَرِهِ.
والتَّمْكِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَمَكِّنًا، أيْ راسِخًا. وهو تَمْثِيلٌ لِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ لا يُزَعْزِعُ قُوَّتَهُ أحَدٌ. وحَقُّ فِعْلِ مَكَّنا التَّعْدِيَةُ
صفحة ٢٤
بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: مَكَّناهُ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ لِلتَّوْكِيدِ كاللّامِ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ. وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فَمَعْنى التَّمْكِينِ في الأرْضِ إعْطاءُ المَقْدِرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ أهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ وهي أرْضُ مُلْكِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] . والسَّبَبُ حَقِيقَتُهُ: الحَبْلُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الشَّيْءِ مِن عِلْمٍ أوْ مَقْدِرَةٍ أوْ آلاتِ التَّسْخِيرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الأشْياءِ الكَثِيرَةِ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ آتَيْناهُ وسائِلَ أشْياءَ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ.
الكهف 18:84
صفحة ١٧
﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ القِصَّةِ بِـ ”يَسْألُونَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ لِلْجَوابِ عَنْهُ كَما كانَ الِابْتِداءُ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ اقْتِضابًا تَنْبِيهًا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرْنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ بِإغْراءٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في يَثْرِبَ. فَقالُوا: سَلُوهُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فَإنْ أجابَ عَنْها كُلِّها فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضِها وأمْسَكَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيءٌ» ؟ . وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ التَّعْجِيلِ في سُورَةِ الإسْراءِ النّازِلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ وتَأْخِيرِ الجَوابِ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ إلى سُورَةِ الكَهْفِ. وأعْقَبْنا ذَلِكَ بِما رَأيْناهُ في تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن سَوْقِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ.
فالسّائِلُونَ: قُرَيْشٌ لا مَحالَةَ. والمَسْئُولُ عَنْهُ: خَبَرُ رَجُلٌ مِن عُظَماءِ العالَمِ عُرِفَ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ، كانَتْ أخْبارُ سِيرَتِهِ خَفِيَّةً مُجْمَلَةً مُغْلَقَةً، فَسَألُوا النَّبِيءَ عَنْ تَحْقِيقِها وتَفْصِيلِها. وأذِنَ لَهُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ مِنها ما هو مَوْضِعُ العِبْرَةِ لِلنّاسِ في شُئُونِ الصَّلاحِ والعَدْلِ، وفي عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَكانَ أحْبارُ اليَهُودِ مُنْفَرِدِينَ بِمَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ وكانَتْ مِن أسْرارِهِمْ فَلِذَلِكَ جَرَّبُوا بِها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ١٨
ولَمْ يَتَجاوَزِ القُرْآنُ ذِكْرَ هَذا الرَّجُلِ بِأكْثَرِ مِن لَقَبِهِ المُشْتَهِرِ بِهِ إلى تَعْيِينِ اسْمِهِ وبِلادِهِ وقَوْمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن شُئُونِ أهْلِ التّارِيخِ والقَصَصِ ولَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ، فَكانَ مِنهُ الِاقْتِصارُ عَلى ما يُفِيدُ الأُمَّةَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ عِبْرَةً حِكَمِيَّةً أوْ خُلُقِيَّةً فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ . والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ السُّؤالُ عَنْ خَبَرِهِ فَحُذِفَ المُضافُ إيجازًا لِدَلالَةِ المَقامِ، وكَذَلِكَ حُذِفَ المُضافُ في قَوْلِهِ مِنهُ أيْ مِن خَبَرِهِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ.
والذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ، أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم ما بِهِ التَّذَكُّرُ، فَجَعَلَ المَتْلُوَّ نَفْسَهُ ذِكْرًا مُبالَغَةً بِالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ مِن حالِ الرَّجُلِ الَّذِي يُوصَفُ بِذِي القَرْنَيْنِ بِما فِيهِ إبْطالٌ لِما خَلَطَ بِهِ النّاسُ بَيْنَ أحْوالِ رِجالٍ عُظَماءَ كانُوا في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ أوْ كانَتْ قَصَصُهم تُساقُ مَساقَ مَن جاسُوا خِلالَ بِلادٍ مُتَقارِبَةٍ مُتَماثِلَةٍ وشَوَّهُوا تَخْلِيطَهم بِالأكاذِيبِ، وأكْثَرُهم في ذَلِكَ صاحِبُ الشّاهْنامَةِ الفِرْدَوْسِيُّ وهو مَعْرُوفٌ بِالأكاذِيبِ والأوْهامِ الخُرافِيَّةِ.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا تَفَرَّقَتْ بِهِمْ فِيهِ أخْبارٌ قَصَصِيَّةٌ وأخْبارٌ تارِيخِيَّةٌ واسْتِرْواحٌ مِنَ الِاشْتِقاقاتِ اللَّفْظِيَّةِ، ولَعَلَّ اخْتِلافَهم لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِاخْتِلافِ القَصّاصِينَ الَّذِينَ عُنُوا بِأحْوالِ الفاتِحِينَ عِنايَةَ تَخْلِيطٍ لا عِنايَةَ تَحْقِيقٍ فَرامُوا تَطْبِيقَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلَيْها. والَّذِي يَجِبُ الِانْفِصالُ فِيهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنَّ وصْفَهُ بِذِي القَرْنَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ وهو وصْفٌ عَرَبِيٌّ يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ عُرِفَ بِمَدْلُولِهِ بَيْنَ المُثِيرِينَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَتَرْجَمُوهُ بِهَذا اللَّفْظِ.
صفحة ١٩
ويَتَعَيَّنُ أنْ لا يُحْمَلَ القَرْنانِ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هُما عَلى التَّشْبِيهِ أوْ عَلى الصُّورَةِ. فالأظْهَرُ أنْ يَكُونا ذُؤابَتَيْنِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ مُتَدَلِّيَتَيْنِ، وإطْلاقُ القَرْنِ عَلى الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ شائِعٌ في العَرَبِيَّةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
وفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «فِي صِفَةِ غُسْلِ ابْنَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَجَعَلْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ»، فَيَكُونُ هَذا المَلِكُ قَدْ أطالَ شَعْرَ رَأْسِهِ وضَفَّرَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، كَما سُمِّيَ خِرْباقُ ذا اليَدَيْنِ.
وقِيلَ: هُما شِبْهُ قَرْنَيِ الكَبْشِ مِن نُحاسٍ كانا في خُوذَةِ هَذا المَلِكِ فَنُعِتَ بِهِما. وقِيلَ: هُما ضَرْبَتانِ عَلى مَوْضِعَيْنِ مِن رَأْسِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ مَنبَتَيِ القَرْنَيْنِ مِن ذَواتِ القُرُونِ.
ومِن هُنا تَأْتِي الأقْوالُ في تَعْيِينِ ذِي القَرْنَيْنِ،
فَأحَدُ الأقْوالِ: أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ المَقْدُونِيُّ. وذَكَرُوا في وجْهِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ ضَفَّرَ شَعْرَهُ قَرْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ يَلْبَسُ خُوذَةً في الحَرْبِ بِها قَرْنانِ، وقِيلَ: رَسَمَ ذاتَهُ عَلى بَعْضِ نُقُودِهِ بِقَرْنَيْنِ في رَأْسِهِ تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِالمَعْبُودِ آمَوُنَ مَعْبُودِ المِصْرِيِّينَ وذَلِكَ حِينَ مَلَكَ مِصْرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ هو تُبَّعٌ أبُو كَرِبٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ وأنَّهُ (أفْرِيدُونُ بْنُ أثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ) . هَذِهِ أوْضَحُ الأقْوالِ، وما دُونَها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ولا تَصْحِيحُ رِوايَتِهِ.
ونَحْنُ تُجاهَ هَذا الِاخْتِلافِ يَحِقُّ عَلَيْنا أنْ نَسْتَخْلِصَ مِن قِصَّتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالًا تُقَرِّبُ تَعْيِينَهُ وتَزْيِيفَ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ، ولَيْسَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلى تَعْيِينِهِ مِن بَيْنِ أصْحابِ هَذِهِ الأقْوالِ بَلِ الأمْرُ في ذَلِكَ أوْسَعُ
صفحة ٢٠
وهَذِهِ القِصَّةُ القُرْآنِيَّةُ تُعْطِي صِفاتٍ لا مَحِيدَ عَنْها: إحْداها: أنَّهُ كانَ مَلِكًا صالِحًا عادِلًا.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ مُلْهَمًا مِنَ اللَّهِ.
الثّالِثَةُ: أنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ أقْطارًا شاسِعَةً.
