Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الحج 22:44 – المؤمنون 23:34

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الحج 22:44
  2. الحج 22:45
  3. الحج 22:46
  4. الحج 22:47
  5. الحج 22:48
  6. الحج 22:49
  7. الحج 22:50
  8. الحج 22:51
  9. الحج 22:52
  10. الحج 22:53
  11. الحج 22:54
  12. الحج 22:55
  13. الحج 22:56
  14. الحج 22:57
  15. الحج 22:58
  16. الحج 22:59
  17. الحج 22:60
  18. الحج 22:61
  19. الحج 22:62
  20. الحج 22:63
  21. الحج 22:64
  22. الحج 22:65
  23. الحج 22:66
  24. الحج 22:67
  25. الحج 22:68
  26. الحج 22:69
  27. الحج 22:70
  28. الحج 22:71
  29. الحج 22:72
  30. الحج 22:73
  31. الحج 22:74
  32. الحج 22:75
  33. الحج 22:76
  34. الحج 22:77
  35. الحج 22:78
  36. المؤمنون 23:1
  37. المؤمنون 23:2
  38. المؤمنون 23:3
  39. المؤمنون 23:4
  40. المؤمنون 23:5
  41. المؤمنون 23:6
  42. المؤمنون 23:7
  43. المؤمنون 23:8
  44. المؤمنون 23:9
  45. المؤمنون 23:10
  46. المؤمنون 23:11
  47. المؤمنون 23:12
  48. المؤمنون 23:13
  49. المؤمنون 23:14
  50. المؤمنون 23:15
  51. المؤمنون 23:16
  52. المؤمنون 23:17
  53. المؤمنون 23:18
  54. المؤمنون 23:19
  55. المؤمنون 23:20
  56. المؤمنون 23:21
  57. المؤمنون 23:22
  58. المؤمنون 23:23
  59. المؤمنون 23:24
  60. المؤمنون 23:25
  61. المؤمنون 23:26
  62. المؤمنون 23:27
  63. المؤمنون 23:28
  64. المؤمنون 23:29
  65. المؤمنون 23:30
  66. المؤمنون 23:31
  67. المؤمنون 23:32
  68. المؤمنون 23:33
  69. المؤمنون 23:34

الحج 22:44

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ لَمّا نَعى عَلى المُشْرِكِينَ مَساوِيَهم في شُئُونِ الدِّينِ بِإشْراكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وعَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما ناسَبَ ذَلِكَ في غَرَضِهِ مِن إخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ، عَطَفَ هُنا إلى ضَلالِهِمْ بِتَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَقَصَدَ مِن ذَلِكَ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ”عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ“ وتَمْثِيلَهم بِأمْثالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ، وتَهْدِيدَهم صفحة ٢٨٣ بِالمَصِيرِ إلى مَصِيرِهِمْ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾) إلَخْ إذِ التَّقْدِيرُ: فَلا عَجَبَ في تَكْذِيبِهِمْ، أوْ فَلا غَضاضَةَ عَلَيْكَ في تَكْذِيبِ قَوْمِكَ إيّاكَ فَإنَّ تِلْكَ عادَةُ أمْثالِهِمْ. وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانُ. وأصْحابُ مَدْيَنَ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وإنَّما لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهم بِقَوْمِ شُعَيْبٍ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظُ قَوْمٍ أكْثَرَ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ. وقالَ وكُذِّبَ مُوسى لِأنَّ مُكَذِّبِيهِ هُمُ القِبْطُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ ولَمْ يُكَذِّبْهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ مَعْناهُ فَأمْلَيْتُ لَهم، فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ الإمْلاءِ لَهم ثُمَّ أخْذِهِمْ هو الكُفْرُ بِالرُّسُلِ تَعْرِيضًا بِالنِّذارَةِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ. والأخْذُ، حَقِيقَتُهُ: التَّناوُلُ لِما لَمْ يَكُنْ في اليَدِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ بِتَسْلِيطِ الإهْلاكِ بَعْدَ إمْهالِهِمْ. ومُناسِبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الإمْلاءَ لَهم يُشْبِهُ بُعْدَ الشَّيْءِ عَنْ مُتَناوِلِهِ فَشُبِّهَ انْتِهاءَ ذَلِكَ الإمْلاءِ بِالتَّناوُلِ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِأخْذِ اللَّهِ إيّاهم عِنْدَهُ، لِظُهُورِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ وعِيدِهِمْ، وهَذا الأخْذُ مَعْلُومٌ في آياتٍ أُخْرى عَدا أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يَتَقَدَّمْ في القُرْآنِ ذِكْرٌ لِعَذابِهِمْ أوْ أخْذِهِمْ سِوى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] مُشِيرٌ إلى سُوءِ عاقِبَتِهِمْ مِمّا أرادُوا بِهِ مِنَ الكَيْدِ. وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في ذَلِكَ كَما أشَرْنا هُنالِكَ. ومُناسَبَةُ عَدِّ قَوْمِ إبْراهِيمَ هُنا في عِدادِ الأقْوامِ الَّذِينَ أخَذَهُمُ اللَّهُ دُونَ الآياتِ الأُخْرى الَّتِي ذُكِرَ فِيها مَن أُخِذُوا مِنَ الأقْوامِ، أنَّ صفحة ٢٨٤ قَوْمَ إبْراهِيمَ أتَمُّ شَبَهًا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولَهم وآذَوْهُ، وألْجَأُوهُ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، فَكانَ ذِكْرُ إلْجاءِ قُرَيْشٍ المُؤْمِنِينَ إلى الخُرُوجِ مِن مَوْطِنِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] مُناسَبَةً لِذِكْرِ قَوْمِ إبْراهِيمَ. والإمْلاءُ: تَرْكُ المُتَلَبِّسِ بِالعِصْيانِ دُونَ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِ وتَأْخِيرِها إلى وقْتٍ مُتَأخِّرٍ، حَتّى يَحْسَبَ أنَّهُ قَدْ نَجا ثُمَّ يُؤْخَذَ بِالعُقُوبَةِ. والفاءُ في (﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾) لِلتَّعْقِيبِ دَلالَةً عَلى أنَّ تَقْدِيرَ هَلاكِهِمْ حاصِلٌ في وقْتِ تَكْذِيبِهِمْ وإنَّما أُخِّرَ لَهم، وهو تَعْقِيبٌ مُوَزَّعٌ، فَلِكُلِّ قَوْمٍ مِن هَؤُلاءِ تَعْقِيبُ إمْلائِهِ. والأخْذُ حاصِلٌ بَعْدَ الإمْلاءِ بِمُهْلَةٍ، فَلِذَلِكَ عُطِفَ فِعْلُهُ بِحَرْفِ المُهْلَةِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ بِالفاءِ لِأنَّ حَقَّ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يَحْصُلَ عِنْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ الأخْذِ، وهو اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ، أيْ فاعْجَبْ مِن نَكِيرِي كَيْفَ حَصَلَ. ووَجْهُ التَّعْجِيبِ مِنهُ أنَّهم أُبْدِلُوا بِالنِّعْمَةِ مِحْنَةً، وبِالحَياةِ هَلاكًا، وبِالعِمارَةِ خَرابًا فَهو عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ. والنَّكِيرُ: الإنْكارُ الزَّجْرِيُّ لِتَغْيِيرِ الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الَّذِي يُنْكَرُ عَلَيْهِ. و(نَكِيرِ) بِكَسْرَةٍ في آخِرِهِ دالَّةٍ عَلى بِناءِ المُتَكَلِّمِ المَحْذُوفَةِ تَخْفِيفًا. وكانَ مُناسَبَةُ اخْتِيارِ النَّكِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ العَذابِ ونَحْوِهِ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِالنَّهْيِ عَنِ النُّكْرِ لِيُنَبِّهَ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَبْذُلُوا في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مُنْتَهى اسْتِطاعَتِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ عاقَبَ عَلى المُنْكَرِ بِأشَدِّ العِقابِ، فَعَلى المُؤْمِنِينَ الِائْتِساءُ بِصُنْعِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ الحُكَماءُ: إنَّ صفحة ٢٨٥ الحِكْمَةَ هي التَّشَبُّهُ بِالخالِقِ بِقَدْرِ ما تَبْلُغُهُ القُوَّةُ الإنْسانِيَّةُ، وفي هَذا المَجالِ تَتَسابَقُ جِيادُ الهِمَمِ.

الحج 22:45

﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهْيَ ظالِمَةٌ فَهْيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ تَفَرَّعَ ذِكْرُ جُمْلَةِ (﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾) عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] فَعُطِفَتْ عَلَيْها بِفاءِ التَّفْرِيعِ، والتَّعْقِيبُ في الذِّكْرِ لا في الوُجُودِ، لِأنَّ الإمْلاءَ لِكَثِيرٍ مِنَ القُرى ثُمَّ أخْذَها بَعْدَ الإمْلاءِ لَها يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ نَكِيرِ اللَّهِ وغَضَبِهِ عَلى القُرى الظّالِمَةِ ويُفَسِّرُهُ، فَناسَبَ أنْ يَذْكُرَ التَّفْسِيرَ عَقِبَ المُفَسَّرِ بِحَرْفِ التَّفْرِيعِ. ثُمَّ هو يُفِيدُ بِما ذُكِرَ فِيهِ مِنِ اسْمٍ كَثْرَةَ العَدَدِ شُمُولًا لِلْأقْوامِ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن قَبْلُ في قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج: ٤٢] إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ لِتِلْكَ الجُمْلَةِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ. و(كَأيِّنِ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الإخْبارِ عَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ. ومَوْضِعُها مِنَ الجُمْلَةِ مَحَلُّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ. والتَّقْدِيرُ: كَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها، وجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) الخَبَرُ: ويَجُوزُ كَوْنُها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (أهْلَكْناها) . والتَّقْدِيرُ: أهْلَكْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى أهْلَكْناها، والأحْسَنُ الوَجْهُ الأوَّلُ لِأنَّهُ يُحَقِّقُ الصَّدارَةَ الَّتِي تَسْتَحِقُّها (كَأيِّنْ) بِدُونِ حاجَةٍ إلى ذِكْرِ الِاكْتِفاءِ بِالصَّدارَةِ الصُّورِيَّةِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَجُمْلَةُ (أهْلَكْناها) في مَحَلِّ جَرِّ صِفَةٍ لِـ (قَرْيَةٍ)، وجُمْلَةُ (﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (أهْلَكْناها) وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ (﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. صفحة ٢٨٦ وأهْلُ المُدُنِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِظُلْمِهِمْ كَثِيرُونَ، مِنهم مَن ذُكِرَ في القُرْآنِ مِثْلُ عادٍ وثَمُودٍ، ومِنهم مَن لَمْ يُذْكَرْ مِثْلَ طَسْمٍ وجَدِيسٍ وآثارُهم باقِيَةٌ في اليَمامَةِ. ومَعْنى (﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾) أنَّها لَمْ يَبْقَ فِيها سَقْفٌ ولا جِدارٌ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى عُرُوشِها﴾) خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ (فَهي) . والمَعْنى: ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها، أيْ ساقِطَةٌ جُدْرانُها فَوْقَ سُقُفِها. والعُرُوشُ: جَمْعُ عَرْشٍ، وهو السَّقْفُ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ [البقرة: ٢٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُعَطَّلَةُ: الَّتِي عُطِّلَ الِانْتِفاعُ بِها مَعَ صَلاحِها لِلِانْتِفاعِ، أيْ هي نابِعَةٌ بِالماءِ وحَوْلَها وسائِلُ السَّقْيِ ولَكِنَّها لا يُسْتَقى مِنها لِأنَّ أهْلَها هَلَكُوا. وقَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ في مَسِيرِهِمْ إلى تَبُوكَ بِئارٍ في دِيارِ ثَمُودٍ ونَهاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الشُّرْبِ مِنها إلّا بِئْرًا واحِدَةً الَّتِي شَرِبَتْ مِنها ناقَةُ صالِحٍ ”- عَلَيْهِ السَّلامُ -“ . والقَصْرُ: المَسْكَنُ المَبْنِيُّ بِالحِجارَةِ المَجْعُولُ طِباقًا. والمَشِيدُ: المَبْنِيُّ بِالشِّيدِ - بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الياءِ - وهو الجِصُّ، وإنَّما يُبْنى بِهِ البِناءُ مِنَ الحَجَرِ لِأنَّ الجِصَّ أشَدُّ مِنَ التُّرابِ فَبِشِدَّةِ مَسْكِهِ يَطُولُ بَقاءُ الحَجَرِ الَّذِي رُصَّ بِهِ. والقُصُورُ المَشِيدَةُ - وهي المُخَلَّفَةُ عَنِ القُرى الَّتِي أهْلَكَها اللَّهُ - كَثِيرَةٌ مِثْلُ: قَصْرِ غُمْدانَ في اليَمَنِ، وقُصُورِ ثَمُودٍ في الحِجْرِ، وقُصُورِ الفَراعِنَةِ في صَعِيدِ مِصْرَ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ يُقالُ: أنَّ هَذِهِ البِئْرَ وهَذا القَصْرَ بِحَضْرَمَوْتَ مَعْرُوفانِ. ويُقالُ: إنَّها بِئْرُ الرَّسِّ وكانَتْ في عَدَنٍ وتُسَمّى ”حَضُورٍ“ بِفَتْحِ الحاءِ وكانَ أهْلُها بَقِيَّةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِصالِحٍ الرَّسُولِ ”- عَلَيْهِ السَّلامُ -“ وكانَ صالِحٌ مَعَهم، وأنَّهم آلَ أمْرُهم صفحة ٢٨٧ إلى عِبادَةِ صَنَمٍ وأنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولًا فَنَهاهم عَنْ عِبادَةِ الصَّنَمِ فَقَتَلُوهُ فَغارَتِ البِئْرُ وهَلَكُوا عَطَشًا. يُرِيدُ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ واحِدَةٌ مِنَ القُرى المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وإلّا فَإنَّ كَلِمَةَ (كَأيِّنْ) تُنافِي إرادَةَ قَرْيَةٍ مُعَيَّنَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أهْلَكْناها) بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (أهْلَكْتُها) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.

الحج 22:46

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحج: ٤٥] وما بَعْدَها. والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبِيٌّ مِن حالِهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ بِمَصارِعِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ لِأنْبِيائِها: والتَّعْجِيبُ مُتَعَلِّقٌ بِمَن سافَرُوا مِنهم ورَأوْا شَيْئًا مِن تِلْكَ القُرى المُهْلَكَةِ وبِمَن لَمْ يُسافِرُوا، فَإنَّ شَأْنَ المُسافِرِينَ أنْ يُخْبِرُوا القاعِدِينَ بِعَجائِبِ ما شاهَدُوهُ في أسْفارِهِمْ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فالمَقْصُودُ بِالتَّعَجُّبِ هو حالُ الَّذِينَ سارُوا في الأرْضِ، ولَكِنَّ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ داخِلًا عَلى نَفْيِ السَّيْرِ؛ لِأنَّ سَيْرَ السّائِرِينَ مِنهم لَمّا لَمْ يُفِدْهم عِبْرَةً وذِكْرى جُعِلَ كالعَدَمِ فَكانَ التَّعَجُّبُ مِنِ انْتِفائِهِ، فالكَلامُ جارٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ. والفاءُ في (فَتَكُونَ) سَبَبِيَّةٌ جَوابِيَّةٌ مُسَبِّبُ ما بَعْدَها عَلى السَّيْرِ، أيْ لَمْ يَسِيرُوا سَيْرًا تَكُونُ لَهم بِهِ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها وآذانٌ يَسْمَعُونَ صفحة ٢٨٨ بِها، أيِ انْتَفى أنْ تَكُونَ لَهم قُلُوبٌ وآذانٌ بِهَذِهَ المَثابَةِ لِانْتِفاءِ سَيْرِهِمْ في الأرْضِ. وهَذا شَأْنُ الجَوابِ بِالفاءِ بَعْدَ النَّفْيِ أنْ تَدْخُلَ الفاءُ عَلى ما هو مُسَبَّبٌ عَلى المَنفِيِّ لَوْ كانَ ثابِتًا. وفي هَذا المَعْنى قالَ المَعَرِّيِّ: وقِيلَ أفادَ بِالأسْفارِ مالًا فَقُلْنا هَلْ أفادَ بِها فُؤادا وهَذا شَأْنُ الأسْفارِ أنْ تُفِيدَ المُسافِرَ ما لا تُفِيدُهُ الإقامَةُ في الأوْطانِ مِنِ اطِّلاعٍ عَلى أحْوالِ الأقْوامِ وخَصائِصِ البُلْدانِ واخْتِلافِ العاداتِ، فَهي تُفِيدُ كُلَّ ذِي هِمَّةٍ في شَيْءٍ فَوائِدَ تَزِيدُ هِمَّتَهُ نَفاذًا فِيما تَتَوَجَّهُ إلَيْهِ وأعْظَمُ ذَلِكَ فَوائِدُ العِبْرَةِ بِأسْبابِ النَّجاحِ والخَسارَةِ. وأُطْلِقَتِ القُلُوبُ عَلى تَقاسِيمِ العَقْلِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّ القَلْبَ هو مُفِيضُ الدَّمِ وهو مادَّةُ الحَياةِ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ وأهَمُّها الدِّماغُ الَّذِي هو عُضْوُ العَقْلِ، ولِذَلِكَ قالَ (﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾) وإنَّما آلَةُ العَقْلِ هي الدِّماغُ، ولَكِنَّ الكَلامَ جَرى أوَّلُهُ عَلى مُتَعارَفِ أهْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ أُجْرِيَ عَقِبَ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ العِلْمِيَّةِ فَقالَ (﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾) فَأشارَ إلى أنَّ القُلُوبَ هي العَقْلُ. ونُزِّلَتْ عُقُولُهم مَنزِلَةَ المَعْدُومِ كَما نُزِّلَ سَيْرُهم في الأرْضِ مَنزِلَةَ المَعْدُومِ. وأمّا ذِكْرُ الآذانِ فَلِأنَّ الآذانَ آلَةُ السَّمْعِ والسّائِرُ في الأرْضِ يَنْظُرُ آثارَ الأُمَمِ ويَسْمَعُ أخْبارَ فَنائِهِمْ فَيَسْتَدِلُّ مِن ذَلِكَ عَلى تَرَتُّبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، عَلى أنَّ حَظَّ كَثِيرٍ مِنَ المُتَحَدَّثِ إلَيْهِمْ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُسافِرُوا أنْ يَتَلَقَّوُا الأخْبارَ مِنَ المُسافِرِينَ فَيَعْلَمُوا ما عَلِمَهُ المُسافِرُونَ عِلْمًا سَبِيلُهُ سَماعُ الأخْبارِ. وفِي ذِكْرِ الآذانِ اكْتِفاءٌ عَنْ ذِكْرِ الأبْصارِ إذْ يُعْلَمُ أنَّ القُلُوبَ الَّتِي تَعْقِلُ إنَّما طَرِيقُ عِلْمِها مُشاهَدَةُ آثارِ العَذابِ والِاسْتِئْصالِ كَما أشارَ صفحة ٢٨٩ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ . فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ نَظْمِ الآيَةِ أنَّهم بِمَنزِلَةِ الأنْعامِ لَهم آلاتُ الِاسْتِدْلالِ وقَدِ انْعَدَمَتْ مِنهم آثارُها (فَلَهم قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها) وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] . والفاءُ في جُمْلَةِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَوابِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ ﴿فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾، وفَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَذْيِيلٌ لَهُ بِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ العُمُومِ. والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (فَإنَّها) ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، أيْ فَإنَّ الشَّأْنَ والقِصَّةَ هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ بَعْدَ الضَّمِيرِ، أيْ لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ. أيْ فَإنَّ الأبْصارَ والأسْماعَ طُرُقٌ لِحُصُولِ العِلْمِ بِالمُبْصَراتِ والمَسْمُوعاتِ، والمُدْرِكَ لِذَلِكَ هو الدِّماغُ فَإذا لَمْ يَكُنْ في الدِّماغِ عَقْلٌ كانَ المُبْصِرُ كالأعْمى والسّامِعُ كالأصَمِّ، فَآفَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ هو اخْتِلالُ العَقْلِ. واسْتُعِيرَ العَمى الثّانِي لِانْتِفاءِ إدْراكِ المُبْصَراتِ بِالعَقْلِ مَعَ سَلامَةِ حاسَّةِ البَصَرِ لِشَبَهِهِ بِهِ في الحالَةِ الحاصِلَةِ لِصاحِبِهِ. والتَّعْرِيفُ في (الأبْصارِ، والقُلُوبِ، والصُّدُورِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ الشّامِلِ لِقُلُوبَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وغَيْرِهِمْ. والجَمْعُ فِيها بِاعْتِبارِ أصْحابِها. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ لِغَرابَةِ الحُكْمِ لا لِأنَّهُ مِمّا يُشَكُّ فِيهِ. صفحة ٢٩٠ وغالِبُ الجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ اقْتِرانُها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ وحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ فَقْدِ حاسَّةِ البَصَرِ المُسَمّى بِالعَمى كَأنَّهُ غَيْرُ عَمًى، وجَعْلِ عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى دَلالَةِ المُبْصَراتِ مَعَ سَلامَةِ حاسَّةِ البَصَرِ هو العَمى مُبالَغَةً في اسْتِحْقاقِهِ لِهَذا الِاسْمِ الَّذِي اسْتُعِيرَ إلَيْهِ، فالقَصْرُ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ. فَفي هَذِهِ الآيَةِ أفانِينُ مِنَ البَلاغَةِ والبَيانِ وبَداعَةِ النَّظْمِ. و(﴿الَّتِي في الصُّدُورِ﴾) صِفَةٌ (لِلْقُلُوبِ) تُفِيدُ تَوْكِيدًا لِلَفْظِ (القُلُوبِ) فَوِزانُهُ وِزانُ الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] . ووِزانُ القَيْدِ في قَوْلِهِ (﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]) فَهو لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّشْخِيصِ. ويُفِيدُ هَذا الوَصْفُ وراءَ التَّوْكِيدِ تَعْرِيضًا بِالقَوْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِأفْئِدَتِهِمْ مَعَ شِدَّةِ اتِّصالِها بِهِمْ إذْ هي قارَّةٌ في صُدُورِهِمْ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «”فالآنَ أنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ“» فَإنَّ كَوْنَها بَيْنَ جَنْبَيْهِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْهِ.

الحج 22:47

﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (وإنْ يُكَذِّبُوكَ) عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَإنَّ مِن تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالوَعِيدِ وقالُوا: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا في وعِيدِهِ لَعَجَّلَ لَنا وعِيدَهُ، فَكانُوا يَسْألُونَهُ التَّعْجِيلَ بِنُزُولِ العَذابِ اسْتِهْزاءً، صفحة ٢٩١ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] فَذَكَرَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ) الآيَةَ. وحُكِيَ (ويَسْتَعْجِلُونَكَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى تَكْرِيرِهِمْ ذَلِكَ تَجْدِيدًا مِنهم لِلِاسْتِهْزاءِ وتَوَرُّكًا عَلى المُسْلِمِينَ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ إبْلاغُهُ إيّاهم. والباءُ مِن قَوْلِهِ (بِالعَذابِ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِعْجالِ بِشِدَّتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ يَحْرِصُونَ عَلى تَعْجِيلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ. ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهم إيّاهُ تَعْرِيضًا مِنهم بِأنَّهم مُوقِنُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ أُعْقِبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ . أيْ فالعَذابُ المَوْعُودُ لَهم واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. وفِيهِ تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَسْتَبْطِئُونَهُ. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ فَإنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم بِالعَذابِ وهو صادِقٌ عَلى عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وهم إنَّما اسْتَعْجَلُوا عَذابَ الدُّنْيا تَهَكُّمًا وكِنايَةً عَنْ إيقانِهِمْ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ بِلازِمٍ واحِدٍ، وإيماءً إلى عَدَمِ وُقُوعِ عَذابِ الآخِرَةِ بِلازِمَيْنِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَدًّا عامًّا بِقَوْلِهِ ﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾، وكانَ ذَلِكَ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أعْقَبَهُ بِإنْذارِهِمْ بِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يُفْلِتُونَ مِنهُ أيْضًا وهو أشَدُّ العَذابِ. فَقَوْلُهُ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ. وهَذا اليَوْمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. صفحة ٢٩٢ وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] . ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِقْصارَ أجْلِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما دَرَجَ عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ لِعَدَمِ رَشاقَةِ ذَلِكَ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِقْصارَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَقِبَ هَذا ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها﴾ [الحج: ٤٨] . والخِطابُ في (تَعُدُّونَ) لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَعُدُّونَ) بِالفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (مِمّا يَعُدُّونَ) بِياءِ الغائِبِينَ، أيْ مِمّا يَعُدُّهُ المُشْرِكُونَ المُسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ.

الحج 22:48

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنُهُ اسْتِعْجالُهم بِالعَذابِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم آيِسُونَ مِنهُ لِتَأخُّرِ وُقُوعِهِ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ أُمَمًا كَثِيرَةً أُمْهِلَتْ ثُمَّ حَلَّ بِها العَذابُ. فَوِزانُ هَذِهِ الآيَةِ وِزانُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] إلَخْ، إلّا أنَّ الأُولى قُصِدَ مِنها كَثْرَةُ الأُمَمِ الَّتِي أُهْلِكَتْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن ذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ ومَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهَلاكَ لَمْ يَتَجاوَزْهم ولِذَلِكَ اقْتُصِرَ فِيها عَلى ذِكْرِ الإهْلاكِ دُونَ الإمْهالِ. وهَذِهِ الآيَةُ القَصْدُ مِنها التَّذْكِيرُ بِأنَّ تَأْخِيرَ صفحة ٢٩٣ الوَعِيدِ لا يَقْتَضِي إبْطالَهُ، ولِذَلِكَ اقْتُصِرَ فِيها عَلى ذِكْرِ الإمْهالِ ثُمَّ الأخْذِ بَعْدَهُ المُناسِبِ لِلْإمْلاءِ مِن حَيْثُ أنَّهُ دُخُولٌ في القَبْضَةِ بَعْدَ بُعْدِهِ عَنْها. وأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الحج: ٤٥] بِالفاءِ وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ بِالواوِ فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى وقَعَتْ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] فَقُرِنَتْ بِالفاءِ الَّتِي دَخَلَتْ نَظِيرَتُها عَلى الجُمْلَةِ المُبْدَلِ مِنها، وأمّا هَذِهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ فَخَلِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ فَعُطِفَتْ بِالحَرْفِ الأصْلِيِّ لِلْعَطْفِ. وجُمْلَةُ (﴿وإلَيَّ المَصِيرُ﴾) تَذْيِيلٌ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلِّهِمْ إلَيَّ والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِـ (صارَ) بِمَعْنى: رَجَعَ، وهو رُجُوعٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى الحُصُولِ في المِكْنَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْحَصْرِ الحَقِيقِيِّ، أيْ لا يَصِيرُ النّاسُ إلّا إلى اللَّهِ، وهو يَقْتَضِي أنَّ المَصِيرَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الحَصْرِ لِأنَّ الحَصْرَ يَقْتَضِي بِالأحْرى فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإفْلاتِ.

الحج 22:49

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَعْدَ المَواعِظِ السّالِفَةِ والإنْذاراتِ. وافْتِتاحُهُ بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ: وافْتِتاحُ المَقُولِ بِنِداءِ النّاسِ لِلَفْتِ ألْبابِهِمْ إلى الكَلامِ. والمُخاطَبُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ. صفحة ٢٩٤ والغَرَضُ مِن خِطابِهِمْ إعْلامُهم بِأنَّ تَكْذِيبَهم واسْتِهْزاءَهم لا يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ ولا يَصُدُّهُ عَنْ أداءِ رِسالَتِهِ: فَفي ذَلِكَ قَمْعٌ لَهم إذا كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ يُمِلُّونَهُ فَيَتْرُكُ دَعْوَتَهم. وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ وتَسْلِيَةٌ فِيما يَلْقاهُ مِنهم. وقَصْرُ النَّبِيءِ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ طالِبًا نِكايَتَكم ولا تَزَلُّفًا فَمَن آمَنَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها. والنَّذِيرُ: المُحَذِّرُ مِن شَرٍّ يُتَوَقَّعُ. وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُؤْذِنِ بِالِاهْتِمامِ بِنِذارَتِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى شَرٍّ عَظِيمٍ فَهم أحْرِياءُ بِالنِّذارَةِ. والمُبِينُ: المُفْصِحُ المُوَضِّحُ، أيْ مُبِينٌ لِلْإنْذارِ بِما لا إيهامَ فِيهِ ولا مُصانَعَةَ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقْسِيمٌ لِلنّاسِ في تَلَقِّي هَذا الإنْذارِ المَأْمُورِ الرَّسُولُ بِتَبْلِيغِهِ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِبَيانِ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرْغِيبًا في الحالَةِ الحُسْنى وتَحْذِيرًا مِنَ الحالَةِ السُّوأى فَقالَ تَعالى فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم إلى آخِرِهِ، فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فِي آياتِنا﴾) والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ. والمَغْفِرَةُ: غُفْرانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وما يَتْبَعُهُ مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ وضَلالاتِهِ ومَفاسِدِهِ. وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تُفْضِي إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، فالمَعْنى: أنَّهم فازُوا في الدّارِ الآخِرَةِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ. ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ يَجْمَعُ وفْرَتَهُ وصَفاءَهُ مِنَ المُكَدِّراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] ذَلِكَ هو الجَنَّةُ. صفحة ٢٩٥ والرِّزْقُ مِنهُ ما هو حاصِلٌ لَهم في الدُّنْيا، فَهم مُتَمَتِّعُونَ بِانْشِراحِ صُدُورِهِمْ ورِضاهم عَنْ رَبِّهِمْ، وأعْظَمُهُ ما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. والَّذِينَ سَعَوْا هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَعْناهُ: والَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَعُبِّرَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ بِالسَّعْيِ في الآياتِ لِأنَّهُ أخَصُّ مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حالُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. والسَّعْيُ: المَشْيُ الشَّدِيدُ، ويُطْلَقُ عَلى شِدَّةِ الحِرْصِ في العَمَلِ تَشْبِيهًا لِلْعامِلِ الحَرِيصِ بِالماشِي الشَّدِيدِ في كَوْنِهِ يَكِدُّ لِلْوُصُولِ إلى غايَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] . فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ يَمْشِي وإنَّما المُرادُ أنَّهُ صَرَفَ عِنايَتَهُ لِإحْضارِ السَّحَرَةِ لِإحْباطِ دَعْوَةِ مُوسى، وقالَ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَفَنُّنِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ وتَطَلُّبِ المَعاذِيرِ لِنَقْضِ دَلائِلِهِ مِن قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ، هو شِعْرٌ، هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، هو قَوْلُ مَجْنُونٍ، وتَعَرُّضُهِمْ بِالمُجادَلاتِ والمُناقَضاتِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِهَيْئَةِ السّاعِي في طَرِيقٍ يُسابِقُ غَيْرَهُ لِيَفُوزَ بِالوُصُولِ. والمُعاجِزُ: المُسابِقُ الطّالِبُ عَجْزَ مُسايِرِهِ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ وعَنِ اللِّحاقِ بِهِ، فَصِيغَ لَهُ المُفاعَلَةُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَطْلُبُ عَجْزَ الآخَرِ عَنْ لِحاقِهِ. والمَعْنى: أنَّهم بِعَمَلِهِمْ يُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَغْلِبُوا اللَّهَ وقَدْ ظَنُّوا أنَّهم نالُوا مُرادَهم في الدُّنْيا ولَمْ يَعْلَمُوا ما لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (مُعَجِّزِينَ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَضْعِيفِ الجِيمِ أيْ مُحاوِلِينَ إعْجازَ اللَّهِ تَعالى وهم لا يَعْلَمُونَ. صفحة ٢٩٦ والتَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُخَبَرَ عَنْهم جَدِيرُونَ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ هم أصْحابُ الجَحِيمِ لِأنَّهم سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ. ومِن أحْسَنِ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ إنِّي رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِي وأنا النَّذِيرُ العُرْيانُ. فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فَأطاعَتْهُ طائِفَةٌ مِن قَوْمِهِ فَأدْلَجُوا، وانْطَلَقُوا عَلى مَهَلِهِمْ. وكَذَّبَتْ طائِفَةٌ مِنهم فَأصْبَحُوا مَكانَهم فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأهْلَكَهم واجْتاحَهم. فَذَلِكَ مَثَلِي ومَثَلُ مَن أطاعَنِي واتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومَثَلُ مَن عَصانِي وكَذَّبَ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ» .

الحج 22:50

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَعْدَ المَواعِظِ السّالِفَةِ والإنْذاراتِ. وافْتِتاحُهُ بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ: وافْتِتاحُ المَقُولِ بِنِداءِ النّاسِ لِلَفْتِ ألْبابِهِمْ إلى الكَلامِ. والمُخاطَبُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ. صفحة ٢٩٤ والغَرَضُ مِن خِطابِهِمْ إعْلامُهم بِأنَّ تَكْذِيبَهم واسْتِهْزاءَهم لا يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ ولا يَصُدُّهُ عَنْ أداءِ رِسالَتِهِ: فَفي ذَلِكَ قَمْعٌ لَهم إذا كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ يُمِلُّونَهُ فَيَتْرُكُ دَعْوَتَهم. وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ وتَسْلِيَةٌ فِيما يَلْقاهُ مِنهم. وقَصْرُ النَّبِيءِ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ طالِبًا نِكايَتَكم ولا تَزَلُّفًا فَمَن آمَنَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها. والنَّذِيرُ: المُحَذِّرُ مِن شَرٍّ يُتَوَقَّعُ. وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُؤْذِنِ بِالِاهْتِمامِ بِنِذارَتِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى شَرٍّ عَظِيمٍ فَهم أحْرِياءُ بِالنِّذارَةِ. والمُبِينُ: المُفْصِحُ المُوَضِّحُ، أيْ مُبِينٌ لِلْإنْذارِ بِما لا إيهامَ فِيهِ ولا مُصانَعَةَ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقْسِيمٌ لِلنّاسِ في تَلَقِّي هَذا الإنْذارِ المَأْمُورِ الرَّسُولُ بِتَبْلِيغِهِ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِبَيانِ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرْغِيبًا في الحالَةِ الحُسْنى وتَحْذِيرًا مِنَ الحالَةِ السُّوأى فَقالَ تَعالى فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم إلى آخِرِهِ، فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فِي آياتِنا﴾) والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ. والمَغْفِرَةُ: غُفْرانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وما يَتْبَعُهُ مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ وضَلالاتِهِ ومَفاسِدِهِ. وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تُفْضِي إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، فالمَعْنى: أنَّهم فازُوا في الدّارِ الآخِرَةِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ. ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ يَجْمَعُ وفْرَتَهُ وصَفاءَهُ مِنَ المُكَدِّراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] ذَلِكَ هو الجَنَّةُ. صفحة ٢٩٥ والرِّزْقُ مِنهُ ما هو حاصِلٌ لَهم في الدُّنْيا، فَهم مُتَمَتِّعُونَ بِانْشِراحِ صُدُورِهِمْ ورِضاهم عَنْ رَبِّهِمْ، وأعْظَمُهُ ما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. والَّذِينَ سَعَوْا هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَعْناهُ: والَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَعُبِّرَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ بِالسَّعْيِ في الآياتِ لِأنَّهُ أخَصُّ مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حالُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. والسَّعْيُ: المَشْيُ الشَّدِيدُ، ويُطْلَقُ عَلى شِدَّةِ الحِرْصِ في العَمَلِ تَشْبِيهًا لِلْعامِلِ الحَرِيصِ بِالماشِي الشَّدِيدِ في كَوْنِهِ يَكِدُّ لِلْوُصُولِ إلى غايَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] . فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ يَمْشِي وإنَّما المُرادُ أنَّهُ صَرَفَ عِنايَتَهُ لِإحْضارِ السَّحَرَةِ لِإحْباطِ دَعْوَةِ مُوسى، وقالَ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَفَنُّنِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ وتَطَلُّبِ المَعاذِيرِ لِنَقْضِ دَلائِلِهِ مِن قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ، هو شِعْرٌ، هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، هو قَوْلُ مَجْنُونٍ، وتَعَرُّضُهِمْ بِالمُجادَلاتِ والمُناقَضاتِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِهَيْئَةِ السّاعِي في طَرِيقٍ يُسابِقُ غَيْرَهُ لِيَفُوزَ بِالوُصُولِ. والمُعاجِزُ: المُسابِقُ الطّالِبُ عَجْزَ مُسايِرِهِ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ وعَنِ اللِّحاقِ بِهِ، فَصِيغَ لَهُ المُفاعَلَةُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَطْلُبُ عَجْزَ الآخَرِ عَنْ لِحاقِهِ. والمَعْنى: أنَّهم بِعَمَلِهِمْ يُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَغْلِبُوا اللَّهَ وقَدْ ظَنُّوا أنَّهم نالُوا مُرادَهم في الدُّنْيا ولَمْ يَعْلَمُوا ما لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (مُعَجِّزِينَ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَضْعِيفِ الجِيمِ أيْ مُحاوِلِينَ إعْجازَ اللَّهِ تَعالى وهم لا يَعْلَمُونَ. صفحة ٢٩٦ والتَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُخَبَرَ عَنْهم جَدِيرُونَ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ هم أصْحابُ الجَحِيمِ لِأنَّهم سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ. ومِن أحْسَنِ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ إنِّي رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِي وأنا النَّذِيرُ العُرْيانُ. فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فَأطاعَتْهُ طائِفَةٌ مِن قَوْمِهِ فَأدْلَجُوا، وانْطَلَقُوا عَلى مَهَلِهِمْ. وكَذَّبَتْ طائِفَةٌ مِنهم فَأصْبَحُوا مَكانَهم فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأهْلَكَهم واجْتاحَهم. فَذَلِكَ مَثَلِي ومَثَلُ مَن أطاعَنِي واتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومَثَلُ مَن عَصانِي وكَذَّبَ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ» .

الحج 22:51

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَعْدَ المَواعِظِ السّالِفَةِ والإنْذاراتِ. وافْتِتاحُهُ بِـ (قُلْ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ: وافْتِتاحُ المَقُولِ بِنِداءِ النّاسِ لِلَفْتِ ألْبابِهِمْ إلى الكَلامِ. والمُخاطَبُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ. صفحة ٢٩٤ والغَرَضُ مِن خِطابِهِمْ إعْلامُهم بِأنَّ تَكْذِيبَهم واسْتِهْزاءَهم لا يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ ولا يَصُدُّهُ عَنْ أداءِ رِسالَتِهِ: فَفي ذَلِكَ قَمْعٌ لَهم إذا كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ يُمِلُّونَهُ فَيَتْرُكُ دَعْوَتَهم. وفِيهِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ وتَسْلِيَةٌ فِيما يَلْقاهُ مِنهم. وقَصْرُ النَّبِيءِ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ طالِبًا نِكايَتَكم ولا تَزَلُّفًا فَمَن آمَنَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها. والنَّذِيرُ: المُحَذِّرُ مِن شَرٍّ يُتَوَقَّعُ. وفِي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ المُؤْذِنِ بِالِاهْتِمامِ بِنِذارَتِهِمْ إيماءٌ إلى أنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى شَرٍّ عَظِيمٍ فَهم أحْرِياءُ بِالنِّذارَةِ. والمُبِينُ: المُفْصِحُ المُوَضِّحُ، أيْ مُبِينٌ لِلْإنْذارِ بِما لا إيهامَ فِيهِ ولا مُصانَعَةَ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالقَوْلِ تَقْسِيمٌ لِلنّاسِ في تَلَقِّي هَذا الإنْذارِ المَأْمُورِ الرَّسُولُ بِتَبْلِيغِهِ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِبَيانِ حالِ كِلا الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَرْغِيبًا في الحالَةِ الحُسْنى وتَحْذِيرًا مِنَ الحالَةِ السُّوأى فَقالَ تَعالى فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم إلى آخِرِهِ، فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فِي آياتِنا﴾) والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِالفاءِ. والمَغْفِرَةُ: غُفْرانُ ما قَدَّمُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وما يَتْبَعُهُ مِن شَرائِعِ الشِّرْكِ وضَلالاتِهِ ومَفاسِدِهِ. وهَذِهِ المَغْفِرَةُ تُفْضِي إلى نَعِيمِ الآخِرَةِ، فالمَعْنى: أنَّهم فازُوا في الدّارِ الآخِرَةِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ. ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ يَجْمَعُ وفْرَتَهُ وصَفاءَهُ مِنَ المُكَدِّراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] ذَلِكَ هو الجَنَّةُ. صفحة ٢٩٥ والرِّزْقُ مِنهُ ما هو حاصِلٌ لَهم في الدُّنْيا، فَهم مُتَمَتِّعُونَ بِانْشِراحِ صُدُورِهِمْ ورِضاهم عَنْ رَبِّهِمْ، وأعْظَمُهُ ما يَحْصُلُ لَهم في الآخِرَةِ. والَّذِينَ سَعَوْا هُمُ الفَرِيقُ المُقابِلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَمَعْناهُ: والَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى الكُفْرِ، فَعُبِّرَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ بِالسَّعْيِ في الآياتِ لِأنَّهُ أخَصُّ مِنَ الكُفْرِ، وذَلِكَ حالُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. والسَّعْيُ: المَشْيُ الشَّدِيدُ، ويُطْلَقُ عَلى شِدَّةِ الحِرْصِ في العَمَلِ تَشْبِيهًا لِلْعامِلِ الحَرِيصِ بِالماشِي الشَّدِيدِ في كَوْنِهِ يَكِدُّ لِلْوُصُولِ إلى غايَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢] . فَلَيْسَ المُرادُ أنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ يَمْشِي وإنَّما المُرادُ أنَّهُ صَرَفَ عِنايَتَهُ لِإحْضارِ السَّحَرَةِ لِإحْباطِ دَعْوَةِ مُوسى، وقالَ تَعالى ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ [المائدة: ٣٣] . والكَلامُ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَتْ هَيْئَةُ تَفَنُّنِهِمْ في التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ وتَطَلُّبِ المَعاذِيرِ لِنَقْضِ دَلائِلِهِ مِن قَوْلِهِمْ: هو سِحْرٌ، هو شِعْرٌ، هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، هو قَوْلُ مَجْنُونٍ، وتَعَرُّضُهِمْ بِالمُجادَلاتِ والمُناقَضاتِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِهَيْئَةِ السّاعِي في طَرِيقٍ يُسابِقُ غَيْرَهُ لِيَفُوزَ بِالوُصُولِ. والمُعاجِزُ: المُسابِقُ الطّالِبُ عَجْزَ مُسايِرِهِ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ وعَنِ اللِّحاقِ بِهِ، فَصِيغَ لَهُ المُفاعَلَةُ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَطْلُبُ عَجْزَ الآخَرِ عَنْ لِحاقِهِ. والمَعْنى: أنَّهم بِعَمَلِهِمْ يُغالِبُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَغْلِبُوا اللَّهَ وقَدْ ظَنُّوا أنَّهم نالُوا مُرادَهم في الدُّنْيا ولَمْ يَعْلَمُوا ما لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (مُعَجِّزِينَ) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَضْعِيفِ الجِيمِ أيْ مُحاوِلِينَ إعْجازَ اللَّهِ تَعالى وهم لا يَعْلَمُونَ. صفحة ٢٩٦ والتَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُخَبَرَ عَنْهم جَدِيرُونَ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ هم أصْحابُ الجَحِيمِ لِأنَّهم سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ. ومِن أحْسَنِ ما يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ ما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أتى قَوْمَهُ فَقالَ: يا قَوْمِ إنِّي رَأيْتُ الجَيْشَ بِعَيْنِي وأنا النَّذِيرُ العُرْيانُ. فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فَأطاعَتْهُ طائِفَةٌ مِن قَوْمِهِ فَأدْلَجُوا، وانْطَلَقُوا عَلى مَهَلِهِمْ. وكَذَّبَتْ طائِفَةٌ مِنهم فَأصْبَحُوا مَكانَهم فَصَبَّحَهُمُ الجَيْشُ فَأهْلَكَهم واجْتاحَهم. فَذَلِكَ مَثَلِي ومَثَلُ مَن أطاعَنِي واتَّبَعَ ما جِئْتُ بِهِ، ومَثَلُ مَن عَصانِي وكَذَّبَ ما جِئْتُ بِهِ مِنَ الحَقِّ» .

الحج 22:52

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لِهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . صفحة ٢٩٧ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩]، لِأنَّهُ لَمّا أفْضى الكَلامُ السّابِقُ إلى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ وتَأْنِيسِ نَفْسِهِ فِيما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةُ الأُمَمِ الظّالِمَةِ مِن قَبْلِهِمْ فِيما جاءَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨] إلَخْ، وأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى النِّذارَةِ فَمَن آمَنَ فَقَدْ نَجا ومَن كَفَرَ فَقَدْ هَلَكَ، أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِن ذَلِكَ إلى تَفْصِيلِ تَسْلِيَتِهِ وتَثْبِيتِهِ بِأنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ أحَدٌ مِنهم مَن مُحاوَلَةِ الشَّيْطانِ أنْ يُفْسِدَ بَعْضَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن هَدْيِ الأُمَمِ وأنَّهم لَقُوا مِن أقْوامِهِمْ مُكَذِّبِينَ ومُصَدِّقِينَ سُنَّةَ اللَّهِ في رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَقَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ) نَصٌّ في العُمُومِ، فَأفادَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَعْدُ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وعَطْفُ (نَبِيءٍ) عَلى (رَسُولٍ) دالٌّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيءِ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنى الرَّسُولِ. فالرَّسُولُ: هو الرَّجُلُ المَبْعُوثُ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ بِشَرِيعَةٍ. والنَّبِيءُ: مَن أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِإصْلاحِ أمْرِ قَوْمٍ بِحَمْلِهِمْ عَلى شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ أوْ بِإرْشادِهِمْ إلى ما هو مُسْتَقِرٌّ في الشَّرائِعِ كُلِّها فالنَّبِيءُ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، وهو التَّحْقِيقُ. والتَّمَنِّي: كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ. وحَقِيقَتُها: طَلَبُ الشَّيْءِ العَسِيرِ حُصُولُهُ. والأُمْنِيَّةُ: الشَّيْءُ المُتَمَنّى. وإنَّما يَتَمَنّى الرُّسُلُ والأنْبِياءُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهم صفحة ٢٩٨ كُلُّهم صالِحِينَ مُهْتَدِينَ. والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أحْوالٍ تابِعَةٍ لِعُمُومِ أصْحابِها وهو (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ)، أيْ ما أرْسَلْناهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ إذا تَمَنّى أحَدُهم أُمْنِيَّةً ألْقى الشَّيْطانُ فِيها إلَخْ، أيْ في حالِ حُصُولِ الإلْقاءِ عِنْدَ حُصُولِ التَّمَنِّي لِأنَّ أمانِيَّ الأنْبِياءِ خَيْرٌ مَحْضٌ، والشَّيْطانُ دَأْبُهُ الإفْسادُ وتَعْطِيلُ الخَيْرِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ أنْ نُرْسِلَ أحَدًا مِنهم في حالِ الخُلُوِّ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ ومَكْرِهِ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَسْوَسَةِ وتَسْوِيلِ الفَسادِ تَشْبِيهًا لِلتَّسْوِيلِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ بَيْنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وقَوْلُهُ ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ [طه: ٩٦] عَلى ما حَقَّقْناهُ فِيما مَضى. ومَفْعُولُ (ألْقى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يُلْقِي الشَّرَّ والفَسادَ. فَإسْنادُ التَّمَنِّي إلى الأنْبِياءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَمَنِّي الهُدى والصَّلاحِ. وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى الشَّيْطانِ دَلَّ عَلى أنَّهُ إلْقاءُ الضَّلالِ والفَسادِ. فالتَّقْدِيرُ: أدْخَلَ الشَّيْطانُ في نُفُوسِ الأقْوامِ ضَلالاتٍ تُفْسِدُ ما قالَهُ الأنْبِياءُ مِنَ الإرْشادِ. ومَعْنى إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَّةِ النَّبِيءِ والرَّسُولِ إلْقاءُ ما يُضادُّها، كَمَن يَمْكُرُ فَيُلْقِي السُّمَّ في السَّمْنِ، فَإلْقاءُ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ: أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، ويُلْقِيَ في قُلُوبِ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَطاعِنَ يَبُثُّونَها في قَوْمِهِمْ. ويُرَوِّجُ الشُّبُهاتِ بِإلْقاءِ الشُّكُوكِ الَّتِي تَصْرِفُ نَظَرَ العَقْلِ عَنْ تَذَكُّرِ البُرْهانِ، واللَّهُ تَعالى يُعِيدُ الإرْشادَ ويُكَرِّرُ الهَدْيَ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ. ويَفْضَحُ وساوِسَ الشَّيْطانِ وسُوءَ فِعْلِهِ صفحة ٢٩٩ بِالبَيانِ الواضِحِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] . فاللَّهُ بِهَدْيِهِ وبَيانِهِ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، أيْ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ الَّتِي يُلْقِيها الشَّيْطانُ بِبَيانِ اللَّهِ الواضِحِ، ويَزِيدُ آياتِ دَعْوَةِ رُسُلِهِ بَيانًا، وذَلِكَ هو إحْكامُ آياتِهِ، أيْ تَحْقِيقُها وتَثْبِيتُ مَدْلُولِها وتَوْضِيحُها بِما لا شُبْهَةَ بَعْدَهُ إلّا لِمَن رِينَ عَلى قَلْبِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الآياتِ المُحْكَماتِ في آلِ عِمْرانَ. وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (تَمَنّى) بِمَعْنى قَرَأ. وتَبِعَهم أصْحابُ كُتُبِ اللُّغَةِ وذَكَرُوا بَيْتًا نَسَبُوهُ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وذَكَرُوا قِصَّةً بِرِواياتٍ ضَعِيفَةٍ سَنَذْكُرُها. وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ فِيهِ هو والقَوْلُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي بِالمَعْنى المَشْهُورِ سَواءٌ، أيْ إذا قَرَأ عَلى النّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لِيَهْتَدُوا بِهِ ألَقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، أيْ في قِراءَتِهِ، أيْ وسْوَسَ لَهم في نُفُوسِهِمْ ما يُناقِضُهُ ويُنافِيهِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلنّاسِ التَّكْذِيبَ والإعْراضَ عَنِ التَّدَبُّرِ. فَشِبْهُ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلْكافِرِينَ عَدَمُ امْتِثالِ النَّبِيءِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ لِخَلْطِهِ وإفْسادِهِ. وعِنْدِي في صِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ الأُمْنِيَّةِ عَلى القِراءَةِ شَكٌّ عَظِيمٌ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ في بَيْتٍ نُسِبَ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ إنْ صَحَّتْ رِوايَةُ البَيْتِ عَنْ حَسّانَ عَلى اخْتِلافٍ في مِصْراعِهِ الأخِيرِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى مَهَلْ فَلا أظُنُّ أنَّ القِراءَةَ يُقالُ لَها أُمْنِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النَّبِيءِ إذا تَمَنّى هَدْيَ قَوْمِهِ أوْ حَرَصَ عَلى ذَلِكَ فَلَقِيَ العِنادَ، وتَمَنّى حُصُولَ هُداهم بِكُلِّ وسِيلَةٍ ألْقى الشَّيْطانُ في نَفْسِ النَّبِيءِ خاطِرَ اليَأْسِ مَن هُداهم عَسى أنْ يُقْصِرَ النَّبِيءَ صفحة ٣٠٠ مِن حِرْصِهِ أوْ أنْ يُضْجِرَهُ، وهي خَواطِرُ تَلُوحُ في النَّفْسِ ولَكِنَّ العِصْمَةَ تَعْتَرِضُها فَلا يَلْبَثُ ذَلِكَ الخاطِرُ أنْ يَنْقَشِعَ ويَرْسَخَ في نَفْسِ الرَّسُولِ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ الدَّأْبِ عَلى الدَّعْوَةِ والحِرْصِ عَلى الرُّشْدِ. فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُلَوِّحًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ وتَقْرِيرَها أهَمُّ مِن نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ بِالإحْكامِ يَتَّضِحُ الهُدى ويَزْدادُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ نَسْخًا. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ يَرْجُونَ اهْتِداءَ قَوْمِهِمْ ما اسْتَطاعُوا فَيُبَلِّغُونَهم ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعِظُونَهم ويَدْعُونَهم بِالحُجَّةِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ حَتّى يَظُنُّوا أنَّ أُمْنِيَّتَهم قَدْ نَجَحَتْ ويَقْتَرِبُ القَوْمُ مِنَ الإيمانِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ قَوْلَهم ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤١] فَيَأْتِي الشَّيْطانُ فَلا يَزالُ يُوَسْوِسُ في نُفُوسِ الكُفّارِ فَيَنْكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ، وتِلْكَ الوَساوِسُ ضُرُوبٌ شَتّى مِن تَذْكِيرِهِمْ بِحُبِّ آلِهَتِهِمْ، ومِن تَخْوِيفِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَةِ نَبْذِ دِينِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الضَّلالاتِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم في تَفاصِيلِ القُرْآنِ، فَيَتَمَسَّكُ أهْلُ الضَّلالَةِ بِدِينِهِمْ ويَصُدُّونَ عَنْ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وذَلِكَ هو الصَّبْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] . وكُلَّما أفْسَدَ الشَّيْطانُ دَعْوَةَ الرُّسُلِ أمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ فَعاوَدُوا الإرْشادَ وكَرَّرُوهُ وهو سَبَبُ تَكَرُّرِ مَواعِظَ مُتَماثِلَةٍ في القُرْآنِ. فَبِتِلْكَ صفحة ٣٠١ المُعاوَدَةِ يَنْسَخُ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ وتَثْبُتُ الآياتُ السّالِفَةُ. فالنَّسْخُ: الإزالَةُ، والإحْكامُ: التَّثْبِيتُ. وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ يَنْسَخُ آثارَها ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ويُحْكِمُ آثارَ آياتِهِ. واللّامانِ في قَوْلِهِ (لِيَجْعَلَ) وفي قَوْلِهِ (ولِيَعْلَمَ) مُتَعَلِّقَتانِ بِفِعْلِ (يَنْسَخُ اللَّهُ) فَإنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي مَنسُوخًا. وفي (يَجْعَلُ) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ (فَيَنْسَخُ اللَّهُ) . والجَعْلُ، هُنا: جَعْلُ نِظامِ تَرَتُّبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، وتَكْوِينِ تَفاوُتِ المَدارِكِ ومَراتِبِ دَرَجاتِها. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ الشَّيْطانَ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِأصْلِ فِطْرَتِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الإضْلالِ، ونَسْخُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وآياتِهِ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ فِتْنَةُ ضَلالِ كُفْرٍ وهَدْيُ إيمانٍ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القابِلِيّاتِ. فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . ولامُ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ، مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] . وهي مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّعْقِيبِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الفاءِ، أيْ تَحْصُلُ عَقِبَ النَّسْخِ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ فِتْنَةُ مَن أفْتِنُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ نَسْخِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ، وعَنِ اسْتِماعِ ما أحْكَمَ اللَّهُ بِهِ آياتِهِ، فَيَسْتَمِرُّ كُفْرُهم ويَقْوى. وأمّا لامُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَهي عَلى أصْلِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ لِإرادَةِ أنْ يَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ الحَقُّ بِرُسُوخِ ما تَمَنّاهُ الرَّسُولُ والأنْبِياءُ لَهم مِنَ الهُدى كَما يَحْصُلُ لَهم بِما يُحْكِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ ازْدِيادُ الهُدى في قُلُوبِهِمْ. صفحة ٣٠٢ ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُتَرَدِّدُونَ في قَبُولَ الإيمانِ. ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هُمُ الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ. والفَرِيقانِ هُمُ المُرادُ بِـ (الظّالِمِينَ) في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ . فَذِكْرُ (الظّالِمِينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِمْ في شِقاقٍ بَعِيدٍ هي ظُلْمُهم؛ أيْ كُفْرُهم. والشِّقاقُ: الخِلافُ والعَداوَةُ. والبَعِيدُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى البالِغِ حَدًّا قَوِيًّا في حَقِيقَتِهِ؛ تَشْبِيهًا لِانْتِشارِ الحَقِيقَةِ فِيهِ بِانْتِشارِ المَسافَةِ في المَكانِ البَعِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أيْ دُعاءٍ كَثِيرٍ مُلِحٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِـ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد: ٢٠] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . فالمُرادُ بِالعِلْمِ الوَحْيُ والكُتُبُ الَّتِي أُوتِيها أصْحابُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ فَإنَّهم بِها يَصِيرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ. وإطْلاقُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ تَكْرارٌ في القُرْآنِ. وهَذا ثَناءٌ عَلى أصْحابِ الرُّسُلِ بِأنَّهم أُوتُوا العِلْمَ، وهو عِلْمُ الدِّينِ الَّذِي يُبَلِّغُهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ نُورَ النُّبُوءَةِ يُشْرِقُ في قُلُوبِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الرَّسُولَ. ولِذَلِكَ تَجِدُ مَن يَصْحَبُ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإيمانِ جِلْفًا فَإذا آمَنَ انْقَلَبَ حَكِيمًا، مِثْلَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . صفحة ٣٠٣ وضَمِيرُ أنَّهُ الحَقُّ عائِدٌ إلى العِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ، أيْ لِيَزْدادُوا يَقِينًا بِأنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُوتُوهُ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ لَهم مِنَ التَّشْكِيكِ والشُّبَهِ والتَّضْلِيلِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ قَصْرٌ إضافِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (أنَّهُ) عائِدًا إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾، أيْ أنَّ المَذْكُورَ هو الحَقُّ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ أيْ كَأنَّ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ فَيُؤْمِنُوا بِهِ مَعْناهُ: فَيَزْدادُوا إيمانًا أوْ فَيُؤْمِنُوا بِالنّاسِخِ والمُحْكَمِ كَما آمَنُوا بِالأصْلِ. والإخْباتُ: الِاطْمِئْنانُ والخُشُوعُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، أيْ فَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وبِما تَلَقَّيْتَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الِانْتِظامِ البَيِّنِ الواضِحِ المُسْتَقِلِّ بِدَلالَتِهِ والمُسْتَغْنى بِنَهْلِهِ عَنْ عُلالَتِهِ، والسّالِمِ مِنَ التَّكَلُّفاتِ والِاحْتِياجِ إلى ضَمِيمَةِ القَصَصِ تَرى أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَمّا ألْصَقَهُ بِها المُلْصِقُونَ والضُّعَفاءُ في عُلُومِ السُّنَّةِ، وتَلَقّاهُ مِنهم فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ حُبًّا في غَرائِبِ النَّوادِرِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَمْحِيصٍ، مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ النَّجْمِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِما أفْسَدُوا مِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَتّى تَجاوَزُوا بِهَذا الإلْصاقِ إلى إفْسادِ مَعانِي سُورَةِ النَّجْمِ، فَذَكَرُوا في ذَلِكَ رِواياتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرْطُبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وأقْرَبُها رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ جَلَسَ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٌ أهْلُهُ مِن مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ صفحة ٣٠٤ النَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩] ألْقى الشَّيْطانُ بَيْنَ السّامِعِينَ عَقِبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِأنْ ذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ. وكانَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ سَجْدَةٌ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ. فَلَمّا سَجَدَ في آخِرِ السُّورَةِ سَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. وتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّ قُرَيْشًا أسْلَمُوا حَتّى شاعَ ذَلِكَ بِبِلادِ الحَبَشَةِ. فَرَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ» نَفَرٌ مِنهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى المَدِينَةِ. وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِأنَّ الشَّيْطانَ ألْقى. فَأعْلَمَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ. وهي قِصَّةٌ يَجِدُها السّامِعُ ضِغْثًا عَلى إبّالَةٍ، ولا يُلْقِي إلَيْها النِّحْرِيرُ بالَهُ. وما رُوِيَتْ إلّا بِأسانِيدَ واهِيَةٍ ومُنْتَهاها إلى ذِكْرِ قِصَّةٍ، ولَيْسَ في أحَدِ أسانِيدِها سَماعُ صَحابِيٍّ لِشَيْءٍ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ وسَنَدُها إلى ابْنِ عَبّاسٍ سَنَدٌ مَطْعُونٌ. عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يَوْمَ نَزَلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ كانَ لا يَحْضُرُ مَجالِسَ النَّبِيءِ ﷺ وهي أخْبارُ آحادٍ تُعارِضُ أُصُولَ الدِّينِ لِأنَّها تُخالِفُ أصْلَ عِصْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَلا التِباسَ عَلَيْهِ في تَلَقِّي الوَحْيِ. ويَكْفِي تَكْذِيبًا لَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] . وفي مَعْرِفَةِ المَلِكِ. فَلَوْ رَواها الثِّقاتُ لَوَجَبَ رَفْضُها وتَأْوِيلُها فَكَيْفَ وهي ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ. وكَيْفَ يَرُوجُ عَلى ذِي مَسْكَةٍ مِن عَقْلٍ أنْ يَجْتَمِعَ في كَلامٍ واحِدٍ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فَيَقَعُ في خِلالِ ذَلِكَ مَدْحُها بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى. وهَلْ هَذا إلّا كَلامٌ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقَدِ اتَّفَقَ الحاكُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ كُلَّها صفحة ٣٠٥ حَتّى خاتِمَتِها ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] لِأنَّهم إنَّما سَجَدُوا حِينَ سَجَدَ المُسْلِمُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم سَمِعُوا السُّورَةَ كُلَّها وما بَيْنَ آيَةِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] وبَيْنَ آخِرِ السُّورَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في إبْطالِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن مَعْبُوداتِ المُشْرِكِينَ، وتَزْيِيفٌ كَثِيرٌ لِعَقائِدِ المُشْرِكِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا مِن أجْلِ الثَّناءِ عَلى آلِهَتِهِمْ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأخْبارُ مَكْذُوبَةً مِن أصْلِها فَإنَّ تَأْوِيلَها: أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ وجَدُوا ذِكْرَ اللّاتِ والعُزّى فُرْصَةً لِلدَّخَلِ لِاخْتِلاقِ كَلِماتٍ في مَدْحِهِنَّ - وهي هَذِهِ الكَلِماتُ - ورَوَّجُوها بَيْنَ النّاسِ تَأْنِيسًا لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وإلْقاءً لِلرَّيْبِ في قُلُوبِ ضُعَفاءِ الإيمانِ. وفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ عَلى الكَشّافِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ: أنَّ كَلِماتِ الغَرانِيقِ. . أيْ هَذِهِ الجُمَلُ مِن مُفْتَرِياتِ ابْنِ الزِّبَعْرى. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ العَرَبِ أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلَخْ فَجَعَلَ يَتْلُو: اللّاتَ والعُزّى أيِ الآيَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى هَذا فَسَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ نَبِيءَ اللَّهِ يَذْكُرُ آلِهَتَهم فَفَرِحُوا ودَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى، فَإنَّ قَوْلَهُ ”دَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ“ إلَخْ يُؤْذِنُ بِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا أوَّلَ السُّورَةِ ولا آخِرَها وأنَّ شَيْطانَهم ألْقى تِلْكَ الكَلِماتِ. ولَعَلَّ ابْنَ الزِّبَعْرى كانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ عَلى مُحاكاةِ الأصْواتِ وهَذِهِ مَقْدِرَةٌ تُوجَدُ في بَعْضِ النّاسِ. وكُنْتُ أعْرِفُ فَتًى مِن أتْرابِنا ما يُحاكِي صَوْتَ أحَدٍ إلّا ظَنَّهُ السّامِعُ أنَّهُ صَوْتُ المُحاكى. وأمّا تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا في آخِرِ سُورَةِ النَّجْمِ لَمّا سَجَدَ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحِ، فَذَلِكَ مِن تَخْلِيطِ المُؤَلِّفِينَ. صفحة ٣٠٦ وكَذَلِكَ تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ. وكَمْ بَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ الَّتِي هي مِن أوائِلِ السُّوَرِ النّازِلَةِبِمَكَّةَ وبَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ الحَجِّ الَّتِي بَعْضُها مِن أوَّلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ وبَعْضُها مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، وكَذَلِكَ رَبْطُ تِلْكَ القِصَّةِ بِقِصَّةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. وكَمْ بَيْنَ مُدَّةِ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ وبَيْنَ سَنَةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. فالوَجْهُ: أنَّ هَذِهِ الشّائِعَةَ الَّتِي أُشِيعَتْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الإسْلامِ. إنَّما هي مِنِ اخْتِلاقاتِ المُسْتَهْزِئِينَ مِن سُفَهاءِ الأحْلامِ بِمَكَّةَ مِثْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى، وأنَّهم عَمَدُوا إلى آيَةٍ ذُكِرَتْ فِيها اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ فَرَكَّبُوا عَلَيْها كَلِماتٍ أُخْرى لِإلْقاءِ الفِتْنَةِ في النّاسِ وإنَّما خَصُّوا سُورَةَ النَّجْمِ بِهَذِهِ المُرْجِفَةِ؛ لِأنَّهم حَضَرُوا قِراءَتَها في المَسْجِدِ الحَرامِ وتَعَلَّقَتْ بِأذْهانِهِمْ، وتَطَلُّبًا لِإيجادِ المَعْذِرَةِ لَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ عَلى سُجُودِهِمْ فِيها الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ سَرى هَذا التَّعَسُّفُ إلى إثْباتِ مَعْنًى في اللُّغَةِ، فَزَعَمُوا أنَّ (تَمَنّى) بِمَعْنى: قَرَأ، والأُمْنِيَّةُ: القِراءَةُ، وهو ادِّعاءٌ لا يُوثَقُ بِهِ ولا يُوجَدُ لَهُ شاهِدٌ صَرِيحٌ في كَلامِ العَرَبِ. وأنْشَدُوا بَيْتًا لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ في رِثاءِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وهُوَ مُحْتَمَلٌ أنَّ مَعْناهُ تَمَنّى أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ عَلى عادَتِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ بِتَشْغِيبِ أهْلِ الحِصارِ عَلَيْهِ وقَتَلُوهُ آخِرَ اللَّيْلِ. ولِهَذا جَعَلَهُ تَمَنِّيًا لِأنَّهُ أحَبَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ. ورُبَّما أنْشَدُوهُ بِرِوايَةٍ أُخْرى فَظُنَّ أنَّهُ شاهِدٌ آخَرُ. ورُبَّما تَوَهَّمُوا الرِّوايَةَ الثّانِيَةَ بَيْتًا آخَرَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَعْنى في الأساسِ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ عِنْدَ صفحة ٣٠٧ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ لِلِاعْتِراضِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ جُمِعَ لَهُمُ الوَصْفانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ، وكَما في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبإ: ٦] . فَإظْهارُ لَفْظِ (الَّذِينَ آمَنُوا) في مَقامِ ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] لِقَصْدِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفِ الإيمانِ، والإيماءِ إلى أنَّ إيمانَهم هو سَبَبُ هَدْيِهِمْ. وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] . فالمُرادُ بِالهُدى في كِلْتا الآيَتَيْنِ عِنايَةُ اللَّهِ بِتَيْسِيرِهِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى الفَرِيقَيْنِ بِالدَّعْوَةِ والإرْشادِ فَمِنهم مَنِ اهْتَدى ومِنهم مَن كَفَرَ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ (لَهادٍ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ واعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ عَلى خِلافِ الغالِبِ. وفي الوَقْفِ يُثْبِتُ يَعْقُوبُ الياءَ بِخِلافِ البَقِيَّةِ.

