Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الفرقان 25:68 – الشعراء 26:78

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الفرقان 25:68
  2. الفرقان 25:69
  3. الفرقان 25:70
  4. الفرقان 25:71
  5. الفرقان 25:72
  6. الفرقان 25:73
  7. الفرقان 25:74
  8. الفرقان 25:75
  9. الفرقان 25:76
  10. الفرقان 25:77
  11. الشعراء 26:1
  12. الشعراء 26:2
  13. الشعراء 26:3
  14. الشعراء 26:4
  15. الشعراء 26:5
  16. الشعراء 26:6
  17. الشعراء 26:7
  18. الشعراء 26:8
  19. الشعراء 26:9
  20. الشعراء 26:10
  21. الشعراء 26:11
  22. الشعراء 26:12
  23. الشعراء 26:13
  24. الشعراء 26:14
  25. الشعراء 26:15
  26. الشعراء 26:16
  27. الشعراء 26:17
  28. الشعراء 26:18
  29. الشعراء 26:19
  30. الشعراء 26:20
  31. الشعراء 26:21
  32. الشعراء 26:22
  33. الشعراء 26:23
  34. الشعراء 26:24
  35. الشعراء 26:25
  36. الشعراء 26:26
  37. الشعراء 26:27
  38. الشعراء 26:28
  39. الشعراء 26:29
  40. الشعراء 26:30
  41. الشعراء 26:31
  42. الشعراء 26:32
  43. الشعراء 26:33
  44. الشعراء 26:34
  45. الشعراء 26:35
  46. الشعراء 26:36
  47. الشعراء 26:37
  48. الشعراء 26:38
  49. الشعراء 26:39
  50. الشعراء 26:40
  51. الشعراء 26:41
  52. الشعراء 26:42
  53. الشعراء 26:43
  54. الشعراء 26:44
  55. الشعراء 26:45
  56. الشعراء 26:46
  57. الشعراء 26:47
  58. الشعراء 26:48
  59. الشعراء 26:49
  60. الشعراء 26:50
  61. الشعراء 26:51
  62. الشعراء 26:52
  63. الشعراء 26:53
  64. الشعراء 26:54
  65. الشعراء 26:55
  66. الشعراء 26:56
  67. الشعراء 26:57
  68. الشعراء 26:58
  69. الشعراء 26:59
  70. الشعراء 26:60
  71. الشعراء 26:61
  72. الشعراء 26:62
  73. الشعراء 26:63
  74. الشعراء 26:64
  75. الشعراء 26:65
  76. الشعراء 26:66
  77. الشعراء 26:67
  78. الشعراء 26:68
  79. الشعراء 26:69
  80. الشعراء 26:70
  81. الشعراء 26:71
  82. الشعراء 26:72
  83. الشعراء 26:73
  84. الشعراء 26:74
  85. الشعراء 26:75
  86. الشعراء 26:76
  87. الشعراء 26:77
  88. الشعراء 26:78

الفرقان 25:68

صفحة ٧٣ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ . هَذا قِسْمٌ آخَرُ مِن صِفاتِ عِبادِ الرَّحْمَنِ، وهو قِسْمُ التَّخَلِّي عَنِ المَفاسِدِ الَّتِي كانَتْ مُلازِمَةً لِقَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَتَنَزَّهَ عِبادُ الرَّحْمَنِ عَنْها بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، وذُكِرَ هُنا تَنَزُّهُهم عَنِ الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنا، وهَذِهِ القَبائِحُ الثَّلاثُ كانَتْ غالِبَةً عَلى المُشْرِكِينَ. ووَصْفُ النَّفْسِ بِـ (﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) بَيانًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ مِن عَهْدِ آدَمَ فِيما حَكى اللَّهُ مِن مُحاوَرَةِ ولَدِ آدَمَ بِقَوْلِهِ: (﴿قالَ لَأقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]) الآياتِ، فَتَقَرَّرَ تَحْرِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ مِن أقْدَمِ أزْمانِ البَشَرِ ولَمْ يَجْهَلْهُ أحَدٌ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَذَلِكَ مَعْنى وصْفِ النَّفْسِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) . وكانَ قَتْلُ النَّفْسِ مُتَفَشِّيًا في العَرَبِ بِالعَداواتِ والغاراتِ وبِالوَأْدِ في كَثِيرٍ مِنَ القَبائِلِ بَناتِهِمْ، وبِالقَتْلِ لِفَرْطِ الغَيْرَةِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تَجاوَزْتُ أحْراسًا إلَيْها ومَعْشَرًا عَلَيَّ حُرّاصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي وقالَ عَنْتَرَةُ: عُلِّقْتُها عَرْضًا وأقْتُلُ قَوْمَهَـا ∗∗∗ زَعْمًا لَعَمْرُ أبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ وقَوْلُهُ (﴿إلّا بِالحَقِّ﴾) المُرادُ بِهِ يَوْمَئِذٍ: قَتْلُ قاتِلِ أحَدِهِمْ، وهو تَهْيِئَةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الجِهادِ عَقِبَ مُدَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. ولَمْ يَكُنْ بِيَدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سُلْطانٌ لِإقامَةِ القِصاصِ والحُدُودِ. ومَضى الكَلامُ عَلى الزِّنى في سُورَةِ سُبْحانَ. وقَدْ جُمِعَ التَّخَلِّي عَنْ هَذِهِ الجَرائِمِ الثَّلاثِ في صِلَةِ مَوْصُولٍ واحِدٍ ولَمْ يُكَرَّرِ اسْمُ المَوْصُولِ كَما كُرِّرَ في ذِكْرِ خِصالِ تَحَلِّيهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لَمّا أقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ ولَمْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَقَدْ أقْلَعُوا عَنْ أشَدِّ القَبائِحِ لُصُوقًا بِالشِّرْكِ وذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ والزِّنى. فَجَعَلَ ذَلِكَ شَبِيهَ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ، وجُعِلَ في صِلَةِ مَوْصُولٍ واحِدٍ. صفحة ٧٤ وقَدْ يَكُونُ تَكْرِيرُ (لا) مُجْزِئًا عَنْ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ وكافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ مُوجِبَةٌ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيِّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾) إلى أثامًا»، وفي رِوايَةِ ابْنِ عَطِيَّةَ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ إلى قَوْلِهِ: (﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]) قِيلَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَبائِرِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا، والمُتَبادَرُ مِنَ الإشارَةِ أنَّها إلى المَجْمُوعِ، أيْ: مَن يَفْعَلُ مَجْمُوعَ الثَّلاثِ ويُعْلَمُ أنَّ جَزاءَ مَن يَفْعَلُ بَعْضَها ويَتْرُكُ بَعْضًا عَدا الإشْراكِ دُونَ جَزاءِ مَن يَفْعَلُ جَمِيعَها، وأنَّ البَعْضَ أيْضًا مَراتِبُ، ولَيْسَ المُرادُ مَن يَفْعَلُ كُلَّ واحِدَةٍ مِمّا ذُكِرَ يَلِقَ أثامًا؛ لِأنَّ لُقِيَّ الآثامِ بُيِّنَ هُنا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ والخُلُودِ فِيهِ. وقَدْ نَهَضَتْ أدِلَّةٌ مُتَظافِرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى أنَّ ما عَدا الكُفْرَ مِنَ المَعاصِي لا يُوجِبُ الخُلُودَ، مِمّا يَقْتَضِي تَأْوِيلَ ظَواهِرِ الآيَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضاعَفَةُ العَذابِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى قُوَّتِهِ، أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا شَدِيدًا ولَيْسَتْ لِتَكْرِيرِ عَذابٍ مُقَدَّرٍ. والأثامُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَزاءُ الإثْمِ عَلى زِنَةِ الوَبالِ والنَّكالِ، وهو أشَدُّ مِنَ الإثْمِ، أيْ يُجازى عَلى ذَلِكَ سُوءًا؛ لِأنَّها آثامٌ. وجُمْلَةُ (﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (﴿يَلْقَ أثامًا﴾)، وإبْدالُ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ إبْدالُ جُمْلَةٍ، فَإنْ كانَ في الجُمْلَةِ فِعْلٌ قابِلٌ لِلْإعْرابِ ظَهَرَ إعْرابُ المَحَلِّ في ذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ عِمادُ الجُمْلَةِ. وجُعِلَ الجَزاءُ مُضاعَفَةُ العَذابِ والخُلُودُ. فَأمّا مُضاعَفَةُ العَذابِ فَهي أنْ يُعَذَّبَ عَلى كُلِّ جُرْمٍ مِمّا ذُكِرَ عَذابًا مُناسِبًا، ولا يُكْتَفى بِالعَذابِ الأكْبَرِ عَنْ أكْبَرِ الجَرائِمِ وهو الشِّرْكُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا صفحة ٧٥ يُنْجِي صاحِبَهُ مِن تَبِعَةِ ما يَقْتَرِفُهُ مِنَ الجَرائِمِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ لِلنّاسِ جاءَتْ بِالإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ المَفاسِدِ كُلِّها. وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ يَعْنُونَ خِطابَ المُؤاخَذَةِ عَلى ما نُهُوا عَنِ ارْتِكابِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يُطْلَبُ مِنهُمُ العَمَلُ إذْ لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الصّالِحاتُ بِدُونِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ رامَ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ تَخْصِيصَ الخِلافِ بِخِطابِ التَّكْلِيفِ لا الإتْلافِ والجِناياتِ وخِطابِ الوَضْعِ كُلِّهِ. وأمّا الخُلُودُ في العَذابِ فَقَدِ اقْتَضاهُ الإشْراكُ. وقَوْلُهُ: (مُهانًا) حالٌ قُصِدَ مِنها تَشْنِيعُ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، أيْ: يُعَذَّبُ ويُهانُ إهانَةً زائِدَةً عَلى إهانَةِ التَّعْذِيبِ بِأنْ يُشْتَمَ ويُحَقَّرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضاعَفْ) بِألْفٍ بَعْدِ الضّادِ وبِجَزْمِ الفِعْلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفْ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وبِالجَزْمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عاصِمٍ (يُضاعَفُ) بِألْفٍ بَعْدِ الضّادِ وبِرَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ.

الفرقان 25:69

صفحة ٧٣ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ . هَذا قِسْمٌ آخَرُ مِن صِفاتِ عِبادِ الرَّحْمَنِ، وهو قِسْمُ التَّخَلِّي عَنِ المَفاسِدِ الَّتِي كانَتْ مُلازِمَةً لِقَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَتَنَزَّهَ عِبادُ الرَّحْمَنِ عَنْها بِسَبَبِ إيمانِهِمْ، وذُكِرَ هُنا تَنَزُّهُهم عَنِ الشِّرْكِ وقَتْلِ النَّفْسِ والزِّنا، وهَذِهِ القَبائِحُ الثَّلاثُ كانَتْ غالِبَةً عَلى المُشْرِكِينَ. ووَصْفُ النَّفْسِ بِـ (﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) بَيانًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ مِن عَهْدِ آدَمَ فِيما حَكى اللَّهُ مِن مُحاوَرَةِ ولَدِ آدَمَ بِقَوْلِهِ: (﴿قالَ لَأقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: ٢٧]) الآياتِ، فَتَقَرَّرَ تَحْرِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ مِن أقْدَمِ أزْمانِ البَشَرِ ولَمْ يَجْهَلْهُ أحَدٌ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَذَلِكَ مَعْنى وصْفِ النَّفْسِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾) . وكانَ قَتْلُ النَّفْسِ مُتَفَشِّيًا في العَرَبِ بِالعَداواتِ والغاراتِ وبِالوَأْدِ في كَثِيرٍ مِنَ القَبائِلِ بَناتِهِمْ، وبِالقَتْلِ لِفَرْطِ الغَيْرَةِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: تَجاوَزْتُ أحْراسًا إلَيْها ومَعْشَرًا عَلَيَّ حُرّاصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي وقالَ عَنْتَرَةُ: عُلِّقْتُها عَرْضًا وأقْتُلُ قَوْمَهَـا ∗∗∗ زَعْمًا لَعَمْرُ أبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ وقَوْلُهُ (﴿إلّا بِالحَقِّ﴾) المُرادُ بِهِ يَوْمَئِذٍ: قَتْلُ قاتِلِ أحَدِهِمْ، وهو تَهْيِئَةٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ الجِهادِ عَقِبَ مُدَّةِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. ولَمْ يَكُنْ بِيَدِ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سُلْطانٌ لِإقامَةِ القِصاصِ والحُدُودِ. ومَضى الكَلامُ عَلى الزِّنى في سُورَةِ سُبْحانَ. وقَدْ جُمِعَ التَّخَلِّي عَنْ هَذِهِ الجَرائِمِ الثَّلاثِ في صِلَةِ مَوْصُولٍ واحِدٍ ولَمْ يُكَرَّرِ اسْمُ المَوْصُولِ كَما كُرِّرَ في ذِكْرِ خِصالِ تَحَلِّيهِمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لَمّا أقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ ولَمْ يَدْعُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَقَدْ أقْلَعُوا عَنْ أشَدِّ القَبائِحِ لُصُوقًا بِالشِّرْكِ وذَلِكَ قَتْلُ النَّفْسِ والزِّنى. فَجَعَلَ ذَلِكَ شَبِيهَ خَصْلَةٍ واحِدَةٍ، وجُعِلَ في صِلَةِ مَوْصُولٍ واحِدٍ. صفحة ٧٤ وقَدْ يَكُونُ تَكْرِيرُ (لا) مُجْزِئًا عَنْ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ وكافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ مُوجِبَةٌ لِمُضاعَفَةِ العَذابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيِّ الذَّنْبِ أكْبَرُ ؟ قالَ: أنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خِيفَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَصْدِيقَها (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾) إلى أثامًا»، وفي رِوايَةِ ابْنِ عَطِيَّةَ ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ إلى قَوْلِهِ: (﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]) قِيلَ: نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكَبائِرِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا، والمُتَبادَرُ مِنَ الإشارَةِ أنَّها إلى المَجْمُوعِ، أيْ: مَن يَفْعَلُ مَجْمُوعَ الثَّلاثِ ويُعْلَمُ أنَّ جَزاءَ مَن يَفْعَلُ بَعْضَها ويَتْرُكُ بَعْضًا عَدا الإشْراكِ دُونَ جَزاءِ مَن يَفْعَلُ جَمِيعَها، وأنَّ البَعْضَ أيْضًا مَراتِبُ، ولَيْسَ المُرادُ مَن يَفْعَلُ كُلَّ واحِدَةٍ مِمّا ذُكِرَ يَلِقَ أثامًا؛ لِأنَّ لُقِيَّ الآثامِ بُيِّنَ هُنا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ والخُلُودِ فِيهِ. وقَدْ نَهَضَتْ أدِلَّةٌ مُتَظافِرَةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى أنَّ ما عَدا الكُفْرَ مِنَ المَعاصِي لا يُوجِبُ الخُلُودَ، مِمّا يَقْتَضِي تَأْوِيلَ ظَواهِرِ الآيَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضاعَفَةُ العَذابِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى قُوَّتِهِ، أيْ: يُعَذَّبُ عَذابًا شَدِيدًا ولَيْسَتْ لِتَكْرِيرِ عَذابٍ مُقَدَّرٍ. والأثامُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَزاءُ الإثْمِ عَلى زِنَةِ الوَبالِ والنَّكالِ، وهو أشَدُّ مِنَ الإثْمِ، أيْ يُجازى عَلى ذَلِكَ سُوءًا؛ لِأنَّها آثامٌ. وجُمْلَةُ (﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (﴿يَلْقَ أثامًا﴾)، وإبْدالُ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ إبْدالُ جُمْلَةٍ، فَإنْ كانَ في الجُمْلَةِ فِعْلٌ قابِلٌ لِلْإعْرابِ ظَهَرَ إعْرابُ المَحَلِّ في ذَلِكَ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ عِمادُ الجُمْلَةِ. وجُعِلَ الجَزاءُ مُضاعَفَةُ العَذابِ والخُلُودُ. فَأمّا مُضاعَفَةُ العَذابِ فَهي أنْ يُعَذَّبَ عَلى كُلِّ جُرْمٍ مِمّا ذُكِرَ عَذابًا مُناسِبًا، ولا يُكْتَفى بِالعَذابِ الأكْبَرِ عَنْ أكْبَرِ الجَرائِمِ وهو الشِّرْكُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشِّرْكَ لا صفحة ٧٥ يُنْجِي صاحِبَهُ مِن تَبِعَةِ ما يَقْتَرِفُهُ مِنَ الجَرائِمِ والمَفاسِدِ، وذَلِكَ لِأنَّ دَعْوَةَ الإسْلامِ لِلنّاسِ جاءَتْ بِالإقْلاعِ عَنِ الشِّرْكِ وعَنِ المَفاسِدِ كُلِّها. وهَذا مَعْنى قَوْلِ مَن قالَ مِنَ العُلَماءِ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ يَعْنُونَ خِطابَ المُؤاخَذَةِ عَلى ما نُهُوا عَنِ ارْتِكابِهِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يُطْلَبُ مِنهُمُ العَمَلُ إذْ لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الصّالِحاتُ بِدُونِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ رامَ بَعْضُ أهْلِ الأُصُولِ تَخْصِيصَ الخِلافِ بِخِطابِ التَّكْلِيفِ لا الإتْلافِ والجِناياتِ وخِطابِ الوَضْعِ كُلِّهِ. وأمّا الخُلُودُ في العَذابِ فَقَدِ اقْتَضاهُ الإشْراكُ. وقَوْلُهُ: (مُهانًا) حالٌ قُصِدَ مِنها تَشْنِيعُ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، أيْ: يُعَذَّبُ ويُهانُ إهانَةً زائِدَةً عَلى إهانَةِ التَّعْذِيبِ بِأنْ يُشْتَمَ ويُحَقَّرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُضاعَفْ) بِألْفٍ بَعْدِ الضّادِ وبِجَزْمِ الفِعْلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ (يُضَعَّفْ) بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وبِالجَزْمِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عاصِمٍ (يُضاعَفُ) بِألْفٍ بَعْدِ الضّادِ وبِرَفْعِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ.

الفرقان 25:70

﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . الِاسْتِثْناءُ مِنَ العُمُومِ الَّذِي أفادَتْهُ (مَن) الشَّرْطِيَّةُ في قَوْلِهِ: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) . والتَّقْدِيرُ: إلّا مَن تابَ فَلا يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ ولا يَخْلُدُ فِيهِ، وهَذا تَطْمِينٌ لِنُفُوسِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَدْ كانُوا تَلَبَّسُوا بِخِصالِ أهْلِ الشِّرْكِ ثُمَّ تابُوا عَنْها بِسَبَبِ تَوْبَتِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ، وإلّا فَلَيْسَ في دَعْوَتِهِمْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ بَعْدَ العُنْوانِ عَنْهم بِأنَّهم عِبادُ الرَّحْمَنِ ثَناءٌ زائِدٌ. وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، فَأتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفّارَةً فَنَزَلَتْ: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) الآيَةَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُعْفى عَنْهُ مِن عَذابِ الذُّنُوبِ الَّتِي تابَ مِنها، ولا يَخْطُرُ بِالبالِ أنَّهُ صفحة ٧٦ يُعَذَّبُ عَذابًا غَيْرَ مُضاعَفٍ وغَيْرَ مُخَلَّدٍ فِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن مَجارِي الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ بَلِ الأصْلُ في ارْتِفاعِ الشَّيْءِ المُقَيَّدِ أنْ يُقْصَدَ مِنهُ رَفْعُهُ بِأسْرِهِ لا رَفْعُ قُيُودِهِ، إلّا بِقَرِينَةٍ. والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، والنَّدَمُ عَلى ما فَرَّطَ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى الذَّنْبِ، وإذْ كانَ فِيما سَبَقَ ذِكْرُ الشِّرْكِ فالتَّوْبَةُ هُنا التَّلَبُّسُ بِالإيمانِ، والإيمانُ بَعْدَ الكُفْرِ يُوجِبُ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ كَما اقْتَرَفَهُ المُشْرِكُ في مُدَّةِ شَرَكِهِ كَما في الحَدِيثِ «الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ»، ولِذَلِكَ فَعُطِفَ (وآمَنَ) عَلى (مَن تابَ) لِلتَّنْوِيهِ بِالإيمانِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (﴿وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾) وهو شَرائِعُ الإسْلامِ تَحْرِيضًا عَلى الصّالِحاتِ وإيماءً إلى أنَّها لا يُعْتَدُّ بِها إلّا مَعَ الإيمانِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَلَدِ: (﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]) وقالَ في عَكْسِهِ: (﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]) . وقَتْلُ النَّفْسِ الواقِعُ في مُدَّةِ الشِّرْكِ يَجُبُّهُ إيمانُ القاتِلِ لِأجْلِ مَزِيَّةِ الإيمانِ، والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ بِلا خِلافٍ، وإنَّما الخِلافُ الواقِعُ بَيْنَ السَّلَفِ في صِحَّةِ تَوْبَةِ القاتِلِ إنَّما هو في المُؤْمِنَ القاتِلِ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. ولَمّا كانَ مِمّا تَشْمَلُهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّ سِياقَها في الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِ فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَمْحُو آثامَ كُلِّ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ المَعْدُودَةِ ومِنها قَتْلُ النَّفْسِ بِدُونِ حَقٍّ وهو المَعْرُوفُ مِن عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]) الآيَةَ. وفُرِّعَ عَلى الِاسْتِثْناءِ الَّذِينَ تابُوا وآمَنُوا وعَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا أنَّهم يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وهو كَلامٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ فَضْلِ التَّوْبَةِ المَذْكُورَةِ الَّتِي هي الإيمانُ بَعْدَ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ (مَن تابَ) مُسْتَثْنًى مِن (مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ) فَتَعَيَّنَ أنَّ السَّيِّئاتِ المُضافَةَ إلَيْهِمْ هي السَّيِّئاتُ المَعْرُوفَةُ، أيِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها الواقِعَةُ مِنهم في زَمَنِ شِرْكِهِمْ. والتَّبْدِيلُ: جَعْلُ شَيْءٍ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (( ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥]) في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ: يَجْعَلُ اللَّهُ لَهم حَسَناتٍ كَثِيرَةً عِوَضًا عَنْ تِلْكَ السَّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرَفُوها قَبْلَ التَّوْبَةِ وهَذا التَّبْدِيلُ جاءَ مُجْمَلًا وهو صفحة ٧٧ تَبْدِيلٌ يَكُونُ لَهُ أثَرٌ في الآخِرَةِ بِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ جَزاءِ السَّيِّئاتِ ثَوابَ حَسَناتِ أضْدادِ تِلْكَ السَّيِّئاتِ، وهَذا لِفَضْلِ الإيمانِ بِالنِّسْبَةِ لِلشِّرْكِ ولِفَضْلِ التَّوْبَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْآثامِ الصّادِرَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ. وبِهِ يَظْهَرُ مَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (فَأُولَئِكَ) المُفِيدِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما أخْبَرَ عَنْهم بِهِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ: فَأُولَئِكَ التّائِبُونَ المُؤْمِنُونَ العامِلُونَ الصّالِحاتِ في الإيمانِ يُبَدِّلُ اللَّهُ عِقابَ سَيِّئاتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها مِنَ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا بِثَوابٍ. ولَمْ تَتَعَرَّضِ الآيَةُ لِمِقْدارِ الثَّوابِ وهو مَوْكُولٌ إلى فَضْلِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ هَذا بِقَوْلِهِ: (﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾) المُقْتَضِي أنَّهُ عَظِيمُ المَغْفِرَةِ.

الفرقان 25:71

﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ إذا وقَعَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ أوْ تَوْصِيفٌ لَهُ أوْ حالَةٌ مِنهُ بِمُرادِفٍ لِما سَبَقَ مِثْلُهُ في المَعْنى دُونَ زِيادَةٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في شَيْءٍ مِن لَوازِمِ مَعْنى الإخْبارِ يُبَيِّنُهُ المَقامُ، كَقَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ: وإنِّي مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هُمُ هُمُ وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: («مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي» ) . فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا: (( ﴿ومَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾) وقَعَ الإخْبارُ عَنِ التّائِبِ بِأنَّهُ تائِبٌ؛ إذِ المَتابُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى التَّوْبَةِ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُصْرَفَ إلى مَعْنًى مُفِيدٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: (إلى اللَّهِ) فَيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَظِيمِ ثَوابِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ما في المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ، أيْ: فَإنَّهُ صفحة ٧٨ يَسْتَمِرُّ عَلى تَوْبَتِهِ ولا يَرْتَدُّ عَلى عَقِبَيْهِ فَيَكُونُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى القَوْلِ الثّابِتِ إذا كانَ قَدْ تابَ وأيَّدَ تَوْبَتَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ ما لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ مِن مَعْنى التَّأْكِيدِ، أيْ: مَن تابَ وعَمِلَ صالَحا فَإنَّ تَوْبَتَهُ هي التَّوْبَةُ الكامِلَةُ الخالِصَةُ لِلَّهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: («إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى، فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» ) فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]) . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ احْتِمالاتٍ أُخْرى بَعِيدَةً. والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) عَلى التَّقادِيرِ كُلِّها لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الخَبَرِ.

الفرقان 25:72

﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ أتْبَعَ خِصالَ المُؤْمِنِينَ الثَّلاثَ الَّتِي هي قِوامُ الإيمانِ بِخِصالٍ أُخْرى مِن خِصالِهِمْ هي مِن كَمالِ الإيمانِ، والتَّخَلُّقِ بِفَضائِلِهِ، ومُجانَبَةِ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ. وتِلْكَ ثَلاثُ خِصالٍ أوْلاها أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ هُنا: (﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾) الآيَةَ. وفِعْلُ شَهِدَ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى حَضَرَ وهو أصْلُ إطْلاقِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥])، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ شَهِدَهُ وعَلِمَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ [يوسف: ٢٦]) . والزُّورُ: الباطِلُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وقَدْ غَلَبَ عَلى الكَذِبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَحْضُرُونَ مَحاضِرَ الباطِلِ الَّتِي كانَ يَحْضُرُها المُشْرِكُونَ، وهي مَجالِسُ اللَّهْوِ والغِناءِ والغَيْبَةِ ونَحْوِها، وكَذَلِكَ أعْيادُ المُشْرِكِينَ وألْعابُهم، فَيَكُونُ الزُّورُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (يَشْهَدُونَ) . وهَذا ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِمُقاطَعَةِ المُشْرِكِينَ وتَجَنُّبِهِمْ. فَأمّا شُهُودُ مَواطِنِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَذَلِكَ قَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: (﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]) . وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ: (﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]) ويَجُوزُ أنْ صفحة ٧٩ يَكُونَ فِعْلُ (يَشْهَدُونَ) بِمَعْنى الإخْبارِ عَمّا عَلِمُوهُ ويَكُونَ الزُّورُ مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ لا يَشْهَدُونَ بِالزُّورِ؛ أوْ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِبَيانِ نَوْعِ الشَّهادَةِ، أيْ لا يَشْهَدُونَ شَهادَةً هي زُورٌ لا حَقٌّ. وقَوْلُهُ (﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾) مُناسِبٌ لِكِلا الجُمْلَتَيْنِ. واللَّغْوُ: الكَلامُ العَبَثُ والسَّفَهُ الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ [مريم: ٦٢]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. ومَعْنى المُرُورِ بِهِ المُرُورُ بِأصْحابِهِ اللّاغِينَ في حالِ لَغْوِهِمْ، فَجَعَلَ المُرُورَ بِنَفْسِ اللَّغْوِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أصْحابَ اللَّغْوِ مُتَلَبِّسُونَ بِهِ وقْتَ المُرُورِ. ومَعْنى (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾) أنَّهم يَمُرُّونَ وهم في حالِ كَرامَةٍ، أيْ: غَيْرَ مُتَلَبِّسِينَ بِالمُشارَكَةِ في اللَّغْوِ فِيهِ، فَإنَّ السُّفَهاءَ إذا مَرُّوا بِأصْحابِ اللَّغْوِ أنِسُوا بِهِمْ ووَقَفُوا عَلَيْهِمْ وشارَكُوهم في لَغْوِهِمْ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ كانُوا في غَيْرِ حالِ كَرامَةٍ. والكَرامَةُ: النَّزاهَةُ ومَحاسِنُ الخِلالِ، وضِدُّها اللُّؤْمُ والسَّفالَةُ. وأصْلُ الكَرامَةِ أنَّها نَفاسَةُ الشَّيْءِ في نَوْعِهِ قالَ تَعالى: (﴿أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]) . وقالَ بَعْضُ شُعَراءِ حِمْيَرَ في الحَماسَةِ: ولا يَخِيمُ اللِّقَـاءَ فَـارِسُـهُـمْ حَتّى يَشُقَّ الصُّفُوفَ مِن كَرَمِهِ أيْ: شَجاعَتُهُ، وقالَ تَعالى: (﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤]) . وإذا مَرَّ أهْلُ المُرُوءَةِ عَلى أصْحابِ اللَّغْوِ تَنَزَّهُوا عَنْ مُشارَكَتِهِمْ وتَجاوَزُوا نادِيَهم فَكانُوا في حالِ كَرامَةٍ، وهَذا ثَناءٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِتَرَفُّعِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠])، وقَوْلِهِ: (﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]) . وإعادَةُ فِعْلِ (مَرُّوا) لِبِناءِ الحالِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الِاسْتِعْمالِ، كَقَوْلِ الأحْوَصِ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ∗∗∗ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ صفحة ٨٠ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣]) كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جِنِّي في شَرْحِ مُشْكِلِ أبْياتِ الحَماسَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]) .

الفرقان 25:73

﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ . أُرِيدَ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِينَ بِمُخالَفَةِ حالَةٍ هي مِن حالاتِ المُشْرِكِينَ، وتِلْكَ هي حالَةُ سَماعِهِمْ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن آياتِ القُرْآنِ وطَلَبِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالصِّلَةِ لِتَحْصِيلِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ مَعَ التَّعْرِيضِ بِتَفْظِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ خَرُّوا صُمًّا وعُمْيانًا كَحالِ مَن لا يُحِبُّ أنْ يَرى شَيْئًا فَيَجْعَلُ وجْهَهُ عَلى الأرْضِ، فاسْتُعِيرَ الخُرُورُ لِشِدَّةِ الكَراهِيَةِ والتَّباعُدِ بِحَيْثُ إنَّ حالَهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ كَحالِ الَّذِي يَخِرُّ إلى الأرْضِ؛ لِئَلّا يَرى ما يَكْرَهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّقَوُّمِ والنُّهُوضِ، فَتِلْكَ حالَةٌ هي غايَةٌ في نَفْيِ إمْكانِ القَبُولِ. ومِنهُ اسْتِعارَةُ القُعُودِ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ القِتالِ، وفي عَكْسِ ذَلِكَ يُسْتَعارُ الإقْبالُ والتَّلَقِّي والقِيامُ لِلِاهْتِمامِ بِالأمْرِ والعِنايَةِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخُرُورُ واقِعًا مِنهم أوْ مِن بَعْضِهِمْ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ جُلُوسًا في مُجْتَمَعاتِهِمْ ونَوادِيهِمْ فَإذا دَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ إلى الإسْلامِ طَأْطَئُوا رُءُوسَهم وقَرَّبُوها مِنَ الأرْضِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِلْقاعِدِ يَقُومُ مَقامَ الفِرارِ، أوْ سَتْرِ الوَجْهِ كَقَوْلِ أعْرابِيٍّ يَهْجُو قَوْمًا مِن طَيْئٍ، أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ: إذا مَـا قِـيلَ أيُّهُــمْ لِأيٍّ تَشابَهَتِ المَناكِبُ والرُّءُوسُ وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ نُوحٍ: (﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٧]) . وتَقَدَّمَ الخُرُورُ الحَقِيقِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ، وقَوْلِهِ: (﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦])، وقَوْلِهِ: (﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ٨١ و(﴿صُمًّا وعُمْيانًا﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ (يَخِرُّوا)، مُرادٌ بِهِما التَّشْبِيهُ بِحَذْفِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، أيْ: يَخِرُّونَ كالصُّمِّ والعُمْيانِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعِ مِنَ الآياتِ والمُبْصَرِ مِنها مِمّا يُذَكَّرُونَ بِهِ. فالنَّفْيُ عَلى هَذا مُنْصَبٌّ إلى الفِعْلِ وإلى قَيْدِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وهَذا الوَجْهُ أوْجَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوَجُّهُ النَّفْيِ إلى القَيْدِ كَما هو اسْتِعْمالٌ غالِبٌ وهو مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ، فالمَعْنى: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها في حالَةٍ كالصَّمَمِ والعَمى، ولَكِنَّهم يَخِرُّونَ عَلَيْها سامِعِينَ مُبْصِرِينَ فَيَكُونُ الخُرُورُ مُسْتَعارًا لِلْحِرْصِ عَلى العَمَلِ بِشَراشِرِ القَلْبِ، كَما يُقالُ: أكَبَّ عَلى كَذا، أيْ: صَرَفَ جُهْدَهُ فِيهِ، فَيَكُونُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم يُصَمُّونَ ويُعْمَوْنَ عَنِ الآياتِ، ومَعَ ذَلِكَ يَخِرُّونَ عَلى تَلَقِّيها تَظاهُرًا مِنهم بِالحِرْصِ عَلى ذَلِكَ. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَلِيقُ لَوْ كانَ المُعَرَّضُ بِهِمْ مُنافِقِينَ، وكَيْفَ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فَأمّا المُشْرِكُونَ فَكانُوا يُعْرِضُونَ عَنْ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ عَلَنًا، قالَ تَعالى: (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]) وقالَ: (﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥])

الفرقان 25:74

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ . هَذِهِ صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يُعْنَوْنَ بِانْتِشارِ الإسْلامِ وتَكْثِيرِ أتْباعِهِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهم أزْواجًا وذُرِّيّاتِ تَقَرُّ بِهِمْ أعْيُنُهم، فالأزْواجُ يُطِعْنَهم بِاتِّباعِ الإسْلامِ وشَرائِعِهِ؛ فَقَدْ كانَ بَعْضُ أزْواجِ المُسْلِمِينَ مُخالِفاتٍ أزْواجَهم في الدِّينِ، والذُّرِّيّاتُ إذا نَشَئُوا نَشَئُوا مُؤْمِنِينَ، وقَدْ جُمِعَ ذَلِكَ لَهم في صِفَةِ (قُرَّةَ أعْيُنٍ) . فَإنَّها جامِعَةٌ لِلْكَمالِ في الدِّينِ واسْتِقامَةِ الأحْوالِ في الحَياةِ؛ إذْ لا تَقَرُّ عُيُونُ المُؤْمِنِينَ إلّا بِأزْواجٍ وأبْناءٍ مُؤْمِنِينَ، وقَدْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَنْ إبْقاءِ النِّساءِ الكَوافِرِ في العِصْمَةِ بِقَوْلِهِ: (﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠])، وقالَ: (﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ [الأحقاف: ١٧]) الآيَةَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ دُعاؤُهم هَذا مِن أسْبابِ جَزائِهِمْ بِالجَنَّةِ وإنْ كانَ فِيها حَظٌّ لِنُفُوسِهِمْ بِقُرَّةِ أعْيُنِهِمْ؛ إذْ لا يُناكِدُ حَظُّ النَّفْسِ حَظَّ الدِّينِ في أعْمالِهِمْ، كَما في قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ وهو خارِجٌ إلى غَزْوَةِ مُؤْتَةَ فَدَعا لَهُ المُسْلِمُونَ ولِمَن مَعَهُ أنْ يَرُدَّهُمُ اللَّهُ سالِمِينَ فَقالَ: صفحة ٨٢ لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْـفِـرَةً وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِـزَةً ∗∗∗ بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأحْشاءَ والكَـبِـدا حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي ∗∗∗ أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا فَإنَّ في قَوْلِهِ: حَتّى يَقُولُوا، حَظًّا لِنَفْسِهِ مِن حُسْنِ الذِّكْرِ وإنْ كانَ فِيهِ دُعاءٌ لَهُ بِالرَّشَدِ وهو حَظٌّ دِينِيٌّ أيْضًا، وقَوْلُهُ: وقَدْ رَشَدَ، حُسْنُ ذِكْرٍ مَحْضٌ. في كِتابِ الجامِعِ مِن جامِعِ العُتْبِيَّةِ مِن أحادِيثِ ابْنِ وهْبٍ قالَ مالِكٌ: رَأيْتُ رَجُلًا يَسْألُ رَبِيعَةَ يَقُولُ: إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أُرى رائِحًا إلى المَسْجِدِ. فَكَأنَّهُ كَرِهَ مِن قَوْلِهِ، ولَمْ يُعْجِبْهُ أنْ يُحِبَّ أحَدٌ أنْ يُرى في شَيْءٍ مِن أعْمالِ الخَيْرِ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في شَرْحِهِ: وهَذا خِلافُ قَوْلِ مالِكٍ في رَسْمِ العُقُولِ مِن سَماعِ أشْهَبَ مِن كِتابِ الصَّلاةِ: إنَّهُ لا بَأْسَ بِذَلِكَ إذا كانَ أوَّلُهُ لِلَّهِ أيِ: القَصْدُ الأوَّلُ مِنَ العَمَلِ لِلَّهِ. وقالَ ابْنُ رُشْدٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِن شَرْحِهِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: (﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩])، وقالَ: (﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]) . وقالَ الشّاطِبِيُّ في المُوافَقاتِ: عَدَّ مالِكٌ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الوَسْوَسَةِ، أيْ: أنَّ الشَّيْطانَ باقٍ لِلْإنْسانِ إذا سَرَّهُ مَرْأى النّاسِ لَهُ عَلى الخَيْرِ فَيَقُولُ لَكَ: إنَّكَ لَمُراءٍ. ولَيْسَ كَذَلِكَ إنَّما هو أمْرٌ يَقَعُ في قَلْبِهِ لا يُمْلَكُ اهـ. وفِي المِعْيارِ عَنْ كِتابِ سِراجِ المُرِيدِينَ لِأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ قالَ: سَألْتُ شَيْخَنا أبا مَنصُورٍ الشِّيرازِيَّ الصُّوفِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]) ما بَيَّنُوا ؟ قالَ: أظْهَرُوا أفْعالَهم لِلنّاسِ بِالصَّلاحِ والطّاعاتِ. قالَ الشّاطِبِيُّ: وهَذا المَوْضِعُ مَحَلُّ اخْتِلافٍ إذا كانَ القَصْدُ المَذْكُورُ تابِعًا لِقَصْدِ العِبادَةِ. وقَدِ التَزَمَ الغَزالِيُّ فِيها وفي أشْباهِها أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الإخْلاصِ لَكِنْ بِشَرْطِ أنْ يَصِيرَ العَمَلُ أخَفَّ عَلَيْهِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأغْراضِ. وأمّا ابْنُ العَرَبِيِّ فَذَهَبَ إلى خِلافِ ذَلِكَ، وكَأنَّ مَجالَ النَّظَرِ يَلْتَفِتُ إلى انْفِكاكِ القَصْدِينَ، عَلى أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ الِانْفِكاكِ فِيما يَصِحُّ فِيهِ الِانْفِكاكُ أوْجَهُ لِما جاءَ في الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ، إلى آخِرِهِ. صفحة ٨٣ و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن أزْواجِنا﴾) لِلِابْتِداءِ، أيِ اجْعَلْ لَنا قُرَّةَ أعْيُنٍ تَنْشَأُ مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وذُرِّيّاتِنا) جَمْعُ ذُرِّيَّةٍ، والجَمْعُ عَلى الطَّوائِفِ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِذَلِكَ، وإلّا فَقَدَ يَكُونُ لِأحَدِ الدّاعِينَ ولَدٌ واحِدٌ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وخَلَفٍ و(ذُرِّيَّتِنا) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ، ويُسْتَفادُ مَعْنى الجَمْعِ مِنَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ (الَّذِينَ يَقُولُونَ)، أيْ: ذُرِّيَّةُ كُلِّ واحِدٍ. والأعْيُنُ: هي أعْيُنُ الدّاعِينَ، أيْ قُرَّةُ أعْيُنٍ لَنا. وإذْ قَدْ كانَ الدُّعاءُ صادِرًا مِنهم جَمِيعًا اقْتَضى ذَلِكَ أنَّهم يُرِيدُونَ قُرَّةَ أعْيُنِ جَمِيعِهِمْ. وكَما سَألُوا التَّوْفِيقَ والخَيْرَ لِأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ سَألُوا لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ وفَّقَهُمُ اللَّهُ إلى الإيمانِ أنْ يَجْعَلَهم قُدْوَةً يَقْتَدِي بِها المُتَّقُونَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم يَسْألُونَ لِأنْفُسِهِمْ بُلُوغَ الدَّرَجاتِ العَظِيمَةِ مِنَ التَّقْوى، فَإنَّ القُدْوَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ بالِغًا أقْصى غايَةِ العَمَلِ الَّذِي يَرْغَبُ المُهْتَمُّونَ بِهِ الكَمالَ فِيهِ. وهَذا يَقْتَضِي أيْضًا أنَّهم يَسْألُونَ أنْ يَكُونُوا دُعاةً لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وأنْ يَهْتَدِيَ النّاسُ إلَيْهِ بِواسِطَتِهِمْ. والإمامُ أصْلُهُ: المِثالُ والقالَبُ الَّذِي يُصْنَعُ عَلى شَكْلِهِ مَصْنُوعٌ مِن مِثْلِهِ قالَ النّابِغَةُ: أبُوهُ قَبْلَهُ وأبُـو أبِـيهِ ∗∗∗ بَنَوْا مَجْدَ الحَياةِ عَلى إمامِ وأُطْلِقَ الإمامُ عَلى القُدْوَةِ تَشْبِيهًا بِالمِثالِ والقالَبِ، وغَلَبَ ذَلِكَ فَصارَ الإمامُ بِمَعْنى القُدْوَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. ووَقَعَ الإخْبارُ بِـ (إمامًا) وهو مُفْرَدٌ عَلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم إمامًا يُقْتَدى بِهِ، فالكَلامُ عَلى التَّوْزِيعِ، أوْ أُرِيدَ مِن إمامٍ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وجَرى الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وقِيلَ: إمامٌ جَمْعٌ، مِثْلُ هِجانٍ وصِيامٍ ومُفْرَدُهُ: إمٌّ.

الفرقان 25:75

صفحة ٨٤ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقِرًّا ومُقامًا﴾ . التَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَهُ كانُوا أحْرِياءَ بِهِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وتِلْكَ مَجْمُوعُ إحْدى عَشْرَةَ خَصْلَةً وهي: التَّواضُعُ، والحِلْمُ، والتَّهَجُّدُ، والخَوْفُ، وتَرْكُ الإسْرافِ، وتَرْكُ الإقْتارِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَرْكُ الزِّنا، وتَرْكُ قَتْلِ النَّفْسِ، والتَّوْبَةُ، وتَرْكُ الكَذِبِ، والعَفْوُ عَنِ المُسِيءِ، وقَبُولُ دَعْوَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاحْتِياجِ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ، . واسْمُ الإشارَةِ هو الخَبَرُ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]) كَما تَقَدَّمَ عَلى أرْجَحِ الوَجْهَيْنِ. والغُرْفَةُ: البَيْتُ المُعْتَلِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِدَرَجٍ وهو أعَزُّ مَنزِلًا مِنَ البَيْتِ الأرْضِيِّ، والتَّعْرِيفُ في الغُرْفَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٥]) فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الغُرَفَ، أيْ مِنَ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ (بِما صَبَرُوا)، أيْ: بِصَبْرِهِمْ وهو صَبْرُهم عَلى ما لَقُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى، وصَبْرُهم عَلى كَبْحِ شَهَواتِهِمْ لِأجْلِ إقامَةِ شَرائِعِ الإسْلامِ، وصَبْرُهم عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُلَقَّوْنَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقّاهُ إذا جَعَلَهُ لاقَيًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ (ويَلْقَوْنَ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقِيَ. واللُّقِيُّ واللِّقاءُ: اسْتِقْبالُ شَيْءٍ ومُصادَفَتُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥]) في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) . وقَدِ اسْتُعِيرَ اللُّقِيُّ لِسَماعِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ، أيْ أنَّهم يَسْمَعُونَ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلُوا عَلى بَأْسٍ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ بِأُسٌ، بَلْ هم مُصادِفُونَ تَحِيَّةَ إكْرامٍ وثَناءٍ مِثْلَ تَحِيّاتِ العُظَماءِ والمُلُوكِ الَّتِي يُرَتِّلُها الشُّعَراءُ والمُنْشِدُونَ. صفحة ٨٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ اللُّقِيِّ لِسَماعِ ألْفاظِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ لِأجْلِ الإيماءِ إلى أنَّهم يَسْمَعُونَ التَّحِيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَلْقَوْنَهم بِها، فَهو مَجازٌ بِالحَذْفِ قالَ تَعالى: (﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ: (﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾) هو ضِدُّ ما قِيلَ في المُشْرِكِينَ (﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]) . والتَّحِيَّةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: (﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]) في سُورَةِ النِّساءِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلِهِ (﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]) في آخِرِ النُّورِ.

الفرقان 25:76

صفحة ٨٤ ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وسَلامًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقِرًّا ومُقامًا﴾ . التَّصْدِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَرِدُ بَعْدَهُ كانُوا أحْرِياءَ بِهِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. وتِلْكَ مَجْمُوعُ إحْدى عَشْرَةَ خَصْلَةً وهي: التَّواضُعُ، والحِلْمُ، والتَّهَجُّدُ، والخَوْفُ، وتَرْكُ الإسْرافِ، وتَرْكُ الإقْتارِ، والتَّنَزُّهِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَرْكُ الزِّنا، وتَرْكُ قَتْلِ النَّفْسِ، والتَّوْبَةُ، وتَرْكُ الكَذِبِ، والعَفْوُ عَنِ المُسِيءِ، وقَبُولُ دَعْوَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاحْتِياجِ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ، . واسْمُ الإشارَةِ هو الخَبَرُ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٦٣]) كَما تَقَدَّمَ عَلى أرْجَحِ الوَجْهَيْنِ. والغُرْفَةُ: البَيْتُ المُعْتَلِي يُصْعَدُ إلَيْهِ بِدَرَجٍ وهو أعَزُّ مَنزِلًا مِنَ البَيْتِ الأرْضِيِّ، والتَّعْرِيفُ في الغُرْفَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٥]) فالمَعْنى: يُجْزَوْنَ الغُرَفَ، أيْ مِنَ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى: (﴿وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ [سبإ: ٣٧]) والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ في قَوْلِهِ (بِما صَبَرُوا)، أيْ: بِصَبْرِهِمْ وهو صَبْرُهم عَلى ما لَقُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى، وصَبْرُهم عَلى كَبْحِ شَهَواتِهِمْ لِأجْلِ إقامَةِ شَرائِعِ الإسْلامِ، وصَبْرُهم عَلى مَشَقَّةِ الطّاعاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويُلَقَّوْنَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقّاهُ إذا جَعَلَهُ لاقَيًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ (ويَلْقَوْنَ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ القافِ المَفْتُوحَةِ مُضارِعِ لَقِيَ. واللُّقِيُّ واللِّقاءُ: اسْتِقْبالُ شَيْءٍ ومُصادَفَتُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥]) في سُورَةِ الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا قَوْلُهُ تَعالى: (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) . وقَدِ اسْتُعِيرَ اللُّقِيُّ لِسَماعِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ، أيْ أنَّهم يَسْمَعُونَ ذَلِكَ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلُوا عَلى بَأْسٍ أوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ بِأُسٌ، بَلْ هم مُصادِفُونَ تَحِيَّةَ إكْرامٍ وثَناءٍ مِثْلَ تَحِيّاتِ العُظَماءِ والمُلُوكِ الَّتِي يُرَتِّلُها الشُّعَراءُ والمُنْشِدُونَ. صفحة ٨٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ اللُّقِيِّ لِسَماعِ ألْفاظِ التَّحِيَّةِ والسَّلامِ لِأجْلِ الإيماءِ إلى أنَّهم يَسْمَعُونَ التَّحِيَّةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَلْقَوْنَهم بِها، فَهو مَجازٌ بِالحَذْفِ قالَ تَعالى: (﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]) في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وقَوْلُهُ: (﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾) هو ضِدُّ ما قِيلَ في المُشْرِكِينَ (﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]) . والتَّحِيَّةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: (﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: ٨٦]) في سُورَةِ النِّساءِ، وفي قَوْلِهِ: (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلِهِ (﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]) في آخِرِ النُّورِ.

الفرقان 25:77

﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ . لَمّا اسْتَوْعَبَتِ السُّورَةُ أغْراضَ التَّنْوِيهِ بِالرِّسالَةِ والقُرْآنِ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ، ومِن صِفَةِ كِبْرِياءِ المُعانِدِينَ وتَعَلُّلاتِهِمْ، وأحْوالِ المُؤْمِنِينَ، وأُقِيمَتِ الحُجَجُ الدّامِغَةُ لِلْمُعْرِضِينَ، خُتِمَتْ بِأمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُخاطِبَ المُشْرِكِينَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ يُزالُ بِها غُرُورُهم وإعْجابُهم بِأنْفُسِهِمْ وحُسْبانُهم أنَّهم قَدْ شَفَوْا غَلِيلَهم مِنَ الرَّسُولِ بِالإعْراضِ عَنْ دَعْوَتِهِ وتَوَرُّكِهِمْ في مُجادَلَتِهِ؛ فَبَيَّنَ لَهم حَقارَتَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ ما بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولَهُ وخاطَبَهم بِكِتابِهِ إلّا رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ لِإصْلاحِ حالِهِمْ وقَطْعًا لِعُذْرِهِمْ فَإذْ كَذَّبُوا فَسَوْفَ يَحِلُّ بِهِمُ العَذابُ. و(ما) مِن قَوْلِهِ (ما يَعْبَأُ) نافِيَةٌ. وتَرْكِيبُ: ما يَعْبَأُ بِهِ، يَدُلُّ عَلى التَّحْقِيرِ وضِدُّهُ عَبَأ بِهِ يُفِيدُ الحَفاوَةَ. ومَعْنى (ما يَعْبَأُ): ما يُبالِي وما يَهْتَمُّ، وهو مُضارِعُ عَبَأ مِثْلَ: مَلَأ يَمْلَأُ مُشْتَقٌّ مِنَ العِبْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ وهو الحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ المِيمِ، أيِ الشَّيْءُ الثَّقِيلُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلى البَعِيرِ ولِذَلِكَ يُطْلَقُ العِبْءُ عَلى العِدْلِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، ثُمَّ تَشَعَّبَتْ عَنْ هَذا إطْلاقاتٌ كَثِيرَةٌ. فَأصْلُ (ما يَعْبَأُ): ما يَحْمِلُ عِبْئًا، تَمْثِيلًا بِحالَةِ المُتْعَبِ مِنَ الشَّيْءِ، فَصارَ المَقْصُودُ: ما يَهْتَمُّ وما يَكْتَرِثُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قِلَّةِ العِنايَةِ. صفحة ٨٦ والباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِكم وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقامُ الكَلامِ. فالتَّقْدِيرُ هُنا: ما يَعْبَأُ بِخِطابِكم. والدُّعاءُ: الدَّعْوَةُ إلى شَيْءٍ، وهو هُنا مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ، والفاعِلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ (رَبِّي) أيْ: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم، أيْ: لَوْلا أنَّهُ يَدْعُوكم. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ)، أيِ: الدّاعِيَ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الدُّعاءَ الدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يَلْحَقُهُ مِن ذَلِكَ انْتِفاعٌ ولا اعْتِزازٌ بِكم. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]) . وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (دُعاؤُكم) مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِ (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) عَلَيْهِ وهو تَهْدِيدٌ لَهم، أيْ: فَقَدْ كَذَّبْتُمُ الدّاعِيَ وهو الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهَذا التَّفْسِيرُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ والكَلْبِيِّ والفَرّاءِ. وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الدُّعاءَ بِالعِبادَةِ فَجَعَلُوا الخِطابَ مُوَجَّهًا إلى المُسْلِمِينَ فَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ تَكَلُّفاتٌ وقَدْ أغْنى عَنِ التَّعَرُّضِ إلَيْها اعْتِمادُ المَعْنى الصَّحِيحِ فَمَن شاءَ فَلْيَنْظُرْها بِتَأمُّلٍ لِيَعْلَمَ أنَّها لا داعِيَ إلَيْها. وتَفْرِيعُ (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) عَلى قَوْلِهِ: (﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾)، والتَّقْدِيرُ: فَقَدْ دَعاكم إلى الإسْلامِ فَكَذَّبْتُمُ الَّذِي دَعاكم عَلى لِسانِهِ. والضَّمِيرُ في (يَكُونُ) عائِدٌ إلى التَّكْذِيبِ المَأْخُوذِ مِن (كَذَّبْتُمْ)، أيْ سَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُهم لِزامًا لَكم، أيْ لازِمًا لا انْفِكاكَ لَكم مِنهُ. وهَذا تَهْدِيدٌ بِعَواقِبِ التَّكْذِيبِ تَهْدِيدًا مُهَوَّلًا بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ كَما تَقُولُ لِلْجانِي: قَدْ جَعَلْتَ كَذا فَسَوْفَ تَتَحَمَّلُ ما فَعَلْتَ. ودَخَلَ في هَذا الوَعِيدِ ما يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وهَزِيمَةٍ وما يَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ. واللِّزامُ: مَصْدَرُ لازَمَ، وقَدْ صِيغَ عَلى زِنَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ اللُّزُومِ، أيْ عَدَمِ المُفارَقَةِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا﴾ [طه: ١٢٩]) في سُورَةِ طه. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (كانَ) عائِدٌ إلى عَذابِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾ [طه: ١٢٧]) فالإخْبارُ بِاللِّزامِ مِن بابِ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ. وقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ صفحة ٨٧ مُبالَغَتانِ: مُبالَغَةٌ في صِيغَتِهِ تُفِيدُ قُوَّةَ لُزُومِهِ، ومُبالَغَةٌ في الإخْبارِ بِهِ تُفِيدُ تَحْقِيقَ ثُبُوتِ الوَصْفِ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: اللِّزامُ: عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ. ومُرادُهُما بِذَلِكَ أنَّهُ جُزْئِيٌّ مِن جُزَيْئاتِ اللِّزامِ المَوْعُودِ لَهم. ولَعَلَّ ذَلِكَ شاعَ حَتّى صارَ اللِّزامُ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ عَلى يَوْمِ بَدْرٍ. وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ. يَعْنِي أنَّ اللِّزامَ غَيْرُ عَذابِ الآخِرَةِ. * * * صفحة ٨٨ صفحة ٨٩ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشُّعَراءِ اشْتُهِرَتْ عِنْدَ السَّلَفِ بِسُورَةِ الشُّعَراءِ؛ لِأنَّها تَفَرَّدَتْ مِن بَيْنِ سُوَرِ القُرْآنِ بِذِكْرِ كَلِمَةِ الشُّعَراءِ. وكَذَلِكَ جاءَتْ تَسْمِيَتُها في كُتُبِ السُّنَّةِ. وتُسَمّى أيْضًا سُورَةَ طسم. وفِي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّها تُسَمّى أيْضًا الجامِعَةَ، ونَسَبَهُ ابْنُ كَثِيرٍ والسُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ إلى تَفْسِيرِ مالِكٍ المَرْوِيِّ عَنْهُ. ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ وصْفِها بِهَذا الوَصْفِ. ولَعَلَّها أوَّلُ سُورَةٍ جَمَعَتْ ذِكْرَ الرُّسُلِ أصْحابِ الشَّرائِعِ المَعْلُومَةِ إلى الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ، فَقِيلَ: جَمِيعُها مَكِّيٌّ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. ورِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَسَبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿والشُّعَراءُ يَتْبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]) إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ لِذِكْرِ شُعَراءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ رَواحَةَ، وكَعْبِ بْنِ مالِكٍ وهُمُ المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: (﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]) الآيَةَ. ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ هي الَّتِي أقْدَمَتْ هَؤُلاءِ عَلى القَوْلِ بِأنَّ تِلْكَ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ. وعَنِ الدّانِي قالَ: نَزَلَتْ (﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]) في شاعِرَيْنِ تَهاجَيا في الجاهِلِيَّةِ. وأقُولُ: كانَ شُعَراءُ بِمَكَّةَ يَهْجُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِنهُمُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، والعَوْراءُ بِنْتُ حَرْبٍ زَوْجُ أبِي لَهَبٍ ونَحْوُهُما، وهُمُ المُرادُ بِآياتِ (﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]) . وكانَ شُعَراءُ المَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَ في مَكَّةَ شُعَراءُ مُسْلِمُونَ مِنَ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى الحَبَشَةِ كَما سَيَأْتِي. صفحة ٩٠ وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧]) نَزَلَ بِالمَدِينَةِ. وكانَ الَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ أنَّ مُخالَطَةَ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ. ولا يَخْفى أنَّ الحُجَّةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلى وُقُوعِ مُخالَطَةِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ مِثْلَ هَذِهِ الحُجَّةِ في آياتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣]) في سُورَةِ الرَّعْدِ وهي مَكِّيَّةٌ، وقَوْلُهُ: (﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢]) في سُورَةِ القَصَصِ وهي مَكِّيَّةٌ، وقَوْلُهُ (﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٧]) في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وهي مَكِّيَّةٌ. وشَأْنُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مَشْهُورٌ بِمَكَّةَ، وكانَ لِأهْلِ مَكَّةَ صِلاتٌ مَعَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ ومُراجَعَةٌ بَيْنَهم في شَأْنِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]) في سُورَةِ الإسْراءِ، ولِذا فالَّذِي نُوقِنُ بِهِ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وهِيَ السُّورَةُ السّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الواقِعَةِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّمْلِ. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]) ما يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ سُورَةِ أبِي لَهَبٍ وتَعَرَّضْنا لِإمْكانِ الجَمْعِ بَيْنَ الأقْوالِ. وقَدْ جَعَلَ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ البَصْرَةِ عَدَدَ آيِها مِائَتَيْنِ وسِتًّا وعِشْرِينَ، وجَعَلَهُ أهْلُ الشّامِ وأهْلُ الكُوفَةِ مِائَتَيْنِ وسَبْعًا وعِشْرِينَ. * * * الأغْراضُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها أوَّلُها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، والتَّعْرِيضُ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وتَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَعاهم إلَيْهِ القُرْآنُ. وفِي ضِمْنِهِ تَهْدِيدُهم عَلى تَعَرُّضِهِمْ لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى، وضَرْبُ المَثَلِ لَهم بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَها والمُعْرِضَةِ عَنْ آياتِ اللَّهِ. وأحْسَبُ أنَّها نَزَلَتْ إثْرَ طَلَبِ المُشْرِكِينَ أنْ يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ بِخَوارِقَ، فافْتُتِحَتْ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٍ لَهُ ورِباطَةٍ لِجَأْشِهِ بِأنَّ ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ هو سُنَّةُ صفحة ٩١ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ مَعَ أقْوامِهِمْ مِثْلَ مُوسى وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ؛ ولِذَلِكَ خُتِمَ كُلُّ اسْتِدْلالٍ جِيءَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِتَذْيِيلٍ واحِدٍ هو قَوْلُهُ: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٨] ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]) تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ آياتِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرُّسُلِ عَدِيدَةٌ كافِيَةٌ لِمَن يَتَطَلَّبُ الحَقَّ ولَكِنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ لا يُؤَمِنُونَ، وأنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْزِلَ بِهِمُ العَذابَ وأنَّهُ رَحِيمٌ بِرُسُلِهِ فَناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ. قالَ في الكَشّافِ: كُلُّ قِصَّةٍ مِنَ القِصَصِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ كَتَنْزِيلٍ بِرَأْسِهِ. وفِيها مِنَ الِاعْتِبارِ ما في غَيْرِها فَكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها تُدْلِي بِحَقٍّ في أنْ تُخْتَمَ بِما اخْتُتِمَتْ بِهِ صاحِبَتُها، ولِأنَّ في التَّكْرِيرِ تَقْرِيرًا لِلْمَعانِي في الأنْفُسِ وكُلَّما زادَ تَرْدِيدُهُ كانَ أمْكَنَ لَهُ في القَلْبِ وأرْسَخَ في الفَهْمِ وأبْعَدَ مِنَ النِّسْيانِ، ولِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ طُرِقَتْ بِها آذانٌ وقَرَتْ عَنِ الإنْصاتِ لِلْحَقِّ فَكُوثِرَتْ بِالوَعْظِ والتَّذْكِيرِ ورُوجِعَتْ بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ لَعَلَّ ذَلِكَ يَفْتَحُ أُذُنًا أوْ يَفْتُقُ ذِهْنًا اهـ. ثُمَّ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، وشَهادَةُ أهْلِ الكِتابِ لَهُ، والرَّدُّ عَلى مَطاعِنِهِمْ في القُرْآنِ وجَعْلِهِ عِضِينَ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا ومِن أقْوالِ الشَّياطِينِ، وأمْرُ الرَّسُولِ ﷺ بِإنْذارِ عَشِيرَتِهِ، وأنَّ الرَّسُولَ ما عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن دَلائِلَ.

الشعراء 26:1

﴿طسم﴾ . يَأْتِي في تَفْسِيرِهِ مِنَ التَّأْوِيلاتِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ في جَمِيعِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّورِ في مَعانٍ مُتَماثِلَةٍ. وأظْهَرُ تِلْكَ المَعانِي أنَّ المَقْصُودَ التَّعْرِيضُ بِإلْهابِ نُفُوسِ المُنْكِرِينَ لِمُعارَضَةِ بَعْضِ سُوَرِ القُرْآنِ بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ في بَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ وتَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ والتَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ ﴿طسم﴾ قَسَمٌ، وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، والمُقْسَمَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً﴾ [الشعراء: ٤]) . فَقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وسَنائِهِ ومُلْكِهِ. وقِيلَ: الحُرُوفُ مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ذِي الطَّوْلِ، القُدُّوسِ، المَلِكِ. وقَدْ عَلِمْتَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّها حُرُوفٌ لِلتَّهَجِّي واسْتِقْصاءٌ في صفحة ٩٢ التَّحَدِّي يُعْجِزُهم عَنْ مُعاَرَضَةِ القُرْآنِ، وعَلَيْهِ تَظْهَرُ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِآيَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) . والجُمْهُورُ قَرَءُوا (طسم) كَلِمَةً واحِدَةً، وأدْغَمُوا النُّونَ مِن سِينٍ في المِيمِ وقَرَأ حَمْزَةُ بِإظْهارِ النُّونِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ حُرُوفًا مُفَكَّكَةً، وقالُوا: وكَذَلِكَ هي مَرْسُومَةٌ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ حُرُوفًا مُفَكَّكَةً (ط س م) . والقَوْلُ في عَدَمِ مَدِّ اسْمِ (طا) مَعَ أنَّ أصْلَهُ مَهْمُوزُ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قَدْ عَرَضَ لَهُ سُكُونُ السَّكْتِ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ كَما تُحْذَفُ لِلْوُقُوفِ، كَما في عَدَمِ مَدِّ (را) في الر في سُورَةِ يُونُسَ.

الشعراء 26:2

﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ . الإشارَةُ إلى الحاضِرِ في الأذْهانِ مِن آياتِ القُرْآنِ المُنَزَّلِ مِن قَبْلُ، وبَيَّنَهُ الإخْبارُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِأنَّها آياتُ الكِتابِ. ومَعْنى الإشارَةِ إلى آياتِ القُرْآنِ قَصْدُ التَّحَدِّي بِأجْزائِهِ تَفْصِيلًا كَما قُصِدَ التَّحَدِّيَ بِجَمِيعِهِ إجْمالًا. والمَعْنى: هَذِهِ آياتُ القُرْآنِ تُقْرَأُ عَلَيْكم وهي بِلُغَتِكم وحُرُوفِ هِجائِها فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِها ودُونَكُمُوها. والكافُ المُتَّصِلَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْخِطابِ وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ مِن كُلِّ مُتَأهِّلٍ لِهَذا التَّحَدِّي مِن بُلَغائِهِمْ. و(﴿المُبِينِ﴾) الظّاهِرُ، وهو مِن أبانَ مُرادِفِ بانَ، أيْ تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الواضِحِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِما فِيهِ مِنَ المَعانِي العَظِيمَةِ والنَّظْمِ المُعْجِزِ، وإذا كانَ الكِتابُ مُبَيِّنًا كانَتْ آياتُهُ المُشْتَمِلُ عَلَيْها آياتٍ مُبِينَةً عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ بِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿المُبِينِ﴾) مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيِ الَّذِي يُبَيِّنُ ما فِيهِ مِن مَعانِي الهُدى والحَقِّ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَعْنَيَيْهِ كالمُشْتَرَكِ. والمَعْنى: أنَّ ما بَلَغَكم وتُلِيَ عَلَيْكم هو آياتُ القُرْآنِ المُبِينِ، أيِ البَيِّنِ صِدْقُهُ ودَلالَتُهُ عَلى صِدْقِ ما جاءَ بِهِ ما لا يَجْحَدُهُ إلّا مُكابِرٌ.

الشعراء 26:3

صفحة ٩٣ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . حُوِّلَ الخِطابُ مِن تَوْجِيهِهِ إلى المُعانِدِينَ إلى تَوْجِيهِهِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . والكَلامُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يُثِيرُهُ مَضْمُونُ قَوْلِهِ: (﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) مِن تَساؤُلِ النَّبِيءِ ﷺ في نَفْسِهِ عَنِ اسْتِمْرارِ إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦])، وقَوْلُهُ: (﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]) . و(لَعَلَّ) إذا جاءَتْ في تَرَجِّي الشَّيْءِ المَخُوفِ سُمِّيَتْ إشْفاقًا وتَوَقُّعًا. وأظْهَرُ الأقْوالِ أنَّ التَّرَجِّيَ مِن قَبِيلِ الخَبَرِ، وأنَّهُ لَيْسَ بِإنْشاءٍ مِثْلِ التَّمَنِّي. والتَّرَجِّي مُسْتَعْمَلٌ في الطَّلَبِ. والأظْهَرُ أنَّهُ حَثٌّ عَلى تَرْكِ الأسَفِ مِن ضَلالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ تَمْثِيلِ شَأْنِ المُتَكَلِّمِ الحاثِّ عَلى الإقْلاعِ بِحالِ مَن يَسْتَقْرِبُ حُصُولَ هَلاكِ المُخاطَبِ إذا اسْتَمَرَّ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ الغَمِّ. والباخِعُ: القاتِلُ. وحَقِيقَةُ البَخْعِ إعْماقُ الذَّبْحِ. يُقالُ: بَخَعَ الشّاةَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا بَلَغَ بِالسِّكِّينِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطِنٌ الفَقارَ، كَذا قالَ في الكَشّافِ هُنا وذَكَرَهُ أيْضًا في الفائِقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦]) في سُورَةِ الكَهْفِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمَوْتِ السَّرِيعِ، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (﴿باخِعٌ﴾) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. وفي (﴿باخِعٌ﴾) ضَمِيرُ المُخاطَبِ هو الفاعِلُ. و(﴿ألّا يَكُونُوا﴾) ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ بَعْدَ (أنْ) والخافِضُ لامُ التَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ: لِأنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، أيْ: لِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ؛ لِأنَّ (أنْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ. والمَعْنى: أنَّ غَمَّكَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ فِيما مَضى يُوشِكُ أنْ يُوقِعَكَ في الهَلاكِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَكَرُّرِ الغَمِّ والحُزْنِ، كَقَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأبِيهِمْ لَمّا قالَ: (﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]) فَقالُوا: (﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥])؛ فَوِزانُ هَذا المَعْنى وِزانُ مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الكَهْفِ: (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦])، فَإنَّ (إنْ) الشَّرْطِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ (﴿ألا يَكُونُوا﴾) ) في مَوْضِعِ صفحة ٩٤ الفاعِلِ لِـ (﴿باخِعٌ﴾) والجُمْلَةُ خَبَرُ (لَعَلَّ) . وإسْنادُ (﴿باخِعٌ﴾) إلى (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾) ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ جُعِلَ سَبَبًا لِلْبَخْعِ. وجِيءَ بِمُضارِعِ الكَوْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَأْسَفُ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ ولَوِ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ انْتِفاؤُهُ فِيما مَضى أوْلى بِأنْ لا يُؤْسَفَ لَهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (مُؤْمِنِينَ)، إمّا لِأنَّ المُرادَ (مُؤْمِنِينَ) بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وإمّا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِمُؤْمِنِينَ المَعْنى اللَّقَبِيُّ، أيْ أنْ لا يَكُونُوا في عِدادِ الفَرِيقِ المَعْرُوفِ بِالمُؤْمِنِينَ وهم أُمَّةُ الإسْلامِ. وضَمِيرُ (﴿ألا يَكُونُوا﴾) ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِي دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ . وعُدِلَ عَنْ: أنْ لا يُؤْمِنُوا، إلى (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾) )؛ لِأنَّ في فِعْلِ الكَوْنِ دَلالَةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ زِيادَةً عَلى ما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ، فَتَأكَّدَ اسْتِمْرارُ عَدَمِ إيمانِهِمُ الَّذِي هو مَوْرِدُ الإقْلاعِ عَنِ الحُزْنِ لَهُ. وقَدْ جاءَ في سُورَةِ الكَهْفِ (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [الكهف: ٦]) بِحَرْفِ نَفْيِ الماضِي وهو (لَمْ)؛ لِأنَّ سُورَةَ الكَهْفِ مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الشُّعَراءِ فَعَدَمُ إيمانِهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ حِينَئِذٍ وبَلَغَ حَدَّ المَأْيُوسِ مِنهُ. وضَمِيرُ (يَكُونُوا) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ التَّحَدِّي الحاصِلِ بِقَوْلِهِ: (﴿طسم﴾ [الشعراء: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [الشعراء: ٢]) لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُتَحَدَّيْنَ هُمُ الكافِرُونَ المُكَذِّبُونَ.

الشعراء 26:4

﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: (﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣])؛ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ تُثِيرُ في النَّفْسِ سُؤالًا عَنْ إمْهالِهِمْ دُونَ عُقُوبَةٍ لِيُؤْمِنُوا، كَما قالَ مُوسى: (﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨])، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ فَهَذا الِاسْتِئْنافُ اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَةِ إحْداهُما عَلى الأُخْرى. صفحة ٩٥ ومَفْعُولُ (﴿نَشَأْ﴾) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ عَلى الطَّرِيقَةِ الغالِبَةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ نَشَأْ تَنْزِيلَ آيَةٍ مُلْجِئَةٍ نُنْزِلْها. وجِيءَ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الغالِبُ فِيهِ أنْ يُشْعِرَ بِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَشاؤُهُ اللَّهُ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ أنْ لا يَشاءَهُ. ومَعْنى انْتِفاءِ هَذِهِ المَشِيئَةِ أنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ أنْ يَحْصُلَ الإيمانُ عَنْ نَظَرٍ واخْتِيارٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أجْدى لِانْتِشارِ سُمْعَةِ الإسْلامِ في مَبْدَأِ ظُهُورِهِ، فالمُرادُ بِالآيَةِ العَلامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَهْدِيدِهِمْ بِالإهْلاكِ تَهْدِيدًا مَحْسُوسًا بِأنْ تَظْهَرَ لَهم بِوارِقُ تُنْذِرُ بِاقْتِرابِ عَذابٍ. وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥])، ولَيْسَ المُرادُ آياتِ القُرْآنِ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَقْتَنِعُوا بِآياتِ القُرْآنِ. وجَعْلُ تَنْزِيلِ الآيَةِ مِنَ السَّماءِ حِينَئِذٍ أوْضَحُ وأشَدُّ تَخْوِيفًا لِقِلَّةِ العَهْدِ بِأمْثالِها ولِتَوَقُّعِ كُلِّ مَن تَحْتَ السَّماءِ أنْ تُصِيبَهُ. فَإنْ قُلْتَ: لِماذا لَمْ يُرِهِمْ آيَةً كَما أُرِيَ بَنُو إسْرائِيلَ نَتْقَ الجَبَلِ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ ؟ قُلْتُ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ مُؤْمِنِينَ بِمُوسى وما جاءَ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ إظْهارُ الآياتِ لَهم لِإلْجائِهِمْ عَلى الإيمانِ، ولَكِنَّهُ كانَ لِزِيادَةِ تَثْبِيتِهِمْ كَما قالَ إبْراهِيمُ: (﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]) . وفُرِّعَ عَلى تَنْزِيلِ الآيَةِ ما هو في مَعْنى الصِّفَةِ لَها وهو جُمْلَةُ (﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾) بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وعُطِفَ (﴿فَظَلَّتْ﴾) وهو ماضٍ عَلى المُضارِعِ قَوْلُهُ: (﴿نُنَزِّلْ﴾)؛ لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ جَوابُ شَرْطٍ، فَلِلْمَعْطُوفِ حُكْمُ جَوابِ الشَّرْطِ فاسْتَوى فِيهِ صِيغَةُ المُضارِعِ وصِيغَةُ الماضِي؛ لِأنَّ أداةَ الشَّرْطِ تُخَلِّصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ؛ ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنْ شِئْنا نَزَّلْنا أوْ إنْ نَشَأْ نَزَّلْنا لَكانَ سَواءً؛ إذِ التَّحْقِيقُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ اخْتِلافِ فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِالمُضارِعِيَّةِ والماضَوِيَّةِ، عَلى أنَّ المَعْطُوفاتِ يُتَّسَعُ فِيها ما لا يُتَّسَعُ في المَعْطُوفِ عَلَيْها لِقاعِدَةِ: أنْ يُغْتَفَرَ في الثَّوانِي ما لا يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ، كَما في القاعِدَةِ الثّامِنَةِ مِنَ البابِ الثّامِنِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، غَيْرَ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ لا يَخْلُو مِن خُصُوصِيَّةٍ في كَلامِ البَلِيغِ وخاصَّةً في الكَلامِ المُعْجِزِ، وهي هُنا أمْرانِ: صفحة ٩٦ التَّفَنُّنُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وتَقْرِيبُ زَمَنِ مُضِيِّ المُعَقَّبِ بِالفاءِ مِن زَمَنِ حُصُولِ الجَزاءِ بِحَيْثُ يَكُونُ حُصُولُ خُضُوعِهِمْ لِلْآيَةِ بِمَنزِلَةِ حُصُولِ تَنْزِيلِها فَيَتِمُّ ذَلِكَ سَرِيعًا حَتّى يُخَيَّلَ لَهم مِن سُرْعَةِ حُصُولِهِ أنَّهُ أمْرٌ مَضى؛ فَلِذَلِكَ قالَ: (﴿فَظَلَّتْ﴾) ولَمْ يَقِلْ: فَتَظَلُّ. وهَذا قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]) . وكِلاهُما لِلتَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ لِقَصْدِ التَّشْوِيقِ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ. والخُضُوعُ: التَّطامُنُ والتَّواضُعُ. ويُسْتَعْمَلُ في الِانْقِيادِ مَجازًا؛ لِأنَّ الِانْقِيادَ مِن أسْبابِ الخُضُوعِ. وإسْنادُ الخُضُوعِ إلى الأعْناقِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وفِيهِ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُنْقادِينَ الخائِفِينَ الأذِلَّةِ بِحالِ الخاضِعِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أنْ تُصِيبَهم قاصِمَةٌ عَلى رُءُوسِهِمْ فَهم يُطَأْطِئُونَ رُءُوسَهم ويَنْحَنُونَ اتِّقاءَ المُصِيبَةِ النّازِلَةِ بِهِمْ. والأعْناقُ: جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ وقَدْ تُسَكَّنُ النُّونُ وهو الرَّقَبَةُ، وهو مُؤَنَّثٌ. وقِيلَ: المَضْمُومُ النُّونِ مُؤَنَّثٌ والسّاكِنُ النُّونِ مُذَكَّرٌ. ولَمّا كانَتِ الأعْناقُ هي مَظْهَرُ الخُضُوعِ أُسْنِدَ الخُضُوعُ إلَيْها وهو في الحَقِيقَةِ مِمّا يُسْنَدُ إلى أصْحابِها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]) أيْ: أهِلُ الأصْواتِ بِأصْواتِهِمْ كَقَوْلِ الأعْشى: كَذَلِكَ فافْعَلْ ما حَيِيتَ إذا شَتَوْا وأقْدِمْ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ فَأُسْنِدَ الفَرَقُ إلى العُيُونِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ الأعْيُنَ سَبَبُ الفَرَقِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الأشْياءِ المُخْفِيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦])، وإنَّما سَحَرُوا النّاسَ سِحْرًا ناشِئًا عَنْ رُؤْيَةِ شَعْوَذَةِ السِّحْرِ بِأعْيُنِهِمْ، مَعَ ما يَزِيدُ بِهِ قَوْلُهُ: (﴿ظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾) مِنَ الإشارَةِ إلى تَمْثِيلِ حالِهِمْ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ: فَظَلُّوا لَها خاضِعِينَ بِأعْناقِهِمْ. وفِي إجْراءِ ضَمِيرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ (﴿خاضِعِينَ﴾) عَلى الأعْناقِ تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ العَقْلِيِّ في إسْنادِ (﴿خاضِعِينَ﴾) إلى (﴿أعْناقُهُمْ﴾)؛ لِأنَّ مُقْتَضى الجَرْيِ عَلى وتِيرَةِ المَجازِ أنْ يُقالَ لَها: خاضِعَةً، وذَلِكَ خُضُوعٌ مِن تَوَقُّعِ لَحاقِ العَذابِ النّازِلِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ الأعْناقَ هُنا جَمْعُ عُنُقٍ بِضَمَّتَيْنِ يُطْلَقُ عَلى سَيِّدِ القَوْمِ ورَئِيسِهِمْ كَما يُطْلَقُ عَلَيْهِ رَأْسُ القَوْمِ وصَدْرُ القَوْمِ، أيْ فَظَلَّتْ سادَتُهم، يَعْنِي الَّذِينَ أغْرَوْهم صفحة ٩٧ بِالكُفْرِ خاضِعِينَ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَهْدِيدًا لِزُعَمائِهِمُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهُمُ الِاسْتِمْرارَ عَلى الكُفْرِ، وهو تَفْسِيرٌ ضَعِيفٌ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والأخْفَشِ: الأعْناقُ الجَماعاتُ واحِدُها عُنُقٌ بِضَمَّتَيْنِ جَماعَةُ النّاسِ، أيْ: فَظَلُّوا خاضِعِينَ جَماعاتٍ جَماعاتٍ، وهَذا أضْعَفُ مِن سابِقِهِ. ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ ورَكِيكِها ما نَسَبَهُ الثَّعْلَبِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا وفي بَنِي أُمَيَّةَ فَتَذِلُّ لَنا أعْناقُهم بَعْدَ صُعُوبَةٍ، ويَلْحَقُهم هَوانٌ بَعْدَ عِزَّةٍ، وهَذا مِن تَحْرِيفِ كَلِمِ القُرْآنِ عَنْ مَواضِعِهِ ونُحاشِي ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنْ يَقُولَهُ، وهو الَّذِي دَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ. وهَذا مِن مَوْضُوعاتِ دُعاةِ المُسَوِّدَةِ مِثْلِ أبِي مُسْلِمٍ الخُراسانِيِّ، وكَمْ لَهم في المَوْضُوعاتِ مِنِ اخْتِلاقٍ، والقُرْآنُ أجَلُّ مِن أنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذِهِ السَّفاسِفِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نُنَزِّلْ) بِالتَّشْدِيدِ في الزّايِ وفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وتَخْفِيفِ الزّايِ.

الشعراء 26:5

﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) أيْ: هَذِهِ شِنْشَنَتُهم، فَلا تَأْسَفْ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِآياتِ الكِتابِ المُبِينِ، وما يَجِيئُهم مِنها مِن بَعْدُ فَسَيُعْرِضُونَ عَنْهُ؛ لِأنَّهم عُرِفُوا بِالإعْراضِ. والمُضارِعُ هُنا لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. فالذِّكْرُ هو القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ تَذْكِيرٌ لِلنّاسِ بِالأدِلَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَتِهِ ذِكْرًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُحْدَثُ: الجَدِيدُ، أيْ: مَن ذِكْرٍ بَعْدَ ذِكْرٍ يُذَكِّرُهم بِما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِهِ، فالمَعْنى المُسْتَفادُ مِن وصْفِهِ بِالمُحَدَثِ غَيْرُ المَعْنى المُسْتَفادِ مِن إسْنادِ صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾ [الأنبياء: ٢]) . فَأفادَ الأمْرانِ أنَّهُ ذِكْرٌ مُتَجَدِّدٌ مُسْتَمِرٌّ، وأنْ بَعْضَهُ يُعْقِبُ بَعْضًا ويُؤَيِّدُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ: صفحة ٩٨ (﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]) . وذُكِرَ اسْمُ الرَّحْمَنِ هُنا دُونَ وصْفِ الرَّبِّ كَما في سُورَةِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّ السِّياقَ هُنا لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى إعْراضِ قَوْمِهِ فَكانَ في وصْفِ مُؤْتِي الذِّكْرِ بِالرَّحْمَنِ تَشْنِيعٌ لِحالِ المُعْرِضِينَ وتَعْرِيضٌ لِغَباوَتِهِمْ أنْ يُعْرِضُوا عَمّا هو رَحْمَةٌ لَهم، فَإذا كانُوا لا يُدْرِكُونَ صَلاحَهم، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلى قَوْمٍ أضاعُوا نَفْعَهم، وأنْتَ قَدْ أرْشَدْتَهم إلَيْهِ وذَكَّرْتَهم كَما قالَ المَثَلُ: (لا يَحْزُنْكَ دَمٌ هَراقَهُ أهْلُهُ) وقالَ النّابِغَةُ: فَإنْ تَغْلِبْ شَقاوَتُكم عَلَيْكم فَإنِّي في صَلاحِكم سَعَيْتُ وفِي الإتْيانِ بِفِعْلِ (كانُوا) وخَبَرِهِ دُونَ أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا، إفادَةُ أنَّ إعْراضَهم راسِخٌ فِيهِمْ وأنَّهُ قَدِيمٌ مُسْتَمِرٌّ إذْ أخْبَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣])، فانْتِفاءُ كَوْنِ إيمانِهِمْ واقِعًا هو إعْراضٌ مِنهم عَنْ دَعْوَةِ الرَّسُولِ الَّتِي طَرِيقُها الذِّكْرُ بِالقُرْآنِ فَإذا أتاهم ذِكْرٌ بَعْدَ الذِّكْرِ الَّذِي لَمْ يُؤْمِنُوا بِسَبَبِهِ وجَدَهم عَلى إعْراضِهِمُ القَدِيمِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن ذِكْرٍ) مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ نَفْيِ الأحْوالِ. و(مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ: (﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ. والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ فَجُمْلَةُ (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ﴾) . وتَقَدَّمَ المَجْرُورُ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

الشعراء 26:6

﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . فاءُ (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾) فَصِيحَةٌ، أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ إعْراضَهم إعْراضُ تَكْذِيبٍ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّ سَنَّتَهُمُ الإعْراضُ عَنِ الذِّكْرِ الآتِي بَعْضُهُ عَقِبَ بَعْضٍ، فَإنَّ الإعْراضَ كانَ لِأنَّهم قَدْ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ. وأمّا الفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾) فَلِتَعْقِيبِ الإخْبارِ بِالوَعِيدِ بَعْدَ الإخْبارِ بِالتَّكْذِيبِ. والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ عَنِ الحَدَثِ العَظِيمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]) في سُورَةِ الأنْعامِ. صفحة ٩٩ والأنْباءُ: ظُهُورُ صِدْقِها، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الإتْيانِ هُنا البُلُوغَ كالَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١])؛ لِأنَّ بُلُوغَ الأنْباءِ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْكى بِعَلامَةِ الِاسْتِقْبالِ في قَوْلِهِ: (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾) . و(ما) في قَوْلِهِ: (﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقُها القُرْآنَ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٢٣١]) ) . وجِيءَ في صِلَتِهِ بِفِعْلِ (﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾) دُونَ (يُكَذِّبُونَ) لِتَحْصُلَ فائِدَةُ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم كَذَّبُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، وتَكُونُ الباءُ في (بِهِ) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَسْتَهْزِئُونَ)، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدًا إلى (ما) المَوْصُولَةِ، وأنْباؤُهُ أخْبارُهُ بِالوَعِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ (ما) جِنْسَ ما عُرِفُوا بِاسْتِهْزائِهِمْ بِهِ وهو التَّوَعُّدُ، كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ ونَحْوُ ذَلِكَ. وإضافَةُ (﴿أنْباءُ﴾) إلى (﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) عَلى هَذا إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ الَّذِي هو أنْباءُ ما سَيَحُلُّ بِهِمْ. وجَمْعُ الأنْباءِ عَلى هَذا بِاعْتِبارِ أنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِأشْياءَ كَثِيرَةٍ مِنها البَعْثُ، ومِنها العَذابُ في الدُّنْيا، ومِنها نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ (﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨])، ومِنها فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنها عَذابُ جَهَنَّمَ، وشَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: زَقُّمُونا. اسْتِهْزاءٌ. ويَجُوزُ كَوْنُ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ أنْباءُ كَوْنِ اسْتِهْزائِهِمْ، أيْ حُصُولِهِ، وضَمِيرِ (بِهِ) عائِدًا إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، وهو القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ ﷺ . والمُرادُ بِأنْباءِ اسْتِهْزائِهِمْ أنْباءُ جَزائِهِ وعاقِبَتِهِ وهو ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ في غَيْرِ ما آيَةٍ. والقَوْلُ في إقْحامِ فِعْلِ (كانُوا) هُنا كالقَوْلِ في إقْحامِهِ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥]) ولَكِنْ أُوثِرَ الإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وهو (﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾) دُونَ اسْمِ الفاعِلِ كالَّذِي في قَوْلِهِ (﴿كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَتَجَدَّدُ عِنْدَ تَجَدُّدِ وعِيدِهِمْ بِالعَذابِ، وأمّا الإعْراضُ فَمُتَمَكِّنٌ مِنهم. صفحة ١٠٠ ومَعْنى (﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ كَما في قَوْلِهِ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]) أيْ تَحَقَّقَ، أيْ سَوْفَ تَتَحَقَّقُ أخْبارُ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وعَلى الوَجْهِ الثّانِي سَوْفَ تَبْلُغُهم أخْبارُ اسْتِهْزائِهِمْ بِالقُرْآنِ، أيْ: أخْبارُ العِقابِ عَلى ذَلِكَ، وأُوثِرَ إفْرادُ فِعْلِ (يَأْتِيهِمْ) مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِغَيْرِ مُذَكِّرٍ حَقِيقِيٍّ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ؛ لِأنَّ الإفْرادَ أخَفُّ في الكَلامِ لِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ

الشعراء 26:7

﴿أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])، فالهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِنهُ مُقَدَّمَةٌ عَلى واوِ العَطْفِ لَفْظًا؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، والمَقْصُودُ مِنهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا تُغْنِي فِيهِمُ الآياتُ؛ لِأنَّ المُكابَرَةَ تَصْرِفُهم عَنِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، والآياتُ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ قائِمَةٌ مُتَظاهِرَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ وهم قَدْ عَمُوا عَنْها فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَلا عَجَبَ أنْ يَضِلُّوا عَنْ آياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكَوْنُ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَلَوْ كانَ هَؤُلاءِ مُتَطَلِّعِينَ إلى الحَقِّ باحِثِينَ عَنْهُ لَكانَ لَهم في الآياتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها مَقْنَعٌ لَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها قالَ تَعالى: (﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) أيْ: عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُعِدُّوا أنْفُسَهم لِلْإيمانِ فالمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعُ النَّباتِ دالَّةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ الحَكِيمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وهَذا دَلِيلٌ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، ودَلِيلٌ أيْضًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ بَعْدَ الجَفافِ مَثِيلٌ لِإحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ رُفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) وهَذا دَلِيلٌ تَقْرِيبِيٌّ صفحة ١٠١ لِلْإمْكانِ فَكانَ في آيَةِ الإنْباتِ تَنْبِيهٌ عَلى إبْطالِ أصْلَيْ عَدَمِ إيمانِهِمْ وهَما: أصْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، وأصْلُ إنْكارِ البَعْثِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الإنْباتِ عَلى الصّانِعِ الواحِدِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ مَن يَراهُ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ نَزَلَتْ رُؤْيَتُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ إنْكارُ عَدَمِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ وجُمْلَةُ (﴿كَمْ أنْبَتْنا﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَرَوْا، فَهي مَصَبُّ الإنْكارِ. وقَوْلُهُ: (﴿إلى الأرْضِ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَرَوْا، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلى الأرْضِ وهي بِمَرْأًى مِنهم. و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَثْرَةِ، وهي هُنا خَبَرِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ (﴿أنْبَتْنا﴾) . والتَّقْدِيرُ: أنْبَتْنا فِيها كَثِيرًا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، ومَوْرِدُ التَّكْثِيرِ الَّذِي أفادَتْهُ (كَمْ) هو كَثْرَةُ الإنْباتِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَوْرِدُ الشُّمُولِ المُفادِ مِن (كُلِّ) هو أنْواعُ النَّباتِ وأصْنافُهُ وفي الأمْرَيْنِ دَلالَةٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ، واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أبْعاضِ كُلِّ زَوْجٍ عَنْ ذِكْرِ مُمَيَّزِ (كَمْ)؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّبْعِيضِ. والزَّوْجُ: النَّوْعُ، وشاعَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى النَّوْعِ في غَيْرِ الحَيَوانِ قالَ تَعالى: (﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْنِ تَقَدَّما في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣]) في طه. والكَرِيمُ: النَّفِيسُ مِن نَوْعِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]) في الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]) في سُورَةِ الفُرْقانِ. وهَذا مِن إدْماجِ الِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى بَدِيعِ الصُّنْعِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في إنْباتِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ، فَفي الِاسْتِدْلالِ بِإنْباتِ الكَرِيمِ مِن ذَلِكَ وفاءٌ بِغَرَضِ الِامْتِنانِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ الِاسْتِدْلالِ. وأيْضًا فَنَظَرُ النّاسِ في الأنْواعِ الكَرِيمَةِ أنْفَذُ وأشْهَرُ لِأنَّهُ يُبْتَدَئُ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ مِنها والإعْجابِ بِها، فَإذا تَطَلَّبَها وقَعَ في الِاسْتِدْلالِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم مُمارِسُونَ لَهُ وراغِبُونَ فِيهِ. صفحة ١٠٢ والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (ذَلِكَ) هو المَذْكُورُ مِنَ الأرْضِ، وإنْباتُ اللَّهِ الأزْواجَ فِيها، وما في تِلْكَ الأزْواجِ مِن مَنافِعَ وبَهْجَةٍ. والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ دَلالَةَ ذَلِكَ الإنْباتِ وصِفاتِهِ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي باعِثُ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِما دَعاهم إلى إثْباتِها، وإفْرادُ (آيَةً) لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ؛ لِأنَّ في المَذْكُورِ عِدَّةَ أشْياءَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ فَيَكُونُ عَلى التَّوْزِيعِ. وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ الواضِحِ، وضَمِيرُ (﴿أكْثَرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ كَما عادَ الضَّمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ (أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) )، وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهَذا تَحَدٍّ لَهم كَقَوْلِهِ (﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]) . وأُسْنِدَ نَفْيُ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ. و(كانَ) هُنا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وجُمْلَةُ (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ لِهَذا الخَبَرِ: بِوَصْفِ اللَّهِ بِالعِزَّةِ، أيْ تَمامِ القُدْرَةِ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَجَّلَ لَهُمُ العِقابَ، وبِوَصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ في إمْهالِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، ورَحِيمٌ بِكَ. قالَ تَعالى: (﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨]) . وفي وصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَرْحَمُ رُسُلَهُ بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ عَقْلِيًّا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُكَرَّرْ بِغَيْرِهِ مِن نَوْعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ كَما كُرِّرَتِ الدَّلائِلُ الحاصِلَةُ مِنَ العِبْرَةِ بِأحْوالِ الأُمَمِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠]) إلى آخِرِ قِصَّةِ أصْحابِ لَيْكَةِ.

الشعراء 26:8

﴿أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])، فالهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِنهُ مُقَدَّمَةٌ عَلى واوِ العَطْفِ لَفْظًا؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، والمَقْصُودُ مِنهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا تُغْنِي فِيهِمُ الآياتُ؛ لِأنَّ المُكابَرَةَ تَصْرِفُهم عَنِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، والآياتُ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ قائِمَةٌ مُتَظاهِرَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ وهم قَدْ عَمُوا عَنْها فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَلا عَجَبَ أنْ يَضِلُّوا عَنْ آياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكَوْنُ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَلَوْ كانَ هَؤُلاءِ مُتَطَلِّعِينَ إلى الحَقِّ باحِثِينَ عَنْهُ لَكانَ لَهم في الآياتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها مَقْنَعٌ لَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها قالَ تَعالى: (﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) أيْ: عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُعِدُّوا أنْفُسَهم لِلْإيمانِ فالمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعُ النَّباتِ دالَّةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ الحَكِيمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وهَذا دَلِيلٌ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، ودَلِيلٌ أيْضًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ بَعْدَ الجَفافِ مَثِيلٌ لِإحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ رُفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) وهَذا دَلِيلٌ تَقْرِيبِيٌّ صفحة ١٠١ لِلْإمْكانِ فَكانَ في آيَةِ الإنْباتِ تَنْبِيهٌ عَلى إبْطالِ أصْلَيْ عَدَمِ إيمانِهِمْ وهَما: أصْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، وأصْلُ إنْكارِ البَعْثِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الإنْباتِ عَلى الصّانِعِ الواحِدِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ مَن يَراهُ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ نَزَلَتْ رُؤْيَتُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ إنْكارُ عَدَمِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ وجُمْلَةُ (﴿كَمْ أنْبَتْنا﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَرَوْا، فَهي مَصَبُّ الإنْكارِ. وقَوْلُهُ: (﴿إلى الأرْضِ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَرَوْا، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلى الأرْضِ وهي بِمَرْأًى مِنهم. و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَثْرَةِ، وهي هُنا خَبَرِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ (﴿أنْبَتْنا﴾) . والتَّقْدِيرُ: أنْبَتْنا فِيها كَثِيرًا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، ومَوْرِدُ التَّكْثِيرِ الَّذِي أفادَتْهُ (كَمْ) هو كَثْرَةُ الإنْباتِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَوْرِدُ الشُّمُولِ المُفادِ مِن (كُلِّ) هو أنْواعُ النَّباتِ وأصْنافُهُ وفي الأمْرَيْنِ دَلالَةٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ، واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أبْعاضِ كُلِّ زَوْجٍ عَنْ ذِكْرِ مُمَيَّزِ (كَمْ)؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّبْعِيضِ. والزَّوْجُ: النَّوْعُ، وشاعَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى النَّوْعِ في غَيْرِ الحَيَوانِ قالَ تَعالى: (﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْنِ تَقَدَّما في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣]) في طه. والكَرِيمُ: النَّفِيسُ مِن نَوْعِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]) في الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]) في سُورَةِ الفُرْقانِ. وهَذا مِن إدْماجِ الِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى بَدِيعِ الصُّنْعِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في إنْباتِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ، فَفي الِاسْتِدْلالِ بِإنْباتِ الكَرِيمِ مِن ذَلِكَ وفاءٌ بِغَرَضِ الِامْتِنانِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ الِاسْتِدْلالِ. وأيْضًا فَنَظَرُ النّاسِ في الأنْواعِ الكَرِيمَةِ أنْفَذُ وأشْهَرُ لِأنَّهُ يُبْتَدَئُ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ مِنها والإعْجابِ بِها، فَإذا تَطَلَّبَها وقَعَ في الِاسْتِدْلالِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم مُمارِسُونَ لَهُ وراغِبُونَ فِيهِ. صفحة ١٠٢ والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (ذَلِكَ) هو المَذْكُورُ مِنَ الأرْضِ، وإنْباتُ اللَّهِ الأزْواجَ فِيها، وما في تِلْكَ الأزْواجِ مِن مَنافِعَ وبَهْجَةٍ. والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ دَلالَةَ ذَلِكَ الإنْباتِ وصِفاتِهِ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي باعِثُ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِما دَعاهم إلى إثْباتِها، وإفْرادُ (آيَةً) لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ؛ لِأنَّ في المَذْكُورِ عِدَّةَ أشْياءَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ فَيَكُونُ عَلى التَّوْزِيعِ. وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ الواضِحِ، وضَمِيرُ (﴿أكْثَرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ كَما عادَ الضَّمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ (أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) )، وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهَذا تَحَدٍّ لَهم كَقَوْلِهِ (﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]) . وأُسْنِدَ نَفْيُ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ. و(كانَ) هُنا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وجُمْلَةُ (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ لِهَذا الخَبَرِ: بِوَصْفِ اللَّهِ بِالعِزَّةِ، أيْ تَمامِ القُدْرَةِ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَجَّلَ لَهُمُ العِقابَ، وبِوَصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ في إمْهالِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، ورَحِيمٌ بِكَ. قالَ تَعالى: (﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨]) . وفي وصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَرْحَمُ رُسُلَهُ بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ عَقْلِيًّا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُكَرَّرْ بِغَيْرِهِ مِن نَوْعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ كَما كُرِّرَتِ الدَّلائِلُ الحاصِلَةُ مِنَ العِبْرَةِ بِأحْوالِ الأُمَمِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠]) إلى آخِرِ قِصَّةِ أصْحابِ لَيْكَةِ.

الشعراء 26:9

﴿أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥])، فالهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِنهُ مُقَدَّمَةٌ عَلى واوِ العَطْفِ لَفْظًا؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، والمَقْصُودُ مِنهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا تُغْنِي فِيهِمُ الآياتُ؛ لِأنَّ المُكابَرَةَ تَصْرِفُهم عَنِ التَّأمُّلِ في الآياتِ، والآياتُ عَلى صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ قائِمَةٌ مُتَظاهِرَةٌ في السَّماواتِ والأرْضِ وهم قَدْ عَمُوا عَنْها فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَلا عَجَبَ أنْ يَضِلُّوا عَنْ آياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وكَوْنُ القُرْآنِ مُنَزَّلًا مِنَ اللَّهِ فَلَوْ كانَ هَؤُلاءِ مُتَطَلِّعِينَ إلى الحَقِّ باحِثِينَ عَنْهُ لَكانَ لَهم في الآياتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِها مَقْنَعٌ لَهم عَنِ الآياتِ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها قالَ تَعالى: (﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) أيْ: عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُعِدُّوا أنْفُسَهم لِلْإيمانِ فالمَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْواعُ النَّباتِ دالَّةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ هَذا الصُّنْعَ الحَكِيمَ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وهَذا دَلِيلٌ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، ودَلِيلٌ أيْضًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الإنْباتَ بَعْدَ الجَفافِ مَثِيلٌ لِإحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ رُفاتِهِمْ كَما قالَ تَعالى: (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) وهَذا دَلِيلٌ تَقْرِيبِيٌّ صفحة ١٠١ لِلْإمْكانِ فَكانَ في آيَةِ الإنْباتِ تَنْبِيهٌ عَلى إبْطالِ أصْلَيْ عَدَمِ إيمانِهِمْ وهَما: أصْلُ الإشْراكِ بِاللَّهِ، وأصْلُ إنْكارِ البَعْثِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ دَلالَةَ الإنْباتِ عَلى الصّانِعِ الواحِدِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِكُلِّ مَن يَراهُ، فَلَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ نَزَلَتْ رُؤْيَتُهم مَنزِلَةَ العَدَمِ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، والمَقْصُودُ إنْكارُ عَدَمِ الِاسْتِدْلالِ بِهِ وجُمْلَةُ (﴿كَمْ أنْبَتْنا﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ يَرَوْا، فَهي مَصَبُّ الإنْكارِ. وقَوْلُهُ: (﴿إلى الأرْضِ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ يَرَوْا، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا إلى الأرْضِ وهي بِمَرْأًى مِنهم. و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الكَثْرَةِ، وهي هُنا خَبَرِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ (﴿أنْبَتْنا﴾) . والتَّقْدِيرُ: أنْبَتْنا فِيها كَثِيرًا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، ومَوْرِدُ التَّكْثِيرِ الَّذِي أفادَتْهُ (كَمْ) هو كَثْرَةُ الإنْباتِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، ومَوْرِدُ الشُّمُولِ المُفادِ مِن (كُلِّ) هو أنْواعُ النَّباتِ وأصْنافُهُ وفي الأمْرَيْنِ دَلالَةٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ، واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أبْعاضِ كُلِّ زَوْجٍ عَنْ ذِكْرِ مُمَيَّزِ (كَمْ)؛ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّبْعِيضِ. والزَّوْجُ: النَّوْعُ، وشاعَ إطْلاقُ الزَّوْجِ عَلى النَّوْعِ في غَيْرِ الحَيَوانِ قالَ تَعالى: (﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]) عَلى أحَدِ احْتِمالَيْنِ تَقَدَّما في سُورَةِ الرَّعْدِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣]) في طه. والكَرِيمُ: النَّفِيسُ مِن نَوْعِهِ، قالَ تَعالى: (﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤]) في الأنْفالِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]) في سُورَةِ الفُرْقانِ. وهَذا مِن إدْماجِ الِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى بَدِيعِ الصُّنْعِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في إنْباتِ الكَرِيمِ وغَيْرِهِ، فَفي الِاسْتِدْلالِ بِإنْباتِ الكَرِيمِ مِن ذَلِكَ وفاءٌ بِغَرَضِ الِامْتِنانِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ الِاسْتِدْلالِ. وأيْضًا فَنَظَرُ النّاسِ في الأنْواعِ الكَرِيمَةِ أنْفَذُ وأشْهَرُ لِأنَّهُ يُبْتَدَئُ بِطَلَبِ المَنفَعَةِ مِنها والإعْجابِ بِها، فَإذا تَطَلَّبَها وقَعَ في الِاسْتِدْلالِ فَيَكُونُ الِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها في الآيَةِ مِن قَبِيلِ التَّذْكِيرِ لِلْمُشْرِكِينَ بِما هم مُمارِسُونَ لَهُ وراغِبُونَ فِيهِ. صفحة ١٠٢ والمُشارُ إلَيْهِ بِـ (ذَلِكَ) هو المَذْكُورُ مِنَ الأرْضِ، وإنْباتُ اللَّهِ الأزْواجَ فِيها، وما في تِلْكَ الأزْواجِ مِن مَنافِعَ وبَهْجَةٍ. والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ دَلالَةَ ذَلِكَ الإنْباتِ وصِفاتِهِ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي هي باعِثُ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِما دَعاهم إلى إثْباتِها، وإفْرادُ (آيَةً) لِإرادَةِ الجِنْسِ، أوْ؛ لِأنَّ في المَذْكُورِ عِدَّةَ أشْياءَ في كُلِّ واحِدٍ مِنها آيَةٌ فَيَكُونُ عَلى التَّوْزِيعِ. وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ الواضِحِ، وضَمِيرُ (﴿أكْثَرُهُمْ﴾) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ كَما عادَ الضَّمِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ (أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) )، وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهَذا تَحَدٍّ لَهم كَقَوْلِهِ (﴿ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]) . وأُسْنِدَ نَفْيُ الإيمانِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ أوْ بَعْدَ ذَلِكَ. و(كانَ) هُنا مُقْحَمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وجُمْلَةُ (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾) تَذْيِيلٌ لِهَذا الخَبَرِ: بِوَصْفِ اللَّهِ بِالعِزَّةِ، أيْ تَمامِ القُدْرَةِ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَجَّلَ لَهُمُ العِقابَ، وبِوَصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّ في إمْهالِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ، ورَحِيمٌ بِكَ. قالَ تَعالى: (﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ [الكهف: ٥٨]) . وفي وصْفِ الرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يَرْحَمُ رُسُلَهُ بِتَأْيِيدِهِ ونَصْرِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لَمّا كانَ عَقْلِيًّا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ ولَمْ يُكَرَّرْ بِغَيْرِهِ مِن نَوْعِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ كَما كُرِّرَتِ الدَّلائِلُ الحاصِلَةُ مِنَ العِبْرَةِ بِأحْوالِ الأُمَمِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ [الشعراء: ١٠]) إلى آخِرِ قِصَّةِ أصْحابِ لَيْكَةِ.

الشعراء 26:10

﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ . شُرُوعٌ في عَدِّ آياتٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِهِمْ صفحة ١٠٣ لِيُحَذِّرَ المُخاطِبُونَ بِالدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ مِن أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ المُكَذِّبِينَ. وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَبْيِينٌ لِبَعْضِ ما نادى بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَراهِينِ. وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ مِنَ المَثُلاتِ قُصِدَ ذِكْرُ كَثِيرٍ اشْتُهِرَ مِنها ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى حادِثَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ غَيْرَ العَقْلِيَّةِ يَتَطَّرَقُها احْتِمالُ عَدَمِ المُلازَمَةِ بِأنْ يَكُونَ ما أصابَ قَوْمًا مِن أُولَئِكَ عَلى وجْهِ الصُّدْفَةِ والِاتِّفاقِ، فَإذا تَبَيَّنَ تَكَرُّرُ أمْثالِها ضَعُفَ احْتِمالُ الِاتِّفاقِيَّةِ؛ لِأنَّ قِياسَ التَّمْثِيلِ لا يُفِيدُ القَطْعَ إلّا بِانْضِمامِ مُقَوِّماتٍ لَهُ مِن تَواتَرٍ وتَكَرُّرٍ. وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى ثُمَّ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى خِلافِ تَرْتِيبِ حِكايَةِ القَصَصِ الغالِبِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِها عَلى تَرْتِيبِ سَبْقِها في الزَّمانِ، لَعَلَّهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إلْحاحِهِمْ عَلى إظْهارِ آياتٍ مِن خَوارِقِ العاداتِ في الكائِناتِ زاعِمِينَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا جاءَتْهم آيَةٌ؛ فَضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في آياتِ مُوسى إذْ قالُوا: (﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]) وعُطِفَ (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةِ (أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ) بِتَمامِها. ويَكُونُ (إذْ) اسْمَ زَمانٍ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ الَّتِي بَعْدَها: (﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]) . وفي هَذا المُقَدَّرِ تَذْكِيرٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُسَلِّيهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ. ونِداءُ اللَّهِ مُوسى الوَحْيُ إلَيْهِ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ. وجُمْلَةُ (﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾) تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ (نادى)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]) . وأمّا ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) إلَخْ فَهو تَفْصِيلٌ لِأسْبابِ المَوْعِظَةِ بِذِكْرِ دَعْوَةِ مُوسى إلى ما أُمِرَ بِإبْلاغِهِ وإعْراضِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وما عَقِبَ ذَلِكَ إلى الخاتِمَةِ. واسْتِحْضارُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِوَصْفِهِمْ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإرْسالِ. وفي هَذا الإجْمالِ تَوْجِيهُ نَفْسِ مُوسى لِتَرَقُّبِ تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِما يُبَيِّنُهُ، وإثارَةٌ لِغَضَبِ صفحة ١٠٤ مُوسى عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْضَمَّ داعِي غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلى داعِي امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ الباعِثِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أوْقَعُ لِكَلامِهِ في نُفُوسِهِمْ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِالظُّلْمِ. ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ وصْفِهِمُ الذّاتِيِّ بِطَرِيقَةِ البَيانِ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ وهو قَوْلُهُ: (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾)، وفي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (قَوْمِ) مَوْقِعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ يَقُلْ: ائْتِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدَيٍّ لا أبا لَكم لا يُلْفِينَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ والظُّلْمُ يَعُمُّ أنْواعَهُ، فَمِنها ظُلْمُهم أنْفُسَهم بِعِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ومِنها ظُلْمُهُمُ النّاسَ حُقُوقَهم إذِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ واضْطَهَدُوهم، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنَيَيْنِ مِرارًا في ضِدِّ العَدْلِ (﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]) في البَقَرَةِ، وبِمَعْنى الشِّرْكِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) في الأنْعامِ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ ذِكْرِ ما ابْتُدِئَ بِهِ نِداءُ مُوسى مِمّا هو في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ: (﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]) إلى قَوْلِهِ: (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣])؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلى ما هو شَرْحُ دَعْوَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وإعْراضُهم لِلِاتِّعاظِ بِعاقِبَتِهِمْ. وأمّا مَقامُ ما في سُورَةِ طه فَلِبَيانِ كَرامَةِ مُوسى عِنْدَ رَبِّهِ ورِسالَتِهِ مَعًا، فَكانَ مَقامَ إطْنابٍ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ في حِكايَةِ القِصَّةِ الواحِدَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. والإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ هو ذَهابُهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ. وهَذا إيجازٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) إلى آخِرِهِ. وجُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِالإتْيانِ إلَيْهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ، ووَصَفَهم بِالظّالِمِينَ كانَ الكَلامُ مُثِيرًا لِسُؤالٍ في نَفْسِ مُوسى عَنْ مَدى ظُلْمِهِمْ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الظُّلْمِ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ تَقْوِيَةً لِلْباعِثِ لِمُوسى عَلى بُلُوغِ الغايَةِ في الدَّعْوَةِ؛ وتَهْيِئَةً لِتَلَقِّيهِ تَكْذِيبَهم بِدُونِ مُفاجَئَةٍ، فَيَكُونُ (ألا) مِن قَوْلِهِ (ألا يَتَّقُونَ) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ و(لا) النّافِيَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ انْتِفاءِ تَقْواهم، وتَعْجِيبِ مُوسى مِن ذَلِكَ، فَإنَّ مُوسى كانَ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ إذْ كانَ قَدْ نَشَأ فِيهِمْ وقَدْ عَلِمَ مَظالِمَهم، وأعْظَمُها الإشْراكُ وقَتْلُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. . . . صفحة ١٠٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) كَلِمَةً واحِدَةً هي أداةُ العَرْضِ والتَّحْضِيضِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (ائْتِ) والمَعْنى: قُلْ لَهم: ألا تَتَّقُونَ. فَحَكى مَقالَتَهُ بِمَعْناها لا بِلَفْظِها. وذَلِكَ واسْعٌ في حِكايَةِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]) فَإنَّ جُمْلَةَ (﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]) مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أمَرْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]) . وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ مُوسى ورَبَّهم فَحَكى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِالمَعْنى. وهَذا العَرْضُ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ النّازِعاتِ: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]) . والِاتِّقاءُ: الخَوْفُ والحَذَرُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (﴿يَتَّقُونَ﴾) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: ألا يَتَّقُونَ عَواقِبَ ظُلْمِهِمْ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْفالِ. ويَعْلَمُ مُوسى مِن إجْراءِ وصْفِ الظُّلْمِ وعَدَمِ التَّقْوى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ في مَعْرِضِ أمْرِهِ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَبْدَأُ بِهِ دَعْوَتَهم أنْ يَدْعُوَهم إلى تَرْكِ الظُّلْمِ وإلى التَّقْوى. وذِكْرُ مُوسى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) في البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ فِرْعَوْنَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]) في الأعْرافِ.

الشعراء 26:11

﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ ألا يَتَّقُونَ﴾ . شُرُوعٌ في عَدِّ آياتٍ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ بِذِكْرِ عَواقِبِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِهِمْ صفحة ١٠٣ لِيُحَذِّرَ المُخاطِبُونَ بِالدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ مِن أنْ يُصِيبَهم ما أصابَ المُكَذِّبِينَ. وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَبْيِينٌ لِبَعْضِ ما نادى بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَراهِينِ. وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ الأدِلَّةُ مِنَ المَثُلاتِ قُصِدَ ذِكْرُ كَثِيرٍ اشْتُهِرَ مِنها ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى حادِثَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ الأدِلَّةَ غَيْرَ العَقْلِيَّةِ يَتَطَّرَقُها احْتِمالُ عَدَمِ المُلازَمَةِ بِأنْ يَكُونَ ما أصابَ قَوْمًا مِن أُولَئِكَ عَلى وجْهِ الصُّدْفَةِ والِاتِّفاقِ، فَإذا تَبَيَّنَ تَكَرُّرُ أمْثالِها ضَعُفَ احْتِمالُ الِاتِّفاقِيَّةِ؛ لِأنَّ قِياسَ التَّمْثِيلِ لا يُفِيدُ القَطْعَ إلّا بِانْضِمامِ مُقَوِّماتٍ لَهُ مِن تَواتَرٍ وتَكَرُّرٍ. وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى ثُمَّ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلى خِلافِ تَرْتِيبِ حِكايَةِ القَصَصِ الغالِبِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِها عَلى تَرْتِيبِ سَبْقِها في الزَّمانِ، لَعَلَّهُ؛ لِأنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في إلْحاحِهِمْ عَلى إظْهارِ آياتٍ مِن خَوارِقِ العاداتِ في الكائِناتِ زاعِمِينَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا إذا جاءَتْهم آيَةٌ؛ فَضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في آياتِ مُوسى إذْ قالُوا: (﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٢]) وعُطِفَ (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةِ (أوْ لَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ) بِتَمامِها. ويَكُونُ (إذْ) اسْمَ زَمانٍ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ نادى رَبُّكَ مُوسى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ في القِصَّةِ الَّتِي بَعْدَها: (﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]) . وفي هَذا المُقَدَّرِ تَذْكِيرٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ - الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما يُسَلِّيهِ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ. ونِداءُ اللَّهِ مُوسى الوَحْيُ إلَيْهِ بِكَلامٍ سَمِعَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ. وجُمْلَةُ (﴿أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾) تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ (نادى)، و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ هو المَوْعِظَةُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ وذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) إلى قَوْلِهِ: (﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩]) . وأمّا ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: (﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾) إلَخْ فَهو تَفْصِيلٌ لِأسْبابِ المَوْعِظَةِ بِذِكْرِ دَعْوَةِ مُوسى إلى ما أُمِرَ بِإبْلاغِهِ وإعْراضِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وما عَقِبَ ذَلِكَ إلى الخاتِمَةِ. واسْتِحْضارُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِوَصْفِهِمْ بِالقَوْمِ الظّالِمِينَ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الإرْسالِ. وفي هَذا الإجْمالِ تَوْجِيهُ نَفْسِ مُوسى لِتَرَقُّبِ تَعْيِينِ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِما يُبَيِّنُهُ، وإثارَةٌ لِغَضَبِ صفحة ١٠٤ مُوسى عَلَيْهِمْ حَتّى يَنْضَمَّ داعِي غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ إلى داعِي امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ الباعِثِهِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أوْقَعُ لِكَلامِهِ في نُفُوسِهِمْ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِالظُّلْمِ. ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ وصْفِهِمُ الذّاتِيِّ بِطَرِيقَةِ البَيانِ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ وهو قَوْلُهُ: (﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾)، وفي تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (قَوْمِ) مَوْقِعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ يَقُلْ: ائْتِ قَوْمَ فِرْعَوْنَ الظّالِمِينَ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدَيٍّ لا أبا لَكم لا يُلْفِينَّكُمُ في سَوْءَةٍ عُمَرُ والظُّلْمُ يَعُمُّ أنْواعَهُ، فَمِنها ظُلْمُهم أنْفُسَهم بِعِبادَةِ ما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، ومِنها ظُلْمُهُمُ النّاسَ حُقُوقَهم إذِ اسْتَعْبَدُوا بَنِي إسْرائِيلَ واضْطَهَدُوهم، وتَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ في المَعْنَيَيْنِ مِرارًا في ضِدِّ العَدْلِ (﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]) في البَقَرَةِ، وبِمَعْنى الشِّرْكِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]) في الأنْعامِ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ عَدَلَ هُنا عَنْ ذِكْرِ ما ابْتُدِئَ بِهِ نِداءُ مُوسى مِمّا هو في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ: (﴿إنِّي أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢]) إلى قَوْلِهِ: (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣])؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا يَقْتَضِي الِاقْتِصارَ عَلى ما هو شَرْحُ دَعْوَةِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وإعْراضُهم لِلِاتِّعاظِ بِعاقِبَتِهِمْ. وأمّا مَقامُ ما في سُورَةِ طه فَلِبَيانِ كَرامَةِ مُوسى عِنْدَ رَبِّهِ ورِسالَتِهِ مَعًا، فَكانَ مَقامَ إطْنابٍ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ في حِكايَةِ القِصَّةِ الواحِدَةِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. والإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ هو ذَهابُهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ. وهَذا إيجازٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) إلى آخِرِهِ. وجُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِالإتْيانِ إلَيْهِمْ لِدَعْوَتِهِمْ، ووَصَفَهم بِالظّالِمِينَ كانَ الكَلامُ مُثِيرًا لِسُؤالٍ في نَفْسِ مُوسى عَنْ مَدى ظُلْمِهِمْ فَجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى تَوَغُّلِهِمْ في الظُّلْمِ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ تَقْوِيَةً لِلْباعِثِ لِمُوسى عَلى بُلُوغِ الغايَةِ في الدَّعْوَةِ؛ وتَهْيِئَةً لِتَلَقِّيهِ تَكْذِيبَهم بِدُونِ مُفاجَئَةٍ، فَيَكُونُ (ألا) مِن قَوْلِهِ (ألا يَتَّقُونَ) مُرَكَّبًا مِن حَرْفَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ و(لا) النّافِيَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ انْتِفاءِ تَقْواهم، وتَعْجِيبِ مُوسى مِن ذَلِكَ، فَإنَّ مُوسى كانَ مُطَّلِعًا عَلى أحْوالِهِمْ إذْ كانَ قَدْ نَشَأ فِيهِمْ وقَدْ عَلِمَ مَظالِمَهم، وأعْظَمُها الإشْراكُ وقَتْلُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ. . . . صفحة ١٠٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألا) كَلِمَةً واحِدَةً هي أداةُ العَرْضِ والتَّحْضِيضِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿ألا يَتَّقُونَ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (ائْتِ) والمَعْنى: قُلْ لَهم: ألا تَتَّقُونَ. فَحَكى مَقالَتَهُ بِمَعْناها لا بِلَفْظِها. وذَلِكَ واسْعٌ في حِكايَةِ القَوْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]) فَإنَّ جُمْلَةَ (﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ١١٧]) مُفَسِّرَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أمَرْتَنِي﴾ [المائدة: ١١٧]) . وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّ مُوسى ورَبَّهم فَحَكى ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِالمَعْنى. وهَذا العَرْضُ نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ النّازِعاتِ: (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]) . والِاتِّقاءُ: الخَوْفُ والحَذَرُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ (﴿يَتَّقُونَ﴾) لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ: ألا يَتَّقُونَ عَواقِبَ ظُلْمِهِمْ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦]) في سُورَةِ الأنْفالِ. ويَعْلَمُ مُوسى مِن إجْراءِ وصْفِ الظُّلْمِ وعَدَمِ التَّقْوى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ في مَعْرِضِ أمْرِهِ بِالذَّهابِ إلَيْهِمْ أنَّ مِن أوَّلِ ما يَبْدَأُ بِهِ دَعْوَتَهم أنْ يَدْعُوَهم إلى تَرْكِ الظُّلْمِ وإلى التَّقْوى. وذِكْرُ مُوسى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) في البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ فِرْعَوْنَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣]) في الأعْرافِ.

الشعراء 26:12

﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ . افْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِنِداءِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ تَحْنِينٌ واسْتِسْلامٌ. وإنَّما خافَ أنْ يُكَذِّبُوهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّسالَةِ لا يَتَلَقّاها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خائِفًا مِنَ التَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُلِعَتْ عَلَيْهِ الرِّسالَةُ عَنِ اللَّهِ وقَرَ في صَدْرِهِ الحِرْصُ عَلى نَجاحِ رِسالَتِهِ فَكانَ تَكْذِيبُهُ فِيها مَخُوفًا مِنهُ. (﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ فَهو عَطْفٌ عَلى (﴿أخافُ﴾) صفحة ١٠٦ أوْ تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ فَتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ: والحالُ يَضِيقُ ساعَتَئِذٍ صَدْرِي مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. والضِّيقُ: ضِدُّ السِّعَةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَضَبِ والكَمَدِ؛ لِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعالٌ ويَنْشَأُ عَنْهُ انْضِغاطُ الأعْصابِ في الصَّدْرِ والقَلْبِ مِن تَأْثِيرِ الإدْراكِ الخاصِّ عَلى جَمْعِ الأعْصابِ الكائِنِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو المُدْرِكُ فَيُحِسُّ بِشِبْهِ امْتِلاءٍ في الصَّدْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]) وقَوْلِهِ: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْسَفُ ويَكْمَدُ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ويَجِيشُ في نَفْسِهِ رَوْمُ إقْناعِهِمْ بِصِدْقِهِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ إذا خَطَرَتْ في العَقْلِ نَشَأ مِنها إعْدادُ البَراهِينِ، وفي ذَلِكَ الإعْدادِ تَكَلُّفٌ وتَعَبٌ لِلْفِكْرِ فَإذا أبانَها أحَسَّ بِارْتِياحٍ وبِشِبْهِ السِّعَةِ في الصَّدْرِ فَسَمّى ذَلِكَ شَرْحًا لِلصَّدْرِ، ولِذَلِكَ سَألَهُ مُوسى في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) . والِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ إذا أرْسَلَهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ فَهو حَقِيقَةٌ في الذَّهابِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِفَصاحَةِ اللِّسانِ وبَيانِهِ في الكَلامِ، أيْ يَنْحَبِسُ لِسانِي فَلا يُبَيِّنُ عِنْدَ إرادَةِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، وعَطْفُهُ عَلى (يَضِيقُ صَدْرِي) ) يُنْبِئُ بِأنَّهُ أرادَ بِضِيقِ الصَّدْرِ تَكاثُرَ خَواطِرِ الِاسْتِدْلالِ في نَفْسِهِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ لِيُقْنِعَهم بِصِدْقِهِ حَتّى يَحُسَّ كَأنَّ صَدْرَهُ قَدِ امْتَلَأ والشَّأْنُ أنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِمِقْدارِ ما يُفْصِحُ عَنْهُ صاحِبُهُ مِن إبْلاغِهِ إلى السّامِعِينَ فَإذا كانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ وعِيٌّ بَقِيَتِ الخَواطِرُ مُتَلَجْلِجَةً في صَدْرِهِ. والمَعْنى: ويَضِيقُ صَدْرِي حِينَ يُكَذِّبُونَنِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]،) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَرْفُوعَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿أخافُ﴾)، ولِذَلِكَ حَقَّقَهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ أيْقَنَ بِحُصُولِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جِبِلِّيٌّ عِنْدَ تَلَقِّي التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ أمانَةَ الرِّسالَةِ والحِرْصَ عَلى تَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ يُحْدِثُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وإذْ قَدْ كانَ انْحِباسُ لِسانِهِ يَقِينًا عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ كانَ فِعْلا (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَعْطُوفَيْنِ عَلى ما هو مُحَقَّقٌ عِنْدَهُ وهو حُصُولُ الخَوْفِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾) المَخُوفِ مِنهُ المُتَوَقَّعِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُحَقَّقَ الحُصُولِ يَجْعَلُهُ أحْرى مِنَ المُتَوَقَّعِ. صفحة ١٠٧ وقَرَأ يَعْقُوبُ (﴿ويَضِيقُ﴾) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾)، أيْ يَتَوَقَّعُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ ولا يَنْطَلِقَ لِسانُهُ، قِيلَ: كانَتْ بِمُوسى حُبْسَةٌ في لِسانِهِ إذا تَكَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ولَيْسَ القَصْدُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنَصُّلَ مِنَ الِاضْطِلاعِ بِهَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ ولَكِنَّ القَصْدَ تَمْهِيدُ ما فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ تَشْرِيكِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنهُ عَلى الِاسْتِدْلالِ والخَطابَةِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤]) . فَقَوْلُهُ هُنا: (﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾) مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ ما في الآيَةِ الأُخْرى فَيُعْلَمُ أنَّ في الكَلامِ هُنا إيجازًا. وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ: فَأرْسِلْ إلى هارُونَ عِوَضًا عَنِّي. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الإرْسالَ إلى هارُونَ ولَمْ يَسْألْهُ أنْ يُكَلِّمَ هارُونَ كَما كَلَّمَهُ هو؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ المُناجاةِ. والمَعْنى: فَأرْسِلْ مَلَكًا بِالوَحْيِ إلى هارُونَ أنْ يَكُونَ مَعِي. وقَوْلُهُ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وأنْ يَكْفِيَهُ شَرَّ عَدُوِّهِ حَتّى يُؤَدِّيَ ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» . والذَّنْبُ: الجُرْمُ ومُخالَفَةُ الواجِبِ في قَوانِينِهِمْ. وأُطْلِقَ الذَّنْبُ عَلى المُؤاخَذَةِ فَإنَّ الَّذِي لَهم عَلَيْهِ هو حَقُّ المُطالَبَةِ بِدَمِ القَتِيلِ الَّذِي وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، وتَوَعَّدَهُ القِبْطُ إنْ ظَفِرُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ مِن مِصْرَ خائِفًا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَجُّهِهِ إلى بِلادِ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ ما في شَرْعِ القِبْطِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرْعٌ إلَهِيٌّ في أحْكامِ قَتْلِ النَّفْسِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ ذَنْبًا؛ لِأنَّ قَتْلَ أحَدٍ في غَيْرِ قِصاصٍ ولا دِفاعٍ عَنْ نَفْسِ المُدافِعِ يُعْتَبَرُ جُرْمًا في قَوانِينِ جَماعاتِ البَشَرِ مِن عَهْدِ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ، وقَدْ قالَ في سُورَةِ القَصَصِ: (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]) . وأيًّا ما كانَ فَهو جَعَلَهُ ذَنْبًا لَهم عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) لَيْسَ هَلَعًا وفَرَقًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّهُ لَمّا أصْبَحَ في مَقامِ الرِّسالَةِ ما كانَ بِالَّذِي يُبالِي أنْ يَمُوتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ولَكِنَّهُ خَشِيَ العائِقَ مِن صفحة ١٠٨ إتْمامِ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِمّا فِيهِ لَهُ ثَوابٌ جَزِيلٌ ودَرَجَةٌ عُلْيا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (﴿يَقْتُلُونِ﴾) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذِكْرُ هارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الشعراء 26:13

﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ . افْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِنِداءِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ تَحْنِينٌ واسْتِسْلامٌ. وإنَّما خافَ أنْ يُكَذِّبُوهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّسالَةِ لا يَتَلَقّاها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خائِفًا مِنَ التَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُلِعَتْ عَلَيْهِ الرِّسالَةُ عَنِ اللَّهِ وقَرَ في صَدْرِهِ الحِرْصُ عَلى نَجاحِ رِسالَتِهِ فَكانَ تَكْذِيبُهُ فِيها مَخُوفًا مِنهُ. (﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ فَهو عَطْفٌ عَلى (﴿أخافُ﴾) صفحة ١٠٦ أوْ تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ فَتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ: والحالُ يَضِيقُ ساعَتَئِذٍ صَدْرِي مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. والضِّيقُ: ضِدُّ السِّعَةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَضَبِ والكَمَدِ؛ لِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعالٌ ويَنْشَأُ عَنْهُ انْضِغاطُ الأعْصابِ في الصَّدْرِ والقَلْبِ مِن تَأْثِيرِ الإدْراكِ الخاصِّ عَلى جَمْعِ الأعْصابِ الكائِنِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو المُدْرِكُ فَيُحِسُّ بِشِبْهِ امْتِلاءٍ في الصَّدْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]) وقَوْلِهِ: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْسَفُ ويَكْمَدُ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ويَجِيشُ في نَفْسِهِ رَوْمُ إقْناعِهِمْ بِصِدْقِهِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ إذا خَطَرَتْ في العَقْلِ نَشَأ مِنها إعْدادُ البَراهِينِ، وفي ذَلِكَ الإعْدادِ تَكَلُّفٌ وتَعَبٌ لِلْفِكْرِ فَإذا أبانَها أحَسَّ بِارْتِياحٍ وبِشِبْهِ السِّعَةِ في الصَّدْرِ فَسَمّى ذَلِكَ شَرْحًا لِلصَّدْرِ، ولِذَلِكَ سَألَهُ مُوسى في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) . والِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ إذا أرْسَلَهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ فَهو حَقِيقَةٌ في الذَّهابِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِفَصاحَةِ اللِّسانِ وبَيانِهِ في الكَلامِ، أيْ يَنْحَبِسُ لِسانِي فَلا يُبَيِّنُ عِنْدَ إرادَةِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، وعَطْفُهُ عَلى (يَضِيقُ صَدْرِي) ) يُنْبِئُ بِأنَّهُ أرادَ بِضِيقِ الصَّدْرِ تَكاثُرَ خَواطِرِ الِاسْتِدْلالِ في نَفْسِهِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ لِيُقْنِعَهم بِصِدْقِهِ حَتّى يَحُسَّ كَأنَّ صَدْرَهُ قَدِ امْتَلَأ والشَّأْنُ أنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِمِقْدارِ ما يُفْصِحُ عَنْهُ صاحِبُهُ مِن إبْلاغِهِ إلى السّامِعِينَ فَإذا كانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ وعِيٌّ بَقِيَتِ الخَواطِرُ مُتَلَجْلِجَةً في صَدْرِهِ. والمَعْنى: ويَضِيقُ صَدْرِي حِينَ يُكَذِّبُونَنِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]،) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَرْفُوعَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿أخافُ﴾)، ولِذَلِكَ حَقَّقَهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ أيْقَنَ بِحُصُولِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جِبِلِّيٌّ عِنْدَ تَلَقِّي التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ أمانَةَ الرِّسالَةِ والحِرْصَ عَلى تَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ يُحْدِثُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وإذْ قَدْ كانَ انْحِباسُ لِسانِهِ يَقِينًا عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ كانَ فِعْلا (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَعْطُوفَيْنِ عَلى ما هو مُحَقَّقٌ عِنْدَهُ وهو حُصُولُ الخَوْفِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾) المَخُوفِ مِنهُ المُتَوَقَّعِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُحَقَّقَ الحُصُولِ يَجْعَلُهُ أحْرى مِنَ المُتَوَقَّعِ. صفحة ١٠٧ وقَرَأ يَعْقُوبُ (﴿ويَضِيقُ﴾) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾)، أيْ يَتَوَقَّعُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ ولا يَنْطَلِقَ لِسانُهُ، قِيلَ: كانَتْ بِمُوسى حُبْسَةٌ في لِسانِهِ إذا تَكَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ولَيْسَ القَصْدُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنَصُّلَ مِنَ الِاضْطِلاعِ بِهَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ ولَكِنَّ القَصْدَ تَمْهِيدُ ما فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ تَشْرِيكِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنهُ عَلى الِاسْتِدْلالِ والخَطابَةِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤]) . فَقَوْلُهُ هُنا: (﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾) مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ ما في الآيَةِ الأُخْرى فَيُعْلَمُ أنَّ في الكَلامِ هُنا إيجازًا. وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ: فَأرْسِلْ إلى هارُونَ عِوَضًا عَنِّي. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الإرْسالَ إلى هارُونَ ولَمْ يَسْألْهُ أنْ يُكَلِّمَ هارُونَ كَما كَلَّمَهُ هو؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ المُناجاةِ. والمَعْنى: فَأرْسِلْ مَلَكًا بِالوَحْيِ إلى هارُونَ أنْ يَكُونَ مَعِي. وقَوْلُهُ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وأنْ يَكْفِيَهُ شَرَّ عَدُوِّهِ حَتّى يُؤَدِّيَ ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» . والذَّنْبُ: الجُرْمُ ومُخالَفَةُ الواجِبِ في قَوانِينِهِمْ. وأُطْلِقَ الذَّنْبُ عَلى المُؤاخَذَةِ فَإنَّ الَّذِي لَهم عَلَيْهِ هو حَقُّ المُطالَبَةِ بِدَمِ القَتِيلِ الَّذِي وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، وتَوَعَّدَهُ القِبْطُ إنْ ظَفِرُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ مِن مِصْرَ خائِفًا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَجُّهِهِ إلى بِلادِ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ ما في شَرْعِ القِبْطِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرْعٌ إلَهِيٌّ في أحْكامِ قَتْلِ النَّفْسِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ ذَنْبًا؛ لِأنَّ قَتْلَ أحَدٍ في غَيْرِ قِصاصٍ ولا دِفاعٍ عَنْ نَفْسِ المُدافِعِ يُعْتَبَرُ جُرْمًا في قَوانِينِ جَماعاتِ البَشَرِ مِن عَهْدِ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ، وقَدْ قالَ في سُورَةِ القَصَصِ: (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]) . وأيًّا ما كانَ فَهو جَعَلَهُ ذَنْبًا لَهم عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) لَيْسَ هَلَعًا وفَرَقًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّهُ لَمّا أصْبَحَ في مَقامِ الرِّسالَةِ ما كانَ بِالَّذِي يُبالِي أنْ يَمُوتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ولَكِنَّهُ خَشِيَ العائِقَ مِن صفحة ١٠٨ إتْمامِ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِمّا فِيهِ لَهُ ثَوابٌ جَزِيلٌ ودَرَجَةٌ عُلْيا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (﴿يَقْتُلُونِ﴾) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذِكْرُ هارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الشعراء 26:14

﴿قالَ رَبِّ إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ ﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ . افْتِتاحُ مُراجَعَتِهِ بِنِداءِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلَيْهِ تَحْنِينٌ واسْتِسْلامٌ. وإنَّما خافَ أنْ يُكَذِّبُوهُ لِعِلْمِهِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ الرِّسالَةِ لا يَتَلَقّاها المُرْسَلُ إلَيْهِمْ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ خائِفًا مِنَ التَّكْذِيبِ؛ لِأنَّهُ لَمّا خُلِعَتْ عَلَيْهِ الرِّسالَةُ عَنِ اللَّهِ وقَرَ في صَدْرِهِ الحِرْصُ عَلى نَجاحِ رِسالَتِهِ فَكانَ تَكْذِيبُهُ فِيها مَخُوفًا مِنهُ. (﴿ويَضِيقُ صَدْرِي﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ فَهو عَطْفٌ عَلى (﴿أخافُ﴾) صفحة ١٠٦ أوْ تَكُونُ الواوُ لِلْحالِ فَتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً، أيْ: والحالُ يَضِيقُ ساعَتَئِذٍ صَدْرِي مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. والضِّيقُ: ضِدُّ السِّعَةِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَضَبِ والكَمَدِ؛ لِأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ ذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ انْفِعالٌ ويَنْشَأُ عَنْهُ انْضِغاطُ الأعْصابِ في الصَّدْرِ والقَلْبِ مِن تَأْثِيرِ الإدْراكِ الخاصِّ عَلى جَمْعِ الأعْصابِ الكائِنِ بِالدِّماغِ الَّذِي هو المُدْرِكُ فَيُحِسُّ بِشِبْهِ امْتِلاءٍ في الصَّدْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]) وقَوْلِهِ: (﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]) في سُورَةِ هُودٍ. والمَعْنى: أنَّهُ يَأْسَفُ ويَكْمَدُ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ويَجِيشُ في نَفْسِهِ رَوْمُ إقْناعِهِمْ بِصِدْقِهِ، وتِلْكَ الخَواطِرُ إذا خَطَرَتْ في العَقْلِ نَشَأ مِنها إعْدادُ البَراهِينِ، وفي ذَلِكَ الإعْدادِ تَكَلُّفٌ وتَعَبٌ لِلْفِكْرِ فَإذا أبانَها أحَسَّ بِارْتِياحٍ وبِشِبْهِ السِّعَةِ في الصَّدْرِ فَسَمّى ذَلِكَ شَرْحًا لِلصَّدْرِ، ولِذَلِكَ سَألَهُ مُوسى في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]) . والِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أطْلَقَهُ إذا أرْسَلَهُ ولَمْ يَحْبِسْهُ فَهو حَقِيقَةٌ في الذَّهابِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِفَصاحَةِ اللِّسانِ وبَيانِهِ في الكَلامِ، أيْ يَنْحَبِسُ لِسانِي فَلا يُبَيِّنُ عِنْدَ إرادَةِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، وعَطْفُهُ عَلى (يَضِيقُ صَدْرِي) ) يُنْبِئُ بِأنَّهُ أرادَ بِضِيقِ الصَّدْرِ تَكاثُرَ خَواطِرِ الِاسْتِدْلالِ في نَفْسِهِ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ لِيُقْنِعَهم بِصِدْقِهِ حَتّى يَحُسَّ كَأنَّ صَدْرَهُ قَدِ امْتَلَأ والشَّأْنُ أنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ بِمِقْدارِ ما يُفْصِحُ عَنْهُ صاحِبُهُ مِن إبْلاغِهِ إلى السّامِعِينَ فَإذا كانَتْ في لِسانِهِ حَبْسَةٌ وعِيٌّ بَقِيَتِ الخَواطِرُ مُتَلَجْلِجَةً في صَدْرِهِ. والمَعْنى: ويَضِيقُ صَدْرِي حِينَ يُكَذِّبُونَنِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]،) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَرْفُوعَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿أخافُ﴾)، ولِذَلِكَ حَقَّقَهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ أيْقَنَ بِحُصُولِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ جِبِلِّيٌّ عِنْدَ تَلَقِّي التَّكْذِيبِ، ولِأنَّ أمانَةَ الرِّسالَةِ والحِرْصَ عَلى تَنْفِيذِ مُرادِ اللَّهِ يُحْدِثُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لا مَحالَةَ، وإذْ قَدْ كانَ انْحِباسُ لِسانِهِ يَقِينًا عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ كانَ كَذَلِكَ مِن أجْلِ ذَلِكَ التَّيَقُّنِ كانَ فِعْلا (﴿يَضِيقُ﴾ [الحجر: ٩٧]) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) مَعْطُوفَيْنِ عَلى ما هو مُحَقَّقٌ عِنْدَهُ وهو حُصُولُ الخَوْفِ مِنَ التَّكْذِيبِ، ولَمْ يَكُونا مَعْطُوفَيْنِ عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾) المَخُوفِ مِنهُ المُتَوَقَّعِ عَلى أنَّ كَوْنَهُ مُحَقَّقَ الحُصُولِ يَجْعَلُهُ أحْرى مِنَ المُتَوَقَّعِ. صفحة ١٠٧ وقَرَأ يَعْقُوبُ (﴿ويَضِيقُ﴾) (﴿ولا يَنْطَلِقُ﴾) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى (﴿يُكَذِّبُونِ﴾)، أيْ يَتَوَقَّعُ أنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ ولا يَنْطَلِقَ لِسانُهُ، قِيلَ: كانَتْ بِمُوسى حُبْسَةٌ في لِسانِهِ إذا تَكَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه وسَيَجِيءُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ولَيْسَ القَصْدُ مِن هَذا الكَلامِ التَّنَصُّلَ مِنَ الِاضْطِلاعِ بِهَذا التَّكْلِيفِ العَظِيمِ ولَكِنَّ القَصْدَ تَمْهِيدُ ما فَرَّعَهُ عَلَيْهِ مِن طَلَبِ تَشْرِيكِ أخِيهِ هارُونَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ أقْدَرُ مِنهُ عَلى الِاسْتِدْلالِ والخَطابَةِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ [القصص: ٣٤]) . فَقَوْلُهُ هُنا: (﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾) مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ ما في الآيَةِ الأُخْرى فَيُعْلَمُ أنَّ في الكَلامِ هُنا إيجازًا. وأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ: فَأرْسِلْ إلى هارُونَ عِوَضًا عَنِّي. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الإرْسالَ إلى هارُونَ ولَمْ يَسْألْهُ أنْ يُكَلِّمَ هارُونَ كَما كَلَّمَهُ هو؛ لِأنَّ هارُونَ كانَ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ المُناجاةِ. والمَعْنى: فَأرْسِلْ مَلَكًا بِالوَحْيِ إلى هارُونَ أنْ يَكُونَ مَعِي. وقَوْلُهُ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ النَّصْرِ والتَّأْيِيدِ وأنْ يَكْفِيَهُ شَرَّ عَدُوِّهِ حَتّى يُؤَدِّيَ ما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» . والذَّنْبُ: الجُرْمُ ومُخالَفَةُ الواجِبِ في قَوانِينِهِمْ. وأُطْلِقَ الذَّنْبُ عَلى المُؤاخَذَةِ فَإنَّ الَّذِي لَهم عَلَيْهِ هو حَقُّ المُطالَبَةِ بِدَمِ القَتِيلِ الَّذِي وكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، وتَوَعَّدَهُ القِبْطُ إنْ ظَفِرُوا بِهِ لِيَقْتُلُوهُ فَخَرَجَ مِن مِصْرَ خائِفًا، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ تَوَجُّهِهِ إلى بِلادِ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ ما في شَرْعِ القِبْطِ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرْعٌ إلَهِيٌّ في أحْكامِ قَتْلِ النَّفْسِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَمّاهُ ذَنْبًا؛ لِأنَّ قَتْلَ أحَدٍ في غَيْرِ قِصاصٍ ولا دِفاعٍ عَنْ نَفْسِ المُدافِعِ يُعْتَبَرُ جُرْمًا في قَوانِينِ جَماعاتِ البَشَرِ مِن عَهْدِ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ، وقَدْ قالَ في سُورَةِ القَصَصِ: (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]) . وأيًّا ما كانَ فَهو جَعَلَهُ ذَنْبًا لَهم عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾) لَيْسَ هَلَعًا وفَرَقًا مِنَ المَوْتِ، فَإنَّهُ لَمّا أصْبَحَ في مَقامِ الرِّسالَةِ ما كانَ بِالَّذِي يُبالِي أنْ يَمُوتَ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ولَكِنَّهُ خَشِيَ العائِقَ مِن صفحة ١٠٨ إتْمامِ ما عُهِدَ إلَيْهِ مِمّا فِيهِ لَهُ ثَوابٌ جَزِيلٌ ودَرَجَةٌ عُلْيا. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن (﴿يَقْتُلُونِ﴾) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وذِكْرُ هارُونَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الشعراء 26:15

﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . (كَلّا) حَرْفُ إبْطالٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والإبْطالُ لِقَوْلِهِ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤])، أيْ: لا يَقْتُلُونَكَ. وفي هَذا الإبْطالِ اسْتِجابَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيضُ بِالدُّعاءِ حِينَ قالَ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) . وقَوْلُهُ: (﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾) تَفْرِيعٌ عَلى مُفادِ كَلِمَةِ (كَلّا) . والأمْرُ لِمُوسى أنْ يَذْهَبَ هو وهارُونُ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى مَأْمُورٌ بِإبْلاغِ هارُونَ ذَلِكَ فَكانَ مُوسى رَسُولًا إلى هارُونَ بِالنُّبُوءَةِ. ولِذَلِكَ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُوسى أبْلَغَ أخاهُ هارُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تَلَقّاهُ في حُورِيبَ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّاهُ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبَيْنِ لِآياتِنا، وهو وعْدٌ بِالتَّأْيِيدِ بِمُعْجِزاتٍ تَظْهَرُ عِنْدَ الحاجَةِ. ومِنَ الآياتِ: العَصا الَّتِي انْقَلَبَتْ حَيَّةً عِنْدَ المُناجاةِ، وكَذَلِكَ بَياضُ يَدِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ طه (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) الآياتِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ أمْرَهُما بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَتَعامى فِرْعَوْنُ عَنِ الآياتِ ولا يَرْعَوِيَ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَنْ إلْحاقِ أذًى بِهِما فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُما ومُسْتَمِعٌ لِكَلامِهِما وما يُجِيبُ فِرْعَوْنُ بِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إهْمالِ تَأْيِيدِهِما وكَفِّ فِرْعَوْنَ عَنْ أذاهُما. فَضَمِيرُ (مَعَكم) عائِدٌ صفحة ١٠٩ إلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ عِلْمٍ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]) . و(﴿مُسْتَمِعُونَ﴾) أشَدُّ مُبالَغَةً مِن (سامِعُونَ)؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِماعِ أنَّهُ تَكَلُّفُ السَّماعِ والتَّكَلُّفُ كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، فَأُرِيدَ هَنا عِلْمٌ خاصٌّ بِما يَجْرِي بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وهو العِلْمُ الَّذِي تُوافِقُهُ العِنايَةُ واللُّطْفُ. والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (﴿بِآياتِنا﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِلطَّمْأنَةِ ورِباطَةٌ لِجَأْشِهِما. والرَّسُولُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أيْ: مُرْسَلٍ. والأصْلُ فِيهِ مُطابَقَةُ مَوْصُوفِهِ، بِخِلافِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَحَقُّهُ عَدَمُ المُطابَقَةِ سَماعًا، وفَعُولٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ ومِنهُ: بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، وقَوْلُهم: صَبُوحٌ، لِما يُشْرَبُ في الصَّباحِ، وغَبُوقٌ، لِما يُشْرَبُ في العَشِيِّ، والنَّشُوقُ، لِما يُنَشَّقُ مِن دَواءٍ ونَحْوِهِ. ولَكِنْ رَسُولٌ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُطابِقُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ في تَأْنِيثٍ وما عَدا الإفْرادَ، ووَرَدَ في كَلامِهِمْ بِالوَجْهَيْنِ تارَةً مُلازِمًا الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مُطابِقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طه، فَذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ اسْمًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وبَيْنَ كَوْنِهِ اسْمَ مَصْدَرٍ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَصْدَرًا؛ إذْ لا يُعْرَفُ فَعُولٌ مَصْدَرًا لِغَيْرِ الثُّلاثِيِّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ: ألا أبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِـيٌّ (الفُتاحَةُ: الحُكْمُ) . وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى المُرْسَلِ وبِمَعْنى الرِّسالَةِ فَجُعَلَ ثَمَّ (أيْ في قَوْلِهِ: ( ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طَه ) بِمَعْنى المُرْسَلِ، وجُعَلَ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ. وقَدْ قالَ أبُو ذُؤَيْبِ الهُذَلِيُّ: ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرِ فَهَلْ مِن رِيبَةٍ في أنَّ ضَمِيرَ الرَّسُولِ في البَيْتِ مُرادٌ بِهِ المُرْسَلُونَ. وتَصْرِيحُ النُّحاةِ بِأنَّ فَعُولًا الَّذِي بِمَعْنى المَفْعُولِ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى حالَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ناقَةٌ رَكُوبَةٌ ورُكُوبٌ، يَقْتَضِي أنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ فِيهِ صفحة ١١٠ مِثْلُ التَّأْنِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا في سُورَةِ طه وأحَلْنا تَحْقِيقَهُ عَلى ما هُنا. ومُبادَأةُ خِطابِهِما فِرْعَوْنَ بِأنْ وصَفا اللَّهَ بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ مُجابَهَةٌ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ ولَيْسَ بِرَبٍّ، وإثْباتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ. والنَّفْيُ يَقْتَضِي وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العالَمِينَ شامِلٌ جَمِيعَ الكائِناتِ فَيَشْمَلُ مَعْبُوداتِ القِبْطِ كالشَّمْسِ وغَيْرِها فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ يَوْمَئِذٍ. وجُمْلَةُ (﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَهُ (رَسُولُ) مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي هي في مَعْنى القَوْلِ، أيْ هَذا قَوْلُ رَبِّ العالَمِينَ لَكَ. و(﴿أرْسِلْ مَعَنا﴾) أطْلِقْ ولا تَحْبِسْهم، فالإرْسالُ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى التَّوْجِيهِ. وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ مُوسى أمَرَ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بِلادِ الفَراعِنَةِ لِقَصْدِ تَحْرِيرِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ المِصْرِيِّينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ أسْبابِ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ بِأرْضِ مِصْرَ ومَواطِنِهِمْ بِها وعَمَلِهِمْ لِفِرْعَوْنَ.

الشعراء 26:16

﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . (كَلّا) حَرْفُ إبْطالٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والإبْطالُ لِقَوْلِهِ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤])، أيْ: لا يَقْتُلُونَكَ. وفي هَذا الإبْطالِ اسْتِجابَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيضُ بِالدُّعاءِ حِينَ قالَ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) . وقَوْلُهُ: (﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾) تَفْرِيعٌ عَلى مُفادِ كَلِمَةِ (كَلّا) . والأمْرُ لِمُوسى أنْ يَذْهَبَ هو وهارُونُ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى مَأْمُورٌ بِإبْلاغِ هارُونَ ذَلِكَ فَكانَ مُوسى رَسُولًا إلى هارُونَ بِالنُّبُوءَةِ. ولِذَلِكَ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُوسى أبْلَغَ أخاهُ هارُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تَلَقّاهُ في حُورِيبَ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّاهُ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبَيْنِ لِآياتِنا، وهو وعْدٌ بِالتَّأْيِيدِ بِمُعْجِزاتٍ تَظْهَرُ عِنْدَ الحاجَةِ. ومِنَ الآياتِ: العَصا الَّتِي انْقَلَبَتْ حَيَّةً عِنْدَ المُناجاةِ، وكَذَلِكَ بَياضُ يَدِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ طه (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) الآياتِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ أمْرَهُما بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَتَعامى فِرْعَوْنُ عَنِ الآياتِ ولا يَرْعَوِيَ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَنْ إلْحاقِ أذًى بِهِما فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُما ومُسْتَمِعٌ لِكَلامِهِما وما يُجِيبُ فِرْعَوْنُ بِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إهْمالِ تَأْيِيدِهِما وكَفِّ فِرْعَوْنَ عَنْ أذاهُما. فَضَمِيرُ (مَعَكم) عائِدٌ صفحة ١٠٩ إلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ عِلْمٍ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]) . و(﴿مُسْتَمِعُونَ﴾) أشَدُّ مُبالَغَةً مِن (سامِعُونَ)؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِماعِ أنَّهُ تَكَلُّفُ السَّماعِ والتَّكَلُّفُ كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، فَأُرِيدَ هَنا عِلْمٌ خاصٌّ بِما يَجْرِي بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وهو العِلْمُ الَّذِي تُوافِقُهُ العِنايَةُ واللُّطْفُ. والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (﴿بِآياتِنا﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِلطَّمْأنَةِ ورِباطَةٌ لِجَأْشِهِما. والرَّسُولُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أيْ: مُرْسَلٍ. والأصْلُ فِيهِ مُطابَقَةُ مَوْصُوفِهِ، بِخِلافِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَحَقُّهُ عَدَمُ المُطابَقَةِ سَماعًا، وفَعُولٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ ومِنهُ: بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، وقَوْلُهم: صَبُوحٌ، لِما يُشْرَبُ في الصَّباحِ، وغَبُوقٌ، لِما يُشْرَبُ في العَشِيِّ، والنَّشُوقُ، لِما يُنَشَّقُ مِن دَواءٍ ونَحْوِهِ. ولَكِنْ رَسُولٌ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُطابِقُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ في تَأْنِيثٍ وما عَدا الإفْرادَ، ووَرَدَ في كَلامِهِمْ بِالوَجْهَيْنِ تارَةً مُلازِمًا الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مُطابِقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طه، فَذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ اسْمًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وبَيْنَ كَوْنِهِ اسْمَ مَصْدَرٍ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَصْدَرًا؛ إذْ لا يُعْرَفُ فَعُولٌ مَصْدَرًا لِغَيْرِ الثُّلاثِيِّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ: ألا أبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِـيٌّ (الفُتاحَةُ: الحُكْمُ) . وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى المُرْسَلِ وبِمَعْنى الرِّسالَةِ فَجُعَلَ ثَمَّ (أيْ في قَوْلِهِ: ( ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طَه ) بِمَعْنى المُرْسَلِ، وجُعَلَ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ. وقَدْ قالَ أبُو ذُؤَيْبِ الهُذَلِيُّ: ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرِ فَهَلْ مِن رِيبَةٍ في أنَّ ضَمِيرَ الرَّسُولِ في البَيْتِ مُرادٌ بِهِ المُرْسَلُونَ. وتَصْرِيحُ النُّحاةِ بِأنَّ فَعُولًا الَّذِي بِمَعْنى المَفْعُولِ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى حالَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ناقَةٌ رَكُوبَةٌ ورُكُوبٌ، يَقْتَضِي أنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ فِيهِ صفحة ١١٠ مِثْلُ التَّأْنِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا في سُورَةِ طه وأحَلْنا تَحْقِيقَهُ عَلى ما هُنا. ومُبادَأةُ خِطابِهِما فِرْعَوْنَ بِأنْ وصَفا اللَّهَ بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ مُجابَهَةٌ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ ولَيْسَ بِرَبٍّ، وإثْباتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ. والنَّفْيُ يَقْتَضِي وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العالَمِينَ شامِلٌ جَمِيعَ الكائِناتِ فَيَشْمَلُ مَعْبُوداتِ القِبْطِ كالشَّمْسِ وغَيْرِها فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ يَوْمَئِذٍ. وجُمْلَةُ (﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَهُ (رَسُولُ) مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي هي في مَعْنى القَوْلِ، أيْ هَذا قَوْلُ رَبِّ العالَمِينَ لَكَ. و(﴿أرْسِلْ مَعَنا﴾) أطْلِقْ ولا تَحْبِسْهم، فالإرْسالُ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى التَّوْجِيهِ. وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ مُوسى أمَرَ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بِلادِ الفَراعِنَةِ لِقَصْدِ تَحْرِيرِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ المِصْرِيِّينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ أسْبابِ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ بِأرْضِ مِصْرَ ومَواطِنِهِمْ بِها وعَمَلِهِمْ لِفِرْعَوْنَ.

الشعراء 26:17

﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . (كَلّا) حَرْفُ إبْطالٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]) في سُورَةِ مَرْيَمَ. والإبْطالُ لِقَوْلِهِ: (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤])، أيْ: لا يَقْتُلُونَكَ. وفي هَذا الإبْطالِ اسْتِجابَةٌ لِما تَضَمَّنَهُ التَّعْرِيضُ بِالدُّعاءِ حِينَ قالَ: (﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤]) . وقَوْلُهُ: (﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾) تَفْرِيعٌ عَلى مُفادِ كَلِمَةِ (كَلّا) . والأمْرُ لِمُوسى أنْ يَذْهَبَ هو وهارُونُ يَقْتَضِي أنَّ مُوسى مَأْمُورٌ بِإبْلاغِ هارُونَ ذَلِكَ فَكانَ مُوسى رَسُولًا إلى هارُونَ بِالنُّبُوءَةِ. ولِذَلِكَ جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ مُوسى أبْلَغَ أخاهُ هارُونَ ذَلِكَ عِنْدَما تَلَقّاهُ في حُورِيبَ إذْ أوْحى اللَّهُ إلى هارُونَ أنْ يَتَلَقّاهُ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبَيْنِ لِآياتِنا، وهو وعْدٌ بِالتَّأْيِيدِ بِمُعْجِزاتٍ تَظْهَرُ عِنْدَ الحاجَةِ. ومِنَ الآياتِ: العَصا الَّتِي انْقَلَبَتْ حَيَّةً عِنْدَ المُناجاةِ، وكَذَلِكَ بَياضُ يَدِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ طه (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) الآياتِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ أمْرَهُما بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَتَعامى فِرْعَوْنُ عَنِ الآياتِ ولا يَرْعَوِيَ عِنْدَ رُؤْيَتِها عَنْ إلْحاقِ أذًى بِهِما فَأُجِيبُ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُما ومُسْتَمِعٌ لِكَلامِهِما وما يُجِيبُ فِرْعَوْنُ بِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إهْمالِ تَأْيِيدِهِما وكَفِّ فِرْعَوْنَ عَنْ أذاهُما. فَضَمِيرُ (مَعَكم) عائِدٌ صفحة ١٠٩ إلى مُوسى وهارُونَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ عِلْمٍ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا﴾ [المجادلة: ٧]) . و(﴿مُسْتَمِعُونَ﴾) أشَدُّ مُبالَغَةً مِن (سامِعُونَ)؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِماعِ أنَّهُ تَكَلُّفُ السَّماعِ والتَّكَلُّفُ كِنايَةٌ عَنِ الِاعْتِناءِ، فَأُرِيدَ هَنا عِلْمٌ خاصٌّ بِما يَجْرِي بَيْنَهُما وبَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وهو العِلْمُ الَّذِي تُوافِقُهُ العِنايَةُ واللُّطْفُ. والجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ (﴿بِآياتِنا﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِلطَّمْأنَةِ ورِباطَةٌ لِجَأْشِهِما. والرَّسُولُ: فَعُولٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، أيْ: مُرْسَلٍ. والأصْلُ فِيهِ مُطابَقَةُ مَوْصُوفِهِ، بِخِلافِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، فَحَقُّهُ عَدَمُ المُطابَقَةِ سَماعًا، وفَعُولٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ ومِنهُ: بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، وقَوْلُهم: صَبُوحٌ، لِما يُشْرَبُ في الصَّباحِ، وغَبُوقٌ، لِما يُشْرَبُ في العَشِيِّ، والنَّشُوقُ، لِما يُنَشَّقُ مِن دَواءٍ ونَحْوِهِ. ولَكِنْ رَسُولٌ يَجُوزُ فِيهِ أنْ يُجْرى مَجْرى المَصْدَرِ فَلا يُطابِقُ ما يَجْرِي عَلَيْهِ في تَأْنِيثٍ وما عَدا الإفْرادَ، ووَرَدَ في كَلامِهِمْ بِالوَجْهَيْنِ تارَةً مُلازِمًا الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَرَدَ مُطابِقًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طه، فَذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ إلى أنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ كَوْنِهِ اسْمًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ وبَيْنَ كَوْنِهِ اسْمَ مَصْدَرٍ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَصْدَرًا؛ إذْ لا يُعْرَفُ فَعُولٌ مَصْدَرًا لِغَيْرِ الثُّلاثِيِّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الأشْعَرِ الجُعْفِيِّ: ألا أبْلِغْ بَنِي عَمْرٍو رَسُولًا بِأنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِـيٌّ (الفُتاحَةُ: الحُكْمُ) . وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ إذْ قالَ: الرَّسُولُ يَكُونُ بِمَعْنى المُرْسَلِ وبِمَعْنى الرِّسالَةِ فَجُعَلَ ثَمَّ (أيْ في قَوْلِهِ: ( ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) في سُورَةِ طَه ) بِمَعْنى المُرْسَلِ، وجُعَلَ هُنا بِمَعْنى الرِّسالَةِ. وقَدْ قالَ أبُو ذُؤَيْبِ الهُذَلِيُّ: ألِكْنِي إلَيْها وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرِ فَهَلْ مِن رِيبَةٍ في أنَّ ضَمِيرَ الرَّسُولِ في البَيْتِ مُرادٌ بِهِ المُرْسَلُونَ. وتَصْرِيحُ النُّحاةِ بِأنَّ فَعُولًا الَّذِي بِمَعْنى المَفْعُولِ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى حالَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنَ التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ فَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ناقَةٌ رَكُوبَةٌ ورُكُوبٌ، يَقْتَضِي أنَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ فِيهِ صفحة ١١٠ مِثْلُ التَّأْنِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى هَذا في سُورَةِ طه وأحَلْنا تَحْقِيقَهُ عَلى ما هُنا. ومُبادَأةُ خِطابِهِما فِرْعَوْنَ بِأنْ وصَفا اللَّهَ بِصِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ مُجابَهَةٌ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ ولَيْسَ بِرَبٍّ، وإثْباتُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ. والنَّفْيُ يَقْتَضِي وحْدانِيَّةَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العالَمِينَ شامِلٌ جَمِيعَ الكائِناتِ فَيَشْمَلُ مَعْبُوداتِ القِبْطِ كالشَّمْسِ وغَيْرِها فَهَذِهِ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِما يَجِبُ اعْتِقادُهُ يَوْمَئِذٍ. وجُمْلَةُ (﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَهُ (رَسُولُ) مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي هي في مَعْنى القَوْلِ، أيْ هَذا قَوْلُ رَبِّ العالَمِينَ لَكَ. و(﴿أرْسِلْ مَعَنا﴾) أطْلِقْ ولا تَحْبِسْهم، فالإرْسالُ هُنا لَيْسَ بِمَعْنى التَّوْجِيهِ. وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّ مُوسى أمَرَ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن بِلادِ الفَراعِنَةِ لِقَصْدِ تَحْرِيرِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ المِصْرِيِّينَ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢])، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ أسْبابِ سُكْنى بَنِي إسْرائِيلَ بِأرْضِ مِصْرَ ومَواطِنِهِمْ بِها وعَمَلِهِمْ لِفِرْعَوْنَ.

الشعراء 26:18

﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ . طُوِيَ مِنَ الكَلامِ ذَهابُ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ واسْتِئْذانُهُما عَلَيْهِ وإبْلاغُهُما ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يَقُولا لِفِرْعَوْنَ إيجازًا لِلْكَلامِ. ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ خِطابَهُ إلى مُوسى وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن تَفْصِيلِ كَلامِ مُوسى وهارُونَ أنَّ مُوسى هو الرَّسُولُ بِالأصالَةِ وأنَّ هارُونَ كانَ عَوْنًا لَهُ عَلى التَّبْلِيغِ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالكَلامِ مَعَ هارُونَ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ الِاعْتِناءِ بِإبْطالِ دَعْوَةِ مُوسى، فَعَدَلَ إلى تَذْكِيرِهِ بِنِعْمَةِ الفَراعِنَةِ أسْلافِهِ عَلى مُوسى وتَخْوِيفِهِ مِن جِنايَتِهِ حُسْبانا بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَلِعُ الدَّعْوَةَ مِن جَذْمِها، ويَكُفُّ مُوسى عَنْها، وقَصْدُهُ مِن هَذا الخِطابِ إفْحامُ مُوسى كَيْ يَتَلَعْثَمَ مِن خَشْيَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أوْجَدَ لَهُ سَبَبًا يَتَذَرَّعُ بِهِ إلى قَتْلِهِ، ويَكُونُ مَعْذُورًا فِيهِ حَيْثُ كَفَرَ نِعْمَةَ الوِلايَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، واقْتَرَفَ جُرْمَ الجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ. صفحة ١١١ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ التَّرْبِيَةِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ الإقْرارُ بِوُقُوعِ التَّرْبِيَةِ مُجاراةً لِحالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ إذْ رَأى في هَذا الكَلامِ جُرْأةً عَلَيْهِ لا تُناسِبُ حالَ مَن هو مَمْنُونٌ لِأُسْرَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي المَحَبَّةَ والبِرَّ، فَكَأنَّهُ يُرْخِي لَهُ العِنان بِتَلْقِينِ أنْ يَجْحَدَ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ حَتّى إذا أقَرَّ، ولَمْ يُنْكِرْ كانَ الإقْرارُ سالِمًا مِنَ التَّعَلُّلِ بِخَوْفٍ أوْ ضَغْطٍ، فَهَذا وجْهُ تَسْلِيطِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلى النَّفْيِ في حِينِ أنَّ المُقَرَّرَ بِهِ ثابِتٌ. وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي طالَ عَهْدُكَ بِرُؤْيَتِهِ: ألَسْتَ فُلانًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ دَيْرِ الجَماجِمِ يُهَدِّدُ الخَوارِجَ: (ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ) . والتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو أنْ يُقابِلَ المُقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالبِرِّ والطّاعَةِ لا بِالجَفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْتِفْهام إنْكارِيًّا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِسانَ حالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ حالُ مَن يَجْحَدُ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ ومَن يُظَنُّ نِسْيانُهم لِفَعْلَتِهِ فَأنْكَرَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكِلّا الوَجْهَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَنْزِيلِ مُوسى مَنزِلَةَ مَن يَجْحَدُ ذَلِكَ. والتَّرْبِيَةُ: كَفالَةُ الصَّبِيِّ وتَدْبِيرُ شُئُونِهِ. ومَعْنى (﴿فِينا﴾) في عائِلَتِنا، أيْ عائِلَةِ مَلِكِ مِصْرَ. والوَلِيدُ: الطِّفْلُ مِن وقْتِ وِلادَتِهِ وما يُقارِبُها فَإذا نَمى لَمْ يُسَمَّ ولِيدًا وسُمِّي طِفْلًا، ويَعْنِي بِذَلِكَ التِقاطَهُ مِن نَهْرِ النِّيلِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى رُبِّيَ عِنْدَ (رَعَمْسِيسَ الثّانِي) مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِن عائِلاتِ فَراعِنَةِ مِصْرَ حَسَبَ تَرْتِيبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُؤَرِّخِينَ. وخَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ بَعْدَ أنْ قَتَلَ القِبْطِيَّ وعُمُرُهُ أرْبَعُونَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ [القصص: ١٤]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥]) الآيَةَ، وبُعِثَ وعُمُرُهُ ثَمانُونَ سَنَةً حَسْبَما في التَّوْراةِ. وكانَ فِرْعَوْنُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْهِ مُوسى هو (مِنفِتاحُ الثّانِي بْنُ رَعْمَسِيسَ الثّانِي) وهو الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ بَعْدَ وفاتِهِ أواسِطَ القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُوسى مُرَبّى والِدِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، ولَعَلَّهُ رُبِّيَ مَعَ فِرْعَوْنَ هَذا كالأخِ. والسِّنُونَ الَّتِي لَبِثَها مُوسى فِيهِمْ هي نَحْوُ أرْبَعِينَ سَنَةً. صفحة ١١٢ والفَعْلَةُ: المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الفِعْلِ وأرادَ بِها الحاصِلَ بِالمَصْدَرِ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ. وأرادَ بِالفَعْلَةِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، قِيلَ: هو خَبّازُ فِرْعَوْنَ. وعُبِّرَ عَنْها بِالمَوْصُولِ لِعِلْمِ مُوسى بِها، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِلْفَعْلَةِ يُكَنّى بِهِ عَنْ تَذْكِيرِهِ بِما يُوجِبُ تَوْبِيخَهُ. وفِي العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ فَعْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إلى ذِكْرِها مُبْهَمَةً مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ وصْفِها بِما لا يَزِيدُ عَلى مَعْنى المَوْصُوفِ تَهْوِيلٌ مُرادٌ بِهِ التَّفْظِيعُ وأنَّها مُشْتَهِرَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعَ تَحْقِيقِ إلْصاقِ تَبِعَتِها بِهِ حَتّى لا يَجِدَ تَنَصُّلًا مِنها. وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿فَعَلْتَ﴾) . والمُرادُ بِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ اعْتَدى عَلى أحَدِ خاصَّتِهِ ومَوالِي آلِهِ، وكانَ ذَلِكَ انْتِصارًا لِرَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَعُدُّونَهم عَبِيدَ فِرْعَوْنَ وعَبِيدَ قَوْمِهِ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ انْتِصارَ مُوسى لِرَجُلٍ مِن عَشِيرَتِهِ كُفْرانًا لِنِعْمَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ يَرى واجِبَ مُوسى أنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلا يَنْتَصِرُ لِإسْرائِيلَ، وفي هَذا إعْمالُ أحْكامِ التَّبَنِّي وإهْمالُ أحْكامِ النَّسَبِ وهو قَلْبُ حَقائِقَ وفَسادُ وضْعٍ. قالَ تَعالى: (﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]) . ولَيْسَ المُرادُ الكُفْرَ بِدِيانَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ يَوْمَ قَتَلَ القِبْطِيَّ مُتَظاهِرًا بِأنَّهُ عَلى خِلافِ دِينِهِمْ وإنْ كانَ في باطِنِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ وبَعْدَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الَّتِي هي تَوْبِيخٌ ولَوْمٌ، فَوَبَّخَهُ عَلى تَقَدُّمِ رَعْيِهِ تَرْبِيَتَهم إيّاهُ فِيما مَضى، ثُمَّ وبَّخَهُ عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بِدِينِهِمْ في الحالِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾) حَقِيقَةٌ في الحالِ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ واسْمُ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتَ حِينَئِذٍ مِنَ الكافِرِينَ بِدِينِنا، اسْتِنادًا مِنهُ إلى ما بَدا مِن قَرائِنَ دَلَّتْهُ عَلى اسْتِخْفافِ مُوسى بِدِينِهِمْ فِيما مَضى؛ لِأنَّ دِينَهم يَقْتَضِي الإخْلاصَ لِفِرْعَوْنَ وإهانَةَ مَن يُهِينُهم فِرْعَوْنُ. ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في عَزْمِ فِرْعَوْنَ عَلى أنْ يَقْتَصَّ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلَيْهِ كانَ مَصْحُوبًا بِاسْتِخْفافٍ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. صفحة ١١٣ ويُفِيدُ الكَلامُ بِحَذافِرِهِ تَعَجُّبًا مِنِ انْتِصابِ مُوسى مَنصِبَ المُرْشِدِ مَعَ ما اقْتَرَفَهُ مِنَ النَّقائِصِ في نَظَرِ فِرْعَوْنَ المُنافِيَةِ لِدَعْوى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ الرَّبِّ.

الشعراء 26:19

﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ . طُوِيَ مِنَ الكَلامِ ذَهابُ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ واسْتِئْذانُهُما عَلَيْهِ وإبْلاغُهُما ما أمَرَهُما اللَّهُ أنْ يَقُولا لِفِرْعَوْنَ إيجازًا لِلْكَلامِ. ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ خِطابَهُ إلى مُوسى وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن تَفْصِيلِ كَلامِ مُوسى وهارُونَ أنَّ مُوسى هو الرَّسُولُ بِالأصالَةِ وأنَّ هارُونَ كانَ عَوْنًا لَهُ عَلى التَّبْلِيغِ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالكَلامِ مَعَ هارُونَ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ الِاعْتِناءِ بِإبْطالِ دَعْوَةِ مُوسى، فَعَدَلَ إلى تَذْكِيرِهِ بِنِعْمَةِ الفَراعِنَةِ أسْلافِهِ عَلى مُوسى وتَخْوِيفِهِ مِن جِنايَتِهِ حُسْبانا بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَلِعُ الدَّعْوَةَ مِن جَذْمِها، ويَكُفُّ مُوسى عَنْها، وقَصْدُهُ مِن هَذا الخِطابِ إفْحامُ مُوسى كَيْ يَتَلَعْثَمَ مِن خَشْيَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ أوْجَدَ لَهُ سَبَبًا يَتَذَرَّعُ بِهِ إلى قَتْلِهِ، ويَكُونُ مَعْذُورًا فِيهِ حَيْثُ كَفَرَ نِعْمَةَ الوِلايَةِ بِالتَّرْبِيَةِ، واقْتَرَفَ جُرْمَ الجِنايَةِ عَلى الأنْفُسِ. صفحة ١١١ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ التَّرْبِيَةِ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ الإقْرارُ بِوُقُوعِ التَّرْبِيَةِ مُجاراةً لِحالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ إذْ رَأى في هَذا الكَلامِ جُرْأةً عَلَيْهِ لا تُناسِبُ حالَ مَن هو مَمْنُونٌ لِأُسْرَتِهِ بِالتَّرْبِيَةِ؛ لِأنَّها تَقْتَضِي المَحَبَّةَ والبِرَّ، فَكَأنَّهُ يُرْخِي لَهُ العِنان بِتَلْقِينِ أنْ يَجْحَدَ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ حَتّى إذا أقَرَّ، ولَمْ يُنْكِرْ كانَ الإقْرارُ سالِمًا مِنَ التَّعَلُّلِ بِخَوْفٍ أوْ ضَغْطٍ، فَهَذا وجْهُ تَسْلِيطِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ عَلى النَّفْيِ في حِينِ أنَّ المُقَرَّرَ بِهِ ثابِتٌ. وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي طالَ عَهْدُكَ بِرُؤْيَتِهِ: ألَسْتَ فُلانًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ. ومِنهُ قَوْلُ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يَوْمَ دَيْرِ الجَماجِمِ يُهَدِّدُ الخَوارِجَ: (ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ) . والتَّقْرِيرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ وهو أنْ يُقابِلَ المُقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالبِرِّ والطّاعَةِ لا بِالجَفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الِاسْتِفْهام إنْكارِيًّا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِسانَ حالِ مُوسى في نَظَرِ فِرْعَوْنَ حالُ مَن يَجْحَدُ أنَّهُ مُرَبًّى فِيهِمْ ومَن يُظَنُّ نِسْيانُهم لِفَعْلَتِهِ فَأنْكَرَ فِرْعَوْنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وكِلّا الوَجْهَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَنْزِيلِ مُوسى مَنزِلَةَ مَن يَجْحَدُ ذَلِكَ. والتَّرْبِيَةُ: كَفالَةُ الصَّبِيِّ وتَدْبِيرُ شُئُونِهِ. ومَعْنى (﴿فِينا﴾) في عائِلَتِنا، أيْ عائِلَةِ مَلِكِ مِصْرَ. والوَلِيدُ: الطِّفْلُ مِن وقْتِ وِلادَتِهِ وما يُقارِبُها فَإذا نَمى لَمْ يُسَمَّ ولِيدًا وسُمِّي طِفْلًا، ويَعْنِي بِذَلِكَ التِقاطَهُ مِن نَهْرِ النِّيلِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى رُبِّيَ عِنْدَ (رَعَمْسِيسَ الثّانِي) مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِن عائِلاتِ فَراعِنَةِ مِصْرَ حَسَبَ تَرْتِيبِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُؤَرِّخِينَ. وخَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ بَعْدَ أنْ قَتَلَ القِبْطِيَّ وعُمُرُهُ أرْبَعُونَ سَنَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ [القصص: ١٤]) إلى قَوْلِهِ: (﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ [القصص: ١٥]) الآيَةَ، وبُعِثَ وعُمُرُهُ ثَمانُونَ سَنَةً حَسْبَما في التَّوْراةِ. وكانَ فِرْعَوْنُ الَّذِي بُعِثَ إلَيْهِ مُوسى هو (مِنفِتاحُ الثّانِي بْنُ رَعْمَسِيسَ الثّانِي) وهو الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ بَعْدَ وفاتِهِ أواسِطَ القَرْنِ الخامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المَسِيحِ، فَلا جَرَمَ كانَ مُوسى مُرَبّى والِدِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا، ولَعَلَّهُ رُبِّيَ مَعَ فِرْعَوْنَ هَذا كالأخِ. والسِّنُونَ الَّتِي لَبِثَها مُوسى فِيهِمْ هي نَحْوُ أرْبَعِينَ سَنَةً. صفحة ١١٢ والفَعْلَةُ: المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ الفِعْلِ وأرادَ بِها الحاصِلَ بِالمَصْدَرِ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ. وأرادَ بِالفَعْلَةِ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، قِيلَ: هو خَبّازُ فِرْعَوْنَ. وعُبِّرَ عَنْها بِالمَوْصُولِ لِعِلْمِ مُوسى بِها، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِلْفَعْلَةِ يُكَنّى بِهِ عَنْ تَذْكِيرِهِ بِما يُوجِبُ تَوْبِيخَهُ. وفِي العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ فَعْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إلى ذِكْرِها مُبْهَمَةً مُضافَةً إلى ضَمِيرِهِ ثُمَّ وصْفِها بِما لا يَزِيدُ عَلى مَعْنى المَوْصُوفِ تَهْوِيلٌ مُرادٌ بِهِ التَّفْظِيعُ وأنَّها مُشْتَهِرَةٌ مَعْلُومَةٌ مَعَ تَحْقِيقِ إلْصاقِ تَبِعَتِها بِهِ حَتّى لا يَجِدَ تَنَصُّلًا مِنها. وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) حالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿فَعَلْتَ﴾) . والمُرادُ بِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ فِرْعَوْنَ مِن حَيْثُ اعْتَدى عَلى أحَدِ خاصَّتِهِ ومَوالِي آلِهِ، وكانَ ذَلِكَ انْتِصارًا لِرَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَعُدُّونَهم عَبِيدَ فِرْعَوْنَ وعَبِيدَ قَوْمِهِ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ انْتِصارَ مُوسى لِرَجُلٍ مِن عَشِيرَتِهِ كُفْرانًا لِنِعْمَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ يَرى واجِبَ مُوسى أنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَلا يَنْتَصِرُ لِإسْرائِيلَ، وفي هَذا إعْمالُ أحْكامِ التَّبَنِّي وإهْمالُ أحْكامِ النَّسَبِ وهو قَلْبُ حَقائِقَ وفَسادُ وضْعٍ. قالَ تَعالى: (﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكم واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]) . ولَيْسَ المُرادُ الكُفْرَ بِدِيانَةِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ يَوْمَ قَتَلَ القِبْطِيَّ مُتَظاهِرًا بِأنَّهُ عَلى خِلافِ دِينِهِمْ وإنْ كانَ في باطِنِهِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ وبَعْدَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾) عَطْفًا عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها الَّتِي هي تَوْبِيخٌ ولَوْمٌ، فَوَبَّخَهُ عَلى تَقَدُّمِ رَعْيِهِ تَرْبِيَتَهم إيّاهُ فِيما مَضى، ثُمَّ وبَّخَهُ عَلى كَوْنِهِ كافِرًا بِدِينِهِمْ في الحالِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: (﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾) حَقِيقَةٌ في الحالِ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ واسْمُ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتَ حِينَئِذٍ مِنَ الكافِرِينَ بِدِينِنا، اسْتِنادًا مِنهُ إلى ما بَدا مِن قَرائِنَ دَلَّتْهُ عَلى اسْتِخْفافِ مُوسى بِدِينِهِمْ فِيما مَضى؛ لِأنَّ دِينَهم يَقْتَضِي الإخْلاصَ لِفِرْعَوْنَ وإهانَةَ مَن يُهِينُهم فِرْعَوْنُ. ولَعَلَّ هَذا هو السَّبَبُ في عَزْمِ فِرْعَوْنَ عَلى أنْ يَقْتَصَّ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ عَلَيْهِ كانَ مَصْحُوبًا بِاسْتِخْفافٍ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. صفحة ١١٣ ويُفِيدُ الكَلامُ بِحَذافِرِهِ تَعَجُّبًا مِنِ انْتِصابِ مُوسى مَنصِبَ المُرْشِدِ مَعَ ما اقْتَرَفَهُ مِنَ النَّقائِصِ في نَظَرِ فِرْعَوْنَ المُنافِيَةِ لِدَعْوى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ الرَّبِّ.

الشعراء 26:20

﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . كانَتْ رِباطَةُ جَأْشِ مُوسى وتَوَكُّلُهُ عَلى رَبِّهِ باعِثَةً لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِالفَعْلَةِ وذِكْرِ ما نَشَأ عَنْها مِن خَيْرٍ لَهُ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَمِدَ أثَرَها وإنْ كانَ قَدِ اقْتَرَفَها غَيْرَ مُقَدِّرٍ ما جَرَّتْهُ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ؛ فابْتَدَأ بِالإقْرارِ بِفَعْلَتِهِ لِيَعْلَمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِكَلامِهِ مَدْخَلَ تَأْثِيرٍ في نَفْسِ مُوسى. وأخَّرَ مُوسى الجَوابَ عَنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ القَصْدَ مِنهُ الإقْصارُ مِن مُواجَهَتِهِ بِأنَّ رَبًّا أعْلى مِن فِرْعَوْنَ أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِ. وابْتَدَأ بِالجَوابِ عَنِ الأهَمِّ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ وهو (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ أدْخَلُ في قَصْدِ الإفْحامِ، ولِيُظْهِرَ لِفِرْعَوْنَ أنَّهُ لا يَوْجَلُ مِن أنْ يُطالِبُوهُ بِذَحْلِ ذَلِكَ القَتِيلِ ثِقَةً بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِ مِن عُدْوانِهِمْ. وكَلِمَةُ (إذًا) هُنا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، فَنُونُهُ السّاكِنَةُ لَيْسَتْ تَنْوِينًا بَلْ حَرْفًا أصْلِيًّا لِلْكَلِمَةِ، وقَدَّمَ (﴿فَعَلْتُها﴾) عَلى (إذَنْ) مُبادَرَةً بِالإقْرارِ لِيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ خَشْيَتِهِ مِن هَذا الإقْرارِ. ومَعْنى المُجازاةِ هُنا ما بَيَّنَهُ في الكَشّافِ: أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩]) ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى جازَيْتَ نِعْمَتَنا بِما فَعَلْتَ؛ فَقالَ لَهُ مُوسى: نَعَمْ فَعَلْتُها مُجازِيًا لَكَ، تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ نِعْمَتَهُ كانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُجازى بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ. وهَذا أظْهَرُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ القَزْوِينِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: (إذًا) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُؤْثَرًا فِيهِ الفَتْحُ عَلى الكَسْرِ لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِبَعْضِ المُحَقِّقِينَ رَضِيَّ الدِّينِ الإسْتِرابادِيَّ في شَرْحِ الكافِيَةِ الحاجِبِيَّةِ فَإنَّهُ قالَ في بابِ الظُّرُوفِ: والحَقُّ أنَّ (إذْ) إذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنهُ وأُبَدِلَ مِنهُ التَّنْوِينُ في غَيْرِ نَحْوِ يَوْمِئِذٍ، جازَ فَتْحُهُ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) أيْ فَعَلْتُها إذْ رَبَّيْتَنِي صفحة ١١٤ إذْ لا مَعْنى لِلْجَزاءِ هاهُنا اهـ. فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿فَعَلْتُها﴾) مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا لِدَلالَةِ العامِلِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: فَعَلْتُها زَمَنًا فَعَلْتُها، فَتَذْكِيرِي بِها بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ لا جَدْوى لَهُ. وهَذا الوَجْهُ في (إذًا) في الآيَةِ هو مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، والرَّضِيِّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والدَّمامِينِيِّ في المَزْجِ عَلى المُغْنِي، وظاهِرُ كَلامِ القَزْوِينِيِّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَخْتارُهُ. ومَعْنى الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَعَلْتُها إذًا﴾) ) أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩]) قُصِدَ بِها إفْحامُ مُوسى وتَهْدِيدُهُ، فَجَعَلَ مُوسى الِاعْتِرافَ بِالفَعْلَةِ جَزاءً لِذَلِكَ التَّهْدِيدِ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ: لا أتَهَيَّبُ ما أرَدْتَ. وجَعَلَ مُوسى نَفْسَهُ مِنَ الضّالِّينَ إنْ كانَ مُرادُ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتِ الآيَةُ مَعْناهُ إلى العَرَبِيَّةِ المَعْنى المَشْهُورَ لِلضَّلالِ في العَرَبِيَّةِ وهو ضَلالُ الفَسادِ فَيَكُونُ مُرادُهُ: أنَّ سَوْرَةَ الغَضَبِ أغْفَلَتْهُ عَنْ مُراعاةِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ فَإنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ شَرائِعُ البَشَرِ وتَوارَثُوهُ في الفِتَرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦])؛ وإنْ كانَ مُرادُهُ مَعْنى ضَلالِ الطَّرِيقِ، أيْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيعَةٍ وهو مَعْنى الجَهالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) فالأمْرُ ظاهِرٌ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ مُوسى فِيهِ اعْتِرافٌ بِظاهِرِ التَّقْرِيرِ وإبْطالٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِن جَعْلِهِ حُجَّةً لِتَكْذِيبِهِ بِرِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قابَلَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]) بِقَوْلِهِ: (﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) إبْطالًا؛ لِأنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ولِذَلِكَ كانَ هَذا أهَمَّ بِالإبْطالِ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاسْتِرْسالِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾)، أيْ فَكانَ فِرارِي قَدْ عَقِبَهُ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيَّ فَأصْلَحَ حالِي وعَلَّمَنِي وهَدانِي وأرْسَلَنِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مُوسى مُجَرَّدَ إطْنابٍ بَلْ لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى أنَّ الإنْسانَ ابْنُ يَوْمِهِ لا ابْنُ أمْسِهِ، والأحْوالُ بِأواخِرِها فَلا عَجَبَ فِيما قَصَدْتُ، فَإنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ. صفحة ١١٥ وقَوْلُهُ: (﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾) أيْ فِرارًا مُبْتَدِئًا مِنكم؛ لِأنَّهم سَبَبُ فِرارِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن خَوْفِكم. والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى: (﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]) . والحُكْمُ: الحِكْمَةُ والعِلْمُ، وأرادَ بِها النُّبُوءَةَ وهي الدَّرَجَةُ الأُولى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ. ثُمَّ قالَ: (﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾) أيْ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهُ المُعْجِزَةَ، وقالَ لَهُ: (﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]) أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) . ثُمَّ عادَ إلى أوَّلِ الكَلامِ فَكَّرَ عَلى امْتِنانِهِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ فَأبْطَلَهُ وأبى أنْ يُسَمِّيَهُ نِعْمَةً، فَقَوْلُهُ: (﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾) إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِامْتِنانُ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إذِ الِامْتِنانُ لا يَكُونُ إلّا بِنِعْمَةٍ. ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ كانَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المَعْنى مَعَ ما فِيهِ مِن قَلْبِ مَقْصُودِ فِرْعَوْنَ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]) إذْ قَوْلُهُ: (﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦]) بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ والتَّقْدِيرِ: لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: الكَلامُ اسْتِفْهامٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ومَعْنى (﴿عَبَّدْتَ﴾) ذَلَّلْتَ، يُقالُ: عَبَّدَ كَما يُقالُ: أعْبَدَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. أنْشَدَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: حَتّامَ يُعْبِدْنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ آباعِرُ ما شاءُوا وعُبْدانُ وكَلامُ مُوسى عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ نَقْضٌ لِامْتِنانِ فِرْعَوْنَ بِقَلْبِ النِّعْمَةِ نِقْمَةً بِتَذْكِيرِهِ أنَّ نِعْمَةَ تَرْبِيَتِهِ ما كانَتْ إلّا بِسَبَبِ إذْلالِ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِئْصالِ أطْفالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ إلْقاءُ أُمِّ مُوسى بِطِفْلِها في اليَمِّ حَيْثُ عَثَرَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَها مِن حاشِيَتِها، وكانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ مِن أطْفالِ إسْرائِيلَ بِسِماتِ وجْهِهِ ولَوْنِ جِلْدِهِ، ولِذَلِكَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) . وفِيهِ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مَعَ الإساءَةِ إلى قَوْمِهِ لا يَزِيدُ إحْسانًا ولا مِنَّةً.

الشعراء 26:21

﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . كانَتْ رِباطَةُ جَأْشِ مُوسى وتَوَكُّلُهُ عَلى رَبِّهِ باعِثَةً لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِالفَعْلَةِ وذِكْرِ ما نَشَأ عَنْها مِن خَيْرٍ لَهُ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَمِدَ أثَرَها وإنْ كانَ قَدِ اقْتَرَفَها غَيْرَ مُقَدِّرٍ ما جَرَّتْهُ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ؛ فابْتَدَأ بِالإقْرارِ بِفَعْلَتِهِ لِيَعْلَمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِكَلامِهِ مَدْخَلَ تَأْثِيرٍ في نَفْسِ مُوسى. وأخَّرَ مُوسى الجَوابَ عَنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ القَصْدَ مِنهُ الإقْصارُ مِن مُواجَهَتِهِ بِأنَّ رَبًّا أعْلى مِن فِرْعَوْنَ أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِ. وابْتَدَأ بِالجَوابِ عَنِ الأهَمِّ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ وهو (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ أدْخَلُ في قَصْدِ الإفْحامِ، ولِيُظْهِرَ لِفِرْعَوْنَ أنَّهُ لا يَوْجَلُ مِن أنْ يُطالِبُوهُ بِذَحْلِ ذَلِكَ القَتِيلِ ثِقَةً بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِ مِن عُدْوانِهِمْ. وكَلِمَةُ (إذًا) هُنا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، فَنُونُهُ السّاكِنَةُ لَيْسَتْ تَنْوِينًا بَلْ حَرْفًا أصْلِيًّا لِلْكَلِمَةِ، وقَدَّمَ (﴿فَعَلْتُها﴾) عَلى (إذَنْ) مُبادَرَةً بِالإقْرارِ لِيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ خَشْيَتِهِ مِن هَذا الإقْرارِ. ومَعْنى المُجازاةِ هُنا ما بَيَّنَهُ في الكَشّافِ: أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩]) ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى جازَيْتَ نِعْمَتَنا بِما فَعَلْتَ؛ فَقالَ لَهُ مُوسى: نَعَمْ فَعَلْتُها مُجازِيًا لَكَ، تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ نِعْمَتَهُ كانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُجازى بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ. وهَذا أظْهَرُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ القَزْوِينِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: (إذًا) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُؤْثَرًا فِيهِ الفَتْحُ عَلى الكَسْرِ لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِبَعْضِ المُحَقِّقِينَ رَضِيَّ الدِّينِ الإسْتِرابادِيَّ في شَرْحِ الكافِيَةِ الحاجِبِيَّةِ فَإنَّهُ قالَ في بابِ الظُّرُوفِ: والحَقُّ أنَّ (إذْ) إذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنهُ وأُبَدِلَ مِنهُ التَّنْوِينُ في غَيْرِ نَحْوِ يَوْمِئِذٍ، جازَ فَتْحُهُ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) أيْ فَعَلْتُها إذْ رَبَّيْتَنِي صفحة ١١٤ إذْ لا مَعْنى لِلْجَزاءِ هاهُنا اهـ. فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿فَعَلْتُها﴾) مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا لِدَلالَةِ العامِلِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: فَعَلْتُها زَمَنًا فَعَلْتُها، فَتَذْكِيرِي بِها بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ لا جَدْوى لَهُ. وهَذا الوَجْهُ في (إذًا) في الآيَةِ هو مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، والرَّضِيِّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والدَّمامِينِيِّ في المَزْجِ عَلى المُغْنِي، وظاهِرُ كَلامِ القَزْوِينِيِّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَخْتارُهُ. ومَعْنى الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَعَلْتُها إذًا﴾) ) أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩]) قُصِدَ بِها إفْحامُ مُوسى وتَهْدِيدُهُ، فَجَعَلَ مُوسى الِاعْتِرافَ بِالفَعْلَةِ جَزاءً لِذَلِكَ التَّهْدِيدِ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ: لا أتَهَيَّبُ ما أرَدْتَ. وجَعَلَ مُوسى نَفْسَهُ مِنَ الضّالِّينَ إنْ كانَ مُرادُ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتِ الآيَةُ مَعْناهُ إلى العَرَبِيَّةِ المَعْنى المَشْهُورَ لِلضَّلالِ في العَرَبِيَّةِ وهو ضَلالُ الفَسادِ فَيَكُونُ مُرادُهُ: أنَّ سَوْرَةَ الغَضَبِ أغْفَلَتْهُ عَنْ مُراعاةِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ فَإنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ شَرائِعُ البَشَرِ وتَوارَثُوهُ في الفِتَرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦])؛ وإنْ كانَ مُرادُهُ مَعْنى ضَلالِ الطَّرِيقِ، أيْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيعَةٍ وهو مَعْنى الجَهالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) فالأمْرُ ظاهِرٌ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ مُوسى فِيهِ اعْتِرافٌ بِظاهِرِ التَّقْرِيرِ وإبْطالٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِن جَعْلِهِ حُجَّةً لِتَكْذِيبِهِ بِرِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قابَلَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]) بِقَوْلِهِ: (﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) إبْطالًا؛ لِأنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ولِذَلِكَ كانَ هَذا أهَمَّ بِالإبْطالِ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاسْتِرْسالِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾)، أيْ فَكانَ فِرارِي قَدْ عَقِبَهُ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيَّ فَأصْلَحَ حالِي وعَلَّمَنِي وهَدانِي وأرْسَلَنِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مُوسى مُجَرَّدَ إطْنابٍ بَلْ لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى أنَّ الإنْسانَ ابْنُ يَوْمِهِ لا ابْنُ أمْسِهِ، والأحْوالُ بِأواخِرِها فَلا عَجَبَ فِيما قَصَدْتُ، فَإنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ. صفحة ١١٥ وقَوْلُهُ: (﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾) أيْ فِرارًا مُبْتَدِئًا مِنكم؛ لِأنَّهم سَبَبُ فِرارِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن خَوْفِكم. والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى: (﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]) . والحُكْمُ: الحِكْمَةُ والعِلْمُ، وأرادَ بِها النُّبُوءَةَ وهي الدَّرَجَةُ الأُولى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ. ثُمَّ قالَ: (﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾) أيْ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهُ المُعْجِزَةَ، وقالَ لَهُ: (﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]) أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) . ثُمَّ عادَ إلى أوَّلِ الكَلامِ فَكَّرَ عَلى امْتِنانِهِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ فَأبْطَلَهُ وأبى أنْ يُسَمِّيَهُ نِعْمَةً، فَقَوْلُهُ: (﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾) إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِامْتِنانُ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إذِ الِامْتِنانُ لا يَكُونُ إلّا بِنِعْمَةٍ. ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ كانَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المَعْنى مَعَ ما فِيهِ مِن قَلْبِ مَقْصُودِ فِرْعَوْنَ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]) إذْ قَوْلُهُ: (﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦]) بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ والتَّقْدِيرِ: لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: الكَلامُ اسْتِفْهامٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ومَعْنى (﴿عَبَّدْتَ﴾) ذَلَّلْتَ، يُقالُ: عَبَّدَ كَما يُقالُ: أعْبَدَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. أنْشَدَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: حَتّامَ يُعْبِدْنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ آباعِرُ ما شاءُوا وعُبْدانُ وكَلامُ مُوسى عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ نَقْضٌ لِامْتِنانِ فِرْعَوْنَ بِقَلْبِ النِّعْمَةِ نِقْمَةً بِتَذْكِيرِهِ أنَّ نِعْمَةَ تَرْبِيَتِهِ ما كانَتْ إلّا بِسَبَبِ إذْلالِ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِئْصالِ أطْفالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ إلْقاءُ أُمِّ مُوسى بِطِفْلِها في اليَمِّ حَيْثُ عَثَرَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَها مِن حاشِيَتِها، وكانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ مِن أطْفالِ إسْرائِيلَ بِسِماتِ وجْهِهِ ولَوْنِ جِلْدِهِ، ولِذَلِكَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) . وفِيهِ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مَعَ الإساءَةِ إلى قَوْمِهِ لا يَزِيدُ إحْسانًا ولا مِنَّةً.

الشعراء 26:22

﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . كانَتْ رِباطَةُ جَأْشِ مُوسى وتَوَكُّلُهُ عَلى رَبِّهِ باعِثَةً لَهُ عَلى الِاعْتِرافِ بِالفَعْلَةِ وذِكْرِ ما نَشَأ عَنْها مِن خَيْرٍ لَهُ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ حَمِدَ أثَرَها وإنْ كانَ قَدِ اقْتَرَفَها غَيْرَ مُقَدِّرٍ ما جَرَّتْهُ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ؛ فابْتَدَأ بِالإقْرارِ بِفَعْلَتِهِ لِيَعْلَمَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِكَلامِهِ مَدْخَلَ تَأْثِيرٍ في نَفْسِ مُوسى. وأخَّرَ مُوسى الجَوابَ عَنْ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ القَصْدَ مِنهُ الإقْصارُ مِن مُواجَهَتِهِ بِأنَّ رَبًّا أعْلى مِن فِرْعَوْنَ أرْسَلَ مُوسى إلَيْهِ. وابْتَدَأ بِالجَوابِ عَنِ الأهَمِّ مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ وهو (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩])؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ أدْخَلُ في قَصْدِ الإفْحامِ، ولِيُظْهِرَ لِفِرْعَوْنَ أنَّهُ لا يَوْجَلُ مِن أنْ يُطالِبُوهُ بِذَحْلِ ذَلِكَ القَتِيلِ ثِقَةً بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِ مِن عُدْوانِهِمْ. وكَلِمَةُ (إذًا) هُنا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ، فَنُونُهُ السّاكِنَةُ لَيْسَتْ تَنْوِينًا بَلْ حَرْفًا أصْلِيًّا لِلْكَلِمَةِ، وقَدَّمَ (﴿فَعَلْتُها﴾) عَلى (إذَنْ) مُبادَرَةً بِالإقْرارِ لِيَكُونَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ خَشْيَتِهِ مِن هَذا الإقْرارِ. ومَعْنى المُجازاةِ هُنا ما بَيَّنَهُ في الكَشّافِ: أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء: ١٩]) ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى جازَيْتَ نِعْمَتَنا بِما فَعَلْتَ؛ فَقالَ لَهُ مُوسى: نَعَمْ فَعَلْتُها مُجازِيًا لَكَ، تَسْلِيمًا لِقَوْلِهِ؛ لِأنَّ نِعْمَتَهُ كانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُجازى بِمِثْلِ ذَلِكَ الجَزاءِ. وهَذا أظْهَرُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ القَزْوِينِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ: قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: (إذًا) ظَرْفٌ مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ مُؤْثَرًا فِيهِ الفَتْحُ عَلى الكَسْرِ لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ الدَّوَرانِ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي بِبَعْضِ المُحَقِّقِينَ رَضِيَّ الدِّينِ الإسْتِرابادِيَّ في شَرْحِ الكافِيَةِ الحاجِبِيَّةِ فَإنَّهُ قالَ في بابِ الظُّرُوفِ: والحَقُّ أنَّ (إذْ) إذا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنهُ وأُبَدِلَ مِنهُ التَّنْوِينُ في غَيْرِ نَحْوِ يَوْمِئِذٍ، جازَ فَتْحُهُ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) أيْ فَعَلْتُها إذْ رَبَّيْتَنِي صفحة ١١٤ إذْ لا مَعْنى لِلْجَزاءِ هاهُنا اهـ. فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِـ (﴿فَعَلْتُها﴾) مَقْطُوعًا عَنِ الإضافَةِ لَفْظًا لِدَلالَةِ العامِلِ عَلى المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: فَعَلْتُها زَمَنًا فَعَلْتُها، فَتَذْكِيرِي بِها بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ لا جَدْوى لَهُ. وهَذا الوَجْهُ في (إذًا) في الآيَةِ هو مُخْتارُ ابْنِ عَطِيَّةَ، والرَّضِيِّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والدَّمامِينِيِّ في المَزْجِ عَلى المُغْنِي، وظاهِرُ كَلامِ القَزْوِينِيِّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ أنَّهُ يَخْتارُهُ. ومَعْنى الجَزاءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَعَلْتُها إذًا﴾) ) أنَّ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: ١٩]) قُصِدَ بِها إفْحامُ مُوسى وتَهْدِيدُهُ، فَجَعَلَ مُوسى الِاعْتِرافَ بِالفَعْلَةِ جَزاءً لِذَلِكَ التَّهْدِيدِ عَلى طَرِيقَةِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ: لا أتَهَيَّبُ ما أرَدْتَ. وجَعَلَ مُوسى نَفْسَهُ مِنَ الضّالِّينَ إنْ كانَ مُرادُ كَلامِهِ الَّذِي حَكَتِ الآيَةُ مَعْناهُ إلى العَرَبِيَّةِ المَعْنى المَشْهُورَ لِلضَّلالِ في العَرَبِيَّةِ وهو ضَلالُ الفَسادِ فَيَكُونُ مُرادُهُ: أنَّ سَوْرَةَ الغَضَبِ أغْفَلَتْهُ عَنْ مُراعاةِ حُرْمَةِ النَّفْسِ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ فَإنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ شَرائِعُ البَشَرِ وتَوارَثُوهُ في الفِتَرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: (﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦])؛ وإنْ كانَ مُرادُهُ مَعْنى ضَلالِ الطَّرِيقِ، أيْ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ عَلى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرِيعَةٍ وهو مَعْنى الجَهالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]) فالأمْرُ ظاهِرٌ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ مُوسى فِيهِ اعْتِرافٌ بِظاهِرِ التَّقْرِيرِ وإبْطالٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِن جَعْلِهِ حُجَّةً لِتَكْذِيبِهِ بِرِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ قابَلَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩]) بِقَوْلِهِ: (﴿وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾) إبْطالًا؛ لِأنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ولِذَلِكَ كانَ هَذا أهَمَّ بِالإبْطالِ. وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاسْتِرْسالِ في الجَوابِ بِقَوْلِهِ: (﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾)، أيْ فَكانَ فِرارِي قَدْ عَقِبَهُ أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيَّ فَأصْلَحَ حالِي وعَلَّمَنِي وهَدانِي وأرْسَلَنِي. فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مُوسى مُجَرَّدَ إطْنابٍ بَلْ لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى أنَّ الإنْسانَ ابْنُ يَوْمِهِ لا ابْنُ أمْسِهِ، والأحْوالُ بِأواخِرِها فَلا عَجَبَ فِيما قَصَدْتُ، فَإنَّ اللَّهَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ. صفحة ١١٥ وقَوْلُهُ: (﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ﴾) أيْ فِرارًا مُبْتَدِئًا مِنكم؛ لِأنَّهم سَبَبُ فِرارِهِ، وهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مِن خَوْفِكم. والضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا عَلى قَتْلِ مُوسى، كَما قالَ تَعالى: (﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠]) . والحُكْمُ: الحِكْمَةُ والعِلْمُ، وأرادَ بِها النُّبُوءَةَ وهي الدَّرَجَةُ الأُولى حِينَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ. ثُمَّ قالَ: (﴿وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾) أيْ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهُ المُعْجِزَةَ، وقالَ لَهُ: (﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤]) أرْسَلَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) . ثُمَّ عادَ إلى أوَّلِ الكَلامِ فَكَّرَ عَلى امْتِنانِهِ عَلَيْهِ بِالتَّرْبِيَةِ فَأبْطَلَهُ وأبى أنْ يُسَمِّيَهُ نِعْمَةً، فَقَوْلُهُ: (﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾) إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ الَّتِي اقْتَضاها الِامْتِنانُ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إذِ الِامْتِنانُ لا يَكُونُ إلّا بِنِعْمَةٍ. ثُمَّ إنْ جُعِلَتْ جُمْلَةُ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ كانَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المَعْنى مَعَ ما فِيهِ مِن قَلْبِ مَقْصُودِ فِرْعَوْنَ وهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]) إذْ قَوْلُهُ: (﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ﴾ [الحجر: ٦٦]) بَيانٌ لِقَوْلِهِ (﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿أنْ عَبَّدْتَ﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ والتَّقْدِيرِ: لِأنَّ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: الكَلامُ اسْتِفْهامٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وهو اسْتِفْهامُ إنْكارٍ. ومَعْنى (﴿عَبَّدْتَ﴾) ذَلَّلْتَ، يُقالُ: عَبَّدَ كَما يُقالُ: أعْبَدَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. أنْشَدَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ: حَتّامَ يُعْبِدْنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ فِيهِمْ آباعِرُ ما شاءُوا وعُبْدانُ وكَلامُ مُوسى عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ نَقْضٌ لِامْتِنانِ فِرْعَوْنَ بِقَلْبِ النِّعْمَةِ نِقْمَةً بِتَذْكِيرِهِ أنَّ نِعْمَةَ تَرْبِيَتِهِ ما كانَتْ إلّا بِسَبَبِ إذْلالِ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ أمَرَ فِرْعَوْنُ بِاسْتِئْصالِ أطْفالِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ إلْقاءُ أُمِّ مُوسى بِطِفْلِها في اليَمِّ حَيْثُ عَثَرَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَها مِن حاشِيَتِها، وكانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ مِن أطْفالِ إسْرائِيلَ بِسِماتِ وجْهِهِ ولَوْنِ جِلْدِهِ، ولِذَلِكَ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ: (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) . وفِيهِ أنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مَعَ الإساءَةِ إلى قَوْمِهِ لا يَزِيدُ إحْسانًا ولا مِنَّةً.

الشعراء 26:23

صفحة ١١٦ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ . لَمّا لَمْ يَرُجْ تَهْوِيلُهُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنْ دَعْوَتِهِ - تَنْفِيذًا لِما أمَرَهُ اللَّهُ - ثَنى عَنانَ جِدالِهِ إلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فاسْتَفْهَمَ عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي ذَكَرَ مُوسى وهارُونُ أنَّهُما مُرْسَلانِ مِنهُ إذْ قالا: (﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وإظْهارُ اسْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ أنَّ طَرِيقَةَ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَرَةِ يُكْتَفى فِيها بِضَمِيرِ القائِلِينَ بِطَرِيقَةِ قالَ قالَ، أوْ قالَ فَقالَ، فَعَدَلَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إلى إظْهارِ اسْمِهِ لِإيضاحِ صاحِبِ هَذِهِ المَقالَةِ لِبُعْدِ ما بَيْنَ قَوْلِهِ هَذا وقَوْلِهِ الآخَرِ. والواوُ عاطِفَةٌ هَذا الِاسْتِفْهامَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ الَّذِي وقَعَ كَلامُ مُوسى فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وحَرْفُ (ما) الغالِبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِلسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْمِ بَعْدَهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ يُسْألُ بِها عَنْ تَعْيِينِ القَبِيلَةِ، فَفي حَدِيثِ الوُفُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهم: (ما أنْتُمْ)، فَفِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَبْيِينَ حَقِيقَةِ هَذا الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾)، فَقَدْ كانَتْ عَقائِدُ القِبْطِ تُثْبِتُ آلِهَةً مُتَفَرِّقَةً قَدِ اقْتَسَمَتِ التَّصَرُّفَ في عَناصِرِ هَذا العالَمِ وأجْناسِ المَوْجُوداتِ، وتِلْكَ العَناصِرُ هي العالَمُونَ ولا يَدِينُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ، فَإنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ المُتَصَرِّفَةِ يُنافِي وحْدانِيَّةَ التَّصَرُّفِ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ مِن كَلامِ مُوسى إثْباتَ رَبِّ العالَمِينَ قُرِعَ سَمْعُهُ بِما لَمْ يَأْلَفْهُ مِن قَبْلُ لِاقْتِضائِهِ إثْباتَ إلَهٍ واحِدٍ وانْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنِ الآلِهَةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهم، عَلى أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ هو المُجْتَبى مِنَ الآلِهَةِ لِيَكُونَ مَلِكَ مِصْرَ. فَهو مُظْهِرُ الآلِهَةِ الأُخْرى في تَدْبِيرِ المَمْلَكَةِ (﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]) . وبِهَذا الِانْتِسابِ إلى الآلِهَةِ وتَمْثِيلِهِ إرادَتِهِمْ في الأرْضِ كانَ فِرْعَوْنُ يُدْعى إلَهًا. وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ يَوْمَئِذٍ في غَفْلَةٍ عَمّا عَدا أنْفُسَها فَكانُوا لا يُفَكِّرُونَ في مُخْتَلِفِ أحْوالِ الأُمَمِ وعَوائِدِ البَشَرِ. ولا تَشْعُرُ كُلُّ أُمَّةٍ إلّا بِنَفْسِها وخَصائِصِها مِن آلِهَتِها ومُلُوكِها، فَكانَ المَلِكُ لا يُشِيعُ في أُمَّتِهِ غَيْرَ قُوَّتِهِ وانْتِصارِهِ عَلى الثّائِرِينَ، ويُخَيِّلُ لِلنّاسِ أنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ مِنَ الأرْضِ. فَلا تَجِدُ في آثارِ القِبْطِ صفحة ١١٧ صُوَرًا لِلْأُمَمِ غَيْرَ صُوَرِ القَبائِلِ الَّذِينَ يَغْزُوهم فِرْعَوْنُ ويَأْتِي بِأسْراهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ خاضِعِينَ عابِدِينَ حَتّى يُخَيِّلَ لِقَوْمِهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَ أُولَئِكَ فَقَدْ كانَ قَهّارَ البَشَرِ كُلِّهِمْ، ويُخْفِي أخْبارَ انْكِسارِهِ إلّا إذا لَحِقَهُ غَلَبٌ عَظِيمٌ مِن أُمَّةٍ كُبْرى بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ إخْفاءَهُ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ أُسْلُوبُ التّارِيخِ عِنْدَهم وتَنْتَحِلُ الدَّوْلَةُ الجَدِيدَةُ أسالِيبَ الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ وتَنْسى حَوادِثَ الماضِي وتَغْلِبُ عَلى مُخَيَّلاتِهِمُ الحالَةُ الحاضِرَةُ، ولِلدُّعاةِ والمُرَوِّجِينَ أثَرٌ كَبِيرٌ في ذَلِكَ. وبِهَذا يَتَّضِحُ باعِثُ فِرْعَوْنَ عَلى هَذا السُّؤالِ الَّذِي ألْقاهُ عَلى مُوسى، وهو اسْتِفْهامٌ مَشُوبٌ بِتَعَجُّبٍ وإنْكارٍ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. ومِن دَقائِقِ هَذِهِ المُجادَلَةِ أنَّ الِاسْتِفْسارَ مُقَدَّمٌ في المُناظَراتِ، ولِذَلِكَ ابْتَدَأ فِرْعَوْنُ بِالسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الَّذِي أرْسَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانًا لِحَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ بِما يَصِيرُ وصْفُهُ بِرَبِّ العالَمِينَ نَصًّا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ما أرادَهُ مِن ظاهِرِهِ، فَأتى بِشَرْحِ اللَّفْظِ بِما هو تَفْصِيلٌ لِمَعْناهُ، إذْ قالَ: (﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾)، فَبِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ وبِعُمُومِ ما بَيْنَهُما حَصَلَ بَيانُ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ بِـ (ما) . ومَرْجِعُ هَذا البَيانِ إلى أنَّهُ تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الرَّبِّ بِخَصائِصِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ غايَةُ ما تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أنْ يُعْرَفَ بِآثارِ خَلْقِهِ، فَهو تَعْرِيفٌ رَسْمِيٌّ في الِاصْطِلاحِ المَنطِقِيِّ. وانْتَظَمَ السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) عَنِ الجِنْسِ. وهو جارٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ في تَقْرِيرِ السُّؤالِ، والجَوابُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وهو أيْضًا مُخْتارُ السَّكّاكِيِّ في قانُونِ الطَّلَبِ مِن كِتابِ المِفْتاحِ، وطابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ تَمامَ المُطابَقَةِ. وأشارَ صاحِبُ الكَشّافِ وصَرَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ بِأنَّ جَوابَ مُوسى بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾) تَضَمَّنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثَباتِ الخالِقِ الواحِدِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الرَّبِّ الواحِدِ المُمْتازَةِ عَنْ حَقائِقِ المَخْلُوقاتِ. ولِهَذا أتْبَعَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾)، أيْ كُنْتُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْإيقانِ طالِبِينَ لِمَعْرِفَةِ الحَقائِقِ غَيْرَ مُكابِرِينَ. وسُمِّيَ العِلْمُ بِذَلِكَ إيقانًا؛ لِأنَّ شَأْنَ اليَقِينِ صفحة ١١٨ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو الإلَهُ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾) مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ حاضِرِي مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أرادَ مُوسى تَشْرِيكَهم في الدَّعْوَةِ تَقَصِّيًا لِكَمالِ الدَّعْوَةِ وأنَّ مُؤاخَذَةَ القائِلِ لا تَقَعُ إلّا بَعْدَ اتِّضاحِ مُرادِهِ مِن مَقالِهِ إذْ لا يُؤاخَذُ بِالمُجامَلاتِ. ومِن هَذا قالَ سَحْنُونٌ فِيمَن صَدَرَ مِنهُ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَسْتَلْزِمُ كُفْرًا: إنَّهُ يُحْضَرُ ويُوقَفُ عَلى لازِمِ قَوْلِهِ فَإنْ فَهِمَهُ والتَزَمَ ما يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا ويُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

الشعراء 26:24

صفحة ١١٦ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ . لَمّا لَمْ يَرُجْ تَهْوِيلُهُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنْ دَعْوَتِهِ - تَنْفِيذًا لِما أمَرَهُ اللَّهُ - ثَنى عَنانَ جِدالِهِ إلى تِلْكَ الدَّعْوَةِ فاسْتَفْهَمَ عَنْ حَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي ذَكَرَ مُوسى وهارُونُ أنَّهُما مُرْسَلانِ مِنهُ إذْ قالا: (﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وإظْهارُ اسْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ أنَّ طَرِيقَةَ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ والمُحاوَرَةِ يُكْتَفى فِيها بِضَمِيرِ القائِلِينَ بِطَرِيقَةِ قالَ قالَ، أوْ قالَ فَقالَ، فَعَدَلَ عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ إلى إظْهارِ اسْمِهِ لِإيضاحِ صاحِبِ هَذِهِ المَقالَةِ لِبُعْدِ ما بَيْنَ قَوْلِهِ هَذا وقَوْلِهِ الآخَرِ. والواوُ عاطِفَةٌ هَذا الِاسْتِفْهامَ عَلى الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ الَّذِي وقَعَ كَلامُ مُوسى فاصِلًا بَيْنَهُ وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وحَرْفُ (ما) الغالِبُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِلسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الِاسْمِ بَعْدَهُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ يُسْألُ بِها عَنْ تَعْيِينِ القَبِيلَةِ، فَفي حَدِيثِ الوُفُودِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهم: (ما أنْتُمْ)، فَفِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَبْيِينَ حَقِيقَةِ هَذا الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾)، فَقَدْ كانَتْ عَقائِدُ القِبْطِ تُثْبِتُ آلِهَةً مُتَفَرِّقَةً قَدِ اقْتَسَمَتِ التَّصَرُّفَ في عَناصِرِ هَذا العالَمِ وأجْناسِ المَوْجُوداتِ، وتِلْكَ العَناصِرُ هي العالَمُونَ ولا يَدِينُونَ بِإلَهٍ واحِدٍ، فَإنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ المُتَصَرِّفَةِ يُنافِي وحْدانِيَّةَ التَّصَرُّفِ، فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ مِن كَلامِ مُوسى إثْباتَ رَبِّ العالَمِينَ قُرِعَ سَمْعُهُ بِما لَمْ يَأْلَفْهُ مِن قَبْلُ لِاقْتِضائِهِ إثْباتَ إلَهٍ واحِدٍ وانْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنِ الآلِهَةِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَهم، عَلى أنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ هو المُجْتَبى مِنَ الآلِهَةِ لِيَكُونَ مَلِكَ مِصْرَ. فَهو مُظْهِرُ الآلِهَةِ الأُخْرى في تَدْبِيرِ المَمْلَكَةِ (﴿قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]) . وبِهَذا الِانْتِسابِ إلى الآلِهَةِ وتَمْثِيلِهِ إرادَتِهِمْ في الأرْضِ كانَ فِرْعَوْنُ يُدْعى إلَهًا. وقَدْ كانَتِ الأُمَمُ يَوْمَئِذٍ في غَفْلَةٍ عَمّا عَدا أنْفُسَها فَكانُوا لا يُفَكِّرُونَ في مُخْتَلِفِ أحْوالِ الأُمَمِ وعَوائِدِ البَشَرِ. ولا تَشْعُرُ كُلُّ أُمَّةٍ إلّا بِنَفْسِها وخَصائِصِها مِن آلِهَتِها ومُلُوكِها، فَكانَ المَلِكُ لا يُشِيعُ في أُمَّتِهِ غَيْرَ قُوَّتِهِ وانْتِصارِهِ عَلى الثّائِرِينَ، ويُخَيِّلُ لِلنّاسِ أنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في تِلْكَ الرُّقْعَةِ مِنَ الأرْضِ. فَلا تَجِدُ في آثارِ القِبْطِ صفحة ١١٧ صُوَرًا لِلْأُمَمِ غَيْرَ صُوَرِ القَبائِلِ الَّذِينَ يَغْزُوهم فِرْعَوْنُ ويَأْتِي بِأسْراهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ خاضِعِينَ عابِدِينَ حَتّى يُخَيِّلَ لِقَوْمِهِ أنَّهُ لَمّا غَلَبَ أُولَئِكَ فَقَدْ كانَ قَهّارَ البَشَرِ كُلِّهِمْ، ويُخْفِي أخْبارَ انْكِسارِهِ إلّا إذا لَحِقَهُ غَلَبٌ عَظِيمٌ مِن أُمَّةٍ كُبْرى بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ إخْفاءَهُ، فَحِينَئِذٍ يَنْتَقِلُ أُسْلُوبُ التّارِيخِ عِنْدَهم وتَنْتَحِلُ الدَّوْلَةُ الجَدِيدَةُ أسالِيبَ الدَّوْلَةِ الماضِيَةِ وتَنْسى حَوادِثَ الماضِي وتَغْلِبُ عَلى مُخَيَّلاتِهِمُ الحالَةُ الحاضِرَةُ، ولِلدُّعاةِ والمُرَوِّجِينَ أثَرٌ كَبِيرٌ في ذَلِكَ. وبِهَذا يَتَّضِحُ باعِثُ فِرْعَوْنَ عَلى هَذا السُّؤالِ الَّذِي ألْقاهُ عَلى مُوسى، وهو اسْتِفْهامٌ مَشُوبٌ بِتَعَجُّبٍ وإنْكارٍ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ. ومِن دَقائِقِ هَذِهِ المُجادَلَةِ أنَّ الِاسْتِفْسارَ مُقَدَّمٌ في المُناظَراتِ، ولِذَلِكَ ابْتَدَأ فِرْعَوْنُ بِالسُّؤالِ عَنْ حَقِيقَةِ الَّذِي أرْسَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ جَوابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيانًا لِحَقِيقَةِ رَبِّ العالَمِينَ بِما يَصِيرُ وصْفُهُ بِرَبِّ العالَمِينَ نَصًّا لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ما أرادَهُ مِن ظاهِرِهِ، فَأتى بِشَرْحِ اللَّفْظِ بِما هو تَفْصِيلٌ لِمَعْناهُ، إذْ قالَ: (﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾)، فَبِذِكْرِ السَّماواتِ والأرْضِ وبِعُمُومِ ما بَيْنَهُما حَصَلَ بَيانُ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ بِـ (ما) . ومَرْجِعُ هَذا البَيانِ إلى أنَّهُ تَعْرِيفٌ لِحَقِيقَةِ الرَّبِّ بِخَصائِصِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ غايَةُ ما تَصِلُ إلَيْهِ العُقُولُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ أنْ يُعْرَفَ بِآثارِ خَلْقِهِ، فَهو تَعْرِيفٌ رَسْمِيٌّ في الِاصْطِلاحِ المَنطِقِيِّ. وانْتَظَمَ السُّؤالُ والجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) عَنِ الجِنْسِ. وهو جارٍ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ في تَقْرِيرِ السُّؤالِ، والجَوابُ مِن كَلامِ الكَشّافِ، وهو أيْضًا مُخْتارُ السَّكّاكِيِّ في قانُونِ الطَّلَبِ مِن كِتابِ المِفْتاحِ، وطابَقَ الجَوابُ السُّؤالَ تَمامَ المُطابَقَةِ. وأشارَ صاحِبُ الكَشّافِ وصَرَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ بِأنَّ جَوابَ مُوسى بِما يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ (﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾) تَضَمَّنَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى ثَباتِ الخالِقِ الواحِدِ يَحْصُلُ بِالنَّظَرِ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما نَظَرًا يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الرَّبِّ الواحِدِ المُمْتازَةِ عَنْ حَقائِقِ المَخْلُوقاتِ. ولِهَذا أتْبَعَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾)، أيْ كُنْتُمْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْإيقانِ طالِبِينَ لِمَعْرِفَةِ الحَقائِقِ غَيْرَ مُكابِرِينَ. وسُمِّيَ العِلْمُ بِذَلِكَ إيقانًا؛ لِأنَّ شَأْنَ اليَقِينِ صفحة ١١٨ بِأنَّ خالِقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما هو الإلَهُ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في (﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾) مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ حاضِرِي مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أرادَ مُوسى تَشْرِيكَهم في الدَّعْوَةِ تَقَصِّيًا لِكَمالِ الدَّعْوَةِ وأنَّ مُؤاخَذَةَ القائِلِ لا تَقَعُ إلّا بَعْدَ اتِّضاحِ مُرادِهِ مِن مَقالِهِ إذْ لا يُؤاخَذُ بِالمُجامَلاتِ. ومِن هَذا قالَ سَحْنُونٌ فِيمَن صَدَرَ مِنهُ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَسْتَلْزِمُ كُفْرًا: إنَّهُ يُحْضَرُ ويُوقَفُ عَلى لازِمِ قَوْلِهِ فَإنْ فَهِمَهُ والتَزَمَ ما يَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا ويُسْتَتابُ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ ذَلِكَ.

الشعراء 26:25

﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ . أعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنْ خِطابِ مُوسى واسْتَثارَ نُفُوسَ المَلَأِ مِن حَوْلِهِ وهم أهْلُ مَجْلِسِهِ فاسْتَفْهَمَهُمُ اسْتِفْهامَ تَعَجُّبٍ مِن حالِهِمْ كَيْفَ لَمْ يَسْتَمِعُوا ما قالَهُ مُوسى فَنَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَسْتَمِعْهُ تَهْيِيجًا لِنُفُوسِهِمْ كَيْ لا تَتَمَكَّنَ مِنهم حُجَّةُ مُوسى، فَسَلَّطَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ اسْتِماعِهِمْ كَما تَقَدَّمَ. وهَذا التَّعَجُّبُ مِن حالِ اسْتِماعِهِمْ وسُكُوتِهِمْ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن كَلامِ مُوسى بِطَرِيقِ فَحْوى الخِطابِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ تَعَجُّبٍ آخَرَ. ومَرْجِعُ التعَجُّبَيْنِ أنَّ إثْباتَ رَبٍّ واحِدٍ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مُنْكَرٌ عِنْدَ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ كانَ مُشْرِكًا فَيَرى تَوْحِيدَ الإلَهِ لا يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، ولِكَوْنِ خِطابِ فِرْعَوْنَ لِمَن حَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ جَوابًا عَنْ كَلامِ مُوسى حُكِيَ كَلامُ فِرْعَوْنَ بِالصِّيغَةِ الَّتِي اعْتِيدَتْ في القُرْآنِ حِكايَةُ المُقاوَلاتِ بِها، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، كَأنَّهُ يُجِيبُ مُوسى عَنْ كَلامِهِ.

الشعراء 26:26

﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ . كَلامُ مُوسى هَذا في مَعْرِضِ الجَوابِ عَنْ تَعْجِيبِ فِرْعَوْنَ مِن سُكُوتِ مَن حَوْلَهُ، فَلِذَلِكَ كانَتْ حِكايَتُهُ قَوْلَهُ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي تُحْكى بِها المُقاوَلاتُ. ولَمّا كانَ في كَلامِ فِرْعَوْنَ إعْراضٌ عَنْ مُخاطَبَةِ مُوسى إذْ تَجاوَزَهُ إلى مُخاطَبَةِ مَن حَوْلَهُ وجَّهَ مُوسى خِطابَهُ إلى جَمِيعِهِمْ، وإذْ رَأى مُوسى أنَّهم جَمِيعًا لَمْ يَهْتَدُوا إلى الِاقْتِناعِ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ العَوالِمَ الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ هو أوْسَعُ دَلالَةً عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ إذْ في كُلِّ شَيْءٍ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ صفحة ١١٩ واحِدٌ، فَنَزَلَ بِهِمْ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأنْفُسِهِمْ وبِآبائِهِمْ إذْ أوْجَدَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ العَدَمِ، ثُمَّ أعْدَمَ آباءَهم بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ لِأنَّ أحْوالَ أنْفُسِهِمْ وآبائِهِمْ أقْرَبُ إلَيْهِمْ وأيْسَرُ اسْتِدْلالًا عَلى خالِقِهِمْ، فالِاسْتِدْلالُ الأوَّلُ يَمْتازُ بِالعُمُومِ، والِاسْتِدْلالُ الثّانِي يَمْتازُ بِالقُرْبِ مِنَ الضَّرُورَةِ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العُقَلاءِ تَوَهَّمُوا السَّماواتِ قَدِيمَةً واجِبَةَ الوُجُودِ، فَأمّا آباؤُهم فَكَثِيرٌ مِنَ السّامِعِينَ شَهِدُوا انْعِدامَ كَثِيرٍ مِن آبائِهِمْ بِالمَوْتِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى انْتِفاءِ القِدَمَ الدّالِّ عَلى انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ. وشَمِلَ عُمُومُ الآباءَ بِإضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ وبِوَصْفِهِ بِالأوَّلِينَ بَعْضَ مَن يَزْعُمُونَهم في مَرْتَبَةِ الآلِهَةِ مِثْلَ الفَراعِنَةِ القُدَماءِ المُلَقَّبِينَ عِنْدَهم بِأبْناءِ الشَّمْسِ والشَّمْسُ مَعْدُودَةٌ في الآلِهَةِ ويُمَثِّلُها الصَّنَمُ (آمُونُ رَعْ) . والرَّبُّ: الخالِقُ والسَّيِّدُ بِمُوجِبِ الخالِقِيَّةِ.

الشعراء 26:27

﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ . احْتَدَّ فِرْعَوْنُ لَمّا ذَكَرَ مُوسى ما يَشْمَلُ آباءَهُ المُقَدَّسِينَ بِذِكْرٍ يُخْرِجُهم مِن صِفَةِ الإلَهِيَّةِ زاعِمًا أنَّ هَذا يُخالِفُ العَقْلَ بِالضَّرُورَةِ فَلا يَصْدُرُ إلّا مِن مُخْتَلِّ الإدْراكِ، وأنَّهُ رَأى أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِخالِقِيَّتِهِمْ وخالِقِيَّةِ آبائِهِمْ عَبَثٌ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ يَرَوْنَ تَكْوِينَ الآدَمِيِّ بِالتَّوَلُّدِ وهم لا يَحْسَبُونَ التَّكْوِينَ الدّالَّ عَلى الخالِقِيَّةِ إلّا التَّكْوِينَ بِالطَّفْرَةِ دُونَ التَّدْرِيجِ بِناءً عَلى أنَّ الأشْياءَ المُعْتادَةَ لا تَتَفَطَّنُ إلى دَقائِقِها العُقُولُ السّاذَجَةُ، فَهم يَحْسَبُونَ تَكْوِينَ الفَرْخِ مِنَ البَيْضَةِ أقَلَّ مِن تَكْوِينِ الرَّعْدِ، وأنَّ تَكْوِينَ دُودَةِ القَزِّ أدَلُّ عَلى الخالِقِ مِن تَكْوِينِ الآدَمِيَّ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ زَعَمَ أنَّ ادِّعاءَ دَلالَةِ تَكْوِينِ الآباءِ والأبْناءِ ودَلالَةِ فَناءِ الآباءِ عَلى ثُبُوتِ الإلَهِ الواحِدِ رَبِّ الأباءِ والأبْناءِ ضَرْبًا مِنَ الجُنُونِ؛ إذْ هو تَكْوِينٌ لَمْ يَشْهَدُوا دَقائِقَهُ، والمَعْرُوفُ المَأْلُوفُ وِلادَةُ الأجِنَّةِ ومَوْتُ الأمْواتِ. وأكَّدَ كَلامَهُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ حالَةَ مُوسى لا تُؤْذِنُ بِجُنُونِهِ فَكانَ وصْفُهُ بِالمَجْنُونِ مُعَرَّضًا لِلشَّكِّ، فَلِذَلِكَ أكَّدَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ مَجْنُونٌ يَعْنِي أنَّهُ عَلِمَ مِن حالِ مُوسى ما عَسى أنْ لا يَعْلَمَهُ السّامِعُونَ. صفحة ١٢٠ وقَصَدَ بِإطْلاقِ وصْفِ الرَّسُولِ عَلى مُوسى التَّهَكُّمَ بِهِ بِقَرِينَةِ رَمْيِهِ بِالجُنُونِ المُحَقَّقِ عِنْدَهُ. وأضافَ الرَّسُولَ إلى المُخاطَبِينَ رَبْئًا بِنَفْسِهِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالخِطابِ، وأكَّدَ التَّهَكُّمَ والرَّبْءَ بِوَصْفِهِ بِالمَوْصُولِ (﴿الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكُمْ﴾) فَإنَّ مَضْمُونَ المَوْصُولِ وصِلَتَهُ هو مَضْمُونُ (رَسُولَكم) فَكانَ ذِكْرُهُ كالتَّأْكِيدِ، وتَنْصِيصًا عَلى المَقْصُودِ لِزِيادَةِ تَهْيِيجِ السّامِعِينَ كَيْلا يَتَأثَّرُوا أوْ يَتَأثَّرَ بَعْضُهم بِصِدْقِ مُوسى؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ يَتَهَيَّأُ لِإعْدادِ العُدَّةِ لِمُقاوَمَةِ مُوسى لِعِلْمِهِ بِأنَّ لَهُ قَوْمًا في مِصْرَ رُبَّما يَسْتَنْصِرُ بِهِمْ.

الشعراء 26:28

﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا رَأى مُوسى سُوءَ فَهْمِهِمْ وعَدَمَ اقْتِناعِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِالتَّكْوِينِ المُعْتادِ إذِ التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ المُعْتادُ بِالأمْرِ الَّذِي لا صانِعَ لَهُ؛ انْتَقَلَ مُوسى إلى ما لا قِبَلَ لَهم بِجَحْدِهِ ولا التِباسِهِ وهو التَّصَرُّفُ العَجِيبُ المُشاهَدُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، كَما انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ اللَّهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ لَمّا تَمَوَّهَ عَلى النَّمْرُودِ حَقِيقَةُ مَعْنى الإحْياءِ والإماتَةِ، فانْتَقَلَ إبْراهِيمُ إلى الِاسْتِدْلالِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ فِيما حَكى اللَّهُ تَعالى (﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]) فَكانَتْ حُجَّةُ مُوسى حُجَّةً خَلِيلِيَّةً. والمَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِما مَكانُ شُرُوقِ الشَّمْسِ ومَكانُ غُرُوبِها في الأُفُقِ، فَيَكُونُ تَحْرِيكًا لِلِاسْتِدْلالِ بِما يَقَعُ في ذَلِكَ المَكانِ مِنَ الأُفُقِ مِن شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، فَيَكُونُ المُرادُ بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ خالِقَ ذَلِكَ النِّظامِ اليَوْمِيِّ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ المَصْدَرُ المِيمِيُّ، أيْ: رَبُّ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالرَّبِّ الخالِقَ، أيْ: مُكَوِّنَ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ ويَكُونُ المُرادُ بِما بَيْنَهُما عَلى صفحة ١٢١ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ ما بَيْنَ الحالَيْنِ وضَمِيرُ بَيْنَهُما لِلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ، أيْ ما يَقَعُ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ، فَأمّا ما بَيْنَ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ فالضُّحى والزَّوالُ والعَصْرُ والِاصْفِرارُ، وأمّا ما بَيْنَ الغُرُوبِ والشُّرُوقِ فالشَّفَقُ والفَجْرُ والإسْفارُ كُلُّها دَلائِلُ عَلى تَكْوِينِ ذَلِكَ النِّظامِ العَجِيبِ المُتْقَنِ. وقِيلَ: المُرادُ بِرَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ مالِكُ الجِهَتَيْنِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُفِيتُ مُناسَبَةَ الكَلامِ لِمَقامِ الِاسْتِدْلالِ بِعَظِيمٍ ولا يُلاقِي التَّذْيِيلَ الواقِعَ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾) . وتانِكَ الجِهَتانِ هُما مُنْتَهى الأرْضِ المَعْرُوفَةِ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَبُّ طَرَفَيِ الأرْضِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ جَمِيعِ الأرْضِ مِلْكًا لِلَّهِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ عُرْفِيٌّ؛ إذْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ يَوْمَئِذٍ مَلِكًا يَمْلِكُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما كانَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ المُؤَلَّهِ عِنْدَهم إلّا لِبِلادِ مِصْرَ والسُّودانِ. والتَّذْيِيلُ بِجُمْلَةِ (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾) ) تَنْبِيهٌ لِنَظَرِهِمُ العَقْلِيِّ لِيُعاوِدُوا النَّظَرَ فَيُدْرِكُوا وجْهَ الِاسْتِدْلالِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُعْمِلُونَ عُقُولَكم. ومِنَ اللَّطائِفِ جَعْلُ ذَلِكَ مُقابِلَ قَوْلِ فِرْعَوْن: إنْ رَسُولَكم لَمَجْنُونٌ؛ لِأنَّ الجُنُونَ يُقابِلُهُ العَقْلُ فَكانَ مُوسى يَقُولُ لَهم قَوْلًا لَيِّنًا ابْتِداءً فَلَمّا رَأى مِنهُمُ المُكابَرَةَ ووَصَفُوهُ بِالجُنُونِ خاشَنَهم في القَوْلِ وعارَضَ قَوْلَ فِرْعَوْنَ: (﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]) فَقالَ: (﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾) أيْ إنْ كُنْتُمْ أنْتُمُ العُقَلاءَ، أيْ فَلا تَكُونُوا أنْتُمُ المَجانِينَ وهَذا كَقَوْلِ أبِي تَمّامٍ لِلَّذَيْنِ قالا لَهُ: (لِمَ تَقُولُ ما لا يُفْهَمُ) قالَ: (لِمَ لا تَفْهَمانِ ما يُقالُ) .

الشعراء 26:29

﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ . لَمّا لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ لِحِجاجِهِ نَجاحًا ورَأى شِدَّةَ شَكِيمَةِ مُوسى في الحَقِّ عَدَلَ عَنِ الحِجاجِ إلى التَّخْوِيفِ لِيَقْطَعَ دَعْوَةَ مُوسى مِن أصْلِها. وهَذا شَأْنُ مَن قَهَرَتْهُ الحُجَّةُ، وفِيهِ كِبْرِياءُ أنْ يَنْصَرِفَ عَنِ الجَدَلِ إلى التَّهْدِيدِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا﴾) مُوطِّئَةٌ لِلْقَسْمِ. والمَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ أكَّدَ وعِيدَهُ بِما يُساوِي اليَمِينَ المُجْمَلَةَ الَّتِي تُؤْذِنُ بِها اللّامُ المُوَطِّئَةُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ كَأنْ صفحة ١٢٢ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، أوْ بِالأيْمانِ، أوْ أُقْسِمُ. وفِعْلُ (اتَّخَذْتَ) لِلِاسْتِمْرارِ، أيْ أصْرَرْتَ عَلى أنَّ لَكَ إلَهًا أرْسَلَكَ وأنْ تَبْقى جاحِدًا لِلْإلَهِ فِرْعَوْنَ، وكانَ فِرْعَوْنُ مَعْدُودًا إلَهًا لِلْأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ يُمَثِّلُ الآلِهَةَ وهو القائِمُ بِإبْلاغِ مُرادِها في الأُمَّةِ فَهو الواسِطَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الأُمَّةِ. ومَعْنى (﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾) لَأسْجُنُنَّكَ، فَسَلَكَ فِيهِ طَرِيقَةَ الإطْنابِ؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنى لَأجْعَلَنَّكَ واحِدًا مِمَّنْ عَرَفْتَ أنَّهم في سِجْنِي، فالمَقْصُودُ تَذْكِيرُ مُوسى بِهَوْلِ السَّجْنِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ تَمَكُّنَ الخَبَرِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ كانَ السِّجْنُ عِنْدَهم قَطْعًا لِلْمَسْجُونِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِلا نِهايَةٍ فَكانَ لا يَدْرِي مَتى يَخْرُجُ مِنهُ قالَ تَعالى: (﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]) .

الشعراء 26:30

﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ . لَمّا رَأى مُوسى مِن مُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ النَّظَرِ ما لا مَطْمَعَ مَعَهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ مُتَعامٍ عَنِ الحَقِّ عَدَلَ مُوسى إلى إظْهارِ آيَةٍ مِن خَوارِقِ العادَةِ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ مَنافِذَ ادِّعاءِ عَدَمِ الرِّضى بِها. واسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا مَشُوبًا بِإنْكارٍ واسْتِغْرابٍ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ اجْتِزاءِ فِرْعَوْنَ بِالشَّيْءِ المُبِينِ، وأنَّهُ ساجِنُهُ لا مَحالَةَ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِإلَهِيَّةِ فِرْعَوْنَ، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِ مِن قَبْلِ الوُقُوعِ. وهَذا التَّقْدِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ (لَوْ) الوَصْلِيَّةُ الَّتِي هي لَفَرْضِ حالَةٍ خاصَّةٍ. فالواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ جِئْتُكَ) واوُ الحالِ، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ جَوابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]) . والتَّقْدِيرُ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ والحالُ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؛ إذِ القَصْدُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها شَرْطُ (لَوْ)؛ بِأنَّها أوْلى الحالاتِ بِأنْ لا يَثْبُتَ مَعَها صفحة ١٢٣ الغَرَضُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ عَلى فَرْضِ وُقُوعِها وهو غَرَضُ الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهو اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ. ولَيْسَتِ الواوُ مُؤَخَّرَةً عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ لِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ بَلْ هي لِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ. والعامِلُ في الحالِ وصاحِبُ الحالِ مُقَدَّرانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (لَأجْعَلَنَّكَ)، أيْ أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ. ووَصْفُ (شَيْءٍ) بِـ (مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُظْهِرٍ أنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتِزامِ الِاعْتِرافِ بِما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى فَجاءَ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ إذْ قالَ: (﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) . وفي قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ في كَلامِ فِرْعَوْنَ ما يَقْتَضِي أنَّ فَرْضَ صِدْقِ مُوسى فَرْضٌ ضَعِيفٌ كَما هو الغالِبُ في شَرْطِ (إنْ) مَعَ إيهامِ أنَّهُ جاءَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يُعْتَبَرُ صادِقًا فِيما دَعا إلَيْهِ، فَبَقِيَ تَحْقِيقُ أنَّ ما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى مُبِينٌ أوْ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا قَدِ اسْتَبْقاهُ كَلامُ فِرْعَوْنَ إلى ما بَعْدِ الوُقُوعِ والنُّزُولِ لِيَتَأتّى إنْكارُهُ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ. والثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الطَّوِيلَةُ. ووَصْفُ (ثُعْبانٌ) بِأنَّهُ (مُبِينٌ) الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ الَّذِي بِمَعْنى بانَ بِمَعْنى ظَهَرَ، فَـ (مُبِينٌ) دالٌّ عَلى شِدَّةِ الظُّهُورِ مِن أجْلِ أنْ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ: ثُعْبانٌ ظاهِرٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ لا لَبْسَ فِيهِ ولا تَخْيِيلَ. وبِالِاخْتِلافِ بَيْنَ (مُبِينٌ) الأوَّلِ و(مُبِينٌ) الثّانِي اخْتَلَفَتِ الفاصِلَتانِ مَعْنًى فَكانَتا مِن قَبِيلِ الجِناسِ ولَمْ تَكُونا مِمّا يُسَمّى مِثْلُهُ إيطاءً. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. والنَّزْعُ: سَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُحِيطُ بِهِ، ومِنهُ نَزْعُ اللِّباسِ، ونَزْعُ الدَّلْوِ مِنَ البِئْرِ. ونَزْعُ اليَدِ: إخْراجُها مِنَ القَمِيصِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَنزُوعِ مِنهُ لِظُهُورِهِ، أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِ قَمِيصِهِ. صفحة ١٢٤ ودَلَّتْ (إذا) المُفاجِئَةُ عَلى سُرْعَةِ انْقِلابِ لَوْنِ يَدِهِ بَياضًا. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلنّاظِرِينَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ الَّتِي يُسَمِّيها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ لامَ التَّعْدِيَةِ، أيِ اتِّصالِ مُتَعَلِّقِها بِمَجْرُورِها. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (عِنْدَ) ويَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ حالًا. وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: (﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾) . ومَعْنى (لِلنّاظِرِينَ) أنَّ بَياضَها مِمّا يَقْصِدُهُ النّاظِرُونَ لِأُعْجُوبَتِهِ، وكانَ لَوْنُ جِلْدِ مُوسى السُّمْرَةَ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاظِرِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ لِجَمِيعِ النّاظِرِينَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ. وهَذا يُفِيدُ أنَّ بَياضَها كانَ واضِحًا بَيِّنًا مُخالِفًا لَوْنَ جِلْدِهِ بِصُورَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ لَوْنِ البَرَصِ.

الشعراء 26:31

﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ . لَمّا رَأى مُوسى مِن مُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ النَّظَرِ ما لا مَطْمَعَ مَعَهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ مُتَعامٍ عَنِ الحَقِّ عَدَلَ مُوسى إلى إظْهارِ آيَةٍ مِن خَوارِقِ العادَةِ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ مَنافِذَ ادِّعاءِ عَدَمِ الرِّضى بِها. واسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا مَشُوبًا بِإنْكارٍ واسْتِغْرابٍ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ اجْتِزاءِ فِرْعَوْنَ بِالشَّيْءِ المُبِينِ، وأنَّهُ ساجِنُهُ لا مَحالَةَ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِإلَهِيَّةِ فِرْعَوْنَ، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِ مِن قَبْلِ الوُقُوعِ. وهَذا التَّقْدِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ (لَوْ) الوَصْلِيَّةُ الَّتِي هي لَفَرْضِ حالَةٍ خاصَّةٍ. فالواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ جِئْتُكَ) واوُ الحالِ، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ جَوابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]) . والتَّقْدِيرُ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ والحالُ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؛ إذِ القَصْدُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها شَرْطُ (لَوْ)؛ بِأنَّها أوْلى الحالاتِ بِأنْ لا يَثْبُتَ مَعَها صفحة ١٢٣ الغَرَضُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ عَلى فَرْضِ وُقُوعِها وهو غَرَضُ الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهو اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ. ولَيْسَتِ الواوُ مُؤَخَّرَةً عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ لِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ بَلْ هي لِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ. والعامِلُ في الحالِ وصاحِبُ الحالِ مُقَدَّرانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (لَأجْعَلَنَّكَ)، أيْ أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ. ووَصْفُ (شَيْءٍ) بِـ (مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُظْهِرٍ أنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتِزامِ الِاعْتِرافِ بِما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى فَجاءَ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ إذْ قالَ: (﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) . وفي قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ في كَلامِ فِرْعَوْنَ ما يَقْتَضِي أنَّ فَرْضَ صِدْقِ مُوسى فَرْضٌ ضَعِيفٌ كَما هو الغالِبُ في شَرْطِ (إنْ) مَعَ إيهامِ أنَّهُ جاءَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يُعْتَبَرُ صادِقًا فِيما دَعا إلَيْهِ، فَبَقِيَ تَحْقِيقُ أنَّ ما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى مُبِينٌ أوْ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا قَدِ اسْتَبْقاهُ كَلامُ فِرْعَوْنَ إلى ما بَعْدِ الوُقُوعِ والنُّزُولِ لِيَتَأتّى إنْكارُهُ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ. والثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الطَّوِيلَةُ. ووَصْفُ (ثُعْبانٌ) بِأنَّهُ (مُبِينٌ) الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ الَّذِي بِمَعْنى بانَ بِمَعْنى ظَهَرَ، فَـ (مُبِينٌ) دالٌّ عَلى شِدَّةِ الظُّهُورِ مِن أجْلِ أنْ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ: ثُعْبانٌ ظاهِرٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ لا لَبْسَ فِيهِ ولا تَخْيِيلَ. وبِالِاخْتِلافِ بَيْنَ (مُبِينٌ) الأوَّلِ و(مُبِينٌ) الثّانِي اخْتَلَفَتِ الفاصِلَتانِ مَعْنًى فَكانَتا مِن قَبِيلِ الجِناسِ ولَمْ تَكُونا مِمّا يُسَمّى مِثْلُهُ إيطاءً. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. والنَّزْعُ: سَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُحِيطُ بِهِ، ومِنهُ نَزْعُ اللِّباسِ، ونَزْعُ الدَّلْوِ مِنَ البِئْرِ. ونَزْعُ اليَدِ: إخْراجُها مِنَ القَمِيصِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَنزُوعِ مِنهُ لِظُهُورِهِ، أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِ قَمِيصِهِ. صفحة ١٢٤ ودَلَّتْ (إذا) المُفاجِئَةُ عَلى سُرْعَةِ انْقِلابِ لَوْنِ يَدِهِ بَياضًا. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلنّاظِرِينَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ الَّتِي يُسَمِّيها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ لامَ التَّعْدِيَةِ، أيِ اتِّصالِ مُتَعَلِّقِها بِمَجْرُورِها. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (عِنْدَ) ويَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ حالًا. وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: (﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾) . ومَعْنى (لِلنّاظِرِينَ) أنَّ بَياضَها مِمّا يَقْصِدُهُ النّاظِرُونَ لِأُعْجُوبَتِهِ، وكانَ لَوْنُ جِلْدِ مُوسى السُّمْرَةَ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاظِرِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ لِجَمِيعِ النّاظِرِينَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ. وهَذا يُفِيدُ أنَّ بَياضَها كانَ واضِحًا بَيِّنًا مُخالِفًا لَوْنَ جِلْدِهِ بِصُورَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ لَوْنِ البَرَصِ.

الشعراء 26:32

﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ . لَمّا رَأى مُوسى مِن مُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ النَّظَرِ ما لا مَطْمَعَ مَعَهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ مُتَعامٍ عَنِ الحَقِّ عَدَلَ مُوسى إلى إظْهارِ آيَةٍ مِن خَوارِقِ العادَةِ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ مَنافِذَ ادِّعاءِ عَدَمِ الرِّضى بِها. واسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا مَشُوبًا بِإنْكارٍ واسْتِغْرابٍ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ اجْتِزاءِ فِرْعَوْنَ بِالشَّيْءِ المُبِينِ، وأنَّهُ ساجِنُهُ لا مَحالَةَ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِإلَهِيَّةِ فِرْعَوْنَ، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِ مِن قَبْلِ الوُقُوعِ. وهَذا التَّقْدِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ (لَوْ) الوَصْلِيَّةُ الَّتِي هي لَفَرْضِ حالَةٍ خاصَّةٍ. فالواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ جِئْتُكَ) واوُ الحالِ، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ جَوابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]) . والتَّقْدِيرُ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ والحالُ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؛ إذِ القَصْدُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها شَرْطُ (لَوْ)؛ بِأنَّها أوْلى الحالاتِ بِأنْ لا يَثْبُتَ مَعَها صفحة ١٢٣ الغَرَضُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ عَلى فَرْضِ وُقُوعِها وهو غَرَضُ الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهو اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ. ولَيْسَتِ الواوُ مُؤَخَّرَةً عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ لِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ بَلْ هي لِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ. والعامِلُ في الحالِ وصاحِبُ الحالِ مُقَدَّرانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (لَأجْعَلَنَّكَ)، أيْ أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ. ووَصْفُ (شَيْءٍ) بِـ (مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُظْهِرٍ أنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتِزامِ الِاعْتِرافِ بِما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى فَجاءَ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ إذْ قالَ: (﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) . وفي قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ في كَلامِ فِرْعَوْنَ ما يَقْتَضِي أنَّ فَرْضَ صِدْقِ مُوسى فَرْضٌ ضَعِيفٌ كَما هو الغالِبُ في شَرْطِ (إنْ) مَعَ إيهامِ أنَّهُ جاءَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يُعْتَبَرُ صادِقًا فِيما دَعا إلَيْهِ، فَبَقِيَ تَحْقِيقُ أنَّ ما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى مُبِينٌ أوْ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا قَدِ اسْتَبْقاهُ كَلامُ فِرْعَوْنَ إلى ما بَعْدِ الوُقُوعِ والنُّزُولِ لِيَتَأتّى إنْكارُهُ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ. والثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الطَّوِيلَةُ. ووَصْفُ (ثُعْبانٌ) بِأنَّهُ (مُبِينٌ) الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ الَّذِي بِمَعْنى بانَ بِمَعْنى ظَهَرَ، فَـ (مُبِينٌ) دالٌّ عَلى شِدَّةِ الظُّهُورِ مِن أجْلِ أنْ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ: ثُعْبانٌ ظاهِرٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ لا لَبْسَ فِيهِ ولا تَخْيِيلَ. وبِالِاخْتِلافِ بَيْنَ (مُبِينٌ) الأوَّلِ و(مُبِينٌ) الثّانِي اخْتَلَفَتِ الفاصِلَتانِ مَعْنًى فَكانَتا مِن قَبِيلِ الجِناسِ ولَمْ تَكُونا مِمّا يُسَمّى مِثْلُهُ إيطاءً. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. والنَّزْعُ: سَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُحِيطُ بِهِ، ومِنهُ نَزْعُ اللِّباسِ، ونَزْعُ الدَّلْوِ مِنَ البِئْرِ. ونَزْعُ اليَدِ: إخْراجُها مِنَ القَمِيصِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَنزُوعِ مِنهُ لِظُهُورِهِ، أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِ قَمِيصِهِ. صفحة ١٢٤ ودَلَّتْ (إذا) المُفاجِئَةُ عَلى سُرْعَةِ انْقِلابِ لَوْنِ يَدِهِ بَياضًا. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلنّاظِرِينَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ الَّتِي يُسَمِّيها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ لامَ التَّعْدِيَةِ، أيِ اتِّصالِ مُتَعَلِّقِها بِمَجْرُورِها. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (عِنْدَ) ويَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ حالًا. وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: (﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾) . ومَعْنى (لِلنّاظِرِينَ) أنَّ بَياضَها مِمّا يَقْصِدُهُ النّاظِرُونَ لِأُعْجُوبَتِهِ، وكانَ لَوْنُ جِلْدِ مُوسى السُّمْرَةَ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاظِرِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ لِجَمِيعِ النّاظِرِينَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ. وهَذا يُفِيدُ أنَّ بَياضَها كانَ واضِحًا بَيِّنًا مُخالِفًا لَوْنَ جِلْدِهِ بِصُورَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ لَوْنِ البَرَصِ.

الشعراء 26:33

﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ . لَمّا رَأى مُوسى مِن مُكابَرَةِ فِرْعَوْنَ عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ النَّظَرِ ما لا مَطْمَعَ مَعَهُ إلى الِاسْتِرْسالِ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّهُ مُتَعامٍ عَنِ الحَقِّ عَدَلَ مُوسى إلى إظْهارِ آيَةٍ مِن خَوارِقِ العادَةِ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِ، وعَرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيَسُدَّ عَلَيْهِ مَنافِذَ ادِّعاءِ عَدَمِ الرِّضى بِها. واسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهامًا مَشُوبًا بِإنْكارٍ واسْتِغْرابٍ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ اجْتِزاءِ فِرْعَوْنَ بِالشَّيْءِ المُبِينِ، وأنَّهُ ساجِنُهُ لا مَحالَةَ إنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِإلَهِيَّةِ فِرْعَوْنَ، قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِ مِن قَبْلِ الوُقُوعِ. وهَذا التَّقْدِيرُ دَلَّتْ عَلَيْهِ (لَوْ) الوَصْلِيَّةُ الَّتِي هي لَفَرْضِ حالَةٍ خاصَّةٍ. فالواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ جِئْتُكَ) واوُ الحالِ، والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِالهَمْزَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ جَوابُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ: (﴿لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]) . والتَّقْدِيرُ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ والحالُ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؛ إذِ القَصْدُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ الحالَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها شَرْطُ (لَوْ)؛ بِأنَّها أوْلى الحالاتِ بِأنْ لا يَثْبُتَ مَعَها صفحة ١٢٣ الغَرَضُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ عَلى فَرْضِ وُقُوعِها وهو غَرَضُ الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وهو اسْتِفْهامٌ حَقِيقِيٌّ. ولَيْسَتِ الواوُ مُؤَخَّرَةً عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ لِحَرْفِ الِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ بَلْ هي لِعَطْفِ الِاسْتِفْهامِ. والعامِلُ في الحالِ وصاحِبُ الحالِ مُقَدَّرانِ دَلَّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ: (لَأجْعَلَنَّكَ)، أيْ أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ. ووَصْفُ (شَيْءٍ) بِـ (مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُظْهِرٍ أنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ. وأعْرَضَ فِرْعَوْنُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالتِزامِ الِاعْتِرافِ بِما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى فَجاءَ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ إذْ قالَ: (﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) . وفي قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ في كَلامِ فِرْعَوْنَ ما يَقْتَضِي أنَّ فَرْضَ صِدْقِ مُوسى فَرْضٌ ضَعِيفٌ كَما هو الغالِبُ في شَرْطِ (إنْ) مَعَ إيهامِ أنَّهُ جاءَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يُعْتَبَرُ صادِقًا فِيما دَعا إلَيْهِ، فَبَقِيَ تَحْقِيقُ أنَّ ما سَيَجِيءُ بِهِ مُوسى مُبِينٌ أوْ غَيْرُ مُبِينٍ. وهَذا قَدِ اسْتَبْقاهُ كَلامُ فِرْعَوْنَ إلى ما بَعْدِ الوُقُوعِ والنُّزُولِ لِيَتَأتّى إنْكارُهُ إنِ احْتاجَ إلَيْهِ. والثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الضَّخْمَةُ الطَّوِيلَةُ. ووَصْفُ (ثُعْبانٌ) بِأنَّهُ (مُبِينٌ) الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ الَّذِي بِمَعْنى بانَ بِمَعْنى ظَهَرَ، فَـ (مُبِينٌ) دالٌّ عَلى شِدَّةِ الظُّهُورِ مِن أجْلِ أنْ زِيادَةَ المَبْنى تَدُلُّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ: ثُعْبانٌ ظاهِرٌ أنَّهُ ثُعْبانٌ لا لَبْسَ فِيهِ ولا تَخْيِيلَ. وبِالِاخْتِلافِ بَيْنَ (مُبِينٌ) الأوَّلِ و(مُبِينٌ) الثّانِي اخْتَلَفَتِ الفاصِلَتانِ مَعْنًى فَكانَتا مِن قَبِيلِ الجِناسِ ولَمْ تَكُونا مِمّا يُسَمّى مِثْلُهُ إيطاءً. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. والنَّزْعُ: سَلُّ شَيْءٍ مِمّا يُحِيطُ بِهِ، ومِنهُ نَزْعُ اللِّباسِ، ونَزْعُ الدَّلْوِ مِنَ البِئْرِ. ونَزْعُ اليَدِ: إخْراجُها مِنَ القَمِيصِ، فَلِذَلِكَ اسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المَنزُوعِ مِنهُ لِظُهُورِهِ، أيْ أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِ قَمِيصِهِ. صفحة ١٢٤ ودَلَّتْ (إذا) المُفاجِئَةُ عَلى سُرْعَةِ انْقِلابِ لَوْنِ يَدِهِ بَياضًا. واللّامُ في قَوْلِهِ: (لِلنّاظِرِينَ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامَ الَّتِي يُسَمِّيها ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ لامَ التَّعْدِيَةِ، أيِ اتِّصالِ مُتَعَلِّقِها بِمَجْرُورِها. والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى (عِنْدَ) ويَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ حالًا. وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: (﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾) . ومَعْنى (لِلنّاظِرِينَ) أنَّ بَياضَها مِمّا يَقْصِدُهُ النّاظِرُونَ لِأُعْجُوبَتِهِ، وكانَ لَوْنُ جِلْدِ مُوسى السُّمْرَةَ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاظِرِينَ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، أيْ لِجَمِيعِ النّاظِرِينَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ. وهَذا يُفِيدُ أنَّ بَياضَها كانَ واضِحًا بَيِّنًا مُخالِفًا لَوْنَ جِلْدِهِ بِصُورَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ لَوْنِ البَرَصِ.

الشعراء 26:34

﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةً (بِسِحْرِهِ) وهو واضِحٌ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِلْمَلَأِ، وفي آيَةِ الأعْرافِ (﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩]) والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ لِمَن حَوْلَهُ فَأعادُوهُ بِلَفْظِهِ لِلْمُوافَقَةِ التّامَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِ: نَعَمْ، بَلْ أعادُوا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِيَكَونَ قَوْلُهم عَلى تَمامِ قَوْلِهِ. وانْتَصَبَ (حَوْلَهُ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. والظَّرْفُ هُنا مُسْتَقِرٌّ؛ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَلَأِ. وتَقَدَّمَ وجْهُ التَّعْبِيرِ عَنْ إشارَتِهِمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (تَأْمُرُونَ) في سُورَةِ الأعْرافِ.

الشعراء 26:35

﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةً (بِسِحْرِهِ) وهو واضِحٌ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِلْمَلَأِ، وفي آيَةِ الأعْرافِ (﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩]) والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ قالَهُ لِمَن حَوْلَهُ فَأعادُوهُ بِلَفْظِهِ لِلْمُوافَقَةِ التّامَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَكْتَفُوا بِقَوْلِ: نَعَمْ، بَلْ أعادُوا كَلامَ فِرْعَوْنَ لِيَكَونَ قَوْلُهم عَلى تَمامِ قَوْلِهِ. وانْتَصَبَ (حَوْلَهُ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ. والظَّرْفُ هُنا مُسْتَقِرٌّ؛ لِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَلَأِ. وتَقَدَّمَ وجْهُ التَّعْبِيرِ عَنْ إشارَتِهِمْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (تَأْمُرُونَ) في سُورَةِ الأعْرافِ.

الشعراء 26:36

﴿قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ (وابْعَثْ) بَدَلُ (وأرْسِلْ) وهُما مُتَرادِفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ (سَحّارٍ) وهُنالِكَ (ساحِرٌ) صفحة ١٢٥ والسَّحّارُ مُرادِفٌ لِلسّاحِرِ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ فَعّالٍ هُنا لِلنَّسَبِ دَلالَةً عَلى الصِّناعَةِ مِثْلَ النَّجّارِ والقَصّابِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ هُنا وهُناكَ بِوَصْفِ (عَلِيمٍ)، أيْ قَوِيِّ العِلْمِ بِالسِّحْرِ.

الشعراء 26:37

﴿قالُوا أرْجِهِ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ . تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ (وابْعَثْ) بَدَلُ (وأرْسِلْ) وهُما مُتَرادِفانِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ (سَحّارٍ) وهُنالِكَ (ساحِرٌ) صفحة ١٢٥ والسَّحّارُ مُرادِفٌ لِلسّاحِرِ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ فَعّالٍ هُنا لِلنَّسَبِ دَلالَةً عَلى الصِّناعَةِ مِثْلَ النَّجّارِ والقَصّابِ، ولِذَلِكَ أُتْبِعَ هُنا وهُناكَ بِوَصْفِ (عَلِيمٍ)، أيْ قَوِيِّ العِلْمِ بِالسِّحْرِ.

الشعراء 26:38

﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ . دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ جَمْعَ السَّحَرَةِ وقَعَ في أسْرَعِ وقْتٍ عَقِبَ بَعْثِ الحاشِرِينَ حِرْصًا مِنَ الحاشِرِينَ والمَحْشُورِينَ عَلى تَنْفِيذِ أمْرِ فِرْعَوْنَ. وبُنِيَ (جُمِعَ - وقِيلَ) لِلنّائِبِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ جامِعِينَ وقائِلِينَ، أيْ جَمَعَ مَن يَجْمَعُ وقالَ القائِلُونَ. واللّامُ في (لِمِيقاتِ) بِمَعْنى (عِنْدَ) كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]) . واليَوْمُ: هو يَوْمُ الزِّينَةِ وهو يَوْمُ وفاءِ النِّيلِ. والوَقْتُ هو الضُّحى كَما في سُورَةِ طه. والمِيقاتُ: الوَقْتُ، وأصْلُهُ اسْمُ آلَةِ التَّوْقِيتِ. سُمِّيَ بِهِ الوَقْتُ المُعَيَّنُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالآلَةِ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وهم ناسُ بَلْدَةِ فِرْعَوْنَ (مَنفِيسَ) أوْ (طِيبَةَ) . و(﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾) اسْتِحْثاثٌ لِلنّاسِ عَلى الِاجْتِماعِ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإسْراعِ بِالِاجْتِماعِ بِحَيْثُ نَزَلُوا مْنِزِلَةَ مَن يَسْألُ سُؤالَ تَحْقِيقٍ عَنْ عَزْمِهِ عَلى الِاجْتِماعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِـنَـا أوْ عَبْدِ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ صفحة ١٢٦ يُرِيدُ ابْعَثْ إلَيْنا دِينارًا أوْ عَبْدَ رَبٍّ سَرِيعًا لِأجْلِ حاجَتِنا بِأحَدِهِما. ورَجَوُا اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيِ اتِّباعَ ما يُؤَيِّدُهُ سِحْرُ السَّحَرَةِ وهو إبْطالُ دِينِ ما جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ قَوْلُهم: (﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾) كِنايَةً عَنْ رَجاءِ تَأْيِيدِهِمْ في إنْكارِ رِسالَةِ مُوسى فَلا يَتَّبِعُونَهُ. ولَيْسَ المَقْصُودُ أنْ يَصِيرَ السَّحَرَةُ أيِمَّةً لَهم؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ هو المُتَّبَعُ. وقَدْ جِيءَ في شَرْطِ (﴿إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾) بِحَرْفِ (إنْ)؛ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَكٌّ في أنَّ السَّحَرَةَ غالِبُونَ. وهَذا شَأْنُ المَغْرُورِينَ بِهَواهُمُ العُمْيِ عَنِ النَّظَرِ في تَقَلُّباتِ الأحْوالِ أنَّهم لا يَفْرِضُونَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ إلّا ما يُوافِقُ هَواهم ولا يَأْخُذُونَ العُدَّةَ لِاحْتِمالِ نَقِيضِهِ.

الشعراء 26:39

﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ . دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ جَمْعَ السَّحَرَةِ وقَعَ في أسْرَعِ وقْتٍ عَقِبَ بَعْثِ الحاشِرِينَ حِرْصًا مِنَ الحاشِرِينَ والمَحْشُورِينَ عَلى تَنْفِيذِ أمْرِ فِرْعَوْنَ. وبُنِيَ (جُمِعَ - وقِيلَ) لِلنّائِبِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ جامِعِينَ وقائِلِينَ، أيْ جَمَعَ مَن يَجْمَعُ وقالَ القائِلُونَ. واللّامُ في (لِمِيقاتِ) بِمَعْنى (عِنْدَ) كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]) . واليَوْمُ: هو يَوْمُ الزِّينَةِ وهو يَوْمُ وفاءِ النِّيلِ. والوَقْتُ هو الضُّحى كَما في سُورَةِ طه. والمِيقاتُ: الوَقْتُ، وأصْلُهُ اسْمُ آلَةِ التَّوْقِيتِ. سُمِّيَ بِهِ الوَقْتُ المُعَيَّنُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالآلَةِ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وهم ناسُ بَلْدَةِ فِرْعَوْنَ (مَنفِيسَ) أوْ (طِيبَةَ) . و(﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾) اسْتِحْثاثٌ لِلنّاسِ عَلى الِاجْتِماعِ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإسْراعِ بِالِاجْتِماعِ بِحَيْثُ نَزَلُوا مْنِزِلَةَ مَن يَسْألُ سُؤالَ تَحْقِيقٍ عَنْ عَزْمِهِ عَلى الِاجْتِماعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِـنَـا أوْ عَبْدِ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ صفحة ١٢٦ يُرِيدُ ابْعَثْ إلَيْنا دِينارًا أوْ عَبْدَ رَبٍّ سَرِيعًا لِأجْلِ حاجَتِنا بِأحَدِهِما. ورَجَوُا اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيِ اتِّباعَ ما يُؤَيِّدُهُ سِحْرُ السَّحَرَةِ وهو إبْطالُ دِينِ ما جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ قَوْلُهم: (﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾) كِنايَةً عَنْ رَجاءِ تَأْيِيدِهِمْ في إنْكارِ رِسالَةِ مُوسى فَلا يَتَّبِعُونَهُ. ولَيْسَ المَقْصُودُ أنْ يَصِيرَ السَّحَرَةُ أيِمَّةً لَهم؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ هو المُتَّبَعُ. وقَدْ جِيءَ في شَرْطِ (﴿إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾) بِحَرْفِ (إنْ)؛ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَكٌّ في أنَّ السَّحَرَةَ غالِبُونَ. وهَذا شَأْنُ المَغْرُورِينَ بِهَواهُمُ العُمْيِ عَنِ النَّظَرِ في تَقَلُّباتِ الأحْوالِ أنَّهم لا يَفْرِضُونَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ إلّا ما يُوافِقُ هَواهم ولا يَأْخُذُونَ العُدَّةَ لِاحْتِمالِ نَقِيضِهِ.

الشعراء 26:40

﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ . دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ جَمْعَ السَّحَرَةِ وقَعَ في أسْرَعِ وقْتٍ عَقِبَ بَعْثِ الحاشِرِينَ حِرْصًا مِنَ الحاشِرِينَ والمَحْشُورِينَ عَلى تَنْفِيذِ أمْرِ فِرْعَوْنَ. وبُنِيَ (جُمِعَ - وقِيلَ) لِلنّائِبِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ جامِعِينَ وقائِلِينَ، أيْ جَمَعَ مَن يَجْمَعُ وقالَ القائِلُونَ. واللّامُ في (لِمِيقاتِ) بِمَعْنى (عِنْدَ) كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]) . واليَوْمُ: هو يَوْمُ الزِّينَةِ وهو يَوْمُ وفاءِ النِّيلِ. والوَقْتُ هو الضُّحى كَما في سُورَةِ طه. والمِيقاتُ: الوَقْتُ، وأصْلُهُ اسْمُ آلَةِ التَّوْقِيتِ. سُمِّيَ بِهِ الوَقْتُ المُعَيَّنُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالآلَةِ. والتَّعْرِيفُ في (لِلنّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ، وهم ناسُ بَلْدَةِ فِرْعَوْنَ (مَنفِيسَ) أوْ (طِيبَةَ) . و(﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾) اسْتِحْثاثٌ لِلنّاسِ عَلى الِاجْتِماعِ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإسْراعِ بِالِاجْتِماعِ بِحَيْثُ نَزَلُوا مْنِزِلَةَ مَن يَسْألُ سُؤالَ تَحْقِيقٍ عَنْ عَزْمِهِ عَلى الِاجْتِماعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا: هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِـنَـا أوْ عَبْدِ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ صفحة ١٢٦ يُرِيدُ ابْعَثْ إلَيْنا دِينارًا أوْ عَبْدَ رَبٍّ سَرِيعًا لِأجْلِ حاجَتِنا بِأحَدِهِما. ورَجَوُا اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيِ اتِّباعَ ما يُؤَيِّدُهُ سِحْرُ السَّحَرَةِ وهو إبْطالُ دِينِ ما جاءَ بِهِ مُوسى، فَكانَ قَوْلُهم: (﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾) كِنايَةً عَنْ رَجاءِ تَأْيِيدِهِمْ في إنْكارِ رِسالَةِ مُوسى فَلا يَتَّبِعُونَهُ. ولَيْسَ المَقْصُودُ أنْ يَصِيرَ السَّحَرَةُ أيِمَّةً لَهم؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ هو المُتَّبَعُ. وقَدْ جِيءَ في شَرْطِ (﴿إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾) بِحَرْفِ (إنْ)؛ لِأنَّها أصْلُ أدَواتِ الشَّرْطِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَكٌّ في أنَّ السَّحَرَةَ غالِبُونَ. وهَذا شَأْنُ المَغْرُورِينَ بِهَواهُمُ العُمْيِ عَنِ النَّظَرِ في تَقَلُّباتِ الأحْوالِ أنَّهم لا يَفْرِضُونَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ إلّا ما يُوافِقُ هَواهم ولا يَأْخُذُونَ العُدَّةَ لِاحْتِمالِ نَقِيضِهِ.

الشعراء 26:41

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ: (وجاءَ السَّحَرَةُ) وبِطَرْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذْ قالَ هُناكَ: (إنَّ لَنا لَأجْرًا)، وهو تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ عِنْدَ إعادَتِها لِئَلّا تُعادَ كَما هي، وبِدُونِ كَلِمَةِ (إذا)، فَحَكى هُنا ما في كَلامِ فِرْعَوْنَ مِن دَلالَةٍ عَلى جَزاءِ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: (﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣]) زِيادَةً عَلى ما اقْتَضاهُ حَرْفُ (نَعَمْ) مِن تَقْرِيرِ اسْتِفْهامِهِمْ عَنِ الأجْرِ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ كُنْتُمْ غالِبِينَ إذًا إنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. وهَذا وقَعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ فَهو زِيادَةٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ هُنا. وكَذَلِكَ شَأْنُ القُرْآنِ في قَصَصِهِ أنْ لا يَخْلُوَ المَعادُ مِنها عَنْ فائِدَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ في في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنهُ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. وسُؤالُهم عَنِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ إدْلالٌ بِخِبْرَتِهِمْ وبِالحاجَةِ إلَيْهِمْ إذْ عَلِمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ شَدِيدُ الحِرْصِ عَلى أنْ يَكُونُوا غالِبِينَ وخافُوا أنْ يُسَخِّرَهم فِرْعَوْنُ بِدُونِ أجْرٍ فَشَرَطُوا أجْرَهم مِن قَبْلِ الشُّرُوعِ في العَمَلِ لِيُقَيِّدُوهُ بِوَعْدِهِ.

الشعراء 26:42

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أئِنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ . تَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ: (وجاءَ السَّحَرَةُ) وبِطَرْحِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ إذْ قالَ هُناكَ: (إنَّ لَنا لَأجْرًا)، وهو تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ عِنْدَ إعادَتِها لِئَلّا تُعادَ كَما هي، وبِدُونِ كَلِمَةِ (إذا)، فَحَكى هُنا ما في كَلامِ فِرْعَوْنَ مِن دَلالَةٍ عَلى جَزاءِ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: (﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣]) زِيادَةً عَلى ما اقْتَضاهُ حَرْفُ (نَعَمْ) مِن تَقْرِيرِ اسْتِفْهامِهِمْ عَنِ الأجْرِ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: إنْ كُنْتُمْ غالِبِينَ إذًا إنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. وهَذا وقَعَ الِاسْتِغْناءُ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ فَهو زِيادَةٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ هُنا. وكَذَلِكَ شَأْنُ القُرْآنِ في قَصَصِهِ أنْ لا يَخْلُوَ المَعادُ مِنها عَنْ فائِدَةٍ غَيْرِ مَذْكُورَةٍ في في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنهُ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. وسُؤالُهم عَنِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ إدْلالٌ بِخِبْرَتِهِمْ وبِالحاجَةِ إلَيْهِمْ إذْ عَلِمُوا أنَّ فِرْعَوْنَ شَدِيدُ الحِرْصِ عَلى أنْ يَكُونُوا غالِبِينَ وخافُوا أنْ يُسَخِّرَهم فِرْعَوْنُ بِدُونِ أجْرٍ فَشَرَطُوا أجْرَهم مِن قَبْلِ الشُّرُوعِ في العَمَلِ لِيُقَيِّدُوهُ بِوَعْدِهِ.

الشعراء 26:43

﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ . حُكِيَ كَلامُ مُوسى في ذَلِكَ الجَمْعِ بِإعادَةِ فِعْلِ (قالَ) مَفْصُولًا بِطَرِيقَةِ حِكايَةِ صفحة ١٢٧ المُحاوَراتِ؛ لِأنَّهُ كانَ المَقْصُودَ بِالمُحاوَرَةِ إذْ هم حَضَرُوا لِأجْلِهِ. ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ قالَ ألْقُوا﴾ [الأعراف: ١١٥])، واخْتُصِرَ هُنا تَخْيِيرُهم مُوسى في الِابْتِداءِ بِالأعْمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ هُناكَ، فَقَوْلُ مُوسى لَهم: (ألْقُوا) المَحْكِيُّ هُنا هو أمْرٌ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمُ المُبْتَدِئِينَ بِالإلْقاءِ لِتَعَقُّبِهِ إبْطالَ سِحْرِهِمْ بِما سَيُلْقِيهِمُوسى، كَما يَقُولُ صاحِبُ الجَدَلِ في عِلْمِ الكَلامِ لِلْمُلْحِدِ: قَرِّرْ شُبْهَتَكَ، وهو يُرِيدُ أنْ يَدْحَضَها لَهُ. وهَذا عَضُدُ الدِّينِ في كِتابِ المَواقِفِ يَذْكُرُ شُبَهَ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ قَبْلَ ذِكْرِ الأدِلَّةِ النّاقِضَةِ لَها. وتَقَدَّمَ الإلْقاءُ آنِفًا. وذُكِرَ هُنا مَفْعُولُ (ألْقَوْا) واخْتُصِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وفِي كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتِخْفافٌ بِما سَيُلْقُونَهُ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَة العُمُومِ، أيْ ما تَسْتَطِيعُونَ إلْقاءَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الحِبالِ والعِصِيِّ في السِّحْرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طه. وقُرِنَتْ حِكايَةُ قَوْلِ السِّحْرِ بِالواوِ خِلافًا لِلْحِكاياتِ الَّتِي سَبَقَتْها؛ لِأنَّ هَذا قَوْلٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ المُحاوَرَةُ وإنَّما هو قَوْلٌ ابْتَدَءُوا بِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في السِّحْرِ اسْتِعانَةً وتَيَمُّنًا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ. فالباءُ في قَوْلِهِمْ: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) كالباءِ في (بِسْمِ اللَّهِ): أرادُوا التَّيَمُّنَ بِقُدْرَةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ: أقْسَمُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ ثِقَةً مِنهم بِاعْتِقادِ ضَلالِهِمْ أنَّ إرادَةَ فِرْعَوْنَ لا يَغْلِبُها أحَدٌ؛ لِأنَّها إرادَةُ آلِهَتِهِمْ. وهَذا الَّذِي نَحّاهُ المُفَسِّرُونَ والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ عَلى مُقْتَضاهُ تُفِيدانِ فائِدَتَيْنِ. والعِزَّةُ: القُدْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]) في البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾) اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾): كَأنَّ السّامِعَ هو مُوسى أوْ غَيْرُهُ يَقُولُ في نَفْسِهِ: ماذا يُؤَثِّرُ قَوْلُهم (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾) ؟ فَيَقُولُونَ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾)، وأرادُوا بِذَلِكَ إلْقاءَ الخَوْفِ في نَفْسِ مُوسى لِيَكُونَ ما سَيُلْقِيهِ في نَوْبَتِهِ عَنْ خَوَرِ نَفْسٍ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ العَزِيمَةَ مِن أكْبَرِ أسْبابِ نَجاحِ السِّحْرِ وتَأْثِيرِهِ عَلى النّاظِرِينَ. وقَدْ أفادَتْ جُمْلَةُ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾) بِما فِيها مِنَ المُؤَكِّداتِ مُفادَ القَسْمِ.

الشعراء 26:44

﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ . حُكِيَ كَلامُ مُوسى في ذَلِكَ الجَمْعِ بِإعادَةِ فِعْلِ (قالَ) مَفْصُولًا بِطَرِيقَةِ حِكايَةِ صفحة ١٢٧ المُحاوَراتِ؛ لِأنَّهُ كانَ المَقْصُودَ بِالمُحاوَرَةِ إذْ هم حَضَرُوا لِأجْلِهِ. ووَقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ قالَ ألْقُوا﴾ [الأعراف: ١١٥])، واخْتُصِرَ هُنا تَخْيِيرُهم مُوسى في الِابْتِداءِ بِالأعْمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ هُناكَ، فَقَوْلُ مُوسى لَهم: (ألْقُوا) المَحْكِيُّ هُنا هو أمْرٌ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِمُ المُبْتَدِئِينَ بِالإلْقاءِ لِتَعَقُّبِهِ إبْطالَ سِحْرِهِمْ بِما سَيُلْقِيهِمُوسى، كَما يَقُولُ صاحِبُ الجَدَلِ في عِلْمِ الكَلامِ لِلْمُلْحِدِ: قَرِّرْ شُبْهَتَكَ، وهو يُرِيدُ أنْ يَدْحَضَها لَهُ. وهَذا عَضُدُ الدِّينِ في كِتابِ المَواقِفِ يَذْكُرُ شُبَهَ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ قَبْلَ ذِكْرِ الأدِلَّةِ النّاقِضَةِ لَها. وتَقَدَّمَ الإلْقاءُ آنِفًا. وذُكِرَ هُنا مَفْعُولُ (ألْقَوْا) واخْتُصِرَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وفِي كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتِخْفافٌ بِما سَيُلْقُونَهُ؛ لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَة العُمُومِ، أيْ ما تَسْتَطِيعُونَ إلْقاءَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الحِبالِ والعِصِيِّ في السِّحْرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طه. وقُرِنَتْ حِكايَةُ قَوْلِ السِّحْرِ بِالواوِ خِلافًا لِلْحِكاياتِ الَّتِي سَبَقَتْها؛ لِأنَّ هَذا قَوْلٌ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ المُحاوَرَةُ وإنَّما هو قَوْلٌ ابْتَدَءُوا بِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ في السِّحْرِ اسْتِعانَةً وتَيَمُّنًا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ. فالباءُ في قَوْلِهِمْ: (بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ) كالباءِ في (بِسْمِ اللَّهِ): أرادُوا التَّيَمُّنَ بِقُدْرَةِ فِرْعَوْنَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ الباءُ لِلْقَسَمِ: أقْسَمُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ ثِقَةً مِنهم بِاعْتِقادِ ضَلالِهِمْ أنَّ إرادَةَ فِرْعَوْنَ لا يَغْلِبُها أحَدٌ؛ لِأنَّها إرادَةُ آلِهَتِهِمْ. وهَذا الَّذِي نَحّاهُ المُفَسِّرُونَ والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ عَلى مُقْتَضاهُ تُفِيدانِ فائِدَتَيْنِ. والعِزَّةُ: القُدْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]) في البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾) اسْتِئْنافُ إنْشاءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾): كَأنَّ السّامِعَ هو مُوسى أوْ غَيْرُهُ يَقُولُ في نَفْسِهِ: ماذا يُؤَثِّرُ قَوْلُهم (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾) ؟ فَيَقُولُونَ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾)، وأرادُوا بِذَلِكَ إلْقاءَ الخَوْفِ في نَفْسِ مُوسى لِيَكُونَ ما سَيُلْقِيهِ في نَوْبَتِهِ عَنْ خَوَرِ نَفْسٍ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ العَزِيمَةَ مِن أكْبَرِ أسْبابِ نَجاحِ السِّحْرِ وتَأْثِيرِهِ عَلى النّاظِرِينَ. وقَدْ أفادَتْ جُمْلَةُ (﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾) بِما فِيها مِنَ المُؤَكِّداتِ مُفادَ القَسْمِ.

الشعراء 26:45

صفحة ١٢٨ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَّفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ طَه.

الشعراء 26:46

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ ءاْمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ . قَصَدَ فِرْعَوْنُ إرْهابَهم بِهَذا الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. ونَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، ونَظِيرُ آخِرِها تَقَدَّمَ فِيها وفي سُورَةِ طه. وهُنالِكَ ذَكَرْنا عَدَدَ السَّحَرَةِ وكَيْفَ آمَنُوا. واللّامُ في (فَلَسَوْفَ) لامُ القَسَمِ.

الشعراء 26:47

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ ءاْمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ . قَصَدَ فِرْعَوْنُ إرْهابَهم بِهَذا الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. ونَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، ونَظِيرُ آخِرِها تَقَدَّمَ فِيها وفي سُورَةِ طه. وهُنالِكَ ذَكَرْنا عَدَدَ السَّحَرَةِ وكَيْفَ آمَنُوا. واللّامُ في (فَلَسَوْفَ) لامُ القَسَمِ.

الشعراء 26:48

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ ءاْمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ . قَصَدَ فِرْعَوْنُ إرْهابَهم بِهَذا الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. ونَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، ونَظِيرُ آخِرِها تَقَدَّمَ فِيها وفي سُورَةِ طه. وهُنالِكَ ذَكَرْنا عَدَدَ السَّحَرَةِ وكَيْفَ آمَنُوا. واللّامُ في (فَلَسَوْفَ) لامُ القَسَمِ.

الشعراء 26:49

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ ءاْمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ . قَصَدَ فِرْعَوْنُ إرْهابَهم بِهَذا الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ. ونَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، ونَظِيرُ آخِرِها تَقَدَّمَ فِيها وفي سُورَةِ طه. وهُنالِكَ ذَكَرْنا عَدَدَ السَّحَرَةِ وكَيْفَ آمَنُوا. واللّامُ في (فَلَسَوْفَ) لامُ القَسَمِ.

الشعراء 26:50

﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ . الضَّيْرُ: مُرادِفُ الضُّرِّ، يُقالُ: ضارَهُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ يَضِيرُهُ، ومَعْنى (لا ضَيْرَ) لا يَضُرُّنا وعِيدُكَ. ومَعْنى نَفْيِ ضُرِّهِ هُنا: أنَّهُ ضُرُّ لَحْظَةٍ يَحْصُلُ عَقِبَهُ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَهو بِالنِّسْبَةِ لِما تَعَقَّبَهُ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في النَّفْيِ إذا قامَتْ عَلَيْها قَرِينَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهم: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، أيْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّ وُجُودَهُ كالعَدَمِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾) تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، وهي القَرِينَةُ عَلى المُرادِ مِنَ النَّفْيِ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾) . والطَّمَعُ: يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ الضَّعِيفِ، وعُرِفَ بِطَلَبِ ما فِيهِ صفحة ١٢٩ عُسْرٌ. ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ كَما في قَوْلِ إبْراهِيمَ: (﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢])، فَهَذا الإطْلاقُ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. وعَلَّلُوا ذَلِكَ الطَّمَعَ بِأنَّهم كانُوا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ بِتَصْدِيقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى رُسُوخِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ووَعْدِهِ.

الشعراء 26:51

﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ . الضَّيْرُ: مُرادِفُ الضُّرِّ، يُقالُ: ضارَهُ بِتَخْفِيفِ الرّاءِ يَضِيرُهُ، ومَعْنى (لا ضَيْرَ) لا يَضُرُّنا وعِيدُكَ. ومَعْنى نَفْيِ ضُرِّهِ هُنا: أنَّهُ ضُرُّ لَحْظَةٍ يَحْصُلُ عَقِبَهُ النَّعِيمُ الدّائِمُ فَهو بِالنِّسْبَةِ لِما تَعَقَّبَهُ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في النَّفْيِ إذا قامَتْ عَلَيْها قَرِينَةٌ. ومِنهُ قَوْلُهم: هَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، أيْ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّ وُجُودَهُ كالعَدَمِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾) تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، وهي القَرِينَةُ عَلى المُرادِ مِنَ النَّفْيِ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا﴾) بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِن جُمْلَةِ (﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾) . والطَّمَعُ: يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ الضَّعِيفِ، وعُرِفَ بِطَلَبِ ما فِيهِ صفحة ١٢٩ عُسْرٌ. ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الظَّنُّ كَما في قَوْلِ إبْراهِيمَ: (﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢])، فَهَذا الإطْلاقُ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ. وعَلَّلُوا ذَلِكَ الطَّمَعَ بِأنَّهم كانُوا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ بِتَصْدِيقِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى رُسُوخِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ ووَعْدِهِ.

الشعراء 26:52

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اسْرِ بِعِبادِيَ إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ . هَذِهِ قَصَّةٌ أُخْرى مِن أحْوالِ مُوسى في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ، فالواوُ لِعَطْفِ القِصَّةِ، ولا تُفِيدُ قُرْبَ القِصَّةِ مِنَ القِصَّةِ فَقَدْ لَبِثَ مُوسى زَمَنًا يُطالِبُ فِرْعَوْنَ بِإطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَخْرُجُوا مِن مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ يُماطِلُ في ذَلِكَ حَتّى رَأى الآياتِ التِّسْعَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. ونَظِيرُ بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه. وزادَتْ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: (﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾)، أيْ أعْلَمَ اللَّهُ مُوسى أنَّ فِرْعَوْنَ سَيَتْبَعُهم بِجُنْدِهِ كَما في آيَةِ سُورَةِ طَه. والقَصْدُ مِن إعْلامِهِ بِذَلِكَ تَشْجِيعُهُ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (اسْرِ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ فِعْلَ أمْرٍ مِن (سَرى) وبِكَسْرِ نُونِ (أنِ) لِأجْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ نُونِ (أنْ) . وفِعْلا سَرى وأسْرى مُتَّحِدانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ [الإسراء: ١]) .

الشعراء 26:53

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ . ظاهِرُ تَرْتِيبِ الجُمَلِ يَقْتَضِي أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [الشعراء: ٥٢]) وأنَّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَأسْرى مُوسى وخَرَجَ بِهِمْ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ حاشِرِينَ، أيْ لَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَنْتَشِرُوا في مَدائِنِ مِصْرَ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ شُرَطًا يَحْشُرُونَ النّاسَ لِيَلْحَقُوا بَنِي إسْرائِيلَ فَيَرُدُّوهم إلى المَدِينَةِ قاعِدَةِ المُلْكِ. والمَدائِنُ: جَمْعُ مَدِينَةٍ، أيِ: البَلَدُ العَظِيمُ. ومَدائِنُ القُطْرِ المِصْرِيِّ يَوْمَئِذٍ كَثِيرَةٌ. مِنها (مانُوفِرى أوْ مَنفِيسُ) هي اليَوْمَ مَيِتْ رَهِينَةٍ بِالجِيزَةِ و(تِيبَةُ أوْ طِيبَةُ) هي صفحة ١٣٠ بِالأُقْصُرِ و(أبُودُو) وتُسَمّى اليَوْمَ العَرابَةَ المَدْفُونَةَ، و(أبُو) وهي (بُو) وهي إدْنُو، و(أوْنُ رَمِيسَي)، و(أرْمِنتُ) و(سَنى) وهي أسَناءُ و(ساوَرَتْ) وهي السِّيُوطُ، و(خَمُونُو) وهي الأشْمُونِيِّينَ، و(بامازِيتُ) وهي البَهْنَسا، و(خِسْوُو) وهي سَخا، و(كارِيَينا) وهي سَدُّ أبِي قَيْرَةَ، و(سُودُو) وهي الفَيُّومُ، و(كُويتي) وهي قِفْطُ. والتَّعْرِيفُ في (المَدائِنِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: في مَدائِنِ القُطْرِ المِصْرِيِّ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: المَدائِنُ الَّتِي لِحُكْمِ فِرْعَوْنَ أوِ المَظْنُونُ وُقُوعُها قُرْبَ طَرِيقِهِمْ. وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ أيْنَ اتَّجَهَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأرادَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم في كُلِّ طَرِيقٍ يَظُنُّ مُرُورَهم بِهِ. وكانَ لا يَدْرِي لَعَلَّهم تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشّامِ، أوْ صَوْبَ الصَّحْراءِ الغَرْبِيَّةِ، وما كانَ يَظُنُّ أنَّهم يَقْصِدُونَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وكانَ يَوْمَئِذٍ يُسَمّى بَحْرَ (سُوفَ) . وجُمْلَةُ (﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ (حاشِرِينَ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى النِّداءِ، أيْ يَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى حاضِرٍ في أذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ شاعَ في أقْطارِ مِصْرَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ جَمْعِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ لِلسَّحَرَةِ خاصَّةً؛ إذْ لا يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ القِصَّةِ. وفِي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرٍ لِشَأْنِهِمْ أكَّدَهُ التَّصْرِيحُ بِأنَّهم شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والشِّرْذِمَةُ: الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ النّاسِ، هَكَذا فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَإتْباعُهُ بِوَصْفِ (قَلِيلُونَ) لِلتَّأْكِيدِ لِدَفْعِ احْتِمالِ اسْتِعْمالِها في تَحْقِيرِ الشَّأْنِ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِ فِرْعَوْنَ، فَقَدْ كانَ عَدَدُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خَرَجُوا سِتَّمِائَةَ ألْفٍ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وهو مُوافِقٌ لِما في سِفْرِ العَدَدِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ. و(قَلِيلُونَ) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَهو وصْفٌ في المَعْنى لِمَدْلُولِ (هَؤُلاءِ) ولَيْسَ وصْفًا لِشِرْذِمَةٍ ولَكِنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْناها ولِهَذا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لَيْسَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ. صفحة ١٣١ و(قَلِيلٌ) إذا وُصِفَ بِهِ يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما هُنا، ويَجُوزُ مُلازَمَتُهُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما قالَ السَّمَوْءَلُ أوِ الحارِثِيُّ: وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ . . . . . البَيْتَ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ لَفْظُ (كَثِيرٌ) وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] . و(غائِظُونَ) اسْمُ فاعِلٍ مَن غاظَهُ الَّذِي هو بِمَعْنى أغاظَهُ، أيْ: جَعَلَهُ ذا غَيْظٍ. والغَيْظُ: أشَدُّ الغَضَبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] في سُورَةِ بَراءَةٌ، أيْ: وأنَّهم فاعِلُونَ ما يُغْضِبُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَنا) لامُ التَّقْوِيَةِ واللّامُ في (لَغائِظُونَ) لامُ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) عَلى (لَغائِظُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: (﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونِ﴾) حَثٌّ لِأهْلِ المَدائِنِ عَلى أنْ يَكُونُوا حَذِرِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (لَجَمِيعٌ) وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ في سِياسَةِ المَمْلَكَةِ، أيْ: إنّا كُلَّنا حَذِرُونَ، فَ (جَمِيعٌ) وقَعَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (حَذِرُونَ)، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، و(جَمِيعٌ) بِمَعْنى (كُلٍّ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] في سُورَةِ يُونُسَ. و(حَذِرُونَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الحاءِ فَهو جَمْعُ حَذِرٍ وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وخَلَفٍ بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ جَمْعُ (حاذِرٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. والمَعْنى: أنَّ الحَذَرَ مِن شِيمَتِهِ وعادَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الأُمَّةُ مَعَهُ في ذَلِكَ، أيْ: إنّا مِن عادَتِنا التَّيَقُّظُ لِلْحَوادِثِ والحَذَرُ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ لَها مِن سَيِّئِ العَواقِبِ. وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ السِّياسَةِ وهو سَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ ولَوْ كانَ احْتِمالُ إفْضائِها إلى الفَسادِ ضَعِيفًا، فالذَّرائِعُ المُلْغاةُ في التَّشْرِيعِ في حُقُوقِ الخُصُوصِ غَيْرُ مُلْغاةٍ في سِياسَةِ العُمُومِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الشَّرِيعَةِ: إنَّ نَظَرَ وُلاةِ الأُمُورِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ أوْسَعُ مِن نَظَرِ القُضاةِ، فالحَذَرُ أوْسَعُ مِن حِفْظِ الحُقُوقِ وهو الخَوْفُ صفحة ١٣٢ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ ضارٍّ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والتَّرَصُّدُ لِمَنعِ وُقُوعِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] في بَراءَةٌ. والمَحْمُودُ مِنهُ هو الخَوْفُ مِنَ الضّارِّ عِنْدَ احْتِمالِ حُدُوثِهِ دُونَ الأمْرِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فالحَذَرُ مِنهُ ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ. وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَحْذُورُ هو الِاغْتِرارَ بِإيمانِ السَّحَرَةِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ مُوسى ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خُرُوجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْذَرُ مِنهُ وإنَّما يَكُونُ السَّعْيُ في الِانْتِقامِ مِنهم.

الشعراء 26:54

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ . ظاهِرُ تَرْتِيبِ الجُمَلِ يَقْتَضِي أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [الشعراء: ٥٢]) وأنَّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَأسْرى مُوسى وخَرَجَ بِهِمْ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ حاشِرِينَ، أيْ لَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَنْتَشِرُوا في مَدائِنِ مِصْرَ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ شُرَطًا يَحْشُرُونَ النّاسَ لِيَلْحَقُوا بَنِي إسْرائِيلَ فَيَرُدُّوهم إلى المَدِينَةِ قاعِدَةِ المُلْكِ. والمَدائِنُ: جَمْعُ مَدِينَةٍ، أيِ: البَلَدُ العَظِيمُ. ومَدائِنُ القُطْرِ المِصْرِيِّ يَوْمَئِذٍ كَثِيرَةٌ. مِنها (مانُوفِرى أوْ مَنفِيسُ) هي اليَوْمَ مَيِتْ رَهِينَةٍ بِالجِيزَةِ و(تِيبَةُ أوْ طِيبَةُ) هي صفحة ١٣٠ بِالأُقْصُرِ و(أبُودُو) وتُسَمّى اليَوْمَ العَرابَةَ المَدْفُونَةَ، و(أبُو) وهي (بُو) وهي إدْنُو، و(أوْنُ رَمِيسَي)، و(أرْمِنتُ) و(سَنى) وهي أسَناءُ و(ساوَرَتْ) وهي السِّيُوطُ، و(خَمُونُو) وهي الأشْمُونِيِّينَ، و(بامازِيتُ) وهي البَهْنَسا، و(خِسْوُو) وهي سَخا، و(كارِيَينا) وهي سَدُّ أبِي قَيْرَةَ، و(سُودُو) وهي الفَيُّومُ، و(كُويتي) وهي قِفْطُ. والتَّعْرِيفُ في (المَدائِنِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: في مَدائِنِ القُطْرِ المِصْرِيِّ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: المَدائِنُ الَّتِي لِحُكْمِ فِرْعَوْنَ أوِ المَظْنُونُ وُقُوعُها قُرْبَ طَرِيقِهِمْ. وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ أيْنَ اتَّجَهَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأرادَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم في كُلِّ طَرِيقٍ يَظُنُّ مُرُورَهم بِهِ. وكانَ لا يَدْرِي لَعَلَّهم تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشّامِ، أوْ صَوْبَ الصَّحْراءِ الغَرْبِيَّةِ، وما كانَ يَظُنُّ أنَّهم يَقْصِدُونَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وكانَ يَوْمَئِذٍ يُسَمّى بَحْرَ (سُوفَ) . وجُمْلَةُ (﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ (حاشِرِينَ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى النِّداءِ، أيْ يَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى حاضِرٍ في أذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ شاعَ في أقْطارِ مِصْرَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ جَمْعِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ لِلسَّحَرَةِ خاصَّةً؛ إذْ لا يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ القِصَّةِ. وفِي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرٍ لِشَأْنِهِمْ أكَّدَهُ التَّصْرِيحُ بِأنَّهم شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والشِّرْذِمَةُ: الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ النّاسِ، هَكَذا فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَإتْباعُهُ بِوَصْفِ (قَلِيلُونَ) لِلتَّأْكِيدِ لِدَفْعِ احْتِمالِ اسْتِعْمالِها في تَحْقِيرِ الشَّأْنِ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِ فِرْعَوْنَ، فَقَدْ كانَ عَدَدُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خَرَجُوا سِتَّمِائَةَ ألْفٍ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وهو مُوافِقٌ لِما في سِفْرِ العَدَدِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ. و(قَلِيلُونَ) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَهو وصْفٌ في المَعْنى لِمَدْلُولِ (هَؤُلاءِ) ولَيْسَ وصْفًا لِشِرْذِمَةٍ ولَكِنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْناها ولِهَذا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لَيْسَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ. صفحة ١٣١ و(قَلِيلٌ) إذا وُصِفَ بِهِ يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما هُنا، ويَجُوزُ مُلازَمَتُهُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما قالَ السَّمَوْءَلُ أوِ الحارِثِيُّ: وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ . . . . . البَيْتَ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ لَفْظُ (كَثِيرٌ) وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] . و(غائِظُونَ) اسْمُ فاعِلٍ مَن غاظَهُ الَّذِي هو بِمَعْنى أغاظَهُ، أيْ: جَعَلَهُ ذا غَيْظٍ. والغَيْظُ: أشَدُّ الغَضَبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] في سُورَةِ بَراءَةٌ، أيْ: وأنَّهم فاعِلُونَ ما يُغْضِبُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَنا) لامُ التَّقْوِيَةِ واللّامُ في (لَغائِظُونَ) لامُ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) عَلى (لَغائِظُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: (﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونِ﴾) حَثٌّ لِأهْلِ المَدائِنِ عَلى أنْ يَكُونُوا حَذِرِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (لَجَمِيعٌ) وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ في سِياسَةِ المَمْلَكَةِ، أيْ: إنّا كُلَّنا حَذِرُونَ، فَ (جَمِيعٌ) وقَعَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (حَذِرُونَ)، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، و(جَمِيعٌ) بِمَعْنى (كُلٍّ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] في سُورَةِ يُونُسَ. و(حَذِرُونَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الحاءِ فَهو جَمْعُ حَذِرٍ وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وخَلَفٍ بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ جَمْعُ (حاذِرٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. والمَعْنى: أنَّ الحَذَرَ مِن شِيمَتِهِ وعادَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الأُمَّةُ مَعَهُ في ذَلِكَ، أيْ: إنّا مِن عادَتِنا التَّيَقُّظُ لِلْحَوادِثِ والحَذَرُ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ لَها مِن سَيِّئِ العَواقِبِ. وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ السِّياسَةِ وهو سَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ ولَوْ كانَ احْتِمالُ إفْضائِها إلى الفَسادِ ضَعِيفًا، فالذَّرائِعُ المُلْغاةُ في التَّشْرِيعِ في حُقُوقِ الخُصُوصِ غَيْرُ مُلْغاةٍ في سِياسَةِ العُمُومِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الشَّرِيعَةِ: إنَّ نَظَرَ وُلاةِ الأُمُورِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ أوْسَعُ مِن نَظَرِ القُضاةِ، فالحَذَرُ أوْسَعُ مِن حِفْظِ الحُقُوقِ وهو الخَوْفُ صفحة ١٣٢ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ ضارٍّ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والتَّرَصُّدُ لِمَنعِ وُقُوعِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] في بَراءَةٌ. والمَحْمُودُ مِنهُ هو الخَوْفُ مِنَ الضّارِّ عِنْدَ احْتِمالِ حُدُوثِهِ دُونَ الأمْرِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فالحَذَرُ مِنهُ ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ. وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَحْذُورُ هو الِاغْتِرارَ بِإيمانِ السَّحَرَةِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ مُوسى ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خُرُوجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْذَرُ مِنهُ وإنَّما يَكُونُ السَّعْيُ في الِانْتِقامِ مِنهم.

الشعراء 26:55

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ . ظاهِرُ تَرْتِيبِ الجُمَلِ يَقْتَضِي أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [الشعراء: ٥٢]) وأنَّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَأسْرى مُوسى وخَرَجَ بِهِمْ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ حاشِرِينَ، أيْ لَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَنْتَشِرُوا في مَدائِنِ مِصْرَ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ شُرَطًا يَحْشُرُونَ النّاسَ لِيَلْحَقُوا بَنِي إسْرائِيلَ فَيَرُدُّوهم إلى المَدِينَةِ قاعِدَةِ المُلْكِ. والمَدائِنُ: جَمْعُ مَدِينَةٍ، أيِ: البَلَدُ العَظِيمُ. ومَدائِنُ القُطْرِ المِصْرِيِّ يَوْمَئِذٍ كَثِيرَةٌ. مِنها (مانُوفِرى أوْ مَنفِيسُ) هي اليَوْمَ مَيِتْ رَهِينَةٍ بِالجِيزَةِ و(تِيبَةُ أوْ طِيبَةُ) هي صفحة ١٣٠ بِالأُقْصُرِ و(أبُودُو) وتُسَمّى اليَوْمَ العَرابَةَ المَدْفُونَةَ، و(أبُو) وهي (بُو) وهي إدْنُو، و(أوْنُ رَمِيسَي)، و(أرْمِنتُ) و(سَنى) وهي أسَناءُ و(ساوَرَتْ) وهي السِّيُوطُ، و(خَمُونُو) وهي الأشْمُونِيِّينَ، و(بامازِيتُ) وهي البَهْنَسا، و(خِسْوُو) وهي سَخا، و(كارِيَينا) وهي سَدُّ أبِي قَيْرَةَ، و(سُودُو) وهي الفَيُّومُ، و(كُويتي) وهي قِفْطُ. والتَّعْرِيفُ في (المَدائِنِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: في مَدائِنِ القُطْرِ المِصْرِيِّ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: المَدائِنُ الَّتِي لِحُكْمِ فِرْعَوْنَ أوِ المَظْنُونُ وُقُوعُها قُرْبَ طَرِيقِهِمْ. وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ أيْنَ اتَّجَهَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأرادَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم في كُلِّ طَرِيقٍ يَظُنُّ مُرُورَهم بِهِ. وكانَ لا يَدْرِي لَعَلَّهم تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشّامِ، أوْ صَوْبَ الصَّحْراءِ الغَرْبِيَّةِ، وما كانَ يَظُنُّ أنَّهم يَقْصِدُونَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وكانَ يَوْمَئِذٍ يُسَمّى بَحْرَ (سُوفَ) . وجُمْلَةُ (﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ (حاشِرِينَ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى النِّداءِ، أيْ يَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى حاضِرٍ في أذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ شاعَ في أقْطارِ مِصْرَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ جَمْعِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ لِلسَّحَرَةِ خاصَّةً؛ إذْ لا يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ القِصَّةِ. وفِي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرٍ لِشَأْنِهِمْ أكَّدَهُ التَّصْرِيحُ بِأنَّهم شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والشِّرْذِمَةُ: الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ النّاسِ، هَكَذا فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَإتْباعُهُ بِوَصْفِ (قَلِيلُونَ) لِلتَّأْكِيدِ لِدَفْعِ احْتِمالِ اسْتِعْمالِها في تَحْقِيرِ الشَّأْنِ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِ فِرْعَوْنَ، فَقَدْ كانَ عَدَدُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خَرَجُوا سِتَّمِائَةَ ألْفٍ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وهو مُوافِقٌ لِما في سِفْرِ العَدَدِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ. و(قَلِيلُونَ) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَهو وصْفٌ في المَعْنى لِمَدْلُولِ (هَؤُلاءِ) ولَيْسَ وصْفًا لِشِرْذِمَةٍ ولَكِنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْناها ولِهَذا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لَيْسَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ. صفحة ١٣١ و(قَلِيلٌ) إذا وُصِفَ بِهِ يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما هُنا، ويَجُوزُ مُلازَمَتُهُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما قالَ السَّمَوْءَلُ أوِ الحارِثِيُّ: وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ . . . . . البَيْتَ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ لَفْظُ (كَثِيرٌ) وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] . و(غائِظُونَ) اسْمُ فاعِلٍ مَن غاظَهُ الَّذِي هو بِمَعْنى أغاظَهُ، أيْ: جَعَلَهُ ذا غَيْظٍ. والغَيْظُ: أشَدُّ الغَضَبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] في سُورَةِ بَراءَةٌ، أيْ: وأنَّهم فاعِلُونَ ما يُغْضِبُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَنا) لامُ التَّقْوِيَةِ واللّامُ في (لَغائِظُونَ) لامُ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) عَلى (لَغائِظُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: (﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونِ﴾) حَثٌّ لِأهْلِ المَدائِنِ عَلى أنْ يَكُونُوا حَذِرِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (لَجَمِيعٌ) وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ في سِياسَةِ المَمْلَكَةِ، أيْ: إنّا كُلَّنا حَذِرُونَ، فَ (جَمِيعٌ) وقَعَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (حَذِرُونَ)، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، و(جَمِيعٌ) بِمَعْنى (كُلٍّ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] في سُورَةِ يُونُسَ. و(حَذِرُونَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الحاءِ فَهو جَمْعُ حَذِرٍ وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وخَلَفٍ بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ جَمْعُ (حاذِرٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. والمَعْنى: أنَّ الحَذَرَ مِن شِيمَتِهِ وعادَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الأُمَّةُ مَعَهُ في ذَلِكَ، أيْ: إنّا مِن عادَتِنا التَّيَقُّظُ لِلْحَوادِثِ والحَذَرُ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ لَها مِن سَيِّئِ العَواقِبِ. وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ السِّياسَةِ وهو سَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ ولَوْ كانَ احْتِمالُ إفْضائِها إلى الفَسادِ ضَعِيفًا، فالذَّرائِعُ المُلْغاةُ في التَّشْرِيعِ في حُقُوقِ الخُصُوصِ غَيْرُ مُلْغاةٍ في سِياسَةِ العُمُومِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الشَّرِيعَةِ: إنَّ نَظَرَ وُلاةِ الأُمُورِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ أوْسَعُ مِن نَظَرِ القُضاةِ، فالحَذَرُ أوْسَعُ مِن حِفْظِ الحُقُوقِ وهو الخَوْفُ صفحة ١٣٢ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ ضارٍّ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والتَّرَصُّدُ لِمَنعِ وُقُوعِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] في بَراءَةٌ. والمَحْمُودُ مِنهُ هو الخَوْفُ مِنَ الضّارِّ عِنْدَ احْتِمالِ حُدُوثِهِ دُونَ الأمْرِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فالحَذَرُ مِنهُ ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ. وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَحْذُورُ هو الِاغْتِرارَ بِإيمانِ السَّحَرَةِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ مُوسى ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خُرُوجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْذَرُ مِنهُ وإنَّما يَكُونُ السَّعْيُ في الِانْتِقامِ مِنهم.

الشعراء 26:56

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ﴾ . ظاهِرُ تَرْتِيبِ الجُمَلِ يَقْتَضِي أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَلى جُمْلَةِ (﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [الشعراء: ٥٢]) وأنَّ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَأسْرى مُوسى وخَرَجَ بِهِمْ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ حاشِرِينَ، أيْ لَمّا خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَنْتَشِرُوا في مَدائِنِ مِصْرَ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ شُرَطًا يَحْشُرُونَ النّاسَ لِيَلْحَقُوا بَنِي إسْرائِيلَ فَيَرُدُّوهم إلى المَدِينَةِ قاعِدَةِ المُلْكِ. والمَدائِنُ: جَمْعُ مَدِينَةٍ، أيِ: البَلَدُ العَظِيمُ. ومَدائِنُ القُطْرِ المِصْرِيِّ يَوْمَئِذٍ كَثِيرَةٌ. مِنها (مانُوفِرى أوْ مَنفِيسُ) هي اليَوْمَ مَيِتْ رَهِينَةٍ بِالجِيزَةِ و(تِيبَةُ أوْ طِيبَةُ) هي صفحة ١٣٠ بِالأُقْصُرِ و(أبُودُو) وتُسَمّى اليَوْمَ العَرابَةَ المَدْفُونَةَ، و(أبُو) وهي (بُو) وهي إدْنُو، و(أوْنُ رَمِيسَي)، و(أرْمِنتُ) و(سَنى) وهي أسَناءُ و(ساوَرَتْ) وهي السِّيُوطُ، و(خَمُونُو) وهي الأشْمُونِيِّينَ، و(بامازِيتُ) وهي البَهْنَسا، و(خِسْوُو) وهي سَخا، و(كارِيَينا) وهي سَدُّ أبِي قَيْرَةَ، و(سُودُو) وهي الفَيُّومُ، و(كُويتي) وهي قِفْطُ. والتَّعْرِيفُ في (المَدائِنِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: في مَدائِنِ القُطْرِ المِصْرِيِّ، وهو اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ، أيِ: المَدائِنُ الَّتِي لِحُكْمِ فِرْعَوْنَ أوِ المَظْنُونُ وُقُوعُها قُرْبَ طَرِيقِهِمْ. وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ أيْنَ اتَّجَهَ بَنُو إسْرائِيلَ فَأرادَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم في كُلِّ طَرِيقٍ يَظُنُّ مُرُورَهم بِهِ. وكانَ لا يَدْرِي لَعَلَّهم تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشّامِ، أوْ صَوْبَ الصَّحْراءِ الغَرْبِيَّةِ، وما كانَ يَظُنُّ أنَّهم يَقْصِدُونَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وكانَ يَوْمَئِذٍ يُسَمّى بَحْرَ (سُوفَ) . وجُمْلَةُ (﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ لِأنَّ (حاشِرِينَ) يَتَضَمَّنُ مَعْنى النِّداءِ، أيْ يَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والإشارَةُ بِـ (هَؤُلاءِ) إلى حاضِرٍ في أذْهانِ النّاسِ؛ لِأنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ شاعَ في أقْطارِ مِصْرَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ جَمْعِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ لِلسَّحَرَةِ خاصَّةً؛ إذْ لا يَلْتَئِمُ ذَلِكَ مَعَ القِصَّةِ. وفِي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرٍ لِشَأْنِهِمْ أكَّدَهُ التَّصْرِيحُ بِأنَّهم شِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ. والشِّرْذِمَةُ: الطّائِفَةُ القَلِيلَةُ مِنَ النّاسِ، هَكَذا فَسَّرَهُ المُحَقِّقُونَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، فَإتْباعُهُ بِوَصْفِ (قَلِيلُونَ) لِلتَّأْكِيدِ لِدَفْعِ احْتِمالِ اسْتِعْمالِها في تَحْقِيرِ الشَّأْنِ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِ فِرْعَوْنَ، فَقَدْ كانَ عَدَدُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ خَرَجُوا سِتَّمِائَةَ ألْفٍ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وهو مُوافِقٌ لِما في سِفْرِ العَدَدِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّادِسِ والعِشْرِينَ. و(قَلِيلُونَ) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، فَهو وصْفٌ في المَعْنى لِمَدْلُولِ (هَؤُلاءِ) ولَيْسَ وصْفًا لِشِرْذِمَةٍ ولَكِنَّهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْناها ولِهَذا جِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لَيْسَ مِن جُمُوعِ الكَثْرَةِ. صفحة ١٣١ و(قَلِيلٌ) إذا وُصِفَ بِهِ يَجُوزُ مُطابَقَتُهُ لِمَوْصُوفِهِ كَما هُنا، ويَجُوزُ مُلازَمَتُهُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ كَما قالَ السَّمَوْءَلُ أوِ الحارِثِيُّ: وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ . . . . . البَيْتَ ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ لَفْظُ (كَثِيرٌ) وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] . و(غائِظُونَ) اسْمُ فاعِلٍ مَن غاظَهُ الَّذِي هو بِمَعْنى أغاظَهُ، أيْ: جَعَلَهُ ذا غَيْظٍ. والغَيْظُ: أشَدُّ الغَضَبِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ويُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٥] في سُورَةِ بَراءَةٌ، أيْ: وأنَّهم فاعِلُونَ ما يُغْضِبُنا. واللّامُ في قَوْلِهِ (لَنا) لامُ التَّقْوِيَةِ واللّامُ في (لَغائِظُونَ) لامُ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) عَلى (لَغائِظُونَ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وقَوْلُهُ: (﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونِ﴾) حَثٌّ لِأهْلِ المَدائِنِ عَلى أنْ يَكُونُوا حَذِرِينَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ إذْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَعَهم في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (لَجَمِيعٌ) وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ في سِياسَةِ المَمْلَكَةِ، أيْ: إنّا كُلَّنا حَذِرُونَ، فَ (جَمِيعٌ) وقَعَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ (حَذِرُونَ)، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، و(جَمِيعٌ) بِمَعْنى (كُلٍّ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٤] في سُورَةِ يُونُسَ. و(حَذِرُونَ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الحاءِ فَهو جَمْعُ حَذِرٍ وهو مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والمُحَقِّقِينَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وخَلَفٍ بِألِفٍ بَعْدَ الحاءِ جَمْعُ (حاذِرٍ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. والمَعْنى: أنَّ الحَذَرَ مِن شِيمَتِهِ وعادَتِهِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الأُمَّةُ مَعَهُ في ذَلِكَ، أيْ: إنّا مِن عادَتِنا التَّيَقُّظُ لِلْحَوادِثِ والحَذَرُ مِمّا عَسى أنْ يَكُونَ لَها مِن سَيِّئِ العَواقِبِ. وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ السِّياسَةِ وهو سَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ ولَوْ كانَ احْتِمالُ إفْضائِها إلى الفَسادِ ضَعِيفًا، فالذَّرائِعُ المُلْغاةُ في التَّشْرِيعِ في حُقُوقِ الخُصُوصِ غَيْرُ مُلْغاةٍ في سِياسَةِ العُمُومِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الشَّرِيعَةِ: إنَّ نَظَرَ وُلاةِ الأُمُورِ في مَصالِحِ الأُمَّةِ أوْسَعُ مِن نَظَرِ القُضاةِ، فالحَذَرُ أوْسَعُ مِن حِفْظِ الحُقُوقِ وهو الخَوْفُ صفحة ١٣٢ مِن وُقُوعِ شَيْءٍ ضارٍّ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، والتَّرَصُّدُ لِمَنعِ وُقُوعِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] في بَراءَةٌ. والمَحْمُودُ مِنهُ هو الخَوْفُ مِنَ الضّارِّ عِنْدَ احْتِمالِ حُدُوثِهِ دُونَ الأمْرِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حُدُوثُهُ فالحَذَرُ مِنهُ ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ. وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَحْذُورُ هو الِاغْتِرارَ بِإيمانِ السَّحَرَةِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقِ مُوسى ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خُرُوجَ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ فَلا يُحْذَرُ مِنهُ وإنَّما يَكُونُ السَّعْيُ في الِانْتِقامِ مِنهم.

الشعراء 26:57

﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ . إنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] لَزِمَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَأخْرَجْناهم) لِتَفْرِيعِ الخُرُوجِ عَلى إرْسالِ الحاشِرِينَ، أيْ: ابْتَدَأ بِإرْسالِ الحاشِرِينَ وأعْقَبَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ إرْسالِ الحاشِرِينَ وبَيْنَ وُصُولِ الأنْبِياءِ مِن أطْرافِ المَمْلَكَةِ بِتَعْيِينِ طَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ لا يَخْرُجُ فِرْعَوْنُ بِجُنْدِهِ عَلى وجْهِهِ، غَيْرَ عالِمٍ بِطَرِيقِهِمْ. وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: (إنَّكم مُتَّبَعُونَ) . وإنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ [الشعراء: ٥٣]) ولا أخالُكَ إلّا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِاخْتِيارِ ذَلِكَ، فَلْتَجْعَلِ الفاءَ في (فَأخْرَجْناهم) تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]) . والتَّقْدِيرُ: فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ فَأخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ مِن بِلادِهِمْ في طَلَبِ بَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبَعُوا بَنِي إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ (أخْرَجْناهم) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، أيْ: أخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ. والجَنّاتُ: جَنّاتُ النَّخِيلِ الَّتِي كانَتْ عَلى ضِفافِ النِّيلِ. والعُيُونُ: مَنابِعُ تُحْفَرُ عَلى خِلْجانِ النِّيلِ. والكُنُوزُ: الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ. والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ أوْ مَصْدَرُ قامَ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: مَساكِنُ كَرِيمَةٌ، وعَلى الثّانِي: قِيامُهم في مُجْتَمَعِهِمْ، والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ. وذَلِكَ ما صفحة ١٣٣ كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ والثَّرْوَةِ والرَّفاهِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ تَرَكَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنهُ لِمُطارَدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم هَلَكُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى شَيْءٍ مِمّا تَرَكُوا. (كَذَلِكَ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ، فَهو بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولَيْسَتْ عَطْفًا لِأجْزاءِ القِصَّةِ لِما سَتَعْلَمُهُ. والإيراثُ: جَعْلُ أحَدٍ وارِثًا. وأصْلُهُ إعْطاءُ مالِ المَيِّتِ، ويُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِ المُعْطى (بِفَتْحِ الطّاءِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] . والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْزَأ أعْداءَ مُوسى ما كانَ لَهم مِن نَعِيمٍ؛ إذْ أهْلَكَهم وأعْطى بَنِي إسْرائِيلَ خَيْراتٍ مِثْلَها لَمْ تَكُنْ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ بِيَدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فارَقُوا أرْضَ مِصْرَ حِينَئِذٍ وما رَجَعُوا إلَيْها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] . ولا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ قِصَصِ القُرْآنِ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا فَمَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَمْلِكُوا مِصْرَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنها سائِرَ الدَّهْرِ، فَلا مَحِيصَ مِن صَرْفِ الآيَةِ عَنْ ظاهِرِها إلى تَأْوِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التّارِيخُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ الدُّخانِ. فَضَمِيرُ (﴿وأوْرَثْناها﴾) هُنا عائِدٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها أسْماءُ أجْناسٍ، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ جَنّاتٍ وعُيُونًا وكُنُوزًا، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا إلى لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ في الجِنْسِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ وأقْوى مِنهُ، أيْ: أعْطَيْناهم أشْياءَ ما كانَتْ لَهم مِن قَبْلُ وكانَتْ لِلْكَنْعانِيِّينَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ فَغَلَبُوهم عَلى أرْضِ فِلَسْطِينَ والشّامِ. وقَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَما في قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرْءَ الَّذِي هَلَكَ يَرِثُ أُخْتَهُ الَّتِي لَها نِصْفُ ما تَرَكَ بَلِ المُرادُ: والمَرْءُ يَرِثُ أُخْتًا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، ويَجُوزُ أنْ صفحة ١٣٤ يَكُونَ نَصْبُ الضَّمِيرِ لِفِعْلِ (أوْرَثْنا) عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: أوْرَثْنا أمْثالَها. وقِيلَ: ضَمِيرُ (أوْرَثْناها) عائِدٌ إلى خُصُوصِ الكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا لَيْلَةَ خُرُوجِهِمْ مِن جِيرانِهِمُ المِصْرِيِّينَ مَصُوغَهم مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وخَرَجُوا بِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه. ويَجُوزُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وأوْرَثْناها﴾) حِكايَةً لِكَلامٍ مِنَ اللَّهِ مُعْتَرِضٍ بَيْنَ كَلامِ فِرْعَوْنَ. وضَمِيرُ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾) عائِدٌ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فِي المَدائِنِ﴾ [الشعراء: ٥٣])، أيْ: فَأخْرَجْنا أهْلَ المَدائِنِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (أوْرَثْناها) . والتَّقْدِيرُ: وأوْرَثْناها غَيْرَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (بَنِي إسْرائِيلَ) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الشعراء: ٥٤]) سَلَكَ بِهِ طَرِيقَ الإجْمالِ ثُمَّ البَيانِ لِيَقَعَ في أنْفُسِ السّامِعِينَ أمْكَنَ وقْعٍ. وجُمْلَةُ (فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأخْرَجْناهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَأخْرَجْناهم فَأتْبَعُوهم. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾)، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى (عِبادِي) مِن قَوْلِهِ: (﴿أنْ اسْرِ بِعِبادِي﴾ [الشعراء: ٥٢]) . و(أتْبَعُوهم) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ التّاءِ بِمَعْنى تَبِعَ، أيْ: فَلَحِقُوهم. و(﴿مُشْرِقِينَ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قاصِدِينَ جِهَةَ الشَّرْقِ يُقالُ: أشْرَقَ، إذا دَخَلَ في أرْضِ الشَّرْقِ، كَما يُقالُ: أنْجَدَ وأتْهَمَ وأعْرَقَ وأشْأمَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشَّرْقِ وهو صَوْبُ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وهو البَحْرُ الأحْمَرُ وسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ بَحْرُ سُوفٍ وهو شَرْقِيُّ مِصْرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، أيْ: أدْرَكُوهم عِنْدَ شُرُوقٍ بَعْدَ أنْ قَضَوْا لَيْلَةً أوْ لَيالِيَ مَشْيًا فَما بَصُرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ إلّا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ بَعْدَ لَيالِي السَّفَرِ.

الشعراء 26:58

﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ . إنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] لَزِمَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَأخْرَجْناهم) لِتَفْرِيعِ الخُرُوجِ عَلى إرْسالِ الحاشِرِينَ، أيْ: ابْتَدَأ بِإرْسالِ الحاشِرِينَ وأعْقَبَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ إرْسالِ الحاشِرِينَ وبَيْنَ وُصُولِ الأنْبِياءِ مِن أطْرافِ المَمْلَكَةِ بِتَعْيِينِ طَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ لا يَخْرُجُ فِرْعَوْنُ بِجُنْدِهِ عَلى وجْهِهِ، غَيْرَ عالِمٍ بِطَرِيقِهِمْ. وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: (إنَّكم مُتَّبَعُونَ) . وإنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ [الشعراء: ٥٣]) ولا أخالُكَ إلّا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِاخْتِيارِ ذَلِكَ، فَلْتَجْعَلِ الفاءَ في (فَأخْرَجْناهم) تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]) . والتَّقْدِيرُ: فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ فَأخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ مِن بِلادِهِمْ في طَلَبِ بَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبَعُوا بَنِي إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ (أخْرَجْناهم) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، أيْ: أخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ. والجَنّاتُ: جَنّاتُ النَّخِيلِ الَّتِي كانَتْ عَلى ضِفافِ النِّيلِ. والعُيُونُ: مَنابِعُ تُحْفَرُ عَلى خِلْجانِ النِّيلِ. والكُنُوزُ: الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ. والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ أوْ مَصْدَرُ قامَ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: مَساكِنُ كَرِيمَةٌ، وعَلى الثّانِي: قِيامُهم في مُجْتَمَعِهِمْ، والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ. وذَلِكَ ما صفحة ١٣٣ كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ والثَّرْوَةِ والرَّفاهِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ تَرَكَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنهُ لِمُطارَدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم هَلَكُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى شَيْءٍ مِمّا تَرَكُوا. (كَذَلِكَ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ، فَهو بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولَيْسَتْ عَطْفًا لِأجْزاءِ القِصَّةِ لِما سَتَعْلَمُهُ. والإيراثُ: جَعْلُ أحَدٍ وارِثًا. وأصْلُهُ إعْطاءُ مالِ المَيِّتِ، ويُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِ المُعْطى (بِفَتْحِ الطّاءِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] . والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْزَأ أعْداءَ مُوسى ما كانَ لَهم مِن نَعِيمٍ؛ إذْ أهْلَكَهم وأعْطى بَنِي إسْرائِيلَ خَيْراتٍ مِثْلَها لَمْ تَكُنْ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ بِيَدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فارَقُوا أرْضَ مِصْرَ حِينَئِذٍ وما رَجَعُوا إلَيْها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] . ولا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ قِصَصِ القُرْآنِ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا فَمَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَمْلِكُوا مِصْرَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنها سائِرَ الدَّهْرِ، فَلا مَحِيصَ مِن صَرْفِ الآيَةِ عَنْ ظاهِرِها إلى تَأْوِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التّارِيخُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ الدُّخانِ. فَضَمِيرُ (﴿وأوْرَثْناها﴾) هُنا عائِدٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها أسْماءُ أجْناسٍ، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ جَنّاتٍ وعُيُونًا وكُنُوزًا، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا إلى لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ في الجِنْسِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ وأقْوى مِنهُ، أيْ: أعْطَيْناهم أشْياءَ ما كانَتْ لَهم مِن قَبْلُ وكانَتْ لِلْكَنْعانِيِّينَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ فَغَلَبُوهم عَلى أرْضِ فِلَسْطِينَ والشّامِ. وقَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَما في قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرْءَ الَّذِي هَلَكَ يَرِثُ أُخْتَهُ الَّتِي لَها نِصْفُ ما تَرَكَ بَلِ المُرادُ: والمَرْءُ يَرِثُ أُخْتًا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، ويَجُوزُ أنْ صفحة ١٣٤ يَكُونَ نَصْبُ الضَّمِيرِ لِفِعْلِ (أوْرَثْنا) عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: أوْرَثْنا أمْثالَها. وقِيلَ: ضَمِيرُ (أوْرَثْناها) عائِدٌ إلى خُصُوصِ الكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا لَيْلَةَ خُرُوجِهِمْ مِن جِيرانِهِمُ المِصْرِيِّينَ مَصُوغَهم مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وخَرَجُوا بِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه. ويَجُوزُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وأوْرَثْناها﴾) حِكايَةً لِكَلامٍ مِنَ اللَّهِ مُعْتَرِضٍ بَيْنَ كَلامِ فِرْعَوْنَ. وضَمِيرُ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾) عائِدٌ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فِي المَدائِنِ﴾ [الشعراء: ٥٣])، أيْ: فَأخْرَجْنا أهْلَ المَدائِنِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (أوْرَثْناها) . والتَّقْدِيرُ: وأوْرَثْناها غَيْرَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (بَنِي إسْرائِيلَ) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الشعراء: ٥٤]) سَلَكَ بِهِ طَرِيقَ الإجْمالِ ثُمَّ البَيانِ لِيَقَعَ في أنْفُسِ السّامِعِينَ أمْكَنَ وقْعٍ. وجُمْلَةُ (فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأخْرَجْناهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَأخْرَجْناهم فَأتْبَعُوهم. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾)، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى (عِبادِي) مِن قَوْلِهِ: (﴿أنْ اسْرِ بِعِبادِي﴾ [الشعراء: ٥٢]) . و(أتْبَعُوهم) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ التّاءِ بِمَعْنى تَبِعَ، أيْ: فَلَحِقُوهم. و(﴿مُشْرِقِينَ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قاصِدِينَ جِهَةَ الشَّرْقِ يُقالُ: أشْرَقَ، إذا دَخَلَ في أرْضِ الشَّرْقِ، كَما يُقالُ: أنْجَدَ وأتْهَمَ وأعْرَقَ وأشْأمَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشَّرْقِ وهو صَوْبُ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وهو البَحْرُ الأحْمَرُ وسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ بَحْرُ سُوفٍ وهو شَرْقِيُّ مِصْرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، أيْ: أدْرَكُوهم عِنْدَ شُرُوقٍ بَعْدَ أنْ قَضَوْا لَيْلَةً أوْ لَيالِيَ مَشْيًا فَما بَصُرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ إلّا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ بَعْدَ لَيالِي السَّفَرِ.

الشعراء 26:59

﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ . إنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] لَزِمَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَأخْرَجْناهم) لِتَفْرِيعِ الخُرُوجِ عَلى إرْسالِ الحاشِرِينَ، أيْ: ابْتَدَأ بِإرْسالِ الحاشِرِينَ وأعْقَبَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ إرْسالِ الحاشِرِينَ وبَيْنَ وُصُولِ الأنْبِياءِ مِن أطْرافِ المَمْلَكَةِ بِتَعْيِينِ طَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ لا يَخْرُجُ فِرْعَوْنُ بِجُنْدِهِ عَلى وجْهِهِ، غَيْرَ عالِمٍ بِطَرِيقِهِمْ. وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: (إنَّكم مُتَّبَعُونَ) . وإنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ [الشعراء: ٥٣]) ولا أخالُكَ إلّا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِاخْتِيارِ ذَلِكَ، فَلْتَجْعَلِ الفاءَ في (فَأخْرَجْناهم) تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]) . والتَّقْدِيرُ: فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ فَأخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ مِن بِلادِهِمْ في طَلَبِ بَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبَعُوا بَنِي إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ (أخْرَجْناهم) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، أيْ: أخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ. والجَنّاتُ: جَنّاتُ النَّخِيلِ الَّتِي كانَتْ عَلى ضِفافِ النِّيلِ. والعُيُونُ: مَنابِعُ تُحْفَرُ عَلى خِلْجانِ النِّيلِ. والكُنُوزُ: الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ. والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ أوْ مَصْدَرُ قامَ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: مَساكِنُ كَرِيمَةٌ، وعَلى الثّانِي: قِيامُهم في مُجْتَمَعِهِمْ، والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ. وذَلِكَ ما صفحة ١٣٣ كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ والثَّرْوَةِ والرَّفاهِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ تَرَكَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنهُ لِمُطارَدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم هَلَكُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى شَيْءٍ مِمّا تَرَكُوا. (كَذَلِكَ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ، فَهو بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولَيْسَتْ عَطْفًا لِأجْزاءِ القِصَّةِ لِما سَتَعْلَمُهُ. والإيراثُ: جَعْلُ أحَدٍ وارِثًا. وأصْلُهُ إعْطاءُ مالِ المَيِّتِ، ويُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِ المُعْطى (بِفَتْحِ الطّاءِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] . والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْزَأ أعْداءَ مُوسى ما كانَ لَهم مِن نَعِيمٍ؛ إذْ أهْلَكَهم وأعْطى بَنِي إسْرائِيلَ خَيْراتٍ مِثْلَها لَمْ تَكُنْ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ بِيَدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فارَقُوا أرْضَ مِصْرَ حِينَئِذٍ وما رَجَعُوا إلَيْها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] . ولا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ قِصَصِ القُرْآنِ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا فَمَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَمْلِكُوا مِصْرَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنها سائِرَ الدَّهْرِ، فَلا مَحِيصَ مِن صَرْفِ الآيَةِ عَنْ ظاهِرِها إلى تَأْوِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التّارِيخُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ الدُّخانِ. فَضَمِيرُ (﴿وأوْرَثْناها﴾) هُنا عائِدٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها أسْماءُ أجْناسٍ، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ جَنّاتٍ وعُيُونًا وكُنُوزًا، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا إلى لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ في الجِنْسِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ وأقْوى مِنهُ، أيْ: أعْطَيْناهم أشْياءَ ما كانَتْ لَهم مِن قَبْلُ وكانَتْ لِلْكَنْعانِيِّينَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ فَغَلَبُوهم عَلى أرْضِ فِلَسْطِينَ والشّامِ. وقَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَما في قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرْءَ الَّذِي هَلَكَ يَرِثُ أُخْتَهُ الَّتِي لَها نِصْفُ ما تَرَكَ بَلِ المُرادُ: والمَرْءُ يَرِثُ أُخْتًا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، ويَجُوزُ أنْ صفحة ١٣٤ يَكُونَ نَصْبُ الضَّمِيرِ لِفِعْلِ (أوْرَثْنا) عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: أوْرَثْنا أمْثالَها. وقِيلَ: ضَمِيرُ (أوْرَثْناها) عائِدٌ إلى خُصُوصِ الكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا لَيْلَةَ خُرُوجِهِمْ مِن جِيرانِهِمُ المِصْرِيِّينَ مَصُوغَهم مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وخَرَجُوا بِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه. ويَجُوزُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وأوْرَثْناها﴾) حِكايَةً لِكَلامٍ مِنَ اللَّهِ مُعْتَرِضٍ بَيْنَ كَلامِ فِرْعَوْنَ. وضَمِيرُ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾) عائِدٌ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فِي المَدائِنِ﴾ [الشعراء: ٥٣])، أيْ: فَأخْرَجْنا أهْلَ المَدائِنِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (أوْرَثْناها) . والتَّقْدِيرُ: وأوْرَثْناها غَيْرَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (بَنِي إسْرائِيلَ) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الشعراء: ٥٤]) سَلَكَ بِهِ طَرِيقَ الإجْمالِ ثُمَّ البَيانِ لِيَقَعَ في أنْفُسِ السّامِعِينَ أمْكَنَ وقْعٍ. وجُمْلَةُ (فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأخْرَجْناهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَأخْرَجْناهم فَأتْبَعُوهم. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾)، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى (عِبادِي) مِن قَوْلِهِ: (﴿أنْ اسْرِ بِعِبادِي﴾ [الشعراء: ٥٢]) . و(أتْبَعُوهم) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ التّاءِ بِمَعْنى تَبِعَ، أيْ: فَلَحِقُوهم. و(﴿مُشْرِقِينَ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قاصِدِينَ جِهَةَ الشَّرْقِ يُقالُ: أشْرَقَ، إذا دَخَلَ في أرْضِ الشَّرْقِ، كَما يُقالُ: أنْجَدَ وأتْهَمَ وأعْرَقَ وأشْأمَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشَّرْقِ وهو صَوْبُ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وهو البَحْرُ الأحْمَرُ وسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ بَحْرُ سُوفٍ وهو شَرْقِيُّ مِصْرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، أيْ: أدْرَكُوهم عِنْدَ شُرُوقٍ بَعْدَ أنْ قَضَوْا لَيْلَةً أوْ لَيالِيَ مَشْيًا فَما بَصُرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ إلّا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ بَعْدَ لَيالِي السَّفَرِ.

الشعراء 26:60

﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ . إنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] لَزِمَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ في قَوْلِهِ: (فَأخْرَجْناهم) لِتَفْرِيعِ الخُرُوجِ عَلى إرْسالِ الحاشِرِينَ، أيْ: ابْتَدَأ بِإرْسالِ الحاشِرِينَ وأعْقَبَ ذَلِكَ بِخُرُوجِهِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ بِحَسَبِ ما يُناسِبُ المُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ إرْسالِ الحاشِرِينَ وبَيْنَ وُصُولِ الأنْبِياءِ مِن أطْرافِ المَمْلَكَةِ بِتَعْيِينِ طَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إذْ لا يَخْرُجُ فِرْعَوْنُ بِجُنْدِهِ عَلى وجْهِهِ، غَيْرَ عالِمٍ بِطَرِيقِهِمْ. وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ مَفْهُومًا مِن قَوْلِهِ: (إنَّكم مُتَّبَعُونَ) . وإنْ جَرَيْتَ عَلى ما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: (﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ [الشعراء: ٥٣]) ولا أخالُكَ إلّا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ لِاخْتِيارِ ذَلِكَ، فَلْتَجْعَلِ الفاءَ في (فَأخْرَجْناهم) تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء: ٥٢]) . والتَّقْدِيرُ: فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ فَأخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ مِن بِلادِهِمْ في طَلَبِ بَنِي إسْرائِيلَ فاتَّبَعُوا بَنِي إسْرائِيلَ. وضَمِيرُ (أخْرَجْناهم) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، أيْ: أخْرَجْنا فِرْعَوْنَ وجُنْدَهُ. والجَنّاتُ: جَنّاتُ النَّخِيلِ الَّتِي كانَتْ عَلى ضِفافِ النِّيلِ. والعُيُونُ: مَنابِعُ تُحْفَرُ عَلى خِلْجانِ النِّيلِ. والكُنُوزُ: الأمْوالُ المُدَّخَرَةُ. والمَقامُ: أصْلُهُ مَحَلُّ القِيامِ أوْ مَصْدَرُ قامَ. والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: مَساكِنُ كَرِيمَةٌ، وعَلى الثّانِي: قِيامُهم في مُجْتَمَعِهِمْ، والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ. وذَلِكَ ما صفحة ١٣٣ كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ والثَّرْوَةِ والرَّفاهِيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ تَرَكَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنهُ لِمُطارَدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم هَلَكُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا إلى شَيْءٍ مِمّا تَرَكُوا. (كَذَلِكَ) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ، فَهو بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ. وجُمْلَةُ ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ولَيْسَتْ عَطْفًا لِأجْزاءِ القِصَّةِ لِما سَتَعْلَمُهُ. والإيراثُ: جَعْلُ أحَدٍ وارِثًا. وأصْلُهُ إعْطاءُ مالِ المَيِّتِ، ويُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما كانَ مِلْكًا لِغَيْرِ المُعْطى (بِفَتْحِ الطّاءِ) كَما قالَ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ أرْضَ الشّامِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] . والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أرْزَأ أعْداءَ مُوسى ما كانَ لَهم مِن نَعِيمٍ؛ إذْ أهْلَكَهم وأعْطى بَنِي إسْرائِيلَ خَيْراتٍ مِثْلَها لَمْ تَكُنْ لَهم، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ أعْطى بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ بِيَدِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ فارَقُوا أرْضَ مِصْرَ حِينَئِذٍ وما رَجَعُوا إلَيْها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] . ولا صِحَّةَ لِما يَقُولُهُ بَعْضُ أهْلِ قِصَصِ القُرْآنِ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا فَمَلَكُوا مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَمْلِكُوا مِصْرَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنها سائِرَ الدَّهْرِ، فَلا مَحِيصَ مِن صَرْفِ الآيَةِ عَنْ ظاهِرِها إلى تَأْوِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التّارِيخُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ الدُّخانِ. فَضَمِيرُ (﴿وأوْرَثْناها﴾) هُنا عائِدٌ لِلْأشْياءِ المَعْدُودَةِ بِاعْتِبارِ أنَّها أسْماءُ أجْناسٍ، أيْ: أوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ جَنّاتٍ وعُيُونًا وكُنُوزًا، فَعَوْدُ الضَّمِيرِ هُنا إلى لَفْظٍ مُسْتَعْمَلٍ في الجِنْسِ وهو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ وأقْوى مِنهُ، أيْ: أعْطَيْناهم أشْياءَ ما كانَتْ لَهم مِن قَبْلُ وكانَتْ لِلْكَنْعانِيِّينَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ فَغَلَبُوهم عَلى أرْضِ فِلَسْطِينَ والشّامِ. وقَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّفْظِ دُونَ المَعْنى كَما في قَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهو يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ المَرْءَ الَّذِي هَلَكَ يَرِثُ أُخْتَهُ الَّتِي لَها نِصْفُ ما تَرَكَ بَلِ المُرادُ: والمَرْءُ يَرِثُ أُخْتًا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، ويَجُوزُ أنْ صفحة ١٣٤ يَكُونَ نَصْبُ الضَّمِيرِ لِفِعْلِ (أوْرَثْنا) عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: أوْرَثْنا أمْثالَها. وقِيلَ: ضَمِيرُ (أوْرَثْناها) عائِدٌ إلى خُصُوصِ الكُنُوزِ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا لَيْلَةَ خُرُوجِهِمْ مِن جِيرانِهِمُ المِصْرِيِّينَ مَصُوغَهم مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وخَرَجُوا بِهِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه. ويَجُوزُ عِنْدِي وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿وأوْرَثْناها﴾) حِكايَةً لِكَلامٍ مِنَ اللَّهِ مُعْتَرِضٍ بَيْنَ كَلامِ فِرْعَوْنَ. وضَمِيرُ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾) عائِدٌ إلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فِي المَدائِنِ﴾ [الشعراء: ٥٣])، أيْ: فَأخْرَجْنا أهْلَ المَدائِنِ. وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (أوْرَثْناها) . والتَّقْدِيرُ: وأوْرَثْناها غَيْرَهم، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (بَنِي إسْرائِيلَ) بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الشعراء: ٥٤]) سَلَكَ بِهِ طَرِيقَ الإجْمالِ ثُمَّ البَيانِ لِيَقَعَ في أنْفُسِ السّامِعِينَ أمْكَنَ وقْعٍ. وجُمْلَةُ (فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ (فَأخْرَجْناهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَأخْرَجْناهم فَأتْبَعُوهم. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾)، وضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى (عِبادِي) مِن قَوْلِهِ: (﴿أنْ اسْرِ بِعِبادِي﴾ [الشعراء: ٥٢]) . و(أتْبَعُوهم) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ التّاءِ بِمَعْنى تَبِعَ، أيْ: فَلَحِقُوهم. و(﴿مُشْرِقِينَ﴾) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ قاصِدِينَ جِهَةَ الشَّرْقِ يُقالُ: أشْرَقَ، إذا دَخَلَ في أرْضِ الشَّرْقِ، كَما يُقالُ: أنْجَدَ وأتْهَمَ وأعْرَقَ وأشْأمَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَوَجَّهُوا صَوْبَ الشَّرْقِ وهو صَوْبُ بَحْرِ (القُلْزُمِ) وهو البَحْرُ الأحْمَرُ وسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ بَحْرُ سُوفٍ وهو شَرْقِيُّ مِصْرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى داخِلِينَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، أيْ: أدْرَكُوهم عِنْدَ شُرُوقٍ بَعْدَ أنْ قَضَوْا لَيْلَةً أوْ لَيالِيَ مَشْيًا فَما بَصُرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ إلّا عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ بَعْدَ لَيالِي السَّفَرِ.

الشعراء 26:61

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:62

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:63

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:64

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:65

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:66

صفحة ١٣٥ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ . أيْ لَمّا بَلَغَ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَرِيبًا مِن مَكانِ جُمُوعِ بَنِي إسْرائِيلَ بِحَيْثُ يَرى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُما الفَرِيقَ الآخَرَ. فالتَّرائِي تَفاعُلٌ؛ لِأنَّهُ حُصُولُ الفِعْلِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وقَوْلُهم: (﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾) بِالتَّأْكِيدِ لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الجَزَعِ. و(كَلّا) رَدْعٌ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩] رَدَعَ بِهِ مُوسى ظَنَّهم أنَّهم يُدْرِكُهم فِرْعَوْنُ، وعَلَّلَ رَدْعَهم عَنْ ذَلِكَ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾) . وإسْنادُ المَعِيَّةِ إلى الرَّبِّ في (﴿إنَّ مَعِي رَبِّي﴾) عَلى مَعْنى مُصاحَبَةِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وعِنايَتِهِ بِتَقْدِيرِ أسْبابِ نَجاتِهِ مِن عَدُوِّهِ. وذَلِكَ أنَّ مُوسى واثِقٌ بِأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: (إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ)، وقَوْلِهِ (أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّهُ وعْدٌ بِضَمانِ النَّجاةِ. وجُمْلَةُ (﴿سَيَهْدِينِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن (رَبِّي) . ولا يَضُرُّ وُجُودُ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ؛ لِأنَّ الحالَ مُقَدَّرَةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . والمَعْنى: أنَّهُ سَيُبَيِّنُ لِي سَبِيلَ سَلامَتِنا مِن فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ. واقْتَصَرَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ بِما ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ مِن مَعِيَّةِ العِنايَةِ فَإذا عَلِمُوا ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّ هِدايَتَهُ تَنْفَعُهم؛ لِأنَّهُ قائِدُهم والمُرْسَلُ لِفائِدَتِهِمْ. ووَجْهُ اقْتِصارِهِ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا أنَّ طَرِيقَ نَجاتِهِمْ بَعْدَ أنْ أدْرَكَهم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ لا يَحْصُلُ إلّا بِفِعْلٍ يَقْطَعُ دابِرَ العَدُوِّ، وهَذا الفِعْلُ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَلا يَقَعُ إلّا عَلى يَدِ الرَّسُولِ. وهَذا وجْهُ اخْتِلافِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الغارِ ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ لِأنَّ تِلْكَ مَعِيَّةُ حِفْظِهِما كِلَيْهِما بِصَرْفِ أعْيُنِ الأعْداءِ عَنْهُما، وقَدْ أمَرَهُ اللَّهُ صفحة ١٣٦ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ وانْفَلَقَ البَحْرُ طُرُقًا مَرَّتْ مِنها أسْباطُ بَنِي إسْرائِيلَ، واقْتَحَمَ فِرْعَوْنُ البَحْرَ فَمُدَّ البَحْرُ عَلَيْهِمْ حِينَ تَوَسَّطُوهُ فَغَرِقَ جَمِيعُهم. والفِرْقُ بِكَسْرِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ: الجُزْءُ المَفْرُوقُ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلُ الفَلَقِ. والطَّوْدُ: الجَبَلُ. و(أزْلَفْنا) قَرَّبْنا وأدْنَيْنا، مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبُ. والظّاهِرُ أنَّ فِعْلَهُ كَفَرِحَ. ويُقالُ: ازْدَلَفْ: اقْتَرَبَ، وتَزَلَّفَ: تَقَرَّبَ، فَهَمْزَةُ (أزْلَفْنا) لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ جَرَّأهم حَتّى أرادُوا اقْتِحامَ طُرُقِ البَحْرِ كَما رَأوْا فِعْلَ بَنِي إسْرائِيلَ يَظُنُّونَ أنَّهُ ماءٌ غَيْرُ عَمِيقٍ. والآخَرُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ فَرِيقِ بَنِي إسْرائِيلَ.

الشعراء 26:67

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا قَبْلَ قِصَّةِ مُوسى، وكانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ آيَةً؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْقِلابَ العَظِيمَ في أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ الخارِجَ عَنْ مُعْتادِ تَقَلُّباتِ الدُّوَلِ والأُمَمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَصَرُّفٌ إلَهِيٌّ خاصٌّ أيَّدَ بِهِ رَسُولَهُ وأُمَّتَهُ وخَضَّدَ بِهِ شَوْكَةَ أعْدائِهِمْ ومَن كَفَرُوا بِهِ، فَهو آيَةٌ عَلى عَواقِبِ تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ القِصَّةُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ. ووَجْهُ تَذْيِيلِ كُلِّ اسْتِدْلالٍ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرُّسُلِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إلى آخِرِها تَقَدَّمَ في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ.

الشعراء 26:68

﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهْوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ . تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا قَبْلَ قِصَّةِ مُوسى، وكانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ آيَةً؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْقِلابَ العَظِيمَ في أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ الخارِجَ عَنْ مُعْتادِ تَقَلُّباتِ الدُّوَلِ والأُمَمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَصَرُّفٌ إلَهِيٌّ خاصٌّ أيَّدَ بِهِ رَسُولَهُ وأُمَّتَهُ وخَضَّدَ بِهِ شَوْكَةَ أعْدائِهِمْ ومَن كَفَرُوا بِهِ، فَهو آيَةٌ عَلى عَواقِبِ تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ القِصَّةُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ. ووَجْهُ تَذْيِيلِ كُلِّ اسْتِدْلالٍ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرُّسُلِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِجُمْلَةِ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾) إلى آخِرِها تَقَدَّمَ في طالِعَةِ هَذِهِ السُّورَةِ.

الشعراء 26:69

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:70

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:71

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:72

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:73

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:74

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:75

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:76

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:77

صفحة ١٣٧ &gt؛ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ ﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالَ أفَراْيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِيَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ . عُقِّبَتْ قِصَّةُ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ. وقُدِّمَتْ هُنا عَلى قِصَّةِ نُوحٍ عَلى خِلافِ المُعْتادِ في تَرْتِيبِ قِصَصِهِمْ في القُرْآنِ لِشِدَّةِ الشَّبَهِ بَيْنَ قَوْمِ إبْراهِيمَ وبَيْنَ مُشْرِكِي العَرَبِ في عِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ. وفي تَمَسُّكِهِمْ بِضَلالِ آبائِهِمْ وأنَّ إبْراهِيمَ دَعاهم إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى انْحِطاطِ الأصْنامِ عَنْ مَرْتَبَةِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ لِيَكُونَ إيمانُ النّاسِ مُسْتَنِدًا لِدَلِيلِ الفِطْرَةِ، وفي أنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا مِثْلُ ما سُلِّطَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وعَلى عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأهْلِ مَدْيَنَ فَأشْبَهُوا قُرَيْشًا في إمْهالِهِمْ. فَرِسالَةُ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما قائِمَتانِ عَلى دِعامَةِ الفِطْرَةِ في العَقْلِ والعَمَلِ، أيْ: في الِاعْتِقادِ والتَّشْرِيعِ، فَإنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ في خَلْقِ الإنْسانِ هَذِهِ الفِطْرَةَ لِيُضَيِّعَها ويُهْمِلَها بَلْ لِيُقِيمَها ويُعْمِلَها. فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ لِلْمُشْرِكِينَ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الآياتُ كَما أُوتِيَمُوسى، فَإنَّ آياتِ مُوسى وهي أكْثَرُ آياتِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ لَمْ تَقْضِ شَيْئًا في إيمانِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لَمّا كانَ خُلُقُهُمُ المُكابَرَةَ والعِنادَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ المَثَلِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ المُماثِلَةِ لِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ في النِّداءِ عَلى إعْمالِ دَلِيلِ النَّظَرِ. وضَمِيرُ (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ (﴿نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]) . والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ. ونَبَأُ إبْراهِيمَ: قِصَّتُهُ المَذْكُورَةُ هُنا، أيِ: اقْرَأْ عَلَيْهِمْ ما يَنْزِلُ عَلَيْكَ الآنَ مِن نَبَأِ إبْراهِيمَ. وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِتِلاوَتِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الكَلامَ المُتَضَمِّنَ نَبَأ إبْراهِيمَ هو آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، وما تَضَمَّنَتْهُ مِن دَلِيلِ العَقْلِ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ الَّتِي هي صفحة ١٣٨ كَأصْنامِ العَرَبِ آيَةٌ أيْضًا. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ آيَتانِ دالَّتانِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٤] في البَقَرَةِ. و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ، أيْ: حِينَ قالَ. والجُمْلَةُ بَيانٌ لِلنَّبَأِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنْ قِصَّةٍ مَضَتْ فَناسَبَ أنْ تُبَيَّنَ بِاسْمِ زَمانٍ مُضافٍ إلى ما يُفِيدُ القِصَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٧١] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. و(ما) اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُسْألُ بِهِ عَنْ تَعْيِينِ الجِنْسِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ. والِاسْتِفْهامُ صُورِيٌّ، فَإنَّ إبْراهِيمَ يَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا، ولَكِنَّهُ أرادَ بِالِاسْتِفْهامِ افْتِتاحَ المُجادَلَةِ مَعَهم فَألْقى عَلَيْهِمْ هَذا السُّؤالَ لِيَكُونُوا هُمُ المُبْتَدِئِينَ بِشَرْحِ حَقِيقَةِ عِبادَتِهِمْ ومَعْبُوداتِهِمْ، فَتَلُوحُ لَهم مِن خِلالِ شَرْحِ ذَلِكَ لَوائِحُ ما فِيهِ مِن فَسادٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَصَدّى لِشَرْحِ الباطِلِ يُشْعِرُ بِما فِيهِ مِن بُطْلانٍ عِنْدَ نَظْمِ مَعانِيهِ أكْثَرَ مِمّا يُشْعِرُ بِذَلِكَ مَن يَسْمَعُهُ؛ ولِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَوابَهم يَنْشَأُ عَنْهُ ما يُرِيدُهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ وقَدْ أجابُوا اسْتِفْهامَهُ بِتَعْيِينِ نَوْعِ مَعْبُوداتِهِمْ. وأدْخَلَ أباهُ في إلْقاءِ السُّؤالِ عَلَيْهِمْ: إمّا لِأنَّهُ كانَ حاضِرًا في مَجْلِسِ قَوْمِهِ إذْ كانَ سادِنَ بَيْتِ الأصْنامِ كَما رُوِيَ، وإمّا لِأنَّهُ سَألَهُ عَلى انْفِرادٍ وسَألَ قَوْمَهُ مَرَّةً أُخْرى فَجَمَعَتِ الآيَةُ حِكايَةَ ذَلِكَ. والأظْهَرُ أنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِمُحاجَّةِ أبِيهِ ثُمَّ انْتَقَلَ إلى مُحاجَّةِ قَوْمِهِ، وأنَّ هَذِهِ هي المُحاجَّةُ الأُولى في مَلَأِ أبِيهِ وقَوْمِهِ؛ ألْقى فِيها دَعْوَتَهُ في صُورَةِ سُؤالِ اسْتِفْسارٍ غَيْرِ إنْكارٍ اسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥] ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٦] فَذَلِكَ مَقامٌ آخَرُ لَهُ في قَوْمِهِ مُقْتَرِنًا بِما يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِن حالِهِمْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (ذا) بَعْدَ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وكَلِمَةُ (ذا) إذا وقَعَتْ بَعْدَ (ما) تُئَوَّلُ إلى مَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ فَصارَ المَعْنى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ما هَذا الَّذِي تَعْبُدُونَهُ، فَصارَ الإنْكارُ مُسَلَّطًا إلى كَوْنِ تِلْكَ الأصْنامِ تُعْبَدُ. صفحة ١٣٩ والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِمُ السُّؤالَ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ كَما هو مُناسِبُ الإتْيانِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ (تَعْبُدُونَ) وما فَهِمَ قَوْمُهُ مِن كَلامِهِ إلّا الِاسْتِفْسارَ فَأجابُوا: بِأنَّهم يَعْبُدُونَ أصْنامًا يَعْكُفُونَ عَلى عِبادَتِها. والتَّنْوِينُ في (أصْنامًا) لِلتَّعْظِيمِ، لِذا عَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّ إبْراهِيمَ يَعْرِفُها ويَعْلَمُ أنَّهم يَعْبُدُونَها. واسْمُ الأصْنامِ عِنْدَهُمُ اسْمٌ عَظِيمٌ فَهم يَفْتَخِرُونَ بِهِ عَلى عَكْسِ أهْلِ التَّوْحِيدِ. ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ لَهم في مَقامٍ آخَرَ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ [العنكبوت: ١٧] عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِمَعْبُوداتِهِمْ والتَّحْمِيقِ لَهم. وأتَوْا في جَوابِهِمْ بِفِعْلِ (نَعْبُدُ) مَعَ أنَّ الشَّأْنَ الِاسْتِغْناءُ عَنِ التَّصْرِيحِ إذْ كانَ جَوابُهم عَنْ سُؤالٍ فِيهِ (تَعْبُدُونَ) . فَلا حاجَةَ إلى تَعْيِينِ جِنْسِ المَعْبُوداتِ فَيَقُولُوا أصْنامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ﴾ [سبإ: ٢٣] ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] فَعَدَلُوا عَنْ سُنَّةِ الجَوابِ إلى تَكْرِيرِ الفِعْلِ الواقِعِ في السُّؤالِ ابْتِهاجًا بِهَذا الفِعْلِ وافْتِخارًا بِهِ، ولِذَلِكَ عَطَفُوا عَلى قَوْلِهِمْ: (نَعْبُدُ) ما يَزِيدُ فِعْلَ العِبادَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِمْ (﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾) . وفي فِعْلِ (نَظَلُّ) دَلالَةُ الِاسْتِمْرارِ جَمِيعَ النَّهارِ. وأيْضًا فَهم كانُوا صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وجَعَلُوا الأصْنامَ رُمُوزًا عَلى الكَواكِبِ تَكُونُ خَلَفًا عَنْها في النَّهارِ، فَإذا جاءَ اللَّيْلُ عَبَدُوا الكَواكِبَ الطّالِعَةَ. وضُمِّنَ (عاكِفِينَ) مَعْنى (عابِدِينَ) فَعُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ بِاللّامِ دُونَ (عَلى) . ولَمّا كانَ شَأْنُ الرَّبِّ أنْ يُلْجَأ إلَيْهِ في الحاجَةِ وأنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ ألْقى إبْراهِيمُ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهامًا عَنْ حالِ هَذِهِ الأصْنامِ هَلْ تَسْمَعُ دُعاءَ الدّاعِينَ وهَلْ تَنْفَعُ أوْ تَضُرَّ تَنْبِيهًا عَلى دَلِيلِ انْتِفاءِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. وكانَتِ الأُمَمُ الوَثَنِيَّةُ تَعْبُدُ الوَثَنَ لِرَجاءِ نَفْعِهِ أوْ لِدَفْعِ ضُرِّهِ، ولِذَلِكَ عَبَدَ بَعْضُهُمُ الشَّياطِينَ. وجُعِلَ مَفْعُولُ (يَسْمَعُونَكم) ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ تَوَسُّعًا بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكم دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ في قَوْلِهِ: (إذْ تَدْعُونَ) . وأرادَ إبْراهِيمُ فَتْحَ المُجادَلَةِ لِيَعْجَزُوا عَلى إثْباتِ أنَّها تَسْمَعُ وتَنْفَعُ. صفحة ١٤٠ و(بَلْ) في حِكايَةِ جَوابِ القَوْمِ لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن مَقامِ إثْباتِ صِفاتِهِمْ إلى مَقامٍ قاطِعٍ لِلْمُجادَلَةِ في نَظَرِهِمْ، وهو أنَّهم ورِثُوا عِبادَةَ هَذِهِ الأصْنامِ، فَلَمّا طَوَوْا بِساطَ المُجادَلَةِ في صِفاتِ آلِهَتِهِمْ وانْتَقَلُوا إلى دَلِيلِ التَّقْلِيدِ تَفادِيًا مِن كُلْفَةِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالمَصِيرِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالِاقْتِداءِ بِالسَّلَفِ. وقَوْلُهُ: (﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) تَشْبِيهُ فِعْلِ الآباءِ بِفِعْلِهِمْ وهو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَفْعَلُونَ فِعْلًا كَذَلِكَ الفِعْلِ. وقُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى (يَفْعَلُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِمَدْلُولِ اسْمِ الإشارَةِ. واقْتَصَرَ إبْراهِيمُ في هَذا المَقامِ (الَّذِي رَجَّحْنا أنَّهُ أوَّلُ مَقامٍ قامَ فِيهِ لِلدَّعْوَةِ) عَلى أنْ أظْهَرَ قِلَّةَ اكْتِراثِهِ بِهَذِهِ الأصْنامِ فَقالَ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) لِأنَّهُ أيْقَنَ بِأنَّ سَلامَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ لا تَضُرُّ، وإلّا لَضَرَّتْهُ؛ لِأنَّهُ عَدُوُّها. وضَمِيرُ (فَإنَّهم) عائِدٌ إلى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]) . وقَوْلُهُ: (وآباؤُكم) عَطْفٌ عَلى اسْمِ (كُنْتُمْ) . والعَدُوُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ العُدْوانِ، وهو الإضْرارُ بِالفِعْلِ أوِ القَوْلِ. والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، فَعَدُوٌّ: فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ فَلا تَلْحَقُهُ عَلاماتُ التَّأْنِيثِ (إلّا نادِرًا كَقَوْلِ عُمَرَ لِنِساءٍ مِنَ الأنْصارِ: يا عَدُوّاتِ أنْفُسِهِنَّ) . قالَ في الكَشّافِ: حَمْلًا عَلى المَصْدَرِ الَّذِي عَلى وزْنِ فُعُولٍ كالقُبُولِ والوُلُوعِ. والأصْنامُ لا إدْراكَ لَها فَلا تُوصَفُ بِالعَداوَةِ. ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: (﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾) مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: هم كالعَدُوِّ لِي في أنِّي أُبْغِضُهم وأضُرُّهم. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أيْ: عامِلُوهُ مُعامَلَةَ العَدُوِّ عَدُوَّهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ جُمِعَ بَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]) وقَوْلِهِ: (﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]) . والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ: (فَإنَّهم) دُونَ (فَإنَّها) جَرْيٌ عَلى غالِبِ العِباراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَها مُدْرِكَةً. وجُمْلَةُ (﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمَلِ كَلامِ القَوْمِ المُتَضَمِّنَةِ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ، وأنَّهم مُقْتَدُونَ في ذَلِكَ بِآبائِهِمْ. فالفاءُ في (أفَرَأيْتُمْ) لِلتَّفْرِيعِ صفحة ١٤١ وقَدَّمَ عَلَيْها هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ اتِّباعًا لِلِاسْتِعْمالِ المَعْرُوفِ وهو صَدارَةُ أدَواتِ الِاسْتِفْهامِ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ عَلى إرادَةِ التَّعْجِيبِ مِمّا يُعْلَمُ مِن شَأْنِهِ. ولِذَلِكَ كَثُرَ إرْدافُهُ بِكَلامٍ يُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن عَجائِبِ أحْوالِ مَفْعُولِ الرُّؤْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] ﴿وأعْطى قَلِيلًا﴾ [النجم: ٣٤] الآيَةَ، ومِنهُ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ . وعُطِفَ (آباؤُكم) عَلى (أنْتُمْ) لِزِيادَةِ إظْهارِ قِلَّةِ اكْتِراثِهِ بِتِلْكَ الأصْنامِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الأقْدَمِينَ عَبَدُوها فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ في اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. ووَصْفُ الآباءِ بِالأقْدَمِيَّةِ إيغالٌ في قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِتَقْلِيدِهِمْ؛ لِأنَّ عُرْفَ الأُمَمِ أنَّ الآباءَ كُلَّما تَقادَمَ عَهْدُهم كانَ تَقْلِيدُهم آكَدَ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ عِبادَتِهِمْ إيّاها. ويَجُوزُ جَعْلُ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً لَها مَفْعُولٌ واحِدٌ وجَعْلُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا، والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ لِشَيْءٍ يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَدِيثَ عَنْهُ لِيَعِيَهُ السّامِعُ حَقَّ الوَعْيِ، أوْ فاءٌ فَصِيحَةٌ بِتَقْدِيرِ: إنْ رَأيْتُمُوهم فاعْلِمُوا أنَّهم عَدُوٌّ لِي. وهَذا الوَجْهُ أظْهَرُ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾) مُنْقَطِعٌ. و(إلّا) بِمَعْنى (لَكِنَّ) إذْ كانَ رَبُّ العالَمِينَ غَيْرَ مَشْمُولٍ لِعِبادَتِهِمْ إذِ الظّاهِرُ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِالخالِقِ، ولَمْ يَكُونُوا يَجْعَلُونَ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ كَما هو حالُ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] فَهو الصَّنَمُ الأعْظَمُ عِنْدَهم، وإلى قَوْلِهِ: ﴿قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِي﴾ [الأنعام: ٨٠] . ويَظْهَرُ أنَّ الكَلْدانِيِّينَ (قَوْمَ إبْراهِيمَ) لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِالخالِقِ الَّذِي لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ. وكانَ أعْظَمُ الآلِهَةِ عِنْدَهم هو كَوْكَبَ الشَّمْسِ، والصَّنَمُ الَّذِي يُمَثِّلُ الشَّمْسَ هو (بَعْلُ)، فَوَظِيفَةُ الأصْنامِ عِنْدَهم تَدْبِيرُ شُئُونِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. وأمّا الإيجادُ والإعْدامُ فَكانُوا مِنَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: (﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]) وأنَّ الإيجادَ مِن أعْمالِ التَّناسُلِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ سِرِّ تَكْوِينِ تِلْكَ النُّظُمِ الحَيَوانِيَّةِ وإيداعِها فِيها. وقَدْ يَكُونُونَ مُعْتَرِفِينَ بِرَبٍّ عَظِيمٍ لِلْأكْوانِ وإنَّما جَعَلُوا الأصْنامَ شُرَكاءَ لَهُ في التَّصَرُّفِ في صفحة ١٤٢ نِظامِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ كَما كانَ حالُ الإشْراكِ في العَرَبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ اللَّهَ مِن جُمْلَةِ مَعْبُودِيهِمْ، أيْ: إلّا الرَّبَّ الَّذِي خَلَقَ العَوالِمَ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ أصْنامِ قَوْمِ إبْراهِيمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وانْظُرْ ما يَأْتِي في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

الشعراء 26:78

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهْوَ يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهْوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . الأظْهَرُ أنَّ المَوْصُولَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِ (رَبَّ العالَمِينَ) وأنَّ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الخالِقُ فَهو الأوْلى بِتَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ دُونَ أنْ يَتَوَلّاها غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ مُبْتَدَأً مُسْتَأْنَفًا بِهِ ويَكُونَ (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) خَبَرًا عَنْ (الَّذِي) . وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِمُشابَهَةِ المَوْصُولِ لِلشَّرْطِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي المَوْصُولِيَّةِ إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِالِاسْتِثْناءِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧])، أيْ: ذَلِكَ هو الَّذِي أُخْلِصُ لَهُ؛ لِأنَّهُ خَلَقَنِي كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] . وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾) دُونَ أنْ يَقُولَ: فَيَهْدِينِ، لِتَخْصِيصِهِ بِأنَّهُ مُتَوَلِّي الهِدايَةِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ تَصَرُّفَ أصْنامَهم بِالقَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَيْسَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ فَصْلٍ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ لا يَقَعُ بَعْدَ العاطِفِ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: (﴿يَهْدِينِ﴾)؛ لِأنَّ الهِدايَةَ مُتَجَدِّدَةٌ لَهُ. وجُعِلَ فِعْلُ الهِدايَةِ مُفَرَّعًا بِالفاءِ عَلى فِعْلِ الخَلْقِ؛ لِأنَّهُ مُعاقِبٌ لَهُ؛ لِأنَّ الهِدايَةَ بِهَذا المَعْنى مِن مُقْتَضى الخَلْقِ؛ لِأنَّها ناشِئَةٌ عَنْ خَلْقِ العَقْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] . والمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلالَةُ عَلى طُرُقِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] فَيَكُونُ المَعْنى: الَّذِي خَلَقَنِي جَسَدًا وعَقْلًا. ومِنَ الهِدايَةِ المَذْكُورَةِ دَفْعُ وساوِسِ الباطِلِ عَنِ العَقْلِ حَتّى يَكُونَ إعْمالُ النَّظَرِ مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ. صفحة ١٤٣ والقَوْلُ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ وقَوْلِهِ: (﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾) كالقَوْلِ في سابِقِهِما لِلرَّدِّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّ الأصْنامَ تُقَدِّرُ لَهم تَيْسِيرَ ما يَأْكُلُونَ وما يَشْرَبُونَ وبِها بُرْؤُهم إذا مَرِضُوا، ولَيْسا بِضَمِيرَيْ فَصْلٍ أيْضًا. وعُطِفَ (إذا مَرِضْتُ) عَلى (﴿يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَ قالَ ذَلِكَ مَرِيضًا فَإنَّ (إذا) تُخَلِّصُ الفِعْلَ بَعْدَها لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيْ: إذا طَرَأ عَلَيَّ مَرَضٌ. وفِي إسْنادِهِ فِعْلَ المَرَضِ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ راعى فِيهِ الإسْنادَ إلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ في مَقامِ الأدَبِ، فَأسْنَدَ إحْداثَ المَرَضِ إلى ذاتِهِ؛ ولِأنَّهُ المُتَسَبِّبُ فِيهِ، فَأمّا قَوْلُهُ: (﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾) فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي الحَصْرَ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تُمِيتُ بَلْ عَمَلُ الأصْنامِ قاصِرٌ عَلى الإعانَةِ أوِ الإعاقَةِ في أعْمالِ النّاسِ في حَياتِهِمْ. فَأمّا المَوْتُ فَهو مِن فِعْلِ الدَّهْرِ والطَّبِيعَةِ إنْ كانُوا دَهْرِيِّينَ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ والإحْياءَ والإماتَةَ لَيْسَتْ مِن شُئُونِ الأصْنامِ وأنَّها مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى كَما يَعْتَقِدُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ فَظاهِرٌ. وتَكْرِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ تُعْطَفَ الصِّلَتانِ عَلى الصِّلَةِ الأُولى لِلِاهْتِمامِ بِصاحِبِ تِلْكَ الصِّلاتِ الثَّلاثِ؛ لِأنَّها نَعْتٌ عَظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى فَحَقِيقٌ أنْ يُجْعَلَ مُسْتَقِلًّا بِدَلالَتِهِ. وأطْلَقَ عَلى رَجاءِ المَغْفِرَةِ لَفْظَ الطَّمَعِ تَواضُعًا لِلَّهِ تَعالى، ومُباعَدَةً لِنَفْسِهِ عَنْ هاجِسِ اسْتِحْقاقِهِ المَغْفِرَةَ، وإنَّما طَمَعَ في ذَلِكَ لِوَعْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ. والخَطِيئَةُ: الذَّنْبُ. يُقالُ: خَطِئَ إذا أذْنَبَ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ. والمَقْصُودُ في لِسانِ الشَّرائِعِ: مُخالَفَةُ ما أمَرَ بِهِ الشَّرْعُ. وإذْ قَدْ كانَ إبْراهِيمُ حِينَئِذٍ نَبِيئًا والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ الذُّنُوبِ كَبِيرِها وصَغِيرِها فالخَطِيئَةُ مِنهم هي مُخالَفَةُ مُقْتَضى المَقامِ النَّبَوِيِّ. والمَغْفِرَةُ: العَفْوُ عَنِ الخَطايا، وإنَّما قَيَّدَهُ بِ (يَوْمَ الدِّينِ)؛ لِأنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أثَرُ العَفْوِ، فَأمّا صُدُورُ العَفْوِ مِنَ اللَّهِ لِمِثْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَفي الدُّنْيا، وقَدْ يَغْفِرُ خَطايا بَعْضِ الخاطِئِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ الشَّفاعَةِ. صفحة ١٤٤ ويَوْمُ الدِّينِ: هو يَوْمُ الجَزاءِ، وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ تَعْرِيضًا بِالدُّعاءِ. وقَدْ أشارَ في هَذِهِ النُّعُوتِ إلى ما هو مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في العالَمِ الحِسِّيِّ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَنْ أحَدٍ قَصْدًا لِاقْتِصاصِ إيمانِ المُشْرِكِينَ إنْ رامُوا الِاهْتِداءَ. وفِي تِلْكَ النُّعُوتِ إشارَةٌ إلى أنَّها مُهَيِّئاتٌ لِلْكَمالِ النَّفْسانِيِّ فَقَدْ جَمَعَتْ كَلِماتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ دَلالَتِها عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالتَّصَرُّفِ في تِلْكَ الأفْعالِ الَّتِي هي أصْلُ أطْوارِ الخَلْقِ الجُسْمانِيِّ دَلالَةً أُخْرى عَلى جَمِيعِ أُصُولِ النِّعَمِ مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى الخَلْقِ الثّانِي وهو البَعْثُ، فَذَكَرَ خَلْقَ الجَسَدِ وخَلْقَ العَقْلِ وإعْطاءَ ما بِهِ بَقاءُ المَخْلُوقِ وهو الغِذاءُ والماءُ، وما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ اخْتِلالِ المِزاجِ وشِفائِهِ، وذَكَرَ المَوْتَ الَّذِي هو خاتِمَةُ الحَياةِ الأُولى، وأعْقَبَهُ بِذِكْرِ الحَياةِ الثّانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَوْتَ حالَةٌ لا يَظْهَرُ كَوْنُها نِعْمَةً إلّا بِغَوْصِ فِكْرٍ ولَكِنَّ وراءَهُ حَياةٌ هي نِعْمَةٌ لا مَحالَةَ لِمَن شاءَ أنْ تَكُونَ لَهُ نِعْمَةٌ. وحُذِفَتْ ياءاتُ المُتَكَلِّمِ مِن (يَهْدِينِ، ويَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ) لِأجْلِ التَّخْفِيفِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّها يُوقَفُ عَلَيْها وفَواصِلُ هَذِهِ السُّورَةِ أكْثَرُها بِالنُّونِ السّاكِنَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] في قِصَّةِ مُوسى المُتَقَدِّمَةِ.