الرّابِعَةُ: أنَّهُ بَلَغَ في فُتُوحِهِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مَكانًا كانَ مَجْهُولًا وهو عَيْنٌ حَمِئَةٌ.
الخامِسَةُ: أنَّهُ بَلَغَ بِلادَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وأنَّها كانَتْ في جِهَةٍ مِمّا شَمِلَهُ مُلْكُهُ غَيْرِ الجِهَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ فَكانَتْ وسَطًا بَيْنَهُما كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِقْراءُ مَبْلَغِ أسْبابِهِ.
السّادِسَةُ: أنَّهُ أقامَ سَدًّا يَحُولُ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وبَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ.
السّابِعَةُ: أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هَؤُلاءِ كانُوا عائِثِينَ في الأرْضِ فَسادًا وأنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ بِلادَ قَوْمٍ مُوالِينَ لِهَذا المَلِكِ.
الثّامِنَةُ: أنَّهُ كانَ مَعَهُ قَوْمٌ أهْلُ صِناعَةٍ مُتْقَنَةٍ في الحَدِيدِ والبِناءِ.
التّاسِعَةُ: أنَّ خَبَرَهُ خَفِيٌّ دَقِيقٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا الأحْبارُ عِلْمًا إجْمالِيًّا كَما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.
وأنْتَ إذا تَدَبَّرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا صالِحًا بَلْ كانَ وثَنِيًّا فَلَمْ يَكُنْ أهْلًا لِتَلَقِّي الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَتْ لَهُ كَمالاتٌ عَلى الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَلا يُعْرَفُ في تارِيخِهِ أنَّهُ أقامَ سَدًّا بَيْنَ بَلَدَيْنِ.
وأمّا نِسْبَةُ السَّدِّ الفاصِلِ بَيْنَ الصِّينِ وبَيْنَ بِلادِ ياجُوجَ وماجُوجَ إلَيْهِ في كَلامِ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ فَهو ناشِئٌ عَنْ شُهْرَةِ الإسْكَنْدَرِ فَتَوَهَّمَ
صفحة ٢١
القَصّاصُونَ أنَّ ذَلِكَ السَّدَّ لا يَكُونُ إلّا مِن بِنائِهِ، كَما تَوَهَّمَ العَرَبُ أنَّ مَدِينَةَ تَدْمُرَ بَناها سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأيْضًا فَإنَّ هِيرُودُوتِسَ اليُونانِيَّ المُؤَرِّخَ ذَكَرَ أنَّ الإسْكَنْدَرَ حارَبَ أُمَّهُ (سِكْيُثُوسَ) . وهَذا الِاسْمُ هو اسْمُ ماجُوجَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وأحْسَبُ أنَّ لِتَرْكِيبِ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى اسْمِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ أثَرًا في اشْتِهارِ نِسْبَةِ السَّدِّ إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن أوْهامِ المُؤَرِّخِينَ في الإسْلامِ.
ولا يُعْرَفُ أنَّ مَمْلَكَةَ إسْكَنْدَرَ كانَتْ تَبْلُغُ في الغَرْبِ إلى عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وفي الشَّرْقِ إلى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عُراةٍ أوْ عَدِيمِي المَساكِنِ، ولا أنَّ أُمَّتَهُ كانَتْ تُلَقِّبُهُ بِذِي القَرْنَيْنِ. وإنَّما انْتُحِلَ هَذا اللَّقَبُ لَهُ لَمّا تَوَهَّمُوا أنَّهُ المَعْنِيُّ بِذِي القَرْنَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ. فَمَنحُهُ هَذا اللَّقَبَ مِن مُخْتَرَعاتِ مُؤَرِّخِي المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ رَسْمُ وجْهِهِ عَلى النُّقُودِ بِقَرْنَيْنِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُلَقَّبَ بِهِ. وأيْضًا فالإسْكَنْدَرُ كانَتْ أخْبارُهُ مَشْهُورَةً لِأنَّهُ حارَبَ الفُرْسَ والقِبْطَ وهُما أُمَّتانِ مُجاوِرَتانِ لِلْأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ.
ومِثْلُ هَذِهِ المُبْطِلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها تَتَأتّى لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ هو أفْرِيدُونُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَبابِعَةِ حِمْيَرَ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عَصْرٍ مُتَوَغِّلٍ في القِدَمِ. وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ مُعاصِرًا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ بِلادُهُ الَّتِي فَتَحَها مَجْهُولَةَ المَواقِعِ. ولَكِنْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَعْرِفُونَ مِن خَبَرِهِ مِثْلَ هَذا. وقَدْ ظَهَرَ مِن أقْوالِهِمْ أنَّ سَبَبَ هَذا التَّوَهُّمِ هو وُجُودُ كَلِمَةِ (ذُو) الَّتِي اشْتُهِرَ وُجُودُ مِثْلِها في ألْقابِ مُلُوكِ اليَمَنِ وتَبابِعَتِهِ.
صفحة ٢٢
فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الصِّينِ لِوُجُودِ أسْبابٍ: أحَدُها: أنَّ بِلادَ الصِّينِ اشْتَهَرَ أهْلُها مُنْذُ القِدَمِ بِأنَّهم أهْلُ تَدْبِيرٍ وصَنائِعَ.
الثّانِي: أنَّ مُعْظَمَ مُلُوكِهِمْ كانُوا أهْلَ عَدْلٍ وتَدْبِيرٍ لِلْمَمْلَكَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ مِن سِماتِهِمْ تَطْوِيلُ شَعْرِ رُءُوسِهِمْ وجَعْلُها في ضَفِيرَتَيْنِ فَيَظْهَرُ وجْهُ تَعْرِيفِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ.
الرّابِعُ: أنَّ سَدًّا ورَدْمًا عَظِيمًا لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في العالَمِ هو مَوْجُودٌ بَيْنَ بِلادِ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ. وهو المَشْهُورُ في كُتُبِ الجُغْرافِيا والتّارِيخِ بِالسُّورِ الأعْظَمِ، وسَيَرِدُ وصْفُهُ.
الخامِسُ: ما رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «خَرَجَ لَيْلَةً فَقالَ: ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا» . وأشارَ بِعَقْدِ تِسْعِينَ أعْنِي بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبّابَةِ عَلى طَرَفِ الإبْهامِ وقَدْ كانَ زَوالُ عَظَمَةِ سُلْطانِ العَرَبِ عَلى يَدِ المَغُولِ في بَغْدادَ فَتَعَيَّنَ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ وأنَّ الرَّدْمَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو الرَّدْمُ الفاصِلُ بَيْنَ بِلادِ المَغُولِ وبِلادِ الصِّينِ وبانِيهِ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ.
وأنَّ وصْفَهُ في القُرْآنِ بِذِي القَرْنَيْنِ تَوْصِيفٌ لا تَلْقِيبٌ فَهو مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنْ شاوَلَ مَلِكِ إسْرائِيلَ باسِمِ طالُوتَ. وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي بَنى السَّدَّ الفاصِلَ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. واسْمُ هَذا المَلِكِ (تِسِينْشِي هُوانْقَتِي) أوْ (تِسِينْ شِي هو انْقْ تِي) . وكانَ مَوْجُودًا في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِنَحْوِ قَرْنٍ. وبِلادُ الصِّينِ في ذَلِكَ العَصْرِ كانَتْ مُتَدَيِّنَةً بِدِينِ (كِنْفِيشْيُوسَ) المُشَرِّعِ المُصْلِحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أهْلُ شَرِيعَتِهِ صالِحِينَ.
صفحة ٢٣
وهَذا المَلِكُ يُؤْخَذُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ أنَّهُ ساءَتْ حالَتُهُ في آخِرِ عُمُرِهِ وأفْسَدَ كَثِيرًا وقَتَلَ عُلَماءَ وأحْرَقَ كُتُبًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالحَقِيقَةِ وبِأسْبابِها.
ولَمّا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو إسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ نَحَلُوهُ بِناءَ السَّدِّ. وزَعَمُوهُ مِن صُنْعِهُ كَما نَحَلُوهُ لَقَبَ ذِي القَرْنَيْنِ. وكُلُّ ذَلِكَ بِناءَ أوْهامٍ عَلى أوْهامٍ ولا أساسَ لِواحِدٍ مِنها ولا عَلاقَةَ لِإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. .
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ إذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنْ يَعِدَ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في مَعْناهُ.
والسِّينُ في قَوْلِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وجُعِلَ خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ تِلاوَةً وذِكْرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُهِمَّ مِن أخْبارِهِ ما فِيهِ تَذْكِيرٌ وما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ تِلاوَةً حَسَبَ شَأْنِ القُرْآنِ فَإنَّهُ يُتْلى لِأجْلِ الذِّكْرِ ولا يُساقُ مَساقَ القَصَصِ.