الحج 22:53

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لِهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . صفحة ٢٩٧ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩]، لِأنَّهُ لَمّا أفْضى الكَلامُ السّابِقُ إلى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ وتَأْنِيسِ نَفْسِهِ فِيما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةُ الأُمَمِ الظّالِمَةِ مِن قَبْلِهِمْ فِيما جاءَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨] إلَخْ، وأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى النِّذارَةِ فَمَن آمَنَ فَقَدْ نَجا ومَن كَفَرَ فَقَدْ هَلَكَ، أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِن ذَلِكَ إلى تَفْصِيلِ تَسْلِيَتِهِ وتَثْبِيتِهِ بِأنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ أحَدٌ مِنهم مَن مُحاوَلَةِ الشَّيْطانِ أنْ يُفْسِدَ بَعْضَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن هَدْيِ الأُمَمِ وأنَّهم لَقُوا مِن أقْوامِهِمْ مُكَذِّبِينَ ومُصَدِّقِينَ سُنَّةَ اللَّهِ في رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَقَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ) نَصٌّ في العُمُومِ، فَأفادَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَعْدُ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وعَطْفُ (نَبِيءٍ) عَلى (رَسُولٍ) دالٌّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيءِ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنى الرَّسُولِ. فالرَّسُولُ: هو الرَّجُلُ المَبْعُوثُ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ بِشَرِيعَةٍ. والنَّبِيءُ: مَن أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِإصْلاحِ أمْرِ قَوْمٍ بِحَمْلِهِمْ عَلى شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ أوْ بِإرْشادِهِمْ إلى ما هو مُسْتَقِرٌّ في الشَّرائِعِ كُلِّها فالنَّبِيءُ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، وهو التَّحْقِيقُ. والتَّمَنِّي: كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ. وحَقِيقَتُها: طَلَبُ الشَّيْءِ العَسِيرِ حُصُولُهُ. والأُمْنِيَّةُ: الشَّيْءُ المُتَمَنّى. وإنَّما يَتَمَنّى الرُّسُلُ والأنْبِياءُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهم صفحة ٢٩٨ كُلُّهم صالِحِينَ مُهْتَدِينَ. والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أحْوالٍ تابِعَةٍ لِعُمُومِ أصْحابِها وهو (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ)، أيْ ما أرْسَلْناهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ إذا تَمَنّى أحَدُهم أُمْنِيَّةً ألْقى الشَّيْطانُ فِيها إلَخْ، أيْ في حالِ حُصُولِ الإلْقاءِ عِنْدَ حُصُولِ التَّمَنِّي لِأنَّ أمانِيَّ الأنْبِياءِ خَيْرٌ مَحْضٌ، والشَّيْطانُ دَأْبُهُ الإفْسادُ وتَعْطِيلُ الخَيْرِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ أنْ نُرْسِلَ أحَدًا مِنهم في حالِ الخُلُوِّ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ ومَكْرِهِ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَسْوَسَةِ وتَسْوِيلِ الفَسادِ تَشْبِيهًا لِلتَّسْوِيلِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ بَيْنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وقَوْلُهُ ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ [طه: ٩٦] عَلى ما حَقَّقْناهُ فِيما مَضى. ومَفْعُولُ (ألْقى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يُلْقِي الشَّرَّ والفَسادَ. فَإسْنادُ التَّمَنِّي إلى الأنْبِياءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَمَنِّي الهُدى والصَّلاحِ. وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى الشَّيْطانِ دَلَّ عَلى أنَّهُ إلْقاءُ الضَّلالِ والفَسادِ. فالتَّقْدِيرُ: أدْخَلَ الشَّيْطانُ في نُفُوسِ الأقْوامِ ضَلالاتٍ تُفْسِدُ ما قالَهُ الأنْبِياءُ مِنَ الإرْشادِ. ومَعْنى إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَّةِ النَّبِيءِ والرَّسُولِ إلْقاءُ ما يُضادُّها، كَمَن يَمْكُرُ فَيُلْقِي السُّمَّ في السَّمْنِ، فَإلْقاءُ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ: أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، ويُلْقِيَ في قُلُوبِ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَطاعِنَ يَبُثُّونَها في قَوْمِهِمْ. ويُرَوِّجُ الشُّبُهاتِ بِإلْقاءِ الشُّكُوكِ الَّتِي تَصْرِفُ نَظَرَ العَقْلِ عَنْ تَذَكُّرِ البُرْهانِ، واللَّهُ تَعالى يُعِيدُ الإرْشادَ ويُكَرِّرُ الهَدْيَ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ. ويَفْضَحُ وساوِسَ الشَّيْطانِ وسُوءَ فِعْلِهِ صفحة ٢٩٩ بِالبَيانِ الواضِحِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] . فاللَّهُ بِهَدْيِهِ وبَيانِهِ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، أيْ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ الَّتِي يُلْقِيها الشَّيْطانُ بِبَيانِ اللَّهِ الواضِحِ، ويَزِيدُ آياتِ دَعْوَةِ رُسُلِهِ بَيانًا، وذَلِكَ هو إحْكامُ آياتِهِ، أيْ تَحْقِيقُها وتَثْبِيتُ مَدْلُولِها وتَوْضِيحُها بِما لا شُبْهَةَ بَعْدَهُ إلّا لِمَن رِينَ عَلى قَلْبِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الآياتِ المُحْكَماتِ في آلِ عِمْرانَ. وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (تَمَنّى) بِمَعْنى قَرَأ. وتَبِعَهم أصْحابُ كُتُبِ اللُّغَةِ وذَكَرُوا بَيْتًا نَسَبُوهُ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وذَكَرُوا قِصَّةً بِرِواياتٍ ضَعِيفَةٍ سَنَذْكُرُها. وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ فِيهِ هو والقَوْلُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي بِالمَعْنى المَشْهُورِ سَواءٌ، أيْ إذا قَرَأ عَلى النّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لِيَهْتَدُوا بِهِ ألَقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، أيْ في قِراءَتِهِ، أيْ وسْوَسَ لَهم في نُفُوسِهِمْ ما يُناقِضُهُ ويُنافِيهِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلنّاسِ التَّكْذِيبَ والإعْراضَ عَنِ التَّدَبُّرِ. فَشِبْهُ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلْكافِرِينَ عَدَمُ امْتِثالِ النَّبِيءِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ لِخَلْطِهِ وإفْسادِهِ. وعِنْدِي في صِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ الأُمْنِيَّةِ عَلى القِراءَةِ شَكٌّ عَظِيمٌ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ في بَيْتٍ نُسِبَ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ إنْ صَحَّتْ رِوايَةُ البَيْتِ عَنْ حَسّانَ عَلى اخْتِلافٍ في مِصْراعِهِ الأخِيرِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى مَهَلْ فَلا أظُنُّ أنَّ القِراءَةَ يُقالُ لَها أُمْنِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النَّبِيءِ إذا تَمَنّى هَدْيَ قَوْمِهِ أوْ حَرَصَ عَلى ذَلِكَ فَلَقِيَ العِنادَ، وتَمَنّى حُصُولَ هُداهم بِكُلِّ وسِيلَةٍ ألْقى الشَّيْطانُ في نَفْسِ النَّبِيءِ خاطِرَ اليَأْسِ مَن هُداهم عَسى أنْ يُقْصِرَ النَّبِيءَ صفحة ٣٠٠ مِن حِرْصِهِ أوْ أنْ يُضْجِرَهُ، وهي خَواطِرُ تَلُوحُ في النَّفْسِ ولَكِنَّ العِصْمَةَ تَعْتَرِضُها فَلا يَلْبَثُ ذَلِكَ الخاطِرُ أنْ يَنْقَشِعَ ويَرْسَخَ في نَفْسِ الرَّسُولِ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ الدَّأْبِ عَلى الدَّعْوَةِ والحِرْصِ عَلى الرُّشْدِ. فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُلَوِّحًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ وتَقْرِيرَها أهَمُّ مِن نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ بِالإحْكامِ يَتَّضِحُ الهُدى ويَزْدادُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ نَسْخًا. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ يَرْجُونَ اهْتِداءَ قَوْمِهِمْ ما اسْتَطاعُوا فَيُبَلِّغُونَهم ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعِظُونَهم ويَدْعُونَهم بِالحُجَّةِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ حَتّى يَظُنُّوا أنَّ أُمْنِيَّتَهم قَدْ نَجَحَتْ ويَقْتَرِبُ القَوْمُ مِنَ الإيمانِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ قَوْلَهم ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤١] فَيَأْتِي الشَّيْطانُ فَلا يَزالُ يُوَسْوِسُ في نُفُوسِ الكُفّارِ فَيَنْكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ، وتِلْكَ الوَساوِسُ ضُرُوبٌ شَتّى مِن تَذْكِيرِهِمْ بِحُبِّ آلِهَتِهِمْ، ومِن تَخْوِيفِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَةِ نَبْذِ دِينِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الضَّلالاتِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم في تَفاصِيلِ القُرْآنِ، فَيَتَمَسَّكُ أهْلُ الضَّلالَةِ بِدِينِهِمْ ويَصُدُّونَ عَنْ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وذَلِكَ هو الصَّبْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] . وكُلَّما أفْسَدَ الشَّيْطانُ دَعْوَةَ الرُّسُلِ أمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ فَعاوَدُوا الإرْشادَ وكَرَّرُوهُ وهو سَبَبُ تَكَرُّرِ مَواعِظَ مُتَماثِلَةٍ في القُرْآنِ. فَبِتِلْكَ صفحة ٣٠١ المُعاوَدَةِ يَنْسَخُ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ وتَثْبُتُ الآياتُ السّالِفَةُ. فالنَّسْخُ: الإزالَةُ، والإحْكامُ: التَّثْبِيتُ. وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ يَنْسَخُ آثارَها ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ويُحْكِمُ آثارَ آياتِهِ. واللّامانِ في قَوْلِهِ (لِيَجْعَلَ) وفي قَوْلِهِ (ولِيَعْلَمَ) مُتَعَلِّقَتانِ بِفِعْلِ (يَنْسَخُ اللَّهُ) فَإنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي مَنسُوخًا. وفي (يَجْعَلُ) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ (فَيَنْسَخُ اللَّهُ) . والجَعْلُ، هُنا: جَعْلُ نِظامِ تَرَتُّبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، وتَكْوِينِ تَفاوُتِ المَدارِكِ ومَراتِبِ دَرَجاتِها. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ الشَّيْطانَ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِأصْلِ فِطْرَتِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الإضْلالِ، ونَسْخُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وآياتِهِ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ فِتْنَةُ ضَلالِ كُفْرٍ وهَدْيُ إيمانٍ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القابِلِيّاتِ. فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . ولامُ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ، مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] . وهي مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّعْقِيبِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الفاءِ، أيْ تَحْصُلُ عَقِبَ النَّسْخِ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ فِتْنَةُ مَن أفْتِنُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ نَسْخِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ، وعَنِ اسْتِماعِ ما أحْكَمَ اللَّهُ بِهِ آياتِهِ، فَيَسْتَمِرُّ كُفْرُهم ويَقْوى. وأمّا لامُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَهي عَلى أصْلِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ لِإرادَةِ أنْ يَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ الحَقُّ بِرُسُوخِ ما تَمَنّاهُ الرَّسُولُ والأنْبِياءُ لَهم مِنَ الهُدى كَما يَحْصُلُ لَهم بِما يُحْكِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ ازْدِيادُ الهُدى في قُلُوبِهِمْ. صفحة ٣٠٢ ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُتَرَدِّدُونَ في قَبُولَ الإيمانِ. ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هُمُ الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ. والفَرِيقانِ هُمُ المُرادُ بِـ (الظّالِمِينَ) في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ . فَذِكْرُ (الظّالِمِينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِمْ في شِقاقٍ بَعِيدٍ هي ظُلْمُهم؛ أيْ كُفْرُهم. والشِّقاقُ: الخِلافُ والعَداوَةُ. والبَعِيدُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى البالِغِ حَدًّا قَوِيًّا في حَقِيقَتِهِ؛ تَشْبِيهًا لِانْتِشارِ الحَقِيقَةِ فِيهِ بِانْتِشارِ المَسافَةِ في المَكانِ البَعِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أيْ دُعاءٍ كَثِيرٍ مُلِحٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِـ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد: ٢٠] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . فالمُرادُ بِالعِلْمِ الوَحْيُ والكُتُبُ الَّتِي أُوتِيها أصْحابُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ فَإنَّهم بِها يَصِيرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ. وإطْلاقُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ تَكْرارٌ في القُرْآنِ. وهَذا ثَناءٌ عَلى أصْحابِ الرُّسُلِ بِأنَّهم أُوتُوا العِلْمَ، وهو عِلْمُ الدِّينِ الَّذِي يُبَلِّغُهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ نُورَ النُّبُوءَةِ يُشْرِقُ في قُلُوبِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الرَّسُولَ. ولِذَلِكَ تَجِدُ مَن يَصْحَبُ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإيمانِ جِلْفًا فَإذا آمَنَ انْقَلَبَ حَكِيمًا، مِثْلَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . صفحة ٣٠٣ وضَمِيرُ أنَّهُ الحَقُّ عائِدٌ إلى العِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ، أيْ لِيَزْدادُوا يَقِينًا بِأنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُوتُوهُ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ لَهم مِنَ التَّشْكِيكِ والشُّبَهِ والتَّضْلِيلِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ قَصْرٌ إضافِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (أنَّهُ) عائِدًا إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾، أيْ أنَّ المَذْكُورَ هو الحَقُّ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ أيْ كَأنَّ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ فَيُؤْمِنُوا بِهِ مَعْناهُ: فَيَزْدادُوا إيمانًا أوْ فَيُؤْمِنُوا بِالنّاسِخِ والمُحْكَمِ كَما آمَنُوا بِالأصْلِ. والإخْباتُ: الِاطْمِئْنانُ والخُشُوعُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، أيْ فَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وبِما تَلَقَّيْتَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الِانْتِظامِ البَيِّنِ الواضِحِ المُسْتَقِلِّ بِدَلالَتِهِ والمُسْتَغْنى بِنَهْلِهِ عَنْ عُلالَتِهِ، والسّالِمِ مِنَ التَّكَلُّفاتِ والِاحْتِياجِ إلى ضَمِيمَةِ القَصَصِ تَرى أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَمّا ألْصَقَهُ بِها المُلْصِقُونَ والضُّعَفاءُ في عُلُومِ السُّنَّةِ، وتَلَقّاهُ مِنهم فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ حُبًّا في غَرائِبِ النَّوادِرِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَمْحِيصٍ، مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ النَّجْمِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِما أفْسَدُوا مِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَتّى تَجاوَزُوا بِهَذا الإلْصاقِ إلى إفْسادِ مَعانِي سُورَةِ النَّجْمِ، فَذَكَرُوا في ذَلِكَ رِواياتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرْطُبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وأقْرَبُها رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ جَلَسَ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٌ أهْلُهُ مِن مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ صفحة ٣٠٤ النَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩] ألْقى الشَّيْطانُ بَيْنَ السّامِعِينَ عَقِبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِأنْ ذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ. وكانَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ سَجْدَةٌ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ. فَلَمّا سَجَدَ في آخِرِ السُّورَةِ سَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. وتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّ قُرَيْشًا أسْلَمُوا حَتّى شاعَ ذَلِكَ بِبِلادِ الحَبَشَةِ. فَرَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ» نَفَرٌ مِنهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى المَدِينَةِ. وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِأنَّ الشَّيْطانَ ألْقى. فَأعْلَمَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ. وهي قِصَّةٌ يَجِدُها السّامِعُ ضِغْثًا عَلى إبّالَةٍ، ولا يُلْقِي إلَيْها النِّحْرِيرُ بالَهُ. وما رُوِيَتْ إلّا بِأسانِيدَ واهِيَةٍ ومُنْتَهاها إلى ذِكْرِ قِصَّةٍ، ولَيْسَ في أحَدِ أسانِيدِها سَماعُ صَحابِيٍّ لِشَيْءٍ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ وسَنَدُها إلى ابْنِ عَبّاسٍ سَنَدٌ مَطْعُونٌ. عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يَوْمَ نَزَلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ كانَ لا يَحْضُرُ مَجالِسَ النَّبِيءِ ﷺ وهي أخْبارُ آحادٍ تُعارِضُ أُصُولَ الدِّينِ لِأنَّها تُخالِفُ أصْلَ عِصْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَلا التِباسَ عَلَيْهِ في تَلَقِّي الوَحْيِ. ويَكْفِي تَكْذِيبًا لَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] . وفي مَعْرِفَةِ المَلِكِ. فَلَوْ رَواها الثِّقاتُ لَوَجَبَ رَفْضُها وتَأْوِيلُها فَكَيْفَ وهي ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ. وكَيْفَ يَرُوجُ عَلى ذِي مَسْكَةٍ مِن عَقْلٍ أنْ يَجْتَمِعَ في كَلامٍ واحِدٍ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فَيَقَعُ في خِلالِ ذَلِكَ مَدْحُها بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى. وهَلْ هَذا إلّا كَلامٌ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقَدِ اتَّفَقَ الحاكُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ كُلَّها صفحة ٣٠٥ حَتّى خاتِمَتِها ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] لِأنَّهم إنَّما سَجَدُوا حِينَ سَجَدَ المُسْلِمُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم سَمِعُوا السُّورَةَ كُلَّها وما بَيْنَ آيَةِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] وبَيْنَ آخِرِ السُّورَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في إبْطالِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن مَعْبُوداتِ المُشْرِكِينَ، وتَزْيِيفٌ كَثِيرٌ لِعَقائِدِ المُشْرِكِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا مِن أجْلِ الثَّناءِ عَلى آلِهَتِهِمْ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأخْبارُ مَكْذُوبَةً مِن أصْلِها فَإنَّ تَأْوِيلَها: أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ وجَدُوا ذِكْرَ اللّاتِ والعُزّى فُرْصَةً لِلدَّخَلِ لِاخْتِلاقِ كَلِماتٍ في مَدْحِهِنَّ - وهي هَذِهِ الكَلِماتُ - ورَوَّجُوها بَيْنَ النّاسِ تَأْنِيسًا لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وإلْقاءً لِلرَّيْبِ في قُلُوبِ ضُعَفاءِ الإيمانِ. وفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ عَلى الكَشّافِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ: أنَّ كَلِماتِ الغَرانِيقِ. . أيْ هَذِهِ الجُمَلُ مِن مُفْتَرِياتِ ابْنِ الزِّبَعْرى. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ العَرَبِ أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلَخْ فَجَعَلَ يَتْلُو: اللّاتَ والعُزّى أيِ الآيَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى هَذا فَسَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ نَبِيءَ اللَّهِ يَذْكُرُ آلِهَتَهم فَفَرِحُوا ودَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى، فَإنَّ قَوْلَهُ ”دَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ“ إلَخْ يُؤْذِنُ بِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا أوَّلَ السُّورَةِ ولا آخِرَها وأنَّ شَيْطانَهم ألْقى تِلْكَ الكَلِماتِ. ولَعَلَّ ابْنَ الزِّبَعْرى كانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ عَلى مُحاكاةِ الأصْواتِ وهَذِهِ مَقْدِرَةٌ تُوجَدُ في بَعْضِ النّاسِ. وكُنْتُ أعْرِفُ فَتًى مِن أتْرابِنا ما يُحاكِي صَوْتَ أحَدٍ إلّا ظَنَّهُ السّامِعُ أنَّهُ صَوْتُ المُحاكى. وأمّا تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا في آخِرِ سُورَةِ النَّجْمِ لَمّا سَجَدَ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحِ، فَذَلِكَ مِن تَخْلِيطِ المُؤَلِّفِينَ. صفحة ٣٠٦ وكَذَلِكَ تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ. وكَمْ بَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ الَّتِي هي مِن أوائِلِ السُّوَرِ النّازِلَةِبِمَكَّةَ وبَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ الحَجِّ الَّتِي بَعْضُها مِن أوَّلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ وبَعْضُها مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، وكَذَلِكَ رَبْطُ تِلْكَ القِصَّةِ بِقِصَّةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. وكَمْ بَيْنَ مُدَّةِ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ وبَيْنَ سَنَةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. فالوَجْهُ: أنَّ هَذِهِ الشّائِعَةَ الَّتِي أُشِيعَتْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الإسْلامِ. إنَّما هي مِنِ اخْتِلاقاتِ المُسْتَهْزِئِينَ مِن سُفَهاءِ الأحْلامِ بِمَكَّةَ مِثْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى، وأنَّهم عَمَدُوا إلى آيَةٍ ذُكِرَتْ فِيها اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ فَرَكَّبُوا عَلَيْها كَلِماتٍ أُخْرى لِإلْقاءِ الفِتْنَةِ في النّاسِ وإنَّما خَصُّوا سُورَةَ النَّجْمِ بِهَذِهِ المُرْجِفَةِ؛ لِأنَّهم حَضَرُوا قِراءَتَها في المَسْجِدِ الحَرامِ وتَعَلَّقَتْ بِأذْهانِهِمْ، وتَطَلُّبًا لِإيجادِ المَعْذِرَةِ لَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ عَلى سُجُودِهِمْ فِيها الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ سَرى هَذا التَّعَسُّفُ إلى إثْباتِ مَعْنًى في اللُّغَةِ، فَزَعَمُوا أنَّ (تَمَنّى) بِمَعْنى: قَرَأ، والأُمْنِيَّةُ: القِراءَةُ، وهو ادِّعاءٌ لا يُوثَقُ بِهِ ولا يُوجَدُ لَهُ شاهِدٌ صَرِيحٌ في كَلامِ العَرَبِ. وأنْشَدُوا بَيْتًا لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ في رِثاءِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وهُوَ مُحْتَمَلٌ أنَّ مَعْناهُ تَمَنّى أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ عَلى عادَتِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ بِتَشْغِيبِ أهْلِ الحِصارِ عَلَيْهِ وقَتَلُوهُ آخِرَ اللَّيْلِ. ولِهَذا جَعَلَهُ تَمَنِّيًا لِأنَّهُ أحَبَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ. ورُبَّما أنْشَدُوهُ بِرِوايَةٍ أُخْرى فَظُنَّ أنَّهُ شاهِدٌ آخَرُ. ورُبَّما تَوَهَّمُوا الرِّوايَةَ الثّانِيَةَ بَيْتًا آخَرَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَعْنى في الأساسِ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ عِنْدَ صفحة ٣٠٧ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ لِلِاعْتِراضِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ جُمِعَ لَهُمُ الوَصْفانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ، وكَما في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبإ: ٦] . فَإظْهارُ لَفْظِ (الَّذِينَ آمَنُوا) في مَقامِ ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] لِقَصْدِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفِ الإيمانِ، والإيماءِ إلى أنَّ إيمانَهم هو سَبَبُ هَدْيِهِمْ. وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] . فالمُرادُ بِالهُدى في كِلْتا الآيَتَيْنِ عِنايَةُ اللَّهِ بِتَيْسِيرِهِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى الفَرِيقَيْنِ بِالدَّعْوَةِ والإرْشادِ فَمِنهم مَنِ اهْتَدى ومِنهم مَن كَفَرَ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ (لَهادٍ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ واعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ عَلى خِلافِ الغالِبِ. وفي الوَقْفِ يُثْبِتُ يَعْقُوبُ الياءَ بِخِلافِ البَقِيَّةِ.

الحج 22:54

﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهم وإنَّ اللَّهَ لِهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . صفحة ٢٩٧ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩]، لِأنَّهُ لَمّا أفْضى الكَلامُ السّابِقُ إلى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ وتَأْنِيسِ نَفْسِهِ فِيما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِأنَّ تِلْكَ شَنْشَنَةُ الأُمَمِ الظّالِمَةِ مِن قَبْلِهِمْ فِيما جاءَ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٨] إلَخْ، وأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى النِّذارَةِ فَمَن آمَنَ فَقَدْ نَجا ومَن كَفَرَ فَقَدْ هَلَكَ، أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِن ذَلِكَ إلى تَفْصِيلِ تَسْلِيَتِهِ وتَثْبِيتِهِ بِأنَّهُ لَقِيَ ما لَقِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ أحَدٌ مِنهم مَن مُحاوَلَةِ الشَّيْطانِ أنْ يُفْسِدَ بَعْضَ ما يُحاوِلُونَهُ مِن هَدْيِ الأُمَمِ وأنَّهم لَقُوا مِن أقْوامِهِمْ مُكَذِّبِينَ ومُصَدِّقِينَ سُنَّةَ اللَّهِ في رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . فَقَوْلُهُ (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ) نَصٌّ في العُمُومِ، فَأفادَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَعْدُ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وعَطْفُ (نَبِيءٍ) عَلى (رَسُولٍ) دالٌّ عَلى أنَّ لِلنَّبِيءِ مَعْنًى غَيْرَ مَعْنى الرَّسُولِ. فالرَّسُولُ: هو الرَّجُلُ المَبْعُوثُ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ بِشَرِيعَةٍ. والنَّبِيءُ: مَن أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِإصْلاحِ أمْرِ قَوْمٍ بِحَمْلِهِمْ عَلى شَرِيعَةٍ سابِقَةٍ أوْ بِإرْشادِهِمْ إلى ما هو مُسْتَقِرٌّ في الشَّرائِعِ كُلِّها فالنَّبِيءُ أعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ، وهو التَّحْقِيقُ. والتَّمَنِّي: كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ. وحَقِيقَتُها: طَلَبُ الشَّيْءِ العَسِيرِ حُصُولُهُ. والأُمْنِيَّةُ: الشَّيْءُ المُتَمَنّى. وإنَّما يَتَمَنّى الرُّسُلُ والأنْبِياءُ أنْ يَكُونَ قَوْمُهم صفحة ٢٩٨ كُلُّهم صالِحِينَ مُهْتَدِينَ. والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ أحْوالٍ تابِعَةٍ لِعُمُومِ أصْحابِها وهو (مِن رَسُولٍ ولا نَبِيءٍ)، أيْ ما أرْسَلْناهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ إذا تَمَنّى أحَدُهم أُمْنِيَّةً ألْقى الشَّيْطانُ فِيها إلَخْ، أيْ في حالِ حُصُولِ الإلْقاءِ عِنْدَ حُصُولِ التَّمَنِّي لِأنَّ أمانِيَّ الأنْبِياءِ خَيْرٌ مَحْضٌ، والشَّيْطانُ دَأْبُهُ الإفْسادُ وتَعْطِيلُ الخَيْرِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ أنْ نُرْسِلَ أحَدًا مِنهم في حالِ الخُلُوِّ مِن إلْقاءِ الشَّيْطانِ ومَكْرِهِ. والإلْقاءُ حَقِيقَتُهُ: رَمْيُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْوَسْوَسَةِ وتَسْوِيلِ الفَسادِ تَشْبِيهًا لِلتَّسْوِيلِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ بَيْنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وقَوْلُهُ ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ﴾ [النحل: ٨٦] وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها﴾ [طه: ٩٦] عَلى ما حَقَّقْناهُ فِيما مَضى. ومَفْعُولُ (ألْقى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ لِأنَّ الشَّيْطانَ إنَّما يُلْقِي الشَّرَّ والفَسادَ. فَإسْنادُ التَّمَنِّي إلى الأنْبِياءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ تَمَنِّي الهُدى والصَّلاحِ. وإسْنادُ الإلْقاءِ إلى الشَّيْطانِ دَلَّ عَلى أنَّهُ إلْقاءُ الضَّلالِ والفَسادِ. فالتَّقْدِيرُ: أدْخَلَ الشَّيْطانُ في نُفُوسِ الأقْوامِ ضَلالاتٍ تُفْسِدُ ما قالَهُ الأنْبِياءُ مِنَ الإرْشادِ. ومَعْنى إلْقاءِ الشَّيْطانِ في أُمْنِيَّةِ النَّبِيءِ والرَّسُولِ إلْقاءُ ما يُضادُّها، كَمَن يَمْكُرُ فَيُلْقِي السُّمَّ في السَّمْنِ، فَإلْقاءُ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ: أنْ يَأْمُرَ النّاسَ بِالتَّكْذِيبِ والعِصْيانِ، ويُلْقِيَ في قُلُوبِ أئِمَّةِ الكُفْرِ مَطاعِنَ يَبُثُّونَها في قَوْمِهِمْ. ويُرَوِّجُ الشُّبُهاتِ بِإلْقاءِ الشُّكُوكِ الَّتِي تَصْرِفُ نَظَرَ العَقْلِ عَنْ تَذَكُّرِ البُرْهانِ، واللَّهُ تَعالى يُعِيدُ الإرْشادَ ويُكَرِّرُ الهَدْيَ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ. ويَفْضَحُ وساوِسَ الشَّيْطانِ وسُوءَ فِعْلِهِ صفحة ٢٩٩ بِالبَيانِ الواضِحِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] . فاللَّهُ بِهَدْيِهِ وبَيانِهِ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، أيْ يُزِيلُ الشُّبُهاتِ الَّتِي يُلْقِيها الشَّيْطانُ بِبَيانِ اللَّهِ الواضِحِ، ويَزِيدُ آياتِ دَعْوَةِ رُسُلِهِ بَيانًا، وذَلِكَ هو إحْكامُ آياتِهِ، أيْ تَحْقِيقُها وتَثْبِيتُ مَدْلُولِها وتَوْضِيحُها بِما لا شُبْهَةَ بَعْدَهُ إلّا لِمَن رِينَ عَلى قَلْبِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الآياتِ المُحْكَماتِ في آلِ عِمْرانَ. وقَدْ فَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (تَمَنّى) بِمَعْنى قَرَأ. وتَبِعَهم أصْحابُ كُتُبِ اللُّغَةِ وذَكَرُوا بَيْتًا نَسَبُوهُ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ وذَكَرُوا قِصَّةً بِرِواياتٍ ضَعِيفَةٍ سَنَذْكُرُها. وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ فِيهِ هو والقَوْلُ في تَفْسِيرِ التَّمَنِّي بِالمَعْنى المَشْهُورِ سَواءٌ، أيْ إذا قَرَأ عَلى النّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ لِيَهْتَدُوا بِهِ ألَقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ، أيْ في قِراءَتِهِ، أيْ وسْوَسَ لَهم في نُفُوسِهِمْ ما يُناقِضُهُ ويُنافِيهِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلنّاسِ التَّكْذِيبَ والإعْراضَ عَنِ التَّدَبُّرِ. فَشِبْهُ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ بِوَسْوَسَتِهِ لِلْكافِرِينَ عَدَمُ امْتِثالِ النَّبِيءِ بِإلْقاءِ شَيْءٍ لِخَلْطِهِ وإفْسادِهِ. وعِنْدِي في صِحَّةِ إطْلاقِ لَفْظِ الأُمْنِيَّةِ عَلى القِراءَةِ شَكٌّ عَظِيمٌ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ تَمَنّى بِمَعْنى قَرَأ في بَيْتٍ نُسِبَ إلى حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ إنْ صَحَّتْ رِوايَةُ البَيْتِ عَنْ حَسّانَ عَلى اخْتِلافٍ في مِصْراعِهِ الأخِيرِ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ تَمَنِّي داوُدَ الزَّبُورَ عَلى مَهَلْ فَلا أظُنُّ أنَّ القِراءَةَ يُقالُ لَها أُمْنِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ النَّبِيءِ إذا تَمَنّى هَدْيَ قَوْمِهِ أوْ حَرَصَ عَلى ذَلِكَ فَلَقِيَ العِنادَ، وتَمَنّى حُصُولَ هُداهم بِكُلِّ وسِيلَةٍ ألْقى الشَّيْطانُ في نَفْسِ النَّبِيءِ خاطِرَ اليَأْسِ مَن هُداهم عَسى أنْ يُقْصِرَ النَّبِيءَ صفحة ٣٠٠ مِن حِرْصِهِ أوْ أنْ يُضْجِرَهُ، وهي خَواطِرُ تَلُوحُ في النَّفْسِ ولَكِنَّ العِصْمَةَ تَعْتَرِضُها فَلا يَلْبَثُ ذَلِكَ الخاطِرُ أنْ يَنْقَشِعَ ويَرْسَخَ في نَفْسِ الرَّسُولِ ما كُلِّفَ بِهِ مِنَ الدَّأْبِ عَلى الدَّعْوَةِ والحِرْصِ عَلى الرُّشْدِ. فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُلَوِّحًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، لِأنَّ إحْكامَ الآياتِ وتَقْرِيرَها أهَمُّ مِن نَسْخِ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ بِالإحْكامِ يَتَّضِحُ الهُدى ويَزْدادُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ نَسْخًا. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأنْبِياءَ والرُّسُلَ يَرْجُونَ اهْتِداءَ قَوْمِهِمْ ما اسْتَطاعُوا فَيُبَلِّغُونَهم ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعِظُونَهم ويَدْعُونَهم بِالحُجَّةِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ حَتّى يَظُنُّوا أنَّ أُمْنِيَّتَهم قَدْ نَجَحَتْ ويَقْتَرِبُ القَوْمُ مِنَ الإيمانِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنِ المُشْرِكِينَ قَوْلَهم ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤١] فَيَأْتِي الشَّيْطانُ فَلا يَزالُ يُوَسْوِسُ في نُفُوسِ الكُفّارِ فَيَنْكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ، وتِلْكَ الوَساوِسُ ضُرُوبٌ شَتّى مِن تَذْكِيرِهِمْ بِحُبِّ آلِهَتِهِمْ، ومِن تَخْوِيفِهِمْ بِسُوءِ عاقِبَةِ نَبْذِ دِينِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الضَّلالاتِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم في تَفاصِيلِ القُرْآنِ، فَيَتَمَسَّكُ أهْلُ الضَّلالَةِ بِدِينِهِمْ ويَصُدُّونَ عَنْ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وذَلِكَ هو الصَّبْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص: ٦] . وكُلَّما أفْسَدَ الشَّيْطانُ دَعْوَةَ الرُّسُلِ أمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ فَعاوَدُوا الإرْشادَ وكَرَّرُوهُ وهو سَبَبُ تَكَرُّرِ مَواعِظَ مُتَماثِلَةٍ في القُرْآنِ. فَبِتِلْكَ صفحة ٣٠١ المُعاوَدَةِ يَنْسَخُ ما ألْقاهُ الشَّيْطانُ وتَثْبُتُ الآياتُ السّالِفَةُ. فالنَّسْخُ: الإزالَةُ، والإحْكامُ: التَّثْبِيتُ. وفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ يَنْسَخُ آثارَها ما يُلْقِي الشَّيْطانُ، ويُحْكِمُ آثارَ آياتِهِ. واللّامانِ في قَوْلِهِ (لِيَجْعَلَ) وفي قَوْلِهِ (ولِيَعْلَمَ) مُتَعَلِّقَتانِ بِفِعْلِ (يَنْسَخُ اللَّهُ) فَإنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي مَنسُوخًا. وفي (يَجْعَلُ) ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ (فَيَنْسَخُ اللَّهُ) . والجَعْلُ، هُنا: جَعْلُ نِظامِ تَرَتُّبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها، وتَكْوِينِ تَفاوُتِ المَدارِكِ ومَراتِبِ دَرَجاتِها. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ الشَّيْطانَ مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِأصْلِ فِطْرَتِهِ مِن يَوْمِ خَلَقَ فِيهِ داعِيَةَ الإضْلالِ، ونَسْخُ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وآياتِهِ لِيَكُونَ مِن ذَلِكَ فِتْنَةُ ضَلالِ كُفْرٍ وهَدْيُ إيمانٍ بِحَسَبِ اخْتِلافِ القابِلِيّاتِ. فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] . ولامُ ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً﴾ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ، مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨] . وهي مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّعْقِيبِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِحَرْفِ الفاءِ، أيْ تَحْصُلُ عَقِبَ النَّسْخِ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ فِتْنَةُ مَن أفْتِنُ مِنَ المُشْرِكِينَ بِانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ نَسْخِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ، وعَنِ اسْتِماعِ ما أحْكَمَ اللَّهُ بِهِ آياتِهِ، فَيَسْتَمِرُّ كُفْرُهم ويَقْوى. وأمّا لامُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ فَهي عَلى أصْلِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ يَنْسَخُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ لِإرادَةِ أنْ يَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّهُ الحَقُّ بِرُسُوخِ ما تَمَنّاهُ الرَّسُولُ والأنْبِياءُ لَهم مِنَ الهُدى كَما يَحْصُلُ لَهم بِما يُحْكِمُ اللَّهُ مِن آياتِهِ ازْدِيادُ الهُدى في قُلُوبِهِمْ. صفحة ٣٠٢ ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُتَرَدِّدُونَ في قَبُولَ الإيمانِ. ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هُمُ الكافِرُونَ المُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ. والفَرِيقانِ هُمُ المُرادُ بِـ (الظّالِمِينَ) في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ . فَذِكْرُ (الظّالِمِينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ كَوْنِهِمْ في شِقاقٍ بَعِيدٍ هي ظُلْمُهم؛ أيْ كُفْرُهم. والشِّقاقُ: الخِلافُ والعَداوَةُ. والبَعِيدُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى البالِغِ حَدًّا قَوِيًّا في حَقِيقَتِهِ؛ تَشْبِيهًا لِانْتِشارِ الحَقِيقَةِ فِيهِ بِانْتِشارِ المَسافَةِ في المَكانِ البَعِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] أيْ دُعاءٍ كَثِيرٍ مُلِحٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِـ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [محمد: ٢٠] وبِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . فالمُرادُ بِالعِلْمِ الوَحْيُ والكُتُبُ الَّتِي أُوتِيها أصْحابُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ فَإنَّهم بِها يَصِيرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ. وإطْلاقُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَلى المُؤْمِنِينَ تَكْرارٌ في القُرْآنِ. وهَذا ثَناءٌ عَلى أصْحابِ الرُّسُلِ بِأنَّهم أُوتُوا العِلْمَ، وهو عِلْمُ الدِّينِ الَّذِي يُبَلِّغُهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ نُورَ النُّبُوءَةِ يُشْرِقُ في قُلُوبِ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الرَّسُولَ. ولِذَلِكَ تَجِدُ مَن يَصْحَبُ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الإيمانِ جِلْفًا فَإذا آمَنَ انْقَلَبَ حَكِيمًا، مِثْلَعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أصْحابِي كالنُّجُومِ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . صفحة ٣٠٣ وضَمِيرُ أنَّهُ الحَقُّ عائِدٌ إلى العِلْمِ الَّذِي أُوتُوهُ، أيْ لِيَزْدادُوا يَقِينًا بِأنَّ الوَحْيَ الَّذِي أُوتُوهُ هو الحَقُّ لا غَيْرُهُ مِمّا ألْقاهُ الشَّيْطانُ لَهم مِنَ التَّشْكِيكِ والشُّبَهِ والتَّضْلِيلِ، فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ قَصْرٌ إضافِيٌّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (أنَّهُ) عائِدًا إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ﴾، أيْ أنَّ المَذْكُورَ هو الحَقُّ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ: فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّها في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ أيْ كَأنَّ المَذْكُورَ. وقَوْلُهُ فَيُؤْمِنُوا بِهِ مَعْناهُ: فَيَزْدادُوا إيمانًا أوْ فَيُؤْمِنُوا بِالنّاسِخِ والمُحْكَمِ كَما آمَنُوا بِالأصْلِ. والإخْباتُ: الِاطْمِئْنانُ والخُشُوعُ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]، أيْ فَيَسْتَقِرُّ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وبِما تَلَقَّيْتَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الِانْتِظامِ البَيِّنِ الواضِحِ المُسْتَقِلِّ بِدَلالَتِهِ والمُسْتَغْنى بِنَهْلِهِ عَنْ عُلالَتِهِ، والسّالِمِ مِنَ التَّكَلُّفاتِ والِاحْتِياجِ إلى ضَمِيمَةِ القَصَصِ تَرى أنَّ الآيَةَ بِمَعْزِلٍ عَمّا ألْصَقَهُ بِها المُلْصِقُونَ والضُّعَفاءُ في عُلُومِ السُّنَّةِ، وتَلَقّاهُ مِنهم فَرِيقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ حُبًّا في غَرائِبِ النَّوادِرِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَمْحِيصٍ، مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ النَّجْمِ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِما أفْسَدُوا مِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَتّى تَجاوَزُوا بِهَذا الإلْصاقِ إلى إفْسادِ مَعانِي سُورَةِ النَّجْمِ، فَذَكَرُوا في ذَلِكَ رِواياتٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ شِهابٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرْطُبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، والضَّحّاكِ، وأقْرَبُها رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ قالُوا: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ جَلَسَ في نادٍ مِن أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ كَثِيرٌ أهْلُهُ مِن مُسْلِمِينَ وكافِرِينَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ صفحة ٣٠٤ النَّجْمِ فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ١٩] ألْقى الشَّيْطانُ بَيْنَ السّامِعِينَ عَقِبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجى، فَفَرِحَ المُشْرِكُونَ بِأنْ ذَكَرَ آلِهَتَهم بِخَيْرٍ. وكانَ في آخِرِ تِلْكَ السُّورَةِ سَجْدَةٌ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ. فَلَمّا سَجَدَ في آخِرِ السُّورَةِ سَجَدَ كُلُّ مَن حَضَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ. وتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّ قُرَيْشًا أسْلَمُوا حَتّى شاعَ ذَلِكَ بِبِلادِ الحَبَشَةِ. فَرَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ» نَفَرٌ مِنهم عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ إلى المَدِينَةِ. وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَشْعُرْ بِأنَّ الشَّيْطانَ ألْقى. فَأعْلَمَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاغْتَمَّ لِذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ. وهي قِصَّةٌ يَجِدُها السّامِعُ ضِغْثًا عَلى إبّالَةٍ، ولا يُلْقِي إلَيْها النِّحْرِيرُ بالَهُ. وما رُوِيَتْ إلّا بِأسانِيدَ واهِيَةٍ ومُنْتَهاها إلى ذِكْرِ قِصَّةٍ، ولَيْسَ في أحَدِ أسانِيدِها سَماعُ صَحابِيٍّ لِشَيْءٍ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ وسَنَدُها إلى ابْنِ عَبّاسٍ سَنَدٌ مَطْعُونٌ. عَلى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ يَوْمَ نَزَلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ كانَ لا يَحْضُرُ مَجالِسَ النَّبِيءِ ﷺ وهي أخْبارُ آحادٍ تُعارِضُ أُصُولَ الدِّينِ لِأنَّها تُخالِفُ أصْلَ عِصْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَلا التِباسَ عَلَيْهِ في تَلَقِّي الوَحْيِ. ويَكْفِي تَكْذِيبًا لَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] . وفي مَعْرِفَةِ المَلِكِ. فَلَوْ رَواها الثِّقاتُ لَوَجَبَ رَفْضُها وتَأْوِيلُها فَكَيْفَ وهي ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ. وكَيْفَ يَرُوجُ عَلى ذِي مَسْكَةٍ مِن عَقْلٍ أنْ يَجْتَمِعَ في كَلامٍ واحِدٍ تَسْفِيهُ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فَيَقَعُ في خِلالِ ذَلِكَ مَدْحُها بِأنَّها الغَرانِيقُ العُلى وإنَّ شَفاعَتَهم لَتُرْتَجى. وهَلْ هَذا إلّا كَلامٌ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقَدِ اتَّفَقَ الحاكُونَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ سُورَةَ النَّجْمِ كُلَّها صفحة ٣٠٥ حَتّى خاتِمَتِها ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] لِأنَّهم إنَّما سَجَدُوا حِينَ سَجَدَ المُسْلِمُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّهم سَمِعُوا السُّورَةَ كُلَّها وما بَيْنَ آيَةِ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] وبَيْنَ آخِرِ السُّورَةِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في إبْطالِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن مَعْبُوداتِ المُشْرِكِينَ، وتَزْيِيفٌ كَثِيرٌ لِعَقائِدِ المُشْرِكِينَ فَكَيْفَ يَصِحُّ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا مِن أجْلِ الثَّناءِ عَلى آلِهَتِهِمْ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأخْبارُ مَكْذُوبَةً مِن أصْلِها فَإنَّ تَأْوِيلَها: أنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ وجَدُوا ذِكْرَ اللّاتِ والعُزّى فُرْصَةً لِلدَّخَلِ لِاخْتِلاقِ كَلِماتٍ في مَدْحِهِنَّ - وهي هَذِهِ الكَلِماتُ - ورَوَّجُوها بَيْنَ النّاسِ تَأْنِيسًا لِأوْلِيائِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ وإلْقاءً لِلرَّيْبِ في قُلُوبِ ضُعَفاءِ الإيمانِ. وفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ عَلى الكَشّافِ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ المُؤَرِّخِينَ: أنَّ كَلِماتِ الغَرانِيقِ. . أيْ هَذِهِ الجُمَلُ مِن مُفْتَرِياتِ ابْنِ الزِّبَعْرى. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قِصَّةُ آلِهَةِ العَرَبِ أيْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] إلَخْ فَجَعَلَ يَتْلُو: اللّاتَ والعُزّى أيِ الآيَةَ المُشْتَمِلَةَ عَلى هَذا فَسَمِعَ أهْلُ مَكَّةَ نَبِيءَ اللَّهِ يَذْكُرُ آلِهَتَهم فَفَرِحُوا ودَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ: تِلْكَ الغَرانِيقَ العُلى مِنها الشَّفاعَةُ تُرْتَجى، فَإنَّ قَوْلَهُ ”دَنَوْا يَسْتَمِعُونَ فَألْقى الشَّيْطانُ“ إلَخْ يُؤْذِنُ بِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا أوَّلَ السُّورَةِ ولا آخِرَها وأنَّ شَيْطانَهم ألْقى تِلْكَ الكَلِماتِ. ولَعَلَّ ابْنَ الزِّبَعْرى كانَتْ لَهُ مَقْدِرَةٌ عَلى مُحاكاةِ الأصْواتِ وهَذِهِ مَقْدِرَةٌ تُوجَدُ في بَعْضِ النّاسِ. وكُنْتُ أعْرِفُ فَتًى مِن أتْرابِنا ما يُحاكِي صَوْتَ أحَدٍ إلّا ظَنَّهُ السّامِعُ أنَّهُ صَوْتُ المُحاكى. وأمّا تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى الخَبَرِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ أنَّ المُشْرِكِينَ سَجَدُوا في آخِرِ سُورَةِ النَّجْمِ لَمّا سَجَدَ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ مَرْوِيٌّ في الصَّحِيحِ، فَذَلِكَ مِن تَخْلِيطِ المُؤَلِّفِينَ. صفحة ٣٠٦ وكَذَلِكَ تَرْكِيبُ تِلْكَ القِصَّةِ عَلى آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ. وكَمْ بَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ الَّتِي هي مِن أوائِلِ السُّوَرِ النّازِلَةِبِمَكَّةَ وبَيْنَ نُزُولِ سُورَةِ الحَجِّ الَّتِي بَعْضُها مِن أوَّلِ ما نَزَلْ بِالمَدِينَةِ وبَعْضُها مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، وكَذَلِكَ رَبْطُ تِلْكَ القِصَّةِ بِقِصَّةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. وكَمْ بَيْنَ مُدَّةِ نُزُولِ سُورَةِ النَّجْمِ وبَيْنَ سَنَةِ رُجُوعِ مَن رَجَعَ مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ. فالوَجْهُ: أنَّ هَذِهِ الشّائِعَةَ الَّتِي أُشِيعَتْ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في أوَّلِ الإسْلامِ. إنَّما هي مِنِ اخْتِلاقاتِ المُسْتَهْزِئِينَ مِن سُفَهاءِ الأحْلامِ بِمَكَّةَ مِثْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى، وأنَّهم عَمَدُوا إلى آيَةٍ ذُكِرَتْ فِيها اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ فَرَكَّبُوا عَلَيْها كَلِماتٍ أُخْرى لِإلْقاءِ الفِتْنَةِ في النّاسِ وإنَّما خَصُّوا سُورَةَ النَّجْمِ بِهَذِهِ المُرْجِفَةِ؛ لِأنَّهم حَضَرُوا قِراءَتَها في المَسْجِدِ الحَرامِ وتَعَلَّقَتْ بِأذْهانِهِمْ، وتَطَلُّبًا لِإيجادِ المَعْذِرَةِ لَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ عَلى سُجُودِهِمْ فِيها الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ سَرى هَذا التَّعَسُّفُ إلى إثْباتِ مَعْنًى في اللُّغَةِ، فَزَعَمُوا أنَّ (تَمَنّى) بِمَعْنى: قَرَأ، والأُمْنِيَّةُ: القِراءَةُ، وهو ادِّعاءٌ لا يُوثَقُ بِهِ ولا يُوجَدُ لَهُ شاهِدٌ صَرِيحٌ في كَلامِ العَرَبِ. وأنْشَدُوا بَيْتًا لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ في رِثاءِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ وهُوَ مُحْتَمَلٌ أنَّ مَعْناهُ تَمَنّى أنْ يَقْرَأ القُرْآنَ في أوَّلِ اللَّيْلِ عَلى عادَتِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِن ذَلِكَ بِتَشْغِيبِ أهْلِ الحِصارِ عَلَيْهِ وقَتَلُوهُ آخِرَ اللَّيْلِ. ولِهَذا جَعَلَهُ تَمَنِّيًا لِأنَّهُ أحَبَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ. ورُبَّما أنْشَدُوهُ بِرِوايَةٍ أُخْرى فَظُنَّ أنَّهُ شاهِدٌ آخَرُ. ورُبَّما تَوَهَّمُوا الرِّوايَةَ الثّانِيَةَ بَيْتًا آخَرَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا المَعْنى في الأساسِ. وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ عِنْدَ صفحة ٣٠٧ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أمانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهادِي الَّذِينَ آمَنُوا إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. والواوُ لِلِاعْتِراضِ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ جُمِعَ لَهُمُ الوَصْفانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ، وكَما في سُورَةِ سَبَأٍ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾ [سبإ: ٦] . فَإظْهارُ لَفْظِ (الَّذِينَ آمَنُوا) في مَقامِ ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] لِقَصْدِ مَدْحِهِمْ بِوَصْفِ الإيمانِ، والإيماءِ إلى أنَّ إيمانَهم هو سَبَبُ هَدْيِهِمْ. وعَكْسُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] . فالمُرادُ بِالهُدى في كِلْتا الآيَتَيْنِ عِنايَةُ اللَّهِ بِتَيْسِيرِهِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى الفَرِيقَيْنِ بِالدَّعْوَةِ والإرْشادِ فَمِنهم مَنِ اهْتَدى ومِنهم مَن كَفَرَ. وكُتِبَ في المُصْحَفِ (لَهادٍ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الدّالِ واعْتِبارًا بِحالَةِ الوَصْلِ عَلى خِلافِ الغالِبِ. وفي الوَقْفِ يُثْبِتُ يَعْقُوبُ الياءَ بِخِلافِ البَقِيَّةِ.

الحج 22:55

﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ لَمّا حَكى عَنِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهم أنَّ ما يُلْقِيهِ لَهُمُ الشَّيْطانُ مِن إبْطالِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، خَصَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكافِرِينَ بِالقُرْآنِ بَعْدَ أنْ عَمَّهم مَعَ جُمْلَةِ الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ، فَخَصَّهم بِأنَّهم يَسْتَمِرُّ شَكُّهم فِيما جاءَ بِهِ صفحة ٣٠٨ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَتَرَدَّدُونَ في الإقْدامِ عَلى الإسْلامِ إلى أنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ بِحُلُولَ السّاعَةِ بَغْتَةً أوْ بِحُلُولِ عَذابٍ بِهِمْ قَبْلَ السّاعَةِ، فالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا هم مُشْرِكُو العَرَبِ بِقَرِينَةِ المُضارِعِ في فِعْلِ (لا يَزالُ) وفِعْلِ (حَتّى تَأْتِيَهم) الدّالَّيْنِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ. ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ. والأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج: ٥٤] . و(السّاعَةُ) عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ، واليَوْمُ: يَوْمُ الحَرْبِ. وقَدْ شاعَ إطْلاقُ اسْمِ اليَوْمِ عَلى وقْتِ الحَرْبِ. ومِنهُ دُعِيَتْ حُرُوبُ العَرَبِ المَشْهُورَةُ ”أيّامَ العَرَبِ“ . والعَقِيمُ: المَرْأةُ الَّتِي لا تَلِدُ؛ اسْتُعِيرَ العَقِيمُ لِلْمَشْئُومِ لِأنَّهم يَعُدُّونَ المَرْأةَ الَّتِي لا تَلِدُ مَشْئُومَةً. فالمَعْنى: يَأْتِيَهم يَوْمٌ يُسْتَأْصَلُونَ فِيهِ قَتْلًا. وهَذا إنْذارٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ.

الحج 22:56

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مَّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لِعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ صفحة ٣٠٩ آذَنَتِ الغايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] أنَّ ذَلِكَ وقْتُ زَوالِ مِرْيَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكانَ ذَلِكَ مَنشَأ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ صُورَةِ زَوالِ المِرْيَةِ، وعَنْ ماذا يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ زَوالِها، فَكانَ المَقامُ أنْ يُجابَ السُّؤالُ بِجُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ، فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ) تَقْدِيرُ مُضافِهِ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذْ تَزُولُ مِرْيَتُهم بِحُلُولِ السّاعَةِ وظُهُورِ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ هو الحَقُّ، أوْ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. وجُمْلَةُ (يَحْكُمُ بَيْنَهم) اشْتِمالٌ مِن جُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . والحُكْمُ بَيْنَهُمُ: الحُكْمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنْ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلُهُ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ [الحج: ٥٥] فَقَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بِالقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِظُهُورِ آثارِ الحَقِّ لِفَرِيقٍ وظُهُورِ آثارِ الباطِلِ لِفَرِيقٍ. وقَدْ فُصِّلَ الحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج: ٥٠] إلَخْ، وهو تَفْصِيلٌ لِأثَرِ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِ، أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. وأُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عُمُومُهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الهِجْرَةِ، ولِأجْلِها اسْتَوى أصْحابُها في دَرَجاتِ الآخِرَةِ سَواءٌ مِنهم مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتَ في غَيْرِ قِتالٍ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِن دارِ الكُفْرِ. صفحة ٣١٠ والتَّعْرِيفُ في (المُلْكُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فَدَلَّتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ المُلْكِ مَقْصُورَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى الكَوْنِ مُلْكًا لِلَّهِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ لا مُلْكَ لِغَيْرِهِ يَوْمَئِذٍ. والمَقْصُودُ بِالكَلامِ هو جُمْلَةُ يَحْكُمُ بَيْنَهم إذْ هي البَدَلُ. وإنَّما قُدِّمَتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَمْهِيدًا لَها، ولِيَقَعَ البَيانُ بِالبَدَلِ بَعْدَ الإبْهامِ الَّذِي في المُبْدَلِ مِنهُ. وافْتُتِحَ الخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ المُهِينَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ. والمُهِينُ: المُذِلُّ، أيْ لَهم عَذابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما فِيهِ مَذَلَّتُهم كالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ ونَحْوِهِ. وقُرِنَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِالفاءِ لِما تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ مِن مَعْنى حَرْفِ التَّفْصِيلِ وهو (أمّا)، كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ثَوابُ الَّذِينَ آمَنُوا كانَ المَقامُ مُثِيرًا لِسُؤالِ مَن يَتَرَقَّبُ مُقابَلَةَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ بِعِقابِ الكافِرِينَ وتِلْكَ المُقابَلَةُ مِن مَواقِعِ حَرْفِ التَّفْصِيلِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ، وهو كُلُّ ما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن أعْيانٍ ومَنافِعَ. ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ يُرْضِيهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَطَلَّبُونَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ لا أحْسَنَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ كَرامَةَ المَنزِلِ مِن جُمْلَةِ صفحة ٣١١ الإحْسانِ في العَطاءِ بَلْ هي أبْهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ المَدْخَلُ بِـ (يَرْضَوْنَهُ) . ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. وصَرِيحُها الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، وكِنايَتُها التَّعْرِيضُ بِأنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَرْزُقُهُمَ اللَّهُ هو خَيْرُ الأرْزاقِ لِصُدُورِهِ مِن خَيْرِ الرّازِقِينَ. وأُكِّدَتَ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ وضَمِيرِ الفَصْلِ تَصْوِيرًا لِعَظَمَةِ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ عَلِيمٌ بِما تَجَشَّمُوهُ مِنَ المَشاقِّ في شَأْنِ هِجْرَتِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأهْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو حَلِيمٌ بِهِمْ فِيما لاقَوْهُ فَهو يُجازِيهِمْ بِما لاقَوْهُ مِن أجْلِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ مَزِيَّةَ المُهاجِرِينَ في الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الإدْخالَ يَقْتَضِي الدُّخُولَ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ جَرْيًا عَلى فِعْلِ (لَيُدْخِلَنَّهُمُ) المَزِيدِ وهو أيْضًا اسْمُ مَكانٍ لِلْإدْخالِ.

الحج 22:57

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مَّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لِعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ صفحة ٣٠٩ آذَنَتِ الغايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] أنَّ ذَلِكَ وقْتُ زَوالِ مِرْيَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكانَ ذَلِكَ مَنشَأ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ صُورَةِ زَوالِ المِرْيَةِ، وعَنْ ماذا يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ زَوالِها، فَكانَ المَقامُ أنْ يُجابَ السُّؤالُ بِجُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ، فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ) تَقْدِيرُ مُضافِهِ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذْ تَزُولُ مِرْيَتُهم بِحُلُولِ السّاعَةِ وظُهُورِ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ هو الحَقُّ، أوْ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. وجُمْلَةُ (يَحْكُمُ بَيْنَهم) اشْتِمالٌ مِن جُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . والحُكْمُ بَيْنَهُمُ: الحُكْمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنْ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلُهُ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ [الحج: ٥٥] فَقَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بِالقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِظُهُورِ آثارِ الحَقِّ لِفَرِيقٍ وظُهُورِ آثارِ الباطِلِ لِفَرِيقٍ. وقَدْ فُصِّلَ الحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج: ٥٠] إلَخْ، وهو تَفْصِيلٌ لِأثَرِ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِ، أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. وأُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عُمُومُهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الهِجْرَةِ، ولِأجْلِها اسْتَوى أصْحابُها في دَرَجاتِ الآخِرَةِ سَواءٌ مِنهم مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتَ في غَيْرِ قِتالٍ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِن دارِ الكُفْرِ. صفحة ٣١٠ والتَّعْرِيفُ في (المُلْكُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فَدَلَّتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ المُلْكِ مَقْصُورَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى الكَوْنِ مُلْكًا لِلَّهِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ لا مُلْكَ لِغَيْرِهِ يَوْمَئِذٍ. والمَقْصُودُ بِالكَلامِ هو جُمْلَةُ يَحْكُمُ بَيْنَهم إذْ هي البَدَلُ. وإنَّما قُدِّمَتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَمْهِيدًا لَها، ولِيَقَعَ البَيانُ بِالبَدَلِ بَعْدَ الإبْهامِ الَّذِي في المُبْدَلِ مِنهُ. وافْتُتِحَ الخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ المُهِينَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ. والمُهِينُ: المُذِلُّ، أيْ لَهم عَذابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما فِيهِ مَذَلَّتُهم كالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ ونَحْوِهِ. وقُرِنَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِالفاءِ لِما تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ مِن مَعْنى حَرْفِ التَّفْصِيلِ وهو (أمّا)، كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ثَوابُ الَّذِينَ آمَنُوا كانَ المَقامُ مُثِيرًا لِسُؤالِ مَن يَتَرَقَّبُ مُقابَلَةَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ بِعِقابِ الكافِرِينَ وتِلْكَ المُقابَلَةُ مِن مَواقِعِ حَرْفِ التَّفْصِيلِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ، وهو كُلُّ ما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن أعْيانٍ ومَنافِعَ. ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ يُرْضِيهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَطَلَّبُونَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ لا أحْسَنَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ كَرامَةَ المَنزِلِ مِن جُمْلَةِ صفحة ٣١١ الإحْسانِ في العَطاءِ بَلْ هي أبْهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ المَدْخَلُ بِـ (يَرْضَوْنَهُ) . ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. وصَرِيحُها الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، وكِنايَتُها التَّعْرِيضُ بِأنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَرْزُقُهُمَ اللَّهُ هو خَيْرُ الأرْزاقِ لِصُدُورِهِ مِن خَيْرِ الرّازِقِينَ. وأُكِّدَتَ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ وضَمِيرِ الفَصْلِ تَصْوِيرًا لِعَظَمَةِ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ عَلِيمٌ بِما تَجَشَّمُوهُ مِنَ المَشاقِّ في شَأْنِ هِجْرَتِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأهْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو حَلِيمٌ بِهِمْ فِيما لاقَوْهُ فَهو يُجازِيهِمْ بِما لاقَوْهُ مِن أجْلِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ مَزِيَّةَ المُهاجِرِينَ في الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الإدْخالَ يَقْتَضِي الدُّخُولَ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ جَرْيًا عَلى فِعْلِ (لَيُدْخِلَنَّهُمُ) المَزِيدِ وهو أيْضًا اسْمُ مَكانٍ لِلْإدْخالِ.

الحج 22:58

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مَّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لِعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ صفحة ٣٠٩ آذَنَتِ الغايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] أنَّ ذَلِكَ وقْتُ زَوالِ مِرْيَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكانَ ذَلِكَ مَنشَأ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ صُورَةِ زَوالِ المِرْيَةِ، وعَنْ ماذا يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ زَوالِها، فَكانَ المَقامُ أنْ يُجابَ السُّؤالُ بِجُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ، فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ) تَقْدِيرُ مُضافِهِ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذْ تَزُولُ مِرْيَتُهم بِحُلُولِ السّاعَةِ وظُهُورِ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ هو الحَقُّ، أوْ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. وجُمْلَةُ (يَحْكُمُ بَيْنَهم) اشْتِمالٌ مِن جُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . والحُكْمُ بَيْنَهُمُ: الحُكْمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنْ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلُهُ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ [الحج: ٥٥] فَقَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بِالقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِظُهُورِ آثارِ الحَقِّ لِفَرِيقٍ وظُهُورِ آثارِ الباطِلِ لِفَرِيقٍ. وقَدْ فُصِّلَ الحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج: ٥٠] إلَخْ، وهو تَفْصِيلٌ لِأثَرِ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِ، أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. وأُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عُمُومُهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الهِجْرَةِ، ولِأجْلِها اسْتَوى أصْحابُها في دَرَجاتِ الآخِرَةِ سَواءٌ مِنهم مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتَ في غَيْرِ قِتالٍ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِن دارِ الكُفْرِ. صفحة ٣١٠ والتَّعْرِيفُ في (المُلْكُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فَدَلَّتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ المُلْكِ مَقْصُورَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى الكَوْنِ مُلْكًا لِلَّهِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ لا مُلْكَ لِغَيْرِهِ يَوْمَئِذٍ. والمَقْصُودُ بِالكَلامِ هو جُمْلَةُ يَحْكُمُ بَيْنَهم إذْ هي البَدَلُ. وإنَّما قُدِّمَتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَمْهِيدًا لَها، ولِيَقَعَ البَيانُ بِالبَدَلِ بَعْدَ الإبْهامِ الَّذِي في المُبْدَلِ مِنهُ. وافْتُتِحَ الخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ المُهِينَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ. والمُهِينُ: المُذِلُّ، أيْ لَهم عَذابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما فِيهِ مَذَلَّتُهم كالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ ونَحْوِهِ. وقُرِنَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِالفاءِ لِما تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ مِن مَعْنى حَرْفِ التَّفْصِيلِ وهو (أمّا)، كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ثَوابُ الَّذِينَ آمَنُوا كانَ المَقامُ مُثِيرًا لِسُؤالِ مَن يَتَرَقَّبُ مُقابَلَةَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ بِعِقابِ الكافِرِينَ وتِلْكَ المُقابَلَةُ مِن مَواقِعِ حَرْفِ التَّفْصِيلِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ، وهو كُلُّ ما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن أعْيانٍ ومَنافِعَ. ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ يُرْضِيهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَطَلَّبُونَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ لا أحْسَنَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ كَرامَةَ المَنزِلِ مِن جُمْلَةِ صفحة ٣١١ الإحْسانِ في العَطاءِ بَلْ هي أبْهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ المَدْخَلُ بِـ (يَرْضَوْنَهُ) . ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. وصَرِيحُها الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، وكِنايَتُها التَّعْرِيضُ بِأنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَرْزُقُهُمَ اللَّهُ هو خَيْرُ الأرْزاقِ لِصُدُورِهِ مِن خَيْرِ الرّازِقِينَ. وأُكِّدَتَ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ وضَمِيرِ الفَصْلِ تَصْوِيرًا لِعَظَمَةِ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ عَلِيمٌ بِما تَجَشَّمُوهُ مِنَ المَشاقِّ في شَأْنِ هِجْرَتِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأهْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو حَلِيمٌ بِهِمْ فِيما لاقَوْهُ فَهو يُجازِيهِمْ بِما لاقَوْهُ مِن أجْلِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ مَزِيَّةَ المُهاجِرِينَ في الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الإدْخالَ يَقْتَضِي الدُّخُولَ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ جَرْيًا عَلى فِعْلِ (لَيُدْخِلَنَّهُمُ) المَزِيدِ وهو أيْضًا اسْمُ مَكانٍ لِلْإدْخالِ.

الحج 22:59

﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهم فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مَّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وإنَّ اللَّهَ لِعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ صفحة ٣٠٩ آذَنَتِ الغايَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الحج: ٥٥] أنَّ ذَلِكَ وقْتُ زَوالِ مِرْيَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَكانَ ذَلِكَ مَنشَأ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ صُورَةِ زَوالِ المِرْيَةِ، وعَنْ ماذا يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ زَوالِها، فَكانَ المَقامُ أنْ يُجابَ السُّؤالُ بِجُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخِرِ ما فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ، فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فَقَوْلُهُ (يَوْمَئِذٍ) تَقْدِيرُ مُضافِهِ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ: يَوْمَ إذْ تَزُولُ مِرْيَتُهم بِحُلُولِ السّاعَةِ وظُهُورِ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ هو الحَقُّ، أوْ يَوْمَ إذْ تَأْتِيهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. وجُمْلَةُ (يَحْكُمُ بَيْنَهم) اشْتِمالٌ مِن جُمْلَةِ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ . والحُكْمُ بَيْنَهُمُ: الحُكْمُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنِ ادِّعاءِ كُلِّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى الحَقِّ وأنْ ضِدَّهُ عَلى الباطِلِ، الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] وقَوْلُهُ ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾ [الحج: ٥٥] فَقَدْ يَكُونُ الحُكْمُ بِالقَوْلِ، وقَدْ يَكُونُ بِظُهُورِ آثارِ الحَقِّ لِفَرِيقٍ وظُهُورِ آثارِ الباطِلِ لِفَرِيقٍ. وقَدْ فُصِّلَ الحُكْمُ بِقَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الحج: ٥٠] إلَخْ، وهو تَفْصِيلٌ لِأثَرِ الحُكْمِ يَدُلُّ عَلى تَفْصِيلِ أصْلِهِ، أيْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ. وأُرِيدَ بِالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ عُمُومُهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِنهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أوْ ماتُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الهِجْرَةِ، ولِأجْلِها اسْتَوى أصْحابُها في دَرَجاتِ الآخِرَةِ سَواءٌ مِنهم مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتَ في غَيْرِ قِتالٍ بَعْدَ أنْ هاجَرَ مِن دارِ الكُفْرِ. صفحة ٣١٠ والتَّعْرِيفُ في (المُلْكُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. فَدَلَّتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ المُلْكِ مَقْصُورَةٌ يَوْمَئِذٍ عَلى الكَوْنِ مُلْكًا لِلَّهِ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى الحَمْدُ لِلَّهِ، أيْ لا مُلْكَ لِغَيْرِهِ يَوْمَئِذٍ. والمَقْصُودُ بِالكَلامِ هو جُمْلَةُ يَحْكُمُ بَيْنَهم إذْ هي البَدَلُ. وإنَّما قُدِّمَتْ جُمْلَةُ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَمْهِيدًا لَها، ولِيَقَعَ البَيانُ بِالبَدَلِ بَعْدَ الإبْهامِ الَّذِي في المُبْدَلِ مِنهُ. وافْتُتِحَ الخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ المُهِينَ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِالآياتِ. والمُهِينُ: المُذِلُّ، أيْ لَهم عَذابٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما فِيهِ مَذَلَّتُهم كالضَّرْبِ بِالمَقامِعِ ونَحْوِهِ. وقُرِنَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِالفاءِ لِما تَضَمَّنَهُ التَّقْسِيمُ مِن مَعْنى حَرْفِ التَّفْصِيلِ وهو (أمّا)، كَأنَّهُ قِيلَ: وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا، لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ ثَوابُ الَّذِينَ آمَنُوا كانَ المَقامُ مُثِيرًا لِسُؤالِ مَن يَتَرَقَّبُ مُقابَلَةَ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ بِعِقابِ الكافِرِينَ وتِلْكَ المُقابَلَةُ مِن مَواقِعِ حَرْفِ التَّفْصِيلِ. والرِّزْقُ: العَطاءُ، وهو كُلُّ ما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن أعْيانٍ ومَنافِعَ. ووَصْفُهُ بِالحُسْنِ لِإفادَةِ أنَّهُ يُرْضِيهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَطَلَّبُونَ غَيْرَهُ لِأنَّهُ لا أحْسَنَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ، لِأنَّ كَرامَةَ المَنزِلِ مِن جُمْلَةِ صفحة ٣١١ الإحْسانِ في العَطاءِ بَلْ هي أبْهَجُ لَدى أهْلِ الهِمَمِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ المَدْخَلُ بِـ (يَرْضَوْنَهُ) . ووَقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ. وصَرِيحُها الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، وكِنايَتُها التَّعْرِيضُ بِأنَّ الرِّزْقَ الَّذِي يَرْزُقُهُمَ اللَّهُ هو خَيْرُ الأرْزاقِ لِصُدُورِهِ مِن خَيْرِ الرّازِقِينَ. وأُكِّدَتَ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ وضَمِيرِ الفَصْلِ تَصْوِيرًا لِعَظَمَةِ رِزْقِ اللَّهِ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، أيْ عَلِيمٌ بِما تَجَشَّمُوهُ مِنَ المَشاقِّ في شَأْنِ هِجْرَتِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وأهْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهو حَلِيمٌ بِهِمْ فِيما لاقَوْهُ فَهو يُجازِيهِمْ بِما لاقَوْهُ مِن أجْلِهِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُبَيِّنُ مَزِيَّةَ المُهاجِرِينَ في الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ (مَدْخَلًا) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ المُجَرَّدِ؛ لِأنَّ الإدْخالَ يَقْتَضِي الدُّخُولَ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ المِيمِ جَرْيًا عَلى فِعْلِ (لَيُدْخِلَنَّهُمُ) المَزِيدِ وهو أيْضًا اسْمُ مَكانٍ لِلْإدْخالِ.

الحج 22:60

﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ اسْمُ الإشارَةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لَفْتًا لِأذْهانِ السّامِعِينَ إلى ما سَيَجِيءُ مِنَ الكَلامِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ غَيْرُ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] . وجُمْلَةُ ﴿ومَن عاقَبَ﴾ إلَخْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٥٨] الآيَةَ. صفحة ٣١٢ والغَرَضُ مِنها التَّهْيِئَةُ لِلْجِهادِ والوَعْدُ بِالنَّصْرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، فَإنَّهُ قَدْ جاءَ مُعْتَرِضًا في خِلالِ النَّعْيِ عَلى تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ وكُفْرِهِمُ النِّعَمَ، فَأُكْمِلَ الغَرَضُ الأوَّلُ بِما فِيهِ مِنِ انْتِقالاتٍ، ثُمَّ عُطِفَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي جَرَتْ مِنهُ لَمْحَةٌ فَعادَ الكَلامُ هُنا إلى الوَعْدِ بِنَصْرِ اللَّهِ القَوْمَ المُعْتَدى عَلَيْهِمْ كَما وعَدَهم بِأنْ يُدْخِلَهم في الآخِرَةِ مَدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ. وجِيءَ بِإشارَةِ الفَصْلِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أهَمِّيَّةِ ما بَعْدَهُ. وماصَدَقُ (مَن) المَوْصُولَةِ العُمُومُ لِقَوْلِهِ فِيما سَلَفَ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، فَنَبَّهَ عَلى أنَّ القِتالَ المَأْذُونَ فِيهِ هو قِتالُ جَزاءٍ عَلى اعْتِداءٍ سابِقٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وتَغْيِيرُ أُسْلُوبِ الجَمْعِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] إلى أُسْلُوبِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن عاقَبَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى إرادَةِ العُمُومِ مُكِّنَ هَذا الكَلامُ لِيَكُونَ بِمَنزِلَةِ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ لِسُنَّةٍ مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في الأُمَمِ. ولَمّا أتى في الصِّلَةِ هُنا بِفِعْلِ (عاقَبَ) مَعَ قَصْدِ شُمُولِ عُمُومِ الصِّلَةِ لِلَّذِينَ أُذِنَ لَهم بِأنَّهم ظُلِمُوا عَلِمَ السّامِعُ أنَّ القِتالَ المَأْذُونَ لَهم بِهِ قِتالُ جَزاءٍ عَلى ظُلْمٍ سابِقٍ. وفي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ لِقانُونِ العِقابِ أنْ يَكُونَ مُماثِلًا لِلْعُدْوانِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ، أيْ أنْ لا يَكُونَ أشَدَّ مِنهُ. وسُمِّيَ اعْتِداءُ المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ عِقابًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ لِأنَّ الَّذِي دَفَعَ المُعْتَدِينَ إلى الِاعْتِداءِ قَصْدُ العِقابِ عَلى خُرُوجِهِمْ عَنْ دِينِ الشِّرْكِ ونَبْذِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ. ويُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ العِقابَ صفحة ٣١٣ ظُلْمٌ بِقَوْلِهِ فِيما مَضى ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠] . ومَعْنى ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ المُماثَلَةُ في الجِنْسِ فَإنَّ المُشْرِكِينَ آذَوُا المُسْلِمِينَ وأرْغَمُوهم عَلى مُغادَرَةِ مَوْطِنِهِمْ فَيَكُونُ عِقابُهم عَلى ذَلِكَ بِإخْراجِ مَن يُمْكِنُهم أنْ يُخْرِجُوهُ مِن ذَلِكَ الوَطَنِ، ولا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ إلّا بِالجِهادِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا أهْلَ كَثْرَةٍ وكانُوا مُسْتَعْصِمِينَ بِبَلَدِهِمْ فَإلْجاءُ مَن يُمْكِنُ إلْجاؤُهُ إلى مُفارَقَةِ وطَنِهِ، إمّا بِالقِتالِ فَهو إخْراجٌ كامِلٌ، أوْ بِالأسْرِ: و(ثُمَّ) مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾، فَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ البَغْيَ عَلَيْهِ أهَمُّ مِن كَوْنِهِ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ إذْ كانَ مَبْدُوءًا بِالظُّلْمِ كَما يُقالُ البادِئُ أظْلَمُ. فَكانَ المُشْرِكُونَ مَحْقُوقِينَ بِأنْ يُعاقَبُوا لِأنَّهم بَغَوْا عَلى المُسْلِمِينَ. ومَعْنى الآيَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] . وكانَ هَذا شَرْعًا لِأصُولِ الدِّفاعِ عَنِ البَيْضَةِ، وأمّا آياتُ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ فَلَيْسَ هَذا مَقامَ تَنْزِيلِها وإنَّما هي في شَرْعِ مُعامَلاتِ الأُمَّةِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ، وقَدْ أكَّدَ لَهُمُ اللَّهُ نَصْرَهُ إنْ هُمُ امْتَثَلُوا لِما أُذِنُوا بِهِ وعاقَبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبُوا بِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في تَقْرِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَكَلُّفاتٌ تُنْبِئُ عَنْ حَيْرَةٍ في تَلْئِيمِ مَعانِيها. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلِاقْتِصارِ عَلى الإذْنِ في العِقابِ بِالمُماثَلَةِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ دُونَ الزِّيادَةِ في الِانْتِقامِ مَعَ أنَّ البادِئَ أظْلَمُ بِأنَّ عَفْوَ اللَّهِ ومَغْفِرَتَهُ لِخَلْقِهِ قَضَيا بِحِكْمَتِهِ أنْ لا يَأْذَنَ إلّا بِمُماثَلَةِ العِقابِ لِلذَّنْبِ لِأنَّ ذَلِكَ هو أوْفَقُ بِالحَقِّ. ومِمّا يُؤْثَرُ عَنْ كِسْرى أنَّهُ قِيلَ لَهُ: بِمَ دامَ مُلْكُكم ؟ فَقالَ: صفحة ٣١٤ لِأنَّنا نُعاقِبُ عَلى قَدْرِ الذَّنْبِ لا عَلى قَدْرِ الغَضَبِ، فَلَيْسَ ذِكْرُ وصْفَيْ (عَفُوٌّ غَفُورٌ) إيماءً إلى التَّرْغِيبِ في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْوَعْدِ بِجَزاءِ المُهاجِرِينَ اتِّباعًا لِلتَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩] لِأنَّ الكَلامَ مُسْتَمِرٌّ في شَأْنِهِمْ.

الحج 22:61

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لَيْسَ اسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلًا في الفَصْلِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِثْلَ شَبِيهِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، بَلِ الإشارَةُ هُنا إلى الكَلامِ السّابِقِ الدّالِّ عَلى تَكَفُّلِ النَّصْرِ، فَإنَّ النَّصْرَ يَقْتَضِي تَغْلِيبَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ عَلى ضِدِّهِ وإقْحامَ الجَيْشِ في الجَيْشِ الآخَرِ في المَلْحَمَةِ، فَضَرَبَ لَهُ مَثَلًا بِتَغْلِيبِ مُدَّةِ النَّهارِ عَلى مُدَّةِ اللَّيْلِ في بَعْضِ السَّنَةِ، وتَغْلِيبِ مُدَّةِ اللَّيْلِ عَلى مُدَّةِ النَّهارِ في بَعْضِها، لِما تَقَرَّرَ مِنِ اشْتِهارِ التَّضادِّ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أيِ الظُّلْمَةِ والنُّورِ. وقَرِيبٌ مِنها اسْتِعارَةُ التَّلْبِيسِ لِلْإقْحامِ في الحَرْبِ في قَوْلِ المَرّارِ السُّلَمِيِّ: وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي فَخَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ هُنا هو قَوْلُهُ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ﴾ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ تَكْرِيرًا لِشَبِيهِهِ السّابِقِ لِقَصْرِ تَوْكِيدِهِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ إلَخْ، مُرْتَبِطَةٌ بِجُمْلَةِ ﴿ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج: ٦٠] إلَخْ. ولِذَلِكَ يَصِحُّ جَعْلُ ﴿بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] . والإيلاجُ: الإدْخالُ. مُثِّلَ بِهِ اخْتِفاءُ ظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدَ ظُهُورِ نُورِ النَّهارِ وعَكْسِهِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ التَّصْيِيرِ بِإدْخالِ جِسْمٍ في جِسْمٍ آخَرَ، صفحة ٣١٥ فَإيلاجُ اللَّيْلِ في النَّهارِ: غَشَيانُ ضَوْءِ النَّهارِ عَلى ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. وإيلاجُ النَّهارِ في اللَّيْلِ: غَشَيانُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَلى ما كانَ مِن ضَوْءِ النَّهارِ. فالمُولَجُ هو المُخْتَفِي. فَإيلاجُ اللَّيْلِ انْقِضاؤُهُ. واسْتِعارَةُ الإيلاجِ لِذَلِكَ اسْتِعارَةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّ تَقَلُّصَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ تَدْرِيجًا. وكَذَلِكَ تَقَلُّصُ ضَوْءِ النَّهارِ يَحْصُلُ تَدْرِيجًا، فَأشْبَهَ ذَلِكَ إيلاجَ شَيْءٍ في شَيْءٍ إذْ يَبْدُو داخِلًا فِيهِ شَيْئًا فَشَيْئًا. والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. أيْ لا عَجَبَ في النَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ المُسْلِمُونَ عَلى الكافِرِينَ مَعَ قِلَّةِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ القادِرَ عَلى تَغْلِيبِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ حِينًا بَعْدَ أنْ كانَ أمْرُهُما عَلى العَكْسِ حِينًا آخَرَ قادِرٌ عَلى تَغْلِيبِ الضَّعِيفِ عَلى القَوِيِّ، فَصارَ حاصِلُ المَعْنى: ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى نَصْرِهِمْ. والجَمْعُ بَيْنَ ذِكْرِ إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيْلِ لِلْإيماءِ إلى تَقَلُّبِ أحْوالِ الزَّمانِ فَقَدْ يَصِيرُ المَغْلُوبُ غالِبًا ويَصِيرُ ذَلِكَ الغالِبُ مَغْلُوبًا. مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِحَيْثُ تَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ المُتَضادَّةِ ولا تَلْزَمُ طَرِيقَةً واحِدَةً كَقُدْرَةِ الصُّنّاعِ مِنَ البَشَرِ. وفِيهِ إدْماجُ التَّنْبِيهِ بِأنَّ العَذابَ الَّذِي اسْتَبْطَأهُ المُشْرِكُونَ مَنُوطٌ بِحُلُولِ أجَلِهِ، وما الأجَلُ إلّا إيلاجُ لَيْلٍ في نَهارٍ ونَهارٍ في لَيْلٍ. وفِي ذِكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ في هَذا المَقامِ إدْماجُ تَشْبِيهِ الكُفْرِ بِاللَّيْلِ والإسْلامِ بِالنَّهارِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ ضَلالَةُ اعْتِقادٍ، فَصاحِبُهُ مِثْلُ الَّذِي يَمْشِي في ظُلْمَةٍ، ولِأنَّ الإيمانَ نُورٌ يَتَجَلّى بِهِ الحَقُّ والِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ، فَصاحِبُهُ كالَّذِي يَمْشِي في النَّهارِ. فَفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ الإيلاجَ المَقْصُودَ هو ظُهُورُ النَّهارِ بَعْدَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. أيْ ظُهُورُ الدِّينِ الحَقِّ بَعْدَ ظُلْمَةِ الإشْراكِ. ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ في الآيَةِ بِإيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، أيْ دُخُولِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ تَحْتَ ضَوْءِ النَّهارِ. صفحة ٣١٦ وقَوْلُهُ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ تَتْمِيمٌ لِإظْهارِ صَلاحِيَّةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٢٧] . وعَطْفُ ﴿وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عَلى السَّبَبِ لِلْإشارَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ بِالأحْوالِ كُلِّها فَهو يَنْصُرُ مَن يَنْصُرُهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ويَعِدُ بِالنَّصْرِ مَن عَلِمَ أنَّهُ ناصِرُهُ لا مَحالَةَ، فَلا يَصْدُرُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ.

الحج 22:62

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ . اسْمُ الإشارَةِ هُنا تَكْرِيرٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الَّذِي سَبَقَهُ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الحَقُّ الَّذِي إذا أرادَ فَعَلَ وقَدَّرَ فَهو يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ وأنَّ ما يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ هو الباطِلُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ. وهَذا عَلى حَمْلِ الباءِ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ عَلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، وهو مَحْمِلُ المُفَسِّرِينَ. وسَيَأْتِي في سُورَةِ لُقْمانَ في نَظِيرِها: أنَّ الأظْهَرَ حَمْلُ الباءِ عَلى المُلابَسَةِ لِيَلْتَئِمَ عَطْفُ (وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ) . والحَقُّ: المُطابِقُ لِلْواقِعِ، أيِ الصِّدْقُ، مَأْخُوذٌ مِن حَقَّ الشَّيْءُ إذا ثَبَتَ. والمَعْنى: أنَّهُ الحَقُّ في الإلَهِيَّةِ. فالقَصْرُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وأمّا القَصْرُ في قَوْلِهِ (وأنَّ ما تَدْعُونَ مِن دُونِهِ هو الباطِلُ) المُسْتَفادُ مِن ضَمِيرِ الفَصْلِ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِباطِلٍ غَيْرِها حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الباطِلِ. وهَذا مُبالَغَةٌ في تَحْقِيرِ أصْنامِهِمْ لِأنَّ صفحة ٣١٧ المَقامَ مَقامُ مُناضَلَةٍ وتَوَعُّدٍ، وإلّا فَكَثِيرٌ مِن أصْنامِ وأوْثانِ غَيْرِ العَرَبِ باطِلٌ أيْضًا. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (تَدْعُونَ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ الكَلامَ السّابِقَ الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ إسْماعُهم والتَّعْرِيضُ بِاقْتِرابِ الِانْتِصارِ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ البَقِيَّةُ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ السّابِقِ. وعُلُوُّ اللَّهِ: مُسْتَعارٌ لِلْجَلالِ والكَمالِ التّامِّ. والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِتَمامِ القُدْرَةِ، أيْ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ دُونَ الأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها إذْ لَيْسَ لَها كَمالٌ ولا قُدْرَةٌ بِبُرْهانِ المُشاهَدَةِ.

الحج 22:63

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ انْتِقالٌ إلى التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى النّاسِ بِمُناسَبَةِ ما جَرى مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ [الحج: ٦١] الآيَةَ. والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلى نِعَمِهِ وأنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ عَقِبَ تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٦]، أيِ الإنْسانُ المُشْرِكُ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ إدْماجُ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ فَهو الرَّبُّ الحَقُّ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ. والمُناسَبَةُ هي ما جَرى مِن أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّ ما يَدْعُونَهُ الباطِلُ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والخِطابُ لِكُلِّ مَن تَصْلُحُ مِنهُ الرُّؤْيَةُ لِأنَّ المَرْئِيَّ مَشْهُورٌ. صفحة ٣١٨ والِاسْتِفْهامُ: إنْكارِيٌّ، نَزَلَتْ غَفْلَةُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الِاعْتِبارِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ والِاعْتِدادِ بِها مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ بِها. فَأُنْكِرَ ذَلِكَ العَدَمُ عَلى النّاسِ الَّذِينَ أهْمَلُوا الشُّكْرَ والِاعْتِبارَ. وإنَّما حُكِيَ الفِعْلُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الإنْكارِيُّ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ (لَمْ) الَّذِي يُخَلِّصُهُ إلى المُضِيِّ، وحُكِيَ مُتَعَلِّقُهُ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ وهو الإنْزالُ بِصِيغَةِ الماضِي كَذَلِكَ ولَمْ يُراعَ فِيهِما مَعْنى تَجَدُّدِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ إنْكارِ عَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ هو كَوْنُهُ أمْرًا مُتَقَرِّرًا ماضِيًا لا يُدَّعى جَهْلُهُ. و(تُصْبِحُ) بِمَعْنى تَصِيرُ فَإنَّ خَمْسًا مِن أخَواتِ (كانَ) تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: صارَ. واخْتِيرَ في التَّعْبِيرِ عَنِ النَّباتِ الَّذِي هو مُقْتَضى الشُّكْرِ لِما فِيهِ مِن إقامَةِ أقْواتِ النّاسِ والبَهائِمِ بِذِكْرِ لَوْنِهِ الأخْضَرِ لِأنَّ ذَلِكَ اللَّوْنَ مُمْتِعٌ لِلْأبْصارِ فَهو أيْضًا مُوجِبُ شُكْرٍ عَلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن جَمالِ المَصْنُوعاتِ في المَرْأى كَما قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] . وإنَّما عَبَّرَ عَنْ مَصِيرِ الأرْضِ خَضْراءَ بِصِيغَةِ (تُصْبِحُ مُخْضَرَّةً) مَعَ أنَّ ذَلِكَ مُفَرَّعٌ عَلى فِعْلِ ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ الَّذِي هو بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّهُ قَصَدَ مِنَ المُضارِعِ اسْتِحْضارَ تِلْكَ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ الحَسَنَةِ، ولِإفادَةِ بَقاءِ أثَرِ إنْزالِ المَطَرِ زَمانًا بَعْدَ زَمانٍ كَما تَقُولُ: أنْعَمَ فَلانٌ عَلَيَّ فَأرُوحُ وأغْدُو شاكِرًا لَهُ. وفِعْلُ (تُصْبِحُ) مُفَرَّعٌ عَلى فِعْلِ (أنْزَلَ) فَهو مُثْبَتٌ في المَعْنى. ولَيْسَ مُفَرَّعًا عَلى النَّفْيِ ولا عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ بَعْدَ الفاءِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالفاءِ جَوابٌ لِلنَّفْيِ إذْ لَيْسَ المَعْنى: ألَمْ تَرَ فَتُصْبِحَ الأرْضُ. صفحة ٣١٩ قالَ سِيبَوَيْهِ وسَألْتُهُ يَعْنِي الخَلِيلَ عَنْ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فَقالَ: هَذا واجِبٌ أيِ الرَّفْعُ واجِبٌ وهو تَنْبِيهٌ كَأنَّكَ قُلْتَ: أتَسْمَعُ: أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَكانَ كَذا وكَذا اهـ. قالَ في الكَشّافِ: لَوْ نُصِبَ لَأعْطى ما هو عَكْسُ الغَرَضِ لِأنَّ مَعْناهُ ”أيِ الكَلامَ“ إثْباتُ الِاخْضِرارِ فَيَنْقَلِبُ بِالنَّصْبِ إلى نَفْيِ الِاخْضِرارِ. مِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِصاحِبِكَ: ألَمْ تَرَ أنِّي أنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَتَشْكُرُ، إنْ نَصَبْتَهُ فَأنْتَ نافٍ لِشُكْرِهِ شاكٍّ تَفْرِيطَهُ فِيهِ، وإنْ رَفَعْتَهُ فَأنْتَ مُثْبِتٌ لِلشُّكْرِ. وهَذا وأمْثالُهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يَرْغَبَ لَهُ مَنِ اتَّسَمَ بِالعِلْمِ في عِلْمِ الإعْرابِ اهـ. والمُخْضَرَّةُ: الَّتِي صارَ لَوْنُها الخُضْرَةَ. يُقالُ: اخْضَرَّ الشَّيْءُ، كَما يُقالُ: اصْفَرَّ الثَّمَرُ واحْمَرَّ، واسْوَدَّ الأُفُقُ. وصِيغَةُ ”افْعَلَّ“ مِمّا يُصاغُ لِلِاتِّصافِ بِالألْوانِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْإنْزالِ، أيْ أنْزَلَ الماءَ المُتَفَرِّعَ عَلَيْهِ الِاخْضِرارُ لِأنَّهُ لَطِيفٌ، أيْ رَفِيقٌ بِمَخْلُوقاتِهِ، ولِأنَّهُ عَلِيمٌ بِتَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.

الحج 22:64

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣] لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِالخالِقِيَّةِ والمُلْكِ الحَقِّ لِيُعْلَمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَعْبُودِيَّةِ فَيُرَدَّ زَعْمُ المُشْرِكِينَ أنَّ الأصْنامَ لَهُ شُرَكاءُ في الإلَهِيَّةِ وصَرْفُ عِبادَتِهِمْ إلى أصْنامِهِمْ. والمُناسَبَةُ هي ذِكْرُ إنْزالِ صفحة ٣٢٠ المَطَرِ وإنْباتِ العُشْبِ فَما ذَلِكَ إلّا بَعْضُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ. وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها مَعَ اتِّحادِهِما في الغَرَضِ لِأنَّ هَذِهِ تَتَنَزَّلُ مِنَ الأُولى مَنزِلَةَ التَّذْيِيلِ بِالعُمُومِ الشّامِلِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها، ولِأنَّ هَذِهِ لا تَتَضَمَّنُ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ. أيْ لَهُ ذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ مِن أصْنامِكم، إنْ جَعَلْتَ القَصْرَ إضافِيًّا، أوْ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغِنى غَيْرِهِ ومَحْمُودِيَّتِهِ إنْ جَعَلْتَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا. ونُبِّهَ بِوَصْفِ الغِنى عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلى غَيْرِهِ، وهو مَعْنى الغِنى في صِفاتِهِ تَعالى أنَّهُ عَدَمُ الِافْتِقارِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ لا إلى مَحَلٍّ ولا إلى مُخَصَّصٍ بِالوُجُودِ دُونَ العَدَمِ والعَكْسُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ افْتِقارَ الأصْنامِ إلى مَن يَصْنَعُها ومَن يَنْقُلُها مِن مَكانٍ إلى آخَرَ ومَن يَنْفُضُ عَنْها القَتامَ والقَذَرَ دَلِيلٌ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وأمّا وصْفُ (الحَمِيدِ) بِمَعْنى المَحْمُودِ كَثِيرًا، فَذِكْرُهُ لِمُزاوَجَةِ وصْفِ الغِنى لِأنَّ الغَنِيَّ مُفِيضٌ عَلى النّاسِ فَهم يَحْمَدُونَهُ. وفي ضَمِيرِ الفَصْلِ إفادَةُ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِوَصْفِ الغِنى دُونَ الأصْنامِ وبِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَحْمُودِيَّةِ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يُوَجِّهُونَ الحَمْدَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وأكَّدَ الحَصْرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِلامِ الِابْتِداءِ تَحْقِيقًا لِنِسْبَةِ القَصْرِ إلى المَقْصُورِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ”إنِّي أنا المَوْتُ“ . وهَذا التَّأْكِيدُ لِتَنْزِيلِ تَحَقُّقِهِمُ اخْتِصاصَهُ بِالغِنى أوِ المَحْمُودِيَّةِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ أوِ الإنْكارِ لِأنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ حِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ وإنَّما يُعْبَدُ مَن وصْفُهُ الغَنِيُّ.

الحج 22:65

صفحة ٣٢١ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ ويُمْسِكُ السَّما أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هَذا مِن نَسَقِ التَّذْكِيرِ بِنِعَمِ اللَّهِ واقِعٌ مَوْقِعَ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، فَهو مِن عِدادِ الِامْتِنانِ والِاسْتِدْلالِ، فَكانَ كالتَّكْرِيرِ لِغَرَضٍ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ. وهَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ تَسْخِيرِ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ. وفِيهِ إدْماجُ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ بِالتَّسْخِيرِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو الرَّبُّ الحَقُّ. وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الحج: ٦٣] . والخِطابُ هُنا والِاسْتِفْهامُ كِلاهُما كَما في الآيَةِ السّابِقَةِ. والتَّسْخِيرُ: تَسْهِيلُ الِانْتِفاعِ بِدُونِ مانِعٍ وهو يُؤْذِنُ بِصُعُوبَةِ الِانْتِفاعِ لَوْلا ذَلِكَ التَّسْخِيرُ. وأصْلُهُ تَسْهِيلُ الِانْتِفاعِ بِما فِيهِ إرادَةُ التَّمَنُّعِ مِثْلُ تَسْخِيرِ الخادِمِ وتَسْهِيلِ اسْتِخْدامِ الحَيَوانِ الدّاجِنِ مِنَ الخَيْلِ، والإبِلِ والبَقْرِ والغَنَمِ ونَحْوِها، بِأنْ جَعَلَ اللَّهُ فِيها طَبْعَ الخَوْفِ مِنَ الإنْسانِ مَعَ تَهْيِئَتِها لِلْإلْفِ بِالإنْسانِ. ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى تَسْهِيلِ الِانْتِفاعِ بِما في طَبْعِهِ أوْ في حالِهِ ما يُعَذَّرُ الِانْتِفاعُ بِهِ لَوْلا ما ألْهَمَ اللَّهُ إلَيْهِ الإنْسانَ مِن وسائِلِ التَّغَلُّبِ عَلَيْها بِتَعَرُّفِ نَوامِيسِهِ وأحْوالِهِ وحَرَكاتِهِ وأوْقاتِ ظُهُورِهِ، وبِالِاحْتِيالِ عَلى تَمَلُّكِهِ مِثْلِ صَيْدِ الوَحْشِ ومَغاصاتِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، ومِثْلِ آلاتِ الحَفْرِ والنَّقْرِ لِلْمَعادِنِ، ومِثْلِ التَّشْكِيلِ في صُنْعِ الفُلْكِ والعَجَلِ. ومِثْلِ التَّرْكِيبِ والتَّصْهِيرِ في صُنْعِ البَواخِرِ والمَزْجِيّاتِ والصِّياغَةِ. ومِثْلِ الإرْشادِ إلى ضَبْطِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ صفحة ٣٢٢ العَظِيمَةِ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والأنْهارِ والأوْدِيَةِ والأنْواءِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، بِاعْتِبارِ كَوْنِ تِلْكَ الأحْوالِ تَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وما لا يُحْصى مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ الإنْسانُ مِمّا عَلى الأرْضِ فَكُلُّ ذَلِكَ داخِلٌ في مَعْنى التَّسْخِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في التَّسْخِيرِ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ إبْراهِيمَ وغَيْرِهِما. وفي كَلامِنا هُنا زِيادَةُ إيضاحٍ لِمَعْنى التَّسْخِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الفُلْكِ) . وإنَّما خُصَّ هَذا بِالذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ الجَرْيَ في البَحْرِ هو مَظْهَرُ التَّسْخِيرِ إذْ لَوْلا الإلْهامُ إلى صُنْعِها عَلى الصِّفَةِ المَعْلُومَةِ لَكانَ حَظُّها مِنَ البَحْرِ الغَرَقَ. وقَوْلُهُ (بِأمْرِهِ) هو أمْرُ التَّكْوِينِ إذْ جَعَلَ البَحْرَ صالِحًا لِحَمْلِها، وأوْحى إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعْرِفَةَ صُنْعِها، ثُمَّ تَتابَعَ إلْهامُ الصُّنّاعِ لِزِيادَةِ إتْقانِها. والإمْساكُ: الشَّدُّ، وهو ضِدُّ الإلْقاءِ. وقَدْ ضُمِّنَ مَعْنى المَنعِ هُنا وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] فَيُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الإمْساكِ بَعْدَ هَذا التَّضْمِينِ فَيُقَدَّرُ (عَنْ) أوْ (مِن) . ومُناسَبَةُ عَطْفِ إمْساكِ السَّماواتِ عَلى تَسْخِيرِ ما في الأرْضِ وتَسْخِيرِ الفُلْكِ أنَّ إمْساكَ السَّماءِ عَنْ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ ضَرْبٌ مِنَ التَّسْخِيرِ لِما في عَظَمَةِ المَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ مِن مُقْتَضَياتِ تَغَلُّبِها عَلى المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ وحَطْمِها إيّاها لَوْلا ما قَدَّرَ اللَّهُ تَعالى لِكُلِّ نَوْعٍ مِنها مِن سُنَنٍ ونُظُمٍ تَمْنَعُ مِن تَسَلُّطِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . فَكَما سَخَّرَ اللَّهُ لِلنّاسِ ما ظَهَرَ عَلى وجْهِ صفحة ٣٢٣ الأرْضِ مِن مَوْجُوداتٍ مَعَ ما في طَبْعِ كَثِيرٍ مِنها مِن مُقْتَضَياتِ إتْلافِ الإنْسانِ، وكَما سَخَّرَ لَهُمُ الأحْوالَ الَّتِي تَبْدُو لِلنّاسِ مِن مَظاهِرِ الأُفُقِ مَعَ كَثْرَتِها وسِعَتِها وتَباعُدِها، ومَعَ ما في تِلْكَ الأحْوالِ مِن مُقْتَضَياتِ تَعَذُّرِ الضَّبْطِ، كَذَلِكَ سَخَّرَ لِمَصْلَحَةِ النّاسِ ما في السَّماواتِ مِنَ المَوْجُوداتِ بِالإمْساكِ المُنَظَّمِ المَنُوطِ بِما قَدَّرَهُ اللَّهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (إلّا يِإذْنِهِ)، أيْ تَقْدِيرِهِ. ولَفْظُ (السَّماءَ) في قَوْلِهِ (ويُمْسِكُ السَّماءَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ما قابَلَ الأرْضَ في اصْطِلاحِ النّاسِ، فَيَكُونُ كُلًّا شامِلًا لِلْعَوالِمِ العُلْوِيَّةِ كُلِّها الَّتِي لا نُحِيطُ بِها عِلْمًا كالكَواكِبِ السَّيّارَةِ وما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ وما يَكْشِفُهُ لِلنّاسِ في مُتَعاقَبِ الأزْمانِ، ويَكُونُ وُقُوعُها عَلى الأرْضِ بِمَعْنى الخُرُورِ والسُّقُوطِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ اللَّهَ بِتَدْبِيرِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ جَعَلَ لِلسَّماءِ نِظامًا يَمْنَعُها مِنَ الخُرُورِ عَلى الأرْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (ويُمْسِكُ السَّماءَ) امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِالسَّلامَةِ مِمّا يُفْسِدُ حَياتَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ (إلّا بِإذْنِهِ) احْتِراسًا جَمْعًا بَيْنَ الِامْتِنانِ والتَّخْوِيفِ، ويَكُونُ النّاسُ شاكِرِينَ مُسْتَزِيدِينَ مِنَ النِّعَمِ خائِفِينَ مِن غَضَبِ رَبِّهِمْ أنْ يَأْذَنَ لِبَعْضِ السَّماءِ بِالوُقُوعِ عَلى الأرْضِ. وقَدْ أشْكَلَ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ (إلّا بِإذْنِهِ) فَقِيلَ في دَفْعِ الإشْكالِ: إنَّ مَعْناهُ إلّا يَوْمَ القِيامَةِ يَأْذَنُ اللَّهُ لَها في الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ في الآثارِ أنَّهُ يَقَعُ سُقُوطُ السَّماءِ وإنَّما ورَدَ تَشَقُّقُ السَّماءِ وانْفِطارُها. وفِيما جَعَلْنا ذَلِكَ احْتِراسًا دَفْعًا لِلْإشْكالِ لِأنَّ الِاحْتِراسَ أمْرٌ فَرَضِيٌّ فَلا يَقْتَضِي الِاسْتِثْناءُ وُقُوعَ المُسْتَثْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (السَّماءِ) بِمَعْنى المَطَرِ، كَقَوْلِ مُعاوِيَةَ بْنِ مالِكٍ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا صفحة ٣٢٤ وقَوْلِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ في حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ بِتَقْدِيرِهِ جَعَلَ لِنُزُولِ المَطَرِ عَلى الأرْضِ مَقادِيرَ قَدَّرَ أسْبابَها، وأنَّهُ لَوِ اسْتَمَرَّ نُزُولُ المَطَرِ عَلى الأرْضِ لَتَضَرَّرَ النّاسُ فَكانَ في إمْساكِ نُزُولِهِ بِاطِّرادٍ مِنهُ عَلى النّاسِ، وكانَ تَقْدِيرُ نُزُولِهِ عِنْدَ تَكْوِينِ اللَّهِ إيّاهُ مِنَّةً أيْضًا. فَيَكُونُ هَذا مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ نِعْمَتَيْنِ: نِعْمَةِ الغَيْثِ، ونِعْمَةِ السَّلامَةِ مِن طُغْيانِ المِياهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ السَّماءِ قَدْ أُطْلِقَ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي يَشْمَلُها لَفْظُ (السَّماءِ) الَّذِي هو ما عَلا الأرْضَ فَأُطْلِقَ عَلى ما يَحْوِيهِ، كَما أُطْلِقَ لَفْظُ الأرْضِ عَلى سُكّانِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] . فاللَّهُ يُمْسِكَ ما في السَّماواتِ مِنَ الشُّهُبِ ومِن كُرَيّاتِ الأثِيرِ والزَّمْهَرِيرِ عَنِ اخْتِراقِ كُرَةِ الهَواءِ، ويُمْسِكُ ما فِيها مِنَ القُوى كالمَطَرِ والبَرَدِ والثَّلْجِ والصَّواعِقِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ والتَّحَكُّكِ بِها إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فِيما اعْتادَ النّاسُ إذْنَهُ بِهِ مِن وُقُوعِ المَطَرِ والثَّلْجِ والصَّواعِقِ والشُّهُبِ وما لَمْ يَعْتادُوهُ مِن تَساقُطِ الكَواكِبِ. فَيَكُونُ مُوقِعُ ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٢] في سُورَةِ الجاثِيَةِ. ويَكُونُ في قَوْلِهِ (إلّا بِإذْنِهِ) إدْماجٌ بَيْنَ الِامْتِنانِ والتَّخْوِيفِ: فَإنَّ مِنَ الإذْنِ بِالوُقُوعِ عَلى الأرْضِ ما هو مَرْغُوبٌ لِلنّاسِ، ومِنهُ ما هو مَكْرُوهٌ. وهَذا المَحْمَلُ الثّالِثُ أجْمَعُ لِما في المَحْمَلَيْنِ الآخَرَيْنِ وأوْجَزُ، فَهو لِذَلِكَ أنْسَبُ بِالإعْجازِ. صفحة ٣٢٥ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا بِإذْنِهِ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ فِعْلِ (يُمْسِكُ) ومُلابَساتِ مَفْعُولِهِ وهو كَلِمَةُ (السَّماءِ) عَلى اخْتِلافِ مَحامِلِهِ، أيْ يَمْنَعُ ما في السَّماءِ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ إلّا وُقُوعًا مُلابِسًا لِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ. هَذا ما ظَهَرَ لِي في مَعْنى الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ قَوْلُهُ إلّا بِإذْنِهِ عَلى الإمْساكِ لِأنَّ الكَلامَ يَقْتَضِي بِغَيْرِ عَمَدٍ أيْ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ عَلى تَقْدِيرِ هَذا المُتَعَلِّقِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] ونَحْوِهِ فَكَأنَّهُ أرادَ: إلّا بِإذْنِهِ فَيُمْسِكُها اهـ. يُرِيدُ أنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ قَرِينَةٌ عَلى المَحْذُوفِ. والإذْنُ. حَقِيقَتُهُ: قَوْلٌ يُطْلَبُ بِهِ فِعْلُ شَيْءٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْمَشِيئَةِ والتَّكْوِينِ، وهُما مُتَعَلِّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ. وقَدِ اسْتَوْعَبَتِ الآيَةُ العَوالِمَ الثَّلاثَةَ: البَرَّ، والبَحْرَ، والجَوَّ. ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِلتَّسْخِيرِ والإمْساكِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ لِأنَّ في جَمِيعِ ذَلِكَ رَأْفَةً بِالنّاسِ بِتَيْسِيرِ مَنافِعِهِمُ الَّذِي في ضِمْنِهِ دَفْعُ الضُّرِّ عَنْهم. والرَّءُوفُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَّأْفَةِ أوْ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وهي صِفَةٌ تَقْتَضِي صَرْفَ الضُّرِّ. والرَّحِيمُ: وصْفٌ مِنَ الرَّحْمَةِ. وهي صِفَةٌ تَقْتَضِي النَّفْعَ لِمُحْتاجِهِ. وقَدْ تَتَعاقَبُ الصِّفَتانِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ ما تَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ صِفَةٍ مِنهُما ويُؤَكِّدُ ما تَجْتَمِعانِ عَلَيْهِ.

الحج 22:66

صفحة ٣٢٦ ﴿وهْوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ أُدْمِجَ الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ بِالمَواعِظِ والمِنَنِ والتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ أُعِيدَ الكَلامُ عَلى البَعْثِ هُنا بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ القِياسِ، فَذُكِرَ المُلْحِدُونَ بِالحَياةِ الأُولى الَّتِي لا رَيْبَ فِيها، وبِالإماتَةِ الَّتِي لا يَرْتابُونَ فِيها، وبانَ بَعْدَ الإماتَةِ إحْياءٌ آخَرُ كَما أُخِذَ مِنَ الدَّلائِلِ السّابِقَةِ. وهَذا مَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ، فَجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الَّذِي أحْياكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ [الحج: ٦٥] لِأنَّ صَدْرَ هَذِهِ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ فَناسَبَ أنْ تُعْطَفَ عَلى سابِقَتِها المُتَضَمَّنَةِ امْتِنانًا واسْتِدْلالًا كَذَلِكَ. * * * ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ تَذْيِيلٌ يَجْمَعُ المَقْصِدَ مِن تَعْدادِ نِعَمِ المُنْعِمِ بِجَلائِلِ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ انْفِرادَهُ بِاسْتِحْقاقِ الشُّكْرِ، واعْتِرافَ الخَلْقِ لَهُ بِوَحْدانِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لَتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ أنَّهم كُفَراءُ. والتَّعْرِيفُ في (الإنْسانِ) تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ المُؤْذِنِ بِأكْثَرِ أفْرادِ الجِنْسِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: جَمَعَ الأمِيرُ الصّاغَةَ، أيْ صاغَةَ بَلَدِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] . وقَدْ كانَ أكْثَرُ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ، أوْ أُرِيدَ بِالإنْسانِ خُصُوصُ المُشْرِكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] . والكَفُورُ: مُبالَغَةٌ في الكافِرِ، لِأنَّ كُفْرَهم كانَ عَنْ تَعَنُّتٍ ومُكابَرَةٍ. صفحة ٣٢٧ ويَجُوزُ كَوْنُ الكَفُورِ مَأْخُوذًا مِن كُفْرِ النِّعْمَةِ وتَكُونُ المُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ آثارِ الغَفْلَةِ عَنِ الشُّكْرِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِغْراقُ حَقِيقِيًّا.

الحج 22:67

﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ وادْعُ إلى رَبِّكَ إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ. وقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ما اقْتَضى الحالُ اسْتِطْرادَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٧] إلى هُنا، فَعادَ الكَلامُ إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٤] الآيَةَ، لِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . فَهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى بِما سَبَقَ مِنَ الشَّرائِعِ لِقَصْدِ إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، بِأنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ لِأهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ سَبَقَتْ إلّا مَنسَكًا واحِدًا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ لِأنَّ المُتَقَرَّبَ إلَيْهِ واحِدٌ. وقَدْ جَعَلَ المُشْرِكُونَ مَناسِكَ كَثِيرَةً فَلِكُلِّ صَنَمٍ بَيْتٌ يُذْبَحُ فِيهِ مِثْلُ الغَبْغَبِ لِلْعُزّى، قالَ النّابِغَةُ: وما هُرِيقَ عَلى الأنْصابِ مِن جَسَدٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أيْ دَمٍ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا﴾ [الحج: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ كَما عُطِفَتْ نَظِيرَتُها المُتَقَدِّمَةُ. صفحة ٣٢٨ والمَنسَكُ بِفَتْحِ المِيمِ وفَتْحِ السِّينِ: اسْمُ مَكانِ النُّسُكِ - بِضَمِّهِما - كَما تَقَدَّمَ. وأصْلُ النُّسُكِ العِبادَةُ ويُطْلَقُ عَلى القُرْبانِ، فالمُرادُ بِالمَنسَكِ هُنا مَواضِعُ الحَجِّ بِخِلافِ المُرادِ بِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ فَهو مَوْضِعُ القُرْبانِ. والضَّمِيرُ في (ناسِكُوهُ) مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ ناسِكُونَ فِيهِ. وفِي المُوَطَّأِ: أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَقِفُ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحَ، وكانَتِ العَرَبُ وغَيْرُهم يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكانُوا يَتَجادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، ويَقُولُ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أصْوَبُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ الآيَةَ، فَهَذا الجِدالُ فِيما نَرى واللَّهُ أعْلَمُ وقَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِن أهْلِ العِلْمِ اهـ. قالَ الباجِيُّ في المُنْتَقى: وهو قَوْلُ رَبِيعَةَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ أصْحابَ هَذا التَّفْسِيرِ يَرَوْنَ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الحَجِّ في الإسْلامِ وقَبْلَ أنْ يُمْنَعَ المُشْرِكُونَ مِنهُ، أيْ نَزَلَتْ في سَنَةِ تِسْعٍ. والأظْهَرُ خِلافُهُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ. وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهم لَمْ تَبْقَ لَهم حُجَّةٌ يُنازِعُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ بَعْدَ شَهادَةِ المِلَلِ السّابِقَةِ كُلِّها، فالنَّهْيُ ظاهِرُهُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ ما أُعْطِيَهُ مِنَ الحُجَجِ كافٍ في قَطْعِ مُنازَعَةِ مُعارِضِيهِ، فالمُعارِضُونَ هُمُ المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ سَبَبُ نَهْيِهِمْ هو ما عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الحُجَجِ وُجِّهَ إلَيْهِ النَّهْيُ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ إيّاهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلا تَتْرُكْ لَهم ما يُنازِعُونَكَ بِهِ، وهو مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ لا تَفْعَلْ فَأعْرِفْكَ، فَجَعَلَ المُتَكَلِّمُ النَّهْيَ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِهِ. والمُرادُ نَهْيُ السّامِعِ عَنْ أسْبابِهِ، وهو نَهْيٌ لِلْغَيْرِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ. صفحة ٣٢٩ وقالَ الزَّجّاجُ: هو نَهْيٌ لِلرَّسُولِ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ لِأنَّ صِيغَةَ المُفاعَلَةِ تَقْتَضِي حُصُولَ الفِعْلِ مِن جانِبَيْ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ. فَيَصِحُّ نَهْيُ كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ عَنْهُ. وإنَّما أُسْنِدَ الفِعْلُ هُنا لِضَمِيرِ المُشْرِكِينَ مُبالَغَةً في نَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مُنازَعَتِهِ إيّاهم كَإثْباتِ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ. وحاصِلُ مَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ أمْرٌ لِلرَّسُولِ بِالإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ بَعْدَ ما سِيقَ لَهم مِنَ الحُجَجِ. واسْمُ (الأمْرِ) هُنا مُجْمَلٌ مُرادٌ بِهِ التَّوْحِيدُ بِالقَرِينَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنازِعُونَ في كَوْنِهِمْ عَلى ضَلالٍ بِأنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَّرَ الحَجَّ الَّذِي هو مِن مَناسِكِهِمْ، فَجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى ادِّعاءِ أنَّهم عَلى الحَقِّ ومِلَّةِ إبْراهِيمَ. فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا هم ناسِكُوهُ﴾ كَشْفًا لَشُبْهَتِهِمْ بِأنَّ الحَجَّ مَنسَكٌ حَقٌّ، وهو رَمْزُ التَّوْحِيدِ، وأنَّ ما عَداهُ باطِلٌ طارِئٌ عَلَيْهِ فَلا يُنازِعُنَّ في أمْرِ الحَجِّ بَعْدَ هَذا، وهَذا المَحْمَلُ هو المُناسِبُ لِتَناسُقِ الضَّمائِرِ العائِدَةِ عَلى المُشْرِكِينَ مِمّا تَقَدَّمَ إلى قَوْلِهِ ﴿وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢]، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَ بَعْضُها بِمَكَّةَ في آخِرِ مُقامِ النَّبِيءِ ﷺ بِها وبِالمَدِينَةِ في أوَّلِ مُقامِهِ بِها فَلا مُنازَعَةَ بَيْنَ النَّبِيءِ وبَيْنَ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ، فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُ المُنازَعَةِ بِمُنازَعَةِ أهْلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ ﴿وادْعُ إلى رَبِّكَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ . عَطْفٌ عَلى انْتِهاءِ المُنازَعَةِ في الدِّينِ أمْرٌ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِظُهُورِ الحُجَّةِ لِأنَّ المُكابَرَةَ تُجافِي الِاقْتِناعَ، ولِأنَّ في الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ فَوائِدَ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ. وفي حَذْفِ مَفْعُولِ ادْعُ إيذانٌ بِالتَّعْمِيمِ. صفحة ٣٣٠ وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ وأنَّها قائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّعْلِيلِ لا لِرَدِّ الشَّكِّ. و(عَلى) مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى. ووَصْفُ الهُدى بِالمُسْتَقِيمِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ الهُدى بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَطْلُوبِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِالمُسْتَقِيمِ لِأنَّ المُسْتَقِيمَ أسْرَعُ إيصالًا، فَدِينُ الإسْلامِ أيْسَرُ الشَّرائِعِ في الإيصالِ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ الَّذِي هو غايَةُ الأدْيانِ. وفي هَذا الخَبَرِ تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَجْدِيدٌ لِنَشاطِهِ في الِاضْطِلاعِ بِأعْباءِ الدَّعْوَةِ.

الحج 22:68

﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] . والمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ اقْتِناعِهِمْ بِالأدِلَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ المُنازَعَةَ وأبَوْا إلّا دَوامَ المُجادَلَةِ تَشْغِيبًا واسْتِهْزاءً فَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ. وفي قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَفْوِيضُ أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَطْعِ المُجادَلَةِ مَعَهم، وإدْماجٌ بِتَعْرِيضٍ بِالوَعِيدِ والإنْذارِ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ صالِحٍ لِما يَتَظاهَرُونَ بِهِ مَن تَطَلُّبِ الحُجَّةِ. ولِما في نُفُوسِهِمْ مِن إبْطالِ العِنادِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] . والمُرادُ بِـ (ما يَعْمَلُونَ) ما يَعْمَلُونَهُ مِن أنْواعِ المُعارَضَةِ والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ لِيَدْحَضُوا بِهِ الحَقَّ وغَيْرِ ذَلِكَ. صفحة ٣٣١ وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ. فَهو خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَيْسَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (بَيْنَكم) . والمَقْصُودُ تَأْيِيدُ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. وما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: هو ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] .

الحج 22:69

﴿وإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] . والمَعْنى: إنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ اقْتِناعِهِمْ بِالأدِلَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ المُنازَعَةَ وأبَوْا إلّا دَوامَ المُجادَلَةِ تَشْغِيبًا واسْتِهْزاءً فَقُلِ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ. وفي قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَفْوِيضُ أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَطْعِ المُجادَلَةِ مَعَهم، وإدْماجٌ بِتَعْرِيضٍ بِالوَعِيدِ والإنْذارِ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ صالِحٍ لِما يَتَظاهَرُونَ بِهِ مَن تَطَلُّبِ الحُجَّةِ. ولِما في نُفُوسِهِمْ مِن إبْطالِ العِنادِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] . والمُرادُ بِـ (ما يَعْمَلُونَ) ما يَعْمَلُونَهُ مِن أنْواعِ المُعارَضَةِ والمُجادَلَةِ بِالباطِلِ لِيَدْحَضُوا بِهِ الحَقَّ وغَيْرِ ذَلِكَ. صفحة ٣٣١ وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ مِنَ المَقُولِ. فَهو خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . ولَيْسَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (بَيْنَكم) . والمَقْصُودُ تَأْيِيدُ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. وما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: هو ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧] .

الحج 22:70

﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ التَّأْيِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ٦٩] . أيْ فَهو لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم فَيُجازِي كُلًّا عَلى حِسابِ عَمَلِهِ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ جَزاءِ كُلٍّ بِما يَلِيقُ بِهِ. و﴿ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ يَشْمَلُ ما يَعْمَلُهُ المُشْرِكُونَ وما كانُوا يُخالِفُونَ فِيهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ أوْ تَقْرِيرِيٌّ، أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذا الكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّسْلِيَةِ أيْ فَلا تَضِقْ صَدْرًا مِمّا تُلاقِيهِ مِنهم. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ في كِتابٍ﴾ بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها. أيْ يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ عِلْمًا مُفَصَّلًا لا يَخْتَلِفُ، لِأنَّ شَأْنَ الكِتابِ أنْ لا تَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ. واسْمُ الإشارَةِ إلى العَمَلِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [الحج: ٦٨] أوْ إلى (ما) في قَوْلِهِ ﴿ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢] . صفحة ٣٣٢ والكِتابُ هو ما بِهِ حِفْظُ جَمِيعِ الأعْمالِ: إمّا عَلى تَشْبِيهِ تَمامِ الحِفْظِ بِالكِتابَةِ، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ، وهو جائِزٌ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِذَلِكَ كِتابًا لائِقًا بِالمُغَيَّباتِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ مِنَ الكِتانَةِ عَنِ الجَزاءِ. واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى مَضْمُونِ الِاسْتِفْهامِ مِنَ الكِنايَةِ فَتَأْوِيلُهُ بِالمَذْكُورِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماءِ والأرْضِ﴾ واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى العِلْمِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (يَعْلَمُ)، أيْ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في السَّماءِ والأرْضِ لِلَّهِ حاصِلٌ دُونَ اكْتِسابٍ، لِأنَّ عِلْمَهُ ذاتِيٌّ لا يَحْتاجُ إلى مُطالَعَةٍ وبَحْثٍ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (يَسِيرٌ) لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْكانِهِ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

الحج 22:71

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ حَرْفَ عَطْفٍ وتَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِما تَفَرَّعَ عَلَيْها عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ بَعْدَها حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ (جادَلُوكَ) . والمَعْنى: جادَلُوكَ في الدِّينِ مُسْتَمِرِّينَ عَلى عِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الدَّلائِلِ. وتَتَضَمَّنُ الحالُ تَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ في مُكابَرَتِهِمْ وإصْرارِهِمْ. صفحة ٣٣٣ والإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ في الدَّلائِلِ الَّتِي تَحُفُّ بِهِمْ والَّتِي ذُكِّرُوا بِبَعْضِها في الآياتِ الماضِيَةِ ما هو كافٍ لِإقْلاعِهِمْ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ لَوْ كانُوا يُرِيدُونَ الحَقَّ. و(مِن دُونِ) يُفِيدُ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ، لِأنَّ كَلِمَةَ (دُونِ) وإنْ كانَتِ اسْمًا لِلْمُباعَدَةِ قَدْ يَصْدُقُ بِالمُشارَكَةِ بَيْنَ ما تُضافُ إلَيْهِ وبَيْنَ غَيْرِهِ. فَكَلِمَةُ (دُونِ) إذا دَخَلَتْ عَلَيْها (مِن) صارَتْ تُفِيدُ مَعْنى ابْتِداءِ الفِعْلِ مِن جانِبٍ مُباعِدٍ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ (دُونِ) فاقْتَضى أنَّ المُضافَ إلَيْهِ غَيْرُ مُشارِكٍ في الفِعْلِ. فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمُ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وإدْخالَها في شُئُونِ قُرُباتِهِمْ حَتّى الحَجِّ إذْ قَدْ وضَعُوا في شَعائِرِهِ أصْنامًا؛ بَعْضُها وضَعُوها في الكَعْبَةِ وبَعْضُها فَوْقَ الصَّفا والمَرْوَةِ جُعِلُوا كالمُعَطِّلِينَ لِعِبادَةِ اللَّهِ أصْلًا. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. والحُجَّةُ المُنَزَّلَةُ: هي الأمْرُ الإلَهِيُّ الوارِدُ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ وفي شَرائِعِهِ، أيْ يَعْبُدُونَ ما لا يَجِدُونَ عُذْرًا لِعِبادَتِهِ مِنَ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ. وقُصارى أمْرِهِمْ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِتَقَدُّمِ آبائِهِمْ بِعِبادَةِ أصْنامِهِمْ، ولَمْ يَدَّعُوا أنَّ نَبِيئًا أمَرَ قَوْمَهُ بِعِبادَةِ صَنَمٍ ولا أنَّ دِينًا إلَهِيًّا رَخَّصَ في عِبادَةِ الأصْنامِ. ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم بِهِ اعْتِقادٌ جازِمٌ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الجازِمَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ دَلِيلٍ، والباطِلُ لا يُمْكِنُ حُصُولُ دَلِيلٍ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُ انْتِفاءِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلى انْتِفاءِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ لِأنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ أهَمُّ. و(ما) الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ نافِيَةٌ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ يَعْبُدُونَ ما ذُكِرَ وما لَهم نَصِيرٌ فَلا تَنْفَعُهم عِبادَةُ الأصْنامِ. فالمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيماءِ إلى صفحة ٣٣٤ أنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ النَّصِيرِ لَهم هو ظُلْمُهم، أيْ كُفْرُهم. وقَدْ أفادَ ذَلِكَ ذَهابَ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ باطِلًا لِأنَّهم عَبَدُوها رَجاءَ النَّصْرِ. ويُفِيدُ بِعُمُومِهِ أنَّ الأصْنامَ لا تَنْصُرُهم فَأغْنى عَنْ مَوْصُولٍ ثالِثٍ هو مِن صِفاتِ الأصْنامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما لا يَنْصُرُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٧] .

الحج 22:72

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١] لِبَيانِ جُرْمٍ آخَرَ مِن أجْرامِهِمْ مَعَ جُرْمِ عِبادَةِ الأصْنامِ. وهو جُرْمُ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ والتَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ. والآياتُ هي القُرْآنُ لا غَيْرُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لِقَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٧٣] . والمُنْكَرُ: إمّا الشَّيْءُ الَّذِي تُنْكِرُهُ الأنْظارُ والنُّفُوسُ فَيَكُونُ هُنا اسْمًا، أيْ دَلائِلُ كَراهِيَتِهِمْ وغَضَبِهِمْ وعَزْمِهِمْ عَلى السُّوءِ، وإمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الإنْكارِ كالمُكْرَمِ بِمَعْنى الإكْرامِ. والمَحْمَلانِ آيِلانِ إلى مَعْنى أنَّهم يَلُوحُ عَلى وُجُوهِهِمُ الغَيْظُ والغَضَبُ عِنْدَما يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ ويُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنِ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنَ الإنْكارِ والغَيْظِ حَتّى تَجاوَزَ أثَرُهُ بَواطِنَهم عَلى وُجُوهِهِمْ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] كِنايَةً عَنْ وفْرَةِ نَعِيمِهِمْ وفَرْطِ مَسَرَّتِهِمْ بِهِ. ولِأجْلِ هَذِهِ الكِنايَةِ عُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِنَحْوِ: اشْتَدَّ غَيْظُهم، أوْ يَكادُونَ يَتَمَيَّزُونَ غَيْظًا، ونَحْوِ قَوْلِهِ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢] . صفحة ٣٣٥ وتَقْيِيدُ الآياتِ بِوَصْفِ البَيِّناتِ لِتَفْظِيعِ إنْكارِهِمْ إيّاها. إذْ لَيْسَ فِيها ما يُعْذَرُ بِهِ مُنْكِرُوها. والخِطابُ في قَوْلِهِ (تَعْرِفُ) لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ . والتَّعْبِيرُ بِـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . أيْ وُجُوهِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا. فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإيماءِ إلى أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ هو ما يُبْطِنُونَهُ مِنَ الكُفْرِ. والسَّطْوُ: البَطْشُ، أيْ يُقارِبُونَ أنْ يَصُولُوا عَلى الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْظِ مِن سَماعِ القُرْآنِ. والَّذِينَ يَتْلُونَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن إطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ كَقَوْلِهِ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، أيْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَن يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ مِنَ المُسْلِمِينَ والرَّسُولُ. أمّا الَّذِينَ سَطَوْا عَلَيْهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلَعَلَّهم غَيْرُ الَّذِينَ قَرَءُوا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، أوْ لَعَلَّ السَّطْوَ عَلَيْهِمْ كانَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَلا إشْكالَ في ذِكْرِ فِعْلِ المُقارَبَةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ لِجُمْلَةِ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا المُنْكَرَ﴾ لِأنَّ الهَمَّ بِالسَّطْوِ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ المُنْكَرُ. * * * صفحة ٣٣٦ ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُفِيدُ زِيادَةَ إغاظَتِهِمْ بِأنَّ أمْرَ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ما يُفِيدُ أنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ. والتَّفْرِيعُ بِالفاءِ ناشِئٌ مِن ظُهُورِ أثَرِ المُنْكَرِ عَلى وُجُوهِهِمْ فَجُعِلَ دَلالَةُ مَلامِحِهِمْ بِمَنزِلَةِ دَلالَةِ الألْفاظِ. فَفُرِّعَ عَلَيْها ما هو جَوابٌ عَنْ كَلامٍ فَيَزِيدُهم غَيْظًا، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّفْرِيعِ عَلى التِّلاوَةِ المَأْخُوذَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ اتْلُ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُنْذِرَةَ والمُبَيِّنَةَ لِكُفْرِهِمْ، وفُرِّعَ عَلَيْها وعِيدُهم بِالنّارِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِئْذانِ، وهو اسْتِئْذانٌ تَهَكُّمِيٌّ لِأنَّهُ قَدْ نَبَّأهم بِذَلِكَ دُونَ أنْ يَنْتَظِرَ جَوابَهم. و”شَرٍّ“: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أصْلُهُ أشَرُّ. كَثُرَ حَذْفُ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا، كَما حُذِفَتْ في خَيْرٍ بِمَعْنى أخْيَرَ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى ما أثارَ نُكْرَهم وحَفِيظَتَهم، أيْ بِما هو أشَدُّ شَرًّا عَلَيْكم في نُفُوسِكم مِمّا سَمِعْتُمُوهُ فَأغْضَبَكم، أيْ فَإنْ كُنْتُمْ غاضِبِينَ لِما تُلِيَ عَلَيْكم مِنَ الآياتِ فازْدادُوا غَضَبًا بِهَذا الَّذِي أُنَبِّئُكم بِهِ. وقَوْلُهُ (النّارُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: شَرٌّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ. صفحة ٣٣٧ فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ إنْ سَألْتُمْ عَنِ الَّذِي هو أشَدُّ شَرًّا فاعْلَمُوا أنَّهُ النّارُ. وجُمْلَةُ (وعَدَها اللَّهُ) حالٌ مِنَ النّارِ، أوْ هي اسْتِئْنافٌ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، أيْ وعَدَها اللَّهُ إيّاكم لِكُفْرِكم. (وبِئْسَ المَصِيرُ) أيْ بِئْسَ مَصِيرُهم هي، فَحَرْفُ التَّعْرِيفِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ إنْشاءَ ذَمٍّ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الحالِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ فَيُفِيدَ العُمُومَ، أيْ بِئْسَ المَصِيرُ هي لِمَن صارَ إلَيْها، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِما فِيها مِن عُمُومِ الحُكْمِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ وتَكُونُ الواوُ اعْتِراضِيَّةً تَذْيِيلِيَّةً.

الحج 22:73

﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ أُعْقِبَتْ تَضاعِيفُ الحُجَجِ والمَواعِظِ والإنْذاراتِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها السُّورَةُ مِمّا فِيهِ مُقْنِعٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّ إلَهَ النّاسِ واحِدٌ وأنَّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ باطِلٌ، أُعْقِبَتْ تِلْكَ كُلُّها بِمَثَلٍ جامِعٍ لِوَصْفِ حالِ تِلْكَ المَعْبُوداتِ وعابِدِيها. والخِطابُ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. صفحة ٣٣٨ فالمُرادُ بِـ (النّاسِ) هُنا المُشْرِكُونَ عَلى ما هو المُصْطَلَحُ الغالِبُ في القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (النّاسِ) جَمِيعَ النّاسِ مِن مُسْلِمِينَ ومُشْرِكِينَ. وفي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) وتَنْهِيَتِها بِمِثْلِ ذَلِكَ شِبْهٌ بِرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. ومِمّا يَزِيدُهُ حُسْنًا أنْ يَكُونَ العَجُزُ جامِعًا لِما في الصَّدْرِ وما بَعْدَهُ. حَتّى يَكُونَ كالنَّتِيجَةِ لِلِاسْتِدْلالِ والخُلاصَةِ لِلْخُطْبَةِ والحَوْصَلَةِ لِلدَّرْسِ. وضَرْبُ المَثَلِ: ذِكْرُهُ وبَيانُهُ؛ اسْتُعِيرَ الضَّرْبُ لِلْقَوْلِ والذِّكْرِ تَشْبِيهًا بِوَضْعِ الشَّيْءِ بِشِدَّةٍ، أيْ أُلْقِيَ إلَيْكم مَثَلٌ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (ضُرِبَ) بِصِيغَةِ النّائِبِ فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ فاعِلٌ بِعَكْسِ ما في المَواضِعِ الأُخْرى الَّتِي صُرِّحَ فِيها بِفاعِلِ ضَرْبِ المَثَلِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ و﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] في سُورَةِ النَّحْلِ و﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ [الزمر: ٢٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [النحل: ٧٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. إذْ أُسْنِدَ في تِلْكَ المَواضِعِ وغَيْرِها ضَرْبُ المَثَلِ إلى اللَّهِ، ونَحْوُ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] في سُورَةِ يس، إذْ أُسْنِدَ الضَّرْبُ إلى المُشْرِكِينَ. لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا نَسْجُ التَّرْكِيبِ عَلى إيجازٍ صالِحٍ لِإفادَةِ احْتِمالَيْنِ. أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ اللَّهَ تَعالى وأنْ يَكُونَ المَثَلُ تَشْبِيهًا تَمْثِيلِيًّا، أيْ أوْضَحَ اللَّهُ تَمْثِيلًا يُوَضِّحُ حالَ الأصْنامِ في فَرْطِ العَجْزِ عَنْ إيجادِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ كَما هو مُشاهَدٌ لِكُلِّ أحَدٍ. والثّانِي: أنْ يُقَدَّرَ الفاعِلُ المُشْرِكِينَ ويَكُونُ المَثَلُ بِمَعْنى المُماثِلُ، أيْ جَعَلُوا أصْنامَهم مُماثِلَةً لِلَّهِ تَعالى في الإلَهِيَّةِ. صفحة ٣٣٩ وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ (ضُرِبَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في تَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩] . أيْ لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا. أيْ بَعْدَ المَوْتِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِفِعْلِ (ضُرِبَ) عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في التَّقْدِيرِ، أيْ بُيِّنَ تَمْثِيلٌ عَجِيبٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلَّفْظِ (مَثَلٌ) لِما فِيها مِن قَوْلِهِ ﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي. وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ المَعْنى مِنَ الإيجازِ قَوْلُهُ ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ إلى مُفادِ هَذا المَثَلِ مِمّا يُبْطِلُ دَعْوى الشَّرِكَةِ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ. أيِ اسْتَمِعُوا اسْتِماعَ تَدَبُّرٍ. فَصِيغَةُ الأمْرِ في ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، وفي التَّعْجِيبِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي. وضَمِيرُ لَهُ عائِدٌ عَلى المَثَلِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ لِأنَّ المَثَلَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ المَسْمُوعَةِ، وعائِدٌ عَلى الضَّرْبِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ (ضُرِبَ) عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي عَلى طَرِيقَةِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨]، أيِ اسْتَمِعُوا لِلضَّرْبِ، أيْ لِما يَدُلُّ عَلى الضَّرْبِ مِنَ الألْفاظِ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ بِقَرِينَةِ (اسْتَمِعُوا) لِأنَّ المَسْمُوعَ لا يَكُونُ إلّا ألْفاظًا، أيِ اسْتَمِعُوا لِما يَدُلُّ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ في حَماقَةِ ضارِبِيهِ. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ الماضِي في (ضُرِبَ) مَعَ أنَّهُ لَمّا يُقَلْ لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الماضِي مِنَ الحالِ كَقَوْلِهِ ﴿لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا﴾ [النساء: ٩]، أيْ لَوْ قارَبُوا أنْ يَتْرُكُوا. وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلسّامِعِينَ بِأنْ يَتَهَيَّئُوا لِتَلَقِّي هَذا المَثَلِ، لِما هو مَعْرُوفٌ لَدى البُلَغاءِ مِنِ اسْتِشْرافِهِمْ لِلْأمْثالِ ومَواقِعِها. صفحة ٣٤٠ والمَثَلُ: شاعَ في تَشْبِيهِ حالَةٍ بِحالَةٍ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالتَّشْبِيهُ في هَذِهِ الآيَةِ ضِمْنِيٌّ خَفِيٌّ يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقَوْلُهُ ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ . فَشُبِّهَتِ الأصْنامُ المُتَعَدِّدَةُ المُتَفَرِّقَةُ في قَبائِلِ العَرَبِ وفي مَكَّةَ بِالخُصُوصِ بِعُظَماءَ، أيْ عِنْدَ عابِدِيها. وشُبِّهَتْ هَيْئَتُها في العَجْزِ بِهَيْئَةِ ناسٍ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ خَلْقُ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ، وهو الذُّبابُ، بَلْهَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ كالسَّماواتِ والأرْضِ. وقَدْ دَلَّ إسْنادُ نَفْيِ الخَلْقِ إلَيْهِمْ عَلى تَشْبِيهِهِمْ بِذَوِي الإرادَةِ لِأنَّ نَفْيَ الخَلْقِ بِمُقْتَضى مُحاوَلَةِ إيجادِهِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. ولَوْ فُرِضَ أنَّ الذُّبابَ سَلَبَهم شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِيعُوا أخْذَهُ مِنهُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ مُشاهَدَةُ عَدَمِ تَحَرُّكِهِمْ، فَكَما عَجَزَتْ عَنْ إيجادِ أضْعَفِ الخَلْقِ وعَنْ دَفْعِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ عَنْها فَكَيْفَ تُوسَمُ بِالإلَهِيَّةِ. ورُمِزَ إلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها بِذِكْرِ لَوازِمِ أرْكانِ التَّشْبِيهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا﴾ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا﴾ إلى آخِرِهِ. لا جَرَمَ حَصَلَ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الأصْنامِ في عَجْزِها بِما دُونَ هَيْئَةِ أضْعَفِ المَخْلُوقاتِ فَكانَتْ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً. وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ المَثَلَ هُنا بِالصِّفَةِ الغَرِيبَةِ تَشْبِيهًا لَها بِبَعْضِ الأمْثالِ السّائِرَةِ. وهو تَفْسِيرٌ بِما لا نَظِيرَ لَهُ ولا اسْتِعْمالَ يُعَضِّدُهُ اقْتِصادًا مِنهُ في الغَوْصِ عَنِ المَعْنى لا ضَعْفًا عَنِ اسْتِخْراجِ حَقِيقَةِ المَثَلِ فِيها وهو جُذَيْلُها المُحَكَّكُ. وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ ولَكِنْ أحْسَبُهُ صادَفَ مِنهُ وقْتَ سُرْعَةٍ في التَّفْسِيرِ أوْ شُغْلًا بِأمْرٍ خَطِيرٍ، وكَمْ تَرَكَ الأوَّلُ لِلْأخِيرِ. وفُرِّعَ عَلى التَّهْيِئَةِ لِتَلَقِّي هَذا المَثَلِ الأمْرُ بِالِاسْتِماعِ لَهُ وإلْقاءُ الشَّراشِرِ لِوَعْيِهِ وتَرَقُّبِ بَيانِ إجْمالِهِ تَوَخِّيًا لِلتَّفَطُّنِ لِما يُتْلى بَعْدُ. صفحة ٣٤١ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِـ (مَثَلٌ) عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ في مَعْنى ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، فَإنَّ المَثَلَ في مَعْنى القَوْلِ فَصَحَّ بَيانُهُ بِهَذا الكَلامِ. وأُكِّدَ إثْباتُ الخَبَرِ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ الإثْباتِ وهو (إنَّ)، وأُكِّدَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْيِ بِحَرْفِ تَوْكِيدِ النَّفْيِ (لَنْ) لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ، لِأنَّ جَعْلَهُمُ الأصْنامَ آلِهَةً يَقْتَضِي إثْباتَهُمُ الخَلْقَ إلَيْها وقَدْ نُفِيَ عَنْها الخَلْقُ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ أظْهَرُ في إقْحامِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَها الإلَهِيَّةَ لِأنَّ نَفْيَ أنْ تَخْلُقَ في المُسْتَقْبَلِ يَقْتَضِي نَفْيَ ذَلِكَ في الماضِي بِالأحْرى لِأنَّ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئًا يَكُونُ فِعْلُهُ مِن بَعْدُ أيْسَرَ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدْعُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ (يا أيُّها النّاسُ) خُصُوصُ المُشْرِكِينَ. وقَرَأهُيَعْقُوبُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنْ يُقْصَدَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) جَمِيعَ النّاسِ وأنَّهم عَلِمُوا بِحالِ فَرِيقٍ مِنهم وهم أهْلُ الشِّرْكِ. والتَّقْدِيرُ: أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ هم فَرِيقٌ مِنكم. والذُّبابُ: اسْمُ جَمْعِ ذُبابَةٍ، وهي حَشَرَةٌ طائِرَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وتُجْمَعُ عَلى ذِبّانٍّ بِكَسْرِ الذّالِ وتَشْدِيدِ النُّونِ ولا يُقالُ في العَرَبِيَّةِ لِلْواحِدَةِ ذِبّانَةٌ. وذِكْرُ الذُّبابِ لِأنَّهُ مِن أحْقَرِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي فِيها الحَياةُ المُشاهَدَةُ. وأمّا ما في الحَدِيثِ في المُصَوِّرِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى ”«فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً ولْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» “ فَهو في سِياقِ التَّعْجِيزِ لِأنَّ الحَبَّةَ لا حَياةَ فِيها والذَّرَّةُ فِيها حَياةٌ ضَعِيفَةٌ. ومَوْقِعُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ مَوْقِعُ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، و(لَوِ) فِيهِ وصْلِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ حَقِيقَتِها عِنْدَ قَوْلِهِ صفحة ٣٤٢ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ الخَلْقَ وهم مُفْتَرِقُونَ، بَلْ ولَوِ اجْتَمَعُوا مِن مُفْتَرَقِ القَبائِلِ وتَعاوَنُوا عَلى خَلْقِ الذُّبابِ لَنْ يَخْلُقُوهُ. والِاسْتِنْقاذُ: مُبالَغَةٌ في الإنْقاذِ مِثْلُ الِاسْتِحْياءِ والِاسْتِجابَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْغَرَضِ مِنَ التَّمْثِيلِ، أيْ ضَعُفَ الدّاعِي والمَدْعُوُّ، إشارَةً إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ إلَخْ. أيْ ضَعُفْتُمْ أنْتُمْ في دَعْوَتِهِمْ آلِهَةً وضَعُفَتِ الأصْنامُ عَنْ صِفاتِ الإلَهِ. وهَذِهَ الجُمْلَةُ كَلامٌ أُرْسِلَ مَثَلًا، وذَلِكَ مِن بَلاغَةِ الكَلامِ.

الحج 22:74

﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لِقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْمَثَلِ بِأنَّ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ مَعَ اللَّهِ اسْتِخْفافٌ بِحَقِّ إلَهِيَّتِهِ تَعالى إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ في أعْظَمِ الأوْصافِ أحْقَرَ المَوْصُوفِينَ، وإذِ اسْتَكْبَرُوا عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وإذْ هَمُّوا بِالبَطْشِ بِرَسُولِهِ. والقَدْرُ: العَظَمَةُ: وفِعْلُ قَدَرَ يُفِيدُ أنَّهُ عامِلٌ بِقَدْرِهِ. فالمَعْنى: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ الضُّعَفاءَ العُجَّزَ وهو الغالِبُ القَوِيُّ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] في سُورَةِ الأنْعامِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَها، فَإنَّ ما أشْرَكُوهم مَعَ اللَّهِ في العِبادَةِ كُلُّ ضَعِيفٍ ذَلِيلٍ فَما قَدَرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ لِأنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ فَكَيْفَ يُشارِكُهُ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ. والعُدُولُ عَنْ أنْ يُقالَ: ما قَدَرْتُمُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ، التِفاتٌ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّهم صفحة ٣٤٣ لَيْسُوا أهْلًا لِلْمُخاطَبَةِ وتَوْبِيخًا لَهم، وبِذَلِكَ يَنْدَمِجُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم عَلى وقاحَتِهِمْ. وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ مَعَ أنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُخْتَلَفُ فِيهِ لِتَنْزِيلِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِأنَّهم لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجِبِ العِلْمِ حِينَ أشْرَكُوا مَعَ القَوِيِّ العَزِيزِ ضُعَفاءَ أذِلَّةً. والقَوِيُّ: مِن أسْمائِهِ تَعالى. وهو مُسْتَعْمَلٌ في القُدْرَةِ عَلى كُلِّ مُرادٍ لَهُ. والعَزِيزُ: مِن أسْمائِهِ، وهو بِمَعْنى: الغالِبِ لِكُلِّ مُعانِدٍ.

الحج 22:75

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لَمّا نَفَتِ الآياتُ السّابِقَةُ أنْ يَكُونَ لِلْأصْنامِ الَّتِي يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ مَزِيَّةٌ في نَصْرِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، وقَوْلِهِ ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣] ونَعى عَلى المُشْرِكِينَ تَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ [الحج: ٧٢]، وقَدْ كانَ مِن دَواعِي التَّكْذِيبِ أنَّهم أحالُوا أنْ يَأْتِيَهم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، أيْ يُصاحِبُهُ، ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١] أُعْقِبَ إبْطالُ أقْوالِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن شاءَ اصْطِفاءَهُ مِنَ المَلائِكَةِ ومِنَ النّاسِ دُونَ الحِجارَةِ، وأنَّهُ يَصْطَفِيهِمْ لِيُرْسِلَهم إلى النّاسِ، أيْ لا لِيَكُونُوا شُرَكاءَ. فَلا جَرَمَ أبْطَلَ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ﴾ جَمِيعَ مَزاعِمِهِمْ في أصْنامِهِمْ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ. صفحة ٣٤٤ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: يَصْطَفِي، لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيِ اللَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَصْطَفِي لا أنْتُمْ تَصْطَفُونَ وتَنْسِبُونَ إلَيْهِ. والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ هُنا حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: هو يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا، لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ أصْلُهُ الإلَهُ، أيِ الإلَهُ المَعْرُوفُ الَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، فاشْتِقاقُهُ مُشِيرٌ إلى أنَّ مُسَمّاهُ جامِعٌ كُلَّ الصِّفاتِ العُلى تَقْرِيرًا لِلْقُوَّةِ الكامِلَةِ والعِزَّةِ القاهِرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ لِأنَّ المُحِيطَ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ هو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالِاصْطِفاءِ. ولَيْسَ لِأهْلِ العُقُولِ مَهْما بَلَغَتْ بِهِمْ عُقُولُهم مِنَ الفِطْنَةِ والِاخْتِيارِ أنْ يَطَّلِعُوا عَلى خَفايا الأُمُورِ فَيُصْطَفَوْا لِلْمَقاماتِ العُلْيا مَن قَدْ تَخْفى عَنْهم نَقائِصُهم بَلْهَ اصْطِفاءُ الحِجارَةِ الصَّمّاءِ. والسَّمِيعُ البَصِيرُ: كِنايَةٌ عَنْ عُمُومِ العِلْمِ بِالأشْياءِ بِحَسَبِ المُتَعارَفِ في المَعْلُوماتِ أنَّها لا تَعْدُو المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ.

الحج 22:76

﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] . وفائِدَتُها - زِيادَةً عَلى التَّقْرِيرِ - أنَّها تَعْرِيضٌ بِوُجُوبِ مُراقَبَتِهِمْ رَبَّهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ. و﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مُسْتَعارٌ لِما يُظْهِرُونَهُ، وما خَلْفَهم هو ما يُخْفُونَهُ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُظْهِرُهُ صاحِبُهُ يَجْعَلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ والشَّيْءَ الَّذِي يُخْفِيهِ يَجْعَلُهُ وراءَهُ. صفحة ٣٤٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ مُسْتَعارًا لِما سَيَكُونُ مِن أحْوالِهِمْ لِأنَّها تُشْبِهُ الشَّيْءَ الَّذِي هو تُجاهَ الشَّخْصِ وهو يَمْشِي إلَيْهِ. وما خَلْفَهم مُسْتَعارٌ لِما مَضى وغَبَرَ مِن أحْوالِهِمْ لِأنَّها تُشْبِهُ ما تَرَكَهُ السّائِرُ وراءَهُ وتَجاوَزَهُ. وضَمِيرُ (أيْدِيهِمْ) و(خَلْفَهم) عائِدانِ: إمّا إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عادَ إلَيْهِمْ ضَمِيرُ ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ [الحج: ٦٧]، وإمّا إلى المَلائِكَةِ والنّاسِ. وإرْجاعُ الأُمُورِ إرْجاعُ القَضاءِ في جَزائِها مِن ثَوابٍ وعِقابٍ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وبُنِيَ فِعْلُ (تُرْجَعُ) إلى النّائِبِ لِظُهُورِ مَن هو فاعِلُ الإرْجاعِ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ إلّا بِاللَّهِ تَعالى، فَهو يُمْهِلُ النّاسَ في الدُّنْيا وهو يَرْجِعُ الأُمُورَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ الحَقِيقِيِّ، أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ يَرْجِعُ الجَزاءُ لِأنَّهُ مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ. والتَّعْرِيفُ في (الأُمُورِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلِّ أمْرٍ. وذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ تَبَعًا لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ .

الحج 22:77

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ لَمّا كانَ خِطابُ المُشْرِكِينَ فاتِحًا لِهَذِهِ السُّورَةِ وشاغِلًا لِمُعْظَمِها عَدا ما وقَعَ اعْتِراضًا في خِلالِ ذَلِكَ. فَقَدْ خُوطِبَ المُشْرِكُونَ بِـ (يا أيُّها النّاسُ) أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَعِنْدَ اسْتِيفاءِ ما سِيقَ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الحُجَجِ والقَوارِعِ والنِّداءِ عَلى مَساوِي أعْمالِهِمْ. خُتِمَتِ السُّورَةُ بِالإقْبالِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِما يُصْلِحُ أعْمالَهم ويُنَوِّهُ بِشَأْنِهِمْ. صفحة ٣٤٦ وفِي هَذا التَّرْتِيبِ إيماءٌ إلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِإصْلاحِ الِاعْتِقادِ مُقَدَّمٌ عَلى الِاشْتِغالِ بِإصْلاحِ الأعْمالِ. والمُرادُ بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ الصَّلَواتُ. وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ أعْمالِ الصَّلاةِ لِأنَّهُما أعْظَمُ أرْكانِ الصَّلاةِ إذْ بِهِما إظْهارُ الخُضُوعِ والعُبُودِيَّةِ. وتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ قَبْلَ الأمْرِ بِبَقِيَّةِ العِباداتِ المَشْمُولَةِ لِقَوْلِهِ ﴿واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّينِ. والمُرادُ بِالعِبادَةِ: ما أمَرَ اللَّهُ النّاسَ أنْ يَتَعَبَّدُوا بِهِ مِثْلُ الصِّيامِ والحَجِّ. وقَوْلُهُ ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أمْرٌ بِإسْداءِ الخَيْرِ إلى النّاسِ مِنَ الزَّكاةِ، وحُسْنِ المُعامَلَةِ: كَصِلَةِ الرَّحِمِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وسائِرِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهَذا مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ وبَيَّنَتْ مَراتِبَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى. والرَّجاءُ المُسْتَفادُ مِن ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى تَقْرِيبِ الفَلاحِ لَهم إذا بَلَغُوا بِأعْمالِهِمُ الحَدَّ المُوجِبَ لِلْفَلاحِ فِيما حَدَّدَ اللَّهُ تَعالى. فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الرَّجاءِ. وأمّا ما يَسْتَلْزِمُهُ الرَّجاءُ مِن تَرَدُّدِ الرّاجِي في حُصُولِ المَرْجُوِّ فَذَلِكَ لا يَخْطُرُ بِالبالِ لِقِيامِ الأدِلَّةِ الَّتِي تُحِيلُ الشَّكَ عَلى اللَّهِ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ إلى ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في كَوْنِ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ. والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ أنْ لَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ وهو قَوْلُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ والمُدَوَّنَةِ، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ. وذَهَبَ جَمْعٌ غَفِيرٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مَوْضِعَ سَجْدَةٍ، ورَوى الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وفُقَهاءُ المَدِينَةِ، ونَسَبَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى مالِكٍ صفحة ٣٤٧ فِي رِوايَةِ المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِهِ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الكافِي: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَدِيمًا وحَدِيثًا مَن يَرى السُّجُودَ في الثّانِيَةِ مِنَ الحَجِّ قالَ: وقَدْ رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ. وتَحْصِيلُ مَذْهَبِهِ أنَّها إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ، فَلَمْ يَنْسِبْهُ إلى مالِكٍ إلّا مِن رِوايَةِ ابْنِ وهْبٍ، وكَذَلِكَ ابْنُ رُشْدٍ في المُقَدِّماتِ: فَما نَسَبَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِ مالِكٍ غَرِيبٌ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحٍ «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ لِأنَّ فِيها سَجْدَتَيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، ومَن لَمْ يَسْجُدْهُما فَلا يَقْرَأْهُما» اهـ. قالَ أبُو عِيسى: هَذا حَدِيثٌ إسْنادُهُ لَيْسَ بِالقَوِيِّ اهـ، أيْ مِن أجْلِ أنَّ ابْنَ لَهِيعَةَ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ. وقالَ مُسْلِمٌ: تَرَكَهُ وكِيعٌ، والقَطّانُ، وابْنُ مَهْدِيٍّ. وقالَ أحْمَدُ: احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَمَن رَوى عَنْهُ قَدِيمًا أيْ قَبْلَ احْتِراقِ كُتُبِهِ قُبِلَ.

الحج 22:78

﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾ الجِهادُ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ في قِتالِ أعْداءِ المُسْلِمِينَ في الدِّينِ لِأجْلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ الإسْلامِ أوْ لِلدَّفْعِ عَنْهُ كَما فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ «مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ» . وأنَّ ما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ حِينَ قَفَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ»، وفَسَّرَهُ لَهم بِمُجاهَدَةِ العَبْدِ هَواهُ، فَذَلِكَ صفحة ٣٤٨ مَحْمُولٌ عَلى المُشاكَلَةِ بِإطْلاقِ الجِهادِ عَلى مَنعِ داعِي النَّفْسِ إلى المَعْصِيَةِ. ومَعْنى (في) التَّعْلِيلُ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ، أيْ لِأجْلِ نَصْرِ دِينِهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ أيْ لِأجْلِ هِرَّةٍ أيْ لِعَمَلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِرَّةٍ كَما بَيِّنَهُ بِقَوْلِهِ حَبَسَتْها لا هي أطْعَمَتْها ولا هي أرْسَلَتْها تُرَمِّمُ مِن خَشاشِ الأرْضِ حَتّى ماتَتْ هَزْلًا» . وانْتَصَبَ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ، وأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إلى المَوْصُوفِ، وأصْلُهُ: جِهادَهُ الحَقَّ، وإضافَةُ جِهادٍ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، أيْ حَقَّ الجِهادِ لِأجْلِهِ، وقَرِينَةُ المُرادِ تَقَدُّمُ حَرْفِ (في) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] . والحَقُّ بِمَعْنى الخالِصِ، أيِ الجِهادُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ تَقْصِيرٌ. والآيَةُ أمْرٌ بِالجِهادِ. ولَعَلَّها أوَّلُ آيَةٍ جاءَتْ في الأمْرِ بِالجِهادِ لِأنَّ السُّورَةَ بَعْضَها مَكِّيٌّ وبَعْضَها مَدَنِيٌّ، ولِأنَّهُ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠] . فَهَذا الآنَ أمْرٌ بِالأخْذِ في وسائِلِ النَّصْرِ، فالآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ وقْعَةِ بِدْرٍ لا مَحالَةَ. * * * صفحة ٣٤٩ ﴿هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ جُمْلَةُ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ إنْ حُمِلَتْ عَلى أنَّها واقِعَةٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِما أُمِرُوا بِهِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] إلَخْ، أيْ لِأنَّهُ لَمّا اجْتَباكم، كانَ حَقِيقًا بِالشُّكْرِ لَهُ بِتِلْكَ الخِصالِ المَأْمُورِ بِها. والِاجْتِباءُ: الِاصْطِفاءُ والِاخْتِبارُ، أيْ هو اخْتارَكم لِتَلَقِّي دِينِهِ ونَشْرِهِ ونَصْرِهِ عَلى مُعانِدِيهِ. فَيَظْهَرُ أنَّ هَذا مُوَجَّهٌ لِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أصالَةً ويَشْرِكُهم فِيهِ كُلُّ مَن جاءَ بِعْدَهم بِحُكْمِ اتِّحادِ الوَصْفِ في الأجْيالِ كَما هو الشَّأْنُ في مُخاطِباتِ التَّشْرِيعِ. وإنْ حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ عَلى مَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى الأُمَمِ كانَ مَلْحُوظًا فِيهِ تَفْضِيلُ مَجْمُوعِ الأُمَّةِ عَلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ السّابِقَةِ الرّاجِعِ إلى تَفْضِيلِ كُلِّ طَبَقَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الطَّبَقَةِ المُماثِلَةِ لَها مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذَيْنِ المَحْمَلَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِتَفْضِيلِ هَذا الدِّينِ المُسْتَتْبِعِ تَفْضِيلَ أهْلِهِ بِأنْ جَعَلَهُ دِينًا لا حَرَجَ فِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُسَهِّلُ العَمَلَ بِهِ مَعَ حُصُولِ مَقْصِدِ الشَّرِيعَةِ مِنَ العَمَلِ فَيَسْعَدُ أهْلُهُ بِسُهُولَةِ امْتِثالِهِ. وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى صفحة ٣٥٠ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ووَصْفُهُ الدِّينَ بِالحَنِيفِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» . والحَرَجُ: الضِّيقُ، أُطْلِقَ عَلى عُسْرِ الأفْعالِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً كَما هُنا. والمِلَّةُ: الدِّينُ والشَّرِيعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] في سُورَةِ النَّحْلِ. وقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي﴾ [يوسف: ٣٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وقَوْلُهُ ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ زِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِهَذا الدِّينِ وتَحْضِيضٌ عَلى الأخْذِ بِهِ لِأنَّهُ اخْتُصَّ بِأنَّهُ دِينٌ جاءَ بِهِ رَسُولانِ إبْراهِيمُ ومُحَمَّدٌ ﷺ وهَذا لَمْ يَسْتَتِبَّ لِدِينٍ آخَرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ» أيْ بِقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] . وإذا قَدْ كانَ هَذا هو المَقْصُودُ فَمَحْمَلُ الكَلامِ أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ إبْراهِيمَ، أيْ أنَّ الإسْلامَ احْتَوى عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ومَعْلُومٌ أنَّ لِلْإسْلامِ أحْكامًا كَثِيرَةً ولَكِنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى ما لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الشَّرائِعَ الأُخْرى مِن دِينِ إبْراهِيمَ، جُعِلَ كَأنَّهُ عَيْنُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَعَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ انْتِصابُ ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ عَلى الحالِ مِنَ (الدِّينِ) بِاعْتِبارِ أنَّ الإسْلامَ حَوى مِلَّةَ إبْراهِيمَ. ثُمَّ إنْ كانَ الخِطابُ مُوَجَّهًا إلى الَّذِينَ صَحِبُوا النَّبِيءَ ﷺ فَإضافَةُ أُبُوَّةِ إبْراهِيمَ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ غالِبِ الأُمَّةِ، لِأنَّ غالِبَ الأُمَّةِ يَوْمَئِذٍ مِنَ العَرَبِ المُضَرِيَّةِ وأمّا الأنْصارُ فَإنَّ نَسَبَهم لا يَنْتَمِي إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهم مِنَ العَرَبِ القَحْطانِيِّينَ؛ عَلى أنَّ أكْثَرَهم كانَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ وِلادَةٌ مِن قِبَلِ الأُمَّهاتِ. صفحة ٣٥١ وإنْ كانَ الخِطابُ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ كانَتْ إضافَةُ أُبُوَّةِ إبْراهِيمَ لَهم عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ في الحُرْمَةِ واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، ولِأنَّهُ أبُو النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ ومُحَمَّدٌ لَهُ مَقامُ الأُبُوَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وقَدْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] بِزِيادَةِ وهو أبُوهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْظِيمِ كَأنَّهُ قالَ: مِلَّةَ أبِيكَ إبْراهِيمَ. والضَّمِيرُ في ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ عائِدٌ إلى الجَلالَةِ كَضَمِيرِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ثانِيًا، أيْ هو اجْتَباكم وخَصَّكم بِهَذا الِاسْمِ الجَلِيلِ فَلَمْ يُعْطِهِ غَيْرَكم ولا يَعُودُ إلى إبْراهِيمَ. و(قَبْلُ) إذا بُنِيَ عَلى الضَّمِّ كانَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ مَنَوِيٍّ بِمَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ. والِاسْمُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ. وبُنِيَ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ إشْعارًا بِالمُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ. والقَرِينَةُ قَوْلُهُ (وفي هَذا)، أيْ وفي هَذا القُرْآنِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ (وفي هَذا) إلى القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، أيْ وسَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ في القُرْآنِ. وذَلِكَ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١٢] . واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ ﴿ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] أوْ بِقَوْلِهِ ”اجْتَباكم“ أيْ لِيَكُونَ الرَّسُولُ، أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ شَهِيدًا عَلى الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ بِأنَّها آمَنَتْ بِهِ، وتَكُونُ الأُمَّةُ الإسْلامِيَّةُ شاهِدَةً عَلى النّاسِ، أيْ عَلى الأُمَمِ بِأنَّ صفحة ٣٥٢ رُسُلَهم بَلَّغُوهُمُ الدَّعْوَةَ فَكَفَرَ بِهِمُ الكافِرُونَ. ومِن جُمْلَةِ النّاسِ القَوْمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقُدِّمَتْ شَهادَةُ الرَّسُولِ لِلْأُمَّةِ هُنا، وقُدِّمَتْ شَهادَةُ الأُمَّةِ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] لِأنَّ آيَةَ هَذِهِ السُّورَةِ في مَقامِ التَّنْوِيهِ بِالدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ. فالرَّسُولُ هُنا أسْبَقُ إلى الحُضُورِ فَكانَ ذِكْرُ شَهادَتِهِ أهَمَّ، وآيَةُ البَقَرَةِ صُدِّرَتْ بِالثَّناءِ عَلى الأُمَّةِ فَكانَ ذِكْرُ شَهادَةِ الأُمَّةِ أهَمَّ. * * * ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ وما بَعْدَها، أيْ فاشْكُرُوا اللَّهَ بِالدَّوامِ عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والِاعْتِصامِ بِاللَّهِ. والِاعْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ العَصْمِ. وهو المَنعُ مِنَ الضُّرِّ والنَّجاةُ، قالَ تَعالى ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣]، وقالَ النّابِغَةُ: يَظَلُّ مِن خَوْفِهِ المَلّاحُ مُعْتَصِمًا بِالخَيْزُرانَةِ بَعْدَ الأيْنِ والنَّجَدِ والمَعْنى: اجْعَلُوا إلى اللَّهِ مَلْجَأكم ومَنجاكم. وجُمْلَةُ ﴿هُوَ مَوْلاكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعَلِّلَةٌ لِلْأمْرِ بِالِاعْتِصامِ بِاللَّهِ لِأنَّ المَوْلى يُعْتَصَمُ بِهِ ويُرْجَعُ إلَيْهِ لِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ حِكْمَتِهِ. والمَوْلى: السَّيِّدُ الَّذِي يُراعِي صَلاحَ عَبْدِهِ. صفحة ٣٥٣ وفُرِّعَ عَلَيْهِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ أحْسَنُ مَوْلًى وأحْسَنُ نَصِيرٍ. أيْ نِعْمَ المُدَبِّرُ لِشُئُونِكم، ونِعْمَ النّاصِرُ لَكم. ونَصِيرٌ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في النَّصْرِ. أيْ نِعْمَ المَوْلى لَكم ونِعْمَ النَّصِيرُ لَكم. وأمّا الكافِرُونَ فَلا يَتَوَلّاهم تَوَلِّي العِنايَةِ ولا يَنْصُرُهم. وهَذا الإنْشاءُ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيقَ حُسْنِ وِلايَةِ اللَّهِ تَعالى وحُسْنِ نَصْرِهِ. وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ حَسُنَ تَفْرِيعُهُ عَلى الأمْرِ بِالِاعْتِصامِ بِهِ. وهَذا مِن بَراعَةِ الخِتامِ. كَما هو بَيِّنٌ لِذَوِي الأفْهامِ. * * * صفحة ٥ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُقالُ: (سُورَةُ المُؤْمِنُونَ) . فالأوَّلُ عَلى اعْتِبارِ إضافَةِ السُّورَةِ إلى المُؤْمِنِينَ لِافْتِتاحِها بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أفْلَحُوا. ووَرَدَتْ تَسْمِيَتُها بِمِثْلِ هَذا فِيما رَواهُ النَّسائِيُّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ الفَتْحِ فَصَلّى في قِبَلِ الكَعْبَةِ فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُما عَنْ يَسارِهِ فافْتَتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ مُوسى أوْ عِيسى أخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ» . والثّانِي عَلى حِكايَةِ لَفْظِ (المُؤْمِنُونَ) الواقِعِ أوَّلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فَجُعِلَ ذَلِكَ اللَّفْظُ تَعْرِيفًا لِلسُّورَةِ. وقَدْ ورَدَتْ تَسْمِيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ (سُورَةُ المُؤْمِنِينَ) في السُّنَّةِ. رَوى أبُو داوُدَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السّائِبِ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فاسْتَفْتَحَ سُورَةَ المُؤْمِنِينَ حَتّى إذا جاءَ ذِكْرُ مُوسى وهارُونَ أوْ ذِكْرُ مُوسى وعِيسى أخَذَتِ النَّبِيءَ سَعْلَةٌ فَحَذَفَ فَرَكَعَ» . ومِمّا جَرى عَلى الألْسِنَةِ أنْ يُسَمُّوها سُورَةَ (قَدْ أفْلَحَ) . ووَقَعَ ذَلِكَ في كِتابِ الجامِعِ مِنَ العُتْبِيَّةِ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: أخْرَجَ لَنا مالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ فَتَحَدَّثْنا أنَّهُ كَتَبَهُ عَلى عَهْدِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وغاشِيَتُهُ مِن كِسْوَةِ الكَعْبَةِ فَوَجَدْنا. . إلى أنْ قالَ. . وفي (قَدْ أفْلَحَ) كُلِّها الثَّلاثِ لِلَّهِ أيْ: خِلافًا لِقِراءَةِ: (سَيَقُولُونَ اللَّهُ) . ويُسَمُّونَها أيْضًا (سُورَةَ الفَلاحِ) . وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. ولا اعْتِدادَ بِتَوَقُّفِ مَن تَوَقَّفَ في ذَلِكَ بِأنَّ الآيَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها الزَّكاةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] تُعَيِّنَ أنَّها صفحة ٦ مَدَنِيَّةٌ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ فُرِضَتْ في المَدِينَةِ. فالزَّكاةُ المَذْكُورَةُ فِيها هي: الصَّدَقَةُ لا زَكاةَ النُّصُبِ المُعَيَّنَةِ في الأمْوالِ. وإطْلاقُ الزَّكاةِ عَلى الصَّدَقَةِ مَشْهُورٌ في القُرْآنِ. قالَ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦] وهي مِن سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ بِالِاتِّفاقِ، وقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤] ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] ولَمْ تَكُنْ زَكاةُ النُّصُبِ مَشْرُوعَةً في زَمَنِ إسْماعِيلَ. وهِيَ السُّورَةُ السّادِسَةُ والسَّبْعُونَ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (الطُّورِ) وقَبْلَ سُورَةِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ [الملك: ١] . وآياتُها مِائَةٌ وسَبْعَ عَشْرَةَ في عَدِّ الجُمْهُورِ. وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ مِائَةً وثَمانِ عَشْرَةَ، فالجُمْهُورُ عَدُّوا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] آيَةً، وأهْلُ الكُوفَةِ عَدُّوا ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] آيَةً وما بَعْدَها آيَةً أُخْرى، كَما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ في الحَدِيثِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ عَقِبَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] . * * * هَذِهِ السُّورَةُ تَدُورُ آيُها حَوْلَ مِحْوَرِ تَحْقِيقِ الوَحْدانِيَّةِ وإبْطالِ الشِّرْكِ ونَقْضِ قَواعِدِهِ، والتَّنْوِيهِ بِالإيمانِ وشَرائِعِهِ. فَكانَ افْتِتاحُها بِالبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ العَظِيمِ عَلى ما تَحَلَّوْا بِهِ مِن أُصُولِ الفَضائِلِ الرُّوحِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ الَّتِي بِها تَزْكِيَةُ النَّفْسِ واسْتِقامَةُ السُّلُوكِ. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِوَصْفِ خَلْقِ الإنْسانِ أصْلِهِ ونَسْلِهِ الدّالِّ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ لِتَفَرُّدِهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ ونَشْأتِهِ لِيَبْتَدِئَ النّاظِرُ بِالِاعْتِبارِ في تَكْوِينِ ذاتِهِ ثُمَّ بِعَدَمِهِ بَعْدَ الحَياةِ. ودَلالَةِ ذَلِكَ الخَلْقِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ بَعْدَ المَماتِ وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدًى ولَعِبًا. وانْتَقَلَ إلى الِاعْتِبارِ بِخَلْقِ السَّماواتِ ودَلالَتِهِ عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى. صفحة ٧ وإلى الِاعْتِبارِ والِامْتِنانِ بِمَصْنُوعاتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أصْلُها الماءُ الَّذِي بِهِ حَياةُ ما في هَذا العالَمِ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ وما في ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الصُّنْعِ، وما في الأنْعامِ مِنَ المَنافِعِ ومِنها الحَمْلُ. ومِن تَسْخِيرِ المَنافِعِ لِلنّاسِ وما أُوتِيَهُ الإنْسانُ مِن آلاتِ الفِكْرِ والنَّظَرِ. ووَرَدَ ذِكْرُ الحَمْلِ عَلى الفُلْكِ فَكانَ مِنهُ تَخَلُّصٌ إلى بِعْثَةِ نُوحٍ وحَدَثِ الطُّوفانِ. وانْتَقَلَ إلى التَّذْكِيرِ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلْهُدى والإرْشادِ إلى التَّوْحِيدِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وما تَلَقّاها بِهِ أقْوامُهم مِنَ الإعْراضِ والطَّعْنِ والتَّفَرُّقِ، وما كانَ مِن عِقابِ المُكَذِّبِينَ، وتِلْكَ أمْثالٌ لِمَوْعِظَةِ المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِالثَّناءِ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا واتَّقَوْا. وبِتَنْبِيهِ المُشْرِكِينَ عَلى أنَّ حالَهم مُماثِلٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ الغابِرَةِ وكَلِمَتَهم واحِدَةٌ فَهم عُرْضَةٌ لِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ المُكَذِّبَةِ. وقَدْ أراهُمُ اللَّهُ مَخائِلَ العَذابِ لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنِ العِنادِ فَأصَرُّوا عَلى إشْراكِهِمْ بِما ألْقى الشَّيْطانُ في عُقُولِهِمْ. وذُكِّرُوا بِأنَّهم يُقِرُّونَ إذا سُئِلُوا بِأنَّ اللَّهَ مُفْرَدٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ ولا يُجْرُونَ عَلى مُقْتَضى إقْرارِهِمْ أنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلى الكُفْرِ عِنْدَما يَحْضُرُهُمُ المَوْتُ وفي يَوْمِ القِيامَةِ. وبِأنَّهم عَرَفُوا الرَّسُولَ وخَبَرُوا صِدْقَهُ وأمانَتَهُ ونُصْحَهُ المُجَرَّدَ عَنْ طَلَبِ المَنفَعَةِ لِنَفْسِهِ إلّا ثَوابَ اللَّهِ فَلا عُذْرَ لَهم بِحالٍ في إشْراكِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرِّسالَةَ، ولَكِنَّهم مُتَّبِعُونَ أهْواءَهم مُعْرِضُونَ عَنِ الحَقِّ. وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ. وخُتِمَتْ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَغُضَّ عَنْ سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ ويَدْفَعَها بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ويَسْألَ المَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ هو الفَلاحُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ.

المؤمنون 23:1

﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ صفحة ٨ افْتِتاحٌ بَدِيعٌ؛ لِأنَّهُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ فَإنَّ الفَلاحَ غايَةُ كُلِّ ساعٍ إلى عَمَلِهِ، فالإخْبارُ بِفَلاحِ المُؤْمِنِينَ دُونَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلِ الفَلاحِ يَقْتَضِي في المَقامِ الخِطابِيِّ تَعْمِيمَ ما بِهِ الفَلاحُ المَطْلُوبُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ في كُلِّ ما رَغِبُوا فِيهِ. ولَمّا كانَتْ هِمَّةُ المُؤْمِنِينَ مُنْصَرِفَةً إلى تَمَكُّنِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مِن نُفُوسِهِمْ كانَ ذَلِكَ إعْلامًا بِأنَّهم نَجَحُوا فِيما تَعَلَّقَتْ بِهِ هِمَمُهم مِن خَيْرِ الآخِرَةِ ولِلْحَقِّ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، ويَتَضَمَّنُ بِشارَةً بِرِضى اللَّهِ عَنْهم ووَعْدًا بِأنَّ اللَّهَ مُكْمِلٌ لَهم ما يَتَطَلَّبُونَهُ مِن خَيْرٍ. وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِحَرْفِ (قَدْ) الَّذِي إذا دَخَلَ عَلى الفِعْلِ الماضِي أفادَ التَّحْقِيقَ أيِ: التَّوْكِيدَ. فَحَرْفُ (قَدْ) في الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ يُفِيدُ مُفادَ (إنَّ واللّامِ) في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، أيْ يُفِيدُ تَوْكِيدًا قَوِيًّا. ووَجْهُ التَّوْكِيدِ هُنا أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُؤْمِلِينَ مِثْلَ هَذِهِ البِشارَةِ فِيما سَبَقَ لَهم مِن رَجاءِ فَلاحِهِمْ كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، فَكانُوا لا يَعْرِفُونَ تَحَقُّقَ أنَّهم أتَوْا بِما أرْضى رَبَّهم ويَخافُونَ أنْ يَكُونُوا فَرَّطُوا في أسْبابِهِ وما عَلَّقَ عَلَيْهِ وعْدَهُ إيّاهم، بَلْهَ أنْ يَعْرِفُوا اقْتِرابَ ذَلِكَ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ ما تَرَجُّوهُ قَدْ حَصَلَ حَقَّقَ لَهم بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ وبِفِعْلِ المُضِيِّ المُسْتَعْمَلِ في مَعْنى التَّحَقُّقِ. فالإتْيانُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ تَرَقُّبِهِمْ إيّاهُ لِفَرْطِ الرَّغْبَةِ والِانْتِظارِ مَنزِلَةَ الشَّكِّ في حُصُولِهِ. ولَعَلَّ مِنهُ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، إشارَةً إلى رَغْبَةِ المُصَلِّينَ في حُلُولِ وقْتِ الصَّلاةِ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أرِحْنا بِها يا بِلالُ» وشَأْنُ المُؤْمِنِينَ التَّشَوُّقُ إلى عِبادَتِهِمْ كَما يُشاهَدُ في تَشَوُّقِ كَثِيرٍ إلى قِيامِ رَمَضانَ. وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم أفْلَحُوا فَلاحًا كامِلًا. والفَلاحُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ مِن عَمَلِ العامِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ونِيطَ الفَلاحُ بِوَصْفِ الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الفَلاحِ فَإنَّ الإيمانَ وصْفٌ جامِعٌ لِلْكَمالِ لِتَفَرُّعِ جَمِيعِ الكَمالاتِ عَلَيْهِ.

المؤمنون 23:2

صفحة ٩ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ إجْراءُ الصِّفاتِ عَلى (المُؤْمِنُونَ) بِالتَّعْرِيفِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ وبِتَكْرِيرِهِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ فَلاحِهِمْ وعِلَّتِهِ، أيْ: أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مَن هاتِهِ الخِصالِ هي مِن أسْبابِ فَلاحِهِمْ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ سَبَبٌ لِلْفَلاحِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ أنَّ سَبَبَ فَلاحِهِمْ مَجْمُوعُ الخِصالِ المَعْدُودَةِ هُنا، فَإنَّ الفَلاحَ لا يَتِمُّ إلّا بِخِصالٍ أُخْرى مِمّا هو مَرْجِعُ التَّقْوى، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ كُلُّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ تُنْبِئُ عَنْ رُسُوخِ الإيمانِ مِن صاحِبِها اعْتُبِرَتْ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلْفَلاحِ، كَما كانَتْ أضْدادُها كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] عَلى أنَّ ذِكْرَ عِدَّةِ أشْياءٍ لا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلَيْها في الغَرَضِ المَذْكُورِ. والخُشُوعُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لَنا خاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وهو خَوْفٌ يُوجِبُ تَعْظِيمَ المُخَوَّفِ مِنهُ، ولا شَكَّ أنَّ الخُشُوعَ، أيِ: الخُشُوعَ لِلَّهِ، يَقْتَضِي التَّقْوى فَهو سَبَبُ فَلاحٍ. وتَقْيِيدُهُ هُنا بِكَوْنِهِ في الصَّلاةِ لِقَصْدِ الجَمْعِ بَيْنَ وصْفِهِمْ بِأداءِ الصَّلاةِ وبِالخُشُوعِ وخاصَّةً إذا كانَ في حالِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الخُشُوعَ لِلَّهِ يَكُونُ في حالَةِ الصَّلاةِ وفي غَيْرِها، إذِ الخُشُوعُ مَحَلُّهُ القَلْبُ فَلَيْسَ مِن أفْعالِ الصَّلاةِ ولَكِنَّهُ يَتَلَبَّسُ بِهِ المُصَلِّي في حالَةِ صَلاتِهِ. وذُكِرَ مَعَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ أوْلى الحالاتِ بِإثارَةِ الخُشُوعِ وقُوَّتِهِ ولِذَلِكَ قُدِّمَتْ، ولِأنَّهُ بِالصَّلاةِ أعْلَقُ فَإنَّ الصَّلاةَ خُشُوعٌ لِلَّهِ تَعالى وخُضُوعٌ لَهُ، ولِأنَّ الخُشُوعَ لَمّا كانَ لِلَّهِ تَعالى كانَ أوْلى الأحْوالِ بِهِ حالُ الصَّلاةِ لِأنَّ المُصَلِّيَ يُناجِي رَبَّهُ فَيُشْعِرُ نَفْسَهُ أنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ فَيَخْشَعُ لَهُ. وهَذا مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ الخالِقِ تَعالى وهي رَأْسُ الآدابِ الشَّرْعِيَّةِ ومَصْدَرُ الخَيْراتِ كُلِّها. صفحة ١٠ ولِهَذا الِاعْتِبارِ قُدِّمَ هَذا الوَصْفُ عَلى بَقِيَّةِ أوْصافِ المُؤْمِنِينَ وجُعِلَ مُوالِيًا لِلْإيمانِ فَقَدْ حَصَلَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِوَصْفَيْنِ. وتَقْدِيمُ (﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾) عَلى (﴿خاشِعُونَ﴾) لِلِاهْتِمامِ بِالصَّلاةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم تَعَلُّقًا شَدِيدًا بِالصَّلاةِ لِأنَّ شَأْنَ الإضافَةِ أنْ تُفِيدَ شِدَّةَ الِاتِّصالِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ؛ لِأنَّها عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ. فَلَوْ قِيلَ: الَّذِينَ إذا صَلَّوْا خَشَعُوا، فاتَ هَذا المَعْنى، وأيْضًا لَمْ يَتَأتَّ وصْفُهم بِكَوْنِهِمْ خاشِعِينَ إلّا بِواسِطَةِ كَلِمَةٍ أُخْرى نَحْوَ: كانُوا خاشِعِينَ. وإلّا يَفُتْ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن ثَباتِ الخُشُوعِ لَهم ودَوامِهِ، أيْ: كَوْنُ الخُشُوعِ خُلُقًا لَهم بِخِلافِ نَحْوِ: الَّذِينَ خَشَعُوا، فَحَصَلَ الإيجازُ، ولَمْ يَفُتِ الإعْجازُ.

المؤمنون 23:3

﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ العَطْفُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ بَعْضِ الشُّعَراءِ وهو مِن شَواهِدِ النَّحْوِ: إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُما مِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ وتَكْرِيرُ الصِّفاتِ تَقْوِيَةٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ. والقَوْلُ في تَرْكِيبِ جُمْلَةِ ﴿هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ (عَنِ اللَّغْوِ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ. وإعادَةُ اسْمُ المَوْصُولِ دُونَ اكْتِفاءٍ بِعَطْفِ صِلَةٍ عَلى صِلَةٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ مُوجِبَةٌ لِلْفَلاحِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ حَتّى يَجْمَعُوا بَيْنَ مَضامِينِ الصَّلاةِ كُلِّها، ولِما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ لِلْخَبَرِ في ذِهْنِ السّامِعِ. واللَّغْوُ: الكَلامُ الباطِلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ. صفحة ١١ والإعْراضُ: الصَّدُّ أيْ: عَدَمُ الإقْبالِ عَلى الشَّيْءِ، مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو: الجانِبُ، لِأنَّ مَن يَتْرُكُ الشَّيْءَ: يُوَلِّيهِ جانِبَهُ ولا يُقْبِلُ عَلَيْهِ، فَيَشْمَلُ الإعْراضُ إعْراضَ السَّمْعِ عَنِ اللَّغْوِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ، وأهَمُّهُ الإعْراضُ عَنْ لَغْوِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وقالَ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] . ويَشْمَلُ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ بِالألْسِنَةِ، أيْ: أنْ يَلْغُوا في كَلامِهِمْ. وعَقَّبَ ذِكْرَ الخُشُوعِ بِذِكْرِ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ في الأصْلِ: الدُّعاءُ، وهو مِنَ الأقْوالِ الصّالِحَةِ، فَكانَ اللَّغْوُ مِمّا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّلاةِ بِجامِعِ الضِّدِّيَّةِ، فَكانَ الإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ بِمَعْنَيَيِ الإعْراضِ مِمّا تَقْتَضِيهِ الصَّلاةُ والخُشُوعُ؛ لِأنَّ مَنِ اعْتادَ القَوْلَ الصّالِحَ تَجَنَّبَ القَوْلَ الباطِلَ ومَنِ اعْتادَ الخُشُوعَ لِلَّهِ تَجَنَّبَ قَوْلَ الزُّورِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِها دَرَجاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَها بالًا يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ» . والإعْراضُ عَنْ جِنْسِ اللَّغْوِ مِن خُلُقِ الجِدِّ ومَن تَخَلَّقَ بِالجِدِّ في شُئُونِهِ كَمُلَتْ نَفْسُهُ ولَمْ يَصْدُرْ مِنهُ إلّا الأعْمالُ النّافِعَةُ، فالجِدُّ في الأُمُورِ مِن خُلُقِ الإسْلامِ كَما أفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ بِذِكْرِ الإسْلامِ. وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِـقَـائِلٍ ∗∗∗ سِوى العَدْلِ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ والإعْراضُ عَنْهُ يَقْتَضِي بِالأوْلى اجْتِنابَ قَوْلِ اللَّغْوِ ويَقْتَضِي تَجَنُّبَ مَجالِسِ أهْلِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا أدَبٌ عَظِيمٌ مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ بَعْضِ النّاسِ وهُمُ الطَّبَقَةُ غَيْرُ المُحْتَرَمَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ اللَّغْوِ لَيْسُوا بِمَرْتَبَةِ التَّوْقِيرِ فالإعْراضُ عَنْ لَغْوِهِمْ رَبْءٌ عَنِ التَّسَفُّلِ مَعَهم.

