Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — المؤمنون 23:35 – المؤمنون 23:118

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. المؤمنون 23:35
  2. المؤمنون 23:36
  3. المؤمنون 23:37
  4. المؤمنون 23:38
  5. المؤمنون 23:39
  6. المؤمنون 23:40
  7. المؤمنون 23:41
  8. المؤمنون 23:42
  9. المؤمنون 23:43
  10. المؤمنون 23:44
  11. المؤمنون 23:45
  12. المؤمنون 23:46
  13. المؤمنون 23:47
  14. المؤمنون 23:48
  15. المؤمنون 23:49
  16. المؤمنون 23:50
  17. المؤمنون 23:51
  18. المؤمنون 23:52
  19. المؤمنون 23:53
  20. المؤمنون 23:54
  21. المؤمنون 23:55
  22. المؤمنون 23:56
  23. المؤمنون 23:57
  24. المؤمنون 23:58
  25. المؤمنون 23:59
  26. المؤمنون 23:60
  27. المؤمنون 23:61
  28. المؤمنون 23:62
  29. المؤمنون 23:63
  30. المؤمنون 23:64
  31. المؤمنون 23:65
  32. المؤمنون 23:66
  33. المؤمنون 23:67
  34. المؤمنون 23:68
  35. المؤمنون 23:69
  36. المؤمنون 23:70
  37. المؤمنون 23:71
  38. المؤمنون 23:72
  39. المؤمنون 23:73
  40. المؤمنون 23:74
  41. المؤمنون 23:75
  42. المؤمنون 23:76
  43. المؤمنون 23:77
  44. المؤمنون 23:78
  45. المؤمنون 23:79
  46. المؤمنون 23:80
  47. المؤمنون 23:81
  48. المؤمنون 23:82
  49. المؤمنون 23:83
  50. المؤمنون 23:84
  51. المؤمنون 23:85
  52. المؤمنون 23:86
  53. المؤمنون 23:87
  54. المؤمنون 23:88
  55. المؤمنون 23:89
  56. المؤمنون 23:90
  57. المؤمنون 23:91
  58. المؤمنون 23:92
  59. المؤمنون 23:93
  60. المؤمنون 23:94
  61. المؤمنون 23:95
  62. المؤمنون 23:96
  63. المؤمنون 23:97
  64. المؤمنون 23:98
  65. المؤمنون 23:99
  66. المؤمنون 23:100
  67. المؤمنون 23:101
  68. المؤمنون 23:102
  69. المؤمنون 23:103
  70. المؤمنون 23:104
  71. المؤمنون 23:105
  72. المؤمنون 23:106
  73. المؤمنون 23:107
  74. المؤمنون 23:108
  75. المؤمنون 23:109
  76. المؤمنون 23:110
  77. المؤمنون 23:111
  78. المؤمنون 23:112
  79. المؤمنون 23:113
  80. المؤمنون 23:114
  81. المؤمنون 23:115
  82. المؤمنون 23:116
  83. المؤمنون 23:117
  84. المؤمنون 23:118

المؤمنون 23:35

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

المؤمنون 23:36

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

المؤمنون 23:37

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

المؤمنون 23:38

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

المؤمنون 23:39

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ مِن صَدِّ المَلَأِ النّاسَ عِنْدَ اتِّباعِهِ وإشاعَتِهِمْ عَنْهُ أنَّهُ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ وتَلْفِيقِهِمُ الحُجَجَ الباطِلَةَ عَلى ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا صفحة ٥٨ كانَ مِن شَأْنِهِ وشَأْنِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُجابُ بِأنَّهُ تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وجاءَ جَوابُ دُعاءِ هَذا الرَّسُولِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّذِي بَيَّناهُ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾) أفادَ حَرْفُ (عَنْ) المُجاوَزَةَ، أيْ: مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها. ويَكْثُرُ أنْ تُفِيدَ مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها فَيَنْشَأُ مِنها مَعْنى (بَعْدَ) نَحْوَ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيُقالُ: إنَّها تَجِيءُ بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وهم جَرَوْا عَلى الظّاهِرِ وتَفْسِيرِ المَعْنى إذْ لا يَكُونُ حَرْفٌ بِمَعْنى اسْمٍ، فَإنَّ مَعانِيَ الحُرُوفِ ناقِصَةٌ ومَعانِيَ الأسْماءِ تامَّةٌ. فَمَعْنى ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾: أنَّ إصْباحَهم نادِمِينَ يَتَجاوَزُ زَمَنًا قَلِيلٍ، أيْ: مِن زَمانِ التَّكَلُّمِ وهو تَجاوُزٌ مَجازِيٌّ بِحَرْفِ (عَنْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى (بَعْدَ) اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً. و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوْ فِعْلُ الإصْباحِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ الزَّمَنِ فَوَعَدَ اللَّهُ هَذا الرَّسُولَ نَصْرًا عاجِلًا. ونَدَمُهم يَكُونُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَبْدَأِ الِاسْتِئْصالِ ولا يَنْفَعُهم نَدَمُهم بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ. والإصْباحُ هُنا مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الصَّباحِ لا مَعْنى الصَّيْرُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] .

المؤمنون 23:40

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ مِن صَدِّ المَلَأِ النّاسَ عِنْدَ اتِّباعِهِ وإشاعَتِهِمْ عَنْهُ أنَّهُ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ وتَلْفِيقِهِمُ الحُجَجَ الباطِلَةَ عَلى ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَمّا صفحة ٥٨ كانَ مِن شَأْنِهِ وشَأْنِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيُجابُ بِأنَّهُ تَوَجَّهَ إلى اللَّهِ الَّذِي أرْسَلَهُ بِالدُّعاءِ بِأنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وجاءَ جَوابُ دُعاءِ هَذا الرَّسُولِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّذِي بَيَّناهُ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(﴿عَمّا قَلِيلٍ﴾) أفادَ حَرْفُ (عَنْ) المُجاوَزَةَ، أيْ: مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها. ويَكْثُرُ أنْ تُفِيدَ مُجاوَزَةَ مَعْنى مُتَعَلَّقِها الِاسْمَ المَجْرُورَ بِها فَيَنْشَأُ مِنها مَعْنى (بَعْدَ) نَحْوَ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيُقالُ: إنَّها تَجِيءُ بِمَعْنى (بَعْدَ) كَما ذَكَرَهُ النُّحاةُ وهم جَرَوْا عَلى الظّاهِرِ وتَفْسِيرِ المَعْنى إذْ لا يَكُونُ حَرْفٌ بِمَعْنى اسْمٍ، فَإنَّ مَعانِيَ الحُرُوفِ ناقِصَةٌ ومَعانِيَ الأسْماءِ تامَّةٌ. فَمَعْنى ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾: أنَّ إصْباحَهم نادِمِينَ يَتَجاوَزُ زَمَنًا قَلِيلٍ، أيْ: مِن زَمانِ التَّكَلُّمِ وهو تَجاوُزٌ مَجازِيٌّ بِحَرْفِ (عَنْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى (بَعْدَ) اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً. و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. و(قَلِيلٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ أوْ فِعْلُ الإصْباحِ الَّذِي هو مِن أفْعالِ الزَّمَنِ فَوَعَدَ اللَّهُ هَذا الرَّسُولَ نَصْرًا عاجِلًا. ونَدَمُهم يَكُونُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَبْدَأِ الِاسْتِئْصالِ ولا يَنْفَعُهم نَدَمُهم بَعْدَ حُلُولِ العَذابِ. والإصْباحُ هُنا مُرادٌ بِهِ زَمَنُ الصَّباحِ لا مَعْنى الصَّيْرُورَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] .

المؤمنون 23:41

﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ صفحة ٥٩ تَقْتَضِي الفاءُ تَعْجِيلَ إجابَةِ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ. والأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلْإهْلاكِ. والصَّيْحَةُ: صَوْتُ الصّاعِقَةِ، وهَذا يُرَجِّحُ أوْ يُعَيِّنُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ القَرْنُ هم ثَمُودُ قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥] وقالَ في شَأْنِهِمْ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] . وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ سَبَبُ الأخْذِ أوْ مُقارَنَةُ سَبَبِهِ فَإنَّها تَحْصُلُ مِن تَمَزُّقِ كُرَةِ الهَواءِ عِنْدَ نُزُولِ الصّاعِقَةِ. والباءُ في (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: أخَذَتْهم أخْذًا مُلابِسًا لِلْحَقِّ، أيْ: لا اعْتِداءَ فِيهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوهُ بِظُلْمِهِمْ. والغُثاءُ: ما يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِنَ الأعْوادِ اليابِسَةِ والوَرَقِ. والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ لِلْهَيْئَةِ فَهو تَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، أيْ: جَعَلْناهم كالغُثاءِ في البِلى والتَّكَدُّسِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ فَهَلَكُوا هَلْكَةً واحِدَةً. وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وعَلى أمْثالِهِمْ دُعاءَ شَتْمٍ وتَحْقِيرٍ بِأنْ يُبْعَدُوا تَحْقِيرًا لَهم وكَراهِيَةً، ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ بُعِدُوا بِالهَلاكِ. وانْتَصَبَ (بُعْدًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ مِثْلَ: تَبًّا وسُحْقًا، أيْ: أتَبَّهُ اللَّهُ وأسْحَقَهُ. وعَكْسُ هَذا المَعْنى قَوْلُ العَرَبِ: لا تَبْعَدْ (بِفَتْحِ العَيْنِ) أيْ: لا تُفْقَدْ. قالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: يَقُولُونَ لا تَبْعَدُ وهم يَدْفِنُونِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا والمُرادُ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ: الكافِرُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . واخْتِيرَ هَذا الوَصْفُ هُنا؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالإشْراكِ وظَلَمُوا هُودًا؛ لِأنَّهُ تَعَمُّدُ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ إذْ قالُوا: ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [المؤمنون: ٣٨] . والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ فَشَمَلَهم، ولِذَلِكَ تَكُونُ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ. صفحة ٦٠ واللّامُ في (﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾) لِلتَّبْيِينِ وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَقْصُودِ بِالدُّعاءِ زِيادَةً في البَيانِ كَما في قَوْلِهِمْ: سُحْقًا لَكَ وتَبًّا لَهُ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَبُعْدًا، لَعُلِمَ أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِ فَبِزِيادَةِ اللّامِ يَزِيدُ بَيانُ المَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُسْتَأْنَفٍ لِلْبَيانِ.

المؤمنون 23:42

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ القُرُونُ: الأُمَمُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] . وهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَمْ تُرْسَلْ إلَيْهِمْ رُسُلٌ وبَقُوا عَلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ نُوحٍ أوْ شَرِيعَةِ هُودٍ أوْ شَرِيعَةِ صالِحٍ. أوْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَرْعٍ؛ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ هُنا دُونَ ذِكْرِ الرُّسُلِ ثُمَّ ذِكْرُ الرُّسُلِ عَقِبَ هَذا يُومِئُ إلى أنَّ هَذِهِ إمّا أُمَمٌ لَمْ تَأْتِهِمْ رُسُلٌ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَرْكَهم عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَأهَّلُوا لِقَبُولِ شَرائِعَ، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى شَرائِعَ سابِقَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَةِ. وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا﴾ مِن كَثْرَتِها ولا يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهم بِـ (آخَرِينَ) مَن جَهْلِ النّاسِ بِهِمْ، ولِما يُؤْذِنُ بِهِ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] مِنِ انْقِراضِ هَذِهِ القُرُونِ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قِصَّتُها آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ دُونَ أنْ تَجِيئَهم رُسُلٌ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مُدَّةِ تَعْمِيرِهِمْ ووَقْتِ انْقِراضِهِمْ. فَيُجابُ بِالإجْمالِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ قَرْنٍ مِنهم أجَلًا عَيَّنَهُ اللَّهُ يَبْقى إلى مِثْلِهِ ثُمَّ يَنْقَرِضُ ويَخْلُفُهُ قَرْنٌ آخَرُ يَأْتِي بَعْدَهُ، أوْ يَعْمُرُ بَعْدَهُ قَرْنٌ كانَ مُعاصِرًا لَهُ، وأنَّ ما عُيِّنَ لِكُلِّ قَرْنٍ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] . صفحة ٦١ والسَّبْقُ: تَجاوُزُ السّائِرِ وتَرْكُهُ مُسائِرَهُ خَلْفَهُ، وعَكْسُهُ التَّأخُّرُ. والمَعْنى واضِحٌ. والسِّينُ والتّاءُ في (يَسْتَأْخِرُونَ) زائِدَتانِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ: اسْتَجابَ. وضَمِيرُ (يَسْتَأْخِرُونَ) عائِدٌ إلى (أُمَّةٍ) بِاعْتِبارِ النّاسِ.

المؤمنون 23:43

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ القُرُونُ: الأُمَمُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨] . وهُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَمْ تُرْسَلْ إلَيْهِمْ رُسُلٌ وبَقُوا عَلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ نُوحٍ أوْ شَرِيعَةِ هُودٍ أوْ شَرِيعَةِ صالِحٍ. أوْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِشَرْعٍ؛ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأُمَمِ هُنا دُونَ ذِكْرِ الرُّسُلِ ثُمَّ ذِكْرُ الرُّسُلِ عَقِبَ هَذا يُومِئُ إلى أنَّ هَذِهِ إمّا أُمَمٌ لَمْ تَأْتِهِمْ رُسُلٌ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَرْكَهم عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَأهَّلُوا لِقَبُولِ شَرائِعَ، أوْ لِأنَّهم كانُوا عَلى شَرائِعَ سابِقَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَةِ. وهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا﴾ مِن كَثْرَتِها ولا يُؤْذِنُ بِهِ وصْفُهم بِـ (آخَرِينَ) مَن جَهْلِ النّاسِ بِهِمْ، ولِما يُؤْذِنُ بِهِ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤] مِنِ انْقِراضِ هَذِهِ القُرُونِ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قِصَّتُها آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ دُونَ أنْ تَجِيئَهم رُسُلٌ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ عَنْ مُدَّةِ تَعْمِيرِهِمْ ووَقْتِ انْقِراضِهِمْ. فَيُجابُ بِالإجْمالِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ قَرْنٍ مِنهم أجَلًا عَيَّنَهُ اللَّهُ يَبْقى إلى مِثْلِهِ ثُمَّ يَنْقَرِضُ ويَخْلُفُهُ قَرْنٌ آخَرُ يَأْتِي بَعْدَهُ، أوْ يَعْمُرُ بَعْدَهُ قَرْنٌ كانَ مُعاصِرًا لَهُ، وأنَّ ما عُيِّنَ لِكُلِّ قَرْنٍ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] . صفحة ٦١ والسَّبْقُ: تَجاوُزُ السّائِرِ وتَرْكُهُ مُسائِرَهُ خَلْفَهُ، وعَكْسُهُ التَّأخُّرُ. والمَعْنى واضِحٌ. والسِّينُ والتّاءُ في (يَسْتَأْخِرُونَ) زائِدَتانِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ: اسْتَجابَ. وضَمِيرُ (يَسْتَأْخِرُونَ) عائِدٌ إلى (أُمَّةٍ) بِاعْتِبارِ النّاسِ.

المؤمنون 23:44

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدُ، أيْ: مِن بَعْدِ هَذِهِ القُرُونِ مِنهم إبْراهِيمُ ولُوطٌ ويُوسُفُ وشُعَيْبٌ، ومَن أُرْسِلَ قَبْلَ مُوسى، ورُسُلٌ لَمْ يَقْصُصْهُمُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ. والمَقْصُودُ بَيانُ اطِّرادِ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في اسْتِئْصالِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهُ المُعانِدِينَ في آياتِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ . و(تَتْرى) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِألِفٍ في آخِرِهِ دُونَ تَنْوِينٍ فَهو مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فَعْلى مِثْلَ دَعْوى وسَلْوى، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ مِثْلَ ذِكْرى، فَهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ. وأصْلُهُ: وتْرى بِواوٍ في أوَّلِهِ مُشْتَقًّا مِنَ الوَتْرِ وهو: الفَرْدُ. وظاهِرُ كَلامِ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ لا فِعْلَ لَهُ، أيْ: فَرْدًا فَرْدًا، أيْ: فَرْدًا بَعْدَ فَرْدٍ فَهو نَظِيرُ مَثْنى. وأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً إبْدالًا غَيْرَ قِياسِيٍّ كَما أُبْدِلَتْ في (تِجاهٍ) لِلْجِهَةِ المُواجِهَةِ وفي (تَوْلَجُ) لِكِناسِ الوَحْشِ (وتُراثٍ) لِلْمَوْرُوثِ. ولا يُقالُ: تَتْرى إلّا إذا كانَ بَيْنَ الأشْياءِ تَعاقُبٌ مَعَ فَتَراتٍ وتَقَطُّعٌ. ومِنهُ التَّواتُرُ وهو تَتابُعُ الأشْياءِ وبَيْنَها فَجَواتٌ. والوَتِيرَةُ: الفَتْرَةُ عَنِ العَمَلِ. وأمّا التَّعاقُبُ بِدُونِ فَتْرَةٍ فَهو التَّدارُكُ. يُقالُ: جاءُوا مُتَدارِكِينَ، أيْ: مُتَتابِعِينَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ مُنَوَّنًا وهي لُغَةُ كِنانَةَ. وهو عَلى القِراءَتَيْنِ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن (رُسُلَنا) . صفحة ٦٢ واعْلَمْ أنَّ كَلِمَةَ (تَتْرى) كُتِبَتْ في المَصاحِفِ كُلِّها بِصُورَةِ الألِفِ في آخِرِها عَلى صُورَةِ الألِفِ الأصْلِيَّةِ مَعَ أنَّها في قِراءَةِ الجُمْهُورِ ألِفُ تَأْنِيثٍ مَقْصُورَةٍ وشَأْنُ ألِفِ التَّأْنِيثِ المَقْصُورَةِ أنْ تُكْتَبَ بِصُورَةِ الياءِ مِثْلَ تَقْوى ودَعْوى، فَلَعَلَّ كُتّابَ المَصاحِفِ راعَوْا كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَكَتَبُوا الألِفَ بِصُورَتِها الأصْلِيَّةِ لِصُلُوحِيَّةِ نُطْقِ القارِئِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. عَلى أنَّ أصْلَ الألِفِ أنْ تُكْتَبَ بِصُورَتِها الأصْلِيَّةِ، وأمّا كِتابَتُها في صُورَةِ الياءِ حَيْثُ تُكْتَبُ كَذَلِكَ فَهو إشارَةٌ إلى أصْلِها أوْ جَوازِ إمالَتِها فَخُولِفَ ذَلِكَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِدَفْعِ اللَّبْسِ. ومَعْنى الآيَةِ: ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ القُرُونِ أرْسَلْنا رُسُلًا، أيْ: أرْسَلْناهم إلى أُمَمٍ أُخْرى؛ لِأنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ أُمَّةٍ، وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ﴾ . والمَعْنى: كَذَّبَهُ جُمْهُورُهم ورُبَّما كَذَّبَهُ جَمِيعُهم. وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَرَأيْتُ النَّبِيءَ ومَعَهُ الرَّهْطُ والنَّبِيءَ ومَعَهُ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ والنَّبِيءَ ولَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ» الحَدِيثُ. وإتْباعُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا: إلْحاقُهم بِهِمْ في الهَلاكِ بِقَرِينَةِ المَقامِ وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾، أيْ: صَيَّرْناهم أُحْدُوثاتٍ يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِما أصابَهم. وإنَّما يَتَحَدَّثُ النّاسُ بِالشَّيْءِ الغَرِيبِ النّادِرِ مِثْلُهُ. والأحادِيثُ هُنا جَمْعُ أُحْدُوثَةٍ، وهي اسْمٌ لِما يَتَلَهّى النّاسُ بِالحَدِيثِ عَنْهُ. ووَزْنُ الأُفْعُولَةِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِثْلَ الأُعْجُوبَةِ والأُسْطُورَةِ. وهُوَ كِنايَةٌ عَنْ إبادَتِهِمْ، فالمَعْنى: جَعَلْناهم أحادِيثَ بائِدِينَ غَيْرَ مُبْصَرِينَ. والقَوْلُ في ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِثْلُ الكَلامِ عَلى ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]؛ إلّا أنَّ الدُّعاءَ نِيطَ هُنا بِوَصْفِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِيَحْصُلَ مِن مَجْمُوعِ الدَّعْوَتَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى مَذَمَّةِ الكُفْرِ وعَلى مَذَمَّةِ عَدَمِ الإيمانِ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا صفحة ٦٣ بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، عَلى أنَّهُ يَشْمَلُ كُلَّ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِرُسُلِ اللَّهِ؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الدُّعاءِ تَعُمُّ كَما في قَوْلِ الحَرِيرِيِّ: يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا .

المؤمنون 23:45

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ الآياتُ: المُعْجِزاتُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِها وتَعْظِيمِها. والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ مُوسى فانْتَهَضَتْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: بَعَثْناهُ مُلابِسًا لِلْمُعْجِزاتِ والحُجَّةِ. ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ مَجْلِسِهِ وعُلَماءُ دِينِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وإنَّما جَعَلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّةِ القِبْطِ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ مُوسى وأخِيهِ إنَّما كانَتْ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَصْرِيفُ أُمُورِ الأُمَّةِ لِتَحْرِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اسْتِعْبادِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . ولَمْ يُرْسَلا بِشَرِيعَةٍ إلى القِبْطِ. وأمّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَمُقَدَّمَةٌ لِإثْباتِ الرِّسالَةِ لَهم. وعَطْفُ (فاسْتَكْبَرُوا) بِفاءِ التَّعْقِيبِ يُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا الدَّعْوَةَ والآياتِ والحُجَّةَ ولَكِنَّهم أفْرَطُوا في الكِبْرِياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: تَكَبَّرُوا كِبْرِياءً شَدِيدَةً بِحَيْثُ لَمْ يُعِيرُوا آياتِ مُوسى وحُجَّتَهُ أُذُنًا صاغِيَةً. وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ (اسْتَكْبَرُوا) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ: فاسْتَكْبَرُوا بِأنْ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ مُوسى وهارُونَ وشَأْنُهُمُ الكِبْرِياءُ والعُلُوُّ، أيْ: كانَ الكِبْرُ خُلُقَهم وسَجِيَّتَهم. وقَدْ بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٤ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ إجْراءَ وصْفٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) أوِ الإخْبارَ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) مَتْبُوعٍ بِاسْمِ فاعِلٍ إنَّما يُقْصَدُ مِنهُ تَمَكُّنُ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) أوْ تَمَكُّنُهُ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ. فالمَعْنى هُنا: أنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ مُوسى وآياتِهِ وحُجَّتِهِ إنَّما نَشَأ عَنْ سَجِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِ وتَطَبُّعِهِمْ. فالعُلُوُّ بِمَعْنى: التَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ. وسَيَجِيءُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] في سُورَةِ القَصَصِ. وبُيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ: (فاسْتَكْبَرُوا)، أيِ: اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَنِ اتِّباعِ مُوسى وهارُونَ، فَأفْصَحُوا عَنْ سَبَبِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ . وهَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المَلَأِ لِبَعْضٍ، ولَمّا كانُوا قَدْ تَراضَوْا عَلَيْهِ نُسِبَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ مُصْغِيًا لِرَأْيِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وكانَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مَعْدُودًا في دَرَجَةِ الآلِهَةِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بَشَرًا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ اكْتَسَبَ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ. والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) إنْكارِيٌّ، أيْ: ما كانَ لَنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِما وهُما مِثْلُنا في البَشَرِيَّةِ ولَيْسا بِأهْلٍ لِأنْ يَكُونا ابْنَيْنِ لِلْآلِهَةِ؛ لِأنَّهُما جاءا بِتَكْذِيبِ إلَهِيَّةِ الآلِهَةِ، فَكانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ لِضَلالِهِمْ يَتَطَلَّبُونَ لِصِحَّةِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبايِنًا لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَتَخَيَّلُونَ آلِهَتَهم أجْناسًا غَرِيبَةً مِثْلَ جَسَدِ آدَمِيٍّ ورَأْسِ بَقَرَةٍ أوْ رَأْسِ طائِرٍ أوْ رَأْسِ ابْنِ آوى أوْ جَسَدِ أسَدٍ ورَأْسِ آدَمِيٍّ، ولا يُقِيمُونَ وزْنًا لِتَبايُنِ مَراتِبِ النُّفُوسِ والعُقُولِ وهي أجْدَرُ بِظُهُورِ التَّفاوُتِ؛ لِأنَّها قَرارَةُ الإنْسانِيَّةِ. وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي سَبَبُ ضَلالَةِ أكْثَرِ الأُمَمِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رُسُلَهم. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِبَشَرَيْنِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (نُؤْمِنُ) . يُقالُ لِلَّذِي يُصَدِّقُ المُخْبِرَ فِيما أخْبَرَ بِهِ: آمَنَ لَهُ، فَيُعَدّى فِعْلُ (آمَنَ) بِاللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ صفحة ٦٥ صَدَّقَ بِالخَبَرِ لِأجْلِ المُخْبِرِ، أيْ: لِأجْلِ ثِقَتِهِ في نَفْسِهِ. فَأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] . وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيمانِ بِالباءِ فَإنَّها إذا عُلِّقَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ تَقُولُ: آمَنتُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. وبِهَذا ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وقَوْلِكَ: آمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. فَمَعْنى الأوَّلِ: أنَّكَ صَدَّقْتَ شَيْئًا. ولِذَلِكَ لا يُقالُ: آمَنتُ لِلَّهِ وإنَّما يُقالُ: آمَنتُ بِاللَّهِ. وتَقُولُ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وآمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. ومَعْنى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ وهو الرِّسالَةُ ومَعْنى الثّانِي أنَّكَ صَدَّقْتَهُ فِيما جاءَ بِهِ. و(مِثْلِنا) وصْفٌ (لِبَشَرَيْنِ) وهو مِمّا يَصِحُّ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى مُخالَفَةِ صِيغَةٍ مَوْصُوفَهٍ كَما هُنا. ويَصِحُّ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] . وهَذا طَعْنٌ في رِسالَتِهِما مِن جانِبِ حالِهِما الذّاتِيِّ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِطَعْنٍ مِن جِهَةِ مَنشَئِهِما وقَبِيلِهِما فَقالُوا: ﴿وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾، أيْ: وهم مِن فَرِيقٍ هم عِبادٌ لَنا وأحَطُّ مِنّا فَكَيْفَ يَسُودانِنا. وقَوْلُهُ: (عابِدُونَ) جَمْعُ عابِدٍ، أيْ: مُطِيعٌ خاضِعٌ. وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ خَوَلًا لِلْقِبْطِ وخَدَمًا لَهم قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمُ التَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُما المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُما أيْ: أُرْسِيَ أمْرُهم عَلى أنْ كَذَّبُوهُما، ثُمَّ فُرِّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أنْ كانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ إذْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ، أيْ: فانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأقْوامِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا. وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: فَأُهْلِكُوا، كَما مَرَّ بِنا غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّعْقِيبُ هُنا تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ؛ لِأنَّ الإغْراقَ لَمّا نَشَأ عَنِ التَّكْذِيبِ فالتَّكْذِيبُ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الإهْلاكِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم ﷺ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الإهْلاكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.

المؤمنون 23:46

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ الآياتُ: المُعْجِزاتُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِها وتَعْظِيمِها. والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ مُوسى فانْتَهَضَتْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: بَعَثْناهُ مُلابِسًا لِلْمُعْجِزاتِ والحُجَّةِ. ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ مَجْلِسِهِ وعُلَماءُ دِينِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وإنَّما جَعَلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّةِ القِبْطِ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ مُوسى وأخِيهِ إنَّما كانَتْ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَصْرِيفُ أُمُورِ الأُمَّةِ لِتَحْرِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اسْتِعْبادِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . ولَمْ يُرْسَلا بِشَرِيعَةٍ إلى القِبْطِ. وأمّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَمُقَدَّمَةٌ لِإثْباتِ الرِّسالَةِ لَهم. وعَطْفُ (فاسْتَكْبَرُوا) بِفاءِ التَّعْقِيبِ يُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا الدَّعْوَةَ والآياتِ والحُجَّةَ ولَكِنَّهم أفْرَطُوا في الكِبْرِياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: تَكَبَّرُوا كِبْرِياءً شَدِيدَةً بِحَيْثُ لَمْ يُعِيرُوا آياتِ مُوسى وحُجَّتَهُ أُذُنًا صاغِيَةً. وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ (اسْتَكْبَرُوا) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ: فاسْتَكْبَرُوا بِأنْ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ مُوسى وهارُونَ وشَأْنُهُمُ الكِبْرِياءُ والعُلُوُّ، أيْ: كانَ الكِبْرُ خُلُقَهم وسَجِيَّتَهم. وقَدْ بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٤ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ إجْراءَ وصْفٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) أوِ الإخْبارَ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) مَتْبُوعٍ بِاسْمِ فاعِلٍ إنَّما يُقْصَدُ مِنهُ تَمَكُّنُ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) أوْ تَمَكُّنُهُ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ. فالمَعْنى هُنا: أنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ مُوسى وآياتِهِ وحُجَّتِهِ إنَّما نَشَأ عَنْ سَجِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِ وتَطَبُّعِهِمْ. فالعُلُوُّ بِمَعْنى: التَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ. وسَيَجِيءُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] في سُورَةِ القَصَصِ. وبُيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ: (فاسْتَكْبَرُوا)، أيِ: اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَنِ اتِّباعِ مُوسى وهارُونَ، فَأفْصَحُوا عَنْ سَبَبِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ . وهَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المَلَأِ لِبَعْضٍ، ولَمّا كانُوا قَدْ تَراضَوْا عَلَيْهِ نُسِبَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ مُصْغِيًا لِرَأْيِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وكانَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مَعْدُودًا في دَرَجَةِ الآلِهَةِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بَشَرًا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ اكْتَسَبَ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ. والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) إنْكارِيٌّ، أيْ: ما كانَ لَنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِما وهُما مِثْلُنا في البَشَرِيَّةِ ولَيْسا بِأهْلٍ لِأنْ يَكُونا ابْنَيْنِ لِلْآلِهَةِ؛ لِأنَّهُما جاءا بِتَكْذِيبِ إلَهِيَّةِ الآلِهَةِ، فَكانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ لِضَلالِهِمْ يَتَطَلَّبُونَ لِصِحَّةِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبايِنًا لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَتَخَيَّلُونَ آلِهَتَهم أجْناسًا غَرِيبَةً مِثْلَ جَسَدِ آدَمِيٍّ ورَأْسِ بَقَرَةٍ أوْ رَأْسِ طائِرٍ أوْ رَأْسِ ابْنِ آوى أوْ جَسَدِ أسَدٍ ورَأْسِ آدَمِيٍّ، ولا يُقِيمُونَ وزْنًا لِتَبايُنِ مَراتِبِ النُّفُوسِ والعُقُولِ وهي أجْدَرُ بِظُهُورِ التَّفاوُتِ؛ لِأنَّها قَرارَةُ الإنْسانِيَّةِ. وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي سَبَبُ ضَلالَةِ أكْثَرِ الأُمَمِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رُسُلَهم. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِبَشَرَيْنِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (نُؤْمِنُ) . يُقالُ لِلَّذِي يُصَدِّقُ المُخْبِرَ فِيما أخْبَرَ بِهِ: آمَنَ لَهُ، فَيُعَدّى فِعْلُ (آمَنَ) بِاللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ صفحة ٦٥ صَدَّقَ بِالخَبَرِ لِأجْلِ المُخْبِرِ، أيْ: لِأجْلِ ثِقَتِهِ في نَفْسِهِ. فَأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] . وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيمانِ بِالباءِ فَإنَّها إذا عُلِّقَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ تَقُولُ: آمَنتُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. وبِهَذا ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وقَوْلِكَ: آمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. فَمَعْنى الأوَّلِ: أنَّكَ صَدَّقْتَ شَيْئًا. ولِذَلِكَ لا يُقالُ: آمَنتُ لِلَّهِ وإنَّما يُقالُ: آمَنتُ بِاللَّهِ. وتَقُولُ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وآمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. ومَعْنى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ وهو الرِّسالَةُ ومَعْنى الثّانِي أنَّكَ صَدَّقْتَهُ فِيما جاءَ بِهِ. و(مِثْلِنا) وصْفٌ (لِبَشَرَيْنِ) وهو مِمّا يَصِحُّ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى مُخالَفَةِ صِيغَةٍ مَوْصُوفَهٍ كَما هُنا. ويَصِحُّ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] . وهَذا طَعْنٌ في رِسالَتِهِما مِن جانِبِ حالِهِما الذّاتِيِّ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِطَعْنٍ مِن جِهَةِ مَنشَئِهِما وقَبِيلِهِما فَقالُوا: ﴿وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾، أيْ: وهم مِن فَرِيقٍ هم عِبادٌ لَنا وأحَطُّ مِنّا فَكَيْفَ يَسُودانِنا. وقَوْلُهُ: (عابِدُونَ) جَمْعُ عابِدٍ، أيْ: مُطِيعٌ خاضِعٌ. وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ خَوَلًا لِلْقِبْطِ وخَدَمًا لَهم قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمُ التَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُما المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُما أيْ: أُرْسِيَ أمْرُهم عَلى أنْ كَذَّبُوهُما، ثُمَّ فُرِّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أنْ كانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ إذْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ، أيْ: فانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأقْوامِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا. وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: فَأُهْلِكُوا، كَما مَرَّ بِنا غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّعْقِيبُ هُنا تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ؛ لِأنَّ الإغْراقَ لَمّا نَشَأ عَنِ التَّكْذِيبِ فالتَّكْذِيبُ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الإهْلاكِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم ﷺ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الإهْلاكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.

المؤمنون 23:47

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ الآياتُ: المُعْجِزاتُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِها وتَعْظِيمِها. والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ مُوسى فانْتَهَضَتْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: بَعَثْناهُ مُلابِسًا لِلْمُعْجِزاتِ والحُجَّةِ. ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ مَجْلِسِهِ وعُلَماءُ دِينِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وإنَّما جَعَلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّةِ القِبْطِ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ مُوسى وأخِيهِ إنَّما كانَتْ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَصْرِيفُ أُمُورِ الأُمَّةِ لِتَحْرِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اسْتِعْبادِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . ولَمْ يُرْسَلا بِشَرِيعَةٍ إلى القِبْطِ. وأمّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَمُقَدَّمَةٌ لِإثْباتِ الرِّسالَةِ لَهم. وعَطْفُ (فاسْتَكْبَرُوا) بِفاءِ التَّعْقِيبِ يُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا الدَّعْوَةَ والآياتِ والحُجَّةَ ولَكِنَّهم أفْرَطُوا في الكِبْرِياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: تَكَبَّرُوا كِبْرِياءً شَدِيدَةً بِحَيْثُ لَمْ يُعِيرُوا آياتِ مُوسى وحُجَّتَهُ أُذُنًا صاغِيَةً. وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ (اسْتَكْبَرُوا) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ: فاسْتَكْبَرُوا بِأنْ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ مُوسى وهارُونَ وشَأْنُهُمُ الكِبْرِياءُ والعُلُوُّ، أيْ: كانَ الكِبْرُ خُلُقَهم وسَجِيَّتَهم. وقَدْ بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٤ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ إجْراءَ وصْفٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) أوِ الإخْبارَ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) مَتْبُوعٍ بِاسْمِ فاعِلٍ إنَّما يُقْصَدُ مِنهُ تَمَكُّنُ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) أوْ تَمَكُّنُهُ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ. فالمَعْنى هُنا: أنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ مُوسى وآياتِهِ وحُجَّتِهِ إنَّما نَشَأ عَنْ سَجِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِ وتَطَبُّعِهِمْ. فالعُلُوُّ بِمَعْنى: التَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ. وسَيَجِيءُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] في سُورَةِ القَصَصِ. وبُيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ: (فاسْتَكْبَرُوا)، أيِ: اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَنِ اتِّباعِ مُوسى وهارُونَ، فَأفْصَحُوا عَنْ سَبَبِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ . وهَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المَلَأِ لِبَعْضٍ، ولَمّا كانُوا قَدْ تَراضَوْا عَلَيْهِ نُسِبَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ مُصْغِيًا لِرَأْيِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وكانَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مَعْدُودًا في دَرَجَةِ الآلِهَةِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بَشَرًا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ اكْتَسَبَ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ. والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) إنْكارِيٌّ، أيْ: ما كانَ لَنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِما وهُما مِثْلُنا في البَشَرِيَّةِ ولَيْسا بِأهْلٍ لِأنْ يَكُونا ابْنَيْنِ لِلْآلِهَةِ؛ لِأنَّهُما جاءا بِتَكْذِيبِ إلَهِيَّةِ الآلِهَةِ، فَكانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ لِضَلالِهِمْ يَتَطَلَّبُونَ لِصِحَّةِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبايِنًا لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَتَخَيَّلُونَ آلِهَتَهم أجْناسًا غَرِيبَةً مِثْلَ جَسَدِ آدَمِيٍّ ورَأْسِ بَقَرَةٍ أوْ رَأْسِ طائِرٍ أوْ رَأْسِ ابْنِ آوى أوْ جَسَدِ أسَدٍ ورَأْسِ آدَمِيٍّ، ولا يُقِيمُونَ وزْنًا لِتَبايُنِ مَراتِبِ النُّفُوسِ والعُقُولِ وهي أجْدَرُ بِظُهُورِ التَّفاوُتِ؛ لِأنَّها قَرارَةُ الإنْسانِيَّةِ. وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي سَبَبُ ضَلالَةِ أكْثَرِ الأُمَمِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رُسُلَهم. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِبَشَرَيْنِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (نُؤْمِنُ) . يُقالُ لِلَّذِي يُصَدِّقُ المُخْبِرَ فِيما أخْبَرَ بِهِ: آمَنَ لَهُ، فَيُعَدّى فِعْلُ (آمَنَ) بِاللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ صفحة ٦٥ صَدَّقَ بِالخَبَرِ لِأجْلِ المُخْبِرِ، أيْ: لِأجْلِ ثِقَتِهِ في نَفْسِهِ. فَأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] . وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيمانِ بِالباءِ فَإنَّها إذا عُلِّقَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ تَقُولُ: آمَنتُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. وبِهَذا ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وقَوْلِكَ: آمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. فَمَعْنى الأوَّلِ: أنَّكَ صَدَّقْتَ شَيْئًا. ولِذَلِكَ لا يُقالُ: آمَنتُ لِلَّهِ وإنَّما يُقالُ: آمَنتُ بِاللَّهِ. وتَقُولُ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وآمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. ومَعْنى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ وهو الرِّسالَةُ ومَعْنى الثّانِي أنَّكَ صَدَّقْتَهُ فِيما جاءَ بِهِ. و(مِثْلِنا) وصْفٌ (لِبَشَرَيْنِ) وهو مِمّا يَصِحُّ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى مُخالَفَةِ صِيغَةٍ مَوْصُوفَهٍ كَما هُنا. ويَصِحُّ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] . وهَذا طَعْنٌ في رِسالَتِهِما مِن جانِبِ حالِهِما الذّاتِيِّ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِطَعْنٍ مِن جِهَةِ مَنشَئِهِما وقَبِيلِهِما فَقالُوا: ﴿وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾، أيْ: وهم مِن فَرِيقٍ هم عِبادٌ لَنا وأحَطُّ مِنّا فَكَيْفَ يَسُودانِنا. وقَوْلُهُ: (عابِدُونَ) جَمْعُ عابِدٍ، أيْ: مُطِيعٌ خاضِعٌ. وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ خَوَلًا لِلْقِبْطِ وخَدَمًا لَهم قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمُ التَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُما المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُما أيْ: أُرْسِيَ أمْرُهم عَلى أنْ كَذَّبُوهُما، ثُمَّ فُرِّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أنْ كانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ إذْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ، أيْ: فانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأقْوامِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا. وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: فَأُهْلِكُوا، كَما مَرَّ بِنا غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّعْقِيبُ هُنا تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ؛ لِأنَّ الإغْراقَ لَمّا نَشَأ عَنِ التَّكْذِيبِ فالتَّكْذِيبُ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الإهْلاكِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم ﷺ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الإهْلاكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.

المؤمنون 23:48

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ الآياتُ: المُعْجِزاتُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِها وتَعْظِيمِها. والسُّلْطانُ المُبِينُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ مُوسى فانْتَهَضَتْ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: بَعَثْناهُ مُلابِسًا لِلْمُعْجِزاتِ والحُجَّةِ. ومَلَأُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ مَجْلِسِهِ وعُلَماءُ دِينِهِ وهُمُ السَّحَرَةُ. وإنَّما جَعَلَ الإرْسالَ إلَيْهِمْ دُونَ بَقِيَّةِ أُمَّةِ القِبْطِ؛ لِأنَّ دَعْوَةَ مُوسى وأخِيهِ إنَّما كانَتْ خِطابًا لِفِرْعَوْنَ وأهْلِ دَوْلَتِهِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَصْرِيفُ أُمُورِ الأُمَّةِ لِتَحْرِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اسْتِعْبادِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] . ولَمْ يُرْسَلا بِشَرِيعَةٍ إلى القِبْطِ. وأمّا الدَّعْوَةُ إلى التَّوْحِيدِ فَمُقَدَّمَةٌ لِإثْباتِ الرِّسالَةِ لَهم. وعَطْفُ (فاسْتَكْبَرُوا) بِفاءِ التَّعْقِيبِ يُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَتَأمَّلُوا الدَّعْوَةَ والآياتِ والحُجَّةَ ولَكِنَّهم أفْرَطُوا في الكِبْرِياءِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: تَكَبَّرُوا كِبْرِياءً شَدِيدَةً بِحَيْثُ لَمْ يُعِيرُوا آياتِ مُوسى وحُجَّتَهُ أُذُنًا صاغِيَةً. وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ (اسْتَكْبَرُوا) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، أيْ: فاسْتَكْبَرُوا بِأنْ أعْرَضُوا عَنِ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ مُوسى وهارُونَ وشَأْنُهُمُ الكِبْرِياءُ والعُلُوُّ، أيْ: كانَ الكِبْرُ خُلُقَهم وسَجِيَّتَهم. وقَدْ بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٦٤ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] مِن سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ إجْراءَ وصْفٍ عَلى لَفْظِ (قَوْمٍ) أوِ الإخْبارَ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) مَتْبُوعٍ بِاسْمِ فاعِلٍ إنَّما يُقْصَدُ مِنهُ تَمَكُّنُ ذَلِكَ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) أوْ تَمَكُّنُهُ مِن أُولَئِكَ القَوْمِ. فالمَعْنى هُنا: أنَّ اسْتِكْبارَهم عَلى تَلَقِّي دَعْوَةِ مُوسى وآياتِهِ وحُجَّتِهِ إنَّما نَشَأ عَنْ سَجِيَّتِهِمْ مِنَ الكِبْرِ وتَطَبُّعِهِمْ. فالعُلُوُّ بِمَعْنى: التَّكَبُّرِ والجَبَرُوتِ. وسَيَجِيءُ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] في سُورَةِ القَصَصِ. وبُيِّنَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى قَوْلِهِ: (فاسْتَكْبَرُوا)، أيِ: اسْتَكْبَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ عَنِ اتِّباعِ مُوسى وهارُونَ، فَأفْصَحُوا عَنْ سَبَبِ اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ . وهَذا لَيْسَ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ ولَكِنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المَلَأِ لِبَعْضٍ، ولَمّا كانُوا قَدْ تَراضَوْا عَلَيْهِ نُسِبَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا. وأمّا فِرْعَوْنُ فَكانَ مُصْغِيًا لِرَأْيِهِمْ ومَشُورَتِهِمْ وكانَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] فَإنَّ فِرْعَوْنَ كانَ مَعْدُودًا في دَرَجَةِ الآلِهَةِ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ بَشَرًا في الصُّورَةِ لَكِنَّهُ اكْتَسَبَ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُ ابْنُ الآلِهَةِ. والِاسْتِفْهامُ في (أنُؤْمِنُ) إنْكارِيٌّ، أيْ: ما كانَ لَنا أنْ نُؤْمِنَ بِهِما وهُما مِثْلُنا في البَشَرِيَّةِ ولَيْسا بِأهْلٍ لِأنْ يَكُونا ابْنَيْنِ لِلْآلِهَةِ؛ لِأنَّهُما جاءا بِتَكْذِيبِ إلَهِيَّةِ الآلِهَةِ، فَكانَ مَلَأُ فِرْعَوْنَ لِضَلالِهِمْ يَتَطَلَّبُونَ لِصِحَّةِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُبايِنًا لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَلِذَلِكَ كانُوا يَتَخَيَّلُونَ آلِهَتَهم أجْناسًا غَرِيبَةً مِثْلَ جَسَدِ آدَمِيٍّ ورَأْسِ بَقَرَةٍ أوْ رَأْسِ طائِرٍ أوْ رَأْسِ ابْنِ آوى أوْ جَسَدِ أسَدٍ ورَأْسِ آدَمِيٍّ، ولا يُقِيمُونَ وزْنًا لِتَبايُنِ مَراتِبِ النُّفُوسِ والعُقُولِ وهي أجْدَرُ بِظُهُورِ التَّفاوُتِ؛ لِأنَّها قَرارَةُ الإنْسانِيَّةِ. وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي سَبَبُ ضَلالَةِ أكْثَرِ الأُمَمِ الَّذِينَ أنْكَرُوا رُسُلَهم. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِبَشَرَيْنِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (نُؤْمِنُ) . يُقالُ لِلَّذِي يُصَدِّقُ المُخْبِرَ فِيما أخْبَرَ بِهِ: آمَنَ لَهُ، فَيُعَدّى فِعْلُ (آمَنَ) بِاللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ صفحة ٦٥ صَدَّقَ بِالخَبَرِ لِأجْلِ المُخْبِرِ، أيْ: لِأجْلِ ثِقَتِهِ في نَفْسِهِ. فَأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١] . وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ الإيمانِ بِالباءِ فَإنَّها إذا عُلِّقَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى الخَبَرِ تَقُولُ: آمَنتُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ. وبِهَذا ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وقَوْلِكَ: آمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. فَمَعْنى الأوَّلِ: أنَّكَ صَدَّقْتَ شَيْئًا. ولِذَلِكَ لا يُقالُ: آمَنتُ لِلَّهِ وإنَّما يُقالُ: آمَنتُ بِاللَّهِ. وتَقُولُ: آمَنتُ بِمُحَمَّدٍ وآمَنتُ لِمُحَمَّدٍ. ومَعْنى الأوَّلِ يَتَعَلَّقُ بِذاتِهِ وهو الرِّسالَةُ ومَعْنى الثّانِي أنَّكَ صَدَّقْتَهُ فِيما جاءَ بِهِ. و(مِثْلِنا) وصْفٌ (لِبَشَرَيْنِ) وهو مِمّا يَصِحُّ التِزامُ إفْرادِهِ وتَذْكِيرِهِ دُونَ نَظَرٍ إلى مُخالَفَةِ صِيغَةٍ مَوْصُوفَهٍ كَما هُنا. ويَصِحُّ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤] . وهَذا طَعْنٌ في رِسالَتِهِما مِن جانِبِ حالِهِما الذّاتِيِّ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِطَعْنٍ مِن جِهَةِ مَنشَئِهِما وقَبِيلِهِما فَقالُوا: ﴿وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾، أيْ: وهم مِن فَرِيقٍ هم عِبادٌ لَنا وأحَطُّ مِنّا فَكَيْفَ يَسُودانِنا. وقَوْلُهُ: (عابِدُونَ) جَمْعُ عابِدٍ، أيْ: مُطِيعٌ خاضِعٌ. وقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ خَوَلًا لِلْقِبْطِ وخَدَمًا لَهم قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمُ التَّصْمِيمُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُما المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: فَكَذَّبُوهُما أيْ: أُرْسِيَ أمْرُهم عَلى أنْ كَذَّبُوهُما، ثُمَّ فُرِّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ أنْ كانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ إذْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِالغَرَقِ، أيْ: فانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأقْوامِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا. وهَذا أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: فَأُهْلِكُوا، كَما مَرَّ بِنا غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّعْقِيبُ هُنا تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ؛ لِأنَّ الإغْراقَ لَمّا نَشَأ عَنِ التَّكْذِيبِ فالتَّكْذِيبُ مُسْتَمِرٌّ إلى حِينِ الإهْلاكِ. وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ قُرَيْشٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم ﷺ؛ لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّ الإهْلاكَ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ.