وقَوْلُهُ مِنهُ ذِكْرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحْوالَهُ وأخْبارَهُ كَثِيرَةٌ وأنَّهم إنَّما يُهِمُّهم بَعْضُ أحْوالِهِ المُفِيدَةِ ذِكْرًا وعِظَةً. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن نَبَئِهِمْ. لِأنَّ قِصَّتَهم مُنْحَصِرَةٌ فِيما ذَكَرَ. وأحْوالُ ذِي القَرْنَيْنِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَ هُنا.
وحَرْفُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُ ذِكْرًا لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن خَبَرِهِ.
والتَّمْكِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَمَكِّنًا، أيْ راسِخًا. وهو تَمْثِيلٌ لِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ لا يُزَعْزِعُ قُوَّتَهُ أحَدٌ. وحَقُّ فِعْلِ مَكَّنا التَّعْدِيَةُ
صفحة ٢٤
بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: مَكَّناهُ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ لِلتَّوْكِيدِ كاللّامِ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ. وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فَمَعْنى التَّمْكِينِ في الأرْضِ إعْطاءُ المَقْدِرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ أهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ وهي أرْضُ مُلْكِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] . والسَّبَبُ حَقِيقَتُهُ: الحَبْلُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الشَّيْءِ مِن عِلْمٍ أوْ مَقْدِرَةٍ أوْ آلاتِ التَّسْخِيرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الأشْياءِ الكَثِيرَةِ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ آتَيْناهُ وسائِلَ أشْياءَ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ.
الكهف 18:85
صفحة ١٧
﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ افْتِتاحُ هَذِهِ القِصَّةِ بِـ ”يَسْألُونَكَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّها مِمّا نَزَلَتِ السُّورَةُ لِلْجَوابِ عَنْهُ كَما كانَ الِابْتِداءُ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ اقْتِضابًا تَنْبِيهًا عَلى مِثْلِ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرْنا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ ثَلاثَةَ أسْئِلَةٍ بِإغْراءٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في يَثْرِبَ. فَقالُوا: سَلُوهُ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ وعَنِ الرُّوحِ فَإنْ أجابَ عَنْها كُلِّها فَلَيْسَ بِنَبِيءٍ وإنْ أجابَ عَنْ بَعْضِها وأمْسَكَ عَنْ بَعْضٍ فَهو نَبِيءٌ» ؟ . وبَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ التَّعْجِيلِ في سُورَةِ الإسْراءِ النّازِلَةِ قَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ وتَأْخِيرِ الجَوابِ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ إلى سُورَةِ الكَهْفِ. وأعْقَبْنا ذَلِكَ بِما رَأيْناهُ في تَحْقِيقِ الحَقِّ مِن سَوْقِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ.
فالسّائِلُونَ: قُرَيْشٌ لا مَحالَةَ. والمَسْئُولُ عَنْهُ: خَبَرُ رَجُلٌ مِن عُظَماءِ العالَمِ عُرِفَ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ، كانَتْ أخْبارُ سِيرَتِهِ خَفِيَّةً مُجْمَلَةً مُغْلَقَةً، فَسَألُوا النَّبِيءَ عَنْ تَحْقِيقِها وتَفْصِيلِها. وأذِنَ لَهُ اللَّهُ أنْ يُبَيِّنَ مِنها ما هو مَوْضِعُ العِبْرَةِ لِلنّاسِ في شُئُونِ الصَّلاحِ والعَدْلِ، وفي عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في اخْتِلافِ أحْوالِ الخَلْقِ، فَكانَ أحْبارُ اليَهُودِ مُنْفَرِدِينَ بِمَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثِ وكانَتْ مِن أسْرارِهِمْ فَلِذَلِكَ جَرَّبُوا بِها نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ١٨
ولَمْ يَتَجاوَزِ القُرْآنُ ذِكْرَ هَذا الرَّجُلِ بِأكْثَرِ مِن لَقَبِهِ المُشْتَهِرِ بِهِ إلى تَعْيِينِ اسْمِهِ وبِلادِهِ وقَوْمِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن شُئُونِ أهْلِ التّارِيخِ والقَصَصِ ولَيْسَ مِن أغْراضِ القُرْآنِ، فَكانَ مِنهُ الِاقْتِصارُ عَلى ما يُفِيدُ الأُمَّةَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ عِبْرَةً حِكَمِيَّةً أوْ خُلُقِيَّةً فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ . والمُرادُ بِالسُّؤالِ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ السُّؤالُ عَنْ خَبَرِهِ فَحُذِفَ المُضافُ إيجازًا لِدَلالَةِ المَقامِ، وكَذَلِكَ حُذِفَ المُضافُ في قَوْلِهِ مِنهُ أيْ مِن خَبَرِهِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ.
والذِّكْرُ: التَّذَكُّرُ والتَّفَكُّرُ، أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم ما بِهِ التَّذَكُّرُ، فَجَعَلَ المَتْلُوَّ نَفْسَهُ ذِكْرًا مُبالَغَةً بِالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولَكِنَّ القُرْآنَ جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ مِن حالِ الرَّجُلِ الَّذِي يُوصَفُ بِذِي القَرْنَيْنِ بِما فِيهِ إبْطالٌ لِما خَلَطَ بِهِ النّاسُ بَيْنَ أحْوالِ رِجالٍ عُظَماءَ كانُوا في عُصُورٍ مُتَقارِبَةٍ أوْ كانَتْ قَصَصُهم تُساقُ مَساقَ مَن جاسُوا خِلالَ بِلادٍ مُتَقارِبَةٍ مُتَماثِلَةٍ وشَوَّهُوا تَخْلِيطَهم بِالأكاذِيبِ، وأكْثَرُهم في ذَلِكَ صاحِبُ الشّاهْنامَةِ الفِرْدَوْسِيُّ وهو مَعْرُوفٌ بِالأكاذِيبِ والأوْهامِ الخُرافِيَّةِ.
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُسَمّى بِذِي القَرْنَيْنِ اخْتِلافًا كَثِيرًا تَفَرَّقَتْ بِهِمْ فِيهِ أخْبارٌ قَصَصِيَّةٌ وأخْبارٌ تارِيخِيَّةٌ واسْتِرْواحٌ مِنَ الِاشْتِقاقاتِ اللَّفْظِيَّةِ، ولَعَلَّ اخْتِلافَهم لَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِاخْتِلافِ القَصّاصِينَ الَّذِينَ عُنُوا بِأحْوالِ الفاتِحِينَ عِنايَةَ تَخْلِيطٍ لا عِنايَةَ تَحْقِيقٍ فَرامُوا تَطْبِيقَ هَذِهِ القِصَّةِ عَلَيْها. والَّذِي يَجِبُ الِانْفِصالُ فِيهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ أنَّ وصْفَهُ بِذِي القَرْنَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ وصْفًا ذاتِيًّا لَهُ وهو وصْفٌ عَرَبِيٌّ يَظْهَرُ أنْ يَكُونَ عُرِفَ بِمَدْلُولِهِ بَيْنَ المُثِيرِينَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَتَرْجَمُوهُ بِهَذا اللَّفْظِ.
صفحة ١٩
ويَتَعَيَّنُ أنْ لا يُحْمَلَ القَرْنانِ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ هُما عَلى التَّشْبِيهِ أوْ عَلى الصُّورَةِ. فالأظْهَرُ أنْ يَكُونا ذُؤابَتَيْنِ مِن شَعْرِ الرَّأْسِ مُتَدَلِّيَتَيْنِ، وإطْلاقُ القَرْنِ عَلى الضَّفِيرَةِ مِنَ الشَّعْرِ شائِعٌ في العَرَبِيَّةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
وفِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ «فِي صِفَةِ غُسْلِ ابْنَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَجَعَلْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونٍ»، فَيَكُونُ هَذا المَلِكُ قَدْ أطالَ شَعْرَ رَأْسِهِ وضَفَّرَهُ ضَفِيرَتَيْنِ فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، كَما سُمِّيَ خِرْباقُ ذا اليَدَيْنِ.
وقِيلَ: هُما شِبْهُ قَرْنَيِ الكَبْشِ مِن نُحاسٍ كانا في خُوذَةِ هَذا المَلِكِ فَنُعِتَ بِهِما. وقِيلَ: هُما ضَرْبَتانِ عَلى مَوْضِعَيْنِ مِن رَأْسِ الإنْسانِ يُشْبِهانِ مَنبَتَيِ القَرْنَيْنِ مِن ذَواتِ القُرُونِ.
