Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — النمل 27:1 – النمل 27:81

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. النمل 27:1
  2. النمل 27:2
  3. النمل 27:3
  4. النمل 27:4
  5. النمل 27:5
  6. النمل 27:6
  7. النمل 27:7
  8. النمل 27:8
  9. النمل 27:9
  10. النمل 27:10
  11. النمل 27:11
  12. النمل 27:12
  13. النمل 27:13
  14. النمل 27:14
  15. النمل 27:15
  16. النمل 27:16
  17. النمل 27:17
  18. النمل 27:18
  19. النمل 27:19
  20. النمل 27:20
  21. النمل 27:21
  22. النمل 27:22
  23. النمل 27:23
  24. النمل 27:24
  25. النمل 27:25
  26. النمل 27:26
  27. النمل 27:27
  28. النمل 27:28
  29. النمل 27:29
  30. النمل 27:30
  31. النمل 27:31
  32. النمل 27:32
  33. النمل 27:33
  34. النمل 27:34
  35. النمل 27:35
  36. النمل 27:36
  37. النمل 27:37
  38. النمل 27:38
  39. النمل 27:39
  40. النمل 27:40
  41. النمل 27:41
  42. النمل 27:42
  43. النمل 27:43
  44. النمل 27:44
  45. النمل 27:45
  46. النمل 27:46
  47. النمل 27:47
  48. النمل 27:48
  49. النمل 27:49
  50. النمل 27:50
  51. النمل 27:51
  52. النمل 27:52
  53. النمل 27:53
  54. النمل 27:54
  55. النمل 27:55
  56. النمل 27:56
  57. النمل 27:57
  58. النمل 27:58
  59. النمل 27:59
  60. النمل 27:60
  61. النمل 27:61
  62. النمل 27:62
  63. النمل 27:63
  64. النمل 27:64
  65. النمل 27:65
  66. النمل 27:66
  67. النمل 27:67
  68. النمل 27:68
  69. النمل 27:69
  70. النمل 27:70
  71. النمل 27:71
  72. النمل 27:72
  73. النمل 27:73
  74. النمل 27:74
  75. النمل 27:75
  76. النمل 27:76
  77. النمل 27:77
  78. النمل 27:78
  79. النمل 27:79
  80. النمل 27:80
  81. النمل 27:81

النمل 27:1

صفحة ٢١٧ ﴿طس﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في أنَّ الرّاجِحَ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ تَعْرِيضٌ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُؤْتَلِفٌ مِن حُرُوفِ كَلامِهِمْ. وتَقَدَّمَ ما في أمْثالِها مِنَ المَحامِلِ الَّتِي حاوَلَها كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. ويَجِيءُ عَلى اعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الحُرُوفَ مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ في حُرُوفِ هَذِهِ السُّورَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ: طس مُقْتَضَبٌ مِن طاءِ اسْمِهِ تَعالى اللَّطِيفِ، ومِن سِينِ اسْمِهِ تَعالى السَّمِيعِ. وأنَّ المَقْصُودَ القَسَمُ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، أيْ واللَّطِيفِ والسَّمِيعِ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ المُبِينِ. * * * ﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ . القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في صَدْرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ وخالَفَتْ آيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ سابِقَتَها بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِذِكْرِ اسْمِ القُرْآنِ وبِعَطْفِ (وكِتابٍ) عَلى (القُرْآنِ) وبِتَنْكِيرِ (كِتابٍ) . فَأمّا ذِكْرُ اسْمِ القُرْآنِ فَلِأنَّهُ عَلَمٌ لِلْكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْإعْجازِ والهَدْيِ. وهَذا العَلَمُ يُرادِفُ الكِتابَ المُعَرَّفَ بِلامِ العَهْدِ المَجْعُولِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى القُرْآنِ، إلّا أنَّ اسْمَ القُرْآنِ أدْخَلُ في التَّعْرِيفِ؛ لِأنَّهُ عَلَمٌ مَنقُولٌ. وأمّا الكِتابُ فَعَلَمٌ بِالغَلَبَةِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ (﴿وكِتابٍ مُبِينٍ﴾) القُرْآنُ أيْضًا ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِهِ بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ لِلتَّفَصِّي مِن إشْكالِ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ التَّفَصِّيَ مِن ذَلِكَ حاصِلٌ بِأنَّ عَطْفَ إحْدى صِفَتَيْنِ عَلى أُخْرى كَثِيرٌ في الكَلامِ. ولِما كانَ في كُلٍّ مِنَ (القُرْآنِ) (﴿وكِتابٍ مُبِينٍ﴾) شائِبَةُ الوَصْفِ فالأوَّلُ بِاشْتِقاقِهِ مِنَ القِراءَةِ، والثّانِي بِوَصْفِهِ بِ (مُبِينٍ)، كانَ عَطْفُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ راجِعًا إلى عَطْفِ الصِّفاتِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالثّانِي بَدَلًا؛ لِأنَّ العَطْفَ أعْلَقُ بِاسْتِقْلالِ كِلا المُتَعاطِفَيْنِ بِأنَّهُ مَقْصُودٌ في الكَلامِ بِخِلافِ البَدَلِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ سُورَةِ الحِجْرِ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١] فَإنَّ (قُرْآنٍ) في تِلْكَ الآيَةِ في مَعْنى عَطْفِ البَيانِ مِنَ (الكِتابِ) ولَكِنَّهُ عَطْفٌ لِقَصْدِ جَمْعِهِما بِإضافَةِ (آياتٍ) إلَيْهِما. صفحة ٢١٨ وإنَّما قَدَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنَ وعَطَفَ عَلَيْهِ (كِتابٍ مُبِينٍ) عَلى عَكْسِ ما في طالِعَةِ سُورَةِ الحِجْرِ؛ لِأنَّ المَقامَ هُنا مَقامُ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ومُتَّبِعِيهِ المُؤْمِنِينَ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ (﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]) أيْ: بِأنَّهم عَلى هُدًى في الحالِ ومُبَشَّرُونَ بِحُسْنِ الِاسْتِقْبالِ فَكانَ الأهَمُّ هُنا لِلَوْحِي المُشْتَمِلِ عَلى الآياتِ هو اسْتِحْضارُهُ بِاسْمِهِ العَلَمِ المَنقُولِ مِن مَصْدَرِ القِراءَةِ؛ لِأنَّ القِراءَةَ تُناسِبُ حالَ المُؤْمِنِينَ بِهِ والمُتَقَبِّلِينَ لِآياتِهِ فَهم يَدْرُسُونَها ولِأجْلِ ذَلِكَ أُدْخِلَتِ اللّامُ لِلَمْحِ الأصْلِ، تَذْكِيرًا بِأنَّهُ مَقْرُوءٌ مَدْرُوسٌ. ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ (كِتابٍ مُبِينٍ) لِيَكُونَ التَّنْوِيهُ بِهِ جامِعًا لِعُنْوانَيْهِ ومُسْتَكْمِلًا لِلدَّلالَةِ بِالتَّعْرِيفِ عَلى مَعْنى الكَمالِ في نَوْعِهِ مِنَ المَقْرُوءاتِ، والدَّلالَةِ بِالتَّنْكِيرِ عَلى مَعْنى تَفْخِيمِهِ بَيْنَ الكُتُبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . وأمّا ما في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ فَهو مَقامُ التَّحْسِيرِ لِلْكافِرِينَ مِن جَرّاءَ إعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ فَناسَبَ أنْ يَبْتَدِئُوا بِاسْمِ الكِتابِ المُشْتَقِّ مِنَ الكِتابَةِ دُونَ القُرْآنِ؛ لِأنَّهم بِمَعْزِلٍ عَنْ قِراءَتِهِ ولَكِنَّهُ مَكْتُوبٌ، وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الزَّمانِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ، ولِهَذا عَقَّبَ هُنا ذِكْرَ (كِتابٍ مُبِينٍ) بِالحالِ (﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢]) . و(مُبِينٍ) اسْمُ فاعِلٍ إمّا مِن (أبانَ) القاصِرِ بِمَعْنى (بانَ)؛ لِأنَّ وصْفَهُ بِأنَّهُ بَيِّنٌ واضِحٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِ ما لَيْسَ مِنَ الوَصْفِ بِأنَّهُ مُوَضِّحٌ مُبَيِّنٌ. فالمُبِينُ أفادَ مَعْنَيَيْنِ أحَدَهُما: أنَّ شَواهِدَ صِدْقِهِ وإعْجازِهِ وهَدْيِهِ لِكُلِّ مُتَأمِّلٍ، وثانِيهِما أنَّهُ مُرْشِدٌ ومُفَصِّلٌ.

النمل 27:2

﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ . (﴿هُدًى وبُشْرى﴾) حالانِ مِن (كِتابٍ) بَعْدَ وصْفِهِ بِ (مُبِينٍ) . وجُعِلَ الحالُ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ بِقُوَّةِ تَسَبُّبِهِ في الهُدى وتَبْلِيغِهِ البُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. فالمَعْنى: أنَّ الهُدى لِلْمُؤْمِنِينَ والبُشْرى حاصِلانِ مِنهُ ومُسْتَمِرّانِ مِن آياتِهِ. صفحة ٢١٩ والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِالهُدى والبُشْرى جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما الهادِي والمُبَشِّرُ اللَّهُ أوِ الرَّسُولُ بِسَبَبِ الكِتابِ. والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى: أُشِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ. و(﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) يَتَنازَعُهُ (﴿هُدًى وبُشْرى﴾)؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهَدْيِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) . ووَصْفُ المُؤْمِنِينَ بِالمَوْصُولِ لِتَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم عُرِفُوا يَوْمَئِذٍ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإعْطاءِ الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ عَرَّفَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧]، ولِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ومُفْلِحُونَ. والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ؛ لِأنَّها تُزَكِّي النَّفْسَ أوْ تُزَكِّي المالَ، أيْ: تَزِيدُهُ بَرَكَةً. والمُرادُ بِالزَّكاةِ هُنا الصَّدَقَةُ مُطْلَقًا أوْ صَدَقَةٌ واجِبَةٌ كانَتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وهي مُواساةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في صِفَةِ المُشْرِكِينَ: (﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) . وأمّا الزَّكاةُ المُقَدَّرَةُ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ الواجِبَةِ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ، فَإنَّها فُرِضَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَيْسَتْ مُرادَةً هُنا؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. وجُمْلَةُ (﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الصِّلَةِ ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ أُسْلُوبِها وأُسْلُوبِ الصِّلَةِ فَأُتِيَ لَهُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها؛ لِأنَّهُ باعِثٌ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ، وعَلى أنَّ ضَمِيرَ (هم) الثّانِي يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ ضَمِيرَ فَصْلٍ دالًّا عَلى القَصْرِ، أيْ: ما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ إلّا هَؤُلاءِ. والقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مُجاوَرِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وإلّا فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ إلّا أنَّهم غَيْرُ مَقْصُودٍ حالُهم لِلْمُخاطِبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وتَقْدِيمُ (بِالآخِرَةِ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِها.

النمل 27:3

﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ . (﴿هُدًى وبُشْرى﴾) حالانِ مِن (كِتابٍ) بَعْدَ وصْفِهِ بِ (مُبِينٍ) . وجُعِلَ الحالُ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ بِقُوَّةِ تَسَبُّبِهِ في الهُدى وتَبْلِيغِهِ البُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ. فالمَعْنى: أنَّ الهُدى لِلْمُؤْمِنِينَ والبُشْرى حاصِلانِ مِنهُ ومُسْتَمِرّانِ مِن آياتِهِ. صفحة ٢١٩ والبُشْرى: اسْمٌ لِلتَّبْشِيرِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِالهُدى والبُشْرى جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما الهادِي والمُبَشِّرُ اللَّهُ أوِ الرَّسُولُ بِسَبَبِ الكِتابِ. والعامِلُ في الحالِ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى: أُشِيرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ ما فِيهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ. و(﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾) يَتَنازَعُهُ (﴿هُدًى وبُشْرى﴾)؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الَّذِينَ انْتَفَعُوا بِهَدْيِهِ كَقَوْلِهِ: (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]) . ووَصْفُ المُؤْمِنِينَ بِالمَوْصُولِ لِتَمْيِيزِهِمْ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم عُرِفُوا يَوْمَئِذٍ بِإقامَةِ الصَّلاةِ وإعْطاءِ الصَّدَقاتِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ عَرَّفَ الكُفّارَ بِقَوْلِهِ ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧]، ولِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءً إلى وجْهِ بِناءِ الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ ومُفْلِحُونَ. والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ؛ لِأنَّها تُزَكِّي النَّفْسَ أوْ تُزَكِّي المالَ، أيْ: تَزِيدُهُ بَرَكَةً. والمُرادُ بِالزَّكاةِ هُنا الصَّدَقَةُ مُطْلَقًا أوْ صَدَقَةٌ واجِبَةٌ كانَتْ عَلى المُسْلِمِينَ، وهي مُواساةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في صِفَةِ المُشْرِكِينَ: (﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨]) . وأمّا الزَّكاةُ المُقَدَّرَةُ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ الواجِبَةِ عَلى أمْوالِ الأغْنِياءِ، فَإنَّها فُرِضَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ فَلَيْسَتْ مُرادَةً هُنا؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ. وجُمْلَةُ (﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الصِّلَةِ ولِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَ أُسْلُوبِها وأُسْلُوبِ الصِّلَةِ فَأُتِيَ لَهُ بِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ اهْتِمامًا بِمَضْمُونِها؛ لِأنَّهُ باعِثٌ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ، وعَلى أنَّ ضَمِيرَ (هم) الثّانِي يَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ ضَمِيرَ فَصْلٍ دالًّا عَلى القَصْرِ، أيْ: ما يُوقِنُ بِالآخِرَةِ إلّا هَؤُلاءِ. والقَصْرُ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلى مُجاوَرِيهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وإلّا فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ إلّا أنَّهم غَيْرُ مَقْصُودٍ حالُهم لِلْمُخاطِبِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ. وتَقْدِيمُ (بِالآخِرَةِ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ بِها.

النمل 27:4

صفحة ٢٢٠ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ . لا مَحالَةَ يُثِيرُ كَوْنُ الكِتابِ المُبِينِ هُدًى وبُشْرى لِلَّذِينِ يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ عَنْ حالِ أضْدادِهِمُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ؛ لِماذا لا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِ هَذا الكِتابِ البالِغِ حَدًّا عَظِيمًا في التَّبَيُّنِ والوُضُوحِ. فَلا جَرَمَ أنْ يَصْلُحَ المَقامُ لِلْإخْبارِ عَمّا صَرَفَ هَؤُلاءِ الأضْدادَ عَنِ الإيمانِ بِالحَياةِ الآخِرَةِ فَوَقَعَ هَذا الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِبَيانِ سَبَبِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ. ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خُبْثَ نَواياهم فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ ولَمْ يَصْرِفْ إلَيْهِمْ عِنايَةً تَنْشُلُهم مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ مَن حالِ ما جُلِبَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم، فَوَقَعَ هَذا الِاسْتِئْنافُ بِتَوابِعِهِ مَوْقِعَ الِاعْتِراضِ بَيْنَ أخْبارِ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ بِما سَبَقَ والتَّنْوِيهِ بِهِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ عَلى النّاسِ سَبَبُ افْتِراقِ النّاسِ في تَلَقِّي الهُدى بَيْنَ مُبادِرٍ ومُتَقاعِسٍ ومُصِرٍّ عَلى الِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ. ومَجِيءُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَوْصُولًا يُومِئُ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في المُسْنَدِ. وتَزْيِينُ تِلْكَ الأعْمالِ لَهم: تَصَوُّرُهم إيّاها في نُفُوسِهِمْ زَيْنًا، وإسْنادُ التَّزْيِينِ إلى اللَّهِ تَعالى يَرْجِعُ إلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ: خُلِقَتْ نُفُوسُهم وعُقُولُهم قابِلَةً لِلِانْفِعالِ وقَبُولِ ما تَراهُ مِن مَساوِي الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ الَّتِي اعْتادُوها، فَإضافَةُ أعْمالٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ هي أعْمالُ الإشْراكِ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ فَهم لِإلْفِهِمْ إيّاها وتَصَلُّبِهِمْ فِيها صارُوا غَيْرَ قابِلِينَ لِهَدْيِ هَذا الكِتابِ الَّذِي جاءَتْهم آياتُهُ. وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى مَعْنًى دَقِيقٍ جِدًّا وهو أنَّ تَفاوُتَ النّاسِ في قَبُولِ الخَيْرِ كائِنٌ بِمِقْدارِ رُسُوخِ ضِدِّ الخَيْرِ في نُفُوسِهِمْ وتَعَلُّقِ فِطْرَتِهِمْ بِهِ. وذَلِكَ مِن جَرّاءِ ما طَرَأ عَلى سَلامَةِ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها مِنَ التَّطَوُّرِ إلى الفَسادِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦]) الآيَةَ. فَمُبادَرَةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى الإيمانِ بِالنَّبِيءِ ﷺ أمارَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ فَطَرَهُ بِنَفْسٍ وعَقْلٍ بَرِيئَيْنِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالشَّرِّ مُشْتاقَيْنِ صفحة ٢٢١ إلى الخَيْرِ حَتّى إذا لاحَ لَهُما تَقَبَّلاهُ. وهَذا مَعْنى قَوْلِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ: ما زالَ أبُو بَكْرٍ بِعَيْنِ الرِّضى مِنَ الرَّحْمَنِ. وقَدْ أوْمَأ جَعْلُ صِلَةِ المَوْصُولِ مُضارِعًا إلى أنَّ الحُكْمَ مَنُوطٌ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى عَدَمِ الإيمانِ، وأوْمَأ جَعْلُ الخَبَرِ ماضِيًا في قَوْلِهِ (﴿زَيَّنّا﴾) إلى أنَّ هَذا التَّزْيِينَ حُكْمٌ سَبَقَ وتَقَرَّرَ مِن قَبْلُ، وحَسْبُكَ أنَّهُ مِن آثارِ التَّكْوِينِ بِحَسَبِ ما طَرَأ عَلى النُّفُوسِ مِنَ الأطْوارِ. فَإسْنادُ تَزْيِينِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ إلى اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ لا يُنافِي إسْنادَ ذَلِكَ إلى الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]؛ فَإنَّ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ تَجِدُ في نُفُوسِ أُولَئِكَ مَرْتَعًا خِصْبًا ومَنبَتًا لا يَقْحَلُ؛ فاللَّهُ تَعالى مُزَيِّنٌ لَهم بِسَبَبِ تَطَوُّرِ جِبِلَّةِ نُفُوسِهِمْ مِن أثَرِ ضَعْفِ سَلامَةِ الفِطَرِ عِنْدَهم، والشَّيْطانُ مُزَيِّنٌ لَهم بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي تَجِدُ قُبُولًا في نُفُوسِهِمْ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمُ﴾ [البقرة: ٧] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفُرِّعَ عَلى تَزْيِينِ أعْمالِهِمْ لَهم أنَّهم في عَمَهٍ مُتَمَكِّنٍ مِنهم بِصَوْغِ الإخْبارِ عَنْهم بِذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. وأفادَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ أنَّ العَمَهَ مُتَجَدِّدٌ مُسْتَمِرٌّ فِيهِ، أيْ: فَهم لا يَرْجِعُونَ إلى اهْتِداءٍ؛ لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى صَوابٍ. والعَمَهُ: الضَّلالُ عَنِ الطَّرِيقِ بِدُونِ اهْتِداءٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِعْلُهُ كَمَنَعَ وفَرِحَ. فَضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾) بِمُراعاةِ هَذا العُنْوانِ لا بِذَواتِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِمْرارَ مُتَفاوِتُ الِامْتِدادِ فَمِنهُ أشَدُّهُ وهو الَّذِي يَمْتَدُّ بِصاحِبِهِ إلى المَوْتِ، ومِنهُ دُونُ ذَلِكَ. وكُلُّ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ تَزْيِينِ الكُفْرِ في نُفُوسِهِمْ تَزْيِينًا صفحة ٢٢٢ خالِصًا أوْ مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّأمُّلِ في مَفاسِدِهِ، وتِلْكَ مَراتِبُ لا يُحِيطُ بِها إلّا الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ.

النمل 27:5

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . قَصَدَ بِاسْمِ الإشارَةِ زِيادَةَ تَمْيِيزِهِمْ فَضْحًا لِسُوءِ حالِهِمْ مَعَ ما يُنَبِّهُ إلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ مِن أنَّ اسْتِحْقاقَهم ما يُخْبِرُ بِهِ عَنْهم ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ اسْمَ الإشارَةِ كَما في (﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَزَّزَ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ فَأعْقَبَ بِاسْمِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ. وجِيءَ بِلامِ الِاخْتِصاصِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في حالَتِهِمْ هَذِهِ قَدْ هُيِّئَ لَهم سُوءُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا وهو عَذابُ السَّيْفِ وخِزْيُ الغَلَبِ يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ بِقَرِينَةِ عَطْفِ ﴿وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ . فَفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى جَزاءَيْنِ: جَزاءٌ في الدُّنْيا مَعْدُودٌ لَهم يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ فَهم ما دامُوا كافِرِينَ مُتَهَيِّئُونَ لِلْوُقُوعِ في ذَلِكَ العَذابِ إنْ جاءَ إبّانَهُ وهم عَلى الكُفْرِ. وجَزاءٌ في الآخِرَةِ يَنالُ مَن صارَ إلى الآخِرَةِ وهو كافِرٌ وهَذا المَصِيرُ يُسَمّى بِالمُوافاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ. ولِكَوْنِ نَوالِ العَذابِ الأوَّلِ إيّاهم قابِلًا لِلتَّقَصِّي مِنهُ بِالإيمانِ قُبَيْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ جِيءَ في جانِبِهِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ المُفِيدَةِ كَوْنَهُ مُهَيَّأً تَهْيِئَةً، أمّا أصالَةُ جَزاءِ الآخِرَةِ إيّاهم فَلا مَندُوحَةَ لَهم عَنْهُ إنْ جاءُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِكُفْرِهِمْ. فالضَّمائِرُ في قَوْلِهِ (لَهم) وقَوْلِهِ: (﴿وهم في الآخِرَةِ هُمْ﴾) عائِدَةٌ إلى (﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [النمل: ٤]) بِمُراعاةِ ذَلِكَ العُنْوانِ الَّذِي أفادَتْهُ الصِّلَةُ فَلا دَلالَةَ في الضَّمِيرِ عَلى أشْخاصٍ مُعَيَّنِينَ ولَكِنْ عَلى مَوْصُوفِينَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَمَن تَنْقَشِعُ عَنْهُ صفحة ٢٢٣ الضَّلالَةُ ويَثُوبُ إلى الإيمانِ يَبْرَأُ مِن هَذا الحُكْمِ. وصِيغَ الخَبَرُ عَنْهم بِالخُسْرانِ في صِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وقُرِنَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وعَلى انْحِصارِ مَضْمُونِها فِيهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٣] . وجاءَ المُسْنَدُ اسْمَ تَفْضِيلٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم أوْحَدُونَ في الخُسْرانِ لا يُشْبِهُهُ خُسْرانُ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الخُسْرانَ في الآخِرَةِ مُتَفاوِتُ المِقْدارِ والمُدَّةِ وأعْظَمُهُ فِيهِما خُسْرانُ المُشْرِكِينَ.

النمل 27:6

﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ﴾ [النمل: ١]) انْتِقالٌ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ إلى التَّنْوِيهِ بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِأنَّ القُرْآنَ آياتٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كِتابٌ مُبِينٌ. وذَلِكَ آيَةُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ بِأنَّهُ آيَةٌ عَلى صِدْقِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ إذْ أنْبَأهُ بِأخْبارِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ الماضِينَ الَّتِي ما كانَ يَعْلَمُها هو ولا قَوْمُهُ قَبْلَ القُرْآنِ. وما كانَ يَعْلَمُ خاصَّةُ أهْلِ الكِتابِ إلّا قَلِيلًا مِنها وأكْثَرُهُ مُحَرَّفٌ. وأيْضًا فَهَذا تَمْهِيدٌ لِما يَذْكُرُ بَعْدَهُ مِنَ القِصَصِ. و(تُلَقّى) مُضارِعُ لَقّاهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: جَعَلَهُ لاقَيًا. واللُّقِيُّ واللِّقاءُ: وُصُولُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ إلى شَيْءٍ آخَرَ قَصْدًا أوْ مُصادَفَةً. والتَّلْقِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ لاقِيًا غَيْرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ إنْزالِ القُرْآنِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِحالِ التَّلْقِيَةِ كَأنَّ جِبْرِيلَ سَعى لِلْجَمْعِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ. وإنَّما بُنِيَ الفِعْلُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لِلَّهِ أوْ جِبْرِيلَ، والمَعْنى واحِدٌ: وهو يَكُونُ التَّأْكِيدُ مُوَجَّهًا إلى السّامِعِينَ مِنَ الكُفّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ. وفِي إقْحامِ اسْمِ (لَدُنْ) بَيْنَ (مِن) و(حَكِيمٍ) تَنْبِيهٌ عَلى شِدَّةِ انْتِسابِ القُرْآنِ إلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ أصْلَ (لَدُنْ) الدَّلالَةُ عَلى المَكانِ مِثْلُ (عِنْدَ) ثُمَّ شاعَ صفحة ٢٢٤ إطْلاقُها عَلى ما هو مِن خَصائِصِ ما تُضافُ هي إلَيْهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] . والحَكِيمُ: القَوِيُّ الحِكْمَةِ، والعَلِيمُ: الواسِعُ العِلْمِ. وفي التَّنْكِيرِ إيذانٌ بِتَعْظِيمِ هَذا الحَكِيمِ العَلِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: مِن حَكِيمٍ: أيُّ حَكِيمٍ، وعَلِيمٍ: أيُّ عَلِيمٍ. وفِي الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مُناسَبَةٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ولِلْمُمَهَّدِ إلَيْهِ، فَإنَّ ما في القُرْآنِ دَلِيلٌ عَلى حِكْمَةِ وعِلْمِ مَن أوْحى بِهِ، وأنَّ ما يُذْكَرُ هُنا مِنَ القَصَصِ وما يُسْتَخْلَصُ مِنها مِنَ المَغازِي والأمْثالِ والمَوْعِظَةِ، مِن آثارِ حِكْمَةِ وعَلْمِ حَكِيمٍ عَلِيمٍ وكَذَلِكَ ما في ذَلِكَ مِن تَثْبِيتِ فُؤادِ الرَّسُولِ ﷺ .

النمل 27:7

﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ إنِّيَ آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ آتِيكم بِشِهابِ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ . قالَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما: انْتَصَبَ (إذْ) بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أيْ: أنَّ (إذْ) مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى مُطْلَقِ الوَقْتِ، ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيِ: اذْكُرْ قِصَّةَ زَمَنِ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ، يَعْنِي أنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] . فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها إفادَةُ تَنْظِيرِ تَلَقِّي النَّبِيءَ ﷺ القُرْآنَ بِتَلَقِّي مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَلامَ اللَّهِ إذْ نُودِيَ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النمل: ٩] . وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ قِصَصِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَقِبَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ، وأنَّهُ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما فِيهِ مَثَلٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وما يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ. وفِي ذَلِكَ انْتِقالٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الإعْجازِ وهو الإخْبارُ عَنِ المُغَيَّباتِ وهو ما عَدَدْناهُ في الجِهَةِ الرّابِعَةِ مِن جِهاتِ إعْجازِ القُرْآنِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِنَ المُقَدِّماتِ. صفحة ٢٢٥ وجُمْلَةُ (﴿قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾) إلى آخِرِها تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] إلَخْ. وزَمانُ قَوْلِ مُوسى لِأهْلِهِ هَذِهِ المَقالَةَ وهو وقْتُ اجْتِلابِهِ لِلْمُبادَرَةِ بِالوَحْيِ إلَيْهِ. فَهَذِهِ القِصَّةُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِحالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، ابْتُدِئَتْ بِما تَقَدَّمَ رِسالَةَ مُوسى مِنَ الأحْوالِ إدْماجًا لِلْقِصَّةِ في المَوْعِظَةِ. والأهْلُ: مُرادٌ بِهِ زَوْجُهُ، ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا زَوْجُهُ وابْنانِ صَغِيرانِ. والمُخاطَبُ بِالقَوْلِ زَوْجُهُ، ويُكَنّى عَنِ الزَّوْجَةِ بِالأهْلِ. وفي الحَدِيثِ «واللَّهِ ما عَلِمْتُ عَلى أهْلِي إلّا خَيْرًا» . ولَمْ تَظْهَرِ النّارُ إلّا لِمُوسى دُونَ غَيْرِهِ مَن أهْلِهِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ نارًا مُعْتادَةً لَكِنَّها مِن أنْوارِ عالَمِ المَلَكُوتِ جَلّاهُ اللَّهُ لِمُوسى فَلا يَراهُ غَيْرُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا تَأْكِيدُهُ الخَبَرَ بِ (إنَّ) المُشِيرِ إلى أنَّ زَوْجَهُ تَرَدَّدَتْ في ظُهُورِ نارٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَرَها. والإيناسُ: الإحْساسُ والشُّعُورُ بِأمْرٍ خَفِيٍّ، فَيَكُونُ في المَرْئِيّاتِ وفي الأصْواتِ كَما قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ: آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها الـقَـنَّـ اصُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ والمُرادُ بِالخَبَرِ خَبَرُ المَكانِ الَّذِي تَلُوحُ مِنهُ النّارُ. ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ هُنالِكَ بَيْتًا يَرْجُو اسْتِضافَتَهم إيّاهُ وأهْلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أهْلُ النّارِ أهْلَ بَيْتٍ يَسْتَضِيفُونَ بِأنْ كانُوا رِجالًا مُقْوِينَ يَأْتِ مِنهم بِجَمْرَةِ نارٍ لِيُوقِدَ أهْلَهُ نارًا مِن حَطَبِ الطَّرِيقِ لِلتَّدَفُّؤِ بِها. والشِّهابُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ. والقَبَسُ: جَمْرَةٌ أوْ شُعْلَةُ نارٍ تُقْبَسُ، أيْ: يُؤْخَذُ اشْتِعالُها مِن نارٍ أُخْرى لِيُشْعَلَ بِها حَطَبٌ أوْ ذُبالَةُ نارٍ أوْ غَيْرُهُما. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ (شِهابٍ) إلى (قَبَسٍ) إضافَةَ العامِّ إلى الخاصِّ مِثْلُ: خاتَمُ حَدِيدٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِتَنْوِينِ (شِهابٍ)، فَيَكُونُ (قَبَسٍ) بَدَلًا مِن (شِهابٍ) أوْ نَعْتًا لَهُ. وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ طَهَ. والِاصْطِلاءُ: افْتِعالٌ مِنَ الصَّلْيِ وهو الشَّيُّ بِالنّارِ. ودَلَّتْ صِيغَةُ الِافْتِعالِ أنَّهُ مُحاوَلَةُ الصَّلْيِ فَصارَ بِمَعْنى التَّدَفُّؤِ بِوَهَجِ النّارِ.

النمل 27:8

صفحة ٢٢٦ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أُنِّثَ ضَمِيرُ (جاءَها) جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْمِيَةِ النُّورِ نارًا بِحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طَهَ، فَبِنا أنْ نَتَعَرَّضَ هُنا لِما انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ المُفْرَداتِ والتَّراكِيبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ هو بَعْضُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ في طَهَ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]؛ لِأنَّ مَعْنى (بُورِكَ) قُدِّسَ وزُكِّيَ. وفِعْلُ (بارَكَ) يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: بارَكَكَ اللَّهُ، أيْ: جَعَلَ لَكَ بَرَكَةً. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (نُودِيَ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أيْ: نُودِيَ بِهَذا الكَلامِ. و(﴿مَن في النّارِ﴾) مُرادٌ بِهِ مُوسى فَإنَّهُ لَمّا حَلَّ في مَوْضِعِ النُّورِ صارَ مُحِيطًا بِهِ فَتِلْكَ الإحاطَةُ تُشْبِهُ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِ (﴿مَن في النّارِ﴾) وهو نَفْسُهُ. والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِ بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، أوْ بِاسْمِهِ العَلَمِ إنْ أُرِيدَ العُدُولُ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ إيناسًا لَهُ وتَلَطُّفًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «قُمْ أبا تُرابٍ» وكَثِيرٌ التَّلَطُّفُ بِذِكْرِ بَعْضِ ما التَبَسَ بِهِ المُتَلَطَّفُ بِهِ مِن أحْوالِهِ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ هو بِشارَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ النُّبُوءَةِ. ومَن حَوْلَ النّارِ: هو جِبْرِيلُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِما نُودِيَ بِهِ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلَ إلَيْهِمْ إنارَةُ المَكانِ وتَقْدِيسِهِ إنْ كانَ النِّداءُ بِغَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ بَلْ كانَ مِن لَدُنْ صفحة ٢٢٧ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا التَّبْرِيكُ تَبْرِيكُ ذَواتٍ لا تَبْرِيكَ مَكانٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ (مَن) المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو تَبْرِيكُ الِاصْطِفاءِ الإلَهِيِّ بِالكَرامَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إنْشاءُ تَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَتْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أيْ: أهْلُ هَذا البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نُودِيَ بِهِ مُوسى عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ إخْبارًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ مِن أحْوالِ المُحْدَثاتِ لِيَعْلَمَ مُوسى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ جَلالَتَهُ في ذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُبْحانَ اللَّهِ) مُسْتَعْمَلًا لِلتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ المَشْهَدِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ يَقْتَضِي تَذَكُّرَ تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ. وفِي حَذْفِ مُتَعَلَّقٍ التَّنْزِيهِ إيذانٌ بِالعُمُومِ المُناسِبِ لِمَصْدَرِ التَّنْزِيهِ وهو عُمُومُ الأشْياءِ الَّتِي لا يَلِيقُ إثْباتُها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما يُعْلَمُ تَفْصِيلُها بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ. فالمَعْنى: ونَزِّهِ اللَّهَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أوَّلِ تِلْكَ الأشْياءِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حالًّا في ذَلِكَ المَكانِ. وإرْدافُ اسْمِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ (﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾) فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ عَنْ شُئُونِ المُحْدَثاتِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يُشْبِهُ شَأْنُهُ تَعالى شُئُونَهم. وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والمَعْنى: إعْلامُهُ بِأنَّ أمْرًا مُهِمًّا يَجِبُ عِلْمُهُ وهو أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ تَكْوِينٌ. وتَقْدِيمُ هَذا بَيْنَ يَدَيْ ما سَيُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ لِإحْداثِ رِباطَةِ جَأْشٍ لِمُوسى لِيَعْلَمَ أنَّهُ خُلِعَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ؛ إذْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الوَحْيُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ إلى أذًى وتَألُّبٍ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَيَصِيرُ رَسُولًا، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ويَنْصُرُهُ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ، ولِيَعْلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِنَ النّارِ وما تَلَقّاهُ مِنَ الوَحْيِ وما سَيُشاهِدُهُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً لَيْسَ بِعَجِيبٍ في جانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتِلْكَ ثَلاثُ كِناياتٍ فَلِذَلِكَ صفحة ٢٢٨ أتْبَعَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ . والمَعْنى: وقُلْنا: ألْقِ عَصاكَ. والِاهْتِزازُ: الِاضْطِرابُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الهَزِّ وهو الرَّفْعُ، كَأنَّها تُطاوِعُ فِعْلَ هازٍّ يَهُزُّها. والجانُّ: ذَكَرُ الحَيّاتِ، وهو شَدِيدُ الِاهْتِزازِ وجَمْعُهُ جِنّانٌ (وأمّا الجانُّ بِمَعْنى واحِدِ الجِنِّ فاسْمُ جَمْعِهِ جِنٌّ) . والتَّشْبِيهُ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الحَيّاتِ خَفِيفَةُ التَّحَرُّكِ، وأمّا تَشْبِيهُ العَصا بِالثُّعْبانِ في آيَةِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] فَذَلِكَ لِضَخامَةِ الجِرْمِ. والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقِهِ. وفِعْلُ (تَوَلّى) مُرادِفُ فِعْلِ (ولّى) كَما هو ظاهِرُ صَنِيعِ القامُوسِ وإنْ كانَ مُقْتَضى ما في فِعْلِ (تَوَلّى) مِن زِيادَةِ المَبْنى أنْ يُفِيدَ (تَوَلّى) زِيادَةً في مَعْنى الفِعْلِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] في سُورَةِ القَصَصِ. ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ قُوَّةِ تَوَلِّيهِ لَمّا رَأى عَصاهُ تَهْتَزُّ هو الدّاعِي لِتَأْكِيدِ فِعْلِ (ولّى) بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فَتَأمَّلْ. والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) . والتَّعَقُّبُ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْصِرافِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى جِهَةِ العَقِبِ، أيِ: الخَلْفِ، فَقَوْلُهُ (﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾) تَأْكِيدٌ لِشِدَّةِ تَوَلِّيهِ، أيْ: ولّى تَوَلِّيًا قَوِيًّا لا تَرَدُّدَ فِيهِ. وكانَ ذَلِكَ التَّوَلِّي مِنهُ لِتَغَلُّبِ القُوَّةِ الواهِمَةِ الَّتِي في جِبِلَّةِ الإنْسانِ عَلى قُوَّةِ العَقْلِ الباعِثَةِ عَلى التَّأمُّلِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ إعْطائِهِ النُّبُوءَةَ والتَّأْيِيدَ، إذْ كانَتِ القُوَّةُ الواهِمَةُ مُتَأصِّلَةً في الجِبِلَّةِ سابِقَةً عَلى ما تَلَقّاهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالرِّسالَةِ، وتَأصُّلُ القُوَّةِ الواهِمَةِ يَزُولُ بِالتَّخَلُّقِ وبِمُحارَبَةِ العَقْلِ لِلْوَهْمِ فَلا يَزالانِ يَتَدافَعانِ ويَضْعُفُ سُلْطانُ الوَهْمِ بِتَعاقُبِ الأيّامِ. وقَوْلُهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ. والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ؛ لِأنَّ خَوْفَهُ قَدْ حَصَلَ. والخَوْفُ الحاصِلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُ رَغَبٍ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً ولَيْسَ خَوْفَ ذَنْبٍ، فالمَعْنى: لا يَجْبُنُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ لِأنِّي أحْفَظُهم. و﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَحْقِيقٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ صفحة ٢٢٩ نَهْيُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ انْتِفاءِ مُوجِبِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَشْرِيفِهِ بِمَرْتَبَةِ الرِّسالَةِ إذْ عُلِّلَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ لا يَخافُونَ لَدى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (لَدَيَّ) في حَضْرَتِي، أيْ: حِينَ تَلَقِّي رِسالَتِي. وحَقِيقَةُ (لَدَيَّ) مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَها المَكانُ. وإذا قَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا حَيَّةً حَصَلَ حِينَ الوَحْيُ كانَ تابِعًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الوَحْيِ، وهَذا تَعْلِيمٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ المُرْسَلِينَ مِن رَباطَةِ الجَأْشِ. ولَيْسَ في النَّهْيِ حَطٌّ لِمَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَراتِبِ غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وإنَّما هو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وعَنْ كُلِّ خَوْفٍ يَخافُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾) ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَّصِلٌ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا إلى مُقاتِلٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الخَوْفِ الواقِعِ فِعْلُهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الخَوْفَ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفَ الَّذِي هو خَوْفُ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ، أيْ: إلّا رَسُولًا ظَلَمَ، أيْ: فَرَطَ مِنهُ ظُلْمٌ، أيْ: ذَنْبٌ قَبْلَ اصْطِفائِهِ لِلرِّسالَةِ، أيْ: صَدَرَ مِنهُ اعْتِداءٌ بِفِعْلِ ما لا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ في مُتَعارَفِ شَرائِعِ البَشَرِ المُتَقَرَّرِ أنَّها عَدْلٌ، بِأنِ ارْتَكَبَ ما يُخالِفُ المُتَقَرَّرَ بَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ أنَّهُ عَدْلٌ (قَبْلَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ) فَهو يَخافُ أنْ يُؤاخِذَهُ اللَّهُ بِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ارْتِكابِهِ وذَلِكَ مِثْلُ كَيْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأخِيهِمْ، واعْتِداءِ مُوسى عَلى القِبْطِيِّ بِالقَتْلِ دُونَ مَعْرِفَةِ المُحِقِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، أيْ: تابَ عَنْ فِعْلِهِ وأصْلَحَ حالَهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَسْكِينُ خاطِرِ مُوسى وتَبْشِيرُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ما كانَ فَرَطَ فِيهِ، وأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ مِمّا قالَهُ يَوْمَ الِاعْتِداءِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، فَأُفْرِغَ هَذا التَّطْمِينُ لِمُوسى في قالَبِ العُمُومِ تَعْمِيمًا لِلْفائِدَةِ. واسْتِقامَةُ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا المَعْنى يَكُونُ بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ صفحة ٢٣٠ فِي قَوْلِهِ (﴿فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) . فالتَّقْدِيرُ: إلّا مَن ظَلَمَ مِن قَبْلِ الإرْسالِ وتابَ مَن ظُلْمِهِ فَخافَ عِقابِي فَلا يَخافُ؛ لِأنِّي غافِرٌ لَهُ، وقابِلٌ لِتَوْبَتِهِ؛ لِأنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وانْتَظَمَ الكَلامُ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ اقْتَضاهُ مَقامُ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، ونُسِجَ عَلى مَنسَجِ التَّذْكِرَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِعِلْمِ المُتَخاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أُهْمِلْ تَوْبَتَكَ يَوْمَ اعْتَدَيْتَ وقَوْلَكَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وعَزْمَكَ عَلى الِاسْتِقامَةِ يَوْمَ قُلْتَ: ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى خُصُوصِ مَن بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الرَّسُولِ الإصْرارُ عَلى الظُّلْمِ. ومِن ألْطَفِ الإيماءِ الإتْيانُ بِفِعْلِ (ظَلَمَ)، لِيُومِئَ إلى قَوْلِ مُوسى يَوْمَ ارْتَكَبَ الِاعْتِداءَ: (﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]) ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُوسى نَفْسَهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ الضَّحّاكِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، فالكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن ظَلَمَ وبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ مِنَ النّاسِ يُغْفَرُ لَهُ. وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى شَخْصٍ ظَلَمَ ولَيْسَ المُرادُ بِها مُخالَفاتِ بَعْضِ الرُّسُلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ دَعا إلَيْهِ أنَّ الرِّسالَةَ تُنافِي سَبْقَ ظُلْمِ النَّفْسِ. والَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ مِن مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إثْباتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَلا خِلافَ عَلَيْهِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ ظَلَمَ ولَمْ يُبَدِّلْ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ. أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَزادَ عَلى ما سَلَكَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فَجَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا ظَلَمَ. والَّذِي دَعاهُ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو أحَدُ الدّاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَعَيا الفَرّاءَ والزَّجّاجَ، وهو أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذَلِكَ جَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ظَلَمَ بِما فَرَطَ مِنهُ مِن صَغائِرَ لِيَشْمَلَ مُوسى وهو واحِدٌ مِنهم. وقَدْ تَحَصَّلَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّ الرُّسُلَ في حَضْرَةِ اللَّهِ (أيْ: حِينَ صفحة ٢٣١ القِيامِ بِواجِباتِ الرِّسالَةِ) لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لَهُمُ السَّلامَةَ، ولا يَخافُونَ الذُّنُوبَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُمُ العِصْمَةَ. ولا يَخافُونَ عِقابًا عَلى الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهم لا يَقْرَبُونَها، وأنَّ مَن عَداهم إنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ أمِنَ مِمّا يَخافُ مِن عِقابِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ تَدارَكَ ظُلْمَهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولَمْ يَتُبْ يَخَفْ عِقابَ الذَّنْبِ، فَإنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ مَعانٍ دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِثْناءُ بِاحْتِمالَيْهِ، وذَلِكَ إيجازٌ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأ (ألا مَن ظَلَمَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (ألا) وتَخْفِيفِ اللّامِ فَتَكُونُ حَرْفَ تَنْبِيهٍ، ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ فِيما رَأيْنا مِن كُتُبِ عِلْمِ القِراءاتِ فَلَعَلَّها رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: مَأْخُوذًا، ومُعْطًى، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الشَّيْئَيْنِ تارَةً بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠])، ويَتَعَدّى تارَةً إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المُعْطى بِالباءِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عاوَضَ كَما قالَ تَعالى (﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢])، أيْ: لا تَأْخُذُوا خَبِيثَ المالِ وتُضَيِّعُوا طَيِّبَهُ، فَإذا ذُكِرَ المَفْعُولانِ مَنصُوبَيْنِ تَعَيَّنَ المَأْخُوذُ والمَبْذُولُ بِالقَرِينَةِ وإلّا فالمَجْرُورُ بِالباءِ هو المَبْذُولُ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا مَفْعُولٌ واحِدٌ فَهو المَأْخُوذُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعْمى تَبَدَّلْنَ أبْؤُسًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أيْ: أخَذَ حُسْنًا بِسُوءٍ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَعْدَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ هو الَّذِي كانَ ثابِتًا ثُمَّ زالَ وخَلَفَهُ غَيْرُهُ وكَذَلِكَ ما يُفِيدُ مَعْنى (بَعْدَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] فالحالَةُ الحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ مَجْعُولَةً في مَوْضِعِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ.

النمل 27:9

صفحة ٢٢٦ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أُنِّثَ ضَمِيرُ (جاءَها) جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْمِيَةِ النُّورِ نارًا بِحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طَهَ، فَبِنا أنْ نَتَعَرَّضَ هُنا لِما انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ المُفْرَداتِ والتَّراكِيبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ هو بَعْضُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ في طَهَ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]؛ لِأنَّ مَعْنى (بُورِكَ) قُدِّسَ وزُكِّيَ. وفِعْلُ (بارَكَ) يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: بارَكَكَ اللَّهُ، أيْ: جَعَلَ لَكَ بَرَكَةً. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (نُودِيَ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أيْ: نُودِيَ بِهَذا الكَلامِ. و(﴿مَن في النّارِ﴾) مُرادٌ بِهِ مُوسى فَإنَّهُ لَمّا حَلَّ في مَوْضِعِ النُّورِ صارَ مُحِيطًا بِهِ فَتِلْكَ الإحاطَةُ تُشْبِهُ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِ (﴿مَن في النّارِ﴾) وهو نَفْسُهُ. والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِ بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، أوْ بِاسْمِهِ العَلَمِ إنْ أُرِيدَ العُدُولُ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ إيناسًا لَهُ وتَلَطُّفًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «قُمْ أبا تُرابٍ» وكَثِيرٌ التَّلَطُّفُ بِذِكْرِ بَعْضِ ما التَبَسَ بِهِ المُتَلَطَّفُ بِهِ مِن أحْوالِهِ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ هو بِشارَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ النُّبُوءَةِ. ومَن حَوْلَ النّارِ: هو جِبْرِيلُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِما نُودِيَ بِهِ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلَ إلَيْهِمْ إنارَةُ المَكانِ وتَقْدِيسِهِ إنْ كانَ النِّداءُ بِغَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ بَلْ كانَ مِن لَدُنْ صفحة ٢٢٧ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا التَّبْرِيكُ تَبْرِيكُ ذَواتٍ لا تَبْرِيكَ مَكانٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ (مَن) المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو تَبْرِيكُ الِاصْطِفاءِ الإلَهِيِّ بِالكَرامَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إنْشاءُ تَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَتْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أيْ: أهْلُ هَذا البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نُودِيَ بِهِ مُوسى عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ إخْبارًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ مِن أحْوالِ المُحْدَثاتِ لِيَعْلَمَ مُوسى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ جَلالَتَهُ في ذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُبْحانَ اللَّهِ) مُسْتَعْمَلًا لِلتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ المَشْهَدِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ يَقْتَضِي تَذَكُّرَ تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ. وفِي حَذْفِ مُتَعَلَّقٍ التَّنْزِيهِ إيذانٌ بِالعُمُومِ المُناسِبِ لِمَصْدَرِ التَّنْزِيهِ وهو عُمُومُ الأشْياءِ الَّتِي لا يَلِيقُ إثْباتُها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما يُعْلَمُ تَفْصِيلُها بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ. فالمَعْنى: ونَزِّهِ اللَّهَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أوَّلِ تِلْكَ الأشْياءِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حالًّا في ذَلِكَ المَكانِ. وإرْدافُ اسْمِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ (﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾) فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ عَنْ شُئُونِ المُحْدَثاتِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يُشْبِهُ شَأْنُهُ تَعالى شُئُونَهم. وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والمَعْنى: إعْلامُهُ بِأنَّ أمْرًا مُهِمًّا يَجِبُ عِلْمُهُ وهو أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ تَكْوِينٌ. وتَقْدِيمُ هَذا بَيْنَ يَدَيْ ما سَيُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ لِإحْداثِ رِباطَةِ جَأْشٍ لِمُوسى لِيَعْلَمَ أنَّهُ خُلِعَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ؛ إذْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الوَحْيُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ إلى أذًى وتَألُّبٍ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَيَصِيرُ رَسُولًا، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ويَنْصُرُهُ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ، ولِيَعْلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِنَ النّارِ وما تَلَقّاهُ مِنَ الوَحْيِ وما سَيُشاهِدُهُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً لَيْسَ بِعَجِيبٍ في جانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتِلْكَ ثَلاثُ كِناياتٍ فَلِذَلِكَ صفحة ٢٢٨ أتْبَعَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ . والمَعْنى: وقُلْنا: ألْقِ عَصاكَ. والِاهْتِزازُ: الِاضْطِرابُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الهَزِّ وهو الرَّفْعُ، كَأنَّها تُطاوِعُ فِعْلَ هازٍّ يَهُزُّها. والجانُّ: ذَكَرُ الحَيّاتِ، وهو شَدِيدُ الِاهْتِزازِ وجَمْعُهُ جِنّانٌ (وأمّا الجانُّ بِمَعْنى واحِدِ الجِنِّ فاسْمُ جَمْعِهِ جِنٌّ) . والتَّشْبِيهُ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الحَيّاتِ خَفِيفَةُ التَّحَرُّكِ، وأمّا تَشْبِيهُ العَصا بِالثُّعْبانِ في آيَةِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] فَذَلِكَ لِضَخامَةِ الجِرْمِ. والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقِهِ. وفِعْلُ (تَوَلّى) مُرادِفُ فِعْلِ (ولّى) كَما هو ظاهِرُ صَنِيعِ القامُوسِ وإنْ كانَ مُقْتَضى ما في فِعْلِ (تَوَلّى) مِن زِيادَةِ المَبْنى أنْ يُفِيدَ (تَوَلّى) زِيادَةً في مَعْنى الفِعْلِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] في سُورَةِ القَصَصِ. ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ قُوَّةِ تَوَلِّيهِ لَمّا رَأى عَصاهُ تَهْتَزُّ هو الدّاعِي لِتَأْكِيدِ فِعْلِ (ولّى) بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فَتَأمَّلْ. والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) . والتَّعَقُّبُ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْصِرافِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى جِهَةِ العَقِبِ، أيِ: الخَلْفِ، فَقَوْلُهُ (﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾) تَأْكِيدٌ لِشِدَّةِ تَوَلِّيهِ، أيْ: ولّى تَوَلِّيًا قَوِيًّا لا تَرَدُّدَ فِيهِ. وكانَ ذَلِكَ التَّوَلِّي مِنهُ لِتَغَلُّبِ القُوَّةِ الواهِمَةِ الَّتِي في جِبِلَّةِ الإنْسانِ عَلى قُوَّةِ العَقْلِ الباعِثَةِ عَلى التَّأمُّلِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ إعْطائِهِ النُّبُوءَةَ والتَّأْيِيدَ، إذْ كانَتِ القُوَّةُ الواهِمَةُ مُتَأصِّلَةً في الجِبِلَّةِ سابِقَةً عَلى ما تَلَقّاهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالرِّسالَةِ، وتَأصُّلُ القُوَّةِ الواهِمَةِ يَزُولُ بِالتَّخَلُّقِ وبِمُحارَبَةِ العَقْلِ لِلْوَهْمِ فَلا يَزالانِ يَتَدافَعانِ ويَضْعُفُ سُلْطانُ الوَهْمِ بِتَعاقُبِ الأيّامِ. وقَوْلُهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ. والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ؛ لِأنَّ خَوْفَهُ قَدْ حَصَلَ. والخَوْفُ الحاصِلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُ رَغَبٍ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً ولَيْسَ خَوْفَ ذَنْبٍ، فالمَعْنى: لا يَجْبُنُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ لِأنِّي أحْفَظُهم. و﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَحْقِيقٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ صفحة ٢٢٩ نَهْيُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ انْتِفاءِ مُوجِبِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَشْرِيفِهِ بِمَرْتَبَةِ الرِّسالَةِ إذْ عُلِّلَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ لا يَخافُونَ لَدى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (لَدَيَّ) في حَضْرَتِي، أيْ: حِينَ تَلَقِّي رِسالَتِي. وحَقِيقَةُ (لَدَيَّ) مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَها المَكانُ. وإذا قَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا حَيَّةً حَصَلَ حِينَ الوَحْيُ كانَ تابِعًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الوَحْيِ، وهَذا تَعْلِيمٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ المُرْسَلِينَ مِن رَباطَةِ الجَأْشِ. ولَيْسَ في النَّهْيِ حَطٌّ لِمَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَراتِبِ غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وإنَّما هو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وعَنْ كُلِّ خَوْفٍ يَخافُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾) ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَّصِلٌ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا إلى مُقاتِلٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الخَوْفِ الواقِعِ فِعْلُهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الخَوْفَ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفَ الَّذِي هو خَوْفُ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ، أيْ: إلّا رَسُولًا ظَلَمَ، أيْ: فَرَطَ مِنهُ ظُلْمٌ، أيْ: ذَنْبٌ قَبْلَ اصْطِفائِهِ لِلرِّسالَةِ، أيْ: صَدَرَ مِنهُ اعْتِداءٌ بِفِعْلِ ما لا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ في مُتَعارَفِ شَرائِعِ البَشَرِ المُتَقَرَّرِ أنَّها عَدْلٌ، بِأنِ ارْتَكَبَ ما يُخالِفُ المُتَقَرَّرَ بَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ أنَّهُ عَدْلٌ (قَبْلَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ) فَهو يَخافُ أنْ يُؤاخِذَهُ اللَّهُ بِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ارْتِكابِهِ وذَلِكَ مِثْلُ كَيْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأخِيهِمْ، واعْتِداءِ مُوسى عَلى القِبْطِيِّ بِالقَتْلِ دُونَ مَعْرِفَةِ المُحِقِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، أيْ: تابَ عَنْ فِعْلِهِ وأصْلَحَ حالَهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَسْكِينُ خاطِرِ مُوسى وتَبْشِيرُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ما كانَ فَرَطَ فِيهِ، وأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ مِمّا قالَهُ يَوْمَ الِاعْتِداءِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، فَأُفْرِغَ هَذا التَّطْمِينُ لِمُوسى في قالَبِ العُمُومِ تَعْمِيمًا لِلْفائِدَةِ. واسْتِقامَةُ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا المَعْنى يَكُونُ بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ صفحة ٢٣٠ فِي قَوْلِهِ (﴿فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) . فالتَّقْدِيرُ: إلّا مَن ظَلَمَ مِن قَبْلِ الإرْسالِ وتابَ مَن ظُلْمِهِ فَخافَ عِقابِي فَلا يَخافُ؛ لِأنِّي غافِرٌ لَهُ، وقابِلٌ لِتَوْبَتِهِ؛ لِأنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وانْتَظَمَ الكَلامُ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ اقْتَضاهُ مَقامُ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، ونُسِجَ عَلى مَنسَجِ التَّذْكِرَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِعِلْمِ المُتَخاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أُهْمِلْ تَوْبَتَكَ يَوْمَ اعْتَدَيْتَ وقَوْلَكَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وعَزْمَكَ عَلى الِاسْتِقامَةِ يَوْمَ قُلْتَ: ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى خُصُوصِ مَن بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الرَّسُولِ الإصْرارُ عَلى الظُّلْمِ. ومِن ألْطَفِ الإيماءِ الإتْيانُ بِفِعْلِ (ظَلَمَ)، لِيُومِئَ إلى قَوْلِ مُوسى يَوْمَ ارْتَكَبَ الِاعْتِداءَ: (﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]) ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُوسى نَفْسَهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ الضَّحّاكِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، فالكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن ظَلَمَ وبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ مِنَ النّاسِ يُغْفَرُ لَهُ. وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى شَخْصٍ ظَلَمَ ولَيْسَ المُرادُ بِها مُخالَفاتِ بَعْضِ الرُّسُلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ دَعا إلَيْهِ أنَّ الرِّسالَةَ تُنافِي سَبْقَ ظُلْمِ النَّفْسِ. والَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ مِن مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إثْباتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَلا خِلافَ عَلَيْهِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ ظَلَمَ ولَمْ يُبَدِّلْ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ. أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَزادَ عَلى ما سَلَكَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فَجَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا ظَلَمَ. والَّذِي دَعاهُ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو أحَدُ الدّاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَعَيا الفَرّاءَ والزَّجّاجَ، وهو أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذَلِكَ جَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ظَلَمَ بِما فَرَطَ مِنهُ مِن صَغائِرَ لِيَشْمَلَ مُوسى وهو واحِدٌ مِنهم. وقَدْ تَحَصَّلَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّ الرُّسُلَ في حَضْرَةِ اللَّهِ (أيْ: حِينَ صفحة ٢٣١ القِيامِ بِواجِباتِ الرِّسالَةِ) لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لَهُمُ السَّلامَةَ، ولا يَخافُونَ الذُّنُوبَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُمُ العِصْمَةَ. ولا يَخافُونَ عِقابًا عَلى الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهم لا يَقْرَبُونَها، وأنَّ مَن عَداهم إنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ أمِنَ مِمّا يَخافُ مِن عِقابِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ تَدارَكَ ظُلْمَهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولَمْ يَتُبْ يَخَفْ عِقابَ الذَّنْبِ، فَإنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ مَعانٍ دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِثْناءُ بِاحْتِمالَيْهِ، وذَلِكَ إيجازٌ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأ (ألا مَن ظَلَمَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (ألا) وتَخْفِيفِ اللّامِ فَتَكُونُ حَرْفَ تَنْبِيهٍ، ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ فِيما رَأيْنا مِن كُتُبِ عِلْمِ القِراءاتِ فَلَعَلَّها رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: مَأْخُوذًا، ومُعْطًى، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الشَّيْئَيْنِ تارَةً بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠])، ويَتَعَدّى تارَةً إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المُعْطى بِالباءِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عاوَضَ كَما قالَ تَعالى (﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢])، أيْ: لا تَأْخُذُوا خَبِيثَ المالِ وتُضَيِّعُوا طَيِّبَهُ، فَإذا ذُكِرَ المَفْعُولانِ مَنصُوبَيْنِ تَعَيَّنَ المَأْخُوذُ والمَبْذُولُ بِالقَرِينَةِ وإلّا فالمَجْرُورُ بِالباءِ هو المَبْذُولُ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا مَفْعُولٌ واحِدٌ فَهو المَأْخُوذُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعْمى تَبَدَّلْنَ أبْؤُسًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أيْ: أخَذَ حُسْنًا بِسُوءٍ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَعْدَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ هو الَّذِي كانَ ثابِتًا ثُمَّ زالَ وخَلَفَهُ غَيْرُهُ وكَذَلِكَ ما يُفِيدُ مَعْنى (بَعْدَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] فالحالَةُ الحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ مَجْعُولَةً في مَوْضِعِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ.

النمل 27:10

صفحة ٢٢٦ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أُنِّثَ ضَمِيرُ (جاءَها) جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْمِيَةِ النُّورِ نارًا بِحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طَهَ، فَبِنا أنْ نَتَعَرَّضَ هُنا لِما انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ المُفْرَداتِ والتَّراكِيبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ هو بَعْضُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ في طَهَ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]؛ لِأنَّ مَعْنى (بُورِكَ) قُدِّسَ وزُكِّيَ. وفِعْلُ (بارَكَ) يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: بارَكَكَ اللَّهُ، أيْ: جَعَلَ لَكَ بَرَكَةً. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (نُودِيَ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أيْ: نُودِيَ بِهَذا الكَلامِ. و(﴿مَن في النّارِ﴾) مُرادٌ بِهِ مُوسى فَإنَّهُ لَمّا حَلَّ في مَوْضِعِ النُّورِ صارَ مُحِيطًا بِهِ فَتِلْكَ الإحاطَةُ تُشْبِهُ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِ (﴿مَن في النّارِ﴾) وهو نَفْسُهُ. والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِ بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، أوْ بِاسْمِهِ العَلَمِ إنْ أُرِيدَ العُدُولُ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ إيناسًا لَهُ وتَلَطُّفًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «قُمْ أبا تُرابٍ» وكَثِيرٌ التَّلَطُّفُ بِذِكْرِ بَعْضِ ما التَبَسَ بِهِ المُتَلَطَّفُ بِهِ مِن أحْوالِهِ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ هو بِشارَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ النُّبُوءَةِ. ومَن حَوْلَ النّارِ: هو جِبْرِيلُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِما نُودِيَ بِهِ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلَ إلَيْهِمْ إنارَةُ المَكانِ وتَقْدِيسِهِ إنْ كانَ النِّداءُ بِغَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ بَلْ كانَ مِن لَدُنْ صفحة ٢٢٧ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا التَّبْرِيكُ تَبْرِيكُ ذَواتٍ لا تَبْرِيكَ مَكانٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ (مَن) المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو تَبْرِيكُ الِاصْطِفاءِ الإلَهِيِّ بِالكَرامَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إنْشاءُ تَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَتْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أيْ: أهْلُ هَذا البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نُودِيَ بِهِ مُوسى عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ إخْبارًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ مِن أحْوالِ المُحْدَثاتِ لِيَعْلَمَ مُوسى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ جَلالَتَهُ في ذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُبْحانَ اللَّهِ) مُسْتَعْمَلًا لِلتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ المَشْهَدِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ يَقْتَضِي تَذَكُّرَ تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ. وفِي حَذْفِ مُتَعَلَّقٍ التَّنْزِيهِ إيذانٌ بِالعُمُومِ المُناسِبِ لِمَصْدَرِ التَّنْزِيهِ وهو عُمُومُ الأشْياءِ الَّتِي لا يَلِيقُ إثْباتُها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما يُعْلَمُ تَفْصِيلُها بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ. فالمَعْنى: ونَزِّهِ اللَّهَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أوَّلِ تِلْكَ الأشْياءِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حالًّا في ذَلِكَ المَكانِ. وإرْدافُ اسْمِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ (﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾) فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ عَنْ شُئُونِ المُحْدَثاتِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يُشْبِهُ شَأْنُهُ تَعالى شُئُونَهم. وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والمَعْنى: إعْلامُهُ بِأنَّ أمْرًا مُهِمًّا يَجِبُ عِلْمُهُ وهو أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ تَكْوِينٌ. وتَقْدِيمُ هَذا بَيْنَ يَدَيْ ما سَيُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ لِإحْداثِ رِباطَةِ جَأْشٍ لِمُوسى لِيَعْلَمَ أنَّهُ خُلِعَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ؛ إذْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الوَحْيُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ إلى أذًى وتَألُّبٍ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَيَصِيرُ رَسُولًا، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ويَنْصُرُهُ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ، ولِيَعْلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِنَ النّارِ وما تَلَقّاهُ مِنَ الوَحْيِ وما سَيُشاهِدُهُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً لَيْسَ بِعَجِيبٍ في جانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتِلْكَ ثَلاثُ كِناياتٍ فَلِذَلِكَ صفحة ٢٢٨ أتْبَعَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ . والمَعْنى: وقُلْنا: ألْقِ عَصاكَ. والِاهْتِزازُ: الِاضْطِرابُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الهَزِّ وهو الرَّفْعُ، كَأنَّها تُطاوِعُ فِعْلَ هازٍّ يَهُزُّها. والجانُّ: ذَكَرُ الحَيّاتِ، وهو شَدِيدُ الِاهْتِزازِ وجَمْعُهُ جِنّانٌ (وأمّا الجانُّ بِمَعْنى واحِدِ الجِنِّ فاسْمُ جَمْعِهِ جِنٌّ) . والتَّشْبِيهُ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الحَيّاتِ خَفِيفَةُ التَّحَرُّكِ، وأمّا تَشْبِيهُ العَصا بِالثُّعْبانِ في آيَةِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] فَذَلِكَ لِضَخامَةِ الجِرْمِ. والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقِهِ. وفِعْلُ (تَوَلّى) مُرادِفُ فِعْلِ (ولّى) كَما هو ظاهِرُ صَنِيعِ القامُوسِ وإنْ كانَ مُقْتَضى ما في فِعْلِ (تَوَلّى) مِن زِيادَةِ المَبْنى أنْ يُفِيدَ (تَوَلّى) زِيادَةً في مَعْنى الفِعْلِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] في سُورَةِ القَصَصِ. ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ قُوَّةِ تَوَلِّيهِ لَمّا رَأى عَصاهُ تَهْتَزُّ هو الدّاعِي لِتَأْكِيدِ فِعْلِ (ولّى) بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فَتَأمَّلْ. والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) . والتَّعَقُّبُ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْصِرافِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى جِهَةِ العَقِبِ، أيِ: الخَلْفِ، فَقَوْلُهُ (﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾) تَأْكِيدٌ لِشِدَّةِ تَوَلِّيهِ، أيْ: ولّى تَوَلِّيًا قَوِيًّا لا تَرَدُّدَ فِيهِ. وكانَ ذَلِكَ التَّوَلِّي مِنهُ لِتَغَلُّبِ القُوَّةِ الواهِمَةِ الَّتِي في جِبِلَّةِ الإنْسانِ عَلى قُوَّةِ العَقْلِ الباعِثَةِ عَلى التَّأمُّلِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ إعْطائِهِ النُّبُوءَةَ والتَّأْيِيدَ، إذْ كانَتِ القُوَّةُ الواهِمَةُ مُتَأصِّلَةً في الجِبِلَّةِ سابِقَةً عَلى ما تَلَقّاهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالرِّسالَةِ، وتَأصُّلُ القُوَّةِ الواهِمَةِ يَزُولُ بِالتَّخَلُّقِ وبِمُحارَبَةِ العَقْلِ لِلْوَهْمِ فَلا يَزالانِ يَتَدافَعانِ ويَضْعُفُ سُلْطانُ الوَهْمِ بِتَعاقُبِ الأيّامِ. وقَوْلُهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ. والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ؛ لِأنَّ خَوْفَهُ قَدْ حَصَلَ. والخَوْفُ الحاصِلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُ رَغَبٍ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً ولَيْسَ خَوْفَ ذَنْبٍ، فالمَعْنى: لا يَجْبُنُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ لِأنِّي أحْفَظُهم. و﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَحْقِيقٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ صفحة ٢٢٩ نَهْيُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ انْتِفاءِ مُوجِبِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَشْرِيفِهِ بِمَرْتَبَةِ الرِّسالَةِ إذْ عُلِّلَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ لا يَخافُونَ لَدى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (لَدَيَّ) في حَضْرَتِي، أيْ: حِينَ تَلَقِّي رِسالَتِي. وحَقِيقَةُ (لَدَيَّ) مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَها المَكانُ. وإذا قَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا حَيَّةً حَصَلَ حِينَ الوَحْيُ كانَ تابِعًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الوَحْيِ، وهَذا تَعْلِيمٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ المُرْسَلِينَ مِن رَباطَةِ الجَأْشِ. ولَيْسَ في النَّهْيِ حَطٌّ لِمَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَراتِبِ غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وإنَّما هو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وعَنْ كُلِّ خَوْفٍ يَخافُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾) ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَّصِلٌ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا إلى مُقاتِلٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الخَوْفِ الواقِعِ فِعْلُهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الخَوْفَ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفَ الَّذِي هو خَوْفُ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ، أيْ: إلّا رَسُولًا ظَلَمَ، أيْ: فَرَطَ مِنهُ ظُلْمٌ، أيْ: ذَنْبٌ قَبْلَ اصْطِفائِهِ لِلرِّسالَةِ، أيْ: صَدَرَ مِنهُ اعْتِداءٌ بِفِعْلِ ما لا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ في مُتَعارَفِ شَرائِعِ البَشَرِ المُتَقَرَّرِ أنَّها عَدْلٌ، بِأنِ ارْتَكَبَ ما يُخالِفُ المُتَقَرَّرَ بَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ أنَّهُ عَدْلٌ (قَبْلَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ) فَهو يَخافُ أنْ يُؤاخِذَهُ اللَّهُ بِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ارْتِكابِهِ وذَلِكَ مِثْلُ كَيْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأخِيهِمْ، واعْتِداءِ مُوسى عَلى القِبْطِيِّ بِالقَتْلِ دُونَ مَعْرِفَةِ المُحِقِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، أيْ: تابَ عَنْ فِعْلِهِ وأصْلَحَ حالَهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَسْكِينُ خاطِرِ مُوسى وتَبْشِيرُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ما كانَ فَرَطَ فِيهِ، وأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ مِمّا قالَهُ يَوْمَ الِاعْتِداءِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، فَأُفْرِغَ هَذا التَّطْمِينُ لِمُوسى في قالَبِ العُمُومِ تَعْمِيمًا لِلْفائِدَةِ. واسْتِقامَةُ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا المَعْنى يَكُونُ بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ صفحة ٢٣٠ فِي قَوْلِهِ (﴿فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) . فالتَّقْدِيرُ: إلّا مَن ظَلَمَ مِن قَبْلِ الإرْسالِ وتابَ مَن ظُلْمِهِ فَخافَ عِقابِي فَلا يَخافُ؛ لِأنِّي غافِرٌ لَهُ، وقابِلٌ لِتَوْبَتِهِ؛ لِأنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وانْتَظَمَ الكَلامُ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ اقْتَضاهُ مَقامُ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، ونُسِجَ عَلى مَنسَجِ التَّذْكِرَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِعِلْمِ المُتَخاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أُهْمِلْ تَوْبَتَكَ يَوْمَ اعْتَدَيْتَ وقَوْلَكَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وعَزْمَكَ عَلى الِاسْتِقامَةِ يَوْمَ قُلْتَ: ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى خُصُوصِ مَن بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الرَّسُولِ الإصْرارُ عَلى الظُّلْمِ. ومِن ألْطَفِ الإيماءِ الإتْيانُ بِفِعْلِ (ظَلَمَ)، لِيُومِئَ إلى قَوْلِ مُوسى يَوْمَ ارْتَكَبَ الِاعْتِداءَ: (﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]) ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُوسى نَفْسَهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ الضَّحّاكِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، فالكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن ظَلَمَ وبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ مِنَ النّاسِ يُغْفَرُ لَهُ. وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى شَخْصٍ ظَلَمَ ولَيْسَ المُرادُ بِها مُخالَفاتِ بَعْضِ الرُّسُلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ دَعا إلَيْهِ أنَّ الرِّسالَةَ تُنافِي سَبْقَ ظُلْمِ النَّفْسِ. والَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ مِن مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إثْباتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَلا خِلافَ عَلَيْهِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ ظَلَمَ ولَمْ يُبَدِّلْ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ. أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَزادَ عَلى ما سَلَكَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فَجَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا ظَلَمَ. والَّذِي دَعاهُ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو أحَدُ الدّاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَعَيا الفَرّاءَ والزَّجّاجَ، وهو أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذَلِكَ جَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ظَلَمَ بِما فَرَطَ مِنهُ مِن صَغائِرَ لِيَشْمَلَ مُوسى وهو واحِدٌ مِنهم. وقَدْ تَحَصَّلَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّ الرُّسُلَ في حَضْرَةِ اللَّهِ (أيْ: حِينَ صفحة ٢٣١ القِيامِ بِواجِباتِ الرِّسالَةِ) لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لَهُمُ السَّلامَةَ، ولا يَخافُونَ الذُّنُوبَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُمُ العِصْمَةَ. ولا يَخافُونَ عِقابًا عَلى الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهم لا يَقْرَبُونَها، وأنَّ مَن عَداهم إنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ أمِنَ مِمّا يَخافُ مِن عِقابِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ تَدارَكَ ظُلْمَهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولَمْ يَتُبْ يَخَفْ عِقابَ الذَّنْبِ، فَإنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ مَعانٍ دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِثْناءُ بِاحْتِمالَيْهِ، وذَلِكَ إيجازٌ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأ (ألا مَن ظَلَمَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (ألا) وتَخْفِيفِ اللّامِ فَتَكُونُ حَرْفَ تَنْبِيهٍ، ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ فِيما رَأيْنا مِن كُتُبِ عِلْمِ القِراءاتِ فَلَعَلَّها رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: مَأْخُوذًا، ومُعْطًى، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الشَّيْئَيْنِ تارَةً بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠])، ويَتَعَدّى تارَةً إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المُعْطى بِالباءِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عاوَضَ كَما قالَ تَعالى (﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢])، أيْ: لا تَأْخُذُوا خَبِيثَ المالِ وتُضَيِّعُوا طَيِّبَهُ، فَإذا ذُكِرَ المَفْعُولانِ مَنصُوبَيْنِ تَعَيَّنَ المَأْخُوذُ والمَبْذُولُ بِالقَرِينَةِ وإلّا فالمَجْرُورُ بِالباءِ هو المَبْذُولُ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا مَفْعُولٌ واحِدٌ فَهو المَأْخُوذُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعْمى تَبَدَّلْنَ أبْؤُسًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أيْ: أخَذَ حُسْنًا بِسُوءٍ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَعْدَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ هو الَّذِي كانَ ثابِتًا ثُمَّ زالَ وخَلَفَهُ غَيْرُهُ وكَذَلِكَ ما يُفِيدُ مَعْنى (بَعْدَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] فالحالَةُ الحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ مَجْعُولَةً في مَوْضِعِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ.

النمل 27:11

صفحة ٢٢٦ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أُنِّثَ ضَمِيرُ (جاءَها) جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَسْمِيَةِ النُّورِ نارًا بِحَسَبِ ما لاحَ لِمُوسى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ طَهَ، فَبِنا أنْ نَتَعَرَّضَ هُنا لِما انْفَرَدَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ مِنَ المُفْرَداتِ والتَّراكِيبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ هو بَعْضُ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ في طَهَ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِي المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]؛ لِأنَّ مَعْنى (بُورِكَ) قُدِّسَ وزُكِّيَ. وفِعْلُ (بارَكَ) يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا، يُقالُ: بارَكَكَ اللَّهُ، أيْ: جَعَلَ لَكَ بَرَكَةً. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى البَرَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ (نُودِيَ)؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ، أيْ: نُودِيَ بِهَذا الكَلامِ. و(﴿مَن في النّارِ﴾) مُرادٌ بِهِ مُوسى فَإنَّهُ لَمّا حَلَّ في مَوْضِعِ النُّورِ صارَ مُحِيطًا بِهِ فَتِلْكَ الإحاطَةُ تُشْبِهُ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِ (﴿مَن في النّارِ﴾) وهو نَفْسُهُ. والعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِ بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، أوْ بِاسْمِهِ العَلَمِ إنْ أُرِيدَ العُدُولُ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ في مَعْنى صِلَةِ المَوْصُولِ إيناسًا لَهُ وتَلَطُّفًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «قُمْ أبا تُرابٍ» وكَثِيرٌ التَّلَطُّفُ بِذِكْرِ بَعْضِ ما التَبَسَ بِهِ المُتَلَطَّفُ بِهِ مِن أحْوالِهِ. وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ هو بِشارَةٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِبَرَكَةِ النُّبُوءَةِ. ومَن حَوْلَ النّارِ: هو جِبْرِيلُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ بِما نُودِيَ بِهِ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ وُكِّلَ إلَيْهِمْ إنارَةُ المَكانِ وتَقْدِيسِهِ إنْ كانَ النِّداءُ بِغَيْرِ واسِطَةِ جِبْرِيلَ بَلْ كانَ مِن لَدُنْ صفحة ٢٢٧ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا التَّبْرِيكُ تَبْرِيكُ ذَواتٍ لا تَبْرِيكَ مَكانٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ (مَن) المَوْصُولَةِ في المَوْضِعَيْنِ، وهو تَبْرِيكُ الِاصْطِفاءِ الإلَهِيِّ بِالكَرامَةِ. وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ إنْشاءُ تَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كانَتْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لِإبْراهِيمَ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [هود: ٧٣] أيْ: أهْلُ هَذا البَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نُودِيَ بِهِ مُوسى عَلى صَرِيحِ مَعْناهُ إخْبارًا بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ مِن أحْوالِ المُحْدَثاتِ لِيَعْلَمَ مُوسى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ النِّداءَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ جَلالَتَهُ في ذَلِكَ المَكانِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (سُبْحانَ اللَّهِ) مُسْتَعْمَلًا لِلتَّعْجِيبِ مِن ذَلِكَ المَشْهَدِ وأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ يَقْتَضِي تَذَكُّرَ تَنْزِيهِهِ وتَقْدِيسِهِ. وفِي حَذْفِ مُتَعَلَّقٍ التَّنْزِيهِ إيذانٌ بِالعُمُومِ المُناسِبِ لِمَصْدَرِ التَّنْزِيهِ وهو عُمُومُ الأشْياءِ الَّتِي لا يَلِيقُ إثْباتُها لِلَّهِ تَعالى وإنَّما يُعْلَمُ تَفْصِيلُها بِالأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ. فالمَعْنى: ونَزِّهِ اللَّهَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، ومِن أوَّلِ تِلْكَ الأشْياءِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أنْ يَكُونَ حالًّا في ذَلِكَ المَكانِ. وإرْدافُ اسْمِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ (﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾) فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِلتَّنْزِيهِ عَنْ شُئُونِ المُحْدَثاتِ؛ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يُشْبِهُ شَأْنُهُ تَعالى شُئُونَهم. وضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾) خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ. والمَعْنى: إعْلامُهُ بِأنَّ أمْرًا مُهِمًّا يَجِبُ عِلْمُهُ وهو أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، أيْ: لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، لا يَسْتَصْعِبُ عَلَيْهِ تَكْوِينٌ. وتَقْدِيمُ هَذا بَيْنَ يَدَيْ ما سَيُلْقى إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ لِإحْداثِ رِباطَةِ جَأْشٍ لِمُوسى لِيَعْلَمَ أنَّهُ خُلِعَتْ عَلَيْهِ النُّبُوءَةُ؛ إذْ أُلْقِيَ إلَيْهِ الوَحْيُ، ويَعْلَمَ أنَّهُ سَيَتَعَرَّضُ إلى أذًى وتَألُّبٍ عَلَيْهِ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ سَيَصِيرُ رَسُولًا، وأنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ويَنْصُرُهُ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ، ولِيَعْلَمَ أنَّ ما شاهَدَ مِنَ النّارِ وما تَلَقّاهُ مِنَ الوَحْيِ وما سَيُشاهِدُهُ مِن قَلْبِ العَصا حَيَّةً لَيْسَ بِعَجِيبٍ في جانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَتِلْكَ ثَلاثُ كِناياتٍ فَلِذَلِكَ صفحة ٢٢٨ أتْبَعَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ . والمَعْنى: وقُلْنا: ألْقِ عَصاكَ. والِاهْتِزازُ: الِاضْطِرابُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الهَزِّ وهو الرَّفْعُ، كَأنَّها تُطاوِعُ فِعْلَ هازٍّ يَهُزُّها. والجانُّ: ذَكَرُ الحَيّاتِ، وهو شَدِيدُ الِاهْتِزازِ وجَمْعُهُ جِنّانٌ (وأمّا الجانُّ بِمَعْنى واحِدِ الجِنِّ فاسْمُ جَمْعِهِ جِنٌّ) . والتَّشْبِيهُ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الحَيّاتِ خَفِيفَةُ التَّحَرُّكِ، وأمّا تَشْبِيهُ العَصا بِالثُّعْبانِ في آيَةِ ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] فَذَلِكَ لِضَخامَةِ الجِرْمِ. والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ عَنِ السَّيْرِ في طَرِيقِهِ. وفِعْلُ (تَوَلّى) مُرادِفُ فِعْلِ (ولّى) كَما هو ظاهِرُ صَنِيعِ القامُوسِ وإنْ كانَ مُقْتَضى ما في فِعْلِ (تَوَلّى) مِن زِيادَةِ المَبْنى أنْ يُفِيدَ (تَوَلّى) زِيادَةً في مَعْنى الفِعْلِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] في سُورَةِ القَصَصِ. ولَعَلَّ قَصْدَ إفادَةِ قُوَّةِ تَوَلِّيهِ لَمّا رَأى عَصاهُ تَهْتَزُّ هو الدّاعِي لِتَأْكِيدِ فِعْلِ (ولّى) بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ فَتَأمَّلْ. والإدْبارُ: التَّوَجُّهُ إلى جِهَةِ الخَلْفِ وهو مُلازِمٌ لِلتَّوَلِّي فَقَوْلُهُ (مُدْبِرًا) حالٌ لازِمَةٌ لِفِعْلِ (ولّى) . والتَّعَقُّبُ: الرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْصِرافِ مُشْتَقٌّ مِنَ العَقِبِ؛ لِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى جِهَةِ العَقِبِ، أيِ: الخَلْفِ، فَقَوْلُهُ (﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾) تَأْكِيدٌ لِشِدَّةِ تَوَلِّيهِ، أيْ: ولّى تَوَلِّيًا قَوِيًّا لا تَرَدُّدَ فِيهِ. وكانَ ذَلِكَ التَّوَلِّي مِنهُ لِتَغَلُّبِ القُوَّةِ الواهِمَةِ الَّتِي في جِبِلَّةِ الإنْسانِ عَلى قُوَّةِ العَقْلِ الباعِثَةِ عَلى التَّأمُّلِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿أنا اللَّهُ العَزِيزُ﴾) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ إعْطائِهِ النُّبُوءَةَ والتَّأْيِيدَ، إذْ كانَتِ القُوَّةُ الواهِمَةُ مُتَأصِّلَةً في الجِبِلَّةِ سابِقَةً عَلى ما تَلَقّاهُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالرِّسالَةِ، وتَأصُّلُ القُوَّةِ الواهِمَةِ يَزُولُ بِالتَّخَلُّقِ وبِمُحارَبَةِ العَقْلِ لِلْوَهْمِ فَلا يَزالانِ يَتَدافَعانِ ويَضْعُفُ سُلْطانُ الوَهْمِ بِتَعاقُبِ الأيّامِ. وقَوْلُهُ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قُلْنا لَهُ. والنَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنِ اسْتِمْرارِ الخَوْفِ؛ لِأنَّ خَوْفَهُ قَدْ حَصَلَ. والخَوْفُ الحاصِلُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَوْفُ رَغَبٍ مِنِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً ولَيْسَ خَوْفَ ذَنْبٍ، فالمَعْنى: لا يَجْبُنُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ لِأنِّي أحْفَظُهم. و﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ وتَحْقِيقٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ صفحة ٢٢٩ نَهْيُهُ عَنِ الخَوْفِ مِنَ انْتِفاءِ مُوجِبِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَشْرِيفِهِ بِمَرْتَبَةِ الرِّسالَةِ إذْ عُلِّلَ بِأنَّ المُرْسَلِينَ لا يَخافُونَ لَدى اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (لَدَيَّ) في حَضْرَتِي، أيْ: حِينَ تَلَقِّي رِسالَتِي. وحَقِيقَةُ (لَدَيَّ) مُسْتَحِيلَةٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَتَها المَكانُ. وإذا قَدْ كانَ انْقِلابُ العَصا حَيَّةً حَصَلَ حِينَ الوَحْيُ كانَ تابِعًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الوَحْيِ، وهَذا تَعْلِيمٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ المُرْسَلِينَ مِن رَباطَةِ الجَأْشِ. ولَيْسَ في النَّهْيِ حَطٌّ لِمَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَراتِبِ غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وإنَّما هو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً وعَنْ كُلِّ خَوْفٍ يَخافُهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ [طه: ٧٧] . والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (﴿إلّا مَن ظَلَمَ﴾) ظاهِرُهُ أنَّهُ مُتَّصِلٌ. ونَسَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا إلى مُقاتِلٍ وابْنِ جُرَيْجٍ فَيَكُونُ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الخَوْفِ الواقِعِ فِعْلُهُ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ الخَوْفَ بِمَعْنى الرُّعْبِ والخَوْفَ الَّذِي هو خَوْفُ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ، أيْ: إلّا رَسُولًا ظَلَمَ، أيْ: فَرَطَ مِنهُ ظُلْمٌ، أيْ: ذَنْبٌ قَبْلَ اصْطِفائِهِ لِلرِّسالَةِ، أيْ: صَدَرَ مِنهُ اعْتِداءٌ بِفِعْلِ ما لا يَفْعَلُهُ مِثْلُهُ في مُتَعارَفِ شَرائِعِ البَشَرِ المُتَقَرَّرِ أنَّها عَدْلٌ، بِأنِ ارْتَكَبَ ما يُخالِفُ المُتَقَرَّرَ بَيْنَ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ أنَّهُ عَدْلٌ (قَبْلَ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعٍ) فَهو يَخافُ أنْ يُؤاخِذَهُ اللَّهُ بِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ارْتِكابِهِ وذَلِكَ مِثْلُ كَيْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ لِأخِيهِمْ، واعْتِداءِ مُوسى عَلى القِبْطِيِّ بِالقَتْلِ دُونَ مَعْرِفَةِ المُحِقِّ في تِلْكَ القَضِيَّةِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ، أيْ: تابَ عَنْ فِعْلِهِ وأصْلَحَ حالَهُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى هَذا الوَجْهِ تَسْكِينُ خاطِرِ مُوسى وتَبْشِيرُهُ بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ما كانَ فَرَطَ فِيهِ، وأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهُ مِمّا قالَهُ يَوْمَ الِاعْتِداءِ ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، فَأُفْرِغَ هَذا التَّطْمِينُ لِمُوسى في قالَبِ العُمُومِ تَعْمِيمًا لِلْفائِدَةِ. واسْتِقامَةُ نَظْمِ الكَلامِ بِهَذا المَعْنى يَكُونُ بِتَقْدِيرِ كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ صفحة ٢٣٠ فِي قَوْلِهِ (﴿فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) . فالتَّقْدِيرُ: إلّا مَن ظَلَمَ مِن قَبْلِ الإرْسالِ وتابَ مَن ظُلْمِهِ فَخافَ عِقابِي فَلا يَخافُ؛ لِأنِّي غافِرٌ لَهُ، وقابِلٌ لِتَوْبَتِهِ؛ لِأنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ. وانْتَظَمَ الكَلامُ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ اقْتَضاهُ مَقامُ تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، ونُسِجَ عَلى مَنسَجِ التَّذْكِرَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِعِلْمِ المُتَخاطَبِينَ بِذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَمْ أُهْمِلْ تَوْبَتَكَ يَوْمَ اعْتَدَيْتَ وقَوْلَكَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وعَزْمَكَ عَلى الِاسْتِقامَةِ يَوْمَ قُلْتَ: ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧] . ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ في الِاسْتِثْناءِ عَلى خُصُوصِ مَن بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ إذْ لا يُتَصَوَّرُ في الرَّسُولِ الإصْرارُ عَلى الظُّلْمِ. ومِن ألْطَفِ الإيماءِ الإتْيانُ بِفِعْلِ (ظَلَمَ)، لِيُومِئَ إلى قَوْلِ مُوسى يَوْمَ ارْتَكَبَ الِاعْتِداءَ: (﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [النمل: ٤٤]) ولِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِ ﴿مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مُوسى نَفْسَهُ. وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ الضَّحّاكِ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ وحَرْفُ الِاسْتِثْناءِ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ، فالكَلامُ اسْتِطْرادٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن ظَلَمَ وبَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ مِنَ النّاسِ يُغْفَرُ لَهُ. وعَلَيْهِ تَكُونُ (مَن) صادِقَةً عَلى شَخْصٍ ظَلَمَ ولَيْسَ المُرادُ بِها مُخالَفاتِ بَعْضِ الرُّسُلِ، وهَذا التَّأْوِيلُ دَعا إلَيْهِ أنَّ الرِّسالَةَ تُنافِي سَبْقَ ظُلْمِ النَّفْسِ. والَّذِي حَداهم إلى ذَلِكَ أنَّ مِن مُقْتَضى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ إثْباتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى أنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ فَلا خِلافَ عَلَيْهِ. ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ ظَلَمَ ولَمْ يُبَدِّلْ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ يَخافُ عَذابَ الآخِرَةِ. أمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَزادَ عَلى ما سَلَكَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ فَجَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا ظَلَمَ. والَّذِي دَعاهُ إلى اعْتِبارِ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا هو أحَدُ الدّاعِيَيْنِ اللَّذَيْنِ دَعَيا الفَرّاءَ والزَّجّاجَ، وهو أنَّ الحُكْمَ المُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى لَيْسَ نَقِيضًا لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذَلِكَ جَعَلَ ماصَدَقَ (مَن ظَلَمَ) رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ ظَلَمَ بِما فَرَطَ مِنهُ مِن صَغائِرَ لِيَشْمَلَ مُوسى وهو واحِدٌ مِنهم. وقَدْ تَحَصَّلَ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّ الرُّسُلَ في حَضْرَةِ اللَّهِ (أيْ: حِينَ صفحة ٢٣١ القِيامِ بِواجِباتِ الرِّسالَةِ) لا يَخافُونَ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَكَفَّلَ لَهُمُ السَّلامَةَ، ولا يَخافُونَ الذُّنُوبَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُمُ العِصْمَةَ. ولا يَخافُونَ عِقابًا عَلى الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهم لا يَقْرَبُونَها، وأنَّ مَن عَداهم إنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ أمِنَ مِمّا يَخافُ مِن عِقابِ الذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ تَدارَكَ ظُلْمَهُ بِالتَّوْبَةِ، وإنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولَمْ يَتُبْ يَخَفْ عِقابَ الذَّنْبِ، فَإنْ لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ. فَهَذِهِ مَعانٍ دَلَّ عَلَيْها الِاسْتِثْناءُ بِاحْتِمالَيْهِ، وذَلِكَ إيجازٌ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأ (ألا مَن ظَلَمَ) بِفَتْحِ هَمْزَةِ (ألا) وتَخْفِيفِ اللّامِ فَتَكُونُ حَرْفَ تَنْبِيهٍ، ولا تُعْرَفُ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ فِيما رَأيْنا مِن كُتُبِ عِلْمِ القِراءاتِ فَلَعَلَّها رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ. وفِعْلُ (بَدَّلَ) يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: مَأْخُوذًا، ومُعْطًى، فَيَتَعَدّى الفِعْلُ إلى الشَّيْئَيْنِ تارَةً بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ (﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠])، ويَتَعَدّى تارَةً إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المُعْطى بِالباءِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى عاوَضَ كَما قالَ تَعالى (﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢])، أيْ: لا تَأْخُذُوا خَبِيثَ المالِ وتُضَيِّعُوا طَيِّبَهُ، فَإذا ذُكِرَ المَفْعُولانِ مَنصُوبَيْنِ تَعَيَّنَ المَأْخُوذُ والمَبْذُولُ بِالقَرِينَةِ وإلّا فالمَجْرُورُ بِالباءِ هو المَبْذُولُ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ إلّا مَفْعُولٌ واحِدٌ فَهو المَأْخُوذُ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: وبُدِّلْتُ قَرْحًا دامِيًا بَعْدَ صِحَّةٍ فَيا لَكِ مِن نُعْمى تَبَدَّلْنَ أبْؤُسًا وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ أيْ: أخَذَ حُسْنًا بِسُوءٍ، فَإنَّ كَلِمَةَ (بَعْدَ) تَدُلُّ عَلى أنَّ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ هو الَّذِي كانَ ثابِتًا ثُمَّ زالَ وخَلَفَهُ غَيْرُهُ وكَذَلِكَ ما يُفِيدُ مَعْنى (بَعْدَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥] فالحالَةُ الحَسَنَةُ هي المَأْخُوذَةُ مَجْعُولَةً في مَوْضِعِ الحالَةِ السَّيِّئَةِ.

النمل 27:12

﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ . عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وألْقِ عَصاكَ﴾ [النمل: ١٠] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، بَعْدَ أنْ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا ثُعْبانًا أراهُ آيَةً أُخْرى لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِالتَّأْيِيدِ، وقَدْ مَضى في طَهَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ صفحة ٢٣٢ أراهُ آيَةً أُخْرى. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يُعَجِّلَ لَهُ ما تَطْمَئِنُّ لَهُ نَفْسُهُ مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عِنْدَ لِقاءِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ (﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾) حالٌ مِن (﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾) أيْ: حالَةَ كَوْنِها آيَةً مِن تِسْعِ آياتٍ، و(﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾) صِفَةٌ لِآياتٍ، أيْ: آياتٌ مَسُوقَةٌ إلى فِرْعَوْنَ. وفي هَذا إيذانٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ إيجازًا وهو أمْرُ اللَّهِ مُوسى بِأنْ يَذْهَبَ إلى فِرْعَوْنَ كَما بُيِّنَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والآياتُ هي: العَصا، واليَدُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والقَحْطُ، وانْفِلاقُ البَحْرِ وهو أعْظَمُها، وقَدْ عُدَّ بَعْضُها في سُورَةِ الأعْرافِ. وجَمَعَها الفَيْرُوزْآبادِي في بَيْتٍ ذَكَرَهُ في مادَّةِ (تِسْعٍ) مِنَ القامُوسِ وهو: عَصًا سَنَةٌ بَحْرٌ جَـرادٌ وقُـمَّـلٌ يَدٌ ودَمٌ بَعْدَ الضَّفادِعِ طُوفانُ

النمل 27:13

﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ . أوْجَزَ بَقِيَّةَ القِصَصِ وانْتَقَلَ إلى العِبْرَةِ بِتَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الآياتِ، لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَصَدَ مِن هَذا الإيجازِ طَيَّ بِساطِ القِصَّةِ لِيَنْتَقِلَ مِنها إلى قِصَّةِ داوُدَ ثُمَّ قِصَّةِ سُلَيْمانَ المَبْسُوطَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. والمُرادُ بِمَجِيءِ الآياتِ حُصُولُها واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى وهي الآياتُ الثَّمانِ الَّتِي قَبْلَ الغَرَقِ. والمُبْصِرَةُ: الظّاهِرَةُ. صِيغَ لَها وزْنُ اسْمِ فاعِلِ الإبْصارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وإنَّما المُبْصِرُ النّاظِرُ إلَيْها. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] في سُورَةِ الإسْراءِ. والجُحُودُ: الإنْكارُ بِاللِّسانِ. (﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) بِمَعْنى أيْقَنَتْ بِها، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ عَلى التَّوَسُّعِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: تَحَقَّقَتْها عُقُولُهم، والسِّينُ والتّاءُ صفحة ٢٣٣ لِلْمُبالَغَةِ. والظُّلْمُ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِأنَّهم ألْصَقُوا بِهِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ فَظَلَمُوهُ حَقَّهُ. والعُلُوُّ: الكِبَرُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) حالِيَّةً، فَقَوْلُهُ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) نَشْرٌ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ. فالظُّلْمُ في الجَحْدِ بِها والعُلُوُّ في كَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِها. وانْتَصَبَ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿جَحَدُوا﴾ [هود: ٥٩]) وجُعِلَ ما هو مَعْلُومٌ مِن حالِهِمْ فِيما لَحِقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المُشاهَدِ لِلسّامِعِينَ فَأمَرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ . والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ. و(كَيْفَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مُعَلِّقًا فِعْلَ النَّظَرِ عَنِ العَمَلِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ.

النمل 27:14

﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ . أوْجَزَ بَقِيَّةَ القِصَصِ وانْتَقَلَ إلى العِبْرَةِ بِتَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ الآياتِ، لِيَعْتَبِرَ بِذَلِكَ حالُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَصَدَ مِن هَذا الإيجازِ طَيَّ بِساطِ القِصَّةِ لِيَنْتَقِلَ مِنها إلى قِصَّةِ داوُدَ ثُمَّ قِصَّةِ سُلَيْمانَ المَبْسُوطَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ. والمُرادُ بِمَجِيءِ الآياتِ حُصُولُها واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى وهي الآياتُ الثَّمانِ الَّتِي قَبْلَ الغَرَقِ. والمُبْصِرَةُ: الظّاهِرَةُ. صِيغَ لَها وزْنُ اسْمِ فاعِلِ الإبْصارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وإنَّما المُبْصِرُ النّاظِرُ إلَيْها. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] في سُورَةِ الإسْراءِ. والجُحُودُ: الإنْكارُ بِاللِّسانِ. (﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) بِمَعْنى أيْقَنَتْ بِها، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وعُدِّيَ الفِعْلُ إلى المَجْرُورِ عَلى التَّوَسُّعِ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: تَحَقَّقَتْها عُقُولُهم، والسِّينُ والتّاءُ صفحة ٢٣٣ لِلْمُبالَغَةِ. والظُّلْمُ في تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ لِأنَّهم ألْصَقُوا بِهِ ما لَيْسَ بِحَقٍّ فَظَلَمُوهُ حَقَّهُ. والعُلُوُّ: الكِبَرُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿واسْتَيْقَنَتْها﴾) حالِيَّةً، فَقَوْلُهُ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) نَشْرٌ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ. فالظُّلْمُ في الجَحْدِ بِها والعُلُوُّ في كَوْنِهِمْ مُوقِنِينَ بِها. وانْتَصَبَ (﴿ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿جَحَدُوا﴾ [هود: ٥٩]) وجُعِلَ ما هو مَعْلُومٌ مِن حالِهِمْ فِيما لَحِقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المُشاهَدِ لِلسّامِعِينَ فَأمَرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ . والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ. و(كَيْفَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا مُعَلِّقًا فِعْلَ النَّظَرِ عَنِ العَمَلِ، والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ.

النمل 27:15

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ . كَما كانَ في قِصَّةِ مُوسى وإرْسالِهِ إلى فِرْعَوْنَ آياتُ عِبْرَةٍ، ومَثَلٌ لِلَّذِينِ جَحَدُوا بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَذَلِكَ في قِصَّةِ سُلَيْمانَ ومَلِكَةِ سَبَأٍ وما رَأتْهُ مِن آياتِهِ وإيمانِها بِهِ مَثَلٌ لِعِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ وإظْهارٌ لِفَضِيلَةِ مَلِكَةِ سَبَأٍ إذْ لَمْ يَصُدَّها مُلْكُها عَنِ الِاعْتِرافِ بِآياتِ سُلَيْمانَ فَآمَنَتْ بِهِ، وفي ذَلِكَ مَثَلٌ لِلَّذِينِ اهْتَدَوْا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وتَقْدِيمُ ذِكْرِ داوُدَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذِكْرَ سُلَيْمانَ إذْ كانَ مُلْكُهُ ورِثَهُ مِن أبِيهِ داوُدَ؛ ولِأنَّ في ذِكْرِ داوُدَ مَثَلٌ لِإفاضَةِ الحِكْمَةِ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ مُتَصَدِّيًا لَها. وما كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ أيّامَ كانَ فِيهِمْ أحْبارٌ وعُلَماءُ؛ فَقَدْ كانَ داوُدُ راعِيًا غَنَمَ أبِيهِ (يَسِّي) في بَيْتِ لَحْمٍ فَأمَرَ اللَّهُ شَمْوِيلَ النَّبِيءَ أنْ يَجْعَلَ داوُدَ نَبِيئًا في مُدَّةِ مُلْكِ صفحة ٢٣٤ طالُوتَ (شاوِلَ) . فَما كانَ عَجَبٌ في نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ الأُمِّيِّ بَيْنَ الأُمِّيِّينَ لِيَعْلَمَ المُشْرِكُونَ أنَّ اللَّهَ أعْطى الحِكْمَةَ والنُّبُوءَةَ مُحَمَّدًا ﷺ، ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، ولَكِنْ في قَوْمِهِ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا﴾ [هود: ٤٩]، فَهَذِهِ القِصَّةُ تَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: ٦] . فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ﴾) مَعْطُوفًا عَلى (﴿إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ﴾ [النمل: ٧]) إذا جَعَلْنا (إذْ) مَفْعُولًا لِفِعْلِ (اذْكُرْ) مَحْذُوفٍ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ. ومُناسَبَةُ الذِّكْرِ ظاهِرَةٌ. وبَعْدُ فَفي كُلِّ قِصَّةٍ مِن قَصَصِ القُرْآنِ عِلْمٌ وعِبْرَةٌ وأُسْوَةٌ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِهِ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهم جَحَدُوا نُبُوءَةَ مِثْلِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبإ: ٣١] . وتَنْكِيرُ (عِلْمًا) لِلتَّعْظِيمِ؛ لِأنَّهُ عِلْمٌ بِنُبُوءَةٍ وحِكْمَةٌ كَقَوْلِهِ في صاحِبِ مُوسى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] . وفِي فِعْلِ (آتَيْنا) ما يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عِلْمٌ مُفاضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الإيتاءَ أخَصُّ مِن (عَلَّمْناهُ) فَلِذَلِكَ اسْتُغْنِيَ هُنا عَنْ كَلِمَةِ (مَن لَدُنّا) . وحِكايَةُ قَوْلِهِما: (﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾) كِنايَةً عَنْ تَفْضِيلِهِما بِفَضائِلَ غَيْرِ العِلْمِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: (﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾) ومِنهم أهْلُ العِلْمِ وغَيْرُهم، وتَنْوِيهٌ بِأنَّهُما شاكِرانِ نِعْمَتَهُ. ولِأجْلِ ذَلِكَ عَطَفَ قَوْلَهُما هَذا بِالواوِ دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ حَمْدًا لِمُجَرَّدِ الشُّكْرِ عَلى إيتاءِ العِلْمِ. والظّاهِرُ أنَّ حِكايَةَ قَوْلَيْهِما وقَعَتْ بِالمَعْنى، بِأنْ قالَ كُلٌّ واحِدٌ مِنهُما: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنِي، فَلَمّا حُكِيَ القَوْلانِ جُمِعَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ شَكَرَ اللَّهَ عَلى مِنَحِهِ ومِنَحِ قَرِيبِهِ، عَلى أنَّهُ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ صفحة ٢٣٥ المُشارَكِ لا لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ بَلْ لِإخْفاءِ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ تَواضُعًا كَما قالَ سُلَيْمانُ عَقِبَ هَذا: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦] . وجَعَلا تَفْضِيلَهُما عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ دُونَ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ أمّا لِأنَّهُما أرادا بِالعِبادِ المُؤْمِنِينَ كُلَّ مَن ثَبَتَ لَهُ هَذا الوَصْفُ مِنَ الماضِينَ وفِيهِمْ مُوسى وهارُونُ، وكَثِيرٌ مِنَ الأفْضَلِ والمُساوِي، وإمّا لِأنَّهُما اقْتَصَدا في العِبارَةِ إذْ لَمْ يُحِيطا بِمَن نالَهُ التَّفْضِيلُ، وإمّا لِأنَّهُما أرادا بِالعِبادِ أهْلَ عَصْرِهِما فَعَبَّرا بِ (﴿كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ﴾) تَواضُعًا لِلَّهِ. ثُمَّ إنْ كانَ قَوْلُهُما هَذا جَهْرًا وهو الظّاهِرُ كانَ حُجَّةً عَلى أنَّهُ يَجُوزُ لِلْعالِمِ أنْ يَذْكُرَ مَرْتَبَتَهُ في العِلْمِ لِفَوائِدَ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ إلى أنْ يُحَذِّرَ النّاسَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِمَن لَيْسَتْ لَهُ أهْلِيَّةٌ مِن أهْلِ الدَّعْوى الكاذِبَةِ والجَعْجَعَةِ الجالِبَةِ، وهَذا حُكْمٌ يُسْتَنْبَطُ مِنَ الآيَةِ؛ لِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، وإنْ قالاهُ في سِرِّهِما لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَذِهِ الحُجَّةُ.

النمل 27:16

﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ . طَوى خَبَرَ مُلْكِ داوُدَ وبَعْضَ أحْوالِهِ إلى وفاتِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو قِصَّةُ سُلَيْمانَ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا. وقَدْ كانَ داوُدُ مَلِكًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ودامَ مُلْكُهُ أرْبَعِينَ سَنَةً وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. فَخَلَفَهُ سُلَيْمانُ فَهو وارِثُ مُلْكِهِ القائِمِ في مَقامِهِ في سِياسَةِ الأُمَّةِ وظُهُورِ الحِكْمَةِ ونُبُوءَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والسُّمْعَةِ العَظِيمَةِ بَيْنَهم. فالإرْثُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ وهو تَشْبِيهُ الأحْوالِ الجَلِيلَةِ بِالمالِ وتَشْبِيهُ الخِلْفَةِ بِانْتِقالِ مُلْكِ الأمْوالِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ غَرَضُ الآيَةِ إفادَةَ مَنِ انْتَقَلَتْ إلَيْهِ أمْوالُ داوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ [النمل: ١٥] فَتَعَيَّنَ أنَّ إرْثَ المالِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَإنَّهُ غَرَضٌ تافِهٌ. وقَدْ كانَ لِداوُدَ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا فَلا يَخْتَصُّ إرْثُ مالِهِ بِسُلَيْمانَ ولَيْسَ هو أكْبَرَهم، وكانَ داوُدُ قَدْ أقامَ سُلَيْمانَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يُحْتَجُّ بِهِ أنْ يُورِثَ مالُ النَّبِيءِ وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، وظاهِرُهُ أنَّهُ أرادَ مِنَ الضَّمِيرِ جَماعَةَ الأنْبِياءِ وشاعَ عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ: إنّا أوْ نَحْنُ مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ولا يُعْرَفُ بِهَذا اللَّفْظِ ووَقَعَ في كَلامِ صفحة ٢٣٦ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في شَأْنِ صَدَقَةِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ عُمَرُ: أنْشُدُكُما اللَّهَ هَلْ تَعْلَمانِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: «لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ. وكَذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ، فَإذا أخَذْنا بِظاهِرِ الآيَةِ كانَ هَذا حُكْمًا في شَرْعِ مَن قَبْلَنا فَيُنْسَخُ بِالإسْلامِ، وإذا أخَذْنا بِالتَّأْوِيلِ فَظاهِرٌ. وقَدْ أجْمَعَ الخُلَفاءُ الرّاشِدُونَ وغَيْرُهم عَلى ذَلِكَ، خِلافًا لِلْعَبّاسِ وعَلِيٍّ ثُمَّ رَجَعا حِينَ حاجَّهُما عُمَرُ. والعِلَّةُ هي سَدُّ ذَرِيعَةِ خُطُورِ تَمَنِّي مَوْتِ النَّبِيءِ في نَفْسِ بَعْضِ ورَثَتِهِ. * * * ﴿وقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهْوَ الفَضْلُ المُبِينُ﴾ . قالَ سُلَيْمانُ هَذِهِ المَقالَةَ في مَجْمَعٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّ لَهْجَةَ هَذا الكَلامِ لَهْجَةُ خُطْبَتِهِ في مَجْمَعٍ مِنَ النّاسِ الحاضِرِينَ مَجْلِسَهُ مِنَ الخاصَّةِ والسّامِعِينَ مِنَ العامَّةِ. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ شُكْرَ اللَّهِ تَعالى ما مَنَحَهُ مِن عِلْمٍ ومُلْكٍ، ولِيُقَدِّرَ النّاسُ قَدْرَهُ ويَعْلَمُوا واجِبَ طاعَتِهِ إذْ كانَ اللَّهُ قَدِ اصْطَفاهُ لِذَلِكَ، وأطْلَعَهُ عَلى نَوايا أنْفَرِ الحَيَوانِ وأبْعَدِهِ عَنْ إلْفِ الإنْسانِ وهو الطَّيْرُ، فَما ظَنُّكَ بِمَعْرِفَةِ نَوايا النّاسِ مِن رَعِيَّتِهِ وجُنْدِهِ فَإنَّ تَخْطِيطَ رُسُومِ المُلْكِ وواجِباتِهِ مِنَ المَقاصِدِ لِصَلاحِ المَمْلَكَةِ بِالتِفافِ النّاسِ حَوْلَ مَلِكِهِمْ وصَفاءِ النِّيّاتِ نَحْوِهِ، وبِمِقْدارِ ما يَحْصُلُ ذَلِكَ مِن جانِبِهِمْ يَكُونُ التَّعاوُنُ عَلى الخَيْرِ وتَنْزِلُ السِّكِّينَةُ الرَّبّانِيَّةُ، فَلَمّا حَصَلَ مِن جانِبِ سُلَيْمانَ الِاعْتِرافَ بِهَذا الفَضْلِ لِلَّهِ تَعالى فَقَدْ أدّى واجِبَهُ نَحْوَ أُمَّتِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُؤَدِّيَ الأُمَّةُ واجِبَها نَحْوَ مَلِكِها، كَما كانَ تَعْلِيمُ فَضائِلِ النُّبُوَّةِ مِن مَقاصِدِ الشَّرْعِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» أيْ: أقُولُهُ لِقَصْدِ الإعْلامِ بِواجِبِ التَّقادِيرِ لا لِقَصْدِ الفَخْرِ عَلى النّاسِ، ويَعْلَمُوا واجِبَ طاعَتِهِ. وعِلْمُ مَنطِقِ الطَّيْرِ أُوتِيَهُ سُلَيْمانُ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ بِأنْ أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ما في تَقاطِيعِ وتَخالِيفِ صَفِيرِ الطُّيُورِ أوْ نَعِيقِها مِن دَلالَةٍ عَلى ما في إدْراكِها وإرادَتِها. وفائِدَةُ هَذا العِلْمِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ سَبِيلًا لَهُ يَهْتَدِي بِهِ إلى تَعَرُّفِ أحْوالِ عالَمِيَّةٍ يَسْبِقُ الطَّيْرُ إلى إدْراكِها بِما أوْدَعَ فِيهِ مِنَ القُوى الكَثِيرَةِ، ولِلطَّيْرِ دَلالَةٌ في تَخاطُبِ أجْناسِها واسْتِدْعاءِ أصْنافِها والإنْباءِ بِما حَوْلَها ما فِيهِ عَوْنٌ عَلى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ صفحة ٢٣٧ وسِياسَةِ أُمَّتِهِ، مِثْلُ اسْتِخْدامِ نَوْعِ الهُدْهُدِ في إبْلاغِ الأخْبارِ ورَدِّها ونَحْوِ ذَلِكَ. ووَراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ انْشِراحُ الصَّدْرِ بِالحِكْمَةِ والمَعْرِفَةِ لِلْكَثِيرِ مِن طَبائِعِ المَوْجُوداتِ وخَصائِصِها. ودَلالَةُ أصْواتِ الطَّيْرِ عَلى ما في ضَمائِرِها: بَعْضُها مَشْهُورٌ كَدَلالَةِ بَعْضِ أصْواتِهِ عَلى نِداءِ الذُّكُورِ لِإناثِها، ودَلالَةِ بَعْضِها عَلى اضْطِرابِ الخَوْفِ حِينَ يُمْسِكُهُ مُمْسِكٌ أوْ يُهاجِمُهُ كاسِرٌ، ووَراءَ ذَلِكَ دَلالاتٌ فِيها تَفْصِيلٌ، فَكُلُّ كَيْفِيَّةٍ مِن تِلْكَ الدَّلالاتِ الإجْمالِيَّةِ تَنْطَوِي عَلى تَقاطِيعَ خَفِيَّةٍ مِن كَيْفِيّاتٍ صَوْتِيَّةٍ يُخالِفُ بَعْضُها بَعْضًا فِيها دَلالاتٌ عَلى أحْوالٍ فِيها تَفْضِيلٌ لِما أجْمَلَتْهُ الأحْوالُ المُجْمَلَةُ، فَتِلْكَ التَّقاطِيعُ لا يَهْتَدِي إلَيْها النّاسُ ولا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا خالِقُها، وهَذا قَرِيبٌ مِن دَلالَةِ مَخارِجِ الحُرُوفِ وصِفاتِها في لُغَةٍ مِنَ اللُّغاتِ وفَكِّها وإدْغامِها واخْتِلافِ حَرَكاتِها عَلى مَعانٍ لا يَهْتَدِي إلَيْها مَن يَعْرِفُ تِلْكَ اللُّغَةَ مَعْرِفَةً ضَعِيفَةً ولَمْ يُتْقِنْ دَقائِقَها، مِثْلُ أنْ يَسْمَعَ ضَلَلْتُ وظَلِلْتُ، فاللَّهُ تَعالى أطْلَعَ سُلَيْمانَ بِوَحْيٍ عَلى مُخْتَلَفِ التَّقاطِيعِ الصَّوْتِيَّةِ الَّتِي في صَفِيرِ الطَّيْرِ وأعْلَمَهُ بِأحْوالِ نُفُوسِ الطَّيْرِ عِنْدَما تَصْفُرُ بِتِلْكَ التَّقاطِيعِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في حِيرَةٍ مِن ذَلِكَ كَما قالَ المَعَرِّي: أبَكَتْ تِلْكُمُ الحَمامَةُ أمْ غَـنَّـ تْ عَلى غُصْنِ دَوْحِها المَيّادِ وقالَ صاحِبُنا الشّاعِرُ البَلِيغُ الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ المَسْعُودِيُّ مِن أبْياتٍ في هَذا المَعْنى: فَمَن كانَ مَسْرُورًا يَراهُ تَغَنِّيًا ∗∗∗ ومَن كانَ مَحْزُونًا يَقُولُ يَنُوحُ والِاقْتِصارُ عَلى مَنطِقِ الطَّيْرِ إيجازٌ؛ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ وهي أبْعَدُ الحَيَوانِ عَنِ الرُّكُونِ إلى الإنْسانِ وأسْرَعُها نُفُورًا مِنهُ، عَلِمَ أنَّ مَنطِقَ ما هو أكْثَرُ اخْتِلاطًا بِالإنْسانِ حاصِلٌ لَهُ بِالأحْرى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما يَأْتِي قَرِيبًا ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾ [النمل: ١٩]، فَتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ عَلِمَ مَنطِقَ كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الحَيَوانِ. وهَذا العِلْمُ سَمّاهُ العَرَبُ عَلِمَ الحُكْلِ بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الكافِ قالَ الحَجّاجُ وقِيلَ ابْنُهُ رُؤْبَةُ: لَوْ أنَّنِي أُوتِيتُ عِلْمَ الحُكْـلِ ∗∗∗ عِلْمَ سُلَيْمانَ كَلامَ النَّـمْـلِ صفحة ٢٣٨ أوْ أنَّنِي عُمِّرْتُ عُمْرَ الحِسْلِ ∗∗∗ أوْ عُمْرَ نُوحٍ زَمَنَ الفِطَحْلِ كُنْتُ رَهِينَ هَرَمٍ أوْ قَتْـلِ وعَبَّرَ عَنْ أصْواتِ الطَّيْرِ بِلَفْظِ (مَنطِقَ) تَشْبِيهًا لَهُ بِنُطْقِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو ذُو دَلالَةٍ لِسُلَيْمانَ عَلى ما في ضَمائِرِ الطَّيْرِ، فَحَقِيقَةُ المَنطِقِ الصَّوْتُ المُشْتَمِلُ عَلى حُرُوفٍ تَدُلُّ عَلى مَعانٍ. وضَمِيرُ (عُلِّمْنا) و(أُتِينا) مُرادٌ بِهِ نَفْسُهُ، جاءَ بِهِ عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ؛ إمّا لِقَصْدِ التَّواضُعِ كَأنَّ جَماعَةً عُلِّمُوا وأُوتُوا ولَيْسَ هو وحْدَهُ كَما تَقَدَّمَ في بَعْضِ احْتِمالاتِ قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ [النمل: ١٥]، وإمّا لِأنَّهُ المُناسِبُ لِإظْهارِ عَظَمَةِ المُلْكَ، وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السُّلْطانِ عِنْدَ الرَّعِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مُقْتَضى السِّياسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ كَما أجابَ مُعاوِيَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حِينَ لَقِيَهُ في جُنْدٍ (وأُبَّهَةٍ) بِبِلادِ الشّامِ فَقالَ عُمَرُ لِمُعاوِيَةَ: أكِسْرَوِيَّةً يا مُعاوِيَةُ ؟ فَقالَ مُعاوِيَةُ: إنّا في بِلادٍ مِن ثُغُورِ العَدُوِّ فَلا يَرْهَبُونَ إلّا مِثْلَ هَذا. فَقالَ عُمَرُ: خُدْعَةُ أرِيبٍ أوِ اجْتِهادُ مُصِيبٍ لا آمُرُكَ ولا أنْهاكَ. فَتَرَكَ الأمْرَ لِعُهْدَةِ مُعاوِيَةَ وما يَتَوَسَّمُهُ مِن أسالِيبِ سِياسَةِ الأقْوامِ. والمُرادُ بِ (﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾) كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُهِمَّةِ فَفي (﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾) عُمُومانِ عُمُومُ (كُلِّ) وعُمُومُ النَّكِرَةِ وكِلاهُما هُنا عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، فَ (كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ و(شَيْءٍ) مُسْتَعْمَلٌ في الأشْياءِ المُهِمَّةِ مِمّا لَهُ عَلاقَةٌ بِمَقامِ سُلَيْمانَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى فِيما حَكى عَنْ أخْبارِ الهُدْهُدِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أيْ: كَثِيرٌ مِنَ النَّفائِسِ والأمْوالِ. وفي كُلِّ مَقامٍ يُحْمَلُ عَلى ما يُناسِبُ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ. والتَّأْكِيدُ في ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ ولامِهِ الَّذِي هو في الأصْلِ لامُ قَسَمٍ وبِضَمِيرِ الفَصْلِ مَقْصُودٌ بِهِ تَعْظِيمُ النِّعْمَةِ أداءً لِلشُّكْرِ عَلَيْها بِالمُسْتَطاعِ مِنَ العِبارَةِ. و(﴿الفَضْلُ﴾): الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ والنَّفْعِ. و(﴿المُبِينُ﴾): الظّاهِرُ الواضِحُ.

النمل 27:17

صفحة ٢٣٩ ﴿وحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ سُلَيْمانَ قُوَّةً مِن قُوى النُّبُوءَةِ يُدْرِكُ بِها مِن أحْوالِ الأرْواحِ والمُجَرَّداتِ كَما يُدْرِكُ مَنطِقَ الطَّيْرِ ودَلالَةَ النَّمْلِ ونَحْوَها. ويَزَعُ تِلْكَ المَوْجُوداتِ بِها فَيُوزَعُونَ تَسْخِيرًا كَما سَخَّرَ بَعْضَ العَناصِرِ لِبَعْضٍ في الكِيمْياءِ والكَهْرَبائِيَّةِ. وقَدْ وهَبَ اللَّهُ هَذِهِ القُوَّةَ مُحَمَّدًا ﷺ، فَصَرَفَ إلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ، ويُخاطِبُونَهُ. وإنَّما أمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيها ويَزَعَها كَرامَةً لِأخِيهِ سُلَيْمانَ إذْ سَألَ اللَّهَ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيها النَّبِيءُ ﷺ مَعَ المُكْنَةِ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ مَحَّضَهُ لِما هو أهَمُّ وأعْلى فَنالَ بِذَلِكَ فَضْلًا مِثْلَ فَضْلِ سُلَيْمانَ، ورَجَّحَ بِإعْراضِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ تَبْرِيرًا لِدَعْوَةِ أخِيهِ في النُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ جانِبَ النُّبُوءَةِ في رَسُولِ اللَّهِ أقْوى مِن جانِبِ المُلْكِ، كَما قالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رُعِدَ حِينَ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ: إنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ ولا جَبّارٍ. وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ: «أنَّهُ خُيِّرَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ نَبِيئًا عَبْدًا أوْ نَبِيئًا مَلِكًا فاخْتارَ أنْ يَكُونَ نَبِيئًا عَبْدًا»، فَرُتْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُتْبَةُ التَّشْرِيعِ وهي أعْظَمُ مِن رُتْبَةِ المُلْكِ وسُلَيْمانُ لَمْ يَكُنْ مُشَرِّعًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ، فَوَهَبَهُ اللَّهُ مُلْكًا يَتَصَرَّفُ بِهِ في السِّياسَةِ، وهَذِهِ المَراتِبُ يَنْدَرِجُ بَعْضُها فِيما هو أعْلى مِنهُ فَهو لَيْسَ بِمَلِكٍ، وهو يَتَصَرَّفُ في الأُمَّةِ تَصَرُّفَ المُلُوكِ تَصَرُّفًا بَرِيئًا مِمّا يَقْتَضِيهِ المُلْكُ مِنَ الزُّخْرُفِ والأُبَّهَةِ كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ النَّقْدِ عَلى كِتابِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ عَبْدِ الرّازِقِ المِصْرِيِّ الَّذِي سَمّاهُ الإسْلامَ وأُصُولَ الحُكْمِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ. والمَعْنى: أنَّ جُنُودَهُ كانَتْ مُحْضَرَةً في حَضْرَتِهِ مُسْخَرَةً لِأمْرِهِ حِينَ هو. والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، وهو الطّائِفَةُ الَّتِي لَها عَمَلٌ مُتَّحِدٌ تُسَخَّرُ لَهُ. وغَلَبَ إطْلاقُ الجُنْدِ عَلى طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ يُعِدُّها المَلِكُ لِقِتالِ العَدُوِّ ولِحِراسَةِ البِلادِ. صفحة ٢٤٠ وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ بَيانٌ لِلْجُنُودِ فَهي ثَلاثَةُ أصْنافٍ: صِنْفُ الجِنِّ وهو لِتَوْجِيهِ القُوى الخَفِيَّةِ، والتَّأْثِيرِ في الأُمُورِ ا لرُّوحِيَّةِ. وصِنْفُ الإنْسِ وهو جُنُودُ تَنْفِيذِ أوامِرِهِ ومُحارَبَةِ العَدُوِّ وحِراسَةِ المَمْلَكَةِ، وصِنْفُ الطَّيْرِ وهو مِن تَمامِ الجُنْدِ لِتَوْجِيهِ الأخْبارِ وتَلَقِّيها وتَوْجِيهِ الرَّسائِلِ إلى قُوّادِهِ وأُمَرائِهِ. واقْتَصَرَ عَلى الجِنِّ والطَّيْرِ لِغَرابَةِ كَوْنِهِما مِنَ الجُنُودِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الخَيْلَ وهي مِنَ الجَيْشِ. والوَزْعُ: الكَفُّ عَمّا لا يُرادُ، فَشَمَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ، أيْ: فَهم يُؤْمَرُونَ فَيَأْتَمِرُونَ ويُنْهَوْنَ فَيَنْتَهُونَ فَقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرَّعِيَّةَ كُلَّها. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَعْنى حُشِرَ؛ لِأنَّ الحَشْرَ إنَّما يُرادُ لِذَلِكَ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ جَمْعَ الجُنُودِ وتَدْرِيبِها مِن واجِباتِ المُلُوكِ لِيَكُونَ الجُنُودُ مُتَعَهِّدِينَ لِأحْوالِهِمْ وحاجاتِهِمْ لِيَشْعُرُوا بِما يَنْقُصُهم ويَتَذَكَّرُوا ما قَدْ يَنْسَوْنَهُ عِنْدَ تَشَوُّشِ الأذْهانِ عِنْدَ القِتالِ وعِنْدَ النَّفِيرِ.

النمل 27:18

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ . (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُها ولَكِنَّها مَعَ الِابْتِدائِيَّةِ غايَةٌ غَيْرُ نِهايَةٍ. و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، وهو يَقْتَضِي فِعْلَيْنِ بَعْدَهُ يُشْبِهانِ فَعَلَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ لِأنَّ (إذا) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، و(إذا) مَعْمُولٌ لِفِعْلِ جَوابِهِ وأمّا فِعْلُ شَرْطِهِ فَهو جُمْلَةٌ مُضافٌ إلَيْها (إذا) . والتَّقْدِيرُ: حَتّى قالَتْ نَمْلَةٌ حِينَ أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ. ووادِ النَّمْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ الجِنْسُ؛ لِأنَّ لِلنَّمْلِ شُقُوقًا ومَسالِكَ هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالأوْدِيَةِ لِلسّاكِنِينَ مِنَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَكانٌ مُشْتَهِرٌ بِالنَّمْلِ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذا المُضافُ كَما سُمِّيَ وادِي السِّباعِ مَوْضِعٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ البَصْرَةِ ومَكَّةَ. قِيلَ: صفحة ٢٤١ وادِ النَّمْلِ في جِهَةِ الطّائِفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ مِن سِياقِ الآيَةِ. والنَّمْلُ: اسْمُ جِنْسٍ لِحَشَراتٍ صَغِيرَةٍ ذاتِ سِتَّةِ أرْجُلٍ تَسْكُنُ في شُقُوقٍ مِنَ الأرْضِ. وهي أصْنافٌ مُتَفاوِتَةٌ في الحَجْمِ، والواحِدُ مِنهُ نَمْلَةٌ بِتاءِ الوَحْدَةِ، فَكَلِمَةُ نَمْلَةٍ لا تَدُلُّ إلّا عَلى فَرْدٍ واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ دُونَ دَلالَةٍ عَلى تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ فَقَوْلُهُ: (نَمْلَةٌ) مَفادُهُ: قالَ واحِدٌ مِن هَذا النَّوْعِ. واقْتِرانُ فِعْلِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ جَرى عَلى مُراعاةِ صُورَةِ لَفْظِهِ لِشِبْهِ هائِهِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وإنَّما هي عَلامَةُ الوَحْدَةِ والعَرَبُ لا يَقُولُونَ: مَشى شاةٌ، إذا كانَ الماشِي فَحْلًا مِنَ الغَنَمِ وإنَّما يَقُولُونَ: مَشَتْ شاةٌ، وطارَتْ حَمامَةٌ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الفَرْدُ ذَكَرًا وكانَ مِمّا يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَكَرِهِ وأُنْثاهُ في أغْراضِ النّاسِ وأرادُوا بَيانَ كَوْنِهِ ذَكَرًا قالُوا: طارَتْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ ولا يَقُولُونَ: طارَ حَمامَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ التَّفْرِقَةَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عَلامَةً عَلى كَوْنِ الفاعِلِ أُنْثى، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ: ماذا رُزِئْنَـا بِهِ مِـنْ حَـيَّةٍ ذَكَرٍ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ فَجاءَ باسِمِ (حَيَّةٍ) وهو اسْمٌ لِلْجِنْسِ مُقْتَرِنٌ بِهاءِ التَّأْنِيثِ ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفِ ذَكَرٍ، ثُمَّ أجْرى عَلَيْهِ التَّأْنِيثَ في قَوْلِهِ: نَضْناضَةٍ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِ (حَيَّةٍ) . وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ صَلاةِ العِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أقْبَلْتُ راكِبًا عَلى حِمارٍ أتانٍ) فَوَصَفَ (حِمارٍ) الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ بِاسْمٍ خاصٍّ بِأُنْثاهُ. ولِذَلِكَ فاقْتِرانُ فِعْلِ (قالَتْ) هُنا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ أُنْثى النَّمْلِ وذَكَرِهِ بَلْهَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضُ القُرْآنِ؛ لِأنَّ القَصْدَ وُقُوعُ هَذا الحادِثِ وبَيانُ عِلْمِ سُلَيْمانَ لا فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّفاسِفِ. وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنْ قَتادَةَ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ: أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ، فَأُفْحِمَ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كانَتْ أُنْثى. فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ: قالَ نَمْلَةٌ. قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ صفحة ٢٤٢ قَوْلِهِمْ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وقَوْلِهِمْ: وهو وهي. اهـ. ولَعَلَّ مُرادَ صاحِبِ الكَشّافِ إنْ كانَ قَصَدَ تَأْيِيدَ قَوْلَةِأبِي حَنِيفَةَ أنْ يُقاسَ عَلى الوَصْفِ بِالتَّذْكِيرِ ما يَقُومُ مَقامُهُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى فَتُقاسُ حالَةُ الفِعْلِ عَلى حالَةِ الوَصْفِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جاءَ بِكَلامٍ غَيْرِ صَرِيحٍ لا يُدْرى أهْوَ تَأْيِيدٌ لِأبِي حَنِيفَةَ أمْ خُرُوجٌ مِنَ المَضِيقِ. فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلى التَّصْرِيحِ بِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَرِنُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ إذا أُرِيدَ التَّفْرِقَةُ في حالَةِ فاعِلِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ المُنَيِّرِ في الِانْتِصافِ وابْنُ الحاجِبِ في إيضاحِ المُفَصَّلِ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ. ورَأوْا أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذُهِلَ فِيما قالَهُ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُ أحَدٍ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ ولا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالٌ ولا سِيَّما نُحاةَ الكُوفَةِ بَلَدِهِ، فَإنَّهم زادُوا فَجَوَّزُوا تَأْنِيثَ الفِعْلِ إذا كانَ فِعْلُهُ عَلَمًا مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ مِثْلُ: طَلْحَةُ وحَمْزَةُ. واعْلَمْ أنَّ إمامَةَ أبِي حَنِيفَةَ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ لا تُنافِي أنْ تَكُونَ مَقالَتُهُ في العَرَبِيَّةِ غَيْرَ ضَلِيعَةٍ. وأعْجَبُ مِن ذُهُولِ أبِي حَنِيفَةَ انْفِحامُ قَتادَةَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّ القِصَّةَ مُخْتَلَقَةٌ اخْتِلاقًا غَيْرَ مُتْقَنٍ. ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَها دَلالَةً ولِلنَّمْلِ الَّذِي مَعَها فَهْمًا لَها، وأنْ يَخْلُقَ فِيها إلْهامًا بِأنَّ الجَيْشَ جَيْشُ سُلَيْمانَ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ لَهُ. والحَطْمُ: حَقِيقَتُهُ الكَسْرُ لِشَيْءٍ صُلْبٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلرَّفْسِ بِجامِعِ الإهْلاكِ. و(﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾) إنْ جُعِلَتْ (لا) فِيهِ ناهِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ ودَلالَةً عَلى الفَزَعِ؛ لِأنَّ المُحَذِّرَ مِن شَيْءٍ مُفْزِعٌ يَأْتِي بِجُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِن فَرْطِ المَخافَةِ والنَّهْيِ عَنْ حَطْمِ سُلَيْمانَ إيّاهُنَّ كِنايَةً عَنْ نَهْيِهِنَّ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيهِ وإهْمالِ الحَذَرِ مِنهُ كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ: لا تَفْعَلْهُ فَأعْرِفْكَ بِفِعْلِهِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ؛ وإنْ جُعِلَتْ (لا) نافِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ واقِعَةً في جَوابِ الأمْرِ فَكانَ لَها حُكْمُ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. فالتَّقْدِيرُ: إنْ تَدْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ، أيْ: يَنْتَفِ حَطْمُ سُلَيْمانَ إيّاكُنَّ، وإلّا حَطَّمَكم. وهَذا مِمّا جَوَّزَهُ في الكَشّافِ. وفي هَذا الوَجْهِ كَوْنُ الفِعْلِ مُؤَكَّدًا بِالنُّونِ وهو مَنفِيٌّ بِ (لا) وذَلِكَ جائِزٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. وأمّا مَن مَنَعَهُ مِنَ النُّحاةِ فَيَمْنَعُ أنْ تُجْعَلَ (لا) نافِيَةً هُنا. وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَهُ مِنَ اقْتِرانِ جَوابِ الشَّرْطِ بِنُونِ صفحة ٢٤٣ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ في الحُكْمِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِنْدُهُ أخَفُّ مِن دُخُولِها في الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ النَّفْيَ يُضادُّ التَّوْكِيدَ. وتَسْمِيَةُ سُلَيْمانَ في حِكايَةِ كَلامِ النَّمْلَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى وإنَّما دَلَّتْ دَلالَةُ النَّمْلَةِ عَلى الحَذَرِ مِن حَطْمِ ذَلِكَ المُحاذِي لِوادِيها فَلَمّا حُكِيَتْ دَلالَتُها حُكِيَتْ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ عِلْمًا في النَّمْلَةِ عَلِمَتْ بِهِ أنَّ المارَّ بِها يُدْعى سُلَيْمانُ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ وخَرْقِ العادَةِ. وتَبَسُّمُ سُلَيْمانَ مِن قَوْلِها تَبَسُّمُ تَعَجُّبٍ. والتَّبَسُّمُ أضْعَفُ حالاتِ الضَّحِكِ فَقَوْلُهُ: (﴿ضاحِكًا﴾) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِ (تَبَسَّمَ)، وضَحِكُ الأنْبِياءِ التَّبَسُّمُ كَما ورَدَ في صِفَةِ ضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ التَّبَسُّمِ مِثْلَ بُدُوِّ النَّواجِذِ كَما ورَدَ في بَعْضِ صِفاتِ ضَحِكِهِ. وأمّا القَهْقَهَةُ فَلا تَكُونُ لِلْأنْبِياءِ وفي الحَدِيثِ «كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبِ» . وإنَّما تَعَجَّبَ مِن أنَّها عَرَفَتِ اسْمَهُ وأنَّها قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَوَسَمَتْهُ وجُنْدَهُ بِالصَّلاحِ والرَّأْفَةِ وأنَّهم لا يَقْتُلُونَ ما فِيهِ رُوحٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِرَأْفَتِهِ وعَدْلِهِ الشّامِلِ بِكُلِّ مَخْلُوقٍ لا فَسادَ مِنهُ أجْراهُ اللَّهُ عَلى نَمْلَةٍ لِيَعْلَمَ شَرَفَ العَدْلِ ولا يَحْتَقِرَ مَواضِعَهُ وأنَّ ولِيَّ الأمْرِ إذا عَدَلَ سَرى عَدْلُهُ في سائِرِ الأشْياءِ وظَهَرَتْ آثارُهُ فِيها حَتّى كَأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ ما لا إدْراكَ لَهُ، فَتَسِيرُ أُمُورُ جَمِيعِ الأُمَّةِ عَلى عَدْلٍ. ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ، فَضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِنَبِيئِهِ سُلَيْمانَ بِالوَحْيِ مِن دَلالَةِ نَمْلَةٍ، وذَلِكَ سِرٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ جَعَلَهُ تَنْبِيهًا لَهُ وداعِيَةً لِشُكْرِ رَبِّهِ فَقالَ ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ . وأوْزَعَ: مَزِيدٌ (وزَعَ) الَّذِي هو بِمَعْنى كَفَّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، والهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ، أيْ: أزالَ الوَزْعَ، أيِ: الكَفِّ. والمُرادُ أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كافًّا عَنْ عَمَلٍ وأرادُوا بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ ضِدِّ مَعْناهُ، أيْ: كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى العَمَلِ. وشاعَ هَذا الإطْلاقُ فَصارَ مَعْنى أوْزَعَ أغْرى بِالعَمَلِ. فالمَعْنى: وفِّقْنِي لِلشُّكْرِ. ولِذَلِكَ كانَ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿أوْزِعْنِي﴾) ألْهِمْنِي وأغْرِنِي. و(﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾) مَنصُوبٌ صفحة ٢٤٤ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ. والمَعْنى: اجْعَلْنِي مُلازِمًا شُكْرَ نِعْمَتَكَ. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الدَّوامَ عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ لِما في الشُّكْرِ مِنَ الثَّوابِ ومِنَ ازْدِيادِ النِّعَمِ فَقَدْ ورَدَ: النِّعْمَةُ وحْشِيَّةٌ قَيَّدُوها بِالشُّكْرِ فَإنَّها إذا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فَرَّتْ. ومِن كَلامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. وفي الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] وفي كَلامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ بَوارٌ، وقَلَّما أقْشَعَتْ نافِرَةً فَرَجَعَتْ في نِصابِها فاسْتَدْعِ شارِدَها بِالشُّكْرِ، واسْتَدْمِ راهِنَها بِكَرَمِ الجِوارِ، واعْلَمْ أنَّ سُبُوغَ سِتْرِ اللَّهِ مُتَقَلِّصٌ عَمّا قَرِيبٍ إذا أنْتَ لَمْ تَرْجُ لِلَّهِ وقارًا. وأدْرَجَ سُلَيْمانُ ذِكْرَ والِدَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صَلاحَ الوَلَدِ نِعْمَةٌ عَلى الوالِدَيْنِ بِما يُدْخِلُ عَلَيْهِما مِن مَسَرَّةٍ في الدُّنْيا وما يَنالُهُما مِن دُعائِهِ وصَدَقاتِهِ عَنْهُما مِنَ الثَّوابِ. ووالِداهُ هُما أبُوهُ داوُدُ بْنُ يَسِّي وأُمُّهُ بَثْشَبَعَ (بِنْتُ اليَعامَ) وهي الَّتِي كانَتْ زَوْجَةَ أُورِيا الحِثِّيِّ فاصْطَفاها داوُدُ لِنَفْسِهِ، وهي الَّتِي جاءَتْ فِيها قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ص. (﴿وأنْ أعْمَلَ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿أنْ أشْكُرَ﴾) . والإدْخالُ في العِبادِ الصّالِحِينَ مُسْتَعارٌ لِجَعْلِهِ واحِدًا مِنهم، فَشَبَّهَ إلْحاقَهُ بِهِمْ في الصَّلاحِ بِإدْخالِهِ عَلَيْهِمْ في زُمْرَتِهِمْ، وسُؤالُهُ ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والزِّيادَةُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ؛ لِأنَّ لِعِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.

النمل 27:19

﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ . (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ ومَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُها ولَكِنَّها مَعَ الِابْتِدائِيَّةِ غايَةٌ غَيْرُ نِهايَةٍ. و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ، وهو يَقْتَضِي فِعْلَيْنِ بَعْدَهُ يُشْبِهانِ فَعَلَيِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ؛ لِأنَّ (إذا) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ، و(إذا) مَعْمُولٌ لِفِعْلِ جَوابِهِ وأمّا فِعْلُ شَرْطِهِ فَهو جُمْلَةٌ مُضافٌ إلَيْها (إذا) . والتَّقْدِيرُ: حَتّى قالَتْ نَمْلَةٌ حِينَ أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ. ووادِ النَّمْلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ الجِنْسُ؛ لِأنَّ لِلنَّمْلِ شُقُوقًا ومَسالِكَ هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْها كالأوْدِيَةِ لِلسّاكِنِينَ مِنَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَكانٌ مُشْتَهِرٌ بِالنَّمْلِ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذا المُضافُ كَما سُمِّيَ وادِي السِّباعِ مَوْضِعٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ البَصْرَةِ ومَكَّةَ. قِيلَ: صفحة ٢٤١ وادِ النَّمْلِ في جِهَةِ الطّائِفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وكُلُّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ مِن سِياقِ الآيَةِ. والنَّمْلُ: اسْمُ جِنْسٍ لِحَشَراتٍ صَغِيرَةٍ ذاتِ سِتَّةِ أرْجُلٍ تَسْكُنُ في شُقُوقٍ مِنَ الأرْضِ. وهي أصْنافٌ مُتَفاوِتَةٌ في الحَجْمِ، والواحِدُ مِنهُ نَمْلَةٌ بِتاءِ الوَحْدَةِ، فَكَلِمَةُ نَمْلَةٍ لا تَدُلُّ إلّا عَلى فَرْدٍ واحِدٍ مِن هَذا النَّوْعِ دُونَ دَلالَةٍ عَلى تَذْكِيرٍ ولا تَأْنِيثٍ فَقَوْلُهُ: (نَمْلَةٌ) مَفادُهُ: قالَ واحِدٌ مِن هَذا النَّوْعِ. واقْتِرانُ فِعْلِهِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ جَرى عَلى مُراعاةِ صُورَةِ لَفْظِهِ لِشِبْهِ هائِهِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ، وإنَّما هي عَلامَةُ الوَحْدَةِ والعَرَبُ لا يَقُولُونَ: مَشى شاةٌ، إذا كانَ الماشِي فَحْلًا مِنَ الغَنَمِ وإنَّما يَقُولُونَ: مَشَتْ شاةٌ، وطارَتْ حَمامَةٌ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الفَرْدُ ذَكَرًا وكانَ مِمّا يُفَرَّقُ بَيْنَ ذَكَرِهِ وأُنْثاهُ في أغْراضِ النّاسِ وأرادُوا بَيانَ كَوْنِهِ ذَكَرًا قالُوا: طارَتْ حَمامَةٌ ذَكَرٌ ولا يَقُولُونَ: طارَ حَمامَةٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُفِيدُ التَّفْرِقَةَ. ألا تَرى أنَّهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عَلامَةً عَلى كَوْنِ الفاعِلِ أُنْثى، ألا تَرى إلى قَوْلِ النّابِغَةِ: ماذا رُزِئْنَـا بِهِ مِـنْ حَـيَّةٍ ذَكَرٍ نَضْناضَةٍ بِالرَّزايا صِلِّ أصْلالِ فَجاءَ باسِمِ (حَيَّةٍ) وهو اسْمٌ لِلْجِنْسِ مُقْتَرِنٌ بِهاءِ التَّأْنِيثِ ثُمَّ وصَفَهُ بِوَصْفِ ذَكَرٍ، ثُمَّ أجْرى عَلَيْهِ التَّأْنِيثَ في قَوْلِهِ: نَضْناضَةٍ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِ (حَيَّةٍ) . وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ صَلاةِ العِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (أقْبَلْتُ راكِبًا عَلى حِمارٍ أتانٍ) فَوَصَفَ (حِمارٍ) الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ بِاسْمٍ خاصٍّ بِأُنْثاهُ. ولِذَلِكَ فاقْتِرانُ فِعْلِ (قالَتْ) هُنا بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ لِمُراعاةِ اللَّفْظِ فَقَطْ، عَلى أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ أُنْثى النَّمْلِ وذَكَرِهِ بَلْهَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ غَرَضُ القُرْآنِ؛ لِأنَّ القَصْدَ وُقُوعُ هَذا الحادِثِ وبَيانُ عِلْمِ سُلَيْمانَ لا فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ السَّفاسِفِ. وذَكَرَ في الكَشّافِ: أنْ قَتادَةَ دَخَلَ الكُوفَةَ فالتَفَّ عَلَيْهِ النّاسُ فَقالَ: سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ. وكانَ أبُو حَنِيفَةَ حاضِرًا وهو غُلامٌ حَدَثٌ فَقالَ لَهم أبُو حَنِيفَةَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمانَ: أكانَتْ ذَكَرًا أمْ أُنْثى ؟ فَسَألُوهُ، فَأُفْحِمَ. فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كانَتْ أُنْثى. فَقِيلَ لَهُ: مَن أيْنَ عَرَفْتَ ؟ قالَ: مِن كِتابِ اللَّهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولَوْ كانَ ذَكَرًا لَقالَ: قالَ نَمْلَةٌ. قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ النَّمْلَةَ مِثْلُ الحَمامَةِ والشّاةِ في وُقُوعِها عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى فَيُمَيَّزُ بَيْنَهُما بِعَلامَةٍ نَحْوُ صفحة ٢٤٢ قَوْلِهِمْ: حَمامَةٌ ذَكَرٌ وحَمامَةٌ أُنْثى، وقَوْلِهِمْ: وهو وهي. اهـ. ولَعَلَّ مُرادَ صاحِبِ الكَشّافِ إنْ كانَ قَصَدَ تَأْيِيدَ قَوْلَةِأبِي حَنِيفَةَ أنْ يُقاسَ عَلى الوَصْفِ بِالتَّذْكِيرِ ما يَقُومُ مَقامُهُ في الدَّلالَةِ عَلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى فَتُقاسُ حالَةُ الفِعْلِ عَلى حالَةِ الوَصْفِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جاءَ بِكَلامٍ غَيْرِ صَرِيحٍ لا يُدْرى أهْوَ تَأْيِيدٌ لِأبِي حَنِيفَةَ أمْ خُرُوجٌ مِنَ المَضِيقِ. فَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلى التَّصْرِيحِ بِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَرِنُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ إذا أُرِيدَ التَّفْرِقَةُ في حالَةِ فاعِلِهِ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ المُنَيِّرِ في الِانْتِصافِ وابْنُ الحاجِبِ في إيضاحِ المُفَصَّلِ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ عَلى الكَشّافِ. ورَأوْا أنَّ أبا حَنِيفَةَ ذُهِلَ فِيما قالَهُ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُ أحَدٍ مِن أيِمَّةِ اللُّغَةِ ولا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِعْمالٌ ولا سِيَّما نُحاةَ الكُوفَةِ بَلَدِهِ، فَإنَّهم زادُوا فَجَوَّزُوا تَأْنِيثَ الفِعْلِ إذا كانَ فِعْلُهُ عَلَمًا مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ مِثْلُ: طَلْحَةُ وحَمْزَةُ. واعْلَمْ أنَّ إمامَةَ أبِي حَنِيفَةَ في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ لا تُنافِي أنْ تَكُونَ مَقالَتُهُ في العَرَبِيَّةِ غَيْرَ ضَلِيعَةٍ. وأعْجَبُ مِن ذُهُولِ أبِي حَنِيفَةَ انْفِحامُ قَتادَةَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الكَلامِ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّ القِصَّةَ مُخْتَلَقَةٌ اخْتِلاقًا غَيْرَ مُتْقَنٍ. ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَها دَلالَةً ولِلنَّمْلِ الَّذِي مَعَها فَهْمًا لَها، وأنْ يَخْلُقَ فِيها إلْهامًا بِأنَّ الجَيْشَ جَيْشُ سُلَيْمانَ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ لَهُ. والحَطْمُ: حَقِيقَتُهُ الكَسْرُ لِشَيْءٍ صُلْبٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلرَّفْسِ بِجامِعِ الإهْلاكِ. و(﴿لا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾) إنْ جُعِلَتْ (لا) فِيهِ ناهِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَكْرِيرًا لِلتَّحْذِيرِ ودَلالَةً عَلى الفَزَعِ؛ لِأنَّ المُحَذِّرَ مِن شَيْءٍ مُفْزِعٌ يَأْتِي بِجُمَلٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِن فَرْطِ المَخافَةِ والنَّهْيِ عَنْ حَطْمِ سُلَيْمانَ إيّاهُنَّ كِنايَةً عَنْ نَهْيِهِنَّ عَنِ التَّسَبُّبِ فِيهِ وإهْمالِ الحَذَرِ مِنهُ كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، أيْ: لا تَفْعَلْهُ فَأعْرِفْكَ بِفِعْلِهِ، والنُّونُ تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ؛ وإنْ جُعِلَتْ (لا) نافِيَةً كانَتِ الجُمْلَةُ واقِعَةً في جَوابِ الأمْرِ فَكانَ لَها حُكْمُ جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ. فالتَّقْدِيرُ: إنْ تَدْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ، أيْ: يَنْتَفِ حَطْمُ سُلَيْمانَ إيّاكُنَّ، وإلّا حَطَّمَكم. وهَذا مِمّا جَوَّزَهُ في الكَشّافِ. وفي هَذا الوَجْهِ كَوْنُ الفِعْلِ مُؤَكَّدًا بِالنُّونِ وهو مَنفِيٌّ بِ (لا) وذَلِكَ جائِزٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ إلّا أنَّهُ قَلِيلٌ. وأمّا مَن مَنَعَهُ مِنَ النُّحاةِ فَيَمْنَعُ أنْ تُجْعَلَ (لا) نافِيَةً هُنا. وصاحِبُ الكَشّافِ جَعَلَهُ مِنَ اقْتِرانِ جَوابِ الشَّرْطِ بِنُونِ صفحة ٢٤٣ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّ جَوابَ الأمْرِ في الحُكْمِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِنْدُهُ أخَفُّ مِن دُخُولِها في الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ النَّفْيَ يُضادُّ التَّوْكِيدَ. وتَسْمِيَةُ سُلَيْمانَ في حِكايَةِ كَلامِ النَّمْلَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى وإنَّما دَلَّتْ دَلالَةُ النَّمْلَةِ عَلى الحَذَرِ مِن حَطْمِ ذَلِكَ المُحاذِي لِوادِيها فَلَمّا حُكِيَتْ دَلالَتُها حُكِيَتْ بِالمَعْنى لا بِاللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ خَلَقَ اللَّهُ عِلْمًا في النَّمْلَةِ عَلِمَتْ بِهِ أنَّ المارَّ بِها يُدْعى سُلَيْمانُ عَلى سَبِيلِ المُعْجِزَةِ وخَرْقِ العادَةِ. وتَبَسُّمُ سُلَيْمانَ مِن قَوْلِها تَبَسُّمُ تَعَجُّبٍ. والتَّبَسُّمُ أضْعَفُ حالاتِ الضَّحِكِ فَقَوْلُهُ: (﴿ضاحِكًا﴾) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِ (تَبَسَّمَ)، وضَحِكُ الأنْبِياءِ التَّبَسُّمُ كَما ورَدَ في صِفَةِ ضَحِكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ التَّبَسُّمِ مِثْلَ بُدُوِّ النَّواجِذِ كَما ورَدَ في بَعْضِ صِفاتِ ضَحِكِهِ. وأمّا القَهْقَهَةُ فَلا تَكُونُ لِلْأنْبِياءِ وفي الحَدِيثِ «كَثْرَةُ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبِ» . وإنَّما تَعَجَّبَ مِن أنَّها عَرَفَتِ اسْمَهُ وأنَّها قالَتْ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ فَوَسَمَتْهُ وجُنْدَهُ بِالصَّلاحِ والرَّأْفَةِ وأنَّهم لا يَقْتُلُونَ ما فِيهِ رُوحٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِرَأْفَتِهِ وعَدْلِهِ الشّامِلِ بِكُلِّ مَخْلُوقٍ لا فَسادَ مِنهُ أجْراهُ اللَّهُ عَلى نَمْلَةٍ لِيَعْلَمَ شَرَفَ العَدْلِ ولا يَحْتَقِرَ مَواضِعَهُ وأنَّ ولِيَّ الأمْرِ إذا عَدَلَ سَرى عَدْلُهُ في سائِرِ الأشْياءِ وظَهَرَتْ آثارُهُ فِيها حَتّى كَأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ ما لا إدْراكَ لَهُ، فَتَسِيرُ أُمُورُ جَمِيعِ الأُمَّةِ عَلى عَدْلٍ. ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ، فَضَرَبَ هَذا المَثَلَ لِنَبِيئِهِ سُلَيْمانَ بِالوَحْيِ مِن دَلالَةِ نَمْلَةٍ، وذَلِكَ سِرٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ جَعَلَهُ تَنْبِيهًا لَهُ وداعِيَةً لِشُكْرِ رَبِّهِ فَقالَ ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ . وأوْزَعَ: مَزِيدٌ (وزَعَ) الَّذِي هو بِمَعْنى كَفَّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، والهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ، أيْ: أزالَ الوَزْعَ، أيِ: الكَفِّ. والمُرادُ أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُ كافًّا عَنْ عَمَلٍ وأرادُوا بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ ضِدِّ مَعْناهُ، أيْ: كِنايَةً عَنِ الحَثِّ عَلى العَمَلِ. وشاعَ هَذا الإطْلاقُ فَصارَ مَعْنى أوْزَعَ أغْرى بِالعَمَلِ. فالمَعْنى: وفِّقْنِي لِلشُّكْرِ. ولِذَلِكَ كانَ حَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى بِالباءِ. فَمَعْنى قَوْلِهِ: (﴿أوْزِعْنِي﴾) ألْهِمْنِي وأغْرِنِي. و(﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾) مَنصُوبٌ صفحة ٢٤٤ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو الباءُ. والمَعْنى: اجْعَلْنِي مُلازِمًا شُكْرَ نِعْمَتَكَ. وإنَّما سَألَ اللَّهَ الدَّوامَ عَلى شُكْرِ النِّعْمَةِ لِما في الشُّكْرِ مِنَ الثَّوابِ ومِنَ ازْدِيادِ النِّعَمِ فَقَدْ ورَدَ: النِّعْمَةُ وحْشِيَّةٌ قَيَّدُوها بِالشُّكْرِ فَإنَّها إذا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وإذا كُفِرَتْ فَرَّتْ. ومِن كَلامِ الشَّيْخِ ابْنِ عَطاءِ اللَّهِ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. وفي الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] وفي كَلامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ أنَّ كُفْرانَ النِّعَمِ بَوارٌ، وقَلَّما أقْشَعَتْ نافِرَةً فَرَجَعَتْ في نِصابِها فاسْتَدْعِ شارِدَها بِالشُّكْرِ، واسْتَدْمِ راهِنَها بِكَرَمِ الجِوارِ، واعْلَمْ أنَّ سُبُوغَ سِتْرِ اللَّهِ مُتَقَلِّصٌ عَمّا قَرِيبٍ إذا أنْتَ لَمْ تَرْجُ لِلَّهِ وقارًا. وأدْرَجَ سُلَيْمانُ ذِكْرَ والِدَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِ إنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صَلاحَ الوَلَدِ نِعْمَةٌ عَلى الوالِدَيْنِ بِما يُدْخِلُ عَلَيْهِما مِن مَسَرَّةٍ في الدُّنْيا وما يَنالُهُما مِن دُعائِهِ وصَدَقاتِهِ عَنْهُما مِنَ الثَّوابِ. ووالِداهُ هُما أبُوهُ داوُدُ بْنُ يَسِّي وأُمُّهُ بَثْشَبَعَ (بِنْتُ اليَعامَ) وهي الَّتِي كانَتْ زَوْجَةَ أُورِيا الحِثِّيِّ فاصْطَفاها داوُدُ لِنَفْسِهِ، وهي الَّتِي جاءَتْ فِيها قِصَّةُ نَبَأِ الخَصْمِ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ ص. (﴿وأنْ أعْمَلَ﴾) عَطْفٌ عَلى (﴿أنْ أشْكُرَ﴾) . والإدْخالُ في العِبادِ الصّالِحِينَ مُسْتَعارٌ لِجَعْلِهِ واحِدًا مِنهم، فَشَبَّهَ إلْحاقَهُ بِهِمْ في الصَّلاحِ بِإدْخالِهِ عَلَيْهِمْ في زُمْرَتِهِمْ، وسُؤالُهُ ذَلِكَ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِمْرارُ والزِّيادَةُ مِن رَفْعِ الدَّرَجاتِ؛ لِأنَّ لِعِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ.

النمل 27:20

صفحة ٢٤٥ ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِي لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ . صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ، والتَّكَلُّفُ: الطَّلَبُ. واشْتِقاقُ (تَفَقَّدَ) مِنَ الفَقْدِ يَقْتَضِي أنَّ (تَفَقَّدَ) بِمَعْنى طَلَبِ الفَقْدِ. ولَكِنَّهم تَوَسَّعُوا فِيهِ فَأطْلَقُوهُ عَلى طَلَبِ مَعْرِفَةِ سَبَبِ الفَقْدِ، أيْ: مَعْرِفَةُ ما أحْدَثَهُ الفَقْدُ في شَيْءٍ، فالتَّفَقُّدُ: البَحْثُ عَنِ الفَقْدِ لَيَعْرِفَ بِذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ لَمْ يَنْقُصْ وكانَ الطَّيْرُ مِن جُمْلَةِ الجُنْدِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّيْرِ صالِحٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في أُمُورِ الجُنْدِ فَمِنهُ الحَمامُ الزّاجِلُ، ومِنهُ الهُدْهُدُ أيْضًا لِمَعْرِفَةِ الماءِ، ومِنهُ البُزاةُ والصُّقُورُ لِصَيْدِ المَلِكِ وجُنْدِهِ، ولِجَلْبِ الطَّعامِ لِلْجُنْدِ مِنَ الصَّيْدِ إذا حَلَّ الجُنْدُ في القِفارِ أوْ نَفَدَ الزّادُ. ولِلطَّيْرِ جُنُودٌ يَقُومُونَ بِشُئُونِها. وتَفَقُّدُ الجُنْدِ مِن شِعارِ المَلِكِ والأُمَراءِ وهو مِن مَقاصِدِ حَشْرِ الجُنُودِ وتَسْيِيرِها. والمَعْنى: تَفَقَّدَ الطَّيْرَ في جُمْلَةِ ما تَفَقَّدَهُ فَقالَ لِمَن يَلُونَ أمْرَ الطَّيْرِ: ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ. ومِن واجِباتِ وُلاةِ الأُمُورِ تَفَقُّدُ أحْوالِ الرَّعِيَّةِ وتَفَقُّدُ العُمّالِ ونَحْوِهِمْ بِنَفْسِهِ كَما فَعَلَ عُمَرُ في خُرُوجِهِ إلى الشّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ هِجْرِيَّةً، أوْ بِمَن يَكِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ يَتَفَقَّدُ العُمّالَ. والهُدْهُدُ: نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ وهو ما يُقَرْقِرُ وفي رائِحَتِهِ نَتَنٌ وفَوْقَ رَأْسِهِ قَزَعَةٌ سَوْداءُ، وهو أسْوَدُ البَراثِنِ، أصْفَرُ الأجْفانِ، يَقْتاتُ الحُبُوبَ والدُّودَ، يَرى الماءَ مِن بُعْدٍ ويُحِسُّ بِهِ في باطِنِ الأرْضِ فَإذا رَفْرَفَ عَلى مَوْضِعٍ عُلِمَ أنَّ بِهِ ماءً، وهَذا سَبَبُ اتِّخاذِهِ في جُنْدِ سُلَيْمانَ. قالَ الجاحِظُ: يَزْعُمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَدُلُّ سُلَيْمانَ عَلى مَواضِعِ الماءِ في قَعُورِ الأرَضِينَ إذا أرادَ اسْتِنْباطَ شَيْءٍ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ في حالِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ الهُدْهُدَ، فَ (ما) اسْتِفْهامٌ. واللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِيَ) لِلِاخْتِصاصِ. والمَجْرُورُ صفحة ٢٤٦ بِاللّامِ خَبَرٌ عَنْ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: ما الأمْرُ الَّذِي كانَ لِي. وجُمْلَةُ (﴿لا أرى الهُدْهُدَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ المَجْرُورِ بِاللّامِ، فالِاسْتِفْهامُ عَمّا حَصَلَ لَهُ في هَذِهِ الحالِ، أيْ: عَنِ المانِعِ لِرُؤْيَةِ الهُدْهُدِ. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى خُفَرائِهِ. يَعْنِي: أكانَ انْتِفاءُ رُؤْيَتِي الهُدْهُدَ مِن عَدَمِ إحاطَةِ نَظَرِي أمْ مِنَ اخْتِفاءِ الهُدْهُدِ ؟ فالِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ظُهُورِ الهُدْهُدِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ؛ لِأنَّها تَقَعُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي يُطْلَبُ بِها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ. و(أمْ) لا يُفارِقُها تَقْدِيرُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها فَأفادَتْ هُنا إضْرابَ الِانْتِقالِ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أكانَ مِنَ الغائِبِينَ ؟ ولَيْسَتْ (أمْ) المُنْقَطِعَةُ خاصَّةً بِالوُقُوعِ بَعْدَ الخَبَرِ بَلْ كَما تَقَعُ بَعْدَ الخَبَرِ تَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ. وصاحِبُ المِفْتاحِ مَثَّلَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في التَّعَجُّبِ والمِثالُ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ. ولَمّا كانَ قَوْلُ سُلَيْمانَ هَذا صادِرًا بَعْدَ تَقَصِّيهِ أحْوالَ الطَّيْرِ ورَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أنَّهُ غابَ فَقالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ﴾؛ لِأنَّ تَغَيُّبَهُ مِن دُونِ إذْنٍ عِصْيانٌ يَقْتَضِي عِقابَهُ، وذَلِكَ مَوْكُولٌ لِاجْتِهادِ سُلَيْمانَ في المِقْدارِ الَّذِي يَراهُ اسْتِصْلاحًا لَهُ إنْ كانَ يُرْجى صَلاحُهُ أوْ إعْدامًا لَهُ لِئَلّا يُلَقِّنَ بِالفَسادِ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ الفَسادُ في الجُنْدِ ويَكُونُ عِقابُهُ نَكالًا لِغَيْرِهِ. فَصَمَّمَ سُلَيْمانُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ عُقُوبَةً جَزاءً عَلى عَدَمِ حُضُورِهِ في الجُنُودِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذا جَوازُ عِقابِ الجُنْدِيِّ إذا خالَفَ ما عُيِّنَ لَهُ مِن عَمَلٍ أوْ تَغَيَّبَ عَنْهُ. وأمّا عُقُوبَةُ الحَيَوانِ فَإنَّما تَكُونُ عِنْدَ تَجاوُزِهِ المُعْتادَ في أحْوالِهِ. قالَ القَرافِيُّ في تَنْقِيحِ الفُصُولِ في آخِرِ فُصُولِهِ: سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنْ قَتْلِ الهِرِّ المَوْذِي هَلْ يَجُوزُ ؟ فَكَتَبَ وأنا حاضِرٌ: إذا خَرَجَتْ أذِيَّتُهُ عَنْ عادَةِ القِطَطِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ قُتِلَ اهـ. قالَ القَرافِيُّ: فاحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الأوَّلِ عَمّا هو في طَبْعِ الهِرِّ مِن أكْلِ اللَّحْمِ إذا تُرِكَ، فَإذا أكَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأنَّهُ طَبْعُهُ، واحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الثّانِي عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ القِلَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ قَتْلَهُ. قالَ القَرافِيُّ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا آذَتِ الهِرَّةُ وقَصَدَ قَتْلَها لا تُعَذَّبُ ولا تُخْنَقُ بَلْ تُذْبَحُ بِمُوسى حادَّةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» اهـ. صفحة ٢٤٧ وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: ولا بَأْسَ إنْ شاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذا آذَتْ ولَمْ يُقْدَرْ عَلى تَرْكِها. فَقَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ. أمّا العِقابُ الخَفِيفُ لِلْحَيَوانِ لِتَرْبِيَتِهِ وتَأْدِيبِهِ كَضَرْبِ الخَيْلِ لِتَعْلِيمِ السَّيْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو مَأْذُونٌ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ، وكَذَلِكَ السَّبَقُ بَيْنَ الخَيْلِ مَعَ ما فِيهِ مِن إتْعابِها لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ عَلَيْها في الجُيُوشِ. و(أوْ) تُفِيدُ أحَدَ الأشْياءِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ جَعَلَهُ ثالِثَ الأُمُورِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً لِغَيْبَتِهِ وهو أنْ يَأْتِيَ بِما يَدْفَعُ بِهِ العِقابَ عَنْ نَفْسِهِ مِن عُذْرٍ في التَّخَلُّفِ مَقْبُولٍ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. والمُبِينُ: المُظْهِرُ لِلْحَقِّ المُحْتَجُّ بِها. وهَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ اسْتِقْصاءٌ لِلْهُدْهُدِ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ الغائِبَ حُجَّتُهُ مَعَهُ. وأكَّدَ عَزْمَهُ عَلى عِقابِهِ بِتَأْكِيدِ الجُمْلَتَيْنِ (﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾) (﴿لَأذْبَحَنَّهُ﴾) بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي تُسَمّى لامُ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ لِيَعْلَمَ الجُنْدُ ذَلِكَ حَتّى إذا فُقِدَ الهُدْهُدُ ولَمْ يَرْجِعْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ زاجِرًا لِباقِي الجُنْدِ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ فِعْلَتِهِ فَيَنالُهُمُ العِقابُ. وأمّا تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَلِإفادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا مَنجى لَهُ مِنَ العِقابِ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ تُبَرِّرُ تَغَيُّبَهُ؛ لِأنَّ سِياقَ تِلْكَ الجُمْلَةِ يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَها عَدِيلُ العُقُوبَةِ. فَلَمّا كانَ العِقابُ مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا فَقَدِ اقْتَضى تَأْكِيدَ المُخْرِجِ مِنهُ؛ لِئَلّا يُبَرِّئَهُ مِنهُ إلّا تَحَقُّقُ الإتْيانِ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ لِئَلّا تُتَوَهَّمَ هَوادَةٌ في الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ فَكانَ تَأْكِيدُ العَدِيلِ كَتَأْكِيدِ مُعادِلِهِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ (أوِ) الأُولى لِلتَّخْيِيرِ و(أوِ) الثّانِيَةَ لِلتَّقْسِيمِ. وقِيلَ: جِيءَ بِتَوْكِيدِ جُمْلَةِ (لَيَأْتِيَنِّي) مُشاكَلَةً لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وتَغْلِيبًا. واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولَيْسَ مِنَ التَّحْقِيقِ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ (﴿لا أذْبَحَنَّهُ﴾) بِلامِ ألِفٍ بَعْدَها ألِفٌ حَتّى يُخالَ أنَّهُ نَفْيُ الذَّبْحِ، ولَيْسَ بِنَفْيٍ؛ لِأنَّ وُقُوعَ نُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَهُ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ إثْباتٌ؛ إذْ لا يُؤَكَّدُ المَنفِيُّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ إلّا نادِرًا في كَلامِهِمْ؛ ولِأنَّ سِياقَ الكَلامِ والمَعْنى حارِسٌ مِن تَطَرُّقِ صفحة ٢٤٨ احْتِمالِ النَّفْيِ؛ ولِأنَّ اعْتِمادَ المُسْلِمِينَ في ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى الحِفْظِ لا عَلى الكِتابَةِ، فَإنَّ المَصاحِفَ ما كُتِبَتْ حَتّى قُرِئَ القُرْآنُ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقَدْ تَقَعُ في رَسْمِ المُصْحَفِ أشْياءُ مُخالِفَةٌ لِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الرّاسِمُونَ مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ لَمْ يَكُنْ عَلى تَمامِ الضَّبْطِ في صَدْرِ الإسْلامِ وكانَ اعْتِمادُ العَرَبِ عَلى حَوافِظِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّني﴾) بِنُونَيْنِ الأُولى مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِحَذْفِ نُونِ الوِقايَةِ لِتَلاقِي النُّوناتِ.

النمل 27:21

صفحة ٢٤٥ ﴿وتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِي لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ . صِيغَةُ التَّفَعُّلِ تَدُلُّ عَلى التَّكَلُّفِ، والتَّكَلُّفُ: الطَّلَبُ. واشْتِقاقُ (تَفَقَّدَ) مِنَ الفَقْدِ يَقْتَضِي أنَّ (تَفَقَّدَ) بِمَعْنى طَلَبِ الفَقْدِ. ولَكِنَّهم تَوَسَّعُوا فِيهِ فَأطْلَقُوهُ عَلى طَلَبِ مَعْرِفَةِ سَبَبِ الفَقْدِ، أيْ: مَعْرِفَةُ ما أحْدَثَهُ الفَقْدُ في شَيْءٍ، فالتَّفَقُّدُ: البَحْثُ عَنِ الفَقْدِ لَيَعْرِفَ بِذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ لَمْ يَنْقُصْ وكانَ الطَّيْرُ مِن جُمْلَةِ الجُنْدِ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّيْرِ صالِحٌ لِلِانْتِفاعِ بِهِ في أُمُورِ الجُنْدِ فَمِنهُ الحَمامُ الزّاجِلُ، ومِنهُ الهُدْهُدُ أيْضًا لِمَعْرِفَةِ الماءِ، ومِنهُ البُزاةُ والصُّقُورُ لِصَيْدِ المَلِكِ وجُنْدِهِ، ولِجَلْبِ الطَّعامِ لِلْجُنْدِ مِنَ الصَّيْدِ إذا حَلَّ الجُنْدُ في القِفارِ أوْ نَفَدَ الزّادُ. ولِلطَّيْرِ جُنُودٌ يَقُومُونَ بِشُئُونِها. وتَفَقُّدُ الجُنْدِ مِن شِعارِ المَلِكِ والأُمَراءِ وهو مِن مَقاصِدِ حَشْرِ الجُنُودِ وتَسْيِيرِها. والمَعْنى: تَفَقَّدَ الطَّيْرَ في جُمْلَةِ ما تَفَقَّدَهُ فَقالَ لِمَن يَلُونَ أمْرَ الطَّيْرِ: ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ. ومِن واجِباتِ وُلاةِ الأُمُورِ تَفَقُّدُ أحْوالِ الرَّعِيَّةِ وتَفَقُّدُ العُمّالِ ونَحْوِهِمْ بِنَفْسِهِ كَما فَعَلَ عُمَرُ في خُرُوجِهِ إلى الشّامِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ هِجْرِيَّةً، أوْ بِمَن يَكِلُ إلَيْهِ ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ يَتَفَقَّدُ العُمّالَ. والهُدْهُدُ: نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ وهو ما يُقَرْقِرُ وفي رائِحَتِهِ نَتَنٌ وفَوْقَ رَأْسِهِ قَزَعَةٌ سَوْداءُ، وهو أسْوَدُ البَراثِنِ، أصْفَرُ الأجْفانِ، يَقْتاتُ الحُبُوبَ والدُّودَ، يَرى الماءَ مِن بُعْدٍ ويُحِسُّ بِهِ في باطِنِ الأرْضِ فَإذا رَفْرَفَ عَلى مَوْضِعٍ عُلِمَ أنَّ بِهِ ماءً، وهَذا سَبَبُ اتِّخاذِهِ في جُنْدِ سُلَيْمانَ. قالَ الجاحِظُ: يَزْعُمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي كانَ يَدُلُّ سُلَيْمانَ عَلى مَواضِعِ الماءِ في قَعُورِ الأرَضِينَ إذا أرادَ اسْتِنْباطَ شَيْءٍ مِنها. وقَوْلُهُ: ﴿ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَنْ شَيْءٍ حَصَلَ لَهُ في حالِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ الهُدْهُدَ، فَ (ما) اسْتِفْهامٌ. واللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِيَ) لِلِاخْتِصاصِ. والمَجْرُورُ صفحة ٢٤٦ بِاللّامِ خَبَرٌ عَنْ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: ما الأمْرُ الَّذِي كانَ لِي. وجُمْلَةُ (﴿لا أرى الهُدْهُدَ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ المَجْرُورِ بِاللّامِ، فالِاسْتِفْهامُ عَمّا حَصَلَ لَهُ في هَذِهِ الحالِ، أيْ: عَنِ المانِعِ لِرُؤْيَةِ الهُدْهُدِ. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى خُفَرائِهِ. يَعْنِي: أكانَ انْتِفاءُ رُؤْيَتِي الهُدْهُدَ مِن عَدَمِ إحاطَةِ نَظَرِي أمْ مِنَ اخْتِفاءِ الهُدْهُدِ ؟ فالِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ظُهُورِ الهُدْهُدِ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ؛ لِأنَّها تَقَعُ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي يُطْلَبُ بِها تَعْيِينُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ. و(أمْ) لا يُفارِقُها تَقْدِيرُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها فَأفادَتْ هُنا إضْرابَ الِانْتِقالِ مِنَ اسْتِفْهامٍ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أكانَ مِنَ الغائِبِينَ ؟ ولَيْسَتْ (أمْ) المُنْقَطِعَةُ خاصَّةً بِالوُقُوعِ بَعْدَ الخَبَرِ بَلْ كَما تَقَعُ بَعْدَ الخَبَرِ تَقَعُ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ. وصاحِبُ المِفْتاحِ مَثَّلَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِاسْتِعْمالِ الِاسْتِفْهامِ في التَّعَجُّبِ والمِثالُ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ. ولَمّا كانَ قَوْلُ سُلَيْمانَ هَذا صادِرًا بَعْدَ تَقَصِّيهِ أحْوالَ الطَّيْرِ ورَجَّحَ ذَلِكَ عِنْدَهُ أنَّهُ غابَ فَقالَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ﴾؛ لِأنَّ تَغَيُّبَهُ مِن دُونِ إذْنٍ عِصْيانٌ يَقْتَضِي عِقابَهُ، وذَلِكَ مَوْكُولٌ لِاجْتِهادِ سُلَيْمانَ في المِقْدارِ الَّذِي يَراهُ اسْتِصْلاحًا لَهُ إنْ كانَ يُرْجى صَلاحُهُ أوْ إعْدامًا لَهُ لِئَلّا يُلَقِّنَ بِالفَسادِ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ الفَسادُ في الجُنْدِ ويَكُونُ عِقابُهُ نَكالًا لِغَيْرِهِ. فَصَمَّمَ سُلَيْمانُ عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ عُقُوبَةً جَزاءً عَلى عَدَمِ حُضُورِهِ في الجُنُودِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذا جَوازُ عِقابِ الجُنْدِيِّ إذا خالَفَ ما عُيِّنَ لَهُ مِن عَمَلٍ أوْ تَغَيَّبَ عَنْهُ. وأمّا عُقُوبَةُ الحَيَوانِ فَإنَّما تَكُونُ عِنْدَ تَجاوُزِهِ المُعْتادَ في أحْوالِهِ. قالَ القَرافِيُّ في تَنْقِيحِ الفُصُولِ في آخِرِ فُصُولِهِ: سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَنْ قَتْلِ الهِرِّ المَوْذِي هَلْ يَجُوزُ ؟ فَكَتَبَ وأنا حاضِرٌ: إذا خَرَجَتْ أذِيَّتُهُ عَنْ عادَةِ القِطَطِ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهُ قُتِلَ اهـ. قالَ القَرافِيُّ: فاحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الأوَّلِ عَمّا هو في طَبْعِ الهِرِّ مِن أكْلِ اللَّحْمِ إذا تُرِكَ، فَإذا أكَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ لِأنَّهُ طَبْعُهُ، واحْتَرَزَ بِالقَيْدِ الثّانِي عَنْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهُ عَلى وجْهِ القِلَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ قَتْلَهُ. قالَ القَرافِيُّ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا آذَتِ الهِرَّةُ وقَصَدَ قَتْلَها لا تُعَذَّبُ ولا تُخْنَقُ بَلْ تُذْبَحُ بِمُوسى حادَّةٍ لِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ» اهـ. صفحة ٢٤٧ وقالَ الشَّيْخُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ: ولا بَأْسَ إنْ شاءَ اللَّهُ بِقَتْلِ النَّمْلِ إذا آذَتْ ولَمْ يُقْدَرْ عَلى تَرْكِها. فَقَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا﴾ شَرِيعَةٌ مَنسُوخَةٌ. أمّا العِقابُ الخَفِيفُ لِلْحَيَوانِ لِتَرْبِيَتِهِ وتَأْدِيبِهِ كَضَرْبِ الخَيْلِ لِتَعْلِيمِ السَّيْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَهو مَأْذُونٌ فِيهِ لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ، وكَذَلِكَ السَّبَقُ بَيْنَ الخَيْلِ مَعَ ما فِيهِ مِن إتْعابِها لِمَصْلَحَةِ السَّيْرِ عَلَيْها في الجُيُوشِ. و(أوْ) تُفِيدُ أحَدَ الأشْياءِ فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ جَعَلَهُ ثالِثَ الأُمُورِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً لِغَيْبَتِهِ وهو أنْ يَأْتِيَ بِما يَدْفَعُ بِهِ العِقابَ عَنْ نَفْسِهِ مِن عُذْرٍ في التَّخَلُّفِ مَقْبُولٍ. والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ. والمُبِينُ: المُظْهِرُ لِلْحَقِّ المُحْتَجُّ بِها. وهَذِهِ الزِّيادَةُ مِنَ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ اسْتِقْصاءٌ لِلْهُدْهُدِ في حَقِّهِ؛ لِأنَّ الغائِبَ حُجَّتُهُ مَعَهُ. وأكَّدَ عَزْمَهُ عَلى عِقابِهِ بِتَأْكِيدِ الجُمْلَتَيْنِ (﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ﴾) (﴿لَأذْبَحَنَّهُ﴾) بِاللّامِ المُؤَكِّدَةِ الَّتِي تُسَمّى لامُ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ لِيَعْلَمَ الجُنْدُ ذَلِكَ حَتّى إذا فُقِدَ الهُدْهُدُ ولَمْ يَرْجِعْ يَكُونُ ذَلِكَ التَّأْكِيدُ زاجِرًا لِباقِي الجُنْدِ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ فِعْلَتِهِ فَيَنالُهُمُ العِقابُ. وأمّا تَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَلِإفادَةِ تَحْقِيقِ أنَّهُ لا مَنجى لَهُ مِنَ العِقابِ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ تُبَرِّرُ تَغَيُّبَهُ؛ لِأنَّ سِياقَ تِلْكَ الجُمْلَةِ يُفِيدُ أنَّ مَضْمُونَها عَدِيلُ العُقُوبَةِ. فَلَمّا كانَ العِقابُ مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا فَقَدِ اقْتَضى تَأْكِيدَ المُخْرِجِ مِنهُ؛ لِئَلّا يُبَرِّئَهُ مِنهُ إلّا تَحَقُّقُ الإتْيانِ بِحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ لِئَلّا تُتَوَهَّمَ هَوادَةٌ في الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ فَكانَ تَأْكِيدُ العَدِيلِ كَتَأْكِيدِ مُعادِلِهِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ (أوِ) الأُولى لِلتَّخْيِيرِ و(أوِ) الثّانِيَةَ لِلتَّقْسِيمِ. وقِيلَ: جِيءَ بِتَوْكِيدِ جُمْلَةِ (لَيَأْتِيَنِّي) مُشاكَلَةً لِلْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وتَغْلِيبًا. واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ولَيْسَ مِنَ التَّحْقِيقِ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ (﴿لا أذْبَحَنَّهُ﴾) بِلامِ ألِفٍ بَعْدَها ألِفٌ حَتّى يُخالَ أنَّهُ نَفْيُ الذَّبْحِ، ولَيْسَ بِنَفْيٍ؛ لِأنَّ وُقُوعَ نُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَهُ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ إثْباتٌ؛ إذْ لا يُؤَكَّدُ المَنفِيُّ بِنُونِ التَّأْكِيدِ إلّا نادِرًا في كَلامِهِمْ؛ ولِأنَّ سِياقَ الكَلامِ والمَعْنى حارِسٌ مِن تَطَرُّقِ صفحة ٢٤٨ احْتِمالِ النَّفْيِ؛ ولِأنَّ اعْتِمادَ المُسْلِمِينَ في ألْفاظِ القُرْآنِ عَلى الحِفْظِ لا عَلى الكِتابَةِ، فَإنَّ المَصاحِفَ ما كُتِبَتْ حَتّى قُرِئَ القُرْآنُ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً. وقَدْ تَقَعُ في رَسْمِ المُصْحَفِ أشْياءُ مُخالِفَةٌ لِما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الرّاسِمُونَ مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ الرَّسْمَ لَمْ يَكُنْ عَلى تَمامِ الضَّبْطِ في صَدْرِ الإسْلامِ وكانَ اعْتِمادُ العَرَبِ عَلى حَوافِظِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّني﴾) بِنُونَيْنِ الأُولى مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِحَذْفِ نُونِ الوِقايَةِ لِتَلاقِي النُّوناتِ.

النمل 27:22

﴿فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] . الفاءُ لِتَفْرِيعِ الحِكايَةِ عُطِفَتْ جُمْلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ وضَمِيرُ (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) لِلْهُدْهُدِ. والمُكْثُ: البَقاءُ في المَكانِ ومُلازَمَتُهُ زَمَنًا ما وفِعْلُهُ مِن بابِ كَرَمَ ونَصَرَ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالأوَّلِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالثّانِي. وأُطْلِقَ المُكْثُ هُنا عَلى البُطْءِ؛ لِأنَّ الهُدْهُدَ لَمْ يَكُنْ ماكِثًا بِمَكانٍ، ولَكِنَّهُ كانَ يَطِيرُ ويَنْتَقِلُ، فَإطْلاقُ المُكْثِ عَلى البُطْءِ مَجازٌ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ المُكْثَ يَسْتَلْزِمُ زَمَنًا. و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) صِفَةٌ لِاسْمِ زَمَنٍ أوِ اسْمِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: مَكَثَ زَمَنًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ في مَكانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ رَجَعَ إلى سُلَيْمانَ بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ. و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) قَرِيبٌ قُرْبًا يُوصَفُ بِضِدِّ البُعْدِ، أيْ: يُوشِكُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا. وهَذا وجْهُ إيثارِ التَّعْبِيرِ بِ (﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾)؛ لِأنَّ (غَيْرَ) تُفِيدُ دَفْعَ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا وإنَّما يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ إذا كانَ القُرْبُ يُشْبِهُ البُعْدَ. والبُعْدُ والقُرْبُ حَقِيقَتُهُما مِن أوْصافِ المَكانِ ويُسْتَعارانِ لِقِلَّةِ الحِصَّةِ بِتَشْبِيهِ صفحة ٢٤٩ الزَّمَنِ القَصِيرِ بِالمَكانِ القَرِيبِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] . والفاءُ في (فَقالَ) عاطِفَةٌ عَلى (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) . وجُعِلَ القَوْلُ عَقِيبَ المُكْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَضَرَ صَدَرَ القَوْلُ مِن جِهَتِهِ فالتَّعْقِيبُ حَقِيقِيٌّ. والقَوْلُ المُسْنَدُ إلى الهُدْهُدِ إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَةِ القَوْلِ وهو الكَلامُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْطِقَ بِهِ النّاسُ فَقَوْلُ الهُدْهُدِ هَذا لَيْسَ مِن دَلالَةِ مَنطِقِ الطَّيْرِ الَّذِي عَلِمَهُ سُلَيْمانُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَنطِقُ الدّالُّ عَلى ما في نُفُوسِ الطَّيْرِ مِنَ المُدْرَكاتِ وهي مَحْدُودَةٌ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] . ولَيْسَ لِلْهُدْهُدِ قِبَلٌ بِإدْراكِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القَوْلُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ولا بِاسْتِفادَةِ الأحْوالِ مِن مُشاهَدَةِ الأقْوامِ والبُلْدانِ حَتّى تَخْطُرَ في نَفْسِهِ وحَتّى يُعَبِّرَ عَنْها بِمَنطِقِهِ الَّذِي عُلِّمَ سُلَيْمانُ دَلالَتَهُ كَما قَدَّمْناهُ. فَهَذا وحْيٌ لِسُلَيْمانَ أجْراهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ. وأمّا قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِن تِلْقاءِ الهُدْهُدِ كَلامًا ألْقاهُ الشَّيْطانُ مِن جانِبِ الهُدْهُدِ لِيُضَلِّلَ سُلَيْمانَ ويَفْتِنَهُ بِالبَحْثِ عَنْ مَمْلَكَةٍ مَوْهُومَةٍ لِيَسْخَرَ بِهِ كَما يَسْخَرُ بِالمُتَثائِبِ، فَعَزَمَ سُلَيْمانُ عَلى اسْتِثْباتِ الخَبَرِ بِالبَحْثِ الَّذِي لا يَتْرُكُ رِيبَةً في صِحَّتِهِ خِزْيًا لِلشَّيْطانِ. ولْنَشْتَغِلِ الآنَ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ فابْتِداؤُهُ بِ ﴿أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ بِأنَّ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مَمالِكَ ومُلُوكًا تُدانِي مُلْكَهُ أوْ تَفُوقُهُ في بَعْضِ أحْوالِ المُلْكِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ، كَما جَعَلَ عِلْمَ الخَضِرِ مَثَلًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِانْتِهاءِ الأمْرِ إلى ما بَلَغَهُ هو. وفِيهِ اسْتِدْعاءٌ لِإقْبالِهِ عَلى ما سَيُلْقى إلَيْهِ بِشَراشِرِهِ لِأهَمِّيَّةِ هَذا المَطْلَعِ في الكَلامِ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ أحْوالِ المَمالِكِ والأُمَمِ مِن أهَمِّ ما يُعْنى بِهِ مُلُوكُ الصَّلاحِ لِيَكُونُوا عَلى اسْتِعْدادٍ بِما يُفاجِئُهم مِن تِلْقائِها، ولِتَكُونَ مِن دَواعِي الِازْدِيادِ مِنَ العَمَلِ النّافِعِ لِلْمَمْلَكَةِ بِالِاقْتِداءِ بِالنّافِعِ مِن أحْوالِ غَيْرِها والِانْقِباضِ عَمّا في أحْوالِ المَمْلَكَةِ مِنَ الخَلَلِ بِمُشاهَدَةِ آثارِ مِثْلِهِ في غَيْرِها. صفحة ٢٥٠ ومِن فَقَراتِ الوَزِيرِ ابْنِ الخَطِيبِ الأنْدَلُسِيِّ: فَأخْبارُ الأقْطارِ مِمّا تُنْفِقُ فِيهِ المُلُوكُ أسْمارَها، وتُرَقِّمُ بِبَدِيعِ هالاتِهِ أقْمارَها، وتَسْتَفِيدُ مِنهُ حُسْنَ السِّيَرِ، والأمْنَ مِنَ الغِيَرِ، فَتَسْتَعِينُ عَلى الدَّهْرِ بِالتَّجارِبِ. وتَسْتَدِلُّ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ اهـ. والإحاطَةُ: الِاشْتِمالُ عَلى الشَّيْءِ وجَعْلُهُ في حَوْزَةِ المُحِيطِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِاسْتِيعابِ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] فَماصَدَقَ (﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [الكهف: ٦٨]) مَعْلُوماتٌ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمُ سُلَيْمانَ. وسَبَأٌ: بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ وقَدْ يُخَفَّفُ اسْمُ رَجُلٍ هو عَبَّشَمْسُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ. لُقِّبَ بِسَبَأٍ. قالُوا: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى في غَزْوِهِ. وكانَ الهَمْزُ فِيهِ لِتَغْيِيرِهِ العِلْمِيَّةَ عَنِ المَصْدَرِ. وهو جَدُّ جِذِمَ عَظِيمٍ مِن أجْذامِ العَرَبِ. وذُرِّيَّتُهُ كانُوا بِاليَمَنِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ هُنا عَلى دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهي لِابْتِداءِ الأمْكِنَةِ غالِبًا. فاسْمُ (سَبَأٍ) غَلَبَ عَلى القَبِيلَةِ المُتَناسِلَةِ مِن سَبَأٍ المَذْكُورِ وهم مِنَ الجِذْمِ القَحْطانِيِّ المَعْرُوفِ بِالعَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَنْشَئُوا في بِلادِ العَرَبِ ولَكِنَّهم نَزَحُوا مِنَ العِراقِ إلى بِلادِ العَرَبِ، وأوَّلُ نازِحٍ مِنهم هو يَعْرُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الرّاءِ ابْنُ قَحْطانَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ يَقْطانَ) بْنِ عابِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ أرْفَكْشادَ) بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وهَذا النَّسَبُ يَتَّفِقُ مَعَ ما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن سامٍ إلى عابِرٍ فَمِن عابِرٍ يَفْتَرِقُ نَسَبُ القَحْطانِيِّينَ مِن نَسَبِ العِبْرانِيِّينَ، فَأمّا أهْلُ أنْسابِ العَرَبِ فَيَجْعَلُونَ لِعابِرٍ ابْنَيْنِ: أحَدُهُما اسْمُهُ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالغُ. وأمّا سِفْرُ التَّكْوِينِ فَيَجْعَلُ أنَّ أحَدَهُما اسْمُهُ يَقْطُنُ. ولا شَكَّ أنَّهُ المُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالِجُ بِفاءٍ في أوَّلِهِ وجِيمٍ في آخِرِهِ فَوَقَعَ تَغْيِيرٌ في بَعْضِ حُرُوفِ الِاسْمَيْنِ لِاخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ. ولَمّا انْتَقَلَ يَعْرُبُ سَكَنَ جَنُوبَ البِلادِ العَرَبِيَّةِ اليَمَنَ فاسْتَقَرَّ بِمَوْضِعٍ بَنى فِيهِ مَدِينَةَ ظَفارِ بِفَتْحِ الظّاءِ المُشالَةِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ الرّاءِ فَهي أوَّلُ مَدِينَةٍ في بِلادِ اليَمَنِ صفحة ٢٥١ وانْتَشَرَ أبْناؤُهُ في بِلادِ الجَنُوبِ الَّذِي عَلى البَحْرِ وهو بِلادُ حَضْرَمَوْتَ ثُمَّ بَنى ابْنُهُ يَشْجُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الجِيمِ مَدِينَةُ صَنْعاءَ وسَمّى البِلادَ بِاليَمَنِ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَبَّشَمْسُ بِتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ ومَعْناهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ وسادَ قَوْمَهُ ولُقِّبِ سَبَأٌ بِفَتْحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ واسْتَقَلَّ بِأهْلِهِ فَبَنى مَدِينَةَ مَأْرِبَ حاضِرَةَ سَبَأٍ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: مِن سَبَأِ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما وبَيْنَ مَأْرِبَ وصَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ مَراحِلَ خَفِيفَةٍ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَ سَبَأٍ ابْنُهُ حِمْيَرُ ويُلَقَّبُ العَرَنْجَحَ (أيِ: العَتِيقُ)، ويَظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ بِلادَهُ ظَفارِ بَعْدَ أنِ انْتَقَلَ أبْناءُ يَشْجُبَ مِنها إلى صَنْعاءَ. وفي المَثَلِ: مَن ظَفَرَ حَمَّرَ، أيْ: مَن دَخَلَ ظَفارِ فَلْيَتَكَلَّمْ بِالحِمْيَرِيَّةِ، ولِهَذا المَثَلِ قِصَّةٌ. فَكانَتِ البِلادُ اليَمَنِيَّةُ أوِ القَحْطانِيَّةُ مُنْقَسِمَةً إلى ثَلاثِ قَبائِلَ: اليَمَنِيَّةِ، والسَّبَئِيَّةِ، والحِمْيَرِيَّةِ. وكانَ عَلى كُلِّ قَبِيلَةِ مَلِكٌ مِنها، واسْتَقَلَّتْ أفْخاذُهم بِمَواقِعَ أطْلَقُوا عَلى الواحِدِ مِنها اسْمَ مِخْلافٍ (بِكَسْرِ المِيمِ) وكانَ لِكُلِّ مِخْلافٍ رَئِيسٌ يُلَقَّبُ بِالقِيلِ ويُقالُ لَهُ: ذُو كَذا، بِالإضافَةِ إلى اسْمِ مِخْلافِهِ، مِثْلُ ذُو رُعَيْنٍ. والمَلِكُ الَّذِي تَتْبَعُهُ الأقْيالُ كُلُّها ويَحْكُمُ اليَمَنَ كُلَّها يُلَقَّبُ تُبَّعَ؛ لِأنَّهُ مَتْبُوعٌ بِأُمَراءَ كَثِيرِينَ. وقَدِ انْفَرَدَتْ سَبَأٌ بِالمُلْكِ في حُدُودِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَ أشْهَرُ مُلُوكِهِمْ أوْ أوَّلُهُمُ الهِدْهادُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ويُلَقَّبُ اليَشَرَّحَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وبِحاءٍ مُهْمَلَةٍ في آخِرِهِ. ثُمَّ ولِيَتْ بَعْدَهُ بِلْقِيسُ ابْنَةُ شُرَحْبِيلَ أيْضًا أوْ شَراحِيلَ ولَمْ تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ فِيما يَظْهَرُ مِن سِياقِ القُرْآنِ. وقِيلَ كانَتْ مُتَزَوِّجَةً شَدَدَ بْنَ زَرْعَةَ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فَماتَ. وكانَ أهْلُ سَبَأٍ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. وبَقِيَّةُ ذِكْرِ حَضارَتِهِمْ تَأْتِي في تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ. و(﴿أحَطْتُ﴾) يُقْرَأُ بِطاءٍ مُشَدَّدَةٍ؛ لِأنَّهُ التِقاءُ طاءِ الكَلِمَةِ وتاءِ المُتَكَلِّمِ فَقُلِبَتْ هَذِهِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتا. صفحة ٢٥٢ والباءُ في قَوْلِهِ (بِنَبَأٍ) لِلْمُصاحَبَةِ؛ لِأنَّ النَّبَأ كانَ مُصاحِبًا لِلْهُدْهُدِ حِينَ مَجِيئِهِ والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ. وبَيْنَ (بِسَبَأٍ) و(بِنَبَأٍ) الجِناسُ المُزْدَوَجُ. وفِيهِ أيْضًا جِناسُ الخَطِّ وهو أنْ تَكُونَ صُورَةُ الكَلِمَتَيْنِ واحِدَةً في الخَطِّ وإنَّما تَخْتَلِفانِ في النُّطْقِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . ووَصْفُهُ بِ (﴿يَقِينٍ﴾) تَحْقِيقٌ لَكَوْنِ ما سَيُلْقى إلَيْهِ شَيْءٌ مُحَقَّقٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً﴾) بَيانٌ لِ (نَبَأٍ) فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ. وإدْخالُ (إنَّ) في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأهَمِّيَّةِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا في بَنِي إسْرائِيلَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ مَلِكًا. وفِعْلُ (﴿تَمْلِكُهُمْ﴾) هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ وفِعْلُهُ كَفِعْلِ مِلْكِ الأشْياءِ. ورَوِيَ حَدِيثُ هِرَقْلَ (هَلْ كانَ في آبائِهِ مِن مَلَكٍ) بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: كانَ مَلِكًا، ويُفَرَّقُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرِ فَمَصْدَرُ هَذا مُلْكٌ بِضَمِّ المِيمِ، والآخَرُ بِكَسْرِها، وضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى سَبَأٍ. وهَذِهِ المَرْأةُ أُرِيدَ بِها بِلْقِيسُ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ القافِ ابْنَةُ شَراحِيلَ وفي تَرْتِيبِها مَعَ مُلُوكِ سَبَأٍ وتَعْيِينِ اسْمِها واسْمِ أبِيها اضْطِرابٌ لِلْمُؤَرِّخِينَ. والمَوْثُوقُ بِهِ أنَّها كانَتْ مُعاصِرَةً سُلَيْمانَ في أوائِلِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَتِ امْرَأةً عاقِلَةً. ويُقالُ: هي الَّتِي بَنَتْ سَدَّ مَأْرِبَ. وكانَتْ حاضِرَةُ مُلْكِها مَأْرِبَ مَدِينَةً عَظِيمَةً بِاليَمَنِ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةَ ثَلاثِ مَراحِلَ وسَيَأْتِي ذِكْرُها في سُورَةِ سَبَأٍ. وتَنْكِيرُ (امْرَأةً) وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ (﴿وجَدْتُ﴾) لَهُ حُكْمُ المُبْتَدَأِ فَهو كالِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ إذا أُرِيدَ بِالنَّكِرَةِ التَّعَجُّبُ مِن جِنْسِها كَقَوْلِهِمْ: بَقَرَةٌ تَكَلَّمَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ أمْرٍ عَجِيبٍ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ امْرَأةٌ مَلِكَةً عَلى قَوْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وجَدْتُهم تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ المُعْطى مَرْغُوبٌ فِيهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في لازَمِهِ وهو النَّوْلُ. صفحة ٢٥٣ ومَعْنى (﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾) نالَتْ مَن كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ مِن شُئُونِ المُلْكِ. فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ مِن جِهَتَيْنِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ كَما فَسَّرَ قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، أيْ: أُوتِيتُ مِن خِصالِ المُلُوكِ ومِن ذَخائِرِهِمْ وعَدَدِهِمْ وجُيُوشِهِمْ وثَراءِ مَمْلَكَتِهِمْ وزُخْرُفِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَحامِدِ والمَحاسِنِ. وبِناءُ فِعْلِ (﴿أُوتِيَتْ﴾ [طه: ٣٦]) إلى المَجْهُولِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِ أسْبابِ ما نالَتْهُ بَلِ المَقْصُودُ ما نالَتْهُ عَلى أنَّ الوَسائِلَ والأسْبابَ شَتّى فَمِنهُ ما كانَ إرْثًا مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ سَلَفُوها، ومِنهُ ما كانَ كَسْبًا مِن كَسْبِها واقْتِنائِها، ومِنهُ ما وهَبَها اللَّهُ مِن عَقْلٍ وحِكْمَةٍ، وما مُنِحَ بِلادُها مِن خِصْبٍ ووَفْرَةِ مِياهٍ. وقَدْ كانَ اليُونانُ يُلَقِّبُونَ مَمْلَكَةَ اليَمَنِ بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ أخْذًا مِن مَعْنى اليُمْنِ في العَرَبِيَّةِ وقالَ تَعالى (﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبإ: ١٥]) . وأمّا رَجاحَةُ العُقُولِ فَفي الحَدِيثِ «أتاكم أهْلُ اليَمَنِ» هم أرَقُّ أفْئِدَةً، الإيمانُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ. فَلَيْسَ المُرادُ خُصُوصَ ما آتاها اللَّهُ في أصْلِ خِلْقَتِها وخِلْقَةِ أُمَّتِها وبِلادِها، ولِذا فَلَمْ يَتَعَيَّنِ الفاعِلُ عُرْفًا. وكُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وخَصَّ مِن نَفائِسَ الأشْياءِ عَرْشَها؛ إذْ كانَ عَرْشًا بَدِيعًا، ولَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمانَ عَرْشٌ مِثْلُهُ. وقَدْ جاءَ في الإصْحاحِ العاشِرِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ ما يَقْتَضِي أنَّ سُلَيْمانَ صَنَعَ كُرْسِيَّهُ البَدِيعَ بَعْدَ أنْ زارَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ. وسَنُشِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ [النمل: ٣٨] . والعَظِيمُ: مُسْتَعْمَلٌ في عَظَمَةِ القَدْرِ والنَّفاسَةِ في ضَخامَةِ الهَيْكَلِ والذّاتِ. وأعْقَبَ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِها بِالحَطِّ مِن حالِ اعْتِقادِهِمْ إذْ هم يَسْجُدُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أُعِيدَ فِعْلُ وجَدْتُها إنْكارًا لِكَوْنِهِمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ. فَذَلِكَ مِن انْحِطاطِ العَقْلِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ فَكانَ انْحِطاطُهم في الجانِبِ الغَيْبِيِّ مِنَ التَّفْكِيرِ وهو ما يَظْهَرُ فِيهِ تَفاوَتُ عِوَضِ العُقُولِ عَلى الحَقائِقِ؛ لِأنَّهُ جانِبٌ مُتَمَحِّضٌ لِعَمَلِ الفِكْرِ لا يُسْتَعانُ فِيهِ بِالأدِلَّةِ المَحْسُوسَةِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَضِلَّ فِيهِ عُقُولُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ في الشُّئُونِ الخاضِعَةِ لِلْحَواسِّ. قالَ تَعالى في المُشْرِكِينَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] صفحة ٢٥٤ وكانَ عَرَبُ اليَمَنِ أيّامَئِذٍ مِن عَبَدَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمُ الدِّيانَةُ اليَهُودِيَّةُ في زَمَنِ تُبَّعَ أسْعَدَ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ، ولِكَوْنِهِمْ عَبَدَةَ شَمْسٍ كانُوا يُسَمَّوْنَ عَبْدَ شَمْسٍ كَما تَقَدَّمَ في اسْمِ سَبَأٍ. وقَدْ جَمَعَ هَذا القَوْلُ الَّذِي أُلْقِيَ إلى سُلَيْمانَ أُصُولَ الجُغْرافِيَّةِ السِّياسِيَّةِ مِن صِفَةِ المَكانِ والأدْيانِ وصِبْغَةِ الدَّوْلَةِ وثَرْوَتِها، ووَقَعَ الِاهْتِمامُ بِأخْبارِ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أهَمُّ لِمُلْكِ سُلَيْمانَ إذْ كانَتْ مُجاوِرَةً لِمَمْلَكَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما البَحْرُ الأحْمَرُ، فَأُمُورُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ أجْدى بِعَمَلِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِن سَبَأٍ) بِالصَّرْفِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِفَتْحَةٍ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ البِلادِ أوِ القَبِيلَةِ. وقَرَأهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

النمل 27:23

﴿فَمَكُثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] . الفاءُ لِتَفْرِيعِ الحِكايَةِ عُطِفَتْ جُمْلَةٌ عَلى جُمْلَةٍ وضَمِيرُ (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) لِلْهُدْهُدِ. والمُكْثُ: البَقاءُ في المَكانِ ومُلازَمَتُهُ زَمَنًا ما وفِعْلُهُ مِن بابِ كَرَمَ ونَصَرَ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالأوَّلِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالثّانِي. وأُطْلِقَ المُكْثُ هُنا عَلى البُطْءِ؛ لِأنَّ الهُدْهُدَ لَمْ يَكُنْ ماكِثًا بِمَكانٍ، ولَكِنَّهُ كانَ يَطِيرُ ويَنْتَقِلُ، فَإطْلاقُ المُكْثِ عَلى البُطْءِ مَجازٌ مُرْسَلٌ؛ لِأنَّ المُكْثَ يَسْتَلْزِمُ زَمَنًا. و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) صِفَةٌ لِاسْمِ زَمَنٍ أوِ اسْمِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: مَكَثَ زَمَنًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أوْ في مَكانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَقْتَضِي أنَّهُ رَجَعَ إلى سُلَيْمانَ بَعْدَ زَمَنٍ قَلِيلٍ. و(﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾) قَرِيبٌ قُرْبًا يُوصَفُ بِضِدِّ البُعْدِ، أيْ: يُوشِكُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا. وهَذا وجْهُ إيثارِ التَّعْبِيرِ بِ (﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾)؛ لِأنَّ (غَيْرَ) تُفِيدُ دَفْعَ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا وإنَّما يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ إذا كانَ القُرْبُ يُشْبِهُ البُعْدَ. والبُعْدُ والقُرْبُ حَقِيقَتُهُما مِن أوْصافِ المَكانِ ويُسْتَعارانِ لِقِلَّةِ الحِصَّةِ بِتَشْبِيهِ صفحة ٢٤٩ الزَّمَنِ القَصِيرِ بِالمَكانِ القَرِيبِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ قالَ تَعالى: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] . والفاءُ في (فَقالَ) عاطِفَةٌ عَلى (﴿مَكَثَ﴾ [الإسراء: ١٠٦]) . وجُعِلَ القَوْلُ عَقِيبَ المُكْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَضَرَ صَدَرَ القَوْلُ مِن جِهَتِهِ فالتَّعْقِيبُ حَقِيقِيٌّ. والقَوْلُ المُسْنَدُ إلى الهُدْهُدِ إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَةِ القَوْلِ وهو الكَلامُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْطِقَ بِهِ النّاسُ فَقَوْلُ الهُدْهُدِ هَذا لَيْسَ مِن دَلالَةِ مَنطِقِ الطَّيْرِ الَّذِي عَلِمَهُ سُلَيْمانُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَنطِقُ الدّالُّ عَلى ما في نُفُوسِ الطَّيْرِ مِنَ المُدْرَكاتِ وهي مَحْدُودَةٌ كَما قَدَّمْنا بَيانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] . ولَيْسَ لِلْهُدْهُدِ قِبَلٌ بِإدْراكِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القَوْلُ المَنسُوبُ إلَيْهِ ولا بِاسْتِفادَةِ الأحْوالِ مِن مُشاهَدَةِ الأقْوامِ والبُلْدانِ حَتّى تَخْطُرَ في نَفْسِهِ وحَتّى يُعَبِّرَ عَنْها بِمَنطِقِهِ الَّذِي عُلِّمَ سُلَيْمانُ دَلالَتَهُ كَما قَدَّمْناهُ. فَهَذا وحْيٌ لِسُلَيْمانَ أجْراهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ. وأمّا قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ الَّذِي سَمِعَهُ مِن تِلْقاءِ الهُدْهُدِ كَلامًا ألْقاهُ الشَّيْطانُ مِن جانِبِ الهُدْهُدِ لِيُضَلِّلَ سُلَيْمانَ ويَفْتِنَهُ بِالبَحْثِ عَنْ مَمْلَكَةٍ مَوْهُومَةٍ لِيَسْخَرَ بِهِ كَما يَسْخَرُ بِالمُتَثائِبِ، فَعَزَمَ سُلَيْمانُ عَلى اسْتِثْباتِ الخَبَرِ بِالبَحْثِ الَّذِي لا يَتْرُكُ رِيبَةً في صِحَّتِهِ خِزْيًا لِلشَّيْطانِ. ولْنَشْتَغِلِ الآنَ بِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ فابْتِداؤُهُ بِ ﴿أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ تَنْبِيهٌ لِسُلَيْمانَ بِأنَّ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مَمالِكَ ومُلُوكًا تُدانِي مُلْكَهُ أوْ تَفُوقُهُ في بَعْضِ أحْوالِ المُلْكِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَثَلًا لَهُ، كَما جَعَلَ عِلْمَ الخَضِرِ مَثَلًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِانْتِهاءِ الأمْرِ إلى ما بَلَغَهُ هو. وفِيهِ اسْتِدْعاءٌ لِإقْبالِهِ عَلى ما سَيُلْقى إلَيْهِ بِشَراشِرِهِ لِأهَمِّيَّةِ هَذا المَطْلَعِ في الكَلامِ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ أحْوالِ المَمالِكِ والأُمَمِ مِن أهَمِّ ما يُعْنى بِهِ مُلُوكُ الصَّلاحِ لِيَكُونُوا عَلى اسْتِعْدادٍ بِما يُفاجِئُهم مِن تِلْقائِها، ولِتَكُونَ مِن دَواعِي الِازْدِيادِ مِنَ العَمَلِ النّافِعِ لِلْمَمْلَكَةِ بِالِاقْتِداءِ بِالنّافِعِ مِن أحْوالِ غَيْرِها والِانْقِباضِ عَمّا في أحْوالِ المَمْلَكَةِ مِنَ الخَلَلِ بِمُشاهَدَةِ آثارِ مِثْلِهِ في غَيْرِها. صفحة ٢٥٠ ومِن فَقَراتِ الوَزِيرِ ابْنِ الخَطِيبِ الأنْدَلُسِيِّ: فَأخْبارُ الأقْطارِ مِمّا تُنْفِقُ فِيهِ المُلُوكُ أسْمارَها، وتُرَقِّمُ بِبَدِيعِ هالاتِهِ أقْمارَها، وتَسْتَفِيدُ مِنهُ حُسْنَ السِّيَرِ، والأمْنَ مِنَ الغِيَرِ، فَتَسْتَعِينُ عَلى الدَّهْرِ بِالتَّجارِبِ. وتَسْتَدِلُّ بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ اهـ. والإحاطَةُ: الِاشْتِمالُ عَلى الشَّيْءِ وجَعْلُهُ في حَوْزَةِ المُحِيطِ، وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِاسْتِيعابِ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] فَماصَدَقَ (﴿ما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [الكهف: ٦٨]) مَعْلُوماتٌ لَمْ يُحِطْ بِها عِلْمُ سُلَيْمانَ. وسَبَأٌ: بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ وقَدْ يُخَفَّفُ اسْمُ رَجُلٍ هو عَبَّشَمْسُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ. لُقِّبَ بِسَبَأٍ. قالُوا: لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَبى في غَزْوِهِ. وكانَ الهَمْزُ فِيهِ لِتَغْيِيرِهِ العِلْمِيَّةَ عَنِ المَصْدَرِ. وهو جَدُّ جِذِمَ عَظِيمٍ مِن أجْذامِ العَرَبِ. وذُرِّيَّتُهُ كانُوا بِاليَمَنِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ هُنا عَلى دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ (مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وهي لِابْتِداءِ الأمْكِنَةِ غالِبًا. فاسْمُ (سَبَأٍ) غَلَبَ عَلى القَبِيلَةِ المُتَناسِلَةِ مِن سَبَأٍ المَذْكُورِ وهم مِنَ الجِذْمِ القَحْطانِيِّ المَعْرُوفِ بِالعَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَنْشَئُوا في بِلادِ العَرَبِ ولَكِنَّهم نَزَحُوا مِنَ العِراقِ إلى بِلادِ العَرَبِ، وأوَّلُ نازِحٍ مِنهم هو يَعْرُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الرّاءِ ابْنُ قَحْطانَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ يَقْطانَ) بْنِ عابِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخَشْدَ (وبِالعِبْرانِيَّةِ أرْفَكْشادَ) بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. وهَذا النَّسَبُ يَتَّفِقُ مَعَ ما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن سامٍ إلى عابِرٍ فَمِن عابِرٍ يَفْتَرِقُ نَسَبُ القَحْطانِيِّينَ مِن نَسَبِ العِبْرانِيِّينَ، فَأمّا أهْلُ أنْسابِ العَرَبِ فَيَجْعَلُونَ لِعابِرٍ ابْنَيْنِ: أحَدُهُما اسْمُهُ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالغُ. وأمّا سِفْرُ التَّكْوِينِ فَيَجْعَلُ أنَّ أحَدَهُما اسْمُهُ يَقْطُنُ. ولا شَكَّ أنَّهُ المُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ قَحْطانُ، والآخَرُ اسْمُهُ فالِجُ بِفاءٍ في أوَّلِهِ وجِيمٍ في آخِرِهِ فَوَقَعَ تَغْيِيرٌ في بَعْضِ حُرُوفِ الِاسْمَيْنِ لِاخْتِلافِ اللُّغَتَيْنِ. ولَمّا انْتَقَلَ يَعْرُبُ سَكَنَ جَنُوبَ البِلادِ العَرَبِيَّةِ اليَمَنَ فاسْتَقَرَّ بِمَوْضِعٍ بَنى فِيهِ مَدِينَةَ ظَفارِ بِفَتْحِ الظّاءِ المُشالَةِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ الرّاءِ فَهي أوَّلُ مَدِينَةٍ في بِلادِ اليَمَنِ صفحة ٢٥١ وانْتَشَرَ أبْناؤُهُ في بِلادِ الجَنُوبِ الَّذِي عَلى البَحْرِ وهو بِلادُ حَضْرَمَوْتَ ثُمَّ بَنى ابْنُهُ يَشْجُبُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الجِيمِ مَدِينَةُ صَنْعاءَ وسَمّى البِلادَ بِاليَمَنِ، ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَبَّشَمْسُ بِتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ ومَعْناهُ ضَوْءُ الشَّمْسِ وسادَ قَوْمَهُ ولُقِّبِ سَبَأٌ بِفَتْحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ واسْتَقَلَّ بِأهْلِهِ فَبَنى مَدِينَةَ مَأْرِبَ حاضِرَةَ سَبَأٍ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: مِن سَبَأِ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما وبَيْنَ مَأْرِبَ وصَنْعاءَ مَسِيرَةُ ثَلاثِ مَراحِلَ خَفِيفَةٍ. ثُمَّ جاءَ بَعْدَ سَبَأٍ ابْنُهُ حِمْيَرُ ويُلَقَّبُ العَرَنْجَحَ (أيِ: العَتِيقُ)، ويَظْهَرُ أنَّهُ جَعَلَ بِلادَهُ ظَفارِ بَعْدَ أنِ انْتَقَلَ أبْناءُ يَشْجُبَ مِنها إلى صَنْعاءَ. وفي المَثَلِ: مَن ظَفَرَ حَمَّرَ، أيْ: مَن دَخَلَ ظَفارِ فَلْيَتَكَلَّمْ بِالحِمْيَرِيَّةِ، ولِهَذا المَثَلِ قِصَّةٌ. فَكانَتِ البِلادُ اليَمَنِيَّةُ أوِ القَحْطانِيَّةُ مُنْقَسِمَةً إلى ثَلاثِ قَبائِلَ: اليَمَنِيَّةِ، والسَّبَئِيَّةِ، والحِمْيَرِيَّةِ. وكانَ عَلى كُلِّ قَبِيلَةِ مَلِكٌ مِنها، واسْتَقَلَّتْ أفْخاذُهم بِمَواقِعَ أطْلَقُوا عَلى الواحِدِ مِنها اسْمَ مِخْلافٍ (بِكَسْرِ المِيمِ) وكانَ لِكُلِّ مِخْلافٍ رَئِيسٌ يُلَقَّبُ بِالقِيلِ ويُقالُ لَهُ: ذُو كَذا، بِالإضافَةِ إلى اسْمِ مِخْلافِهِ، مِثْلُ ذُو رُعَيْنٍ. والمَلِكُ الَّذِي تَتْبَعُهُ الأقْيالُ كُلُّها ويَحْكُمُ اليَمَنَ كُلَّها يُلَقَّبُ تُبَّعَ؛ لِأنَّهُ مَتْبُوعٌ بِأُمَراءَ كَثِيرِينَ. وقَدِ انْفَرَدَتْ سَبَأٌ بِالمُلْكِ في حُدُودِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَ أشْهَرُ مُلُوكِهِمْ أوْ أوَّلُهُمُ الهِدْهادُ بْنُ شُرَحْبِيلَ ويُلَقَّبُ اليَشَرَّحَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً وبِحاءٍ مُهْمَلَةٍ في آخِرِهِ. ثُمَّ ولِيَتْ بَعْدَهُ بِلْقِيسُ ابْنَةُ شُرَحْبِيلَ أيْضًا أوْ شَراحِيلَ ولَمْ تَكُنْ ذاتَ زَوْجٍ فِيما يَظْهَرُ مِن سِياقِ القُرْآنِ. وقِيلَ كانَتْ مُتَزَوِّجَةً شَدَدَ بْنَ زَرْعَةَ فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فَماتَ. وكانَ أهْلُ سَبَأٍ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. وبَقِيَّةُ ذِكْرِ حَضارَتِهِمْ تَأْتِي في تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ. و(﴿أحَطْتُ﴾) يُقْرَأُ بِطاءٍ مُشَدَّدَةٍ؛ لِأنَّهُ التِقاءُ طاءِ الكَلِمَةِ وتاءِ المُتَكَلِّمِ فَقُلِبَتْ هَذِهِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتا. صفحة ٢٥٢ والباءُ في قَوْلِهِ (بِنَبَأٍ) لِلْمُصاحَبَةِ؛ لِأنَّ النَّبَأ كانَ مُصاحِبًا لِلْهُدْهُدِ حِينَ مَجِيئِهِ والنَّبَأُ: الخَبَرُ المُهِمُّ. وبَيْنَ (بِسَبَأٍ) و(بِنَبَأٍ) الجِناسُ المُزْدَوَجُ. وفِيهِ أيْضًا جِناسُ الخَطِّ وهو أنْ تَكُونَ صُورَةُ الكَلِمَتَيْنِ واحِدَةً في الخَطِّ وإنَّما تَخْتَلِفانِ في النُّطْقِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . ووَصْفُهُ بِ (﴿يَقِينٍ﴾) تَحْقِيقٌ لَكَوْنِ ما سَيُلْقى إلَيْهِ شَيْءٌ مُحَقَّقٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَوُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً﴾) بَيانٌ لِ (نَبَأٍ) فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ. وإدْخالُ (إنَّ) في صَدْرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِأهَمِّيَّةِ الخَبَرِ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا في بَنِي إسْرائِيلَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ مَلِكًا. وفِعْلُ (﴿تَمْلِكُهُمْ﴾) هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ المُلْكِ بِضَمِّ المِيمِ وفِعْلُهُ كَفِعْلِ مِلْكِ الأشْياءِ. ورَوِيَ حَدِيثُ هِرَقْلَ (هَلْ كانَ في آبائِهِ مِن مَلَكٍ) بِفَتْحِ اللّامِ، أيْ: كانَ مَلِكًا، ويُفَرَّقُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرِ فَمَصْدَرُ هَذا مُلْكٌ بِضَمِّ المِيمِ، والآخَرُ بِكَسْرِها، وضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى سَبَأٍ. وهَذِهِ المَرْأةُ أُرِيدَ بِها بِلْقِيسُ بِكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ اللّامِ وكَسْرِ القافِ ابْنَةُ شَراحِيلَ وفي تَرْتِيبِها مَعَ مُلُوكِ سَبَأٍ وتَعْيِينِ اسْمِها واسْمِ أبِيها اضْطِرابٌ لِلْمُؤَرِّخِينَ. والمَوْثُوقُ بِهِ أنَّها كانَتْ مُعاصِرَةً سُلَيْمانَ في أوائِلِ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ قَبْلَ الهِجْرَةِ وكانَتِ امْرَأةً عاقِلَةً. ويُقالُ: هي الَّتِي بَنَتْ سَدَّ مَأْرِبَ. وكانَتْ حاضِرَةُ مُلْكِها مَأْرِبَ مَدِينَةً عَظِيمَةً بِاليَمَنِ بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ مَسِيرَةَ ثَلاثِ مَراحِلَ وسَيَأْتِي ذِكْرُها في سُورَةِ سَبَأٍ. وتَنْكِيرُ (امْرَأةً) وهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِ (﴿وجَدْتُ﴾) لَهُ حُكْمُ المُبْتَدَأِ فَهو كالِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ إذا أُرِيدَ بِالنَّكِرَةِ التَّعَجُّبُ مِن جِنْسِها كَقَوْلِهِمْ: بَقَرَةٌ تَكَلَّمَتْ؛ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ أمْرٍ عَجِيبٍ عِنْدَهم أنْ تَكُونَ امْرَأةٌ مَلِكَةً عَلى قَوْمٍ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وجَدْتُهم تَمْلِكُهُمُ امْرَأةٌ. والإيتاءُ: الإعْطاءُ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ المُعْطى مَرْغُوبٌ فِيهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في لازَمِهِ وهو النَّوْلُ. صفحة ٢٥٣ ومَعْنى (﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾) نالَتْ مَن كُلِّ شَيْءٍ حَسَنٍ مِن شُئُونِ المُلْكِ. فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ مِن جِهَتَيْنِ يُفَسِّرُهُ المَقامُ كَما فَسَّرَ قَوْلُ سُلَيْمانَ: ﴿وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، أيْ: أُوتِيتُ مِن خِصالِ المُلُوكِ ومِن ذَخائِرِهِمْ وعَدَدِهِمْ وجُيُوشِهِمْ وثَراءِ مَمْلَكَتِهِمْ وزُخْرُفِها ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَحامِدِ والمَحاسِنِ. وبِناءُ فِعْلِ (﴿أُوتِيَتْ﴾ [طه: ٣٦]) إلى المَجْهُولِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِ أسْبابِ ما نالَتْهُ بَلِ المَقْصُودُ ما نالَتْهُ عَلى أنَّ الوَسائِلَ والأسْبابَ شَتّى فَمِنهُ ما كانَ إرْثًا مِنَ المُلُوكِ الَّذِينَ سَلَفُوها، ومِنهُ ما كانَ كَسْبًا مِن كَسْبِها واقْتِنائِها، ومِنهُ ما وهَبَها اللَّهُ مِن عَقْلٍ وحِكْمَةٍ، وما مُنِحَ بِلادُها مِن خِصْبٍ ووَفْرَةِ مِياهٍ. وقَدْ كانَ اليُونانُ يُلَقِّبُونَ مَمْلَكَةَ اليَمَنِ بِالعَرَبِيَّةِ السَّعِيدَةِ أخْذًا مِن مَعْنى اليُمْنِ في العَرَبِيَّةِ وقالَ تَعالى (﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبإ: ١٥]) . وأمّا رَجاحَةُ العُقُولِ فَفي الحَدِيثِ «أتاكم أهْلُ اليَمَنِ» هم أرَقُّ أفْئِدَةً، الإيمانُ يَمانٍ، والحِكْمَةُ يَمانِيَّةٌ. فَلَيْسَ المُرادُ خُصُوصَ ما آتاها اللَّهُ في أصْلِ خِلْقَتِها وخِلْقَةِ أُمَّتِها وبِلادِها، ولِذا فَلَمْ يَتَعَيَّنِ الفاعِلُ عُرْفًا. وكُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وخَصَّ مِن نَفائِسَ الأشْياءِ عَرْشَها؛ إذْ كانَ عَرْشًا بَدِيعًا، ولَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمانَ عَرْشٌ مِثْلُهُ. وقَدْ جاءَ في الإصْحاحِ العاشِرِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ ما يَقْتَضِي أنَّ سُلَيْمانَ صَنَعَ كُرْسِيَّهُ البَدِيعَ بَعْدَ أنْ زارَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ. وسَنُشِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾ [النمل: ٣٨] . والعَظِيمُ: مُسْتَعْمَلٌ في عَظَمَةِ القَدْرِ والنَّفاسَةِ في ضَخامَةِ الهَيْكَلِ والذّاتِ. وأعْقَبَ التَّنْوِيهَ بِشَأْنِها بِالحَطِّ مِن حالِ اعْتِقادِهِمْ إذْ هم يَسْجُدُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ. ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ أُعِيدَ فِعْلُ وجَدْتُها إنْكارًا لِكَوْنِهِمْ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ. فَذَلِكَ مِن انْحِطاطِ العَقْلِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ فَكانَ انْحِطاطُهم في الجانِبِ الغَيْبِيِّ مِنَ التَّفْكِيرِ وهو ما يَظْهَرُ فِيهِ تَفاوَتُ عِوَضِ العُقُولِ عَلى الحَقائِقِ؛ لِأنَّهُ جانِبٌ مُتَمَحِّضٌ لِعَمَلِ الفِكْرِ لا يُسْتَعانُ فِيهِ بِالأدِلَّةِ المَحْسُوسَةِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَضِلَّ فِيهِ عُقُولُ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العُقُولِ الصَّحِيحَةِ في الشُّئُونِ الخاضِعَةِ لِلْحَواسِّ. قالَ تَعالى في المُشْرِكِينَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] صفحة ٢٥٤ وكانَ عَرَبُ اليَمَنِ أيّامَئِذٍ مِن عَبَدَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ دَخَلَتْ فِيهِمُ الدِّيانَةُ اليَهُودِيَّةُ في زَمَنِ تُبَّعَ أسْعَدَ مِن مُلُوكِ حِمْيَرَ، ولِكَوْنِهِمْ عَبَدَةَ شَمْسٍ كانُوا يُسَمَّوْنَ عَبْدَ شَمْسٍ كَما تَقَدَّمَ في اسْمِ سَبَأٍ. وقَدْ جَمَعَ هَذا القَوْلُ الَّذِي أُلْقِيَ إلى سُلَيْمانَ أُصُولَ الجُغْرافِيَّةِ السِّياسِيَّةِ مِن صِفَةِ المَكانِ والأدْيانِ وصِبْغَةِ الدَّوْلَةِ وثَرْوَتِها، ووَقَعَ الِاهْتِمامُ بِأخْبارِ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أهَمُّ لِمُلْكِ سُلَيْمانَ إذْ كانَتْ مُجاوِرَةً لِمَمْلَكَتِهِ يَفْصِلُ بَيْنَهُما البَحْرُ الأحْمَرُ، فَأُمُورُ هَذِهِ المَمْلَكَةِ أجْدى بِعَمَلِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِن سَبَأٍ) بِالصَّرْفِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِفَتْحَةٍ غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ البِلادِ أوِ القَبِيلَةِ. وقَرَأهُ قُنْبُلُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى اعْتِبارِ الوَقْفِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

النمل 27:24

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ. والأظْهَرُ أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ مِنَ القُرْآنِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ المُلْقى إلى سُلَيْمانَ، فالواوُ لِلِاعْتِراضِ بَيْنَ الكَلامِ المُلْقى لِسُلَيْمانَ وبَيْنَ جَوابِ سُلَيْمانَ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ في الخَطِّ مِن (أنْ) و(لا) النّافِيَةِ كُتِبَتا كَلِمَةً واحِدَةً اعْتِبارًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِها عَلى كُلِّ المَعانِي المُرادَّةِ مِنها. و(يَسْجُدُوا) فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصُوبٌ. ويُقَدَّرُ لامُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِ (صَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ) أيْ: صَدَّهم لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: فَسَجَدُوا لِلشَّمْسِ. صفحة ٢٥٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ مِن (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) بَدَلَ بَعْضٍ مِن (أعْمالَهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ألّا) كَلِمَةً واحِدَةً بِمَعْنى (هَلّا) فَإنَّ هاءَها تُبْدَلُ هَمْزَةً. وجَعْلُ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ المُسْتَعْمَلَةِ تَأْكِيدًا لِلتَّنْبِيهِ وفِعْلِ أمَرَ مِنَ السُّجُودِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى وهُوَ لا يُلائِمُ رَسْمَ المُصْحَفِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ رُسِمَ كَذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّها (ألا) حَرْفُ الِاسْتِفْتاحِ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ وفِعْلِ الأمْرِ، كَما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ. والوَقْفُ في هَذِهِ عَلى (ألا) . وتَزْيِينُ الأعْمالِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] . وإسْنادُهُ هُنا لِلشَّيْطانِ حَقِيقِيٌّ. و(السَّبِيلِ) مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الَّذِي بِاتِّباعِهِ تَكُونُ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ وبُلُوغُ دارِ الثَّوابِ. والخَبْءُ: مَصْدَرُ خَبَّأ الشَّيْءَ إذا أخْفاهُ. أُطْلِقَ هُنا عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ: المَخْبُوءُ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في الخَفاءِ كَما هو شَأْنُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾) لِحالَةِ خَبَرِ الهُدْهُدِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها اطِّلاعًا عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ. وإخْراجُ الخَبْءِ: إبْرازُهُ لِلنّاسِ، أيْ: إعْطاؤُهُ، أيْ: إعْطاءُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ المَطَرِ وإخْراجِ النَّباتِ وإعْطاءِ الأرْزاقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِصِفَةِ القُدْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ مُؤْذِنٌ بِعُمُومِ صِفَةِ العِلْمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخْفُونَ. . ويُعْلِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ فَهو التِفاتٌ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَقِبَ ذَلِكَ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ صفحة ٢٥٦ لِلصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهو المَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، أيْ: لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ شُبْهَةٌ إلَهِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: (﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾) أيْ: مالِكُ الفُلْكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِالعَوالِمِ العُلْيا وقَدْ تَقَدَّمَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ بِلْقِيسَ وعِظَمِ عَرْشِها ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَغُرَّها بِالإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ المُلْكِ الأعْظَمِ، فَتَعْرِيفُ (العَرْشِ) لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. ووَصْفُهُ بِ (العَظِيمِ) لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِظَمِ في تَجَسُّمِ النَّفاسَةِ. وفِي مُنْتَهى هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودِ تِلاوَةٍ تَحْقِيقًا لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ . وسَواءٌ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن قَوْلِهِ (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) أمْ بِتَخْفِيفِها؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وهو إنْكارُ سُجُودِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِالسُّجُودِ.

النمل 27:25

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ. والأظْهَرُ أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ مِنَ القُرْآنِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ المُلْقى إلى سُلَيْمانَ، فالواوُ لِلِاعْتِراضِ بَيْنَ الكَلامِ المُلْقى لِسُلَيْمانَ وبَيْنَ جَوابِ سُلَيْمانَ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ في الخَطِّ مِن (أنْ) و(لا) النّافِيَةِ كُتِبَتا كَلِمَةً واحِدَةً اعْتِبارًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِها عَلى كُلِّ المَعانِي المُرادَّةِ مِنها. و(يَسْجُدُوا) فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصُوبٌ. ويُقَدَّرُ لامُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِ (صَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ) أيْ: صَدَّهم لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: فَسَجَدُوا لِلشَّمْسِ. صفحة ٢٥٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ مِن (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) بَدَلَ بَعْضٍ مِن (أعْمالَهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ألّا) كَلِمَةً واحِدَةً بِمَعْنى (هَلّا) فَإنَّ هاءَها تُبْدَلُ هَمْزَةً. وجَعْلُ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ المُسْتَعْمَلَةِ تَأْكِيدًا لِلتَّنْبِيهِ وفِعْلِ أمَرَ مِنَ السُّجُودِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى وهُوَ لا يُلائِمُ رَسْمَ المُصْحَفِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ رُسِمَ كَذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّها (ألا) حَرْفُ الِاسْتِفْتاحِ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ وفِعْلِ الأمْرِ، كَما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ. والوَقْفُ في هَذِهِ عَلى (ألا) . وتَزْيِينُ الأعْمالِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] . وإسْنادُهُ هُنا لِلشَّيْطانِ حَقِيقِيٌّ. و(السَّبِيلِ) مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الَّذِي بِاتِّباعِهِ تَكُونُ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ وبُلُوغُ دارِ الثَّوابِ. والخَبْءُ: مَصْدَرُ خَبَّأ الشَّيْءَ إذا أخْفاهُ. أُطْلِقَ هُنا عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ: المَخْبُوءُ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في الخَفاءِ كَما هو شَأْنُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾) لِحالَةِ خَبَرِ الهُدْهُدِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها اطِّلاعًا عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ. وإخْراجُ الخَبْءِ: إبْرازُهُ لِلنّاسِ، أيْ: إعْطاؤُهُ، أيْ: إعْطاءُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ المَطَرِ وإخْراجِ النَّباتِ وإعْطاءِ الأرْزاقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِصِفَةِ القُدْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ مُؤْذِنٌ بِعُمُومِ صِفَةِ العِلْمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخْفُونَ. . ويُعْلِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ فَهو التِفاتٌ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَقِبَ ذَلِكَ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ صفحة ٢٥٦ لِلصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهو المَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، أيْ: لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ شُبْهَةٌ إلَهِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: (﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾) أيْ: مالِكُ الفُلْكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِالعَوالِمِ العُلْيا وقَدْ تَقَدَّمَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ بِلْقِيسَ وعِظَمِ عَرْشِها ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَغُرَّها بِالإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ المُلْكِ الأعْظَمِ، فَتَعْرِيفُ (العَرْشِ) لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. ووَصْفُهُ بِ (العَظِيمِ) لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِظَمِ في تَجَسُّمِ النَّفاسَةِ. وفِي مُنْتَهى هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودِ تِلاوَةٍ تَحْقِيقًا لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ . وسَواءٌ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن قَوْلِهِ (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) أمْ بِتَخْفِيفِها؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وهو إنْكارُ سُجُودِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِالسُّجُودِ.

النمل 27:26

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى لِسانِ الهُدْهُدِ، فالواوُ لِلْعَطْفِ. والأظْهَرُ أنَّهُ كَلامٌ آخَرُ مِنَ القُرْآنِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ المُلْقى إلى سُلَيْمانَ، فالواوُ لِلِاعْتِراضِ بَيْنَ الكَلامِ المُلْقى لِسُلَيْمانَ وبَيْنَ جَوابِ سُلَيْمانَ، والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ. وقَوْلُهُ: (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ في الخَطِّ مِن (أنْ) و(لا) النّافِيَةِ كُتِبَتا كَلِمَةً واحِدَةً اعْتِبارًا بِحالَةِ النُّطْقِ بِها عَلى كُلِّ المَعانِي المُرادَّةِ مِنها. و(يَسْجُدُوا) فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصُوبٌ. ويُقَدَّرُ لامُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِ (صَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ) أيْ: صَدَّهم لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ، أيْ: فَسَجَدُوا لِلشَّمْسِ. صفحة ٢٥٥ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ المَسْبُوكُ مِن (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) بَدَلَ بَعْضٍ مِن (أعْمالَهم) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ألّا) كَلِمَةً واحِدَةً بِمَعْنى (هَلّا) فَإنَّ هاءَها تُبْدَلُ هَمْزَةً. وجَعْلُ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ المُسْتَعْمَلَةِ تَأْكِيدًا لِلتَّنْبِيهِ وفِعْلِ أمَرَ مِنَ السُّجُودِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى وهُوَ لا يُلائِمُ رَسْمَ المُصْحَفِ إلّا أنْ يُقالَ إنَّهُ رُسِمَ كَذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّها (ألا) حَرْفُ الِاسْتِفْتاحِ ويَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ (﴿يَسْجُدُوا﴾) مُرَكَّبًا مِن ياءِ النِّداءِ وفِعْلِ الأمْرِ، كَما تَقَدَّمَ وفِيهِ ما تَقَدَّمَ. والوَقْفُ في هَذِهِ عَلى (ألا) . وتَزْيِينُ الأعْمالِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤] . وإسْنادُهُ هُنا لِلشَّيْطانِ حَقِيقِيٌّ. و(السَّبِيلِ) مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الَّذِي بِاتِّباعِهِ تَكُونُ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ وبُلُوغُ دارِ الثَّوابِ. والخَبْءُ: مَصْدَرُ خَبَّأ الشَّيْءَ إذا أخْفاهُ. أُطْلِقَ هُنا عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ: المَخْبُوءُ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ في الخَفاءِ كَما هو شَأْنُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: (﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ﴾) لِحالَةِ خَبَرِ الهُدْهُدِ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ فِيها اطِّلاعًا عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ. وإخْراجُ الخَبْءِ: إبْرازُهُ لِلنّاسِ، أيْ: إعْطاؤُهُ، أيْ: إعْطاءُ ما هو غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ المَطَرِ وإخْراجِ النَّباتِ وإعْطاءِ الأرْزاقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِصِفَةِ القُدْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ مُؤْذِنٌ بِعُمُومِ صِفَةِ العِلْمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخْفُونَ. . ويُعْلِنُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِتاءِ الخِطابِ فَهو التِفاتٌ. ومَجِيءُ جُمْلَةِ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَقِبَ ذَلِكَ اسْتِئْنافٌ هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ صفحة ٢٥٦ لِلصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ وهو المَقْصُودُ مِن هَذا التَّذْيِيلِ، أيْ: لَيْسَ لِغَيْرِ اللَّهِ شُبْهَةٌ إلَهِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: (﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾) أيْ: مالِكُ الفُلْكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِالعَوالِمِ العُلْيا وقَدْ تَقَدَّمَ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ بِلْقِيسَ وعِظَمِ عَرْشِها ما كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَغُرَّها بِالإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ المُلْكِ الأعْظَمِ، فَتَعْرِيفُ (العَرْشِ) لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. ووَصْفُهُ بِ (العَظِيمِ) لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِظَمِ في تَجَسُّمِ النَّفاسَةِ. وفِي مُنْتَهى هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودِ تِلاوَةٍ تَحْقِيقًا لِلْعَمَلِ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿ألّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ . وسَواءٌ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مِن قَوْلِهِ (﴿ألّا يَسْجُدُوا﴾) أمْ بِتَخْفِيفِها؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وهو إنْكارُ سُجُودِهِمْ لِغَيْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو الحَقِيقُ بِالسُّجُودِ.

النمل 27:27

﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ . تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢] بَيانُ وجْهِ تَطَلُّبِ سُلَيْمانَ تَحْقِيقَ صِدْقِ خَبَرِ الهُدْهُدِ. والنَّظَرُ هُنا نَظَرُ العَقْلِ وهو التَّأمُّلُ، لا سِيَّما وإقْحامُ (كُنْتَ) أدْخَلَ في نِسْبَتِهِ إلى الكَذِبِ مِن صِيغَةِ (﴿أصَدَقْتَ﴾)؛ لِأنَّ فِعْلَ (﴿كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾) يُفِيدُ الرُّسُوخَ في الوَصْفِ بِأنَّهُ كائِنٌ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ (﴿مِنَ الكاذِبِينَ﴾) أشَدُّ في النِّسْبَةِ إلى الكَذِبِ بِالِانْخِراطِ في سِلْكِ الكاذِبِينَ بِأنْ يَكُونَ الكَذِبُ عادَةً لَهُ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِتَوْضِيحِ تُهْمَتِهِ بِالكَذِبِ لِيَتَخَلَّصَ مِنَ العِقابِ، وإيذانٌ بِالتَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ وإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِ بِأنَّ كَذِبَهُ أرْجَحُ عِنْدَ المَلِكِ لِيَكُونَ الهُدْهُدُ مُغَلِّبًا الخَوْفَ عَلى الرَّجاءِ، وذَلِكَ أدْخُلُ في التَّأْدِيبِ عَلى مِثْلِ فِعْلَتِهِ وفي حِرْصِهِ عَلى تَصْدِيقِ نَفْسِهِ بِأنْ يُبَلِّغَ الكِتابَ الَّذِي يُرْسِلُهُ مَعَهُ.

النمل 27:28

﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ . الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]؛ لِأنَّ فِيما صفحة ٢٥٧ سَيَنْكَشِفُ بَعْدَ تَوْجِيهِ كِتابِهِ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ ما يُصَدِّقُ خَبَرَ الهُدْهُدِ إنْ جاءَ مِنَ المَلِكَةِ جَوابٌ عَنْ كِتابِهِ، أوْ يُكَذِّبُ خَبَرَ الهُدْهُدِ إنْ لَمْ يَجِئْ مِنها جَوابٌ. ألْهَمَ اللَّهُ سُلَيْمانَ بِحِكْمَتِهِ أنْ يَجْعَلَ لِاتِّصالِهِ بِبِلادِ اليَمَنِ طَرِيقَ المُراسَلَةِ لِإدْخالِ المَمْلَكَةِ في حَيِّزِ نُفُوذِهِ والِانْتِفاعِ بِاجْتِلابِ خَيْراتِها وجَعْلِها طَرِيقَ تِجارَةٍ مَعَ شَرْقِ مَمْلَكَتِهِ فَكَتَبَ إلى مَلِكَةِ سَبَأٍ كِتابًا لِتَأْتِيَ إلَيْهِ وتَدْخُلَ تَحْتَ طاعَتِهِ وتُصْلِحَ دِيانَةَ قَوْمِها، ولِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ ألْقى في نُفُوسِ المُلُوكِ المُعاصِرِينَ لَهُ رَهْبَةً مِن مُلْكِهِ وجَلْبًا لِمَرْضاتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أيَّدَهُ وإنْ كانَتْ مَمْلَكَتُهُ أصْغَرَ مِن مَمالِكِ جِيرانِهِ مِثْلِ مَمْلَكَةِ اليَمَنِ ومَمْلَكَةِ مِصْرَ. وكانَتْ مَمْلَكَةُ سُلَيْمانَ يَوْمَئِذٍ مَحْدُودَةً بِالأُرْدُنِّ وتُخُومِ مِصْرَ وبَحْرِ الرُّومِ. ولَمْ يَزَلْ تَبادُلُ الرَّسائِلِ بَيْنَ المُلُوكِ مِن سُنَّةِ الدُّوَلِ ومِن سُنَّةِ الدُّعاةِ إلى الخَيْرِ. وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ إلى كِسْرى وقَيْصَرَ. وقَدْ عَظُمَ شَأْنُ الكِتابَةِ في دُوَلِ الإسْلامِ قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ الثّانِيَةِ والعِشْرِينَ: (والمُنْشِئُ جُهَيْنَةُ الأخْبارِ، وحَقِيبَةُ الأسْرارِ، وقَلَمُهُ لِسانُ الدَّوْلَةِ، وفارِسُ الجَوْلَةِ. . .) إلَخْ. واتُّخِذَ لِلْمُراسَلَةِ وسِيلَةُ الطَّيْرِ الزّاجِلِ مِن حَمامٍ ونَحْوِهِ، فالهُدْهُدُ مِن فَصِيلَةِ الحَمامِ وهو قابِلٌ لِلتَّدْجِينِ، فَقَوْلُهُ: (﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا﴾) يَقْتَضِي كَلامًا مَحْذُوفًا وهو أنَّ سُلَيْمانَ فَكَّرَ في الِاتِّصالِ بَيْنَ مَمْلَكَتِهِ وبَيْنَ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ فَأحْضَرَ كِتابًا وحَمَّلَهُ الهُدْهُدَ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى (ماذا) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. وفِعْلُ (انْظُرْ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ. والإلْقاءُ: الرَّمْيُ إلى الأرْضِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ﴾ [يوسف: ١٠]) في سُورَةِ يُوسُفَ وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ إمّا في حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ شَأْنُ الهُدْهُدِ أنْ يَصِلَ إلى المَكانِ فَيَرْمِيَ الكِتابَ مِن مِنقارِهِ، وإمّا في مَجازِهِ إنْ كانَ يَدْخُلُ المَكانَ المُرْسَلَ إلَيْهِ فَيَتَناوَلُ أصْحابُهُ الرِّسالَةَ مِن رِجْلِهِ الَّتِي تُرْبَطُ فِيها الرِّسالَةُ فَيَكُونُ الإلْقاءُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. والمُرادُ بِالرَّجْعِ: رَجْعُ الجَوابِ عَنِ الكِتابِ، أيْ: مِن قَبُولٍ أوْ رَفْضٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ الآتِي: ﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣] .

النمل 27:29

صفحة ٢٥٨ ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّيَ أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ . طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ دَلَّ عَلَيْها ما بَيْنَ الخَبِرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِنِ اقْتِضاءِ عِدَّةِ أحْداثٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ إلى سَبَأٍ فَرَمى بِالكِتابِ فَأبْلَغَ الكِتابَ إلى المَلِكَةِ وهي في مَجْلِسِ مُلْكِها فَقَرَأتْهُ قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلَأُ﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ (قالَتْ) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ غَرابَةَ قِصَّةِ إلْقاءِ الكِتابِ إلَيْها يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ شَأْنِها حِينَ بَلَغَها الكِتابُ. والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن أشْرافِ القَوْمِ وهم أهْلُ مَجْلِسِها. وظاهِرُ قَوْلِها (﴿أُلْقِيَ إلَيَّ﴾) أنَّ الكِتابَ سُلِّمَ إلَيْها دُونَ حُضُورِ أهْلِ مَجْلِسِها. وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِظامُ بَلاطِها أنْ تُسَلَّمَ الرَّسائِلُ إلَيْها رَأْسًا. والإلْقاءُ تَقَدَّمَ آنِفًا. ووَصْفُ الكِتابِ بِالكَرِيمِ يَنْصَرِفُ إلى نَفاسَتِهِ في جِنْسِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] في سُورَةِ الأنْفالِ؛ بِأنْ كانَ نَفِيسَ الصَّحِيفَةِ نَفِيسَ التَّخْطِيطِ بَهِيجَ الشَّكْلِ مُسْتَوْفِيًا كُلَّ ما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهِمْ بِالتَّأنُّقِ فِيهِ. ومِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، وقَدْ قِيلَ: كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ لِيَكُونَ ما في ضِمْنِهِ خاصًّا بِاطِّلاعِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَكْتُمُهُ عَمَّنْ يَشاءُ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: (الوَصْفُ بِالكَرَمِ في الكِتابِ غايَةُ الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وأهْلُ الزَّمانِ يَصِفُونَ الكِتابَ بِالخَطِيرِ، والأثِيرِ، والمَبْرُورِ، فَإنْ كانَ لِمَلِكٍ قالُوا: العَزِيزُ، وأسْقَطُوا الكَرِيمَ غَفْلَةً وهو أفْضَلُها خَصْلَةً) . وأمّا ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ مِنَ المَعانِي فَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَها؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] . ثُمَّ قَصَّتْ عَلَيْهِمُ الكِتابَ حِينَ قالَتْ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾) إلى آخِرِهِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ تُرْجِمَ لَها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلى مَجْلِسِ مَشُورَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ صفحة ٢٥٩ تَكُونَ عارِفَةً بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ القَحْطانِيَّةِ فَإنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ لا تَخْلُو مِن كُتّابٍ عارِفِينَ بِلُغاتِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِشِعارِ المُلُوكِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. أمّا الكَلامُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو تَرْجَمَةُ الكِتابِ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِتَضْمِينِ دَقائِقِهِ وخُصُوصِيّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ هو مِن كَلامِ المَلِكَةِ ابْتَدَأتْ بِهِ مُخاطَبَةَ أهْلِ مَشُورَتِها لِإيقاظِ أفْهامِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في مَغْزاهُ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِسُلَيْمانَ أنْ لا يُقَدِّمَ في كِتابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمانَ تُؤْخَذُ مِن خَتْمِهِ وهو خارِجُ الكِتابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأتْ بِهِ أيْضًا. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) في المَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمّا في كَلامِهِما بِاللُّغَةِ السَّبائِيَّةِ مِن عِباراتٍ دالَّةٍ عَلى اهْتِمامِها بِمُرْسِلِ الكِتابِ وبِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اهْتِمامًا يُؤَدّى مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ (إنَّ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ إيماءٌ إلى اخْتِلافِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذاتُ الكِتابَةِ والمُرادَ بِالمَعْطُوفِ مَعْناهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: إنَّ فَلانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وإنَّهُ لَزَكِيٌّ. وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ إعادَةِ العامِلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ ذِكْرِ العامِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أُعِيدَ (أطِيعُوا) لِاخْتِلافِ مَعْنى الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ وطاعَةَ الرَّسُولِ مُرادٌ بِها طاعَتُهُ في التَّصَرُّفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الرَّسُولِ أُولُو الأمْرِ مِنَ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ حِكايَةٌ لِمَقالِها، وعَرَفَتْ هي ذَلِكَ مِن عُنْوانِ الكِتابِ بِأعْلاهُ أوْ بِظاهِرِهِ عَلى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسائِلِ السُّلْطانِيَّةِ في ذَلِكَ العَهْدِ في بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ افْتِتاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُلُوكِ بِجُمْلَةِ (مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) . صفحة ٢٦٠ وافْتِتاحُ الكِتابِ بِجُمْلَةِ البَسْمَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادِفَها كانَ خاصًّا بِكُتُبِ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ أنْ يُتْبِعَ اسْمَ الجَلالَةِ بِوَصْفَيِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِافْتِتاحِ الأُمُورِ ذَواتِ البالِ في الإسْلامِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن بَقايا سُنَّةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ أنْ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَحُوا كُتُبَهم بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ المَراسِيلِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَكْتُبُ (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَكْتُبُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارَ يَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»)، أيْ: صارَ يَكْتُبُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُتُبِهِ. وأمّا جَعْلُها فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ أوْ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَمَسْألَةٌ أُخْرى. وكانَ كِتابُ سُلَيْمانَ وجِيزًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمُخاطَبَةِ مَن لا يُحْسِنُ لُغَةَ المُخاطِبِ فَيَقْتَصِرُ لَهُ عَلى المَقْصُودِ لِإمْكانِ تَرْجَمَتِهِ وحُصُولِ فَهْمِهِ فَأحاطَ كِتابُهُ بِالمَقْصُودِ، وهو تَحْذِيرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ مِن أنْ تُحاوِلَ التَّرَفُّعَ عَلى الخُضُوعِ إلى سُلَيْمانَ والطّاعَةِ لَهُ كَما كانَ شَأْنُ المُلُوكِ المُجاوِرِينَ لَهُ بِمِصْرَ وصُورَ والعِراقِ. فالإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هو إتْيانٌ مَجازِيٌّ مِثْلُ ما يُقالُ: اتَّبِعْ سَبِيلِي. و(مُسْلِمِينَ) مُشْتَقٌّ مِن أسْلَمَ إذا تَقَلَّدَ الإسْلامَ. وإطْلاقُ اسْمِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما دَعا مَلِكَةَ سَبَأٍ وقَوْمَها إلى نَبْذِ الشِّرْكِ والِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَدْعُهم إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها وأمّا دَعْوَتُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَذَلِكَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ البَشَرَ كُلَّهم، وشاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِن عَهْدِ آدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] . جَمَعَ سُلَيْمانُ بَيْنَ دَعْوَتِها إلى مُسالَمَتِهِ وطاعَتِهِ، وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِصِفَةِ المُلْكِ، وبَيْنَ دَعْوَةِ قَوْمِها إلى اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِالنُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ يُلْقِي الإرْشادَ إلى الهُدى حَيْثُما تَمَكَّنَ مِنهُ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبَيِ السِّجْنِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ. وإنْ كانَ لَمْ يُرْسَلْ صفحة ٢٦١ إلَيْهِمْ، فالأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ أمْرًا عامًّا بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ وكَذَلِكَ دُعاءُ سُلَيْمانَ هُنا، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» فَهَذِهِ سُنَّةُ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ الغايَةَ المُهِمَّةَ عِنْدَها هو إصْلاحُ النُّفُوسِ دُونَ التَّشَفِّي وحُبِّ الغَلَبَةِ. وحَرْفُ (أنْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ في مَوْقِعِهِ غُمُوضٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ مِمّا شَمَلَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكِتابِ. وهَذا الحَرْفُ لا يَخْلُو مِن كَوْنِهِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ، أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوِ التَّفْسِيرِيَّةَ. فَأمّا مَعْنى (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ فَلا يَتَّضِحُ؛ لِأنَّها تَسْتَدْعِي عامِلًا يَكُونُ مَصْدَرُها المُنْسَبِكُ بِها مَعْمُولًا لَهُ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَفْظًا مُطْلَقًا ولا مَعْنًى إلّا بِتَعَسُّفٍ وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) الَّذِي هو حَرْفُ تَحْضِيضٍ وهو وُجْهَةُ شَيْخِنا مُحَمَّدٍ النَّجّارِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنْ يَجْعَلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) إلَخْ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ (كِتابٌ) في قَوْلِهِ: (وإنَّهُ) فَحَيْثُ كانَ مَضْمُونُ الكِتابِ النَّهْيَ عَنِ العُلُوِّ جُعِلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) نَفْسَ الكِتابِ كَما يَقَعُ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ. وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . وأمّا مَعْنى المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَكَذَلِكَ؛ لِوُجُوبِ سَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّها وكَوْنِها مَعْمُولَةً لِعامِلٍ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ ذُكِرَ وجْهًا ثالِثًا في الآيَةِ في بَعْضِ نُسَخِ مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) أيْضًا، ولَمْ يُوجَدْ في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُغْنِي ولا مِن شُرُوحِهِ، ولَعَلَّهُ مِن زِياداتِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ. وقَدِ اقْتَصَرَ في الكَشّافِ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ. وأعْقَبَهُ بِما رُوِيَ مِن نُسْخَةِ كِتابِ سُلَيْمانَ لِيَظْهَرَ أنَّ لَيْسَ في كِتابِ سُلَيْمانَ ما يُقابِلُ حَرْفَ (أنْ) فَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ (أنْ) لِمَعْنى التَّفْسِيرِيَّةِ لِضَمِيرِ (وإنَّهُ) العائِدِ إلى (كِتابٌ) كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عائِدًا إلى (كِتابٌ) كانَ بِمَعْنى مُعادِهِ فَكانَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَحَّ وقْعُ (أنْ) بَعْدَهُ فَيَكُونُ (أنْ) مِن كَلامِ صفحة ٢٦٢ مَلِكَةِ سَبَأٍ فَسَّرَتْ بِها وبِما بَعْدَها مَضْمُونَ (كِتابٌ) في قَوْلِها: ﴿أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ . و(﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾) يَكُونُ هو أوَّلَ كِتابِ سُلَيْمانَ، وأنَّها حِكايَةٌ لِكَلامِ بِلْقِيسَ. قالَ في الكَشْفِ: يَتَبَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ بَيانٌ لِعُنْوانِ الكِتابِ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الكِتابِ فَلا يَرِدُ سُؤالُ كَيْفَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾) عَلى (﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . ولَمْ تَزَلْ نَفْسِي غَيْرَ مُنْثَلِجَةٍ لِهَذِهِ الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَخْطُرُ بِبالِي أنَّ مَوْقِعَ (أنْ) هَذِهِ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ في افْتِتاحِ الكَلامِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ في أوَّلِ كَلامِهِ. وأنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ خُطَبِ النَّبِيءِ ﷺ الِافْتِتاحَ بِ (أنْ) في ثانِي خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ. وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ: أنِ الحَمْدُ، مَضْبُوطٌ بِضَمَّةٍ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ. ولَكِنَّ كَلامَهُ جَرى عَلى أنَّ حَرْفَ (إنَّ) مَكْسُورُ الهَمْزَةِ مُشَدَّدُ النُّونِ. ويَظْهَرُ لِي أنَّ الهَمْزَةَ مَفْتُوحَةٌ وأنَّهُ اسْتِعْمالٌ لِـ (أنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في افْتِتاحِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ وأنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] . و﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ ولِذَلِكَ أتْبَعَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ بِقَوْلِها: ﴿يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] .

النمل 27:30

صفحة ٢٥٨ ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّيَ أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ . طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ دَلَّ عَلَيْها ما بَيْنَ الخَبِرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِنِ اقْتِضاءِ عِدَّةِ أحْداثٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ إلى سَبَأٍ فَرَمى بِالكِتابِ فَأبْلَغَ الكِتابَ إلى المَلِكَةِ وهي في مَجْلِسِ مُلْكِها فَقَرَأتْهُ قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلَأُ﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ (قالَتْ) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ غَرابَةَ قِصَّةِ إلْقاءِ الكِتابِ إلَيْها يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ شَأْنِها حِينَ بَلَغَها الكِتابُ. والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن أشْرافِ القَوْمِ وهم أهْلُ مَجْلِسِها. وظاهِرُ قَوْلِها (﴿أُلْقِيَ إلَيَّ﴾) أنَّ الكِتابَ سُلِّمَ إلَيْها دُونَ حُضُورِ أهْلِ مَجْلِسِها. وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِظامُ بَلاطِها أنْ تُسَلَّمَ الرَّسائِلُ إلَيْها رَأْسًا. والإلْقاءُ تَقَدَّمَ آنِفًا. ووَصْفُ الكِتابِ بِالكَرِيمِ يَنْصَرِفُ إلى نَفاسَتِهِ في جِنْسِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] في سُورَةِ الأنْفالِ؛ بِأنْ كانَ نَفِيسَ الصَّحِيفَةِ نَفِيسَ التَّخْطِيطِ بَهِيجَ الشَّكْلِ مُسْتَوْفِيًا كُلَّ ما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهِمْ بِالتَّأنُّقِ فِيهِ. ومِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، وقَدْ قِيلَ: كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ لِيَكُونَ ما في ضِمْنِهِ خاصًّا بِاطِّلاعِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَكْتُمُهُ عَمَّنْ يَشاءُ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: (الوَصْفُ بِالكَرَمِ في الكِتابِ غايَةُ الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وأهْلُ الزَّمانِ يَصِفُونَ الكِتابَ بِالخَطِيرِ، والأثِيرِ، والمَبْرُورِ، فَإنْ كانَ لِمَلِكٍ قالُوا: العَزِيزُ، وأسْقَطُوا الكَرِيمَ غَفْلَةً وهو أفْضَلُها خَصْلَةً) . وأمّا ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ مِنَ المَعانِي فَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَها؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] . ثُمَّ قَصَّتْ عَلَيْهِمُ الكِتابَ حِينَ قالَتْ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾) إلى آخِرِهِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ تُرْجِمَ لَها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلى مَجْلِسِ مَشُورَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ صفحة ٢٥٩ تَكُونَ عارِفَةً بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ القَحْطانِيَّةِ فَإنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ لا تَخْلُو مِن كُتّابٍ عارِفِينَ بِلُغاتِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِشِعارِ المُلُوكِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. أمّا الكَلامُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو تَرْجَمَةُ الكِتابِ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِتَضْمِينِ دَقائِقِهِ وخُصُوصِيّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ هو مِن كَلامِ المَلِكَةِ ابْتَدَأتْ بِهِ مُخاطَبَةَ أهْلِ مَشُورَتِها لِإيقاظِ أفْهامِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في مَغْزاهُ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِسُلَيْمانَ أنْ لا يُقَدِّمَ في كِتابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمانَ تُؤْخَذُ مِن خَتْمِهِ وهو خارِجُ الكِتابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأتْ بِهِ أيْضًا. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) في المَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمّا في كَلامِهِما بِاللُّغَةِ السَّبائِيَّةِ مِن عِباراتٍ دالَّةٍ عَلى اهْتِمامِها بِمُرْسِلِ الكِتابِ وبِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اهْتِمامًا يُؤَدّى مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ (إنَّ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ إيماءٌ إلى اخْتِلافِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذاتُ الكِتابَةِ والمُرادَ بِالمَعْطُوفِ مَعْناهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: إنَّ فَلانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وإنَّهُ لَزَكِيٌّ. وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ إعادَةِ العامِلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ ذِكْرِ العامِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أُعِيدَ (أطِيعُوا) لِاخْتِلافِ مَعْنى الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ وطاعَةَ الرَّسُولِ مُرادٌ بِها طاعَتُهُ في التَّصَرُّفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الرَّسُولِ أُولُو الأمْرِ مِنَ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ حِكايَةٌ لِمَقالِها، وعَرَفَتْ هي ذَلِكَ مِن عُنْوانِ الكِتابِ بِأعْلاهُ أوْ بِظاهِرِهِ عَلى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسائِلِ السُّلْطانِيَّةِ في ذَلِكَ العَهْدِ في بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ افْتِتاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُلُوكِ بِجُمْلَةِ (مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) . صفحة ٢٦٠ وافْتِتاحُ الكِتابِ بِجُمْلَةِ البَسْمَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادِفَها كانَ خاصًّا بِكُتُبِ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ أنْ يُتْبِعَ اسْمَ الجَلالَةِ بِوَصْفَيِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِافْتِتاحِ الأُمُورِ ذَواتِ البالِ في الإسْلامِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن بَقايا سُنَّةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ أنْ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَحُوا كُتُبَهم بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ المَراسِيلِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَكْتُبُ (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَكْتُبُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارَ يَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»)، أيْ: صارَ يَكْتُبُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُتُبِهِ. وأمّا جَعْلُها فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ أوْ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَمَسْألَةٌ أُخْرى. وكانَ كِتابُ سُلَيْمانَ وجِيزًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمُخاطَبَةِ مَن لا يُحْسِنُ لُغَةَ المُخاطِبِ فَيَقْتَصِرُ لَهُ عَلى المَقْصُودِ لِإمْكانِ تَرْجَمَتِهِ وحُصُولِ فَهْمِهِ فَأحاطَ كِتابُهُ بِالمَقْصُودِ، وهو تَحْذِيرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ مِن أنْ تُحاوِلَ التَّرَفُّعَ عَلى الخُضُوعِ إلى سُلَيْمانَ والطّاعَةِ لَهُ كَما كانَ شَأْنُ المُلُوكِ المُجاوِرِينَ لَهُ بِمِصْرَ وصُورَ والعِراقِ. فالإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هو إتْيانٌ مَجازِيٌّ مِثْلُ ما يُقالُ: اتَّبِعْ سَبِيلِي. و(مُسْلِمِينَ) مُشْتَقٌّ مِن أسْلَمَ إذا تَقَلَّدَ الإسْلامَ. وإطْلاقُ اسْمِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما دَعا مَلِكَةَ سَبَأٍ وقَوْمَها إلى نَبْذِ الشِّرْكِ والِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَدْعُهم إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها وأمّا دَعْوَتُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَذَلِكَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ البَشَرَ كُلَّهم، وشاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِن عَهْدِ آدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] . جَمَعَ سُلَيْمانُ بَيْنَ دَعْوَتِها إلى مُسالَمَتِهِ وطاعَتِهِ، وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِصِفَةِ المُلْكِ، وبَيْنَ دَعْوَةِ قَوْمِها إلى اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِالنُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ يُلْقِي الإرْشادَ إلى الهُدى حَيْثُما تَمَكَّنَ مِنهُ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبَيِ السِّجْنِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ. وإنْ كانَ لَمْ يُرْسَلْ صفحة ٢٦١ إلَيْهِمْ، فالأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ أمْرًا عامًّا بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ وكَذَلِكَ دُعاءُ سُلَيْمانَ هُنا، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» فَهَذِهِ سُنَّةُ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ الغايَةَ المُهِمَّةَ عِنْدَها هو إصْلاحُ النُّفُوسِ دُونَ التَّشَفِّي وحُبِّ الغَلَبَةِ. وحَرْفُ (أنْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ في مَوْقِعِهِ غُمُوضٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ مِمّا شَمَلَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكِتابِ. وهَذا الحَرْفُ لا يَخْلُو مِن كَوْنِهِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ، أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوِ التَّفْسِيرِيَّةَ. فَأمّا مَعْنى (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ فَلا يَتَّضِحُ؛ لِأنَّها تَسْتَدْعِي عامِلًا يَكُونُ مَصْدَرُها المُنْسَبِكُ بِها مَعْمُولًا لَهُ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَفْظًا مُطْلَقًا ولا مَعْنًى إلّا بِتَعَسُّفٍ وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) الَّذِي هو حَرْفُ تَحْضِيضٍ وهو وُجْهَةُ شَيْخِنا مُحَمَّدٍ النَّجّارِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنْ يَجْعَلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) إلَخْ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ (كِتابٌ) في قَوْلِهِ: (وإنَّهُ) فَحَيْثُ كانَ مَضْمُونُ الكِتابِ النَّهْيَ عَنِ العُلُوِّ جُعِلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) نَفْسَ الكِتابِ كَما يَقَعُ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ. وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . وأمّا مَعْنى المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَكَذَلِكَ؛ لِوُجُوبِ سَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّها وكَوْنِها مَعْمُولَةً لِعامِلٍ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ ذُكِرَ وجْهًا ثالِثًا في الآيَةِ في بَعْضِ نُسَخِ مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) أيْضًا، ولَمْ يُوجَدْ في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُغْنِي ولا مِن شُرُوحِهِ، ولَعَلَّهُ مِن زِياداتِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ. وقَدِ اقْتَصَرَ في الكَشّافِ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ. وأعْقَبَهُ بِما رُوِيَ مِن نُسْخَةِ كِتابِ سُلَيْمانَ لِيَظْهَرَ أنَّ لَيْسَ في كِتابِ سُلَيْمانَ ما يُقابِلُ حَرْفَ (أنْ) فَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ (أنْ) لِمَعْنى التَّفْسِيرِيَّةِ لِضَمِيرِ (وإنَّهُ) العائِدِ إلى (كِتابٌ) كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عائِدًا إلى (كِتابٌ) كانَ بِمَعْنى مُعادِهِ فَكانَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَحَّ وقْعُ (أنْ) بَعْدَهُ فَيَكُونُ (أنْ) مِن كَلامِ صفحة ٢٦٢ مَلِكَةِ سَبَأٍ فَسَّرَتْ بِها وبِما بَعْدَها مَضْمُونَ (كِتابٌ) في قَوْلِها: ﴿أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ . و(﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾) يَكُونُ هو أوَّلَ كِتابِ سُلَيْمانَ، وأنَّها حِكايَةٌ لِكَلامِ بِلْقِيسَ. قالَ في الكَشْفِ: يَتَبَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ بَيانٌ لِعُنْوانِ الكِتابِ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الكِتابِ فَلا يَرِدُ سُؤالُ كَيْفَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾) عَلى (﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . ولَمْ تَزَلْ نَفْسِي غَيْرَ مُنْثَلِجَةٍ لِهَذِهِ الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَخْطُرُ بِبالِي أنَّ مَوْقِعَ (أنْ) هَذِهِ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ في افْتِتاحِ الكَلامِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ في أوَّلِ كَلامِهِ. وأنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ خُطَبِ النَّبِيءِ ﷺ الِافْتِتاحَ بِ (أنْ) في ثانِي خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ. وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ: أنِ الحَمْدُ، مَضْبُوطٌ بِضَمَّةٍ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ. ولَكِنَّ كَلامَهُ جَرى عَلى أنَّ حَرْفَ (إنَّ) مَكْسُورُ الهَمْزَةِ مُشَدَّدُ النُّونِ. ويَظْهَرُ لِي أنَّ الهَمْزَةَ مَفْتُوحَةٌ وأنَّهُ اسْتِعْمالٌ لِـ (أنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في افْتِتاحِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ وأنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] . و﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ ولِذَلِكَ أتْبَعَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ بِقَوْلِها: ﴿يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] .

النمل 27:31

صفحة ٢٥٨ ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّيَ أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ . طُوِيَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ دَلَّ عَلَيْها ما بَيْنَ الخَبِرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مِنِ اقْتِضاءِ عِدَّةِ أحْداثٍ، إذِ التَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ الهُدْهُدُ إلى سَبَأٍ فَرَمى بِالكِتابِ فَأبْلَغَ الكِتابَ إلى المَلِكَةِ وهي في مَجْلِسِ مُلْكِها فَقَرَأتْهُ قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلَأُ﴾ إلَخْ. وجُمْلَةُ (قالَتْ) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ غَرابَةَ قِصَّةِ إلْقاءِ الكِتابِ إلَيْها يُثِيرُ سُؤالًا عَنْ شَأْنِها حِينَ بَلَغَها الكِتابُ. والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن أشْرافِ القَوْمِ وهم أهْلُ مَجْلِسِها. وظاهِرُ قَوْلِها (﴿أُلْقِيَ إلَيَّ﴾) أنَّ الكِتابَ سُلِّمَ إلَيْها دُونَ حُضُورِ أهْلِ مَجْلِسِها. وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وذَلِكَ أنْ يَكُونَ نِظامُ بَلاطِها أنْ تُسَلَّمَ الرَّسائِلُ إلَيْها رَأْسًا. والإلْقاءُ تَقَدَّمَ آنِفًا. ووَصْفُ الكِتابِ بِالكَرِيمِ يَنْصَرِفُ إلى نَفاسَتِهِ في جِنْسِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] في سُورَةِ الأنْفالِ؛ بِأنْ كانَ نَفِيسَ الصَّحِيفَةِ نَفِيسَ التَّخْطِيطِ بَهِيجَ الشَّكْلِ مُسْتَوْفِيًا كُلَّ ما جَرَتْ عادَةُ أمْثالِهِمْ بِالتَّأنُّقِ فِيهِ. ومِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، وقَدْ قِيلَ: كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ لِيَكُونَ ما في ضِمْنِهِ خاصًّا بِاطِّلاعِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ وهو يُطْلِعُ عَلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَكْتُمُهُ عَمَّنْ يَشاءُ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: (الوَصْفُ بِالكَرَمِ في الكِتابِ غايَةُ الوَصْفِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧] وأهْلُ الزَّمانِ يَصِفُونَ الكِتابَ بِالخَطِيرِ، والأثِيرِ، والمَبْرُورِ، فَإنْ كانَ لِمَلِكٍ قالُوا: العَزِيزُ، وأسْقَطُوا الكَرِيمَ غَفْلَةً وهو أفْضَلُها خَصْلَةً) . وأمّا ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الكِتابُ مِنَ المَعانِي فَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَها؛ لِأنَّها قالَتْ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] . ثُمَّ قَصَّتْ عَلَيْهِمُ الكِتابَ حِينَ قالَتْ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ﴾) إلى آخِرِهِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ تُرْجِمَ لَها قَبْلَ أنْ تَخْرُجَ إلى مَجْلِسِ مَشُورَتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ صفحة ٢٥٩ تَكُونَ عارِفَةً بِالعِبْرانِيَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَكْتُوبًا بِالعَرَبِيَّةِ القَحْطانِيَّةِ فَإنَّ عَظَمَةَ مُلْكِ سُلَيْمانَ لا تَخْلُو مِن كُتّابٍ عارِفِينَ بِلُغاتِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لِمَمْلَكَتِهِ، وكَوْنُهُ بَلُغَتِهِ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِشِعارِ المُلُوكِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْمُلُوكِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. أمّا الكَلامُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَهو تَرْجَمَةُ الكِتابِ إلى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِتَضْمِينِ دَقائِقِهِ وخُصُوصِيّاتِ اللُّغَةِ الَّتِي أُنْشِئَ بِها. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ هو مِن كَلامِ المَلِكَةِ ابْتَدَأتْ بِهِ مُخاطَبَةَ أهْلِ مَشُورَتِها لِإيقاظِ أفْهامِهِمْ إلى التَّدَبُّرِ في مَغْزاهُ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِسُلَيْمانَ أنْ لا يُقَدِّمَ في كِتابِهِ شَيْئًا قَبْلَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ مَعْرِفَةَ اسْمِ سُلَيْمانَ تُؤْخَذُ مِن خَتْمِهِ وهو خارِجُ الكِتابِ فَلِذَلِكَ ابْتَدَأتْ بِهِ أيْضًا. والتَّأْكِيدُ بِ (إنَّ) في المَوْضِعَيْنِ يُتَرْجِمُ عَمّا في كَلامِهِما بِاللُّغَةِ السَّبائِيَّةِ مِن عِباراتٍ دالَّةٍ عَلى اهْتِمامِها بِمُرْسِلِ الكِتابِ وبِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ اهْتِمامًا يُؤَدّى مِثْلُهُ في العَرَبِيَّةِ الفُصْحى بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ. وتَكْرِيرُ حَرْفِ (إنَّ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ إيماءٌ إلى اخْتِلافِ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ذاتُ الكِتابَةِ والمُرادَ بِالمَعْطُوفِ مَعْناهُ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ: إنَّ فَلانًا لَحَسَنُ الطَّلْعَةِ وإنَّهُ لَزَكِيٌّ. وهَذا مِن خُصُوصِيّاتِ إعادَةِ العامِلِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ مَعَ إغْناءِ حَرْفِ العَطْفِ عَنْ ذِكْرِ العامِلِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أُعِيدَ (أطِيعُوا) لِاخْتِلافِ مَعْنى الطّاعَتَيْنِ؛ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تَنْصَرِفُ إلى الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ وطاعَةَ الرَّسُولِ مُرادٌ بِها طاعَتُهُ في التَّصَرُّفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى الرَّسُولِ أُولُو الأمْرِ مِنَ الأُمَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ حِكايَةٌ لِمَقالِها، وعَرَفَتْ هي ذَلِكَ مِن عُنْوانِ الكِتابِ بِأعْلاهُ أوْ بِظاهِرِهِ عَلى حَسَبِ طَرِيقَةِ الرَّسائِلِ السُّلْطانِيَّةِ في ذَلِكَ العَهْدِ في بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ افْتِتاحِ كُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى المُلُوكِ بِجُمْلَةِ (مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) . صفحة ٢٦٠ وافْتِتاحُ الكِتابِ بِجُمْلَةِ البَسْمَلَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادِفَها كانَ خاصًّا بِكُتُبِ النَّبِيءِ سُلَيْمانَ أنْ يُتْبِعَ اسْمَ الجَلالَةِ بِوَصْفَيِ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً لِافْتِتاحِ الأُمُورِ ذَواتِ البالِ في الإسْلامِ ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن بَقايا سُنَّةِ الأنْبِياءِ بَعْدَ أنْ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَحُوا كُتُبَهم بِاسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. رَوى أبُو داوُدَ في كِتابِ المَراسِيلِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَكْتُبُ (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) كَما كانَتْ قُرَيْشٌ تَكْتُبُ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صارَ يَكْتُبُ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»)، أيْ: صارَ يَكْتُبُ البَسْمَلَةَ في أوَّلِ كُتُبِهِ. وأمّا جَعْلُها فَصْلًا بَيْنَ السُّوَرِ أوْ آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ فَمَسْألَةٌ أُخْرى. وكانَ كِتابُ سُلَيْمانَ وجِيزًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ بِمُخاطَبَةِ مَن لا يُحْسِنُ لُغَةَ المُخاطِبِ فَيَقْتَصِرُ لَهُ عَلى المَقْصُودِ لِإمْكانِ تَرْجَمَتِهِ وحُصُولِ فَهْمِهِ فَأحاطَ كِتابُهُ بِالمَقْصُودِ، وهو تَحْذِيرُ مَلِكَةِ سَبَأٍ مِن أنْ تُحاوِلَ التَّرَفُّعَ عَلى الخُضُوعِ إلى سُلَيْمانَ والطّاعَةِ لَهُ كَما كانَ شَأْنُ المُلُوكِ المُجاوِرِينَ لَهُ بِمِصْرَ وصُورَ والعِراقِ. فالإتْيانُ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ هو إتْيانٌ مَجازِيٌّ مِثْلُ ما يُقالُ: اتَّبِعْ سَبِيلِي. و(مُسْلِمِينَ) مُشْتَقٌّ مِن أسْلَمَ إذا تَقَلَّدَ الإسْلامَ. وإطْلاقُ اسْمِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما دَعا مَلِكَةَ سَبَأٍ وقَوْمَها إلى نَبْذِ الشِّرْكِ والِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَدْعُهم إلى اتِّباعِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُخاطَبِينَ بِها وأمّا دَعْوَتُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ في الإلَهِيَّةِ فَذَلِكَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ البَشَرَ كُلَّهم، وشاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ مِن عَهْدِ آدَمَ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] . جَمَعَ سُلَيْمانُ بَيْنَ دَعْوَتِها إلى مُسالَمَتِهِ وطاعَتِهِ، وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِصِفَةِ المُلْكِ، وبَيْنَ دَعْوَةِ قَوْمِها إلى اتِّباعِ دِينِ التَّوْحِيدِ وذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِالنُّبُوءَةِ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ يُلْقِي الإرْشادَ إلى الهُدى حَيْثُما تَمَكَّنَ مِنهُ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ يُوسُفَ لِصاحِبَيِ السِّجْنِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] الآيَةَ. وإنْ كانَ لَمْ يُرْسَلْ صفحة ٢٦١ إلَيْهِمْ، فالأنْبِياءُ مَأْمُورُونَ أمْرًا عامًّا بِالإرْشادِ إلى الحَقِّ وكَذَلِكَ دُعاءُ سُلَيْمانَ هُنا، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «لَأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ» فَهَذِهِ سُنَّةُ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ الغايَةَ المُهِمَّةَ عِنْدَها هو إصْلاحُ النُّفُوسِ دُونَ التَّشَفِّي وحُبِّ الغَلَبَةِ. وحَرْفُ (أنْ) مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ في مَوْقِعِهِ غُمُوضٌ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ مِمّا شَمَلَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ البَسْمَلَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الكِتابِ. وهَذا الحَرْفُ لا يَخْلُو مِن كَوْنِهِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةَ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ، أوِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أوِ التَّفْسِيرِيَّةَ. فَأمّا مَعْنى (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ فَلا يَتَّضِحُ؛ لِأنَّها تَسْتَدْعِي عامِلًا يَكُونُ مَصْدَرُها المُنْسَبِكُ بِها مَعْمُولًا لَهُ ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ لَفْظًا مُطْلَقًا ولا مَعْنًى إلّا بِتَعَسُّفٍ وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) الَّذِي هو حَرْفُ تَحْضِيضٍ وهو وُجْهَةُ شَيْخِنا مُحَمَّدٍ النَّجّارِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنْ يَجْعَلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) إلَخْ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ (كِتابٌ) في قَوْلِهِ: (وإنَّهُ) فَحَيْثُ كانَ مَضْمُونُ الكِتابِ النَّهْيَ عَنِ العُلُوِّ جُعِلَ (﴿أنْ لا تَعْلُوا﴾) نَفْسَ الكِتابِ كَما يَقَعُ الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ. وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ أجْزاءِ الكِتابِ بِقَوْلِهِ: (﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . وأمّا مَعْنى المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ فَكَذَلِكَ؛ لِوُجُوبِ سَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّها وكَوْنِها مَعْمُولَةً لِعامِلٍ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ أيْضًا. وقَدْ ذُكِرَ وجْهًا ثالِثًا في الآيَةِ في بَعْضِ نُسَخِ مُغْنِي اللَّبِيبِ في بَحْثِ (ألّا) أيْضًا، ولَمْ يُوجَدْ في النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنَ المُغْنِي ولا مِن شُرُوحِهِ، ولَعَلَّهُ مِن زِياداتِ بَعْضِ الطَّلَبَةِ. وقَدِ اقْتَصَرَ في الكَشّافِ عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِعِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي أنْ يُفْرَضَ. وأعْقَبَهُ بِما رُوِيَ مِن نُسْخَةِ كِتابِ سُلَيْمانَ لِيَظْهَرَ أنَّ لَيْسَ في كِتابِ سُلَيْمانَ ما يُقابِلُ حَرْفَ (أنْ) فَلِذَلِكَ تَتَعَيَّنُ (أنْ) لِمَعْنى التَّفْسِيرِيَّةِ لِضَمِيرِ (وإنَّهُ) العائِدِ إلى (كِتابٌ) كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عائِدًا إلى (كِتابٌ) كانَ بِمَعْنى مُعادِهِ فَكانَ مِمّا فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَصَحَّ وقْعُ (أنْ) بَعْدَهُ فَيَكُونُ (أنْ) مِن كَلامِ صفحة ٢٦٢ مَلِكَةِ سَبَأٍ فَسَّرَتْ بِها وبِما بَعْدَها مَضْمُونَ (كِتابٌ) في قَوْلِها: ﴿أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ . و(﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾) يَكُونُ هو أوَّلَ كِتابِ سُلَيْمانَ، وأنَّها حِكايَةٌ لِكَلامِ بِلْقِيسَ. قالَ في الكَشْفِ: يَتَبَيَّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ بَيانٌ لِعُنْوانِ الكِتابِ وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِمَضْمُونِ الكِتابِ فَلا يَرِدُ سُؤالُ كَيْفَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: (﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾) عَلى (﴿وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) . ولَمْ تَزَلْ نَفْسِي غَيْرَ مُنْثَلِجَةٍ لِهَذِهِ الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ويَخْطُرُ بِبالِي أنَّ مَوْقِعَ (أنْ) هَذِهِ اسْتِعْمالٌ خاصٌّ في افْتِتاحِ الكَلامِ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ المُتَكَلِّمُ في أوَّلِ كَلامِهِ. وأنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقَدْ رَأيْتُ في بَعْضِ خُطَبِ النَّبِيءِ ﷺ الِافْتِتاحَ بِ (أنْ) في ثانِي خُطْبَةٍ خَطَبَها بِالمَدِينَةِ في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ. وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ: أنِ الحَمْدُ، مَضْبُوطٌ بِضَمَّةٍ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرِ الأمْرِ والشَّأْنِ. ولَكِنَّ كَلامَهُ جَرى عَلى أنَّ حَرْفَ (إنَّ) مَكْسُورُ الهَمْزَةِ مُشَدَّدُ النُّونِ. ويَظْهَرُ لِي أنَّ الهَمْزَةَ مَفْتُوحَةٌ وأنَّهُ اسْتِعْمالٌ لِـ (أنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في افْتِتاحِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ وأنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] . و﴿ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ ولِذَلِكَ أتْبَعَتْهُ مَلِكَةُ سَبَأٍ بِقَوْلِها: ﴿يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] .

النمل 27:32

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ . سَألَتْهم إبْداءَ آرائِهِمْ ماذا تَعْمَلُ تُجاهَ دَعْوَةِ سُلَيْمانَ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا مِثْلُ الَّتِي قَبْلَها. والإفْتاءُ: الإخْبارُ بِالفَتْوى وهي إزالَةُ مُشْكِلٍ يَعْرِضُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١] في سُورَةِ يُوسُفَ. والأمْرُ: الحالُ المُهِمُّ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِها؛ لِأنَّها المُخاطَبَةُ بِكِتابِ سُلَيْمانَ، ولِأنَّها المُضْطَلِعَةُ بِما يَجِبُ إجْراؤُهُ مِن شُئُونِ المَمْلَكَةِ، وعَلَيْها تَبِعَةُ الخَطَأِ في المَنهَجِ صفحة ٢٦٣ الَّذِي تَسْلُكُهُ مِنَ السِّياسَةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْخَلِيفَةِ ولِلْمَلِكِ ولِلْأمِيرِ ولِعالِمِ الدِّينِ: ولِيُّ الأمْرِ. وبِهَذِهِ الثَّلاثَةِ فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . وقالَ الرّاعِي يُخاطِبُ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ: أوَلِيَّ أمْرِ اللَّهِ إنّا مَعْشَـرٌ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ لَها: (﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣]) . وقَدْ أفادَتْ إضافَةُ (أمْرِي) تَعْرِيفًا، أيْ: في الحادِثَةِ المُعَيَّنَةِ. ومَعْنى (﴿قاطِعَةً أمْرًا﴾) عامِلَةً عَمَلًا لا تَرَدُّدَ فِيهِ بِالعَزْمِ عَلى ما تُجِيبُ بِهِ سُلَيْمانَ. وصِيغَةُ (﴿كُنْتُ قاطِعَةً﴾) تُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ دَأْبُها وعادَتُها مَعَهم، فَكانَتْ عاقِلَةً حَكِيمَةً مُسْتَشِيرَةً لا تُخاطِرُ بِالِاسْتِبْدادِ بِمَصالِحِ قَوْمِها، ولا تُعَرِّضُ مُلْكَها لِمَهاوِي أخْطاءِ المُسْتَبِدِّينَ. والأمْرُ في (﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا﴾) هو أيْضًا الحالُ المُهِمُّ، أيْ: أنَّها لا تَقْضِي في المُهِمّاتِ إلّا عَنِ اسْتِشارَتِهِمْ. و(تَشْهَدُونِ) مُضارِعُ شَهِدَ المُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى حَضَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أيْ: حَتّى تَحْضُرُونِ، وشَهِدَ هَذا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى كُلِّ ما يَحْضُرُ فاعِلُ الفِعْلِ عِنْدَهُ مِن مَكانٍ وزَمانٍ واسْمِ ذاتٍ، وذَلِكَ تَعَدٍّ عَلى التَّوَسُّعِ لِكَثْرَتِهِ، وحَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ أوْ يُعَلَّقَ بِهِ ظَرْفٌ. يُقالُ: شَهِدَ عِنْدَ فُلانٍ وشَهِدَ مَجْلِسَ فُلانٍ. ويُقالُ: شَهِدَ الجُمُعَةَ. وفِعْلُ (تَشْهَدُونِ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ المُشاوَرَةِ؛ لِأنَّها يَلْزَمُها الحُضُورُ غالِبًا؛ إذْ لا تَقَعُ مُشاوَرَةٌ مَعَ غائِبٍ. والنُّونُ في (تَشْهَدُونِ) نُونُ الوِقايَةِ وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وأُلْقِيَتْ كَسْرَةُ النُّونِ المُجْتَلَبَةُ لِوِقايَةِ الحَرْفِ الأخِيرِ مِنَ الفِعْلِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَكْسُورًا، ونُونُ الوِقايَةِ دالَّةٌ عَلى المَحْذُوفِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا. وقَرَأ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا. صفحة ٢٦٤ وفِي قَوْلِها: (﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾) كِنايَةٌ عَنْ مَعْنى: تُوافِقُونِي فِيما أقْطَعُهُ، أيْ: يَصْدُرُ مِنها في مَقاطِعِ الحُقُوقِ والسِّياسَةِ: إمّا بِالقَوْلِ كَما جَرى في هَذِهِ الحادِثَةِ، وإمّا بِالسُّكُوتِ وعَدَمِ الإنْكارِ؛ لِأنَّ حُضُورَ المَعْدُودِ لِلشُّورى في مَكانِ الِاسْتِشارَةِ مُغْنٍ عَنِ اسْتِشارَتِهِ إذْ سُكُوتُهُ مُوافَقَةٌ. ولِذَلِكَ قالَ فُقَهاؤُنا: إنَّ عَلى القاضِي إذا جَلَسَ لِلْقَضاءِ أنْ يَقْضِيَ بِمَحْضَرِ أهْلِ العِلْمِ أوْ مُشاوَرَتِهِمْ. وكانَ عُثْمانُ يَقْضِي بِمَحْضَرِ أهْلِ العِلْمِ وكانَ عُمَرُ يَسْتَشِيرُهم وإنْ لَمْ يَحْضُرُوا. وقالَ الفُقَهاءُ إنَّ سُكُوتَهم مَعَ حُضُورِهِمْ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِهِ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الشُّورى؛ لِأنَّها لَمْ تَحْكِ شَرْعًا إلَهِيًّا ولا سِيقَ مَساقَ المَدْحِ، ولَكِنَّهُ حِكايَةُ ما جَرى عِنْدَ أُمَّةٍ غَيْرِ مُتَدَيِّنَةٍ بِوَحْيٍ إلَهِيٍّ؛ غَيْرَ أنَّ شَأْنَ القُرْآنِ فِيما يَذْكُرُهُ مِنَ القَصَصِ أنْ يَذْكُرَ المُهِمَّ مِنها لِلْمَوْعِظَةِ أوْ لِلْأُسْوَةِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ. فَلِذَلِكَ يُسْتَرْوَحُ مِن سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ حُسْنُ الشُّورى. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشُّورى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

النمل 27:33

﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ . جَوابٌ بِأُسْلُوبِ المُحاوَرَةِ فَلِذَلِكَ فُصِلَ ولَمْ يُعْطَفْ كَما هي طَرِيقَةُ المُحاوَراتِ. أرادُوا مِن قَوْلِهِمْ: نَحْنُ جَماعَةُ المَمْلِكَةِ الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الحَرْبِ. فَهو مِن إخْبارِ عُرَفاءِ القَوْمِ عَنْ حالِ جَماعَتِهِمْ ومَن يُفَوَّضُ أمْرُهم إلَيْهِمْ. والقُوَّةُ: حَقِيقَتُها ومَجازُها تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. وأُطْلِقَتْ عَلى وسائِلِ القُوَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] في سُورَةِ الأنْفالِ، أيْ: وسائِلِ القُدْرَةِ عَلى القِتالِ والغَلَبَةِ، ومِنَ القُوَّةِ كَثْرَةُ القادِرِينَ عَلى القِتالِ والعارِفِينَ بِأسالِيبِهِ. والبَأْسُ: الشِّدَّةُ عَلى العَدُوِّ، قالَ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيْ: في مَواقِعِ القِتالِ، وقالَ: ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ [الحشر: ١٤] . وهَذا الجَوابُ تَصْرِيحٌ بِأنَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ لِلدِّفاعِ عَنْ مُلْكِهِمْ وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَمِيلُونَ إلى الدَّفْعِ صفحة ٢٦٥ بِالقُوَّةِ إنْ أرادَ أنْ يُكْرِهَهم عَلى الدُّخُولِ تَحْتَ طاعَتِهِ؛ لِأنَّهم حَمَلُوا ما تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ عَلى ما قَدْ يُفْضِي إلى هَذا. ومَعَ إظْهارِ هَذا الرَّأْيِ فَوَّضُوا الأمْرَ إلى المَلِكَةِ لِثِقَتِهِمْ بِأصالَةِ رَأْيِها لِتَنْظُرَ ما تَأْمُرُهم فَيَمْتَثِلُونَهُ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ (تَأْمُرِينَ) ومُتَعَلَّقَهُ لِظُهُورِهِما مِنَ المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: ما تَأْمُرِينَنا بِهِ، أيْ: إنْ كانَ رَأْيُكِ غَيْرَ الحَرْبِ فَمُرِي بِهِ نُطِعْكِ. وفِعْلُ (انْظُرِي) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ وهو (ماذا تَأْمُرِينَ) . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (ماذا) في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.

النمل 27:34

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ . (قالَتْ) جَوابُ مُحاوَرَةٍ فَلِذَلِكَ فُصِلَ. أبْدَتْ لَهم رَأْيَها مُفَضِّلَةً جانِبَ السِّلْمِ عَلى جانِبِ الحَرْبِ وحاذِرَةً مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ اخْتِيارًا؛ لِأنَّ نِهايَةَ الحَرْبِ فِيها احْتِمالُ أنْ يَنْتَصِرَ سُلَيْمانُ فَتَصِيرُ مَمْلَكَةُ سَبَأٍ إلَيْهِ، وفي الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ إلْقاءٌ لِلْمَمْلَكَةِ في تَصَرُّفِهِ، وفي كِلا الحالَيْنِ يَحْصُلُ تَصَرُّفُ مَلِكٍ جَدِيدٍ في مَدِينَتِها فَعَلِمَتْ بِقِياسِ شَواهِدِ التّارِيخِ وبِخِبْرَةِ طَبائِعِ المُلُوكِ إذا تَصَرَّفُوا في مَمْلَكَةِ غَيْرِهِمْ أنْ يَقْلِبُوا نِظامَها إلى ما يُسايِرُ مَصالِحَهم واطْمِئْنانَ نُفُوسِهِمْ مِنَ انْقِلابِ الأُمَّةِ المَغْلُوبَةِ عَلَيْهِمْ في فُرَصِ الضَّعْفِ أوْ لَوائِحِ الِاشْتِغالِ بِحَوادِثَ مُهِمَّةٍ، فَأوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ إقْصاءُ الَّذِينَ كانُوا في الحُكْمِ؛ لِأنَّ الخَطَرَ يُتَوَقَّعُ مِن جانِبِهِمْ حَيْثُ زالَ سُلْطانُهم بِالسُّلْطانِ الجَدِيدِ، ثُمَّ يُبَدِّلُونَ القَوانِينَ والنُّظُمَ الَّتِي كانَتْ تَسِيرُ عَلَيْها الدَّوْلَةُ، فَأمّا إذا أخَذُوها عُنْوَةً فَلا يَخْلُو الأخْذُ مِن تَخْرِيبٍ وسَبْيٍ ومَغانِمَ، وذَلِكَ أشَدُّ فَسادًا. وقَدِ انْدَرَجَ الحالانِ في قَوْلِها ﴿إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ . صفحة ٢٦٦ وافْتِتاحُ جُمْلَةِ (إنَّ المُلُوكَ) بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ، فَقَوْلُها: (إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها) اسْتِدْلالٌ بِشَواهِدِ التّارِيخِ الماضِي ولِهَذا تَكُونُ (إذا) ظَرْفًا لِلْماضِي بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٩٢] . وجُمْلَةُ (﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِحُكْمِ الماضِي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِصْحابِ وهو كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ . والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإفْسادِ وجَعْلِ الأعِزَّةِ أذِلَّةً، أيْ: فَكَيْفَ نُلْقِي بِأيْدِينا إلى مَن لا يَأْلُو إفْسادًا في حالِنا. فَدَبَّرَتْ أنْ تَتَفادى مِنَ الحَرْبِ ومِنَ الإلْقاءِ بِاليَدِ، بِطَرِيقَةِ المُصانَعَةِ والتَّزَلُّفِ إلى سُلَيْمانَ بِإرْسالِ هَدِيَّةٍ إلَيْهِ، وقَدْ عَزَمَتْ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَسْتَطْلِعْ رَأْيَ أهْلِ مَشُورَتِها؛ لِأنَّهم فَوَّضُوا الرَّأْيَ إلَيْها؛ ولِأنَّ سُكُوتَهم عَلى ما تُخْبِرُهم بِهِ يُعَدُّ مُوافَقَةً ورِضًى. وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما سَتُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن عَزْمِها، ويَتَضَمَّنُ تَعْلِيلًا لِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ. والباءُ في (بِهَدِيَّةٍ) باءُ المُصاحَبَةِ. ومَفْعُولُ (مُرْسِلَةٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ (مُرْسِلَةٌ) وكَوْنُ التَّشاوُرِ فِيما تَضَمَّنَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ. فالتَّقْدِيرُ: مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ كِتابًا ووَفْدًا مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ الوَفْدُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ تُجِيبُ بِهِ كِتابَ سُلَيْمانَ، فَإنَّ الجَوابَ عَنِ الكِتابِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ، وهو مَن سُنَنِ المُسْلِمِينَ، وعُدَّ مِن حَقِّ المُسْلِمُ عَلى المُسْلِمِ قالَ القُرْطُبِيُّ: إذا ورَدَ عَلى إنْسانٍ في كِتابٍ بِالتَّحِيَّةِ أوْ نَحْوِها يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ الجَوابَ؛ لِأنَّ الكِتابَ مِنَ الغائِبِ كالسَّلامِ مِنَ الحاضِرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى رَدَّ الكِتابِ واجِبًا كَرَدِّ السَّلامِ اهـ. ولَمْ أقِفْ عَلى حُكْمٍ فِيهِ مِن مَذاهِبِ الفُقَهاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الجَوابَ إنْ كانَ عَنْ كِتابٍ مُشْتَمِلٍ عَلى صِيغَةِ السَّلامِ أنْ يَكُونَ رَدُّ الجَوابِ واجِبًا وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى رَدِّ السَّلامِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ بِالكِتابَةِ يُقاسُ عَلى الرَّدِّ بِالكَلامِ مَعَ إلْغاءِ فارِقِ ما في المُكالَمَةِ مِنَ المُواجَهَةِ الَّتِي يَكُونُ تَرْكُ الرَّدِّ مَعَها أقْرَبَ لِإلْقاءِ العَداوَةِ. ولَمْ أرَ في كُتُبِ النَّبِيءِ ﷺ جَوابًا عَنْ كِتابٍ إلّا جَوابَهُ عَنْ كِتابِ مُسَيْلَمَةَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى. صفحة ٢٦٧ والهَدِيَّةُ: فَعِيلَةُ مِن أهْدى: فالهَدِيَّةُ ما يُعْطى لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ والتَّحَبُّبِ، والجَمْعُ هَدايا عَلى اللُّغَةِ الفُصْحى، وهي لُغَةٌ سُفْلى مَعَدٍّ. وأصْلُ هَدايا: هِدائِي بِهَمْزَةٍ بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ ثُمَّ ياءٍ؛ لِأنَّ فَعِيلَةَ يُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ بِإبْدالِ ياءِ فَعِيلَةَ هَمْزَةً؛ لِأنَّها حَرْفٌ وقَعَ في الجَمْعِ بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ فَلَمّا وجَدُوا الضَّمَّةَ في حالَةِ الرَّفْعِ ثَقِيلَةً عَلى الياءِ سَكَّنُوا الياءَ طَرْدًا لِلْبابِ ثُمَّ قَلَبُوا الياءَ السّاكِنَةَ ألِفًا لِلْخِفَّةِ فَوَقَعَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ فَثَقُلَتْ فَقَلَبُوها ياءً؛ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ وهي أخَفُّ، وأمّا لُغَةُ سُفْلى مَعَدٍّ فَيَقُولُونَ: هَداوى بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَيْنَ الألِفَيْنِ واوًا؛ لِأنَّها أُخْتُ الياءِ وكِلْتاهُما أُخْتُ الهَمْزَةِ. و(ناظِرَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ مَن نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، أيْ: مُتَرَقِّبَةٌ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (فَناظِرَةٌ)، أوْ مُسْتَأْنَفَةً. وأصْلُ النَّظْمِ: فَناظِرَةٌ ما يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ بِهِ، فَغَيَّرَ النَّظْمَ لَمّا أُرِيدَ أنَّها مُتَرَدِّدَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ المُرْسَلُونَ. فالباءُ في قَوْلِهِ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ) قُدِّمَتْ عَلى مُتَعَلَّقِها لِاقْتِرانِها بِحَرْفِ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ناظِرَةٌ) مِنَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، أيْ: عالِمَةٌ، وتَعَلُّقُ الباءِ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ)، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ (فَناظِرَةٌ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ أوْ مَفْعُولَيْهِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الباءِ بِ (ناظِرَةٌ)؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ فَمِن ثَمَّ غَلَّطُوا الحُوفِيَّ في تَفْسِيرِهِ لِتَعْلِيقِهِ الباءَ بِ (ناظِرَةٌ) كَما في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ.

النمل 27:35

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ . (قالَتْ) جَوابُ مُحاوَرَةٍ فَلِذَلِكَ فُصِلَ. أبْدَتْ لَهم رَأْيَها مُفَضِّلَةً جانِبَ السِّلْمِ عَلى جانِبِ الحَرْبِ وحاذِرَةً مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ اخْتِيارًا؛ لِأنَّ نِهايَةَ الحَرْبِ فِيها احْتِمالُ أنْ يَنْتَصِرَ سُلَيْمانُ فَتَصِيرُ مَمْلَكَةُ سَبَأٍ إلَيْهِ، وفي الدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطَةِ سُلَيْمانَ إلْقاءٌ لِلْمَمْلَكَةِ في تَصَرُّفِهِ، وفي كِلا الحالَيْنِ يَحْصُلُ تَصَرُّفُ مَلِكٍ جَدِيدٍ في مَدِينَتِها فَعَلِمَتْ بِقِياسِ شَواهِدِ التّارِيخِ وبِخِبْرَةِ طَبائِعِ المُلُوكِ إذا تَصَرَّفُوا في مَمْلَكَةِ غَيْرِهِمْ أنْ يَقْلِبُوا نِظامَها إلى ما يُسايِرُ مَصالِحَهم واطْمِئْنانَ نُفُوسِهِمْ مِنَ انْقِلابِ الأُمَّةِ المَغْلُوبَةِ عَلَيْهِمْ في فُرَصِ الضَّعْفِ أوْ لَوائِحِ الِاشْتِغالِ بِحَوادِثَ مُهِمَّةٍ، فَأوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ إقْصاءُ الَّذِينَ كانُوا في الحُكْمِ؛ لِأنَّ الخَطَرَ يُتَوَقَّعُ مِن جانِبِهِمْ حَيْثُ زالَ سُلْطانُهم بِالسُّلْطانِ الجَدِيدِ، ثُمَّ يُبَدِّلُونَ القَوانِينَ والنُّظُمَ الَّتِي كانَتْ تَسِيرُ عَلَيْها الدَّوْلَةُ، فَأمّا إذا أخَذُوها عُنْوَةً فَلا يَخْلُو الأخْذُ مِن تَخْرِيبٍ وسَبْيٍ ومَغانِمَ، وذَلِكَ أشَدُّ فَسادًا. وقَدِ انْدَرَجَ الحالانِ في قَوْلِها ﴿إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ . صفحة ٢٦٦ وافْتِتاحُ جُمْلَةِ (إنَّ المُلُوكَ) بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ، فَقَوْلُها: (إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها) اسْتِدْلالٌ بِشَواهِدِ التّارِيخِ الماضِي ولِهَذا تَكُونُ (إذا) ظَرْفًا لِلْماضِي بِقَرِينَةِ المَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ [التوبة: ٩٢] . وجُمْلَةُ (﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى المُسْتَقْبَلِ بِحُكْمِ الماضِي عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِصْحابِ وهو كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها﴾ . والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِنَ الإفْسادِ وجَعْلِ الأعِزَّةِ أذِلَّةً، أيْ: فَكَيْفَ نُلْقِي بِأيْدِينا إلى مَن لا يَأْلُو إفْسادًا في حالِنا. فَدَبَّرَتْ أنْ تَتَفادى مِنَ الحَرْبِ ومِنَ الإلْقاءِ بِاليَدِ، بِطَرِيقَةِ المُصانَعَةِ والتَّزَلُّفِ إلى سُلَيْمانَ بِإرْسالِ هَدِيَّةٍ إلَيْهِ، وقَدْ عَزَمَتْ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ تَسْتَطْلِعْ رَأْيَ أهْلِ مَشُورَتِها؛ لِأنَّهم فَوَّضُوا الرَّأْيَ إلَيْها؛ ولِأنَّ سُكُوتَهم عَلى ما تُخْبِرُهم بِهِ يُعَدُّ مُوافَقَةً ورِضًى. وهَذا الكَلامُ مُقَدِّمَةٌ لِما سَتُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن عَزْمِها، ويَتَضَمَّنُ تَعْلِيلًا لِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ. والباءُ في (بِهَدِيَّةٍ) باءُ المُصاحَبَةِ. ومَفْعُولُ (مُرْسِلَةٌ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ (مُرْسِلَةٌ) وكَوْنُ التَّشاوُرِ فِيما تَضَمَّنَهُ كِتابُ سُلَيْمانَ. فالتَّقْدِيرُ: مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ كِتابًا ووَفْدًا مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ؛ إذْ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ الوَفْدُ مَصْحُوبًا بِكِتابٍ تُجِيبُ بِهِ كِتابَ سُلَيْمانَ، فَإنَّ الجَوابَ عَنِ الكِتابِ عادَةٌ قَدِيمَةٌ، وهو مَن سُنَنِ المُسْلِمِينَ، وعُدَّ مِن حَقِّ المُسْلِمُ عَلى المُسْلِمِ قالَ القُرْطُبِيُّ: إذا ورَدَ عَلى إنْسانٍ في كِتابٍ بِالتَّحِيَّةِ أوْ نَحْوِها يَنْبَغِي أنْ يَرُدَّ الجَوابَ؛ لِأنَّ الكِتابَ مِنَ الغائِبِ كالسَّلامِ مِنَ الحاضِرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَرى رَدَّ الكِتابِ واجِبًا كَرَدِّ السَّلامِ اهـ. ولَمْ أقِفْ عَلى حُكْمٍ فِيهِ مِن مَذاهِبِ الفُقَهاءِ. والظّاهِرُ أنَّ الجَوابَ إنْ كانَ عَنْ كِتابٍ مُشْتَمِلٍ عَلى صِيغَةِ السَّلامِ أنْ يَكُونَ رَدُّ الجَوابِ واجِبًا وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى رَدِّ السَّلامِ؛ لِأنَّ الرَّدَّ بِالكِتابَةِ يُقاسُ عَلى الرَّدِّ بِالكَلامِ مَعَ إلْغاءِ فارِقِ ما في المُكالَمَةِ مِنَ المُواجَهَةِ الَّتِي يَكُونُ تَرْكُ الرَّدِّ مَعَها أقْرَبَ لِإلْقاءِ العَداوَةِ. ولَمْ أرَ في كُتُبِ النَّبِيءِ ﷺ جَوابًا عَنْ كِتابٍ إلّا جَوابَهُ عَنْ كِتابِ مُسَيْلَمَةَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى. صفحة ٢٦٧ والهَدِيَّةُ: فَعِيلَةُ مِن أهْدى: فالهَدِيَّةُ ما يُعْطى لِقَصْدِ التَّقَرُّبِ والتَّحَبُّبِ، والجَمْعُ هَدايا عَلى اللُّغَةِ الفُصْحى، وهي لُغَةٌ سُفْلى مَعَدٍّ. وأصْلُ هَدايا: هِدائِي بِهَمْزَةٍ بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ ثُمَّ ياءٍ؛ لِأنَّ فَعِيلَةَ يُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ بِإبْدالِ ياءِ فَعِيلَةَ هَمْزَةً؛ لِأنَّها حَرْفٌ وقَعَ في الجَمْعِ بَعْدَ حَرْفِ مَدٍّ فَلَمّا وجَدُوا الضَّمَّةَ في حالَةِ الرَّفْعِ ثَقِيلَةً عَلى الياءِ سَكَّنُوا الياءَ طَرْدًا لِلْبابِ ثُمَّ قَلَبُوا الياءَ السّاكِنَةَ ألِفًا لِلْخِفَّةِ فَوَقَعَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ فَثَقُلَتْ فَقَلَبُوها ياءً؛ لِأنَّها مَفْتُوحَةٌ وهي أخَفُّ، وأمّا لُغَةُ سُفْلى مَعَدٍّ فَيَقُولُونَ: هَداوى بِقَلْبِ الهَمْزَةِ الَّتِي بَيْنَ الألِفَيْنِ واوًا؛ لِأنَّها أُخْتُ الياءِ وكِلْتاهُما أُخْتُ الهَمْزَةِ. و(ناظِرَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ مَن نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، أيْ: مُتَرَقِّبَةٌ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُبَيِّنَةً لِجُمْلَةِ (فَناظِرَةٌ)، أوْ مُسْتَأْنَفَةً. وأصْلُ النَّظْمِ: فَناظِرَةٌ ما يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ بِهِ، فَغَيَّرَ النَّظْمَ لَمّا أُرِيدَ أنَّها مُتَرَدِّدَةٌ فِيما يَرْجِعُ بِهِ المُرْسَلُونَ. فالباءُ في قَوْلِهِ (﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ) قُدِّمَتْ عَلى مُتَعَلَّقِها لِاقْتِرانِها بِحَرْفِ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ صَدْرُ الكَلامِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ناظِرَةٌ) مِنَ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، أيْ: عالِمَةٌ، وتَعَلُّقُ الباءِ بِفِعْلِ (يَرْجِعُ)، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ (فَناظِرَةٌ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولِهِ أوْ مَفْعُولَيْهِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ، ولا يَجُوزُ تَعَلُّقُ الباءِ بِ (ناظِرَةٌ)؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ فَمِن ثَمَّ غَلَّطُوا الحُوفِيَّ في تَفْسِيرِهِ لِتَعْلِيقِهِ الباءَ بِ (ناظِرَةٌ) كَما في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ.

النمل 27:36

﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ . أيْ فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥]، فالإرْسالُ يَقْتَضِي رَسُولًا، والرَّسُولُ لَفْظُهُ مُفْرَدٌ ويَصْدُقُ بِالواحِدِ والجَماعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ مُوسى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وأيْضًا فَإنَّ هَدايا المُلُوكِ يَحْمِلُها رَكْبٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ (جاءَ) الرَّكْبَ المَعْهُودَ في إرْسالِ هَدايا أمْثالِ المُلُوكِ. صفحة ٢٦٨ وقَدْ أبى سُلَيْمانُ قَبُولَ الهَدِيَّةِ؛ لِأنَّ المَلِكَةَ أرْسَلَتْها بَعْدَ بُلُوغِ كِتابِهِ، ولَعَلَّها سَكَتَتْ عَنِ الجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]) فَتَبَيَّنَ لَهُ قَصْدُها مِنَ الهَدِيَّةِ أنْ تَصْرِفَهُ عَنْ مُحاوَلَةِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ، فَكانَتِ الهَدِيَّةُ رِشْوَةً لِتَصْرِفَهُ عَنْ بَثِّ سُلْطانِهِ عَلى مَمْلَكَةِ سَبَأٍ. والخِطابُ في (أتُمِدُّونَنِي) لِوَفْدِ الهَدِيَّةِ لِقَصْدِ تَبْلِيغِهِ إلى المَلِكَةِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرُّسُلِ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ مَن أرْسَلَهم فِيما يَرْجِعُ إلى الغَرَضِ المُرْسَلِ فِيهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لِأنَّ حالَ إرْسالِ الهَدِيَّةِ والسُّكُوتِ عَنِ الجَوابِ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ صَرْفِ سُلَيْمانَ عَنْ طَلَبِ ما طَلَبَهُ بِما بُذِلَ لَهُ مِنَ المالِ، فَيَقْتَضِي أنَّهم يَحْسَبُونَهُ مُحْتاجًا إلى مِثْلِ ذَلِكَ المالِ فَيَقْتَنِعُ بِما وُجِّهَ إلَيْهِ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَدِيَّةَ كانَتْ ذَهَبًا ومالًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أتُمِدُّونَنِي) بِنُونَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِالإدْغامِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها عَلى الإنْكارِ السّابِقِ، أيْ: أنْكَرْتُ عَلَيْكم ظَنَّكم فَرَحِي بِما وجَّهْتُمْ لِي؛ لِأنَّ ما أعْطانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا أعْطاكم، أيْ: فَهو أفْضَلُ مِنهُ في صِفاتِ الأمْوالِ مِن نَفاسَةٍ ووَفْرَةٍ. وسَوْقُ التَّعْلِيلِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ المَلِكَةَ لا تَعْلَمُ أنَّ لَدى سُلَيْمانَ مِنَ الأمْوالِ ما هو خَيْرٌ مِمّا لَدَيْها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَظُنُّ أنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ لَما احْتاجَ إلى التَّفْرِيعِ. وهَذا مِن أسْرارِ الفَرْقِ في الكَلامِ البَلِيغِ بَيْنَ الواوِ والفاءِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَلَوْ قالَ: وما آتانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم، لَكانَ مُشْعِرًا بِأنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الواوَ تَكُونُ واوَ الحالِ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ إمْدادَهُ بِمالٍ إلى رَدِّ ذَلِكَ المالِ وإرْجاعِهِ إلَيْهِمْ. وإضافَةُ (هَدِيَّتِكم) تَشْبِيهٌ، تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مِمّا تُهْدُونَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَبِيهَةً بِالإضافَةِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: بِما يُهْدى إلَيْكم. والخَبَرُ اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ لِلْمَهْدِيِّ. صفحة ٢٦٩ ومَعْنى (تَفْرَحُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُسَرُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْتَخِرُونَ، أيْ: أنْتُمْ تَعْظُمُ عِنْدَكم تِلْكَ الهَدِيَّةُ لا أنا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْطانِي خَيْرًا مِنها. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في (أنْتُمْ. . . تَفْرَحُونَ) لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ: أنْتُمْ. وهو الكِنايَةُ عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ. وتَوَعَّدَهم وهَدَّدَهم بِأنَّهُ مُرْسِلٌ إلَيْهِمْ جَيْشًا لا قِبَلَ لَهم بِحَرْبِهِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الذُّكُورِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (فَلَنَأْتِيَنَّهم) (ولَنُخْرِجَنَّهم) عائِدَةٌ إلى القَوْمِ، أيْ: لَنُخْرِجَنَّ مَن نُخْرِجُ مِنَ الأسْرى. وقَوْلُهُ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾) يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ غَزْوَ بَلَدِها بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إرْسالَ جُنُودٍ لِغَزْوِها فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أيْ: أذْهَبَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلْنُؤْتِيَنَّهم جُنُودًا، أيْ: نَجْعَلُها آتِيَةً إيّاهم. والقِبَلُ: الطّاقَةُ. وأصْلُهُ المُقابَلَةُ فَأُطْلِقَ عَلى الطّاقَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُطِيقُ شَيْئًا يَثْبُتُ لِلِقائِهِ ويُقابِلُهُ. فَإذا لَمْ يُطِقْهُ تَقَهْقَرَ عَنْ لِقائِهِ. ولَعَلَّ أصْلَ هَذا الِاسْتِعْمالِ ناظِرٌ إلى المُقابَلَةِ في القِتالِ. والباءُ في (بِها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهم بِسَبَبِها، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهُمُ المُصاحِبُ لَها، أيْ: لِلْقُدْرَةِ عَلى لِقائِها. وضَمِيرُ (بِها) لِلْجُنُودِ وضَمِيرُ (مِنها) لِلْمَدِينَةِ، وهي مَأْرِبَ، أيْ: يُخْرِجُهم أسْرى ويَأْتِي بِهِمْ إلى مَدِينَتِهِ. والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغُرَ بِضَمِّ الغَيْنِ المُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ذَلَّ ومَصْدَرُهُ الصَّغارُ. والمُرادُ: ذُلُّ الهَزِيمَةِ والأسْرِ.

النمل 27:37

﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ . أيْ فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥]، فالإرْسالُ يَقْتَضِي رَسُولًا، والرَّسُولُ لَفْظُهُ مُفْرَدٌ ويَصْدُقُ بِالواحِدِ والجَماعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ مُوسى في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وأيْضًا فَإنَّ هَدايا المُلُوكِ يَحْمِلُها رَكْبٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ (جاءَ) الرَّكْبَ المَعْهُودَ في إرْسالِ هَدايا أمْثالِ المُلُوكِ. صفحة ٢٦٨ وقَدْ أبى سُلَيْمانُ قَبُولَ الهَدِيَّةِ؛ لِأنَّ المَلِكَةَ أرْسَلَتْها بَعْدَ بُلُوغِ كِتابِهِ، ولَعَلَّها سَكَتَتْ عَنِ الجَوابِ عَمّا تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ مِن قَوْلِهِ: (﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]) فَتَبَيَّنَ لَهُ قَصْدُها مِنَ الهَدِيَّةِ أنْ تَصْرِفَهُ عَنْ مُحاوَلَةِ ما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ، فَكانَتِ الهَدِيَّةُ رِشْوَةً لِتَصْرِفَهُ عَنْ بَثِّ سُلْطانِهِ عَلى مَمْلَكَةِ سَبَأٍ. والخِطابُ في (أتُمِدُّونَنِي) لِوَفْدِ الهَدِيَّةِ لِقَصْدِ تَبْلِيغِهِ إلى المَلِكَةِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرُّسُلِ إنَّما يُقْصَدُ بِهِ مَن أرْسَلَهم فِيما يَرْجِعُ إلى الغَرَضِ المُرْسَلِ فِيهِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لِأنَّ حالَ إرْسالِ الهَدِيَّةِ والسُّكُوتِ عَنِ الجَوابِ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ صَرْفِ سُلَيْمانَ عَنْ طَلَبِ ما طَلَبَهُ بِما بُذِلَ لَهُ مِنَ المالِ، فَيَقْتَضِي أنَّهم يَحْسَبُونَهُ مُحْتاجًا إلى مِثْلِ ذَلِكَ المالِ فَيَقْتَنِعُ بِما وُجِّهَ إلَيْهِ. ويَظْهَرُ أنَّ الهَدِيَّةَ كانَتْ ذَهَبًا ومالًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (أتُمِدُّونَنِي) بِنُونَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ وخَلَفٌ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ بِالإدْغامِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ الكَلامِ الَّذِي بَعْدَها عَلى الإنْكارِ السّابِقِ، أيْ: أنْكَرْتُ عَلَيْكم ظَنَّكم فَرَحِي بِما وجَّهْتُمْ لِي؛ لِأنَّ ما أعْطانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا أعْطاكم، أيْ: فَهو أفْضَلُ مِنهُ في صِفاتِ الأمْوالِ مِن نَفاسَةٍ ووَفْرَةٍ. وسَوْقُ التَّعْلِيلِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ المَلِكَةَ لا تَعْلَمُ أنَّ لَدى سُلَيْمانَ مِنَ الأمْوالِ ما هو خَيْرٌ مِمّا لَدَيْها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ يَظُنُّ أنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ لَما احْتاجَ إلى التَّفْرِيعِ. وهَذا مِن أسْرارِ الفَرْقِ في الكَلامِ البَلِيغِ بَيْنَ الواوِ والفاءِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَلَوْ قالَ: وما آتانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم، لَكانَ مُشْعِرًا بِأنَّها تَعْلَمُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الواوَ تَكُونُ واوَ الحالِ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ وهو انْتِقالٌ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ إمْدادَهُ بِمالٍ إلى رَدِّ ذَلِكَ المالِ وإرْجاعِهِ إلَيْهِمْ. وإضافَةُ (هَدِيَّتِكم) تَشْبِيهٌ، تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: مِمّا تُهْدُونَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ شَبِيهَةً بِالإضافَةِ إلى ما هو في مَعْنى المَفْعُولِ، أيْ: بِما يُهْدى إلَيْكم. والخَبَرُ اسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ لِلْمَهْدِيِّ. صفحة ٢٦٩ ومَعْنى (تَفْرَحُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تُسَرُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْتَخِرُونَ، أيْ: أنْتُمْ تَعْظُمُ عِنْدَكم تِلْكَ الهَدِيَّةُ لا أنا؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْطانِي خَيْرًا مِنها. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في (أنْتُمْ. . . تَفْرَحُونَ) لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ: أنْتُمْ. وهو الكِنايَةُ عَنْ رَدِّ الهَدِيَّةِ. وتَوَعَّدَهم وهَدَّدَهم بِأنَّهُ مُرْسِلٌ إلَيْهِمْ جَيْشًا لا قِبَلَ لَهم بِحَرْبِهِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الذُّكُورِ الغائِبِ في قَوْلِهِ (فَلَنَأْتِيَنَّهم) (ولَنُخْرِجَنَّهم) عائِدَةٌ إلى القَوْمِ، أيْ: لَنُخْرِجَنَّ مَن نُخْرِجُ مِنَ الأسْرى. وقَوْلُهُ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾) يُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ غَزْوَ بَلَدِها بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إرْسالَ جُنُودٍ لِغَزْوِها فَتَكُونُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] أيْ: أذْهَبَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: فَلْنُؤْتِيَنَّهم جُنُودًا، أيْ: نَجْعَلُها آتِيَةً إيّاهم. والقِبَلُ: الطّاقَةُ. وأصْلُهُ المُقابَلَةُ فَأُطْلِقَ عَلى الطّاقَةِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُطِيقُ شَيْئًا يَثْبُتُ لِلِقائِهِ ويُقابِلُهُ. فَإذا لَمْ يُطِقْهُ تَقَهْقَرَ عَنْ لِقائِهِ. ولَعَلَّ أصْلَ هَذا الِاسْتِعْمالِ ناظِرٌ إلى المُقابَلَةِ في القِتالِ. والباءُ في (بِها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهم بِسَبَبِها، أوْ تَكُونُ الباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيِ: انْتَفى قِبَلَهُمُ المُصاحِبُ لَها، أيْ: لِلْقُدْرَةِ عَلى لِقائِها. وضَمِيرُ (بِها) لِلْجُنُودِ وضَمِيرُ (مِنها) لِلْمَدِينَةِ، وهي مَأْرِبَ، أيْ: يُخْرِجُهم أسْرى ويَأْتِي بِهِمْ إلى مَدِينَتِهِ. والصّاغِرُ: الذَّلِيلُ اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغُرَ بِضَمِّ الغَيْنِ المُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ذَلَّ ومَصْدَرُهُ الصَّغارُ. والمُرادُ: ذُلُّ الهَزِيمَةِ والأسْرِ.

النمل 27:38

صفحة ٢٧٠ ﴿قالَ يا أيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِنِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ بَعْضِ أجْزاءِ القِصَّةِ طُوِيَ خَبَرُ رُجُوعِ الرُّسُلِ والهَدِيَّةِ، وعَلِمَ سُلَيْمانُ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ لا يَسَعُها إلّا طاعَتُهُ ومَجِيئُها إلَيْهِ، أوْ ورَدَ لَهُ مِنها أنَّها عَزَمَتْ عَلى الحُضُورِ عِنْدَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ (وأْتُونِي مُسْلِمِينَ) . ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَطَّتْ رِحالُ المَلِكَةِ في مَدِينَةِ أُورْشَلِيمَ وقَبْلَ أنْ تَتَهَيَّأ لِلدُّخُولِ عَلى المَلِكِ، أوْ حِينَ جاءَهُ الخَبَرُ بِأنَّها شارَفَتِ المَدِينَةَ فَأرادَ أنْ يُحْضِرَ لَها عَرْشَها قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لِيُرِيَها مَقْدِرَةَ أهْلِ دَوْلَتِهِ. وقَدْ يَكُونُ عَرْشُها مَحْمُولًا مَعَها في رِحالِها جاءَتْ بِهِ مَعَها لِتَجْلِسَ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ لا يُهَيِّئَ لَها سُلَيْمانُ عَرْشًا، فَإنَّ لِلْمُلُوكِ تَقادِيرَ وظُنُونًا يَحْتَرِزُونَ مِنها خَشْيَةَ الغَضاضَةِ. وقَوْلُهُ (آتِيكَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا مِن أتى، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِنهُ، والباءُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. ولَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ بِأنَّها سَتَحْضُرُ عِنْدَهُ أرادَ أنْ يَبْهَتَها بِإحْضارِ عَرْشِها الَّذِي تَفْتَخِرُ بِهِ وتَعُدُّهُ نادِرَةَ الدُّنْيا، فَخاطَبَ مَلَأهُ لِيَظْهَرَ مِنهم مُنْتَهى عِلْمِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فالباءُ في (بِعَرْشِها) كالباءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾ [النمل: ٣٧]) تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وجُمْلَةُ (قالَ يا أيُّها المَلَأُ) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِداءً لِجُزْءٍ مِن قِصَّةٍ. وجُمْلَةُ (قالَ عِفْرِيتٌ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ المُحاوَرَةِ فَفُصِلَتْ عَلى أُسْلُوبِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) أيْضًا جَوابُ مُحاوَرَةٍ. ومَعْنى (عِفْرِيتٌ) حَسْبَما يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلَفِ كَلِماتِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ اسْمٌ صفحة ٢٧١ لِلشَّدِيدِ الَّذِي لا يُصابُ ولا يُنالُ، فَهو يُتَّقى لِشَرِّهِ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِعُتاةِ الجِنِّ، ويُوصَفُ بِهِ النّاسُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ. و﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ رَجُلٌ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ مِن حاشِيَةِ سُلَيْمانَ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ الكِتابِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: عِنْدَهُ عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ مِنَ الكُتُبِ، أيْ: مِنَ الحِكْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ. وقَدْ عَدَّ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أهْلَ خاصَّةِ سُلَيْمانَ بِأسْمائِهِمْ، وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والقَصَصِ أنَّ (﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) هو (آصَفُ بْنُ بَرْخِيا) وأنَّهُ كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ. وارْتِدادُ الطَّرْفِ حَقِيقَتُهُ: رُجُوعُ تَحْدِيقِ العَيْنِ مِن جِهَةٍ مَنظُورَةٍ تَحَوَّلَ عَنْها لَحْظَةً. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِارْتِدادِ؛ لِأنَّهم يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّظَرِ بِإرْسالِ الطَّرْفِ وإرْسالِ النَّظَرِ فَكانَ الِارْتِدادُ اسْتِعارَةً مَبْنِيَّةً عَلى ذَلِكَ. وهَذِهِ المُناظَرَةُ بَيْنَ العِفْرِيتِ مِنَ الجِنِّ والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ تَرْمُزُ إلى أنَّهُ يَتَأتّى بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لا يَتَأتّى بِالقُوَّةِ، وأنَّ الحِكْمَةَ مُكْتَسَبَةٌ لِقَوْلِهِ (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ)، وأنَّ قُوَّةَ العَناصِرِ طَبِيعَةٌ فِيها، وأنَّ الِاكْتِسابَ بِالعِلْمِ طَرِيقٌ لِاسْتِخْدامِ القُوى الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ اسْتِخْدامَ بَعْضِها بَعْضًا. فَذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مَثَلًا لِتَغَلُّبِ العِلْمِ عَلى القُوَّةِ. ولَمّا كانَ هَذانِ الرَّجُلانِ مُسَخَّرَيْنِ لِسُلَيْمانَ كانَ ما اخْتُصّا بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ مَزِيَّةً لَهُما تَرْجِعُ إلى فَضْلِ سُلَيْمانَ وكَرامَتِهِ أنْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ القُوى. ومَقامُ نُبُوَّتِهِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أنْ يُباشِرَ بِنَفْسِهِ الإتْيانَ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾) وقَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾) مَثَلانِ في السُّرْعَةِ والأسْرَعِيَّةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ في (رَآهُ) يَعُودُ إلى العَرْشِ. والِاسْتِقْرارُ: التَّمَكُّنُ في الأرْضِ وهو مُبالَغَةٌ في القَرارِ. وهَذا اسْتِقْرارٌ خاصٌّ هو غَيْرُ الِاسْتِقْرارِ العامِّ المُرادِفِ لِلْكَوْنِ، وهو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي يُقَدَّرُ في الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِما إذا وقَعا خَبَرًا أوْ وقَعا حالًا إذْ يُقَدَّرُ صفحة ٢٧٢ (كائِنٌ) أوْ (مُسْتَقِرٌّ) فَإنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُصَرَّحَ بِهِ. وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ في الآيَةِ مِن إظْهارِ المُقَدَّرِ وهو بَعِيدٌ. ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ إضافَةً إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّهُ لِإظْهارِ أنَّ فَضْلَهُ عَلَيْهِ عَظِيمٌ إذْ هو عَبْدُ رَبِّهِ. فَلَيْسَ إحْسانُ اللَّهِ إلَيْهِ إلّا فَضْلًا مَحْضًا ولَمْ يَشْتَغِلْ سُلَيْمانُ حِينَ أُحْضِرَ لَهُ العَرْشُ بِأنْ يَبْتَهِجَ بِسُلْطانِهِ ولا بِمَقْدِرَةِ رِجالِهِ، ولَكِنَّهُ انْصَرَفَ إلى شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما مَنَحَهُ مِن فَضْلٍ وأعْطاهُ مِن جُنْدٍ مُسَخَّرِينَ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ، فَمَزايا جَمِيعِهِمْ وفَضْلِهِمْ راجِعٌ إلى تَفْضِيلِهِ. وضَرَبَ حِكْمَةً خُلُقِيَّةً دِينِيَّةً وهي ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾؛ فَكُلٌّ مُتَقَرِّبٌ إلى اللَّهِ بِعَمَلٍ صالِحٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ أنَّ عَمَلَهُ إنَّما هو لِنَفْسِهِ يَرْجُو بِهِ ثَوابَ اللَّهِ ورِضاهُ في الآخِرَةِ، ويَرْجُو دَوامَ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فالنَّفْعُ حاصِلٌ لَهُ في الدّارَيْنِ ولا يَنْتَفِعُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. فاللّامُ في قَوْلِهِ: (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لامُ الأجْلِ ولَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يُعَدّى بِها فِعْلُ الشُّكْرِ في نَحْوِ (واشْكُرُوا لِي) . والمُرادُ بِ (مَن كَفَرَ) مَن كَفَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ وهو كَرِيمٌ في إمْهالِهِ ورِزْقِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَإنَّهُ غَنِيٌّ كَرِيمٌ، تَأْكِيدٌ لِلِاعْتِرافِ بِتَمَحُّضِ الفَضْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ .

النمل 27:39

صفحة ٢٧٠ ﴿قالَ يا أيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِنِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ بَعْضِ أجْزاءِ القِصَّةِ طُوِيَ خَبَرُ رُجُوعِ الرُّسُلِ والهَدِيَّةِ، وعَلِمَ سُلَيْمانُ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ لا يَسَعُها إلّا طاعَتُهُ ومَجِيئُها إلَيْهِ، أوْ ورَدَ لَهُ مِنها أنَّها عَزَمَتْ عَلى الحُضُورِ عِنْدَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ (وأْتُونِي مُسْلِمِينَ) . ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَطَّتْ رِحالُ المَلِكَةِ في مَدِينَةِ أُورْشَلِيمَ وقَبْلَ أنْ تَتَهَيَّأ لِلدُّخُولِ عَلى المَلِكِ، أوْ حِينَ جاءَهُ الخَبَرُ بِأنَّها شارَفَتِ المَدِينَةَ فَأرادَ أنْ يُحْضِرَ لَها عَرْشَها قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لِيُرِيَها مَقْدِرَةَ أهْلِ دَوْلَتِهِ. وقَدْ يَكُونُ عَرْشُها مَحْمُولًا مَعَها في رِحالِها جاءَتْ بِهِ مَعَها لِتَجْلِسَ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ لا يُهَيِّئَ لَها سُلَيْمانُ عَرْشًا، فَإنَّ لِلْمُلُوكِ تَقادِيرَ وظُنُونًا يَحْتَرِزُونَ مِنها خَشْيَةَ الغَضاضَةِ. وقَوْلُهُ (آتِيكَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا مِن أتى، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِنهُ، والباءُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. ولَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ بِأنَّها سَتَحْضُرُ عِنْدَهُ أرادَ أنْ يَبْهَتَها بِإحْضارِ عَرْشِها الَّذِي تَفْتَخِرُ بِهِ وتَعُدُّهُ نادِرَةَ الدُّنْيا، فَخاطَبَ مَلَأهُ لِيَظْهَرَ مِنهم مُنْتَهى عِلْمِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فالباءُ في (بِعَرْشِها) كالباءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾ [النمل: ٣٧]) تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وجُمْلَةُ (قالَ يا أيُّها المَلَأُ) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِداءً لِجُزْءٍ مِن قِصَّةٍ. وجُمْلَةُ (قالَ عِفْرِيتٌ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ المُحاوَرَةِ فَفُصِلَتْ عَلى أُسْلُوبِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) أيْضًا جَوابُ مُحاوَرَةٍ. ومَعْنى (عِفْرِيتٌ) حَسْبَما يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلَفِ كَلِماتِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ اسْمٌ صفحة ٢٧١ لِلشَّدِيدِ الَّذِي لا يُصابُ ولا يُنالُ، فَهو يُتَّقى لِشَرِّهِ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِعُتاةِ الجِنِّ، ويُوصَفُ بِهِ النّاسُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ. و﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ رَجُلٌ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ مِن حاشِيَةِ سُلَيْمانَ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ الكِتابِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: عِنْدَهُ عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ مِنَ الكُتُبِ، أيْ: مِنَ الحِكْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ. وقَدْ عَدَّ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أهْلَ خاصَّةِ سُلَيْمانَ بِأسْمائِهِمْ، وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والقَصَصِ أنَّ (﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) هو (آصَفُ بْنُ بَرْخِيا) وأنَّهُ كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ. وارْتِدادُ الطَّرْفِ حَقِيقَتُهُ: رُجُوعُ تَحْدِيقِ العَيْنِ مِن جِهَةٍ مَنظُورَةٍ تَحَوَّلَ عَنْها لَحْظَةً. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِارْتِدادِ؛ لِأنَّهم يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّظَرِ بِإرْسالِ الطَّرْفِ وإرْسالِ النَّظَرِ فَكانَ الِارْتِدادُ اسْتِعارَةً مَبْنِيَّةً عَلى ذَلِكَ. وهَذِهِ المُناظَرَةُ بَيْنَ العِفْرِيتِ مِنَ الجِنِّ والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ تَرْمُزُ إلى أنَّهُ يَتَأتّى بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لا يَتَأتّى بِالقُوَّةِ، وأنَّ الحِكْمَةَ مُكْتَسَبَةٌ لِقَوْلِهِ (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ)، وأنَّ قُوَّةَ العَناصِرِ طَبِيعَةٌ فِيها، وأنَّ الِاكْتِسابَ بِالعِلْمِ طَرِيقٌ لِاسْتِخْدامِ القُوى الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ اسْتِخْدامَ بَعْضِها بَعْضًا. فَذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مَثَلًا لِتَغَلُّبِ العِلْمِ عَلى القُوَّةِ. ولَمّا كانَ هَذانِ الرَّجُلانِ مُسَخَّرَيْنِ لِسُلَيْمانَ كانَ ما اخْتُصّا بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ مَزِيَّةً لَهُما تَرْجِعُ إلى فَضْلِ سُلَيْمانَ وكَرامَتِهِ أنْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ القُوى. ومَقامُ نُبُوَّتِهِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أنْ يُباشِرَ بِنَفْسِهِ الإتْيانَ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾) وقَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾) مَثَلانِ في السُّرْعَةِ والأسْرَعِيَّةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ في (رَآهُ) يَعُودُ إلى العَرْشِ. والِاسْتِقْرارُ: التَّمَكُّنُ في الأرْضِ وهو مُبالَغَةٌ في القَرارِ. وهَذا اسْتِقْرارٌ خاصٌّ هو غَيْرُ الِاسْتِقْرارِ العامِّ المُرادِفِ لِلْكَوْنِ، وهو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي يُقَدَّرُ في الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِما إذا وقَعا خَبَرًا أوْ وقَعا حالًا إذْ يُقَدَّرُ صفحة ٢٧٢ (كائِنٌ) أوْ (مُسْتَقِرٌّ) فَإنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُصَرَّحَ بِهِ. وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ في الآيَةِ مِن إظْهارِ المُقَدَّرِ وهو بَعِيدٌ. ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ إضافَةً إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّهُ لِإظْهارِ أنَّ فَضْلَهُ عَلَيْهِ عَظِيمٌ إذْ هو عَبْدُ رَبِّهِ. فَلَيْسَ إحْسانُ اللَّهِ إلَيْهِ إلّا فَضْلًا مَحْضًا ولَمْ يَشْتَغِلْ سُلَيْمانُ حِينَ أُحْضِرَ لَهُ العَرْشُ بِأنْ يَبْتَهِجَ بِسُلْطانِهِ ولا بِمَقْدِرَةِ رِجالِهِ، ولَكِنَّهُ انْصَرَفَ إلى شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما مَنَحَهُ مِن فَضْلٍ وأعْطاهُ مِن جُنْدٍ مُسَخَّرِينَ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ، فَمَزايا جَمِيعِهِمْ وفَضْلِهِمْ راجِعٌ إلى تَفْضِيلِهِ. وضَرَبَ حِكْمَةً خُلُقِيَّةً دِينِيَّةً وهي ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾؛ فَكُلٌّ مُتَقَرِّبٌ إلى اللَّهِ بِعَمَلٍ صالِحٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ أنَّ عَمَلَهُ إنَّما هو لِنَفْسِهِ يَرْجُو بِهِ ثَوابَ اللَّهِ ورِضاهُ في الآخِرَةِ، ويَرْجُو دَوامَ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فالنَّفْعُ حاصِلٌ لَهُ في الدّارَيْنِ ولا يَنْتَفِعُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. فاللّامُ في قَوْلِهِ: (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لامُ الأجْلِ ولَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يُعَدّى بِها فِعْلُ الشُّكْرِ في نَحْوِ (واشْكُرُوا لِي) . والمُرادُ بِ (مَن كَفَرَ) مَن كَفَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ وهو كَرِيمٌ في إمْهالِهِ ورِزْقِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَإنَّهُ غَنِيٌّ كَرِيمٌ، تَأْكِيدٌ لِلِاعْتِرافِ بِتَمَحُّضِ الفَضْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ .

النمل 27:40

صفحة ٢٧٠ ﴿قالَ يا أيُّها المَلَأُ أيُّكم يَأْتِنِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَ عِفْريتٌ مِنَ الجِنِّ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أمِينٌ﴾ ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا ءاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ أأشْكُرُ أمْ أكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ بَعْضِ أجْزاءِ القِصَّةِ طُوِيَ خَبَرُ رُجُوعِ الرُّسُلِ والهَدِيَّةِ، وعَلِمَ سُلَيْمانُ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ لا يَسَعُها إلّا طاعَتُهُ ومَجِيئُها إلَيْهِ، أوْ ورَدَ لَهُ مِنها أنَّها عَزَمَتْ عَلى الحُضُورِ عِنْدَهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ (وأْتُونِي مُسْلِمِينَ) . ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ سُلَيْمانُ قالَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَطَّتْ رِحالُ المَلِكَةِ في مَدِينَةِ أُورْشَلِيمَ وقَبْلَ أنْ تَتَهَيَّأ لِلدُّخُولِ عَلى المَلِكِ، أوْ حِينَ جاءَهُ الخَبَرُ بِأنَّها شارَفَتِ المَدِينَةَ فَأرادَ أنْ يُحْضِرَ لَها عَرْشَها قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لِيُرِيَها مَقْدِرَةَ أهْلِ دَوْلَتِهِ. وقَدْ يَكُونُ عَرْشُها مَحْمُولًا مَعَها في رِحالِها جاءَتْ بِهِ مَعَها لِتَجْلِسَ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ لا يُهَيِّئَ لَها سُلَيْمانُ عَرْشًا، فَإنَّ لِلْمُلُوكِ تَقادِيرَ وظُنُونًا يَحْتَرِزُونَ مِنها خَشْيَةَ الغَضاضَةِ. وقَوْلُهُ (آتِيكَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضارِعًا مِن أتى، وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ مِنهُ، والباءُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لِلتَّعْدِيَةِ. ولَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ بِأنَّها سَتَحْضُرُ عِنْدَهُ أرادَ أنْ يَبْهَتَها بِإحْضارِ عَرْشِها الَّذِي تَفْتَخِرُ بِهِ وتَعُدُّهُ نادِرَةَ الدُّنْيا، فَخاطَبَ مَلَأهُ لِيَظْهَرَ مِنهم مُنْتَهى عِلْمِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فالباءُ في (بِعَرْشِها) كالباءِ في قَوْلِهِ: (﴿فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ﴾ [النمل: ٣٧]) تَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ. وجُمْلَةُ (قالَ يا أيُّها المَلَأُ) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِداءً لِجُزْءٍ مِن قِصَّةٍ. وجُمْلَةُ (قالَ عِفْرِيتٌ) واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ المُحاوَرَةِ فَفُصِلَتْ عَلى أُسْلُوبِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) أيْضًا جَوابُ مُحاوَرَةٍ. ومَعْنى (عِفْرِيتٌ) حَسْبَما يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلَفِ كَلِماتِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ اسْمٌ صفحة ٢٧١ لِلشَّدِيدِ الَّذِي لا يُصابُ ولا يُنالُ، فَهو يُتَّقى لِشَرِّهِ. وأصْلُهُ اسْمٌ لِعُتاةِ الجِنِّ، ويُوصَفُ بِهِ النّاسُ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ. و﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾ رَجُلٌ مِن أهْلِ الحِكْمَةِ مِن حاشِيَةِ سُلَيْمانَ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ الكِتابِ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: عِنْدَهُ عِلْمٌ مُكْتَسَبٌ مِنَ الكُتُبِ، أيْ: مِنَ الحِكْمَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ التَّوْراةَ. وقَدْ عَدَّ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا أهْلَ خاصَّةِ سُلَيْمانَ بِأسْمائِهِمْ، وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والقَصَصِ أنَّ (﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾) هو (آصَفُ بْنُ بَرْخِيا) وأنَّهُ كانَ وزِيرَ سُلَيْمانَ. وارْتِدادُ الطَّرْفِ حَقِيقَتُهُ: رُجُوعُ تَحْدِيقِ العَيْنِ مِن جِهَةٍ مَنظُورَةٍ تَحَوَّلَ عَنْها لَحْظَةً. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِارْتِدادِ؛ لِأنَّهم يُعَبِّرُونَ عَنِ النَّظَرِ بِإرْسالِ الطَّرْفِ وإرْسالِ النَّظَرِ فَكانَ الِارْتِدادُ اسْتِعارَةً مَبْنِيَّةً عَلى ذَلِكَ. وهَذِهِ المُناظَرَةُ بَيْنَ العِفْرِيتِ مِنَ الجِنِّ والَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ تَرْمُزُ إلى أنَّهُ يَتَأتّى بِالحِكْمَةِ والعِلْمِ ما لا يَتَأتّى بِالقُوَّةِ، وأنَّ الحِكْمَةَ مُكْتَسَبَةٌ لِقَوْلِهِ (عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ)، وأنَّ قُوَّةَ العَناصِرِ طَبِيعَةٌ فِيها، وأنَّ الِاكْتِسابَ بِالعِلْمِ طَرِيقٌ لِاسْتِخْدامِ القُوى الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ اسْتِخْدامَ بَعْضِها بَعْضًا. فَذُكِرَ في هَذِهِ القِصَّةِ مَثَلًا لِتَغَلُّبِ العِلْمِ عَلى القُوَّةِ. ولَمّا كانَ هَذانِ الرَّجُلانِ مُسَخَّرَيْنِ لِسُلَيْمانَ كانَ ما اخْتُصّا بِهِ مِنَ المَعْرِفَةِ مَزِيَّةً لَهُما تَرْجِعُ إلى فَضْلِ سُلَيْمانَ وكَرامَتِهِ أنْ سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ القُوى. ومَقامُ نُبُوَّتِهِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أنْ يُباشِرَ بِنَفْسِهِ الإتْيانَ بِعَرْشِ بِلْقِيسَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾) وقَوْلَهُ: (﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾) مَثَلانِ في السُّرْعَةِ والأسْرَعِيَّةِ، والضَّمِيرُ البارِزُ في (رَآهُ) يَعُودُ إلى العَرْشِ. والِاسْتِقْرارُ: التَّمَكُّنُ في الأرْضِ وهو مُبالَغَةٌ في القَرارِ. وهَذا اسْتِقْرارٌ خاصٌّ هو غَيْرُ الِاسْتِقْرارِ العامِّ المُرادِفِ لِلْكَوْنِ، وهو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي يُقَدَّرُ في الإخْبارِ عَنِ المُبْتَدَأِ بِالظَّرْفِ والمَجْرُورِ لِيَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِما إذا وقَعا خَبَرًا أوْ وقَعا حالًا إذْ يُقَدَّرُ صفحة ٢٧٢ (كائِنٌ) أوْ (مُسْتَقِرٌّ) فَإنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْرارَ لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُصَرَّحَ بِهِ. وابْنُ عَطِيَّةَ جَعَلَهُ في الآيَةِ مِن إظْهارِ المُقَدَّرِ وهو بَعِيدٌ. ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ إضافَةً إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّهُ لِإظْهارِ أنَّ فَضْلَهُ عَلَيْهِ عَظِيمٌ إذْ هو عَبْدُ رَبِّهِ. فَلَيْسَ إحْسانُ اللَّهِ إلَيْهِ إلّا فَضْلًا مَحْضًا ولَمْ يَشْتَغِلْ سُلَيْمانُ حِينَ أُحْضِرَ لَهُ العَرْشُ بِأنْ يَبْتَهِجَ بِسُلْطانِهِ ولا بِمَقْدِرَةِ رِجالِهِ، ولَكِنَّهُ انْصَرَفَ إلى شُكْرِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما مَنَحَهُ مِن فَضْلٍ وأعْطاهُ مِن جُنْدٍ مُسَخَّرِينَ بِالعِلْمِ والقُوَّةِ، فَمَزايا جَمِيعِهِمْ وفَضْلِهِمْ راجِعٌ إلى تَفْضِيلِهِ. وضَرَبَ حِكْمَةً خُلُقِيَّةً دِينِيَّةً وهي ﴿ومَن شَكَرَ فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾؛ فَكُلٌّ مُتَقَرِّبٌ إلى اللَّهِ بِعَمَلٍ صالِحٍ يَجِبُ أنْ يَسْتَحْضِرَ أنَّ عَمَلَهُ إنَّما هو لِنَفْسِهِ يَرْجُو بِهِ ثَوابَ اللَّهِ ورِضاهُ في الآخِرَةِ، ويَرْجُو دَوامَ التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فالنَّفْعُ حاصِلٌ لَهُ في الدّارَيْنِ ولا يَنْتَفِعُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ. فاللّامُ في قَوْلِهِ: (يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) لامُ الأجْلِ ولَيْسَتِ اللّامَ الَّتِي يُعَدّى بِها فِعْلُ الشُّكْرِ في نَحْوِ (واشْكُرُوا لِي) . والمُرادُ بِ (مَن كَفَرَ) مَن كَفَرَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ وهو كَرِيمٌ في إمْهالِهِ ورِزْقِهِ في هَذِهِ الدُّنْيا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [الأحقاف: ١٥] . والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَإنَّهُ غَنِيٌّ كَرِيمٌ، تَأْكِيدٌ لِلِاعْتِرافِ بِتَمَحُّضِ الفَضْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضْلِ رَبِّي﴾ .

النمل 27:41

﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي أمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ﴾ . هَذا مِن جُمْلَةِ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ مَلَئِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ؛ لِأنَّهُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ والمُحاوَرَةِ. والتَّنْكِيرُ: التَّغْيِيرُ لِلْحالَةِ. قالَ جَمِيلٌ: وقالُوا نَراها يا جَمِيلُ تَنَكَّرَتْ وغَيَّرَها الواشِي فَقُلْتُ لَعَلَّها صفحة ٢٧٣ أرادَ: تَنَكَّرَتْ حالَةَ مُعاشَرَتِها بِسَبَبِ تَغْيِيرِ الواشِينَ، بِأنْ يُغَيِّرَ بَعْضَ أوْصافِهِ، قالُوا: أرادَ مُفاجَأتَها واخْتِبارَ مَظَنَّتِها. والمَأْمُورُ بِالتَّنْكِيرِ أهْلُ المَقْدِرَةِ عَلى ذَلِكَ مِن مَلَئِهِ. و(مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) أبْلَغُ في انْتِفاءِ الِاهْتِداءِ مِن: لا تَهْتَدِي، كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

النمل 27:42

﴿فَلَمّا جاءَتْ قِيلَ أهَكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾ . دَلَّ قَوْلُهُ (لَمّا جاءَتْ) أنَّ المَلِكَةَ لَمّا بَلَغَها ما أجابَ بِهِ سُلَيْمانُ رُسُلَها أزْمَعَتِ الحُضُورَ بِنَفْسِها لَدى سُلَيْمانَ داخِلَةً تَحْتَ نُفُوذِ مَمْلَكَتِهِ وأنَّها تَجَهَّزَتْ لِلسَّفَرِ إلى أُورْشَلِيمَ بِما يَلِيقُ بِمِثْلِها. وقَدْ طُوِيَ خَبَرُ ارْتِحالِها إذْ لا غَرَضَ مُهِمًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ في مَوْضِعِ العِبْرَةِ. والمَقْصُودُ أنَّها خَضَعَتْ لِأمْرِ سُلَيْمانَ وجاءَتْهُ راغِبَةً في الِانْتِسابِ إلَيْهِ. وبُنِيَ فِعْلُ (قِيلَ) لِلْمَجْهُولِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِالقائِلِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي قالَ ذَلِكَ هو سُلَيْمانُ.

النمل 27:43

﴿وأُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] ﴿وصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا أيْ: هَذا مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (﴿نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾ [النمل: ٤١]) الآيَةَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ [النمل: ٤٢]) وما بَيْنَهُما اعْتِراضًا بِهِ جَوابُها، أيْ: وقِيلَ أُوتِينا العِلْمَ مِن قَبْلِها، أيْ: قالَ القائِلُ: أهَكَذا عَرْشُكِ، أيْ: قالَ سُلَيْمانُ ذَلِكَ في مَلَئِهِ عَقِبَ اخْتِيارِ رَأْيِها شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما لَدَيْهِ مِنَ العِلْمِ، أوْ قالَ بَعْضُ مَلَأِ سُلَيْمانَ لِبَعْضِ هَذِهِ المَقالَةِ. ولَعَلَّهم تَخافَتُوا بِهِ أوْ رَطَنُوهُ بِلُغَتِهِمُ العِبْرِيَّةِ صفحة ٢٧٤ بِحَيْثُ لا تَفْهَمُهم. وقالُوا ذَلِكَ بَهِجِينَ بِأنَّ فِيهِمْ مَن لَهُ مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ لِمَلَأِ مَلِكَةِ سَبَأٍ، أيْ: لا نَنْسى بِما نُشاهِدُهُ مِن بَهْرَجاتِ هَذِهِ المَلِكَةِ أنَّنا في حالَةٍ عَقْلِيَّةٍ أفْضَلُ. وأرادُوا بِالعِلْمِ عِلْمَ الحِكْمَةِ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ سُلَيْمانَ ورِجالَ مَمْلَكَتِهِ، وتَشارَكَهم بَعْضُ أهْلِ سَبَأٍ في بَعْضِهِ فَقَدْ كانُوا أهْلَ مَعْرِفَةٍ أنْشَئُوا بِها حَضارَةً مُبْهِتَةً. فَمَعْنى (مِن قَبْلِها) إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ أنَّ قَوْمَهم بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا أسْبَقَ في مَعْرِفَةِ الحِكْمَةِ وحَضارَةِ المُلْكِ مِن أهْلِ سَبَأٍ؛ لِأنَّ الحِكْمَةَ ظَهَرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَهْدِ مُوسى، فَقَدْ سَنَّ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ، وأقامَ لَهم نِظامَ الجَماعَةِ، وعَلَّمَهم أُسْلُوبَ الحَضارَةِ بِتَخْطِيطِ رُسُومِ مَساكِنِهِمْ ومَلابِسِهِمْ ونِظامِ الجَيْشِ والحَرْبِ والمَواسِمِ والمَحافِلِ. ثُمَّ أخَذَ ذَلِكَ يَرْتَقِي إلى أنْ بَلَغَ غايَةً بَعِيدَةً في مُدَّةِ سُلَيْمانَ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أسْبَقَ إلى عِلْمِ الحِكْمَةِ قَبْلَ أهْلِ سَبَأٍ. وإنْ أُرِيدَ بِ (مِن قَبْلِها) القَبْلِيَّةُ الِاعْتِبارِيَّةُ وهي الفَضْلُ والتَّفَوُّقُ في المَزايا وهو الألْيَقُ بِالمَعْنى كانَ المَعْنى: إنّا أوْسَعُ وأقْوى مِنها عِلْمًا، كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «نَحْنُ الأوَّلُونَ السّابِقُونَ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا» أيْ: نَحْنُ الأوَّلُونَ في غاياتِ الهُدى، وجَعَلَ مَثَلًا لِذَلِكَ اهْتِداءُ أهْلِ الإسْلامِ لِيَوْمِ الجُمُعَةِ فَقالَ: «وهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ» . فَكانَ الأرْجَحُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (مِن قَبْلِها) أنّا فائِتُونَها في العِلْمِ وبالِغُونَ ما لَمْ تَبْلُغْهُ. وزادُوا في إظْهارِ فَضْلِهِمْ عَلَيْها بِذِكْرِ النّاحِيَةِ الدِّينِيَّةِ، أيْ: وكُنّا مُسْلِمِينَ دُونَها. وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ دَلالَةٌ عَلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الإسْلامِ مُنْذُ القِدَمِ. وصَدَّها هي عَنِ الإسْلامِ ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ، أيْ: صَدَّها مَعْبُودُها مِن دُونِ اللَّهِ، ومُتَعَلِّقُ الصَّدِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: (﴿وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢]) . وما كانَتْ تَعْبُدُهُ هو الشَّمْسُ. وإسْنادُ الصَّدِّ إلى المَعْبُودِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ بِسَبَبِ صَدِّها عَنِ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]) وقَوْلِهِ (﴿غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]) . وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ مَرَّتَيْنِ في (﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ﴾)، و(﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾) دَلالَةٌ عَلى تَمَكُّنِها مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ وكانَ ذَلِكَ التَّمَكُّنُ بِسَبَبِ الِانْحِدارِ مِن سُلالَةِ المُشْرِكِينَ، فالشِّرْكُ مُنْطَبِعٌ في نَفْسِها بِالوِراثَةِ، فالكُفْرُ قَدْ أحاطَ بِها صفحة ٢٧٥ بِتَغَلْغُلِهِ في نَفْسِها وبِنَشْأتِها عَلَيْهِ وبِكَوْنِها بَيْنَ قَوْمٍ كافِرِينَ فَمِن أيْنَ يَخْلُصُ إلَيْها الهُدى والإيمانُ.

النمل 27:44

﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِجُزْءٍ مِنَ القِصَّةِ. وطُوِيَ ذِكْرُ تَرَحُّلِها إلى وُصُولِها في ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حُلُولِها أمامَ صَرْحِ سُلَيْمانَ لِلدُّخُولِ مَعَهُ إلَيْهِ أوِ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وهو فِيهِ. لَمّا أراها سُلَيْمانُ عَظَمَةَ حَضارَتِهِ انْتَقَلَ بِها حَيْثُ تُشاهِدُ أثَرًا بَدِيعًا مِن آثارِ الصِّناعَةِ الحَكِيمَةِ وهو الصَّرْحُ. والصَّرْحُ يُطْلَقُ عَلى صَحْنِ الدّارِ وعَرْصَتِها. والظّاهِرُ أنَّ صَرْحَ القَصْرِ الَّذِي ذُكِرَ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ السّابِعِ وهو بَيْتٌ وعْرٌ لَهُ بابانِ كانَ يَجْلِسُ فِيهِ سُلَيْمانُ لِلْقَضاءِ بَيْنَ النّاسِ. والقائِلُ لَها (ادْخُلِي الصَّرْحَ) هُمُ الَّذِينَ كانُوا في رُفْقَتِها. والقائِلُ: ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ هو سُلَيْمانُ كانَ مُصاحِبًا لَها أوْ كانَ يَتَرَقَّبُها، وزُجاجُ الصَّرْحِ المُبَلَّطُ بِهِ الصَّرْحُ بَيْنَهُما. وذِكْرُ الدُّخُولِ يَقْتَضِي أنَّ الصَّرْحَ مَكانٌ لَهُ بابٌ. وفي سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في الإصْحاحِ العاشِرِ: فَلَمّا رَأتِ البَيْتَ الَّذِي بَناهُ. وحِكايَةُ أنَّها حَسِبَتْهُ لُجَّةً عِنْدَما رَأتْهُ تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ بَدا لَها في حِينِ دُخُولِها، فَدَلَّ عَلى أنَّ الصَّرْحَ هو أوَّلُ ما بَدا لَها مِنَ المَدْخَلِ فَهو لا مَحالَةَ ساحَةٌ مَعْنِيَّةٌ لِلنُّزْهَةِ فُرِشَتْ بِزُجاجٍ شَفّافٍ وأجْرِيَ تَحْتَهُ الماءُ، حَتّى يَخالَهُ النّاظِرُ لُجَّةَ ماءٍ. وهَذا مِن بَدِيعِ الصِّناعَةِ الَّتِي اخْتُصَّتْ بِها قُصُورُ سُلَيْمانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في اليَمَنِ عَلى ما بَلَغَتْهُ مِن حَضارَةٍ وعَظَمَةَ بِناءٍ. وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (عَنْ سَأْقَيْها) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ عِوَضًا عَنِ الألِفِ عَلى لُغَةِ مَن يَهْمِزُ حَرْفَ المَدِّ إذا وقَعَ وسَطَ الكَلِمَةِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: صفحة ٢٧٦ لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ فَهَمَزَ المُؤْقِدانِ ومُؤْسى. وكَشْفُ ساقَيْها كانَ مِن أجْلِ أنَّها شَمَّرَتْ ثِيابَها كَراهِيَةَ ابْتِلالِها بِما حَسِبَتْهُ ماءً. فالكَشْفُ عَنْ ساقَيْها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِخَلْعِ خُفَّيْها أوْ نَعْلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِتَشْمِيرِ ثَوْبِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّها كانَتْ لا تَلْبَسُ الخُفَّيْنِ. والمُمَرَّدُ: المُمَلَّسُ. والقَوارِيرُ: جَمْعُ قارُورَةٍ وهي اسْمٌ لِإناءٍ مِنَ الزُّجاجِ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَمْرِ لِيَظْهَرَ لِلرّائِي ما قَرَّ في قَعْرِ الإناءِ مَن تَفَثِ الخَمْرِ فَيَظْهَرُ المِقْدارُ الصّافِي مِنها. فَسَمّى ذَلِكَ الإناءَ قارُورَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ ما يَقَرُّ في قَعْرِهِ، وجُمِعَتْ عَلى قَوارِيرَ، ثُمَّ أُطْلِقَ هَذا الجَمْعُ عَلى الطِّينِ الَّذِي تُتَّخَذُ مِنهُ القارُورَةُ وهو الزُّجاجُ، فالقَوارِيرُ مِن أسْماءِ الزُّجاجِ، قالَ بَشّارٌ: ارْفُقْ بِعَمْرٍو إذا حَرَّكْتَ نِسْبَتَهُ ∗∗∗ فَإنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن قَوارِيرَ يُرِيدُ أنَّ نِسْبَتَهُ في العَرَبِ ضَعِيفَةٌ إذا حُرِّكَتْ تَكَسَّرَتْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الزُّجاجِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] في سُورَةِ النُّورِ. * * * ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . بَهَرَها ما رَأتْ مِن آياتٍ عَلِمَتْ مِنها أنَّ سُلَيْمانَ صادِقٌ فِيما دَعاها إلَيْهِ وأنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعَلِمَتْ أنَّ دِينَها ودِينَ قَوْمِها باطِلٌ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّها ظَلَمَتْ نَفْسَها في اتِّباعِ الضَّلالِ بِعِبادَةِ الشَّمْسِ. وهَذا دَرَجَةٌ أُولى في الِاعْتِقادِ وهو دَرَجَةُ التَّخْلِيَةِ، ثُمَّ صَعَدَتْ إلى الدَّرَجَةِ الَّتِي فَوْقَها وهي دَرَجَةُ التَّحَلِّي بِالإيمانِ الحَقِّ فَقالَتْ: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فاعْتَرَفَتْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وهَذا مَقامُ التَّوْحِيدِ. وفِي قَوْلِها (مَعَ سُلَيْمانَ) إيمانٌ بِالدِّينِ الَّذِي تَقَلَّدَهُ سُلَيْمانُ وهو دِينُ صفحة ٢٧٧ اليَهُودِيَّةِ، وقَدْ أرادَتْ جَمْعَ مَعانِي الدِّينِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ لِيَكُونَ تَفْصِيلُها فِيما تَتَلَقّاهُ مِن سُلَيْمانَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِ سُلَيْمانَ ﴿إنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِن قَوارِيرَ﴾ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ. والإسْلامُ: الِانْقِيادُ إلى اللَّهِ تَعالى. وتَقَلُّدُ بِلْقِيسَ لِلتَّوْحِيدِ كانَ في خاصَّةِ نَفْسِها؛ لِأنَّها دانَتْ لِلَّهِ بِذَلِكَ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ أنَّ أهْلَ سَبَأٍ انْخَلَعُوا عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ كَما يَأْتِي في سُورَةِ سَبَأٍ. وأمّا دُخُولُ اليَهُودِيَّةِ بِلادَ اليَمَنِ فَيَأْتِي في سُورَةِ البُرُوجِ. وسَكَتَ القُرْآنُ عَنْ بَقِيَّةِ خَبَرِها ورُجُوعِها إلى بِلادِها ولِلْقَصّاصِينَ أخْبارٌ لا تَصِحُّ فَهَذا تَمامُ القِصَّةِ. ومَكانُ العِبْرَةِ مِنها الِاتِّعاظُ بِحالِ هَذِهِ المَلِكَةِ، إذْ لَمْ يَصُدَّها عُلُوُّ شَأْنِها وعَظَمَةُ سُلْطانِها مَعَ ما أُوتِيَتْهُ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وذَكاءِ العَقْلِ عَنْ أنْ تَنْظُرَ في دَلائِلِ صِدْقِ الدّاعِي إلى التَّوْحِيدِ، وتُوقِنَ بِفَسادِ الشِّرْكِ، وتَعْتَرِفَ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، فَما يَكُونُ إصْرارُ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ الهَدْيُ الإسْلامِيُّ إلّا لِسَخافَةِ أحْلامِهِمْ، أوْ لِعَمايَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَمَسُّكِهِمْ بِالباطِلِ وتَصَلُّبِهِمْ فِيهِ. ولا أصْلَ لِما يَذْكُرُهُ القَصّاصُونَ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّ سُلَيْمانَ تَزَوَّجَ بِلْقِيسَ ولا أنَّ لَهُ ولَدًا مِنها. فَإنَّ رَحْبَعامَ ابْنَهُ الَّذِي خَلَفَهُ في المُلْكِ كانَ مِن زَوْجَةٍ عَمُّونِيَّةِ.

النمل 27:45

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ . هَذا مَثَلٌ ثالِثٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَهُ تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالرُّسُلِ والأنْبِياءِ مِن قَبْلِهِ. والِانْتِقالُ مِن ذِكْرِ مُلْكِ سُلَيْمانَ وقِصَّةِ مَلِكَةِ سَبَأٍ إلى ذِكْرِ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ دُونَ ذِكْرِ عادٍ لِمُناسَبَةِ جِوارِ البِلادِ؛ لِأنَّ دِيارَ ثَمُودَ كانَتْ عَلى تُخُومِ مَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ وكانَتْ في طَرِيقِ السّائِرِ مِن سَبَأٍ إلى فِلَسْطِينَ. ألا تَرى أنَّهُ أعْقَبَ ذِكْرَ ثَمُودَ بِذِكْرِ قَوْمِ لُوطٍ وهم أدْنى إلى بِلادِ فِلَسْطِينَ فَكانَ صفحة ٢٧٨ سِياقُ هَذِهِ القِصَصِ مُناسِبًا لِسِياقِ السّائِرِ مِن بِلادِ اليَمَنِ إلى فِلَسْطِينَ. ولَمّا كانَ ما حَلَّ بِالقَوْمِ أهَمَّ ذِكْرًا في هَذا المَقامِ قَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَجْرُورَ هو مَحَلُّ العِبْرَةِ، وأمّا المَفْعُولُ فَهو مَحَلُّ التَّسْلِيَةِ، والتَّسْلِيَةُ غَرَضٌ تَبَعِيٌّ. ولامُ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ الإرْسالِ بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِهِ مِن بَقِيَّةِ الخَبَرِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ التَّأْكِيدُ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، وإمّا أنْ يُبْنى عَلى تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ فِيما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ واسْتِخْفافِهِمْ بِوَعِيدِ رَبِّهِمْ عَلى لِسانِهِ. وحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ لِأجْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ حالَهم في عَدَمِ العِظَةِ بِما جَرى لِلْمُماثِلِينَ في حالِهِمْ جَعَلَهم كَمَن يُنْكِرُ ذَلِكَ. و(﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾) تَفْسِيرٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ (أرْسَلْنا) مِن مَعْنى القَوْلِ. وفُرِّعَ عَلى (أرْسَلَنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا) إلَخْ (﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾) . فالمَعْنى: أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا لِإنْقاذِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ فَفاجَأ مِن حالِهِمْ أنْ أعْرَضَ فَرِيقٌ عَنِ الإيمانِ وآمَنَ فَرِيقٌ. والإتْيانُ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ انْقِسامِهِمْ غَيْرَ مَرْضِيٍّ فَكَأنَّهُ غَيْرُ مُتَرَقَّبٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَعِ التَّعَرُّضُ لِإنْكارِ كَوْنِ أكْثَرِهِمْ كافِرِينَ إشارَةً إلى أنَّ مُجَرَّدَ بَقاءِ الكُفْرِ فِيهِمْ كافٍ في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وحالُهم هَذا مُساوٍ لِحالِ قُرَيْشٍ تِجاهَ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وأُعِيدَ ضَمِيرُ (يَخْتَصِمُونَ) عَلى المُثَنّى وهو (فَرِيقانِ) بِاعْتِبارِ اشْتِمالِ الفَرِيقَيْنِ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ولَمْ يَقُلْ: اقْتَتَلَتا. والفَرِيقانِ هُما: فَرِيقُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وفَرِيقُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا وفِيهِمْ صالِحٌ. والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ العُرْفُ بَعْدَ سَماعِ الدَّعْوَةِ. والِاخْتِصامُ واقِعٌ مَعَ صالِحٍ ابْتِداءً ومَعَ أتْباعِهِ تَبَعًا.

النمل 27:46

﴿قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ . لَمّا كانَ الِاخْتِصامُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في شَأْنِ صالِحٍ ابْتِداءً جِيءَ بِجَوابِ صالِحٍ عَمّا صفحة ٢٧٩ تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم مِن مُحاوَلَتِهِمْ إفْحامَهُ بِطَلَبِ نُزُولِ العَذابِ. فَمَقُولُ صالِحٍ هَذا لَيْسَ هو ابْتِداءَ دَعْوَتِهِ فَإنَّهُ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٥] ولَكِنَّهُ جَوابٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم مَعَهُ، ولِذَلِكَ جاءَتْ جُمْلَةُ (قالَ يا قَوْمِ) مَفْصُولَةً جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ؛ لِأنَّها حِكايَةُ جَوابٍ عَمّا تَضَمَّنَهُ اخْتِصامُهم. واقْتَصَرَ عَلى مُراجَعَةِ صالِحٍ قَوْمَهُ في شَأْنِ غُرُورِهِمْ بِظَنِّهِمْ أنَّ تَأخُّرَ العَذابِ أمارَةً عَلى كَذِبِ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ فَإنَّهم قالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠] كَما حُكِيَ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ هُنا مَوْعِظَةُ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] بِحالِ ثَمُودَ المُساوِي لِحالِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ مُماثِلَةٌ لِعاقِبَةِ ثَمُودَ لِتَماثُلِ الحالَيْنِ قالَ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] . والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ﴾) إنْكارٌ لِأخْذِهِمْ بِجانِبِ العَذابِ دُونَ جانِبِ الرَّحْمَةِ. فَ (السَّيِّئَةِ): صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ بِالحالَةِ السَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ (الحَسَنَةِ) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ (السَّيِّئَةِ) الحالَةُ السَّيِّئَةُ في مُعامَلَتِهِمْ إيّاهُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ. والمُرادُ بِالحَسَنَةِ ضِدَّ ذَلِكَ، أيْ: تَصْدِيقُهم لِما جاءَ بِهِ، فالِاسْتِعْجالُ: المُبادَرَةُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. ومَفْعُولُ (تَسْتَعْجِلُونَ) مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَسْتَعْجِلُونَنِي مُتَلَبِّسِينَ بِسَيِّئَةِ التَّكْذِيبِ. والمَعْنى: أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أخْذَهم بِطَرَفِ التَّكْذِيبِ إذْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلائِلِ صِدْقِهِ، أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُتَرَدِّدِينَ في أمْرِي فافْرِضُوا صِدْقِي ثُمَّ انْظُرُوا. وهَذا اسْتِنْزالٌ بِهِمْ إلى النَّظَرِ بَدَلًا عَنِ الإعْراضِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ في كَلامِهِ بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ (السَّيِّئَةِ) الحالَةُ السَّيِّئَةُ الَّتِي يَتَرَقَّبُونَ حُلُولَها، وهي ما سَألُوا مِن تَعْجِيلِ العَذابِ المَحْكِيِّ عَنْهم في سُورَةِ الأعْرافِ، وبِ (الحَسَنَةِ) ضِدَّ ذَلِكَ أيْ: حالَةُ سَلامَتِهِمْ مِن حُلُولِ العَذابِ، فَ (السَّيِّئَةِ) مَفْعُولُ (تَسْتَعْجِلُونَ) والباءُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . صفحة ٢٨٠ والمَعْنى: إنْكارُ جَعْلِهِمْ تَأْخِيرَ العَذابِ أمارَةً عَلى كَذِبِ الوَعِيدِ بِهِ وأنَّ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوا امْتِدادَ السَّلامَةِ أمارَةً عَلى إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَيَتَّقُوا حُلُولَ العَذابِ، أيْ: لِمَ تَبْقَوْنَ عَلى التَّكْذِيبِ مُنْتَظَرِينَ حُلُولَ العَذابِ، وكانَ الأجْدَرُ بِكم أنْ تُبادِرُوا بِالتَّصْدِيقِ مُنْتَظَرِينَ عَدَمَ حُلُولِ العَذابِ بِالمَرَّةِ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَجَوابُ صالِحٍ إيّاهم جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِجَعْلِ يَقِينِهِمْ بِكَذِبِهِ مَحْمُولًا عَلى تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ صِدْقِهِ وكَذِبِهِ. وقَوْلُهُ (قَبْلَ الحَسَنَةِ) حالٌ مِنَ (السَّيِّئَةِ) . وهَذا تَنْبِيهٌ لَهم عَلى خَطَئِهِمْ في ظَنِّهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ صالِحٌ صادِقًا فِيما تَوَعَّدَهم بِهِ لَعَجَّلَ لَهم بِهِ، فَما تَأْخِيرُهُ إلّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِوَعِيدٍ حَقٍّ، لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَجُوزُ الدُّخُولُ تَحْتَ احْتِمالِهِ في مَجارِي العُقُولِ. فالقَبْلِيَّةُ في قَوْلِهِ: (﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾) مَجازٌ في اخْتِيارِ الأخْذِ بِجانِبِ احْتِمالِ السَّيِّئَةِ وتَرْجِيحِهِ عَلى الأخْذِ بِجانِبِ الحَسَنَةِ فَكَأنَّهم بادَرُوا إلَيْها فَأخَذُوها قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا الحَسَنَةَ. وظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ، وإنَّما هو اسْتِفْهامٌ عَنِ المَعْلُولِ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاسْتِعْجالِ العَذابِ، فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ لِلِاسْتِعْجالِ لا لِعِلَّتِهِ. ثُمَّ أُعْقِبَ الإنْكارُ المُقْتَضِي طَلَبَ التَّخْلِيَةِ عَنْ ذَلِكَ بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِما مَضى مِنهم ويَرْجُونَ أنْ يَرْحَمَهُمُ اللَّهُ فَلا يُعَذِّبَهم وإنْ كانَ ما صَدَرَ مِنهم مُوجِبًا لِاسْتِمْرارِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إلّا أنَّ اللَّهَ بِرَحْمَتِهِ جَعَلَ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ.

النمل 27:47

﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ . هَذا مِن مُحاوَرَتِهِمْ مَعَ صالِحٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ فِعْلا القَوْلِ وجاءَ عَلى سَنَنِ حِكايَةِ أقْوالِ المُحاوَراتِ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وأصْلُ (اطَّيَّرْنا) تَطَيَّرْنا فَقُلِبَتِ التّاءُ طاءً لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما وسُكِّنَتْ لِتَخْفِيفِ صفحة ٢٨١ الإدْغامِ وأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِابْتِداءِ الكَلِمَةِ بِساكِنٍ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. ومَعْنى التَّطَيُّرِ: التَّشاؤُمُ. أُطْلِقَ عَلَيْهِ التَّطَيُّرُ؛ لِأنَّ أكْثَرَهُ يَنْشَأُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِحَرَكاتِ الطَّيْرِ مِن سانِحٍ وبارِحٍ. وكانَ التَّطَيُّرُ مِن أوْهامِ العَرَبِ وثَمُودُ مِنَ العَرَبِ، فَقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ حُكِيَ بِهِ مُماثَلَةً مِن كَلامِهِمْ ولا يُرِيدُونَ التَّطَيُّرَ الحاصِلَ مِن زَجْرِ الطَّيْرِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: (بِكَ وبِمَن مَعَكَ) في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الشُّؤْمِ هُنالِكَ. وأجابَ صالِحٌ كَلامَهم بِأنَّهُ ومَن مَعَهُ لَيْسُوا سَبَبَ شُؤْمٍ ولَكِنَّ سَبَبَ شُؤْمِهِمْ وحُلُولِ المَضارِّ بِهِمْ هو قُدْرَةُ اللَّهِ. واسْتُعِيرَ لِما حَلَّ بِهِمُ اسْمُ الطّائِرِ مُشاكَلَةً لِقَوْلِهِمْ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾، ومُخاطَبَةً لَهم بِما يَفْهَمُونَ لِإصْلاحِ اعْتِقادِهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ: (اطَّيَّرْنا بِكَ) . و(عِنْدَ) لِلْمَكانِ المَجازِيِّ مُسْتَعارًا لِتَحَقُّقِ شَأْنٍ مِن شُئُونِ اللَّهِ بِهِ يُقَدِّرُ الخَيْرَ والشَّرَّ وهو تَصَرُّفُ اللَّهِ وقَدَرُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في الأعْرافِ. وأضْرَبَ بِ (بَلْ) عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ بِأنْ لا شُؤْمَ بِسَبَبِهِ هو وبِسَبَبِ مَن مَعَهُ ولَكِنَّ الَّذِينَ زَعَمُوا ذَلِكَ قَوْمٌ فَتَنَهُمُ الشَّيْطانُ فِتْنَةً مُتَجَدِّدَةً بِإلْقاءِ الِاعْتِقادِ بِصِحَّةِ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ. وصِيغَ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم مَفْتُونُونَ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقَوِّي الحُكْمِ بِذَلِكَ. وصِيغَ المُسْنَدُ فِعْلًا مُضارِعًا لِدَلالَتِهِ عَلى تَجَدُّدِ الفِتُونِ واسْتِمْرارِهِ. وغَلَبَ جانِبُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (تُفْتَنُونَ) عَلى جانِبِ الغَيْبَةِ مَعَ أنَّ كِلَيْهِما مُقْتَضى الظّاهِرِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ مِنَ الغَيْبَةِ.

النمل 27:48

صفحة ٢٨٢ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مُهْلَكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ . عَطَفَ جُزْءَ القِصَّةِ عَلى جُزْءٍ مِنها. والمَدِينَةُ: هي حِجْرُ ثَمُودَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ المَعْرُوفُ مَكانُها اليَوْمَ بِدِيارِ ثَمُودَ ومَدائِنَ صالِحٍ، وهي بَقايا تِلْكَ المَدِينَةِ مِن أطْلالٍ وبُيُوتٍ مَنحُوتَةٍ في الجِبالِ. وهي بَيْنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وتَبُوكَ في طَرِيقِ الشّامِ وقَدْ مَرَّ بِها النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ في مَسِيرِهِمْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ورَأوْا فِيها آبارًا نَهاهُمُ النَّبِيءُ عَنِ الشُّرْبِ والوُضُوءِ مِنها إلّا بِئْرًا واحِدَةً أمَرَهم بِالشُّرْبِ والوُضُوءِ بِها وقالَ: «إنَّها البِئْرُ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ناقَةُ صالِحٍ» . والرَّهْطُ: العَدَدُ مِنَ النّاسِ حَوالَيِ العَشَرَةِ وهو مِثْلُ النَّفَرِ. وإضافَةُ تِسْعَةٍ إلَيْهِ مِن إضافَةِ الجُزْءِ إلى اسْمِ الكُلِّ عَلى التَّوَسُّعِ وهو إضافَةٌ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِثْلَ: خَمْسُ ذَوْدٍ. واخْتَلَفَ أيِمَّةُ النَّحْوِ في القِياسِ عَلَيْها ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّها سَماعِيَّةٌ. وكانَ هَؤُلاءِ الرَّهْطُ مِن عُتاةِ القَوْمِ، واخْتُلِفَ في أسْمائِهِمْ عَلى رِواياتٍ هي مِن أوْضاعِ القَصّاصِينَ ولَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ ما يُعْتَمَدُ. واشْتُهِرَ أنَّ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ اسْمُهُ (قُدارٌ) بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، وقَدْ تَشاءَمَ بَعْضُ النّاسِ بِعَدَدِ التِّسْعَةِ بِسَبَبِ قِصَّةِ ثَمُودَ وهو مِنَ التَّشاؤُمِ المَنهِيِّ عَنْهُ. و(الأرْضِ): أرْضُ ثَمُودَ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ. وعَطْفُ (ولا يُصْلِحُونَ) عَلى (يُفْسِدُونَ) احْتِراسٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم تَمَحَّضُوا لِلْإفْسادِ ولَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ خَلَطُوا إفْسادًا بِإصْلاحٍ. وجُمْلَةُ (قالُوا) صِفَةٌ لِ (تِسْعَةُ)، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِ (كانَ)، أوْ هو الخَبَرُ لِ (كانَ) . وفي (المَدِينَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) ظَرْفًا لَغْوًا ولا يَحْسُنُ جَعْلُ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا؛ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ. والمَعْنى: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. و(تَقاسَمُوا) فِعْلُ أمْرٍ، أيْ: قالَ بَعْضُهم: تَقاسَمُوا، أيِ: ابْتَدَأ بَعْضُهم صفحة ٢٨٣ فَقالَ: تَقاسَمُوا. وهو يُرِيدُ شُمُولَ نَفْسِهِ إذْ لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ إلّا وهو يُرِيدُ المُشارَكَةَ مَعَهم في المُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) . فَلَمّا قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَوافَقُوا عَلَيْهِ وأعادُوهُ فَصارَ جَمِيعُهم قائِلًا ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى التِّسْعَةِ. والقَسَمُ بِاللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ الآلِهَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَصِهِمْ فِيما مَرَّ مِنَ السُّورِ. و(لَنُبِيِّتَنَّهُ) جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صالِحٍ. والتَّبْيِيتُ والبَياتُ: مُباغَتَةُ العَدُوِّ لَيْلًا. وعَكْسُهُ التَّصْبِيحُ: الغارَةُ في الصَّباحِ، وكانَ شَأْنُ الغاراتِ عِنْدَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ يَقُولُ مَن يُنْذِرُ قَوْمًا بِحُلُولِ العَدُوِّ: (يا صَباحاهُ)، فالتَّبْيِيتُ لا يَكُونُ إلّا لِقَصْدِ غَدْرٍ. والمَعْنى: أنَّهم يُغِيرُونَ عَلى بَيْتِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُونَهُ وأهْلَهُ غَدْرًا مِن حَيْثُ لا يُعْرُفُ قاتِلُهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونُوا هم قَتَلُوهم ولا شَهِدُوا مَقْتَلَهم. والمَهْلِكُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أهْلَكَ الرُّباعِيِّ، أيْ: شَهِدْنا إهْلاكَ مَن أهْلَكَهم. وقَوْلُهم (وإنّا لَصادِقُونَ) هو مِن جُمْلَةِ ما هَيَّئُوا أنْ يَقُولُوهُ فَهو عَطْفٌ عَلى (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ) أيْ: ونُؤَكِّدُ إنّا لَصادِقُونَ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهم يَحْلِفُونَ عَلى أنَّهم صادِقُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) بِنُونِ الجَماعَةِ وفَتْحِ التّاءِ الَّتِي قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ في أوَّلِهِ وبِضَمِّ التّاءِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: أمْرُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ (لَنَقُولَنَّ) بِنُونِ الجَماعَةِ في أوَّلِهِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ وبِضَمِّ اللّامِ. ووَلِيُّ صالِحٍ هم أقْرَبُ القَوْمِ إذا رامُوا الأخْذَ بِثَأْرِهِ. وهَذا الجُزْءُ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. وأحْسَبُ أنَّ سَبَبَ صفحة ٢٨٤ ذِكْرِهِ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ في وقْتٍ تَآمَرَ فِيهِ المُشْرِكُونَ عَلى الإيقاعِ بِالنَّبِيءِ ﷺ، وهو التَّآمُرُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؛ فَضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِتَآمُرِ الرَّهْطِ مِن قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ ومَكْرِهِمْ وكَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ، ولِذَلِكَ تَرى بَيْنَ الآيَتَيْنِ تُشابُهًا وتَرى تَكْرِيرَ ذِكْرِ مَكْرِهِمْ ومَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ، وذِكْرِ أنَّ في قِصَّتِهِمْ آيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

النمل 27:49

صفحة ٢٨٢ ﴿وكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾ ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مُهْلَكَ أهْلِهِ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ . عَطَفَ جُزْءَ القِصَّةِ عَلى جُزْءٍ مِنها. والمَدِينَةُ: هي حِجْرُ ثَمُودَ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ المَعْرُوفُ مَكانُها اليَوْمَ بِدِيارِ ثَمُودَ ومَدائِنَ صالِحٍ، وهي بَقايا تِلْكَ المَدِينَةِ مِن أطْلالٍ وبُيُوتٍ مَنحُوتَةٍ في الجِبالِ. وهي بَيْنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وتَبُوكَ في طَرِيقِ الشّامِ وقَدْ مَرَّ بِها النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ في مَسِيرِهِمْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ورَأوْا فِيها آبارًا نَهاهُمُ النَّبِيءُ عَنِ الشُّرْبِ والوُضُوءِ مِنها إلّا بِئْرًا واحِدَةً أمَرَهم بِالشُّرْبِ والوُضُوءِ بِها وقالَ: «إنَّها البِئْرُ الَّتِي كانَتْ تَشْرَبُ مِنها ناقَةُ صالِحٍ» . والرَّهْطُ: العَدَدُ مِنَ النّاسِ حَوالَيِ العَشَرَةِ وهو مِثْلُ النَّفَرِ. وإضافَةُ تِسْعَةٍ إلَيْهِ مِن إضافَةِ الجُزْءِ إلى اسْمِ الكُلِّ عَلى التَّوَسُّعِ وهو إضافَةٌ كَثِيرَةٌ في الكَلامِ العَرَبِيِّ مِثْلَ: خَمْسُ ذَوْدٍ. واخْتَلَفَ أيِمَّةُ النَّحْوِ في القِياسِ عَلَيْها ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشِ أنَّها سَماعِيَّةٌ. وكانَ هَؤُلاءِ الرَّهْطُ مِن عُتاةِ القَوْمِ، واخْتُلِفَ في أسْمائِهِمْ عَلى رِواياتٍ هي مِن أوْضاعِ القَصّاصِينَ ولَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ ما يُعْتَمَدُ. واشْتُهِرَ أنَّ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ اسْمُهُ (قُدارٌ) بِضَمِّ المِيمِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، وقَدْ تَشاءَمَ بَعْضُ النّاسِ بِعَدَدِ التِّسْعَةِ بِسَبَبِ قِصَّةِ ثَمُودَ وهو مِنَ التَّشاؤُمِ المَنهِيِّ عَنْهُ. و(الأرْضِ): أرْضُ ثَمُودَ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ. وعَطْفُ (ولا يُصْلِحُونَ) عَلى (يُفْسِدُونَ) احْتِراسٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم تَمَحَّضُوا لِلْإفْسادِ ولَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ خَلَطُوا إفْسادًا بِإصْلاحٍ. وجُمْلَةُ (قالُوا) صِفَةٌ لِ (تِسْعَةُ)، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِ (كانَ)، أوْ هو الخَبَرُ لِ (كانَ) . وفي (المَدِينَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (كانَ) ظَرْفًا لَغْوًا ولا يَحْسُنُ جَعْلُ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا؛ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ. والمَعْنى: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. و(تَقاسَمُوا) فِعْلُ أمْرٍ، أيْ: قالَ بَعْضُهم: تَقاسَمُوا، أيِ: ابْتَدَأ بَعْضُهم صفحة ٢٨٣ فَقالَ: تَقاسَمُوا. وهو يُرِيدُ شُمُولَ نَفْسِهِ إذْ لا يَأْمُرُهم بِذَلِكَ إلّا وهو يُرِيدُ المُشارَكَةَ مَعَهم في المُقْسَمِ عَلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) . فَلَمّا قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم تَوافَقُوا عَلَيْهِ وأعادُوهُ فَصارَ جَمِيعُهم قائِلًا ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى التِّسْعَةِ. والقَسَمُ بِاللَّهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ الآلِهَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قِصَصِهِمْ فِيما مَرَّ مِنَ السُّورِ. و(لَنُبِيِّتَنَّهُ) جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صالِحٍ. والتَّبْيِيتُ والبَياتُ: مُباغَتَةُ العَدُوِّ لَيْلًا. وعَكْسُهُ التَّصْبِيحُ: الغارَةُ في الصَّباحِ، وكانَ شَأْنُ الغاراتِ عِنْدَ العَرَبِ أنْ تَكُونَ في الصَّباحِ ولِذَلِكَ يَقُولُ مَن يُنْذِرُ قَوْمًا بِحُلُولِ العَدُوِّ: (يا صَباحاهُ)، فالتَّبْيِيتُ لا يَكُونُ إلّا لِقَصْدِ غَدْرٍ. والمَعْنى: أنَّهم يُغِيرُونَ عَلى بَيْتِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُونَهُ وأهْلَهُ غَدْرًا مِن حَيْثُ لا يُعْرُفُ قاتِلُهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونُوا هم قَتَلُوهم ولا شَهِدُوا مَقْتَلَهم. والمَهْلِكُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أهْلَكَ الرُّباعِيِّ، أيْ: شَهِدْنا إهْلاكَ مَن أهْلَكَهم. وقَوْلُهم (وإنّا لَصادِقُونَ) هو مِن جُمْلَةِ ما هَيَّئُوا أنْ يَقُولُوهُ فَهو عَطْفٌ عَلى (ما شَهِدْنا مَهْلِكَ) أيْ: ونُؤَكِّدُ إنّا لَصادِقُونَ. ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهم يَحْلِفُونَ عَلى أنَّهم صادِقُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَنُبِيِّتَنَّهُ) بِنُونِ الجَماعَةِ وفَتْحِ التّاءِ الَّتِي قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ في أوَّلِهِ وبِضَمِّ التّاءِ الأصْلِيَّةِ قَبْلَ نُونِ التَّوْكِيدِ. وذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ: أمْرُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وهَكَذا قَرَأ الجُمْهُورُ (لَنَقُولَنَّ) بِنُونِ الجَماعَةِ في أوَّلِهِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ وبِضَمِّ اللّامِ. ووَلِيُّ صالِحٍ هم أقْرَبُ القَوْمِ إذا رامُوا الأخْذَ بِثَأْرِهِ. وهَذا الجُزْءُ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ لَمْ يُذْكَرْ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ. وأحْسَبُ أنَّ سَبَبَ صفحة ٢٨٤ ذِكْرِهِ أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ كانَ في وقْتٍ تَآمَرَ فِيهِ المُشْرِكُونَ عَلى الإيقاعِ بِالنَّبِيءِ ﷺ، وهو التَّآمُرُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؛ فَضَرَبَ اللَّهُ لَهم مَثَلًا بِتَآمُرِ الرَّهْطِ مِن قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ ومَكْرِهِمْ وكَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ، ولِذَلِكَ تَرى بَيْنَ الآيَتَيْنِ تُشابُهًا وتَرى تَكْرِيرَ ذِكْرِ مَكْرِهِمْ ومَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ، وذِكْرِ أنَّ في قِصَّتِهِمْ آيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

النمل 27:50

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بِيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . سَمّى اللَّهُ تَآمُرَهم مَكْرًا؛ لِأنَّهُ كانَ تَدْبِيرَ ضُرٍّ في خَفاءٍ. وأكَّدَ مَكْرَهم بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّتِهِ في جِنْسِ المَكْرِ، وتَنْوِينِهِ لِلتَّعْظِيمِ. والمَكْرُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مَكْرٌ مَجازِيٌّ. اسْتُعِيرَ لَفْظُ المَكْرِ لِمُبادَرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِاسْتِئْصالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن تَبْيِيتِ صالِحٍ وأهْلِهِ، وتَأْخِيرِهِ اسْتِئْصالَهم أيِ: الوَقْتُ الَّذِي تَآمَرُوا فِيهِ عَلى قَتْلِ صالِحٍ لِشَبَهِ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الماكِرِ في تَأْجِيلِ فِعْلٍ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مَعَ عَدَمِ إشْعارِ مَن يُفْعَلُ بِهِ. وأُكِّدَ مَكْرُ اللَّهِ وعُظِّمَ كَما أُكِّدَ مَكْرُهم وعُظِّمَ، وذَلِكَ بِما يُناسِبُ جِنْسَهُ فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ لا يُدانِيهِ عَذابُ النّاسِ فَعَظِيمُهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ. والمُرادُ بِالمَكْرِ المُسْنَدِ إلى الجَلالَةِ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾) الآيَةَ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِاسْتِعارَةِ المَكْرِ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِئْصالِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ ولا تَجْرِيدٌ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . واقْتِرانُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ إيماءٌ إلى أنَّ صفحة ٢٨٥ الِاعْتِبارَ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ هو المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ تَعْرِيضًا بِأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ كَيْدَهم ويَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ بِالِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنّا دَمَّرْناهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يُثِيرُهُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾) مِن سُؤالٍ عَنْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن (عاقِبَةُ) . والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِلِاهْتِمامِ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (دَمَّرْناهم) لِلرَّهْطِ. وعُطِفَ (قَوْمَهم) عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَةِ الجَزاءِ لِلْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَكَرُوا بِصالِحٍ وأهْلِهِ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وقَوْمَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ. وتَقَدَّمَ إنْجاءُ صالِحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ومَن مَعَهُ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ حِينَ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِتَمَتُّعٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ عَلى جُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ. والإشارَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَهُ يَقُومُ مَقامَ حُضُورِهِ، فَإنَّ دِيارَ ثَمُودَ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ وهي في طَرِيقِهِمْ في مَمَرِّهِمْ إلى الشّامِ. وانْتَصَبَ (خاوِيَةً) عَلى الحالِ. وعامِلُها ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، ومَصْدَرُهُ الخَواءُ، أيْ: فالبُيُوتُ باقٍ بَعْضُها في الجِبالِ لا ساكِنَ بِها. والباءُ في (بِما ظَلَمُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كانَ خَواؤُها بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ في جانِبِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ وحْدانِيَّتِهِ، وظُلْمٌ لِلرَّسُولِ بِتَكْذِيبِهِ وهو الصّادِقُ. ولَمّا خَصَّ اللَّهُ عَمَلَهم بِوَصْفِ الظُّلْمِ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أحْوالٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها كُفْرُهم صفحة ٢٨٦ كالفَسادِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلظُّلْمِ أثَرًا في خَرابِ بِلادِهِمْ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ وتَلا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ . وهَذا مِن أُسْلُوبِ أخْذِ كُلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن مَعانِي الكَلامِ في القُرْآنِ كَما ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. ونَزِيدُهُ هُنا ما لَمْ يَسْبِقْ لَنا في نَظائِرِهِ، وهو أنَّ الحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ لَمّا كانَ قِوامَ ماهِيّاتِها حاصِلًا في الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنها انْتِسابٌ وتَقارُبٌ يُرَدُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ. فالشِّرْكُ مَثَلًا حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَكُونُ بِها جِنْسًا عَقْلِيًّا، وهو بِالنَّظَرِ إلى ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إلى حَقائِقَ أُخْرى مِثْلُ الظُّلْمِ، أيْ: الِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ بِأخْذِ حُقُوقِهِمْ فَإنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ومِثْلُ الفِسْقِ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ، وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ أيْضًا (وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ)، ومِثْلُ الكِبْرِ، ومِثْلُ الإسْرافِ فَإنَّهُما مِن آثارِهِ أيْضًا. فَمِن أسالِيبِ القُرْآنِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الشِّرْكِ بِألْفاظِ هَذِهِ الحَقائِقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ جامِعٌ عِدَّةَ فَظائِعَ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِسابِهِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ، ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ فَسادَ هَذِهِ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي فَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُنا بِالظُّلْمِ وهو كَثِيرٌ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ جِنْسَ الظُّلْمِ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ، ناهِيكَ أنَّ الشِّرْكَ مِن أنْواعِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] أيْ: هو مُتَأصِّلٌ في الشِّرْكِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُسْرِفِينَ والكاذِبِينَ بِالتَّوْبَةِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ. والآيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى انْتِصارِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لامُ التَّعْلِيلِ يَعْنِي آيَةً لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ إنْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِها فَهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّ مَن يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنٌ في العَقْلِ حَتّى كانَ العَقْلُ مِن صِفَتِهِ القَوْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٧ وفِي تَأْخِيرِ جُمْلَةِ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ طَمْأنَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما نَجّى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِن ثَمُودَ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ صالِحٍ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ ثَمُودَ أوْحى اللَّهُ إلى صالِحٍ أنْ يَخْرُجَ هو ومَن مَعَهُ فَخَرَجُوا ونَزَلُوا في مَوْضِعِ الرَّسِّ فَكانَ أصْحابُ الرَّسِّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلُوا شاطِئَ اليَمَنِ وبَنَوْا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ صالِحًا نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ. وكُلُّها أخْبارٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِها. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في (وكانُوا يَتَّقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّقْوى.

النمل 27:51

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بِيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . سَمّى اللَّهُ تَآمُرَهم مَكْرًا؛ لِأنَّهُ كانَ تَدْبِيرَ ضُرٍّ في خَفاءٍ. وأكَّدَ مَكْرَهم بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّتِهِ في جِنْسِ المَكْرِ، وتَنْوِينِهِ لِلتَّعْظِيمِ. والمَكْرُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مَكْرٌ مَجازِيٌّ. اسْتُعِيرَ لَفْظُ المَكْرِ لِمُبادَرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِاسْتِئْصالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن تَبْيِيتِ صالِحٍ وأهْلِهِ، وتَأْخِيرِهِ اسْتِئْصالَهم أيِ: الوَقْتُ الَّذِي تَآمَرُوا فِيهِ عَلى قَتْلِ صالِحٍ لِشَبَهِ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الماكِرِ في تَأْجِيلِ فِعْلٍ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مَعَ عَدَمِ إشْعارِ مَن يُفْعَلُ بِهِ. وأُكِّدَ مَكْرُ اللَّهِ وعُظِّمَ كَما أُكِّدَ مَكْرُهم وعُظِّمَ، وذَلِكَ بِما يُناسِبُ جِنْسَهُ فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ لا يُدانِيهِ عَذابُ النّاسِ فَعَظِيمُهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ. والمُرادُ بِالمَكْرِ المُسْنَدِ إلى الجَلالَةِ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾) الآيَةَ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِاسْتِعارَةِ المَكْرِ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِئْصالِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ ولا تَجْرِيدٌ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . واقْتِرانُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ إيماءٌ إلى أنَّ صفحة ٢٨٥ الِاعْتِبارَ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ هو المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ تَعْرِيضًا بِأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ كَيْدَهم ويَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ بِالِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنّا دَمَّرْناهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يُثِيرُهُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾) مِن سُؤالٍ عَنْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن (عاقِبَةُ) . والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِلِاهْتِمامِ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (دَمَّرْناهم) لِلرَّهْطِ. وعُطِفَ (قَوْمَهم) عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَةِ الجَزاءِ لِلْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَكَرُوا بِصالِحٍ وأهْلِهِ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وقَوْمَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ. وتَقَدَّمَ إنْجاءُ صالِحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ومَن مَعَهُ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ حِينَ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِتَمَتُّعٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ عَلى جُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ. والإشارَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَهُ يَقُومُ مَقامَ حُضُورِهِ، فَإنَّ دِيارَ ثَمُودَ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ وهي في طَرِيقِهِمْ في مَمَرِّهِمْ إلى الشّامِ. وانْتَصَبَ (خاوِيَةً) عَلى الحالِ. وعامِلُها ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، ومَصْدَرُهُ الخَواءُ، أيْ: فالبُيُوتُ باقٍ بَعْضُها في الجِبالِ لا ساكِنَ بِها. والباءُ في (بِما ظَلَمُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كانَ خَواؤُها بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ في جانِبِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ وحْدانِيَّتِهِ، وظُلْمٌ لِلرَّسُولِ بِتَكْذِيبِهِ وهو الصّادِقُ. ولَمّا خَصَّ اللَّهُ عَمَلَهم بِوَصْفِ الظُّلْمِ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أحْوالٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها كُفْرُهم صفحة ٢٨٦ كالفَسادِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلظُّلْمِ أثَرًا في خَرابِ بِلادِهِمْ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ وتَلا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ . وهَذا مِن أُسْلُوبِ أخْذِ كُلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن مَعانِي الكَلامِ في القُرْآنِ كَما ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. ونَزِيدُهُ هُنا ما لَمْ يَسْبِقْ لَنا في نَظائِرِهِ، وهو أنَّ الحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ لَمّا كانَ قِوامَ ماهِيّاتِها حاصِلًا في الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنها انْتِسابٌ وتَقارُبٌ يُرَدُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ. فالشِّرْكُ مَثَلًا حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَكُونُ بِها جِنْسًا عَقْلِيًّا، وهو بِالنَّظَرِ إلى ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إلى حَقائِقَ أُخْرى مِثْلُ الظُّلْمِ، أيْ: الِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ بِأخْذِ حُقُوقِهِمْ فَإنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ومِثْلُ الفِسْقِ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ، وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ أيْضًا (وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ)، ومِثْلُ الكِبْرِ، ومِثْلُ الإسْرافِ فَإنَّهُما مِن آثارِهِ أيْضًا. فَمِن أسالِيبِ القُرْآنِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الشِّرْكِ بِألْفاظِ هَذِهِ الحَقائِقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ جامِعٌ عِدَّةَ فَظائِعَ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِسابِهِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ، ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ فَسادَ هَذِهِ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي فَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُنا بِالظُّلْمِ وهو كَثِيرٌ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ جِنْسَ الظُّلْمِ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ، ناهِيكَ أنَّ الشِّرْكَ مِن أنْواعِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] أيْ: هو مُتَأصِّلٌ في الشِّرْكِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُسْرِفِينَ والكاذِبِينَ بِالتَّوْبَةِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ. والآيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى انْتِصارِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لامُ التَّعْلِيلِ يَعْنِي آيَةً لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ إنْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِها فَهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّ مَن يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنٌ في العَقْلِ حَتّى كانَ العَقْلُ مِن صِفَتِهِ القَوْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٧ وفِي تَأْخِيرِ جُمْلَةِ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ طَمْأنَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما نَجّى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِن ثَمُودَ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ صالِحٍ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ ثَمُودَ أوْحى اللَّهُ إلى صالِحٍ أنْ يَخْرُجَ هو ومَن مَعَهُ فَخَرَجُوا ونَزَلُوا في مَوْضِعِ الرَّسِّ فَكانَ أصْحابُ الرَّسِّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلُوا شاطِئَ اليَمَنِ وبَنَوْا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ صالِحًا نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ. وكُلُّها أخْبارٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِها. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في (وكانُوا يَتَّقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّقْوى.

النمل 27:52

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بِيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . سَمّى اللَّهُ تَآمُرَهم مَكْرًا؛ لِأنَّهُ كانَ تَدْبِيرَ ضُرٍّ في خَفاءٍ. وأكَّدَ مَكْرَهم بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّتِهِ في جِنْسِ المَكْرِ، وتَنْوِينِهِ لِلتَّعْظِيمِ. والمَكْرُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مَكْرٌ مَجازِيٌّ. اسْتُعِيرَ لَفْظُ المَكْرِ لِمُبادَرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِاسْتِئْصالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن تَبْيِيتِ صالِحٍ وأهْلِهِ، وتَأْخِيرِهِ اسْتِئْصالَهم أيِ: الوَقْتُ الَّذِي تَآمَرُوا فِيهِ عَلى قَتْلِ صالِحٍ لِشَبَهِ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الماكِرِ في تَأْجِيلِ فِعْلٍ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مَعَ عَدَمِ إشْعارِ مَن يُفْعَلُ بِهِ. وأُكِّدَ مَكْرُ اللَّهِ وعُظِّمَ كَما أُكِّدَ مَكْرُهم وعُظِّمَ، وذَلِكَ بِما يُناسِبُ جِنْسَهُ فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ لا يُدانِيهِ عَذابُ النّاسِ فَعَظِيمُهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ. والمُرادُ بِالمَكْرِ المُسْنَدِ إلى الجَلالَةِ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾) الآيَةَ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِاسْتِعارَةِ المَكْرِ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِئْصالِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ ولا تَجْرِيدٌ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . واقْتِرانُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ إيماءٌ إلى أنَّ صفحة ٢٨٥ الِاعْتِبارَ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ هو المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ تَعْرِيضًا بِأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ كَيْدَهم ويَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ بِالِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنّا دَمَّرْناهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يُثِيرُهُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾) مِن سُؤالٍ عَنْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن (عاقِبَةُ) . والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِلِاهْتِمامِ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (دَمَّرْناهم) لِلرَّهْطِ. وعُطِفَ (قَوْمَهم) عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَةِ الجَزاءِ لِلْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَكَرُوا بِصالِحٍ وأهْلِهِ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وقَوْمَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ. وتَقَدَّمَ إنْجاءُ صالِحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ومَن مَعَهُ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ حِينَ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِتَمَتُّعٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ عَلى جُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ. والإشارَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَهُ يَقُومُ مَقامَ حُضُورِهِ، فَإنَّ دِيارَ ثَمُودَ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ وهي في طَرِيقِهِمْ في مَمَرِّهِمْ إلى الشّامِ. وانْتَصَبَ (خاوِيَةً) عَلى الحالِ. وعامِلُها ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، ومَصْدَرُهُ الخَواءُ، أيْ: فالبُيُوتُ باقٍ بَعْضُها في الجِبالِ لا ساكِنَ بِها. والباءُ في (بِما ظَلَمُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كانَ خَواؤُها بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ في جانِبِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ وحْدانِيَّتِهِ، وظُلْمٌ لِلرَّسُولِ بِتَكْذِيبِهِ وهو الصّادِقُ. ولَمّا خَصَّ اللَّهُ عَمَلَهم بِوَصْفِ الظُّلْمِ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أحْوالٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها كُفْرُهم صفحة ٢٨٦ كالفَسادِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلظُّلْمِ أثَرًا في خَرابِ بِلادِهِمْ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ وتَلا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ . وهَذا مِن أُسْلُوبِ أخْذِ كُلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن مَعانِي الكَلامِ في القُرْآنِ كَما ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. ونَزِيدُهُ هُنا ما لَمْ يَسْبِقْ لَنا في نَظائِرِهِ، وهو أنَّ الحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ لَمّا كانَ قِوامَ ماهِيّاتِها حاصِلًا في الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنها انْتِسابٌ وتَقارُبٌ يُرَدُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ. فالشِّرْكُ مَثَلًا حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَكُونُ بِها جِنْسًا عَقْلِيًّا، وهو بِالنَّظَرِ إلى ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إلى حَقائِقَ أُخْرى مِثْلُ الظُّلْمِ، أيْ: الِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ بِأخْذِ حُقُوقِهِمْ فَإنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ومِثْلُ الفِسْقِ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ، وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ أيْضًا (وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ)، ومِثْلُ الكِبْرِ، ومِثْلُ الإسْرافِ فَإنَّهُما مِن آثارِهِ أيْضًا. فَمِن أسالِيبِ القُرْآنِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الشِّرْكِ بِألْفاظِ هَذِهِ الحَقائِقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ جامِعٌ عِدَّةَ فَظائِعَ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِسابِهِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ، ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ فَسادَ هَذِهِ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي فَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُنا بِالظُّلْمِ وهو كَثِيرٌ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ جِنْسَ الظُّلْمِ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ، ناهِيكَ أنَّ الشِّرْكَ مِن أنْواعِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] أيْ: هو مُتَأصِّلٌ في الشِّرْكِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُسْرِفِينَ والكاذِبِينَ بِالتَّوْبَةِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ. والآيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى انْتِصارِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لامُ التَّعْلِيلِ يَعْنِي آيَةً لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ إنْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِها فَهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّ مَن يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنٌ في العَقْلِ حَتّى كانَ العَقْلُ مِن صِفَتِهِ القَوْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٧ وفِي تَأْخِيرِ جُمْلَةِ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ طَمْأنَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما نَجّى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِن ثَمُودَ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ صالِحٍ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ ثَمُودَ أوْحى اللَّهُ إلى صالِحٍ أنْ يَخْرُجَ هو ومَن مَعَهُ فَخَرَجُوا ونَزَلُوا في مَوْضِعِ الرَّسِّ فَكانَ أصْحابُ الرَّسِّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلُوا شاطِئَ اليَمَنِ وبَنَوْا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ صالِحًا نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ. وكُلُّها أخْبارٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِها. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في (وكانُوا يَتَّقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّقْوى.

النمل 27:53

﴿ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَتِلْكَ بِيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . سَمّى اللَّهُ تَآمُرَهم مَكْرًا؛ لِأنَّهُ كانَ تَدْبِيرَ ضُرٍّ في خَفاءٍ. وأكَّدَ مَكْرَهم بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّتِهِ في جِنْسِ المَكْرِ، وتَنْوِينِهِ لِلتَّعْظِيمِ. والمَكْرُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مَكْرٌ مَجازِيٌّ. اسْتُعِيرَ لَفْظُ المَكْرِ لِمُبادَرَةِ اللَّهِ إيّاهم بِاسْتِئْصالِهِمْ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن تَبْيِيتِ صالِحٍ وأهْلِهِ، وتَأْخِيرِهِ اسْتِئْصالَهم أيِ: الوَقْتُ الَّذِي تَآمَرُوا فِيهِ عَلى قَتْلِ صالِحٍ لِشَبَهِ فِعْلِ اللَّهِ ذَلِكَ بِفِعْلِ الماكِرِ في تَأْجِيلِ فِعْلٍ إلى وقْتِ الحاجَةِ، مَعَ عَدَمِ إشْعارِ مَن يُفْعَلُ بِهِ. وأُكِّدَ مَكْرُ اللَّهِ وعُظِّمَ كَما أُكِّدَ مَكْرُهم وعُظِّمَ، وذَلِكَ بِما يُناسِبُ جِنْسَهُ فَإنَّ عَذابَ اللَّهِ لا يُدانِيهِ عَذابُ النّاسِ فَعَظِيمُهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ ما يُقَدِّرُهُ النّاسُ. والمُرادُ بِالمَكْرِ المُسْنَدِ إلى الجَلالَةِ هو ما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿إنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾) الآيَةَ. وفِي قَوْلِهِ: (﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾) تَأْكِيدٌ لِاسْتِعارَةِ المَكْرِ لِتَقْدِيرِ الِاسْتِئْصالِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ ولا تَجْرِيدٌ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: (فانْظُرْ) لِلنَّبِيءِ ﷺ . واقْتِرانُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ إيماءٌ إلى أنَّ صفحة ٢٨٥ الِاعْتِبارَ بِمَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ هو المَقْصُودُ مِن سَوْقِ القِصَّةِ تَعْرِيضًا بِأنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ كَيْدَهم ويَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ. والنَّظَرُ: نَظَرٌ قَلْبِيٌّ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ بِالِاسْتِفْهامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (إنّا دَمَّرْناهم) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما يُثِيرُهُ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: (﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾) مِن سُؤالٍ عَنْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ. والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَيَكُونُ المَصْدَرُ بَدَلًا مِن (عاقِبَةُ) . والتَّأْكِيدُ أيْضًا لِلِاهْتِمامِ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (دَمَّرْناهم) لِلرَّهْطِ. وعُطِفَ (قَوْمَهم) عَلَيْهِمْ لِمُوافَقَةِ الجَزاءِ لِلْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم مَكَرُوا بِصالِحٍ وأهْلِهِ فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ وقَوْمَهم. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ، وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ. والقِصَّةُ تَقَدَّمَتْ. وتَقَدَّمَ إنْجاءُ صالِحٍ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَخْرُجَ ومَن مَعَهُ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ حِينَ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِتَمَتُّعٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ. وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً﴾ عَلى جُمْلَةِ (دَمَّرْناهم) لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ. والإشارَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى مَعْلُومٍ غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّ تَحَقُّقَهُ يَقُومُ مَقامَ حُضُورِهِ، فَإنَّ دِيارَ ثَمُودَ مَعْلُومَةٌ لِجَمِيعِ قُرَيْشٍ وهي في طَرِيقِهِمْ في مَمَرِّهِمْ إلى الشّامِ. وانْتَصَبَ (خاوِيَةً) عَلى الحالِ. وعامِلُها ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. والخاوِيَةُ: الخالِيَةُ، ومَصْدَرُهُ الخَواءُ، أيْ: فالبُيُوتُ باقٍ بَعْضُها في الجِبالِ لا ساكِنَ بِها. والباءُ في (بِما ظَلَمُوا) لِلسَّبَبِيَّةِ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: كانَ خَواؤُها بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ وتَكْذِيبُ رَسُولِهِمْ، فَذَلِكَ ظُلْمٌ في جانِبِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى حَقِّ وحْدانِيَّتِهِ، وظُلْمٌ لِلرَّسُولِ بِتَكْذِيبِهِ وهو الصّادِقُ. ولَمّا خَصَّ اللَّهُ عَمَلَهم بِوَصْفِ الظُّلْمِ مِن بَيْنِ عِدَّةِ أحْوالٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْها كُفْرُهم صفحة ٢٨٦ كالفَسادِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ لِلظُّلْمِ أثَرًا في خَرابِ بِلادِهِمْ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ وتَلا: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ . وهَذا مِن أُسْلُوبِ أخْذِ كُلِّ ما يُحْتَمَلُ مِن مَعانِي الكَلامِ في القُرْآنِ كَما ذَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ. ونَزِيدُهُ هُنا ما لَمْ يَسْبِقْ لَنا في نَظائِرِهِ، وهو أنَّ الحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ لَمّا كانَ قِوامَ ماهِيّاتِها حاصِلًا في الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ كانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنها انْتِسابٌ وتَقارُبٌ يُرَدُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ. فالشِّرْكُ مَثَلًا حَقِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ يَكُونُ بِها جِنْسًا عَقْلِيًّا، وهو بِالنَّظَرِ إلى ما يَبْعَثُ عَلَيْهِ وما يَنْشَأُ عَنْهُ يَنْتَسِبُ إلى حَقائِقَ أُخْرى مِثْلُ الظُّلْمِ، أيْ: الِاعْتِداءُ عَلى النّاسِ بِأخْذِ حُقُوقِهِمْ فَإنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ومِثْلُ الفِسْقِ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ، وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ فَإنَّهُ مِن آثارِهِ أيْضًا (وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ)، ومِثْلُ الكِبْرِ، ومِثْلُ الإسْرافِ فَإنَّهُما مِن آثارِهِ أيْضًا. فَمِن أسالِيبِ القُرْآنِ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ الشِّرْكِ بِألْفاظِ هَذِهِ الحَقائِقِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ جامِعٌ عِدَّةَ فَظائِعَ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى انْتِسابِهِ إلى هَذِهِ الأجْناسِ، ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ فَسادَ هَذِهِ الحَقائِقِ مِن حَيْثُ هي فَيُعَبِّرُ عَنْهُ هُنا بِالظُّلْمِ وهو كَثِيرٌ؛ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ جِنْسَ الظُّلْمِ قَبِيحٌ مَذْمُومٌ، ناهِيكَ أنَّ الشِّرْكَ مِن أنْواعِهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] أيْ: هو مُتَأصِّلٌ في الشِّرْكِ وإلّا فَإنَّ اللَّهَ هَدى كَثِيرًا مِنَ المُسْرِفِينَ والكاذِبِينَ بِالتَّوْبَةِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] ونَحْوِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ. والآيَةُ: الدَّلِيلُ عَلى انْتِصارِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لامُ التَّعْلِيلِ يَعْنِي آيَةً لِأجْلِهِمْ، أيْ: لِأجْلِ إيمانِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ إنْ لَمْ يَتَّعِظُوا بِها فَهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ. وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ (قَوْمٍ) إيماءٌ إلى أنَّ مَن يَعْتَبِرُ بِهَذِهِ الآيَةِ مُتَمَكِّنٌ في العَقْلِ حَتّى كانَ العَقْلُ مِن صِفَتِهِ القَوْمِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٧ وفِي تَأْخِيرِ جُمْلَةِ ﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ طَمْأنَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِيهِمْ مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكِينَ كَما نَجّى الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ مِن ثَمُودَ وهم صالِحٌ ومَن آمَنَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ صالِحٍ أرْبَعَةَ آلافٍ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ إهْلاكَ ثَمُودَ أوْحى اللَّهُ إلى صالِحٍ أنْ يَخْرُجَ هو ومَن مَعَهُ فَخَرَجُوا ونَزَلُوا في مَوْضِعِ الرَّسِّ فَكانَ أصْحابُ الرَّسِّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ. وقِيلَ: نَزَلُوا شاطِئَ اليَمَنِ وبَنَوْا مَدِينَةَ حَضْرَمَوْتَ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ صالِحًا نَزَلَ بِفِلَسْطِينَ. وكُلُّها أخْبارٌ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِها. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في (وكانُوا يَتَّقُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّقْوى.

النمل 27:54

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أيِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . عَطَفَ (لُوطًا) عَلى (صالِحًا) في قَوْلِهِ السّابِقِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [النمل: ٤٥] . ولا يَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ أنَّ العامِلَ في المَعْطُوفِ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: (﴿إلى ثَمُودَ﴾ [النمل: ٤٥])؛ لِأنَّ المَجْرُورَ لَيْسَ قَيْدًا لِمُتَعَلَّقِهِ، ولَكِنَّهُ كَواحِدٍ مِنَ المَفاعِيلِ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولٍ آخَرَ. فَإنَّ الإتْباعَ في الإعْرابِ يُمَيِّزُ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ. وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ. ولَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ هُنا كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ ثَمُودَ لِعَدَمِ تَمامِ المُشابَهَةِ بَيْنَ قَوْمِ لُوطٍ وبَيْنَ قُرَيْشٍ فِيما عَدا التَّكْذِيبَ والشِّرْكَ. ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ (ولُوطًا) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا؛ لِأنَّ وُجُودَ (إذْ) بَعْدَهُ يُقَرِّبُهُ مِن نَحْوِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] . وتَعْقِيبُ قِصَّةِ ثَمُودَ بِقِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ جارٍ عَلى مُعْتادِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ قِصَصِ هَذِهِ الأُمَمِ، فَإنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا مُتَأخِّرِينَ في الزَّمَنِ عَنْ ثَمُودَ. وإنَّما الَّذِي يَسْتَثِيرُ سُؤالًا هُنا هو. الِاقْتِصارُ عَلى قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ دُونَ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ. وقَدْ بَيَّنْتُهُ آنِفًا أنَّهُ لِمُناسَبَةٍ مُجاوِرَةِ دِيارِ قَوْمِ لُوطٍ لِمَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ ووُقُوعِها بَيْنَ دِيارِ ثَمُودَ وبَيْنَ فِلَسْطِينَ، وكانَتْ دِيارُهم مَمَرَّ قُرَيْشٍ إلى بِلادِ الشّامِ قالَ صفحة ٢٨٨ تَعالى: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] . وظَرْفُ (إذْ) يَتَعَلَّقُ بِ (أرْسَلْنا) أوْ بِ (اذْكُرْ) المُقَدَّرَيْنِ. والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ. وجُمْلَةُ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) حالٌ زِيادَةٌ في التَّشْنِيعِ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَنًا يُبْصِرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَإنَّ التَّجاهُرَ بِالمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْسانِها وذَلِكَ اسْتِخْفافٌ بِالنَّواهِيَ. وقَوْلُهُ (أيِنَّكم لَتَأْتُونَ) تَقَدَّمَ في الأعْرافِ (إنَّكم لَتَأْتُونَ)، فَهُنا جِيءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وما في الأعْرافِ جاءَ الخَبَرُ المُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ لِاخْتِلافِ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ لُوطٌ قَدْ قالَ لَهُمُ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ تَفَنُّنًا مَعَ اتِّحادِ المَعْنى. وكِلا الأُسْلُوبَيْنِ يَقَعُ في قَصَصِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِ. عَلى أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وأبا عَمْرٍو وابْنَ عامِرٍ وحَمْزَةَ وأبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَءُوا ما في سُورَةِ الأعْرافِ بِهَمْزَتَيْنِ فاسْتَوَتِ الآيَتانِ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَقَعَ في الأعْرافِ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] ولَمْ يُذْكَرْ هُنا؛ لِأنَّ ما يَجْرِي في القِصَّةِ لا يَلْزَمُ ذِكْرُ جَمِيعِهِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في عَدَمِ ذِكْرِ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) في سُورَةِ الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِهِ هُنا. ونَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فَوَصَفَهم بِالجَهالَةِ وهي اسْمٌ جامِعٌ لِأحْوالِ أُفْنِ الرَّأْيِ وقَساوَةِ القَلْبِ. وفِي الأعْرافِ وصَفَهم بِأنَّهم قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى اخْتِلافِ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ. وفِي إقْحامِ لَفْظِ (قَوْمٍ) في الآيَتَيْنِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] . صفحة ٢٨٩ ورُجِّحَ في قَوْلِهِ (تَجْهَلُونَ) جانِبُ الخِطابِ عَلى جانِبِ الغَيْبَةِ فَلَمْ يَقُلْ: يَجْهَلُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ وكِلاهُما مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الخِطابَ أقْوى دَلالَةً كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] .

النمل 27:55

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أيِنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . عَطَفَ (لُوطًا) عَلى (صالِحًا) في قَوْلِهِ السّابِقِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ [النمل: ٤٥] . ولا يَمْنَعُ مِنَ العَطْفِ أنَّ العامِلَ في المَعْطُوفِ تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ: (﴿إلى ثَمُودَ﴾ [النمل: ٤٥])؛ لِأنَّ المَجْرُورَ لَيْسَ قَيْدًا لِمُتَعَلَّقِهِ، ولَكِنَّهُ كَواحِدٍ مِنَ المَفاعِيلِ فَلا ارْتِباطَ لَهُ بِالمَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولٍ آخَرَ. فَإنَّ الإتْباعَ في الإعْرابِ يُمَيِّزُ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ. وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الأعْرافِ. ولَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ هُنا كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ ثَمُودَ لِعَدَمِ تَمامِ المُشابَهَةِ بَيْنَ قَوْمِ لُوطٍ وبَيْنَ قُرَيْشٍ فِيما عَدا التَّكْذِيبَ والشِّرْكَ. ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ (ولُوطًا) بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا؛ لِأنَّ وُجُودَ (إذْ) بَعْدَهُ يُقَرِّبُهُ مِن نَحْوِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] . وتَعْقِيبُ قِصَّةِ ثَمُودَ بِقِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ جارٍ عَلى مُعْتادِ القُرْآنِ في تَرْتِيبِ قِصَصِ هَذِهِ الأُمَمِ، فَإنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا مُتَأخِّرِينَ في الزَّمَنِ عَنْ ثَمُودَ. وإنَّما الَّذِي يَسْتَثِيرُ سُؤالًا هُنا هو. الِاقْتِصارُ عَلى قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ دُونَ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ. وقَدْ بَيَّنْتُهُ آنِفًا أنَّهُ لِمُناسَبَةٍ مُجاوِرَةِ دِيارِ قَوْمِ لُوطٍ لِمَمْلَكَةِ سُلَيْمانَ ووُقُوعِها بَيْنَ دِيارِ ثَمُودَ وبَيْنَ فِلَسْطِينَ، وكانَتْ دِيارُهم مَمَرَّ قُرَيْشٍ إلى بِلادِ الشّامِ قالَ صفحة ٢٨٨ تَعالى: ﴿وإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] وقالَ: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] ﴿وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٨] . وظَرْفُ (إذْ) يَتَعَلَّقُ بِ (أرْسَلْنا) أوْ بِ (اذْكُرْ) المُقَدَّرَيْنِ. والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ. وجُمْلَةُ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) حالٌ زِيادَةٌ في التَّشْنِيعِ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَنًا يُبْصِرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَإنَّ التَّجاهُرَ بِالمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِحْسانِها وذَلِكَ اسْتِخْفافٌ بِالنَّواهِيَ. وقَوْلُهُ (أيِنَّكم لَتَأْتُونَ) تَقَدَّمَ في الأعْرافِ (إنَّكم لَتَأْتُونَ)، فَهُنا جِيءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وما في الأعْرافِ جاءَ الخَبَرُ المُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ لِاخْتِلافِ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ لُوطٌ قَدْ قالَ لَهُمُ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ الحِكايَةِ تَفَنُّنًا مَعَ اتِّحادِ المَعْنى. وكِلا الأُسْلُوبَيْنِ يَقَعُ في قَصَصِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِ. عَلى أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وأبا عَمْرٍو وابْنَ عامِرٍ وحَمْزَةَ وأبا بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ قَرَءُوا ما في سُورَةِ الأعْرافِ بِهَمْزَتَيْنِ فاسْتَوَتِ الآيَتانِ عَلى قِراءَةِ هَؤُلاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ وُجُوهُ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَقَعَ في الأعْرافِ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٠] ولَمْ يُذْكَرْ هُنا؛ لِأنَّ ما يَجْرِي في القِصَّةِ لا يَلْزَمُ ذِكْرُ جَمِيعِهِ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في عَدَمِ ذِكْرِ (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) في سُورَةِ الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِهِ هُنا. ونَظِيرُ بَقِيَّةِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، إلّا أنَّ الواقِعَ هُنا (بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، فَوَصَفَهم بِالجَهالَةِ وهي اسْمٌ جامِعٌ لِأحْوالِ أُفْنِ الرَّأْيِ وقَساوَةِ القَلْبِ. وفِي الأعْرافِ وصَفَهم بِأنَّهم قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وذَلِكَ يُحْمَلُ عَلى اخْتِلافِ المَقالَتَيْنِ في مَقامَيْنِ. وفِي إقْحامِ لَفْظِ (قَوْمٍ) في الآيَتَيْنِ مِنَ الخُصُوصِيَّةِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢] . صفحة ٢٨٩ ورُجِّحَ في قَوْلِهِ (تَجْهَلُونَ) جانِبُ الخِطابِ عَلى جانِبِ الغَيْبَةِ فَلَمْ يَقُلْ: يَجْهَلُونَ، بِياءِ الغَيْبَةِ وكِلاهُما مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الخِطابَ أقْوى دَلالَةً كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: ٤٧] .

النمل 27:56

صفحة ٥ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هاتِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وخالَفَتْها هَذِهِ بِوُقُوعِ العَطْفِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ دُونَ الواوِ، وبِقَوْلِهِ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ عِوَضَ ”أخْرِجُوهم“ وبِقَوْلِهِ ”قَدَّرْناها“ عَوِضَ ”كانَتْ“، وبِقَوْلِهِ: فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ عِوَضَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ. فَأمّا مَوْقِعُ الفاءِ هُنا فَهو لِتَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَعْقِيبَ جُزْءِ القِصَّةِ عَلى أوَّلِهِ فَلا تُفِيدُ إلّا تَعْقِيبَ الإخْبارِ، وهي في ذَلِكَ مُساوِيَةٌ لِلْواوِ. ولَكِنْ أُوثِرَ حَرْفُ التَّعْقِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ لِكَوْنِها عَلى نَسْجِ ما حُكِيَتْ بِهِ قِصَّةُ ثَمُودَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الأعْرافِ تَفَنُّنٌ في الحِكايَةِ، ومُراعاةٌ لِلنَّظِيرِ في النَّسْجِ. وهَذا مِن أسالِيبِ قِصَصِ القُرْآنِ كَما بَيَّنْتُهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ دُونَ ”أخْرِجُوهم“؛ لِأنَّ المَحْكِيَّ مِن كَلامِ القَوْمِ هو تَآمُرُهم عَلى إخْراجِ آلِ لُوطٍ؛ فَما هُنا حِكايَةٌ بِمُرادِفِ كَلامِهِمْ وما في الأعْرافِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى والغَرَضُ هو التَّفَنُّنُ أيْضًا. وكَذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ قَدَّرْناها هُنا وبَيْنَ كانَتْ في الأعْرافِ. وأمّا صفحة ٦ الِاخْتِلافُ بَيْنَ فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ وبَيْنَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ فَهُما عِبْرَتانِ بِحالِهِمْ تَفَرَّعَتا عَلى وصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ فَوُزِّعَتِ العِبْرَتانِ عَلى الآيَتَيْنِ لِئَلّا يَخْلُوَ تَكْرِيرُ القِصَّةِ مِن فائِدَةٍ. والمُرادُ بِآلِ لُوطٍ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ رَبَّ البَيْتِ مُلاحَظٌ في هَذا الِاسْتِدْلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، أرادَ فِرْعَوْنَ وآلَهُ.

النمل 27:57

صفحة ٥ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هاتِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وخالَفَتْها هَذِهِ بِوُقُوعِ العَطْفِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ دُونَ الواوِ، وبِقَوْلِهِ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ عِوَضَ ”أخْرِجُوهم“ وبِقَوْلِهِ ”قَدَّرْناها“ عَوِضَ ”كانَتْ“، وبِقَوْلِهِ: فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ عِوَضَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ. فَأمّا مَوْقِعُ الفاءِ هُنا فَهو لِتَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَعْقِيبَ جُزْءِ القِصَّةِ عَلى أوَّلِهِ فَلا تُفِيدُ إلّا تَعْقِيبَ الإخْبارِ، وهي في ذَلِكَ مُساوِيَةٌ لِلْواوِ. ولَكِنْ أُوثِرَ حَرْفُ التَّعْقِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ لِكَوْنِها عَلى نَسْجِ ما حُكِيَتْ بِهِ قِصَّةُ ثَمُودَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الأعْرافِ تَفَنُّنٌ في الحِكايَةِ، ومُراعاةٌ لِلنَّظِيرِ في النَّسْجِ. وهَذا مِن أسالِيبِ قِصَصِ القُرْآنِ كَما بَيَّنْتُهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ دُونَ ”أخْرِجُوهم“؛ لِأنَّ المَحْكِيَّ مِن كَلامِ القَوْمِ هو تَآمُرُهم عَلى إخْراجِ آلِ لُوطٍ؛ فَما هُنا حِكايَةٌ بِمُرادِفِ كَلامِهِمْ وما في الأعْرافِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى والغَرَضُ هو التَّفَنُّنُ أيْضًا. وكَذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ قَدَّرْناها هُنا وبَيْنَ كانَتْ في الأعْرافِ. وأمّا صفحة ٦ الِاخْتِلافُ بَيْنَ فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ وبَيْنَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ فَهُما عِبْرَتانِ بِحالِهِمْ تَفَرَّعَتا عَلى وصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ فَوُزِّعَتِ العِبْرَتانِ عَلى الآيَتَيْنِ لِئَلّا يَخْلُوَ تَكْرِيرُ القِصَّةِ مِن فائِدَةٍ. والمُرادُ بِآلِ لُوطٍ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ رَبَّ البَيْتِ مُلاحَظٌ في هَذا الِاسْتِدْلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، أرادَ فِرْعَوْنَ وآلَهُ.

النمل 27:58

صفحة ٥ ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هاتِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وخالَفَتْها هَذِهِ بِوُقُوعِ العَطْفِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ دُونَ الواوِ، وبِقَوْلِهِ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ عِوَضَ ”أخْرِجُوهم“ وبِقَوْلِهِ ”قَدَّرْناها“ عَوِضَ ”كانَتْ“، وبِقَوْلِهِ: فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ عِوَضَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ. فَأمّا مَوْقِعُ الفاءِ هُنا فَهو لِتَعْقِيبِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَعْقِيبَ جُزْءِ القِصَّةِ عَلى أوَّلِهِ فَلا تُفِيدُ إلّا تَعْقِيبَ الإخْبارِ، وهي في ذَلِكَ مُساوِيَةٌ لِلْواوِ. ولَكِنْ أُوثِرَ حَرْفُ التَّعْقِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ لِكَوْنِها عَلى نَسْجِ ما حُكِيَتْ بِهِ قِصَّةُ ثَمُودَ في قَوْلِهِ تَعالى فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ، فالِاخْتِلافُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الأعْرافِ تَفَنُّنٌ في الحِكايَةِ، ومُراعاةٌ لِلنَّظِيرِ في النَّسْجِ. وهَذا مِن أسالِيبِ قِصَصِ القُرْآنِ كَما بَيَّنْتُهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ مِن مُقَدِّمَةِ هَذا التَّفْسِيرِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ دُونَ ”أخْرِجُوهم“؛ لِأنَّ المَحْكِيَّ مِن كَلامِ القَوْمِ هو تَآمُرُهم عَلى إخْراجِ آلِ لُوطٍ؛ فَما هُنا حِكايَةٌ بِمُرادِفِ كَلامِهِمْ وما في الأعْرافِ حِكايَةٌ بِالمَعْنى والغَرَضُ هو التَّفَنُّنُ أيْضًا. وكَذَلِكَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ قَدَّرْناها هُنا وبَيْنَ كانَتْ في الأعْرافِ. وأمّا صفحة ٦ الِاخْتِلافُ بَيْنَ فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ وبَيْنَ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ فَهُما عِبْرَتانِ بِحالِهِمْ تَفَرَّعَتا عَلى وصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ فَوُزِّعَتِ العِبْرَتانِ عَلى الآيَتَيْنِ لِئَلّا يَخْلُوَ تَكْرِيرُ القِصَّةِ مِن فائِدَةٍ. والمُرادُ بِآلِ لُوطٍ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ؛ لِأنَّ رَبَّ البَيْتِ مُلاحَظٌ في هَذا الِاسْتِدْلالِ كَقَوْلِهِ تَعالى أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، أرادَ فِرْعَوْنَ وآلَهُ.

النمل 27:59

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ لَمّا اسْتَوْفى غَرَضُ الِاعْتِبارِ والإنْذارِ حَقَّهُ بِذِكْرِ عَواقِبِ بَعْضِ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ وهي أشْبَهُ أحْوالًا بِأحْوالِ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وفي خِلالِ ذَلِكَ وحَفافَيْهِ تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ أقْبَلَ اللَّهُ بِالخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ يُلَقِّنُهُ ماذا يَقُولُهُ عَقِبَ القِصَصِ والمَواعِظِ السّالِفَةِ اسْتِخْلاصًا واسْتِنْتاجًا مِنها، وشُكْرُ اللَّهِ عَلى المَقْصُودِ مِنها. فالكَلامُ اسْتِئْنافٌ والمُناسَبَةُ ما عَلِمْتَ. أُمِرَ الرَّسُولُ بِالحَمْدِ عَلى ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ القَصَصُ السّابِقَةُ مِن نَجاةِ الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ الحالِّ بِقَوْمِهِمْ وعَلى ما أعْقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى صَبْرِهِمْ مِنَ النَّصْرِ ورِفْعَةِ الدَّرَجاتِ. وعَلى أنْ أهْلَكَ الأعْداءَ الظّالِمِينَ كَقَوْلِهِ فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ وقَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ وقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم الآيَةَ. فَأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِحَمْدِ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارِ ما أفادَهُ سَوْقُ تِلْكَ القِصَصِ مِنَ الإيماءِ إلى وعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِ. فَقَوْلُهُ قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ أمْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِإنْشاءِ حَمْدِ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ صِيغَةُ الحَمْدِ في أوَّلِ الفاتِحَةِ. وعُطِفَ عَلى المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ مِنَ الحَمْدِ أمْرٌ بِأنْ يُتْبِعَهُ بِالسَّلامِ عَلى الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوهُ قَدْرًا لِقَدْرِ ما تَجَشَّمُوهُ في نَشْرِ الدِّينِ الحَقِّ. وأصْلُ ”سَلامٌ“ سَلَّمْتُ سَلامًا، مَقْصُودٌ مِنهُ الإنْشاءُ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ صفحة ٧ مَفْعُولُهُ المُطْلَقُ بَدَلًا عَنْهُ. وعَدَلَ عَنْ نَصْبِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ إلى تَصْيِيرِهِ مُبْتَدَأً مَرْفُوعًا لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والدَّوامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ الحَمْدُ لِلَّهِ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. والسَّلامُ في الأصْلِ اسْمٌ يَقُولُهُ القائِلُ لِمَن يُلاقِيهِ بِلَفْظِ: سَلامٌ عَلَيْكَ، أوِ السَّلامُ عَلَيْكَ. ومَعْناهُ سَلامَةٌ وأمْنٌ ثابِتٌ لَكَ لا نُكُولَ فِيهِ، لِما تُؤْذِنُ بِهِ (عَلى) مِنَ الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادُ بِهِ التَّمَكُّنُ كَما في أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ. وأصْلُ المَقْصُودِ مِنهُ هو التَّأْمِينُ عِنْدَ اللِّقاءِ إذْ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ المُتَلاقَيْنِ إحَنٌ أوْ يَكُونُ مِن أحَدِهِما إغْراءٌ بِالآخَرِ، فَكانَ لَفْظُ ”السَّلامُ عَلَيْكَ“ كالعَهْدِ بِالأمانِ. ثُمَّ لَمّا كانَتِ المُفاتَحَةُ بِذَلِكَ تَدُلُّ عَلى الِابْتِداءِ بِالإكْرامِ والتَّلَطُّفِ عِنْدَ اللِّقاءِ ونِيَّةِ الإعانَةِ والقِرى، شاعَ إطْلاقُ كَلِمَةِ: السَّلامُ عَلَيْكَ، ونَحْوِها عِنْدَ قَصْدِ الإعْرابِ عَنِ التَّلَطُّفِ والتَّكْرِيمِ وتُنُوسِيَ ما فِيها مِن مَعْنى بَذْلِ الأمْنِ والسَّلامَةِ، فَصارَ النّاسُ يَتَقاوَلُونَها في غَيْرِ مَظانِّ الرِّيبَةِ والمَخافَةِ فَشاعَتْ في العَرَبِ في أحْيائِهِمْ وبُيُوتِهِمْ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ الدُّعاءِ الَّذِي هو إعْرابٌ عَنْ إضْمارِ الخَيْرِ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ بِالسَّلامَةِ في حَياتِهِ. فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ. وصارَ قَوْلُ: السَّلامُ، بِمَنزِلَةِ قَوْلِ: حَيّاكَ اللَّهُ، ولَكِنَّهم خَصُّوا كَلِمَةَ (حَيّاكَ اللَّهُ) بِمُلُوكِهِمْ وعُظَمائِهِمْ فانْتَقَلَتْ كَلِمَةُ (السَّلامُ عَلَيْكم) بِهَذا إلى طَوْرٍ آخَرَ مِن أطْوارِ اسْتِعْمالِها مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ وقَدْ قِيلَ إنَّها كانَتْ تَحِيَّةً لِلْبَشَرِ مِن عَهْدِ آدَمَ. ثُمَّ ذَكَرَ القُرْآنُ السَّلامَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى كَوْنِهِ مُعامَلَةً مِنهُ سُبْحانَهُ بِكَرامَةِ الثَّناءِ وحُسْنِ الذِّكْرِ لِلَّذِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِن عِبادِهِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ عِيسى إذْ أنْطَقَهُ بِقَوْلِهِ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ. وكَذَلِكَ في الآخِرَةِ وما في مَعْناها مِن أحْوالِ الأرْواحِ بَعْدَ المَوْتِ كَقَوْلِهِ عَنْ عِيسى ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا، وقَوْلِهِ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ. صفحة ٨ وجاءَ في القُرْآنِ السَّلامُ عَلى خَمْسَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وأيْضًا أمَرَ اللَّهُ الأُمَّةَ بِالسَّلامِ عَلى رَسُولِها فَقالَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أيْ قُولُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ؛ لِأنَّ مادَّةَ التَّفْعِيلِ قَدْ يُؤْتى بِها لِلدَّلالَةِ عَلى قَوْلٍ مَنحُوتٍ في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ فَقَوْلُهُ سَلِّمُوا تَسْلِيمًا مَعْناهُ: قُولُوا كَلِمَةَ السَّلامِ. مِثْلَ بَسْمَلَ، إذا قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، وكَبَّرَ، إذا قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ. وفي الحَدِيثِ «تُسَبِّحُونَ وتَحْمَدُونَ وتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ» . ومَعْنى وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى إنْشاءُ طَلَبٍ مِنَ اللَّهِ أنْ يُسَلِّمَ عَلى أحَدِ المُصْطَفَيْنَ، أيْ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذِكْرًا حَسَنًا في المَلَإ الأعْلى. فَإذا قالَ القائِلُ: السَّلامُ عَلى فُلانٍ، وفُلانٌ غائِبٌ أوْ في حُكْمِ الغائِبِ كانَ ذَلِكَ قَرِينَةً عَلى أنَّ المَقْصُودَ الدُّعاءُ لَهُ بِسَلامٍ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَدْ أُزِيلَ مِنهُ مَعْنى التَّحِيَّةِ لا مَحالَةَ وتَعَيَّنَ لِلدُّعاءِ، ولِهَذا «نَهى النَّبِيءُ ﷺ المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يَقُولُوا في التَّشَهُّدِ: السَّلامُ عَلى اللَّهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ السَّلامُ عَلى فُلانٍ وفُلانٍ. قالَ لَهم إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» أيْ لا مَعْنى لِلسَّلامِ عَلى اللَّهِ في مَقامِ الدُّعاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو المَدْعُوُّ بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى مَن يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ. فَلَمّا أمَرَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى فَقَدْ عَيَّنَ لَهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ لِيَقُولَها يَسْألُ مِنَ اللَّهِ أنْ يُكْرِمَ عِبادَهُ الَّذِينَ اصْطَفى بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ في المَلَأِ الأعْلى وحُسْنِ الذِّكْرِ إذْ قُصارى ما يَسْتَطِيعُهُ الحاضِرُ مِن جَزاءِ الغائِبِ عَلى حُسْنِ صَنِيعِهِ أنْ يَبْتَهِلَ إلى اللَّهِ أنْ يَنْفَحَهُ بِالكَرامَةِ. والعِبادُ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ في مُقَدِّمَتِهِمُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ ويَشْمَلُ ذَلِكَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ كَما في صِيغَةِ التَّشَهُّدِ: («السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ» ) . وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى التَّسْلِيمِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في سُورَةِ الأحْزابِ. * * * ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ هَذا مِمّا أُمِرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَ فَأُمِرَ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ”آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ“ صفحة ٩ ؛ لِأنَّ العِبادَ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ جاءُوا كُلُّهم بِحاصِلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وأُمِرَ أنْ يَشْرَعَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى مَسامِعِ المُشْرِكِينَ فَيَقُولَ لَهم هَذا الكَلامَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ”أمّا تُشْرِكُونَ“ بِصِيغَةِ الخِطابِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، ولِأنَّ المُناسِبَ لِلِاسْتِفْهامِ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لا يَخْلُقُ ولا يَرْزُقُ ولا يُفِيضُ النِّعَمَ ولا يَسْتَجِيبُ الدُّعاءَ، فَلَيْسَ هَذا لِقَصْدِ إثْباتِ التَّوْحِيدِ لِلْمُسْلِمِينَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإلْجاءِ وإلْزامِ المُخاطَبِ بِالإقْرارِ بِالحَقِّ وتَنْبِيهِهِ عَلى خَطَئِهِ. وهَذا دَلِيلٌ إجْمالِيٌّ يُقْصَدُ بِهِ ابْتِداءُ النَّظَرِ في التَّحْقِيقِ بِالإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ. فَهَذا مِن قَبِيلِ ما قالَ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ وابْنُ فُورَكَ: إنَّ أوَّلَ الواجِباتِ أوَّلُ النَّظَرِ أوِ القَصْدِ إلى النَّظَرِ ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَهُ الأدِلَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ، وقَدْ ناسَبَ إجْمالَهُ أنَّهُ دَلِيلٌ جامِعٌ لِما يَأْتِي مِنَ التَّفاصِيلِ فَلِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِمَعانِي الصِّفاتِ كُلِّها، وهو اسْمُ الجَلالَةِ. فَقِيلَ: آللَّهُ خَيْرٌ. وجِيءَ فِيما بَعْدُ بِالِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في صِلاتِهِ مِنَ الصِّفاتِ. وجاءَ ”خَيْرٌ“ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِقَصْدِ مُجاراةِ مُعْتَقَدِهِمْ أنَّ أصْنامَهم شُرَكاءُ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ بِحَيْثُ كانَ لَهم حَظٌّ وافِرٌ مِنَ الخَيْرِ في زَعْمِهِمْ، فَعَبَّرَ بِـ ”خَيْرٌ“ لِإيهامِ أنَّ المَقامَ لِإظْهارِ رُجْحانِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أصْنامِهِمِ اسْتِدْراجًا لَهم في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَإ مَعَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ آثَرُوا عِبادَةَ الأصْنامِ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ. والعاقِلُ لا يُؤْثِرُ شَيْئًا عَلى شَيْءٍ إلّا لِداعٍ يَدْعُو إلى إيثارِهِ، فَفي هَذا الِاسْتِفْهامِ عَنِ الأفْضَلِ في الخَيْرِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى الخَطَإ المُفْرِطِ والجَهْلِ المُوَرِّطِ لِتَنْفَتِحَ بَصائِرُهم إلى الحَقِّ إنْ أرادُوا اهْتِداءً. والمَعْنى: آللَّهُ الحَقِيقُ بِالإلَهِيَّةِ أمْ ما تُشْرِكُونَ مَعَهُ. والِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ بِقَرِينَةِ وُجُودِ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ فَإنَّ التَّهَكُّمَ يُبْنى عَلى الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقِيِّ. وهَذا الكَلامُ كالمُقَدِّمَةِ لِلْأدِلَّةِ الآتِيَةِ جَمِيعِها عَلى هَذا الدَّلِيلِ الإجْمالِيِّ كَما سَتَعْلَمُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ صفحة ١٠ بِياءِ الغَيْبَةِ فَيَكُونُ القَوْلُ الَّذِي أُمِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مَحْكِيًّا بِالمَعْنى رُوعِيَ فِيهِ غَيْبَةُ المُشْرِكِينَ في مَقامِ الخِطابِ بِالأمْرِ. وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: ما يُشْرِكُونَها إيّاهُ، أيْ أصْنامَكم.

النمل 27:60

﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ مَعَ مُراعاةِ وُجُودِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ أوْ لَفْظِهِ بَعْدَها؛ لِأنَّ أمْ لا تُفارِقُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ. انْتَقَلَ بِهَذا الإضْرابِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ التَّهَكُّمِيِّ إلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، ومِنَ المُقَدِّمَةِ الإجْمالِيَّةِ وهي قَوْلُهُ ”﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]“، إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو الِاسْتِدْلالُ. عَدَّدَ اللَّهُ الخَيْراتِ والمَنافِعَ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ ومِن آثارِ قُدْرَتِهِ. فَهو اسْتِدْلالٌ مَشُوبٌ بِامْتِنانٍ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَهم بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَشَمِلَ ذَلِكَ كُلَّ الخَلائِقِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَيْها الأرْضُ مِنَ النّاسِ والعَجْماواتِ، فَهو امْتِنانٌ بِنِعْمَةِ إيجادِهِمْ وإيجادِ ما بِهِ قِوامُ شُئُونِهِمْ في الحَياةِ، وبِسابِقِ رَحْمَتِهِ، كَما عَدَّدَها في مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] . و”مَن“ لِلِاسْتِفْهامِ. وهي مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ جُمْلَةٌ خَلَقَ السَّماواتِ إلَخْ وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ولا تَقْدِيرَ في الكَلامِ. وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَمِيعُ مُتابِعِيهِ إلى أنَّ ”مَن“ مَوْصُولَةٌ وأنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِيما تَقَدَّمَ ”آللَّهُ خَيْرٌ“ وأنَّ بَعْدَ ”أمْ“ هَمْزَةَ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةً، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ إلَخْ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ. وهو تَفْسِيرٌ لا داعِيَ إلَيْهِ ولا يُناسِبُ مَعْنى الإضْرابِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ في جُمْلَةِ الغَرَضِ الأوَّلِ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ في الكَشّافِ فَلا يَجْدُرُ بِهِ إضْرابُ الِانْتِقالِ. فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في نِهايَتِهِ في أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَهو تَقْرِيرٌ صفحة ١١ لِإثْباتِ أنَّ الخالِقَ والمُنْبِتَ والرّازِقَ هو اللَّهُ، وهو مَشُوبٌ بِتَوْبِيخٍ، فَلِذَلِكَ ذَيَّلَ بِقَوْلِهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ كَما سَيَأْتِي، أيْ مِن غَرَضِ الدَّلِيلِ الإجْمالِيِّ إلى التَّفْصِيلِ. والخِطابُ بِـ ”لَكم“ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ لِلتَّعْوِيضِ بِأنَّهم ما شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ. وذَكَرَ إنْزالَ الماءِ؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَهُ اللَّهُ، ولِقَطْعِ شُبْهَةِ أنْ يَقُولُوا: إنَّ المُنْبِتَ لِلشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ رِزْقُنا هو الماءُ، اغْتِرارًا بِالسَّبَبِ فَبُودِرُوا بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأسْبابَ وهو الأسْبابُ وهو خالِقُ المُسَبَّباتِ بِإزالَةِ المَوانِعِ والعَوارِضِ العارِضَةِ لِتَأْثِيرِ الأسْبابِ وبِتَوْفِيرِ القُوى الحاصِلَةِ في الأسْبابِ، وتَقْدِيرِ المَقادِيرِ المُناسِبَةِ لِلِانْتِفاعِ بِالأسْبابِ، فَقَدْ يُنْزِلُ الماءَ بِإفْراطٍ فَيَجْرُفُ الزَّرْعَ والشَّجَرَ أوْ يَقْتُلُهُما، ولِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ قَوْلِهِ ”وأنْزَلَنا“ وقَوْلِهِ ”فَأنْبَتْنا“ تَنْبِيهًا عَلى إزالَةِ الشُّبْهَةِ. ونُونُ الجَمْعِ في ”أنْبَتْنا“ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ. ومِن لَطائِفِهِ هُنا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ لِئَلّا يَنْصَرِفَ ضَمِيرُ الغائِبِ إلى الماءِ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ بِالمُنْبِتِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي خَلَقَ الأسْبابَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّوْبِيخِ عَلى عَدَمِ رِعايَتِهِمْ نِعَمَهُ. والإنْباتُ: تَكْوِينُ النَّباتِ. والحَدائِقُ: جَمْعُ حَدِيقَةٍ وهي البُسْتانُ والجَنَّةُ الَّتِي فِيها نَخْلٌ وعِنَبٌ. سُمِّيَتْ حَدِيقَةً؛ لِأنَّهم كانُوا يُحْدِقُونَ بِها حائِطًا يَمْنَعُ الدّاخِلَ إلَيْها صَوْنًا لِلْعِنَبِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كالنَّخْلِ الَّذِي يَعْسُرُ اجْتِناءُ ثَمَرِهِ لِارْتِفاعِ شَجَرِهِ فَهي بِمَعْنى: مُحْدَقٌ بِها. ولا تُطْلَقُ الحَدِيقَةُ إلّا عَلى ذَلِكَ. والبَهْجَةُ: حُسْنُ المَنظَرِ؛ لِأنَّ النّاظِرَ يَبْتَهِجُ بِهِ. ومَعْنى ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لَيْسَ في مُلْكِكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَ تِلْكَ الحَدائِقِ، فاللّامُ في لَكم لِلْمِلْكِ و”أنْ تُنْبِتُوا“ اسْمُ كانَ و”لَكم“ خَبَرُها. وقَدَّمَ الخَبَرَ عَلى الِاسْمِ لِلِاهْتِمامِ بِنَفْيِ مِلْكِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ اسْتِئْنافٌ هو كالنَّتِيجَةِ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها؛ لِأنَّ إثْباتَ الخَلْقِ صفحة ١٢ والرِّزْقِ والإنْعامِ لِلَّهِ تَعالى بِدَلِيلٍ لا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِهِ يَنْتِجُ أنَّهُ لا إلَهَ مَعَهُ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. و(بَلْ) لِلْإضْرابِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ تُفِيدُ مَعْنى (لَكِنَّ) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الإنْكارُ مِنِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ فَكانَ حَقُّ النّاسِ أنْ لا يُشْرِكُوا مَعَهُ في الإلَهِيَّةِ غَيْرَهُ فَجِيءَ بِالِاسْتِدْراكِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ وأنْزَلَ لَكم وقَوْلُهُ: ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالدَّلِيلِ مَعَ أنَّهُ دَلِيلٌ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ، فَهم مُكابِرُونَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَذا الدَّلِيلِ، فَهم يَعْدِلُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، أيْ يَجْعَلُونَ غَيْرَهُ عَدِيلًا مَثِيلًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ مَعَ أنَّ غَيْرَهُ عاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ يَعْدِلُونَ مِن عَدَلَ الَّذِي يَتَعَدّى بِالباءِ، أوْ يَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ مَن عَدَلَ الَّذِي يُعَدّى بِـ (عَنْ) . وسُئِلَ بَعْضُ العَرَبِ عَنِ الحَجّاجِ فَقالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَظَنُّوهُ أثْنى عَلَيْهِ فَبَلَغَتْ كَلِمَتُهُ لِلْحَجّاجِ، فَقالَ: أرادَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] أيْ وذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ (عادِلٌ) أنَّهُ عادِلٌ عَنِ الحَقِّ. وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ تَوْبِيخُهم عَلى الإشْراكِ مَعَ وُضُوحِ دَلالِيَّةِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مِنَ الماءِ. ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الدَّلالَةُ أوْضَحَ الدَّلالاتِ المَحْسُوسَةِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالخَلْقِ وصَفَ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ بِأنَّهم في إشْراكِهِمْ مُعْرِضُونَ إعْراضَ مُكابَرَةٍ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ الواضِحِ قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] والإخْبارُ عَنْهم بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى شِرْكِهِمْ لَمْ يَسْتَنِيرُوا بِدَلِيلِ العَقْلِ ولا أقْلَعُوا بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِالدَّلائِلِ. وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم قَوْمٌ إيماءٌ إلى تَمَكُّنِ صِفَةِ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ مِنهم حَتّى كَأنَّها مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

النمل 27:61

﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا وجَعَلَ خِلالَها أنْهارًا وجَعَلَ لَها رَواسِيَ وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِثْلُ أُخْتِها السّابِقَةِ. وهَذا انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ صفحة ١٣ المَشُوبِ بِالِامْتِنانِ إلى الِاسْتِدْلالِ المُجَرَّدِ بِدَلائِلِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ بِأنْ خَلَقَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةَ وبِتَدْبِيرِهِ نِظامَها حَتّى لا يَطْغى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ فَيَخْتَلَّ نِظامُ الجَمِيعِ. ولِأجْلِ كَوْنِ الغَرَضِ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ إثْباتَ عِظَمِ القُدْرَةِ وحِكْمَةِ الصُّنْعِ لَمْ يَجِئْ خِلالَهُ بِخِطابٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَما جاءَ في قَوْلِهِ في الآيَةِ قَبْلَها وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً الآيَةَ، وإنْ كانَ هَذا الصُّنْعُ العَجِيبُ لا يَخْلُو مَن لُطْفٍ بِالمَخْلُوقاتِ أرادَهُ خالِقُها، ولَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالقَصْدِ الأوَّلِ مِن سَوْقِ الدَّلِيلِ هُنا. والقَرارُ: مَصْدَرُ قَرَّ، إذا ثَبَتَ وسَكَنَ. ووَصَفَ الأرْضَ بِهِ لِلْمُغالَبَةِ، أيْ ذاتُ قَرارٍ. والمَعْنى جَعَلَ الأرْضَ ثابِتَةً قارَّةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ. وهَذا تَدْبِيرٌ عَجِيبٌ ولا يُدْرَكُ تَمامُ هَذا الصُّنْعِ العَجِيبِ إلّا عِنْدَ العِلْمِ بِأنَّ هَذِهِ الأرْضَ سابِحَةٌ في الهَواءِ مُتَحَرِّكَةٌ في كُلِّ لَحْظَةٍ وهي مَعَ ذَلِكَ قارَّةٌ فِيما يَبْدُو لِسُكّانِها فَهَذا تَدْبِيرٌ أعْجَبُ، وفِيهِ مَعَ ذَلِكَ رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ، ولَوْلا قَرارُها لَكانَ النّاسُ عَلَيْها مُتَزَلْزِلِينَ مُضْطَرِبِينَ ولَكانَتْ أشْغالُهم مُعَنِّتَةً لَهم. ومَعَ جَعْلِها قَرارًا شَقَّ فِيها الأنْهارَ فَجَعَلَها خِلالَها. وخِلالُ الشَّيْءِ: مُنْفَرَجُ ما بَيْنَ أجْزائِهِ. والأنْهارُ تَشُقُّ الأرْضَ في أخادِيدَ فَتَجْرِي خِلالَها الأرْضُ. والرَّواسِي: الجِبالُ، جَمْعُ راسٍ وهو الثّابِتُ. واللّامُ في ”لَها“ لامُ العِلَّةِ، أيِ الرَّواسِي لِأجْلِها أيْ لِفائِدَتِها، فَإنَّ في تَكْوِينِ الجِبالِ حِكْمَةً لِدَفْعِ المُلامَسَةِ عَنِ الأرْضِ لِيَكُونَ سَيْرُها في الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ مُعَدَّلًا غَيْرَ شَدِيدِ السُّرْعَةِ وبِذَلِكَ دَوامُ سَيْرِها. وجَعَلَ الحاجِزَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِن بَدِيعِ الحِكْمَةِ، وهو حاجِزٌ مَعْنَوِيٌّ حاصِلٌ مَن دَفْعِ كِلا الماءَيْنِ: أحَدِهِما الآخَرَ عَنِ الِاخْتِلاطِ بِهِ، بِسَبَبِ تَفاوُتِ الثِّقْلِ النِّسْبِيِّ لِاخْتِلافِ الأجْزاءِ المُرَكَّبِ مِنها الماءُ المِلْحُ والماءُ العَذْبُ. فالحاجِزُ حاجِزٌ مِن طَبَعِهِما ولَيْسَ جِسْمًا آخَرَ فاصِلًا بَيْنَهُما، وتَقَدَّمَ في صُورَةِ النَّحْلِ. وهَذا الجَعْلُ كِنايَةٌ عَنْ خَلْقِ البَحْرَيْنِ أيْضًا؛ لِأنَّ الحَجْزَ بَيْنَهُما يَقْتَضِي خَلْقَهُما وخَلْقَ المُلُوحَةِ والعُذُوبَةِ فِيهِما. ثُمَّ ذَيَّلَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وبِالِاسْتِدْراكِ بِجُمْلَةٍ مُماثِلَةٍ لِما ذُيِّلَ بِهِ الِاسْتِدْلالُ صفحة ١٤ الَّذِي قَبْلَها عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ تَعْدِيدًا لِلْإنْكارِ وتَمْهِيدًا لِلتَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ. وأُوثِرَ هُنا نَفْيُ صِفَةِ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِ المُشْرِكِينَ لِقِلَّةِ مَن يَنْظُرُ في دَقائِقِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ وخَصائِصِها مِنهم فَإنَّ اعْتِيادَ مُشاهَدَتِها مَن أوَّلِ نَشْأةِ النّاظِرِ يُذْهِلُهُ عَمّا فِيها مِن دَلائِلِ بَدِيعِ الصُّنْعِ. فَأكْثَرُ المُشْرِكِينَ يَجْهَلُ ذَلِكَ ولا يَهْتَدِي بِما فِيهِ، أمّا المُؤْمِنُونَ فَقَدْ نَبَّهَهُمُ القُرْآنُ إلى ذَلِكَ فَهم يَقْرَءُونَ آياتِهِ المُتَكَرِّرِ فِيها الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ. وهَذِهِ الدَّلائِلُ لا تَخْلُو عَنْ نِعْمَةٍ مِن ورائِها كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا ولَكِنَّها سِيقَتْ هُنا لِإرادَةِ الِاسْتِدْلالِ لا لِلِامْتِنانِ.

النمل 27:62

﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ ارْتَقى الِاسْتِدْلالُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالتَّصَرُّفِ الرَّبّانِيِّ في ذَواتِ المَخْلُوقاتِ إلى التَّذْكِيرِ بِتَصَرُّفِهِ في أحْوالِ النّاسِ الَّتِي لا يَخْلُو عَنْها أحَدٌ في بَعْضِ شُئُونِ الحَياةِ وذَلِكَ حالُ الِاضْطِرارِ إلى تَحْصِيلِ الخَيْرِ، وحالُ انْتِيابِ السُّوءِ، وحالُ التَّصَرُّفِ في الأرْضِ ومَنافِعِها. فَهَذِهِ ثَلاثَةُ الأنْواعِ لِأحْوالِ البَشَرِ. وهي: حالَةُ الِاحْتِياجِ، وحالَةُ البُؤْسِ، وحالَةُ الِانْتِفاعِ. فالأُولى هي المُضَمَّنَةُ في قَوْلِهِ أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ فالمُضْطَرُّ هو ذُو الضَّرُورَةِ أيِ الحالَةِ المُحْوِجَةِ إلى الأشْياءِ العَسِرَةِ الحُصُولِ، وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الحاجِيّاتِ فالمَرْءُ مُحْتاجٌ إلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ بِها قِوامُ أوَدِهِ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِذاتِهِ مِثْلَ الأقْواتِ والنِّكاحِ والمَلابِسِ اللّازِمَةِ فالمَرْءُ يَتَطَلَّبُها بِوُجُودِهِ مِنَ المُعاوَضاتِ، وقَدْ يَتَعَسَّرُ بَعْضُها وهي تَتَعَسَّرُ بِقَدْرِ وفْرَةِ مَنافِعِها وعِزَّةِ حُصُولِها فَيَسْألُ اللَّهَ أنْ يُعْطِيَها. والِاضْطِرارُ: افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ لا مِنَ الضُّرِّ. وتَقْدِيرُهُ: أنَّهُ نالَتْهُ الضَّرُورَةُ فَطاوَعَها. ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وإنَّما يُقالُ: اضْطَرَّهُ كَذا إلى كَذا. واللّامُ في المُضْطَرِّ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ المُسَمّى بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أيْ يُجِيبُ فَرْدًا مَعْهُودًا في الذِّهْنِ بِحالَةِ الِاضْطِرارِ. صفحة ١٥ والإجابَةُ: إعْطاءُ الأمْرِ المَسْئُولِ. والمَعْنى: أنَّ المُضْطَرَّ إذا دَعا لِتَحْصِيلِ ما اضْطُرَّ إلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُجِيبُهُ إلّا اللَّهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ يُجِيبُ بَعْضًا ويُؤَخِّرُ بَعْضًا. وحالَةُ البُؤْسِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ويَكْشِفُ السُّوءَ. والكَشْفُ: أصْلُهُ رَفْعُ الغِشاءِ، فَشُبِّهَ السُّوءُ الَّذِي يَعْتَرِي المَضْرُورَ بِغِشاءٍ يَحُولُ دُونَ المَرْءِ ودُونَ الِاهْتِداءِ إلى الخَلاصِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِالكَشْفِ الَّذِي هو مِن رَوادِفِ الغِشاءِ. وهو أيْضًا مُسْتَعارٌ لِلْإزالَةِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ إلى السُّوءِ. والمَعْنى: مَن يُزِيلُ السُّوءَ. وهَذِهِ مَرْتَبَةُ الضَّرُورِيِّ فَإنَّ مُعْظَمَها أوْ جَمِيعَها حِفْظٌ مِن تَطَرُّقِ السُّوءِ إلى مُهِمِّ أحْوالِ النّاسِ مِثْلِ الكُلِّيّاتِ وهي: حِفْظُ الدِّينِ والنَّفْسِ والعَقْلِ والنَّسَبِ والعِرْضِ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ السُّوءَ عَنِ المَسُوءِ إذا دَعاهُ أيْضًا فَحُذِفَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، أيْ يَكْشِفُ السُّوءَ عَنِ المُسْتاءِ إذا دَعاهُ. وظاهِرُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ يَقْتَضِي ضَمانَ الإجابَةِ. والواقِعُ أنَّ الإجابَةَ مَنُوطَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ الدّاعِي وما يَقْتَضِيهِ مُعارِضُهُ مِن أُصُولٍ أُخْرى، واللَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ. وحالَةُ الِانْتِفاعِ هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ أيْ يَجْعَلُكم تَعْمُرُونَ الأرْضَ وتَجْتَنُونَ مَنافِعَها، فَضَمَّنَ الخُلَفاءَ مَعْنى المالِكِينَ فَأُضِيفَ إلى الأرْضِ عَلى تَقْدِيرِ: مالِكِينَ لَها، والمِلْكُ يَسْتَلْزِمُ الِانْتِفاعَ بِما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنها. وأفادَ ”خُلَفاءَ“ بِطَرِيقِ الِالتِزامِ مَعْنى الوِراثَةِ لِمَن سَبَقَ، فَكُلُّ حَيٍّ هو خَلَفٌ عَنْ سَلَفِهِ. والأُمَّةُ خَلَفٌ عَنْ أُمَّةٍ كانَتْ قَبْلَها جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً لِقَوْلِ نُوحٍ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] . وهَذِهِ مَرْتَبَةُ التَّحْسِينِيِّ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ الإشارَةَ إلى مَراتِبِ المُناسِبِ وهو ما يَجْلِبُ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا وهو مِن مَسالِكِ العِلَّةِ في أُصُولِ الفِقْهِ. ولِما اقْتَضَتْهُ الخِلافَةُ مِن تُجَدِّدِ الأبْناءِ عَقِبَ الآباءِ والأجْيالِ بَعْدَ الأجْيالِ، وما صفحة ١٦ اقْتَضَتْهُ الِاسْتِجابَةُ وكَشْفُ السُّوءِ مِن كَثْرَةِ الدّاعِينَ والمُسْتائِينَ عُبِّرَ في أفْعالِ الجَعْلِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِها بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ بِخِلافِ أفْعالِ الجَعْلِ الأرْبَعَةِ الَّتِي في الآيَةِ قَبْلَها. ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ عَقِبَ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ تَكْرِيرًا لِما تَقَدَّمَ عَقِبَ الأدِلَّةِ السّابِقَةِ زِيادَةً في تَعْدادِ خَطَئِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ . وانْتَصَبَ ”قَلِيلًا“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكم وأنْتُمْ في حالِ قِلَّةِ تَذَكُّرِكم، فَتُفِيدُ الحالُ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حالِهِمْ. والتَّذَكُّرُ: مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو ضِدُّ النِّسْيانِ فَهو اسْتِحْضارُ المَعْلُومِ، أيْ قَلِيلًا اسْتِحْضارُكُمُ الِافْتِقارَ إلى اللَّهِ وما أنْتُمْ فِيهِ مِن إنْعامِهِ فَتَهْتَدُوا بِأنَّهُ الحَقِيقُ بِأنْ لا تُشْرِكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ. فالمَقْصُودُ مِنَ التَّذَكُّرِ التَّذَكُّرُ المُفِيدُ اسْتِدْلالًا. و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ هو فاعِلُ ”قَلِيلًا“ . والقَلِيلُ هُنا مُكَنًّى بِهِ عَنِ المَعْدُومِ؛ لِأنَّ التَّذَكُّرَ المَقْصُودَ مَعْدُومٌ مِنهم، والكِنايَةُ بِالقَلِيلِ عَنِ المَعْدُومِ مُسْتَعْمَلَةٌ في كَلامِهِمْ. وهَذِهِ الكِنايَةُ تَلْمِيحٌ وتَعْرِيضٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ فَإنَّ تَذَكُّرَكم قَلِيلٌ. وأصْلُ تَذَّكَّرُونَ تَتَذَكَّرُونَ فَأُدْغِمَتْ تاءُ التَّفْعِيلِ في الذّالِ لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما تَخْفِيفًا وهو إدْغامٌ سَماعِيٌّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَكَّرُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ رَوْحٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، فَفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ نُكْتَةُ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى المُشْرِكِينَ مُكافَحَةً لَهم، وفي قِراءَةِ رَوْحٍ وهُشامٍ نُكْتَةُ الإعْراضِ عَنْهم؛ لِأنَّهُمُ اسْتَأْهَلُوا الإعْراضَ بَعْدَ تَذَكُّرِهِمْ.

النمل 27:63

﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ . (بَلْ) لِإضْرابِ الِانْتِقالِ مِن نَوْعِ دَلائِلِ التَّصَرُّفِ في أحْوالِ عامَّةِ النّاسِ إلى صفحة ١٧ دَلائِلِ التَّصَرُّفِ في أحْوالِ المُسافِرِينَ مِنهم في البَرِّ والبَحْرِ فَإنَّهم أدْرى بِهَذِهِ الأحْوالِ وأقْدَرُ لِما في خِلالِها مِنَ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ. ذِكْرُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ. وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ عَلى مَعْنى (في) . والهُدى في هَذِهِ الظُّلُماتِ بِسَيْرِ النُّجُومِ كَما قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] . فاللَّهُ الهادِي لِلسَّيْرِ في تِلْكَ الظُّلُماتِ بِأنْ خَلَقَ النُّجُومَ عَلى نِظامٍ صالِحٍ لِلْهِدايَةِ في ذَلِكَ، وبِأنْ رَكَّبَ في النّاسِ مَدارِكَ لِلْمَعْرِفَةِ بِإرْصادِ سَيْرِها وصُعُودِها وهُبُوطِها، وهَداهم أيْضًا بِمَهابِّ الرِّياحِ، وخَوَّلَهم مَعْرِفَةَ اخْتِلافِها بِإحْساسِ جَفافِها ورُطُوبَتِها، وحَرارَتِها وبَرْدِها. وبِهَذِهِ المُناسَبَةِ أُدْمِجَ الِامْتِنانُ بِفَوائِدِ الرِّياحِ في إثارَةِ السَّحابِ الَّذِي بِهِ المَطَرُ وهو المَعْنِيُّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ. وإرْسالُهُ الرِّياحَ هو خَلْقُ أسْبابِ تَكَوُّنِها. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (نُشُرًا) بِضَمَّتَيْنِ وبِالنُّونِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأ عاصِمٌ ”بُشْرًا“ بِالمُوَحَّدَةِ وبِسُكُونِ الشِّينِ مَعَ التَّنْوِينِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفُرْقانِ (﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨])، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧])، وتَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ هُنالِكَ. وذُيِّلَ هَذا الدَّلِيلُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إشْراكِهِمْ مَعَهُ آلِهَةً؛ لِأنَّ هَذا خاتِمَةُ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِما لا يُنازِعُونَ في أنَّهُ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ فَجِيءَ بَعْدَهُ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ الشِّرْكِ كُلِّهِ وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِما أشارَتْ إلَيْهِ التَّذْيِيلاتُ السّابِقَةُ.

النمل 27:64

﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذا انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى بِالحَياةِ الأُولى والثّانِيَةِ وبِإعْطاءِ صفحة ١٨ المَدَدِ لِدَوامِ الحَياةِ الأُولى مُدَّةً مُقَدَّرَةً. وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإمْدادِ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ؛ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ وأنَّهُ يَرْزُقُهم. وأُدْمِجَ في خِلالِ الِاسْتِفْهامِ قَوْلُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ؛ لِأنَّ تَسْلِيمَ بَدْئِهِ الخَلْقَ يُلْجِئُهم إلى فَهْمِ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ الَّتِي أحالُوها. ولَمّا كانَ إعادَةُ الخَلْقِ مَحَلَّ جَدَلٍ وكانَ إدْماجُها إيقاظًا وتَذْكِيرًا أُعِيدَ الِاسْتِفْهامُ في الجُمْلَةِ الَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولِأنَّ الرِّزْقَ مُقارَنٌ لِبَدْءِ الخَلْقِ فَلَوْ عُطِفَ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ لَتُوُهِّمَ أنَّهُ يَرْزُقُ الخَلْقَ بَعْدَ الإعادَةِ فَيَحْسَبُوا أنَّ رِزْقَهم في الدُّنْيا مِن نِعَمِ آلِهَتِهِمْ. وإذْ قَدْ كانُوا مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ ذُيِّلَتِ الآيَةُ بِأمْرِ التَّعْجِيزِ بِالإتْيانِ بِبُرْهانٍ عَلى عَدَمِ البَعْثِ. والبُرْهانُ: الحُجَّةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ. وإضافَةُ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ مُشِيرٌ إلى أنَّ البُرْهانَ المُعَجَّزِينَ عَلَيْهِ هو بُرْهانُ عَدَمِ البَعْثِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَهاتُوهُ؛ لِأنَّ الصّادِقَ هو الَّذِي قَوْلُهُ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ. والشَّيْءُ الواقِعُ لا يَعْدِمُ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وجُمّاعُ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ ”﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]“ أنَّها أجْمَلَتِ الِاسْتِدْلالَ عَلى أحَقِّيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وحْدَهُ ثُمَّ فَصَّلَتْ ذَلِكَ بِآياتٍ أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ إلى قَوْلِهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فابْتَدَأتْ بِدَلِيلٍ قَرِيبٍ مِن بُرْهانِ المُشاهِدَةِ وهو خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما يَأْتِي مِنهُما مِن خَيْرٍ لِلنّاسِ. ودَلِيلُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وما عَلى وجْهِها مِنها، وهَذا مُلْحَقٌ بِالمُشاهَداتِ. وانْتَقَلَتْ إلى اسْتِدْلالٍ مِن قَبِيلِ الأُصُولِ المَوْضُوعَةِ وهو ما تَمالَأ عَلَيْهِ النّاسُ مِنَ اللَّجَإ إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ الِاضْطِرارِ. وانْتَقَلَتْ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِما مَكَّنَهم مِنَ التَّصَرُّفِ في الأرْضِ إذْ جَعَلَ البَشَرَ صفحة ١٩ خُلَفاءَ في الأرْضِ، وسَخَّرَ لَهُمُ التَّصَرُّفَ بِوُجُوهِ التَّصارِيفِ المُعِينَةِ عَلى هَذِهِ الخِلافَةِ، وهي تَكْوِينُ هِدايَتِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ. وذَلِكَ جامِعٌ لِأصُولَ تَصَرُّفاتِ الخِلافَةِ المَذْكُورَةِ في الِارْتِحالِ والتِّجارَةِ والغَزْوِ. وتَمَّ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ لِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والإمْدادِ وفي مَطاوِيها جَوامِعُ التَّمَكُّنِ في الأرْضِ.

النمل 27:65

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . لَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ إلَهِيَّةَ أصْنامِ المُشْرِكِينَ بِالأدِلَّةِ المُتَظاهِرَةِ فانْقَطَعَ دابِرُ عَقِيدَةِ الإشْراكِ ثُنِّيَ عِنانُ الإبْطالِ إلى أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ وهو ادِّعاءُ عِلْمِ الغَيْبِ بِالكَهانَةِ وإخْبارِ الجِنِّ، كَما كانَ يَزْعُمُهُ الكُهّانُ والعَرّافُونَ وسَدَنَةُ الأصْنامِ. ويُؤْمِنُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وفي مَعالِمِ التَّنْزِيلِ وغَيْرِهِ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ حِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ فَما كانَ سُؤالُهم عَنْ ذَلِكَ إلّا لِظَنِّهِمْ أنَّ ادِّعاءَ العِلْمِ بِوَقْتِها مِن شَأْنِ النُّبُوَّةِ تَوَصُّلًا لِجَحْدِ النُّبُوَّةِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهم وقْتَ السّاعَةِ فَأبْطَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَزاعِمَ إبْطالًا عامًّا مِعْيارُهُ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ”إلّا اللَّهُ“ . وهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ أعْنِي خُصُوصَ الكُهّانِ وسَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ. وإنَّما سَلَكَ مَسْلَكَ العُمُومِ لِإبْطالِ ما عَسى أنْ يُزْعَمَ مِن ذَلِكَ، ولِأنَّ العُمُومَ أكْثَرُ فائِدَةً وأوْجَزُ، فَإنَّ ذَلِكَ حالُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن بَيْنِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ. فالقَصْدُ هُنا تَزْيِيفُ آثارِ الشِّرْكِ وهو الكِهانَةُ ونَحْوُها. وإذْ قَدْ كانَتِ المَخْلُوقاتُ لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ السَّماواتِ أوْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِانْحِصارِ عَوالِمِ المَوْجُوداتِ في ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ في قُوَّةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ، ولَكِنْ أُطْنِبَ الكَلامُ لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى تَعْمِيمِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها فَإنَّ مَقامَ عِلْمِ العَقِيدَةِ مَقامُ بَيانٍ يُناسِبُهُ الإطْنابُ. واسْتِثْناءُ إلّا اللَّهُ مِنهُ لِتَأْوِيلِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ بِمَعْنى: أحَدٌ، صفحة ٢٠ فَهُوَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ وهو واقِعٌ مِن كَلامٍ مَنفِيٍّ. فَحَقَّ المُسْتَثْنى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ في اللُّغَةِ الفُصْحى فَلِذَلِكَ جاءَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لَكانَتِ اللُّغَةُ الفُصْحى تَنْصِبُ المُسْتَثْنى. وبَعْدُ فَإنَّ دَلائِلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ وعَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مُتَوافِرَةٌ فَلِذَلِكَ يَجْرِي اسْتِعْمالُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَتَوَهَّمُ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا وُقُوفًا عِنْدَ ظاهِرِ صِلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في السَّماءِ والأرْضِ. وأمّا مَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنْ يُظْهِرَهُ عَلى الغَيْبِ فَذَلِكَ داخَلٌ في عِلْمِ اللَّهِ قالَ تَعالى عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ. فَأضافَ ”غَيْبِ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وأرْدَفَ هَذا الخَبَرَ بِإدْماجِ انْتِفاءِ عِلْمِ هَؤُلاءِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ بَلْ جَحَدُوا وُقُوعَهُ إثارَةً لِلتَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ لِشِدَّةِ عِنايَةِ القُرْآنِ بِإثْباتِهِ وتَسْفِيهِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ. فَذَلِكَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، أيْ إنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ ما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. و”أيّانَ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ وهو مُعَلَّقُ فِعْلِ ”يَشْعُرُونَ“ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ. وهَذا تَوَرُّكٌ وتَعْيِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ بَلْهَ شُعُورُهم بِوَقْتِهِ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم بِـ ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وهو ارْتِقاءٌ إلى ما هو أغْرَبُ وأشَدُّ ارْتِقاءً مِن تَعْيِيرِهِمْ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ إلى وصْفِ عِلْمِهِمْ بِالآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن أوَّلِ أحْوالِها وهو الواسِطَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الدُّنْيا بِأنَّهُ عِلْمٌ مُتَدارَكٌ أوْ مُدْرَكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ بِهَمْزِ وصْلٍ في أوَّلِهِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَدارَكَ) فَأُدْغِمَتْ تاءُ التَّفاعُلِ في الدّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما بَعْدَ أنْ سَكَنَتْ واجْتُلِبَ صفحة ٢١ هَمْزُ الوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. قالَ الفَرّاءُ وشَمِرٌ: وهو تَفاعُلٌ مِنَ الدَّرَكِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اللَّحاقُ. وقَدِ امْتَلَكَتِ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في تَصْوِيرِ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تُثارُ مِنهُ حَيْرَةٌ لِلنّاظِرِ في تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ هَذا الإضْرابِ وكَيْفَ يَكُونانِ ارْتِقاءً عَلى مَضْمُونِ هَذا الِانْتِقالِ، وذَكَرُوا وُجُوهًا مُثْقَلَةً بِالتَّكَلُّفِ. والَّذِي أراهُ في تَفْسِيرِها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ اللُّغَوِيِّ أنَّ مَعْنى التَّدارُكِ هو أنَّ عِلْمَ بَعْضِهِمْ لَحِقَ عِلْمَ بَعْضٍ آخَرَ في أمْرِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ، وهو جِنْسٌ، لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ حَصَلَ مِن مَعْناهُ عُلُومٌ عَدِيدَةٌ بِعَدَدِ أصْنافِ الجَماعاتِ الَّتِي هي مَدْلُولُ الضَّمِيرِ فَصارَ المَعْنى: تَدارَكَتْ عُلُومُهم بَعْضُها بَعْضًا. وذَلِكَ صالِحٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ وهو التَّلاحُقُ الَّذِي هو اسْتِعْمالٌ مَجازِيٌّ يُساوِي الحَقِيقَةَ، أيْ تَدارَكَتْ عُلُومُ الحاضِرِينَ مَعَ عُلُومِ أسْلافِهِمْ، أيْ تَلاحَقَتْ وتَتابَعَتْ فَتَلَقّى الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ عِلْمَهم في الآخِرَةِ وتَقَلَّدُوها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا نَظَرٍ، وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ ويُشْعِرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] . الوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في الِاخْتِلاطِ والِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ التَّدارُكَ والتَّلاحُقَ يَلْزَمُهُ التَّداخُلُ كَما إذا لَحِقَتْ جَماعَةً مِنَ النّاسِ جَماعَةٌ أُخْرى أيْ لَمْ يُرْسُوا عَلى أمْرٍ واخْتَلَفَتْ أقْوالُهُمُ اخْتِلافًا يُؤْذِنُ بِتَناقُضِها، فَهم يَنْفُونَ البَعْثَ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي إثْباتَ البَعْثِ ولَكِنَّهم لا يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَتَزَوَّدُونَ تارَةً لِلْآخِرَةِ بِبَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِنها: أنَّهم كانُوا يَحْبِسُونَ الرّاحِلَةَ عَلى قَبْرِ صاحِبِها ويَتْرُكُونَها لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ صاحِبَها يَرْكَبُها ويُسَمُّونَها البَلِيَّةَ فَذَلِكَ مِنِ اضْطِرابِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ. وفِعْلُ المُضِيِّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أصْلِهِ. وحَرْفُ ”في“ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُسْتَعْمَلٌ في السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الآخِرَةِ. ويَجُوزُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ”ادّارَكَ“ مُبالَغَةً في (أدْرَكَ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا صفحة ٢٢ تَقْدِيرُهُ: إدْراكُهم، أيْ حَصَلَ لَهم عِلْمُهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ في اليَوْمِ الَّذِي يُبْعَثُونَ فِيهِ، أيْ يَوْمَئِذٍ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ فِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى التَّحَقُّقِ، ويَكُونُ حَرْفُ ”في“ عَلى أصْلِهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (بَلْ أدْرَكَ) بِهَمْزِ قَطْعٍ وسُكُونِ الدّالِ، ومَعْناهُ؛ انْتَهى عِلْمُهم في الآخِرَةِ. يُقالُ أدْرَكَ، إذا فَنِيَ. وفي ثُبُوتِ مَعْنى فَنِيَ لِفِعْلِ ”أدْرَكَ“ خِلافٌ بَيْنِ أيِمَّةِ اللُّغَةِ فَقَدْ أثْبَتَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ في رِوايَةِ شَمِرٍ عَنْهُ قالَ شَمِرٌ: ولَمْ أسْمَعْهُ لِغَيْرِهِ، وأثْبَتَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ وصاحِبُ القامُوسِ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ في لُغَةِ العَرَبِ وما عَلِمْتُ أحَدًا قالَ: أدْرَكَ الشَّيْءُ إذا فَنِيَ. وأقُولُ قَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ: أدْرَكَتِ الثِّمارُ، إذا انْتَهى نُضْجُها. ونَسَبَهُ في تاجِ العَرُوسِ لِلَّيْثِ ولِابْنِ جِنِّي وحَسْبُكَ بِإثْباتِ هَؤُلاءِ الأثْباتِ. قالَ الكَواشِيُّ في تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ: المَعْنى فَنِيَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ مِن أدْرَكَتِ الفاكِهَةُ، إذا بَلَغَتِ النُّضْجَ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِفَنائِها وزَوالِها. فَحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وقَدْ تَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما يَعْلَمُونَ في شَأْنِ الآخِرَةِ وهو ما اشْتُهِرَ عَنْهم مِن إنْكارِ الحَياةِ الآخِرَةِ، أوْ قَدِ اضْطَرَبَ ما يَعْلَمُونَهُ في شَأْنِ الآخِرَةِ وأنَّهم سَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ في يَوْمِ الدّارِ الآخِرَةِ. وحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ: ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ فَإنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِالحَياةِ الآخِرَةِ، أيْ جَهِلُوا الحَياةَ الآخِرَةَ. أمّا عَدَدُ القِراءاتِ الشّاذَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَبَلَغَتْ عَشْرًا. وأمّا جُمْلَةٌ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها فَهو إضْرابُ انْتِقالٍ لِلِارْتِقاءِ مِن كَوْنِهِمُ اضْطَرَبَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، أوْ تَقَلَّدَ خَلَفُهم ما لَقَّنَهُ سَلَفُهم، أوْ مِن أنَّهُمُ انْتَفى عِلْمُهم في الآخِرَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرابَ في العِلْمِ قَدْ أثارَ فِيهِمْ شَكًّا مِن وُقُوعِ الآخِرَةِ. و”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ في شَكٍّ ناشِئٍ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ ودَوامِهِ، والظَّرْفِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ. صفحة ٢٣ وجُمْلَةُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ ارْتِقاءٌ ثالِثٌ وهو آخِرُ دَرَجاتِ الِارْتِقاءِ في إثْباتِ ضَلالِهِمْ وهو أنَّهم عُمْيانٌ عَنْ شَأْنِ الآخِرَةِ. و”عَمُونَ“: جَمْعُ عَمٍ بِالتَّنْوِينِ وهو فَعِلٌ مِنَ العَمى، صاغُوا لَهُ مِثالَ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العَمى، وهو تَشْبِيهُ عَدَمِ العِلْمِ بِالعَمى، وعادِمُ العِلْمِ بِالأعْمى. وقالَ زُهَيْرٌ: وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ فَشَبَّهَ ضَلالَهم عَنِ البَعْثِ بِالعَمى في عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المَطْلُوبِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. و”مِن“ في قَوْلِهِ مِنها عَمُونَ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، جَعَلَ عَماهم وضَلالَهم في إثْباتِ الآخِرَةِ كَأنَّهُ ناشِئٌ لَهم مِنَ الآخِرَةِ إذْ هي سَبَبُ عَماهم، أيْ إنْكارُها سَبَبُ ضَلالِهِمْ. وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن إنْكارِ وجُودِها عَمُونِ، فالمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَمُونَ“ . وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وصِيغَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما في قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها. وتَرْتِيبُ هَذِهِ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ تَرْتِيبٌ لِتَنْزِيلِ أحْوالِهِمْ؛ فَوُصِفُوا أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم تَلَقَّفُوا في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن شُئُونِها عِلْمًا مُضْطَرِبًا أوْ جَهْلًا فَخَبَطُوا في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، فَأعْقَبَهم عَمًى وضَلالَةٌ بِحَيْثُ إنَّ هَذِهِ الِانْتِقالاتِ مُنْدَرِجَةٌ مُتَصاعِدَةٌ حَتّى لَوْ قِيلَ: بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَهم في شَكٍّ مِنها فَهم مِنها عَمُونَ لَحَصَلَ المُرادُ. ولَكِنْ جاءَتْ طَرِيقَةُ التَّدَرُّجِ بِالإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ أجْزَلَ وأبْهَجَ وأرْوَعَ وأدَلَّ عَلى أنَّ كُلًّا مِن هَذِهِ الأحْوالِ المُرَتَّبَةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ المُعْتَبِرُ بِاسْتِقْلالِهِ لا بِكَوْنِهِ مُتَفَرِّعًا عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذا البَيانُ هو ما أشَرْتُ إلَيْهِ آنِفًا عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ادّارَكَ مِن خَفاءِ تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ الإضْرابِ الأوَّلِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ يَشْعُرُونَ، ويُبْعَثُونَ، عِلْمُهم، هم في شَكٍّ، هم مِنها عَمُونَ عائِدَةٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ صفحة ٢٤ و”مَن“ هَذِهِ وإنْ كانَتْ مِن صِيَغِ العُمُومِ فالضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ عائِدَةٌ إلَيْها بِتَخْصِيصِ عُمُومِها بِبَعْضِ مَن في الأرْضِ وهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مِنَ الكُهّانِ والعَرّافِينَ وسَدَنَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ يَسْتَقْسِمُونَ لِلنّاسِ بِالأزْلامِ، وهو تَخْصِيصٌ لَفْظِيٌّ مِن دَلالَةِ السِّياقِ وهو مِن قِسْمِ المُخَصَّصِ المُنْفَصِلِ اللَّفْظِيِّ. والخِلافُ الواقِعُ بَيْنَ عُلَماءِ الأُصُولِ في اعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ خِلافًا لَفْظِيًّا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَإنَّ ضَمِيرَ بُعُولَتُهُنَّ عائِدٌ إلى المُطَلَّقاتِ الرَّجْعِيّاتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الَّذِي هو عامُّ لِلرَّجْعِيّاتِ وغَيْرِهِنَّ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ هُنا لَيْسَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أعَمُّ مِن ماصَدَقَ مَن في قَوْلِهِ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ.

النمل 27:66

﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ . لَمّا أبْطَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ إلَهِيَّةَ أصْنامِ المُشْرِكِينَ بِالأدِلَّةِ المُتَظاهِرَةِ فانْقَطَعَ دابِرُ عَقِيدَةِ الإشْراكِ ثُنِّيَ عِنانُ الإبْطالِ إلى أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ وهو ادِّعاءُ عِلْمِ الغَيْبِ بِالكَهانَةِ وإخْبارِ الجِنِّ، كَما كانَ يَزْعُمُهُ الكُهّانُ والعَرّافُونَ وسَدَنَةُ الأصْنامِ. ويُؤْمِنُ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ. وفي مَعالِمِ التَّنْزِيلِ وغَيْرِهِ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ حِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وقْتِ قِيامِ السّاعَةِ فَما كانَ سُؤالُهم عَنْ ذَلِكَ إلّا لِظَنِّهِمْ أنَّ ادِّعاءَ العِلْمِ بِوَقْتِها مِن شَأْنِ النُّبُوَّةِ تَوَصُّلًا لِجَحْدِ النُّبُوَّةِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهم وقْتَ السّاعَةِ فَأبْطَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَزاعِمَ إبْطالًا عامًّا مِعْيارُهُ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ”إلّا اللَّهُ“ . وهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ أعْنِي خُصُوصَ الكُهّانِ وسَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ. وإنَّما سَلَكَ مَسْلَكَ العُمُومِ لِإبْطالِ ما عَسى أنْ يُزْعَمَ مِن ذَلِكَ، ولِأنَّ العُمُومَ أكْثَرُ فائِدَةً وأوْجَزُ، فَإنَّ ذَلِكَ حالُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن بَيْنِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ. فالقَصْدُ هُنا تَزْيِيفُ آثارِ الشِّرْكِ وهو الكِهانَةُ ونَحْوُها. وإذْ قَدْ كانَتِ المَخْلُوقاتُ لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ السَّماواتِ أوْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِانْحِصارِ عَوالِمِ المَوْجُوداتِ في ذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ في قُوَّةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ، ولَكِنْ أُطْنِبَ الكَلامُ لِقَصْدِ التَّنْصِيصِ عَلى تَعْمِيمِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها فَإنَّ مَقامَ عِلْمِ العَقِيدَةِ مَقامُ بَيانٍ يُناسِبُهُ الإطْنابُ. واسْتِثْناءُ إلّا اللَّهُ مِنهُ لِتَأْوِيلِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ بِمَعْنى: أحَدٌ، صفحة ٢٠ فَهُوَ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ وهو واقِعٌ مِن كَلامٍ مَنفِيٍّ. فَحَقَّ المُسْتَثْنى أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ في اللُّغَةِ الفُصْحى فَلِذَلِكَ جاءَ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لَكانَتِ اللُّغَةُ الفُصْحى تَنْصِبُ المُسْتَثْنى. وبَعْدُ فَإنَّ دَلائِلَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الحُلُولِ في المَكانِ وعَنْ مُماثَلَةِ المَخْلُوقاتِ مُتَوافِرَةٌ فَلِذَلِكَ يَجْرِي اسْتِعْمالُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَتَوَهَّمُ ما لا يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا وُقُوفًا عِنْدَ ظاهِرِ صِلَةِ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُنَزَّهُ عَنِ الحُلُولِ في السَّماءِ والأرْضِ. وأمّا مَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنْ يُظْهِرَهُ عَلى الغَيْبِ فَذَلِكَ داخَلٌ في عِلْمِ اللَّهِ قالَ تَعالى عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ. فَأضافَ ”غَيْبِ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وأرْدَفَ هَذا الخَبَرَ بِإدْماجِ انْتِفاءِ عِلْمِ هَؤُلاءِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ بَلْ جَحَدُوا وُقُوعَهُ إثارَةً لِلتَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ لِشِدَّةِ عِنايَةِ القُرْآنِ بِإثْباتِهِ وتَسْفِيهِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ. فَذَلِكَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ، أيْ إنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ ما يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ. و”أيّانَ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الزَّمانِ وهو مُعَلَّقُ فِعْلِ ”يَشْعُرُونَ“ عَنِ العَمَلِ في مَفْعُولَيْهِ. وهَذا تَوَرُّكٌ وتَعْيِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ بَلْهَ شُعُورُهم بِوَقْتِهِ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم بِـ ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وهو ارْتِقاءٌ إلى ما هو أغْرَبُ وأشَدُّ ارْتِقاءً مِن تَعْيِيرِهِمْ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ إلى وصْفِ عِلْمِهِمْ بِالآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن أوَّلِ أحْوالِها وهو الواسِطَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الدُّنْيا بِأنَّهُ عِلْمٌ مُتَدارَكٌ أوْ مُدْرَكٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ادّارَكَ بِهَمْزِ وصْلٍ في أوَّلِهِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ (تَدارَكَ) فَأُدْغِمَتْ تاءُ التَّفاعُلِ في الدّالِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما بَعْدَ أنْ سَكَنَتْ واجْتُلِبَ صفحة ٢١ هَمْزُ الوَصْلِ لِلنُّطْقِ بِالسّاكِنِ. قالَ الفَرّاءُ وشَمِرٌ: وهو تَفاعُلٌ مِنَ الدَّرَكِ بِفَتْحَتَيْنِ وهو اللَّحاقُ. وقَدِ امْتَلَكَتِ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في تَصْوِيرِ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تُثارُ مِنهُ حَيْرَةٌ لِلنّاظِرِ في تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ هَذا الإضْرابِ وكَيْفَ يَكُونانِ ارْتِقاءً عَلى مَضْمُونِ هَذا الِانْتِقالِ، وذَكَرُوا وُجُوهًا مُثْقَلَةً بِالتَّكَلُّفِ. والَّذِي أراهُ في تَفْسِيرِها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ اللُّغَوِيِّ أنَّ مَعْنى التَّدارُكِ هو أنَّ عِلْمَ بَعْضِهِمْ لَحِقَ عِلْمَ بَعْضٍ آخَرَ في أمْرِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ العِلْمَ، وهو جِنْسٌ، لَمّا أُضِيفَ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ حَصَلَ مِن مَعْناهُ عُلُومٌ عَدِيدَةٌ بِعَدَدِ أصْنافِ الجَماعاتِ الَّتِي هي مَدْلُولُ الضَّمِيرِ فَصارَ المَعْنى: تَدارَكَتْ عُلُومُهم بَعْضُها بَعْضًا. وذَلِكَ صالِحٌ لِمَعْنَيَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ وهو التَّلاحُقُ الَّذِي هو اسْتِعْمالٌ مَجازِيٌّ يُساوِي الحَقِيقَةَ، أيْ تَدارَكَتْ عُلُومُ الحاضِرِينَ مَعَ عُلُومِ أسْلافِهِمْ، أيْ تَلاحَقَتْ وتَتابَعَتْ فَتَلَقّى الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ عِلْمَهم في الآخِرَةِ وتَقَلَّدُوها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا نَظَرٍ، وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ ويُشْعِرُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨١] . الوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ التَّدارُكُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا مُرْسَلًا في الِاخْتِلاطِ والِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ التَّدارُكَ والتَّلاحُقَ يَلْزَمُهُ التَّداخُلُ كَما إذا لَحِقَتْ جَماعَةً مِنَ النّاسِ جَماعَةٌ أُخْرى أيْ لَمْ يُرْسُوا عَلى أمْرٍ واخْتَلَفَتْ أقْوالُهُمُ اخْتِلافًا يُؤْذِنُ بِتَناقُضِها، فَهم يَنْفُونَ البَعْثَ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ العَذابِ، وهَذا يَقْتَضِي إثْباتَ البَعْثِ ولَكِنَّهم لا يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يَتَزَوَّدُونَ تارَةً لِلْآخِرَةِ بِبَعْضِ أعْمالِهِمُ الَّتِي مِنها: أنَّهم كانُوا يَحْبِسُونَ الرّاحِلَةَ عَلى قَبْرِ صاحِبِها ويَتْرُكُونَها لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى تَمُوتَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ صاحِبَها يَرْكَبُها ويُسَمُّونَها البَلِيَّةَ فَذَلِكَ مِنِ اضْطِرابِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ. وفِعْلُ المُضِيِّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى أصْلِهِ. وحَرْفُ ”في“ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُسْتَعْمَلٌ في السَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الآخِرَةِ. ويَجُوزُ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يَكُونَ ”ادّارَكَ“ مُبالَغَةً في (أدْرَكَ) ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا صفحة ٢٢ تَقْدِيرُهُ: إدْراكُهم، أيْ حَصَلَ لَهم عِلْمُهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ في اليَوْمِ الَّذِي يُبْعَثُونَ فِيهِ، أيْ يَوْمَئِذٍ يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ فِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى التَّحَقُّقِ، ويَكُونُ حَرْفُ ”في“ عَلى أصْلِهِ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (بَلْ أدْرَكَ) بِهَمْزِ قَطْعٍ وسُكُونِ الدّالِ، ومَعْناهُ؛ انْتَهى عِلْمُهم في الآخِرَةِ. يُقالُ أدْرَكَ، إذا فَنِيَ. وفي ثُبُوتِ مَعْنى فَنِيَ لِفِعْلِ ”أدْرَكَ“ خِلافٌ بَيْنِ أيِمَّةِ اللُّغَةِ فَقَدْ أثْبَتَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ في رِوايَةِ شَمِرٍ عَنْهُ قالَ شَمِرٌ: ولَمْ أسْمَعْهُ لِغَيْرِهِ، وأثْبَتَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ في هَذِهِ الآيَةِ وصاحِبُ القامُوسِ. وقالَ أبُو مَنصُورٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ في لُغَةِ العَرَبِ وما عَلِمْتُ أحَدًا قالَ: أدْرَكَ الشَّيْءُ إذا فَنِيَ. وأقُولُ قَدْ ثَبَتَ في اللُّغَةِ: أدْرَكَتِ الثِّمارُ، إذا انْتَهى نُضْجُها. ونَسَبَهُ في تاجِ العَرُوسِ لِلَّيْثِ ولِابْنِ جِنِّي وحَسْبُكَ بِإثْباتِ هَؤُلاءِ الأثْباتِ. قالَ الكَواشِيُّ في تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ: المَعْنى فَنِيَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ مِن أدْرَكَتِ الفاكِهَةُ، إذا بَلَغَتِ النُّضْجَ وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِفَنائِها وزَوالِها. فَحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ وقَدْ تَلَقّى بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ما يَعْلَمُونَ في شَأْنِ الآخِرَةِ وهو ما اشْتُهِرَ عَنْهم مِن إنْكارِ الحَياةِ الآخِرَةِ، أوْ قَدِ اضْطَرَبَ ما يَعْلَمُونَهُ في شَأْنِ الآخِرَةِ وأنَّهم سَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ في يَوْمِ الدّارِ الآخِرَةِ. وحاصِلُ المَعْنى عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي جَعْفَرٍ: ما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ فَإنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِالحَياةِ الآخِرَةِ، أيْ جَهِلُوا الحَياةَ الآخِرَةَ. أمّا عَدَدُ القِراءاتِ الشّاذَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ فَبَلَغَتْ عَشْرًا. وأمّا جُمْلَةٌ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها فَهو إضْرابُ انْتِقالٍ لِلِارْتِقاءِ مِن كَوْنِهِمُ اضْطَرَبَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ، أوْ تَقَلَّدَ خَلَفُهم ما لَقَّنَهُ سَلَفُهم، أوْ مِن أنَّهُمُ انْتَفى عِلْمُهم في الآخِرَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ الِاضْطِرابَ في العِلْمِ قَدْ أثارَ فِيهِمْ شَكًّا مِن وُقُوعِ الآخِرَةِ. و”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ في شَكٍّ ناشِئٍ عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ ودَوامِهِ، والظَّرْفِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ. صفحة ٢٣ وجُمْلَةُ ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ ارْتِقاءٌ ثالِثٌ وهو آخِرُ دَرَجاتِ الِارْتِقاءِ في إثْباتِ ضَلالِهِمْ وهو أنَّهم عُمْيانٌ عَنْ شَأْنِ الآخِرَةِ. و”عَمُونَ“: جَمْعُ عَمٍ بِالتَّنْوِينِ وهو فَعِلٌ مِنَ العَمى، صاغُوا لَهُ مِثالَ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ العَمى، وهو تَشْبِيهُ عَدَمِ العِلْمِ بِالعَمى، وعادِمُ العِلْمِ بِالأعْمى. وقالَ زُهَيْرٌ: وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ فَشَبَّهَ ضَلالَهم عَنِ البَعْثِ بِالعَمى في عَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى المَطْلُوبِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. و”مِن“ في قَوْلِهِ مِنها عَمُونَ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، جَعَلَ عَماهم وضَلالَهم في إثْباتِ الآخِرَةِ كَأنَّهُ ناشِئٌ لَهم مِنَ الآخِرَةِ إذْ هي سَبَبُ عَماهم، أيْ إنْكارُها سَبَبُ ضَلالِهِمْ. وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مِن إنْكارِ وجُودِها عَمُونِ، فالمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَمُونَ“ . وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وصِيغَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما في قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها. وتَرْتِيبُ هَذِهِ الإضْراباتِ الثَّلاثَةِ تَرْتِيبٌ لِتَنْزِيلِ أحْوالِهِمْ؛ فَوُصِفُوا أوَّلًا بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ بِوَقْتِ البَعْثِ، ثُمَّ بِأنَّهم تَلَقَّفُوا في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي البَعْثُ مِن شُئُونِها عِلْمًا مُضْطَرِبًا أوْ جَهْلًا فَخَبَطُوا في شَكٍّ ومِرْيَةٍ، فَأعْقَبَهم عَمًى وضَلالَةٌ بِحَيْثُ إنَّ هَذِهِ الِانْتِقالاتِ مُنْدَرِجَةٌ مُتَصاعِدَةٌ حَتّى لَوْ قِيلَ: بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ فَهم في شَكٍّ مِنها فَهم مِنها عَمُونَ لَحَصَلَ المُرادُ. ولَكِنْ جاءَتْ طَرِيقَةُ التَّدَرُّجِ بِالإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ أجْزَلَ وأبْهَجَ وأرْوَعَ وأدَلَّ عَلى أنَّ كُلًّا مِن هَذِهِ الأحْوالِ المُرَتَّبَةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ المُعْتَبِرُ بِاسْتِقْلالِهِ لا بِكَوْنِهِ مُتَفَرِّعًا عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذا البَيانُ هو ما أشَرْتُ إلَيْهِ آنِفًا عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ادّارَكَ مِن خَفاءِ تَوْجِيهِ الإضْرابَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَ الإضْرابِ الأوَّلِ. وضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ في قَوْلِهِ يَشْعُرُونَ، ويُبْعَثُونَ، عِلْمُهم، هم في شَكٍّ، هم مِنها عَمُونَ عائِدَةٌ إلى مَنِ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ صفحة ٢٤ و”مَن“ هَذِهِ وإنْ كانَتْ مِن صِيَغِ العُمُومِ فالضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ عائِدَةٌ إلَيْها بِتَخْصِيصِ عُمُومِها بِبَعْضِ مَن في الأرْضِ وهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مِنَ الكُهّانِ والعَرّافِينَ وسَدَنَةِ الأصْنامِ الَّذِينَ يَسْتَقْسِمُونَ لِلنّاسِ بِالأزْلامِ، وهو تَخْصِيصٌ لَفْظِيٌّ مِن دَلالَةِ السِّياقِ وهو مِن قِسْمِ المُخَصَّصِ المُنْفَصِلِ اللَّفْظِيِّ. والخِلافُ الواقِعُ بَيْنَ عُلَماءِ الأُصُولِ في اعْتِبارِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلى بَعْضِ أفْرادِ العامِّ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ خِلافًا لَفْظِيًّا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَإنَّ ضَمِيرَ بُعُولَتُهُنَّ عائِدٌ إلى المُطَلَّقاتِ الرَّجْعِيّاتِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الَّذِي هو عامُّ لِلرَّجْعِيّاتِ وغَيْرِهِنَّ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِـ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ هُنا لَيْسَ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أعَمُّ مِن ماصَدَقَ مَن في قَوْلِهِ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ.

النمل 27:67

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أعْقَبَ وصْفَ عَمايَةِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أرَتْهُمُ البَعْثَ مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ القَوْلَ هُنا إلى جَمِيعِ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ خُصُوصِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ الجُمْلَةَ؛ لِأنَّها غايَرَتِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّها أعَمُّ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ المَقالَةَ وهي ما أفادَتْهُ الصِّلَةُ مِن كَوْنِهِمْ كافِرِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالُوا بِكُفْرِهِمْ أئِذا كُنّا تُرابًا إلى آخِرِهِ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ. أتَوْا بِالإنْكارِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِتَجْهِيلِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وتَعْجِيزِهِ عَنِ الجَوابِ بِزَعْمِهِمْ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ لِمُجاراةِ كَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِالإنْكارِ. والتَّأْكِيدُ تَهَكُّمٌ. صفحة ٢٥ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (﴿إذا كُنّا تُرابًا﴾) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةِ (إذا) عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ لِلتَّخْفِيفِ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، أوْ بِجَعْلِ (إذا) ظَرْفًا مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو (إنّا لَمُخْرَجُونَ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ في ”أئِذا“ و”أئِنَّنا“ عَلى اعْتِبارِ تَكْرِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في الثّانِيَةِ لِتَأْكِيدِ الأُولى، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو خَفَّفَ الثّانِيَةَ مِنَ الهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ وعاصِمًا وحَمْزَةَ حَقَّقاهُما. وهَؤُلاءِ كُلُّهم حَذَفُوا نُونَ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ (إنَّ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (أئِذا) بِهَمْزَتَيْنِ و(إنَّنا) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وبِنُونَيْنِ اكْتِفاءً بِالهَمْزَةِ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ، وكُلُّها اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ حِكايَةُ مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ الأوَّلَ وقَعَ مُؤَخَّرًا عَنْ ”نَحْنُ“ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ووَقَعَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ هُنا، وتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ سَواءٌ في أصْلِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”وُعِدْنا“ وقَعَ بَعْدَ نائِبِ الفاعِلِ في الآيَتَيْنِ. وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ عَنْ تَقْدِيمِهِ عَلى تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ الواقِعِ نائِبًا عَلى الفاعِلِ. وقَدْ ناطَها في الكَشّافِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو الغَرَضُ المُعْتَمَدُ بِالذِّكْرِ وبِسَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِ. وبَيَّنَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ بِأنَّ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ كانَ بِوَضْعِ المَنصُوبِ بَعْدَ المَرْفُوعِ وذَلِكَ مَوْضِعُهُ. وأمّا ما في سُورَةِ النَّمْلِ فَقُدِّمَ المَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ لِكَوْنِهِ فِيها أهَمَّ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ ”﴿إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾“ والَّذِي قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ”﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢]“ فالجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُناكَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ تُرابًا وعِظامًا، والجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُنا في سُورَةِ النَّمْلِ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ وكَوْنُ آبائِهِمْ تُرابًا لا جُزْءَ هُناكَ مِن بِناهم ”جَمْعُ بِنْيَةٍ“ عَلى - أيْ باقِيًا - صُورَةِ نَفْسِهِ أيْ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وهو حَيٌّ. ولا شُبْهَةَ أنَّها أدْخَلُ عِنْدَهم في تَبْعِيدِ البَعْثِ فاسْتَلْزَمَ زِيادَةَ الِاعْتِناءِ بِالقَصْدِ إلى ذِكْرِهِ فَصَيَّرَهُ هَذا العارِضُ أهَمَّ اهـ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ حَكَتْ أُسْلُوبًا مِن مَقالِهِمْ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ قالُوا أئِذا مِتْنا لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا. صفحة ٢٦ وبَعْدُ فَقَدْ حَصَلَ في الِاخْتِلافِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وهي القِصَّةُ والحِكايَةُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. والمَعْنى: ما هَذا إلّا كَلامٌ مُعادٌ قالَهُ الأوَّلُونَ وسَطَرُوهُ وتَلَقَّفَهُ مَن جاءَ بَعْدَهم ولَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنهُ.

النمل 27:68

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أانّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أعْقَبَ وصْفَ عَمايَةِ الزّاعِمِينَ عِلْمَ الغَيْبِ بِذِكْرِ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي أرَتْهُمُ البَعْثَ مُسْتَحِيلَ الوُقُوعِ، ولِذَلِكَ أسْنَدَ القَوْلَ هُنا إلى جَمِيعِ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ خُصُوصِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عِلْمَ الغَيْبِ، ولِذَلِكَ عَطَفَ الجُمْلَةَ؛ لِأنَّها غايَرَتِ الَّتِي قَبْلَها بِأنَّها أعَمُّ. والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ قَوْلِهِمْ هَذِهِ المَقالَةَ وهي ما أفادَتْهُ الصِّلَةُ مِن كَوْنِهِمْ كافِرِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقالُوا بِكُفْرِهِمْ أئِذا كُنّا تُرابًا إلى آخِرِهِ اسْتِفْهامًا بِمَعْنى الإنْكارِ. أتَوْا بِالإنْكارِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ لِتَجْهِيلِ مُعْتَقِدِ ذَلِكَ وتَعْجِيزِهِ عَنِ الجَوابِ بِزَعْمِهِمْ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ لِمُجاراةِ كَلامِ المَرْدُودِ عَلَيْهِ بِالإنْكارِ. والتَّأْكِيدُ تَهَكُّمٌ. صفحة ٢٥ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ (﴿إذا كُنّا تُرابًا﴾) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةِ (إذا) عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ مَحْذُوفَةٍ لِلتَّخْفِيفِ مِنِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ، أوْ بِجَعْلِ (إذا) ظَرْفًا مُقَدَّمًا عَلى عامِلِهِ والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو (إنّا لَمُخْرَجُونَ) . وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِهَمْزَتَيْنِ في ”أئِذا“ و”أئِنَّنا“ عَلى اعْتِبارِ تَكْرِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ في الثّانِيَةِ لِتَأْكِيدِ الأُولى، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو خَفَّفَ الثّانِيَةَ مِنَ الهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ وعاصِمًا وحَمْزَةَ حَقَّقاهُما. وهَؤُلاءِ كُلُّهم حَذَفُوا نُونَ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ نُونِ (إنَّ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (أئِذا) بِهَمْزَتَيْنِ و(إنَّنا) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وبِنُونَيْنِ اكْتِفاءً بِالهَمْزَةِ الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ، وكُلُّها اسْتِعْمالٌ فَصِيحٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ حِكايَةُ مِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلّا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ الأوَّلَ وقَعَ مُؤَخَّرًا عَنْ ”نَحْنُ“ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ووَقَعَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ هُنا، وتَقْدِيمُهُ وتَأْخِيرُهُ سَواءٌ في أصْلِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”وُعِدْنا“ وقَعَ بَعْدَ نائِبِ الفاعِلِ في الآيَتَيْنِ. وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَسْألَ عَنْ تَقْدِيمِهِ عَلى تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ الواقِعِ نائِبًا عَلى الفاعِلِ. وقَدْ ناطَها في الكَشّافِ بِأنَّ التَّقْدِيمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُقَدَّمَ هو الغَرَضُ المُعْتَمَدُ بِالذِّكْرِ وبِسَوْقِ الكَلامِ لِأجْلِهِ. وبَيَّنَهُ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ بِأنَّ ما وقَعَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ كانَ بِوَضْعِ المَنصُوبِ بَعْدَ المَرْفُوعِ وذَلِكَ مَوْضِعُهُ. وأمّا ما في سُورَةِ النَّمْلِ فَقُدِّمَ المَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ لِكَوْنِهِ فِيها أهَمَّ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ ”﴿إذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا﴾“ والَّذِي قَبْلَ آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ”﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ [المؤمنون: ٨٢]“ فالجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُناكَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ تُرابًا وعِظامًا، والجِهَةُ المَنظُورُ فِيها هُنا في سُورَةِ النَّمْلِ هي كَوْنُ أنْفُسِهِمْ وكَوْنُ آبائِهِمْ تُرابًا لا جُزْءَ هُناكَ مِن بِناهم ”جَمْعُ بِنْيَةٍ“ عَلى - أيْ باقِيًا - صُورَةِ نَفْسِهِ أيْ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها وهو حَيٌّ. ولا شُبْهَةَ أنَّها أدْخَلُ عِنْدَهم في تَبْعِيدِ البَعْثِ فاسْتَلْزَمَ زِيادَةَ الِاعْتِناءِ بِالقَصْدِ إلى ذِكْرِهِ فَصَيَّرَهُ هَذا العارِضُ أهَمَّ اهـ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ حَكَتْ أُسْلُوبًا مِن مَقالِهِمْ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ قالُوا أئِذا مِتْنا لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا. صفحة ٢٦ وبَعْدُ فَقَدْ حَصَلَ في الِاخْتِلافِ بَيْنَ أُسْلُوبِ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ كَما تَقَدَّمَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وهي القِصَّةُ والحِكايَةُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤] في سُورَةِ النَّحْلِ. والمَعْنى: ما هَذا إلّا كَلامٌ مُعادٌ قالَهُ الأوَّلُونَ وسَطَرُوهُ وتَلَقَّفَهُ مَن جاءَ بَعْدَهم ولَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنهُ.

النمل 27:69

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذِهِ الكَلِمَةَ ولِذَلِكَ فَصَلَ فِعْلَ ”قُلْ“ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. والمُناسَبَةُ في المَوْضِعَيْنِ هي المَوْعِظَةُ بِحالِ المُكَذِّبِينَ؛ لِأنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ وإجْرامٌ. والوَعِيدُ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم إلّا أنَّها هُنالِكَ عُطِفَتْ بِـ ثُمَّ انْظُرُوا وهُنا بِالفاءِ فانْظُرُوا وهُما مُتَئايِلانِ. وذَكَرَ هُنالِكَ عاقِبَةَ المُكَذِّبِينَ وذَكَرَ هُنا عاقِبَةَ المُجْرِمِينَ: والمُكَذِّبُونَ مُجْرِمُونَ. والِاخْتِلافُ بَيْنَ الحِكايَتَيْنِ لِلتَّفَنُّنِ كَما قَدَّمْناهُ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.

النمل 27:70

﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ كانَتِ الرَّحْمَةُ غالِبَةً عَلى النَّبِيءِ ﷺ والشَّفَقَةُ عَلى الأُمَّةِ مِن خِلالِهِ، فَلَمّا أُنْذِرَ المُكَذِّبُونَ بِهَذا الوَعِيدِ تَحَرَّكَتِ الشَّفَقَةُ في نَفْسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرَبَطَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِهَذا التَّشْجِيعِ أنْ لا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ إذا أصابَهم ما أُنْذِرُوا بِهِ. وكانَ مِن رَحْمَتِهِ ﷺ حِرْصُهُ عَلى إقْلاعِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِهِ والمَكْرِ بِهِ، فَألْقى اللَّهُ في رُوعِهِ رِباطَةَ جاشٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ . والضَّيْقُ: بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها، قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالفَتْحِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِالكَسْرِ. وحَقِيقَتُهُ: عَدَمُ كِفايَةِ المَكانِ أوِ الوِعاءِ لِما يُرادُ حُلُولُهُ فِيهِ، وهو هُنا مَجازٌ في الحالَةِ صفحة ٢٧ الحَرِجَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ كَراهِيَةِ شَيْءٍ فَيُحِسُّ المَرْءُ في مَجارِي نَفَسِهِ بِمِثْلِ ضَيْقٍ عَرَضَ لَها. وإنَّما هو انْضِغاطٌ في أعْصابِ صَدْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، أيْ لا تَكُنْ مُلْتَبِسًا ومَحُوطًا بِشَيْءٍ مِنَ الضَّيْقِ بِسَبَبِ مَكْرِهِمْ. والمَكْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ مِن مَكْرِهِمْ.

النمل 27:71

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا﴾ [النمل: ٦٧]“ . والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم، أيْ لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ زَمانِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَهَكُّمٍ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ومَن أطْلَعَهُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ مِن عِبادِهِ المُصْطَفَيْنَ. والجَوابُ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامٍ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ يَسْألُوا عَنْ وقْتِ العِيدِ لِيُقَدِّمُوهُ بِالإيمانِ. و”عَسى“ لِلرَّجاءِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيبِ مَعَ التَّحْقِيقِ. و”رَدِفَ“ تَبِعَ بِقُرْبٍ. وعُدِّيَ بِاللّامِ هُنا مَعَ أنَّهُ صالِحٌ لِلتَّعْدِيَةِ بِنَفْسِهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (اقْتَرَبَ) أوِ اللّامُ لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ شَكَرَ لَهُ. والمَعْنى: رَجاءَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَرِيبَ الزَّمَنِ. وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. صفحة ٢٨ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تَسْتَعْجِلُونَ أيْ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

النمل 27:72

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا كُنّا تُرابًا﴾ [النمل: ٦٧]“ . والتَّعْبِيرُ هُنا بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم، أيْ لَمْ يَزالُوا يَقُولُونَ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ العِقابِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ زَمانِهِ، وهو اسْتِفْهامُ تَهَكُّمٍ مِنهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّ هَذا مِن عِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ومَن أطْلَعَهُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ مِن عِبادِهِ المُصْطَفَيْنَ. والجَوابُ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامٍ عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَقَّهم أنْ يَسْألُوا عَنْ وقْتِ العِيدِ لِيُقَدِّمُوهُ بِالإيمانِ. و”عَسى“ لِلرَّجاءِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيبِ مَعَ التَّحْقِيقِ. و”رَدِفَ“ تَبِعَ بِقُرْبٍ. وعُدِّيَ بِاللّامِ هُنا مَعَ أنَّهُ صالِحٌ لِلتَّعْدِيَةِ بِنَفْسِهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى (اقْتَرَبَ) أوِ اللّامُ لِلتَّوْكِيدِ مِثْلَ شَكَرَ لَهُ. والمَعْنى: رَجاءَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَرِيبَ الزَّمَنِ. وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. صفحة ٢٨ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ تَسْتَعْجِلُونَ أيْ تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ.

النمل 27:73

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذا مَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ عَلى قَوْلِهِ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ أيْ أنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم هو مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وهَذا خَبَرٌ خاصٌّ بِالنَّبِيءِ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَأْخِيرَ الوَعِيدِ أثَرٌ مِن آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّ أزْمِنَةَ التَّأْخِيرِ أزْمِنَةُ إمْهالٍ فَهم فِيها بِنِعْمَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ. وقَدْ كُنّا قَدَّمْنا مَسْألَةَ أنَّ نِعْمَةَ الكافِرِ نِعْمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ أوْ لَيْسَتْ نِعْمَةً والخِلافُ في ذَلِكَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ. والتَّعْبِيرُ بِـ ”ذُو فَضْلٍ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الفَضْلَ مِن شُئُونِهِ. وتَنْكِيرُ ”فَضْلٍ“ لِلتَّعْظِيمِ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ النّاسِ لا إلى حالِ النَّبِيءِ ﷺ، فالتَّأْكِيدُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْوِيضِ بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ. و”لَكِنَّ“ اسْتِدْراكٌ ناشِئٌ عَنْ عُمُومِ الفَضْلِ مِنهُ تَعالى فَإنَّ عُمُومَهُ وتَكَرُّرَهُ يَسْتَحِقُّ بِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ فَيَشْكُرُوهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا مَتى هَذا الوَعْدُ فَإنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ العَذابَ تَهَكُّمًا وتَعْجِيزًا في زَعْمِهِمْ غَيْرَ قادِرِينَ قَدْرَ نِعْمَةِ الإهْمالِ.

النمل 27:74

﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ مَوْقِعُ هَذا مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ يُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا: إنَّ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ قَدْ أضْمَرُوا المَكْرَ وأعْلَنُوا الِاسْتِهْزاءَ فَحالُهم لا يَقْتَضِي إمْهالَهم ؟ فَيُجابُ بِأنَّ الَّذِي أمْهَلَهم مُطَّلِعٌ عَلى ما في صُدُورِهِمْ وما أعْلَنُوهُ وأنَّهُ أمْهَلَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. صفحة ٢٩ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم يُكِنُّونَ أشْياءَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، مِنها: أنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، وأنَّهم تُخامِرُ نُفُوسَهم خَواطِرُ إخْراجِهِ وإخْراجِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا الِاسْتِئْنافُ لَمّا كانَ ذا جِهَةٍ مِن مَعْنى وصْفِ اللَّهِ بِإحاطَةِ العِلْمِ عَطَفَ جُمْلَتَهُ عَلى جُمْلَةِ وصْفِ اللَّهِ بِالفَضْلِ، فَحَصَلَ بِالعَطْفِ غَرَضٌ ثانٍ مُهِمٌّ، وحَصَلَ مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. وأمّا التَّوْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ فَهو عَلى نَحْوِ تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِتَنْزِيلِ السّائِلِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ وذَلِكَ تَلْوِيحٌ بِالعِتابِ. و”تُكِنُّ“ تُخْفِي وهو مِن (أكَنَّ) إذا جَعَلَ شَيْئًا كانًّا، أيْ حاصِلًا في كِنٍّ. والَكِنَّ: المَسْكَنُ. وإسْنادُ ”تُكِنُّ“ إلى الصُّدُورِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّ الصُّدُورَ مَكانَهُ. والإعْلانُ: الإظْهارُ.

النمل 27:75

﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ وهو في مَعْنى التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّها ذُكِرَ مِنها عِلْمُ اللَّهِ بِضَمائِرِهِمْ فَذَيَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كُلَّ غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ. وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا؛ لِأنَّهُ جَدِيرٌ بِالِاسْتِقْلالِ بِذاتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعْلِيمٌ لِصِفَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وتَنْبِيهٌ لَهم مِن غَفْلَتِهِمْ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ لِما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ. والغائِبَةُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الغائِبِ والتّاءُ فِيهِ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ كالتّاءِ في العافِيَةِ، والعاقِبَةِ، والفاتِحَةِ. وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الغَيْبِ وهو ضِدُّ الحُضُورِ، والمُرادُ: الغائِبَةُ عَنْ عِلْمِ النّاسِ. اسْتَعْمَلَ الغَيْبَ في الخَفاءِ مَجازًا مُرْسَلًا. والكِتابُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ الكِتابُ لِما فِيهِ مِنَ التَّحَقُّقِ وعَدَمِ قَبُولِ التَّغْيِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا غَيْبِيًّا يُسَجَّلُ فِيهِ ما سَيَحْدُثُ. والمُبِينُ: المُفَصَّلُ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ المُفَصَّلَ يَكُونُ بَيِّنًا واضِحًا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ حَقِيقَةُ شَيْءٍ مِمّا خَفِيَ عَلى العالَمِينَ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ما صفحة ٣٠ يَتَلَقّاهُ الرُّسُلُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَهو حَقٌّ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِخِلافِهِ. ومِن ذَلِكَ ما كانَ الحَدِيثُ فِيهِ مِن أمْرِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وكَذَّبُوا بِما جاءَ فِيهِ.

النمل 27:76

﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولَهُ مُناسَبَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] فَإنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكُلُّ ما فِيهِ فَهو مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَإذا أرادَ اللَّهُ تَعْلِيمَ المُسْلِمِينَ شَيْئًا مِمّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ فَهو العِلْمُ الحَقُّ إذا بَلَغَتِ الأفْهامُ إلى إدْراكِ المُرادِ مِنهُ عَلى حَسَبِ مَراتِبِ الدَّلالَةِ الَّتِي أُصُولُها في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ وفي عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ. ومِن ذَلِكَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن تَحْقِيقِ أُمُورِ الشَّرائِعِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الغابِرَةِ مِمّا خَبَطَتْ فِيهِ كُتُبُ بَنِي إسْرائِيلَ خَبْطًا مِن جَرّاءِ ما طَرَأ عَلى كُتُبِهِمْ مِنَ التَّشَتُّتِ والتَّلاشِي وسُوءِ النَّقْلِ مِن لُغَةٍ إلى لُغَةٍ في عُصُورِ انْحِطاطِ الأُمَّةِ الإسْرائِيلِيَّةِ، ولِما في القُرْآنِ مِنَ الأُصُولِ الصَّرِيحَةِ في الإلَهِيّاتِ مِمّا يَكْشِفُ سُوءَ تَأْوِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ لِكَلِماتِ كِتابِهِمْ في مُتَشابِهِ التَّجْسِيمِ ونَحْوِهِ فَإنَّكَ لا تَجِدُ في التَّوْراةِ ما يُساوِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فالمَعْنى: نَفْيُ أنْ يَكُونَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ بِإثْباتِ أنَّهُ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَعْلِيمٌ لِأهْلِ الكِتابِ. وإنَّما قَصَّ عَلَيْهِمْ أكْثَرَ ما اخْتَلَفُوا وهو ما في بَيانِ الحَقِّ مِنهُ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وأعْرَضَ عَمّا دُونَ ذَلِكَ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْمالُ نَواحِي هَدْيِ القُرْآنِ لِلْأُمَمِ فَإنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِأنَّهُ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ وأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يَعْمَهُونَ في ضَلالِهِمْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَدْيِهِ. فاسْتَكْمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما جاءَ بِهِ مِن هَدْيِ بَنِي إسْرائِيلَ لِما يُهِمُّ مِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ. وأكْثَرُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هو ما جاءَ في القُرْآنِ مِن إبْطالِ قَوْلِهِمْ فِيما يَقْتَضِي إرْشادُهم إلى الحَقِّ أنْ يُبَيَّنَ لَهم، وغَيْرُ صفحة ٣١ الأكْثَرِ ما لا مَصْلَحَةَ في بَيانِهِ لَهم. ومِن مُناسَبَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ ما هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، أنَّ ما قَصَّهُ مِمّا جَرى بَيْنَ مَلِكَةِ سَبَأٍ مَعَ سُلَيْمانَ كانَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ ما في كِتابِ المُلُوكِ الأوَّلِ وكِتابِ الأيّامِ الثّانِي فَفي ذَيْنِكَ الكِتابَيْنِ أنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ تَحَمَّلَتْ وجاءَتْ إلى أُورَشْلِيمَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِها مَحَبَّةً مِنها في الِاطِّلاعِ عَلى ما بَلَغَ مَسامِعَها مِن عَظَمَةِ مُلْكِ سُلَيْمانَ وحِكْمَتِهِ، وأنَّها بَعْدَ ضِيافَتِها عِنْدَ سُلَيْمانَ قَفَلَتْ إلى مَمْلَكَتِها. ولَيْسَ مِمّا يَصِحُّ في حُكْمِ العَقْلِ وشَواهِدِ التّارِيخِ في تِلْكَ العُصُورِ أنَّ مَلِكَةً عَظِيمَةً كَمَلِكَةِ سَبَأٍ تَعْمِدُ إلى الِارْتِحالِ عَنْ بَلَدِها وتَدْخُلُ بَلَدَ مَلِكٍ آخَرَ غَيْرَ هائِبَةٍ، لَوْلا أنَّها كانَتْ مُضْطَرَّةً إلى ذَلِكَ بِسِياسَةِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضُّرَّيْنِ إذْ كانَ سُلَيْمانُ قَدْ ألْزَمَها بِالدُّخُولِ في دائِرَةِ نُفُوذِ مُلْكِهِ، فَكانَ حُضُورُها لَدَيْهِ اسْتِلامًا واعْتِرافًا لَهُ بِالسِّيادَةِ بَعْدَ أنْ تَنَصَّلَتْ مِن ذَلِكَ بِتَوْجِيهِ الهَدِيَّةِ وبَعْدَ أنْ رَأتِ العَزْمَ مِن سُلَيْمانَ عَلى وُجُوهِ امْتِثالِ أمْرِهِ. ومِنَ العَجِيبِ إهْمالُ كِتابِ اليَهُودِ دَعْوَةَ سُلَيْمانَ بِلْقِيسَ إلى عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وهَلْ يُظَنُّ بِنَبِيءٍ أنْ يُقِرَّ الشِّرْكَ عَلى مُنْتَحِلِيهِ.

النمل 27:77

﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذا راجِعٌ إلى قَوْلِهِ في طالِعِ السُّورَةِ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ٢] ذُكِرَ هُنا لِاسْتِيعابِ جِهاتِ هَدْيِ القُرْآنِ. أمّا كَوْنُهُ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ رَحْمَةً لَهم فَلِأنَّهم لَمّا اهْتَدَوْا بِهِ قَدْ نالُوا الفَوْزَ في الدُّنْيا بِصَلاحِ نُفُوسِهِمْ واسْتِقامَةِ أعْمالِهِمْ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ. والرِّسالَةُ المُحَمَّدِيَّةُ وإنْ كانَتْ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] في سُورَةِ هُودٍ فَرَحْمَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أخَصُّ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَعْرِضِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ [النمل: ٧٣] .

النمل 27:78

صفحة ٣٢ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ وهْوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ لَمّا سَبَقَ ذِكْرُ المُشْرِكِينَ بِطَعْنِهِمْ في القُرْآنِ وتَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدِهِ، وذِكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما يَقْتَضِي طَعْنَهم فِيهِ بِأنَّهُ لِمُخالَفَةٍ ما في كُتُبِهِمْ، وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُمُ اهْتَدَوْا بِهِ وكانَ لَهم رَحْمَةً فَهم مُوقِنُونَ بِما فِيهِ، تَمَخَّضَ الكَلامُ عَنْ خُلاصَةٍ هي افْتِراقُ النّاسِ في القُرْآنِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ طاعِنٍ، وفَرِيقٍ مُوقِنٍ، فَلا جَرَمَ اقْتَضى ذَلِكَ حُدُوثَ تَدافُعٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. وهو مِمّا يُثِيرُ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ سُؤالًا عَنْ مَدى هَذا التَّدافُعِ، والتَّخالُفِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ ومَتى يَنْكَشِفُ الحَقُّ، فَجاءَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَيُعْلَمُ أنَّ القَضاءَ يَقْتَضِي مُخْتَلِفِينَ. وأنَّ كَلِمَةَ ”بَيْنَ“ تَقْتَضِي مُتَعَدِّدًا، فَأفادَ أنَّ اللَّهَ يَقْضِي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والطّاعِنِينَ فِيهِ قَضاءً يُبَيِّنُ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ. وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِبْطائِهِمُ النَّصْرَ فَإنَّ النَّبِيءَ أوَّلُ المُؤْمِنِينَ، وإنَّما تَقَلَّدَ المُؤْمِنُونَ ما أنْبَأهم بِهِ فالقَضاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَضاءٌ لَهُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ. وفِيهِ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى جَنابِ الرَّسُولِ ﷺ، وإسْنادُ القَضاءِ إلى اللَّهِ في شَأْنِهِ بِعُنْوانِ أنَّهُ رَبٌّ لَهُ إيماءٌ بِأنَّ القَضاءَ سَيَكُونُ مُرْضِيًا لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ. فَجُعِلَ الرَّسُولُ في هَذا الكَلامِ بِمَقامِ المُبَلِّغِ وجُعِلَ القَضاءُ بَيْنَ أُمَّتِهِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، وتَعْجِيلٌ لِمَسَرَّةِ الرَّسُولِ بِهَذا الإيماءِ. وإذْ قَدْ أُسْنِدَ القَضاءُ إلى اللَّهِ وعُلِّقَ بِهِ حُكْمٌ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ فَقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المُتَعَلِّقِ غَيْرَ المُتَعَلَّقِ بِهِ وذَلِكَ يُلْجِئُ: إمّا إلى تَأْوِيلِ مَعْنى إضافَةِ الحُكْمِ بِما يُخالِفُ مَعْنى إسْنادِ القَضاءِ إذا اعْتُبِرَ اللَّفْظانِ مُتَرادِفَيْنِ لَفْظًا ومَعْنًى، فَيَكُونُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإضافَةُ مِنِ اخْتِصاصِ المُضافِ بِالمُضافِ إلَيْهِ مَقْصُودًا بِهِ ما اشْتُهِرَ بِهِ المُضافُ بِاعْتِبارِ المُضافِ إلَيْهِ. وذَلِكَ أنَّ الكُلَّ يَعْلَمُونَ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ هو العَدْلُ ولِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ هو الحَكَمُ العَدْلُ. فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ المُشْتَهَرِ اللّائِقِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ واطِّرادِ عَدْلِهِ، وإمّا أنْ يُؤَوَّلَ الحُكْمُ بِمَعْنى الحِكْمَةِ وهو إطْلاقٌ شائِعٌ قالَ تَعالى ﴿وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وقالَ ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] ولَمْ يَكُنْ يَحْيى حاكِمًا وإنَّما كانَ حَكِيمًا نَبِيئًا فَيَكُونُ صفحة ٣٣ المَعْنى عَلى هَذا: إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم بِحِكْمَتِهِ، أيْ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، أيْ مِن نَصْرِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ. ومَآلُ التَّأْوِيلَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ. وبِهِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ في تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، فَإنَّ العَزِيزَ لا يُصانِعُ، والعَلِيمَ لا يَفُوتُهُ الحَقُّ، ويَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ.

النمل 27:79

﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ فُرِّعَتِ الفاءُ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ رَبَّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقْضِي بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِ القُرْآنِ أمْرًا لِلرَّسُولِ بِأنْ يَطْمَئِنَّ بالًا ويَتَوَكَّلَ عَلى رَبِّهِ فِيما يَقْضِي بِهِ فَإنَّهُ يَقْضِي لَهُ بِحَقِّهِ، وعَلى مُعانِدِهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ، فالأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ مُسْتَعْمَلٌ في كِنايَتِهِ وصَرِيحِهِ فَإنَّ مِن لازِمِهِ أنَّهُ أدّى رِسالَةَ رَبِّهِ، وأنَّ إعْراضَ المُعْرِضِينَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ لَيْسَ تَقْصِيرًا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ . وهو مَعْنًى تَكَرَّرَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٧٠] . والتَّوَكُّلُ: تَفَعَّلٌ مِن وكَّلَ إلَيْهِ الأمْرَ إذا أسْنَدَ إلَيْهِ تَدْبِيرَهُ ومُباشَرَتَهُ، فالتَّفَعُّلُ لِلْمُبالَغَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] في المائِدَةِ وقَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: ١١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. وقَدْ وقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ مَوْقِعًا لَمْ يُخاطِبِ اللَّهُ تَعالى أحَدًا مِن رُسُلِهِ بِمِثْلِهِ فَكانَ ذَلِكَ شَهادَةً لِرَسُولِهِ بِالعَظَمَةِ الكامِلَةِ المُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ ”عَلى“ مِنَ التَّمَكُّنِ، وما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الحَقِّ مِن مَعْنًى جامِعٍ لِحَقائِقِ الأشْياءِ. وما دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ مُبِينٍ مِنَ الوُضُوحِ والنُّهُوضِ. وجاءَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ مَجِيءَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ إشْعارًا بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ فَلا يَتَرَقَّبُ مِن تَوَكُّلِهِ عَلى الحَكَمِ العَدْلِ إلّا أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ صفحة ٣٤ فِي تَأْيِيدِهِ ونَفْعِهِ. وشَأْنُ ”إنَّ“ إذا جاءَتْ في مَقامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الفاءِ فَلا تُفِيدُ تَأْكِيدًا ولَكِنَّها لِلِاهْتِمامِ. وجِيءَ في فِعْلِ التَّوَكُّلِ بِعُنْوانِ اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِاسْمَ يَتَضَمَّنُ مَعانِيَ الكَمالِ كُلَّها، ومِن أعْلاها العَدْلُ في القَضاءِ ونَصْرُ المُحِقِّ. وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَجَّلَتْ مَسَرَّةُ الإيماءِ إلى أنَّ القَضاءَ في جانِبِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْنادِهِ القَضاءَ إلى عُنْوانِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ اقْتَضاهُ وُجُودُ مُقْتَضِي جَلْبِ حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ فَلا يُفِيدُ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصًا ولا تَقَوِّيًا. والمُبِينُ: الواضِحُ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِامْتِراءُ فِيهِ ولا المُصانَعَةُ لِلْمَحْكُومِ لَهُ. وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ في جانِبِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَثِقَ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ حَقَّهُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ.

النمل 27:80

﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَمّا يَخْطُرُ في بالِ السّامِعِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ إعْراضِ أهْلِ الشِّرْكِ لِما عَلَيْهِ الرَّسُولُ مِنَ الحَقِّ المُبِينِ. وهو أيْضًا تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ بِالنَّظَرِ إلى مَدْلُولِهِ الكِنائِيِّ، فَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّوْكِيدِ فِيهِ كَمَوْقِعِهِ في التَّعْلِيلِ بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وهَذا عُذْرٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ، ولِكَوْنِهِ تَعْلِيلًا لِجانِبٍ مِنَ التَّرْكِيبِ وهو الجانِبُ الكِنائِيُّ غَيْرَ الَّذِي عُلِّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِها بِالتَّعْلِيلِ. والإسْماعُ: إبْلاغُ الكَلامِ إلى المَسامِعِ. و”المَوْتى“ و”الصُّمُّ“: مُسْتَعارانِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ القَوْلَ الحَقَّ ويُكابِرُونَ مَن يَقُولُهُ لَهم. شُبِّهُوا بِالمَوْتى عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ في انْتِفاءِ فَهْمِهِمْ مَعانِيَ القُرْآنِ، صفحة ٣٥ وشُبِّهُوا بِالصُّمِّ كَذَلِكَ في انْتِفاءِ أثَرِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ عَنْ نُفُوسِهِمْ. ولِلْقُرْآنِ أثَرانِ: أحَدُهُما ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي المَقْبُولَةِ لَدى أهْلِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ وهي المَعانِي الَّتِي يُدْرِكُها ويُسَلِّمُ لَها مَن تَبْلُغُ إلَيْهِ ولَوْ بِطَرِيقَةِ التَّرْجَمَةِ بِحَيْثُ يَسْتَوِي في إدْراكِها العَرَبِيُّ والعَجَمِيُّ وهَذا أثَرٌ عَقْلِيٌّ. والأثَرُ الثّانِي دَلالَةُ نَظْمِهِ وبَلاغَتِهِ عَلى أنَّهُ خارِجٌ عَنْ مَقْدِرَةِ البُلَغاءِ العَرَبِ. وهَذا أثَرٌ لَفْظِيٌّ وهو دَلِيلُ الإعْجازِ وهو خاصٌّ بِالعَرَبِ مُباشَرَةً، وحاصِلٌ لِغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ النَّظَرِ والتَّأمُّلِ إذا تَدَبَّرُوا في عَجْزِ البُلَغاءِ مِن أهْلِ اللِّسانِ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، فَهَؤُلاءِ يُوقِنُونَ بِأنَّ عَجْزَ بُلَغاءِ أهْلِ ذَلِكَ اللِّسانِ عَلى مُعارَضَتِهِ دالٌّ عَلى أنَّهُ فَوْقَ مَقْدِرَتِهِمْ؛ فالمُشْرِكُونَ شُبِّهُوا بِالمَوْتى بِالنَّظَرِ إلى الأثَرِ الأوَّلِ، وشُبِّهُوا بِالصُّمِّ بِالنَّظَرِ إلى الأثَرِ الثّانِي، فَحَصَلَتِ اسْتِعارَتانِ. ونَفْيُ الإسْماعِ فِيهِما تَرْشِيحانِ لِلِاسْتِعارَتَيْنِ وهُما مُسْتَعارانِ لِانْتِفاءِ مُعالَجَةِ إبْلاغِهِمْ. ولِأجْلِ اعْتِبارِ كِلا الأثَرَيْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وُرُودُ تَشْبِيهَيْنِ كُرِّرَ ذِكْرُ التَّرْشِيحَيْنِ فَعُطِفَ ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ عَلى لا تُسْمِعُ المَوْتى، ولَمْ يُكْتَفَ بِأنْ يُقالَ: إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا الصُّمَّ. وتَقْيِيدُ الصُّمِّ بِزَمانِ تَوَلِّيهِمْ مُدْبِرِينَ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ أوْغَلُ في انْتِفاءِ إسْماعِهِمْ؛ لِأنَّ الأصَمَّ إذا كانَ مُواجِهًا لِلْمُتَكَلِّمِ قَدْ يَسْمَعُ بَعْضَ الكَلامِ بِالصُّراخِ ويَسْتَفِيدُ بَقِيَّتَهُ بِحَرَكَةِ الشَّفَتَيْنِ فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنِ السَّمْعِ. واسْتَدَلَّتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى رَدِّ ظاهِرِ «حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ عَلى قَلِيبِ بَدْرٍ وفِيهِ قَتْلى المُشْرِكِينَ فَناداهم بِأسْمائِهِمْ وقالَ: هَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُنادِي أمْواتًا ؟ فَقالَ: إنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ ما أقُولُ لَهم» . فَقالَتْ عائِشَةُ: إنَّما قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي كُنْتُ أقُولُ لَهم هو الحَقُّ» ثُمَّ قَرَأتْ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ حَتّى قَرَأتِ الآيَةَ. صفحة ٣٦ وهَذا مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِظاهِرِ الدَّلالَةِ مِنَ القُرْآنِ ولَوْ بِاحْتِمالٍ مَرْجُوحٍ كَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وإلّا فَإنَّ المَوْتى هُنا اسْتِعارَةٌ ولَيْسَ بِحَقِيقَةٍ. وضَمِيرا ﴿ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ عائِدانِ إلى الصُّمِّ وهو تَتْمِيمٌ لِلتَّشْبِيهِ حَيْثُ شُبِّهُوا في عَدَمِ بُلُوغِ الأقْوالِ إلى عُقُولِهِمْ بِصُمٍّ ولَّوْا مُدْبِرِينَ فَإنَّ المُدْبِرَ يَبْعُدُ عَنْ مَكانِ مَن يُكَلِّمُهُ فَكانَ أبْعَدَ عَنِ الِاسْتِماعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.

النمل 27:81

﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ كَرَّرَ تَشْبِيهَ المُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ بِأنْ شُبِّهُوا في ذَلِكَ بِالعُمْيِ بَعْدَ أنْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى وبِالصُّمِّ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ إطْنابًا في تَشْنِيعِ حالِهِمُ المَوْصُوفَةِ عَلى ما هو المَعْرُوفُ عِنْدَ البُلَغاءِ في تَكْرِيرِ التَّشْبِيهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وحَسَّنَ هَذا التَّكْرِيرَ هُنا ما بَيْنَ التَّشْبِيهَيْنِ مِنَ الفُرُوقِ مَعَ اتِّحادِ الغايَةِ؛ فَإنَّهم شُبِّهُوا بِالمَوْتى في انْتِفاءِ إدْراكِ المَعانِي الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ العُقَلاءُ، وبِالصُّمِّ في انْتِفاءِ إدْراكِ بَلاغَةِ الكَلامِ الَّذِي يَضْطَلِعُ بِهِ بُلَغاءُ العَرَبِ. وشُبِّهُوا ثالِثًا بِالعُمْيِ في انْتِفاءِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ طَرِيقِ الهُدى وطَرِيقِ الضَّلالِ مِن حَيْثُ إنَّهم لَمْ يَتَّبِعُوا هَدْيَ دِينِ الإسْلامِ. والغايَةُ واحِدَةٌ وهي انْتِفاءُ اتِّباعِهِمُ الإسْلامَ فَفي تَشْبِيهِهِمْ بِالعُمْيِ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ونَفْيُ إنْقاذِهِمْ عَنْ ضَلالَتِهِمْ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الأعْمى لا يَبْلُغُ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ بِوَصْفِ الواصِفِ. والهُدى: الدَّلالَةُ عَلى طَرِيقِ السّائِرِ بِأنْ يَصِفَهُ لَهُ فَيَقُولُ مَثَلًا: إذا بَلَغْتَ الوادِيَ فَخُذِ الطَّرِيقَ الأيْمَنَ. والَّذِي يَسْلُكُ بِالقَوافِلِ مَسالِكَ الطَّرِيقِ يُسَمّى هادِيًا. والتَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ يُسَمّى اهْتِداءً. وهَذا التَّرْشِيحُ هو أيْضًا مُسْتَعارٌ لِبَيانِ الحَقِّ والصَّوابِ لِلنّاسِ، والأعْمى غَيْرُ قابِلٍ لِلْهِدايَةِ بِالحالَتَيْنِ حالَةِ الوَصْفِ وهي ظاهِرَةٌ، وحالَةِ الِاقْتِيادِ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَكُونُوا يَأْخُذُوا العُمْيَ مَعَهم في أسْفارِهِمْ؛ لِأنَّهم يُعَرْقِلُونَ عَلى القافِلَةِ سَيْرَها. صفحة ٣٧ وقَوْلُهُ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ يَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً قَرِينَتُها حالِيَّةٌ. شَبَّهَ الدِّينَ الحَقَّ بِالطَّرِيقِ الواضِحَةِ، وإسْنادُ الضَّلالَةِ إلى سالِكِيهِ تَرْشِيحٌ لَها وتَخْيِيلٌ، والضَّلالَةُ أيْضًا مُسْتَعارَةٌ لِعَدَمِ إدْراكِ الحَقِّ تَبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى عَدَمِ الِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ، وضَمِيرُ ضَلالَتِهِمْ عائِدٌ إلى العُمْيِ، ولِتَأتِّي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ الرَّشِيقَةِ عُدِلَ عَنْ تَعْلِيقِ ما حَقُّهُ أنْ يُعَلَّقَ بِالهَدْيِ فَعُلِّقَ بِهِ ما يَقْتَضِيهِ نَفْيُ الهَدْيِ مِنَ الصَّرْفِ والمُباعَدَةِ. فَقِيلَ ﴿عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ بِتَضْمِينِ ”هادِي“ مَعْنى صارِفٍ. فَصارَ: ما أنْتَ بِهادِي، بِمَعْنى: ما أنْتَ بِصارِفِهِمْ عَنْ ضَلالَتِهِمْ كَما يُقالُ: سَقاهُ عَنِ العَيْمَةِ، أيْ سَقاهُ صارِفًا لَهُ عَنِ العَيْمَةِ، وهي شَهْوَةُ اللَّبَنِ. وعُدِلَ في الجُمْلَةِ عَنْ صِيغَتَيِ النَّفْيَيْنِ السّابِقَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ [النمل: ٨٠] الواقِعَيْنِ عَلى مُسْنَدَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ، إلى تَسْلِيطِ النَّفْيِ هُنا عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ النَّفْيِ. وأُكِّدَ ذَلِكَ الثَّباتُ بِالباءِ المَزِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. ووَجْهُ إيثارِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِهَذَيْنِ التَّحْقِيقَيْنِ هو أنَّهُ لَمّا أفْضى الكَلامُ إلى نَفْيِ اهْتِدائِهِمْ وكانَ اهْتِداؤُهم غايَةَ مَطْمَحِ الرَّسُولِ ﷺ كانَ المَقامُ مُشْعِرًا بِبَقِيَّةٍ مِن طَمَعِهِ في اهْتِدائِهِمْ حِرْصًا عَلَيْهِمْ فَأُكِّدَ لَهُ ما يُقْلِعُ طَمَعَهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقَوْلِهِ ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] . وسَيَجِيءُ في تَفْسِيرِ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الرُّومِ تَوْجِيهٌ لِتَعْدادِ التَّشابِيهِ الثَّلاثَةِ زائِدًا عَلى ما هُنا فانْظُرْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (وما أنْتَ تَهْدِي) بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ في مَوْضِعِ المُوَحَّدَةِ وبِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهاءِ. * * * ﴿إنْ تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهم مُسْلِمُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِتَرَقُّبِ السّامِعِ مَعْرِفَةَ مَن يَهْتَدُونَ بِالقُرْآنِ. والإسْماعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ المَجازِيِّ كَما تَقَدَّمَ. صفحة ٣٨ وأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ مَن يُؤْمِنُ لِيَشْمَلَ مَن آمَنُوا مِن قَبْلُ فَيُفِيدُ المُضارِعُ اسْتِمْرارَ إيمانِهِمْ ومَن سَيُؤْمِنُونَ. وقَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّقْسِيمِ الحاصِلِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] إلى هُنا، أنَّ النّاسَ قِسْمانِ مِنهم مَن طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ وعَلِمَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ حَتّى يُعاجِلَهُ الهَلاكُ ومِنهم مَن كَتَبَ اللَّهُ لَهُ السَّعادَةَ فَيُؤْمِنُ سَرِيعًا أوْ بَطِيئًا قَبْلَ الوَفاةِ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ المُفِيدُ لِلدَّوامِ والثَّباتِ؛ لِأنَّهم إذا آمَنُوا فَقَدْ صارَ الإسْلامُ راسِخًا فِيهِمْ ومُتَمَكِّنًا مِنهم، وكَذَلِكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بِشاشَتُهُ القُلُوبَ.