المؤمنون 23:49

صفحة ٦٦ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ لَمّا ذُكِرَتْ دَعْوَةُ مُوسى وهارُونَ لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وما تَرَتَّبَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مِن إهْلاكِهِمْ أُكْمِلَتْ قِصَّةُ بَعْثَةِ مُوسى بِالمُهِمِّ مِنها الجارِي ومِن بَعْثَةِ مَن سَلَفَ مِنَ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وهو إيتاءُ مُوسى الكِتابَ لِهِدايَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لِحُصُولِ اهْتِدائِهِمْ؛ لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ الِاتِّعاظَ بِخِلافِهِمْ عَلى رُسُلِهِمْ في قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣] فَإنَّ مَوْعِظَةَ المُكَذِّبِينَ رَسُولَهم بِذَلِكَ أوْلى. وهُنا وقَعَ الإعْراضُ عَنْ هارُونَ؛ لِأنَّ رِسالَتَهُ قَدِ انْتَهَتْ لِاقْتِصارِهِ عَلى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إذْ كانَتْ مَقامَ مُحاجَّةٍ واسْتِدْلالٍ فَسَألَ مُوسى رَبَّهُ إشْراكَ أخِيهِ هارُونَ في تَبْلِيغِها؛ لِأنَّهُ أفْصَحُ مِنهُ لِسانًا في بَيانِ الحُجَّةِ والسُّلْطانِ المُبِينِ. والتَّعْرِيفُ في (الكِتابِ) لِلْعَهْدِ. وهو التَّوْراةُ. ولِذَلِكَ كانَ ضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ظاهِرَ العَوْدِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ بَلْ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ القَوْمُ المُخاطَبُونَ بِالتَّوْراةِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ فانْتِساقُ الضَّمائِرِ ظاهِرٌ في المَقامِ دُونَ حاجَةٍ إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿آتَيْنا مُوسى﴾ بِمَعْنى: آتَيْنا قَوْمَ مُوسى، كَما سَلَكَهُ في الكَشّافِ. و(لَعَلَّ) لِلرَّجاءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الكِتابَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَرَقَّبَ مِن إيتائِهِ اهْتِداءُ النّاسِ بِهِ.

المؤمنون 23:50

﴿وجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رُبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ لَمّا كانَتْ آيَةُ عِيسى العُظْمى في ذاتِهِ في كَيْفِيَّةِ تَكْوِينِهِ كانَ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِها هُنا، ولَمْ تُذْكَرْ رِسالَتُهُ؛ لِأنَّ مُعْجِزَةَ تَخْلِيقِهِ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: (﴿وأُمَّهُ﴾) فَهو إدْماجٌ لِتَسْفِيهِ اليَهُودِ فِيما رَمَوْا بِهِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ فَإنَّ ما جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لَها ولِابْنِها جَعَلُوهُ مَطْعَنًا ومَغْمَزًا فِيهِما. صفحة ٦٧ وتَنْكِيرُ (آيَةً) لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّها آيَةٌ تَحْتَوِي عَلى آياتٍ. ولَمّا كانَ مَجْمُوعُها دالًّا عَلى صِدْقِ عِيسى في رِسالَتِهِ جُعِلَ مَجْمُوعُها آيَةً عَظِيمَةً عَلى صِدْقِهِ كَما عَلِمْتَ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وآوَيْناهُما إلى رُبْوَةٍ﴾ فَهو تَنْوِيهٌ بِهِما إذْ جَعَلَهُما اللَّهُ مَحَلَّ عِنايَتِهِ ومَظْهَرَ قُدْرَتِهِ ولُطْفِهِ. والإيواءُ: جَعْلُ الغَيْرِ آوِيًا، أيْ: ساكِنًا. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] في سُورَةِ هُودٍ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣] في سُورَةِ هُودٍ. والرُّبْوَةُ بِضَمِّ الرّاءِ: المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ. ويَجُوزُ في الرّاءِ الحَرَكاتُ الثَّلاثُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] في البَقَرَةِ. والمُرادُ بِهَذا الإيواءِ وحْيُ اللَّهِ لِمَرْيَمَ أنْ تَنْفَرِدَ بِرَبْوَةٍ حِينَ اقْتَرَبَ مَخاضُها لِتَلِدَ عِيسى في مُنْعَزَلٍ مِنَ النّاسِ حِفْظًا لِعِيسى مِن أذاهم. والقَرارُ: المُكْثُ في المَكانِ، أيْ: هي صالِحَةٌ لِأنْ تَكُونَ قَرارًا، فَأُضِيفَتِ الرَّبْوَةُ إلى المَعْنى الحاصِلِ فِيها لِأدْنى مُلابَسَةٍ وذَلِكَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّخِيلِ المُثْمِرِ فَتَكُونُ في ظِلِّهِ ولا تَحْتاجُ إلى طَلَبِ قُوَّتِها. والمَعِينُ: الماءُ الظّاهِرُ الجارِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، وهو وصْفٌ جَرى عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ماءٌ مَعِينٌ، لِدَلالَةِ الوَصْفِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ مَرْيَمَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥] ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] .

المؤمنون 23:51

﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . صفحة ٦٨ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ اكْتِفاءً بِالمَقُولِ، وهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، أيْ: قُلْنا: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا﴾ . والمَحْكِيُّ هُنا حُكِيَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الخِطابَ المَذْكُورَ هُنا لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا لِلرُّسُلِ في وقْتٍ واحِدٍ بِضَرُورَةِ اخْتِلافِ عُصُورِهِمْ. فالتَّقْدِيرُ: قُلْنا لِكُلِّ رَسُولٍ مِمَّنْ مَضى ذِكْرُهم: كُلْ مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلْ صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُ عَلِيمٌ. وذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْزِيعِ لِمَدْلُولِ الكَلامِ وهي شائِعَةٌ في خِطابِ الجَماعاتِ. ومِنهُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم. والغَرَضُ مِن هَذا بَيانُ كَرامَةِ الرُّسُلِ عِنْدَ اللَّهِ ونَزاهَتِهِمْ في أُمُورِهِمُ الجُسْمانِيَّةِ والرُّوحانِيَّةِ، فالأكْلُ مِنَ الطَّيِّباتِ نَزاهَةٌ جِسْمِيَّةٌ والعَمَلُ الصّالِحُ نَزاهَةٌ نَفْسانِيَّةٌ. والمُناسَبَةُ لِهَذا الِاسْتِئْنافِ هي قَوْلُهُ: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] ولِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ الرَّدُّ عَلى اعْتِقادِ الأقْوامِ المُعَلِّلِينَ تَكْذِيبَهم رُسُلَهم بِعِلَّةِ أنَّهم يَأْكُلُونَ الطَّعامَ كَما قالَ تَعالى في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، وقالَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، ولِيُبْطِلَ بِذَلِكَ ما ابْتَدَعَهُ النَّصارى مِنَ الرَّهْبانِيَّةِ. وهَذِهِ فَوائِدُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ والتَّعْلِيمِ كانَ لَها في هَذا المَكانِ الوَقْعُ العَظِيمُ. والأمْرُ في قَوْلِهِ: (كُلُوا) لِلْإباحَةِ، وإنْ كانَ الأكْلُ أمْرًا جِبِلِّيًّا لِلْبَشَرِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا لازِمُهُ وهو إعْلامُ المُكَذِّبِينَ بِأنَّ الأكْلَ لا يُنافِي الرِّسالَةَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَ الرُّسُلَ أباحَ لَهُمُ الأكْلَ. وتَعْلِيقُ (مِنَ الطَّيِّباتِ) بِكَسْبِ الإباحَةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ الأمْرِ شَرْطٌ أنْ يَكُونَ المُباحُ مِنَ الطَّيِّباتِ، أيْ: أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ طَيِّبًا. ويَزِيدُ في الرَّدِّ عَلى المُكَذِّبِينَ بِأنَّ الرُّسُلَ إنَّما يَجْتَنِبُونَ الخَبائِثَ ولا يَجْتَنِبُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم مِنَ الطَّيِّباتِ. والطَّيِّباتُ: ما لَيْسَ بِحَرامٍ ولا مَكْرُوهٍ. صفحة ٦٩ وعُطِفَ العَمَلُ الصّالِحُ عَلى الأمْرِ بِأكْلِ الطَّيِّباتِ إيماءً إلى أنَّ هِمَّةَ الرُّسُلِ إنَّما تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [المائدة: ٩٣] والمُرادُ بِهِ ما تَناوَلُوهُ مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الوَعْدَ بِالجَزاءِ عَنْها وأنَّهُ لا يَضِيعُ مِنهُ شَيْءٌ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْرِيضِ.

المؤمنون 23:52

﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] إلَخْ، فَيَكُونُ هَذا مِمّا قِيلَ لِلرُّسُلِ. والتَّقْدِيرُ: وقُلْنا لَهم إنَّ هَذِهِ أمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً. الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى قَصَصِ الإرْسالِ المَبْدُوءَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣]؛ لِأنَّ تِلْكَ القَصَصَ إنَّما قُصَّتْ عَلَيْهِمْ لِيَهْتَدُوا بِها إلى أنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ مُنْذُ ابْتِداءِ الرِّسالَةِ هو الدَّعْوَةُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ سِياقُها كَسِياقِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] الآيَةَ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثُ قِراءاتٍ بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ. فَتِلْكَ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِها بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) . فَأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَرَأ الجُمْهُورُ (وأنَّ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ خِطابًا لِلرُّسُلِ وأنْ تَكُونَ خِطابًا لِلْمَقْصُودِينَ بِالنِّذارَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ. وفَتْحُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ لامِ كَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: (فاتَّقُونِ) عِنْدَ مَن لا يَرى وُجُودَ الفاءِ فِيهِ مانِعًا مِن تَقْدِيمِ مَعْمُولِهِ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (فاتَّقُونِ) عِنْدَ مَن يَمْنَعُ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ عَلى العامِلِ المُقْتَرِنِ بِالفاءِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٧٠ والمَعْنى عَلَيْهِ: ولِكَوْنِ دِينِكم دِينًا واحِدًا لا يَتَعَدَّدُ فِيهِ المَعْبُودُ. وكَوْنِي رَبَّكم فاتَّقُونِ ولا تُشْرِكُوا بِي غَيْرِي، خِطابًا لِلرُّسُلِ والمُرادُ أُمَمُهم، أوْ خِطابًا لِمَن خاطَبَهُمُ القُرْآنُ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيٌّ وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) وتَشْدِيدِ النُّونِ، فَكَسْرُ هَمْزَةِ (إنَّ) إمّا لِأنَّها واقِعَةٌ في حِكايَةِ القَوْلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وإمّا لِأنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. والمَعْنى كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِن (أنَّ) المَفْتُوحَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ وخَبَرُها الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها. ومَعْناهُ كَمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ سَواءً. واسْمُ الإشارَةِ مُرادٌ بِهِ شَرِيعَةُ كُلٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أوْ شَرِيعَةُ الإسْلامِ عَلى الوَجْهَيْنِ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ. وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) عَلى القِراءاتِ كُلِّها لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ أوِ المُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا (فاتَّقُونِ) وهُناكَ (فاعْبُدُونِ) فَيَجُوزُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالعِبادَةِ وبِالتَّقْوى ولَكِنْ حَكى في كُلِّ سُورَةٍ أمْرًا مِنَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرانِ وقَعا في خِطابٍ واحِدٍ، فاقْتُصِرَ عَلى بَعْضِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ وذُكِرَ مُعْظَمُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ ما اقْتَضاهُ مَقامُ الحِكايَةِ في كِلْتا السُّورَتَيْنِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أمْرٍ مِنَ الأمْرَيْنِ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ والأمْرُ بِالتَّقْوى، قَدْ وقَعَ في خِطابٍ مُسْتَقِلٍّ تَماثَلَ بَعْضُهُ وزادَ الآخَرُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ما اقْتَضاهُ مَقامُ الخِطابِ مِن قَصْدِ إبْلاغِهِ لِلْأُمَمِ كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ، أوْ مِن قَصْدِ اخْتِصاصِ الرُّسُلِ كَما في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. ويُرَجِّحُ هَذا أنَّهُ قَدْ ذُكِرَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ خِطابُ الرُّسُلِ بِالصَّراحَةِ. وأيًّا ما كانَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ فَوُجِّهَ ذَلِكَ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الأنْبِياءِ لَمْ تُذْكَرْ فِيها رِسالاتُ الرُّسُلِ إلى أقْوامِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ عَدا رِسالَةِ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] صفحة ٧١ ثُمَّ جاءَ ذِكْرُ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ مَعَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وطالَ البُعْدُ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قِصَّةِ إبْراهِيمَ فَكانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ الَّذِي هو المَعْنى الَّذِي اتُّحِدَتْ فِيهِ الأدْيانُ. أوْلى هُنالِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الأمْرِ أنْ يَبْلُغَ إلى أقْوامِهِمْ، فَكانَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالعِبادَةِ أوْلى بِالمَقامِ في تِلْكَ السُّورَةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي حَظُّ الأُمَمِ مِنهُ أكْثَرُ. إذِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ لَمْ يَكُونُوا بِخِلافِ ذَلِكَ قَطُّ فَلا يُقْصَدُ أمْرُ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ إذْ يَصِيرُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ إلّا إذا أُرِيدَ بِهِ الأمْرُ بِالدَّوامِ. وأمّا آيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ جاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ الرُّسُلُ إلى أقْوامِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ فَكانَ حَظُّ الرُّسُلِ مِن ذَلِكَ أكْثَرُ كَما يَقْتَضِيهِ افْتِتاحُ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] فَكانَ ذِكْرُ الأمْرِ بِالتَّقْوى هُنا أنْسَبُ بِالمَقامِ؛ لِأنَّ التَّقْوى لا حَدَّ لَها، فالرُّسُلُ مَأْمُورُونَ بِها وبِالِازْدِيادِ مِنها كَما قالَ تَعالى في حَقِّ نَبِيِّهِ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] ثُمَّ قالَ في حَقِّ الأُمَّةِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيَةَ. وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ شَيْءٌ مِنَ الإشارَةِ إلى هَذا ولَكِنْ ما ذَكَرْناهُ هُنا أبْسَطُ فَضَمَّهُ إلَيْهِ وعَوَّلَ عَلَيْهِ. وقَدْ فاتَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ أنْ نُبَيِّنَ عَرَبِيَّةَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] فَوَجَبَ أنْ نُشْبِعَ القَوْلَ فِيهِ هُنا. فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (هَذِهِ) إلى أمْرٍ مُسْتَحْضَرٍ في الذِّهْنِ بَيَّنَهُ الخَبَرُ والحالُ ولِذَلِكَ أُنِّثَ اسْمُ الإشارَةِ، أيْ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الَّتِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هي شَرِيعَتُكَ. ومَعْنى هَذا الإخْبارِ أنَّكَ تَلْتَزِمُها ولا تُنْقِصُ مِنها ولا تُغَيِّرُ مِنها شَيْئًا، ولِأجْلِ هَذا المُرادِ جُعِلَ الخَبَرُ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ بَيانُ اسْمِ الإشارَةِ بَلْ قُصِدَ بِهِ الإخْبارُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ الِاتِّحادِ بَيْنَ مَدْلُولَيِ اسْمِ الإشارَةِ وخَبَرِهِ فَيُفِيدُ أنَّهُ هو هو لا يُغَيَّرُ عَنْ حالِهِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومِثْلُ هَذِهِ الحالِ مِن لَطِيفِ النَّحْوِ وغامِضِهِ إذْ لا تَجُوزُ إلّا حَيْثُ يُعْرَفُ الخَبَرُ. فَفي قَوْلِكَ: هَذا زَيْدٌ قائِمًا، لا يُقالُ إلّا لِمَن يَعْرِفُهُ صفحة ٧٢ فَيُفِيدُهُ قِيامَهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونُ زَيْدًا عِنْدَ عَدَمِ القِيامِ ولَيْسَ بِصَحِيحٍ. وبِهَذا يُعْلَمُ بِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ حَقِيقَتَهُ بَلِ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في مَعْنى التَّحْرِيضِ والمُلازَمَةِ، وهو يُشْبِهُ لازِمَ الفائِدَةِ وإنْ لَمْ يَقَعْ في أمْثِلَتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] فَإنَّ سارَةَ قَدْ عَلِمَتْ أنَّ المَلائِكَةَ عَرِفُوا أنَّ إبْراهِيمَ بَعْلُها إذْ قَدْ بَشَّرُوها بِإسْحاقَ. وإنَّما المَعْنى: وهَذا الَّذِي تَرَوْنَهُ هو بَعْلِي الَّذِي يُتَرَقَّبُ مِنهُ النَّسْلُ المُبَشَّرُ بِهِ، أيْ: حالُهُ يُنافِي البِشارَةَ، ولِذَلِكَ يُتْبَعُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ بِحالٍ تُبَيِّنُ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ لَطِيفَةٍ في تِلْكَ الآيَةِ.

المؤمنون 23:53

﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ جِيءَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أنَّ الأُمَمَ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَقِبَ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ إيّاهم ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] أنْ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم فاتَّخَذُوا آلِهَةً كَثِيرَةً فَصارَ دِينُهم مُتَقَطِّعًا قِطَعًا، لِكُلِّ فَرِيقٍ صَنَمٌ وعِبادَةٌ خاصَّةٌ بِهِ. فَضَمِيرُ (تَقَطَّعُوا) عائِدٌ إلى الأُمَمِ المَفْهُومُ مِنَ السِّياقِ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] . وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى أُمَمِ الرُّسُلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ الذَّمِّ. ولِذَلِكَ قَدْ تُفِيدُ الفاءُ مَعَ التَّعْقِيبِ مَعْنى التَّفْرِيعِ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى ما أمَرْناهم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ أنَّهم أتَوْا بِعَكْسِ المَطْلُوبِ مِنهم، فَيُفِيدُ الكَلامُ زِيادَةً عَلى الذَّمِّ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ. ومِمّا يُزِيدُ مَعْنى الذَّمِّ تَذْيِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ أيْ: وهم لَيْسُوا بِحالِ مَن يَفْرَحُ. والتَّقَطُّعُ أصْلُهُ مُطاوِعُ قَطَّعَ. واسْتُعْمِلَ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى قَطَّعَ بِقَصْدِ إفادَةِ الشِّدَّةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، ونَظِيرُهُ تَخَوَّفَهُ السَّيْرُ، أيْ: تَنَقَّصَهُ، وتَجَهَّمَهُ اللَّيْلُ وتَعَرَّفَهُ الزَّمَنُ. فالمَعْنى: قَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم قِطَعًا كَثِيرَةً، أيْ: تَفَرَّقُوا عَلى صفحة ٧٣ نِحَلٍ كَثِيرَةٍ فَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم لِنَفْسِهِ دِينًا. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (تَقَطَّعُوا) قاصِرًا أُسْنِدَ التَّقَطُّعُ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ الإبْهامِ ثُمَّ مُيِّزَ بِقَوْلِهِ: (أمْرَهم) كَأنَّهُ قِيلَ: تَقَطَّعُوا أمْرًا، فَإنَّ كَثِيرًا مِن نُحاةِ الكُوفَةِ يُجَوِّزُونَ كَوْنَ التَّمْيِيزِ مَعْرِفَةً. وقَدْ بَسَطْنا القَوْلَ في مَعْنى ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ وما صَدَقُهُ أُمُورُ دِينِهِمْ. والزُّبُرُ بِضَمِّ الزّايِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ كَما قَرَأ بِهِ الجُمْهُورُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو الكِتابُ. اسْتُعِيرَ اسْمُ الكِتابِ لِلدِّينِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الدِّينِ أنْ يَكُونَ لِأهْلِهِ كِتابٌ، فَيَظْهَرُ أنَّها اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ لِكُلِّ فَرِيقٍ كِتابٌ ولَكِنَّهُمُ اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ أدْيانًا وعَقائِدَ لَوْ سُجِّلَتْ لَكانَتْ زُبُرًا. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ (زُبَرًا) بِضَمِّ الزّاءِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وهو جَمْعُ زُبْرَةٍ بِمَعْنى قِطْعَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ التَّقَطُّعَ يَقْتَضِي التَّحَزُّبَ فَذُيِّلَ بِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم فَرِحٌ بِدِينِهِ، فَفي الكَلامِ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِـ (حِزْبٍ) أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِنهم، بِدَلالَةِ المَقامِ. والفَرَحُ: شِدَّةُ المَسَرَّةِ، أيْ: راضُونَ جَذِلُونَ بِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا طَرِيقَتَهم في الدِّينِ. والمَعْنى: أنَّهم فَرِحُونَ بِدِينِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَبَصُّرٍ بَلْ لِمُجَرَّدِ العُكُوفِ عَلى المُعْتادِ، وذَلِكَ يُومِئُ إلَيْهِ (لَدَيْهِمْ) المُقْتَضِي أنَّهُ مُتَقَرِّرٌ بَيْنَهم مِن قَبْلُ، أيْ: بِالدِّينِ الَّذِي هو لَدَيْهِمْ فَهم لا يَرْضَوْنَ عَلى مَن خالَفَهم ويُعادُونَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى التَّفْرِيقِ والتَّخاذُلِ بَيْنَ الأُمَّةِ الواحِدَةِ وهو خِلافُ مُرادِ اللَّهِ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [المؤمنون: ٥٢] . وقَدِيمًا كانَ التَّحَزُّبُ مُسَبِّبًا لِسُقُوطِ الأدْيانِ والأُمَمِ وهو مِن دَعْوَةِ الشَّيْطانِ الَّتِي يُلْبِسُ فِيها الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ. والحِزْبُ: الجَماعَةُ المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ مِنَ اعْتِقادٍ أوْ عَمَلٍ، أوِ المُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:54

صفحة ٧٤ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ انْتِقالٌ بِالكَلامِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ . وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى مَعْرُوفٍ مِنَ السِّياقِ وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، فَإنَّهم مِن جُمْلَةِ الأحْزابِ الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا، أوْ هم عَيْنُهم: فَمِنهم مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ العُزّى. ومِنهم مَنِ اتَّخَذَ مَناةَ، ومِنهم مَنِ اتَّخَذَ ذا الخَلَصَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. والكَلامُ ظاهِرُهُ المُتارَكَةُ، والمَقْصُودُ مِنهُ الإمْلاءُ لَهم وإنْذارُهم بِما يَسْتَقْبِلُهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ في وقْتٍ ما. ولِذَلِكَ نُكِّرَ لَفْظُ (حِينَ) المَجْعُولُ غايَةً لِاسْتِدْراجِهِمْ، أيْ: زَمَنٌ مُبْهَمٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] . والغَمْرَةُ حَقِيقَتُها: الماءُ الَّذِي يَغْمُرُ قامَةَ الإنْسانِ بِحَيْثُ يُغْرِقُهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِمْ بِاعْتِبارِ مُلازَمَتِها إيّاهم حَتّى قَدْ عُرِفَتْ بِهِمْ، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ اشْتِغالِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ الِازْدِهارِ وتَرَفِ العَيْشِ عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ لِيُنَجِّيهِمْ مِنَ العِقابِ بِحالِ قَوْمٍ غَمَرَهُمُ الماءُ فَأوْشَكُوا عَلى الغَرَقِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَسْبَحُونَ.

المؤمنون 23:55

﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] بِاعْتِبارِ أنَّ جُمْلَةَ (فَذَرْهم) تَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي ألْهَتْهم عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وغَرَّتْهم بِأنَّهم بِمَحَلِّ الكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِما خَوَّلَهم مِنَ العِزَّةِ والتَّرَفِ، وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَعُّدِ بِأنَّ ذَلِكَ لَهُ نِهايَةٌ يَنْتَهُونَ إلَيْها وأنَّ اللَّهَ أعْطاهم ما هم فِيهِ زَمَنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجًا لَهم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] صفحة ٧٥ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . والِاسْتِفْهامُ في (أيَحْسَبُونَ) إنْكارِيٌّ وتَوْبِيخٌ عَلى هَذا الحُسْبانِ سَواءٌ كانَ هَذا الحُسْبانُ حاصِلًا لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ أمْ غَيْرُ حاصِلٍ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن هو مَظِنَّةُ هَذا الحُسْبانِ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذا الحُسْبانُ لِإزالَتِهِ مِن نَفْسِهِ أوْ لِدَفْعِ حُصُولِهِ فِيها. و(أنَّما) هُنا كَلِمَتانِ (أنَّ) المُؤَكِّدَةُ (وما) المَوْصُولَةُ وكُتِبَتا في المُصْحَفِ مُتَّصِلَتَيْنِ كَما تُكْتَبُ (إنَّما) المَكْسُورَةُ الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ القَدِيمَ لَمْ يَكُنْ مُنْضَبِطًا كُلَّ الضَّبْطِ وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً. والإمْدادُ: إعْطاءُ المَدَدِ وهو العَطاءُ. و﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لِـ (ما) المَوْصُولَةِ. والمُسارَعَةُ: التَّعْجِيلُ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِتَوَخِّي المَرْغُوبِ والحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِهِ. وفي حَدِيثِ «عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ: (ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ» ) أيْ: يُعْطِيكَ ما تُحِبُّهُ؛ لِأنَّ الرّاغِبَ في إرْضاءِ شَخْصٍ يَكُونُ مُتَسارِعًا في إعْطائِهِ مَرْغُوبَهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَجْرِي في حُظُوظِكَ. ومُتَعَلِّقُ (نُسارِعُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ، أيْ: بِما نَمُدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ (نَمُدُّهم بِهِ) عَلَيْهِ. وظَرْفِيَّةُ (في) مَجازِيَّةٌ. جُعِلَتِ (الخَيْراتِ) بِمَنزِلَةِ الطَّرِيقِ يَقَعُ فِيهِ المُسارَعَةُ بِالمَشْيِ فَتَكُونُ (في) قَرِينَةٌ مَكْنِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] كِلاهُما في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو مِنَ الجُمُوعِ النّادِرَةِ مِثْلَ سُرادِقاتٍ. صفحة ٧٦ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. و(بَلْ) إضْرابٌ عَنِ المَظْنُونِ لا عَلى الظَّنِّ كَما هو ظاهِرٌ بِالقَرِينَةِ، أيْ: لَسْنا نُسارِعُ لَهم بِالخَيْراتِ كَما ظَنُّوا بَلْ لا يَشْعُرُونَ بِحِكْمَةِ ذَلِكَ الإمْدادِ وأنَّها لِاسْتِدْراجِهِمْ وفَضْحِهِمْ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

المؤمنون 23:56

﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] بِاعْتِبارِ أنَّ جُمْلَةَ (فَذَرْهم) تَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي ألْهَتْهم عَنِ النَّظَرِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وغَرَّتْهم بِأنَّهم بِمَحَلِّ الكَرامَةِ عَلى اللَّهِ بِما خَوَّلَهم مِنَ العِزَّةِ والتَّرَفِ، وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ التَّوَعُّدِ بِأنَّ ذَلِكَ لَهُ نِهايَةٌ يَنْتَهُونَ إلَيْها وأنَّ اللَّهَ أعْطاهم ما هم فِيهِ زَمَنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجًا لَهم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] صفحة ٧٥ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . والِاسْتِفْهامُ في (أيَحْسَبُونَ) إنْكارِيٌّ وتَوْبِيخٌ عَلى هَذا الحُسْبانِ سَواءٌ كانَ هَذا الحُسْبانُ حاصِلًا لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ أمْ غَيْرُ حاصِلٍ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن هو مَظِنَّةُ هَذا الحُسْبانِ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذا الحُسْبانُ لِإزالَتِهِ مِن نَفْسِهِ أوْ لِدَفْعِ حُصُولِهِ فِيها. و(أنَّما) هُنا كَلِمَتانِ (أنَّ) المُؤَكِّدَةُ (وما) المَوْصُولَةُ وكُتِبَتا في المُصْحَفِ مُتَّصِلَتَيْنِ كَما تُكْتَبُ (إنَّما) المَكْسُورَةُ الَّتِي هي أداةُ حَصْرٍ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ القَدِيمَ لَمْ يَكُنْ مُنْضَبِطًا كُلَّ الضَّبْطِ وحَقُّها أنْ تُكْتَبَ مَفْصُولَةً. والإمْدادُ: إعْطاءُ المَدَدِ وهو العَطاءُ. و﴿مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ بَيانٌ لِـ (ما) المَوْصُولَةِ. والمُسارَعَةُ: التَّعْجِيلُ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِتَوَخِّي المَرْغُوبِ والحِرْصِ عَلى تَحْصِيلِهِ. وفي حَدِيثِ «عائِشَةَ أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ: (ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ» ) أيْ: يُعْطِيكَ ما تُحِبُّهُ؛ لِأنَّ الرّاغِبَ في إرْضاءِ شَخْصٍ يَكُونُ مُتَسارِعًا في إعْطائِهِ مَرْغُوبَهِ، ويُقالُ: فُلانٌ يَجْرِي في حُظُوظِكَ. ومُتَعَلِّقُ (نُسارِعُ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: نُسارِعُ لَهم بِهِ، أيْ: بِما نَمُدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ. وحُذِفَ لِدَلالَةِ (نَمُدُّهم بِهِ) عَلَيْهِ. وظَرْفِيَّةُ (في) مَجازِيَّةٌ. جُعِلَتِ (الخَيْراتِ) بِمَنزِلَةِ الطَّرِيقِ يَقَعُ فِيهِ المُسارَعَةُ بِالمَشْيِ فَتَكُونُ (في) قَرِينَةٌ مَكْنِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] كِلاهُما في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ بِالألِفِ والتّاءِ، وهو مِنَ الجُمُوعِ النّادِرَةِ مِثْلَ سُرادِقاتٍ. صفحة ٧٦ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. و(بَلْ) إضْرابٌ عَنِ المَظْنُونِ لا عَلى الظَّنِّ كَما هو ظاهِرٌ بِالقَرِينَةِ، أيْ: لَسْنا نُسارِعُ لَهم بِالخَيْراتِ كَما ظَنُّوا بَلْ لا يَشْعُرُونَ بِحِكْمَةِ ذَلِكَ الإمْدادِ وأنَّها لِاسْتِدْراجِهِمْ وفَضْحِهِمْ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.

المؤمنون 23:57

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] . فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ صفحة ٧٧ أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ. والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها. ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا. وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ. وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ صفحة ٧٨ الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ. وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ . وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا. ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

المؤمنون 23:58

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] . فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ صفحة ٧٧ أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ. والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها. ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا. وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ. وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ صفحة ٧٨ الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ. وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ . وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا. ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

المؤمنون 23:59

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] . فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ صفحة ٧٧ أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ. والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها. ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا. وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ. وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ صفحة ٧٨ الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ. وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ . وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا. ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

المؤمنون 23:60

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] . فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ صفحة ٧٧ أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ. والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها. ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا. وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ. وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ صفحة ٧٨ الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ. وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ . وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا. ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

المؤمنون 23:61

﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُقابِلُ ما تَضَمَّنَتْهُ الغَمْرَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] مِنَ الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ وعَنِ التَّصْدِيقِ بِآياتِهِ، ومِن إشْراكِهِمْ آلِهَةً مَعَ اللَّهِ، ومِن شُحِّهِمْ عَنِ الضُّعَفاءِ وإنْفاقِ مالِهِمْ في اللَّذّاتِ، ومِن تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ. كُلُّ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ الغَمْرَةُ فَجِيءَ في مُقابِلِها بِذِكْرِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ثَناءً عَلَيْهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] . فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّفْصِيلِ لِإجْمالِ الغَمْرَةِ مَعَ إفادَةِ المُقابَلَةِ بِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ. واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ بِذِكْرِ المُقابِلِ لِحُسْنِ تِلْكَ الصِّفاتِ وقُبْحِ أضْدادِها تَنْزِيهًا لِلذِّكْرِ عَنْ تَعْدادِ رَذائِلِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ، وطِباقٌ مِن ألْطَفِ البَدِيعِ، وصَوْنٌ لِلْفَصاحَةِ مِن كَراهَةِ الوَصْفِ الشَّنِيعِ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإتْيانُ بِالمَوْصُولاتِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّهم يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُسابِقُونَ إلَيْها، وتَكْرِيرُ صفحة ٧٧ أسْماءِ المَوصُولاتِ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ صِلَةٍ مِن صِلاتِها فَلا تُذْكَرُ تَبَعًا بِالعَطْفِ. والمَقْصُودُ الفَرِيقُ الَّذِينَ اتُّصِفُوا بِصِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ. والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَدْ حُذِفَ المُتَوَقَّعُ مِنهُ لِظُهُورِ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ الإشْفاقُ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ، أيْ: يَتَوَقَّعُونَ غَضَبَهُ وعِقابَهُ. والمُرادُ بِالآياتِ: الدَّلائِلُ الَّتِي تَضَمَّنَها القُرْآنُ ومِنها إعْجازُ القُرْآنِ. والمَعْنى: أنَّهم لِخَشْيَةِ رَبِّهِمْ يَخافُونَ عِقابَهُ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُشْفِقُونَ) لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى عَوامِلِها لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها. ومَعْنى ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ يُعْطُونَ الأمْوالَ صَدَقاتٍ وصِلاتٍ ونَفَقاتٍ في سَبِيلِ اللَّهِ. قالَ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧] . واسْتِعْمالُ الإيتاءِ في إعْطاءِ المالِ شائِعٌ في القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ أنَّهُ المُرادُ هُنا. وإنَّما عُبِّرَ بِـ ما أتَوْا دُونَ الصَّدَقاتِ أوِ الأمْوالِ لِيَعُمَّ كُلَّ أصْنافِ العَطاءِ المَطْلُوبِ شَرْعًا ولِيَعُمَّ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لَهُ مِنَ المالِ ما تَجِبُ فِيهِ الزَّكاةُ وهو يُعْطِي مِمّا يَكْسِبُ. وجُمْلَةُ ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وحَقُّ الحالِ إذا جاءَتْ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: يَفْعَلُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِقُلُوبِهِمْ وجَوارِحِهِمْ وهم مُضْمِرُونَ وجَلًا وخَوْفًا مِن رَبِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فَلا يَجِدُونَهُ راضِيًا عَنْهم، أوْ لا يَجِدُونَ ما يَجِدُهُ غَيْرُهم مِمَّنْ يَفُوتُهم في الصّالِحاتِ، فَهم لِذَلِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ويُكْثِرُونَ مِنها ما اسْتَطاعُوا وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ. وفي الحَدِيثِ «أنْ أهْلَ صفحة ٧٨ الصُّفَّةِ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ يُصَلُّونَ كَما نُصَلِّي ويَصُومُونَ كَما نَصُومُ ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أمْوالِهِمْ. قالَ: أوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكم ما تَصَّدَّقُونَ بِهِ، إنَّ لَكم بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وأمْرٍ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةً، ونَهْيٍ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةً. وقالَ أبُو مَسْعُودٍ الأنْصارِيُّ: «لَمّا أُمِرْنا بِالصَّدَقَةِ كُنّا نُحامِلُ فَيُصِيبُ أحَدُنا المُدَّ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ» . ومِمّا يُشِيرُ إلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] ﴿إنّا نَخافُ مِن رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] الآياتِ. وخَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ . وافْتُتِحَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ؛ لِأنَّ مِثْلَهم أحْرِياءُ بِأنْ يُعْرَفُوا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ آنِفًا. ومَعْنى ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ أنَّهم يَتَنافَسُونَ في الإكْثارِ مِن أعْمالِ الخَيْرِ، فالسَّبْقُ تَمْثِيلٌ لِلتَّنافُسِ والتَّفاوُتِ في الإكْثارِ مِنَ الخَيْراتِ بِحالِ السّابِقِ إلى الغايَةِ، أوِ المَعْنى: وهم مُحْرِزُونَ لِما حَرَصُوا عَلَيْهِمْ، فالسَّبْقُ مُجازٌ لِإحْرازِ المَطْلُوبِ؛ لِأنَّ الإحْرازَ مِن لَوازِمِ السَّبْقِ. وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فاللّامُ بِمَعْنى (إلى) . وقَدْ قِيلَ: إنَّ فِعْلَ السَّبْقِ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِـ (إلى) . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

المؤمنون 23:62

﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن أحْوالِ الَّذِينَ مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما اقْتَضى مُخالَفَةَ المُشْرِكِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ مِن تَوْحِيدِ الدِّينِ، وذُكِرَ بَعْدَهُ ما دَلَّ صفحة ٧٩ عَلى تَقْوى المُؤْمِنِينَ بِالخَشْيَةِ وصِحَّةِ الإيمانِ والبَذْلِ ومُسارَعَتِهِمْ في الخَيْراتِ ذُيِّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ ما طَلَبَ مِنَ الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم إلّا تَكْلِيفًا لا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّ اللَّهَ عَذَرَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مَن لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ مَن يَفُوتُهم في الأعْمالِ عُذْرًا يَقْتَضِي اعْتِبارَ أجْرِهِمْ عَلى ما فاتَهم إذا بَذَلُوا غايَةَ وُسْعِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] . فَقَوْلُهُ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ خَبَرٌ مُرادٌ مِنهُ لازِمُهُ وهو تَسْجِيلُ التَّقْصِيرِ عَلى الَّذِينَ تَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم. وقَطْعُ مَعْذِرَتِهِمْ، وتَيْسِيرُ الِاعْتِذارِ عَلى ﴿الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] مَعَ ما في ذَلِكَ مِن جَبْرِ الخَواطِرِ المُنْكَسِرَةِ مِن أهْلِ الإيمانِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا غَيْرَهم لِعَجْزٍ أوْ خَصاصَةٍ. ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾ وهو مَعْنى إحاطَةُ العِلْمِ بِأحْوالِهِمْ ونَواياهم. فالكِتابُ هُنا هو الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْجِيلُ الأعْمالِ مِن حَسَناتٍ وسَيِّئاتٍ وإطْلاقُ الكِتابِ عَلَيْهِ لِإحاطَتِهِ. وفي قَوْلِهِ: لَدَيْنا دَلالَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَحْفُوظٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ تَغْيِيرَهُ بِزِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ. والنُّطْقُ مُسْتَعارٌ لِلدَّلالَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُطْقُ الكِتابِ حَقِيقَةً بِأنْ تَكُونَ الحُرُوفُ المَكْتُوبَةُ فِيهِ ذاتَ أصْواتٍ، وقُدْرَةُ اللَّهِ لا تُحَدُّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ مَسُوقًا لِمُؤاخَذَةِ المُفَرِّطِينَ والمُعْرِضِينَ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥٣] وأشْباهُهُ مِنَ الضَّمائِرِ، والِاعْتِمادُ عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ. صفحة ٨٠ والظُّلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَحْمُولٌ عَلى ظاهِرِهِ وهو حِرْمانُ الحَقِّ والِاعْتِداءُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى عُمُومِ الأنْفُسِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ مِن بَقِيَّةِ التَّذْيِيلِ، والظُّلْمُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّقْصِ مِنَ الحَقِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] فَيَكُونُ وعِيدًا لِفَرِيقٍ ووَعْدًا لِفَرِيقٍ. وهَذا ألْيَقُ الوَجْهَيْنِ بِالإعْجازِ.

المؤمنون 23:63

﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ إضْرابُ انْتِقالٍ إلى ما هو أغْرَبُ مِمّا سَبَقَ وهو وصْفُ غَمْرَةٍ أُخْرى انْغَمَسَ فِيها المُشْرِكُونَ فَهم في غَمْرَةٍ غَمَرَتْ قُلُوبَهم وأبْعَدَتْها عَنْ أنْ تَتَخَلَّقَ بِخُلُقِ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ كَيْفَ وأعْمالُهم إلى الضِّدِّ مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ تُناسِبُ كُفْرَهم ؟ فَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ. فَحَرْفُ (مِن) في قَوْلِهِ (مِن هَذا) يُوهِمُ البَدَلِيَّةَ، أيْ: في غَمْرَةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ هَذا. والإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى ما ذُكِرَ آنِفًا مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] . و(دُونَ) تَدُلُّ عَلى المُخالَفَةِ لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَيْسُوا أهْلًا لِلتَّحَلِّي بِمِثْلِ تِلْكَ المَكارِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ يُبَيِّنُ (هَذا)، أيْ: وأعْمالُهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها غَيْرُ ذَلِكَ. ويُذَكِّرُنِي هَذا قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ الخارِجِيِّ في مَدْحِ عُرْوَةَ بْنِ زَيْدِ الخَيْلِ: يا أيُّها المُتَمَنِّي أنْ يَكُـونَ فَـتًى مِثْلَ ابْنِ زَيْدٍ لَقَدْ أخْلى لَكَ السُّبُلا أعْدِدْ فَضائِلَ أخْلاقٍ عُـدِدْنَ لَـهُ ∗∗∗ هَلْ سَبَّ مِن أحَدٍ أوْ سُبَّ أوْ بَخِلا إنْ تُنْفِقِ المالَ أوْ تَكْلَفْ مَساعِـيَهُ ∗∗∗ يُشْفِقْ عَلَيْكَ وتَفْعَلْ دُونَ ما فُعِلا ٢٠٦ صفحة ٨١ ولامُ (لَهم أعْمالٌ) لِلِاخْتِصاصِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِها عَلى المَبْدَأِ لِقَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، أيْ: لَهم أعْمالٌ لا يَعْمَلُونَ غَيْرَها مِن أعْمالِ الإيمانِ والخَيْراتِ. ووَصْفُ (أعْمالٌ) بِجُمْلَةِ ﴿هم لَها عامِلُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْها لا يُقْلِعُونَ عَنْها؛ لِأنَّهم ضُرُّوا بِها لِكَثْرَةِ انْغِماسِهِمْ فِيها. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ الدَّوامِ عَلى تِلْكَ الأعْمالِ وثَباتِهِمْ عَلَيْها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ (لَها) عَلى (عامِلُونَ) لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِقَصْرِ القَلْبِ، أيْ: لا يَعْمَلُونَ غَيْرَها مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي دُعُوا إلَيْها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ؛ لِأنَّ القَصْرَ قَدْ أُفِيدَ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ.