ومِن هُنا تَأْتِي الأقْوالُ في تَعْيِينِ ذِي القَرْنَيْنِ،
فَأحَدُ الأقْوالِ: أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ المَقْدُونِيُّ. وذَكَرُوا في وجْهِ تَلْقِيبِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ ضَفَّرَ شَعْرَهُ قَرْنَيْنِ، وقِيلَ: كانَ يَلْبَسُ خُوذَةً في الحَرْبِ بِها قَرْنانِ، وقِيلَ: رَسَمَ ذاتَهُ عَلى بَعْضِ نُقُودِهِ بِقَرْنَيْنِ في رَأْسِهِ تَمْثِيلًا لِنَفْسِهِ بِالمَعْبُودِ آمَوُنَ مَعْبُودِ المِصْرِيِّينَ وذَلِكَ حِينَ مَلَكَ مِصْرَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ هو تُبَّعٌ أبُو كَرِبٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ وأنَّهُ (أفْرِيدُونُ بْنُ أثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ) . هَذِهِ أوْضَحُ الأقْوالِ، وما دُونَها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ ولا تَصْحِيحُ رِوايَتِهِ.
ونَحْنُ تُجاهَ هَذا الِاخْتِلافِ يَحِقُّ عَلَيْنا أنْ نَسْتَخْلِصَ مِن قِصَّتِهِ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالًا تُقَرِّبُ تَعْيِينَهُ وتَزْيِيفَ ما عَداهُ مِنَ الأقْوالِ، ولَيْسَ يَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلى تَعْيِينِهِ مِن بَيْنِ أصْحابِ هَذِهِ الأقْوالِ بَلِ الأمْرُ في ذَلِكَ أوْسَعُ
صفحة ٢٠
وهَذِهِ القِصَّةُ القُرْآنِيَّةُ تُعْطِي صِفاتٍ لا مَحِيدَ عَنْها: إحْداها: أنَّهُ كانَ مَلِكًا صالِحًا عادِلًا.
الثّانِيَةُ: أنَّهُ كانَ مُلْهَمًا مِنَ اللَّهِ.
الثّالِثَةُ: أنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ أقْطارًا شاسِعَةً.
الرّابِعَةُ: أنَّهُ بَلَغَ في فُتُوحِهِ مِن جِهَةِ المَغْرِبِ مَكانًا كانَ مَجْهُولًا وهو عَيْنٌ حَمِئَةٌ.
الخامِسَةُ: أنَّهُ بَلَغَ بِلادَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، وأنَّها كانَتْ في جِهَةٍ مِمّا شَمِلَهُ مُلْكُهُ غَيْرِ الجِهَتَيْنِ الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ فَكانَتْ وسَطًا بَيْنَهُما كَما يَقْتَضِيهِ اسْتِقْراءُ مَبْلَغِ أسْبابِهِ.
السّادِسَةُ: أنَّهُ أقامَ سَدًّا يَحُولُ بَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ وبَيْنَ قَوْمٍ آخَرِينَ.
السّابِعَةُ: أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هَؤُلاءِ كانُوا عائِثِينَ في الأرْضِ فَسادًا وأنَّهم كانُوا يُفْسِدُونَ بِلادَ قَوْمٍ مُوالِينَ لِهَذا المَلِكِ.
الثّامِنَةُ: أنَّهُ كانَ مَعَهُ قَوْمٌ أهْلُ صِناعَةٍ مُتْقَنَةٍ في الحَدِيدِ والبِناءِ.
التّاسِعَةُ: أنَّ خَبَرَهُ خَفِيٌّ دَقِيقٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا الأحْبارُ عِلْمًا إجْمالِيًّا كَما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.
وأنْتَ إذا تَدَبَّرْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيَّ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا صالِحًا بَلْ كانَ وثَنِيًّا فَلَمْ يَكُنْ أهْلًا لِتَلَقِّي الوَحْيِ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَتْ لَهُ كَمالاتٌ عَلى الجُمْلَةِ، وأيْضًا فَلا يُعْرَفُ في تارِيخِهِ أنَّهُ أقامَ سَدًّا بَيْنَ بَلَدَيْنِ.
وأمّا نِسْبَةُ السَّدِّ الفاصِلِ بَيْنَ الصِّينِ وبَيْنَ بِلادِ ياجُوجَ وماجُوجَ إلَيْهِ في كَلامِ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ فَهو ناشِئٌ عَنْ شُهْرَةِ الإسْكَنْدَرِ فَتَوَهَّمَ
صفحة ٢١
القَصّاصُونَ أنَّ ذَلِكَ السَّدَّ لا يَكُونُ إلّا مِن بِنائِهِ، كَما تَوَهَّمَ العَرَبُ أنَّ مَدِينَةَ تَدْمُرَ بَناها سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأيْضًا فَإنَّ هِيرُودُوتِسَ اليُونانِيَّ المُؤَرِّخَ ذَكَرَ أنَّ الإسْكَنْدَرَ حارَبَ أُمَّهُ (سِكْيُثُوسَ) . وهَذا الِاسْمُ هو اسْمُ ماجُوجَ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وأحْسَبُ أنَّ لِتَرْكِيبِ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى اسْمِ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ أثَرًا في اشْتِهارِ نِسْبَةِ السَّدِّ إلَيْهِ. وذَلِكَ مِن أوْهامِ المُؤَرِّخِينَ في الإسْلامِ.
ولا يُعْرَفُ أنَّ مَمْلَكَةَ إسْكَنْدَرَ كانَتْ تَبْلُغُ في الغَرْبِ إلى عَيْنٍ حَمِئَةٍ، وفي الشَّرْقِ إلى قَوْمٍ مَجْهُولِينَ عُراةٍ أوْ عَدِيمِي المَساكِنِ، ولا أنَّ أُمَّتَهُ كانَتْ تُلَقِّبُهُ بِذِي القَرْنَيْنِ. وإنَّما انْتُحِلَ هَذا اللَّقَبُ لَهُ لَمّا تَوَهَّمُوا أنَّهُ المَعْنِيُّ بِذِي القَرْنَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ. فَمَنحُهُ هَذا اللَّقَبَ مِن مُخْتَرَعاتِ مُؤَرِّخِي المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ رَسْمُ وجْهِهِ عَلى النُّقُودِ بِقَرْنَيْنِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُلَقَّبَ بِهِ. وأيْضًا فالإسْكَنْدَرُ كانَتْ أخْبارُهُ مَشْهُورَةً لِأنَّهُ حارَبَ الفُرْسَ والقِبْطَ وهُما أُمَّتانِ مُجاوِرَتانِ لِلْأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ.
ومِثْلُ هَذِهِ المُبْطِلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها تَتَأتّى لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ المَلِكُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ هو أفْرِيدُونُ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مِن تَبابِعَةِ حِمْيَرَ فَقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في عَصْرٍ مُتَوَغِّلٍ في القِدَمِ. وقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ مُعاصِرًا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ بِلادُهُ الَّتِي فَتَحَها مَجْهُولَةَ المَواقِعِ. ولَكِنْ يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ لِأنَّ العَرَبَ لا يَعْرِفُونَ مِن خَبَرِهِ مِثْلَ هَذا. وقَدْ ظَهَرَ مِن أقْوالِهِمْ أنَّ سَبَبَ هَذا التَّوَهُّمِ هو وُجُودُ كَلِمَةِ (ذُو) الَّتِي اشْتُهِرَ وُجُودُ مِثْلِها في ألْقابِ مُلُوكِ اليَمَنِ وتَبابِعَتِهِ.
صفحة ٢٢
فالَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الصِّينِ لِوُجُودِ أسْبابٍ: أحَدُها: أنَّ بِلادَ الصِّينِ اشْتَهَرَ أهْلُها مُنْذُ القِدَمِ بِأنَّهم أهْلُ تَدْبِيرٍ وصَنائِعَ.
الثّانِي: أنَّ مُعْظَمَ مُلُوكِهِمْ كانُوا أهْلَ عَدْلٍ وتَدْبِيرٍ لِلْمَمْلَكَةِ.
الثّالِثُ: أنَّ مِن سِماتِهِمْ تَطْوِيلُ شَعْرِ رُءُوسِهِمْ وجَعْلُها في ضَفِيرَتَيْنِ فَيَظْهَرُ وجْهُ تَعْرِيفِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ.
الرّابِعُ: أنَّ سَدًّا ورَدْمًا عَظِيمًا لا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ في العالَمِ هو مَوْجُودٌ بَيْنَ بِلادِ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ. وهو المَشْهُورُ في كُتُبِ الجُغْرافِيا والتّارِيخِ بِالسُّورِ الأعْظَمِ، وسَيَرِدُ وصْفُهُ.
