Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النور 24:53 – الفرقان 25:67

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. النور 24:53
  2. النور 24:54
  3. النور 24:55
  4. النور 24:56
  5. النور 24:57
  6. النور 24:58
  7. النور 24:59
  8. النور 24:60
  9. النور 24:61
  10. النور 24:62
  11. النور 24:63
  12. النور 24:64
  13. الفرقان 25:1
  14. الفرقان 25:2
  15. الفرقان 25:3
  16. الفرقان 25:4
  17. الفرقان 25:5
  18. الفرقان 25:6
  19. الفرقان 25:7
  20. الفرقان 25:8
  21. الفرقان 25:9
  22. الفرقان 25:10
  23. الفرقان 25:11
  24. الفرقان 25:12
  25. الفرقان 25:13
  26. الفرقان 25:14
  27. الفرقان 25:15
  28. الفرقان 25:16
  29. الفرقان 25:17
  30. الفرقان 25:18
  31. الفرقان 25:19
  32. الفرقان 25:20
  33. الفرقان 25:21
  34. الفرقان 25:22
  35. الفرقان 25:23
  36. الفرقان 25:24
  37. الفرقان 25:25
  38. الفرقان 25:26
  39. الفرقان 25:27
  40. الفرقان 25:28
  41. الفرقان 25:29
  42. الفرقان 25:30
  43. الفرقان 25:31
  44. الفرقان 25:32
  45. الفرقان 25:33
  46. الفرقان 25:34
  47. الفرقان 25:35
  48. الفرقان 25:36
  49. الفرقان 25:37
  50. الفرقان 25:38
  51. الفرقان 25:39
  52. الفرقان 25:40
  53. الفرقان 25:41
  54. الفرقان 25:42
  55. الفرقان 25:43
  56. الفرقان 25:44
  57. الفرقان 25:45
  58. الفرقان 25:46
  59. الفرقان 25:47
  60. الفرقان 25:48
  61. الفرقان 25:49
  62. الفرقان 25:50
  63. الفرقان 25:51
  64. الفرقان 25:52
  65. الفرقان 25:53
  66. الفرقان 25:54
  67. الفرقان 25:55
  68. الفرقان 25:56
  69. الفرقان 25:57
  70. الفرقان 25:58
  71. الفرقان 25:59
  72. الفرقان 25:60
  73. الفرقان 25:61
  74. الفرقان 25:62
  75. الفرقان 25:63
  76. الفرقان 25:64
  77. الفرقان 25:65
  78. الفرقان 25:66
  79. الفرقان 25:67

النور 24:53

﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ﴾ [النور: ٤٧] . أُتْبِعَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِحِكايَةِ قَسَمٍ أقْسَمُوهُ بِاللَّهِ لِيَتَنَصَّلُوا مِن وصْمَةِ أنْ يَكُونَ إعْراضُهم عَنِ الحُكُومَةِ عِنْدَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءُوهُ فَأقْسَمُوا إنَّهم لا يُضْمِرُونَ عِصْيانَهُ فِيما يَقْضِي بِهِ فَإنَّهُ لَوْ أمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأشَقِّ شَيْءٍ وهو الخُرُوجُ لِلْقِتالِ لَأطاعُوهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: لَمّا بَيَّنَ كَراهَتَهم لِحُكْمِ النَّبِيءِ أتَوْهُ فَقالُوا: واللَّهِ لَوْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن دِيارِنا وأمْوالِنا لَخَرَجْنا ولَوْ أمَرْتَنا بِالجِهادِ لَجاهَدْنا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وكَلامُ القُرْطُبِيِّ يَقْتَضِي أنَّهم ذَكَرُوا خُرُوجَيْنِ. وبِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الإيجازِ في الآيَةِ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الخُرُوجِ لِيَشْمَلَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفَظُ الخُرُوجِ صفحة ٢٧٧ مِن حَقِيقَةٍ ومَجازٍ بِقَرِينَةِ ما هو مَعْرُوفٌ مِن قِصَّةِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ يَوْمَئِذٍ، فَإنَّهُ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ في مالٍ فَكانَ مَعْنى الخُرُوجِ مِنَ المالِ أسْبِقُ في القَصْدِ. واقْتَصَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ (لَيَخْرُجُنَّ) مِن أمْوالِهِمْ ودِيارِهِمْ. واقْتَصَرَ الطَّبَرِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ (لَيَخْرُجُنَّ) إلى الجِهادِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ في سَبَبِ النُّزُولِ. والإقْسامُ: النُّطْقُ بِالقِسْمِ، أيِ: اليَمِينِ. وضَمِيرُ (أقْسَمُوا) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (ويَقُولُونَ) . بِفِعْلِ المُضِيِّ هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ وقَعَ وانْقَضى. والجَهْدُ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الهاءِ: مُنْتَهى الطّاقَةِ. ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المَشَقَّةِ كَما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ؛ لِأنَّ الأمْرَ الشّاقَّ لا يَعْمَلُ إلّا بِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وهو مَصْدَرُ (جَهَدَ) كَمَنَعَ مُتَعَدِّيًا إذا أتْعَبَ غَيْرَهُ. ونَصْبُ (جَهْدَ أيْمانِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (أقْسَمُوا) عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، أيْ جاهِدِينَ. والتَّقْدِيرُ: جاهِدِينَ أنْفُسَهم، أيْ: بالِغِينَ بِها أقْصى الطّاقَةِ. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ. ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهم كَرَّرُوا الأيْمانَ وعَدَّدُوا عِباراتِها حَتّى أتْعَبُوا أنْفُسَهم لِيُوهِمُوا أنَّهم صادِقُونَ في أيْمانِهِمْ. وإضافَةُ (جَهْدَ) إلى (أيْمانِهِمْ) عَلى هَذا الوَجْهِ إضافَةٌ عَلى مَعْنى (مِن)، أيْ جَهْدًا ناشِئًا مِن أيْمانِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (جَهْدَ) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الواقِعِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: جَهَدُوا أيْمانَهم جَهْدًا، والفِعْلُ المُقَدَّرُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أقْسَمُوا) . والتَّقْدِيرُ: أقْسَمُوا يُجْهِدُونَ أيْمانَهم جَهْدًا. وإضافَةُ (جَهْدَ) إلى (أيْمانِهِمْ) عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ؛ جَعَلَتِ الأيْمانَ كالشَّخْصِ الَّذِي لَهُ جَهْدٌ، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، ورَمْزٌ إلى المُشَبَّهِ صفحة ٢٧٨ بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ وهو أنَّ أحَدًا يُجْهِدُهُ، أيْ: يَسْتَخْرِجُ مِنهُ طاقَتَهُ، فَإنَّ كُلَّ إعادَةٍ لِلْيَمِينِ هي كَتَكْلِيفٍ لِلْيَمِينِ بِعَمَلٍ مُتَكَرِّرٍ كالجُهْدِ لَهُ، فَهَذا أيْضًا اسْتِعارَةٌ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] في سُورَةِ العُقُودِ وقَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في سُورَةِ الأنْعامِ. وجُمْلَةُ (﴿لَئِنْ أمَرْتَهُمْ﴾) إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (أقْسَمُوا) . وحُذِفَ مَفْعُولُ (﴿أمَرْتَهُمْ﴾) لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: (لَيَخْرُجُنَّ) . والتَّقْدِيرُ: لَئِنْ أمَرْتَهم بِالخُرُوجِ لَيَخْرُجُنَّ. فَأمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ الكَلِماتِ ذاتِ المَعانِي الكَثِيرَةِ وهي ﴿لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ . وذَلِكَ كَلامٌ مُوَجَّهٌ؛ لِأنَّ نَهْيَهم عَنْ أنْ يُقْسِمُوا بَعْدَ أنْ صَدَرَ القَسَمُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ إعادَتِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا بِصَدَدِ إعادَتِهِ، بِمَعْنى: لا حاجَةَ بِكم إلى تَأْكِيدِ القَسَمِ، أيْ فَإنَّ التَّأْكِيدَ بِمَنزِلَةِ المُؤَكَّدِ في كَوْنِهِ كَذِبًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى عَدَمِ المُطالَبَةِ بِالقَسَمِ، أيْ ما كانَ لَكم أنْ تُقْسِمُوا؛ إذْ لا حاجَةَ إلى القَسَمِ لِعَدَمِ الشَّكِّ في أمْرِكم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمِلًا في التَّسْوِيَةِ مِثْلَ ﴿اصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ والمُقْسِمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ، أيْ لا تُقْسِمُوا عَلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم وأمْوالِكم، فَإنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُكم بِذَلِكَ. ومَقامُ مُواجَهَةِ نِفاقِهِمْ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاحْتِمالاتُ مَقْصُودَةً. وقَوْلُهُ: (﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾) كَلامٌ أُرْسِلَ مَثَلًا وتَحْتَهُ مَعانٍ جَمَّةٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الِاحْتِمالاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: (﴿لا تُقْسِمُوا﴾) . وتَنْكِيرُ (طاعَةٌ)؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ نَوْعُ الطّاعَةِ، ولَيْسَتْ طاعَةً مُعَيَّنَةً فَهو مِن بابِ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ، و(﴿مَعْرُوفَةٌ﴾) خَبَرُهُ. صفحة ٢٧٩ فَعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ القَسَمِ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنْ تَكْرِيرِهِ يَكُونُ المَعْنى مِن قَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أيْ لا حُرْمَةَ لِلْقَسَمِ فَلا تُعِيدُوهُ فَطاعَتُكم مَعْرُوفَةٌ، أيْ مَعْرُوفٌ وهَنُها وانْتِفاؤُها. وعَلى احْتِمالِ اسْتِعْمالِ النَّهْيِ في عَدَمِ المُطالَبَةِ بِاليَمِينِ يَكُونُ المَعْنى: لِماذا تُقْسِمُونَ أفَأنا أشُكُّ في حالِكم فَإنَّ طاعَتَكم مَعْرُوفَةٌ عِنْدِي، أيْ أعْرِفُ عَدَمَ وُقُوعِها، والكَلامُ تَهَكُّمٌ أيْضًا. وعَلى احْتِمالِ اسْتِعْمالِ النَّهْيِ في التَّسْوِيَةِ فالمَعْنى: قَسَمُكم ونَفْيُهُ سَواءٌ؛ لِأنَّ أيْمانَكم فاجِرَةٌ وطاعَتَكم مَعْرُوفَةٌ. أوْ يَكُونُ (طاعَةٌ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أوْلى مِنَ الأيْمانِ، ويَكُونُ وصْفُ (مَعْرُوفَةٌ) مُشْتَقًّا مِنَ المَعْرِفَةِ بِمَعْنى العِلْمِ، أيْ طاعَةٌ تُعْلَمُ وتَتَحَقَّقُ أوْلى مِنَ الأيْمانِ عَلى طاعَةٍ غَيْرِ واقِعَةٍ، وهو كالعِرْفانِ في قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا. وإنْ كانَ النَّهْيُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ فالمَعْنى: لا تُقْسِمُوا هَذا القَسَمَ، أيْ عَلى الخُرُوجِ مِن دِيارِكم وأمْوالِكم؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّفُكُمُ الطّاعَةَ إلّا في مَعْرُوفٍ، فَيَكُونُ وصْفُ (مَعْرُوفَةٌ) مُشْتَقًّا مِنَ العِرْفانِ، أيْ عَدَمِ النُّكْرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ صالِحَةٌ لِتَذْيِيلِ الِاحْتِمالاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وهي تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.

النور 24:54

﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ تَلْقِينٌ آخَرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما يَرُدُّ بُهْتانَهم بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِمَواعِيدِهِمُ الكاذِبَةِ وأنْ يَقْتَصِرُوا مِنَ الطّاعَةِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ صفحة ٢٨٠ ورَسُولِهِ فِيما كَلَّفَهم دُونَ ما تَبَرَّعُوا بِهِ كَذِبًا، ويَخْتَلِفُ مَعْنى ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ بَيْنَ مَعانِي الأمْرِ بِإيجادِ الطّاعَةِ المَفْقُودَةِ أوْ إيهامِ طَلَبِ الدَّوامِ عَلى الطّاعَةِ عَلى حَسَبِ زَعْمِهِمْ. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا القَوْلِ فَيَقَعُ كَلامًا مُسْتَقِلًّا غَيْرَ مَعْطُوفٍ. وقَوْلُهُ: (فَإنْ تَوَلَّوْا) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى فِعْلِ (أطِيعُوا) فَيَكُونَ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم ويَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا بِتاءِ الخِطابِ. وأصْلُهُ: تَتَوَلَّوْا بِتاءَيْنِ حُذِفَتْ مِنهُما تاءُ الخِطابِ لِلتَّخْفِيفِ وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ. والكَلامُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ، فَيَكُونُ ضَمِيرا (﴿فَعَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾) عائِدَيْنِ إلى الرَّسُولِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى فِعْلِ (قُلْ)، أيْ: فَإذا قُلْتَ ذَلِكَ فَتَوَلَّوْا ولَمْ يُطِيعُوا إلَخْ، فَيَكُونُ فِعْلُ (تَوَلَّوْا) ماضِيًا بِتاءٍ واحِدَةٍ مُواجِهًا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا ولَمْ يُطِيعُوا فَإنَّما عَلَيْكَ ما حُمِّلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ وعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا مِن تَبِعَةِ التَّكْلِيفِ. كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] في سُورَةِ النَّحْلِ فَيَكُونُ في ضَمائِرِ ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمُ﴾ التِفاتٌ. وأصْلُ الكَلامِ: فَإنَّما عَلَيْكَ ما حُمِّلْتَ وعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا. والِالتِفاتُ مُحَسَّنٌ لا يَحْتاجُ إلى نُكْتَةٍ. وبِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ تَكُونُ الآيَةُ مُفِيدَةً مَعْنَيَيْنِ: مَعْنًى مِن تَعَلُّقِ خِطابِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ وهو تَعْرِيضٌ بِتَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، ومَعْنًى مِن مَوْعِظَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم ومُوادَعَةٍ لَهم. وهَذا كُلُّهُ تَبْكِيتٌ لَهم لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا يَضُرُّونَ بِتَوَلِّيهِمْ إلّا أنْفُسَهم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٢٣] هُمُ اليَهُودُ ﴿يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] . صفحة ٢٨١ واعْلَمْ أنَّ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ لا يَتَأتَّيانِ في المَواضِعِ الَّتِي يَقَعُ فِيها الفِعْلُ المُضارِعُ المُفْتَتَحُ بِتاءَيْنِ في سِياقِ النَّهْيِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] في سُورَةِ الأنْفالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القِتالِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَثَبَتَتْ فِيهِ التّاءانِ؛ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ مُوَجَّهٌ إلى المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَقْتَضِي نَسْجَ نَظْمِهِ بِما يَصْلُحُ لِإفادَةِ المَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في سُورَةِ النُّورِ وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ كالأداءِ بِمَعْنى التَّأْدِيَةِ. ومَعْنى كَوْنِهِ مُبَيَّنًا أنَّهُ فَصِيحٌ واضِحٌ. وجُمْلَةُ ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إرْدافُ التَّرْهِيبِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ اسْتِقْصاءً في الدَّعْوَةِ إلى الرُّشْدِ. وجُمْلَةُ ﴿وما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ قَوْلِهِ: (ما حُمِّلَ) .

النور 24:55

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ والأشْبَهُ أنَّ هَذا الكَلامَ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُناسَبَةِ التَّعَرُّضِ إلى أحْوالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أبْقاهم عَلى النِّفاقِ تَرَدُّدُهم في عاقِبَةِ أمْرِ المُسْلِمِينَ، وخَشْيَتُهم أنْ لا يَسْتَقِرَّ بِالمُسْلِمِينَ المَقامُ بِالمَدِينَةِ حَتّى يَغْزُوَهُمُ المُشْرِكُونَ، أوْ صفحة ٢٨٢ يُخْرِجُهُمُ المُنافِقُونَ حِينَ يَجِدُونَ الفُرْصَةَ لِذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فَكانُوا يُظْهِرُونَ الإسْلامَ اتِّقاءً مِن تَمامِ أمْرِ الإسْلامِ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ مُمالاةً لِأهْلِ الشِّرْكِ حَتّى إذا ظَهَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ لَمْ يَلْمِزُوا المُنافِقِينَ بِأنَّهم قَدْ بَدَّلُوا دِينَهم، مَعَ ما لِهَذا الكَلامِ مِنَ المُناسَبَةِ مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]) . فَيَكُونُ المَعْنى: وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وتُنْصَرُوا وتَأْمَنُوا. ومَعَ ما رُوِيَ مِن حَوادِثَ تُخَوِّفَ المُسْلِمِينَ ضَعْفَهم أمامَ أعْدائِهِمْ فَكانُوا مُشْفِقِينَ مِن غَزْوِ أهْلِ الشِّرْكِ ومِن كَيْدِ المُنافِقِينَ ودَلالَتِهِمُ المُشْرِكِينَ عَلى عَوْراتِ المُسْلِمِينَ فَقِيلَ: كانَتْ تِلْكَ الحَوادِثُ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: «مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ بَعْدَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ خائِفًا هو وأصْحابُهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ وكانُوا فِيها خائِفِينَ يُصْبِحُونَ ويُمْسُونَ في السِّلاحِ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السِّلاحَ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لا تَغْبُرُونَ - أيْ لا تَمْكُثُونَ إلّا قَلِيلًا - حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ عَلَيْهِ حَدِيدَةٌ» . ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَكانَ اجْتِماعُ هَذِهِ المُناسَباتِ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في مَوْقِعِها هَذا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَوْعُودِ بِهِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُقْتَصِرًا عَلى إبْدالِ خَوْفِهِمْ أمْنًا كَما اقْتَضاهُ أثَرُ أبِي العالِيَةِ، ولَكِنَّهُ كانَ مِن جُمْلَةِ المَوْعُودِ كَما كانَ سَبَبُهُ مِن عِدادِ الأسْبابِ. وقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ واثِقِينَ بِالأمْنِ، ولَكِنَّ اللَّهَ قَدَّمَ عَلى وعْدِهِمْ بِالأمْنِ أنْ وعَدَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ وتَمْكِينِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ فِيهِمْ تَنْبِيهًا لَهم بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ أنَّهُ لا تَأْمَنُ أُمَّةٌ بَأْسَ غَيْرِها حَتّى تَكُونَ قَوِيَّةً مَكِينَةً مُهَيْمِنَةً عَلى أصْقاعِها. فَفي الوَعْدِ بِالِاسْتِخْلافِ والتَّمْكِينِ وتَبْدِيلِ الخَوْفِ أمْنًا إيماءٌ إلى التَّهَيُّؤِ لِتَحْصِيلِ أسْبابِهِ مَعَ ضَمانِ التَّوْفِيقِ لَهم والنَّجاحِ إنْ هم أخَذُوا في ذَلِكَ، وأنَّ مِلاكَ ذَلِكَ هو طاعَةُ اللَّهِ والرَّسُولِ ﷺ (﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤])، وإذا حَلَّ الِاهْتِداءُ في النُّفُوسِ نَشَأتِ الصّالِحاتُ صفحة ٢٨٣ فَأقْبَلَتْ مُسَبَّباتُها تَنْهالُ عَلى الأُمَّةِ، فالأسْبابُ هي الإيمانُ وعَمَلُ الصّالِحاتِ. والمَوْصُولُ عامٌّ لا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ، وعُمُومُهُ عُرْفِيٌّ، أيْ: غالِبٌ فَلا يُناكِدُهُ ما يَكُونُ في الأُمَّةِ مِن مُقَصِّرِينَ في عَمَلِ الصّالِحاتِ، فَإنَّ تِلْكَ المَنافِعَ عائِدَةٌ عَلى مَجْمُوعِ الأُمَّةِ. والخِطابُ في (مِنكم) لِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ بِمُشْرِكِيها ومُنافِقِيها بِأنَّ الفَرِيقَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ الإيمانُ وعَمَلُ الصّالِحاتِ هو المَوْعُودُ بِهَذا الوَعْدِ. والتَّعْرِيفُ في (الصّالِحاتِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: عَمِلُوا جَمِيعَ الصّالِحاتِ، وهي الأعْمالُ الَّتِي وصَفَها الشَّرْعُ بِأنَّها صَلاحٌ، وتَرَكَ الأعْمالَ الَّتِي وصَفَها الشَّرْعُ بِأنَّها فَسادٌ؛ لِأنَّ إبْطالَ الفَسادِ صَلاحٌ. فالصّالِحاتُ جَمْعُ صالِحَةٍ: وهي الخَصْلَةُ والفِعْلَةُ ذاتُ الصَّلاحِ، أيْ الَّتِي شَهِدَ الشَّرْعُ بِأنَّها صالِحَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. واسْتِغْراقُ (الصّالِحاتِ) اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيْ عَمِلَ مُعْظَمَ الصّالِحاتِ ومُهِمّاتِها ومَراجِعَها مِمّا يَعُودُ إلى تَحْقِيقِ كُلِّيّاتِ الشَّرِيعَةِ وجَرْيِ حالَةِ مُجْتَمَعِ الأُمَّةِ عَلى مَسْلَكِ الِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِالِاسْتِقامَةِ في الخُوَيْصَةِ وبِحُسْنِ التَّصَرُّفِ في العَلاقَةِ المَدَنِيَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ عَلى حَسَبِ ما أمَرَ بِهِ الدِّينُ أفْرادَ الأُمَّةِ، كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِ أمْثالِهِ، الخَلِيفَةُ فَمَن دُونَهُ، وذَلِكَ في غالِبِ أحْوالِ تَصَرُّفاتِهِمْ، ولا التِفاتَ إلى الفَلَتاتِ المُناقِضَةِ فَإنَّها مَعْفُوٌّ عَنْها إذا لَمْ يُسْتَرْسَلْ عَلَيْها وإذا ما وقَعَ السَّعْيُ في تَدارُكِها. والِاسْتِقامَةُ في الخُوَيْصَةِ هي مُوجِبُ هَذا الوَعْدِ وهي الإيمانُ وقَواعِدُ الإسْلامِ، والِاسْتِقامَةُ في المُعامَلَةِ هي الَّتِي بِها تَيْسِيرُ سَبَبِ المَوْعُودِ بِهِ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أصُولَ انْتِظامِ أُمُورِ الأُمَّةِ في تَضاعِيفِ كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] . وقَوْلِهِ: صفحة ٢٨٤ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلِهِ في سِياقِ الذَّمِّ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] وبَيَّنَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَصَرُّفاتِ وُلاةِ الأُمُورِ في شُئُونِ الرَّعِيَّةِ ومَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ ومَعَ الأعْداءِ في الغَزْوِ والصُّلْحِ والمُهادَنَةِ والمُعاهَدَةِ، وبَيْنَ أُصُولِ المُعامَلاتِ بَيْنَ النّاسِ. فَمَتى اهْتَمَّ وُلاةُ الأُمُورِ وعُمُومُ الأُمَّةِ بِاتِّباعِ ما وضَّحَ لَهُمُ الشَّرْعُ تَحَقَّقَ وعْدُ اللَّهِ إيّاهم بِهَذا الوَعْدِ الجَلِيلِ. وهَذِهِ التَّكالِيفُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لِصَلاحِ أُمُورِ الأُمَّةِ ووَعَدَ عَلَيْها بِإعْطاءِ الخِلافَةِ والتَّمْكِينِ والأمْنِ صارَتْ بِتَرْتِيبِ تِلْكَ المَوْعِدَةِ عَلَيْها أسْبابًا لَها، وكانَتِ المَوْعِدَةُ كالمُسَبَّبِ عَلَيْها فَشابَهَتْ مِن هَذِهِ الحالَةِ خِطابَ الوَضْعِ، وجُعِلَ الإيمانُ عَمُودَها وشَرْطًا لِلْخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِها وتَوْثِيقًا لِحُصُولِ آثارِها بِأنْ جَعَلَهُ جالِبَ رِضاهُ وعِنايَتِهِ. فَبِهِ يَتَيَسَّرُ لِلْأُمَّةِ تَناوُلُ أسْبابِ النَّجاحِ، وبِهِ يَحُفُّ اللُّطْفُ الإلَهِيُّ بِالأُمَّةِ في أطْوارِ مُزاوَلَتِها واسْتِجْلابِها بِحَيْثُ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَراقِيلَ والمَوانِعَ، ورُبَّما حَفَّ بِهِمُ اللُّطْفُ والعِنايَةُ عِنْدَ تَقْصِيرِهِمْ في القِيامِ بِها. وعِنْدَ تَخْلِيطِهِمُ الصَّلاحَ بِالفَسادِ فَرَفَقَ بِهِمْ، ولَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ وتَلَوَّمَ لَهم في إنْزالِ العُقُوبَةِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ إنَّ في هَذا لَبَلاغٌ لِقَوْمٍ عابِدِينَ وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] يُرِيدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ المُسْلِمِينَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] في سُورَةِ الحَجِّ. فَلَوْ أنَّ قَوْمًا غَيْرَ مُسْلِمِينَ عَمِلُوا في سِيرَتِهِمْ وشُئُونِ رَعِيَّتِهِمْ بِمِثْلِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ مِنَ الصّالِحاتِ بِحَيْثُ لَمْ يُعْوِزْهم إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لاجْتَنَوْا مِن سِيرَتِهِمْ صُوَرًا تُشْبِهُ الحَقائِقَ الَّتِي يَجْتَنِيها المُسْلِمُونَ؛ لِأنَّ صفحة ٢٨٥ تِلْكَ الأعْمالَ صارَتْ أسْبابًا وسُنَنًا تَتَرَتَّبُ عَلَيْها آثارُها الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سُنَنًا وقَوانِينَ عُمْرانِيَّةً سِوى أنَّهم لِسُوءِ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم بِجُحُودِهِ أوْ بِالإشْراكِ بِهِ أوْ بِعَدَمِ تَصْدِيقِ رَسُولِهِ يَكُونُونَ بِمَنأىً عَنْ كَفالَتِهِ وتَأْيِيدِهِ إيّاهم ودَفْعِ العَوادِي عَنْهم، بَلْ يَكِلُهم إلى أعْمالِهِمْ وجُهُودِهِمْ عَلى حَسَبِ المُعْتادِ. ألا تَرى أنَّ القادَةَ الأُورُبِّيِّينَ بَعْدَ أنِ اقْتَبَسُوا مِنَ الإسْلامِ قَوانِينَهُ ونِظامَهُ بِما مارَسُوهُ مِن شُئُونِ المُسْلِمِينَ في خِلالِ الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ ثُمَّ بِما اكْتَسَبُوهُ مِن مُمارَسَةِ كُتُبِ التّارِيخِ الإسْلامِيِّ والفِقْهِ الإسْلامِيِّ والسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَدْ نَظَّمُوا مَمالِكَهم عَلى قَواعِدِ العَدْلِ والإحْسانِ والمُواساةِ وكَراهَةِ البَغْيِ والعُدْوانِ فَعَظُمَتْ دُوَلُهم واسْتَقامَتْ أُمُورُهم. ولا عَجَبَ في ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ الآشُورِيِّينَ وهم مُشْرِكُونَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ لِفَسادِهِمْ فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٤] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. والِاسْتِخْلافُ: جَعَلَهم خُلَفاءَ، أيْ عَنِ اللَّهِ في تَدْبِيرِ شُئُونِ عِبادِهِ كَما قالَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ. وأصْلُهُ: لَيُخْلِفَنَّهم في الأرْضِ. وتَعْلِيقُ فِعْلِ الِاسْتِخْلافِ بِمَجْمُوعِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإنْ كانَ تَدْبِيرُ شُئُونِ الأُمَّةِ مَنُوطًا بِوُلاةِ الأُمُورِ لا بِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ انْتِفاعًا بِذَلِكَ وإعانَةً عَلَيْهِ، كُلٌّ بِحَسَبِ مَقامِهِ في المُجْتَمَعِ، كَما حَكى تَعالى قَوْلَ مُوسى لِبَنِي إسْرائِيلَ (﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]) كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ. ولِهَذا فالوَجْهُ أنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ جَمِيعِها، وأنَّ الظَّرْفِيَّةَ المَدْلُولَةَ بِحَرْفِ (في) ظاهِرَةٌ في جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ وهو مَوْطِنُ حُكُومَةِ الأُمَّةِ وحَيْثُ تَنالُ أحْكامُها سُكّانَهُ. والأصْلُ في الظَّرْفِيَّةِ عَدَمُ اسْتِيعابِ المَظْرُوفِ الظَّرْفَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . صفحة ٢٨٦ وإنَّما صِيغَ الكَلامُ في هَذا النَّظْمِ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى قَوْلِهِ: (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) دُونَ تَقْيِيدٍ بِقَوْلِهِ: (في الأرْضِ) لِـ (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) لِلْإيماءِ إلى أنَّ الِاسْتِخْلافَ يَحْصُلُ في مُعْظَمِ الأرْضِ. وذَلِكَ يَقْبَلُ الِامْتِدادَ والِانْقِباضَ كَما كانَ الحالُ يَوْمَ خُرُوجِ بِلادِ الأنْدَلُسِ مِن حُكْمِ الإسْلامِ. ولَكِنَّ حُرْمَةَ الأُمَّةِ واتِّقاءَ بَأْسِها يَنْتَشِرُ في المَعْمُورَةِ كُلِّها بِحَيْثُ يَخافُهم مَن عَداهم مِنَ الأُمَمِ في الأرْضِ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ حُكْمِهِمْ ويَسْعَوْنَ الجَهْدَ في مَرْضاتِهِمْ ومُسالَمَتِهِمْ. وهَذا اسْتِخْلافٌ كامِلٌ، ولِذَلِكَ نَظَرَ بِتَشْبِيهِهِ بِاسْتِخْلافِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يَعْنِي الأُمَمَ الَّتِي حَكَمَتْ مُعْظَمَ العالَمِ وأخافَتْ جَمِيعَهُ مِثْلَ: الآشُورِيِّينَ، والمِصْرِيِّينَ، والفِينِيقِيِّينَ، واليَهُودَ زَمَنَ سُلَيْمانَ، والفُرْسَ، واليُونانَ، والرُّومانَ. وعَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَيَكُونُ مَوْصُولُ الجَمْعِ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى المُثَنّى. وعَنِ الضَّحّاكِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ. ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مالِكٍ. وعَلى هَذا فالمُرادُ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ صُلَحاءُ المُلُوكِ مِثْلُ: يُوسُفَ، وداوُدَ، وسُلَيْمانَ، وأنُو شِرْوانَ، وأصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ، ومَلِكَيْ صادِقٍ الَّذِي كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ ويُدْعى حَمُورابِي، وذِي القَرْنَيْنِ، وإسْكَنْدَرَ المَقْدُونِيِّ، وبَعْضِ مَن ولِيَ جُمْهُورِيَّةَ اليُونانِ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ خُلَفاءَ الأُمَّةِ مِثْلَ: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ والحَسَنِ ومُعاوِيَةَ كانُوا بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ اسْتَخْلَفَهُمُ اسْتِخْلافًا كامِلًا كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وفَتَحَ لَهُمُ البِلادَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ وأخافَ مِنهُمُ الأكاسِرَةَ والقَياصِرَةَ. وجُمْلَةُ (﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (وعَدَ)؛ لِأنَّها عَيْنُ المَوْعُودِ بِهِ. ولَمّا كانَتْ جُمْلَةَ قَسَمٍ وهو مِن قَبِيلِ القَوْلِ كانَتْ إحْداهُما بَيانًا لِلْأُخْرى. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَما اسْتُخْلِفَ﴾) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ كَما اسْتَخْلَفَ اللَّهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ فَيَكُونُ (الَّذِينَ) نائِبَ فاعِلٍ. صفحة ٢٨٧ وتَمْكِينُ الدِّينِ: انْتِشارُهُ في القَبائِلِ والأُمَمِ وكَثْرَةُ مُتَّبِعِيهِ. اسْتُعِيرَ التَّمْكِينُ الَّذِي حَقِيقَتُهُ التَّثْبِيتُ والتَّرْسِيخُ لِمَعْنى الشُّيُوعِ والِانْتِشارِ؛ لِأنَّهُ إذا انْتَشَرَ لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الِانْعِدامُ فَكانَ كالشَّيْءِ المُثَبَّتِ المُرَسَّخِ، وإذا كانَ مُتَّبِعُوهُ في قِلَّةٍ كانَ كالشَّيْءِ المُضْطَرِبِ المُتَزَلْزِلِ. وهَذا الوَعْدُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنها حَدِيثُ الحُدَيْبِيَةِ إذْ جاءَ فِيهِ قَوْلُهُ: «وإنْ هم أبَوْا - أيْ إلّا القِتالَ - فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقاتِلَنَّهم عَلى أمْرِي هَذا حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتِي - أيْ يَنْفَصِلَ مُقَدَّمُ العُنُقِ عَنِ الجَسَدِ - ولِيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَهُ» . وقَوْلُهُ: (لَهم) مُقْتَضى الظّاهِرِ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ: (دِينَهم)؛ لِأنَّ المَجْرُورَ بِالحَرْفِ أضْعَفُ تَعَلُّقًا مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ، فَقَدَّمَ (لَهم) عَلَيْهِ لِلْإيماءِ إلى العِنايَةِ بِهِمْ، أيْ بِكَوْنِ التَّمْكِينِ لِأجْلِهِمْ، كَتَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وإضافَةُ الدِّينِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَشْرِيفِهِمْ بِهِ؛ لِأنَّهُ دِينُ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾، أيِ الَّذِي اخْتارَهُ لِيَكُونَ دِينَهم، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ اخْتارَهم أيْضًا لِيَكُونُوا أتْباعَ هَذا الدِّينِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ هُمُ الَّذِينَ يَنْشُرُونَ هَذا الدِّينَ في الأُمَمِ؛ لِأنَّهُ دِينُهم فَيَكُونُ تَمَكُّنُهُ في النّاسِ بِواسِطَتِهِمْ. وإنَّما قالَ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: ولَيُؤَمِّنَنَّهم، كَما قالَ في سابِقِيهِ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يَطْمَحُونَ يَوْمَئِذٍ إلى الأمْنِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ أبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، فَكانُوا في حالَةٍ هي ضِدُّ الأمْنِ ولَوْ أُعْطُوا الأمْنَ دُونَ أنْ يَكُونُوا في حالَةِ خَوْفٍ لَكانَ الأمْنُ مِنَّةً واحِدَةً. وإضافَةُ الخَوْفِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ خَوْفٌ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ. وتَنْكِيرُ (أمْنًا) لِلتَّعْظِيمِ بِقَرِينَةِ كَوْنِهِ مُبْدَلًا مِن بَعْدِ خَوْفِهِمِ المَعْرُوفِ بِالشِّدَّةِ. والمَقْصُودُ: الأمْنُ مِن أعْدائِهِمُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. وفِيهِ بِشارَةٌ بِأنَّ اللَّهَ مُزِيلٌ الشِّرْكَ والنِّفاقَ مِنَ الأُمَّةِ. ولَيْسَ هَذا الوَعْدُ بِمُقْتَضٍ أنْ لا تَحْدُثَ حَوادِثُ صفحة ٢٨٨ خَوْفٍ في الأُمَّةِ في بَعْضِ الأقْطارِ كالخَوْفِ الَّذِي اعْتَرى أهْلَ المَدِينَةِ مِن ثَوْرَةِ أهْلِ مِصْرَ الَّذِينَ قادَهُمُ الضّالُّ مالِكٌ الأشْتَرُ النَّخَعِيُّ، ومِثْلِ الخَوْفِ الَّذِي حَدَثَ في المَدِينَةِ يَوْمَ الحَرَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ، وإنَّما كانَتْ تِلْكَ مُسَبَّباتٍ عَنْ أسْبابٍ بَشَرِيَّةٍ وإلى اللَّهِ إيابُهم وعَلى اللَّهِ حِسابُهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ولَيُبَدِّلَنَّهم) بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ الدّالِ والمَعْنى واحِدٌ. وجُمْلَةُ (يَعْبُدُونَنِي) حالٌ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أيْ: هَذا الوَعْدُ جَرى في حالِ عِبادَتِهِمْ إيّايَ. وفي هَذِهِ الحالِ إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ جَزاءٌ لَهم، أيْ وعَدْتُهم هَذا الوَعْدَ الشّامِلَ لَهم والباقِي في خَلَفِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْبُدُونَنِي عِبادَةً خالِصَةً عَنِ الإشْراكِ. وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ إذْ كانُوا يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَنْقَلِبُونَ. وجُمْلَةُ (﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في (﴿يَعْبُدُونَنِي﴾) تَقْيِيدًا لِلْعِبادَةِ بِهَذِهِ الحالَةِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ يَعْبُدُونَ اللَّهَ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ. وفي هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ ما يُؤَيِّدُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا مِن كَوْنِ الإيمانِ هو الشَّرِيطَةُ في كَفالَةِ اللَّهِ لِلْأُمَّةِ هَذا الوَعْدَ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ تَحْذِيرٌ بَعْدَ البِشارَةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ والعَكْسُ دَفْعًا لِلِاتِّكالِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَعْدَ ذَلِكَ) إلى الإيمانِ المُعَبَّرِ عَنْهُ هُنا بِـ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ والمُعَبَّرُ عَنْهُ في أوَّلِ الآياتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: ومَن كَفَرَ بَعْدَ الإيمانِ وما حَصَلَ لَهُ مِنَ البِشارَةِ عَلَيْهِ، فَهُمُ الفاسِقُونَ عَنِ الحَقِّ. وصِيغَةُ الحَصْرِ المَأْخُوذَةُ مِن تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ مُسْتَعْمِلَةٌ مُبالَغَةً لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ الفِسْقُ الكامِلُ. صفحة ٢٨٩ ووَصْفُ الفاسِقِينَ لَهُ رَشِيقُ المَوْقِعِ،؛ لِأنَّ مادَّةَ الفِسْقِ تَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَكانِ مِن مَنفَذٍ ضَيِّقٍ.

النور 24:56

﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥] لِما فِيها مِن مَعْنى الأمْرِ بِتَرْكِ الشِّرْكِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُونِي ولا تُشْرِكُوا وأقِيمُوا الصَّلاةَ،؛ لِأنَّ الخَبَرَ إذا كانَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الأمْرِ كانَ في قُوَّةِ فِعْلِ الأمْرِ حَتّى إنَّهُ قَدْ يُجْزَمُ جَوابُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الصف: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] بِجَزْمِ (يَغْفِرْ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (تُؤْمِنُونَ) في قُوَّةِ أنْ يَقُولَ: آمِنُوا بِاللَّهِ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا خاصَّةً بَعْدَ أنْ كانَ مُوَجَّهًا لِأُمَّةِ الدَّعْوَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، فالطّاعَةُ المَأْمُورُ بِها هُنا غَيْرُ الطّاعَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ [النور: ٥٤] إلَخْ؛ لِأنَّ تِلْكَ دَعْوَةٌ لِلْمُعْرِضِينَ وهَذِهِ ازْدِيادٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ الأعْمالِ الصّالِحاتِ فَأهَمُّها بِالتَّصْرِيحِ وسائِرُها بِعُمُومِ حَذْفِ المُتَعَلِّقِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، أيْ في كُلِّ ما يَأْمُرُكم ويَنْهاكم. ورُتِّبَ عَلى ذَلِكَ رَجاءُ حُصُولِ الرَّحْمَةِ لَهم، أيْ في الدُّنْيا بِتَحْقِيقِ الوَعْدِ الَّذِي مِن رَحْمَتِهِ الأمْنُ وفي الآخِرَةِ بِالدَّرَجاتِ العُلى. والكَلامُ عَلى (لَعَلَّ) تَقَدَّمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

النور 24:57

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النّارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ صفحة ٢٩٠ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَحْقِيقِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَزالُوا في قُوَّةٍ وكَثْرَةٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ لَمْ يَزالُوا يَخافُونَ بَأْسَهم فَرُبَّما كانَ الوَعْدُ بِالأمْنِ مِن بَأْسِهِمْ مُتَلَقًّى بِالتَّعَجُّبِ والِاسْتِبْطاءِ الشَّبِيهِ بِالتَّرَدُّدِ فَجاءَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ تَطْمِينًا وتَسْلِيَةً. والخِطابُ لِمَن قَدْ يُخامِرُهُ التَّعَجُّبُ والِاسْتِبْطاءُ دُونَ تَعْيِينٍ. والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ هَذا الحُسْبانِ التَّنْبِيهُ عَلى تَحْقِيقِ الخَبَرِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ (تَحْسَبَنَّ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فَصارَ (الَّذِينَ كَفَرُوا) فاعِلَ (يَحْسَبَنَّ) فَيَبْقى لِـ (يَحْسَبَنَّ) مَفْعُولٌ واحِدٌ هو (مُعْجِزِينَ) . فَقالَ أبُو حاتِمٍ والنَّحّاسُ والفَرّاءُ: هي خَطَأٌ أوْ ضَعِيفَةٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ الحُسْبانِ يَقْتَضِي مَفْعُولَيْنِ. وهَذا القَوْلُ جُرْأةٌ عَلى قِراءَةٍ مُتَواتِرَةٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أنْفُسَهم، وقَدْ وُفِّقَ؛ لِأنَّ الحَذْفَ لَيْسَ بِعَزِيزٍ في الكَلامِ. وفي الكَشّافِ أنْ (في الأرْضِ) هو المَفْعُولُ الثّانِي، أيْ لا يَحْسَبُوا ناسًا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ (يَعْنِي ما مِن كائِنٍ في الأرْضِ إلّا وهو في مُتَناوَلِ قُدْرَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أخَذَهُ، أيْ فَلا مَلْجَأ لَهم في الأرْضِ كُلِّها) قالَ: (وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ جَيِّدٌ) . والمُعْجِزُ: الَّذِي يُعْجِزُ غَيْرَهُ، أيْ: يَجْعَلُهُ عاجِزًا عَنْ غَلَبِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. وكَذَلِكَ المُعاجِزُ بِمَعْنى المُحاوِلِ عَجْزَ ضِدِّهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ. والأرْضُ: هي أرْضُ الدُّنْيا، أيْ هم غَيْرُ غالِبِينَ في الدُّنْيا كَما حَسِبُوا أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّةَ عالَمٌ آخَرُ. و(في الأرْضِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مُعْجِزِينَ) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ وابْنِ عامِرٍ، أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى بَعْضِ التَّوْجِيهاتِ كَما عَلِمْتَ. صفحة ٢٩١ وقَوْلُهُ: (﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾) أيْ هم في الآخِرَةِ مَعْلُومٌ أنَّ مَأْواهُمُ النّارُ فَقَدْ خَسِرُوا الدّارَيْنِ.

النور 24:58

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتِقالِيٌّ إلى غَرَضٍ مِن أحْكامِ المُخالَطَةِ والمُعاشَرَةِ. وهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ وقُطِعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ شَرْعُ الِاسْتِئْذانِ لِأتْباعِ العائِلَةِ ومَن هو شَدِيدُ الِاخْتِلاطِ إذا أرادَ دُخُولَ بَيْتٍ، فَهو مَن مُتَمِّماتِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وهو بِمَفْهُومِ الزَّمانِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمُ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ في الأعْيانِ والأوْقاتِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ صفحة ٢٩٢ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ تَشْرِيعًا لِاسْتِئْذانِهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ وهو يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِئْذانِهِمْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، فَصارَ المَفْهُومُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . وأيْضًا هَذا الأمْرُ مُخَصَّصٌ بِعُمُومِ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ وعُمُومِ ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَخِ المُتَقَدِّمُ آنِفًا. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مَرْثَدٍ «دَخَلَ عَلَيْها عَبْدٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فِيهِ فَأتَتِ النَّبِيءَ ﷺ فَقالَتْ: إنَّما خَدَمُنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالَةٍ نَكْرَهُها. فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، (يَعْنِي أنَّها اشْتَكَتْ إباحَةَ ذَلِكَ لَهم) . ولَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِعُمُومِ (أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ) وعُمُومِ (أوِ الطِّفْلِ)؛ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ وقَعَ العَمَلُ بِذَلِكَ العُمُومِ ثُمَّ خُصِّصَ بِهَذِهِ الآيَةِ. والتَّخْصِيصُ إذا ورَدَ بَعْدَ العَمَلِ بِعُمُومِ العامِّ صارَ نَسْخًا. والأمْرُ في قَوْلِهِ: (لِيَسْتَأْذِنْكم) لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقالَ أبُو قِلابَةَ: هو نَدْبٌ. فَأمّا المَمالِيكُ؛ فَلِأنَّ في عُرْفِ النّاسِ أنْ لا يَتَحَرَّجُوا مِنِ اطِّلاعِ المَمالِيكِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ هم خَوَلٌ وتَبَعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] . وأمّا الأطْفالُ فَلِأنَّهم لا عِنايَةَ لَهم بِتَطَلُّعِ أحْوالِ النّاسِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] . كانَتْ هَذِهِ الأوْقاتُ أوْقاتًا يَتَجَرَّدُ فِيها أهْلُ البَيْتِ مِن ثِيابِهِمْ كَما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ فَكانَ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَرى مَمالِيكُهم وأطْفالُهم عَوْراتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَنظَرٌ يَخْجَلُ مِنهُ المَمْلُوكُ ويَنْطَبِعُ في نَفْسِ الطِّفْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَتَهُ، ولِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْشَأ الأطْفالُ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّجِيَّةِ فِيهِمْ إذا كَبِرُوا. ووُجِّهَ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ وجُعِلَتْ صِيغَةُ الأمْرِ مُوَجَّهَةً إلى المَمالِيكِ والصِّبْيانِ عَلى مَعْنى: لِتَأْمُرُوا الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ صفحة ٢٩٣ أنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ عَلى أرْبابِ البُيُوتِ تَأْدِيبَ أتْباعِهِمْ، فَلا يُشْكِلُ تَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ لِمالِكِيهِمُ الذُّكُورِ والإناثِ. وأمّا مَسْألَةُ النَّظَرِ وتَفْصِيلُها في الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والذَّكَرِ والأُنْثى فَهي مِن عَلائِقِ سَتْرِ العَوْرَةِ المُفَصَّلَةِ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] فَلا يَنْبَغِي التَّصَدِّي بِإيرادِ صُوَرِها في هَذِهِ الآيَةِ. وتَعْيِينُ الِاسْتِيذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها أوْقاتُ خُلْوَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ وأوْقاتُ التَّعَرِّي مِنَ الثِّيابِ، وهي أوْقاتُ نَوْمٍ وكانُوا غالِبًا يَنامُونَ مُجَرَّدِينَ مِنَ الثِّيابِ اجْتِراءً بِالغِطاءِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى (عَوْراتٍ) . وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ هو اللَّيْلُ كُلُّهُ إلى حِينِ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الفَجْرِ. وانْتَصَبَ (ثَلاثَ مَرّاتٍ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِيَسْتَأْذِنْكم)؛ لِأنَّ مَرّاتٍ في قُوَّةِ اسْتِئْذاناتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثِ مَرّاتٍ) بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ. وحَرْفُ (مِن) مَزِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ والظَّهِيرَةُ: وقْتُ الظُّهْرِ وهو انْتِصافُ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: (ثَلاثَ عَوْراتٍ) قَرَأ الجُمْهُورُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثَلاثَ عَوْراتٍ، أيْ أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ. وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مِمّا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ في كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنْهُ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عَوْراتٍ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثَ مَرّاتٍ) . صفحة ٢٩٤ والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ والنَّقْصُ. وفِيهِ: قِيلَ لِمَن فُقِدَتْ عَيْنُهُ: أعْوَرُ، وعَوِرَتْ عَيْنُهُ، ومِنهُ عَوْرَةُ الحَيِّ وهي الجِهَةُ غَيْرُ الحَصِينَةِ مِنهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ مِنها كالثَّغْرِ، قالَ لَبِيدٌ: وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها وقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] . ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُكْرَهُ انْكِشافُهُ كَما هُنا وكَما سُمِّيَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ كَشْفُهُ مِن جَسَدِهِ عَوْرَةً. وفي قَوْلِهِ: (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) نَصٌّ عَلى عِلَّةِ إيجابِ الِاسْتِئْذانِ فِيها. وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الظُّرُوفِ في قَوْلِهِ: (﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ المُحَدَّدَةِ. فَصَلاةُ الفَجْرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وحالَةُ وضْعِ الثِّيابِ مِنَ الظَّهِيرَةِ تَحْدِيدٌ بِالعُرْفِ، وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ مِنَ الحِصَّةِ الَّتِي تَسَعُ في العُرْفِ تَصَرُّفَ النّاسِ في التَّهَيُّؤِ إلى النَّوْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (بَعْدَ) بِمَعْنى (دُونَ)، أيْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وضَمِيرُ (بَعْدَهُنَّ) عائِدٌ إلى ثَلاثِ عَوْراتٍ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ. ونَفْيُ الجُناحِ عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾) بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ عَلى اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ إيماءٌ إلى لَحْنِ خِطابٍ حاصِلٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ فَإنَّ الأمْرَ بِاسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي أمْرَ أهْلِ البَيْتِ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم إذا دَعاهم داعٍ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ كَما يُرْشِدُ السّامِعَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِأمْرِ المُخاطَبِينَ بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم لِنُدُورِ دُخُولِ السّادَةِ عَلى عَبِيدِهِمْ أوْ عَلى غِلْمانِهِمْ إذِ الشَّأْنُ أنَّهم إذا دَعَتْهم حاجَةٌ إلَيْهِمْ أنْ يُنادُوهم فَأمّا إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فالحُكْمُ فِيهِمْ سَواءٌ. وقَدْ أشارَ إلى العِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ . صفحة ٢٩٥ وقَوْلُهُ: (﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم طَوّافُونَ، يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ . والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ إنَّما رَفَعَ الجُناحَ عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم في الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم، فَلَوْ وجَبَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا كانَ ذَلِكَ حَرَجًا عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم. وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ. تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ طَوّافُونَ عَلَيْهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ وقَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ . و(بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا. ويُجْعَلُ (بَعْضُكم) مُبْتَدَأً، ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (عَلى بَعْضٍ) بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. وحُذِفَ الخَبَرُ، وبَقِيَ المُتَعَلِّقُ بِهِ، وهو كَوْنٌ خاصٌّ حُذِفَ لِدَلالَةِ (طَوّافُونَ) عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: بَعْضُكم طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. ولا يَحْسُنُ مَن جَعَلَ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) بَدَلًا مِنَ الواوِ في (طَوّافُونَ عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُبْدَلَ مِنهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ وهم لَيْسُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلّا بِتَقْدِيرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الَّذِي طَرَقَ أسْماعَكم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، فَبَيانُهُ بالِغٌ الغايَةَ في الكَمالِ حَتّى لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ لَما شُبِّهَ إلّا بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والتَّعْرِيفُ في (الآياتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والمُرادُ بِالآياتِ القُرْآنُ، فَإنَّ ما يَقَعُ فِيهِ إجْمالٌ مِنها يُبَيَّنُ بِآياتٍ أُخْرى، فالآياتُ الَّتِي أوَّلُها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] . وجُمْلَةُ (واللَّهُ عَلَيْكم حَكِيمٌ) مُعْتَرِضَةٌ. والمَعْنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ بَيانًا كامِلًا وهو عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فَبَيانُهُ بالِغٌ غايَةَ الكَمالِ لا مَحالَةَ. صفحة ٢٩٦ ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في مَوْقِعِ التَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ الأطْفالَ إذا بَلَغُوا الحُلُمَ تَغَيَّرَ حُكْمُهم في الِاسْتِئْذانِ إلى حُكْمِ اسْتِئْذانِ الرِّجالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ أوِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ مِن قَبْلِهِمْ وهم كانُوا رِجالًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أُولَئِكَ الأطْفالُ مَبْلَغَ الرِّجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وهو تَأْكِيدٌ لَهُ بِالتَّكْرِيرِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِامْتِنانِ. وإنَّما أُضِيفَتِ الآياتُ هُنا لِضَمِيرِ الجَلالَةِ تَقَنُّنًا ولِتَقْوِيَةِ تَأْكِيدِ مَعْنى كَمالِ التَّبْيِينِ الحاصِلِ مِن قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) . وتَأْكِيدُ مَعْنى الوَصْفَيْنِ (العَلِيمُ الحَكِيمُ)، أيْ هي آياتٌ مِن لَدُنْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ ومِن تِلْكَ صِفاتُ بَيانِهِ.

النور 24:59

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتِقالِيٌّ إلى غَرَضٍ مِن أحْكامِ المُخالَطَةِ والمُعاشَرَةِ. وهو عَوْدٌ إلى الغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ وقُطِعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤] كَما تَقَدَّمَ. وقَدْ ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ شَرْعُ الِاسْتِئْذانِ لِأتْباعِ العائِلَةِ ومَن هو شَدِيدُ الِاخْتِلاطِ إذا أرادَ دُخُولَ بَيْتٍ، فَهو مَن مُتَمِّماتِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وهو بِمَفْهُومِ الزَّمانِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمُ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عامٌّ في الأعْيانِ والأوْقاتِ فَكانَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ صفحة ٢٩٢ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ تَشْرِيعًا لِاسْتِئْذانِهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ وهو يَقْتَضِي عَدَمَ اسْتِئْذانِهِمْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، فَصارَ المَفْهُومُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] . وأيْضًا هَذا الأمْرُ مُخَصَّصٌ بِعُمُومِ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ وعُمُومِ ﴿الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلَخِ المُتَقَدِّمُ آنِفًا. وقَدْ رُوِيَ أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مَرْثَدٍ «دَخَلَ عَلَيْها عَبْدٌ لَها كَبِيرٌ في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فِيهِ فَأتَتِ النَّبِيءَ ﷺ فَقالَتْ: إنَّما خَدَمُنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالَةٍ نَكْرَهُها. فَنَزَلَتِ الآيَةُ»، (يَعْنِي أنَّها اشْتَكَتْ إباحَةَ ذَلِكَ لَهم) . ولَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ لَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَسْخًا لِعُمُومِ (أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ) وعُمُومِ (أوِ الطِّفْلِ)؛ لِأنَّها تَقْتَضِي أنَّهُ وقَعَ العَمَلُ بِذَلِكَ العُمُومِ ثُمَّ خُصِّصَ بِهَذِهِ الآيَةِ. والتَّخْصِيصُ إذا ورَدَ بَعْدَ العَمَلِ بِعُمُومِ العامِّ صارَ نَسْخًا. والأمْرُ في قَوْلِهِ: (لِيَسْتَأْذِنْكم) لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقالَ أبُو قِلابَةَ: هو نَدْبٌ. فَأمّا المَمالِيكُ؛ فَلِأنَّ في عُرْفِ النّاسِ أنْ لا يَتَحَرَّجُوا مِنِ اطِّلاعِ المَمالِيكِ عَلَيْهِمْ؛ إذْ هم خَوَلٌ وتَبَعٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] . وأمّا الأطْفالُ فَلِأنَّهم لا عِنايَةَ لَهم بِتَطَلُّعِ أحْوالِ النّاسِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] . كانَتْ هَذِهِ الأوْقاتُ أوْقاتًا يَتَجَرَّدُ فِيها أهْلُ البَيْتِ مِن ثِيابِهِمْ كَما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ فَكانَ مِنَ القَبِيحِ أنْ يَرى مَمالِيكُهم وأطْفالُهم عَوْراتِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَنظَرٌ يَخْجَلُ مِنهُ المَمْلُوكُ ويَنْطَبِعُ في نَفْسِ الطِّفْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَدْ رُؤْيَتَهُ، ولِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَنْشَأ الأطْفالُ عَلى سَتْرِ العَوْرَةِ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ كالسَّجِيَّةِ فِيهِمْ إذا كَبِرُوا. ووُجِّهَ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ وجُعِلَتْ صِيغَةُ الأمْرِ مُوَجَّهَةً إلى المَمالِيكِ والصِّبْيانِ عَلى مَعْنى: لِتَأْمُرُوا الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ صفحة ٢٩٣ أنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ عَلى أرْبابِ البُيُوتِ تَأْدِيبَ أتْباعِهِمْ، فَلا يُشْكِلُ تَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ لِمالِكِيهِمُ الذُّكُورِ والإناثِ. وأمّا مَسْألَةُ النَّظَرِ وتَفْصِيلُها في الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والذَّكَرِ والأُنْثى فَهي مِن عَلائِقِ سَتْرِ العَوْرَةِ المُفَصَّلَةِ في كُتُبِ الفِقْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] فَلا يَنْبَغِي التَّصَدِّي بِإيرادِ صُوَرِها في هَذِهِ الآيَةِ. وتَعْيِينُ الِاسْتِيذانِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها أوْقاتُ خُلْوَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ وأوْقاتُ التَّعَرِّي مِنَ الثِّيابِ، وهي أوْقاتُ نَوْمٍ وكانُوا غالِبًا يَنامُونَ مُجَرَّدِينَ مِنَ الثِّيابِ اجْتِراءً بِالغِطاءِ، وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى (عَوْراتٍ) . وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ هو اللَّيْلُ كُلُّهُ إلى حِينِ الهُبُوبِ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الفَجْرِ. وانْتَصَبَ (ثَلاثَ مَرّاتٍ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (لِيَسْتَأْذِنْكم)؛ لِأنَّ مَرّاتٍ في قُوَّةِ اسْتِئْذاناتٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثِ مَرّاتٍ) بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ. وحَرْفُ (مِن) مَزِيدٌ لِلتَّأْكِيدِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ والظَّهِيرَةُ: وقْتُ الظُّهْرِ وهو انْتِصافُ النَّهارِ. وقَوْلُهُ: (ثَلاثَ عَوْراتٍ) قَرَأ الجُمْهُورُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثَلاثَ عَوْراتٍ، أيْ أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ. وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مِمّا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ في كُلِّ إخْبارٍ عَنْ شَيْءٍ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنْهُ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (عَوْراتٍ) . وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى البَدَلِ مِن (ثَلاثَ مَرّاتٍ) . صفحة ٢٩٤ والعَوْرَةُ في الأصْلِ: الخَلَلُ والنَّقْصُ. وفِيهِ: قِيلَ لِمَن فُقِدَتْ عَيْنُهُ: أعْوَرُ، وعَوِرَتْ عَيْنُهُ، ومِنهُ عَوْرَةُ الحَيِّ وهي الجِهَةُ غَيْرُ الحَصِينَةِ مِنهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الدُّخُولُ مِنها كالثَّغْرِ، قالَ لَبِيدٌ: وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها وقالَ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] . ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما يُكْرَهُ انْكِشافُهُ كَما هُنا وكَما سُمِّيَ ما لا يُحِبُّ الإنْسانُ كَشْفُهُ مِن جَسَدِهِ عَوْرَةً. وفي قَوْلِهِ: (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) نَصٌّ عَلى عِلَّةِ إيجابِ الِاسْتِئْذانِ فِيها. وقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الظُّرُوفِ في قَوْلِهِ: (﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ﴾) وما عُطِفَ عَلَيْهِ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ المُحَدَّدَةِ. فَصَلاةُ الفَجْرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وحالَةُ وضْعِ الثِّيابِ مِنَ الظَّهِيرَةِ تَحْدِيدٌ بِالعُرْفِ، وما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ مِنَ الحِصَّةِ الَّتِي تَسَعُ في العُرْفِ تَصَرُّفَ النّاسِ في التَّهَيُّؤِ إلى النَّوْمِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (بَعْدَ) بِمَعْنى (دُونَ)، أيْ في غَيْرِ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وضَمِيرُ (بَعْدَهُنَّ) عائِدٌ إلى ثَلاثِ عَوْراتٍ، أيْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ. ونَفْيُ الجُناحِ عَنِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾) بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ عَلى اسْتِئْذانِ المَمالِيكِ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ إيماءٌ إلى لَحْنِ خِطابٍ حاصِلٍ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ فَإنَّ الأمْرَ بِاسْتِئْذانِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِمْ يَقْتَضِي أمْرَ أهْلِ البَيْتِ بِالِاسْتِئْذانِ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم إذا دَعاهم داعٍ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الأوْقاتِ كَما يُرْشِدُ السّامِعَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾) . وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِأمْرِ المُخاطَبِينَ بِأنْ يَسْتَأْذِنُوا عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُهم لِنُدُورِ دُخُولِ السّادَةِ عَلى عَبِيدِهِمْ أوْ عَلى غِلْمانِهِمْ إذِ الشَّأْنُ أنَّهم إذا دَعَتْهم حاجَةٌ إلَيْهِمْ أنْ يُنادُوهم فَأمّا إذا دَعَتِ الحاجَةُ إلى الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فالحُكْمُ فِيهِمْ سَواءٌ. وقَدْ أشارَ إلى العِلَّةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ . صفحة ٢٩٥ وقَوْلُهُ: (﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾) خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم طَوّافُونَ، يَعُودُ عَلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ . والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، أيْ إنَّما رَفَعَ الجُناحَ عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم في الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ تِلْكَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم، فَلَوْ وجَبَ أنْ يَسْتَأْذِنُوا كانَ ذَلِكَ حَرَجًا عَلَيْهِمْ وعَلَيْكم. وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ. تَقْدِيرُهُ: وأنْتُمْ طَوّافُونَ عَلَيْهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ وقَوْلُهُ عَقِبَهُ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ . و(بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا. ويُجْعَلُ (بَعْضُكم) مُبْتَدَأً، ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: (عَلى بَعْضٍ) بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. وحُذِفَ الخَبَرُ، وبَقِيَ المُتَعَلِّقُ بِهِ، وهو كَوْنٌ خاصٌّ حُذِفَ لِدَلالَةِ (طَوّافُونَ) عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: بَعْضُكم طَوّافٌ عَلى بَعْضٍ. ولا يَحْسُنُ مَن جَعَلَ (بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ) بَدَلًا مِنَ الواوِ في (طَوّافُونَ عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ فَلا يَحْسُنُ أنْ يُبْدَلَ مِنهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ وهم لَيْسُوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلّا بِتَقْدِيرٍ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الَّذِي طَرَقَ أسْماعَكم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ، فَبَيانُهُ بالِغٌ الغايَةَ في الكَمالِ حَتّى لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُهُ لَما شُبِّهَ إلّا بِنَفْسِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والتَّعْرِيفُ في (الآياتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والمُرادُ بِالآياتِ القُرْآنُ، فَإنَّ ما يَقَعُ فِيهِ إجْمالٌ مِنها يُبَيَّنُ بِآياتٍ أُخْرى، فالآياتُ الَّتِي أوَّلُها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] . وجُمْلَةُ (واللَّهُ عَلَيْكم حَكِيمٌ) مُعْتَرِضَةٌ. والمَعْنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ بَيانًا كامِلًا وهو عَلِيمٌ حَكِيمٌ، فَبَيانُهُ بالِغٌ غايَةَ الكَمالِ لا مَحالَةَ. صفحة ٢٩٦ ووَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في مَوْقِعِ التَّصْرِيحِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّ الأطْفالَ إذا بَلَغُوا الحُلُمَ تَغَيَّرَ حُكْمُهم في الِاسْتِئْذانِ إلى حُكْمِ اسْتِئْذانِ الرِّجالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] الآياتِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ فِيما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ أوِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَأْذِنُونَ مِن قَبْلِهِمْ وهم كانُوا رِجالًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أُولَئِكَ الأطْفالُ مَبْلَغَ الرِّجالِ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا، وهو تَأْكِيدٌ لَهُ بِالتَّكْرِيرِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والِامْتِنانِ. وإنَّما أُضِيفَتِ الآياتُ هُنا لِضَمِيرِ الجَلالَةِ تَقَنُّنًا ولِتَقْوِيَةِ تَأْكِيدِ مَعْنى كَمالِ التَّبْيِينِ الحاصِلِ مِن قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) . وتَأْكِيدُ مَعْنى الوَصْفَيْنِ (العَلِيمُ الحَكِيمُ)، أيْ هي آياتٌ مِن لَدُنْ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ ومِن تِلْكَ صِفاتُ بَيانِهِ.