المؤمنون 23:64

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . و(حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ يَكُونُ ما بَعْدَها ابْتِداءَ كَلامٍ، فَلَيْسَ الدّالُّ عَلى الغايَةِ لَفْظًا مُفْرَدًا كَما هو الشَّأْنُ مَعَ (حَتّى) الجارَّةِ و(حَتّى) العاطِفَةِ، بَلْ هي غايَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى التَّفْرِيعِ. وبِهَذِهِ الغايَةِ صارَ الكَلامُ تَهْدِيدًا لَهم بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ يَجْأرُونَ مِنهُ ولا مَلْجَأ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . صفحة ٨٢ و(إذا) الأُولى ظَرْفِيَّةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَ الأصْلُ والغالِبُ فِيها أنْ تَدُلَّ عَلى ظَرْفٍ مُسْتَقْبَلٍ. (وإذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطِ (إذا) . والمُتْرَفُونَ: المُعْطُونَ تَرَفًا وهو الرَّفاهِيَةُ، أيِ: المُنَعَّمُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] فالمُتْرَفُونَ مِنهم هم سادَتُهم وأكابِرُهم والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ أصْحابِ الغَمْرَةِ. وإنَّما جُعِلَ الأخْذُ واقِعًا عَلى المُتْرَفِينَ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا عامَّةَ قَوْمِهِمْ ولَوْلا نُفُوذُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قَوْمِهِمْ لاتَّبَعَتِ الدَّهْماءُ الحَقَّ؛ لِأنَّ العامَّةَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ إذا فَهِمُوا الحَقَّ بِسَبَبِ سَلامَتِهِمْ مِن جُلِّ دَواعِي المُكابَرَةِ مِن تَوَقُّعِ تَقَلُّصِ سُؤْدُدٍ وزَوالِ نَعِيمٍ. وكَذَلِكَ حَقٌّ عَلى قادَةِ الأُمَمِ أنْ يُؤاخَذُوا بِالتَّبِعاتِ اللّاحِقَةِ لِلْعامَّةِ مِن جَرّاءِ أخْطائِهِمْ ومُغامَرَتِهِمْ عَنْ تَضْلِيلٍ أوْ سُوءِ تَدَبُّرٍ، وأنْ يُسْألُوا عَنِ الخَيْبَةِ أنْ ألْقَوْا بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مَهْواةِ الخَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وقالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّعْذِيبِ مَعَ أنَّ شَأْنَ العَذابِ الإلَهِيِّ إنْ كانَ دُنْيَوِيًّا أنْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم إيماءً إلى أنَّ المُتْرَفِينَ هم سَبَبُ نُزُولِ العَذابِ بِالعامَّةِ، ولِأنَّ المُتْرَفِينَ هم أشَدُّ إحْساسًا بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا مَسَّ الضَّرّاءِ والآلامِ. وقَدْ عُلِمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ العَذابَ يَعُمُّ جَمِيعَهم مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَيْنِ في (إذا هم) و(يَجْأرُونَ) عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مُتْرَفِيهِمْ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ جَمِيعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُتْرَفِينَ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةً ويَكُونَ ذِكْرُ المُتْرَفِينَ تَهْوِيلًا في التَّهْدِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَذابَ صفحة ٨٣ يُزِيلُ عَنْهم تَرَفَهم؛ فَقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في تَرَفٍ ودَعَةٍ إذْ كانُوا سالِمِينَ مِن غاراتِ الأقْوامِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ الآمِنِ وكانُوا تُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وكانُوا مُكَرَّمِينَ لَدى جَمِيعِ القَبائِلِ، قالَ الأخْطَلُ: فَأمّا النّاسُ ما حاشا قُرَيْشًا فَإنّا نَحْنُ أفْضَلُهم فِعَـالا وكانَتْ أرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى إذا أخَذْناهم وهم في تَرَفِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُلُولَ العَذابِ بِالمُتْرَفِينَ خاصَّةً، أيْ: بِسادَتِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كُبَراءُ قُرَيْشٍ وهم أصْحابُ القَلِيبِ. قالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ: وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُزَيَّنُ بِالسَّنَـامِ وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ يَعْنِي ما ضُمِّنَهُ القَلِيبُ مِن رِجالٍ كانَتْ سَجاياهُمُ الإطْعامَ والطَّرَبَ واللَّذّاتِ. وضَمِيرُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتْرَفِينَ؛ لِأنَّ المُتْرَفِينَ قَدْ هَلَكُوا فالبَقِيَّةُ يَجْأرُونَ مِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَ قَوْمَهم والإشْفاقِ أنْ يَسْتَمِرَّ القَتْلُ في سائِرِهِمْ فَهم يَجْأرُونَ كُلَّما صُرِعَ واحِدٌ مِن سادَتِهِمْ، ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ عَجِبُوا مِن تِلْكَ المُصِيبَةِ ورَثُوا أمْواتَهم بِالمَراثِي والنِّياحاتِ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَذابِ عَذابٌ يَحِلُّ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي مَكِّيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا عَذابٌ مَسْبُوقٌ بِعَذابٍ حَلَّ بِهِمْ قَبْلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآيَةَ. ولِذا فالعَذابُ المَذْكُورُ هُنا عَذابٌ هُدِّدُوا بِهِ. وهو إمّا عَذابُ الجُوعِ الثّانِي الَّذِي أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ. ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ عَقِبَ سَرِيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى بَنِي كَلْبٍ صفحة ٨٤ الَّتِي أخَذَ فِيها ثُمامَةَ أسِيرًا وأسْلَمَ فَمَنَعَ صُدُورَ المِيرَةِ مِن أرْضِ قَوْمِهِ بِاليَمامَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ وكانَتِ اليَمامَةُ مَصْدَرَ أقْواتِهِمْ حَتّى سُمِّيَتْ رِيفَ أهْلِ مَكَّةَ فَأصابَهم جُوعٌ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ والجِيَفَ سَبْعَ سِنِينَ، وإمّا عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذا العَذابَ عَذابٌ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وتَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي أصابَهم أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ ثُمَّ كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ وسَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] . وقِيلَ: العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ سَيُذْكَرُ عَذابُ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] كَما سَتَعْلَمُهُ. وتَجِيءُ مِنهُ وُجُوهٌ مِنَ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَخْفى تَقْرِيرُها. ومَعْنى (يَجْأرُونَ): يَصْرُخُونَ، ومَصْدَرُهُ: الجَأْرُ. والِاسْمُ: الجُؤارُ بِضَمِّ الجِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ألَمِ العَذابِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ صَبْرًا عَلَيْهِ فَيَصْدُرُ مِنهم صُراخُ التَّأوُّهِ والوَيْلِ والثُّبُورِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقُولُ لَهم: لا تَجْأرُوا اليَوْمَ. وهَذا القَوْلُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابٍ لا يُغْنِي عَنْهم حِينَ حُلُولِهِ جُؤارٌ إذْ لا مُجِيبَ لِجُؤارِهِمْ ولا مُغِيثَ لَهم مِنهُ إذْ هو عَذابٌ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ النّاسِ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في تَوَلِّي كَشْفِهِ. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ صفحة ٨٥ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ فالقَوْلُ لَفْظِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ قَطْعُ طَماعِيَتِهِمْ في النَّجاةِ. والنَّهْيُ عَنِ الجُؤارِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ. ووُرُودُ النَّهْيِ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ مَقِيسٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ في التَّسْوِيَةِ. وعَثَرْتُ عَلى اجْتِماعِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: لا تَجْأرُوا إذْ لا جَدْوى لِجُؤارِكم إذْ لا يَقْدِرُ مُجِيرٌ أنْ يُجِيرَكم مِن عَذابِنا، فَمَوْقِعُ (إنَّ) إفادَةُ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّها تُغْنِي غِناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ. وضُمِّنَ (تُنْصَرُونَ) مَعْنى النَّجاةِ فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (مِن)، أيْ: لا تَنْجُونَ مِن عَذابِنا. فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ (مِن) وحَذْفُ المُضافِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّلْهِيفِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى بِها غَيْرِ التَّعْلِيلِ إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ. والآياتُ هُنا هي آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ (تُتْلى) إذِ التِّلاوَةُ: القِراءَةُ. والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، وهو الفِرارُ. والأعْقابُ: مُؤَخَّرُ الأرْجُلِ. والنُّكُوصُ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ وذِكْرُ الأعْقابِ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وذُكِرَ فِعْلُ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم. وذُكِرَ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ فَذَلِكَ خُلُقٌ مِنهم مُعادٌ مَكْرُورٌ. وضَمِيرُ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ القُرْآنِ فَيَكُونَ (مُسْتَكْبِرِينَ) بِمَعْنى مُعْرِضِينَ اسْتِكْبارًا، ويَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ)، أوْ ضُمِّنَ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى ساخِرِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ. صفحة ٨٦ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ حاضِرٌ في الأذْهانِ فَلا يُسْمَعُ ضَمِيرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعادٌ إلّا ويُعْلَمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِمَعُونَةِ السِّياقِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتْ تِلاوَةُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ هو مُجْتَمَعُهم. فَتَكُونُ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وفِيهِ إنْحاءٌ عَلَيْهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وفي كَوْنِ اسْتِكْبارِهِمْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مَظْهَرًا لِلتَّواضُعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فالِاسْتِكْبارُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُ القائِمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا أشْنَعُ اسْتِكْبارٍ. وعَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ البَلُّوطِيِّ الأنْدَلُسِيِّ قاضِي قُرْطُبَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم هو سَبَبُ التَّكْذِيبِ. و(سامِرًا) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: حالَ كَوْنِكم سامِرِينَ. والسّامِرُ: اسْمٌ لِجَمْعِ السّامِرِينَ، أيِ: المُتَحَدِّثِينَ في سَمَرِ اللَّيْلِ وهو ظُلْمَتُهُ، أوْ ضَوْءُ قَمَرِهِ. وأُطْلِقَ السَّمَرُ عَلى الكَلامِ في اللَّيْلِ، فالسّامِرُ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ بِمَعْنى: الحُجّاجُ والحاضِرِينَ وجَماعَةُ الجُمّالِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سامِرًا) مُرادًا مِنهُ مَجْلِسُ السَّمَرِ حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ لَيْلًا، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في سامِرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . و(تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في قِراءَةِ نافِعٍ مُضارِعُ أهْجَرَ: إذا قالَ الهُجْرُ بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اللَّغْوُ والسَّبُّ والكَلامُ السَّيِّئِ. وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ التّاءِ مِن هَجَرَ إذا لَغا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (سامِرًا)، أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُتَحَدِّثِينَ هَجْرًا وكانَ كُبَراءُ قُرَيْشٍ يَسْمُرُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَتَحَدَّثُونَ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

المؤمنون 23:65

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . و(حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ يَكُونُ ما بَعْدَها ابْتِداءَ كَلامٍ، فَلَيْسَ الدّالُّ عَلى الغايَةِ لَفْظًا مُفْرَدًا كَما هو الشَّأْنُ مَعَ (حَتّى) الجارَّةِ و(حَتّى) العاطِفَةِ، بَلْ هي غايَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى التَّفْرِيعِ. وبِهَذِهِ الغايَةِ صارَ الكَلامُ تَهْدِيدًا لَهم بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ يَجْأرُونَ مِنهُ ولا مَلْجَأ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . صفحة ٨٢ و(إذا) الأُولى ظَرْفِيَّةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَ الأصْلُ والغالِبُ فِيها أنْ تَدُلَّ عَلى ظَرْفٍ مُسْتَقْبَلٍ. (وإذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطِ (إذا) . والمُتْرَفُونَ: المُعْطُونَ تَرَفًا وهو الرَّفاهِيَةُ، أيِ: المُنَعَّمُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] فالمُتْرَفُونَ مِنهم هم سادَتُهم وأكابِرُهم والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ أصْحابِ الغَمْرَةِ. وإنَّما جُعِلَ الأخْذُ واقِعًا عَلى المُتْرَفِينَ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا عامَّةَ قَوْمِهِمْ ولَوْلا نُفُوذُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قَوْمِهِمْ لاتَّبَعَتِ الدَّهْماءُ الحَقَّ؛ لِأنَّ العامَّةَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ إذا فَهِمُوا الحَقَّ بِسَبَبِ سَلامَتِهِمْ مِن جُلِّ دَواعِي المُكابَرَةِ مِن تَوَقُّعِ تَقَلُّصِ سُؤْدُدٍ وزَوالِ نَعِيمٍ. وكَذَلِكَ حَقٌّ عَلى قادَةِ الأُمَمِ أنْ يُؤاخَذُوا بِالتَّبِعاتِ اللّاحِقَةِ لِلْعامَّةِ مِن جَرّاءِ أخْطائِهِمْ ومُغامَرَتِهِمْ عَنْ تَضْلِيلٍ أوْ سُوءِ تَدَبُّرٍ، وأنْ يُسْألُوا عَنِ الخَيْبَةِ أنْ ألْقَوْا بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مَهْواةِ الخَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وقالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّعْذِيبِ مَعَ أنَّ شَأْنَ العَذابِ الإلَهِيِّ إنْ كانَ دُنْيَوِيًّا أنْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم إيماءً إلى أنَّ المُتْرَفِينَ هم سَبَبُ نُزُولِ العَذابِ بِالعامَّةِ، ولِأنَّ المُتْرَفِينَ هم أشَدُّ إحْساسًا بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا مَسَّ الضَّرّاءِ والآلامِ. وقَدْ عُلِمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ العَذابَ يَعُمُّ جَمِيعَهم مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَيْنِ في (إذا هم) و(يَجْأرُونَ) عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مُتْرَفِيهِمْ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ جَمِيعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُتْرَفِينَ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةً ويَكُونَ ذِكْرُ المُتْرَفِينَ تَهْوِيلًا في التَّهْدِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَذابَ صفحة ٨٣ يُزِيلُ عَنْهم تَرَفَهم؛ فَقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في تَرَفٍ ودَعَةٍ إذْ كانُوا سالِمِينَ مِن غاراتِ الأقْوامِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ الآمِنِ وكانُوا تُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وكانُوا مُكَرَّمِينَ لَدى جَمِيعِ القَبائِلِ، قالَ الأخْطَلُ: فَأمّا النّاسُ ما حاشا قُرَيْشًا فَإنّا نَحْنُ أفْضَلُهم فِعَـالا وكانَتْ أرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى إذا أخَذْناهم وهم في تَرَفِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُلُولَ العَذابِ بِالمُتْرَفِينَ خاصَّةً، أيْ: بِسادَتِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كُبَراءُ قُرَيْشٍ وهم أصْحابُ القَلِيبِ. قالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ: وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُزَيَّنُ بِالسَّنَـامِ وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ يَعْنِي ما ضُمِّنَهُ القَلِيبُ مِن رِجالٍ كانَتْ سَجاياهُمُ الإطْعامَ والطَّرَبَ واللَّذّاتِ. وضَمِيرُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتْرَفِينَ؛ لِأنَّ المُتْرَفِينَ قَدْ هَلَكُوا فالبَقِيَّةُ يَجْأرُونَ مِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَ قَوْمَهم والإشْفاقِ أنْ يَسْتَمِرَّ القَتْلُ في سائِرِهِمْ فَهم يَجْأرُونَ كُلَّما صُرِعَ واحِدٌ مِن سادَتِهِمْ، ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ عَجِبُوا مِن تِلْكَ المُصِيبَةِ ورَثُوا أمْواتَهم بِالمَراثِي والنِّياحاتِ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَذابِ عَذابٌ يَحِلُّ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي مَكِّيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا عَذابٌ مَسْبُوقٌ بِعَذابٍ حَلَّ بِهِمْ قَبْلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآيَةَ. ولِذا فالعَذابُ المَذْكُورُ هُنا عَذابٌ هُدِّدُوا بِهِ. وهو إمّا عَذابُ الجُوعِ الثّانِي الَّذِي أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ. ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ عَقِبَ سَرِيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى بَنِي كَلْبٍ صفحة ٨٤ الَّتِي أخَذَ فِيها ثُمامَةَ أسِيرًا وأسْلَمَ فَمَنَعَ صُدُورَ المِيرَةِ مِن أرْضِ قَوْمِهِ بِاليَمامَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ وكانَتِ اليَمامَةُ مَصْدَرَ أقْواتِهِمْ حَتّى سُمِّيَتْ رِيفَ أهْلِ مَكَّةَ فَأصابَهم جُوعٌ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ والجِيَفَ سَبْعَ سِنِينَ، وإمّا عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذا العَذابَ عَذابٌ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وتَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي أصابَهم أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ ثُمَّ كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ وسَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] . وقِيلَ: العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ سَيُذْكَرُ عَذابُ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] كَما سَتَعْلَمُهُ. وتَجِيءُ مِنهُ وُجُوهٌ مِنَ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَخْفى تَقْرِيرُها. ومَعْنى (يَجْأرُونَ): يَصْرُخُونَ، ومَصْدَرُهُ: الجَأْرُ. والِاسْمُ: الجُؤارُ بِضَمِّ الجِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ألَمِ العَذابِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ صَبْرًا عَلَيْهِ فَيَصْدُرُ مِنهم صُراخُ التَّأوُّهِ والوَيْلِ والثُّبُورِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقُولُ لَهم: لا تَجْأرُوا اليَوْمَ. وهَذا القَوْلُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابٍ لا يُغْنِي عَنْهم حِينَ حُلُولِهِ جُؤارٌ إذْ لا مُجِيبَ لِجُؤارِهِمْ ولا مُغِيثَ لَهم مِنهُ إذْ هو عَذابٌ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ النّاسِ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في تَوَلِّي كَشْفِهِ. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ صفحة ٨٥ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ فالقَوْلُ لَفْظِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ قَطْعُ طَماعِيَتِهِمْ في النَّجاةِ. والنَّهْيُ عَنِ الجُؤارِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ. ووُرُودُ النَّهْيِ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ مَقِيسٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ في التَّسْوِيَةِ. وعَثَرْتُ عَلى اجْتِماعِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: لا تَجْأرُوا إذْ لا جَدْوى لِجُؤارِكم إذْ لا يَقْدِرُ مُجِيرٌ أنْ يُجِيرَكم مِن عَذابِنا، فَمَوْقِعُ (إنَّ) إفادَةُ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّها تُغْنِي غِناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ. وضُمِّنَ (تُنْصَرُونَ) مَعْنى النَّجاةِ فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (مِن)، أيْ: لا تَنْجُونَ مِن عَذابِنا. فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ (مِن) وحَذْفُ المُضافِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّلْهِيفِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى بِها غَيْرِ التَّعْلِيلِ إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ. والآياتُ هُنا هي آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ (تُتْلى) إذِ التِّلاوَةُ: القِراءَةُ. والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، وهو الفِرارُ. والأعْقابُ: مُؤَخَّرُ الأرْجُلِ. والنُّكُوصُ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ وذِكْرُ الأعْقابِ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وذُكِرَ فِعْلُ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم. وذُكِرَ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ فَذَلِكَ خُلُقٌ مِنهم مُعادٌ مَكْرُورٌ. وضَمِيرُ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ القُرْآنِ فَيَكُونَ (مُسْتَكْبِرِينَ) بِمَعْنى مُعْرِضِينَ اسْتِكْبارًا، ويَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ)، أوْ ضُمِّنَ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى ساخِرِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ. صفحة ٨٦ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ حاضِرٌ في الأذْهانِ فَلا يُسْمَعُ ضَمِيرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعادٌ إلّا ويُعْلَمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِمَعُونَةِ السِّياقِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتْ تِلاوَةُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ هو مُجْتَمَعُهم. فَتَكُونُ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وفِيهِ إنْحاءٌ عَلَيْهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وفي كَوْنِ اسْتِكْبارِهِمْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مَظْهَرًا لِلتَّواضُعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فالِاسْتِكْبارُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُ القائِمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا أشْنَعُ اسْتِكْبارٍ. وعَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ البَلُّوطِيِّ الأنْدَلُسِيِّ قاضِي قُرْطُبَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم هو سَبَبُ التَّكْذِيبِ. و(سامِرًا) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: حالَ كَوْنِكم سامِرِينَ. والسّامِرُ: اسْمٌ لِجَمْعِ السّامِرِينَ، أيِ: المُتَحَدِّثِينَ في سَمَرِ اللَّيْلِ وهو ظُلْمَتُهُ، أوْ ضَوْءُ قَمَرِهِ. وأُطْلِقَ السَّمَرُ عَلى الكَلامِ في اللَّيْلِ، فالسّامِرُ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ بِمَعْنى: الحُجّاجُ والحاضِرِينَ وجَماعَةُ الجُمّالِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سامِرًا) مُرادًا مِنهُ مَجْلِسُ السَّمَرِ حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ لَيْلًا، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في سامِرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . و(تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في قِراءَةِ نافِعٍ مُضارِعُ أهْجَرَ: إذا قالَ الهُجْرُ بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اللَّغْوُ والسَّبُّ والكَلامُ السَّيِّئِ. وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ التّاءِ مِن هَجَرَ إذا لَغا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (سامِرًا)، أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُتَحَدِّثِينَ هَجْرًا وكانَ كُبَراءُ قُرَيْشٍ يَسْمُرُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَتَحَدَّثُونَ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

المؤمنون 23:66

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . و(حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ يَكُونُ ما بَعْدَها ابْتِداءَ كَلامٍ، فَلَيْسَ الدّالُّ عَلى الغايَةِ لَفْظًا مُفْرَدًا كَما هو الشَّأْنُ مَعَ (حَتّى) الجارَّةِ و(حَتّى) العاطِفَةِ، بَلْ هي غايَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى التَّفْرِيعِ. وبِهَذِهِ الغايَةِ صارَ الكَلامُ تَهْدِيدًا لَهم بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ يَجْأرُونَ مِنهُ ولا مَلْجَأ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . صفحة ٨٢ و(إذا) الأُولى ظَرْفِيَّةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَ الأصْلُ والغالِبُ فِيها أنْ تَدُلَّ عَلى ظَرْفٍ مُسْتَقْبَلٍ. (وإذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطِ (إذا) . والمُتْرَفُونَ: المُعْطُونَ تَرَفًا وهو الرَّفاهِيَةُ، أيِ: المُنَعَّمُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] فالمُتْرَفُونَ مِنهم هم سادَتُهم وأكابِرُهم والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ أصْحابِ الغَمْرَةِ. وإنَّما جُعِلَ الأخْذُ واقِعًا عَلى المُتْرَفِينَ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا عامَّةَ قَوْمِهِمْ ولَوْلا نُفُوذُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قَوْمِهِمْ لاتَّبَعَتِ الدَّهْماءُ الحَقَّ؛ لِأنَّ العامَّةَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ إذا فَهِمُوا الحَقَّ بِسَبَبِ سَلامَتِهِمْ مِن جُلِّ دَواعِي المُكابَرَةِ مِن تَوَقُّعِ تَقَلُّصِ سُؤْدُدٍ وزَوالِ نَعِيمٍ. وكَذَلِكَ حَقٌّ عَلى قادَةِ الأُمَمِ أنْ يُؤاخَذُوا بِالتَّبِعاتِ اللّاحِقَةِ لِلْعامَّةِ مِن جَرّاءِ أخْطائِهِمْ ومُغامَرَتِهِمْ عَنْ تَضْلِيلٍ أوْ سُوءِ تَدَبُّرٍ، وأنْ يُسْألُوا عَنِ الخَيْبَةِ أنْ ألْقَوْا بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مَهْواةِ الخَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وقالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّعْذِيبِ مَعَ أنَّ شَأْنَ العَذابِ الإلَهِيِّ إنْ كانَ دُنْيَوِيًّا أنْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم إيماءً إلى أنَّ المُتْرَفِينَ هم سَبَبُ نُزُولِ العَذابِ بِالعامَّةِ، ولِأنَّ المُتْرَفِينَ هم أشَدُّ إحْساسًا بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا مَسَّ الضَّرّاءِ والآلامِ. وقَدْ عُلِمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ العَذابَ يَعُمُّ جَمِيعَهم مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَيْنِ في (إذا هم) و(يَجْأرُونَ) عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مُتْرَفِيهِمْ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ جَمِيعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُتْرَفِينَ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةً ويَكُونَ ذِكْرُ المُتْرَفِينَ تَهْوِيلًا في التَّهْدِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَذابَ صفحة ٨٣ يُزِيلُ عَنْهم تَرَفَهم؛ فَقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في تَرَفٍ ودَعَةٍ إذْ كانُوا سالِمِينَ مِن غاراتِ الأقْوامِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ الآمِنِ وكانُوا تُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وكانُوا مُكَرَّمِينَ لَدى جَمِيعِ القَبائِلِ، قالَ الأخْطَلُ: فَأمّا النّاسُ ما حاشا قُرَيْشًا فَإنّا نَحْنُ أفْضَلُهم فِعَـالا وكانَتْ أرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى إذا أخَذْناهم وهم في تَرَفِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُلُولَ العَذابِ بِالمُتْرَفِينَ خاصَّةً، أيْ: بِسادَتِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كُبَراءُ قُرَيْشٍ وهم أصْحابُ القَلِيبِ. قالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ: وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُزَيَّنُ بِالسَّنَـامِ وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ يَعْنِي ما ضُمِّنَهُ القَلِيبُ مِن رِجالٍ كانَتْ سَجاياهُمُ الإطْعامَ والطَّرَبَ واللَّذّاتِ. وضَمِيرُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتْرَفِينَ؛ لِأنَّ المُتْرَفِينَ قَدْ هَلَكُوا فالبَقِيَّةُ يَجْأرُونَ مِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَ قَوْمَهم والإشْفاقِ أنْ يَسْتَمِرَّ القَتْلُ في سائِرِهِمْ فَهم يَجْأرُونَ كُلَّما صُرِعَ واحِدٌ مِن سادَتِهِمْ، ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ عَجِبُوا مِن تِلْكَ المُصِيبَةِ ورَثُوا أمْواتَهم بِالمَراثِي والنِّياحاتِ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَذابِ عَذابٌ يَحِلُّ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي مَكِّيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا عَذابٌ مَسْبُوقٌ بِعَذابٍ حَلَّ بِهِمْ قَبْلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآيَةَ. ولِذا فالعَذابُ المَذْكُورُ هُنا عَذابٌ هُدِّدُوا بِهِ. وهو إمّا عَذابُ الجُوعِ الثّانِي الَّذِي أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ. ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ عَقِبَ سَرِيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى بَنِي كَلْبٍ صفحة ٨٤ الَّتِي أخَذَ فِيها ثُمامَةَ أسِيرًا وأسْلَمَ فَمَنَعَ صُدُورَ المِيرَةِ مِن أرْضِ قَوْمِهِ بِاليَمامَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ وكانَتِ اليَمامَةُ مَصْدَرَ أقْواتِهِمْ حَتّى سُمِّيَتْ رِيفَ أهْلِ مَكَّةَ فَأصابَهم جُوعٌ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ والجِيَفَ سَبْعَ سِنِينَ، وإمّا عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذا العَذابَ عَذابٌ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وتَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي أصابَهم أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ ثُمَّ كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ وسَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] . وقِيلَ: العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ سَيُذْكَرُ عَذابُ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] كَما سَتَعْلَمُهُ. وتَجِيءُ مِنهُ وُجُوهٌ مِنَ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَخْفى تَقْرِيرُها. ومَعْنى (يَجْأرُونَ): يَصْرُخُونَ، ومَصْدَرُهُ: الجَأْرُ. والِاسْمُ: الجُؤارُ بِضَمِّ الجِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ألَمِ العَذابِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ صَبْرًا عَلَيْهِ فَيَصْدُرُ مِنهم صُراخُ التَّأوُّهِ والوَيْلِ والثُّبُورِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقُولُ لَهم: لا تَجْأرُوا اليَوْمَ. وهَذا القَوْلُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابٍ لا يُغْنِي عَنْهم حِينَ حُلُولِهِ جُؤارٌ إذْ لا مُجِيبَ لِجُؤارِهِمْ ولا مُغِيثَ لَهم مِنهُ إذْ هو عَذابٌ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ النّاسِ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في تَوَلِّي كَشْفِهِ. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ صفحة ٨٥ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ فالقَوْلُ لَفْظِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ قَطْعُ طَماعِيَتِهِمْ في النَّجاةِ. والنَّهْيُ عَنِ الجُؤارِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ. ووُرُودُ النَّهْيِ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ مَقِيسٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ في التَّسْوِيَةِ. وعَثَرْتُ عَلى اجْتِماعِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: لا تَجْأرُوا إذْ لا جَدْوى لِجُؤارِكم إذْ لا يَقْدِرُ مُجِيرٌ أنْ يُجِيرَكم مِن عَذابِنا، فَمَوْقِعُ (إنَّ) إفادَةُ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّها تُغْنِي غِناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ. وضُمِّنَ (تُنْصَرُونَ) مَعْنى النَّجاةِ فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (مِن)، أيْ: لا تَنْجُونَ مِن عَذابِنا. فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ (مِن) وحَذْفُ المُضافِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّلْهِيفِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى بِها غَيْرِ التَّعْلِيلِ إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ. والآياتُ هُنا هي آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ (تُتْلى) إذِ التِّلاوَةُ: القِراءَةُ. والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، وهو الفِرارُ. والأعْقابُ: مُؤَخَّرُ الأرْجُلِ. والنُّكُوصُ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ وذِكْرُ الأعْقابِ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وذُكِرَ فِعْلُ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم. وذُكِرَ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ فَذَلِكَ خُلُقٌ مِنهم مُعادٌ مَكْرُورٌ. وضَمِيرُ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ القُرْآنِ فَيَكُونَ (مُسْتَكْبِرِينَ) بِمَعْنى مُعْرِضِينَ اسْتِكْبارًا، ويَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ)، أوْ ضُمِّنَ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى ساخِرِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ. صفحة ٨٦ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ حاضِرٌ في الأذْهانِ فَلا يُسْمَعُ ضَمِيرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعادٌ إلّا ويُعْلَمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِمَعُونَةِ السِّياقِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتْ تِلاوَةُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ هو مُجْتَمَعُهم. فَتَكُونُ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وفِيهِ إنْحاءٌ عَلَيْهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وفي كَوْنِ اسْتِكْبارِهِمْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مَظْهَرًا لِلتَّواضُعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فالِاسْتِكْبارُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُ القائِمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا أشْنَعُ اسْتِكْبارٍ. وعَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ البَلُّوطِيِّ الأنْدَلُسِيِّ قاضِي قُرْطُبَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم هو سَبَبُ التَّكْذِيبِ. و(سامِرًا) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: حالَ كَوْنِكم سامِرِينَ. والسّامِرُ: اسْمٌ لِجَمْعِ السّامِرِينَ، أيِ: المُتَحَدِّثِينَ في سَمَرِ اللَّيْلِ وهو ظُلْمَتُهُ، أوْ ضَوْءُ قَمَرِهِ. وأُطْلِقَ السَّمَرُ عَلى الكَلامِ في اللَّيْلِ، فالسّامِرُ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ بِمَعْنى: الحُجّاجُ والحاضِرِينَ وجَماعَةُ الجُمّالِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سامِرًا) مُرادًا مِنهُ مَجْلِسُ السَّمَرِ حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ لَيْلًا، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في سامِرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . و(تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في قِراءَةِ نافِعٍ مُضارِعُ أهْجَرَ: إذا قالَ الهُجْرُ بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اللَّغْوُ والسَّبُّ والكَلامُ السَّيِّئِ. وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ التّاءِ مِن هَجَرَ إذا لَغا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (سامِرًا)، أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُتَحَدِّثِينَ هَجْرًا وكانَ كُبَراءُ قُرَيْشٍ يَسْمُرُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَتَحَدَّثُونَ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

المؤمنون 23:67

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تُهْجِرُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] . و(حَتّى) الِابْتِدائِيَّةُ يَكُونُ ما بَعْدَها ابْتِداءَ كَلامٍ، فَلَيْسَ الدّالُّ عَلى الغايَةِ لَفْظًا مُفْرَدًا كَما هو الشَّأْنُ مَعَ (حَتّى) الجارَّةِ و(حَتّى) العاطِفَةِ، بَلْ هي غايَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى التَّفْرِيعِ. وبِهَذِهِ الغايَةِ صارَ الكَلامُ تَهْدِيدًا لَهم بِعَذابٍ سَيَحِلُّ بِهِمْ يَجْأرُونَ مِنهُ ولا مَلْجَأ لَهم مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . صفحة ٨٢ و(إذا) الأُولى ظَرْفِيَّةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ كانَ الأصْلُ والغالِبُ فِيها أنْ تَدُلَّ عَلى ظَرْفٍ مُسْتَقْبَلٍ. (وإذا) الثّانِيَةُ فُجائِيَّةٌ داخِلَةٌ عَلى جَوابِ شَرْطِ (إذا) . والمُتْرَفُونَ: المُعْطُونَ تَرَفًا وهو الرَّفاهِيَةُ، أيِ: المُنَعَّمُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] فالمُتْرَفُونَ مِنهم هم سادَتُهم وأكابِرُهم والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المُشْرِكِينَ أصْحابِ الغَمْرَةِ. وإنَّما جُعِلَ الأخْذُ واقِعًا عَلى المُتْرَفِينَ مِنهم؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا عامَّةَ قَوْمِهِمْ ولَوْلا نُفُوذُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قَوْمِهِمْ لاتَّبَعَتِ الدَّهْماءُ الحَقَّ؛ لِأنَّ العامَّةَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ إذا فَهِمُوا الحَقَّ بِسَبَبِ سَلامَتِهِمْ مِن جُلِّ دَواعِي المُكابَرَةِ مِن تَوَقُّعِ تَقَلُّصِ سُؤْدُدٍ وزَوالِ نَعِيمٍ. وكَذَلِكَ حَقٌّ عَلى قادَةِ الأُمَمِ أنْ يُؤاخَذُوا بِالتَّبِعاتِ اللّاحِقَةِ لِلْعامَّةِ مِن جَرّاءِ أخْطائِهِمْ ومُغامَرَتِهِمْ عَنْ تَضْلِيلٍ أوْ سُوءِ تَدَبُّرٍ، وأنْ يُسْألُوا عَنِ الخَيْبَةِ أنْ ألْقَوْا بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم في مَهْواةِ الخَطَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨]، وقالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] . وتَخْصِيصُ المُتْرَفِينَ بِالتَّعْذِيبِ مَعَ أنَّ شَأْنَ العَذابِ الإلَهِيِّ إنْ كانَ دُنْيَوِيًّا أنْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم إيماءً إلى أنَّ المُتْرَفِينَ هم سَبَبُ نُزُولِ العَذابِ بِالعامَّةِ، ولِأنَّ المُتْرَفِينَ هم أشَدُّ إحْساسًا بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْتادُوا مَسَّ الضَّرّاءِ والآلامِ. وقَدْ عُلِمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ العَذابَ يَعُمُّ جَمِيعَهم مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ فَإنَّ الضَّمِيرَيْنِ في (إذا هم) و(يَجْأرُونَ) عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (مُتْرَفِيهِمْ) بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن عَمَلِ جَمِيعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُتْرَفِينَ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فَتَكُونُ الإضافَةُ بَيانِيَّةً ويَكُونَ ذِكْرُ المُتْرَفِينَ تَهْوِيلًا في التَّهْدِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِأنَّ العَذابَ صفحة ٨٣ يُزِيلُ عَنْهم تَرَفَهم؛ فَقَدْ كانَ أهْلُ مَكَّةَ في تَرَفٍ ودَعَةٍ إذْ كانُوا سالِمِينَ مِن غاراتِ الأقْوامِ؛ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ الآمِنِ وكانُوا تُجْبى إلَيْهِمْ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وكانُوا مُكَرَّمِينَ لَدى جَمِيعِ القَبائِلِ، قالَ الأخْطَلُ: فَأمّا النّاسُ ما حاشا قُرَيْشًا فَإنّا نَحْنُ أفْضَلُهم فِعَـالا وكانَتْ أرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ مِن كُلِّ مَكانٍ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَيَكُونُ المَعْنى: حَتّى إذا أخَذْناهم وهم في تَرَفِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ حُلُولَ العَذابِ بِالمُتْرَفِينَ خاصَّةً، أيْ: بِسادَتِهِمْ وصَنادِيدِهِمْ وهو عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنَّهُ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ كُبَراءُ قُرَيْشٍ وهم أصْحابُ القَلِيبِ. قالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ: وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ الشِّيزى تُزَيَّنُ بِالسَّنَـامِ وماذا بِالقَلِيبِ قَلِـيبِ بَـدْرٍ ∗∗∗ مِنَ القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ يَعْنِي ما ضُمِّنَهُ القَلِيبُ مِن رِجالٍ كانَتْ سَجاياهُمُ الإطْعامَ والطَّرَبَ واللَّذّاتِ. وضَمِيرُ ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى غَيْرِ المُتْرَفِينَ؛ لِأنَّ المُتْرَفِينَ قَدْ هَلَكُوا فالبَقِيَّةُ يَجْأرُونَ مِنَ التَّلَهُّفِ عَلى ما أصابَ قَوْمَهم والإشْفاقِ أنْ يَسْتَمِرَّ القَتْلُ في سائِرِهِمْ فَهم يَجْأرُونَ كُلَّما صُرِعَ واحِدٌ مِن سادَتِهِمْ، ولِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ عَجِبُوا مِن تِلْكَ المُصِيبَةِ ورَثُوا أمْواتَهم بِالمَراثِي والنِّياحاتِ. ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا العَذابِ عَذابٌ يَحِلُّ بِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي هي مَكِّيَّةٌ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا عَذابٌ مَسْبُوقٌ بِعَذابٍ حَلَّ بِهِمْ قَبْلَهُ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآيَةَ. ولِذا فالعَذابُ المَذْكُورُ هُنا عَذابٌ هُدِّدُوا بِهِ. وهو إمّا عَذابُ الجُوعِ الثّانِي الَّذِي أصابَ أهْلَ مَكَّةَ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هِجْرَتِهِ. ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ الحَنَفِيُّ عَقِبَ سَرِيَّةِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلى بَنِي كَلْبٍ صفحة ٨٤ الَّتِي أخَذَ فِيها ثُمامَةَ أسِيرًا وأسْلَمَ فَمَنَعَ صُدُورَ المِيرَةِ مِن أرْضِ قَوْمِهِ بِاليَمامَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ وكانَتِ اليَمامَةُ مَصْدَرَ أقْواتِهِمْ حَتّى سُمِّيَتْ رِيفَ أهْلِ مَكَّةَ فَأصابَهم جُوعٌ حَتّى أكَلُوا العِلْهِزَ والجِيَفَ سَبْعَ سِنِينَ، وإمّا عَذابُ السَّيْفِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: إنَّ هَذا العَذابَ عَذابٌ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ وتَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الَّذِي أصابَهم أيّامَ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ ثُمَّ كَشَفَهُ اللَّهُ عَنْهم بِبَرَكَةِ نَبِيِّهِ وسَلامَةِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] . وقِيلَ: العَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ سَيُذْكَرُ عَذابُ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآياتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٤] كَما سَتَعْلَمُهُ. وتَجِيءُ مِنهُ وُجُوهٌ مِنَ الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ لا يَخْفى تَقْرِيرُها. ومَعْنى (يَجْأرُونَ): يَصْرُخُونَ، ومَصْدَرُهُ: الجَأْرُ. والِاسْمُ: الجُؤارُ بِضَمِّ الجِيمِ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ ألَمِ العَذابِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُونَ صَبْرًا عَلَيْهِ فَيَصْدُرُ مِنهم صُراخُ التَّأوُّهِ والوَيْلِ والثُّبُورِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] وهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تَقُولُ لَهم: لا تَجْأرُوا اليَوْمَ. وهَذا القَوْلُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِهِ لِتَخْوِيفِهِمْ مِن عَذابٍ لا يُغْنِي عَنْهم حِينَ حُلُولِهِ جُؤارٌ إذْ لا مُجِيبَ لِجُؤارِهِمْ ولا مُغِيثَ لَهم مِنهُ إذْ هو عَذابٌ خارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ النّاسِ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في تَوَلِّي كَشْفِهِ. وهَذا تَأْيِيسٌ لَهم مِنَ صفحة ٨٥ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ الَّذِي هُدِّدُوا بِهِ. وإذا كانَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الآخِرَةِ فالقَوْلُ لَفْظِيٌّ والمَقْصُودُ مِنهُ قَطْعُ طَماعِيَتِهِمْ في النَّجاةِ. والنَّهْيُ عَنِ الجُؤارِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ. ووُرُودُ النَّهْيِ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ مَقِيسٌ عَلى وُرُودِ الأمْرِ في التَّسْوِيَةِ. وعَثَرْتُ عَلى اجْتِماعِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ، أيْ: لا تَجْأرُوا إذْ لا جَدْوى لِجُؤارِكم إذْ لا يَقْدِرُ مُجِيرٌ أنْ يُجِيرَكم مِن عَذابِنا، فَمَوْقِعُ (إنَّ) إفادَةُ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّها تُغْنِي غِناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ. وضُمِّنَ (تُنْصَرُونَ) مَعْنى النَّجاةِ فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِـ (مِن)، أيْ: لا تَنْجُونَ مِن عَذابِنا. فَثَمَّ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بَعْدَ (مِن) وحَذْفُ المُضافِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِجانِبِ اللَّهِ تَعالى ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّلْهِيفِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّكم مِنّا لا تُنْصَرُونَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى بِها غَيْرِ التَّعْلِيلِ إذْ لا كَبِيرَ فائِدَةٍ في الجَمْعِ بَيْنَ عِلَّتَيْنِ. والآياتُ هُنا هي آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ (تُتْلى) إذِ التِّلاوَةُ: القِراءَةُ. والنُّكُوصُ: الرُّجُوعُ مِن حَيْثُ أتى، وهو الفِرارُ. والأعْقابُ: مُؤَخَّرُ الأرْجُلِ. والنُّكُوصُ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإعْراضِ وذِكْرُ الأعْقابِ تَرْشِيحٌ لِلتَّمْثِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وذُكِرَ فِعْلُ (كُنْتُمْ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم. وذُكِرَ المُضارِعُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ فَذَلِكَ خُلُقٌ مِنهم مُعادٌ مَكْرُورٌ. وضَمِيرُ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الآياتِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ القُرْآنِ فَيَكُونَ (مُسْتَكْبِرِينَ) بِمَعْنى مُعْرِضِينَ اسْتِكْبارًا، ويَكُونَ الباءُ بِمَعْنى (عَنْ)، أوْ ضُمِّنَ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى ساخِرِينَ فَعُدِّيَ بِالباءِ لِلْإشارَةِ إلى تَضْمِينِهِ. صفحة ٨٦ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْبَيْتِ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ حاضِرٌ في الأذْهانِ فَلا يُسْمَعُ ضَمِيرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعادٌ إلّا ويُعْلَمُ أنَّهُ المَقْصُودُ بِمَعُونَةِ السِّياقِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَتْ تِلاوَةُ الآياتِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ هو مُجْتَمَعُهم. فَتَكُونُ الباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ. وفِيهِ إنْحاءٌ عَلَيْهِمْ في اسْتِكْبارِهِمْ، وفي كَوْنِ اسْتِكْبارِهِمْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ مَظْهَرًا لِلتَّواضُعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، فالِاسْتِكْبارُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُ القائِمِ فِيهِ أنْ يَكُونَ قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا أشْنَعُ اسْتِكْبارٍ. وعَنْ مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ البَلُّوطِيِّ الأنْدَلُسِيِّ قاضِي قُرْطُبَةٍ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: (بِهِ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والباءُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْدِيَةِ، وتَضْمِينُ (مُسْتَكْبِرِينَ) مَعْنى مُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ اسْتِكْبارَهم هو سَبَبُ التَّكْذِيبِ. و(سامِرًا) حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: حالَ كَوْنِكم سامِرِينَ. والسّامِرُ: اسْمٌ لِجَمْعِ السّامِرِينَ، أيِ: المُتَحَدِّثِينَ في سَمَرِ اللَّيْلِ وهو ظُلْمَتُهُ، أوْ ضَوْءُ قَمَرِهِ. وأُطْلِقَ السَّمَرُ عَلى الكَلامِ في اللَّيْلِ، فالسّامِرُ كالحاجِّ والحاضِرِ والجامِلِ بِمَعْنى: الحُجّاجُ والحاضِرِينَ وجَماعَةُ الجُمّالِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سامِرًا) مُرادًا مِنهُ مَجْلِسُ السَّمَرِ حَيْثُ يَجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ لَيْلًا، ويَكُونُ نَصْبُهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في سامِرِكم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] . و(تُهْجِرُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وكَسْرِ الجِيمِ في قِراءَةِ نافِعٍ مُضارِعُ أهْجَرَ: إذا قالَ الهُجْرُ بِضَمِّ الهاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو اللَّغْوُ والسَّبُّ والكَلامُ السَّيِّئِ. وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ التّاءِ مِن هَجَرَ إذا لَغا. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (سامِرًا)، أيْ: في حالِ كَوْنِكم مُتَحَدِّثِينَ هَجْرًا وكانَ كُبَراءُ قُرَيْشٍ يَسْمُرُونَ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَتَحَدَّثُونَ بِالطَّعْنِ في الدِّينِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ .

المؤمنون 23:68

صفحة ٨٧ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . وهَذا التَّفْرِيعُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . والمُفَرَّعُ اسْتِفْهاماتٌ عَنْ سَبَبِ إعْراضِهِمْ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ المَوْعُودُونَهُ. وهَذِهِ الِاسْتِفْهاماتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّخْطِئَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ اتِّضاحَ الخَطَأِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في صُدُورِهِ عَنِ العُقَلاءِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّكُّ السُّؤالَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنَ العُقَلاءِ. ومَآلُ مَعانِي هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّها إحْصاءٌ لِمَثارِ ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ لِذَلِكَ خُصَّتْ بِذِكْرِ أُمُورٍ مِن هَذا القَبِيلِ. وكَذَلِكَ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وقَطْعٌ لِمَعْذِرَتِهِمْ وإيقاظٌ لَهم بِأنَّ صِفاتِ الرَّسُولِ كُلَّها دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فالِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فِيما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ وهو المَقْصُودُ بِالقَوْلِ أيِ: الكَلامُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] . والتَّدَبُّرُ: إعْمالُ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلالاتِ الدَّلائِلِ عَلى ما نُصِبَتْ لَهُ. وأصْلُهُ أنَّهُ مِنَ النَّظَرِ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ: فِيما لا يَظْهَرُ مِنهُ لِلْمُتَأمِّلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] في سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٨٨ والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا قَوْلَ القُرْآنِ لَعَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ بِدَلالَةِ إعْجازِهِ وبِصِحَّةِ أغْراضِهِ، فَما كانَ اسْتِمْرارُ عِنادِهِمْ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ. وهَذا أحَدُ العِلَلِ الَّتِي غَمَرَتْ بِهِمْ في الكُفْرِ. والِاسْتِفْهامُ الثّانِي هو المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ . فَـ (أمْ) حَرْفُ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى غَيْرِهِ وهي (أمْ) المُنْقَطِعَةُ بِمَعْنى (بَلْ) ويَلْزَمُها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾ تَقْدِيرُهُ: بَلْ أجاءَهم. والمَجِيءُ مَجازٌ في الإخْبارِ والتَّبْلِيغِ وكَذَلِكَ الإتْيانُ. و(ما) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى دِينٍ. والمَعْنى: أجاءَهم دِينٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ وهو الدِّينُ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ الإلَهِ وإثْباتِ البَعْثِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: (﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]) . ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] . ثُمَّ إنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ مَعْنى الصِّلَةِ وهي ﴿ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي جاءَهم لا عَهْدَ لَهم بِهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ إذْ قَدْ أنْكَرُوا دِينًا جاءَهم ولَمْ يَسْبِقْ مَجِيئُهُ لَآباءِهم. ووَجْهُ التَّهَكُّمِ أنَّ شَأْنَ كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِدِينٍ أنْ يَكُونَ دِينُهُ أُنُفًا ولَوْ كانَ لِلْقَوْمِ مِثْلُهُ لَكانَ مَجِيئُهُ تَحْصِيلَ حاصِلٍ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصِّلَةِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن مَعْنى: (﴿لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾)، كانَ الكَلامُ مُجَرَّدَ تَغْلِيطٍ، أيْ: لا اتِّجاهَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم إذْ لا يَكُونُ الدِّينُ إلّا مُخالِفًا لِلضَّلالَةِ ويَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . صفحة ٨٩ وأمّا الِاسْتِفْهامُ الثّالِثُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمُ الرَّسُولَ بِناءً عَلى أنَّ عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِهِ هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في شَأْنِهِمْ إذْ لا يَخْلُونَ عَنْ أحَدِهِما، فَأمّا كَوْنُهم يَعْرِفُونَهُ فَهو المَظْنُونُ بِهِمْ فَكانَ الأجْدَرُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ إذْ تُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ الشَّيْءُ المَرْجُوحُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّغْلِيطِ؛ فَإنَّ رَمْيَهُمُ الرَّسُولَ بِالكَذِبِ وبِالسِّحْرِ والشِّعْرِ يُناسِبُ أنْ لا يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ إذِ العارِفُ بِالمَرْءِ لا يَصِفُهُ بِما هو مِنهُ بَرِيءٌ ولِذَلِكَ تَفَرَّعَ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إنْكارُهم إيّاهُ، أيْ: إنْكارُهم صِفاتِهِ الكامِلَةَ. فَتَعْلِيقُ ضَمِيرِ ذاتِ الرَّسُولِ بِـ (مُنْكِرُونَ) هو مِن بابِ إسْنادِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ والمُرادُ صِفاتُها مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وهَذِهِ الصِّفاتُ هي الصِّدْقُ والنَّزاهَةُ عَنِ السِّحْرِ وأنَّهُ لَيْسَ في عِدادِ الشُّعَراءِ. ولِلَّهِ دَرُّ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبٌ لَدَيْنا ولا يُعْزى لِقَوْلِ الأباطِلِ وقالَ تَعالى فِيما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] . ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَسْلُبُ خِصالَهُ وهو اخْتِلالُ عَقْلِهِ عُطِفَ عَلى ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وهو الِاسْتِفْهامُ الرّابِعُ، أيْ: ألَعَلَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ رَسُولَهُمُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ قَدْ أُصِيبَ بِجُنُونٍ فانْقَلَبَ صِدْقُهُ كَذِبًا. والجِنَّةُ: الجُنُونُ، وهو الخَلَلُ العَقْلِيُّ الَّذِي يُصِيبُ الإنْسانَ، كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن مَسِّ الجِنِّ. والجِنَّةُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ وهو المَخْلُوقاتُ المُسْتَتِرَةُ عَنْ أبْصارِنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] . ويُطْلَقُ الجِنَّةُ عَلى الدّاءِ اللّاحِقِ مِن إصابَةِ الجِنِّ وصاحِبُهُ: مَجْنُونٌ، وهو المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ باءِ المُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ صفحة ٩٠ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهم لَمْ يَظُنُّوا بِهِ الجُنُونَ ولَكِنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِهِمْ بُهْتانًا. ولَيْسَ القَوْلُ بِألْسِنَتِهِمْ هو مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. ثُمَّ قَدْ نُقِضَ ما تَسَبَّبَ عَلى ما اخْتَلَقُوهُ فَجِيءَ بِحَرْفِ الإضْرابِ في الخَبَرِ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ وهو (بَلْ) . والحَقُّ: الثّابِتُ في الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، يَكُونُ في الذَّواتِ وأوْصافِها، وفي الأجْناسِ، وفي المَعانِي، وفي الأخْبارِ. فَهو ضِدُّ الكَذِبِ وضِدُّ السِّحْرِ وضِدُّ الشِّعْرِ، فَما جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ والأوامِرِ والنَّواهِي كُلُّهُ مَلابِسٌ لِلْحَقِّ؛ فَبَطَلَ بِهَذا ما قالُوهُ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَةُ مَن لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ ومَن لَمْ يُراعُوا إلّا مُوافَقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ ومَن لَمْ يَعْرِفُوا حالَ رَسُولِهِمُ الَّذِي هو مِن أنْفُسِهِمْ ومَقالَةُ مَن يَرْمِي بِالبُهْتانِ فَنَسَبُوا الصّادِقَ إلى التَّلْبِيسِ والتَّغْلِيطِ. فالحَقُّ الَّذِي جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ أوَّلُهُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإثْباتُ البَعْثِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ كالأمْرِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، والِاعْتِرافِ لِلْفاضِلِ بِفَضْلِهِ، وزَجْرِ الخَبِيثِ عَنْ خُبْثِهِ، وأُخُوَّةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والمُساواةِ بَيْنَهم في الحَقِّ، ومَنعِ الفَواحِشِ مِنَ الزِّنى وقَتْلِ الأنْفُسِ ووَأْدِ البَناتِ والِاعْتِداءِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وإهانَةِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ. ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العُدْوانِ. والخِلافَةِ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها مِن عَهْدٍ قَدِيمٍ. فَكُلُّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَوْمَئِذٍ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى نِظامِ العُمْرانِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ العالَمَ فَهو الحَقُّ كَما قالَ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] . ولَمّا كانَ قَوْلُ الكاذِبِ وقَوْلُ المَجْنُونِ المُخْتَصِّ بِهَذا الَّذِي لا يُشارِكُهُما فِيهِ العُقَلاءُ والصّادِقُونَ غَيْرَ جارِيَيْنِ عَلى هَذا الحَقِّ كانَ إثْباتُ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ حَقٌّ نَقْضًا لِإنْكارِهِمْ صِدْقَهُ. ولِقَوْلِهِمْ: هو مَجْنُونٌ كانَ ما بَعْدَ (بَلْ) نَقْضًا لِقَوْلِهِمْ. وظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ ضَمِيرَ (أكْثَرُهم) يَعُودُ إلى القَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] فَيَكُونُ المَعْنى: أكْثَرُ صفحة ٩١ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ كارِهُونَ لِلْحَقِّ. وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ طِباعَهم تَأْنَفُ الحَقَّ الَّذِي يُخالِفُ هَواهم لِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وإتْيانِ الفَواحِشِ والظُّلْمِ والكِبْرِ والغَصْبِ وأفانِينِ الفَسادِ، بَلْهَ ما هم عَلَيْهِ مِن فَسادِ الِاعْتِقادِ بِالإشْراكِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، فَلا جَرَمَ كانُوا بِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الحَقَّ؛ لِأنَّ جِنْسَ الحَقِّ يُجافِي هَذِهِ الطِّباعَ. ومِن هَؤُلاءِ أبُو جَهْلٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] . وإنَّما أُسْنِدَتْ كَراهِيَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ إنْصافًا لِمَن كانَ مِنهم مِن أهْلِ الأحْلامِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ وكانُوا يَجْنَحُونَ إلى الحَقِّ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ طُغاةَ قَوْمِهِمْ مُصانَعَةً لَهم واسْتِبْقاءً عَلى حُرْمَةِ أنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِمْ أنَّهم إنْ صَدَعُوا بِالحَقِّ لَقُوا مِن طُغاتِهِمُ الأذى والِانْتِقاصَ، وكانَ مِن هَؤُلاءِ أبُو طالِبٍ والعَبّاسُ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. فَكانَ المَعْنى: بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ كُلُّهم فَأمّا أكْثَرُهم فَكَراهِيَةً لِلْحَقِّ وأمّا قَلِيلٌ مِنهم مُصانَعَةً لِسائِرِهِمْ وقَدْ شَمِلَ الكُفْرُ جَمِيعَهم. وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ اهْتِمامٌ بِذِكْرِ الحَقِّ حَتّى يَسْتَوْعِيَ السّامِعُ ما بَعْدَهُ فَيَقَعُ مِن نَفْسِهِ حُسْنُ سَماعِهِ مَوْقِعَ العَجَبِ مِن كارِهِيهِ، ولَمّا ضُعِّفَ العامِلُ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ قُرِنَ المَعْمُولُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ.

المؤمنون 23:69

صفحة ٨٧ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . وهَذا التَّفْرِيعُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . والمُفَرَّعُ اسْتِفْهاماتٌ عَنْ سَبَبِ إعْراضِهِمْ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ المَوْعُودُونَهُ. وهَذِهِ الِاسْتِفْهاماتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّخْطِئَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ اتِّضاحَ الخَطَأِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في صُدُورِهِ عَنِ العُقَلاءِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّكُّ السُّؤالَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنَ العُقَلاءِ. ومَآلُ مَعانِي هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّها إحْصاءٌ لِمَثارِ ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ لِذَلِكَ خُصَّتْ بِذِكْرِ أُمُورٍ مِن هَذا القَبِيلِ. وكَذَلِكَ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وقَطْعٌ لِمَعْذِرَتِهِمْ وإيقاظٌ لَهم بِأنَّ صِفاتِ الرَّسُولِ كُلَّها دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فالِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فِيما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ وهو المَقْصُودُ بِالقَوْلِ أيِ: الكَلامُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] . والتَّدَبُّرُ: إعْمالُ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلالاتِ الدَّلائِلِ عَلى ما نُصِبَتْ لَهُ. وأصْلُهُ أنَّهُ مِنَ النَّظَرِ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ: فِيما لا يَظْهَرُ مِنهُ لِلْمُتَأمِّلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] في سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٨٨ والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا قَوْلَ القُرْآنِ لَعَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ بِدَلالَةِ إعْجازِهِ وبِصِحَّةِ أغْراضِهِ، فَما كانَ اسْتِمْرارُ عِنادِهِمْ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ. وهَذا أحَدُ العِلَلِ الَّتِي غَمَرَتْ بِهِمْ في الكُفْرِ. والِاسْتِفْهامُ الثّانِي هو المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ . فَـ (أمْ) حَرْفُ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى غَيْرِهِ وهي (أمْ) المُنْقَطِعَةُ بِمَعْنى (بَلْ) ويَلْزَمُها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾ تَقْدِيرُهُ: بَلْ أجاءَهم. والمَجِيءُ مَجازٌ في الإخْبارِ والتَّبْلِيغِ وكَذَلِكَ الإتْيانُ. و(ما) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى دِينٍ. والمَعْنى: أجاءَهم دِينٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ وهو الدِّينُ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ الإلَهِ وإثْباتِ البَعْثِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: (﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]) . ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] . ثُمَّ إنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ مَعْنى الصِّلَةِ وهي ﴿ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي جاءَهم لا عَهْدَ لَهم بِهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ إذْ قَدْ أنْكَرُوا دِينًا جاءَهم ولَمْ يَسْبِقْ مَجِيئُهُ لَآباءِهم. ووَجْهُ التَّهَكُّمِ أنَّ شَأْنَ كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِدِينٍ أنْ يَكُونَ دِينُهُ أُنُفًا ولَوْ كانَ لِلْقَوْمِ مِثْلُهُ لَكانَ مَجِيئُهُ تَحْصِيلَ حاصِلٍ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصِّلَةِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن مَعْنى: (﴿لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾)، كانَ الكَلامُ مُجَرَّدَ تَغْلِيطٍ، أيْ: لا اتِّجاهَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم إذْ لا يَكُونُ الدِّينُ إلّا مُخالِفًا لِلضَّلالَةِ ويَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . صفحة ٨٩ وأمّا الِاسْتِفْهامُ الثّالِثُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمُ الرَّسُولَ بِناءً عَلى أنَّ عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِهِ هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في شَأْنِهِمْ إذْ لا يَخْلُونَ عَنْ أحَدِهِما، فَأمّا كَوْنُهم يَعْرِفُونَهُ فَهو المَظْنُونُ بِهِمْ فَكانَ الأجْدَرُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ إذْ تُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ الشَّيْءُ المَرْجُوحُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّغْلِيطِ؛ فَإنَّ رَمْيَهُمُ الرَّسُولَ بِالكَذِبِ وبِالسِّحْرِ والشِّعْرِ يُناسِبُ أنْ لا يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ إذِ العارِفُ بِالمَرْءِ لا يَصِفُهُ بِما هو مِنهُ بَرِيءٌ ولِذَلِكَ تَفَرَّعَ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إنْكارُهم إيّاهُ، أيْ: إنْكارُهم صِفاتِهِ الكامِلَةَ. فَتَعْلِيقُ ضَمِيرِ ذاتِ الرَّسُولِ بِـ (مُنْكِرُونَ) هو مِن بابِ إسْنادِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ والمُرادُ صِفاتُها مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وهَذِهِ الصِّفاتُ هي الصِّدْقُ والنَّزاهَةُ عَنِ السِّحْرِ وأنَّهُ لَيْسَ في عِدادِ الشُّعَراءِ. ولِلَّهِ دَرُّ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبٌ لَدَيْنا ولا يُعْزى لِقَوْلِ الأباطِلِ وقالَ تَعالى فِيما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] . ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَسْلُبُ خِصالَهُ وهو اخْتِلالُ عَقْلِهِ عُطِفَ عَلى ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وهو الِاسْتِفْهامُ الرّابِعُ، أيْ: ألَعَلَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ رَسُولَهُمُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ قَدْ أُصِيبَ بِجُنُونٍ فانْقَلَبَ صِدْقُهُ كَذِبًا. والجِنَّةُ: الجُنُونُ، وهو الخَلَلُ العَقْلِيُّ الَّذِي يُصِيبُ الإنْسانَ، كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن مَسِّ الجِنِّ. والجِنَّةُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ وهو المَخْلُوقاتُ المُسْتَتِرَةُ عَنْ أبْصارِنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] . ويُطْلَقُ الجِنَّةُ عَلى الدّاءِ اللّاحِقِ مِن إصابَةِ الجِنِّ وصاحِبُهُ: مَجْنُونٌ، وهو المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ باءِ المُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ صفحة ٩٠ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهم لَمْ يَظُنُّوا بِهِ الجُنُونَ ولَكِنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِهِمْ بُهْتانًا. ولَيْسَ القَوْلُ بِألْسِنَتِهِمْ هو مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. ثُمَّ قَدْ نُقِضَ ما تَسَبَّبَ عَلى ما اخْتَلَقُوهُ فَجِيءَ بِحَرْفِ الإضْرابِ في الخَبَرِ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ وهو (بَلْ) . والحَقُّ: الثّابِتُ في الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، يَكُونُ في الذَّواتِ وأوْصافِها، وفي الأجْناسِ، وفي المَعانِي، وفي الأخْبارِ. فَهو ضِدُّ الكَذِبِ وضِدُّ السِّحْرِ وضِدُّ الشِّعْرِ، فَما جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ والأوامِرِ والنَّواهِي كُلُّهُ مَلابِسٌ لِلْحَقِّ؛ فَبَطَلَ بِهَذا ما قالُوهُ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَةُ مَن لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ ومَن لَمْ يُراعُوا إلّا مُوافَقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ ومَن لَمْ يَعْرِفُوا حالَ رَسُولِهِمُ الَّذِي هو مِن أنْفُسِهِمْ ومَقالَةُ مَن يَرْمِي بِالبُهْتانِ فَنَسَبُوا الصّادِقَ إلى التَّلْبِيسِ والتَّغْلِيطِ. فالحَقُّ الَّذِي جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ أوَّلُهُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإثْباتُ البَعْثِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ كالأمْرِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، والِاعْتِرافِ لِلْفاضِلِ بِفَضْلِهِ، وزَجْرِ الخَبِيثِ عَنْ خُبْثِهِ، وأُخُوَّةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والمُساواةِ بَيْنَهم في الحَقِّ، ومَنعِ الفَواحِشِ مِنَ الزِّنى وقَتْلِ الأنْفُسِ ووَأْدِ البَناتِ والِاعْتِداءِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وإهانَةِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ. ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العُدْوانِ. والخِلافَةِ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها مِن عَهْدٍ قَدِيمٍ. فَكُلُّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَوْمَئِذٍ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى نِظامِ العُمْرانِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ العالَمَ فَهو الحَقُّ كَما قالَ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] . ولَمّا كانَ قَوْلُ الكاذِبِ وقَوْلُ المَجْنُونِ المُخْتَصِّ بِهَذا الَّذِي لا يُشارِكُهُما فِيهِ العُقَلاءُ والصّادِقُونَ غَيْرَ جارِيَيْنِ عَلى هَذا الحَقِّ كانَ إثْباتُ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ حَقٌّ نَقْضًا لِإنْكارِهِمْ صِدْقَهُ. ولِقَوْلِهِمْ: هو مَجْنُونٌ كانَ ما بَعْدَ (بَلْ) نَقْضًا لِقَوْلِهِمْ. وظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ ضَمِيرَ (أكْثَرُهم) يَعُودُ إلى القَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] فَيَكُونُ المَعْنى: أكْثَرُ صفحة ٩١ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ كارِهُونَ لِلْحَقِّ. وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ طِباعَهم تَأْنَفُ الحَقَّ الَّذِي يُخالِفُ هَواهم لِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وإتْيانِ الفَواحِشِ والظُّلْمِ والكِبْرِ والغَصْبِ وأفانِينِ الفَسادِ، بَلْهَ ما هم عَلَيْهِ مِن فَسادِ الِاعْتِقادِ بِالإشْراكِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، فَلا جَرَمَ كانُوا بِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الحَقَّ؛ لِأنَّ جِنْسَ الحَقِّ يُجافِي هَذِهِ الطِّباعَ. ومِن هَؤُلاءِ أبُو جَهْلٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] . وإنَّما أُسْنِدَتْ كَراهِيَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ إنْصافًا لِمَن كانَ مِنهم مِن أهْلِ الأحْلامِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ وكانُوا يَجْنَحُونَ إلى الحَقِّ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ طُغاةَ قَوْمِهِمْ مُصانَعَةً لَهم واسْتِبْقاءً عَلى حُرْمَةِ أنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِمْ أنَّهم إنْ صَدَعُوا بِالحَقِّ لَقُوا مِن طُغاتِهِمُ الأذى والِانْتِقاصَ، وكانَ مِن هَؤُلاءِ أبُو طالِبٍ والعَبّاسُ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. فَكانَ المَعْنى: بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ كُلُّهم فَأمّا أكْثَرُهم فَكَراهِيَةً لِلْحَقِّ وأمّا قَلِيلٌ مِنهم مُصانَعَةً لِسائِرِهِمْ وقَدْ شَمِلَ الكُفْرُ جَمِيعَهم. وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ اهْتِمامٌ بِذِكْرِ الحَقِّ حَتّى يَسْتَوْعِيَ السّامِعُ ما بَعْدَهُ فَيَقَعُ مِن نَفْسِهِ حُسْنُ سَماعِهِ مَوْقِعَ العَجَبِ مِن كارِهِيهِ، ولَمّا ضُعِّفَ العامِلُ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ قُرِنَ المَعْمُولُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ.

المؤمنون 23:70

صفحة ٨٧ ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ عَلى الكَلامِ السّابِقِ وهو قَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] . وهَذا التَّفْرِيعُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾ [المؤمنون: ٦٣] وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] . والمُفَرَّعُ اسْتِفْهاماتٌ عَنْ سَبَبِ إعْراضِهِمْ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ إلى أنْ يَحِلَّ بِهِمُ العَذابُ المَوْعُودُونَهُ. وهَذِهِ الِاسْتِفْهاماتُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّخْطِئَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ اتِّضاحَ الخَطَأِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في صُدُورِهِ عَنِ العُقَلاءِ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ الشَّكُّ السُّؤالَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنَ العُقَلاءِ. ومَآلُ مَعانِي هَذِهِ الِاسْتِفْهاماتِ أنَّها إحْصاءٌ لِمَثارِ ضَلالِهِمْ وخَطَئِهِمْ لِذَلِكَ خُصَّتْ بِذِكْرِ أُمُورٍ مِن هَذا القَبِيلِ. وكَذَلِكَ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ وقَطْعٌ لِمَعْذِرَتِهِمْ وإيقاظٌ لَهم بِأنَّ صِفاتِ الرَّسُولِ كُلَّها دالَّةٌ عَلى صِدْقِهِ. فالِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ فِيما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ وهو المَقْصُودُ بِالقَوْلِ أيِ: الكَلامُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] . والتَّدَبُّرُ: إعْمالُ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلالاتِ الدَّلائِلِ عَلى ما نُصِبَتْ لَهُ. وأصْلُهُ أنَّهُ مِنَ النَّظَرِ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ: فِيما لا يَظْهَرُ مِنهُ لِلْمُتَأمِّلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] في سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٨٨ والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا قَوْلَ القُرْآنِ لَعَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ بِدَلالَةِ إعْجازِهِ وبِصِحَّةِ أغْراضِهِ، فَما كانَ اسْتِمْرارُ عِنادِهِمْ إلّا لِأنَّهم لَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ. وهَذا أحَدُ العِلَلِ الَّتِي غَمَرَتْ بِهِمْ في الكُفْرِ. والِاسْتِفْهامُ الثّانِي هو المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ . فَـ (أمْ) حَرْفُ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى غَيْرِهِ وهي (أمْ) المُنْقَطِعَةُ بِمَعْنى (بَلْ) ويَلْزَمُها تَقْدِيرُ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها لا مَحالَةَ، فَقَوْلُهُ: ﴿جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾ تَقْدِيرُهُ: بَلْ أجاءَهم. والمَجِيءُ مَجازٌ في الإخْبارِ والتَّبْلِيغِ وكَذَلِكَ الإتْيانُ. و(ما) المَوْصُولَةُ صادِقَةٌ عَلى دِينٍ. والمَعْنى: أجاءَهم دِينٌ لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ وهو الدِّينُ الدّاعِي إلى تَوْحِيدِ الإلَهِ وإثْباتِ البَعْثِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: (﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]) . ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] . ثُمَّ إنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ مَعْنى الصِّلَةِ وهي ﴿ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ مِن أنَّ الدِّينَ الَّذِي جاءَهم لا عَهْدَ لَهم بِهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ إذْ قَدْ أنْكَرُوا دِينًا جاءَهم ولَمْ يَسْبِقْ مَجِيئُهُ لَآباءِهم. ووَجْهُ التَّهَكُّمِ أنَّ شَأْنَ كُلِّ رَسُولٍ جاءَ بِدِينٍ أنْ يَكُونَ دِينُهُ أُنُفًا ولَوْ كانَ لِلْقَوْمِ مِثْلُهُ لَكانَ مَجِيئُهُ تَحْصِيلَ حاصِلٍ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصِّلَةِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن مَعْنى: (﴿لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ﴾)، كانَ الكَلامُ مُجَرَّدَ تَغْلِيطٍ، أيْ: لا اتِّجاهَ لِكُفْرِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم إذْ لا يَكُونُ الدِّينُ إلّا مُخالِفًا لِلضَّلالَةِ ويَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . صفحة ٨٩ وأمّا الِاسْتِفْهامُ الثّالِثُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمُ الرَّسُولَ بِناءً عَلى أنَّ عَدَمَ المَعْرِفَةِ بِهِ هو أحَدُ احْتِمالَيْنِ في شَأْنِهِمْ إذْ لا يَخْلُونَ عَنْ أحَدِهِما، فَأمّا كَوْنُهم يَعْرِفُونَهُ فَهو المَظْنُونُ بِهِمْ فَكانَ الأجْدَرُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو عَدَمُ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ إذْ تُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ الشَّيْءُ المَرْجُوحُ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِغْرابِ المُسْتَلْزِمِ لِلتَّغْلِيطِ؛ فَإنَّ رَمْيَهُمُ الرَّسُولَ بِالكَذِبِ وبِالسِّحْرِ والشِّعْرِ يُناسِبُ أنْ لا يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن قَبْلُ إذِ العارِفُ بِالمَرْءِ لا يَصِفُهُ بِما هو مِنهُ بَرِيءٌ ولِذَلِكَ تَفَرَّعَ عَلى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ إنْكارُهم إيّاهُ، أيْ: إنْكارُهم صِفاتِهِ الكامِلَةَ. فَتَعْلِيقُ ضَمِيرِ ذاتِ الرَّسُولِ بِـ (مُنْكِرُونَ) هو مِن بابِ إسْنادِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ والمُرادُ صِفاتُها مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . وهَذِهِ الصِّفاتُ هي الصِّدْقُ والنَّزاهَةُ عَنِ السِّحْرِ وأنَّهُ لَيْسَ في عِدادِ الشُّعَراءِ. ولِلَّهِ دَرُّ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: لَقَدْ عَلِمُوا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّبٌ لَدَيْنا ولا يُعْزى لِقَوْلِ الأباطِلِ وقالَ تَعالى فِيما أمَرَ بِهِ رَسُولَهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] أيِ: القُرْآنُ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] . ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما يَسْلُبُ خِصالَهُ وهو اخْتِلالُ عَقْلِهِ عُطِفَ عَلى ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وهو الِاسْتِفْهامُ الرّابِعُ، أيْ: ألَعَلَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ رَسُولَهُمُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ قَدْ أُصِيبَ بِجُنُونٍ فانْقَلَبَ صِدْقُهُ كَذِبًا. والجِنَّةُ: الجُنُونُ، وهو الخَلَلُ العَقْلِيُّ الَّذِي يُصِيبُ الإنْسانَ، كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن مَسِّ الجِنِّ. والجِنَّةُ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّ وهو المَخْلُوقاتُ المُسْتَتِرَةُ عَنْ أبْصارِنا كَما في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] . ويُطْلَقُ الجِنَّةُ عَلى الدّاءِ اللّاحِقِ مِن إصابَةِ الجِنِّ وصاحِبُهُ: مَجْنُونٌ، وهو المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ باءِ المُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ صفحة ٩٠ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهم لَمْ يَظُنُّوا بِهِ الجُنُونَ ولَكِنَّهم كانُوا يَقُولُونَهُ بِألْسِنَتِهِمْ بُهْتانًا. ولَيْسَ القَوْلُ بِألْسِنَتِهِمْ هو مَصَبُّ الِاسْتِفْهامِ. ثُمَّ قَدْ نُقِضَ ما تَسَبَّبَ عَلى ما اخْتَلَقُوهُ فَجِيءَ بِحَرْفِ الإضْرابِ في الخَبَرِ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ وهو (بَلْ) . والحَقُّ: الثّابِتُ في الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، يَكُونُ في الذَّواتِ وأوْصافِها، وفي الأجْناسِ، وفي المَعانِي، وفي الأخْبارِ. فَهو ضِدُّ الكَذِبِ وضِدُّ السِّحْرِ وضِدُّ الشِّعْرِ، فَما جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ والأوامِرِ والنَّواهِي كُلُّهُ مَلابِسٌ لِلْحَقِّ؛ فَبَطَلَ بِهَذا ما قالُوهُ في القُرْآنِ وفي الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَةُ مَن لَمْ يَتَدَبَّرُوا القُرْآنَ ومَن لَمْ يُراعُوا إلّا مُوافَقَةَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ ومَن لَمْ يَعْرِفُوا حالَ رَسُولِهِمُ الَّذِي هو مِن أنْفُسِهِمْ ومَقالَةُ مَن يَرْمِي بِالبُهْتانِ فَنَسَبُوا الصّادِقَ إلى التَّلْبِيسِ والتَّغْلِيطِ. فالحَقُّ الَّذِي جاءَهم بِهِ النَّبِيءُ أوَّلُهُ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى وإثْباتُ البَعْثِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الشَّرائِعِ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ كالأمْرِ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وصِلَةِ الرَّحِمِ، والِاعْتِرافِ لِلْفاضِلِ بِفَضْلِهِ، وزَجْرِ الخَبِيثِ عَنْ خُبْثِهِ، وأُخُوَّةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والمُساواةِ بَيْنَهم في الحَقِّ، ومَنعِ الفَواحِشِ مِنَ الزِّنى وقَتْلِ الأنْفُسِ ووَأْدِ البَناتِ والِاعْتِداءِ وأكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وإهانَةِ اليَتِيمِ والمِسْكِينِ. ونَحْوَ ذَلِكَ مِن إبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العُدْوانِ. والخِلافَةِ الَّتِي نَشَئُوا عَلَيْها مِن عَهْدٍ قَدِيمٍ. فَكُلُّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ يَوْمَئِذٍ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى نِظامِ العُمْرانِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ العالَمَ فَهو الحَقُّ كَما قالَ: ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] . ولَمّا كانَ قَوْلُ الكاذِبِ وقَوْلُ المَجْنُونِ المُخْتَصِّ بِهَذا الَّذِي لا يُشارِكُهُما فِيهِ العُقَلاءُ والصّادِقُونَ غَيْرَ جارِيَيْنِ عَلى هَذا الحَقِّ كانَ إثْباتُ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ حَقٌّ نَقْضًا لِإنْكارِهِمْ صِدْقَهُ. ولِقَوْلِهِمْ: هو مَجْنُونٌ كانَ ما بَعْدَ (بَلْ) نَقْضًا لِقَوْلِهِمْ. وظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ يَقْتَضِي أنَّ ضَمِيرَ (أكْثَرُهم) يَعُودُ إلى القَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٥٤] فَيَكُونُ المَعْنى: أكْثَرُ صفحة ٩١ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ كارِهُونَ لِلْحَقِّ. وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ طِباعَهم تَأْنَفُ الحَقَّ الَّذِي يُخالِفُ هَواهم لِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشِّرْكِ وإتْيانِ الفَواحِشِ والظُّلْمِ والكِبْرِ والغَصْبِ وأفانِينِ الفَسادِ، بَلْهَ ما هم عَلَيْهِ مِن فَسادِ الِاعْتِقادِ بِالإشْراكِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأعْمالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]، فَلا جَرَمَ كانُوا بِذَلِكَ يَكْرَهُونَ الحَقَّ؛ لِأنَّ جِنْسَ الحَقِّ يُجافِي هَذِهِ الطِّباعَ. ومِن هَؤُلاءِ أبُو جَهْلٍ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] . وإنَّما أُسْنِدَتْ كَراهِيَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ إنْصافًا لِمَن كانَ مِنهم مِن أهْلِ الأحْلامِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ وكانُوا يَجْنَحُونَ إلى الحَقِّ ولَكِنَّهم يُشايِعُونَ طُغاةَ قَوْمِهِمْ مُصانَعَةً لَهم واسْتِبْقاءً عَلى حُرْمَةِ أنْفُسِهِمْ بِعِلْمِهِمْ أنَّهم إنْ صَدَعُوا بِالحَقِّ لَقُوا مِن طُغاتِهِمُ الأذى والِانْتِقاصَ، وكانَ مِن هَؤُلاءِ أبُو طالِبٍ والعَبّاسُ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. فَكانَ المَعْنى: بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ فَكَفَرُوا بِهِ كُلُّهم فَأمّا أكْثَرُهم فَكَراهِيَةً لِلْحَقِّ وأمّا قَلِيلٌ مِنهم مُصانَعَةً لِسائِرِهِمْ وقَدْ شَمِلَ الكُفْرُ جَمِيعَهم. وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ اهْتِمامٌ بِذِكْرِ الحَقِّ حَتّى يَسْتَوْعِيَ السّامِعُ ما بَعْدَهُ فَيَقَعُ مِن نَفْسِهِ حُسْنُ سَماعِهِ مَوْقِعَ العَجَبِ مِن كارِهِيهِ، ولَمّا ضُعِّفَ العامِلُ فِيهِ بِالتَّأْخِيرِ قُرِنَ المَعْمُولُ بِلامِ التَّقْوِيَةِ.

المؤمنون 23:71

﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ عُطِفَ هَذا الشَّرْطُ الِامْتِناعِيُّ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] زِيادَةً في التَّشْنِيعِ عَلى أهْوائِهِمْ فَإنَّها مُفْضِيَةٌ إلى فَسادِ العالَمِ ومَن فِيهِ وكَفى بِذَلِكَ فَظاعَةً وشَناعَةً. صفحة ٩٢ والحَقُّ هُنا هو الحَقُّ المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهو الشَّيْءُ المُوافِقُ لِلْوُجُودِ الواقِعِيِّ ولِحَقائِقِ الأشْياءِ. وعُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ أنَّ كَراهَةَ أكْثَرِهِمْ لِلْحَقِّ ناشِئَةٌ عَنْ كَوْنِ الحَقِّ مُخالِفًا أهْواءَهم فَسُجِّلَ عَلَيْهِمْ أنَّهم أهْلُ هَوًى. والهَوى شَهْوَةٌ ومَحَبَّةٌ لِما يُلائِمُ غَرَضَ صاحِبِهِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وإنَّما يَجْرِي الهَوى عَلى شَهْوَةِ دَواعِي النُّفُوسِ أعْنِي شَهَواتِ الأفْعالِ غَيْرَ الَّتِي تَقْتَضِيها الجِبِلَّةُ، فَشَهْوَةُ الطَّعامِ والشَّرابِ ونَحْوِهِما مِمّا تَدْعُو إلَيْهِ الجِبِلَّةُ لَيْسَتْ مِنَ الهَوى وإنَّما الهَوى شَهْوَةُ ما لا تَقْتَضِيهِ الفِطْرَةُ كَشَهْوَةِ الظُّلْمِ وإهانَةِ النّاسِ، أوْ شَهْوَةِ ما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ لَكِنْ يُشْتَهى عَلى كَيْفِيَّةٍ وحالَةٍ لا تَقْتَضِيها الجِبِلَّةُ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِن فَسادٍ وضُرٍّ مِثْلَ شَهْوَةِ الطَّعامِ المَغْصُوبِ وشَهْوَةِ الزِّنا، فَمَرْجِعُ مَعْنى الهَوى إلى المُشْتَهى الَّذِي لا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ. والِاتِّباعُ: مَجازٌ شائِعٌ في المُوافَقَةِ، أيْ: لَوْ وافَقَ الحَقُّ ما يَشْتَهُونَهُ. ومَعْنى مُوافَقَةِ الحَقِّ الأهْواءَ أنْ تَكُونَ ماهِيَةُ الحَقِّ مُوافِقَةً لِأهْواءِ النُّفُوسِ. فَإنَّ حَقائِقَ الأشْياءِ لَها تَقَرُّرٌ في الخارِجِ سَواءٌ كانَتْ مُوافِقَةً لِما يَشْتَهِيهِ النّاسُ أمْ لَمْ تَكُنْ مُوافِقَةً لَهُ: فَمِنها الحَقائِقُ الوُجُودِيَّةُ وهي الأصْلُ فَهي مُتَقَرِّرَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ مِثْلَ كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، وكَوْنِهِ لا يَلِدُ وكَوْنِ البَعْثِ واقِعًا لِلْجَزاءِ، فَكَوْنُها حَقًّا هو عَيْنُ تَقَرُّرِها في الخارِجِ. ومِنها الحَقائِقُ المَعْنَوِيَّةُ المَوْجُودَةُ في الِاعْتِبارِ فَهي مُتَقَرِّرَةٌ في الِاعْتِباراتِ. وكَوْنُها حَقًّا هو كَوْنُها جارِيَةً عَلى ما يَقْتَضِيهِ نِظامُ العالَمِ مِثْلَ كَوْنِ الوَأْدِ ظُلْمًا، وكَوْنِ القَتْلِ عُدْوانًا، وكَوْنِ القِمارِ أخْذَ مالٍ بِلا حَقٍّ لِآخِذِهِ في أخْذِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ في أضْدادِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وفَسَدَ مَن فِيهِنَّ، أيْ: مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ النّاسِ. ووَجْهُ المُلازَمَةِ بَيْنَ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ وفَسادِ النّاسِ وبَيْنَ كَوْنِ الحَقِّ جارِيًا عَلى أهْواءِ المُشْرِكِينَ في الحَقائِقِ هو أنَّ أهْواءَهم شَتّى؛ فَمِنها صفحة ٩٣ المُتَّفِقُ، وأكْثَرُها مُخْتَلِفٌ، وأكْثَرُ اتِّفاقِ أهْوائِهِمْ حاصِلٌ بِالشِّرْكِ، فَلَوْ كانَ الحَقُّ الثّابِتُ في الواقِعِ مُوافِقًا لِمَزاعِمِهِمْ لاخْتَلَّتْ أُصُولُ انْتِظامِ العَوالِمِ. فَإنَّ مَبْدَأ الحَقائِقِ هو حَقِيقَةُ الخالِقِ تَعالى، فَلَوْ كانَتِ الحَقِيقَةُ هي تَعَدُّدَ الآلِهَةِ لَفَسَدَتِ العَوالِمُ بِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وذَلِكَ أصْلُ الحَقِّ وقِوامُهُ وانْتِقاضُهُ انْتِقاضٌ لِنِظامِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] الآيَةَ، فَمِن هَواهُمُ الباطِلِ أنْ جَعَلُوا مِن كَمالِ اللَّهِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ. ثُمَّ نَنْتَقِلُ بِالبَحْثِ إلى بَقِيَّةِ حَقائِقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الحَقِّ لَوْ فُرِضَ أنْ يَكُونَ الثّابِتُ نَقِيضَ ذَلِكَ لَتَسَرَّبَ الفَسادُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ. فَلَوْ فُرِضَ عَدَمُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ لَكانَ الثّابِتُ أنْ لا جَزاءَ عَلى العَمَلِ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ أحَدٌ خَيْرًا إذْ لا رَجاءَ في ثَوابٍ. ولَمْ يَتْرُكْ أحَدٌ شَرًّا إذْ لا خَوْفَ مِن عِقابٍ، فَيَغْمُرُ الشَّرُّ الخَيْرَ والباطِلُ الحَقَّ وذَلِكَ فَسادٌ لِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . وكَذا لَوْ كانَ الحَقُّ حُسْنَ الِاعْتِداءِ، والباطِلُ قُبْحَ العَدْلِ لارْتَمى النّاسُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالإهْلاكِ جُهْدَ المُسْتَطاعِ فَهَلَكَ الضَّرْعُ والزَّرْعُ قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وهَكَذا الحالُ في أهْوائِهِمُ المُخْتَلِفَةِ. ويَزِيدُ أمْرُها فَسادًا بِأنْ يَتَّبِعَ الحَقُّ كُلَّ ساعَةٍ هَوًى مُخالِفًا لِلْهَوى الَّذِي اتَّبَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلا يَسْتَقِرُّ نِظامٌ ولا قانُونٌ. وهَذا المَعْنى ناظِرٌ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨] . صفحة ٩٤ والظّاهِرُ أنَّ (مَن) في قَوْلِهِ: ومَن فِيهِنَّ صادِقَةٌ عَلى العُقَلاءِ مِنَ البَشَرِ والمَلائِكَةِ. فَفَسادُ البَشَرِ عَلى فَرْضِ أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى أهْواءِ المُشْرِكِينَ ظاهِرٌ مِمّا قَرَّرْناهُ. وأمّا فَسادُ المَلائِكَةِ فَلِأنَّ مِن أهْواءِ المُشْرِكِينَ زَعْمَهم أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَلَوْ كانَ الواقِعُ أنَّ حَقِيقَةَ المَلائِكَةِ بُنُوَّةُ اللَّهِ لَأفْضى ذَلِكَ إلى أنَّهم آلِهَةٌ؛ لِأنَّ المُتَوَلِّدَ مِن جِنْسٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِما تَوَلَّدَ هو مِنهُ إذِ الوَلَدُ نُسْخَةٌ مِن أبِيهِ فَلَزِمَ عَلَيْهِ ما يَلْزَمُ عَلى القَوْلِ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن فُصُولِ حَقِيقَةِ المَلائِكَةِ أنَّهم مُسَخَّرُونَ لِطاعَةِ اللَّهِ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ لَفَسَدَتْ حَقائِقُهم فَأفْسَدُوا ما يَأْمُرُهُمُ اللَّهُ بِإصْلاحِهِ وبِالعَكْسِ فَتَنْتَقِضُ المَصالِحُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَن) صادِقًا عَلى المَخْلُوقاتِ كُلِّها عَلى وجْهِ التَّغْلِيبِ في اسْتِعْمالِ (مَن) . ووَجْهُ المُلازَمَةِ يَنْتَظِمُ بِالأصالَةِ مَعَ وجْهِ المُلازَمَةِ بَيْنَ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ وبَيْنَ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ يَسْرِي إلى اخْتِلافِ مَواهِي المَوْجُوداتِ فَتُصْبِحُ غَيْرَ صالِحَةٍ لِما خُلِقَتْ عَلَيْهِ، فَيَفْسَدُ العالَمُ. وقَدْ كانَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ المُتَأخِّرِينَ فَرَضَ بَحْثًا في إمْكانِ فَناءِ العالَمِ وفَرَضَ أسْبابًا إنْ وُجِدَ واحِدٌ مِنها في هَذا العالَمِ، وعَدَّ مِن جُمْلَتِها أنْ تَحْدُثَ حَوادِثُ جَوِّيَّةٌ تُفْسِدُ عُقُولَ البَشَرِ كُلِّهِمْ فَيَتَألَّبُونَ عَلى إهْلاكِ العالَمِ فَلَوْ أجْرى اللَّهُ النِّظامَ عَلى مُقْتَضى الأهْواءِ مِن مُخالَفَةِ الحَقِّ لِما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ كَما يَشْتَهُونَ لَعادَ ذَلِكَ بِالفَسادِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ فَكانُوا مَشْمُولِينَ لِذَلِكَ الفَسادِ لِأنَّهم مِن جُمْلَةِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَناهِيكَ بِأفْنِ آراءٍ لا تُمَيِّزُ بَيْنَ الضُّرِّ والنّافِعِ لِأنْفُسِهِما. وكَفى بِذَلِكَ شَناعَةً لِكَراهِيَتِهِمُ الحَقَّ وإبْطالًا لِزَعْمِهِمْ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ تَصَرُّفاتُ مَجْنُونٍ. * * * ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ إبْطالٌ لِما اقْتَضاهُ الفَرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: بَلْ لَمْ يَتَّبِعِ الحَقُّ أهْواءَهم فَأبْلَغْنا إلَيْهِمُ الحَقَّ عَلى وجْهِهِ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو ذِكْرٌ لَهم صفحة ٩٥ يُوقِظُ عُقُولَهم مِن سُباتِها. كَأنَّهُ يُذَكِّرُ عُقُولَهُمُ الحَقَّ الَّذِي نَسِيَتْهُ بِتَقادُمِ الزَّمانِ عَلى ضَلالاتِ آبائِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم فَصارَتْ أهْواءً لَهم ألِفُوها فَلَمْ يَقْبَلُوا انْزِياحًا عَنْها وأعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ بِأنَّهُ خالَفَها، فَجُعِلَ إبْلاغُ الحَقِّ لَهم بِالأدِلَّةِ بِمَنزِلَةِ تَذْكِيرِ النّاسِي شَيْئًا طالَ عَهْدُهُ بِهِ كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في كِتابِهِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: فَإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ قالَ تَعالى: ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٨٢] . وعُدِّيَ فِعْلُ (أتَيْناهم) بِالباءِ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ مَجازًا في الإرْسالِ والتَّوْجِيهِ. والذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّذْكِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْكَلامِ الَّذِي يُذَكِّرُ سامِعِيهِ بِما غُفِلَ عَنْهُ وهو شَأْنُ الكُتُبِ الرَّبّانِيَّةِ. وإضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ لَفْظِيَّةٌ مِنَ الإضافَةِ إلى مَفْعُولِ المَصْدَرِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ إعْراضِهِمْ عَلى الإتْيانِ بِالذِّكْرِ إلَيْهِمْ، أيْ: فَتَفَرَّعَ عَلى الإرْسالِ إلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ إعْراضُهم عَنْهُ. والمَعْنى: أرْسَلْنا إلَيْهِمُ القُرْآنَ لِيُذَكِّرَهم. وقِيلَ: إضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَعْنَوِيَّةٌ، أيِ: الذِّكْرُ الَّذِي سَألُوهُ حِينَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] فَيَكُونُ الذِّكْرُ عَلى هَذا مَصْدَرًا بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: ما يَتَذَكَّرُونَ بِهِ. والفاءُ عَلى هَذا الوَجْهِ فاءٌ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَها قَدْ أعْطَيْناهم كِتابًا فَأعْرَضُوا عَنْ ذِكْرِهِمُ الَّذِي سَألُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] أيْ: مِن رُسُلٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ﴾ [الصافات: ١٦٩]، وقَوْلُ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُـراسَـانَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] . والتَّعْبِيرُ عَنْ إعْراضِهِمْ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ إعْراضِهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِمْ لِيَكُونَ إعْراضُهم عَنْهُ مَحَلَّ عَجَبٍ.

المؤمنون 23:72

صفحة ٩٦ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (أمْ) عاطِفَةٌ عَلى ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وهي لِلِانْتِقالِ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ عَنْ دَواعِي إعْراضِهِمْ عَنِ الرَّسُولِ واسْتِمْرارِ قُلُوبِهِمْ في غَمْرَةٍ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ هُنا إنْكارِيٌّ، أيْ: ما تَسْألُهم خَرْجًا فَيَعْتَذِرُوا بِالإعْراضِ عَنْكَ لِأجَلِهِ شُحًّا بِأمْوالِهِمْ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُ سَألْتُكم أجْرًا فَقَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْكم فَماذا يَمْنَعُكم مِنَ اتِّباعِي. وقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠] كُلُّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَّهَكُّمِ. وأصْرَحُ مِنهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] . وهَذا الِانْتِقالُ كانَ إلى غَرَضِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ مُوجَبُ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ جائِيًا مِن قِبَلِهِ وتَسَبُّبِهِ بَعْدَ أنْ كانَتْ الِاسْتِفْهاماتُ السّابِقَةُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةً بِمُوجِباتِ الإعْراضِ الجائِيَةِ مِن قِبَلِهِمْ، فالِاسْتِفْهامُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا﴾ إنْكارِيٌّ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَصْدُرَ عَنِ الرَّسُولِ ما يُوجِبُ إعْراضَ المُخاطَبِينَ عَنْ دَعْوَتِهِ فانْحَصَرَتْ تَبِعَةُ الإعْراضِ فِيهِمْ. والخَرْجُ: العَطاءُ المُعَيَّنُ عَلى الذَّواتِ أوْ عَلى الأرَضِينَ كالإتاوَةِ، وأمّا الخَراجُ فَقِيلَ: هو مُرادِفُ الخَرْجِ وهو ظاهِرُ كَلامِ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ. وعَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُما بِأنَّ الخَرْجَ الإتاوَةُ عَلى الذَّواتِ، والخَراجَ الإتاوَةُ عَلى الأرَضِينَ. وقِيلَ: الخَرْجُ: ما تَبَرَّعَ بِهِ المُعْطِي. والخَراجُ: ما لَزِمَهُ أداؤُهُ. وفي الكَشّافِ: والوَجْهُ أنَّ الخَرْجَ أخَصُّ مِنَ الخَراجِ يُرِيدُ أنَّ الخَرْجَ أعَمُّ كَما أصْلَحَ عِبارَتَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ في نَقْلِ الطِّيبِيِّ كَقَوْلِكَ: خَراجُ القَرْيَةِ وخَرْجُ الكُرْدَةِ صفحة ٩٧ زِيادَةُ اللَّفْظِ لِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ حَسُنَتْ قِراءَةُ مَن قَرَأ (﴿خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾) يَعْنِي: أمْ تَسْألُهم عَلى هِدايَتِكَ لَهم قَلِيلًا مِن عَطاءِ الخَلْقِ فالكَثِيرُ مِن عَطاءِ الخالِقِ خَيْرٌ اهـ. وهَذا الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في اللُّغَةِ عَدَمُ التَّرادُفِ. هَذا وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (خَرْجًا فَخَرْجُ رَبِّكَ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (﴿أمْ تَسْألُهم خَراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾) . فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فَتَوْجِيهُها عَلى اعْتِبارِ تَرادُفِ الكَلِمَتَيْنِ أنَّها جَرَتْ عَلى التَّفَنُّنِ في الكَلامِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ اللَّفْظِ في غَيْرِ المَقامِ المُقْتَضِي إعادَةَ اللَّفْظَيْنِ مَعَ قُرْبِ اللَّفْظَيْنِ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾ [سبإ: ٤٧] فَإنَّ لَفْظَ أجْرٍ أُعِيدَ بَعْدَ ثَلاثَةِ ألْفاظٍ. وأمّا عَلى اعْتِبارِ الفَرْقِ الَّذِي اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَتَوْجِيهُها بِاشْتِمالِها عَلى التَّفَنُّنِ وعَلى مُحَسِّنِ المُبالَغَةِ. وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ وخَلَفٍ فَتَوْجِيهُها عَلى طَرِيقَةِ التَّرادُفِ أنَّهُما ورَدَتا عَلى اخْتِيارِ المُتَكَلِّمِ في الِاسْتِعْمالِ مَعَ حُسْنِ المُزاوَجَةِ بِتَماثُلِ اللَّفْظَيْنِ. ولا تُوَجَّهانِ عَلى طَرِيقَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ألْزَمَهُمُ اللَّهُ الحُجَّةَ في هَذِهِ الآياتِ (أيْ: قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] إلى هُنا) وقَطَعَ مَعاذِيرَهم وعِلَلَهم بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ أمْرُهُ وحالُهُ، مَخْبُورٌ سِرُّهُ وعَلَنُهُ، خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يُعْرَضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِي بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ، ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سُلَّمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ، ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ صفحة ٩٨ مِن أدْوائِهِمْ، وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ، واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضُّلّالِ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ، وتَعَلُّلُهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ، وكَراهَتُهم لِلْحَقِّ وإعْراضُهم عَمّا فِيهِ حَظُّهم مِنَ الذِّكْرِ اهـ. وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ تَكْمِيلًا لِلْغَرَضِ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ والتَّعْرِيفِ بِسِعَةِ فَضْلِهِ. ويُفِيدُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ .

المؤمنون 23:73

﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أُعْقِبَ تَنْزِيهُ الرَّسُولِ عَمّا افْتَرُوهُ عَلَيْهِ بِتَنْزِيهِ الإسْلامِ عَمّا سَمَّوْهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ والتَّنْزِيهِ بِإثْباتِ ضِدِّ ذَلِكَ وهو أنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ: طَرِيقٌ لا التِواءَ فِيهِ ولا عَقَباتٍ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ. وإطْلاقُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوصِّلٌ إلى ما يَتَطَلَّبُهُ كُلُّ عاقِلٍ مِنَ النَّجاةِ وحُصُولِ الخَيْرِ، فَكَما أنَّ السّائِرَ إلى طَلْبَتِهِ لا يَبْلُغُها إلّا بِطَرِيقٍ، ولا يَكُونُ بُلُوغُهُ مَضْمُونًا مَيْسُورًا إلّا إذا كانَ الطَّرِيقُ مُسْتَقِيمًا فالنَّبِيءُ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ دَعاهم إلى السَّيْرِ في طَرِيقٍ مُوصِلٍ بِلا عَناءٍ. والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنْكِرِينَ عَلى ما دَعاهم إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ . وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ . والتَّعْبِيرُ فِيهِ بِالمَوْصُولِ، وصِلَتُهُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ حَيْثُ عُدِلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: وإنَّهم عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ. والغَرَضُ مِنهُ ما تُنَبِّئُ بِهِ الصِّلَةُ مِن سَبَبِ تَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] في سُورَةِ الحِجْرِ. صفحة ٩٩ والتَّعْرِيفُ في (الصِّراطِ) أيْ: هم ناكِبُونَ عَنِ الصِّراطِ مِن حَيْثُ هو، حَيْثُ لَمْ يَتَطَلَّبُوا طَرِيقَ نَجاةٍ فَهم ناكِبُونَ عَنِ الطَّرِيقِ بَلْهَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ لِلْعَهْدِ بِالصِّراطِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَ الجِنْسِ أتَمُّ في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ بِقَرِينَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ الَّتِي هي غايَةُ العامِلِ مِن عَمَلِهِ فَهم إذَنْ ناكِبُونَ عَنْ كُلِّ صِراطٍ مُوصِلٍ إذْ لا هِمَّةَ لَهم في الوُصُولِ. والنّاكِبُ: العادِلُ عَنْ شَيْءٍ، المُعْرِضُ عَنْهُ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وفَرِحَ. وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَنكَبِ وهو جانِبُ الكَتِفِ؛ لِأنَّ العادِلَ عَنْ شَيْءٍ يُوَلِّي وجْهَهُ عَنْهُ بِجانِبِهِ.