الخامِسُ: ما رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «خَرَجَ لَيْلَةً فَقالَ: ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ هَكَذا» . وأشارَ بِعَقْدِ تِسْعِينَ أعْنِي بِوَضْعِ طَرَفِ السَّبّابَةِ عَلى طَرَفِ الإبْهامِ وقَدْ كانَ زَوالُ عَظَمَةِ سُلْطانِ العَرَبِ عَلى يَدِ المَغُولِ في بَغْدادَ فَتَعَيَّنَ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ وأنَّ الرَّدْمَ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو الرَّدْمُ الفاصِلُ بَيْنَ بِلادِ المَغُولِ وبِلادِ الصِّينِ وبانِيهِ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ.
وأنَّ وصْفَهُ في القُرْآنِ بِذِي القَرْنَيْنِ تَوْصِيفٌ لا تَلْقِيبٌ فَهو مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنْ شاوَلَ مَلِكِ إسْرائِيلَ باسِمِ طالُوتَ. وهَذا المَلِكُ هو الَّذِي بَنى السَّدَّ الفاصِلَ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. واسْمُ هَذا المَلِكِ (تِسِينْشِي هُوانْقَتِي) أوْ (تِسِينْ شِي هو انْقْ تِي) . وكانَ مَوْجُودًا في حُدُودِ سَنَةِ سَبْعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْ إسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِنَحْوِ قَرْنٍ. وبِلادُ الصِّينِ في ذَلِكَ العَصْرِ كانَتْ مُتَدَيِّنَةً بِدِينِ (كِنْفِيشْيُوسَ) المُشَرِّعِ المُصْلِحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ أهْلُ شَرِيعَتِهِ صالِحِينَ.
صفحة ٢٣
وهَذا المَلِكُ يُؤْخَذُ مِن كُتُبِ التّارِيخِ أنَّهُ ساءَتْ حالَتُهُ في آخِرِ عُمُرِهِ وأفْسَدَ كَثِيرًا وقَتَلَ عُلَماءَ وأحْرَقَ كُتُبًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالحَقِيقَةِ وبِأسْبابِها.
ولَمّا ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ هو إسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلِيبُوسَ نَحَلُوهُ بِناءَ السَّدِّ. وزَعَمُوهُ مِن صُنْعِهُ كَما نَحَلُوهُ لَقَبَ ذِي القَرْنَيْنِ. وكُلُّ ذَلِكَ بِناءَ أوْهامٍ عَلى أوْهامٍ ولا أساسَ لِواحِدٍ مِنها ولا عَلاقَةَ لِإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ بِقِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. .
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ إذْنٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنْ يَعِدَ بِالجَوابِ عَنْ سُؤالِهِمْ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ في مَعْناهُ.
والسِّينُ في قَوْلِ ﴿سَأتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في سُورَةِ يُوسُفَ.
وجُعِلَ خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ تِلاوَةً وذِكْرًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُهِمَّ مِن أخْبارِهِ ما فِيهِ تَذْكِيرٌ وما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ تِلاوَةً حَسَبَ شَأْنِ القُرْآنِ فَإنَّهُ يُتْلى لِأجْلِ الذِّكْرِ ولا يُساقُ مَساقَ القَصَصِ.
وقَوْلُهُ مِنهُ ذِكْرًا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحْوالَهُ وأخْبارَهُ كَثِيرَةٌ وأنَّهم إنَّما يُهِمُّهم بَعْضُ أحْوالِهِ المُفِيدَةِ ذِكْرًا وعِظَةً. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن نَبَئِهِمْ. لِأنَّ قِصَّتَهم مُنْحَصِرَةٌ فِيما ذَكَرَ. وأحْوالُ ذِي القَرْنَيْنِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فِيما ذَكَرَ هُنا.
وحَرْفُ مِن في قَوْلِهِ مِنهُ ذِكْرًا لِلتَّبْعِيضِ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مِن خَبَرِهِ.
والتَّمْكِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَمَكِّنًا، أيْ راسِخًا. وهو تَمْثِيلٌ لِقُوَّةِ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ لا يُزَعْزِعُ قُوَّتَهُ أحَدٌ. وحَقُّ فِعْلِ مَكَّنا التَّعْدِيَةُ
صفحة ٢٤
بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: مَكَّناهُ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ لِلتَّوْكِيدِ كاللّامِ في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، ونَصَحْتُ لَهُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ. وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] . فَمَعْنى التَّمْكِينِ في الأرْضِ إعْطاءُ المَقْدِرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ.
والمُرادُ بِالأرْضِ أهْلُ الأرْضِ، والمُرادُ بِالأرْضِ أرْضٌ مُعَيَّنَةٌ وهي أرْضُ مُلْكِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ [يوسف: ٢١] . والسَّبَبُ حَقِيقَتُهُ: الحَبْلُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى ما يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الشَّيْءِ مِن عِلْمٍ أوْ مَقْدِرَةٍ أوْ آلاتِ التَّسْخِيرِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وكُلُّ شَيْءٍ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الأشْياءِ الكَثِيرَةِ كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] أيْ آتَيْناهُ وسائِلَ أشْياءَ عَظِيمَةٍ كَثِيرَةٍ.
الكهف 18:86
﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِيئَةٍ ووَجَدَ عِنْدِها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ السَّبَبُ: الوَسِيلَةُ. المُرادُ هُنا مَعْنًى مَجازِيٌّ وهو الطَّرِيقُ لِأنَّ الطَّرِيقَ وسِيلَةٌ إلى المَكانِ المَقْصُودِ وقَرِينَةُ المَجازِ ذِكْرُ الِاتِّباعِ والبُلُوغِ
صفحة ٢٥
فِي قَوْلِهِ (﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥]) . والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ غَيْرِ مَعْنى السَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] إظْهارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إضْمارِهِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ حَسُنَ إظْهارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ فاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وكانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ . ولَمْ يَعُدَّ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الطَّرِيقِ في مَعانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهم رَأوْهُ لَمْ يَكْثُرْ ويَنْتَشِرْ في الكَلامِ. ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] مِن هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ
أيْ هابَ طُرُقَ المَنايا أنْ يَسْلُكَها تَنَلْهُ المَنايا، أيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِالقَرِينَةِ.
والمُرادُ بِـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مَكانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ يَلُوحُ الغُرُوبُ مِن جِهاتِ المَعْمُورِ مِن طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أوْ مَمْلَكَتِهِ. وذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أنَّهُ لا أرْضَ وراءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الأُفُقُ مِن جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إلّا فِيما يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الخَزَرِ وهو بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإنَّها غَرْبُ بِلادِ الصِّينِ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١] . والعَيْنُ: مَنبَعُ ماءٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الحَمْأةِ، وهو الطِّينُ الأسْوَدُ. والمَعْنى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ ماؤُها بِالحَمْأةِ فَهو غَيْرُ صافٍ.
صفحة ٢٦
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (في عَيْنٍ حامِيَةٍ) بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ وياءٍ بَعْدَ المِيمِ، أيْ حارَّةٍ مِنَ الحُمُوِّ وهو الحَرارَةُ، أيْ أنَّ ماءَها سَخَنَ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ مِن عُيُونِ النِّفْطِ الواقِعَةِ عَلى ساحِلِ بَحْرِ الخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ باكُو، وفِيها مَنابِعُ النِّفْطِ الآنَ ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. والمُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَها البِلادَ المُنْتِنَةَ.
وتَنْكِيرُ قُومًا يُؤْذِنُ بِأنَّهم أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مَأْلُوفَةٍ حالَةُ عَقائِدِهِمْ وسِيرَتُهم.
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْمًا مِن إثارَةِ سُؤالٍ عَنْ حالِهِمْ وعَمّا لاقاهُ بِهِمْ ذُو القَرْنَيْنِ.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَهم كانَتْ في فَسادٍ مِن كُفْرٍ وفَسادِ عَمَلٍ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ قَوْلُ إلْهامٍ، أيْ ألْقَيْنا في نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أنْ يُبادِرَ اسْتِئْصالَهم وأنْ يُمْهِلَهم ويَدَعُوهم إلى الإيمانِ وحُسْنِ العَمَلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾، أيْ قالَ في نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلى حالَةٍ وسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ.
وقِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ فَيَكُونُ القَوْلُ كَلامًا مُوحًى بِهِ إلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ جَوابًا مِنهُ إلى رَبِّهِ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ سَدادِ اجْتِهادِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وحُسْنًا مُصَدَرٌ. وعَدَلَ عَنْ أنَ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ إلى ﴿أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ حَتّى جَعَلَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ
صفحة ٢٧
الحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وفي هَذِهِ المُبالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . واجْتِلابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ سَيَدْعُوهُ إلى الإيمانِ فَإنْ أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ الآنَ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ واتِّخاذِ الإمْهالِ مَعَهم يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ.
والمَعْنى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذابَ الدُّنْيا ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قالَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ وذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (جَزاءُ الحُسْنى) بِإضافَةِ (جَزاءُ) إلى (الحُسْنى) عَلى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقاقِهِ الحُسْنى، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾، أوْ حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كالتَّنْكِيرِ.
وتَأْنِيثُ الحُسْنى بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُسْنى هي الجَنَّةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . والقَوْلُ اليُسْرُ: هو الكَلامُ الحَسَنُ. وُصِفَ بِاليُسْرِ المَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لا يُثْقِلُ سَماعَهُ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أيْ جَمِيلًا.
فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى الخِصالَ الحُسْنى، فَمَعْنى عَطْفِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا أنَّهُ يُجازِي بِالإحْسانِ وبِالثَّناءِ. وكِلاهُما
صفحة ٢٨
مِن ذِي القَرْنَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى ثَوابَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما ذُو القَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في فائِدَةِ الخَبَرِ، عَلى مَعْنى. إنّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أوْ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ الفائِدَةِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنِّي أعْلَمُ جَزاءَهُ عِنْدَكَ الحُسْنى.
وعُطِفَ عَلَيْهِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا لِبَيانِ حَظِّ المَلِكِ مِن جَزائِهِ وأنَّهُ البِشارَةُ والثَّناءُ.
الكهف 18:87
﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِيئَةٍ ووَجَدَ عِنْدِها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ السَّبَبُ: الوَسِيلَةُ. المُرادُ هُنا مَعْنًى مَجازِيٌّ وهو الطَّرِيقُ لِأنَّ الطَّرِيقَ وسِيلَةٌ إلى المَكانِ المَقْصُودِ وقَرِينَةُ المَجازِ ذِكْرُ الِاتِّباعِ والبُلُوغِ
صفحة ٢٥
فِي قَوْلِهِ (﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥]) . والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ غَيْرِ مَعْنى السَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] إظْهارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إضْمارِهِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ حَسُنَ إظْهارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ فاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وكانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ . ولَمْ يَعُدَّ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الطَّرِيقِ في مَعانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهم رَأوْهُ لَمْ يَكْثُرْ ويَنْتَشِرْ في الكَلامِ. ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] مِن هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ
أيْ هابَ طُرُقَ المَنايا أنْ يَسْلُكَها تَنَلْهُ المَنايا، أيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِالقَرِينَةِ.
والمُرادُ بِـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مَكانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ يَلُوحُ الغُرُوبُ مِن جِهاتِ المَعْمُورِ مِن طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أوْ مَمْلَكَتِهِ. وذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أنَّهُ لا أرْضَ وراءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الأُفُقُ مِن جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إلّا فِيما يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الخَزَرِ وهو بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإنَّها غَرْبُ بِلادِ الصِّينِ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١] . والعَيْنُ: مَنبَعُ ماءٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الحَمْأةِ، وهو الطِّينُ الأسْوَدُ. والمَعْنى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ ماؤُها بِالحَمْأةِ فَهو غَيْرُ صافٍ.
صفحة ٢٦
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (في عَيْنٍ حامِيَةٍ) بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ وياءٍ بَعْدَ المِيمِ، أيْ حارَّةٍ مِنَ الحُمُوِّ وهو الحَرارَةُ، أيْ أنَّ ماءَها سَخَنَ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ مِن عُيُونِ النِّفْطِ الواقِعَةِ عَلى ساحِلِ بَحْرِ الخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ باكُو، وفِيها مَنابِعُ النِّفْطِ الآنَ ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. والمُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَها البِلادَ المُنْتِنَةَ.
وتَنْكِيرُ قُومًا يُؤْذِنُ بِأنَّهم أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مَأْلُوفَةٍ حالَةُ عَقائِدِهِمْ وسِيرَتُهم.
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْمًا مِن إثارَةِ سُؤالٍ عَنْ حالِهِمْ وعَمّا لاقاهُ بِهِمْ ذُو القَرْنَيْنِ.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَهم كانَتْ في فَسادٍ مِن كُفْرٍ وفَسادِ عَمَلٍ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ قَوْلُ إلْهامٍ، أيْ ألْقَيْنا في نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أنْ يُبادِرَ اسْتِئْصالَهم وأنْ يُمْهِلَهم ويَدَعُوهم إلى الإيمانِ وحُسْنِ العَمَلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾، أيْ قالَ في نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلى حالَةٍ وسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ.
وقِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ فَيَكُونُ القَوْلُ كَلامًا مُوحًى بِهِ إلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ جَوابًا مِنهُ إلى رَبِّهِ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ سَدادِ اجْتِهادِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وحُسْنًا مُصَدَرٌ. وعَدَلَ عَنْ أنَ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ إلى ﴿أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ حَتّى جَعَلَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ
صفحة ٢٧
الحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وفي هَذِهِ المُبالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . واجْتِلابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ سَيَدْعُوهُ إلى الإيمانِ فَإنْ أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ الآنَ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ واتِّخاذِ الإمْهالِ مَعَهم يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ.
والمَعْنى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذابَ الدُّنْيا ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قالَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ وذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (جَزاءُ الحُسْنى) بِإضافَةِ (جَزاءُ) إلى (الحُسْنى) عَلى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقاقِهِ الحُسْنى، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾، أوْ حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كالتَّنْكِيرِ.
وتَأْنِيثُ الحُسْنى بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُسْنى هي الجَنَّةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . والقَوْلُ اليُسْرُ: هو الكَلامُ الحَسَنُ. وُصِفَ بِاليُسْرِ المَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لا يُثْقِلُ سَماعَهُ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أيْ جَمِيلًا.
فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى الخِصالَ الحُسْنى، فَمَعْنى عَطْفِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا أنَّهُ يُجازِي بِالإحْسانِ وبِالثَّناءِ. وكِلاهُما
صفحة ٢٨
مِن ذِي القَرْنَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى ثَوابَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما ذُو القَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في فائِدَةِ الخَبَرِ، عَلى مَعْنى. إنّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أوْ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ الفائِدَةِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنِّي أعْلَمُ جَزاءَهُ عِنْدَكَ الحُسْنى.
وعُطِفَ عَلَيْهِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا لِبَيانِ حَظِّ المَلِكِ مِن جَزائِهِ وأنَّهُ البِشارَةُ والثَّناءُ.
الكهف 18:88
﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِيئَةٍ ووَجَدَ عِنْدِها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ السَّبَبُ: الوَسِيلَةُ. المُرادُ هُنا مَعْنًى مَجازِيٌّ وهو الطَّرِيقُ لِأنَّ الطَّرِيقَ وسِيلَةٌ إلى المَكانِ المَقْصُودِ وقَرِينَةُ المَجازِ ذِكْرُ الِاتِّباعِ والبُلُوغِ
صفحة ٢٥
فِي قَوْلِهِ (﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥]) . والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ غَيْرِ مَعْنى السَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] إظْهارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إضْمارِهِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ حَسُنَ إظْهارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ فاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وكانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ . ولَمْ يَعُدَّ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الطَّرِيقِ في مَعانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهم رَأوْهُ لَمْ يَكْثُرْ ويَنْتَشِرْ في الكَلامِ. ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] مِن هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ
أيْ هابَ طُرُقَ المَنايا أنْ يَسْلُكَها تَنَلْهُ المَنايا، أيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِالقَرِينَةِ.
والمُرادُ بِـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مَكانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ يَلُوحُ الغُرُوبُ مِن جِهاتِ المَعْمُورِ مِن طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أوْ مَمْلَكَتِهِ. وذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أنَّهُ لا أرْضَ وراءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الأُفُقُ مِن جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إلّا فِيما يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الخَزَرِ وهو بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإنَّها غَرْبُ بِلادِ الصِّينِ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١] . والعَيْنُ: مَنبَعُ ماءٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الحَمْأةِ، وهو الطِّينُ الأسْوَدُ. والمَعْنى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ ماؤُها بِالحَمْأةِ فَهو غَيْرُ صافٍ.
صفحة ٢٦
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (في عَيْنٍ حامِيَةٍ) بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ وياءٍ بَعْدَ المِيمِ، أيْ حارَّةٍ مِنَ الحُمُوِّ وهو الحَرارَةُ، أيْ أنَّ ماءَها سَخَنَ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ مِن عُيُونِ النِّفْطِ الواقِعَةِ عَلى ساحِلِ بَحْرِ الخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ باكُو، وفِيها مَنابِعُ النِّفْطِ الآنَ ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. والمُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَها البِلادَ المُنْتِنَةَ.
وتَنْكِيرُ قُومًا يُؤْذِنُ بِأنَّهم أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مَأْلُوفَةٍ حالَةُ عَقائِدِهِمْ وسِيرَتُهم.
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْمًا مِن إثارَةِ سُؤالٍ عَنْ حالِهِمْ وعَمّا لاقاهُ بِهِمْ ذُو القَرْنَيْنِ.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَهم كانَتْ في فَسادٍ مِن كُفْرٍ وفَسادِ عَمَلٍ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ قَوْلُ إلْهامٍ، أيْ ألْقَيْنا في نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أنْ يُبادِرَ اسْتِئْصالَهم وأنْ يُمْهِلَهم ويَدَعُوهم إلى الإيمانِ وحُسْنِ العَمَلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾، أيْ قالَ في نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلى حالَةٍ وسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ.
وقِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ فَيَكُونُ القَوْلُ كَلامًا مُوحًى بِهِ إلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ جَوابًا مِنهُ إلى رَبِّهِ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ سَدادِ اجْتِهادِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وحُسْنًا مُصَدَرٌ. وعَدَلَ عَنْ أنَ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ إلى ﴿أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ حَتّى جَعَلَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ
صفحة ٢٧
الحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وفي هَذِهِ المُبالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . واجْتِلابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ سَيَدْعُوهُ إلى الإيمانِ فَإنْ أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ الآنَ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ واتِّخاذِ الإمْهالِ مَعَهم يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ.
والمَعْنى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذابَ الدُّنْيا ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قالَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ وذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (جَزاءُ الحُسْنى) بِإضافَةِ (جَزاءُ) إلى (الحُسْنى) عَلى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقاقِهِ الحُسْنى، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾، أوْ حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كالتَّنْكِيرِ.
وتَأْنِيثُ الحُسْنى بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُسْنى هي الجَنَّةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . والقَوْلُ اليُسْرُ: هو الكَلامُ الحَسَنُ. وُصِفَ بِاليُسْرِ المَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لا يُثْقِلُ سَماعَهُ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أيْ جَمِيلًا.
فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى الخِصالَ الحُسْنى، فَمَعْنى عَطْفِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا أنَّهُ يُجازِي بِالإحْسانِ وبِالثَّناءِ. وكِلاهُما
صفحة ٢٨
مِن ذِي القَرْنَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى ثَوابَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما ذُو القَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في فائِدَةِ الخَبَرِ، عَلى مَعْنى. إنّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أوْ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ الفائِدَةِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنِّي أعْلَمُ جَزاءَهُ عِنْدَكَ الحُسْنى.
وعُطِفَ عَلَيْهِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا لِبَيانِ حَظِّ المَلِكِ مِن جَزائِهِ وأنَّهُ البِشارَةُ والثَّناءُ.
الكهف 18:89
﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِيئَةٍ ووَجَدَ عِنْدِها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكُرًا﴾ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالَحًا فَلَهُ جَزاءُ الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ السَّبَبُ: الوَسِيلَةُ. المُرادُ هُنا مَعْنًى مَجازِيٌّ وهو الطَّرِيقُ لِأنَّ الطَّرِيقَ وسِيلَةٌ إلى المَكانِ المَقْصُودِ وقَرِينَةُ المَجازِ ذِكْرُ الِاتِّباعِ والبُلُوغِ
صفحة ٢٥
فِي قَوْلِهِ (﴿فاتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥]) . والدَّلِيلُ عَلى إرادَةِ غَيْرِ مَعْنى السَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤] إظْهارُ اسْمِ السَّبَبِ دُونَ إضْمارِهِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى غَيْرُ ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ حَسُنَ إظْهارُ اسْمِهِ تَنْبِيهًا عَلى اخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، أيْ فاتَّبَعَ طَرِيقًا لِلسَّيْرِ وكانَ سَيْرُهُ لِلْغَزْوِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ . ولَمْ يَعُدَّ أهْلُ اللُّغَةِ مَعْنى الطَّرِيقِ في مَعانِي لَفْظِ السَّبَبِ لَعَلَّهم رَأوْهُ لَمْ يَكْثُرْ ويَنْتَشِرْ في الكَلامِ. ويَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿أسْبابَ السَّماواتِ﴾ [غافر: ٣٧] مِن هَذا المَعْنى، وكَذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ
أيْ هابَ طُرُقَ المَنايا أنْ يَسْلُكَها تَنَلْهُ المَنايا، أيْ تَأْتِيهِ، فَذَلِكَ مَجازٌ بِالقَرِينَةِ.
والمُرادُ بِـ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مَكانُ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِن حَيْثُ يَلُوحُ الغُرُوبُ مِن جِهاتِ المَعْمُورِ مِن طَرِيقِ غَزْوَتِهِ أوْ مَمْلَكَتِهِ. وذَلِكَ حَيْثُ يَلُوحُ أنَّهُ لا أرْضَ وراءَهُ بِحَيْثُ يَبْدُو الأُفُقُ مِن جِهَةٍ مُسْتَبْحِرَةٍ، إذْ لَيْسَ لِلشَّمْسِ مَغْرِبٌ حَقِيقِيٌّ إلّا فِيما يَلُوحُ لِلتَّخَيُّلِ. والأشْبَهُ أنْ يَكُونَ ذُو القَرْنَيْنِ قَدْ بَلَغَ بَحْرَ الخَزَرِ وهو بُحَيْرَةُ قَزْوِينَ فَإنَّها غَرْبُ بِلادِ الصِّينِ.
والقَوْلُ في تَرْكِيبِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١] . والعَيْنُ: مَنبَعُ ماءٍ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ مَهْمُوزًا مُشْتَقًّا مِنَ الحَمْأةِ، وهو الطِّينُ الأسْوَدُ. والمَعْنى: عَيْنٌ مُخْتَلِطٌ ماؤُها بِالحَمْأةِ فَهو غَيْرُ صافٍ.
صفحة ٢٦
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ (في عَيْنٍ حامِيَةٍ) بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ وياءٍ بَعْدَ المِيمِ، أيْ حارَّةٍ مِنَ الحُمُوِّ وهو الحَرارَةُ، أيْ أنَّ ماءَها سَخَنَ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ مِن عُيُونِ النِّفْطِ الواقِعَةِ عَلى ساحِلِ بَحْرِ الخَزَرِ حَيْثُ مَدِينَةُ باكُو، وفِيها مَنابِعُ النِّفْطِ الآنَ ولَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا يَوْمَئِذٍ. والمُؤَرِّخُونَ المُسْلِمُونَ يُسَمُّونَها البِلادَ المُنْتِنَةَ.
وتَنْكِيرُ قُومًا يُؤْذِنُ بِأنَّهم أُمَّةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ ولا مَأْلُوفَةٍ حالَةُ عَقائِدِهِمْ وسِيرَتُهم.
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما أشْعَرَ بِهِ تَنْكِيرُ قَوْمًا مِن إثارَةِ سُؤالٍ عَنْ حالِهِمْ وعَمّا لاقاهُ بِهِمْ ذُو القَرْنَيْنِ.
وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عَلى أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْعَذابِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ أحْوالَهم كانَتْ في فَسادٍ مِن كُفْرٍ وفَسادِ عَمَلٍ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ يَحْتَمِلُ أنَّهُ قَوْلُ إلْهامٍ، أيْ ألْقَيْنا في نَفْسِهِ تَرَدُّدًا بَيْنَ أنْ يُبادِرَ اسْتِئْصالَهم وأنْ يُمْهِلَهم ويَدَعُوهم إلى الإيمانِ وحُسْنِ العَمَلِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾، أيْ قالَ في نَفْسِهِ مُعْتَمِدًا عَلى حالَةٍ وسَطٍ بَيْنِ صُورَتَيِ التَّرَدُّدِ.
وقِيلَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ كانَ نَبِيئًا يُوحى إلَيْهِ فَيَكُونُ القَوْلُ كَلامًا مُوحًى بِهِ إلَيْهِ يُخَيِّرُهُ فِيهِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، مِثْلَ التَّخْيِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ جَوابًا مِنهُ إلى رَبِّهِ. وقَدْ أرادَ اللَّهُ إظْهارَ سَدادِ اجْتِهادِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] . وحُسْنًا مُصَدَرٌ. وعَدَلَ عَنْ أنَ تُحْسِنَ إلَيْهِمْ إلى ﴿أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلَيْهِمْ حَتّى جَعَلَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ فِيهِمْ نَفْسَ
صفحة ٢٧
الحُسْنِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] . وفي هَذِهِ المُبالَغَةِ تَلْقِينٌ لِاخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ المُخَيَّرِ بَيْنَهُما.
والظُّلْمُ: الشِّرْكُ، بِقَرِينَةِ قَسِيمِهِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ . واجْتِلابُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ سَيَدْعُوهُ إلى الإيمانِ فَإنْ أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُعَذِّبْهُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ ﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ أيْ آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ.
ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَن هو مُؤْمِنٌ الآنَ، لِأنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ تَعْذِيبِهِمْ واتِّخاذِ الإمْهالِ مَعَهم يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ حِينَ التَّخْيِيرِ.
والمَعْنى: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ عَذابَ الدُّنْيا ولِذَلِكَ أسْنَدَهُ إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ قالَ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ وذَلِكَ عَذابُ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (جَزاءُ الحُسْنى) بِإضافَةِ (جَزاءُ) إلى (الحُسْنى) عَلى الإضافَةِ البَيانِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ ﴿جَزاءً الحُسْنى﴾ بِنَصْبِ جَزاءً مُنَوَّنًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ اسْتِحْقاقِهِ الحُسْنى، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾، أوْ حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها بِاعْتِبارِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ كالتَّنْكِيرِ.
وتَأْنِيثُ الحُسْنى بِاعْتِبارِ الخَصْلَةِ أوِ الفِعْلَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُسْنى هي الجَنَّةُ كَما في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . والقَوْلُ اليُسْرُ: هو الكَلامُ الحَسَنُ. وُصِفَ بِاليُسْرِ المَعْنَوِيِّ لِكَوْنِهِ لا يُثْقِلُ سَماعَهُ. وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] أيْ جَمِيلًا.
فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى الخِصالَ الحُسْنى، فَمَعْنى عَطْفِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا أنَّهُ يُجازِي بِالإحْسانِ وبِالثَّناءِ. وكِلاهُما
صفحة ٢٨
مِن ذِي القَرْنَيْنِ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الحُسْنى ثَوابَ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإنَّما ذُو القَرْنَيْنِ مُخْبِرٌ بِهِ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في فائِدَةِ الخَبَرِ، عَلى مَعْنى. إنّا نُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، أوْ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِ الفائِدَةِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى، أيْ أنِّي أعْلَمُ جَزاءَهُ عِنْدَكَ الحُسْنى.
وعُطِفَ عَلَيْهِ وسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا لِبَيانِ حَظِّ المَلِكِ مِن جَزائِهِ وأنَّهُ البِشارَةُ والثَّناءُ.
الكهف 18:90
﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾
تَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في اتَّبَعَ سَبَبًا فَهو كَذَلِكَ هُنا.
ومَطْلِعُ الشَّمْسِ: جِهَةُ المَشْرِقِ مِن سُلْطانِهِ ومَمْلَكَتِهِ، بَلَغَ جِهَةً قاصِيَةً مِنَ الشَّرْقِ حَيْثُ يُخالُ أنْ لا عُمْرانَ وراءَها، فالمَطْلِعُ مَكانُ الطُّلُوعِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ بَلَغَ ساحِلَ بَحْرِ اليابانِ في حُدُودِ مَنشُورْيا أوْ كُورْيا شَرْقًا، فَوَجَدَ قَوْمًا تَطَلُعُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ لا يُسْتَرُونَ مِن حَرِّها، أيْ لا جَبَلَ فِيها يَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّهِ ولا شَجَرَ فِيها، فَهي أرْضٌ مَكْشُوفَةٌ لِلشَّمْسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم كانُوا قَوْمًا عُراةً فَكانُوا يَتَّقُونَ شُعاعَ الشَّمْسِ في الكُهُوفِ أوْ في أسْرابٍ يَتَّخِذُونَها في التُّرابِ. فالمُرادُ بِالسِّتْرِ ما يَسْتُرُ الجَسَدَ.
وكانُوا قَدْ تَعَوَّدُوا مُلاقاةَ حَرِّ الشَّمْسِ، ولَعَلَّهم كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلشَّمْسِ فَيَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يُلاقُونَهُ مِنَ القُرِّ لَيْلًا.
صفحة ٢٩
وفِي هَذِهِ الحالَةِ عِبْرَةٌ مِنِ اخْتِلافِ الأُمَمِ في الطَّبائِعِ والعَوائِدِ وسِيرَتِهِمْ عَلى نَحْوِ مُناخِهِمْ.
الكهف 18:91
﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمُشَبَّهُ بِهِ شَيْءٌ تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ بِلَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ.
والكافُ ومَجْرُورُها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِبْهَ جُمْلَةٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ تَشْبِيهًا مُماثِلًا لِما سَمِعْتَ.
واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى المَحْذُوفِ لِأنَّهُ كالمَذْكُورِ لِتَقَرُّرِ العِلْمِ بِهِ، والمَعْنى: مَن أرادَ تَشْبِيهَهُ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِأكْثَرِ مِن أنْ يُشَبِّهَهُ بِذاتِهِ عَلى طَرِيقَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ جُمْلَةٍ حُذِفَ أحَدُ جُزْءَيْها والمَحْذُوفُ مُبْتَدَأٌ. والتَّقْدِيرُ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَذَلِكَ، أيْ كَما سَمِعْتَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمًا أيْ قَوْمًا كَذَلِكَ القَوْمُ الَّذِينَ وجَدَهم في مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أيْ في كَوْنِهِمْ كُفّارًا، وفي تَخْيِيرِهِ في إجْراءِ أمْرِهِمْ عَلى العِقابِ أوْ عَلى الإمْهالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ جُزْءَ جُمْلَةٍ أيْضًا جُلِبَتْ لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ فَيَكُونَ فَصْلَ خِطابٍ كَما يُقالُ: هَذا الأمْرُ كَذا.
وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ( ﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩]
إلَخْ، وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾) إلَخْ. .
* * *
صفحة ٣٠
﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (ثُمَّ اتَّبَعَ) . وما لَدَيْهِ: ما عِنْدَهُ مِن عَظَمَةِ المُلْكِ مِن جُنْدٍ وقُوَّةٍ وثَرْوَةٍ.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ: العِلْمُ والإحاطَةُ بِالخَبَرِ. كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المَعْلُومِ عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ.
الكهف 18:92
﴿كَذَلِكَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ، والمُشَبَّهُ بِهِ شَيْءٌ تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ بِلَفْظِهِ أوْ مَعْناهُ.
والكافُ ومَجْرُورُها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شِبْهَ جُمْلَةٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ تَشْبِيهًا مُماثِلًا لِما سَمِعْتَ.
واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى المَحْذُوفِ لِأنَّهُ كالمَذْكُورِ لِتَقَرُّرِ العِلْمِ بِهِ، والمَعْنى: مَن أرادَ تَشْبِيهَهُ لَمْ يُشَبِّهْهُ بِأكْثَرِ مِن أنْ يُشَبِّهَهُ بِذاتِهِ عَلى طَرِيقَةِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ جُمْلَةٍ حُذِفَ أحَدُ جُزْءَيْها والمَحْذُوفُ مُبْتَدَأٌ. والتَّقْدِيرُ: أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ كَذَلِكَ، أيْ كَما سَمِعْتَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَوْمًا أيْ قَوْمًا كَذَلِكَ القَوْمُ الَّذِينَ وجَدَهم في مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أيْ في كَوْنِهِمْ كُفّارًا، وفي تَخْيِيرِهِ في إجْراءِ أمْرِهِمْ عَلى العِقابِ أوْ عَلى الإمْهالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ جُزْءَ جُمْلَةٍ أيْضًا جُلِبَتْ لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ فَيَكُونَ فَصْلَ خِطابٍ كَما يُقالُ: هَذا الأمْرُ كَذا.
وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ( ﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩]
إلَخْ، وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ﴾) إلَخْ. .
* * *
صفحة ٣٠
﴿وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (ثُمَّ اتَّبَعَ) . وما لَدَيْهِ: ما عِنْدَهُ مِن عَظَمَةِ المُلْكِ مِن جُنْدٍ وقُوَّةٍ وثَرْوَةٍ.
والخُبْرُ بِضَمِّ الخاءِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ: العِلْمُ والإحاطَةُ بِالخَبَرِ. كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ المَعْلُومِ عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا إلّا عَلّامُ الغُيُوبِ.