النور 24:60

﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] . ومُناسَبَةُ هَذا التَّخْصِيصِ هُنا أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ فَرْضِ الِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ الَّتِي يَضَعُ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها ثِيابَهم عَنْ أجْسادِهِمْ، فَعَطَفَ الكَلامَ إلى نَوْعٍ مِن وضْعِ الثِّيابِ عَنْ لابِسِها، وهو وضْعُ النِّساءِ القَواعِدِ بَعْضَ ثِيابِهِنَّ عَنْهُنَّ فاسْتُثْنِيَ مِن عُمُومِ النِّساءِ النِّساءُ المُتَقَدِّماتُ في السِّنِّ بِحَيْثُ بَلَغْنَ إبّانَ الإياسِ مِنَ المَحِيضِ فَرَخَّصَ لَهُنَّ أنْ لا يَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، وأنْ لا يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: الثِّيابُ: الجِلْبابُ، أيْ: الرِّداءُ والمُقَنَّعَةُ الَّتِي فَوْقَ الخِمارِ. وقالَ السُّدِّيُّ: يَجُوزُ لَهُنَّ وضْعُ الخِمارِ أيْضًا. صفحة ٢٩٧ والقَواعِدُ: جَمْعُ قاعِدٍ بِدُونِ هاءِ تَأْنِيثٍ مِثْلَ: حامِلٍ وحائِضٍ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ نُقِلَ لِمَعْنًى خاصٍّ بِالنِّساءِ وهو القُعُودُ عَنِ الوِلادَةِ وعَنِ المَحِيضِ. اسْتُعِيرَ القُعُودُ لِعَدَمِ القُدْرَةِ؛ لِأنَّ القُعُودَ يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى المَرْغُوبِ، وإنَّما رَغْبَةُ المَرْأةِ في الوَلَدِ، والحَيْضُ مِن سَبَبِ الوِلادَةِ فَلَمّا اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ، وغُلِّبَ في الِاسْتِعْمالِ صارَ وصْفُ قاعِدٍ بِهَذا المَعْنى خاصًّا بِالمُؤَنَّثِ فَلَمْ تَلْحَقْهُ هاءُ التَّأْنِيثِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي إلى الهاءِ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾، وذَلِكَ مِنَ الكِبَرِ. وقَوْلُهُ: ﴿اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ وصْفٌ كاشِفٌ لِـ (القَواعِدُ) ولَيْسَ قَيْدًا. واقْتِرانُ الخَبَرِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ﴾؛ لِأنَّ الكَلامَ بِمَعْنى التَّسَبُّبِ والشَّرْطِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذا المُبْتَدَأ يُشْعِرُ بِتَرَقُّبِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَشابَهَ الشَّرْطَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] . ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ أنَّ (ألْ) فِيهِ مَوْصُولَةٌ؛ إذْ لا يَظْهَرُ مَعْنى المَوْصُولِ لِحَرْفِ التَّعْرِيفِ وإنْ كَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِ النَّحْوِيِّينَ. و(أنْ يَضَعْنَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جُناحٌ) بِتَقْدِيرِ (في) . والمُرادُ بِالثِّيابِ بَعْضُها وهو المَأْمُورُ بِإدْنائِهِ عَلى المَرْأةِ بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّخْصِيصِ. والوَضْعُ: إناطَةُ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) وقَدْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَنْ) إذا أُرِيدَ أنَّهُ أُزِيلَ عَنْ مَكانٍ ووُضِعَ عَلى غَيْرِهِ وهو المُرادُ هُنا كَفِعْلِ (تَرْغَبُونَ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ أنْ يُزِلْنَ عَنْهُنَّ ثِيابَهُنَّ فَيَضَعْنَها عَلى الأرْضِ أوْ عَلى المِشْجَبِ. وعِلَّةُ هَذِهِ الرُّخْصَةِ هي أنَّ الغالِبَ أنْ تَنْتَفِيَ أوْ تَقِلَّ رَغْبَةُ الرِّجالِ في أمْثالِ هَذِهِ القَواعِدِ لِكِبَرِ السِّنِّ. فَلَمّا كانَ في الأمْرِ بِضَرْبِ الخُمُرِ عَلى الجُيُوبِ أوْ إدْناءِ الجَلابِيبِ كُلْفَةٌ عَلى النِّساءِ المَأْمُوراتِ اقْتَضاها سَدُّ الذَّرِيعَةِ، فَلَمّا انْتَفَتِ الذَّرِيعَةُ رُفِعَ ذَلِكَ الحُكْمُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ، فَإنَّ الشَّرِيعَةَ ما جَعَلَتْ في حُكْمٍ مَشَقَّةً لِضَرُورَةٍ إلّا رَفَعَتْ تِلْكَ المَشَقَّةَ بِزَوالِ الضَّرُورَةِ وهَذا مَعْنى الرُّخْصَةِ. ولِذَلِكَ عُقِّبَ هَذا التَّرْخِيصُ بِقَوْلِهِ (﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾) . صفحة ٢٩٨ والِاسْتِعْفافُ: التَّعَفُّفُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ، أيْ تَعَفُّفُهُنَّ عَنْ وضْعِ الثِّيابِ عَنْهُنَّ أفْضَلُ لَهُنَّ ولِذَلِكَ قَيَّدَ هَذا الإذْنَ بِالحالِ وهو (﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾) أيْ وضْعًا لا يُقارِنُهُ تَبَرُّجٌ بِزِينَةٍ. والتَّبَرُّجُ: التَّكَشُّفُ. والباءُ في (بِزِينَةٍ) لِلْمُلابَسَةِ فَيَئُولُ إلى أنْ لا يَكُونَ وضْعُ الثِّيابِ إظْهارًا لِزِينَةٍ كانَتْ مَسْتُورَةً. والمُرادُ: إظْهارُ ما عادَةُ المُؤْمِناتِ سَتْرُهُ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] فَإنَّ المَرْأةَ إذا تَجَلَّتْ بِزِينَةٍ مِن شَأْنِها إخْفاؤُها إلّا عَنِ الزَّوْجِ فَكَأنَّها تُعَرِّضُ بِاسْتِجْلابِ اسْتِحْسانِ الرِّجالِ إيّاها وإثارَةِ رَغْبَتِهِمْ فِيها، وهي وإنْ كانَتْ مِنَ القَواعِدِ فَإنَّ تَعْرِيضَها بِذَلِكَ يُخالِفُ الآدابَ ويُزِيلُ وقارَ سِنِّها، وقَدْ يَرْغَبُ فِيها بَعْضُ أهْلِ الشَّهَواتِ لِما في التَّبَرُّجِ بِالزِّينَةِ مِنَ السَّتْرِ عَلى عُيُوبِها أوِ الإشْغالِ عَنْ عُيُوبِها بِالنَّظَرِ في مَحاسِنِ زِينَتِها. فالتَّبَرُّجُ بِالزِّينَةِ: التَّحَلِّي بِما لَيْسَ مِنَ العادَةِ التَّحَلِّي بِهِ في الظّاهِرِ مِن تَحْمِيرٍ وتَبْيِيضٍ وكَذَلِكَ الألْوانُ النّادِرَةُ، قالَ بَشّارٌ: وإذا خَرَجْتِ تَقَنَّعِي بِالحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحْمَرُ وسُئِلَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الخِضابِ والصِّباغِ والتَّمايِمِ؛ أيْ: حِقاقٌ مِن فِضَّةٍ تُوضَعُ فِيها تَمايِمُ ومُعاذاتٌ تُعَلِّقُها المَرْأةُ والقُرْطَيْنِ والخَلْخالِ وخاتَمِ الذَّهَبِ ورِقاقِ الثِّيابِ فَقالَتْ: أحَلَّ اللَّهُ لَكُنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ لِمَن لا يَحِلُّ لَكُنَّ أنْ يَرَوْا مِنكُنَّ مُحَرَّمًا. فَأحالَتِ الأمْرَ عَلى المُعْتادِ والمَعْرُوفِ، فَيَكُونُ التَّبَرُّجُ بِظُهُورِ ما كانَ يَحْجِبُهُ الثَّوْبُ المَطْرُوحُ عَنْها كالوِشامِ في اليَدِ أوِ الصَّدْرِ والنَّقْشِ بِالسَّوادِ في الجِيدِ أوِ الصَّدْرِ المُسَمّى في تُونُسَ بِالحُرْقُوصِ - غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ - . وفي المُوَطَّأِ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، وعَلى حَفْصَةَ خِمارٌ رَقِيقٌ فَشَقَّتْهُ عائِشَةُ، وكَسَتْها خِمارًا كَثِيفًا أيْ: شَقَّتْهُ لِئَلّا تُخَمَّرَ بِهِ فِيما بَعْدُ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنِيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غَيْرُ مُتَكَشِّفاتٍ مِن مَنازِلِهِنَّ بِالخُرُوجِ في الطَّرِيقِ، أيْ: أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ، أيْ فَإذا خَرَجَتْ فَلا صفحة ٢٩٩ يَحِلُّ لَها تَرْكُ جِلْبابِها، فَيَئُولُ المَعْنى إلى أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ، ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أيْ: كَوْنُهُنَّ مِنَ القَواعِدِ لا يَقْتَضِي التَّرْخِيصَ لَهُنَّ إلّا في وضْعِ ثِيابِهِنَّ وضْعًا مُجَرَّدًا عَنْ قَصْدِ تَرْغِيبٍ فِيهِنَّ. وجُمْلَةُ (واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّذْيِيلِ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّوَسُّعِ في الرُّخْصَةِ أوْ جَعْلِها ذَرِيعَةً لِما لا يُحْمَدُ شَرْعًا، فَوَصْفُ (السَّمِيعِ) تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ يَسْمَعُ ما تُحَدِّثُهُنَّ بِهِ أنْفُسُهُنَّ مِنَ المَقاصِدِ، ووَصْفُ (العَلِيمِ) تَذْكِيرٌ بِأنَّهُ يَعْلَمُ أحْوالَ وضْعِهِنَّ الثِّيابَ وتَبَرُّجِهِنَّ ونَحْوِها.

النور 24:61

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ اخْتُلِفَ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ إلَخْ مُنْفَصِلٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ وأنَّهُ في غَرَضٍ غَيْرِ غَرَضِ الأكْلِ في البُيُوتِ، أيْ فَيَكُونُ مِن تَمامِ آيَةِ الِاسْتِئْذانِ، أوْ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ في غَرَضٍ واحِدٍ. فَقالَ بِالأوَّلِ الحَسَنُ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وهو مُخْتارٌ الجِبائِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ العَرَبِيِّ وأبِي حَيّانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّهُ ظاهِرُ الآيَةِ. وهو الَّذِي نَخْتارُهُ تَفادِيًا مِنَ التَّكَلُّفِ الَّذِي ذَكَرَهُ مُخالِفُوهم لِبَيانِ اتِّصالِهِ بِما بَعْدَهُ في بَيانِ وجْهِ الرُّخْصَةِ لِهَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ الأصْنافِ في الطَّعامِ في البُيُوتِ المَذْكُورَةِ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ إلى آخِرِ المَعْدُوداتِ لا يَظْهَرُ اتِّصالُهُ بِالأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ نَفْيًا لِلْحَرَجِ عَنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ فِيما تَجُرُّهُ ضِرارَتُهم إلَيْهِمْ مِنَ الحَرَجِ مِنَ الأعْمالِ، فالحَرَجُ مَرْفُوعٌ عَنْهم في كُلِّ ما تَضْطَرُّهم إلَيْهِ أعْذارُهم، فَتَقْتَضِي نِيَّتُهم الإتْيانَ فِيهِ بِالإكْمالِ ويَقْتَضِي العُذْرُ أنْ يَقَعَ مِنهم. فالحَرَجُ مَنفِيٌّ عَنِ الأعْمى في التَّكْلِيفِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ البَصَرُ، وعَنِ الأعْرَجِ فِيما يُشْتَرَطُ فِيهِ المَشْيُ والرُّكُوبُ، وعَنِ المَرِيضِ في التَّكْلِيفِ صفحة ٣٠٠ الَّذِي يُؤَثِّرُ المَرَضُ في إسْقاطِهِ كالصَّوْمِ وشُرُوطِ الصَّلاةِ والغَزْوِ. ولَكِنَّ المُناسَبَةَ في ذِكْرِ هَذِهِ الرُّخْصَةِ عَقِبَ الِاسْتِئْذانِ أنَّ المَقْصِدَ التَّرْخِيصُ لِلْأعْمى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ اسْتِئْذانٌ لِانْتِفاءِ السَّبَبِ المُوجِبِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الأعْرَجَ والمَرِيضَ إدْماجًا وإتْمامًا لِحُكْمِ الرُّخْصَةِ لَهُما لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ الأعْمى. وقالَ بِالثّانِي جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقَدْ تَكَلَّفُوا لِوَجْهِ عَدِّ هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ في عِدادِ الآكِلِينَ مِنَ الطَّعامِ الَّذِي في بُيُوتِ مَن ذَكَرُوا في الآيَةِ المُوالِيَةِ. والجُمْلَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. * * * ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بِيُوتِكم أوْ بِيُوتِ آبائِكم أوْ بِيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بِيُوتِ إخْوانِكم أوْ بِيُوتِ أخَواتِكم أوْ بِيُوتِ أعْمامِكم أوْ بِيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بِيُوتِ أخْوالِكم أوْ بِيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أوْ صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ مُناسَبَةُ عَطْفِ هَذِهِ الرُّخَصِ عَلى رُخْصَةِ الأعْمى، عَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ وهو المُخْتارُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، هو تَعَلُّقُ كِلَيْهِما بِالِاسْتِئْذانِ والدُّخُولِ لِلْبُيُوتِ سَواءً كانَ لِغَرَضِ الطَّعامِ فِيها أوْ كانَ لِلزِّيارَةِ ونَحْوِها لِاشْتِراكِ الكُلِّ في رَفْعِ الحَرَجِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ فاقْتِرانُ الجَمِيعِ في الحُكْمِ هو الرُّخْصَةُ لِلْجَمِيعِ في الأكْلِ، فَأذِنَ اللَّهُ لِلْأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ أنْ يَدْخُلُوا لِلْأكْلِ؛ لِأنَّهم مَحاوِيجُ لا يَسْتَطِيعُونَ التَّكَسُّبَ وكانَ التَّكَسُّبُ زَمانَئِذٍ بِعَمَلِ الأبْدانِ فَرَخَّصَ لِهَؤُلاءِ أنْ يَدْخُلُوا بُيُوتَ المُسْلِمِينَ لِشِبَعِ بُطُونِهِمْ. صفحة ٣٠١ هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في تَوْجِيهِ عَدِّ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ مَعَ مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أُخَرَ أنْهاها أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى ثَمانِيَةٍ لَيْسَ مِنها واحِدٌ يَنْثَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ، ولا نُطِيلُ بِها. وأُعِيدَ حَرْفُ (لا) مَعَ المَعْطُوفِ عَلى المَنفِيِّ قَبْلَهُ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النَّفْيِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ. والمَقْصُودُ بِالأكْلِ هُنا الأكْلُ بِدُونِ دَعْوَةٍ، وذَلِكَ إذا كانَ الطَّعامُ مُحْضَرًا دُونَ المُخْتَزَنِ. والمُرادُ بِالأنْفُسِ ذَواتُ المُخاطَبِينَ بِعَلاماتِ الخِطابِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا إلى آخِرِهِ، فالخِطابُ لِلْأُمَّةِ. والمُرادُ بِأكْلِ الإنْسانِ مِن بَيْتِهِ الأكْلُ غَيْرُ المُعْتادِ، أيْ أنْ يَأْكُلَ أكْلًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ أهْلِهِ كَأنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وزَوْجَتُهُ غائِبَةٌ، أوْ أنْ تَأْكُلَ هي وزَوْجُها غائِبٌ فَهَذِهِ أثَرَةٌ مُرَخَّصٌ فِيها. وعَطَفَ عَلى بُيُوتِ أنْفُسِهِمْ بُيُوتَ آبائِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلادِهِمْ مَعَ أنَّهم أقْرَبُ إلى الآكِلِينَ مِنَ الآباءِ فَهم أحَقُّ بِأنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِهِمْ. قِيلَ: لِأنَّ الأبْناءَ كائِنُونَ مَعَ الآباءِ في بُيُوتِهِمْ، ولا يَصِحُّ فَقَدْ كانَ الِابْنُ إذا تَزَوَّجَ بَنى لِنَفْسِهِ بَيْتًا كَما في خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فالوَجْهُ أنَّ بُيُوتَ الأبْناءِ مَعْلُومٌ حُكْمُها بِالأوْلى مِنَ البَقِيَّةِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أنْتَ ومالُكُ لِأبِيكَ» . وهَؤُلاءِ المَعْدُودُونَ في الآيَةِ بَيْنَهم مِنَ القُرْبَةِ أوِ الوِلايَةِ أوِ الصَّداقَةِ ما يُعْتادُ بِسَبَبِهِ التَّسامُحُ بَيْنَهم في الحُضُورِ لِلْأكْلِ بِدُونِ دَعْوَةٍ لا يَتَحَرَّجُ أحَدٌ مِنهم مِن ذَلِكَ غالِبًا. و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿ما مَلَّكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾) مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى المَكانِ أوِ الطَّعامِ، عَطَفَ عَلى (﴿بُيُوتِ خالاتِكُمْ﴾) لا عَلى (أخْوالِكم) ولِهَذا جِيءَ بِـ (ما) الغالِبُ اسْتِعْمالُها في غَيْرِ العاقِلِ. صفحة ٣٠٢ ومِلْكُ المَفاتِيحِ أُرِيدَ بِهِ حِفْظُها بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى المَفاتِيحِ دُونَ الدُّورِ أوِ الحَوائِطِ. والمَفاتِحُ: جَمْعُ مَفْتَحٍ وهو اسْمُ آلَةِ الفَتْحِ. ويُقالُ فِيها: مِفْتاحٌ ويُجْمَعُ عَلى مَفاتِيحَ. وهَذِهِ رُخْصَةٌ لِلْوَكِيلِ والمُخْتَزِنِ لِلطَّعامِ وناطُورِ الحائِطِ ذِي الثَّمَرِ أنْ يَأْكُلَ كُلٌّ مِنهم ما تَحْتَ يَدِهِ بِدُونِ إذْنٍ ولا يَتَجاوَزُ شِبَعَ بَطْنِهِ وذَلِكَ لِلْعُرْفِ بِأنْ ذَلِكَ كالإجازَةِ فَلِذَلِكَ قالَ الفُقَهاءُ: إذا كانَ لِواحِدٍ مِن هَؤُلاءِ أُجْرَةٌ عَلى عَمَلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الأكْلُ مِمّا تَحْتَ يَدِهِ. و(صَدِيقُ) هُنا المُرادُ بِهِ الجِنْسُ الصّادِقُ بِالجَماعَةِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ، وهو اسْمٌ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ لِمَن يَجْرِي عَلَيْهِ إنْ كانَ وصْفًا أوْ خَبَرًا في الإفْرادِ والتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ والتَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ وهو الأصْلُ، والغالِبُ في فَصِيحِ الِاسْتِعْمالِ أنْ يَلْزَمَ حالَةً واحِدَةً قالَ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠] ومِثْلُهُ الخَلِيطُ والقَطِينُ. والصَّدِيقُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ وهو الصّادِقُ في المَوَدَّةِ. وقَدْ جُعِلَ في مَرْتَبَةِ القَرابَةِ مِمّا هو مَوْقُورٌ في النُّفُوسِ مِن مَحَبَّةِ الصِّلَةِ مَعَ الأصْدِقاءِ. وسُئِلَ بَعْضُ الحُكَماءِ: أيُّ الرَّجُلَيْنِ أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ ؟ فَقالَ: إنَّما أحَبُّ أخِي إذا كانَ صَدِيقِي. وأُعِيدَتْ جُمْلَةُ (﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾) تَأْكِيدًا لِلْأُولى في قَوْلِهِ: (﴿ولا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾)؛ إذِ الجُناحُ والحَرَجُ كالمُتَرادِفَيْنِ. وحَسُنَ هَذا التَّأْكِيدُ بَعْدَ ما بَيَّنَ الحالَ وصاحِبَها وهو واوُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ:﴿أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾، ولِأجْلِ كَوْنِها تَأْكِيدًا فُصِلَتْ بِلا عَطْفٍ. والجَمِيعُ: المُجْتَمِعُونَ عَلى أمْرٍ. والأشْتاتُ: المُوَزَّعُونَ فِيما الشَّأْنُ اجْتِماعُهم فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤] . والأشْتاتُ: جَمْعُ شَتٍّ، وهو مَصْدَرُ شَتَّ إذا تَفَرَّقَ. وأمّا شَتّى فَجَمْعُ شَتِيتٍ. صفحة ٣٠٣ والمَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ يَأْكُلَ الواحِدُ مِنكم مَعَ جَماعَةٍ جاءُوا لِلْأكْلِ مِثْلَهُ، أوْ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ مُتَفَرِّقًا عَنْ مُشارِكٍ، لِئَلّا يَحْسَبَ أحَدُهم أنَّهُ إنْ وجَدَ مَن سَبَقَهُ لِلْأكْلِ أنْ يَتْرُكَ الأكْلَ حَتّى يَخْرُجَ الَّذِي سَبَقَهُ، أوْ أنْ يَأْكُلَ الواحِدُ مِنكم مَعَ أهْلِ البَيْتِ. أوْ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ. وتَقَدَّمَ قِراءَةُ (بِيُوتٍ) بِكَسْرِ الباءِ لِلْجُمْهُورِ، وبِضَمِّها لِوِرَشٍ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٢٧] في هَذِهِ السُّورَةِ. * * * ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بِيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإذْنِ لَهم في الأكْلِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ بِأنْ ذَكَّرَهم بِأدَبِ الدُّخُولِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧] لِئَلّا يَجْعَلُوا القَرابَةَ والصَّداقَةَ والمُخالَطَةَ مُبِيحَةً لِإسْقاطِ الآدابِ فَإنَّ واجِبَ المَرْءِ أنْ يُلازِمَ الآدابَ مَعَ القَرِيبِ والبَعِيدِ ولا يَغُرَّنَّهُ قَوْلُ النّاسِ: إذا اسْتَوى الحُبُّ سَقَطَ الأدَبُ. ومَعْنى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . ولَقَدْ عَكَفَ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِ هَذا اللَّفْظِ وأهْمَلُوا دَقِيقَتَهُ فَظَنُّوا أنَّ الدّاخِلَ يُسَلِّمُ عَلى نَفْسِهِ إذا لَمْ يَجِدْ أحَدًا، وهَذا بَعِيدٌ مِن أغْراضِ التَّكْلِيفِ والآدابِ. وأمّا ما ورَدَ في التَّشَهُّدِ مِن قَوْلِهِ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَذَلِكَ سَلامٌ بِمَعْنى الدُّعاءِ بِالسَّلامَةِ جَعَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ لَهم عِوَضًا عَمّا كانُوا يَقُولُونَ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ، السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ، السَّلامُ عَلى جِبْرِيلَ ومِكائِيلَ، السَّلامُ صفحة ٣٠٤ عَلى فُلانٍ وفُلانٍ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ»، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ. ثُمَّ قالَ لَهم: «قُولُوا السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، فَإنَّكم إذا قُلْتُمُوها أصابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صالَحٍ في السَّماءِ وفي الأرْضِ» . وأمّا السَّلامُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو التَّحِيَّةُ كَما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ولا يُؤْمَرُ أحَدٌ بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى نَفْسِهِ. والتَّحِيَّةُ: أصْلُها مَصْدَرُ حَيّاهُ تَحِيَّةً ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءانِ تَخْفِيفًا وهي قَوْلُ: حَيّاكَ اللَّهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] في سُورَةِ النِّساءِ. فالتَّحِيَّةُ مَصْدَرُ فِعْلٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى فِعْلِ (حَيّا)، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: جَزاهُ، إذا قالَ لَهُ: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، كَما تَقَدَّمَ في فِعْلِ (وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها) آنِفًا. وكانَ هَذا اللَّفْظُ تَحِيَّةَ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ تَحِيَّةَ العامَّةِ قالَ النّابِغَةُ: حَيّاكَ رَبِّي فَإنّا لا يَحِلُّ لَنا لَهْوُ النِّساءِ وإنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَما وكانَتْ تَحِيَّةُ المُلُوكِ (عِمْ صَباحًا) فَجَعَلَ الإسْلامُ التَّحِيَّةَ كَلِمَةَ (السَّلامُ عَلَيْكم)، وهي مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّحِيَّةِ تَأْنِيسُ الدّاخِلِ بِتَأْمِينِهِ إنْ كانَ لا يَعْرِفُهُ وبِاللُّطْفِ لَهُ إنْ كانَ مَعْرُوفًا. ولَفْظُ (السَّلامِ) يَجْمَعُ المَعْنَيَيْنِ؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّلامَةِ فَهو دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ وتَأْمِينٌ بِالسَّلامِ؛ لِأنَّهُ إذا دَعا لَهُ بِالسَّلامَةِ فَهو مُسْلِمٌ لَهُ فَكانَ الخَبَرُ كِنايَةً عَنِ التَّأْمِينِ، وإذا تَحَقَّقَ الأمْرانِ حَصَلَ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ السَّلامَةَ لا تُجامِعُ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ في ذاتِ السّالِمِ، والأمانُ لا يُجامِعُ شَيْئًا مِنَ الشَّرِّ يَأْتِي مِن قِبَلِ المُعْتَدِي فَكانَتْ دُعاءً تُرْجى إجابَتُهُ وعَهْدًا بِالأمْنِ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ. وفي كَلِمَةِ (عَلَيْكم) مَعْنى التَّمَكُّنِ، أيِ السَّلامَةُ مُسْتَقِرَّةٌ عَلَيْكم. ولِكَوْنِ كَلِمَةِ (السَّلامِ) جامِعَةً لِهَذا المَعْنى امْتَنَّ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِها بِأنْ جَعَلَها مِن عِنْدِ اللَّهِ إذْ هو الَّذِي عَلَّمَها رَسُولَهُ بِالوَحْيِ. صفحة ٣٠٥ وانْتَصَبَ (تَحِيَّةً) عَلى الحالِ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ (فَسَلِّمُوا) نَظِيرَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] . والمُبارَكَةُ: المَجْعُولَةُ فِيها البَرَكَةُ. والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ. وإنَّما كانَتْ هَذِهِ التَّحِيَّةُ مُبارَكَةً لِما فِيها مِن نِيَّةِ المُسالَمَةِ وحُسْنِ اللِّقاءِ والمُخالَطَةِ وذَلِكَ يُوَفِّرُ خَيْرَ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والطَّيِّبَةُ: ذاتُ الطِّيبِ، وهو طِيبٌ مَجازِيٌّ بِمَعْنى النَّزاهَةِ والقَبُولِ في نُفُوسِ النّاسِ. ووَجْهُ طِيبِ التَّحِيَّةِ أنَّها دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ وإيذانٌ بِالمُسالَمَةِ والمُصافاةِ. ووَزَنُ (طَيِّبَةً) فَيْعِلَةٌ مُبالَغَةً في الوَصْفِ مِثْلَ: الفَيْصَلِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] في آلِ عِمْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] في سُورَةِ يُونُسَ. والمَعْنى أنَّ كَلِمَةَ السَّلامِ عَلَيْكم تَحِيَّةُ خَيْرٍ مِن تَحِيَّةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] أيْ تَحِيَّتُهم هَذا اللَّفْظُ. وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ قَبْلَها في آيَةِ الِاسْتِئْذانِ؛ لِأنَّ في كُلِّ ما وقَعَ قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِآياتِ القُرْآنِ اتَّضَحَتْ بِهِ الأحْكامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها، وهو بَيانٌ يُرْجى مَعَهُ أنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الفَهْمُ والعِلْمُ بِما فِيهِ كَمالُ شَأْنِكم.

النور 24:62

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهم واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ صفحة ٣٠٦ لَمّا جَرى الكَلامُ السّابِقُ في شَأْنِ الِاسْتِئْذانِ لِلدُّخُولِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاسْتِئْذانِ لِلْخُرُوجِ ومُفارَقَةِ المَجامِعِ فاعْتُنِيَ مِن ذَلِكَ بِالواجِبِ مِنهُ وهو اسْتِئْذانُ الرَّسُولِ ﷺ في مُفارَقَةِ مَجْلِسِهِ أوْ مُفارَقَةِ جَمْعٍ جُمِعَ عَنْ إذْنِهِ لِأمْرٍ مُهِمٍّ كالشُّورى والقِتالِ والِاجْتِماعِ لِلْوَعْظِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وكانَ مِن أعْمالِ المُنافِقِينَ أنْ يَحْضُرُوا هَذِهِ المَجامِعَ ثُمَّ يَتَسَلَّلُوا مِنها تَفادِيًا مِن عَمَلٍ يَشُقُّ أوْ سَآمَةٍ مِن سَماعِ كَلامٍ لا يَهْتَبِلُونَ بِهِ، فَنَعى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم هَذا، وأعْلَمَ بِمُنافاتِهِ لِلْإيمانِ، وأنَّهُ شِعارُ النِّفاقِ، بِأنْ أعْرَضَ عَنْ وصْفِ نِفاقِ المُنافِقِينَ، واعْتَنى بِاتِّصافِ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ بِضِدِّ صِفَةِ المُنافِقِينَ قالَ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] ولِذَلِكَ جاءَ في أواخِرِ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ [النور: ٦٣] . فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ. والتَّعْرِيفُ في (المُؤْمِنُونَ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ أوِ العَهْدِ، أيْ إنَّ جِنْسَ المُؤْمِنِينَ أوْ إنَّ الَّذِينَ عُرِفُوا بِوَصْفِ الإيمانِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يَنْصَرِفُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ. فالخَبَرُ هو مَجْمُوعُ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ إفْرادٍ؛ أيْ: لا غَيْرَ أصْحابِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ ولا يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ عِنْدَ إرادَةِ الِانْصِرافِ، فَجُعِلَ هَذا الوَصْفُ عَلامَةً مُمَيَّزَةَ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ عَنِ المُنافِقِينَ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ يَوْمَئِذٍ مَن يَنْصَرِفُ عَنْ مَجْلِسِ النَّبِيءِ بِدُونِ إذْنِهِ، فالمَقْصُودُ: إظْهارُ عَلامَةِ المُؤْمِنِينَ وتَمْيِيزُهم عَنْ عَلامَةِ المُنافِقِينَ. فَلَيْسَ سِياقُ الآيَةِ لِبَيانِ حَقِيقَةِ الإيمانِ؛ لِأنَّ لِلْإيمانِ حَقِيقَةً مَعْلُومَةً لَيْسَ اسْتِئْذانُ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ إرادَةِ الذَّهابِ مِن أرْكانِها، فَعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الحَصْرِ سَلْبَ الإيمانِ عَنِ الَّذِي يَنْصَرِفُ دُونَ إذْنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الأحِقّاءِ لَوْ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدِ الخَذْلِ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْ أذاهُ، إذْ لا يَعْدُو ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ أحَدُ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَكُونَ تَقْصِيرًا في الأدَبِ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ والتَّنْبِيهَ عَلى تَجَنُّبِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ كَما ورَدَ التَّحْذِيرُ مِن خِصالِ النِّفاقِ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ. صفحة ٣٠٧ وعَلِمْتَ أيْضًا أنْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِنَ التَّعْرِيفِ في (المُؤْمِنُونَ) مَعْنى الكَمالِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ التَّشْهِيرِ بِنِفاقِ المُنافِقِينَ. والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ المُهِمُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والجامِعُ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَجْتَمِعَ النّاسُ لِأجْلِهِ لِلتَّشاوُرِ أوِ التَّعَلُّمِ. والمُرادُ: ما يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ لِأجْلِهِ حَوْلَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مَجْلِسِهِ أوْ في صَلاةِ الجَماعَةِ. وهَذا ما يَقْتَضِيهِ (مَعَ) و(عَلى) مِن قَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ لِإفادَةِ (مَعَ) مَعْنى المُشارَكَةِ وإفادَةِ (عَلى) مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنهُ. ووَصْفُ الأمْرِ بِـ (جامِعٍ) عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الجَمْعِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١] في سُورَةِ يُونُسَ. وعَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ يَوْمَ الخَنْدَقِ (وذَلِكَ سَنَةُ خَمْسٍ) كانَ المُنافِقُونَ يَتَسَلَّلُونَ مِن جَيْشِ الخَنْدَقِ ويَعْتَذِرُونَ بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾) إلى آخِرِها تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾)؛ لِأنَّ مَضْمُونَ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ هو مَضْمُونُ مَعْنى جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ تَفَنَّنَ في نَظْمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الجُمْلَةِ الأُولى فَجَعَلَ مَضْمُونَ المُسْنَدِ في الأُولى مُسْنَدًا إلَيْهِ في الثّانِيَةِ والمَسْنَدَ إلَيْهِ في الأُولى مُسْنَدًا في الثّانِيَةِ ومَآلُ الأُسْلُوبَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ المَآلَ الإخْبارُ بِأنَّ هَذا هو ذاكَ عَلى حَدِّ: وشِعْرِي شِعْرِي، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الِاسْتِئْذانِ، ولِيُبْنى عَلَيْها تَفْرِيعٌ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ لِيُعَلِّمَ المُؤْمِنِينَ الأعْذارَ المُوجِبَةَ لِلِاسْتِئْذانِ، أيْ لَيْسَ لَهم أنْ يَسْتَأْذِنُوا في الذَّهابِ إلّا لِشَأْنٍ مُهِمٍّ مِن شُئُونِهِمْ. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ: (يَسْتَأْذِنُونَكَ) تَشْرِيفًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِهَذا الخِطابِ. وقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الإذْنِ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالشَّأْنِ الَّذِي قَضاؤُهُ أرْجَحُ مِن حُضُورِ الأمْرِ الجامِعِ؛ لِأنَّ مَشِيئَةَ النَّبِيءِ لا تَكُونُ عَنْ هَوًى ولَكِنْ لِعُذْرٍ ومَصْلَحَةٍ. صفحة ٣٠٨ وقَوْلُهُ: ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِانْصِرافَ خِلافُ ما يَنْبَغِي؛ لِأنَّهُ لِتَرْجِيحِ حاجَتِهِ عَلى الإعانَةِ عَلى حاجَةِ الأُمَّةِ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ مِن نِظامِ الجَماعاتِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مِنَ السُّنَّةِ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ اجْتِماعٍ إمامٌ ورَئِيسٌ يُدِيرُ أمْرَ ذَلِكَ الِاجْتِماعِ. وقَدْ أشارَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الإمامَةِ إلى ذَلِكَ النِّظامِ. ومِنَ السُّنَّةِ أنْ لا يَجْتَمِعَ جَماعَةٌ إلّا أمَّرُوا عَلَيْهِمْ أمِيرًا فالَّذِي يَتَرَأَّسُ الجَمْعَ هو قائِمٌ مَقامَ ولِيِّ أمْرِ المُسْلِمِينَ فَهو في مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَنْصَرِفُ أحَدٌ عَنِ اجْتِماعِهِ إلّا بَعْدَ أنْ يَسْتَأْذِنَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ أمْرَ الِانْسِلالِ لِشَهْوَةِ الحاضِرِ لَكانَ ذَرِيعَةً لِانْفِضاضِ الِاجْتِماعاتِ دُونَ حُصُولِ الفائِدَةِ الَّتِي جُمِعَتْ لِأجْلِها، وكَذَلِكَ الأدَبُ أيْضًا في التَّخَلُّفِ عَنِ الِاجْتِماعِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ كاجْتِماعِ المَجالِسِ النِّيابِيَّةِ والقَضائِيَّةِ والدِّينِيَّةِ أوِ التَّخَلُّفِ عَنْ مِيقاتِ الِاجْتِماعِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ إلّا لِعُذْرٍ واسْتِئْذانٍ.

النور 24:63

﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لَمّا كانَ الِاجْتِماعُ لِلرَّسُولِ في الأُمُورِ يَقَعُ بَعْدَ دَعْوَتِهِ النّاسَ لِلِاجْتِماعِ، وقَدْ أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ لا يَنْصَرِفُوا عَنْ مَجامِعِ الرَّسُولِ ﷺ إلّا لِعُذْرٍ بَعْدَ إذْنِهِ أنْبَأهم بِهَذِهِ الآيَةِ وُجُوبَ اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ إذا دَعاهم. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ إيّاكم لِلْحُضُورِ لَدَيْهِ مُخَيَّرِينَ في اسْتِجابَتِها كَما تَتَخَيَّرُونَ في اسْتِجابَةِ دَعْوَةِ بَعْضِكم بَعْضًا، صفحة ٣٠٩ فَوَجْهُ الشَّبَهِ المَنفِيُّ بَيْنَ الدَّعْوَتَيْنِ هو الخِيارُ في الإجابَةِ. والغَرَضُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ لا يَتَوَهَّمُوا أنَّ الواجِبَ هو الثَّباتُ في مَجامِعِ الرَّسُولِ إذا حَضَرُوها، وأنَّهم في حُضُورِها إذا دُعُوا إلَيْها بِالخِيارِ، فالدُّعاءُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَصْدَرُ دَعاهُ إذا ناداهُ أوْ أرْسَلَ إلَيْهِ لَيَحْضُرَ. وإضافَةُ (دُعاءَ) إلى (الرَّسُولِ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ (دُعاءَ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ والفاعِلُ المُقَدَّرُ ضَمِيرُ المُخاطَبِينَ. والتَّقْدِيرُ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَكُمُ الرَّسُولَ، فالمَعْنى نَهْيُهم. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ حَثًّا عَلى تَلَقِّي الجُمْلَةِ بِنَشاطٍ فَهْمٍ، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِي تَحَدَّثَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [النور: ٦٢] إلَخْ. نُهُوا عَنْ أنْ يَدْعُوا الرَّسُولَ عِنْدَ مُناداتِهِ كَما يَدْعُو بَعْضُهم بَعْضًا في اللَّفْظِ أوْ في الهَيْئَةِ. فَأمّا في اللَّفْظِ فَبِأنْ لا يَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ، أوْ يا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، أوْ يا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَكِنْ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْ يا نَبِيءَ اللَّهِ، أوْ بِكُنْيَةِ يا أبا القاسِمِ. وأمّا في الهَيْئَةِ فَبِأنْ لا يَدْعُوهُ مِن وراءِ الحُجُراتِ، وأنْ لا يُلِحُّوا في دُعائِهِ إذا لَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ، كَما جاءَ في سُورَةِ الحُجُراتِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الجَلافَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِعَظَمَةِ قَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ . فَهَذا أدَبٌ لِلْمُسْلِمِينَ وسَدٌّ لِأبْوابِ الأذى عَنِ المُنافِقِينَ. وإذا كانَتِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ ألْفاظُها هَذا المَعْنى صَحَّ لِلْمُتَدَبِّرِ أنْ يَنْتَزِعَ هَذا المَعْنى مِنها إذْ يَكْفِي أنْ يَأْخُذَ مَن لاحَ لَهُ مَعْنى ما لاحَ لَهُ. و(بَيْنَكم) ظَرْفٌ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَجْعَلُوا)، أوْ مُسْتَقِرٌّ صِفَةٌ لِـ (دُعاءَ)، أيْ دُعائِهِ في كَلامِكم. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ التَّعْرِيضُ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ تَمالَئُوا بَيْنَهم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا دَعاهم كُلَّما وجَدُوا لِذَلِكَ سَبِيلًا كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] . فالمَعْنى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَما جَعَلَ المُنافِقُونَ بَيْنَهم وتَواطَئُوا عَلى ذَلِكَ. صفحة ٣١٠ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ اسْتِئْنافُ تَهْدِيدٍ لِلَّذِينِ كانُوا سَبَبَ نُزُولِ آيَةِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢] الآيَةَ، أيْ: أُولَئِكَ المُؤْمِنُونَ وضِدُّهُمُ المُعَرَّضُ بِهِمْ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. وقَدْ عَلِمَهُمُ اللَّهُ واطَّلَعَ عَلى تَسَلُّلِهِمْ. و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم إذا تَسَلَّلُوا مُتَسَتِّرِينَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ عَلِمَهم، أيْ: أنَّهُ أعْلَمَ رَسُولَهُ بِذَلِكَ. ودُخُولُ (قَدْ) عَلى المُضارِعِ يَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ كَثِيرًا؛ لِأنَّ (قَدْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ (رُبَّ) تُسْتَعْمَلُ في التَّكْثِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨] وقَوْلُ زُهَيْرٍ: أخُو ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ و(الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ) هُمُ المُنافِقُونَ. والتَّسَلُّلُ: الِانْسِلالُ مِن صَبْرَةٍ، أيِ الخُرُوجِ مِنهُ بِخُفْيَةٍ خُرُوجًا كَأنَّهُ سَلُّ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ. يُقالُ: تَسَلَّلَ، أيْ: تَكَلَّفَ الِانْسِلالَ مِثْلَ ما يُقالُ: تَدَخَّلَ إذا تَكَلَّفَ إدْخالَ نَفْسِهِ. واللِّواذُ: مَصْدَرُ لاوَذَهُ، إذا لاذَ بِهِ الآخَرُ. شُبِّهَ تَسَتُّرُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ عَنِ اتِّفاقٍ وتَآمُرٍ عِنْدَ الِانْصِرافِ خُفْيَةً بِلَوْذِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ لِأنَّ الَّذِي سَتَرَ الخارِجَ حَتّى يَخْرُجَ هو بِمَنزِلَةِ مَن لاذَ بِهِ أيْضًا فَجَعَلَ حُصُولَ فِعْلِهِ مَعَ فِعْلِ اللّائِذِ كَأنَّهُ مُفاعَلَةٌ مِنَ اللَّوْذِ. وانْتَصَبَ (لِواذًا) عَلى الحالِ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ. و(مِنكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَتَسَلَّلُونَ) . وضَمِيرُ (مِنكم) خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِن جَماعَتِكم مُتَسَلِّلِينَ مُلاوِذِينَ. وفُرِّعَ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ تَحْذِيرٌ مِن مُخالَفَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمُ﴾ الآيَةَ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى تَسَلُّلِهِمْ. صفحة ٣١١ والمُخالَفَةُ: المُغايِرَةُ في الطَّرِيقِ الَّتِي يَمْشِي فِيها بِأنْ يَمْشِيَ الواحِدُ في طَرِيقٍ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي مَشى فِيهِ الآخَرُ، فَفِعْلُها مُتَعَدٍّ. وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ هُنا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ الَّذِينَ يُخالِفُونَ اللَّهَ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ المُخالِفِ بِحَرْفِ (عَنْ)؛ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الصُّدُودِ كَما عُدِّيَ بِـ (إلى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] لَمّا ضُمِّنَ مَعْنى الذَّهابِ. يُقالُ: خالَفَهُ إلى الماءِ، إذا ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَهُ، ولَوْ تُرِكَتْ تَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ جَرٍّ لِإفادَةِ أصْلِ المُخالَفَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ. وضَمِيرُ (عَنْ أمْرِهِ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والأمْرُ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلُوا لِدُعاءِ الرَّسُولِ الِامْتِثالَ في العَلانِيَةِ والسِّرِّ. وهَذا كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدَيْناكِ لا يَرُحْ ∗∗∗ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ فَجَعَلَ قَوْلَهُنَّ: (لا يَرُحْ) صَحِيحًا وهو نَهْيٌ في مَعْنى: اقْتُلِيهِ، فَبَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) . والحَذَرُ: تَجَنُّبُ الشَّيْءِ المُخِيفِ. والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ حالِ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في البَقَرَةِ. والعَذابُ الألِيمُ هُنا عَذابُ الدُّنْيا، وهو عَذابُ القَتْلِ.

النور 24:64

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ كُلِّها. وافْتِتاحُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إيذانٌ بِانْتِهاءِ الكَلامِ وتَنْبِيهٌ لِلنّاسِ لِيَعُوا ما يَرِدُ بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ، وهو أنَّ اللَّهَ صفحة ٣١٢ مالِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَهو يُجازِي عِبادَهُ بِما يَسْتَحِقُّونَ وهو عالِمٌ بِما يَفْعَلُونَ. ومَعْنى (ما أنْتُمْ عَلَيْهِ) الأحْوالُ المُلابِسِينَ لَها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ مُسْتَعارٌ لِلتَّمَكُّنِ. وذَكَّرَهم بِالمَعادِ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ والمُنافِقُونَ مُنْكِرِينَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ؛ لِأنَّ إعْلامَهم بِأعْمالِهِمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كِنايَةً عَنِ الجَزاءِ لَما كانَتْ لَهُ جَدْوى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ لَطِيفَةُ الِاطِّلاعِ عَلى أحْوالِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتُرُونَ نِفاقَهم. * * * صفحة ٣١٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفُرْقانِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ الفُرْقانِ في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ وبِمَسْمَعٍ مِنهُ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: «سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقانِ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ بِرِدائِهِ فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقانِ عَلى حُرُوفِ لَمْ تُقْرِئْنِيها» . . الحَدِيثَ. ولا يُعْرَفُ لِهَذِهِ السُّورَةِ اسْمٌ غَيْرُ هَذا. والمُؤَدِّبُونَ مِن أهْلِ تُونِسَ يُسَمُّونَها (تَبارَكَ الفُرْقانُ) كَما يُسَمَّوْنَ (سُورَةَ المُلْكِ) تَبارَكَ، وتَبارَكَ المَلِكُ. ووَجْهُ تَسْمِيَتِها (سُورَةُ الفُرْقانِ) لِوُقُوعِ لَفْظِ الفُرْقانِ فِيها. ثَلاثَ مَرّاتٍ في أوَّلِها ووَسَطِها وآخِرِها. وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ اسْتَثْنى مِنها ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] . والصَّحِيحُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ مَكِّيَّةٌ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ في تَفْسِيرِ الفُرْقانِ: ( عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهُ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوْبَةٍ ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] . فَقالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتَها عَلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما قَرَأْتَها عَلَيَّ ؟ فَقالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ. يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ. وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا الآياتُ الثَّلاثُ مِن أوَّلِها إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣] . صفحة ٣١٤ وأُسْلُوبُ السُّورَةِ وأغْراضُها شاهِدَةٌ بِأنَّها مَكِّيَّةٌ. وهِيَ السُّورَةُ الثّانِيَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ يس وقَبْلَ سُورَةِ فاطِرٍ، وعَدَدُ آياتِها سَبْعٌ وسَبْعُونَ بِاتِّفاقِ أهْلِ العَدَدِ. * * * أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ واشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى الِابْتِداءِ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى وإنْشاءِ الثَّناءِ عَلَيْهِ، ووَصْفِهِ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ فِيها. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، وجَلالُ مَنزِلِهِ، وما فِيهِ مِنَ الهُدى، وتَعْرِيضٌ بِالِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِهَدْيِهِ وإرْشادِهِ إلى اتِّقاءِ المَهالِكِ، والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ . وأُقِيمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى ثَلاثِ دَعائِمَ: الأُولى: إثْباتُ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والتَّنْوِيهُ بِالرَّسُولِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ ﷺ، ودَلائِلُ صِدْقِهِ، ورِفْعَةِ شَأْنِهِ عَنْ أنْ تَكُونَ لَهُ حُظُوظُ الدُّنْيا، وأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، ومِن ذَلِكَ تَلَقِّي قَوْمِهِ دَعْوَتَهُ بِالتَّكْذِيبِ. الدِّعامَةُ الثّانِيَةُ: إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ، والإنْذارُ بِالجَزاءِ في الآخِرَةِ، والتَّبْشِيرُ بِالثَّوابِ فِيها لِلصّالِحِينَ، وإنْذارُ المُشْرِكِينَ بِسُوءِ حَظِّهِمْ يَوْمَئِذٍ، وتَكُونُ لَهُمُ النَّدامَةُ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ وعَلى إشْراكِهِمْ واتِّباعِ أيِمَّةِ كُفْرِهِمْ. الدِّعامَةُ الثّالِثَةُ: الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ، وتَنْزِيهِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ أوْ شَرِيكٌ، وإبْطالُ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، وإبْطالُ ما زَعَمُوهُ مِن بُنُوَّةِ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى. وافْتُتِحَتْ في آياتِ كُلِّ دِعامَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ بِجُمْلَةِ (تَبارَكَ الَّذِي) إلَخْ. قالَ الطِّيبِيُّ: مَدارُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلى النّاسِ كافَّةً يُنْذِرُهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم، ولِهَذا جَعَلَ بَراعَةَ اسْتِهْلالِها صفحة ٣١٥ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وذَكَرَ بَدائِعَ مِن صُنْعِهِ تَعالى جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والتَّذْكِيرِ. وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى دَعْوَتِهِ ومُقاوَمَتِهِ الكافِرِينَ. وضَرَبَ الأمْثالَ لِلْحالَيْنِ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ وما لَقَوْا مِن أقْوامِهِمْ مِثْلَ قَوْمِ مُوسى وقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ وقَوْمِ لُوطٍ. والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ، والثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ، ومَدْحُ خِصالِهِمْ ومَزايا أخْلاقِهِمْ، والإشارَةُ إلى عَذابٍ قَرِيبٍ يَحُلُّ بِالمُكَذِّبِينَ.

الفرقان 25:1

﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . افْتِتاحٌ بَدِيعٌ لِنُدْرَةِ أمْثالِهِ في كَلامِ بُلَغاءِ العَرَبِ؛ لِأنَّ غالِبَ فَواتِحِهِمْ أنْ تَكُونَ بِالأسْماءِ مُجَرَّدَةً أوْ مُقْتَرِنَةً بِحَرْفٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ، مِثْلَ قَوْلِ طَرَفَةَ: لِخَوْلَةَ أطْلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ أوْ بِأفْعالِ المُضارَعَةِ ونَحْوِها كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: (قِفا نَبْكِ) البَيْتَ، أوْ بِحُرُوفِ التَّأْكِيدِ أوْ الِاسْتِفْهامِ أوِ التَّنْبِيهِ مِثْلَ (إنَّ) و(قَدْ) والهَمْزَةُ و(هَلْ) . ومِن قَبِيلِ هَذا الِافْتِتاحِ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ. آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ وقَوْلُ النّابِغَةِ: كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومَيْنِ ساهِرًا ∗∗∗ وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا . وبِهَذِهِ النُّدْرَةِ يَكُونُ في طالِعِ هَذِهِ السُّورَةِ بَراعَةُ المَطْلَعِ؛ لِأنَّ النُّدْرَةَ مِنَ صفحة ٣١٦ العِزَّةِ، والعِزَّةُ مِن مَحاسِنِ الألْفاظِ وضِدُّها الِابْتِذالُ. وتَبارَكَ: تَعاظَمَ خَيْرُهُ وتَوَفَّرَ، والمُرادُ بِخَيْرِهِ كَمالاتُهُ وتَنَزُّهاتُهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١] في سُورَةِ النُّورِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَفُّرِ كَمالاتِهِ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بِهِ التَّعْلِيمُ والإيقاظُ، ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إنْشاءِ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْشَأ اللَّهُ بِهِ ثَناءً عَلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ العَرَبِيِّ في إنْشاءِ التَّعَجُّبِ مِن صِفاتِ المُتَكَلِّمِ في مَقامِ الفَخْرِ والعَظَمَةِ، أوْ إظْهارِ غَرائِبَ صَدَرَتْ، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي ∗∗∗ فِيا عَجَبًا مِن كَوْرِها المُتَحَمِّلِ وإنَّما يَتَعَجَّبُ مِن إقْدامِهِ عَلى أنْ جَعَلَ كَوْرَ المَطِيَّةِ يَحْمِلُهُ هو بَعْدَ عَقْرِها. ومِنهُ قَوْلُ الفِنْدِ الزِّمّانِيِّ: أيا طَعْنَةَ ما شَيْخٍ ∗∗∗ كَبِيرٍ يَفَنٍ بالِي يُرِيدُ طَعْنَةً طَعَنَها قِرْنَهُ. والَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ هو اللَّهُ تَعالى. وإذْ قَدْ كانَتِ الصِّلَةُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى كانَ الفِعْلُ كالمُسْنَدِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَبارَكَتْ. والمَوْصُولُ يُومِئُ إلى عِلَّةِ ما قَبْلَهُ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الفُرْقانِ وبَرَكَتِهِ عَلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ . فَتِلْكَ مِنَّةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ الثَّناءَ عَلى اللَّهِ. وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِ هُنا لِكَوْنِ الصِّلَةِ مِن صِفاتِ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ وعِنْدَ المُؤْمِنِينَ وإنْ كانَ الكُفّارُ يُنْكِرُونَها لَكِنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّ الرَّسُولَ أعْلَنَها فاللَّهُ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ عِنْدَهم مَعْرِفَةً بِالوَجْهِ لا بِالكُنْهِ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ. صفحة ٣١٧ والفُرْقانُ: القُرْآنُ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَّقَ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وقَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . وجُعِلَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ لِما بَيَّنَ مَن دَلائِلِ الحَقِّ ودَحْضِ الباطِلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (وأنْزَلَنا الفُرْقانَ) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وإيثارُ اسْمِ الفُرْقانِ بِالذِّكْرِ هُنا لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وإنْزالِ القُرْآنِ دَلائِلُ قَيِّمَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. ووَصْفُ النَّبِيءِ بِـ (عَبْدِهِ) تَقْرِيبٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِإبْطالِ طَلَبِهِمْ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] الآيَةَ. والمُرادُ بِـ (العالَمِينَ) جَمِيعُ الأُمَمِ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّ العالَمَ يُطْلَقُ عَلى الجِنْسِ وعَلى النَّوْعِ وعَلى الصِّنْفِ بِحَسَبِ ما يَسْمَحُ بِهِ المَقامُ، والنِّذارَةُ لا تَكُونُ إلّا لِلْعُقَلاءِ مِمَّنْ قُصِدُوا بِالتَّكْلِيفِ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى لَفْظِ (العالَمِينَ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ. والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِسُوءٍ يَقَعُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِثْلَ الحَكِيمِ. والِاقْتِصارُ في وصْفِ الرَّسُولِ هُنا عَلى النَّذِيرِ دُونَ البَشِيرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨]؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ وبِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَكانَ مُقْتَضِيًا لِذِكْرِ النِّذارَةِ دُونَ البِشارَةِ، وفي ذَلِكَ اكْتِفاءٌ؛ لِأنَّ البِشارَةَ تَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ عِنْدَ ذِكْرِ النِّذارَةِ. وسَيَجِيءُ ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ جَمَعَ بَيْنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورِفْعَةِ مَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعُمُومِ رِسالَتِهِ.

الفرقان 25:2

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . صفحة ٣١٨ أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى هَذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِأنَّ بَعْضَ الصِّلاتِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ اتِّصافُ اللَّهِ بِهِ وهُما الصِّفَتانِ الأُولى والرّابِعَةُ؛ وإذْ قَدْ كانَتا مَعْلُومَتَيْنِ كانَتِ الصِّلَتانِ الأُخْرَيانِ المَذْكُورَتانِ مَعَهُما في حُكْمِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُما أُجْرِيَتا عَلى مَن عُرِفَ بِالصِّلَتَيْنِ الأُولى والرّابِعَةِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ ما كانُوا يَمْتَرُونَ في أنَّ اللَّهَ هو مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولا في أنَّ اللَّهَ هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] الآياتُ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّهم يُثْبِتُونَ لِلَّهِ ولَدًا وشَرِيكًا في المُلْكِ. ومِن بَدِيعِ النَّظْمِ أنْ جَعَلَ الوَصْفانِ المُخْتَلَفِ فِيهِما مَعَهم مُتَوَسِّطَيْنِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ لا مِرْيَةَ فِيهِما حَتّى يَكُونَ الوَصْفانِ المُسَلَّمَيْنِ كالدَّلِيلِ أوَّلًا والنَّتِيجَةِ آخِرًا، فَإنَّ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ولا أنْ يَتَّخِذَ شَرِيكًا؛ لِأنَّ مُلْكَهُ العَظِيمَ يَقْتَضِي غِناهُ المُطْلَقَ فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اتِّخاذُهُ ولَدًا وشَرِيكًا عَبَثًا؛ إذْ لا غايَةَ لَهُ، وإذا كانَتْ أفْعالُ العُقَلاءِ تُصانُ عَنِ العَبَثِ فَكَيْفَ بِأفْعالِ أحْكَمِ الحُكَماءِ تَعالى وتَقَدَّسَ. فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ﴾ [الفرقان: ١] . وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ مِنَ الصِّلَتَيْنِ؛ لِأنَّ الصِّلَةَ الأُولى في غَرَضِ الِامْتِنانِ بِتَنْزِيلِ القُرْآنِ لِلْهُدى، والصِّلَةَ الثّانِيَةَ في غَرَضِ اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ. وفِي المُلْكِ إيماءٌ إلى أنَّ الِاشْتِراكَ في المُلْكِ يُنافِي حَقِيقَةَ المُلْكِ التّامَّةِ الَّتِي لا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُها. والخَلْقُ: الإيجادُ، أيْ أوْجَدَ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن عَظِيمِ الأشْياءِ وحَقِيرِها. وفُرِعَ عَلى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا؛ لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى إتْقانِ الخَلْقِ إتْقانًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكَمالِ. صفحة ٣١٩ ومَعْنى (قَدَّرَهُ) جَعَلَهُ عَلى مِقْدارٍ وحَدٍّ مُعَيَّنٍ لا مُجَرَّدَ مُصادَفَةٍ، أيْ خَلَقَهُ مُقَدَّرًا، أيْ مُحْكَمًا مَضْبُوطًا صالِحًا لِما خُلِقَ لِأجْلِهِ لا تَفاوُتَ فِيهِ ولا خَلَلَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ خَلَقَهُ بِإرادَةٍ وعِلْمٍ عَلى كَيْفِيَّةٍ أرادَها وعَيَّنَها كَقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ. وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ بِقَوْلِهِ: (تَقْدِيرًا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَقْدِيرٌ كامِلٌ في نَوْعِ التَّقادِيرِ. وما جاءَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ بِأغْراضِها وهو يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ خُطْبَةِ الكِتابِ أوِ الرِّسالَةِ.

الفرقان 25:3

﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ . اسْتِطْرادٌ لِانْتِهازِ الفُرْصَةِ لِوَصْفِ ضَلالِ أهْلِ الشِّرْكِ وسَفالَةِ تَفْكِيرِهِمْ، فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢] وما تَلاها مِمّا هو اسْتِدْلالٌ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، وأُرْدِفَتْ بِقَوْلِهِ: (﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الفرقان: ٢]) الشّامِلِ لِكَوْنِ ما اتَّخَذُوهُ مِنَ الآلِهَةِ مَخْلُوقاتٍ فَكانَ ما تَقَدَّمَ مُهَيِّئًا لِلتَّعْجِيبِ مِنَ اتِّخاذِ المُشْرِكِينَ آلِهَةً دُونَ ذَلِكَ الإلَهِ المَنعُوتِ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ. فالخَبَرُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الإفادَةُ بَلْ هو لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ كَيْفَ قابَلُوا نِعْمَةَ إنْزالِ الفُرْقانِ بِالجَحْدِ والطُّغْيانِ، وكَيْفَ أشْرَكُوا بِالَّذِي تِلْكَ صِفاتُهُ آلِهَةً أُخْرى صِفاتُهم عَلى الضِّدِّ مِن صِفاتِ مَن أشْرَكُوهم بِهِ، وإلّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُشْرِكِينَ آلِهَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ فَلا يُقْصَدُ إفادَتُهم لِحُكْمِ الخَبَرِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الفرقان: ٢] وقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وضَمِيرُ (اتَّخَذُوا) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ ولَمْ يَسْبِقْ لَهم ذِكْرٌ في الكَلامِ وإنَّما صفحة ٣٢٠ هم مَعْرُوفُونَ في مِثْلِ هَذا المَقامِ وخاصَّةً مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢] . وجُمْلَةُ (﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾) مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٢]) . وجُمْلَةُ (﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾) مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الفرقان: ٢])؛ لِأنَّ ولَدَ الخالِقِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنهُ فَلا يَكُونُ مَخْلُوقًا. وجُمْلَةُ ﴿ولا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾ [الفرقان: ٢]؛ لِأنَّ الشَّرِكَةَ في المُلْكِ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ في التَّصَرُّفِ. وضَمِيرُ (لِأنْفُسِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى (آلِهَةً) أيْ لا تَقْدِرُ الأصْنامُ ونَحْوُها عَلى ضُرِّ أنْفُسِهِمْ ولا عَلى نَفْعِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (واتَّخَذُوا) أيْ لا تَقْدِرُ الأصْنامُ عَلى نَفْعِ الَّذِينَ عَبَدُوهم ولا عَلى ضُرِّهِمْ. واعْلَمْ أنَّ (ضُرًّا ولا نَفْعًا) هُنا جَرى مَجْرى المَثَلِ لِقَصْدِ الإحاطَةِ بِالأحْوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وهَذا نَظِيرُ أنْ يُقالَ: شَرْقًا وغَرْبًا، ولَيْلًا ونَهارًا. وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ ما يُشْكَلُ في بادِئِ الرَّأْيِ مِن وجْهِ نَفْيِ قُدْرَتِهِمْ عَلى إضْرارِ أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ لا تَتَعَلَّقُ إرادَةُ أحَدٍ بِضُرِّ نَفْسِهِ، وبِذَلِكَ أيْضًا لا يُتَطَلَّبُ وجْهٌ لِتَقْدِيمِ الضُّرِّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ في تَقْدِيمِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فالمُتَكَلِّمُ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ، والمُخالِفَةُ بَيْنَ الآياتِ في تَقْدِيمِ أحَدِ الأمْرَيْنِ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ. والمَجْرُورُ في (لِأنْفُسِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُونَ) . والضُّرُّ - بِفَتْحِ الضّادِ - مَصْدَرُ ضَرَّهُ، إذا أصابَهُ بِمَكْرُوهٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩] في سُورَةِ يُونُسَ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]؛ لِأنَّ أعْظَمَ مَظاهِرِ تَقْدِيرِ الخَلْقِ هو مَظْهَرُ الحَياةِ والمَوْتِ، وذَلِكَ مِنَ المُشاهَداتِ. وأمّا قَوْلُهُ: (﴿ولا نُشُورًا﴾) فَهو تَكْمِيلٌ لِقَرْعِ المُشْرِكِينَ نُفاةِ البَعْثِ؛ لِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونَ الآلِهَةُ يَمْلِكُونَ نُشُورًا يَقْتَضِي إثْباتَ حَقِيقَةِ النُّشُورِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ إذِ الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ صفحة ٣٢١ يَقْتَضِي تَحْقِيقَ ماهِيَّتِهِ. وأمّا نَحْوُ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ يُرِيدُ لا مَنارَ فِيهِ. وقَوْلِ ابْنِ أحْمَرَ: لا تُفْزِعُ الأرْنَبَ أهْوالُـهَـا ∗∗∗ ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ أرادَ: إنَّها لا أرْنَبَ فِيها ولا ضَبَّ. فَهو مِن قَبِيلِ التَّمْلِيحِ. ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أقْوالِهِمُ المُقابَلَةُ لِلْجُمَلِ المَوْصُوفِ بِها اللَّهُ تَعالى اهْتِمامًا بِإبْطالِ كُفْرِهِمُ المُتَعَلِّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أصْلُ الكُفْرِ ومادَّتُهُ. واعْلَمْ أنَّ مَعْنى (﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾) وهم يُصْنَعُونَ، أيْ يَصْنَعُهُمُ الصّانِعُونَ؛ لِأنَّ أصْنامَهم كُلَّها حِجارَةٌ مَنحُوتَةٌ فَقَدْ قَوَّمَتْها الصَّنْعَةُ، فَأطْلَقَ الخَلْقَ عَلى التَّشْكِيلِ والنَّحْتِ مِن فِعْلِ النّاسِ، وإنْ كانَ الخَلْقُ شاعَ في الإيجادِ بَعْدَ العَدَمِ؛ إمّا اعْتِبارًا بِأصْلِ مادَّةِ الخَلْقِ وهو تَقْدِيرُ مِقْدارِ الجِلْدِ قَبْل فَرْيِهِ كَما قالَ زُهَيْرٌ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ضُ النّاسِ يَخْلُـقُ ثُـمَّ لا يَفْـرِي فَأطْلَقَ الخَلْقَ عَلى النَّحْتِ؛ إمّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ، وإمّا مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِ: (﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾) . والمِلْكُ في قَوْلِهِ (لا يَمْلِكُونَ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى القُدْرَةِ والِاسْتِطاعَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]) في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ فِيها: (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦])، أيْ: مَن لا يَقْدِرُ عَلى ضَرِّكم ولا نَفْعِكم. فَقَوْلُهُ هُنا (لِأنْفُسِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَمْلِكُونَ)، واللّامُ فِيهِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ لا يَمْلِكُونَ لِأجْلِ أنْفُسِهِمْ، أيْ: لِفائِدَتِها. ثُمَّ إنَّ المُرادَ بِـ (أنْفُسِهِمْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ فِيهِ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى الآحادِ المُفادَةِ بِضَمِيرِ (يَمْلِكُونَ) أيْ لا يَمْلِكُ كُلُّ واحِدٍ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا، ويَكُونُ المُرادُ بِالضُّرِّ دَفْعَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ لِأنَّ صفحة ٣٢٢ الشَّخْصَ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضُهُ بِضُرِّ نَفْسِهِ حَتّى يُقَرَّعَ بِأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ ضُرِّ نَفْسِهِ. وتَنْكِيرُ (مَوْتًا - وحَياةً) في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، أيْ مَوْتُ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ولا حَياتُهُ. والنُّشُورُ: الإحْياءُ بَعْدَ المَوْتِ. وأصْلُهُ نَشْرُ الشَّيْءِ المَطْوِيِّ.

الفرقان 25:4

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ انْتِقالٌ مَن ذِكْرِ كُفْرِهِمْ في أفْعالِهِمْ إلى ذِكْرِ كُفْرِهِمْ بِأقْوالِهِمُ الباطِلَةِ. والإظْهارُ هُنا لِإفادَةِ أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو عِلَّةُ قَوْلِهِمْ هَذا، أيْ ما جَرَّأهم عَلى هَذا البُهْتانِ إلّا إشْراكُهم وتَصَلُّبُهم فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ تَبْعَثُهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ لِانْتِفاءِ شُبْهَةِ ذَلِكَ، بِخِلافِ ما حُكِيَ آنِفًا مِن كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ فَإنَّهم تَلَقَّوْهُ مِن آبائِهِمْ، فالوَصْفُ الَّذِي أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ هُنا مُناسِبٌ لِمَقالَتِهِمْ؛ لِأنَّها أصْلُ كُفْرِهِمْ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقابِلَةٌ جُمْلَةَ (﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]) فَهي المَقْصُودُ مِنِ افْتِتاحِ الكَلامِ كَما آذَنَتْ بِذَلِكَ فاتِحَةُ السُّورَةِ. وإنَّما أُخِّرَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي تُقابِلُ الجُمْلَةَ الأُولى مَعَ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ المُقابَلَةِ أنْ تُذْكَرَ هَذِهِ الجُمْلَةُ قَبْلَ جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الفرقان: ٣]) اهْتِمامًا بِإبْطالِ الكُفْرِ المُتَعَلِّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والقَصْرُ المُشْتَمِلُ عَلَيْهِ كَلامُهُمُ المُسْتَفادُ مِن (إنِ) النّافِيَةِ و(إلّا) قَصْرُ قَلْبٍ؛ زَعَمُوا بِهِ رَدَّ دَعْوى أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ومِمَّنْ قالَ هَذِهِ المُقابَلَةَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ،، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ،، ونَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ. فَإسْنادُ هَذا القَوْلِ إلى جَمِيعِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وكُلُّهم يَتَناقَلُونَهُ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَأْلُوفَةٌ في نِسْبَةِ أمْرٍ إلى القَبِيلَةِ كَما يُقالُ: بَنُو أسَدٍ قَتَلُوا حُجْرًا. صفحة ٣٢٣ واسْمُ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ آياتِ القُرْآنِ. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في (افْتَراهُ) عائِدٌ إلى الرَّسُولِ ﷺ المَعْلُومِ مِن قَوْلِهِ (عَلى عَبْدِهِ) . والإفْكُ: الكَذِبُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ [النور: ١١]) في سُورَةِ النُّورِ. والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الأخْبارِ، أيْ: ابْتِكارُها وهو الكَذِبُ عَنْ عَمْدٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]) في سُورَةِ العُقُودِ. (وأعانَهُ عَلَيْهِ) أيْ عَلى ما يَقُولُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْمٌ آخَرُونَ لَقَّنُوهُ بَعْضَ ما يَقُولُهُ. وأرادُوا بِالقَوْمِ الآخَرِينَ اليَهُودَ. رُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أشارُوا إلى عَبِيدٍ أرْبَعَةٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفُرْسِ وهم: عَدّاسٌ مَوْلى حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ويَسارٌ أبُو فَكِيهَةَ الرُّومِيُّ مَوْلى العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ، وفي سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ أنَّهُ مَوْلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ،، وجَبْرٌ مَوْلى عامِرٍ. وكانَ هَؤُلاءِ مِن مَوالِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ مِمَّنْ دانُوا بِالنَّصْرانِيَّةِ، وكانُوا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ثُمَّ أسْلَمُوا، وقَدْ مَرَّ ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَزَعَمَ المُشْرِكُونَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَتَرَدَّدُ إلى هَؤُلاءِ سِرًّا ويَسْتَمِدُّ مِنهم أخْبارَ ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: (﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾) مُتَسَلِّطٌ عَلى كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، أيْ لا يَخْلُو هَذا القُرْآنُ مِن مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، هُما: أنْ يَكُونَ افْتَرى بَعْضَهُ مِن نَفْسِهِ، وأعانَهُ قَوْمٌ عَلى بَعْضِهِ. وفَرَّعَ عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ هَذا ظُهُورَ أنَّهُمُ ارْتَكَبُوا بِقَوْلِهِمْ ظُلْمًا وزُورًا؛ لِأنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ قَوْلَهم زُورٌ وظُلْمٌ؛ لِأنَّهُ اخْتِلاقٌ واعْتِداءٌ. و (جاءُوا) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (عَمِلُوا) وهو مَجازٌ في العِنايَةِ بِالعَمَلِ والقَصْدِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَنِ اهْتَمَّ بِتَحْصِيلِ شَيْءٍ مَشى إلَيْهِ، وبِهَذا الِاسْتِعْمالِ صَحَّ تَعْدِيَتُهُ إلى مَفْعُولٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِقَوْلٍ أوْ فَعَلٍ، قالَ تَعالى: (﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ [ص: ٢٤]) صفحة ٣٢٤ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والظُّلْمُ الَّذِي أتَوْهُ هو نِسْبَتُهُمُ الرَّسُولَ إلى الِاخْتِلاقِ، فَإنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّهِ الَّذِي هو الصِّدْقُ. والزُّورُ: الكَذِبُ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في الزُّورِ: إنَّهُ الكَذِبُ المُحَسَّنُ المُمَوَّهُ بِحَيْثُ يَشْتَبِهُ بِالصِّدْقِ. وكَوْنُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَذِبًا ظاهِرٌ لِمُخالَفَتِهِ الواقِعَ فالقُرْآنُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الإفْكِ، والَّذِينَ زَعَمُوهم مُعِينِينَ عَلَيْهِ لا يَسْتَطِيعُ واحِدٌ مِنهم أنْ يَأْتِيَ بِكَلامٍ عَرَبِيٍّ بالِغٍ غايَةَ البَلاغَةِ ومُرْتَقٍ إلى حَدِّ الإعْجازِ، وإذا كانَ لِبَعْضِهِمْ مَعْرِفَةٌ بِبَعْضِ أخْبارِ الرُّسُلِ فَما هي إلّا مَعْرِفَةٌ ضَئِيلَةٌ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ كَشَأْنِ مَعْرِفَةِ العامَّةِ والدَّهْماءِ.

الفرقان 25:5

﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهْيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَدْلُولُ الصِّلَةِ مُراعًى في هَذا الضَّمِيرِ إيماءً إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِن آثارِ كُفْرِهِمْ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ كالأُحْدُوثَةِ والأحادِيثِ، والأُغْلُوطَةِ والأغالِيطِ، وهي القِصَّةُ المَسْطُورَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها مُفَصَّلًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وقائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ العَبْدَرِيُّ قالَ: إنَّ القُرْآنَ قِصَصٌ مِن قِصَصِ الماضِينَ. وكانَ النَّضْرُ هَذا قَدْ تَعَلَّمَ بِالحِيرَةِ قِصَصَ مُلُوكِ الفُرْسِ وأحادِيثَ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ فَكانَ يَقُولُ لِقُرَيْشٍ: أنا واللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ فَهَلُمَّ أُحَدِّثْكم؛ وكانَ يَقُولُ في القُرْآنِ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ ما ذُكِرَ فِيهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ في القُرْآنِ فالمَقْصُودُ مِنهُ قَوْلُ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ وفي أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ. صفحة ٣٢٥ وجُمْلَةُ (اكْتَتَبَها) نَعْتٌ أوْ حالٌ لِـ (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) . والِاكْتِتابُ: افْتِعالٌ مِنَ الكِتابَةِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ لِحُصُولِ الفِعْلِ، أيْ: حُصُولُهُ مِن فاعِلِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ قَوْلُهُ: (اكْتَتَبَها) أنَّهُ تَكَلَّفَ أنْ يَكْتُبَها. ومَعْنى هَذا التَّكَلُّفِ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ أُمِّيًّا كانَ إسْنادُ الكِتابَةِ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا فَيَئُولُ المَعْنى: أنَّهُ سَألَ مَن يَكْتُبُها لَهُ، أيْ: يَنْقُلُها، فَكانَ إسْنادُ الِاكْتِتابِ إلَيْهِ إسْنادًا مَجازِيًّا؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، والقَرِينَةُ ما هو مُقَرَّرٌ لَدى الجَمِيعِ مِن أنَّهُ أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ، ومِن قَوْلِهِ: فَهي تُمْلى عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كَتَبَها لِنَفْسِهِ لَكانَ يَقْرَؤُها بِنَفْسِهِ. فالمَعْنى: اسْتَنْسَخَها. وهَذا كُلُّهُ حِكايَةٌ لِكَلامِ النَّضْرِ بِلَفْظِهِ أوْ بِمَعْناهُ. ومُرادُ النَّضْرِ بِهَذا الوَصْفِ تَرْوِيجُ بُهْتانِهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ هَذا الزُّورَ مَكْشُوفٌ قَدْ لا يُقْبَلُ عِنْدَ النّاسِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ النَّبِيءَ أُمِّيٌّ فَكَيْفَ يَسْتَمِدُّ قُرْآنَهُ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ فَهَيَّأ لِقَبُولِ ذَلِكَ أنَّهُ كُتِبَتْ لَهُ، فاتَّخَذَها عِنْدَهُ فَهو يُناوِلُها لِمَن يُحْسِنُ القِراءَةَ فَيُمْلِي عَلَيْهِ ما يَقُصُّهُ القُرْآنُ. والإمْلاءُ: هو الإمْلالُ وهو إلْقاءُ الكَلامِ لِمَن يَكْتُبُ ألْفاظَهُ أوْ يَرْوِيها أوْ يَحْفَظُها. وتَفْرِيعُ الإمْلاءِ عَلى الِاكْتِتابِ كانَ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ إمْلاءَها عَلَيْهِ لِيَقْرَأها أوْ لِيَحْفَظَها. والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: آخِرُ المَساءِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: تُمْلى عَلَيْهِ طَرَفَيِ النَّهارِ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ كَثْرَةِ المُمارَسَةِ لِتَلَقِّي الأساطِيرِ.

الفرقان 25:6

﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ الجَوابَ لِرَدِّ بُهْتانِ القائِلِينَ: إنْ هَذا القُرْآنَ إلّا إفْكٌ، وإنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، بِأنَّهُ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ. صفحة ٣٢٦ وعَبَّرَ عَنْ مُنْزِلِ القُرْآنِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تَقْتَضِيهِ الصِّلَةُ مِنِ اسْتِشْهادِ الرَّسُولِ اللَّهَ عَلى ما في سِرِّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ سِرٍّ في كُلِّ مَكانٍ. فَجُمْلَةُ الصِّلَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو كَوْنُ المُتَكَلِّمِ، أيِ الرَّسُولِ، عالِمًا بِذَلِكَ. وفي ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ مُراقَبَتِهِ اللَّهَ فِيما يُبَلِّغُهُ عَنْهُ. وفي ذَلِكَ إيقاظٌ لَهم بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في هَذا الَّذِي زَعَمُوهُ إفْكًا أوْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لِيَظْهَرَ لَهُمُ اشْتِمالُهُ عَلى الحَقائِقِ النّاصِعَةِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ، فَيُوقِنُوا أنَّ القُرْآنَ لا يَكُونُ إلّا مِن إنْزالِهِ، ولِيَعْلَمُوا بَراءَةَ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الِاسْتِعانَةِ بِمَن زَعَمُوهم يُعِينُونَهُ. والتَّعْرِيفُ في (السِّرَّ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ سِرٍّ، ومِنهُ إسْرارُ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ عَنْ مُكابَرَةٍ وبُهْتانٍ، أيْ يَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ في القُرْآنِ ما لا يَعْتَقِدُونَهُ ظُلْمًا وزُورًا مِنهم، وبِهَذا يُعْلَمُ مُوقِعُ جُمْلَةِ (﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾) تَرْغِيبًا لَهم في الإقْلاعِ عَنْ هَذِهِ المُكابَرَةِ وفي اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ؛ لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ويَرْحَمَهم، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم إنْ لَمْ يُقْلِعُوا ويَتُوبُوا حَقَّ عَلَيْهِمُ الغَضَبُ والنِّقْمَةُ.

الفرقان 25:7

﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨] . انْتِقالٌ مِن حِكايَةِ مَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ وبَيانِ إبْطالِها إلى حِكايَةِ مَطاعِنِهِمْ في الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَمَدْلُولُ الصِّفَةِ مُراعًى كَما تَقَدَّمَ. صفحة ٣٢٧ وقَدْ أوْرَدُوا طَعْنَهم في نُبُوءَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الحالَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِ إذْ أوْرَدُوا اسْمَ الِاسْتِفْهامِ ولامَ الِاخْتِصاصِ، والجُمْلَةُ الحالِيَّةُ الَّتِي مَضْمُونُها مَثارُ الِاسْتِفْهامِ. والِاسْتِفْهامُ تَعَجِيبِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو بُطْلانُ كَوْنِهِ رَسُولًا بِناءً عَلى أنَّ التَّعَجُّبَ مِنَ الدَّعْوى يَقْتَضِي اسْتِحالَتَها أوْ بُطْلانَها. وتَرْكِيبُ (ما لِهَذا) ونَحْوُهُ يُفِيدُ الِاسْتِفْهامَ عَنْ أمْرٍ ثابِتٍ لَهُ، فاسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ و (لِهَذا) خَبَرٌ عَنْهُ، فَمَثارُ الِاسْتِفْهامِ في هَذِهِ الآيَةِ هو ثُبُوتُ حالِ أكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ لِلَّذِي يَدَّعِي الرِّسالَةَ مِنَ اللَّهِ. فَجُمْلَةُ (يَأْكُلُ الطَّعامَ) جُمْلَةُ حالٍ. وقَوْلُهم: (لِهَذا الرَّسُولِ) أجْرَوْا عَلَيْهِ وصْفَ الرِّسالَةِ مُجاراةً مِنهم لِقَوْلِهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ، ولَكِنَّهم بَنَوْا عَلَيْهِ لِيَتَأتّى لَهُمُ التَّعَجُّبُ، والمُرادُ مِنهُ الإحالَةُ والإبْطالُ. والإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ، وقَدْ بَيَّنَ الإشارَةَ ما بَعْدَها مِنَ اسْمٍ مُعَرَّفٍ بِلامِ العَهْدِ وهو الرَّسُولُ. وكَنَّوْا بِأكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ عَنْ مُماثَلَةِ أحْوالِهِ لِأحْوالِ النّاسِ تَذَرُّعًا مِنهم إلى إبْطالِ كَوْنِهِ رَسُولًا لِزَعْمِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ عَنِ اللَّهِ تَكُونُ أحْوالُهُ غَيْرَ مُماثِلَةٍ لِأحْوالِ النّاسِ، وخَصُّوا أكْلَ الطَّعامِ والمَشْيَ في الأسْواقِ؛ لِأنَّهُما مِنَ الأحْوالِ المُشاهَدَةِ المُتَكَرِّرَةِ. ورَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم هَذا بِقَوْلِهِ: (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]) . ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى اقْتِراحِ أشْياءَ تُؤَيِّدُ رِسالَتَهُ فَقالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾) . وخَصُّوا مِن أحْوالِ الرَّسُولِ حالَ النِّذارَةِ؛ لِأنَّها الَّتِي أنْبَتَتْ حِقْدَهم عَلَيْهِ. و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، أيْ لَوْ أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ لاتَّبَعْناهُ. وانْتَصَبَ (فَيَكُونَ) عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ. و(أوْ) لِلتَّخْيِيرِ في دَلائِلِ الرِّسالَةِ في وهْمِهِمْ. صفحة ٣٢٨ ومَعْنى (﴿يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]) أيْ: يَنْزِلُ إلَيْهِ كَنْزٌ مِنَ السَّماءِ، إذْ كانَ الغِنى فِتْنَةً لِقُلُوبِهِمْ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْطاءِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَتَخَيَّلُونَ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ. والكَنْزُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. وجَعَلُوا إعْطاءَ جَنَّةٍ لَهُ عَلامَةً عَلى النُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ وُجُودَ الجَنَّةِ في مَكَّةَ خارِقٌ لِلْعادَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨]) بِياءِ الغائِبِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدٌ إلى (هَذا الرَّسُولِ) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (﴿نَأْكُلُ مِنها﴾ [المائدة: ١١٣]) بِنُونِ الجَماعَةِ. والمَعْنى: لِيَتَيَقَّنُوا أنَّ ثَمَرَها حَقِيقَةٌ لا سِحْرٌ. ذَكَرَ أصْحابُ السِّيَرِ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ صَدَرَتْ مِن كُبَراءِ المُشْرِكِينَ وفي مَجْلِسٍ لَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ عَتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ، والعاصَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، والنَّضْرَ بْنَ الحارِثِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرُوها تَداوَلها أهَّلُ المَجْلِسِ؛ إذْ لَمْ يُعَيِّنْ أهْلُ السِّيَرِ قائِلَها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأشاعُوا ذَلِكَ في النّاسِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في سُورَةِ الإسْراءِ. وكُتِبَتْ لامُ (ما لِـ هَذا) مُنْفَصِلَةً عَنِ اسْمِ الإشارَةِ الَّذِي بَعْدَها في المُصْحَفِ الإمامِ فاتَّبَعَتْهُ المَصاحِفُ؛ لِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ فِيهِ، كَما كُتِبَ (﴿ما لِـ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ، وكَما كُتِبَ (﴿مالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦]) في سُورَةِ سَألَ سائِلٌ، كَما كُتِبَ (﴿فَما لِـ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ [النساء: ٧٨]) في سُورَةِ النِّساءِ. ولَعَلَّ وجْهَ هَذا الِانْفِصالِ أنَّهُ طَرِيقَةُ رَسْمٍ قَدِيمٍ كانَتِ الحُرُوفُ تُكْتَبُ مُنْفَصِلًا بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ ولا سِيَّما حُرُوفُ المَعانِي فَعامَلُوا صفحة ٣٢٩ ما كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ مُعامَلَةَ ما كانَ عَلى حَرْفَيْنِ، فَبَقِيَتْ عَلى يَدِ أحَدِ كُتّابِ المُصْحَفِ أثارَةٌ مِن ذَلِكَ، وأصْلُ حُرُوفِ الهِجاءِ كُلِّها الِانْفِصالُ، وكَذَلِكَ هي في الخُطُوطِ القَدِيمَةِ لِلْعَرَبِ وغَيْرِهِمْ. وكانَ وصْلُ حُرُوفِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ تَحْسِينًا لِلرَّسْمِ وتَسْهِيلًا لِتَبادُرِ المَعْنى، وأمّا ما كانَ مِن كَلِمَتَيْنِ فَوَصْلُهُ اصْطِلاحٌ. وأكْثَرُ ما وصَلُوا مِنهُ الكَلِمَةُ المَوْضُوعَةُ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ مِثْلُ حُرُوفِ القَسَمِ أوْ كالواحِدِ مِثْلُ (ألْ) .

الفرقان 25:8

( ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ . الظّالِمُونَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، فَغَيَّرَ عُنْوانَهُمُ الأوَّلَ إلى عُنْوانِ الظُّلْمِ وهم هم تَنْبِيهًا عَلى أنَّ في هَذا القَوْلِ اعْتِداءً عَلى الرَّسُولِ بِنَبْزِهِ بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظُلْمُهم لَهُ أشَدُّ ظُلْمٍ وﷺ . ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ قائِلَ: (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾) هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، أيْ: هو مُبْتَكِرُ هَذا البُهْتانِ وإنَّما أُسْنِدَ القَوْلُ إلى جَمِيعِ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم تَلَقَّفُوهُ ولَهَجُوا بِهِ. والمَسْحُورُ: الَّذِي أصابَهُ السِّحْرُ، وهو يُورِثُ اخْتِلالَ العَقْلِ عِنْدَهم، أيْ: ما تَتْبَعُونَ إلّا رَجُلًا أصابَهُ خَلَلُ العَقْلِ فَهو يَقُولُ ما لا يَقُولُ مِثْلَهُ العُقَلاءُ. وذَكَرَ (رَجُلًا) هُنا لِتَمْهِيدِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لِأنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ. وهَذا الخِطابُ خاطَبُوا بِهِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيءَ ﷺ . ومَعْنى (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا﴾): أنَّهم ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ الباطِلَةَ بِأنْ مَثَّلُوكَ بِرَجُلٍ مَسْحُورٍ. صفحة ٣٣٠ وقَوْلُهُ: (انْظُرْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى العِلْمِ تَشْبِيهًا لِلْأمْرِ المَعْقُولِ بِالأمْرِ المَرْئِيِّ لِشِدَّةِ وُضُوحِهِ. و(كَيْفَ) اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ والحالَةِ مُجَرَّدٌ هُنا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّعْجِيبِ إخْبارٌ عَنْهم بِأنَّهم ضَلُّوا في تَلْفِيقِ المَطاعِنِ في رِسالَةِ الرَّسُولِ فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى دَلِيلٍ مُقْنِعٍ عَلى مُرادِهِمْ، فَفِعْلُ (ضَلُّوا) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ المَجازِيَّيْنِ هُما: مَعْنى عَدَمِ التَّوَفُّقِ في الحُجَّةِ، ومَعْنى عَدَمِ الوُصُولِ لِلدِّينِ الحَقِّ، وهو هُنا تَعْجِيبٌ مِن خَطَلِهِمْ وإعْراضٌ عَنْ مُجاوَبَتِهِمْ.

الفرقان 25:9

( ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ . الظّالِمُونَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، فَغَيَّرَ عُنْوانَهُمُ الأوَّلَ إلى عُنْوانِ الظُّلْمِ وهم هم تَنْبِيهًا عَلى أنَّ في هَذا القَوْلِ اعْتِداءً عَلى الرَّسُولِ بِنَبْزِهِ بِما هو بَرِيءٌ مِنهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَظُلْمُهم لَهُ أشَدُّ ظُلْمٍ وﷺ . ذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ قائِلَ: (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾) هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، أيْ: هو مُبْتَكِرُ هَذا البُهْتانِ وإنَّما أُسْنِدَ القَوْلُ إلى جَمِيعِ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهم تَلَقَّفُوهُ ولَهَجُوا بِهِ. والمَسْحُورُ: الَّذِي أصابَهُ السِّحْرُ، وهو يُورِثُ اخْتِلالَ العَقْلِ عِنْدَهم، أيْ: ما تَتْبَعُونَ إلّا رَجُلًا أصابَهُ خَلَلُ العَقْلِ فَهو يَقُولُ ما لا يَقُولُ مِثْلَهُ العُقَلاءُ. وذَكَرَ (رَجُلًا) هُنا لِتَمْهِيدِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا؛ لِأنَّهُ رَجُلٌ مِنَ النّاسِ. وهَذا الخِطابُ خاطَبُوا بِهِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيءَ ﷺ . ومَعْنى (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا﴾): أنَّهم ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ الباطِلَةَ بِأنْ مَثَّلُوكَ بِرَجُلٍ مَسْحُورٍ. صفحة ٣٣٠ وقَوْلُهُ: (انْظُرْ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى العِلْمِ تَشْبِيهًا لِلْأمْرِ المَعْقُولِ بِالأمْرِ المَرْئِيِّ لِشِدَّةِ وُضُوحِهِ. و(كَيْفَ) اسْمٌ لِلْكَيْفِيَّةِ والحالَةِ مُجَرَّدٌ هُنا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّعْجِيبِ إخْبارٌ عَنْهم بِأنَّهم ضَلُّوا في تَلْفِيقِ المَطاعِنِ في رِسالَةِ الرَّسُولِ فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى دَلِيلٍ مُقْنِعٍ عَلى مُرادِهِمْ، فَفِعْلُ (ضَلُّوا) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ المَجازِيَّيْنِ هُما: مَعْنى عَدَمِ التَّوَفُّقِ في الحُجَّةِ، ومَعْنى عَدَمِ الوُصُولِ لِلدِّينِ الحَقِّ، وهو هُنا تَعْجِيبٌ مِن خَطَلِهِمْ وإعْراضٌ عَنْ مُجاوَبَتِهِمْ.

الفرقان 25:10

﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وثَنائِهِ عَلى أنْ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى رَسُولِهِ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما تَلَقّى بِهِ المُشْرِكُونَ هَذِهِ المَزِيَّةَ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ النّاشِئِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما اتَّخَذُوهُ مِن آلِهَةٍ مِن صِفاتِهِمْ ما يُنافِي الإلَهِيَّةَ، ثُمَّ طَعَنُوا في القُرْآنِ والَّذِي جاءَ بِهِ بِما هو كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ومَن جاءَ بِها. فَلَمّا أُرِيدَ الإعْراضُ عَنْ باطِلِهِمْ والإقْبالُ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ بِتَثْبِيتِهِ وتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ أُعِيدَ اللَّفْظُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ عَلى طَرِيقَةِ وصْلِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾) . وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٨]) إلَخْ، أيْ إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ، أيْ: أفْضَلَ مِنهُ، أيْ: إنْ شاءَ عَجَّلَهُ لَكَ في الدُّنْيا، فالإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ جَنّاتٍ في الدُّنْيا وقُصُورًا فِيها، أيْ: خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ في زَعْمِهِمْ بِأنْ تَكُونَ عِدَّةَ جَنّاتٍ وفِيها قُصُورٌ. وبِهَذا فَسَّرَ صفحة ٣٣١ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ واقِعَةً مَوْقِعَ (لَوْ)، أيْ: أنَّهُ لَمْ يَشَأْ ولَوْ شاءَهُ لَفَعَلَهُ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ عَدَمَ البَسْطِ لِلرَّسُولِ في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ لا يُدْرِكُونَ المَطالِبَ العالِيَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ لَيْسَتِ الَّتِي في الدُّنْيا، أيْ هي جَنّاتُ الخُلْدِ وقُصُورُ الجَنَّةِ فَيَكُونُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ. واقْتِرانُ هَذا الوَعْدِ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ جارٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَظَمَةُ الإلَهِيَّةُ، وإلّا فَسِياقُ الوَعْدِ يَقْتَضِي الجَزْمَ بِحُصُولِهِ، فاللَّهُ شاءَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، بِأنْ يُقالَ: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ. فَمَوْقِعُ (إنْ شاءَ) اعْتِراضٌ. وأصْلُ المَعْنى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. ويُساعِدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا) بِرَفْعِ (يَجْعَلُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ دُونَ إعْمالِ حَرْفِ الشَّرْطِ، وقِراءَةُ الأكْثَرِ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ مُحَقَّقُ الحُصُولِ بِالقَرِينَةِ، وهَذا المَحْمِلُ أشَدُّ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وقَطْعًا لِمُجادَلَتِهِمْ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١])، وهو ضِدٌّ ومُقابِلٌ لِما أعَدَّهُ لِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ. والقُصُورُ: المَبانِي العَظِيمَةُ الواسِعَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ [الأعراف: ٧٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]) في سُورَةِ الحَجِّ.

الفرقان 25:11

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ . (بَلْ) لِلْإضْرابِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إضْرابَ انْتِقالٍ مِن ذِكْرِ ضَلالِهِمْ في صِفَةِ الرَّسُولِ ﷺ إلى ذِكْرِ ضَلالِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ قَوْلَهُ (﴿إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]) كَما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إضْرابَ إبْطالٍ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]) صفحة ٣٣٢ عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ عَطِيَّةَ مِنَ الوَعْدِ بِإيتائِهِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، أيْ بَلْ هم لا يَقْنَعُونَ بِأنَّ حَظَّ الرَّسُولِ عِنْدَ رَبِّهِ لَيْسَ في مَتاعِ الدُّنْيا الفانِي الحَقِيرِ ولَكِنَّهُ في خَيْراتِ الآخِرَةِ الخالِدَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ، أيْ أنَّ هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ ومُقْنِعٌ لَهم لَوْ كانُوا يُصَدِّقُونَ بِالسّاعَةِ، ولَكِنَّهم كَذَّبُوا بِها فَهم مُتَمادُونَ عَلى ضَلالِهِمْ لا تُقْنِعُهُمُ الحُجَجُ. والسّاعَةُ: اسْمٌ غَلَبَ عَلى عالَمِ الخُلُودِ، تَسْمِيَةً بِاسْمِ مَبْدَئِهِ وهو ساعَةُ البَعْثِ. وإنَّما قَصَرَ تَكْذِيبَهم عَلى السّاعَةِ؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ فَهم بِما وراءَهُ أحْرى تَكْذِيبًا. وجُمْلَةُ (﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾) مُعْتَرِضَةٌ بِالوَعِيدِ لَهم، وهو لِعُمُومِهِ يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم، فَهو تَذْيِيلٌ. ومِن غَرَضِهِ مُقابَلَةُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في العاقِبَةِ بِما أعَدَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ. والسَّعِيرُ: الِالتِهابُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَسْعُورٌ، أيْ: زِيدَ فِيها الوَقُودُ، وهو مُعامَلٌ مُعامَلَةَ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْوالِ اللَّهَبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذاتَ سَعِيرٍ.

الفرقان 25:12

﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ . تَخَلَّصَ مِنَ اليَأْسِ مِنِ اقْتِناعِهِمْ إلى وصْفِ السَّعِيرِ الَّذِي أُعِدَّ لَهم، وأُجْرِيَ عَلى السَّعِيرِ ضَمِيرُ (رَأتْهم) بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ السَّعِيرِ بِجَهَنَّمَ إذْ هو عَلَمٌ عَلَيْها بِالغَلَبَةِ كَما تَقَدَّمَ. وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى النّارِ اسْتِعارَةٌ. والمَعْنى: إذا سِيقُوا إلَيْها فَكانُوا مِنَ النّارِ بِمَكانٍ ما يَرى الرّائِي مَن وصَلَ إلَيْهِ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا مِن مَكانٍ صفحة ٣٣٣ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (رَأتْهم) رَآهم مَلائِكَتُها، أطْلَقُوا مَنافِذَها فانْطَلَقَتْ ألْسِنَتُها بِأصْواتِ اللَّهِيبِ كَأصْواتِ المُتَغَيِّظِ وزَفِيرِهِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا عَقْلِيًّا. والتَّغَيُّظُ: شِدَّةُ الغَيْظِ. والغَيْظُ: الغَضَبُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ هُنا المَوْضُوعَةُ في الأصْلِ لِتَكَلُّفِ الفِعْلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لِفِعْلٍ يَأْتِي بِهِ كَأشَدِّ ما يَكُونُ. والمُرادُ بِهِ هُنا صَوْتُ المُتَغَيِّظِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (سَمِعُوا) فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والزَّفِيرُ: امْتِدادُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ وضِيقِ الصَّدْرِ، أيْ صَوْتًا كالزَّفِيرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ إدْراكًا لِلْمَرْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ أحْوالُها عِنْدَ انْطِباعِ المَرْئِيّاتِ فِيها فَتَضْطَرِبُ وتَفِيضُ وتَتَهَيَّأُ لِالتِهامِ بَعْثِها فَتَحْصُلُ مِنها أصْواتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ حَقِيقَةً، وأُمُورُ العالَمِ الأُخْرى لا تُقاسُ عَلى الأحْوالِ المُتَعارَفَةِ في الدُّنْيا. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠])، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: يا رَبِّ، أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الصَّيْفِ ونَفَسٍ في الشِّتاءِ» رَواهُ في المُوَطَّأِ. زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «فَما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ فَذَلِكَ مِن زَمْهَرِيرِها وما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فَهو مِن سَمُومِها» . وجُعِلَ إزْجاؤُهم إلى النّارِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ زِيادَةً في النِّكايَةِ بِهِمْ؛ لِأنَّ بُعْدَ المَكانِ يَقْتَضِي زِيادَةَ المَشَقَّةِ إلى الوُصُولِ ويَقْتَضِي طُولَ الرُّعْبِ مِمّا سَمِعُوا. ووَصَفَ وُصُولَهم إلى جَهَنَّمَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ووَضْعَهم فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) فَصِيغَ نَظْمُهُ في صُورَةِ تَوْصِيفِ ضَجِيجِ أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ (﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) وأدْمَجَ في خِلالِ صفحة ٣٣٤ ذَلِكَ وصْفَ داخِلِ جَهَنَّمَ ووَصْفَ وضْعِ المُشْرِكِينَ فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾) وقَوْلِهِ: (مُقَرَّنِينَ) تَفَنُّنًا في أُسْلُوبِ الكَلامِ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهانَةِ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ضَيِّقًا) بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا) بِسُكُونِ الياءِ وكِلاهُما لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلُ: مَيِّتٍ ومَيْتٍ؛ لِأنَّ الضَّيِّقَ بِالتَّشْدِيدِ صِيغَةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، والضَّيْقَ بِالسُّكُونِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. و(مُقَرَّنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُلْقُوا) أيْ: مُقَرَّنًا بَعْضُهم في بَعْضٍ كَحالِ الأسْرى، والمَساجِينِ أنْ يُقْرَنَ عَدَدٌ مِنهم في وِثاقٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: (﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨]) . والمُقَرَّنُ: المَقْرُونُ، صِيغَتْ لَهُ مادَّةُ التَّفْعِيلِ لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ القَرْنِ. والدُّعاءُ: النِّداءُ بِأعْلى الصَّوْتِ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، أيْ نادَوْا: يا ثُبُورَنا، أوْ واثُبُوراهُ بِصِيغَةِ النُّدْبَةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَنِّي، أيْ تَمَنَّوْا حُلُولَ الهَلاكِ فَنادَوْهُ كَما يُنادى مَن يُطْلَبُ حُضُورُهُ، أوْ نَدَبُوهُ كَما يُنْدَبُ مَن يُتَحَسَّرُ عَلى فَقْدِهِ، أيْ: تَمَنَّوُا الهَلاكَ لِلِاسْتِراحَةِ مِن فَظِيعِ العَذابِ. وجُمْلَةُ (﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾) إلى آخِرِها مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يُقالُ لَهم، ووَصَفَ الثُّبُورَ بِالكَثِيرِ إمّا لِكَثْرَةِ نِدائِهِ بِالتَّكْرِيرِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثُّبُورِ؛ لِأنَّ انْتِهاءَ النِّداءِ يَكُونُ بِحُضُورِ المُنادى، أوْ هو يَأْسٌ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ التَّمَنِّي أوِ التَّحَسُّرِ.

الفرقان 25:13

﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ . تَخَلَّصَ مِنَ اليَأْسِ مِنِ اقْتِناعِهِمْ إلى وصْفِ السَّعِيرِ الَّذِي أُعِدَّ لَهم، وأُجْرِيَ عَلى السَّعِيرِ ضَمِيرُ (رَأتْهم) بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ السَّعِيرِ بِجَهَنَّمَ إذْ هو عَلَمٌ عَلَيْها بِالغَلَبَةِ كَما تَقَدَّمَ. وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى النّارِ اسْتِعارَةٌ. والمَعْنى: إذا سِيقُوا إلَيْها فَكانُوا مِنَ النّارِ بِمَكانٍ ما يَرى الرّائِي مَن وصَلَ إلَيْهِ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا مِن مَكانٍ صفحة ٣٣٣ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (رَأتْهم) رَآهم مَلائِكَتُها، أطْلَقُوا مَنافِذَها فانْطَلَقَتْ ألْسِنَتُها بِأصْواتِ اللَّهِيبِ كَأصْواتِ المُتَغَيِّظِ وزَفِيرِهِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا عَقْلِيًّا. والتَّغَيُّظُ: شِدَّةُ الغَيْظِ. والغَيْظُ: الغَضَبُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ هُنا المَوْضُوعَةُ في الأصْلِ لِتَكَلُّفِ الفِعْلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لِفِعْلٍ يَأْتِي بِهِ كَأشَدِّ ما يَكُونُ. والمُرادُ بِهِ هُنا صَوْتُ المُتَغَيِّظِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (سَمِعُوا) فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والزَّفِيرُ: امْتِدادُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ وضِيقِ الصَّدْرِ، أيْ صَوْتًا كالزَّفِيرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ إدْراكًا لِلْمَرْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ أحْوالُها عِنْدَ انْطِباعِ المَرْئِيّاتِ فِيها فَتَضْطَرِبُ وتَفِيضُ وتَتَهَيَّأُ لِالتِهامِ بَعْثِها فَتَحْصُلُ مِنها أصْواتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ حَقِيقَةً، وأُمُورُ العالَمِ الأُخْرى لا تُقاسُ عَلى الأحْوالِ المُتَعارَفَةِ في الدُّنْيا. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠])، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: يا رَبِّ، أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الصَّيْفِ ونَفَسٍ في الشِّتاءِ» رَواهُ في المُوَطَّأِ. زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «فَما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ فَذَلِكَ مِن زَمْهَرِيرِها وما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فَهو مِن سَمُومِها» . وجُعِلَ إزْجاؤُهم إلى النّارِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ زِيادَةً في النِّكايَةِ بِهِمْ؛ لِأنَّ بُعْدَ المَكانِ يَقْتَضِي زِيادَةَ المَشَقَّةِ إلى الوُصُولِ ويَقْتَضِي طُولَ الرُّعْبِ مِمّا سَمِعُوا. ووَصَفَ وُصُولَهم إلى جَهَنَّمَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ووَضْعَهم فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) فَصِيغَ نَظْمُهُ في صُورَةِ تَوْصِيفِ ضَجِيجِ أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ (﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) وأدْمَجَ في خِلالِ صفحة ٣٣٤ ذَلِكَ وصْفَ داخِلِ جَهَنَّمَ ووَصْفَ وضْعِ المُشْرِكِينَ فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾) وقَوْلِهِ: (مُقَرَّنِينَ) تَفَنُّنًا في أُسْلُوبِ الكَلامِ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهانَةِ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ضَيِّقًا) بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا) بِسُكُونِ الياءِ وكِلاهُما لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلُ: مَيِّتٍ ومَيْتٍ؛ لِأنَّ الضَّيِّقَ بِالتَّشْدِيدِ صِيغَةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، والضَّيْقَ بِالسُّكُونِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. و(مُقَرَّنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُلْقُوا) أيْ: مُقَرَّنًا بَعْضُهم في بَعْضٍ كَحالِ الأسْرى، والمَساجِينِ أنْ يُقْرَنَ عَدَدٌ مِنهم في وِثاقٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: (﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨]) . والمُقَرَّنُ: المَقْرُونُ، صِيغَتْ لَهُ مادَّةُ التَّفْعِيلِ لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ القَرْنِ. والدُّعاءُ: النِّداءُ بِأعْلى الصَّوْتِ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، أيْ نادَوْا: يا ثُبُورَنا، أوْ واثُبُوراهُ بِصِيغَةِ النُّدْبَةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَنِّي، أيْ تَمَنَّوْا حُلُولَ الهَلاكِ فَنادَوْهُ كَما يُنادى مَن يُطْلَبُ حُضُورُهُ، أوْ نَدَبُوهُ كَما يُنْدَبُ مَن يُتَحَسَّرُ عَلى فَقْدِهِ، أيْ: تَمَنَّوُا الهَلاكَ لِلِاسْتِراحَةِ مِن فَظِيعِ العَذابِ. وجُمْلَةُ (﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾) إلى آخِرِها مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يُقالُ لَهم، ووَصَفَ الثُّبُورَ بِالكَثِيرِ إمّا لِكَثْرَةِ نِدائِهِ بِالتَّكْرِيرِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثُّبُورِ؛ لِأنَّ انْتِهاءَ النِّداءِ يَكُونُ بِحُضُورِ المُنادى، أوْ هو يَأْسٌ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ التَّمَنِّي أوِ التَّحَسُّرِ.

الفرقان 25:14

﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ . تَخَلَّصَ مِنَ اليَأْسِ مِنِ اقْتِناعِهِمْ إلى وصْفِ السَّعِيرِ الَّذِي أُعِدَّ لَهم، وأُجْرِيَ عَلى السَّعِيرِ ضَمِيرُ (رَأتْهم) بِالتَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ السَّعِيرِ بِجَهَنَّمَ إذْ هو عَلَمٌ عَلَيْها بِالغَلَبَةِ كَما تَقَدَّمَ. وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى النّارِ اسْتِعارَةٌ. والمَعْنى: إذا سِيقُوا إلَيْها فَكانُوا مِنَ النّارِ بِمَكانٍ ما يَرى الرّائِي مَن وصَلَ إلَيْهِ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا مِن مَكانٍ صفحة ٣٣٣ بَعِيدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (رَأتْهم) رَآهم مَلائِكَتُها، أطْلَقُوا مَنافِذَها فانْطَلَقَتْ ألْسِنَتُها بِأصْواتِ اللَّهِيبِ كَأصْواتِ المُتَغَيِّظِ وزَفِيرِهِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلى جَهَنَّمَ مَجازًا عَقْلِيًّا. والتَّغَيُّظُ: شِدَّةُ الغَيْظِ. والغَيْظُ: الغَضَبُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَصِيغَةُ التَّفَعُّلِ هُنا المَوْضُوعَةُ في الأصْلِ لِتَكَلُّفِ الفِعْلِ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّفَ لِفِعْلٍ يَأْتِي بِهِ كَأشَدِّ ما يَكُونُ. والمُرادُ بِهِ هُنا صَوْتُ المُتَغَيِّظِ، بِقَرِينَةِ تَعَلُّقِهِ بِفِعْلِ (سَمِعُوا) فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والزَّفِيرُ: امْتِدادُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الغَيْظِ وضِيقِ الصَّدْرِ، أيْ صَوْتًا كالزَّفِيرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ أيْضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ لِجَهَنَّمَ إدْراكًا لِلْمَرْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ أحْوالُها عِنْدَ انْطِباعِ المَرْئِيّاتِ فِيها فَتَضْطَرِبُ وتَفِيضُ وتَتَهَيَّأُ لِالتِهامِ بَعْثِها فَتَحْصُلُ مِنها أصْواتُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فَيَكُونُ إسْنادُ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ حَقِيقَةً، وأُمُورُ العالَمِ الأُخْرى لا تُقاسُ عَلى الأحْوالِ المُتَعارَفَةِ في الدُّنْيا. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في القُرْآنِ والحَدِيثِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠])، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: يا رَبِّ، أكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ في الصَّيْفِ ونَفَسٍ في الشِّتاءِ» رَواهُ في المُوَطَّأِ. زادَ في رِوايَةِ مُسْلِمٍ «فَما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ البَرْدِ فَذَلِكَ مِن زَمْهَرِيرِها وما تَرَوْنَ مِن شِدَّةِ الحَرِّ فَهو مِن سَمُومِها» . وجُعِلَ إزْجاؤُهم إلى النّارِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ زِيادَةً في النِّكايَةِ بِهِمْ؛ لِأنَّ بُعْدَ المَكانِ يَقْتَضِي زِيادَةَ المَشَقَّةِ إلى الوُصُولِ ويَقْتَضِي طُولَ الرُّعْبِ مِمّا سَمِعُوا. ووَصَفَ وُصُولَهم إلى جَهَنَّمَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ووَضْعَهم فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) فَصِيغَ نَظْمُهُ في صُورَةِ تَوْصِيفِ ضَجِيجِ أهْلِ النّارِ مِن قَوْلِهِ (﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾) وأدْمَجَ في خِلالِ صفحة ٣٣٤ ذَلِكَ وصْفَ داخِلِ جَهَنَّمَ ووَصْفَ وضْعِ المُشْرِكِينَ فِيها بِقَوْلِهِ: (﴿مَكانًا ضَيِّقًا﴾) وقَوْلِهِ: (مُقَرَّنِينَ) تَفَنُّنًا في أُسْلُوبِ الكَلامِ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهانَةِ. وانْتَصَبَ (مَكانًا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: في مَكانٍ ضَيِّقٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ضَيِّقًا) بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ضَيْقًا) بِسُكُونِ الياءِ وكِلاهُما لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلُ: مَيِّتٍ ومَيْتٍ؛ لِأنَّ الضَّيِّقَ بِالتَّشْدِيدِ صِيغَةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنَ المَوْصُوفِ، والضَّيْقَ بِالسُّكُونِ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ. و(مُقَرَّنِينَ) حالٌ مِن ضَمِيرِ (أُلْقُوا) أيْ: مُقَرَّنًا بَعْضُهم في بَعْضٍ كَحالِ الأسْرى، والمَساجِينِ أنْ يُقْرَنَ عَدَدٌ مِنهم في وِثاقٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: (﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨]) . والمُقَرَّنُ: المَقْرُونُ، صِيغَتْ لَهُ مادَّةُ التَّفْعِيلِ لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ القَرْنِ. والدُّعاءُ: النِّداءُ بِأعْلى الصَّوْتِ، والثُّبُورُ: الهَلاكُ، أيْ نادَوْا: يا ثُبُورَنا، أوْ واثُبُوراهُ بِصِيغَةِ النُّدْبَةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَنِّي، أيْ تَمَنَّوْا حُلُولَ الهَلاكِ فَنادَوْهُ كَما يُنادى مَن يُطْلَبُ حُضُورُهُ، أوْ نَدَبُوهُ كَما يُنْدَبُ مَن يُتَحَسَّرُ عَلى فَقْدِهِ، أيْ: تَمَنَّوُا الهَلاكَ لِلِاسْتِراحَةِ مِن فَظِيعِ العَذابِ. وجُمْلَةُ (﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾) إلى آخِرِها مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ يُقالُ لَهم، ووَصَفَ الثُّبُورَ بِالكَثِيرِ إمّا لِكَثْرَةِ نِدائِهِ بِالتَّكْرِيرِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ حُصُولِ الثُّبُورِ؛ لِأنَّ انْتِهاءَ النِّداءِ يَكُونُ بِحُضُورِ المُنادى، أوْ هو يَأْسٌ يَقْتَضِي تَكْرِيرَ التَّمَنِّي أوِ التَّحَسُّرِ.

الفرقان 25:15

﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ . صفحة ٣٣٥ الأمْرُ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي مُخاطَبًا مَقُولًا لَهُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لَهم، أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ السّابِقَ: أذَلِكَ خَيْرٌ أمِ الجَنَّةُ ؟ فالجُمَلُ مُتَّصِلَةُ السِّياقِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّهَكُّمِ؛ إذْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ خَيْرًا. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ الوَعِيدِ لِمُناسَبَةِ إبْداءِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْلِيحِ والتَّلَطُّفِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: (﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢]) في سُورَةِ الصّافّاتِ. والإشارَةُ إلى المَكانِ الضَّيِّقِ في جَهَنَّمَ. و(خَيْرٌ) اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأصْلُهُ أخْيَرُ بِوَزْنِ اسْمِ التَّفْضِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. والتَّفْضِيلُ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّمْلِيحِ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ. ووَصْفُ المَوْعُودِينَ بِأنَّهم مُتَّقُونَ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي جارٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوتى بِضَمِيرِ الخِطابِ، فَوَجْهُ العُدُولِ إلى الإظْهارِ ما يُفِيدُهُ (المُتَّقُونَ) مِنَ العُمُومِ لِلْمُخاطَبِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم. وجُمْلَةُ (﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾) لِما فِيها مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الجَنَّةِ بِتَنْكِيرِ (جَزاءً ومَصِيرًا) مَعَ الإيماءِ إلى أنَّهم وُعِدُوا بِها وعْدَ مُجازاةٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]) وقَوْلُهُ: (بِيسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا) في سُورَةِ الكَهْفِ. وجُمْلَةُ (﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾) )، حالٌ مِن (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾)، أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وجُمْلَةُ (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾) حالٌ ثانِيَةٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ إذِ التَّقْدِيرُ: وعْدًا لَهم. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا﴾) عائِدٌ إمّا إلى الوَعْدِ المَفْهُومِ صفحة ٣٣٦ مِن قَوْلِهِ: (﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾)، أيْ: كانَ الوَعْدُ وعْدًا مَسْئُولًا. وأخْبَرَ عَنِ الوَعْدِ بِـ (وعْدًا) وهو عَيْنُهُ لِيُبْنى عَلَيْهِ (مَسْئُولًا) . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى (ما يَشاءُونَ)، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (وعْدًا) مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ والمُرادُ المَفْعُولُ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. ويَتَعَلَّقُ (عَلى رَبِّك) بِـ (وعْدًا) لِتَضْمِينِ (وعْدًا) مَعْنى (حَقًّا) لِإفادَةِ أنَّهُ (وعْدًا) لا يُخْلَفُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) . والمَسْئُولُ: الَّذِي يَسْألُهُ مُسْتَحِقُّهُ ويُطالِبُ بِهِ، أيْ حَقًّا لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَتَرَقَّبُوا حُصُولَهُ كَأنَّهُ أجْرٌ لَهم عَنْ عَمَلٍ. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ والكَرَمِ كَما يَشْكُرُكَ شاكِرٌ عَلى إحْسانٍ فَتَقُولُ: ما أتَيْتُ إلّا واجِبًا؛ إذْ لا يَتَبادَرُ هُنا غَيْرُ هَذا المَعْنى؛ إذْ لا مَعْنى لِلْوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى سِوى أنَّهُ تَفَضُّلٌ وتَعَهُّدٌ بِهِ، ولا يَخْتَلِفُ في هَذا أهْلُ المِلَّةِ وإنَّما اخْتَلَفُوا في جَوازِ إخْلافِ الوَعْدِ.

الفرقان 25:16

﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾ . صفحة ٣٣٥ الأمْرُ بِالقَوْلِ يَقْتَضِي مُخاطَبًا مَقُولًا لَهُ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لَهم، أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الوَعِيدَ والتَّهْدِيدَ السّابِقَ: أذَلِكَ خَيْرٌ أمِ الجَنَّةُ ؟ فالجُمَلُ مُتَّصِلَةُ السِّياقِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّهَكُّمِ؛ إذْ لا شُبْهَةَ في كَوْنِ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ خَيْرًا. ويَجُوزُ أنْ يَقْصِدَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ آياتِ الوَعِيدِ لِمُناسَبَةِ إبْداءِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ وحالِ المُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْلِيحِ والتَّلَطُّفِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: (﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢]) في سُورَةِ الصّافّاتِ. والإشارَةُ إلى المَكانِ الضَّيِّقِ في جَهَنَّمَ. و(خَيْرٌ) اسْمُ تَفْضِيلٍ، وأصْلُهُ أخْيَرُ بِوَزْنِ اسْمِ التَّفْضِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. والتَّفْضِيلُ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ في مَوْقِعِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّمْلِيحِ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ. ووَصْفُ المَوْعُودِينَ بِأنَّهم مُتَّقُونَ عَلى المَحْمِلِ الأوَّلِ جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وعَلى المَحْمِلِ الثّانِي جارٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُوتى بِضَمِيرِ الخِطابِ، فَوَجْهُ العُدُولِ إلى الإظْهارِ ما يُفِيدُهُ (المُتَّقُونَ) مِنَ العُمُومِ لِلْمُخاطَبِينَ ومَن يَجِيءُ بَعْدَهم. وجُمْلَةُ (﴿كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾) لِما فِيها مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الجَنَّةِ بِتَنْكِيرِ (جَزاءً ومَصِيرًا) مَعَ الإيماءِ إلى أنَّهم وُعِدُوا بِها وعْدَ مُجازاةٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٣١]) وقَوْلُهُ: (بِيسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا) في سُورَةِ الكَهْفِ. وجُمْلَةُ (﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾) )، حالٌ مِن (﴿جَنَّةُ الخُلْدِ﴾)، أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ. وجُمْلَةُ (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾) حالٌ ثانِيَةٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ إذِ التَّقْدِيرُ: وعْدًا لَهم. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا﴾) عائِدٌ إمّا إلى الوَعْدِ المَفْهُومِ صفحة ٣٣٦ مِن قَوْلِهِ: (﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾)، أيْ: كانَ الوَعْدُ وعْدًا مَسْئُولًا. وأخْبَرَ عَنِ الوَعْدِ بِـ (وعْدًا) وهو عَيْنُهُ لِيُبْنى عَلَيْهِ (مَسْئُولًا) . ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى (ما يَشاءُونَ)، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (وعْدًا) مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ والمُرادُ المَفْعُولُ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. ويَتَعَلَّقُ (عَلى رَبِّك) بِـ (وعْدًا) لِتَضْمِينِ (وعْدًا) مَعْنى (حَقًّا) لِإفادَةِ أنَّهُ (وعْدًا) لا يُخْلَفُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) . والمَسْئُولُ: الَّذِي يَسْألُهُ مُسْتَحِقُّهُ ويُطالِبُ بِهِ، أيْ حَقًّا لِلْمُتَّقِينَ أنْ يَتَرَقَّبُوا حُصُولَهُ كَأنَّهُ أجْرٌ لَهم عَنْ عَمَلٍ. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ الوَعْدِ والكَرَمِ كَما يَشْكُرُكَ شاكِرٌ عَلى إحْسانٍ فَتَقُولُ: ما أتَيْتُ إلّا واجِبًا؛ إذْ لا يَتَبادَرُ هُنا غَيْرُ هَذا المَعْنى؛ إذْ لا مَعْنى لِلْوُجُوبِ عَلى اللَّهِ تَعالى سِوى أنَّهُ تَفَضُّلٌ وتَعَهُّدٌ بِهِ، ولا يَخْتَلِفُ في هَذا أهْلُ المِلَّةِ وإنَّما اخْتَلَفُوا في جَوازِ إخْلافِ الوَعْدِ.

الفرقان 25:17

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ عُطِفَ (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾) إمّا عَلى جُمْلَةِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥]) إنْ كانَ المُرادُ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]) عَلى جَوازِ أنَّ المُرادَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فانْتِصابُ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ صفحة ٣٣٧ مَعْلُومٍ في سِياقِ أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَهم بِالسَّعِيرِ وما يُلاقُونَ مِن هَوْلِها بَيَّنَ لَهم حالَ ما قَبْلَ ذَلِكَ وهو حالُهم في الحَشْرِ مَعَ أصْنامِهِمْ. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الهَوْلِ لَهم في المَحْشَرِ إذْ يُشاهِدُونَ خَيْبَةَ آمالِهِمْ في آلِهَتِهِمْ؛ إذْ يَرَوْنَ حَقارَتَها بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وتَبَرُّؤَها مِن عُبّادِها، وشَهادَتَها عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، وإذْ يَسْمَعُونَ تَكْذِيبَ مَن عَبَدُوهم مِنَ العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ، ونَسَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهم أمَرُوهم بِالضَّلالاتِ. وعُمُومُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما يَعْبُدُونَ﴾) شامِلٌ لِأصْنافِ المَعْبُوداتِ الَّتِي عَبَدُوها ولِذَلِكَ أُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ؛ لِأنَّها تَصْدُقُ عَلى العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ. عَلى أنَّ التَّغْلِيبَ هُنا لِغَيْرِ العُقَلاءِ. والخِطابُ في (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ﴾) لِلْعُقَلاءِ بِقَرِينَةِ تَوْجِيهِ الخِطابِ. فَجُمْلَةُ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾) جَوابٌ عَنْ سُؤالِ اللَّهِ إيّاهم: (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾)، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ و(يَقُولُ) بِالياءِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (يَحْشُرُهم - ويَقُولُ) كِلَيْهِما بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (نَحْشُرُهم - ونَقُولُ) كِلَيْهِما بِالنُّونِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ لِلِاسْتِنْطاقِ والِاسْتِشْهادِ. والمَعْنى: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمُوهم أمْ ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم ؟ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. وأخْبَرَ بِفِعْلِ (أضْلَلْتُمْ) عَنْ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المُنْفَصِلِ وبِفِعْلِ (ضَلُّوا) عَنْ ضَمِيرِ الغائِبِينَ المُنْفَصِلِ لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِما عَلى الخَبَرَيْنِ الفِعْلِيَّيْنِ تَقَوِّي الحُكْمِ المُقَرَّرِ بِهِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم لا مَناصَ لَهم مِنَ الإقْرارِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ وأنَّ أحَدَهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ. فالمَقْصُودُ بِالتَّقْوِيَةِ هو مُعادِلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) . صفحة ٣٣٨ والمُجِيبُونَ هُمُ العُقَلاءُ مِنَ المَعْبُودِينَ: المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَوْلُهم (سُبْحانَكَ) كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ كُنِّيَ بِها عَنِ التَّعَجُّبِ مِن قَوْلٍ فَظِيعٍ، كَقَوْلِ الأعْشى: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ (﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) . واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ ضَمِيرِ (نَحْشُرُهم) أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَرَّعَتْهُمُ الآيَةُ بِالوَعِيدِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]) إلى قَوْلِهِ: (مَسْحُورًا)؛ لَكِنْ ما يَقْتَضِيهِ وصْفُهم بِـ (الظّالِمُونَ) والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ﴾ [الفرقان: ١١]) مِن شُمُولِ كُلِّ مَن تَحَقَّقَ فِيهِ مَضْمُونُ الصِّلَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (نَحْشُرُهم) عائِدًا إلى (مَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ) فَيَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ ومَنِ انْقَرَضَ مِنهم بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَن سَيَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ. ووَصْفُ العِبادِ هُنا تَسْجِيلٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِالعُبُودِيَّةِ وتَعْرِيضٌ بِكُفْرانِهِمْ حَقَّها. والإشارَةُ إلَيْهِمْ لِتَمْيِيزِهِمْ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ العِبادِ. وهَذا أصْلٌ في أداءِ الشَّهادَةِ عَلى عَيْنِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ لَدى القاضِي. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ في الأصْنامِ نُطْقًا يَسْمَعُهُ عَبَدَتُها، أمّا غَيْرُ الأصْنامِ مِمَّنْ عُبِدَ مِنَ العُقَلاءِ فالقَوْلُ فِيهِمْ ظاهِرٌ. وإعادَةُ فِعْلِ (ضَلُّوا) في قَوْلِهِ: (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) لِيَجْرِيَ عَلى ضَمِيرِهِمْ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ فَيُفِيدُ التَّقَوِّيَ في نِسْبَةِ الضَّلالِ إلَيْهِمْ. والمَعْنى: أمْ هم ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم. وحَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى بِـ (عَنْ) ولَكِنَّهُ عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (أخْطَئُوا)، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. و (سُبْحانَكَ) تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في مَقامِ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ أنْ يَدَّعُوا لِأنْفُسِهِمْ مُشارَكَتَهُ في الإلَهِيَّةِ. صفحة ٣٣٩ ومَعْنى (﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾) ما يُطاوِعُنا طَلَبُ أنْ نَتَّخِذَ عَبَدَةً؛ لِأنَّ (انْبَغى) مُطاوِعُ (بَغاهُ) إذا طَلَبَهُ. فالمَعْنى: لا يُمْكِنُ لَنا اتِّخاذُنا أوْلِياءَ، أيْ عِبادًا، قالَ تَعالى: (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ طَلَبِهِمْ هَذا الِاتِّخاذَ انْتِفاءً شَدِيدًا، أيْ نَتَبَرَّأُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ نَفْيَ (كانَ) وجَعْلَ المَطْلُوبِ نَفْيُهُ خَبَرًا عَنْ (كانَ) أقْوى في النَّفْيِ ولِذَلِكَ يُسَمّى جُحُودًا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَتِهِ، أيْ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَنا فَكَيْفَ نُحاوِلُهُ. و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِكَ) لِلِابْتِداءِ؛ لِأنَّ أصْلَ (دُونَ) أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ يُضافُ إلَيْهِ (دُونَ) نَحْوُ: جَلَسْتُ دُونَ، أيْ دُونَ مَكانِهِ، فَمَوْقِعُ (مِن) هُنا مَوْقِعُ الحالِ مِن (أوْلِياءَ) . وأصْلُها صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) فَلَمّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ عَلى المَوْصُوفِ صارَتْ حالًا. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ أوْلِياءَ لَنا مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم مِن جانِبٍ دُونَ جانِبِكَ، أيْ أنَّهم لا يَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَهم يُشْرِكُونَ مَعَكَ في الإلَهِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ: أنَّ (مِن) هُنا زائِدَةٌ. وأجازَ زِيادَةَ (مِن) في المَفْعُولِ. و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن أوْلِياءَ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيِ اسْتِغْراقِهِ؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ. والأوْلِياءُ: جَمْعُ الوَلِيِّ بِمَعْنى التّابِعِ في الوَلاءِ فَإنَّ الوَلِيَّ يُرادِفُ المَوْلى فَيَصْدُقُ عَلى كِلا طَرَفَيِ الوَلاءِ، أيْ عَلى السَّيِّدِ والعَبْدِ، أوِ النّاصِرِ والمَنصُورِ. والمُرادُ هُنا: الوَلِيُّ التّابِعُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ لا نَطْلُبُ مِنَ النّاسِ أنْ يَكُونُوا عابِدِينَ لَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَتَّخِذُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (نُتَّخَذَ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ أنْ يَتَّخِذَنا النّاسُ أوْلِياءَ لَهم مِن دُونِكَ. فَمَوْقِعُ (مِن دُونِكَ) مَوْقِعُ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نُتَّخَذَ) . والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَدْعُوا النّاسَ لِعِبادَتِهِمْ، وهَذا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينَ عَبَدُوهم صفحة ٣٤٠ ونَسَبُوا إلَيْهِمْ مُوالاتَهم. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ مَن يُوالِينا دُونَكَ، أيْ مَن يَعْبُدُنا دُونَكَ. والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ (لَكِنْ) ناشِئٌ عَنِ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُضِلِّينَ لَهم بِتَعْقِيبِهِ بِبَيانِ سَبَبِ ضَلالِهِمْ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ تَبْرِئَةَ أنْفُسِهِمْ مِن إضْلالِهِمْ يَرْفَعُ تَبِعَةَ الضَّلالِ عَنِ الضّالِّينَ. والمَقْصُودُ بِالِاسْتِدْراكِ ما بَعْدَ (حَتّى) وهو (﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾)، وأمّا ما قَبْلَها فَقَدْ أُدْمِجَ بَيْنَ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ومَدْخُولِهِ ما يُسَجِّلُ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم قابَلُوا رَحْمَةَ اللَّهِ ونِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ بِالكُفْرانِ، فالخَبَرُ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ مَتَّعَ الضّالِّينَ وآباءَهم مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ، وفي الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ مُقابَلَةَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ نِسْيانَهُمُ الذِّكْرَ غايَةً لِلتَّمْتِيعِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ أفْضى إلى الكُفْرانِ لِخُبْثِ نُفُوسِهِمْ فَهو كَجَوْدٍ في أرْضٍ سَبِخَةٍ، قالَ تَعالى: (﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]) . والتَّعَرُّضُ إلى تَمْتِيعِ آبائِهِمْ هُنا مَعَ أنَّ نِسْيانَ الذِّكْرِ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ونَسُوا الذِّكْرَ، أيْ: القُرْآنَ، هو زِيادَةُ تَعْظِيمِ نِعْمَةِ التَّمْتِيعِ عَلَيْهِمْ بِأنَّها نِعْمَةٌ مُتَأثِّلَةٌ تَلِيدَةٌ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَدِ انْجَرَّ لَهم مِن آبائِهِمُ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَناعَةِ الإشْراكِ ولَوْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ . وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (نَسُوا) وضَمِيرَ (كانُوا) عائِدانِ إلى الظّالِمِينَ المُكَذِّبِينَ بِالإسْلامِ دُونَ آبائِهِمْ؛ لِأنَّ الآباءَ لَمْ يَسْمَعُوا الذِّكْرَ. والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ عَنْ عَمْدٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّهُ إعْراضٌ يُشْبِهُ النِّسْيانَ في كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والذِّكْرُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يَتَذَكَّرُ بِهِ الحَقَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٤١ (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والبُورُ: جَمْعُ بائِرٍ كالعُوذِ جَمْعِ عائِذٍ، والبائِرُ: هو الَّذِي أصابَهُ البَوارُ، أيِ الهَلاكُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]) أيِ المَوْتِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ البَوْرُ لِشِدَّةِ سُوءِ الحالَةِ بِناءً عَلى العُرْفِ الَّذِي يَعُدُّ الهَلاكَ آخِرَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الحَيُّ مِن سُوءِ الحالِ كَما قالَ تَعالى: (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢])، أيْ سُوءُ حالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ وهم عَنْهُ غافِلُونَ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ في لُغَةِ الأزْدِ، وأنَّهُ وما اشْتُقَّ مِنهُ مِمّا جاءَ في القُرْآنِ بِغَيْرِ لُغَةِ مُضَرَ. واجْتِلابُ فِعْلِ (كانَ) وبِناءُ (بُورًا) عَلى (قَوْمًا) دُونَ أنْ يُقالَ: حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وبارُوا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ البَوارِ مِنهم بِما تَقْتَضِيهِ (كانَ) مَن تَمَكُّنِ مَعْنى الخَبَرِ، وما يَقْتَضِيهِ (قَوْمًا) مِن كَوْنِ البَوارِ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الفرقان 25:18