المؤمنون 23:74

﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ أُعْقِبَ تَنْزِيهُ الرَّسُولِ عَمّا افْتَرُوهُ عَلَيْهِ بِتَنْزِيهِ الإسْلامِ عَمّا سَمَّوْهُ بِهِ مِنَ الأباطِيلِ والتَّنْزِيهِ بِإثْباتِ ضِدِّ ذَلِكَ وهو أنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ: طَرِيقٌ لا التِواءَ فِيهِ ولا عَقَباتٍ، فالكَلامُ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينِ اعْتَقَدُوا خِلافَ ذَلِكَ. وإطْلاقُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوصِّلٌ إلى ما يَتَطَلَّبُهُ كُلُّ عاقِلٍ مِنَ النَّجاةِ وحُصُولِ الخَيْرِ، فَكَما أنَّ السّائِرَ إلى طَلْبَتِهِ لا يَبْلُغُها إلّا بِطَرِيقٍ، ولا يَكُونُ بُلُوغُهُ مَضْمُونًا مَيْسُورًا إلّا إذا كانَ الطَّرِيقُ مُسْتَقِيمًا فالنَّبِيءُ ﷺ لَمّا دَعاهم إلى الإسْلامِ دَعاهم إلى السَّيْرِ في طَرِيقٍ مُوصِلٍ بِلا عَناءٍ. والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنْكِرِينَ عَلى ما دَعاهم إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ . وكَذَلِكَ التَّوْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ﴾ . والتَّعْبِيرُ فِيهِ بِالمَوْصُولِ، وصِلَتُهُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ حَيْثُ عُدِلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: وإنَّهم عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ. والغَرَضُ مِنهُ ما تُنَبِّئُ بِهِ الصِّلَةُ مِن سَبَبِ تَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أنَّ سَبَبَهُ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] في سُورَةِ الحِجْرِ. صفحة ٩٩ والتَّعْرِيفُ في (الصِّراطِ) أيْ: هم ناكِبُونَ عَنِ الصِّراطِ مِن حَيْثُ هو، حَيْثُ لَمْ يَتَطَلَّبُوا طَرِيقَ نَجاةٍ فَهم ناكِبُونَ عَنِ الطَّرِيقِ بَلْهَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ لِلْعَهْدِ بِالصِّراطِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ تَعْرِيفَ الجِنْسِ أتَمُّ في نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ بِقَرِينَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ الَّتِي هي غايَةُ العامِلِ مِن عَمَلِهِ فَهم إذَنْ ناكِبُونَ عَنْ كُلِّ صِراطٍ مُوصِلٍ إذْ لا هِمَّةَ لَهم في الوُصُولِ. والنّاكِبُ: العادِلُ عَنْ شَيْءٍ، المُعْرِضُ عَنْهُ، وفِعْلُهُ كَنَصَرَ وفَرِحَ. وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَنكَبِ وهو جانِبُ الكَتِفِ؛ لِأنَّ العادِلَ عَنْ شَيْءٍ يُوَلِّي وجْهَهُ عَنْهُ بِجانِبِهِ.

المؤمنون 23:75

﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ بِاسْتِدْلالٍ عَلَيْهِمْ وتَنْدِيمٍ وقَطْعٍ لِمَعاذِيرِهِمْ، أيْ: لَيْسُوا بِحَيْثُ لَوِ اسْتَجابَ اللَّهُ جُؤارَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ لَعادُوا إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الغَمْرَةِ والأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّها صارَتْ سَجِيَّةً لَهم لا تَتَخَلَّفُ عَنْهم. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . و(لَوْ) هُنا داخِلَةٌ عَلى الفِعْلِ الماضِي المُرادِ مِنهُ: الِاسْتِقْبالُ بِقَرِينَةِ المَقامِ إذِ المَقامُ لِلْإنْذارِ والتَّأْيِيسِ مِنَ الإغاثَةِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ المَوْعُودِ بِهِ، ولَيْسَ مَقامَ اعْتِذارٍ مِنَ اللَّهِ عَنْ عَدَمِ اسْتِجابَتِهِ لَهم أوْ عَنْ إمْساكِ رَحْمَتِهِ عَنْهم لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ مَقامَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وأمّا مَجِيءُ هَذا الفِعْلِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ فَذَلِكَ مُراعاةً لِما شاعَ في الكَلامِ مِن مُقارَنَةِ (لَوْ) لِصِيغَةِ الحاضِرِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى الِامْتِناعِ في الماضِي ولِذَلِكَ كانَ الأصْلُ عَدَمَ جَزْمِ الفِعْلِ بَعْدَها. صفحة ١٠٠ واللَّجاجُ بِفَتْحِ اللّامِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى الخِصامِ وعَدَمُ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ، يُقالُ: لَجَّ يَلِجُّ ويَلَجُّ بِكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِها في المُضارِعِ عَلى اخْتِلافِ حَرَكَةِ العَيْنِ في الماضِي. والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالَةِ. (وفي طُغْيانِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَعْمَهُونَ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ، ولِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، المُرادُ مِنها مَعْنى السَّبَبِيَّةِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

المؤمنون 23:76

﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] بِسابِقِ إصْرارِهِمْ عَلى الشِّرْكِ والإعْراضِ عَنِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ وعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِأنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ هو جَزاءُ شِرْكِهِمْ. والجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ بِحاجَةٍ إلى الِاسْتِظْهارِ عَلَيْهِ. ولَكِنَّهُ لَما كانَ مُتَعَلِّقًا بِالمُشْرِكِينَ وكانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ أسْماعَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ كَلامُ مَن لا شَكَّ في صِدْقِهِ، كانَ المَقامُ مَحْفُوفًا بِما يَقْتَضِي الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ بِشَواهِدِ أحْوالِهِمْ فِيما مَضى؛ ولِذَلِكَ وقَعَ قَبْلَهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ووَقَعَ بَعْدَهُ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] . والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (بِالعَذابِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: بِالعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ. ومَصَبُّ الحالِ هو ما عُطِفَ عَلى جُمْلَتِها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾، فَلا تَتَوَهَّمَنَّ أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ صفحة ١٠١ العَذابِ هُنا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَذابٌ آخَرُ غَيْرُ المَذْكُورِ آنِفًا مُسْتَنِدًا إلى أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ الأوَّلِ لا طائِلَ تَحْتَها. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . والمَعْنى فَلَمْ يَكُنْ حَظُّهم حِينَ أخَذْناهم بِالعَذابِ إلّا العَوِيلَ والجُوارَ دُونَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. وقِيلَ: هَذا عَذابٌ آخَرُ سابِقٌ لِلْعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا فَيَتَرَكَّبُ هَذا عَلى التَّفاسِيرِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الأوَّلِ أوْ عَذابُ الجُوعِ الثّانِي بِالنِّسْبَةِ لِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ. والِاسْتِكانَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَخْضَعُ يَقْطَعُ الحَرَكَةَ أمامَ مَن خَضَعَ لَهُ، فَهو افْتِعالٌ مِنَ السُّكُونِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ السُّكُونِ وقُوَّتِهِ. وألِفُهُ ألِفُ الِافْتِعالِ مِثْلُ الِاضْطِرابِ، والتّاءُ زائِدَةٌ كَزِيادَتِها في اسْتِعاذَةٍ. وقِيلَ: الألِفُ لِلْإشْباعِ، أيْ: زِيدَتْ في الِاشْتِقاقِ فَلازَمَتِ الكَلِمَةَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الإشْباعِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ المُسْتَعْمِلُونَ شُذُوذًا كَقَوْلِ طَرَفَةَ: يَنْباعُ مِن ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ أيْ: يَنْبُعُ. وأشارَ في الكَشّافِ إلى الِاسْتِشْهادِ عَلى الإشْباعِ في نَحْوِهِ إلى قَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ: وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَـزاحِ أرادَ: بِمُنْتَزَحٍ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (اسْتَكانُوا) اسْتِفْعالًا مِنَ الكَوْنِ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ مادَّتِهِ فَإنَّ مَعْنى الكَوْنِ فِيهِ غَيْرُ وجِيهٍ، وجِهَةِ صِيغَتِهِ؛ لِأنَّ حَمْلَ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ غَيْرُ واضِحٍ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في (يَتَضَرَّعُونَ) لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ انْتِفاءِ تَضَرُّعِهِمْ. والتَّضَرُّعُ: الدُّعاءُ بِتَذَلُّلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في سُورَةِ صفحة ١٠٢ الأنْعامِ. والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ كالقَوْلِ في ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] . و(إذا) مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ مِثْلُ (إذا) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ. وفَتْحُ البابِ تَمْثِيلٌ لِمُفاجَأتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ حَسَبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] . شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إصابَتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ بِهَيْئَةِ ناسٍ في بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِمْ فَفُتِحَ عَلَيْهِمْ بابُ البَيْتِ مِن عَدُوٍّ مَكْرُوهٍ، أوْ تَقُولُ: شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِهَيْئَةِ فَتْحِ بابٍ اخْتُزِنَ فِيهِ العَذابُ فَلَمّا فُتِحَ البابُ انْهالَ العَذابُ عَلَيْهِمْ. وهَذا كَما مُثِّلَ بِقَوْلِهِ: وفارَ التَّنُّورُ وقَوْلِهِمْ: طَفَحَتِ الكَأْسُ بِأعْمالِ فُلانٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] وقَوْلِ عَلْقَمَةَ: فَحَقٌّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ ومِنهُ قَوْلُ الكُتّابِ: فُتِحَ بابُ كَذا عَلى مِصْراعَيْهِ، تَمْثِيلًا لِكَثْرَةِ ذَلِكَ وأفاضَ عَلَيْهِ سِجِلًّا مِنَ الإحْسانِ، وقَوْلُ أبِي تَمّامٍ: مِن شاعِرٍ وقَفَ الكَلامُ بِبابِـهِ ∗∗∗ واكْتَنَّ في كَنَفَيْ ذَراهُ المَنطِقُ ووَصَفَ (بابًا) بِكَوْنِهِ (﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾) دُونَ أنْ يُضافَ بابٌ إلى عَذابٍ فَيُقالُ: بابُ عَذابٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣]؛ لِأنَّ (ذا عَذابٍ) يُفِيدُ مِن شِدَّةِ انْتِسابِ العَذابِ إلى البابِ ما لا تُفِيدُهُ إضافَةُ بابٍ إلى عَذابٍ، ولِيَتَأتّى بِذَلِكَ وصْفُ (عَذابٍ) بِـ (شَدِيدٍ) بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] فَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِهِ بِـ (شَدِيدٍ) بِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ (صَبَّ) الدّالِّ عَلى الوَفْرَةِ. صفحة ١٠٣ والمُرادُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ: عَذابٌ مُسْتَقْبَلٌ. والأرْجَحُ: أنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البابُ حَقِيقَةً وهو بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] . والإبْلاسُ: شِدَّةُ اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ. يُقالُ: أبْلَسَ، إذا ذَلَّ ويَئِسَ مِنَ التَّخَلُّصِ، وهو مُلازِمٌ لِلْهَمْزَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا. فالظّاهِرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَلاسِ كَسَحابٍ وهو المِسْحُ، وأنَّ أصْلَ أبْلَسَ صارَ ذا بَلاسٍ. وكانَ شِعارَ مَن زَهِدُوا في النَّعِيمِ. يُقالُ: لَبِسَ المُسُوحَ، إذا تَرَهَّبَ. وهُنا انْتَهَتِ الجُمَلُ المُعْتَرِضَةُ المُبْتَدَأةُ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .

المؤمنون 23:77

﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥] بِسابِقِ إصْرارِهِمْ عَلى الشِّرْكِ والإعْراضِ عَنِ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ وعَدَمِ الِاتِّعاظِ بِأنَّ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ هو جَزاءُ شِرْكِهِمْ. والجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَعْلَمُ صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ بِحاجَةٍ إلى الِاسْتِظْهارِ عَلَيْهِ. ولَكِنَّهُ لَما كانَ مُتَعَلِّقًا بِالمُشْرِكِينَ وكانَ بِحَيْثُ يَبْلُغُ أسْماعَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِأنَّهُ كَلامُ مَن لا شَكَّ في صِدْقِهِ، كانَ المَقامُ مَحْفُوفًا بِما يَقْتَضِي الِاسْتِدْلالَ عَلَيْهِمْ بِشَواهِدِ أحْوالِهِمْ فِيما مَضى؛ ولِذَلِكَ وقَعَ قَبْلَهُ ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ووَقَعَ بَعْدَهُ ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] . والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ (بِالعَذابِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: بِالعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ. ومَصَبُّ الحالِ هو ما عُطِفَ عَلى جُمْلَتِها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ﴾، فَلا تَتَوَهَّمَنَّ أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ صفحة ١٠١ العَذابِ هُنا تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَذابٌ آخَرُ غَيْرُ المَذْكُورِ آنِفًا مُسْتَنِدًا إلى أنَّ إعادَةَ ذِكْرِ الأوَّلِ لا طائِلَ تَحْتَها. وهَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] . والمَعْنى فَلَمْ يَكُنْ حَظُّهم حِينَ أخَذْناهم بِالعَذابِ إلّا العَوِيلَ والجُوارَ دُونَ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ. وقِيلَ: هَذا عَذابٌ آخَرُ سابِقٌ لِلْعَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا فَيَتَرَكَّبُ هَذا عَلى التَّفاسِيرِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ الأوَّلِ أوْ عَذابُ الجُوعِ الثّانِي بِالنِّسْبَةِ لِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ. والِاسْتِكانَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَخْضَعُ يَقْطَعُ الحَرَكَةَ أمامَ مَن خَضَعَ لَهُ، فَهو افْتِعالٌ مِنَ السُّكُونِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ السُّكُونِ وقُوَّتِهِ. وألِفُهُ ألِفُ الِافْتِعالِ مِثْلُ الِاضْطِرابِ، والتّاءُ زائِدَةٌ كَزِيادَتِها في اسْتِعاذَةٍ. وقِيلَ: الألِفُ لِلْإشْباعِ، أيْ: زِيدَتْ في الِاشْتِقاقِ فَلازَمَتِ الكَلِمَةَ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الإشْباعِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ المُسْتَعْمِلُونَ شُذُوذًا كَقَوْلِ طَرَفَةَ: يَنْباعُ مِن ذِفْرَيْ غَضُوبٍ جَسْرَةٍ أيْ: يَنْبُعُ. وأشارَ في الكَشّافِ إلى الِاسْتِشْهادِ عَلى الإشْباعِ في نَحْوِهِ إلى قَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ: وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِّجالِ بِمُنْتَـزاحِ أرادَ: بِمُنْتَزَحٍ، فَأشْبَعَ الفَتْحَةَ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (اسْتَكانُوا) اسْتِفْعالًا مِنَ الكَوْنِ مِن جِهَتَيْنِ: جِهَةِ مادَّتِهِ فَإنَّ مَعْنى الكَوْنِ فِيهِ غَيْرُ وجِيهٍ، وجِهَةِ صِيغَتِهِ؛ لِأنَّ حَمْلَ السِّينِ والتّاءِ فِيهِ عَلى مَعْنى الطَّلَبِ غَيْرُ واضِحٍ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في (يَتَضَرَّعُونَ) لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ انْتِفاءِ تَضَرُّعِهِمْ. والتَّضَرُّعُ: الدُّعاءُ بِتَذَلُّلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في سُورَةِ صفحة ١٠٢ الأنْعامِ. والقَوْلُ في جُمْلَةِ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ كالقَوْلِ في ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] . و(إذا) مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا﴾ مِثْلُ (إذا) الَّتِي تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] إلَخْ. وفَتْحُ البابِ تَمْثِيلٌ لِمُفاجَأتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَحْجُوزًا عَنْهُ حَسَبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] . شُبِّهَتْ هَيْئَةُ إصابَتِهِمْ بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ كانُوا في سَلامَةٍ وعافِيَةٍ بِهَيْئَةِ ناسٍ في بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِمْ فَفُتِحَ عَلَيْهِمْ بابُ البَيْتِ مِن عَدُوٍّ مَكْرُوهٍ، أوْ تَقُولُ: شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ بِهَيْئَةِ فَتْحِ بابٍ اخْتُزِنَ فِيهِ العَذابُ فَلَمّا فُتِحَ البابُ انْهالَ العَذابُ عَلَيْهِمْ. وهَذا كَما مُثِّلَ بِقَوْلِهِ: وفارَ التَّنُّورُ وقَوْلِهِمْ: طَفَحَتِ الكَأْسُ بِأعْمالِ فُلانٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] وقَوْلِ عَلْقَمَةَ: فَحَقٌّ لِشاسٍ مِن نَداكَ ذَنُوبُ ومِنهُ قَوْلُ الكُتّابِ: فُتِحَ بابُ كَذا عَلى مِصْراعَيْهِ، تَمْثِيلًا لِكَثْرَةِ ذَلِكَ وأفاضَ عَلَيْهِ سِجِلًّا مِنَ الإحْسانِ، وقَوْلُ أبِي تَمّامٍ: مِن شاعِرٍ وقَفَ الكَلامُ بِبابِـهِ ∗∗∗ واكْتَنَّ في كَنَفَيْ ذَراهُ المَنطِقُ ووَصَفَ (بابًا) بِكَوْنِهِ (﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾) دُونَ أنْ يُضافَ بابٌ إلى عَذابٍ فَيُقالُ: بابُ عَذابٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣]؛ لِأنَّ (ذا عَذابٍ) يُفِيدُ مِن شِدَّةِ انْتِسابِ العَذابِ إلى البابِ ما لا تُفِيدُهُ إضافَةُ بابٍ إلى عَذابٍ، ولِيَتَأتّى بِذَلِكَ وصْفُ (عَذابٍ) بِـ (شَدِيدٍ) بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] فَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِهِ بِـ (شَدِيدٍ) بِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ (صَبَّ) الدّالِّ عَلى الوَفْرَةِ. صفحة ١٠٣ والمُرادُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ: عَذابٌ مُسْتَقْبَلٌ. والأرْجَحُ: أنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ عَذابُ الجُوعِ. وقِيلَ: عَذابُ الآخِرَةِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ البابُ حَقِيقَةً وهو بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧١] . والإبْلاسُ: شِدَّةُ اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ. يُقالُ: أبْلَسَ، إذا ذَلَّ ويَئِسَ مِنَ التَّخَلُّصِ، وهو مُلازِمٌ لِلْهَمْزَةِ ولَمْ يَذْكُرُوا لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا. فالظّاهِرُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَلاسِ كَسَحابٍ وهو المِسْحُ، وأنَّ أصْلَ أبْلَسَ صارَ ذا بَلاسٍ. وكانَ شِعارَ مَن زَهِدُوا في النَّعِيمِ. يُقالُ: لَبِسَ المُسُوحَ، إذا تَرَهَّبَ. وهُنا انْتَهَتِ الجُمَلُ المُعْتَرِضَةُ المُبْتَدَأةُ بِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ .

المؤمنون 23:78

﴿وهْوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هَذا رُجُوعٌ إلى غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ والِامْتِنانِ بِما مَنَحَ النّاسَ مِن نِعْمَةٍ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ بِتَخْصِيصِهِ بِالعِبادَةِ، وذَلِكَ قَدِ انْتَقَلَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فانْتَقَلَ إلى الِاعْتِبارِ بِآيَةِ فُلْكِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُتْبِعَ بِالِاعْتِبارِ بِقَصَصِ أقْوامِ الرُّسُلِ عَقِبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] فالجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [المؤمنون: ٢١] والغَرَضُ واحِدٌ وما بَيْنَهُما انْتِقالاتٌ. وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ رُجُوعًا إلى غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [المؤمنون: ٢٣] . وفِي هَذا الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلى الغَرَضِ تَجْدِيدٌ لِنَشاطِ الذِّهْنِ وتَحْرِيكٌ لِلْإصْغاءِ إلى الكَلامِ وهو مِن أسالِيبِ كَلامِ صفحة ١٠٤ العَرَبِ في خُطَبِهِمْ وطِوالِهِمْ. وسَمّاهُ السَّكّاكِيُّ: قِرى الأرْواحِ، وجَعَلَهُ مِن آثارِ كَرَمِ العَرَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ تَذْكِيرٌ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَلالَةِ مُسْنَدًا واسْمُ المَوْصُولِ مُسْنَدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ مُنْشِئًا أنْشَأ لَهُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ، فَصاحِبُ الصِّلَةِ هو الأوْلى بِأنْ يُعْتَبَرَ مُسْنَدًا إلَيْهِ، وهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَهُ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن جَهِلَ أنَّهُ الَّذِي أنْشَأ لَهُمُ السَّمْعَ فَأتى لَهم بِكَلامٍ مُفِيدٍ لِقَصْرِ القَلْبِ أوِ الإفْرادِ، أيِ: اللَّهُ الَّذِي أنْشَأ ذَلِكَ دُونَ أصْنامِكِمْ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أوْ لِجَمِيعِ النّاسِ، أوْ لِلْمُسْلِمِينَ، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ. والإنْشاءُ: الإحْداثُ، أيِ: الإيجادُ. وجَمَعَ الأبْصارَ والأفْئِدَةَ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْحابِها. وأمّا إفْرادُ السَّمْعِ فَجَرى عَلى الأصْلِ في إفْرادِ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ أصْلَ السَّمْعِ أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: الجَمْعُ بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقاتِ فَلَمّا كانَ البَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَوْجُوداتِ وكانَتِ العُقُولُ تُدْرِكُ أجْناسًا وأنْواعًا جُمِعا بِهَذا الِاعْتِبارِ، وأُفْرِدَ السَّمْعُ لِأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِنَوْعٍ واحِدٍ وهو الأصْواتُ. وانْتُصِبَ (قَلِيلًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَكم) . (وما) مَصْدَرِيَّةٌ. والتَّقْدِيرُ: في حالِ كَوْنِكم قَلِيلًا شُكْرُكم. فَإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ فالشُّكْرُ مُرادٌ بِهِ التَّوْحِيدُ، أيْ: فالشُّكْرُ الصّادِرُ مِنكم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى تَشْرِيكِكم غَيْرَهُ مَعَهُ في العِبادَةِ؛ وإنْ كانَ الخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ فالشُّكْرُ عامٌّ في كُلِّ شُكْرِ نِعْمَةٍ، وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِقِلَّةِ عَدَدِ الشّاكِرِينَ؛ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ مُشْرِكُونَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] . وإنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ فالشُّكْرُ عامٌّ وتَقْلِيلُهُ تَحْرِيضٌ عَلى الِاسْتِزادَةِ مِنهُ ونَبْذِ الشِّرْكِ.

المؤمنون 23:79

﴿وهْوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ صفحة ١٠٥ هُوَ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . والذَّرْءُ: البَثُّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ الإيجادِ والحَياةِ وتَيْسِيرِ التَّمَكُّنِ مِنَ الأرْضِ وإكْثارِ النَّوْعِ؛ لِأنَّ الذَّرْءَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ آخَرُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ إذْ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في الخَلْقِ فَكَيْفَ يُشْرِكُونَ مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ أصْنافًا هم يَعْلَمُونَ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وهو أيْضًا اسْتِدْلالٌ عَلى البَعْثِ؛ لِأنَّ الَّذِي أحْيا النّاسَ عَنْ عَدَمٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ إحْيائِهِمْ بَعْدَ تَقَطُّعِ أوْصالِهِمْ. وقُوبِلَ الذَّرْءُ بِضِدِّهِ وهو الحَشْرُ والجَمْعُ، فَإنَّ الحَشْرَ يَجْمَعُ كُلَّ مَن كانَ عَلى الأرْضِ مِنَ البَشَرِ، وفِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ الرَّدُّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في إلَيْهِ تُحْشَرُونَ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنَّهم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ فَهو يُجازِيهِمْ.

المؤمنون 23:80

﴿وهْوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هُوَ مِن أُسْلُوبِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وأُعْقِبَ ذِكْرُ الحَشْرِ بِذِكْرِ الإحْياءِ؛ لِأنَّ البَعْثَ إحْياءٌ إدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ التَّصَرُّفِ في العالَمِ. وأمّا ذِكْرُ الإماتَةِ فَلِمُناسَبَةِ التَّضادِّ، ولِأنَّ فِيها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والقَهْرِ. ولَمّا كانَ مِنَ الإحْياءِ خَلْقُ الإيقاظِ، ومِنَ الإماتَةِ خَلْقُ النَّوْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ، عُطِفَ عَلى ذَلِكَ أنَّ بِقُدْرَتِهِ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ، ولِأنَّ في تَصْرِيفِ اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، والعِلْمُ دَلالَةٌ عَلى الِانْفِرادِ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وعَلى وُقُوعِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] . صفحة ١٠٦ واللّامُ في ﴿لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] لِلْمِلْكِ، أيْ: بِقُدْرَتِهِ تَصْرِيفُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فالنَّهارُ يُناسِبُ الحَياةَ ولِذَلِكَ يُسَمّى الهُبُوبُ في النَّهارِ بَعْثًا، واللَّيْلُ يُناسِبُ المَوْتَ، ولِذَلِكَ سَمّى اللَّهُ النَّوْمَ وفاةً في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا لِغَيْرِهِ، أيْ: فَغَيْرُهُ لا تَحِقُّ لَهُ الإلَهِيَّةُ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ تُفِيدُ مَن نَظَرَ فِيها عِلْمًا بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ وأنَّ البَعْثَ واقِعٌ وكانَ المَقْصُودُونَ بِالخِطابِ قَدْ أشْرَكُوا بِهِ ولَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الأدِلَّةِ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العَقْلِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُفَرَّعِ عَلى الأدِلَّةِ الأرْبَعَةِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ. وهَذا تَذْيِيلٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ وما بَعْدَهُ.

المؤمنون 23:81

﴿وهْوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ هُوَ مِن أُسْلُوبِ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وأُعْقِبَ ذِكْرُ الحَشْرِ بِذِكْرِ الإحْياءِ؛ لِأنَّ البَعْثَ إحْياءٌ إدْماجًا لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عُمُومِ التَّصَرُّفِ في العالَمِ. وأمّا ذِكْرُ الإماتَةِ فَلِمُناسَبَةِ التَّضادِّ، ولِأنَّ فِيها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والقَهْرِ. ولَمّا كانَ مِنَ الإحْياءِ خَلْقُ الإيقاظِ، ومِنَ الإماتَةِ خَلْقُ النَّوْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] الآيَةَ، عُطِفَ عَلى ذَلِكَ أنَّ بِقُدْرَتِهِ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِتِلْكَ المُناسَبَةِ، ولِأنَّ في تَصْرِيفِ اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ، والعِلْمُ دَلالَةٌ عَلى الِانْفِرادِ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ وعَلى وُقُوعِ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] . صفحة ١٠٦ واللّامُ في ﴿لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] لِلْمِلْكِ، أيْ: بِقُدْرَتِهِ تَصْرِيفُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، فالنَّهارُ يُناسِبُ الحَياةَ ولِذَلِكَ يُسَمّى الهُبُوبُ في النَّهارِ بَعْثًا، واللَّيْلُ يُناسِبُ المَوْتَ، ولِذَلِكَ سَمّى اللَّهُ النَّوْمَ وفاةً في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا لِغَيْرِهِ، أيْ: فَغَيْرُهُ لا تَحِقُّ لَهُ الإلَهِيَّةُ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ تُفِيدُ مَن نَظَرَ فِيها عِلْمًا بِأنَّ الإلَهَ واحِدٌ وأنَّ البَعْثَ واقِعٌ وكانَ المَقْصُودُونَ بِالخِطابِ قَدْ أشْرَكُوا بِهِ ولَمْ يَهْتَدُوا بِهَذِهِ الأدِلَّةِ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ غَيْرِ العُقَلاءِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العَقْلِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المُفَرَّعِ عَلى الأدِلَّةِ الأرْبَعَةِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ. وهَذا تَذْيِيلٌ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ وما بَعْدَهُ.

المؤمنون 23:82

﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] ﴿قالُوا أاْذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ هَذا إدْماجٌ لِذِكْرِ أصْلٍ آخَرَ مِن أُصُولِ الشِّرْكِ وهو إحالَةُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ إبْطالًا لِكَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ. وإثْباتٌ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ بَيانِ ما بَعَثَهم عَلى إنْكارِهِ وهو تَقْلِيدٌ. والمَعْنى: أنَّهم لا يَعْقِلُونَ الأدِلَّةَ لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ آبائِهِمْ. والكَلامُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ انْتُقِلَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ إلى حِكايَةِ ضَلالِهِمْ فَناسَبَ هَذا الِانْتِقالَ مَقامُ الغَيْبَةِ لِما في الغَيْبَةِ مِنَ الإبْعادِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُخاطَبِينَ. صفحة ١٠٧ والقَوْلُ هُنا مُرادٌ بِهِ ما طابَقَ الِاعْتِقادَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ مُطابَقَةُ اعْتِقادِ قائِلِهِ، فالمَعْنى: بَلْ ظَنُّوا مِثْلَ ما ظَنَّ الأوَّلُونَ. والأوَّلُونَ: أسْلافُهم في النَّسَبِ أوْ أسْلافُهم في الدِّينِ مِنَ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ المُماثَلَةِ، فالضَّمِيرُ الَّذِي مَعَ (قالُوا) الثّانِي عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا) الأوَّلُ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى (الأوَّلُونَ) . ويَجُوزُ جَعْلُ (قالُوا) الثّانِي اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ (ما قالَ الأوَّلُونَ) ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (الأوَّلُونَ) والمَعْنى واحِدٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإعادَةُ فِعْلِ (قالُوا) مِن قَبِيلِ إعادَةِ الَّذِي عُمِلَ بِهِ في المُبْدَلِ مِنهُ. ونُكْتَتُهُ هُنا التَّعْجِيبُ مِن هَذا القَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ في جُمْلَةِ (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩] بِهَمْزَتَيْنِ عَلى تَأْكِيدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الأُولى بِإدْخالِ مِثْلِها عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، ووُجُودُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةً عَلى الشَّرْطِ كافٍ في إفادَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ جَوابِهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، و(إذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (لَمَبْعُوثُونَ) . والجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ المَوْتِ والكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِتَفْظِيعِ إخْبارِ القُرْآنِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، أيِ: الإحْياءُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّلاشِي القَوِيِّ. وأمّا ذِكْرُ حَرْفِ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ: (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) فالمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ دَعْوى البَعْثِ بِأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يَدَّعِيها بِتَحْقِيقٍ وتَوْكِيدٍ مَعَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الِاسْتِحالَةِ، فَفي حِكايَةِ تَوْكِيدِ مُدَّعِيها زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ الدَّعْوى في وهْمِهِمْ. وجُمْلَةُ (لَقَدْ وُعِدْنا) إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْوِيَةٌ لَهُ. وقَدْ جَعَلُوا مُسْتَنَدَ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ أنَّهُ تَكَرَّرَ الوَعْدُ بِهِ في أزْمانٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَمْ يَقَعْ ولَمْ يُبْعَثْ واحِدٌ مِن آبائِهِمْ. صفحة ١٠٨ ووَجْهُ ذِكْرِ الآباءِ دَفْعُ ما عَسى أنْ يَقُولَ لَهم قائِلٌ: إنَّكم تُبْعَثُونَ قَبْلَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا وعِظامًا، فَأعَدُّوا الجَوابَ بِأنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِمْ فَيَقَعُوا في شَكٍّ بِاحْتِمالِ وُقُوعِهِ بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وقَبْلَ فَناءِ أجْسامِهِمْ بَلْ ذَلِكَ وعْدٌ قَدِيمٌ وُعِدَ بِهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وقَدْ مَضَتْ أزْمانٌ وشُوهِدَتْ رُفاتُهم في أجْداثِهِمْ وما بُعِثَ أحَدٌ مِنهم. وجُمْلَةُ ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ وهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ وهو أنْ يَقُولَ سائِلٌ: فَكَيْفَ تَمالَأ عَلى هَذِهِ الدَّعْوى العَدَدُ مِنَ الدُّعاةِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ عَدَمَ وُقُوعِهِ، فَيُجِيبُونَ بِأنَّ هَذا الشَّيْءَ تَلَقَّفُوهُ عَنْ بَعْضِ الأوَّلِينَ فَتَناقَلُوهُ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ [النمل: ٦٨] إلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلى آخِرِهِ، أيْ: هَذا المَذْكُورُ مِنَ الكَلامِ. وكَذَلِكَ اسْمُ الإشارَةِ الثّانِي ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . وصِيغَةُ القَصْرِ بِمَعْنى: هَذا مُنْحَصِرٌ في كَوْنِهِ مِن حِكاياتِ الأوَّلِينَ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لا يَعْدُو كَوْنَهُ مِنَ الأساطِيرِ إلى كَوْنِهِ واقِعًا كَما زَعَمَ المُدَّعُونَ. والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ الثّانِي لِقَصْدِ زِيادَةِ تَمْيِيزِهِ تَشْهِيرًا بِخَطَئِهِ في زَعْمِهِمْ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي الخَبَرُ الكاذِبُ الَّذِي يُكْسى صِفَةَ الواقِعِ مِثْلُ الخُرافاتِ والرِّواياتِ الوَهْمِيَّةِ لِقَصْدِ التَّلَهِّي بِها. وبِناءُ الأُفْعُولَةِ يَغْلِبُ فِيما يُرادُ بِهِ التَّلَهِّي مِثْلُ: الأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ والأُرْجُوحَةِ والأُحْدُوثَةِ وقَدْ مَضى قَرِيبًا.

المؤمنون 23:83

﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] ﴿قالُوا أاْذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ هَذا إدْماجٌ لِذِكْرِ أصْلٍ آخَرَ مِن أُصُولِ الشِّرْكِ وهو إحالَةُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ إبْطالًا لِكَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ. وإثْباتٌ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ بَيانِ ما بَعَثَهم عَلى إنْكارِهِ وهو تَقْلِيدٌ. والمَعْنى: أنَّهم لا يَعْقِلُونَ الأدِلَّةَ لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ أقْوالَ آبائِهِمْ. والكَلامُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ انْتُقِلَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّهْدِيدِ إلى حِكايَةِ ضَلالِهِمْ فَناسَبَ هَذا الِانْتِقالَ مَقامُ الغَيْبَةِ لِما في الغَيْبَةِ مِنَ الإبْعادِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُخاطَبِينَ. صفحة ١٠٧ والقَوْلُ هُنا مُرادٌ بِهِ ما طابَقَ الِاعْتِقادَ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الكَلامِ مُطابَقَةُ اعْتِقادِ قائِلِهِ، فالمَعْنى: بَلْ ظَنُّوا مِثْلَ ما ظَنَّ الأوَّلُونَ. والأوَّلُونَ: أسْلافُهم في النَّسَبِ أوْ أسْلافُهم في الدِّينِ مِنَ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ ﴿قالُوا أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ بَدَلٌ مُطابِقٌ مِن جُمْلَةِ ﴿قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ المُماثَلَةِ، فالضَّمِيرُ الَّذِي مَعَ (قالُوا) الثّانِي عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (قالُوا) الأوَّلُ، ولَيْسَ عائِدًا عَلى (الأوَّلُونَ) . ويَجُوزُ جَعْلُ (قالُوا) الثّانِي اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ (ما قالَ الأوَّلُونَ) ويَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى (الأوَّلُونَ) والمَعْنى واحِدٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإعادَةُ فِعْلِ (قالُوا) مِن قَبِيلِ إعادَةِ الَّذِي عُمِلَ بِهِ في المُبْدَلِ مِنهُ. ونُكْتَتُهُ هُنا التَّعْجِيبُ مِن هَذا القَوْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى صُورَةِ الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامُ مُقَدَّرٌ في جُمْلَةِ (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٤٩] بِهَمْزَتَيْنِ عَلى تَأْكِيدِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الأُولى بِإدْخالِ مِثْلِها عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، ووُجُودُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ داخِلَةً عَلى الشَّرْطِ كافٍ في إفادَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ جَوابِهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، و(إذا) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: (لَمَبْعُوثُونَ) . والجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ المَوْتِ والكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِتَفْظِيعِ إخْبارِ القُرْآنِ بِوُقُوعِ البَعْثِ، أيِ: الإحْياءُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّلاشِي القَوِيِّ. وأمّا ذِكْرُ حَرْفِ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ: (إنّا لَمَبْعُوثُونَ) فالمَقْصُودُ مِنهُ حِكايَةُ دَعْوى البَعْثِ بِأنَّ الرَّسُولَ الَّذِي يَدَّعِيها بِتَحْقِيقٍ وتَوْكِيدٍ مَعَ كَوْنِها شَدِيدَةَ الِاسْتِحالَةِ، فَفي حِكايَةِ تَوْكِيدِ مُدَّعِيها زِيادَةٌ في تَفْظِيعِ الدَّعْوى في وهْمِهِمْ. وجُمْلَةُ (لَقَدْ وُعِدْنا) إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ وتَقْوِيَةٌ لَهُ. وقَدْ جَعَلُوا مُسْتَنَدَ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ أنَّهُ تَكَرَّرَ الوَعْدُ بِهِ في أزْمانٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَلَمْ يَقَعْ ولَمْ يُبْعَثْ واحِدٌ مِن آبائِهِمْ. صفحة ١٠٨ ووَجْهُ ذِكْرِ الآباءِ دَفْعُ ما عَسى أنْ يَقُولَ لَهم قائِلٌ: إنَّكم تُبْعَثُونَ قَبْلَ أنْ تَصِيرُوا تُرابًا وعِظامًا، فَأعَدُّوا الجَوابَ بِأنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِمْ فَيَقَعُوا في شَكٍّ بِاحْتِمالِ وُقُوعِهِ بِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وقَبْلَ فَناءِ أجْسامِهِمْ بَلْ ذَلِكَ وعْدٌ قَدِيمٌ وُعِدَ بِهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وقَدْ مَضَتْ أزْمانٌ وشُوهِدَتْ رُفاتُهم في أجْداثِهِمْ وما بُعِثَ أحَدٌ مِنهم. وجُمْلَةُ ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ وهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ﴾ وهو أنْ يَقُولَ سائِلٌ: فَكَيْفَ تَمالَأ عَلى هَذِهِ الدَّعْوى العَدَدُ مِنَ الدُّعاةِ في عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ تَحَقُّقِهِمْ عَدَمَ وُقُوعِهِ، فَيُجِيبُونَ بِأنَّ هَذا الشَّيْءَ تَلَقَّفُوهُ عَنْ بَعْضِ الأوَّلِينَ فَتَناقَلُوهُ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ [النمل: ٦٨] إلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلى آخِرِهِ، أيْ: هَذا المَذْكُورُ مِنَ الكَلامِ. وكَذَلِكَ اسْمُ الإشارَةِ الثّانِي ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . وصِيغَةُ القَصْرِ بِمَعْنى: هَذا مُنْحَصِرٌ في كَوْنِهِ مِن حِكاياتِ الأوَّلِينَ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لا يَعْدُو كَوْنَهُ مِنَ الأساطِيرِ إلى كَوْنِهِ واقِعًا كَما زَعَمَ المُدَّعُونَ. والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ الثّانِي لِقَصْدِ زِيادَةِ تَمْيِيزِهِ تَشْهِيرًا بِخَطَئِهِ في زَعْمِهِمْ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي الخَبَرُ الكاذِبُ الَّذِي يُكْسى صِفَةَ الواقِعِ مِثْلُ الخُرافاتِ والرِّواياتِ الوَهْمِيَّةِ لِقَصْدِ التَّلَهِّي بِها. وبِناءُ الأُفْعُولَةِ يَغْلِبُ فِيما يُرادُ بِهِ التَّلَهِّي مِثْلُ: الأُعْجُوبَةِ والأُضْحُوكَةِ والأُرْجُوحَةِ والأُحْدُوثَةِ وقَدْ مَضى قَرِيبًا.

المؤمنون 23:84

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ صفحة ١٠٩ اسْتِئْنافُ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِمْ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى عادَ بِهِ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] . والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ؛ أيْ: أجِيبُوا عَنْ هَذا، ولا يَسَعُهم إلّا الجَوابُ بِأنَّها لِلَّهِ. والمَقْصُودُ: إثْباتُ لازِمِ جَوابِهِمْ وهو انْفِرادُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ. و﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُونِي عَنِ السُّؤالِ. وفي هَذا الشَّرْطِ تَوْجِيهٌ لِعُقُولِهِمْ أنْ يَتَأمَّلُوا فَيَظْهَرَ لَهم أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ وأنَّ مَن فِيها لِلَّهِ فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلَّهِ قَدْ يَخْفى؛ لِأنَّ النّاسَ اعْتادُوا نِسْبَةَ المُسَبَّباتِ إلى أسْبابِها المُقارِنَةِ والتَّصَرُّفاتِ إلى مُباشِرِيها فَنُبِّهُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى التَّأمُّلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، أيْ: يُجِيبُونَ عَقِبَ التَّأمُّلِ جَوابًا غَيْرَ بَطِيءٍ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ جَوابًا لِإقْرارِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لِلَّهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، إنْكارٌ لِعَدَمِ تَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: تَفْطِنُ عُقُولُهم لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وخُصَّ بِالتَّذَكُّرِ لِما في بَعْضِهِ مِن خَفاءِ الدَّلالَةِ والِاحْتِياجِ إلى النَّظَرِ.

المؤمنون 23:85

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَذَّكَّرُونَ﴾ صفحة ١٠٩ اسْتِئْنافُ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِمْ في إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى عادَ بِهِ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ ولَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠] . والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ؛ أيْ: أجِيبُوا عَنْ هَذا، ولا يَسَعُهم إلّا الجَوابُ بِأنَّها لِلَّهِ. والمَقْصُودُ: إثْباتُ لازِمِ جَوابِهِمْ وهو انْفِرادُهُ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ. و﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُونِي عَنِ السُّؤالِ. وفي هَذا الشَّرْطِ تَوْجِيهٌ لِعُقُولِهِمْ أنْ يَتَأمَّلُوا فَيَظْهَرَ لَهم أنَّ الأرْضَ لِلَّهِ وأنَّ مَن فِيها لِلَّهِ فَإنَّ كَوْنَ جَمِيعِ ذَلِكَ لِلَّهِ قَدْ يَخْفى؛ لِأنَّ النّاسَ اعْتادُوا نِسْبَةَ المُسَبَّباتِ إلى أسْبابِها المُقارِنَةِ والتَّصَرُّفاتِ إلى مُباشِرِيها فَنُبِّهُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى التَّأمُّلِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، أيْ: يُجِيبُونَ عَقِبَ التَّأمُّلِ جَوابًا غَيْرَ بَطِيءٍ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿قُلْ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ جَوابًا لِإقْرارِهِمْ واعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لِلَّهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، إنْكارٌ لِعَدَمِ تَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ: تَفْطِنُ عُقُولُهم لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وخُصَّ بِالتَّذَكُّرِ لِما في بَعْضِهِ مِن خَفاءِ الدَّلالَةِ والِاحْتِياجِ إلى النَّظَرِ.

المؤمنون 23:86

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِالقَوْلِ وإنْ كانَ المَقُولُ مُخْتَلِفًا دُونَ أنْ تُعْطَفَ جُمْلَةُ ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾؛ لِأنَّها وقَعَتْ في سِياقِ التَّعْدادِ فَناسَبَ أنْ يُعادَ الأمْرُ بِالقَوْلِ دُونَ الِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ العَطْفِ. والمَقْصُودُ وُقُوعُ هَذِهِ الأسْئِلَةِ مُتَتابِعَةً دَفْعًا صفحة ١١٠ لَهم بِالحُجَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدْ في السُّؤالَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ جُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] اكْتِفاءً بِالِافْتِتاحِ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِلامٍ جارَّةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِهِمُ المُتَوَقَّعِ بِمَعْناهُ لا بِلَفْظِهِ؛ لِأنَّهم لَمّا سُئِلُوا بِـ (مَن) ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌الَّتِي‌‌‌‌ هي لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ ذاتِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كانَ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِذِكْرِ اسْمِ ذاتِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَكانَ العُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى الجَوابِ عَنْ كَوْنِ السَّماواتِ السَّبْعِ والعَرْشِ مَمْلُوكَةً لِلَّهِ عُدُولًا إلى جانِبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ مُراعاةً لِكَوْنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لُوحِظَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةُ تَقْتَضِي المُلْكَ. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِعْمالِ ما أنْشَدَهُ القُرْطُبِيُّ وصاحِبُ المَطْلَعِ: إذا قِيلَ: مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ورَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ قُلْتُ لَخالِدُ ولَمْ أقِفْ عَلى مَن سَبَقَهُما بِذِكْرِ هَذا البَيْتِ ولَعَلَّهُما أخَذاهُ مِن تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ ولَمْ يَعْزُواهُ إلى قائِلٍ ولَعَلَّ قائِلَهُ حَذا بِهِ حَذْوَ اسْتِعْمالِ الآيَةِ. وأقُولُ: إنَّ الأجْدَرَ أنْ نُبَيِّنَ وجْهَ صَوْغِ الآيَةِ بِهَذا الأُسْلُوبِ فَأرى أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنْ أنْ يَقُولُوا: رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ اللَّهُ؛ لِأنَّهم أثْبَتُوا مَعَ اللَّهِ أرْبابًا في السَّماواتِ إذْ عَبَدُوا المَلائِكَةَ فَهم عَدَلُوا عَمّا فِيهِ نَفْيُ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ واقْتَصَرُوا عَلى الإقْرارِ بِأنَّ السَّماواتِ مِلْكٌ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُبْطِلُ أوْهامَ شِرْكِهِمْ مِن أصْلِها؛ ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في التَّلْبِيَةِ في الحَجِّ: (لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ) . فَفي حِكايَةِ جَوابِهِمْ بِهَذا اللَّفْظِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمُ انْتِفاءَ اتِّقائِهِمُ اللَّهَ تَعالى. صفحة ١١١ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) بِدُونِ لامِ الجَرِّ وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ البَصْرَةِ وبِذَلِكَ كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾ والمَعْنى واحِدٌ. ولَمْ يُؤْتَ مَعَ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِشَرْطِ (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤]) ونَحْوِهِ كَما جاءَ في سابِقِهِ؛ لِأنَّ انْفِرادَ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ في السَّماواتِ والعَرْشِ لا يَشُكُّ فِيهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَزْعُمُوا إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ في السَّماواتِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ. وخُصَّ وعْظُهم عَقِبَ جَوابِهِمْ بِالحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ الأرْضِ ومَن فِيها وعُقِّبَتْ تِلْكَ الآيَةُ بِحَضِّهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ لِيَظْهَرَ لَهم أنَّهم عِبادُ اللَّهِ لا عِبادُ الأصْنامِ. وتَبَيَّنَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ وهي أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ وأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِذَلِكَ ناسَبَ حَثَّهم عَلى تَقْواهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ لَهُ وحْدَهُ وأنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ فَإنَّ التَّقْوى تَتَضَمَّنُ طاعَةَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَتَّقُونَ) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ القاصِرِ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى مَعْنًى خاصٍّ وهو التَّقْوى الشّامِلَةُ لِامْتِثالِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ.

المؤمنون 23:87

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِالقَوْلِ وإنْ كانَ المَقُولُ مُخْتَلِفًا دُونَ أنْ تُعْطَفَ جُمْلَةُ ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾؛ لِأنَّها وقَعَتْ في سِياقِ التَّعْدادِ فَناسَبَ أنْ يُعادَ الأمْرُ بِالقَوْلِ دُونَ الِاسْتِغْناءِ بِحَرْفِ العَطْفِ. والمَقْصُودُ وُقُوعُ هَذِهِ الأسْئِلَةِ مُتَتابِعَةً دَفْعًا صفحة ١١٠ لَهم بِالحُجَّةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعَدْ في السُّؤالَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ جُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨] اكْتِفاءً بِالِافْتِتاحِ بِها. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِلامٍ جارَّةٍ لِاسْمِ الجَلالَةِ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ لِجَوابِهِمُ المُتَوَقَّعِ بِمَعْناهُ لا بِلَفْظِهِ؛ لِأنَّهم لَمّا سُئِلُوا بِـ (مَن) ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌الَّتِي‌‌‌‌ هي لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَعْيِينِ ذاتِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ كانَ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ بِذِكْرِ اسْمِ ذاتِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَكانَ العُدُولُ عَنْ ذَلِكَ إلى الجَوابِ عَنْ كَوْنِ السَّماواتِ السَّبْعِ والعَرْشِ مَمْلُوكَةً لِلَّهِ عُدُولًا إلى جانِبِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ مُراعاةً لِكَوْنِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لُوحِظَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، والرُّبُوبِيَّةُ تَقْتَضِي المُلْكَ. ونَظِيرُ هَذا الِاسْتِعْمالِ ما أنْشَدَهُ القُرْطُبِيُّ وصاحِبُ المَطْلَعِ: إذا قِيلَ: مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ورَبُّ الجِيادِ الجُرْدِ قُلْتُ لَخالِدُ ولَمْ أقِفْ عَلى مَن سَبَقَهُما بِذِكْرِ هَذا البَيْتِ ولَعَلَّهُما أخَذاهُ مِن تَفْسِيرِ الزَّجّاجِ ولَمْ يَعْزُواهُ إلى قائِلٍ ولَعَلَّ قائِلَهُ حَذا بِهِ حَذْوَ اسْتِعْمالِ الآيَةِ. وأقُولُ: إنَّ الأجْدَرَ أنْ نُبَيِّنَ وجْهَ صَوْغِ الآيَةِ بِهَذا الأُسْلُوبِ فَأرى أنَّ ذَلِكَ لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم يَحْتَرِزُونَ عَنْ أنْ يَقُولُوا: رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ اللَّهُ؛ لِأنَّهم أثْبَتُوا مَعَ اللَّهِ أرْبابًا في السَّماواتِ إذْ عَبَدُوا المَلائِكَةَ فَهم عَدَلُوا عَمّا فِيهِ نَفْيُ الرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ واقْتَصَرُوا عَلى الإقْرارِ بِأنَّ السَّماواتِ مِلْكٌ لِلَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُبْطِلُ أوْهامَ شِرْكِهِمْ مِن أصْلِها؛ ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ في التَّلْبِيَةِ في الحَجِّ: (لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ) . فَفي حِكايَةِ جَوابِهِمْ بِهَذا اللَّفْظِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمُ انْتِفاءَ اتِّقائِهِمُ اللَّهَ تَعالى. صفحة ١١١ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) بِدُونِ لامِ الجَرِّ وهو كَذَلِكَ في مُصْحَفِ البَصْرَةِ وبِذَلِكَ كانَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ (مَن) في قَوْلِهِ: ﴿مَن رَبُّ السَّماواتِ﴾ والمَعْنى واحِدٌ. ولَمْ يُؤْتَ مَعَ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِشَرْطِ (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤]) ونَحْوِهِ كَما جاءَ في سابِقِهِ؛ لِأنَّ انْفِرادَ اللَّهِ تَعالى بِالرُّبُوبِيَّةِ في السَّماواتِ والعَرْشِ لا يَشُكُّ فِيهِ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَزْعُمُوا إلَهِيَّةَ أصْنامِهِمْ في السَّماواتِ والعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ. وخُصَّ وعْظُهم عَقِبَ جَوابِهِمْ بِالحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ الأرْضِ ومَن فِيها وعُقِّبَتْ تِلْكَ الآيَةُ بِحَضِّهِمْ عَلى التَّذَكُّرِ لِيَظْهَرَ لَهم أنَّهم عِبادُ اللَّهِ لا عِبادُ الأصْنامِ. وتَبَيَّنَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ وهي أعْظَمُ مِنَ الأرْضِ وأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِذَلِكَ ناسَبَ حَثَّهم عَلى تَقْواهُ؛ لِأنَّهُ يَسْتَحِقُّ الطّاعَةَ لَهُ وحْدَهُ وأنْ يُطِيعُوا رَسُولَهُ فَإنَّ التَّقْوى تَتَضَمَّنُ طاعَةَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وحُذِفَ مَفْعُولُ (تَتَّقُونَ) لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ القاصِرِ؛ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى مَعْنًى خاصٍّ وهو التَّقْوى الشّامِلَةُ لِامْتِثالِ المَأْمُوراتِ واجْتِنابِ المَنهِيّاتِ.

المؤمنون 23:88

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهْوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا نُكْتَةَ تَكْرِيرِ القَوْلِ. والمَلَكُوتُ: مُبالَغَةٌ في المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ. فالمَلَكُوتُ: المُلْكُ المُقْتَرِنُ بِالتَّصَرُّفِ في مُخْتَلَفِ الأنْواعِ والعَوالِمِ لِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ (كُلِّ شَيْءٍ) . واليَدُ: القُدْرَةُ. ومَعْنى (يُجِيرُ) يُغِيثُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِنَ الأذى. ومَصْدَرُهُ الإجارَةُ فَيُفِيدُ مَعْنى الغَلَبَةِ، وإذا عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ أفادَ أنَّ المَجْرُورَ صفحة ١١٢ مَغْلُوبٌ عَلى أنْ لا يُنالَ المُجارُ بِأذًى، فَمَعْنى (﴿لا يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ أحَدًا مِن عِقابِهِ، فَيُفِيدُ مَعْنى العِزَّةِ التّامَّةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (﴿يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لِلْمَجْهُولِ لِقَصْدِ انْتِفاءِ الفِعْلِ عَنْ كُلِّ فاعِلٍ فَيُفِيدُ العُمُومَ مَعَ الِاخْتِصارِ. ولَمّا كانَ تَصَرُّفُ اللَّهِ هَذا خَفِيًّا يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرِ العَقْلِ لِإدْراكِهِ عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] كَما عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ بِمِثْلِهِ حَثًّا لَهم عَلى عِلْمِهِ والِاهْتِداءِ إلَيْهِ. ثُمَّ عُقِّبَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا تَدَبَّرُوا عَلِمُوا فَقِيلَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] بِلامِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلِ سالِفِهِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِدُونِ لامٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. (وأنّى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (مِن أيْنَ) كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ [آل عمران: ٣٧] . والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ. والسِّحْرُ مُسْتَعارٌ لِتَرْوِيجِ الباطِلِ بِجامِعِ تَخَيُّلِ ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا. والمَعْنى: فَمِن أيْنَ اخْتَلَّ شُعُورُكم فَراجَ عَلَيْكُمُ الباطِلُ. فالمُرادُ بِالسِّحْرِ: تَرْوِيجُ أيِمَّةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمُ الباطِلَ حَتّى جَعَلُوهم كالمَسْحُورِينَ.

المؤمنون 23:89

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهْوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا نُكْتَةَ تَكْرِيرِ القَوْلِ. والمَلَكُوتُ: مُبالَغَةٌ في المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ. فالمَلَكُوتُ: المُلْكُ المُقْتَرِنُ بِالتَّصَرُّفِ في مُخْتَلَفِ الأنْواعِ والعَوالِمِ لِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ (كُلِّ شَيْءٍ) . واليَدُ: القُدْرَةُ. ومَعْنى (يُجِيرُ) يُغِيثُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِنَ الأذى. ومَصْدَرُهُ الإجارَةُ فَيُفِيدُ مَعْنى الغَلَبَةِ، وإذا عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ أفادَ أنَّ المَجْرُورَ صفحة ١١٢ مَغْلُوبٌ عَلى أنْ لا يُنالَ المُجارُ بِأذًى، فَمَعْنى (﴿لا يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ أحَدًا مِن عِقابِهِ، فَيُفِيدُ مَعْنى العِزَّةِ التّامَّةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (﴿يُجارُ عَلَيْهِ﴾) لِلْمَجْهُولِ لِقَصْدِ انْتِفاءِ الفِعْلِ عَنْ كُلِّ فاعِلٍ فَيُفِيدُ العُمُومَ مَعَ الِاخْتِصارِ. ولَمّا كانَ تَصَرُّفُ اللَّهِ هَذا خَفِيًّا يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرِ العَقْلِ لِإدْراكِهِ عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤] كَما عُقِّبَ الِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ بِمِثْلِهِ حَثًّا لَهم عَلى عِلْمِهِ والِاهْتِداءِ إلَيْهِ. ثُمَّ عُقِّبَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا تَدَبَّرُوا عَلِمُوا فَقِيلَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥] بِلامِ الجَرِّ داخِلَةً عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلِ سالِفِهِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِدُونِ لامٍ وقَدْ عَلِمْتَ ذَلِكَ في نَظِيرِهِ السّابِقِ. (وأنّى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (مِن أيْنَ) كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ [آل عمران: ٣٧] . والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ. والسِّحْرُ مُسْتَعارٌ لِتَرْوِيجِ الباطِلِ بِجامِعِ تَخَيُّلِ ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا. والمَعْنى: فَمِن أيْنَ اخْتَلَّ شُعُورُكم فَراجَ عَلَيْكُمُ الباطِلُ. فالمُرادُ بِالسِّحْرِ: تَرْوِيجُ أيِمَّةِ الكُفْرِ عَلَيْهِمُ الباطِلَ حَتّى جَعَلُوهم كالمَسْحُورِينَ.

المؤمنون 23:90

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ أنْ يَكُونُوا مَسْحُورِينَ، أيْ: بَلْ لَيْسَ الأمْرُ كَما خُيِّلَ إلَيْهِمْ، فالَّذِي أتَيْناهم بِهِ الحَقُّ يَعْنِي القُرْآنَ. والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما يُقالُ: ذَهَبَ بِهِ. أيْ: أذْهَبَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ آنِفًا: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٧١] . والعُدُولُ عَنِ الخِطابِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] إلى الغَيْبَةِ التِفاتٌ؛ لِأنَّهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمُ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ. والحَقُّ هُنا: الصِّدْقُ، فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ فِيما رَمَوْا بِهِ القُرْآنَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٣] . وفِي مُقابَلَةِ الحَقِّ بِـ (كاذِبُونَ) مُحَسِّنُ الطِّباقِ. صفحة ١١٣ وتَأْكِيدُ نِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ. وقَدْ سُلِكَتْ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الأدِلَّةِ طَرِيقَةُ التَّرَقِّي؛ فابْتُدِئَ بِالسُّؤالِ عَنْ مالِكِ الأرْضِ ومَن فِيها؛ لِأنَّها أقْرَبُ العَوالِمِ لِإدْراكِ المُخاطَبِينَ ثُمَّ ارْتُقِيَ إلى الِاسْتِدْلالِ بِرُبُوبِيَّةِ السَّماواتِ والعَرْشِ، ثُمَّ ارْتُقِيَ إلى ما هو أعَمُّ وأشْمَلُ وهو تَصَرُّفُهُ المُطْلَقُ في الأشْياءِ كُلِّها ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ فِيهِ أداةُ العُمُومِ وهي (كُلُّ) .

المؤمنون 23:91

﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أُتْبِعَ الِاسْتِدْلالُ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ. وقُدِّمَتِ النَّتِيجَةُ عَلى القِياسِ لِتُجْعَلَ هي المَطْلُوبَ، فَإنَّ النَّتِيجَةَ والمَطْلُوبَ مُتَّحِدانِ في المَعْنى مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ، فَهي بِاعْتِبارِ حُصُولِها عَقِبَ القِياسِ تُسَمّى نَتِيجَةً، وبِاعْتِبارِ كَوْنِها دَعْوى مُقامٌ عَلَيْها الدَّلِيلُ وهو القِياسُ تُسَمّى مَطْلُوبًا كَما في عِلْمِ المَنطِقِ. ولِتَقْدِيمِها نُكْتَةٌ، أنَّ هَذا المَطْلُوبَ واضِحُ النُّهُوضِ لا يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ إلّا لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ هو المَطْلُوبُ وقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ هو الدَّلِيلُ. وتَقْدِيمُ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الدَّلِيلِ أغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالنَّتِيجَةِ عَقِبَ الدَّلِيلِ. وذُكِرَ نَفْيُ الوَلَدِ اسْتِقْصاءً لِلرَّدِّ عَلى مُخْتَلَفِ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ فَإنَّ مِنهم مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ ارْتَقى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَعَبَدُوا المَلائِكَةَ وقالُوا: هم بَناتُ اللَّهِ. وإنَّما قُدِّمَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ أصْنامٍ لا عَبَدَةُ المَلائِكَةِ نَظَرًا إلى أنَّ شُبْهَةَ عَبَدَةِ المَلائِكَةِ أقْوى مِن شُبْهَةِ عَبَدَةِ صفحة ١١٤ الأصْنامِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ غَيْرُ مُشاهَدِينَ فَلَيْسَتْ دَلائِلُ الحُدُوثِ بادِيَةً عَلَيْهِمْ كالأصْنامِ، ولِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ أقْرَبُ لِلتَّمْوِيهِ مِنَ الَّذِينَ زَعَمُوا الحِجارَةَ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] الآيَةَ. و(إذَنْ) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ قَبْلَها مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. والكَلامُ المُجابُ هُنا هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ فالجَوابُ ضِدُّ ذَلِكَ النَّفْيِ. وإذْ قَدْ كانَ هَذا الضِّدُّ أمْرًا مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ تَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ شَرْطٌ عَلى وجْهِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والحَرْفُ المُعَدُّ لِمِثْلِ هَذا الشَّرْطِ هو (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةُ، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ. وبَقاءُ اللّامِ في صَدْرِ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَ (إذَنْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ شَرْطُ (لَوْ)؛ لِأنَّ اللّامَ تَلْزَمُ جَوابَ (لَوْ)، ولِأنَّ غالِبَ مَواقِعِ (إذَنْ) أنْ تَكُونَ جَوابَ (لَوْ) فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُ الشَّرْطِ هُنا لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] في سُورَةِ النِّساءِ. فَقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى امْتِناعِ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ. وإنَّما لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلى امْتِناعِ أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ما بَعْدَهُ مُغْنٍ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ أعَمُّ مِنهُ وانْتِفاءُ الأعَمِّ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الأخَصِّ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَكانَ الأوْلادُ آلِهَةً؛ لِأنَّ ولَدَ كُلِّ مَوْجُودٍ إنَّما يَتَكَوَّنُ عَلى مِثْلِ ماهِيَّةِ أصْلِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أيْ: لَهُ. والذِّهابُ في قَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالمَذْهُوبِ بِهِ وعَدَمِ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. وبَيانُ انْتِظامِ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ لاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الآلِهَةُ سَواءً في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ كَمالاتٌ صفحة ١١٥ تامَّةٌ فَكانَ كُلُّ إلَهٍ خالِقًا لِمَخْلُوقاتٍ لِثُبُوتِ المَوْجُوداتِ الحادِثَةِ وهي مَخْلُوقَةٌ، فَلا جائِزَ أنْ تَتَوارَدَ الآلِهَةُ عَلى مَخْلُوقٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ: إمّا لِعَجْزٍ عَنِ الِانْفِرادِ بِخَلْقِ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ وهَذا لا يُنافِي الإلَهِيَّةَ، وإمّا تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ وهو مُحالٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ إلَهٍ بِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. ولْنَفْرِضَ أنْ تَكُونَ مَخْلُوقاتُ كُلِّ إلَهٍ مُساوِيَةً لِمَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ بِناءً عَلى أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنَ المَخْلُوقاتِ يَعْلَمُها الإلَهُ الخالِقُ لَها؛ فَتَعَيَّنَ أنْ لا تَكُونَ لِلْإلَهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ طائِفَةً مِنَ المَخْلُوقاتِ رُبُوبِيَّةً عَلى ما لَمْ يَخْلُقْهُ وهَذا يُفْضِي إلى نَقْصٍ في كُلٍّ مِنَ الآلِهَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الكَمالَ لا النَّقْصَ. ولا جَرَمَ أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ سَتَكُونُ بَعْدَ خَلْقِها مُعَرَّضَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ بِحَسَبِ ما يَحُفُّ بِها عَنْ عَوارِضِ الوُجُودِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْها المَخْلُوقاتُ كَما هو مُشاهَدٌ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ. ولا مَناصَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ خالِقَ المَخْلُوقاتِ أوْدَعَ فِيها خَصائِصَ مُلازِمَةً لَها كَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَتِلْكَ المَخْلُوقاتُ مَظاهِرٌ لِخَصائِصِها لا مَحالَةَ فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفَوُّقَ مَخْلُوقاتِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى مَخْلُوقاتِ بَعْضٍ آخَرَ بِعَوارِضَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ والمُقارَناتِ لازِمَةً لِذَلِكَ، لا جَرَمَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلُّهُ لازِمَيْنِ باطِلَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ كُلُّ إلَهٍ مُخْتَصًّا بِمَخْلُوقاتِهِ فَلا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ مِنَ الآلِهَةِ ولا يَتَصَرَّفُ هو في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ كُلَّ إلَهٍ مِنَ الآلِهَةِ عاجِزٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ. وهَذا يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ العَجْزَ نَقْصٌ والنَّقْصُ يُنافِي حَقِيقِيَّةَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا دَلِيلٌ بُرْهانِيٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى اسْتِحالَةِ ضِدِّها. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ . وثانِي اللّازِمَيْنِ أنْ تَصِيرَ مَخْلُوقاتُ بَعْضِ الآلِهَةِ أوْفَرَ أوْ أقْوى مِن مَخْلُوقاتِ إلَهٍ آخَرَ بِعَوارِضَ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِن آثارِ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ وآثارِ الأقْطارِ والحَوادِثِ كَما هو المُشاهَدُ في اخْتِلافِ أحْوالِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى اعْتِزازِ الإلَهِ الَّذِي تَفَوَّقَتْ مَخْلُوقاتُهُ عَلى الإلَهِ صفحة ١١٦ الَّذِي تَنْحَطُّ مَخْلُوقاتُهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَصِيرَ بَعْضُ تِلْكَ الآلِهَةِ أقْوى مِن بَعْضٍ وهو مُنافٍ لِلْمُساواةِ في الإلَهِيَّةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ . وهَذا الثّانِي بِناءً عَلى المُعْتادِ مِن لَوازِمِ الإلَهِيَّةِ في أنْظارِ المُفَكِّرِينَ، وإلّا فَيَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ عَلى أنْ لا يَخْلُقُوا مَخْلُوقاتٍ قابِلَةٍ لِلتَّفاوُتِ بِأنْ لا يَخْلُقُوا إلّا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا مَثَلًا: إلّا أنَّ هَذا يُنافِي الواقِعَ في المَخْلُوقاتِ. ويَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ أيْضًا عَلى أنْ لا يَعْتَزَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِسَبَبِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِ كُلٍّ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ بِناءً عَلى ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَماثِلَةِ الَّتِي تَعْصِمُهم عَنْ صُدُورِ ما يُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ المَجْدِ الإلَهِيِّ؛ إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا يَخْلُو مِنَ المُصانَعَةِ وهي مُشْعِرَةٌ بِضَعْفِ المَقْدِرَةِ. فَبِذَلِكَ كانَ الِاسْتِدْلالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بُرْهانِيًّا، وهو مِثْلُ الِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلّا أنَّ هَذا بُنِيَ عَلى بَعْضِ لُزُومِ النَّقْصِ في ذاتِ الآلِهَةِ وهو ما لا يُجَوِّزُهُ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ، والآخَرُ بُنِيَ عَلى لُزُومِ اخْتِلالِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وهو ما تُبْطِلُهُ المُشاهَدَةُ. أمّا الدَّلِيلُ البُرْهانِيُّ الخالِصُ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ بِالذّاتِ فَلَهُ مُقَدِّماتٌ أُخْرى قَدْ وفّى أيِمَّةُ عِلْمِ الكَلامِ بَسْطَها بِما لا رَواجَ بَعْدَهُ لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ. وقَدْ أشارَ إلى طَرِيقَةٍ مِنها المُحَقِّقُ عُمَرُ القَزْوِينِيُّ في هَذا المَوْضِعِ مِن حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ ولَكِنَّهُ انْفَرَدَ بِادِّعاءٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ كَما ادَّعى. وقَدْ ساقَهُ الشِّهابُ الآلُوسِيُّ فَإنْ شِئْتَ فَتَأمَّلْهُ. ولَمّا اقْتَضى هَذا الدَّلِيلُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ عُقِّبَ الدَّلِيلُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أقْوالِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ صفحة ١١٧ الدَّلِيلِ. وما يَصِفُونَهُ بِهِ هو ما اخْتَصُّوا بِوَصْفِهِمُ اللَّهَ بِهِ مِنَ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ ومِن تَعَذُّرِ البَعْثِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو الَّذِي جَرى فِيهِ غَرَضُ الكَلامِ. وإنَّما أتْبَعَ الِاسْتِدْلالَ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ المُرادِ بِهِ عُمُومَ العِلْمِ وإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما أفادَتْهُ لامُ التَّعْرِيفِ في (﴿الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾) مِنَ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: عالِمُ كُلِّ مَغِيبٍ وكُلِّ ظاهِرٍ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِقْلالَ كُلِّ إلَهٍ بِما خَلَقَ قَدْ لا يُفْضِي إلى عُلُوِّ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، لِجَوازِ أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الآلِهَةِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِهِ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ فَلا يَحْصُلُ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِاشْتِغالِ كُلِّ إلَهٍ بِمَلَكُوتِهِ. ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ الإلَهَ إذا جازَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خالِقٍ لِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي خَلَقَها غَيْرُهُ لِئَلّا تَتَداخَلَ القُدَرُ في مَقْدُوراتٍ واحِدَةٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ عالِمٍ بِما خَلَقَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ صِفاتِ العِلْمِ لا تَتَداخَلُ، فَإذا عَلِمَ أحَدُ الآلِهَةِ مِقْدارَ مَلَكُوتِ شُرَكائِهِ فالعالِمُ بِأشَدِّيَّةِ مَلَكُوتِهِ يَعْلُو عَلى مَن هو دُونَهُ في المَلَكُوتِ، فَظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مِن تَمامِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَنْهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ (عالِمُ الغَيْبِ) بِرَفْعِ (عالِمُ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو مِنَ الحَذْفِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أخْبارٌ أوْ صِفاتٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِجَرِّ (عالِمِ) عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: فَتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ، أيْ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ مُشارِكًا في وصْفِهِ العَظِيمِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ

المؤمنون 23:92

﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أُتْبِعَ الِاسْتِدْلالُ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ. وقُدِّمَتِ النَّتِيجَةُ عَلى القِياسِ لِتُجْعَلَ هي المَطْلُوبَ، فَإنَّ النَّتِيجَةَ والمَطْلُوبَ مُتَّحِدانِ في المَعْنى مُخْتَلِفانِ بِالِاعْتِبارِ، فَهي بِاعْتِبارِ حُصُولِها عَقِبَ القِياسِ تُسَمّى نَتِيجَةً، وبِاعْتِبارِ كَوْنِها دَعْوى مُقامٌ عَلَيْها الدَّلِيلُ وهو القِياسُ تُسَمّى مَطْلُوبًا كَما في عِلْمِ المَنطِقِ. ولِتَقْدِيمِها نُكْتَةٌ، أنَّ هَذا المَطْلُوبَ واضِحُ النُّهُوضِ لا يَفْتَقِرُ إلى دَلِيلٍ إلّا لِزِيادَةِ الِاطْمِئْنانِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ هو المَطْلُوبُ وقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ هو الدَّلِيلُ. وتَقْدِيمُ هَذا المَطْلُوبِ عَلى الدَّلِيلِ أغْنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِالنَّتِيجَةِ عَقِبَ الدَّلِيلِ. وذُكِرَ نَفْيُ الوَلَدِ اسْتِقْصاءً لِلرَّدِّ عَلى مُخْتَلَفِ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ فَإنَّ مِنهم مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ ارْتَقى عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَعَبَدُوا المَلائِكَةَ وقالُوا: هم بَناتُ اللَّهِ. وإنَّما قُدِّمَ نَفْيُ الوَلَدِ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ مَعَ أنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةُ أصْنامٍ لا عَبَدَةُ المَلائِكَةِ نَظَرًا إلى أنَّ شُبْهَةَ عَبَدَةِ المَلائِكَةِ أقْوى مِن شُبْهَةِ عَبَدَةِ صفحة ١١٤ الأصْنامِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ غَيْرُ مُشاهَدِينَ فَلَيْسَتْ دَلائِلُ الحُدُوثِ بادِيَةً عَلَيْهِمْ كالأصْنامِ، ولِأنَّ الَّذِينَ زَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ أقْرَبُ لِلتَّمْوِيهِ مِنَ الَّذِينَ زَعَمُوا الحِجارَةَ شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] الآيَةَ. و(إذَنْ) حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ لِكَلامٍ قَبْلَها مَلْفُوظٍ أوْ مُقَدَّرٍ. والكَلامُ المُجابُ هُنا هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ فالجَوابُ ضِدُّ ذَلِكَ النَّفْيِ. وإذْ قَدْ كانَ هَذا الضِّدُّ أمْرًا مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ تَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ لَهُ شَرْطٌ عَلى وجْهِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، والحَرْفُ المُعَدُّ لِمِثْلِ هَذا الشَّرْطِ هو (لَوْ) الِامْتِناعِيَّةُ، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ. وبَقاءُ اللّامِ في صَدْرِ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَ (إذَنْ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّرَ شَرْطُ (لَوْ)؛ لِأنَّ اللّامَ تَلْزَمُ جَوابَ (لَوْ)، ولِأنَّ غالِبَ مَواقِعِ (إذَنْ) أنْ تَكُونَ جَوابَ (لَوْ) فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُ الشَّرْطِ هُنا لِظُهُورِ تَقْدِيرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠] في سُورَةِ النِّساءِ. فَقَوْلُهُ: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى امْتِناعِ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ. وإنَّما لَمْ يُسْتَدَلَّ عَلى امْتِناعِ أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ما بَعْدَهُ مُغْنٍ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ أعَمُّ مِنهُ وانْتِفاءُ الأعَمِّ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الأخَصِّ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لِلَّهِ ولَدٌ لَكانَ الأوْلادُ آلِهَةً؛ لِأنَّ ولَدَ كُلِّ مَوْجُودٍ إنَّما يَتَكَوَّنُ عَلى مِثْلِ ماهِيَّةِ أصْلِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] أيْ: لَهُ. والذِّهابُ في قَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ﴾ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِقْلالِ بِالمَذْهُوبِ بِهِ وعَدَمِ مُشارَكَةِ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ. وبَيانُ انْتِظامِ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ لاقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الآلِهَةُ سَواءً في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ، وتِلْكَ الصِّفاتُ كَمالاتٌ صفحة ١١٥ تامَّةٌ فَكانَ كُلُّ إلَهٍ خالِقًا لِمَخْلُوقاتٍ لِثُبُوتِ المَوْجُوداتِ الحادِثَةِ وهي مَخْلُوقَةٌ، فَلا جائِزَ أنْ تَتَوارَدَ الآلِهَةُ عَلى مَخْلُوقٍ واحِدٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ: إمّا لِعَجْزٍ عَنِ الِانْفِرادِ بِخَلْقِ بَعْضِ المَخْلُوقاتِ وهَذا لا يُنافِي الإلَهِيَّةَ، وإمّا تَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ وهو مُحالٌ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَنْفَرِدَ كُلُّ إلَهٍ بِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ. ولْنَفْرِضَ أنْ تَكُونَ مَخْلُوقاتُ كُلِّ إلَهٍ مُساوِيَةً لِمَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ بِناءً عَلى أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنَ المَخْلُوقاتِ يَعْلَمُها الإلَهُ الخالِقُ لَها؛ فَتَعَيَّنَ أنْ لا تَكُونَ لِلْإلَهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْ طائِفَةً مِنَ المَخْلُوقاتِ رُبُوبِيَّةً عَلى ما لَمْ يَخْلُقْهُ وهَذا يُفْضِي إلى نَقْصٍ في كُلٍّ مِنَ الآلِهَةِ وهو يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الكَمالَ لا النَّقْصَ. ولا جَرَمَ أنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ سَتَكُونُ بَعْدَ خَلْقِها مُعَرَّضَةً لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ والقُوَّةِ والضَّعْفِ بِحَسَبِ ما يَحُفُّ بِها عَنْ عَوارِضِ الوُجُودِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْها المَخْلُوقاتُ كَما هو مُشاهَدٌ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ. ولا مَناصَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ خالِقَ المَخْلُوقاتِ أوْدَعَ فِيها خَصائِصَ مُلازِمَةً لَها كَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَتِلْكَ المَخْلُوقاتُ مَظاهِرٌ لِخَصائِصِها لا مَحالَةَ فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَفَوُّقَ مَخْلُوقاتِ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى مَخْلُوقاتِ بَعْضٍ آخَرَ بِعَوارِضَ مِنَ التَّصَرُّفاتِ والمُقارَناتِ لازِمَةً لِذَلِكَ، لا جَرَمَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ كُلُّهُ لازِمَيْنِ باطِلَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ كُلُّ إلَهٍ مُخْتَصًّا بِمَخْلُوقاتِهِ فَلا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ مِنَ الآلِهَةِ ولا يَتَصَرَّفُ هو في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ كُلَّ إلَهٍ مِنَ الآلِهَةِ عاجِزٌ عَنِ التَّصَرُّفِ في مَخْلُوقاتِ غَيْرِهِ. وهَذا يَسْتَلْزِمُ المُحالَ؛ لِأنَّ العَجْزَ نَقْصٌ والنَّقْصُ يُنافِي حَقِيقِيَّةَ الإلَهِيَّةِ. وهَذا دَلِيلٌ بُرْهانِيٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ أدّى إلى اسْتِحالَةِ ضِدِّها. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ . وثانِي اللّازِمَيْنِ أنْ تَصِيرَ مَخْلُوقاتُ بَعْضِ الآلِهَةِ أوْفَرَ أوْ أقْوى مِن مَخْلُوقاتِ إلَهٍ آخَرَ بِعَوارِضَ تَقْتَضِي ذَلِكَ مِن آثارِ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ وآثارِ الأقْطارِ والحَوادِثِ كَما هو المُشاهَدُ في اخْتِلافِ أحْوالِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى الواحِدِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى اعْتِزازِ الإلَهِ الَّذِي تَفَوَّقَتْ مَخْلُوقاتُهُ عَلى الإلَهِ صفحة ١١٦ الَّذِي تَنْحَطُّ مَخْلُوقاتُهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَصِيرَ بَعْضُ تِلْكَ الآلِهَةِ أقْوى مِن بَعْضٍ وهو مُنافٍ لِلْمُساواةِ في الإلَهِيَّةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ . وهَذا الثّانِي بِناءً عَلى المُعْتادِ مِن لَوازِمِ الإلَهِيَّةِ في أنْظارِ المُفَكِّرِينَ، وإلّا فَيَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ عَلى أنْ لا يَخْلُقُوا مَخْلُوقاتٍ قابِلَةٍ لِلتَّفاوُتِ بِأنْ لا يَخْلُقُوا إلّا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا مَثَلًا: إلّا أنَّ هَذا يُنافِي الواقِعَ في المَخْلُوقاتِ. ويَجُوزُ اتِّفاقُ الآلِهَةِ أيْضًا عَلى أنْ لا يَعْتَزَّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِسَبَبِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِ كُلٍّ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ بِناءً عَلى ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الحِكْمَةِ المُتَماثِلَةِ الَّتِي تَعْصِمُهم عَنْ صُدُورِ ما يُؤَدِّي إلى اخْتِلالِ المَجْدِ الإلَهِيِّ؛ إلّا أنَّ هَذا المَعْنى لا يَخْلُو مِنَ المُصانَعَةِ وهي مُشْعِرَةٌ بِضَعْفِ المَقْدِرَةِ. فَبِذَلِكَ كانَ الِاسْتِدْلالُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ بُرْهانِيًّا، وهو مِثْلُ الِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلّا أنَّ هَذا بُنِيَ عَلى بَعْضِ لُزُومِ النَّقْصِ في ذاتِ الآلِهَةِ وهو ما لا يُجَوِّزُهُ المَرْدُودُ عَلَيْهِمْ، والآخَرُ بُنِيَ عَلى لُزُومِ اخْتِلالِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وهو ما تُبْطِلُهُ المُشاهَدَةُ. أمّا الدَّلِيلُ البُرْهانِيُّ الخالِصُ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ بِالذّاتِ فَلَهُ مُقَدِّماتٌ أُخْرى قَدْ وفّى أيِمَّةُ عِلْمِ الكَلامِ بَسْطَها بِما لا رَواجَ بَعْدَهُ لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ. وقَدْ أشارَ إلى طَرِيقَةٍ مِنها المُحَقِّقُ عُمَرُ القَزْوِينِيُّ في هَذا المَوْضِعِ مِن حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ ولَكِنَّهُ انْفَرَدَ بِادِّعاءٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الآيَةِ ولَيْسَ كَما ادَّعى. وقَدْ ساقَهُ الشِّهابُ الآلُوسِيُّ فَإنْ شِئْتَ فَتَأمَّلْهُ. ولَمّا اقْتَضى هَذا الدَّلِيلُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ عُقِّبَ الدَّلِيلُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أقْوالِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ وهو بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ صفحة ١١٧ الدَّلِيلِ. وما يَصِفُونَهُ بِهِ هو ما اخْتَصُّوا بِوَصْفِهِمُ اللَّهَ بِهِ مِنَ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ ومِن تَعَذُّرِ البَعْثِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ وهو الَّذِي جَرى فِيهِ غَرَضُ الكَلامِ. وإنَّما أتْبَعَ الِاسْتِدْلالَ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ المُرادِ بِهِ عُمُومَ العِلْمِ وإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ كَما أفادَتْهُ لامُ التَّعْرِيفِ في (﴿الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾) مِنَ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ، أيْ: عالِمُ كُلِّ مَغِيبٍ وكُلِّ ظاهِرٍ، لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُقالَ: إنَّ اسْتِقْلالَ كُلِّ إلَهٍ بِما خَلَقَ قَدْ لا يُفْضِي إلى عُلُوِّ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، لِجَوازِ أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مِنَ الآلِهَةِ بِمِقْدارِ تَفاوُتِ مَلَكُوتِهِ عَلى مَلَكُوتِ الآخَرِ فَلا يَحْصُلُ عُلُوُّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِاشْتِغالِ كُلِّ إلَهٍ بِمَلَكُوتِهِ. ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ الإلَهَ إذا جازَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ خالِقٍ لِطائِفَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ الَّتِي خَلَقَها غَيْرُهُ لِئَلّا تَتَداخَلَ القُدَرُ في مَقْدُوراتٍ واحِدَةٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ عالِمٍ بِما خَلَقَهُ غَيْرُهُ؛ لِأنَّ صِفاتِ العِلْمِ لا تَتَداخَلُ، فَإذا عَلِمَ أحَدُ الآلِهَةِ مِقْدارَ مَلَكُوتِ شُرَكائِهِ فالعالِمُ بِأشَدِّيَّةِ مَلَكُوتِهِ يَعْلُو عَلى مَن هو دُونَهُ في المَلَكُوتِ، فَظَهَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مِن تَمامِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ الشُّرَكاءِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَنْهُ بِالفاءِ قَوْلُهُ: ﴿فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ (عالِمُ الغَيْبِ) بِرَفْعِ (عالِمُ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وهو مِنَ الحَذْفِ الشّائِعِ في الِاسْتِعْمالِ إذا أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أخْبارٌ أوْ صِفاتٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِجَرِّ (عالِمِ) عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ . و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ. والمَعْنى: فَتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ، أيْ: هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ مُشارِكًا في وصْفِهِ العَظِيمِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ

المؤمنون 23:93

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ صفحة ١١٨ آذَنَتِ الأياتُ السّابِقَةُ بِأقْصى ضَلالِ المُشْرِكِينَ وانْتِفاءِ عُذْرِهِمْ فِيما دانُوا بِهِ اللَّهَ تَعالى وبِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وأنَّهم سَواءٌ في ذَلِكَ مَعَ الأُمَمِ الَّتِي عَجَّلَ اللَّهُ لَها العَذابَ في الدُّنْيا، وادَّخَرَ لَها عَذابًا آخَرَ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ نِذارَةً لَهم بِمِثْلِهِ وتَهْدِيدًا بِما سَيَقُولُونَهُ، وكانَ مَثارًا لِخَشْيَةِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَحِلَّ العَذابُ بِقَوْمِهِ في حَياتِهِ والخَوْفِ مِن هَوْلِهِ فَلَقَّنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَسْألَ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ العَذابِ. وفي هَذا التَّلْقِينِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنَجِّيهِمْ مِنَ العَذابِ بِحِكْمَتِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُرِي نَبِيَّهُ حُلُولَ العَذابِ بِمُكَذِّبِيهِ كَما هو شَأْنُ تَلْقِينِ الدُّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، فالوَعِيدُ المَذْكُورُ هُنا وعِيدٌ بِعِقابٍ في الدُّنْيا كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . وذُكِرَ في هَذا الدُّعاءِ لَفْظُ (رَبِّ) مُكَرَّرًا تَمْهِيدًا لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الرَّأْفَةَ بِالمَرْبُوبِ. وأُدْخِلَ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ (ما) الزّائِدَةُ لِلتَّوْكِيدِ فاقْتَرَنَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ. ونَظِيرُهُ في تَكْرِيرِ المُؤَكَّداتِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ قَوْلُ الأعْشى: إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ أيْ: فاعْلَمِي حَقًّا أنّا نَحْفى تارَةً ونَنْتَعِلُ أُخْرى لِأجْلِ ذَلِكَ، أيْ: لِأجْلِ إخْفاءِ الخُطى لا لِأجْلِ وِجْدانِ نَعْلٍ مَرَّةً وفُقْدانِها أُخْرى كَحالِ أهْلِ الخَصاصَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في آخِرِ الأعْرافِ. والمَعْنى: إذا كانَ ما يُوعَدُونَ حاصِلًا في حَياتِي فَأنا أدْعُوكم أنْ لا تَجْعَلُونِي فِيهِمْ حِينَئِذٍ. صفحة ١١٩ واسْتِعْمالُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْألَ الكَوْنَ في مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فالظَّرْفِيَّةُ هُنا حَقِيقِيَّةٌ، أيْ: بَيْنَهم. والخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في إيجادِ الرَّجاءِ بِحُصُولِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ نُرِيَكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ في مَنجاةٍ مِن أنْ يَلْحَقَهُ ما يُوعَدُونَ بِهِ وأنَّهُ سَيَراهُ مَرْأى عَيْنٍ دُونَ كَوْنٍ فِيهِ. وقَدْ يَبْدُو أنَّ هَذا وعْدٌ غَرِيبٌ؛ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ العَذابُ سَماوِيًّا، فَإذا نَجّى اللَّهُ مِنهُ بَعْضَ رُسُلِهِ مِثْلَ لُوطٍ فَإنَّهُ يُبْعِدُهُ عَنْ مَوْضِعِ العَذابِ، ولَكِنْ كانَ عَذابُ هَؤُلاءِ غَيْرَ سَماوِيٍّ فَتَحَقَّقَ في مَصْرَعِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَرْأى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ وناداهم بِأسْمائِهِمْ واحِدًا واحِدًا وقالَ لَهم: «لَقَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» . وبِهَذا القَصْدِ يَظْهَرُ مَوْقِعَيْ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ (إنَّ) واللّامِ مِن إصابَةِ مَحَزِّ الإعْجازِ.

المؤمنون 23:94

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ صفحة ١١٨ آذَنَتِ الأياتُ السّابِقَةُ بِأقْصى ضَلالِ المُشْرِكِينَ وانْتِفاءِ عُذْرِهِمْ فِيما دانُوا بِهِ اللَّهَ تَعالى وبِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وأنَّهم سَواءٌ في ذَلِكَ مَعَ الأُمَمِ الَّتِي عَجَّلَ اللَّهُ لَها العَذابَ في الدُّنْيا، وادَّخَرَ لَها عَذابًا آخَرَ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ نِذارَةً لَهم بِمِثْلِهِ وتَهْدِيدًا بِما سَيَقُولُونَهُ، وكانَ مَثارًا لِخَشْيَةِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَحِلَّ العَذابُ بِقَوْمِهِ في حَياتِهِ والخَوْفِ مِن هَوْلِهِ فَلَقَّنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَسْألَ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ العَذابِ. وفي هَذا التَّلْقِينِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنَجِّيهِمْ مِنَ العَذابِ بِحِكْمَتِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُرِي نَبِيَّهُ حُلُولَ العَذابِ بِمُكَذِّبِيهِ كَما هو شَأْنُ تَلْقِينِ الدُّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، فالوَعِيدُ المَذْكُورُ هُنا وعِيدٌ بِعِقابٍ في الدُّنْيا كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . وذُكِرَ في هَذا الدُّعاءِ لَفْظُ (رَبِّ) مُكَرَّرًا تَمْهِيدًا لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الرَّأْفَةَ بِالمَرْبُوبِ. وأُدْخِلَ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ (ما) الزّائِدَةُ لِلتَّوْكِيدِ فاقْتَرَنَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ. ونَظِيرُهُ في تَكْرِيرِ المُؤَكَّداتِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ قَوْلُ الأعْشى: إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ أيْ: فاعْلَمِي حَقًّا أنّا نَحْفى تارَةً ونَنْتَعِلُ أُخْرى لِأجْلِ ذَلِكَ، أيْ: لِأجْلِ إخْفاءِ الخُطى لا لِأجْلِ وِجْدانِ نَعْلٍ مَرَّةً وفُقْدانِها أُخْرى كَحالِ أهْلِ الخَصاصَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في آخِرِ الأعْرافِ. والمَعْنى: إذا كانَ ما يُوعَدُونَ حاصِلًا في حَياتِي فَأنا أدْعُوكم أنْ لا تَجْعَلُونِي فِيهِمْ حِينَئِذٍ. صفحة ١١٩ واسْتِعْمالُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْألَ الكَوْنَ في مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فالظَّرْفِيَّةُ هُنا حَقِيقِيَّةٌ، أيْ: بَيْنَهم. والخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في إيجادِ الرَّجاءِ بِحُصُولِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ نُرِيَكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ في مَنجاةٍ مِن أنْ يَلْحَقَهُ ما يُوعَدُونَ بِهِ وأنَّهُ سَيَراهُ مَرْأى عَيْنٍ دُونَ كَوْنٍ فِيهِ. وقَدْ يَبْدُو أنَّ هَذا وعْدٌ غَرِيبٌ؛ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ العَذابُ سَماوِيًّا، فَإذا نَجّى اللَّهُ مِنهُ بَعْضَ رُسُلِهِ مِثْلَ لُوطٍ فَإنَّهُ يُبْعِدُهُ عَنْ مَوْضِعِ العَذابِ، ولَكِنْ كانَ عَذابُ هَؤُلاءِ غَيْرَ سَماوِيٍّ فَتَحَقَّقَ في مَصْرَعِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَرْأى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ وناداهم بِأسْمائِهِمْ واحِدًا واحِدًا وقالَ لَهم: «لَقَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» . وبِهَذا القَصْدِ يَظْهَرُ مَوْقِعَيْ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ (إنَّ) واللّامِ مِن إصابَةِ مَحَزِّ الإعْجازِ.

المؤمنون 23:95

﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ صفحة ١١٨ آذَنَتِ الأياتُ السّابِقَةُ بِأقْصى ضَلالِ المُشْرِكِينَ وانْتِفاءِ عُذْرِهِمْ فِيما دانُوا بِهِ اللَّهَ تَعالى وبِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ، وأنَّهم سَواءٌ في ذَلِكَ مَعَ الأُمَمِ الَّتِي عَجَّلَ اللَّهُ لَها العَذابَ في الدُّنْيا، وادَّخَرَ لَها عَذابًا آخَرَ في الآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ نِذارَةً لَهم بِمِثْلِهِ وتَهْدِيدًا بِما سَيَقُولُونَهُ، وكانَ مَثارًا لِخَشْيَةِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَحِلَّ العَذابُ بِقَوْمِهِ في حَياتِهِ والخَوْفِ مِن هَوْلِهِ فَلَقَّنَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَسْألَ النَّجاةَ مِن ذَلِكَ العَذابِ. وفي هَذا التَّلْقِينِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنَجِّيهِمْ مِنَ العَذابِ بِحِكْمَتِهِ، وإيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُرِي نَبِيَّهُ حُلُولَ العَذابِ بِمُكَذِّبِيهِ كَما هو شَأْنُ تَلْقِينِ الدُّعاءِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآيَةَ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْتَلِجُ في نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِيما حَلَّ بِالمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، فالوَعِيدُ المَذْكُورُ هُنا وعِيدٌ بِعِقابٍ في الدُّنْيا كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ . وذُكِرَ في هَذا الدُّعاءِ لَفْظُ (رَبِّ) مُكَرَّرًا تَمْهِيدًا لِلْإجابَةِ؛ لِأنَّ وصْفَ الرُّبُوبِيَّةِ يَقْتَضِي الرَّأْفَةَ بِالمَرْبُوبِ. وأُدْخِلَ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ (ما) الزّائِدَةُ لِلتَّوْكِيدِ فاقْتَرَنَ فِعْلُ الشَّرْطِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ. ونَظِيرُهُ في تَكْرِيرِ المُؤَكَّداتِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ قَوْلُ الأعْشى: إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ أيْ: فاعْلَمِي حَقًّا أنّا نَحْفى تارَةً ونَنْتَعِلُ أُخْرى لِأجْلِ ذَلِكَ، أيْ: لِأجْلِ إخْفاءِ الخُطى لا لِأجْلِ وِجْدانِ نَعْلٍ مَرَّةً وفُقْدانِها أُخْرى كَحالِ أهْلِ الخَصاصَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في آخِرِ الأعْرافِ. والمَعْنى: إذا كانَ ما يُوعَدُونَ حاصِلًا في حَياتِي فَأنا أدْعُوكم أنْ لا تَجْعَلُونِي فِيهِمْ حِينَئِذٍ. صفحة ١١٩ واسْتِعْمالُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُشِيرُ إلى أنَّهُ أُمِرَ أنْ يَسْألَ الكَوْنَ في مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فالظَّرْفِيَّةُ هُنا حَقِيقِيَّةٌ، أيْ: بَيْنَهم. والخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في إيجادِ الرَّجاءِ بِحُصُولِ وعِيدِ المُكَذِّبِينَ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ، وإلّا فَلا حاجَةَ إلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿أنْ نُرِيَكَ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ في مَنجاةٍ مِن أنْ يَلْحَقَهُ ما يُوعَدُونَ بِهِ وأنَّهُ سَيَراهُ مَرْأى عَيْنٍ دُونَ كَوْنٍ فِيهِ. وقَدْ يَبْدُو أنَّ هَذا وعْدٌ غَرِيبٌ؛ لِأنَّ المُتَعارَفَ أنْ يَكُونَ العَذابُ سَماوِيًّا، فَإذا نَجّى اللَّهُ مِنهُ بَعْضَ رُسُلِهِ مِثْلَ لُوطٍ فَإنَّهُ يُبْعِدُهُ عَنْ مَوْضِعِ العَذابِ، ولَكِنْ كانَ عَذابُ هَؤُلاءِ غَيْرَ سَماوِيٍّ فَتَحَقَّقَ في مَصْرَعِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ بِمَرْأى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ وناداهم بِأسْمائِهِمْ واحِدًا واحِدًا وقالَ لَهم: «لَقَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» . وبِهَذا القَصْدِ يَظْهَرُ مَوْقِعَيْ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ (إنَّ) واللّامِ مِن إصابَةِ مَحَزِّ الإعْجازِ.