المؤمنون 23:4

صفحة ١٢ ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ أصْلُ الزَّكاةِ أنَّها اسْمُ مَصْدَرِ (زَكّى) المُشَدَّدِ، إذا طَهَّرَ النَّفْسَ مِنَ المَذَمّاتِ. ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى إنْفاقِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ مَجازًا؛ لِأنَّ القَصْدَ مِن ذَلِكَ المالِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ يُزِيدُ في مالِ المُعْطِي. فَأطْلَقَ اسْمَ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ. وأصْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] . وأُطْلِقَتْ عَلى نَفْسِ المالِ المُنْفَقِ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّهُ حاصِلٌ بِهِ وهو المُتَعَيِّنُ هُنا بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِهِ بِـ (فاعِلُونَ) المُقْتَضِي أنَّ الزَّكاةَ مَفْعُولٌ. وأمّا المَصْدَرُ المُتَعَيِّنُ فَلا يَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ لِفِعْلٍ مِن مادَّةِ (ف. ع. ل)؛ لِأنَّ صَوْغَ الفِعْلِ مِن مادَّةِ ذَلِكَ المَصْدَرِ يُغْنِي عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلٍ مُبْهَمٍ ونَصْبِ مَصْدَرِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ. فَلَوْ قالَ أحَدٌ: فَعَلْتُ مَشْيًا، إذا أرادَ أنْ يَقُولَ: مَشَيْتُ، كانَ خارِجًا عَنْ تَرْكِيبِ العَرَبِيَّةِ ولَوْ كانَ مُفِيدًا. ولَوْ قالَ أحَدٌ: فَعَلْتُ مِمّا تُرِيدُهُ، لَصَحَّ التَّرْكِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ [الأنبياء: ٥٩]، أيْ: هَذا المُشاهَدُ مِنَ الكَسْرِ والحَطْمِ، أيْ: هَذا الحاصِلُ بِالمَصْدَرِ. ولَيْسَ المُرادُ المَصْدَرَ؛ لِأنَّهُ لا يُشارُ إلَيْهِ ولا سِيَّما بَعْدَ غَيْبَةِ فاعِلِهِ. والمُرادُ بِالفِعْلِ هُنا: الفِعْلُ المُناسِبُ لِهَذا المَفْعُولِ وهو الإيتاءُ، فَهو كَقَوْلِهِ: ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ أداءِ الزَّكاةِ. وإنَّما أُوثِرَ هُنا الِاسْمُ الأعَمُّ وهو فاعِلُونَ؛ لِأنَّ مادَّةَ (ف. ع. ل) مُشْتَهِرَةٌ في إسْداءِ المَعْرُوفِ. واشْتُقَّ مِنها الفَعالُ بِفَتْحِ الفاءِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الخارِجِيُّ: إنْ تُنْفِقِ المالَ أوْ تُكَلَّفْ مَساعِيَهُ يَشْقُقْ عَلَيْكَ وتَفْعَلْ دُونَ ما فُعِلا وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ جاءَ ما نُسِبَ إلى أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: المُطْعِمُونَ الطَّعامَ في السَّنَةِ الأزِ ∗∗∗ مَةِ والفاعِلُـونَ لـِلـزَّكَواتِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ. وفي نَفْسِي مِن صِحَّةِ نِسْبَتِهِ تَرَدُّدٌ لِأنِّي أحْسَبُ اسْتِعْمالَ الزَّكاةِ في مَعْنى المالِ المَبْذُولِ لِوَجْهِ اللَّهِ إلّا مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ صفحة ١٣ فَلَعَلَّ البَيْتَ مِمّا نُحِلَ مِنَ الشِّعْرِ عَلى ألْسِنَةِ الشُّعَراءِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في كِتابِ الشِّعْرِ والشُّعَراءِ: وعُلَماؤُنا لا يَرَوْنَ شِعْرَ أُمَيَّةَ حُجَّةً عَلى الكِتابِ. واللّامُ عَلى هَذا الوَجْهِ لامُ التَّقْوِيَةِ لِضَعْفِ العامِلِ بِالفَرْعِيَّةِ وبِالتَّأْخِيرِ عَنْ مَعْمُولِهِ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ والرّاغِبُ: اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وجَعَلا الزَّكاةَ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ. ومَعْنى (فاعِلُونَ) فاعِلُونَ الأفْعالَ الصّالِحاتِ فَحُذِفَ مَعْمُولُ (فاعِلُونَ) بِدَلالَةِ عِلَّتِهِ عَلَيْهِ. وفِي الكَشّافِ أنَّ الزَّكاةَ هُنا مَصْدَرٌ وهو فِعْلُ المُزَكِّي، أيْ: إعْطاءُ الزَّكاةِ وهو الَّذِي يَحْسُنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (فاعِلُونَ)؛ لِأنَّهُ ما مِن مَصْدَرٍ إلّا ويُعَبِّرُ عَنْ مَعْناهُ بِمادَّةِ فَعَلَ، فَيُقالُ لِلضّارِبِ: فاعِلُ الضَّرْبِ، ولِلْقاتِلِ: فاعِلُ القَتْلِ. وإنَّما حاوَلَ بِذَلِكَ إقامَةَ تَفْسِيرِ الآيَةِ فَغَلَبَ جانِبُ الصِّناعَةِ اللَّفْظِيَّةِ عَلى جانِبِ المَعْنى وجَوَّزَ الوَجْهَ الآخَرَ عَلى شَرْطِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ غَيْرُ مُلْتَزَمٍ. وعَقَّبَ ذِكْرَ الصَّلاةِ بِذِكْرِ الزَّكاةِ لِكَثْرَةِ التَّآخِي بَيْنَهُما في آياتِ القُرْآنِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما هُنا بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي سَمِعْتَ آنِفًا. وهَذا مِن آدابِ المُعامَلَةِ مَعَ طَبَقَةِ أهْلِ الخَصاصَةِ وهي تَرْجِعُ إلى آدابِ التَّصَرُّفِ في المالِ. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

المؤمنون 23:5

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الحِفْظُ: الصِّيانَةُ والإمْساكُ. وحِفْظُ الفَرْجِ مَعْلُومٌ، أيْ: عَنِ الوَطْءِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا عَلى أزْواجِهِمْ إلَخْ. اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ الحِفْظِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها حَرْفُ (عَلى)، أيْ: حافِظُونَها عَلى كُلِّ ما يُحْفَظُ عَلَيْهِ إلّا المُتَعَلَّقَ الَّذِي هو صفحة ١٤ أزْواجُهم أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَضَمَّنَ (حافِظُونَ) مَعْنى عَدَمِ البَذْلِ، يُقالُ: احْفَظْ عَلَيَّ عَنانَ فَرَسِي كَما يُقالُ: أمْسِكْ عَلَيَّ كَما في آيَةِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . والمُرادُ: حِلُّ الصِّنْفَيْنِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أصْنافِ النِّساءِ. وهَذا مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ تَفاصِيلُ الأحْكامِ في عَدَدِ الزَّوْجاتِ وما يَحِلُّ مِنهُنَّ بِمُفْرَدِهِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُ. وتَفاصِيلُ الأحْوالِ مِن حالِ حِلِّ الِانْتِفاعِ أوْ حالِ عِدَّةٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِينَ. وكَذَلِكَ في الإماءِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الإماءِ بِاسْمِ (ما) المَوْصُولَةِ الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِغَيْرِ العاقِلِ جَرى عَلى خِلافِ الغالِبِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِزائِدٍ عَلى حُكْمِ مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ عَدَمِ الحِفْظِ عَلى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ لا يَمْنَعُ الفَلاحَ، فَأُرِيدَ زِيادَةُ بَيانٍ أنَّهُ أيْضًا لا يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ، فَيَدُلُّ هَذا بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحِفْظِ عَلى مَن سِواهُنَّ يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ لِيَحْذَرَهُ المُؤْمِنُونَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾) تَفْرِيعٌ لِلتَّصْرِيحِ عَلى مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو في قُوَّةِ الشَّرْطِ فَأشْبَهَ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ فَقُرِئَ بِالفاءِ تَحْقِيقًا لِلِاشْتِراطِ. وزِيدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ تَقْرِيرًا بِأنْ فُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾؛ لِأنَّ داعِيَةَ غَلَبَةِ شَهْوَةِ الفَرْجِ عَلى حِفْظِ صاحِبِهِ إيّاهُ غَرِيزَةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُخْشى أنْ تَتَغَلَّبَ عَلى حافِظِها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: وراءَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، أيْ: غَيْرَ ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ. وذُكِرَ حِفْظُ الفَرْجِ هُنا عَطْفًا عَلى الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ تَرْكُ اللَّغْوِ بِالأحْرى كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ زَلَّةَ الصّالِحِ قَدْ تَأْتِيهِ مِنَ انْفِلاتِ أحَدِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ مِن جِهَةِ ما أُودِعَ في الجِبِلَّةِ مِن شَهْوَةِ اسْتِعْمالِهِما صفحة ١٥ فَلِذَلِكَ ضَبَطَتِ الشَّرِيعَةُ اسْتِعْمالَهُما بِأنْ يَكُونَ في الأُمُورِ الصّالِحَةِ الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْها الدِّيانَةُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن يَضْمَن لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ» . واللَّوْمُ: الإنْكارُ عَلى الغَيْرِ ما صَدَرَ مِنهُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ لا يَلِيقُ عِنْدَ المُلائِمِ، وهو مُرادِفُ العَذْلِ وأضْعَفُ مِنَ التَّعْنِيفِ. و(وراءَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. وأصْلُ الوَراءِ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي في جِهَةِ الظَّهْرِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ المَحْدُودِ تَشْبِيهًا لِلْمُتَجاوِزِ الشَّيْءَ بِشَيْءٍ مَوْضُوعٍ خَلْفَ ظَهْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ ما كانَ مِن أعْلاقِ الشَّخْصِ يُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِمَرْأى مِنهُ، وما كانَ غَيْرَ ذَلِكَ يُنْبَذُ وراءَ الظَّهْرِ، وهَذا التَّخَيُّلُ شاعَ عَنْهُ هَذا الإطْلاقُ بِحَيْثُ يُقالُ: هو وراءَ الحَدِّ، ولَوْ كانَ مُسْتَقْبِلَهُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَصارَ بِمَعْنى: (غَيْرَ) أوْ (ما عَدا) كَما هُنا، أيْ: فَمَنِ ابْتَغَوْا بِفُرُوجِهِمْ شَيْئًا غَيْرَ الأزْواجِ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم. وأُتِيَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِالعُدْوانِ مَشْهُورًا مُقَرَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي هو: المُعْتَدِي، أيِ: الظّالِمُ لِأنَّهُ عَدا عَلى الأمْرِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: هُمُ البالِغُونَ غايَةَ العُدْوانِ عَلى الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما مَرَّ.

المؤمنون 23:6

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الحِفْظُ: الصِّيانَةُ والإمْساكُ. وحِفْظُ الفَرْجِ مَعْلُومٌ، أيْ: عَنِ الوَطْءِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا عَلى أزْواجِهِمْ إلَخْ. اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ الحِفْظِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها حَرْفُ (عَلى)، أيْ: حافِظُونَها عَلى كُلِّ ما يُحْفَظُ عَلَيْهِ إلّا المُتَعَلَّقَ الَّذِي هو صفحة ١٤ أزْواجُهم أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَضَمَّنَ (حافِظُونَ) مَعْنى عَدَمِ البَذْلِ، يُقالُ: احْفَظْ عَلَيَّ عَنانَ فَرَسِي كَما يُقالُ: أمْسِكْ عَلَيَّ كَما في آيَةِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . والمُرادُ: حِلُّ الصِّنْفَيْنِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أصْنافِ النِّساءِ. وهَذا مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ تَفاصِيلُ الأحْكامِ في عَدَدِ الزَّوْجاتِ وما يَحِلُّ مِنهُنَّ بِمُفْرَدِهِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُ. وتَفاصِيلُ الأحْوالِ مِن حالِ حِلِّ الِانْتِفاعِ أوْ حالِ عِدَّةٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِينَ. وكَذَلِكَ في الإماءِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الإماءِ بِاسْمِ (ما) المَوْصُولَةِ الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِغَيْرِ العاقِلِ جَرى عَلى خِلافِ الغالِبِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِزائِدٍ عَلى حُكْمِ مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ عَدَمِ الحِفْظِ عَلى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ لا يَمْنَعُ الفَلاحَ، فَأُرِيدَ زِيادَةُ بَيانٍ أنَّهُ أيْضًا لا يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ، فَيَدُلُّ هَذا بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحِفْظِ عَلى مَن سِواهُنَّ يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ لِيَحْذَرَهُ المُؤْمِنُونَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾) تَفْرِيعٌ لِلتَّصْرِيحِ عَلى مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو في قُوَّةِ الشَّرْطِ فَأشْبَهَ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ فَقُرِئَ بِالفاءِ تَحْقِيقًا لِلِاشْتِراطِ. وزِيدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ تَقْرِيرًا بِأنْ فُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾؛ لِأنَّ داعِيَةَ غَلَبَةِ شَهْوَةِ الفَرْجِ عَلى حِفْظِ صاحِبِهِ إيّاهُ غَرِيزَةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُخْشى أنْ تَتَغَلَّبَ عَلى حافِظِها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: وراءَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، أيْ: غَيْرَ ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ. وذُكِرَ حِفْظُ الفَرْجِ هُنا عَطْفًا عَلى الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ تَرْكُ اللَّغْوِ بِالأحْرى كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ زَلَّةَ الصّالِحِ قَدْ تَأْتِيهِ مِنَ انْفِلاتِ أحَدِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ مِن جِهَةِ ما أُودِعَ في الجِبِلَّةِ مِن شَهْوَةِ اسْتِعْمالِهِما صفحة ١٥ فَلِذَلِكَ ضَبَطَتِ الشَّرِيعَةُ اسْتِعْمالَهُما بِأنْ يَكُونَ في الأُمُورِ الصّالِحَةِ الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْها الدِّيانَةُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن يَضْمَن لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ» . واللَّوْمُ: الإنْكارُ عَلى الغَيْرِ ما صَدَرَ مِنهُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ لا يَلِيقُ عِنْدَ المُلائِمِ، وهو مُرادِفُ العَذْلِ وأضْعَفُ مِنَ التَّعْنِيفِ. و(وراءَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. وأصْلُ الوَراءِ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي في جِهَةِ الظَّهْرِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ المَحْدُودِ تَشْبِيهًا لِلْمُتَجاوِزِ الشَّيْءَ بِشَيْءٍ مَوْضُوعٍ خَلْفَ ظَهْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ ما كانَ مِن أعْلاقِ الشَّخْصِ يُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِمَرْأى مِنهُ، وما كانَ غَيْرَ ذَلِكَ يُنْبَذُ وراءَ الظَّهْرِ، وهَذا التَّخَيُّلُ شاعَ عَنْهُ هَذا الإطْلاقُ بِحَيْثُ يُقالُ: هو وراءَ الحَدِّ، ولَوْ كانَ مُسْتَقْبِلَهُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَصارَ بِمَعْنى: (غَيْرَ) أوْ (ما عَدا) كَما هُنا، أيْ: فَمَنِ ابْتَغَوْا بِفُرُوجِهِمْ شَيْئًا غَيْرَ الأزْواجِ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم. وأُتِيَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِالعُدْوانِ مَشْهُورًا مُقَرَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي هو: المُعْتَدِي، أيِ: الظّالِمُ لِأنَّهُ عَدا عَلى الأمْرِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: هُمُ البالِغُونَ غايَةَ العُدْوانِ عَلى الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما مَرَّ.

المؤمنون 23:7

﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الحِفْظُ: الصِّيانَةُ والإمْساكُ. وحِفْظُ الفَرْجِ مَعْلُومٌ، أيْ: عَنِ الوَطْءِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا عَلى أزْواجِهِمْ إلَخْ. اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ مُتَعَلِّقاتِ الحِفْظِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها حَرْفُ (عَلى)، أيْ: حافِظُونَها عَلى كُلِّ ما يُحْفَظُ عَلَيْهِ إلّا المُتَعَلَّقَ الَّذِي هو صفحة ١٤ أزْواجُهم أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَضَمَّنَ (حافِظُونَ) مَعْنى عَدَمِ البَذْلِ، يُقالُ: احْفَظْ عَلَيَّ عَنانَ فَرَسِي كَما يُقالُ: أمْسِكْ عَلَيَّ كَما في آيَةِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] . والمُرادُ: حِلُّ الصِّنْفَيْنِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ أصْنافِ النِّساءِ. وهَذا مُجْمَلٌ تُبَيِّنُهُ تَفاصِيلُ الأحْكامِ في عَدَدِ الزَّوْجاتِ وما يَحِلُّ مِنهُنَّ بِمُفْرَدِهِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُ. وتَفاصِيلُ الأحْوالِ مِن حالِ حِلِّ الِانْتِفاعِ أوْ حالِ عِدَّةٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِينَ. وكَذَلِكَ في الإماءِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الإماءِ بِاسْمِ (ما) المَوْصُولَةِ الغالِبُ اسْتِعْمالُها لِغَيْرِ العاقِلِ جَرى عَلى خِلافِ الغالِبِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَصْرِيحٌ بِزائِدٍ عَلى حُكْمِ مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لَمْ يَدُلَّ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ عَدَمِ الحِفْظِ عَلى الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ لا يَمْنَعُ الفَلاحَ، فَأُرِيدَ زِيادَةُ بَيانٍ أنَّهُ أيْضًا لا يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ، فَيَدُلُّ هَذا بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّ عَدَمَ الحِفْظِ عَلى مَن سِواهُنَّ يُوجِبُ اللَّوْمَ الشَّرْعِيَّ لِيَحْذَرَهُ المُؤْمِنُونَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: (﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾) تَفْرِيعٌ لِلتَّصْرِيحِ عَلى مَفْهُومِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي هو في قُوَّةِ الشَّرْطِ فَأشْبَهَ التَّفْرِيعُ عَلَيْهِ جَوابَ الشَّرْطِ فَقُرِئَ بِالفاءِ تَحْقِيقًا لِلِاشْتِراطِ. وزِيدَ ذَلِكَ التَّحْذِيرُ تَقْرِيرًا بِأنْ فُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾؛ لِأنَّ داعِيَةَ غَلَبَةِ شَهْوَةِ الفَرْجِ عَلى حِفْظِ صاحِبِهِ إيّاهُ غَرِيزَةٌ طَبِيعِيَّةٌ يُخْشى أنْ تَتَغَلَّبَ عَلى حافِظِها، فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: وراءَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ، أيْ: غَيْرَ ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ. وذُكِرَ حِفْظُ الفَرْجِ هُنا عَطْفًا عَلى الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّ مِنَ الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ تَرْكُ اللَّغْوِ بِالأحْرى كَما تَقَدَّمَ آنِفًا؛ لِأنَّ زَلَّةَ الصّالِحِ قَدْ تَأْتِيهِ مِنَ انْفِلاتِ أحَدِ هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ مِن جِهَةِ ما أُودِعَ في الجِبِلَّةِ مِن شَهْوَةِ اسْتِعْمالِهِما صفحة ١٥ فَلِذَلِكَ ضَبَطَتِ الشَّرِيعَةُ اسْتِعْمالَهُما بِأنْ يَكُونَ في الأُمُورِ الصّالِحَةِ الَّتِي أرْشَدَتْ إلَيْها الدِّيانَةُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن يَضْمَن لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ» . واللَّوْمُ: الإنْكارُ عَلى الغَيْرِ ما صَدَرَ مِنهُ مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ لا يَلِيقُ عِنْدَ المُلائِمِ، وهو مُرادِفُ العَذْلِ وأضْعَفُ مِنَ التَّعْنِيفِ. و(وراءَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ. وأصْلُ الوَراءِ: اسْمُ المَكانِ الَّذِي في جِهَةِ الظَّهْرِ، ويُطْلَقُ عَلى الشَّيْءِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ المَحْدُودِ تَشْبِيهًا لِلْمُتَجاوِزِ الشَّيْءَ بِشَيْءٍ مَوْضُوعٍ خَلْفَ ظَهْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ ما كانَ مِن أعْلاقِ الشَّخْصِ يُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وبِمَرْأى مِنهُ، وما كانَ غَيْرَ ذَلِكَ يُنْبَذُ وراءَ الظَّهْرِ، وهَذا التَّخَيُّلُ شاعَ عَنْهُ هَذا الإطْلاقُ بِحَيْثُ يُقالُ: هو وراءَ الحَدِّ، ولَوْ كانَ مُسْتَقْبِلَهُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَصارَ بِمَعْنى: (غَيْرَ) أوْ (ما عَدا) كَما هُنا، أيْ: فَمَنِ ابْتَغَوْا بِفُرُوجِهِمْ شَيْئًا غَيْرَ الأزْواجِ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم. وأُتِيَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ لِيَكُونَ وصْفُهم بِالعُدْوانِ مَشْهُورًا مُقَرَّرًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والعادِي هو: المُعْتَدِي، أيِ: الظّالِمُ لِأنَّهُ عَدا عَلى الأمْرِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أيْ: هُمُ البالِغُونَ غايَةَ العُدْوانِ عَلى الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ كَما مَرَّ.

المؤمنون 23:8

﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ هَذِهِ صِفَةٌ أُخْرى مِن جَلائِلِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ تَنْحَلُّ إلى فَضِيلَتَيْنِ هُما: فَضِيلَةُ أداءِ الأمانَةِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْها وفَضِيلَةُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ. صفحة ١٦ فالأمانَةُ تَكُونُ غالِبًا مِنَ النَّفائِسِ الَّتِي يَخْشى صاحِبُها عَلَيْها التَّلَفَ فَيَجْعَلُها عِنْدَ مَن يَظُنُّ فِيهِ حِفْظَها، وفي الغالِبِ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى انْفِرادٍ بَيْنَ المُؤْتَمِنِ والأمِينِ، فَهي لِنَفاسَتِها قَدْ تُغْرِي الأمِينَ عَلَيْها بِأنْ لا يَرُدَّها وبِأنْ يَجْحَدَها رَبَّها، ولِكَوْنِ دَفْعِها في الغالِبِ عَرِيًّا عَنِ الإشْهادِ تَبْعَثُ مَحَبَّتُها الأمِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِها وعَدَمِ رَدِّها، فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ رَدَّها مِن شُعَبِ الإيمانِ. وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: «حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ»، وحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها قالَ: «يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ فَلا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ، فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» اهـ. الوَكْتُ: سَوادٌ يَكُونُ في قِشْرِ التَّمْرِ. والمَجْلُ: انْتِفاخٌ في الجِلْدِ الرَّقِيقِ يَكُونُ شِبْهَ قِشْرِ العِنَبَةِ يَنْشَأُ مِن مَسِّ النّارِ الجِلْدَ ومِن كَثْرَةِ العَمَلِ بِاليَدِ، وقَوْلُهُ: («مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» ): هو مَصْدَرُ آمَنَهُ، أيْ: وما في قَرارَةِ نَفْسِهِ مِن إيمانِ النّاسِ إيّاهُ فَلا يَأْتَمِنُهُ إلّا مَغْرُورٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأمانَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] في سُورَةِ النِّساءِ. وجَمَعَ (الأماناتِ) بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أنْواعِها وتَعَدُّدِ القائِمِينَ بِالحِفْظِ تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِأماناتِهِمْ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (لِأمانَتِهِمْ) بِالإفْرادِ بِاعْتِبارِ المَصْدَرِ مِثْلَ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] . صفحة ١٧ والعَهْدُ: التِزامٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ عَلى شَيْءٍ يُعامِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجانِبَيْنِ الآخَرَ بِهِ. وسُمِّيَ عَهْدًا لِأنَّهم يَتَحالَفانِ بِعَهْدِ اللَّهِ، أيْ: بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ رَقِيبًا عَلَيْهِما في ذَلِكَ لا يُفِيتُهُمُ المُؤاخَذَةَ عَلى تَخَلُّفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَفاءُ بِالعَهْدِ مِن أعْظَمِ الخُلُقِ الكَرِيمِ لِدَلالَتِهِ عَلى شَرَفِ النَّفْسِ وقُوَّةِ العَزِيمَةِ، فَإنَّ المَرْأيْنِ قَدْ يَلْتَزِمُ كُلُّ مِنهُما لِلْآخَرِ عَمَلًا عَظِيمًا فَيُصادِفُ أنْ يَتَوَجَّهَ الوَفاءُ بِذَلِكَ الِالتِزامِ عَلى أحَدِهِما فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَجَشَّمَ عَمَلًا لِنَفْعِ غَيْرِهِ بِدُونِ مُقابِلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ هو، فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الخَتْرَ بِالعَهْدِ شُحًّا أوْ خَوْرًا في العَزِيمَةِ، فَلِذَلِكَ كانَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ عَلامَةً عَلى عِظَمٍ النَّفْسِ، قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] . والرَّعْيُ: مُراقَبَةُ شَيْءٍ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّلاشِي وبِإصْلاحِ ما يَفْسَدُ مِنهُ، فَمِنهُ رَعْيُ الماشِيَةِ، ومِنهُ رَعْيُ النّاسِ، ومِنهُ أُطْلِقَتِ المُراعاةُ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ ذُو الأخْلاقِ الحَمِيدَةِ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ. والقائِمُ بِالرَّعْيِ: راعٍ. فَرَعْيُ الأمانَةِ: حِفْظُها. ولَمّا كانَ الحِفْظُ مَقْصُودًا لِأجْلِ صاحِبِها كانَ رَدُّها إلَيْهِ أوْلى مِن حِفْظِها. ورَعْيُ العَهْدِ مَجازٌ، أيْ: مُلاحَظَتُهُ عِنْدَ كُلِّ مُناسَبَةٍ. والقَوْلُ في تَقْدِيمٍ (﴿لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾) عَلى (راعُونَ) كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ السّابِقَةِ، وكَذَلِكَ إعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ. والجَمْعُ بَيْنَ رَعْيِ الأماناتِ ورَعْيِ العَهْدِ؛ لِأنَّ العَهْدَ كالأمانَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي عاهَدَكَ قَدِ ائْتَمَنَكَ عَلى الوَفاءِ بِما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ العَهْدُ. وذَكَرَهُما عَقِبَ أداءِ الزَّكاةِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ أمانَةُ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالمالِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ: حَقَّ اللَّهِ، وحَقَّ المالِ، وحَقَّ المِسْكِينِ.

المؤمنون 23:9

﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ صفحة ١٨ ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ، أيْ بِعَدَمِ إضاعَتِها أوْ إضاعَةِ بَعْضِها. والمُحافَظَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُبالَغَةِ في الحِفْظِ إذْ لَيْسَتِ المُفاعَلَةُ هُنا حَقِيقِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وتَقَدَّمَ مَعْنى الحِفْظِ قَرِيبًا. وجِيءَ بِالصَّلَواتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإشارَةِ إلى المُحافَظَةِ عَلى أعْدادِها كُلِّها تَنْصِيصًا عَلى العُمُومِ. وإنَّما ذُكِرَ هَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]؛ لِأنَّ ذِكْرَ الصَّلاةِ هُنالِكَ جاءَ تَبَعًا لِلْخُشُوعِ فَأُرِيدَ خَتْمُ صِفاتِ مَدْحِهِمْ بِصِفَةِ مُحافَظَتِهِمْ عَلى الصَّلَواتِ لِيَكُونَ لِهَذِهِ الخَصْلَةِ كَمالُ الِاسْتِقْرارِ في الذِّهْنِ؛ لِأنَّها آخِرُ ما قَرَعَ السَّمْعَ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ. وقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيرُ ذِكْرِ الصَّلاةِ تَنْوِيهًا بِها. ورَدًّا لِلْعَجُزِ عَلى الصَّدْرِ تَحْسِينًا لِلْكَلامِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفاتُ لِتَزْدادَ النَّفْسُ قَبُولًا لِسَماعِها ووَعْيِها فَتَتَأسّى بِها. والقَوْلُ في إعادَةِ المَوْصُولِ وتَقْدِيمِ المَعْمُولِ وإضافَةِ الصَّلَواتِ إلى ضَمِيرِهِمْ مِثْلَ القَوْلِ في نَظِيرِهِ ونَظائِرِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: عَلى صَلَواتِهِمْ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (عَلى صَلاتِهِمْ) بِالإفْرادِ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ أُصُولَ التَّقْوى الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّها أتَتْ عَلى أعْسَرِ ما تُراضُ لَهُ النَّفْسُ مِن أعْمالِ القَلْبِ والجَوارِحِ. فَجاءَتْ بِوَصْفِ الإيمانِ وهو أساسُ التَّقْوى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] . ثُمَّ ذُكِرَتِ الصَّلاةُ وهي عِمادُ التَّقْوى والَّتِي تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لِما فِيها مِن تَكَرُّرِ اسْتِحْضارِ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ومُناجاتِهِ. صفحة ١٩ وذَكَرَتِ الخُشُوعَ وهو تَمامُ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَعْمَلُ الطّاعَةَ لِلْخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ غَيْرَ مُسْتَحْضِرٍ خُشُوعًا لِرَبِّهِ الَّذِي كَلَّفَهُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإذا تَخَلَّقَ المُؤْمِنُ بِالخُشُوعِ اشْتَدَّتْ مُراقَبَتُهُ رَبَّهُ فامْتَثَلَ واجْتَنَبَ. فَهَذانِ مِن أعْمالِ القَلْبِ. وذَكَرَتِ الإعْراضَ عَنِ اللَّغْوِ، واللَّغْوُ مِن سُوءِ الخُلُقِ المُتَعَلِّقِ بِاللِّسانِ الَّذِي يَعْسُرُ إمْساكُهُ فَإذا تَخَلَّقَ المُؤْمِنُ بِالإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ ما هو دُونَ ذَلِكَ. وفي الإعْراضِ عَنِ اللَّغْوِ خُلُقٌ لِلسَّمْعِ أيْضًا كَما عَلِمْتَ. وذَكَرَتْ إعْطاءَ الصَّدَقاتِ وفي ذَلِكَ مُقاوَمَةُ داءِ الشُّحِّ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] . وذَكَرَتْ حِفْظَ الفَرْجِ. وفي ذَلِكَ خُلُقُ مُقاوَمَةِ اطِّرادِ الشَّهْوَةِ الغَرِيزِيَّةِ بِتَعْدِيلِها وضَبْطِها والتَّرَفُّعِ بِها عَنْ حَضِيضِ مُشابَهَةِ البَهائِمِ فَمَن تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَقَدْ صارَ كَبْحُ الشَّهْوَةِ مَلَكَةً لَهُ وخُلُقًا. وذَكَرَتْ أداءَ الأمانَةِ وهو مَظْهَرٌ لِلْإنْصافِ وإعْطاءِ ذِي الحَقِّ حَقَّهُ ومُغالَبَةِ شَهْوَةِ النَّفْسِ لِأمْتِعَةِ الدُّنْيا. وذَكَرَتِ الوَفاءَ بِالعَهْدِ وهو مَظْهَرٌ لِخُلُقِ العَدْلِ في المُعامَلَةِ والإنْصافِ مِنَ النَّفْسِ بِأنْ يَبْذُلَ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الوَفاءِ. وذَكَرَتِ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلَواتِ وهو التَّخَلُّقُ بِالعِنايَةِ والوُقُوفُ عِنْدَ الحُدُودِ والمَواقِيتِ وذَلِكَ يَجْعَلُ انْتِظامَ أمْرِ الحَياتَيْنِ مَلَكَةً وخُلُقًا راسِخًا. وأنْتَ إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الخِصالَ وجَدْتَها تَرْجِعُ إلى حِفْظِ ما مِن شَأْنِ النُّفُوسِ إهْمالُهُ مِثْلَ الصَّلاةِ والخُشُوعِ وتَرْكِ اللَّغْوِ وحِفْظِ الفَرْجِ وحِفْظِ العَهْدِ، وإلى بَذْلِ ما مِن شَأْنِ النُّفُوسِ إمْساكُهُ مِثْلَ الصَّدَقَةِ وأداءِ الأمانَةِ. فَكانَ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ أعْمالُ مَلَكَتَيِ الفِعْلِ والتَّرْكِ في المُهِمّاتِ، وهُما مَنبَعُ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ لِمَن تَتَبَّعَها. صفحة ٢٠ رَوى النَّسائِيُّ: «أنَّ عائِشَةَ قِيلَ لَها: كَيْفَ كانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ؟ قالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وقَرَأتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى انْتَهَتْ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وقَدْ كانَ خُلُقُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ عَلى العَكْسِ مِن هَذا، فِيما عَدا حِفْظَ العَهْدِ غالِبًا، قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقالَ في شَأْنِ المُؤْمِنِينَ مَعَ الكافِرِينَ: ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقالَ: ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٦]، وقَدْ كانَ البِغاءُ والزِّنى فاشِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ.

المؤمنون 23:10

﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ المُتَقَدِّمَةُ لِيُفِيدَ اسْمُ الإشارَةِ أنَّ جَدارَتَهم بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ حَصَلَتْ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إلى آخِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يَكُونُوا الوارِثِينَ بِذَلِكَ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ عَنْهم بِذَلِكَ. وحُذِفَ مَعْمُولُ (الوارِثُونَ) لِيَحْصُلَ إبْهامٌ وإجْمالٌ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ بَيانَهُ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ قَصْدًا لِتَفْخِيمِ هَذِهِ الوِراثَةِ. والإتْيانُ في البَيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَعْرِيفَ (الوارِثُونَ) تَعْرِيفُ العَهْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم أصْحابُ هَذا الوَصْفِ المَعْرُوفُونَ بِهِ. واسْتُعِيرَتِ الوِراثَةُ لِلِاسْتِحْقاقِ الثّابِتِ؛ لِأنَّ الإرْثَ أقْوى الأسْبابِ لِاسْتِحْقاقِ المالِ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . صفحة ٢١ والفِرْدَوْسُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، أوْ مِن أسْماءِ أشْرَفِ جِهاتِ الجَنّاتِ. وأصْلُ الفِرْدَوْسِ: البُسْتانُ الواسِعُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَّمَرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأُمِّ حارِثَةَ بْنِ سُراقَةَ لَمّا أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ وقالَتْ أُمُّهُ: إنْ كانَ في الجَنَّةِ أصْبِرْ وأحْتَسِبْ. فَقالَ لَها: ويْحَكِ أهَبِلْتِ ؟ أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي ؟ إنَّها لَجِنانٍ كَثِيرَةٍ وإنَّهُ لَفي الفِرْدَوْسِ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الآياتُ عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى خَتَمَ عَشْرَ آياتٍ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾) هي العاشِرَةُ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.

المؤمنون 23:11

﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جِيءَ لَهم بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ أنْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمُ الصِّفاتُ المُتَقَدِّمَةُ لِيُفِيدَ اسْمُ الإشارَةِ أنَّ جَدارَتَهم بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ حَصَلَتْ مِنَ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] إلى آخِرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الأحِقّاءُ بِأنْ يَكُونُوا الوارِثِينَ بِذَلِكَ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ عَنْهم بِذَلِكَ. وحُذِفَ مَعْمُولُ (الوارِثُونَ) لِيَحْصُلَ إبْهامٌ وإجْمالٌ فَيَتَرَقَّبُ السّامِعُ بَيانَهُ، فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ قَصْدًا لِتَفْخِيمِ هَذِهِ الوِراثَةِ. والإتْيانُ في البَيانِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَعْرِيفَ (الوارِثُونَ) تَعْرِيفُ العَهْدِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم أصْحابُ هَذا الوَصْفِ المَعْرُوفُونَ بِهِ. واسْتُعِيرَتِ الوِراثَةُ لِلِاسْتِحْقاقِ الثّابِتِ؛ لِأنَّ الإرْثَ أقْوى الأسْبابِ لِاسْتِحْقاقِ المالِ، قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . صفحة ٢١ والفِرْدَوْسُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الجَنَّةِ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، أوْ مِن أسْماءِ أشْرَفِ جِهاتِ الجَنّاتِ. وأصْلُ الفِرْدَوْسِ: البُسْتانُ الواسِعُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَّمَرِ. وفي الحَدِيثِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأُمِّ حارِثَةَ بْنِ سُراقَةَ لَمّا أصابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ وقالَتْ أُمُّهُ: إنْ كانَ في الجَنَّةِ أصْبِرْ وأحْتَسِبْ. فَقالَ لَها: ويْحَكِ أهَبِلْتِ ؟ أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي ؟ إنَّها لَجِنانٍ كَثِيرَةٍ وإنَّهُ لَفي الفِرْدَوْسِ. وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ الآياتُ عَنْ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى خَتَمَ عَشْرَ آياتٍ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: قَوْلُهُ (﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾) هي العاشِرَةُ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ.

المؤمنون 23:12

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ غَرَضًا عَلى غَرَضٍ ويُسَمّى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِينافِ؛ لِأنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]) الَّتِي هي ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا شُرُوعٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وبِعَظِيمِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، وعَلى أنَّ الإنْسانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِاعْتِبارُ بِما في خَلْقِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ومِن عَظِيمِ النِّعْمَةِ. فالمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأصْلَ الأصِيلَ في ضَلالِ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. صفحة ٢٢ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِأنَّهُ أخْرَجَهم مِن مَهانَةِ العَدَمِ إلى شَرَفِ الوُجُودِ وذَلِكَ كُلُّهُ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَرَوْا في إيمانِهِمْ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاعْتِرافِ بِذَلِكَ وبَيْنَ فَرِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحادُوا عَنْ مُقْتَضى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ هَذا الخَبَرَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ. والخَلْقُ: الإنْشاءُ والصُّنْعُ، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في آلِ عِمْرانَ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ. وفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ. وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والسُّلالَةُ: الشَّيْءُ المَسْلُولُ، أيِ: المُنْتَزَعُ مِن شَيْءٍ آخَرَ، يُقالُ: سَلَلْتُ السَّيْفَ، إذا أخْرَجْتُهُ مِن غِمْدِهِ. فالسُّلالَةُ: خُلاصَةٌ مِن شَيْءٍ، ووَزْنُ فُعالَةٌ يُؤْذِنُ بِالقِلَّةِ مِثْلَ القُلامَةِ والصُّبابَةِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ خَلَقْناهُ مُنْفَصِلًا وآتِيًا مِن سُلالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلالَةُ عَلى هَذا مَجْمُوعَ ماءِ الذَّكَرِ والأُنْثى المَسْلُولِ مِن دَمِهِما. وهَذِهِ السُّلالَةُ هي ما يُفْرِزُهُ جِهازُ الهَضْمِ مِنَ الغِذاءِ حِينَ يَصِيرُ دَمًا؛ فَدَمُ الذَّكَرِ حِينَ يَمُرُّ عَلى غُدَّتَيِ التَّناسُلِ (الأُنْثَيَيْنِ) تُفْرِزُ مِنهُ الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً تَحْتَفِظُ بِها وهي الَّتِي تَتَحَوَّلُ إلى مَنِيٍّ حِينَ حَرَكَةِ الجِماعِ، فَتِلْكَ السُّلالَةُ مُخْرَجَةٌ مِنَ الطِّينِ لِأنَّها مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي أصْلُها مِنَ الأرْضِ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ . ودَمُ المَرْأةِ إذا مَرَّ عَلى قَناةِ الرَّحِمِ تَرَكَ فِيها بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةً هي بَذْرُ الأجِنَّةِ. ومِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ المادَّةِ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي في الأُنْثَيَيْنِ مَعَ البُوَيْضَةِ مِنَ البُوَيْضاتِ الَّتِي في قَناةِ الرَّحِمِ يَتَكَوَّنُ الجَنِينُ فَلا جَرَمَ هو مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ طَوْرٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ وهو طَوْرُ اخْتِلاطِ السُّلالَتَيْنِ في الرَّحِمِ. سُمِّيَتْ سُلالَةُ الذَّكَرَ نُطْفَةً لِأنَّها تُنْطَفُ، أيْ: تُقْطَرُ في الرَّحِمِ في قَناةٍ مَعْرُوفَةٍ وهو: القَرارُ المَكِينُ. صفحة ٢٣ فَـ (نُطْفَةً) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: (في قَرارٍ مَكِينٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) . و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أعْظَمُ مِن خَلْقِ السُّلالَةِ. فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ السُّلالَةِ، فالمَعْنى: جَعَلْنا السُّلالَةَ في قَرارٍ مَكِينٍ، أيْ: وضَعْناها فِيهِ حِفْظًا لَها، ولِذَلِكَ غَيَّرَ في الآيَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ إلى فِعْلِ الجَعْلِ المُتَعَدِّي بِـ (في) بِمَعْنى: الوَضْعِ. والقَرارُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ قَرَّ إذا ثَبَتَ في مَكانِهِ. وقَدْ سُمِّيَ بِهِ هُنا المَكانُ نَفْسُهُ. والمَكِينُ: الثّابِتُ في المَكانِ بِحَيْثُ لا يُقْلِعُ مِن مَكانِهِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوصَفَ بِالمَكِينِ الشَّيْءُ الحالُّ في المَكانِ الثّابِتُ فِيهِ. وقَدْ وقَعَ هُنا وصْفًا لِنَفْسِ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النُّطْفَةُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وحَقِيقَتُهُ مَكِينٌ حالُّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ آدَمُ. وقالَ بِذَلِكَ قَتادَةُ فَتَكُونُ السُّلالَةُ الطِّينَةُ الخاصَّةُ الَّتِي كَوَّنَ اللَّهُ مِنها آدَمَ وهي الصَّلْصالُ الَّذِي مَيَّزَهُ مِنَ الطِّينِ في مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ، فَتِلْكَ الطِّينَةُ مَسْلُولَةٌ سَلًّا خاصًّا مِنَ الطِّينِ لِيَتَكَوَّنَ مِنها حَيٌّ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ نُطْفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ نَسْلًا لِآدَمَ فَيَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، ويَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . وحَرْفُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ إذْ كانَ خَلْقُ النُّطْفَةِ عَلَقَةً أعْجَبَ مِن خَلْقِ النُّطْفَةِ إذْ صَيَّرَ الماءَ السّائِلَ دَمًا جامِدًا فَتَغَيَّرَ بِالكَثافَةِ وتَبَدَّلَ اللَّوْنُ مِن عَوامِلَ أوْدَعَها اللَّهُ في الرَّحِمِ. ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ تَسْمِيَةُ هَذا الكائِنِ بِاسْمِ العَلَقَةِ فَإنَّهُ وضْعٌ بَدِيعٌ لِهَذا الِاسْمِ إذْ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّ هَذا الجُزْءَ الَّذِي اسْتَحالَتْ صفحة ٢٤ إلَيْهِ النُّطْفَةُ هو كائِنٌ حَيٌّ لَهُ قُوَّةُ امْتِصاصِ القُوَّةِ مِن دَمِ الأُمِّ بِسَبَبِ التِصاقِهِ بِعُرُوقٍ في الرَّحِمِ تَدْفَعُ إلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ. والعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِن دَمٍ عاقِدٍ. والمُضْغَةُ: القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ مِقْدارُ اللُّقْمَةِ الَّتِي تُمْضَغُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ كَيْفِيَّةُ تَخَلُّقِ الجَنِينِ. وعَطَفَ (جَعْلَ العَلَقَةِ مُضْغَةً) بِالفاءِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ يُشْبِهُ تَعْقِيبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إذِ اللَّحْمُ والدَّمُ الجامِدُ مُتَقارِبانِ فَتَطَوُّرُهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً. وخَلْقُ المُضْغَةِ عِظامًا هو تَكْوِينُ العِظامِ في داخِلِ تِلْكَ المُضْغَةِ وذَلِكَ ابْتِداءُ تَكْوِينِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ في عَطْفِ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ بِالفاءِ. فَمَعْنى (فَكَسَوْنا) أنَّ اللَّحْمَ كانَ كالكِسْوَةِ لِلْعِظامِ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ العِظامَ بَقِيَتْ حِينًا غَيْرَ مَكْسُوَّةٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» الحَدِيثُ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَدْ تَهَيَّأ لِلْحَياةِ والنَّماءِ وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ لِأنَّ الخَلْقَ المَذْكُورَ قَبْلَهُ كانَ دُونَ حَياةٍ ثُمَّ نَشَأ فِيهِ خَلْقُ الحَياةِ وهي حالَةٌ أُخْرى طَرَأتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْها بِالإنْشاءِ. ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ عَطَفَ هَذا الإنْشاءَ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ في عَطْفِ الجُمَلِ بِـ (ثُمَّ) . وهَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَها الآيَةُ سَبْعَةُ أطْوارٍ فَإذا تَمَّتْ فَقَدْ صارَ المُتَخَلِّقُ حَيًّا. وفي شَرْحِ المُوَطَّأِ: (تَناجى رَجُلانِ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَقالَ لَهُما عُمَرُ: ما هَذِهِ المُناجاةُ ؟ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ اليَهُودَ يَزْعُمُونَ أنَّ العَزْلَ هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ عَلِيٌّ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى صفحة ٢٥ تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ: ( صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . فَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ أوَّلُ مَن دَعا بِكَلِمَةِ (أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ بِصِيغَةِ جَمْعِ (العِظامِ) فِيهِما، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَظْمًا. . والعَظْمَ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ أيْ: أحْسَنُ المُنْشِئِينَ إنْشاءً؛ لِأنَّهُ أنْشَأ ما لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ إنْشاءَهُ. ولَمّا كانَتْ دَلالَةُ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ أسْبِقَ إلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ كانَ الثَّناءُ المُعَقَّبُ بِهِ ثَناءً عَلى بَدِيعِ قُدْرَةِ الخالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ البَرَكَةِ وهي: الزِّيادَةُ. وصِيغَةُ تَفاعَلَ صِيغَةُ مُطاوَعَةٍ في الأصْلِ وأصْلُ المُطاوَعَةِ: قَبُولُ أثَرِ الفِعْلِ، وتُسْتَعْمَلُ في لازِمِ ذَلِكَ وهو التَّلَبُّسُ بِمَعْنى الفِعْلِ تَلَبُّسًا مَكِينًا؛ لِأنَّ شَأْنَ المُطاوَعَةِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الفِعْلِ فَتَقْتَضِي ارْتِساخَ مَعْنى الفِعْلِ في المَفْعُولِ القابِلِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ المَفْعُولُ فاعِلًا فَيُقالُ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفاعَلَ إذا جاءَ بِمَعْنى فَعَلَ، دالًّا عَلى المُبالَغَةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ، ولِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ المُطاوَعَةِ وصِيَغُ التَّكَلُّفِ غالِبًا في نَحْوِ: تَثَنّى، وتَكَبَّرَ، وتَشامَخَ، وتَقاعَسَ. فَمَعْنى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعَظَمَةِ في الخَيْرِ، أيْ: عَظَمَةُ ما يُقَدِّرُهُ مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ وصَلاحٍ لَهم. وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّ (تَبارَكَ) لَمّا حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ كانَ عامًّا فَيَشْمَلُ عَظَمَةَ الخَيْرِ في الخَلْقِ وفي غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (الخالِقِينَ) يَعُمُّ خَلْقَ الإنْسانِ وخَلْقَ غَيْرِهِ كالجِبالِ والسَّماواتِ.

المؤمنون 23:13

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ غَرَضًا عَلى غَرَضٍ ويُسَمّى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِينافِ؛ لِأنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]) الَّتِي هي ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا شُرُوعٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وبِعَظِيمِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، وعَلى أنَّ الإنْسانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِاعْتِبارُ بِما في خَلْقِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ومِن عَظِيمِ النِّعْمَةِ. فالمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأصْلَ الأصِيلَ في ضَلالِ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. صفحة ٢٢ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِأنَّهُ أخْرَجَهم مِن مَهانَةِ العَدَمِ إلى شَرَفِ الوُجُودِ وذَلِكَ كُلُّهُ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَرَوْا في إيمانِهِمْ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاعْتِرافِ بِذَلِكَ وبَيْنَ فَرِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحادُوا عَنْ مُقْتَضى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ هَذا الخَبَرَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ. والخَلْقُ: الإنْشاءُ والصُّنْعُ، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في آلِ عِمْرانَ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ. وفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ. وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والسُّلالَةُ: الشَّيْءُ المَسْلُولُ، أيِ: المُنْتَزَعُ مِن شَيْءٍ آخَرَ، يُقالُ: سَلَلْتُ السَّيْفَ، إذا أخْرَجْتُهُ مِن غِمْدِهِ. فالسُّلالَةُ: خُلاصَةٌ مِن شَيْءٍ، ووَزْنُ فُعالَةٌ يُؤْذِنُ بِالقِلَّةِ مِثْلَ القُلامَةِ والصُّبابَةِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ خَلَقْناهُ مُنْفَصِلًا وآتِيًا مِن سُلالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلالَةُ عَلى هَذا مَجْمُوعَ ماءِ الذَّكَرِ والأُنْثى المَسْلُولِ مِن دَمِهِما. وهَذِهِ السُّلالَةُ هي ما يُفْرِزُهُ جِهازُ الهَضْمِ مِنَ الغِذاءِ حِينَ يَصِيرُ دَمًا؛ فَدَمُ الذَّكَرِ حِينَ يَمُرُّ عَلى غُدَّتَيِ التَّناسُلِ (الأُنْثَيَيْنِ) تُفْرِزُ مِنهُ الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً تَحْتَفِظُ بِها وهي الَّتِي تَتَحَوَّلُ إلى مَنِيٍّ حِينَ حَرَكَةِ الجِماعِ، فَتِلْكَ السُّلالَةُ مُخْرَجَةٌ مِنَ الطِّينِ لِأنَّها مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي أصْلُها مِنَ الأرْضِ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ . ودَمُ المَرْأةِ إذا مَرَّ عَلى قَناةِ الرَّحِمِ تَرَكَ فِيها بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةً هي بَذْرُ الأجِنَّةِ. ومِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ المادَّةِ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي في الأُنْثَيَيْنِ مَعَ البُوَيْضَةِ مِنَ البُوَيْضاتِ الَّتِي في قَناةِ الرَّحِمِ يَتَكَوَّنُ الجَنِينُ فَلا جَرَمَ هو مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ طَوْرٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ وهو طَوْرُ اخْتِلاطِ السُّلالَتَيْنِ في الرَّحِمِ. سُمِّيَتْ سُلالَةُ الذَّكَرَ نُطْفَةً لِأنَّها تُنْطَفُ، أيْ: تُقْطَرُ في الرَّحِمِ في قَناةٍ مَعْرُوفَةٍ وهو: القَرارُ المَكِينُ. صفحة ٢٣ فَـ (نُطْفَةً) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: (في قَرارٍ مَكِينٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) . و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أعْظَمُ مِن خَلْقِ السُّلالَةِ. فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ السُّلالَةِ، فالمَعْنى: جَعَلْنا السُّلالَةَ في قَرارٍ مَكِينٍ، أيْ: وضَعْناها فِيهِ حِفْظًا لَها، ولِذَلِكَ غَيَّرَ في الآيَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ إلى فِعْلِ الجَعْلِ المُتَعَدِّي بِـ (في) بِمَعْنى: الوَضْعِ. والقَرارُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ قَرَّ إذا ثَبَتَ في مَكانِهِ. وقَدْ سُمِّيَ بِهِ هُنا المَكانُ نَفْسُهُ. والمَكِينُ: الثّابِتُ في المَكانِ بِحَيْثُ لا يُقْلِعُ مِن مَكانِهِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوصَفَ بِالمَكِينِ الشَّيْءُ الحالُّ في المَكانِ الثّابِتُ فِيهِ. وقَدْ وقَعَ هُنا وصْفًا لِنَفْسِ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النُّطْفَةُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وحَقِيقَتُهُ مَكِينٌ حالُّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ آدَمُ. وقالَ بِذَلِكَ قَتادَةُ فَتَكُونُ السُّلالَةُ الطِّينَةُ الخاصَّةُ الَّتِي كَوَّنَ اللَّهُ مِنها آدَمَ وهي الصَّلْصالُ الَّذِي مَيَّزَهُ مِنَ الطِّينِ في مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ، فَتِلْكَ الطِّينَةُ مَسْلُولَةٌ سَلًّا خاصًّا مِنَ الطِّينِ لِيَتَكَوَّنَ مِنها حَيٌّ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ نُطْفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ نَسْلًا لِآدَمَ فَيَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، ويَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . وحَرْفُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ إذْ كانَ خَلْقُ النُّطْفَةِ عَلَقَةً أعْجَبَ مِن خَلْقِ النُّطْفَةِ إذْ صَيَّرَ الماءَ السّائِلَ دَمًا جامِدًا فَتَغَيَّرَ بِالكَثافَةِ وتَبَدَّلَ اللَّوْنُ مِن عَوامِلَ أوْدَعَها اللَّهُ في الرَّحِمِ. ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ تَسْمِيَةُ هَذا الكائِنِ بِاسْمِ العَلَقَةِ فَإنَّهُ وضْعٌ بَدِيعٌ لِهَذا الِاسْمِ إذْ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّ هَذا الجُزْءَ الَّذِي اسْتَحالَتْ صفحة ٢٤ إلَيْهِ النُّطْفَةُ هو كائِنٌ حَيٌّ لَهُ قُوَّةُ امْتِصاصِ القُوَّةِ مِن دَمِ الأُمِّ بِسَبَبِ التِصاقِهِ بِعُرُوقٍ في الرَّحِمِ تَدْفَعُ إلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ. والعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِن دَمٍ عاقِدٍ. والمُضْغَةُ: القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ مِقْدارُ اللُّقْمَةِ الَّتِي تُمْضَغُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ كَيْفِيَّةُ تَخَلُّقِ الجَنِينِ. وعَطَفَ (جَعْلَ العَلَقَةِ مُضْغَةً) بِالفاءِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ يُشْبِهُ تَعْقِيبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إذِ اللَّحْمُ والدَّمُ الجامِدُ مُتَقارِبانِ فَتَطَوُّرُهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً. وخَلْقُ المُضْغَةِ عِظامًا هو تَكْوِينُ العِظامِ في داخِلِ تِلْكَ المُضْغَةِ وذَلِكَ ابْتِداءُ تَكْوِينِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ في عَطْفِ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ بِالفاءِ. فَمَعْنى (فَكَسَوْنا) أنَّ اللَّحْمَ كانَ كالكِسْوَةِ لِلْعِظامِ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ العِظامَ بَقِيَتْ حِينًا غَيْرَ مَكْسُوَّةٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» الحَدِيثُ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَدْ تَهَيَّأ لِلْحَياةِ والنَّماءِ وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ لِأنَّ الخَلْقَ المَذْكُورَ قَبْلَهُ كانَ دُونَ حَياةٍ ثُمَّ نَشَأ فِيهِ خَلْقُ الحَياةِ وهي حالَةٌ أُخْرى طَرَأتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْها بِالإنْشاءِ. ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ عَطَفَ هَذا الإنْشاءَ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ في عَطْفِ الجُمَلِ بِـ (ثُمَّ) . وهَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَها الآيَةُ سَبْعَةُ أطْوارٍ فَإذا تَمَّتْ فَقَدْ صارَ المُتَخَلِّقُ حَيًّا. وفي شَرْحِ المُوَطَّأِ: (تَناجى رَجُلانِ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَقالَ لَهُما عُمَرُ: ما هَذِهِ المُناجاةُ ؟ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ اليَهُودَ يَزْعُمُونَ أنَّ العَزْلَ هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ عَلِيٌّ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى صفحة ٢٥ تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ: ( صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . فَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ أوَّلُ مَن دَعا بِكَلِمَةِ (أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ بِصِيغَةِ جَمْعِ (العِظامِ) فِيهِما، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَظْمًا. . والعَظْمَ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ أيْ: أحْسَنُ المُنْشِئِينَ إنْشاءً؛ لِأنَّهُ أنْشَأ ما لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ إنْشاءَهُ. ولَمّا كانَتْ دَلالَةُ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ أسْبِقَ إلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ كانَ الثَّناءُ المُعَقَّبُ بِهِ ثَناءً عَلى بَدِيعِ قُدْرَةِ الخالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ البَرَكَةِ وهي: الزِّيادَةُ. وصِيغَةُ تَفاعَلَ صِيغَةُ مُطاوَعَةٍ في الأصْلِ وأصْلُ المُطاوَعَةِ: قَبُولُ أثَرِ الفِعْلِ، وتُسْتَعْمَلُ في لازِمِ ذَلِكَ وهو التَّلَبُّسُ بِمَعْنى الفِعْلِ تَلَبُّسًا مَكِينًا؛ لِأنَّ شَأْنَ المُطاوَعَةِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الفِعْلِ فَتَقْتَضِي ارْتِساخَ مَعْنى الفِعْلِ في المَفْعُولِ القابِلِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ المَفْعُولُ فاعِلًا فَيُقالُ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفاعَلَ إذا جاءَ بِمَعْنى فَعَلَ، دالًّا عَلى المُبالَغَةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ، ولِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ المُطاوَعَةِ وصِيَغُ التَّكَلُّفِ غالِبًا في نَحْوِ: تَثَنّى، وتَكَبَّرَ، وتَشامَخَ، وتَقاعَسَ. فَمَعْنى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعَظَمَةِ في الخَيْرِ، أيْ: عَظَمَةُ ما يُقَدِّرُهُ مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ وصَلاحٍ لَهم. وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّ (تَبارَكَ) لَمّا حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ كانَ عامًّا فَيَشْمَلُ عَظَمَةَ الخَيْرِ في الخَلْقِ وفي غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (الخالِقِينَ) يَعُمُّ خَلْقَ الإنْسانِ وخَلْقَ غَيْرِهِ كالجِبالِ والسَّماواتِ.

المؤمنون 23:14

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ غَرَضًا عَلى غَرَضٍ ويُسَمّى عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِينافِ؛ لِأنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]) الَّتِي هي ابْتِدائِيَّةٌ. وهَذا شُرُوعٌ في الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وبِعَظِيمِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها غَيْرُهُ، وعَلى أنَّ الإنْسانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والِاعْتِبارُ بِما في خَلْقِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ومِن عَظِيمِ النِّعْمَةِ. فالمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الأصْلَ الأصِيلَ في ضَلالِ المُعْرِضِينَ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. صفحة ٢٢ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ امْتِنانًا عَلى النّاسِ بِأنَّهُ أخْرَجَهم مِن مَهانَةِ العَدَمِ إلى شَرَفِ الوُجُودِ وذَلِكَ كُلُّهُ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَرَوْا في إيمانِهِمْ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاعْتِرافِ بِذَلِكَ وبَيْنَ فَرِيقِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحادُوا عَنْ مُقْتَضى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ المُنَزَّلِينَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ هَذا الخَبَرَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ العِلْمِ. والخَلْقُ: الإنْشاءُ والصُّنْعُ، قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧] في آلِ عِمْرانَ. والمُرادُ بِالإنْسانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّوْعَ الإنْسانِيَّ. وفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ. وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ. والسُّلالَةُ: الشَّيْءُ المَسْلُولُ، أيِ: المُنْتَزَعُ مِن شَيْءٍ آخَرَ، يُقالُ: سَلَلْتُ السَّيْفَ، إذا أخْرَجْتُهُ مِن غِمْدِهِ. فالسُّلالَةُ: خُلاصَةٌ مِن شَيْءٍ، ووَزْنُ فُعالَةٌ يُؤْذِنُ بِالقِلَّةِ مِثْلَ القُلامَةِ والصُّبابَةِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ خَلَقْناهُ مُنْفَصِلًا وآتِيًا مِن سُلالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلالَةُ عَلى هَذا مَجْمُوعَ ماءِ الذَّكَرِ والأُنْثى المَسْلُولِ مِن دَمِهِما. وهَذِهِ السُّلالَةُ هي ما يُفْرِزُهُ جِهازُ الهَضْمِ مِنَ الغِذاءِ حِينَ يَصِيرُ دَمًا؛ فَدَمُ الذَّكَرِ حِينَ يَمُرُّ عَلى غُدَّتَيِ التَّناسُلِ (الأُنْثَيَيْنِ) تُفْرِزُ مِنهُ الأُنْثَيانِ مادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً تَحْتَفِظُ بِها وهي الَّتِي تَتَحَوَّلُ إلى مَنِيٍّ حِينَ حَرَكَةِ الجِماعِ، فَتِلْكَ السُّلالَةُ مُخْرَجَةٌ مِنَ الطِّينِ لِأنَّها مِنَ الأغْذِيَةِ الَّتِي أصْلُها مِنَ الأرْضِ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ . ودَمُ المَرْأةِ إذا مَرَّ عَلى قَناةِ الرَّحِمِ تَرَكَ فِيها بُوَيْضاتٍ دَقِيقَةً هي بَذْرُ الأجِنَّةِ. ومِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ المادَّةِ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي في الأُنْثَيَيْنِ مَعَ البُوَيْضَةِ مِنَ البُوَيْضاتِ الَّتِي في قَناةِ الرَّحِمِ يَتَكَوَّنُ الجَنِينُ فَلا جَرَمَ هو مَخْلُوقٌ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ طَوْرٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ وهو طَوْرُ اخْتِلاطِ السُّلالَتَيْنِ في الرَّحِمِ. سُمِّيَتْ سُلالَةُ الذَّكَرَ نُطْفَةً لِأنَّها تُنْطَفُ، أيْ: تُقْطَرُ في الرَّحِمِ في قَناةٍ مَعْرُوفَةٍ وهو: القَرارُ المَكِينُ. صفحة ٢٣ فَـ (نُطْفَةً) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ وقَوْلُهُ: (في قَرارٍ مَكِينٍ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لِـ (جَعَلْناهُ) . و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ أعْظَمُ مِن خَلْقِ السُّلالَةِ. فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ السُّلالَةِ، فالمَعْنى: جَعَلْنا السُّلالَةَ في قَرارٍ مَكِينٍ، أيْ: وضَعْناها فِيهِ حِفْظًا لَها، ولِذَلِكَ غَيَّرَ في الآيَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ إلى فِعْلِ الجَعْلِ المُتَعَدِّي بِـ (في) بِمَعْنى: الوَضْعِ. والقَرارُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ قَرَّ إذا ثَبَتَ في مَكانِهِ. وقَدْ سُمِّيَ بِهِ هُنا المَكانُ نَفْسُهُ. والمَكِينُ: الثّابِتُ في المَكانِ بِحَيْثُ لا يُقْلِعُ مِن مَكانِهِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوصَفَ بِالمَكِينِ الشَّيْءُ الحالُّ في المَكانِ الثّابِتُ فِيهِ. وقَدْ وقَعَ هُنا وصْفًا لِنَفْسِ المَكانِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النُّطْفَةُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وحَقِيقَتُهُ مَكِينٌ حالُّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ آدَمُ. وقالَ بِذَلِكَ قَتادَةُ فَتَكُونُ السُّلالَةُ الطِّينَةُ الخاصَّةُ الَّتِي كَوَّنَ اللَّهُ مِنها آدَمَ وهي الصَّلْصالُ الَّذِي مَيَّزَهُ مِنَ الطِّينِ في مَبْدَأِ الخَلِيقَةِ، فَتِلْكَ الطِّينَةُ مَسْلُولَةٌ سَلًّا خاصًّا مِنَ الطِّينِ لِيَتَكَوَّنَ مِنها حَيٌّ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ نُطْفَةً عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ نَسْلًا لِآدَمَ فَيَكُونُ في الضَّمِيرِ اسْتِخْدامٌ، ويَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨] . وحَرْفُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ إذْ كانَ خَلْقُ النُّطْفَةِ عَلَقَةً أعْجَبَ مِن خَلْقِ النُّطْفَةِ إذْ صَيَّرَ الماءَ السّائِلَ دَمًا جامِدًا فَتَغَيَّرَ بِالكَثافَةِ وتَبَدَّلَ اللَّوْنُ مِن عَوامِلَ أوْدَعَها اللَّهُ في الرَّحِمِ. ومِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ تَسْمِيَةُ هَذا الكائِنِ بِاسْمِ العَلَقَةِ فَإنَّهُ وضْعٌ بَدِيعٌ لِهَذا الِاسْمِ إذْ قَدْ ثَبَتَ في عِلْمِ التَّشْرِيحِ أنَّ هَذا الجُزْءَ الَّذِي اسْتَحالَتْ صفحة ٢٤ إلَيْهِ النُّطْفَةُ هو كائِنٌ حَيٌّ لَهُ قُوَّةُ امْتِصاصِ القُوَّةِ مِن دَمِ الأُمِّ بِسَبَبِ التِصاقِهِ بِعُرُوقٍ في الرَّحِمِ تَدْفَعُ إلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ. والعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِن دَمٍ عاقِدٍ. والمُضْغَةُ: القِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ مِقْدارُ اللُّقْمَةِ الَّتِي تُمْضَغُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ كَيْفِيَّةُ تَخَلُّقِ الجَنِينِ. وعَطَفَ (جَعْلَ العَلَقَةِ مُضْغَةً) بِالفاءِ؛ لِأنَّ الِانْتِقالَ مِنَ العَلَقَةِ إلى المُضْغَةِ يُشْبِهُ تَعْقِيبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إذِ اللَّحْمُ والدَّمُ الجامِدُ مُتَقارِبانِ فَتَطَوُّرُهُما قَرِيبٌ وإنْ كانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً. وخَلْقُ المُضْغَةِ عِظامًا هو تَكْوِينُ العِظامِ في داخِلِ تِلْكَ المُضْغَةِ وذَلِكَ ابْتِداءُ تَكْوِينِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ مِن عَظْمٍ ولَحْمٍ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ في عَطْفِ فَخَلَقْنا المُضْغَةَ بِالفاءِ. فَمَعْنى (فَكَسَوْنا) أنَّ اللَّحْمَ كانَ كالكِسْوَةِ لِلْعِظامِ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّ العِظامَ بَقِيَتْ حِينًا غَيْرَ مَكْسُوَّةٍ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» الحَدِيثُ، فَإذا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَدْ تَهَيَّأ لِلْحَياةِ والنَّماءِ وذَلِكَ هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ لِأنَّ الخَلْقَ المَذْكُورَ قَبْلَهُ كانَ دُونَ حَياةٍ ثُمَّ نَشَأ فِيهِ خَلْقُ الحَياةِ وهي حالَةٌ أُخْرى طَرَأتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْها بِالإنْشاءِ. ولِلْإشارَةِ إلى التَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ عَطَفَ هَذا الإنْشاءَ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ في عَطْفِ الجُمَلِ بِـ (ثُمَّ) . وهَذِهِ الأطْوارُ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَها الآيَةُ سَبْعَةُ أطْوارٍ فَإذا تَمَّتْ فَقَدْ صارَ المُتَخَلِّقُ حَيًّا. وفي شَرْحِ المُوَطَّأِ: (تَناجى رَجُلانِ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَلِيٌّ حاضِرٌ فَقالَ لَهُما عُمَرُ: ما هَذِهِ المُناجاةُ ؟ فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ اليَهُودَ يَزْعُمُونَ أنَّ العَزْلَ هو المَوْءُودَةُ الصُّغْرى، فَقالَ عَلِيٌّ: لا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى صفحة ٢٥ تَمُرَّ عَلَيْها التّاراتُ السَّبْعُ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ: ( صَدَقْتَ أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . فَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ أوَّلُ مَن دَعا بِكَلِمَةِ (أطالَ اللَّهُ بَقاءَكَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ بِصِيغَةِ جَمْعِ (العِظامِ) فِيهِما، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (عَظْمًا. . والعَظْمَ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. وفُرِّعَ عَلى حِكايَةِ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ أيْ: أحْسَنُ المُنْشِئِينَ إنْشاءً؛ لِأنَّهُ أنْشَأ ما لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ إنْشاءَهُ. ولَمّا كانَتْ دَلالَةُ خَلْقِ الإنْسانِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ أسْبِقَ إلى اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ كانَ الثَّناءُ المُعَقَّبُ بِهِ ثَناءً عَلى بَدِيعِ قُدْرَةِ الخالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ البَرَكَةِ وهي: الزِّيادَةُ. وصِيغَةُ تَفاعَلَ صِيغَةُ مُطاوَعَةٍ في الأصْلِ وأصْلُ المُطاوَعَةِ: قَبُولُ أثَرِ الفِعْلِ، وتُسْتَعْمَلُ في لازِمِ ذَلِكَ وهو التَّلَبُّسُ بِمَعْنى الفِعْلِ تَلَبُّسًا مَكِينًا؛ لِأنَّ شَأْنَ المُطاوَعَةِ أنْ تَكُونَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الفِعْلِ فَتَقْتَضِي ارْتِساخَ مَعْنى الفِعْلِ في المَفْعُولِ القابِلِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ المَفْعُولُ فاعِلًا فَيُقالُ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، فَلِذَلِكَ كانَ تَفاعَلَ إذا جاءَ بِمَعْنى فَعَلَ، دالًّا عَلى المُبالَغَةِ، كَما صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ، ولِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ المُطاوَعَةِ وصِيَغُ التَّكَلُّفِ غالِبًا في نَحْوِ: تَثَنّى، وتَكَبَّرَ، وتَشامَخَ، وتَقاعَسَ. فَمَعْنى ﴿تَبارَكَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالعَظَمَةِ في الخَيْرِ، أيْ: عَظَمَةُ ما يُقَدِّرُهُ مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ وصَلاحٍ لَهم. وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا؛ لِأنَّ (تَبارَكَ) لَمّا حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ كانَ عامًّا فَيَشْمَلُ عَظَمَةَ الخَيْرِ في الخَلْقِ وفي غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (الخالِقِينَ) يَعُمُّ خَلْقَ الإنْسانِ وخَلْقَ غَيْرِهِ كالجِبالِ والسَّماواتِ.

المؤمنون 23:15

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ صفحة ٢٦ إدْماجٌ في أثْناءِ تَعْدادِ الدَّلائِلِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ عَلى اخْتِلافِ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ لِقَصْدِ إبْطالِ الشِّرْكِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ أهَمِّيَّةَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ في هَذا المَقامِ أقْوى مِن أهَمِّيَّةِ ذِكْرِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَوْتِهِمْ تَوْطِئَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ وهي قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾) وهو المَقْصُودُ. فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَها حُكْمُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ولِكَوْنِ (ثُمَّ) لَمْ تُفِدْ مُهْلَةً في الزَّمانِ هُنا صَرَّحَ بِالمُهْلَةِ في قَوْلِهِ: بَعْدَ ذَلِكَ. والإشارَةُ إلى الخَلْقِ المُبَيَّنِ آنِفًا، أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ التَّكْوِينِ العَجِيبِ والنَّماءِ المُحْكَمِ أنْتُمْ صائِرُونَ إلى المَوْتِ الَّذِي هو تَعْطِيلُ أثَرِ ذَلِكَ الإنْشاءِ ثُمَّ مَصِيرُهُ إلى الفَسادِ والِاضْمِحْلالِ. وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (إنَّ) واللّامِ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَرْتابُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ. وتَوْكِيدُ خَبَرِ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ؛ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ. ويَكُونُ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْوِيَةِ التَّرْكِيزِ بِأكْثَرِ مِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ وإنْ كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ قَوِيًّا. ونُقِلَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ونُكْتَتُهُ هُنا أنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ وإنَّما يُناسِبُهُ الخِطابُ.

المؤمنون 23:16

﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ صفحة ٢٦ إدْماجٌ في أثْناءِ تَعْدادِ الدَّلائِلِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ عَلى اخْتِلافِ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ لِقَصْدِ إبْطالِ الشِّرْكِ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ أهَمِّيَّةَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ في هَذا المَقامِ أقْوى مِن أهَمِّيَّةِ ذِكْرِ الخَلْقِ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ مَوْتِهِمْ تَوْطِئَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهُ وهي قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾) وهو المَقْصُودُ. فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وهَذِهِ الجُمْلَةُ لَها حُكْمُ الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] . ولِكَوْنِ (ثُمَّ) لَمْ تُفِدْ مُهْلَةً في الزَّمانِ هُنا صَرَّحَ بِالمُهْلَةِ في قَوْلِهِ: بَعْدَ ذَلِكَ. والإشارَةُ إلى الخَلْقِ المُبَيَّنِ آنِفًا، أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ التَّكْوِينِ العَجِيبِ والنَّماءِ المُحْكَمِ أنْتُمْ صائِرُونَ إلى المَوْتِ الَّذِي هو تَعْطِيلُ أثَرِ ذَلِكَ الإنْشاءِ ثُمَّ مَصِيرُهُ إلى الفَسادِ والِاضْمِحْلالِ. وأكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ (إنَّ) واللّامِ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يَرْتابُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم لَمّا أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن يُنْكِرُونَ أنَّهم يَمُوتُونَ. وتَوْكِيدُ خَبَرِ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ؛ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ البَعْثَ. ويَكُونُ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، فَلَمْ يُحْتَجْ إلى تَقْوِيَةِ التَّرْكِيزِ بِأكْثَرِ مِن حَرْفِ التَّأْكِيدِ وإنْ كانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ قَوِيًّا. ونُقِلَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ونُكْتَتُهُ هُنا أنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ بِالتَّخْوِيفِ وإنَّما يُناسِبُهُ الخِطابُ.

المؤمنون 23:17

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الإنْسانِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ؛ لِأنَّ أمْرَها أعْجَبُ، وإنْ كانَ الإنْسانُ إلى نَظِيرِهِ أقْرَبَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ صفحة ٢٧ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] . وإنَّما ذُكِرَ هَذا عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦] لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ هَذا العالَمَ العُلْوِيَّ ما خَلَقَهُ إلّا لِحِكْمَةٍ، وأنَّ الحَكِيمَ لا يُهْمِلُ ثَوابَ الصّالِحِينَ عَلى حَسَناتِهِمْ، ولا جَزاءَ المُسِيئِينَ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، وأنَّ جَعْلَهُ تِلْكَ الطَّرائِقَ فَوْقَنا بِحَيْثُ نَراها لَيَدُلُّنا عَلى أنَّ لَها صِلَةً بِنا؛ لِأنَّ عالَمَ الجَزاءِ كائِنٌ فِيها ومَخْلُوقاتِهِ مُسْتَقِرَّةٌ فِيها، فالإشارَةُ بِهَذا التَّرْتِيبِ مِثْلَ الإشارَةِ بِعَكْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] . والطَّرائِقُ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ وهي اسْمٌ لِلطَّرِيقِ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ. والمُرادُ بِها هُنا: طَرائِقُ سَيْرِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ وهي أفْلاكُها، أيِ: الخُطُوطُ الفَرْضِيَّةُ الَّتِي ضَبَطَ النّاسُ بِها سُمُوتَ سَيْرِ الكَواكِبِ. وقَدْ أُطْلِقَ عَلى الكَوْكَبِ اسْمُ الطّارِقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ [الطارق: ١] مِن أجْلِ أنَّهُ يَنْتَقِلُ في سَمْتٍ يُسَمّى طَرِيقَةً فَإنَّ السّايِرَ في طَرِيقٍ يُقالُ لَهُ: طارِقٌ، ولا شَكَّ أنَّ الطَّرائِقَ تَسْتَلْزِمُ سائِراتٍ فِيها، فَكانَ المَعْنى: خَلَقْنا سَيّاراتٍ وطَرائِقَها. وذُكِرَ (فَوْقَكم) لِلتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في أحْوالِها لِلِاسْتِدْلالِ بِها عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ لَها تَعالى فَإنَّها بِحالَةِ إمْكانِ النَّظَرِ إلَيْها والتَّأمُّلِ فِيها. ولِأنَّ كَوْنَها فَوْقَ النّاسِ مِمّا سَهَّلَ انْتِفاعَهم بِها في التَّوْقِيتِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ في ذَلِكَ لُطْفًا بِالخَلْقِ وتَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ في شُئُونِ حَياتِهِمْ، وهَذا امْتِنانٌ. فالواوُ في جُمْلَةِ وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلنَّظَرِ في أنَّ عالَمَ الجَزاءِ كائِنٌ بِتِلْكَ العَوالِمِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] . والخَلْقُ مَفْعُولٌ سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ، أيْ: ما كُنّا غافِلِينَ عَنْ حاجَةِ مَخْلُوقاتِنا يَعْنِي البَشَرَ. ونَفْيُ الغَفْلَةِ كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ والمُلاحَظَةِ، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ في خَلْقِ الطَّرائِقِ السَّماوِيَّةِ لِما خُلِقَتْ لَهُ لُطْفًا بِالنّاسِ أيْضًا إذْ كانَ نِظامُ خَلْقِها صالِحًا صفحة ٢٨ لِانْتِفاعِ النّاسِ بِهِ في مَواقِيتِهِمْ وأسْفارِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ كَما قالَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] . وأعْظَمُ تِلْكَ الطَّرائِقِ طَرِيقَةُ الشَّمْسِ مَعَ ما زادَتْ بِهِ مِنَ النَّفْعِ بِالإنارَةِ وإصْلاحِ الأرْضِ والأجْسادِ فَصارَ المَعْنى: خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ لِحِكْمَةٍ لا تَعْلَمُونَها وما أهْمَلْنا في خَلْقِها رَعْيَ مَصالِحِكم أيْضًا. والعَدْلُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وما كُنّا عَنْكم غافِلِينَ، لِما يُفِيدُهُ المُشْتَقُّ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ: ما كُنّا عَنْكم غافِلِينَ؛ لِأنَّكم مَخْلُوقاتُنا فَنَحْنُ نُعامِلُكم بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ والإقْلاعِ عَنِ الكُفْرِ.

المؤمنون 23:18

﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سِيناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ مُناسَبَةُ عَطْفِ إنْزالِ ماءِ المَطَرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أنَّ ماءَ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن صَوْبِ السَّماءِ، أيْ: مِن جِهَةِ السَّماءِ. وفِي إنْزالِ ماءِ المَطَرِ دَلالَةٌ عَلى سِعَةِ العِلْمِ ودَقِيقِ القُدْرَةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا مِنَّةٌ عَلى الخَلْقِ فالكَلامُ اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ إلى آخِرِهِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ الرَّعْدِ وسُورَةِ النَّحْلِ. وإنْزالُ الماءِ هو إسْقاطُهُ مِنَ السُّحُبِ ماءً وثَلْجًا وبَرَدًا عَلى السُّهُولِ والجِبالِ. صفحة ٢٩ والقَدَرُ هُنا: التَّقْدِيرُ والتَّعْيِينُ لِلْمِقْدارِ في الكَمِّ وفي النَّوْبَةِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَرِيحِهِ، أيْ: بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مُناسِبٍ لِلْإنْعامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا أُنْزِلَ كَذَلِكَ حَصَلَ بِهِ الرِّيُّ والتَّعاقُبُ، وكَذَلِكَ ذَوَبانُ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ. ويَصِحُّ أنْ يُقْصَدَ مَعَ ذَلِكَ الكِنايَةُ عَنِ الضَّبْطِ والإتْقانِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالقَدَرِ هُنا المَعْنى الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: وتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. والإسْكانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في مَسْكَنٍ، والمَسْكَنُ: مَحَلُّ القَرارِ، وهو مَفْعَلٌ، اسْمُ مَكانٍ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ. وأطْلَقَ الإسْكانَ عَلى الإقْرارِ في الأرْضِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. وهَذا الإقْرارُ عَلى نَوْعَيْنِ: إقْرارٌ قَصِيرٌ مِثْلَ إقْرارِ ماءِ المَطَرِ في القِشْرَةِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأرْضِ عَقِبَ نُزُولِ الأمْطارِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ غَزارَةُ المَطَرِ ورَخاوَةُ الأرْضِ وشِدَّةُ الحَرارَةِ أوْ شِدَّةُ البَرْدِ. وهو ما يَنْبُتُ بِهِ النَّباتُ في الحَرْثِ والبَقْلُ في الرَّبِيعِ وتَمْتَصُّ مِنهُ الأشْجارُ بِعُرُوقِها فَتُثْمِرُ إثْمارَها وتَخْرُجُ بِهِ عُرُوقُ الأشْجارِ وأُصُولُها مِنَ البُزُورِ الَّتِي في الأرْضِ. ونَوْعٌ آخَرُ هو إقْرارٌ طَوِيلٌ وهو إقْرارُ المِياهِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ المَطَرِ وعَنْ ذَوْبِ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ فَتَتَسَرَّبُ إلى دَواخِلِ الأرْضِ فَتَنْشَأُ مِنها العُيُونُ الَّتِي تَنْبُعُ بِنَفْسِها أوْ تُفَجَّرُ بِالحَفْرِ آبارًا. وجُمْلَةُ ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها، وفي هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى صالِحَةٌ لِلْإيجادِ والإعْدامِ. وتَنْكِيرُ (ذَهابٍ) لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، ومَعْنى التَّعْظِيمِ هُنا: تَعَدُّدُ أحْوالِ الذَّهابِ بِهِ مِن تَغْوِيرِهِ إلى أعْماقِ الأرْضِ بِانْشِقاقِ الأرْضِ بِزِلْزالٍ ونَحْوِهِ، ومِن تَجْفِيفِهِ بِشِدَّةِ الحَرارَةِ، ومِن إمْساكِ إنْزالِهِ زَمَنًا طَوِيلًا. وفِي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] . وفي الكَشّافِ: ( وهو - أيْ ما في هاتِهِ الآيَةِ - أبْلَغُ في الإيعادِ صفحة ٣٠ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] اهـ. فَبَيَّنَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ لِلْأبْلَغِيَّةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وجْهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وهَذا عَلى الجَزْمِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ ما أوْعَدَ بِهِ وإنْ لَمْ يَقَعْ. الثّانِي: التَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) . الثّالِثُ: اللّامُ في الخَبَرِ. الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ في مُطْلَقِ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وتِلْكَ في ماءٍ مُضافٍ إلَيْهِمْ. الخامِسُ: أنَّ الغائِرَ قَدْ يَكُونُ باقِيًا بِخِلافِ الذّاهِبِ. السّادِسُ: ما في تَنْكِيرِ (ذَهابٍ) مِنَ المُبالَغَةِ. السّابِعُ: إسْنادُهُ هاهُنا إلى مُذْهِبٍ بِخِلافِهِ ثَمَّتْ حَيْثُ قِيلَ (غَوْرًا) . الثّامِنُ: ما في ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ. التّاسِعُ: ما في (قادِرُونَ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ، والفِعْلُ الواقِعُ مِنَ القادِرِ أبْلَغُ. العاشِرُ: ما في جَمْعِهِ. الحادِي عَشَرَ: ما في لَفْظِ (بِهِ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُمْسِكُهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ. الثّانِي عَشَرَ: إخْلاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِإطْماعٍ وهُنالِكَ ذُكِرَ الإتْيانُ المَطْمَعُ. الثّالِثَ عَشَرَ: تَقْدِيمُ ما في الإيعادِ وهو الذَّهابُ عَلى ما هو كالمُتَعَلِّقِ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقِهِ عَلى المَذْهَبَيْنِ البَصْرِيِّ والكُوفِيِّ. الرّابِعَ عَشَرَ: ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفاوُتِ ثَباتًا وغَيْرَهُ. الخامِسَ عَشَرَ: ما في لَفْظِ أصْبَحَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ. السّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الإذْهابَ هاهُنا مُصَرَّحٌ بِهِ وهُنالِكَ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الِاسْتِفْهامِ. صفحة ٣١ السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ هُنالِكَ نَفْيُ ماءٍ خاصٍّ أعْنِي المَعِينَ بِخِلافِهِ هاهُنا. الثّامِنَ عَشَرَ: اعْتِبارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنها مُؤَكِّدًا. وزادَ الآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: التّاسِعَ عَشَرَ: إخْبارُهُ تَعالى نَفْسُهُ بِهِ مِن دُونِ أمْرٍ لِلْغَيْرِ هاهُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. العِشْرُونَ: عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخاطَبٍ هاهُنا وتَخْصِيصُ الكُفّارِ بِالخِطابِ هُنالِكَ. الحادِي والعِشْرُونَ: التَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا فَإنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ القُدْرَةِ ولا تَشْبِيهَ ثَمَّتَ. الثّانِي والعِشْرُونَ: إسْنادُ القُدْرَةِ إلَيْهِ تَعالى مَرَّتَيْنِ. ونَقَلَ الآلُوسِيُّ عَنْ عَصْرِيِّهِ المَوْلى مُحَمَّدٍ الزَّهاوِيِّ وُجُوهًا وهي: الثّالِثُ والعِشْرُونَ: تَضْمِينُ الإيعادِ هُنا إيعادُهم بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ (ذَهَبَ بِهِ) يَسْتَلْزِمُ مُصاحَبَةَ الفاعِلِ المَفْعُولَ، وذَهابَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ الماءِ بِمَعْنى ذَهابِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْهم ولَعْنِهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْها ولا كَذَلِكَ ما هُناكَ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ لِلذَّهابِ مُعَيَّنًا هُنا بِخِلافِهِ في (إنْ أصْبَحَ) فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الصَّيْرُورَةَ في الصُّبْحِ عَلى أحَدِ اسْتِعْمالَيْ (أصْبَحَ) ناقِصًا. الخامِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ جِهَةَ الذَّهابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأنَّها السُّفْلُ (أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ غَوْرًا) . السّادِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ الإيعادَ هُنا بِما لَمْ يُبْتَلُوا بِهِ قَطُّ بِما هُنالِكَ. السّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا إنْ وقَعَ فَهم هالِكُونَ ألْبَتَّةَ. الثّامِنُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنا لَهم مُتَشَبِّثٌ ولَوْ ضَعِيفًا في تَأْمِيلِ امْتِناعِ المَوْعِدِ بِهِ وهُناكَ حَيْثُ أسْنَدَ الإصْباحَ غَوْرًا إلى الماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الماءَ صفحة ٣٢ لا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَما هو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الحَكِيمِ، أيْضًا احْتُمِلَ أنْ يُتَوَهَّمَ الشَّرْطِيَّةُ مَعَ صِدْقِها مُمْتَنِعَةَ المَقْدَمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ. التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا يُحْتَمَلُ في بادِئِ النَّظَرِ وُقُوعُهُ حالًا بِخِلافِهِ هُناكَ فَإنَّ المُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكانِ (إنْ) . وظاهِرٌ أنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الوُقُوعِ في الحالِ أهْوَلُ، ومُتَعَيِّنِ الوُقُوعِ في الِاسْتِقْبالِ أهْوَنُ. الثَّلاثُونَ: أنَّ ما هُنا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الإيعادِ بِخِلافِ ما هُناكَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ولَوْ عُلِمَ بُعْدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِامْتِنانُ بِأنَّهُ: إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَلا يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ سِوى اللَّهُ تَعالى. وأنا أقُولُ: عُنِيَ هَؤُلاءِ النَّحارِيرُ بِبَيانِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدُهم لِلْكَشْفِ عَنْ وجْهِ تَوْفِيرِ الخَصائِصِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ الآيَةِ الأُخْرى مِمّا يُوازِنُها، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُلُوِّ الآيَةِ عَنْ نُكَتِ الإعْجازِ ولا عَجْزِ النّاظِرِينَ عَنِ اسْتِخْراجِ أمْثالِها؛ ولَكِنْ ما يُبَيَّنُ مِنَ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في القُرْآنِ لَيْسَ يُرِيدُ مَن يُبَيِّنُهُ أنَّ ما لاحَ لَهُ ووُفِّقَ إلَيْهِ هو قُصارى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في نَظْمِ القُرْآنِ مِنَ الخَصائِصِ والمَعانِي ولَكِنَّهُ مُبَلِّغٌ ما صادَفَ لَوْحُهُ لِلنّاظِرِ المُتَدَبِّرِ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في الكَشْفِ عَنْهُ عَلى قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ فَقَدْ يُفاضُ عَلى أحَدٍ مِن إدْراكِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ ولا يُفاضُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أوْ عَلى مِثْلِهِ في غَيْرِها. وإنَّما يَقْصِدُ أهْلُ المَعانِي بِإفاضَةِ القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ أنْ تَكُونَ نَمُوذَجًا لِاسْتِخْراجِ أمْثالِ تِلْكَ الخَصائِصِ في آياتٍ أُخْرى. كَما فَعَلَ السَّكّاكِيُّ في بَيانِ خَصائِصِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هود: ٤٤] الآيَةُ مِن مَبْحَثِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِنَ المِفْتاحِ، وأنَّهُ قالَ في مُنْتَهى كَلامِهِ: (ولا تَظُنَّنَّ الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى ما ذَكَرْتُ فَلَعَلَّ ما تَرَكْتُ أكْثَرُ مِمّا ذَكَرْتُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا الإرْشادُ لِكَيْفِيَّةِ اجْتِناءِ ثَمَراتِ عِلْمَيِ المَعانِي والبَيانِ) . صفحة ٣٣ وقَدْ نَقُولُ: إنَّ آيَةَ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ قُصِدَ مِنها الإنْذارُ والتَّهْدِيدُ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ المُلْكِ فالقَصْدُ مِنها الِاعْتِبارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَلْبِها، فاخْتِلافُ المَقامَيْنِ لَهُ أثَرٌ في اخْتِلافِ المُقْتَضَياتِ فَكانَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ آثَرَ بِوَفْرَةِ الخَصائِصِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ دُونَ تَعْطِيلٍ لِاسْتِخْراجِ خَصائِصٍ فِيها لَعَلَّنا نُلِمُّ بِها حِينَ نَصِلُ إلَيْها. عَلى أنَّ سُورَةَ المُلْكِ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ يَتَداخَلُ نُزُولُ بَعْضِها مَعَ نُزُولِ بَعْضِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا أُشْبِعَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ بِالخُصُوصِيّاتِ الَّتِي اقْتَضاها المَقامُ اكْتُفِيَ عَنْ مِثْلِها في نَظِيرَتِها مِن سُورَةِ المُلْكِ فَسَلَكَ في الثّانِيَةِ مَسْلَكَ الإيجازِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِنَظِيرِها. وإنْشاءُ الجَنّاتِ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى أوَّلُ إنْباتِ الجَنّاتِ في الأرْضِ ومِن بَعْدِ ذَلِكَ أُنْبِتَتِ الجَنّاتُ بِغَرْسِ البَشَرِ وذَلِكَ أيْضًا مِن صُنْعِ اللَّهِ بِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن مَعْرِفَةِ الغَرْسِ والزَّرْعِ والسَّقْيِ وتَفْجِيرِ المِياهِ واجْتِلابِها مِن بُعْدٍ، فَكُلُّ هَذا الإنْشاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والجَنَّةُ: المَكانُ ذُو الشَّجَرِ. وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى ما كانَ فِيهِ نَخْلٌ وكَرْمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ. وما ذُكِرَ هُنا مِن أصْنافِ الشَّجَرِ الثَّلاثَةِ هو أكْرَمُ الشَّجَرِ وأنْفَعُهُ ثَمَرًا وهو النَّخِيلُ والأعْنابُ والزَّيْتُونُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ والزَّيْتُونِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ. والفَواكِهُ: جَمَعُ فاكِهَةٍ، وهي الطَّعامُ الَّذِي يُتَفَكَّهُ بِأكْلِهِ، أيْ: يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ القُوتِ، فَإنْ قُصِدَ بِهِ القُوتُ قِيلَ لَهُ طَعامٌ. فَمِنَ الأطْعِمَةِ ما هو فاكِهَةٌ وطَعامٌ كالتَّمْرِ والعِنَبِ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا، ومِنها ما هو فاكِهَةٌ ولَيْسَ بِطَعامٍ كاللَّوْزِ والكُمَّثْرى، ومِنها ما هو طَعامٌ غَيْرُ فاكِهَةٍ كالزَّيْتُونِ، ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ عَنْ ذِكْرِ أخَوَيْها؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ الِامْتِنانُ بِما في ثَمَرَتِهِما مِنَ التَّفَكُّهِ والقُوتِ فَتَكُونُ مِنَّةً بِالحاجِيِّ والتَّحْسِينِيِّ. صفحة ٣٤ ووَصَفَ الفَواكِهَ بِـ (كَثِيرَةٍ) بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الأصْنافِ كالبُسْرِ والرَّطْبِ والتَّمْرِ، وكالزَّيْتِ والعِنَبِ الرَّطْبِ، وأيْضًا بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ إثْمارِ هَذَيْنِ الشَّجَرَيْنِ. (وشَجَرَةً) عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ وأخْرَجْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وجُمْلَةُ (تَخْرُجُ) صِفَةٌ لِـ (شَجَرَةً) . وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ طَيِّ كَوْنِ النّاسِ مِنها يَأْكُلُونَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِها، وإيماءٌ إلى كَثْرَةِ مَنافِعِها؛ لِأنَّ مِن ثَمَرَتِها طَعامًا وإصْلاحًا ومُداواةً، ومِن أعْوادِها وقُودٌ وغَيْرُهُ. وفي الحَدِيثِ كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. وطُورُ سَيْناءَ: جَبَلٌ في صَحْراءِ سَيْناءَ الواقِعَةِ بَيْنَ عَقَبَةِ أيْلَةَ وبَيْنَ مِصْرِ، وهي مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ في القَدِيمِ وفِيهِ ناجى مُوسى رَبَّهُ تَعالى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الطُّورِ بِدُونِ إضافَةٍ، وطُورُ سَيْناءَ أوْ طُورُ سِينِينَ. ومَعْنى الطُّورِ: الجَبَلُ. وسَيْناءُ قِيلَ: اسْمُ شَجَرٍ يَكْثُرُ هُنالِكَ. وقِيلَ: اسْمُ حِجارَةٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ. قِيلَ: هو اسْمٌ نَبَطِيٌّ وقِيلَ: هو اسْمٌ حَبَشِيٌّ ولا يَصِحُّ. وإنَّما اغْتَرَّ مَن قالَهُ بِمُشابَهَةِ هَذا الِاسْمِ لِوَصْفِ الحُسْنِ في اللُّغَةِ الحَبَشِيَّةِ وهو كَلِمَةُ: سَناهُ. ومِثْلُ هَذا التَّشابُهِ قَدْ أثارَ أغْلاطًا. وسُكِّنَتْ ياءُ (سَيْناءَ) سُكُونًا مَيِّتًا وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فِيها الفَتْحُ وسُكُونُ الياءِ سُكُونًا حَيًّا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ، وهو في القِراءَتَيْنِ مَمْدُودٌ، وهو فِيهِما مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ فَقِيلَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعِلاءَ إذا كانَ عَيْنُهُ أصْلًا لا تَكُونُ ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ وألِفُ الإلْحاقِ لا تَمْنَعُ الصَّرْفَ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَمَنعُهُ لِأجْلِ ألِفِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعَلاءَ مِن أوْزانِ ألِفِ التَّأْنِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَها مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِطُورِ سَيْناءَ. وقَدْ غُمِضَ وجْهُ ذاكَ. والَّذِي أراهُ أنَّ الخُرُوجَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّشْأةِ صفحة ٣٥ والتَّخَلُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] . وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ الخُرُوجِ هو البُرُوزُ مِنَ المَكانِ ولَمّا كانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَبْرُزُ بَعْدَ العَدَمِ وكانَ المَكانُ لازِمًا لِكُلِّ حادِثٍ شَبَّهَ ظُهُورَ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ مَحْجُوبًا فِيهِ. وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ في القُرْآنِ. فَيَظْهَرُ أنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ أوَّلَ شَجَرِ الزَّيْتُونِ في طُورِ سَيْناءَ، وذَلِكَ أنَّ الأجْناسَ والأنْواعَ المَوْجُودَةَ عَلى الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لا بُدَّ لَها مِن مَواطِنَ كانَ فِيها ابْتِداءُ وجُودِها قَبْلَ وُجُودِها في غَيْرِها؛ لِأنَّ بَعْضَ الأمْكِنَةِ تَكُونُ أسْعَدَ لِنَشْأةِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ مِن بَعْضٍ آخَرَ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ طَبِيعَةِ المَكانِ وطَبِيعَةِ الشَّيْءِ المَوْجُودِ فِيهِ مِن حَرارَةٍ أوْ بُرُودَةٍ أوِ اعْتِدالٍ، وكَذَلِكَ فُصُولُ السَّنَةِ كالرَّبِيعِ لِبَعْضِ الحَيَوانِ والشِّتاءِ لِبَعْضٍ آخَرَ والصَّيْفِ لِبَعْضٍ غَيْرِها، فاللَّهُ تَعالى يُوجِدُ المَوْجُوداتِ في الأحْوالِ المُناسِبَةِ لَها فالحَيَوانُ والنَّباتُ كُلُّهُ جارٍ عَلى هَذا القانُونِ. ثُمَّ إنَّ البَشَرَ إذا نَقَلُوا حَيَوانًا أوْ نَباتًا مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أوْ أرادُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في فَصْلٍ غَيْرِ فَصْلِهِ ورَأوْا عَدَمَ صَلاحِيَةِ المَكانِ أوِ الزَّمانِ المَنقُولِ إلَيْهِما يَحْتالُونَ لَهُ بِما يُكْمِلُ نَقْصَهُ مِن تَدْفِئَةٍ في شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ تَبْرِيدٍ بِسَبْحٍ في الماءِ في شِدَّةِ الحَرِّ حَتّى لا يَتَعَطَّلَ تَناسُلُ ذَلِكَ المَنقُولِ إلى غَيْرِ مَكانِهِ، فَكَما أنَّ بَعْضَ الحَيَوانِ أوِ النَّباتِ لا يَعِيشُ طَوِيلًا في بَعْضِ المَناطِقِ غَيْرِ المُلايِمَةِ لِطِباعِهِ كالغَزالِ في بِلادِ الثُّلُوجِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الأماكِنِ مِنَ المِنطَقَةِ المُلائِمَةِ لِلْحَيَوانِ أوِ النَّباتِ أصْلَحَ بِهِ مِن بَعْضِ جِهاتِ تِلْكَ المِنطَقَةِ، فَلَعَلَّ جَوَّ طُورِ سَيْناءَ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ المَناطِقِ المُتَطَرِّفَةِ حَرًّا وبَرْدًا ولِتَوَسُّطِ ارْتِفاعِهِ بَيْنَ النُّجُودِ والسُّهُولِ يَكُونُ أسْعَدَ بِطَبْعِ فَصِيلَةِ الزَّيْتُونِ كَما قالَ تَعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فاللَّهُ تَعالى هَيَّأ لِتَكْوِينِها حِينَ أرادَ تَكْوِينَها ذَلِكَ المَكانَ كَما هَيَّأ لِتَكْوِينِ آدَمَ طِينَةً خاصَّةً فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ [الرحمن: ١٤] . ثُمَّ يَكُونُ الزَّيْتُونُ قَدْ نُقِلَ مِن أوَّلِ مَكانٍ صفحة ٣٦ ظَهَرَ فِيهِ إلى أمْكِنَةٍ أُخْرى نَقَلَهُ إلَيْها ساكِنُوها لِلِانْتِفاعِ بِهِ فَنَجَحَ في بَعْضِها ولَمْ يَنْجَحْ في بَعْضٍ. وقَدْ ثَبَتَ في التَّوْراةِ أنَّ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفانِ وبَعْدَهُ. فَفي الإصْحاحِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ: أنَّ نُوحًا أرْسَلَ حَمامَةً تَبْحَثُ عَنْ مَكانٍ غِيضَتْ عَنْهُ مِياهُ الطُّوفانِ فَرَجَعَتِ الحَمامَةُ عِنْدَ المَساءِ تَحْمِلُ في مِنقارِها ورَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْراءَ فَعَلِمَ نُوحٌ أنَّ الماءَ أخَذَ يَغِيضُ عَنِ الأرْضِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ابْتِداءَ غَيْضِ الماءِ إنَّما يَنْكَشِفُ عَنْ أعالِي الجِبالِ أوَّلَ الأمْرِ فَلَعَلَّ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي حَمَلَتْها الحَمامَةُ كانَتْ مِن شَجَرَةٍ في طُورِ سَيْناءَ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَرَفَ نُوحٌ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ قَبْلَ الطُّوفانِ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ اسْتِعْمالِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ في طَعامٍ في التّارِيخِ القَدِيمِ إلّا في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيّامَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَ طُورِ سَيْناءَ؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الزَّيْتُ لِإنارَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ بِوَحْيِ اللَّهِ لِمُوسى، وسَكَبَ مُوسى دُهْنَ المَسْحَةِ عَلى رَأْسِ هارُونَ أخِيهِ حِينَ أقامَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى تَخْرُجُ: تَظْهَرُ وتُعْرَفُ، فَيَكُونُ أوَّلُ اهْتِداءِ النّاسِ إلى مَنافِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وانْتِقالِهِمْ إيّاها كانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي بِطُورِ سَيْناءَ. وهَذا كَما نُسَمِّي الدِّيكَ الرُّومِيَّ في بَلَدِنا بِالدِّيكِ الهِنْدِيِّ؛ لِأنَّ النّاسَ عَرَفُوهُ مِن بِلادِ الهِنْدِ، وكَما تُسَمّى بَعْضُ السُّيُوفِ في بِلادِ العَرَبِ بِالمَشْرَفِيَّةِ؛ لِأنَّها عُرِفَتْ مِن مَشارِفِ الشّامِ، وبَعْضُ الرِّماحِ الخَطِّيَّةِ؛ لِأنَّها تَرِدُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن مَرْفَأٍ يُقالُ لَهُ: الخَطُّ، وبَعْضُ السُّيُوفِ بِالمُهَنَّدِ؛ لِأنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ الهِنْدِ، وقَدْ كانَ الزَّيْتُ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينِ. صفحة ٣٧ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ القَصْدُ مِن ذِكْرِ أنَّها تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَنبَتُها الأصْلِيُّ وإلّا فَإنَّ الِامْتِنانَ بِها لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا يَوْمَئِذٍ لِسُكّانِ طُورِ سَيْناءَ. وما كانَ هَذا التَّنْبِيهُ إلّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَرَفِ مَنبَتِها وكَرَمِ المَوْطِنِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ، ولَمْ تَزَلْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ مَشْهُورَةً بِالبَرَكَةِ بَيْنَ النّاسِ. ورَأيْتُ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ الأصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ صالِحٍ: أنَّ كُلَّ زَيْتُونَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِن غَرْسِ أُمَمٍ يُقالُ لَهُمُ اليُونانِيُّونَ اهـ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ زَيْتُونَ زَمانِهِمُ الَّذِي أخْلَفُوا بِهِ أشْجارًا قَدِيمَةً بادَتْ. وفِي أساطِيرِ اليُونانِ (مِيثُولُوجْيا) أنَّ مِنِيرْفا ونَبْتُونَ (الرَّبَّيْنِ في اعْتِقادِ اليُونانِ) تَنازَعا في تَعْيِينِ أحَدِهِما لِيَضَعَ اسْمًا لِمَدِينَةٍ بَناها (كَكْرابِيسُ) فَحَكَمَتِ الأرْبابُ بَيْنَهُما بِأنَّ هَذا الشَّرَفَ لا يَنالُهُ إلّا مَن يَصْنَعُ أنْفَعَ الأشْياءِ. فَأمّا (نَبْتُونُ) فَأوْجَدَ فَرَسًا بَحْرِيًّا عَظِيمَ القُوَّةِ، وأمًّا (مِينِيرْفا) فَصَنَعَتْ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ بِثَمَرَتِها، فَحَكَمَ الأرْبابُ لَها بِأنَّها أحَقُّ، فَلِذَلِكَ وضَعُوا لِلْمَدِينَةِ اسْمَ (أثِينا) الَّذِي هو اسْمُ مِنِيرْفا. وزَعَمُوا أنَّ (هِيرْكُولْ) لَمّا رَجَعَ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ جاءَ مَعَهُ بِأغْصانٍ مِنَ الزَّيْتُونِ فَغَرَسَها في جَبَلِ (أُولُمْبُوسَ) وهو مَسْكَنُ آلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ. فَقَدْ كانَ زَيْتُ الزَّيْتُونِ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ اليُونانِ مِن عَهْدِ (هُومِيرُوسَ) إذْ ذَكَرَ في الإلْياذَةِ أنَّ (أخْيُلَ) سَكَبَ زَيْتًا عَلى شِلْوِ (فِطْرِ قَلْيُوسَ) وشِلْوِ (هِكْتُورَ) . وكانَ الزَّيْتُ نادِرًا في مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ إذْ كانَ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ. وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونَةِ مَثَلًا لِنُورِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] . صفحة ٣٨ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ المُهِمَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ بِها تِلْكَ الشَّجَرَةُ في أوَّلِ تَكْوِينِها حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُبْصِرُها خارِجَةً بِالنَّباتِ في طُورِ سَيْناءَ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وهَذا أنْسَبُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ مَعْنى: تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ. ومَعْنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أنَّها تَنْبُتُ مُلابِسَةً لِلدُّهْنِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ لِباءِ المُلابَسَةِ. والمُلابَسَةُ مَعْنًى واسِعٌ. فَمُلابَسَةُ نَباتِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ مُلابَسَةٌ بِواسِطَةِ مُلابَسَةِ ثَمَرَتِها لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ؛ فَإنَّ ثَمَرَتَها تَشْتَمِلُ عَلى الزَّيْتِ وهو يُكَوِّنُ دُهْنًا وصِبْغًا لِلْآكِلِينَ. فَأمّا كَوْنُهُ دُهْنًا فَهو أنَّهُ يَدْهِنُ بِهِ النّاسُ أجْسادَهم ويُرَجِّلُونَ بِهِ شُعُورَهم ويَجْعَلُونَ فِيهِ عُطُورًا فَيُرَجِّلُونَ بِهِ الشُّعُورَ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْهِنُ بِالزَّيْتِ في رَأْسِهِ. والدُّهْنُ بِضَمِّ الدّالِ: اسْمٌ لِما يُدْهَنُ بِهِ، أيْ يُطْلى بِهِ شَيْءٌ، ويُطْلَقُ الدُّهْنُ عَلى الزَّيْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُطْلى بِهِ الجَسَدُ لِلتَّداوِي والشَّعْرُ لِلتَّرْجِيلِ. والصِّبْغُ، بِكَسْرِ الصّادِ: ما يُصْبَغُ بِهِ أيْ يُغَيَّرُ بِهِ اللَّوْنُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ في إطْلاقِهِ عَلى كُلِّ مائِعٍ يُطْلى بِهِ ظاهِرُ جِسْمٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وسُمِّيَ الزَّيْتُ صِبْغًا؛ لِأنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ. وعَطْفُ (صِبْغٍ) عَلى (الدُّهْنِ) بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ فِيما تَدُلُّ عَلَيْهِ مادَّةُ اشْتِقاقِ الوَصْفِ فَإنَّ الصِّبْغَ ما يُصْبَغُ بِهِ والدُّهْنَ ما يُدْهَنُ بِهِ والصِّبْغُ أخَصُّ؛ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ، وكانُوا يَأْدِمُونَ بِهِ الطَّعامَ وذَلِكَ صِبْغٌ لِلطَّعامِ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَنْ أبِي أُسَيْدٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: صفحة ٣٩ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، أوْ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، أيْ تُنْبِتُ هي ثَمَرَها، أيْ تُخْرِجُهُ.

المؤمنون 23:19

﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سِيناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ مُناسَبَةُ عَطْفِ إنْزالِ ماءِ المَطَرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أنَّ ماءَ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن صَوْبِ السَّماءِ، أيْ: مِن جِهَةِ السَّماءِ. وفِي إنْزالِ ماءِ المَطَرِ دَلالَةٌ عَلى سِعَةِ العِلْمِ ودَقِيقِ القُدْرَةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا مِنَّةٌ عَلى الخَلْقِ فالكَلامُ اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ إلى آخِرِهِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ الرَّعْدِ وسُورَةِ النَّحْلِ. وإنْزالُ الماءِ هو إسْقاطُهُ مِنَ السُّحُبِ ماءً وثَلْجًا وبَرَدًا عَلى السُّهُولِ والجِبالِ. صفحة ٢٩ والقَدَرُ هُنا: التَّقْدِيرُ والتَّعْيِينُ لِلْمِقْدارِ في الكَمِّ وفي النَّوْبَةِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَرِيحِهِ، أيْ: بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مُناسِبٍ لِلْإنْعامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا أُنْزِلَ كَذَلِكَ حَصَلَ بِهِ الرِّيُّ والتَّعاقُبُ، وكَذَلِكَ ذَوَبانُ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ. ويَصِحُّ أنْ يُقْصَدَ مَعَ ذَلِكَ الكِنايَةُ عَنِ الضَّبْطِ والإتْقانِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالقَدَرِ هُنا المَعْنى الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: وتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. والإسْكانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في مَسْكَنٍ، والمَسْكَنُ: مَحَلُّ القَرارِ، وهو مَفْعَلٌ، اسْمُ مَكانٍ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ. وأطْلَقَ الإسْكانَ عَلى الإقْرارِ في الأرْضِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. وهَذا الإقْرارُ عَلى نَوْعَيْنِ: إقْرارٌ قَصِيرٌ مِثْلَ إقْرارِ ماءِ المَطَرِ في القِشْرَةِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأرْضِ عَقِبَ نُزُولِ الأمْطارِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ غَزارَةُ المَطَرِ ورَخاوَةُ الأرْضِ وشِدَّةُ الحَرارَةِ أوْ شِدَّةُ البَرْدِ. وهو ما يَنْبُتُ بِهِ النَّباتُ في الحَرْثِ والبَقْلُ في الرَّبِيعِ وتَمْتَصُّ مِنهُ الأشْجارُ بِعُرُوقِها فَتُثْمِرُ إثْمارَها وتَخْرُجُ بِهِ عُرُوقُ الأشْجارِ وأُصُولُها مِنَ البُزُورِ الَّتِي في الأرْضِ. ونَوْعٌ آخَرُ هو إقْرارٌ طَوِيلٌ وهو إقْرارُ المِياهِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ المَطَرِ وعَنْ ذَوْبِ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ فَتَتَسَرَّبُ إلى دَواخِلِ الأرْضِ فَتَنْشَأُ مِنها العُيُونُ الَّتِي تَنْبُعُ بِنَفْسِها أوْ تُفَجَّرُ بِالحَفْرِ آبارًا. وجُمْلَةُ ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها، وفي هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى صالِحَةٌ لِلْإيجادِ والإعْدامِ. وتَنْكِيرُ (ذَهابٍ) لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، ومَعْنى التَّعْظِيمِ هُنا: تَعَدُّدُ أحْوالِ الذَّهابِ بِهِ مِن تَغْوِيرِهِ إلى أعْماقِ الأرْضِ بِانْشِقاقِ الأرْضِ بِزِلْزالٍ ونَحْوِهِ، ومِن تَجْفِيفِهِ بِشِدَّةِ الحَرارَةِ، ومِن إمْساكِ إنْزالِهِ زَمَنًا طَوِيلًا. وفِي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] . وفي الكَشّافِ: ( وهو - أيْ ما في هاتِهِ الآيَةِ - أبْلَغُ في الإيعادِ صفحة ٣٠ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] اهـ. فَبَيَّنَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ لِلْأبْلَغِيَّةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وجْهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وهَذا عَلى الجَزْمِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ ما أوْعَدَ بِهِ وإنْ لَمْ يَقَعْ. الثّانِي: التَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) . الثّالِثُ: اللّامُ في الخَبَرِ. الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ في مُطْلَقِ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وتِلْكَ في ماءٍ مُضافٍ إلَيْهِمْ. الخامِسُ: أنَّ الغائِرَ قَدْ يَكُونُ باقِيًا بِخِلافِ الذّاهِبِ. السّادِسُ: ما في تَنْكِيرِ (ذَهابٍ) مِنَ المُبالَغَةِ. السّابِعُ: إسْنادُهُ هاهُنا إلى مُذْهِبٍ بِخِلافِهِ ثَمَّتْ حَيْثُ قِيلَ (غَوْرًا) . الثّامِنُ: ما في ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ. التّاسِعُ: ما في (قادِرُونَ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ، والفِعْلُ الواقِعُ مِنَ القادِرِ أبْلَغُ. العاشِرُ: ما في جَمْعِهِ. الحادِي عَشَرَ: ما في لَفْظِ (بِهِ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُمْسِكُهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ. الثّانِي عَشَرَ: إخْلاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِإطْماعٍ وهُنالِكَ ذُكِرَ الإتْيانُ المَطْمَعُ. الثّالِثَ عَشَرَ: تَقْدِيمُ ما في الإيعادِ وهو الذَّهابُ عَلى ما هو كالمُتَعَلِّقِ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقِهِ عَلى المَذْهَبَيْنِ البَصْرِيِّ والكُوفِيِّ. الرّابِعَ عَشَرَ: ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفاوُتِ ثَباتًا وغَيْرَهُ. الخامِسَ عَشَرَ: ما في لَفْظِ أصْبَحَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ. السّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الإذْهابَ هاهُنا مُصَرَّحٌ بِهِ وهُنالِكَ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الِاسْتِفْهامِ. صفحة ٣١ السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ هُنالِكَ نَفْيُ ماءٍ خاصٍّ أعْنِي المَعِينَ بِخِلافِهِ هاهُنا. الثّامِنَ عَشَرَ: اعْتِبارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنها مُؤَكِّدًا. وزادَ الآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: التّاسِعَ عَشَرَ: إخْبارُهُ تَعالى نَفْسُهُ بِهِ مِن دُونِ أمْرٍ لِلْغَيْرِ هاهُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. العِشْرُونَ: عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخاطَبٍ هاهُنا وتَخْصِيصُ الكُفّارِ بِالخِطابِ هُنالِكَ. الحادِي والعِشْرُونَ: التَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا فَإنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ القُدْرَةِ ولا تَشْبِيهَ ثَمَّتَ. الثّانِي والعِشْرُونَ: إسْنادُ القُدْرَةِ إلَيْهِ تَعالى مَرَّتَيْنِ. ونَقَلَ الآلُوسِيُّ عَنْ عَصْرِيِّهِ المَوْلى مُحَمَّدٍ الزَّهاوِيِّ وُجُوهًا وهي: الثّالِثُ والعِشْرُونَ: تَضْمِينُ الإيعادِ هُنا إيعادُهم بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ (ذَهَبَ بِهِ) يَسْتَلْزِمُ مُصاحَبَةَ الفاعِلِ المَفْعُولَ، وذَهابَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ الماءِ بِمَعْنى ذَهابِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْهم ولَعْنِهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْها ولا كَذَلِكَ ما هُناكَ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ لِلذَّهابِ مُعَيَّنًا هُنا بِخِلافِهِ في (إنْ أصْبَحَ) فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الصَّيْرُورَةَ في الصُّبْحِ عَلى أحَدِ اسْتِعْمالَيْ (أصْبَحَ) ناقِصًا. الخامِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ جِهَةَ الذَّهابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأنَّها السُّفْلُ (أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ غَوْرًا) . السّادِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ الإيعادَ هُنا بِما لَمْ يُبْتَلُوا بِهِ قَطُّ بِما هُنالِكَ. السّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا إنْ وقَعَ فَهم هالِكُونَ ألْبَتَّةَ. الثّامِنُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنا لَهم مُتَشَبِّثٌ ولَوْ ضَعِيفًا في تَأْمِيلِ امْتِناعِ المَوْعِدِ بِهِ وهُناكَ حَيْثُ أسْنَدَ الإصْباحَ غَوْرًا إلى الماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الماءَ صفحة ٣٢ لا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَما هو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الحَكِيمِ، أيْضًا احْتُمِلَ أنْ يُتَوَهَّمَ الشَّرْطِيَّةُ مَعَ صِدْقِها مُمْتَنِعَةَ المَقْدَمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ. التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا يُحْتَمَلُ في بادِئِ النَّظَرِ وُقُوعُهُ حالًا بِخِلافِهِ هُناكَ فَإنَّ المُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكانِ (إنْ) . وظاهِرٌ أنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الوُقُوعِ في الحالِ أهْوَلُ، ومُتَعَيِّنِ الوُقُوعِ في الِاسْتِقْبالِ أهْوَنُ. الثَّلاثُونَ: أنَّ ما هُنا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الإيعادِ بِخِلافِ ما هُناكَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ولَوْ عُلِمَ بُعْدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِامْتِنانُ بِأنَّهُ: إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَلا يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ سِوى اللَّهُ تَعالى. وأنا أقُولُ: عُنِيَ هَؤُلاءِ النَّحارِيرُ بِبَيانِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدُهم لِلْكَشْفِ عَنْ وجْهِ تَوْفِيرِ الخَصائِصِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ الآيَةِ الأُخْرى مِمّا يُوازِنُها، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُلُوِّ الآيَةِ عَنْ نُكَتِ الإعْجازِ ولا عَجْزِ النّاظِرِينَ عَنِ اسْتِخْراجِ أمْثالِها؛ ولَكِنْ ما يُبَيَّنُ مِنَ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في القُرْآنِ لَيْسَ يُرِيدُ مَن يُبَيِّنُهُ أنَّ ما لاحَ لَهُ ووُفِّقَ إلَيْهِ هو قُصارى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في نَظْمِ القُرْآنِ مِنَ الخَصائِصِ والمَعانِي ولَكِنَّهُ مُبَلِّغٌ ما صادَفَ لَوْحُهُ لِلنّاظِرِ المُتَدَبِّرِ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في الكَشْفِ عَنْهُ عَلى قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ فَقَدْ يُفاضُ عَلى أحَدٍ مِن إدْراكِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ ولا يُفاضُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أوْ عَلى مِثْلِهِ في غَيْرِها. وإنَّما يَقْصِدُ أهْلُ المَعانِي بِإفاضَةِ القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ أنْ تَكُونَ نَمُوذَجًا لِاسْتِخْراجِ أمْثالِ تِلْكَ الخَصائِصِ في آياتٍ أُخْرى. كَما فَعَلَ السَّكّاكِيُّ في بَيانِ خَصائِصِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هود: ٤٤] الآيَةُ مِن مَبْحَثِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِنَ المِفْتاحِ، وأنَّهُ قالَ في مُنْتَهى كَلامِهِ: (ولا تَظُنَّنَّ الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى ما ذَكَرْتُ فَلَعَلَّ ما تَرَكْتُ أكْثَرُ مِمّا ذَكَرْتُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا الإرْشادُ لِكَيْفِيَّةِ اجْتِناءِ ثَمَراتِ عِلْمَيِ المَعانِي والبَيانِ) . صفحة ٣٣ وقَدْ نَقُولُ: إنَّ آيَةَ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ قُصِدَ مِنها الإنْذارُ والتَّهْدِيدُ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ المُلْكِ فالقَصْدُ مِنها الِاعْتِبارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَلْبِها، فاخْتِلافُ المَقامَيْنِ لَهُ أثَرٌ في اخْتِلافِ المُقْتَضَياتِ فَكانَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ آثَرَ بِوَفْرَةِ الخَصائِصِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ دُونَ تَعْطِيلٍ لِاسْتِخْراجِ خَصائِصٍ فِيها لَعَلَّنا نُلِمُّ بِها حِينَ نَصِلُ إلَيْها. عَلى أنَّ سُورَةَ المُلْكِ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ يَتَداخَلُ نُزُولُ بَعْضِها مَعَ نُزُولِ بَعْضِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا أُشْبِعَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ بِالخُصُوصِيّاتِ الَّتِي اقْتَضاها المَقامُ اكْتُفِيَ عَنْ مِثْلِها في نَظِيرَتِها مِن سُورَةِ المُلْكِ فَسَلَكَ في الثّانِيَةِ مَسْلَكَ الإيجازِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِنَظِيرِها. وإنْشاءُ الجَنّاتِ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى أوَّلُ إنْباتِ الجَنّاتِ في الأرْضِ ومِن بَعْدِ ذَلِكَ أُنْبِتَتِ الجَنّاتُ بِغَرْسِ البَشَرِ وذَلِكَ أيْضًا مِن صُنْعِ اللَّهِ بِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن مَعْرِفَةِ الغَرْسِ والزَّرْعِ والسَّقْيِ وتَفْجِيرِ المِياهِ واجْتِلابِها مِن بُعْدٍ، فَكُلُّ هَذا الإنْشاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والجَنَّةُ: المَكانُ ذُو الشَّجَرِ. وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى ما كانَ فِيهِ نَخْلٌ وكَرْمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ. وما ذُكِرَ هُنا مِن أصْنافِ الشَّجَرِ الثَّلاثَةِ هو أكْرَمُ الشَّجَرِ وأنْفَعُهُ ثَمَرًا وهو النَّخِيلُ والأعْنابُ والزَّيْتُونُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ والزَّيْتُونِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ. والفَواكِهُ: جَمَعُ فاكِهَةٍ، وهي الطَّعامُ الَّذِي يُتَفَكَّهُ بِأكْلِهِ، أيْ: يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ القُوتِ، فَإنْ قُصِدَ بِهِ القُوتُ قِيلَ لَهُ طَعامٌ. فَمِنَ الأطْعِمَةِ ما هو فاكِهَةٌ وطَعامٌ كالتَّمْرِ والعِنَبِ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا، ومِنها ما هو فاكِهَةٌ ولَيْسَ بِطَعامٍ كاللَّوْزِ والكُمَّثْرى، ومِنها ما هو طَعامٌ غَيْرُ فاكِهَةٍ كالزَّيْتُونِ، ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ عَنْ ذِكْرِ أخَوَيْها؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ الِامْتِنانُ بِما في ثَمَرَتِهِما مِنَ التَّفَكُّهِ والقُوتِ فَتَكُونُ مِنَّةً بِالحاجِيِّ والتَّحْسِينِيِّ. صفحة ٣٤ ووَصَفَ الفَواكِهَ بِـ (كَثِيرَةٍ) بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الأصْنافِ كالبُسْرِ والرَّطْبِ والتَّمْرِ، وكالزَّيْتِ والعِنَبِ الرَّطْبِ، وأيْضًا بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ إثْمارِ هَذَيْنِ الشَّجَرَيْنِ. (وشَجَرَةً) عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ وأخْرَجْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وجُمْلَةُ (تَخْرُجُ) صِفَةٌ لِـ (شَجَرَةً) . وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ طَيِّ كَوْنِ النّاسِ مِنها يَأْكُلُونَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِها، وإيماءٌ إلى كَثْرَةِ مَنافِعِها؛ لِأنَّ مِن ثَمَرَتِها طَعامًا وإصْلاحًا ومُداواةً، ومِن أعْوادِها وقُودٌ وغَيْرُهُ. وفي الحَدِيثِ كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. وطُورُ سَيْناءَ: جَبَلٌ في صَحْراءِ سَيْناءَ الواقِعَةِ بَيْنَ عَقَبَةِ أيْلَةَ وبَيْنَ مِصْرِ، وهي مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ في القَدِيمِ وفِيهِ ناجى مُوسى رَبَّهُ تَعالى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الطُّورِ بِدُونِ إضافَةٍ، وطُورُ سَيْناءَ أوْ طُورُ سِينِينَ. ومَعْنى الطُّورِ: الجَبَلُ. وسَيْناءُ قِيلَ: اسْمُ شَجَرٍ يَكْثُرُ هُنالِكَ. وقِيلَ: اسْمُ حِجارَةٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ. قِيلَ: هو اسْمٌ نَبَطِيٌّ وقِيلَ: هو اسْمٌ حَبَشِيٌّ ولا يَصِحُّ. وإنَّما اغْتَرَّ مَن قالَهُ بِمُشابَهَةِ هَذا الِاسْمِ لِوَصْفِ الحُسْنِ في اللُّغَةِ الحَبَشِيَّةِ وهو كَلِمَةُ: سَناهُ. ومِثْلُ هَذا التَّشابُهِ قَدْ أثارَ أغْلاطًا. وسُكِّنَتْ ياءُ (سَيْناءَ) سُكُونًا مَيِّتًا وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فِيها الفَتْحُ وسُكُونُ الياءِ سُكُونًا حَيًّا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ، وهو في القِراءَتَيْنِ مَمْدُودٌ، وهو فِيهِما مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ فَقِيلَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعِلاءَ إذا كانَ عَيْنُهُ أصْلًا لا تَكُونُ ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ وألِفُ الإلْحاقِ لا تَمْنَعُ الصَّرْفَ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَمَنعُهُ لِأجْلِ ألِفِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعَلاءَ مِن أوْزانِ ألِفِ التَّأْنِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَها مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِطُورِ سَيْناءَ. وقَدْ غُمِضَ وجْهُ ذاكَ. والَّذِي أراهُ أنَّ الخُرُوجَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّشْأةِ صفحة ٣٥ والتَّخَلُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] . وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ الخُرُوجِ هو البُرُوزُ مِنَ المَكانِ ولَمّا كانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَبْرُزُ بَعْدَ العَدَمِ وكانَ المَكانُ لازِمًا لِكُلِّ حادِثٍ شَبَّهَ ظُهُورَ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ مَحْجُوبًا فِيهِ. وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ في القُرْآنِ. فَيَظْهَرُ أنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ أوَّلَ شَجَرِ الزَّيْتُونِ في طُورِ سَيْناءَ، وذَلِكَ أنَّ الأجْناسَ والأنْواعَ المَوْجُودَةَ عَلى الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لا بُدَّ لَها مِن مَواطِنَ كانَ فِيها ابْتِداءُ وجُودِها قَبْلَ وُجُودِها في غَيْرِها؛ لِأنَّ بَعْضَ الأمْكِنَةِ تَكُونُ أسْعَدَ لِنَشْأةِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ مِن بَعْضٍ آخَرَ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ طَبِيعَةِ المَكانِ وطَبِيعَةِ الشَّيْءِ المَوْجُودِ فِيهِ مِن حَرارَةٍ أوْ بُرُودَةٍ أوِ اعْتِدالٍ، وكَذَلِكَ فُصُولُ السَّنَةِ كالرَّبِيعِ لِبَعْضِ الحَيَوانِ والشِّتاءِ لِبَعْضٍ آخَرَ والصَّيْفِ لِبَعْضٍ غَيْرِها، فاللَّهُ تَعالى يُوجِدُ المَوْجُوداتِ في الأحْوالِ المُناسِبَةِ لَها فالحَيَوانُ والنَّباتُ كُلُّهُ جارٍ عَلى هَذا القانُونِ. ثُمَّ إنَّ البَشَرَ إذا نَقَلُوا حَيَوانًا أوْ نَباتًا مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أوْ أرادُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في فَصْلٍ غَيْرِ فَصْلِهِ ورَأوْا عَدَمَ صَلاحِيَةِ المَكانِ أوِ الزَّمانِ المَنقُولِ إلَيْهِما يَحْتالُونَ لَهُ بِما يُكْمِلُ نَقْصَهُ مِن تَدْفِئَةٍ في شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ تَبْرِيدٍ بِسَبْحٍ في الماءِ في شِدَّةِ الحَرِّ حَتّى لا يَتَعَطَّلَ تَناسُلُ ذَلِكَ المَنقُولِ إلى غَيْرِ مَكانِهِ، فَكَما أنَّ بَعْضَ الحَيَوانِ أوِ النَّباتِ لا يَعِيشُ طَوِيلًا في بَعْضِ المَناطِقِ غَيْرِ المُلايِمَةِ لِطِباعِهِ كالغَزالِ في بِلادِ الثُّلُوجِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الأماكِنِ مِنَ المِنطَقَةِ المُلائِمَةِ لِلْحَيَوانِ أوِ النَّباتِ أصْلَحَ بِهِ مِن بَعْضِ جِهاتِ تِلْكَ المِنطَقَةِ، فَلَعَلَّ جَوَّ طُورِ سَيْناءَ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ المَناطِقِ المُتَطَرِّفَةِ حَرًّا وبَرْدًا ولِتَوَسُّطِ ارْتِفاعِهِ بَيْنَ النُّجُودِ والسُّهُولِ يَكُونُ أسْعَدَ بِطَبْعِ فَصِيلَةِ الزَّيْتُونِ كَما قالَ تَعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فاللَّهُ تَعالى هَيَّأ لِتَكْوِينِها حِينَ أرادَ تَكْوِينَها ذَلِكَ المَكانَ كَما هَيَّأ لِتَكْوِينِ آدَمَ طِينَةً خاصَّةً فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ [الرحمن: ١٤] . ثُمَّ يَكُونُ الزَّيْتُونُ قَدْ نُقِلَ مِن أوَّلِ مَكانٍ صفحة ٣٦ ظَهَرَ فِيهِ إلى أمْكِنَةٍ أُخْرى نَقَلَهُ إلَيْها ساكِنُوها لِلِانْتِفاعِ بِهِ فَنَجَحَ في بَعْضِها ولَمْ يَنْجَحْ في بَعْضٍ. وقَدْ ثَبَتَ في التَّوْراةِ أنَّ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفانِ وبَعْدَهُ. فَفي الإصْحاحِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ: أنَّ نُوحًا أرْسَلَ حَمامَةً تَبْحَثُ عَنْ مَكانٍ غِيضَتْ عَنْهُ مِياهُ الطُّوفانِ فَرَجَعَتِ الحَمامَةُ عِنْدَ المَساءِ تَحْمِلُ في مِنقارِها ورَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْراءَ فَعَلِمَ نُوحٌ أنَّ الماءَ أخَذَ يَغِيضُ عَنِ الأرْضِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ابْتِداءَ غَيْضِ الماءِ إنَّما يَنْكَشِفُ عَنْ أعالِي الجِبالِ أوَّلَ الأمْرِ فَلَعَلَّ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي حَمَلَتْها الحَمامَةُ كانَتْ مِن شَجَرَةٍ في طُورِ سَيْناءَ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَرَفَ نُوحٌ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ قَبْلَ الطُّوفانِ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ اسْتِعْمالِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ في طَعامٍ في التّارِيخِ القَدِيمِ إلّا في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيّامَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَ طُورِ سَيْناءَ؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الزَّيْتُ لِإنارَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ بِوَحْيِ اللَّهِ لِمُوسى، وسَكَبَ مُوسى دُهْنَ المَسْحَةِ عَلى رَأْسِ هارُونَ أخِيهِ حِينَ أقامَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى تَخْرُجُ: تَظْهَرُ وتُعْرَفُ، فَيَكُونُ أوَّلُ اهْتِداءِ النّاسِ إلى مَنافِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وانْتِقالِهِمْ إيّاها كانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي بِطُورِ سَيْناءَ. وهَذا كَما نُسَمِّي الدِّيكَ الرُّومِيَّ في بَلَدِنا بِالدِّيكِ الهِنْدِيِّ؛ لِأنَّ النّاسَ عَرَفُوهُ مِن بِلادِ الهِنْدِ، وكَما تُسَمّى بَعْضُ السُّيُوفِ في بِلادِ العَرَبِ بِالمَشْرَفِيَّةِ؛ لِأنَّها عُرِفَتْ مِن مَشارِفِ الشّامِ، وبَعْضُ الرِّماحِ الخَطِّيَّةِ؛ لِأنَّها تَرِدُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن مَرْفَأٍ يُقالُ لَهُ: الخَطُّ، وبَعْضُ السُّيُوفِ بِالمُهَنَّدِ؛ لِأنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ الهِنْدِ، وقَدْ كانَ الزَّيْتُ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينِ. صفحة ٣٧ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ القَصْدُ مِن ذِكْرِ أنَّها تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَنبَتُها الأصْلِيُّ وإلّا فَإنَّ الِامْتِنانَ بِها لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا يَوْمَئِذٍ لِسُكّانِ طُورِ سَيْناءَ. وما كانَ هَذا التَّنْبِيهُ إلّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَرَفِ مَنبَتِها وكَرَمِ المَوْطِنِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ، ولَمْ تَزَلْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ مَشْهُورَةً بِالبَرَكَةِ بَيْنَ النّاسِ. ورَأيْتُ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ الأصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ صالِحٍ: أنَّ كُلَّ زَيْتُونَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِن غَرْسِ أُمَمٍ يُقالُ لَهُمُ اليُونانِيُّونَ اهـ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ زَيْتُونَ زَمانِهِمُ الَّذِي أخْلَفُوا بِهِ أشْجارًا قَدِيمَةً بادَتْ. وفِي أساطِيرِ اليُونانِ (مِيثُولُوجْيا) أنَّ مِنِيرْفا ونَبْتُونَ (الرَّبَّيْنِ في اعْتِقادِ اليُونانِ) تَنازَعا في تَعْيِينِ أحَدِهِما لِيَضَعَ اسْمًا لِمَدِينَةٍ بَناها (كَكْرابِيسُ) فَحَكَمَتِ الأرْبابُ بَيْنَهُما بِأنَّ هَذا الشَّرَفَ لا يَنالُهُ إلّا مَن يَصْنَعُ أنْفَعَ الأشْياءِ. فَأمّا (نَبْتُونُ) فَأوْجَدَ فَرَسًا بَحْرِيًّا عَظِيمَ القُوَّةِ، وأمًّا (مِينِيرْفا) فَصَنَعَتْ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ بِثَمَرَتِها، فَحَكَمَ الأرْبابُ لَها بِأنَّها أحَقُّ، فَلِذَلِكَ وضَعُوا لِلْمَدِينَةِ اسْمَ (أثِينا) الَّذِي هو اسْمُ مِنِيرْفا. وزَعَمُوا أنَّ (هِيرْكُولْ) لَمّا رَجَعَ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ جاءَ مَعَهُ بِأغْصانٍ مِنَ الزَّيْتُونِ فَغَرَسَها في جَبَلِ (أُولُمْبُوسَ) وهو مَسْكَنُ آلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ. فَقَدْ كانَ زَيْتُ الزَّيْتُونِ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ اليُونانِ مِن عَهْدِ (هُومِيرُوسَ) إذْ ذَكَرَ في الإلْياذَةِ أنَّ (أخْيُلَ) سَكَبَ زَيْتًا عَلى شِلْوِ (فِطْرِ قَلْيُوسَ) وشِلْوِ (هِكْتُورَ) . وكانَ الزَّيْتُ نادِرًا في مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ إذْ كانَ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ. وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونَةِ مَثَلًا لِنُورِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] . صفحة ٣٨ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ المُهِمَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ بِها تِلْكَ الشَّجَرَةُ في أوَّلِ تَكْوِينِها حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُبْصِرُها خارِجَةً بِالنَّباتِ في طُورِ سَيْناءَ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وهَذا أنْسَبُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ مَعْنى: تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ. ومَعْنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أنَّها تَنْبُتُ مُلابِسَةً لِلدُّهْنِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ لِباءِ المُلابَسَةِ. والمُلابَسَةُ مَعْنًى واسِعٌ. فَمُلابَسَةُ نَباتِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ مُلابَسَةٌ بِواسِطَةِ مُلابَسَةِ ثَمَرَتِها لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ؛ فَإنَّ ثَمَرَتَها تَشْتَمِلُ عَلى الزَّيْتِ وهو يُكَوِّنُ دُهْنًا وصِبْغًا لِلْآكِلِينَ. فَأمّا كَوْنُهُ دُهْنًا فَهو أنَّهُ يَدْهِنُ بِهِ النّاسُ أجْسادَهم ويُرَجِّلُونَ بِهِ شُعُورَهم ويَجْعَلُونَ فِيهِ عُطُورًا فَيُرَجِّلُونَ بِهِ الشُّعُورَ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْهِنُ بِالزَّيْتِ في رَأْسِهِ. والدُّهْنُ بِضَمِّ الدّالِ: اسْمٌ لِما يُدْهَنُ بِهِ، أيْ يُطْلى بِهِ شَيْءٌ، ويُطْلَقُ الدُّهْنُ عَلى الزَّيْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُطْلى بِهِ الجَسَدُ لِلتَّداوِي والشَّعْرُ لِلتَّرْجِيلِ. والصِّبْغُ، بِكَسْرِ الصّادِ: ما يُصْبَغُ بِهِ أيْ يُغَيَّرُ بِهِ اللَّوْنُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ في إطْلاقِهِ عَلى كُلِّ مائِعٍ يُطْلى بِهِ ظاهِرُ جِسْمٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وسُمِّيَ الزَّيْتُ صِبْغًا؛ لِأنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ. وعَطْفُ (صِبْغٍ) عَلى (الدُّهْنِ) بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ فِيما تَدُلُّ عَلَيْهِ مادَّةُ اشْتِقاقِ الوَصْفِ فَإنَّ الصِّبْغَ ما يُصْبَغُ بِهِ والدُّهْنَ ما يُدْهَنُ بِهِ والصِّبْغُ أخَصُّ؛ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ، وكانُوا يَأْدِمُونَ بِهِ الطَّعامَ وذَلِكَ صِبْغٌ لِلطَّعامِ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَنْ أبِي أُسَيْدٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: صفحة ٣٩ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، أوْ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، أيْ تُنْبِتُ هي ثَمَرَها، أيْ تُخْرِجُهُ.

المؤمنون 23:20

﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سِيناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ مُناسَبَةُ عَطْفِ إنْزالِ ماءِ المَطَرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] أنَّ ماءَ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن صَوْبِ السَّماءِ، أيْ: مِن جِهَةِ السَّماءِ. وفِي إنْزالِ ماءِ المَطَرِ دَلالَةٌ عَلى سِعَةِ العِلْمِ ودَقِيقِ القُدْرَةِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا مِنَّةٌ عَلى الخَلْقِ فالكَلامُ اعْتِبارٌ وامْتِنانٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ إلى آخِرِهِ. ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ الرَّعْدِ وسُورَةِ النَّحْلِ. وإنْزالُ الماءِ هو إسْقاطُهُ مِنَ السُّحُبِ ماءً وثَلْجًا وبَرَدًا عَلى السُّهُولِ والجِبالِ. صفحة ٢٩ والقَدَرُ هُنا: التَّقْدِيرُ والتَّعْيِينُ لِلْمِقْدارِ في الكَمِّ وفي النَّوْبَةِ، فَيَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ عَلى صَرِيحِهِ، أيْ: بِمِقْدارٍ مُعَيَّنٍ مُناسِبٍ لِلْإنْعامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا أُنْزِلَ كَذَلِكَ حَصَلَ بِهِ الرِّيُّ والتَّعاقُبُ، وكَذَلِكَ ذَوَبانُ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ. ويَصِحُّ أنْ يُقْصَدَ مَعَ ذَلِكَ الكِنايَةُ عَنِ الضَّبْطِ والإتْقانِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالقَدَرِ هُنا المَعْنى الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: وتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ. والإسْكانُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في مَسْكَنٍ، والمَسْكَنُ: مَحَلُّ القَرارِ، وهو مَفْعَلٌ، اسْمُ مَكانٍ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ. وأطْلَقَ الإسْكانَ عَلى الإقْرارِ في الأرْضِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. وهَذا الإقْرارُ عَلى نَوْعَيْنِ: إقْرارٌ قَصِيرٌ مِثْلَ إقْرارِ ماءِ المَطَرِ في القِشْرَةِ الظّاهِرَةِ مِنَ الأرْضِ عَقِبَ نُزُولِ الأمْطارِ عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ غَزارَةُ المَطَرِ ورَخاوَةُ الأرْضِ وشِدَّةُ الحَرارَةِ أوْ شِدَّةُ البَرْدِ. وهو ما يَنْبُتُ بِهِ النَّباتُ في الحَرْثِ والبَقْلُ في الرَّبِيعِ وتَمْتَصُّ مِنهُ الأشْجارُ بِعُرُوقِها فَتُثْمِرُ إثْمارَها وتَخْرُجُ بِهِ عُرُوقُ الأشْجارِ وأُصُولُها مِنَ البُزُورِ الَّتِي في الأرْضِ. ونَوْعٌ آخَرُ هو إقْرارٌ طَوِيلٌ وهو إقْرارُ المِياهِ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ المَطَرِ وعَنْ ذَوْبِ الثُّلُوجِ النّازِلَةِ فَتَتَسَرَّبُ إلى دَواخِلِ الأرْضِ فَتَنْشَأُ مِنها العُيُونُ الَّتِي تَنْبُعُ بِنَفْسِها أوْ تُفَجَّرُ بِالحَفْرِ آبارًا. وجُمْلَةُ ﴿وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها، وفي هَذا تَذْكِيرٌ بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى صالِحَةٌ لِلْإيجادِ والإعْدامِ. وتَنْكِيرُ (ذَهابٍ) لِلتَّفْخِيمِ والتَّعْظِيمِ، ومَعْنى التَّعْظِيمِ هُنا: تَعَدُّدُ أحْوالِ الذَّهابِ بِهِ مِن تَغْوِيرِهِ إلى أعْماقِ الأرْضِ بِانْشِقاقِ الأرْضِ بِزِلْزالٍ ونَحْوِهِ، ومِن تَجْفِيفِهِ بِشِدَّةِ الحَرارَةِ، ومِن إمْساكِ إنْزالِهِ زَمَنًا طَوِيلًا. وفِي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] . وفي الكَشّافِ: ( وهو - أيْ ما في هاتِهِ الآيَةِ - أبْلَغُ في الإيعادِ صفحة ٣٠ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] اهـ. فَبَيَّنَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ لِلْأبْلَغِيَّةِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وجْهًا: الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وهَذا عَلى الجَزْمِ عَلى مَعْنى أنَّهُ أدَلُّ عَلى تَحْقِيقِ ما أوْعَدَ بِهِ وإنْ لَمْ يَقَعْ. الثّانِي: التَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) . الثّالِثُ: اللّامُ في الخَبَرِ. الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ في مُطْلَقِ الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ وتِلْكَ في ماءٍ مُضافٍ إلَيْهِمْ. الخامِسُ: أنَّ الغائِرَ قَدْ يَكُونُ باقِيًا بِخِلافِ الذّاهِبِ. السّادِسُ: ما في تَنْكِيرِ (ذَهابٍ) مِنَ المُبالَغَةِ. السّابِعُ: إسْنادُهُ هاهُنا إلى مُذْهِبٍ بِخِلافِهِ ثَمَّتْ حَيْثُ قِيلَ (غَوْرًا) . الثّامِنُ: ما في ضَمِيرِ المُعَظِّمِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّوْعَةِ. التّاسِعُ: ما في (قادِرُونَ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ، والفِعْلُ الواقِعُ مِنَ القادِرِ أبْلَغُ. العاشِرُ: ما في جَمْعِهِ. الحادِي عَشَرَ: ما في لَفْظِ (بِهِ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما يُمْسِكُهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ. الثّانِي عَشَرَ: إخْلاؤُهُ مِنَ التَّعْقِيبِ بِإطْماعٍ وهُنالِكَ ذُكِرَ الإتْيانُ المَطْمَعُ. الثّالِثَ عَشَرَ: تَقْدِيمُ ما في الإيعادِ وهو الذَّهابُ عَلى ما هو كالمُتَعَلِّقِ لَهُ أوْ مُتَعَلِّقِهِ عَلى المَذْهَبَيْنِ البَصْرِيِّ والكُوفِيِّ. الرّابِعَ عَشَرَ: ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الِاسْمِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ مِنَ التَّفاوُتِ ثَباتًا وغَيْرَهُ. الخامِسَ عَشَرَ: ما في لَفْظِ أصْبَحَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِقالِ والصَّيْرُورَةِ. السّادِسَ عَشَرَ: أنَّ الإذْهابَ هاهُنا مُصَرَّحٌ بِهِ وهُنالِكَ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الِاسْتِفْهامِ. صفحة ٣١ السّابِعَ عَشَرَ: أنَّ هُنالِكَ نَفْيُ ماءٍ خاصٍّ أعْنِي المَعِينَ بِخِلافِهِ هاهُنا. الثّامِنَ عَشَرَ: اعْتِبارُ مَجْمُوعِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي يَكْفِي كُلٌّ مِنها مُؤَكِّدًا. وزادَ الآلُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ فَقالَ: التّاسِعَ عَشَرَ: إخْبارُهُ تَعالى نَفْسُهُ بِهِ مِن دُونِ أمْرٍ لِلْغَيْرِ هاهُنا بِخِلافِهِ هُنالِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ. العِشْرُونَ: عَدَمُ تَخْصِيصِ مُخاطَبٍ هاهُنا وتَخْصِيصُ الكُفّارِ بِالخِطابِ هُنالِكَ. الحادِي والعِشْرُونَ: التَّشْبِيهُ المُسْتَفادُ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا فَإنَّهُ يُفِيدُ تَحْقِيقَ القُدْرَةِ ولا تَشْبِيهَ ثَمَّتَ. الثّانِي والعِشْرُونَ: إسْنادُ القُدْرَةِ إلَيْهِ تَعالى مَرَّتَيْنِ. ونَقَلَ الآلُوسِيُّ عَنْ عَصْرِيِّهِ المَوْلى مُحَمَّدٍ الزَّهاوِيِّ وُجُوهًا وهي: الثّالِثُ والعِشْرُونَ: تَضْمِينُ الإيعادِ هُنا إيعادُهم بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ (ذَهَبَ بِهِ) يَسْتَلْزِمُ مُصاحَبَةَ الفاعِلِ المَفْعُولَ، وذَهابَ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ الماءِ بِمَعْنى ذَهابِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَنْهم ولَعْنِهِمْ وطَرْدِهِمْ عَنْها ولا كَذَلِكَ ما هُناكَ. الرّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَيْسَ الوَقْتُ لِلذَّهابِ مُعَيَّنًا هُنا بِخِلافِهِ في (إنْ أصْبَحَ) فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الصَّيْرُورَةَ في الصُّبْحِ عَلى أحَدِ اسْتِعْمالَيْ (أصْبَحَ) ناقِصًا. الخامِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ جِهَةَ الذَّهابِ بِهِ لَيْسَتْ مُعَيَّنَةً بِأنَّها السُّفْلُ (أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ غَوْرًا) . السّادِسُ والعِشْرُونَ: أنَّ الإيعادَ هُنا بِما لَمْ يُبْتَلُوا بِهِ قَطُّ بِما هُنالِكَ. السّابِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا إنْ وقَعَ فَهم هالِكُونَ ألْبَتَّةَ. الثّامِنُ والعِشْرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ هُنا لَهم مُتَشَبِّثٌ ولَوْ ضَعِيفًا في تَأْمِيلِ امْتِناعِ المَوْعِدِ بِهِ وهُناكَ حَيْثُ أسْنَدَ الإصْباحَ غَوْرًا إلى الماءِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الماءَ صفحة ٣٢ لا يُصْبِحُ غَوْرًا بِنَفْسِهِ كَما هو تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الحَكِيمِ، أيْضًا احْتُمِلَ أنْ يُتَوَهَّمَ الشَّرْطِيَّةُ مَعَ صِدْقِها مُمْتَنِعَةَ المَقْدَمِ فَيَأْمَنُوا وُقُوعَهُ. التّاسِعُ والعِشْرُونَ: أنَّ المُوعَدَ بِهِ هُنا يُحْتَمَلُ في بادِئِ النَّظَرِ وُقُوعُهُ حالًا بِخِلافِهِ هُناكَ فَإنَّ المُسْتَقْبَلَ مُتَعَيِّنٌ لِوُقُوعِهِ لِمَكانِ (إنْ) . وظاهِرٌ أنَّ التَّهْدِيدَ بِمُحْتَمَلِ الوُقُوعِ في الحالِ أهْوَلُ، ومُتَعَيِّنِ الوُقُوعِ في الِاسْتِقْبالِ أهْوَنُ. الثَّلاثُونَ: أنَّ ما هُنا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الإيعادِ بِخِلافِ ما هُناكَ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ولَوْ عُلِمَ بُعْدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الِامْتِنانُ بِأنَّهُ: إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَلا يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ سِوى اللَّهُ تَعالى. وأنا أقُولُ: عُنِيَ هَؤُلاءِ النَّحارِيرُ بِبَيانِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدُهم لِلْكَشْفِ عَنْ وجْهِ تَوْفِيرِ الخَصائِصِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ الآيَةِ الأُخْرى مِمّا يُوازِنُها، ولَيْسَ ذَلِكَ لِخُلُوِّ الآيَةِ عَنْ نُكَتِ الإعْجازِ ولا عَجْزِ النّاظِرِينَ عَنِ اسْتِخْراجِ أمْثالِها؛ ولَكِنْ ما يُبَيَّنُ مِنَ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في القُرْآنِ لَيْسَ يُرِيدُ مَن يُبَيِّنُهُ أنَّ ما لاحَ لَهُ ووُفِّقَ إلَيْهِ هو قُصارى ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في نَظْمِ القُرْآنِ مِنَ الخَصائِصِ والمَعانِي ولَكِنَّهُ مُبَلِّغٌ ما صادَفَ لَوْحُهُ لِلنّاظِرِ المُتَدَبِّرِ، والعُلَماءُ مُتَفاوِتُونَ في الكَشْفِ عَنْهُ عَلى قَدْرِ القَرائِحِ والفُهُومِ فَقَدْ يُفاضُ عَلى أحَدٍ مِن إدْراكِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ في بَعْضِ الآياتِ ولا يُفاضُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ أوْ عَلى مِثْلِهِ في غَيْرِها. وإنَّما يَقْصِدُ أهْلُ المَعانِي بِإفاضَةِ القَوْلِ في بَعْضِ الآياتِ أنْ تَكُونَ نَمُوذَجًا لِاسْتِخْراجِ أمْثالِ تِلْكَ الخَصائِصِ في آياتٍ أُخْرى. كَما فَعَلَ السَّكّاكِيُّ في بَيانِ خَصائِصِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ [هود: ٤٤] الآيَةُ مِن مَبْحَثِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ مِنَ المِفْتاحِ، وأنَّهُ قالَ في مُنْتَهى كَلامِهِ: (ولا تَظُنَّنَّ الآيَةَ مَقْصُورَةً عَلى ما ذَكَرْتُ فَلَعَلَّ ما تَرَكْتُ أكْثَرُ مِمّا ذَكَرْتُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا الإرْشادُ لِكَيْفِيَّةِ اجْتِناءِ ثَمَراتِ عِلْمَيِ المَعانِي والبَيانِ) . صفحة ٣٣ وقَدْ نَقُولُ: إنَّ آيَةَ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ قُصِدَ مِنها الإنْذارُ والتَّهْدِيدُ بِسَلْبِ تِلْكَ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ المُلْكِ فالقَصْدُ مِنها الِاعْتِبارُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَلْبِها، فاخْتِلافُ المَقامَيْنِ لَهُ أثَرٌ في اخْتِلافِ المُقْتَضَياتِ فَكانَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ آثَرَ بِوَفْرَةِ الخَصائِصِ المُناسِبَةِ لِمَقامِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ دُونَ تَعْطِيلٍ لِاسْتِخْراجِ خَصائِصٍ فِيها لَعَلَّنا نُلِمُّ بِها حِينَ نَصِلُ إلَيْها. عَلى أنَّ سُورَةَ المُلْكِ نَزَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ يَتَداخَلُ نُزُولُ بَعْضِها مَعَ نُزُولِ بَعْضِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا أُشْبِعَتْ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ بِالخُصُوصِيّاتِ الَّتِي اقْتَضاها المَقامُ اكْتُفِيَ عَنْ مِثْلِها في نَظِيرَتِها مِن سُورَةِ المُلْكِ فَسَلَكَ في الثّانِيَةِ مَسْلَكَ الإيجازِ لِقُرْبِ العَهْدِ بِنَظِيرِها. وإنْشاءُ الجَنّاتِ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى أوَّلُ إنْباتِ الجَنّاتِ في الأرْضِ ومِن بَعْدِ ذَلِكَ أُنْبِتَتِ الجَنّاتُ بِغَرْسِ البَشَرِ وذَلِكَ أيْضًا مِن صُنْعِ اللَّهِ بِما أوْدَعَ في العُقُولِ مِن مَعْرِفَةِ الغَرْسِ والزَّرْعِ والسَّقْيِ وتَفْجِيرِ المِياهِ واجْتِلابِها مِن بُعْدٍ، فَكُلُّ هَذا الإنْشاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والجَنَّةُ: المَكانُ ذُو الشَّجَرِ. وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى ما كانَ فِيهِ نَخْلٌ وكَرْمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ. وما ذُكِرَ هُنا مِن أصْنافِ الشَّجَرِ الثَّلاثَةِ هو أكْرَمُ الشَّجَرِ وأنْفَعُهُ ثَمَرًا وهو النَّخِيلُ والأعْنابُ والزَّيْتُونُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النَّخِيلِ والأعْنابِ والزَّيْتُونِ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ. والفَواكِهُ: جَمَعُ فاكِهَةٍ، وهي الطَّعامُ الَّذِي يُتَفَكَّهُ بِأكْلِهِ، أيْ: يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِن غَيْرِ قَصْدِ القُوتِ، فَإنْ قُصِدَ بِهِ القُوتُ قِيلَ لَهُ طَعامٌ. فَمِنَ الأطْعِمَةِ ما هو فاكِهَةٌ وطَعامٌ كالتَّمْرِ والعِنَبِ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ رَطْبًا ويابِسًا، ومِنها ما هو فاكِهَةٌ ولَيْسَ بِطَعامٍ كاللَّوْزِ والكُمَّثْرى، ومِنها ما هو طَعامٌ غَيْرُ فاكِهَةٍ كالزَّيْتُونِ، ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ عَنْ ذِكْرِ أخَوَيْها؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ الِامْتِنانُ بِما في ثَمَرَتِهِما مِنَ التَّفَكُّهِ والقُوتِ فَتَكُونُ مِنَّةً بِالحاجِيِّ والتَّحْسِينِيِّ. صفحة ٣٤ ووَصَفَ الفَواكِهَ بِـ (كَثِيرَةٍ) بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ الأصْنافِ كالبُسْرِ والرَّطْبِ والتَّمْرِ، وكالزَّيْتِ والعِنَبِ الرَّطْبِ، وأيْضًا بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ إثْمارِ هَذَيْنِ الشَّجَرَيْنِ. (وشَجَرَةً) عَطْفٌ عَلى (جَنّاتٍ) أيْ وأخْرَجْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ وهي شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وجُمْلَةُ (تَخْرُجُ) صِفَةٌ لِـ (شَجَرَةً) . وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ طَيِّ كَوْنِ النّاسِ مِنها يَأْكُلُونَ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِها، وإيماءٌ إلى كَثْرَةِ مَنافِعِها؛ لِأنَّ مِن ثَمَرَتِها طَعامًا وإصْلاحًا ومُداواةً، ومِن أعْوادِها وقُودٌ وغَيْرُهُ. وفي الحَدِيثِ كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ. وطُورُ سَيْناءَ: جَبَلٌ في صَحْراءِ سَيْناءَ الواقِعَةِ بَيْنَ عَقَبَةِ أيْلَةَ وبَيْنَ مِصْرِ، وهي مِن بِلادِ فِلَسْطِينَ في القَدِيمِ وفِيهِ ناجى مُوسى رَبَّهُ تَعالى، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . وغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الطُّورِ بِدُونِ إضافَةٍ، وطُورُ سَيْناءَ أوْ طُورُ سِينِينَ. ومَعْنى الطُّورِ: الجَبَلُ. وسَيْناءُ قِيلَ: اسْمُ شَجَرٍ يَكْثُرُ هُنالِكَ. وقِيلَ: اسْمُ حِجارَةٍ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ. قِيلَ: هو اسْمٌ نَبَطِيٌّ وقِيلَ: هو اسْمٌ حَبَشِيٌّ ولا يَصِحُّ. وإنَّما اغْتَرَّ مَن قالَهُ بِمُشابَهَةِ هَذا الِاسْمِ لِوَصْفِ الحُسْنِ في اللُّغَةِ الحَبَشِيَّةِ وهو كَلِمَةُ: سَناهُ. ومِثْلُ هَذا التَّشابُهِ قَدْ أثارَ أغْلاطًا. وسُكِّنَتْ ياءُ (سَيْناءَ) سُكُونًا مَيِّتًا وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فِيها الفَتْحُ وسُكُونُ الياءِ سُكُونًا حَيًّا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ، وهو في القِراءَتَيْنِ مَمْدُودٌ، وهو فِيهِما مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ فَقِيلَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعِلاءَ إذا كانَ عَيْنُهُ أصْلًا لا تَكُونُ ألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ بَلْ لِلْإلْحاقِ وألِفُ الإلْحاقِ لا تَمْنَعُ الصَّرْفَ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ فَمَنعُهُ لِأجْلِ ألِفِ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ وزْنَ فَعَلاءَ مِن أوْزانِ ألِفِ التَّأْنِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لَها مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِطُورِ سَيْناءَ. وقَدْ غُمِضَ وجْهُ ذاكَ. والَّذِي أراهُ أنَّ الخُرُوجَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّشْأةِ صفحة ٣٥ والتَّخَلُّقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ [الزمر: ٢١] . وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ الخُرُوجِ هو البُرُوزُ مِنَ المَكانِ ولَمّا كانَ كُلُّ مَخْلُوقٍ يَبْرُزُ بَعْدَ العَدَمِ وكانَ المَكانُ لازِمًا لِكُلِّ حادِثٍ شَبَّهَ ظُهُورَ الشَّيْءِ بَعْدَ أنْ كانَ مَعْدُومًا بِخُرُوجِ الشَّيْءِ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ مَحْجُوبًا فِيهِ. وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ في القُرْآنِ. فَيَظْهَرُ أنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ أوَّلَ شَجَرِ الزَّيْتُونِ في طُورِ سَيْناءَ، وذَلِكَ أنَّ الأجْناسَ والأنْواعَ المَوْجُودَةَ عَلى الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لا بُدَّ لَها مِن مَواطِنَ كانَ فِيها ابْتِداءُ وجُودِها قَبْلَ وُجُودِها في غَيْرِها؛ لِأنَّ بَعْضَ الأمْكِنَةِ تَكُونُ أسْعَدَ لِنَشْأةِ بَعْضِ المَوْجُوداتِ مِن بَعْضٍ آخَرَ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ طَبِيعَةِ المَكانِ وطَبِيعَةِ الشَّيْءِ المَوْجُودِ فِيهِ مِن حَرارَةٍ أوْ بُرُودَةٍ أوِ اعْتِدالٍ، وكَذَلِكَ فُصُولُ السَّنَةِ كالرَّبِيعِ لِبَعْضِ الحَيَوانِ والشِّتاءِ لِبَعْضٍ آخَرَ والصَّيْفِ لِبَعْضٍ غَيْرِها، فاللَّهُ تَعالى يُوجِدُ المَوْجُوداتِ في الأحْوالِ المُناسِبَةِ لَها فالحَيَوانُ والنَّباتُ كُلُّهُ جارٍ عَلى هَذا القانُونِ. ثُمَّ إنَّ البَشَرَ إذا نَقَلُوا حَيَوانًا أوْ نَباتًا مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ أوْ أرادُوا الِانْتِفاعَ بِهِ في فَصْلٍ غَيْرِ فَصْلِهِ ورَأوْا عَدَمَ صَلاحِيَةِ المَكانِ أوِ الزَّمانِ المَنقُولِ إلَيْهِما يَحْتالُونَ لَهُ بِما يُكْمِلُ نَقْصَهُ مِن تَدْفِئَةٍ في شِدَّةِ بَرْدٍ أوْ تَبْرِيدٍ بِسَبْحٍ في الماءِ في شِدَّةِ الحَرِّ حَتّى لا يَتَعَطَّلَ تَناسُلُ ذَلِكَ المَنقُولِ إلى غَيْرِ مَكانِهِ، فَكَما أنَّ بَعْضَ الحَيَوانِ أوِ النَّباتِ لا يَعِيشُ طَوِيلًا في بَعْضِ المَناطِقِ غَيْرِ المُلايِمَةِ لِطِباعِهِ كالغَزالِ في بِلادِ الثُّلُوجِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ الأماكِنِ مِنَ المِنطَقَةِ المُلائِمَةِ لِلْحَيَوانِ أوِ النَّباتِ أصْلَحَ بِهِ مِن بَعْضِ جِهاتِ تِلْكَ المِنطَقَةِ، فَلَعَلَّ جَوَّ طُورِ سَيْناءَ لِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ المَناطِقِ المُتَطَرِّفَةِ حَرًّا وبَرْدًا ولِتَوَسُّطِ ارْتِفاعِهِ بَيْنَ النُّجُودِ والسُّهُولِ يَكُونُ أسْعَدَ بِطَبْعِ فَصِيلَةِ الزَّيْتُونِ كَما قالَ تَعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فاللَّهُ تَعالى هَيَّأ لِتَكْوِينِها حِينَ أرادَ تَكْوِينَها ذَلِكَ المَكانَ كَما هَيَّأ لِتَكْوِينِ آدَمَ طِينَةً خاصَّةً فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ﴾ [الرحمن: ١٤] . ثُمَّ يَكُونُ الزَّيْتُونُ قَدْ نُقِلَ مِن أوَّلِ مَكانٍ صفحة ٣٦ ظَهَرَ فِيهِ إلى أمْكِنَةٍ أُخْرى نَقَلَهُ إلَيْها ساكِنُوها لِلِانْتِفاعِ بِهِ فَنَجَحَ في بَعْضِها ولَمْ يَنْجَحْ في بَعْضٍ. وقَدْ ثَبَتَ في التَّوْراةِ أنَّ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ الطُّوفانِ وبَعْدَهُ. فَفي الإصْحاحِ الثّامِنِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ: أنَّ نُوحًا أرْسَلَ حَمامَةً تَبْحَثُ عَنْ مَكانٍ غِيضَتْ عَنْهُ مِياهُ الطُّوفانِ فَرَجَعَتِ الحَمامَةُ عِنْدَ المَساءِ تَحْمِلُ في مِنقارِها ورَقَةَ زَيْتُونٍ خَضْراءَ فَعَلِمَ نُوحٌ أنَّ الماءَ أخَذَ يَغِيضُ عَنِ الأرْضِ. ومَعْلُومٌ أنَّ ابْتِداءَ غَيْضِ الماءِ إنَّما يَنْكَشِفُ عَنْ أعالِي الجِبالِ أوَّلَ الأمْرِ فَلَعَلَّ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ الَّتِي حَمَلَتْها الحَمامَةُ كانَتْ مِن شَجَرَةٍ في طُورِ سَيْناءَ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَرَفَ نُوحٌ ورَقَةَ الزَّيْتُونِ فَدَلَّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ قَبْلَ الطُّوفانِ. ولَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ اسْتِعْمالِ زَيْتِ الزَّيْتُونِ في طَعامٍ في التّارِيخِ القَدِيمِ إلّا في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيّامَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَ طُورِ سَيْناءَ؛ فَقَدِ اسْتُعْمِلَ الزَّيْتُ لِإنارَةِ خَيْمَةِ الِاجْتِماعِ بِوَحْيِ اللَّهِ لِمُوسى، وسَكَبَ مُوسى دُهْنَ المَسْحَةِ عَلى رَأْسِ هارُونَ أخِيهِ حِينَ أقامَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى تَخْرُجُ: تَظْهَرُ وتُعْرَفُ، فَيَكُونُ أوَّلُ اهْتِداءِ النّاسِ إلى مَنافِعِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وانْتِقالِهِمْ إيّاها كانَ مِنَ الزَّيْتُونِ الَّذِي بِطُورِ سَيْناءَ. وهَذا كَما نُسَمِّي الدِّيكَ الرُّومِيَّ في بَلَدِنا بِالدِّيكِ الهِنْدِيِّ؛ لِأنَّ النّاسَ عَرَفُوهُ مِن بِلادِ الهِنْدِ، وكَما تُسَمّى بَعْضُ السُّيُوفِ في بِلادِ العَرَبِ بِالمَشْرَفِيَّةِ؛ لِأنَّها عُرِفَتْ مِن مَشارِفِ الشّامِ، وبَعْضُ الرِّماحِ الخَطِّيَّةِ؛ لِأنَّها تَرِدُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِن مَرْفَأٍ يُقالُ لَهُ: الخَطُّ، وبَعْضُ السُّيُوفِ بِالمُهَنَّدِ؛ لِأنَّهُ يُجْلَبُ مِنَ الهِنْدِ، وقَدْ كانَ الزَّيْتُ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينِ. صفحة ٣٧ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ القَصْدُ مِن ذِكْرِ أنَّها تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَنبَتُها الأصْلِيُّ وإلّا فَإنَّ الِامْتِنانَ بِها لَمْ يَكُنْ مُوَجَّهًا يَوْمَئِذٍ لِسُكّانِ طُورِ سَيْناءَ. وما كانَ هَذا التَّنْبِيهُ إلّا لِلتَّنْوِيهِ بِشَرَفِ مَنبَتِها وكَرَمِ المَوْطِنِ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ، ولَمْ تَزَلْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ مَشْهُورَةً بِالبَرَكَةِ بَيْنَ النّاسِ. ورَأيْتُ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ الأصْمَعِيِّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ صالِحٍ: أنَّ كُلَّ زَيْتُونَةٍ بِفِلَسْطِينَ مِن غَرْسِ أُمَمٍ يُقالُ لَهُمُ اليُونانِيُّونَ اهـ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ زَيْتُونَ زَمانِهِمُ الَّذِي أخْلَفُوا بِهِ أشْجارًا قَدِيمَةً بادَتْ. وفِي أساطِيرِ اليُونانِ (مِيثُولُوجْيا) أنَّ مِنِيرْفا ونَبْتُونَ (الرَّبَّيْنِ في اعْتِقادِ اليُونانِ) تَنازَعا في تَعْيِينِ أحَدِهِما لِيَضَعَ اسْمًا لِمَدِينَةٍ بَناها (كَكْرابِيسُ) فَحَكَمَتِ الأرْبابُ بَيْنَهُما بِأنَّ هَذا الشَّرَفَ لا يَنالُهُ إلّا مَن يَصْنَعُ أنْفَعَ الأشْياءِ. فَأمّا (نَبْتُونُ) فَأوْجَدَ فَرَسًا بَحْرِيًّا عَظِيمَ القُوَّةِ، وأمًّا (مِينِيرْفا) فَصَنَعَتْ شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ بِثَمَرَتِها، فَحَكَمَ الأرْبابُ لَها بِأنَّها أحَقُّ، فَلِذَلِكَ وضَعُوا لِلْمَدِينَةِ اسْمَ (أثِينا) الَّذِي هو اسْمُ مِنِيرْفا. وزَعَمُوا أنَّ (هِيرْكُولْ) لَمّا رَجَعَ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ جاءَ مَعَهُ بِأغْصانٍ مِنَ الزَّيْتُونِ فَغَرَسَها في جَبَلِ (أُولُمْبُوسَ) وهو مَسْكَنُ آلِهَتِهِمْ في زَعْمِهِمْ. فَقَدْ كانَ زَيْتُ الزَّيْتُونِ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ اليُونانِ مِن عَهْدِ (هُومِيرُوسَ) إذْ ذَكَرَ في الإلْياذَةِ أنَّ (أخْيُلَ) سَكَبَ زَيْتًا عَلى شِلْوِ (فِطْرِ قَلْيُوسَ) وشِلْوِ (هِكْتُورَ) . وكانَ الزَّيْتُ نادِرًا في مُعْظَمِ بِلادِ العَرَبِ إذْ كانَ يُجْلَبُ إلى بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشّامِ. وقَدْ ضَرَبَ اللَّهُ بِزَيْتِ الزَّيْتُونَةِ مَثَلًا لِنُورِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] . صفحة ٣٨ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ المُهِمَّةِ الَّتِي كُوِّنَتْ بِها تِلْكَ الشَّجَرَةُ في أوَّلِ تَكْوِينِها حَتّى كَأنَّ السّامِعَ يُبْصِرُها خارِجَةً بِالنَّباتِ في طُورِ سَيْناءَ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] . وهَذا أنْسَبُ بِالوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ مَعْنى: تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ. ومَعْنى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أنَّها تَنْبُتُ مُلابِسَةً لِلدُّهْنِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ لِباءِ المُلابَسَةِ. والمُلابَسَةُ مَعْنًى واسِعٌ. فَمُلابَسَةُ نَباتِ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ مُلابَسَةٌ بِواسِطَةِ مُلابَسَةِ ثَمَرَتِها لِلدُّهْنِ والصِّبْغِ؛ فَإنَّ ثَمَرَتَها تَشْتَمِلُ عَلى الزَّيْتِ وهو يُكَوِّنُ دُهْنًا وصِبْغًا لِلْآكِلِينَ. فَأمّا كَوْنُهُ دُهْنًا فَهو أنَّهُ يَدْهِنُ بِهِ النّاسُ أجْسادَهم ويُرَجِّلُونَ بِهِ شُعُورَهم ويَجْعَلُونَ فِيهِ عُطُورًا فَيُرَجِّلُونَ بِهِ الشُّعُورَ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْهِنُ بِالزَّيْتِ في رَأْسِهِ. والدُّهْنُ بِضَمِّ الدّالِ: اسْمٌ لِما يُدْهَنُ بِهِ، أيْ يُطْلى بِهِ شَيْءٌ، ويُطْلَقُ الدُّهْنُ عَلى الزَّيْتِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يُطْلى بِهِ الجَسَدُ لِلتَّداوِي والشَّعْرُ لِلتَّرْجِيلِ. والصِّبْغُ، بِكَسْرِ الصّادِ: ما يُصْبَغُ بِهِ أيْ يُغَيَّرُ بِهِ اللَّوْنُ. ثُمَّ تُوُسِّعَ في إطْلاقِهِ عَلى كُلِّ مائِعٍ يُطْلى بِهِ ظاهِرُ جِسْمٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] وسُمِّيَ الزَّيْتُ صِبْغًا؛ لِأنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الخُبْزُ. وعَطْفُ (صِبْغٍ) عَلى (الدُّهْنِ) بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ فِيما تَدُلُّ عَلَيْهِ مادَّةُ اشْتِقاقِ الوَصْفِ فَإنَّ الصِّبْغَ ما يُصْبَغُ بِهِ والدُّهْنَ ما يُدْهَنُ بِهِ والصِّبْغُ أخَصُّ؛ فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ، وكانُوا يَأْدِمُونَ بِهِ الطَّعامَ وذَلِكَ صِبْغٌ لِلطَّعامِ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعَنْ أبِي أُسَيْدٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «كُلُوا الزَّيْتَ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ تَنْبُتُ بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ المُوَحَّدَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ ويَعْقُوبُ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: صفحة ٣٩ أنْبَتَ بِمَعْنى نَبَتَ، أوْ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ، أيْ تُنْبِتُ هي ثَمَرَها، أيْ تُخْرِجُهُ.

المؤمنون 23:21

﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . هَذا العَطْفُ مِثْلَ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فَفِيهِ كَذَلِكَ اسْتِدْلالٌ ومِنَّةٌ. والعِبْرَةُ: الدَّلِيلُ لِأنَّهُ يُعْبَرُ مِن مَعْرِفَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: إنَّ في الأنْعامِ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وتَمامِ القُدْرَةِ وسِعَةِ العِلْمِ. والأنْعامُ تَقَدَّمَ أنَّها الإبِلُ في غالِبِ عُرْفِ العَرَبِ. وجُمْلَةُ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها في مَوْقِعِ المَعْطُوفِ عَطْفَ البَيانِ. والعِبْرَةُ حاصِلَةٌ مِن تَكْوِينِ ما في بُطُونِها مِنَ الألْبانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ”نُسْقِيكم“ . وأمّا (نُسْقِيكم) بِمُجَرَّدِهِ فَهو مِنَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ النَّحْلِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وما بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ فَإنَّ فِيهِ بَقِيَّةَ بَيانِ العِبْرَةِ وكَذَلِكَ الجُمَلَ بَعْدَهُ. وهَذِهِ المَنافِعُ هي الأصْوافُ والأوْبارُ والأشْعارُ والنِّتاجُ. وأمّا الأكْلُ مِنها فَهو عِبْرَةٌ أيْضًا إذْ أعَدَّها اللَّهُ صالِحَةً لِتَغْذِيَةِ البَشَرِ بِلُحُومِها لَذِيذَةِ الطَّعْمِ، وألْهَمَ إلى طَرِيقَةِ شَيِّها وصَلْقِها وطَبْخِها، وفي ذَلِكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَعْنى ”وعَلَيْها تُحْمَلُونَ“ فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً بِإعْدادِ اللَّهِ تَعالى إيّاها لِذَلِكَ وفي ذَلِكَ مِنَّةٌ ظاهِرَةٌ. والحَمْلُ صادِقٌ بِالرُّكُوبِ وبِحَمْلِ الأثْقالِ. صفحة ٤٠ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأهُ الباقُونَ عَدا أبا جَعْفَرٍ بِضَمِّ النُّونِ يُقالُ: سَقاهُ وأسْقاهُ بِمَعْنًى، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتاءِ التَّأْنِيثِ مَفْتُوحَةً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأنْعامِ. وعَطْفُ ﴿وعَلى الفُلْكِ﴾ إدْماجٌ وتَهْيِئَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى قِصَّةِ نُوحٍ.

المؤمنون 23:22

﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . هَذا العَطْفُ مِثْلَ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ [المؤمنون: ١٨] فَفِيهِ كَذَلِكَ اسْتِدْلالٌ ومِنَّةٌ. والعِبْرَةُ: الدَّلِيلُ لِأنَّهُ يُعْبَرُ مِن مَعْرِفَتِهِ إلى مَعْرِفَةٍ أُخْرى. والمَعْنى: إنَّ في الأنْعامِ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وتَمامِ القُدْرَةِ وسِعَةِ العِلْمِ. والأنْعامُ تَقَدَّمَ أنَّها الإبِلُ في غالِبِ عُرْفِ العَرَبِ. وجُمْلَةُ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها في مَوْقِعِ المَعْطُوفِ عَطْفَ البَيانِ. والعِبْرَةُ حاصِلَةٌ مِن تَكْوِينِ ما في بُطُونِها مِنَ الألْبانِ الدّالِّ عَلَيْهِ ”نُسْقِيكم“ . وأمّا (نُسْقِيكم) بِمُجَرَّدِهِ فَهو مِنَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مُفَصَّلًا في سُورَةِ النَّحْلِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ وما بَعْدَها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ فَإنَّ فِيهِ بَقِيَّةَ بَيانِ العِبْرَةِ وكَذَلِكَ الجُمَلَ بَعْدَهُ. وهَذِهِ المَنافِعُ هي الأصْوافُ والأوْبارُ والأشْعارُ والنِّتاجُ. وأمّا الأكْلُ مِنها فَهو عِبْرَةٌ أيْضًا إذْ أعَدَّها اللَّهُ صالِحَةً لِتَغْذِيَةِ البَشَرِ بِلُحُومِها لَذِيذَةِ الطَّعْمِ، وألْهَمَ إلى طَرِيقَةِ شَيِّها وصَلْقِها وطَبْخِها، وفي ذَلِكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَعْنى ”وعَلَيْها تُحْمَلُونَ“ فَإنَّ في ذَلِكَ عِبْرَةً بِإعْدادِ اللَّهِ تَعالى إيّاها لِذَلِكَ وفي ذَلِكَ مِنَّةٌ ظاهِرَةٌ. والحَمْلُ صادِقٌ بِالرُّكُوبِ وبِحَمْلِ الأثْقالِ. صفحة ٤٠ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وقَرَأهُ الباقُونَ عَدا أبا جَعْفَرٍ بِضَمِّ النُّونِ يُقالُ: سَقاهُ وأسْقاهُ بِمَعْنًى، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِتاءِ التَّأْنِيثِ مَفْتُوحَةً عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأنْعامِ. وعَطْفُ ﴿وعَلى الفُلْكِ﴾ إدْماجٌ وتَهْيِئَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى قِصَّةِ نُوحٍ.

المؤمنون 23:23

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ اللَّذانِ تَقَدَّما مُوَجَّهَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ واعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِرِسالَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ وسَألُوا إنْزالَ مَلائِكَةٍ ووَسَمُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُنُونِ، فَلَمّا شابَهُوا بِذَلِكَ قَوْمَ نُوحٍ ومَن جاءَ بَعْدَهم ناسَبَ أنْ يُضْرَبَ لَهم بِقَوْمِ نُوحٍ مَثَلٌ تَحْذِيرًا مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ العَذابِ. وقَدْ جَرى في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ ذِكْرُ الحَمْلِ في الفُلْكِ فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً لِلِانْتِقالِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ حُسْنُ التَّخَلُّصِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَصَصِ الرُّسُلِ إمّا اسْتِطْرادًا في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وإمّا انْتِقالًا كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ تَأْكِيدٌ لِلْمَضْمُونِ التَّهْدِيدِيِّ مِنَ القِصَّةِ، فالمَعْنى تَأْكِيدُ الإرْسالِ إلى نُوحٍ وما عَقَّبَ بِهِ ذَلِكَ. صفحة ٤١ وعَطْفُ مَقالَةِ نُوحٍ عَلى جُمْلَةِ إرْسالِهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أدائِهِ رِسالَةَ رَبِّهِ بِالفَوْرِ مِن أمْرِهِ وهو شَأْنُ الِامْتِثالِ. وأمْرُهُ قَوْمَهُ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنْ أقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ: (ودٍّ، وسُواعَ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ) حَتّى أهْمَلُوا عِبادَةَ اللَّهِ ونَسُوها. وكَذَلِكَ حُكِيَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ قَوْمَهُ في أكْثَرِ الآياتِ بِصِيغَةِ أمْرٍ بِأصْلِ عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ الأمْرِ بِقَصْرِ عِبادَتِهِمْ عَلى اللَّهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَهم مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ وهو تَعْلِيلٌ أخَصُّ مِنَ المُعَلَّلِ، وهو أوْقَعُ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ لِاقْتِضائِهِ مَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ. فالمَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ الَّذِي تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وهو إلَهُكم دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ العِبادَةَ فَلا تَعْبُدُوا أصْنامَكم مَعَهُ. و(غَيْرُهُ) نَعْتٌ لِـ (إلَهٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى اعْتِبارِ مَحَلِّ المَنعُوتِ بِـ (غَيْرِ)؛ لِأنَّ المَنعُوتَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى اعْتِبارِ اللَّفْظِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ الزّائِدِ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلى عَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ خُولِفَتْ في حِكايَةِ جَوابِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي تَرْكُ العَطْفِ الَّتِي جَرى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُطِفَ هُنا جَوابُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُوَجِّهُوا الكَلامَ إلَيْهِ بَلْ تَرَكُوهُ، وأقْبَلُوا عَلى قَوْمِهِمْ يُفَنِّدُونَ لَهم ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ. والثّانِي: لِيُفادَ أنَّهم أسْرَعُوا لِتَكْذِيبِهِ وتَزْيِيفِ دَعْوَتِهِ قَبْلَ النَّظَرِ. ووَصْفُ المَلَأِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْإيماءِ إلى أنَّ كُفْرَهم هو الَّذِي أنْطَقَهم صفحة ٤٢ بِهَذا الرَّدِّ عَلى نُوحٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّدِّ لا نُهُوضَ لَهُ ولَكِنَّهم رَوَّجُوا بِهِ كُفْرَهم خَشْيَةً عَلى زَوالِ سِيادَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: (مِن قَوْمِهِ) صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وقَوْلُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا؛ إذِ المَلَأُ هُمُ القَوْمُ ذَوُو السِّيادَةِ والشّارَةِ، أيْ فَقالَ عُظَماءُ القَوْمِ لِعامَّتِهِمْ. وإخْبارُهم بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِن ذاتِهِ، أوْهَمُوهم أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ مانِعَةٌ مِنَ الوَساطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهَذا مِنَ الأوْهامِ الَّتِي أضَلَّتْ أُمَمًا كَثِيرَةً. واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى نُوحٍ وهو يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَلَأِ وقَعَ بِحَضْرَةِ نُوحٍ في وقْتِ دَعْوَتِهِ، فَعَدَلُوا مِنَ اسْمِهِ العَلَمِ إلى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهم تَصْغِيرُ أمْرِهِ وتَحْقِيرُهُ لَدى عامَّتِهِمْ كَيْلا يَتَقَبَّلُوا قَوْلَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ هُودٍ. وزادَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ سادَةَ القَوْمِ ظَنُّوا أنَّهُ ما جاءَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ إلّا حُبًّا في أنْ يُسَوَّدَ عَلى قَوْمِهِمْ فَخَشُوا أنْ تَزُولَ سِيادَتُهم وهم بِجَهْلِهِمْ لا يَتَدَبَّرُونَ أحْوالَ النُّفُوسِ ولا يَنْظُرُونَ مَصالِحَ النّاسِ ولَكِنَّهم يَقِيسُونَ غَيْرَهم عَلى مِقْياسِ أنْفُسِهِمْ. فَلَمّا كانَتْ مَطامِحُ أنْفُسِهِمْ حُبَّ الرِّئاسَةِ والتَّوَسُّلَ إلَيْها بِالِانْتِصابِ لِخِدْمَةِ الأصْنامِ تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنَّما أرادَ مُنازَعَتَهم سُلْطانَهم. والتَّفَضُّلُ: تَكَلُّفُ الفَضْلِ وطَلَبُهُ، والفَضْلُ أصْلُهُ الزِّيادَةُ ثُمَّ شاعَ في زِيادَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، أيْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ نَسَبَهم كُلَّهم إلى الضَّلالِ. وقَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مَهَّدُوا لَهُ بِأنَّ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا لِلَّهِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ لِظُهُورِهِ مِن جَوابِ (لَوْ)، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ صفحة ٤٣ رَسُولٍ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً رُسُلًا. وحَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ جائِزٌ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ. ولا يَخْتَصُّ بِالمَفْعُولِ الغَرِيبِ مِثْلَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي: وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَـهَـكَ يَشْـهَـدِ وهَلْ أغْرَبُ مِن هَذا الزَّعْمِ لَوْ كانَتِ الغَرابَةُ مُقْتَضِيَةً ذِكْرَ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. فَلَمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ جَوابِ الشَّرْطِ حَسُنَ حَذْفُهُ مِن فِعْلِ الشَّرْطِ. وجُمْلَةِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ قَصَدُوا بِها تَكْذِيبَ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الدّاعِي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها ولَيْسَتْ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَها، بِخِلافِ أُسْلُوبِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ إذْ كانَ مَضْمُونُها مِن تَمامِ غَرَضِ ما قَبْلَها. فالإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي قالَهُ نُوحٌ، أيْ: ما سَمِعْنا بِأنْ لَيْسَ لَنا إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ في مُدَّةِ أجْدادِنا، فالمَقْصُودُ بِالإشارَةِ مَعْنى الكَلامِ لا نَفْسُهُ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ. ولَمّا كانَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِي زَمَنًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في مُدَّةِ آبائِنا؛ لِأنَّ الآباءَ لا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والآباءُ الأوَّلُونَ هُمُ الأجْدادُ. ولَمّا كانَ السَّماعُ المَنفِيُّ لَيْسَ سَماعًا بِآذانِهِمْ لِكَلامٍ في زَمَنِ آبائِهِمْ بَلِ المُرادُ: ما بَلَغَ إلَيْنا وُقُوعُ مِثْلِ هَذا في زَمَنِ آبائِنا، عُدِّيَ فِعْلُ (سَمِعْنا) بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ. جَعَلُوا انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِالشَّيْءِ حُجَّةً عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهو مُجادَلَةٌ سُوفِسْطائِيَّةٌ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنْ تَقْصِيرٍ في اكْتِسابِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِهِ بِأنْ كانَ النّاسُ عَلى حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ داعٍ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ النّاسُ مِن زَمَنِ آدَمَ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى حَدَثَ الشِّرْكُ في النّاسِ فَأرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا فَهو أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى أهْلِ الأرْضِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ. صفحة ٤٤ وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما قالُوهُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا إذا كانَ هَذا حالُ دَعْوَتِهِ في البُطْلانِ والزَّيْفِ فَماذا دَعاهُ إلى القَوْلِ بِها ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ أصابَهُ خَلَلٌ في عَقْلِهِ فَطَلَبَ ما لَمْ يَكُنْ لِيَنالُهُ مِثْلَهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ فَقَدْ طَمِعَ فِيما لا يَطْمَعُ عاقِلٌ في مِثْلِهِ فَدَلَّ طَمَعُهُ في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْنُونٌ. والتَّنْوِينُ في (جِنَّةٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: هو مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِنَ الجُنُونِ، وهَذا اقْتِصادٌ مِنهم في حالِهِ حَيْثُ احْتَرَزُوا مِن أنْ يُوَرِّطُوا أنْفُسَهَمْ في وصْفِهِ بِالخَبالِ مَعَ أنَّ المُشاهَدَ مِن حالِهِ يُنافِي ذَلِكَ فَأوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّ بِهِ جُنُونًا خَفِيفًا لا تَبْدُو آثارُهُ واضِحَةً. وقَصَرُوهُ عَلى صِفَةِ المَجْنُونِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ. وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أمْرًا لِقَوْمِهِمْ بِانْتِظارِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ أمْرُهُ بَعْدَ زَمانٍ: إمّا شِفاءٌ مِنَ الجِنَّةِ فَيَرْجِعُ إلى الرُّشْدِ، أوِ ازْدِيادُ الجُنُونِ بِهِ فَيَتَّضِحُ أمْرُهُ فَتَعْلَمُوا أنْ لا اعْتِدادَ بِكَلامِهِ. والحِينُ: اسْمٌ لِلزَّمانِ غَيْرِ المَحْدُودِ. والتَّرَبُّصُ: التَّوَقُّفُ عَنْ عَمَلٍ، يُرادُ عَمَلُهُ والتَّرَيُّثُ فِيهِ انْتِظارًا لِما قَدْ يُغْنِي عَنِ العَمَلِ أوِ انْتِظارًا لِفُرْصَةٍ تُمَكِّنُ مِن إيقاعِهِ عَلى أتْقَنِ كَيْفِيَّةٍ لِنَجاحِهِ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ الَّتِي هي لِلتَّعْدِيَةِ ومَعْناها: السَّبَبِيَّةُ، أيْ كانَ تَرَبُّصُ المُتَرَبِّصِ بِسَبَبِ مَدْخُولِ الباءِ. والمُرادُ: بِسَبَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِن أحْوالٍ، فَهو عَلى نِيَّةِ مُضافٍ حُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ فانْظُرْهُ مَعَ ما هُنا.

المؤمنون 23:24

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ اللَّذانِ تَقَدَّما مُوَجَّهَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ واعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِرِسالَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ وسَألُوا إنْزالَ مَلائِكَةٍ ووَسَمُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُنُونِ، فَلَمّا شابَهُوا بِذَلِكَ قَوْمَ نُوحٍ ومَن جاءَ بَعْدَهم ناسَبَ أنْ يُضْرَبَ لَهم بِقَوْمِ نُوحٍ مَثَلٌ تَحْذِيرًا مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ العَذابِ. وقَدْ جَرى في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ ذِكْرُ الحَمْلِ في الفُلْكِ فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً لِلِانْتِقالِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ حُسْنُ التَّخَلُّصِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَصَصِ الرُّسُلِ إمّا اسْتِطْرادًا في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وإمّا انْتِقالًا كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ تَأْكِيدٌ لِلْمَضْمُونِ التَّهْدِيدِيِّ مِنَ القِصَّةِ، فالمَعْنى تَأْكِيدُ الإرْسالِ إلى نُوحٍ وما عَقَّبَ بِهِ ذَلِكَ. صفحة ٤١ وعَطْفُ مَقالَةِ نُوحٍ عَلى جُمْلَةِ إرْسالِهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أدائِهِ رِسالَةَ رَبِّهِ بِالفَوْرِ مِن أمْرِهِ وهو شَأْنُ الِامْتِثالِ. وأمْرُهُ قَوْمَهُ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنْ أقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ: (ودٍّ، وسُواعَ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ) حَتّى أهْمَلُوا عِبادَةَ اللَّهِ ونَسُوها. وكَذَلِكَ حُكِيَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ قَوْمَهُ في أكْثَرِ الآياتِ بِصِيغَةِ أمْرٍ بِأصْلِ عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ الأمْرِ بِقَصْرِ عِبادَتِهِمْ عَلى اللَّهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَهم مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ وهو تَعْلِيلٌ أخَصُّ مِنَ المُعَلَّلِ، وهو أوْقَعُ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ لِاقْتِضائِهِ مَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ. فالمَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ الَّذِي تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وهو إلَهُكم دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ العِبادَةَ فَلا تَعْبُدُوا أصْنامَكم مَعَهُ. و(غَيْرُهُ) نَعْتٌ لِـ (إلَهٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى اعْتِبارِ مَحَلِّ المَنعُوتِ بِـ (غَيْرِ)؛ لِأنَّ المَنعُوتَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى اعْتِبارِ اللَّفْظِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ الزّائِدِ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلى عَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ خُولِفَتْ في حِكايَةِ جَوابِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي تَرْكُ العَطْفِ الَّتِي جَرى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُطِفَ هُنا جَوابُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُوَجِّهُوا الكَلامَ إلَيْهِ بَلْ تَرَكُوهُ، وأقْبَلُوا عَلى قَوْمِهِمْ يُفَنِّدُونَ لَهم ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ. والثّانِي: لِيُفادَ أنَّهم أسْرَعُوا لِتَكْذِيبِهِ وتَزْيِيفِ دَعْوَتِهِ قَبْلَ النَّظَرِ. ووَصْفُ المَلَأِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْإيماءِ إلى أنَّ كُفْرَهم هو الَّذِي أنْطَقَهم صفحة ٤٢ بِهَذا الرَّدِّ عَلى نُوحٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّدِّ لا نُهُوضَ لَهُ ولَكِنَّهم رَوَّجُوا بِهِ كُفْرَهم خَشْيَةً عَلى زَوالِ سِيادَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: (مِن قَوْمِهِ) صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وقَوْلُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا؛ إذِ المَلَأُ هُمُ القَوْمُ ذَوُو السِّيادَةِ والشّارَةِ، أيْ فَقالَ عُظَماءُ القَوْمِ لِعامَّتِهِمْ. وإخْبارُهم بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِن ذاتِهِ، أوْهَمُوهم أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ مانِعَةٌ مِنَ الوَساطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهَذا مِنَ الأوْهامِ الَّتِي أضَلَّتْ أُمَمًا كَثِيرَةً. واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى نُوحٍ وهو يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَلَأِ وقَعَ بِحَضْرَةِ نُوحٍ في وقْتِ دَعْوَتِهِ، فَعَدَلُوا مِنَ اسْمِهِ العَلَمِ إلى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهم تَصْغِيرُ أمْرِهِ وتَحْقِيرُهُ لَدى عامَّتِهِمْ كَيْلا يَتَقَبَّلُوا قَوْلَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ هُودٍ. وزادَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ سادَةَ القَوْمِ ظَنُّوا أنَّهُ ما جاءَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ إلّا حُبًّا في أنْ يُسَوَّدَ عَلى قَوْمِهِمْ فَخَشُوا أنْ تَزُولَ سِيادَتُهم وهم بِجَهْلِهِمْ لا يَتَدَبَّرُونَ أحْوالَ النُّفُوسِ ولا يَنْظُرُونَ مَصالِحَ النّاسِ ولَكِنَّهم يَقِيسُونَ غَيْرَهم عَلى مِقْياسِ أنْفُسِهِمْ. فَلَمّا كانَتْ مَطامِحُ أنْفُسِهِمْ حُبَّ الرِّئاسَةِ والتَّوَسُّلَ إلَيْها بِالِانْتِصابِ لِخِدْمَةِ الأصْنامِ تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنَّما أرادَ مُنازَعَتَهم سُلْطانَهم. والتَّفَضُّلُ: تَكَلُّفُ الفَضْلِ وطَلَبُهُ، والفَضْلُ أصْلُهُ الزِّيادَةُ ثُمَّ شاعَ في زِيادَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، أيْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ نَسَبَهم كُلَّهم إلى الضَّلالِ. وقَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مَهَّدُوا لَهُ بِأنَّ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا لِلَّهِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ لِظُهُورِهِ مِن جَوابِ (لَوْ)، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ صفحة ٤٣ رَسُولٍ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً رُسُلًا. وحَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ جائِزٌ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ. ولا يَخْتَصُّ بِالمَفْعُولِ الغَرِيبِ مِثْلَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي: وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَـهَـكَ يَشْـهَـدِ وهَلْ أغْرَبُ مِن هَذا الزَّعْمِ لَوْ كانَتِ الغَرابَةُ مُقْتَضِيَةً ذِكْرَ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. فَلَمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ جَوابِ الشَّرْطِ حَسُنَ حَذْفُهُ مِن فِعْلِ الشَّرْطِ. وجُمْلَةِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ قَصَدُوا بِها تَكْذِيبَ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الدّاعِي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها ولَيْسَتْ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَها، بِخِلافِ أُسْلُوبِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ إذْ كانَ مَضْمُونُها مِن تَمامِ غَرَضِ ما قَبْلَها. فالإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي قالَهُ نُوحٌ، أيْ: ما سَمِعْنا بِأنْ لَيْسَ لَنا إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ في مُدَّةِ أجْدادِنا، فالمَقْصُودُ بِالإشارَةِ مَعْنى الكَلامِ لا نَفْسُهُ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ. ولَمّا كانَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِي زَمَنًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في مُدَّةِ آبائِنا؛ لِأنَّ الآباءَ لا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والآباءُ الأوَّلُونَ هُمُ الأجْدادُ. ولَمّا كانَ السَّماعُ المَنفِيُّ لَيْسَ سَماعًا بِآذانِهِمْ لِكَلامٍ في زَمَنِ آبائِهِمْ بَلِ المُرادُ: ما بَلَغَ إلَيْنا وُقُوعُ مِثْلِ هَذا في زَمَنِ آبائِنا، عُدِّيَ فِعْلُ (سَمِعْنا) بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ. جَعَلُوا انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِالشَّيْءِ حُجَّةً عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهو مُجادَلَةٌ سُوفِسْطائِيَّةٌ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنْ تَقْصِيرٍ في اكْتِسابِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِهِ بِأنْ كانَ النّاسُ عَلى حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ داعٍ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ النّاسُ مِن زَمَنِ آدَمَ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى حَدَثَ الشِّرْكُ في النّاسِ فَأرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا فَهو أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى أهْلِ الأرْضِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ. صفحة ٤٤ وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما قالُوهُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا إذا كانَ هَذا حالُ دَعْوَتِهِ في البُطْلانِ والزَّيْفِ فَماذا دَعاهُ إلى القَوْلِ بِها ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ أصابَهُ خَلَلٌ في عَقْلِهِ فَطَلَبَ ما لَمْ يَكُنْ لِيَنالُهُ مِثْلَهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ فَقَدْ طَمِعَ فِيما لا يَطْمَعُ عاقِلٌ في مِثْلِهِ فَدَلَّ طَمَعُهُ في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْنُونٌ. والتَّنْوِينُ في (جِنَّةٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: هو مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِنَ الجُنُونِ، وهَذا اقْتِصادٌ مِنهم في حالِهِ حَيْثُ احْتَرَزُوا مِن أنْ يُوَرِّطُوا أنْفُسَهَمْ في وصْفِهِ بِالخَبالِ مَعَ أنَّ المُشاهَدَ مِن حالِهِ يُنافِي ذَلِكَ فَأوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّ بِهِ جُنُونًا خَفِيفًا لا تَبْدُو آثارُهُ واضِحَةً. وقَصَرُوهُ عَلى صِفَةِ المَجْنُونِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ. وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أمْرًا لِقَوْمِهِمْ بِانْتِظارِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ أمْرُهُ بَعْدَ زَمانٍ: إمّا شِفاءٌ مِنَ الجِنَّةِ فَيَرْجِعُ إلى الرُّشْدِ، أوِ ازْدِيادُ الجُنُونِ بِهِ فَيَتَّضِحُ أمْرُهُ فَتَعْلَمُوا أنْ لا اعْتِدادَ بِكَلامِهِ. والحِينُ: اسْمٌ لِلزَّمانِ غَيْرِ المَحْدُودِ. والتَّرَبُّصُ: التَّوَقُّفُ عَنْ عَمَلٍ، يُرادُ عَمَلُهُ والتَّرَيُّثُ فِيهِ انْتِظارًا لِما قَدْ يُغْنِي عَنِ العَمَلِ أوِ انْتِظارًا لِفُرْصَةٍ تُمَكِّنُ مِن إيقاعِهِ عَلى أتْقَنِ كَيْفِيَّةٍ لِنَجاحِهِ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ الَّتِي هي لِلتَّعْدِيَةِ ومَعْناها: السَّبَبِيَّةُ، أيْ كانَ تَرَبُّصُ المُتَرَبِّصِ بِسَبَبِ مَدْخُولِ الباءِ. والمُرادُ: بِسَبَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِن أحْوالٍ، فَهو عَلى نِيَّةِ مُضافٍ حُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ فانْظُرْهُ مَعَ ما هُنا.

المؤمنون 23:25

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ لَمّا كانَ الِاسْتِدْلالُ والِامْتِنانُ اللَّذانِ تَقَدَّما مُوَجَّهَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ واعْتَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِرِسالَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِمْ وسَألُوا إنْزالَ مَلائِكَةٍ ووَسَمُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُنُونِ، فَلَمّا شابَهُوا بِذَلِكَ قَوْمَ نُوحٍ ومَن جاءَ بَعْدَهم ناسَبَ أنْ يُضْرَبَ لَهم بِقَوْمِ نُوحٍ مَثَلٌ تَحْذِيرًا مِمّا أصابَ قَوْمَ نُوحٍ مِنَ العَذابِ. وقَدْ جَرى في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ ذِكْرُ الحَمْلِ في الفُلْكِ فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةً لِلِانْتِقالِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ حُسْنُ التَّخَلُّصِ، فَيُعْتَبَرُ ذِكْرُ قَصَصِ الرُّسُلِ إمّا اسْتِطْرادًا في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، وإمّا انْتِقالًا كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ [المؤمنون: ٧٨] . وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ تَأْكِيدٌ لِلْمَضْمُونِ التَّهْدِيدِيِّ مِنَ القِصَّةِ، فالمَعْنى تَأْكِيدُ الإرْسالِ إلى نُوحٍ وما عَقَّبَ بِهِ ذَلِكَ. صفحة ٤١ وعَطْفُ مَقالَةِ نُوحٍ عَلى جُمْلَةِ إرْسالِهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ أدائِهِ رِسالَةَ رَبِّهِ بِالفَوْرِ مِن أمْرِهِ وهو شَأْنُ الِامْتِثالِ. وأمْرُهُ قَوْمَهُ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ بِأنْ أقْبَلُوا عَلى عِبادَةِ أصْنامِهِمْ: (ودٍّ، وسُواعَ، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرٍ) حَتّى أهْمَلُوا عِبادَةَ اللَّهِ ونَسُوها. وكَذَلِكَ حُكِيَتْ دَعْوَةُ نُوحٍ قَوْمَهُ في أكْثَرِ الآياتِ بِصِيغَةِ أمْرٍ بِأصْلِ عِبادَةِ اللَّهِ دُونَ الأمْرِ بِقَصْرِ عِبادَتِهِمْ عَلى اللَّهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ كَلامَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَهم مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ وهو تَعْلِيلٌ أخَصُّ مِنَ المُعَلَّلِ، وهو أوْقَعُ لِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ لِاقْتِضائِهِ مَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ. فالمَعْنى: اعْبُدُوا اللَّهَ الَّذِي تَرَكْتُمْ عِبادَتَهُ وهو إلَهُكم دُونَ غَيْرِهِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ العِبادَةَ فَلا تَعْبُدُوا أصْنامَكم مَعَهُ. و(غَيْرُهُ) نَعْتٌ لِـ (إلَهٍ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى اعْتِبارِ مَحَلِّ المَنعُوتِ بِـ (غَيْرِ)؛ لِأنَّ المَنعُوتَ مَجْرُورٌ بِحَرْفِ جَرٍّ زائِدٍ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى اعْتِبارِ اللَّفْظِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ الزّائِدِ. وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ عَلى عَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ خُولِفَتْ في حِكايَةِ جَوابِ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ وهي تَرْكُ العَطْفِ الَّتِي جَرى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُطِفَ هُنا جَوابُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ بِالفاءِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُوَجِّهُوا الكَلامَ إلَيْهِ بَلْ تَرَكُوهُ، وأقْبَلُوا عَلى قَوْمِهِمْ يُفَنِّدُونَ لَهم ما دَعاهم إلَيْهِ نُوحٌ. والثّانِي: لِيُفادَ أنَّهم أسْرَعُوا لِتَكْذِيبِهِ وتَزْيِيفِ دَعْوَتِهِ قَبْلَ النَّظَرِ. ووَصْفُ المَلَأِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْإيماءِ إلى أنَّ كُفْرَهم هو الَّذِي أنْطَقَهم صفحة ٤٢ بِهَذا الرَّدِّ عَلى نُوحٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّدِّ لا نُهُوضَ لَهُ ولَكِنَّهم رَوَّجُوا بِهِ كُفْرَهم خَشْيَةً عَلى زَوالِ سِيادَتِهِمْ. وقَوْلُهُ: (مِن قَوْمِهِ) صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وقَوْلُ المَلَأِ مِن قَوْمِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ خاطَبَ بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا؛ إذِ المَلَأُ هُمُ القَوْمُ ذَوُو السِّيادَةِ والشّارَةِ، أيْ فَقالَ عُظَماءُ القَوْمِ لِعامَّتِهِمْ. وإخْبارُهم بِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِدَلِيلٍ مِن ذاتِهِ، أوْهَمُوهم أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ مانِعَةٌ مِنَ الوَساطَةِ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ خَلْقِهِ، وهَذا مِنَ الأوْهامِ الَّتِي أضَلَّتْ أُمَمًا كَثِيرَةً. واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى نُوحٍ وهو يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَلَأِ وقَعَ بِحَضْرَةِ نُوحٍ في وقْتِ دَعْوَتِهِ، فَعَدَلُوا مِنَ اسْمِهِ العَلَمِ إلى الإشارَةِ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهم تَصْغِيرُ أمْرِهِ وتَحْقِيرُهُ لَدى عامَّتِهِمْ كَيْلا يَتَقَبَّلُوا قَوْلَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ هُودٍ. وزادَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِحِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإنَّ سادَةَ القَوْمِ ظَنُّوا أنَّهُ ما جاءَ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ إلّا حُبًّا في أنْ يُسَوَّدَ عَلى قَوْمِهِمْ فَخَشُوا أنْ تَزُولَ سِيادَتُهم وهم بِجَهْلِهِمْ لا يَتَدَبَّرُونَ أحْوالَ النُّفُوسِ ولا يَنْظُرُونَ مَصالِحَ النّاسِ ولَكِنَّهم يَقِيسُونَ غَيْرَهم عَلى مِقْياسِ أنْفُسِهِمْ. فَلَمّا كانَتْ مَطامِحُ أنْفُسِهِمْ حُبَّ الرِّئاسَةِ والتَّوَسُّلَ إلَيْها بِالِانْتِصابِ لِخِدْمَةِ الأصْنامِ تَوَهَّمُوا أنَّ الَّذِي جاءَ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنَّما أرادَ مُنازَعَتَهم سُلْطانَهم. والتَّفَضُّلُ: تَكَلُّفُ الفَضْلِ وطَلَبُهُ، والفَضْلُ أصْلُهُ الزِّيادَةُ ثُمَّ شاعَ في زِيادَةِ الشَّرَفِ والرِّفْعَةِ، أيْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ النّاسِ؛ لِأنَّهُ نَسَبَهم كُلَّهم إلى الضَّلالِ. وقَوْلُهم ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مَهَّدُوا لَهُ بِأنَّ البَشَرِيَّةَ مانِعَةٌ مِن أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا لِلَّهِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ لِظُهُورِهِ مِن جَوابِ (لَوْ)، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ إرْسالَ صفحة ٤٣ رَسُولٍ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً رُسُلًا. وحَذْفُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ جائِزٌ إذا دَلَّتْ عَلَيْهِ القَرِينَةُ، وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ. ولا يَخْتَصُّ بِالمَفْعُولِ الغَرِيبِ مِثْلَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: ألا تَرى قَوْلَ المَعَرِّي: وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَـهَـكَ يَشْـهَـدِ وهَلْ أغْرَبُ مِن هَذا الزَّعْمِ لَوْ كانَتِ الغَرابَةُ مُقْتَضِيَةً ذِكْرَ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. فَلَمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ جَوابِ الشَّرْطِ حَسُنَ حَذْفُهُ مِن فِعْلِ الشَّرْطِ. وجُمْلَةِ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ قَصَدُوا بِها تَكْذِيبَ الدَّعْوَةِ بَعْدَ تَكْذِيبِ الدّاعِي، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَقْصُودَةٌ بِذاتِها ولَيْسَتْ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَها، بِخِلافِ أُسْلُوبِ عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ إذْ كانَ مَضْمُونُها مِن تَمامِ غَرَضِ ما قَبْلَها. فالإشارَةُ بِـ (هَذا) إلى الكَلامِ الَّذِي قالَهُ نُوحٌ، أيْ: ما سَمِعْنا بِأنْ لَيْسَ لَنا إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ في مُدَّةِ أجْدادِنا، فالمَقْصُودُ بِالإشارَةِ مَعْنى الكَلامِ لا نَفْسُهُ، وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ. ولَمّا كانَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ يَقْتَضِي زَمَنًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ في مُدَّةِ آبائِنا؛ لِأنَّ الآباءَ لا يَصْلُحُ لِلظَّرْفِيَّةِ. والآباءُ الأوَّلُونَ هُمُ الأجْدادُ. ولَمّا كانَ السَّماعُ المَنفِيُّ لَيْسَ سَماعًا بِآذانِهِمْ لِكَلامٍ في زَمَنِ آبائِهِمْ بَلِ المُرادُ: ما بَلَغَ إلَيْنا وُقُوعُ مِثْلِ هَذا في زَمَنِ آبائِنا، عُدِّيَ فِعْلُ (سَمِعْنا) بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ. جَعَلُوا انْتِفاءَ عِلْمِهِمْ بِالشَّيْءِ حُجَّةً عَلى بُطْلانِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وهو مُجادَلَةٌ سُوفِسْطائِيَّةٌ؛ إذْ قَدْ يَكُونُ انْتِفاءُ العِلْمِ عَنْ تَقْصِيرٍ في اكْتِسابِ المَعْلُوماتِ، وقَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَ مِثْلِهِ بِأنْ كانَ النّاسُ عَلى حَقٍّ فَلَمْ يَكُنْ داعٍ إلى مُخاطَبَتِهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ النّاسُ مِن زَمَنِ آدَمَ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى حَدَثَ الشِّرْكُ في النّاسِ فَأرْسَلَ اللَّهُ نُوحًا فَهو أوَّلُ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى أهْلِ الأرْضِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ. صفحة ٤٤ وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ؛ لِأنَّ جَمِيعَ ما قالُوهُ يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا إذا كانَ هَذا حالُ دَعْوَتِهِ في البُطْلانِ والزَّيْفِ فَماذا دَعاهُ إلى القَوْلِ بِها ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ أصابَهُ خَلَلٌ في عَقْلِهِ فَطَلَبَ ما لَمْ يَكُنْ لِيَنالُهُ مِثْلَهُ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ فَقَدْ طَمِعَ فِيما لا يَطْمَعُ عاقِلٌ في مِثْلِهِ فَدَلَّ طَمَعُهُ في ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَجْنُونٌ. والتَّنْوِينُ في (جِنَّةٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: هو مُتَلَبِّسٌ بِشَيْءٍ مِنَ الجُنُونِ، وهَذا اقْتِصادٌ مِنهم في حالِهِ حَيْثُ احْتَرَزُوا مِن أنْ يُوَرِّطُوا أنْفُسَهَمْ في وصْفِهِ بِالخَبالِ مَعَ أنَّ المُشاهَدَ مِن حالِهِ يُنافِي ذَلِكَ فَأوْهَمُوا قَوْمَهم أنَّ بِهِ جُنُونًا خَفِيفًا لا تَبْدُو آثارُهُ واضِحَةً. وقَصَرُوهُ عَلى صِفَةِ المَجْنُونِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَيْسَ بِرَسُولٍ مِنَ اللَّهِ. وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الحُكْمِ أمْرًا لِقَوْمِهِمْ بِانْتِظارِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ أمْرُهُ بَعْدَ زَمانٍ: إمّا شِفاءٌ مِنَ الجِنَّةِ فَيَرْجِعُ إلى الرُّشْدِ، أوِ ازْدِيادُ الجُنُونِ بِهِ فَيَتَّضِحُ أمْرُهُ فَتَعْلَمُوا أنْ لا اعْتِدادَ بِكَلامِهِ. والحِينُ: اسْمٌ لِلزَّمانِ غَيْرِ المَحْدُودِ. والتَّرَبُّصُ: التَّوَقُّفُ عَنْ عَمَلٍ، يُرادُ عَمَلُهُ والتَّرَيُّثُ فِيهِ انْتِظارًا لِما قَدْ يُغْنِي عَنِ العَمَلِ أوِ انْتِظارًا لِفُرْصَةٍ تُمَكِّنُ مِن إيقاعِهِ عَلى أتْقَنِ كَيْفِيَّةٍ لِنَجاحِهِ، وهو فِعْلٌ قاصِرٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالباءِ الَّتِي هي لِلتَّعْدِيَةِ ومَعْناها: السَّبَبِيَّةُ، أيْ كانَ تَرَبُّصُ المُتَرَبِّصِ بِسَبَبِ مَدْخُولِ الباءِ. والمُرادُ: بِسَبَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِن أحْوالٍ، فَهو عَلى نِيَّةِ مُضافٍ حُذِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ بَراءَةٌ فانْظُرْهُ مَعَ ما هُنا.

المؤمنون 23:26

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ صفحة ٤٥ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْ صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ تَصْدِيقِ دَعْوَةِ نُوحٍ وما لَفَّقُوهُ مِنَ البُهْتانِ في نِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ، مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَمّاذا صَنَعَ نُوحٌ حِينَ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ فَيُجابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ إلَخْ. ودُعاؤُهُ بِطَلَبِ النَّصْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ عَدَّ فِعْلَهم مَعَهُ اعْتِداءً عَلَيْهِ بِوَصْفِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ رَبِّهِ. والنَّصْرُ: تَغْلِيبُ المُعْتَدى عَلَيْهِ عَلى المُعْتَدِي، فَقَدْ سَألَ نُوحٌ نَصْرًا مُجْمَلًا كَما حُكِيَ هُنا، وأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا رَجاءَ في إيمانِ قَوْمِهِ إلّا مَن آمَنَ مِنهم كَما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ، فَلا رَجاءَ في أنْ يَكُونَ نَصْرُهُ بِرُجُوعِهِمْ إلى طاعَتِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَسَألَ نُوحٌ حِينَ ذاكَ نَصْرًا خاصًّا وهو اسْتِئْصالُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا كَما جاءَ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ [نوح: ٢٧] . فالتَّعْقِيبُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ تَعْقِيبٌ بِتَقْدِيرِ جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو إيجازٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] إلَخْ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والباءُ في (﴿بِما كَذَّبُونِ﴾) سَبَبِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّصْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ الدُّعاءِ، أيْ نَصْرًا كائِنًا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَجَعَلَ حَظَّ نَفْسِهِ فِيما اعْتَدَوْا عَلَيْهِ مُلْغًى واهْتَمَّ بِحَظِّ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلى الرَّسُولِ اسْتِخْفافٌ بِمَن أرْسَلَهُ. وجُمْلَةُ (أنِ اصْنَعْ) جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ ”أوْحَيْنا“؛ لِأنَّ فِعْلَ (أوْحَيْنا) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ [هود: ٣٧] في سُورَةِ هُودٍ. صفحة ٤٦ وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ تَفْصِيلُ ما يَفْعَلُهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِ الفُلْكِ فَوُقِّتَ لَهُ اسْتِعْمالُهُ بِوَقْتِ الِاضْطِرارِ إلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ والحَيَوانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ ومَعْنى ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ في سُورَةِ هُودٍ. والزَّوْجُ: اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِهِ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ شَفْعًا في حالَةٍ ما. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. وإنَّما عُبِّرَ هُنالِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] وهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ وذَلِكَ وقْتٌ ضَيِّقٌ فَأُمِرَ بِأنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ مَن أرادَ اللَّهُ إبْقاءَهم، فَأُسْنِدَ الحَمْلُ إلى نُوحٍ تَمْثِيلًا لِلْإسْراعِ بِإرْكابِ ما عُيِّنَ لَهُ في السَّفِينَةِ حَتّى كَأنَّ حالَهُ في إدْخالِهِ إيّاهم حالُ مَن يَحْمِلُ شَيْئًا لِيَضَعَهُ في مَوْضِعٍ، وآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الطُّوفانِ إنْباءً بِما يَفْعَلُهُ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ فَأمَرَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُدْخِلُ في السَّفِينَةِ مَن عَيَّنَ اللَّهُ إدْخالَهم، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في حِكايَةِ القِصَّةِ. ومَعْنى (اسْلُكْ): أدْخِلْ، وفِعْلُ (سَلَكَ) يَكُونُ قاصِرًا بِمَعْنى: دَخَلَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى: أدْخَلَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] . وقَوْلُ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ في سُورَةِ هُودٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾ بِإضافَةِ (كُلٍّ) إلى (زَوْجَيْنِ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ بِالتَّنْوِينِ (كُلٍّ) عَلى أنْ يَكُونَ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولَ (فاسْلُكْ)، وتَنْوِينُ (كُلٍّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ يُشْعِرُ بِمَحْذُوفٍ أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلٍّ) . وتَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ ما أمَرْتُكَ أنْ تَحْمِلَهُ في السَّفِينَةِ.

المؤمنون 23:27

﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ صفحة ٤٥ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْ صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ تَصْدِيقِ دَعْوَةِ نُوحٍ وما لَفَّقُوهُ مِنَ البُهْتانِ في نِسْبَتِهِ إلى الجُنُونِ، مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَمّاذا صَنَعَ نُوحٌ حِينَ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ فَيُجابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ إلَخْ. ودُعاؤُهُ بِطَلَبِ النَّصْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ عَدَّ فِعْلَهم مَعَهُ اعْتِداءً عَلَيْهِ بِوَصْفِهِ رَسُولًا مِن عِنْدِ رَبِّهِ. والنَّصْرُ: تَغْلِيبُ المُعْتَدى عَلَيْهِ عَلى المُعْتَدِي، فَقَدْ سَألَ نُوحٌ نَصْرًا مُجْمَلًا كَما حُكِيَ هُنا، وأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا رَجاءَ في إيمانِ قَوْمِهِ إلّا مَن آمَنَ مِنهم كَما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ، فَلا رَجاءَ في أنْ يَكُونَ نَصْرُهُ بِرُجُوعِهِمْ إلى طاعَتِهِ وتَصْدِيقِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَسَألَ نُوحٌ حِينَ ذاكَ نَصْرًا خاصًّا وهو اسْتِئْصالُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا كَما جاءَ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ [نوح: ٢٧] . فالتَّعْقِيبُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿فَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ تَعْقِيبٌ بِتَقْدِيرِ جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو إيجازٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] إلَخْ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والباءُ في (﴿بِما كَذَّبُونِ﴾) سَبَبِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّصْرِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ الدُّعاءِ، أيْ نَصْرًا كائِنًا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ، فَجَعَلَ حَظَّ نَفْسِهِ فِيما اعْتَدَوْا عَلَيْهِ مُلْغًى واهْتَمَّ بِحَظِّ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلى الرَّسُولِ اسْتِخْفافٌ بِمَن أرْسَلَهُ. وجُمْلَةُ (أنِ اصْنَعْ) جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ ”أوْحَيْنا“؛ لِأنَّ فِعْلَ (أوْحَيْنا) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ جُمْلَةِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ [هود: ٣٧] في سُورَةِ هُودٍ. صفحة ٤٦ وفُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِصُنْعِ الفُلْكِ تَفْصِيلُ ما يَفْعَلُهُ عِنْدَ الحاجَةِ إلى اسْتِعْمالِ الفُلْكِ فَوُقِّتَ لَهُ اسْتِعْمالُهُ بِوَقْتِ الِاضْطِرارِ إلى إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ والحَيَوانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ ومَعْنى ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ في سُورَةِ هُودٍ. والزَّوْجُ: اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِهِ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ شَفْعًا في حالَةٍ ما. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. وإنَّما عُبِّرَ هُنالِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠] وهُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْلُكْ فِيها﴾؛ لِأنَّ آيَةَ سُورَةِ هُودٍ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ وذَلِكَ وقْتٌ ضَيِّقٌ فَأُمِرَ بِأنْ يَحْمِلَ في السَّفِينَةِ مَن أرادَ اللَّهُ إبْقاءَهم، فَأُسْنِدَ الحَمْلُ إلى نُوحٍ تَمْثِيلًا لِلْإسْراعِ بِإرْكابِ ما عُيِّنَ لَهُ في السَّفِينَةِ حَتّى كَأنَّ حالَهُ في إدْخالِهِ إيّاهم حالُ مَن يَحْمِلُ شَيْئًا لِيَضَعَهُ في مَوْضِعٍ، وآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ حَكَتْ ما خاطَبَهُ اللَّهُ بِهِ مِن قَبْلِ حُدُوثِ الطُّوفانِ إنْباءً بِما يَفْعَلُهُ عِنْدَ حُدُوثِ الطُّوفانِ فَأمَرَهُ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُدْخِلُ في السَّفِينَةِ مَن عَيَّنَ اللَّهُ إدْخالَهم، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ في حِكايَةِ القِصَّةِ. ومَعْنى (اسْلُكْ): أدْخِلْ، وفِعْلُ (سَلَكَ) يَكُونُ قاصِرًا بِمَعْنى: دَخَلَ ومُتَعَدِّيًا بِمَعْنى: أدْخَلَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] . وقَوْلُ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ في سُورَةِ هُودٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ﴾ بِإضافَةِ (كُلٍّ) إلى (زَوْجَيْنِ) . وقَرَأهُ حَفْصٌ بِالتَّنْوِينِ (كُلٍّ) عَلى أنْ يَكُونَ (زَوْجَيْنِ) مَفْعُولَ (فاسْلُكْ)، وتَنْوِينُ (كُلٍّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ يُشْعِرُ بِمَحْذُوفٍ أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلٍّ) . وتَقْدِيرُهُ: مِن كُلِّ ما أمَرْتُكَ أنْ تَحْمِلَهُ في السَّفِينَةِ.

المؤمنون 23:28

صفحة ٤٧ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ الِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وإطْلاقُ الِاسْتِواءِ عَلى الِاسْتِقْرارِ في داخِلِ السَّفِينَةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعِلاقَةِ الإطْلاقِ وإلّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِقْرارِ في الفُلْكِ أنَّهُ دُخُولٌ. وأُتِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ إيذانًا بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الفُلْكِ فَهو تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ. والتَّنْجِيَةُ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ: الإنْجاءُ مِن أذاهم والكَوْنِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ في الكَوْنِ بَيْنَهم مُشاهَدَةَ كُفْرِهِمْ ومَناكِرِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يُؤْذِي المُؤْمِنَ. والظُّلْمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ الكافِرِينَ كانُوا يُؤْذُونَ نُوحًا والمُؤْمِنِينَ بِشَتّى الأذى باطِلًا وعُدْوانًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ إنْجاءً؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَلُّوا بِجَماعَتِهِمْ فَسَلِمُوا مِنَ الِاخْتِلاطِ بِأعْدائِهِمْ. وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ بِالوَحْيِ أنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما سَهَّلَ لَهُ مِن سَبِيلِ النَّجاةِ وأنْ يَسْألَهُ نُزُولًا في مَنزِلٍ مُبارَكٍ عَقِبَ ذَلِكَ التَّرَحُّلِ، والدُّعاءُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ سُؤالَ سَلامَةٍ مِن غَرَقِ السَّفِينَةِ. وهَذا كالمَحامِدِ الَّتِي يُعَلِّمُها اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ يَوْمَ الشَّفاعَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَتَقَبَّلُ ذَلِكَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وفِيها مَعْنى تَعْلِيلِ سُؤالِهِ ذَلِكَ. صفحة ٤٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُنْزَلًا) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (أنْزَلَهُ) عَلى حَذْفِ المَجْرُورِ، أيْ: مُنْزَلًا فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: إنْزالًا مُبارَكًا. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، وهو اسْمٌ لِمَكانِ النُّزُولِ.

المؤمنون 23:29

صفحة ٤٧ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ الِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وإطْلاقُ الِاسْتِواءِ عَلى الِاسْتِقْرارِ في داخِلِ السَّفِينَةِ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعِلاقَةِ الإطْلاقِ وإلّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِقْرارِ في الفُلْكِ أنَّهُ دُخُولٌ. وأُتِيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ دُونَ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِهِ مَعْنى الِاعْتِلاءِ إيذانًا بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الفُلْكِ فَهو تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ. والتَّنْجِيَةُ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ: الإنْجاءُ مِن أذاهم والكَوْنِ فِيهِمْ؛ لِأنَّ في الكَوْنِ بَيْنَهم مُشاهَدَةَ كُفْرِهِمْ ومَناكِرِهِمْ وذَلِكَ مِمّا يُؤْذِي المُؤْمِنَ. والظُّلْمُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشِّرْكُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّ الكافِرِينَ كانُوا يُؤْذُونَ نُوحًا والمُؤْمِنِينَ بِشَتّى الأذى باطِلًا وعُدْوانًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ إنْجاءً؛ لِأنَّهم قَدِ اسْتَقَلُّوا بِجَماعَتِهِمْ فَسَلِمُوا مِنَ الِاخْتِلاطِ بِأعْدائِهِمْ. وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ بِالوَحْيِ أنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى ما سَهَّلَ لَهُ مِن سَبِيلِ النَّجاةِ وأنْ يَسْألَهُ نُزُولًا في مَنزِلٍ مُبارَكٍ عَقِبَ ذَلِكَ التَّرَحُّلِ، والدُّعاءُ لِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ سُؤالَ سَلامَةٍ مِن غَرَقِ السَّفِينَةِ. وهَذا كالمَحامِدِ الَّتِي يُعَلِّمُها اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ يَوْمَ الشَّفاعَةِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَتَقَبَّلُ ذَلِكَ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وفِيها مَعْنى تَعْلِيلِ سُؤالِهِ ذَلِكَ. صفحة ٤٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُنْزَلًا) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزّايِ وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن (أنْزَلَهُ) عَلى حَذْفِ المَجْرُورِ، أيْ: مُنْزَلًا فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: إنْزالًا مُبارَكًا. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزّايِ، وهو اسْمٌ لِمَكانِ النُّزُولِ.

المؤمنون 23:30

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ العَظِيمَةَ أعْقَبَها بِالتَّنْبِيهِ إلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ مِنها لِلْمُسْلِمِينَ فَأتى بِهَذا الِاسْتِئْنافِ لِذَلِكَ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ وما فِيها. والآياتُ: الدَّلالاتُ، أيْ: لَآياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما هي دَلائِلُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ نُوحٍ وهي إجابَةُ دَعْوَتِهِ وتَصْدِيقُ رِسالَتِهِ وإهْلاكُ مُكَذِّبِيهِ، ومِنها آياتٌ لِأمْثالِ قَوْمِ نُوحٍ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِمْ، ومِنها آياتٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى في إحْداثِ الطُّوفانِ وإنْزالِ مَن في السَّفِينَةِ مَنزِلًا مُبارَكًا، ومِنها آياتٌ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ إذْ قَدَّرَ لِتَطْهِيرِ الأرْضِ مِنَ الشِّرْكِ مِثْلَ هَذا الِاسْتِيصالِ العامِّ لِأهْلِهِ، وإذْ قَدَّرَ لِإبْقاءِ الأنْواعِ مِثْلَ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي أنْجى بِهِ مِن كُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ لِيُعادَ التَّناسُلُ. وعُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ جُمْلَةُ ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾؛ لِأنَّ مَضْمُونَ ”﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾“ يُفِيدُ مَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لِبَلْوى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ وابْتِلاءٍ، وكُنّا مُبْتَلِينَ أيْ: وشَأْنُنا ابْتِلاءُ أوْلِيائِنا. فَإنَّ الِابْتِلاءَ مِن آثارِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ لِتَرْتاضَ بِهِ نُفُوسُ أوْلِيائِهِ وتُظْهِرَ مُغالَبَتَها لِلدَّواعِي الشَّيْطانِيَّةِ فَتَحْمَدُ عَواقِبَ البَلْوى، ولِتَتَخَبَّطَ نُفُوسُ المُعانِدِينَ ويَنْزَوِي بَعْضُ شَرِّها زَمانًا. والمَعْنى: أنَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلَ الطُّوفانِ مِن بَعْدِ بَعْثَةِ نُوحٍ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وأذاهم إيّاهُ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ إنَّما كانَ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِحِكْمَتِهِ تَعالى لِيُمَيِّزَ صفحة ٤٩ اللَّهُ لِلنّاسِ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَآمَنَ بِنُوحٍ قَوْمُهُ ثُمَّ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَنَصَرَهُ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ يَوْمٍ وهَذِهِ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ. وفي هَذا المَعْنى ما جاءَ في حَدِيثِ أبِي سُفْيانَ أنَّ هِرَقْلَ قالَ لَهُ: وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تُبْتَلى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العاقِبَةُ. وفي القُرْآنِ ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] . والِابْتِلاءُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، وتَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ ما يُواجِهُونَ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ لا بَقاءَ لَهُ وإنَّما هو بَلْوى تَزُولُ عَنْهُ وتَحِلُّ بِهِمْ ولِكُلٍّ حَظٌّ يُناسِبُهُ. ولِكَوْنِ هَذا مِمّا قَدْ يَغِيبُ عَنِ الألْبابِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُتَرَدَّدِ فِيهِ فَأُكِّدَ بِـ (إنَّ) المُخَفَّفَةِ وبِفِعْلِ (كُنّا) . واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنَّ) المُؤَكِّدَةِ المُخَفَّفَةِ عِنْدَ إهْمالِ عَمَلِها وبَيْنَ (إنَّ) النّافِيَةِ.

المؤمنون 23:31

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَعْقِيبُ قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ رَسُولٍ آخَرَ، أيْ: أُخْرى، وما بَعْدَها مِنَ القَصَصِ يُرادُ مِنهُ أنَّ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَهُ لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً ولَكِنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ في المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنِ القَرْنَ ولا القُرُونَ بِأسْمائِهِمْ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ثَمُودُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُناسِبُهُ قَوْلُهُ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٤١]؛ لِأنَّ ثَمُودَ أُهْلِكُوا بِالصّاعِقَةِ صفحة ٥٠ ولِقَوْلِهِ: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] مَعَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] فَكانَ هَلاكُهم في الصَّباحِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَهم بِالذِّكْرِ هُنا دُونَ عادٍ خِلافًا لِما تَكَرَّرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِحالِهِمْ أظْهَرُ لِبَقاءِ آثارِ دِيارِهِمْ بِالحِجْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] . وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ أيْ: جُعِلَ الرَّسُولُ بَيْنَهم وهو مِنهم، أيْ: مِن قَبِيلَتِهِمْ. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (قَرْنًا)؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلٍ (النّاسِ) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] . وعُدِّيَ فِعْلُ (أرْسَلْنا) بِـ (في) دُونَ (إلى) لِإفادَةِ أنَّ الرَّسُولَ كانَ مِنهم ونَشَأ فِيهِمْ؛ لِأنَّ القَرْنَ لَمّا لَمْ يُعَيَّنْ بِاسْمٍ حَتّى يُعْرَفَ أنَّ رَسُولَهم مِنهم أوْ وارِدًا إلَيْهِمْ مِثْلَ لُوطٍ لِأهْلِ سَدُومَ، ويُونُسَ لِأهْلِ نِينَوى، ومُوسى لِلْقِبْطِ. وكانَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ رَسُولَهم مِنهم مَقْصُودًا، إتْمامًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . وكَلامُ رَسُولِهِمْ مِثْلُ كَلامِ نُوحٍ. و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ (أرْسَلْنا) مِن مَعْنى القَوْلِ.

المؤمنون 23:32

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ تَعْقِيبُ قِصَّةِ نُوحٍ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ رَسُولٍ آخَرَ، أيْ: أُخْرى، وما بَعْدَها مِنَ القَصَصِ يُرادُ مِنهُ أنَّ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لَهُ لَمْ يَكُنْ صُدْفَةً ولَكِنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ في المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعَيِّنِ القَرْنَ ولا القُرُونَ بِأسْمائِهِمْ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا ثَمُودُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُناسِبُهُ قَوْلُهُ في آخِرِ القِصَّةِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٤١]؛ لِأنَّ ثَمُودَ أُهْلِكُوا بِالصّاعِقَةِ صفحة ٥٠ ولِقَوْلِهِ: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٠] مَعَ قَوْلِهِ في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٨٣] فَكانَ هَلاكُهم في الصَّباحِ. ولَعَلَّ تَخْصِيصَهم بِالذِّكْرِ هُنا دُونَ عادٍ خِلافًا لِما تَكَرَّرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِحالِهِمْ أظْهَرُ لِبَقاءِ آثارِ دِيارِهِمْ بِالحِجْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] . وقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا﴾ أيْ: جُعِلَ الرَّسُولُ بَيْنَهم وهو مِنهم، أيْ: مِن قَبِيلَتِهِمْ. وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى (قَرْنًا)؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلٍ (النّاسِ) كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] . وعُدِّيَ فِعْلُ (أرْسَلْنا) بِـ (في) دُونَ (إلى) لِإفادَةِ أنَّ الرَّسُولَ كانَ مِنهم ونَشَأ فِيهِمْ؛ لِأنَّ القَرْنَ لَمّا لَمْ يُعَيَّنْ بِاسْمٍ حَتّى يُعْرَفَ أنَّ رَسُولَهم مِنهم أوْ وارِدًا إلَيْهِمْ مِثْلَ لُوطٍ لِأهْلِ سَدُومَ، ويُونُسَ لِأهْلِ نِينَوى، ومُوسى لِلْقِبْطِ. وكانَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ رَسُولَهم مِنهم مَقْصُودًا، إتْمامًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ . وكَلامُ رَسُولِهِمْ مِثْلُ كَلامِ نُوحٍ. و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ (أرْسَلْنا) مِن مَعْنى القَوْلِ.

المؤمنون 23:33

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .

المؤمنون 23:34

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ صفحة ٥١ عُطِفَتْ حِكايَةُ قَوْلِ قَوْمِهِ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِ، ولَمْ يُؤْتَ بِها مَفْصُولَةً كَما هو شَأْنُ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِـ (قالَ) ونَحْوِها دُونَ عَطْفٍ. وقَدْ خُولِفَ ذَلِكَ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ، وخُولِفَ أيْضًا في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ هُودٍ؛ إذْ حُكِيَ جَوابُ هَؤُلاءِ القَوْمِ رَسُولِهِمْ بِدُونِ عَطْفٍ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ كَلامَ المَلَأِ المَحْكِيَّ هُنا غَيْرُ كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ؛ لِأنَّ ما هُنا كَلامُهُمُ المُوَجَّهُ إلى خِطابِ قَوْمِهِمْ إذْ قالُوا: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ إلى آخِرِهِ خَشْيَةً مِنهم أنْ تُؤَثِّرَ دَعْوَةُ رَسُولِهِمْ في عامَّتِهِمْ، فَرَأوْا الِاعْتِناءَ؛ بِأنْ يَحُولُوا دُونَ تَأثُّرِ نُفُوسِ قَوْمِهِمْ بِدَعْوَةِ رَسُولِهِمْ أوْلى مِن أنْ يُجاوِبُوا رَسُولَهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في المَواضِيعِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي أوْرَدَ فِيها صاحِبُ الكَشّافِ سُؤالًا ولَمْ يَكُنْ في جَوابِهِ شافِيًا وتَحَيَّرَ شُرّاحُهُ فَكانُوا عَلى خِلافٍ. وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ قَوْلُ المَلَأِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ كَما ورَدَ في قِصَّةِ نُوحٍ آنِفًا؛ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ وقْتِ مَقالَةِ رَسُولِهِمُ الَّتِي هي فاتِحَةُ دَعْوَتِهِ بِأنْ يَكُونُوا أجابُوا كَلامَهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ فَلَمّا اسْتَمَرَّ عَلى دَعْوَتِهِمْ وكَرَّرَها فِيهِمْ وجَّهُوا مَقالَتَهُمُ المَحْكِيَّةَ هُنا إلى قَوْمِهِمْ، ومِن أجْلِ هَذا عُطِفَتْ جُمْلَةُ جَوابِهِمْ ولَمْ تَأْتِ عَلى أُسْلُوبِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ. وأيْضًا؛ لِأنَّ كَلامَ رَسُولِهِمْ لَمْ يُحْكَ بِصِيغَةِ قَوْلٍ بَلْ حُكِيَ بِـ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ مَعْنى الإرْسالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المؤمنون: ٣٢] . صفحة ٥٢ وقَدْ حَكى اللَّهُ في آياتٍ أُخْرى عَنْ قَوْمِ هُودٍ وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ أنَّهم أجابُوا دَعْوَةَ رَسُولِهِمْ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] . وقَوْلِ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] . وقَوْلُهُ: ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المؤمنون: ٢٤]) نَعْتٌ ثانٍ لِـ (المَلَأُ) فَيَكُونُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ: فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ. وإنَّما أخَّرَ النَّعْتَ هُنا لِيَتَّصِلَ بِهِ الصِّفَتانِ المَعْطُوفَتانِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهُمْ﴾ . واللِّقاءُ: حُضُورُ أحَدٍ عِنْدَ آخَرَ. والمُرادُ: لِقاءُ اللَّهِ تَعالى لِلْحِسابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥] في سُورَةِ الأنْفالِ. وإضافَةُ (لِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) أيِ: اللِّقاءُ في الآخِرَةِ. والإتْرافُ: جَعْلُهم أصْحابَ تَرَفٍ. والتَّرَفُ: النِّعْمَةُ الواسِعَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّهُما الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم؛ لِأنَّ تَكْذِيبَهم بِلِقاءِ الآخِرَةِ يَنْفِي عَنْهم تَوَقُّعَ المُؤاخَذَةِ بَعْدَ المَوْتِ، وثَرْوَتُهم ونِعْمَتُهم تُغْرِيهِمْ بِالكِبْرِ والصَّلَفِ إذْ ألِفُوا أنْ يَكُونُوا سادَةً لا تَبَعًا، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلُوا ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم مِنَ اتِّقاءِ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ وطَلَبِهِمُ النَّجاةَ بِاتِّباعِهِمْ ما يَأْمُرُهم بِهِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ . و﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ لِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ البَشَرِيَّةَ تُنافِي أنْ يَكُونَ صاحِبُها رَسُولًا مِنَ اللَّهِ فَأتَوْا بِالمَلْزُومِ وأرادُوا لازِمَهُ. صفحة ٥٣ وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ والدَّلِيلِ لِلْبَشَرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يَأْكُلُ مِثْلَهم ويَشْرَبُ مِثْلَهم ولا يَمْتازُ فِيما يَأْكُلُهُ وما يَشْرَبُهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَشْرَبُونَ) وهو عائِدُ الصِّلَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِنَظِيرِهِ الَّذِي في الصِّلَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها. واللّامُ في ولَئِنْ أطَعْتُمْ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ. وأُقْحِمَ حَرْفُ الجَزاءِ في جَوابِ القَسَمِ لِما في جَوابِ القَسَمِ مِن مُشابَهَةِ الجَزاءِ لا سِيَّما مَتى اقْتَرَنَ القَسَمُ بِحَرْفِ شَرْطٍ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (أيَعِدُكم) لِلتَّعَجُّبِ، وهو انْتِقالٌ مِن تَكْذِيبِهِ في دَعْوى الرِّسالَةِ إلى تَكْذِيبِهِ في المُرْسَلِ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِ مَفْعُولُ (يَعِدُكم) أيْ: يَعِدُكم إخْراجَ مُخْرَجِ إيّاكم. والمَعْنى: يَعِدُكم إخْراجَكم مِنَ القُبُورِ بَعْدَ مَوْتِكم وفَناءِ أجْسامِكم. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعادَةً لِكَلِمَةِ (أنَّكم) الأُولى اقْتَضى إعادَتَها بَعْدَ ما بَيَّنَها وبَيَّنَ خَبَرَها. وتُفِيدُ إعادَتُها تَأْكِيدًا لِلْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ اسْتِفْهامَ اسْتِبْعادٍ تَأْكِيدًا لِاسْتِبْعادِهِ. وهَذا تَأْوِيلُ الجَرْمِيِّ والمُبَرِّدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّكم مُخْرَجُونَ مُبْتَدَأٌ. ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾ خَبَرًا عَنْهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ وتَكُونَ جُمْلَةُ إذا مِتُّمْ إلى قَوْلِهِ: مُخْرَجُونَ خَبَرًا عَنْ (أنَّ) مِن قَوْلِهِ: (أنَّكم) الأُولى. وجَعَلُوا مُوجَبَ الِاسْتِبْعادِ هو حُصُولُ أحْوالٍ تُنافِي أنَّهم مَبْعُوثُونَ بِحَسَبِ قُصُورِ عُقُولِهِمْ، وهي حالُ المَوْتِ المُنافِي لِلْحَياةِ، وحالُ الكَوْنِ تُرابًا وعِظامًا المُنافِي لِإقامَةِ الهَيْكَلِ الإنْسانِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. وأُرِيدَ بِالإخْراجِ إخْراجُهم أحْياءً بِهَيْكَلٍ إنْسانِيٍّ كامِلٍ أيْ: مُخْرَجُونَ لِلْقِيامَةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٥٤ وجُمْلَةُ (هَيْهاتَ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (يَعِدُكم) فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ. و(هَيْهاتَ) كَلِمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى فَتْحِ الآخِرِ وعَلى كَسْرِهِ أيْضًا. وقَرَأها الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وقَرَأها أبُو جَعْفَرٍ بِالكَسْرِ. وتَدُلُّ عَلى البُعْدِ. وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ أوْ ثَلاثًا كَما جاءَ في شِعْرٍ لِحُمَيْدٍ الأرْقَطِ وجَرِيرٍ يَأْتِيانِ. واخْتُلِفَ فِيها أهِيَ فِعْلٌ أمِ اسْمٌ؛ فَجُمْهُورُ النُّحاةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ (هَيْهاتَ) اسْمُ فِعْلٍ لِلْماضِي مِنَ البُعْدِ، فَمَعْنى هَيْهاتَ كَذا: بَعُدَ. فَيَكُونُ ما يَلِي (هَيْهاتَ) فاعِلًا. وقِيلَ: هي اسْمٌ لِلْبُعْدِ، أيْ: فَهي مَصْدَرٌ جامِدٌ وهو الَّذِي اخْتارَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ. قالَ الرّاغِبُ: وقالَ البَعْضُ: غَلِطَ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِهِ واسْتَهْواهُ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ . وقِيلَ: هَيْهاتَ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَصَرِّفٍ، وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ. ونَسَبَهُ في لِسانِ العَرَبِ إلى أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. قالَ: قالَ ابْنُ جِنِّي: كانَ أبُو عَلِيٍّ يَقُولُ في هَيْهاتَ: أنا أُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها اسْمًا سُمِّيَ بِهِ الفِعْلُ مِثْلَ صَهٍ ومَهْ، وأُفْتِي مَرَّةً بِكَوْنِها ظَرْفًا عَلى قَدْرِ ما يَحْضُرُنِي في الحالِ. وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ وأفْصَحُها أنَّها بِهاءَيْنِ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ فَتْحَةَ بِناءٍ، وأنَّ تاءَها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وقِيلَ: يُوقَفُ عَلَيْها بِهاءٍ، وأنَّها لا تُنَوَّنُ تَنْوِينَ تَنْكِيرٍ. وقَدْ ورَدَ ما بَعْدَ (هَيْهاتَ) مَجْرُورًا بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مَرْفُوعًا كَما في قَوْلِ جَرِيرٍ: فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقُ وأهْلُهُ وهَيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُحاوِلُهُ ووَرَدَ مَجْرُورًا بِـ (مِن) في قَوْلِ حُمَيْدٍ الأرْقَطِ: هَيْهاتِ مَن مُصَبَّحُها هَيْهاتِ ∗∗∗ هَيْهاتِ حَجَرٌ مِن صُنَيْبِعاتِ فالَّذِي يَتَّضِحُ في اسْتِعْمالِ (هَيْهاتَ) أنَّ الأصْلَ فِيما بَعْدَها أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى تَأْوِيلِ (هَيْهاتَ) بِمَعْنى فِعْلٍ ماضٍ مِنَ البُعْدِ كَما في بَيْتِ جَرِيرٍ. صفحة ٥٥ وأنَّ الأفْصَحَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِاللّامِ فَيَكُونُ عَلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ فاعِلِ اسْمِ الفِعْلِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا يَسْبِقُ (هَيْهاتَ) مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّها لا تَقَعُ غالِبًا إلّا بَعْدَ كَلامٍ، وتُجْعَلُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، أيْ: إيضاحِ المُرادِ مِنَ الفاعِلِ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ إجْمالٌ ثُمَّ تَفْصِيلٌ يُفِيدُ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ. وهَذِهِ اللّامُ تَرْجِعُ إلى لامِ التَّعْلِيلِ. وإذا ورَدَ ما بَعْدَها مَجْرُورًا بِـ (مِن) فَـ (مِن) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ: بَعُدَ عَنْهُ أوْ بُعْدًا عَنْهُ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تُئَوَّلَ (هَيْهاتَ) مَرَّةً بِالفِعْلِ وهو الغالِبُ ومَرَّةً بِالمَصْدَرِ فَتَكُونُ اسْمُ مَصْدَرٍ مَبْنِيًّا جامِدًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ. ويَكُونُ الإخْبارُ بِها كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي سَلَكَهُ الزَّجّاجُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ويُشِيرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إلى اخْتِيارِهِ. وجاءَ هُنا فِعْلُ (تُوعَدُونَ) مِن (أوْعَدَ) وجاءَ قَبْلَهُ فِعْلُ (أيَعِدُكم) وهو مِن (وعَدَ) مَعَ أنَّ المَوْعُودَ بِهِ شَيْءٌ واحِدٌ. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَرَفَةَ: لِأنَّ الأوَّلَ راجِعٌ إلَيْهِمْ في حالِ وُجُودِهِمْ فَجُعِلَ وعْدًا، والثّانِي راجِعٌ إلى حالَتِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ والِانْعِدامِ فَناسَبَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالوَعِيدِ اهـ. وأقُولُ: أحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ عَبَّرَ مَرَّةً بِالوَعْدِ ومَرَّةً بِالوَعِيدِ عَلى وجْهِ الِاحْتِباكِ، فَإنَّ إعْلامَهم بِالبَعْثِ مُشْتَمِلٌ عَلى وعْدٍ بِالخَيْرِ إنْ صَدَقُوا وعَلى وعِيدٍ إنْ كَذَبُوا، فَذُكِرَ الفِعْلانِ عَلى التَّوْزِيعِ إيجازًا. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِلِاسْتِبْعادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ واسْتِدْلالًا وتَعْلِيلًا لَهُ، ولِكِلا الوَجْهَيْنِ كانَتِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وضَمِيرُ (هي) عائِدٌ إلى ما لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ بَلْ عائِدٌ عَلى مَذْكُورٍ بَعْدَهُ قَصْدًا لِلْإبْهامِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِيَتَمَكَّنِ المَعْنى في ذِهْنِ السّامِعِ. وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ بَيانًا لَهُ، ولِذَلِكَ يُجْعَلُ صفحة ٥٦ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ الضَّمِيرِ عَطْفَ بَيانٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ المِصْراعَ الأوَّلِ وأثْبَتَهُ الطِّيبِيُّ كامِلًا: هِيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَها تَتَحَمَّلُ ∗∗∗ ولِلدَّهْرِ أيّامٌ تَجُورُ وتَعْـدِلُ وقَوْلُ أبِي العَلاءِ: هُوَ الهَجْرُ حَتّى ما يُلَـمَّ خَـيالٌ ∗∗∗ وبَعْضُ صُدُودِ الزّائِرِينَ وِصالُ ومُبَيِّنُ الضَّمِيرِ هُنا قَوْلُهُ: إلّا حَياتُنا فَيَكُونُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَ (إلّا) عَطْفَ بَيانٍ مِنَ الضَّمِيرِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ حَياتُنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. ووَصْفُها بِالدُّنْيا وصْفٌ زائِدٌ عَلى البَيانِ فَلا يُقَدَّرُ مِثْلُهُ في المُبَيَّنِ. ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرَ القِصَّةِ والشَّأْنِ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ المَقامِ لَهُ. ولِأنَّهُ في الآيَةِ مُفَسَّرٌ بِالمُفْرَدِ لا بِالجُمْلَةِ وكَذَلِكَ في بَيْتِ أبِي العَلاءِ. ولِأنَّ دُخُولَ (لا) النّافِيَةِ عَلَيْهِ يَأْبى مِن جَعْلِهِ ضَمِيرَ شَأْنٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِأنْ يُقالَ: لا قِصَّةَ إلّا حَياتُنا، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ (لا) النّافِيَةُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى اسْمِ جِنْسٍ لِتَبْيِينِهِ بِاسْمِ الجِنْسِ وهو (حَياتُنا) فالمَعْنى: لَيْسَتِ الحَياةُ إلّا حَياتُنا هَذِهِ، أيْ: لا حَياةَ بَعْدَها. والدُّنْيا: مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ: القَرِيبَةُ بِمَعْنى: الحاضِرَةُ. وضَمِيرُ (حَياتُنا) مُرادٌ بِهِ جَمِيعَ القَوْمِ الَّذِينَ دَعاهم رَسُولُهم. فَقَوْلُهم: نَمُوتُ ونَحْيا مَعْناهُ: يَمُوتُ هَؤُلاءِ القَوْمُ ويَحْيا قَوْمٌ بَعْدَهم. ومَعْنى (نَحْيا): نُولَدُ، أيْ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ ويُولَدُ مَن يُولَدُ، أوِ المُرادُ: يَمُوتُ مَن يَمُوتُ فَلا يَرْجِعُ ويَحْيا مَن لَمْ يَمُتْ إلى أنْ يَمُوتَ. والواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبًا بَيْنَ مَعْطُوفِها والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وعَقَّبُوهُ بِالعَطْفِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: لا نَحْيا حَياةً بَعْدَ المَوْتِ. وهُوَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ نَمُوتُ ونَحْيا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى إثْباتِ حَياةٍ عاجِلَةٍ ومَوْتٍ، فَإنَّ الِاقْتِصارَ عَلى الأمْرَيْنِ مُفِيدٌ لِلِانْحِصارِ في المَقامِ الخِطابِيِّ مَعَ قَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا. وأفادَ صَوْغُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ تَقْوِيَةَ مَدْلُولِهِ وتَحْقِيقَهُ. صفحة ٥٧ ثُمَّ جاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ نَتِيجَةً عَقِبَ الِاسْتِدْلالِ، فَجاءَتْ مُسْتَأْنَفَةً؛ لِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَلى ما تَقَدَّمَها فَهي تَصْرِيحٌ بِما كُنِيَ عَنْهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وما بَعْدَهُ مِن تَكْذِيبِ دَعْوَتِهِ، فاسْتَخْلَصُوا مِن ذَلِكَ أنَّ حالَهُ مُنْحَصِرٌ في أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ فِيما ادَّعاهُ مِنَ الإرْسالِ. وضَمِيرُ إنْ هو عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ صِفَةٌ لِـ (رَجُلٌ) وهي مُنْصَبُّ الحَصْرِ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَصْرَ قَلْبٍ إضافِيًّا، أيْ: لا كَما يَزْعُمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. وإنَّما أجْرَوْا عَلَيْهِ أنَّهُ رَجُلٌ مُتابَعَةً لِوَصْفِهِ بِالبَشَرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَقْرِيرًا لِدَلِيلِ المُماثَلَةِ المُنافِيَةِ لِلرِّسالَةِ في زَعْمِهِمْ، أيْ: زِيادَةٌ عَلى كَوْنِهِ رَجُلًا مَثْلَهم فَهو رَجُلٌ كاذِبٌ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ. وهو الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ لِلْمُخْبِرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ. وإنَّما صَرَّحُوا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ دَلالَةِ نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ إعْلانًا بِالتَّبَرِّي مِن أنْ يَنْخَدِعُوا لِما دَعاهم إلَيْهِ، وهو مُقْتَضى حالِ خِطابِ العامَّةِ. والقَوْلُ في إفادَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ التَّقْوِيَةَ كالقَوْلِ في ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .