Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النمل 27:82 – القصص 28:75
المحتويات
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
النمل 27:82
﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهم إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى التَّذْكِيرِ بِالقِيامَةِ وما ادُّخِرَ لَهم مِنَ الوَعِيدِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ومُناسِبَةُ ذِكْرِها ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] إلى قَوْلِهِ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] . والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
و”القَوْلُ“ أُرِيدَ بِهِ أخْبارُ الوَعِيدِ الَّتِي كَذَّبُوها مُتَهَكِّمِينَ بِاسْتِبْطاءِ وُقُوعِها بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١]، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ.
والوُقُوعُ مُسْتَعارٌ لِحُلُولِ وقَتِهِ وذَلِكَ مِن وقْتِ تَهَيُّؤِ العالَمِ لِلْفَناءِ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةَ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ حُلُولِ الوَعِيدِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ وهو الوَعِيدُ الأكْبَرُ يَعْنِي وعِيدَ البَعْثِ، فَتُشِيرُ إلى شَيْءٍ مِن أشْراطِ السّاعَةِ وهو مِن خَوارِقِ العاداتِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ وُقُوعِهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَقْرِيبِ زَمَنِ الحالِ مِنَ المُضِيِّ، أيْ أشْرَفَ وُقُوعُهُ، عَلى أنَّ فِعْلَ المُضِيِّ مَعَ إذا يَنْقَلِبُ إلى الِاسْتِقْبالِ.
والدّابَّةُ: اسْمٌ لِلْحَيِّ مِن غَيْرِ الإنْسانِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الدَّبِيبِ، وهو المَشْيُ عَلى
صفحة ٣٩
الأرْضِ وهو مِن خَصائِصِ الأحْياءِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ”دابَّةٍ“ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَدْ رُوِيَتْ في وصْفِ هَذِهِ الدّابَّةِ ووَقْتِ خُرُوجِها ومَكانِها أخْبارٌ مُضْطَرِبَةٌ ضَعِيفَةُ الأسانِيدِ فانْظُرْها في تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ وغَيْرِهِ إذْ لا طائِلَ في جَلْبِها ونَقْدِها.
وإخْراجُ الدّابَّةِ مِنَ الأرْضِ لِيُرِيَهم كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى إذْ كانُوا قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ. ولا شَكَّ أنَّ كَلامَها لَهم خِطابٌ لَهم بِحُلُولِ الحَشْرِ. وإنَّما خَلَقَ اللَّهُ الكَلامَ لَهم عَلى لِسانِ دابَّةٍ تَحْقِيرًا لَهم وتَنْدِيمًا عَلى إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ أبْلَغِ كَلامٍ وأوْقَعِهِ مِن أشْرَفِ إنْسانٍ وأفْصَحِهِ، لِيَكُونَ لَهم خِزْيًا في آخِرِ الدَّهْرِ يُعَيَّرُونَ بِهِ في المَحْشَرِ. فَيُقالُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْ كَلامِ رَسُولٍ كَرِيمٍ فَخُوطِبُوا عَلى لِسانِ حَيَوانٍ بَهِيمٍ. عَلى نَحْوِ ما قِيلَ: اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَإ تَتَوَقَّفُ عَلى المُناسَبَةِ بَيْنَهُما.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِإظْهارِ هَذا الخارِقِ لِلْعادَةِ حَيْثُ لَمْ يُوقِنِ المُشْرِكُونَ بِآياتِ القُرْآنِ فَجَعَلَ ذَلِكَ إلْجاءً لَهم حِينَ لا يَنْفَعُهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ إنَّ النّاسَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“، ومَوْقِعُ ”إنَّ“ في مِثْلِ هَذا التَّعْلِيلُ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (﴿أنَّ النّاسَ﴾) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهي أيْضًا لِلتَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ فَتْحَ هَمْزَةِ (أنَّ) يُؤْذِنُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرِّ وهو باءُ السَّبَبِيَّةِ، أيْ تُكَلِّمُهم بِحاصِلِ هَذا وهو المَصْدَرُ. والمَعْنى: أنَّها تُسَجِّلُ عَلى النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ. وهو تَسْجِيلُ تَوْبِيخٍ وتَنْدِيمٍ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ قَدْ وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . وحَمْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أنْ تَكُونَ حِكايَةً لِما تُكَلِّمُهم بِهِ الدّابَّةُ بِعِيدٌ.
النمل 27:83
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
انْتَصَبَ (يَوْمَ) عَلى تَقْدِيرِ (اذْكُرْ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قالَ أكَذَّبْتُمْ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وهَذا حَشْرٌ خاصٌّ بَعْدَ حَشْرِ جَمِيعِ
صفحة ٤٠
الخَلْقِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَيُحْشَرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مُكَذِّبُو رَسُولِها.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. و”مِنَ“ الدّاخِلَةُ عَلى ”كُلِّ أُمَّةٍ“ تَبْعِيضِيَّةٌ. وأمّا ”مِنَ“ الدّاخِلَةُ عَلى ”مَن يُكَذِّبُ“ فَيَجُوزُ جَعْلُها بَيانِيَّةً فَيَكُونُ فَوْجُ كُلِّ أُمَّةٍ. وهَذا الفَوْجُ هو زُعَماءُ المُكَذِّبِينَ وأئِمَّتُهم فَيَكُونُونَ في الرَّعِيلِ الأوَّلِ إلى العَذابِ.
وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ قالَ: مِثْلُ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ يُساقُونَ بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، وكَذَلِكَ يُساقُ أمامَ كُلِّ طائِفَةٍ زُعَماؤُها. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّهم يُزْجَرُونَ إغْلاظًا عَلَيْهِمْ كَما يُفْعَلُ بِالأسْرى.
والقَوْلُ في ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ كالقَوْلِ في ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨] ولَمْ يُذْكَرِ المَوْضِعُ الَّذِي جاءُوهُ لِظُهُورِهِ وهو مَكانُ العَذابِ، أيْ جَهَنَّمُ كَما قالَ في الآيَةِ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ [فصلت: ٢٠] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
و”حَتّى“ في ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. و”إذا“ الواقِعَةُ بَعْدَ حَتّى ظَرْفِيَّةٌ والمَعْنى: حَتّى حِينَ جاءُوا.
وفِعْلُ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ هو صَدْرُ الجُمْلَةِ في التَّقْدِيرِ وما قَبْلَهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِلِاهْتِمامِ. والتَّقْدِيرُ: وقالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا وحِينَ جاءُوا. وفي ”قالَ“ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ قَوْلٌ صادِرٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى يَسْمَعُونَهُ أوْ يُبَلِّغُهم إيّاهُ المَلائِكَةُ.
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْبِيخًا مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ وهو الإلْجاءُ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ واقِعٌ مِنهم تَبْكِيتًا لَهم، ولِهَذا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أمّاذا كُنْتُمْ
صفحة ٤١
تَعْمَلُونَ﴾ . فَحَرْفُ ”أمْ“ فِيهِ بِمَعْنى (بَلْ) لِلِانْتِقالِ ومُعادِلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . والتَّقْدِيرُ: أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي أمْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَإنَّكم لَمْ تُوقِنُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في مُدَّةِ تَكْرِيرِ دَعْوَتِكم إلى الإسْلامِ. ومِن هُنا حَصَلَ الإلْجاءُ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم كَذَّبُوا.
ومِن لَطائِفَ البَلاغَةِ أنَّهُ جاءَ بِالمُعادِلِ الأوَّلِ مُصَرَّحًا بِهِ؛ لِأنَّهُ المُحَقَّقُ مِنهم فَقالَ ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ وحَذَفَ مُعادِلَهُ الآخَرَ تَنْبِيهًا عَلى انْتِفائِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ ما عُهِدَ مِنكم مِنَ التَّكْذِيبِ أمْ حَدَثَ حادِثٌ آخَرُ، فَجُعِلَ هَذا المُعادِلُ مُتَرَدَّدًا فِيهِ، وانْتَقَلَ الكَلامُ إلى اسْتِفْهامٍ. وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم. قالَ في الكَشّافِ ( ومِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِراعِيكَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ راعِي سُوءٍ: أتَأْكُلُ نَعَمِي أمْ ماذا تَعْمَلُ بِها، فَتَجْعَلُ ما ابْتَدَأْتَ بِهِ وجَعَلْتَهُ أساسَ كَلامِكَ هو الَّذِي صَحَّ عِنْدَكَ مِن أكْلِهِ وفَسادِهِ وتَرْمِي بِقَوْلِكَ: أمْ ماذا تَعْمَلُ بِها، مَعَ عِلْمِكَ أنَّهُ لا يَعْمَلُ بِها إلّا الأكْلَ؛ لِتَبْهَتْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرًا وتَكُونُ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وما بَعْدَها هو مُعادِلُ الِاسْتِفْهامِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أكَذَّبْتُمْ أمْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَإنَّكم لَمْ تَتَّبِعُوا آياتِي.
وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَذَّبْتُمْ دُونَ أنْ تُحِيطُوا عِلْمًا بِدَلالَةِ الآياتِ. وانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ ”تُحِيطُوا“، أيْ لَمْ يُحِطْ عِلْمُكم بِها، فَعَدَلَ عَنْ إسْنادِ الإحاطَةِ إلى العِلْمِ إلى إسْنادِها إلى ذَواتِ المُخاطَبِينَ لِيَقَعَ تَأْكِيدُ الكَلامِ بِالإجْمالِ في الإسْنادِ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِالتَّمْيِيزِ.
وإحاطَةُ العِلْمِ بِالآياتِ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ العِلْمِ حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِها وهَذا تَعْبِيرٌ لَهم وتَوْبِيخٌ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالآياتِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ فِيها.
و”ماذا“ اسْتِفْهامٌ واسْمُ إشارَةٍ وهو بِمَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ إذا وقَعَ بَعْدَ (ما) . والمُشارُ إلَيْهِ هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ”كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ“ . ولِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا هو الجُمْلَةَ صارَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في قُوَّةِ مَوْصُولٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ (ذا) بَعْدَ (ما) و(مِن) الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ يَكُونُ بِمَعْنى (ما) المَوْصُولَةِ فَهو بَيانُ مَعْنًى لا بَيانُ وضْعٍ.
النمل 27:84
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
انْتَصَبَ (يَوْمَ) عَلى تَقْدِيرِ (اذْكُرْ) فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قالَ أكَذَّبْتُمْ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وهَذا حَشْرٌ خاصٌّ بَعْدَ حَشْرِ جَمِيعِ
صفحة ٤٠
الخَلْقِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فَيُحْشَرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ مُكَذِّبُو رَسُولِها.
والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. و”مِنَ“ الدّاخِلَةُ عَلى ”كُلِّ أُمَّةٍ“ تَبْعِيضِيَّةٌ. وأمّا ”مِنَ“ الدّاخِلَةُ عَلى ”مَن يُكَذِّبُ“ فَيَجُوزُ جَعْلُها بَيانِيَّةً فَيَكُونُ فَوْجُ كُلِّ أُمَّةٍ. وهَذا الفَوْجُ هو زُعَماءُ المُكَذِّبِينَ وأئِمَّتُهم فَيَكُونُونَ في الرَّعِيلِ الأوَّلِ إلى العَذابِ.
وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ إذْ قالَ: مِثْلُ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ يُساقُونَ بَيْنَ يَدَيْ أهْلِ مَكَّةَ، وكَذَلِكَ يُساقُ أمامَ كُلِّ طائِفَةٍ زُعَماؤُها. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
والمَعْنى هُنا: أنَّهم يُزْجَرُونَ إغْلاظًا عَلَيْهِمْ كَما يُفْعَلُ بِالأسْرى.
والقَوْلُ في ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ كالقَوْلِ في ﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾ [النمل: ١٨] ولَمْ يُذْكَرِ المَوْضِعُ الَّذِي جاءُوهُ لِظُهُورِهِ وهو مَكانُ العَذابِ، أيْ جَهَنَّمُ كَما قالَ في الآيَةِ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ [فصلت: ٢٠] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
و”حَتّى“ في ﴿حَتّى إذا جاءُوا﴾ ابْتِدائِيَّةٌ. و”إذا“ الواقِعَةُ بَعْدَ حَتّى ظَرْفِيَّةٌ والمَعْنى: حَتّى حِينَ جاءُوا.
وفِعْلُ ﴿قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ هو صَدْرُ الجُمْلَةِ في التَّقْدِيرِ وما قَبْلَهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِلِاهْتِمامِ. والتَّقْدِيرُ: وقالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي يَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا وحِينَ جاءُوا. وفي ”قالَ“ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ قَوْلٌ صادِرٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى يَسْمَعُونَهُ أوْ يُبَلِّغُهم إيّاهُ المَلائِكَةُ.
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَوْبِيخًا مُسْتَعْمَلًا في لازِمِهِ وهو الإلْجاءُ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ واقِعٌ مِنهم تَبْكِيتًا لَهم، ولِهَذا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أمّاذا كُنْتُمْ
صفحة ٤١
تَعْمَلُونَ﴾ . فَحَرْفُ ”أمْ“ فِيهِ بِمَعْنى (بَلْ) لِلِانْتِقالِ ومُعادِلُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المُقَدَّرَةِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . والتَّقْدِيرُ: أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي أمْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَإنَّكم لَمْ تُوقِنُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في مُدَّةِ تَكْرِيرِ دَعْوَتِكم إلى الإسْلامِ. ومِن هُنا حَصَلَ الإلْجاءُ إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم كَذَّبُوا.
ومِن لَطائِفَ البَلاغَةِ أنَّهُ جاءَ بِالمُعادِلِ الأوَّلِ مُصَرَّحًا بِهِ؛ لِأنَّهُ المُحَقَّقُ مِنهم فَقالَ ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ وحَذَفَ مُعادِلَهُ الآخَرَ تَنْبِيهًا عَلى انْتِفائِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: أهْوَ ما عُهِدَ مِنكم مِنَ التَّكْذِيبِ أمْ حَدَثَ حادِثٌ آخَرُ، فَجُعِلَ هَذا المُعادِلُ مُتَرَدَّدًا فِيهِ، وانْتَقَلَ الكَلامُ إلى اسْتِفْهامٍ. وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم. قالَ في الكَشّافِ ( ومِثالُهُ أنْ تَقُولَ لِراعِيكَ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ راعِي سُوءٍ: أتَأْكُلُ نَعَمِي أمْ ماذا تَعْمَلُ بِها، فَتَجْعَلُ ما ابْتَدَأْتَ بِهِ وجَعَلْتَهُ أساسَ كَلامِكَ هو الَّذِي صَحَّ عِنْدَكَ مِن أكْلِهِ وفَسادِهِ وتَرْمِي بِقَوْلِكَ: أمْ ماذا تَعْمَلُ بِها، مَعَ عِلْمِكَ أنَّهُ لا يَعْمَلُ بِها إلّا الأكْلَ؛ لِتَبْهَتْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرًا وتَكُونُ ”أمْ“ مُتَّصِلَةً وما بَعْدَها هو مُعادِلُ الِاسْتِفْهامِ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: أكَذَّبْتُمْ أمْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنْ لَمْ تُكَذِّبُوا فَإنَّكم لَمْ تَتَّبِعُوا آياتِي.
وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَذَّبْتُمْ دُونَ أنْ تُحِيطُوا عِلْمًا بِدَلالَةِ الآياتِ. وانْتَصَبَ عِلْمًا عَلى أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ ”تُحِيطُوا“، أيْ لَمْ يُحِطْ عِلْمُكم بِها، فَعَدَلَ عَنْ إسْنادِ الإحاطَةِ إلى العِلْمِ إلى إسْنادِها إلى ذَواتِ المُخاطَبِينَ لِيَقَعَ تَأْكِيدُ الكَلامِ بِالإجْمالِ في الإسْنادِ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بِالتَّمْيِيزِ.
وإحاطَةُ العِلْمِ بِالآياتِ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَمَكُّنِ العِلْمِ حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِها وهَذا تَعْبِيرٌ لَهم وتَوْبِيخٌ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِالآياتِ قَبْلَ التَّدَبُّرِ فِيها.
و”ماذا“ اسْتِفْهامٌ واسْمُ إشارَةٍ وهو بِمَعْنى اسْمِ المَوْصُولِ إذا وقَعَ بَعْدَ (ما) . والمُشارُ إلَيْهِ هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ ”كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ“ . ولِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ في مِثْلِ هَذا هو الجُمْلَةَ صارَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ في قُوَّةِ مَوْصُولٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؟ فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ (ذا) بَعْدَ (ما) و(مِن) الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ يَكُونُ بِمَعْنى (ما) المَوْصُولَةِ فَهو بَيانُ مَعْنًى لا بَيانُ وضْعٍ.
النمل 27:85
صفحة ٤٢
﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والمَعْنى: يُقالُ لَهم أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وقَدْ وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ. وهَذا القَوْلُ هو القَوْلُ السّابِقُ في آيَةِ ﴿وإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٢] فَإنَّ ذَلِكَ القَوْلَ مُشْتَمِلٌ عَلى حَوادِثَ كَثِيرَةٍ فَكُلَّما تَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنها فَقَدْ وقَعَ القَوْلُ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ ”وقَعَ“ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ، وأُعِيدَ ذِكْرُهُ تَعْظِيمًا لِهَوْلِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً والقَوْلُ هو القَوْلُ الأوَّلُ وعُطِفَتِ الجُمْلَةُ عَلى الجُمْلَةِ المُماثِلَةِ لَها لِيُبْنى عَلَيْها سَبَبُ وُقُوعِ القَوْلِ وهو أنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ولِيُفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ والتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ المُضِيِّ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ فَجُعِلَ كَأنَّهُ حَصَلَ ومَضى.
وما ظَلَمُوا بِمَعْنى المَصْدَرِ، والباءُ السَّبَبِيَّةُ، أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، والظُّلْمُ هُنا الشِّرْكُ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ المُؤْمِنِينَ فَكانَ ظُلْمُهم سَبَبَ حُلُولِ الوَعِيدِ بِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ» فَكُلُّ مَن ظَلَمَ سَيَقَعُ عَلَيْهِ القَوْلُ المَوْعُودُ بِهِ الظّالِمُونَ؛ لِأنَّ الظُّلْمَ يَنْتَسِبُ إلى الشِّرْكِ ويَنْتَسِبُ هَذا إلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى ﴿وقَعَ القَوْلُ﴾ [النمل: ٨٢] أيْ وقَعَ عَلَيْهِمْ وُقُوعًا يَمْنَعُهُمُ الكَلامَ، أيْ كَلامَ الِاعْتِذارِ أوِ الإنْكارِ، أيْ فَوَجَمُوا لِوُقُوعِ ما وُعِدُوا بِهِ قالَ تَعالى ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] .
النمل 27:86
﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٨٥] أيْ بِما أشْرَكُوا
صفحة ٤٣
فَذَكَّرَهم بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِذِكْرِ أظْهَرِ الآياتِ وأكْثَرِهِمْ تَكْرارًا عَلى حَواسِّهِمْ وأجْدَرِها بِأنْ تَكُونَ مُقْنِعَةً في ارْعِوائِهِمْ عَنْ شِرْكِهِمْ. وهي آيَةٌ مُلازِمَةٌ لَهم طُولَ حَياتِهِمْ تَخْطُرُ بِبالِهِمْ مَرَّتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ عَلى الأقَلِّ. وتِلْكَ هي آيَةُ اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ الدّالَّةُ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ في هَذا العالَمِ؛ فَأصْنامُهم تَخْضَعُ لِمَفْعُولِها فَتَظْلِمُ ذَواتِهِمْ في اللَّيْلِ وتُنِيرُ في النَّهارِ، وفِيها تَذْكِيرٌ بِتَمْثِيلِ المَوْتِ والحَياةِ بَعْدَهُ بِسُكُونِ اللَّيْلِ وانْبِثاقِ النَّهارِ عَقِبَهُ.
والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ووَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٨٥] وجُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧] لِيُتَخَلَّلَ الوَعِيدُ بِالِاسْتِدْلالِ فَتَكُونَ الدَّعْوَةُ إلى الحَقِّ بِالإرْهابِ تارَةً واسْتِدْعاءِ النَّظَرِ تارَةً أُخْرى.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ؛ لِأنَّها لِغَرابَتِها تَسْتَلْزِمُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ فَهَذِهِ عَلاقَةُ أوْ مُسَوِّغُ اسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ، وهي عَلاقَةٌ خَفِيَّةٌ أشارَ سَعْدُ الدِّينِ في المُطَوَّلِ إلى عَدَمِ ظُهُورِها وتَصَدّى السَّيِّدُ الشَّرِيفُ إلى بَيانِها غايَةَ البَيانِ وأرْجَعَها إلى المَجازِ المُرْسَلِ فَتَأمَّلْهُ.
والرُّؤْيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ قَلْبِيَّةً وجُمْلَةُ ”أنّا جَعَلْنا“ سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ، أيْ كَيْفَ لَمْ يَعْلَمُوا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى هَذا الجَعْلِ. واخْتِيرَ مِن أفْعالِ العِلْمِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ لِشَبَهِ هَذا العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ المُبْصَرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنَ الجُمْلَةِ مَفْعُولَ الرُّؤْيَةِ.
والمَعْنى: كَيْفَ لَمْ يُبْصِرُوا جَعْلَ اللَّيْلِ لِلسُّكُونِ والنَّهارِ لِلْإبْصارِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ بِمَرْأى مِن أبْصارِهِمْ. والجَعْلُ مُرادٌ مِنهُ أثَرُهُ وهو اضْطِرارُ النّاسِ إلى السُّكُونِ في اللَّيْلِ وإلى الِانْتِشارِ في النَّهارِ. فَجُعِلَتْ رُؤْيَةُ أثَرِ الجَعْلِ بِمَنزِلَةِ رُؤْيَةِ ذَلِكَ الجَعْلِ وهَذا واسِعٌ في العَرَبِيَّةِ أنْ يُجْعَلَ الأثَرُ مَحَلَّ المُؤَثِّرِ، والدّالُّ مَحَلَّ المَدْلُولِ. قالَ النّابِغَةُ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ عَلى مَخافَةِ وعِلٍ.
والمُبْصِرُ: اسْمُ فاعِلِ أبْصَرَ بِمَعْنى رَأى. ووَصْفُ النَّهارِ بِأنَّهُ مُبْصِرٌ مِن قَبِيلِ
صفحة ٤٤
المَجازِ العَقْلِيِّ؛ لِأنَّ نُورَ النَّهارِ سَبَبُ الإبْصارِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ مِن أبْصَرَهُ، إذا جَعَلَهُ باصِرًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ إذْ لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ولا عَلى البَعْثِ.
ووَجْهُ كَوْنِ الآياتِ في ذَلِكَ كَثِيرَةً كَما اقْتَضاهُ الجَمْعُ هو أنَّ في نِظامِ اللَّيْلِ آياتٍ عَلى الِانْفِرادِ بِخَلْقِ الشَّمْسِ وخَلْقِ نُورِها الخارِقِ لِلظُّلُماتِ، وخَلْقِ الأرْضِ، وخَلْقِ نِظامِ دَوَرانِها اليَوْمِيِّ تُجاهَ أشِعَّةِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ الَّتِي تُكَوِّنُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وفي خَلْقِ طَبْعِ الإنْسانِ بِأنْ يَتَلَقّى الظُّلْمَةَ بِطَلَبِ السُّكُونِ لِما يَعْتَرِي الأعْصابَ مِنَ الفُتُورِ دُونَ بَعْضِ الدَّوابِّ الَّتِي تَنْشَطُ في اللَّيْلِ كالهَوامِّ والخَفافِيشِ وفي ذَلِكَ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى تَعاقُبِ المَوْتِ والحَياةِ، فَتِلْكَ آياتٌ وفي كُلِّ آيَةٍ مِنها دَقائِقُ ونُظُمٌ عَظِيمَةٌ لَوْ بُسِطَ القَوْلُ فِيها لَأوْعَبَ مُجَلَّداتٍ مِنَ العُلُومِ.
وفِي جَعْلِ النَّهارِ مُبْصِرًا آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ ودِقَّةِ الصُّنْعِ تُقابِلُ ما تَقَدَّمَ في آياتِ جَعْلِ اللَّيْلِ سَكَنًا. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنْ لا إحالَةَ ولا اسْتِبْعادَ في البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، وأنَّهُ نَظِيرُ بَعْثِ اليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ، وفي جَلِيلِ تِلْكَ الآياتِ ودَقِيقِها عِدَّةُ آياتٍ فَهَذا وجْهُ جَعْلِ ذَلِكَ آياتٍ ولَمْ يُجْعَلْ آيَتَيْنِ.
ومَعْنى ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لِناسٍ شَأْنُهُمُ الإيمانُ والِاعْتِرافُ بِالحُجَّةِ ولِذَلِكَ جُعِلَ الإيمانُ صِفَةً جارِيَةً عَلى قَوْمٍ لِما قُلْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن أنَّ إناطَةَ الحُكْمِ بِلَفْظِ ”قَوْمٍ“ يُومِئُ إلى أنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم حَتّى كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]، أيِ الفَرَقُ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُونَ مِنكم وأنْتُمْ لا تَفْرَقُونَ، أيْ في ذَلِكَ آياتٌ لِمَن مَن شِعارُهُمُ التَّدَبُّرُ والِاتِّصافُ، أيْ فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا بِتِلْكَ المَثابَةِ.
ولِكَوْنِ الإيمانِ مَقْصُودًا بِهِ أنَّهُ مَرْجُوٌّ مِنهم جِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ بِالفَحْوى والأوْلَوِيَّةِ، فَصارَ المَعْنى: إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِمَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ عِنْدَ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ. وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] لِمَن شاءَ
صفحة ٤٥
مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ. ولِهَذا خُولِفَ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ ما في سُورَةِ يُونُسَ إذْ قالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس: ٦٧]؛ لِأنَّ آيَةَ يُونُسَ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ فَخاطَبَ بِها جَمِيعَ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ فَجاءَتْ بِصِيغَةِ الخِطابِ، وجُعِلَتْ دَلالَتُها لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ أدِلَّةَ القُرْآنِ فَمِنهم مُهْتَدٍ وضالٌّ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيها بِفِعْلِ يَسْمَعُونَ المُؤْذِنِ بِالِامْتِثالِ والإقْبالِ عَلى طَلَبِ الهُدى.
وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْجِيبِ والتَّوْبِيخِ فَجُعِلَ ما فِيها آياتٍ لِمَنِ الإيمانُ مِن شَأْنِهِمْ لِيُفِيدَ بِمَفْهُومِهِمْ أنَّهُ لا تَحْصُلُ مِنهُ دَلالَةٌ لِمَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِمُ الإنْصافُ والِاعْتِرافُ ولِذَلِكَ أُوثِرَ فِيهِ فِعْلُ ”يُؤْمِنُونَ“ .
وجاءَ ما في اللَّيْلِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ بِصِيغَةِ التَّعْلِيلِ بِاللّامِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾، وما في النَّهارِ بِصِيغَةِ مَفْعُولِ الجَعْلِ بِقَوْلِهِ مُبْصِرًا تَفَنُّنًا، ولِما يُفِيدُهُ ”مُبْصِرًا“ مِنَ المُبالَغَةِ. والمَعْنى عَلى التَّعْلِيلِ والمَفْعُولُ واحِدٌ في المَآلِ. وبِهَذا قالَ في الكَشّافِ (التَّقابُلُ مُراعًى مِن حَيْثُ المَعْنى وهَكَذا النَّظْمُ المَطْبُوعُ غَيْرُ المُتَكَلَّفِ) أيْ فَفي الآيَةِ احْتِباكٌ إذِ المَعْنى: جَعَلْنا اللَّيْلَ مُظْلِمًا لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا لِيَنْتَشِرُوا فِيهِ.
واعْلَمْ أنَّ ما قُرِّرَ هُنا يَأْتِي في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ عَدا ما هو مِن وُجُوهِ الفُرُوقِ البَلاغِيَّةِ فارْجِعْ إلَيْها هُنالِكَ.
النمل 27:87
﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ وكُلٌّ ءاتُوهُ داخِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: ٨٣]، عادَ بِهِ السِّياقُ إلى المَوْعِظَةِ والوَعِيدِ فَإنَّهم لَمّا ذُكِّرُوا بِيَوْمِ الحَشْرِ إلى النّارِ ذُكِّرُوا أيْضًا بِما قَبْلَ ذَلِكَ وهو يَوْمُ النَّفْخِ في الصُّورِ، تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ وُقُوعِ البَعْثِ وإنْذارٍ بِما يَعْقُبُهُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ”آتُوهُ داخِرِينَ“ وقَوْلُهُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ .
صفحة ٤٦
والنَّفْخُ في الصُّورِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ وهو تَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ صُدُورِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ لِإحْياءِ الأمْواتِ وهو النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وذَلِكَ هو يَوْمُ الحِسابِ. وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَهي نَفْخَةٌ يَعْنِي بِها الإحْياءَ، أيْ نَفْخَ الأرْواحِ في أجْسامِها وهي ساعَةُ انْقِضاءِ الحَياةِ الدُّنْيا فَهم يُصْعَقُونَ، ولِهَذا فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾، أيْ عَقِبَهُ حُصُولُ الفَزَعِ وهو الخَوْفُ مِن عاقِبَةِ الحِسابِ ومُشاهَدَةِ مُعَدّاتِ العَذابِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَخْشى أنْ يَكُونَ مُعَذَّبًا، فالفَزَعُ حاصِلٌ مِمّا بَعْدَ النَّفْخَةِ ولَيْسَ هو فَزَعًا مِنَ النَّفْخَةِ؛ لِأنَّ النّاسَ حِينَ النَّفْخَةِ أمْواتٌ.
والِاسْتِثْناءُ مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ ”﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]“ وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١] إلى قَوْلِهِ ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وذَلِكَ بِأنْ يُبادِرَهُمُ المَلائِكَةُ بِالبِشارَةِ. قالَ تَعالى ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وقالَ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] .
وجِيءَ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ ”فَفَزِعَ“ مَعَ أنَّ النَّفْخَ مُسْتَقْبَلٌ، لِإشْعارٍ بِتَحَقُّقِ الفَزَعِ وأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ لِأنَّ المُضِيَّ يَسْتَلْزِمُ التَّحَقُّقَ فَصِيغَةُ الماضِي كِنايَةٌ عَنِ التَّحَقُّقِ، وقَرِينَةُ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يُنْفَخُ“ .
والدّاخِرُونَ: الصّاغِرُونَ. أيِ الأذِلّاءُ، يُقالُ: دَخَرَ بِوَزْنِ مَنَعَ وفَرِحَ والمَصْدَرُ الدَّخَرُ بِالتَّحْرِيكِ والدُّخُورُ.
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ الظّاهِرُ في ”آتُوهُ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، والإتْيانُ إلى اللَّهِ الإحْضارُ في مَكانِ قَضائِهِ ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: آتُونَ فِيهِ والمُضافُ إلَيْهِ ”كُلٌّ“ المُعَوَّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ، تَقْدِيرُهُ: مَن فَزِعَ مِمَّنْ في السَّماواتِ والأرْضِ آتُوهُ داخِرِينَ. وأمّا مَنِ اسْتَثْنى اللَّهُ بِأنَّهُ شاءَ أنْ لا يَفْزَعُوا فَهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (آتُوهُ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن أتى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ
صفحة ٤٧
أتَوْهُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الماضِي فَهو كَقَوْلِهِ ”فَفَزِعَ“ .
النمل 27:88
﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسِبُها جامِدَةً وهْيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ الَّذِي قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الآيَةَ حَكَتْ حادِثًا يَحْصُلُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَجَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿وتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ عَطْفًا عَلى ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧] أيْ ويَوْمَ تَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً إلَخْ. . وجَعَلُوا الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةً، ومَرَّ السَّحابِ تَشْبِيهًا لِتَنَقُّلِها بِمَرِّ السَّحابِ في السُّرْعَةِ، وجَعَلُوا اخْتِيارَ التَّشْبِيهِ بِمُرُورِ السَّحابِ مَقْصُودًا مِنهُ إدْماجُ تَشْبِيهِ حالِ الجِبالِ حِينَ ذَلِكَ المُرُورِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها فَيَكُونُ مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وجَعَلُوا الخَطابَ في قَوْلِهِ ”تَرى“ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَرى، وجَعَلُوا مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ [الكهف: ٤٧] . فَلَمّا أشْكَلَ أنَّ هَذِهِ الأحْوالَ تَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ الحَشْرِ؛ لِأنَّ الآياتِ الَّتِي ورَدَ فِيها ذِكْرُ دَكِّ الجِبالِ ونَسْفِها تُشِيرُ إلى أنَّ ذَلِكَ في انْتِهاءِ الدُّنْيا عِنْدَ القارِعَةِ وهي النَّفْخَةُ الأُولى أوْ قُبَيْلَها، فَأجابُوا بِأنَّها تَنْدَكُّ حِينَئِذٍ ثُمَّ تُسَيَّرُ يَوْمَ الحَشْرِ لِقَوْلِهِ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] إلى أنْ قالَ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾ [طه: ١٠٨]؛ لِأنَّ الدّاعِيَ هو إسْرافِيلُ وفِيهِ أنَّ لِلِاتِّباعِ أحْوالًا كَثِيرَةً، ولِلدّاعِي مَعانِيَ أيْضًا.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا مِمّا يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى وكَذَلِكَ جَمِيعُ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها نَسْفُ الجِبالِ ودَكُّها وبَسُّها. وكَأنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا عَطْفَ ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ عَلى ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧] حَتّى يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ عَمَلُ لَفْظِ ”يَوْمَ“ بَلْ يَجْعَلُوهُ مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، والواوُ لا تَقْتَضِي تَرْتِيبَ المَعْطُوفِ بِها مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَهو عَطْفُ عِبْرَةٍ عَلى عِبْرَةٍ وإنْ كانَتِ المَذْكُورَةُ أُولى حاصِلَةً ثانِيًا.
وجَعَلَ كِلا الفَرِيقَيْنِ قَوْلَهُ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ إلَخْ مُرادًا بِهِ تَهْوِيلُ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ النَّفْخَ في الصُّورِ وتَسْيِيرَ الجِبالِ مِن عَجِيبِ قُدْرَتِهِ، فَكَأنَّهم تَأوَّلُوا الصُّنْعَ بِمَعْنى مُطْلَقِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ التِزامِ ما في مادَّةِ الصُّنْعِ مِن مَعْنى التَّرْكِيبِ والإيجادِ، فَإنَّ الإتْقانَ إجادَةٌ، والهَدْمَ لا يَحْتاجُ إلى إتْقانٍ.
صفحة ٤٨
وقالَ الماوَرْدِيُّ: قِيلَ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، أيْ ولَيْسَ بِخَبَرٍ. وفِيما ضُرِبَ فِيهِ المَثَلُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلدُّنْيا يَظُنُّ النّاظِرُ إلَيْها أنَّها ثابِتَةٌ كالجِبالِ وهي آخِذَةٌ بِحَظِّها مِنَ الزَّوالِ كالسَّحابِ، قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْإيمانِ تَحْسَبُهُ ثابِتًا في القَلْبِ، وعَمَلُهُ صاعِدٌ إلى السَّماءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِلنَّفْسِ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ، والرُّوحُ تَسِيرُ إلى العَرْشِ. وكَأنَّهم أرادُوا بِالتَّمْثِيلِ التَّشْبِيهَ والِاسْتِعارَةَ.
ولا يَخْفى عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ بُعْدُ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ ”الجِبالَ“ مُشَبَّهًا بِها فَهَذِهِ الحالَةُ غَيْرُ ثابِتَةٍ لَها حَتّى تَكُونَ هي وجْهُ الشَّبَهِ وإنْ كانَ لَفْظُ ”الجِبالَ“ مُسْتَعارًا لِشَيْءٍ وكانَ مَرُّ السَّحابِ كَذَلِكَ كانَ المُسْتَعارُ لَهُ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ ولا ضِمْنِيًّا.
ولَيْسَ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ شِفاءٌ لِبَيانِ اخْتِصاصِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّ الرّائِيَ يَحْسَبُ الجِبالَ جامِدَةً، ولا بَيانِ وجْهِ تَشْبِيهِ سَيْرِها بِسَيْرِ السَّحابِ، ولا تَوْجِيهِ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ لِهَذِهِ الآيَةِ وضْعٌ دَقِيقٌ، ومَعْنًى بِالتَّأمُّلِ خَلِيقٌ، فَوَضْعُها أنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بَيْنَ المُجْمَلِ وبَيانِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] إلى قَوْلِهِ ”﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]“ بِأنْ يَكُونَ مِن تُخَلِّلِ دَلِيلٍ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في أثْناءِ الإنْذارِ والوَعِيدِ إدْماجًا وجَمْعًا بَيْنَ اسْتِدْعاءٍ لِلنَّظَرِ، وبَيْنَ الزَّواجِرِ والنُّذُرِ، كَما صُنِعَ في جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ؛ أوْ هي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [النمل: ٨٧] مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُما لِمُناسَبَةِ ما في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِنَ الإيماءِ إلى تَمْثِيلِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، ولَكِنَّ هَذا اسْتِدْعاءٌ لِأهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ لِتَتَوَجَّهَ أنْظارُهم إلى ما في الكَوْنِ مِن دَقائِقِ الحِكْمَةِ وبَدِيعِ الصَّنْعَةِ.
وهَذا مِنَ العِلْمِ الَّذِي أُودِعَ في القُرْآنِ لِيَكُونَ مُعْجِزَةً مِنَ الجانِبِ العِلْمِيِّ يُدْرِكُها
صفحة ٤٩
أهْلُ العِلْمِ، كَما كانَ مُعْجِزَةً لِلْبُلَغاءِ مِن جانِبِهِ النَّظْمِيِّ كَما قَدَّمْناهُ في الجِهَةِ الثّانِيَةِ مِنَ المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
فَإنَّ النّاسَ كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ الشَّمْسَ تَدُورُ حَوْلَ الأرْضِ فَيَنْشَأُ مِن دَوَرانِها نِظامُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ويَحْسُبُونَ الأرْضَ ساكِنَةً. واهْتَدى بَعْضُ عُلَماءَ اليُونانِ أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تَدُورُ حَوْلَ الشَّمْسِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً تَتَكَوَّنُ مِنها ظُلْمَةُ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ تَقْرِيبًا وضِياءُ النِّصْفِ الآخَرِ وذَلِكَ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، ولَكِنَّها كانَتْ نَظَرِيَّةً مَرْمُوقَةً بِالنَّقْدِ وإنَّما كانَ الدّالُّ عَلَيْها قاعِدَةَ أنَّ الجِرْمَ الأصْغَرَ أوْلى بِالتَّحَرُّكِ حَوْلَ الجِرْمِ الأكْبَرِ المُرْتَبِطِ بِسَيْرِهِ وهي عِلَّةٌ إقْناعِيَّةٌ؛ لِأنَّ الحَرَكَةَ مُخْتَلِفَةُ المَداراتِ فَلا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُتَحَرِّكُ الأصْغَرُ حَوْلَ الأكْبَرِ في رَأْيِ العَيْنِ وضَبْطِ الحِسابِ وما تَحَقَّقَتْ هَذِهِ النَّظَرِيَّةُ إلّا في القَرْنِ السّابِعَ عَشَرَ بِواسِطَةِ الرِّياضِيِّ (غالِيلِي) الإيطالِيِّ. والقُرْآنُ يُدْمِجُ في ضِمْنِ دَلائِلِهِ الجَمَّةِ وعَقِبَ دَلِيلِ تَكْوِينِ النُّورِ والظُّلْمَةِ دَلِيلًا رَمَزَ إلَيْهِ رَمْزًا، فَلَمْ يَتَناوَلْهُ المُفَسِّرُونَ أوْ تَسْمَعْ لَهم رِكْزًا.
وإنَّما ناطَ دَلالَةَ تَحَرُّكِ الأرْضِ بِتَحَرُّكِ الجِبالِ مِنها؛ لِأنَّ الجِبالَ هي الأجْزاءُ النّاتِئَةُ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ فَظُهُورُ تَحَرُّكِ ظِلالِها مُتَناقِصَةً قَبْلَ الزَّوالِ إلى مُنْتَهى نَقْصِها، ثُمَّ آخِذَةً في الزِّيادَةِ بَعْدَ الزَّوالِ. ومُشاهَدَةُ تَحَرُّكِ تِلْكَ الظِّلالِ تَحَرُّكًا يُحاكِي دَبِيبَ النَّمْلِ أشَدُّ وُضُوحًا لِلرّاصِدِ، وكَذَلِكَ ظُهُورُ تَحَرُّكِ قِمَمِها أمامَ قُرْصِ الشَّمْسِ في الصَّباحِ والمَساءِ أظْهَرُ مَعَ كَوْنِ الشَّمْسِ ثابِتَةً في مَقَرِّها بِحَسَبِ أرْصادِ البُرُوجِ والأنْوارِ.
ولِهَذا الِاعْتِبارِ غُيِّرَ أُسْلُوبُ الِاسْتِدْلالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] فَجُعِلَ هُنا بِطَرِيقِ الخِطابِ ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ . والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَعْلِيمًا لَهُ لِمَعْنًى يُدْرِكُ هو كُنْهَهُ ولِذَلِكَ خُصَّ الخِطابُ بِهِ ولَمْ يُعَمَّمْ كَما عُمِّمَ قَوْلُهُ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [النمل: ٨٦] في هَذا الخِطابِ، وادِّخارٌ لِعُلَماءِ أُمَّتِهِ الَّذِينَ يَأْتُونَ في وقْتِ ظُهُورِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ الدَّقِيقَةِ. فالنَّبِيءُ ﷺ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى هَذا السِّرِّ العَجِيبِ في نِظامِ الأرْضِ كَما أطْلَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى كَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى، اخْتَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِعِلْمِ ذَلِكَ في وقْتِهِ وائْتَمَنَهُ عَلى عِلْمِهِ بِهَذا السِّرِّ العَجِيبِ في قُرْآنِهِ ولَمْ يَأْمُرْهُ بِتَبْلِيغِهِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِهِ لِلنّاسِ مَصْلَحَةٌ حِينَئِذٍ
صفحة ٥٠
حَتّى إذا كَشَفَ العِلْمُ عَنْهُ مِن نِقابِهِ وجَدَ أهْلُ القُرْآنِ ذَلِكَ حَقًّا في كِتابِهِ، فاسْتَلُّوا سَيْفَ الحُجَّةِ بِهِ وكانَ في قِرابِهِ.
وهَذا التَّأْوِيلُ لِلْآيَةِ هو الَّذِي يُساعِدُهُ قَوْلُهُ ﴿وتَرى الجِبالَ﴾ المُقْتَضِيَ أنَّ الرّائِيَ يَراها في هَيْئَةِ السّاكِنَةِ، وقَوْلَهُ ﴿تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ إذْ هَذا التَّأْوِيلُ بِمَعْنى الجامِدَةِ هو الَّذِي يُناسِبُ حالَةَ الجِبالِ إذْ لا تَكُونُ الجِبالُ ذائِبَةً.
وقَوْلُهُ ﴿وهِيَ تَمُرُّ﴾ الَّذِي هو بِمَعْنى السَّيْرِ ﴿مَرَّ السَّحابِ﴾ أيْ مَرًّا واضِحًا لَكِنَّهُ لا يَبِينُ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ. وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ المُقْتَضِي أنَّهُ اعْتِبارٌ بِحالَةِ نِظامِها المَأْلُوفِ لا بِحالَةِ انْخِرامِ النِّظامِ؛ لِأنَّ خَرْمَ النِّظامِ لا يُناسِبُ وصْفَهُ بِالصُّنْعِ المُتْقَنِ ولَكِنَّهُ يُوصَفُ بِالأمْرِ العَظِيمِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ التَّصَوُّرِ.
و﴿مَرَّ السَّحابِ﴾ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ مُرُورِ الجِبالِ، أيْ مُرُورًا تَنْتَقِلُ بِهِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ مَعَ أنَّ الرّائِيَ يَخالُها ثابِتَةً في مَكانِها كَما يَخالُ ناظِرُ السَّحابِ الَّذِي يَعُمُّ الأُفُقَ أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ وهو يَنْتَقِلُ مِن صَوْبٍ ويُمْطِرُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ فَلا يَشْعُرُ بِهِ النّاظِرُ إلّا وقَدْ غابَ عَنْهُ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ المَرَّ غَيْرُ السَّيْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] فَإنَّ ذَلِكَ في وقْتِ اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ.
وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ بِتَقْدِيرِ: صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا. وهَذا تَمْجِيدٌ لِهَذا النِّظامِ العَجِيبِ إذْ تَتَحَرَّكُ الأجْسامُ العَظِيمَةُ مَسافاتٍ شاسِعَةً والنّاسُ يَحْسَبُونَها قارَّةً ثابِتَةً وهي تَتَحَرَّكُ بِهِمْ ولا يَشْعُرُونَ.
والجامِدَةُ: السّاكِنَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي الكَشّافِ: الجامِدَةُ مِن جَمَدَ في مَكانِهِ إذا لَمْ يَبْرَحْ، يَعْنِي أنَّهُ جُمُودٌ مَجازِيٌّ، كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا المَجازِ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
والصُّنْعُ، قالَ الرّاغِبُ: إجادَةُ الفِعْلِ فَكُلُّ صُنْعٍ فِعْلٌ ولَيْسَ كُلُّ فِعْلٍ صُنْعًا قالَ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] يُقالُ لِلْحاذِقِ المُجِيدِ: صَنَعٌ، ولِلْحاذِقَةِ المُجِيدَةِ: صَناعٌ اهـ. وقَصَّرَ في تَفْسِيرِ الصُّنْعِ الجَوْهَرِيُّ وصاحِبُ اللِّسانِ
صفحة ٥١
وصاحِبُ القامُوسِ واسْتِدْراكُهُ في تاجِ العَرُوسِ. قُلْتُ: وأمّا قَوْلُهُ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، فَهو عَلى مَعْنى التَّخْطِئَةِ لِمَن ظَنَّ أنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا حَسَنًا ولَمْ يَتَفَطَّنْ لِقُبْحِهِ. فالصُّنْعُ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ لِلْعَمَلِ الجَيِّدِ النّافِعِ وإذا أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ وجَبَ تَقْيِيدُهُ عَلى أنَّهُ قَلِيلٌ أوْ تَهَكُّمٌ أوْ مُشاكَلَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ الصُّنْعَ يُطْلَقُ عَلى العَمَلِ المُتْقَنِ في الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ قالَ تَعالى ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]، ووَصْفُ اللَّهِ بِـ ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تَعْمِيمٌ قُصِدَ بِهِ التَّذْلِيلُ، أيْ ما هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ إلّا مُماثِلًا لِأمْثالِهِ مِنَ الصَّنائِعِ الإلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الصُّنْعِ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَسْيِيرَ الجِبالِ نِظامٌ مُتْقَنٌ، وأنَّهُ مِن نَوْعِ التَّكْوِينِ والخَلْقِ واسْتِدامَةِ النِّظامِ ولَيْسَ مِنَ الخَرْمِ والتَّفْكِيكِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ لِلتَّذْكِيرِ والوَعْظِ والتَّحْذِيرِ، عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لِأنَّ إتْقانَ الصُّنْعِ أثَرٌ مِن آثارِ سَعَةِ العِلْمِ فالَّذِي بِعِلْمِهِ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ هو خَبِيرٌ بِما يَفْعَلُ الخَلْقُ فَلْيَحْذَرُوا أنْ يُخالِفُوا عَنْ أمْرِهِ.
ثُمَّ جِيءَ لِتَفْصِيلِ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ [النمل: ٨٩] الآيَةَ فَكانَ مِنَ التَّخَلُّصِ والعَوْدِ إلى ما يَحْصُلُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ومَن جَعَلُوا أمْرَ الجِبالِ مِن أحْداثِ يَوْمِ الحَشْرِ جَعَلُوا جُمْلَةَ ﴿إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجَوابِ سائِلٍ: فَماذا يَكُونُ بَعْدَ النَّفْخِ والفَزَعِ والحُضُورِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وتَسْيِيرِ الجِبالِ، فَأُجِيبَ جَوابًا إجْمالِيًّا بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأفْعالِ النّاسِ ثُمَّ فُصِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [النمل: ٨٩] الآيَةَ.
قَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بِما تَفْعَلُونَ﴾) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغائِبِينَ عائِدًا ضَمِيرُهُ عَلى ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] .
النمل 27:89
﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ [النمل: ٩٠] هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا
صفحة ٥٢
مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧]؛ لِأنَّ الفَزَعَ مُقْتَضٍ الحَشْرَ والحُضُورَ لِلْحِسابِ. و”مَن“ في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ شَرْطِيَّةٌ.
والمَجِيءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. والباءُ في ”بِالحَسَنَةِ“ و”بِالسَّيِّئَةِ“ لِلْمُصاحَبَةِ المَجازِيَّةِ، ومَعْناها: أنَّهُ ذُو الحَسَنَةِ أوْ ذُو السَّيِّئَةِ. ولَيْسَ هَذا كَقَوْلِهِ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها﴾ [الأنعام: ١٦٠] في آخِرِ الأنْعامِ. فالمَعْنى هُنا: مَن يَجِيءُ يَوْمَئِذٍ وهو مِن فاعِلِي الحَسَنَةِ ومَن جاءَ وهو مِن أهْلِ السَّيِّئَةِ، فالمَجِيءُ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ ”وكُلٌّ ءاتُوهُ داخِرِينَ“ والحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ هُنا لِلْجِنْسِ وهو يُحْمَلُ عَلى أكْمَلِ أفْرادِهِ في المَقامِ الخَطابِيِّ، أيْ مَن تَمَحَّضَتْ حالَتُهُ لِلْحَسَناتِ أوْ كانَتْ غالِبَ أحْوالِهِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ”﴿وهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾“، وكَذَلِكَ الَّذِي كانَتْ حالَتُهُ مُتَمَحِّضَةً لِلسَّيِّئاتِ أوْ غالِبَةً عَلَيْهِ، كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ [النمل: ٩٠] .
و”﴿خَيْرٌ مِنها﴾“ اسْمُ تَفْضِيلٍ اتَّصَلَتْ بِهِ ”مِنَ“ التَّفْضِيلِيَّةُ، أيْ فَلَهُ جَزاءٌ خَيْرٌ مِن حَسَنَةٍ واحِدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] أوْ خَيْرٌ مِنها شَرَفًا؛ لِأنَّ الحَسَنَةَ مِن فِعْلِ العَبْدِ والجَزاءَ عَلَيْها مِن عَطاءِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ ”وهم مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ“ تَبْيِينُ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا أهْلَ الحَسَناتِ، أيْ تَمَحَّضُوا لَها أوْ غَلَبَتْ عَلى سَيِّئاتِهِمْ غَلَبَةً عَظِيمَةً بِحَيْثُ كانَتْ سَيِّئاتُهم مِنَ النَّوْعِ المَغْفُورِ بِالحَسَناتِ أوِ المَدْحُوضِ بِالتَّوْبَةِ ورَدِّ المَظالِمِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، أيْ غَلَبَتْ سَيِّئاتُهم وغَطَّتْ عَلى حَسَناتِهِمْ أوْ تَمَحَّضُوا لِلسَّيِّئاتِ بِأنْ كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ أوْ كانُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ أهْلِ الجَرائِمِ والشَّقاءِ. وبَيْنَ أهْلِ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ في دَرَجاتِ الثَّوابِ ودَرَجاتِ العِقابِ. وجُمّاعُ أمْرِها أنَّ الحَسَنَةَ لَها أثَرُها يَوْمَئِذَ عاجِلًا أوْ بِالأخارَةِ، وأنَّ السَّيِّئَةَ لَها أثَرُها السَّيِّئُ بِمِقْدارِها ومِقْدارِ ما مَعَها مِن أمْثالِها وما يُكافِئُها مِنَ الحَسَناتِ أضْدادِها ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ) بِإضافَةِ (فَزَعِ) إلى (يَوْمَ) مِن (يَوْمَئِذٍ) وإضافَةِ (يَوْمَ) إلى (إذْ) فَفُتْحَةُ (يَوْمَ) فُتْحَةُ بِناءٍ؛ لِأنَّهُ اسْمُ زَمانٍ أُضِيفَ إلى اسْمٍ
صفحة ٥٣
غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ فَـ (فَزِعِ) مُعَرَّفٌ بِالإضافَةِ إلى (يَوْمَ) و(يَوْمَ) مُعَرَّفٌ بِالإضافَةِ إلى (إذْ) و(إذْ) مُضافَةٌ إلى جُمْلَتِها المُعَوِّضِ عَنْها تَنْوِينُ العِوَضِ. والتَّقْدِيرُ: مِن فَزَعِ يَوْمَ إذْ يَأْتُونَ رَبَّهم.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَنْوِينِ ”فَزَعٍ“، و”يَوْمَئِذٍ“ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِـ ”آمِنُونَ“ . والمَعْنى واحِدٌ عَلى القِراءَتَيْنِ إذِ المُرادُ الفَزَعُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿فَفَزِعَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] فَلَمّا كانَ مُعَيَّنًا اسْتَوى تَعْرِيفُهُ وتَنْكِيرُهُ. فاتَّحَدَتِ القِراءَتانِ مَعْنًى؛ لِأنَّ إضافَةَ المَصْدَرِ وتَنْكِيرَهُ سَواءٌ في عَدَمِ إفادَةِ العُمُومِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ فَزَعٌ واحِدٌ.
والكَبُّ: جَعْلُ ظاهِرِ الشَّيْءِ إلى الأرْضِ. وعُدِّيَ الكَبُّ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الوُجُوهِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَسَدِ وإنْ كانَ الكَبُّ لِجَمِيعِ الجِسْمِ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ أوَّلُ ما يُقْلَبُ إلى الأرْضِ عِنْدَ الكَبِّ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
يَكُبُّ عَلى الأذْقانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ
وهَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقَوْلِهِ ولِما سُقِطَ في أيْدِيهِمْ وقَوْلِ الأعْشى:
وأُقْدِمُ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ
النمل 27:90
﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
تَذْيِيلٌ لِلزَّواجِرِ المُتَقَدِّمَةِ، فالخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ بِذِكْرِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ وهي مِن قَبِيلِ الغائِبِ. وذِكْرُ ضَمائِرِها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ”إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى“ وما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ إلى هُنا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ كالتَّلْخِيصِ لِما تَقَدَّمَ وهو أنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ وما العَقِيدَةُ إلّا عَمَلُ القَلْبِ فَلِذَلِكَ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ بِالمُواجَهَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ يُوَجَّهُ إلى النّاسِ يَوْمَئِذٍ، أيْ لا يُقالُ لِكُلِّ فَرِيقٍ: ”﴿هَلْ تَجْزُونَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ .
صفحة ٥٤
والِاسْتِفْهامُ في مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ. ووُرُودُ ”هَلْ“ لِمَعْنى النَّفْيِ أثْبَتَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ اسْتِعْمالًا تاسِعًا قالَ: أنْ يُرادَ بِالِاسْتِفْهامِ بِها النَّفْيُ ولِذَلِكَ دَخَلَتْ عَلى الخَبَرِ بَعْدَها (إلّا) نَحْوُ ”﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]“ . والباءُ في قَوْلِهِ:
ألا هَلْ أخُو عَيْشٍ لَذِيذٍ بِدائِمِ
وقالَ في آخِرِ كَلامِهِ: إنَّ مِن مَعانِي الإنْكارِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ إنْكارُ وُقُوعِ الشَّيْءِ وهو مَعْنى النَّفْيِ. وهَذا تَنْفَرِدُ بِهِ (هَلْ) دُونَ الهَمْزَةِ. قالَ الدَّمامِينِيُّ في الحَواشِي الهِنْدِيَّةِ قَوْلُهُ: يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ (هَلِ) النَّفْيُ يُشْعِرُ بِأنَّ ثَمَّةَ اسْتِفْهامًا لَكِنَّهُ مَجازِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ اهـ.
وأقُولُ: هَذا اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
هَلْ أنا إلّا مِن رَبِيعَةَ أوْ مُضَرْ
وقَوْلُ النّابِغَةِ:
وهَلْ عَلَيَّ بِأنْ أخْشاكَ مِن عارِ
حَيْثُ جاءَ بِـ (مِن) الَّتِي تَدْخُلُ عَلى النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ وشَواهِدُهُ كَثِيرَةٌ. ولَعَلَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ النَّفْيِ لِقَصْدِ التَّقْرِيرِ بِالنَّفْيِ. والتَّقْدِيرُ: هَلْ لا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فَلَمّا اقْتَرَنَ بِهِ الِاسْتِثْناءُ غالِبًا والحَرْفُ الزّائِدُ في النَّفْيِ في بَعْضِ المَواضِعِ حَذَفُوا النّافِيَ وأشْرَبُوا حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ مَعْنى النَّفْيِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ فَصارَ مُفادُ الكَلامِ نَفْيًا وانْسَلَخَتْ (هَلْ) عَنِ الِاسْتِفْهامِ فَصارَتْ مُفِيدَةً النَّفْيَ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧] في الأعْرافِ.
النمل 27:91
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أتَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن مُطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ وفِيما جاءَ بِهِ مِن
صفحة ٥٥
١ أُصُولِ الإسْلامِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والوَعِيدِ بِأفانِينَ مِنَ التَّصْرِيحِ والتَّضَمُّنِ والتَّعْرِيضِ بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ السّالِفِينَ مُفَصَّلًا ذَلِكَ تَفْصِيلًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ”﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١] ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]“ ( إلى هُنا، فَلَمّا كانَ في خِلالِ ذَلِكَ إلْحافُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم أوْ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أجَلَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] .
وأتَتْ عَلى دَحْضِ مَطاعِنِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمْ وتَوَرُّكِهِمْ بِمُخْتَلِفِ الأدِلَّةِ قِياسًا وتَمْثِيلًا، وثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّثْبِيتِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّيَ آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] وقَوْلِهِ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وما صاحَبَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ السّابِقُونَ. بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا يَكُونُ فَذْلَكَةَ الحِسابِ، وخِتامًا لِلسُّورَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، أفْسَدَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ ازْدِهاءَهم بِما يَحْسَبُونَ أنَّهم أفْحَمُوا الرَّسُولَ ﷺ بِما ألْقَوْهُ عَلَيْهِ ويَطِيرُ غُرابُ غُرُورِهِمْ بِما نَظَمُوهُ مِن سَفْسَطَةٍ، وجاءُوا بِهِ مِن خَلْبَطَةٍ، ويَزِيدُ الرَّسُولَ تَثْبِيتًا وتَطْمِينًا بِأنَّهُ أرْضى رَبَّهُ بِأداءِ أمانَةِ التَّبْلِيغِ وذَلِكَ بِأنَّ أُمِرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَهَذا تَلْقِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّتَيْنِ وهو ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] فَإنَّ الأوَّلَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ فَهو مُتَّصِلٌ بِهِ، والثّانِي مَعْطُوفٌ عَلى أوَّلِ الكَلامِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ الحَصْرِ لِإفادَةِ حَصْرٍ إضافِيٍّ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مُحاوَراتُهُمُ السّابِقَةُ مِن طَلَبِ تَعْجِيبِ الوَعِيدِ، وما تَطاوَلُوا بِهِ مِن إنْكارِ الحَشْرِ.
والمَعْنى: ما أُمِرْتُ بِشَيْءٍ مِمّا تَبْتَغُونَ مِن تَعْيِينِ أجَلِ الوَعِيدِ ولا مِنِ اقْتِلاعِ إحالَةِ البَعْثِ مِن نُفُوسِكم ولا بِما سِوى ذَلِكَ إلّا بِأنْ أثْبُتَ عَلى عِبادَةِ رَبٍّ واحِدٍ وأنْ أكُونَ مُسْلِمًا وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْكم، فَفِيهِ البَراهِينُ السّاطِعَةُ والدَّلالاتُ القاطِعَةُ فَمَنِ اهْتَدى فَلا يَمُنُّ عَلَيَّ اهْتِداءَهُ وإنَّما نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ؛ ومَن ضَلَّ فَما أنا بِقادِرٍ عَلى اهْتِدائِهِ، ولَكِنِّي مُنْذِرُهُ كَما أنْذَرَتِ الرُّسُلُ أقْوامَها فَلَمْ يَمْلِكُوا لَهم هَدْيًا حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ الضّالِّينَ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
صفحة ٥٦
وقَدْ أُدْمِجَ في خِلالِ هَذا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ مَكَّةَ وتَعْرِيضًا بِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالَّذِي أسْكَنَهم بِها وحَرَّمَها فانْتَفَعُوا بِتَحْرِيمِها، وأشْعَرَهم بِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ تِلْكَ البَلْدَةَ فَكاشَفَهُمُ اللَّهُ بِما تُكِنُّهُ صُدُورُهم مِن خَواطِرِ إخْراجِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] .
فَلِهَذِهِ النُّكَتِ أجْرى عَلى اللَّهِ صِلَةَ حَرَّمَ تِلْكَ البَلْدَةَ، دُونَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لِلْبَلْدَةِ فَلِذا لَمْ يَقُلْ: الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ، لِما تَتَضَمَّنُهُ الصِّلَةُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ ومِنَ التَّعْرِيضِ بِضَلالِهِمْ إذْ عَبَدُوا أصْنامًا لا تَمْلِكُ مِنَ البَلْدَةِ شَيْئًا ولا أكْسَبَتْها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] .
والإشارَةُ إلى البَلْدَةِ الَّتِي هم بِها؛ لِأنَّها حاضِرَةٌ لَدَيْهِمْ بِحُضُورِ ما هو بادٍ مِنها لِلْأنْظارِ. والإشارَةُ إلى البِقاعِ بِهَذا الِاعْتِبارِ فاشِيَةٌ قالَ تَعالى ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [هود: ٦٠] وقالَ ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] .
والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ مَكَّةَ بِاسْمِها العَلَمِ إلى طَرِيقَةِ الإشارَةِ لِما تَقْتَضِيهِ الإشارَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَبْيِينُ اسْمِ الإشارَةِ بِالبَلْدَةِ؛ لِأنَّ البَلْدَةَ بَهاءِ التَّأْنِيثِ اسْمٌ لِطائِفَةٍ مِنَ الأرْضِ مُعَيَّنَةٍ مَعْرُوفَةٍ مَحُوزَةٍ فَيَشْمَلُ مَكَّةَ وما حَوْلَها إلى نِهايَةِ حُدُودِ الحَرَمِ. ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرامًا، والحَرامُ المَمْنُوعُ، والتَّحْرِيمُ المَنعُ. ويَعْلَمُ مُتَعَلِّقُ المَنعِ بِسِياقِ ما يُناسِبُ الشَّيْءَ المَمْنُوعَ. فالمُرادُ مِن تَحْرِيمِ البَلْدَةِ تَحْرِيمُ أنْ يَدْخُلَ فِيها ما يُضادُّ صَلاحَها وصَلاحَ ما بِها مِن ساكِنٍ ودابَّةٍ وشَجَرٍ. فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ مَنعُ غَزْوِ أهْلِها والِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ وظُلْمِهِمْ وإخافَتِهِمْ ومَنعُ صَيْدِها وقَطْعِ شَجَرِها عَلى حُدُودٍ مَعْلُومَةٍ. وهَذا التَّحْرِيمُ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ أمَرَهُ بِأنْ يَبْنِيَ بَيْتًا لِتَوْحِيدِهِ وبِاسْتِجابَتِهِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ إذْ قالَ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] .
فالتَّحْرِيمُ يَكُونُ كَمالًا لِلْمُحَرَّمِ ويَكُونُ نَقْصًا عَلى اخْتِلافِ اعْتِبارِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ وصَفْتِهِ، فَتَحْرِيمُ المَكانِ والزَّمانِ مَزِيَّةٌ وتَفْضِيلٌ، وتَحْرِيمُ الفَواحِشِ والمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ تَحْقِيرٌ لَها، والمُحَرَّماتُ لِلنَّسْلِ والرَّضّاعِ والصِّهْرِ زِيادَةٌ في الحُرْمَةِ.
صفحة ٥٧
فَتَحْرِيمُ المَكانِ: مَنعُ ما يَضُرُّ بِالحالِّ فِيهِ. وتَحْرِيمُ الزَّمانِ، كَتَحْرِيمِ الأشْهُرِ الحُرُمِ: مَنعُ ما فِيهِ ضُرٌّ لِلْمَوْجُودِينَ فِيهِ.
وتَعْقِيبُ هَذا بِجُمْلَةِ ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ احْتِراسٌ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن إضافَةِ رُبُوبِيَّتِهِ إلى البَلْدَةِ اقْتِصارُ مُلْكِهِ عَلَيْها لِيُعْلَمَ أنَّ تِلْكَ الإضافَةَ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ لا لِتَعْرِيفِ المُضافِ بِتَعْيِينِ مَظْهَرِ مُلْكِهِ.
وتَكْرِيرُ ”أُمِرْتُ“ في قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ أمْرٌ يَعْمَلُهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ وهو أمْرُ إلْهامٍ إذْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ مِن قَبْلِ الرِّسالَةِ. والأمْرُ الثّانِي أمْرٌ يَقْتَضِي الرِّسالَةَ وقَدْ شَمِلَ دَعْوَةَ الخَلْقِ إلى التَّوْحِيدِ. ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُكَرِّرْ ”أُمِرْتُ“ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإسْلامِ والتِّلاوَةِ مِن شُئُونِ الرِّسالَةِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ آحادَها، وذَلِكَ نُكْتَةٌ عَنِ العُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ: أنْ أكُونَ مُسْلِمًا.
والتِّلاوَةُ: قِراءَةُ كَلامٍ مُعَيَّنٍ عَلى النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التِّلاوَةِ لِظُهُورِهِ، أيْ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى النّاسِ.
وفُرِّعَ عَلى التِّلاوَةِ ما يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أيْ مُنْتَفِعٍ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وغَيْرِ مُنْتَفِعٍ مُبَيِّنًا أنَّ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما كانَ اهْتِداؤُهُ لِفائِدَةِ نَفْسِهِ. وهَذا زِيادَةٌ في تَحْرِيضِ السّامِعِينَ عَلى الِاهْتِداءِ بِهَدْيِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَهُ كَما آذَنَتْ بِهِ اللّامُ.
وإظْهارُ فِعْلِ القَوْلِ هُنا لِتَأْكِيدٍ أنَّ حَظَّ النَّبِيءِ ﷺ مِن دَعْوَةِ المُعْرِضِينَ الضّالِّينَ أنْ يُبَلِّغَهُمُ الإنْذارَ فَلا يَطْمَعُوا أنْ يَحْمِلَهُ إعْراضُهم عَلى أنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ قَبُولَ دَعْوَتِهِ. والمُرادُ بِالمُنْذِرِينَ: الرُّسُلُ، أيْ إنَّما أنا واحِدٌ مِنَ الرُّسُلِ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وسُنَّتِي سُنَّةُ مَن أُرْسِلَ قَبْلِي وهي التَّبْلِيغُ ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] .
النمل 27:92
﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ أتَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى كَثِيرٍ مِن مُطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ وفِيما جاءَ بِهِ مِن
صفحة ٥٥
١ أُصُولِ الإسْلامِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والوَعِيدِ بِأفانِينَ مِنَ التَّصْرِيحِ والتَّضَمُّنِ والتَّعْرِيضِ بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ السّالِفِينَ مُفَصَّلًا ذَلِكَ تَفْصِيلًا ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ”﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [النمل: ١] ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]“ ( إلى هُنا، فَلَمّا كانَ في خِلالِ ذَلِكَ إلْحافُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِما وعَدَهم أوْ أنْ يُعَيِّنَ لَهم أجَلَ ذَلِكَ ويَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [النمل: ٧١] .
وأتَتْ عَلى دَحْضِ مَطاعِنِهِمْ وتَعَلُّلاتِهِمْ وتَوَرُّكِهِمْ بِمُخْتَلِفِ الأدِلَّةِ قِياسًا وتَمْثِيلًا، وثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِضُرُوبٍ مِنَ التَّثْبِيتِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّيَ آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] وقَوْلِهِ ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، وما صاحَبَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ ما لَقِيَهُ الرُّسُلُ السّابِقُونَ. بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا يَكُونُ فَذْلَكَةَ الحِسابِ، وخِتامًا لِلسُّورَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، أفْسَدَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ ازْدِهاءَهم بِما يَحْسَبُونَ أنَّهم أفْحَمُوا الرَّسُولَ ﷺ بِما ألْقَوْهُ عَلَيْهِ ويَطِيرُ غُرابُ غُرُورِهِمْ بِما نَظَمُوهُ مِن سَفْسَطَةٍ، وجاءُوا بِهِ مِن خَلْبَطَةٍ، ويَزِيدُ الرَّسُولَ تَثْبِيتًا وتَطْمِينًا بِأنَّهُ أرْضى رَبَّهُ بِأداءِ أمانَةِ التَّبْلِيغِ وذَلِكَ بِأنَّ أُمِرَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾ فَهَذا تَلْقِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ . والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّتَيْنِ وهو ﴿فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل: ٩٣] فَإنَّ الأوَّلَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ فَهو مُتَّصِلٌ بِهِ، والثّانِي مَعْطُوفٌ عَلى أوَّلِ الكَلامِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ الحَصْرِ لِإفادَةِ حَصْرٍ إضافِيٍّ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مُحاوَراتُهُمُ السّابِقَةُ مِن طَلَبِ تَعْجِيبِ الوَعِيدِ، وما تَطاوَلُوا بِهِ مِن إنْكارِ الحَشْرِ.
والمَعْنى: ما أُمِرْتُ بِشَيْءٍ مِمّا تَبْتَغُونَ مِن تَعْيِينِ أجَلِ الوَعِيدِ ولا مِنِ اقْتِلاعِ إحالَةِ البَعْثِ مِن نُفُوسِكم ولا بِما سِوى ذَلِكَ إلّا بِأنْ أثْبُتَ عَلى عِبادَةِ رَبٍّ واحِدٍ وأنْ أكُونَ مُسْلِمًا وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلَيْكم، فَفِيهِ البَراهِينُ السّاطِعَةُ والدَّلالاتُ القاطِعَةُ فَمَنِ اهْتَدى فَلا يَمُنُّ عَلَيَّ اهْتِداءَهُ وإنَّما نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ؛ ومَن ضَلَّ فَما أنا بِقادِرٍ عَلى اهْتِدائِهِ، ولَكِنِّي مُنْذِرُهُ كَما أنْذَرَتِ الرُّسُلُ أقْوامَها فَلَمْ يَمْلِكُوا لَهم هَدْيًا حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ الضّالِّينَ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]
صفحة ٥٦
وقَدْ أُدْمِجَ في خِلالِ هَذا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ مَكَّةَ وتَعْرِيضًا بِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالَّذِي أسْكَنَهم بِها وحَرَّمَها فانْتَفَعُوا بِتَحْرِيمِها، وأشْعَرَهم بِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ تِلْكَ البَلْدَةَ فَكاشَفَهُمُ اللَّهُ بِما تُكِنُّهُ صُدُورُهم مِن خَواطِرِ إخْراجِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٧٤] .
فَلِهَذِهِ النُّكَتِ أجْرى عَلى اللَّهِ صِلَةَ حَرَّمَ تِلْكَ البَلْدَةَ، دُونَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ لِلْبَلْدَةِ فَلِذا لَمْ يَقُلْ: الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ، لِما تَتَضَمَّنُهُ الصِّلَةُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ ومِنَ التَّعْرِيضِ بِضَلالِهِمْ إذْ عَبَدُوا أصْنامًا لا تَمْلِكُ مِنَ البَلْدَةِ شَيْئًا ولا أكْسَبَتْها فَضْلًا ومَزِيَّةً، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ [قريش: ٣] .
والإشارَةُ إلى البَلْدَةِ الَّتِي هم بِها؛ لِأنَّها حاضِرَةٌ لَدَيْهِمْ بِحُضُورِ ما هو بادٍ مِنها لِلْأنْظارِ. والإشارَةُ إلى البِقاعِ بِهَذا الِاعْتِبارِ فاشِيَةٌ قالَ تَعالى ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ [هود: ٦٠] وقالَ ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] .
والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ مَكَّةَ بِاسْمِها العَلَمِ إلى طَرِيقَةِ الإشارَةِ لِما تَقْتَضِيهِ الإشارَةُ مِنَ التَّعْظِيمِ.
وتَبْيِينُ اسْمِ الإشارَةِ بِالبَلْدَةِ؛ لِأنَّ البَلْدَةَ بَهاءِ التَّأْنِيثِ اسْمٌ لِطائِفَةٍ مِنَ الأرْضِ مُعَيَّنَةٍ مَعْرُوفَةٍ مَحُوزَةٍ فَيَشْمَلُ مَكَّةَ وما حَوْلَها إلى نِهايَةِ حُدُودِ الحَرَمِ. ومَعْنى حَرَّمَها جَعَلَها حَرامًا، والحَرامُ المَمْنُوعُ، والتَّحْرِيمُ المَنعُ. ويَعْلَمُ مُتَعَلِّقُ المَنعِ بِسِياقِ ما يُناسِبُ الشَّيْءَ المَمْنُوعَ. فالمُرادُ مِن تَحْرِيمِ البَلْدَةِ تَحْرِيمُ أنْ يَدْخُلَ فِيها ما يُضادُّ صَلاحَها وصَلاحَ ما بِها مِن ساكِنٍ ودابَّةٍ وشَجَرٍ. فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ مَنعُ غَزْوِ أهْلِها والِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ وظُلْمِهِمْ وإخافَتِهِمْ ومَنعُ صَيْدِها وقَطْعِ شَجَرِها عَلى حُدُودٍ مَعْلُومَةٍ. وهَذا التَّحْرِيمُ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ أمَرَهُ بِأنْ يَبْنِيَ بَيْتًا لِتَوْحِيدِهِ وبِاسْتِجابَتِهِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ إذْ قالَ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] .
فالتَّحْرِيمُ يَكُونُ كَمالًا لِلْمُحَرَّمِ ويَكُونُ نَقْصًا عَلى اخْتِلافِ اعْتِبارِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ وصَفْتِهِ، فَتَحْرِيمُ المَكانِ والزَّمانِ مَزِيَّةٌ وتَفْضِيلٌ، وتَحْرِيمُ الفَواحِشِ والمَيْتَةِ والدَّمِ والخَمْرِ تَحْقِيرٌ لَها، والمُحَرَّماتُ لِلنَّسْلِ والرَّضّاعِ والصِّهْرِ زِيادَةٌ في الحُرْمَةِ.
صفحة ٥٧
فَتَحْرِيمُ المَكانِ: مَنعُ ما يَضُرُّ بِالحالِّ فِيهِ. وتَحْرِيمُ الزَّمانِ، كَتَحْرِيمِ الأشْهُرِ الحُرُمِ: مَنعُ ما فِيهِ ضُرٌّ لِلْمَوْجُودِينَ فِيهِ.
وتَعْقِيبُ هَذا بِجُمْلَةِ ﴿ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ احْتِراسٌ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن إضافَةِ رُبُوبِيَّتِهِ إلى البَلْدَةِ اقْتِصارُ مُلْكِهِ عَلَيْها لِيُعْلَمَ أنَّ تِلْكَ الإضافَةَ لِتَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ لا لِتَعْرِيفِ المُضافِ بِتَعْيِينِ مَظْهَرِ مُلْكِهِ.
وتَكْرِيرُ ”أُمِرْتُ“ في قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ لِلْإشارَةِ إلى الِاخْتِلافِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ أمْرٌ يَعْمَلُهُ في خاصَّةِ نَفْسِهِ وهو أمْرُ إلْهامٍ إذْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ مِن قَبْلِ الرِّسالَةِ. والأمْرُ الثّانِي أمْرٌ يَقْتَضِي الرِّسالَةَ وقَدْ شَمِلَ دَعْوَةَ الخَلْقِ إلى التَّوْحِيدِ. ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُكَرِّرْ ”أُمِرْتُ“ في قَوْلِهِ ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الإسْلامِ والتِّلاوَةِ مِن شُئُونِ الرِّسالَةِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ تَنْوِيهٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ إذْ جَعَلَ اللَّهُ رَسُولَهُ آحادَها، وذَلِكَ نُكْتَةٌ عَنِ العُدُولِ عَنْ أنْ يَقُولَ: أنْ أكُونَ مُسْلِمًا.
والتِّلاوَةُ: قِراءَةُ كَلامٍ مُعَيَّنٍ عَلى النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، وقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ التِّلاوَةِ لِظُهُورِهِ، أيْ أنْ أتْلُوَ القُرْآنَ عَلى النّاسِ.
وفُرِّعَ عَلى التِّلاوَةِ ما يَقْتَضِي انْقِسامَ النّاسِ إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، أيْ مُنْتَفِعٍ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ وغَيْرِ مُنْتَفِعٍ مُبَيِّنًا أنَّ مَنِ اهْتَدى فَإنَّما كانَ اهْتِداؤُهُ لِفائِدَةِ نَفْسِهِ. وهَذا زِيادَةٌ في تَحْرِيضِ السّامِعِينَ عَلى الِاهْتِداءِ بِهَدْيِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِيهِ نَفْعَهُ كَما آذَنَتْ بِهِ اللّامُ.
وإظْهارُ فِعْلِ القَوْلِ هُنا لِتَأْكِيدٍ أنَّ حَظَّ النَّبِيءِ ﷺ مِن دَعْوَةِ المُعْرِضِينَ الضّالِّينَ أنْ يُبَلِّغَهُمُ الإنْذارَ فَلا يَطْمَعُوا أنْ يَحْمِلَهُ إعْراضُهم عَلى أنْ يُلِحَّ عَلَيْهِمْ قَبُولَ دَعْوَتِهِ. والمُرادُ بِالمُنْذِرِينَ: الرُّسُلُ، أيْ إنَّما أنا واحِدٌ مِنَ الرُّسُلِ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وسُنَّتِي سُنَّةُ مَن أُرْسِلَ قَبْلِي وهي التَّبْلِيغُ ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٣٥] .
النمل 27:93
صفحة ٥٨
﴿وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
كانَ ما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُعانِدِينَ مُشْتَمِلًا عَلى أنَّ اللَّهَ هَداهُ لِلدِّينِ الحَقِّ مِنَ التَّوْحِيدِ وشَرائِعِ الإسْلامِ وأنَّ اللَّهَ هَدى بِهِ النّاسَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ المَتْلُوِّ، وأنَّهُ جَعَلَهُ في عِدادِ الرُّسُلِ المُنْذِرِينَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا وأبْشَرِها بِأعْظَمِ دَرَجَةٍ في الآخِرَةِ مِن أجْلِ ذَلِكَ أُمِرَ بِأنْ يَحْمَدَ اللَّهَ بِالكَلِمَةِ الَّتِي حَمِدَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ وهي كَلِمَةُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) الجامِعَةُ لِمَعانٍ مِنَ المَحامِدِ تَقَدَّمَ بَيانُها في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ و﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِالِاحْتِراسِ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ المُعانِدُونَ حِينَ يَسْمَعُونَ آياتِ التَّبَرُّؤِ مِن مَعْرِفَةِ الغَيْبِ، وقَصْرِ مَقامِ الرِّسالَةِ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ مِن أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ نَقْضٌ لِلْوَعِيدِ بِالعَذابِ فَخَتَمَ الكَلامَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الوَعِيدَ قَرِيبٌ لا مَحالَةَ وأنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ فَتَظْهَرُ لَهم دَلائِلُ صِدْقِ اللَّهِ في وعْدِهِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الوَعِيدِ بِالآياتِ إلى أنَّهم سَيَحِلُّ بِهِمْ ما فِيهِ تَصْدِيقٌ لِما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حِينَ يُوقِنُونَ أنَّ ما كانَ يَقُولُ لَهم هو الحَقُّ، فَمَعْنى فَتَعْرِفُونَها تَعْرِفُونَ دَلالَتَها عَلى ما بَلَّغَكُمُ الرَّسُولُ مِنَ النِّذارَةِ؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لَمّا عُلِّقَتْ بِها بِعُنْوانِ أنَّها آياتُ اللَّهِ كانَ مُتَعَلِّقُ المَعْرِفَةِ هو ما في عُنْوانِ الآياتِ مِن مَعْنى الدَّلالَةِ والعَلامَةِ.
والسِّينُ تُؤْذِنُ بِأنَّها إراءَةٌ قَرِيبَةٌ، فالآياتُ حاصِلَةٌ في الدُّنْيا مِثْلُ الدُّخانِ، وانْشِقاقِ القَمَرِ، واسْتِئْصالِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ومَعْرِفَتُهم إيّاها تَحْصُلُ عَقِبَ حُصُولِها ولَوْ في وقْتِ النَّزْعِ والغَرْغَرَةِ. وقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ لَيْلَةَ الفَتْحِ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنْ لَوْ كانَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أغْنى عَنِّي شَيْئًا. وقالَ تَعالى (﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]) . فَمِنَ الآياتِ في أنْفُسِهِمْ إعْمالُ سُيُوفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَضْعِفُونَهم في أعْناقِ سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ أبُو جَهْلٍ ورُوحُهُ في الغَلْصَمَةِ يَوْمَ بَدْرٍ (وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتْلَهُ قَوْمُهُ) يَعْنِي نَفْسَهُ وهو ما لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ عَلى بالٍ.
صفحة ٥٩
وقَوْلُهُ ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”تَعْمَلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ. وفِيهِ زِيادَةُ إنْذارٍ بِأنَّ أعْمالَهم تَسْتَوْجِبُ ما سَيَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ. والمُرادُ: ما يَعْمَلُونَهُ في جانِبِ تَلَقِّي دَعْوَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقُرْآنِهِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ مِنهم بِالمِرْصادِ لا يُغادِرُ لَهم مِن عَمَلِهِمْ شَيْئًا.
وقَرَأ الباقُونَ (يَعْمَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو عَطْفٌ عَلى ”قُلْ“ والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما أُمِرَ بِهِ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ أحْصى أعْمالَهم وأنَّهُ مُجازِيهِمْ عَنْها فَلا يَيْأسُ مِن نَصْرِ اللَّهِ.
وقَدْ جاءَتْ خاتِمَةً جامِعَةً بالِغَةً أقْصى حَدٍّ مِن بَلاغَةِ حُسْنِ الخِتامِ.
* * *
صفحة ٦٠
صفحة ٦١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَصَصِ
سُمِّيَتْ سُورَةَ القَصَصِ ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرُ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ وُقُوعُ لَفْظِ (القَصَصِ) فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ [القصص: ٢٥] .
فالقَصَصُ الَّذِي أُضِيفَتِ إلَيْهِ السُّورَةُ هو قَصَصُ مُوسى الَّذِي قَصَّهُ عَلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ فِيما لَقِيَهُ في مِصْرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنها. فَلَمّا حُكِيَ في السُّورَةِ ما قَصَّهُ مُوسى كانَتْ هاتِهِ السُّورَةُ ذاتَ قَصَصٍ لِحِكايَةِ قَصَصٍ، فَكانَ القَصَصُ مُتَوَغِّلًا فِيها. وجاءَ لَفْظُ القَصَصِ في سُورَةِ يُوسُفَ ولَكِنَّ سُورَةَ يُوسُفَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ جُمْهُورِ التّابِعِينَ. وفِيها آيَةُ ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ [القصص: ٨٥] . قِيلَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في الجُحْفَةِ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ لِلْهِجْرَةِ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى مُفارَقَةِ بَلَدِهِ. وهَذا لا يُناكِدُ أنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالمَكِّيِّ ما نَزَلْ قَبْلَ حُلُولِ النَّبِيءِ ﷺ بِالمَدِينَةِ كَما أنَّ المُرادَ بِالمَدَنِيِّ ما نَزَلْ بَعْدَ ذَلِكَ ولَوْ كانَ نُزُولُهُ بِمَكَّةَ.
وعَنْ مُقاتِلٍ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
وهِيَ السُّورَةُ التّاسِعَةُ والأرْبَعُونَ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النَّمْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَتْ هَذِهِ الطَّواسِينُ الثَّلاثُ مُتَتابِعَةً في النُّزُولِ كَما هو تَرْتِيبُها في المُصْحَفِ، وهي مُتَماثِلَةٌ في افْتِتاحِ ثَلاثَتِها بِذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَعَلَّ ذَلِكَ الَّذِي حَمَلَ كُتّابَ المُصْحَفِ عَلى جَعْلِها مُتَلاحِقَةً.
وهِيَ ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً بِاتِّفاقِ العادِّينَ.
* * *
صفحة ٦٢
أغْراضُها
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ والتَّعْرِيضِ بِأنَّ بُلَغاءَ المُشْرِكِينَ عاجِزُونَ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. وعَلى تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ لِمُوسى ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] فَفَصَّلَتْ سُورَةُ القَصَصِ كَيْفَ كانَتْ تَرْبِيَةُ مُوسى في آلِ فِرْعَوْنَ.
وبَيَّنَ فِيها سَبَبَ زَوالِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ.
وفِيها تَفْصِيلُ ما أُجْمِلَ في سُورَةِ النَّمْلِ مِن قَوْلِهِ ﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [النمل: ٧] فَفَصَّلَتْ سُورَةُ القَصَصِ كَيْفَ سارَ مُوسى وأهْلُهُ وأيْنَ آنَسَ النّارَ ووَصْفَ المَكانِ الَّذِي نُودِيَ فِيهِ بِالوَحْيِ إلى أنْ ذَكَرَتْ دَعْوَةَ مُوسى فِرْعَوْنَ فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوْعَبَ لِأحْوالِ نَشْأةِ مُوسى إلى وقْتِ إبْلاغِهِ الدَّعْوَةَ ثُمَّ أجْمَلَتْ ما بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تَفْصِيلَهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ الشُّعَراءِ. والمَقْصُودُ مِنَ التَّفْصِيلِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِن زِيادَةِ المَواعِظِ والعِبَرِ.
وإذْ قَدْ كانَ سَوْقُ تِلْكَ القِصَّةِ إنَّما هو لِلْعِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ لِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ سُنَّةَ اللَّهِ في بِعْثَةِ الرُّسُلَ ومُعامَلَتِهِ الأُمَمَ المُكَذِّبَةَ لِرُسُلِها.
وتَحَدّى المُشْرِكِينَ بِعِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ وهو أُمِّيٌّ لَمْ يَقْرَأْ ولَمْ يَكْتُبْ ولا خالَطَ أهْلَ الكِتابِ، ذَيَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَنْبِيهِ المُشْرِكِينَ إلَيْهِ وتَحْذِيرِهِمْ مِن سُوءِ عاقِبَةِ الشِّرْكِ وأنْذَرَهم إنْذارًا بَلِيغًا.
وفَنَّدَ قَوْلَهم ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] مِنَ الخَوارِقِ كَقَلْبِ العَصا حَيَّةً ثُمَّ انْتِقاضِهِمْ في قَوْلِهِمْ إذْ كَذَّبُوا مُوسى أيْضًا.
وتَحَدّاهم بِإعْجازِ القُرْآنِ وهَدْيِهِ مَعَ هَدْيِ التَّوْراةِ.
وأبْطَلَ مَعاذِيرَهم ثُمَّ أنْذَرَهم بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَ اللَّهِ.
وساقَ لَهم أدِلَّةً عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وفِيها كُلُّها نِعَمٌ عَلَيْهِمْ وذَكَّرَهم بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ الجَزاءِ.
صفحة ٦٣
وأنْحى عَلَيْهِمْ في اعْتِزازِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ بِقُوَّتِهِمْ ونِعْمَتِهِمْ ومالِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ مَتاعُ الدُّنْيا وأنَّ ما ادُّخِرَ لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى.
وأعْقَبَهُ بِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِحالِ قارُونَ في قَوْمِ مُوسى. وتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ إلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ أمْثالَ أُولَئِكَ لا يَحْظَوْنَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إيماءٌ إلى اقْتِرابِ مُهاجَرَةِ المُسْلِمِينَ إلى المَدِينَةِ، وإيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهم عَلى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآيَةَ.
وخَتَمَ الكَلامَ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَثْبِيتِهِ ووَعْدِهِ بِأنَّهُ يَجْعَلُ بَلَدَهُ في قَبْضَتِهِ ويُمَكِّنُهُ مِن نَواصِي الضّالِّينَ.
ويَقْرُبُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ ودُّوا أنْ تُفَصَّلَ لَهم قِصَّةُ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ المَقْصُودُ انْتِفاعُهم بِما في تَفاصِيلِهِ مِن مَعْرِفَةٍ نافِعَةٍ لَهم تَنْظِيرًا لِحالِهِمْ وحالِ أعْدائِهِمْ. فالمَقْصُودُ ابْتِداءً هُمُ المُسْلِمُونَ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في أوَّلِها ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] أيْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
القصص 28:1
﴿طسم﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ في فاتِحَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ.
القصص 28:2
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ عَلى نَحْوِ الإشارَةِ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. فالمُشارُ إلَيْهِ ما هو مَقْرُوءٌ يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ.
وجُمْلَةُ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
صفحة ٦٤
ومُهِّدَ لِنَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ ”نَتْلُو عَلَيْكَ“ لِلتَّشْوِيقِ لِهَذا النَّبَإ لِما فِيهِ مِن شَتّى العِبَرِ بِعَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في خَلْقِهِ.
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ لِكَلامٍ مَكْتُوبٍ أوْ مَحْفُوظٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢]، وهو يَتَعَدّى إلى مَن تَبْلُغُ إلَيْهِ التِّلاوَةُ بِحَرْفِ (عَلى) وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ”﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢]“ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وإسْنادُ التِّلاوَةِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِتِلاوَةِ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ والَّذِي يَتْلُو حَقِيقَةً هو جِبْرِيلُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُعِلَتِ التِّلاوَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَلَقّى ذَلِكَ المَتْلُوَّ. وعُبِّرَ عَنْ هَذا الخَبَرِ بِالنَّبَإ لِإفادَةِ أنَّهُ خَبَرٌ ذُو شَأْنٍ وأهَمِّيَّةٍ.
واللّامُ في ”﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾“ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ نَتْلُو عَلَيْكَ لِأجْلِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فَكانَتِ الغايَةُ مِن تِلاوَةِ النَّبَإ عَلى النَّبِيءِ ﷺ هي أنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ يُؤْمِنُونَ فالنَّبِيءُ يُبَلِّغُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنْ كانَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَألُوا أوْ تَشَوَّفُوا إلى تَفْصِيلِ ما جاءَ مِن قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وسُورَةِ النَّمْلِ وهو الظّاهِرُ، فَتَخْصِيصُهم بِالتَّعْلِيلِ واضِحٌ وانْتِفاعُ النَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مَعَهم أجْدَرُ وأقْوى، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِالذِّكْرِ اجْتِزاءً بِدَلالَةِ الفَحْوى؛ لِأنَّ المَقامَ لِإفادَةِ مَن سَألَ وغَيْرُهم غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ.
وإنْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ تَشَوُّفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالتِّلاوَةِ لِأجْلِهِمْ تَنْوِيهٌ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِبَرِ والمَواعِظِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أصْبَحُوا مُتَطَلِّبِيَنَ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ مُتَشَوِّفِينَ لِأمْثالِ هَذِهِ القِصَصِ النّافِعَةِ لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ يَقِينًا. وحُصُولُ ازْدِيادِ العِلْمِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن كَوْنِهِ هو المُتَلَقِّي والمُبَلِّغُ لِيَتَذَكَّرَ مِن ذَلِكَ ما عَلِمَهُ مِن قَبْلُ ويَزْدادَ عِلْمًا بِما عَسى أنْ لا يَكُونَ قَدْ عَلِمَهُ، وفي ذَلِكَ تَثْبِيتُ فُؤادِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما
صفحة ٦٥
نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] .
فالمُرادُ ”بِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“ قَوْمٌ الإيمانُ شَأْنُهم وسَجِيَّتُهم. ولِلْإشارَةِ إلى مَعْنى تَمَكُّنِ الإيمانِ مِن نُفُوسِهِمْ أُجْرِيَ وصْفُ الإيمانِ عَلى كَلِمَةِ قَوْمٍ لِيُفِيدَ أنَّ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ هو مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. فالمُرادُ: المُتَلَبِّسُونَ بِالإيمانِ. وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيمانَهم مَوْجُودٌ في الحالِ ومُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ.
وفِي هَذا إعْراضٌ عَنِ العِبْءِ بِالمُشْرِكِينَ في سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ بِما يُقْصَدُ فِيها مِنَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ فَإنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وإنَّما انْتَفَعَ بِها مَن آمَنَ ومَن سَيُؤْمِنُ بَعْدَ سَماعِها.
والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”نَتْلُو“، أوْ صِفَةٌ لِلتِّلاوَةِ المُسْتَفادَةِ مِن ”نَتْلُو“ .
والحَقُّ: الصِّدْقُ؛ لِأنَّ الصِّدْقَ حَقٌّ إذِ الحَقُّ هو ما يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثْبُتَ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ والأدْيانِ القَوِيمَةِ.
ومَفْعُولُ ”نَتْلُو“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وهي مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ. فالتَّقْدِيرُ: نَتْلُو عَلَيْكَ كَلامًا مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ فَإنَّ المَتْلُوَّ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في الواقِعِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ في القُرْآنِ أشْياءُ مِن قِصَّةِ مُوسى لَمْ تُذْكَرْ هُنا مِثْلُ ذِكْرِ آيَةِ الطُّوفانِ والجَرادِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى (بَعْضَ) فَجَعَلَها مَفْعُولَ ”نَتْلُو“ . وجَعَلَ الأخْفَشُ ”مِن“ زائِدَةً؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّ ”مِن“ تُزادُ في الإثْباتِ، فَجَعَلَ ”نَبَإ“ مُوسى هو المَفْعُولَ جُرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ العَظِيمُ.
القصص 28:3
﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ عَلى نَحْوِ الإشارَةِ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. فالمُشارُ إلَيْهِ ما هو مَقْرُوءٌ يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ.
وجُمْلَةُ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
صفحة ٦٤
ومُهِّدَ لِنَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ ”نَتْلُو عَلَيْكَ“ لِلتَّشْوِيقِ لِهَذا النَّبَإ لِما فِيهِ مِن شَتّى العِبَرِ بِعَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في خَلْقِهِ.
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ لِكَلامٍ مَكْتُوبٍ أوْ مَحْفُوظٍ كَما قالَ تَعالى ﴿وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ [النمل: ٩٢]، وهو يَتَعَدّى إلى مَن تَبْلُغُ إلَيْهِ التِّلاوَةُ بِحَرْفِ (عَلى) وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ”﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢]“ في سُورَةِ الأنْفالِ.
وإسْنادُ التِّلاوَةِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِتِلاوَةِ ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ والَّذِي يَتْلُو حَقِيقَةً هو جِبْرِيلُ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [البقرة: ٢٥٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُعِلَتِ التِّلاوَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَلَقّى ذَلِكَ المَتْلُوَّ. وعُبِّرَ عَنْ هَذا الخَبَرِ بِالنَّبَإ لِإفادَةِ أنَّهُ خَبَرٌ ذُو شَأْنٍ وأهَمِّيَّةٍ.
واللّامُ في ”﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾“ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ نَتْلُو عَلَيْكَ لِأجْلِ قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فَكانَتِ الغايَةُ مِن تِلاوَةِ النَّبَإ عَلى النَّبِيءِ ﷺ هي أنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ قَوْمٌ يُؤْمِنُونَ فالنَّبِيءُ يُبَلِّغُ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنْ كانَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَألُوا أوْ تَشَوَّفُوا إلى تَفْصِيلِ ما جاءَ مِن قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وسُورَةِ النَّمْلِ وهو الظّاهِرُ، فَتَخْصِيصُهم بِالتَّعْلِيلِ واضِحٌ وانْتِفاعُ النَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مَعَهم أجْدَرُ وأقْوى، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِالذِّكْرِ اجْتِزاءً بِدَلالَةِ الفَحْوى؛ لِأنَّ المَقامَ لِإفادَةِ مَن سَألَ وغَيْرُهم غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ في هَذا المَقامِ.
وإنْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ تَشَوُّفٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالتِّلاوَةِ لِأجْلِهِمْ تَنْوِيهٌ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالعِبَرِ والمَواعِظِ؛ لِأنَّهم بِإيمانِهِمْ أصْبَحُوا مُتَطَلِّبِيَنَ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ مُتَشَوِّفِينَ لِأمْثالِ هَذِهِ القِصَصِ النّافِعَةِ لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ يَقِينًا. وحُصُولُ ازْدِيادِ العِلْمِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن كَوْنِهِ هو المُتَلَقِّي والمُبَلِّغُ لِيَتَذَكَّرَ مِن ذَلِكَ ما عَلِمَهُ مِن قَبْلُ ويَزْدادَ عِلْمًا بِما عَسى أنْ لا يَكُونَ قَدْ عَلِمَهُ، وفي ذَلِكَ تَثْبِيتُ فُؤادِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما
صفحة ٦٥
نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] .
فالمُرادُ ”بِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“ قَوْمٌ الإيمانُ شَأْنُهم وسَجِيَّتُهم. ولِلْإشارَةِ إلى مَعْنى تَمَكُّنِ الإيمانِ مِن نُفُوسِهِمْ أُجْرِيَ وصْفُ الإيمانِ عَلى كَلِمَةِ قَوْمٍ لِيُفِيدَ أنَّ كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ هو مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. فالمُرادُ: المُتَلَبِّسُونَ بِالإيمانِ. وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيمانَهم مَوْجُودٌ في الحالِ ومُسْتَمِرٌّ مُتَجَدِّدٌ.
وفِي هَذا إعْراضٌ عَنِ العِبْءِ بِالمُشْرِكِينَ في سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ بِما يُقْصَدُ فِيها مِنَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ فَإنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وإنَّما انْتَفَعَ بِها مَن آمَنَ ومَن سَيُؤْمِنُ بَعْدَ سَماعِها.
والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ”نَتْلُو“، أوْ صِفَةٌ لِلتِّلاوَةِ المُسْتَفادَةِ مِن ”نَتْلُو“ .
والحَقُّ: الصِّدْقُ؛ لِأنَّ الصِّدْقَ حَقٌّ إذِ الحَقُّ هو ما يَحِقُّ لَهُ أنْ يَثْبُتَ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ والأدْيانِ القَوِيمَةِ.
ومَفْعُولُ ”نَتْلُو“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ صِفَتُهُ وهي مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ. فالتَّقْدِيرُ: نَتْلُو عَلَيْكَ كَلامًا مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ.
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ فَإنَّ المَتْلُوَّ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في الواقِعِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ ذُكِرَتْ في القُرْآنِ أشْياءُ مِن قِصَّةِ مُوسى لَمْ تُذْكَرْ هُنا مِثْلُ ذِكْرِ آيَةِ الطُّوفانِ والجَرادِ.
وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى (بَعْضَ) فَجَعَلَها مَفْعُولَ ”نَتْلُو“ . وجَعَلَ الأخْفَشُ ”مِن“ زائِدَةً؛ لِأنَّهُ يَرى أنَّ ”مِن“ تُزادُ في الإثْباتِ، فَجَعَلَ ”نَبَإ“ مُوسى هو المَفْعُولَ جُرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدَةِ.
والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ العَظِيمُ.
القصص 28:4
صفحة ٦٦
﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾
وهَذِهِ الجُمْلَةُ وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”نَتْلُو“ أوْ بَيانٌ لِـ ”﴿نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣]“ فَقُدِّمَ لَهُ الإجْمالُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ نَبَأٌ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ وخَطَرٌ بِما فِيهِ مِن شَتّى العِبَرِ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ.
وابْتُدِئَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِ أسْبابِها لِتَكُونَ عِبْرَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُونَ مِنها سُنَنًا يَعْلَمُونَ بِها عِلَلَ الأشْياءِ ومَعْلُولاتِها، ويَسِيرُونَ في شُئُونِهِمْ عَلى طَرائِقِها، فَلَوْلا تَجَبُّرُ فِرْعَوْنَ وهو مِن قَبِيحِ الخِلالِ ما حَلَّ بِهِ وبِقَوْمِهِ الِاسْتِئْصالُ، ولَما خَرَجَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ. وهَذا مِصْداقُ المَثَلِ: مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائِدُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
وصُوِّرَتْ عَظَمَةُ فِرْعَوْنَ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِ عَلا في الأرْضِ لِتَكُونَ العِبْرَةُ بِهَلاكِهِ بَعْدَ ذَلِكَ العُلُوِّ أكْبَرَ العِبَرِ.
ومَعْنى العُلُوِّ هُنا الكِبْرُ، وهو المَذْمُومُ مِنَ العُلُوِّ المَعْنَوِيِّ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] ومَعْناهُ أنْ يَسْتَشْعِرَ نَفْسَهُ عالِيًا عَلى مَوْضِعِ غَيْرِهِ لَيْسَ يُساوِيهِ أحَدٌ، فالعُلُوُّ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّفَوُّقِ عَلى غَيْرِهِ، غَيْرُ مَحْقُوقٍ لِحَقٍّ مِن دِينٍ أوْ شَرِيعَةٍ أوْ رَعْيِ حُقُوقِ المَخْلُوقاتِ مَعَهُ فَإذا اسْتَشْعَرَ ذَلِكَ لَمْ يَعْبَأْ في تَصَرُّفاتِهِ بِرَعْيِ صَلاحٍ وتَجَنُّبِ فَسادٍ وضُرٍّ وإنَّما يَتْبَعُ ما تَحْدُوهُ إلَيْهِ شَهْوَتُهُ وإرْضاءُ هَواهُ، وحَسْبُكَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَجْعَلُ نَفْسَهُ إلَهًا وأنَّهُ ابْنُ الشَّمْسِ.
فَلَيْسَ مِنَ العُلُوِّ المَذْمُومِ رُجْحانُ أحَدٍ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ لِأنَّهُ جَدِيرٌ بِالرُّجْحانِ فِيهِ جَرْيًا عَلى سَبَبِ رُجْحانٍ عَقْلِيٍّ كَرُجْحانِ العالِمِ عَلى الجاهِلِ والصّالِحِ عَلى الطّالِحِ والذَّكِيِّ عَلى الغَبِيِّ، أوْ سَبَبِ رُجْحانٍ عادِيٍّ ويَشْمَلُ القانُونِيَّ وهو كُلُّ رُجْحانٍ لا يَسْتَقِيمُ نِظامُ الجَماعاتِ إلّا بِمُراعاتِهِ كَرُجْحانِ أمِيرِ الجَيْشِ عَلى جُنُودِهِ ورُجْحانِ القاضِي عَلى المُتَخاصِمِينَ.
وأعْدَلُ الرُّجْحانِ ما كانَ مِن قِبَلِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ كَرُجْحانِ المُؤْمِنِ عَلى
صفحة ٦٧
الكافِرِ، والتَّقِيِّ عَلى الفاسِقِ، قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ [الحديد: ١٠] ويَتَرَجَّحُ في كُلِّ عَمَلٍ أهْلُ الخِبْرَةِ بِهِ والإجادَةِ فِيهِ وفِيما وراءَ ذَلِكَ فالأصْلُ المُساواةُ.
وفِرْعَوْنُ هَذا هو (رَعْمَسِيسُ) الثّانِي وهو المَلِكُ الثّالِثُ مِن مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ في اصْطِلاحِ المُؤَرِّخِينَ لِلْفَراعِنَةِ، وكانَ فاتِحًا كَبِيرًا شَدِيدَ السَّطْوَةِ وهو الَّذِي وُلِدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في زَمانِهِ عَلى التَّحْقِيقِ.
والأرْضُ: هي أرْضُ مِصْرَ، فالتَّعْرِيفُ فِيها لِلْعَهْدِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ فِرْعَوْنَ يَجْعَلُها مَعْهُودَةً عِنْدَ السّامِعِ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ اسْمُ مَلِكِ مِصْرَ. ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ المُرادَ بِالأرْضِ جَمِيعَ الأرْضِ يَعْنِي المَشْهُورَ المَعْرُوفَ مِنها، فَإطْلاقُ الأرْضِ كَإطْلاقِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ فَقَدْ كانَ مُلْكُ فِرْعَوْنَ (رَعْمَسِيسَ) الثّانِي مُمْتَدًّا مِن بِلادِ الهِنْدِ مِن حُدُودِ نَهْرِ (الكَنْكِ) في الهِنْدِ إلى نَهْرِ الطُّونَةِ في أُورُبّا، فالمَعْنى أرْضُ مَمْلَكَتِهِ، وكانَ عُلُوُّهُ أقْوى مِن عُلُوِّ مُلُوكِ الأرْضِ وِسادَةِ الأقْوامِ.
والشِّيَعُ: جَمْعُ شِيعَةٍ. والشِّيعَةُ: الجَماعَةُ الَّتِي تُشايِعُ غَيْرَها عَلى ما يُرِيدُ، أيْ تُتابِعُهُ وتُطِيعُهُ وتَنْصُرُهُ كَما قالَ تَعالى هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ، وأُطْلِقَ عَلى الفِرْقَةِ مِنَ النّاسِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ قالَ تَعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] .
ومِنَ البَلاغَةِ اخْتِيارُهُ هُنا لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ جَعَلَ أهْلَ بِلادِ القِبْطِ فِرَقًا ذاتَ نَزَعاتٍ تَتَشَيَّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إلَيْهِ وتُعادِي الفُرْقَةَ الأُخْرى لِيَتَمَّ لَهم ضَرْبُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وقَدْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ لِيَأْمَنَ تَألُّبَهم عَلَيْهِ كَما يُقالُ (فَرِّقْ تَحْكم) وهي سِياسَةٌ لا تَلِيقُ إلّا بِالمَكْرِ بِالضِّدِّ والعَدُوِّ ولا تَلِيقُ بِسِياسَةِ ولِيِّ أمْرِ الأُمَّةِ الواحِدَةِ.
وكانَ (رَعْمَسِيسُ) الثّانِي قَسَّمَ بِلادَ مِصْرَ إلى سِتٍّ وثَلاثِينَ إيالَةً وأقامَ عَلى كُلِّ إيالَةٍ أُمَراءَ نُوّابًا عَنْهُ لِيَتَسَنّى لَهُ ما حُكِيَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾“ الواقِعِ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”جَعَلَ“ وأُبْدِلَتْ مِنها بَدَلَ اشْتِمالِ جُمْلَةُ ”﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾“؛ لِأنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ إلّا
صفحة ٦٨
؛ لِأنَّهُ عَدَّهم ضُعَفاءَ، أيْ أذِلَّةً فَكانَ يَسُومُهُمُ العَذابَ ويُسَخِّرُهم لِضَرْبِ اللَّبِنِ ولِلْأعْمالِ الشّاقَّةِ. والطّائِفَةُ المُسْتَضْعَفَةُ هي طائِفَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى أهْلِها لا إلى شِيَعًا. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَبْحِ أبْناءِ بَنِي إسْرائِيلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ . وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في البَقَرَةِ أنَّ الخَبَرَ بِتِلْكَ الصِّيغَةِ أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِمّا لَوْ قِيلَ: أنْ أكُونَ جاهِلًا، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾“ دالٌّ عَلى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الإفْسادِ مِن خُلُقِهِ ولِفِعْلِ الكَوْنِ إفادَةُ تُمَكُّنِ خَبَرِ الفِعْلِ مِنِ اسْمِهِ.
فَحَصَلَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى تَمَكُّنِ الإفْسادِ مِن فِرْعَوْنَ، ذَلِكَ أنَّ فِعْلَهُ هَذا اشْتَمَلَ عَلى مَفاسِدَ عَظِيمَةٍ. المَفْسَدَةُ الأُولى: التَّكَبُّرُ والتَّجَبُّرُ فَإنَّهُ مَفْسَدَةٌ نَفْسِيَّةٌ عَظِيمَةٌ تَتَوَلَّدُ مِنها مَفاسِدُ جَمَّةٌ مِنِ احْتِقارِ النّاسِ والِاسْتِخْفافِ بِحُقُوقِهِمْ وسُوءِ مُعاشَرَتِهِمْ وبَثِّ عَداوَتِهِ فِيهِمْ، وسُوءِ ظَنِّهِ بِهِمْ وأنْ لا يَرْقُبَ فِيهِمْ مُوجِباتِ فَضْلٍ سِوى ما يُرْضِي شَهْوَتَهُ وغَضَبَهُ، فَإذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهُ ولِيُّ أمْرِهِمْ وراعِيهِمْ كانَتْ صِفَةُ الكِبَرِ مُقْتَضِيَةً سُوءَ رِعايَتِهِ لَهم والِاجْتِراءَ عَلى دَحْضِ حُقُوقِهِمْ، وأنْ يَرْمُقَهم بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ فَلا يَعْبَأ بِجَلْبِ الصّالِحِ لَهم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم، وأنْ يَبْتَزَّ مَنافِعَهم لِنَفْسِهِ ويُسَخِّرَ مَنِ اسْتَطاعَ مِنهم لِخِدْمَةِ أغْراضِهِ وأنْ لا يَلِينَ لَهم في سِياسَةٍ فَيُعامِلَهم بِالغِلْظَةِ وفي ذَلِكَ بَثُّ الرُّعْبِ في نُفُوسِهِمْ مِن بَطْشِهِ وجَبَرُوتِهِ. فَهَذِهِ الصِّفَةُ هي أمُّ المَفاسِدِ وجِماعُها ولِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلى ما يُذْكَرُ بَعْدَها ثُمَّ أُعْقِبَتْ بِأنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ.
المَفْسَدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ أهْلَ المَمْلَكَةِ شِيَعًا وفَرَّقَهم أقْسامًا وجَعَلَ مِنهم شِيَعًا مُقَرَّبِينَ مِنهُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهم بِضِدِّ ذَلِكَ، وذَلِكَ فَسادٌ في الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ يُثِيرُ بَيْنَهُما التَّحاسُدَ والتَّباغُضَ، ويَجْعَلُ بَعْضَها يَتَرَبَّصُ الدَّوائِرَ بِبَعْضٍ، فَتَكُونُ الفِرَقُ المَحْظُوظَةُ عِنْدَهُ مُتَطاوِلَةً عَلى الفِرَقِ الأُخْرى، وتَكْدَحُ الفِرَقُ الأُخْرى لِتُزَحْزِحَ المَحْظُوظِينَ عَنْ حُظْوَتِهِمْ بِإلْقاءِ النَّمِيمَةِ والوِشاياتِ الكاذِبَةِ فَيَحُلُّوا مَحَلَّ الآخَرِينَ. وهَكَذا يَذْهَبُ الزَّمانُ في مَكائِدِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً،
صفحة ٦٩
وشَأْنُ المَلِكِ الصّالِحِ أنْ يَجْعَلَ الرَّعِيَّةَ مِنهُ كُلَّها بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ بِمَنزِلَةِ الأبْناءِ مِنَ الأبِ يُحِبُّ لَهُمُ الخَيْرَ ويُقَوِّمُهم بِالعَدْلِ واللِّينِ، لا مِيزَةَ لِفِرْقَةٍ عَلى فِرْقَةٍ، ويَكُونُ اقْتِرابُ أفْرادِ الأُمَّةِ مِنهُ بِمِقْدارِ المَزايا النَّفْسِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ.
المَفْسَدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ فَيَجْعَلُها مُحَقَّرَةً مَهْضُومَةَ الجانِبِ لا مُساواةَ بَيْنِها وبَيْنَ فِرَقٍ أُخْرى ولا عَدْلَ في مُعامَلَتِها بِما يُعامِلُ بِهِ الفِرَقَ الأُخْرى، في حِينِ أنَّ لَها مِنَ الحَقِّ في الأرْضِ ما لِغَيْرِها؛ لِأنَّ الأرْضَ لِأهْلِها وسُكّانِها الَّذِينَ اسْتَوْطَنُوها ونَشَئُوا فِيها.
والمُرادُ بِالطّائِفَةِ: بَنُو إسْرائِيلَ وقَدْ كانُوا قَطَنُوا في أرْضِ مِصْرَ بِرِضى مَلِكِها في زَمَنِ يُوسُفَ وأُعْطُوا أرْضَ (جاسانَ) وعَمَرُوها وتَكاثَرُوا فِيها ومَضى عَلَيْهِمْ فِيها أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، فَكانَ لَهم مِنَ الحَقِّ في أرْضِ المَمْلَكَةِ ما لِسائِرِ سُكّانِها فَلَمْ يَكُنْ مِنَ العَدْلِ جَعْلُهم بِمَنزِلَةٍ دُونَ مَنازِلِ غَيْرِهِمْ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ”﴿طائِفَةً مِنهُمْ﴾“ إذْ جَعَلَها مِن أهْلِ الأرْضِ الَّذِينَ جَعَلَهم فِرْعَوْنُ شِيَعًا.
وأشارَ بِقَوْلِهِ ”طائِفَةً“ إلى أنَّهُ اسْتَضْعَفَ فَرِيقًا كامِلًا، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ الِاسْتِضْعافَ لَيْسَ جارِيًا عَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ لِأسْبابٍ تَقْضِي اسْتِضْعافَهم كَكَوْنِهِمْ ساعِينَ بِالفَسادِ أوْ لَيْسُوا أهْلًا لِلِاعْتِدادِ بِهِمْ لِانْحِطاطٍ في أخْلاقِهِمْ وأعْمالِهِمْ بَلْ جَرى اسْتِضْعافُهُ عَلى اعْتِبارِ العُنْصُرِيَّةِ والقَبَلِيَّةِ وذَلِكَ فَسادٌ؛ لِأنَّهُ يَقْرِنُ الفاضِلَ بِالمَفْضُولِ.
مِن أجْلِ ذَلِكَ الِاسْتِضْعافِ المَنُوطِ بِالعُنْصُرِيَّةِ أجْرى شِدَّتَهُ عَلى أفْرادِ تِلْكَ الطّائِفَةِ دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وغَيْرِهِ ولَمْ يُراعِ النَّوْعِيَّةَ مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ وهي: المَفْسَدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ يُذَبِّحُ أبْناءَهم أيْ يَأْمُرُ بِذَبْحِهِمْ، فَإسْنادُ الذَّبْحِ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمُرادُ بِالأبْناءِ: الذُّكُورُ مِنَ الأطْفالِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَصْدُهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا تَكُونَ لِبَنِي إسْرائِيلَ قُوَّةٌ مِن رِجالِ قَبِيلَتِهِمْ حَتّى يَكُونَ النُّفُوذُ في الأرْضِ لِقَوْمِهِ خاصَّةً.
المَفْسَدَةُ الخامِسَةُ: أنَّهُ يَسْتَحْيِي النِّساءَ، أيْ يَسْتَبْقِي حَياةَ الإناثِ مِنَ الأطْفالِ فَأطْلَقَ عَلَيْهِنَّ اسْمَ النِّساءِ بِاعْتِبارِ المَآلِ إيماءً إلى أنَّهُ يَسْتَحْيِيهِنَّ لِيَصِرْنَ نِساءً
صفحة ٧٠
فَتَصْلُحْنَ لِما تَصْلُحُ لَهُ النِّساءُ وهو أنْ يَصِرْنَ بَغايا؛ إذْ لَيْسَ لَهُنَّ أزْواجٌ. وإذا كانَ احْتِقارُهُنَّ بِصَدِّ قَوْمِهِ عَنِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ فَلَمْ يَبْقَ لَهُنَّ حَظٌّ مِن رِجالِ القَوْمِ إلّا قَضاءُ الشَّهْوَةِ، وبِاعْتِبارِ هَذا المَقْصِدِ انْقَلَبَ الِاسْتِحْياءُ مَفْسَدَةً بِمَنزِلَةِ تَذْبِيحِ الأبْناءِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ اعْتِداءٌ عَلى الحَقِّ. وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مَوْقِعُ جُمْلَةِ ”إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ“ .
القصص 28:5
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾
عَطَفَ جُمْلَةَ ”ونُرِيدُ“ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] لِمُناسَبَةِ ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِن نَبَإ تَذْبِيحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ، فَذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ في الأرْضِ وهو بَيانٌ لِنَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ الخَيْرَ بِالَّذِينَ اسْتَضْعَفَهم فِرْعَوْنُ مِن تَمامِ نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وهو مَوْقِعُ عِبْرَةٍ عَظِيمَةٍ مِن عِبَرِ هَذِهِ القِصَّةِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في حِكايَةِ إرادَةٍ مَضَتْ لِاسْتِحْضارِ ذَلِكَ الوَقْتِ كَأنَّهُ في الحالِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ يَطْغى عَلَيْهِمْ واللَّهُ يُرِيدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إبْطالَ عَمَلِهِ وجَعْلَهم أُمَّةً عَظِيمَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ونُرِيدُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الإرادَةَ مُقارَنَةٌ لِوَقْتِ اسْتِضْعافِ فِرْعَوْنَ إيّاهم. فالمَعْنى عَلى الِاحْتِمالَيْنِ: ونَحْنُ حِينَئِذٍ مُرِيدُونَ أنْ نُنْعِمَ في زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.
والمَنُّ: الإنْعامُ، وجاءَ مُضارِعُهُ مَضْمُومَ العَيْنِ عَلى خِلافِ القِياسِ.
و﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ هُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي اسْتَضْعَفَها فِرْعَوْنُ. والأرْضُ هِي الأرْضُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] .
ونُكْتَةُ إظْهارِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا دُونَ إيرادِ ضَمِيرِ الطّائِفَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما في الصِّلَةِ مِنَ التَّعْلِيلِ فَإنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ لِعِبادِهِ، ويَنْصُرُ المُسْتَضْعَفِينَ المَظْلُومِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
صفحة ٧١
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ المَنِّ أرْبَعَةَ أشْياءَ عُطِفَتْ عَلى فِعْلِ نَمُنَّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ وهي: جَعْلُهم أيِمَّةً، وجَعْلُهُمُ الوارِثِينَ، والتَّمْكِينُ لَهم في الأرْضِ، وأنْ يَكُونَ زَوالُ مُلْكِ فِرْعَوْنَ عَلى أيْدِيهِمْ في نِعَمٍ أُخْرى جَمَّةٍ، ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَأمّا جَعْلُهم أيِمَّةً فَذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وجَعَلَهم أُمَّةً حُرَّةً مالِكَةً أمْرَ نَفْسِها لَها شَرِيعَةٌ عادِلَةٌ وقانُونُ مُعامَلاتِها وقُوَّةٌ تَدْفَعُ بِها أعْداءَها ومَمْلَكَةٌ خالِصَةٌ لَها وحَضارَةٌ كامِلَةٌ تَفُوقُ حَضارَةَ جِيرَتِها بِحَيْثُ تَصِيرُ قُدْوَةً لِلْأُمَمِ في شُئُونِ الكَمالِ وطَلَبِ الهَناءِ، فَهَذا مَعْنى جَعْلِهِمْ أيِمَّةً، أيْ يَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهم ويَدْعُونَ النّاسَ إلى الخَيْرِ وناهِيكَ بِما بَلَغَهُ مَلِكُ إسْرائِيلَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأمّا جَعْلُهُمُ الوارِثِينَ فَهو أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ دِيارَ قَوْمٍ آخَرِينَ ويُحَكِّمَهم فِيهِمْ، فالإرْثُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في خِلافَةِ أُمَمٍ أُخْرى.
فالتَّعْرِيفُ في الوارِثِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ أنَّهم أهْلُ الإرْثِ الخاصِّ وهو إرْثُ السُّلْطَةِ في الأرْضِ بَعْدَ مَن كانَ قَبْلَهم مَن أهْلِ السُّلْطانِ، فَإنَّ اللَّهَ أوْرَثَهم أرْضَ الكَنْعانِيِّينَ والحَيْثِيِّينَ والأمُورِيِّينَ والآرامِيِّينَ، وأحَلَّهم مَحَلَّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ حَتّى كانُوا يُعْرَفُونَ بِالجَبابِرَةِ قالَ تَعالى ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والتَّمْكِينُ لَهم في الأرْضِ تَثْبِيتُ سُلْطانِهِمْ فِيما مَلَكُوهُ مِنها وهي أرْضُ الشّامِ إنْ كانَتِ اللّامُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَقْوِيَتَهم بَيْنَ أُمَمِ الأرْضِ إنْ حُمِلَ التَّعْرِيفُ عَلى جِنْسِ الأرْضِ المُنْحَصِرِ في فَرْدٍ، أوْ عَلى العَهْدِ، أيِ الأرْضِ المَعْهُودَةِ لِلنّاسِ.
وأصْلُ التَّمْكِينِ: الجَعْلُ في المَكانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] في سُورَةِ الكَهْفِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اشْتِقاقِ التَّمْكِينِ وتَصارِيفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ هو زَوالُ مُلْكِهِمْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَسْبَما أنْذَرَهُ بِذَلِكَ الكُهّانُ.
صفحة ٧٢
ومَعْنى إراءَتِهِمْ ذَلِكَ إراءَتُهم مُقَدِّماتِهِ وأسْبابَهُ.
وفِرْعَوْنُ الَّذِي أُرِيَ ذَلِكَ هو مَلِكُ مِصْرَ (مِنفَتاحُ) الثّالِثُ وهو الَّذِي حَكَمَ مِصْرَ بَعْدَ (رَعْمَسِيسَ) الثّانِي الَّذِي كانَتْ وِلادَةُ مُوسى في زَمانِهِ وهو الَّذِي كانَ يَحْذَرُ ظُهُورَ رَجُلٍ مِن إسْرائِيلَ يَكُونُ لَهُ شَأْنٌ. و(هامانُ) قالَ المُفَسِّرُونَ: هو وزِيرُ فِرْعَوْنَ. وظاهِرُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحْسَبُ أنْ هامانَ لَيْسَ باسِمِ عَلَمٍ ولَكِنَّهُ لَقَبُ خِطَّةٍ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وكِسْرى وقَيْصَرَ ونَجاشِيٍّ. فالظّاهِرُ أنْ هامانَ لَقَبُ وزِيرِ المَلِكِ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَصْرِ. وجاءَ في كِتابِ أسْتِيرَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ المُلْحَقَةِ بِالتَّوْراةِ تَسْمِيَةُ وزِيرِ (أحْشُو يَرُوشَ) مِلْكِ الفُرْسِ (هامانُ) فَظَنُّوهُ عَلَمًا فَزَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وزِيرٌ اسْمُهُ هامانُ واتَّخَذُوا هَذا الظَّنَّ مَطْعَنًا في هَذِهِ الآيَةِ. وهَذا اشْتِباهٌ مِنهم فَإنَّ الأعْلامَ لا تَنْحَصِرُ وكَذَلِكَ ألْقابُ الوِلاياتِ قَدْ تَشْتَرِكُ بَيْنَ أُمَمٍ وخاصَّةً الأُمَمَ المُتَجاوِرَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هامانُ عَلَمًا مِنَ الأمانِ فَإنَّ الأعْلامَ تَتَكَرَّرُ في الأُمَمِ والعُصُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَقَبَ خِطَّةٍ في مِصْرَ فَنَقَلَ اليَهُودُ هَذا اللَّقَبَ إلى بِلادِ الفُرْسِ في مُدَّةِ أسْرِهِمْ.
ويُشْبِهُ هَذا الطَّعْنَ طَعْنُ بَعْضِ المُسْتَشْرِقِينَ مِن نَصارى العَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ مَرْيَمَ حِينَ حَكى قَوْلَ أهْلِها لَها ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] فَقالُوا: هَذا وهَمٌ انْجَرَّ مِن كَوْنِ أبِي مَرْيَمَ اسْمُهُ عِمْرانُ فَتَوَهَّمَ أنَّ عِمْرانَ هو أبُو مُوسى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَبِعَ ذَلِكَ تَوَهُّمُ أنَّ مَرْيَمَ أُخْتُ مُوسى وهارُونَ وهو مُجازَفَةٌ فَإنَّ النَّصارى لا يَعْرِفُونَ اسْمَ أبِي مَرْيَمَ وهَلْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى عَلى اسْمِ أبِي مُوسى وهارُونَ وهَلْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لِمَرْيَمَ أخٌ اسْمُهُ هارُونُ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
والجُنُودُ جَمْعُ الجُنْدِ. ويُطْلِقُ الجُنْدُ عَلى الأُمَّةِ قالَ تَعالى ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ونُرِيَ بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ الفِعْلِ ونَصْبِ فِرْعَوْنَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (ويَرى) بِياءِ الغائِبِ مَفْتُوحَةً وفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ رَأى ورَفْعِ ”فِرْعَوْنُ“ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. ومَآلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
صفحة ٧٣
والجُنْدُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ: هو الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْتَمِعُ عَلى أمْرٍ تَتَّبِعُهُ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى العَسْكَرِ؛ لِأنَّ عَمَلَهم واحِدٌ وهو خِدْمَةُ أمِيرِهِمْ وطاعَتُهُ.
القصص 28:6
﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾
عَطَفَ جُمْلَةَ ”ونُرِيدُ“ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] لِمُناسَبَةِ ما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِن نَبَإ تَذْبِيحِ الأبْناءِ واسْتِحْياءِ النِّساءِ، فَذَلِكَ مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ في الأرْضِ وهو بَيانٌ لِنَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ فَإنَّ إرادَةَ اللَّهِ الخَيْرَ بِالَّذِينَ اسْتَضْعَفَهم فِرْعَوْنُ مِن تَمامِ نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ، وهو مَوْقِعُ عِبْرَةٍ عَظِيمَةٍ مِن عِبَرِ هَذِهِ القِصَّةِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في حِكايَةِ إرادَةٍ مَضَتْ لِاسْتِحْضارِ ذَلِكَ الوَقْتِ كَأنَّهُ في الحالِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ يَطْغى عَلَيْهِمْ واللَّهُ يُرِيدُ في ذَلِكَ الوَقْتِ إبْطالَ عَمَلِهِ وجَعْلَهم أُمَّةً عَظِيمَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ونُرِيدُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَضْعِفُ بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الإرادَةَ مُقارَنَةٌ لِوَقْتِ اسْتِضْعافِ فِرْعَوْنَ إيّاهم. فالمَعْنى عَلى الِاحْتِمالَيْنِ: ونَحْنُ حِينَئِذٍ مُرِيدُونَ أنْ نُنْعِمَ في زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا.
والمَنُّ: الإنْعامُ، وجاءَ مُضارِعُهُ مَضْمُومَ العَيْنِ عَلى خِلافِ القِياسِ.
و﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ هُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي اسْتَضْعَفَها فِرْعَوْنُ. والأرْضُ هِي الأرْضُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] .
ونُكْتَةُ إظْهارِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا دُونَ إيرادِ ضَمِيرِ الطّائِفَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما في الصِّلَةِ مِنَ التَّعْلِيلِ فَإنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ لِعِبادِهِ، ويَنْصُرُ المُسْتَضْعَفِينَ المَظْلُومِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا.
صفحة ٧١
وخَصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ المَنِّ أرْبَعَةَ أشْياءَ عُطِفَتْ عَلى فِعْلِ نَمُنَّ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ وهي: جَعْلُهم أيِمَّةً، وجَعْلُهُمُ الوارِثِينَ، والتَّمْكِينُ لَهم في الأرْضِ، وأنْ يَكُونَ زَوالُ مُلْكِ فِرْعَوْنَ عَلى أيْدِيهِمْ في نِعَمٍ أُخْرى جَمَّةٍ، ذُكِرَ كَثِيرٌ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَأمّا جَعْلُهم أيِمَّةً فَذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ وجَعَلَهم أُمَّةً حُرَّةً مالِكَةً أمْرَ نَفْسِها لَها شَرِيعَةٌ عادِلَةٌ وقانُونُ مُعامَلاتِها وقُوَّةٌ تَدْفَعُ بِها أعْداءَها ومَمْلَكَةٌ خالِصَةٌ لَها وحَضارَةٌ كامِلَةٌ تَفُوقُ حَضارَةَ جِيرَتِها بِحَيْثُ تَصِيرُ قُدْوَةً لِلْأُمَمِ في شُئُونِ الكَمالِ وطَلَبِ الهَناءِ، فَهَذا مَعْنى جَعْلِهِمْ أيِمَّةً، أيْ يَقْتَدِي بِهِمْ غَيْرُهم ويَدْعُونَ النّاسَ إلى الخَيْرِ وناهِيكَ بِما بَلَغَهُ مَلِكُ إسْرائِيلَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأمّا جَعْلُهُمُ الوارِثِينَ فَهو أنْ يُعْطِيَهُمُ اللَّهُ دِيارَ قَوْمٍ آخَرِينَ ويُحَكِّمَهم فِيهِمْ، فالإرْثُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في خِلافَةِ أُمَمٍ أُخْرى.
فالتَّعْرِيفُ في الوارِثِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدُ أنَّهم أهْلُ الإرْثِ الخاصِّ وهو إرْثُ السُّلْطَةِ في الأرْضِ بَعْدَ مَن كانَ قَبْلَهم مَن أهْلِ السُّلْطانِ، فَإنَّ اللَّهَ أوْرَثَهم أرْضَ الكَنْعانِيِّينَ والحَيْثِيِّينَ والأمُورِيِّينَ والآرامِيِّينَ، وأحَلَّهم مَحَلَّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ حَتّى كانُوا يُعْرَفُونَ بِالجَبابِرَةِ قالَ تَعالى ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] .
والتَّمْكِينُ لَهم في الأرْضِ تَثْبِيتُ سُلْطانِهِمْ فِيما مَلَكُوهُ مِنها وهي أرْضُ الشّامِ إنْ كانَتِ اللّامُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَقْوِيَتَهم بَيْنَ أُمَمِ الأرْضِ إنْ حُمِلَ التَّعْرِيفُ عَلى جِنْسِ الأرْضِ المُنْحَصِرِ في فَرْدٍ، أوْ عَلى العَهْدِ، أيِ الأرْضِ المَعْهُودَةِ لِلنّاسِ.
وأصْلُ التَّمْكِينِ: الجَعْلُ في المَكانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] في سُورَةِ الكَهْفِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اشْتِقاقِ التَّمْكِينِ وتَصارِيفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ هو زَوالُ مُلْكِهِمْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ حَسْبَما أنْذَرَهُ بِذَلِكَ الكُهّانُ.
صفحة ٧٢
ومَعْنى إراءَتِهِمْ ذَلِكَ إراءَتُهم مُقَدِّماتِهِ وأسْبابَهُ.
وفِرْعَوْنُ الَّذِي أُرِيَ ذَلِكَ هو مَلِكُ مِصْرَ (مِنفَتاحُ) الثّالِثُ وهو الَّذِي حَكَمَ مِصْرَ بَعْدَ (رَعْمَسِيسَ) الثّانِي الَّذِي كانَتْ وِلادَةُ مُوسى في زَمانِهِ وهو الَّذِي كانَ يَحْذَرُ ظُهُورَ رَجُلٍ مِن إسْرائِيلَ يَكُونُ لَهُ شَأْنٌ. و(هامانُ) قالَ المُفَسِّرُونَ: هو وزِيرُ فِرْعَوْنَ. وظاهِرُ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ وزِيرُ فِرْعَوْنَ وأحْسَبُ أنْ هامانَ لَيْسَ باسِمِ عَلَمٍ ولَكِنَّهُ لَقَبُ خِطَّةٍ مِثْلُ فِرْعَوْنَ وكِسْرى وقَيْصَرَ ونَجاشِيٍّ. فالظّاهِرُ أنْ هامانَ لَقَبُ وزِيرِ المَلِكِ في مِصْرَ في ذَلِكَ العَصْرِ. وجاءَ في كِتابِ أسْتِيرَ مِن كُتُبِ اليَهُودِ المُلْحَقَةِ بِالتَّوْراةِ تَسْمِيَةُ وزِيرِ (أحْشُو يَرُوشَ) مِلْكِ الفُرْسِ (هامانُ) فَظَنُّوهُ عَلَمًا فَزَعَمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وزِيرٌ اسْمُهُ هامانُ واتَّخَذُوا هَذا الظَّنَّ مَطْعَنًا في هَذِهِ الآيَةِ. وهَذا اشْتِباهٌ مِنهم فَإنَّ الأعْلامَ لا تَنْحَصِرُ وكَذَلِكَ ألْقابُ الوِلاياتِ قَدْ تَشْتَرِكُ بَيْنَ أُمَمٍ وخاصَّةً الأُمَمَ المُتَجاوِرَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هامانُ عَلَمًا مِنَ الأمانِ فَإنَّ الأعْلامَ تَتَكَرَّرُ في الأُمَمِ والعُصُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَقَبَ خِطَّةٍ في مِصْرَ فَنَقَلَ اليَهُودُ هَذا اللَّقَبَ إلى بِلادِ الفُرْسِ في مُدَّةِ أسْرِهِمْ.
ويُشْبِهُ هَذا الطَّعْنَ طَعْنُ بَعْضِ المُسْتَشْرِقِينَ مِن نَصارى العَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ مَرْيَمَ حِينَ حَكى قَوْلَ أهْلِها لَها ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] فَقالُوا: هَذا وهَمٌ انْجَرَّ مِن كَوْنِ أبِي مَرْيَمَ اسْمُهُ عِمْرانُ فَتَوَهَّمَ أنَّ عِمْرانَ هو أبُو مُوسى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَبِعَ ذَلِكَ تَوَهُّمُ أنَّ مَرْيَمَ أُخْتُ مُوسى وهارُونَ وهو مُجازَفَةٌ فَإنَّ النَّصارى لا يَعْرِفُونَ اسْمَ أبِي مَرْيَمَ وهَلْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُسَمًّى عَلى اسْمِ أبِي مُوسى وهارُونَ وهَلْ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لِمَرْيَمَ أخٌ اسْمُهُ هارُونُ. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
والجُنُودُ جَمْعُ الجُنْدِ. ويُطْلِقُ الجُنْدُ عَلى الأُمَّةِ قالَ تَعالى ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ [البروج: ١٧] ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ونُرِيَ بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ الفِعْلِ ونَصْبِ فِرْعَوْنَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (ويَرى) بِياءِ الغائِبِ مَفْتُوحَةً وفَتْحِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ رَأى ورَفْعِ ”فِرْعَوْنُ“ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. ومَآلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.
صفحة ٧٣
والجُنْدُ اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ: هو الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَجْتَمِعُ عَلى أمْرٍ تَتَّبِعُهُ، فَلِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى العَسْكَرِ؛ لِأنَّ عَمَلَهم واحِدٌ وهو خِدْمَةُ أمِيرِهِمْ وطاعَتُهُ.
القصص 28:7
﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]، إذِ الكُلُّ مِن أجْزاءِ النَّبَإ. وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلًا لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [القصص: ٥]، فَإنَّ الإرادَةَ لَمّا تَعَلَّقَتْ بِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الذُّلِّ خَلَقَ اللَّهُ المُنْقِذَ لَهم.
والوَحْيُ هُنا وحْيُ إلْهامٍ يُوجَدُ عِنْدَهُ مِنِ انْشِراحِ الصَّدْرِ ما يُحَقِّقُ عِنْدَها أنَّهُ خاطِرٌ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ. فَإنَّ الإلْهامَ الصّادِقَ يَعْرِضُ لِلصّالِحِينَ فَيُوقِعُ في نُفُوسِهِمْ يَقِينًا يُبْعَثُونَ بِهِ إلى عَمَلِ ما أُلْهِمُوا إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ هَذا الوَحْيُ بِرُؤْيا صادِقَةٍ رَأتْها. وأمُّ مُوسى لَمْ يُعْرَفِ اسْمُها في كُتُبِ اليَهُودِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ لَها أسْماءً لا يُوثَقُ بِصِحَّتِها.
وقَوْلُهُ ﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِـ أوْحَيْنا. والأمْرُ بِإرْضاعِهِ يُؤْذِنُ بِجُمَلٍ طُوِيَتْ وهي أنَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ ذَلِكَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ مَظْهَرُ ما أرادَهُ هو الجَنِينَ الَّذِي في بَطْنِ أمِّ مُوسى ووَضَعَتْهُ أُمُّهُ، وخافَتْ عَلَيْهِ اعْتِداءَ أنْصارِ فِرْعَوْنَ عَلى ولِيدِها، وتَحَيَّرَتْ في أمْرِها فَأُلْهِمَتْ أوْ أُرِيَتْ ما قَصَّهُ اللَّهُ هُنا وفي مَواضِعَ أُخْرى.
والإرْضاعُ الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ يَتَضَمَّنُ أنْ: أخْفِيهِ مُدَّةً تُرْضِعِيهِ فِيها فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ أنْ يُعْرَفَ خَبَرُهُ فَألْقِيهِ في اليَمِّ.
وإنَّما أمَرَها اللَّهُ بِإرْضاعِهِ لِتَقْوى بُنْيَتُهُ بِلِبانِ أُمِّهِ فَإنَّهُ أسْعَدُ بِالطِّفْلِ في أوَّلِ عُمُرِهِ مِن لِبانِ غَيْرِها، ولِيَكُونَ لَهُ مِنَ الرَّضاعَةِ الأخِيرَةِ قَبْلَ إلْقائِهِ في اليَمِّ قُوتٌ يَشُدُّ بُنْيَتَهُ فِيما بَيْنَ قَذْفِهِ في اليَمِّ وبَيْنَ التِقاطِ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ وإيصالِهِ إلى بَيْتِ فِرْعَوْنَ
صفحة ٧٤
وابْتِغاءِ المَراضِعِ ودَلالَةِ أُخْتِهِ إيّاهم عَلى أُمِّهِ إلى أنْ أُحْضِرَتْ لِإرْضاعِهِ فَأُرْجِعَ إلَيْها بَعْدَ أنْ فارَقَها بَعْضَ يَوْمٍ. وحَكَتْ كُتُبُ اليَهُودِ أنَّ أُمَّ مُوسى خَبَّأتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ خافَتْ أنْ يَفْشُوَ أمْرُهُ فَوَضَعَتْهُ في سَفَطٍ مُقَيَّرٍ وقَذَفَتْهُ في النَّهْرِ. وقَدْ بَشَّرَها اللَّهُ بِما يُزِيلُ هَمَّها بِأنَّهُ رادُّهُ إلَيْها وزادَ عَلى ذَلِكَ بِما بَشَّرَها بِما سَيَكُونُ لَهُ مِن مَقامٍ كَرِيمٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَحْيَ إلَيْها كانَ عِنْدَ وِلادَتِهِ، وأنَّها أُمِرَتْ بِأنْ تُلْقِيَهُ في اليَمِّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ دَفْعًا لِلضُّرِّ المُحَقَّقِ بِالضُّرِّ المَشْكُوكِ فِيهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ في يَقِينِها بِأنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِ.
واليَمُّ: البَحْرُ وهو هُنا نَهْرُ النِّيلِ الَّذِي كانَ يَشُقُّ مَدِينَةَ فِرْعَوْنَ حَيْثُ مَنازِلُ بَنِي إسْرائِيلَ. واليَمُّ في كَلامِ العَرَبِ مُرادِفُ البَحْرِ، والبَحْرُ في كَلامِهِمْ يُطْلَقُ عَلى الماءِ العَظِيمِ المُسْتَبْحَرِ، فالنَّهْرُ العَظِيمُ يُسَمّى بَحْرًا قالَ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢]، فَإنَّ اليَمَّ مِنَ الأنْهارِ.
وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِثالًا مِن أمْثِلَةِ دَقائِقِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ فَذَكَرَ عِياضٌ في الشِّفاءِ، والقُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّهُ سَمِعَ جارِيَةً أعْرابِيَّةً تُنْشِدُ:
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِأمْرِي كُلِّهِ قَتَلْتُ إنْسانًا بِغَيْرِ حِلِّهِ
مِثْلَ غَزالٍ ناعِمًا في دَلِّهِ ∗∗∗ انْتَصَفَ اللَّيْلُ ولَمْ أُصَلِّهِ
وهِيَ تُرِيدُ التَّوْرِيَةَ بِالقُرْآنِ. فَقالَ لَها: قاتَلَكِ اللَّهُ ما أفْصَحَكِ ! يُرِيدُ ما أبْلَغَكِ (وكانُوا يُسَمُّونَ البَلاغَةَ فَصاحَةً) فَقالَتْ لَهُ (أوَيُعَدُّ هَذا فَصاحَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَجَمَعَ في آيَةٍ واحِدَةٍ خَبَرَيْنِ، وأمْرَيْنِ، ونَهْيَيْنِ، وبِشارَتَيْنِ) .
صفحة ٧٥
فالخَبَرانِ هُما ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ وقَوْلُهُ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ أنَّها سَتَخافُ عَلَيْهِ.
والأمْرانِ هُما: ”أرَضِعَيْهِ“ و”ألْقِيهِ“ .
والنَّهْيانِ: ”ولا تَخافِي“ و”ولا تَحْزَنِي“ .
والبِشارَتانِ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ .
والخَوْفُ: تَوَقُّعُ أمْرٍ مَكْرُوهٍ، والحُزْنُ: حالَةٌ نَفْسِيَّةٌ تَنْشَأُ مِن حادِثٍ مَكْرُوهٍ لِلنَّفْسِ كَفَواتِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ، أوْ فَقْدِ حَبِيبٍ، أوْ بُعْدِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
والمَعْنى: لا تَخافِي عَلَيْهِ الهَلاكَ مِنَ الإلْقاءِ في اليَمِّ، ولا تَحْزَنِي عَلى فِراقِهِ.
والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ وعَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبَيْهِما وهُما تُوَقُّعُ المَكْرُوهِ والتَّفَكُّرُ في وحْشَةِ الفِراقِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلنَّهْيَيْنِ؛ لِأنَّ ضَمانَ رَدِّهِ إلَيْها يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَهْلِكُ وأنَّها لا تَشْتاقُ إلَيْهِ بِطُولِ المَغِيبِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَإدْخالٌ لِلْمَسَرَّةِ عَلَيْها.
القصص 28:8
﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ الِالتِقاطُ افْتِعالٌ مِنَ اللَّقْطِ، وهو تَناوُلُ الشَّيْءِ المُلْقى في الأرْضِ ونَحْوِها بِقَصْدٍ أوْ ذُهُولٍ. أسْنَدَ الِالتِقاطَ إلى آلِ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ اسْتِخْراجَ تابُوتِ مُوسى مِنَ النَّهْرِ كانَ مِن إحْدى النِّساءِ الحافّاتِ بِابْنَةِ فِرْعَوْنَ حِينَ كانَتْ مَعَ أتْرابِها وداياتِها عَلى ساحِلِ النِّيلِ كَما جاءَ في الإصْحاحِ الثّانِي مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
واللّامُ في ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا﴾ لامُ التَّعْلِيلِ وهي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ النُّحاةِ بِلامِ كَيْ وهي لامٌ جارَّةٌ مِثْلُ ”كَيْ“، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”التَقَطَهُ“ . وحَقُّ لامِ كَيْ أنْ تَكُونَ جارَّةً لِمَصْدَرٍ مُنْسَبِكٍ مِن (أنِ) المَقَدَّرَةِ بَعْدَ اللّامِ ومِنَ الفِعْلِ المَنصُوبِ بِها فَذَلِكَ المَصْدَرُ هو العِلَّةُ الباعِثَةُ عَلى صُدُورِ ذَلِكَ الفِعْلِ مِن فاعِلِهِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ في
صفحة ٧٦
الآيَةِ اسْتِعْمالًا وارِدًا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ دُونَ الحَقِيقَةِ لِظُهُورِ أنَّهم لَمْ يَكُنْ داعِيهِمْ إلى التِقاطِهِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا ولَكِنَّهُمُ التَقَطُوهُ رَأْفَةً بِهِ وحُبًّا لَهُ لِما أُلْقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِن شَفَقَةٍ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عاقِبَةُ التِقاطِهِمْ إيّاهُ أنْ كانَ لَهم عَدُوًّا في اللَّهِ ومُوجِبَ حَزَنٍ لَهم، شُبِّهَتِ العاقِبَةُ بِالعِلَّةِ في كَوْنِها نَتِيجَةً لِلْفِعْلِ كَشَأْنِ العِلَّةِ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ مَعْنى الحَرْفِ إلى مَعْنًى آخَرَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، أيِ اسْتُعِيرَ الحَرْفُ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ مَعْناهُ ثُمَّ تَسْرِي مِنَ المَعْنى إلى الحَرْفِ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ المَعانِي خِلافًا لِلسَّكّاكِيِّ.
وضَمِيرُ لَهم يَعُودُ إلى آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ العُنْوانِيِّ؛ لِأنَّ مُوسى كانَ عَدُوًّا لِفِرْعَوْنٍ آخَرَ بَعْدَ هَذا، أيْ لِيَكُونَ لِدَوْلَتِهِمْ وأُمَّتِهِمْ عَدُوًّا وحَزَنًا فَقَدْ كانَتْ بَعْثَةُ مُوسى في مُدَّةِ ابْنِ فِرْعَوْنَ هَذا.
ووَصْفُهُ بِالحَزَنِ وهو مَصْدَرٌ عَلى تَقْدِيرِ مُتَعَلِّقٍ مَحْذُوفٍ، أيْ حَزَنًا لَهم لِدَلالَةِ قَوْلِهِ لَهُمُ السّابِقِ. ولَيْسَ هَذا مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلِ قَوْلِكَ: فُلانٌ عَدْلٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَصْدَرُ واقِعًا مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ فَكانَ مَعْنى المَصْدَرِ قائِمًا بِالمَوْصُوفِ. والمَعْنى هُنا: لِيَكُونَ لَهم حَزَنًا. والإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الحَزَنِ ولَيْسَ هو حَزَنًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ وحَزَنًا بِفَتْحِ الحاءِ والزّايِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ وهُما لُغَتانِ كالعَدَمِ والعُدْمِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ أيْ قَدَّرَ اللَّهُ نَجاةَ مُوسى لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا؛ لِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ، فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عِقابًا لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ وعَلى عِبادَةِ الأصْنامِ.
والخاطِئُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ كَفَرِحَ إذا فَعَلَ الخَطِيئَةَ وهي الإثْمُ والذَّنْبُ، قالَ تَعالى ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] . ومَصْدَرُهُ الخِطْءُ بِكَسْرِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] في الإسْراءِ. وأمّا
صفحة ٧٧
الخَطَأُ وهو ضِدُّ العَمْدِ فَفِعْلُهُ أخْطَأ فَهو مُخْطِئٌ، قالَ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فَعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنَّ الفُصَحاءَ فَرَّقُوا الِاسْتِعْمالَ بَيْنَ مُرْتَكِبِ الخَطِيئَةِ ومُرْتَكِبِ الخَطَإ، وعَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أخْطَأ وخَطِئَ دَرَجَ نَفْطَوَيْهِ، وتَبِعَهُ الجَوْهَرِيُّ، والحَرِيرِيُّ.
وذَهَبَ أبُو عَبِيدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، إلى أنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَرادِفانِ وأنَّهُما لُغَتانِ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ هُنا أنَّهُ جارٍ عَلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، فَقَدْ فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَعْنَيَيْنِ وقالَ في الأساسِ أخْطَأ في الرَّأْيِ وخَطِئَ إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ. وقِيلَ هُما واحِدٌ.
ويَظْهَرُ أنَّ أصْلَهُما لُغَتانِ في مَعْنى مُخالَفَةِ الصَّوابِ عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ أوْ عَنْ عَمْدٍ، ثُمَّ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ عَلى تَخْصِيصِ أخْطَأ بِفِعْلٍ عَلى غَيْرِ عَمْدٍ، وخَطِئَ بِالإجْرامِ والذَّنْبِ، وهَذا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ اللُّغَةِ. وإنَّ الفُرُوقَ بَيْنَ الألْفاظِ مِن أحْسَنِ تَهْذِيبِ اللُّغَةِ.
فَأمّا مَحْمَلُ الآيَةِ هُنا فَلا يُناسِبُهُ إلّا أنْ يَكُونَ خاطِئِينَ مِنَ الخَطِيئَةِ لِيَكُونَ الكَلامُ تَعْلِيلًا لِتَكْوِينِ حُزْنِهِمْ مِنهُ بِالإخارَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ آنِفًا.
القصص 28:9
﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ يَدُلُّ الكَلامُ عَلى أنَّ الَّذِينَ انْتَشَلُوهُ جَعَلُوهُ بَيْنَ أيْدِي فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ فَرَقَّتْ لَهُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ وصَرَفَتْ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ أنْ هَمَّ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الطِّفْلَ لَيْسَ مِن أبْناءِ القِبْطِ بِلَوْنِ جَلْوَتِهِ ومَلامِحِ وجْهِهِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَمَلَهُ النَّيْلُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لِظُهُورِهِ أنَّهُ لَمْ يَطُلْ مَكْثُ تابُوتِهِ في الماءِ ولا اضْطِرابُهُ بِكَثْرَةِ التَّنَقُّلِ، فَعَلِمَ أنَّ وقْعَهُ في التّابُوتِ لِقَصْدِ إنْجائِهِ مِنَ الذَّبْحِ. وكانَ ذَلِكَ وقْتَ انْتِشالِهِ مِنَ الماءِ وإخْراجِهِ مِنَ التّابُوتِ. وكانَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ امْرَأةً مُلْهَمَةً لِلْخَيْرِ وقَدَّرَ اللَّهُ نَجاةَ مُوسى بِسَبَبِها. وقَدْ قالَ تَعالى في شَأْنِها ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]
صفحة ٧٨
وهِيَ لَمْ تَرَ عَداوَةَ مُوسى لِآلِ فِرْعَوْنَ ولا حَزِنَتْ مِنهُ؛ لِأنَّها انْقَرَضَتْ قَبْلَ بَعْثَةِ مُوسى.
وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ سُمِّيَتْ آسِيَةَ كَما في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ، ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بْنَةُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» ويُفِيدُ قَوْلُها ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ حِينَ رَآهُ اسْتَحْسَنَهُ ثُمَّ خالَجَهُ الخَوْفُ مِن عاقِبَةِ أمْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ أنْذَرَتْهُ امْرَأتُهُ بِقَوْلِها ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ .
وارْتَفَعَ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا الطِّفْلُ. وحَذَفَهُ؛ لِأنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ حُضُورُهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ هو سَبَبُ قُرَّةِ عَيْنٍ لِي ولَكَ.
وقُرَّةُ العَيْنِ كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ وهي كِنايَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ ضِدِّها وهو سُخْنَةُ العَيْنِ الَّتِي هي أثَرُ البُكاءِ اللّازِمِ لِلْأسَفِ والحُزْنِ، فَلَمّا كُنِّيَ عَنِ الحُزْنِ بِسُخْنَةِ العَيْنِ في قَوْلِهِمْ في الدُّعاءِ بِالسُّوءِ: أسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ. وقَوْلِ الرّاجِزِ:
أوْهِ أدِيمَ عِرْضِهِ وأسْخِنِ بِعَيْنِهِ بَعْدَ هُجُوعِ الأعْيُنِ
أتْبَعُوا ذَلِكَ بِأنْ كَنَّوْا عَنِ السُّرُورِ بِضِدِّ هَذِهِ الكِنايَةِ فَقالُوا: قُرَّةُ عَيْنٍ، وأقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، فَحَكى القُرْآنُ ما في لُغَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ مِن دَلالَةٍ عَلى مَعْنى المَسَرَّةِ الحاصِلَةِ لِلنَّفْسِ بِبَلِيغِ ما كَنّى بِهِ العَرَبُ عَنْ ذَلِكَ وهو ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾، ومِن لَطائِفِهِ في الآيَةِ أنَّ المَسَرَّةَ المَعْنِيَّةَ هي مَسَرَّةٌ حاصِلَةٌ مِن مَرْأى مَحاسِنِ الطِّفْلِ كَما قالَ تَعالى ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ قَسَمًا كَما يُقالُ: أيْمُنُ اللَّهِ. فَإنَّ العَرَبَ يُقْسِمُونَ بِذَلِكَ، أيْ أُقْسِمُ بِما تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ اسْتَضافَ نَفَرًا وتَأخَّرَ عَنْ وقْتِ عَشائِهِمْ ثُمَّ حَضَرَ، وفِيهِ قِصَّةٌ إلى أنْ قالَ الرّاوِي: فَجَعَلُوا لا يَأْكُلُونَ لُقْمَةً إلّا رَبَتْ مِن أسْفَلِها أكْثَرَ مِنها. فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِامْرَأتِهِ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذا ؟ فَقالَتْ: وقُرَّةِ عَيْنِي إنَّها الآنَ أكْثَرُ مِن قَبْلُ. فَتَكُونُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أقْسَمْتَ عَلى فِرْعَوْنَ بِما فِيهِ قُرَّةُ عَيْنِها، وقُرَّةُ عَيْنِهِ أنْ لا يَقْتُلَ مُوسى، ويَكُونُ رَفْعُ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ﴾ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفًا، وهو حَذْفٌ
صفحة ٧٩
كَثِيرٌ في نَصِّ اليَمِينِ مِثْلُ: لَعَمْرُكَ. وابْتَدَأتْ بِنَفْسِها في ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي﴾ قَبْلَ ذِكْرِ فِرْعَوْنَ إدْلالًا عَلَيْهِ لِمَكانَتِها عِنْدَهُ أرادَتْ أنْ تَبْتَدِرَهُ بِذَلِكَ حَتّى لا يَصْدُرَ عَنْهُ الأمْرُ بِقَتْلِ الطِّفْلِ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِها ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ فِرْعَوْنُ نَزَّلَتْهُ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ كَما في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ خِطابُ فِرْعَوْنَ داخِلًا فِيهِ أهْلُ دَوْلَتِهِ هامانُ والكَهَنَةُ الَّذِينَ ألْقَوْا في نَفْسِ فِرْعَوْنَ أنَّ فَتًى مِن إسْرائِيلَ يُفْسِدُ عَلَيْهِ مَمْلَكَتَهُ. وهَذا أحْسَنُ؛ لِأنَّ فِيهِ تَمْهِيدًا لِإجابَةِ سُؤْلِها حِينَ أسْنَدَتْ مُعْظَمَ القَتْلِ لِأهْلِ الدَّوْلَةِ وجَعَلَتْ لِفِرْعَوْنَ مِنهُ حَظَّ الواحِدِ مِنَ الجَماعَةِ، فَكَأنَّها تُعَرِّضُ بِأنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ عَنْ رَأْيِهِ فَتُهَوِّنَ عَلَيْهِ عُدُولَهُ في هَذا الطِّفْلِ، عَمّا تَقَرَّرَ مِن قَتْلِ الأطْفالِ. وقِيلَ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ التِفاتٌ عَنْ خِطابِ فِرْعَوْنَ إلى خِطابِ المُوَكِّلِينَ بِقَتْلِ أطْفالِ إسْرائِيلَ كَقَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] .
فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ مَوْقِعُ التَّمْهِيدِ والمُقَدِّمَةِ لِلْعَرْضِ. ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ مَوْقِعُ التَّفْرِيعِ عَنِ المُقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَهي في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ فاتِّصالُها بِها كاتِّصالِ جُمْلَةِ ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ بِها، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ قَضى بِهَذا التَّرْتِيبِ البَلِيغِ بِأنْ جَعَلَ الوازِعَ الطَّبِيعِيَّ عَنِ القَتْلِ وهو وازِعُ المَحَبَّةِ هو المُقَدِّمَةَ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالنَّفْسِ فَهو يُشْبِهُ المَعْلُومَ البَدِيهِيَّ. وجُعِلَ الوازِعُ العَقْلِيُّ بَعْدَ النَّهْيِ عِلَّةً لِاحْتِياجِهِ إلى الفِكْرِ، فَتَكُونُ مُهْلَةُ التَّفْكِيرِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ المُمَهَّدِ بِالوازِعِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يُخْشى جِماحُ السّامِعِ مِنَ النَّهْيِ ورَفْضُهُ إيّاهُ.
ويَتَضَمَّنُ قَوْلُها ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ إزالَةَ ما خامَرَ نَفْسَ فِرْعَوْنَ مِن خَشْيَةِ فَسادِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ فَتًى إسْرائِيلِيٍّ بِأنَّ هَذا الطِّفْلَ لا يَكُونُ هو المَخُوفَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا انْضَمَّ في أهْلِهِمْ وسَيَكُونُ رَبِيَّهم فَإنَّهُ يُرْجى مِنهُ نَفْعُهم وأنْ يَكُونَ لَهم كالوَلَدِ. فَأقْنَعَتْ فِرْعَوْنَ بِقِياسٍ عَلى الأحْوالِ المُجَرَّبَةِ في عَلاقَةِ التَّرْبِيَةِ والمُعاشَرَةِ والتَّبَنِّي والإحْسانِ، وإنَّ الخَيْرَ لا يَأْتِي بِالشَّرِّ. ولِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ الِاعْتِراضُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] أيْ وفِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لا يَعْلَمُونَ خَفِيَّ إرادَةِ اللَّهِ مِن
صفحة ٨٠
الِانْتِقامِ مِن أُمَّةِ القِبْطِ بِسَبَبِ مُوسى. ولَعَلَّ اللَّهَ حَقَّقَ لِامْرَأةِ فِرْعَوْنَ رَجاءَها فَكانَ مُوسى قُرَّةَ عَيْنٍ لَها ولِزَوْجِها، فَلَمّا هَلَكا وجاءَ فِرْعَوْنٌ آخَرُ بَعْدَهُما كانَ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن نَصْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
واخْتِيرَ يَشْعُرُونَ هُنا؛ لِأنَّهُ مِنَ العِلْمِ الخَفِيِّ، أيْ لا يَعْلَمُونَ هَذا الأمْرَ الخَفِيَّ.
القصص 28:10
﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أصْبَحَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى (صارَ) فاقْتَضى تَحَوُّلًا مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ أُخْرى أيْ كانَ فُؤادُها غَيْرَ فارِغٍ فَأصْبَحَ فارِغًا.
والفُؤادُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى العَقْلِ واللُّبِّ.
والفَراغُ مَجازِيٌّ. ومَعْنى فَراغِ العَقْلِ مِن أمْرٍ أنَّهُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ احْتِواءِ العَقْلِ عَلى ذَلِكَ الأمْرِ احْتِواءً مَجازِيًّا، أيْ عَدَمِ جَوَلانِ مَعْنى ذَلِكَ الأمْرِ في العَقْلِ، أيْ تَرْكِ التَّفْكِيرِ فِيهِ.
وإذْ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ فُؤادَ أُمِّ مُوسى لِماذا أصْبَحَ فارِغًا احْتَمَلَتِ الآيَةُ مَعانِيَ تَرْجِعُ إلى مُحْتَمَلاتِ مُتَعَلِّقِ الفَراغِ ما هو. فاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في ذَلِكَ قَدِيمًا، ومَرْجِعُ أقْوالِهِمْ إلى ناحِيَتَيْنِ: ناحِيَةٍ تُؤْذِنُ بِثَباتِ أُمِّ مُوسى ورِباطَةِ جاشِها، وناحِيَةٍ تُؤْذِنُ بِتَطَرُّقِ الضَّعْفِ والشَّكِّ إلى نَفْسِها.
فَأمّا ما يَرْجِعُ إلى النّاحِيَةِ الأُولى فَهو أنَّهُ فارِغٌ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ، فَأصْبَحَتْ واثِقَةً بِحُسْنِ عاقِبَتِهِ تَبَعًا لِما ألْهَمَها مِن أنْ لا تَخافَ ولا تَحْزَنَ فَيَرْجِعُ إلى الثَّناءِ عَلَيْها. وهَذا أسْعَدُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الرَّبْطَ مِن تَوابِعِ ما ألْهَمَها اللَّهُ مِن أنْ لا تَخافَ ولا تَحْزَنَ.
فالمَعْنى: أنَّها لَمّا ألْقَتْهُ في اليَمِّ كَما ألْهَمَها اللَّهُ زالَ عَنْها ما كانَتْ تَخافُهُ عَلَيْهِ مِنَ الظُّهُورِ عَلَيْهِ عِنْدَها وقَتْلِهِ؛ لِأنَّها لَمّا تَمَكَّنَتْ مِن إلْقائِهِ في اليَمِّ ولَمْ يَشْعُرْ بِها أحَدٌ قَدْ
صفحة ٨١
عَلِمَتْ أنَّهُ نَجا. وهَذا المَحْمَلُ يُساعِدُهُ أيْضًا ما شاعَ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ خَلِيُّ البالِ: إذا كانَ لا هَمَّ بِقَلْبِهِ. وهو تَفْسِيرُ أبِي عُبَيْدَةَ، والأخْفَشِ، والكِسائِيِّ، وهَذا أحْسَنُ ما فُسِّرَتْ بِهِ وهو مِن مَعْنى الثَّناءِ عَلَيْها بِثَباتِها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طُرُقٍ شَتّى أنَّهُ قالَ: فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا ذِكْرَ مُوسى. وفي هَذا شَيْءٌ مِن رِباطَةِ جاشِها إذْ فَرَغَ لُبُّها مِن كُلِّ خاطِرٍ يَخْطُرُ في شَأْنِ مُوسى.
وأمّا زِيادَةُ ما أدّاهُ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: إلّا ذِكْرَ مُوسى، فَلَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ وإلّا فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ.
وهَذا التَّفْسِيرُ يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ الثَّناءِ عَلَيْها بِحُسْنِ ثِقَتِها بِاللَّهِ والإشارَةِ إلى ضَعْفِ الأُمُومَةِ بِالتَّشَوُّقِ إلى ولَدِها وإنْ كانَتْ عالِمَةً بِأنَّهُ يَتَقَلَّبُ في أحْوالٍ صالِحَةٍ بِهِ وبِها.
وأمّا الأقْوالُ الرّاجِعَةُ إلى النّاحِيَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والقُرْطُبِيُّ، عَنِ ابْنِ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: الفَراغُ هو ذَهابُ العَقْلِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] أيْ لا عُقُولَ فِيها. وفي الكَشّافِ: أيْ لَمّا سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ طارَ عَقْلُها لِما دَهَمَها مِن فَرْطِ الجَزَعِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ: أصْبَحَ فارِغًا مِن تَذَكُّرِ الوَعْدِ الَّذِي وعَدَها اللَّهُ إذْ خامَرَها خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ فَقالَتْ في نَفْسِها: إنِّي خِفْتُ عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ فَألْقَيْتُهُ بِيَدِي في يَدِ العَدُوِّ الَّذِي أمَرَ بِقَتْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ. ولَعَلَّهُ يَعْنِي مِنَ الصَّبْرِ عَلى فَقْدِهِ. وكُلُّ الأقْوالِ الرّاجِعَةِ إلى هَذِهِ النّاحِيَةِ تَرْمِي إلى أنَّ أُمَّ مُوسى لَمْ تَكُنْ جَلِدَةً عَلى تَنْفِيذِ ما أمَرَها اللَّهُ تَعالى وأنَّ اللَّهَ تَدارَكَها بِوَضْعِ اليَقِينِ في نَفْسِها.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما اقْتَضاهُ فِعْلُ أصْبَحَ مِن أنَّها كانَتْ عَلى حالَةٍ غَيْرِ حالَةِ فَراغٍ فَبُيِّنَتْ بِأنَّها كانَتْ تُقارِبُ أنْ تُظْهِرَ أمْرَ ابْنِها مِن شِدَّةِ الِاضْطِرابِ، فَإنَّ الِاضْطِرابَ يَنِمُّ بِها. فالمَعْنى: أصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا وكادَتْ قَبْلَ ذَلِكَ أنْ تُبْدِيَ خَبَرَ مُوسى في مُدَّةِ إرْضاعِهِ مِن شِدَّةِ الهَلَعِ والإشْفاقِ عَلَيْهِ أنْ يُقْتَلَ. وعَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ﴾ بِمَنزِلَةِ عَطْفِ البَيانِ عَلى مَعْنى فارِغًا. وهي دَلِيلٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المَحْذُوفِ.
فالتَّقْدِيرُ: فارِغًا إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى فَكادَتْ
صفحة ٨٢
تُظْهِرُ ذِكْرَ مُوسى وتَنْطِقُ بِاسْمِهِ مِن كَثْرَةِ تَرَدُّدِ ذِكْرِهِ في نَفْسِها.
وأمّا عَلى الأقْوالِ الرّاجِعَةِ إلى النّاحِيَةِ الثّانِيَةِ فَجُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ: ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾، أيْ كادَتْ لَتُبْدِي أمْرَ مُوسى مِن قِلَّةِ ثَباتِ فُؤادِها.
وعَنْ مُجاهِدٍ: لَمّا رَأتِ الأمْواجَ حَمَلَتِ التّابُوتَ كادَتِ أنْ تَصِيحَ.
والباءُ في بِهِ إمّا لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ المَفْعُولِ بِفِعْلِهِ، والأصْلُ: لَتُبْدِيهُ، وإمّا لِتَضْمِينِ تُبْدِي مَعْنى (تَبُوحُ) وهو أحْسَنُ وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. واللّامُ في لَتُبْدِي فارِقَةٌ بَيْنَ ”إنِ“ المُخَفَّفَةِ و”إنِ“ النّافِيَةِ.
والرَّبْطُ عَلى القَلْبِ: تَوْثِيقُهُ عَنْ أنْ يَضْعُفَ كَما يُشَدُّ العُضْوُ الوَهِنُ، أيْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بِخَلْقِ الصَّبْرِ فِيهِ. وجَوابُ ”لَوْلا“ هو جُمْلَةُ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ .
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: المُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ، أيْ لَوْلا أنْ ذَكَّرْناها ما وعَدْناها فاطْمَأنَّ فُؤادُها. فالإيمانُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ؛ لِأنَّها كانَتْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبْلُ، أوْ أُرِيدَ مِن كامِلاتِ المُؤْمِنِينَ.
واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِتُحْرِزَ رُتْبَةَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ اللَّهِ الَّذِينَ لا يَتَطَرَّقُهُمُ الشَّكُّ فِيما يَأْتِيهِمْ مِنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ.
القصص 28:11
﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ظاهِرُ تَرْتِيبِ الأخْبارِ أنَّها عَلى وفْقِ تَرْتِيبِ مَضامِينِها في الحُصُولِ، وهَذا يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ حُصُولُ مَضْمُونِ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] سابِقًا عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ ﴿وقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾، أيْ قالَتْ لِأُخْتِهِ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اطْمَأنَّ قَلْبُها لِما أُلْهِمَتْهُ مِن إلْقائِهِ في اليَمِّ، أيْ لَمّا ألْقَتْهُ في اليَمِّ قالَتْ لِأُخْتِهِ: انْظُرِي أيْنَ يُلْقِيهِ اليَمُّ، ومَتى يُسْتَخْرَجُ مِنهُ ؟ وقَدْ عَلِمَتْ أنَّ اليَمَّ لا يُلْقِيهِ بَعِيدًا عَنْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى وعْدِ اللَّهِ بِرَدِّهِ إلَيْها.
صفحة ٨٣
وأُخْتُ مُوسى اسْمُها مَرْيَمُ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ القِصَّةِ في سُورَةِ طه.
والقَصُّ: اتِّباعُ الأثَرِ، اسْتُعْمِلَ في تَتَبُّعِ الذّاتِ بِالنَّظَرِ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ إلى ضَمِيرِ مُوسى دُونَ ذِكْرِ الأثَرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] .
وبَصُرَ بِالشَّيْءِ صارَ ذا بَصَرٍ بِهِ. أيْ باصِرًا لَهُ فَهو يُفِيدُ قُوَّةَ الإبْصارِ، أيْ قُوَّةَ اسْتِعْمالِ حاسَّةِ البَصَرِ وهو التَّحْدِيقُ إلى المُبْصَرِ، فَـ ”بَصُرَ“ أشَدُّ مِن (أبْصَرَ) . فالباءُ الدّاخِلَةُ عَلى مَفْعُولِهِ باءُ السَّبَبِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِرُؤْيَةِ المَرْئِيِّ حَتّى كَأنَّهُ صارَ باصِرًا بِسَبَبِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الباءَ زائِدَةً لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ فَتُفِيدَ زِيادَةَ مُبالَغَةٍ في مَعْنى الفِعْلِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ [طه: ٩٦] في سُورَةِ طه.
والجُنُبُ: بِضَمَّتَيْنِ البَعِيدُ. وهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ يُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، أيْ عَنْ مَكانِ جُنُبٍ.
و”عَنْ“ لِلْمُجاوَزَةِ، والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ حالٍ مِن ضَمِيرِ ”بَصُرَتْ“؛ لِأنَّ المُجاوَزَةَ هُنا مِن أحْوالِ أُخْتِهِ لا مِن صِفاتِ المَكانِ.
و”هم“ أيْ آلُ فِرْعَوْنَ حِينَ التَقَطُوهُ لا يَشْعُرُونَ بِأنَّ أُخْتَهُ تُراقِبُ أحْوالَهُ وذَلِكَ مِن حَذَقِ أُخْتِهِ في كَيْفِيَّةِ مُراقَبَتِهِ.
القصص 28:12
﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ ”لِأُخْتِهِ“ . والتَّحْرِيمُ: المَنعُ، وهو تَحْرِيمٌ تَكْوِينِيٌّ، أيْ قَدَّرْنا في نَفْسِ الطِّفْلِ الِامْتِناعَ مِنَ التِقامِ أثْداءِ المَراضِعِ وكَراهَتَها لِيَضْطَرَّ آلُ فِرْعَوْنَ إلى البَحْثِ عَنْ مُرْضِعٍ يَتَقَبَّلُ ثَدْيَها؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ وامْرَأتَهُ حَرِيصانِ عَلى حَياةِ الطِّفْلِ، ومِن مُقَدِّماتِ ذَلِكَ أنْ جَعَلَ اللَّهُ إرْضاعَهُ مِن أُمِّهِ مُدَّةً تَعَوَّدَ فِيها بِثَدْيِها.
صفحة ٨٤
ومَعْنى مِن قَبْلُ مِن قَبْلِ التِقاطِهِ وهو إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ وإرادَتُهُ في الأزَلِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَقالَتْ“ فاءٌ فَصِيحَةٌ تُؤْذِنُ بِجُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ، أيْ فَأظْهَرَتْ أُخْتُهُ نَفْسَها كَأنَّها مَرَّتْ بِهِمْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. وإنَّما قالَتْ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ فَشا في النّاسِ طَلَبُ المَراضِعِ لَهُ وتَبْدِيلُ مُرْضِعَةٍ عَقِبَ أُخْرى حَتّى عُرِضَ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ في حِصَّةٍ قَصِيرَةٍ، وذَلِكَ بِسُرْعَةِ مَقْدِرَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وكَثْرَةِ تَفْتِيشِهِمْ عَلى المَراضِعِ حَتّى ألْفَوْا عَدَدًا كَثِيرًا في زَمَنٍ يَسِيرٍ، وأيْضًا لِعَرْضِ المَراضِعِ أنْفُسَهُنَّ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ لَمّا شاعَ أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ مُرْضِعًا.
وعَرَضَتْ سَعْيَها في ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ في العَرْضِ تَلَطُّفًا مَعَ آلِ فِرْعَوْنَ وإيعادًا لِلظِّنَّةِ عَنْ نَفْسِها.
ومَعْنى يَكْفُلُونَهُ يَتَعَهَّدُونَ بِحِفْظِهِ وإرْضاعِهِ. فَيَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ عادَتَهم في الإرْضاعِ أنْ يُسَلَّمَ الطِّفْلُ إلى المَرْأةِ الَّتِي تُرْضِعُهُ يَكُونُ عِنْدَها كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ؛ لِأنَّ النِّساءَ الحَرائِرَ لَمْ يَكُنَّ يَرْضَيْنَ بِتَرْكِ بُيُوتِهِنَّ والِانْتِقالِ إلى بُيُوتِ آلِ الأطْفالِ الرُّضَعاءِ. كَما جاءَ في خَبَرِ إرْضاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِنْدَ حَلِيمَةَ بِنْتِ وهْبٍ في حَيِّ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: فَدَفَعَهُ فِرْعَوْنُ إلَيْها وأجْرى لَها وذَهَبَتْ بِهِ إلى بَيْتِها.
والعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لِقَصْدِ تَأْكِيدِ أنَّ النُّصْحَ مِن سَجاياهم ومِمّا ثَبَتَ لَهم فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَنْصَحُونَ لَهُ كَما قِيلَ ﴿يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ الكَفالَةَ أمْرٌ سَهْلٌ بِخِلافِ النُّصْحِ والعِنايَةِ.
وتَعْلِيقُ لَهُ بِـ ناصِحُونَ لَيْسَ عَلى مَعْنى التَّقْيِيدِ؛ بَلْ لِأنَّهُ حِكايَةُ الواقِعِ. فالمَعْنى: أنَّ النُّصْحَ مِن صِفاتِهِمْ فَهو حاصِلٌ لَهُ كَما يَحْصُلُ لِأمْثالِهِ حَسَبَ سَجِيَّتِهِمْ. والنُّصْحُ: العَمَلُ الخالِصُ الخَلِيُّ مِنَ التَّقْصِيرِ والفَسادِ.
القصص 28:13
صفحة ٨٥
﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ في سُورَةِ طه. وقَوْلُهُ ”ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ“ فَإنَّما تَأْكِيدُ حَرْفِ كَيْ بِمُرادِفِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ لِلتَّنْصِيصِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُثْبَتِ لا عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ.
وضَمِيرُ ”أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ“ عائِدٌ إلى النّاسِ المَفْهُومُ مِنَ المَقامِ أوْ إلى رَعِيَّةِ فِرْعَوْنَ، ومِنَ النّاسِ بَنُو إسْرائِيلَ.
والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ نَصْبِ الدَّلِيلِ لَها عَلى أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أيْ فَعَلِمَتْ ذَلِكَ وحْدَها وأكْثَرُ القَوْمِ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم بَيْنَ مُشْرِكِينَ وبَيْنَ مُؤْمِنِينَ، تَقادَمَ العَهْدُ عَلى إيمانِهِمْ، وخَلَتْ أقْوامُهم مِن عُلَماءَ يُلَقِّنُونَهم مَعانِيَ الدِّينِ، فَأصْبَحَ إيمانُهم قَرِيبًا مِنَ الكُفْرِ.
ومَوْضِعُ العِبْرَةِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنَّها تَتَضَمَّنُ أُمُورًا ذاتَ شَأْنٍ فِيها ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ومَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فَأوَّلُ ذَلِكَ وأعْظَمُهُ: إظْهارُ أنَّ ما عَلِمَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ هو كائِنٌ لا مَحالَةَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ ”يَحْذَرُونَ“ وأنَّ الحَذَرَ لا يُنَجِّي مِنَ القَدَرِ.
وثانِيهِ: إظْهارُ أنَّ العُلُوَّ الحَقَّ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمُؤْمِنِينَ، وأنَّ عُلُوَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا في دَفْعِ عَواقِبِ الجَبَرُوتِ والفَسادِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِجَبابِرَةِ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.
وثالِثُهُ: أنَّ تَمْهِيدَ القِصَّةِ بِعُلُوِّ فِرْعَوْنَ وفَسادِ أعْمالِهِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ الِانْتِقامِ مِنهُ، والأخْذُ بِناصِرِ المُسْتَضْعَفِينَ لِيَحْذَرَ الجَبابِرَةُ سُوءَ عاقِبَةِ ظُلْمِهِمْ، ولِيَرْجُوَ الصّابِرُونَ عَلى الظُّلْمِ أنْ تَكُونَ العاقِبَةُ لَهم.
ورابِعُهُ: الإشارَةُ إلى حِكْمَةِ ﴿وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] في
صفحة ٨٦
جانِبِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] في جانِبِ فِرْعَوْنَ إذْ كانُوا فَرِحِينَ بِاسْتِخْدامِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَدْبِيرِ قَطْعِ نَسْلِهِمْ.
وخامِسُهُ: أنَّ إصابَةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بَغْتَةً مِن قِبَلِ مَن أمَّلُوا مِنهُ النَّفْعَ أشَدُّ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِ وأوْقَعُ حَسْرَةً عَلى المُسْتَبْصِرِ، وأدُلُّ عَلى أنَّ انْتِقامَ اللَّهِ يَكُونُ أعْظَمَ مِنِ انْتِقامِ العَدُوِّ كَما قالَ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] مَعَ قَوْلِهِ ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] .
وسادِسُهُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ بِحُكْمِ التَّعَقُّلِ أنْ تُسْتَأْصَلَ أُمَّةٌ كامِلَةٌ لِتَوَقُّعِ مُفْسِدٍ فِيها لِعَدَمِ التَّوازُنِ بَيْنَ المَفْسَدَتَيْنِ، ولِأنَّ الإحاطَةَ بِأفْرادِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ مُتَعَذِّرَةٌ فَلا يَكُونُ المُتَوَقَّعُ فَسادُهُ إلّا في الجانِبِ المَغْفُولِ عَنْهُ مِنَ الأفْرادِ فَتَحْصُلُ مَفْسَدَتانِ هُما أخْذُ البَرِيءِ وانْفِلاتُ المُجْرِمِ.
وسابِعُهُ: تَعْلِيمُ أنَّ اللَّهَ بالِغٌ أمْرَهُ بِتَهْيِئَةِ الأسْبابِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأهْلَكَ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ بِحادِثٍ سَماوِيٍّ ولَما قَدَّرَ لِإهْلاكِهِمْ هَذِهِ الصُّورَةَ المُرَتَّبَةَ، ولَأنْجى مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ إنْجاءً أسْرَعَ ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ بِمُشاهَدَةِ تَنَقُّلاتِ الأحْوالِ ابْتِداءً مِن إلْقاءِ مُوسى في اليَمِّ إلى أنْ رَدَّهُ إلى أُمِّهِ فَتَكُونُ في ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ﴿قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ولِيَتَوَسَّمُوا مِن بِوارِقِ ظُهُورِ النَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ وانْتِقالِ أحْوالِ دَعْوَتِهِ في مَدارِجِ القُوَّةِ أنَّ ما وعَدَهم بِهِ واقِعٌ بِأخَرَةٍ.
وثامِنُهُ: العِبْرَةُ بِأنَّ وُجُودَ الصّالِحِينَ مِن بَيْنِ المُفْسِدِينَ يُخَفِّفُ مِن لَأْواءِ فَسادِ المُفْسِدِينَ، فَإنَّ وُجُودَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ كانَ سَبَبًا في صَدِّ فِرْعَوْنَ عَنْ قَتْلِ الطِّفْلِ مَعَ أنَّهُ تَحَقَّقَ أنَّهُ إسْرائِيلِيٌّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩] كَما قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ.
وتاسِعُهُ: ما في قَوْلِهِ ”﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾“ مِنَ الإيماءِ إلى تَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ نَصْرَهم حاصِلٌ بَعْدَ حِينٍ، ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ وعِيدَهم لا مَفَرَّ لَهم مِنهُ.
وعاشِرُهُ: ما في قَوْلِهِ ”﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾“ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ المَرْءَ يُؤْتى مِن جَهْلِهِ النَّظَرَ في أدِلَّةِ العَقْلِ.
صفحة ٨٧
ولِما في هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ العِبَرِ اكْتَفى مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِطالِعِها عَنِ الخُطْبَةِ الَّتِي حَقُّهُ أنْ يَخْطُبَ بِها في النّاسِ حِينَ حُلُولِهِ بِالعِراقِ مِن قِبَلِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُكْتَفِيًا بِالإشارَةِ مَعَ التِّلاوَةِ فَقالَ ﴿طسم﴾ [القصص: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٣] ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] وأشارَ إلى جِهَةِ الشّامِ يُرِيدُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ، ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهم إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤] ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الحِجازِ، يَعْنِي أخاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وأنْصارَهُ، (﴿ونَجْعَلَهم أيِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥] ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما﴾ [القصص: ٦]) وأشارَ إلى العِراقِ يَعْنِي الحَجّاجَ ﴿مِنهم ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] .
القصص 28:14
﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ هَذا اعْتِراضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ المُرَتَّبَةِ عَلى حَسَبِ ظُهُورِها في الخارِجِ. وهَذا الِاعْتِراضُ نَشَأ عَنْ جُمْلَةِ ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣] فَإنَّ وعْدَ اللَّهِ لَها قَدْ حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] . فَلَمّا انْتَهى إلى حِكايَةِ رَدِّهِ إلى أُمِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ [القصص: ١٣] إلى آخِرِهِ كَمَّلَ ما فِيهِ وفاءُ وعْدِ اللَّهِ إيّاها بِهَذا الِاسْتِطْرادِ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ وإنَّما أُوتِيَ الحُكْمَ، أعْنِي النُّبُوَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن أرْضِ مَدْيَنَ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ يُوسُفَ، إلّا قَوْلَهُ واسْتَوى فَقِيلَ: إنَّ اسْتَوى بِمَعْنى بَلَغَ أشُدَّهُ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا، والحَقُّ أنَّ الأشُدَّ كَمالُ القُوَّةِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ جَمْعُ شِدَّةٍ بِكَسْرِ الشِّينِ بِوَزْنِ نِعْمَةٍ، وأنْعُمٍ، وهي هَيْئَةٌ بِمَعْنى القُوَّةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ المُفْرَدِ. وأنَّ الِاسْتِواءَ: كَمالُ البِنْيَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في وصْفِ الزَّرْعِ ﴿فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ولِهَذا أُرِيدَ لِمُوسى الوَصْفُ بِالِاسْتِواءِ ولَمْ يُوصَفْ يُوسُفُ إلّا بِبُلُوغِ الأشُدِّ خاصَّةً؛ لِأنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا طُوالًا كَما في الحَدِيثِ «كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ» فَكانَ كامِلَ الأعْضاءِ ولِذَلِكَ كانَ وكْزُهُ القِبْطِيَّ قاضِيًا عَلى المَوْكُوزِ. والحُكْمُ: الحِكْمَةُ، والعِلْمُ: المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ.
القصص 28:15
صفحة ٨٨
﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾
طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ تُنْبِئُ عَنْها القِصَّةُ، وذَلِكَ أنَّ مُوسى يَفَعَ وشَبَّ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ فَكانَ مَعْدُودًا مِن أهْلِ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: كانَ يُدْعى مُوسى ابْنَ فِرْعَوْنَ.
وجُمْلَةُ ﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] عَطَفَ جُزْءَ القِصَّةِ عَلى جُزْءٍ آخَرَ مِنها، وقَدْ عَلِمَ مُوسى أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لَعَلَّهُ بِأنَّ أمَّهُ كانَتْ تَتَّصِلُ بِهِ في قَصْرِ فِرْعَوْنَ وكانَتْ تَقُصُّ عَلَيْهِ نَبَأهُ كُلَّهُ.
والمَدِينَةُ هي مَنفِيسُ قاعِدَةُ مِصْرَ الشَّمالِيَّةُ.
ويَتَعَلَّقُ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ بِـ دَخَلَ. وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ، أيْ مُتَمَكِّنًا مِن حِينِ غَفْلَةٍ.
وحِينُ الغَفْلَةِ: هو الوَقْتُ الَّذِي يَغْفُلُ فِيهِ أهْلُ المَدِينَةِ عَمّا يَجْرِي فِيها وهو وقْتُ اسْتِراحَةِ النّاسِ وتُفَرِّقِهِمْ وخُلُوِّ الطَّرِيقِ مِنهم. قِيلَ: كانَ ذَلِكَ في وقْتِ القَيْلُولَةِ وكانَ مُوسى مُجْتازًا بِالمَدِينَةِ وحْدَهُ، قِيلَ لِيَلْحَقَ بِفِرْعَوْنَ إذْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ مَرَّ بِتِلْكَ المَدِينَةِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الوَقْتِ الإشارَةُ إلى أنَّ قَتْلَهُ القِبْطِيَّ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] الآياتِ ومُقَدِّمَةً لِذِكْرِ خُرُوجِهِ مِن أرْضِ مِصْرَ.
والإشارَتانِ في قَوْلِهِ ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ﴿رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ .
واسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا لا يُراعى فِيهِ بُعْدٌ ولا قُرْبٌ، فَلِذَلِكَ قَدْ تَكُونُ الإشارَتانِ مُتَماثِلَتَيْنِ كَما هُنا وكَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]“ ويَجُوزُ اخْتِلافُهُما كَقَوْلِ المُتَلَمِّسِ:
صفحة ٨٩
ولا يُقِيمُ عَلى ضَيْمٍ يُرادُ بِهِ إلّا الأذَلّانِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ
هَذا عَلى الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ ∗∗∗ وذا يُشَجُّ فَلا يَرْثِي لَهُ أحَدُ
والشِّيعَةُ: الجَماعَةُ المُنْتَمِيَةُ إلى أحَدٍ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ [القصص: ٤] . والعَدُوُّ: الجَماعَةُ الَّتِي يُعادِيها مُوسى، أيْ يُبْغِضُها. فالمُرادُ بِالَّذِي مِن شِيعَتِهِ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وبِالَّذِي مِن عَدُّوِهِ رَجُلٌ مِنَ القِبْطِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ. والعَدُوُّ وصْفٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
ومَعْنى كَوْنِ ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ أنَّ مُوسى كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِإخْبارِ قِصَّةِ التِقاطِهِ مِنَ اليَمِّ وأنْ تَكُونَ أُمُّهُ قَدْ أفْضَتْ إلَيْهِ بِخَبَرِها وخَبَرِهِ كَما تَقَدَّمَ، فَنَشَأ مُوسى عَلى عَداوَةِ القِبْطِ وعَلى إضْمارِ المَحَبَّةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وأمّا وكْزُهُ القِبْطِيَّ فَلَمْ يَكُنْ إلّا انْتِصارًا لِلْحَقِّ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ، ولِذَلِكَ لَمّا تَكَرَّرَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ ذاكَ الإسْرائِيلِيِّ وبَيْنَ قِبْطِيٍّ آخَرَ وأرادَ مُوسى أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ لَمْ يَقُلْ لَهُ القِبْطِيُّ: إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَنْصُرَ قَوْمَكَ، وإنَّما قالَ ﴿إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ [القصص: ١٩] .
قِيلَ: كانَ القِبْطِيُّ مِن عَمَلَةِ مَخْبِزِ فِرْعَوْنَ، فَأرادَ أنْ يَحْمِلَ حَطَبًا إلى الفُرْنِ فَدَعا إسْرائِيلِيًّا لِيَحْمِلَهُ فَأبى، فَأرادَ أنْ يُجْبِرَهُ عَلى حَمْلِهِ، وأنْ يَضَعَهُ عَلى ظَهْرِهِ فاخْتَصَما وتَضارَبا ضَرْبًا شَدِيدًا، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقاتُلِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ.
والِاسْتِغاثَةُ: طَلَبُ الغَوْثِ، وهو التَّخْلِيصُ مِن شِدَّةٍ أوِ العَوْنُ عَلى دَفْعِ مَشَقَّةٍ. وإنَّما يَكُونُ الطَّلَبُ بِالنِّداءِ فَذِكْرُ الِاسْتِغاثَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الإسْرائِيلِيَّ كانَ مَغْلُوبًا وأنَّ القِبْطِيَّ اشْتَدَّ عَلَيْهِ وكانَ ظالِمًا إذْ لا يُجْبَرُ أحَدٌ عَلى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ.
والوَكْزُ: الضَّرْبُ بِاليَدِ بِجُمْعِ أصابِعِها كَصُورَةِ عَقْدِ ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ، ويُسَمّى الجُمْعَ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ.
و”فَقَضى عَلَيْهِ“ جُمْلَةٌ تُقالُ بِمَعْنى ماتَ لا تُغَيَّرُ. فَفاعِلُ ”قَضى“ مَحْذُوفٌ أبَدًا عَلى مَعْنى قَضى عَلَيْهِ قاضٍ وهو المَوْتُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى
صفحة ٩٠
المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ إذْ لا يَقْضِي بِالمَوْتِ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ﴾ [سبإ: ١٤] . وقِيلَ ضَمِيرُ ”فَقَضى“ عائِدٌ إلى مُوسى ولَيْسَ هَذا بِالبَيِّنِ. فالمَعْنى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَماتَ القِبْطِيُّ. وكانَ هَذا قَتْلَ خَطَأٍ صادَفَ الوَكْزُ مَقاتِلَ القِبْطِيِّ، ولَمْ يُرِدْ مُوسى قَتْلَهُ. ووَقَعَ في سِفْرِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي أنَّ مُوسى لَمّا رَأى المِصْرِيَّ يَضْرِبُ العِبْرانِيَّ التَفَتَ هُنا وهُناكَ ورَأى أنْ لَيْسَ أحَدٌ فَقَتَلَ المِصْرِيَّ وطَمَرَهُ في الرَّمْلِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: ماذا كانَ مِن أمْرِ مُوسى حِينَ فُوجِئَ بِمَوْتِ القِبْطِيِّ. وحِكايَةُ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُوسى لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِ حِينَئِذٍ إلّا النَّظَرُ في العاقِبَةِ الدِّينِيَّةِ. وقَوْلُهُ هو كَلامُهُ في نَفْسِهِ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الضَّرْبَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَلَيْها المَوْتُ أوْ إلى المَوْتِ المُشاهَدِ مِن ضَرْبَتِهِ، أوْ إلى الغَضَبِ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ مَوْتُ القِبْطِيِّ. والمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ أوْقَدَ غَضَبَهُ حَتّى بالَغَ في شِدَّةِ الوَكْزِ. وإنَّما قالَمُوسى ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ مُسْتَقْبَحٌ في الشَّرائِعِ البَشَرِيَّةِ فَإنَّ حِفْظَ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ مِن أُصُولِ الأدْيانِ كُلِّها. وكانَ مُوسى يَعْلَمُ دِينَ آبائِهِ لَعَلَّهُ بِما تَلَقّاهُ مِن أُمِّهِ المَرْأةِ الصّالِحَةِ في مُدَّةِ رَضاعِهِ وفي مُدَّةِ زِيارَتِهِ إيّاها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ شِدَّةِ غَضَبِهِ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إذْ لَوْلا الخاطِرُ الشَّيْطانِيُّ لاقْتَصَرَ عَلى القِبْطِيِّ أوْ كَفَّهُ عَنِ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ، فَلَمّا كانَ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لِلْإنْسانِ وكانَتْ لَهُ مَسالِكُ إلى النُّفُوسِ اسْتَدَلَّ مُوسى بِفِعْلِهِ المُؤَدِّي إلى قَتْلِ نَفْسٍ أنَّهُ فِعْلٌ ناشِئٌ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، ولَوْلاها لَكانَ عَمَلُهُ جارِيًا عَلى الأحْوالِ المَأْذُونَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ هو الخَيْرُ، وأنَّهُ الفِطْرَةُ، وأنَّ الِانْحِرافَ عَنْها يَحْتاجُ إلى سَبَبٍ غَيْرِ فِطْرِيٍّ، وهو تَخَلُّلُ نَزْغِ الشَّيْطانِ في النَّفْسِ.
ومُتَعَلِّقُ ”عَدُوٌّ“ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ أيْ عَدُوٌّ لِآدَمَ وذُرِّيَّةِ آدَمَ.
صفحة ٩١
ورَتَّبَ عَلى الإخْبارِ عَنْهُ بِالعَداوَةِ وصْفَهُ بِالإضْلالِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَعْمَلُ لِإلْحاقِ الضُّرِّ بِعَدُوِّهِ. ومُبِينٌ وصْفٌ لِـ مُضِلٌّ لا خَبَرٌ ثانٍ ولا ثالِثٌ.
القصص 28:16
﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [القصص: ١٥]؛ لِأنَّ الجَزْمَ بِكَوْنِ ما صَدَرَ مِنهُ عَمَلًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وتَغْرِيرِهِ، يَشْتَمِلُ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ، وأنْ يَتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ بِالِاعْتِرافِ بِخَطَئِهِ، ويُفَرَّعُ عَلَيْهِ طَلَبُ غُفْرانِهِ. وسَمّى فِعْلَهُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن أثَرِ فَرْطِ الغَضَبِ لِأجْلِ رَجُلٍ مِن شِيعَتِهِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَمْلِكَ مِن غَضَبِهِ فَكانَ تَعْجِيلُهُ بِوَكْزِ القِبْطِيِّ وكْزَةً قاتِلَةً ظُلْمًا جَرَّهُ لِنَفْسِهِ. وسَمّاهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ضَلالًا ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] .
وأرادَ بِظُلْمِهِ نَفْسَهُ أنَّهُ تَسَبَّبَ لِنَفْسِهِ في مَضَرَّةِ إضْمارِ القِبْطِ قَتْلَهُ، وأنَّهُ تَجاوَزَ الحَدَّ في عِقابِ القِبْطِيِّ عَلى مُضارَبَتِهِ الإسْرائِيلِيَّ. ولَعَلَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ الظّالِمَ مِنهُما وذَلِكَ انْتِصارٌ جاهِلِيٌّ كَما قالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ يَمْدَحُ قَوْمَهُ:
إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأيِّ مَكانِ
وقَدِ اهْتَدى مُوسى إلى هَذا كُلِّهِ بِالإلْهامِ إذْ لَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ شَرِيعَةٌ إلَهِيَّةٌ في القِبْطِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ مِمّا تَلَقّاهُ مَن أُمِّهِ وقَوْمِها مَن تَدَيُّنٍ بِبَقايا دِينِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.
ولا التِفاتَ في هَذا إلى جَوازِ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ النَّبِيءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَبِيًّا، ولا مَسْألَةِ صُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ النَّبِيءِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَفْرُوضَةٌ فِيما تَقَرَّرَ حُكْمُهُ مِنَ الذُّنُوبِ بِحَسَبِ شَرْعِ ذَلِكَ النَّبِيءِ أوْ شَرْعِ نَبِيٍّ هو مُتَّبِعُهُ مِثْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ لِوُجُودِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ وهو مِن أتْباعِها.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، أيِ اسْتَجابَ اسْتِغْفارَهُ فَعَجَّلَ لَهُ بِالمَغْفِرَةِ.
صفحة ٩٢
وجُمْلَةُ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ وجُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ١٧] كانَ اعْتِراضُها إعْلامًا لِأهْلِ القُرْآنِ بِكَرامَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾؛ عَلَّلَ المَغْفِرَةَ لَهُ بِأنَّهُ شَدِيدُ الغُفْرانِ ورَحِيمٌ بِعِبادِهِ، مَعَ تَأْكِيدِ ذَلِكَ بِصِيغَةِ القَصْرِ إيماءً إلى أنَّ ما جاءَ بِهِ هو مِن ظُلْمِ نَفْسِهِ وما حَفَّهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْناها.
القصص 28:17
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ إعادَةُ ”قالَ“ أفادَ تَأْكِيدًا لَفِعْلِ ”﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص: ١٦]“ . أُعِيدَ القَوْلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اتِّصالِ كَلامِ مُوسى حَيْثُ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَهُ بِجُمْلَتَيْ ”﴿فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]“ . ونَظْمُ الكَلامِ: قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي، رَبِّ بِما أنْعَمْتَ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، ولَيْسَ قَوْلُهُ قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مُسْتَأْنَفًا عَنْ قَوْلِهِ فَغَفَرَ لَهُ؛ لِأنَّ مُوسى لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ يُوحى إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ في ”﴿بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾“ و”ما“ مَوْصُولَةٌ. وحُذِفَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ؛ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَجْرُورٌ بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ المَوْصُولُ، والحَذْفُ في مِثْلِهِ كَثِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: بِالَّذِي أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيَّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ مَصْدَرِيَّةً وماصَدَقَ الإنْعامِ عَلَيْهِ، هو ما أُوتِيَهُ مِنَ الحِكْمَةِ والعِلْمِ فَتَمَيَّزَتْ عِنْدَهُ الحَقائِقُ، ولَمْ يَبْقَ لِلْعَوائِدِ والتَّقالِيدِ تَأْثِيرٌ عَلى شُعُورِهِ. فَأصْبَحَ لا يَنْظُرُ الأشْياءَ إلّا بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، ومِن ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ ظَهِيرًا وعَوْنًا لِلْمُجْرِمِينَ.
وأرادَ مَن يُتَوَسَّمُ مِنهُمُ الإجْرامُ، وأرادَ بِهِمُ الَّذِينَ يَسْتَذِلُّونَ النّاسَ ويَظْلِمُونَهم؛ لِأنَّ القِبْطِيَّ أذَلَّ الإسْرائِيلِيَّ بِغَصْبِهِ عَلى تَحْمِيلِهِ الحَطَبَ دُونَ رِضاهُ.
ولَعَلَّ هَذا الكَلامَ ساقَهُ مَساقَ الِاعْتِبارِ عَنْ قَتْلِهِ القِبْطِيَّ وُثُوقًا بِأنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً.
واقْتِرانُ جُمْلَةِ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ بِالفاءِ؛ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما
صفحة ٩٣
يُعامَلُ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ فَيَقْتَرِنُ خَبَرُهُ ومُتَعَلِّقُهُ بِالفاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَزاءِ الشَّرْطِ، وخاصَّةً إذا كانَ المَوْصُولُ مَجْرُورًا مُقَدَّمًا، فَإنَّ المَجْرُورَ المُقَدَّمَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ فَيُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ تَكُونُوا وإعْطائِهِ جَوابًا مَجْزُومًا. والظَّهِيرُ: النَّصِيرُ.
وقَدْ دَلَّ هَذا النَّظْمُ عَلى أنَّ مُوسى أرادَ أنْ يَجْعَلَ عَدَمَ مُظاهَرَتِهِ لِلْمُجْرِمِينَ جَزاءً عَلى نِعْمَةِ الحِكْمَةِ، والعِلْمِ بِأنْ جَعَلَ شُكْرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ الِانْتِصارَ لِلْحَقِّ وتَغْيِيرَ الباطِلِ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يُغَيِّرِ الباطِلَ والمُنْكَرَ وأقَرَّهُما فَقَدْ صانَعَ فاعِلَهُما، والمُصانَعَةُ مُظاهَرَةٌ. ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ أنَّ مُوسى لَمّا أصْبَحَ مِنَ الغَدِ فَوَجَدَ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَصْرَخَهُ في أمْسِهِ يَسْتَصْرِخُهُ عَلى قِبْطِيٍّ آخَرَ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالقِبْطِيِّ، وفاءً بِوَعْدِهِ رَبَّهُ إذْ قالَ ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لِأنَّ القِبْطِيَّ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ والإسْرائِيلِيَّ مُوَحِّدٌ.
وقَدْ جَعَلَ جُمْهُورٌ مِنَ السَّلَفِ هَذِهِ الآيَةَ حُجَّةً عَلى مَنعِ إعانَةِ أهْلِ الجَوْرِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ. ولَعَلَّ وجْهَ الِاحْتِجاجِ بِها أنَّ اللَّهَ حَكاها عَنْ مُوسى في مَعْرِضِ التَّنْوِيهِ بِهِ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ القَوْلِ الحَقِّ.
القصص 28:18
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ أصْبَحَ خائِفًا مِن أنْ يُطالَبَ بِدَمِ القِطْبِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ وهو يَتَرَقَّبُ، أيْ يُراقِبُ ما يُقالُ في شَأْنِهِ لِيَكُونَ مُتَحَفِّزًا لِلِاخْتِفاءِ، أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ خَبَرَ قَتْلِ القِبْطِيِّ لَمْ يَفْشُ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ في وقْتٍ تَخْلُو فِيهِ أزِقَّةُ المَدِينَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مُوسى يَتَرَقَّبُ أنْ يَظْهَرَ أمْرُ القِبْطِيِّ المَقْتُولِ.
و”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ، أيْ فَفاجَأهُ أنَّ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَنْصِرُهُ اليَوْمَ.
صفحة ٩٤
والتَّعْرِيفُ في الأمْسِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِأمْسِهِ إذْ لَيْسَ هو أمْسًا لِوَقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.
والِاسْتِصْراخُ: المُبالَغَةُ في الصُّراخِ، أيِ النِّداءِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في القِصَّةِ الماضِيَةِ بِالِاسْتِغاثَةِ فَخُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ.
وقَوْلُ مُوسى لَهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ تَذَمُّرٌ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ إذْ كانَ اسْتِصْراخُهُ السّالِفُ سَبَبًا في قَتْلِ نَفْسٍ، وهَذا لا يَقْتَضِي عَدَمَ إجابَةِ اسْتِصْراخِهِ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ التَّشاؤُمِ واللَّوْمِ عَلَيْهِ في كَثْرَةِ خُصُوماتِهِ.
والغَوِيُّ: الشَّدِيدُ الغَوايَةِ، وهي الضَّلالُ وسُوءُ النَّظَرِ، أيْ أنَّكَ تُشادُّ مَن لا تُطِيقُهُ ثُمَّ تَرُومُ الغَوْثَ مِنِّي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ ظالِمٌ أوْ مُفْسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِعَدُوِّهِ.
والبَطْشُ: الأخْذُ بِالعُنْفِ، والمُرادُ بِهِ الضَّرْبُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”عَدُوٌّ لَهُما“ أنَّهُ قِبْطِيٌّ. ورُبَّما جُعِلَ عَدُوًّا لَهُما؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ لِلْإسْرائِيلِيِّ مَعْرُوفَةٌ فاشِيَةٌ بَيْنَ القِبْطِ وأمّا عَداوَتُهُ لِمُوسى فَلِأنَّهُ أرادَ أنْ يَظْلِمَ رَجُلًا، والظُّلْمُ عَدُوٌّ لِنَفْسِ مُوسى؛ لِأنَّهُ نَشَأ عَلى زَكاءِ نَفْسٍ هَيَّأها اللَّهُ لِلرِّسالَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.
والجَبّارُ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِمّا يُضِرُّ بِالنّاسِ، ويُؤاخِذُ النّاسَ بِالشِّدَّةِ دُونَ الرِّفْقِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] .
والمَعْنى: إنَّكَ تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مُتَصَرِّفًا بِالِانْتِقامِ وبِالشِّدَّةِ ولا تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِأنْ تَسْعى في التَّراضِي بَيْنَهُما. ويَظْهَرُ أنَّ كَلامَ القِبْطِيِّ زَجْرٌ لِمُوسى عَنِ البَطْشِ بِهِ، وصارَ بَيْنَهُما حِوارًا أعْقَبَهُ مَجِيءُ رَجُلٍ مِن أقْصى المَدِينَةِ.
القصص 28:19
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلّا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ أيْ أصْبَحَ خائِفًا مِن أنْ يُطالَبَ بِدَمِ القِطْبِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ وهو يَتَرَقَّبُ، أيْ يُراقِبُ ما يُقالُ في شَأْنِهِ لِيَكُونَ مُتَحَفِّزًا لِلِاخْتِفاءِ، أوِ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ لِأنَّ خَبَرَ قَتْلِ القِبْطِيِّ لَمْ يَفْشُ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ كانَ في وقْتٍ تَخْلُو فِيهِ أزِقَّةُ المَدِينَةِ كَما تَقَدَّمَ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مُوسى يَتَرَقَّبُ أنْ يَظْهَرَ أمْرُ القِبْطِيِّ المَقْتُولِ.
و”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ، أيْ فَفاجَأهُ أنَّ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَنْصِرُهُ اليَوْمَ.
صفحة ٩٤
والتَّعْرِيفُ في الأمْسِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بِأمْسِهِ إذْ لَيْسَ هو أمْسًا لِوَقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.
والِاسْتِصْراخُ: المُبالَغَةُ في الصُّراخِ، أيِ النِّداءِ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في القِصَّةِ الماضِيَةِ بِالِاسْتِغاثَةِ فَخُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ.
وقَوْلُ مُوسى لَهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ تَذَمُّرٌ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ إذْ كانَ اسْتِصْراخُهُ السّالِفُ سَبَبًا في قَتْلِ نَفْسٍ، وهَذا لا يَقْتَضِي عَدَمَ إجابَةِ اسْتِصْراخِهِ وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ التَّشاؤُمِ واللَّوْمِ عَلَيْهِ في كَثْرَةِ خُصُوماتِهِ.
والغَوِيُّ: الشَّدِيدُ الغَوايَةِ، وهي الضَّلالُ وسُوءُ النَّظَرِ، أيْ أنَّكَ تُشادُّ مَن لا تُطِيقُهُ ثُمَّ تَرُومُ الغَوْثَ مِنِّي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ ظالِمٌ أوْ مُفْسِدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِعَدُوِّهِ.
والبَطْشُ: الأخْذُ بِالعُنْفِ، والمُرادُ بِهِ الضَّرْبُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ ”عَدُوٌّ لَهُما“ أنَّهُ قِبْطِيٌّ. ورُبَّما جُعِلَ عَدُوًّا لَهُما؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ لِلْإسْرائِيلِيِّ مَعْرُوفَةٌ فاشِيَةٌ بَيْنَ القِبْطِ وأمّا عَداوَتُهُ لِمُوسى فَلِأنَّهُ أرادَ أنْ يَظْلِمَ رَجُلًا، والظُّلْمُ عَدُوٌّ لِنَفْسِ مُوسى؛ لِأنَّهُ نَشَأ عَلى زَكاءِ نَفْسٍ هَيَّأها اللَّهُ لِلرِّسالَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ.
والجَبّارُ: الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مِمّا يُضِرُّ بِالنّاسِ، ويُؤاخِذُ النّاسَ بِالشِّدَّةِ دُونَ الرِّفْقِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٣٢] .
والمَعْنى: إنَّكَ تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مُتَصَرِّفًا بِالِانْتِقامِ وبِالشِّدَّةِ ولا تُحاوِلُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِأنْ تَسْعى في التَّراضِي بَيْنَهُما. ويَظْهَرُ أنَّ كَلامَ القِبْطِيِّ زَجْرٌ لِمُوسى عَنِ البَطْشِ بِهِ، وصارَ بَيْنَهُما حِوارًا أعْقَبَهُ مَجِيءُ رَجُلٍ مِن أقْصى المَدِينَةِ.
القصص 28:20
صفحة ٩٥
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
ظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ الرَّجُلَ جاءَ عَلى حِينِ مُحاوَرَةِ القِبْطِيِّ مَعَ مُوسى، فَلِذَلِكَ انْطَوى أمْرُ مُحاوَرَتِهِما إذْ حَدَثَ في خِلالِهِ ما هو أهَمُّ مِنهُ وأجْدى في القِصَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ أقْصى المَدِينَةِ هو ناحِيَةُ قُصُورِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَإنَّ عادَةَ المُلُوكِ السُّكْنى في أطْرافِ المُدُنِ تَوَقِّيًا مِنَ الثَّوْراتِ والغاراتِ؛ لِتَكُونَ مَساكِنُهم أسْعَدَ بِخُرُوجِهِمْ عِنْدَ الخَوْفِ. وقَدْ قِيلَ: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ. وأمّا قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
فَذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ راجِعٌ إلى انْتِقاصِ العُمْرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] .
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الرَّجُلُ، وأنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْرِفُ مُوسى.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أُولُو الشَّأْنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ“ أيْ نُوحٍ في الأعْرافِ، وأرادَ بِهِمْ أهْلَ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ: فالمَعْنى: أنَّ أُولِي الأمْرِ يَأْتَمِرُونَ بِكَ، أيْ يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القَضِيَّةَ رُفِعَتْ إلى فِرْعَوْنَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ الثّانِي: (فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الأمْرَ فَطَلَبَ أنْ يُقْتَلَ مُوسى) . ولَمّا عَلِمَ هَذا الرَّجُلُ بِذَلِكَ أسْرَعَ بِالخَبَرِ لِمُوسى؛ لِأنَّهُ كانَ مُعْجَبًا بِمُوسى واسْتِقامَتِهِ. وقَدْ قِيلَ كانَ هَذا الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: كانَ مِنَ القِبْطِ ولَكِنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ فَسادِ الشِّرْكِ بِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ وهَيَّأهُ لِإنْقاذِ مُوسى مِن يَدِ فِرْعَوْنَ.
والسَّعْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] في سُورَةِ طه. وتَقَدَّمَ بَيانُ حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] في سُورَةِ الإسْراءِ. وجُمْلَةُ ”يَسْعى“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَجُلٌ“
صفحة ٩٦
المَوْصُوفِ بِأنَّهُ مِن أقْصى المَدِينَةِ. و”﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾“ يَتَشاوَرُونَ. وضُمِّنَ مَعْنى (يَهُمُّونَ) فَعُدِّيَ بِالباءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَأْتَمِرُونَ ويَهُمُّونَ بِقَتْلِكَ.
وأصْلُ الِائْتِمارِ: قَبُولُ أمْرِ الآمِرِ فَهو مُطاوِعٌ أمْرَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
أيْ يَضُرُّهُ ما يُطِيعُ فِيهِ أمْرَ نَفْسِهِ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ الِائْتِمارِ عَلى التَّشاوُرِ؛ لِأنَّ المُتَشاوِرِينَ يَأْخُذُ بَعْضُهم أمْرَ بَعْضٍ فَيَأْتَمِرُ بِهِ الجَمِيعُ، قالَ تَعالى ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] .
وجُمْلَةُ ”قالَ يا مُوسى“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”جاءَ رَجُلٌ“؛ لِأنَّ مَجِيئَهُ يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ. ومُتَعَلِّقُ الخُرُوجِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ فاخْرُجْ مِنَ المَدِينَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِالخُرُوجِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ صِلَةٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ النُّصْحِ مُعَدًّى بِاللّامِ. يُقالُ: نَصَحْتُ لَكَ قالَ تَعالى ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ، ووَهَمًا قالُوا: نَصَحْتُكَ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
والتَّرَقُّبُ: حَقِيقَتُهُ الِانْتِظارُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن رَقَبَ إذا نَظَرَ أحْوالَ شَيْءٍ. ومِنهُ سُمِّيَ المَكانُ المُرْتَفِعُ: مَرْقَبَةً ومُرْتَقَبًا، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحَذَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالَ رَبِّ نَجَنِّي﴾“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَرَقَّبُ“؛ لِأنَّ تَرَقُّبَهُ يَشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ بِأنْ يُنَجِّيَهُ.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ. ووَصَفَهم بِالظُّلْمِ؛ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ ولِأنَّهم رامُوا قَتْلَهُ قِصاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ، وذَلِكَ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ الخَطَأ في القَتْلِ لا يَقْتَضِي الجَزاءَ بِالقَتْلِ في نَظَرِ العَقْلِ والشَّرْعِ.
ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِن قِصَّةِ مُوسى مَعَ القِبْطِيِّ وخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ ”ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ“ إلى هُنا هو أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ هَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ بِقُدْرَتِهِ فَأبْرَزَهُ عَلى أتْقَنِ
صفحة ٩٧
تَدْبِيرٍ، وأنَّ النّاظِرَ البَصِيرَ في آثارِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ يَقْتَبِسُ مِنها دَلالَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ في دَعْوَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] . وإنَّ أوْضَحَ تِلْكَ المَظاهِرِ اسْتِقامَةُ السِّيرَةِ ومَحَبَّةُ الحَقِّ، وأنَّ دَلِيلَ عِنايَةِ اللَّهِ بِمَنِ اصْطَفاهُ لِذَلِكَ هو نَصْرُهُ عَلى أعْدائِهِ ونَجاتُهُ مِمّا لَهُ مَنِ المَكائِدِ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ نَظَرُوا في حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ في ذاتِهِ وفي حالِهِمْ مَعَهُ. ثُمَّ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ الآيَةَ إيماءً إلى أنَّ رَسُولَهُ ﷺ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ مِن ظالِمِيهِ.
القصص 28:21
صفحة ٩٥
﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
ظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ الرَّجُلَ جاءَ عَلى حِينِ مُحاوَرَةِ القِبْطِيِّ مَعَ مُوسى، فَلِذَلِكَ انْطَوى أمْرُ مُحاوَرَتِهِما إذْ حَدَثَ في خِلالِهِ ما هو أهَمُّ مِنهُ وأجْدى في القِصَّةِ.
والظّاهِرُ أنَّ أقْصى المَدِينَةِ هو ناحِيَةُ قُصُورِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَإنَّ عادَةَ المُلُوكِ السُّكْنى في أطْرافِ المُدُنِ تَوَقِّيًا مِنَ الثَّوْراتِ والغاراتِ؛ لِتَكُونَ مَساكِنُهم أسْعَدَ بِخُرُوجِهِمْ عِنْدَ الخَوْفِ. وقَدْ قِيلَ: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ. وأمّا قَوْلُ أبِي تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
فَذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ راجِعٌ إلى انْتِقاصِ العُمْرانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٣] .
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ المَكانِ الَّذِي جاءَ مِنهُ الرَّجُلُ، وأنَّ الرَّجُلَ كانَ يَعْرِفُ مُوسى.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أُولُو الشَّأْنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ“ أيْ نُوحٍ في الأعْرافِ، وأرادَ بِهِمْ أهْلَ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ: فالمَعْنى: أنَّ أُولِي الأمْرِ يَأْتَمِرُونَ بِكَ، أيْ يَتَشاوَرُونَ في قَتْلِكَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ القَضِيَّةَ رُفِعَتْ إلى فِرْعَوْنَ وفي سِفْرِ الخُرُوجِ في الإصْحاحِ الثّانِي: (فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الأمْرَ فَطَلَبَ أنْ يُقْتَلَ مُوسى) . ولَمّا عَلِمَ هَذا الرَّجُلُ بِذَلِكَ أسْرَعَ بِالخَبَرِ لِمُوسى؛ لِأنَّهُ كانَ مُعْجَبًا بِمُوسى واسْتِقامَتِهِ. وقَدْ قِيلَ كانَ هَذا الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: كانَ مِنَ القِبْطِ ولَكِنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إيمانَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ فَسادِ الشِّرْكِ بِسَلامَةِ فِطْرَتِهِ وهَيَّأهُ لِإنْقاذِ مُوسى مِن يَدِ فِرْعَوْنَ.
والسَّعْيُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠] في سُورَةِ طه. وتَقَدَّمَ بَيانُ حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] في سُورَةِ الإسْراءِ. وجُمْلَةُ ”يَسْعى“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَجُلٌ“
صفحة ٩٦
المَوْصُوفِ بِأنَّهُ مِن أقْصى المَدِينَةِ. و”﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾“ يَتَشاوَرُونَ. وضُمِّنَ مَعْنى (يَهُمُّونَ) فَعُدِّيَ بِالباءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَأْتَمِرُونَ ويَهُمُّونَ بِقَتْلِكَ.
وأصْلُ الِائْتِمارِ: قَبُولُ أمْرِ الآمِرِ فَهو مُطاوِعٌ أمْرَهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
ويَعْدُو عَلى المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
أيْ يَضُرُّهُ ما يُطِيعُ فِيهِ أمْرَ نَفْسِهِ. ثُمَّ شاعَ إطْلاقُ الِائْتِمارِ عَلى التَّشاوُرِ؛ لِأنَّ المُتَشاوِرِينَ يَأْخُذُ بَعْضُهم أمْرَ بَعْضٍ فَيَأْتَمِرُ بِهِ الجَمِيعُ، قالَ تَعالى ﴿وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] .
وجُمْلَةُ ”قالَ يا مُوسى“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”جاءَ رَجُلٌ“؛ لِأنَّ مَجِيئَهُ يَشْتَمِلُ عَلى قَوْلِهِ ذَلِكَ. ومُتَعَلِّقُ الخُرُوجِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ فاخْرُجْ مِنَ المَدِينَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِأمْرِهِ بِالخُرُوجِ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ صِلَةٌ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ النُّصْحِ مُعَدًّى بِاللّامِ. يُقالُ: نَصَحْتُ لَكَ قالَ تَعالى ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ، ووَهَمًا قالُوا: نَصَحْتُكَ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
والتَّرَقُّبُ: حَقِيقَتُهُ الِانْتِظارُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن رَقَبَ إذا نَظَرَ أحْوالَ شَيْءٍ. ومِنهُ سُمِّيَ المَكانُ المُرْتَفِعُ: مَرْقَبَةً ومُرْتَقَبًا، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْحَذَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالَ رَبِّ نَجَنِّي﴾“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَرَقَّبُ“؛ لِأنَّ تَرَقُّبَهُ يَشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ بِأنْ يُنَجِّيَهُ.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ. ووَصَفَهم بِالظُّلْمِ؛ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ ولِأنَّهم رامُوا قَتْلَهُ قِصاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ، وذَلِكَ ظُلْمٌ؛ لِأنَّ الخَطَأ في القَتْلِ لا يَقْتَضِي الجَزاءَ بِالقَتْلِ في نَظَرِ العَقْلِ والشَّرْعِ.
ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِن قِصَّةِ مُوسى مَعَ القِبْطِيِّ وخُرُوجِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن قَوْلِهِ ”ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ“ إلى هُنا هو أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وأنَّهُ إذا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِشَيْءٍ هَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ بِقُدْرَتِهِ فَأبْرَزَهُ عَلى أتْقَنِ
صفحة ٩٧
تَدْبِيرٍ، وأنَّ النّاظِرَ البَصِيرَ في آثارِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ يَقْتَبِسُ مِنها دَلالَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ في دَعْوَتِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] . وإنَّ أوْضَحَ تِلْكَ المَظاهِرِ اسْتِقامَةُ السِّيرَةِ ومَحَبَّةُ الحَقِّ، وأنَّ دَلِيلَ عِنايَةِ اللَّهِ بِمَنِ اصْطَفاهُ لِذَلِكَ هو نَصْرُهُ عَلى أعْدائِهِ ونَجاتُهُ مِمّا لَهُ مَنِ المَكائِدِ. وفي ذَلِكَ كُلِّهِ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ نَظَرُوا في حالِ مُحَمَّدٍ ﷺ في ذاتِهِ وفي حالِهِمْ مَعَهُ. ثُمَّ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ الآيَةَ إيماءً إلى أنَّ رَسُولَهُ ﷺ سَيَخْرُجُ مِن مَكَّةَ وأنَّ اللَّهَ مُنْجِيهِ مِن ظالِمِيهِ.
القصص 28:22
﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّيَ أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ هَذِهِ هِجْرَةٌ نَبَوِيَّةٌ تُشْبِهُ هِجْرَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ قالَ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾ [العنكبوت: ٢٦] . وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقْصِدَ بِلادَ مَدْيَنَ إذْ يَجِدُ فِيها نَبِيئًا يُبَصِّرُهُ بِآدابِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَكُنْ مُوسى يَعْلَمُ إلى أيْنَ يَتَوَجَّهُ ولا مَن سَيَجِدُ في وُجْهَتِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ .
فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ولَمّا خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ هائِمًا عَلى وجْهِهِ فاتَّفَقَ أنْ كانَ مَسِيرُهُ في طَرِيقٍ يُؤَدِّي إلى أرْضِ مَدْيَنَ حِينَئِذٍ قالَ ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خَرَجَ مُوسى ولا عِلْمَ لَهُ بِالطَّرِيقِ إلّا حُسْنُ ظَنٍّ بِرَبِّهِ.
وتَوَجَّهَ: ولّى وجْهَهُ، أيِ اسْتَقْبَلَ بِسَيْرِهِ تِلْقاءَ مَدْيَنَ.
وتِلْقاءَ: أصْلُهُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ التِّفْعالِ بِكَسْرِ التّاءِ، ولَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ في كَسْرِ التّاءِ إلّا تِمْثالٍ، وهو بِمَعْنى اللِّقاءِ والمُقارَبَةِ. وشاعَ إطْلاقُ هَذا المَصْدَرِ عَلى جِهَتِهِ فَصارَ مِن ظُرُوفِ المَكانِ الَّتِي تُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: لَمّا تَوَجَّهَ جِهَةَ تَلاقِي مَدْيَنَ، أيْ جِهَةَ تَلاقِي بِلادِ مَدْيَنَ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
صفحة ٩٨
ومَدْيَنَ: قَوْمٌ مِن ذُرِّيَّةِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وأرْضُ مَدْيَنَ واقِعَةٌ عَلى الشّاطِئِ الغَرْبِيِّ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ، وكانَ مُوسى قَدْ سَلَكَ إلَيْها عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن بَلَدِ (رَعْمَسِيسَ) أوْ (مَنفِيسَ) طَرِيقًا غَرْبِيَّةً جَنُوبِيَّةً فَسَلَكَ بَرِّيَّةً تَمُرُّ بِهِ عَلى أرْضِ العَمالِقَةِ، وأرْضِ الأدُومِيِّينَ، ثُمَّ بِلادِ النَّبَطِ إلى أرْضِ مَدْيَنَ. تِلْكَ مَسافَةُ ثَمانِمِائَةٍ وخَمْسِينَ مِيلًا تَقْرِيبًا. وإذْ قَدْ كانَ مُوسى في سَيْرِهِ ذَلِكَ راجِلًا فَتِلْكَ المَسافَةُ تَسْتَدْعِي مِنَ المُدَّةِ نَحْوًا مِن خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا. وكانَ يَبِيتُ في البَرِّيَّةِ لا مَحالَةَ. وكانَ رَجُلًا جَلْدًا وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ سَواءَ السَّبِيلِ فَلَمْ يَضِلَّ في سَيْرِهِ.
والسَّواءُ: المُسْتَقِيمُ النَّهْجِ الَّذِي لا التِواءَ فِيهِ. وقَدْ ألْهَمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ الَّتِي في طَيِّها تَوْفِيقُهُ إلى الدِّينِ الحَقِّ.
القصص 28:23
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
يَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أنَّهُ بَلَغَ أرْضَ مَدْيَنَ، وذَلِكَ حِينَ ورَدَ ماءَهم. والوُرُودُ هُنا مَعْناهُ الوُصُولُ والبُلُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمُرادُ بِالماءِ مَوْضِعُ الماءِ. وماءُ القَوْمِ هو الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ دِيارُهم؛ لِأنَّ القَبائِلَ كانَتْ تَقْطُنُ عِنْدَ المِياهِ وكانُوا يُكَنُّونَ عَنْ أرْضِ القَبِيلَةِ بِماءِ بَنِي فُلانٍ، فالمَعْنى: ولَمّا ورَدَ، أيْ عِنْدَما بَلَغَ بِلادَ مَدْيَنَ.
ويُناسِبُ الغَرِيبَ إذا جاءَ دِيارَ قَوْمٍ أنْ يَقْصِدَ الماءَ؛ لِأنَّهُ مُجْتَمَعُ النّاسِ فَهُنالِكَ يَتَعَرَّفُ لِمَن يُصاحِبُهُ ويُضِيفُهُ.
و”لَمّا“ حَرْفُ تَوْقِيتِ وُجُودِ شَيْءٍ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، أيْ عِنْدَما حَلَّ بِأرْضِ مَدْيَنَ وجَدَ أُمَّةً.
صفحة ٩٩
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في البَقَرَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَسْقُونَ“ لِتَعْمِيمِ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْقى وهو الماشِيَةُ والنّاسُ، ولِأنَّ الغَرَضَ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ المَسْقِيِّ، ولَكِنْ بِما بَعْدَهُ مِنِ انْزِواءِ المَرْأتَيْنِ عَنِ السَّقْيِ كَما في الكَشّافِ تَبَعًا لِدَلائِلِ الإعْجازِ، فَيَكُونُ مِن تَنْزِيلِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أوِ الحَذْفُ هُنا لِلِاخْتِصارِ كَما اخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ، وأيَّدَهُ شارِحاهُ السَّعْدُ والسَّيِّدُ. وأمّا حَذْفُ مَفاعِيلِ ”تَذُودانِ“ و”لا نَسْقِي“، ”فَسَقى لَهُما“ فَيَتَعَيَّنُ فِيها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ وشارِحاهُ فَشَيْءٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ حَتّى يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ، وإنَّما اسْتِفادَةُ كَوْنِهِما تَذُودانِ غَنَمًا مَرْجِعُها إلى كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ.
ومَعْنى ”مِن دُونِهِمْ“ في مَكانٍ غَيْرِ المَكانِ الَّذِي حَوْلَ الماءِ، أيْ في جانِبٍ مُباعِدٍ لِلْأُمَّةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ ”دُونَ“ أنَّها وصْفٌ لِلشَّيْءِ الأسْفَلِ مِن غَيْرِهِ. وتَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ مُخْتَلِفَةُ العَلاقاتِ، ومِنها ما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ. فَـ ”دُونَ“ بِمَعْنى جِهَةٍ يَصِلُ إلَيْها المَرْءُ بَعْدَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ السّاقُونَ. شَبَّهَ المَكانَ الَّذِي يَبْلُغُ إلَيْهِ الماشِيَ بَعْدَ مَكانٍ آخَرَ بِالمَكانِ الأسْفَلِ مِنَ الآخَرِ كَأنَّهُ يَنْزِلُ إلَيْهِ الماشِي؛ لِأنَّ المَشْيَ يُشَبَّهُ بِالصُّعُودِ وبِالهُبُوطِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
ويُحْذَفُ المَوْصُوفُ بِـ ”دُونَ“ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَيَصِيرُ ”دُونَ“ بِمَنزِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ المَحْذُوفِ.
وحَرْفُ (مِن) مَعَ (دُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”عِنْدَ“، وهو مَعْنًى أثْبَتَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]) . والمَعْنى: ووَجَدَ امْرَأتَيْنِ في جِهَةٍ مُبْتَعِدَةٍ عَنْ جِهَةِ السّاقِينَ.
و”تَذُودانِ“ تَطْرُدانِ. وحَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ عَنِ الماءِ؛ ولِذَلِكَ سَمُّوا القَطِيعَ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدَ فَلا يُقالُ: ذُدْتُ النّاسَ، إلّا مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ «فَلَيُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي» الحَدِيثَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: تَمْنَعانِ إبِلًا عَنِ الماءِ. وفي التَّوْراةِ: أنَّ شُعَيْبًا كانَ صاحِبَ
صفحة ١٠٠
غَنَمٍ وأنَّ مُوسى رَعى غَنَمَهُ. فَيَكُونُ إطْلاقُ ”تَذُودانِ“ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا، أوْ تَكُونُ حَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ كُلِّها عَنْ حَوْضِ الماءِ. وكَلامُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ في تَبْيِينِ حَقِيقَةِ هَذا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّها كانَتْ لَهُما غَنَمٌ، والذَّوْدُ لا يَكُونُ إلّا لِلْماشِيَةِ. والمَقْصُودُ مِن حُضُورِ الماءِ بِالأنْعامِ سَقْيُها. فَلَمّا رَأى مُوسى المَرْأتَيْنِ تَمْنَعانِ أنْعامَهُما مِنَ الشُّرْبِ سَألَهُما: ما خَطْبُكُما ؟ وهو سُؤالٌ عَنْ قِصَّتِهِما وشَأْنِهِما إذْ حَضَرا الماءَ ولَمْ يَقْتَحِما عَلَيْهِ لِسَقْيِ غَنَمِهِما.
وجُمْلَةُ ”قالَ ما خَطْبُكُما“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ .
والخَطْبُ: الشَّأْنُ والحَدَثُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١]، فَأجابَتا بِأنَّهُما كَرِهَتا أنْ تَسْقِيا في حِينِ اكْتِظاظِ المَكانِ بِالرِّعاءِ، وأنَّهُما تَسْتَمِرّانِ عَلى عَدَمِ السَّقْيِ كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ إلى أنْ يَنْصَرِفَ الرِّعاءُ.
والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ.
والإصْدارُ: الإرْجاعُ عَنِ السَّقْيِ، أيْ حَتّى يَسْقِيَ الرِّعاءُ ويُصْدِرُوا مَواشِيَهم، فالإصْدارُ جَعْلُ الغَيْرِ صادِرًا، أيْ حَتّى يَذْهَبَ رِعاءُ الإبِلِ بِأنْعامِهِمْ فَلا يَبْقى الزِّحامُ. وصَدُّهُما عَنِ المُزاحَمَةِ عادَتُهُما كانَتا ذَواتَيْ مُرُوءَةٍ وتَرْبِيَةٍ زَكِيَّةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُصْدِرَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يَصْدُرَ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ الدّالِّ عَلى إسْنادِ الصَّدْرِ إلى الرِّعاءِ، أيْ حَتّى يَرْجِعُوا عَنِ الماءِ، أيْ بِمَواشِيهِمْ؛ لِأنَّ وصْفَ الرِّعاءِ يَقْتَضِي أنَّ لَهم مَواشِيَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهُما كُلَّ يَوْمِ سَقْيٍ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عادَةٌ.
وكانَ قَوْلُهُما ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارًا عَنْ حُضُورِهِما لِلسَّقْيِ مَعَ الرِّجالِ لِعَدَمِ وِجْدانِهِما رَجُلًا يَسْتَقِي لَهُما؛ لِأنَّ الرَّجُلَ الوَحِيدَ لَهُما هو أبُوهُما، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ وُرُودَ الماءِ لِضَعْفِهِ عَنِ المُزاحَمَةِ.
صفحة ١٠١
واسْمُ المَرْأتَيْنِ (لَيّا) و(صَفُّورَةُ) . وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّ أباهُما كاهِنُ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ في ذَلِكَ السِّفْرِ أوَّلَ مَرَّةٍ رَعْوِيلَ، ثُمَّ أعادَ الكَلامَ عَلَيْهِ فَسَمّاهُ يَثْرُونَ، ووَصَفَهُ بِحَمِيِّ مُوسى، فالمُسَمّى واحِدٌ. وقالَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ: يَثْرُونُ بْنُ رَعْوِيلَ لَهُ سَبْعُ بَناتٍ خَرَجَ لِلسَّقْيِ مِنهُما اثْنَتانِ، فَيَكُونُ شُعَيْبٌ هو المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ يَثْرُونَ. والتَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ بِالكاهِنِ اصْطِلاحٌ.؛ لِأنَّ الكاهِنَ يُخْبِرُ عَنِ الغَيْبِ، ولِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى القائِمِ بِأُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ اليَهُودِ. ولِلْجَزْمِ بِأنَّهُ شُعَيْبٌ الرَّسُولُ جَعَلَ عُلَماؤُنا ما صَدَرَ مِنهُ في هَذِهِ القِصَّةَ شَرْعًا سابِقًا، فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسائِلَ مَبْنِيَّةً عَلى أصْلِ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا مِنَ الرُّسُلِ الإلَهِيِّينَ شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ. ومِنها مُباشَرَةُ المَرْأةِ الأعْمالَ والسَّعْيُ في طُرُقِ المَعِيشَةِ، ووُجُوبُ اسْتِحْيائِها، ووِلايَةُ الأبِ في النِّكاحِ، وجَعْلُ العَمَلِ البَدَنِيِّ مَهْرًا، وجَمْعُ النِّكاحِ والإجارَةِ في عَقْدٍ واحِدٍ، ومَشْرُوعِيَّةُ الإجارَةِ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامَ عَلَيْها القُرْطُبِيُّ. وفي أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنِ الِاسْتِنْباطِ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحْكامِ لا يُوجَدُ دَلِيلُهُ في القُرْآنِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لَها مِنَ الكِتابِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا.
وفِي إذْنِهِ لِابْنَتَيْهِ بِالسَّقْيِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُعالَجَةِ المَرْأةِ أُمُورَ مالِها وظُهُورِها في مَجامِعِ النّاسِ إذا كانَتْ تَسْتُرُ ما يَجِبُ سَتْرُهُ، فَإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا حَكاهُ شَرْعُنا ولَمْ يَأْتِ مِن شَرْعِنا ما يَنْسَخُهُ. وأمّا تَحاشِي النّاسِ مِن نَحْوِ ذَلِكَ فَهو مِنَ المُرُوءَةِ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيما تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ والعاداتُ، مُتَبايِنَةٌ فِيهِ، وأحْوالُ الأُمَمِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، وخاصَّةً ما بَيْنَ أخْلاقِ البَدْوِ والحَضَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ.
ودُخُولُ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةُ يُؤْذِنُ بِاقْتِرانِ وُصُولِهِ بِوُجُودِ السّاقِينَ. واقْتِرانُ فِعْلِ (سَقى) بِالفاءِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ بادَرَ فَسَقى لَهُنَّ، وذَلِكَ بِفَوْرِ وُرُودِهِ.
ومَعْنى ”فَسَقى لَهُما“ أنَّهُ سَقى ما جِئْنَ لِيَسْقِينَهُ لِأجْلِهِما، فاللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لا يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ إلّا هُما، أيْ رَأْفَةً بِهِما وغَوْثًا لَهُما. وذَلِكَ مِن قُوَّةِ مُرُوءَتِهِ أنِ اقْتَحَمَ ذَلِكَ العَمَلَ الشّاقَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الإعْياءِ عِنْدَ الوُصُولِ.
والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَلى طَرِيقِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ كانَ جالِسًا مِن قَبْلُ في ظِلٍّ فَرَجَعَ إلَيْهِ. ويَظْهَرُ أنَّ ”تَوَلّى“ مُرادِفُ (ولّى) ولَكِنَّ زِيادَةَ المَبْنى مِن شَأْنِها أنْ تَقْتَضِيَ
صفحة ١٠٢
زِيادَةَ المَعْنى، فَيَكُونُ ”تَوَلّى“ أشَدَّ مِن (ولّى)، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ولّى مُدْبِرًا“ في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ أعْقَبَ إيواءَهُ إلى الظِّلِّ بِمُناجاتِهِ رَبَّهُ إذْ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . لَمّا اسْتَراحَ مِن مَشَقَّةِ المَتْحِ والسَّقْيِ لِماشِيَةِ المَرْأتَيْنِ، والِاقْتِحامِ بِها في عَدَدِ الرِّعاءِ العَدِيدِ، ووَجَدَ بَرْدَ الظِّلِّ تَذَكَّرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ نِعَمًا سابِقَةً أسْداها اللَّهُ إلَيْهِ مِن نَجاتِهِ مِنَ القَتْلِ، وإيتائِهِ الحِكْمَةَ والعِلْمَ، وتَخْلِيصِهِ مِن تَبِعَةِ قَتْلِ القِبْطِيِّ، وإيصالِهِ إلى أرْضٍ مَعْمُورَةٍ بِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، بَعْدَ أنْ قَطَعَ فَيافِيَ ومُفازاتٍ، تَذَكَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وهو في نِعْمَةِ بَرْدِ الظِّلِّ والرّاحَةِ مِنَ التَّعَبِ، فَجاءَ بِجُمْلَةٍ جامِعَةٍ لِلشُّكْرِ والثَّناءِ والدُّعاءِ وهي ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . والفَقِيرُ: المُحْتاجُ فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ شُكْرٌ عَلى نِعَمٍ سَلَفَتْ.
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ مُعْطِي الخَيْرِ.
والخَيْرُ: ما فِيهِ نَفْعٌ ومُلاءَمَةٌ لِمَن يَتَعَلَّقُ هو بِهِ فَمِنهُ خَيْرُ الدُّنْيا ومِنهُ خَيْرُ الآخِرَةِ الَّذِي قَدْ يُرى في صُورَةِ مَشَقَّةٍ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالعَواقِبِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] وقَدْ أرادَ النَّوْعَيْنِ كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْ إيتائِهِ الخَيْرَ بِفِعْلِ ”أنْزَلْتَ“ المُشْعِرِ بِرِفْعَةِ المُعْطى.
فَأوَّلُ ذَلِكَ إيتاءُ الحِكْمَةِ والعِلْمِ.
ومِنَ الخَيْرِ إنْجاؤُهُ مِنَ القَتْلِ، وتَرْبِيَتُهُ الكامِلَةُ في بِذْخَةِ المُلْكِ وعِزَّتِهِ، وحِفْظُهُ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْهِ عَقائِدُ العائِلَةِ الَّتِي رُبِّيَ فِيها فَكانَ مُنْتَفِعًا بِمَنافِعِها مُجَنَّبًا رَذائِلَها وأضْرارَها. ومِنَ الخَيْرِ أنْ جَعَلَ نَصْرَ قَوْمِهِ عَلى يَدِهِ، وأنْ أنْجاهُ مِنَ القَتْلِ الثّانِي ظُلْمًا، وأنْ هَداهُ إلى مَنجًى مِنَ الأرْضِ، ويَسَّرَ لَهُ التَّعْرِيفَ بِبَيْتِ نُبُوءَةٍ، وأنْ آواهُ إلى ظِلٍّ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ ”لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ“ مَوْصُولَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ ”أنْزَلْتَ“؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيما مَضى صارَ مَعْرُوفًا غَيْرَ نَكِرَةٍ، فَقَوْلُهُ ”ما
صفحة ١٠٣
أنْزَلْتَ إلَيَّ“ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ لِتُلائِمَ قَوْلَهُ ”فَقِيرٌ“ أيْ فَقِيرٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ لِأمْثالِهِ.
وأحْسَنُ خَيْرٍ لِلْغَرِيبِ وُجُودُ مَأْوًى لَهُ يَطْعَمُ فِيهِ ويَبِيتُ، وزَوْجَةٌ يَأْنَسُ إلَيْها ويَسْكُنُ.
فَكانَ اسْتِجابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأنْ ألْهَمَ شُعَيْبًا أنْ يُرْسِلَ وراءَهُ لِيُنْزِلَهُ عِنْدَهُ ويُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، كَما أشْعَرَتْ بِذَلِكَ فاءُ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ ”فَجاءَتْهُ إحْداهُما“ .
القصص 28:24
﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
يَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أنَّهُ بَلَغَ أرْضَ مَدْيَنَ، وذَلِكَ حِينَ ورَدَ ماءَهم. والوُرُودُ هُنا مَعْناهُ الوُصُولُ والبُلُوغُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] . والمُرادُ بِالماءِ مَوْضِعُ الماءِ. وماءُ القَوْمِ هو الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ دِيارُهم؛ لِأنَّ القَبائِلَ كانَتْ تَقْطُنُ عِنْدَ المِياهِ وكانُوا يُكَنُّونَ عَنْ أرْضِ القَبِيلَةِ بِماءِ بَنِي فُلانٍ، فالمَعْنى: ولَمّا ورَدَ، أيْ عِنْدَما بَلَغَ بِلادَ مَدْيَنَ.
ويُناسِبُ الغَرِيبَ إذا جاءَ دِيارَ قَوْمٍ أنْ يَقْصِدَ الماءَ؛ لِأنَّهُ مُجْتَمَعُ النّاسِ فَهُنالِكَ يَتَعَرَّفُ لِمَن يُصاحِبُهُ ويُضِيفُهُ.
و”لَمّا“ حَرْفُ تَوْقِيتِ وُجُودِ شَيْءٍ بِوُجُودِ غَيْرِهِ، أيْ عِنْدَما حَلَّ بِأرْضِ مَدْيَنَ وجَدَ أُمَّةً.
صفحة ٩٩
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في البَقَرَةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَسْقُونَ“ لِتَعْمِيمِ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْقى وهو الماشِيَةُ والنّاسُ، ولِأنَّ الغَرَضَ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ المَسْقِيِّ، ولَكِنْ بِما بَعْدَهُ مِنِ انْزِواءِ المَرْأتَيْنِ عَنِ السَّقْيِ كَما في الكَشّافِ تَبَعًا لِدَلائِلِ الإعْجازِ، فَيَكُونُ مِن تَنْزِيلِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أوِ الحَذْفُ هُنا لِلِاخْتِصارِ كَما اخْتارَهُ السَّكّاكِيُّ، وأيَّدَهُ شارِحاهُ السَّعْدُ والسَّيِّدُ. وأمّا حَذْفُ مَفاعِيلِ ”تَذُودانِ“ و”لا نَسْقِي“، ”فَسَقى لَهُما“ فَيَتَعَيَّنُ فِيها ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ وشارِحاهُ فَشَيْءٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في القُرْآنِ حَتّى يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ، وإنَّما اسْتِفادَةُ كَوْنِهِما تَذُودانِ غَنَمًا مَرْجِعُها إلى كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ.
ومَعْنى ”مِن دُونِهِمْ“ في مَكانٍ غَيْرِ المَكانِ الَّذِي حَوْلَ الماءِ، أيْ في جانِبٍ مُباعِدٍ لِلْأُمَّةِ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ كَلِمَةِ ”دُونَ“ أنَّها وصْفٌ لِلشَّيْءِ الأسْفَلِ مِن غَيْرِهِ. وتَتَفَرَّعُ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مَجازِيَّةٌ مُخْتَلِفَةُ العَلاقاتِ، ومِنها ما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ. فَـ ”دُونَ“ بِمَعْنى جِهَةٍ يَصِلُ إلَيْها المَرْءُ بَعْدَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ السّاقُونَ. شَبَّهَ المَكانَ الَّذِي يَبْلُغُ إلَيْهِ الماشِيَ بَعْدَ مَكانٍ آخَرَ بِالمَكانِ الأسْفَلِ مِنَ الآخَرِ كَأنَّهُ يَنْزِلُ إلَيْهِ الماشِي؛ لِأنَّ المَشْيَ يُشَبَّهُ بِالصُّعُودِ وبِالهُبُوطِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
ويُحْذَفُ المَوْصُوفُ بِـ ”دُونَ“ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَيَصِيرُ ”دُونَ“ بِمَنزِلَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ المَحْذُوفِ.
وحَرْفُ (مِن) مَعَ (دُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلِ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”عِنْدَ“، وهو مَعْنًى أثْبَتَهُ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]) . والمَعْنى: ووَجَدَ امْرَأتَيْنِ في جِهَةٍ مُبْتَعِدَةٍ عَنْ جِهَةِ السّاقِينَ.
و”تَذُودانِ“ تَطْرُدانِ. وحَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ عَنِ الماءِ؛ ولِذَلِكَ سَمُّوا القَطِيعَ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدَ فَلا يُقالُ: ذُدْتُ النّاسَ، إلّا مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ في الحَدِيثِ «فَلَيُذادَنَّ أقْوامٌ عَنْ حَوْضِي» الحَدِيثَ.
والمَعْنى في الآيَةِ: تَمْنَعانِ إبِلًا عَنِ الماءِ. وفي التَّوْراةِ: أنَّ شُعَيْبًا كانَ صاحِبَ
صفحة ١٠٠
غَنَمٍ وأنَّ مُوسى رَعى غَنَمَهُ. فَيَكُونُ إطْلاقُ ”تَذُودانِ“ هُنا مَجازًا مُرْسَلًا، أوْ تَكُونُ حَقِيقَةُ الذَّوْدِ طَرْدُ الأنْعامِ كُلِّها عَنْ حَوْضِ الماءِ. وكَلامُ أيِمَّةِ اللُّغَةِ غَيْرُ صَرِيحٍ في تَبْيِينِ حَقِيقَةِ هَذا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّها كانَتْ لَهُما غَنَمٌ، والذَّوْدُ لا يَكُونُ إلّا لِلْماشِيَةِ. والمَقْصُودُ مِن حُضُورِ الماءِ بِالأنْعامِ سَقْيُها. فَلَمّا رَأى مُوسى المَرْأتَيْنِ تَمْنَعانِ أنْعامَهُما مِنَ الشُّرْبِ سَألَهُما: ما خَطْبُكُما ؟ وهو سُؤالٌ عَنْ قِصَّتِهِما وشَأْنِهِما إذْ حَضَرا الماءَ ولَمْ يَقْتَحِما عَلَيْهِ لِسَقْيِ غَنَمِهِما.
وجُمْلَةُ ”قالَ ما خَطْبُكُما“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ .
والخَطْبُ: الشَّأْنُ والحَدَثُ المُهِمُّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٥١]، فَأجابَتا بِأنَّهُما كَرِهَتا أنْ تَسْقِيا في حِينِ اكْتِظاظِ المَكانِ بِالرِّعاءِ، وأنَّهُما تَسْتَمِرّانِ عَلى عَدَمِ السَّقْيِ كَما اقْتَضاهُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ إلى أنْ يَنْصَرِفَ الرِّعاءُ.
والرِّعاءُ: جَمْعُ راعٍ.
والإصْدارُ: الإرْجاعُ عَنِ السَّقْيِ، أيْ حَتّى يَسْقِيَ الرِّعاءُ ويُصْدِرُوا مَواشِيَهم، فالإصْدارُ جَعْلُ الغَيْرِ صادِرًا، أيْ حَتّى يَذْهَبَ رِعاءُ الإبِلِ بِأنْعامِهِمْ فَلا يَبْقى الزِّحامُ. وصَدُّهُما عَنِ المُزاحَمَةِ عادَتُهُما كانَتا ذَواتَيْ مُرُوءَةٍ وتَرْبِيَةٍ زَكِيَّةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُصْدِرَ) بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدّالِّ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (يَصْدُرَ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ الدّالِّ عَلى إسْنادِ الصَّدْرِ إلى الرِّعاءِ، أيْ حَتّى يَرْجِعُوا عَنِ الماءِ، أيْ بِمَواشِيهِمْ؛ لِأنَّ وصْفَ الرِّعاءِ يَقْتَضِي أنَّ لَهم مَواشِيَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ عادَتُهُما كُلَّ يَوْمِ سَقْيٍ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عادَةٌ.
وكانَ قَوْلُهُما ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ اعْتِذارًا عَنْ حُضُورِهِما لِلسَّقْيِ مَعَ الرِّجالِ لِعَدَمِ وِجْدانِهِما رَجُلًا يَسْتَقِي لَهُما؛ لِأنَّ الرَّجُلَ الوَحِيدَ لَهُما هو أبُوهُما، وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ وُرُودَ الماءِ لِضَعْفِهِ عَنِ المُزاحَمَةِ.
صفحة ١٠١
واسْمُ المَرْأتَيْنِ (لَيّا) و(صَفُّورَةُ) . وفي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّ أباهُما كاهِنُ مَدْيَنَ. وسَمّاهُ في ذَلِكَ السِّفْرِ أوَّلَ مَرَّةٍ رَعْوِيلَ، ثُمَّ أعادَ الكَلامَ عَلَيْهِ فَسَمّاهُ يَثْرُونَ، ووَصَفَهُ بِحَمِيِّ مُوسى، فالمُسَمّى واحِدٌ. وقالَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ: يَثْرُونُ بْنُ رَعْوِيلَ لَهُ سَبْعُ بَناتٍ خَرَجَ لِلسَّقْيِ مِنهُما اثْنَتانِ، فَيَكُونُ شُعَيْبٌ هو المُسَمّى عِنْدَ اليَهُودِ يَثْرُونَ. والتَّعْبِيرُ عَنِ النَّبِيءِ بِالكاهِنِ اصْطِلاحٌ.؛ لِأنَّ الكاهِنَ يُخْبِرُ عَنِ الغَيْبِ، ولِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى القائِمِ بِأُمُورِ الدِّينِ عِنْدَ اليَهُودِ. ولِلْجَزْمِ بِأنَّهُ شُعَيْبٌ الرَّسُولُ جَعَلَ عُلَماؤُنا ما صَدَرَ مِنهُ في هَذِهِ القِصَّةَ شَرْعًا سابِقًا، فَفَرَّعُوا عَلَيْهِ مَسائِلَ مَبْنِيَّةً عَلى أصْلِ: أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا مِنَ الرُّسُلِ الإلَهِيِّينَ شَرْعٌ لَنا ما لَمْ يَرِدْ ناسِخٌ. ومِنها مُباشَرَةُ المَرْأةِ الأعْمالَ والسَّعْيُ في طُرُقِ المَعِيشَةِ، ووُجُوبُ اسْتِحْيائِها، ووِلايَةُ الأبِ في النِّكاحِ، وجَعْلُ العَمَلِ البَدَنِيِّ مَهْرًا، وجَمْعُ النِّكاحِ والإجارَةِ في عَقْدٍ واحِدٍ، ومَشْرُوعِيَّةُ الإجارَةِ. وقَدِ اسْتَوْفى الكَلامَ عَلَيْها القُرْطُبِيُّ. وفي أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ غُنْيَةٌ عَنِ الِاسْتِنْباطِ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأحْكامِ لا يُوجَدُ دَلِيلُهُ في القُرْآنِ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ لَها مِنَ الكِتابِ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا.
وفِي إذْنِهِ لِابْنَتَيْهِ بِالسَّقْيِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُعالَجَةِ المَرْأةِ أُمُورَ مالِها وظُهُورِها في مَجامِعِ النّاسِ إذا كانَتْ تَسْتُرُ ما يَجِبُ سَتْرُهُ، فَإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا حَكاهُ شَرْعُنا ولَمْ يَأْتِ مِن شَرْعِنا ما يَنْسَخُهُ. وأمّا تَحاشِي النّاسِ مِن نَحْوِ ذَلِكَ فَهو مِنَ المُرُوءَةِ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيما تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ والعاداتُ، مُتَبايِنَةٌ فِيهِ، وأحْوالُ الأُمَمِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، وخاصَّةً ما بَيْنَ أخْلاقِ البَدْوِ والحَضَرِ مِنَ الِاخْتِلافِ.
ودُخُولُ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةُ يُؤْذِنُ بِاقْتِرانِ وُصُولِهِ بِوُجُودِ السّاقِينَ. واقْتِرانُ فِعْلِ (سَقى) بِالفاءِ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ بادَرَ فَسَقى لَهُنَّ، وذَلِكَ بِفَوْرِ وُرُودِهِ.
ومَعْنى ”فَسَقى لَهُما“ أنَّهُ سَقى ما جِئْنَ لِيَسْقِينَهُ لِأجْلِهِما، فاللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لا يَدْفَعُهُ لِذَلِكَ إلّا هُما، أيْ رَأْفَةً بِهِما وغَوْثًا لَهُما. وذَلِكَ مِن قُوَّةِ مُرُوءَتِهِ أنِ اقْتَحَمَ ذَلِكَ العَمَلَ الشّاقَّ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الإعْياءِ عِنْدَ الوُصُولِ.
والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَلى طَرِيقِهِ، وذَلِكَ يُفِيدُ أنَّهُ كانَ جالِسًا مِن قَبْلُ في ظِلٍّ فَرَجَعَ إلَيْهِ. ويَظْهَرُ أنَّ ”تَوَلّى“ مُرادِفُ (ولّى) ولَكِنَّ زِيادَةَ المَبْنى مِن شَأْنِها أنْ تَقْتَضِيَ
صفحة ١٠٢
زِيادَةَ المَعْنى، فَيَكُونُ ”تَوَلّى“ أشَدَّ مِن (ولّى)، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ولّى مُدْبِرًا“ في سُورَةِ النَّمْلِ.
وقَدْ أعْقَبَ إيواءَهُ إلى الظِّلِّ بِمُناجاتِهِ رَبَّهُ إذْ قالَ ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . لَمّا اسْتَراحَ مِن مَشَقَّةِ المَتْحِ والسَّقْيِ لِماشِيَةِ المَرْأتَيْنِ، والِاقْتِحامِ بِها في عَدَدِ الرِّعاءِ العَدِيدِ، ووَجَدَ بَرْدَ الظِّلِّ تَذَكَّرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ نِعَمًا سابِقَةً أسْداها اللَّهُ إلَيْهِ مِن نَجاتِهِ مِنَ القَتْلِ، وإيتائِهِ الحِكْمَةَ والعِلْمَ، وتَخْلِيصِهِ مِن تَبِعَةِ قَتْلِ القِبْطِيِّ، وإيصالِهِ إلى أرْضٍ مَعْمُورَةٍ بِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، بَعْدَ أنْ قَطَعَ فَيافِيَ ومُفازاتٍ، تَذَكَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ وهو في نِعْمَةِ بَرْدِ الظِّلِّ والرّاحَةِ مِنَ التَّعَبِ، فَجاءَ بِجُمْلَةٍ جامِعَةٍ لِلشُّكْرِ والثَّناءِ والدُّعاءِ وهي ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ . والفَقِيرُ: المُحْتاجُ فَقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ شُكْرٌ عَلى نِعَمٍ سَلَفَتْ.
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ﴾ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ مُعْطِي الخَيْرِ.
والخَيْرُ: ما فِيهِ نَفْعٌ ومُلاءَمَةٌ لِمَن يَتَعَلَّقُ هو بِهِ فَمِنهُ خَيْرُ الدُّنْيا ومِنهُ خَيْرُ الآخِرَةِ الَّذِي قَدْ يُرى في صُورَةِ مَشَقَّةٍ فَإنَّ العِبْرَةَ بِالعَواقِبِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥] وقَدْ أرادَ النَّوْعَيْنِ كَما يَرْمُزُ إلى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْ إيتائِهِ الخَيْرَ بِفِعْلِ ”أنْزَلْتَ“ المُشْعِرِ بِرِفْعَةِ المُعْطى.
فَأوَّلُ ذَلِكَ إيتاءُ الحِكْمَةِ والعِلْمِ.
ومِنَ الخَيْرِ إنْجاؤُهُ مِنَ القَتْلِ، وتَرْبِيَتُهُ الكامِلَةُ في بِذْخَةِ المُلْكِ وعِزَّتِهِ، وحِفْظُهُ مِن أنْ تَتَسَرَّبَ إلَيْهِ عَقائِدُ العائِلَةِ الَّتِي رُبِّيَ فِيها فَكانَ مُنْتَفِعًا بِمَنافِعِها مُجَنَّبًا رَذائِلَها وأضْرارَها. ومِنَ الخَيْرِ أنْ جَعَلَ نَصْرَ قَوْمِهِ عَلى يَدِهِ، وأنْ أنْجاهُ مِنَ القَتْلِ الثّانِي ظُلْمًا، وأنْ هَداهُ إلى مَنجًى مِنَ الأرْضِ، ويَسَّرَ لَهُ التَّعْرِيفَ بِبَيْتِ نُبُوءَةٍ، وأنْ آواهُ إلى ظِلٍّ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ ”لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ“ مَوْصُولَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ ”أنْزَلْتَ“؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيما مَضى صارَ مَعْرُوفًا غَيْرَ نَكِرَةٍ، فَقَوْلُهُ ”ما
صفحة ١٠٣
أنْزَلْتَ إلَيَّ“ بِمَنزِلَةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ لِتُلائِمَ قَوْلَهُ ”فَقِيرٌ“ أيْ فَقِيرٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الخَيْرِ، أيْ لِأمْثالِهِ.
وأحْسَنُ خَيْرٍ لِلْغَرِيبِ وُجُودُ مَأْوًى لَهُ يَطْعَمُ فِيهِ ويَبِيتُ، وزَوْجَةٌ يَأْنَسُ إلَيْها ويَسْكُنُ.
فَكانَ اسْتِجابَةُ اللَّهِ لَهُ بِأنْ ألْهَمَ شُعَيْبًا أنْ يُرْسِلَ وراءَهُ لِيُنْزِلَهُ عِنْدَهُ ويُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، كَما أشْعَرَتْ بِذَلِكَ فاءُ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ ”فَجاءَتْهُ إحْداهُما“ .
القصص 28:25
﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ عَرَفْتَ أنَّ الفاءَ تُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ لَهُ، فَقَيَّضَ شُعَيْبًا أنْ يُرْسِلَ وراءَ مُوسى لِيُضَيِّفَهُ ويُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ، فَذَلِكَ يَضْمَنُ لَهُ أُنْسًا في دارِ غُرْبَةٍ، ومَأْوًى وعَشِيرًا صالِحًا. وتُؤْذِنُ الفاءُ أيْضًا بِأنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَتَرَيَّثْ في الإرْسالِ وراءَهُ فَأرْسَلَ إحْدى البِنْتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما وهي صَفُّورَةُ فَجاءَتْهُ وهو لَمْ يَزَلْ عَنْ مَكانِهِ في الظِّلِّ.
وذَكَرَ ”تَمْشِي“ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”عَلى اسْتِحْياءٍ“ وإلّا فَإنَّ فِعْلَ ”جاءَتْهُ“ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ”تَمْشِي“ .
و”عَلى“ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ مُسْتَعارَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الوَصْفِ. والمَعْنى: أنَّها مُسْتَحْيِيَةٌ في مَشْيِها، أيْ تَمْشِي غَيْرَ مُتَبَخْتِرَةٍ ولا مُتَثَنِّيَةٍ ولا مُظْهِرَةٍ زِينَةً. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّها كانَتْ ساتِرَةً وجْهَها بِثَوْبِها؛ أيْ لِأنَّ سَتْرَ الوَجْهِ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْها، ولَكِنَّهُ مُبالَغَةٌ في الحَياءِ. والِاسْتِحْياءُ مُبالَغَةٌ في الحَياءِ مِثْلُ الِاسْتِجابَةِ قالَ تَعالى ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] إلى قَوْلِهِ ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
وجُمْلَةُ ”قالَتْ“ بَدَلٌ مِن ”جاءَتْهُ“ . وإنَّما بَيَّنَتْ لَهُ الغَرَضَ مِن دَعْوَتِهِ مُبادَرَةً بِالإكْرامِ.
والجَزاءُ: المُكافَأةُ عَلى عَمَلٍ حَسَنٍ أوْ سَيِّئٍ بِشَيْءٍ مِثْلِهِ في الحُسْنِ أوِ الإساءَةِ،
صفحة ١٠٤
قالَ تَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾ [سبإ: ١٧] .
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ”إنَّ أبِي يَدْعُوكَ“ حِكايَةٌ لِما في كَلامِها مِن تَحْقِيقِ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلى المُخْبَرِ بِهِ.
والأجْرُ: التَّعْوِيضُ عَلى عَمَلٍ نافِعٍ لِلْمُعَوَّضِ، ومِنهُ سُمِّيَ ثَوابُ الطّاعاتِ أجْرًا، قالَ تَعالى ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] . وانْتَصَبَ ”أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِبَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ أنَّهُ جَزاءُ خَيْرٍ، وهو أنْ أرادَ ضِيافَتَهُ، ولَيْسَ هو المَفْعُولَ المُطْلَقَ لِبَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ أنَّهُ جَزاءُ خَيْرٍ، وهو أنْ أرادَ ضِيافَتَهُ، لَيْسَ هو مِن مَعْنى إجارَةِ الأجِيرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَقاوُلٍ ولا شَرْطٍ ولا عادَةٍ.
والجَزاءُ إكْرامٌ، والإجارَةُ تَعاقُدٌ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص: ٢٦] فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أباها لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ عَزْمٌ عَلى اسْتِئْجارِ مُوسى. وكانَ فِعْلُ مُوسى مَعْرُوفًا مَحْضًا لا يَطْلَبُ عَلَيْهِ جَزاءً؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ المَرْأتَيْنِ ولا بَيْتَهُما، وكانَ فِعْلُ شُعَيْبٍ كَرَمًا مَحْضًا ومَحَبَّةً لِقِرى كُلِّ غَرِيبٍ، وتَضْيِيفُ الغَرِيبِ مِن سُنَّةِ إبْراهِيمَ فَلا غَرْوَ أنْ يَعْمَلَ بِها رَجُلانِ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. و”ما“ في قَوْلِهِ ”ما سَقَيْتَ لَنا“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ سَقْيِكَ، ولامُ ”لَنا“ لامُ العِلَّةِ.
* * *
﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾
كانَتِ العَوائِدُ أنْ يُفاتَحَ الضَّيْفُ بِالسُّؤالِ عَنْ حالِهِ ومَقْدِمِهِ فَلِذَلِكَ قَصَّ مُوسى قِصَّةَ خُرُوجِهِ ومَجِيئِهِ عَلى شُعَيْبٍ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ شُعَيْبًا سَألَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، والقَصَصُ: الخَبَرُ. و”قَصَّ عَلَيْهِ“ أخْبَرَهُ.
والتَّعْرِيفُ في ”القَصَصَ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ قَصَصَهُ، أوْ لِلْعَهْدِ، أيِ القَصَصَ المَذْكُورَ آنِفًا. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ.
فَطَمْأنَهُ شُعَيْبٌ بِأنَّهُ يُزِيلُ عَنْ نَفْسِهِ الخَوْفَ؛ لِأنَّهُ أصْبَحَ في مَأْمَنٍ مِن أنْ يَنالَهُ حُكْمُ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ بِلادَ مَدْيَنَ تابِعَةٌ لِمُلْكِ الكَنْعانِيِّينَ وهم أهْلُ بَأْسٍ ونَجْدَةٍ. ومَعْنى نَهْيِهِ عَنِ الخَوْفِ نَهْيُهُ عَنْ ظَنِّ أنْ تَنالَهُ يَدُ فِرْعَوْنَ.
صفحة ١٠٥
وجُمْلَةُ ﴿نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ. ووَصْفُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالظّالِمِينَ تَصْدِيقًا لِما أخْبَرَهُ بِهِ مُوسى مِن رَوْمِهِمْ قَتْلَهُ قِصاصًا عَنْ قَتْلٍ خَطَأٍ. وما سَبَقَ ذَلِكَ مِن خَبَرِ عَداوَتِهِمْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
القصص 28:26
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾
حَذَفَ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن شُعَيْبٍ مِنَ الجَزاءِ بِإضافَتِهِ وإطْعامِهِ، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى عَرْضِ إحْدى المَرْأتَيْنِ عَلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْعَمَلِ في ماشِيَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم بِبَيْتِهِمْ رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وقَدْ كَبُرَ أبُوهُما فَلَمّا رَأتْ أمانَتَهُ ووَرَعَهُ رَأتْ أنَّهُ خَيْرُ مَن يُسْتَأْجَرُ لِلْعَمَلِ عِنْدَهم لِقُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ وأمانَتِهِ.
والتّاءُ في ”أبَتِ“ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ خاصَّةً، وهي يَجُوزُ كَسْرُها وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فَتْحُها وبِهِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ عِلَّةٌ لِلْإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِئْجارِهِ، أيْ لِأنَّ مِثْلَهُ مَن يُسْتَأْجَرُ. وجاءَتْ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ مُرْسَلَةٍ مَثَلًا؛ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ ومُطابَقَةِ الحَقِيقَةِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ، فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في ”القَوِيُّ الأمِينُ“ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ. والخِطابُ في ”مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُوَجَّهٌ إلى شُعَيْبٍ، وصالِحٌ لِأنْ يَعُمَّ كُلَّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ لِتَتِمَّ صَلاحِيَّةُ هَذا الكَلامِ لِأنْ يُرْسَلَ مَثَلًا. فالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَأْجَرَ المُسْتَأْجِرُ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ إذْ لا يُرادُ بِالصِّلَةِ هُنا وصْفُ خاصٍّ بِمُعَيَّنٍ.
وجَعْلُ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُسْنَدًا إلَيْهِ بِجَعْلِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ جَعْلَ ”القَوِيُّ
صفحة ١٠٦
الأمِينُ“ خَبَرًا مَعَ صِحَّةِ جَعْلِ ”القَوِيُّ الأمِينُ“ هو المُسْنَدَ إلَيْهِ فَإنَّهُما مُتَساوِيانِ في المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالتَّعْرِيفِ في المَوْصُولِ المُضافِ إلَيْهِ ”خَيْرَ“، وفي المُعَرَّفِ بِاللّامِ هُنا العُمُومُ في كِلَيْهِما، فَأُوثِرَ بِالتَّقْدِيمِ في جُزْأيِ الجُمْلَةِ ما هو أهَمُّ وأوْلى بِالعِنايَةِ وهو خَيْرُ أجِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ”اسْتَأْجَرَهُ“ فَوَصْفُ الأجِيرِ أهَمُّ في مَقامِ تَعْلِيلِها ونَفْسُ السّامِعِ أشَدُّ تَرَقُّبًا لِحالِهِ.
ومَجِيءُ هَذا العُمُومِ عَقِبَ الحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ العُمُومُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصادِفًا المَحَزَّ مِنَ البَلاغَةِ إذْ صارَ إثْباتُ الأمانَةِ والقُوَّةِ لِهَذا المُتَحَدَّثِ عَنْهُ إثْباتًا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ. فَتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: اسْتَأْجِرْهُ فَهو قَوِيٌّ أمِينٌ وإنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَ مُسْتَأْجِرٌ القَوِيُّ الأمِينُ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ وعَلى إيجازِ الحَذْفِ وعَلى المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وبِذَلِكَ اسْتَوْفَتْ غايَةَ مُقْتَضى الحالِ فَكانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ (أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ) . يُرِيدُ أسْألُهُ أنْ يُؤَيِّدَنِي بِقَوِيٍّ أمِينٍ أسْتَعِينُ بِهِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ إلى المَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما إنْ كانَتا حاضِرَتَيْنِ مَعًا دُونَ غَيْرِهِما مِن بَناتِ شُعَيْبٍ لِتَعَلُّقِ القَضِيَّةِ بِشَأْنِهِما، أوْ تَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِما لِحُضُورِهِما في ذِهْنِ مُوسى بِاعْتِبارِ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالسَّقْيِ لَهُما إنْ كانَتِ الأُخْرى غائِبَةً حِينَئِذٍ.
وفِيهِ جَوازُ عَرْضِ الرَّجُلِ مَوْلاتِهِ عَلى مَن يَتَزَوَّجُها رَغْبَةً في صَلاحِهِ. وجَعَلَ لِمُوسى اخْتِيارَ إحْداهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَها وكانَتِ الَّتِي اخْتارَها مُوسى صَفُّورَةَ، وهي الصُّغْرى كَما جاءَ في رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما اخْتارَها دُونَ أُخْتِها؛ لِأنَّها الَّتِي عَرَفَ أخْلاقَها بِاسْتِحْيائِها وكَلامِها فَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَها عِنْدَهُ.
وكانَ هَذا التَّخْيِيرُ قَبْلَ انْعِقادِ النِّكاحِ، فَلَيْسَ فِيهِ جَهْلُ المَعْقُودِ عَلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ حَرْفُ ”عَلى“ مَن صِيَغِ الشَّرْطِ في العُقُودِ. و”تَأْجُرُنِي“ مُضارِعُ أجَرَهُ مِثْلُ نَصَرَهُ إذا كانَ أجِيرًا لَهُ. والحِجَجُ اسْمٌ
صفحة ١٠٧
جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الحاءِ وهي السَّنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الحَجِّ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَقَعُ كُلَّ سَنَةٍ ومَوْسِمُ الحَجِّ يَقَعُ في آخِرِ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ.
والتِزامُ جَعْلِ تَزْوِيجِهِ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ الإجارَةِ بَيْنَهُما عَرْضٌ مِنهُ عَلى مُوسى، ولَيْسَ بِعَقْدِ نِكاحٍ ولا إجارَةٍ حَتّى يَرْضى مُوسى. وفي هَذا العَرْضِ دَلِيلٌ لِمَسْألَةِ جَمْعِ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ عَقْدِ الإجارَةِ. والمَسْألَةُ أصْلُها مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ «المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَتَزَوَّجْها، وزَوَّجَها مِن رَجُلٍ كانَ حاضِرًا مَجْلِسَهُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُصْدِقُها فَزَوَّجَهُ إيّاها بِما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، أيْ عَلى أنْ يُعَلِّمَها إيّاهُ» .
والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ المُقارِنَ لِعَقْدِ النِّكاحِ إنْ كانَ مِمّا يُنافِي عَقْدَ النِّكاحِ فَهو باطِلٌ، ويُفْسَخُ النِّكاحُ قَبْلَ البِناءِ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَداقِ المِثْلِ. وأمّا غَيْرُ المُنافِي لِعَقْدِ النِّكاحِ فَلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ يُلْغى الشَّرْطُ. وعَنْ مالِكٍ أيْضًا: تُكْرَهُ الشُّرُوطُ كُلُّها ابْتِداءً فَإنْ وقَعَ مَضى. وقالَ أشْهَبُ، وأصْبَغُ: الشَّرْطُ جائِزٌ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وهو الحَقُّ لِلْآيَةِ، ولِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَقُّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ عَلَيْهِ الفُرُوجَ» .
وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ جُعِلَتْ مَهْرًا لِلْبِنْتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَشْرُوطَ التِزامُ الإجارَةِ لا غَيْرُ، وأمّا المَهْرُ فَتابِعٌ لِما يُعْتَبَرُ في شَرْعِهِمْ رُكْنًا في النِّكاحِ، والشَّرائِعُ قَدْ تَخْتَلِفُ في مَعانِي الماهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّهُما جَعَلا المَهْرَ مَنافِعَ إجارَةِ الزَّوْجِ لِشُعَيْبٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضاها؛ لِأنَّها سَمِعَتْ وسَكَتَتْ بِناءً عَلى عَوائِدَ مَرْعِيَّةٍ عِنْدَهم بِأنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ المَنافِعِ أبُوها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِوَلِيِّ المَرْأةِ بِالأصالَةِ إنْ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْمَهْرِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ عَوائِدَ الأُمَمِ مُخْتَلِفَةٌ في تَزْوِيجِ ولاياهم. وإذْ قَدْ كانَ في الآيَةِ إجْمالٌ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً في الِاحْتِجاجِ عَلى جَوازِ جَعْلِ مَهْرِ المَرْأةِ مَنافِعَ مِن إجارَةِ زَوْجِها فَيَرْجِعُ النَّظَرُ في صِحَّةِ جَعْلِ المَهْرِ إجارَةً إلى التَّخْرِيجِ عَلى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، والدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ، فَإنَّ مَنافِعَ الإجارَةِ ذاتُ قِيمَةٍ فَلا مانِعَ مِن أنْ تُجْعَلَ مَهْرًا. والتَّحْقِيقُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ مَكْرُوهٌ ويَمْضِي. وأجازَهُ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ
صفحة ١٠٨
حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ جَعْلُ المَهْرِ مَنافِعَ حُرٍّ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنافِعَ عَبْدٍ. ولَمْ يَرَ في الآيَةِ دَلِيلًا؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ فَوَقَعَ الإجْمالُ فِيها. ووافَقَهُ ابْنُ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
وإذْ قَدْ كانَ حُكْمُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مُخْتَلِفًا في جَعْلِهِ شَرْعًا لَنا كانَ حُجَّةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَزادَها ضَعْفًا في هَذِهِ الآيَةِ الإجْمالُ الَّذِي تَطَرَّقَها فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ودَلِيلُ الجَوازِ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ. فَإنْ كانَتِ المَنافِعُ المَجْعُولَةُ مَهْرًا حاصِلَةً قَبْلَ البِناءِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْضُها أوْ جَمِيعُها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ البِناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ رَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى النِّكاحِ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ وهو مَكْرُوهٌ غَيْرُ باطِلٍ. وإلى الإجارَةِ بِعِوَضٍ غَيْرِ قابِلٍ لِلتَّبْعِيضِ بِتَبْعِيضِ العَمَلِ، فَإذا لَمْ يُتِمَّ الأجِيرُ العَمَلَ في هَذِهِ رَجَعَتْ إلى مَسْألَةِ عَجْزِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بَعْدَ أنْ قَبَضَ الأجْرَ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ وفي حَدِيثِ «المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَظَهَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها وأنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ لَهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. قالَ: هَلْ عِنْدَكَ ما تُصْدِقُها ؟ إلى أنْ قالَ لَهُ ﷺ التَمَسَ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ قالَ: ما عِنْدِي ولا خاتَمٌ مِن حَدِيدٍ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهُ: ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا لِسُوَرٍ سَمّاها. قالَ لَهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. وفي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيءَ أمَرَهُ أنْ يُعَلِّمَها عِشْرِينَ آيَةً مِمّا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ وتَكُونُ امْرَأتَهُ» . فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ كانَ الحَدِيثُ جارِيًا عَلى وفْقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ وكانَ حُجَّةً لِصِحَّةِ جَعْلِ الصَّداقِ إجارَةً عَلى عَمَلٍ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ كَما هو المَشْهُورُ في كُتُبِ الصَّحِيحِ فالقِصَّةُ خُصُوصِيَّةٌ يُقْتَصَرُ عَلى مَوْرِدِها.
ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ في الآيَةِ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ. ووَرَدَ في سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ رَعى غَنَمَ يَثْرُونَ وهو شُعَيْبٌ، ولا غَرَضَ لِلْقُرْآنِ في بَيانِ ذَلِكَ. ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ إلى الأجْرِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنْكاحُهُ البِنْتَ فَإذا لَمْ نَأْخُذْ بِهَذا الظّاهِرِ كانَتِ الآيَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْأجْرِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِن سَوْقِ القِصَّةِ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم في أُجُورِ الأعْمالِ، وكانَتْ لِلْقَبائِلِ عَوائِدُ في ذَلِكَ. وقَدْ أدْرَكْتُ
صفحة ١٠٩
مُنْذُ أوَّلِ هَذا القَرْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّ راعِيَ الغَنَمِ لَهُ في كُلِّ عامٍ قَمِيصٌ وحِذاءٌ يُسَمّى بَلْغَةً ونَحْوُ ذَلِكَ لا أضْبُطُهُ الآنَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ جَعَلَ ذَلِكَ إلى مُوسى تَفَضُّلًا مِنهُ أنِ اخْتارَهُ ووَكَّلَهُ إلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ حالُهُ في مُنْتَهى الحِجَجِ الثَّمانِ مِن رَغْبَةٍ في الزِّيادَةِ.
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الذّاتِ والنَّفْسِ مَجازًا، والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإتْمامُ العَشْرِ مِن نَفْسِكَ، أيْ لا مِنِّي، يَعْنِي: أنَّ الإتْمامَ لَيْسَ داخِلًا في العُقْدَةِ الَّتِي هي مِنَ الجانِبَيْنِ فَكانَ مَفْهُومُ الظَّرْفِ مُعْتَبَرًا هُنا.
واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عَلى أنَّ لِلْأبِ إنْكاحَ ابْنَتِهِ البِكْرِ بِدُونِ إذْنِها وهو أخْذٌ بِظاهِرِها إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِئْذانِها. ولِمَن يَمْنَعُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: إنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يُرِيدُ الصّالِحِينَ بِالنّاسِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ. قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ خُلُقِهِ لِصاحِبِهِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ ما قَصَدَ بِهِ قائِلُهُ الفَخْرَ والتَّمَدُّحَ، فَأمّا ما كانَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوِ المُعامَلَةِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لِداعٍ حَسَنٍ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .
و”أشُقَّ عَلَيْكَ“ مَعْناهُ: أكُونَ شاقًّا عَلَيْكَ، أيْ مُكَلِّفَكَ مَشَقَّةً، والمَشَقَّةُ: العُسْرُ والتَّعَبُ والصُّعُوبَةُ في العَمَلِ. والأصْلُ أنْ يُوصَفَ بِالشّاقِّ العَمَلُ المُتْعِبُ، فَإسْنادُ ”أشُقَّ“ إلى ذاتِهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المَشَقَّةِ، أيْ ما أُرِيدُ أنْ أشْتَرِطَ عَلَيْكَ ما فِيهِ مَشَقَّتُكَ. وهَذا مِنَ السَّماحَةِ الوارِدِ فِيها حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذا باعَ، سَمَحًا إذا اشْتَرى» . . .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ حِكايَةٌ لِجَوابِ مُوسى عَنْ كَلامِ شُعَيْبٍ. واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ وهو ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ إلى آخِرِهِ. وهَذا قَبُولُ مُوسى لِما أوْجَبَهُ شُعَيْبٌ وبِهِ تَمَّ التَّعاقُدُ عَلى النِّكاحِ وعَلى الإجارَةِ، أيِ الأمْرُ عَلى ما شَرَطْتَ عَلَيَّ وعَلَيْكَ. وأطْلَقَ بَيْنِي وبَيْنَكَ مَجازًا في مَعْنى الثُّبُوتِ واللُّزُومِ والِارْتِباطِ، أيْ كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِهِ.
صفحة ١١٠
و”أيَّما“ مَنصُوبٌ بِـ ”قَضَيْتُ“ . و”أيَّ“ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ (ما) . وزِيدَتْ بَعْدَها ”ما“ لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِيرَ المَوْصُولُ شَبِيهًا بِأسْماءِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ ما في اسْمِ المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ يُكْسِبُهُ عُمُومًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ جَوابٌ كَجَوابِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ كُلُّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ في مُنْتَهى الأجَلِ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعاقُدُ المُفادُ بِجُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“ والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، أيْ فَلا تَعْتَدِي عَلَيَّ. فَنَفى جِنْسَ العُدْوانِ الَّذِي مِنهُ عُدْوانُ مُسْتَأْجِرِهِ. واسْتَشْهَدَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ وعَلى شُعَيْبٍ بِشَهادَةِ اللَّهِ.
وأصْلُ الوَكِيلِ: الَّذِي وُكِّلَ إلَيْهِ الأمْرُ، وأرادَ هُنا أنَّهُ وُكِّلَ عَلى الوَفاءِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ، حَتّى إذا أخَلَّ أحَدُهُما بِشَيْءٍ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذَهُ. ولَمّا ضُمِّنَ الوَكِيلُ مَعْنى الشّاهِدِ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”عَلى“ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) .
والعِبْرَةُ مِن سِياقَةِ هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو ما تَضَمَّنَتْهُ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ ومَناقِبِ أهْلِ الكَمالِ، وكَيْفَ هَيَّأ اللَّهُ تَعالى مُوسى لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ بِأنْ قَلَّبَهُ في أطْوارِ الفَضائِلِ، وأعْظَمُها مُعاشَرَةُ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ ومُصاهَرَتُهُ، وما تَتَضَمَّنَهُ مِن خِصالِ المُرُوءَةِ والفُتُوَّةِ الَّتِي اسْتَكَنَّتْ في نَفْسِهِ مِن فِعْلِ المَعْرُوفِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، والرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ، والزُّهْدِ، والقَناعَةِ، وشُكْرِ رَبِّهِ عَلى ما أسْدى إلَيْهِ، ومِنَ العَفافِ والرَّغْبَةِ في عِشْرَةِ الصّالِحِينَ، والعَمَلِ لَهم، والوَفاءِ بِالعَقْدِ، والثَّباتِ عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ خاتِمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفَهُ بِالرِّسالَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن خِصالِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أبْداها شُعَيْبٌ مِن حُبِّ القِرى، وتَأْمِينِ الخائِفِ، والرِّفْقِ في المُعامَلَةِ، لِيَعْتَبِرَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ إنْ كانَ لَهُمُ اعْتِبارٌ في مُقايَسَةِ تِلْكَ الأحْوالِ بِأجْناسِها مِن أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَهْتَدُوا إلى أنَّ ما عَرَفُوهُ بِهِ مِن زَكِيِّ الخِصالِ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وتَقْوِيمِ سِيرَتِهِ، وإعانَتِهِ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، وتَزَوُّجِهِ أفْضَلَ امْرَأةٍ مِن نِساءِ قَوْمِهِ، إنْ هي إلّا خِصالٌ فاذَّةٌ فِيهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وإنْ هي إلّا
صفحة ١١١
بِوارِقُ لِانْهِطالِ سَحابِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ولِيَأْتَسِيَ المُسْلِمُونَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ مِن أخْلاقِ أهْلِ النُّبُوءَةِ والصَّلاحِ.
القصص 28:27
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾
حَذَفَ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن شُعَيْبٍ مِنَ الجَزاءِ بِإضافَتِهِ وإطْعامِهِ، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى عَرْضِ إحْدى المَرْأتَيْنِ عَلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْعَمَلِ في ماشِيَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم بِبَيْتِهِمْ رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وقَدْ كَبُرَ أبُوهُما فَلَمّا رَأتْ أمانَتَهُ ووَرَعَهُ رَأتْ أنَّهُ خَيْرُ مَن يُسْتَأْجَرُ لِلْعَمَلِ عِنْدَهم لِقُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ وأمانَتِهِ.
والتّاءُ في ”أبَتِ“ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ خاصَّةً، وهي يَجُوزُ كَسْرُها وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فَتْحُها وبِهِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ عِلَّةٌ لِلْإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِئْجارِهِ، أيْ لِأنَّ مِثْلَهُ مَن يُسْتَأْجَرُ. وجاءَتْ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ مُرْسَلَةٍ مَثَلًا؛ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ ومُطابَقَةِ الحَقِيقَةِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ، فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في ”القَوِيُّ الأمِينُ“ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ. والخِطابُ في ”مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُوَجَّهٌ إلى شُعَيْبٍ، وصالِحٌ لِأنْ يَعُمَّ كُلَّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ لِتَتِمَّ صَلاحِيَّةُ هَذا الكَلامِ لِأنْ يُرْسَلَ مَثَلًا. فالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَأْجَرَ المُسْتَأْجِرُ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ إذْ لا يُرادُ بِالصِّلَةِ هُنا وصْفُ خاصٍّ بِمُعَيَّنٍ.
وجَعْلُ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُسْنَدًا إلَيْهِ بِجَعْلِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ جَعْلَ ”القَوِيُّ
صفحة ١٠٦
الأمِينُ“ خَبَرًا مَعَ صِحَّةِ جَعْلِ ”القَوِيُّ الأمِينُ“ هو المُسْنَدَ إلَيْهِ فَإنَّهُما مُتَساوِيانِ في المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالتَّعْرِيفِ في المَوْصُولِ المُضافِ إلَيْهِ ”خَيْرَ“، وفي المُعَرَّفِ بِاللّامِ هُنا العُمُومُ في كِلَيْهِما، فَأُوثِرَ بِالتَّقْدِيمِ في جُزْأيِ الجُمْلَةِ ما هو أهَمُّ وأوْلى بِالعِنايَةِ وهو خَيْرُ أجِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ”اسْتَأْجَرَهُ“ فَوَصْفُ الأجِيرِ أهَمُّ في مَقامِ تَعْلِيلِها ونَفْسُ السّامِعِ أشَدُّ تَرَقُّبًا لِحالِهِ.
ومَجِيءُ هَذا العُمُومِ عَقِبَ الحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ العُمُومُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصادِفًا المَحَزَّ مِنَ البَلاغَةِ إذْ صارَ إثْباتُ الأمانَةِ والقُوَّةِ لِهَذا المُتَحَدَّثِ عَنْهُ إثْباتًا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ. فَتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: اسْتَأْجِرْهُ فَهو قَوِيٌّ أمِينٌ وإنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَ مُسْتَأْجِرٌ القَوِيُّ الأمِينُ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ وعَلى إيجازِ الحَذْفِ وعَلى المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وبِذَلِكَ اسْتَوْفَتْ غايَةَ مُقْتَضى الحالِ فَكانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ (أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ) . يُرِيدُ أسْألُهُ أنْ يُؤَيِّدَنِي بِقَوِيٍّ أمِينٍ أسْتَعِينُ بِهِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ إلى المَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما إنْ كانَتا حاضِرَتَيْنِ مَعًا دُونَ غَيْرِهِما مِن بَناتِ شُعَيْبٍ لِتَعَلُّقِ القَضِيَّةِ بِشَأْنِهِما، أوْ تَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِما لِحُضُورِهِما في ذِهْنِ مُوسى بِاعْتِبارِ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالسَّقْيِ لَهُما إنْ كانَتِ الأُخْرى غائِبَةً حِينَئِذٍ.
وفِيهِ جَوازُ عَرْضِ الرَّجُلِ مَوْلاتِهِ عَلى مَن يَتَزَوَّجُها رَغْبَةً في صَلاحِهِ. وجَعَلَ لِمُوسى اخْتِيارَ إحْداهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَها وكانَتِ الَّتِي اخْتارَها مُوسى صَفُّورَةَ، وهي الصُّغْرى كَما جاءَ في رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما اخْتارَها دُونَ أُخْتِها؛ لِأنَّها الَّتِي عَرَفَ أخْلاقَها بِاسْتِحْيائِها وكَلامِها فَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَها عِنْدَهُ.
وكانَ هَذا التَّخْيِيرُ قَبْلَ انْعِقادِ النِّكاحِ، فَلَيْسَ فِيهِ جَهْلُ المَعْقُودِ عَلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ حَرْفُ ”عَلى“ مَن صِيَغِ الشَّرْطِ في العُقُودِ. و”تَأْجُرُنِي“ مُضارِعُ أجَرَهُ مِثْلُ نَصَرَهُ إذا كانَ أجِيرًا لَهُ. والحِجَجُ اسْمٌ
صفحة ١٠٧
جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الحاءِ وهي السَّنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الحَجِّ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَقَعُ كُلَّ سَنَةٍ ومَوْسِمُ الحَجِّ يَقَعُ في آخِرِ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ.
والتِزامُ جَعْلِ تَزْوِيجِهِ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ الإجارَةِ بَيْنَهُما عَرْضٌ مِنهُ عَلى مُوسى، ولَيْسَ بِعَقْدِ نِكاحٍ ولا إجارَةٍ حَتّى يَرْضى مُوسى. وفي هَذا العَرْضِ دَلِيلٌ لِمَسْألَةِ جَمْعِ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ عَقْدِ الإجارَةِ. والمَسْألَةُ أصْلُها مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ «المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَتَزَوَّجْها، وزَوَّجَها مِن رَجُلٍ كانَ حاضِرًا مَجْلِسَهُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُصْدِقُها فَزَوَّجَهُ إيّاها بِما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، أيْ عَلى أنْ يُعَلِّمَها إيّاهُ» .
والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ المُقارِنَ لِعَقْدِ النِّكاحِ إنْ كانَ مِمّا يُنافِي عَقْدَ النِّكاحِ فَهو باطِلٌ، ويُفْسَخُ النِّكاحُ قَبْلَ البِناءِ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَداقِ المِثْلِ. وأمّا غَيْرُ المُنافِي لِعَقْدِ النِّكاحِ فَلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ يُلْغى الشَّرْطُ. وعَنْ مالِكٍ أيْضًا: تُكْرَهُ الشُّرُوطُ كُلُّها ابْتِداءً فَإنْ وقَعَ مَضى. وقالَ أشْهَبُ، وأصْبَغُ: الشَّرْطُ جائِزٌ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وهو الحَقُّ لِلْآيَةِ، ولِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَقُّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ عَلَيْهِ الفُرُوجَ» .
وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ جُعِلَتْ مَهْرًا لِلْبِنْتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَشْرُوطَ التِزامُ الإجارَةِ لا غَيْرُ، وأمّا المَهْرُ فَتابِعٌ لِما يُعْتَبَرُ في شَرْعِهِمْ رُكْنًا في النِّكاحِ، والشَّرائِعُ قَدْ تَخْتَلِفُ في مَعانِي الماهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّهُما جَعَلا المَهْرَ مَنافِعَ إجارَةِ الزَّوْجِ لِشُعَيْبٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضاها؛ لِأنَّها سَمِعَتْ وسَكَتَتْ بِناءً عَلى عَوائِدَ مَرْعِيَّةٍ عِنْدَهم بِأنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ المَنافِعِ أبُوها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِوَلِيِّ المَرْأةِ بِالأصالَةِ إنْ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْمَهْرِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ عَوائِدَ الأُمَمِ مُخْتَلِفَةٌ في تَزْوِيجِ ولاياهم. وإذْ قَدْ كانَ في الآيَةِ إجْمالٌ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً في الِاحْتِجاجِ عَلى جَوازِ جَعْلِ مَهْرِ المَرْأةِ مَنافِعَ مِن إجارَةِ زَوْجِها فَيَرْجِعُ النَّظَرُ في صِحَّةِ جَعْلِ المَهْرِ إجارَةً إلى التَّخْرِيجِ عَلى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، والدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ، فَإنَّ مَنافِعَ الإجارَةِ ذاتُ قِيمَةٍ فَلا مانِعَ مِن أنْ تُجْعَلَ مَهْرًا. والتَّحْقِيقُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ مَكْرُوهٌ ويَمْضِي. وأجازَهُ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ
صفحة ١٠٨
حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ جَعْلُ المَهْرِ مَنافِعَ حُرٍّ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنافِعَ عَبْدٍ. ولَمْ يَرَ في الآيَةِ دَلِيلًا؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ فَوَقَعَ الإجْمالُ فِيها. ووافَقَهُ ابْنُ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
وإذْ قَدْ كانَ حُكْمُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مُخْتَلِفًا في جَعْلِهِ شَرْعًا لَنا كانَ حُجَّةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَزادَها ضَعْفًا في هَذِهِ الآيَةِ الإجْمالُ الَّذِي تَطَرَّقَها فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ودَلِيلُ الجَوازِ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ. فَإنْ كانَتِ المَنافِعُ المَجْعُولَةُ مَهْرًا حاصِلَةً قَبْلَ البِناءِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْضُها أوْ جَمِيعُها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ البِناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ رَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى النِّكاحِ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ وهو مَكْرُوهٌ غَيْرُ باطِلٍ. وإلى الإجارَةِ بِعِوَضٍ غَيْرِ قابِلٍ لِلتَّبْعِيضِ بِتَبْعِيضِ العَمَلِ، فَإذا لَمْ يُتِمَّ الأجِيرُ العَمَلَ في هَذِهِ رَجَعَتْ إلى مَسْألَةِ عَجْزِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بَعْدَ أنْ قَبَضَ الأجْرَ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ وفي حَدِيثِ «المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَظَهَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها وأنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ لَهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. قالَ: هَلْ عِنْدَكَ ما تُصْدِقُها ؟ إلى أنْ قالَ لَهُ ﷺ التَمَسَ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ قالَ: ما عِنْدِي ولا خاتَمٌ مِن حَدِيدٍ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهُ: ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا لِسُوَرٍ سَمّاها. قالَ لَهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. وفي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيءَ أمَرَهُ أنْ يُعَلِّمَها عِشْرِينَ آيَةً مِمّا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ وتَكُونُ امْرَأتَهُ» . فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ كانَ الحَدِيثُ جارِيًا عَلى وفْقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ وكانَ حُجَّةً لِصِحَّةِ جَعْلِ الصَّداقِ إجارَةً عَلى عَمَلٍ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ كَما هو المَشْهُورُ في كُتُبِ الصَّحِيحِ فالقِصَّةُ خُصُوصِيَّةٌ يُقْتَصَرُ عَلى مَوْرِدِها.
ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ في الآيَةِ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ. ووَرَدَ في سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ رَعى غَنَمَ يَثْرُونَ وهو شُعَيْبٌ، ولا غَرَضَ لِلْقُرْآنِ في بَيانِ ذَلِكَ. ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ إلى الأجْرِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنْكاحُهُ البِنْتَ فَإذا لَمْ نَأْخُذْ بِهَذا الظّاهِرِ كانَتِ الآيَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْأجْرِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِن سَوْقِ القِصَّةِ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم في أُجُورِ الأعْمالِ، وكانَتْ لِلْقَبائِلِ عَوائِدُ في ذَلِكَ. وقَدْ أدْرَكْتُ
صفحة ١٠٩
مُنْذُ أوَّلِ هَذا القَرْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّ راعِيَ الغَنَمِ لَهُ في كُلِّ عامٍ قَمِيصٌ وحِذاءٌ يُسَمّى بَلْغَةً ونَحْوُ ذَلِكَ لا أضْبُطُهُ الآنَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ جَعَلَ ذَلِكَ إلى مُوسى تَفَضُّلًا مِنهُ أنِ اخْتارَهُ ووَكَّلَهُ إلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ حالُهُ في مُنْتَهى الحِجَجِ الثَّمانِ مِن رَغْبَةٍ في الزِّيادَةِ.
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الذّاتِ والنَّفْسِ مَجازًا، والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإتْمامُ العَشْرِ مِن نَفْسِكَ، أيْ لا مِنِّي، يَعْنِي: أنَّ الإتْمامَ لَيْسَ داخِلًا في العُقْدَةِ الَّتِي هي مِنَ الجانِبَيْنِ فَكانَ مَفْهُومُ الظَّرْفِ مُعْتَبَرًا هُنا.
واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عَلى أنَّ لِلْأبِ إنْكاحَ ابْنَتِهِ البِكْرِ بِدُونِ إذْنِها وهو أخْذٌ بِظاهِرِها إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِئْذانِها. ولِمَن يَمْنَعُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: إنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يُرِيدُ الصّالِحِينَ بِالنّاسِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ. قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ خُلُقِهِ لِصاحِبِهِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ ما قَصَدَ بِهِ قائِلُهُ الفَخْرَ والتَّمَدُّحَ، فَأمّا ما كانَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوِ المُعامَلَةِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لِداعٍ حَسَنٍ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .
و”أشُقَّ عَلَيْكَ“ مَعْناهُ: أكُونَ شاقًّا عَلَيْكَ، أيْ مُكَلِّفَكَ مَشَقَّةً، والمَشَقَّةُ: العُسْرُ والتَّعَبُ والصُّعُوبَةُ في العَمَلِ. والأصْلُ أنْ يُوصَفَ بِالشّاقِّ العَمَلُ المُتْعِبُ، فَإسْنادُ ”أشُقَّ“ إلى ذاتِهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المَشَقَّةِ، أيْ ما أُرِيدُ أنْ أشْتَرِطَ عَلَيْكَ ما فِيهِ مَشَقَّتُكَ. وهَذا مِنَ السَّماحَةِ الوارِدِ فِيها حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذا باعَ، سَمَحًا إذا اشْتَرى» . . .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ حِكايَةٌ لِجَوابِ مُوسى عَنْ كَلامِ شُعَيْبٍ. واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ وهو ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ إلى آخِرِهِ. وهَذا قَبُولُ مُوسى لِما أوْجَبَهُ شُعَيْبٌ وبِهِ تَمَّ التَّعاقُدُ عَلى النِّكاحِ وعَلى الإجارَةِ، أيِ الأمْرُ عَلى ما شَرَطْتَ عَلَيَّ وعَلَيْكَ. وأطْلَقَ بَيْنِي وبَيْنَكَ مَجازًا في مَعْنى الثُّبُوتِ واللُّزُومِ والِارْتِباطِ، أيْ كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِهِ.
صفحة ١١٠
و”أيَّما“ مَنصُوبٌ بِـ ”قَضَيْتُ“ . و”أيَّ“ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ (ما) . وزِيدَتْ بَعْدَها ”ما“ لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِيرَ المَوْصُولُ شَبِيهًا بِأسْماءِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ ما في اسْمِ المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ يُكْسِبُهُ عُمُومًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ جَوابٌ كَجَوابِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ كُلُّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ في مُنْتَهى الأجَلِ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعاقُدُ المُفادُ بِجُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“ والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، أيْ فَلا تَعْتَدِي عَلَيَّ. فَنَفى جِنْسَ العُدْوانِ الَّذِي مِنهُ عُدْوانُ مُسْتَأْجِرِهِ. واسْتَشْهَدَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ وعَلى شُعَيْبٍ بِشَهادَةِ اللَّهِ.
وأصْلُ الوَكِيلِ: الَّذِي وُكِّلَ إلَيْهِ الأمْرُ، وأرادَ هُنا أنَّهُ وُكِّلَ عَلى الوَفاءِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ، حَتّى إذا أخَلَّ أحَدُهُما بِشَيْءٍ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذَهُ. ولَمّا ضُمِّنَ الوَكِيلُ مَعْنى الشّاهِدِ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”عَلى“ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) .
والعِبْرَةُ مِن سِياقَةِ هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو ما تَضَمَّنَتْهُ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ ومَناقِبِ أهْلِ الكَمالِ، وكَيْفَ هَيَّأ اللَّهُ تَعالى مُوسى لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ بِأنْ قَلَّبَهُ في أطْوارِ الفَضائِلِ، وأعْظَمُها مُعاشَرَةُ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ ومُصاهَرَتُهُ، وما تَتَضَمَّنَهُ مِن خِصالِ المُرُوءَةِ والفُتُوَّةِ الَّتِي اسْتَكَنَّتْ في نَفْسِهِ مِن فِعْلِ المَعْرُوفِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، والرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ، والزُّهْدِ، والقَناعَةِ، وشُكْرِ رَبِّهِ عَلى ما أسْدى إلَيْهِ، ومِنَ العَفافِ والرَّغْبَةِ في عِشْرَةِ الصّالِحِينَ، والعَمَلِ لَهم، والوَفاءِ بِالعَقْدِ، والثَّباتِ عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ خاتِمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفَهُ بِالرِّسالَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن خِصالِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أبْداها شُعَيْبٌ مِن حُبِّ القِرى، وتَأْمِينِ الخائِفِ، والرِّفْقِ في المُعامَلَةِ، لِيَعْتَبِرَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ إنْ كانَ لَهُمُ اعْتِبارٌ في مُقايَسَةِ تِلْكَ الأحْوالِ بِأجْناسِها مِن أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَهْتَدُوا إلى أنَّ ما عَرَفُوهُ بِهِ مِن زَكِيِّ الخِصالِ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وتَقْوِيمِ سِيرَتِهِ، وإعانَتِهِ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، وتَزَوُّجِهِ أفْضَلَ امْرَأةٍ مِن نِساءِ قَوْمِهِ، إنْ هي إلّا خِصالٌ فاذَّةٌ فِيهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وإنْ هي إلّا
صفحة ١١١
بِوارِقُ لِانْهِطالِ سَحابِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ولِيَأْتَسِيَ المُسْلِمُونَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ مِن أخْلاقِ أهْلِ النُّبُوءَةِ والصَّلاحِ.
القصص 28:28
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ ﴿قالَ إنِّيَ أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِيَ إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾
حَذَفَ ما لَقِيَهُ مُوسى مِن شُعَيْبٍ مِنَ الجَزاءِ بِإضافَتِهِ وإطْعامِهِ، وانْتَقَلَ مِنهُ إلى عَرْضِ إحْدى المَرْأتَيْنِ عَلى أبِيها أنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِلْعَمَلِ في ماشِيَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم بِبَيْتِهِمْ رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وقَدْ كَبُرَ أبُوهُما فَلَمّا رَأتْ أمانَتَهُ ووَرَعَهُ رَأتْ أنَّهُ خَيْرُ مَن يُسْتَأْجَرُ لِلْعَمَلِ عِنْدَهم لِقُوَّتِهِ عَلى العَمَلِ وأمانَتِهِ.
والتّاءُ في ”أبَتِ“ عِوَضٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ خاصَّةً، وهي يَجُوزُ كَسْرُها وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ. ويَجُوزُ فَتْحُها وبِهِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ عِلَّةٌ لِلْإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِئْجارِهِ، أيْ لِأنَّ مِثْلَهُ مَن يُسْتَأْجَرُ. وجاءَتْ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ مُرْسَلَةٍ مَثَلًا؛ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ ومُطابَقَةِ الحَقِيقَةِ بِدُونِ تَخَلُّفٍ، فالتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في ”القَوِيُّ الأمِينُ“ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ. والخِطابُ في ”مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُوَجَّهٌ إلى شُعَيْبٍ، وصالِحٌ لِأنْ يَعُمَّ كُلَّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ لِتَتِمَّ صَلاحِيَّةُ هَذا الكَلامِ لِأنْ يُرْسَلَ مَثَلًا. فالتَّقْدِيرُ: مَنِ اسْتَأْجَرَ المُسْتَأْجِرُ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ في مَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ إذْ لا يُرادُ بِالصِّلَةِ هُنا وصْفُ خاصٍّ بِمُعَيَّنٍ.
وجَعْلُ ”خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ“ مُسْنَدًا إلَيْهِ بِجَعْلِهِ اسْمًا؛ لِأنَّ جَعْلَ ”القَوِيُّ
صفحة ١٠٦
الأمِينُ“ خَبَرًا مَعَ صِحَّةِ جَعْلِ ”القَوِيُّ الأمِينُ“ هو المُسْنَدَ إلَيْهِ فَإنَّهُما مُتَساوِيانِ في المَعْرِفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِالتَّعْرِيفِ في المَوْصُولِ المُضافِ إلَيْهِ ”خَيْرَ“، وفي المُعَرَّفِ بِاللّامِ هُنا العُمُومُ في كِلَيْهِما، فَأُوثِرَ بِالتَّقْدِيمِ في جُزْأيِ الجُمْلَةِ ما هو أهَمُّ وأوْلى بِالعِنايَةِ وهو خَيْرُ أجِيرٍ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ سِيقَتْ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ”اسْتَأْجَرَهُ“ فَوَصْفُ الأجِيرِ أهَمُّ في مَقامِ تَعْلِيلِها ونَفْسُ السّامِعِ أشَدُّ تَرَقُّبًا لِحالِهِ.
ومَجِيءُ هَذا العُمُومِ عَقِبَ الحَدِيثِ عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ مِمَّنْ يَشْمَلُهُ ذَلِكَ العُمُومُ، فَكانَ ذَلِكَ مُصادِفًا المَحَزَّ مِنَ البَلاغَةِ إذْ صارَ إثْباتُ الأمانَةِ والقُوَّةِ لِهَذا المُتَحَدَّثِ عَنْهُ إثْباتًا لِلْحُكْمِ بِدَلِيلٍ. فَتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: اسْتَأْجِرْهُ فَهو قَوِيٌّ أمِينٌ وإنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرَ مُسْتَأْجِرٌ القَوِيُّ الأمِينُ. فَكانَتِ الجُمْلَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى خُصُوصِيَّةِ تَقْدِيمِ الأهَمِّ وعَلى إيجازِ الحَذْفِ وعَلى المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وبِذَلِكَ اسْتَوْفَتْ غايَةَ مُقْتَضى الحالِ فَكانَتْ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ.
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ (أشْكُو إلى اللَّهِ ضَعْفَ الأمِينِ وخِيانَةَ القَوِيِّ) . يُرِيدُ أسْألُهُ أنْ يُؤَيِّدَنِي بِقَوِيٍّ أمِينٍ أسْتَعِينُ بِهِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”هاتَيْنِ“ إلى المَرْأتَيْنِ اللَّتَيْنِ سَقى لَهُما إنْ كانَتا حاضِرَتَيْنِ مَعًا دُونَ غَيْرِهِما مِن بَناتِ شُعَيْبٍ لِتَعَلُّقِ القَضِيَّةِ بِشَأْنِهِما، أوْ تَكُونُ الإشارَةُ إلَيْهِما لِحُضُورِهِما في ذِهْنِ مُوسى بِاعْتِبارِ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالسَّقْيِ لَهُما إنْ كانَتِ الأُخْرى غائِبَةً حِينَئِذٍ.
وفِيهِ جَوازُ عَرْضِ الرَّجُلِ مَوْلاتِهِ عَلى مَن يَتَزَوَّجُها رَغْبَةً في صَلاحِهِ. وجَعَلَ لِمُوسى اخْتِيارَ إحْداهُما؛ لِأنَّهُ قَدْ عَرَفَها وكانَتِ الَّتِي اخْتارَها مُوسى صَفُّورَةَ، وهي الصُّغْرى كَما جاءَ في رِوايَةِ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما اخْتارَها دُونَ أُخْتِها؛ لِأنَّها الَّتِي عَرَفَ أخْلاقَها بِاسْتِحْيائِها وكَلامِها فَكانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لَها عِنْدَهُ.
وكانَ هَذا التَّخْيِيرُ قَبْلَ انْعِقادِ النِّكاحِ، فَلَيْسَ فِيهِ جَهْلُ المَعْقُودِ عَلَيْها. وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ حَرْفُ ”عَلى“ مَن صِيَغِ الشَّرْطِ في العُقُودِ. و”تَأْجُرُنِي“ مُضارِعُ أجَرَهُ مِثْلُ نَصَرَهُ إذا كانَ أجِيرًا لَهُ. والحِجَجُ اسْمٌ
صفحة ١٠٧
جَمْعُ حِجَّةٍ بِكَسْرِ الحاءِ وهي السَّنَةُ، مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ الحَجِّ؛ لِأنَّ الحَجَّ يَقَعُ كُلَّ سَنَةٍ ومَوْسِمُ الحَجِّ يَقَعُ في آخِرِ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ العَرَبِيَّةِ.
والتِزامُ جَعْلِ تَزْوِيجِهِ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ الإجارَةِ بَيْنَهُما عَرْضٌ مِنهُ عَلى مُوسى، ولَيْسَ بِعَقْدِ نِكاحٍ ولا إجارَةٍ حَتّى يَرْضى مُوسى. وفي هَذا العَرْضِ دَلِيلٌ لِمَسْألَةِ جَمْعِ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ عَقْدِ الإجارَةِ. والمَسْألَةُ أصْلُها مِنَ السُّنَّةِ حَدِيثُ «المَرْأةِ الَّتِي عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَلَمْ يَتَزَوَّجْها، وزَوَّجَها مِن رَجُلٍ كانَ حاضِرًا مَجْلِسَهُ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُصْدِقُها فَزَوَّجَهُ إيّاها بِما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، أيْ عَلى أنْ يُعَلِّمَها إيّاهُ» .
والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّ الشَّرْطَ المُقارِنَ لِعَقْدِ النِّكاحِ إنْ كانَ مِمّا يُنافِي عَقْدَ النِّكاحِ فَهو باطِلٌ، ويُفْسَخُ النِّكاحُ قَبْلَ البِناءِ ويَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَداقِ المِثْلِ. وأمّا غَيْرُ المُنافِي لِعَقْدِ النِّكاحِ فَلا يُفْسَخُ النِّكاحُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ يُلْغى الشَّرْطُ. وعَنْ مالِكٍ أيْضًا: تُكْرَهُ الشُّرُوطُ كُلُّها ابْتِداءً فَإنْ وقَعَ مَضى. وقالَ أشْهَبُ، وأصْبَغُ: الشَّرْطُ جائِزٌ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ وهو الحَقُّ لِلْآيَةِ، ولِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أحَقُّ الشُّرُوطِ أنْ يُوَفّى بِهِ ما اسْتَحْلَلْتُمْ عَلَيْهِ الفُرُوجَ» .
وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا أنَّ الإجارَةَ المَذْكُورَةَ جُعِلَتْ مَهْرًا لِلْبِنْتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَشْرُوطَ التِزامُ الإجارَةِ لا غَيْرُ، وأمّا المَهْرُ فَتابِعٌ لِما يُعْتَبَرُ في شَرْعِهِمْ رُكْنًا في النِّكاحِ، والشَّرائِعُ قَدْ تَخْتَلِفُ في مَعانِي الماهِيّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَتْ دالَّةً عَلى أنَّهُما جَعَلا المَهْرَ مَنافِعَ إجارَةِ الزَّوْجِ لِشُعَيْبٍ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِرِضاها؛ لِأنَّها سَمِعَتْ وسَكَتَتْ بِناءً عَلى عَوائِدَ مَرْعِيَّةٍ عِنْدَهم بِأنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ المَنافِعِ أبُوها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِوَلِيِّ المَرْأةِ بِالأصالَةِ إنْ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْمَهْرِ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، فَإنَّ عَوائِدَ الأُمَمِ مُخْتَلِفَةٌ في تَزْوِيجِ ولاياهم. وإذْ قَدْ كانَ في الآيَةِ إجْمالٌ لَمْ تَكُنْ كافِيَةً في الِاحْتِجاجِ عَلى جَوازِ جَعْلِ مَهْرِ المَرْأةِ مَنافِعَ مِن إجارَةِ زَوْجِها فَيَرْجِعُ النَّظَرُ في صِحَّةِ جَعْلِ المَهْرِ إجارَةً إلى التَّخْرِيجِ عَلى قَواعِدِ الشَّرِيعَةِ، والدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ، فَإنَّ مَنافِعَ الإجارَةِ ذاتُ قِيمَةٍ فَلا مانِعَ مِن أنْ تُجْعَلَ مَهْرًا. والتَّحْقِيقُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ مَكْرُوهٌ ويَمْضِي. وأجازَهُ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ
صفحة ١٠٨
حَبِيبٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ جَعْلُ المَهْرِ مَنافِعَ حُرٍّ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنافِعَ عَبْدٍ. ولَمْ يَرَ في الآيَةِ دَلِيلًا؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ النِّكاحُ مُسْتَوْفِيًا شُرُوطَهُ فَوَقَعَ الإجْمالُ فِيها. ووافَقَهُ ابْنُ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.
وإذْ قَدْ كانَ حُكْمُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا مُخْتَلِفًا في جَعْلِهِ شَرْعًا لَنا كانَ حُجَّةً مُخْتَلَفًا فِيها بَيْنَ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ، فَزادَها ضَعْفًا في هَذِهِ الآيَةِ الإجْمالُ الَّذِي تَطَرَّقَها فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى أدِلَّةٍ أُخْرى مِن شَرِيعَةِ الإسْلامِ. ودَلِيلُ الجَوازِ داخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ مَعْنى المَهْرِ. فَإنْ كانَتِ المَنافِعُ المَجْعُولَةُ مَهْرًا حاصِلَةً قَبْلَ البِناءِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْضُها أوْ جَمِيعُها لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ البِناءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ رَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى النِّكاحِ بِمَهْرٍ مُؤَجَّلٍ وهو مَكْرُوهٌ غَيْرُ باطِلٍ. وإلى الإجارَةِ بِعِوَضٍ غَيْرِ قابِلٍ لِلتَّبْعِيضِ بِتَبْعِيضِ العَمَلِ، فَإذا لَمْ يُتِمَّ الأجِيرُ العَمَلَ في هَذِهِ رَجَعَتْ إلى مَسْألَةِ عَجْزِ العامِلِ عَنِ العَمَلِ بَعْدَ أنْ قَبَضَ الأجْرَ. وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ وفي حَدِيثِ «المَرْأةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَظَهَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها وأنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ لَهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ فَزَوِّجْنِيها. قالَ: هَلْ عِنْدَكَ ما تُصْدِقُها ؟ إلى أنْ قالَ لَهُ ﷺ التَمَسَ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ قالَ: ما عِنْدِي ولا خاتَمٌ مِن حَدِيدٍ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لَهُ: ما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ ؟ قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا لِسُوَرٍ سَمّاها. قالَ لَهُ: قَدْ مَلَّكْتُكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ. وفي رِوايَةٍ أنَّ النَّبِيءَ أمَرَهُ أنْ يُعَلِّمَها عِشْرِينَ آيَةً مِمّا مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ وتَكُونُ امْرَأتَهُ» . فَإنْ صَحَّتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ كانَ الحَدِيثُ جارِيًا عَلى وفْقِ ما في هَذِهِ الآيَةِ وكانَ حُجَّةً لِصِحَّةِ جَعْلِ الصَّداقِ إجارَةً عَلى عَمَلٍ، وإنْ لَمْ تَصِحَّ كَما هو المَشْهُورُ في كُتُبِ الصَّحِيحِ فالقِصَّةُ خُصُوصِيَّةٌ يُقْتَصَرُ عَلى مَوْرِدِها.
ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ في الآيَةِ لِلْعَمَلِ المُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ. ووَرَدَ في سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ رَعى غَنَمَ يَثْرُونَ وهو شُعَيْبٌ، ولا غَرَضَ لِلْقُرْآنِ في بَيانِ ذَلِكَ. ولَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ إلى الأجْرِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ إنْكاحُهُ البِنْتَ فَإذا لَمْ نَأْخُذْ بِهَذا الظّاهِرِ كانَتِ الآيَةُ غَيْرَ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْأجْرِ، إذْ لا غَرَضَ فِيهِ مِن سَوْقِ القِصَّةِ فَيَكُونُ جارِيًا عَلى ما هو مُتَعارَفٌ عِنْدَهم في أُجُورِ الأعْمالِ، وكانَتْ لِلْقَبائِلِ عَوائِدُ في ذَلِكَ. وقَدْ أدْرَكْتُ
صفحة ١٠٩
مُنْذُ أوَّلِ هَذا القَرْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أنَّ راعِيَ الغَنَمِ لَهُ في كُلِّ عامٍ قَمِيصٌ وحِذاءٌ يُسَمّى بَلْغَةً ونَحْوُ ذَلِكَ لا أضْبُطُهُ الآنَ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾ جَعَلَ ذَلِكَ إلى مُوسى تَفَضُّلًا مِنهُ أنِ اخْتارَهُ ووَكَّلَهُ إلى ما تَكُونُ عَلَيْهِ حالُهُ في مُنْتَهى الحِجَجِ الثَّمانِ مِن رَغْبَةٍ في الزِّيادَةِ.
و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. و”عِنْدَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في الذّاتِ والنَّفْسِ مَجازًا، والمَجْرُورُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَإتْمامُ العَشْرِ مِن نَفْسِكَ، أيْ لا مِنِّي، يَعْنِي: أنَّ الإتْمامَ لَيْسَ داخِلًا في العُقْدَةِ الَّتِي هي مِنَ الجانِبَيْنِ فَكانَ مَفْهُومُ الظَّرْفِ مُعْتَبَرًا هُنا.
واحْتَجَّ مالِكٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾ عَلى أنَّ لِلْأبِ إنْكاحَ ابْنَتِهِ البِكْرِ بِدُونِ إذْنِها وهو أخْذٌ بِظاهِرِها إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِئْذانِها. ولِمَن يَمْنَعُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: إنَّ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ يُرِيدُ الصّالِحِينَ بِالنّاسِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ولِينِ الجانِبِ. قَصَدَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ خُلُقِهِ لِصاحِبِهِ، ولَيْسَ هَذا مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ ما قَصَدَ بِهِ قائِلُهُ الفَخْرَ والتَّمَدُّحَ، فَأمّا ما كانَ لِغَرَضِ الدِّينِ أوِ المُعامَلَةِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لِداعٍ حَسَنٍ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] .
و”أشُقَّ عَلَيْكَ“ مَعْناهُ: أكُونَ شاقًّا عَلَيْكَ، أيْ مُكَلِّفَكَ مَشَقَّةً، والمَشَقَّةُ: العُسْرُ والتَّعَبُ والصُّعُوبَةُ في العَمَلِ. والأصْلُ أنْ يُوصَفَ بِالشّاقِّ العَمَلُ المُتْعِبُ، فَإسْنادُ ”أشُقَّ“ إلى ذاتِهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ المَشَقَّةِ، أيْ ما أُرِيدُ أنْ أشْتَرِطَ عَلَيْكَ ما فِيهِ مَشَقَّتُكَ. وهَذا مِنَ السَّماحَةِ الوارِدِ فِيها حَدِيثُ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إذا باعَ، سَمَحًا إذا اشْتَرى» . . .
وجُمْلَةُ ﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ حِكايَةٌ لِجَوابِ مُوسى عَنْ كَلامِ شُعَيْبٍ. واسْمُ الإشارَةِ إلى المَذْكُورِ وهو ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ إلى آخِرِهِ. وهَذا قَبُولُ مُوسى لِما أوْجَبَهُ شُعَيْبٌ وبِهِ تَمَّ التَّعاقُدُ عَلى النِّكاحِ وعَلى الإجارَةِ، أيِ الأمْرُ عَلى ما شَرَطْتَ عَلَيَّ وعَلَيْكَ. وأطْلَقَ بَيْنِي وبَيْنَكَ مَجازًا في مَعْنى الثُّبُوتِ واللُّزُومِ والِارْتِباطِ، أيْ كُلٌّ فِيما هو مِن عَمَلِهِ.
صفحة ١١٠
و”أيَّما“ مَنصُوبٌ بِـ ”قَضَيْتُ“ . و”أيَّ“ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ (ما) . وزِيدَتْ بَعْدَها ”ما“ لِلتَّأْكِيدِ لِيَصِيرَ المَوْصُولُ شَبِيهًا بِأسْماءِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ تَأْكِيدَ ما في اسْمِ المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ يُكْسِبُهُ عُمُومًا فَيُشْبِهُ الشَّرْطَ فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ جَوابٌ كَجَوابِ الشَّرْطِ. والجُمْلَةُ كُلُّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“؛ لِأنَّ التَّخْيِيرَ في مُنْتَهى الأجَلِ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعاقُدُ المُفادُ بِجُمْلَةِ ”ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ“ والعُدْوانُ بِضَمِّ العَيْنِ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، أيْ فَلا تَعْتَدِي عَلَيَّ. فَنَفى جِنْسَ العُدْوانِ الَّذِي مِنهُ عُدْوانُ مُسْتَأْجِرِهِ. واسْتَشْهَدَ مُوسى عَلى نَفْسِهِ وعَلى شُعَيْبٍ بِشَهادَةِ اللَّهِ.
وأصْلُ الوَكِيلِ: الَّذِي وُكِّلَ إلَيْهِ الأمْرُ، وأرادَ هُنا أنَّهُ وُكِّلَ عَلى الوَفاءِ بِما تَعاقَدا عَلَيْهِ، حَتّى إذا أخَلَّ أحَدُهُما بِشَيْءٍ كانَ اللَّهُ مُؤاخِذَهُ. ولَمّا ضُمِّنَ الوَكِيلُ مَعْنى الشّاهِدِ عُدِّيَ بِحَرْفِ ”عَلى“ وكانَ حَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) .
والعِبْرَةُ مِن سِياقَةِ هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٢] إلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو ما تَضَمَّنَتْهُ مِن فَضائِلِ الأعْمالِ ومَناقِبِ أهْلِ الكَمالِ، وكَيْفَ هَيَّأ اللَّهُ تَعالى مُوسى لِتَلَقِّي الرِّسالَةِ بِأنْ قَلَّبَهُ في أطْوارِ الفَضائِلِ، وأعْظَمُها مُعاشَرَةُ رَسُولٍ مِن رُسُلِ اللَّهِ ومُصاهَرَتُهُ، وما تَتَضَمَّنَهُ مِن خِصالِ المُرُوءَةِ والفُتُوَّةِ الَّتِي اسْتَكَنَّتْ في نَفْسِهِ مِن فِعْلِ المَعْرُوفِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِ، والرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ، والزُّهْدِ، والقَناعَةِ، وشُكْرِ رَبِّهِ عَلى ما أسْدى إلَيْهِ، ومِنَ العَفافِ والرَّغْبَةِ في عِشْرَةِ الصّالِحِينَ، والعَمَلِ لَهم، والوَفاءِ بِالعَقْدِ، والثَّباتِ عَلى العَهْدِ حَتّى كانَ خاتِمَةُ ذَلِكَ تَشْرِيفَهُ بِالرِّسالَةِ وما تَضَمَّنَتْهُ مِن خِصالِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أبْداها شُعَيْبٌ مِن حُبِّ القِرى، وتَأْمِينِ الخائِفِ، والرِّفْقِ في المُعامَلَةِ، لِيَعْتَبِرَ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ إنْ كانَ لَهُمُ اعْتِبارٌ في مُقايَسَةِ تِلْكَ الأحْوالِ بِأجْناسِها مِن أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَهْتَدُوا إلى أنَّ ما عَرَفُوهُ بِهِ مِن زَكِيِّ الخِصالِ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وتَقْوِيمِ سِيرَتِهِ، وإعانَتِهِ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ، وتَزَوُّجِهِ أفْضَلَ امْرَأةٍ مِن نِساءِ قَوْمِهِ، إنْ هي إلّا خِصالٌ فاذَّةٌ فِيهِ بَيْنَ قَوْمِهِ وإنْ هي إلّا
صفحة ١١١
بِوارِقُ لِانْهِطالِ سَحابِ الوَحْيِ عَلَيْهِ. واللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ولِيَأْتَسِيَ المُسْلِمُونَ بِالأُسْوَةِ الحَسَنَةِ مِن أخْلاقِ أهْلِ النُّبُوءَةِ والصَّلاحِ.
القصص 28:29
﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نارًا لَعَلِّيَ آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جِذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾
لَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى إذْ لا يَتَعَلَّقُ بِتَعْيِينِهِ غَرَضٌ في سِياقِ القِصَّةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (قَضى أوْفاهُما وأطْيَبَهُما إنَّ رَسُولَ اللَّهِ إذا قالَ فَعَلَ) أيْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ المُسْتَقْبَلَ لا يَصْدُرُ مِن مِثْلِهِ إلّا الوَفاءُ التّامُّ، ووَرَدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في أحادِيثَ ضَعِيفَةِ الأسانِيدِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأجابَ بِمِثْلِ ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.
والأهْلُ مِن إطْلاقِهِ الزَّوْجَةُ كَما في الحَدِيثِ «واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا» .
وفِي سِفْرِ الخُرُوجِ: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ صِهْرَهُ في الذَّهابِ إلى مِصْرَ لِافْتِقادِ أُخْتِهِ وآلِهِ. وبَقِيَّةُ القِصَّةِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا زِيادَةَ قَوْلِهِ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾ وذَلِكَ مُساوٍ لِقَوْلِهِ هُنا ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ [طه: ١٠] .
والجِذْوَةُ مُثَلَّثُ الجِيمِ، وقُرِئَ بِالوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فالجُمْهُورُ بِكَسْرِ الجِيمِ، وعاصِمٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِضَمِّها، وهي العُودُ الغَلِيظُ. قِيلَ مُطْلَقًا وقِيلَ المُشْتَعِلُ وهو الَّذِي في القامُوسِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَوَصْفُ الجِذْوَةِ بِأنَّها مِنَ النّارِ وصْفٌ مُخَصَّصٌ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَهو وصْفٌ كاشِفٌ، و”مِن“ عَلى الأوَّلِ بَيانِيَّةٌ وعَلى الثّانِي تَبْعِيضِيَّةٌ.
القصص 28:30
صفحة ١١٢
﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّيَ أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]
تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا مُخالَفَةَ ألْفاظٍ مِثْلِ ”أتاها“ هُنا و”جاءَها“ هُناكَ. و”إنِّيَ أنا اللَّهُ“ هُنا، و”إنَّهُ أنا اللَّهُ“ هُناكَ بِضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الجَلالَةِ هُنالِكَ، وضَمِيرِ الشَّأْنِ هُنا، وهُما مُتَساوِيانِ في المَوْقِعِ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ شَأْنُهُ عَظِيمٌ. وقَوْلُهُ هُنا ”رَبُّ العالَمِينَ“ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ قِيلَتْ لَهُ حِينَئِذٍ.
والقَوْلُ في نُكْتَةِ تَقْدِيمِ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ إصْدارِ أمْرِهِ لَهُ بِإلْقاءِ العَصا كالقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّ وصْفَ رَبِّ العالَمِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ مُسَخَّرَةٌ لَهُ لِيُثَبِّتَ بِذَلِكَ قَلْبَ مُوسى مِن هَوْلِ تَلَقِّي الرِّسالَةِ.
”وأنْ ألْقِ“ هُنا و”ألْقِ“ هُناكَ، و”اسْلُكْ“ هُنا و”أدْخِلْ“ هُناكَ. وتِلْكَ المُخالَفَةُ تَفَنُّنٌ في تَكْرِيرِ القِصَّةِ لِتَجَدُّدِ نَشاطِ السّامِعِ لَها، وإلّا زِيادَةَ ﴿مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ وهَذا وادٍ في سَفْحِ الطُّورِ. وشاطِئُهُ: جانِبُهُ وضَفَّتُهُ.
ووَصْفُ الشّاطِئِ بِالأيْمَنِ إنْ حُمِلَ الأيْمَنُ عَلى أنَّهُ ضِدُّ الأيْسَرِ فَهو أيْمَنُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ واقِعٌ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ مِن جَعْلِ القِبْلَةِ هي الجِهَةَ الأصْلِيَّةَ لِضَبْطِ الواقِعِ، وهم يَنْعَتُونَ الجِهاتِ بِاليَمِينِ واليَسارِ ويُرِيدُونَ هَذا المَعْنى، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
عَلى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أيْمُنُ صَوْبِهِ وأيْسَرُهُ عَلى السِّتارِ فَيَذْبُلِ
وعَلى ذَلِكَ جَرى اصْطِلاحُ المُسْلِمِينَ في تَحْدِيدِ المَواقِعِ الجُغْرافِيَّةِ ومَواقِعِ الأرَضِينَ، فَيَكُونُ الأيْمَنُ يَعْنِي الغَرْبِيَّ لِلْجَبَلِ، أيْ جِهَةَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الطُّورِ.
صفحة ١١٣
ألا تَرى أنَّهم سَمَّوُا اليَمَنَ يَمَنًا؛ لِأنَّهُ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ بابَ الكَعْبَةِ، وسَمَّوُا الشّامَ شامًا؛ لِأنَّهُ عَلى شامِ المُسْتَقْبِلِ لِبابِها، أيْ عَلى شَمالِهِ، فاعْتَبَرُوا اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ، وهَذا هو المُلائِمُ لِقَوْلِهِ الآتِي وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ.
وأمّا جَعْلُهُ بِمَعْنى الأيْمَنِ لِمُوسى فَلا يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] فَإنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ لِمُوسى هُناكَ.
وإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ تَفْضِيلٌ مِنَ اليُمْنِ، وهو البَرَكَةُ فَهو كَوَصْفِهِ بِـ المُقَدَّسِ في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] .
والبُقْعَةُ بِضَمِّ الباءِ ويَجُوزُ فَتْحُها هي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها.
والمُبارَكَةُ لِما فِيها مِنِ اخْتِيارِها لِنُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُوسى. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ ”نُودِيَ“ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ مَصْدَرَ هَذا النِّداءِ وتَكُونُ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ، أيْ سَمِعَ كَلامًا خارِجًا مِنَ الشَّجَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا نَعْتًا ثانِيًا لِلْوادِ أوْ حالًا فَتَكُونُ ”مِن“ اتِّصالِيَّةً، أيْ مُتَّصِلًا بِالشَّجَرَةِ، أيْ عِنْدَها، أيِ البُقْعَةِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالشَّجَرَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَدَلَ عَنِ التَّنْكِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها شَجَرَةٌ مَقْصُودَةٌ، ولَيْسَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إذا لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ الشَّجَرَةِ، والَّذِي في التَّوْراةِ أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ كانَتْ مِن شَجَرِ العُلَّيْقِ (وهو مِن شَجَرِ العِضاهِ) وقِيلَ هي عَوْسَجَةٌ والعَوْسَجُ مِن شَجَرِ العِضاهِ أيْضًا. وزِيادَةُ ”أقْبِلْ“ وهي تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ”لا تَخَفْ“ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أدْبَرَ خَوْفًا مِنَ الحَيَّةِ كانَ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى طَلَبِ إقْبالِهِ، فَكانَ الكَلامُ هُنالِكَ إيجازًا وكانَ هُنا مُساواةً تَفَنُّنًا في حِكايَةِ القِصَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ هُنا ولَمْ يُحْكَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمُفادِ ”ولا تَخَفْ“ . وفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقِ أمْنِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ وجَعْلِهِ مِن جُمْلَةِ الآمِنِينَ، فَإنَّهُ أشَدُّ في تَحْقِيقِ الأمْنِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّكَ آمِنٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]“ خَفِيَ فِيهِ مُحَصَّلُ المَعْنى المُنْتَزَعِ مِن تَرْكِيبِهِ فَكانَ مَجالَ تَرَدُّدِ المُفَسِّرِينَ في تَبْيِينِهِ، واعْتَكَرَتْ مَحامِلُ كَلِماتِهِ فَما
صفحة ١١٤
اسْتَقامَ مَحْمَلُ إحْداها إلّا وناكَدَهُ مَحْمَلُ أُخْرى. وهي ألْفاظُ: جَناحٍ، ورَهَبٍ، وحَرْفِ ”مِنَ“ . فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تُوَصِّلُ إلى مُسْتَقَرٍّ. وقَدِ اسْتُوعِبَتْ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وإنَّ قَوْلَهُ ”مِنَ الرَّهَبِ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ”ولّى مُدْبِرًا“ عَلى أنَّ ”مِنَ“ حَرْفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أدْبَرَ لِسَبَبِ الخَوْفِ، وهَذا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ إذْ لا داعِيَ لِتَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ ما زَعَمُوهُ عَلى ما فِيهِ مِن طُولِ الفَصْلِ بَيْنَ فِعْلِ ”ولّى“ وبَيْنَ ”مِنَ الرَّهَبِ“ .
وقِيلَ الجَناحُ: اليَدُ، ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ اليَدِ؛ لِأنَّهُ يُفْضِي إمّا إلى تَكْرِيرِ مُفادِ قَوْلِهِ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ وحَرْفُ العَطْفِ مانِعٌ مِنِ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ. وادِّعاءُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي كَما في الكَشّافِ بَعِيدٌ، أوْ يُؤَوَّلُ بِأنْ وضْعَ اليَدِ عَلى الصَّدْرِ يُذْهِبُ الخَوْفَ كَما عُزِيَ إلى الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلى مُجاهِدٍ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وهَذا مَيْلٌ إلى أنَّ الجَناحَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرادٌ بِهِ يَدُ الإنْسانِ. ولِلْجَناحِ حَقِيقَةٌ ومَجازاتٌ بَيْنَ مُرْسَلٍ واسْتِعارَةٍ وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ في تَصارِيفِ مَعانِيهِ، ولَيْسَ وُرُودُهُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِمَعْنًى بِقاضٍ بِحَمْلِهِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. ولِذا فالوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ“ تَمْثِيلٌ بِحالِ الطّائِرِ بَدَلًا مِن أنْ تَطِيرَ خَوْفًا. وهَذا مَأْخُوذٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ وأصْلُهُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والرَّهَبُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ الخَوْفُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
والمَعْنى: انْكَفِفْ عَنِ التَّخَوُّفِ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ. وفي الكَلامِ إيجازٌ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] فَقَوْلُهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ“ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (الرَّهَبِ) بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وهي لُغاتٌ فَصِيحَةٌ.
القصص 28:31
صفحة ١١٢
﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أنْ يا مُوسى إنِّيَ أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]
تَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا مُخالَفَةَ ألْفاظٍ مِثْلِ ”أتاها“ هُنا و”جاءَها“ هُناكَ. و”إنِّيَ أنا اللَّهُ“ هُنا، و”إنَّهُ أنا اللَّهُ“ هُناكَ بِضَمِيرٍ عائِدٍ إلى الجَلالَةِ هُنالِكَ، وضَمِيرِ الشَّأْنِ هُنا، وهُما مُتَساوِيانِ في المَوْقِعِ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الجَلالَةِ شَأْنُهُ عَظِيمٌ. وقَوْلُهُ هُنا ”رَبُّ العالَمِينَ“ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ”العَزِيزُ الحَكِيمُ“ . وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ قِيلَتْ لَهُ حِينَئِذٍ.
والقَوْلُ في نُكْتَةِ تَقْدِيمِ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ إصْدارِ أمْرِهِ لَهُ بِإلْقاءِ العَصا كالقَوْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّ وصْفَ رَبِّ العالَمِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ مُسَخَّرَةٌ لَهُ لِيُثَبِّتَ بِذَلِكَ قَلْبَ مُوسى مِن هَوْلِ تَلَقِّي الرِّسالَةِ.
”وأنْ ألْقِ“ هُنا و”ألْقِ“ هُناكَ، و”اسْلُكْ“ هُنا و”أدْخِلْ“ هُناكَ. وتِلْكَ المُخالَفَةُ تَفَنُّنٌ في تَكْرِيرِ القِصَّةِ لِتَجَدُّدِ نَشاطِ السّامِعِ لَها، وإلّا زِيادَةَ ﴿مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ وهَذا وادٍ في سَفْحِ الطُّورِ. وشاطِئُهُ: جانِبُهُ وضَفَّتُهُ.
ووَصْفُ الشّاطِئِ بِالأيْمَنِ إنْ حُمِلَ الأيْمَنُ عَلى أنَّهُ ضِدُّ الأيْسَرِ فَهو أيْمَنُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ واقِعٌ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ مِن جَعْلِ القِبْلَةِ هي الجِهَةَ الأصْلِيَّةَ لِضَبْطِ الواقِعِ، وهم يَنْعَتُونَ الجِهاتِ بِاليَمِينِ واليَسارِ ويُرِيدُونَ هَذا المَعْنى، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
عَلى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أيْمُنُ صَوْبِهِ وأيْسَرُهُ عَلى السِّتارِ فَيَذْبُلِ
وعَلى ذَلِكَ جَرى اصْطِلاحُ المُسْلِمِينَ في تَحْدِيدِ المَواقِعِ الجُغْرافِيَّةِ ومَواقِعِ الأرَضِينَ، فَيَكُونُ الأيْمَنُ يَعْنِي الغَرْبِيَّ لِلْجَبَلِ، أيْ جِهَةَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الطُّورِ.
صفحة ١١٣
ألا تَرى أنَّهم سَمَّوُا اليَمَنَ يَمَنًا؛ لِأنَّهُ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ بابَ الكَعْبَةِ، وسَمَّوُا الشّامَ شامًا؛ لِأنَّهُ عَلى شامِ المُسْتَقْبِلِ لِبابِها، أيْ عَلى شَمالِهِ، فاعْتَبَرُوا اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ، وهَذا هو المُلائِمُ لِقَوْلِهِ الآتِي وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ.
وأمّا جَعْلُهُ بِمَعْنى الأيْمَنِ لِمُوسى فَلا يَسْتَقِيمُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] فَإنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرٌ لِمُوسى هُناكَ.
وإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ تَفْضِيلٌ مِنَ اليُمْنِ، وهو البَرَكَةُ فَهو كَوَصْفِهِ بِـ المُقَدَّسِ في سُورَةِ النّازِعاتِ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦] .
والبُقْعَةُ بِضَمِّ الباءِ ويَجُوزُ فَتْحُها هي القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها.
والمُبارَكَةُ لِما فِيها مِنِ اخْتِيارِها لِنُزُولِ الوَحْيِ عَلى مُوسى. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ ”نُودِيَ“ فَتَكُونُ الشَّجَرَةُ مَصْدَرَ هَذا النِّداءِ وتَكُونُ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ، أيْ سَمِعَ كَلامًا خارِجًا مِنَ الشَّجَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا نَعْتًا ثانِيًا لِلْوادِ أوْ حالًا فَتَكُونُ ”مِن“ اتِّصالِيَّةً، أيْ مُتَّصِلًا بِالشَّجَرَةِ، أيْ عِنْدَها، أيِ البُقْعَةِ الَّتِي تَتَّصِلُ بِالشَّجَرَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَدَلَ عَنِ التَّنْكِيرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها شَجَرَةٌ مَقْصُودَةٌ، ولَيْسَ التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ إذا لَمْ يَتَقَدَّمُ ذِكْرُ الشَّجَرَةِ، والَّذِي في التَّوْراةِ أنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ كانَتْ مِن شَجَرِ العُلَّيْقِ (وهو مِن شَجَرِ العِضاهِ) وقِيلَ هي عَوْسَجَةٌ والعَوْسَجُ مِن شَجَرِ العِضاهِ أيْضًا. وزِيادَةُ ”أقْبِلْ“ وهي تَصْرِيحٌ بِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ”لا تَخَفْ“ في سُورَةِ النَّمْلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا أدْبَرَ خَوْفًا مِنَ الحَيَّةِ كانَ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ يَدُلُّ عَلى مَعْنى طَلَبِ إقْبالِهِ، فَكانَ الكَلامُ هُنالِكَ إيجازًا وكانَ هُنا مُساواةً تَفَنُّنًا في حِكايَةِ القِصَّتَيْنِ، وكَذَلِكَ زِيادَةُ ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ هُنا ولَمْ يُحْكَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو تَأْكِيدٌ لِمُفادِ ”ولا تَخَفْ“ . وفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقِ أمْنِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ وجَعْلِهِ مِن جُمْلَةِ الآمِنِينَ، فَإنَّهُ أشَدُّ في تَحْقِيقِ الأمْنِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّكَ آمِنٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾ [القصص: ٣٢]“ خَفِيَ فِيهِ مُحَصَّلُ المَعْنى المُنْتَزَعِ مِن تَرْكِيبِهِ فَكانَ مَجالَ تَرَدُّدِ المُفَسِّرِينَ في تَبْيِينِهِ، واعْتَكَرَتْ مَحامِلُ كَلِماتِهِ فَما
صفحة ١١٤
اسْتَقامَ مَحْمَلُ إحْداها إلّا وناكَدَهُ مَحْمَلُ أُخْرى. وهي ألْفاظُ: جَناحٍ، ورَهَبٍ، وحَرْفِ ”مِنَ“ . فَسَلَكُوا طَرائِقَ لا تُوَصِّلُ إلى مُسْتَقَرٍّ. وقَدِ اسْتُوعِبَتْ في كَلامِ القُرْطُبِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ بَعْضُهم: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وإنَّ قَوْلَهُ ”مِنَ الرَّهَبِ“ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ”ولّى مُدْبِرًا“ عَلى أنَّ ”مِنَ“ حَرْفٌ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أدْبَرَ لِسَبَبِ الخَوْفِ، وهَذا لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ إذْ لا داعِيَ لِتَقْدِيمِ وتَأْخِيرِ ما زَعَمُوهُ عَلى ما فِيهِ مِن طُولِ الفَصْلِ بَيْنَ فِعْلِ ”ولّى“ وبَيْنَ ”مِنَ الرَّهَبِ“ .
وقِيلَ الجَناحُ: اليَدُ، ولا يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنِ اليَدِ؛ لِأنَّهُ يُفْضِي إمّا إلى تَكْرِيرِ مُفادِ قَوْلِهِ اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ وحَرْفُ العَطْفِ مانِعٌ مِنِ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ. وادِّعاءُ أنْ يَكُونَ التَّكْرِيرُ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ مِنَ الأوَّلِ والثّانِي كَما في الكَشّافِ بَعِيدٌ، أوْ يُؤَوَّلُ بِأنْ وضْعَ اليَدِ عَلى الصَّدْرِ يُذْهِبُ الخَوْفَ كَما عُزِيَ إلى الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلى مُجاهِدٍ وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ. وهَذا مَيْلٌ إلى أنَّ الجَناحَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرادٌ بِهِ يَدُ الإنْسانِ. ولِلْجَناحِ حَقِيقَةٌ ومَجازاتٌ بَيْنَ مُرْسَلٍ واسْتِعارَةٍ وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ في تَصارِيفِ مَعانِيهِ، ولَيْسَ وُرُودُهُ في بَعْضِ المَواضِعِ بِمَعْنًى بِقاضٍ بِحَمْلِهِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ. ولِذا فالوَجْهُ أنَّ قَوْلَهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ“ تَمْثِيلٌ بِحالِ الطّائِرِ بَدَلًا مِن أنْ تَطِيرَ خَوْفًا. وهَذا مَأْخُوذٌ مِن أحَدِ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ قِيلَ وأصْلُهُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ. والرَّهَبُ مَعْرُوفٌ أنَّهُ الخَوْفُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] .
والمَعْنى: انْكَفِفْ عَنِ التَّخَوُّفِ مِن أمْرِ الرِّسالَةِ. وفي الكَلامِ إيجازٌ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣] فَقَوْلُهُ ”واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ“ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (الرَّهَبِ) بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ الرّاءِ وسُكُونِ الهاءِ وهي لُغاتٌ فَصِيحَةٌ.
القصص 28:32
صفحة ١١٥
﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ”﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ﴾“ والإشارَةُ إلى العَصا، وبَياضِ اليَدِ. والبُرْهانُ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ. و”مِن“ لِلِابْتِداءِ، و”إلى“ لِلِانْتِهاءِ المَجازِيِّ، أيْ حُجَّتانِ عَلى أنْ أُرْسِلَ بِهِما إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ [النمل: ١٢] تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِن رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ لِتَضَمُّنِها أنَّهم بِحَيْثُ يُقْرَعُونَ بِالبَراهِينِ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ تَمَكَّنُ الكُفْرِ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى كانَ كالجِبِلَّةِ فِيهِمْ وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ”كانُوا“ . قَوْلُهُ ”قَوْمًا“ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والفِسْقُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَذانِكَ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ مِن (ذانِكَ) عَلى الأصْلِ في التَّثْنِيَةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَشْدِيدِ نُونِ (فَذانِكَ) وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ. وعَلَّلَها النَّحْوِيُّونَ بِأنَّ تَضْعِيفَ النُّونِ تَعْوِيضٌ عَلى الألْفِ مِن (ذا) و(تا) المَحْذُوفَةِ لِأجْلِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ. وفي الكَشّافِ: أنَّ التَّشْدِيدَ عِوَضٌ عَنْ لامِ البُعْدِ الَّتِي تَلْحَقُ اسْمَ الإشارَةِ فَلِذَلِكَ قالَ (فالمُخَفَّفُ مُثَنّى ذاكَ والمُشَدَّدُ مُثَنّى ذَلِكَ) . وهَذا أحْسَنُ.
القصص 28:33
﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾
جَرى التَّأْكِيدُ عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ أمْثالِهِ مِنَ الأخْبارِ الغَرِيبَةِ لِيَتَحَقَّقَ السّامِعُ وُقُوعَها، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمّا قالَ لَهُ ”اضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهَبِ“ . والمَعْنى: فَأخافَ أنْ يَذْكُرُوا قَتْلِيَ القِبْطِيَّ فَيَقْتُلُونِي. فَهَذا كالِاعْتِذارِ وهو يَعْلَمُ أنَّ رِسالَةَ اللَّهِ لا يُتَخَلَّصُ مِنها بِعُذْرٍ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ في أمْنٍ إلَهِيٍّ مِن أعْدائِهِ. فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالدُّعاءِ، ومُقَدِّمَةٌ لِطَلَبِ تَأْيِيدِهِ بِهارُونَ أخِيهِ.
القصص 28:34
صفحة ١١٦
﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِي رِدًا يُصَدِّقْنِي إنِّيَ أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ هَذا سُؤالٌ صَرِيحٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى لا يُرِيدُ بِالأوَّلِ التَّنَصُّلَ مِنَ التَّبْلِيغِ ولَكِنَّهُ أرادَ تَأْيِيدَهُ بِأخِيهِ. وإنَّما عَيَنَّهُ ولَمْ يَسْألْ مُؤَيِّدًا إمّا لِعِلْمِهِ بِأمانَتِهِ، وإخْلاصِهِ لِلَّهِ ولِأخِيهِ، وعِلْمِهِ بِفَصاحَةِ لِسانِهِ.
و(رِدًا) بِالتَّخْفِيفِ مِثْلُ (رِدْءٍ) بِالهَمْزِ في آخِرِهِ: العَوْنُ. قَرَأهُ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (رِدًا) مُخَفَّفًا. وقَرَأهُ الباقُونَ (رِدْءًا) بِالهَمْزِ عَلى الأصْلِ.
و”يُصَدِّقْنِي“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ مَجْزُومًا في جَوابِ الطَّلَبِ بِقَوْلِهِ ”فَأرْسِلْهُ مَعِيَ“ . وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِنَ الهاءِ مِن ”أرْسِلْهُ“ .
ومَعْنى تَصْدِيقِهِ إيّاهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في تَصْدِيقِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إيّاهُ بِإبانَتِهِ عَنِ الأدِلَّةِ الَّتِي يُلْقِيها مُوسى في مَقامِ مُجادِلَةِ فِرْعَوْنَ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ”هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِي رِدًا يُصَدِّقْنِي“ . فَإنَّهُ فَرَّعَ طَلَبَ إرْسالِهِ مَعَهُ عَلى كَوْنِهِ أفْصَحَ لِسانًا وجَعَلَ تَصْدِيقَهُ جَوابَ ذَلِكَ الطَّلَبِ أوْ حالًا مِنَ المَطْلُوبِ فَهو تَفْرِيعٌ عَلى تَفْرِيعٍ، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مُناسِبًا لِمَعْنى المُفَرَّعِ عَنْهُ، وهو أنَّهُ أفْصَحُ لِسانًا. ولَيْسَ لِلْفَصاحَةِ أثَرٌ في التَّصْدِيقِ إلّا بِهَذا المَعْنى.
ولَيْسَ التَّصْدِيقُ أنْ يَقُولَ لَهم: صَدَقَ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الفَصِيحُ وذُو الفَهاهَةِ. فَإسْنادُ التَّصْدِيقِ إلى هارُونَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، والمُصَدِّقُونَ حَقِيقَةً هُمُ الَّذِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ مُوسى صادِقٌ فِيما جاءَ بِهِ.
وجُمْلَةُ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ تَعْلِيلٌ لِسُؤالِ تَأْيِيدِهِ بِهارُونَ، فَهَذِهِ مَخافَةٌ ثانِيَةٌ مِنَ التَّكْذِيبِ، والأُولى مَخافَةٌ مِنَ القَتْلِ.
القصص 28:35
صفحة ١١٧
﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾
اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دَعْوَتَيْهِ وزادَهُ تَفَضُّلًا بِما لَمْ يَسْألْهُ، فاسْتِجابَةُ الدَّعْوَةِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ، واسْتِجابَةُ الأُولى بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾، والتَّفَضُّلُ بِقَوْلِهِ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا، فَأعْطى مُوسى ما يُماثِلُ ما لِهارُونَ مِنَ المَقْدِرَةِ عَلى إقامَةِ الحُجَّةِ إذْ قالَ ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا. وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ ما تَكَلَّمَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن حُجَجٍ في مُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ وهُنا، وما خاطَبَ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ مِمّا حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ. ولَمْ يُحْكَ في القُرْآنِ أنَّ هارُونَ تَكَلَّمَ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ عَلى أنَّ مُوسى سَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَحْلُلَ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ كَما في سُورَةِ طه، ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ اسْتَجابَ لَهُ.
والشَّدُّ: الرَّبْطُ، وشَأْنُ العامِلِ بِعُضْوٍ إذا أرادَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ عَمَلًا مُتْعِبًا لِلْعُضْوِ أنْ يَرْبِطَ عَلَيْهِ لِئَلّا يَتَفَكَّكَ أوْ يَعْتَرِيَهُ كَسْرٌ، وفي ضِدِّ ذَلِكَ قالَ تَعالى ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ وقَوْلُهم: فَتَّ في عَضُدِهِ، وجُعِلَ الأخُ هُنا بِمَنزِلَةِ الرِّباطِ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ. والمُرادُ: أنَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِفَصاحَتِهِ، فَتَعْلِيقُهُ بِالشَّدِّ مُلْحَقٌ بِبابِ المَجازِ العَقْلِيِّ. وهَذا كُلُّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إيضاحِ حُجَّتِهِ بِحالِ تَقْوِيَةِ مَن يُرِيدُ عَمَلًا عَظِيمًا أنْ يُشَدَّ عَلى يَدِهِ وهو التَّأْيِيدُ الَّذِي شاعَ في مَعْنى الإعانَةِ والإمْدادِ، وإلّا فالتَّأْيِيدُ أيْضًا مُشْتَقٌّ مِنَ اليَدِ. فَأصْلُ مَعْنى أيَّدَ جَعَلَ يَدًا، فَهو اسْتِعارَةٌ لِإيجادِ الإعانَةِ.
والسُّلْطانُ هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّسَلُّطِ عَلى القُلُوبِ والنُّفُوسِ، أيْ مَهابَةً في قُلُوبِ الأعْداءِ ورُعْبًا مِنكُما كَما ألْقى عَلى مُوسى مُحِبَّةً حِينَ التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى السُّلْطانِ حَقِيقَةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.
وفَرَّعَ عَلى جَعْلِ السُّلْطانِ ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ أيْ لا يُؤْذُونَكُما بِسُوءٍ وهو القَتْلُ ونَحْوُهُ. فالوُصُولُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإصابَةِ. والمُرادُ: الإصابَةُ بِسُوءٍ، بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وقَوْلُهُ بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِآياتِنا مُتَعَلِّقًا
صفحة ١١٨
بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ [الأعراف: ١٠٣] تَقْدِيرُهُ: إذْهَبا بِآياتِنا عَلى نَحْوِ ما قُدِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ﴾ [النمل: ١٢] وقَوْلِهِ في سُورَةِ النَّمْلِ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ﴾ [النمل: ١٢] أيِ اذْهَبا في تِسْعِ آياتٍ. وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ كَلّا فاذْهَبا بِآياتِنا إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿نَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾، أيْ سُلْطانًا عَلَيْهِمْ بِآياتِنا حَتّى تَكُونَ رَهْبَتُهم مِنكُما آيَةً مِن آياتِنا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾“ أيْ يُصْرَفُونَ عَنْ أذاكم بِآياتٍ مِنّا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ» . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ”الغالِبُونَ“ أيْ تَغْلِبُونَهم وتَقْهَرُونَهم بِآياتِنا الَّتِي نُؤَيِّدُكُما بِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في هَذا الوَجْهِ لِلِاهْتِمامِ بِعَظَمَةِ الآياتِ الَّتِي نُؤَيِّدُكُما بِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في هَذا الوَجْهِ لِلِاهْتِمامِ بِعَظَمَةِ الآياتِ الَّتِي سَيُعْطَيانِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ حَرْفَ قَسَمٍ تَأْكِيدًا لَهُما بِأنَّهُما الغالِبُونَ وتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِما.
وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها فالآياتُ تَشْمَلُ خَوارِقَ العاداتِ المُشاهَدَةَ مِثْلَ الآياتِ التِّسْعِ، وتَشْمَلُ المُعْجِزاتِ الخَفِيَّةَ كَصَرْفِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ عَنِ الإقْدامِ عَلى أذاهُما مَعَ ما لَدَيْهِمْ مِنَ القُوَّةِ وما هم عَلَيْهِ مِنَ العَداوَةِ بِحَيْثُ لَوْلا الصَّرَفَةُ مِنَ اللَّهِ لَأهْلَكُوا مُوسى وأخاهُ.
ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِن هَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ الرِّسالَةَ فَيْضٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ مِن عِبادِهِ وأنَّ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَرِسالَةِ مُوسى جاءَتْهُ بَغْتَةً فَنُودِيَ مُحَمَّدٌ في غارِ جَبَلِ حِراءٍ، كَما نُودِيَ مُوسى في جانِبِ جَبَلِ الطُّورِ، وأنَّهُ اعْتَراهُ مِنَ الخَوْفِ مِثْلَ ما اعْتَرى مُوسى، وأنَّ اللَّهَ ثَبَّتَهُ كَما ثَبَّتَ مُوسى، وأنَّ اللَّهَ يَكْفِيهِ أعْداءَهُ كَما كَفى مُوسى أعْداءَهُ.
القصص 28:36
﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ طُوِيَ ما بَيْنَ نِداءِ اللَّهِ إيّاهُ وبَيْنَ حُضُورِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ مِنَ الأحْداثِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ العِبْرَةِ بِهِ. وأُسْنِدَ المَجِيءُ بِالآياتِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ دُونَ هارُونَ؛ لِأنَّهُ
صفحة ١١٩
الرَّسُولُ الأصْلِيُّ الَّذِي تَأْتِي المُعْجِزاتُ عَلى يَدَيْهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ ”﴿فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ [الشعراء: ١٥]“ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿بِآياتِنا أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] إذْ جَعَلَ تَعَلُّقَ الآياتِ بِضَمِيرَيْها؛ لِأنَّ مَعْنى المُلابَسَةِ مَعْنًى مُتَّسِعٌ فالمُصاحِبُ لِصاحِبِ الآياتِ هو مَلابِسٌ لَهُ.
والآياتُ البَيِّناتُ هي خَوارِقُ العاداتِ الَّتِي أظْهَرَها، أيْ جاءَهم بِها آيَةً بَعْدَ آيَةٍ في مَواقِعَ مُخْتَلِفَةٍ، قالُوا عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ .
والمُفْتَرى: المَكْذُوبُ. ومَعْنى كَوْنِها سِحْرًا مَكْذُوبًا أنَّهُ مَكْذُوبٌ ادِّعاءُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإخْفاءُ كَوْنِهِ سِحْرًا.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ وما سَمِعْنا بِهَذا إلى ادِّعاءِ الرِّسالَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يُسْمَعُ وأمّا الآياتُ فَلا تُسْمَعُ. فَمَرْجِعُ اسْمَيِ الإشارَةِ مُخْتَلِفٌ، أيْ ما سَمِعْنا مَن يَدْعُو آباءَنا إلى مِثْلِ ما تَدْعُو إلَيْهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ في زَمَنِ آبائِنا. وقَدْ جَعَلُوا انْتِفاءَ بُلُوغِ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ إلى آبائِهِمْ حَتّى تَصِلَ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، دَلِيلًا عَلى بُطْلانِها وذَلِكَ آخِرُ مَلْجَأٍ يَلْجَأُ إلَيْهِ المَحْجُوجُ المَغْلُوبُ حِينَ لا يَجِدُ ما يَدْفَعُ بِهِ الحَقَّ بِدَلِيلٍ مَقْبُولٍ، فَيَفْزَعُ إلى مِثْلِ هَذِهِ التَّلْفِيقاتِ والمُباهِتاتِ.
القصص 28:37
﴿وقالَ مُوسى رَبِّيَ أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لَمّا قالُوا قَوْلًا في تَكْذِيبِهِ واسْتَظْهَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى شَيْءٌ ما عَلِمَهُ آباؤُهم أجابَ مُوسى كَلامَهم بِمِثْلِهِ في تَأْيِيدِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ يَعْلَمُهُ اللَّهُ، فَما عِلْمُ آبائِهِمْ في جانِبِ عِلْمِ اللَّهِ بِشَيْءٍ، فَلَمّا تَمَسَّكُوا بِعِلْمِ آبائِهِمْ تَمَسَّكَ مُوسى بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى، فَقَدِ احْتَجَّ مُوسى بِنَفْسِهِ ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى هارُونَ.
وكانَ مُقْتَضى الِاسْتِعْمالِ أنْ يُحْكى كَلامُ مُوسى بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِالواوِ شَأْنَ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَخُولِفَ ذَلِكَ هُنا بِمَجِيءِ حَرْفِ
صفحة ١٢٠
العَطْفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ هُنا التَّوازُنَ بَيْنَ حُجَّةِ مَلَإ فِرْعَوْنَ وحُجَّةِ مُوسى، لِيَظْهَرَ لِلسّامِعِ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في مُصادَفَةِ الحَقِّ، ويَتَبَصَّرَ فَسادَ أحَدِهِما وصِحَّةَ الآخَرِ، وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ، فَلِهَذا عُطِفَتِ الجُمْلَةُ جَرْيًا عَلى الأصْلِ غَيْرِ الغالِبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى النَّظَرِ في مَعْناهُما. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، قالَ مُوسى بِدُونِ واوٍ وهي مَرْسُومَةٌ في مُصْحَفِ أهِلِ مَكَّةَ بِدُونِ واوٍ عَلى أصْلِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ، وقَدْ حَصَلَ مِن مَجْمُوعِ القِراءَتَيْنِ الوَفاءُ بِحَقِّ الخُصُوصِيَّتَيْنِ مِن مُقْتَضى حالَيِ الحِكايَةِ. وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ الحَقَّ هو الإلَهُ الحَقُّ لا آلِهَتُهُمُ المَزْعُومَةُ.
ويُظْهِرُ أنَّ القِبْطَ لَمْ يَكُنْ في لُغَتِهِمُ اسْمٌ عَلى الرَّبِّ واجِبِ الوُجُودِ الحَقِّ ولَكِنْ أسْماءُ آلِهَةٍ مَزْعُومَةً.
وعَبَّرَ في جانِبِ ﴿مَن جاءَ بِالهُدى﴾ [القصص: ٨٥] بِفِعْلِ المُضِيِّ وفي جانِبِ ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّ المَجِيءَ بِالهُدى المُحَقِّقِ والمَزْعُومِ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ ومَضى سَواءٌ كانَ الجائِي بِهِ مُوسى أمْ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ وعُلَماؤُهم. وأمّا كِيانُ عاقِبَةِ الدّارِ لِمَن فَمَرْجُوٌّ لِما يَظْهَرُ بَعْدُ. فَفي قَوْلِهِ ﴿رَبِّيَ أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى﴾ إشْهادٌ لِلَّهِ تَعالى وكَلامٌ مُنْصِفٌ، أيْ رَبِّي أعْلَمُ بِتَعْيِينِ الجائِي بِالهُدى أنْحَنِ أمْ أنْتُمْ، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] .
وفِي قَوْلِهِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ تَفْوِيضٌ إلى ما سَيَظْهَرُ مِن نَصْرِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ، وهو تَعْوِيضٌ بِالوَعِيدِ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ.
و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ كَلِمَةٌ جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ في خاتِمَةِ الخَيْرِ بَعْدَ المَشَقَّةِ تَشْبِيهًا لِعامِلِ العَمَلِ بِالسّائِرِ المُنْتَجِعِ إذا صادَفَ دارَ خِصْبٍ واسْتَقَرَّ بِها، ﴿وقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر: ٣٤] ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥] . فَأصْلُ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾: الدّارُ العاقِبَةُ. فَأُضِيفَتِ الصِّفَةُ إلى مَوْصُوفِها.
والعاقِبَةُ: هي الحالَةُ العاقِبَةُ، أيِ الَّتِي تَعْقُبُ، أيْ تَجِيءُ عَقِبَ غَيْرِها، فَيُؤْذِنُ هَذا اللَّفْظُ بِتَبْدِيلِ حالٍ إلى ما هو خَيْرٌ، فَلِذَلِكَ لا تُطْلَقُ عَلى العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ. وقَدْ
صفحة ١٢١
تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ قَوْلُهُ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] وفي سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] وقَوْلُهُ ”وسَيَعْلَمُ الكافِرُ لِمَن عُقْبى الدّارِ“ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَكُونُ) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أصْلِ تَأْنِيثِ لَفْظِ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى الخِيارِ في فِعْلِ الفاعِلِ المَجازِيِّ التَّأْنِيثِ.
وأيَّدَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾، دَلالَةً عَلى ثِقَتِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ وذَلِكَ يَفُتُّ مِن أعَضادِهِمْ، ويُلْقِي رُعْبَ الشَّكِّ في النَّجاةِ في قُلُوبِهِمْ. وضَمِيرُ ”إنَّهُ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ ذاتُ مَعْنًى لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ.
القصص 28:38
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ كَلامُ فِرْعَوْنَ المَحْكِيُّ هُنا واقِعٌ في مَقامٍ غَيْرِ مُقامِ المُحاوِرِ مَعَ مُوسى فَهو كَلامٌ أقْبَلَ بِهِ عَلى خِطابِ أهِلِ مَجْلِسِهِ إثْرَ المُحاوَرَةِ مَعَ مُوسى، فَلِذَلِكَ حُكِيَ بِحَرْفِ العَطْفِ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةُ مُحاوَرَةٍ بَيْنَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في شَأْنِ دَعْوَةِ مُوسى فَهي حَقِيقَةٌ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما لا يَخْفى.
أرادَ فِرْعَوْنُ بِخِطابِهِ مَعَ مَلَئِهِ أنْ يُثَبِّتَهم عَلى عَقِيدَةِ إلَهِيَّتِهِ، فَقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ إبْطالًا لِقَوْلِ مُوسى المَحْكِيِّ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] وقَوْلُهُ هُناكَ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] . فَأظْهَرَ لَهم فِرْعَوْنُ أنَّ دَعْوَةَ مُوسى لَمْ تَرُجْ عِنْدَهُ وأنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِها، فَقالَ ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ .
والمُرادُ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ نَفْيُ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ يُرِيهِمْ أنَّهُ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ حَقٍّ فَلَوْ كانَ ثَمَّةَ إلَهٌ غَيْرُهُ لَعَلِمَهُ.
والمَقْصُودُ بِنَفْيِ وُجُودِ إلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيُ وُجُودِ الإلَهِ الَّذِي أثْبَتَهُ مُوسى وهو خالِقُ
صفحة ١٢٢
الجَمِيعِ. وأمّا آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَها فَإنَّها مِمّا تَقْتَضِيهِ إلَهِيَّةُ فِرْعَوْنَ؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ عِنْدَهم هو مَظْهَرُ الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ في اعْتِقادِهِمُ ابْنُ الآلِهَةِ وخُلاصَةُ سِرِّهِمْ، وكُلُّ الصَّيْدِ في جَوْفِ الفَرا.
وحَيْثُ قالَ مُوسى: إنَّ الإلَهَ الحَقَّ هو رَبُّ السَّماواتِ فَقَدْ حَسِبَ فِرْعَوْنُ أنَّ مَمْلَكَةَ هَذا الرَّبِّ السَّماءُ تَصَوُّرًا مُخْتَلًّا فَفَرَّعَ عَلى نَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ، وعَلى تَوَهُّمِ أنَّ الرَّبَّ المَزْعُومَ مَقَرُّهُ السَّماءُ أنْ أمَرَ هامانَ وزِيرَهُ أنْ يَبْنِيَ لَهُ صَرْحًا يَبْلُغُ بِهِ عَنانَ السَّماءِ لِيَرى الإلَهَ الَّذِي زَعَمَهُ مُوسى حَتّى إذا لَمْ يَجِدْهُ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَأثَبْتَ لَهم عَدَمَ إلَهٍ في السَّماءِ إثْباتَ مُعايَنَةٍ، أرادَ أنْ يَظْهَرَ لِقَوْمِهِ في مَظْهَرِ المُتَطَلِّبِ لِلْحَقِّ المُسْتَقْصِي لِلْعَوالِمِ حَتّى إذا أخْبَرَ قَوْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنَّ نَتِيجَةَ بَحْثِهِ أسْفَرَتْ عَنْ كَذِبِ مُوسى ازْدادُوا ثِقَةً بِبُطْلانِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وفِي هَذا الضِّغْثِ مِنَ الجَدَلِ السُّفِسْطائِيِّ مَبْلَغٌ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُوءِ انْتِظامِ تَفْكِيرِهِ وتَفْكِيرِ مَلْئِهِ، أوْ مَبْلَغُ تَحَيُّلِهِ وضَعْفِ آراءِ قَوْمِهِ.
و”هامانُ“ لَقَبٌ أوِ اسْمٌ لِوَزِيرِ فِرْعَوْنَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وأرادَ بِقَوْلِهِ ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أنْ يَأْمُرَ هامانَ العَمَلَةَ أنْ يَطْبُخُوا الطِّينَ لِيَكُونَ آجُرًّا ويَبْنُوا بِهِ فَكُنِّيَ عَنِ البِناءِ بِمُقَدَّماتِهِ، وهي إيقادُ الأفْرانِ لِتَجْفِيفِ الطِّينِ المُتَّخَذِ آجُرًّا. والآجُرُّ كانُوا يَبْنُونَ بِهِ بُيُوتَهم فَكانُوا يَجْعَلُونَ قَوالِبَ مِن طِينٍ يَتَصَلَّبُ إذا طُبِخَ، وكانُوا يَخْلِطُونَهُ بِالتِّبْنِ لِيَتَماسَكَ قَبْلَ إدْخالِهِ التَّنُّورَ، كَما ورَدَ وصْفُ صُنْعِ الطِّينِ في الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
وابْتَدَأ بِأمْرِهِ بِأوَّلِ أشْغالِ البِناءِ لِلدَّلالَةِ عَلى العِنايَةِ بِالشُّرُوعِ مِن أوَّلِ أوْقاتِ الأمْرِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ البَناءِ يَتَأخَّرُ إلى ما بَعْدَ إحْضارِ مَوادِّهِ فَلِذَلِكَ أمَرَهُ بِالأخْذِ في إحْضارِ تِلْكَ المَوادِّ الَّتِي أوَّلُها الإيقادُ، أيْ إشْعالُ التَّنانِيرِ لِطَبْخِ الآجُرِّ. وعَبَّرَ عَنِ الآجُرِّ بِالطِّينِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ صُنْعِ الآجُرِّ، وهو طِينٌ مَعْرُوفٌ. وكَأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِبِناءٍ مِن حَجَرٍ وكِلْسٍ قَصْدًا لِلتَّعْجِيلِ بِإقامَةِ هَذا الصَّرْحِ المُرْتَفِعِ إذْ لَيْسَ مَطْلُوبًا طُولُ بَقائِهِ بِإحْكامِ بِنائِهِ عَلى مَرِّ العُصُورِ بَلِ المُرادُ سُرْعَةُ الوُصُولِ إلى ارْتِفاعِهِ كَيْ يَشْهَدَهُ النّاسُ، ويَحْصُلَ اليَأْسُ ثُمَّ يُنْقَضُ مِنَ الأساسِ.
صفحة ١٢٣
وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالآجُرِّ، قالَ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ: لِأنَّ كَلِمَةَ الآجُرِّ ونَحْوِها كالقَرْمَدِ والطُّوبِ كَلِماتٌ مُبْتَذَلَةٌ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الطِّينِ اهـ. وأُظْهِرَ مِن كَلامِ ابْنِ الأثِيرِ: أنَّ العُدُولَ إلى الطِّينِ؛ لِأنَّهُ أخَفُّ وأفْصَحُ.
وإسْنادُ الإيقادِ عَلى الطِّينِ إلى هامانَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِذَلِكَ كَما يَقُولُونَ: بَنى السُّلْطانُ قَنْطَرَةً وبَنى المَنصُورُ بَغْدادَ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هامانَ آنِفًا وأنَّهُ وزِيرُ فِرْعَوْنَ. وكانَتْ أوامِرُ المُلُوكِ في العُصُورِ الماضِيَةِ تُصْدَرُ بِواسِطَةِ الوَزِيرِ فَكانَ الوَزِيرُ هو المُنَفِّذَ لِأوامِرَ المَلِكِ بِواسِطَةِ أعْوانِهِ مِن كِتّابٍ وأُمَراءَ ووُكَلاءَ ونَحْوِهِمْ، كُلٌّ فِيما يَلِيقُ بِهِ.
والصَّرْحُ: القَصْرُ المُرْتَفِعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ [النمل: ٤٤] في سُورَةِ النَّمْلِ.
ورَجا أنْ يَصِلَ بِهَذا الصَّرْحِ إلى السَّماءِ حَيْثُ مَقَرُّ إلَهِ مُوسى. وهَذا مِن فَسادِ تَفْكِيرِهِ إذْ حَسِبَ أنَّ السَّماءَ يُوصَلُ إلَيْها بِمِثْلِ هَذا الصَّرْحِ ما طالَ بِناؤُهُ، وأنَّ اللَّهَ مُسْتَقِرٌّ في مَكانٍ مِنَ السَّماءِ.
والِاطِّلاعُ: الطُّلُوعُ القَوِيُّ المُتَكَلَّفُ لِصُعُوبَتِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿وإنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ اسْتَعْمَلَ فِيهِ الظَّنَّ بِمَعْنى القَطْعِ فَكانَتْ مُحاوَلَتُهُ الوُصُولَ إلى السَّماءِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ ظَنِّهِ؛ أوْ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُقْنِعَ قَوْمَهُ بِذَلِكَ. ولَعَلَّهُ أرادَ بِهَذا تَمْوِيهَ الأمْرِ عَلى قَوْمِهِ لِيُلْقِيَ في اعْتِقادِهِمْ أنَّ مُوسى ادَّعى أنَّ اللَّهَ في مَكانٍ مُعَيَّنٍ يَبْلُغُ إلَيْهِ ارْتِفاعُ صَرْحِهِ. ثُمَّ يَجْعَلَ عَدَمَ العُثُورِ عَلى الإلَهِ في ذَلِكَ الِارْتِفاعِ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ وُجُودِ الإلَهِ الَّذِي ادَّعاهُ مُوسى. وكانَتْ عَقائِدُ أهْلِ الضَّلالَةِ قائِمَةً عَلى التَّخَيُّلِ الفاسِدِ، وكانَتْ دَلائِلُها قائِمَةً عَلى تَمْوِيهِ الدَّجّالِينَ مِن زُعَمائِهِمْ.
وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَعُدُّهُ مِنَ الطّائِفَةِ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الكَذِبُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] .
ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ هَذا الصَّرْحَ بُنِيَ، ولَيْسَ هو أحَدَ الأهْرامِ؛ لِأنَّ الأهْرامَ بُنِيَتْ
صفحة ١٢٤
مِن حِجارَةٍ لا مِن آجُرٍّ، ولِأنَّها جُعِلَتْ مَدافِنَ لِلَّذِينَ بَنَوْها مِنَ الفَراعِنَةِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ هَلْ وقَعَ بِناءُ هَذا الصَّرْحِ وتَمَّ أوْ لَمْ يَقَعْ؛ فَحَكى بَعْضُهم أنَّهُ تَمَّ وصَعِدَ فِرْعَوْنُ إلى أعْلاهُ ونَزَلَ وزَعَمَ أنَّهُ قَتَلَ رَبَّ مُوسى. وحَكى بَعْضُهم أنَّ الصَّرْحَ سَقَطَ قَبْلَ إتْمامِ بِنائِهِ فَأهْلَكَ خَلْقًا كَثِيرًا مِن عَمَلَةِ البِناءِ والجُنْدِ. وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ في بِنائِهِ. وقَدْ لاحَ لِي في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ سَأذْكُرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِ.
القصص 28:39
﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ الِاسْتِكْبارُ: أشَدُّ مِنَ الكِبْرِ، أيْ تَكَبَّرَ تَكَبُّرًا شَدِيدًا إذْ طَمِعَ في الوُصُولِ إلى الرَّبِّ العَظِيمِ وُصُولَ الغالِبِ أوِ القَرِينِ.
وجُنُودُهُ: أتْباعُهُ. فاسْتِكْبارُهُ هو الأصْلُ واسْتِكْبارُ جُنُودِهِ تَبَعٌ لِاسْتِكْبارِهِ؛ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَهُ ويَتَلَقَّوْنَ ما يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ العَقائِدِ.
والأرْضُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْهُودَةُ، أيْ أرْضُ مِصْرَ، وأنْ يُرادَ بِها الجِنْسُ، أيْ في عالَمِ الأرْضِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ أعْظَمَ أُمَمِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ حالَةٌ لازِمَةٌ لِعامِلِها إذْ لا يَكُونُ الِاسْتِكْبارُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ.
وقَوْلُهُ ﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يَرْجِعُونَ﴾ مَعْلُومٌ بِالفَحْوى مِن كَفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وإنَّما صَرَّحَ بِهِ لِأهَمِّيَّةِ إبْطالِهِ فَلا يُكْتَفى فِيهِ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ الفَحْوى، ولِأنَّ في التَّصْرِيحِ بِهِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ في أنَّهم وإيّاهم سَواءٌ فَلْيَضَعُوا أنْفُسَهم في أيِّ مَقامٍ مِن مَقاماتٍ أهْلِ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ أبُو جَهْلٍ يُلَقَّبُ عِنْدَ المُسْلِمِينَ بِفِرْعَوْنِ هَذِهِ الأُمَّةِ أخْذًا مِن تَعْرِيضاتِ القُرْآنِ.
ومَعْنى ذَلِكَ: ظَنُّوا أنْ لا بَعْثَ ولا رُجُوعَ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا بِالمَرْجُوعِ إلَيْهِ. فَذِكْرُ ”إلَيْنا“ لِحِكايَةِ الواقِعِ ولَيْسَ بِقَيْدٍ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ ولَمْ يُنْكِرُوا وُجُودَ اللَّهِ مِثْلَ المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ إلَيْنا عَلى عامِلِهِ لِأجْلِ الفاصِلَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وظَنُّوا أنَّهم في مَنَعَةٍ مِن أنْ يَرْجِعُوا في قَبْضَةِ قُدْرَتِنا كَما
صفحة ١٢٥
دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] اسْتِعْجابًا مِن ذَلِكَ. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فالتَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ باقٍ عَلى حالِهِ فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهم في مَنَعَةٍ مِنَ الِاسْتِئْصالِ فَقالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ.
قَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (لا يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ ياءِ المُضارَعَةِ مِن رَجَعَ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمِّها مِن (أُرْجِعَ) إذا فُعِلَ بِهِ الرُّجُوعُ.
القصص 28:40
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ ظَنُّوا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلَيْنا فَعَجَّلْنا بِهَلاكِهِمْ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى حُكْمِهِ وعِقابِهِ، ويَعْقُبُهُ رُجُوعُ أرْواحِهِمْ إلى عِقابِهِ، فَلِهَذا فَرَّعَ عَلى ظَنِّهِمْ ذَلِكَ الإعْلامَ بِأنَّهُ أُخِذَ وجُنُودُهُ، وجَعَلَ هَذا التَّفْرِيعَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ حِكايَةِ أحْوالِهِمْ.
وجَعَلَ في الكَشّافِ هَذا مِنَ الكَلامِ الفَخْمِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظَمَةِ شَأْنِ اللَّهِ إذْ كانَ قَوْلُهُ ”﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾“ ويَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، شُبِّهَ هو وجُنُودُهُ بِحَصَياتٍ أخَذَهُنَّ في كَفِّهِ فَطَرَحَهُنَّ في البَحْرِ. وإذا حُمِلَ الأخْذُ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُ تَشْبِيهًا بِقَبْضَةٍ تُؤْخَذُ بِاليَدِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] وقَوْلِهِ ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] . ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ جَمِيعُ ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً كَما لا يَخْفى.
وقَوْلُهُ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ اعْتِبارٌ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ وظُلْمِهِمُ الرَّسُولَ بِالِاسْتِكْبارِ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِمْ. وهَذا مَوْضِعُ العِبْرَةِ مِن سَوْقِ هَذِهِ القِصَّةِ لِيَعْتَبِرَ بِها المُشْرِكُونَ، فَيَقِيسُوا حالَ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِحالِ دَعْوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَقِيسُوا حالَهم بِحالِ فِرْعَوْنَ، فَيُوقِنُوا بِأنَّ ما أصابَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ مِن عِقابٍ سَيُصِيبُهم لا مَحالَةَ. وهَذا مِن جُمْلَةِ مَحَلِّ العِبْرَةِ بِهَذا الجُزْءِ مِنَ القِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا
صفحة ١٢٦
بَيِّناتٍ﴾ [القصص: ٣٦] لِيَعْتَبِرَ النّاسُ بِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ واحِدٌ فَإنَّهم يَتَلَقَّوْنَ دُعاةَ الخَيْرِ بِالإعْراضِ والِاسْتِكْبارِ واخْتِلاقِ المَعاذِيرِ، فَكَما قالَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴿ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [القصص: ٣٦] قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، وقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] أيِ الَّتِي أدْرَكْناها.
وكَما طَمِعَ فِرْعَوْنُ أنْ يَبْلُغَ إلى اللَّهِ اسْتِكْبارًا مِنهُ في الأرْضِ، سَألَ المُشْرِكُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] وظَنُّوا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى اللَّهِ كَما ظَنَّ أُولَئِكَ فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهم مِنَ الِاسْتِئْصالِ ما أصابَ أُولَئِكَ.
القصص 28:41
﴿وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ [القصص: ٣٩] أيِ اسْتَكْبَرُوا فَكانُوا يَنْصُرُونَ الضَّلالَ ويَبُثُّونَهُ، أيْ جَعَلْناهُ وجُنُودَهُ أيِمَّةً لِلضَّلالَةِ المُفْضِيَةِ إلى النّارِ فَكَأنَّهم يَدْعُونَ إلى النّارِ فَكُلٌّ يَدْعُو بِما تَصِلُ إلَيْهِ يَدُهُ؛ فَدَعْوَةُ فِرْعَوْنَ أمْرُهُ، ودَعْوَةُ كَهَنَتِهِ بِاخْتِراعِ قَواعِدِ الضَّلالَةِ وأوْهامِها، ودَعْوَةُ جُنُودِهِ، بِتَنْفِيذِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ.
والأيِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو مَن يُقْتَدى بِهِ في عَمَلٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ قالَ تَعالى (﴿وجَعَلْناهم أيِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣]) . ومَعْنى جَعْلِهِمْ أيِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ: خَلْقُ نُفُوسِهِمْ مُنْصَرِفَةً إلى الشَّرِّ ومُعْرِضَةً عَنِ الإصْغاءِ لِلرُّشْدِ وكانَ وُجُودُهم بَيْنَ ناسٍ ذَلِكَ شَأْنُهم. فالجَعْلُ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ بِجَعْلِ أسْبابِ ذَلِكَ، واللَّهُ بَعَثَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ لِإرْشادِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ.
والدُّعاءُ إلى النّارِ هو الدُّعاءُ إلى العَمَلِ الَّذِي يُوقِعُ في النّارِ فَهي دَعْوَةٌ إلى النّارِ بِالمَآلِ. وإذا كانُوا يَدْعُونَ إلى النّارِ فَهم مِن أهْلِ النّارِ بِالأحْرى، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا يَجِدُونَ مَن يَنْصُرُهم فَيَدْفَعُ عَنْهم عَذابَ النّارِ.
ومُناسِبَةُ عَطْفِ ”﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾“ هي أنَّ الدُّعاءَ يَقْتَضِي جُنْدًا وأتْباعًا يَعْتَزُّونَ بِهِمْ في الدُّنْيا، ولَكِنَّهم لا يُجْدُونَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ ”﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ [البقرة: ١٦٧]“ .
القصص 28:42
صفحة ١٢٧
﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾
إتْباعُهم بِاللَّعْنَةِ في الدُّنْيا جَعْلُ اللَّعْنَةِ مُلازِمَةً لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى؛ فَقَدَّرَ لَهم هَلاكًا لا رَحْمَةَ فِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ المُلازَمَةِ بِالإتْباعِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ التّابِعَ لا يُفارِقُ مَتْبُوعَهُ، وكانَتْ عاقِبَةُ تِلْكَ اللَّعْنَةِ إلْقاءَهم في اليَمِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِاللَّعْنَةِ لَعْنُ النّاسِ إيّاهم، يَعْنِي أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَلْعَنُونَهم.
وجَزاؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ أنَّهم مِنَ المَقْبُوحِينَ، والمَقْبُوحُ المَشْتُومُ بِكَلِمَةِ (قُبِّحَ)، أيْ قَبَّحَهُ اللَّهُ أوِ النّاسُ، أيْ جَعَلَهُ قَبِيحًا بَيْنَ النّاسِ في أعْمالِهِ أيْ مَذْمُومًا، يُقالُ: قَبَحَهُ بِتَخْفِيفِ الباءِ فَهو مَقْبُوحٌ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ويُقالُ: قَبَّحَهُ بِتَشْدِيدِ الباءِ إذا نَسَبَهُ إلى القَبِيحِ فَهو مُقَبَّحٌ، كَما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِمّا قالَتِ العاشِرَةُ: («فَعِنْدَهُ أقُولُ فَلا أُقَبَّحُ» ) أيْ فَلا يُجْعَلُ قَوْلِي قَبِيحًا عِنْدَهُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ.
والإشارَةُ إلى الدُّنْيا بِـ ”هَذِهِ“ لِتَهْوِينِ أمْرِ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ لِلْآخِرَةِ.
والتَّخالُفُ بَيْنَ صِيغَتَيْ قَوْلِهِ ﴿وأتْبَعْناهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾؛ لِأنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا قَدِ انْتَهى أمْرُها بِإغْراقِهِمْ؛ أوْ لِأنَّ لَعْنَ المُؤْمِنِينَ إيّاهم في الدُّنْيا يَكُونُ في أحْيانِ يَذْكُرُونَهم، فَكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَقْتَضِي الدَّوامَ فَجِيءَ مَعَهُ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ. وأمّا تَقْبِيحُ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ فَهو دائِمٌ مَعَهم مُلازِمٌ لَهم فَجِيءَ في جانِبِهِ بِالِاسْمِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الدَّوامَ والثَّباتَ.
وضَمِيرُ ”هم“ في قَوْلِهِ ”هم مِنَ المَقْبُوحِينَ“ لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ ولَكِنَّهُ ضَمِيرُ مُبْتَدَأٍ، وبِهِ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً دالَّةً عَلى ثَباتِ التَّقْبِيحِ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
القصص 28:43
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ”فَلَمّا أتاها نُودِيَ“ إلى هُنا الِاعْتِبارُ بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ القائِلِينَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] لِيُقاسَ النَّظِيرُ
صفحة ١٢٨
عَلى النَّظِيرِ، فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ إفْحامَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ اللَّهُ أرْسَلَهُ حَقًّا لَكانَ أُرْسِلَ إلى الأجْيالِ مِن قَبْلِهِ، ولَما كانَ اللَّهُ يَتْرُكُ الأجْيالَ الَّتِي قَبْلَهم بِدُونِ رِسالَةِ رَسُولٍ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلى الجِيلِ الأخِيرِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ إتْمامًا لِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أنَّها جاءَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ لا رِسالَةَ فِيها، مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ سَبْقَ إرْسالِ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ شَيْءٌ واقِعٌ بِشَهادَةِ التَّواتُرِ، وأنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلى تَكْذِيبِ الأُمَمِ رُسُلَهم إهْلاكُ القُرُونِ الأُولى، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِاسْتِمْرارِ إرْسالِ الرُّسُلِ مُتَعاقِبِينَ بَلْ كانُوا يَجِيئُونَ في أزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ؛ فَإذا كانَ المُشْرِكُونَ يُحاوِلُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] إبْطالَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِعِلَّةِ تَأخُّرِ زَمانِها سَفْسَطَةً ووَهَمًا، فَإنَّ دَلِيلَهم مَقْدُوحٌ فِيهِ بِقادِحِ القَلْبِ، بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوا إلى الأُمَمِ مِن قَبْلُ، ثُمَّ جاءَ مُوسى بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ لَمّا بَهَرَهم أمْرُ الإسْلامِ لاذُوا بِاليَهُودِ يَسْتَرْشِدُونَهم في طُرُقِ المُجادَلَةِ الدِّينِيَّةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَخْلِطُونَ ما يُلَقِّنُهُمُ اليَهُودُ مِنَ المُغالَطاتِ بِما اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ مِن تَضْلِيلِ أيِمَّةِ الشِّرْكِ، فَيَأْتُونَ بِكَلامٍ يَلْعَنُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَمَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] وهو مِن مُجادَلاتِ الأُمِّيِّينَ، ومَرَّةً يَقُولُونَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ القُرْآنُ يَدْمَغُ باطِلَهم بِحُجَّةِ الحَقِّ بِإلْزامِهِمْ تَناقُضَ مَقالاتِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ فَهي حُجَّةٌ بِتَنْظِيرِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمَقْصُودُ مِنها ذِكْرُ القُرُونِ الأُولى.
وأمّا ذِكْرُ إهْلاكِهِمْ فَهو إدْماجٌ لِلنِّذارَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ تَخَلُّصٌ مِن قِصَّةِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى تَأْيِيدِ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والمَقْصُودُ قَوْلُهُ (﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾) .
ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ أعْرَضَ عَنْ بَيانِ حِكْمَةِ الفِتَرِ الَّتِي تَسْبِقُ إرْسالَ الرُّسُلِ، واقْتَصَرَ عَلى بَيانِ الحِكْمَةِ في الإرْسالِ عَقِبَها؛ لِأنَّهُ المُهِمُّ في مَقامِ نَقْضِ حُجَّةِ المُبْطِلِينَ
صفحة ١٢٩
لِلرِّسالَةِ أوِ اكْتِفاءً بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ واقِعٌ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُهُ، وهو المَقْصُودُ هُنا، وأمّا حِكْمَةُ الفَصْلِ بِالفِتَرِ فَشَيْءٌ فَوْقَ مَراتِبِ عُقُولِهِمْ. فَأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ إلى بَيانِ حِكْمَةِ الإرْسالِ عَقِبَ الفَتْرَةِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ ”مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى“ إلى الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ لِتَكْذِيبِها رُسُلَ اللَّهِ.
فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى يُحْتاجَ مَعَهم إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ، فَمَوْقِعُ التَّأْكِيدِ هو قَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ .
والكِتابُ: التَّوْراةُ الَّتِي خاطَبَ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. والبَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي إدْراكُ العَقْلِ، سُمِّيَ بَصِيرَةً اشْتِقاقًا مِن بَصَرِ العَيْنِ، وجُعِلَ الكِتابُ بَصائِرَ بِاعْتِبارِ عِدَّةِ دَلائِلِهِ وكَثْرَةِ بَيِّناتِهِ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى، قالَ ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] .
والقُرُونُ الأُولى: قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمُ لُوطٍ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ، قالَ تَعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣] . وفي الحَدِيثِ «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» .
والنّاسُ هُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، ولِمَن يُرِيدُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِ مِثْلِ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا مِن عَرَبِ اليَمَنِ، وهَدًى ورَحْمَةً لَهم، ولِمَن يَقْتَبِسُ مِنهم قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . ومِن جُمْلَةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التَّوْراةُ تَحْذِيرُها مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.
وضَمِيرُ ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“ عائِدٌ إلى النّاسِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالتَّوْراةِ، أيْ فَكَذَلِكَ إرْسالُ مُحَمَّدٍ لَكم هُدًى ورَحْمَةٌ لَعَلَّكم تَتَذَكَّرُونَ.
القصص 28:44
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ لَمّا بَطَلَتْ شُبْهَتُهُمُ الَّتِي حاوَلُوا بِها إحالَةَ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ نُقِلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ رِسالَتِهِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ؛ وذَلِكَ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِن أخْبارِ رِسالَةِ
صفحة ١٣٠
مُوسى مِمّا لا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِهِ لَوْلا أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا تَخَلُّصٌ مِنَ الِاعْتِبارِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ في قِصَّةِ مُوسى إلى الصَّرِيحِ مِن إثْباتِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وجِيءَ في الِاسْتِدْلالِ بِطَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ حَيْثُ بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى انْتِفاءِ كَوْنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَوْجُودًا في المَكانِ الَّذِي قَضى اللَّهُ فِيهِ أمْرَ الوَحْيِ إلى مُوسى، لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى أنَّ مِثْلَهُ ما كانَ يَعْمَلُ ذَلِكَ إلّا عَنْ مُشاهَدَةٍ؛ لِأنَّ طَرِيقَ العِلْمِ بِغَيْرِ المُشاهَدَةِ لَهُ مَفْقُودٌ مِنهُ ومِن قَوْمِهِ، إذْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ مَعْرِفَةٍ بِأخْبارِ الرُّسُلِ، كَما كانَ أهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا انْتَفى طَرِيقُ العِلْمِ المُتَعارَفِ لِأمْثالِهِ تَعَيَّنَ أنَّ طَرِيقَ عِلْمِهِ هو إخْبارُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِخَبَرِ مُوسى.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ نَفْيًا لِوُجُودِهِ هُناكَ، وحُضُورِهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنَ الشّاهِدِينَ أهْلُ الشَّهادَةِ، أيِ الخَبَرِ اليَقِينِ، وهم عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أشْهَدَهُمُ اللَّهُ عَلى التَّوْراةِ وما فِيها، ألا تَرى أنَّهُ ذَمَّهم بِكَتْمِهِمْ بَعْضَ ما تَتَضَمَّنُهُ التَّوْراةُ مِنَ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] . والمَعْنى ما كُنْتَ مِن أهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ ولا مِمَّنْ تَلَقّى أخْبارَ ذَلِكَ بِالخَبَرِ اليَقِينِ المُتَواتِرِ مِن كُتُبِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَتَعَيَّنَ أنَّ طَرِيقَ عِلْمِكَ بِذَلِكَ وحْيُ اللَّهِ تَعالى.
والأمْرُ المَقْضِيُّ: هو أمْرُ النُّبُوءَةِ لِمُوسى إذْ تَلَقّاها مُوسى.
وقَوْلُهُ ﴿بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ هو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ، وأصْلُهُ بِالجانِبِ الغَرْبِيِّ، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ، وإنْ أنْكَرَهُ نُحاةُ البَصْرَةِ، وأكْثَرُوا مِنَ التَّأْوِيلِ، والحَقُّ جَوازُهُ.
والجانِبُ الغَرْبِيُّ هو الَّذِي ذُكِرَ آنِفًا بِوَصْفِ شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ أيْ عَلى بَيْتِ القِبْلَةِ.
القصص 28:45
﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ خَفِيَ اتِّصالُ هَذا الِاسْتِدْراكِ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، وكَيْفَ يَكُونُ اسْتِدْراكًا وتَعْقِيبًا لِلْكَلامِ الأوَّلِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ.
صفحة ١٣١
فَبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ ”﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ [القصص: ٤٣]“ مَسُوقٌ مَساقَ إبْطالِ تَعْجَبِ المُشْرِكِينَ مِن رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ لَمْ يَسْبِقْها رِسالَةُ رَسُولٍ إلى آبائِهِمُ الأوَّلِينَ، كَما عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ آنِفًا، فَذَكَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُوسى كَذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةٍ عَظِيمَةٍ، وأنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى أثارُوا مِثْلَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فَقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] فَكَما كانَتْ رِسالَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَذَلِكَ كانَتْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمَعْنى: فَكانَ المُشْرِكُونَ حَقِيقِينَ بِأنْ يُنَظِّرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ بِرِسالَةِ مُوسى، ولَكِنَّ اللَّهَ أنْشَأ قُرُونًا أيْ أُمَمًا بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وزَمَنِهِمْ، فَتَطاوَلَ الزَّمَنُ فَنَسِيَ المُشْرِكُونَ رِسالَةَ مُوسى فَقالُوا ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ [ص: ٧] . وحَذْفُ بَقِيَّةِ الدَّلِيلِ وهو تَقْدِيرُ: فَنَسُوا، لِلْإيجازِ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ كَما قالَ تَعالى عَنِ اليَهُودِ حِينَ صارُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقالَ عَنِ النَّصارى: ﴿أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٤] وقالَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ”﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]“، فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ لا إلى القُرُونِ.
فَتَبَيَّنَ أنَّ الِاسْتِدْراكَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ”ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى“ وأنَّ ما بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ هَذا اسْتِطْرادٌ. وهَذا أحْسَنُ في بَيانِ اتِّصالِ الِاسْتِدْراكِ مِمّا احْتَفَلَ بِهِ صاحِبُ الكَشّافِ. ولِلَّهِ دَرُّهُ في اسْتِشْعارِهِ، وشَكَرَ اللَّهُ مَبْلَغَ جُهْدِهِ. وهو بِهَذا مُخالِفٌ لِمَوْقِعِ الِاسْتِدْراكَيْنِ الآتِيَيْنِ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٤٦] . والعُمُرُ الأمَدُ، كَقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ [يونس: ١٦] .
* * *
﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ هَذا تَكْرِيرٌ لِلدَّلِيلِ بِمَثَلٍ آخَرَ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ ”﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]“ أيَّ ما كُنْتَ مَعَ مُوسى في وقْتِ التَّكْلِيمِ، ولا كُنْتَ في أهْلِ مَدْيَنَ إذْ جاءَهم مُوسى وحَدَثَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شُعَيْبٍ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ.
صفحة ١٣٢
والثَّواءُ: الإقامَةُ.
وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لا إلى أهْلِ مَدْيَنَ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتْلُو آياتِ اللَّهِ عَلى المُشْرِكِينَ.
والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ قِصَّةَ مُوسى في أهْلِ مَدْيَنَ مِن قَوْلِهِ ولَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩] . وبِمِثْلِ هَذا المَعْنى قالَ مُقاتِلٌ وهو الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ نَظْمُ الكَلامِ، ولَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى أهْلِ مَدْيَنَ لَكانَ أنْ يُقالَ: تَشْهَدُ فِيهِمْ آياتِنا.
وجُمْلَةُ ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ عَلى حَسَبِ تَفْسِيرِ مُقاتِلٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”كُنْتَ“ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ لِاخْتِلافِ زَمَنِها مَعَ زَمَنِ عامِلِها كَما هو ظاهِرٌ. والمَعْنى: ما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ كَما يُقِيمُ المُسافِرُونَ فَإذا قَفَلُوا مِن أسْفارِهِمْ أخَذُوا يُحَدِّثُونَ قَوْمَهم بِما شاهَدُوا في البِلادِ الأُخْرى.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ظاهِرٌ، أيْ ما كُنْتَ حاضِرًا في أهْلِ مَدْيَنَ فَتَعْلَمَ خَبَرَ مُوسى عَنْ مُعايَنَةٍ ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَكَ بِوَحْيِنا فَعَلَّمْناكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولَكِنّا أوْحَيْنا بِذَلِكَ، إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾؛ لِأنَّ المَقْصِدَ الأهَمَّ هو إثْباتُ وُقُوعِ الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ وقَوْلِ أمْثالِهِمْ ”﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]“ وتُعْلَمَ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ مَعَ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [القصص: ٤٦] الآيَةَ، فالِاحْتِجاجُ والتَّحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الَّتِي قَبْلَها تَحَدٍّ بِما عَلِمَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن خَبَرِ القِصَّةِ الماضِيَةِ.
القصص 28:46
﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
جانِبُ الطُّورِ: هو الجانِبُ الغَرْبِيُّ، وهو الجانِبُ الأيْمَنُ المُتَقَدِّمُ وصَفَهُ بِذَيْنِكَ
صفحة ١٣٣
الوَصْفَيْنِ، فَعُرِّيَ عَنِ الوَصْفِ هُنا؛ لِأنَّهُ صارَ مَعْرُوفًا، وقُيِّدَ الكَوْنُ المَنفِيُّ بِظَرْفِ ”نادَيْنا“ أيْ بِزَمَنِ نِدائِنا.
وحَذْفُ مَفْعُولِ النِّداءِ لِظُهُورِ أنَّهُ نِداءُ مُوسى مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وهو النِّداءُ لِمِيقاتِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وإنْزالُ ألْواحِ التَّوْراةِ عَقِبَ تِلْكَ المُناجاةِ كَما حُكِيَ في الأعْرافِ، وكانَ ذَلِكَ في جانِبِ الطُّورِ إذْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حَوْلَ الطُّورِ، كَما قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] وهو نَفْسُ المَكانِ الَّذِي نُودِيَ فِيهِ مُوسى لِلْمَرَّةِ الأُولى في رُجُوعِهِ مِن دِيارِ مَدْيَنَ كَما تَقَدَّمَ، فالنِّداءُ الَّذِي في قَوْلِهِ هُنا إذْ نادَيْنا غَيْرُ النِّداءِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] الآيَةَ لِئَلّا يَكُونَ تَكْرارٌ مَعَ قَوْلِهِ: وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ. وهَذا الِاحْتِجاجُ بِما عَلِمَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن خَبَرِ اسْتِدْعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمُناجاةِ. وتِلْكَ القِصَّةُ لَمْ تُذْكَرْ في هَذِهِ السُّورَةِ وإنَّما ذُكِرَتْ في سُورَةٍ أُخْرى مِثْلِ سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ كَلِمَةُ ”لَكِنْ“ بِسُكُونِ النُّونِ هُنا بِاتِّفاقِ القُرّاءِ فَهي حَرْفٌ لا عَمَلَ لَهُ فَلَيْسَ حَرْفَ عَطْفٍ لِفِقْدانِ شَرْطَيْهِ: تَقَدُّمِ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ، وعَدَمِ الوُقُوعِ بَعْدَ واوِ عَطْفٍ. وعَلَيْهِ فَحَرْفُ لَكِنْ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاسْتِدْراكِ لا عَمَلَ لَهُ وهو مُعْتَرِضٌ. والواوُ الَّتِي قَبْلَ ”لَكِنْ“ اعْتِراضِيَّةٌ.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ ناشِئٌ عَنْ دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾ عَلى مَعْنى: ما كانَ عِلْمُكَ بِذَلِكَ لِحُضُورِكَ، ولَكِنْ كانَ عِلْمُكَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ.
فانْتِصابُ ”رَحْمَةً“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ مَعْمُولٌ لِعامِلِ نَصْبٍ مَأْخُوذٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفِيُ الكَوْنِ في قَوْلِهِ ”﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ﴾“، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ كانَ عَلَمُكَ رَحْمَةً مِنّا؛ وإمّا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: ولَكِنْ رَحِمْناكَ رَحْمَةً بِأنْ عَلَّمْناكَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ رَحْمَةً، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”لِتُنْذِرَ قَوْمًا“ .
صفحة ١٣٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”رَحْمَةً“ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَعْمُولًا لِفِعْلِ ”لِتُنْذِرَ“ فَيَكُونُ فِعْلُ ”لِتُنْذِرَ“ مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِ مَحْذُوفٍ هو مَصَبُّ الِاسْتِدْراكِ. وفي هَذِهِ التَّقادِيرِ تَوْفِيرُ مَعانٍ وذَلِكَ مِن بَلِيغِ الإيجازِ. وعُدِلَ عَنْ: ”رَحْمَةً مِنّا“، إلى ”﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾“ بِالإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِما يَشْعُرُ بِهِ مَعْنى الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ العِنايَةِ بِهِ عِنايَةَ الرَّبِّ بِالمَرْبُوبِ.
ويَتَعَلَّقُ ”لِتَنْذِرَ قَوْمًا“ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَصْدَرُ ”رَحْمَةً“ عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والقَوْمُ: قُرَيْشٌ والعَرَبُ، فَهُمُ المُخاطِبُونَ ابْتِداءً بِالدِّينِ وكُلُّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَكانا نَذِيرَيْنِ حِينَ لَمْ تَكُنْ قَبِيلَةُ قُرَيْشٍ مَوْجُودَةً يَوْمَئِذَ ولا قَبائِلُ العَرَبِ العَدْنانِيَّةُ، وأمّا القَحْطانِيَّةُ فَلَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ إبْراهِيمُ؛ لِأنَّ اشْتِقاقَ نَسَبِ قُرَيْشٍ كانَ مِن عَدْنانَ وعَدْنانُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إسْماعِيلَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ.
وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى قُرَيْشٍ أوْ عَلى العَرَبِ دُونَ سائِرِ الأُمَمِ الَّتِي بُعِثَ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ؛ لِأنَّ المِنَّةَ عَلَيْهِمْ أوْفى إذْ لَمْ تَسْبِقْ لَهم شَرِيعَةٌ مِن قَبْلُ، فَكانَ نِظامُهم مُخْتَلًّا غَيْرَ مَشُوبٍ بِإثارَةٍ مِن شَرِيعَةٍ مَعْصُومَةٍ، فَكانُوا في ضَرُورَةٍ إلى إرْسالِ نَذِيرٍ، ولِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرانِهِمْ هَذِهِ النِّعْمَةَ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَ النِّذارَةِ بِهِمْ ولا ما يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهم مِمَّنْ أنْذَرَهم مُحَمَّدٌ ﷺ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلِهِ مِثْلَ اليَهُودِ والنَّصارى وأهْلِ مَدْيَنَ.
وفِي قَوْلِهِ ”لِتُنْذِرَ“ مَعَ قَوْلِهِ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا بِالكُفْرِ حَدًّا لا يَتَجاوَزُهُ حِلْمُ اللَّهِ تَعالى.
والتَّذَكُّرُ: هو النَّظَرُ العَقْلِيُّ في الأسْبابِ الَّتِي دَعَتْ إلى حِكْمَةِ إنْذارِهِمْ وهي تَناهِي ضَلالِهِمْ فَوْقَ جَمِيعِ الأُمَمِ الضّالَّةِ إذْ جَمَعُوا إلى الإشْراكِ مَفاسِدَ جَمَّةً مِن قَتْلِ النُّفُوسِ، وارْتِزاقٍ بِالغاراتِ وبِالمُقامَرَةِ، واخْتِلاطِ الأنْسابِ، وانْتِهاكِ الأعْراضِ. فَوَجَبَ تَذْكِيرُهم بِما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ.
وتَقَدَّمَ آنِفًا نَظِيرُ قَوْلِهِ ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“ .
القصص 28:47
صفحة ١٣٥
﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ”﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]“؛ لِأنَّ الإنْذارَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ.
و”لَوْلا“ الأُولى حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيِ انْتِفاءُ جَوابِها لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها، وهو حَرْفٌ يَلْزَمُ الِابْتِداءَ فالواقِعُ بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ عَنِ المُبْتَدَإ الواقِعِ بَعْدَ ”لَوْلا“ واجِبُ الحَذْفِ وهو مُقَدَّرٌ بِكَوْنٍ عامٍّ. والمُبْتَدَأُ هُنا هو المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن (أنْ وفِعْلِ تُصِيبَهم) والتَّقْدِيرُ: لَوْلا إصابَتُهم بِمُصِيبَةٍ، وقَدْ عُقِبَ الفِعْلُ المَسْبُوكُ بِمَصْدَرٍ بِفِعْلٍ آخَرَ، وهو ”فَيَقُولُوا“، فَوَجَبَ أنْ يَدْخُلَ هَذا الفِعْلُ المَعْطُوفُ في الِانْسِباكِ بِمَصْدَرٍ، وهو مَعْطُوفٌ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. فَهَذا المَعْطُوفُ هو المَقْصُودُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ”أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى“ فالمَقْصُودُ هو (أنْ تُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى) .
وإنَّما حِيكَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ ولَمْ يَقُلْ: ولَوْلا أنْ يَقُولُوا رَبَّنا إلَخْ حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ إلى آخِرِهِ، لِنُكْتَةِ الِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِن إصابَةِ المُصِيبَةِ فَوُضِعَتْ في مَوْضِعِ المُبْتَدَإ دُونَ مَوْضِعِ الظَّرْفِ لِتُساوِيَ المُبْتَدَأ المَقْصُودَ مِن جُمْلَةِ شَرْطِ (لَوْلا) فَيُصْبِحَ هو وظَرْفُهُ عُمْدَتَيْنِ في الكَلامِ، فالتَّقْدِيرُ هُنا: ولَوْلا إصابَتُهم بِمُصِيبَةٍ يَعْقُبُها قَوْلُهم ”رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ“ إلَخْ لَما عَبَأْنا بِإرْسالِكَ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم أهْلُ عِنادٍ وتَصْمِيمٍ عَلى المَفَرِّ.
فَجَوابُ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ“ إلى قَوْلِهِ ”﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦]“، أيْ ولَكِنّا أعْذَرْنا إلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ لِنَقْطَعَ مَعْذِرَتَهم. وجَوابُ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ لَوْلا الرَّحْمَةُ بِهِمْ بِتَذْكِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ لَكانُوا مُسْتَحِقِّينَ حُلُولَ المُصِيبَةِ بِهِمْ.
و”لَوْلا“ الثّانِيَةُ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، أيْ أرْسَلْتَ إلَيْنا قَبْلَ أنْ تَأْخُذَنا بِعَذابٍ فَتُصْلِحَ أحْوالَنا، وأنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِنا. وانْتَصَبَ ”فَنَتَّبِعَ“ بِأنْ مُضْمَرَةٍ وُجُوبًا في جَوابِ التَّحْضِيضِ.
صفحة ١٣٦
وضَمِيرُ ”تُصِيبَهم“ عائِدٌ إلى القَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلُ. والمُرادُ ”بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ ما سَلَفَ مِنَ الشِّرْكِ.
والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ، أيْ يَحِلُّ بِهِ مِنَ الأحْوالِ، وغَلَبَ اخْتِصاصُها بِما يَحِلُّ بِالمَرْءِ مِنَ العُقُوبَةِ والأذى.
والباءُ في ”بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ عُقُوبَةٌ كانَ سَبَبُها ما سَبَقَ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ. والمُرادُ بِها هُنا عَذابُ الدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] في سُورَةِ النِّساءِ. وهي ما يَجْتَرِحُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الفاحِشَةِ.
و”ما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ“ ما اعْتَقَدُوهُ مِنَ الإشْراكِ وما عَمِلُوهُ مِن آثارِ الشِّرْكِ.
والأيْدِي مُسْتَعارٌ لِلْعُقُولِ المُكْتَسِبَةِ لِعَقائِدِ الكُفْرِ. فَشُبِّهَ الِاعْتِقادُ القَلْبِيُّ بِفِعْلِ اليَدِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ المُشْرِكِينَ يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ بِالمَصائِبِ في الدُّنْيا، ولَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ؛ لِأنَّ أدِلَّةَ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ مُسْتَقِرَّةٌ في الفِطْرَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أدْرَكَتْهم فَلَمْ يُصِبْهم بِالمَصائِبِ حَتّى أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى أُصُولِ الأشْعَرِيِّ، وما بَيَّنَهُ أصْحابُ طَرِيقَتِهِ مِثْلُ القُشَيْرِيِّ، وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ: أنَّ ذَنْبَ الإشْراكِ لا عُذْرَ فِيهِ لِصاحِبِهِ؛ لِأنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ قَدْ دَعا إلَيْهِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مِن عَهْدِ آدَمَ بِحَيْثُ لا يُعْذَرُ بِجَهْلِهِ عاقِلٌ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَهُ في الفِطْرَةِ إذْ أخَذَ عَهْدَهُ بِهِ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]) كَما بَيَّناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.
ولَكِنَّ اللَّهَ يَرْأفُ بِعِبادِهِ إذا طالَتِ السُّنُونَ وانْقَرَضَتِ القُرُونُ، وصارَ النّاسُ مَظِنَّةَ الغَفْلَةِ فَيَتَعَهَّدُهم بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلتَّذْكِيرِ بِما في الفِطْرَةِ ولِيُشَرِّعُوا لَهم ما بِهِ صَلاحُ الأُمَّةِ.
فالمُشْرِكُونَ الَّذِينَ انْقَرَضُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مُؤاخَذُونَ بِشِرْكِهِمْ ومُعاقَبُونَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَعاقَبَهم عَلَيْهِ بِالدُّنْيا بِالِاسْتِئْصالِ ولَكِنَّ اللَّهَ أمْهَلَهم،
صفحة ١٣٧
والمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ ولَمْ يُصَدِّقُوهم مُسْتَحِقُّونَ عَذابَ الدُّنْيا زِيادَةً عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١] .
وأمّا الفِرَقُ الَّذِينَ يُعِدُّونَ دَلِيلَ تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ عَقْلِيًّا مِثْلَ الماتُرِيدِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَمَعْنى الآيَةِ عَلى ظاهِرِهِ، وهو قَوْلٌ لَيْسَ بِبَعِيدٍ.
القصص 28:48
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ قالُوا ساحِرانِ تَظاهَرا وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ ”الفاءُ فَصِيحَةٌ كالفاءِ في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ:
قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
وتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإنْ كانَ مِن مَعْذِرَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَقَدْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ رَسُولًا بِالحَقِّ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ لَفَّقُوا المَعاذِيرَ وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِهِ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى.
والحَقُّ: هو ما في القُرْآنِ مِنَ الهُدى.
وإثْباتُ المَجِيءِ إلَيْهِ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الحَقِّ بِشَخْصٍ وتَشْبِيهِ سَماعِهِ بِمَجِيءِ الشَّخْصِ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما الجائِي الرَّسُولُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالحَقِّ لِإدْماجِ الثَّناءِ عَلَيْهِ في ضِمْنِ الكَلامِ.
ولَمّا بَهَرَتْهم آياتُ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَجِدُوا مِنَ المَعاذِيرِ إلّا ما لَقَّنَهُمُ اليَهُودُ وهو أنْ يَقُولُوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾، أيْ بِأنْ تَكُونَ آياتُهُ مِثْلَ آياتِ مُوسى الَّتِي يَقُصُّها عَلَيْهِمُ اليَهُودُ وقَصَّ بَعْضَها القُرْآنُ.
وضَمِيرُ يَكْفُرُوا عائِدٌ إلى القَوْمِ مِن قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا لِتَتَناسَقَ الضَّمائِرُ مِن قَوْلِهِ لَوْلا أنْ تُصِيبَهم وما بَعْدَهُ مِنَ الضَّمائِرِ أمْثالُهُ.
فَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ دُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ
صفحة ١٣٨
فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا مِن إلْزامِ المُماثِلِ بِفِعْلٍ مَثِيلِهِ؛ لِأنَّ الإشْراكَ يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ فَتَكُونُ أُصُولُ تَفْكِيرِهِمْ واحِدَةً ويِتَّحِدُ بُهْتانُهم، فَإنَّ القِبْطَ أقْدَمُ مِنهم في دِينِ الشِّرْكِ فَهم أُصُولُهم فِيهِ، والفَرْعُ يَتْبَعُ أصْلَهُ، ويَقُولُ بُقُولِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ مُتَماثِلُونَ في سَبَبِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَلا يَحْتاجُ بَعْضُهم إلى وصِيَّةِ بَعْضٍ بِأُصُولِ الكُفْرِ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ثُمَّ قالَ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] أيْ بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم إذْ نَصَرَ المُماثِلِينَ في كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ إذْ كانَ الرُّومُ يَوْمَئِذٍ عَلى دِينِ المَسِيحِ.
فَقَوْلُهم ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ مِن بابِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أوْ مِنِ اضْطِرابِهِمْ في كُفْرِهِمْ فَمَرَّةً يَكُونُونَ مُعَطِّلِينَ، ومَرَّةً يَكُونُونَ مُشْتَرِطِينَ. والوَجْهُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَجْحَدُونَ رِسالَةَ الرُّسُلِ قاطِبَةً. وكَذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ“ ﴿ساحِرانِ تَظاهَرا﴾ ”مِن قَوْلِ مُشْرِكِي مَكَّةَ في مُوسى وهارُونَ لَمّا سَمِعُوا قِصَّتَهُما أوْ في مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. وهو الأظْهَرُ، وهو الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقالُوا إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ [القصص: ٤٩] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ساحِرانِ) تَثْنِيَةَ ساحِرٍ. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (قالُوا سِحْرانِ) عَلى أنَّهُ مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ قالُوا: هُما ذَوا سِحْرٍ.
والتَّظاهُرُ: التَّعاوُنُ.
والتَّنْوِينُ في“ بِكُلٍّ " تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ فَيُقَدَّرُ المُضافُ إلَيْهِ بِحَسَبِ الِاحْتِمالَيْنِ إمّا بِكُلٍّ مِنَ السّاحِرَيْنِ، وإمّا أنْ يُقَدَّرَ بِكُلِّ مَنِ ادَّعى رِسالَةً، وهو أنْسَبُ بُقُولِ قُرَيْشٍ؛ لِأنَّهم قالُوا ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] .
القصص 28:49
صفحة ١٣٩
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
أيْ أجِبْ كَلامَهُمُ المَحْكِيَّ مِن قَوْلِهِمْ (ساحِرانِ) وقَوْلِهِمْ ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .
ووَصْفُ ”كِتابٍ“ بِـ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إدْماجٌ لِمَدْحِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ بِأنَّهُما كِتابانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والمُرادُ بِالتَّوْراةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأسْفارُ الأرْبَعَةُ المَنسُوبَةُ إلى مُوسى مِن كَلامِ اللَّهِ إلى مُوسى أوْ مِن إسْنادِ مُوسى أمْرًا إلى اللَّهِ لا كُلُّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأسْفارُ، فَإنَّ فِيها قَصَصًا وحَوادِثَ ما هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَيُقالُ لِلْمُصْحَفِ هو كَلامُ اللَّهِ بِالتَّحْقِيقِ، ولا يُقالُ لِأسْفارِ العَهْدَيْنِ كَلامُ اللَّهِ إلّا عَلى التَّغْلِيبِ، إذْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ المُرْسَلانِ بِكِتابَيِ العَهْدِ. وقَدْ تَحَدّاهُما القُرْآنُ في هَذِهِ الآيَةِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الهُدى بِبَلاغَةِ نَظْمِهِ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والحَقائِقِ هو مِن طُرُقِ إعْجازِهِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
فَمَعْنى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ إنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ، أيْ إلى الدِّينِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِهَذا التَّحَدِّي، فاعْلَمْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ ما هو إلّا إتْباعٌ لِلْهَوى ولا شُبْهَةَ لَهم في دِينِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ عَدَمُ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ يَقْتَضِي دُعاءً ولا دُعاءَ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ بَلْ هو تَعْجِيزٌ، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ عَجَزُوا ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ بَعْدَ العَجْزِ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾، أيْ لا يُغَيَّرُ. واعْلَمْ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ بِزِيادَةِ السِّينِ والتّاءِ يَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَدّى إلى الدّاعِي بِاللّامِ، وحِينَئِذٍ يُحْذَفُ لَفْظُ الدُّعاءِ غالِبًا فَقَلَّما قِيلَ: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دُعاءَهُ، بَلْ يُقْتَصَرُ عَلى: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا قالُوا: دَعاهُ فاسْتَجابَهُ كانَ المَعْنى فاسْتَجابَ دُعاءَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] في سُورَةِ هُودٍ.
صفحة ١٤٠
و”أنَّما“ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ تُفِيدُ الحَصْرَ مِثْلَ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ فَرْعٌ عَنِ المَكْسُورَتِها لَفْظًا ومَعْنًى، فَلا مَحِيصَ مِن مُفادِها، فالتَّقْدِيرُ فاعْلَمْ أنَّهم ما يَتَّبِعُونَ إلّا أهْواءَهم. وجِيءَ بِحَرْفِ (إنَّ) الغالِبِ في الشَّرْطِ المَشْكُوكِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أوْ؛ لِأنَّها الحَرْفُ الأصْلِيُّ. وإقْحامُ فِعْلِ ”فاعْلَمْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ الَّذِي بَعْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَوْلِهِ ”أتَّبِعْهُ“ جَوابُ ”فَأْتُوا“ أيْ إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ، وهو مُبالَغَةٌ في التَّعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ إذا وعَدَهم بِأنْ يَتَّبِعَ ما يَأْتُونَ بِهِ فَهو يَتَّبِعُهم أنْفُسَهم وذَلِكَ مِمّا يُوَفِّرُ دَواعِيَهم عَلى مُحاوَلَةِ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِن كِتابِهِ لَوِ اسْتَطاعُوهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الحَقُّ، ووَجَبَتْ عَلَيْهِمُ المَغْلُوبِيَّةُ فَكانَ ذَلِكَ أدُلَّ عَلى عَجْزِهِمْ وأثْبُتَ في إعْجازِ القُرْآنِ.
وهَذا مِنَ التَّعْلِيقِ عَلى ما تَحَقَّقَ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فالمُعَلَّقُ حِينَئِذٍ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] . ولِكَوْنِهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ. وقَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ ومِن إقْحامِ ”فاعْلَمْ“ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ البَتَّةَ، وهَذا مِنَ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ.
وجاءَ في آخِرِ الكَلامِ تَذْيِيلٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ضَلالًا مِن أحَدٍ اتَّبَعَ هَواهُ المُنافِيَ لِهُدى اللَّهِ.
و”مَن“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنْ ذاتٍ مُبْهَمَةٍ، وهو اسْتِفْهامُ الإنْكارِ فَأفادَ الِانْتِفاءَ فَصارَ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ الَّذِي فِيهِ في مَعْنى نَكِرَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ أفادَتِ العُمُومَ فَشَمِلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أهْواءَهم وغَيْرَهم. وبِهَذا العُمُومِ صارَ تَذْيِيلًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأطْلَقَ الِاتِّباعَ عَلى العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ إرادَةُ المَرْءِ النّاشِئَةُ عَنْ مَيْلِهِ إلى المَفاسِدِ والأضْرارِ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِالمَشْيِ وراءَ السّائِرِ، وفِيهِ تَشْبِيهُ الهَوى بِسائِرٍ، والهَوى مَصْدَرٌ لِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ:
هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ
صفحة ١٤١
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وهو مَوْضِعُ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿اتَّبَعَ هَواهُ﴾ وهو حالٌ كاشِفَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الهَوى؛ لِأنَّ الهَوى لا يَكُونُ مُلابِسًا لِلْهُدى الرَّبّانِيِّ ولا صاحِبُهُ مُلابِسًا لَهُ؛ لِأنَّ الهُدى يَرْجِعُ إلى مَعْنى إصابَةِ المَقْصِدِ الصّالِحِ.
وجَعَلَ الهُدى مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ حَقُّ الهُدى؛ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ مَعْصُومًا مِنَ الخَلَلِ والخَطَإ.
ووَجْهُ كَوْنِهِ لا أضَلَّ مِنهُ أنَّ الضَّلالَ في الأصْلِ خَطَأُ الطَّرِيقِ وأنَّهُ يَقَعُ في أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ في عَواقِبِ المَشَقَّةِ أوِ الخَطَرِ أوِ الهَلاكِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ شِدَّةِ الضَّلالِ. واتِّباعُ الهَوى مَعَ إلْغاءِ إعْمالِ النَّظَرِ ومُراجَعَتِهِ في النَّجاةِ يُلْقِي بِصاحِبِهِ إلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِ الضُّرِّ بِدُونِ تَحْدِيدٍ ولا انْحِصارٍ.
فَلا جَرَمَ يَكُونُ هَذا الِاتِّباعُ المُفارِقُ لِجِنْسِ الهُدى أشَدَّ الضَّلالِ، فَصاحِبُهُ أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا.
ثُمَّ ذُيِّلَ هَذا التَّذْيِيلُ بِما هو تَمامُهُ إذْ فِيهِ تَعْيِينُ هَذا الفَرِيقِ المُبْهَمِ الَّذِي هو أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا، فَإنَّهُ الفَرِيقُ الَّذِينَ كانُوا قَوْمًا ظالِمِينَ، أيْ كانَ الظُّلْمُ شَأْنَهم وقِوامَ قَوْمِيَّتِهِمْ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالقَوْمِ.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، وهو ظُلْمُ الأنْفُسِ وظُلْمُ النّاسِ، وأعْظَمُهُ الإشْراكُ وإتْيانُ الفَواحِشِ والعُدْوانُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ الِاهْتِداءَ عِقابًا مِنهُ عَلى ظُلْمِهِمْ فَهم باقُونَ في الضَّلالِ يَتَخَبَّطُونَ فِيهِ، فَهم أضَلُّ الضّالِّينَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ في انْتِفاءِ هُدى اللَّهِ عَنْهم عَلى تَفاوُتِهِمْ في التَّصَلُّبِ في ظُلْمِهِمْ؛ فَقَدْ يَسْتَمِرُّ أحَدُهم زَمانًا عَلى ضَلالِهِ ثُمَّ يُقَدِّرُ اللَّهُ لَهُ الهُدى فَيَخْلُقُ في قَلْبِهِ الإيمانَ. ولِأجْلِ هَذا التَّفاوُتِ في قابِلِيَّةِ الإقْلاعِ عَنِ الضَّلالِ اسْتَمَرَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُمُ لِلْإيمانِ في عُمُومِ المَدْعُوِّينَ إذْ لا يَعْلَمُ إلّا اللَّهُ مَدى تَفاوُتِ النّاسِ لِقَبُولِ الهُدى، فالهُدى المَنفِيُّ عَنْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمْ هُنا هو الهُدى التَّكْوِينِيُّ.
وأمّا الهُدى بِمَعْنى الإرْشادِ فَهو مِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الأيِمَّةِ مِنَ
صفحة ١٤٢
الأشاعِرَةِ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ بِالإيمانِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ؛ لِأنَّ التَّعَلُّقَ التَّكْوِينِيَّ غَيْرُ التَّعَلُّقِ التَّشْرِيعِيِّ.
وبَيْنَ هَواهُ وهُدًى جِناسٌ مُحَرَّفٌ وجِناسُ خَطٍّ.
القصص 28:50
صفحة ١٣٩
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .
أيْ أجِبْ كَلامَهُمُ المَحْكِيَّ مِن قَوْلِهِمْ (ساحِرانِ) وقَوْلِهِمْ ﴿إنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] .
ووَصْفُ ”كِتابٍ“ بِـ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ إدْماجٌ لِمَدْحِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ بِأنَّهُما كِتابانِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. والمُرادُ بِالتَّوْراةِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الأسْفارُ الأرْبَعَةُ المَنسُوبَةُ إلى مُوسى مِن كَلامِ اللَّهِ إلى مُوسى أوْ مِن إسْنادِ مُوسى أمْرًا إلى اللَّهِ لا كُلُّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الأسْفارُ، فَإنَّ فِيها قَصَصًا وحَوادِثَ ما هي مِن كَلامِ اللَّهِ، فَيُقالُ لِلْمُصْحَفِ هو كَلامُ اللَّهِ بِالتَّحْقِيقِ، ولا يُقالُ لِأسْفارِ العَهْدَيْنِ كَلامُ اللَّهِ إلّا عَلى التَّغْلِيبِ، إذْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ المُرْسَلانِ بِكِتابَيِ العَهْدِ. وقَدْ تَحَدّاهُما القُرْآنُ في هَذِهِ الآيَةِ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ الهُدى بِبَلاغَةِ نَظْمِهِ. وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ والحَقائِقِ هو مِن طُرُقِ إعْجازِهِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.
فَمَعْنى ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ إنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ، أيْ إلى الدِّينِ بَعْدَ قِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِهَذا التَّحَدِّي، فاعْلَمْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ ما هو إلّا إتْباعٌ لِلْهَوى ولا شُبْهَةَ لَهم في دِينِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِعَدَمِ الِاسْتِجابَةِ عَدَمُ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ يَقْتَضِي دُعاءً ولا دُعاءَ في قَوْلِهِ ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ بَلْ هو تَعْجِيزٌ، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ عَجَزُوا ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِكَ بَعْدَ العَجْزِ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾، أيْ لا يُغَيَّرُ. واعْلَمْ أنَّ فِعْلَ الِاسْتِجابَةِ بِزِيادَةِ السِّينِ والتّاءِ يَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ ويَتَعَدّى إلى الدّاعِي بِاللّامِ، وحِينَئِذٍ يُحْذَفُ لَفْظُ الدُّعاءِ غالِبًا فَقَلَّما قِيلَ: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ دُعاءَهُ، بَلْ يُقْتَصَرُ عَلى: اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَإذا قالُوا: دَعاهُ فاسْتَجابَهُ كانَ المَعْنى فاسْتَجابَ دُعاءَهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤] في سُورَةِ هُودٍ.
صفحة ١٤٠
و”أنَّما“ المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ تُفِيدُ الحَصْرَ مِثْلَ (إنَّما) المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ المَفْتُوحَةَ الهَمْزَةِ فَرْعٌ عَنِ المَكْسُورَتِها لَفْظًا ومَعْنًى، فَلا مَحِيصَ مِن مُفادِها، فالتَّقْدِيرُ فاعْلَمْ أنَّهم ما يَتَّبِعُونَ إلّا أهْواءَهم. وجِيءَ بِحَرْفِ (إنَّ) الغالِبِ في الشَّرْطِ المَشْكُوكِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أوْ؛ لِأنَّها الحَرْفُ الأصْلِيُّ. وإقْحامُ فِعْلِ ”فاعْلَمْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ الَّذِي بَعْدَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] في سُورَةِ الأنْفالِ.
وقَوْلِهِ ”أتَّبِعْهُ“ جَوابُ ”فَأْتُوا“ أيْ إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ، وهو مُبالَغَةٌ في التَّعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ إذا وعَدَهم بِأنْ يَتَّبِعَ ما يَأْتُونَ بِهِ فَهو يَتَّبِعُهم أنْفُسَهم وذَلِكَ مِمّا يُوَفِّرُ دَواعِيَهم عَلى مُحاوَلَةِ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِن كِتابِهِ لَوِ اسْتَطاعُوهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الحَقُّ، ووَجَبَتْ عَلَيْهِمُ المَغْلُوبِيَّةُ فَكانَ ذَلِكَ أدُلَّ عَلى عَجْزِهِمْ وأثْبُتَ في إعْجازِ القُرْآنِ.
وهَذا مِنَ التَّعْلِيقِ عَلى ما تَحَقَّقَ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فالمُعَلَّقُ حِينَئِذٍ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] . ولِكَوْنِهِ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقُولَهُ. وقَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ ومِن إقْحامِ ”فاعْلَمْ“ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِذَلِكَ البَتَّةَ، وهَذا مِنَ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ.
وجاءَ في آخِرِ الكَلامِ تَذْيِيلٌ عَجِيبٌ، وهو أنَّهُ لا أحَدَ أشَدُّ ضَلالًا مِن أحَدٍ اتَّبَعَ هَواهُ المُنافِيَ لِهُدى اللَّهِ.
و”مَن“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنْ ذاتٍ مُبْهَمَةٍ، وهو اسْتِفْهامُ الإنْكارِ فَأفادَ الِانْتِفاءَ فَصارَ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ الَّذِي فِيهِ في مَعْنى نَكِرَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ أفادَتِ العُمُومَ فَشَمِلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أهْواءَهم وغَيْرَهم. وبِهَذا العُمُومِ صارَ تَذْيِيلًا وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأطْلَقَ الِاتِّباعَ عَلى العَمَلِ بِما تُمْلِيهِ إرادَةُ المَرْءِ النّاشِئَةُ عَنْ مَيْلِهِ إلى المَفاسِدِ والأضْرارِ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِالمَشْيِ وراءَ السّائِرِ، وفِيهِ تَشْبِيهُ الهَوى بِسائِرٍ، والهَوى مَصْدَرٌ لِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ:
هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدٌ
صفحة ١٤١
وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وهو مَوْضِعُ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿اتَّبَعَ هَواهُ﴾ وهو حالٌ كاشِفَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الهَوى؛ لِأنَّ الهَوى لا يَكُونُ مُلابِسًا لِلْهُدى الرَّبّانِيِّ ولا صاحِبُهُ مُلابِسًا لَهُ؛ لِأنَّ الهُدى يَرْجِعُ إلى مَعْنى إصابَةِ المَقْصِدِ الصّالِحِ.
وجَعَلَ الهُدى مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ حَقُّ الهُدى؛ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ العالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَكُونُ مَعْصُومًا مِنَ الخَلَلِ والخَطَإ.
ووَجْهُ كَوْنِهِ لا أضَلَّ مِنهُ أنَّ الضَّلالَ في الأصْلِ خَطَأُ الطَّرِيقِ وأنَّهُ يَقَعُ في أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ في عَواقِبِ المَشَقَّةِ أوِ الخَطَرِ أوِ الهَلاكِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى حَسَبِ تَفاوُتِ شِدَّةِ الضَّلالِ. واتِّباعُ الهَوى مَعَ إلْغاءِ إعْمالِ النَّظَرِ ومُراجَعَتِهِ في النَّجاةِ يُلْقِي بِصاحِبِهِ إلى كَثِيرٍ مِن أحْوالِ الضُّرِّ بِدُونِ تَحْدِيدٍ ولا انْحِصارٍ.
فَلا جَرَمَ يَكُونُ هَذا الِاتِّباعُ المُفارِقُ لِجِنْسِ الهُدى أشَدَّ الضَّلالِ، فَصاحِبُهُ أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا.
ثُمَّ ذُيِّلَ هَذا التَّذْيِيلُ بِما هو تَمامُهُ إذْ فِيهِ تَعْيِينُ هَذا الفَرِيقِ المُبْهَمِ الَّذِي هو أشَدُّ الضّالِّينَ ضَلالًا، فَإنَّهُ الفَرِيقُ الَّذِينَ كانُوا قَوْمًا ظالِمِينَ، أيْ كانَ الظُّلْمُ شَأْنَهم وقِوامَ قَوْمِيَّتِهِمْ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالقَوْمِ.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: الكامِلُونَ في الظُّلْمِ، وهو ظُلْمُ الأنْفُسِ وظُلْمُ النّاسِ، وأعْظَمُهُ الإشْراكُ وإتْيانُ الفَواحِشِ والعُدْوانُ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْلُقُ في نُفُوسِهِمُ الِاهْتِداءَ عِقابًا مِنهُ عَلى ظُلْمِهِمْ فَهم باقُونَ في الضَّلالِ يَتَخَبَّطُونَ فِيهِ، فَهم أضَلُّ الضّالِّينَ، وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ في انْتِفاءِ هُدى اللَّهِ عَنْهم عَلى تَفاوُتِهِمْ في التَّصَلُّبِ في ظُلْمِهِمْ؛ فَقَدْ يَسْتَمِرُّ أحَدُهم زَمانًا عَلى ضَلالِهِ ثُمَّ يُقَدِّرُ اللَّهُ لَهُ الهُدى فَيَخْلُقُ في قَلْبِهِ الإيمانَ. ولِأجْلِ هَذا التَّفاوُتِ في قابِلِيَّةِ الإقْلاعِ عَنِ الضَّلالِ اسْتَمَرَّتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهُمُ لِلْإيمانِ في عُمُومِ المَدْعُوِّينَ إذْ لا يَعْلَمُ إلّا اللَّهُ مَدى تَفاوُتِ النّاسِ لِقَبُولِ الهُدى، فالهُدى المَنفِيُّ عَنْ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِمْ هُنا هو الهُدى التَّكْوِينِيُّ.
وأمّا الهُدى بِمَعْنى الإرْشادِ فَهو مِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الأيِمَّةِ مِنَ
صفحة ١٤٢
الأشاعِرَةِ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ بِالإيمانِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ؛ لِأنَّ التَّعَلُّقَ التَّكْوِينِيَّ غَيْرُ التَّعَلُّقِ التَّشْرِيعِيِّ.
وبَيْنَ هَواهُ وهُدًى جِناسٌ مُحَرَّفٌ وجِناسُ خَطٍّ.
القصص 28:51
﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [القصص: ٤٧] الآيَةَ، وما عُطِفَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] .
والتَّوْصِيلُ: مُبالَغَةٌ في الوَصْلِ، وهو ضَمُّ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى بَعْضٍ، يُقالُ: وصَلَ الحَبْلَ إذا ضَمَّ قِطَعَهُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَصارَ حَبْلًا.
والقَوْلُ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ، قالَ تَعالى ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] وقالَ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أيِ القَوْلُ المَعْهُودُ. ولِلتَّوْصِيلِ أحْوالٌ كَثِيرَةٌ فَهو بِاعْتِبارِ ألْفاظِهِ وُصِّلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، ولَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً، وبِاعْتِبارِ مَعانِيهِ وُصِّلَ أصْنافًا مِنَ الكَلامِ وعْدًا، ووَعِيدًا، وتَرْغِيبًا، وتَرْهِيبًا، وقَصَصًا ومَواعِظَ وعِبَرًا، ونَصائِحَ يَعْقُبُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى فَنٍّ، وفي كُلِّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلى نَشاطِ الذِّهْنِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّدَبُّرِ.
واللّامُ و”قَدْ“ كِلاهُما لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا عَلَيْهِ إذْ جَهِلُوا حِكْمَةَ تَنْجِيمِ نُزُولِ القُرْآنِ وذُكِرَتْ لَهم حِكْمَةُ تَنْجِيمِهِ هُنا بِما يَرْجِعُ إلى فائِدَتِهِمْ بِقَوْلِهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ. وذُكِرَ في آيَةِ سُورَةِ الفُرْقانِ حِكْمَةٌ أُخْرى راجِعَةٌ إلى فائِدَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِقَوْلِهِ وقالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢] وفُهِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتَذَكَّرُوا. وضَمِيرُ ”لَهم“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ.
القصص 28:52
صفحة ١٤٣
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾
لَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، ولَمْ يَكُونُوا عِنْدَ رَجاءِ الرّاجِي عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّها جَوابٌ لِسُؤالِ مَن يَسْألُ هَلْ تَذَكَّرَ غَيْرُهم بِالقُرْآنِ أوِ اسْتَوى النّاسُ في عَدَمِ التَّذَكُّرِ بِهِ. فَأُجِيبَ بِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثابِتًا.
والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ طائِفَةٌ مَعْهُودَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ويَتَدَبَّرُونَهُ، وهم بَعْضُ النَّصارى مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ مِثْلَ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وصُهَيْبٍ، وبَعْضِ يَهُودِ المَدِينَةِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامً، ورِفاعَةَ بْنِ رَفاعَةَ القُرَظِيِّ، مِمَّنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ النَّبِيءُ إلى المَدِينَةِ فَلَمّا هاجَرَ أظْهَرُوا إسْلامَهم.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ وفْدٌ مِن نَصارى الحَبَشَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا بَعْثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِاسْتِعْلامِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَجَلَسُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنُوا بِهِ وكانَ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قَرِيبًا مِنهم يَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُونَ فَلَمّا قامُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ تَبِعَهم أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ فَقالَ لَهم: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ وقَبَّحَكم مِن وفْدٍ لَمْ تَلْبَثُوا أنْ صَدَّقْتُمُوهُ، فَقالُوا: سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم. وبِهِ ظَهَرَ أنَّهم لَمّا رَجَعُوا أسْلَمَ النَّجاشِيُّ، وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ نَصارى الحَبَشَةِ لَمّا وفَدَ إلَيْهِمْ أهْلُ الهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ، وقَرَءُوا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأفْهَمُوهُمُ الدِّينَ.
وضَمِيرُ مِن قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القَوْلِ مِن ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]، وهو القُرْآنُ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِتُقَوِّيَ الخَبَرَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ مُقَيِّدٌ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ، أيْ هم يُوقِنُونَ بِخِلافِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ.
صفحة ١٤٤
ومَجِيءُ المُسْنَدِ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ.
وحِكايَةُ إيمانِهِمْ بِالمُضِيِّ في قَوْلِهِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ سَماعِهِمُ القُرْآنَ: إمّا لِأنَّ المُضِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الإيمانِ مِثْلَ اسْتِعْمالِهِ في صِيَغِ العُقُودِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم آمَنُوا بِهِ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، أيْ آمَنُوا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ رَسُولٌ بِكِتابٍ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، يَعْنِي إيمانًا إجْمالِيًّا يَعْقُبُهُ إيمانٌ تَفْصِيلِيٌّ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ. ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، أيْ مُصَدِّقِينَ بِمَجِيءِ رَسُولِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مُسْلِمِينَ“ مُوَحِّدِينَ مُصَدِّقِينَ بِالرُّسُلِ فَإنَّ التَّوْحِيدَ هو الإسْلامُ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .
القصص 28:53
صفحة ١٤٣
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾
لَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، ولَمْ يَكُونُوا عِنْدَ رَجاءِ الرّاجِي عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّها جَوابٌ لِسُؤالِ مَن يَسْألُ هَلْ تَذَكَّرَ غَيْرُهم بِالقُرْآنِ أوِ اسْتَوى النّاسُ في عَدَمِ التَّذَكُّرِ بِهِ. فَأُجِيبَ بِأنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ يُؤْمِنُونَ بِهِ إيمانًا ثابِتًا.
والمُرادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ طائِفَةٌ مَعْهُودَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ ويَتَدَبَّرُونَهُ، وهم بَعْضُ النَّصارى مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ مِثْلَ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وصُهَيْبٍ، وبَعْضِ يَهُودِ المَدِينَةِ مِثْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامً، ورِفاعَةَ بْنِ رَفاعَةَ القُرَظِيِّ، مِمَّنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيءِ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ النَّبِيءُ إلى المَدِينَةِ فَلَمّا هاجَرَ أظْهَرُوا إسْلامَهم.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِمْ وفْدٌ مِن نَصارى الحَبَشَةِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا بَعْثَهُمُ النَّجاشِيُّ لِاسْتِعْلامِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ فَجَلَسُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنُوا بِهِ وكانَ أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ قَرِيبًا مِنهم يَسْمَعُونَ إلى ما يَقُولُونَ فَلَمّا قامُوا مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ تَبِعَهم أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ فَقالَ لَهم: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِن رَكْبٍ وقَبَّحَكم مِن وفْدٍ لَمْ تَلْبَثُوا أنْ صَدَّقْتُمُوهُ، فَقالُوا: سَلامٌ عَلَيْكم لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم. وبِهِ ظَهَرَ أنَّهم لَمّا رَجَعُوا أسْلَمَ النَّجاشِيُّ، وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ نَصارى الحَبَشَةِ لَمّا وفَدَ إلَيْهِمْ أهْلُ الهِجْرَةِ إلى الحَبَشَةِ، وقَرَءُوا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ وأفْهَمُوهُمُ الدِّينَ.
وضَمِيرُ مِن قَبْلِهِ عائِدٌ إلى القَوْلِ مِن ﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ [القصص: ٥١]، وهو القُرْآنُ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ لِتُقَوِّيَ الخَبَرَ. وضَمِيرُ الفَصْلِ مُقَيِّدٌ لِلْقَصْرِ الإضافِيِّ، أيْ هم يُوقِنُونَ بِخِلافِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ.
صفحة ١٤٤
ومَجِيءُ المُسْنَدِ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ وتَجَدُّدِهِ.
وحِكايَةُ إيمانِهِمْ بِالمُضِيِّ في قَوْلِهِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ مَعَ أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ أوَّلِ سَماعِهِمُ القُرْآنَ: إمّا لِأنَّ المُضِيَّ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الإيمانِ مِثْلَ اسْتِعْمالِهِ في صِيَغِ العُقُودِ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم آمَنُوا بِهِ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ، أيْ آمَنُوا بِأنَّهُ سَيَجِيءُ رَسُولٌ بِكِتابٍ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، يَعْنِي إيمانًا إجْمالِيًّا يَعْقُبُهُ إيمانٌ تَفْصِيلِيٌّ عِنْدَ سَماعِ آياتِهِ. ويُنْظَرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾، أيْ مُصَدِّقِينَ بِمَجِيءِ رَسُولِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”مُسْلِمِينَ“ مُوَحِّدِينَ مُصَدِّقِينَ بِالرُّسُلِ فَإنَّ التَّوْحِيدَ هو الإسْلامُ كَما قالَ إبْراهِيمُ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى ﴿آمَنّا بِهِ﴾ .
القصص 28:54
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَدَّ اللَّهُ لَهم سَبْعَ خِصالٍ مِن خِصالِ أهْلِ الكَمالِ: إحْداها أُخْرَوِيَّةٌ، وهي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ أنَّهم يُؤْتُونَ أجْرَيْنِ عَلى إيمانِهِمْ، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِكِتابِهِمْ مِن قَبْلُ ثُمَّ آمَنُوا بِالقُرْآنِ، فَعَبَّرَ عَنْ مُضاعَفَةِ الأجْرِ ضِعْفَيْنِ بِالمَرَّتَيْنِ تَشْبِيهًا لِلْمُضاعَفَةِ بِتَكْرِيرِ الإيتاءِ وإنَّما هو إيتاءٌ واحِدٌ.
صفحة ١٤٥
وفائِدَةُ هَذا المَجازِ إظْهارُ العِنايَةِ حَتّى كَأنَّ المُثِيبَ يُعْطِي ثُمَّ يُكَرِّرُ عَطاءَهُ فَفي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ تَمْثِيلَةٌ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وأدْرَكَنِي فَآمَنَ بِي واتَّبَعَنِي وصَدَّقَنِي فَلَهُ أجْرانِ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أُمَّةٌ فَغَذّاها فَأحْسَنَ غِذاءَها، ثُمَّ أدَّبَها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها، ثُمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ» . رَواهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ لِعَطاءٍ الخُراسانِيِّ: خُذْهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيما دُونَ هَذا إلى المَدِينَةِ.
والثّانِيَةُ: الصَّبْرُ، والصَّبْرُ مِن أعْظَمِ خِصالِ البِرِّ وأجْمَعِها لِلْمَبَرّاتِ، وأعْوَنِها عَلى الزِّيادَةِ والمُرادُ بِالصَّبْرِ صَبْرُهم عَلى أذى أهْلِ مِلَّتِهِمْ، أوْ صَبْرُهم عَلى أذى قُرَيْشٍ، وهَذا يَتَحَقَّقُ في مِثْلِ الوَفْدِ الحَبَشِيِّ. ولَعَلَّهُمُ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ .
والخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: دَرْؤُهُمُ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ وهي مِن أعْظَمِ خِصالِ الخَيْرِ، وأدْعاها إلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فائِدَةُ دَفْعِ مَضَرَّةِ المُسِيءِ عَنِ النَّفْسِ، وإسْداءُ الخَيْرِ إلى نَفْسٍ أُخْرى، فَهم لَمْ يَرُدُّوا جَلافَةَ أبِي جَهْلٍ بِمِثْلِها، ولَكِنْ بِالإعْراضِ مَعَ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وهي سَلامٌ عَلَيْكم.
وأمّا الإنْفاقُ فَلَعَلَّهم كانُوا يُنْفِقُونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وهو الخَصْلَةُ الرّابِعَةُ ولا يَخْفى مَكانُها مِنَ البَرِّ.
والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: الإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ، وهو الكَلامُ العَبَثُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا الخُلُقُ مِن مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، إذْ لا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَشْغَلَ سَمْعَهُ ولُبَّهُ بِما لا جَدْوى لَهُ وبِالأوْلى يَتَنَزَّهُ عَنْ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ذَلِكَ.
والخَصْلَةُ السّادِسَةُ: الكَلامُ الفَصْلُ، وهو قَوْلُهم ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا مِن أحْسَنِ ما يُجابُ السُّفَهاءُ وهو أقْرَبُ لِإصْلاحِهِمْ وأسْلَمُ مِن تَزايُدِ سَفَهِهِمْ.
صفحة ١٤٦
ولَقَدْ أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِحِكْمَةٍ جَعَلَها مُسْتَأْهِلَةً لِأنْ تُنْظَمَ في سِلْكِ الإعْجازِ فَألْهَمَهم تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ شَرَّفَها بِأنْ حُكِيَتْ في نَسْجِ القُرْآنِ، كَما ألْهَمَ عُمَرَ قَوْلَهُ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ.
ومَعْنى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أنَّ أعْمالَنا مُسْتَحَقَّةٌ لَنا كِنايَةً عَنْ مُلازَمَتِهِمْ إيّاها، وأمّا قَوْلُهم ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فَهو تَتْمِيمٌ عَلى حَدِّ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
والمَقْصُودُ مِنَ السَّلامِ أنَّهُ سَلامُ المُتارَكَةِ المُكَنّى بِها عَنِ المُوادَعَةِ أنْ لا نَعُودَ لِمُخاطَبَتِكم، قالَ الحَسَنُ: كَلِمَةُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم“، تَحِيَّةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلامَةُ الِاحْتِمالِ مِنَ الجاهِلِينَ. ولَعَلَّ القُرْآنَ غَيَّرَ مَقالَتَهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِتَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلى الخُصُوصِيَّةِ المُناسِبَةِ لِلْإعْجازِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ المُتارَكَةُ إلى آخِرِ الِخِطابِ أوْلى؛ لِيَكُونَ فِيهِ بَراعَةُ المَقْطَعِ.
وحَذَفَ القُرْآنُ قَوْلَهم: لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا، لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ .
السّابِعَةُ: ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهم ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ مِن أنَّ ذَلِكَ خُلُقُهم أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ العِلْمَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمُتارَكَةِ، أيْ لِأنّا لا نُحِبُّ مُخالَطَةَ أهْلِ الجَهالَةِ بِاللَّهِ، وبِدِينِ الحَقِّ وأهْلِ خُلُقِ الجَهْلِ الَّذِي هو ضِدُّ الحُلْمِ، فاسْتَعْمَلَ الجَهْلَ في مَعْنَيَيْهِ المُشْتَرَك فِيها ولَعَلَّهُ تَعْرِيضٌ بِكُنْيَةِ أبِي جَهْلٍ الَّذِي بَذا عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ يَقُولُونَها بَيْنَ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَجْهَرُوا بِها لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وقَوْلِهِ سَلامٌ عَلَيْكم وبِذَلِكَ يَكُونُ القَوْلُ المَحْكِيُّ قَوْلَيْنِ: قَوْلٌ وجَّهُوهُ لِأبِي جَهْلٍ وصَحْبِهِ، وقَوْلٌ دارَ بَيْنَ أهْلِ الوَفْدِ.
القصص 28:55
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَدَّ اللَّهُ لَهم سَبْعَ خِصالٍ مِن خِصالِ أهْلِ الكَمالِ: إحْداها أُخْرَوِيَّةٌ، وهي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ أنَّهم يُؤْتُونَ أجْرَيْنِ عَلى إيمانِهِمْ، أيْ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ لِأجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِكِتابِهِمْ مِن قَبْلُ ثُمَّ آمَنُوا بِالقُرْآنِ، فَعَبَّرَ عَنْ مُضاعَفَةِ الأجْرِ ضِعْفَيْنِ بِالمَرَّتَيْنِ تَشْبِيهًا لِلْمُضاعَفَةِ بِتَكْرِيرِ الإيتاءِ وإنَّما هو إيتاءٌ واحِدٌ.
صفحة ١٤٥
وفائِدَةُ هَذا المَجازِ إظْهارُ العِنايَةِ حَتّى كَأنَّ المُثِيبَ يُعْطِي ثُمَّ يُكَرِّرُ عَطاءَهُ فَفي ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ تَمْثِيلَةٌ. وفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وأدْرَكَنِي فَآمَنَ بِي واتَّبَعَنِي وصَدَّقَنِي فَلَهُ أجْرانِ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ تَعالى وحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أجْرانِ، ورَجُلٌ كانَتْ لَهُ أُمَّةٌ فَغَذّاها فَأحْسَنَ غِذاءَها، ثُمَّ أدَّبَها فَأحْسَنَ تَأْدِيبَها، ثُمَّ أعْتَقَها وتَزَوَّجَها فَلَهُ أجْرانِ» . رَواهُ الشَّعْبِيُّ، وقالَ لِعَطاءٍ الخُراسانِيِّ: خُذْهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيما دُونَ هَذا إلى المَدِينَةِ.
والثّانِيَةُ: الصَّبْرُ، والصَّبْرُ مِن أعْظَمِ خِصالِ البِرِّ وأجْمَعِها لِلْمَبَرّاتِ، وأعْوَنِها عَلى الزِّيادَةِ والمُرادُ بِالصَّبْرِ صَبْرُهم عَلى أذى أهْلِ مِلَّتِهِمْ، أوْ صَبْرُهم عَلى أذى قُرَيْشٍ، وهَذا يَتَحَقَّقُ في مِثْلِ الوَفْدِ الحَبَشِيِّ. ولَعَلَّهُمُ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ .
والخَصْلَةُ الثّالِثَةُ: دَرْؤُهُمُ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ وهي مِن أعْظَمِ خِصالِ الخَيْرِ، وأدْعاها إلى حُسْنِ المُعاشَرَةِ، قالَ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ فائِدَةُ دَفْعِ مَضَرَّةِ المُسِيءِ عَنِ النَّفْسِ، وإسْداءُ الخَيْرِ إلى نَفْسٍ أُخْرى، فَهم لَمْ يَرُدُّوا جَلافَةَ أبِي جَهْلٍ بِمِثْلِها، ولَكِنْ بِالإعْراضِ مَعَ كَلِمَةٍ حَسَنَةٍ وهي سَلامٌ عَلَيْكم.
وأمّا الإنْفاقُ فَلَعَلَّهم كانُوا يُنْفِقُونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وهو الخَصْلَةُ الرّابِعَةُ ولا يَخْفى مَكانُها مِنَ البَرِّ.
والخَصْلَةُ الخامِسَةُ: الإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ، وهو الكَلامُ العَبَثُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَذا الخُلُقُ مِن مَظاهِرِ الحِكْمَةِ، إذْ لا يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَشْغَلَ سَمْعَهُ ولُبَّهُ بِما لا جَدْوى لَهُ وبِالأوْلى يَتَنَزَّهُ عَنْ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ ذَلِكَ.
والخَصْلَةُ السّادِسَةُ: الكَلامُ الفَصْلُ، وهو قَوْلُهم ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا مِن أحْسَنِ ما يُجابُ السُّفَهاءُ وهو أقْرَبُ لِإصْلاحِهِمْ وأسْلَمُ مِن تَزايُدِ سَفَهِهِمْ.
صفحة ١٤٦
ولَقَدْ أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِحِكْمَةٍ جَعَلَها مُسْتَأْهِلَةً لِأنْ تُنْظَمَ في سِلْكِ الإعْجازِ فَألْهَمَهم تِلْكَ الكَلِماتِ ثُمَّ شَرَّفَها بِأنْ حُكِيَتْ في نَسْجِ القُرْآنِ، كَما ألْهَمَ عُمَرَ قَوْلَهُ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآيَةَ.
ومَعْنى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ أنَّ أعْمالَنا مُسْتَحَقَّةٌ لَنا كِنايَةً عَنْ مُلازَمَتِهِمْ إيّاها، وأمّا قَوْلُهم ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ فَهو تَتْمِيمٌ عَلى حَدِّ ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] .
والمَقْصُودُ مِنَ السَّلامِ أنَّهُ سَلامُ المُتارَكَةِ المُكَنّى بِها عَنِ المُوادَعَةِ أنْ لا نَعُودَ لِمُخاطَبَتِكم، قالَ الحَسَنُ: كَلِمَةُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم“، تَحِيَّةٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وعَلامَةُ الِاحْتِمالِ مِنَ الجاهِلِينَ. ولَعَلَّ القُرْآنَ غَيَّرَ مَقالَتَهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِتَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلى الخُصُوصِيَّةِ المُناسِبَةِ لِلْإعْجازِ؛ لِأنَّ تَأْخِيرَ الكَلامِ الَّذِي فِيهِ المُتارَكَةُ إلى آخِرِ الِخِطابِ أوْلى؛ لِيَكُونَ فِيهِ بَراعَةُ المَقْطَعِ.
وحَذَفَ القُرْآنُ قَوْلَهم: لَمْ نَأْلُ أنْفُسَنا رُشْدًا، لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ .
السّابِعَةُ: ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهم ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ مِن أنَّ ذَلِكَ خُلُقُهم أنَّهم يَتَطَلَّبُونَ العِلْمَ ومَكارِمَ الأخْلاقِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمُتارَكَةِ، أيْ لِأنّا لا نُحِبُّ مُخالَطَةَ أهْلِ الجَهالَةِ بِاللَّهِ، وبِدِينِ الحَقِّ وأهْلِ خُلُقِ الجَهْلِ الَّذِي هو ضِدُّ الحُلْمِ، فاسْتَعْمَلَ الجَهْلَ في مَعْنَيَيْهِ المُشْتَرَك فِيها ولَعَلَّهُ تَعْرِيضٌ بِكُنْيَةِ أبِي جَهْلٍ الَّذِي بَذا عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ يَقُولُونَها بَيْنَ أنْفُسِهِمْ ولَمْ يَجْهَرُوا بِها لِأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وقَوْلِهِ سَلامٌ عَلَيْكم وبِذَلِكَ يَكُونُ القَوْلُ المَحْكِيُّ قَوْلَيْنِ: قَوْلٌ وجَّهُوهُ لِأبِي جَهْلٍ وصَحْبِهِ، وقَوْلٌ دارَ بَيْنَ أهْلِ الوَفْدِ.
القصص 28:56
صفحة ١٤٧
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ وهْوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ مَعاذِيرَ المُشْرِكِينَ وكُفْرَهم بِالقُرْآنِ، وأعْلَمَ رَسُولَهُ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم وأنَّهم مُجَرَّدُونَ عَنْ هُدى اللَّهِ، ثُمَّ أثْنى عَلى فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، وكانَ ذَلِكَ يُحْزِنُ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُعْرِضَ قُرَيْشٌ وهم أخَصُّ النّاسِ بِهِ عَنْ دَعْوَتِهِ، أقْبَلَ اللَّهُ عَلى خِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ بِما يُسَلِّي نَفْسَهُ، ويُزِيلُ كَمَدَهُ بِأنْ ذَكَرَّهُ بِأنَّ الهُدى بِيَدِ اللَّهِ. وهو كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالتَّفْوِيضِ في ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اهْتِمامٌ بِاسْتِدْعاءِ إقْبالِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عِلْمِ ما تَضَمَّنَتْهُ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ [القصص: ٥٠] . ومَفْعُولُ ”أحْبَبْتَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ”لا تَهْدِي“ .
والتَّقْدِيرُ: مَن أحْبَبْتَ هَدْيَهُ أوِ اهْتِداءَهُ. وماصَدَقَ (مَن) المَوْصُولَةِ كُلُّ مَن دَعاهُ النَّبِيءُ إلى الإسْلامِ فَإنَّهُ يُحِبُّ اهْتِداءَهُ.
وقَدْ تَضافَرَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ مِن أوَّلِ المُرادِ بِذَلِكَ أبا طالِبٍ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ إذْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ اغْتَمَّ لِمَوْتِهِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ كَما في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذُكِرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ مِن أجْلِ امْتِناعِ أبِي طالِبٍ عَمِّهِ مِن إجابَتِهِ إذْ دَعاهُ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو نَصُّ حَدِيثِ البُخارِيِّ، ومُسْلِمٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”بَراءَةٌ“ .
وهَذا مِنَ العامِّ النّازِلِ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ فَيَعُمُّهُ وغَيْرَهُ وهو يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ مَوْتِ أبِي طالِبٍ، وكانَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ سَنَةَ ثَلاثٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ، أوْ كانَ وضْعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ.
ومَعْنى ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أنَّهُ يَخْلُقُ مَن يَشاءُ قابِلًا لِلِاهْتِداءِ في مَدًى مُعَيَّنٍ وبَعْدَ دَعَواتٍ مَحْدُودَةٍ حَتّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْإيمانِ فَإذا تَدَبَّرَ ما خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَدَّدَهُ - كَثُرَ في عِلْمِهِ وإرادَتِهِ - جَعَلَ مِنهُ الِاهْتِداءَ، فالمُرادُ الهِدايَةُ بِالفِعْلِ. وأمّا
صفحة ١٤٨
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَهي الهِدايَةُ بِالدَّعْوَةِ والإرْشادِ فاخْتَلَفَ الإطْلاقانِ.
ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ مَن يَشاءُ اهْتِداءَهُ، والمَشِيئَةُ تُعْرَفُ بِحُصُولِ الِاهْتِداءِ وتَتَوَقَّفُ عَلى ما سَبَقَ مِن عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إيماءٌ إلى ذَلِكَ، أيْ هو أعْلَمُ مِن كُلِّ أحَدٍ بِالمُهْتَدِينَ في أحْوالِهِمْ ومَقادِيرِ اسْتِعْدادِهِمْ عَلى حَسَبِ ما تَهَيَّأتْ إلَيْهِ فِطَرُهم مِن صَحِيحِ النَّظَرِ وقَبُولِ الخَيْرِ واتِّقاءِ العاقِبَةِ والِانْفِعالِ لِما يُلْقى إلَيْها مِنَ الدَّعْوَةِ ودَلائِلِها. ولِكُلِّ ذَلِكَ حالٌ ومَدًى ولِكِلَيْهِما أسْبابٌ تَكْوِينِيَّةٌ في الشَّخْصِ وأسْلافِهِ وأسْبابُ نَمائِهِ، أوْ ضَعْفِهِ مِنَ الكِيانِ والوَسَطِ والعَصْرِ والتَّعَقُّلِ.
القصص 28:57
﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَدُنّا ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ”هَذِهِ بَعْضُ مَعاذِيرِهِمْ قالَها فَرِيقٌ مِنهم مِمَّنْ غَلَبَهُ الحَياءُ عَلى أنْ يُكابِرَ ويُجاهِرَ بِالتَّكْذِيبِ، وغَلَبَهُ إلْفُ ما هو عَلَيْهِ مِن حالِ الكُفْرِ عَلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، فاعْتَذَرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الحارِثَ بْنَ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وناسًا مِن قُرَيْشٍ جاءُوا النَّبِيءَ ﷺ، فَقالَ الحارِثُ: إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ حَقٌّ، ولَكِنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْنا الهُدى مَعَكَ ونُؤْمِن بِكَ أنْ يَتَخَطَّفَنا العَرَبُ مِن أرْضِنا، ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ، وإنَّما نَحْنُ أكَلَةٌ رَأسٍ، أيْ أنَّ جَمْعَنا يُشْبِعُهُ الرَّأْسُ الواحِدُ مِنَ الإبِلِ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ فَهَؤُلاءِ اعْتَرَفُوا في ظاهِرِ الأمْرِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَدْعُو إلى الهُدى.
والتَّخَطُّفُ: مُبالَغَةٌ في الخَطْفِ، وهو انْتِزاعُ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ [الأنفال: ٢٦] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمُرادُ: يَأْسِرُنا الأعْداءُ مَعَهم إلى دِيارِهِمْ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ قُرَيْشًا مَعَ قِلَّتِهِمْ عَدًّا وعُدَّةً أتاحَ اللَّهُ لَهم بَلَدًا هو حَرَمٌ آمِنٌ يَكُونُونَ فِيهِ آمَنِينَ مِنَ العَدُوِّ عَلى كَثْرَةِ قَبائِلِ العَرَبِ، واشْتِغالِهِمْ بِالغارَةِ عَلى
صفحة ١٤٩
جِيرَتِهِمْ وجَبى إلَيْهِمْ ثَمَراتٍ كَثِيرَةً قُرُونًا طَوِيلَةً، فَلَوِ اعْتَبَرُوا لَعَلِمُوا أنَّ لَهم مَنَعَةً رَبّانِيَّةً وأنَّ اللَّهَ الَّذِي أمَّنَهم في القُرُونِ الخالِيَةِ يُؤَمِّنُهم إنِ اسْتَجابُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ.
والتَّمْكِينُ: الجَعْلُ في مَكانٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ونُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ [القصص: ٦] . واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في الإعْدادِ والتَّيْسِيرِ.
والجَبْيُ: الجَمْعُ والجَلْبُ ومِنهُ جِبايَةُ الخَراجِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا. ووَجْهُ الإنْكارِ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْفِي أنَّ ذَلِكَ الحَرَمَ مِن تَمْكِينِ اللَّهِ، فاسْتَفْهَمُوا عَلى هَذا النَّفْيِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ.
وهَذا الإنْكارُ يَقْتَضِي تَوْبِيخًا عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي نَزَلُوا لِأجْلِها مَنزِلَةَ مَن يَنْفِي أنَّ اللَّهَ مَكَّنَ لَهم حَرَمًا.
والواوُ عَطَفَتْ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ“ وقالُوا ”. والتَّقْدِيرُ: ونَحْنُ مَكَّنّا لَهم حَرَمًا.
و“ كُلِّ شَيْءٍ ”عامٌّ في كُلِّ ذِي ثَمَرَةٍ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ ثَمَرِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُثْمِرَةِ المَعْرُوفَةِ في بِلادِهِمْ والمُجاوِرَةِ لَهم أوِ اسْتُعْمِلَ“ كُلِّ ”في مَعْنى الكَثْرَةِ.
و“ رِزْقًا ”حالٌ مِن“ ثَمَراتُ ”وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ.
ومَعْنى“ مِن لَدُنّا ”مِن عِنْدِنا، والعِنْدِيَّةُ مَجازٌ في التَّكْرِيمِ والبَرَكَةِ، أيْ رِزْقًا قَدَّرْناهُ لَهم إكْرامًا فَكَأنَّهُ رِزْقٌ خاصٌّ مِن مَكانٍ شَدِيدِ الِاخْتِصاصِ بِاللَّهِ تَعالى.
وقَدْ حَصَلَ في خِلالِ الرَّدِّ لِقَوْلِهِمْ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ لِيَحْصُلَ لَهم وازِعانِ عَنِ الكُفْرِ بِالنِّعَمِ: وازِعُ إبْطالِ مَعْذِرَتِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، ووازِعُ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ المَكْفُورِ بِهِ.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالكَلامِ المَسُوقِ مَساقَ الرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ إذِ التَّقْدِيرُ: أنَّ تِلْكَ نِعْمَةٌ رَبّانِيَّةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا عِلْمَ لَهم فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى
صفحة ١٥٠
كُنْهِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فَحَسِبُوا أنَّ الإسْلامَ مُفْضٍ إلى اعْتِداءِ العَرَبِ عَلَيْهِمْ ظَنًّا بِأنَّ حُرْمَتَهم بَيْنَ العَرَبِ مَزِيَّةٌ ونِعْمَةٌ أسْداها إلَيْهِمْ قَبائِلُ العَرَبِ.
وفِعْلُ“ لا يَعْلَمُونَ ”مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيْ لَيْسُوا ذَوِي عِلْمٍ ونَظَرٍ بَلْ هم جَهَلَةٌ لا يَتَدَبَّرُونَ الأحْوالَ. ونُفِيَ العِلْمُ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ بَعْضَهم أصْحابُ رَأْيٍ فَلَوْ نَظَرُوا وتَدَبَّرُوا لَما قالُوا مَقالَتَهم تِلْكَ.
ولَوْ قُدِّرَ لِفِعْلِ“ يَعْلَمُونَ " مَفْعُولٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ لا يَعْلَمُونَ تَمْكِينَ الحَرَمِ لَهم وأنَّ جَلْبَ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ مِن فَضْلِنا لَما اسْتَقامَ إسْنادُ نَفْيِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ بَلْ كانَ يُسْنَدُ إلى جَمِيعِهِمْ لِإطْباقِ كَلِمَتِهِمْ عَلى مَقالَةِ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تُجْبى) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مُراعاةً لِلْمُضافِ إلَيْهِ وهو (كُلِّ شَيْءٍ) فَأكْسَبَ المُضافَ تَذْكِيرًا.
القصص 28:58
﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّعَرُّضَ لِلِانْتِقامِ شَأْنَ الأُمَمِ الَّتِي كَفَرَتْ بِنِعَمِ اللَّهِ فَهو تَخْوِيفٌ لِقُرَيْشٍ مِن سُوءِ عاقِبَةِ أقْوامٍ كانُوا في مِثْلِ حالِهِمْ مِنَ الأمْنِ والرِّزْقِ فَغَمِطُوا النِّعْمَةَ وقابَلُوها بِالبَطَرِ.
والبَطَرُ: التَّكَبُّرُ. وفِعْلُهُ قاصِرٌ مِن بابِ فَرِحَ، فانْتِصابُ ”مَعِيشَتَها“ بَعْدَ ”بَطِرَتْ“ عَلى تَضْمِينِ ”بَطِرَتْ“ مَعْنى (كَفَرَتْ)؛ لِأنَّ البَطَرَ وهو التَّكَبُّرُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الِاعْتِرافِ بِما يُسْدى إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ.
والمُرادُ: بَطِرَتْ حالَةَ مَعِيشَتِها، أيْ نِعْمَةَ عَيْشِها.
والمَعِيشَةُ هُنا اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى العَيْشِ، والمُرادُ حالَتُهُ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، ويُعْلَمُ أنَّها حالَةٌ حَسَنَةٌ مِن قَوْلِهِ ”بَطِرَتْ“ وهي حالَةُ الأمْنِ والرِّزْقِ.
صفحة ١٥١
والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ“ إلى ”مَساكِنِهِمْ“ الَّذِي بُيِّنَ بِهِ اسْمُ الإشارَةِ؛ لِأنَّهُ في قُوَّةِ تِلْكَ المَساكِنِ. وبِذَلِكَ صارَتِ الإشارَةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ مُنَزَّلٍ مَنزِلَةَ الحاضِرِ بِمَرْأى السّامِعِ، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. والتَّقْدِيرُ: فَمَساكِنُهم لَمْ تَسْكُنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا.
والسُّكْنى: الحُلُولُ في البَيْتِ ونَحْوِهِ في الأوْقاتِ المَعْرُوفَةِ بِقَصْدِ الِاسْتِمْرارِ زَمَنًا طَوِيلًا.
ومَعْنى ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لَمْ يَتْرُكُوا فِيها خَلَفًا لَهم. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ انْقِراضِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ.
وقَوْلُهُ ”إلّا قَلِيلًا“ احْتِراسٌ أيْ إلّا إقامَةَ المارِّينَ بِها المُعْتَبِرِينَ بِهَلاكِ أهْلِها.
وانْتَصَبَ ”قَلِيلًا“ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن عُمُومِ أزْمانٍ مَحْذُوفَةٍ. والتَّقْدِيرُ: إلّا أزْمانًا قَلِيلًا، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: لَمْ تُسْكَنْ سَكَنًا إلّا سَكَنًا قَلِيلًا، والسَّكَنُ القَلِيلُ: هو مُطْلَقُ الحُلُولِ بِغَيْرِ نِيَّةِ إطالَةٍ فَهي إلْمامٌ لا سُكْنى. فَإطْلاقُ السُّكْنى عَلى ذَلِكَ مُشاكَلَةٌ لِيَتَأتّى الِاسْتِثْناءُ، أيْ لَمْ تُسْكَنْ إلّا حُلُولَ المُسافِرِينَ أوْ إناخَةَ المُنْتَجَعَيْنِ مِثْلَ نُزُولِ جَيْشِ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِحِجْرِ ثَمُودَ واسْتِقائِهِمْ مِن بِئْرِ النّاقَةِ. والمَعْنى: فَتِلْكَ مَساكِنُهم خاوِيَةً خَلاءً لا يَعْمُرُها عامِرٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ بَقاءَها خالِيَةً لِتَبْقى عِبْرَةً ومَوْعِظَةً بِعَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا.
وبِهَذِهِ الآيَةِ يَظْهَرُ تَأْوِيلُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ مَرَّ في طَرِيقِهِ إلى تَبُوكَ بِحِجْرِ ثَمُودَ فَقالَ: «لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم أنْ يُصِيبَكَمْ مِثْلُ ما أصابَهم إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ» أيْ خائِفِينَ أيِ اقْتِصارًا عَلى ضَرُورَةِ المُرُورِ لِئَلّا يَتَعَرَّضُوا إلى تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ السُّكْنى الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ انْتِفاءَها بَعْدَ قَوْمِها فَرُبَّما قُدِّرَ إهْلاكُ مَن يَسْكُنُها تَحْقِيقًا لِقَدَرِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ﴾ وهو يُفِيدُ أنَّها لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ فَلا يَحِلُّ فِيها قَوْمٌ آخَرُونَ بَعْدَهم فَعَبَّرَ عَنْ تَداوُلِ السُّكْنى بِالإرْثِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ.
وقَصْرُ إرْثِ تِلْكَ المَساكِنِ عَلى اللَّهِ تَعالى حَقِيقِيٌّ، أيْ لا يَرِثُها غَيْرُنا. وهو كِنايَةٌ
صفحة ١٥٢
عَنْ حِرْمانِ تِلْكَ المَساكِنِ مِنَ السّاكِنِ. وتِلْكَ الكِنايَةُ رَمْزٌ إلى شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِها الأوَّلِينَ بِحَيْثُ تَجاوَزَ غَضَبُهُ السّاكِنِينَ إلى نَفْسِ المَساكِنِ فَعاقَبَها بِالحِرْمانِ مِن بَهْجَةِ المَساكِنِ؛ لِأنَّ بَهْجَةَ المَساكِنِ سُكّانُها فَإنَّ كَمالَ المَوْجُوداتِ هو بِهِ قِوامُ حَقائِقِها.
القصص 28:59
﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِنا وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أُعْقِبَ الِاعْتِبارُ بِالقُرى المُهْلِكَةِ بِبَيانِ أشْراطِ هَلاكِها وسَبَبِهِ، اسْتِقْصاءً لِلْإعْذارِ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، فَبَيَّنَ لَهم أنْ لَيْسَ مِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُهْلِكَ القُرى المُسْتَأْهِلَةَ الإهْلاكَ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا في القَرْيَةِ الكُبْرى مِنها؛ لِأنَّ القَرْيَةَ الكُبْرى هي مَهْبِطُ أهْلِ القُرى والبَوادِي المُجاوِرَةِ لَها فَلا تَخْفى دَعْوَةُ الرَّسُولِ فِيها ولِأنَّ أهْلَها قُدْوَةٌ لِغَيْرِهِمْ في الخَيْرِ والشَّرِّ فَهم أكْثَرُ اسْتِعْدادًا لِإدْراكِ الأُمُورِ عَلى وجْهِها فَهَذا بَيانُ أشْراطِ الإهْلاكِ.
والقُرى: هي المَنازِلُ لِجَماعاتٍ مِنَ النّاسِ ذَواتِ البُيُوتِ المَبْنِيَّةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] في البَقَرَةِ.
وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أظْهَرُ؛ لِأنَّها إذا أُهْلِكَتْ بَقِيَتْ آثارُها وأطْلالُها ولَمْ يَنْقَطِعْ خَبَرُها مِنَ الأجْيالِ الآتِيَةِ بَعْدَها، ويُعْلَمُ أنَّ الحِلَلَ والخِيامَ مِثْلُها بِحُكْمِ دَلالَةِ الفَحْوى.
وإفْراغُ النَّفْيِ في صِيغَةِ ما كانَ فاعِلًا ونَحْوِهِ مِن صِيَغِ الجُحُودِ يُفِيدُ رُسُوخَ هَذِهِ العُدَّةِ واطِّرادَها كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] في سُورَةِ يُونُسَ.
وقُرى بِلادِ العَرَبِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ مَكَّةَ وجُدَّةَ ومِنًى والطّائِفِ ويَثْرِبَ وما حَوْلَها مِنَ القُرى، وكَذَلِكَ قُرى اليَمَنِ، وقُرى البَحْرَيْنِ. وأُمُّ القُرى هي القَرْيَةُ العَظِيمَةُ مِنها، وكانَتْ مَكَّةُ أعْظَمَ بِلادِ العَرَبِ شُهْرَةً، وأذْكَرَها بَيْنَهم، وأكْثَرَها مارَّةً وزُوّارًا لِمَكانِ الكَعْبَةِ فِيها والحَجِّ لَها.
صفحة ١٥٣
والمُرادُ بِإهْلاكِ القُرى إهْلاكُ أهْلِها. وإنَّما عَلَّقَ الإهْلاكَ بِالقُرى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ شِدَّةَ الإهْلاكِ بِحَيْثُ يَأْتِي عَلى الأُمَّةِ وأهْلِها، وهو الإهْلاكُ بِالحَوادِثِ الَّتِي لا تَسْتَقِرُّ مَعَها الدِّيارُ، بِخِلافِ إهْلاكِ الأُمَّةِ، فَقَدْ يَكُونُ بِطاعُونٍ ونَحْوِهِ فَلا يَتْرُكُ أثَرًا في القُرى.
وإسْنادُ الخَبَرِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ إيماءً إلى أنَّ المَقْصُودَ بِهَذا الإنْذارِ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِهَذا المَقْصِدِ. ولِهَذا وقَعَ الِالتِفاتُ عَنْهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ ”آياتِنا“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الدِّينَ دِينُ اللَّهِ.
وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى المَعْلُومِ مِنَ القُرى وهو أهْلُها كَقَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، ومِنهُ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] .
وقَدْ حَصَلَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَفَنَّنٌ في الأسالِيبِ إذْ جَمَعَتِ الِاسْمَ الظّاهِرَ وضَمائِرَ الغَيْبَةِ والخِطابِ والتَّكَلُّمِ.
ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ بِقَوْلِهِ ﴿وما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ أيْ ما كانَ مِن عادَتِنا في عِبادِنا أنْ نُهْلِكَ أهْلَ القُرى في حالَةِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِالإشْراكِ، فالإشْراكُ سَبَبُ الإهْلاكِ، وإرْسالُ رَسُولٍ شَرْطُهُ، فَيَتِمُّ ظُلْمُهم بِتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولِ.
وجُمْلَةُ ﴿وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو حالٌ مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ اقْتَضاها الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ، أيْ ما كُنّا مُهْلِكِي القُرى في حالٍ إلّا في حالِ ظُلْمِ أهْلِها.
القصص 28:60
﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ تَذْكِيرًا أُدْمِجَ في خِلالِ الرَّدِّ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] بِقَوْلِهِ ”تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مَن لَدُنّا“ أعْقَبَهُ بِأنَّ كُلَّ ما أُوتُوهُ مِن نِعْمَةٍ هو مِن مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا كالأمْنِ والرِّزْقِ، ومِن زِينَتِها كاللِّباسِ والأنْعامِ والمالِ، وأمّا ما عِنْدَ اللَّهِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ مِن ذَلِكَ فَأبْقى لِئَلّا
صفحة ١٥٤
يَحْسَبُوا أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الأمْنِ والرِّزْقِ هو الغايَةَ المَطْلُوبَةَ، فَلا يَتَطَلَّبُوا ما بِهِ تَحْصِيلُ النَّعِيمِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ، وتَحْصِيلُهُ بِالإيمانِ. ولا يَجْعَلُوا ذَلِكَ مُوازِنًا لِاتِّباعِ الهُدى، وإنْ كانَ في اتِّباعِ الهُدى تَفْوِيتُ ما هم فِيهِ مِن أرْضِهِمْ وخَيْراتِها لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ. هَذا وجْهُ مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها.
و”مِن شَيْءٍ“ بَيانٌ لِـ ”ما أُوتِيتُمْ“ والمُرادُ مِن أشْياءِ المَنافِعِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ لِأنَّ الإيتاءَ شائِعٌ في إعْطاءِ ما يَنْفَعُ.
وقَدِ التَفَتَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا﴾ [القصص: ٥٧] إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ ”أُوتِيتُمْ“؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ أوْجَبَ تَوْجِيهَ التَّوْبِيخِ مُواجَهَةً إلَيْهِمْ.
والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ زَمَنًا ثُمَّ يَزُولُ.
والزِّينَةُ: ما يُحَسِّنُ الأجْسامَ.
والمُرادُ بِكَوْنِ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا، أنَّ أجْناسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِمّا أُوتُوهُ في كَمالِ أجْناسِها، وأمّا كَوْنُهُ أبْقى فَهو بِمَعْنى الخُلُودِ.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ وتَقْرِيرِيٌّ عَلى عَدَمِ عَقْلِ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْتَدِلُّوا بِعُقُولِهِمْ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن أفْسَدَ عَقْلَهُ فَسُئِلُوا: أهم كَذَلِكَ ؟ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَعْقِلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (يَعْقِلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ عَنْ خِطابِهِمْ لِتَعَجُّبِ المُؤْمِنِينَ مِن حالِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم لَمّا كانُوا لا يَعْقِلُونَ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الغائِبِ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِ الخِطابِ.
القصص 28:61
﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهْوَ لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هْوَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ أحْسَبُ أنَّ مَوْقِعَ فاءِ التَّفْرِيعِ هُنا أنَّ مِمّا أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٦٠] ما كانَ المُشْرِكُونَ يَتَبَجَّحُونَ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ مِن وفْرَةِ الأمْوالِ ونَعِيمِ التَّرَفِ حِينَ كانَ مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ فُقَراءَ ضُعَفاءَ، قالَ تَعالى ”وإذا انْقَلَبُوا إلى
صفحة ١٥٥
أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ“ أيْ مُنَعَّمِينَ، وقالَ ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] فَيَظْهَرُ مِن آياتِ القُرْآنِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانَ مِن دَأْبِهِمُ التَّفاخُرُ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ قالَ تَعالى ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦] وقالَ ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] فَلَمّا أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ التَّرَفِ إنْ هو إلّا مَتاعٌ قَلِيلٌ، قابَلَ ذَلِكَ بِالنَّعِيمِ الفائِقِ الخالِدِ الَّذِي أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي تُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَحْقِيقَ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ زادَتِ الأُولى بَيانًا، بِأنَّ ما أُوتُوهُ زائِلٌ زَوالًا مُعَوَّضًا بِضِدِّ المَتاعِ والزِّينَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ .
فَماصَدَقَ (مَن) الأُولى هُمُ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللَّهُ الوَعْدَ الحَسَنَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وماصَدَقَ (مَن) الثّانِيَةِ جَمْعٌ هُمُ الكافِرُونَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُشابَهَةِ والمُماثَلَةِ الَّتِي أفادَها كافُ التَّشْبِيهِ، فالمَعْنى أنَّ الفَرِيقَيْنِ لَيْسُوا سَواءً إذْ لا يَسْتَوِي أهْلُ نَعِيمٍ عاجِلٍ زائِلٍ وأهْلُ نَعِيمٍ آجِلٍ خالِدٍ.
وجُمْلَةُ ”فَهو لاقِيهِ“ مُعْتَرِضَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ وعْدٌ مُحَقَّقٌ، والفاءُ لِلتَّسَبُّبِ.
وجُمْلَةُ ”ثُمَّ هو“ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَهي مِن تَمامِ صِلَةِ المَوْصُولِ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِبَيانِ أنَّ رُتْبَةَ مَضْمُونِها في الخَسارَةِ أعْظَمُ مِن مَضْمُونِ الَّتِي قَبِلَها، أيْ لَمْ تَقْتَصِرْ خَسارَتُهم عَلى حِرْمانِهِمْ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ بَلْ تَجاوَزَتْ إلى التَّعْوِيضِ بِالعَذابِ الألِيمِ.
ومَعْنى ”مِنَ المُحْضَرِينَ“ أنَّهُ مِنَ المُحْضَرِينَ لِلْجَزاءِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ التَّوْبِيخُ في ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ . والمُقابَلَةُ في قَوْلِهِ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ المُقْتَضِيَةُ أنَّ الفَرِيقَ المُعَيَّنَ مَوْعُودُونَ بِضِدِّ الحَسَنِ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقَ ”المُحْضَرِينَ“ اخْتِصارًا كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [الصافات: ٥٧] وقَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٢٧] .
القصص 28:62
صفحة ١٥٦
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾
تَخَلُّصٌ مِن إثْباتِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إبْطالِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] مُفِيدَةٌ سَبَبَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُحْضَرِينَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ وزَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم، فَإذا هم لا يَجِدُونَهم يَوْمَ يُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يُنادِيهِمْ“ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ يُحْضَرُونَ ويُنادِيهِمْ، فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفَ مُفْرَداتٍ فَيَكُونَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ عَطْفًا عَلى ﴿يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] فَيَكُونَ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ عَيْنَ يَوْمَ القِيامَةِ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَأْتِيَ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ القِيامَةِ“ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ الإبْدالِ إلى العَطْفِ لِاخْتِلافِ حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاخْتِلافِ العُنْوانِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ يَوْمٍ مُغايِرٍ زِيادَةً في تَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ واوِ العَطْفِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى النِّداءِ. واسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مِن حُصُولِ أمْرٍ فَظِيعٍ، تَقْدِيرُهُ: يَوْمَ يُنادِيهِمْ يَكُونُ ما لا يُوصَفُ مِنَ الرُّعْبِ.
وضَمِيرُ ”يُنادِيهِمُ“ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهم في الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] فالمُنادَوْنَ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ بِكَلِمَةِ ”أيْنَ“ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الشُّرَكاءُ، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ وُجُودِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ يَوْمَئِذٍ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ.
ومَفْعُولا ”تَزْعُمُونَ“ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما ﴿شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِيَ، وهَذا الحَذْفُ اخْتِصارٌ وهو جائِزٌ في مَفْعُولَيْ (ظَنَّ) .
صفحة ١٥٧
وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ فَهي جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
والَّذِينَ تَصَدَّوْا لِلْجَوابِ هم بَعْضُ المُنادَيْنَ بِـ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ عَلِمُوا أنَّهُمُ الأحْرِياءُ بِالجَوابِ. وهَؤُلاءِ هم أيِمَّةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أهْلِ مَكَّةَ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ وأُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَسادِنِ العُزّى. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْهم بِـ (قالُوا) .
ومَعْنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقَّ بِمَعْنى تَحَقَّقَ وثَبَتَ ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلًا مَعْهُودًا وهو ما عُهِدَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هُمُ الَّذِينَ حَلَّ الإبّانُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَذا القَوْلُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْجَأهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم أضَلُّوا الضّالِّينَ وأغْوَوْهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”حَقَّ“ بِمَعْنى وجَبَ وتَعَيَّنَ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الجَوابُ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِن إجابَةِ ذَلِكَ السُّؤالِ. ويَكُونُ المُرادُ بِالقَوْلِ جِنْسَ القَوْلِ، أيِ الكَلامُ الَّذِي يُقالُ في ذَلِكَ المَقامِ وهو الجَوابُ عَنِ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هم أيِمَّةُ الكُفْرِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ . . . إلَخْ.
والتَّعْرِيفُ في ”القَوْلُ“ الأظْهَرُ أنَّهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ”قالَ“، أيْ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا، أيِ الَّذِينَ كانُوا أحْرى بِأنْ يُجِيبُوا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ تَبِعَةَ المَسْئُولِ عَنْهُ واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُجِّهَ التَّوْبِيخُ إلى جُمْلَتِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَتَصَدّى لِلْجَوابِ الفَرِيقُ الَّذِينَ ثَبَّتُوا العامَّةَ عَلى الشِّرْكِ وأضَلُّوا الدَّهْماءَ.
وابْتَدَءُوا جَوابَهم بِتَوْجِيهِ النِّداءِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ أنَّهُ رَبُّهم، نِداءً أُرِيدَ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ بِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمُ اعْتِرافًا مِنهم بِالعُبُودِيَّةِ وتَمْهِيدًا لِلتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُخْتَرِعِينَ لِدِينِ الشِّرْكِ فَإنَّهم إنَّما تَلَقَّوْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِن سَلَفِهِمْ، والإشارَةُ
صفحة ١٥٨
بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى بَقِيَّةِ المُنادَيْنَ مَعَهم قَصْدًا؛ لِأنْ يَتَمَيَّزُوا عَمَّنْ سِواهم مِن أهْلِ المَوْقِفِ وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِيَزْدادُوا رُعْبًا، وأنْ يَكُونَ لَهم مَطْمَعٌ في التَّخْلِيصِ. و﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم أغْوَوْهم.
وجُمْلَةُ ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾؛ لِأنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهم أغْوَوْهم يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ مُتَعَجِّبٍ كَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ، فَأرادُوا بَيانَ الباعِثِ لَهم عَلى إغْواءِ إخْوانِهِمْ وهو أنَّهم بَثُّوا في عامَّةِ أتْباعِهِمُ الغَوايَةَ المُسْتَقِرَّةَ في نُفُوسِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ يُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ .
وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جُمْلَةِ ”أغْوَيْناهم“ بِأنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا؛ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ هَذا الإغْواءِ بِتَأْكِيدِهِ اللَّفْظِيِّ، وبِإجْمالِهِ في المَرَّةِ الأُولى وتَفْصِيلِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَلَيْسَتْ إعادَةُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تَخْشى بَوادِرَهُ عَلى الأقْرانِ
إنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لَمّا اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ، والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ ”كَما غَوَيْنا“ أفادَ الكَلامُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ؛ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا اخْتَرْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَلامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] في سُورَةِ الإسْراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الآياتِ تُطابِقُ بَيْتَ الأحْوَصِ لِاشْتِمالِهِنَّ عَلى (إذا) .
و”كَما غَوَيْنا“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ إغْواءً يُوقِعُ في نُفُوسِهِمْ غَيًّا مِثْلَ الغَيِّ الَّذِي في قُلُوبِنا. ووَجْهُ الشَّبَهِ في أنَّهم تَلَقَّوُا الغَوايَةَ مِن غَيْرِهِمْ فَأفادَ التَّشْبِيهُ أنَّ المُجِيبِينَ أغْواهم مُغْوُونَ قَبْلَهم، وهم يَحْسَبُونَ هَذا الجَوابَ يَدْفَعُ التَّبِعَةَ عَنْهم ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ
صفحة ١٥٩
السَّيْرَ عَلى قَدَمِ الغاوِينَ يُبَرِّرُ الغَوايَةَ، وهَذا كَما حَكى عَنْهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٦] . وحُذِفَ مَفْعُولُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ الأوَّلِ وهو العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ لِكَثْرَةِ حَذْفِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ عائِدٍ صِلَةٍ هو ضَمِيرُ نَصْبٍ مُتَّصِلٌ وناصُبُهُ فِعْلٌ أوْ وصْفٌ شَبِيهٌ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ ودالٌّ عَلَيْهِ فَكانَ حَذْفُ العائِدِ اخْتِصارًا. وذَكَرَ مَفْعُولَ فِعْلِ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِي اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ في الِاسْتِعْمالِ.
وجُمْلَةُ ”تَبَرَّأْنا إلَيْكَ“ اسْتِئْنافٌ. والتَّبَرُّؤُ: تَفَعُّلٌ مِنَ البَراءَةِ وهي انْتِفاءُ ما يَصِمُ، فالتَّبَرُّؤُ: مُعالَجَةُ إثْباتِ البَراءَةِ وتَحْقِيقُها. وهو يَتَعَدّى إلى مَن يُحاوِلُ إثْباتَ البَراءَةِ لِأجْلِهِ بِحَرْفِ (إلى) الدّالِّ عَلى الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ؛ يُقالُ: إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن كَذا، أيْ أُوَجِّهُ بَراءَتِي إلى اللَّهِ، كَما يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي يَصِمُ بِحِرَفِ (مِنِ) الِاتِّصالِيَّةِ الَّتِي هي لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، قالَ تَعالى ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقَدْ تَدْخُلُ (مِن) عَلى اسْمِ ذاتٍ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مُقَدَّرٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] أيْ مِن كُفْرِكم. والتَّقْدِيرُ: مِن أعْمالِكم وشُئُونِكِمْ إمّا مِن أعْمالٍ خاصَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ أوْ مِن عِدَّةِ أعْمالٍ.
فالمَعْنى هُنا تَحَقُّقُ التَّبَرُّؤِ لَدَيْكَ، والمُتَبَرَّأُ مِنهُ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ فَهي بَيانٌ لِإجْمالِ التَّبَرُّؤِ.
والمَقْصُودُ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المَزْعُومَ أنَّهم شُرَكاءُ وإنَّما قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم مُضِلُّونَ وكانَ هَذا المَقْصِدُ إلْجاءً مِنَ اللَّهِ إيّاهم لِيُعْلِنُوا تَنَصُّلَهم مِنِ ادِّعاءِ أنَّهم شُرَكاءُ عَلى رُءُوسِ المَلَإ، أوْ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ما يُشاهِدُونَ مِن فَظاعَةِ عَذابِ كُلِّ مَنِ ادَّعى المُشْرِكُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ باطِلًا لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . هَذا ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَعانِي.
وتَقْدِيمُ ”إيّانا“ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ دُونَ أنْ يُقالَ يَعْبُدُونَنا لِلِاهْتِمامِ بِهَذا التَّبَرُّؤِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
القصص 28:63
صفحة ١٥٦
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾
تَخَلُّصٌ مِن إثْباتِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ وبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى إبْطالِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا﴾ [القصص: ٦١] مُفِيدَةٌ سَبَبَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُحْضَرِينَ، أيْ لِأنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ وزَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم، فَإذا هم لا يَجِدُونَهم يَوْمَ يُحْضَرُونَ لِلْعَذابِ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يُنادِيهِمْ“ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] أيْ يُحْضَرُونَ ويُنادِيهِمْ، فَيَقُولُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَبْدَأ الجُمْلَةِ قَوْلَهُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفَ مُفْرَداتٍ فَيَكُونَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ عَطْفًا عَلى ﴿يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ [القصص: ٦١] فَيَكُونَ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“ عَيْنَ يَوْمَ القِيامَةِ وكانَ حَقُّهُ أنْ يَأْتِيَ بَدَلًا مِن ”يَوْمَ القِيامَةِ“ لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنِ الإبْدالِ إلى العَطْفِ لِاخْتِلافِ حالِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِاخْتِلافِ العُنْوانِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ يَوْمٍ مُغايِرٍ زِيادَةً في تَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَ واوِ العَطْفِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى النِّداءِ. واسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِ مِن حُصُولِ أمْرٍ فَظِيعٍ، تَقْدِيرُهُ: يَوْمَ يُنادِيهِمْ يَكُونُ ما لا يُوصَفُ مِنَ الرُّعْبِ.
وضَمِيرُ ”يُنادِيهِمُ“ المَرْفُوعُ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
وضَمِيرُ الجَمْعِ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهم في الآياتِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧] فالمُنادَوْنَ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ بِكَلِمَةِ ”أيْنَ“ ظاهِرُهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ الشُّرَكاءُ، ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ وُجُودِ الشُّرَكاءِ المَزْعُومِينَ يَوْمَئِذٍ، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ.
ومَفْعُولا ”تَزْعُمُونَ“ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما ﴿شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ تَزْعُمُونَهم شُرَكائِيَ، وهَذا الحَذْفُ اخْتِصارٌ وهو جائِزٌ في مَفْعُولَيْ (ظَنَّ) .
صفحة ١٥٧
وجُرِّدَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ؛ لِأنَّها وقَعَتْ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ فَهي جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ .
والَّذِينَ تَصَدَّوْا لِلْجَوابِ هم بَعْضُ المُنادَيْنَ بِـ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ عَلِمُوا أنَّهُمُ الأحْرِياءُ بِالجَوابِ. وهَؤُلاءِ هم أيِمَّةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن أهْلِ مَكَّةَ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ وأُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وسَدَنَةِ أصْنامِهِمْ كَسادِنِ العُزّى. ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْهم بِـ (قالُوا) .
ومَعْنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقَّ بِمَعْنى تَحَقَّقَ وثَبَتَ ويَكُونُ القَوْلُ قَوْلًا مَعْهُودًا وهو ما عُهِدَ لِلْمُسْلِمِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وقَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هُمُ الَّذِينَ حَلَّ الإبّانُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِمْ فِيهِ هَذا القَوْلُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ ألْجَأهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهم أضَلُّوا الضّالِّينَ وأغْوَوْهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”حَقَّ“ بِمَعْنى وجَبَ وتَعَيَّنَ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الجَوابُ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ لَهم بُدٌّ مِن إجابَةِ ذَلِكَ السُّؤالِ. ويَكُونُ المُرادُ بِالقَوْلِ جِنْسَ القَوْلِ، أيِ الكَلامُ الَّذِي يُقالُ في ذَلِكَ المَقامِ وهو الجَوابُ عَنِ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ هم أيِمَّةُ الكُفْرِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ . . . إلَخْ.
والتَّعْرِيفُ في ”القَوْلُ“ الأظْهَرُ أنَّهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ”قالَ“، أيْ قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَقُولُوا، أيِ الَّذِينَ كانُوا أحْرى بِأنْ يُجِيبُوا لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ تَبِعَةَ المَسْئُولِ عَنْهُ واقِعَةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُجِّهَ التَّوْبِيخُ إلى جُمْلَتِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَتَصَدّى لِلْجَوابِ الفَرِيقُ الَّذِينَ ثَبَّتُوا العامَّةَ عَلى الشِّرْكِ وأضَلُّوا الدَّهْماءَ.
وابْتَدَءُوا جَوابَهم بِتَوْجِيهِ النِّداءِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ أنَّهُ رَبُّهم، نِداءً أُرِيدَ مِنهُ الِاسْتِعْطافُ بِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَهُمُ اعْتِرافًا مِنهم بِالعُبُودِيَّةِ وتَمْهِيدًا لِلتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المُخْتَرِعِينَ لِدِينِ الشِّرْكِ فَإنَّهم إنَّما تَلَقَّوْهُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِن سَلَفِهِمْ، والإشارَةُ
صفحة ١٥٨
بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى بَقِيَّةِ المُنادَيْنَ مَعَهم قَصْدًا؛ لِأنْ يَتَمَيَّزُوا عَمَّنْ سِواهم مِن أهْلِ المَوْقِفِ وذَلِكَ بِإلْهامٍ مِنَ اللَّهِ لِيَزْدادُوا رُعْبًا، وأنْ يَكُونَ لَهم مَطْمَعٌ في التَّخْلِيصِ. و﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ وهو اعْتِرافٌ بِأنَّهم أغْوَوْهم.
وجُمْلَةُ ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ أغْوَيْنا﴾؛ لِأنَّ اعْتِرافَهم بِأنَّهم أغْوَوْهم يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ مُتَعَجِّبٍ كَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِمِثْلِ هَذا الجُرْمِ، فَأرادُوا بَيانَ الباعِثِ لَهم عَلى إغْواءِ إخْوانِهِمْ وهو أنَّهم بَثُّوا في عامَّةِ أتْباعِهِمُ الغَوايَةَ المُسْتَقِرَّةَ في نُفُوسِهِمْ، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِرافَ يُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ .
وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جُمْلَةِ ”أغْوَيْناهم“ بِأنْ يُقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا؛ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ هَذا الإغْواءِ بِتَأْكِيدِهِ اللَّفْظِيِّ، وبِإجْمالِهِ في المَرَّةِ الأُولى وتَفْصِيلِهِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَلَيْسَتْ إعادَةُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي في كِتابِ التَّنْبِيهِ عَلى إعْرابِ الحَماسَةِ عِنْدَ قَوْلِ الأحْوَصِ:
فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تَخْشى بَوادِرَهُ عَلى الأقْرانِ
إنَّما جازَ أنْ يَقُولَ: فَإذا تَزُولُ تَزُولُ، لَمّا اتَّصَلَ بِالفِعْلِ الثّانِي مِن حَرْفِ الجَرِّ المُفادِ مِنهُ الفائِدَةُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ ولَوْ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم لَمْ يُفِدِ القَوْلُ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ، والَّتِي أكْرَمْتُها أكْرَمْتُها، ولَكِنْ لَمّا اتَّصَلَ بِـ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ ”كَما غَوَيْنا“ أفادَ الكَلامُ كَقَوْلِكَ: الَّذِي ضَرَبْتُهُ ضَرْبَتُهُ؛ لِأنَّهُ جاهِلٌ. وقَدْ كانَ أبُو عَلِيٍّ امْتَنَعَ في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا اخْتَرْناهُ غَيْرَ أنَّ الأمْرَ فِيها عِنْدِي عَلى ما عَرَّفْتُكَ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ كَلامِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] في سُورَةِ الإسْراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] في سُورَةِ الفُرْقانِ، فَإنَّ تِلْكَ الآياتِ تُطابِقُ بَيْتَ الأحْوَصِ لِاشْتِمالِهِنَّ عَلى (إذا) .
و”كَما غَوَيْنا“ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ إغْواءً يُوقِعُ في نُفُوسِهِمْ غَيًّا مِثْلَ الغَيِّ الَّذِي في قُلُوبِنا. ووَجْهُ الشَّبَهِ في أنَّهم تَلَقَّوُا الغَوايَةَ مِن غَيْرِهِمْ فَأفادَ التَّشْبِيهُ أنَّ المُجِيبِينَ أغْواهم مُغْوُونَ قَبْلَهم، وهم يَحْسَبُونَ هَذا الجَوابَ يَدْفَعُ التَّبِعَةَ عَنْهم ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ
صفحة ١٥٩
السَّيْرَ عَلى قَدَمِ الغاوِينَ يُبَرِّرُ الغَوايَةَ، وهَذا كَما حَكى عَنْهم في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالُوا وهم فِيها يَخْتَصِمُونَ تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ وما أضَلَّنا إلّا المُجْرِمُونَ﴾ [الشعراء: ٩٦] . وحُذِفَ مَفْعُولُ فِعْلِ ”أغْوَيْنا“ الأوَّلِ وهو العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ لِكَثْرَةِ حَذْفِ أمْثالِهِ مِن كُلِّ عائِدٍ صِلَةٍ هو ضَمِيرُ نَصْبٍ مُتَّصِلٌ وناصُبُهُ فِعْلٌ أوْ وصْفٌ شَبِيهٌ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّ اسْمَ المَوْصُولِ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ ودالٌّ عَلَيْهِ فَكانَ حَذْفُ العائِدِ اخْتِصارًا. وذَكَرَ مَفْعُولَ فِعْلِ ”أغْوَيْناهم“ الثّانِي اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ في الِاسْتِعْمالِ.
وجُمْلَةُ ”تَبَرَّأْنا إلَيْكَ“ اسْتِئْنافٌ. والتَّبَرُّؤُ: تَفَعُّلٌ مِنَ البَراءَةِ وهي انْتِفاءُ ما يَصِمُ، فالتَّبَرُّؤُ: مُعالَجَةُ إثْباتِ البَراءَةِ وتَحْقِيقُها. وهو يَتَعَدّى إلى مَن يُحاوِلُ إثْباتَ البَراءَةِ لِأجْلِهِ بِحَرْفِ (إلى) الدّالِّ عَلى الِانْتِهاءِ المَجازِيِّ؛ يُقالُ: إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن كَذا، أيْ أُوَجِّهُ بَراءَتِي إلى اللَّهِ، كَما يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي يَصِمُ بِحِرَفِ (مِنِ) الِاتِّصالِيَّةِ الَّتِي هي لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، قالَ تَعالى ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وقَدْ تَدْخُلُ (مِن) عَلى اسْمِ ذاتٍ بِاعْتِبارِ مُضافٍ مُقَدَّرٍ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] أيْ مِن كُفْرِكم. والتَّقْدِيرُ: مِن أعْمالِكم وشُئُونِكِمْ إمّا مِن أعْمالٍ خاصَّةٍ يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ أوْ مِن عِدَّةِ أعْمالٍ.
فالمَعْنى هُنا تَحَقُّقُ التَّبَرُّؤِ لَدَيْكَ، والمُتَبَرَّأُ مِنهُ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ فَهي بَيانٌ لِإجْمالِ التَّبَرُّؤِ.
والمَقْصُودُ: أنَّهم يَتَبَرَّءُونَ مِن أنْ يَكُونُوا هُمُ المَزْعُومَ أنَّهم شُرَكاءُ وإنَّما قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم مُضِلُّونَ وكانَ هَذا المَقْصِدُ إلْجاءً مِنَ اللَّهِ إيّاهم لِيُعْلِنُوا تَنَصُّلَهم مِنِ ادِّعاءِ أنَّهم شُرَكاءُ عَلى رُءُوسِ المَلَإ، أوْ حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ ما يُشاهِدُونَ مِن فَظاعَةِ عَذابِ كُلِّ مَنِ ادَّعى المُشْرِكُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ باطِلًا لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . هَذا ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَعانِي.
وتَقْدِيمُ ”إيّانا“ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ دُونَ أنْ يُقالَ يَعْبُدُونَنا لِلِاهْتِمامِ بِهَذا التَّبَرُّؤِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
القصص 28:64
صفحة ١٦٠
﴿وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾
هَذا مُوَجَّهٌ إلى جَمِيعِ الَّذِينَ نُودُوا بِقَوْلِهِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] فَإنَّ ذَلِكَ النِّداءَ كانَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى. فَلَمّا شَعَرُوا بِالمَقْصِدِ مِن نِدائِهِمْ وتَصَدّى كُبَراؤُهم لِلِاعْتِذارِ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذا القَوْلِ.
وأسْنَدَ فِعْلَ القَوْلِ إلى المَجْهُولِ؛ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْلُومٌ مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ وقالَ اللَّهُ. والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في الإطْماعِ لِتَعَقُّبِ الإطْماعِ بِاليَأْسِ.
وإضافَةُ الشُّرَكاءِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَهُمُ الشَّرِكَةَ كَما في آيَةِ الأنْعامِ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] . والدُّعاءُ دُعاءُ الِاسْتِغاثَةِ حَسَبَ زَعْمِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ هو مَحَلُّ التَّأْيِيسِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ فَيَحْتَمِلُ مَعانِيَ كَثِيرَةً فَرَضَها المُفَسِّرُونَ؛ وجُمّاعُ أقْوالِهِمْ فِيها أخْذًا ورَدًّا أنْ نَجْمَعَها في أرْبَعَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم“ . والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والعَذابُ عَذابُ الآخِرَةِ، أيْ أحْضَرَ لَهم آلَةَ العَذابِ لِيَعْلَمُوا أنَّ شُرَكاءَهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا. وعَلى هَذا تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ جُمْلَةِ ”ورَأوُا العَذابَ“ .
الثّانِي: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والرُّؤْيَةُ أيْضًا بَصَرِيَّةً، والعَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ وقَدْ رَأوُا العَذابَ فارْتَبَكُوا في الِاهْتِداءِ إلى سَبِيلِ الخَلاصِ، فَقِيلَ لَهم: ادْعُوا شُرَكاءَكم لِخَلاصِكم، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ كَذَلِكَ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي اخْتِصارًا، والعَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ. والمَعْنى: وعَلِمُوا العَذابَ حائِقًا بِهِمْ، والواوُ لِلْعَطْفِ أوِ الحالِ. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: ماذا
صفحة ١٦١
صَنَعُوا حِينَ تَحَقَّقُوا أنَّهم مُعَذَّبُونَ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّهم لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لَسَلَكُوهُ، ولَكِنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى النَّجاةِ.
وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ تَكُونُ ”لَوْ“ حَرْفَ شَرْطٍ وجَوابُها مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ مَفْعُولِ ”يَهْتَدُونَ“ أيْ يَهْتَدُونَ خَلاصًا أوْ سَبِيلًا. والتَّقْدِيرُ: لَتَخَلَّصُوا مِنهُ. وعَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ فَفِعْلُ ”كانُوا“ مَزِيدٌ في الكَلامِ لِتَوْكِيدِ خَبَرِ ”أنَّ“ أيْ: لَوْ أنَّهم يَهْتَدُونَ اهْتِداءً مُتَمَكِّنًا مِن نُفُوسِهِمْ، وفي ذَلِكَ إيماءٌ أنَّهم حِينَئِذٍ لا قَرارَةَ لِنُفُوسِهِمْ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يَهْتَدُونَ“ دالَّةٌ عَلى التَّجَدُّدِ، فالِاهْتِداءُ مُنْقَطِعٌ مِنهم، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِاهْتِداءِ مِن أصْلِهِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنْ تَكُونَ ”لَوْ“ لِلتَّمَنِّي المُسْتَعْمَلِ في التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ، والمُرادُ اهْتِداؤُهم في حَياتِهِمُ الدُّنْيا كَيْلا يَقَعُوا في هَذا العَذابِ، وفِعْلُ ”كانُوا“ حِينَئِذٍ في مَوْقِعِهِ الدّالِّ عَلى الِاتِّصافِ بِالخَبَرِ في الماضِي، وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يَهْتَدُونَ“ لِقَصْدِ تَجَدُّدِ الهُدى المُتَحَسَّرِ عَلى فَواتِهِ عَنْهم، فَإنَّ الهُدى لا يَنْفَعُ صاحِبَهُ إلّا إذا اسْتَمَرَّ إلى آخِرِ حَياتِهِ.
ووَجْهٌ خامِسٌ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَذابِ عَذابَ الدُّنْيا، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ورَأوْا آثارَ العَذابِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، أيْ وهم رَأوُا العَذابَ في حَياتِهِمْ، أيْ رَأوْا آثارَ عَذابِ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ بِالِاتِّعاظِ وبِالِاسْتِدْلالِ بِحُلُولِ العَذابِ في الدُّنْيا عَلى أنَّ وراءَهُ عَذابًا أعْظَمَ مِنهُ - لاهْتَدَوْا فَأقْلَعُوا عَنِ الشِّرْكِ وصَدَّقُوا النَّبِيءَ، ﷺ، وهَذا لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى زائِدًا عَلى ما أفادَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ . فَهَذِهِ عِدَّةُ مَعانٍ يُفِيدُها لَفْظُ الآيَةِ، وكُلُّها مَقْصُودَةٌ، فالآيَةُ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ.
القصص 28:65
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾
هُوَ يَوْمُ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ
صفحة ١٦٢
بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يَقَعُ فِيهِ؛ لِأنَّ مَقامَ المَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الإطْنابَ في تَعْدادِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّوْبِيخَ. وكُرِّرَتْ جُمْلَةُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“؛ لِأنَّ التَّكْرارَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ المَوْعِظَةِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ.
والمُرادُ: ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ في الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإبْطالِ الشُّرَكاءِ. والمُرادُ بِـ ”المُرْسَلِينَ“ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ”فَكَذَّبُوا رُسُلِي“ . ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، الآياتِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وإنَّما كَذَّبَ كُلُّ فَرِيقٍ مِن أُولَئِكَ رَسُولًا واحِدًا. والَّذِي اقْتَضى صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ إنَّما كَذَّبُوا رُسُلَهم بِعِلَّةِ اسْتِحالَةِ رِسالَةِ البَشَرِ إلى البَشَرِ، فَهم إنَّما كَذَّبُوا بِجِنْسِ المُرْسَلِينَ، ولامُ الجِنْسِ إذا دَخَلَتْ عَلى ”جَمِيعِ“ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ ”ماذا“ صُورِيٌّ مَقْصُودٌ مِنهُ إظْهارُ بَلْبَلَتِهِمْ. و”ذا“ بَعْدَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ، أيْ ما الَّذِي أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ، أيْ ما جَوابُكم. والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ مُهِمٍّ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَوابُ عَنْ سُؤالِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَوابَ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ مِنهم مَعَ رُسُلِهِمْ في الدُّنْيا.
والمَعْنى: عَمِيَتِ الأنْباءُ عَلى جَمِيعِ المَسْئُولِينَ فَسَكَتُوا كُلُّهم، ولَمْ يُنْتَدَبْ زُعَماؤُهم لِلْجَوابِ كَفِعْلِهِمْ في تَلَقِّي السُّؤالِ السّابِقِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .
ومَعْنى ”عَمِيَتْ“ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ وهو مَأْخُوذٌ مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ لا يَتَبَيَّنُ الأشْياءَ، فَتَصَرَّفَتْ مِنَ العَمى مَعانٍ كَثِيرَةٌ مُتَشابِهَةٌ، يُبَيِّنُها تَعْدِيَةُ الفِعْلِ كَما عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ ”عَلى“ المُناسِبِ لِلْخَفاءِ. ويُقالُ: عَمِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، إذا لَمْ يَعْرِفْ ما يُوَصِّلُ مِنهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ
والمَعْنى: خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى جَوابٍ، وذَلِكَ مِنَ الحَيْرَةِ والوَهَلِ،
صفحة ١٦٣
فَإنَّهم لَمّا نُودُوا ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] انْبَرى رُؤَساؤُهم فَلَفَّقُوا جَوابًا عَدَلُوا بِهِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِفْهامِ إلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا لِقَوْمِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَلَمّا سُئِلُوا عَنْ جَوابِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَيُوا عَنِ الجَوابِ، فَلَمْ يَجِدُوا مُغالَطَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ مِن سَلَفِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، فَإنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ.
ولِهَذا تَفَرَّعَ عَلى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾، أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاسْتِخْراجِ الآراءِ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ البَهْتِ والبَغْتِ عَلى الجَمِيعِ أنَّهم لا مُتَنَصَّلَ لَهم مِن هَذا السُّؤالِ فَوَجِمُوا.
وإذْ كانَ الِاسْتِفْهامُ لِتَمْهِيدِ أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِالعَذابِ عُلِمَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ عَنْهُ أنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.
القصص 28:66
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾
هُوَ يَوْمُ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، كَرَّرَ الحَدِيثَ عَنْهُ
صفحة ١٦٢
بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما يَقَعُ فِيهِ؛ لِأنَّ مَقامَ المَوْعِظَةِ يَقْتَضِي الإطْنابَ في تَعْدادِ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّوْبِيخَ. وكُرِّرَتْ جُمْلَةُ ”يَوْمَ يُنادِيهِمْ“؛ لِأنَّ التَّكْرارَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ المَوْعِظَةِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَوْبِيخِهِمْ عَلى الإشْراكِ بِاللَّهِ.
والمُرادُ: ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ في الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وإبْطالِ الشُّرَكاءِ. والمُرادُ بِـ ”المُرْسَلِينَ“ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ”فَكَذَّبُوا رُسُلِي“ . ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: ١٠٣]، يُرِيدُ مُحَمَّدًا ﷺ في سُورَةِ يُونُسَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، الآياتِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وإنَّما كَذَّبَ كُلُّ فَرِيقٍ مِن أُولَئِكَ رَسُولًا واحِدًا. والَّذِي اقْتَضى صِيغَةَ الجَمْعِ أنَّ جَمِيعَ المُكَذِّبِينَ إنَّما كَذَّبُوا رُسُلَهم بِعِلَّةِ اسْتِحالَةِ رِسالَةِ البَشَرِ إلى البَشَرِ، فَهم إنَّما كَذَّبُوا بِجِنْسِ المُرْسَلِينَ، ولامُ الجِنْسِ إذا دَخَلَتْ عَلى ”جَمِيعِ“ أبْطَلَتْ مِنهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ.
والِاسْتِفْهامُ بِـ ”ماذا“ صُورِيٌّ مَقْصُودٌ مِنهُ إظْهارُ بَلْبَلَتِهِمْ. و”ذا“ بَعْدَ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ تُعامَلُ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ، أيْ ما الَّذِي أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ، أيْ ما جَوابُكم. والأنْباءُ: جَمْعُ نَبَأٍ، وهو الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ مُهِمٍّ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَوابُ عَنْ سُؤالِ ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَوابَ إخْبارٌ عَمّا وقَعَ مِنهم مَعَ رُسُلِهِمْ في الدُّنْيا.
والمَعْنى: عَمِيَتِ الأنْباءُ عَلى جَمِيعِ المَسْئُولِينَ فَسَكَتُوا كُلُّهم، ولَمْ يُنْتَدَبْ زُعَماؤُهم لِلْجَوابِ كَفِعْلِهِمْ في تَلَقِّي السُّؤالِ السّابِقِ ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] .
ومَعْنى ”عَمِيَتْ“ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ وهو مَأْخُوذٌ مِن عَمى البَصَرِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَهُ لا يَتَبَيَّنُ الأشْياءَ، فَتَصَرَّفَتْ مِنَ العَمى مَعانٍ كَثِيرَةٌ مُتَشابِهَةٌ، يُبَيِّنُها تَعْدِيَةُ الفِعْلِ كَما عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ ”عَلى“ المُناسِبِ لِلْخَفاءِ. ويُقالُ: عَمِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، إذا لَمْ يَعْرِفْ ما يُوَصِّلُ مِنهُ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:
أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ
والمَعْنى: خَفِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ ولَمْ يَهْتَدُوا إلى جَوابٍ، وذَلِكَ مِنَ الحَيْرَةِ والوَهَلِ،
صفحة ١٦٣
فَإنَّهم لَمّا نُودُوا ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] انْبَرى رُؤَساؤُهم فَلَفَّقُوا جَوابًا عَدَلُوا بِهِ عَنْ جادَّةِ الِاسْتِفْهامِ إلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ سَنُّوا لِقَوْمِهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، فَلَمّا سُئِلُوا عَنْ جَوابِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَيُوا عَنِ الجَوابِ، فَلَمْ يَجِدُوا مُغالَطَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَسْبُوقِينَ مِن سَلَفِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ، فَإنَّ الرَّسُولَ بُعِثَ إلَيْهِمْ أنْفُسِهِمْ.
ولِهَذا تَفَرَّعَ عَلى ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ قَوْلُهُ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾، أيْ لا يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا لِاسْتِخْراجِ الآراءِ، وذَلِكَ مِن شِدَّةِ البَهْتِ والبَغْتِ عَلى الجَمِيعِ أنَّهم لا مُتَنَصَّلَ لَهم مِن هَذا السُّؤالِ فَوَجِمُوا.
وإذْ كانَ الِاسْتِفْهامُ لِتَمْهِيدِ أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِالعَذابِ عُلِمَ مِن عَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ عَنْهُ أنَّهم قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.
القصص 28:67
﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾
تَخَلَّلَ بَيْنَ حالِ المُشْرِكِينَ ذِكْرُ حالِ الفَرِيقِ المُقابِلِ، وهو فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ تَزْدادُ تَمَيُّزًا بِذِكْرِ أضْدادِها، والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ [القصص: ٦٦] مِن أنَّهم حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ.
ولَمّا كانَتْ ”أمّا“ تُفِيدُ التَّفْصِيلَ وهو التَّفْكِيكُ والفَصْلُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ في حُكْمٍ فَهي مُفِيدَةٌ هُنا أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ خاسِرُونَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ ما وقَعَ الإيماءُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ [القصص: ٦٦] فَإنَّهُ يَكْتَفِي بِتَفْصِيلِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَنْ ذِكْرِ مُقابِلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ [النساء: ١٧٥] أيْ وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فَبِضِدِّ ذَلِكَ.
والتَّوْبَةُ هُنا: الإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ والنَّدَمُ عَلى تَقَلُّدِهِ، وعَطْفُ الإيمانِ عَلَيْها لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ إقْلاعٍ عَنْ عَقائِدِ الشِّرْكِ وإحْلالِ عَقائِدِ الإسْلامِ مَحَلَّها؛ ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾؛ لِأنَّ بَعْضَ أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا شاعِرِينَ بِفَسادِ دِينِهِمْ
صفحة ١٦٤
وكانَ يَصُدُّهم عَنْ تَقَلُّدِ شَعائِرِ الإسْلامِ أسْبابٌ مُغْرِيَةٌ مِنَ الأعْراضِ الزّائِلَةِ الَّتِي فُتِنُوا بِها.
و”عَسى“ تَرَجٍّ لِتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ مَن يُرْجى مِنهُ الفَلاحُ. و﴿أنْ يَكُونَ مِنَ المُفْلِحِينَ﴾ أشَدُّ في إثْباتِ الفَلاحِ مِن ”أنْ يُفْلِحَ“، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
القصص 28:68
﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾
هَذا مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ، وهي جُمْلَةُ ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [القصص: ٦٧] وظاهِرُ عَطْفِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أنَّ مَعْناهُ آيِلٌ إلى التَّفْوِيضِ إلى حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ قُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ لِلِاهْتِداءِ ولَوْ بِمَراحِلَ، وقُلُوبٍ غَيْرِ مُنْفَتِحَةٍ لَهُ فَهي قاسِيَةٌ صَمّاءُ، وأنَّهُ الَّذِي اخْتارَ فَرِيقًا عَلى فَرِيقٍ. وفي ”أسْبابِ النُّزُولِ“ لِلْواحِدِيِّ: قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: نَزَلَتْ جَوابًا لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ حِينَ قالَ فِيما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] اهــ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ مِن أهْلِ مَكَّةَ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ مِن أهْلِ الطّائِفِ. وهُما المُرادُ بِالقَرْيَتَيْنِ. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. فَإذا كانَ اتِّصالُ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، فَإنَّ قَوْلَهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] هو مِن جُمْلَةِ ما أجابُوا بِهِ دَعْوَةَ الرَّسُولِ ﷺ والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِهِ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ، ويَخْتارُ مِن بَيْنِ مَخْلُوقاتِهِ لِما يَشاءُ مِمّا يَصْلُحُ لَهُ جِنْسُ ما مِنهُ الِاخْتِيارُ، ومِن ذَلِكَ اخْتِيارُهُ لِلرِّسالَةِ مَن يَشاءُ إرْسالَهُ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ”اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ“، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ لِاخْتِيارِ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ؛ والوَجْهانِ لا يَتَزاحَمانِ.
والمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو قَوْلُهُ: ”ويَخْتارُ“، فَذَكَرَ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ أعْلَمُ بِمَخْلُوقاتِهِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ القَصْرَ في هَذا المَقامِ إنْ لُوحِظَ سَبَبُ النُّزُولِ، أيْ رَبُّكَ وحْدُهُ، لا أنْتُمْ تَخْتارُونَ مَن يُرْسَلُ إلَيْكم.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ مَوْصُولَةً مَفْعُولًا لِفِعْلِ
صفحة ١٦٥
”يَخْتارُ“، وأنَّ عائِدَ المَوْصُولِ مَجْرُورٌ بِـ ”في“ مَحْذُوفَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ويَخْتارُ ما لَهم فِيهِ الخَيْرُ، أيْ يَخْتارُ لَهم مِنَ الرُّسُلِ ما يَعْلَمُ أنَّهُ صالِحٌ بِهِمْ لا ما يَشْتَهُونَهُ مِن رِجالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى القَصْرِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَهُ مُفِيدَةُ مُجَرَّدِ التَّقَوِّي. وصِيغَةُ ”ما كانَ“ تَدُلُّ عَلى نَفْيٍ لِلْكَوْنِ يُفِيدُ أشَدَّ مِمّا يُفِيدُ لَوْ قِيلَ: ما لَهُمُ الخِيَرَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
والِابْتِداءُ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ أيْ كَما أنَّ الخَلْقَ مِن خَصائِصِهِ فَكَذَلِكَ الِاخْتِيارُ.
والخِيَرَةُ - بِكَسْرِ الخاءِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ -: اسْمٌ لِمَصْدَرِ الِاخْتِيارِ، مِثْلَ الطِّيَرَةِ، اسْمٌ لِمَصْدَرِ التَّطَيُّرِ. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: ولا نَظِيرَ لَهُما. وفي ”اللِّسانِ“ ما يُوهِمُ أنَّ نَظِيرَهُما: سَبْيٌ طِيَبَةٌ، إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَدْرٌ ولا نَقْضُ عَهْدٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَّنْظِيرَ في الزِّنَةِ لا في المَعْنى؛ لِأنَّها زِنَةٌ نادِرَةٌ.
واللّامُ في ”لَهم“ لِلْمِلْكِ، أيْ ما كانُوا يَمْلِكُونَ اخْتِيارًا في المَخْلُوقاتِ حَتّى يَقُولُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . ونَفْيُ المِلْكِ عَنْهم مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ”ما يَشاءُ“؛ لِأنَّ ”ما يَشاءُ“ يُفِيدُ مَعْنى مَلْكِ الِاخْتِيارِ.
وفِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبًّا لِلنَّبِيءِ ﷺ إشارَةٌ إلى أنَّهُ اخْتارَهُ لِأنَّهُ رَبُّهُ وخالِقُهُ، فَهو قَدْ عَلِمَ اسْتِعْدادَهُ لِقَبُولِ رِسالَتِهِ.
* * *
﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ وعُلُوِّهُ عَلى طَرِيقَةِ الثَّناءِ عَلَيْهِ بِتَنَزُّهِهِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. و”سُبْحانَ“ مَصْدَرٌ نائِبٌ مَنابَ فِعْلِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُضِيفَ ”سُبْحانَ“ إلى اسْمِهِ العَلَمِ دُونَ أنْ يُقالَ: وسُبْحانَهُ، بَعْدَ أنْ قالَ: ”ورَبُّكَ يَعْلَمُ“؛ لِأنَّ اسْمَ الجَلالَةِ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى، وهو مُسْتَحِقٌّ لِلتَّنْزِيهِ بِذاتِهِ؛ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ
صفحة ١٦٦
جَمِيعِ المَحامِدِ مِمّا تَضَمَّنَهُ اسْمُ الجَلالَةِ في أصْلِ مَعْناهُ قَبْلَ نَقْلِهِ إلى العَلَمِيَّةِ.
والمَجْرُورُ يَتَنازَعُهُ كِلا الفِعْلَيْنِ. ووَجْهُ تَقْيِيدِ التَّنْزِيهِ والتَّرْفِيعِ بِـ ”ما يُشْرِكُونَ“ أنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ أحَدٌ أنْ يَصِفَ اللَّهَ تَعالى بِما لا يَلِيقُ بِهِ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ إلّا أهْلُ الشِّرْكِ بِزَعْمِهِمْ أنَّ ما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ إنَّما هو كَمالٌ، مِثْلَ اتِّخاذِ الوَلَدِ أوْ هو مِمّا أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِهِ، ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] . وزَعَمُوا أنَّ الآلِهَةَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ. وقالُوا في التَّلْبِيَةِ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ. وأمّا ما عَدا ذَلِكَ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِالكَمالِ لِلَّهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] . و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ.
القصص 28:69
﴿ورَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] أيْ هو خالِقُهم ومُرَكِّبُهم عَلى النِّظامِ الَّذِي تَصْدُرُ عَنْهُ الأفْعالُ والِاعْتِقاداتُ، فَيَكُونُونَ مُسْتَعِدِّينَ لِقَبُولِ الخَيْرِ والشَّرِّ وتَغْلِيبِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ اعْتِقادًا وعَمَلًا، وهو يَعْلَمُ ما تُخْفِيهِ صُدُورُهم، أيْ نُفُوسُهم وما يُعْلِنُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ. فَضَمِيرُ ”صُدُورِهِمْ“ عائِدٌ إلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ”يَخْلُقُ ما يَشاءُ“ بِاعْتِبارِ مَعْناها، أيْ ما تُكِنُّ صُدُورُ المَخْلُوقاتِ وما يُعْلِنُونَ. وحَيْثُ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ العُقَلاءِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ البَشَرُ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وهُمُ المَقْصُودُ مِنَ العُمُومِ في ”ما يَشاءُ“، فَبِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهم يَخْتارُهم ويُجازِيهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذا إيماءٌ إلى عِلَّةِ الِاخْتِيارِ، وإلى الوَعْدِ والوَعِيدِ، وهَذا مُنْتَهى الإيجازِ.
وفِي إحْضارِ الجَلالَةِ بِعُنْوانِ ”ورَبُّكَ“ إيماءٌ إلى أنَّ مِمّا تُكِنُّهُ صُدُورُهم بُغْضُ مُحَمَّدٍ ﷺ . وتَقَدَّمَ ”ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ“ آخِرَ النَّمْلِ.
القصص 28:70
﴿وهْوَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ورَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ [القصص: ٦٨] الآيَةَ. والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ:
صفحة ١٦٧
”ولَهُ الحُكْمُ“، وإنَّما قَدَّمُ عَلَيْهِ ما هو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالحُكْمِ مَعَ إدْماجِ صِفاتِ عَظَمَتِهِ الذّاتِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ افْتِقارَ الكُلِّ إلَيْهِ.
ولِذَلِكَ ابْتُدِئَتِ الجُمْلَةُ بِضَمِيرِ الغائِبِ لِيَعُودَ إلى المُتَحَدَّثِ عَنْهُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] إلى هُنا، أيِ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ والفاعِلُ لِتِلْكَ الأفْعالِ الجَلِيلَةِ. والمَذْكُورُ بِعُنْوانِ ”رَبُّكَ“ هو المُسَمّى اللَّهَ، اسْمًا جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الكَمالِ، فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ مُبْتَدَأٌ واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرُهُ، أيْ فَلا تَلْتَبِسُوا فِيهِ ولا تُخْطِئُوا بِادِّعاءِ ما لا يَلِيقُ بِاسْمِهِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ [يونس: ٣٢] .
وقَوْلُهُ: ”لا إلَهَ إلّا هو“ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وفي هَذا الخَبَرِ الثّانِي زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَدْلُولِ الخَبَرِ الأوَّلِ، فَإنَّ اسْمَ الجَلالَةِ اخْتُصَّ بِالدَّلالَةِ عَلى الإلَهِ الحَقِّ إلّا أنَّ المُشْرِكِينَ حَرَّفُوا أوْ أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِلْأصْنامِ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها إلَهِيَّةٌ دُونَ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مِن حَقِّ النَّظَرِ أنْ يُعْلَمَ أنْ لا إلَهَ إلّا هو، فَكانَ هَذا إبْطالًا لِلشِّرْكِ بَعْدَ إبْطالِهِ بِحِكايَةِ تَلاشِيهِ عَنْ أهْلِ مِلَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْلِهِ: ”وقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم“ .
وأخْبَرَ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ خَبَرًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ﴾ وهو اسْتِدْلالٌ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ بِحُجَّةِ أنَّ النّاسَ مُؤْمِنَهم وكافِرَهم لا يَحْمَدُونَ في الدُّنْيا إلّا اللَّهَ، فَلا تَسْمَعُ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلْعُزّى، مَثَلًا.
فاللّامُ في لَهُ لِلْمِلْكِ، أيْ لا يَمْلِكُ الحَمْدَ غَيْرُهُ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، وهو اخْتِصاصٌ حَقِيقِيٌّ.
وتَعْرِيفُ الحَمْدُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ لَهُ كُلُّ حَمْدٍ.
والأُولى هي الدُّنْيا، وتَخْصِيصُ الحَمْدِ بِهِ في الدُّنْيا اخْتِصاصٌ لِجِنْسِ الحَمْدِ بِهِ؛ لِأنَّ حَمْدَ غَيْرِهِ مَجازٌ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ.
وأمّا الحَمْدُ في الآخِرَةِ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] . واخْتِصاصُ الجِنْسِ بِهِ في الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ.
صفحة ١٦٨
وقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ الحُكْمُ﴾ اللّامُ فِيهِ أيْضًا لِلْمِلْكِ، والتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ أيْضًا.
والحُكْمُ: القَضاءُ، وهو تَعْيِينُ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ لِلْغَيْرِ. وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ بِالحُكْمِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فِي الأُولى والآخِرَةِ﴾ عَلَيْهِ، أيْ لَهُ الحُكْمُ في الدّارَيْنِ. والِاخْتِصاصُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الدُّنْيا يَثْبُتُ لِغَيْرِ اللَّهِ عَلى المَجازِ، وأمّا الحُكْمُ في الآخِرَةِ فَمَقْصُودٌ عَلى اللَّهِ. وفي هَذا إبْطالٌ لِتَصَرُّفِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ فِيما يَزْعُمُونَهُ مِن تَصَرُّفاتِها وإبْطالٌ لِشَفاعَتِها الَّتِي يَزْعُمُونَها في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] أيْ في الآخِرَةِ إنْ كانَ ما زَعَمْتُمْ مِنَ البَعْثِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فَمَسُوقَةٌ مَساقَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَبَعْدَ أنْ أُثْبِتَ لِلَّهِ كُلُّ حَمْدٍ وكُلُّ حُكْمٍ، أيْ أنَّكم تَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ فَتُمَجِّدُونَهُ ويُجْرِي عَلَيْكم حُكْمَهُ، والمَقْصُودُ بِهَذا إلْزامُهم بِإثْباتِ البَعْثِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ أيْ إلى حُكْمِهِ.
القصص 28:71
﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِصِفاتِ ذاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِبَدِيعِ مَصْنُوعاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا الِاسْتِدْلالِ إدْماجُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرِ المُشْرِكِينَ جَلائِلَ نِعَمِهِ.
ومِن أبْدَعَ الِاسْتِدْلالِ أنِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ المُتَكَرِّرُ كَلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، والَّذِي يَسْتَوِي في إدْراكِهِ كُلُّ مُمَيِّزٍ، والَّذِي هو أجْلى مَظاهِرِ التَّغَيُّرِ في هَذا العالَمِ، فَهو دَلِيلُ الحُدُوثِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ في التَّكَيُّفِ بِهِ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ في هَذا العالَمِ، حَتّى الأصْنامَ، فَهي تُظْلِمُ وتَسْوَدُّ أجْسامُها بِظَلامِ اللَّيْلِ وتُشْرِقُ وتُضِيءُ بِضِياءِ النَّهارِ، وكانَ الِاسْتِدْلالُ بِتَعاقُبِ الضِّياءِ والظُّلْمَةِ عَلى
صفحة ١٦٩
النّاسِ أقْوى وأوْضَحَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَكْوِينِ أحَدِهِما لَوْ كانَ دائِمًا؛ لِأنَّ قُدْرَةَ خالِقِ الضِّدَّيْنِ وجاعِلِ أحَدِهِما يَنْسَخُ الآخَرَ كُلَّ يَوْمٍ أظْهَرُ مِنها لَوْ لَمْ يَخْلُقْ إلّا أقْواهُما وأنْفَعَهُما؛ ولِأنَّ النِّعْمَةَ بِتَعاقُبِهِما دَوْمًا أشَدُّ مِنَ الإنْعامِ بِأفْضَلِهِما وأنْفَعِهِما؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ دائِمًا لَكانَ مَسْئُومًا، ولَحَصَلَتْ مِنهُ طائِفَةٌ مِنَ المَنافِعِ، وفُقِدَتْ مَنافِعُ ضِدِّهِ، فالتَّنَقُّلُ في النِّعَمِ مَرْغُوبٌ فِيهِ ولَوْ كانَ تَنَقُّلًا إلى ما هو دُونَ. وسِيقَ إلَيْهِمْ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأُسْلُوبِ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا التَّذْكِيرِ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ ولِاشْتِمالٍ عَلى ضِدَّيْنِ مُتَعاقِبَيْنِ، حَتّى لَوْ كانَتْ عُقُولُهم قاصِرَةً عَنْ إدْراكِ دَلالَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لَكانَ في الضِّدِّ الآخَرِ تَنْبِيهٌ لَهم، ولَوْ قَصَّرُوا عَنْ حِكْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كانَ في تَعاقُبِهِما ما يَكْفِي لِلِاسْتِدْلالِ.
وجِيءَ في الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ ”إنْ“؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ فَرْضًا مُخالِفًا لِلْواقِعِ. وعُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الِاسْتِدْلالَ بِعِبْرَةِ خَلْقِ النُّورِ؛ فَلِذَلِكَ فَرَضَ اسْتِمْرارَ اللَّيْلِ، والمَقْصُودُ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ .
والسَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. قالَ في ”الكَشّافِ“: مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ، والمِيمُ مَزِيدَةٌ، ووَزْنُهُ فَعْمَلَ، ونَظِيرُهُ دُلامِصٌ مِنَ الدِّلاصِ اهــ. دُلامِصٌ - بِضَمِّ الدّالِّ وكَسْرِ المِيمِ - مِن صِفاتِ الدِّرْعِ، وأصْلُها دِلاصٌ - بِدالٍ مَكْسُورَةٍ - أيْ بَرّاقَةٌ. ونُسِبَ إلى صاحِبِ ”القامُوسِ“ وبَعْضِ النُّحاةِ أنَّ مِيمَ سَرْمَدٍ أصْلِيَّةً، وأنَّ وزْنَهُ ”فَعْلَلْ“ . والمُرادُ بِجَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ ويَكُونَ خَلَقَ الأرْضَ، فَكانَتِ الأرْضُ مُظْلِمَةً.
والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ.
والِاسْتِفْهامُ في أرَأيْتُمْ تَقْرِيرِيٌّ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ إنْكارِيٌّ وهم مُعْتَرِفُونَ بِهَذا الِانْتِفاءِ، وأنَّ خالِقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ.
والمُرادُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إحاطَةُ أزْمِنَةِ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ انْتِهاءُ جَعْلِهِ سَرْمَدًا.
والإتْيانُ بِالضِّياءِ وبِاللَّيْلِ مُسْتَعارٌ لِلْإيجادِ؛ شُبِّهَ إيجادُ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ
صفحة ١٧٠
مَوْجُودًا بِالإجاءَةِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ المُثُولُ والظُّهُورُ.
والضِّياءُ: النُّورُ، وهو في هَذا العالَمِ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ، وعَبَّرَ بِالضِّياءِ دُونَ النَّهارِ؛ لِأنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ قَدْ تَخِفُّ قَلِيلًا بِنُورِ القَمَرِ، فَكانَ ذِكْرُ الضِّياءِ إيماءً إلى ذَلِكَ.
وفِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَأْتِيكم في المَوْضِعَيْنِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إيجادَ الضِّياءِ وإيجادَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ. وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ. وإذْ قَدِ اسْتَمَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ سُطُوعِ هَذا الدَّلِيلِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تَقْدِرُ عَلى إيجادِ الضِّياءِ - جُعِلُوا كَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أقامَتِ الحُجَّةَ الواضِحَةَ عَلى فَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَفَرَّعَ عَلى تِلْكَ الحُجَّةِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنِ انْتِفاءِ سَماعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”أفَلا تَسْمَعُونَ“ أيْ أفَلا تَسْمَعُونَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ اللَّيْلِ والضِّياءِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. ولَيْسَ قَوْلُهُ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا.
وكَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ في مَقامِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ يُناسِبُهُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ مَقامِ التَّوْبِيخِ ومَقامِ التَّهْوِيلِ.
وعُكِسَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي بِفَرْضِ أنْ يَكُونَ النَّهارُ - وهو انْتِشارُ نُورِ الشَّمْسِ - سَرْمَدًا، بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ كُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ شُعاعُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلى جَمِيعِ سَطْحِ الأرْضِ دَوْمًا.
ووَصْفُ اللَّيْلِ بِـ ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ هي نِعْمَةُ السُّكُونِ فِيهِ، فَإنَّها تَشْمَلُ لَذَّةَ الرّاحَةِ، ولَذَّةَ الخَلاصِ مِنَ الحَرِّ، ولَذَّةَ اسْتِعادَةِ نَشاطِ المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ الَّذِي بِهِ التَّفْكِيرُ والعَمَلُ، ولَذَّةَ الأمْنِ مِنَ العَدُوِّ.
ولَمْ يُوصَفِ الضِّياءُ بِشَيْءٍ؛ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ واخْتِلافِ أنْواعِها.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أيْضًا تَنْزِيلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يُبْصِرُونَ الأشْياءَ الدّالَّةَ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِصُنْعِها وهي مِنهم بِمَرْأى الأعْيُنِ.
صفحة ١٧١
وناسَبَ السَّمْعُ دَلِيلَ فَرْضِ سَرْمَدَةِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لَوْ كانَ دائِمًا لَمْ تَكُنْ لِلنّاسِ رُؤْيَةٌ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِشارِ شَيْءٍ مِنَ النُّورِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ المَرْئِيِّ، فالظُّلْمَةُ الخالِصَةُ لا تُرى فِيها المَرْئِيّاتُ؛ ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ اللَّيْلِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ سَماعِهِمْ، وجِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ النَّهارِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ إبْصارِهِمْ.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَذْيِيلًا.
القصص 28:72
﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِصِفاتِ ذاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى ذَلِكَ بِبَدِيعِ مَصْنُوعاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا الِاسْتِدْلالِ إدْماجُ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِكُفْرِ المُشْرِكِينَ جَلائِلَ نِعَمِهِ.
ومِن أبْدَعَ الِاسْتِدْلالِ أنِ اخْتِيرَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ المُتَكَرِّرُ كَلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، والَّذِي يَسْتَوِي في إدْراكِهِ كُلُّ مُمَيِّزٍ، والَّذِي هو أجْلى مَظاهِرِ التَّغَيُّرِ في هَذا العالَمِ، فَهو دَلِيلُ الحُدُوثِ، وهو مِمّا يَدْخُلُ في التَّكَيُّفِ بِهِ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ في هَذا العالَمِ، حَتّى الأصْنامَ، فَهي تُظْلِمُ وتَسْوَدُّ أجْسامُها بِظَلامِ اللَّيْلِ وتُشْرِقُ وتُضِيءُ بِضِياءِ النَّهارِ، وكانَ الِاسْتِدْلالُ بِتَعاقُبِ الضِّياءِ والظُّلْمَةِ عَلى
صفحة ١٦٩
النّاسِ أقْوى وأوْضَحَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِتَكْوِينِ أحَدِهِما لَوْ كانَ دائِمًا؛ لِأنَّ قُدْرَةَ خالِقِ الضِّدَّيْنِ وجاعِلِ أحَدِهِما يَنْسَخُ الآخَرَ كُلَّ يَوْمٍ أظْهَرُ مِنها لَوْ لَمْ يَخْلُقْ إلّا أقْواهُما وأنْفَعَهُما؛ ولِأنَّ النِّعْمَةَ بِتَعاقُبِهِما دَوْمًا أشَدُّ مِنَ الإنْعامِ بِأفْضَلِهِما وأنْفَعِهِما؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ دائِمًا لَكانَ مَسْئُومًا، ولَحَصَلَتْ مِنهُ طائِفَةٌ مِنَ المَنافِعِ، وفُقِدَتْ مَنافِعُ ضِدِّهِ، فالتَّنَقُّلُ في النِّعَمِ مَرْغُوبٌ فِيهِ ولَوْ كانَ تَنَقُّلًا إلى ما هو دُونَ. وسِيقَ إلَيْهِمْ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِأُسْلُوبِ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ اهْتِمامًا بِهَذا التَّذْكِيرِ لِهَذا الِاسْتِدْلالِ ولِاشْتِمالٍ عَلى ضِدَّيْنِ مُتَعاقِبَيْنِ، حَتّى لَوْ كانَتْ عُقُولُهم قاصِرَةً عَنْ إدْراكِ دَلالَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لَكانَ في الضِّدِّ الآخَرِ تَنْبِيهٌ لَهم، ولَوْ قَصَّرُوا عَنْ حِكْمَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما كانَ في تَعاقُبِهِما ما يَكْفِي لِلِاسْتِدْلالِ.
وجِيءَ في الشَّرْطَيْنِ بِحَرْفِ ”إنْ“؛ لِأنَّ الشَّرْطَ مَفْرُوضٌ فَرْضًا مُخالِفًا لِلْواقِعِ. وعُلِمَ أنَّهُ قَصَدَ الِاسْتِدْلالَ بِعِبْرَةِ خَلْقِ النُّورِ؛ فَلِذَلِكَ فَرَضَ اسْتِمْرارَ اللَّيْلِ، والمَقْصُودُ ما بَعْدَهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ .
والسَّرْمَدُ: الدّائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. قالَ في ”الكَشّافِ“: مِنَ السَّرْدِ، وهو المُتابَعَةُ، ومِنهُ قَوْلُهم في الأشْهُرِ الحُرُمِ: ثَلاثَةٌ سَرْدٌ وواحِدٌ فَرْدٌ، والمِيمُ مَزِيدَةٌ، ووَزْنُهُ فَعْمَلَ، ونَظِيرُهُ دُلامِصٌ مِنَ الدِّلاصِ اهــ. دُلامِصٌ - بِضَمِّ الدّالِّ وكَسْرِ المِيمِ - مِن صِفاتِ الدِّرْعِ، وأصْلُها دِلاصٌ - بِدالٍ مَكْسُورَةٍ - أيْ بَرّاقَةٌ. ونُسِبَ إلى صاحِبِ ”القامُوسِ“ وبَعْضِ النُّحاةِ أنَّ مِيمَ سَرْمَدٍ أصْلِيَّةً، وأنَّ وزْنَهُ ”فَعْلَلْ“ . والمُرادُ بِجَعْلِ اللَّيْلِ سَرْمَدًا أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ خَلَقَ الشَّمْسَ ويَكُونَ خَلَقَ الأرْضَ، فَكانَتِ الأرْضُ مُظْلِمَةً.
والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ.
والِاسْتِفْهامُ في أرَأيْتُمْ تَقْرِيرِيٌّ، والِاسْتِفْهامُ في ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾ إنْكارِيٌّ وهم مُعْتَرِفُونَ بِهَذا الِانْتِفاءِ، وأنَّ خالِقَ اللَّيْلِ والنَّهارِ هو اللَّهُ تَعالى لا غَيْرُهُ.
والمُرادُ بِالغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إحاطَةُ أزْمِنَةِ الدُّنْيا، ولَيْسَ المُرادُ انْتِهاءُ جَعْلِهِ سَرْمَدًا.
والإتْيانُ بِالضِّياءِ وبِاللَّيْلِ مُسْتَعارٌ لِلْإيجادِ؛ شُبِّهَ إيجادُ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ
صفحة ١٧٠
مَوْجُودًا بِالإجاءَةِ بِشَيْءٍ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ووَجْهُ الشَّبَهِ المُثُولُ والظُّهُورُ.
والضِّياءُ: النُّورُ، وهو في هَذا العالَمِ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥] . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ، وعَبَّرَ بِالضِّياءِ دُونَ النَّهارِ؛ لِأنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ قَدْ تَخِفُّ قَلِيلًا بِنُورِ القَمَرِ، فَكانَ ذِكْرُ الضِّياءِ إيماءً إلى ذَلِكَ.
وفِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَأْتِيكم في المَوْضِعَيْنِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إيماءٌ إلى أنَّ إيجادَ الضِّياءِ وإيجادَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ. وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ. وإذْ قَدِ اسْتَمَرَّ المُشْرِكُونَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ سُطُوعِ هَذا الدَّلِيلِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تَقْدِرُ عَلى إيجادِ الضِّياءِ - جُعِلُوا كَأنَّهم لا يَسْمَعُونَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أقامَتِ الحُجَّةَ الواضِحَةَ عَلى فَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَفَرَّعَ عَلى تِلْكَ الحُجَّةِ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَنِ انْتِفاءِ سَماعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”أفَلا تَسْمَعُونَ“ أيْ أفَلا تَسْمَعُونَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى التَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ اللَّيْلِ والضِّياءِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. ولَيْسَ قَوْلُهُ أفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا.
وكَرَّرَ الأمْرَ بِالقَوْلِ في مَقامِ التَّقْرِيرِ؛ لِأنَّ التَّقْرِيرَ يُناسِبُهُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ مَقامِ التَّوْبِيخِ ومَقامِ التَّهْوِيلِ.
وعُكِسَ الِاسْتِدْلالُ الثّانِي بِفَرْضِ أنْ يَكُونَ النَّهارُ - وهو انْتِشارُ نُورِ الشَّمْسِ - سَرْمَدًا، بِأنْ خَلَقَ اللَّهُ الأرْضَ غَيْرَ كُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ شُعاعُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلى جَمِيعِ سَطْحِ الأرْضِ دَوْمًا.
ووَصْفُ اللَّيْلِ بِـ ﴿تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ، وتِلْكَ هي نِعْمَةُ السُّكُونِ فِيهِ، فَإنَّها تَشْمَلُ لَذَّةَ الرّاحَةِ، ولَذَّةَ الخَلاصِ مِنَ الحَرِّ، ولَذَّةَ اسْتِعادَةِ نَشاطِ المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ الَّذِي بِهِ التَّفْكِيرُ والعَمَلُ، ولَذَّةَ الأمْنِ مِنَ العَدُوِّ.
ولَمْ يُوصَفِ الضِّياءُ بِشَيْءٍ؛ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ واخْتِلافِ أنْواعِها.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ أيْضًا تَنْزِيلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يُبْصِرُونَ الأشْياءَ الدّالَّةَ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِصُنْعِها وهي مِنهم بِمَرْأى الأعْيُنِ.
صفحة ١٧١
وناسَبَ السَّمْعُ دَلِيلَ فَرْضِ سَرْمَدَةِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لَوْ كانَ دائِمًا لَمْ تَكُنْ لِلنّاسِ رُؤْيَةٌ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الأشْياءِ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِشارِ شَيْءٍ مِنَ النُّورِ عَلى سَطْحِ الجِسْمِ المَرْئِيِّ، فالظُّلْمَةُ الخالِصَةُ لا تُرى فِيها المَرْئِيّاتُ؛ ولِذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ اللَّيْلِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ سَماعِهِمْ، وجِيءَ في جانِبِ فَرْضِ دَوامِ النَّهارِ بِالإنْكارِ عَلى عَدَمِ إبْصارِهِمْ.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَذْيِيلًا.
القصص 28:73
﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
تَصْرِيحٌ بِنِعْمَةِ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾، وذَلِكَ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ بِطَرِيقِ الإدْماجِ بِقَوْلِهِ: ”يَأْتِيكم“، وبِقَوْلِهِ: ”تَسْكُنُونَ فِيهِ“ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ إلَخْ. . مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أراْيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ [القصص: ٧١] .
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالنّاسِ حَقِيقَةٌ كُلِّيَّةٌ لَها تَحَقُّقٌ في وُجُودِ أنْواعِها وآحادِها العَدِيدَةِ، والمَجْرُورُ بِـ ”مِن“ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾، وكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لَكم، والمَقْصُودُ إظْهارُ أنَّ هَذا رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعْضٌ مِن رَحْمَتِهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِيَتَذَكَّرُوا بِهِما نِعَمًا أُخْرى.
وقَدَّمَ المَجْرُورَ بِـ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ﴾ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِمِنَّةِ الرَّحْمَةِ.
وقَدْ سَلَكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ طَرِيقَةُ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَيَعُودُ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ إلى اللَّيْلِ، ويَعُودُ ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى النَّهارِ، والتَّقْدِيرُ: ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ فِيهِ، فَحَذَفَ الضَّمِيرَ وجارَّهُ إيجازًا، اعْتِمادًا عَلى المُقابَلَةِ.
والِابْتِغاءُ مِن فَضْلِ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ العَمَلِ والطَّلَبِ لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، قالَ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] . والرِّزْقُ: فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ١٧٢
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولامُ لِتَسْكُنُوا ولامُ ولِتَبْتَغُوا لِلتَّعْلِيلِ، ومَدْخُولاهُما عِلَّتانِ لِلْجَعْلِ المُسْتَفادِ مِن فِعْلِ جَعَلَ.
وعُطِفَ عَلى العِلَّتَيْنِ رَجاءَ شُكْرِهِمْ عَلى هاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ رَحْمَتِهِ بِالنّاسِ، فالشَّأْنُ أنْ يَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ مَظاهِرَ الرَّحْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ وجَلائِلَ النِّعَمِ، فَيَشْكُرُوهُ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم كَفَرُوا فَلَمْ يَشْكُرُوا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أرَأيْتُمْ“ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ؛ تَخْفِيفًا لِهَمْزَةِ رَأى. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ، وهي لُغَةٌ.
القصص 28:74
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢] مَرَّةً ثانِيَةً؛ لِأنَّ التَّكْرِيرَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ التَّوْبِيخِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَوْمَ نَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَأُعِيدَ ذِكْرُ أنَّ اللَّهَ يُنادِيهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعِيِّ ويَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ يُكَرَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ إنَّما كُرِّرَتْ حِكايَتُهُ وأنَّهُ نِداءٌ واحِدٌ يَقَعُ عَقِبَهُ جَوابُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، ويَقَعُ نَزْعُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ عَلَيْهِمْ، فَهو شامِلٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وجِيءَ بِفِعْلِ المُضِيِّ في نَزَعْنا إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإمّا لِأنَّ الواوَ لِلْحالِ وهي يَعْقُبُها الماضِي بِـ ”قَدْ“ وبِدُونِ ”قَدْ“ أيْ يَوْمَ يَكُونُ ذَلِكَ النِّداءُ وقَدْ أخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وأخْرَجْنا مِن هَؤُلاءِ شَهِيدًا وهو مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولُها.
والنَّزْعُ: جَذْبُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ ما هو مُخْتَلِطٌ بِهِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِإخْراجِ بَعْضٍ مِن جَماعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ
صفحة ١٧٣
عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ تَأْتِي إلى المَحْشَرِ تَتْبَعُ أنْبِياءَها، وهَذا المَجِيءُ الأوَّلُ، ثُمَّ تَأْتِي الأنْبِياءُ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَن آمَنُوا بِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ يَأْتِي النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ والنَّبِيُّ وحْدَهُ ما مَعَهُ أحَدٌ.
والتُفِتَ مِنَ الغِيبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في ونَزَعْنا؛ لِإظْهارِ عَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ، وعُطِفَ فَقُلْنا عَلى ونَزَعْنا؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. والمُخاطَبُ بِـ هاتُوا هُمُ المُشْرِكُونَ، أيْ هاتُوا بُرْهانَكم عَلى إلَهِيَّةِ أصْنامِكم.
وهاتُوا اسْمُ فِعْلٍ مَعْناهُ ناوِلُوا، و”هاتِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، واسْتُعِيرَتِ المُناوَلَةُ لِلْإظْهارِ.
والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، فَهو يَقْتَضِي أنَّهم عَلى الباطِلِ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الشُّرَكاءِ، ولَمّا عَلِمُوا عَجْزَهم مِن إظْهارِ بُرْهانٍ لَهم في جَعْلِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ أيْقَنُوا أنَّ الحَقَّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، أيْ عَلِمُوا عِلْمَ اليَقِينِ أنَّهم لا حَقَّ لَهم في إثْباتِ الشُّرَكاءِ، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ؛ إذْ كانَ يَنْهاهم عَنِ الشِّرْكِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ في الدُّنْيا، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ إذْ ناداهم بِأمْرِ التَّعْجِيزِ في قَوْلِهِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ .
و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَشْمَلُ ما كانُوا يَكْذِبُونَهُ مِنَ المَزاعِمِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ وما كانُوا يَفْتَرُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ مِنَ الأصْنامِ، كُلُّ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَهُ.
والضَّلالُ: أصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِعَدَمِ خُطُورِ الشَّيْءِ في البالِ؛ ولِعَدَمِ حُضُورِهِ في المَحْضَرِ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِيهِ.
وعَنْهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ضَلَّ، والمُرادُ: ضَلَّ عَنْ عُقُولِهِمْ وعَنْ مَقامِهِمْ؛ مُثِّلُوا بِالمَقْصُودِ لِلسّائِرِ في طَرِيقٍ حِينَ يُخْطِئُ الطَّرِيقَ فَلا يَبْلُغُ المَكانَ المَقْصُودَ. وعُلِّقَ بِالضَّلالِ ضَمِيرُ ذَواتِهِمْ لِيَشْمَلَ ضَلالَ الأمْرَيْنِ، فَيُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً يُرَوِّجُونَ بِها زَعْمَهم إلَهِيَّةَ الأصْنامِ، ولَمْ يَجِدُوا الأصْنامَ حاضِرَةً لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَوَجِمُوا عَنِ الجَوابِ، وأيْقَنُوا بِالمُؤاخَذَةِ.
القصص 28:75
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
كُرِّرَتْ جُمْلَةُ ﴿يَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢] مَرَّةً ثانِيَةً؛ لِأنَّ التَّكْرِيرَ مِن مُقْتَضَياتِ مَقامِ التَّوْبِيخِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَوْمَ نَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَأُعِيدَ ذِكْرُ أنَّ اللَّهَ يُنادِيهِمْ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيعِيِّ ويَنْزِعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ النِّداءَ يُكَرَّرُ يَوْمَ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ إنَّما كُرِّرَتْ حِكايَتُهُ وأنَّهُ نِداءٌ واحِدٌ يَقَعُ عَقِبَهُ جَوابُ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، ويَقَعُ نَزْعُ شَهِيدٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ عَلَيْهِمْ، فَهو شامِلٌ لِمُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ. وجِيءَ بِفِعْلِ المُضِيِّ في نَزَعْنا إمّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإمّا لِأنَّ الواوَ لِلْحالِ وهي يَعْقُبُها الماضِي بِـ ”قَدْ“ وبِدُونِ ”قَدْ“ أيْ يَوْمَ يَكُونُ ذَلِكَ النِّداءُ وقَدْ أخْرَجْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وأخْرَجْنا مِن هَؤُلاءِ شَهِيدًا وهو مُحَمَّدٌ ﷺ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] . وشَهِيدُ كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولُها.
والنَّزْعُ: جَذْبُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ ما هو مُخْتَلِطٌ بِهِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِإخْراجِ بَعْضٍ مِن جَماعَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ
صفحة ١٧٣
عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩] في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ وذَلِكَ أنَّ الأُمَمَ تَأْتِي إلى المَحْشَرِ تَتْبَعُ أنْبِياءَها، وهَذا المَجِيءُ الأوَّلُ، ثُمَّ تَأْتِي الأنْبِياءُ، مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَن آمَنُوا بِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ يَأْتِي النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ والنَّبِيُّ وحْدَهُ ما مَعَهُ أحَدٌ.
والتُفِتَ مِنَ الغِيبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في ونَزَعْنا؛ لِإظْهارِ عَظَمَةِ المُتَكَلِّمِ، وعُطِفَ فَقُلْنا عَلى ونَزَعْنا؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ. والمُخاطَبُ بِـ هاتُوا هُمُ المُشْرِكُونَ، أيْ هاتُوا بُرْهانَكم عَلى إلَهِيَّةِ أصْنامِكم.
وهاتُوا اسْمُ فِعْلٍ مَعْناهُ ناوِلُوا، و”هاتِ“ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، واسْتُعِيرَتِ المُناوَلَةُ لِلْإظْهارِ.
والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، فَهو يَقْتَضِي أنَّهم عَلى الباطِلِ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الشُّرَكاءِ، ولَمّا عَلِمُوا عَجْزَهم مِن إظْهارِ بُرْهانٍ لَهم في جَعْلِ الشُّرَكاءِ لِلَّهِ أيْقَنُوا أنَّ الحَقَّ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، أيْ عَلِمُوا عِلْمَ اليَقِينِ أنَّهم لا حَقَّ لَهم في إثْباتِ الشُّرَكاءِ، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ؛ إذْ كانَ يَنْهاهم عَنِ الشِّرْكِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ في الدُّنْيا، وأنَّ الحَقَّ لِلَّهِ إذْ ناداهم بِأمْرِ التَّعْجِيزِ في قَوْلِهِ: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ .
و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ يَشْمَلُ ما كانُوا يَكْذِبُونَهُ مِنَ المَزاعِمِ في إلَهِيَّةِ الأصْنامِ وما كانُوا يَفْتَرُونَ لَهُ الإلَهِيَّةَ مِنَ الأصْنامِ، كُلُّ ذَلِكَ كانُوا يَفْتَرُونَهُ.
والضَّلالُ: أصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِعَدَمِ خُطُورِ الشَّيْءِ في البالِ؛ ولِعَدَمِ حُضُورِهِ في المَحْضَرِ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِيهِ.
وعَنْهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ضَلَّ، والمُرادُ: ضَلَّ عَنْ عُقُولِهِمْ وعَنْ مَقامِهِمْ؛ مُثِّلُوا بِالمَقْصُودِ لِلسّائِرِ في طَرِيقٍ حِينَ يُخْطِئُ الطَّرِيقَ فَلا يَبْلُغُ المَكانَ المَقْصُودَ. وعُلِّقَ بِالضَّلالِ ضَمِيرُ ذَواتِهِمْ لِيَشْمَلَ ضَلالَ الأمْرَيْنِ، فَيُفِيدُ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً يُرَوِّجُونَ بِها زَعْمَهم إلَهِيَّةَ الأصْنامِ، ولَمْ يَجِدُوا الأصْنامَ حاضِرَةً لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَوَجِمُوا عَنِ الجَوابِ، وأيْقَنُوا بِالمُؤاخَذَةِ.