المؤمنون 23:96

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ لَمّا أنْبَأ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يُلْمِحُ لَهُ بِأنَّهُ مُنْجِزٌ وعِيدَهُ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَعَلِمَ الرَّسُولُ والمُسْلِمُونَ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ لَهُمُ النَّصْرَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِأنْ يَدْفَعَ مُكَذِّبِيهِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وأنْ لا يَضِيقَ بِتَكْذِيبِهِمْ صَدْرُهُ فَلِذَلِكَ دَفَعَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ كَما هو أدَبُ الإسْلامِ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ اللَّهِ يُعامِلُ أصْحابَ الإساءَةِ لِرَسُولِهِ بِما هم أحِقّاءُ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ لِأنَّ الَّذِي هو أعْلَمُ بِالأحْوالِ يَجْرِي عَمَلُهُ عَلى مُناسِبِ تِلْكَ الأحْوالِ بِالعَدْلِ وفي هَذا تَطْمِينٌ لِنَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ . صفحة ١٢٠ وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَصِفُونَ) وتَقْدِيرُهُ: بِما يَصِفُونَكَ، أيْ: مِمّا يَضِيقُ بِهِ صَدْرُكَ، وذَلِكَ تَعَهُّدٌ بِأنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُ مِنهم فَرُبَّ أحَدٌ يَبْدُو مِنهُ السُّوءُ يَنْطَوِي ضَمِيرُهُ عَلى بَعْضِ الخَيْرِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن يَحْدُبُ عَلى النَّبِيءِ في نَفْسِهِ، ورُبَّ أحَدٌ هو بِعَكْسِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وهو ألَدُّ الخِصامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] . و(الَّتِي هي أحْسَنُ) مُرادٌ بِها: الحَسَنَةُ الكامِلَةُ، فاسْمُ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ﴾ [يوسف: ٣٣] . والتَّخَلُّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ المُؤْمِنَ الكامِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُفَوِّضَ أمْرَ المُعْتَدِينَ عَلَيْهِ إلى اللَّهِ فَهو يَتَوَلّى الِانْتِصارَ لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وأنَّهُ إنْ قابَلَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ كانَ انْتِصارُ اللَّهِ أشَفى لِصَدْرِهِ وأرْسَخَ في نَصْرِهِ، وماذا تَبْلُغُ قُدْرَةُ المَخْلُوقِ تِجاهَ قُدْرَةِ الخالِقِ، وهو الَّذِي هَزَمَ الأحْزابَ بِلا جُيُوشٍ ولا فَيالِقَ. وهَكَذا كانَ خُلُقُ النَّبِيءِ ﷺ فَقَدْ كانَ لا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ وكانَ يَدْعُو رَبَّهُ. وذُكِرَ في المَدارِكِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غانِمٍ: أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ابْنُ زُرْعَةَ كانَ لَهُ جاهٌ ورِئاسَةٌ وكانَ ابْنُ غانِمٍ حَكَمَ عَلَيْهِ بِوَجْهِ حَقٍّ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَ ابْنَ غانِمٍ في مَوْضِعٍ خالٍ فَشَتَمَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ ابْنُ غانِمٍ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ فَسَلَّمَ ابْنُ زُرْعَةَ عَلى ابْنِ غانِمٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ غانِمٍ ورَحَّبَ بِهِ ومَضى مَعَهُ إلى مَنزِلِهِ وعَمِلَ لَهُ طَعامًا فَلَمّا أرادَ مُفارَقَتَهُ قالَ لِابْنِ غانِمٍ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اغْفِرْ لِي واجْعَلْنِي في حِلٍّ مِمّا كانَ مِن خِطابِي. فَقالَ لَهُ ابْنُ غانِمٍ: أمّا هَذا فَلَسْتُ أفْعَلُهُ حَتّى أُوقِفَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا أنْ يَنالَكَ مِنِّي في الدُّنْيا مَكْرُوهٌ أوْ عُقُوبَةٌ فَلا.

المؤمنون 23:97

﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ صفحة ١٢١ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ مُوالِيًا لِلْمَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُفَوِّضَ جَزاءَهم إلى رَبِّهِ أمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن حَيْلُولَةِ الشَّياطِينِ دُونَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ؛ أيِ: التَّعَوُّذُ مِن تَحْرِيكِ الشَّيْطانِ داعِيَةَ الغَضَبِ والِانْتِقامِ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ، فَيَكُونُ (الشَّياطِينِ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ: تَصَرُّفاتِهِمْ بِتَحْرِيكِ القُوى الَّتِي في نَفْسِ الإنْسانِ (أيْ: في غَيْرِ أُمُورِ التَّبْلِيغِ) مِثْلَ تَحْرِيكِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ كَما تَأوَّلَ الغَزالِيُّ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في الحَدِيثِ «ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ» . ويَكُونُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُقْتَضِيًا تَكَفُّلَ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِجابَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أوْ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُرادًا بِهِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى السَّلامَةِ مِنهم. قالَ في الشِّفاءِ: الأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ (أيْ: مُجَمَّعَةٌ) عَلى عِصْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الشَّيْطانِ لا في جِسْمِهِ بِأنْواعِ الأذى، ولا عَلى خاطِرِهِ بِالوَساوِسِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] بِأنْ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَلْجَأ إلَيْهِ بِطَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأذاهم، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الشَّياطِينِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم شَياطِينُ الإنْسِ كَما قالَ تَعالى: (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]) ويَكُونُ هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] فَيَكُونُ المُرادُ: أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ القَوْمِ الظّالِمِينَ أوْ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مِنهم. والهَمْزُ حَقِيقَتُهُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ والطَّعْنُ بِالإصْبَعِ ونَحْوُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى الأذى بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . صفحة ١٢٢ ومَحْمَلُهُ هُنا عِنْدِي عَلى المَعْنى المَجازِيِّ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الشَّياطِينِ. وهَمْزُ شَياطِينِ الجِنِّ ظاهِرٌ، وأمّا هَمْزُ شَياطِينِ الإنْسِ فَقَدْ كانَ مِن أذى المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ لَمْزِهِ والتَّغامُزِ عَلَيْهِ والكَيْدِ لَهُ. ومَعْنى التَّعَوُّذِ مِن هَمْزِهِمْ: التَّعَوُّذُ مِن آثارِ ذَلِكَ فَإنَّ مِن ذَلِكَ أنْ يَغْمِزُوا بَعْضَ سُفَهائِهِمْ إغْراءً لَهم بِأذاهُ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ إغْرائِهِمْ مَن أتى بِسَلا جَزُورٍ فَألْقاهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو في صَلاتِهِ حَوْلَ الكَعْبَةِ. وهَذا الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الشَّياطِينِ هو الألْيَقُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] كَما سَيَأْتِي. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ فَهو تَعَوُّذٌ مِن قُرْبِهِمْ لِأنَّهم إذا اقْتَرَبُوا مِنهُ لَحِقَهُ أذاهم.

المؤمنون 23:98

﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ صفحة ١٢١ الظّاهِرُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ مُوالِيًا لِلْمَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُفَوِّضَ جَزاءَهم إلى رَبِّهِ أمَرَهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن حَيْلُولَةِ الشَّياطِينِ دُونَ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ؛ أيِ: التَّعَوُّذُ مِن تَحْرِيكِ الشَّيْطانِ داعِيَةَ الغَضَبِ والِانْتِقامِ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ، فَيَكُونُ (الشَّياطِينِ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ: تَصَرُّفاتِهِمْ بِتَحْرِيكِ القُوى الَّتِي في نَفْسِ الإنْسانِ (أيْ: في غَيْرِ أُمُورِ التَّبْلِيغِ) مِثْلَ تَحْرِيكِ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ كَما تَأوَّلَ الغَزالِيُّ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في الحَدِيثِ «ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ» . ويَكُونُ أمْرُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُقْتَضِيًا تَكَفُّلَ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِجابَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أوْ أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مُرادًا بِهِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى السَّلامَةِ مِنهم. قالَ في الشِّفاءِ: الأُمَّةُ مُجْتَمِعَةٌ (أيْ: مُجَمَّعَةٌ) عَلى عِصْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الشَّيْطانِ لا في جِسْمِهِ بِأنْواعِ الأذى، ولا عَلى خاطِرِهِ بِالوَساوِسِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٣] بِأنْ أمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَلْجَأ إلَيْهِ بِطَلَبِ الوِقايَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وأذاهم، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الشَّياطِينِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم شَياطِينُ الإنْسِ كَما قالَ تَعالى: (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]) ويَكُونُ هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النّاسِ﴾ [الناس: ٥] ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] فَيَكُونُ المُرادُ: أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ القَوْمِ الظّالِمِينَ أوْ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ مِنهم. والهَمْزُ حَقِيقَتُهُ: الضَّغْطُ بِاليَدِ والطَّعْنُ بِالإصْبَعِ ونَحْوُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا بِمَعْنى الأذى بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . صفحة ١٢٢ ومَحْمَلُهُ هُنا عِنْدِي عَلى المَعْنى المَجازِيِّ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في المُرادِ مِنَ الشَّياطِينِ. وهَمْزُ شَياطِينِ الجِنِّ ظاهِرٌ، وأمّا هَمْزُ شَياطِينِ الإنْسِ فَقَدْ كانَ مِن أذى المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ لَمْزِهِ والتَّغامُزِ عَلَيْهِ والكَيْدِ لَهُ. ومَعْنى التَّعَوُّذِ مِن هَمْزِهِمْ: التَّعَوُّذُ مِن آثارِ ذَلِكَ فَإنَّ مِن ذَلِكَ أنْ يَغْمِزُوا بَعْضَ سُفَهائِهِمْ إغْراءً لَهم بِأذاهُ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ إغْرائِهِمْ مَن أتى بِسَلا جَزُورٍ فَألْقاهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو في صَلاتِهِ حَوْلَ الكَعْبَةِ. وهَذا الوَجْهُ في تَفْسِيرِ الشَّياطِينِ هو الألْيَقُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] كَما سَيَأْتِي. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ فَهو تَعَوُّذٌ مِن قُرْبِهِمْ لِأنَّهم إذا اقْتَرَبُوا مِنهُ لَحِقَهُ أذاهم.

المؤمنون 23:99

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّيَ أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ وقَدْ عَلِمْتَ مُفادَها غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ ولا تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها مُغَيًّا بِها فَلا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ (حَتّى) بِـ (يَصِفُونَ) . والوَجْهُ أنَّ (حَتّى) مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] . فَهَذا انْتِقالٌ إلى وصْفِ ما يَلْقَوْنَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَذابُهم في الدُّنْيا فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ وصْفًا أُنُفًا لِعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ. وهو الَّذِي رَجَّحْنا بِهِ أنْ يَكُونَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ العَذابِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَذابًا في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. فَإنْ حَمَلْتَ العَذابَ السّابِقَ الذِّكْرِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ كانَ ذَلِكَ إجْمالًا: وكانَ قَوْلُهُ: صفحة ١٢٣ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْصِيلًا لَهُ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ: (﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]) إلى ما هُنا ولَيْسَتْ عايِدَةً إلى الشَّياطِينِ. ولِقَصْدِ إدْماجِ التَّهْدِيدِ بِما سَيُشاهِدُونَ مِن عَذابٍ أُعِدَّ لَهم فَيَنْدَمُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في مُدَّةِ حَياتِهِمْ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (ارْجِعُونِ) تَعْظِيمٌ لِلْمُخاطَبِ. والخِطابُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وهو يَلْزَمُ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ فَيُقالُ في خِطابِ المَرْأةِ إذا قُصِدَ تَعْظِيمُها: أنْتُمْ. ولا يُقالُ: أنْتُنَّ. قالَ العَرَجِيُّ: فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُـمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا فَقالَ: سِواكم. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: فَلا تَحْسَبِي أنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُـمْ ∗∗∗ لِشَيْءٍ ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أفْرَقُ فَقالَ: بَعْدَكم، وقَدْ حَصَلَ لِي هَذا بِاسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ ولَمْ أرَ مَن وقَفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ (ارْجِعُونِ) . والتَّرْكُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ وهو مَعْنى التَّخْلِيَةِ والمُفارَقَةِ. وما صَدَقُ (ما تَرَكْتُ) عالَمُ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّرْكِ مَعْناهُ المَجازِيُّ وهو الإعْراضُ والرَّفْضُ، عَلى أنْ يَكُونَ ما صَدَقَ المَوْصُولُ الأيْمانَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقَ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي رَفَضَهُ كُلُّ مَن يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، فالمَعْنى: لَعَلِّي أُسْلِمُ وأعْمَلُ صالِحًا في حالَةِ إسْلامِي الَّذِي كُنْتُ رَفَضْتُهُ، فاشْتَمَلَ هَذا المَعْنى عَلى وعْدٍ بِالِامْتِثالِ واعْتِرافٍ بِالخَطَأِ فِيما سَلَفَ. ورُكِّبَ بِهَذا النَّظْمِ المُوجَزِ قَضاءً لِحَقِّ البَلاغَةِ. و(كُلًّا) رَدْعٌ لِلسّامِعِ لِيَعْلَمَ إبْطالَ طِلْبَةِ الكافِرِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ تَرْكِيبٌ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وحاصِلُ مَعْناهُ: أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلَخْ لا يَتَجاوَزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا صَدَرَ مِن لِسانِهِ لا جَدْوى لَهُ فِيهِ، أيْ: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ بِهِ. صفحة ١٢٤ فَجُمْلَةُ (هو قائِلُها) وصْفٌ لِـ (كَلِمَةٌ)، أيْ: هي كَلِمَةٌ، هَذا وصْفُها. وإذْ كانَ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّهُ قائِلُها لَمْ يَكُنْ في وصْفِ (كَلِمَةٌ) بِهِ فائِدَةٌ جَدِيدَةٌ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى أنَّهُ لا وصْفَ لِكَلِمَتِهِ غَيْرُ كَوْنِها صَدَرَتْ مِن في صاحِبِها. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ التَّأْكِيدَ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ لَهُ الوَصْفُ. والكَلِمَةُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ» وكَما في قَوْلِهِمْ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وكَلِمَةُ الإسْلامِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةٌ. والوَراءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُصِيبُ المَرْءَ لا مَحالَةَ ويَنالُهُ وهو لا يَظُنُّهُ يُصِيبُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِالَّذِي يُرِيدُ اللِّحاقَ بِالسّائِرِ فَهو لاحِقُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . وقالَ لَبِيدٌ: ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِـي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ والبَرْزَخُ: الحاجِزُ بَيْنَ مَكانَيْنِ. قِيلَ: المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ القَبْرُ، وقِيلَ: هو بَقاءُ مُدَّةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: هو عالَمٌ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ تَسْتَقِرُّ فِيهِ الأرْواحُ فَتُكاشَفُ عَلى مَقَرِّها المُسْتَقْبَلِ. وإلى هَذا مالَ الصُّوفِيَّةُ. وقالَ السَّيِّدُ في التَّعْرِيفاتِ: البَرْزَخُ العالَمُ المَشْهُودُ بَيْنَ عالَمِ المَعانِي المُجَرَّدَةِ وعالَمِ الأجْسامِ المادِّيَّةِ، أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عالَمِ المِثالِ ا هـ، أيْ: عِنْدَ الفَلاسِفَةِ القُدَماءِ. ومَعْنى ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أنَّهم غَيْرُ راجِعِينَ إلى الحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ. فَهِيَ إقْناطٌ لَهم؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ يَوْمَ البَعْثِ الَّذِي وُعِدُوهُ لا رُجُوعَ بَعْدَهُ صفحة ١٢٥ إلى الدُّنْيا فالَّذِي قالَ لَهم (﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾) هو الَّذِي أعْلَمَهم بِما هو البَعْثُ.

المؤمنون 23:100

﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّيَ أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها ومِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ وقَدْ عَلِمْتَ مُفادَها غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ ولا تُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها مُغَيًّا بِها فَلا حاجَةَ إلى تَعْلِيقِ (حَتّى) بِـ (يَصِفُونَ) . والوَجْهُ أنَّ (حَتّى) مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهم لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٥] . فَهَذا انْتِقالٌ إلى وصْفِ ما يَلْقَوْنَ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَذابُهم في الدُّنْيا فَيَكُونُ قَوْلُهُ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ وصْفًا أُنُفًا لِعَذابِهِمْ في الآخِرَةِ. وهو الَّذِي رَجَّحْنا بِهِ أنْ يَكُونَ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ العَذابِ ثَلاثَ مَرّاتٍ عَذابًا في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ. فَإنْ حَمَلْتَ العَذابَ السّابِقَ الذِّكْرِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ كانَ ذَلِكَ إجْمالًا: وكانَ قَوْلُهُ: صفحة ١٢٣ ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْصِيلًا لَهُ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ عائِدَةٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ: (﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]) إلى ما هُنا ولَيْسَتْ عايِدَةً إلى الشَّياطِينِ. ولِقَصْدِ إدْماجِ التَّهْدِيدِ بِما سَيُشاهِدُونَ مِن عَذابٍ أُعِدَّ لَهم فَيَنْدَمُونَ عَلى تَفْرِيطِهِمْ في مُدَّةِ حَياتِهِمْ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (ارْجِعُونِ) تَعْظِيمٌ لِلْمُخاطَبِ. والخِطابُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ، وهو يَلْزَمُ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ فَيُقالُ في خِطابِ المَرْأةِ إذا قُصِدَ تَعْظِيمُها: أنْتُمْ. ولا يُقالُ: أنْتُنَّ. قالَ العَرَجِيُّ: فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُـمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا فَقالَ: سِواكم. وقالَ جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحارِثِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: فَلا تَحْسَبِي أنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُـمْ ∗∗∗ لِشَيْءٍ ولا أنِّي مِنَ المَوْتِ أفْرَقُ فَقالَ: بَعْدَكم، وقَدْ حَصَلَ لِي هَذا بِاسْتِقْراءِ كَلامِهِمْ ولَمْ أرَ مَن وقَفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ التَّرَجِّي في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ (ارْجِعُونِ) . والتَّرْكُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ وهو مَعْنى التَّخْلِيَةِ والمُفارَقَةِ. وما صَدَقُ (ما تَرَكْتُ) عالَمُ الدُّنْيا. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّرْكِ مَعْناهُ المَجازِيُّ وهو الإعْراضُ والرَّفْضُ، عَلى أنْ يَكُونَ ما صَدَقَ المَوْصُولُ الأيْمانَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقَ رَسُولِهِ، فَذَلِكَ هو الَّذِي رَفَضَهُ كُلُّ مَن يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، فالمَعْنى: لَعَلِّي أُسْلِمُ وأعْمَلُ صالِحًا في حالَةِ إسْلامِي الَّذِي كُنْتُ رَفَضْتُهُ، فاشْتَمَلَ هَذا المَعْنى عَلى وعْدٍ بِالِامْتِثالِ واعْتِرافٍ بِالخَطَأِ فِيما سَلَفَ. ورُكِّبَ بِهَذا النَّظْمِ المُوجَزِ قَضاءً لِحَقِّ البَلاغَةِ. و(كُلًّا) رَدْعٌ لِلسّامِعِ لِيَعْلَمَ إبْطالَ طِلْبَةِ الكافِرِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ تَرْكِيبٌ يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ وهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وحاصِلُ مَعْناهُ: أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلَخْ لا يَتَجاوَزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا صَدَرَ مِن لِسانِهِ لا جَدْوى لَهُ فِيهِ، أيْ: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ بِهِ. صفحة ١٢٤ فَجُمْلَةُ (هو قائِلُها) وصْفٌ لِـ (كَلِمَةٌ)، أيْ: هي كَلِمَةٌ، هَذا وصْفُها. وإذْ كانَ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّهُ قائِلُها لَمْ يَكُنْ في وصْفِ (كَلِمَةٌ) بِهِ فائِدَةٌ جَدِيدَةٌ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى أنَّهُ لا وصْفَ لِكَلِمَتِهِ غَيْرُ كَوْنِها صَدَرَتْ مِن في صاحِبِها. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ التَّأْكِيدَ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ لَهُ الوَصْفُ. والكَلِمَةُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلٌ» وكَما في قَوْلِهِمْ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وكَلِمَةُ الإسْلامِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] في سُورَةِ بَراءَةٌ. والوَراءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُصِيبُ المَرْءَ لا مَحالَةَ ويَنالُهُ وهو لا يَظُنُّهُ يُصِيبُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِالَّذِي يُرِيدُ اللِّحاقَ بِالسّائِرِ فَهو لاحِقُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] . وقالَ لَبِيدٌ: ألَيْسَ ورائِي أنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِـي ∗∗∗ لُزُومُ العَصا تُحْنِي عَلَيْها الأصابِعُ والبَرْزَخُ: الحاجِزُ بَيْنَ مَكانَيْنِ. قِيلَ: المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ القَبْرُ، وقِيلَ: هو بَقاءُ مُدَّةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: هو عالَمٌ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ تَسْتَقِرُّ فِيهِ الأرْواحُ فَتُكاشَفُ عَلى مَقَرِّها المُسْتَقْبَلِ. وإلى هَذا مالَ الصُّوفِيَّةُ. وقالَ السَّيِّدُ في التَّعْرِيفاتِ: البَرْزَخُ العالَمُ المَشْهُودُ بَيْنَ عالَمِ المَعانِي المُجَرَّدَةِ وعالَمِ الأجْسامِ المادِّيَّةِ، أعْنِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عالَمِ المِثالِ ا هـ، أيْ: عِنْدَ الفَلاسِفَةِ القُدَماءِ. ومَعْنى ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أنَّهم غَيْرُ راجِعِينَ إلى الحَياةِ إلى يَوْمِ البَعْثِ. فَهِيَ إقْناطٌ لَهم؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ يَوْمَ البَعْثِ الَّذِي وُعِدُوهُ لا رُجُوعَ بَعْدَهُ صفحة ١٢٥ إلى الدُّنْيا فالَّذِي قالَ لَهم (﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾) هو الَّذِي أعْلَمَهم بِما هو البَعْثُ.

المؤمنون 23:101

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَإنَّ زَمَنَ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ البَعْثِ. فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ يَوْمُ يَبْعَثُونَ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالَةِ يَوْمِ البَعْثِ. والصُّورُ: البُوقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ لِلتَّجَمُّعِ والنَّفِيرِ، وهو مِمّا يُنادى بِهِ لِلْحَرْبِ ويُنادى بِهِ لِلصَّلاةِ عِنْدَ اليَهُودِ كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وأُسْنِدَ (نُفِخَ) إلى الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ المُعْتَنى بِهِ هو حُدُوثُ النَّفْخِ لا تَعْيِينُ النّافِخِ. وإنَّما يُنْفَخُ فِيهِ بِأمْرِ تَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَنْفُخُ فِيهِ أحَدُ المَلائِكَةِ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ المَلَكُ إسْرافِيلُ. والمَقْصُودُ التَّفْرِيعُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مَناطُ بَيانِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] المَرْدُودِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو كالتَّمْهِيدِ لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبادَرَةً بِتَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ تَنْفَعَهم أنْسابُهم أوِ اسْتِنْجادُهم. صفحة ١٢٦ والأظْهَرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو قَوْلُهُ الآتِي: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] كَما سَيَأْتِي وما بَيْنَهُما كُلُّهُ اعْتِراضٌ نَشَأ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ قَبْلَهُ وهي عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ. ومَعْنى نَفْيِ الأنْسابِ: نَفْيُ آثارِها مِنَ النَّجْدَةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في عُرْفِهِمْ مِن لَوازِمِ القَرابَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّصِيرِ. والتَّساؤُلُ: سُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. والمَعْنِيُّ بِهِ التَّساؤُلُ المُناسِبُ لِحُلُولِ يَوْمِ الهَوْلِ، وهو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا المَعُونَةَ والنَّجْدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] . وأمّا إثْباتُ التَّساؤُلِ يَوْمَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَلِذَلِكَ بَعُدَ يَأْسُهم مِن وُجُودِ نَصِيرٍ أوْ شَفِيعٍ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا هو نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيُّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ فَهو في النَّفْخَةِ الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلا أنْسابَ بَيْنَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ”أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ اهـ. يُرِيدُ اخْتِلافَ الزَّمانِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ. وذُكِرَ مَن (ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) في هَذِهِ الآيَةِ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَجِدُونَ في مَوازِينِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ شَيْئًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ١٢٧ والخَسارَةُ: نُقْصانُ مالِ التِّجارَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ الأعْرافِ. وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ خَيْبَتِهِمْ فِيما كانُوا يَأْمَلُونَهُ مِن شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ وأنَّ لَهُمُ النَّجاةَ في الآخِرَةِ أوْ مِن أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى البَعْثِ، فَكَذَّبُوا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ وحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمُ الخَيْرَ فَوَجَدُوا ضِدَّهُ فَكانَتْ نُفُوسُهم مَخْسُورَةً كَأنَّها تَلِفَتْ مِنهم، ولِذَلِكَ نُصِبَ (أنْفُسَهم) عَلى المَفْعُولِ بِـ (خَسِرُوا) . واسْما الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ الفَرِيقَيْنِ بِصِفاتِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾) . ومَعْنى (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) تَحْرِقُ. واللَّفْحُ: شِدَّةُ إصابَةِ النّارِ. والكالِحُ: الَّذِي بِهِ الكُلُوحُ وهو تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ وظُهُورُ الأسْنانِ مِن أثَرِ تَقَطُّبِ أعْصابِ الوَجْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الألَمِ.

المؤمنون 23:102

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَإنَّ زَمَنَ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ البَعْثِ. فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ يَوْمُ يَبْعَثُونَ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالَةِ يَوْمِ البَعْثِ. والصُّورُ: البُوقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ لِلتَّجَمُّعِ والنَّفِيرِ، وهو مِمّا يُنادى بِهِ لِلْحَرْبِ ويُنادى بِهِ لِلصَّلاةِ عِنْدَ اليَهُودِ كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وأُسْنِدَ (نُفِخَ) إلى الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ المُعْتَنى بِهِ هو حُدُوثُ النَّفْخِ لا تَعْيِينُ النّافِخِ. وإنَّما يُنْفَخُ فِيهِ بِأمْرِ تَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَنْفُخُ فِيهِ أحَدُ المَلائِكَةِ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ المَلَكُ إسْرافِيلُ. والمَقْصُودُ التَّفْرِيعُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مَناطُ بَيانِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] المَرْدُودِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو كالتَّمْهِيدِ لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبادَرَةً بِتَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ تَنْفَعَهم أنْسابُهم أوِ اسْتِنْجادُهم. صفحة ١٢٦ والأظْهَرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو قَوْلُهُ الآتِي: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] كَما سَيَأْتِي وما بَيْنَهُما كُلُّهُ اعْتِراضٌ نَشَأ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ قَبْلَهُ وهي عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ. ومَعْنى نَفْيِ الأنْسابِ: نَفْيُ آثارِها مِنَ النَّجْدَةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في عُرْفِهِمْ مِن لَوازِمِ القَرابَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّصِيرِ. والتَّساؤُلُ: سُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. والمَعْنِيُّ بِهِ التَّساؤُلُ المُناسِبُ لِحُلُولِ يَوْمِ الهَوْلِ، وهو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا المَعُونَةَ والنَّجْدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] . وأمّا إثْباتُ التَّساؤُلِ يَوْمَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَلِذَلِكَ بَعُدَ يَأْسُهم مِن وُجُودِ نَصِيرٍ أوْ شَفِيعٍ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا هو نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيُّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ فَهو في النَّفْخَةِ الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلا أنْسابَ بَيْنَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ”أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ اهـ. يُرِيدُ اخْتِلافَ الزَّمانِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ. وذُكِرَ مَن (ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) في هَذِهِ الآيَةِ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَجِدُونَ في مَوازِينِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ شَيْئًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ١٢٧ والخَسارَةُ: نُقْصانُ مالِ التِّجارَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ الأعْرافِ. وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ خَيْبَتِهِمْ فِيما كانُوا يَأْمَلُونَهُ مِن شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ وأنَّ لَهُمُ النَّجاةَ في الآخِرَةِ أوْ مِن أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى البَعْثِ، فَكَذَّبُوا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ وحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمُ الخَيْرَ فَوَجَدُوا ضِدَّهُ فَكانَتْ نُفُوسُهم مَخْسُورَةً كَأنَّها تَلِفَتْ مِنهم، ولِذَلِكَ نُصِبَ (أنْفُسَهم) عَلى المَفْعُولِ بِـ (خَسِرُوا) . واسْما الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ الفَرِيقَيْنِ بِصِفاتِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾) . ومَعْنى (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) تَحْرِقُ. واللَّفْحُ: شِدَّةُ إصابَةِ النّارِ. والكالِحُ: الَّذِي بِهِ الكُلُوحُ وهو تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ وظُهُورُ الأسْنانِ مِن أثَرِ تَقَطُّبِ أعْصابِ الوَجْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الألَمِ.

المؤمنون 23:103

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَإنَّ زَمَنَ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ البَعْثِ. فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ يَوْمُ يَبْعَثُونَ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالَةِ يَوْمِ البَعْثِ. والصُّورُ: البُوقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ لِلتَّجَمُّعِ والنَّفِيرِ، وهو مِمّا يُنادى بِهِ لِلْحَرْبِ ويُنادى بِهِ لِلصَّلاةِ عِنْدَ اليَهُودِ كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وأُسْنِدَ (نُفِخَ) إلى الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ المُعْتَنى بِهِ هو حُدُوثُ النَّفْخِ لا تَعْيِينُ النّافِخِ. وإنَّما يُنْفَخُ فِيهِ بِأمْرِ تَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَنْفُخُ فِيهِ أحَدُ المَلائِكَةِ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ المَلَكُ إسْرافِيلُ. والمَقْصُودُ التَّفْرِيعُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مَناطُ بَيانِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] المَرْدُودِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو كالتَّمْهِيدِ لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبادَرَةً بِتَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ تَنْفَعَهم أنْسابُهم أوِ اسْتِنْجادُهم. صفحة ١٢٦ والأظْهَرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو قَوْلُهُ الآتِي: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] كَما سَيَأْتِي وما بَيْنَهُما كُلُّهُ اعْتِراضٌ نَشَأ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ قَبْلَهُ وهي عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ. ومَعْنى نَفْيِ الأنْسابِ: نَفْيُ آثارِها مِنَ النَّجْدَةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في عُرْفِهِمْ مِن لَوازِمِ القَرابَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّصِيرِ. والتَّساؤُلُ: سُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. والمَعْنِيُّ بِهِ التَّساؤُلُ المُناسِبُ لِحُلُولِ يَوْمِ الهَوْلِ، وهو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا المَعُونَةَ والنَّجْدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] . وأمّا إثْباتُ التَّساؤُلِ يَوْمَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَلِذَلِكَ بَعُدَ يَأْسُهم مِن وُجُودِ نَصِيرٍ أوْ شَفِيعٍ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا هو نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيُّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ فَهو في النَّفْخَةِ الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلا أنْسابَ بَيْنَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ”أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ اهـ. يُرِيدُ اخْتِلافَ الزَّمانِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ. وذُكِرَ مَن (ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) في هَذِهِ الآيَةِ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَجِدُونَ في مَوازِينِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ شَيْئًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ١٢٧ والخَسارَةُ: نُقْصانُ مالِ التِّجارَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ الأعْرافِ. وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ خَيْبَتِهِمْ فِيما كانُوا يَأْمَلُونَهُ مِن شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ وأنَّ لَهُمُ النَّجاةَ في الآخِرَةِ أوْ مِن أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى البَعْثِ، فَكَذَّبُوا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ وحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمُ الخَيْرَ فَوَجَدُوا ضِدَّهُ فَكانَتْ نُفُوسُهم مَخْسُورَةً كَأنَّها تَلِفَتْ مِنهم، ولِذَلِكَ نُصِبَ (أنْفُسَهم) عَلى المَفْعُولِ بِـ (خَسِرُوا) . واسْما الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ الفَرِيقَيْنِ بِصِفاتِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾) . ومَعْنى (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) تَحْرِقُ. واللَّفْحُ: شِدَّةُ إصابَةِ النّارِ. والكالِحُ: الَّذِي بِهِ الكُلُوحُ وهو تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ وظُهُورُ الأسْنانِ مِن أثَرِ تَقَطُّبِ أعْصابِ الوَجْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الألَمِ.

المؤمنون 23:104

﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَإنَّ زَمَنَ النَّفْخِ في الصُّورِ هو يَوْمُ البَعْثِ. فالتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ يَوْمُ يَبْعَثُونَ، ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ تَصْوِيرٌ لِحالَةِ يَوْمِ البَعْثِ. والصُّورُ: البُوقُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ النّافِخُ لِلتَّجَمُّعِ والنَّفِيرِ، وهو مِمّا يُنادى بِهِ لِلْحَرْبِ ويُنادى بِهِ لِلصَّلاةِ عِنْدَ اليَهُودِ كَما جاءَ في حَدِيثِ بَدْءِ الأذانِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصُّورِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ. وأُسْنِدَ (نُفِخَ) إلى الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ المُعْتَنى بِهِ هو حُدُوثُ النَّفْخِ لا تَعْيِينُ النّافِخِ. وإنَّما يُنْفَخُ فِيهِ بِأمْرِ تَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَنْفُخُ فِيهِ أحَدُ المَلائِكَةِ وقَدْ ورَدَ أنَّهُ المَلَكُ إسْرافِيلُ. والمَقْصُودُ التَّفْرِيعُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ إلى آخِرِهِ؛ لِأنَّهُ مَناطُ بَيانِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِ قائِلِهِمْ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] المَرْدُودِ إجْمالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] فَقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو كالتَّمْهِيدِ لَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ مُبادَرَةً بِتَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ تَنْفَعَهم أنْسابُهم أوِ اسْتِنْجادُهم. صفحة ١٢٦ والأظْهَرُ أنَّ جَوابَ (إذا) هو قَوْلُهُ الآتِي: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] كَما سَيَأْتِي وما بَيْنَهُما كُلُّهُ اعْتِراضٌ نَشَأ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وضَمِيرُ (بَيْنَهم) عائِدٌ إلى ما عادَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ قَبْلَهُ وهي عائِدَةٌ إلى المُشْرِكِينَ. ومَعْنى نَفْيِ الأنْسابِ: نَفْيُ آثارِها مِنَ النَّجْدَةِ والنَّصْرِ والشَّفاعَةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ في عُرْفِهِمْ مِن لَوازِمِ القَرابَةِ. فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّصِيرِ. والتَّساؤُلُ: سُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. والمَعْنِيُّ بِهِ التَّساؤُلُ المُناسِبُ لِحُلُولِ يَوْمِ الهَوْلِ، وهو أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا المَعُونَةَ والنَّجْدَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] . وأمّا إثْباتُ التَّساؤُلِ يَوْمَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٢٩] ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ [الصافات: ٣٠] ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَلِذَلِكَ بَعُدَ يَأْسُهم مِن وُجُودِ نَصِيرٍ أوْ شَفِيعٍ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ رَجُلًا هو نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيُّ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ وقالَ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ فَهو في النَّفْخَةِ الأُولى ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَلا أنْسابَ بَيْنَهم عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَتَساءَلُونَ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ ”أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ اهـ. يُرِيدُ اخْتِلافَ الزَّمانِ وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْناهُ. وذُكِرَ مَن (ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ) في هَذِهِ الآيَةِ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُؤْمِنِينَ وتَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَجِدُونَ في مَوازِينِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ شَيْئًا، قالَ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ١٢٧ والخَسارَةُ: نُقْصانُ مالِ التِّجارَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ الأعْرافِ. وهي هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ خَيْبَتِهِمْ فِيما كانُوا يَأْمَلُونَهُ مِن شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ وأنَّ لَهُمُ النَّجاةَ في الآخِرَةِ أوْ مِن أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى البَعْثِ، فَكَذَّبُوا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ وحَسِبُوا أنَّهم قَدْ أعَدُّوا لِأنْفُسِهِمُ الخَيْرَ فَوَجَدُوا ضِدَّهُ فَكانَتْ نُفُوسُهم مَخْسُورَةً كَأنَّها تَلِفَتْ مِنهم، ولِذَلِكَ نُصِبَ (أنْفُسَهم) عَلى المَفْعُولِ بِـ (خَسِرُوا) . واسْما الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ الفَرِيقَيْنِ بِصِفاتِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾) . ومَعْنى (﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾) تَحْرِقُ. واللَّفْحُ: شِدَّةُ إصابَةِ النّارِ. والكالِحُ: الَّذِي بِهِ الكُلُوحُ وهو تَقَلُّصُ الشَّفَتَيْنِ وظُهُورُ الأسْنانِ مِن أثَرِ تَقَطُّبِ أعْصابِ الوَجْهِ عِنْدَ شِدَّةِ الألَمِ.

المؤمنون 23:105

﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ. وهَذا تَعَرُّضٌ لِبَعْضِ ما يَجْرِي يَوْمَئِذٍ. والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حَمْلًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في سُورَةِ الأنْفالِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. والغَلْبُ حَقِيقَتُهُ: الِاسْتِيلاءُ والقَهْرُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى التَّلَبُّسِ بِالشِّقْوَةِ دُونَ التَّلَبُّسِ بِالسَّعادَةِ. ومَفْعُولُ (غَلَبَتْ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ (شِقْوَتُنا)؛ لِأنَّ الشِّقْوَةَ صفحة ١٢٨ تُقابِلُها السَّعادَةُ، أيْ: غَلَبَتْ شِقْوَتُنا السَّعادَةَ. والمَجْرُورُ بِـ (عَلى) بَعْدَ مادَّةِ الغَلْبِ هو الشَّيْءُ المُتَغالَبُ عَلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ قالَ النِّساءُ: غَلَبَنا عَلَيْكَ الرِّجالُ. مُثِّلَتْ حالَةُ اخْتِيارِهِمْ لِأسْبابِ الشِّقْوَةِ بَدَلَ أسْبابِ السَّعادَةِ بِحالَةٍ غائِرَةٍ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ. وإضافَةُ الشِّقْوَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِصاصِها بِهِمْ حِينَ صارَتْ غالِبَةً عَلَيْهِمْ. والشِّقْوَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ القافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهي زِنَةُ الهَيْئَةِ مِنَ الشَّقاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (شَقاوَتُنا) بِفَتْحِ الشِّينِ وبِألِفٍ بَعْدَ القافِ وهو مَصْدَرٌ عَلى صِيغَةِ الفَعالَةِ مِثْلَ الجَزالَةِ والسَّذاجَةِ. وزِيادَةُ قَوْلِهِ (قَوْمًا) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الضَّلالَةَ مِن شِيمَتِهِمْ وبِها قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. وهم ظَنُّوا أنَّهم إنْ أُخْرِجُوا مِنَ النّارِ رَجَعُوا إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فالتَزَمُوا لِلَّهِ بِأنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (عُدْنا) لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ كانَ إلْقاؤُهم في النّارِ لِأجْلِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ . والظُّلْمُ في (فَإنّا ظالِمُونَ) هو تَجاوُزُ العَدْلِ، والمُرادُ: ظُلْمٌ آخَرُ بَعْدَ ظُلْمِهِمُ الأوَّلِ وهو الَّذِي يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ سُؤالُ العَفْوِ.

المؤمنون 23:106

﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ. وهَذا تَعَرُّضٌ لِبَعْضِ ما يَجْرِي يَوْمَئِذٍ. والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حَمْلًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في سُورَةِ الأنْفالِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. والغَلْبُ حَقِيقَتُهُ: الِاسْتِيلاءُ والقَهْرُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى التَّلَبُّسِ بِالشِّقْوَةِ دُونَ التَّلَبُّسِ بِالسَّعادَةِ. ومَفْعُولُ (غَلَبَتْ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ (شِقْوَتُنا)؛ لِأنَّ الشِّقْوَةَ صفحة ١٢٨ تُقابِلُها السَّعادَةُ، أيْ: غَلَبَتْ شِقْوَتُنا السَّعادَةَ. والمَجْرُورُ بِـ (عَلى) بَعْدَ مادَّةِ الغَلْبِ هو الشَّيْءُ المُتَغالَبُ عَلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ قالَ النِّساءُ: غَلَبَنا عَلَيْكَ الرِّجالُ. مُثِّلَتْ حالَةُ اخْتِيارِهِمْ لِأسْبابِ الشِّقْوَةِ بَدَلَ أسْبابِ السَّعادَةِ بِحالَةٍ غائِرَةٍ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ. وإضافَةُ الشِّقْوَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِصاصِها بِهِمْ حِينَ صارَتْ غالِبَةً عَلَيْهِمْ. والشِّقْوَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ القافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهي زِنَةُ الهَيْئَةِ مِنَ الشَّقاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (شَقاوَتُنا) بِفَتْحِ الشِّينِ وبِألِفٍ بَعْدَ القافِ وهو مَصْدَرٌ عَلى صِيغَةِ الفَعالَةِ مِثْلَ الجَزالَةِ والسَّذاجَةِ. وزِيادَةُ قَوْلِهِ (قَوْمًا) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الضَّلالَةَ مِن شِيمَتِهِمْ وبِها قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. وهم ظَنُّوا أنَّهم إنْ أُخْرِجُوا مِنَ النّارِ رَجَعُوا إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فالتَزَمُوا لِلَّهِ بِأنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (عُدْنا) لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ كانَ إلْقاؤُهم في النّارِ لِأجْلِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ . والظُّلْمُ في (فَإنّا ظالِمُونَ) هو تَجاوُزُ العَدْلِ، والمُرادُ: ظُلْمٌ آخَرُ بَعْدَ ظُلْمِهِمُ الأوَّلِ وهو الَّذِي يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ سُؤالُ العَفْوِ.

المؤمنون 23:107

﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكم فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ. وهَذا تَعَرُّضٌ لِبَعْضِ ما يَجْرِي يَوْمَئِذٍ. والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ حَمْلًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢] في سُورَةِ الأنْفالِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. والغَلْبُ حَقِيقَتُهُ: الِاسْتِيلاءُ والقَهْرُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى التَّلَبُّسِ بِالشِّقْوَةِ دُونَ التَّلَبُّسِ بِالسَّعادَةِ. ومَفْعُولُ (غَلَبَتْ) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ (شِقْوَتُنا)؛ لِأنَّ الشِّقْوَةَ صفحة ١٢٨ تُقابِلُها السَّعادَةُ، أيْ: غَلَبَتْ شِقْوَتُنا السَّعادَةَ. والمَجْرُورُ بِـ (عَلى) بَعْدَ مادَّةِ الغَلْبِ هو الشَّيْءُ المُتَغالَبُ عَلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ قالَ النِّساءُ: غَلَبَنا عَلَيْكَ الرِّجالُ. مُثِّلَتْ حالَةُ اخْتِيارِهِمْ لِأسْبابِ الشِّقْوَةِ بَدَلَ أسْبابِ السَّعادَةِ بِحالَةٍ غائِرَةٍ بَيْنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ. وإضافَةُ الشِّقْوَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِاخْتِصاصِها بِهِمْ حِينَ صارَتْ غالِبَةً عَلَيْهِمْ. والشِّقْوَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ القافِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وهي زِنَةُ الهَيْئَةِ مِنَ الشَّقاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (شَقاوَتُنا) بِفَتْحِ الشِّينِ وبِألِفٍ بَعْدَ القافِ وهو مَصْدَرٌ عَلى صِيغَةِ الفَعالَةِ مِثْلَ الجَزالَةِ والسَّذاجَةِ. وزِيادَةُ قَوْلِهِ (قَوْمًا) لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الضَّلالَةَ مِن شِيمَتِهِمْ وبِها قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُونُسَ. وهم ظَنُّوا أنَّهم إنْ أُخْرِجُوا مِنَ النّارِ رَجَعُوا إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ فالتَزَمُوا لِلَّهِ بِأنَّهم لا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (عُدْنا) لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ كانَ إلْقاؤُهم في النّارِ لِأجْلِ الإشْراكِ والتَّكْذِيبِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ﴿وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ . والظُّلْمُ في (فَإنّا ظالِمُونَ) هو تَجاوُزُ العَدْلِ، والمُرادُ: ظُلْمٌ آخَرُ بَعْدَ ظُلْمِهِمُ الأوَّلِ وهو الَّذِي يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ سُؤالُ العَفْوِ.

المؤمنون 23:108

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ صفحة ١٢٩ (اخْسَئُوا) زَجْرٌ وشَتْمٌ بِأنَّهم خاسِئُونَ، ومَعْناهُ عَدَمُ اسْتِجابَةِ طَلَبِهِمْ. وفِعْلُ خَسَأ مِن بابِ مَنَعَ ومَعْناهُ ذَلَّ. ونُهُوا عَنْ خِطابِ اللَّهِ والمَقْصُودُ تَأيِيسُهم مِنَ النَّجاةِ مِمّا هم فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ إغاظَتُهم بِمُقابَلَةِ حالِهِمْ يَوْمَ العَذابِ بِحالِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِيرُهم عَلى ما كانُوا يُعامِلُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ. والإخْبارُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى قَوْلِهِ: (سِخْرِيًّا) مُسْتَعْمَلٌ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الخَبَرِ بِقَرِينَةِ أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أحْوالَ نَفْسِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّعْجِيلِ بِإرْهابِهِمْ. وجُمْلَةُ (إنِّي جَزَيْتُهم) خَبَرُ (إنَّ) الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وخَلَفٍ، وبِكَسْرِ السِّينِ في قِراءَةِ الباقِينَ، وهُما وجْهانِ ومَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِأبِي عُبَيْدَةَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَكْسُورَ مَأْخُوذًا مِن سَخِرَ بِمَعْنى هَزَأ، والمَضْمُومُ مَأْخُوذًا مِنَ السُّخْرَةِ بِضَمِّ السِّينِ وهي الِاسْتِخْدامُ بِلا أجْرِ. فَلَمّا قُصِدَ مِنهُ المُبالَغَةُ في حُصُولِ المَصْدَرِ أُدْخِلَتْ ياءُ النِّسْبَةِ كَما يُقالُ: الخُصُوصِيَّةُ لِمَصْدَرِ الخُصُوصِ. وسُلِّطَ الِاتِّخاذُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى: اتَّخَذْتُمُوهم مَسْخُورًا بِهِمْ، فَنَصَبَ (سِخْرِيًّا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذْتُمُوهم) . و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ مَعْنى فاءِ السَّبَبِيَّةِ فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. شُبِّهَ التَّسَبُّبُ القَوِيُّ بِالغايَةِ فاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ (حَتّى) . والمَعْنى: أنَّكم لَهَوْتُمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِأجْلِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَقَدْ سَخِرُوا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كانَ اتِّباعُهم إيّاهُ سَبَبَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ فَكَيْفَ صفحة ١٣٠ يُرْجى مِن هَؤُلاءِ التَّذَكُّرُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ وهو مِن دَواعِي السُّخْرِيَةِ بِأهْلِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (سَخِرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] في سُورَةِ بَراءَةٌ. فَإسْنادُ الإنْساءِ إلى الفَرِيقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهم سَبَبُهُ أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: حَتّى أنْساكُمُ السُّخْرِيُّ بِهِمْ ذِكْرِي، والقَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ مَعْنَوِيَّةٌ وعَلى الثّانِي لَفْظِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ والتَّأْكِيدِ أيْ: جَزَيْتُهم بِأنَّهم. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ فَقَطْ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجَزاءِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّبْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سُخْرِيَّتَهم بِهِمْ كانَتْ سَبَبًا في صَبْرِهِمُ الَّذِي أكْسَبَهُمُ الجَزاءَ. وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَلْهِيفٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنْ كانُوا هُمُ السَّبَبُ في ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ونَفْعِ مَن كانُوا يَعُدُّونَهم أعْداءَهم.

المؤمنون 23:109

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ صفحة ١٢٩ (اخْسَئُوا) زَجْرٌ وشَتْمٌ بِأنَّهم خاسِئُونَ، ومَعْناهُ عَدَمُ اسْتِجابَةِ طَلَبِهِمْ. وفِعْلُ خَسَأ مِن بابِ مَنَعَ ومَعْناهُ ذَلَّ. ونُهُوا عَنْ خِطابِ اللَّهِ والمَقْصُودُ تَأيِيسُهم مِنَ النَّجاةِ مِمّا هم فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ إغاظَتُهم بِمُقابَلَةِ حالِهِمْ يَوْمَ العَذابِ بِحالِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِيرُهم عَلى ما كانُوا يُعامِلُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ. والإخْبارُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى قَوْلِهِ: (سِخْرِيًّا) مُسْتَعْمَلٌ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الخَبَرِ بِقَرِينَةِ أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أحْوالَ نَفْسِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّعْجِيلِ بِإرْهابِهِمْ. وجُمْلَةُ (إنِّي جَزَيْتُهم) خَبَرُ (إنَّ) الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وخَلَفٍ، وبِكَسْرِ السِّينِ في قِراءَةِ الباقِينَ، وهُما وجْهانِ ومَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِأبِي عُبَيْدَةَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَكْسُورَ مَأْخُوذًا مِن سَخِرَ بِمَعْنى هَزَأ، والمَضْمُومُ مَأْخُوذًا مِنَ السُّخْرَةِ بِضَمِّ السِّينِ وهي الِاسْتِخْدامُ بِلا أجْرِ. فَلَمّا قُصِدَ مِنهُ المُبالَغَةُ في حُصُولِ المَصْدَرِ أُدْخِلَتْ ياءُ النِّسْبَةِ كَما يُقالُ: الخُصُوصِيَّةُ لِمَصْدَرِ الخُصُوصِ. وسُلِّطَ الِاتِّخاذُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى: اتَّخَذْتُمُوهم مَسْخُورًا بِهِمْ، فَنَصَبَ (سِخْرِيًّا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذْتُمُوهم) . و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ مَعْنى فاءِ السَّبَبِيَّةِ فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. شُبِّهَ التَّسَبُّبُ القَوِيُّ بِالغايَةِ فاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ (حَتّى) . والمَعْنى: أنَّكم لَهَوْتُمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِأجْلِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَقَدْ سَخِرُوا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كانَ اتِّباعُهم إيّاهُ سَبَبَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ فَكَيْفَ صفحة ١٣٠ يُرْجى مِن هَؤُلاءِ التَّذَكُّرُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ وهو مِن دَواعِي السُّخْرِيَةِ بِأهْلِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (سَخِرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] في سُورَةِ بَراءَةٌ. فَإسْنادُ الإنْساءِ إلى الفَرِيقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهم سَبَبُهُ أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: حَتّى أنْساكُمُ السُّخْرِيُّ بِهِمْ ذِكْرِي، والقَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ مَعْنَوِيَّةٌ وعَلى الثّانِي لَفْظِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ والتَّأْكِيدِ أيْ: جَزَيْتُهم بِأنَّهم. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ فَقَطْ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجَزاءِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّبْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سُخْرِيَّتَهم بِهِمْ كانَتْ سَبَبًا في صَبْرِهِمُ الَّذِي أكْسَبَهُمُ الجَزاءَ. وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَلْهِيفٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنْ كانُوا هُمُ السَّبَبُ في ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ونَفْعِ مَن كانُوا يَعُدُّونَهم أعْداءَهم.

المؤمنون 23:110

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ صفحة ١٢٩ (اخْسَئُوا) زَجْرٌ وشَتْمٌ بِأنَّهم خاسِئُونَ، ومَعْناهُ عَدَمُ اسْتِجابَةِ طَلَبِهِمْ. وفِعْلُ خَسَأ مِن بابِ مَنَعَ ومَعْناهُ ذَلَّ. ونُهُوا عَنْ خِطابِ اللَّهِ والمَقْصُودُ تَأيِيسُهم مِنَ النَّجاةِ مِمّا هم فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ إغاظَتُهم بِمُقابَلَةِ حالِهِمْ يَوْمَ العَذابِ بِحالِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِيرُهم عَلى ما كانُوا يُعامِلُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ. والإخْبارُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى قَوْلِهِ: (سِخْرِيًّا) مُسْتَعْمَلٌ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الخَبَرِ بِقَرِينَةِ أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أحْوالَ نَفْسِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّعْجِيلِ بِإرْهابِهِمْ. وجُمْلَةُ (إنِّي جَزَيْتُهم) خَبَرُ (إنَّ) الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وخَلَفٍ، وبِكَسْرِ السِّينِ في قِراءَةِ الباقِينَ، وهُما وجْهانِ ومَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِأبِي عُبَيْدَةَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَكْسُورَ مَأْخُوذًا مِن سَخِرَ بِمَعْنى هَزَأ، والمَضْمُومُ مَأْخُوذًا مِنَ السُّخْرَةِ بِضَمِّ السِّينِ وهي الِاسْتِخْدامُ بِلا أجْرِ. فَلَمّا قُصِدَ مِنهُ المُبالَغَةُ في حُصُولِ المَصْدَرِ أُدْخِلَتْ ياءُ النِّسْبَةِ كَما يُقالُ: الخُصُوصِيَّةُ لِمَصْدَرِ الخُصُوصِ. وسُلِّطَ الِاتِّخاذُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى: اتَّخَذْتُمُوهم مَسْخُورًا بِهِمْ، فَنَصَبَ (سِخْرِيًّا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذْتُمُوهم) . و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ مَعْنى فاءِ السَّبَبِيَّةِ فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. شُبِّهَ التَّسَبُّبُ القَوِيُّ بِالغايَةِ فاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ (حَتّى) . والمَعْنى: أنَّكم لَهَوْتُمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِأجْلِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَقَدْ سَخِرُوا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كانَ اتِّباعُهم إيّاهُ سَبَبَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ فَكَيْفَ صفحة ١٣٠ يُرْجى مِن هَؤُلاءِ التَّذَكُّرُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ وهو مِن دَواعِي السُّخْرِيَةِ بِأهْلِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (سَخِرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] في سُورَةِ بَراءَةٌ. فَإسْنادُ الإنْساءِ إلى الفَرِيقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهم سَبَبُهُ أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: حَتّى أنْساكُمُ السُّخْرِيُّ بِهِمْ ذِكْرِي، والقَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ مَعْنَوِيَّةٌ وعَلى الثّانِي لَفْظِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ والتَّأْكِيدِ أيْ: جَزَيْتُهم بِأنَّهم. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ فَقَطْ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجَزاءِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّبْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سُخْرِيَّتَهم بِهِمْ كانَتْ سَبَبًا في صَبْرِهِمُ الَّذِي أكْسَبَهُمُ الجَزاءَ. وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَلْهِيفٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنْ كانُوا هُمُ السَّبَبُ في ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ونَفْعِ مَن كانُوا يَعُدُّونَهم أعْداءَهم.

المؤمنون 23:111

﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ صفحة ١٢٩ (اخْسَئُوا) زَجْرٌ وشَتْمٌ بِأنَّهم خاسِئُونَ، ومَعْناهُ عَدَمُ اسْتِجابَةِ طَلَبِهِمْ. وفِعْلُ خَسَأ مِن بابِ مَنَعَ ومَعْناهُ ذَلَّ. ونُهُوا عَنْ خِطابِ اللَّهِ والمَقْصُودُ تَأيِيسُهم مِنَ النَّجاةِ مِمّا هم فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ إغاظَتُهم بِمُقابَلَةِ حالِهِمْ يَوْمَ العَذابِ بِحالِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وتَحْسِيرُهم عَلى ما كانُوا يُعامِلُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ. والإخْبارُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي﴾ إلى قَوْلِهِ: (سِخْرِيًّا) مُسْتَعْمَلٌ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ عالِمًا بِمَضْمُونِ الخَبَرِ بِقَرِينَةِ أنَّ المُخاطَبَ يَعْلَمُ أحْوالَ نَفْسِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلتَّعْجِيلِ بِإرْهابِهِمْ. وجُمْلَةُ (إنِّي جَزَيْتُهم) خَبَرُ (إنَّ) الأُولى لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ في قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وأبِي جَعْفَرٍ وخَلَفٍ، وبِكَسْرِ السِّينِ في قِراءَةِ الباقِينَ، وهُما وجْهانِ ومَعْناهُما واحِدٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ لا فَرْقَ بَيْنَهُما خِلافًا لِأبِي عُبَيْدَةَ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَكْسُورَ مَأْخُوذًا مِن سَخِرَ بِمَعْنى هَزَأ، والمَضْمُومُ مَأْخُوذًا مِنَ السُّخْرَةِ بِضَمِّ السِّينِ وهي الِاسْتِخْدامُ بِلا أجْرِ. فَلَمّا قُصِدَ مِنهُ المُبالَغَةُ في حُصُولِ المَصْدَرِ أُدْخِلَتْ ياءُ النِّسْبَةِ كَما يُقالُ: الخُصُوصِيَّةُ لِمَصْدَرِ الخُصُوصِ. وسُلِّطَ الِاتِّخاذُ عَلى المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. والمَعْنى: اتَّخَذْتُمُوهم مَسْخُورًا بِهِمْ، فَنَصَبَ (سِخْرِيًّا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذْتُمُوهم) . و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ مَعْنى فاءِ السَّبَبِيَّةِ فَهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ. شُبِّهَ التَّسَبُّبُ القَوِيُّ بِالغايَةِ فاسْتُعْمِلَتْ فِيهِ (حَتّى) . والمَعْنى: أنَّكم لَهَوْتُمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِأجْلِ أنَّهم مُسْلِمُونَ فَقَدْ سَخِرُوا مِنَ الدِّينِ الَّذِي كانَ اتِّباعُهم إيّاهُ سَبَبَ السُّخْرِيَةِ بِهِمْ فَكَيْفَ صفحة ١٣٠ يُرْجى مِن هَؤُلاءِ التَّذَكُّرُ بِذَلِكَ الذِّكْرِ وهو مِن دَواعِي السُّخْرِيَةِ بِأهْلِهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ (سَخِرَ) عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] في سُورَةِ بَراءَةٌ. فَإسْنادُ الإنْساءِ إلى الفَرِيقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهم سَبَبُهُ أوْ هو مَجازٌ بِالحَذْفِ بِتَقْدِيرِ: حَتّى أنْساكُمُ السُّخْرِيُّ بِهِمْ ذِكْرِي، والقَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ مَعْنَوِيَّةٌ وعَلى الثّانِي لَفْظِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ والتَّأْكِيدِ أيْ: جَزَيْتُهم بِأنَّهم. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) عَلى التَّأْكِيدِ فَقَطْ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِلْجَزاءِ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ الفائِزُونَ لا أنْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالصَّبْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سُخْرِيَّتَهم بِهِمْ كانَتْ سَبَبًا في صَبْرِهِمُ الَّذِي أكْسَبَهُمُ الجَزاءَ. وفي ذَلِكَ زِيادَةُ تَلْهِيفٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِأنْ كانُوا هُمُ السَّبَبُ في ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ونَفْعِ مَن كانُوا يَعُدُّونَهم أعْداءَهم.

المؤمنون 23:112

﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾) بِصِيغَةِ الماضِي فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وحَياةِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو جَوابَ (إذا) في قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ لَهم إذا نُفِخَ في الصُّورِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ نَشَأتْ بِالتَّفْرِيعِ والعَطْفِ والحالِ والمُقاوَلاتِ العارِضَةِ في خِلالِ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَهُ صفحة ١٣١ مِمّا تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيِ. ولَيْسَ مِنَ المُناسِبِ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ حاصِلًا بَعْدَ دُخُولِ الكافِرِينَ النّارَ، والمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ تَكَلَّفُوا ما لا يُناسِبُ انْتِظامَ المَعانِي. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. والخِطابُ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِإحْياءِ الأمْواتِ. وجُمْلَةُ (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾) لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَرَدُّدِهِمْ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ في الأرْضِ. وأرى في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما كانَ مُعْتادُهم في حَياتِهِمْ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ ضَبْطِ حِسابِ السِّنِينَ إذْ كانَ عِلْمُ مُوافَقَةِ السِّنِينَ القَمَرِيَّةِ لِلسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ تَقُومُ بِهِ بَنُو كِنانَةَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ النَّسِيءُ ويُلَقَّبُونَ بِالنَّسَأةِ، قالَ الكِنانِيُّ: ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَـدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما والمُفَسِّرُونَ جَعَلُوا المُرادَ مِنَ العادِّينَ المَلائِكَةَ أوِ النّاسَ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ حِسابَ مُدَّةِ المُكْثِ. ولَكِنَّ القُرْطُبِيَّ قالَ: أيْ سَلِ الحُسّابَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإنّا نَسِيناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ كَما قَرَءُوا الَّذِي قَبْلَهُ فَهو حِكايَةٌ لِلْمُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ وهي طَرِيقَةُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِصِيغَةِ الأمْرِ كالَّذِي قَبْلَهُ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَدِ سَنَواتِ المُكْثِ في الأرْضِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِيَظْهَرَ لَهم خَطَؤُهم إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا دُفِنُوا في الأرْضِ لا يَخْرُجُونَ مِنها. وانْتُصِبَ (عَدَدَ سِنِينَ) عَلى التَّمْيِيزِ لِـ (كَمْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ والتَّمْيِيزُ إنَّما هو (سِنِينَ) . وإضافَةُ لَفْظِ (عَدَدَ) إلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (كَمْ)؛ لِأنَّ (كَمْ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ فَذِكْرُ لَفْظِ (عَدَدَ) مَعَها تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِها. صفحة ١٣٢ وجَوابُهم يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في الأرْضِ وأنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا طُولَ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ فِيها. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنَّهم قَدَّرُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في باطِنِ الأرْضِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْهُودَةِ لَدَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . ولَمْ يَعُرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى تَبْيِينِ المَقْصِدِ مِن سُؤالِهِمْ وإجابَتِهِمْ عَنْهُ وتَعْقِيبِهِ بِما يُقَرِّرُهُ في الظّاهِرِ. والَّذِي لاحَ لِي في ذَلِكَ أنَّ إيقافَهم عَلى ضَلالِ اعْتِقادِهِمُ الماضِي جِيءَ بِهِ في قالَبِ السُّؤالِ عَنْ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ كِنايَةً عَنْ ثُبُوتِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ أحْياءً وهو ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكِنايَةً عَنْ خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إبْطالِ البَعْثِ بِاسْتِحالَةِ رُجُوعِ الحَياةِ إلى عِظامٍ ورُفاتٍ. وهي حالَةٌ لا تَقْتَضِي مُدَّةَ قَرْنٍ واحِدٍ فَكَيْفَ وقَدْ أُعِيدَتْ إلَيْهِمْ مِمّا قَدَّرُوهُ مِنَ الحَياةِ بَعْدَ أنْ بَقَوْا قُرُونًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ أدَلُّ وأُظْهَرُ في سِعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأدْخَلُ في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُها فِيما هو أكْثَرُ مِمّا قَدَّرُوهُ مِن عِلَّةِ اسْتِحالَةِ عَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَدْ ألْجَأهُمُ اللَّهُ إلى إظْهارِ اعْتِقادِهِمْ قِصَرَ المُدَّةِ الَّتِي بَقَوْها زِيادَةً في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أحَسُّوا أنْفُسَهم أنَّهم صارُوا أحْياءً كَحَياتِهِمُ الأُولى وعادَ لَهم تَفْكِيرُهُمُ القَدِيمُ الَّذِي ماتُوا عَلَيْهِ، وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم إذا فَنِيَتْ أجْسادُهم لا تَعُودُ إلَيْهِمُ الحَياةُ، أوْهَمَهم كَمالُ أجْسادِهِمْ أنَّهم ما مَكَثُوا في الأرْضِ إلّا زَمَنًا يَسِيرًا لا يَتَغَيَّرُ في مِثْلِهِ الهَيْكَلُ الجُثْمانِيُّ فَبَنَوْا عَلى أصْلِ شُبْهَتِهِمُ الخاطِئَةِ خَطَأً آخَرَ. وأمّا قَوْلُهم (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم لَمْ يَضْبُطُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فَأحالُوا السّائِلَ عَلى مَن يَضْبُطُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَهم لَمْ يَزالُوا أحْياءً؛ لِأنَّهم حَسِبُوا أنَّهم بُعِثُوا والدُّنْيا باقِيَةٌ وحَسِبُوا أنَّ السُّؤالَ عَلى ظاهِرِهِ فَتَبَرَّءُوا مِن عُهْدَةِ عَدَمِ ضَبْطِ الجَوابِ. صفحة ١٣٣ وأمّا رَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَهو يُؤْذِنُ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ؛ لِأنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَلِيلًا، فَتَعَيَّنَ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِهِمْ إلّا بِتَقْدِيرِ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، كَما في قَوْلِهِ في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، وإنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا فِيما عِنْدَ اللَّهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما تُفِيدُهُ (لَوْ) مِنَ الِامْتِناعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا، فَيَقْتَضِي الِامْتِناعُ أنَّهم ما عَلِمُوا أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا مَعَ أنَّ صَرِيحَ جَوابِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا لَبْثًا قَلِيلًا، فالجَمْعُ بَيْنَ تَعارُضِ مُقْتَضى جَوابِهِمْ ومُقْتَضى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إنَّما يَكُونُ بِاخْتِلافِ النِّسْبَةِ في قِلَّةِ مُدَّةِ المُكْثِ إذا نُسِبَتْ إلى ما يُراعى فِيها، فَهي إذا نُسِبَتْ إلى شُبْهَتِهِمْ في إحالَةِ البَعْثِ كانَتْ طَوِيلَةً وقَدْ وقَعَ البَعْثُ بَعْدَها فَهَذا خَطَأٌ مِنهم، وهي إذا نُسِبَتْ إلى ما يَتَرَقَّبُهم مِن مُدَّةِ العَذابِ كانَتْ مُدَّةً قَلِيلَةً وهَذا إرْهابٌ لَهم.

المؤمنون 23:113

﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾) بِصِيغَةِ الماضِي فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وحَياةِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو جَوابَ (إذا) في قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ لَهم إذا نُفِخَ في الصُّورِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ نَشَأتْ بِالتَّفْرِيعِ والعَطْفِ والحالِ والمُقاوَلاتِ العارِضَةِ في خِلالِ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَهُ صفحة ١٣١ مِمّا تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيِ. ولَيْسَ مِنَ المُناسِبِ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ حاصِلًا بَعْدَ دُخُولِ الكافِرِينَ النّارَ، والمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ تَكَلَّفُوا ما لا يُناسِبُ انْتِظامَ المَعانِي. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. والخِطابُ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِإحْياءِ الأمْواتِ. وجُمْلَةُ (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾) لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَرَدُّدِهِمْ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ في الأرْضِ. وأرى في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما كانَ مُعْتادُهم في حَياتِهِمْ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ ضَبْطِ حِسابِ السِّنِينَ إذْ كانَ عِلْمُ مُوافَقَةِ السِّنِينَ القَمَرِيَّةِ لِلسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ تَقُومُ بِهِ بَنُو كِنانَةَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ النَّسِيءُ ويُلَقَّبُونَ بِالنَّسَأةِ، قالَ الكِنانِيُّ: ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَـدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما والمُفَسِّرُونَ جَعَلُوا المُرادَ مِنَ العادِّينَ المَلائِكَةَ أوِ النّاسَ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ حِسابَ مُدَّةِ المُكْثِ. ولَكِنَّ القُرْطُبِيَّ قالَ: أيْ سَلِ الحُسّابَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإنّا نَسِيناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ كَما قَرَءُوا الَّذِي قَبْلَهُ فَهو حِكايَةٌ لِلْمُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ وهي طَرِيقَةُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِصِيغَةِ الأمْرِ كالَّذِي قَبْلَهُ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَدِ سَنَواتِ المُكْثِ في الأرْضِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِيَظْهَرَ لَهم خَطَؤُهم إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا دُفِنُوا في الأرْضِ لا يَخْرُجُونَ مِنها. وانْتُصِبَ (عَدَدَ سِنِينَ) عَلى التَّمْيِيزِ لِـ (كَمْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ والتَّمْيِيزُ إنَّما هو (سِنِينَ) . وإضافَةُ لَفْظِ (عَدَدَ) إلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (كَمْ)؛ لِأنَّ (كَمْ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ فَذِكْرُ لَفْظِ (عَدَدَ) مَعَها تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِها. صفحة ١٣٢ وجَوابُهم يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في الأرْضِ وأنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا طُولَ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ فِيها. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنَّهم قَدَّرُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في باطِنِ الأرْضِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْهُودَةِ لَدَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . ولَمْ يَعُرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى تَبْيِينِ المَقْصِدِ مِن سُؤالِهِمْ وإجابَتِهِمْ عَنْهُ وتَعْقِيبِهِ بِما يُقَرِّرُهُ في الظّاهِرِ. والَّذِي لاحَ لِي في ذَلِكَ أنَّ إيقافَهم عَلى ضَلالِ اعْتِقادِهِمُ الماضِي جِيءَ بِهِ في قالَبِ السُّؤالِ عَنْ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ كِنايَةً عَنْ ثُبُوتِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ أحْياءً وهو ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكِنايَةً عَنْ خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إبْطالِ البَعْثِ بِاسْتِحالَةِ رُجُوعِ الحَياةِ إلى عِظامٍ ورُفاتٍ. وهي حالَةٌ لا تَقْتَضِي مُدَّةَ قَرْنٍ واحِدٍ فَكَيْفَ وقَدْ أُعِيدَتْ إلَيْهِمْ مِمّا قَدَّرُوهُ مِنَ الحَياةِ بَعْدَ أنْ بَقَوْا قُرُونًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ أدَلُّ وأُظْهَرُ في سِعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأدْخَلُ في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُها فِيما هو أكْثَرُ مِمّا قَدَّرُوهُ مِن عِلَّةِ اسْتِحالَةِ عَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَدْ ألْجَأهُمُ اللَّهُ إلى إظْهارِ اعْتِقادِهِمْ قِصَرَ المُدَّةِ الَّتِي بَقَوْها زِيادَةً في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أحَسُّوا أنْفُسَهم أنَّهم صارُوا أحْياءً كَحَياتِهِمُ الأُولى وعادَ لَهم تَفْكِيرُهُمُ القَدِيمُ الَّذِي ماتُوا عَلَيْهِ، وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم إذا فَنِيَتْ أجْسادُهم لا تَعُودُ إلَيْهِمُ الحَياةُ، أوْهَمَهم كَمالُ أجْسادِهِمْ أنَّهم ما مَكَثُوا في الأرْضِ إلّا زَمَنًا يَسِيرًا لا يَتَغَيَّرُ في مِثْلِهِ الهَيْكَلُ الجُثْمانِيُّ فَبَنَوْا عَلى أصْلِ شُبْهَتِهِمُ الخاطِئَةِ خَطَأً آخَرَ. وأمّا قَوْلُهم (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم لَمْ يَضْبُطُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فَأحالُوا السّائِلَ عَلى مَن يَضْبُطُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَهم لَمْ يَزالُوا أحْياءً؛ لِأنَّهم حَسِبُوا أنَّهم بُعِثُوا والدُّنْيا باقِيَةٌ وحَسِبُوا أنَّ السُّؤالَ عَلى ظاهِرِهِ فَتَبَرَّءُوا مِن عُهْدَةِ عَدَمِ ضَبْطِ الجَوابِ. صفحة ١٣٣ وأمّا رَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَهو يُؤْذِنُ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ؛ لِأنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَلِيلًا، فَتَعَيَّنَ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِهِمْ إلّا بِتَقْدِيرِ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، كَما في قَوْلِهِ في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، وإنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا فِيما عِنْدَ اللَّهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما تُفِيدُهُ (لَوْ) مِنَ الِامْتِناعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا، فَيَقْتَضِي الِامْتِناعُ أنَّهم ما عَلِمُوا أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا مَعَ أنَّ صَرِيحَ جَوابِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا لَبْثًا قَلِيلًا، فالجَمْعُ بَيْنَ تَعارُضِ مُقْتَضى جَوابِهِمْ ومُقْتَضى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إنَّما يَكُونُ بِاخْتِلافِ النِّسْبَةِ في قِلَّةِ مُدَّةِ المُكْثِ إذا نُسِبَتْ إلى ما يُراعى فِيها، فَهي إذا نُسِبَتْ إلى شُبْهَتِهِمْ في إحالَةِ البَعْثِ كانَتْ طَوِيلَةً وقَدْ وقَعَ البَعْثُ بَعْدَها فَهَذا خَطَأٌ مِنهم، وهي إذا نُسِبَتْ إلى ما يَتَرَقَّبُهم مِن مُدَّةِ العَذابِ كانَتْ مُدَّةً قَلِيلَةً وهَذا إرْهابٌ لَهم.

المؤمنون 23:114

﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾) بِصِيغَةِ الماضِي فَيَتَعَيَّنُ أنَّ هَذا القَوْلَ يَقَعُ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وحَياةِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ، فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ هو جَوابَ (إذا) في قَوْلِهِ فِيما سَبَقَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ لَهم إذا نُفِخَ في الصُّورِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ نَشَأتْ بِالتَّفْرِيعِ والعَطْفِ والحالِ والمُقاوَلاتِ العارِضَةِ في خِلالِ ذَلِكَ كَما عَلِمْتَهُ صفحة ١٣١ مِمّا تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآيِ. ولَيْسَ مِنَ المُناسِبِ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ حاصِلًا بَعْدَ دُخُولِ الكافِرِينَ النّارَ، والمُفَسِّرُونَ الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ تَكَلَّفُوا ما لا يُناسِبُ انْتِظامَ المَعانِي. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ. والخِطابُ لِلْمَلَكِ المُوَكَّلِ بِإحْياءِ الأمْواتِ. وجُمْلَةُ (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾) لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَرَدُّدِهِمْ في تَقْدِيرِ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ في الأرْضِ. وأرى في تَفْسِيرِ ذَلِكَ أنَّهم جاءُوا في كَلامِهِمْ بِما كانَ مُعْتادُهم في حَياتِهِمْ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ ضَبْطِ حِسابِ السِّنِينَ إذْ كانَ عِلْمُ مُوافَقَةِ السِّنِينَ القَمَرِيَّةِ لِلسِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ تَقُومُ بِهِ بَنُو كِنانَةَ الَّذِينَ بِيَدِهِمُ النَّسِيءُ ويُلَقَّبُونَ بِالنَّسَأةِ، قالَ الكِنانِيُّ: ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَـدٍّ شُهُورَ الحِلِّ نَجْعَلُها حَراما والمُفَسِّرُونَ جَعَلُوا المُرادَ مِنَ العادِّينَ المَلائِكَةَ أوِ النّاسَ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ حِسابَ مُدَّةِ المُكْثِ. ولَكِنَّ القُرْطُبِيَّ قالَ: أيْ سَلِ الحُسّابَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَإنّا نَسِيناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ كَما قَرَءُوا الَّذِي قَبْلَهُ فَهو حِكايَةٌ لِلْمُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ وهي طَرِيقَةُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِصِيغَةِ الأمْرِ كالَّذِي قَبْلَهُ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ عَدَدِ سَنَواتِ المُكْثِ في الأرْضِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِيَظْهَرَ لَهم خَطَؤُهم إذْ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إذا دُفِنُوا في الأرْضِ لا يَخْرُجُونَ مِنها. وانْتُصِبَ (عَدَدَ سِنِينَ) عَلى التَّمْيِيزِ لِـ (كَمْ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ والتَّمْيِيزُ إنَّما هو (سِنِينَ) . وإضافَةُ لَفْظِ (عَدَدَ) إلَيْهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ (كَمْ)؛ لِأنَّ (كَمْ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ فَذِكْرُ لَفْظِ (عَدَدَ) مَعَها تَأْكِيدٌ لِبَعْضِ مَدْلُولِها. صفحة ١٣٢ وجَوابُهم يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في الأرْضِ وأنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا طُولَ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ عَلى تَفاوُتٍ فِيها. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أنَّهم قَدَّرُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ في باطِنِ الأرْضِ بِنَحْوِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْهُودَةِ لَدَيْهِمْ في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرُّومِ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . ولَمْ يَعُرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى تَبْيِينِ المَقْصِدِ مِن سُؤالِهِمْ وإجابَتِهِمْ عَنْهُ وتَعْقِيبِهِ بِما يُقَرِّرُهُ في الظّاهِرِ. والَّذِي لاحَ لِي في ذَلِكَ أنَّ إيقافَهم عَلى ضَلالِ اعْتِقادِهِمُ الماضِي جِيءَ بِهِ في قالَبِ السُّؤالِ عَنْ مُدَّةِ مُكْثِهِمْ في الأرْضِ كِنايَةً عَنْ ثُبُوتِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ أحْياءً وهو ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ، وكِنايَةً عَنْ خَطَأِ اسْتِدْلالِهِمْ عَلى إبْطالِ البَعْثِ بِاسْتِحالَةِ رُجُوعِ الحَياةِ إلى عِظامٍ ورُفاتٍ. وهي حالَةٌ لا تَقْتَضِي مُدَّةَ قَرْنٍ واحِدٍ فَكَيْفَ وقَدْ أُعِيدَتْ إلَيْهِمْ مِمّا قَدَّرُوهُ مِنَ الحَياةِ بَعْدَ أنْ بَقَوْا قُرُونًا كَثِيرَةً، فَذَلِكَ أدَلُّ وأُظْهَرُ في سِعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وأدْخَلُ في إبْطالِ شُبْهَتِهِمْ إذْ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُها فِيما هو أكْثَرُ مِمّا قَدَّرُوهُ مِن عِلَّةِ اسْتِحالَةِ عَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ. وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَدْ ألْجَأهُمُ اللَّهُ إلى إظْهارِ اعْتِقادِهِمْ قِصَرَ المُدَّةِ الَّتِي بَقَوْها زِيادَةً في تَشْوِيهِ خَطَئِهِمْ، فَإنَّهم لَمّا أحَسُّوا أنْفُسَهم أنَّهم صارُوا أحْياءً كَحَياتِهِمُ الأُولى وعادَ لَهم تَفْكِيرُهُمُ القَدِيمُ الَّذِي ماتُوا عَلَيْهِ، وكانُوا يَتَوَهَّمُونَ أنَّهم إذا فَنِيَتْ أجْسادُهم لا تَعُودُ إلَيْهِمُ الحَياةُ، أوْهَمَهم كَمالُ أجْسادِهِمْ أنَّهم ما مَكَثُوا في الأرْضِ إلّا زَمَنًا يَسِيرًا لا يَتَغَيَّرُ في مِثْلِهِ الهَيْكَلُ الجُثْمانِيُّ فَبَنَوْا عَلى أصْلِ شُبْهَتِهِمُ الخاطِئَةِ خَطَأً آخَرَ. وأمّا قَوْلُهم (﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾) فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم لَمْ يَضْبُطُوا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فَأحالُوا السّائِلَ عَلى مَن يَضْبُطُ ذَلِكَ مِنَ الَّذِينَ يَظُنُّونَهم لَمْ يَزالُوا أحْياءً؛ لِأنَّهم حَسِبُوا أنَّهم بُعِثُوا والدُّنْيا باقِيَةٌ وحَسِبُوا أنَّ السُّؤالَ عَلى ظاهِرِهِ فَتَبَرَّءُوا مِن عُهْدَةِ عَدَمِ ضَبْطِ الجَوابِ. صفحة ١٣٣ وأمّا رَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ فَهو يُؤْذِنُ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ؛ لِأنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِن يَوْمٍ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ بِكَثِيرٍ فَكَيْفَ يُجْعَلُ قَلِيلًا، فَتَعَيَّنَ أنْ يَقُولَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا﴾ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِهِمْ إلّا بِتَقْدِيرِ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، كَما في قَوْلِهِ في الَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ: ﴿فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩] . ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: قالَ بَلْ لَبِثْتُمْ قُرُونًا، وإنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا فِيما عِنْدَ اللَّهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ ما تُفِيدُهُ (لَوْ) مِنَ الِامْتِناعِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَعَلِمْتُمْ أنَّكم ما لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا، فَيَقْتَضِي الِامْتِناعُ أنَّهم ما عَلِمُوا أنَّهم لَبِثُوا قَلِيلًا مَعَ أنَّ صَرِيحَ جَوابِهِمْ يَقْتَضِي أنَّهم عَلِمُوا لَبْثًا قَلِيلًا، فالجَمْعُ بَيْنَ تَعارُضِ مُقْتَضى جَوابِهِمْ ومُقْتَضى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إنَّما يَكُونُ بِاخْتِلافِ النِّسْبَةِ في قِلَّةِ مُدَّةِ المُكْثِ إذا نُسِبَتْ إلى ما يُراعى فِيها، فَهي إذا نُسِبَتْ إلى شُبْهَتِهِمْ في إحالَةِ البَعْثِ كانَتْ طَوِيلَةً وقَدْ وقَعَ البَعْثُ بَعْدَها فَهَذا خَطَأٌ مِنهم، وهي إذا نُسِبَتْ إلى ما يَتَرَقَّبُهم مِن مُدَّةِ العَذابِ كانَتْ مُدَّةً قَلِيلَةً وهَذا إرْهابٌ لَهم.

المؤمنون 23:115

﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ هَذا مِن تَمامِ القَوْلِ المَحْكِيِّ فِيهِ ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١١٢] مُفَرَّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ. فُرِّعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْ حُسْبانِهِمْ أنَّ الخَلْقَ لِأجْلِ العَبَثِ عَلى إظْهارِ بُطْلانِ ما زَعَمُوهُ مِن إنْكارِ البَعْثِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ؛ لِأنَّ لازِمَ إنْكارِهِمُ البَعْثَ أنْ يَكُونَ خَلْقُ النّاسِ مُشْتَمِلًا عَلى عَبَثٍ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن حَسِبَ ذَلِكَ فَقَرَّرُوا ووَبَّخُوا أخْذًا لَهم بِلازِمِ اعْتِقادِهِمْ. وأُدْخِلَتْ أداةُ الحَصْرِ بَعْدَ (حَسِبَ) فَجَعَلَتِ الفِعْلَ غَيْرَ ناصِبٍ إلّا مَفْعُولًا واحِدًا وهو المَصْدَرُ المُسْتَخْلَصُ مِن (أنَّما خَلَقْناكم) . صفحة ١٣٤ والتَّقْدِيرُ: أفَحَسِبْتُمْ خَلْقَنا أيّاكم لِأجْلِ العَبَثِ، وذَلِكَ أنَّ أفْعالَ الظَّنِّ والعِلْمِ نَصَبَتْ مَفْعُولَيْنِ غالِبًا؛ لِأنَّ أصْلَ مَفْعُولَيْها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أيِ: اسْمُ ذاتٍ واسْمُ صِفَةٍ فاحْتِياجُها إلى المَفْعُولِ الثّانِي مِن بابِ احْتِياجِ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ لِئَلّا تَنْعَدِمَ الفائِدَةُ في المُبْتَدَأِ مُجَرَّدًا عَنْ خَبَرِهِ، وبِذَلِكَ فارَقَتْ بَقِيَّةَ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ بِاحْتِياجِها إلى مَنصُوبَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْناها لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، فَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُ زَيْدًا قائِمًا، إنَّما هو في الحَقِيقَةِ: ظَنَنْتُ قِيامَ زَيْدٍ، فَمَفْعُولُها هو المَصْدَرُ وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مُضافًا إلى ضَمِيرِ مُبْتَدَئِهِ كَما قالَ الرَّضِيُّ: يَعْنِي أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوها بِمَفْعُولَيْنِ كَراهِيَةً لِجَعْلِ المَصْدَرِ مَفْعُولًا بِهِ كَأنَّهم تَجَنَّبُوا اللَّبْسَ بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والمَفْعُولِ المُطْلَقِ، وهَذا كَما اسْتَعْمَلُوا أفْعالَ الكَوْنِ مُسْنَدَةً إلى اسْمِ الذَّواتِ ثُمَّ أتَوْا بَعْدَ اسْمِ الذّاتِ بِاسْمِ وصْفِها ولَمْ يَأْتُوا بِاسْمِ الوَصْفِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ولِذَلِكَ إذا أوْقَعُوا بَعْدَها حَرْفَ المَصْدَرِ اكْتَفَوْا بِهِ عَنِ المَفْعُولَيْنِ، ولَمْ يُسْمَعْ عَنْهم أنَّهم نَصَبُوا بِها مَصْدَرًا صَرِيحًا، فَإذا وقَعَ مَفْعُولُ أفْعالِ الظَّنِّ اسْمَ مَعْنًى وهو المَصْدَرُ الصَّرِيحُ أوِ المُنْسَبِكُ وحَذَفَ الفائِدَةَ فاجْتَزَأتْ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] . وحَيْثُ كانَتْ (أنَّما) مُرَكَّبَةً مِن (أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ ومِن (ما) الكافَّةِ فَوُقُوعُها بَعْدَ فِعْلِ الحِسابِ بِمَنزِلَةِ وُقُوعِ المَصْدَرِ، ولَوْلا (أنَّ) لَكانَ الكَلامُ: أحَسِبْتُمُونا خالِقِينَكم عَبَثًا. وانْتَصَبَ (عَبَثًا) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَلالَةِ مُئَوَّلًا بِاسْمِ الفاعِلِ. والعَبَثُ: العَمَلُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ. وكُلَّما تَضاءَلَتِ الفائِدَةُ كانَ لَها حُكْمُ العَدَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ خَلْقُ البَشَرِ في هَذِهِ الحَياةِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ مُجازاةُ الفاعِلِينَ عَلى أفْعالِهِمْ لَكانَ خالِقُهُ قَدْ أتى في فِعْلِهِ بِشَيْءٍ عَدِيمِ الفائِدَةِ فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِنَ العَبَثِ. وبَيانُ كَوْنِهِ عَبَثًا: أنَّهُ لَوْ خُلِقَ الخَلْقُ فَأحْسَنَ المُحْسِنُ وأساءَ المُسِيءُ ولَمْ يَلْقَ كُلٌّ جَزاءَهُ لَكانَ ذَلِكَ إضاعَةً لِحَقِّ المُحْسِنِ وإغْضاءً عَمّا حَصَلَ مِن فَسادِ المُسِيءِ فَكانَ ذَلِكَ تَسْلِيطًا لِلْعَبَثِ. ولَيْسَ مَعْنى الحالِ أنْ يَكُونَ عامِلُها غَيْرَ مُفارِقٍ لِمَدْلُولِها بَلْ يَكْفِي حُصُولُ مَعْناها في بَعْضِ أكْوانِ عامِلِها. صفحة ١٣٥ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ فَهم قَدْ حَسِبُوا ذَلِكَ حَقِيقَةً بِلا تَنْزِيلٍ وهَذا مِن تَمامِ الإنْكارِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُرْجَعُونَ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، أيْ: أنَّ اللَّهَ يُرْجِعُهم قَهْرًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، أيْ: يَرْجِعُونَ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.

المؤمنون 23:116

﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ تَفَرَّعَ عَلى ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ ظُهُورُ أنَّ اللَّهَ هو المَلِكُ الَّذِي لَيْسَ في اتِّصافِهِ بِالمُلْكِ شائِبَةٌ مِن مَعْنى المُلْكِ، فَمُلْكُهُ المُلْكُ الكامِلُ في حَقِيقَتِهِ، الشّامِلُ في نَفاذِهِ. والتَّعْرِيفُ في (المَلِكُ) لِلْجِنْسِ. والحَقُّ: ما قابَلَ الباطِلَ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ يَقْتَضِي أنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ باطِلٌ، أيْ: فِيهِ شائِبَةُ الباطِلِ لا مِن وِجْهَةِ الجَوْرِ والظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ مُلْكٌ لا جَوْرَ فِيهِ ولا ظُلْمٌ كَمُلْكِ الأنْبِياءِ والخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ، بَلْ مِن جِهَةِ أنَّهُ مُلْكٌ غَيْرُ مُسْتَكْمِلٍ حَقِيقَةَ المالِكِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ المُلْكُ عَدا اللَّهِ تَعالى هو مالِكٌ مِن جِهَةٍ ومَمْلُوكٌ مِن جِهَةٍ لِما فِيهِ مِن نَقْصٍ واحْتِياجٍ؛ فَهو مَمْلُوكٌ لِما يَتَطَلَّبُهُ مِن تَسْدِيدِ نَقْصِهِ بِقَدْرِ الحاجَةِ ومِنَ اسْتِعانَةٍ بِالغَيْرِ لِجَبْرِ احْتِياجِهِ فَذَلِكَ مُلْكٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ ادِّعاءُ مُلْكٍ غَيْرِ تامٍّ. وجُمْلَةُ (تَعالى) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا قُصِدَ مِنهُ التَّذْكِيرُ والِاسْتِنْتاجُ مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ المُبَيِّنَةِ لِمَعْنى تَعالِيهِ وأنْ تَكُونَ إنْشاءُ ثَناءٍ عَلَيْهِ بِالعُلُوِّ. والتَّعالِي: مُبالَغَةٌ في العُلُوِّ. وأُتْبِعَ ذَلِكَ بِما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ وهو انْفِرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ وذَلِكَ وصْفٌ ذاتِيٌّ، وبِأنَّهُ مالِكُ أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ أعْنِي العَرْشَ وذَلِكَ دَلِيلُ عَظَمَةِ القُدْرَةِ. صفحة ١٣٦ و(الكَرِيمِ) بِالجَرِّ: صِفَةُ العَرْشِ. وكَرَمُ الجِنْسِ أنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِيًا فَضائِلَ جِنْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

المؤمنون 23:117

﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لَمّا كانَ أعْظَمُ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ تَوْحِيدَهُ، وكانَ أصْلُ ضَلالَةِ المُشْرِكِينَ إشْراكَهم أُعْقِبَ وصْفُ اللَّهِ بِالعُلُوِّ العَظِيمِ والقُدْرَةِ الواسِعَةِ بِبَيانِ أنَّ الحِسابَ الواقِعَ بَعْدَ البَعْثِ يَنالُ الَّذِينَ دَعَوْا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً دَعْوى لا عُذْرَ لَهم فِيها؛ لِأنَّها عَرِيَّةٌ عَنِ البُرْهانِ أيِ الدَّلِيلِ، لِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ المُلْكَ الكامِلَ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَةً، ولَمْ يُثْبِتُوا ما يَقْتَضِي لَهُ عَظِيمَ التَّصَرُّفِ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ تَصَرُّفَ آلِهَةٍ. فَقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ حالٌ مِن ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾، وهي حالٌ لازِمَةٌ؛ لِأنَّ دَعْوى الإلَهِ مَعَ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا عَرِيَّةً عَنِ البُرْهانِ. ونَظِيرُ هَذا الحالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . والقَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وفِيهِ إثْباتُ الحِسابِ وأنَّهُ لِلَّهِ وحْدَهُ في تَخْطِئَتِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَصْرُ إضافِيًّا تَطْمِينًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُهُ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وهَذا أسْعَدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨] . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَذْيِيلُهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ . وفِيهِ ضَرْبٌ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ إذِ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِـ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وخُتِمَتْ بِـ (﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾) وهو نَفْيُ الفَلاحِ عَنِ الكافِرِينَ ضِدُّ المُؤْمِنِينَ.

المؤمنون 23:118

﴿وقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ صفحة ١٣٧ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] إلَخْ بِاعْتِبارِ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] . فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ خِطابُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. وفي حَذْفِ مُتَعَلِّقِ (اغْفِرْ وارْحَمْ) تَفْوِيضُ الأمْرِ إلى اللَّهِ في تَعْيِينِ المَغْفُورِ لَهم والمَرْحُومِينَ، والمُرادُ: مَن كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى اغْفِرْ لِي وارْحَمْنِي، بِقَرِينَةِ المَقامِ. وأمْرُهُ بِأنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ وعْدًا بِالإجابَةِ. وهَذا الكَلامُ مُؤْذِنٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ فَهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ. * * * صفحة ١٣٨ صفحة ١٣٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ النُّورِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ النُّورِ) مِن عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ . رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: «عَلِّمُوا نِساءَكم سُورَةَ النُّورِ» ولَمْ أقِفْ عَلى إسْنادِهِ. وعَنْ حارِثَةَ بْنِ مُضَرَ: (كَتَبَ إلَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ تَعَلَّمُوا سُورَةَ النِّساءِ والأحْزابِ والنُّورِ) . وهَذِهِ تَسْمِيَتُها في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ فِيها آيَةَ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] . وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ ولا يُعْرَفُ مُخالِفٌ في ذَلِكَ. وقَدْ وقَعَ في نُسَخِ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآيَةَ، في المَسْألَةِ الرّابِعَةِ كَلِمَةُ (وهي مَكِّيَّةٌ) يَعْنِي الآيَةَ. فَنَسَبَ الخَفاجِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ وتَبِعَهُ الآلُوسِيُّ، إلى القُرْطُبِيِّ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ مَعَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ صَرِيحٌ في أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ كَيْفَ وقَدْ قالَ القُرْطُبِيُّ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: (مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ) . ولَعَلَّ تَحْرِيفًا طَرَأ عَلى النُّسَخِ مِن تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وأنَّ صَوابَ الكَلِمَةِ (وهي مُحْكَمَةٌ) أيْ: غَيْرُ مَنسُوخٍ حُكْمُها فَقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ العِبارَةُ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، قالَ (وهي مُحْكَمَةٌ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكَها النّاسُ) . وسَيَأْتِي أنَّ سَبَبَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] الآيَةَ قَضِيَّةُ مَرْثَدِ بْنِ أبِي مَرْثَدٍ مَعَ عَناقَ. ومَرْثَدُ بْنُ أبِي مَرْثَدٍ اسْتُشْهِدَ في صَفَرٍ سَنَةَ ثَلاثٍ لِلْهِجْرَةِ في غَزْوَةِ الرَّجِيعِ، فَيَكُونُ أوائِلُ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ قَبْلَ سَنَةِ ثَلاثٍ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ في أواخِرِ السَّنَةِ الأُولى أوْ أوائِلِ السَّنَةِ الثّانِيَةِ أيّامَ كانَ المُسْلِمُونَ يَتَلاحَقُونَ لِلْهِجْرَةِ وكانَ المُشْرِكُونَ جَعَلُوهم كالأسْرى. صفحة ١٤٠ ومِن آياتِها آياتُ قِصَّةِ الإفْكِ وهي نازِلَةٌ عَقِبَ غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ. والأصَحُّ أنَّ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلِقِ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ فَإنَّها قَبْلَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ. ومِن آياتِها ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيَةَ نَزَلَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَتَكُونُ تِلْكَ الآياتِ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً مُتَفَرِّقَةً في مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وأُلْحِقَ بَعْضُ آياتِها بِبَعْضٍ. وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ المِائَةَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ) وقَبْلَ سُورَةِ الحَجِّ، أيْ: عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ سُورَةَ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وسِتُّونَ في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ وأرْبَعٌ وسِتُّونَ في عَدِّ البَقِيَّةِ. * * * أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةُ شَمِلَتْ مِنَ الأغْراضِ كَثِيرًا مِن أحْكامِ مُعاشَرَةِ الرِّجالِ لِلنِّساءِ. ومِن آدابِ الخِلْطَةِ والزِّيارَةِ. وأوَّلُ ما نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ قَضِيَّةُ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةٍ اشْتَهَرَتْ بِالزِّنى وصُدِّرَ ذَلِكَ بِبَيانِ حَدِّ الزِّنى. وعِقابِ الَّذِينَ يَقْذِفُونَ المُحْصَناتِ. وحُكْمِ اللِّعانِ. والتَّعَرُّضِ إلى بَراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا أرْجَفَهُ عَلَيْها أهْلُ النِّفاقِ، وعِقابِهِمْ، والَّذِينَ شارَكُوهم في التَّحَدُّثِ بِهِ. والزَّجْرِ عَنْ حُبِّ إشاعَةِ الفَواحِشِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ. والأمْرِ بِالصَّفْحِ عَنِ الأذى مَعَ الإشارَةِ إلى قَضِيَّةِ مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ. وأحْكامِ الِاسْتِئْذانِ في الدُّخُولِ إلى بُيُوتِ النّاسِ المَسْكُونَةِ ودُخُولِ البُيُوتِ غَيْرِ المَسْكُونَةِ. صفحة ١٤١ وآدابِ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ في المُخالَطَةِ. وإفْشاءِ السَّلامِ. والتَّحْرِيضِ عَلى تَزْوِيجِ العَبِيدِ والإماءِ. والتَّحْرِيضِ عَلى مُكاتَبَتِهِمْ، أيْ: إعْتاقِهِمْ عَلى عِوَضٍ يَدْفَعُونَهُ لِمالِكِيهِمْ. وتَحْرِيمِ البِغاءِ الَّذِي كانَ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ. والأمْرِ بِالعَفافِ. وذَمِّ أحْوالِ أهْلِ النِّفاقِ والإشارَةِ إلى سُوءِ طَوِيَّتِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ . والتَّحْذِيرِ مِنَ الوُقُوعِ في حَبائِلِ الشَّيْطانِ. وضَرْبِ المَثَلِ لِهَدْيِ الإيمانِ وضَلالِ الكُفْرِ. والتَّنْوِيهِ بِبُيُوتِ العِبادَةِ والقائِمِينَ فِيها. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ وصْفُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وبَدائِعِ مَصْنُوعاتِهِ وما فِيها مِن مِنَنٍ عَلى النّاسِ. وقَدْ أُرْدِفَ ذَلِكَ بِوَصْفِ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِما يُضْمِرُهُ كُلُّ أحَدٍ وأنَّ المَرْجِعَ إلَيْهِ والجَزاءَ بِيَدِهِ.