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ عُطِفَ (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾) إمّا عَلى جُمْلَةِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥]) إنْ كانَ المُرادُ: قُلْ لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١]) عَلى جَوازِ أنَّ المُرادَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فانْتِصابُ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ صفحة ٣٣٧ مَعْلُومٍ في سِياقِ أمْثالِهِ، تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَوَعَّدَهم بِالسَّعِيرِ وما يُلاقُونَ مِن هَوْلِها بَيَّنَ لَهم حالَ ما قَبْلَ ذَلِكَ وهو حالُهم في الحَشْرِ مَعَ أصْنامِهِمْ. وهَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الهَوْلِ لَهم في المَحْشَرِ إذْ يُشاهِدُونَ خَيْبَةَ آمالِهِمْ في آلِهَتِهِمْ؛ إذْ يَرَوْنَ حَقارَتَها بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وتَبَرُّؤَها مِن عُبّادِها، وشَهادَتَها عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِهِمْ نِعْمَةَ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، وإذْ يَسْمَعُونَ تَكْذِيبَ مَن عَبَدُوهم مِنَ العُقَلاءِ مِنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ والجِنِّ، ونَسَبُوا إلَيْهِمْ أنَّهم أمَرُوهم بِالضَّلالاتِ. وعُمُومُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما يَعْبُدُونَ﴾) شامِلٌ لِأصْنافِ المَعْبُوداتِ الَّتِي عَبَدُوها ولِذَلِكَ أُوثِرَتْ (ما) المَوْصُولَةُ؛ لِأنَّها تَصْدُقُ عَلى العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ. عَلى أنَّ التَّغْلِيبَ هُنا لِغَيْرِ العُقَلاءِ. والخِطابُ في (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ﴾) لِلْعُقَلاءِ بِقَرِينَةِ تَوْجِيهِ الخِطابِ. فَجُمْلَةُ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ﴾) جَوابٌ عَنْ سُؤالِ اللَّهِ إيّاهم: (﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾)، فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ (يَوْمَ نَحْشُرُهم) ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم) بِالنُّونِ و(يَقُولُ) بِالياءِ فَفِيهِ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (يَحْشُرُهم - ويَقُولُ) كِلَيْهِما بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (نَحْشُرُهم - ونَقُولُ) كِلَيْهِما بِالنُّونِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ لِلِاسْتِنْطاقِ والِاسْتِشْهادِ. والمَعْنى: أأنْتُمْ أضْلَلْتُمُوهم أمْ ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم ؟ فَفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. وأخْبَرَ بِفِعْلِ (أضْلَلْتُمْ) عَنْ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ المُنْفَصِلِ وبِفِعْلِ (ضَلُّوا) عَنْ ضَمِيرِ الغائِبِينَ المُنْفَصِلِ لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِما عَلى الخَبَرَيْنِ الفِعْلِيَّيْنِ تَقَوِّي الحُكْمِ المُقَرَّرِ بِهِ لِإشْعارِهِمْ بِأنَّهم لا مَناصَ لَهم مِنَ الإقْرارِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ وأنَّ أحَدَهم مُحَقَّقُ الوُقُوعِ لا مَحالَةَ. فالمَقْصُودُ بِالتَّقْوِيَةِ هو مُعادِلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهو (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) . صفحة ٣٣٨ والمُجِيبُونَ هُمُ العُقَلاءُ مِنَ المَعْبُودِينَ: المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَوْلُهم (سُبْحانَكَ) كَلِمَةُ تَنْزِيهٍ كُنِّيَ بِها عَنِ التَّعَجُّبِ مِن قَوْلٍ فَظِيعٍ، كَقَوْلِ الأعْشى: قَدْ قُلْتُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ (﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]) . واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ ضَمِيرِ (نَحْشُرُهم) أنْ يَعُودَ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَرَّعَتْهُمُ الآيَةُ بِالوَعِيدِ وهُمُ الَّذِينَ قالُوا (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]) إلى قَوْلِهِ: (مَسْحُورًا)؛ لَكِنْ ما يَقْتَضِيهِ وصْفُهم بِـ (الظّالِمُونَ) والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ﴾ [الفرقان: ١١]) مِن شُمُولِ كُلِّ مَن تَحَقَّقَ فِيهِ مَضْمُونُ الصِّلَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (نَحْشُرُهم) عائِدًا إلى (مَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ) فَيَشْمَلُ المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ ومَنِ انْقَرَضَ مِنهم بَعْدَ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ ومَن سَيَأْتِي بَعْدَهم مِنَ المُشْرِكِينَ. ووَصْفُ العِبادِ هُنا تَسْجِيلٌ عَلى المُشْرِكِينَ بِالعُبُودِيَّةِ وتَعْرِيضٌ بِكُفْرانِهِمْ حَقَّها. والإشارَةُ إلَيْهِمْ لِتَمْيِيزِهِمْ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ العِبادِ. وهَذا أصْلٌ في أداءِ الشَّهادَةِ عَلى عَيْنِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ لَدى القاضِي. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ في الأصْنامِ نُطْقًا يَسْمَعُهُ عَبَدَتُها، أمّا غَيْرُ الأصْنامِ مِمَّنْ عُبِدَ مِنَ العُقَلاءِ فالقَوْلُ فِيهِمْ ظاهِرٌ. وإعادَةُ فِعْلِ (ضَلُّوا) في قَوْلِهِ: (﴿أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾) لِيَجْرِيَ عَلى ضَمِيرِهِمْ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ فَيُفِيدُ التَّقَوِّيَ في نِسْبَةِ الضَّلالِ إلَيْهِمْ. والمَعْنى: أمْ هم ضَلُّوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ دُونَ تَضْلِيلٍ مِنكم. وحَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى بِـ (عَنْ) ولَكِنَّهُ عُدِّيَ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى (أخْطَئُوا)، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. و (سُبْحانَكَ) تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في مَقامِ الِاعْتِرافِ بِأنَّهم يُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ أنْ يَدَّعُوا لِأنْفُسِهِمْ مُشارَكَتَهُ في الإلَهِيَّةِ. صفحة ٣٣٩ ومَعْنى (﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا﴾) ما يُطاوِعُنا طَلَبُ أنْ نَتَّخِذَ عَبَدَةً؛ لِأنَّ (انْبَغى) مُطاوِعُ (بَغاهُ) إذا طَلَبَهُ. فالمَعْنى: لا يُمْكِنُ لَنا اتِّخاذُنا أوْلِياءَ، أيْ عِبادًا، قالَ تَعالى: (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) . وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ طَلَبِهِمْ هَذا الِاتِّخاذَ انْتِفاءً شَدِيدًا، أيْ نَتَبَرَّأُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ نَفْيَ (كانَ) وجَعْلَ المَطْلُوبِ نَفْيُهُ خَبَرًا عَنْ (كانَ) أقْوى في النَّفْيِ ولِذَلِكَ يُسَمّى جُحُودًا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ فائِدَتِهِ، أيْ نَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَنا فَكَيْفَ نُحاوِلُهُ. و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن دُونِكَ) لِلِابْتِداءِ؛ لِأنَّ أصْلَ (دُونَ) أنَّهُ اسْمٌ لِلْمَكانِ، ويُقَدَّرُ مُضافٌ مَحْذُوفٌ يُضافُ إلَيْهِ (دُونَ) نَحْوُ: جَلَسْتُ دُونَ، أيْ دُونَ مَكانِهِ، فَمَوْقِعُ (مِن) هُنا مَوْقِعُ الحالِ مِن (أوْلِياءَ) . وأصْلُها صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) فَلَمّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ عَلى المَوْصُوفِ صارَتْ حالًا. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ أوْلِياءَ لَنا مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم مِن جانِبٍ دُونَ جانِبِكَ، أيْ أنَّهم لا يَعْتَرِفُونَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَهم يُشْرِكُونَ مَعَكَ في الإلَهِيَّةِ. وعَنِ ابْنِ جِنِّيٍّ: أنَّ (مِن) هُنا زائِدَةٌ. وأجازَ زِيادَةَ (مِن) في المَفْعُولِ. و (مِن) في قَوْلِهِ (مِن أوْلِياءَ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ عُمُومِ النَّفْيِ، أيِ اسْتِغْراقِهِ؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ. والأوْلِياءُ: جَمْعُ الوَلِيِّ بِمَعْنى التّابِعِ في الوَلاءِ فَإنَّ الوَلِيَّ يُرادِفُ المَوْلى فَيَصْدُقُ عَلى كِلا طَرَفَيِ الوَلاءِ، أيْ عَلى السَّيِّدِ والعَبْدِ، أوِ النّاصِرِ والمَنصُورِ. والمُرادُ هُنا: الوَلِيُّ التّابِعُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، أيْ لا نَطْلُبُ مِنَ النّاسِ أنْ يَكُونُوا عابِدِينَ لَنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَتَّخِذُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (نُتَّخَذَ) بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ أنْ يَتَّخِذَنا النّاسُ أوْلِياءَ لَهم مِن دُونِكَ. فَمَوْقِعُ (مِن دُونِكَ) مَوْقِعُ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نُتَّخَذَ) . والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَدْعُوا النّاسَ لِعِبادَتِهِمْ، وهَذا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينَ عَبَدُوهم صفحة ٣٤٠ ونَسَبُوا إلَيْهِمْ مُوالاتَهم. والمَعْنى: لا نَتَّخِذُ مَن يُوالِينا دُونَكَ، أيْ مَن يَعْبُدُنا دُونَكَ. والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ (لَكِنْ) ناشِئٌ عَنِ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُضِلِّينَ لَهم بِتَعْقِيبِهِ بِبَيانِ سَبَبِ ضَلالِهِمْ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ تَبْرِئَةَ أنْفُسِهِمْ مِن إضْلالِهِمْ يَرْفَعُ تَبِعَةَ الضَّلالِ عَنِ الضّالِّينَ. والمَقْصُودُ بِالِاسْتِدْراكِ ما بَعْدَ (حَتّى) وهو (﴿نَسُوا الذِّكْرَ﴾)، وأمّا ما قَبْلَها فَقَدْ أُدْمِجَ بَيْنَ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ ومَدْخُولِهِ ما يُسَجِّلُ عَلَيْهِمْ فَظاعَةَ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم قابَلُوا رَحْمَةَ اللَّهِ ونِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ بِالكُفْرانِ، فالخَبَرُ عَنِ اللَّهِ بِأنَّهُ مَتَّعَ الضّالِّينَ وآباءَهم مُسْتَعْمَلٌ في الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِسَعَةِ الرَّحْمَةِ، وفي الإنْكارِ عَلى المُشْرِكِينَ مُقابَلَةَ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ. وجَعَلَ نِسْيانَهُمُ الذِّكْرَ غايَةً لِلتَّمْتِيعِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّمْتِيعَ أفْضى إلى الكُفْرانِ لِخُبْثِ نُفُوسِهِمْ فَهو كَجَوْدٍ في أرْضٍ سَبِخَةٍ، قالَ تَعالى: (﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]) . والتَّعَرُّضُ إلى تَمْتِيعِ آبائِهِمْ هُنا مَعَ أنَّ نِسْيانَ الذِّكْرِ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ المُحَمَّدِيَّةُ ونَسُوا الذِّكْرَ، أيْ: القُرْآنَ، هو زِيادَةُ تَعْظِيمِ نِعْمَةِ التَّمْتِيعِ عَلَيْهِمْ بِأنَّها نِعْمَةٌ مُتَأثِّلَةٌ تَلِيدَةٌ، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ قَدِ انْجَرَّ لَهم مِن آبائِهِمُ الَّذِينَ سَنُّوا لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَناعَةِ الإشْراكِ ولَوْ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ . وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (نَسُوا) وضَمِيرَ (كانُوا) عائِدانِ إلى الظّالِمِينَ المُكَذِّبِينَ بِالإسْلامِ دُونَ آبائِهِمْ؛ لِأنَّ الآباءَ لَمْ يَسْمَعُوا الذِّكْرَ. والنِّسْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في الإعْراضِ عَنْ عَمْدٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّهُ إعْراضٌ يُشْبِهُ النِّسْيانَ في كَوْنِهِ عَنْ غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والذِّكْرُ: القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يَتَذَكَّرُ بِهِ الحَقَّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: صفحة ٣٤١ (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والبُورُ: جَمْعُ بائِرٍ كالعُوذِ جَمْعِ عائِذٍ، والبائِرُ: هو الَّذِي أصابَهُ البَوارُ، أيِ الهَلاكُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]) أيِ المَوْتِ. وقَدِ اسْتُعِيرَ البَوْرُ لِشِدَّةِ سُوءِ الحالَةِ بِناءً عَلى العُرْفِ الَّذِي يَعُدُّ الهَلاكَ آخِرَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الحَيُّ مِن سُوءِ الحالِ كَما قالَ تَعالى: (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢])، أيْ سُوءُ حالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ وهم عَنْهُ غافِلُونَ. وقِيلَ: البَوارُ الفَسادُ في لُغَةِ الأزْدِ، وأنَّهُ وما اشْتُقَّ مِنهُ مِمّا جاءَ في القُرْآنِ بِغَيْرِ لُغَةِ مُضَرَ. واجْتِلابُ فِعْلِ (كانَ) وبِناءُ (بُورًا) عَلى (قَوْمًا) دُونَ أنْ يُقالَ: حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وبارُوا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ البَوارِ مِنهم بِما تَقْتَضِيهِ (كانَ) مَن تَمَكُّنِ مَعْنى الخَبَرِ، وما يَقْتَضِيهِ (قَوْمًا) مِن كَوْنِ البَوارِ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الفرقان 25:19

﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾ . الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ إفْصاحٌ عَنْ حُجَّةٍ بَعْدَ تَهْيِئَةِ ما يَقْتَضِيها، وهو إفْصاحٌ رائِعٌ وزادَهُ الِالتِفاتُ في قَوْلِهِ: (كَذَّبُوكم) . وفِي الكَلامِ حَذْفُ فِعْلِ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ قُلْتُمْ: هَؤُلاءِ آلِهَتُنا فَقَدْ كَذَّبُوكم، وقَدْ جاءَ التَّصْرِيحُ بِما يَدُلُّ عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ. قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسَـانَـا أيْ: إنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ جِئْنا خُراسانَ. وفي حَذْفِ فِعْلِ القَوْلِ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِحْضارٌ لِصُورَةِ المَقامِ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ غَيْرُ مَحْكِيٍّ، وكَأنَّ السّامِعَ آخِرَ الآيَةِ قَدْ سَمِعَ لِهَذِهِ المُحاوَرَةِ مُباشَرَةً دُونَ حِكايَةٍ فَقَرَعَ سَمْعَهُ شَهادَةُ الأصْنامِ عَلَيْهِمْ صفحة ٣٤٢ ثُمَّ قَرَعَ سَمْعَهُ تُوَجُّهُ خِطابِ التَّكْذِيبِ إلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ، وهو تَفَنُّنٌ بَدِيعٌ في الحِكايَةِ يَعْتَمِدُ عَلى تَخْيِيلِ المَحْكِيِّ واقِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]) . فَجُمْلَةُ (﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾) إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ هو إقْبالٌ عَلى خِطابِ الحاضِرِينَ، وهو ضَرْبٌ مِنَ الِالتِفاتِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]) بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ [يوسف: ٢٩]) . والباءُ في قَوْلِهِ (بِما تَقُولُونَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ كَذَّبُوكم تَكْذِيبًا واقِعًا فِيما تَقُولُونَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ كَذَّبُوكم بِسَبَبِ ما تَقُولُونَ. و (ما) مَوْصُولَةٌ. والَّذِي قالُوهُ هو ما يُسْتَفادُ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ، وهو أنَّهم قالُوا إنَّهم دَعَوْهم إلى أنْ يَعْبُدُوهم. وفُرِّعَ عَلى الإعْلانِ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم تَأْيِيسُهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ؛ إذْ بَيَّنَ لَهم أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا؛ أيْ: صَرْفَ ضُرٍّ عَنْهم، ولا نَصْرًا؛ أيْ: إلْحاقَ ضُرٍّ بِمَن يَغْلِبُهم. ووَجْهُ التَّفْرِيعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: (سُبْحانَكَ) الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهم في مَوْقِفِ العُبُودِيَّةِ والخُضُوعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَسْتَطِيعُونَ) بِياءِ الغائِبِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ مِن دُونِ اللَّهِ. * * * (﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾) . تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَشْمَلُ عُمُومُهُ جَمِيعَ النّاسِ، ويَكُونُ خِطابُ (مِنكم) لِجَمِيعِ المُكَلَّفِينَ. ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم مُعَذَّبُونَ عَذابًا كَبِيرًا: والعَذابُ الكَبِيرُ هو عَذابُ جَهَنَّمَ.

الفرقان 25:20

﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ . صفحة ٣٤٣ هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: (﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٨]) بِقَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠])، ولَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم: (﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ﴾ [الفرقان: ٨]) حالَةً لَمْ تُعْطَ لِلرُّسُلِ في الدُّنْيا كانَ رَدُّ قَوْلِهِمْ فِيها بِأنَّ اللَّهَ أعْطاهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وأمّا قَوْلُهم: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) فَقَدْ تَوَسَّلُوا بِهِ إلى إبْطالِ رِسالَتِهِ بِثُبُوتِ صِفاتِ البَشَرِ لَهُ، فَكانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ وُجُودَ رُسُلٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ قالُوا: (﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥])، وإذا كانُوا مَوْجُودِينَ فَبِالضَّرُورَةِ كانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ؛ إذْ هم مِنَ البَشَرِ ويَمْشُونَ في أسْواقِ المُدُنِ والبادِيَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ تَكُونُ في مَجامِع النّاسِ. وقَدْ قالَ مُوسى: (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]) . وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُو قُرَيْشًا في مَجامِعِهِمْ ونَوادِيهِمْ ويَدْعُو سائِرَ العَرَبِ في عُكاظٍ وفي أيّامِ المَوْسِمِ. وجُمْلَةُ (﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عُمُومُ الأحْوالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ في حالٍ إلّا في حالِ (﴿إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾) . والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الحالِ تَنْزِيلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَناسِيهِمْ أحْوالَ الرُّسُلِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ السّابِقُونَ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ. ولَمْ تَقْتَرِنْ جُمْلَةُ الحالِ بِالواوِ؛ لِأنَّ وُجُودَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ كافٍ في الرَّبْطِ ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ الرَّبْطُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ فَلا يُزادُ حَرْفٌ آخَرُ فَيَتَوالى أرْبَعَةُ حُرُوفٍ وهي: إلّا، وإنَّ، واللّامُ، ويُزادُ الواوُ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]) . وقَوْلِهِ: (﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]) . وإنَّما أبْقى اللَّهُ الرُّسُلَ عَلى الحالَةِ المُعْتادَةِ لِلْبَشَرِ فِيما يَرْجِعُ إلى أسْبابِ الحَياةِ المادِّيَّةِ؛ إذْ لا حِكْمَةَ في تَغْيِيرِ حالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما يُغَيِّرُ اللَّهُ حَياتَهُمُ صفحة ٣٤٤ النَّفْسِيَّةَ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِها إعْدادَ نُفُوسِهِمْ لِتَلَقِّي الفَيُوضاتِ الإلَهِيَّةِ. ولِلَّهِ تَعالى حِفاظٌ عَلى نَوامِيسِ نِظامِ الخَلائِقِ والعَوالِمِ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَها عَبَثًا فَهو لا يُغَيِّرُها إلّا بِمِقْدارِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ مِن تَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ. * * * (﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾) . تَذْيِيلٌ، فَضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (بَعْضَكم) يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وكِلا البَعْضَيْنِ مُبْهَمٌ يُبَيِّنُهُ المَقامُ. وحالُ الفِتْنَةِ في كِلا البَعْضَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَبَعْضُها فِتْنَةٌ في العَقِيدَةِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأمْنِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأبْدانِ. والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (فِتْنَةً) مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، وشَمِلَ أحَدُ البَعْضَيْنِ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، والبَعْضُ الآخَرُ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ حالُ الرَّسُولِ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ زَعَمُوا أنَّ حالَهُ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ في ضَعْفِهِمْ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ الَّذِي يُسَوِّيهِمْ بِهِمْ، فَقَدْ كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأضْرابُهم يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ تَرَفَّعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ. وهَذا كَقَوْلِ صَنادِيدِ قَوْمِ نُوحٍ: لا نُؤْمِنُ حَتّى تَطْرُدَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ، فَقالَ: (﴿وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: ٢٩] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]) . وقالَ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ: (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]) . صفحة ٣٤٥ والكَلامُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَنْ إعْراضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ)، وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ والأمْرِ كَقَوْلِهِ (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) . ومَوْقِعُ (﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾) مَوْقِعُ الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ هو عَلِيمٌ بِالصّابِرِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ جَزاءَ الرَّسُولِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ وأنَّهُ ناصِرُهُ عَلَيْهِمْ. وفِي الإسْنادِ إلى وصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ إلْماعٌ إلى هَذا الوَعْدِ فَإنَّ الرَّبَّ لا يُضَيِّعُ أوْلِياءَهُ كَقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَك اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]) أيِ النَّصْرُ المُحَقَّقُ.

الفرقان 25:21

صفحة ٥ ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ . حِكايَةُ مُقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ عَنْوَنَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المَقالَةِ بِـ (﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾) وعَنْوَنَ عَلَيْهِمْ في المَقالاتِ السّابِقَةِ بِـ (الَّذِينَ كَفَرُوا) وبِـ (الظّالِمُونَ)؛ لِأنَّ بَيْنَ هَذا الوَصْفِ وبَيْنَ مَقالَتِهِمُ انْتِقاضًا، فَهم كَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ بِما فِيهِ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ، وطَلَبُوا رُؤْيَةَ اللَّهِ في الدُّنْيا، ونُزُولَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وأرادُوا تَلَقِّيَ الدِّينِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ مِنَ اللَّهِ مُباشَرَةً، فَكانَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وذِكْرِ وصْفِهِمْ تَعْجِيبٌ مِن تَناقُضِ مَدارِكِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ أهْلَ الشِّرْكِ شَهِدُوا أنْفُسُهم بِإنْكارِ البَعْثِ وتَوَهَّمُوا أنَّ شُبْهَتَهم في إنْكارِهِ أقْوى حُجَّةٍ لَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أيْضًا جَعَلَ قَوْلَهم ذَلِكَ طَرِيقًا لِتَعْرِيفِهِمْ بِالمَوْصُولِ كَما قالَ تَعالى: (﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]) في سُورَةِ يُونُسَ. و(لَوْلا) حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ والِاسْتِحالَةِ، أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ فَنُؤْمِنُ بِما جِئْتَ بِهِ، يَعْنُونَ أنَّهُ إنْ كانَ صادِقًا فَلْيَسْألْ مِن رَبِّهِ وسِيلَةً أُخْرى لِإبْلاغِ الدِّينِ إلَيْهِمْ. ومَعْنى (لا يَرْجُونَ) لا يَظُنُّونَ ظَنًّا قَرِيبًا، أيْ يَعُدُّونَ لِقاءَ اللَّهِ مُحالًا. ومَقْصِدُهم مِن مَقالِهِمْ أنَّهم أعْلى مِن أنْ يَتَلَقَّوُا الدِّينَ مِن رَجُلٍ مِثْلِهِمْ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾) عَلى مَعْنى التَّعْجِيبِ مِنَ ازْدِهائِهِمْ وغُرُورِهِمُ الباطِلِ. صفحة ٦ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ جَوابٍ عَنْ قَوْلِهِمْ. والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ القَسَمَ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ كَقَوْلِ أحَدِ بَنِي كِلابٍ أوْ بَنِي نُمَيْرٍ أنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ في مَجالِسِهِ والقالِيُّ في أمالِيهِ: ألا يا سَنا بَرْقٍ عَلى قُلَلِ الحِمى لَهِنَّكَ مِن بَرْقٍ عَلَـيَّ كَرِيمُ فَإنَّ قَوْلَهُ: مِن بَرْقٍ، في قُوَّةِ التَّمْيِيزِ وإنَّما يَكُونُ التَّمْيِيزُ فِيهِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّعَجُّبِ. والِاسْتِكْبارُ: مُبالَغَةٌ في التَّكَبُّرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ. و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ؛ شُبِّهَتْ أنْفُسُهم بِالظُّرُوفِ في تَمَكُّنِ المَظْرُوفِ مِنها، أيْ هو اسْتِكْبارٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (في) لِلتَّعْلِيلِ كَما في الحَدِيثِ «دَخَلَتِ امْرَأةٌ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها» الحَدِيثَ، أيِ: اسْتَكْبَرُوا لِأجْلِ عَظَمَةِ أنْفُسِهِمْ في زَعْمِهِمْ. ولَيْسَتِ الظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةً لِقِلَّةِ جَدْوى ذَلِكَ؛ إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الِاسْتِكْبارَ لا يَكُونُ إلّا في النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأفْعالِ النَّفْسِيَّةِ. والعُتُوُّ: تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]) في الأعْرافِ. وإنَّما كانَ هَذا ظُلْمًا؛ لِأنَّهم تَجاوَزُوا مِقْدارَ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ مِنَ القابِلِيَّةِ. وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ النُّبُوءَةَ لا تَكُونُ بِالِاكْتِسابِ وإنَّما هي إعْدادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَ: (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) ) .

الفرقان 25:22

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ثانٍ جَوابٌ عَنْ مَقالَتِهِمْ، فَبَعْدَ إبْداءِ التَّعْجِيبِ مِنها عَقَّبَ بِوَعِيدٍ لَهم فِيهِ حُصُولُ بَعْضِ ما طَلَبُوا حُصُولَهُ الآنَ، أيْ هم سَيَرَوْنَ المَلائِكَةَ، ولَكِنَّها رُؤْيَةٌ تَسُوءُهم حِينَ يَرَوْنَ زَبانِيَةَ العَذابِ يَسُوقُونَهم إلى النّارِ، فَفي هَذا الِاسْتِئْنافِ تَمْلِيحٌ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ لِأنَّ ابْتِداءَهُ مُطَمِّعٌ بِالِاسْتِجابَةِ، وآخِرَهُ مُؤَيَّسٌ بِالوَعِيدِ، فالكَلامُ جَرى صفحة ٧ عَلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ تَوَرُّكِهِمْ، والمَقْصُودُ إبْلاغُهُ لَهم حِينَ يَسْمَعُونَهُ. وانْتَصَبَ (يَوْمَ يَرَوْنَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ (لا بُشْرى) . وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِإثارَةِ الطَّمَعِ ولِلتَّشْوِيقِ إلى تَعْيِينِ إبّانِهِ حَتّى إذا ورَدَ ما فِيهِ خَيْبَةُ طَمَعِهِمْ كانَ لَهُ وقْعُ الكَآبَةِ عَلى نُفُوسِهِمْ حِينَما يَسْمَعُونَهُ. وإعادَةُ (يَوْمَئِذٍ) تَأْكِيدٌ. وذِكْرُ وصْفِ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ بَعْدَ أنْ وُصِفُوا بِالكُفْرِ والظُّلْمِ واليَأْسِ مِن لِقاءِ اللَّهِ. وانْتِفاءُ البُشْرى مُسْتَعْمَلٌ في إثْباتِ ضِدِّهِ وهو الحُزْنُ. و(حِجْرٌ) بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِ الحاءِ وضَمِّها عَلى النُّدْرَةِ فَهي كَلِمَةٌ يَقُولُونَها عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُخافُ مِن إصابَتِهِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعاذَةِ. قالَ الخَلِيلُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: كانَ الرَّجُلُ إذا رَأى الرَّجُلَ الَّذِي يَخافُ مِنهُ أنْ يَقْتُلَهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ يَقُولُ لَهُ: حِجْرًا مَحْجُورًا، أيْ حَرامٌ قَتْلِي، وهي عُوذَةٌ. و(حِجْرٌ): مَصْدَرُ حَجَرَهُ، إذا مَنَعَهُ قالَ تَعالى: وحَرْثٌ حِجْرٌ، وهو في هَذا الِاسْتِعْمالِ لازِمُ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مِثْلُ: مَعاذَ اللَّهِ، وأمّا رَفْعُهُ في قَوْلِ الرّاجِزِ: قالَ فِيها حَيْدَةٌ وذُعْـرُ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ فَهُوَ تَصَرُّفٌ فِيهِ، ولَعَلَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ضَرُورَةٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الرَّفْعَ في اسْتِعْمالِ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا الغَرَضِ وهو الَّذِي حَكاهُ الرّاجِزُ. وأمّا رَفْعُ (حِجْرٌ) في غَيْرِ حالَةِ اسْتِعْمالِهِ لِلتَّعَوُّذِ فَلا مانِعَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ مَنصُوبًا لا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣])، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ (جَعَلَ) وسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. و(مَحْجُورًا) وصَفٌ لِـ (حِجْرًا) مُشْتَقٌّ مِن مادَّتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ كَما قالُوا: لَيْلٌ ألْيَلُ. وذَيْلٌ ذائِلٌ، وشِعْرٌ شاعِرٌ.

الفرقان 25:23

صفحة ٨ ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ . كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَعُدُّونَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مَجْلَبَةً لِخَيْرِ الدُّنْيا؛ لِأنَّها تُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَيُجازِيهِمْ بِنِعَمٍ في الدُّنْيا؛ إذَ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وقَدْ قالَتْ خَدِيجَةُ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ تَحَيَّرَ في أمْرِ ما بَدَأهُ مِنَ الوَحْيِ وقالَ لَها: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلى نَفْسِي. فَقالَتْ: واللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتُقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ» . فالظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ إذا سَمِعُوا آياتِ الوَعِيدِ يَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لَئِنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا لَنَجِدَنَّ أعْمالًا عَمِلْناها مِنَ البِرِّ تَكُونُ سَبَبًا لِنَجاتِنا، فَعَلِمَ اللَّهُ ما في نُفُوسِهِمْ فَأخْبَرَ بِأنَّ أعْمالَهم تَكُونُ كالعَدَمِ يَوْمَئِذٍ. والقُدُومُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى العَمْدِ والإرادَةِ، وأفْعالُ المَشْيِ والمَجِيءِ، تَجِيءُ في الِاسْتِعْمالِ لِمَعانِي القَصْدِ والعَزْمِ والشُّرُوعِ مِثْلُ: قامَ يَفْعَلُ، وذَهَبَ يَقُولُ، وأقْبَلَ، ونَحْوِها. وأصْلُ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ تَمْثِيلِ حالِ العامِدِ إلى فِعْلٍ بِاهْتِمامٍ بِحالِ مَن يَمْشِي إلَيْهِ، فَمَوْقِعُهُ في الكَلامِ أرْشَقُ مِن أنْ يَقُولَ: وعَمَدْناهُ، أوْ أرَدْنا إلى ما عَمِلُوا. و(مِن) في قَوْلِهِ: (مِن عَمَلٍ) بَيانِيَّةٌ لِإبْهامِ (ما)، وتَنْكِيرُ (عَمَلٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ عَمَلُ الخَيْرِ، أيْ: إلى ما عَمِلُوهُ مِن جِنْسِ عَمَلِ الخَيْرِ. والهَباءُ: كائِناتٌ جِسْمِيَّةٌ دَقِيقَةٌ لا تُرى إلّا في أشِعَّةِ الشَّمْسِ المُنْحَصِرَةِ في كُوَّةٍ ونَحْوِها، تَلُوحُ كَأنَّها سابِحَةٌ في الهَواءِ وهي أدَقُّ مِنَ الغُبارِ، أيْ فَجَعَلْناهُ كَهَباءٍ مَنثُورٍ، وهو تَشْبِيهٌ لِأعْمالِهِمْ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِها مَعَ كَوْنِها مَوْجُودَةً بِالهَباءِ في عَدَمِ إمْساكِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وهو هُنا رَشِيقٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٥]) . والمَنثُورُ: غَيْرُ المُنْتَظِمِ، وهو وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ الهَباءَ لا يَكُونُ إلّا مَنثُورًا، فَذَكَرَ هَذا الوَصْفَ لِلْإشارَةِ إلى ما في الهَباءِ مِنَ الحَقارَةِ ومِنَ التَّفَرُّقِ.

الفرقان 25:24

﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جِيءَ بِهِ لِمُقابَلَةِ حالِ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ بِضِدِّها مِن حالِ صفحة ٩ أصْحابِ الجَنَّةِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهُ لَمّا وصَفَ حالَ المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ عُلِمَ أنْ لا حَظَّ لَهم في الجَنَّةِ فَتَعَيَّنَتِ الجَنَّةُ لِغَيْرِ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ إذْ أهْلُ مَكَّةَ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَرِيقانِ: مُشْرِكُونَ ومُؤْمِنُونَ. فَمَعْنى الكَلامِ: المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ هم أصْحابُ الجَنَّةِ وهم خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلًا. والخَيْرُ هُنا: تَفْضِيلٌ، وهو تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وكَذَلِكَ (أحْسَنُ) . والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ. والمَقِيلُ: المَكانُ الَّذِي يُئْوى إلَيْهِ في القَيْلُولَةِ، والِاسْتِراحَةُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن عادَةِ المُتْرَفِينَ.

الفرقان 25:25

﴿ويَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَومَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) . والمَقْصُودُ تَأْيِيسِهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وبِآلِهَتِهِمْ وتَأْكِيدُ وعِيدِهِمْ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ وصْفُ بَعْضِ شُئُونِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّهُ يَوْمُ تَنْزِيلِ المَلائِكَةِ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. وأُعِيدَ لَفْظُ (يَوْمَ) عَلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ يَوْمًا واحِدًا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَعادِ ومَكانِ الضَّمِيرِ. والتَّشَقُّقُ: التَّفَتُّحُ بَيْنَ أجْزاءٍ مُلْتَئِمَةٍ، ومِنهُ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . ولَعَلَّهُ انْخِراقٌ يَحْصُلُ في كُوَرِ تِلْكَ العَوالِمِ، والَّذِينَ قالُوا: السَّماواتُ لا تَقْبَلُ الخَرْقَ ثُمَّ الِالتِئامَ بَنَوْهُ عَلى تَخَيُّلِهِمْ إيّاها كَقِبابٍ مِن مَعادِنَ صُلْبَةٍ، والحُكَماءُ لَمْ يَصِلُوا إلى حَقِيقَتِها حَتّى الآنَ. وتَشَقُّقُ السَّماءِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْناهُ زَوالُ الحَواجِزِ والحُدُودِ الَّتِي كانَتْ تَمْنَعُ المَلائِكَةَ مِن مُبارَحَةِ سَماواتِهِمْ إلّا مَن يُؤْذَنُ لَهُ بِذَلِكَ، فاللّامُ في المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ بَيْنَ جَمْعِ المَلائِكَةِ، فَهو بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ. قالَ: (﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩])؛ عَلى أنَّ التَّشَقُّقَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى انْجِلاءِ النُّورِ كَما قالَ النّابِغَةُ. صفحة ١٠ فانْشَقَّ عَنْها عَمُودُ الصُّبْـحِ جَـافِـلَةً عَدْوَ النَّحُوصِ تَخافُ القانِصَ اللَّحِما وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ هُنالِكَ انْبِثاقًا وانْتِفاقًا يُقارِنُهُ نُزُولُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِانْشِقاقَ إذْنٌ لِلْمَلائِكَةِ بِالحُضُورِ إلى مَوْقِعِ الحَشْرِ والحِسابِ. والتَّعْبِيرُ بِالتَّنْزِيلِ يَقْتَضِي أنَّ السَّماواتِ الَّتِي تَنْشَقُّ عَنِ المَلائِكَةِ أعْلى مِن مَكانِ حُضُورِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَشَّقَّقُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ. والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ. وهو ما يَغْشى مَكانَ الحِسابِ قالَ تَعالى: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِالغَمامِ) قِيلَ: بِمَعْنى (عَنْ)، أيْ: تَشَقَّقَ عَنْ غَمامٍ يَحُفُّ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ: لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَكُونُ غَمامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِ قُوَّةٌ تَنْشَقُّ بِها السَّماءُ لِيَنْزِلَ المَلائِكَةُ مِثْلُ قُوَّةِ البَرْقِ الَّتِي تَشُقُّ السَّحابَ. وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: تَشَقَّقُ مُلابِسَةً لِغَمامٍ يَظْهَرُ حِينَئِذٍ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي مُقارَنَةَ التَّشَقُّقِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، ولا مُقارَنَةَ الغَمامِ لِلْمَلائِكَةِ، فَدَعِ الفَهْمَ يَذْهَبْ في تَرْتِيبِ ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ. وأكَّدَ (نُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإفادَةِ أنَّهُ نُزُولٌ بِالذّاتِ لا بِمُجَرَّدِ الِاتِّصالِ النُّورانِيِّ مِثْلِ الخَواطِرِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي تُشَعْشِعُ في نُفُوسِ أهْلِ الكَمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الزّايِ وفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ (المَلائِكَةُ) مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ونُنْزِلُ) بِنُونَيْنِ أُولاهُما مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ وبِضَمِّ اللّامِ ونَصْبِ (المَلائِكَةَ) . وقَوْلُهُ: (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ) هو صَدْرُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾)، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ في تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ (يَوْمَئِذٍ) . صفحة ١١ والحَقُّ: الخالِصُ، كَقَوْلِكَ: هَذا ذَهَبٌ حَقًّا. وهو المُلْكُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ مُلْكٌ؛ لِأنَّ حالَةَ المُلْكِ في الدُّنْيا مُتَفاوِتَةٌ. والمُلْكُ الكامِلُ إنَّما هو لِلَّهِ، ولَكِنَّ العُقُولَ قَدْ لا تَلْتَفِتُ إلى ما في المُلُوكِ مِن نَقْصٍ وعَجْزٍ وتَبْهَرُهم بَهْرَجَةُ تَصَرُّفاتِهِمْ وعَطاياهم فَيَنْسَوْنَ الحَقائِقَ، فَأمّا في ذَلِكَ اليَوْمِ فالحَقائِقُ مُنْكَشِفَةٌ ولَيْسَ ثَمَّةَ مِن يَدَّعِي شَيْئًا مِنَ التَّصَرُّفِ، وفي الحَدِيثِ: ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ. ووُصِفَ اليَوْمُ بِعَسِيرٍ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن أُمُورٍ عَسِيرَةٍ عَلى المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ (عَلى الكافِرِينَ) لِلْحَصْرِ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: دُونَ المُؤْمِنِينَ.

الفرقان 25:26

﴿ويَوْمَ تَشَّقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿المُلْكُ يَومَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) . والمَقْصُودُ تَأْيِيسِهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِأعْمالِهِمْ وبِآلِهَتِهِمْ وتَأْكِيدُ وعِيدِهِمْ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ وصْفُ بَعْضِ شُئُونِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وأنَّهُ يَوْمُ تَنْزِيلِ المَلائِكَةِ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ. وأُعِيدَ لَفْظُ (يَوْمَ) عَلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ يَوْمًا واحِدًا لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَعادِ ومَكانِ الضَّمِيرِ. والتَّشَقُّقُ: التَّفَتُّحُ بَيْنَ أجْزاءٍ مُلْتَئِمَةٍ، ومِنهُ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . ولَعَلَّهُ انْخِراقٌ يَحْصُلُ في كُوَرِ تِلْكَ العَوالِمِ، والَّذِينَ قالُوا: السَّماواتُ لا تَقْبَلُ الخَرْقَ ثُمَّ الِالتِئامَ بَنَوْهُ عَلى تَخَيُّلِهِمْ إيّاها كَقِبابٍ مِن مَعادِنَ صُلْبَةٍ، والحُكَماءُ لَمْ يَصِلُوا إلى حَقِيقَتِها حَتّى الآنَ. وتَشَقُّقُ السَّماءِ حالَةٌ عَجِيبَةٌ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْناهُ زَوالُ الحَواجِزِ والحُدُودِ الَّتِي كانَتْ تَمْنَعُ المَلائِكَةَ مِن مُبارَحَةِ سَماواتِهِمْ إلّا مَن يُؤْذَنُ لَهُ بِذَلِكَ، فاللّامُ في المَلائِكَةِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ بَيْنَ جَمْعِ المَلائِكَةِ، فَهو بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: يَوْمَ تُفْتَحُ أبْوابُ السَّماءِ. قالَ: (﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩])؛ عَلى أنَّ التَّشَقُّقَ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى انْجِلاءِ النُّورِ كَما قالَ النّابِغَةُ. صفحة ١٠ فانْشَقَّ عَنْها عَمُودُ الصُّبْـحِ جَـافِـلَةً عَدْوَ النَّحُوصِ تَخافُ القانِصَ اللَّحِما وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ هُنالِكَ انْبِثاقًا وانْتِفاقًا يُقارِنُهُ نُزُولُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِانْشِقاقَ إذْنٌ لِلْمَلائِكَةِ بِالحُضُورِ إلى مَوْقِعِ الحَشْرِ والحِسابِ. والتَّعْبِيرُ بِالتَّنْزِيلِ يَقْتَضِي أنَّ السَّماواتِ الَّتِي تَنْشَقُّ عَنِ المَلائِكَةِ أعْلى مِن مَكانِ حُضُورِ المَلائِكَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَشَّقَّقُ) بِتَشْدِيدِ الشِّينِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ. والغَمامُ: السَّحابُ الرَّقِيقُ. وهو ما يَغْشى مَكانَ الحِسابِ قالَ تَعالى: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]) تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِالغَمامِ) قِيلَ: بِمَعْنى (عَنْ)، أيْ: تَشَقَّقَ عَنْ غَمامٍ يَحُفُّ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ: لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: يَكُونُ غَمامٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فِيهِ قُوَّةٌ تَنْشَقُّ بِها السَّماءُ لِيَنْزِلَ المَلائِكَةُ مِثْلُ قُوَّةِ البَرْقِ الَّتِي تَشُقُّ السَّحابَ. وقِيلَ: الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ: تَشَقَّقُ مُلابِسَةً لِغَمامٍ يَظْهَرُ حِينَئِذٍ. ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَقْتَضِي مُقارَنَةَ التَّشَقُّقِ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ، ولا مُقارَنَةَ الغَمامِ لِلْمَلائِكَةِ، فَدَعِ الفَهْمَ يَذْهَبْ في تَرْتِيبِ ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ. وأكَّدَ (نُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِإفادَةِ أنَّهُ نُزُولٌ بِالذّاتِ لا بِمُجَرَّدِ الِاتِّصالِ النُّورانِيِّ مِثْلِ الخَواطِرِ المَلَكِيَّةِ الَّتِي تُشَعْشِعُ في نُفُوسِ أهْلِ الكَمالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ونُزِّلَ المَلائِكَةُ) بِنُونٍ واحِدَةٍ وتَشْدِيدِ الزّايِ وفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ (المَلائِكَةُ) مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (ونُنْزِلُ) بِنُونَيْنِ أُولاهُما مَضْمُومَةٌ والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ وبِضَمِّ اللّامِ ونَصْبِ (المَلائِكَةَ) . وقَوْلُهُ: (المُلْكُ يَوْمَئِذٍ) هو صَدْرُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾)، وإنَّما قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْوَجْهِ المَذْكُورِ في تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: (﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]) وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ (يَوْمَئِذٍ) . صفحة ١١ والحَقُّ: الخالِصُ، كَقَوْلِكَ: هَذا ذَهَبٌ حَقًّا. وهو المُلْكُ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ مُلْكٌ؛ لِأنَّ حالَةَ المُلْكِ في الدُّنْيا مُتَفاوِتَةٌ. والمُلْكُ الكامِلُ إنَّما هو لِلَّهِ، ولَكِنَّ العُقُولَ قَدْ لا تَلْتَفِتُ إلى ما في المُلُوكِ مِن نَقْصٍ وعَجْزٍ وتَبْهَرُهم بَهْرَجَةُ تَصَرُّفاتِهِمْ وعَطاياهم فَيَنْسَوْنَ الحَقائِقَ، فَأمّا في ذَلِكَ اليَوْمِ فالحَقائِقُ مُنْكَشِفَةٌ ولَيْسَ ثَمَّةَ مِن يَدَّعِي شَيْئًا مِنَ التَّصَرُّفِ، وفي الحَدِيثِ: ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ. ووُصِفَ اليَوْمُ بِعَسِيرٍ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِن أُمُورٍ عَسِيرَةٍ عَلى المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ (عَلى الكافِرِينَ) لِلْحَصْرِ. وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ: دُونَ المُؤْمِنِينَ.

الفرقان 25:27

﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ . هَذا هو ذَلِكَ اليَوْمُ أُعِيدَ الكَلامُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ فِيهِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ. والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) إعْلامًا بِما لا تَخْلُو عَنْهُ مِن صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى مُناواةِ الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ المَخْصُوصِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الِاعْتِداءُ الخاصُّ المَعْهُودُ مِن قِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وما أغْراهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. قالَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وكانَ عُقْبَةُ لا يَقْدُمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا ودَعا إلَيْهِ أشْرافَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيءِ ﷺ، فَقَدِمَ مِن بَعْضِ أسْفارِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا قَرَّبُوا الطَّعامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ما أنا بِآكِلٍ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا صفحة ١٢ إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ عُقْبَةُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِن طَعامِهِ. وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ غائِبًا فَلَمّا قَدِمَ أُخْبِرَ بِقَضِيَّتِهِ، فَقالَ: صَبَأْتَ يا عُقْبَةُ. قالَ: واللَّهِ ما صَبَأْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِي حَتّى أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي ولَمْ يَطْعَمْ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ ‌أُبَيٌّ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ أبَدًا إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْصُقَ في وجْهِهِ. فَكَفَرَ عُقْبَةُ وأخَذَ في امْتِثالِ ما أمَرَهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ»، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (فُلانًا) الكِنايَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَخُصُوصُهُ يَقْتَضِي لِحاقَ أمْثالِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أطاعُوا أخِلَّتَهم في الشِّرْكِ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الرَّسُولِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ خَلِيلٍ مُشْرِكٍ مِثْلِهِ يَصُدُّهُ عَنْ مُتابَعَةِ الإسْلامِ إذا هَمَّ بِها ويُثَبِّتُهُ عَلى دِينِ الشِّرْكِ فَيَتَنَدَّمُ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى طاعَتِهِ ويُذْكُرُهُ بِاسْمِهِ. والعَضُّ: الشَّدُّ بِالأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ لِيُؤْلِمَهُ أوْ لِيُمْسِكَهُ، وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ المَعْضُوضِ إذا قَصَدُوا عَضًّا شَدِيدًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ. والعَضُّ عَلى اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدامَةِ؛ لِأنَّهم تَعارَفُوا في بَعْضِ أغْراضِ الكَلامِ أنْ يَصْحَبُوها بِحَرَكاتٍ بِالجَسَدِ مِثْلِ التَّشَذُّرِ، وهو رَفْعُ اليَدِ عَنْ كَلامِ الغَضَبِ قالَ لَبِيدٌ: غُلْبٌ تَشَذَّرُ بِالدَّخُولِ كَأنَّهم جِنُّ البَدِيِّ رَواسِيًا أقْدامُها ومِثْلِ وضْعِ اليَدِ عَلى الفَمِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قالَ تَعالى: (﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) . ومِنهُ في النَّدَمِ قَرْعُ السِّنِّ بِالأُصْبُعِ، وعَضُّ السَّبّابَةِ، وعَضُّ اليَدِ. ويُقالُ: حَرَّقَ أسْنانَهُ وحَرَّقَ الأُرَّمَ (بِوَزْنِ رُكَّعٍ) الأضْراسَ أوْ أطْرافَ الأصابِعِ، وفي الغَيْظِ عَضُّ الأنامِلِ قالَ تَعالى: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَتْ كِناياتٍ بِناءً عَلى ما يُلازِمُها في العُرْفِ مِن مَعانٍ نَفْسِيَّةٍ، وأصْلُ نَشْأتِها عَنْ تَهَيُّجِ القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ مِن جَرّاءِ غَضَبٍ أوْ تَلَهُّفٍ. والرَّسُولُ: هو المَعْهُودُ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . صفحة ١٣ واتِّخاذُ السَّبِيلِ: أخْذُهُ، وأصْلُ الأخْذِ: التَّناوُلُ بِاليَدِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى قَصْدِ السَّيْرِ فِيهِ قالَ تَعالى: (﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣]) . و(مَعَ الرَّسُولِ) أيْ: مُتابِعًا لِلرَّسُولِ كَما يُتابِعُ المُسافِرُ دَلِيلًا يَسْلُكُ بِهِ أحْسَنَ الطُّرُقِ وأفْضاها إلى المَكانِ المَقْصُودِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلِ الِاتِّباعِ ونَحْوِهِ بِأنْ يُقالَ: يا لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ الرَّسُولَ، إلى هَذا التَّرْكِيبِ المُطْنَبِ؛ لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ الِاقْتِداءِ بِهَيْئَةِ مُسايِرَةِ الدَّلِيلِ تَمْثِيلًا مُحْتَوِيًا عَلى تَشْبِيهِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ بِالسَّبِيلِ، ومُتَضَمِّنًا تَشْبِيهَ ما يَحْصُلُ عَنْ سُلُوكِ ذَلِكَ السَّبِيلِ مِنَ النَّجاةِ بِبُلُوغِ السّائِرِ إلى المَوْضِعِ المَقْصُودِ فَكانَ حُصُولُ هَذِهِ المَعانِي صائِرًا بِالإطْنابِ إلى إيجازٍ، وأمّا لَفْظُ المُتابَعَةِ فَقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الِاقْتِداءِ فَهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا التَّمْثِيلِ. وعَلِمَ أنَّ هَذا السَّبِيلَ سَبِيلُ نَجاحِ مَن تَمَنّاهُ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ طَلَبُ الأمْرِ المَحْجُوبِ العَزِيزِ المَنالِ. و(يا لَيْتَنِي) نِداءٌ لِلْكَلامِ الدّالِّ عَلى التَّمَنِّي بِتَنْزِيلِ الكَلِمَةِ مَنزِلَةَ العاقِلِ الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ في حالَةِ النَّدامَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكِ فاحْضُرِي، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا النِّداءُ يَزِيدُ المُتَمَنِّيَ اسْتِبْعادًا لِلْحُصُولِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يا ويْلَتا) هو تَحَسُّرٌ بِطْرِيقِ نِداءِ الوَيْلِ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وهو تَعْوِيضٌ مَشْهُورٌ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَيْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى (يا ويْلَتَنا) في قَوْلِهِ: (﴿يا ويْلَتَنا مالِهَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وأتْبَعَ التَّحَسُّرَ بِتَمَنِّي أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا. وجُمْلَةُ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ اتِّباعَ سَبِيلِ الرَّسُولِ يَشْتَمِلُ عَلى نَبْذِ خُلَّةِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَتَمَنِّي وُقُوعِ أوَّلِهِما يَشْتَمِلُ عَلى تَمَنِّي وُقُوعِ الثّانِي. صفحة ١٤ وجُمْلَةُ (يا ويْلَتا) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) وجُمْلَةِ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) . و(فُلانٌ): اسْمٌ يُكَنِّي عَمَّنْ لا يُذْكَرُ اسْمُهُ العَلَمُ، كَما يُكَنّى بِـ (فُلانَةٍ) عَمَّنْ لا يُرادُ ذِكْرُ اسْمِها العَلَمِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحِكايَةِ أمْ في غَيْرِها. قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ مالِكٍ خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، وابْنِ الحاجِبِ في اشْتِراطِ وُقُوعِهِ في حِكايَةٍ بِالقَوْلِ، فَيُعامَلُ (فُلانٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المَقْرُونِ بِالنُّونِ الزّائِدَةِ و (فُلانَةٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المُقْتَرِنِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا قاتَلَ اللَّهُ الوُشاةَ وقَوْلَهم ∗∗∗ فُلانَةُ أضْحَتْ خُلَّةً لِفُلانِ أرادَ نَفْسَهُ وحَبِيبَتَهُ. وقالَ المَرّارُ العَبْسِيُّ: وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ ∗∗∗ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْدِهِ بِفُـلانِ أرادَ: إذا ماتَ مَن لَهُ اسْمٌ مِنهم أخْلَفُوهُ بِغَيْرِهِ في السُّؤْدُدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ: وحَتّى سَألْتُ القَرْضَ مِن كُلِّ ذِي ∗∗∗ الغِنى ورَدَّ فُلانٌ حاجَتِي وفُلانُ وقالَ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ: أنْشَدَنِي المُفَضِّلُ لِرَجُلٍ مِن ضَبَّةَ هَلَكَ مُنْذُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، أيْ في أواسِطِ القَرْنِ الأوَّلِ لِلْهِجْرَةِ: إنَّ لَسَعِدٍ عِنْدَنا دِيوانَـا ∗∗∗ يُخْزِي فَلانًا وابْنَهُ فُلانا والدّاعِي إلى الكِنايَةِ بِفُلانٍ إمّا قَصْدُ إخْفاءِ اسْمِهِ خِيفَةً عَلَيْهِ أوْ خِيفَةً مِن أهْلِهِمْ أوْ لِلْجَهْلِ بِهِ، أوْ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِذِكْرِهِ، أوْ لِقَصْدِ نَوْعِ مَن لَهُ اسْمٌ عَلَمٌ. وهَذانِ الأخِيرانِ هُما اللَّذانِ يَجْرِيانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ خُصُوصِ عُقْبَةَ وأُبَيٍّ، أوْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ لَهُ خَلِيلٌ صَدَّهُ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ. وإنَّما تَمَنّى أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا دُونَ تَمَنِّي أنْ يَكُونَ عَصاهُ فِيما سَوَّلَ لَهُ قَصْدًا لِلِاشْمِئْزازِ مَن خُلَّتِهِ مِن أصِلِها؛ إذْ كانَ الإضْلالُ مِن أحْوالِها. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ شَأْنَ الخُلَّةِ الثِّقَةُ بِالخَلِيلِ، وحَمْلُ مَشُورَتِهِ عَلى النُّصْحِ فَلا يَنْبَغِي صفحة ١٥ أنْ يَضَعَ المَرْءُ خُلَّتَهُ إلّا حَيْثُ يُوقِنُ بِالسَّلامَةِ مِن إشاراتِ السُّوءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]) فَعَلى مَن يُرِيدُ اصْطِفاءَ خَلِيلٍ أنْ يَسِيرَ سِيرَتَهُ في خُوَيِّصَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَحْمِلُ مَن يَخالُّهِ عَلى ما يَسِيرُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ خالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وهو ابْنُ أُخْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وهَذا عِنْدِي هو مَحْمِلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا» فَإنَّ مَقامَ النُّبُوءَةِ يَسْتَدْعِي مِنَ الأخْلاقِ ما هو فَوْقَ مَكارِمِ الأخْلاقِ المُتَعارَفَةِ في النّاسِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا مُتابَعَةُ ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالاتِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» . وعَلِمْنا بِهَذا أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ مَكارِمَ أخْلاقٍ بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ جَعَلَهُ المُخَيَّرَ لِخُلَّتِهِ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾) تَعْلِيلِيَّةٌ لِتَمَنِّيهِ أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ خُلَّتِهِ أعْظَمُ خُسْرانٍ لِخَلِيلِهِ؛ إذْ أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ كادَ يَتَمَكَّنُ مِنهُ. وقَوْلُهُ: (﴿أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾) مَعْناهُ سَوَّلَ لِيَ الِانْصِرافَ عَنِ الحَقِّ. والضَّلالُ: إضاعَةُ الطَّرِيقِ وخَطَؤُهُ بِحَيْثُ يَسْلُكُ طَرِيقًا غَيْرَ المَقْصُودِ فَيَقَعُ في غَيْرِ المَكانِ الَّذِي أرادَهُ وإنَّما وقَعَ في أرْضِ العَدُوِّ أوْ في مَسْبَعَةٍ. ويُسْتَعارُ الضَّلالُ لِلْحِيادِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ إلى الباطِلِ والسَّفَهِ كَما يُسْتَعارُ ضِدُهُ وهو الهُدى (الَّذِي هو إصابَةُ الطَّرِيقِ) لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ حَتّى تَساوى المَعْنَيانِ الحَقِيقِيّانِ والمَعْنَيانِ المَجازِيّانِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّلِيلَ الَّذِي يَسْلُكُ بِالرَّكْبِ الطَّرِيقَ المَقْصُودَ هادِيًا. والإضْلالُ مُسْتَعارٌ هُنا لِلصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ لِمُناسَبَةِ اسْتِعارَةِ السَّبِيلِ لِهَدْيِ الرَّسُولِ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا هُنا في المَعْنى الَّذِي غَلَبَ عَلى الباطِلِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (عَنْ) في قَوْلِهِ (عَنِ الذِّكْرِ) فَإنَّهُ لَوْ كانَ الإضْلالُ هو تَسْوِيلَ الضَّلالِ لَما احْتاجَ إلى تَعْدِيَتِهِ ولَكِنْ أُرِيدَ هُنا مُتابَعَةُ التَّمْثِيلِ السّابِقِ. فَفي قَوْلِهِ: (أضَلَّنِي) مَكْنِيَّةٌ تَقْتَضِي تَشْبِيهَ الذِّكْرِ بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى المَنجى، وإثْباتُ الإضْلالِ عَنْهُ تَخْيِيلٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ فَهَذِهِ نُكَتٌ مِن بَلاغَةِ نَظْمِ الآيَةِ. صفحة ١٦ والذِّكْرُ: هو القُرْآنُ، أيْ نَهانِي عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاسْتِماعِ لَهُ بَعْدَ أنْ قارَبْتُ فَهْمَهُ. والمَجِيءُ في قَوْلِهِ: (إذْ جاءَنِي) مُسْتَعْمَلٌ في إسْماعِهِ القُرْآنَ فَكَأنَّ القُرْآنَ جاءٍ حَلَّ عِنْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُهم: أتانِي نَبَأُ كَذا، قالَ النّابِغَةُ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي فَإذا حُمِلَ الظّالِمُ في قَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾) عَلى مُعَيَّنٍ وهو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَمَعْنى مَجِيءِ الذِّكْرِ إيّاهُ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويَأْنَسُ إلَيْهِ حَتّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وحَمَلَهُ عَلى عَداوَتِهِ وأذاتِهِ، وإذا حُمِلَ الظّالِمُ عَلى العُمُومِ، فَمَجِيءُ الذِّكْرِ هو شُيُوعُ القُرْآنِ بَيْنَهم، وإمْكانُ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ. وإضْلالُ خِلّانِهِمْ إيّاهم صَرْفُ كُلِّ واحِدٍ خَلِيلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَعاوُنُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الظّالِمِ بِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كَما تَقَدَّمَ، وتَأْتِي في ذَلِكَ الوُجُوهُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ النَّجاةِ مُثِّلَتْ بِسَبِيلِ الرَّسُولِ الهادِي، ومُثِّلَ الصَّرْفُ عَنْها بِالإضْلالِ عَنِ السَّبِيلِ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، أيْ بَعْدَ وقْتٍ جاءَنِي فِيهِ الذِّكْرُ، والإتْيانُ بِالظَّرْفِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَ ما جاءَنِي، أوْ بَعْدَ أنْ جاءَنِي، لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في زَمَنٍ وتَحَقَّقَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]) أيْ تَمَكَّنَ هَدْيُهُ مِنهم. وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾) تَذْيِيلٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الظّالِمِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى أنَّ كُلَّ هَذا الإضْلالِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فَهو الَّذِي يُسَوِّلُ لِخَلِيلِ الظّالِمِ إضْلالَ خَلِيلِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ خَذُولُ الإنْسانِ، أيْ مَجْبُولٌ عَلى شِدَّةِ خَذْلِهِ. والخَذْلُ: تَرْكُ نَصْرِ المُسْتَنْجِدِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى نَصْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَإذا أعانَ عَلى الهَزِيمَةِ فَهو أشَدُّ الخَذْلِ، وهو المَقْصُودُ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ في صفحة ١٧ وصْفِ الشَّيْطانِ بِخَذْلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُ الإنْسانَ فَيُوَرِّطُهُ في الضُّرِّ فَهو خَذُولٌ.

الفرقان 25:28

﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ . هَذا هو ذَلِكَ اليَوْمُ أُعِيدَ الكَلامُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ فِيهِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ. والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) إعْلامًا بِما لا تَخْلُو عَنْهُ مِن صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى مُناواةِ الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ المَخْصُوصِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الِاعْتِداءُ الخاصُّ المَعْهُودُ مِن قِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وما أغْراهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. قالَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وكانَ عُقْبَةُ لا يَقْدُمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا ودَعا إلَيْهِ أشْرافَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيءِ ﷺ، فَقَدِمَ مِن بَعْضِ أسْفارِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا قَرَّبُوا الطَّعامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ما أنا بِآكِلٍ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا صفحة ١٢ إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ عُقْبَةُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِن طَعامِهِ. وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ غائِبًا فَلَمّا قَدِمَ أُخْبِرَ بِقَضِيَّتِهِ، فَقالَ: صَبَأْتَ يا عُقْبَةُ. قالَ: واللَّهِ ما صَبَأْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِي حَتّى أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي ولَمْ يَطْعَمْ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ ‌أُبَيٌّ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ أبَدًا إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْصُقَ في وجْهِهِ. فَكَفَرَ عُقْبَةُ وأخَذَ في امْتِثالِ ما أمَرَهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ»، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (فُلانًا) الكِنايَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَخُصُوصُهُ يَقْتَضِي لِحاقَ أمْثالِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أطاعُوا أخِلَّتَهم في الشِّرْكِ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الرَّسُولِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ خَلِيلٍ مُشْرِكٍ مِثْلِهِ يَصُدُّهُ عَنْ مُتابَعَةِ الإسْلامِ إذا هَمَّ بِها ويُثَبِّتُهُ عَلى دِينِ الشِّرْكِ فَيَتَنَدَّمُ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى طاعَتِهِ ويُذْكُرُهُ بِاسْمِهِ. والعَضُّ: الشَّدُّ بِالأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ لِيُؤْلِمَهُ أوْ لِيُمْسِكَهُ، وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ المَعْضُوضِ إذا قَصَدُوا عَضًّا شَدِيدًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ. والعَضُّ عَلى اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدامَةِ؛ لِأنَّهم تَعارَفُوا في بَعْضِ أغْراضِ الكَلامِ أنْ يَصْحَبُوها بِحَرَكاتٍ بِالجَسَدِ مِثْلِ التَّشَذُّرِ، وهو رَفْعُ اليَدِ عَنْ كَلامِ الغَضَبِ قالَ لَبِيدٌ: غُلْبٌ تَشَذَّرُ بِالدَّخُولِ كَأنَّهم جِنُّ البَدِيِّ رَواسِيًا أقْدامُها ومِثْلِ وضْعِ اليَدِ عَلى الفَمِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قالَ تَعالى: (﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) . ومِنهُ في النَّدَمِ قَرْعُ السِّنِّ بِالأُصْبُعِ، وعَضُّ السَّبّابَةِ، وعَضُّ اليَدِ. ويُقالُ: حَرَّقَ أسْنانَهُ وحَرَّقَ الأُرَّمَ (بِوَزْنِ رُكَّعٍ) الأضْراسَ أوْ أطْرافَ الأصابِعِ، وفي الغَيْظِ عَضُّ الأنامِلِ قالَ تَعالى: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَتْ كِناياتٍ بِناءً عَلى ما يُلازِمُها في العُرْفِ مِن مَعانٍ نَفْسِيَّةٍ، وأصْلُ نَشْأتِها عَنْ تَهَيُّجِ القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ مِن جَرّاءِ غَضَبٍ أوْ تَلَهُّفٍ. والرَّسُولُ: هو المَعْهُودُ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . صفحة ١٣ واتِّخاذُ السَّبِيلِ: أخْذُهُ، وأصْلُ الأخْذِ: التَّناوُلُ بِاليَدِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى قَصْدِ السَّيْرِ فِيهِ قالَ تَعالى: (﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣]) . و(مَعَ الرَّسُولِ) أيْ: مُتابِعًا لِلرَّسُولِ كَما يُتابِعُ المُسافِرُ دَلِيلًا يَسْلُكُ بِهِ أحْسَنَ الطُّرُقِ وأفْضاها إلى المَكانِ المَقْصُودِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلِ الِاتِّباعِ ونَحْوِهِ بِأنْ يُقالَ: يا لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ الرَّسُولَ، إلى هَذا التَّرْكِيبِ المُطْنَبِ؛ لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ الِاقْتِداءِ بِهَيْئَةِ مُسايِرَةِ الدَّلِيلِ تَمْثِيلًا مُحْتَوِيًا عَلى تَشْبِيهِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ بِالسَّبِيلِ، ومُتَضَمِّنًا تَشْبِيهَ ما يَحْصُلُ عَنْ سُلُوكِ ذَلِكَ السَّبِيلِ مِنَ النَّجاةِ بِبُلُوغِ السّائِرِ إلى المَوْضِعِ المَقْصُودِ فَكانَ حُصُولُ هَذِهِ المَعانِي صائِرًا بِالإطْنابِ إلى إيجازٍ، وأمّا لَفْظُ المُتابَعَةِ فَقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الِاقْتِداءِ فَهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا التَّمْثِيلِ. وعَلِمَ أنَّ هَذا السَّبِيلَ سَبِيلُ نَجاحِ مَن تَمَنّاهُ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ طَلَبُ الأمْرِ المَحْجُوبِ العَزِيزِ المَنالِ. و(يا لَيْتَنِي) نِداءٌ لِلْكَلامِ الدّالِّ عَلى التَّمَنِّي بِتَنْزِيلِ الكَلِمَةِ مَنزِلَةَ العاقِلِ الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ في حالَةِ النَّدامَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكِ فاحْضُرِي، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا النِّداءُ يَزِيدُ المُتَمَنِّيَ اسْتِبْعادًا لِلْحُصُولِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يا ويْلَتا) هو تَحَسُّرٌ بِطْرِيقِ نِداءِ الوَيْلِ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وهو تَعْوِيضٌ مَشْهُورٌ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَيْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى (يا ويْلَتَنا) في قَوْلِهِ: (﴿يا ويْلَتَنا مالِهَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وأتْبَعَ التَّحَسُّرَ بِتَمَنِّي أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا. وجُمْلَةُ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ اتِّباعَ سَبِيلِ الرَّسُولِ يَشْتَمِلُ عَلى نَبْذِ خُلَّةِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَتَمَنِّي وُقُوعِ أوَّلِهِما يَشْتَمِلُ عَلى تَمَنِّي وُقُوعِ الثّانِي. صفحة ١٤ وجُمْلَةُ (يا ويْلَتا) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) وجُمْلَةِ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) . و(فُلانٌ): اسْمٌ يُكَنِّي عَمَّنْ لا يُذْكَرُ اسْمُهُ العَلَمُ، كَما يُكَنّى بِـ (فُلانَةٍ) عَمَّنْ لا يُرادُ ذِكْرُ اسْمِها العَلَمِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحِكايَةِ أمْ في غَيْرِها. قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ مالِكٍ خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، وابْنِ الحاجِبِ في اشْتِراطِ وُقُوعِهِ في حِكايَةٍ بِالقَوْلِ، فَيُعامَلُ (فُلانٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المَقْرُونِ بِالنُّونِ الزّائِدَةِ و (فُلانَةٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المُقْتَرِنِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا قاتَلَ اللَّهُ الوُشاةَ وقَوْلَهم ∗∗∗ فُلانَةُ أضْحَتْ خُلَّةً لِفُلانِ أرادَ نَفْسَهُ وحَبِيبَتَهُ. وقالَ المَرّارُ العَبْسِيُّ: وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ ∗∗∗ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْدِهِ بِفُـلانِ أرادَ: إذا ماتَ مَن لَهُ اسْمٌ مِنهم أخْلَفُوهُ بِغَيْرِهِ في السُّؤْدُدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ: وحَتّى سَألْتُ القَرْضَ مِن كُلِّ ذِي ∗∗∗ الغِنى ورَدَّ فُلانٌ حاجَتِي وفُلانُ وقالَ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ: أنْشَدَنِي المُفَضِّلُ لِرَجُلٍ مِن ضَبَّةَ هَلَكَ مُنْذُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، أيْ في أواسِطِ القَرْنِ الأوَّلِ لِلْهِجْرَةِ: إنَّ لَسَعِدٍ عِنْدَنا دِيوانَـا ∗∗∗ يُخْزِي فَلانًا وابْنَهُ فُلانا والدّاعِي إلى الكِنايَةِ بِفُلانٍ إمّا قَصْدُ إخْفاءِ اسْمِهِ خِيفَةً عَلَيْهِ أوْ خِيفَةً مِن أهْلِهِمْ أوْ لِلْجَهْلِ بِهِ، أوْ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِذِكْرِهِ، أوْ لِقَصْدِ نَوْعِ مَن لَهُ اسْمٌ عَلَمٌ. وهَذانِ الأخِيرانِ هُما اللَّذانِ يَجْرِيانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ خُصُوصِ عُقْبَةَ وأُبَيٍّ، أوْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ لَهُ خَلِيلٌ صَدَّهُ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ. وإنَّما تَمَنّى أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا دُونَ تَمَنِّي أنْ يَكُونَ عَصاهُ فِيما سَوَّلَ لَهُ قَصْدًا لِلِاشْمِئْزازِ مَن خُلَّتِهِ مِن أصِلِها؛ إذْ كانَ الإضْلالُ مِن أحْوالِها. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ شَأْنَ الخُلَّةِ الثِّقَةُ بِالخَلِيلِ، وحَمْلُ مَشُورَتِهِ عَلى النُّصْحِ فَلا يَنْبَغِي صفحة ١٥ أنْ يَضَعَ المَرْءُ خُلَّتَهُ إلّا حَيْثُ يُوقِنُ بِالسَّلامَةِ مِن إشاراتِ السُّوءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]) فَعَلى مَن يُرِيدُ اصْطِفاءَ خَلِيلٍ أنْ يَسِيرَ سِيرَتَهُ في خُوَيِّصَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَحْمِلُ مَن يَخالُّهِ عَلى ما يَسِيرُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ خالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وهو ابْنُ أُخْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وهَذا عِنْدِي هو مَحْمِلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا» فَإنَّ مَقامَ النُّبُوءَةِ يَسْتَدْعِي مِنَ الأخْلاقِ ما هو فَوْقَ مَكارِمِ الأخْلاقِ المُتَعارَفَةِ في النّاسِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا مُتابَعَةُ ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالاتِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» . وعَلِمْنا بِهَذا أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ مَكارِمَ أخْلاقٍ بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ جَعَلَهُ المُخَيَّرَ لِخُلَّتِهِ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾) تَعْلِيلِيَّةٌ لِتَمَنِّيهِ أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ خُلَّتِهِ أعْظَمُ خُسْرانٍ لِخَلِيلِهِ؛ إذْ أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ كادَ يَتَمَكَّنُ مِنهُ. وقَوْلُهُ: (﴿أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾) مَعْناهُ سَوَّلَ لِيَ الِانْصِرافَ عَنِ الحَقِّ. والضَّلالُ: إضاعَةُ الطَّرِيقِ وخَطَؤُهُ بِحَيْثُ يَسْلُكُ طَرِيقًا غَيْرَ المَقْصُودِ فَيَقَعُ في غَيْرِ المَكانِ الَّذِي أرادَهُ وإنَّما وقَعَ في أرْضِ العَدُوِّ أوْ في مَسْبَعَةٍ. ويُسْتَعارُ الضَّلالُ لِلْحِيادِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ إلى الباطِلِ والسَّفَهِ كَما يُسْتَعارُ ضِدُهُ وهو الهُدى (الَّذِي هو إصابَةُ الطَّرِيقِ) لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ حَتّى تَساوى المَعْنَيانِ الحَقِيقِيّانِ والمَعْنَيانِ المَجازِيّانِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّلِيلَ الَّذِي يَسْلُكُ بِالرَّكْبِ الطَّرِيقَ المَقْصُودَ هادِيًا. والإضْلالُ مُسْتَعارٌ هُنا لِلصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ لِمُناسَبَةِ اسْتِعارَةِ السَّبِيلِ لِهَدْيِ الرَّسُولِ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا هُنا في المَعْنى الَّذِي غَلَبَ عَلى الباطِلِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (عَنْ) في قَوْلِهِ (عَنِ الذِّكْرِ) فَإنَّهُ لَوْ كانَ الإضْلالُ هو تَسْوِيلَ الضَّلالِ لَما احْتاجَ إلى تَعْدِيَتِهِ ولَكِنْ أُرِيدَ هُنا مُتابَعَةُ التَّمْثِيلِ السّابِقِ. فَفي قَوْلِهِ: (أضَلَّنِي) مَكْنِيَّةٌ تَقْتَضِي تَشْبِيهَ الذِّكْرِ بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى المَنجى، وإثْباتُ الإضْلالِ عَنْهُ تَخْيِيلٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ فَهَذِهِ نُكَتٌ مِن بَلاغَةِ نَظْمِ الآيَةِ. صفحة ١٦ والذِّكْرُ: هو القُرْآنُ، أيْ نَهانِي عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاسْتِماعِ لَهُ بَعْدَ أنْ قارَبْتُ فَهْمَهُ. والمَجِيءُ في قَوْلِهِ: (إذْ جاءَنِي) مُسْتَعْمَلٌ في إسْماعِهِ القُرْآنَ فَكَأنَّ القُرْآنَ جاءٍ حَلَّ عِنْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُهم: أتانِي نَبَأُ كَذا، قالَ النّابِغَةُ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي فَإذا حُمِلَ الظّالِمُ في قَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾) عَلى مُعَيَّنٍ وهو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَمَعْنى مَجِيءِ الذِّكْرِ إيّاهُ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويَأْنَسُ إلَيْهِ حَتّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وحَمَلَهُ عَلى عَداوَتِهِ وأذاتِهِ، وإذا حُمِلَ الظّالِمُ عَلى العُمُومِ، فَمَجِيءُ الذِّكْرِ هو شُيُوعُ القُرْآنِ بَيْنَهم، وإمْكانُ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ. وإضْلالُ خِلّانِهِمْ إيّاهم صَرْفُ كُلِّ واحِدٍ خَلِيلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَعاوُنُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الظّالِمِ بِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كَما تَقَدَّمَ، وتَأْتِي في ذَلِكَ الوُجُوهُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ النَّجاةِ مُثِّلَتْ بِسَبِيلِ الرَّسُولِ الهادِي، ومُثِّلَ الصَّرْفُ عَنْها بِالإضْلالِ عَنِ السَّبِيلِ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، أيْ بَعْدَ وقْتٍ جاءَنِي فِيهِ الذِّكْرُ، والإتْيانُ بِالظَّرْفِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَ ما جاءَنِي، أوْ بَعْدَ أنْ جاءَنِي، لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في زَمَنٍ وتَحَقَّقَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]) أيْ تَمَكَّنَ هَدْيُهُ مِنهم. وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾) تَذْيِيلٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الظّالِمِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى أنَّ كُلَّ هَذا الإضْلالِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فَهو الَّذِي يُسَوِّلُ لِخَلِيلِ الظّالِمِ إضْلالَ خَلِيلِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ خَذُولُ الإنْسانِ، أيْ مَجْبُولٌ عَلى شِدَّةِ خَذْلِهِ. والخَذْلُ: تَرْكُ نَصْرِ المُسْتَنْجِدِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى نَصْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَإذا أعانَ عَلى الهَزِيمَةِ فَهو أشَدُّ الخَذْلِ، وهو المَقْصُودُ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ في صفحة ١٧ وصْفِ الشَّيْطانِ بِخَذْلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُ الإنْسانَ فَيُوَرِّطُهُ في الضُّرِّ فَهو خَذُولٌ.

الفرقان 25:29

﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾ . هَذا هو ذَلِكَ اليَوْمُ أُعِيدَ الكَلامُ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ فِيهِ، أوْ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِ مِنَ الآيَةِ. والتَّعْرِيفُ في (الظّالِمُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الشِّرْكُ، فَيَعُمُّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أشْرَكُوا بَعْدَ ظُهُورِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾)، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) إعْلامًا بِما لا تَخْلُو عَنْهُ مِن صُحْبَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى مُناواةِ الإسْلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ المَخْصُوصِ. والمُرادُ بِالظُّلْمِ الِاعْتِداءُ الخاصُّ المَعْهُودُ مِن قِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ وهي قِصَّةُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وما أغْراهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. قالَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ وغَيْرِهِ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وكانَ عُقْبَةُ لا يَقْدُمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا ودَعا إلَيْهِ أشْرافَ قَوْمِهِ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيءِ ﷺ، فَقَدِمَ مِن بَعْضِ أسْفارِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ودَعا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمّا قَرَّبُوا الطَّعامَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: ما أنا بِآكِلٍ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا صفحة ١٢ إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ عُقْبَةُ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَأكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مِن طَعامِهِ. وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ غائِبًا فَلَمّا قَدِمَ أُخْبِرَ بِقَضِيَّتِهِ، فَقالَ: صَبَأْتَ يا عُقْبَةُ. قالَ: واللَّهِ ما صَبَأْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِي حَتّى أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي ولَمْ يَطْعَمْ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ ‌أُبَيٌّ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ أبَدًا إلّا أنْ تَأْتِيَهُ فَتَبْصُقَ في وجْهِهِ. فَكَفَرَ عُقْبَةُ وأخَذَ في امْتِثالِ ما أمَرَهُ بِهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ»، فَيَكُونُ المُرادُ بِـ (فُلانًا) الكِنايَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ فَخُصُوصُهُ يَقْتَضِي لِحاقَ أمْثالِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أطاعُوا أخِلَّتَهم في الشِّرْكِ ولَمْ يَتَّبِعُوا سَبِيلَ الرَّسُولِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ عَنْ خَلِيلٍ مُشْرِكٍ مِثْلِهِ يَصُدُّهُ عَنْ مُتابَعَةِ الإسْلامِ إذا هَمَّ بِها ويُثَبِّتُهُ عَلى دِينِ الشِّرْكِ فَيَتَنَدَّمُ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى طاعَتِهِ ويُذْكُرُهُ بِاسْمِهِ. والعَضُّ: الشَّدُّ بِالأسْنانِ عَلى الشَّيْءِ لِيُؤْلِمَهُ أوْ لِيُمْسِكَهُ، وحَقُّهُ التَّعْدِيَةُ بِنَفْسِهِ إلّا أنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ المَعْضُوضِ إذا قَصَدُوا عَضًّا شَدِيدًا كَما في هَذِهِ الآيَةِ. والعَضُّ عَلى اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ النَّدامَةِ؛ لِأنَّهم تَعارَفُوا في بَعْضِ أغْراضِ الكَلامِ أنْ يَصْحَبُوها بِحَرَكاتٍ بِالجَسَدِ مِثْلِ التَّشَذُّرِ، وهو رَفْعُ اليَدِ عَنْ كَلامِ الغَضَبِ قالَ لَبِيدٌ: غُلْبٌ تَشَذَّرُ بِالدَّخُولِ كَأنَّهم جِنُّ البَدِيِّ رَواسِيًا أقْدامُها ومِثْلِ وضْعِ اليَدِ عَلى الفَمِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ قالَ تَعالى: (﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]) . ومِنهُ في النَّدَمِ قَرْعُ السِّنِّ بِالأُصْبُعِ، وعَضُّ السَّبّابَةِ، وعَضُّ اليَدِ. ويُقالُ: حَرَّقَ أسْنانَهُ وحَرَّقَ الأُرَّمَ (بِوَزْنِ رُكَّعٍ) الأضْراسَ أوْ أطْرافَ الأصابِعِ، وفي الغَيْظِ عَضُّ الأنامِلِ قالَ تَعالى: (﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وكانَتْ كِناياتٍ بِناءً عَلى ما يُلازِمُها في العُرْفِ مِن مَعانٍ نَفْسِيَّةٍ، وأصْلُ نَشْأتِها عَنْ تَهَيُّجِ القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ مِن جَرّاءِ غَضَبٍ أوْ تَلَهُّفٍ. والرَّسُولُ: هو المَعْهُودُ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ . صفحة ١٣ واتِّخاذُ السَّبِيلِ: أخْذُهُ، وأصْلُ الأخْذِ: التَّناوُلُ بِاليَدِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى قَصْدِ السَّيْرِ فِيهِ قالَ تَعالى: (﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣]) . و(مَعَ الرَّسُولِ) أيْ: مُتابِعًا لِلرَّسُولِ كَما يُتابِعُ المُسافِرُ دَلِيلًا يَسْلُكُ بِهِ أحْسَنَ الطُّرُقِ وأفْضاها إلى المَكانِ المَقْصُودِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِفِعْلِ الِاتِّباعِ ونَحْوِهِ بِأنْ يُقالَ: يا لَيْتَنِي اتَّبَعْتُ الرَّسُولَ، إلى هَذا التَّرْكِيبِ المُطْنَبِ؛ لِأنَّ في هَذا التَّرْكِيبِ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ الِاقْتِداءِ بِهَيْئَةِ مُسايِرَةِ الدَّلِيلِ تَمْثِيلًا مُحْتَوِيًا عَلى تَشْبِيهِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ بِالسَّبِيلِ، ومُتَضَمِّنًا تَشْبِيهَ ما يَحْصُلُ عَنْ سُلُوكِ ذَلِكَ السَّبِيلِ مِنَ النَّجاةِ بِبُلُوغِ السّائِرِ إلى المَوْضِعِ المَقْصُودِ فَكانَ حُصُولُ هَذِهِ المَعانِي صائِرًا بِالإطْنابِ إلى إيجازٍ، وأمّا لَفْظُ المُتابَعَةِ فَقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى الِاقْتِداءِ فَهو غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا التَّمْثِيلِ. وعَلِمَ أنَّ هَذا السَّبِيلَ سَبِيلُ نَجاحِ مَن تَمَنّاهُ؛ لِأنَّ التَّمَنِّيَ طَلَبُ الأمْرِ المَحْجُوبِ العَزِيزِ المَنالِ. و(يا لَيْتَنِي) نِداءٌ لِلْكَلامِ الدّالِّ عَلى التَّمَنِّي بِتَنْزِيلِ الكَلِمَةِ مَنزِلَةَ العاقِلِ الَّذِي يُطْلَبُ حُضُورُهُ؛ لِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ في حالَةِ النَّدامَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكِ فاحْضُرِي، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: (﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا النِّداءُ يَزِيدُ المُتَمَنِّيَ اسْتِبْعادًا لِلْحُصُولِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (يا ويْلَتا) هو تَحَسُّرٌ بِطْرِيقِ نِداءِ الوَيْلِ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، والألِفُ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وهو تَعْوِيضٌ مَشْهُورٌ في نِداءِ المُضافِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَيْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى (يا ويْلَتَنا) في قَوْلِهِ: (﴿يا ويْلَتَنا مالِهَذا الكِتابِ﴾ [الكهف: ٤٩]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وأتْبَعَ التَّحَسُّرَ بِتَمَنِّي أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا. وجُمْلَةُ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ اتِّباعَ سَبِيلِ الرَّسُولِ يَشْتَمِلُ عَلى نَبْذِ خُلَّةِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِهِ فَتَمَنِّي وُقُوعِ أوَّلِهِما يَشْتَمِلُ عَلى تَمَنِّي وُقُوعِ الثّانِي. صفحة ١٤ وجُمْلَةُ (يا ويْلَتا) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾) وجُمْلَةِ (﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾) . و(فُلانٌ): اسْمٌ يُكَنِّي عَمَّنْ لا يُذْكَرُ اسْمُهُ العَلَمُ، كَما يُكَنّى بِـ (فُلانَةٍ) عَمَّنْ لا يُرادُ ذِكْرُ اسْمِها العَلَمِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الحِكايَةِ أمْ في غَيْرِها. قالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ، وابْنُ مالِكٍ خِلافًا لِابْنِ السَّرّاجِ، وابْنِ الحاجِبِ في اشْتِراطِ وُقُوعِهِ في حِكايَةٍ بِالقَوْلِ، فَيُعامَلُ (فُلانٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المَقْرُونِ بِالنُّونِ الزّائِدَةِ و (فُلانَةٌ) مُعامَلَةَ العَلَمِ المُقْتَرِنِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُ الشّاعِرِ: ألا قاتَلَ اللَّهُ الوُشاةَ وقَوْلَهم ∗∗∗ فُلانَةُ أضْحَتْ خُلَّةً لِفُلانِ أرادَ نَفْسَهُ وحَبِيبَتَهُ. وقالَ المَرّارُ العَبْسِيُّ: وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ ∗∗∗ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْدِهِ بِفُـلانِ أرادَ: إذا ماتَ مَن لَهُ اسْمٌ مِنهم أخْلَفُوهُ بِغَيْرِهِ في السُّؤْدُدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ: وحَتّى سَألْتُ القَرْضَ مِن كُلِّ ذِي ∗∗∗ الغِنى ورَدَّ فُلانٌ حاجَتِي وفُلانُ وقالَ أبُو زَيْدٍ في نَوادِرِهِ: أنْشَدَنِي المُفَضِّلُ لِرَجُلٍ مِن ضَبَّةَ هَلَكَ مُنْذُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ سَنَةٍ، أيْ في أواسِطِ القَرْنِ الأوَّلِ لِلْهِجْرَةِ: إنَّ لَسَعِدٍ عِنْدَنا دِيوانَـا ∗∗∗ يُخْزِي فَلانًا وابْنَهُ فُلانا والدّاعِي إلى الكِنايَةِ بِفُلانٍ إمّا قَصْدُ إخْفاءِ اسْمِهِ خِيفَةً عَلَيْهِ أوْ خِيفَةً مِن أهْلِهِمْ أوْ لِلْجَهْلِ بِهِ، أوْ لِعَدَمِ الفائِدَةِ لِذِكْرِهِ، أوْ لِقَصْدِ نَوْعِ مَن لَهُ اسْمٌ عَلَمٌ. وهَذانِ الأخِيرانِ هُما اللَّذانِ يَجْرِيانِ في هَذِهِ الآيَةِ إنْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ خُصُوصِ عُقْبَةَ وأُبَيٍّ، أوْ حُمِلَتْ عَلى إرادَةِ كُلِّ مُشْرِكٍ لَهُ خَلِيلٌ صَدَّهُ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ. وإنَّما تَمَنّى أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا دُونَ تَمَنِّي أنْ يَكُونَ عَصاهُ فِيما سَوَّلَ لَهُ قَصْدًا لِلِاشْمِئْزازِ مَن خُلَّتِهِ مِن أصِلِها؛ إذْ كانَ الإضْلالُ مِن أحْوالِها. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ شَأْنَ الخُلَّةِ الثِّقَةُ بِالخَلِيلِ، وحَمْلُ مَشُورَتِهِ عَلى النُّصْحِ فَلا يَنْبَغِي صفحة ١٥ أنْ يَضَعَ المَرْءُ خُلَّتَهُ إلّا حَيْثُ يُوقِنُ بِالسَّلامَةِ مِن إشاراتِ السُّوءِ قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]) فَعَلى مَن يُرِيدُ اصْطِفاءَ خَلِيلٍ أنْ يَسِيرَ سِيرَتَهُ في خُوَيِّصَّتِهِ فَإنَّهُ سَيَحْمِلُ مَن يَخالُّهِ عَلى ما يَسِيرُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وقَدْ قالَ خالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ وهو ابْنُ أُخْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وهَذا عِنْدِي هو مَحْمِلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا» فَإنَّ مَقامَ النُّبُوءَةِ يَسْتَدْعِي مِنَ الأخْلاقِ ما هو فَوْقَ مَكارِمِ الأخْلاقِ المُتَعارَفَةِ في النّاسِ فَلا يَلِيقُ بِهِ إلّا مُتابَعَةُ ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالاتِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ، ولِهَذا قالَتْ عائِشَةُ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» . وعَلِمْنا بِهَذا أنَّ أبا بَكْرٍ أفْضَلُ الأُمَّةِ مَكارِمَ أخْلاقٍ بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ جَعَلَهُ المُخَيَّرَ لِخُلَّتِهِ لَوْ كانَ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾) تَعْلِيلِيَّةٌ لِتَمَنِّيهِ أنْ لا يَكُونَ اتَّخَذَ فُلانًا خَلِيلًا بِأنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْ خُلَّتِهِ أعْظَمُ خُسْرانٍ لِخَلِيلِهِ؛ إذْ أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ أنْ كادَ يَتَمَكَّنُ مِنهُ. وقَوْلُهُ: (﴿أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾) مَعْناهُ سَوَّلَ لِيَ الِانْصِرافَ عَنِ الحَقِّ. والضَّلالُ: إضاعَةُ الطَّرِيقِ وخَطَؤُهُ بِحَيْثُ يَسْلُكُ طَرِيقًا غَيْرَ المَقْصُودِ فَيَقَعُ في غَيْرِ المَكانِ الَّذِي أرادَهُ وإنَّما وقَعَ في أرْضِ العَدُوِّ أوْ في مَسْبَعَةٍ. ويُسْتَعارُ الضَّلالُ لِلْحِيادِ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ إلى الباطِلِ والسَّفَهِ كَما يُسْتَعارُ ضِدُهُ وهو الهُدى (الَّذِي هو إصابَةُ الطَّرِيقِ) لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ والصَّوابِ حَتّى تَساوى المَعْنَيانِ الحَقِيقِيّانِ والمَعْنَيانِ المَجازِيّانِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ولِذَلِكَ سَمَّوُا الدَّلِيلَ الَّذِي يَسْلُكُ بِالرَّكْبِ الطَّرِيقَ المَقْصُودَ هادِيًا. والإضْلالُ مُسْتَعارٌ هُنا لِلصَّرْفِ عَنِ الحَقِّ لِمُناسَبَةِ اسْتِعارَةِ السَّبِيلِ لِهَدْيِ الرَّسُولِ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا هُنا في المَعْنى الَّذِي غَلَبَ عَلى الباطِلِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (عَنْ) في قَوْلِهِ (عَنِ الذِّكْرِ) فَإنَّهُ لَوْ كانَ الإضْلالُ هو تَسْوِيلَ الضَّلالِ لَما احْتاجَ إلى تَعْدِيَتِهِ ولَكِنْ أُرِيدَ هُنا مُتابَعَةُ التَّمْثِيلِ السّابِقِ. فَفي قَوْلِهِ: (أضَلَّنِي) مَكْنِيَّةٌ تَقْتَضِي تَشْبِيهَ الذِّكْرِ بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى المَنجى، وإثْباتُ الإضْلالِ عَنْهُ تَخْيِيلٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ فَهَذِهِ نُكَتٌ مِن بَلاغَةِ نَظْمِ الآيَةِ. صفحة ١٦ والذِّكْرُ: هو القُرْآنُ، أيْ نَهانِي عَنِ التَّدَبُّرِ فِيهِ والِاسْتِماعِ لَهُ بَعْدَ أنْ قارَبْتُ فَهْمَهُ. والمَجِيءُ في قَوْلِهِ: (إذْ جاءَنِي) مُسْتَعْمَلٌ في إسْماعِهِ القُرْآنَ فَكَأنَّ القُرْآنَ جاءٍ حَلَّ عِنْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُهم: أتانِي نَبَأُ كَذا، قالَ النّابِغَةُ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي فَإذا حُمِلَ الظّالِمُ في قَوْلِهِ: (﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾) عَلى مُعَيَّنٍ وهو عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَمَعْنى مَجِيءِ الذِّكْرِ إيّاهُ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ إلى النَّبِيءِ ﷺ ويَأْنَسُ إلَيْهِ حَتّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وحَمَلَهُ عَلى عَداوَتِهِ وأذاتِهِ، وإذا حُمِلَ الظّالِمُ عَلى العُمُومِ، فَمَجِيءُ الذِّكْرِ هو شُيُوعُ القُرْآنِ بَيْنَهم، وإمْكانُ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ. وإضْلالُ خِلّانِهِمْ إيّاهم صَرْفُ كُلِّ واحِدٍ خَلِيلَهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَعاوُنُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ في ذَلِكَ. وقِيلَ: الذِّكْرُ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الظّالِمِ بِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كَما تَقَدَّمَ، وتَأْتِي في ذَلِكَ الوُجُوهُ المُتَقَدِّمَةُ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ لَمّا كانَتْ سَبَبَ النَّجاةِ مُثِّلَتْ بِسَبِيلِ الرَّسُولِ الهادِي، ومُثِّلَ الصَّرْفُ عَنْها بِالإضْلالِ عَنِ السَّبِيلِ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، أيْ بَعْدَ وقْتٍ جاءَنِي فِيهِ الذِّكْرُ، والإتْيانُ بِالظَّرْفِ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: بَعْدَ ما جاءَنِي، أوْ بَعْدَ أنْ جاءَنِي، لِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ في زَمَنٍ وتَحَقَّقَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]) أيْ تَمَكَّنَ هَدْيُهُ مِنهم. وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ خَذُولًا﴾) تَذْيِيلٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا مِن كَلامِ الظّالِمِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى أنَّ كُلَّ هَذا الإضْلالِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فَهو الَّذِي يُسَوِّلُ لِخَلِيلِ الظّالِمِ إضْلالَ خَلِيلِهِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ خَذُولُ الإنْسانِ، أيْ مَجْبُولٌ عَلى شِدَّةِ خَذْلِهِ. والخَذْلُ: تَرْكُ نَصْرِ المُسْتَنْجِدِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى نَصْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. فَإذا أعانَ عَلى الهَزِيمَةِ فَهو أشَدُّ الخَذْلِ، وهو المَقْصُودُ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ في صفحة ١٧ وصْفِ الشَّيْطانِ بِخَذْلِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ يَكِيدُ الإنْسانَ فَيُوَرِّطُهُ في الضُّرِّ فَهو خَذُولٌ.

الفرقان 25:30

﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِيَ اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ . عَطْفٌ عَلى أقْوالِ المُشْرِكِينَ، ومُناسَبَتُهُ لِقَوْلِهِ: (﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩]) أنَّ الذِّكْرَ هو القُرْآنُ فَحُكِيَتْ شِكايَةُ الرَّسُولِ إلى رَبِّهِ قَوْمَهُ مِن نَبْذِهِمُ القُرْآنَ بِتَسْوِيلِ زُعَمائِهِمْ وسادَتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم عَنِ القُرْآنِ، أيْ: عَنِ التَّأمُّلِ فِيهِ بَعْدَ أنْ جاءَهم وتَمَكَّنُوا مِنَ النَّظَرِ، وهَذا القَوْلُ واقِعٌ في الدُّنْيا والرَّسُولُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ. والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ إنْذارُ قُرَيْشٍ بِأنَّ الرَّسُولَ تَوَجَّهَ إلى رَبِّهِ في هَذا الشَّأْنِ فَهو يَسْتَنْصِرُ بِهِ ويُوشِكُ أنْ يَنْصُرَهُ، وتَأْكِيدُهُ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَكُونَ التَّشَكِّي أقْوى. والتَّعْبِيرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِـ (قَوْمِي) لِزِيادَةِ التَّذَمُّرِ مِن فِعْلِهِمْ مَعَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ قَوْمِ الرَّجُلِ أنْ يُوافِقُوهُ. وفِعْلُ الِاتِّخاذِ إذا قُيِّدَ بِحالَةٍ يُفِيدُ شِدَّةَ اعْتِناءِ المُتَّخِذِ بِتِلْكَ الحالَةِ بِحَيْثُ ارْتَكَبَ الفِعْلَ لِأجْلِها وجَعَلَهُ لَها قَصْدًا. فَهَذا أشَدُّ مُبالَغَةً في هَجْرِهِمُ القُرْآنَ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ قَوْمِي هَجَرُوا القُرْآنَ. واسْمُ الإشارَةِ في (هَذا القُرْآنَ) لِتَعْظِيمِهِ، وأنَّ مِثْلَهُ لا يُتَّخَذُ مَهْجُورًا بَلْ هو جَدِيرٌ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والِانْتِفاعِ بِهِ. والمَهْجُورُ: المَتْرُوكُ والمُفارَقُ. والمُرادُ هَنا تُرْكُ الِاعْتِناءِ بِهِ وسَماعِهِ.

الفرقان 25:31

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيءٍ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن بَعْضِ قَوْمِهِ هو سُنَّةٌ مِن سُنَنِ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِيَعْرِضُوا أحْوالَهم عَلى هَذا الحُكْمِ التّارِيخِيِّ فَيَعْلَمُوا صفحة ١٨ أنَّ حالَهم كَحالِ مَن كَذَّبُوا مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ. والقَوْلُ في قَوْلِهِ (وكَذَلِكَ) تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]) . والعَدُوُّ: اسْمٌ يَقَعُ عَلى المُفْرَدِ والجَمْعِ والمُرادُ هُنا الجَمْعُ. ووَصَفَ أعْداءَ الأنْبِياءِ بِأنَّهم مِنَ المُجْرِمِينَ، أيْ: مِن جُمْلَةِ المُجْرِمِينَ، فَإنَّ الإجْرامَ أعَمُّ مِن عَداوَةِ الأنْبِياءِ وهو أعْظَمُها. وإنَّما أُرِيدَ هُنا تَحْقِيقُ انْضِواءِ أعْداءِ الأنْبِياءِ في زُمْرَةِ المُجْرِمِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يُقالَ: عَدُوًّا مُجْرِمِينَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأعْقَبَ التَّسْلِيَةَ بِالوَعْدِ بِهِدايَةِ كَثِيرٍ مِمَّنْ هم يَوْمَئِذٍ مُعْرِضُونَ عَنْهُ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» وبِأنَّهُ يَنْصُرُهُ عَلى الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلى عَداوَتِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يُفَوِّضَ الأمْرَ إلَيْهِ فَإنَّهُ كافٍ في الهِدايَةِ والنَّصْرِ. والباءُ في قَوْلِهِ: (بِرَبِّكَ) تَأْكِيدٌ لِاتِّصالِ الفاعِلِ بِالفِعْلِ. وأصْلُهُ: كَفى رَبُّكَ في هَذِهِ الحالَةِ.

الفرقان 25:32

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ . عَوْدٌ إلى مَعاذِيرِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمُ الفاسِدَةِ؛ إذْ طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنَّهُ نُزِّلَ مُنَجَّمًا وقالُوا: لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَنَزَلَ كِتابًا جُمْلَةً واحِدَةً. وضَمِيرُ (قالُوا) ظاهِرٌ في أنَّهُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، وهَذِهِ جَهالَةٌ مِنهم بِنِسْبَةِ كُتُبِ الرُّسُلِ فَإنَّها لَمْ يَنْزِلْ شَيْءٌ مِنها جُمْلَةً واحِدَةً وإنَّما كانَتْ وحْيًا مُفَرَّقًا؛ فالتَّوْراةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْواحِ هي عَشْرُ كَلِماتٍ بِمِقْدارِ سُورَةِ اللَّيْلِ في القُرْآنِ، وما كانَ الإنْجِيلُ إلّا أقْوالًا يَنْطِقُ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المَلَأِ، وكَذَلِكَ الزَّبُورُ نَزَلَ قِطَعًا كَثِيرَةً، فالمُشْرِكُونَ نَسَبُوا ذَلِكَ أوْ جَهِلُوا فَقالُوا: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ جُمْلَةً واحِدَةً فَنَعْلَمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. وقِيلَ: إنَّ قائِلَ هَذا اليَهُودُ أوِ النَّصارى فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو بُهْتانٌ مِنهم؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ تَنْزِلِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ إلّا مُفَرَّقَةً. صفحة ١٩ فَخَوْضُ المُفَسِّرِينَ في بَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَةِ رَسُولِنا مِنَ الأُمِّيَّةِ وحالَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ اشْتِغالٌ بِما لا طائِلَ فِيهِ فَإنَّ تِلْكَ الكُتُبَ لَمْ تَنْزِلْ أسْفارًا تامَّةً قَطُّ. و(نُزِّلَ) هُنا مُرادِفُ أُنْزِلَ ولَيْسَ فِيهِ إيذانٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْعِيلُ مِنَ التَّكْثِيرِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: (جُمْلَةً واحِدَةً) . وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾) رَدًّا عَلى طَعْنِهِمْ فَهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ فِيهِ رَدٌّ لِما أرادُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾) . وعَدَلَ فِيهِ عَنْ خِطابِهِمْ إلى خِطابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إعْلامًا لَهُ بِحِكْمَةِ تَنْزِيلِهِ مُفَرَّقًا، وفي ضِمْنِهِ امْتِنانٌ عَلى الرَّسُولِ بِما فِيهِ تَثْبِيتُ قَلْبِهِ والتَّيْسِيرُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ (كَذَلِكَ) جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾) إشارَةٌ إلى الإنْزالِ المَفْهُومِ مِن (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾) وهو حالَةُ إنْزالِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا، أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ الإنْزالِ، أيِ المُنَجَّمِ، أيْ كَذَلِكَ الإنْزالِ الَّذِي جَهِلُوا حِكْمَتَهُ، فاسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ نائِبٌ عَنْ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ. فالتَّقْدِيرُ: أنْزَلْناهُ إنْزالًا كَذَلِكَ الإنْزالِ المُنَجَّمِ. فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ (كَذَلِكَ) مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ في المُحاوَرَةِ. واللّامُ في (لِنُثَبِّتَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (كَذَلِكَ) . والتَّثْبِيتُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ثابِتًا. والثَّباتُ: اسْتِقْرارُ الشَّيْءِ في مَكانِهِ غَيْرَ مُتَزَلْزِلٍ قالَ تَعالى: (﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ﴾ [إبراهيم: ٢٤]) . ويُسْتَعارُ الثَّباتُ لِلْيَقِينِ ولِلِاطْمِئْنانِ بِحُصُولِ الخَيْرِ لِصاحِبِهِ قالَ تَعالى: (﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦])، وهي اسْتِعاراتٌ شائِعَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ حُصُولِ الِاحْتِمالاتِ في النَّفْسِ بِاضْطِرابِ الشَّيْءِ في المَكانِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. والفُؤادُ: هُنا العَقْلُ. وتَثْبِيتُهُ بِذَلِكَ الإنْزالِ جَعْلُهُ ثابِتًا في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ لا يَضْطَرِبُ فِيهِ. وجاءَ في بَيانِ حِكْمَةِ إنْزالِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ وهي (﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾)؛ لِأنَّ تَثْبِيتَ الفُؤادِ يَقْتَضِي كُلَّ ما بِهِ خَيْرٌ لِلنَّفْسِ، فَمِنهُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحِكْمَةُ في تَفْرِيقِهِ أنْ نُقَوِّيَ بِتَفْرِيقِهِ فُؤادَكَ حَتّى تَعِيَهُ وتَحْفَظَهُ؛ لِأنَّ المُتَلَقِّنَ إنَّما يَقْوى قَلْبُهُ عَلى حِفْظِ العِلْمِ يُلْقى إلَيْهِ إذا أُلْقِيَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وجُزْءًا صفحة ٢٠ عَقِبَ جُزْءٍ، وما قالَهُ أيْضًا (أنَّهُ كانَ يَنْزِلُ عَلى حَسَبِ الدَّواعِي والحَوادِثِ وجَوّاباتِ السّائِلِينَ) . اهـ، أيْ: فَيَكُونُونَ أوْعى لِما يَنْزِلُ فِيهِ؛ لِأنَّهم بِحاجَةٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَكْثُرُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وذَلِكَ مِمّا يُثَبِّتُ فُؤادَ النَّبِيءِ ﷺ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ. وما قالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ (إنَّ تَنْزِيلَهُ مُفَرَّقًا وتَحَدِّيَهم بِأنْ يَأْتُوا بِبَعْضِ تِلْكَ التَّفارُقِ كُلَّما نَزَلَ شَيْءٌ مِنها، أدْخَلُ في الإعْجازِ وأنْوَرُ لِلْحُجَّةِ مِن أنْ يَنْزِلَ كُلُّهُ جُمْلَةً) . اهـ. ومِنهُ ما قالَهُ الجَدُّ الوَزِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّ القُرْآنَ لَوْ لَمْ يَنْزِلْ مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ لِما ظَهَرَ في كَثِيرٍ مِن آياتِهِ مُطابَقَتُها لِمُقْتَضى الحالِ ومُناسَبَتُها لِلْمَقامِ، وذَلِكَ مِن تَمامِ إعْجازِها. وقُلْتُ: إنَّ نُزُولَهُ مُنَجَّمًا أعُونُ لِحُفّاظِهِ عَلى فَهْمِهِ وتَدَبُّرِهِ. وقَوْلُهُ: (ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ)، أنْزَلْناهُ مُنَجَّمًا ورَتَّلْناهُ، والتَّرْتِيلُ يُوصَفُ بِهِ الكَلامُ إذا كانَ حَسَنَ التَّأْلِيفِ بَيِّنَ الدَّلالَةِ. واتَّفَقَتْ أقْوالُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ عَلى أنَّ هَذا التَّرْتِيلَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ ورَتِلٌ، إذا كانَتْ أسْنانُهُ مُفَلَّجَةً تُشْبِهُ نُورَ الأُقْحُوانِ. ولَمْ يُورِدُوا شاهِدًا عَلَيْهِ مِن كَلامِ العَرَبِ. والتَّرْتِيلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالَةً لِنُزُولِ القُرْآنِ، أيْ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا مُنَسَّقًا في ألْفاظِهِ ومَعانِيهِ غَيْرَ مُتَراكِمٍ، فَهو مُفَرَّقٌ في الزَّمانِ فَإذا كَمُلَ إنْزالُ سُورَةٍ جاءَتْ آياتُها مَرَتَّبَةً مُتَناسِبَةً كَأنَّها أُنْزِلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، ومُفَرَّقٌ في التَّأْلِيفِ بِأنَّهُ مُفَصَّلٌ واضِحٌ. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ كَلامِ النّاسِ إذا فُرِّقَ تَأْلِيفُهُ عَلى أزْمِنَةٍ مُتَباعِدَةٍ أنْ يَعْتَوِرَهُ التَّفَكُّكُ وعَدَمُ تَشابُهِ الجُمَلِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ (رَتَّلْناهُ) أمَرْنا بِتَرْتِيلِهِ، أيْ: بِقِراءَتِهِ مُرَتَّلًا، أيْ بِتَمَهُّلٍ بِأنْ لا يُعَجَّلَ في قِراءَتِهِ بِأنْ تُبَيَّنَ جَمِيعُ الحُرُوفِ والحَرَكاتِ بِمَهَلٍ، وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]) . و(تَرْتِيلًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ قُصِدَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ فَصارَ المَصْدَرُ مُبَيِّنًا لِنَوْعِ التَّرْتِيلِ.

الفرقان 25:33

صفحة ٢١ ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ . لَمّا اسْتَقْصى أكْثَرَ مَعاذِيرِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمْ وألْقَمَهم أحْجارَ الرَّدِّ إلى لَهَواتِهِمْ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ فَذْلَكَةً جامِعَةً تَعُمُّ ما تَقَدَّمَ وما عَسى أنْ يَأْتُوا بِهِ مِنَ الشُّكُوكِ والتَّمْوِيهِ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَدْحُوضٌ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ الكاشِفَةِ لِتُرَّهاتِهِمْ. والمِثْلُ: المُشابِهُ. وفِعْلُ الإتْيانِ مَجازٌ في أقْوالِهِمْ والمُحاجَّةِ بِهِ، وتَنْكِيرُ (مَثَلٍ) في سِياقِ النَّفْيِ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ بِكُلِّ مَثَلٍ. والمَقْصُودُ: مَثَلٌ مِن نَوْعِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْثالِهِمُ المُتَقَدِّمَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤])، (﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الفرقان: ٥]) بِقَرِينَةِ سَوْقِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَقِبَ اسْتِقْصاءِ شُبْهَتِهِمْ، (﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧])، (﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨])، (﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١])، (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) . ودَلَّ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى مِن قَوْلِهِ: (بِمَثَلٍ) قَوْلُهُ آنِفًا: (﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ [الفرقان: ٩]) عَقِبَ قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]) . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (يَأْتُونَكَ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِإفادَةِ أنَّ إتْيانَهم بالأمْثالِ يَقْصِدُونَ بِهِ أنْ يُفْحِمُوهُ. والإتْيانُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإظْهارِ. والمَعْنى: لا يَأْتُونَكَ بِشَبَهٍ يُشَبِّهُونَ بِهِ حالًا مِن أحْوالِكَ يَبْتَغُونَ إظْهارَ أنَّ حالَكَ لا يُشْبِهُ حالَ رَسُولٍ مِنَ اللَّهِ إلّا أبْطَلْنا تَشْبِيهَهم وأرَيْناهم أنَّ حالَةَ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ لا تُلازِمُ ما زَعَمُوهُ سَواءٌ كانَ ما أتَوْا بِهِ تَشْبِيهًا صَرِيحًا بِأحْوالِ غَيْرِ الرُّسُلِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها﴾ [الفرقان: ٥]) وقَوْلِهِمْ: (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧])، وقَوْلِهِمْ: (﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨])، أمْ كانَ نَفْيُ مُشابَهَةِ حالِهِ بِأحْوالِ الرُّسُلِ في زَعْمِهِمْ، فَإنَّ نَفْيَ مُشابَهَةِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي إثْباتَ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ [الفرقان: ٢١]) وكَذَلِكَ قَوْلُهم: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) إذا كانُوا قالُوهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُخالِفٌ لِحالِ نُزُولِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. فَهَذا نَفِيُ تَمْثِيلِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ الرُّسُلِ الأسْبَقِينَ في زَعْمِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا النَّوْعِ ما يَزْعُمُونَ أنَّهُ تَقْتَضِيهِ النُّبُوءَةُ مِنَ المَكانَةِ عِنْدَ اللَّهِ أنْ يَسْألَهُ، فَيُجابَ إلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ [الفرقان: ٧]) . صفحة ٢٢ وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: ولا يَأْتُونَكَ تَشْمَلُ ما عَسى أنْ يَأْتُوا بِهِ مِن هَذا النَّوْعِ كَقَوْلِهِمْ: (﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]) . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ (﴿إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ يَقْتَضِيها عُمُومُ الأمْثالِ؛ لِأنَّ عُمُومَ الأشْخاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأحْوالِ. وجُمْلَةُ (جِئْناكَ) حالِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿كَبِيرًا وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ١٩]) . وقَوْلُهُ: (﴿جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِ: (﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾) وهو مَجِيءٌ مَجازِيٌّ. ومُقابَلَةُ (﴿جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾) لِقَوْلِهِ: (﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾) إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ باطِلٌ. مِثالُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم: (﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧])، أبْطَلَهُ قَوْلُهُ: (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]) . والتَّعْبِيرُ في جانِبِ ما يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ مِنَ الحُجَّةِ بِـ (جِئْناكَ) دُونَ: أتَيْناكَ، كَما عُبِّرَ عَمّا يَجِيئُونَ بِهِ بِـ (يَأْتُونَكَ)، إمّا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، وإمّا لِأنَّ فِعْلَ الإتْيانِ إذا اسْتُعْمِلَ مَجازًا كَثُرَ فِيما يَسُوءُ وما يُكْرَهُ، كالوَعِيدِ والهِجاءِ، قالَ شَقِيقُ بْنُ شَرِيكٍ الأسَدِيُّ: أتانِي مِن أبِي أنَسٍ وعِـيدٌ فَسُلَّ لِغَيْظَةِ الضَّحّاكِ جِسْمِي وقَوْلُ النّابِغَةِ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي وقَوْلُهُ: فَلَيَأْتِيَنْكَ قَصائِدٌ ولَيَدْفَعَنْ ∗∗∗ جَيْشًا إلَيْكَ قَوادِمُ الأكْوارِ يُرِيدُ قَصائِدَ الهِجاءِ. وقَوْلُ المَلائِكَةِ لِلُوطٍ: (﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤]) أيْ: عَذابُ قَوْمِهِ ولِذَلِكَ قالُوا لَهُ في المَجِيءِ الحَقِيقِيِّ: (﴿بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣]) . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤]) (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١])، (﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]) . بِخِلافِ فِعْلِ المَجِيءِ إذا صفحة ٢٣ اسْتُعْمِلَ في مَجازِهِ، فَأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في وُصُولِ الخَيْرِ والوَعْدِ والنَّصْرِ والشَّيْءِ العَظِيمِ، قالَ تَعالى: (﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤])، (﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢])، (﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١])، وفي حَدِيثِ الإسْراءِ: . . مَرْحَبًا بِهِ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ، (﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١])، وقَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقُ الفِعْلِ ذا وجْهَيْنِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ فَيُطْلَقُ كِلا الفِعْلَيْنِ نَحْوَ (﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠])، فَإنَّ الأمْرَ هَنا مَنظُورٌ فِيهِ إلى كَوْنِهِ تَأْيِيدًا نافِعًا لِنُوحٍ. والتَّفْسِيرُ: البَيانُ والكَشْفُ عَنِ المَعْنى، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مُفَصَّلًا في المُقَدِّمَةِ الأُولى مِن مُقَدِّماتِ هَذا الكِتابِ، والمُرادُ هُنا كَشْفُ الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. ومَعْنى كَوْنِهِ أحْسَنَ، أنَّهُ أحَقُّ في الِاسْتِدْلالِ، فالتَّفْضِيلُ لِلْمُبالَغَةِ؛ إذْ لَيْسَ في حُجَّتِهِمْ حُسْنٌ أوْ يُرادُ بِالحُسْنِ ما يَبْدُو مِن بَهْرَجَةِ سَفْسَطَتِهِمْ وشُبَهِهِمْ فَيَجِيءُ الكَشْفُ عَنِ الحَقِّ أحْسَنَ وقْعًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ مِن مُغالَطاتِهِمْ، فَيَكُونُ التَّفْضِيلُ بِهَذا الوَجْهِ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَهَذِهِ نُكْتَةٌ مِن دَقائِقِ الِاسْتِعْمالِ ودَقائِقِ التَّنْزِيلِ.

الفرقان 25:34

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ، ولِوَعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَمِّهِمْ. والمَوْصُولُ واقِعٌ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِتَحْصِيلِ فائِدَةِ أنَّ أصْحابَ الضَّمِيرِ ثَبَتَ لَهم مَضْمُونُ الصِّلَةِ، ولِيَبْنِيَ عَلى الصِّلَةِ مَوْقِعَ اسْمِ الإشارَةِ، ومُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ أنْ يُقالَ: ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا هم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا ونَحْشُرُهم عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، كَما قالَ في سُورَةِ الإسْراءِ (﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]) عَقِبَ قَوْلِهِ: (﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]) ويُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أنَّ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَأْتُونَ بِالأمْثالِ تَكْذِيبًا صفحة ٢٤ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وإذْ كانَ قَصْدُهم مِمّا يَأْتُونَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ تَنْقِيصَ شَأْنِ النَّبِيءِ ذُكِّرُوا بِأنَّهم أهْلُ شَرِّ المَكانِ وضَلالِ السَّبِيلِ دُونَ النَّبِيءِ ﷺ . فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الإشارَةِ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى (﴿يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾) في سُورَةِ الإسْراءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ [الإسراء: ٩٧]) . وتَقدَّمَ ذِكْرُ الحَدِيثِ في السُّؤالِ عَنْ كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ. وشَرٌّ: اسْمُ تَفْضِيلٍ. وأصْلُهُ أشَرُّ وصِيغَتا التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: (شَرٌّ، وأضَلُّ) مُسْتَعْمَلَتانِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالشَّرِّ والضَّلالِ كَقَوْلِهِ: (﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ [يوسف: ٧٧]) في جَوابِ قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ: (﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]) . وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ القَصْرَ وهو قَصْرٌ لِلْمُبالِغَةِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَنِ انْحَصَرَ الشَّرُّ والضَّلالُ فِيهِمْ. ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: هم شَرُّ الخُلُقِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَيَكُونُ القَصْرُ قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ: هم شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا لا المُسْلِمُونَ، وصِيغَتا التَّفْضِيلِ مَسْلُوبَتا المُفاضَلَةِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ. والمَكانُ: المَقَرُّ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، مَكانُهم جَهَنَّمُ، وطَرِيقُهُمُ الطَّرِيقُ المَوْصُولُ إلَيْها وهو الَّذِي يُحْشَرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهِهِمْ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِالمَكانِ الأشِرِ والسَّبِيلِ الأضَلِّ، لِأجْلِ ما سَبَقَ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي مِنها قَوْلُهم: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) . و(سَبِيلًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، فَأصْلُهُ: وضَلَّ سَبِيلُهم. وإسْنادُ الضَّلالِ إلى السَّبِيلِ في التَّرْكِيبِ المُحَوَّلِ عَنْهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ السَّبِيلَ سَبَبُ ضَلالِهِمْ.

الفرقان 25:35

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ . لَمّا جَرى الوَعِيدُ والتَّسْلِيَةُ بِذِكْرِ حالِ المُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة ٢٥ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهم لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ وزِيادَةُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، والتَّعْرِيضُ بِوَعْدِهِ بِالِانْتِصارِ لَهُ. وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وقَوْمِهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمَنًا مِنَ الَّذِينَ ذُكِرُوا بَعْدَهُ، ولِأنَّ بَقايا شَرْعِهِ وأُمَّتِهِ لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ما رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) اليَهُودُ فَوَجْهُ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ ما أُوتِيَ مُوسى أظْهَرُ. وحَرْفُ التَّحْقِيقِ ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ بِتَدْمِيرِهِمْ. وأُرِيدَ بِالكِتابِ الوَحْيُ الَّذِي يُكْتَبُ ويُحْفَظُ، وذَلِكَ مِن أوَّلِ ما ابْتُدِئَ بِوَحْيِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ الألْواحَ؛ لِأنَّ إيتاءَهُ الألْواحَ كانَ بَعْدَ زَمَنِ قَوْلِهِ: (﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ﴾)، فَقَوْلُهُ: فَقُلْنا اذْهَبا مُفَرَّعٌ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ، فالإيتاءُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ. وفِي وصْفِ الوَحْيِ بِالكِتابِ تَعْرِيضٌ بِجَهالَةِ المُشْرِكِينَ القائِلِينَ (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢])، فَإنَّ الكُتُبَ الَّتِي أُوتِيَها الرُّسُلُ ما كانَتْ إلّا وحْيًا نَزَلَ مُنَجَّمًا فَجَمَعَهُ الرُّسُلُ وكَتَبَهُ أتْباعُهم. والتَّعْرِيضُ هُنا إلى تَأْيِيدِ مُوسى بِهارُونَ وتَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]) فَإنَّ مُوسى لَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَأْيِيدَهُ لَمْ يُؤَيَّدْ بِمَلَكٍ ولَكِنَّهُ أُيِّدَ بِرَسُولٍ مِثْلِهِ. والوَزِيرُ: المُؤازِرُ وهو المُعاوِنُ المُظاهِرُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ وهو القُوَّةُ. وأصْلُ الأزْرِ: شَدُّ الظَّهْرِ بِإزارٍ عِنْدَ الإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ذِي تَعَبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ. وكانَ هارُونُ رَسُولًا ثانِيًا ومُوسى هو الأصْلُ. والقَوْمُ هم قِبْطُ مِصْرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وصْفٌ لِلْقَوْمِ، ولَيْسَ هو مِنَ المَقُولِ لِمُوسى وهارُونَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ حِينَئِذٍ لَمّا يَقَعْ مِنهم، ولَكِنَّهُ وصْفٌ لِإفادَةِ قُرّاءِ القُرْآنِ أنَّ مُوسى وهارُونَ بَلَّغا الرِّسالَةَ وأظْهَرَ اللَّهُ مِنهُما الآياتِ فَكَذَّبَ بِها قَوْمُ فِرْعَوْنَ فاسْتَحَقُّوا التَّدْمِيرَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَمْهِيدًا لِلتَّفْرِيعِ بِـ (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾) الَّذِي هو المَقْصُودُ مِنَ المَوْعِظَةِ والتَّسْلِيَةِ. صفحة ٢٦ والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾) لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ عَنْهم بِالتَّدْمِيرِ. وقَدْ حَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ عَجِيبٌ اخْتُصِرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَذُكِرَ مِنها حاشِيَتاها: أوَّلُها وآخِرُها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ بِالقِصَّةِ وهو اسْتِحْقاقُ الأُمَمِ التَّدْمِيرَ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، والهَلاكُ: دُمُورٌ. وإتْباعُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما في تَنْكِيرِ المَصْدَرِ مِن تَعْظِيمِ التَّدْمِيرِ وهو الإغْراقُ في اليَمِّ.

الفرقان 25:36

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ . لَمّا جَرى الوَعِيدُ والتَّسْلِيَةُ بِذِكْرِ حالِ المُكَذِّبِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ صفحة ٢٥ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَمْثِيلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبِينَ رُسُلَهم لِيَحْصُلَ مِن ذَلِكَ مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ وزِيادَةُ تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ، والتَّعْرِيضُ بِوَعْدِهِ بِالِانْتِصارِ لَهُ. وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وقَوْمِهِ لِأنَّهُ أقْرَبُ زَمَنًا مِنَ الَّذِينَ ذُكِرُوا بَعْدَهُ، ولِأنَّ بَقايا شَرْعِهِ وأُمَّتِهِ لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ العَرَبِ، فَإنْ صَحَّ ما رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) اليَهُودُ فَوَجْهُ الِابْتِداءِ بِذِكْرِ ما أُوتِيَ مُوسى أظْهَرُ. وحَرْفُ التَّحْقِيقِ ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ بِتَدْمِيرِهِمْ. وأُرِيدَ بِالكِتابِ الوَحْيُ الَّذِي يُكْتَبُ ويُحْفَظُ، وذَلِكَ مِن أوَّلِ ما ابْتُدِئَ بِوَحْيِهِ إلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ الألْواحَ؛ لِأنَّ إيتاءَهُ الألْواحَ كانَ بَعْدَ زَمَنِ قَوْلِهِ: (﴿اذْهَبا إلى القَوْمِ﴾)، فَقَوْلُهُ: فَقُلْنا اذْهَبا مُفَرَّعٌ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ، فالإيتاءُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ. وفِي وصْفِ الوَحْيِ بِالكِتابِ تَعْرِيضٌ بِجَهالَةِ المُشْرِكِينَ القائِلِينَ (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢])، فَإنَّ الكُتُبَ الَّتِي أُوتِيَها الرُّسُلُ ما كانَتْ إلّا وحْيًا نَزَلَ مُنَجَّمًا فَجَمَعَهُ الرُّسُلُ وكَتَبَهُ أتْباعُهم. والتَّعْرِيضُ هُنا إلى تَأْيِيدِ مُوسى بِهارُونَ وتَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قالُوا: (﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]) فَإنَّ مُوسى لَمّا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَأْيِيدَهُ لَمْ يُؤَيَّدْ بِمَلَكٍ ولَكِنَّهُ أُيِّدَ بِرَسُولٍ مِثْلِهِ. والوَزِيرُ: المُؤازِرُ وهو المُعاوِنُ المُظاهِرُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ وهو القُوَّةُ. وأصْلُ الأزْرِ: شَدُّ الظَّهْرِ بِإزارٍ عِنْدَ الإقْبالِ عَلى عَمَلٍ ذِي تَعَبٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ. وكانَ هارُونُ رَسُولًا ثانِيًا ومُوسى هو الأصْلُ. والقَوْمُ هم قِبْطُ مِصْرَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ. والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وصْفٌ لِلْقَوْمِ، ولَيْسَ هو مِنَ المَقُولِ لِمُوسى وهارُونَ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ حِينَئِذٍ لَمّا يَقَعْ مِنهم، ولَكِنَّهُ وصْفٌ لِإفادَةِ قُرّاءِ القُرْآنِ أنَّ مُوسى وهارُونَ بَلَّغا الرِّسالَةَ وأظْهَرَ اللَّهُ مِنهُما الآياتِ فَكَذَّبَ بِها قَوْمُ فِرْعَوْنَ فاسْتَحَقُّوا التَّدْمِيرَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، وتَمْهِيدًا لِلتَّفْرِيعِ بِـ (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾) الَّذِي هو المَقْصُودُ مِنَ المَوْعِظَةِ والتَّسْلِيَةِ. صفحة ٢٦ والمَوْصُولُ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾) لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ عَنْهم بِالتَّدْمِيرِ. وقَدْ حَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ عَجِيبٌ اخْتُصِرَتْ بِهِ القِصَّةُ فَذُكِرَ مِنها حاشِيَتاها: أوَّلُها وآخِرُها؛ لِأنَّهُما المَقْصُودُ بِالقِصَّةِ وهو اسْتِحْقاقُ الأُمَمِ التَّدْمِيرَ بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ، والهَلاكُ: دُمُورٌ. وإتْباعُ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِما في تَنْكِيرِ المَصْدَرِ مِن تَعْظِيمِ التَّدْمِيرِ وهو الإغْراقُ في اليَمِّ.

الفرقان 25:37

﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الفرقان: ٣٥]) بِاعْتِبارِ أنَّ المَقْصُودَ وصْفُ قَوْمِهِ بِالتَّكْذِيبِ والإخْبارُ بِالتَّدْمِيرِ. وانْتَصَبَ (قَوْمَ نُوحٍ) بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ (أغْرَقْناهم) عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ. ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِكَلِمَةِ (لَمّا)؛ لِأنَّها كالظَّرْفِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُفَسِّرُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وفي هَذا النَّظْمِ اهْتِمامٌ بِقَوْمِ نُوحٍ؛ لِأنَّ حالَهم هو مَحَلُّ العِبْرَةِ فَقَدَّمَ ذَكْرَهم ثُمَّ أكَّدَ بِضَمِيرِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَوْمَ نُوحٍ) عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ النَّصْبِ في قَوْلِهِ: (فَدَمَّرْناهم) أيْ ودَمَّرْنا قَوْمَ نُوحٍ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾) مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) . والآيَةُ: الدَّلِيلُ، أيْ: جَعَلْناهم دَلِيلًا عَلى مَصِيرِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَهم. وجَعْلُهم آيَةً: هو تَواتُرُ خَبَرِهِمْ بِالغَرَقِ آيَةٌ. وجُعِلَ قَوْمُ نُوحٍ مُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ مَعَ أنَّهم كَذَّبُوا رَسُولًا واحِدًا؛ لِأنَّهُمُ اسْتَنَدُوا في تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم إلى إحالَةِ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ بَشَرًا؛ لِأنَّهم قالُوا صفحة ٢٧ (﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]) فَكانَ تَكْذِيبُهم مُسْتَلْزِمًا تَكْذِيبَ عُمُومِ الرُّسُلِ، ولِأنَّهم أوَّلُ مَن كَذَّبَ رَسُولَهم، فَكانُوا قُدْوَةً لِلْمُكَذِّبِينَ مِن بَعْدِهِمْ. وقِصَّةُ قَوْمِ نُوحٍ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ هُودٍ. وجُمْلَةُ (﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾) عَطْفٌ عَلى (أغْرَقْناهم) . والمَعْنى: عَذَّبْناهم في الدُّنْيا بِالغَرَقِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا في الآخِرَةِ. ووَقَعَ الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ فَقِيلَ (لِلظّالِمِينَ) عِوَضًا عَنْ: أعْتَدْنا لَهم، لِإفادَةِ أنَّ عَذابَهم جَزاءٌ عَلى ظُلْمِهِمْ بِالشِّرْكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ.

الفرقان 25:38

﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ . انْتَصَبَتِ الأسْماءُ الأرْبَعَةُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) . وفي تَقْدِيمِها تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأسْماءُ مَنصُوبَةً بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦]) . وتَنْوِينُ (عادًا وثَمُودًا) مَعَ أنَّ المُرادَ الأُمَّتانِ: فَأمّا تَنْوِينُ (عادًا) فَهو وجْهٌ وجِيهٌ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ عَرِيَ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وغَيْرُ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَحَقُّهُ الصَّرْفُ. وأمّا صَرْفُ (ثَمُودًا) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَعَلى اعْتِبارِ اسْمِ الأبِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ تَنْوِينَهُ لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ (عادًا) كَما قالَ تَعالى: (سَلاسِلًا وأغْلالًا وسَعِيرًا) . وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اسْمِ الأُمَّةِ مِنَ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ في سُورَةِ الأعْرافِ. وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِهِمْ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرَّسَّ بِئْرٌ عَظِيمَةٌ أوْ حَفِيرٌ كَبِيرٌ. ولَمّا كانَ اسْمًا لِنَوْعٍ مِن أماكِنِ الأرْضِ أطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى أماكِنَ كَثِيرَةٍ في بِلادِ العَرَبِ. قالَ زُهَيْرٌ: صفحة ٢٨ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ وسَمَّوْا بِالرَّسِّ ما عَرَفُوهُ مِن بِلادِ فارِسَ، وإضافَةُ (أصْحابَ) إلى (الرَّسِّ) إمّا لِأنَّهم أصابَهُمُ الخَسْفُ في رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهم نازِلُونَ عَلى رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهُمُ احْتَفَرُوا رَسًّا، كَما سُمِّيَ أصْحابُ الأُخْدُودِ الَّذِينَ خَدُّوهُ وأضْرَمُوهُ. والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِن بِلادِ اليَمامَةِ ويُسَمّى (فَلْجًا) . واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ مِن (أصْحابِ الرَّسِّ) في هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقايا ثَمُودَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ كانُوا في عَدَنٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ رَسُولًا. وكانَتِ العَنْقاءُ وهي طائِرٌ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ (سُمِّيَتِ العَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها) وكانَتْ تَسْكُنُ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ (فَتْحٌ)، وكانَتْ تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأهْلَكَها اللَّهُ بِالصَّواعِقِ. وقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ وقَتَلُوا نَبِيئَهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خُسِفَ بِهِمْ وبِدِيارِهِمْ. وقِيلَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا مَعَ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةَ، وأصْحابُ الرَّسِّ أهْلُ أنْطاكِيَةَ بُعِثَ إلَيْهِمْ حَبِيبٌ النَّجّارُ فَقَتَلُوهُ ورَسُّوهُ في بِئْرٍ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ يس (﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]) الآياتِ. وقِيلَ: الرَّسُّ وادٍ في (أذْرَبِيجانَ) في (أرّانَ) يَخْرُجُ مِن (قالِيقَلا) ويَصُبُّ في بُحَيْرَةِ (جُرْجانَ) ولا أحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّهُ مِن تَشابُهِ الأسْماءِ، يُقالُ: كانَتْ عَلَيْهِ ألْفُ مَدِينَةٍ هَلَكَتْ بِالخَسْفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أبْعَدُ. والقُرُونُ: الأُمَمُ؛ فَإنَّ القَرْنَ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]) في أوَّلِ الأنْعامِ. وفي الحَدِيثِ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ. صفحة ٢٩ والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَيْنَ ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ مِنَ الأُمَمِ. ومَعْنى (بَيْنَ ذَلِكَ) أنَّ أُمَمًا تَخَلَّلَتْ تِلْكَ الأقْوامَ ابْتِداءً مِن قَوْمِ نُوحٍ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِطُولِ مُدَدِ هَذِهِ القُرُونِ وكَثْرَتِها. والتَّنْوِينُ في (كُلًّا) تَنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وكُلُّهم ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (ضَرَبْنا لَهُ) تَقْدِيرُهُ: خاطَبْنا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا وضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ، وانْتَصَبَ (كُلًّا) الثّانِي بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) وكِلاهُما مِن قَبِيلِ الِاشْتِغالِ. والتَّتْبِيرُ: التَّفْتِيتُ لِلْأجْسامِ الصُّلْبَةِ كالزُّجاجِ والحَدِيدِ. وأُطْلِقَ التَّتْبِيرُ عَلى الإهْلاكِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ تَبَعِيَّةً في (تَبَّرْنا) وأصْلِيَّةً في (تَتْبِيرًا)، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿ولْيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ. وانْتَصَبَ (تَتْبِيرًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ لِإفادَةِ شِدَّةِ هَذا الإهْلاكِ. ومَعْنى ضَرْبِ الأمْثالِ: قَوْلُها وتَبْيِينُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمِثْلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، أيْ بَيَّنّا لَهُمُ الأشْباهَ والنَّظائِرَ في الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَعْرِضُوا حالَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها. قالَ تَعالى: (﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥]) .

الفرقان 25:39

﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ . انْتَصَبَتِ الأسْماءُ الأرْبَعَةُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) . وفي تَقْدِيمِها تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأسْماءُ مَنصُوبَةً بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦]) . وتَنْوِينُ (عادًا وثَمُودًا) مَعَ أنَّ المُرادَ الأُمَّتانِ: فَأمّا تَنْوِينُ (عادًا) فَهو وجْهٌ وجِيهٌ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ عَرِيَ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وغَيْرُ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَحَقُّهُ الصَّرْفُ. وأمّا صَرْفُ (ثَمُودًا) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَعَلى اعْتِبارِ اسْمِ الأبِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ تَنْوِينَهُ لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ (عادًا) كَما قالَ تَعالى: (سَلاسِلًا وأغْلالًا وسَعِيرًا) . وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اسْمِ الأُمَّةِ مِنَ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ في سُورَةِ الأعْرافِ. وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِهِمْ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرَّسَّ بِئْرٌ عَظِيمَةٌ أوْ حَفِيرٌ كَبِيرٌ. ولَمّا كانَ اسْمًا لِنَوْعٍ مِن أماكِنِ الأرْضِ أطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى أماكِنَ كَثِيرَةٍ في بِلادِ العَرَبِ. قالَ زُهَيْرٌ: صفحة ٢٨ بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ وسَمَّوْا بِالرَّسِّ ما عَرَفُوهُ مِن بِلادِ فارِسَ، وإضافَةُ (أصْحابَ) إلى (الرَّسِّ) إمّا لِأنَّهم أصابَهُمُ الخَسْفُ في رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهم نازِلُونَ عَلى رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهُمُ احْتَفَرُوا رَسًّا، كَما سُمِّيَ أصْحابُ الأُخْدُودِ الَّذِينَ خَدُّوهُ وأضْرَمُوهُ. والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِن بِلادِ اليَمامَةِ ويُسَمّى (فَلْجًا) . واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ مِن (أصْحابِ الرَّسِّ) في هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقايا ثَمُودَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ كانُوا في عَدَنٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ رَسُولًا. وكانَتِ العَنْقاءُ وهي طائِرٌ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ (سُمِّيَتِ العَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها) وكانَتْ تَسْكُنُ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ (فَتْحٌ)، وكانَتْ تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأهْلَكَها اللَّهُ بِالصَّواعِقِ. وقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ وقَتَلُوا نَبِيئَهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خُسِفَ بِهِمْ وبِدِيارِهِمْ. وقِيلَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا مَعَ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةَ، وأصْحابُ الرَّسِّ أهْلُ أنْطاكِيَةَ بُعِثَ إلَيْهِمْ حَبِيبٌ النَّجّارُ فَقَتَلُوهُ ورَسُّوهُ في بِئْرٍ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ يس (﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]) الآياتِ. وقِيلَ: الرَّسُّ وادٍ في (أذْرَبِيجانَ) في (أرّانَ) يَخْرُجُ مِن (قالِيقَلا) ويَصُبُّ في بُحَيْرَةِ (جُرْجانَ) ولا أحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّهُ مِن تَشابُهِ الأسْماءِ، يُقالُ: كانَتْ عَلَيْهِ ألْفُ مَدِينَةٍ هَلَكَتْ بِالخَسْفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أبْعَدُ. والقُرُونُ: الأُمَمُ؛ فَإنَّ القَرْنَ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]) في أوَّلِ الأنْعامِ. وفي الحَدِيثِ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ. صفحة ٢٩ والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَيْنَ ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ مِنَ الأُمَمِ. ومَعْنى (بَيْنَ ذَلِكَ) أنَّ أُمَمًا تَخَلَّلَتْ تِلْكَ الأقْوامَ ابْتِداءً مِن قَوْمِ نُوحٍ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِطُولِ مُدَدِ هَذِهِ القُرُونِ وكَثْرَتِها. والتَّنْوِينُ في (كُلًّا) تَنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وكُلُّهم ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (ضَرَبْنا لَهُ) تَقْدِيرُهُ: خاطَبْنا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا وضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ، وانْتَصَبَ (كُلًّا) الثّانِي بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) وكِلاهُما مِن قَبِيلِ الِاشْتِغالِ. والتَّتْبِيرُ: التَّفْتِيتُ لِلْأجْسامِ الصُّلْبَةِ كالزُّجاجِ والحَدِيدِ. وأُطْلِقَ التَّتْبِيرُ عَلى الإهْلاكِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ تَبَعِيَّةً في (تَبَّرْنا) وأصْلِيَّةً في (تَتْبِيرًا)، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿ولْيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ. وانْتَصَبَ (تَتْبِيرًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ لِإفادَةِ شِدَّةِ هَذا الإهْلاكِ. ومَعْنى ضَرْبِ الأمْثالِ: قَوْلُها وتَبْيِينُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمِثْلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، أيْ بَيَّنّا لَهُمُ الأشْباهَ والنَّظائِرَ في الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَعْرِضُوا حالَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها. قالَ تَعالى: (﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥]) .

الفرقان 25:40

﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ألَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ . لَمّا كانَ سَوْقُ خَبَرِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ وما بَيْنَهُما مِنَ القُرُونِ مَقْصُودًا لِاعْتِبارِ قُرَيْشٍ بِمَصائِرِهِمْ نُقِلَ نَظْمُ الكَلامِ هُنا إلى إضاعَتِهِمُ الِاعْتِبارَ بِذَلِكَ وبِما هو أظْهَرُ مِنهُ لِأنْظارِهِمْ، وهو آثارُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِقَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ. واقْتِرانُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ اعْتِبارِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الفرقان: ٢١]) . وكانَتْ قُرَيْشٌ يَمُرُّونَ بِدِيارِ قَوْمِ لُوطٍ في أسْفارِهِمْ صفحة ٣٠ لِلتِّجارَةِ إلى الشّامِ فَكانَتْ دِيارُهم يَمُرُّ بِها طَرِيقُهم قالَ تَعالى: (﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]) . وكانَ طَرِيقُ تِجارَتِهِمْ مِن مَكَّةَ عَلى المَدِينَةِ ويَدْخُلُونَ أرْضَ فِلَسْطِينَ فَيَمُرُّونَ حَذْوَ بُحَيْرَةِ لُوطٍ الَّتِي عَلى شافَّتِها بَقايا مَدِينَةِ (سَدُومَ) ومُعْظَمُها غَمَرَها الماءُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والإتْيانُ: المَجِيءُ. وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: مَرُّوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِمَجِيءِ القَرْيَةِ التَّذْكِيرُ بِمَصِيرِ أهْلِها فَكَأنَّ مَجِيئَهم إيّاها مُرُورٌ بِأهْلِها، فَضَمَّنَ المَجِيءَ مَعْنى المُرُورِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المُرُورَ فَإنَّ المُرُورَ يَتَعَلَّقُ بِالسُّكّانِ والمَجِيءَ يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ فَيُقالُ: جِئْنا خُراسانَ، ولا يُقالُ: مَرَرْنا بِخُراسانَ. وقالَ تَعالى: (﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]) . ووَصَفَ القَرْيَةَ بِ (﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾)؛ لِأنَّها اشْتُهِرَتْ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ الكِتابِ. وهَذِهِ القَرْيَةُ هي المُسَمّاةُ (سَدُومَ) بِفَتْحِ السِّينِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وكانَتْ لِقَوْمِ لُوطٍ قُرًى خَمْسٌ أعْظَمُها (سَدُومُ) . وتَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٠]) في سُورَةِ الأعْرافِ. و(مَطَرَ السَّوْءِ) هو عَذابٌ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ وهو حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ ورَمادٍ،، وتَسْمِيَتُهُ مَطَرًا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَطَرِ ماءُ السَّماءِ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ: الضُّرُّ والعَذابُ، وأمّا بِضَمِّ السِّينِ فَهو ما يَسُوءُ. والفَتْحُ هو الأصْلُ في مَصْدَرِ ساءَهُ؛ وأمّا السُّوءُ بِالضَّمِّ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، فَغَلَبَ اسْتِعْمالُ المَصْدَرِ في الَّذِي يَسُوءُ بِضُرٍّ، واسْتِعْمالُ اسْمِ المَصْدَرِ في ضِدِّ الإحْسانِ. وتَفَرَّعَ عَلى تَحْقِيقِ إتْيانِهِمْ عَلى القَرْيَةِ مَعَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ عَنِ انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها حِينَما يَأْتُونَ عَلَيْها؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا بِها كانُوا بِحالِ مَن يَسْألُ عَنْهم: هَلْ رَأوْها ؟ فَكانَ الِاسْتِفْهامُ لِإيقاظِ العُقُولِ لِلْبَحْثِ عَنْ حالِهِمْ. وهو اسْتِفْهامٌ إمّا مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّهْدِيدِ، وإمّا مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ لِمَعْرِفَةِ سَبَبِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ. وقَوْلُهُ: (﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ صفحة ٣١ انْتِقالًا مِن وصْفِ تَكْذِيبِهِمْ بِالنَّبِيءِ ﷺ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ إلى ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ انْتِهاءُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾) وهو الَّذِي يَجْرِي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الِاسْتِفْهامِ. وعَبَّرَ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِعَدَمِ رَجائِهِ؛ لِأنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ لا يَرْجُو مِنهُ نَفْعًا ولا يَخْشى مِنهُ ضُرًّا، فَعَبَّرَ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ بِأحَدِ شِقَّيِ الإنْكارِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ المُؤْمِنِينَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ. والنُّشُورُ: مَصْدَرُ نَشَرَ المَيِّتَ أحْياهُ، فَنَشَرَ، أيْ: حَيِيَ. وهو مِنَ الألْفاظِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى التَّخَيُّلِ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَهُ، ويُرْوى لِلْمُهَلْهِلِ في قِتالِهِ لِبَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ الَّذِينَ قَتَلُوا أخاهُ كُلَيْبًا قَوْلُهُ: يا لَبَكْرٍ انْشُرُوا لِي كُلَيْبًا يا لَبَكْرٍ أيْنَ أيْنَ الفِرارُ فَإذا صَحَّتْ نِسْبَةُ البَيْتِ إلَيْهِ كانَ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ تَعْجِيزَهم لِيُتَوَسَّلَ إلى قِتالِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ لِلِاعْتِبارِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ يَنْشَأُ عَنِ المُراقَبَةِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ لِطَلَبِ النَّجاةِ، وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ لَمّا نَشَئُوا عَلى إهْمالِ الِاسْتِعْدادِ لِما بَعْدَ المَوْتِ قَصُرَتْ أفْهامُهم عَلى هَذا العالَمِ العاجِلِ فَلَمْ يُعْنَوْا إلّا بِأسْبابِ وسائِلِ العاجِلَةِ، فَهم مَعَ زَكانَتِهِمْ في تَفَرُّسِ الذَّواتِ والشِّياتِ ومُراقَبَةِ سَيْرِ النُّجُومِ وأنْواءِ المَطَرِ والرِّيحِ ورائِحَةِ أتْرِبَةِ مَنازِلِ الأحْياءِ، هم مَعَ ذَلِكَ كُلِّه مُعْرِضُونَ بِأنْظارِهِمْ عَنْ تَوَسُّمِ الإلَهِيّاتِ وحَياةِ الأنْفُسِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وأصْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ كُلِّهِ انْجَرَّ لَهم مِن إنْكارِ البَعْثِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ هُنا عِلَّةً لِانْتِفاءِ اعْتِبارِهِمْ بِمَصِيرِ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولها وعَصَتْ رَبَّها. وفي هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]) أيْ: دُونَ مَن لا يَتَوَسَّمُونَ.

الفرقان 25:41

﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنَّ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] . كانَ ما تَقَدَّمَتْ حِكايَتُهُ مِن صُنُوفِ أذاهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقْوالًا صفحة ٣٢ فِي مَغِيبِهِ، فَعُطِفَ عَلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ أذًى خاصٌّ وهو الأذى حِينَ يَرَوْنَهُ. وهَذا صِنْفٌ مِنَ الأذى تَبْعَثُهم إلَيْهِ مُشاهَدَةُ الرَّسُولِ في غَيْرِ زِيِّ الكُبَراءِ والمُتْرَفِينَ لا يَجُرُّ المَطارِفَ ولا يَرْكَبُ النَّجائِبَ ولا يَمْشِي مَرَحًا ولا يَنْظُرُ خُيَلاءَ ويُجالِسُ الصّالِحِينَ ويُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ، ويَرْفُقُ بِالضُّعَفاءِ ويُواصِلُ الفُقَراءَ، وأُولَئِكَ يَسْتَخِفُّونَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، لِما غَلَبَ عَلى آرائِهِمْ مِن أفَنٍ، لِذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حالُهُ عِنْدَهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ إذا رَأوْهُ بِأنَّ حالَهُ لَيْسَتْ حالَ مَن يَخْتارُهُ اللَّهُ لِرِسالَتِهِ دُونَهم، ولا هو أهْلٌ لِقِيادَتِهِمْ وسِياسَتِهِمْ. وهَذا الكَلامُ صَدَرَ مِن أبِي جَهْلٍ وأهْلِ نادِيهِ. و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ يُجْعَلُ مُتَعَلِّقُهُ جَوابًا لَهُ. فَجُمْلَةُ (﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا﴾) جَوابُ (إذا) . والهُزُؤُ بِضَمَّتَيْنِ: مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧]) ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَصْفُ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ الهُزُؤِ؛ لِأنَّهم مَحَّضُوهُ لِذَلِكَ، وإسْنادُ (يَتَّخِذُونَكَ) إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَماعاتِهِمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ إذا رَأوْهُ وهم في مَجالِسِهِمْ ومُنْتَدَياتِهِمْ. وصِيغَةُ الحَصْرِ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ انْحَصَرَ اتِّخاذُهم إيّاهُ في الِاسْتِهْزاءِ بِهِ يُلازِمُونَهُ ويَدْأبُونَ عَلَيْهِ ولا يَخْلِطُونَ مَعَهُ شَيْئًا مِن تَذَكُّرِ أقْوالِهِ ودَعْوَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ المَنفِيَّةِ، أيْ لا يَتَّخِذُونَكَ في حالَةٍ إلّا في حالَةِ الِاسْتِهْزاءِ. وجُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ مِن قَبِيلِ القَوْلِ فَكانَ بَيانُهُ بِما هو مِن أقْوالِهِمْ ومُجاذَبَتِهِمُ الأحادِيثَ بَيْنَهم. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ؛ لِأنْ يَكُونَ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِصْغارِ كَما عَلِمْتَ في أوَّلِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ لِأنَّ في الإشارَةِ إلَيْهِ ما يَكْفِي لِلْقَطْعِ بِانْتِفاءِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، سِوى أنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنالِكَ تَعَجُّبِيٌّ فانْظُرْهُ. صفحة ٣٣ أمّا قَوْلُهم: (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) فالمَقْصُودُ مِنهُ تَفاخُرُهم بِتَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ وأنَّهم كادُوا أنْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإقْناعِ والإلْحاحِ فَكانَ تَأثُّرُ أسْماعِهِمْ بِأقْوالِهِ يُوشِكُ بِهِمْ أنْ يَرْفُضُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لَوْلا أنَّهم تَرَيَّثُوا، فَكانَ في الرَّيْثِ أنْ أفاقُوا مِن غِشاوَةِ أقْوالِهِ وخِلابَةِ اسْتِدْلالِهِ واسْتَبْصَرُوا مَرْآهُ فانْجَلى لَهم أنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَدْ جَمَعُوا مِن كَلامِهِمْ بَيْنَ تَزْيِيفِ حُجَّتِهِ وتَنْوِيهِ ثَباتِهِمْ في مَقامٍ يَسْتَفِزُّ غَيْرَ الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ. وهَذا الكَلامُ مَشُوبٌ بِفَسادِ الوَضْعِ ومُؤَلَّفٌ عَلى طَرائِقِ الدَّهْماءِ؛ إذْ يَتَكَلَّمُونَ كَما يَشْتَهُونَ ويَسْتَبْلِهُونَ السّامِعِينَ. ومِن خِلابَةِ المُغالَطَةِ إسْنادُهم مُقارَبَةَ الإضْلالِ إلى الرَّسُولِ دُونَ أنْفُسِهِمْ تَرَفُّعًا عَلى أنْ يَكُونُوا قارَبُوا الضَّلالَ عَنْ آلِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ مُقارَبَتَهُ إضْلالَهم تَسْتَلْزِمُ اقْتِرابَهم مِنَ الضَّلالِ. و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ، والأكْثَرُ في الكَلامِ إهْمالُها، أيْ: تَرْكُ عَمَلِها نَصْبَ الِاسْمِ ورَفْعَ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ الَّتِي تَلِيها يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُفْتَتَحَةً بِفِعْلٍ مِن أخَواتِ كانَ أوْ أخَواتِ ظَنَّ وهَذا مِن غَرائِبِ الِاسْتِعْمالِ. ولَوْ ذَهَبْنا إلى أنَّ اسْمَها ضَمِيرُ شَأْنٍ وأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ كَما ذَهَبُوا إلَيْهِ في (أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ إذا خُفِّفَتْ لَما كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا. وفي كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ ما يَشْهَدُ لَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والجُمْلَةُ بَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَيُضِلُّنا) هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ. والصَّبْرُ: الِاسْتِمْرارُ عَلى ما يَشُقُّ عَمَلُهُ عَلى النَّفْسِ. ويُعَدّى فِعْلُهُ بِحَرْفِ (عَلى) لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ المُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ. و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ: امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها فَتَقْتَضِي جَوابًا لِشَرْطِها، والجَوابُ هُنا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَ (لَوْلا) عَلَيْهِ، وهو (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) . وفائِدَةُ نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ دُونَ أنْ يُؤْتى بِأداةِ الشَّرْطِ ابْتِداءً مَتْلُوَّةً بِجَوابِها قَصْدُ العِنايَةِ بِالخَبَرِ ابْتِداءً بِأنَّهُ حاصِلٌ ثُمَّ يُوتى بِالشَّرْطِ بَعْدَهُ تَقْيِيدًا لِإطْلاقِ الخَبَرِ، فالصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ تَعْتَبِرُ المُقَدَّمَ دَلِيلَ الجَوابِ، والجَوابَ مَحْذُوفًا؛ لِأنَّ نَظَرَ النَّحْوِيِّ لِإقامَةِ أصْلِ التَّرْكِيبِ؛ فَأمّا أهْلُ البَلاغَةِ فَيَعْتَبِرُونَ صفحة ٣٤ ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ وتَقْيِيدُ الخَبَرِ بَعْدَ إطْلاقِهِ، ولِذا قالَ في الكَشّافِ: (لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الصَّنْعَةِ. فَهَذا شَأْنُ الشُّرُوطِ الواقِعَةِ بَعْدَ كَلامٍ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي﴾ [الممتحنة: ١]) فَإنَّ قَوْلَهُ: (إنْ كُنْتُمْ) قَيْدٌ في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ. وتَأْخِيرُ الشَّرْطِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ قَيْدٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو دَلِيلُ الجَوابِ. قالَ في الكَشّافِ: (إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (لا تَتَّخِذُوا) يَعْنِي: لا تَتَوَلَّوْا إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِي. وقَوْلُ النَّحْوِيِّينَ في مِثْلِهِ هو شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةٍ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ ) . اهـ. وكَذَلِكَ ما قُدِّمَ فِيهِ عَلى الشَّرْطِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ تَقْدِيمًا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]) .

الفرقان 25:42

(﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾) . هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾) المُتَضَمِّنِ أنَّهم عَلى هُدًى في دِينِهِمْ، وكانَ الجَوابُ بِقَطْعِ مُجادَلَتِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى حِينِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ وعِيدًا بِعَذابٍ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ عَذابُ السَّيْفِ النّازِلِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِمَّنْ رَآهُ أبُو جَهْلٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي، وزَعِيمُ القالَةِ في ذَلِكَ النّادِي. ولَمّا كانَ الجَوابُ بِالإعْراضِ عَنِ المُحاجَّةِ ارْتُكِبَ فِيهِ أُسْلُوبُ التَّهَكُّمِ بِجَعْلِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ المُسْتَقْبَلُ هو مَعْرِفَةُ مَن هو أشَدُّ ضَلالًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ المُجاراةِ وإرْخاءِ العِنانِ لِلْمُخْطِئِ إلى أنْ يَقِفَ عَلى خَطَئِهِ، وقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وهو مُثْخَنٌ بِالجِراحِ في حالَةِ النَّزْعِ لَمّا قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أنْتَ أبُو جَهْلٍ ؟ فَقالَ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلِ قَتَلَهُ قَوْمُهُ ؟ ) . و(مَن) الِاسْتِفْهامِيَّةُ أوْجَبَتْ تَعْلِيقَ فِعْلِ (يَعْلَمُونَ) عَنِ العَمَلِ.

الفرقان 25:43

﴿أراْيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ . اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِيما يَخْطُرُ بِنَفْسِهِ مِنَ الحُزْنِ عَلى تَكَرُّرِ صفحة ٣٥ إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ؛ إذْ كانَ حَرِيصًا عَلى هُداهم والإلْحاحِ في دَعْوَتِهِمْ، فَأعْلَمَهُ بِأنَّ مِثْلَهم لا يُرْجى اهْتِداؤُهُ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا هَواهم إلَهَهم، فالخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ . وفِعْلُ (اتَّخَذَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وهو مِن أفْعالِ التَّصْيِيرِ المُلْحَقَةِ بِأفْعالِ الظَّنِّ في العَمَلِ، وهو إلى بابِ كَسا وأعْطى أقْرَبُ مِنهُ إلى بابِ ظَنَّ، فَإنَّ (اتَّخَذَ) مَعْناهُ صَيَّرَ شَيْئًا إلى حالَةٍ غَيْرِ ما كانَ عَلَيْهِ أوْ إلى صُورَةٍ أُخْرى. والأصْلُ فِيهِ أنَّ مَفْعُولَهُ الأوَّلَ هو الَّذِي أُدْخِلَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ إلى حالِ المَفْعُولِ الثّانِي فَكانَ الحَقُّ أنْ لا يُقَدَّمَ مَفْعُولُهُ الثّانِي عَلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ لَبْسٌ يَلْتَبِسُ فِيهِ المَعْنى فَلا يُدْرى أيُّ المَفْعُولَيْنِ وقَعَ تَغْيِيرُهُ إلى مَدْلُولِ المَفْعُولِ الآخَرِ، أوْ كانَ المَعْنى الحاصِلُ مِنَ التَّقْدِيمِ مُساوِيًا لِلْمَعْنى الحاصِلِ مِنَ التَّرْتِيبِ في كَوْنِهِ مُرادًا لِلْمُتَكَلِّمِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾) إذا أُجْرِيَ عَلى التَّرْتِيبِ كانَ مَعْناهُ جَعَلَ إلَهَهُ الشَّيْءَ الَّذِي يَهْوى عِبادَتَهُ، أيْ: ما يُحِبُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا لَهُ، أيْ: لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، لا لِأنَّ إلَهَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْإلَهِيَّةِ، فالمَعْنى: مَنِ اتَّخَذَ رَبًّا لَهُ مَحْبُوبَهُ فَإنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ كانَتْ شَهْوَتُهم في أنْ يَعْبُدُوها ولَيْسَتْ لَهم حُجَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. فَإطْلاقُ (إلَهَهُ) عَلى هَذا الوَجْهِ إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ قَبْلَهُ: (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الفرقان: ٤٢])، ومَعْناهُ مَنقُولٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. واخْتارَهُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ وجَزَمَ بِأنَّهُ الصَّوابُ دُونَ غَيْرِهِ ولَيْسَ جَزْمُهُ بِذَلِكَ بِوَجِيهٍ وقَدْ بَحَثَ مَعَهُ بَعْضُ طَلَبَتِهِ. وإذا أُجْرِيَ عَلى اعْتِبارِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي كانَ المَعْنى: مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ قُدْوَةً لَهُ في أعْمالِهِ لا يَأْتِي عَمَلًا إلّا إذا كانَ وِفاقًا لِشَهْوَتِهِ فَكَأنَّ هَواهُ إلَهُهُ. وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى (إلَهَهُ) شَبِيهًا بِإلَهِهِ في إطاعَتِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وهَذا المَعْنى أشْمَلُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَشْمَلُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ ويَشْمَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُنْكَراتِ والفَواحِشِ مِن أفْعالِهِمْ. ونَحا إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وابْنُ عَطِيَّةَ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمِلًا لِلْآيَةِ. واعْلَمْ أنَّهُ كانَ مَجْمُوعُ جُمْلَتَيْ (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) كَلامًا واحِدًا مُتَّصِلًا ثانِيهِ بِأوَّلِهِ اتِّصالَ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ، تَعَيَّنَ فِعْلُ صفحة ٣٦ (رَأيْتَ) لِأنْ يَكُونَ فِعْلًا قَلْبِيًّا بِمَعْنى العِلْمِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: (أرَأيْتَ) إنْكارِيًّا كالثّانِي في قَوْلِهِ: (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) وكانَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ كَلامًا عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ التَّفْصِيلِ. والمَعْنى: أرَأيْتَكَ تَكُونُ وكِيلًا عَلى مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ، وتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: (أفَأنْتَ) فاءَ الجَوابِ لِلْمَوْصُولِ لِمُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ: (﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٩٨]) ) عَلى قِراءَة إعادَةِ هَمْزِ الِاسْتِفْهامِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) عِوَضًا عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ (أرَأيْتَ)، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ فِيهِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩]) وعَلَيْهِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (هَواهُ) بَلْ يُوصَلُ الكَلامُ. وهَذا النَّظْمُ هو الَّذِي مَشى عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ. وإنْ كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةً عَنِ الأُخْرى في نَظْمِ الكَلامِ كانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الأُولى مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا إلَهَهم هَواهم تَعْجِيبًا مَشُوبًا بِالإنْكارِ، وكانَتِ الفاءُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ذَلِكَ التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) إنْكارِيًّا بِمَعْنى أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ قَلْعَهُ عَنْ ضَلالِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]) . و(مَن) صادِقَةٌ عَلى الجَمْعِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: (﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [الفرقان: ٤٢])، ورُوعِيَ في ضَمائِرِ الصِّلَةِ لَفْظُ (مَن) فَأُفْرِدَتِ الضَّمائِرُ. والمَعْنى: مَنِ اتَّخَذُوا هَواهم إلَهًا لَهم أوْ مَنِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأجْلِ هَواهم. و(إلَهٌ) جِنْسٌ يَصْدُقُ بِعِدَّةِ آلِهَةٍ إنْ أُرِيدَ مَعْنى اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأجْلِ هَواهم. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (أنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا) لِلتَّقَوِّي إشارَةً إلى إنْكارِ ما حَمَّلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ مِنَ الحِرْصِ والحُزْنِ في طَلَبِ إقْلاعِهِمْ عَنِ الهَوى كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]) . والمَعْنى: تَكُونُ وكِيلًا عَلَيْهِ في حالِ إيمانِهِ بِحَيْثُ لا تُفارِقُ إعادَةَ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ حَتّى تُلْجِئَهُ إلَيْهِ.

الفرقان 25:44

صفحة ٣٧ ﴿أمْ تَحْسِبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ . انْتِقالٌ عَنِ التَّأْيِيسِ مِنِ اهْتِدائِهِمْ لِغَلَبَةِ الهَوى عَلى عُقُولِهِمْ إلى التَّحْذِيرِ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِمْ إدْراكُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ، وهَذا تَوْجِيهٌ ثانٍ لِلْإعْراضِ عَنْ مُجادَلَتِهِمُ الَّتِي أنْبَأ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢])، فَـ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن إنْكارٍ إلى إنْكارٍ وهي مُؤْذِنَةٌ بِاسْتِفْهامٍ عَطَفَتْهُ عَلى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي قَبْلَها. والتَّقْدِيرُ: أمْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ. والمُرادُ مِن نَفْيِ (أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ) نَفْيُ أثَرِ السَّماعِ وهو فَهْمُ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما يُلْقِيهِ الرَّسُولُ ﷺ لا يَرْتابُ فِيهِ إلّا مَن هو كالَّذِي لَمْ يَسْمَعْهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠]) . وعَطْفُ (أوْ يَعْقِلُونَ) عَلى (يَسْمَعُونَ) لِنَفْيِ أنْ يَكُونُوا يَعْقِلُونَ الدَّلائِلَ غَيْرَ المَقالِيَّةِ وهي دَلائِلُ الكائِناتِ، قالَ تَعالى: (﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) . وإنَّما نُفِيَ فَهْمُ الأدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ عَنْ أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا حالُ دَهْمائِهِمْ ومُقَلِّدِيهِمْ، وفِيهِمْ مَعْشَرٌ عُقَلاءُ يَفْهَمُونَ ويَسْتَدِلُّونَ بِالكائِناتِ ولَكِنَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الرِّئاسَةِ وأنِفُوا مِن أنْ يَعُودُوا أتْباعًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ومُساوِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن ضُعَفاءِ قُرَيْشٍ وعَبِيدِهِمْ مِثْلِ عَمّارٍ، وبِلالٍ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن إنْكارِ أنَّهم يَسْمَعُونَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ نَفْيِ فَهْمِهِمْ لِما يَسْمَعُونَ مَعَ سَلامَةِ حَواسِّ السَّمْعِ مِنهم، فَكانَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ تَبْيِينًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ حُصُولِ اخْتِراقِ أصْواتِ الدَّعْوى آذانَهم مَعَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِها لِعَدَمِ تَهَيُّئِهِمْ لِلِاهْتِمامِ بِها، فالغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ التَّقْرِيبُ والإمْكانُ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ: فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنـهم فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ وضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى أكْثَرِهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْنى لَفْظِهِ كَما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (يَسْمَعُونَ) . صفحة ٣٨ وانْتُقِلَ في صِفَةِ حالِهِمْ إلى ما هو أشَدُّ مِن حالِ الأنْعامِ بِأنَّهم أضَلُّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ. وضَلالُ السَّبِيلِ عَدَمُ الِاهْتِداءِ لِلْمَقْصُودِ؛ لِأنَّ الأنْعامَ تَفْقَهُ بَعْضَ ما تَسْمَعُهُ مِن أصْواتِ الزَّجْرِ ونَحْوِها مِن رُعاتِها وسائِقِيها وهَؤُلاءِ لا يَفْقَهُونَ شَيْئًا مِن أصْواتِ مُرْشِدِهِمْ وسائِسِهِمْ وهو الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤]) الآيَةَ.

الفرقان 25:45

﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فِيهِ انْتِقالٌ مِن إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ، وصِفاتِ الرُّسُلِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ وهو مِن هَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ. وفِيهِ انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ شِرْكِهِمْ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ [الفرقان: ٣]) الآيَةَ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِنَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]) . وما عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥])، (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الفرقان: ٢٠])، (﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ [الفرقان: ٣١])، فَكُلُّها مُخاطَباتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ جُعِلَ مَدُّ الظِّلِّ وقَبْضُهُ تَمْثِيلًا لِحِكْمَةِ التَّدْرِيجِ في التَّكْوِيناتِ الإلَهِيَّةِ والعُدُولِ بِها عَنِ الطَّفْرَةِ في الإيجادِ لِيَكُونَ هَذا التَّمْثِيلُ بِمَنزِلَةِ كُبْرى القِياسِ لِلتَّدْلِيلِ عَلى أنَّ تَنْزِيلَ القُرْآنِ مُنَجَّمًا جارٍ عَلى حِكْمَةِ التَّدَرُّجِ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ في حُصُولِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سابِقًا: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) . فَكانَ في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾) الآيَةَ، زِيادَةٌ في التَّعْلِيلِ عَلى ما في قَوْلِهِ: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) . ويَسْتَتْبِعُ هَذا إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ القُرْآنِ بِظُهُورِ شَمْسٍ في المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ صفحة ٣٩ مُظَلَّلَةً؛ إذْ قالَ تَعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) فَإنَّ حالَ النّاسِ في الضَّلالَةِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ تُشَبَّهُ بِحالِ امْتِدادِ ظُلْمَةِ الظِّلِّ، وصارَ ما كانَ مُظَلَّلًا ضاحِيًا بِالشَّمْسِ، وكانَ زَوالُ ذَلِكَ الظِّلِّ تَدْرِيجًا حَتّى يَنْعَدِمَ الفَيْءُ. فَنَظْمُ الآيَةِ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْثِيلِ أفادَ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا بِهَيْئَةِ مَدِّ الظِّلَّ مُدَرَّجًا ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا. وكانَ نَظْمُها بِحَمْلِهِ عَلى حَقِيقَةِ تَرْكِيبِهِ مُفِيدًا العِبْرَةَ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ في إثْباتِ دَقائِقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذانِ المُفادانِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وكانَ نَظْمُ الكَلامِ بِمَعْنى ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ مِن تَشْبِيهِ الهِدايَةِ بِنُورِ الشَّمْسِ. وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ عُطِفَ قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) . والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ فَهو صالِحٌ لِطَبَقاتِ السّامِعِينَ: مِن غافَلٍ يُسْألُ عَنْ غَفْلَتِهِ لِيُقِرَّ بِها تَحْرِيضًا عَلى النَّظَرِ، ومِن جاحِدٍ يُنْكَرُ عَلَيْهِ إهْمالُهُ النَّظَرَ، ومِن مُوَفَّقٍ يُحَثُّ عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقَدْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى النَّظَرِ فَعُدِّيَ إلى المَرْئِيِّ بِحَرْفِ (إلى) . والمَدُّ: بَسْطُ الشَّيْءِ المُنْقَبِضِ المُتَداخِلِ، يُقالُ: مَدَّ الحَبْلَ ومَدَّ يَدَهُ، ويُطْلَقُ المَدُّ عَلى الزِّيادَةِ في الشَّيْءِ وهو اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ، وهو هُنا الزِّيادَةُ في مِقْدارِ الظِّلِّ. ثُمَّ إذا كانَ المَقْصُودُ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ حالَةً مِن أحْوالِ الذّاتِ تَصِحُّ رُؤْيَتُها فَلَكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلى الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١])، (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥])، وصَحَّ تَعْدِيَتُهُ إلى اسْمِ الذّاتِ مُقَيَّدَةً بِالحالَةِ المَقْصُودَةِ بِحالٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ صِلَةٍ نَحْوِ (﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦]) ) . والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْدِيَتَيْنِ أنَّ الأُولى يُقْصَدُ مِنها العِنايَةُ بِالحالَةِ لا بِصاحِبِها؛ فالمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الفِيلِ: الِامْتِنانُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِما حَلَّ بِالَّذِينَ انْتَهَكُوا حُرْمَتَها مِنَ صفحة ٤٠ الِاسْتِئْصالِ، والمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الغاشِيَةِ العِبْرَةُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ الإبِلَ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن عَجِيبِ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ الآيَتانِ الأخِيرَتانِ، وإذْ قَدْ كانَ المَقامُ هُنا مَقامَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والإلَهِيَّةِ الحَقِّ لِلَّهِ تَعالى، أُوثِرَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ بِاسْمِ الذّاتِ ابْتِداءً ثُمَّ مَجِيءُ الحالِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجِيئًا كَمَجِيءِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ بَعْدَ ذِكْرِ المُبْدَلِ مِنهُ. وأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ﴾ [نوح: ١٥]) دُونَ أنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَوْا رَبَّكم كَيْفَ خَلَقَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا مُتَصَلِّبِينَ في الكُفْرِ، وكانَ قَدْ جادَلَهم في اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَعَلِمَ أنَّهُ إنِ ابْتَدَأهم بِالدَّعْوَةِ إلى النَّظَرِ في الوَحْدانِيَّةِ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا إلَيْهِ فَبادَأهم بِاسْتِدْعاءِ النَّظَرِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ. وعَلى كُلٍّ فَإنَّ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ وهي اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَيْفِيَّةِ فَهي في مَحَلٍّ بَدَلِ الِاشْتِمالِ (مِن رَبِّكَ)، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ إلى هَيْئَةِ مَدِّهِ الظِّلَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خُرُوجِ (كَيْفَ) عَنِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو النَّهارُ مِن وُجُودِ الظِّلِّ. وفِي وُجُودِ الظِّلِّ دَقائِقُ مِن أحْوالِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، فَإنَّ الظِّلَّ مِقْدارٌ مُحَدَّدٌ مِنَ الظُّلْمَةِ يَحْصُلُ مِن حَيْلُولَةِ جِسْمٍ بَيْنَ شُعاعِ الشَّمْسِ وبَيْنَ المَكانِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشُّعاعُ فَيَنْطَبِعُ عَلى المَكانِ مِقْدارٌ مِنَ الظِّلِّ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ كَيْفِيَّةِ الجِسْمِ الحائِلِ بَيْنَ الشُّعاعِ وبَيْنَ مَوْقِعِ الشُّعاعِ عَلى حَسَبِ اتِّجاهِ ذَلِكَ الجِسْمِ الحائِلِ مِن جِهَتِهِ الدَّقِيقَةِ أوِ الضَّخْمَةِ، ويَكُونُ امْتِدادُ تِلْكَ الظُّلْمَةِ المكَيَّفَةِ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الجِسْمِ مُتَفاوِتًا عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ بُعْدِ اتِّجاهِ الأشِعَةِ مِن مَوْقِعِها ومِنَ الجِسْمِ الحائِلِ، ومُخْتَلِفًا بِاسْتِواءِ المَكانِ وتَحَدُّبِهِ، فَذَلِكَ التَّفاوُتُ في مَقادِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ الواحِدِ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَدِّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما زادَ مِقْدارُ الظُّلْمَةِ المُكَيِّفَةِ لِكَيْفِيَّةِ الحائِلِ زادَ امْتِدادُ الظِّلِّ. فَتِلْكَ كُلُّها دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ والقُدْرَةِ العَظِيمَةِ. وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى كامِلًا فِعْلُ (مَدَّ) . صفحة ٤١ وهَذا الِامْتِدادُ يَكْثُرُ عَلى حَسَبِ مُقابَلَةِ الأشِعَةِ لِلْحائِلِ فَكُلَّما اتَّجَهَتِ الأشِعَةُ إلى الجِسْمِ مِن أخْفَضِ جِهَةٍ كانَ الظِّلُّ أوْسَعَ، وإذا اتَّجَهَتْ إلَيْهِ مُرْتَفِعَةً عَنْهُ تَقَلَّصَ ظِلُّهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا إلى أنْ تَصِيرَ الأشِعَةُ مُسامِتَةً أعْلى الجِسْمِ ساقِطَةً عَلَيْهِ فَيَزُولَ ظِلُّهُ تَمامًا أوْ يَكادُ يَزُولُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) أيْ: غَيْرَ مُتَزايِدٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَدُّ الظِّلِّ يُشْبِهُ صُورَةَ التَّحَرُّكِ أُطْلِقَ عَلى انْتِفاءِ الِامْتِدادِ اسْمُ السُّكُونِ بِأنْ يُلازِمَ مِقْدارًا واحِدًا لا يَنْقُصُ ولا يَزِيدُ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ الأرْضَ ثابِتَةً في سَمْتٍ واحِدٍ تِجاهَ أشِعَةِ الشَّمْسِ فَلا يَخْتَلِفُ مِقْدارُ ظَلِّ الأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ وتَلْزَمُ ظِلالُها حالَةً واحِدَةً فَتَنْعَدِمُ فَوائِدُ عَظِيمَةٌ. ودَلَّتْ مُقابَلَةُ قَوْلِهِ: (﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾) بِقَوْلِهِ: (﴿لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) عَلى حالَةٍ مَطْوِيَّةٍ مِنَ الكَلامِ، وهي حالَةُ عُمُومِ الظِّلِّ جَمِيعَ وجْهِ الأرْضِ، أيْ: حالَةُ الظُّلْمَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتِ اتِّجاهَ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى وجْهِ الأرْضِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ التَّوْراةِ: (وكانَتِ الأرْضُ خالِيَةً، وعَلى وجْهِ القَمَرِ ظُلْمَةٌ) ثُمَّ قالَ: (وقالَ اللَّهُ: لِيَكُنْ نُورٌ؛ فَكانَ نُورٌ. . .) . وفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ (إصْحاحُ واحِدٍ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ)، فاسْتِدْلالُ القُرْآنِ بِالظِّلِّ أجْدى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ لا يَكادُ يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِجَمالِها بِخِلافِ الظِّلِّ فَهو جامِعٌ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ فَكِلا دَلالَتَيْهِ واضِحَةٌ. وجُمْلَةُ (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ في الظِّلِّ مِنَّةً. وقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلَّ) وأفادَتْ (ثُمَّ) أنَّ مَدْلُولَ المَعْطُوفِ بِها مُتَراخٍ في الرُّتْبَةِ عَنْ مَدْلُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ شَأْنَ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمْلَةَ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ أنَّها أبْعَدُ اعْتِبارًا، أيْ: أنَّها أرْفَعُ في التَّأْثِيرِ أوْ في الوُجُودِ، فَإنَّ وُجُودَ الشَّمْسِ هو عِلَّةُ وُجُودِ الظِّلِّ لِلْأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ، والسَّبَبُ أرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ المُسَبَّبِ، أيْ أنَّ اللَّهَ مَدَّ الظِّلَّ بِأنْ جَعَلَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلى مَقادِيرِ امْتِدادِهِ. ولَمْ يُفْصِحِ المُفَسِّرُونَ عَنْ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ إفْصاحًا شافِيًا. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (ثُمَّ جَعَلْنا)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ صفحة ٤٢ أدْخَلُ في الِامْتِنانِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ فَهو مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ نِعْمَةٌ وهي نِعْمَةُ النُّورِ الَّذِي بِهِ تَمْيِيزُ أحْوالِ المَرْئِيّاتِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) ارْتِقاءٌ في المِنَّةِ. والدَّلِيلُ: المُرْشِدُ إلى الطَّرِيقِ والهادِي إلَيْهِ، فَجُعِلَ امْتِدادُ الظِّلِّ لِاخْتِلافِ مَقادِيرِهِ كامْتِدادِ الطَّرِيقِ وعَلاماتِ مَقادِيرَ مِثْلِ صُوى الطَّرِيقِ، وجُعِلَتِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ كانَتْ سَبَبًا في ظُهُورِ مَقادِيرِ الظِّلِّ كالهادِي إلى مَراحِلَ، بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، فَكَما أنَّ الهادِيَ يُخْبِرُ السّائِرَ أيْنَ يَنْزِلُ مِنَ الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ الشَّمْسُ بِتَسَبُّبِها في مَقادِيرِ امْتِدادِ الظِّلِّ تُعَرِّفُ المُسْتَدِلَّ بِالظِّلِّ بِأوْقاتِ أعْمالِهِ لِيَشْرَعَ فِيها. وتَعْدِيَةُ (دَلِيلًا) بِحَرْفِ (عَلى) تُفِيدُ أنَّ دَلالَةَ الشَّمْسِ عَلى الظِّلِّ هُنا دَلالَةُ تَنْبِيهٍ عَلى شَيْءٍ قَدْ يَخْفى كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (إلّا عَلَيَّ دَلِيلٌ) . وشَمِلَ هَذا حالَتَيِ المَدِّ والقَبْضِ. وجُمْلَةُ (ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلِّ)، أوْ عَلى جُمْلَةِ (جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)؛ لِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ مِن آثارِ جَعْلِ الشَّمْسِ دَلِيلًا عَلى الظِّلِّ. و(ثُمَّ) الثّانِيَةُ مِثْلُ الأُولى مُفِيدَةٌ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) أهَمُّ في الِاعْتِبارِ بِمَضْمُونِها مِن مَضْمُونِ (﴿جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾)؛ إذْ في قَبْضِ الظِّلِّ دَلالَةٌ مِن دَلالَةِ الشَّمْسِ هي عَكْسُ دَلالَتِها عَلى امْتِدادِهِ، فَكانَتْ أعْجَبَ إذْ هي عَمَلٌ ضِدٌّ لِلْعَمَلِ الأوَّلِ، وصُدُورُ الضِّدَّيْنِ مِنَ السَّبَبِ الواحِدِ أعْجَبُ مِن صُدُورِ أحَدِهِما السّابِقِ في الذِّكْرِ. والقَبْضُ: ضِدُّ المَدِّ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّقْصِ، أيْ: نَقَصْنا امْتِدادَهُ، والقَبْضُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلنَّقْصِ. وتَعْدِيَتُهُ بِقَوْلِهِ (إلَيْنا) تَخْيِيلٌ، شُبِّهَ الظِّلُّ بِحَبْلٍ أوْ ثَوْبٍ صفحة ٤٣ طَواهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ بَسَطَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَةِ، وحَرْفُ (إلى) ومَجْرُورُهُ تَخْيِيلٌ. ومَوْقِعُ وصْفِ القَبْضِ بِيَسِيرٍ هُنا أنَّهُ أُرِيدَ أنَّ هَذا القَبْضَ يَحْصُلُ بِبُطْءٍ دُونَ طَفْرَةٍ، فَإنَّ في التَّرَيُّثِ تَسْهِيلًا لِقَبْضِهِ؛ لِأنَّ العَمَلَ المُجَزَّأ أيْسَرُ عَلى النُّفُوسِ مِنَ المُجْتَمِعِ غالِبًا، فَأُطْلِقُ اليُسْرُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ عُرْفًا، وهو التَّدْرِيجُ بِبُطْءٍ، عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، لِيَكُونَ صالِحًا لِمَعْنًى آخَرَ سَنَتَعَرَّضُ إلَيْهِ في آخِرِ كَلامِنا. وتَعْدِيَةُ القَبْضِ بِـ (إلَيْنا)؛ لِأنَّهُ ضِدُّ المَدِّ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: (مَدَّ الظِّلَّ) . وقَدْ عُلِمَ مِن مَعْنى (قَبَضْناهُ) أنَّ هَذا القَبْضَ واقِعٌ بَعْدَ المَدِّ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ. وفِي مَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ نِعْمَةُ مَعْرِفَةِ أوْقاتِ النَّهارِ لِلصَّلَواتِ وأعْمالِ النّاسِ، ونِعْمَةُ التَّناوُبِ في انْتِفاعِ الجَماعاتِ والأقْطارِ بِفَوائِدِ شُعاعِ الشَّمْسِ وفَوائِدِ الفَيْءِ بِحَيْثُ إنَّ الفَرِيقَ الَّذِي كانَ تَحْتَ الأشِعَةِ يَتَبَرَّدُ بِحُلُولِ الظِّلِّ، والفَرِيقَ الَّذِي كانَ في الظِّلِّ يَنْتَفِعُ بِانْقِباضِهِ. هَذا مَحَلُّ العِبْرَةِ والمِنَّةِ اللَّتَيْنِ تَتَناوَلُهُما عُقُولُ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ مَدارِكِهِمْ. ووَراءَ ذَلِكَ عِبْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ كُبْرى تُوَضِّحُها قَواعِدُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ وحَرَكَةُ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ والضِّياءِ، فَلَيْسَ الظِّلُّ إلّا أثَرَ الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ هي أصْلُ كَيْفِيّاتِ الأكْوانِ ثُمَّ انْبَثَقَ النُّورُ بِالشَّمْسِ ونَشَأ عَنْ تَداوُلِ الظُّلْمَةِ والنُّورِ نِظامُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَنْ ذَلِكَ نِظامُ الفُصُولِ وخُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وبِها عُرِفَتْ مَناطِقُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ. ومِن وراءِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أصْلِ المَخْلُوقاتِ كَيْفَ طَرَأ عَلَيْها الإيجادُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَدَمًا، وكَيْفَ يَمْتَدُّ وُجُودُها في طَوْرِ نَمائِها، ثُمَّ كَيْفَ تَعُودُ إلى العَدَمِ تَدْرِيجًا في طَوْرِ انْحِطاطِها إلى أنْ تَصِيرَ إلى العَدَمِ، فَذَلِكَ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) فَيَكُونُ قَدْ حَصَلَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الظِّلِّ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المِنَّةِ والدَّلالَةِ عَلى نِظامِ القُدْرَةِ تَقْرِيبٌ لِحالَةِ إيجادِ النّاسِ وأحْوالِ الشَّبابِ وتَقَدُّمِ السِّنِّ، صفحة ٤٤ وأنَّهم عَقِبَ ذَلِكَ صائِرُونَ إلى رَبِّهِمْ يَوْمَ البَعْثِ مَصِيرًا لا إحالَةَ فِيهِ ولا بُعْدَ، كَما يَزْعُمُونَ، فَلَمّا صارَ قَبْضُ الظِّلِّ مَثَلًا لِمَصِيرِ النّاسِ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ وُصِفَ القَبْضُ بِيَسِيرٍ تَلْمِيحًا إلى قَوْلِهِ: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) . وفِي هَذا التَّمْثِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا كَظِلٍّ يَمْتَدُّ ويَنْقَبِضُ وما هو إلّا ظِلٌّ. فَهَذانِ المَحْمِلانِ في الآيَةِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ.

الفرقان 25:46

﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ فِيهِ انْتِقالٌ مِن إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أنْزَلَهُ عَلى رَسُولِهِ، وصِفاتِ الرُّسُلِ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ وهو مِن هَذا الِاعْتِبارِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ. وفِيهِ انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى بُطْلانِ شِرْكِهِمْ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ [الفرقان: ٣]) الآيَةَ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِنَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]) . وما عُطِفَ عَلَيْهِ (﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الفرقان: ١٥])، (﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الفرقان: ٢٠])، (﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا﴾ [الفرقان: ٣١])، فَكُلُّها مُخاطَباتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وقَدْ جُعِلَ مَدُّ الظِّلِّ وقَبْضُهُ تَمْثِيلًا لِحِكْمَةِ التَّدْرِيجِ في التَّكْوِيناتِ الإلَهِيَّةِ والعُدُولِ بِها عَنِ الطَّفْرَةِ في الإيجادِ لِيَكُونَ هَذا التَّمْثِيلُ بِمَنزِلَةِ كُبْرى القِياسِ لِلتَّدْلِيلِ عَلى أنَّ تَنْزِيلَ القُرْآنِ مُنَجَّمًا جارٍ عَلى حِكْمَةِ التَّدَرُّجِ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ في حُصُولِ المَقْصُودِ، وذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سابِقًا: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) . فَكانَ في قَوْلِهِ: (﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾) الآيَةَ، زِيادَةٌ في التَّعْلِيلِ عَلى ما في قَوْلِهِ: (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) . ويَسْتَتْبِعُ هَذا إيماءٌ إلى تَمْثِيلِ نُزُولِ القُرْآنِ بِظُهُورِ شَمْسٍ في المَواضِعِ الَّتِي كانَتْ صفحة ٣٩ مُظَلَّلَةً؛ إذْ قالَ تَعالى: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) فَإنَّ حالَ النّاسِ في الضَّلالَةِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ تُشَبَّهُ بِحالِ امْتِدادِ ظُلْمَةِ الظِّلِّ، وصارَ ما كانَ مُظَلَّلًا ضاحِيًا بِالشَّمْسِ، وكانَ زَوالُ ذَلِكَ الظِّلِّ تَدْرِيجًا حَتّى يَنْعَدِمَ الفَيْءُ. فَنَظْمُ الآيَةِ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْثِيلِ أفادَ تَمْثِيلَ هَيْئَةِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُنَجَّمًا بِهَيْئَةِ مَدِّ الظِّلَّ مُدَرَّجًا ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا. وكانَ نَظْمُها بِحَمْلِهِ عَلى حَقِيقَةِ تَرْكِيبِهِ مُفِيدًا العِبْرَةَ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ في إثْباتِ دَقائِقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وهَذانِ المُفادانِ مِن قَبِيلِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وكانَ نَظْمُ الكَلامِ بِمَعْنى ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ مِن تَشْبِيهِ الهِدايَةِ بِنُورِ الشَّمْسِ. وبِهَذِهِ النُّكْتَةِ عُطِفَ قَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) . والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ فَهو صالِحٌ لِطَبَقاتِ السّامِعِينَ: مِن غافَلٍ يُسْألُ عَنْ غَفْلَتِهِ لِيُقِرَّ بِها تَحْرِيضًا عَلى النَّظَرِ، ومِن جاحِدٍ يُنْكَرُ عَلَيْهِ إهْمالُهُ النَّظَرَ، ومِن مُوَفَّقٍ يُحَثُّ عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقَدْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى النَّظَرِ فَعُدِّيَ إلى المَرْئِيِّ بِحَرْفِ (إلى) . والمَدُّ: بَسْطُ الشَّيْءِ المُنْقَبِضِ المُتَداخِلِ، يُقالُ: مَدَّ الحَبْلَ ومَدَّ يَدَهُ، ويُطْلَقُ المَدُّ عَلى الزِّيادَةِ في الشَّيْءِ وهو اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ، وهو هُنا الزِّيادَةُ في مِقْدارِ الظِّلِّ. ثُمَّ إذا كانَ المَقْصُودُ بِفِعْلِ الرُّؤْيَةِ حالَةً مِن أحْوالِ الذّاتِ تَصِحُّ رُؤْيَتُها فَلَكَ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ إلى الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ [الفيل: ١])، (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥])، وصَحَّ تَعْدِيَتُهُ إلى اسْمِ الذّاتِ مُقَيَّدَةً بِالحالَةِ المَقْصُودَةِ بِحالٍ أوْ ظَرْفٍ أوْ صِلَةٍ نَحْوِ (﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨])، (﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦]) ) . والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْدِيَتَيْنِ أنَّ الأُولى يُقْصَدُ مِنها العِنايَةُ بِالحالَةِ لا بِصاحِبِها؛ فالمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الفِيلِ: الِامْتِنانُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِما حَلَّ بِالَّذِينَ انْتَهَكُوا حُرْمَتَها مِنَ صفحة ٤٠ الِاسْتِئْصالِ، والمَقْصُودُ مِن آيَةِ سُورَةِ الغاشِيَةِ العِبْرَةُ بِكَيْفِيَّةِ خَلْقِهِ الإبِلَ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن عَجِيبِ المَنافِعِ، وكَذَلِكَ الآيَتانِ الأخِيرَتانِ، وإذْ قَدْ كانَ المَقامُ هُنا مَقامَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ والإلَهِيَّةِ الحَقِّ لِلَّهِ تَعالى، أُوثِرَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ بِاسْمِ الذّاتِ ابْتِداءً ثُمَّ مَجِيءُ الحالِ بَعْدَ ذَلِكَ مَجِيئًا كَمَجِيءِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ بَعْدَ ذِكْرِ المُبْدَلِ مِنهُ. وأمّا قَوْلُهُ في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ﴾ [نوح: ١٥]) دُونَ أنْ يُقالَ: ألَمْ تَرَوْا رَبَّكم كَيْفَ خَلَقَ؛ لِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا مُتَصَلِّبِينَ في الكُفْرِ، وكانَ قَدْ جادَلَهم في اللَّهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَعَلِمَ أنَّهُ إنِ ابْتَدَأهم بِالدَّعْوَةِ إلى النَّظَرِ في الوَحْدانِيَّةِ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا إلَيْهِ فَبادَأهم بِاسْتِدْعاءِ النَّظَرِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ. وعَلى كُلٍّ فَإنَّ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ وهي اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَيْفِيَّةِ فَهي في مَحَلٍّ بَدَلِ الِاشْتِمالِ (مِن رَبِّكَ)، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ إلى هَيْئَةِ مَدِّهِ الظِّلَّ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خُرُوجِ (كَيْفَ) عَنِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانِ، فَإنَّهُ لا يَخْلُو النَّهارُ مِن وُجُودِ الظِّلِّ. وفِي وُجُودِ الظِّلِّ دَقائِقُ مِن أحْوالِ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ، فَإنَّ الظِّلَّ مِقْدارٌ مُحَدَّدٌ مِنَ الظُّلْمَةِ يَحْصُلُ مِن حَيْلُولَةِ جِسْمٍ بَيْنَ شُعاعِ الشَّمْسِ وبَيْنَ المَكانِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الشُّعاعُ فَيَنْطَبِعُ عَلى المَكانِ مِقْدارٌ مِنَ الظِّلِّ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ كَيْفِيَّةِ الجِسْمِ الحائِلِ بَيْنَ الشُّعاعِ وبَيْنَ مَوْقِعِ الشُّعاعِ عَلى حَسَبِ اتِّجاهِ ذَلِكَ الجِسْمِ الحائِلِ مِن جِهَتِهِ الدَّقِيقَةِ أوِ الضَّخْمَةِ، ويَكُونُ امْتِدادُ تِلْكَ الظُّلْمَةِ المكَيَّفَةِ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ الجِسْمِ مُتَفاوِتًا عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ بُعْدِ اتِّجاهِ الأشِعَةِ مِن مَوْقِعِها ومِنَ الجِسْمِ الحائِلِ، ومُخْتَلِفًا بِاسْتِواءِ المَكانِ وتَحَدُّبِهِ، فَذَلِكَ التَّفاوُتُ في مَقادِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ الواحِدِ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَدِّ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ كُلَّما زادَ مِقْدارُ الظُّلْمَةِ المُكَيِّفَةِ لِكَيْفِيَّةِ الحائِلِ زادَ امْتِدادُ الظِّلِّ. فَتِلْكَ كُلُّها دَلائِلُ كَثِيرَةٌ مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ والقُدْرَةِ العَظِيمَةِ. وقَدْ أفادَ هَذا المَعْنى كامِلًا فِعْلُ (مَدَّ) . صفحة ٤١ وهَذا الِامْتِدادُ يَكْثُرُ عَلى حَسَبِ مُقابَلَةِ الأشِعَةِ لِلْحائِلِ فَكُلَّما اتَّجَهَتِ الأشِعَةُ إلى الجِسْمِ مِن أخْفَضِ جِهَةٍ كانَ الظِّلُّ أوْسَعَ، وإذا اتَّجَهَتْ إلَيْهِ مُرْتَفِعَةً عَنْهُ تَقَلَّصَ ظِلُّهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا إلى أنْ تَصِيرَ الأشِعَةُ مُسامِتَةً أعْلى الجِسْمِ ساقِطَةً عَلَيْهِ فَيَزُولَ ظِلُّهُ تَمامًا أوْ يَكادُ يَزُولُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) أيْ: غَيْرَ مُتَزايِدٍ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَدُّ الظِّلِّ يُشْبِهُ صُورَةَ التَّحَرُّكِ أُطْلِقَ عَلى انْتِفاءِ الِامْتِدادِ اسْمُ السُّكُونِ بِأنْ يُلازِمَ مِقْدارًا واحِدًا لا يَنْقُصُ ولا يَزِيدُ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ الأرْضَ ثابِتَةً في سَمْتٍ واحِدٍ تِجاهَ أشِعَةِ الشَّمْسِ فَلا يَخْتَلِفُ مِقْدارُ ظَلِّ الأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ وتَلْزَمُ ظِلالُها حالَةً واحِدَةً فَتَنْعَدِمُ فَوائِدُ عَظِيمَةٌ. ودَلَّتْ مُقابَلَةُ قَوْلِهِ: (﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾) بِقَوْلِهِ: (﴿لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) عَلى حالَةٍ مَطْوِيَّةٍ مِنَ الكَلامِ، وهي حالَةُ عُمُومِ الظِّلِّ جَمِيعَ وجْهِ الأرْضِ، أيْ: حالَةُ الظُّلْمَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي سَبَقَتِ اتِّجاهَ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى وجْهِ الأرْضِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ التَّوْراةِ: (وكانَتِ الأرْضُ خالِيَةً، وعَلى وجْهِ القَمَرِ ظُلْمَةٌ) ثُمَّ قالَ: (وقالَ اللَّهُ: لِيَكُنْ نُورٌ؛ فَكانَ نُورٌ. . .) . وفَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ (إصْحاحُ واحِدٍ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ)، فاسْتِدْلالُ القُرْآنِ بِالظِّلِّ أجْدى مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالظُّلْمَةِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ لا يَكادُ يَحْصُلُ الشُّعُورُ بِجَمالِها بِخِلافِ الظِّلِّ فَهو جامِعٌ بَيْنَ الظُّلْمَةِ والنُّورِ فَكِلا دَلالَتَيْهِ واضِحَةٌ. وجُمْلَةُ (﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾) مُعْتَرِضَةٌ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّ في الظِّلِّ مِنَّةً. وقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلَّ) وأفادَتْ (ثُمَّ) أنَّ مَدْلُولَ المَعْطُوفِ بِها مُتَراخٍ في الرُّتْبَةِ عَنْ مَدْلُولِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ شَأْنَ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمْلَةَ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ أنَّها أبْعَدُ اعْتِبارًا، أيْ: أنَّها أرْفَعُ في التَّأْثِيرِ أوْ في الوُجُودِ، فَإنَّ وُجُودَ الشَّمْسِ هو عِلَّةُ وُجُودِ الظِّلِّ لِلْأجْسامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ، والسَّبَبُ أرْفَعُ رُتْبَةً مِنَ المُسَبَّبِ، أيْ أنَّ اللَّهَ مَدَّ الظِّلَّ بِأنْ جَعَلَ الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلى مَقادِيرِ امْتِدادِهِ. ولَمْ يُفْصِحِ المُفَسِّرُونَ عَنْ مَعْنى هَذِهِ الجُمْلَةِ إفْصاحًا شافِيًا. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (ثُمَّ جَعَلْنا)؛ لِأنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ صفحة ٤٢ أدْخَلُ في الِامْتِنانِ مِن ضَمِيرِ الغائِبِ فَهو مُشْعِرٌ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ نِعْمَةٌ وهي نِعْمَةُ النُّورِ الَّذِي بِهِ تَمْيِيزُ أحْوالِ المَرْئِيّاتِ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾) ارْتِقاءٌ في المِنَّةِ. والدَّلِيلُ: المُرْشِدُ إلى الطَّرِيقِ والهادِي إلَيْهِ، فَجُعِلَ امْتِدادُ الظِّلِّ لِاخْتِلافِ مَقادِيرِهِ كامْتِدادِ الطَّرِيقِ وعَلاماتِ مَقادِيرَ مِثْلِ صُوى الطَّرِيقِ، وجُعِلَتِ الشَّمْسُ مِن حَيْثُ كانَتْ سَبَبًا في ظُهُورِ مَقادِيرِ الظِّلِّ كالهادِي إلى مَراحِلَ، بِطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، فَكَما أنَّ الهادِيَ يُخْبِرُ السّائِرَ أيْنَ يَنْزِلُ مِنَ الطَّرِيقِ، كَذَلِكَ الشَّمْسُ بِتَسَبُّبِها في مَقادِيرِ امْتِدادِ الظِّلِّ تُعَرِّفُ المُسْتَدِلَّ بِالظِّلِّ بِأوْقاتِ أعْمالِهِ لِيَشْرَعَ فِيها. وتَعْدِيَةُ (دَلِيلًا) بِحَرْفِ (عَلى) تُفِيدُ أنَّ دَلالَةَ الشَّمْسِ عَلى الظِّلِّ هُنا دَلالَةُ تَنْبِيهٍ عَلى شَيْءٍ قَدْ يَخْفى كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (إلّا عَلَيَّ دَلِيلٌ) . وشَمِلَ هَذا حالَتَيِ المَدِّ والقَبْضِ. وجُمْلَةُ (ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (مَدَّ الظِّلِّ)، أوْ عَلى جُمْلَةِ (جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا)؛ لِأنَّ قَبْضَ الظِّلِّ مِن آثارِ جَعْلِ الشَّمْسِ دَلِيلًا عَلى الظِّلِّ. و(ثُمَّ) الثّانِيَةُ مِثْلُ الأُولى مُفِيدَةٌ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ؛ لِأنَّ مَضْمُونَ جُمْلَةِ (﴿قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) أهَمُّ في الِاعْتِبارِ بِمَضْمُونِها مِن مَضْمُونِ (﴿جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾)؛ إذْ في قَبْضِ الظِّلِّ دَلالَةٌ مِن دَلالَةِ الشَّمْسِ هي عَكْسُ دَلالَتِها عَلى امْتِدادِهِ، فَكانَتْ أعْجَبَ إذْ هي عَمَلٌ ضِدٌّ لِلْعَمَلِ الأوَّلِ، وصُدُورُ الضِّدَّيْنِ مِنَ السَّبَبِ الواحِدِ أعْجَبُ مِن صُدُورِ أحَدِهِما السّابِقِ في الذِّكْرِ. والقَبْضُ: ضِدُّ المَدِّ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّقْصِ، أيْ: نَقَصْنا امْتِدادَهُ، والقَبْضُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلنَّقْصِ. وتَعْدِيَتُهُ بِقَوْلِهِ (إلَيْنا) تَخْيِيلٌ، شُبِّهَ الظِّلُّ بِحَبْلٍ أوْ ثَوْبٍ صفحة ٤٣ طَواهُ صاحِبُهُ بَعْدَ أنْ بَسَطَهُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَةِ، وحَرْفُ (إلى) ومَجْرُورُهُ تَخْيِيلٌ. ومَوْقِعُ وصْفِ القَبْضِ بِيَسِيرٍ هُنا أنَّهُ أُرِيدَ أنَّ هَذا القَبْضَ يَحْصُلُ بِبُطْءٍ دُونَ طَفْرَةٍ، فَإنَّ في التَّرَيُّثِ تَسْهِيلًا لِقَبْضِهِ؛ لِأنَّ العَمَلَ المُجَزَّأ أيْسَرُ عَلى النُّفُوسِ مِنَ المُجْتَمِعِ غالِبًا، فَأُطْلِقُ اليُسْرُ وأُرِيدَ بِهِ لازِمُ مَعْناهُ عُرْفًا، وهو التَّدْرِيجُ بِبُطْءٍ، عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ، لِيَكُونَ صالِحًا لِمَعْنًى آخَرَ سَنَتَعَرَّضُ إلَيْهِ في آخِرِ كَلامِنا. وتَعْدِيَةُ القَبْضِ بِـ (إلَيْنا)؛ لِأنَّهُ ضِدُّ المَدِّ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: (مَدَّ الظِّلَّ) . وقَدْ عُلِمَ مِن مَعْنى (قَبَضْناهُ) أنَّ هَذا القَبْضَ واقِعٌ بَعْدَ المَدِّ فَهو مُتَأخِّرٌ عَنْهُ. وفِي مَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ نِعْمَةُ مَعْرِفَةِ أوْقاتِ النَّهارِ لِلصَّلَواتِ وأعْمالِ النّاسِ، ونِعْمَةُ التَّناوُبِ في انْتِفاعِ الجَماعاتِ والأقْطارِ بِفَوائِدِ شُعاعِ الشَّمْسِ وفَوائِدِ الفَيْءِ بِحَيْثُ إنَّ الفَرِيقَ الَّذِي كانَ تَحْتَ الأشِعَةِ يَتَبَرَّدُ بِحُلُولِ الظِّلِّ، والفَرِيقَ الَّذِي كانَ في الظِّلِّ يَنْتَفِعُ بِانْقِباضِهِ. هَذا مَحَلُّ العِبْرَةِ والمِنَّةِ اللَّتَيْنِ تَتَناوَلُهُما عُقُولُ النّاسِ عَلى اخْتِلافِ مَدارِكِهِمْ. ووَراءَ ذَلِكَ عِبْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ كُبْرى تُوَضِّحُها قَواعِدُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ وحَرَكَةُ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ وظُهُورُ الظُّلْمَةِ والضِّياءِ، فَلَيْسَ الظِّلُّ إلّا أثَرَ الظُّلْمَةِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ هي أصْلُ كَيْفِيّاتِ الأكْوانِ ثُمَّ انْبَثَقَ النُّورُ بِالشَّمْسِ ونَشَأ عَنْ تَداوُلِ الظُّلْمَةِ والنُّورِ نِظامُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَنْ ذَلِكَ نِظامُ الفُصُولِ وخُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ لِلْكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وبِها عُرِفَتْ مَناطِقُ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ. ومِن وراءِ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أصْلِ المَخْلُوقاتِ كَيْفَ طَرَأ عَلَيْها الإيجادُ بَعْدَ أنْ كانَتْ عَدَمًا، وكَيْفَ يَمْتَدُّ وُجُودُها في طَوْرِ نَمائِها، ثُمَّ كَيْفَ تَعُودُ إلى العَدَمِ تَدْرِيجًا في طَوْرِ انْحِطاطِها إلى أنْ تَصِيرَ إلى العَدَمِ، فَذَلِكَ مِمّا يُشِيرُ إلَيْهِ (﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾) فَيَكُونُ قَدْ حَصَلَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الظِّلِّ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المِنَّةِ والدَّلالَةِ عَلى نِظامِ القُدْرَةِ تَقْرِيبٌ لِحالَةِ إيجادِ النّاسِ وأحْوالِ الشَّبابِ وتَقَدُّمِ السِّنِّ، صفحة ٤٤ وأنَّهم عَقِبَ ذَلِكَ صائِرُونَ إلى رَبِّهِمْ يَوْمَ البَعْثِ مَصِيرًا لا إحالَةَ فِيهِ ولا بُعْدَ، كَما يَزْعُمُونَ، فَلَمّا صارَ قَبْضُ الظِّلِّ مَثَلًا لِمَصِيرِ النّاسِ إلى اللَّهِ بِالبَعْثِ وُصِفَ القَبْضُ بِيَسِيرٍ تَلْمِيحًا إلى قَوْلِهِ: (﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]) . وفِي هَذا التَّمْثِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا كَظِلٍّ يَمْتَدُّ ويَنْقَبِضُ وما هو إلّا ظِلٌّ. فَهَذانِ المَحْمِلانِ في الآيَةِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ.

الفرقان 25:47

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ . مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِاعْتِبارِ أحْوالِ الظِّلِّ والضَّحاءِ إلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ظاهِرَةٌ، فاللَّيْلُ يُشْبِهُ الظِّلَّ في أنَّهُ ظُلْمَةٌ تَعْقُبُ نُورَ الشَّمْسِ. ومَوْرِدُ الِاسْتِدْلالِ المَقْصِدُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ وهو قَصْرُ إفْرادٍ، أيْ لا يُشْرِكُهُ غَيْرُهُ في جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ. أمّا كَوْنُ الجَعْلِ المَذْكُورِ بِخَلْقِ اللَّهِ فَهم يُقِرُّونَ بِهِ؛ ولَكِنَّهم لَمّا جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ عَلى الإجْمالِ أُبْطِلَتْ شَرِكَتُهم بِقَصْرِ التَّصَرُّفِ في الأزْمانِ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ إذا بَطُلَ تَصَرُّفُهم في بَعْضِ المَوْجُوداتِ اخْتَلَّتْ حَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ عَنْهم؛ إذِ الإلَهِيَّةُ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ. و(لَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَعَلَ) أيْ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقَ لَهُ اللَّيْلُ أنَّهُ يَكُونُ لِباسًا لَكم. وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّ اللَّيْلَ خُلِقَ لِذَلِكَ فَقَطْ ؟ لِأنَّ اللَّيْلَ عَوْدُ الظَّلَمَةِ إلى جانِبٍ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ المُحْتَجِبِ عَنْ شُعاعِ الشَّمْسِ بِاسْتِداراتِهِ فَتَحْصُلُ مِن ذَلِكَ فَوائِدُ جَمَّةٌ مِنها ما في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: ٦٢]) إلَخْ. وقَدْ رَجَعَ أُسْلُوبُ الكَلامِ مِنَ المُتَكَلِّمِ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. و(لِباسًا) مُشَبَّهٌ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ ساتِرًا لَكم يَسْتُرُ بَعْضَكم صفحة ٤٥ عَنْ بَعْضٍ، وفي هَذا السَّتْرِ مِنَنٌ كَثِيرَةٌ لِقَضاءِ الحَوائِجِ الَّتِي يَجِبُ إخْفاؤُها. وتَقْدِيمُ الِاعْتِبارِ بِحالَةِ سَتْرِ اللَّيْلِ عَلى الِاعْتِبارِ بِحالَةِ النَّوْمِ لِرَعْيِ مُناسِبَةِ اللَّيْلِ بِالظِّلِّ كَما تَقَدَّمَ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: (﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا وجَعَلْنا اللَّيْل لِباسًا﴾ [النبإ: ٨]) في سُورَةِ النَّبَأِ، فَإنَّ نِعْمَةَ النَّوْمِ أهَمُّ مِن نِعْمَةِ السَّتْرِ، ولِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ نِعْمَةِ خَلْقِ الأزْواجِ وبَيْنَ النَّوْمِ أشَدُّ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ اسْتِدْلالًا وامْتِنانًا فَهي دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الخالِقِ، وهي أيْضًا تَذْكِيرٌ بِنِعَمِهِ، فَإنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٍ جَمَّةً لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ حُصُولُ الظُّلْمَةِ مِن دِقَّةِ نِظامِ دَوَرانِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ ومِن دِقَّةِ نِظامِ خَلْقِ الشَّمْسِ، ولِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّهارِ مِن تَغَيُّرِ دَوَرانِ الأرْضِ ومِن فَوائِدِ نُورِ الشَّمْسِ، ثُمَّ ما في خِلالِ ذَلِكَ مِن نِظامِ النَّوْمِ المُناسِبِ لِلظُّلْمَةِ حِينَ تَرْتَخِي أعْصابُ النّاسِ فَيَحْصُلُ لَهم بِالنَّوْمِ تَجَدُّدُ نَشاطِهِمْ، ومِنَ الِاسْتِعانَةِ عَلى التَّسَتُّرِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ومِن نِظامِ النَّهارِ مِن تَجَدُّدِ النَّشاطِ وانْبِعاثِ النّاس لِلْعَمَلِ وسَآمَتِهِمْ مِنَ الدَّعَةِ، مَعَ ما هو مُلائِمٌ لِذَلِكَ مِنَ النُّورِ الَّذِي بِهِ إبْصارُ ما يَقْصِدُهُ العامِلُونَ. والسُّباتُ لَهُ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ في اللُّغَةِ ناشِئَةٌ عَنِ التَّوَسُّعِ في مادَّةِ السَّبْتِ وهو القَطْعُ. وأنْسَبُ المَعانِي بِمَقامِ الِامْتِنانِ هو مَعْنى الرّاحَةِ وإنْ كانَ في كِلا المَعْنَيَيْنِ اعْتِبارٌ بِدَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ السُّباتَ بِالنَّوْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ناظِرًا في ذَلِكَ إلى مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾) . وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾) دُونَ أنْ يُعادَ في قَوْلِهِ: (﴿والنَّوْمَ سُباتًا﴾) مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَنْبِيهٌ إلى أنَّهُ جَعْلٌ مُخالِفٌ لِجَعْلِ اللَّيْلِ لِباسًا. وذَلِكَ أنَّهُ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (نُشُورًا)، والنُّشُورُ: بَعْثُ الأمْواتِ، وهو إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ وتَعْرِيضٌ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَن أحالُوهُ، بِتَقْرِيبِهِ بِالهُبُوبِ في النَّهارِ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ إذا أصْبَحَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيانا بَعْدَ إذْ أماتَنا وإلَيْهِ النُّشُورُ» . والنُّشُورُ: الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠]) . وهو هُنا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ البُرُوزُ والِانْتِشارُ فَيَكُونُ ضِدَّ صفحة ٤٦ اللِّباسِ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾) فَيَكُونُ الإخْبارُ بِهِ عَنِ النَّهارِ حَقِيقِيًّا، والمِنَّةُ في أنَّ النَّهارَ يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِحَوائِجِهِمْ واكْتِسابِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ بَعْثُ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها فَيَكُونُ الإخْبارُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

الفرقان 25:48

﴿وهْوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وامْتِنانٌ بِتَكْوِينِ الرِّياحِ والأسْحِبَةِ والمَطَرِ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِن حَيْثُ ما في الِاسْتِدْلالِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حالِ النُّشُورِ والِامْتِنانِ بِهِ، فانْتَقَلَ إلى ما في الرِّياحِ مِنَ النُّشُورِ بِذِكْرِ وصْفِها بِأنَّها نُشُرٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ لِكَوْنِها كَذَلِكَ في الواقِعِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ. ومَرْدُودُ الِاسْتِدْلالِ قَصْرُ إرْسالِ الرِّياحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبْطالًا لِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ بِنَفْيِ الشَّرِكَةِ في التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الكائِناتِ، وذَلِكَ ما لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلَخْ. . . وأُطْلِقَ عَلى تَكْوِينِ الرِّياحِ فِعْلُ (أرْسَلَ) الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في بَعْثِ شَيْءٍ وتَوْجِيهِهِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الرِّياحِ تُشْبِهُ السَّيْرَ. وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ الإرْسالِ في إطْلاقِ العَنانِ لِخَيْلِ السِّباقِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ خَلْقِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الرِّياحِ، فالعامَّةُ يَعْتَبِرُونَ بِما هو داخِلٌ تَحْتَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن ذَلِكَ، والخاصَّةُ يُدْرِكُونَ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ الرِّياحِ وهُبُوبِها واخْتِلافِها، وذَلِكَ ناشِئٌ عَنِ التِقاءِ حَرارَةِ جانِبٍ مِنَ الجَوِّ بِبُرُودَةِ جانِبٍ آخَرَ. ثُمَّ إنَّ الرِّياحَ بِهُبُوبِها حارَّةً مَرَّةً وبارِدَةً أُخْرى تُكَوِّنُ الأسْحِبَةَ وتُؤْذِنُ بِالمَطَرِ فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها: نُشُرٌ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ (أرْسَلَ الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (الرِّيحَ) صفحة ٤٧ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى مَعْنى الجِنْسِ. والقِراءَتانِ مُتَّحِدَتانِ في المَعْنى، ولَكِنْ غَلَبَ جَمْعُ الرِّيحِ في رِيحِ الخَيْرِ، وإفْرادُ الرِّيحِ في رِيحِ العَذابِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَصْرِيفِ الرِّياحِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُشُرًا) بِنُونٍ في أوَّلِهِ وبِضَمَّتَيْنِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلى تَخْفِيفِ الحَرَكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، وكُلُّها مِنَ النَّشْرِ وهو البَسْطُ كَما يُنْشَرُ الثَّوْبُ المَطْوِيُّ؛ لِأنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ. وقَرَأ عاصِمٌ بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وسُكُونِ الشِّينِ جَمْعَ بَشُورٍ مِنَ التَّبْشِيرِ؛ لِأنَّها تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]) ) في سُورَةِ الأعْرافِ. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (وأنْزَلْنا - لِنُحْيِيَ - ونَسْقِيَهُ - ولَقَدْ صَرَّفْناهُ) لِلدّاعِي الَّذِي قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ آنِفًا: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ [الفرقان: ٤٥]) . والمُرادُ بِـ (رَحْمَتِهِ) المَطَرُ؛ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ والحَيَوانِ بِما يُنْبِتُهُ مِنَ الشَّجَرِ والمَرْعى. وجُمْلَةُ (﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ (أرْسَلَ الرِّياحَ) إلَخْ، فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَصْرِ، أيْ وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا. وضَمِيرُ (أنْزَلْنا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والطَّهُورُ بِفَتْحِ الطّاءِ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ صَبُورٌ. وماءُ المَطَرِ بالِغٌ مُنْتَهى الطَّهارَةِ؛ إذْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ شَيْءٌ يُكَدِّرُهُ أوْ يُقَذِّرُهُ وهو في عِلْمِ الكِيمْياءِ أنْقى المِياهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ جَمِيعِ الجَراثِيمِ فَهو الصّافِي حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ هو بالِغُ نِهايَةِ الطَّهارَةِ في جِنْسِهِ مِنَ المِياهِ، ووَصْفُ الماءِ بِالطَّهُورِ يَقْتَضِي أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ؛ إذِ العُدُولُ عَنْ صِيغَةِ فاعِلٍ إلى صِيغَةِ فَعُولٍ لِزِيادَةِ مَعْنًى في الوَصْفِ، فاقْتِضاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ اقْتِضاءٌ التِزامِيٌّ صفحة ٤٨ لِيَكُونَ مُسْتَكْمِلًا وصْفَ الطَّهارَةِ القاصِرَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، فَيَكُونَ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ إدْماجًا لِمِنَّةٍ في أثْناءِ المِنَنِ المَقْصُودَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]) وصَفَ الطَّهارَةَ الذّاتِيَّةَ وتَطْهِيرَهُ، فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ إدْماجًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الأحَقُّ بِمَقامِ الِامْتِنانِ وصْفُ الماءِ بِالصَّفاءِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والبَلْدَةُ: الأرْضُ. ووَصْفُها بِالحَياةِ والمَوْتِ مَجازانِ لِلرَّيِّ والجَفافِ؛ لِأنَّ رَيَّ الأرْضِ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّباتُ وهو يُشْبِهُ الحَيَّ وجَفافُ الأرْضِ يَجِفُّ بِهِ النَّباتُ فَيُشْبِهُ المَيِّتَ. ولِماءِ المَطَرِ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ لِكُلِّ أرْضٍ؛ لِأنَّهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الجَراثِيمِ ومِن بَعْضِ الأجْزاءِ المَعْدِنِيَّةِ والتُّرابِيَّةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِياهُ العُيُونِ ومِياهُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ كانَ صالِحًا بِكُلِّ أرْضٍ وبِكُلِّ نَباتٍ عَلى اخْتِلافِ طِباعِ الأرَضِينَ والمَنابِتِ. والبَلْدَةُ: البَلَدُ. والبَلَدُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أجْناسِ البِقاعِ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ. ووُصِفَتِ البَلْدَةُ بِمَيِّتٍ، وهو وصْفٌ مُذَكِّرٌ لِتَأْوِيلِ (بَلْدَةٍ) بِمَعْنى مَكانٍ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ. وقالَ في الكَشّافِ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالمَوْتِ ولَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الِاسْمِ الجامِدِ (أيْ فَلَمْ يُغَيَّرْ) . وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَيِّتِ، ووَصْفُ البَلْدَةِ بِهِ وصْفٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾) إيماءٌ إلى تَقْرِيبِ إمْكانِ البَعْثِ. (ونُسْقِيَهُ) بِضَمِّ النُّونِ مُضارِعُ أسْقى مِثْلَ الَّذِي بِفَتْحِ النُّونِ فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. يُقالُ: أسْقى وسَقى. قالَ تَعالى: (﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ [القصص: ٢٣]) بِفَتْحِ النُّونِ. وقِيلَ: سَقى: أعْطى الشَّرابَ، وأسْقى: هَيَّأ الماءَ لِلشُّرْبِ. وهَذا القَوْلُ أسَدُّ؛ لِأنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ مِن مَحاسِنِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ المَعْنى هَيَّأْناهُ لِشُرْبِ الأنْعامِ والأناسِيِّ، فَكُلُّ مَنِ احْتاجَ لِلشُّرْبِ شَرِبَ مِنهُ سَواءٌ مَن شَرِبَ ومَن لَمْ يَشْرَبْ. و(أنْعامًا) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (نُسْقِيَهُ) . وقَوْلُهُ: (مِمّا خَلَقْنا) حالٌ مِن (﴿أنْعامًا وأناسِيَّ﴾) . و (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بَعْضَ ما خَلَقْناهُ، والمَوْصُولُ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ: نُسْقِيهِمْ لِأنَّهم مَخْلُوقاتٌ. فَفائِدَةُ هَذا الحالِ الإشارَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّها خَلْقُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أنْواعًا أُخْرى مِنَ صفحة ٤٩ الخَلائِقِ تُسْقى بِماءِ السَّماءِ، ولَكِنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأنْعامِ والأناسِيِّ؛ لِأنَّهُما مَوْقِعُ المِنَّةِ؛ فالأنْعامُ بِها صَلاحُ حالِ البادِينَ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها، وهي تَشْرَبُ مِن مِياهِ المَطَرِ مِنَ الأحْواضِ والغُدْرانِ. والأناسِيُّ: جَمْعُ إنْسِيٍّ، وهو مُرادِفُ إنْسانٍ. فالياءُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ. وجُمِعَ عَلى فَعالِيَّ مِثْلِ كُرْسِيِّ وكَراسِيَّ. ولَوْ كانَتْ ياؤُهُ نَسَبٌ لَجُمِعَ عَلى أناسِيَةٍ كَما قالُوا: صَيْرَفِيٌّ وصَيارِفَةٌ. ووُصِفَ الأناسِيُّ بِـ (كَثِيرًا)؛ لِأنَّ بَعْضَ الأناسِيِّ لا يَشْرَبُونَ مِن ماءِ السَّماءِ وهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِن مِياهِ الأنْهارِ كالنِّيلِ والفُراتِ، والآبارِ والصَّهارِيجِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ. فالمِنَّةُ أخَصُّ بِهِمْ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ: ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرًا وفِي أحادِيثِ ذِكْرِ هاجَرَ زَوْجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (فَتِلْكَ أُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ) يَعْنِي العَرَبَ. وماءُ المَطَرِ لِنَقاوَتِهِ الَّتِي ذَكَرْناها صالِحٌ بِأمْعاءِ كُلِّ النّاسِ وكُلِّ الأنْعامِ دُونَ بَعْضِ مِياهِ العُيُونِ والأنْهارِ. ووَصَفَ أناسِيَّ، وهو جَمْعٌ بِكَثِيرٍ وهو مُفْرَدٌ؛ لِأنَّ فَعِيلًا قَدْ يُرادُ بِهِ المُتَعَدِّدُ مِثْلَ رَفِيقٍ وكَذَلِكَ قَلِيلٌ قالَ تَعالى: (( ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦]) ) . وتَقْدِيمُ ذِكْرُ الأنْعامِ عَلى الأناسِيِّ اقْتَضاهُ نَسْجُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ الأحْكامِ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: (( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾) )، ولَوْ قُدِّمَ ذِكْرُ (أناسِيَّ) لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ. ولَمْ يُقَدَّمْ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: (( ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]) ) في سُورَةِ النّازِعاتِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي لِلتَّقْدِيمِ فَجاءَ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ. وضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدٌ إلى (ماءً طَهُورًا) . والتَّصْرِيفُ: التَّغْيِيرُ. والمُرادُ هُنا تَغْيِيرُ أحْوالِ الماءِ، أيْ: مَقادِيرِهِ ومَواقِعِهِ. وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَ المَطَرِ مُحَقَّقٌ لا صفحة ٥٠ يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وإنَّما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بِهِ هو أنَّ مِن حِكْمَةِ تَصْرِيفِهِ بَيْنَ النّاسِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وفي حالَةِ إمْساكِهِ عَنْهم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَقْدُرُ قَدْرَ النِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ فَقْدِها فَيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الواحِدُ المُخْتارُ في خَلْقِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقَدْ كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ حِكْمَةَ الخالِقِ ويُسْنِدُونَ الآثارَ إلى مُؤَثِّراتٍ وهْمِيَّةٍ أوْ صُورِيَّةٍ. ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ شامِلًا لِشُكْرِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِإصابَةِ المَطَرِ، ولِتَفَطُّنِ المَحْرُومِينَ إلى سَبَبِ حِرْمانِهِمْ إيّاهُ لَعَلَّهم يَسْتَغْفِرُونَ، جِيءَ في التَّعْلِيلِ بِفِعْلِ (لِيَذَّكَّرُوا) لِيَكُونَ عِلَّةً لِحالَتَيِ التَّصْرِيفِ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ: (( ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾) ) تَرْكِيبٌ جَرى بِمادَّتِهِ وهَيْئَتِهِ مَجْرى المَثَلِ في الإخْبارِ عَنْ تَصْمِيمِ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الصّارِفِ عَنِ المُسْتَثْنى، أيْ فَصَمَّمُوا عَلى الكُفُورِ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن عُمُومِ أشْياءٍ مُبْهَمَةٍ جُعِلَتْ كُلُّها مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الإباءُ كَأنَّ الآبِينَ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ _ مِنَ النّاسِ أوْ مِن خَواطِرِهِمْ _ أُمُورٌ وراجَعُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنها إلّا الكُفُورَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُنالِكَ عَرْضٌ ولا إباءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ: (( ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]) )؛ ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَقامِ مُعارَضَةِ المُشْرِكِينَ لِلتَّوْحِيدِ وفي سُورَةِ بَراءَةَ في مَقامِ مُعارَضَةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وشِدَّةُ الفَرِيقَيْنِ في كُفْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَكْشُوفَةٌ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ (﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]) . والكُفُورُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكُفْرِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: أبَوْا إلّا الإشْراكَ بِاللَّهِ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَذَّكَّرُوا) بِتَشْدِيدِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُدْغَمَةً فِيها التّاءُ وأصْلُهُ لِيَتَذَكَّرُوا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الكافِ مَضْمُومَةً، أيْ: لِيَذْكُرُوا ما هم عَنْهُ غافِلُونَ. ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْتَلِفُ مِقْدارُهُ وإنَّما تَخْتَلِفُ مَقادِيرُ تَوْزِيعِهِ عَلى مَواقِعِ القَطْرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عامٌ أقَلُّ مَطَرًا مِن عامٍ ولَكِنَّ صفحة ٥١ اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما شاءَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن سَنَةٍ بِأمْطَرَ مِن أُخْرى، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ المَعاصِيَ صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِيِ والبِحارِ» ) اهـ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المِقْدارَ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَطَرِ عَلى هَذِهِ الأرْضِ لا تَخْتَلِفُ كِمِّيَّتُهُ وإنَّما يَخْتَلِفُ تَوْزِيعُهُ. وهَذِهِ حَقِيقَةٌ قَرَّرَها عُلَماءُ حَوادِثِ الجَوِّ في القَرْنِ الحاضِرِ، فَهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الجِهَةِ الثّالِثَةِ مِنَ المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ لِهَذا التَّفْسِيرِ. وجَوَّزَ فَرِيقٌ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ مَعْلُومٍ في المَقامِ مُرادٍ بِهِ القُرْآنُ؛ قالُوا: لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِهِ، وتَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]) . وأصْلُ هَذا التَّأْوِيلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المَذْكُورِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا الكَلامَ وكَرَّرْناهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ لِيَذَّكَرُوا.

الفرقان 25:49

﴿وهْوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وامْتِنانٌ بِتَكْوِينِ الرِّياحِ والأسْحِبَةِ والمَطَرِ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِن حَيْثُ ما في الِاسْتِدْلالِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حالِ النُّشُورِ والِامْتِنانِ بِهِ، فانْتَقَلَ إلى ما في الرِّياحِ مِنَ النُّشُورِ بِذِكْرِ وصْفِها بِأنَّها نُشُرٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ لِكَوْنِها كَذَلِكَ في الواقِعِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ. ومَرْدُودُ الِاسْتِدْلالِ قَصْرُ إرْسالِ الرِّياحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبْطالًا لِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ بِنَفْيِ الشَّرِكَةِ في التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الكائِناتِ، وذَلِكَ ما لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلَخْ. . . وأُطْلِقَ عَلى تَكْوِينِ الرِّياحِ فِعْلُ (أرْسَلَ) الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في بَعْثِ شَيْءٍ وتَوْجِيهِهِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الرِّياحِ تُشْبِهُ السَّيْرَ. وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ الإرْسالِ في إطْلاقِ العَنانِ لِخَيْلِ السِّباقِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ خَلْقِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الرِّياحِ، فالعامَّةُ يَعْتَبِرُونَ بِما هو داخِلٌ تَحْتَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن ذَلِكَ، والخاصَّةُ يُدْرِكُونَ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ الرِّياحِ وهُبُوبِها واخْتِلافِها، وذَلِكَ ناشِئٌ عَنِ التِقاءِ حَرارَةِ جانِبٍ مِنَ الجَوِّ بِبُرُودَةِ جانِبٍ آخَرَ. ثُمَّ إنَّ الرِّياحَ بِهُبُوبِها حارَّةً مَرَّةً وبارِدَةً أُخْرى تُكَوِّنُ الأسْحِبَةَ وتُؤْذِنُ بِالمَطَرِ فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها: نُشُرٌ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ (أرْسَلَ الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (الرِّيحَ) صفحة ٤٧ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى مَعْنى الجِنْسِ. والقِراءَتانِ مُتَّحِدَتانِ في المَعْنى، ولَكِنْ غَلَبَ جَمْعُ الرِّيحِ في رِيحِ الخَيْرِ، وإفْرادُ الرِّيحِ في رِيحِ العَذابِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَصْرِيفِ الرِّياحِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُشُرًا) بِنُونٍ في أوَّلِهِ وبِضَمَّتَيْنِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلى تَخْفِيفِ الحَرَكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، وكُلُّها مِنَ النَّشْرِ وهو البَسْطُ كَما يُنْشَرُ الثَّوْبُ المَطْوِيُّ؛ لِأنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ. وقَرَأ عاصِمٌ بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وسُكُونِ الشِّينِ جَمْعَ بَشُورٍ مِنَ التَّبْشِيرِ؛ لِأنَّها تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]) ) في سُورَةِ الأعْرافِ. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (وأنْزَلْنا - لِنُحْيِيَ - ونَسْقِيَهُ - ولَقَدْ صَرَّفْناهُ) لِلدّاعِي الَّذِي قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ آنِفًا: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ [الفرقان: ٤٥]) . والمُرادُ بِـ (رَحْمَتِهِ) المَطَرُ؛ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ والحَيَوانِ بِما يُنْبِتُهُ مِنَ الشَّجَرِ والمَرْعى. وجُمْلَةُ (﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ (أرْسَلَ الرِّياحَ) إلَخْ، فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَصْرِ، أيْ وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا. وضَمِيرُ (أنْزَلْنا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والطَّهُورُ بِفَتْحِ الطّاءِ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ صَبُورٌ. وماءُ المَطَرِ بالِغٌ مُنْتَهى الطَّهارَةِ؛ إذْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ شَيْءٌ يُكَدِّرُهُ أوْ يُقَذِّرُهُ وهو في عِلْمِ الكِيمْياءِ أنْقى المِياهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ جَمِيعِ الجَراثِيمِ فَهو الصّافِي حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ هو بالِغُ نِهايَةِ الطَّهارَةِ في جِنْسِهِ مِنَ المِياهِ، ووَصْفُ الماءِ بِالطَّهُورِ يَقْتَضِي أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ؛ إذِ العُدُولُ عَنْ صِيغَةِ فاعِلٍ إلى صِيغَةِ فَعُولٍ لِزِيادَةِ مَعْنًى في الوَصْفِ، فاقْتِضاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ اقْتِضاءٌ التِزامِيٌّ صفحة ٤٨ لِيَكُونَ مُسْتَكْمِلًا وصْفَ الطَّهارَةِ القاصِرَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، فَيَكُونَ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ إدْماجًا لِمِنَّةٍ في أثْناءِ المِنَنِ المَقْصُودَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]) وصَفَ الطَّهارَةَ الذّاتِيَّةَ وتَطْهِيرَهُ، فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ إدْماجًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الأحَقُّ بِمَقامِ الِامْتِنانِ وصْفُ الماءِ بِالصَّفاءِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والبَلْدَةُ: الأرْضُ. ووَصْفُها بِالحَياةِ والمَوْتِ مَجازانِ لِلرَّيِّ والجَفافِ؛ لِأنَّ رَيَّ الأرْضِ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّباتُ وهو يُشْبِهُ الحَيَّ وجَفافُ الأرْضِ يَجِفُّ بِهِ النَّباتُ فَيُشْبِهُ المَيِّتَ. ولِماءِ المَطَرِ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ لِكُلِّ أرْضٍ؛ لِأنَّهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الجَراثِيمِ ومِن بَعْضِ الأجْزاءِ المَعْدِنِيَّةِ والتُّرابِيَّةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِياهُ العُيُونِ ومِياهُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ كانَ صالِحًا بِكُلِّ أرْضٍ وبِكُلِّ نَباتٍ عَلى اخْتِلافِ طِباعِ الأرَضِينَ والمَنابِتِ. والبَلْدَةُ: البَلَدُ. والبَلَدُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أجْناسِ البِقاعِ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ. ووُصِفَتِ البَلْدَةُ بِمَيِّتٍ، وهو وصْفٌ مُذَكِّرٌ لِتَأْوِيلِ (بَلْدَةٍ) بِمَعْنى مَكانٍ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ. وقالَ في الكَشّافِ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالمَوْتِ ولَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الِاسْمِ الجامِدِ (أيْ فَلَمْ يُغَيَّرْ) . وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَيِّتِ، ووَصْفُ البَلْدَةِ بِهِ وصْفٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾) إيماءٌ إلى تَقْرِيبِ إمْكانِ البَعْثِ. (ونُسْقِيَهُ) بِضَمِّ النُّونِ مُضارِعُ أسْقى مِثْلَ الَّذِي بِفَتْحِ النُّونِ فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. يُقالُ: أسْقى وسَقى. قالَ تَعالى: (﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ [القصص: ٢٣]) بِفَتْحِ النُّونِ. وقِيلَ: سَقى: أعْطى الشَّرابَ، وأسْقى: هَيَّأ الماءَ لِلشُّرْبِ. وهَذا القَوْلُ أسَدُّ؛ لِأنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ مِن مَحاسِنِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ المَعْنى هَيَّأْناهُ لِشُرْبِ الأنْعامِ والأناسِيِّ، فَكُلُّ مَنِ احْتاجَ لِلشُّرْبِ شَرِبَ مِنهُ سَواءٌ مَن شَرِبَ ومَن لَمْ يَشْرَبْ. و(أنْعامًا) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (نُسْقِيَهُ) . وقَوْلُهُ: (مِمّا خَلَقْنا) حالٌ مِن (﴿أنْعامًا وأناسِيَّ﴾) . و (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بَعْضَ ما خَلَقْناهُ، والمَوْصُولُ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ: نُسْقِيهِمْ لِأنَّهم مَخْلُوقاتٌ. فَفائِدَةُ هَذا الحالِ الإشارَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّها خَلْقُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أنْواعًا أُخْرى مِنَ صفحة ٤٩ الخَلائِقِ تُسْقى بِماءِ السَّماءِ، ولَكِنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأنْعامِ والأناسِيِّ؛ لِأنَّهُما مَوْقِعُ المِنَّةِ؛ فالأنْعامُ بِها صَلاحُ حالِ البادِينَ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها، وهي تَشْرَبُ مِن مِياهِ المَطَرِ مِنَ الأحْواضِ والغُدْرانِ. والأناسِيُّ: جَمْعُ إنْسِيٍّ، وهو مُرادِفُ إنْسانٍ. فالياءُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ. وجُمِعَ عَلى فَعالِيَّ مِثْلِ كُرْسِيِّ وكَراسِيَّ. ولَوْ كانَتْ ياؤُهُ نَسَبٌ لَجُمِعَ عَلى أناسِيَةٍ كَما قالُوا: صَيْرَفِيٌّ وصَيارِفَةٌ. ووُصِفَ الأناسِيُّ بِـ (كَثِيرًا)؛ لِأنَّ بَعْضَ الأناسِيِّ لا يَشْرَبُونَ مِن ماءِ السَّماءِ وهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِن مِياهِ الأنْهارِ كالنِّيلِ والفُراتِ، والآبارِ والصَّهارِيجِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ. فالمِنَّةُ أخَصُّ بِهِمْ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ: ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرًا وفِي أحادِيثِ ذِكْرِ هاجَرَ زَوْجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (فَتِلْكَ أُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ) يَعْنِي العَرَبَ. وماءُ المَطَرِ لِنَقاوَتِهِ الَّتِي ذَكَرْناها صالِحٌ بِأمْعاءِ كُلِّ النّاسِ وكُلِّ الأنْعامِ دُونَ بَعْضِ مِياهِ العُيُونِ والأنْهارِ. ووَصَفَ أناسِيَّ، وهو جَمْعٌ بِكَثِيرٍ وهو مُفْرَدٌ؛ لِأنَّ فَعِيلًا قَدْ يُرادُ بِهِ المُتَعَدِّدُ مِثْلَ رَفِيقٍ وكَذَلِكَ قَلِيلٌ قالَ تَعالى: (( ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦]) ) . وتَقْدِيمُ ذِكْرُ الأنْعامِ عَلى الأناسِيِّ اقْتَضاهُ نَسْجُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ الأحْكامِ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: (( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾) )، ولَوْ قُدِّمَ ذِكْرُ (أناسِيَّ) لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ. ولَمْ يُقَدَّمْ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: (( ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]) ) في سُورَةِ النّازِعاتِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي لِلتَّقْدِيمِ فَجاءَ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ. وضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدٌ إلى (ماءً طَهُورًا) . والتَّصْرِيفُ: التَّغْيِيرُ. والمُرادُ هُنا تَغْيِيرُ أحْوالِ الماءِ، أيْ: مَقادِيرِهِ ومَواقِعِهِ. وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَ المَطَرِ مُحَقَّقٌ لا صفحة ٥٠ يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وإنَّما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بِهِ هو أنَّ مِن حِكْمَةِ تَصْرِيفِهِ بَيْنَ النّاسِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وفي حالَةِ إمْساكِهِ عَنْهم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَقْدُرُ قَدْرَ النِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ فَقْدِها فَيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الواحِدُ المُخْتارُ في خَلْقِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقَدْ كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ حِكْمَةَ الخالِقِ ويُسْنِدُونَ الآثارَ إلى مُؤَثِّراتٍ وهْمِيَّةٍ أوْ صُورِيَّةٍ. ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ شامِلًا لِشُكْرِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِإصابَةِ المَطَرِ، ولِتَفَطُّنِ المَحْرُومِينَ إلى سَبَبِ حِرْمانِهِمْ إيّاهُ لَعَلَّهم يَسْتَغْفِرُونَ، جِيءَ في التَّعْلِيلِ بِفِعْلِ (لِيَذَّكَّرُوا) لِيَكُونَ عِلَّةً لِحالَتَيِ التَّصْرِيفِ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ: (( ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾) ) تَرْكِيبٌ جَرى بِمادَّتِهِ وهَيْئَتِهِ مَجْرى المَثَلِ في الإخْبارِ عَنْ تَصْمِيمِ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الصّارِفِ عَنِ المُسْتَثْنى، أيْ فَصَمَّمُوا عَلى الكُفُورِ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن عُمُومِ أشْياءٍ مُبْهَمَةٍ جُعِلَتْ كُلُّها مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الإباءُ كَأنَّ الآبِينَ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ _ مِنَ النّاسِ أوْ مِن خَواطِرِهِمْ _ أُمُورٌ وراجَعُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنها إلّا الكُفُورَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُنالِكَ عَرْضٌ ولا إباءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ: (( ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]) )؛ ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَقامِ مُعارَضَةِ المُشْرِكِينَ لِلتَّوْحِيدِ وفي سُورَةِ بَراءَةَ في مَقامِ مُعارَضَةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وشِدَّةُ الفَرِيقَيْنِ في كُفْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَكْشُوفَةٌ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ (﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]) . والكُفُورُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكُفْرِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: أبَوْا إلّا الإشْراكَ بِاللَّهِ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَذَّكَّرُوا) بِتَشْدِيدِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُدْغَمَةً فِيها التّاءُ وأصْلُهُ لِيَتَذَكَّرُوا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الكافِ مَضْمُومَةً، أيْ: لِيَذْكُرُوا ما هم عَنْهُ غافِلُونَ. ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْتَلِفُ مِقْدارُهُ وإنَّما تَخْتَلِفُ مَقادِيرُ تَوْزِيعِهِ عَلى مَواقِعِ القَطْرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عامٌ أقَلُّ مَطَرًا مِن عامٍ ولَكِنَّ صفحة ٥١ اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما شاءَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن سَنَةٍ بِأمْطَرَ مِن أُخْرى، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ المَعاصِيَ صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِيِ والبِحارِ» ) اهـ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المِقْدارَ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَطَرِ عَلى هَذِهِ الأرْضِ لا تَخْتَلِفُ كِمِّيَّتُهُ وإنَّما يَخْتَلِفُ تَوْزِيعُهُ. وهَذِهِ حَقِيقَةٌ قَرَّرَها عُلَماءُ حَوادِثِ الجَوِّ في القَرْنِ الحاضِرِ، فَهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الجِهَةِ الثّالِثَةِ مِنَ المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ لِهَذا التَّفْسِيرِ. وجَوَّزَ فَرِيقٌ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ مَعْلُومٍ في المَقامِ مُرادٍ بِهِ القُرْآنُ؛ قالُوا: لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِهِ، وتَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]) . وأصْلُ هَذا التَّأْوِيلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المَذْكُورِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا الكَلامَ وكَرَّرْناهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ لِيَذَّكَرُوا.

الفرقان 25:50

﴿وهْوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ اسْتِدْلالٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وامْتِنانٌ بِتَكْوِينِ الرِّياحِ والأسْحِبَةِ والمَطَرِ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِن حَيْثُ ما في الِاسْتِدْلالِ الَّذِي قَبْلَهُ مِن ذِكْرِ حالِ النُّشُورِ والِامْتِنانِ بِهِ، فانْتَقَلَ إلى ما في الرِّياحِ مِنَ النُّشُورِ بِذِكْرِ وصْفِها بِأنَّها نُشُرٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ لِكَوْنِها كَذَلِكَ في الواقِعِ عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ. ومَرْدُودُ الِاسْتِدْلالِ قَصْرُ إرْسالِ الرِّياحِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى اللَّهِ تَعالى إبْطالًا لِادِّعاءِ الشُّرَكاءِ لَهُ في الإلَهِيَّةِ بِنَفْيِ الشَّرِكَةِ في التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الكائِناتِ، وذَلِكَ ما لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلَخْ. . . وأُطْلِقَ عَلى تَكْوِينِ الرِّياحِ فِعْلُ (أرْسَلَ) الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في بَعْثِ شَيْءٍ وتَوْجِيهِهِ؛ لِأنَّ حَرَكَةَ الرِّياحِ تُشْبِهُ السَّيْرَ. وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ الإرْسالِ في إطْلاقِ العَنانِ لِخَيْلِ السِّباقِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ خَلْقِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الرِّياحِ، فالعامَّةُ يَعْتَبِرُونَ بِما هو داخِلٌ تَحْتَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن ذَلِكَ، والخاصَّةُ يُدْرِكُونَ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ الرِّياحِ وهُبُوبِها واخْتِلافِها، وذَلِكَ ناشِئٌ عَنِ التِقاءِ حَرارَةِ جانِبٍ مِنَ الجَوِّ بِبُرُودَةِ جانِبٍ آخَرَ. ثُمَّ إنَّ الرِّياحَ بِهُبُوبِها حارَّةً مَرَّةً وبارِدَةً أُخْرى تُكَوِّنُ الأسْحِبَةَ وتُؤْذِنُ بِالمَطَرِ فَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِأنَّها: نُشُرٌ بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ. قَرَأ الجُمْهُورُ (أرْسَلَ الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (الرِّيحَ) صفحة ٤٧ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى مَعْنى الجِنْسِ. والقِراءَتانِ مُتَّحِدَتانِ في المَعْنى، ولَكِنْ غَلَبَ جَمْعُ الرِّيحِ في رِيحِ الخَيْرِ، وإفْرادُ الرِّيحِ في رِيحِ العَذابِ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (وتَصْرِيفِ الرِّياحِ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُشُرًا) بِنُونٍ في أوَّلِهِ وبِضَمَّتَيْنِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ عَلى تَخْفِيفِ الحَرَكَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، وكُلُّها مِنَ النَّشْرِ وهو البَسْطُ كَما يُنْشَرُ الثَّوْبُ المَطْوِيُّ؛ لِأنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ. وقَرَأ عاصِمٌ بِباءٍ مُوَحَّدَةٍ وسُكُونِ الشِّينِ جَمْعَ بَشُورٍ مِنَ التَّبْشِيرِ؛ لِأنَّها تُبَشِّرُ بِالمَطَرِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧]) ) في سُورَةِ الأعْرافِ. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: (وأنْزَلْنا - لِنُحْيِيَ - ونَسْقِيَهُ - ولَقَدْ صَرَّفْناهُ) لِلدّاعِي الَّذِي قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ آنِفًا: (﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ [الفرقان: ٤٥]) . والمُرادُ بِـ (رَحْمَتِهِ) المَطَرُ؛ لِأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ والحَيَوانِ بِما يُنْبِتُهُ مِنَ الشَّجَرِ والمَرْعى. وجُمْلَةُ (﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ (أرْسَلَ الرِّياحَ) إلَخْ، فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَصْرِ، أيْ وهو الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا. وضَمِيرُ (أنْزَلْنا) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ التَّكَلُّمَ ألْيَقُ بِمَقامِ الِامْتِنانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والطَّهُورُ بِفَتْحِ الطّاءِ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ في الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ كَما يُقالُ: رَجُلٌ صَبُورٌ. وماءُ المَطَرِ بالِغٌ مُنْتَهى الطَّهارَةِ؛ إذْ لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ شَيْءٌ يُكَدِّرُهُ أوْ يُقَذِّرُهُ وهو في عِلْمِ الكِيمْياءِ أنْقى المِياهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ جَمِيعِ الجَراثِيمِ فَهو الصّافِي حَقًّا. والمَعْنى: أنَّ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ هو بالِغُ نِهايَةِ الطَّهارَةِ في جِنْسِهِ مِنَ المِياهِ، ووَصْفُ الماءِ بِالطَّهُورِ يَقْتَضِي أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ؛ إذِ العُدُولُ عَنْ صِيغَةِ فاعِلٍ إلى صِيغَةِ فَعُولٍ لِزِيادَةِ مَعْنًى في الوَصْفِ، فاقْتِضاؤُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مُطَهِّرٌ لِغَيْرِهِ اقْتِضاءٌ التِزامِيٌّ صفحة ٤٨ لِيَكُونَ مُسْتَكْمِلًا وصْفَ الطَّهارَةِ القاصِرَةِ والمُتَعَدِّيَةِ، فَيَكُونَ ذِكْرُ هَذا الوَصْفِ إدْماجًا لِمِنَّةٍ في أثْناءِ المِنَنِ المَقْصُودَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]) وصَفَ الطَّهارَةَ الذّاتِيَّةَ وتَطْهِيرَهُ، فَيَكُونُ هَذا الوَصْفُ إدْماجًا، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ الأحَقُّ بِمَقامِ الِامْتِنانِ وصْفُ الماءِ بِالصَّفاءِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. والبَلْدَةُ: الأرْضُ. ووَصْفُها بِالحَياةِ والمَوْتِ مَجازانِ لِلرَّيِّ والجَفافِ؛ لِأنَّ رَيَّ الأرْضِ يَنْشَأُ عَنْهُ النَّباتُ وهو يُشْبِهُ الحَيَّ وجَفافُ الأرْضِ يَجِفُّ بِهِ النَّباتُ فَيُشْبِهُ المَيِّتَ. ولِماءِ المَطَرِ خاصِّيَّةُ الإحْياءِ لِكُلِّ أرْضٍ؛ لِأنَّهُ لِخُلُوِّهِ مِنَ الجَراثِيمِ ومِن بَعْضِ الأجْزاءِ المَعْدِنِيَّةِ والتُّرابِيَّةِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها مِياهُ العُيُونِ ومِياهُ الأنْهارِ والأوْدِيَةِ كانَ صالِحًا بِكُلِّ أرْضٍ وبِكُلِّ نَباتٍ عَلى اخْتِلافِ طِباعِ الأرَضِينَ والمَنابِتِ. والبَلْدَةُ: البَلَدُ. والبَلَدُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ مِثْلَ كَثِيرٍ مِن أسْماءِ أجْناسِ البِقاعِ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ. ووُصِفَتِ البَلْدَةُ بِمَيِّتٍ، وهو وصْفٌ مُذَكِّرٌ لِتَأْوِيلِ (بَلْدَةٍ) بِمَعْنى مَكانٍ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ. وقالَ في الكَشّافِ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ في الِاتِّصافِ بِالمَوْتِ ولَمْ يَكُنْ جارِيًا عَلى أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الِاسْمِ الجامِدِ (أيْ فَلَمْ يُغَيَّرْ) . وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَيِّتِ، ووَصْفُ البَلْدَةِ بِهِ وصْفٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾) إيماءٌ إلى تَقْرِيبِ إمْكانِ البَعْثِ. (ونُسْقِيَهُ) بِضَمِّ النُّونِ مُضارِعُ أسْقى مِثْلَ الَّذِي بِفَتْحِ النُّونِ فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ. يُقالُ: أسْقى وسَقى. قالَ تَعالى: (﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ [القصص: ٢٣]) بِفَتْحِ النُّونِ. وقِيلَ: سَقى: أعْطى الشَّرابَ، وأسْقى: هَيَّأ الماءَ لِلشُّرْبِ. وهَذا القَوْلُ أسَدُّ؛ لِأنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ مَعانِي الألْفاظِ مِن مَحاسِنِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ المَعْنى هَيَّأْناهُ لِشُرْبِ الأنْعامِ والأناسِيِّ، فَكُلُّ مَنِ احْتاجَ لِلشُّرْبِ شَرِبَ مِنهُ سَواءٌ مَن شَرِبَ ومَن لَمْ يَشْرَبْ. و(أنْعامًا) مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (نُسْقِيَهُ) . وقَوْلُهُ: (مِمّا خَلَقْنا) حالٌ مِن (﴿أنْعامًا وأناسِيَّ﴾) . و (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. و(ما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: بَعْضَ ما خَلَقْناهُ، والمَوْصُولُ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ: نُسْقِيهِمْ لِأنَّهم مَخْلُوقاتٌ. فَفائِدَةُ هَذا الحالِ الإشارَةُ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ بِها؛ لِأنَّها خَلْقُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أنْواعًا أُخْرى مِنَ صفحة ٤٩ الخَلائِقِ تُسْقى بِماءِ السَّماءِ، ولَكِنَّ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأنْعامِ والأناسِيِّ؛ لِأنَّهُما مَوْقِعُ المِنَّةِ؛ فالأنْعامُ بِها صَلاحُ حالِ البادِينَ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها، وهي تَشْرَبُ مِن مِياهِ المَطَرِ مِنَ الأحْواضِ والغُدْرانِ. والأناسِيُّ: جَمْعُ إنْسِيٍّ، وهو مُرادِفُ إنْسانٍ. فالياءُ فِيهِ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ. وجُمِعَ عَلى فَعالِيَّ مِثْلِ كُرْسِيِّ وكَراسِيَّ. ولَوْ كانَتْ ياؤُهُ نَسَبٌ لَجُمِعَ عَلى أناسِيَةٍ كَما قالُوا: صَيْرَفِيٌّ وصَيارِفَةٌ. ووُصِفَ الأناسِيُّ بِـ (كَثِيرًا)؛ لِأنَّ بَعْضَ الأناسِيِّ لا يَشْرَبُونَ مِن ماءِ السَّماءِ وهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ مِن مِياهِ الأنْهارِ كالنِّيلِ والفُراتِ، والآبارِ والصَّهارِيجِ، ولِذَلِكَ وُصِفَ العَرَبُ بِأنَّهم بَنُو ماءِ السَّماءِ. فالمِنَّةُ أخَصُّ بِهِمْ، قالَ زِيادَةُ الحارِثِيُّ: ونَحْنُ بَنُو ماءِ السَّماءِ فَلا نَرى لِأنْفُسِنا مِن دُونِ مَمْلَكَةٍ قَصْرًا وفِي أحادِيثِ ذِكْرِ هاجَرَ زَوْجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: (فَتِلْكَ أُمُّكم يا بَنِي ماءِ السَّماءِ) يَعْنِي العَرَبَ. وماءُ المَطَرِ لِنَقاوَتِهِ الَّتِي ذَكَرْناها صالِحٌ بِأمْعاءِ كُلِّ النّاسِ وكُلِّ الأنْعامِ دُونَ بَعْضِ مِياهِ العُيُونِ والأنْهارِ. ووَصَفَ أناسِيَّ، وهو جَمْعٌ بِكَثِيرٍ وهو مُفْرَدٌ؛ لِأنَّ فَعِيلًا قَدْ يُرادُ بِهِ المُتَعَدِّدُ مِثْلَ رَفِيقٍ وكَذَلِكَ قَلِيلٌ قالَ تَعالى: (( ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ [الأعراف: ٨٦]) ) . وتَقْدِيمُ ذِكْرُ الأنْعامِ عَلى الأناسِيِّ اقْتَضاهُ نَسْجُ الكَلامِ عَلى طَرِيقَةِ الأحْكامِ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: (( ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾) )، ولَوْ قُدِّمَ ذِكْرُ (أناسِيَّ) لَتَفَكَّكَ النَّظْمُ. ولَمْ يُقَدَّمْ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: (( ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]) ) في سُورَةِ النّازِعاتِ لِانْتِفاءِ الدّاعِي لِلتَّقْدِيمِ فَجاءَ عَلى أصْلِ التَّرْتِيبِ. وضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدٌ إلى (ماءً طَهُورًا) . والتَّصْرِيفُ: التَّغْيِيرُ. والمُرادُ هُنا تَغْيِيرُ أحْوالِ الماءِ، أيْ: مَقادِيرِهِ ومَواقِعِهِ. وتَوْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ تَصَرُّفَ المَطَرِ مُحَقَّقٌ لا صفحة ٥٠ يَحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ، وإنَّما الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بِهِ هو أنَّ مِن حِكْمَةِ تَصْرِيفِهِ بَيْنَ النّاسِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مَعَ نُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وفي حالَةِ إمْساكِهِ عَنْهم؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لا يَقْدُرُ قَدْرَ النِّعْمَةِ إلّا عِنْدَ فَقْدِها فَيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو الرَّبُّ الواحِدُ المُخْتارُ في خَلْقِ الأسْبابِ والمُسَبَّباتِ، وقَدْ كانُوا لا يَتَدَبَّرُونَ حِكْمَةَ الخالِقِ ويُسْنِدُونَ الآثارَ إلى مُؤَثِّراتٍ وهْمِيَّةٍ أوْ صُورِيَّةٍ. ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ شامِلًا لِشُكْرِ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِإصابَةِ المَطَرِ، ولِتَفَطُّنِ المَحْرُومِينَ إلى سَبَبِ حِرْمانِهِمْ إيّاهُ لَعَلَّهم يَسْتَغْفِرُونَ، جِيءَ في التَّعْلِيلِ بِفِعْلِ (لِيَذَّكَّرُوا) لِيَكُونَ عِلَّةً لِحالَتَيِ التَّصْرِيفِ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ: (( ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾) ) تَرْكِيبٌ جَرى بِمادَّتِهِ وهَيْئَتِهِ مَجْرى المَثَلِ في الإخْبارِ عَنْ تَصْمِيمِ المُخْبَرِ عَنْهُ عَلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ الصّارِفِ عَنِ المُسْتَثْنى، أيْ فَصَمَّمُوا عَلى الكُفُورِ لا يَرْجِعُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن عُمُومِ أشْياءٍ مُبْهَمَةٍ جُعِلَتْ كُلُّها مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الإباءُ كَأنَّ الآبِينَ قَدْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ _ مِنَ النّاسِ أوْ مِن خَواطِرِهِمْ _ أُمُورٌ وراجَعُوا فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنها إلّا الكُفُورَ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُنالِكَ عَرْضٌ ولا إباءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ: (( ﴿ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]) )؛ ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَقامِ مُعارَضَةِ المُشْرِكِينَ لِلتَّوْحِيدِ وفي سُورَةِ بَراءَةَ في مَقامِ مُعارَضَةِ أهْلِ الكِتابِ لِلْإسْلامِ. وشِدَّةُ الفَرِيقَيْنِ في كُفْرِهِمْ مَعْلُومَةٌ مَكْشُوفَةٌ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ (﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ [الصف: ٨]) . والكُفُورُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكُفْرِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ: أبَوْا إلّا الإشْراكَ بِاللَّهِ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لِيَذَّكَّرُوا) بِتَشْدِيدِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ مُدْغَمَةً فِيها التّاءُ وأصْلُهُ لِيَتَذَكَّرُوا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِسُكُونِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الكافِ مَضْمُومَةً، أيْ: لِيَذْكُرُوا ما هم عَنْهُ غافِلُونَ. ويُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ لا يَخْتَلِفُ مِقْدارُهُ وإنَّما تَخْتَلِفُ مَقادِيرُ تَوْزِيعِهِ عَلى مَواقِعِ القَطْرِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما عامٌ أقَلُّ مَطَرًا مِن عامٍ ولَكِنَّ صفحة ٥١ اللَّهَ قَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى ما شاءَ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: («ما مِن سَنَةٍ بِأمْطَرَ مِن أُخْرى، ولَكِنْ إذا عَمِلَ قَوْمٌ المَعاصِيَ صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِمْ، فَإذا عَصَوْا جَمِيعًا صَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ إلى الفَيافِيِ والبِحارِ» ) اهـ. فَحَصَلَ مِن هَذا أنَّ المِقْدارَ الَّذِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مِنَ المَطَرِ عَلى هَذِهِ الأرْضِ لا تَخْتَلِفُ كِمِّيَّتُهُ وإنَّما يَخْتَلِفُ تَوْزِيعُهُ. وهَذِهِ حَقِيقَةٌ قَرَّرَها عُلَماءُ حَوادِثِ الجَوِّ في القَرْنِ الحاضِرِ، فَهو مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الجِهَةِ الثّالِثَةِ مِنَ المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ لِهَذا التَّفْسِيرِ. وجَوَّزَ فَرِيقٌ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (صَرَّفْناهُ) عائِدًا إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ مَعْلُومٍ في المَقامِ مُرادٍ بِهِ القُرْآنُ؛ قالُوا: لِأنَّهُ المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها افْتُتِحَتْ بِذِكْرِهِ، وتَكَرَّرَ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]) . وأصْلُ هَذا التَّأْوِيلِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطاءٍ. ولِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) . وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الكَلامِ المَذْكُورِ، أيْ: ولَقَدْ صَرَّفْنا هَذا الكَلامَ وكَرَّرْناهُ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ لِيَذَّكَرُوا.

الفرقان 25:51

﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ . جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وذِكْرِ مِنَّتِهِ عَلى الخَلْقِ. ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ وتَفْرِيعِها بِمَوْقِعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها خَفِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾): اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ. تَقْدِيرُهُ: ولَكِنّا أفْرَدْناكَ بِالنِّذارَةِ وحَمَّلْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ اهـ. فَإنْ كانَ عَنى بِقَوْلِهِ: اقْتِضابٌ، مَعْنى الِاقْتِضابِ الِاصْطِلاحِيِّ بَيْنَ عُلَماءِ الأدَبِ والبَيانِ، وهو عَدَمُ مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكَلامِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والكَلامِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، كانَ عُدُولًا عَنِ التِزامِ تَطَلُّبِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ الخُلُوُّ عَنِ المُناسَبَةِ بِبِدَعٍ فَقَدْ قالَ صاحِبُ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ: وقَدْ يُنْقَلُ مِنهُ - أيْ: مِمّا شُبِّبَ بِهِ الكَلامُ - إلى ما لا يُلائِمُهُ - أيْ لا يُناسِبُ المُنْتَقَلَ مِنهُ - ويُسَمّى الِاقْتِضابَ وهو مَذْهَبُ العَرَبِ ومَن يَلِيهِمْ مِنَ المُخَضْرَمِينَ ) إلَخْ. وإذا كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنى صفحة ٥٢ بِالِاقْتِضابِ مَعْنى القَطْعِ (أيِ الحَذْفِ مِنَ الكَلامِ) أيْ: إيجازِ الحَذْفِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَقْدِيرُهُ إلَخْ)، كانَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. وفِي الكَشّافِ: (ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ نِذارَةِ جَمْعِ القُرى ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيئًا يُنْذِرُها، وإنَّما قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وعَظَّمْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ - أيْ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ - فَقابَلَ ذَلِكَ بِالتَّصَبُّرِ) اهـ. وقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: (ومَدارُ السُّورَةِ عَلى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلى النّاسِ كافَّةً، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِما يُثْبِتُ عُمُومَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ _ ﷺ _ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]) . ولَيْسَ في كَلامِ الكَشّافِ والطِّيبِيِّ إلّا بَيانُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِمُهِمِّ أغْراضِ السُّورَةِ دُونَ بَيانِ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ إبْطالَ طَعْنِهِمْ، فَقالَ (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ القُرْآنِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفَ اسْتَأْصَلَ اللَّهُ مَن كَذَّبُوهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأشارَ إلى تَحَرُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]) . وتَسَلْسُلِ الكَلامِ بِضَرْبِ المَثَلِ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ، وبِحالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وبِإرْسالِ الرِّياحِ. أمارَةٌ عَلى رَحْمَةِ غَيْثِهِ الَّذِي تَحْيا بِهِ المَواتُ حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا اشْتِمالُ التَّفْرِيعِ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: (﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾) . ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الآيَةَ اتِّصالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) أنَّ في بَعْثِ نَذِيرٍ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ ما هو أشَدُّ مِن تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُجَزَّأً؛ فَلَوْ بَعَثَ اللَّهُ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْ لا أُرْسِلَ رَسُولٌ واحِدٌ إلى النّاسِ جَمِيعًا فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ آعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]) في سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ. صفحة ٥٣ وتَفْرِيعُ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وهم يَطْلُبُونَ مِنهُ الكَفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ وعَنْ تَنَقُّصِ أصْنامِهِمْ. والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ والتَّذْكِيرِ، وفِعْلُ (تُطِعْ) في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ التَّحْذِيرِ مِن أدْنى طاعَةٍ. والطّاعَةُ: عَمَلُ المَرْءِ بِما يُطْلَبُ مِنهُ، أيْ فَلا تَهِنْ في الدَّعْوَةِ رَعْيًا لِرَغْبَتِهِمْ أنْ تَلِينَ لَهم. وبَعْدَ أنْ حَذَّرَهُ مِنَ الوَهَنِ في الدَّعْوَةِ أمَرَهُ بِالحِرْصِ والمُبالَغَةِ فِيها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجِهادِ وهو الِاسْمُ الجامِعُ لِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِيُفِيدَ مُقابَلَةَ مَجْهُودِهِمْ بِمَجْهُودِهِ فَلا يَهِنُ ولا يَضْعُفُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجِهادِ الكَبِيرِ، أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ. وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فَإمّا أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن مَقامِ النِّذارَةِ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى المَفْهُومِ مِن (لا تُطِعْ) وهو الثَّباتُ عَلى دَعْوَتِهِ بِأنْ يَعْصِيَهم، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ كَما دَلَّ قَوْلُأبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ: فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدِيناكِ لا يَرُحْ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ فَقابَلَ قَوْلَهُ (لا يَرُحْ صَحِيحًا) بِقَوْلِهِ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) كَأنَّهُ قالَ: فَدَيْناكِ فاقْتُلِيهِ. والمَعْنى: قاوِمْهم بِصَبْرِكَ. وكِبَرُ الجِهادِ تَكْرِيرُهُ والعَزْمُ فِيهِ وشِدَّةُ ما يَلْقاهُ في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لِأصْحابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: («رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ. قالُوا: وما الجِهادُ الأكْبَرُ ؟ قالَ: مُجاهَدَةُ العَبْدِ هَواهُ» ) . رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

الفرقان 25:52

﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ . جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ ذِكْرِ دَلائِلِ تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وذِكْرِ مِنَّتِهِ عَلى الخَلْقِ. ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ وتَفْرِيعِها بِمَوْقِعِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها خَفِيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾): اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ. تَقْدِيرُهُ: ولَكِنّا أفْرَدْناكَ بِالنِّذارَةِ وحَمَّلْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ اهـ. فَإنْ كانَ عَنى بِقَوْلِهِ: اقْتِضابٌ، مَعْنى الِاقْتِضابِ الِاصْطِلاحِيِّ بَيْنَ عُلَماءِ الأدَبِ والبَيانِ، وهو عَدَمُ مُراعاةِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الكَلامِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والكَلامِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، كانَ عُدُولًا عَنِ التِزامِ تَطَلُّبِ المُناسَبَةِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، ولَيْسَ الخُلُوُّ عَنِ المُناسَبَةِ بِبِدَعٍ فَقَدْ قالَ صاحِبُ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ: وقَدْ يُنْقَلُ مِنهُ - أيْ: مِمّا شُبِّبَ بِهِ الكَلامُ - إلى ما لا يُلائِمُهُ - أيْ لا يُناسِبُ المُنْتَقَلَ مِنهُ - ويُسَمّى الِاقْتِضابَ وهو مَذْهَبُ العَرَبِ ومَن يَلِيهِمْ مِنَ المُخَضْرَمِينَ ) إلَخْ. وإذا كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنى صفحة ٥٢ بِالِاقْتِضابِ مَعْنى القَطْعِ (أيِ الحَذْفِ مِنَ الكَلامِ) أيْ: إيجازِ الحَذْفِ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: (يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَقْدِيرُهُ إلَخْ)، كانَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. وفِي الكَشّافِ: (ولَوْ شِئْنا لَخَفَّفْنا عَنْكَ أعْباءَ نِذارَةِ جَمْعِ القُرى ولَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَبِيئًا يُنْذِرُها، وإنَّما قَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ وعَظَّمْناكَ عَلى سائِرِ الرُّسُلِ - أيْ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ - فَقابَلَ ذَلِكَ بِالتَّصَبُّرِ) اهـ. وقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: (ومَدارُ السُّورَةِ عَلى كَوْنِهِ ﷺ مَبْعُوثًا إلى النّاسِ كافَّةً، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِما يُثْبِتُ عُمُومَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ _ ﷺ _ إلى جَمِيعِ النّاسِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]) . ولَيْسَ في كَلامِ الكَشّافِ والطِّيبِيِّ إلّا بَيانُ مُناسَبَةِ الآيَةِ لِمُهِمِّ أغْراضِ السُّورَةِ دُونَ بَيانِ مُناسَبَتِها لِلَّتِي قَبْلَها. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) الآيَةَ، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ إبْطالَ طَعْنِهِمْ، فَقالَ (﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]) انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ القُرْآنِ بِالكِتابِ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفَ اسْتَأْصَلَ اللَّهُ مَن كَذَّبُوهُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ أُمَمٍ كَذَّبُوا رُسُلَهم، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ ﷺ وأشارَ إلى تَحَرُّجِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣]) . وتَسَلْسُلِ الكَلامِ بِضَرْبِ المَثَلِ بِمَدِّ الظِّلِّ وقَبْضِهِ، وبِحالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وبِإرْسالِ الرِّياحِ. أمارَةٌ عَلى رَحْمَةِ غَيْثِهِ الَّذِي تَحْيا بِهِ المَواتُ حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْنا اشْتِمالُ التَّفْرِيعِ عَلى ضَمِيرِ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: (﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾) . ومِمّا يَزِيدُ هَذِهِ الآيَةَ اتِّصالًا بِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) أنَّ في بَعْثِ نَذِيرٍ إلى كُلِّ قَرْيَةٍ ما هو أشَدُّ مِن تَنْزِيلِ القُرْآنِ مُجَزَّأً؛ فَلَوْ بَعَثَ اللَّهُ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: لَوْ لا أُرْسِلَ رَسُولٌ واحِدٌ إلى النّاسِ جَمِيعًا فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ كَما قالَ تَعالى: (﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ آعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]) في سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ. صفحة ٥٣ وتَفْرِيعُ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾) لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وهم يَطْلُبُونَ مِنهُ الكَفَّ عَنْ دَعْوَتِهِمْ وعَنْ تَنَقُّصِ أصْنامِهِمْ. والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْذِيرِ والتَّذْكِيرِ، وفِعْلُ (تُطِعْ) في سِياقِ النَّهْيِ يُفِيدُ عُمُومَ التَّحْذِيرِ مِن أدْنى طاعَةٍ. والطّاعَةُ: عَمَلُ المَرْءِ بِما يُطْلَبُ مِنهُ، أيْ فَلا تَهِنْ في الدَّعْوَةِ رَعْيًا لِرَغْبَتِهِمْ أنْ تَلِينَ لَهم. وبَعْدَ أنْ حَذَّرَهُ مِنَ الوَهَنِ في الدَّعْوَةِ أمَرَهُ بِالحِرْصِ والمُبالَغَةِ فِيها. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالجِهادِ وهو الِاسْمُ الجامِعُ لِمُنْتَهى الطّاقَةِ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ لِيُفِيدَ مُقابَلَةَ مَجْهُودِهِمْ بِمَجْهُودِهِ فَلا يَهِنُ ولا يَضْعُفُ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِالجِهادِ الكَبِيرِ، أيِ: الجامِعِ لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ. وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ: فَإمّا أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ مِن مَقامِ النِّذارَةِ، وإمّا أنْ يَعُودَ إلى المَفْهُومِ مِن (لا تُطِعْ) وهو الثَّباتُ عَلى دَعْوَتِهِ بِأنْ يَعْصِيَهم، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ أمْرٌ بِضِدِّهِ كَما دَلَّ قَوْلُأبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ: فَقُلْنَ لَها سِرًّا فَدِيناكِ لا يَرُحْ صَحِيحًا وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ فَقابَلَ قَوْلَهُ (لا يَرُحْ صَحِيحًا) بِقَوْلِهِ (وإنْ لَمْ تَقْتُلِيهِ فَألْمِمِ) كَأنَّهُ قالَ: فَدَيْناكِ فاقْتُلِيهِ. والمَعْنى: قاوِمْهم بِصَبْرِكَ. وكِبَرُ الجِهادِ تَكْرِيرُهُ والعَزْمُ فِيهِ وشِدَّةُ ما يَلْقاهُ في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ - لِأصْحابِهِ عِنْدَ قُفُولِهِ مِن بَعْضِ غَزَواتِهِ: («رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ. قالُوا: وما الجِهادُ الأكْبَرُ ؟ قالَ: مُجاهَدَةُ العَبْدِ هَواهُ» ) . رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.

الفرقان 25:53

﴿وهْوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ . عَوْدٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالخَلْقِ. جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْلالًا وتَمْثِيلًا صفحة ٥٤ وتَثْبِيتًا ووَعْدًا، فَصَرِيحُها اسْتِدْلالٌ عَلى شَيْءٍ عَظِيمٍ مِن آثارِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ وهو التِقاءُ الأنْهارِ والأبْحُرِ كَما سَيَأْتِي، وفي ضِمْنِها تَمْثِيلٌ لِحالِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ واخْتِلاطُ المُؤْمِنِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِحالِ تَجاوُزِ البَحْرَيْنِ: أحَدُهُما عَذْبٌ فُراتٌ، والآخَرُ مِلْحٌ أُجاجٌ. وتَمْثِيلُ الإيمانِ بِالعَذْبِ الفُراتِ والشِّرْكِ بِالمِلْحِ الأُجاجِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى كَما جَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ بَرْزَخًا يَحْفَظُ العَذْبَ مِن أنْ يُكَدِّرَهُ الأُجاجُ، كَذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ فَلا يَسْتَطِيعُ المُشْرِكُونَ أنْ يَدُسُّوا كُفْرَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وفي هَذا تَثْبِيتٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَحْجِزُ عَنْهم ضُرَّ المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ: (﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١]) . وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ كِنائِيٌّ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ لِهَذا الدِّينِ مِن أنْ يُكَدِّرَهُ الشِّرْكُ. ولِأجْلِ ما فِيها مِنَ التَّمْثِيلِ والتَّثْبِيتِ والوَعْدِ كانَ لِمَوْقِعِها عَقِبَ جُمْلَةِ (﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]) أكْمَلُ حُسْنٍ. وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨]) ) . ومُناسَبَةُ وُقُوعِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ كِلْتَيْهِما اسْتِدْلالٌ بِآثارِ القُدْرَةِ في تَكْوِينِ المِياهِ المُخْتَلِفَةِ. ومُفادُ القَصْرِ هَنا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في الآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ. والمَزْجُ: الخَلْطُ. واسْتُعِيرَ هُنا لِشِدَّةِ المُجاوَرَةِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: (﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾) . والبَحْرُ: الماءُ المُسْتَبْحِرُ، أيْ: الكَثِيرُ العَظِيمُ. والعَذْبُ: الحُلْوُ. والفُراتُ: شَدِيدُ الحَلاوَةِ. والمِلْحُ بِكَسْرِ المِيمِ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى المالِحِ، ولا يُقالُ في الفَصِيحِ إلّا مِلْحٌ وأما مالِحٌ فَقَلِيلٌ. وأُرِيدَ هُنا مُلْتَقى ماءِ نَهْرَيِ الفُراتِ والدَّجْلَةِ مَعَ ماءِ بَحْرِ خَلِيجِ العَجَمِ. والبَرْزَخُ: الحائِلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. والمُرادُ بِالبَرْزَخِ تَشْبِيهُ ما في تَرْكِيبِ الماءِ المِلْحِ مِمّا يَدْفَعُ تَخَلُّلَ الماءِ العَذْبِ فِيهِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ويَبْقى كِلاهُما حافِظًا لِطَعْمِهِ عِنْدَ المَصَبِّ. (وحِجْرًا) مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَفْعُولِ (جَعَلْنا) . ولَيْسَ هُنا مُسْتَعْمَلًا في التَّعَوُّذِ كالَّذِي تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) . و(مَحْجُورًا) وصْفٌ لِـ (حِجْرًا) مُشْتَقٌّ مِن مادَّتِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَعْنى المُشْتَقِّ مِنهُ كَما قالُوا: لَيْلٌ ألْيَلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ. ووَقَعَ في الكَشّافِ تُكَلُّفٌ بِجَعْلِ (حِجْرًا مَحْجُورًا) هُنا بِمَعْنى التَّعَوُّذِ صفحة ٥٥ كالَّذِي في قَوْلِهِ: (﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) ولا داعِيَ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِنِ اسْتِعْمالِ (﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]) في التَّعَوُّذِ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا كَذَلِكَ.

الفرقان 25:54

﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ . مُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذا الِاسْتِدْلالِ بَعْدَ ما قَبْلَهُ أنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِدَقِيقِ آثارِ القُدْرَةِ في تَكْوِينِ المِياهِ وجَعْلِها سَبَبَ حَياةٍ مُخْتَلِفَةِ الأشْكالِ والأوْضاعِ. ومِن أعْظَمِها دَقائِقُ الماءِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ أشْرَفُ الأنْواعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ وهو نُطْفَةُ الإنْسانِ بِأنَّها سَبَبُ تَكْوِينِ النَّسْلِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّهُ يَكُونُ أوَّلَ أمْرِهِ ماءً، ثُمَّ يَتَخَلَّقُ مِنهُ البَشَرُ العَظِيمُ، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (بَشَرًا) لِلتَّعْظِيمِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ قَصْرُ إفْرادٍ لِإبْطالِ دَعْوى شَرِكَةِ الأصْنامِ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فَجَعَلَهُ) عائِدٌ إلى البَشَرِ، أيْ: فَجَعَلَ البَشَرَ الَّذِي خَلَقَهُ مِنَ الماءِ نَسَبًا وصِهْرًا، أيْ: قَسَّمَ اللَّهُ البَشَرَ قِسْمَيْنِ نَسَبٍ، وصِهْرٍ. فالواوُ لِلتَّقْسِيمِ بِمَعْنى (أوْ) والواوُ أجْوَدُ مِن (أوْ) في التَّقْسِيمِ. و(نَسَبًا وصِهْرًا) مَصْدَرانِ سُمِّيَ بِهِما صِنْفانِ مِنَ القَرابَةِ عَلى تَقْدِيرِ: ذا نَسَبٍ وصِهْرٍ وشاعَ ذَلِكَ في الكَلامِ. والنَّسَبُ لا يَخْلُو مِن أُبُوَّةٍ وبُنُوَّةٍ وأُخُوَّةٍ لِأُولَئِكَ وبُنُوَّةٍ لِتِلْكَ الأُخُوَّةِ. وأمّا الصِّهْرُ فَهو: اسْمٌ لِما بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ قَرابَةِ زَوْجِهِ وأقارِبِهِ مِنَ العَلاقَةِ، ويُسَمّى أيْضًا مُصاهَرَةً؛ لِأنَّهُ يَكُونُ مِن جِهَتَيْنِ، وهو آصِرَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ تَتَقَوَّمُ بِالإضافَةِ إلى ما تُضافُ إلَيْهِ، فَصِهْرُ الرَّجُلِ قَرابَةُ امْرَأتِهِ، وصِهْرُ المَرْأةِ قَرابَةُ زَوْجِها، ولِذَلِكَ يُقالُ: صاهَرَ فُلانٌ فُلانًا إذا تَزَوَّجَ مِن قَرابَتِهِ ولَوْ قَرابَةً بَعِيدَةً كَقَرابَةِ القَبِيلَةِ. وهَذا لا يَخْلُو عَنْهُ البَشَرُ المُتَزَوِّجُ وغَيْرُ المُتَزَوِّجِ. ويُطْلَقُ الصِّهْرُ عَلى مَن لَهُ مَعَ الآخَرِ عَلاقَةُ المُصاهَرَةِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ في صفحة ٥٦ مَوْضِعِ الوَصْفِ، فالأكْثَرُ حِينَئِذٍ أنْ يُخَصَّ بِقَرِيبِ زَوْجِ الرَّجُلِ، وأما قَرِيبُ زَوْجِ المَرْأةِ فَهو خَتَنٌ لَها أوْ حَمٌ. ولا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ آصِرَةِ صِهْرٍ ولَوْ بَعِيدًا. وقَدْ أشارَ إلى ما في هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ مِن دَقائِقِ نِظامِ إيجادٍ طَبِيعِيٍّ واجْتِماعِيٍّ بِقَوْلِهِ: (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾)، أيْ: عَظِيمَ القُدْرَةِ إذْ أوْجَدَ مِن هَذا الماءِ خَلْقًا عَظِيمًا صاحِبَ عَقْلٍ وتَفْكِيرٍ فاخْتُصَّ بِاتِّصالِ أواصِرِ النَّسَبِ وأواصِرِ الصِّهْرِ، وكانَ ذَلِكَ أصْلَ نِظامِ الِاجْتِماعِ البَشَرِيِّ لِتَكْوِينِ القَبائِلِ والشُّعُوبِ وتَعاوُنِهِمْ مِمّا جاءَ بِهَذِهِ الحَضارَةِ المُرْتَقِيَةِ مَعَ العُصُورِ والأقْطارِ قالَ تَعالى: (﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]) . وفِي تَرْكِيبِ (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾) مِن دَقِيقِ الإيذانِ بِأنَّ قُدْرَتَهُ راسِخَةٌ واجِبَةٌ لَهُ مُتَّصِفٌ بِها في الأزَلِ بِما اقْتَضاهُ فِعْلُ (كانَ)، وما في صِيغَةِ (قَدِيرٍ) مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ القُدْرَةِ المُقْتَضِيَةِ تَمامَ الإرادَةِ والعِلْمِ.

الفرقان 25:55

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ . الواوُ لِلْحالِ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ في الشِّرْكِ، أعْقَبَ ذِكْرَ ما نَفَعَ اللَّهُ بِهِ النّاسَ مِن إلْطافِهِ بِهِمْ في تَصارِيفِ الكائِناتِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وخَلَقَ لَهُمُ الماءَ فَأنْبَتَ بِهِ الزَّرْعَ وسَقى بِهِ النّاسَ والأنْعامَ، مَعَ ما قارَنَهُ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ بِذِكْرِ عِبادَتِهِمْ ما لا يَنْفَعُ النّاسَ عَوْدًا إلى حِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِ مُشْرِكِي مَكَّةَ. ونَفْيُ الضُّرِّ بَعْدَ نَفْيِ النَّفْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِفاءِ شُبْهَةِ عَبَدَةِ الأصْنامِ في شِرْكِهِمْ؛ لِأنَّ مُوجِبَ العِبادَةِ إمّا رَجاءُ النَّفْعِ وإمّا اتِّقاءُ ضُرِّ المَعْبُودِ، وكِلاهُما مُنْتَفٍ عَنِ الأصْنامِ بِالمُشاهَدَةِ. والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وعَدَمِ إجْداءِ الدَّلائِلِ المُقْلَعَةِ عَنْها في جانِبِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾) تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، فاللّامُ في تَعْرِيفِ (الكافِرِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: كُلُّ كافِرٍ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرٌ. صفحة ٥٧ وجَعَلَ الخَبَرَ عَنِ الكافِرِ خَبَرًا لِـ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِالخَبَرِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُعْتادٌ مِن كُلِّ كافِرٍ. والظَّهِيرُ: المُظاهِرُ، أيِ: المُعِينُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]) في سُورَةِ الإسْراءِ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، أيْ: مَظاهِرٍ مِثْلَ حَكِيمٍ بِمَعْنى مُحْكِمٍ، وعَوِينٍ بِمَعْنى مُعاوِنٍ. وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ أيِ: المُسْمِعِ. قالَ في الكَشّافِ: (ومَجِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ غَيْرُ عَزِيزٍ) . وهو مُشْتَقٌّ مِن: ظاهَرَ عَلَيْهِ، إذا أعانَ مَن يُغالِبُهُ عَلى غَلَبِهِ، وأصْلُهُ الأصِيلُ مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ، وهو اسْمُ الظَّهْرِ مِنَ الإنْسانِ أوِ الدّابَّةِ؛ لِأنَّ المُعاوِنَ أحَدًا عَلى غَلَبِ غَيْرِهِ كَأنَّهُ يَحْمِلُ الغالِبَ عَلى المَغْلُوبِ كَما يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِ الحامِلِ، جَعَلَ المُشْرِكَ في إشْراكِهِ مَعَ وُضُوحِ دَلالَةِ عَدَمِ اسْتِئْهالِ الأصْنامِ لِلْإلَهِيَّةِ كَأنَّهُ يَنْصُرُ الأصْنامَ عَلى رَبِّهِ الحَقِّ. وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الكافِرَ عاقٌّ لِمَوْلاهُ. وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: ظَهِيرٌ بِمَعْنى مَظْهُورٍ، أيْ: كُفْرُ الكافِرِ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، يَعْنِي أيْ: فَعِيلًا فِيهِ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ (عَلى) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (كانَ) أيْ: كانَ عَلى اللَّهِ هَيِّنًا.

الفرقان 25:56

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ . لَمّا أفْضى الكَلامُ بِأفانِينِ انْتِقالاتِهِ إلى التَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى أنْ يَعْبُدُوا ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم أُعْقِبَ بِما يُومِئُ إلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِنِسْبَةِ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ إلى الإفْكِ، وأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ سِحْرٌ، فَأُبْطِلَتْ دَعاوِيهِمْ كُلُّها بِوَصْفِ النَّبِيءِ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ، وقَصْرُهُ عَلى صِفَتَيِ التَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ. وهَذا الكَلامُ الوارِدُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ جامِعٌ بَيْنَ إبْطالِ إنْكارِهِمْ لِرِسالَتِهِ وبَيْنَ تَأْنِيسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُضِلٍّ ولَكِنَّهُ مُبَشِّرٌ ونَذِيرٌ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ لا يَحْزَنَ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ. ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِأنَّهُ غَيْرُ طامِعٍ مِن دَعْوَتِهِمْ في أنْ يَعْتَزَّ بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ صفحة ٥٨ حَتّى يَحْسَبُوا أنَّهم إنْ أعْرَضُوا عَنْهُ فَقَدْ بَلَغُوا مِنَ النِّكايَةِ بِهِ أمَلَهم، بَلْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ بِالتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لِفائِدَتِهِمْ لا يُرِيدُ مِنهُمُ الجَزاءَ عَلى عَمَلِهِ ذَلِكَ. والأجْرُ: العِوَضُ عَلى العَمَلِ ولَوْ بِعَمَلٍ آخَرَ يُقْصَدُ بِهِ الجَزاءُ. والِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مَحْذُوفٍ ما يَدُلُّ عَلَيْها لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والِاسْتِثْناءُ مِعْيارُ العُمُومِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُجْعَلَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ، ويُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وبِعِبارَةٍ أتْقَنَ تَأْكِيدَ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وهو مَرْتَبَتانِ: مِنهُ ما هو تَأْكِيدٌ مَحْضٌ، وهو ما كانَ المُسْتَثْنى فِيهِ مُنْقَطِعًا عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ أصْلًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَإنَّ فُلُولَ سُيُوفِهِمْ لَيْسَ مِن جِنْسِ العَيْبِ فِيهِمْ بِحالٍ؛ ومِنهُ مَرْتَبَةُ ما هو تَأْكِيدٌ في الجُمْلَةِ وهو ما المُسْتَثْنى فِيهِ لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ بِالمُشابَهَةِ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣])؛ ألا تَرى أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا عَلى الإطْلاقِ في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) . فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾) مِن قَبِيلِ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يُناسِبُ أجْرًا؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إلّا عَمَلَ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا، وذَلِكَ هو اتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا إجابَةً لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أشْبَهَ الأجْرَ عَلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَكانَ نَظِيرَ قَوْلِهِ (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]) . وقَدْ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ ويُقَدِّرُونَهُ كالِاسْتِدْراكِ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ. واتِّخاذُ السَّبِيلِ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]) . وجُعِلَ السَّبِيلُ هُنا إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبإ: ٣٩]) . وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ السَّيْرَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ مَحْقُوقٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ وإلّا كانَ آبِقًا.

الفرقان 25:57

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ . لَمّا أفْضى الكَلامُ بِأفانِينِ انْتِقالاتِهِ إلى التَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى أنْ يَعْبُدُوا ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم أُعْقِبَ بِما يُومِئُ إلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في دَعْوى الرِّسالَةِ بِنِسْبَةِ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ إلى الإفْكِ، وأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ سِحْرٌ، فَأُبْطِلَتْ دَعاوِيهِمْ كُلُّها بِوَصْفِ النَّبِيءِ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ، وقَصْرُهُ عَلى صِفَتَيِ التَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ. وهَذا الكَلامُ الوارِدُ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ جامِعٌ بَيْنَ إبْطالِ إنْكارِهِمْ لِرِسالَتِهِ وبَيْنَ تَأْنِيسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُضِلٍّ ولَكِنَّهُ مُبَشِّرٌ ونَذِيرٌ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ لا يَحْزَنَ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ. ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُخاطِبَهم بِأنَّهُ غَيْرُ طامِعٍ مِن دَعْوَتِهِمْ في أنْ يَعْتَزَّ بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ صفحة ٥٨ حَتّى يَحْسَبُوا أنَّهم إنْ أعْرَضُوا عَنْهُ فَقَدْ بَلَغُوا مِنَ النِّكايَةِ بِهِ أمَلَهم، بَلْ ما عَلَيْهِ إلّا التَّبْلِيغُ بِالتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ لِفائِدَتِهِمْ لا يُرِيدُ مِنهُمُ الجَزاءَ عَلى عَمَلِهِ ذَلِكَ. والأجْرُ: العِوَضُ عَلى العَمَلِ ولَوْ بِعَمَلٍ آخَرَ يُقْصَدُ بِهِ الجَزاءُ. والِاسْتِثْناءُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا؛ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مَحْذُوفٍ ما يَدُلُّ عَلَيْها لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، والِاسْتِثْناءُ مِعْيارُ العُمُومِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُجْعَلَ تَأْكِيدُ الفِعْلِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ، ويُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وبِعِبارَةٍ أتْقَنَ تَأْكِيدَ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وهو مَرْتَبَتانِ: مِنهُ ما هو تَأْكِيدٌ مَحْضٌ، وهو ما كانَ المُسْتَثْنى فِيهِ مُنْقَطِعًا عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ أصْلًا كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ فَإنَّ فُلُولَ سُيُوفِهِمْ لَيْسَ مِن جِنْسِ العَيْبِ فِيهِمْ بِحالٍ؛ ومِنهُ مَرْتَبَةُ ما هو تَأْكِيدٌ في الجُمْلَةِ وهو ما المُسْتَثْنى فِيهِ لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ لَكِنَّهُ قَرِيبٌ مِنهُ بِالمُشابَهَةِ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ بِما تَضَمَّنَهُ الِاسْتِثْناءُ كَما في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣])؛ ألا تَرى أنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ يَسْألُهم أجْرًا عَلى الإطْلاقِ في قَوْلِهِ: (﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]) . فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿إلّا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾) مِن قَبِيلِ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يُناسِبُ أجْرًا؛ إذِ التَّقْدِيرُ: إلّا عَمَلَ مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا، وذَلِكَ هو اتِّباعُ دِينِ الإسْلامِ. ولَمّا كانَ هَذا إجابَةً لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ أشْبَهَ الأجْرَ عَلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فَكانَ نَظِيرَ قَوْلِهِ (﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]) . وقَدْ يُسَمُّونَ مِثْلَ هَذا الِاسْتِثْناءِ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ ويُقَدِّرُونَهُ كالِاسْتِدْراكِ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ. واتِّخاذُ السَّبِيلِ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: (﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]) . وجُعِلَ السَّبِيلُ هُنا إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبإ: ٣٩]) . وذِكْرُ وصْفِ الرَّبِّ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِ السَّيْرَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ العَبْدَ مَحْقُوقٌ بِأنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ وإلّا كانَ آبِقًا.

الفرقان 25:58

صفحة ٥٩ ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ) أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ في دَعْوَتِكَ إلى الدِّينِ فَهو الَّذِي يُجازِيكَ عَلى ذَلِكَ ويُجازِيهِمْ. والتَّوَكُّلُ: الِاعْتِمادُ وإسْلامُ الأُمُورِ إلى المُتَوَكَّلِ عَلَيْهِ وهو الوَكِيلُ، أيْ: المُتَوَلِّي مُهِمّاتِ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في آلِ عِمْرانَ. و(الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) هو اللَّهُ تَعالى. وعَدَلَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ إلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن تَعْلِيلِ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الدّائِمُ فَيُفِيدُ ذَلِكَ مَعْنى حَصْرِ التَّوَكُّلِ في الكَوْنِ عَلَيْهِ، فالتَّعْرِيفُ في (الحَيِّ) لِلْكامِلِ، أيْ: الكامِلِ حَياتُهُ؛ لِأنَّها واجِبَةٌ باقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وحَياةُ غَيْرِهِ مُعَرِّضَةٌ لِلزَّوالِ بِالمَوْتِ ومُعَرَّضَةٌ لِاخْتِلالِ أثَرِها بِالذُّهُولِ كالنَّوْمِ ونَحْوِهُ، فَإنَّهُ مِن جِنْسِ المَوْتِ، فالتَّوَكُّلُ عَلى غَيْرِهِ مُعَرَّضٌ لِلِاخْتِلالِ ولِلِانْخِرامِ. وفي ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ؛ إذْ ناطُوا آمالَهم بِالأصْنامِ وهي أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَرْءَ الكامِلَ لا يَثِقُ إلّا بِاللَّهِ؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ عَلى الأحْياءِ المُعَرَّضِينَ لِلْمَوْتِ، وإنْ كانَ قَدْ يُفِيدُ أحْيانًا لَكِنَّهُ لا يَدُومُ. وأمّا أمْرُهُ بِالتَّسْبِيحِ فَهو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، وأوَّلُ ذَلِكَ الشَّرِكَةُ في الإلَهِيَّةِ؛ أيْ: إذا أهَمَّكَ أمْرُ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ فَنَزَّهَ اللَّهَ. والباءُ في (بِحَمْدِهِ) لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ: سَبَّحَهُ تَسْبِيحًا مُصاحِبًا لِلثَّناءِ عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ. فَقَدْ جُمِعَ لَهُ في هَذا الأمْرِ التَّخْلِيَةُ والتَّحْلِيَةُ مُقَدَّمًا التَّخْلِيَةَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الإصْلاحِ أنْ يَبْدَأ بِإزالَةِ النَّقْصِ. وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ يَشْمَلُ الأُمَّةَ ما لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ. وجُمْلَةُ (﴿وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾) اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، فَيُفِيدُ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ عِلْمِهِ تَعالى بِذُنُوبِ الخَلْقِ، ومِن ذَلِكَ أحْوالُ صفحة ٦٠ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هم غَرَضُ الكَلامِ. فَفي (ذُنُوب عِبادِهِ) عُمُومانِ عُمُومُ ذُنُوبِهِمْ كُلِّها لِإفادَةِ الجَمْعِ المُضافِ عُمُومَ إفْرادِ المُضافِ، وعُمُومُ النّاسِ لِإضافَةِ (عِبادٍ) إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، أيْ: جَمِيعُ عِبادِهِ، مَعَ ما في صِيغَةِ (خَبِيرٍ) مِن شِدَّةِ العِلْمِ وهو يَسْتَلْزِمُ العُمُومَ فَكانَ كَعُمُومٍ ثالِثٍ. والكِفايَةُ: الإجْزاءُ، وفي فِعْلِ (كَفى) إفادَةُ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ بِالِاكْتِفاءِ بِتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ. والباءُ لِتَأْكِيدِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى الفاعِلِ. وقَدْ كَثُرَ دُخُولُ باءِ التَّأْكِيدِ بَعْدَ فِعْلِ الكِفايَةِ عَلى فاعِلِهِ أوْ مَفْعُولِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]) في سُورَةِ الإسْراءِ. و(خَبِيرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) أيْ: كَفى بِهِ مِن حَيْثُ الخِبْرَةِ. والعِلْمُ بِالذُّنُوبِ كِنايَةٌ عَنْ لازَمِهِ وهو أنْ يُجازِيَهم عَنْ ذُنُوبِهِمْ، والشِّرْكُ جامِعُ الذُّنُوبِ. وفي الكَلامِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن أذاهم.

الفرقان 25:59

﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ . أُجْرِيَتْ هَذِهِ الصِّلَةُ وصْفًا ثانِيًا لِـ (الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ) لِاقْتِضائِها سِعَةَ العِلْمِ وسِعَةَ القُدْرَةِ وعَظِيمَ المَجْدِ، فَصاحِبُها حَقِيقٌ بِأنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ويُفَوَّضَ أمْرُ الجَزاءِ إلَيْهِ. وهَذا تَخَلُّصٌ إلى العَوْدِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أيّامٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعَلى الِاسْتِواءِ في سُورَةِ الأعْرافِ. و(الرَّحْمَنُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الغالِبِ في الِاسْتِعْمالِ عِنْدَما تَتَقَدَّمُ أخْبارٌ أوْ أوْصافٌ لِصاحِبِها، ثُمَّ يُرادُ الإخْبارُ عَنْهُ بِما هو إفْصاحٌ عَنْ وصْفٍ جامِعٍ لِما مَضى أوْ أهَمَّ في الغَرَضِ مِمّا تَقَدَّمَهُ، فَإنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ أهَمُّ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ وصْفٌ يَقْتَضِي أنَّهُ يُدَبِّرُ أُمُورَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِقَوِيِّ الإسْعافِ. صفحة ٦١ وفُرِّعَ عَلى وصْفِهِ بِـ (الرَّحْمَنُ) قَوْلُهُ: (﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ في رَحْمَتِهِ مِنَ العَظَمَةِ والشُّمُولِ ما لا تَفِي فِيهِ العِبارَةُ فَيَعْدِلُ عَنْ زِيادَةِ التَّوْصِيفِ إلى الحِوالَةِ عَلى العَلِيمِ بِتَصارِيفِ رَحْمَتِهِ مُجَرِّبٌ لَها مُتَلَقٍّ أحادِيثَها مِمَّنْ عَلِمَها وجَرَّبَها. وتَنْكِيرُ (خَبِيرًا) لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ، فَلا يُظَنُّ خَبِيرًا مُعَيَّنًا؛ لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا تَعَلَّقَ بِها فِعْلٌ اقْتَضَتْ عُمُومًا بِدَلِيلِ أيِّ خَبِيرٍ سَألْتَهُ أعْلَمَكَ. وهَذا يَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ نَظِيرَ قَوْلِ العَرَبِ: (عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ) يَقُولُها العارِفُ بِالشَّيْءِ إذا سُئِلَ عَنْهُ. والمَثَلانِ وإنْ تَساوَيا في عَدَدِ الحُرُوفِ المَنطُوقِ بِها فالمَثَلُ القُرْآنِيُّ أفْصَحُ لِسَلامَتِهِ مِن ثِقَلِ تَلاقِي القافِ والطّاءِ والتّاءِ في (سَقَطْتَ) . وهو أيْضًا أشْرَفُ لِسَلامَتِهِ مِن مَعْنى السُّقُوطِ، وهو أبْلَغُ مَعْنًى لِما فِيهِ مِن عُمُومِ كُلِّ خَبِيرٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، لِأنَّها إنَّما يَقُولُها الواحِدُ المُعَيَّنُ. وقَرِيبٌ مِن مَعْنى (﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾) قَوْلُ النّابِغَةِ: هَلّا سَألْتَ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبِـي إذا الدُّخانُ تَغَشّى الأشْمَطَ البَرِما إلى قَوْلِهِ: يُخْبِرُكُ ذُو عِرْضِهِمْ عَنِّي وعالِمُهم ∗∗∗ ولَيْسَ جاهِلُ شَيْءٍ مِثْلَ مَن عَلِما والباءُ في (بِهِ) بِمَعْنى (عَنْ) أيْ فاسْألْ عَنْهُ كَقَوْلِ عَلْقَمَةَ: فَإنْ تَسْألُونِي بِالنِّساءِ فَإنَّنِي ∗∗∗ خَبِيرٌ بِأدْواءِ النِّساءِ طَبِيبُ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ مُتَعَلِّقَةً بِـ (خَبِيرًا) وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ، فَلَهُ سَبَبانِ.

الفرقان 25:60

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ . لِما جَرى وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِالرَّحْمَنِ مَعَ صِفاتٍ أُخُرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرُ كُفْرِ المُشْرِكِينَ بِهَذا الوَصْفِ. وقَدْ عَلِمْتَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ في أوَّلِ هَذا التَّفْسِيرِ أنَّ وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) هو مِن وضْعِ القُرْآنِ ولَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لِلْعَرَبِ، وأمّا قَوْلُ شاعِرِ اليَمامَةِ في مَدْحِ مُسَيْلِمَةَ: صفحة ٦٢ سَمَوْتَ بِالمَجْدِ يا ابْنَ الأكْرَمِينَ أبًـا وأنْتَ غَيْثُ الوَرى لا زِلْتَ رَحْمانا فَذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ في مُدَّةِ الرِّدَّةِ، ولِذَلِكَ لَمّا سَمِعُوهُ مِنَ القُرْآنِ أنْكَرُوهُ قَصْدًا بِالتَّوَرُّكِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولَيْسَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ بِمَدْلُولِ هَذا الوَصْفِ ولا بِكَوْنِهِ جارِيًا عَلى مَقايِيسِ لُغَتِهِمْ ولا أنَّهُ إذا وُصِفُ اللَّهُ بِهِ فَهو رَبٌّ واحِدٌ وأنَّ التَّعَدُّدَ في الأسْماءِ؛ فَكانُوا يَقُولُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا الصّابِئِ يَنْهانا أنْ نَدْعُوَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو اللَّهَ ويَدْعُو الرَّحْمَنَ. وفي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠]) . وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الإسْراءِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً في التَّعْجِيبِ مِن عِنادِهِمْ وبُهْتانِهِمْ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ الإخْبارِ عَنْهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ مَعْلُومٌ مِن شَأْنِهِمْ. والسُّجُودُ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودُ الِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ وهو شِعارُ الإسْلامِ، ولَمْ يَكُنِ السُّجُودُ مِن عِبادَتِهِمْ وإنَّما كانُوا يَطُوفُونَ بِالأصْنامِ، وأمّا سُجُودُ الصَّلاةِ الَّتِي هي مِن قَواعِدِ الإسْلامِ فَلَيْسَ مُرادًا هُنا إذْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْمَرُ بِالصَّلاةِ، ولا فائِدَةَ في تَكْلِيفِهِمْ بِها قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا. ويَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ أرْسَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ إلى اليَمَنِ فَأمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى شَهادَةِ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: «فَإنْ هم أطاعُوا لِذَلِكَ فَأعْلِمْهم أنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَواتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ» إلَخْ. ومَسْألَةُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لا طائِلَ تَحْتَها. وواوُ العَطْفِ في قَوْلِهِمْ (﴿وما الرَّحْمَنُ﴾) لِعَطْفِهِمُ الكَلامَ الَّذِي صَدَرَ مِنهم عَلى الكَلامِ الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِمْ في أمْرِهِمْ بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ، عَلى طَرِيقَةِ دُخُولِ العَطْفِ بَيْنَ كَلامَيْ مُتَكَلِّمَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]) . و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿وما الرَّحْمَنُ﴾) اسْتِفْهامِيَّةٌ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِغْرابِ، يَعْنُونَ تَجاهُلَ هَذا الِاسْمِ، ولِذَلِكَ اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ بِما دُونَ (مَن) بِاعْتِبارِ السُّؤالِ عَنْ مَعْنى هَذا الِاسْمِ. والِاسْتِفْهامُ في (﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾) إنْكارٌ وامْتِناعٌ، أيْ: لا نَسْجُدُ لِشَيْءٍ صفحة ٦٣ تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ عَلى أنَّ (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، أوْ لا نَسْجُدُ لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ إنْ كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً. وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّفَةِ أوِ الصِّلَةِ مَعَ ما اتَّصَلَ هو بِهِ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ إباءُ السُّجُودِ لِلَّهِ؛ لِأنَّ السُّجُودَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ سُجُودٌ لِلَّهِ بِنِيَّةِ انْفِرادِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، وهم لا يُجِيبُونَ إلى ذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]) أيْ: فَيَأْبَوْنَ، وقالَ: (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]) . ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿وزادَهم نُفُورًا﴾) فالنُّفُورُ مِنَ السُّجُودِ سابِقٌ قَبْلَ سَماعِ اسْمِ الرَّحْمَنِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُنا) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ يَقُولُونَهُ بَيْنَهم ولا يُشافِهُونَ بِهِ النَّبِيءَ ﷺ . والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (زادَهم) عائِدٌ إلى القَوْلِ المَأْخُوذِ مِن (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾) . والنُّفُورُ: الفِرارُ مِنَ الشَّيْءِ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى لازِمِهِ وهو البُعْدُ. وإسْنادُ زِيادَةِ النُّفُورِ إلى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ تِلْكَ الزِّيادَةِ فَهم كانُوا أصْحابَ نُفُورٍ مِن سُجُودٍ لِلَّهِ فَلَمّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ زادُوا بُعْدًا مِنَ الإيمانِ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٦]) . وهَذا مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ بِالِاتِّفاقِ. ووَجْهُ السُّجُودِ هُنا إظْهارُ مُخالَفَةِ المُشْرِكِينَ إذْ أبَوُا السُّجُودَ لِلرَّحْمَنِ، فَلَمّا حُكِيَ إباؤُهم مِنَ السُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ في مَعْرِضِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ عُزِّزَ ذَلِكَ بِالعَمَلِ بِخِلافِهِمْ فَسَجَدَ النَّبِيءُ ﷺ هُنا مُخالِفًا لَهم مُخالَفَةً بِالفِعْلِ مُبالَغَةً في مُخالَفَتِهِ لَهم بَعْدَ أنْ أبْطَلَ كُفْرَهم بِقَوْلِهِ: (﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]) الآياتِ الثَّلاثَ. وسَنَّ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - السُّجُودَ في هَذا المَوْضِعِ.

الفرقان 25:61

﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جُعِلَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]) الآياتِ الَّتِي هي مَحْصُولُ الدِّعامَةِ الثّالِثَةِ مِنَ الدَّعائِمِ الثَّلاثِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها بِناءُ هَذِهِ السُّورَةِ، وافْتُتِحَتْ كُلُّ دِعامَةٍ مِنها بِـ (تَبارَكَ الَّذِي. . .) إلَخْ كَما تَقَدَّمَ في صفحة ٦٤ صَدْرِ السُّورَةِ. وافْتُتِحَ ذَلِكَ بِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِالبِرْكَةِ والخَيْرِ لِما جَعَلَهُ لِلْخَلْقِ مِنَ المَنافِعِ. وتَقَدَّمَ (تَبارَكَ) أوَّلَ السُّورَةِ وفي قَوْلِهِ: (﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في الأعْرافِ. والبُرُوجُ: مَنازِلُ مُرُورِ الشَّمْسِ فِيما يَرى الرّاصِدُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]) في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ. والِامْتِنانُ بِها؛ لِأنَّ النّاسَ يُوَقِّتُونَ بِها أزْمانَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سِراجًا) بِصِيغَةِ المُفْرَدِ. والسِّراجُ: الشَّمْسُ كَقَوْلِهِ: (﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]) في سُورَةِ نُوحٍ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (سُرُجًا) بِضَمِّ السِّينِ والرّاءِ جَمْعُ سِراجٍ فَيَشْمَلُ مَعَ الشَّمْسِ النُّجُومَ، فَيَكُونُ امْتِنانًا بِحُسْنِ مَنظَرِها لِلنّاسِ كَقَوْلِهِ: (﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥]) . والِامْتِنانُ بِمَحاسِنِ المَخْلُوقاتِ وارِدٌ في القُرْآنِ قالَ تَعالى: (﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]) . ( والكَلامُ جارٍ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ السِّراجِ: المِصْباحُ الزّاهِرُ الضِّياءَ. والمَقْصُودُ: أنَّهُ جَعَلَ الشَّمْسَ مُزِيلَةً لِلظُّلْمَةِ كالسِّراجِ، أوْ خَلَقَ النُّجُومَ كالسِّراجِ في التَّلَأْلُؤِ وحُسْنِ المَنظَرِ. ودَلالَةُ خَلْقِ البُرُوجِ والشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَة دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْعاقِلِ، وكَذَلِكَ دَلالَتُهُ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ ونِظامِهِ بِحَيْثُ لا يَخْتَلُّ ولا يَخْتَلِفُ حَتّى تَسَنّى لِلنّاسِ رَصْدُ أحْوالِها وإناطَةُ حِسابِهِمْ بِها.

الفرقان 25:62

﴿وهْوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ . الِاسْتِدْلالُ هَذا بِما في اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنِ اخْتِلافِ الحالِ بَيْنَ ظُلْمَةٍ ونُورٍ، وبَرْدٍ صفحة ٦٥ وحَرٍّ، مِمّا يَكُونُ بَعْضُهُ ألْيَقَ بِبَعْضِ النّاسِ مِن بَعْضٍ بِبَعْضٍ آخَرَ، وهَذا مُخالِفٌ لِلِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧])، فَهَذِهِ دَلالَةٌ أُخْرى والحِكَمُ في المَخْلُوقاتِ كَثِيرَةٌ. والقَصْرُ هُنا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ إضافِيًّا فَلِذَلِكَ لا يُرادُ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ بِخِلافِ صِيَغِ القَصْرِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]) . والخِلْفَةُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ اللّامِ: اسْمٌ لِما يَخْلُفُ غَيْرَهُ في بَعْضِ ما يَصْلُحُ لَهُ. صِيغَ هَذا الِاسْمُ عَلى زِنَةِ فِعْلَةٍ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ ذُو خِلْفَةٍ، أيْ: صاحِبُ حالَةٍ خَلَفَ فِيها غَيْرَهُ ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ فَصارَ اسْمًا، قالَ زُهَيْرٌ: بِها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْـفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ أيْ: يَمْشِي سِرْبٌ ويَخْلُفُهُ سِرْبٌ آخَرُ ثُمَّ يَتَعاقَبُ هَكَذا. فالمَعْنى: جَعَلَ اللَّيْلَ خِلْفَةً والنَّهارَ خِلْفَةً: أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما خِلْفَةً عَنِ الآخَرِ، أيْ: فِيما يَعْمَلُ فِيها مِنَ التَّدَبُّرِ في أدِلَّةِ العَقِيدَةِ والتَّعَبُّدِ والتَّذَكُّرِ. واللّامُ في (﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾) لامُ التَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (جَعَلَ)، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ هَذا الجَعْلَ نافِعٌ مَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شَكُورًا. والتَّذَكُّرُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الذِّكْرِ، أيْ: تَكَلِّفُ الذِّكْرِ. والذِّكْرُ جاءَ في القُرْآنِ بِمَعْنى التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ الدِّينِ، وجاءَ بِمَعْنى تَذَكُّرِ فائِتٍ أوْ مَنسِيٍّ، ويَجْمَعُ المَعْنَيَيْنِ اسْتِظْهارُ ما احْتُجِبَ عَنِ الفِكْرِ. والشُّكُورُ: بِضَمِّ الشِّينِ مَصْدَرٌ مُرادِفُ الشُّكْرِ، والشُّكْرُ: عِرْفانُ إحْسانِ المُحْسِنِ. والمُرادُ بِهِ هُنا العِبادَةُ؛ لِأنَّها شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى. فَتُفِيدُ الآيَةُ مَعْنى: لِيَنْظُرَ في اخْتِلافِهِما المُتَفَكِّرُ فَيَعْلَمَ أنْ لا بُدَّ لِانْتِقالِهِما مَن حالٍ إلى حالٍ مُؤْثَرٍ حَكِيمٍ فَيَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلى تَوْحِيدِ الخالِقِ ويَعْلَمُ أنَّهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ فَيُوقِنُ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ الإلَهِيَّةَ، ولِيَشْكُرَ الشّاكِرَ عَلى ما في اخْتِلافِ صفحة ٦٦ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِنها ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]) فَيَكْثُرُ الشّاكِرُونَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ ومُناسَباتِهِمْ، وتُفِيدُ مَعْنى: لِيَتَدارَكَ النّاسِي ما فاتَهُ في اللَّيْلِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ النَّوْمِ أوِ التَّعَبِ فَيَقْضِيَهُ في النَّهارِ أوْ ما شَغَلَهُ عَنْهُ شَواغِلُ العَمَلِ في النَّهارِ فَيَقْضِيَهُ بِاللَّيْلِ عِنْدَ التَّفَرُّغِ فَلا يَرْزَؤُهُ ذَلِكَ ثَوابَ أعْمالِهِ. رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أطالَ صَلاةَ الضُّحى يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ ؟ فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أقْضِيَهُ وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾) الآيَةَ. ولِمَن أرادَ أنْ يَتَقَرَّبَ إلى اللَّهِ شُكْرًا لَهُ بِصَلاةٍ أوْ صِيامٍ، فَيَكُونَ اللَّيْلُ أسْعَدَ بِبَعْضِ ذَلِكَ والنَّهارُ أسْعَدَ بِبَعْضٍ، فَهَذا مُفادٌ عَظِيمٌ في إيجازٍ بَدِيعٍ. وجِيءَ في جانِبِ المُتَذَكِّرِينَ بِقَوْلِهِ (أنْ يَذَّكَّرَ) لِدَلالَةِ المُضارِعِ عَلى التَّجَدُّدِ. واقْتَصَرَ في جانِبِ الشّاكِرِينَ عَلى المَصْدَرِ بِقَوْلِهِ (﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾)؛ لِأنَّ الشُّكْرَ يَحْصُلُ دُفْعَةً. ولِأجْلِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ النَّظْمَيْنِ أُعِيدَ فِعْلُ (أرادَ) إذْ لا يَلْتَئِمُ عَطْفُ (شُكُورًا) عَلى (أنْ يَذَّكَّرَ) . وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنْ يَذَّكَّرَ) بِتَشْدِيدِ الذّالِ مَفْتُوحَةً، وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ فَأُدْغِمَتِ التّاءَ في الذّالِ لِتَقارُبِهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ (أنْ يَذْكُرَ) بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ إلّا أنَّ المُشَدَّدَ أشَدُّ عَمَلًا، وكِلا العَمَلَيْنِ يُسْتَدْرَكانِ في اللَّيْلِ والنَّهارِ.

الفرقان 25:63

﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، فالجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ هي (عِبادُ الرَّحْمَنِ) إلَخْ، فَهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) إلَخْ. وقِيلَ: الخَبَرُ (﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]) . والجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةُ (﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]) إلَخْ. فَبِمُناسَبَةِ ذِكْرِ مَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ تُخُلِّصَ إلى خِصالِ المُؤْمِنِينَ أتْباعِ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى تَسْتَكْمِلَ السُّورَةُ أغْراضَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ ومَنِ اتَّبَعُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في الإلْمامِ بِأهَمِّ أغْراضِها في طالِعَةِ تَفْسِيرِها. وهَذا مِن صفحة ٦٧ أبْدَعِ التَّخَلُّصِ؛ إذْ كانَ مُفاجِئًا لِلسّامِعِ مُطْمِعًا أنَّهُ اسْتِطْرادٌ عارِضٌ كَسَوابِقِهِ حَتّى يُفاجِئَهُ ما يُؤْذِنُ بِالخِتامِ وهو (﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧]) الآيَةَ. والمُراد بِـ (عِبادِ الرَّحْمَنِ) بادِئَ ذِي بَدْءٍ أصْحابُ رَسُولِ - اللَّهِ ﷺ - فالصِّفاتُ الثَّمانِ الَّتِي وُصِفُوا بِها في هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةٌ لِأوْصافِهِمُ الَّتِي اخْتُصُّوا بِها. وإذْ قَدْ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الصِّفاتُ في مَقامِ الثَّناءِ والوَعْدِ بِجَزاءِ الجَنَّةِ، عُلِمَ أنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ مَوْعُودٌ بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ وقَدْ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَ عُنْوانَهم عِبادَهُ، واخْتارَ لَهم مِنَ الإضافَةِ إلى اسْمِهِ اسْمَ الرَّحْمَنِ لِوُقُوعِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الفَرِيقِ الَّذِينَ قِيلَ لَهم: اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ. قالُوا: وما الرَّحْمَنُ. فَإذا جُعِلَ المُرادُ مِن (عِبادِ الرَّحْمَنِ) أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ كانَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) إلى آخَرِ المَعْطُوفاتِ وكانَ قَوْلُهُ الآتِي: (﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]) اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَوْنِهِمْ أحْرِياءَ بِما بَعَدَ اسْمِ الإشارَةِ. وإذا كانَ المُرادُ مِن (عِبادِ الرَّحْمَنِ) جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِمَضْمُونِ تِلْكَ الصِّلاتِ كانَتْ تِلْكَ المَوْصُولاتُ وصِلاتُها نُعُوتًا لِـ (عِبادِ الرَّحْمَنِ) وكانَ الخَبَرُ اسْمَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥]) إلَخْ. وفِي الإطْنابِ بِصِفاتِهِمُ الطَّيِّبَةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ أبَوُا السُّجُودَ لِلرَّحْمَنِ وزادَهم نُفُورًا هم عَلى الضِّدِّ مِن تِلْكَ المَحامِدِ، تَعْرِيضًا تُشْعِرُ بِهِ إضافَةُ (عِبادِ) إلى (الرَّحْمَنِ) . واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الصِّلاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى (عِبادِ الرَّحْمَنِ) جاءَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو مِنَ التَّحَلِّي بِالكِمالاتِ الدِّينِيَّةِ وهي الَّتِي ابْتُدِئَ بِها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) إلى قَوْلِهِ: (سَلامًا) . وقِسْمٌ هو مِنَ التَّخَلِّي عَنْ ضَلالاتِ أهْلِ الشِّرْكِ وهو الَّذِي مِن قَوْلِهِ: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) . وقِسْمٌ هو مِنَ الِاسْتِقامَةِ عَلى شَرائِعِ الإسْلامِ وهو قَوْلُهُ: (﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]) صفحة ٦٨ وقَوْلُهُ: (﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]) الآيَةَ، وقَوْلُهُ: (﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) إلى قَوْلِهِ: (﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]) إلَخْ. وقِسْمٌ مِن تَطَلُّبِ الزِّيادَةِ مِن صَلاحِ الحالِ في هَذِهِ الحَياةِ وهو قَوْلُهُ: (﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا﴾ [الفرقان: ٧٤]) إلى قَوْلِهِ: (﴿لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]) . وظاهِرُ قَوْلِهِ: (﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) أنَّهُ مَدْحٌ لِمِشْيَةٍ بِالأرْجُلِ وهو الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (يَمْشُونَ) عِبارَةً عَنْ تَصَرُّفاتِهِمْ في مُعاشَرَةِ النّاسِ فَعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِانْتِقالِ في الأرْضِ، وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مَأْخُوذٌ مِمّا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ كَما سَيَأْتِي. فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ تَقْيِيدُ المَشْيِ بِأنَّهُ عَلى الأرْضِ لِيَكُونَ في وصْفِهِ بِالهَوْنِ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَمْشُونَ كَذَلِكَ اخْتِيارًا ولَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ المَشْيِ في الصُّعُداتِ أوْ عَلى الجَنادِلِ. والهَوْنُ: اللِّينُ والرِّفْقُ. ووَقَعَ هُنا صِفَةً لِمَصْدَرِ المَشْيِ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (مَشْيًا) فَهو مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ. والمَشْيُ الهَوْنُ: هو الَّذِي لَيْسَ فِيهِ ضَرْبٌ بِالأقْدامِ وخَفْقُ النِّعالِ فَهو مُخالِفٌ لِمَشْيِ المُتَجَبِّرِينَ المُعْجَبِينَ بِنُفُوسِهِمْ وقُوَّتِهِمْ. وهَذا الهَوْنُ ناشِئٌ عَنِ التَّواضُعِ لِلَّهِ تَعالى والتَّخَلُّقِ بِآدابِ النَّفْسِ العالِيَةِ وزَوالِ بَطَرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَكانَتْ هَذِهِ المِشْيَةُ مِن خِلالِ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى الضِّدِّ مِن مَشْيِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: (إنَّ البَخْتَرَةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ) . وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) فاقْصِدْ مِن مِشْيَتِكَ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ لُقْمانَ لِابْنِهِ (﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨]) . والتَّخَلُّقُ بِهَذا الخُلُقِ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ التَّخَلُّقِ بِالرَّحْمَةِ المُناسِبُ لِعِبادِ الرَّحْمَنِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ ضِدُّ الشِّدَّةِ فالهَوْنُ يُناسِبُ ماهِيَّتَها وفِيهِ سَلامَةٌ مِن صَدْمِ المارِّينَ. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: كُنْتُ أسْألُ عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾) صفحة ٦٩ فَما وجَدْتُ في ذَلِكَ شِفاءً فَرَأيْتُ في المَنامِ مَن جاءَنِي فَقالَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ. فَهَذا رَأْيٌ لِزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أُلْهِمَهُ يَجْعَلُ مَعْنى (﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ﴾) أنَّهُ اسْتِعارَةٌ لِلْعَمَلِ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥]) وأنَّ الهَوْنَ مُسْتَعارٌ لِفِعْلِ الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ هَوَّنَ عَلى النّاسِ كَما يُسَمّى بِالمَعْرُوفِ. وقُرِنَ وصَفُهم بِالتَّواضُعِ في سَمْتِهِمْ وهو المَشْيُ عَلى الأرْضِ هَوْنًا بِوَصْفٍ آخَرَ يُناسِبُ التَّواضُعَ وكَراهِيَةَ التَّطاوُلِ وهو مُتارَكَةُ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ عَلَيْهِمْ في الخِطابِ بِالأذى والشَّتْمِ وهَؤُلاءِ الجاهِلُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ المُشْرِكُونَ إذْ كانُوا يَتَعَرَّضُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالأذى والشَّتْمِ فَعَلَّمَهُمُ اللَّهُ مُتارَكَةَ السُّفَهاءِ، فالجَهْلُ هُنا ضِدُّ الحِلْمِ، وذَلِكَ أشْهَرُ إطْلاقاتِهِ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ وذَلِكَ مَعْلُومٌ في كَثِيرٍ مِنَ الشِّعْرِ والنَّثْرِ. وانْتُصِبَ (سَلامًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ. وذَكَّرَهم بِصِفَةِ الجاهِلِينَ دُونَ غَيْرِها مِمّا هو أشَدُّ مَذَمَّةً مِثْلَ الكافِرِينَ؛ لِأنَّ هَذا الوَصْفَ يُشْعِرُ بِأنَّ الخِطابَ الصّادِرَ مِنهم خِطابُ الجَهالَةِ والجَفْوَةِ. و(السَّلامُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى السَّلامَةِ، أيْ: لا خَيْرَ بَيْنَنا ولا شَرَّ فَنَحْنُ مُسَلَّمُونَ مِنكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ لَفْظُ التَّحِيَّةِ فَيَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ وهو المُتارَكَةُ؛ لِأنَّ أصْلَ اسْتِعْمالِ لَفْظِ السَّلامِ في التَّحِيَّةِ أنَّهُ يُؤْذِنُ بِالتَّأْمِينِ، أيْ: عَدَمُ الإهاجَةِ، والتَّأْمِينُ: أوَّلُ ما يَلْقى بِهِ المَرْءُ مَن يُرِيدُ إكْرامَهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ: (﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأُرِيتُ في بَعْضِ التَّوارِيخِ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ وكانَ مِنَ المائِلِينَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ يَوْمًا بِحَضْرَةِ المَأْمُونِ وعِنْدَهُ جَماعَةٌ: كُنْتُ أرى عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في النَّوْمِ فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ ؟ فَكانَ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكُنْتُ أجِيءُ مَعَهُ إلى قَنْطَرَةٍ فَيَذْهَبُ فَيَتَقَدَّمُنِي في عُبُورِها أقُولُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ ونَحْنُ أحَقُّ صفحة ٧٠ بِهِ مِنكَ، فَما رَأيْتُ لَهُ في الجَوابِ بَلاغَةً كَما يُذْكَرُ عَنْهُ، قالَ المَأْمُونُ: وبِماذا جاوَبَكَ ؟ قالَ: فَكانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا. قالَ الرّاوِي: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ لا يَحْفَظُ الآيَةَ أوْ ذَهَبَتْ عَنْهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَبَّهَ المَأْمُونُ عَلى الآيَةِ مَن حَضَرَهُ وقالَ: هو واللَّهِ يا عَمِّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وقَدْ جاوَبَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، فَخُزِيَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيا. ولِأجْلِ المُناسَبَةِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ عُطِفَتْ هَذِهِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى. ولَمْ يُكَرَّرِ اسْمُ المَوْصُولِ كَما كُرِّرَ في الصِّفاتِ بَعْدَها.

الفرقان 25:64

﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ عَطْفُ صِفَةٍ أُخْرى عَلى صِفَتَيْهِمُ السّابِقَتَيْنِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشّاعِرِ: إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمِ وإعادَةُ المَوْصُولِ لِتَأْكِيدِ أنَّهم يُعْرَفُونَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ المَوْصُولاتِ وصِلاتِها كُلَّها أخْبارٌ أوْ أوْصافٌ لِعِبادِ الرَّحْمَنِ. رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ (﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]) قالَ: هَذا وصْفُ نَهارِهِمْ ثُمَّ إذا قَرَأ (﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾) قالَ: هَذا وصْفُ لَيْلِهِمْ. والقِيامُ: جَمْعُ قائِمٍ كالصِّحابِ، والسُّجُودُ والقِيامُ رُكْنا الصَّلاةِ، فالمَعْنى: يَبِيتُونَ يُصَلُّونَ، فَوَقَعَ إطْنابٌ في التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِرُكْنَيْها تَنْوِيهًا بِكِلَيْهِما. وتَقْدِيمُ (سُجَّدًا) عَلى (قِيامًا) لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الإشارَةِ إلى الِاهْتِمامِ بِالسُّجُودِ، وهو ما بَيَّنَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» . وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرِي التَّهَجُّدِ كَما أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]) .

الفرقان 25:65

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ دُعاؤُهم هَذا أمارَةٌ عَلى شِدَّةِ مَخافَتِهِمُ الذُّنُوبَ فَهم يَسْعَوْنَ في مَرْضاةِ رَبِّهِمْ لِيَنْجُوا مِنَ العَذابِ، فالمُرادُ بِصَرْفِ العَذابِ: إنْجاؤُهم مِنهُ بِتَيْسِيرِ العَمَلِ الصّالِحِ، وتَوْفِيرِهِ، واجْتِنابِ السَّيِّئاتِ. صفحة ٧١ وجُمْلَةُ (﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً مِن كَلامِ القائِلِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمَيِ المَوْصُولِ، وعَلى كُلٍّ فَهي تَعْلِيلٌ لِسُؤالِ صَرْفِ عَذابِها عَنْهم. والغَرامُ: الهَلاكُ المُلِحُّ الدّائِمُ، وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الشَّرِّ المُسْتَمِرِّ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِ القائِلِينَ فَتَكُونَ تَعْلِيلًا ثانِيًا مُؤَكِّدًا لِتَعْلِيلِهِمُ الأوَّلِ، وأنْ تَكُونَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى دُونَ الَّتِي قَبْلَها فَتَكُونَ تَأْيِيدًا لِتَعْلِيلِ القائِلِينَ. وأنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها فَتَكُونَ تَكْرِيرًا لِلِاعْتِراضِ. والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ. والِاسْتِقْرارُ: قُوَّةُ القَرارِ. والمُقامُ: اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ، أيْ: ساءَتْ مَوْضِعًا لِمَن يَسْتَقِرُّ فِيها بِدُونِ إقامَةٍ مِثْلَ عُصاةِ أهْلِ الأدْيانِ ولِمَن يُقِيمُ فِيها مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ.

الفرقان 25:66

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ دُعاؤُهم هَذا أمارَةٌ عَلى شِدَّةِ مَخافَتِهِمُ الذُّنُوبَ فَهم يَسْعَوْنَ في مَرْضاةِ رَبِّهِمْ لِيَنْجُوا مِنَ العَذابِ، فالمُرادُ بِصَرْفِ العَذابِ: إنْجاؤُهم مِنهُ بِتَيْسِيرِ العَمَلِ الصّالِحِ، وتَوْفِيرِهِ، واجْتِنابِ السَّيِّئاتِ. صفحة ٧١ وجُمْلَةُ (﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً مِن كَلامِ القائِلِينَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمَيِ المَوْصُولِ، وعَلى كُلٍّ فَهي تَعْلِيلٌ لِسُؤالِ صَرْفِ عَذابِها عَنْهم. والغَرامُ: الهَلاكُ المُلِحُّ الدّائِمُ، وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الشَّرِّ المُسْتَمِرِّ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِكَلامِ القائِلِينَ فَتَكُونَ تَعْلِيلًا ثانِيًا مُؤَكِّدًا لِتَعْلِيلِهِمُ الأوَّلِ، وأنْ تَكُونَ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى دُونَ الَّتِي قَبْلَها فَتَكُونَ تَأْيِيدًا لِتَعْلِيلِ القائِلِينَ. وأنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها فَتَكُونَ تَكْرِيرًا لِلِاعْتِراضِ. والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ. والِاسْتِقْرارُ: قُوَّةُ القَرارِ. والمُقامُ: اسْمُ مَكانِ الإقامَةِ، أيْ: ساءَتْ مَوْضِعًا لِمَن يَسْتَقِرُّ فِيها بِدُونِ إقامَةٍ مِثْلَ عُصاةِ أهْلِ الأدْيانِ ولِمَن يُقِيمُ فِيها مِنَ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ المَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ.

الفرقان 25:67

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يُقْتِرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ أفادَ قَوْلُهُ: (﴿إذا أنْفَقُوا﴾) أنَّ الإنْفاقَ مِن خِصالِهِمْ فَكَأنَّهُ قالَ: والَّذِينَ يُنْفِقُونَ وإذا أنْفَقُوا إلَخْ. وأُرِيدَ بِالإنْفاقِ هُنا الإنْفاقُ غَيْرُ الواجِبِ وذَلِكَ إنْفاقُ المَرْءِ عَلى أهْلِ بَيْتِهِ وأصْحابِهِ؛ لِأنَّ الإنْفاقَ الواجِبَ لا يُذَمُّ الإسْرافُ فِيهِ، والإنْفاقُ الحَرامُ لا يُحْمَدُ مُطْلَقًا بَلَهْ أنْ يُذَمَّ الإقْتارُ فِيهِ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ: إذا أنْفَقُوا إشْعارًا بِأنَّهُمُ اخْتارُوا أنْ يُنْفِقُوا ولَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ. والإسْرافُ: تَجاوُزُ الحَدِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْفاقُ بِحَسَبِ حالِ المُنْفِقِ وحالِ المُنْفَقِ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الإسْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦]) في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: (﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]) في سُورَةِ الأنْعامِ. والإقْتارُ عَكْسُهُ. وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُسْرِفُونَ في النَّفَقَةِ في اللَّذّاتِ ويُغْلُونَ السِّباءَ في الخَمْرِ ويُتَمِّمُونَ الأيْسارَ في المَيْسِرِ. وأقْوالُهم في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في أشْعارِهِمْ صفحة ٧٢ وهِيَ في مُعَلَّقَةِ طَرَفَةَ وفي مُعَلَّقَةِ لَبِيَدٍ وفي مِيمِيَّةِ النّابِغَةِ، ويَفْتَخِرُونَ بِإتْلافِ المالِ لِيَتَحَدَّثَ العُظَماءُ عَنْهم بِذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ مادِحًا: مُفِيدٌ ومِتْلافٌ إذا ما أتَيْتَـهُ تَهَلَّلَ واهْتَزَّ اهْتِزازَ المُهَنَّدِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (﴿ولَمْ يُقْتِرُوا﴾) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ مِنَ الإقْتارِ وهو مُرادِفُ التَّقْتِيرِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ مِن الإقْتارِ وهو مُرادِفُ التَّقْتِيرِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الفَوْقِيَّةِ مِن قَتَرَ مِن بابِ ضَرَبَ وهو لُغَةٌ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الفَوْقِيَّةِ مِن فِعْلِ قَتَرَ مِن بابِ نَصَرَ. والإقْتارُ والقَتْرُ: الإحْجاَفُ والنَّقْصُ مِمّا تَسَعُهُ الثَّرْوَةُ ويَقْتَضِيهِ حالُ المُنْفَقِ عَلَيْهِ. وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُقْتِرُونَ عَلى المَساكِينِ والضُّعَفاءِ؛ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ ثَناءَ العُظَماءِ في ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ١٨٠]) . والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَيْنَ ذَلِكَ) إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أيِ: الإسْرافُ والإقْتارُ. والقَوامُ بِفَتْحِ القافِ: العَدْلُ والقَصْدُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ. والمَعْنى أنَّهم يَضَعُونَ النَّفَقاتِ مَواضِعَها الصّالِحَةَ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ فَيَدُومُ إنْفاقُهم وقَدْ رَغَّبَ الإسْلامُ في العَمَلِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صاحِبُهُ، ولِيَسِيرَ نِظامُ الجَماعَةِ عَلى كِفايَةٍ دُونَ تَعْرِيضِهِ لِلتَّعْطِيلِ فَإنَّ الإسْرافَ مِن شَأْنِهِ اسْتِنْفادُ المالِ فَلا يَدُومُ الإنْفاقُ، وأمّا الإقْتارُ فَمِن شَأْنِهِ إمْساكُ المالِ فَيُحْرَمُ مَن يَسْتَأْهِلُهُ. وقَوْلُهُ: (بَيْنَ ذَلِكَ) خَبَرُ (كانَ)، و(قَوامًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى (بَيْنَ ذَلِكَ) . وفِيها إشْعارٌ بِمَدْحِ ما بَيْنَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الصَّوابُ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَوامًا) خَبَرَ (كانَ) و(بَيْنَ ذَلِكَ) ظَرْفًا مُتَعَلِّقًا بِهِ. وقَدْ جَرَتِ الآيَةُ عَلى مُراعاةِ الأحْوالِ الغالِبَةِ في إنْفاقِ النّاسِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والقَوامُ في كُلِّ واحِدٍ بِحَسَبِ عِيالِهِ وحالِهِ، ولِهَذا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِهِ ومَنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ.