Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأحزاب 33:53 – سبأ 34:45

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الأحزاب 33:53
  2. الأحزاب 33:54
  3. الأحزاب 33:55
  4. الأحزاب 33:56
  5. الأحزاب 33:57
  6. الأحزاب 33:58
  7. الأحزاب 33:59
  8. الأحزاب 33:60
  9. الأحزاب 33:61
  10. الأحزاب 33:62
  11. الأحزاب 33:63
  12. الأحزاب 33:64
  13. الأحزاب 33:65
  14. الأحزاب 33:66
  15. الأحزاب 33:67
  16. الأحزاب 33:68
  17. الأحزاب 33:69
  18. الأحزاب 33:70
  19. الأحزاب 33:71
  20. الأحزاب 33:72
  21. الأحزاب 33:73
  22. سبأ 34:1
  23. سبأ 34:2
  24. سبأ 34:3
  25. سبأ 34:4
  26. سبأ 34:5
  27. سبأ 34:6
  28. سبأ 34:7
  29. سبأ 34:8
  30. سبأ 34:9
  31. سبأ 34:10
  32. سبأ 34:11
  33. سبأ 34:12
  34. سبأ 34:13
  35. سبأ 34:14
  36. سبأ 34:15
  37. سبأ 34:16
  38. سبأ 34:17
  39. سبأ 34:18
  40. سبأ 34:19
  41. سبأ 34:20
  42. سبأ 34:21
  43. سبأ 34:22
  44. سبأ 34:23
  45. سبأ 34:24
  46. سبأ 34:25
  47. سبأ 34:26
  48. سبأ 34:27
  49. سبأ 34:28
  50. سبأ 34:29
  51. سبأ 34:30
  52. سبأ 34:31
  53. سبأ 34:32
  54. سبأ 34:33
  55. سبأ 34:34
  56. سبأ 34:35
  57. سبأ 34:36
  58. سبأ 34:37
  59. سبأ 34:38
  60. سبأ 34:39
  61. سبأ 34:40
  62. سبأ 34:41
  63. سبأ 34:42
  64. سبأ 34:43
  65. سبأ 34:44
  66. سبأ 34:45

الأحزاب 33:53

صفحة ٨١ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بِيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ . لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ في الآياتِ السّابِقَةِ آدابَ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ أزْواجِهِ فَقَّهَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِآدابِ الأُمَّةِ مَعَهُنَّ، وصَدَّرَ بِالإشارَةِ إلى قِصَّةٍ هي سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وهي ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ صَنَعَ طَعامًا بِخُبْزٍ ولَحْمٍ، ودَعا القَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجاءَ النَّبِيءُ لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، فَجَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ فانْطَلَقَ إلى حُجْرَةِ عائِشَةَ. فَتَقَرّى حُجَرَ نِسائِهِ كُلِّهِنَّ يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ ويَدْعُونَ لَهُ، ثُمَّ إنَّهم قامُوا، فانْطَلَقَتُ فَجِئْتُ فَأخْبَرَتُ النَّبِيءَ ﷺ أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا، فَجاءَ حَتّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أدْخُلُ، فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بِيُوتَ النَّبِيءِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ»﴾ . وفِي حَدِيثٍ آخَرَ في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ أيْضًا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ فَلَوْ أمَرَتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ» . ولَيْسَ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ تَعارُضٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ عُمَرَ كانَ قَبْلَ البِناءِ بِزَيْنَبَ بِقَلِيلٍ ثُمَّ عَقِبَتْهُ قِصَّةُ ولِيمَةِ زَيْنَبَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِإثْرِها. وابْتُدِئَ شَرْعُ الحِجابِ بِالنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا لِطَعامٍ دَعاهم إلَيْهِ لِأنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهُ مَجْلِسٌ يَجْلِسُ في المَسْجِدِ فَمَن كانَ لَهُ مُهِمٌّ عِنْدَهُ يَأْتِيهِ هُنالِكَ. ولَيْسَ ذِكْرُ الدَّعْوَةِ إلى طَعامٍ تَقْيِيدًا لِإباحَةِ دُخُولِ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ لا يَدْخُلُها إلّا المَدْعُوُّ إلى طَعامٍ، ولَكِنَّهُ مِثالٌ لِلدَّعْوَةِ وتَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ كَما جَرى في القَضِيَّةِ الَّتِي هي سَبَبُ النُّزُولِ، فَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ دَعْوَةٍ تَكُونُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وكُلُّ إذْنٍ مِنهُ بِالدُّخُولِ إلى بَيْتِهِ لِغَيْرِ قَصْدِ أنْ يُطْعَمَ مَعَهُ كَما كانَ يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا. ومِن ذَلِكَ «قِصَّةُ أبِي هُرَيْرَةَ صفحة ٨٢ حِينَ اسْتَقْرَأ مِن عُمَرَ آيَةً مِنَ القُرْآنِ وهو يَطْمَعُ أنْ يَدْعُوَهُ عُمَرُ إلى الغَداءِ فَفَتَحَ عَلَيْهِ الآيَةَ، فَإذا رَسُولُ اللَّهِ قائِمٌ عَلى رَأْسِ أبِي هُرَيْرَةَ وقَدْ عَرِفَ ما بِهِ، فانْطَلَقَ بِهِ إلى بَيْتِهِ وأمَرَ لَهُ بِعُسٍّ مِن لَبَنٍ ثُمَّ ثانٍ ثُمَّ ثالِثٍ»، وإنَّما ذَكَرَ الطَّعامَ إدْماجًا لِتَبْيِينِ آدابِهِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ مَثْلُهُ في قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (بِيُوتَ) بِكَسْرِ الباءِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ وغَيْرِها. و(إناهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِالقَصْرِ: إمّا مَصْدَرُ أنى الشَّيْءُ إذا حانَ، يُقالُ: أنى يَأْنِي قالَ تَعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] ومَقْلُوبُهُ: آنْ وهو بِمَعْناهُ. والمَعْنى: غَيْرُ مُنْتَظِرِينَ حُضُورَ الطَّعامِ، أيْ غَيْرُ سابِقِينَ إلى البُيُوتِ وقَبْلَ تَهْيِئَتِهِ. والِاسْتِثْناءُ في ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ الَّتِي يَقْتَضِيها الدُّخُولُ المَنهِيُّ عَنْهُ، أيْ إلّا حالَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم. وضُمِّنَ (يُؤْذَنُ) مَعْنى تَدْعُونَ فَعُدِّيَ بِـ (إلى) فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أنْ تُدْعَوْا إلى طَعامٍ فَيُؤْذَنُ لَكم؛ لِأنَّ الطُّفَيْلِيَّ قَدْ يُؤْذَنُ لَهُ إذا اسْتَأْذَنَ وهو غَيْرُ مَدْعُوٍّ فَهي حالَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ مِنَ الكَلامِ. فالكَلامُ مُتَضَمِّنُ شَرْطَيْنِ هُما: الدَّعْوَةُ، والإذْنُ، فَإنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ تَتَقَدَّمُ عَلى الإذْنِ وقَدْ يَقْتَرِنانِ كَما في حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ. و﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكم) فَهو قَيْدٌ في مُتَعَلِّقِ المُسْتَثْنى فَيَكُونُ قَيْدًا في قَيْدٍ فَصارَتِ القُيُودُ المَشْرُوطَةُ ثَلاثَةٌ. و(ناظِرِينَ) اسْمُ فاعِلٍ مِن نَظَرَ بِمَعْنى انْتَظَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] الآيَةَ. ومَعْنى ذَلِكَ: لا تَحْضُرُوا البُيُوتَ لِلطَّعامِ قَبْلَ تَهْيِئَةِ الطَّعامِ لِلتَّناوُلِ فَتَقْعُدُوا تَنْتَظِرُونَ نُضْجَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ صفحة ٨٣ النَّبِيِّ فَيَدْخُلُونَ قَبْلَ أنْ يُدْرَكَ الطَّعامُ فَيَقْعُدُونَ إلى أنْ يُدْرَكَ ثُمَّ يَأْكُلُونَ ولا يَخْرُجُونَ اهـ. وقَدْ يَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ قَبْلَ قَضِيَّةِ النَّفَرِ الَّذِينَ حَضَرُوا ولِيمَةَ البِناءِ بِزَيْنَبَ فَتَكُونُ تِلْكَ القَضِيَّةُ خاتِمَةَ القَضايا، فَكُنِّيَ بِالِانْتِظارِ عَنْ مُبادَرَةِ الحُضُورِ قَبْلَ إبانِ الأكْلِ. ونُكْتَةُ هَذِهِ الكِنايَةِ تَشْوِيهُ السَّبْقِ بِالحُضُورِ بِجَعْلِهِ نَهَمًا وجَشَعًا وإنْ كانُوا قَدْ يَحْضُرُونَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ النَّهْيُ مُتَوَجِّهًا إلى صَرِيحِ الِانْتِظارِ. ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ التَّأخُّرَ عَنْ إبانِ الطَّعامِ أفْضَلُ فَأرْشَدَ النّاسَ إلى أنَّ تَأخُّرَ الحُضُورِ عَنْ إبانِ الطَّعامِ لا يَنْبَغِي بَلِ التَّأخُّرُ لَيْسَ مِنَ الأدَبِ؛ لِأنَّهُ يَجْعَلُ صاحِبَ الطَّعامِ في انْتِظارٍ، وكَذَلِكَ البَقاءُ بَعْدَ انْقِضاءِ الطَّعامِ فَإنَّهُ تَجاوْزٌ لِحَدِّ الدَّعْوَةِ لِأنَّ الدَّعْوَةَ لِحُضُورِ شَيْءٍ تَقْتَضِي مُفارَقَةَ المَكانِ عِنْدَ انْتِهائِهِ لِأنَّ تَقْيِيدَ الدَّعْوَةِ بِالغَرَضِ المَخْصُوصِ يَتَضَمَّنُ تَحْدِيدَها بِانْتِهاءِ ما دُعِيَ لِأجْلِهِ، وكَذَلِكَ الشَّأْنُ في كُلِّ دُخُولٍ لِغَرَضٍ مِن مُشاوَرَةٍ أوْ مُحادَثَةٍ أوْ سَمَرٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ وكُلُّ ذَلِكَ يَتَحَدَّدُ بِالعُرْفِ وما لا يَثْقُلُ عَلى صاحِبِ المَحَلِّ، فَإنْ كانَ مَحَلٌّ لا يَخْتَصُّ بِهِ أحَدٌ كَدارِ الشُّورى والنّادِي فَلا تَحْدِيدَ فِيهِ. و(طَعِمْتُمْ) مَعْناهُ أكَلْتُمْ، يُقالُ: طَعِمَ فُلانٌ فَهو طاعِمٌ، إذا أكَلَ. والِانْتِشارُ: افْتِعالٌ مِنَ النَّشْرِ، وهو إبْداءُ ما كانَ مَطْوِيًّا، أُطْلِقَ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧] في سُورَةِ الفُرْقانِ. والواوُ في ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ عَطَفٌ عَلى ناظِرِينَ وما بَيْنَهُما مِنَ الِاسْتِدْراكِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وزِيادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ كَما هو الغالِبُ في العَطْفِ عَلى المَنفِيِّ وفي تَصْدِيرِ المَنفِيِّ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ﴾ [الحجرات: ١١] . والِاسْتِئْناسُ: طَلَبُ الأُنْسِ مَعَ الغَيْرِ. واللّامُ في (لِحَدِيثٍ) لِلْعِلَّةِ، أيْ ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِأجْلِ حَدِيثٍ يَجْرِي بَيْنَكم. والحَدِيثُ: الخَبَرُ عَنْ أمْرٍ حَدَثَ، فَهو في الأصْلِ صِفَةٌ حُذِفَ مَوْصُوفُهُا ثُمَّ صفحة ٨٤ غَلَبَتْ عَلى مَعْنى المَوْصُوفِ فَصارَ بِمَعْنى الإخْبارِ عَنْ أمْرٍ حَدَثَ، وتُوسِّعَ فِيهِ فَصارَ الإخْبارُ عَنْ شَيْءٍ ولَوْ كانَ أمْرًا قَدْ مَضى. ومِنهُ سُمِّي ما يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا كَما يُسَمّى خَبَرًا، ثُمَّ تُوسِّعَ فِيهِ فَصارَ يُطْلَقُ عَلى كَلامٍ يَجْرِي بَيْنَ الجُلَساءِ في جِدٍّ أوْ فُكاهَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: حَدِيثُ خُرافَةٍ، وقَوْلُ كَثِيرٍ: أخَذَنا بِاكْتِراثِ الأحادِيثِ تَبْيِينًا . البَيْتَ واسْتِئْناسُ الحَدِيثِ: تَسَمُّعُهُ والعِنايَةُ بِالإصْغاءِ إلَيْهِ، قالَ النّابِغَةُ: كَأنَّ رَحْلِي وقَدْ زالَ النَّهارُ بِنا ∗∗∗ يَوْمَ الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وحَدِ أيْ كَأنِّي راكِبٌ ثَوْرًا وحْشِيًّا مُنْفَرِدًا تَسَمَّعَ صَوْتَ الصّائِدِ فَأسْرَعَ الهُرُوبَ. وإضافَةُ ﴿بِيُوتَ النَّبِيِّ﴾ عَلى مَعْنى لامِ المِلْكِ لِأنَّ تِلْكَ البُيُوتَ مِلْكٌ لَهُ مَلَكَها بِالعَطِيَّةِ مِنَ الَّذِينَ كانَتْ ساحَةُ المَسْجِدِ مِلْكًا لَهم مِنَ الأنْصارِ، وبِالفَيْءِ لِقُبُورِ المُشْرِكِينَ الَّتِي كانَتْ ثَمَّةَ، فَإنَّ المَدِينَةَ فُتِحَتْ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ فَأصْبَحَتْ دارًا لِلْمُسْلِمِينَ. ومَصِيرُ تِلْكَ البُيُوتِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصِيرُ تَرِكَتِهِ كُلِّها، فَإنَّهُ لا يُورَثُ وما تَرَكَهُ يَنْتَفِعُ مِنهُ أزْواجُهُ وآلُهُ بِكِفايَتِهِمْ حَياتَهم ثُمَّ يَرْجِعُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ كَما قَضى بِهِ عُمَرُ بَيْنَ عَلِيٍّ، والعَبّاسِ فِيما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن فَدَكِ ونَخْلِ بَنِي النَّضِيرِ، فَكانَ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ حَقُّ السُّكْنى في بُيُوتِهِنَّ بَعْدَهُ حَتّى تَوَفّاهُنَّ اللَّهُ مِن عِنْدِ آخِرَتِهِنَّ، فَلِذَلِكَ أدْخَلَها الخُلَفاءُ في المَسْجِدِ حِينَ تَوْسِعَتِهِ في زَمَنِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وأمِيرُ المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ. ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ الصَّحابَةِ ولَمْ يُعْطَ ورَثَتُهُنَّ شَيْئًا ولا سَألُوهُ. وإضافَتُها إلى ضَمِيرِهِنَّ في قَوْلِهِ ﴿ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] عَلى مَعْنى لامِ الِاخْتِصاصِ لا لامِ المِلْكِ. قالَ حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ: هَذِهِ الآيَةُ أدَبٌ أدَّبَ اللَّهُ بِهِ الثُّقَلاءَ. وقالَ ابْنُ أبِي عائِشَةَ: حَسْبُكَ مِنَ الثُّقَلاءِ أنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَحْتَمِلْهم. ومَعْنى الثِّقَلِ فِيهِ هو إدْخالُ أحَدٍ القَلَقَ والغَمَّ عَلى غَيْرِهِ مِن جَرّاءِ عَمَلٍ لِفائِدَةِ العامِلِ أوْ لِعَدَمِ الشُّعُورِ بِما يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنَ الحَرَجِ مِن جَرّاءِ ذَلِكَ العَمَلِ. وهو مِن مُساوِي الخُلُقِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ عَنْ عَمْدٍ كانَ ضُرًّا بِالنّاسِ وهو مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مِنَ الأذى وهو ذَرِيعَةٌ لِلتَّباغُضِ عِنْدَ نَفاذِ صَبْرِ المَضْرُورِ فَإنَّ النُّفُوسَ مُتَفاوِتَةٌ في مِقْدارِ صفحة ٨٥ تَحَمُّلِ الأذى، ولِأنَّ المُؤْمِنَ يُحِبُّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ إذا أحَسَّ بِأنَّ قَوْلَهُ أوْ فِعْلَهُ يُدْخِلُ الغَمَّ عَلى غَيْرِهِ أنْ يَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ ولَوْ كانَ يَجْتَنِي مِنهُ مَنفَعَةً لِنَفْسِهِ إذْ لا يُضِرُّ بِأحَدٍ لِيَنْتَفِعَ غَيْرُهُ إلّا أنْ يَكُونَ لِمَن يَأْتِي بِالعَمَلِ حَقٌّ عَلى الآخَرِ فَإنَّ لَهُ طَلَبَهُ مَعَ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ التَّقاضِي، وإنْ كانَ إدْخالُهُ الغَمَّ عَلى غَيْرِهِ عَنْ غَباوَةٍ وقِلَّةِ تَفَطُّنٍ لَهُ فَإنَّهُ مَذْمُومٌ في ذاتِهِ وهو يَصِلُ إلى حَدٍّ يَكُونُ الشُّعُورُ بِهِ بَدِيهِيًّا. ولِلْحُكَماءِ والشُّعَراءِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في الثُّقَلاءِ طَفَحَتْ بِها كُتُبُ أدَبِ الأخْلاقِ. ومُعامَلَةُ النّاسِ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذا الخُلُقِ أشَدُّ بُعْدًا عَنِ الأدَبِ لِأنَّ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوْقاتًا لا تَخْلُو ساعَةٌ مِنها عَنِ الِاشْتِغالِ بِصَلاحِ الأُمَّةِ ويَجِبُ أنْ لا يَشْغِلَ أحَدٌ أوْقاتَهُ إلّا بِإذْنِهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ . والأمْرُ في قَوْلِهِ فادْخُلُوا لِلنَّدْبِ لِأنَّ إجابَةَ الدَّعْوَةِ إلى الوَلِيمَةِ سُنَّةٌ، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ لِلتَّنْزِيهِ لِأنَّ الحُضُورَ قَبْلَ تَهَيُّؤِ الطَّعامِ غَيْرُ مُقْتَضِي لِلدَّعْوَةِ ولا يَتَضَمَّنُهُ الإذْنُ فَهو تَطَفُّلٌ. والأمْرُ في قَوْلِهِ (فانْتَشَرُوا) لِلْوُجُوبِ لِأنَّ دُخُولَ المَنزِلِ بِغَيْرِ إذَنٍ حَرامٌ، وإنَّما جازَ بِمُقْتَضى الدَّعْوَةِ لِلْأكْلِ فَهو إذَنٌ مُقَيِّدُ المَعْنى بِالغَرَضِ المَأْذُونِ لِأجْلِهِ فَإذا انْقَضى السَّبَبُ المُبِيحُ لِلدُّخُولِ عادَ تَحْرِيمُ الدُّخُولِ إلى أصْلِهِ، إلّا أنَّهُ نَظَرِيٌّ قَدْ يُغْفَلُ عَنْهُ لِأنَّ أصْلَهُ مَأْذُونٌ فِيهِ والمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا لا يَتَقَيَّدُ بِالسَّلامَةِ إلّا إذا تَجاوَزَ الحَدَّ المَعْرُوفَ تَجاوُزًا بَيِّنًا. وعَطْفُ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ راجِعٌ إلى هَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِ (فانْتَشِرُوا) فَلِذَلِكَ ذُكِرَ عَقِبَهُ فَإنَّ اسْتِدامَةَ المُكْثِ في مَعْنى الدُّخُولِ، فَذُكِرَ بِإثْرِهِ وحَصَلَ تَفَنُّنٌ في الكَلامِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ طَعامَ الوَلِيمَةِ وطَعامَ الضِّيافَةِ مِلْكٌ لِلْمُتَضَيِّفِ ولَيْسَ مِلْكًا لِلْمَدْعُوِّينَ ولا لِلْأضْيافِ لِأنَّهم إنَّما أُذِنَ لَهم في الأكْلِ مِنهُ خاصَّةً ولَمْ يَمْلِكُوهُ فَلِذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ رَفْعُ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ مَعَهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْذِيرِ ودَفْعِ الِاغْتِرارِ بِسُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَحْسَبُوهُ رَضِيَ بِما فَعَلُوا. فَمَناطُ التَّحْذِيرِ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ فَإنَّ أذى النَّبِيِّ ﷺ مُقَرَّرٌ في نُفُوسِهِمْ صفحة ٨٦ أنَّهُ عَمَلٌ مَذْمُومٌ لِأنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعَزُّ خَلْقٍ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحَرُّزَ مِمّا يُؤْذِيهِ أدْنى أذًى. ومَناطُ دَفْعِ الِاغْتِرارِ قَوْلُهُ ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ فَإنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَظُنُّهُ النّاسُ رِضًى وإذْنًا ورُبَّما تَطَرَّقَ إلى أذْهانِ بَعْضِهِمْ أنَّ جُلُوسَهم لَوْ كانَ مَحْظُورًا لَما سَكَتَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأرْشَدَ اللَّهُ إلى أنَّ السُّكُوتَ النّاشِئَ عَنْ سَبَبٍ هو سُكُوتٌ لا دَلالَةَ لَهُ عَلى الرِّضى وأنَّهُ إنَّما سَكَتَ حَياءً مِن مُباشَرَتِهِمْ بِالإخْراجِ فَهو اسْتِحْياءٌ خاصٌّ مِن عَمَلٍ خاصٍّ. وإنَّما كانَ ذَلِكَ مُؤْذِيًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ فِيهِ ما يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّفَرُّغِ لِشُئُونِ النُّبُوءَةِ مِن تَلَقِّي الوَحْيِ أوِ العِبادَةِ أوْ تَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ أوِ التَّأخُّرِ عَنِ الجُلُوسِ في مَجْلِسِهِ لِنَفْعِ المُسْلِمِينَ ولِشُئُونِ ذاتِهِ وبَيْتِهِ وأهْلِهِ. واقْتِرانُ الخَبَرِ بِحَرْفِ إنَّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن تَنْزِيلِ غَيْرِ المُتَرَدِّدِ مَنزَلَةَ المُتَرَدِّدِ لِأنَّ حالَ النَّفَرِ الَّذِينَ أطالُوا الجُلُوسَ والحَدِيثَ في بَيْتِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمَ شُعُورِهِمْ بِكَراهِيَّتِهِ ذَلِكَ مِنهم حِينَ دَخَلَ البَيْتَ فَلَمّا وجَدَهم خَرَجَ، فَغَفَلُوا عَمّا في خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ البَيْتِ مِن إشارَةٍ إلى كَراهِيَّتِهِ بَقاءَهم. تِلْكَ حالَةُ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ مَأْذُونًا فِيهِ فَخُوطِبُوا بِهَذا الخِطابِ تَشْدِيدًا في التَّحْذِيرِ واسْتِفاقَةً مِنَ التَّغْرِيرِ. وإقْحامُ فِعْلِ (كانَ) لِإفادَةِ تَحْقِيقِ الخَبَرِ. وصِيغَ (يُؤْذِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ دُونَ اسْمِ الفاعِلِ لِقَصْدِ إفادَةِ أذًى مُتَكَرِّرٍ، والتَّكْرِيرُ كِنايَةٌ عَنِ الشِّدَّةِ. والأذى: ما يُكَدِّرُ مَفْعُولُهُ ويُسِيءُ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] في آلِ عِمْرانَ، وهو مَراتِبُ مُتَفاوِتَةٌ في أنْواعِهِ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مُقَدَّرٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ القِصَّةُ. والتَّقْدِيرُ: فَيَهِمُّ بِإخْراجِكم فَيَسْتَحْيِي مِنكم إذْ لَيْسَ الِاسْتِحْياءُ مُفَرَّعًا عَلى الإيذاءِ ولا هو مِن لَوازِمِهِ. ودُخُولُ (مِن) المُتَعَلِّقَةِ بِـ (يَسْتَحْيِي) عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ يَسْتَحْيِي مِن إعْلامِكم بِأنَّهُ يُؤْذِيهِ. وتَعْدَيَةُ المُشْتَقّاتِ مِن مادَّةِ الحَياءِ إلى الذَّواتِ شائِعٌ يُساوِي الحَقِيقَةَ لِأنَّ صفحة ٨٧ الِاسْتِحْياءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الذَّواتِ، فَقَوْلُكَ: أرَدْتُ أنْ أفْعَلَ كَذا فاسْتَحَيْتُ مِن فُلانٍ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحَقِيقَةُ هي التَّعْلِيقَ بِذاتِ فُلانٍ وأنْ تَكُونَ هي التَّعْلِيقَ بِالأحْوالِ المُلابَسَةِ لَهُ الَّتِي هي سَبَبُ الِاسْتِحْياءِ لِأجْلِ مُلابَسَتِها لَهُ. ولَكَ أنْ تَقُولَ: اسْتَحْيَيْتُ أنْ أفْعَلَ كَذا بِمَرْأى فُلانٍ. وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ تَكُونُ (مِن) لِلتَّعْلِيلِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي تَكُونُ (مِن) لِلِابْتِداءِ. وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ يَقْتَضِي أنَّ: اسْتَحْيَيْتُ مِن فُلانٍ مَجازٌ أوْ تَوَسُّعٌ، وأنَّ: اسْتَحْيَيْتُ مِن فِعْلِ كَذا لِأجْلِ فُلانٍ هو الحَقِيقَةُ. وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ الكَشْفِ عَكْسُ ذَلِكَ والأمْرُ هَيِّنٌ. وصِيغَ فِعْلُ يَسْتَحْيِي بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلى يُؤْذِي النَّبِيءَ لِيَدُلَّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المُفَرَّعُ هو عَلَيْهِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُكُوتَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الفِعْلِ الواقِعِ بِحَضْرَتِهِ إذا كانَ تَعَدِّيًا عَلى حَقٍّ لِذاتِهِ لا يَدُلُّ سُكُوتُهُ فِيهِ عَلى جَوازِ الفِعْلِ لِأنَّ لَهُ أنْ يُسامِحَ في حَقِّهِ، ولَكِنْ يُؤْخَذُ الحَظْرُ أوِ الإباحَةُ في مَثَلِهِ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى هُنا ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ﴾ ولِذَلِكَ جَزَمَ عُلَماؤُنا بِأنَّ مَن آذى النَّبِيَّ ﷺ بِالصَّراحَةِ أوِ الِالتِزامِ يُعَزَّرُ عَلى ذَلِكَ بِحَسَبِ مَرْتَبَةِ الأذى والقَصْدِ إلَيْهِ بَعْدَ تَوْقِيفِهِ عَلى الخَفِيِّ مِنهُ وعَدَمِ التَّوْبَةِ مِمّا تُقْبَلُ في مِثْلِهِ التَّوْبَةُ مِنهُ. ولَمْ يَجْعَلُوا في إعْراضِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ مُؤاخَذَةِ مَن آذاهُ في حَياتِهِ دَلِيلًا عَلى مَشْرُوعِيَّةِ تَسامُحِ الأُمَّةِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْ حَقِّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى فاعْفُ عَنْهم وقَوْلِهِ ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ. فَهَذا مِلاكُ الجَمْعِ بَيْنَ الإيذاءِ والِاسْتِحْياءِ والحَقِّ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقَدَ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى الذَّبَّ عَنْ حَقِّ رَسُولِهِ وكَفاهُ مُؤْنَةَ المَضَضِ الدّاعِي إلَيْهِ حَياؤُهُ. وقَدْ حَقَّقَ هَذا المَعْنى وما يَحْفُ بِهِ القاضِي أبُو الفَضْلِ عِياضٌ في تَضاعِيفِ القِسْمِ الرّابِعِ مِن كِتابِهِ الشِّفاءِ. فَإنْ قُلْتَ ورَدَ في الحَدِيثِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ البَيْتِ لِيَقُومَ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ قَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ»، فَلِماذا لَمْ يَأْمُرْهم بِالخُرُوجِ بَدَلًا مِن خُرُوجِهِ هو. قُلْتُ: لِأنَّ خُرُوجَهُ غَيْرُ صَرِيحٍ في كَراهِيَّتِهِ جُلُوسَهم؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ آخَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ انْفِضاضِ المَجْلِسِ فَكانَ مِن واجِبِ الألْمَعِيَّةِ أنْ يَخْطُرَ صفحة ٨٨ بِبالِهِمْ أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ فَيَتَحَفَّزُوا لِلْخُرُوجِ فَلَيْسَ خُرُوجُهُ عَنْهم بِمُنافٍ لِوَصْفِ حَيائِهِ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ سُوءُ أدَبٍ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ فَإذا كانَ يَسْتَحْيِي مِنكم فَلا يُباشِرُكم بِالإنْكارِ تَرْجِيحًا مِنهُ لِلْعَفْوِ عَنْ حَقِّهِ عَلى المُؤاخَذَةِ بِهِ فَإنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ لِأنَّ أسْبابَ الحَياءِ بَيْنَ الخَلْقِ مُنْتَفِيَةٌ عَنِ الخالِقِ سُبْحانَهُ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] . وصِيغَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلى بِناءِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُخالِفَةً لِلْمَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها فَلَمْ يَقُلْ: ولا يَسْتَحْيِي اللَّهُ مِنَ الحَقِّ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الوَصْفَ ثابِتٌ دائِمٌ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ الحَقَّ مِن صِفاتِهِ، فانْتِفاءُ ما يَمْنَعُ تَبْلِيغَهُ هو أيْضًا مِن صِفاتِهِ لِأنَّ كُلَّ صِفَةٍ يَجِبُ اتِّصافُ اللَّهِ بِها فَإنَّ ضِدَّها يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى. والتَّعْرِيفُ في (الحَقِّ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادِ مِنهُ الِاسْتِغْراقُ مِثْلَ التَّعْرِيفِ في الحَمْدُ لِلَّهِ. والمَعْنى: واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِن جَمِيعِ أفْرادِ جِنْسِ الحَقِّ. والحَقُّ: ضِدُّ الباطِلِ. فَمِنهُ حَقُّ اللَّهِ وحَقُّ الإسْلامِ، وحَقُّ الأُمَّةِ جَمْعاءَ في مَصالِحِها وإقامَةِ آدابِها، وحَقُّ كُلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الأُمَّةِ فِيما هو مِن مَنافِعِهِ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْهُ. ويَشْتَمِلُ حَقُّ النَّبِيءِ ﷺ في بَيْتِهِ وأوْقاتِهِ، وبِهَذا العُمُومِ في الحَقِّ صارَتِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ. و(مِن) في قَوْلِهِ مِنَ الحَقِّ لَيْسَتْ مِثْلَ (مِن) الَّتِي في قَوْلِهِ فَيَسْتَحْيِي مِنكم لِأنَّ (مِن) هَذِهِ مُتَعَيِّنَةٌ لِكَوْنِها لِلتَّعْلِيلِ إذِ الحَقُّ لا يُسْتَحْيى مِن ذاتِهِ فَمَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ أنَّهُ لا يَسْتَحْيِي لِبَيانِهِ وإعْلانِهِ. وقَدْ أفادَ قَوْلُهُ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ أنَّ مِن واجِباتِ دِينِ اللَّهِ عَلى الأُمَّةِ أنْ لا يَسْتَحْيِي أحَدٌ مِنَ الحَقِّ الإسْلامِيِّ في إقامَتِهِ، وفي مَعْرِفَتِهِ إذا حَلَّ بِهِ ما يَقْتَضِي مَعْرِفَتَهُ، وفي إبْلاغِهِ وهو تَعْلِيمُهُ، وفي الأخْذِ بِهِ، إلّا فِيما يَرْجِعُ إلى الحُقُوقِ الخاصَّةِ الَّتِي يَرْغَبُ أصْحابُها في إسْقاطِها أوِ التَّسامُحِ فِيها مِمّا لا يَغْمِصُ صفحة ٨٩ حَقًّا راجِعًا إلى غَيْرِهِ لِأنَّ النّاسَ مَأْمُورُونَ بِالتَّخَلُّقِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى اللّائِقَةِ بِأمْثالِهِمْ بِقَدْرِ الإمْكانِ. وهَذا المَعْنى فَهِمَتْهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وأقَرَّها النَّبِيُّ ﷺ عَلى فَهْمِها، فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: جاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إلى النَّبِيِّ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ فَهَلْ عَلى المَرْأةِ مِن غُسْلٍ إذا احْتَلَمَتْ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: نَعَمْ إذا رَأتِ الماءَ» . فَهي لَمْ تَسْتَحِ في السُّؤالِ عَنِ الحَقِّ المُتَعَلِّقِ بِها والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَسْتَحِ في إخْبارِها بِذَلِكَ. ولَعَلَّها لَمْ تَجِدْ مَن يَسْألُ لَها أوْ لَمْ تَرَ لِزامًا أنْ تَسْتَنِيبَ عَنْها مَن يَسْألُ لَها عَنْ حُكْمٍ يَخُصُّ ذاتَها. وقَدْ رَأى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ الجَمْعَ بَيْنَ طَلَبِ الحَقِّ وبَيْنَ الِاسْتِحْياءِ، فَفي المُوَطَّأِ عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أمَرَهُ أنْ يَسْألَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إذا دَنا مَن أهْلِهِ فَخَرَجَ مِنهُ المَذْيُ ماذا عَلَيْهِ ؟ قالَ عَلِيٌّ: فَإنَّ عِنْدِي ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ وأنا أسْتَحْيِي أنْ أسْألَهُ» الحَدِيثَ. عَلى أنَّ بَيْنَ قَضِيَّةِ أُمِّ سُلَيْمٍ وقَضِيَّةِ عَلِيٍّ تَفاوُتًا مِن جِهاتٍ في مُقْتَضى الِاسْتِحْياءِ لا تَخْفى عَلى المُتَبَصِّرِ. واعْلَمْ أنَّ في وُرُودِ (يُؤْذِي) هُنا ما يُبْطِلُ المِثالَ الَّذِي أُورَدَهُ ابْنُ الأثِيرِ في كِتابِ المَثَلِ السّائِرِ شاهِدًا عَلى أنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَرُوقُ السّامِعَ في كَلامٍ ثُمَّ تَكُونُ هي بِعَيْنِها مَكْرُوهَةً لِلسّامِعِ. وجاءَ بِكَلِمَةِ (يُؤْذِي) في هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُها تُؤْذِي في قَوْلِ المُتَنَبِّي: تَلَذُّ لَهُ المُرُؤَةُ وهي تُوذِي وزَعَمَ أنَّ وجُودَها في البَيْتِ يَحُطُّ مِن قَدْرِ المَعْنى الشَّرِيفِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ البَيْتُ وأحالَ في الجَزْمِ بِذَلِكَ عَلى الطَّبْعِ السَّلِيمِ، ولا أحْسَبُ هَذا الحُكْمَ إلّا غَضَبًا مِنِ ابْنِ الأثِيرِ لا تُسَوِّغُهُ صِناعَةٌ ولا يَشْهَدُ بِهِ ذَوْقٌ، ولَقَدْ صَرَفَ أيِمَّةُ الأدَبِ هَمَّهم إلى بَحْثِ شِعْرِ المُتَنَبِّي ونَقْدِهِ فَلَمْ يَعُدَّ عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهم هَذا مُنْتَقَدًا، مَعَ اعْتِرافِ ابْنِ الأثِيرِ بِأنَّ مَعْنى البَيْتِ شَرِيفٌ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا أنْ يَزْعُمَ أنَّ كَراهَةَ هَذا اللَّفْظِ فِيهِ راجِعَةٌ إلى أمْرٍ لَفْظِيٍّ مِنَ الفَصاحَةِ، ولَيْسَ في البَيْتِ شَيْءٌ مِنَ الإخْلالِ بِالفَصاحَةِ صفحة ٩٠ وكَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقَفِّيَ عَلى قَدَمِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ فِيما ذَكَرَ في الفَصْلِ الَّذِي جَعَلَهُ ثانِيًا مِن كِتابِ دَلائِلِ الإعْجازِ فَإنَّ ما انْتَقَدَهُ الشَّيْخُ في ذَلِكَ الفَصْلِ مِن مَواقِعِ بَعْضِ الكَلِماتِ لا يَخْلُو مِن رُجُوعِ نَقْدِهِ إيّاهُ إلى أُصُولِ الفَصاحَةِ أوْ أُصُولِ تَناسُبِ مَعانِيَ الكَلِماتِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ في نَظْمِ الكَلامِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ الصَّنِيعَيْنِ. * * * ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ فَهي زِيادَةُ بَيانٍ لِلنَّهْيِ عَنْ دُخُولِ البُيُوتِ النَّبَوِيَّةِ وتَحْدِيدٌ لِمِقْدارِ الضَّرُورَةِ الَّتِي تَدْعُو إلى دُخُولِها أوِ الوُقُوفِ بِأبْوابِها. وهَذِهِ الآيَةُ هي شارِعَةُ حُكْمِ حِجابِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ. وضَمِيرُ سَألْتُمُوهُنَّ عائِدٌ إلى الأزْواجِ المَفْهُومِ مَن ذِكْرِ البُيُوتِ في قَوْلِهِ بِيُوتَ النَّبِيءِ فَإنَّ لِلْبُيُوتِ رَبّاتَهُنَّ وزَوْجُ الرَّجُلِ هي رَبَّةُ البَيْتِ، قالَ مُرَّةُ بْنُ مَحْكانِ التَّمِيمِيُّ: يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ ضُمِّي إلَيْكِ رِجالَ الحَيِّ والغُرْبا وقَدْ كانُوا لا يَبْنِي الرَّجُلُ بَيْتًا إلّا إذا أرادَ التَّزَوُّجَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كُنْتُ عَزَبًا أبَيْتُ في المَسْجِدِ» . ومِن أجْلِ ذَلِكَ سَمَّوُ الزِّفافَ بِناءً. فَلا جَرَمَ كانَتِ المَرْأةُ والبَيْتُ مُتَلازِمَيْنِ فَدَلَّتِ البُيُوتُ عَلى الأزْواجِ بِالِالتِزامِ. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ [الواقعة: ٣٦] ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ [الواقعة: ٣٧] ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٣٨] فَإنَّ ذِكْرَ الفُرُشِ يَسْتَلْزِمُ أنَّ لِلْفِراشِ امْرَأةً، فَلَمّا ذَكَرَ البُيُوتَ هُنا تَبادَرَ أنَّ لِلْبُيُوتِ رَبّاتٍ. والمَتاعُ: ما يُحْتاجُ إلى الِانْتِفاعِ بِهِ مِثْلَ عارِيَةِ الأوانِي ونَحْوِها، ومِثْلَ سُؤالِ العُفاةِ ويَلْحَقُ بِذَلِكَ ما هو أوْلى بِالحُكْمِ مِن سُؤالٍ عَنِ الدِّينِ أوْ عَنِ القُرْآنِ، وقَدْ كانُوا يَسْألُونَ عائِشَةَ عَنْ مَسائِلِ الدِّينِ. صفحة ٩١ والحِجابُ: السِّتْرُ المُرَخى عَلى بابِ البَيْتِ. وكانَتِ السُّتُورُ مُرَخاةً عَلى أبْوابِ بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ الشّارِعَةِ إلى المَسْجِدِ. وقَدْ ورَدَ ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ في حَدِيثِ الوَفاةِ حِينَ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى النّاسِ وهم في الصَّلاةِ فَكَشَفَ السِّتْرَ ثُمَّ أرْخى السِّتْرَ» . ومِن وراءِ حِجابٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ (فاسْألُوهُنَّ) فَهو قَيْدٌ في السّائِلِ والمَسْئُولِ المُتَعَلِّقِ ضَمِيراهُما بِالفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ المَجْرُورُ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ. والوَراءُ: مَكانُ الخَلْفِ وهو مَكانٌ نِسْبِيٌّ بِاعْتِبارِ المُتَّجِهِ إلى جِهَةٍ، فَوَراءَ الحِجابِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَّجِهِينَ إلَيْهِ فالمَسْئُولَةُ مُسْتَقْبِلَةٌ حِجابَها والسّائِلُ مِن وراءِ حِجابِها والعَكْسُ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى المَذْكُورِ، أيِ السُّؤالُ المُقَيَّدُ بِكَوْنِهِ مِن وراءِ حِجابٍ. واسْمُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ (أطْهَرُ) مُسْتَعْمَلٌ لِلزِّيادَةِ دُونَ التَّفْضِيلِ. والمَعْنى: ذَلِكَ أقْوى طَهارَةً لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ فَإنَّ قُلُوبَ الفَرِيقَيْنِ طاهِرَةٌ بِالتَّقْوى وتَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ وحُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنْ لَمّا كانَتِ التَّقْوى لا تَصِلُ بِهِمْ إلى دَرَجَةِ العِصْمَةِ أرادَ اللَّهُ أنْ يَزِيدَهم مِنها بِما يُكْسِبُ المُؤْمِنِينَ مَراتِبَ مِنَ الحِفْظِ الإلَهِيِّ مِنَ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ بِقَطْعِ أضْعَفِ أسْبابِها وما يُقَرِّبُ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مِن مَرْتَبَةِ العِصْمَةِ الثّابِتَةِ لِزَوْجِهِنَّ ﷺ فَإنَّ الطَّيِّباتِ لِلطَّيِّبِينَ بِقَطْعِ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ بِقَطْعِ دابِرِها ولَوْ بِالفَرْضِ. وأيْضًا فَإنَّ لِلنّاسِ أوْهامًا وظُنُونًا سُوأى تَتَفاوَتُ مَراتِبُ نُفُوسِ النّاسِ فِيها صَرامَةً، ووَهْنًا، ووِفاقًا وضَعْفًا، كَما وقَعَ في قَضِيَّةِ الإفْكِ المُتَقَدِّمَةِ في سُورَةِ النُّورِ فَكانَ شَرْعُ حِجابِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ قاطِعًا لِكُلِّ تَقَوُّلٍ وإرْجافٍ أوْ بِغَيْرِ عَمْدٍ. ووَراءَ هَذِهِ الحِكَمِ كُلِّها حِكْمَةٌ أُخْرى سامِيَةٌ وهي زِيادَةُ تَقْرِيرِ أُمُومَتِهِنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي هي أُمُومَةٌ جَعْلِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ. بِحَيْثُ إنَّ ذَلِكَ المَعْنى الجَعْلِيَّ الرُّوحِيَّ وهو كَوْنُهُنَّ أُمَّهُاتِ المُؤْمِنِينَ يَرْتَدُّ ويَنْعَكِسُ إلى باطِنِ النَّفْسِ وتَنْقَطِعُ عَنْهُ الصُّوَرُ الذّاتِيَّةُ وهَيَ كُونُهُنَّ فُلانَةً أوْ فُلانَةً فَيُصْبِحْنَ غَيْرَ مُتَصَوِّراتٍ إلّا بِعُنْوانِ الأُمُومَةِ فَلا يَزالُ ذَلِكَ المَعْنى الرُّوحِيُّ يُنْمِي في النُّفُوسِ، ولا تَزالُ الصُّورَةُ الحِسِّيَّةُ صفحة ٩٢ تَتَضاءَلُ مِنَ القُوَّةِ المُدْرَكَةِ حَتّى يُصْبِحَ مَعْنى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ مَعْنًى قَرِيبًا في النُّفُوسِ مِن حَقائِقِ المُجَرَّداتِ كالمَلائِكَةِ، وهَذِهِ حِكْمَةٌ مِن حِكَمِ الحِجابِ الَّذِي سَنَّهُ النّاسُ لِمُلُوكِهِمْ في القِدَمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْخَلَ لِطاعَتِهِمْ في نُفُوسِ الرَّعِيَّةِ. وبِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ الآيَةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُها مِن قَوْلِهِ يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ تَحَقَّقَ مَعْنى الحِجابِ لِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ المُرَكَّبِ مِن مُلازَمَتِهِنَّ بُيُوتَهُنَّ وعَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِن ذَواتِهِنَّ حَتّى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وهو حِجابٌ خاصٌّ بِهِنَّ لا يَجِبُ عَلى غَيْرِهِنَّ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَقْتَدُونَ بِأُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ ورَعًا وهم مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ عَلى حَسَبِ العاداتِ، ولَمّا أنْشَدَ النُّمَيْرِيُّ عِنْدَ الحَجّاجِ قَوْلَهُ: يُخَمِّرْنَ أطْرافَ البَنانِ مِنَ التُّقى ∗∗∗ ويَخْرُجْنَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُعْتَجِراتٍ قالَ الحَجّاجُ: وهَكَذا المَرْأةُ الحُرَّةُ المُسْلِمَةُ. ودَلَّ قَوْلُهُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ أنَّ الأمْرَ مُتَوَجِّهٌ لِرِجالِ الأُمَّةِ ولِنِساءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى السَّواءِ. وقَدْ أُلْحِقَ بِأزْواجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ بِنْتُهُ فاطِمَةُ فَلِذَلِكَ لَمّا خَرَجُوا بِجِنازَتِها جَعَلُوا عَلَيْها قُبَّةً حَتّى دُفِنَتْ، وكَذَلِكَ قُبَّةٌ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. * * * ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ لَمّا جِيءَ في بَيانِ النَّهْيِ عَنِ المُكْثِ في بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ يُؤْذِيِهِ أُتْبِعَ بِالنَّهْيِ عَنْ أذى النَّبِيءِ ﷺ نَهْيًا عامًا، فالخِطابُ في لَكم لِلْمُؤْمِنِينَ المُفْتَتَحِ بِخِطابِهِمْ آيَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بِيُوتَ النَّبِيِّ إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ أوْ هي واوُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ وجُمْلَةِ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] . ودَلَّتْ جُمْلَةُ (ما كانَ لَكم) عَلى الحَظْرِ المُؤَكَّدِ لِأنَّ (ما كانَ لَكم) نَفْيٌ لِلِاسْتِحْقاقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ اللّامُ، وإقْحامُ فِعْلِ كانَ لِتَأْكِيدِ انْتِفاءِ الإذْنِ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ مِن صِيَغِ شِدَّةِ التَّحْرِيمِ. صفحة ٩٣ وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حُكْمَيْنِ: أحَدُهُما: تَحْرِيمُ أنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، والأذى: قَوْلٌ يُقالُ لَهُ، أوْ فِعْلٌ يُعامَلُ بِهِ، مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْضِبَهُ أوْ يَسُوءُهُ لِذاتِهِ. والأذى تَقَدَّمَ في أوَّلِ هَذِهِ الآياتِ آنِفًا. والمَعْنى: أنَّ أذى النَّبِيِّ ﷺ مَحْظُورٌ عَلى المُؤْمِنِينَ. وانْظُرِ البابَ الثّالِثَ مِنَ القَسْمِ الثّانِي مِن كِتابِ الشِّفاءِ لِعِياضٍ. والحُكْمُ الثّانِي: تَحْرِيمُ أزْواجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى النّاسِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾ وهو تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ أُمُومَةِ أزْواجِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّالِفِ في قَوْلِهِ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] . وقَدْ حُكِيَتْ أقْوالٌ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: مِنها أنَّ رَجُلًا قالَ: لَوْ ماتَ مُحَمَّدٌ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، أيْ قالَ بِمَسْمَعٍ مِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُ فَقِيلَ هَذا الرَّجُلُ مِنَ المُنافِقِينَ وهَذا هو المَظْنُونُ بِقائِلِ ذَلِكَ. وقِيلَ هو مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ خَطَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. وذَكَرُوا رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ هَفْوَةٌ مِنهُ وتابَ وكَفَّرَ بِالحَجِّ ماشِيًا وبِإعْتاقِ رِقابٍ كَثِيرَةٍ وحَمَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ عَلى عَشَرَةِ أفْراسٍ أوْ أبْعِرَةٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ واللَّهُ عاصِمُهُ مِن ذَلِكَ، أيْ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ صُدُورِ القَوْلِ مِنهُ فَأمّا إنْ كانَ خَطَرَ لَهُ ذَلِكَ في نَفْسِهِ فَذَلِكَ خاطِرٌ شَيْطانِيٌّ أرادَ تَطْهِيرَ قَلْبَهُ فِيهِ بِالكَفّاراتِ الَّتِي أعْطاها إنْ صَحَّ ذَلِكَ. وأقُولُ لا شَكَّ أنَّهُ مِن مَوْضُوعاتِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ في طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وهَذِهِ الأخْبارُ واهِيَةُ الأسانِيدِ ودَلائِلُ الوَضْعِ واضِحَةٌ فَإنَّ طَلْحَةَ إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ بِلِسانِهِ لَمْ يَكُنْ لِيَخْفى عَلى النّاسِ فَكَيْفَ يَتَفَرَّدُ بِرِوايَتِهِ مَنِ انْفَرَدَ. وإنْ كانَ خَطَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فَمَن ذا الَّذِي اطَّلَعَ عَلى ما في قَلْبِهِ، ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ أنْ يَكُونَ لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ سَبَبٌ. فَإنْ كانَ لَها سَبَبٌ فَلا شَكَّ أنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ المُنافِقِينَ لِما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَ هَذِهِ الآياتِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] الآيَةَ. وإنَّما شَرَعَتِ الآيَةُ أنَّ حُكْمَ أُمُومَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُؤْمِنِينَ حُكْمٌ دائِمٌ في حَياةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ مِن بَعْدِهِ ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ حُكْمٌ ثابِتٌ مِن بَعْدُ صفحة ٩٤ لِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ في حَياتِهِ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وإضافَةُ البَعْدِيَّةِ إلى ضَمِيرِ ذاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تُعِيِّنُ أنَّ المُرادَ بَعْدَ حَياتِهِ كَما هو الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ مِثْلِ هَذِهِ الإضافَةِ فَلَيْسَ المُرادُ بَعْدَ عِصْمَتِهِ مِن نَحْوِ الطَّلاقِ لِأنَّ طَلاقَ النَّبِيِّ ﷺ أزْواجَهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ شَرْعًا لِقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] . وأُكِّدَ ظَرْفُ (بَعْدُ) بِإدْخالِ (مِن) الزّائِدَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُكِّدَ عُمُومُهُ بِظَرْفِ (أبَدًا) لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَطَرَّقُهُ النُّسَخُ ثُمَّ زِيدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَحْذِيرًا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، فَهو اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ . والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِن إيذاءِ النَّبِيِّ ﷺ وتَزَوُّجِ أزْواجِهِ، أيْ ذَلِكُمُ المَذْكُورُ. والعَظِيمُ هُنا في الإثْمِ والجَرِيمَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ. وتَقْيِيدُ العَظِيمِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ اللَّهِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّخْوِيفِ؛ لِأنَّهُ عَظِيمٌ في الشَّناعَةِ. وعِلَّةُ كَوْنِ تَزَوَّجِ أحَدِ المُسْلِمِينَ إحْدى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ إثْمًا عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ نِساءَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُمَّهاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّ تَزَوُّجَ أحَدِ المُسْلِمِينَ إحْداهُنَّ لَهُ حُكْمُ تَزَوُّجِ المَرْءِ أُمَّهُ، وذَلِكَ إثْمٌ عَظِيمٌ. واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ هَلِ التَّحْرِيمُ الَّذِي في الآيَةِ يَخْتَصُّ بِالنِّساءِ اللّاتِي بَنى بِهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ هو يَعُمُّ كُلَّ امْرَأةٍ عَقَدَ عَلَيْها مِثْلَ الكِنْدِيَّةِ الَّتِي اسْتَعاذَتْ مِنهُ فَقالَ لَها: الحَقِي بِأهْلِكِ، فَتَزَوَّجَها الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومِثْلَ قُتَيْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ الكَلْبِيَّةِ الَّتِي زَوَّجَها أخُوها الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَمَلَها مَعَهُ إلى حَضْرَمَوْتَ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ قُفُولِهِما فَتَزَوَّجَها عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهِلٍ وأنَّ أبا بَكْرٍ هَمَّ بِعِقابِهِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِها. والمَرْوِيّاتُ في هَذا البابِ ضَعِيفَةٌ. والَّذِي عِنْدِي أنَّ البِناءَ والعَقْدَ كانا يَكُونانِ مُقْتَرَنَيْنِ وأنَّ ما يَسْبِقُ البِناءَ مِمّا يُسَمُّونَهُ تَزْوِيجًا فَإنَّما هو مُراكَنَةٌ ووَعْدٌ ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمّا أُحْضِرَتْ إلَيْهِ الكِنْدِيَّةُ ودَخَلَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ صفحة ٩٥ لَها: هَبِي لِي نَفْسَكِ أيْ لِيَعْلَمَ أنَّها رَضِيَتْ بِما عَقَدَ لَها ولِيُّها فَقالَتْ: ما كانَ لِمَلِكَةٍ أنْ تَهَبَ نَفْسَها لِسُوقَةٍ أعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ. فَقالَ لَها: لَقَدِ اسْتَعَذْتِ بِمُعاذٍ» . فَذَلِكَ لَيْسَ بِطَلاقٍ ولَكِنَّهُ رُجُوعٌ عَنِ التَّزَوُّجِ بِها دالٌّ عَلى أنَّ العَقْدَ لَمْ يَقَعْ وأنَّ قَوْلَ عُمَرَ، لِأبِي بَكْرٍ أوْ قَوْلُ مَن قالَ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَدْخُلْ بِها هو كِنايَةٌ عَنِ العَقْدِ. وعَنِ الشّافِعِيِّ تَحْرِيمُ تَزَوُّجِ مَن عَقَدَ عَلَيْها النَّبِيءُ ﷺ . ورَجَعَ إمامُ الحَرَمَيْنِ، والرّافِعِيُّ أنَّ التَّحْرِيمَ قاصِرٌ عَلى الَّتِي دَخَلَ بِها. عَلى أنَّهُ يَظْهَرُ أنَّ الإضافَةَ في قَوْلِهِ (أزْواجَهُ) بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، أيِ الأزْواجَ اللّائِي في شَأْنِهِنَّ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَهُنَّ اللّاءِ ثَبَتَ لَهُنَّ حُكْمُ الأُمَّهاتِ. وبَعْدُ فَإنَّ البَحْثَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُجَرَّدُ تَفَقُّهٍ لا يُبْنى عَلَيْهِ عَمَلٌ.

الأحزاب 33:54

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . كَلامٌ جامِعٌ تَحْرِيضًا وتَحْذِيرًا ومُنْبِئٌ عَنْ وعِيدٍ، فَإنَّ ما قَبْلَهُ قَدْ حَوى أمْرًا ونَهْيًا، وإذا كانَ الِامْتِثالُ مُتَفاوِتًا في الظّاهِرِ والباطِنِ وبِخاصَّةٍ في النَّوايا والمُضْمَراتِ كانَ المَقامُ مُناسِبًا لِتَنْبِيهِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ مَطَّلِعٌ عَلى كُلِّ حالٍ مِن أحْوالِهِمْ في ذَلِكَ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ، فالمُرادُ مِن (شَيْئًا) الأوَّلِ شَيْءٌ مِمّا يُبْدُونَهُ أوْ يُخْفُونَهُ وهو يَعُمُّ كُلَّ ما يَبْدُو وما يَخْفى لِأنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُمُومِ في قَوْلِهِ (بِكُلِّ شَيْءٍ) . وإظْهارُ لَفْظِ شَيْءٍ هُنا دُونَ إضْمارِ لِأنَّ الإضْمارَ لا يَسْتَقِيمُ لِأنَّ الشَّيْءَ المَذْكُورَ ثانِيًا هو غَيْرُ المَذْكُورِ أوَّلًا، إذِ المُرادُ بِالثّانِي جَمِيعُ المَوْجُوداتِ والمُرادُ بِالأوَّلِ خُصُوصُ أحْوالِ النّاسِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فاللَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ كائِنٍ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما يُبْدُونَهُ ويُخْفُونَهُ مِن أحْوالِهِمْ.

الأحزاب 33:55

﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ . تَخْصِيصٌ مِن عُمُومِ الأمْرِ بِالحِجابِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] صفحة ٩٦ وإنَّما رَفَعَ الجُناحَ عَنْ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُنَّ مَأْمُوراتٌ بِالحِجابِ كَما أُمِرَ رِجالُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ مَعَهُنَّ فَكانَ المَعْنى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ ولا عَلَيْكم، كَما أنَّ مَعْنى ﴿فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أنَّهُنَّ أيْضًا يُجِبْنَ مِن وراءِ حِجابٍ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . والظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ مِن حَرْفِ (في) مَجازِيَّةٌ شائِعَةٌ في مِثْلِهِ، يُقالُ: لا جُناحَ عَلَيْكَ في كَذا، فَهو كالحَقِيقَةِ فَلا تُلاحِظُ فِيهِ الِاسْتِعارَةَ، والمَجْرُورُ مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: في رُؤْيَةِ آبائِهِنَّ إيّاهُنَّ، وإنَّما رَجَّحَ جانِبَهُنَّ هُنا؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الإذْنِ؛ لِأنَّ الرِّجالَ مَأْمُورُونَ بِالِاسْتِئْذانِ كَما اقْتَضَتْهُ آيَةُ سُورَةِ النُّورِ والإذْنُ يَصْدُرُ مِنهُنَّ فَلِذَلِكَ رَجَّحَ هُنا جانِبَهُنَّ فَأُضِيفَ الحُكْمُ إلَيْهِنَّ. والنِّساءُ اسْمُ جَمْعِ امْرَأةٍ لا مُفْرِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ في كَلامِهِمْ، وهُنَّ الإناثُ البالِغاتُ أوِ المُراهِقاتُ. والمُرادُ بِـ (نِسائِهِنَّ) جَمِيعُ النِّساءِ، فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الأزْواجِ اعْتِبارٌ بِالغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ النِّساءُ اللّاتِي يَدْخُلْنَ إلى أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ نِساءٌ اعْتَدْنَ أنْ يَدْخُلْنَ عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ جَمِيعُ النِّساءِ. ولَمْ يَذْكُرْ مِن أصْنافِ الأقْرِباءِ والأعْمامِ ولا الأخْوالِ لِأنَّ ذِكْرَ أبْناءِ الإخْوانِ وأبْناءِ الأخَواتِ يَقْتَضِي اتِّحادَ الحُكْمِ، مِن أنَّهُ لَمّا رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهُنَّ في الأعْمامِ والأخْوالِ كَذَلِكَ، وأمّا قَرابَةُ الرَّضاعَةِ فَمَعْلُومَةٌ مِنَ السُّنَّةِ فَأُرِيدَ الِاخْتِصارُ هُنا إذِ المَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى تَحْقِيقِ الحِجابِ لِيُفْضِيَ إلى قَوْلِهِ ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ . والتَفَتَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى خِطابِهِنَّ ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ لِتَشْرِيفِ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ الإلَهِيِّ إلَيْهِنَّ. والشَّهِيدُ: الشّاهِدُ مُبالَغَةً في الفِعْلِ.

الأحزاب 33:56

صفحة ٩٧ ”﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾“ أُعْقِبَتْ أحْكامُ مُعامَلَةِ أزْواجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالثَّناءِ عَلَيْهِ وتَشْرِيفِ مَقامِهِ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ الأحْكامَ جارِيَةٌ عَلى مُناسَبَةِ عَظَمَةِ مَقامِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلى أنَّ لِأزْواجِهِ مِن ذَلِكَ التَّشْرِيفِ حَظًّا عَظِيمًا. ولِذَلِكَ كانَتْ صِيغَةُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ الَّتِي عَلَّمَها لِلْمُسْلِمِينَ مُشْتَمِلَةً عَلى ذِكْرِ أزْواجِهِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، ولِيُجْعَلَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِأمْرِ المُؤْمِنِينَ بِتَكْرِيرِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالثَّناءِ والدُّعاءِ والتَّعْظِيمِ، وذُكِرَ صَلاةُ المَلائِكَةِ مَعَ صَلاةِ اللَّهِ لِيَكُونَ مِثالًا لِصَلاةِ أشْرَفِ المَخْلُوقاتِ عَلى الرَّسُولِ لِتَقْرِيبِ دَرَجَةِ صَلاةِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِها عَقِبَ ذَلِكَ، والتَّأْكِيدُ لِلِاهْتِمامِ. ومَجِيءُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِتَقْوِيَةِ الخَبَرِ، وافْتِتاحُها بِاسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ المَهابَةِ والتَّعْظِيمِ في هَذا الحُكْمِ، والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] لِأنَّ عَظَمَةَ مَقامِ النَّبِيِّ يَقْتَضِي عَظَمَةَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ هي المَقْصُودَةُ وما قَبْلَها تَوْطِئَةٌ لَها وتَمْهِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ لَمّا حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ ما يُؤْذِي الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْقَبَهُ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو أقْصى حَظِّهِمْ مِن مُعامَلَةِ رَسُولِهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أذاهُ، بَلْ حَظُّهم أكْبَرُ مِن ذَلِكَ وهو أنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ ويُسَلِّمُوا، وذَلِكَ هو إكْرامُهم لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَهو يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ إكْرامِهِ في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ بِحَضْرَتِهِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، فَجُمْلَةُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ التَّمْهِيدِ. وجِئَ في صَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ لِيَكُونَ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والتَّسْلِيمِ عَقِبَ ذَلِكَ مُشِيرًا إلى تَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنهم أُسْوَةً بِصَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. والأمْرُ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ مَعْناهُ: إيجادُ الصَّلاةِ، وهي الدُّعاءُ، فالأمْرُ يُئَوَّلُ إلى إيجادِ أقْوالٍ فِيها دُعاءٌ وهو مُجْمَلٌ في الكَيْفِيَّةِ. والصَّلاةُ: ذِكْرٌ بِخَيْرٍ، وأقْوالٌ تَجْلِبُ الخَيْرَ، فَلا جَرَمَ كانَ الدُّعاءُ هو أشْهَرَ صفحة ٩٨ مُسَمَّياتِ الصَّلاةِ، فَصَلاةُ اللَّهِ: كَلامُهُ الَّذِي يُقَدِّرُ بِهِ خَيْرًا لِرَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ في جانِبِ اللَّهِ مُعَطَّلٌ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَدْعُوهُ النّاسُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ والنّاسِ: اسْتِغْفارٌ ودُعاءٌ بِالرَّحَماتِ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ الواجِبَ كُلُّ كَلامٍ فِيهِ دُعاءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ الصَّحابَةَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الصَّلاةِ قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا السَّلامُ عَلَيْكَ قَدْ عَلِمْناهُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ» ؟ يَعْنُونَ أنَّهم عَلِمُوا السَّلامَ عَلَيْهِ مِن صِيغَةِ بَثِّ السَّلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وفي التَّشَهُّدِ فالسَّلامُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ صِيغَتُهُ: السَّلامُ عَلَيْكم. والسَّلامُ في التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ أوِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى أزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وأزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كَما بارَكَتَ عَلى إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. هَذِهِ رِوايَةُ مالِكٍ في المُوَطَّأِ عَنْ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ. ورُوِيَ أيْضًا عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ بِلَفْظِ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ عَنْ أزْواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ في المَوْضِعَيْنِ وبِزِيادَةٍ في العالَمِينَ، قَبْلَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ. وهُما أصَحُّ ما رُوِيَ كَما قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ. وهُناكَ رِواياتٌ خَمْسٌ أُخْرى مُتَقارِبَةُ المَعْنى وفي بَعْضِها زِيادَةٌ وقَدِ اسْتَقْصاها ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ. ومَرْجِعُ صِيَغِها تَوَجُّهٌ إلى اللَّهِ بِأنْ يُفِيضَ خَيْراتٍ عَلى رَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ مَعْنى الصَّلاةِ الدُّعاءُ، ودُعاءُ المُؤْمِنِينَ لا يَتَوَجَّهُ إلّا إلى اللَّهِ. وظاهِرُ صِيغَةِ الأمْرِ مَعَ قَرِينَةِ السِّياقِ يَقْتَضِي وُجُوبَ أنْ يُصَلِّيَ المُؤْمِنُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، إلّا أنَّهُ كانَ مُجْمَلًا في العَدَدِ فَمَحْمَلُهُ مَحْمَلُ الأمْرِ المُجْمَلِ أنْ يُفِيدَ المَرَّةَ لِأنَّها ضَرُورِيَّةٌ لِإيقاعِ الفِعْلِ ولِمُقْتَضى الأمْرِ. ولِذَلِكَ اتَّفَقَ فُقَهاءُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ واجِبًا عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يُصَلِّيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً في العُمُرِ فَجَعَلُوا وقْتَها العُمُرَ كالحَجِّ. وقَدِ اخْتَلَفُوا فِيما زادَ عَلى ذَلِكَ في حُكْمِهِ ومِقْدارِهِ، ولا خِلافَ في اسْتِحْبابِ الإكْثارِ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ وخاصَّةً عِنْدَ وُجُودِ أسْبابِها. قالَ الشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، ومُحَمَّدُ بْنُ المَوّازِ مِنَ المالِكِيَّةِ واخْتارَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ مِنَ المالِكِيَّةِ: أنَّ صفحة ٩٩ الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَرْضٌ في الصَّلاةِ فَمَن تَرَكَها بَطَلَتْ صَلاتُهُ. قالَ إسْحاقُ: ولَوْ كانَ ناسِيًا. وظاهِرُ حِكاياتِهِمْ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ تَرْكَها إنَّما يُبْطِلُ الصَّلاةَ إذا كانَ عَمْدًا وكَأنَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ بَيانًا لِلْإجْمالِ الَّذِي في الأمْرِ مِن جِهَةِ الوَقْتِ والعَدَدِ، فَجَعَلُوا الوَقْتَ هو إيقاعُ الصَّلاةِ لِلْمُقارَنَةِ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، والتَّسْلِيمُ وارِدٌ في التَّشَهُّدِ، فَتَكُونُ الصَّلاةُ مَعَهُ عَلى نَحْوِ ما اسْتَدَلَّ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن قَوْلِهِ: لَأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَإذا كانَ هَذا مَأْخَذَهم فَهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تَرِدْ في مَقامِ أحْكامِ الصَّلاةِ، وإلّا فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُبَيِّنَ مُجْمَلًا بِلا دَلِيلٍ. وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: هي في الصَّلاةِ مُسْتَحَبَّةٌ وهي في التَّشَهُّدِ الأخِيرِ وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ الشّافِعِيَّةُ أيْضًا. قالَ الخَطّابِيُّ: ولا أعْلَمُ لِلشّافِعِيِّ فِيها قُدْوَةً وهو مُخالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ قَبْلَهُ، وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ جِدًّا. وهَذا تَشَهُّدُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ والَّذِي اخْتارَهُ الشّافِعِيُّ لَيْسَ فِيهِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ كَذَلِكَ كُلُّ مَن رَوى التَّشَهُّدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عُمَرَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ عَلى المِنبَرِ كَما تُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في الكُتّابِ، وعَلَّمَهُ أيْضًا عَلى المِنبَرِ عُمَرُ، ولَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ذِكْرُ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ . قُلْتُ: فَمَن قالَ إنَّها سَنَةٌ في الصَّلاةِ فَإنَّما أرادَ المُسْتَحَبَّ. وأمّا حَدِيثُ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» فَقَدْ ضَعَّفَهُ أهْلُ الحَدِيثِ كُلُّهم. ومِن أسْبابِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَن جَرى ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، وكَذَلِكَ في افْتِتاحِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ، وعِنْدَ الدُّعاءِ، وعِنْدَ سَماعِ الآذانِ، وعِنْدَ انْتِهاءِ المُؤَذِّنِ، وعِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ، وفي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ. وفِي التَّوْطِئَةِ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ بِذِكْرِ الفِعْلِ المُضارِعِ في (يُصَلُّونَ) إشارَةٌ إلى التَّرْغِيبِ في الإكْثارِ مِنَ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ تَأسِّيًا بِصَلاةِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. واعْلَمْ أنّا لَمْ نَقِفْ عَلى أنَّ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ كانُوا يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ كُلَّما ذُكِرَ اسْمُهُ ولا أنْ يَكْتُبُوا الصَّلاةَ عَلَيْهِ إذا كَتَبُوا اسْمَهُ ولَمْ نَقِفْ عَلى تَعْيِينِ مَبْدَأِ كِتابَةِ ذَلِكَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. صفحة ١٠٠ والَّذِي يَبْدُو أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ إذا تَذَكَّرُوا بَعْضَ شُئُونِهِ كَما كانُوا يَتَرَحَّمُونَ عَلى المَيِّتِ إذا ذَكَرُوا بَعْضَ مَحاسِنِهِ. وفي السِّيرَةِ الحَلَبِيَّةِ لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعْتَرى عُمَرُ مِنَ الدَّهَشِ ما هو مَعْلُومٌ وتَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ بِما هو مَعْلُومٌ قالَ عُمَرُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ وعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ رَسُولَهُ، ورَوى البُخارِيُّ في بابِ: مَتى يُحِلُّ المُعْتَمِرُ: عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّها كانَتْ تَقُولُ كُلَّما مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلّى اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ لَقَدْ نَزَلْنا مَعَهُ هاهُنا ونَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفافٌ إلى آخِرِهِ. وفِي بابِ ما يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِ المَسْجِدِ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثُ فاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِها فاطِمَةَ الكُبْرى قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ صَلّى عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وافْتَحْ لِي أبْوابَ فَضْلِكَ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ ولَيْسَ إسْنادُهُ بِمُتَّصِلٍ. ومِن هَذا القَبِيلِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ الأثِيرِ في التّارِيخِ الكامِلِ في حَوادِثِ سَنَةِ خَمْسٍ وأرْبَعِينَ ومِائَةٍ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ ثابِتٍ رَثى مُحَمَّدًا النَّفْسَ الزَّكِيَّةَ بِأبْياتٍ مِنها: واللَّهِ لَوْ شَهِدَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلّى الإلَهُ عَلى النَّبِيِّ وسَلَّما ثُمَّ أُحْدِثَتِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ في أوائِلِ الكُتُبِ في زَمَنِ هارُونَ الرَّشِيدِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الأثِيرِ في الكامِلِ في سَنَةِ إحْدى وثَمانِينَ ومِائَةٍ، وذَكَرَهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ، ولَمْ يَذْكُرا صِيغَةَ التَّصْلِيَةِ. وفي المُخَصَّصِ لِابْنِ سِيدَهْ في ذِكْرِ الخُفِّ والنَّعْلِ: أنَّ أبا مُحَلِّمٍ بَعَثَ إلى حَذّاءٍ بِنَعْلٍ لِيَحْذُوَها وقالَ لَهُ (ثُمَّ سُنَّ شَفْرَتَكَ وسُنَّ رَأْسَ الإزْمِيلِ ثُمَّ سَمِّ بِاسْمِ اللَّهِ وصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ ثُمَّ انْحُها) إلى آخِرِهِ. ولا شَكَّ أنَّ إتْباعَ اسْمَ النَّبِيءِ ﷺ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ في كُتُبِ الحَدِيثِ والتَّفْسِيرِ وغَيْرِها كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ الرّابِعِ وقَدْ وقَفْتُ عَلى قِطْعَةٍ عَتِيقَةٍ مِن تَفْسِيرِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ البَصْرِيِّ مُؤَرَّخٍ نَسْخُها سَنَةَ ثَلاثٍ وثَمانِينَ وثَلاثِمِائَةٍ فَإذا فِيها الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ عَقِبَ ذِكْرِهِ اسْمَهُ. صفحة ١٠١ وأحْسَبُ أنَّ الَّذِينَ سَنُّوا ذَلِكَ هم أهْلُ الحَدِيثِ قالَ النَّوَوِيُّ في مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ عَلى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: يُسْتَحَبُّ لِكاتِبِ الحَدِيثِ إذا مَرَّ ذِكْرُ اللَّهِ أنْ يَكْتُبَ عَزَّ وجَلَّ، أوْ تَعالى، أوْ سُبْحانَهُ وتَعالى، أوْ تَبارَكَ وتَعالى، أوْ جَلَّ ذِكْرُهُ، أوْ تَبارَكَ اسْمُهُ، أوْ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَكْتُبُ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِكامِلِها لا رامِزًا إلَيْها ولا مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِها، ويَكْتُبُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا في الأصْلِ الَّذِي يُنْقَلُ مِنهُ فَإنَّ هَذا لَيْسَ رِوايَةً وإنَّما هو دُعاءٌ. ويَنْبَغِي لِلْقارِئِ أنْ يَقْرَأ كُلَّ ما ذَكَرْناهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا في الأصْلِ الَّذِي يَقْرَأُ مِنهُ ولا يَسْأمُ مِن تَكَرُّرِ ذَلِكَ، ومَن أغْفَلَ ذَلِكَ حُرِمَ خَيْرًا عَظِيمًا اهـ. وقَوْلُهُ ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في (صَلُّوا عَلَيْهِ) حُكْمًا ومَكانًا وصِفَةً فَإنَّ صِفَتَهُ حُدِّدَتْ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ» فَإنَّ المَعْلُومَ هو صِيغَتُهُ الَّتِي في التَّشَهُّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحِمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِيهِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ والجُمْهُورُ أبْقَوْا لَفْظَهُ عَلى اللَّفْظِ الَّذِي كانَ في حَياةِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَعْيًا لِما ورَدَ عَنِ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ حَيٌّ يَبْلُغُهُ تَسْلِيمَ أُمَّتِهِ عَلَيْهِ. ومِن أجْلِ هَذا المَعْنى أُبْقِيَتْ لَهُ صِيغَةُ التَّسْلِيمِ عَلى الأحْياءِ وهي الصِّيغَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ فِيها لَفَظُ التَّسْلِيمِ عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ لِأنَّ التَّسْلِيمَ عَلى الأمْواتِ يَكُونُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى لَفْظِ السَّلامِ. وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلَّذِي سَلَّمَ فَقالَ: «عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ لَهُ إنَّ (عَلَيْكَ السَّلامُ) تَحِيَّةُ المَوْتى، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكَ» . والتَّسْلِيمُ مَشْهُورٌ في أنَّهُ التَّحِيَّةُ بِالسَّلامِ، والسَّلامُ فِيهِ بِمَعْنى الأمانِ والسَّلامَةِ وجُعِلَ تَحِيَّةً في الأوَّلِينَ عِنْدَ اللِّقاءِ مُبادَأةً بِالتَّأْمِينِ مِنَ الِاعْتِداءِ والثَّأْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ إذْ كانُوا إذا اتَّقَوْا أحَدًا تَوَجَّسُوا خِيفَةً أنْ يَكُونَ مُضْمِرًا شَرًّا لِمُلاقِيهِ، فَكِلاهُما يَدْفَعُ ذَلِكَ الخَوْفَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ مُلْقٍ عَلى مُلاقِيهِ سَلامَةً وأمْنًا. ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ هَذا اللَّفْظُ دالًّا عَلى الكَرامَةِ والتَّلَطُّفِ، قالَ النّابِغَةُ: صفحة ١٠٢ أتارِكَةٌ تَدَلُّلَها قَطامِ ∗∗∗ وضِنًّا بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى (وسَلِّمُوا) غَيْرَ مُجْمَلٍ ولا مُحْتاجٍ إلى بَيانٍ فَلَمْ يَسْألْ عَنْهُ الصَّحابَةُ النَّبِيءَ ﷺ وقالُوا: هَذا السَّلامُ قَدْ عَرَفْناهُ، وقالَ لَهم: والسَّلامُ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ، أيْ كَما قَدْ عَلِمْتُمْ مِن صِيغَةِ السَّلامِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ومِن ألْفاظِ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ. وإذْ قَدْ كانَتْ صِيغَةُ السَّلامِ مَعْرُوفَةً كانَ المَأْمُورُ بِهِ هو ما يُماثِلُ تِلْكَ الصِّيغَةَ أعْنِي أنْ نَقُولَ: السَّلامُ عَلى النَّبِيءِ أوْ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِتَوَجُّهٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنْ يُسَلِّمَ عَلى النَّبِيءِ بِخِلافِ التَّصْلِيَةِ لِما عَلِمْتَ مِمّا اقْتَضى ذَلِكَ فِيها. والآيَةُ تَضَمَّنَتِ الأمْرَ بِشَيْئَيْنِ: الصَّلاةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ والتَّسْلِيمُ عَلَيْهِ، ولَمْ تَقْتَضِ جَمْعَهُما في كَلامٍ واحِدٍ وهُما مُفَرَّقانِ في كَلِماتِ التَّشَهُّدِ فالمُسْلِمُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَقْرِنَ بَيْنَ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ بِأنْ يَقُولَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ والسَّلامُ عَلى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتِي في جانِبِ التَّصْلِيَةِ بِصِيغَةِ طَلَبِ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، وفي جانِبِ التَّسْلِيمِ بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ بِمَنزِلَةِ التَّحِيَّةِ لَهُ، وبَيْنَ أنْ يُفْرِدَ الصَّلاةَ ويُفْرِدَ التَّسْلِيمَ وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَقِيتُ جِبْرِيلَ فَقالَ لِي: أُبَشِّرُكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ ومَن صَلّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ» . وعَنِ النَّوَوِيِّ: أنَّهُ قالَ بِكَراهَةِ إفْرادِ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَعَلَّهُ أرادَ خِلافَ الأوْلى. وفي الِاعْتِذارِ والمُعْتَذَرِ عَنْهُ نَظَرٌ إذْ لا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ. وأمّا أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ عَلى مُحَمَّدٍ، فَلَيْسَ بِوارِدٍ فِيهِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ ولا حَسَنٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ولَمْ يَرِدْ عَنْهُ إلّا بِصِيغَةِ إنْشاءِ السَّلامِ مِثْلَ ما في التَّحِيَّةِ، ولَكِنَّهم تَسامَحُوا في حالَةِ الِاقْتِرانِ بَيْنَ التَّصْلِيَةِ والتَّسْلِيمِ فَقالُوا: ﷺ لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ فِيما نَرى. وقَدِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ النّاسِ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ وفي حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ المُتَقَدِّمِ أنَّها قالَتْ صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ. ومَعْنى تَسْلِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِ إكْرامُهُ وتَعْظِيمُهُ فَإنَّ السَّلامَ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ. صفحة ١٠٣ وقَدِ اسْتَحْسَنَ أيِمَّةُ السَّلَفِ أنْ يُجْعَلَ الدُّعاءُ بِالصَّلاةِ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيءِ ﷺ . وعَنْ مالِكٍ: لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ نَبِيئِنا مِنَ الأنْبِياءِ. يُرِيدُ أنَّ تِلْكَ هي السُّنَّةُ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أنَّ الصَّلاةَ خاصَّةٌ بِالنَّبِيئِينَ كُلِّهِمْ. وأمّا التَّسْلِيمُ في الغَيْبَةِ فَمَقْصُورٌ عَلَيْهِ وعَلى الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ لا يُشْرِكُهم فِيهِ غَيْرُهم مِن عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، وقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]، ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ [الصافات: ١٢٠]، ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٩] . وأنَّهُ يَجُوزُ إتْباعُ آلِهِمْ وأصْحابِهِمْ وصالِحِي المُؤْمِنِينِ إيّاهم في ذَلِكَ دُونَ اسْتِقْلالٍ. هَذا الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ السُّنَّةِ ولَمْ يَقْصِدُوا بِذَلِكَ تَحْرِيمًا ولَكِنَّهُ اصْطِلاحٌ وتَمْيِيزٌ لِمَراتِبِ رِجالِ الدِّينِ، كَما قَصَرُوا الرِّضى عَلى الأصْحابِ وأيِمَّةِ الدِّينِ، وقَصَرُوا كَلِماتِ الإجْلالِ نَحْوَ: تَبارَكَ وتَعالى، وجَلَّ جَلالُهُ، عَلى الخالِقِ دُونَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وأمّا الشِّيعَةُ فَإنَّهم يَذْكُرُونَ التَّسْلِيمَ عَلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وآلِهِما، وهو مُخالِفٌ لِعَمَلِ السَّلَفِ فَلا يَنْبَغِي اتِّباعُهم فِيهِ لِأنَّهم قَصَدُوا بِهِ الغَضَّ مِنَ الخُلَفاءِ والصَّحابَةِ. وانْتَصَبَ تَسْلِيمًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِـ (سَلِّمُوا) وإنَّما لَمْ يُؤَكِّدِ الأمْرَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ بِمَصْدَرٍ فَيُقالُ: صَلُّوا عَلَيْهِ صَلاةً؛ لِأنَّ الصَّلاةَ غَلَبَ إطْلاقُها عَلى مَعْنى الِاسْمِ دُونَ المَصْدَرِ، وقِياسُ المَصْدَرِ التَّصْلِيَةُ ولَمْ يُسْتَعْمَلْ في الكَلامِ؛ لِأنَّهُ اشْتُهِرَ في الإحْراقِ، قالَ تَعالى (﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤])، عَلى أنَّ الأمْرَ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ قَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُهُ بِالمَعْنى لا بِالتَّأْكِيدِ الِاصْطِلاحِيِّ فَإنَّ التَّمْهِيدَ لَهُ بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ ) مُشِيرٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الِاقْتِداءِ بِشَأْنِ اللَّهِ ومَلائِكَتِهِ.

الأحزاب 33:57

﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾ لَمّا أرْشَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ إلى تَناهِي مَراتِبِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَكْرِيمِهِ وحَذَّرَهم صفحة ١٠٤ مِمّا قَدْ يَخْفى عَلى بَعْضِهِمْ مِن خَفِيِّ الأذى في جانِبِهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيءَ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ، وعَلَّمَهم كَيْفَ يُعامِلُونَهُ مُعامَلَةَ التَّوْقِيرِ والتَّكْرِيمِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيءِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآيَةَ، وعَلِمَ أنَّهم قَدِ امْتَثَلُوا أوْ تَعَلَّمُوا أرْدَفَ ذَلِكَ بِوَعِيدِ قَوْمٍ اتَّسَمُوا بِسِماتِ المُؤْمِنِينَ وكانَ مِن دَأْبِهِمُ السَّعْيُ فِيما يُؤْذِي الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ أُولَئِكَ مَلْعُونُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِيُعْلِمَ المُؤْمِنِينَ أنَّ أُولَئِكَ لَيْسُوا مِنَ الإيمانِ في شَيْءٍ وأنَّهم مُنافِقُونَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ لا يُعْهَدُ إلّا لِلْكافِرِينَ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ يَخْطُرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْمَعُ الآياتِ السّابِقَةِ أنْ يَتَساءَلُوا عَنْ حالِ قَوْمٍ قَدْ عُلِمَ مِنهم قِلَّةُ التَّحَرُّزِ مِن أذى الرَّسُولِ ﷺ بِما لا يَلِيقُ بِتَوْقِيرِهِ. وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عَرَفُوا بِأنَّ إيذاءَ النَّبِيءِ ﷺ مِن أحْوالِهِمُ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ، ولِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ أذى النَّبِيءِ ﷺ هو عِلَّةُ لَعْنِهِمْ وعَذابِهِمْ. واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ وتَحْقِيرِ المَلْعُونِ. فَهم في الدُّنْيا مُحَقَّرُونَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ ومَحْرُومُونَ مِن لُطْفِ اللَّهِ وعِنايَتِهِ وهم في الآخِرَةِ مُحَقَّرُونَ بِالإهانَةِ في الحَشْرِ وفي الدُّخُولِ في النّارِ. والعَذابُ المُهِينُ: هو عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ وهو مُهِينٌ؛ لِأنَّهُ عَذابٌ مَشُوبٌ بِتَحْقِيرٍ وخِزْيٍ. والقَرْنُ بَيْنَ أذى اللَّهِ ورَسُوِلِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أذى الرَّسُولِ ﷺ يُغْضِبُ اللَّهَ تَعالى فَكَأنَّهُ أذًى لِلَّهِ. وفِعْلُ (يُؤْذُونَ) مُعَدًّى إلى اسْمِ اللَّهِ عَلى مَعْنى المَجازِ المُرْسَلِ في اجْتِلابِ غَضَبِ اللَّهِ وتَعْدِيَتُهُ إلى الرَّسُولِ حَقِيقَةٌ. فاسْتُعْمِلَ (يُؤْذُونَ) في مَعْنَيَيْهِ المَجازِيِّ والحَقِيقِيِّ. صفحة ١٠٥ ومَعْنى هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «مَن آذانِي فَقَدْ آذى اللَّهَ» وأذى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَحْصُلُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِ فِيما يَفْعَلُهُ، وبِالكَيْدِ لَهُ، وبِأذى أهْلِهِ مِثْلَ المُتَكَلِّمِينَ في الإفْكِ، والطّاعِنِينَ أعْمالَهُ، كالطَّعْنِ في إمارَةِ زَيْدٍ، وأُسامَةَ، والطَّعْنِ في أخْذِهِ صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ طَعَنُوا في اتِّخاذِ النَّبِيءِ ﷺ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ لِنَفْسِهِ.

الأحزاب 33:58

﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ أُلْحِقَتْ حُرْمَةُ المُؤْمِنِينَ بِحُرْمَةِ الرَّسُولِ ﷺ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وذُكِرُوا عَلى حِدَةٍ لِلْإشارَةِ إلى نُزُولِ رُتْبَتِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - . وهَذا مِنَ الِاسْتِطْرادِ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ أحْكامِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ ﷺ وآدابِ أزْواجِهِ وبَناتِهِ المُؤْمِناتِ. وعَطْفُ (المُؤْمِناتِ) عَلى (المُؤْمِنِينَ) لِلتَّصْرِيحِ بِمُساواةِ الحُكْمِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا مِنَ الشَّرِيعَةِ، لِوَزْعِ المُؤْذِينَ عَنْ أذى المُؤْمِناتِ لِأنَّهُنَّ جانِبٌ ضَعِيفٌ بِخِلافِ الرِّجالِ فَقَدْ يَزَعُهم عَنْهُمُ اتِّقاءُ غَضَبِهِمْ وثَأْرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ. والمُرادُ بِالأذى: أذى القَوْلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا﴾ لِأنَّ البُهْتانَ مِن أنْواعِ الأقْوالِ وذَلِكَ تَحْقِيرٌ لِأقْوالِهِمْ، وأتْبَعَ ذَلِكَ التَّحْقِيرَ بِأنَّهُ إثْمٌ مُبِينٌ. والمُرادُ بِالمُبِينِ العَظِيمُ القَوِيُّ، أيْ جُرْمًا مِن أشَدِّ الجُرْمِ، وهو وعِيدٌ بِالعِقابِ عَلَيْهِ. وضَمِيرُ (اكْتَسَبُوا) عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. وهَذا الحالُ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ ذَلِكَ الأذى بِأنَّهُ ظُلْمٌ وكَذِبٌ. ولَيْسَ المُرادُ بِالحالِ تَقْيِيدَ الحُكْمِ حَتّى يَكُونَ مَفْهُومُهُ جَوازَ أذى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِما اكْتَسَبُوا، أيْ أنْ يُسَبُّوا بِعَمَلٍ ذَمِيمٍ اكْتَسَبُوهُ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ لَيْسَ مَوْكُولًا لِعُمُومِ النّاسِ ولَكِنَّهُ مَوْكُولٌ إلى وُلاةِ الأُمُورِ كَما قالَ تَعالى ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] . وقَدْ نَهى النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الغِيبَةِ وقالَ: «هِيَ أنْ تَذْكُرَ أخاكَ بِما يَكْرَهُ» . فَقِيلَ: وإنْ كانَ حَقًّا. قالَ: إنْ كانَ غَيْرَ حَقٍّ فَذَلِكَ البُهْتانُ فَأمّا تَغْيِيرُ المُنْكَرِ فَلا يَصْحَبُهُ أذًى. صفحة ١٠٦ وماصَدَقُ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ (ما اكْتَسَبُوا) سَيِّئًا، أيْ بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا مِن سَيِّئٍ. ومَعْنى احْتَمَلُوا كَلَّفُوا أنْفُسَهم حِمْلًا، وذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِلْبُهْتانِ بِحِمْلٍ ثَقِيلٍ عَلى صاحِبِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

الأحزاب 33:59

”﴿يا أيُّها النَّبِيءُ قُلْ لِأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾“ أُتْبِعَ النَّهْيُ عَنْ أذى المُؤْمِناتِ بِأنْ أُمِرْنَ بِاتِّقاءِ أسْبابِ الأذى لِأنَّ مِن شَأْنِ المَطالِبِ السَّعْيَ في تَذْلِيلِ وسائِلِها كَما قالَ تَعالى ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] وقالَ أبُو الأسْوَدِ: تَرْجُو النَّجاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسالِكَها إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلى اليَبَسِ وهَذا يَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ التَّعاوُنِ عَلى إقامَةِ المَصالِحِ وإماتَةِ المَفاسِدِ. وفي الحَدِيثِ «رَحِمَ اللَّهُ والِدًا أعانَ ولَدَهُ عَلى بِرِّهِ» . وهَذا الحَدِيثُ ضَعِيفُ السَّنَدِ لَكِنَّهُ صَحِيحُ المَعْنى لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ مَطْلُوبٌ، فالإعانَةُ عَلَيْهِ إعانَةٌ عَلى وُجُودِ المَعْرُوفِ والخَيْرِ. وابْتُدِئَ بِأزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ وبَناتِهِ لِأنَّهُنَّ أكْمَلُ النِّساءِ، فَذِكْرُهُنَّ مِن ذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. والنِّساءُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْمَرْأةِ لا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]) . فَلَيْسَ المُرادُ بِالنِّساءِ هُنا أزْواجَ المُؤْمِنِينَ بَلِ المُرادُ الإناثُ المُؤْمِناتُ، وإضافَتُهُ إلى المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى (مِن) أيِ النِّساءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. والجَلابِيبُ: جَمْعُ جِلْبابٍ وهو ثَوْبٌ أصْغَرُ مِنَ الرِّداءِ وأكْبَرُ مِنَ الخِمارِ والقِناعِ، تَضَعُهُ المَرْأةُ عَلى رَأْسِها فَيَتَدَلّى جانِباهُ عَلى عِذارَيْها ويَنْسَدِلُ سائِرُهُ عَلى كَتِفَيْها وظَهْرِها، تَلْبَسُهُ عِنْدَ الخُرُوجِ والسَّفَرِ. صفحة ١٠٧ وهَيْئاتُ لِبْسِ الجَلابِيبِ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النِّساءِ تُبَيِّنُها العاداتُ. والمَقْصُودُ هو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ . والإدْناءُ: التَّقْرِيبُ، وهو كِنايَةٌ عَنِ اللِّبْسِ والوَضْعِ، أيْ يَضَعْنَ عَلَيْهِنَّ جَلابِيبَهُنَّ، وقالَ بِشّارٌ: لَيْلَةٌ تَلْبَسُ البَياضَ مِنَ الشَّهْرِ ∗∗∗ وأُخْرى تُدْنِي جَلابِيبَ سُودًا فَقابَلَ بِـ (تُدْنِي) (تَلْبَسُ) فالإدْناءُ هُنا اللِّبْسُ. وكانَ لِبْسُ الجِلْبابِ مِن شِعارِ الحَرائِرِ فَكانَتِ الإماءُ لا يَلْبَسْنَ الجَلابِيبَ. وكانَتِ الحَرائِرُ يَلْبَسْنَ الجَلابِيبَ عِنْدَ الخُرُوجِ إلى الزِّياراتِ ونَحْوِها فَكُنَّ لا يَلْبَسْنَها في اللَّيْلِ وعِنْدَ الخُرُوجِ إلى المَناصِعِ، وما كُنَّ يَخْرُجْنَ إلَيْها إلّا لَيْلًا فَأُمِرْنَ بِلَبْسِ الجَلابِيبِ في كُلِّ الخُرُوجِ لِيُعْرَفَ أنَّهُنَّ حَرائِرُ فَلا يَتَعَرَّضُ إلَيْهِنَّ شَبابُ الدُّعّارِ يَحْسَبُهُنَّ إماءً أوْ يَتَعَرَّضُ إلَيْهِنَّ المُنافِقُونَ اسْتِخْفافًا بِهِنَّ بِالأقْوالِ الَّتِي تُخْجِلُهُنَّ فَيَتَأذَّيْنَ مِن ذَلِكَ ورُبَّما يَسْبُبْنَ الَّذِينَ يُؤْذُونَهُنَّ فَيَحْصُلُ أذًى مِنَ الجانِبَيْنِ. فَهَذا مِن سَدِّ الذَّرِيعَةِ. والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى الإدْناءِ المَفْهُومِ مِن (يُدْنِينَ)، أيْ ذَلِكَ اللِّباسُ أقْرَبُ إلى يُعْرَفُ أنَّهُنَّ حَرائِرٌ بِشِعارِ الحَرائِرِ فَيَتَجَنَّبُ الرِّجالُ إيذاءَهُنَّ فَيَسْلَمُوا وتَسْلَمْنَ. وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مُدَّةَ خِلافَتِهِ يَمْنَعُ الإماءَ مِنَ التَّقَنُّعِ كَيْ لا يَلْتَبِسْنَ بِالحَرائِرِ ويَضْرِبُ مَن تَتَقَنَّعُ مِنهُنَّ بِالدِّرَّةِ ثُمَّ زالَ ذَلِكَ بَعْدَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ كُثَيْرٍ: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتَ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ صَفْحٌ عَمّا سَبَقَ مِن أذى الحَرائِرِ قَبْلَ تَنْبِيهِ النّاسِ إلى هَذا الأدَبِ الإسْلامِيِّ، والتَّذْيِيلُ يَقْتَضِي إنْهاءَ الغَرَضِ.

الأحزاب 33:60

﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ انْتِقالٌ مِن زَجْرِ قَوْمٍ عُرِفُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ومِن تَوَعُّدِهِمْ صفحة ١٠٨ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعِقابٍ في الدُّنْيا يَشْرَعُهُ اللَّهُ لَهم إنْ هم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأنْ لا يَنْفَعَ في أُولَئِكَ وعِيدُ الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وأُولَئِكَ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى قَوْلِهِ (عَظِيمًا)، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] . وصَرَّحَ هُنا بِما كُنِّيَ عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ إذْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُنافِقِينَ فَعُلِمَ أنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ هُمُ المُنافِقُونَ ومَن لُفَّ لِفَّهم. و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] قَدْ ذَكَرْناهم في أوَّلِ السُّورَةِ وهُمُ المُنْطَوُونَ عَلى النِّفاقِ أوِ التَّرَدُّدِ في الإيمانِ. والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ: هُمُ المُنافِقُونَ، فالأوْصافُ الثَّلاثَةُ لِشَيْءٍ واحِدٍ قالَهُ أبُو رَزِينٍ. وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْتَهِ) لِظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ أذى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. والإرْجافُ: إشاعَةُ الأخْبارِ. وفِيهِ مَعْنى كَوْنِ الأخْبارِ كاذِبَةً أوْ مُسِيئَةً لِأصْحابِها يُعِيدُونَها في المَجالِسِ لِيَطْمَئِنَّ السّامِعُونَ لَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِأنَّها صادِقَةٌ لِأنَّ الإشاعَةَ إنَّما تُقْصَدُ لِلتَّرْوِيجِ بِشَيْءٍ غَيْرِ واقِعٍ أوْ مِمّا لا يُصَدَّقُ بِهِ لِاشْتِقاقِ ذَلِكَ مِنَ الرَّجْفِ والرَّجَفانِ وهو الِاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ. فالمُرْجِفُونَ قَوْمٌ يَتَلَقَّوْنَ الأخْبارَ فَيُحَدِّثُونَ بِها في مَجالٍ ونَوادٍ ويُخْبِرُونَ بِها مَن يَسْألُ ومَن لا يَسْألُ. ومَعْنى الإرْجافُ هُنا: أنَّهم يُرْجِفُونَ بِما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، ويَتَحَدَّثُونَ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا أوْ أسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِإيقاعِ الشَّكَّ في نُفُوسِ النّاسِ والخَوْفِ وسُوءِ ظَنِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وهم مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرِضٌ وأتْباعِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] في سُورَةِ النِّساءِ. فَهَذِهِ الأوْصافُ لِأصْنافٍ مِنَ النّاسِ. وكانَ أكْثَرُ المُرْجِفِينَ مِنَ اليَهُودِ ولَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لا يُساعِدُ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ. صفحة ١٠٩ واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فالكَلامُ بَعْدَها قَسَمٌ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ. واللّامُ في (لَنُغْرِيَنَّكَ) لامُ جَوابِ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. والإغْراءُ: الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى فِعْلٍ. ويَتَعَدّى فِعْلُهُ بِحَرْفِ عَلى والباءِ، والأكْثَرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ (عَلى) تُفِيدُ حَثًّا عَلى الفِعْلِ مُطْلَقًا في حَدِّ ذاتِهِ وأنَّ تَعْدِيَتَهُ بِالباءِ تُفِيدُ حَثًّا عَلى الإيقاعِ بِشَخْصٍ لِأنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ. فالمُغْرى عَلَيْهِ مُلابِسٌ لِذاتِ المَجْرُورِ بِالباءِ، أيْ واقِعًا عَلَيْها. فَلا يُقالُ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، إذا حَرَّضَهُ عَلى إحْسانٍ إلَيْهِ. فالمَعْنى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ، أيْ بِأنْ تُغْرِيَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فَإذا حَلَّ ذَلِكَ بِهِمُ انْجَلُوا عَنِ المَدِينَةِ فائِزِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ. واخْتِيرَ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ بِـ (ثُمَّ) دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي انْتِفاءِ المُجاوَرَةِ عَنِ الإغْراءِ بِهِمْ تَراخِي رُتْبَةٍ لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الأوْطانِ أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا يَلْحَقُها مِن ضُرٍّ في الأبْدانِ كَما قالَ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أيْ وفِتْنَةُ الإخْراجِ مِن بَلَدِهِمْ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ. واسْتِثْناءُ (إلّا قَلِيلًا) لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُجاوِرَةِ وأنَّهُ لَيْسَ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ أيْ لا يَبْقُونَ مَعَكَ في المَدِينَةِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً، وهي ما بَيْنَ نُزُولِ الآيَةِ والإيقاعِ بِهِمْ. و(قَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يُجاوِرُونَكَ) أيْ جِوارًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ زَمَنِهِ. وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ صِفَةً لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ فَإنَّ وُقُوعَ ضَمِيرِهِمْ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَقْتَضِي إفْرادَهم، وعُمُومُ الأشْخاصِ يَقْتَضِي عُمُومَ أزْمانِها فَيَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الزَّمانِ ولَيْسَ هو ظَرْفًا. و(مَلْعُونِينَ) حالٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ (قَلِيلًا) مِن مَعْنى الجِوارِ. فالجِوارُ مَصْدَرُ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ صاحِبِهِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ أنْ يُضافَ إلى فاعِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا جِوارَهم مَلْعُونِينَ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (مَلْعُونِينَ) مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ بِأنْ صفحة ١١٠ يَكُونَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ دَخَلَ عَلى الظَّرْفِ والحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وبَوْنٌ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما نَظَّرَهُ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَصْلُحُ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ. والوَجْهُ هُنا هو ما سَلَكْناهُ في تَقْدِيرِ نَظْمِهِ. واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا كِنايَةً عَنِ الإهانَةِ والتَّجَنُّبِ في المَدِينَةِ، أيْ يُعامِلُهُمُ المُسْلِمُونَ بِتَجَنُّبِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ ويَبْتَعِدُونَ هم مِنَ المُؤْمِنِينَ اتِّقاءً ووَجَلًا فَتَضْمَنُ أنْ يَكُونُوا مُتَوارِينَ مُخْتَفِينَ خَوْفًا مِن بَطْشِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ حَيْثُ أغْراهُمُ النَّبِيءُ ﷺ، فَفي قَوْلِهِ مَلْعُونِينَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وقَوْلُهُ (﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾) ظَرْفٌ مُضافٌ إلى جُمْلَةٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَلْعُونِينَ) لِأنَّ مَلْعُونِينَ حالٌ مِنهم بَعْدَ صِفَتِهِمْ بِأنَّهم في المَدِينَةِ، فَأفادَ عُمُومَ أمْكِنَةِ المَدِينَةِ. وأيْنَما: اسْمُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. والثَّقَفُ: الظَّفَرُ والعُثُورُ عَلى العَدُوِّ بِدُونِ قَصْدٍ. وقَدْ مَهَّدَ لِهَذا الفِعْلِ قَوْلُهُ (مَلْعُونِينَ) كَما تَقَدَّمَ. ومَعْنى (أُخِذُوا) أُمْسِكُوا. والأخْذُ: الإمْساكُ والقَبْضُ، أيْ أُسِرُوا، والمُرادُ: أُخِذَتْ أمْوالُهم إذْ أغْرى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ. والتَّقْتِيلُ: قُوَّةُ القَتْلِ. والقُوَّةُ هُنا بِمَعْنى الكَثْرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ قَوِيٌّ في أصْنافِ نَوْعِهِ وأيْضًا هو شَدِيدٌ في كَوْنِهِ سَرِيعًا لا إمْهالَ لَهم فِيهِ. و(تَقْتِيلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا شامِلًا. فالتَّأْكِيدُ هُنا تَأْكِيدٌ لِتَسَلُّطِ القَتْلِ عَلى جَمِيعِ الأفْرادِ المَدْلُولَةِ لِضَمِيرِ (قُتِّلُوا)، لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ في عُمُومِ القَتْلِ، فالمَعْنى: قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا لا يَفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ. وبِهَذا الوَعِيدِ انْكَفَّ المُنافِقُونَ عَنْ أذاةِ المُسْلِمِينَ وعَنِ الإرْجافِ فَلَمْ يَقَعِ التَّقْتِيلُ فِيهِمْ إذْ لَمْ يُحْفَظْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَتَلَ مِنهم أحَدًا ولا أنَّهم خَرَجَ مِنهم أحَدٌ. وهَذِهِ الآيَةُ تُرْشِدُ إلى تَقْدِيمِ إصْلاحِ الفاسِدِ مِنَ الأُمَّةِ عَلى قَطْعِةٍ مِنها لِأنَّ إصْلاحَ الفاسِدِ يُكْسِبُ الأُمَّةَ فَرْدًا صالِحًا أوْ طائِفَةً صالِحَةً تَنْتَفِعُ الأُمَّةُ مِنها كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ . «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» . ولِهَذا شُرِعَتْ صفحة ١١١ اسْتِتابَةُ المُرْتَدِّ قَبْلَ قَتْلِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فِيها التَّوْبَةُ، وشُرِعَتْ دَعْوَةُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَغْزُوهُمُ المُسْلِمُونَ إلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ في غَزْوِهِمْ فَإنْ أسْلَمُوا وإلّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ في دُخُولِهِمُ الذِّمَّةَ انْتِفاعًا لِلْمُسْلِمِينَ بِجِزْيَتِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ. وأمّا قَتْلُ القاتِلِ عَمْدًا فَشُرِعَ فِيهِ مُجاراةً لِقَطْعِ الأحْقادِ مِن قُلُوبِ أوْلِياءِ القَتِيلِ لِئَلّا يَقْتُلَ بَعْضُ الأُمَّةِ بَعْضًا، إذْ لا دَواءَ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلّا القِصاصُ. ولِذَلِكَ رَغَّبَ الشَّرْعُ في العَفْوِ وفي قَبُولِهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ مالِكٌ في آيَةِ (﴿جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) أنَّ (أوْ) فِيها لِلتَّنْوِيعِ لا لِلتَّخْيِيرِ فَقالَ: يَكُونُ الجَزاءُ بِقَدْرِ جُرْمِ المُحارِبِ وكَثْرَةِ مَقامِهِ في فَسادِهِ. وكانَ النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ آخَرَ أصْنافِ الجَزاءِ لِأنَّ فِيهِ اسْتِبْقاءَهُ رَجاءَ تَوْبَتِهِ وصَلاحِ حالِهِ.

الأحزاب 33:61

﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ انْتِقالٌ مِن زَجْرِ قَوْمٍ عُرِفُوا بِأذى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ومِن تَوَعُّدِهِمْ صفحة ١٠٨ بِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى تَهْدِيدِهِمْ بِعِقابٍ في الدُّنْيا يَشْرَعُهُ اللَّهُ لَهم إنْ هم لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِأنْ لا يَنْفَعَ في أُولَئِكَ وعِيدُ الآخِرَةِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وأُولَئِكَ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ ابْتُدِئَ التَّعْرِيضُ بِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى قَوْلِهِ (عَظِيمًا)، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] . وصَرَّحَ هُنا بِما كُنِّيَ عَنْهُ في الآياتِ السّالِفَةِ إذْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالمُنافِقِينَ فَعُلِمَ أنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ هُمُ المُنافِقُونَ ومَن لُفَّ لِفَّهم. و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢] قَدْ ذَكَرْناهم في أوَّلِ السُّورَةِ وهُمُ المُنْطَوُونَ عَلى النِّفاقِ أوِ التَّرَدُّدِ في الإيمانِ. والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ: هُمُ المُنافِقُونَ، فالأوْصافُ الثَّلاثَةُ لِشَيْءٍ واحِدٍ قالَهُ أبُو رَزِينٍ. وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَنْتَهِ) لِظُهُورِهِ، أيْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ أذى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ. والإرْجافُ: إشاعَةُ الأخْبارِ. وفِيهِ مَعْنى كَوْنِ الأخْبارِ كاذِبَةً أوْ مُسِيئَةً لِأصْحابِها يُعِيدُونَها في المَجالِسِ لِيَطْمَئِنَّ السّامِعُونَ لَها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِأنَّها صادِقَةٌ لِأنَّ الإشاعَةَ إنَّما تُقْصَدُ لِلتَّرْوِيجِ بِشَيْءٍ غَيْرِ واقِعٍ أوْ مِمّا لا يُصَدَّقُ بِهِ لِاشْتِقاقِ ذَلِكَ مِنَ الرَّجْفِ والرَّجَفانِ وهو الِاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ. فالمُرْجِفُونَ قَوْمٌ يَتَلَقَّوْنَ الأخْبارَ فَيُحَدِّثُونَ بِها في مَجالٍ ونَوادٍ ويُخْبِرُونَ بِها مَن يَسْألُ ومَن لا يَسْألُ. ومَعْنى الإرْجافُ هُنا: أنَّهم يُرْجِفُونَ بِما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ، ويَتَحَدَّثُونَ عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: هُزِمُوا أوْ أسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِإيقاعِ الشَّكَّ في نُفُوسِ النّاسِ والخَوْفِ وسُوءِ ظَنِّ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وهم مِنَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرِضٌ وأتْباعِهِمْ وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣] في سُورَةِ النِّساءِ. فَهَذِهِ الأوْصافُ لِأصْنافٍ مِنَ النّاسِ. وكانَ أكْثَرُ المُرْجِفِينَ مِنَ اليَهُودِ ولَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ عَقِبَهُ ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لا يُساعِدُ أنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنِينَ. صفحة ١٠٩ واللّامُ في (لَئِنْ) مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، فالكَلامُ بَعْدَها قَسَمٌ مَحْذُوفٌ. والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ. واللّامُ في (لَنُغْرِيَنَّكَ) لامُ جَوابِ القَسَمِ، وجَوابُ القَسَمِ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ. والإغْراءُ: الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى فِعْلٍ. ويَتَعَدّى فِعْلُهُ بِحَرْفِ عَلى والباءِ، والأكْثَرُ أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ (عَلى) تُفِيدُ حَثًّا عَلى الفِعْلِ مُطْلَقًا في حَدِّ ذاتِهِ وأنَّ تَعْدِيَتَهُ بِالباءِ تُفِيدُ حَثًّا عَلى الإيقاعِ بِشَخْصٍ لِأنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ. فالمُغْرى عَلَيْهِ مُلابِسٌ لِذاتِ المَجْرُورِ بِالباءِ، أيْ واقِعًا عَلَيْها. فَلا يُقالُ: أغْرَيْتُهُ بِهِ، إذا حَرَّضَهُ عَلى إحْسانٍ إلَيْهِ. فالمَعْنى: لَنُغْرِيَنَّكَ بِعُقُوبَتِهِمْ، أيْ بِأنْ تُغْرِيَ المُسْلِمِينَ بِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ فَإذا حَلَّ ذَلِكَ بِهِمُ انْجَلُوا عَنِ المَدِينَةِ فائِزِينَ بِأنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ. واخْتِيرَ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿لا يُجاوِرُونَكَ﴾ بِـ (ثُمَّ) دُونَ الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي انْتِفاءِ المُجاوَرَةِ عَنِ الإغْراءِ بِهِمْ تَراخِي رُتْبَةٍ لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الأوْطانِ أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا يَلْحَقُها مِن ضُرٍّ في الأبْدانِ كَما قالَ تَعالى ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أيْ وفِتْنَةُ الإخْراجِ مِن بَلَدِهِمْ أشُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ القَتْلِ. واسْتِثْناءُ (إلّا قَلِيلًا) لِتَأْكِيدِ نَفْيِ المُجاوِرَةِ وأنَّهُ لَيْسَ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ أيْ لا يَبْقُونَ مَعَكَ في المَدِينَةِ إلّا مُدَّةً قَلِيلَةً، وهي ما بَيْنَ نُزُولِ الآيَةِ والإيقاعِ بِهِمْ. و(قَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يُجاوِرُونَكَ) أيْ جِوارًا قَلِيلًا، وقِلَّتُهُ بِاعْتِبارِ مُدَّةِ زَمَنِهِ. وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ صِفَةً لِزَمَنٍ مَحْذُوفٍ فَإنَّ وُقُوعَ ضَمِيرِهِمْ في حَيِّزِ النَّفْيِ يَقْتَضِي إفْرادَهم، وعُمُومُ الأشْخاصِ يَقْتَضِي عُمُومَ أزْمانِها فَيَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الوَصْفِ لِاسْمِ الزَّمانِ ولَيْسَ هو ظَرْفًا. و(مَلْعُونِينَ) حالٌ مِمّا تَضَمَّنَهُ (قَلِيلًا) مِن مَعْنى الجِوارِ. فالجِوارُ مَصْدَرُ يَتَحَمَّلُ ضَمِيرَ صاحِبِهِ لِأنَّ أصْلَ المَصْدَرِ أنْ يُضافَ إلى فاعِلِهِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا جِوارَهم مَلْعُونِينَ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (مَلْعُونِينَ) مُسْتَثْنًى مِن أحْوالٍ بِأنْ صفحة ١١٠ يَكُونَ حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ دَخَلَ عَلى الظَّرْفِ والحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . وبَوْنٌ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ ما نَظَّرَهُ بِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما يَصْلُحُ مَجِيءُ الحالِ مِنهُ. والوَجْهُ هُنا هو ما سَلَكْناهُ في تَقْدِيرِ نَظْمِهِ. واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥] في سُورَةِ الحِجْرِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا كِنايَةً عَنِ الإهانَةِ والتَّجَنُّبِ في المَدِينَةِ، أيْ يُعامِلُهُمُ المُسْلِمُونَ بِتَجَنُّبِهِمْ عَنْ مُخالَطَتِهِمْ ويَبْتَعِدُونَ هم مِنَ المُؤْمِنِينَ اتِّقاءً ووَجَلًا فَتَضْمَنُ أنْ يَكُونُوا مُتَوارِينَ مُخْتَفِينَ خَوْفًا مِن بَطْشِ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ حَيْثُ أغْراهُمُ النَّبِيءُ ﷺ، فَفي قَوْلِهِ مَلْعُونِينَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وقَوْلُهُ (﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾) ظَرْفٌ مُضافٌ إلى جُمْلَةٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَلْعُونِينَ) لِأنَّ مَلْعُونِينَ حالٌ مِنهم بَعْدَ صِفَتِهِمْ بِأنَّهم في المَدِينَةِ، فَأفادَ عُمُومَ أمْكِنَةِ المَدِينَةِ. وأيْنَما: اسْمُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ. والثَّقَفُ: الظَّفَرُ والعُثُورُ عَلى العَدُوِّ بِدُونِ قَصْدٍ. وقَدْ مَهَّدَ لِهَذا الفِعْلِ قَوْلُهُ (مَلْعُونِينَ) كَما تَقَدَّمَ. ومَعْنى (أُخِذُوا) أُمْسِكُوا. والأخْذُ: الإمْساكُ والقَبْضُ، أيْ أُسِرُوا، والمُرادُ: أُخِذَتْ أمْوالُهم إذْ أغْرى اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ بِهِمْ. والتَّقْتِيلُ: قُوَّةُ القَتْلِ. والقُوَّةُ هُنا بِمَعْنى الكَثْرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ قَوِيٌّ في أصْنافِ نَوْعِهِ وأيْضًا هو شَدِيدٌ في كَوْنِهِ سَرِيعًا لا إمْهالَ لَهم فِيهِ. و(تَقْتِيلًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا شامِلًا. فالتَّأْكِيدُ هُنا تَأْكِيدٌ لِتَسَلُّطِ القَتْلِ عَلى جَمِيعِ الأفْرادِ المَدْلُولَةِ لِضَمِيرِ (قُتِّلُوا)، لِرَفْعِ احْتِمالِ المَجازِ في عُمُومِ القَتْلِ، فالمَعْنى: قُتِّلُوا قَتْلًا شَدِيدًا لا يَفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ. وبِهَذا الوَعِيدِ انْكَفَّ المُنافِقُونَ عَنْ أذاةِ المُسْلِمِينَ وعَنِ الإرْجافِ فَلَمْ يَقَعِ التَّقْتِيلُ فِيهِمْ إذْ لَمْ يُحْفَظْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَتَلَ مِنهم أحَدًا ولا أنَّهم خَرَجَ مِنهم أحَدٌ. وهَذِهِ الآيَةُ تُرْشِدُ إلى تَقْدِيمِ إصْلاحِ الفاسِدِ مِنَ الأُمَّةِ عَلى قَطْعِةٍ مِنها لِأنَّ إصْلاحَ الفاسِدِ يُكْسِبُ الأُمَّةَ فَرْدًا صالِحًا أوْ طائِفَةً صالِحَةً تَنْتَفِعُ الأُمَّةُ مِنها كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ . «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» . ولِهَذا شُرِعَتْ صفحة ١١١ اسْتِتابَةُ المُرْتَدِّ قَبْلَ قَتْلِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ تُعْرَضُ عَلَيْهِ فِيها التَّوْبَةُ، وشُرِعَتْ دَعْوَةُ الكُفّارِ الَّذِينَ يَغْزُوهُمُ المُسْلِمُونَ إلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ في غَزْوِهِمْ فَإنْ أسْلَمُوا وإلّا عَرَضَ عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في ذِمَّةِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ في دُخُولِهِمُ الذِّمَّةَ انْتِفاعًا لِلْمُسْلِمِينَ بِجِزْيَتِهِمْ والِاعْتِضادِ بِهِمْ. وأمّا قَتْلُ القاتِلِ عَمْدًا فَشُرِعَ فِيهِ مُجاراةً لِقَطْعِ الأحْقادِ مِن قُلُوبِ أوْلِياءِ القَتِيلِ لِئَلّا يَقْتُلَ بَعْضُ الأُمَّةِ بَعْضًا، إذْ لا دَواءَ لِتِلْكَ العِلَّةِ إلّا القِصاصُ. ولِذَلِكَ رَغَّبَ الشَّرْعُ في العَفْوِ وفي قَبُولِهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ مالِكٌ في آيَةِ (﴿جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]) أنَّ (أوْ) فِيها لِلتَّنْوِيعِ لا لِلتَّخْيِيرِ فَقالَ: يَكُونُ الجَزاءُ بِقَدْرِ جُرْمِ المُحارِبِ وكَثْرَةِ مَقامِهِ في فَسادِهِ. وكانَ النَّفْيُ مِنَ الأرْضِ آخَرَ أصْنافِ الجَزاءِ لِأنَّ فِيهِ اسْتِبْقاءَهُ رَجاءَ تَوْبَتِهِ وصَلاحِ حالِهِ.

الأحزاب 33:62

﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ انْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنْ فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ إغْراءَكَ بِهِمْ سُنَّتَهُ في أعْداءِ الأنْبِياءِ السّالِفِينَ وفي الكُفّارِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا وأُخِذُوا في غَزْوَةِ بَدْرٍ وغَيْرِها. وحَرْفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، شُبِّهَتِ السُّنَّةُ الَّتِي عُومِلُوا بِها بِشَيْءٍ في وسَطِهِمْ كِنايَةً عَنْ تَغَلْغُلِهِ فِيهِمْ وتَناوُلِهِ جَمِيعَهم ولَوْ جاءَ الكَلامُ عَلى غَيْرِ المَجازِ لَقِيلَ: سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الَّذيِنَ خَلَوْا. و(الَّذِينَ خَلَوْا) الَّذِينَ مَضَوْا وتَقَدَّمُوا. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن سَبَقُوا مِن أعْداءِ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِينَ أذِنَهُ اللَّهُ بِقَتْلِهِمْ مِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ ومِثْلَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِن يَهُودِ قُرَيْظَةَ. وهَذا أظْهَرُ لِأنَّ ما أصابَ أُولَئِكَ أوْقَعُ في المَوْعِظَةِ إذْ كانَ هَذانِ الفَرِيقانِ عَلى ذِكْرٍ مِنَ المُنافِقِينَ وقَدْ شَهِدُوا بَعْضَهم وبَلَغَهم خَبَرُ بَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أيْضًا أنْ يَشْمَلَ (الَّذِينَ خَلَوْا) الأُمَمَ السّالِفَةَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِأذاهم رُسُلَهم فاسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ. صفحة ١١٢ وذَيَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ أنَّ العَذابَ حائِقٌ بِالمُنافِقِينَ وأتْباعِهِمْ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا هم فِيهِ وأنَّ اللَّهَ لا يُخالِفُ سَنَّتَهُ لِأنَّها مُقْتَضى حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَلا تَجْرِي مُتَعَلِّقاتُها إلّا عَلى سَنَنٍ واحِدٍ. والمَعْنى: لَنْ تَجِدَ لِسُنَنِ اللَّهِ مَعَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولا مَعَ الحاضِرِينَ ولا مَعَ الآتِينَ تَبْدِيلًا. وبِهَذا العُمُومِ الَّذِي أفادَهُ وُقُوعُ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ تَأهَّلَتِ الجُمْلَةُ لِأنْ تَكُونُ تَذْيِيلًا.

الأحزاب 33:63

﴿يَسْألُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ لَمّا كانَ تَهْدِيدُ المُنافِقِينَ بِعَذابِ الدُّنْيا يُذَكِّرُ بِالخَوْضِ في عَذابِ الآخِرَةِ: خَوْضِ المُكَذِّبِينَ السّاخِرِينَ، وخَوْضِ المُؤْمِنِينَ الخائِفِينَ، وأهْلِ الكِتابِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِهَذا. فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤] لِتَكُونَ تَمْهِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ [الأحزاب: ٦٤] . وتَكَرَّرَ في القُرْآنِ ذِكْرُ سُؤالِ النّاسِ عَنِ السّاعَةِ، والسّائِلُونَ أصْنافٌ: مِنهُمُ المُكَذِّبُونَ بِها وهم أكْثَرُ السّائِلِينَ وسُؤالُهم تَهَكُّمٌ واسْتِدْلالٌ بِإبْطائِها عَلى عَدَمِ وُجُودِها في أنْظارِهِمُ السَّقِيمَةِ قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] . وصِنْفٌ مُؤْمِنُونَ يَسْألُونَ عَنْها مَحَبَّةً لِمَعْرِفَةِ المُغَيَّباتِ، وهَؤُلاءِ نُهُوا عَنِ الِاشْتِغالِ بِذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ: ماذا أعْدَدْتَ لَها ؟ فَقالَ الرَّجُلُ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما أعْدَدْتُ لَها صفحة ١١٣ كَبِيرَ صَلاةٍ ولا صَوْمٍ سِوى أنّى أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . وصِنْفٌ يَسْألُ اخْتِبارًا لِلنَّبِيءِ ﷺ لَعَلَّهُ يُجِيبُ بِما يُخالِفُ ما في عِلْمِهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ حُجَّةً بَيْنَهم عَلى انْتِفاءِ نُبُوءَتِهِ ويَلْعَنُونَهُ في دَهْمائِهِمْ لِيَقْتَلِعُوا مِن نُفُوسِهِمْ ما عَسى أنْ يُخالِطَها مِنَ النَّظَرِ في صِدْقِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ. وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَنْ أهْلِ الكَهْفِ وعَنِ الرُّوحِ. فَـ (النّاسُ) هُنا يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ وهو عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ جَمِيعُ النّاسِ الَّذِينَ مِن شَأْنِهِمُ الِاشْتِغالُ بِالسُّؤالِ عَنْها إذْ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ. وأهْلُ هَذِهِ الأصْنافِ الأرْبَعَةِ مَوْجُودُونَ بِالمَدِينَةِ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] في سُورَةِ الأعْرافِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ (وما يُدْرِيكَ) لِلرَّسُولِ ﷺ . و(ما) اسْتِفْهامٌ ماصَدَقُها شَيْءٌ. و(يُدْرِيكَ) مِن أدْراهُ، إذا أعْلَمَهُ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُ لَكَ دِرايَةً. و﴿لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْشاءِ رَجاءٍ. و(لَعَلَّ) مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ الإدْراءِ عَنِ العَمَلِ، أيْ في المَفْعُولِ الثّانِي والثّالِثِ وأمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَهو كافُ الخِطابِ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ السّاعَةَ بَعِيدَةً أوْ قَرِيبَةً لَعَلَّها تَكُونُ قَرِيبًا ولَعَلَّها تَكُونُ بَعِيدًا، فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ. والأظْهَرُ أنَّ (قَرِيبًا) خَبَرُ (تَكُونُ) وأنَّ فِعْلَ الكَوْنِ ناقِصٌ وجِيءَ بِالخَبَرِ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّهُ مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ لَفَظًا فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ كالفِعْلِ في اقْتِرانِهِ بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ إنْ كانَ مُتَحَمِّلًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ لَفْظِيٍّ فَقِيلَ إنَّما لَمْ يَقْتَرِنْ بِعَلاقَةِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ ضَمِيرَ السّاعَةِ جَرى عَلَيْها بَعْدَ تَأْوِيلِها بِالشَّيْءِ أوِ اليَوْمِ. والَّذِي اخْتارَهُ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ مِثْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجِ، وابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ صفحة ١١٤ (قَرِيبًا) في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الكَوْنِ ولَكِنَّهُ ظَرْفٌ لَهُ وهم يَعْنُونَ أنَّ فِعْلَ الكَوْنِ تامٌّ وأنَّ (قَرِيبًا) ظَرْفُ زَمانٍ لِوُقُوعِهِ. والتَّقْدِيرُ: تَقَعُ في زَمانٍ قَرِيبٍ، فَيَلْزَمُ لَفْظَ (قَرِيبٍ) الإفْرادُ والتَّذْكِيرُ عَلى نِيَّةِ زَمانٍ أوْ وقْتٍ، وقَدْ يَكُونُ ظَرْفَ زَمانٍ كَما ورَدَ في ضِدِّهِ وهو لَفْظٌ بَعِيدٌ في قَوْلِهِ: وإنْ تُمْسِ ابْنَةُ السَّهْمِيِّ مِنّا بَعِيدًا لا تُكَلِّمُنا كَلامًا وقَدْ أشارَ إلى جَوازِ الوَجْهَيْنِ في الكَشّافِ. وهَذانِ الوَجْهانِ وإنْ تَأتَّيا هُنا لا يَتَأتَّيانِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] . ويَقْتَرِنُ (قَرِيبٌ) و(بَعِيدٌ) بِعَلامَةِ التَّأْنِيثِ ونَحْوِها مِنَ العَلاماتِ الفَرْعِيَّةِ عِنْدَ إرادَةِ التَّوْصِيفِ. وكُلُّ هَذِهِ اعْتِباراتٌ مِن تَوَسُّعِهِمْ في الكَلامِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] في الأعْرافِ فَضُمَّهُ إلى ما هُنا.

الأحزاب 33:64

﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . هَذا حَظُّ الكافِرِينَ مِن وعِيدِ السّاعَةِ، وهَذِهِ لَعْنَةُ الآخِرَةِ قُفِّيَتْ بِها لَعْنَةُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ (مَلْعُونِينَ)، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْها ﴿وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ فَكانَتْ لَعْنَةُ الدُّنْيا مُقْتَرِنَةً بِالأخْذِ والتَّقْتِيلِ ولَعْنَةُ الآخِرَةِ مُقْتَرِنَةً بِالسَّعِيرِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] تُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ السُّؤالَ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى لَعْنِهِمْ وتَقْتِيلِهِمْ في الدُّنْيا، وهَلْ ذَلِكَ مُنْتَهى ما عُوقِبُوا بِهِ أوْ لَهم مِن ورائِهِ عَذابٌ ؟ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ إلَخْ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ أوْ مَنظُورٍ بِهِ إلى السّامِعِينَ مِنَ الكافِرِينَ. والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا شاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ وآذَوْهُ وأرْجَفُوا في المَدِينَةِ وهُمُ المُنافِقُونَ ومَن ناصَرَهم مِنَ صفحة ١١٥ المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ومِنَ اليَهُودِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلَّ كافِرٍ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَصِيغَةُ المُضِيِّ في فِعْلِ (لَعَنَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الوُقُوعِ شِبْهِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بِالفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ فاسْتُعِيرَ لَهُ صِيغَةُ الماضِي مَثَلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] لِأنَّ اللَّعْنَ إنَّما يَقَعُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَقْبَلٌ. وأمّا حالُهم في الدُّنْيا فَمِثْلُ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ يَتَمَتَّعُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا مِن حَياةٍ ورِزْقٍ ومَلاذٍ كَما هو صَرِيحُ الآياتِ والأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ قالَ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . وقَدْ يَكُونُ في ظاهِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ بِانْتِفاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنِ الكافِرِينَ خِلافًا لِلْماتُرِيدِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والمُعْتَزِلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَمَسَّكٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم خِلافٌ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلى أنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ تَرْجِعُ إلى ما لا يُعْقِبُ ألَمًا. والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ. وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، أيْ مَسْعُورَةٌ. وأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلى السَّعِيرِ في قَوْلِهِ (خالِدِينَ فِيها) مُؤَنَّثًا لِأنَّ سَعِيرًا مِن صِفاتِ النّارِ والنّارُ مُؤَنَّثَةٌ في الِاسْتِعْمالِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) أيْ خالِدِينَ في حالَةِ انْتِفاءِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ عَنْهم فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْصُرُونَ.

الأحزاب 33:65

﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . هَذا حَظُّ الكافِرِينَ مِن وعِيدِ السّاعَةِ، وهَذِهِ لَعْنَةُ الآخِرَةِ قُفِّيَتْ بِها لَعْنَةُ الدُّنْيا في قَوْلِهِ (مَلْعُونِينَ)، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْها ﴿وأعَدَّ لَهم سَعِيرًا﴾ فَكانَتْ لَعْنَةُ الدُّنْيا مُقْتَرِنَةً بِالأخْذِ والتَّقْتِيلِ ولَعْنَةُ الآخِرَةِ مُقْتَرِنَةً بِالسَّعِيرِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢] تُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ السُّؤالَ عَنِ الِاقْتِصارِ عَلى لَعْنِهِمْ وتَقْتِيلِهِمْ في الدُّنْيا، وهَلْ ذَلِكَ مُنْتَهى ما عُوقِبُوا بِهِ أوْ لَهم مِن ورائِهِ عَذابٌ ؟ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكافِرِينَ﴾ إلَخْ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ أوْ مَنظُورٍ بِهِ إلى السّامِعِينَ مِنَ الكافِرِينَ. والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ، أيِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا شاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ وآذَوْهُ وأرْجَفُوا في المَدِينَةِ وهُمُ المُنافِقُونَ ومَن ناصَرَهم مِنَ صفحة ١١٥ المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ الأحْزابِ ومِنَ اليَهُودِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ كُلَّ كافِرٍ. وعَلى الوَجْهَيْنِ فَصِيغَةُ المُضِيِّ في فِعْلِ (لَعَنَ) مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الوُقُوعِ شِبْهِ المُحَقَّقِ حُصُولُهُ بِالفِعْلِ الَّذِي حَصَلَ فاسْتُعِيرَ لَهُ صِيغَةُ الماضِي مَثَلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] لِأنَّ اللَّعْنَ إنَّما يَقَعُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَقْبَلٌ. وأمّا حالُهم في الدُّنْيا فَمِثْلُ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ يَتَمَتَّعُونَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ في الدُّنْيا مِن حَياةٍ ورِزْقٍ ومَلاذٍ كَما هو صَرِيحُ الآياتِ والأخْبارِ النَّبَوِيَّةِ قالَ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . وقَدْ يَكُونُ في ظاهِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكٌ لِلشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ لِقَوْلِهِ بِانْتِفاءِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنِ الكافِرِينَ خِلافًا لِلْماتُرِيدِيِّ، والقاضِي أبِي بَكْرٍ الباقِلّانِيِّ والمُعْتَزِلَةِ ولَكِنَّهُ مُتَمَسَّكٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخِلافَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم خِلافٌ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلى أنَّ حَقِيقَةَ النِّعْمَةِ تَرْجِعُ إلى ما لا يُعْقِبُ ألَمًا. والسَّعِيرُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ. وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، أيْ مَسْعُورَةٌ. وأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلى السَّعِيرِ في قَوْلِهِ (خالِدِينَ فِيها) مُؤَنَّثًا لِأنَّ سَعِيرًا مِن صِفاتِ النّارِ والنّارُ مُؤَنَّثَةٌ في الِاسْتِعْمالِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ) أيْ خالِدِينَ في حالَةِ انْتِفاءِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ عَنْهم فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْصُرُونَ.

الأحزاب 33:66

﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ (يَوْمَ) ظَرْفٌ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (لا يَجِدُونَ) أيْ إنْ وجَدُوا أوْلِياءَ ونُصَراءَ في الدُّنْيا مِن يَهُودِ قُرَيْظَةَ وخَيْبَرَ في يَوْمِ الأحْزابِ فَيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهم في النّارِ لا يَجِدُونَ ولِيًّا يَرْثِي لَهم ولا نَصِيرًا يُخَلِّصُهم. وتَكُونُ جُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالًا مِن ضَمِيرِ (يَقُولُونَ) . ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفِعْلِ (يَقُولُونَ) حالًا مِن ضَمِيرِ (لا يَجِدُونَ) . صفحة ١١٦ ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ عَلى طَرِيقَةِ نَظائِرِهِ مِن ظُرُوفٍ كَثِيرَةٍ وارِدَةٍ في القُرْآنِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في وُجُوهِهِمْ. والتَّقْلِيبُ: شِدَّةُ القَلْبِ. والقَلْبُ: تَغْيِيرُ وضَعِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها. والمَعْنى: يَوْمَ تُقَلِّبُ مَلائِكَةُ العَذابِ وُجُوهَهم في النّارِ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهم، أوْ يَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ التَّقَلُّبَ في وُجُوهِهِمْ لِتَنالَ النّارُ جَمِيعَ الوَجْهِ كَما يُقَلَّبُ الشِّواءُ عَلى المَشْوى لِيَنْضَجَ عَلى سَواءٍ، ولَوْ كانَ لَفْحُ النّارِ مُقْتَصِرًا عَلى أحَدِ جانِبَيِ الوَجْهِ لَكانَ لِلْجانِبِ الآخَرِ بَعْضُ الرّاحَةِ. وتَخْصِيصُ الوُجُوهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ لِأنَّ حَرَّ النّارِ يُؤْذِي الوُجُوهَ أشَدَّ مِمّا يُؤْذِي بَقِيَّةَ الجِلْدِ لِأنَّ الوُجُوهَ مَقَرُّ الحَواسِّ الرَّقِيقَةِ: العُيُونِ والأفْواهِ والآذانِ والمَنافِسِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ٢٤] . وحَرْفُ (يا) في قَوْلِهِ (يا لَيْتَنا) لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ إسْماعِ مَن يُرْثى لِحالِهِمْ مِثْلَ يا حَسْرَتَنا. والتَّمَنِّي هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّنَدُّمِ عَلى ما فاتَ، وكَذَلِكَ نَحْوُ (يا حَسْرَتَنا) أيْ أنَّ الحَسْرَةَ غَيْرُ مُجْدِيَةٍ. وقَدْ عَلِمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّ ما كانَ يَأْمُرُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ هو تَبْلِيغٌ عَنْ مُرادِ اللَّهِ مِنهم وأنَّهم إذْ عَصَوْهُ فَقَدْ عَصَوُا اللَّهَ تَعالى فَتَمَنَّوْا يَوْمَئِذَ أنْ لا يَكُونُوا عَصَوُا الرَّسُولَ المُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. والألِفُ في آخِرِ قَوْلِهِ (الرَّسُولا) لِرِعايَةِ الفَواصِلِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها السُّورَةُ فَإنَّها بُنِيَتْ عَلى فاصِلَةِ الألِفِ وهي ألِفُ الإطْلاقِ إجْراءً لِلْفَواصِلِ مَجْرى القَوافِي الَّتِي تَلْحَقُها ألْفُ الإطْلاقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظَّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠] في هَذِهِ السُّورَةِ، وتَقَدَّمَتْ وُجُوهُ القِراءاتِ في إثْباتِها في الوَصْلِ أوْ حَذْفِها.

الأحزاب 33:67

صفحة ١١٧ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَثِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَقُولُونَ) فَهي حالٌ. وجِيءَ بِها في صِيغَةِ الماضِي لِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، فَذَلِكَ التَّمَنِّي نَشَأ لَهم وقْتَ أنْ مَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا التَّنَصُّلُ والدُّعاءُ اعْتَذَرُوا بِهِ حِينَ مُشاهَدَةِ العَذابِ وحَشْرِهِمْ مَعَ رُؤَسائِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، قالَ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] . فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ بَلْ حِينَ رُصِفُوا ونُسِقُوا قَبْلَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ويُطْلَقُ إلَيْهِمْ حَرُّ النّارِ. والِابْتِداءُ بِالنِّداءِ ووَصْفُ الرُّبُوبِيَّةِ إظْهارٌ لِلتَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ. والسّادَةُ: جَمْعُ سَيِّدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُهُ فَعَلَةٌ، أيْ مِثْلُ كَمَلَةٍ لَكِنْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ صِيغَةَ فَعَلَةٍ تَطَّرِدُ في جَمْعِ فاعِلٍ لا في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِانْفِتاحِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. وأمّا السّاداتُ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ بِزِيادَةِ ألِفٍ وتاءٍ بِزِنَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ. والسّادَةُ: عُظَماءُ القَوْمِ والقَبائِلِ مِثْلُ المُلُوكِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سادَتَنا) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (ساداتِنا) بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِّ وبِكَسْرِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ جُمِعَ بِألِفٍ وتاءٍ مَزِيدَتَيْنِ عَلى بِناءِ مُفْرَدِهِ. وهو جَمْعُ الجَمْعِ الَّذِي هو سادَةٌ. والكُبَراءُ: جَمْعُ كَبِيرٍ وهو عَظِيمُ العَشِيرَةِ، وهم دُونَ السّادَةِ فَإنَّ كَبِيرًا يُطْلَقُ عَلى رَأْسِ العائِلَةِ فَيَقُولُ المَرْءُ لِأبِيهِ: كَبِيرِي، ولِذَلِكَ قُوبِلَ قَوْلُهم ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] بِقَوْلِهِمْ ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ والتَّذَمُّرِ، وهو تَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الِانْتِصافِ مِن سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. فالمَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ . ومَقْصُودٌ مِن هَذا الخَبَرِ أيْضًا الِاعْتِذارُ والتَّنَصُّلُ مِن تَبِعَةِ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم مَغْرُورُونَ مَخْدُوعُونَ، وهَذا الِاعْتِذارُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِما أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِيقَةِ إذْ قالُوا ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ . صفحة ١١٨ فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: لِماذا أطَعْتُمُوهم حَتّى يَغُرُّوكم، وهَذا شَأْنُ الدَّهْماءِ أنْ يُسَوِّدُوا عَلَيْهِمْ مَن يُعْجَبُونَ بِأضْغاثِ أحْلامِهِ، ويُغَرَّوُنَ بِمَعْسُولِ كَلامِهِ، ويَسِيرُونَ عَلى وقْعِ أقْدامِهِ، حَتّى إذا اجْتَنَوْا ثِمارَ أكْمامِهِ، وذاقُوا مَرارَةَ طَعْمِهِ وحَرارَةَ أُوامِهِ، عادُوا عَلَيْهِ بِاللائِمَةِ وهُمُ الأحِقّاءُ بِمَلامِهِ. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ إنْكارٍ، وتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ اهْتِمامٌ بِما فِيهِ مِن تَعْلِيلٍ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ لِأنَّ كُبَراءَهم ما تَأتّى لَهم إضْلالُهم إلّا بِتَسَبُّبِ طاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم واشْتِغالِهِمْ بِطاعَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فَسادٍ ووَخامَةِ مَغَبَّةٍ، وبِتَسَبُّبِ وضْعِهِمْ أقْوالَ سادَتِهِمْ وكُبَراءِهِمْ مَوْضِعَ التَّرْجِيحِ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ . وانْتَصَبَ (السَّبِيلا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ أضَلَّ لا يَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] . وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ (ضَلَّ) المُجَرَّدُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. تَقُولُ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ، و(أضَلَّ) بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والقَوْلُ في ألِفِ ”السَّبِيلا“ كالقَوْلِ في ألِفِ ”الرَّسُولا“ . وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وتَمْهِيدًا لِقَبُولِ سُؤْلِهِمْ حَتّى إذا قُبِلَ سُؤَلُهم طَمِعُوا في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى كاهِلِ كُبَرائِهِمْ. والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: العَدَدُ المُماثِلُ لِلْمَعْدُودِ، فالأرْبَعَةُ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ. ولَمّا كانَ العَذابُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا ذاتًا كانَ مَعْنى تَكْرِيرِ العَدَدِ فِيهِ مَجازًا في القُوَّةِ والشِّدَّةِ. وتَثْنِيَةُ (ضِعْفَيْنِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] فَإنَّ البَصَرَ لا يَخْسَأُ في نَظْرَتَيْنِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهَذا تَعْرِيضٌ صفحة ١١٩ بِإلْقاءِ تَبِعَةِ الضَّلالِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَذابَ الَّذِي أُعِدَّ لَهم يُسَلَّطُ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ أضَلُّوهم. ووُصِفَ اللَّعْنُ بِالكَثْرَةِ كَما وُصِفَ العَذابُ بِالضِّعْفَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا عَذابًا لِكُفْرِهِمْ وعَذابًا لِتَسَبُّبِهِمْ في كُفْرِ أتْباعِهِمْ. فالمُرادُ بِالكَثِيرِ الشَّدِيدِ القَوِيِّ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَثِيرِ لِمُشاكَلَةِ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ضِعْفَيْنِ المُرادِ بِهِ الكَثْرَةَ. وقَدْ ذُكِرَ في الأعْرافِ جَوابُهم مِن قِبَلِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا مُضاعَفَةَ العَذابِ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ وأنَّ أتْباعَهم أيْضًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ لِضَلالِهِمْ ولِتَسْوِيدِ سادَتِهِمْ وطاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم.

الأحزاب 33:68

صفحة ١١٧ ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَثِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَقُولُونَ) فَهي حالٌ. وجِيءَ بِها في صِيغَةِ الماضِي لِأنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُتَقَدِّمًا عَلى قَوْلِهِمْ ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، فَذَلِكَ التَّمَنِّي نَشَأ لَهم وقْتَ أنْ مَسَّهُمُ العَذابُ، وهَذا التَّنَصُّلُ والدُّعاءُ اعْتَذَرُوا بِهِ حِينَ مُشاهَدَةِ العَذابِ وحَشْرِهِمْ مَعَ رُؤَسائِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، قالَ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] . فَدَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ بَلْ حِينَ رُصِفُوا ونُسِقُوا قَبْلَ أنْ يُصَبَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ ويُطْلَقُ إلَيْهِمْ حَرُّ النّارِ. والِابْتِداءُ بِالنِّداءِ ووَصْفُ الرُّبُوبِيَّةِ إظْهارٌ لِلتَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ. والسّادَةُ: جَمْعُ سَيِّدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُهُ فَعَلَةٌ، أيْ مِثْلُ كَمَلَةٍ لَكِنْ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ صِيغَةَ فَعَلَةٍ تَطَّرِدُ في جَمْعِ فاعِلٍ لا في جَمْعِ فَيْعِلٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِانْفِتاحِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها. وأمّا السّاداتُ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ بِزِيادَةِ ألِفٍ وتاءٍ بِزِنَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ. والسّادَةُ: عُظَماءُ القَوْمِ والقَبائِلِ مِثْلُ المُلُوكِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سادَتَنا) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ (ساداتِنا) بِألْفٍ بَعْدَ الدّالِّ وبِكَسْرِ التّاءِ؛ لِأنَّهُ جُمِعَ بِألِفٍ وتاءٍ مَزِيدَتَيْنِ عَلى بِناءِ مُفْرَدِهِ. وهو جَمْعُ الجَمْعِ الَّذِي هو سادَةٌ. والكُبَراءُ: جَمْعُ كَبِيرٍ وهو عَظِيمُ العَشِيرَةِ، وهم دُونَ السّادَةِ فَإنَّ كَبِيرًا يُطْلَقُ عَلى رَأْسِ العائِلَةِ فَيَقُولُ المَرْءُ لِأبِيهِ: كَبِيرِي، ولِذَلِكَ قُوبِلَ قَوْلُهم ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا اللَّهَ وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] بِقَوْلِهِمْ ﴿أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ . وجُمْلَةُ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الشِّكايَةِ والتَّذَمُّرِ، وهو تَمْهِيدٌ لِطَلَبِ الِانْتِصافِ مِن سادَتِهِمْ وكُبَرائِهِمْ. فالمَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ . ومَقْصُودٌ مِن هَذا الخَبَرِ أيْضًا الِاعْتِذارُ والتَّنَصُّلُ مِن تَبِعَةِ ضَلالِهِمْ بِأنَّهم مَغْرُورُونَ مَخْدُوعُونَ، وهَذا الِاعْتِذارُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ بِما أنْطَقَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَقِيقَةِ إذْ قالُوا ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ . صفحة ١١٨ فَيَتَّجِهُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: لِماذا أطَعْتُمُوهم حَتّى يَغُرُّوكم، وهَذا شَأْنُ الدَّهْماءِ أنْ يُسَوِّدُوا عَلَيْهِمْ مَن يُعْجَبُونَ بِأضْغاثِ أحْلامِهِ، ويُغَرَّوُنَ بِمَعْسُولِ كَلامِهِ، ويَسِيرُونَ عَلى وقْعِ أقْدامِهِ، حَتّى إذا اجْتَنَوْا ثِمارَ أكْمامِهِ، وذاقُوا مَرارَةَ طَعْمِهِ وحَرارَةَ أُوامِهِ، عادُوا عَلَيْهِ بِاللائِمَةِ وهُمُ الأحِقّاءُ بِمَلامِهِ. وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ إنْكارٍ، وتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا﴾ اهْتِمامٌ بِما فِيهِ مِن تَعْلِيلٍ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ لِأنَّ كُبَراءَهم ما تَأتّى لَهم إضْلالُهم إلّا بِتَسَبُّبِ طاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم واشْتِغالِهِمْ بِطاعَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فَسادٍ ووَخامَةِ مَغَبَّةٍ، وبِتَسَبُّبِ وضْعِهِمْ أقْوالَ سادَتِهِمْ وكُبَراءِهِمْ مَوْضِعَ التَّرْجِيحِ عَلى ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ . وانْتَصَبَ (السَّبِيلا) عَلى نَزْعِ الخافِضِ لِأنَّ أضَلَّ لا يَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [الفرقان: ٢٩] . وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونُ (ضَلَّ) المُجَرَّدُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. تَقُولُ: ضَلَلْتُ الطَّرِيقَ، و(أضَلَّ) بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ. وقالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. والقَوْلُ في ألِفِ ”السَّبِيلا“ كالقَوْلِ في ألِفِ ”الرَّسُولا“ . وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وتَمْهِيدًا لِقَبُولِ سُؤْلِهِمْ حَتّى إذا قُبِلَ سُؤَلُهم طَمِعُوا في التَّخَلُّصِ مِنَ العَذابِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى كاهِلِ كُبَرائِهِمْ. والضِّعْفُ بِكَسْرِ الضّادِ: العَدَدُ المُماثِلُ لِلْمَعْدُودِ، فالأرْبَعَةُ ضِعْفُ الِاثْنَيْنِ. ولَمّا كانَ العَذابُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا ذاتًا كانَ مَعْنى تَكْرِيرِ العَدَدِ فِيهِ مَجازًا في القُوَّةِ والشِّدَّةِ. وتَثْنِيَةُ (ضِعْفَيْنِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] فَإنَّ البَصَرَ لا يَخْسَأُ في نَظْرَتَيْنِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ﴾ مُساوِيًا لِقَوْلِهِ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهَذا تَعْرِيضٌ صفحة ١١٩ بِإلْقاءِ تَبِعَةِ الضَّلالِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ العَذابَ الَّذِي أُعِدَّ لَهم يُسَلَّطُ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ أضَلُّوهم. ووُصِفَ اللَّعْنُ بِالكَثْرَةِ كَما وُصِفَ العَذابُ بِالضِّعْفَيْنِ إشارَةً إلى أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا عَذابًا لِكُفْرِهِمْ وعَذابًا لِتَسَبُّبِهِمْ في كُفْرِ أتْباعِهِمْ. فالمُرادُ بِالكَثِيرِ الشَّدِيدِ القَوِيِّ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالكَثِيرِ لِمُشاكَلَةِ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ ضِعْفَيْنِ المُرادِ بِهِ الكَثْرَةَ. وقَدْ ذُكِرَ في الأعْرافِ جَوابُهم مِن قِبَلِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف: ٣٨] يَعْنِي أنَّ الكُبَراءَ اسْتَحَقُّوا مُضاعَفَةَ العَذابِ لِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ وأنَّ أتْباعَهم أيْضًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ لِضَلالِهِمْ ولِتَسْوِيدِ سادَتِهِمْ وطاعَتِهِمُ العَمْياءِ إيّاهم.

الأحزاب 33:69

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ لَمّا تَقَضّى وعِيدُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ ونَحْوِهِ مِنَ الأذى المُنْبَعِثِ عَنْ كُفْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] حَذَّرَ المُؤْمِنِينَ مِمّا يُؤْذِي الرَّسُولَ ﷺ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ قَوْمٍ نَسَبُوا إلى رَسُولِهِمْ ما هو أذًى لَهُ وهم لا يَعْبَئُونَ بِما في ذَلِكَ مِن إغْضابِهِ الَّذِي فِيهِ غَضَبُ اللَّهِ تَعالى. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِنَ الأذى قَدْ يَحْصُلُ عَنْ غَفْلَةِ أصْحابِهِ عَمّا يُوَجَّهُ فَيَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ ما تَجِيشُ بِهِ خَواطِرُهم قَبْلَ التَّدَبُّرِ فِيما يَحِفُّ بِذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تُقْلِعُهُ وتَنْفِيهِ ودُونَ التَّأمُّلِ فِيما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الواجِباتِ. وكَذَلِكَ يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ ما فِيهِ ورْطَةٌ لَهم قَبْلَ التَّأمُّلِ في مَغَبَّةِ عَمَلِهِمْ، نَبَّهَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ كَيْ لا يَقَعُوا في مِثْلِ تِلْكَ العَنْجَهِيَّةِ لِأنَّ مَدارِكَ العُقَلاءِ في التَّنْبِيهِ إلى مَعانِي الأشْياءِ ومُلازِماتِها مُتَفاوِتَةُ المَقادِيرِ، فَكانَتْ حَرِيَّةً بِالإيقاظِ والتَّحْذِيرِ. وفائِدَةُ التَّشْبِيهِ تَشْوِيهُ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ تَقَرَّرَ في نُفُوسِهِمْ قُبْحُ ما أُوذِيَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما سَبَقَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمُ﴾ [الصف: ٥] الآيَةَ. صفحة ١٢٠ والَّذِينَ آذَوْا مُوسى هم طَوائِفُ مِن قَوْمِهِ ولَمْ يَكُنْ قَصْدُهم أذاهُ ولَكِنَّهم أهْمَلُوا واجِبَ كَمالِ الأدَبِ والرِّعايَةِ مَعَ أعْظَمِ النّاسِ بَيْنَهم. وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [الصف: ٥] الآيَةَ فَلَمْ يَكُنْ هَذا الأذى مِن قَبِيلِ التَّكْذِيبِ لِأجْلِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (لِمَ تُؤْذُونَنِي) إنْكارِيٌّ. فَكانَ تَوْجِيهُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُراعى فِيهِ المُشابَهَةُ بَيْنَ الحالَيْنِ في حُصُولِ الإذايَةِ. فالَّذِينَ آذَوْا مُوسى قالُوا مَرَّةً ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] فَآذَوْهُ بِالعِصْيانِ وبِضَرْبٍ مِنَ التَّهَكُّمِ. وقالُوا مَرَّةً (أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا) فَنَسَبُوهُ إلى الطَّيْشِ والسُّخْرِيَةِ ولِذَلِكَ قالَ لَهم ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] . وفي التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِنَ الخُرُوجِ وقالُوا لِمُوسى فَإذا صَنَعْتَ بِنا حَتّى أخْرَجْتَنا مِن مِصْرَ فَإنَّهُ خَيْرٌ لَنا أنْ نَخْدُمَ المِصْرِيِّينَ مِن أنْ نَمُوتَ في البَرِّيَّةِ. وفي الإصْحاحِ السّادِسَ عَشَرَ وقالُوا لِمُوسى وهارُونَ إنَّكُما أخْرَجْتُمانا إلى هَذا القَفْرِ لِكَيْ تُمِيتا كُلَّ هَذا الجُمْهُورِ بِالجُوعِ. وفي الحَدِيثِ «إنَّ مُوسى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا فَقالَ فَرِيقٌ مِن قَوْمِهِ: ما نَراهُ يَسْتَتِرُ إلّا مِن عاهَةٍ فِيهِ. فَقالَ قَوْمٌ: بِهِ بَرَصٌ وقالَ قَوْمٌ: هو آدَرُ» ونَحْوَ هَذا، وكانَ قَرِيبًا مِن هَذا قَوْلُ المُنافِقِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابْنِهِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ تَوْقِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وتَجَنُّبِ ما يُؤْذِيهِ وتِلْكَ سُنُّةُ الصَّحابَةِ والمُسْلِمِينَ وقَدْ عَرَضَتْ فَلَتاتٌ مِن بَعْضِ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا قَبْلَها كَمالَ التَّخَلُّقِ بِالقُرْآنِ مِثْلَ الَّذِي قالَ لَهُ لَمّا حَكَمَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الزُّبَيْرِ في ماءِ شِراحِ الحَرَّةِ: أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ومِثْلَ التَّمِيمِيِّ خَرْفُوصٍ الَّذِي قالَ في قِسْمَةِ مَغانِمِ حُنَيْنٍ: هَذِهِ قِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهُ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» . واعْلَمْ أنَّ مَحَلَّ التَّشْبِيهِ هو قَوْلُهُ ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ دُونَ ما فَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ وإنَّما ذَلِكَ إدْماجٌ وانْتِهازٌ لِلْمَقامِ بِذِكْرِ بَراءَةِ مُوسى مِمّا قالُوا، ولا اتِّصالَ لَهُ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ لِأنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمْ يُؤْذَ إيذاءً يَقْتَضِي ظُهُورَ بَراءَتِهِ مِمّا أُوذِيَ بِهِ. صفحة ١٢١ ومَعْنى (بَرَّأهُ) أظْهَرَ بَراءَتَهُ عَيانًا لِأنَّ مُوسى كانَ بَرِيئًا مِمّا قالُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يُؤْذُوهُ بِأقْوالِهِمْ فَلَيْسَ وُجُودُ البَراءَةِ مِنهُ مُتَفَرِّعَةً عَلى أقْوالِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ أظْهَرَها عَقِبَ أقْوالِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ أظْهَرَ بَراءَتَهُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ إذْ أمَرَهم بِدُخُولِ أرِيحا فَثَبَّتَ قُلُوبَهم وافْتَتَحُوها وأظْهَرَ بَراءَتَهُ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ إذْ أظْهَرَ مُعْجِزَتَهُ حِينَ ذَبَحُوا البَقَرَةَ الَّتِي أمَرَهم بِذَبْحِها فَتَبَيَّنَ مَن قَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي ادّارَأُوا فِيها. وأظْهَرَ سَلامَتَهُ مِنَ البَرَصِ والأُدْرَةِ حِينَ بَدا لَهم عُرْيانًا لَمّا انْتَقَلَ الحَجْرُ الَّذِي عَلَيْهِ ثِيابُهُ. ومَعْنى بَرَّأهُ مِمّا قالُوا بَرَّأهُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ لا مِن نَفْسِ قَوْلِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهم قَدْ حَصَلَ وأُوذِيَ بِهِ وهَذا كَما سَمَّوُا السُّبَّةَ القالَةَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠])، أيْ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقالُهُ وهو قَوْلُهُ ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أيْ نَرِثُهُ مالَهُ ووَلَدَهُ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ ومُفِيدَةٌ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِتَبْرِئَتِهِ. والوَجِيهُ صِفَةٌ، أيْ ذُو الوَجاهَةِ. وهي الجاهُ وحُسْنُ القَبُولِ عِنْدَ النّاسِ. يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ، بِضَمِّ الجِيمِ، وجاهَةً فَهو وجِيهٌ. وهَذا الفِعْلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الوَجْهُ الَّذِي لِلْإنْسانِ، فَمَعْنى كَوْنِهِ وجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ أنَّهُ مَرْضِيٌّ عَنْهُ مَقْبُولٌ لَهُ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَضُمَّهُ إلى هُنا. وذِكْرُ فِعْلِ (كانَ) دالٌّ عَلى تَمَكُّنِ وجاهَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وهَذا تَسْفِيهٌ لِلَّذِينِ آذَوْهُ بِأنَّهم آذَوْهُ بِما هو مُبَرَّأٌ مِنهُ، وتَوْجِيهٌ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنَّهُ مُسْتَأْهِلٌ لِتِلْكَ التَّبْرِئَةِ؛ لِأنَّهُ وجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ ولَيْسَ بِخامِلٍ.

الأحزاب 33:70

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ بَعْدَ أنْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَمّا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ ورَبَأ بِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ صفحة ١٢٢ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَهم وجَّهَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نِداءً بِأنْ يَتَّسِمُوا بِالتَّقْوى وسَدادِ القَوْلِ لِأنَّ فائِدَةَ النَّهْيِ عَنِ المَناكِرِ التَّلَبُّسُ بِالمَحامِدِ، والتَّقْوى جِماعُ الخَيْرِ في العَمَلِ والقَوْلِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ مُبِثُّ الفَضائِلِ. وابْتِداءُ الكَلامِ بِنِداءِ الَّذِينَ آمَنُوا لِلِاهْتِمامِ بِهِ واسْتِجْلابِ الإصْغاءِ إلَيْهِ. ونِداؤُهم بِالَّذِينِ آمَنُوا لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَصْدُرُ مِنهم ما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ قَصْدًا لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ في باطِنِ الأمْرِ ولَكِنَّهم مُنافِقُونَ، وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِالتَّقْوى مُشْعِرٌ بِأنَّ ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ مِن سَدِيدِ القَوْلِ هو مِن شُعَبِ التَّقْوى كَما هو مِن شُعَبِ الإيمانِ. والقَوْلُ: الكَلامُ الَّذِي يَصْدُرُ مِن فَمِ الإنْسانِ يُعَبِّرُ عَمّا في نَفْسِهِ. والسَّدِيدُ: الَّذِي يُوافِقُ السَّدادَ. والسَّدادُ: الصَّوابُ والحَقُّ ومِنهُ تَسْدِيدُ السَّهْمِ نَحْوَ الرَّمْيَةِ، أيْ عَدَمُ العُدُولِ بِهِ عَنْ سِمَتِها بِحَيْثُ إذا انْدَفَعَ أصابَها، فَشَمَلَ القَوْلُ السَّدِيدُ الأقْوالَ الواجِبَةَ والأقْوالَ الصّالِحَةَ النّافِعَةَ مِثْلَ ابْتِداءِ السَّلامِ وقَوْلِ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّهُ: إنِّي أُحِبُّكَ. والقَوْلُ يَكُونُ بابًا عَظِيمًا مِن أبْوابِ الخَيْرِ ويَكُونُ كَذَلِكَ مِن أبْوابِ الشَّرِّ. وفي الحَدِيثِ «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» . ويَشْمَلُ القَوْلُ السَّدِيدُ ما هو تَعْبِيرٌ عَنْ إرْشادٍ مِن أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ والحُكَماءِ، وما هو تَبْلِيغٌ لِإرْشادِ غَيْرِهِ مِن مَأْثُورِ أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ. فَقِراءَةُ القُرْآنِ عَلى النّاسِ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ، ورِوايَةُ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ. وفي الحَدِيثِ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها فَأدّاها كَما سَمِعَها» وكَذَلِكَ نَشْرُ أقْوالِ الصَّحابَةِ والحُكَماءِ وأيِمَّةِ الفِقْهِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ تَمْجِيدُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ مِثْلَ التَّسْبِيحِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ الآذانُ والإقامَةُ قالَ تَعالى ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] في سُورَةِ فاطِرٍ. فَبِالقَوْلِ السَّدِيدِ تَشِيعُ الفَضائِلُ والحَقائِقُ بَيْنَ النّاسِ فَيَرْغَبُونَ في التَّخَلُّقِ بِها، وبِالقَوْلِ السَّيِّئِ تَشِيعُ الضَّلالاتُ والتَّمْوِيهاتُ صفحة ١٢٣ فَيَغْتَرُّ النّاسُ بِها ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. والقَوْلُ السَّدِيدُ يَشْمَلُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ. ولِما في التَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِن وسائِلِ الصَّلاحِ جَعَلَ لِلْآتِي بِهِما جَزاءً بِإصْلاحِ الأعْمالِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. وهو نَشْرٌ عَلى عَكْسِ اللَّفِّ، فَإصْلاحُ الأعْمالِ جَزاءٌ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ السَّدِيدُ إرْشادُ النّاسِ إلى الصَّلاحِ أوِ اقْتِداءُ النّاسِ بِصاحِبِ القَوْلِ السَّدِيدِ. وغُفْرانُ الذُّنُوبِ جَزاءٌ عَلى التَّقْوى لِأنَّ عَمُودَ التَّقْوى اجْتِنابُ الكَبائِرِ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلنّاسِ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وغَفَرَ لَهُمُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ، والتَّحَوُّلُ عَنِ المَعاصِي بَعْدَ الهَمِّ بِها ضَرْبٌ مِن مَغْفِرَتِها. ثُمَّ إنَّ ضَمِيرَيْ جَمْعِ المُخاطَبِ لَمّا كانا عائِدَيْنَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا كانا عامَّيْنِ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ الأزْمانِ سَواءً كانَتِ الأعْمالُ أعْمالَ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا أوْ أعْمالَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أقْوالَهم فَإنَّهم لا يَخْلُونَ مِن فَرِيقٍ يَتَأثَّرُ بِذَلِكَ القَوْلِ فَيَعْمَلُونَ بِما يَقْتَضِيهِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ العامِلِينَ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ يَتَفاوَتُ صَلاحُ أعْمالِ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا والعامِلِينَ بِهِ مِنَ سامِعِيهِ، وكَذَلِكَ أعْمالُ الَّذِي قالَ القَوْلَ السَّدِيدَ في وقْتِ سَماعِهِ قَوْلَ غَيْرِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ»، فَظَهَرَ أنَّ إصْلاحَ الأعْمالِ مُتَفاوِتٌ وكَيْفَما كانَ فَإنَّ صَلاحَ المَعْمُولِ مِن آثارِ سِدادِ القَوْلِ، وكَذَلِكَ التَّقْوى تَكُونُ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ المُتَّقِي ومَغْفِرَةِ ذُنُوبِ غَيْرِهِ لِأنَّ مِنَ التَّقْوى الِانْكِفافَ عَنْ مُشارَكَةِ أهْلِ المَعاصِي في مَعاصِيهِمْ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ انْكِفافُ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ مَعاصِيهِمْ تَأسِّيًا أوْ حَياءً فَتَتَعَطَّلُ بَعْضُ المَعاصِي، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الغُفْرانِ فَإنِ اقْتَدى فاهْتَدى فالأمْرُ أجْدَرُ. وذِكْرُ (لَكم) مَعَ فِعْلَيْ (يُصْلِحْ) و(يَغْفِرْ) لِلدَّلالَةِ عَلى العِنايَةِ بِالمُتَّقِينَ أصْحابِ القَوْلِ السَّدِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ وتَفُوزُوا فَوْزًا عَظِيمًا إذا أطَعْتُمْ صفحة ١٢٤ اللَّهَ بِامْتِثالِ أمْرِهِ. وإنَّما صِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ لِإفادَةِ العُمُومِ في المُطِيعِينَ وأنْواعِ الطّاعاتِ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِهَذَيْنِ العُمُومَيْنِ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. وهَذا نَسْجٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ وهو إفادَةُ غَرَضَيْنِ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ.

الأحزاب 33:71

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ بَعْدَ أنْ نَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَمّا يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ ورَبَأ بِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ صفحة ١٢٢ الَّذِينَ آذَوْا رَسُولَهم وجَّهَ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ نِداءً بِأنْ يَتَّسِمُوا بِالتَّقْوى وسَدادِ القَوْلِ لِأنَّ فائِدَةَ النَّهْيِ عَنِ المَناكِرِ التَّلَبُّسُ بِالمَحامِدِ، والتَّقْوى جِماعُ الخَيْرِ في العَمَلِ والقَوْلِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ مُبِثُّ الفَضائِلِ. وابْتِداءُ الكَلامِ بِنِداءِ الَّذِينَ آمَنُوا لِلِاهْتِمامِ بِهِ واسْتِجْلابِ الإصْغاءِ إلَيْهِ. ونِداؤُهم بِالَّذِينِ آمَنُوا لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ يَصْدُرُ مِنهم ما يُؤْذِي النَّبِيءَ ﷺ قَصْدًا لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ في باطِنِ الأمْرِ ولَكِنَّهم مُنافِقُونَ، وتَقْدِيمُ الأمْرِ بِالتَّقْوى مُشْعِرٌ بِأنَّ ما سَيُؤْمَرُونَ بِهِ مِن سَدِيدِ القَوْلِ هو مِن شُعَبِ التَّقْوى كَما هو مِن شُعَبِ الإيمانِ. والقَوْلُ: الكَلامُ الَّذِي يَصْدُرُ مِن فَمِ الإنْسانِ يُعَبِّرُ عَمّا في نَفْسِهِ. والسَّدِيدُ: الَّذِي يُوافِقُ السَّدادَ. والسَّدادُ: الصَّوابُ والحَقُّ ومِنهُ تَسْدِيدُ السَّهْمِ نَحْوَ الرَّمْيَةِ، أيْ عَدَمُ العُدُولِ بِهِ عَنْ سِمَتِها بِحَيْثُ إذا انْدَفَعَ أصابَها، فَشَمَلَ القَوْلُ السَّدِيدُ الأقْوالَ الواجِبَةَ والأقْوالَ الصّالِحَةَ النّافِعَةَ مِثْلَ ابْتِداءِ السَّلامِ وقَوْلِ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّهُ: إنِّي أُحِبُّكَ. والقَوْلُ يَكُونُ بابًا عَظِيمًا مِن أبْوابِ الخَيْرِ ويَكُونُ كَذَلِكَ مِن أبْوابِ الشَّرِّ. وفي الحَدِيثِ «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً قالَ خَيْرًا فَغَنِمَ أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ»، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ: «مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» . ويَشْمَلُ القَوْلُ السَّدِيدُ ما هو تَعْبِيرٌ عَنْ إرْشادٍ مِن أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ والحُكَماءِ، وما هو تَبْلِيغٌ لِإرْشادِ غَيْرِهِ مِن مَأْثُورِ أقْوالِ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ. فَقِراءَةُ القُرْآنِ عَلى النّاسِ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ، ورِوايَةُ حَدِيثِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ. وفي الحَدِيثِ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها فَأدّاها كَما سَمِعَها» وكَذَلِكَ نَشْرُ أقْوالِ الصَّحابَةِ والحُكَماءِ وأيِمَّةِ الفِقْهِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ تَمْجِيدُ اللَّهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ مِثْلَ التَّسْبِيحِ. ومِنَ القَوْلِ السَّدِيدِ الآذانُ والإقامَةُ قالَ تَعالى ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] في سُورَةِ فاطِرٍ. فَبِالقَوْلِ السَّدِيدِ تَشِيعُ الفَضائِلُ والحَقائِقُ بَيْنَ النّاسِ فَيَرْغَبُونَ في التَّخَلُّقِ بِها، وبِالقَوْلِ السَّيِّئِ تَشِيعُ الضَّلالاتُ والتَّمْوِيهاتُ صفحة ١٢٣ فَيَغْتَرُّ النّاسُ بِها ويَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا. والقَوْلُ السَّدِيدُ يَشْمَلُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ. ولِما في التَّقْوى والقَوْلِ السَّدِيدِ مِن وسائِلِ الصَّلاحِ جَعَلَ لِلْآتِي بِهِما جَزاءً بِإصْلاحِ الأعْمالِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. وهو نَشْرٌ عَلى عَكْسِ اللَّفِّ، فَإصْلاحُ الأعْمالِ جَزاءٌ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ لِأنَّ أكْثَرَ ما يُفِيدُهُ القَوْلُ السَّدِيدُ إرْشادُ النّاسِ إلى الصَّلاحِ أوِ اقْتِداءُ النّاسِ بِصاحِبِ القَوْلِ السَّدِيدِ. وغُفْرانُ الذُّنُوبِ جَزاءٌ عَلى التَّقْوى لِأنَّ عَمُودَ التَّقْوى اجْتِنابُ الكَبائِرِ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلنّاسِ الصَّغائِرَ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ وغَفَرَ لَهُمُ الكَبائِرَ بِالتَّوْبَةِ، والتَّحَوُّلُ عَنِ المَعاصِي بَعْدَ الهَمِّ بِها ضَرْبٌ مِن مَغْفِرَتِها. ثُمَّ إنَّ ضَمِيرَيْ جَمْعِ المُخاطَبِ لَمّا كانا عائِدَيْنَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا كانا عامَّيْنِ لِكُلِّ المُؤْمِنِينَ في عُمُومِ الأزْمانِ سَواءً كانَتِ الأعْمالُ أعْمالَ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا أوْ أعْمالَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ أقْوالَهم فَإنَّهم لا يَخْلُونَ مِن فَرِيقٍ يَتَأثَّرُ بِذَلِكَ القَوْلِ فَيَعْمَلُونَ بِما يَقْتَضِيهِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ العامِلِينَ، وبِحَسَبِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ يَتَفاوَتُ صَلاحُ أعْمالِ القائِلِينَ قَوْلًا سَدِيدًا والعامِلِينَ بِهِ مِنَ سامِعِيهِ، وكَذَلِكَ أعْمالُ الَّذِي قالَ القَوْلَ السَّدِيدَ في وقْتِ سَماعِهِ قَوْلَ غَيْرِهِ. وفي الحَدِيثِ: «فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ مِنهُ»، فَظَهَرَ أنَّ إصْلاحَ الأعْمالِ مُتَفاوِتٌ وكَيْفَما كانَ فَإنَّ صَلاحَ المَعْمُولِ مِن آثارِ سِدادِ القَوْلِ، وكَذَلِكَ التَّقْوى تَكُونُ سَبَبًا لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِ المُتَّقِي ومَغْفِرَةِ ذُنُوبِ غَيْرِهِ لِأنَّ مِنَ التَّقْوى الِانْكِفافَ عَنْ مُشارَكَةِ أهْلِ المَعاصِي في مَعاصِيهِمْ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ انْكِفافُ كَثِيرٌ مِنهم عَنْ مَعاصِيهِمْ تَأسِّيًا أوْ حَياءً فَتَتَعَطَّلُ بَعْضُ المَعاصِي، وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الغُفْرانِ فَإنِ اقْتَدى فاهْتَدى فالأمْرُ أجْدَرُ. وذِكْرُ (لَكم) مَعَ فِعْلَيْ (يُصْلِحْ) و(يَغْفِرْ) لِلدَّلالَةِ عَلى العِنايَةِ بِالمُتَّقِينَ أصْحابِ القَوْلِ السَّدِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكم ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ وتَفُوزُوا فَوْزًا عَظِيمًا إذا أطَعْتُمْ صفحة ١٢٤ اللَّهَ بِامْتِثالِ أمْرِهِ. وإنَّما صِيغَتِ الجُمْلَةُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ لِإفادَةِ العُمُومِ في المُطِيعِينَ وأنْواعِ الطّاعاتِ فَصارَتِ الجُمْلَةُ بِهَذَيْنِ العُمُومَيْنِ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ. وهَذا نَسْجٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ وهو إفادَةُ غَرَضَيْنِ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ.

الأحزاب 33:72

﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أفادَ الإنْباءَ عَلى سُنَّةٍ عَظِيمَةٍ مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في تَكْوِينِ العالَمِ وما فِيهِ وبِخاصَّةٍ الإنْسانَ لِيَرْقُبَ النّاسُ في تَصَرُّفاتِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ ومُعامَلاتِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِمِقْدارِ جَرْيِهِمْ عَلى هَذِهِ السُّنَّةِ ورَعْيِهِمْ تَطْبِيقَها فَيَكُونُ عَرْضُهم أعْمالَهم عَلى مِعْيارِها مُشْعِرًا لَهم بِمَصِيرِهِمْ ومُبَيِّنًا سَبَبَ تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ واصْطِفاءِ بَعْضِهِمْ مِن بَيْنِ بَعْضٍ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ ما قَبْلَها وفي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِمَضْمُونِها ارْتِباطًا بِمَضْمُونِ ما قَبِلَها، ويَصْلُحُ عَوْنًا لِاكْتِشافِ دَقِيقِ مَعْناها وإزالَةِ سُتُورِ الرَّمْزِ عَنِ المُرادِ مِنها، ولَوْ بِتَقْلِيلِ الِاحْتِمالِ، والمَصِيرِ إلى المَآلِ. والِافْتِتاحُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ أوْ تَنْزِيِلِهِ لِغَرابَةِ شَأْنِهِ مَنزِلَةَ ما قَدْ يُنْكِرُهُ السّامِعُ. وافْتِتاحُ الآيَةِ بِمادَّةِ العَرْضِ، وصَوْغُها في صِيغَةِ المُضِيِّ، وجَعْلُ مُتَعَلِّقِها السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ والإنْسانَ يُومِئُ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَ هَذا العَرْضِ كانَ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَيَقْتَضِي أنَّهُ عَرْضٌ أزَلِيٌّ في مَبْدَأِ التَّكْوِينِ عِنْدَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِإيجادِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ وإيداعِها فُصُولَها المُقَوِّمَةَ لِمَواهِيها وخَصائِصِها ومُمَيِّزاتِها المُلائِمَةِ لِوَفائِها بِما خُلِقَتْ لِأجْلِهِ كَما حُمِلَ قَوْلُهُ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ. واخْتِتامُ الآيَةِ بِالعِلَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] إلى نِهايَةِ السُّورَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلْأمانَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِالعِبْرَةِ في أحْوالِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ مِن بَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ في رَعْيِ الأمانَةِ وإضاعَتِها. صفحة ١٢٥ فَحَقِيقٌ بِنا أنْ نَقُولَ: إنَّ هَذا العَرْضَ كانَ في مَبْدَأِ تَكْوِينِ العالَمِ ونَوْعِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذُكِرَتْ فِيهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ مَعَ الإنْسانِ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ نَوْعُهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بَعْضُ أفْرادِهِ ولَوْ في أوَّلِ النَّشْأةِ لَما كانَ في تَحَمُّلِ ذَلِكَ الفَرْدِ الأمانَةَ ارْتِباطٌ بِتَعْذِيبِ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ، ولَما كانَ في تَحَمُّلِ بَعْضِ أفْرادِهِ دُونَ بَعْضٍ الأمانَةَ حِكْمَةٌ مُناسِبَةٌ لِتَصَرُّفاتِ اللَّهِ تَعالى. فَتَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ نَوْعُ الإنْسانِ. والعَرْضُ: حَقِيقَتُهُ إحْضارُ شَيْءٍ لِآخَرَ لِيَخْتارَهُ أوْ يَقْبَلَهُ ومِنهُ عَرْضُ الحَوْضِ عَلى النّاقَةِ، أيْ عَرْضُهُ عَلَيْها أنْ تَشْرَبَ مِنهُ، وعَرْضُ المُجَنَّدِينَ عَلى الأمِيرِ لِقَبُولِ مَن تَأهَّلَ مِنهم. وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «عُرِضْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ فَرَدَّنِي وعُرِضْتُ عَلَيْهِ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فَأجازَنِي» . وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] في سُورَةِ هُودٍ، وقَوْلِهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] في سُورَةِ الكَهْفِ. فَقَوْلُهُ (﴿عَرَضْنا﴾) هُنا اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ لِوَضْعِ شَيْءٍ في شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ أهْلٌ لَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الأشْياءِ، وعَدَمُ وضْعِهِ في بَقِيَّةِ الأشْياءِ لِعَدَمِ تَأهُّلِها لِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَشُبِّهَتْ حالَةُ صَرْفِ تَحْمِيلِ الأمانَةِ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ ووَضْعِها في الإنْسانِ بِحالَةِ مَن يَعْرِضُ شَيْئًا عَلى أُناسٍ فَيَرْفُضُهُ بَعْضُهم ويَقْبَلُهُ واحِدٌ مِنهم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ، أوْ تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ صَلاحِيَةِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ لِإناطَةِ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمانَةِ بِها وصَلاحِيَةِ الإنْسانِ لِذَلِكَ، فَشُهِّبَتْ حالَةُ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِمُخالَفَةِ قابِلِيَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ بِحَمْلِ الأمانَةِ لِقابِلِيَّةِ الإنْسانِ ذَلِكَ بِعَرْضِ شَيْءٍ عَلى أشْياءَ لِاسْتِظْهارِ مِقْدارِ صَلاحِيَّةِ أحَدِ تِلْكَ الأشْياءَ لِلتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ المَعْرُوضِ عَلَيْها. وفائِدَةُ هَذا التَّمْثِيلِ تَعْظِيمُ أمْرِ هَذِهِ الأمانَةِ إذْ بَلَغَتْ أنْ لا يُطِيقَ تَحَمُّلَها ما هو أعْظَمُ ما يُبْصِرُهُ النّاسُ مِن أجْناسِ المَوْجُوداتِ. فَتَخْصِيصُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ المَوْجُوداتِ لِأنَّهُما أعْظَمُ المَعْرُوفِ لِلنّاسِ مِنَ المَوْجُوداتِ، وعَطَفُ الجِبالِ عَلى الأرْضِ وهي مِنها لِأنَّ الجِبالَ أعْظَمُ الأجْزاءِ المَعْرُوفَةِ مِن ظاهِرِ الأرْضِ وهي الَّتِي تُشاهِدُ الأبْصارُ عَظَمَتَها إذِ الأبْصارُ صفحة ١٢٦ لا تَرى الكُرَةَ الأرْضِيَّةَ كَما قالَ تَعالى ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] . وقَرِينَةُ الِاسْتِعارَةِ حالِيَّةٌ وهي عَدَمُ صِحَّةِ تَعَلُّقِ العَرْضِ والإباءِ بِالسَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ لِانْتِفاءِ إدْراكِها فَأنّى لَها أنْ تَخْتارَ وتَرْفُضَ وكَذَلِكَ الإنْسانُ بِاعْتِبارِ كَوْنِ المُرادِ مِنهُ جِنْسَهُ وماهِيَّتَهُ لِأنَّ الماهِيَّةَ لا تُفاوِضُ ولا تَخْتارُ كَما يُقالُ: الطَّبِيعَةُ عَمْياءُ، أيْ لا اخْتِيارَ لَها، أيْ لِلْجِبِلَّةِ وإنَّما تَصْدُرُ عَنْها آثارُها قَسْرًا. ولِذَلِكَ فَأفْعالُ (عَرَضْنا، وأبَيْنَ، ويَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ مِنها، وحَمَلَها) أجْزاءٌ لِلْمُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ. وهَذِهِ الأجْزاءُ صالِحَةٌ لِأنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنها اسْتِعارَةً مُفْرَدَةً بِأنْ يُشَبِّهَ إيداعَ الأمانَةِ في الإنْسانِ وصَرْفَها عَنْ غَيْرِهِ بِالعَرْضِ، ويُشَبِّهَ عَدَمَ مُصَحِّحِ مَواهِي السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ لِإيداعِ الأمانَةِ فِيها بِالإباءِ، ويُشَبِّهَ الإيداعَ بِالتَّحْمِيلِ والحَمْلِ، ويُشَبِّهَ عَدَمَ التَّلاؤُمِ بَيْنَ مَواهِي السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ بِالعَجْزِ عَنْ قَبُولِ تِلْكَ الكائِناتِ إيّاها وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإشْفاقِ، ويُشَبِّهَ التَّلاؤُمَ ومُصَحِّحَ القَبُولِ لِإيداعِ وصْفِ الأمانَةِ في الإنْسانِ بِالحَمْلِ لِلثِّقْلِ. ومِثْلُ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ كَثِيرٌ في الكَلامِ البَلِيغِ. وصَلُوحِيَّةُ المُرَكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ لِلِانْحِلالِ بِأجْزائِهِ إلى اسْتِعاراتِ مَعْدُودٍ مِن كَمالِ بَلاغَةِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ. وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ وتَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِها تَرَدُّدًا دَلَّ عَلى الحَيْرَةِ في تَقْوِيمِ مَعْناها. ومَرْجِعُ ذَلِكَ إلى تَقْوِيمِ مَعْنى العَرْضِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، وإلى مَعْرِفَةِ مَعْنى الأمانَةِ، ومَعْرِفَةِ مَعْنى الإباءِ والإشْفاقِ. فَأمّا العَرْضُ فَقَدِ اسْتَبانَتْ مَعانِيهِ بِما عَلِمْتَ مِن طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ. وأمّا الأمانَةُ فَهي ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ويُطالَبُ بِحِفْظِهِ والوَفاءِ دُونَ إضاعَةٍ ولا إجْحافٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ فِيها المُفَسِّرُونَ عَلى عِشْرِينَ قَوْلًا وبَعْضُها مُتَداخِلٌ في بَعْضٍ ولِنَبْتَدِئُ بِالإلْمامِ بِها ثُمَّ نَعْطِفُ إلى تَمْحِيصِها وبَيانِها. فَقِيلَ: الأمانَةُ الطّاعَةُ، وقِيلَ: الصَّلاةُ، وقِيلَ: مَجْمُوعُ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والِاغْتِسالِ، وقِيلَ: جَمِيعُ الفَرائِضِ، وقِيلَ الِانْقِيادُ إلى الدِّينِ، وقِيلَ: حِفْظُ الفَرْجِ، وقِيلَ: الأمانَةُ التَّوْحِيدُ، أوْ دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ، أوْ تَجَلِّياتُ اللَّهِ بِأسْمائِهِ صفحة ١٢٧ وقِيلَ: ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ ومِنهُ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، ومِنهُ انْتِفاءُ الغِشِّ بِالعَمَلِ، وقِيلَ: الأمانَةُ العَقْلُ، وقِيلَ: الخِلافَةُ، أيْ خِلافَةُ اللَّهِ في الأرْضِ الَّتِي أوْدَعَها الإنْسانَ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. وهَذِهِ الأقْوالُ تَرْجِعُ إلى أصْنافٍ: صِنْفُ الطّاعاتِ والشَّرائِعِ، وصِنْفُ العَقائِدِ، وصِنْفٌ ضِدَّ الخِيانَةِ، وصِنْفُ العَقْلِ، وصِنْفُ خِلافَةِ الأرْضِ. ويَجِبُ أنْ يُطْرَحَ مِنها صِنْفُ الشَّرائِعَ لِأنَّها لَيْسَتْ لازِمَةً لِفِطْرَةِ الإنْسانِ فَطالَما خَلَتْ أُمَمٌ عَنِ التَّكْلِيفِ بِالشَّرائِعِ وهم أهْلُ الفَتْرَةِ فَتَسْقُطُ سِتَّةُ أقْوالِ وهي ما في الصِّنْفِ الأوَّلِ. ويَبْقى سائِرُ الأصْنافِ لِأنَّها مُرْتَكِزَةٌ في طَبْعِ الإنْسانِ وفِطْرَتِهِ؛ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأمانَةُ أمانَةَ الإيمانِ، أيْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وهي العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جِنْسِ بَنِي آدَمَ وهو الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في نُفُوسِ النّاسِ دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ فَهي مُلازِمَةٌ لِلْفِكْرِ البَشَرِيِّ فَكَأنَّها عَهْدُ اللَّهِ لَهم بِهِ وكَأنَّهُ أمانَةٌ ائْتَمَنَهم عَلَيْها؛ لِأنَّهُ أوْدَعَها في الجِبِلَّةِ مُلازِمَةً لَها، وهَذِهِ الأمانَةُ لَمْ تُودَعْ في السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ لِأنَّ هَذِهِ الأمانَةَ مِن قَبِيلِ المَعارِفِ والمَعارِفُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يَتَّصِفُ بِهِ إلّا مَن قامَتْ بِهِ صِفَةُ الحَياةِ لِأنَّها مُصَحِّحَةُ الإدْراكِ لِمَن قامَتْ بِهِ، ويُناسِبُ هَذا المَحْمَلَ قَوْلُهُ ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]، فَإنَّ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ خالُونَ مِنَ الإيمانِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأمانَةُ هي العَقْلَ وتَسْمِيَتُهُ أمانَةً تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ ولِأنَّ الأشْياءَ النَّفْسِيَّةَ تُوَدَعُ عِنْدَ مَن يَحْتَفِظُ بِها. والمَعْنى: أنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُسْتَوْدَعَ العَقْلِ مِن بَيْنِ المَوْجُوداتِ العَظِيمَةِ لِأنَّ خِلْقَتَهُ مُلائِمَةٌ لِأنْ يَكُونَ عاقِلًا فَإنَّ العَقْلَ يَبْعَثُ عَلى التَّغَيُّرِ والِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ ومِن مَكانٍ إلى غَيْرِهِ، فَلَوْ جُعِلَ ذَلِكَ في سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ أوْ في جَبَلٍ مِنِ الجِبالِ أوْ جَمِيعِها لَكانَ سَبَبًا في صفحة ١٢٨ اضْطِرابِ العَوالِمِ وانْدِكاكِها. وأقْرَبُ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَحْمِلُ العَقْلَ أنْواعُ الحَيَوانِ ما عَدا الإنْسانَ فَلَوْ أُودِعَ فِيها العَقْلُ لَما سَمَحَتْ هَيْئاتُ أجْسامِها بِمُطاوَعَةِ ما يَأْمُرُها العَقْلُ بِهِ. فَلْنَفْرِضْ أنَّ العَقْلَ يُسَوِّلُ لِلْفَرَسِ أنْ لا يَنْتَظِرُ عَلَفَهُ أوْ سَوْمَهُ وأنْ يَخْرُجَ إلى حَنّاطٍ يَشْتَرِي مِنهُ عَلَفًا، فَإنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ في الإفْهامِ ثُمَّ لا يَتَمَكَّنُ مِن تَسْلِيمِ العِوَضِ بِيَدِهِ إلى فَرَسٍ غَيْرِهِ. وكَذَلِكَ إذا كانَتْ مُعامَلَتُهُ مَعَ أحَدٍ مِن نَوْعِ الإنْسانِ. ومُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] الآيَةَ لِهَذا المَحْمَلِ نَظِيرُ مُناسَبَتِهِ لِلْمَحْمَلِ الأوَّلِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الأمانَةُ ما يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ مَخالِطٌ لِبَنِي جِنْسِهِ فَهو لا يَخْلُو عَنِ ائْتِمانٍ أوْ أمانَةٍ فَكانَ الإنْسانُ مُتَحَمِّلًا لِصِفَةِ الأمانَةِ بِفِطْرَتِهِ والنّاسُ مُتَفاوِتُونَ في الوَفاءِ لِما ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ «إذا ضُيَّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السّاعَةَ» أيْ إذا انْقَرَضَتِ الأمانَةُ كانَ انْقِراضُها عَلامَةً عَلى اخْتِلالِ الفِطْرَةِ، فَكانَ في جُمْلَةِ الِاخْتِلالاتِ المُنْذِرَةِ بِدُنُوِّ السّاعَةِ مِثْلَ تَكْوِيرِ الشَّمْسِ وانْكِدارِ النُّجُومِ ودَكِّ الجِبالِ. والَّذِي بَيَّنَ هَذا المَعْنى قَوْلُ حُذَيْفَةَ: «حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأيْتُ أحَدَهُما وأنا أنْتَظِرُ الأخَرَ، حَدَّثَنا أنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ، وحَدَّثَنا عَنْ رَفْعِها فَقالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أثَرُها مِثْلَ أثَرِ الوَكْتِ، ثُمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقى أثَرُها مِثْلَ المَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلى رِجْلِكَ فَنَفَطَ فَتَراهُ مُنْتَبِرًا ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبايَعُونَ ولا يَكادُ أحَدٌ يُؤَدِّي الأمانَةَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ، وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ أيْ مِن أمانَةٍ لِأنَّ الإيمانَ مِنَ الأمانَةِ؛ لِأنَّهُ عَهْدُ اللَّهِ» . صفحة ١٢٩ ومَعْنى عَرْضِ الأمانَةِ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ يَنْدَرِجُ في مَعْنى تَفْسِيرِ الأمانَةِ بِالعَقْلِ؛ لِأنَّ الأمانَةَ بِهَذا المَعْنى مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي يَجْمَعُها العَقْلُ ويُصَرِّفُها، وحِينَئِذٍ فَتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أهَمِّيَّتِها في أخْلاقِ العَقْلِ. والقَوْلُ في حَمْلِ مَعْنى الأمانَةِ عَلى خِلافَةِ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ مِثْلُ القَوْلِ في العَقْلِ لِأنَّ تِلْكَ الخِلافَةَ ما هَيَّأ الإنْسانَ لَها إلّا العَقْلُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] فالخِلافَةُ في الأرْضِ هي القِيامُ بِحِفْظِ عُمْرانِها ووَضْعِ المَوْجُوداتِ فِيها في مَواضِعِها، واسْتِعْمالِها فِيما اسْتَعَدَّتْ إلَيْهِ غَرائِزُها. وبَقِيَّةُ الأُمُورِ الَّتِي فَسَّرَ بِها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الأمانَةَ يُعْتَبَرُ تَفْسِيرُها مِن قَبِيلِ ذِكْرِ الأمْثِلَةِ الجُزْئِيَّةِ لِلْمَعانِي الكُلِّيَّةِ. والمُتَبادِرُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمانَةِ حَقِيقَتَها المَعْلُومَةَ وهي الحِفاظُ عَلى ما عُهِدَ بِهِ ورَعْيُهُ والحِذارُ مِنَ الإخْلالِ بِهِ سَهْوًا أوْ تَقْصِيرًا فَيُسَمّى تَفْرِيطًا وإضاعَةً، أوْ عَمْدًا فَيُسَمّى خِيانَةً وخَيْسًا؛ لِأنَّ هَذا المَحْمَلَ هو المُناسِبُ لِوُرُودِ هَذِهِ الآيَةِ في خِتامِ السُّورَةِ الَّتِي ابْتُدِئَتْ بِوَصْفِ خِيانَةِ المُنافِقِينَ واليَهُودِ وإخْلالِهِمْ بِالعُهُودِ وتَلَوُّنِهِمْ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ [الأحزاب: ١٥] وقالَ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] . وهَذا المَحْمَلُ يَتَضَمَّنُ أيْضًا أقْرَبَ المَحامِلِ بَعْدَهُ وهو أنْ يَكُونَ هي العَقْلَ لِأنَّ قَبُولَ الأخْلاقِ فَرْعٌ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مَحَلُّها اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ والمُتَعَلِّقِ بِفِعْلِها وهو ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] الخَ. ومَعْناها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ السّامِعَ خَبَرَ أنَّ الإنْسانَ تَحَمَّلَ الأمانَةَ فَيَتَرَقَّبُ مَعْرِفَةَ ما كانَ مِن حُسْنِ قِيامِ الإنْسانِ بِما حُمِّلَهُ وتَحَمَّلَهُ ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةً لِأنَّ تَحَمُّلَ الأمانَةِ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ فَكَيْفَ يُعَلَّلُ بِأنَّ حَمْلَهُ الأمانَةَ مِن أجْلِ ظُلْمِهِ وجَهْلِهِ. فَمَعْنى ﴿كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أنَّهُ قَصَّرَ في الوَفاءِ بِحَقِّ ما تَحَمَّلَهُ تَقْصِيرًا: بَعْضُهُ مِن عَمْدٍ وهو المُعَبَّرُ مِنهُ بِوَصْفِ ظَلُومٍ، وبَعْضُهُ عَنْ تَفْرِيطٍ في الأخْذِ صفحة ١٣٠ بِأسْبابِ الوَفاءِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ جَهُولًا، فَظَلُومٌ مُبالَغَةٌ في الظُّلْمِ وكَذَلِكَ جَهُولٌ مُبالَغَةٌ في الجَهْلِ. والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ وأُرِيدُ بِهِ هُنا الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ اللَّهِ المُلْتَزَمِ لَهُ بِتَحَمُّلِ الأمانَةِ، وهو حَقُّ الوَفاءِ بِالأمانَةِ. والجَهْلُ: انْتِفاءُ العِلْمِ بِما يَتَعَيَّنُ عِلْمُهُ، والمُرادُ بِهِ هُنا انْتِفاءُ عِلْمِ الإنْسانِ بِمَواقِعِ الصَّوابِ فِيما تَحَمَّلَ بِهِ، فَقَوْلُهُ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ مُؤْذِنٌ بِكَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ هو عَلَيْهِ إذِ التَّقْدِيرُ: وحَمَلَها الإنْسانُ فَلَمْ يَفِ بِها إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ظَلُومًا جَهُولًا، أيْ ظَلُومًا، أيْ في عَدَمِ الوَفاءِ بِالأمانَةِ؛ لِأنَّهُ إجْحافٌ بِصاحِبِ الحَقِّ في الأمانَةِ أيًّا كانَ، وجَهُولًا في عَدَمِ تَقْدِيرِ قَدْرِ إضاعَةِ الأمانَةِ مِنَ المُؤاخَذَةِ المُتَفاوِتَةِ المَراتِبِ في التَّبِعَةِ بِها، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ لِأنَّ الإنْسانَ لَمْ يُحَمَّلِ الأمانَةَ بِاخْتِيارِهِ بَلْ فُطِرَ عَلى تَحَمُّلِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ظَلُومًا جَهُولًا في فِطْرَتِهِ، أيْ في طَبْعِ الظُّلْمِ، والجَهْلِ فَهو مُعَرَّضٌ لَهُما ما لَمْ يَعْصِمْهُ وازِعُ الدِّينِ، فَكانَ مِن ظُلْمِهِ وجَهْلِهِ أنْ أضاعَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ الأمانَةَ الَّتِي حَمَلَها. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ضَمِيرَ (إنَّهُ) عائِدًا عَلى الإنْسانِ وتَجْعَلَ عُمُومَهُ مَخْصُوصًا بِالإنْسانِ الكافِرِ تَخْصِيصًا بِالعَقْلِ لِظُهُورِ أنَّ الظَّلُومَ الجَهُولَ هو الكافِرُ. أوْ تَجْعَلُ في ضَمِيرِ (إنَّهُ) اسْتِخْدامًا بِأنْ يَعُودَ إلى الإنْسانِ مُرادًا بِهِ الكافِرُ وقَدْ أُطْلِقَ لَفْظُ الإنْسانِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الكافِرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوَّفَ أُخْرَجَ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] الآيَةَ، وقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] الآياتِ. وفِي ذِكْرِ فَعْلِ (كانَ) إشارَةٌ إلى أنَّ ظُلْمَهُ وجَهْلَهُ وصْفانِ مُتَأصِّلانِ فِيهِ لِأنَّهُما الغالِبانِ عَلى أفْرادِهِ المُلازِمانِ لَها كَثْرَةً أوْ قِلَّةً. فَصِيغَتا المُبالَغَةِ مَنظُورٌ فِيهِما إلى الكَثْرَةِ والشِّدَّةِ في أكْثَرِ أفْرادِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ والحُكْمُ الَّذِي يُسَلَّطُ عَلى الأنْواعِ والأجْناسِ والقَبائِلِ يُراعى فِيهِ الغالِبُ وخاصَّةً في مَقامِ التَّحْذِيرِ والتَّرْهِيبِ. وهَذا الإجْمالُ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣] صفحة ١٣١ إلى قَوْلِهِ ﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] فَقَدْ جاءَ تَفْصِيلُهُ بِذِكْرِ فَرِيقَيْنِ: أحَدُهُما: مُضَيِّعٌ لِلْأمانَةِ والآخِرَةُ مُراعٍ لَها. ولِذَلِكَ أثْنى اللَّهُ عَلى الَّذِينَ وفَّوْا بِالعُهُودِ والأماناتِ فَقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥] وقالَ فِيها ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وقالَ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وقالَ في ضِدِّ ذَلِكَ ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] .

الأحزاب 33:73

﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢] لِأنَّ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ مِن أصْنافِ الإنْسانِ. وهَذِهِ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ المَجازِيِّ المُسَمّاةُ لامُ العاقِبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها غَيْرَ مَرَّةٍ إحْداها قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] في آلِ عِمْرانَ. والشّاهِدُ الشّائِعُ فِيها هو قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وعادَةُ النُّحاةِ وعُلَماءِ البَيانِ يَقُولُونَ: إنَّها في مَعْنى فاءِ التَّفْرِيعِ: وإذْ قَدْ كانَ هَذا عاقِبَةً لِحَمْلِ الإنْسانِ الأمانَةَ وكانَ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ لامُ التَّعْلِيلِ إجْمالٌ تَعَيَّنَ أنَّ هَذا يُفِيدُ بَيانًا لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، أيْ فَكانَ الإنْسانُ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا ظالِمًا جاهِلًا، وفَرِيقًا راشِدًا عالِمًا. والمَعْنى: فَعَذَّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِالأمانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوها في أصْلِ الفِطْرَةِ وبِحَسَبِ الشَّرِيعَةِ، وتابَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَغَفَرَ مِن ذُنُوبِهِمْ لِأنَّهم وفَّوْا بِالأمانَةِ الَّتِي تَحَمَّلُوها. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ فِيما مَرَّ ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٤] أيْ كَما تابَ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَنْدَمُوا عَلى ما فَرَطَ مِن نِفاقِهِمْ فَيُخْلِصُوا الإيمانَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ في كَثِيرٍ مِنهم. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (ويَتُوبَ اللَّهُ) وكانَ الظّاهِرُ إضْمارَهُ لِزِيادَةِ العِنايَةِ صفحة ١٣٢ بِتِلْكَ التَّوْبَةِ لِما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مِنَ العِنايَةِ. وذَكَرَ المُنافِقاتِ والمُشْرِكاتِ والمُؤْمِناتِ مَعَ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ في حِينِ الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ الَّتِي شاعَ في كَلامِ العَرَبِ شُمُولُهُ لِلنِّساءِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: حَلَّ بِبَنِي فُلانٍ مَرَضٌ يُرِيدُونَ وبِنِسائِهِمْ. فَذِكْرُ النِّساءِ في الآيَةِ إشارَةً إلى أنَّ لَهُنَّ شَأْنًا كانَ في حَوادِثِ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ مِن إعانَةٍ لِرِجالِهِنَّ عَلى كَيْدِ المُسْلِمِينَ وبِعَكْسِ ذَلِكَ حالُ نِساءِ المُسْلِمِينَ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنَّ اللَّهَ عامَلَهم بِالغُفْرانِ وما تَقْتَضِيهِ صِفَةُ الرَّحْمَةِ. * * * صفحة ١٣٣ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (سُورَةُ سَبَأٍ) هَذا اسْمُها الَّذِي اشْتُهِرَتْ بِهِ في كُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وبَيْنَ القُرّاءِ ولَمْ أقِفْ عَلى تَسْمِيَتِها في عَصْرِ النُّبُوءَةِ. وُوجْهُ تَسْمِيَتِها بِهِ أنَّها ذُكِرَتْ فِيها قِصَّةُ أهْلِ سَبَأٍ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ وحُكِيَ اتِّفاقُ أهْلِ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ آيَةَ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ (﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [سبإ: ٦]) نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. ولَعَلَّهُ بِناءٌ عَلى تَأْوِيلِهِمْ أهْلَ العِلْمِ إنَّما يُرادُ بِهِمْ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ. والحَقُّ أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أوْ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، قالَهُ قَتادَةُ، أيْ لِأنَّهم أُوتُوا بِالقُرْآنِ عِلْمًا كَثِيرًا قالَ تَعالى ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنِ التِزامِ أنَّهم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا لِأنَّ المَقْصُودَ الِاحْتِجاجُ بِما هو مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِهِمُ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ إسْلامُ طائِفَةٍ مِنهم كَما نُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [سبإ: ٦] إلْخَ. ولِابْنِ الحِصارِ أنَّ سُورَةَ سَبَأٍ مَدَنِيَّةٌ لِما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ العُطَيْفِيِّ المُرادِيِّ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى أنْ قالَ: وأُنْزِلَ في سَبَأٍ ما أُنْزِلَ. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: وما سَبَأٌ» ؟ الحَدِيثَ. قالَ ابْنُ الحِصارِ: هاجَرَ فَرْوَةُ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ فَتْحِ الطّائِفِ. وقالَ ابْنُ الحِصارِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وأُنْزِلَ حِكايَةً عَمّا تَقَدَّمَ نُزُولُهُ قَبْلَ هِجْرَةِ فَرْوَةَ، أيْ أنَّ سائِلًا سَألَ عَنْهُ لَمّا قَرَأهُ أوْ سَمِعَهُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ أوْ مِن سُورَةِ النَّمْلِ. وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والخَمْسُونَ في عِدادِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ لُقْمانَ وقَبْلَ سُورَةِ الزُّمَرِ كَما في المَرْوِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ واعْتَمَدَ عَلَيْهِ الجَعْبَرِيُّ كَما في الإتْقانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فِيها ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُفَجِّرَ لَنا صفحة ١٣٤ مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] إنَّهم عَنَوْا قَوْلَهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبإ: ٩] فاقْتَضى أنَّ سُورَةَ سَبَأٍ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الإسْراءِ وهو خِلافُ تَرْتِيبِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي يَعُدُّ الإسْراءَ مُتَمِّمَةَ الخَمْسِينَ. ولَيْسَ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] مَعْنِيًّا بِهِ هَذِهِ الآيَةَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ هَدَّدَهم بِذَلِكَ في مَوْعِظَةٍ أُخْرى. وعَدَدُ آيِها أرْبَعٌ وخَمْسُونَ في عَدِّ الجُمْهُورِ، وخَمْسٌ وخَمْسُونَ في عَدِّ أهْلِ الشّامِ. * * * أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ (سَبَأٍ) إبْطالُ قَواعِدِ الشِّرْكِ وأعْظَمُها إشْراكُهم آلِهَةً مَعَ اللَّهِ وإنْكارُ البَعْثِ فابْتُدِئَ بِدَلِيلٍ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ ونَفْيِ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ شُفَعاءَ لِعُبّادِها. ثُمَّ مَوْضُوعُ البَعْثِ، «وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ الآيَةَ الأخِيرَةَ مِن سُورَةِ الأحْزابِ قالَ لِأصْحابِهِ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَتَوَعَّدُنا بِالعَذابِ بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، واللّاتِ والعُزّى لا تَأْتِينا السّاعَةُ أبَدًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] الآيَةَ» . وعَلَيْهِ فَما قَبْلَ الآيَةِ المَذْكُورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [سبإ: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ [سبإ: ٢] تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] . وإثْباتُ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَما يُخْبِرُ بِهِ فَهو واقِعٌ ومِن ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ. وإثْباتُ صِدْقِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ، وصِدْقِ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ وأنَّ القُرْآنَ شَهِدَتْ بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ بِضُرُوبٍ مِن تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ ومَوْعِظَتِهِمْ بِما حَلَّ بِبَعْضِ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ مِن قَبْلُ. وعُرِّضَ بِأنَّ جَعْلَهم لِلَّهِ شُرَكاءَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ الخالِقِ فَضَرَبَ لَهم صفحة ١٣٥ المَثَلَ بِمَن شَكَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ واتَّقَوْهُ فَأُوتُوا خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ وسُخِّرَتْ لَهُمُ الخَيْراتُ مِثْلُ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وبِمَن كَفَرُوا بِاللَّهِ فَسُلِّطَتْ عَلَيْهِ الأرْزاءُ في الدُّنْيا وأُعِدَّ لَهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ مَثْلُ سَبَأٍ، وحُذِّرُوا مِنَ الشَّيْطانِ، وذُكِّرُوا بِأنَّ ما هم فِيهِ مِن قُرَّةِ العَيْنِ يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، وأُنْذِرُوا بِما سَيَلْقَوْنَ يَوْمَ الجَزاءِ مِن خِزْيٍ وتَكْذِيبٍ ونَدامَةٍ وعَدَمِ النَّصِيرِ وخُلُودٍ في العَذابِ، وبُشِّرَ المُؤْمِنُونَ بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌

سبأ 34:1

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ وهْوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ أُفْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِـ الحَمْدُ لِلَّهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ السُّورَةَ تَتَضَمَّنُ مِن دَلائِلِ تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ واتِّصافِهِ بِصِفاتِ العَظَمَةِ ما يَقْتَضِي إنْشاءَ الحَمْدِ لَهُ والإخْبارَ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ. فَجُمْلَةُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) هُنا يَجُوزُ كَوْنُها إخْبارًا بِأنَّ جِنْسَ الحَمْدِ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ (لِلَّهِ) لامَ المِلْكِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءَ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ عَلى وجْهِ تَعْلِيمِ النّاسِ أنْ يَخُصُّوهُ بِالحَمْدِ فَتَكُونُ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ: أحْمَدُ اللَّهَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (الحَمْدُ لِلَّهِ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَعْقِيبِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ وأوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ. وهَذِهِ إحْدى سُوَرٍ خَمْسٍ مُفْتَتَحَةٍ بِـ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وهُنَّ كُلُّها مَكِّيَّةٌ وقَدْ وُضِعَتْ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ في أوَّلِهِ ووَسَطِهِ، والرُّبُعِ الأخِيرِ، فَكانَتْ أرْباعُ القُرْآنِ مُفْتَتَحَةً بِالحَمْدِ لِلَّهِ كانَ ذَلِكَ بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ أوْ تَوْقِيفٍ. واقْتِضاءُ صِلَةِ المَوْصُولِ أنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى يَجْعَلُ هَذِهِ الصِّلَةَ صالِحَةً لِتَكَوُنَ عِلَّةً لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلَيْهِ لِأنَّ مِلْكَهُ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّ سَبَبَهُ إيجادُ تِلْكَ المَمْلُوكاتِ وذَلِكَ الإيجادُ عَمَلٌ جَمِيلٌ يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ الحَمْدُ، وأيْضًا هو يَتَضَمَّنُ نِعَمًا جَمَّةً. وهي أيْضًا تَقْتَضِي حَمْدَ المُنْعِمِ؛ لِأنَّ الحَمْدَ يَكُونُ لِلْفَضائِلِ والفَواضِلِ، فَما في السَّماواتِ فَإنَّ مِنهُ مَهابِطَ أنْوارٍ حَقِيقِيَّةٍ ومَعْنَوِيَّةٍ، فِيها هُدًى حِسِّيٌّ ونَفْسانِيٌّ، وإلَيْهِ مَعارِجَ لِلنُّفُوسِ في مَراتِبِ صفحة ١٣٦ الكَمالاتِ الَّتِي بِها اسْتِقامَةُ السِّيَرِ، وإزالَةُ الغِيَرِ، ونُزُولُ الغُيُوثِ بِالمَطَرِ. وما في الأرْضِ مِنهُ مَسارِحُ أنْظارِ المُتَفَكِّرِينَ، ومَنابِتُ أرْزاقِ المُرْتَزَقِينَ، ومَيادِينُ نُفُوسِ السّائِرِينَ. وفِي هَذِهِ الصِّلَةِ تَعْرِيضٌ بِكُفْرانِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَمِدُوا أشْياءَ لَيْسَ لَها في هَذِهِ العَوالِمِ أدْنى تَأْثِيرٍ ولا لَها بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ أدْنى شُعُورٍ، ونَسُوا حَمْدَ مالِكِها وسائِرِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ. وجُمْلَةُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ والَّذِي لَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ، وهَذا إنْباءٌ بِأنَّهُ مالِكُ الأمْرِ كُلِّهِ في الآخِرَةِ. وفِي هَذا التَّحْمِيدِ بَراعَةُ اسْتِهْلالِ الغَرَضِ مِنَ السُّورَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ لا حَمْدَ في الآخِرَةِ إلّا لَهُ، فَلا تَتَوَجَّهُ النُّفُوسُ إلى حَمْدِ غَيْرِهِ لِأنَّ النّاسَ يَوْمَئِذٍ في عالَمِ الحَقِّ فَلا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الصُّوَرُ. واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ (الحَمْدُ لِلَّهِ) وإنِ اقْتَضَتْ قَصْرَ الحَمْدِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرًا مَجازِيًا لِلْمُبالِغَةِ كَما تَقَدَّمَ في سَوَّرَةِ الفاتِحَةِ بِناءً عَلى أنَّ حَمْدَ غَيْرِ اللَّهِ لِلِاعْتِدادِ بِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ جَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَلَمّا شاعَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ الحَمْدُ لِلَّهِ وأُرِيدَ إفادَةُ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ تَعالى في الآخِرَةِ حَقِيقَةً غُيَّرَتْ صِيغَةُ الحَمْدِ المَأْلُوفَةِ إلى صِيغَةِ لَهُ الحَمْدُ لِهَذا الِاعْتِبارِ، وهَذا نَظِيرُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فالمَعْنى: أنَّ قَصْرَ الحَمْدِ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ أحَقُّ لِأنَّ التَّصَرُّفاتِ يَوْمَئِذٍ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ لا يَلْتَبِسُ فِيها تَصَرُّفُ غَيْرِهِ بِتَصَرُّفِهِ. ولَمّا نِيطَ حَمْدُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما اقْتَضى مَرْجِعَ التَّصَرُّفاتِ إلَيْهِ في الدّارَيْنِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ (الحَكِيمُ الخَبِيرُ)؛ لِأنَّ الَّذِي أوْجَدَ أحْوالَ النَّشْأتَيْنِ هو العَظِيمُ الحِكْمَةِ الخَبِيرُ بِدَقائِقِ الأشْياءِ وأسْرارِها. فالحِكْمَةُ: إتْقانُ التَّصَرُّفِ بِالإيجادِ وضِدِّهِ، والخِبْرَةُ تَقْتَضِي العِلْمَ بِأوائِلِ الأُمُورِ وعَواقِبِها. والقَرْنُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ هُنا لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ تَدُلُّ عَلى مَعْنًى أصْلِيٍّ ومَعْنًى لُزُومِيٍّ، وهُما مُخْتَلِفانِ، فالمَعْنى الأصْلِيُّ لِلْحَكِيمِ أنَّهُ مُتْقِنُ التَّصَرُّفِ والصُّنْعِ لِأنَّ الحَكِيمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ، وهو يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، والخَبِيرُ هو العَلِيمُ بِدَقائِقِ الأشْياءِ وظَواهِرِها بِالأوْلى بِحَيْثُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ صفحة ١٣٧ مِنها، وهو يَسْتَلْزِمُ التَّمَكُّنَ مِن تَصْرِيفِها، فَفي التَّتْمِيمِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إيماءٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ اسْتِحْماقُ الَّذِينَ أقْبَلُوا في شُئُونِهِمْ عَلى آلِهَةٍ باطِلَةٍ.

سبأ 34:2

﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهْوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [سبإ: ١] لِأنَّ العِلْمَ بِما ذَكَرَ هُنا هو العِلْمُ بِذَواتِها وخَصائِصِها وأسْبابِها وعِلَلِها وذَلِكَ عَيْنُ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ، فَإنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي العَمَلَ، وإتْقانُ العَمَلِ بِالعِلْمِ. وخَصَّ بِالذِّكْرِ في مُتَعَلِّقِ العِلْمِ ما يَلِجُ وما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ دُونَ ما يَدِبُّ عَلى سَطْحِها، وما يَنْزِلُ وما يَعْرُجُ إلى السَّماءِ دُونَ ما يَجُولُ في أرْجائِها لِأنَّ ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يَكُونَ دابًّا وجائِلًا فِيهِما والَّذِي يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها يَعْلَمُ ما يَدِبُّ عَلَيْها وما يَزْحَفُ فَوْقَها، والَّذِي يَعْلَمُ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ يَعْلَمُ ما في الأجْواءِ والفَضاءِ مِنَ الكائِناتِ المَرْئِيَّةِ وغَيْرِها ويَعْلَمُ سَيْرَ الكَواكِبِ ونِظامَها. والوُلُوجُ: الدُّخُولُ والسُّلُوكُ مِثْلَ وُلُوجِ المَطَرِ في أعْماقِ الأرْضِ ووُلُوجِ الزَّرِيعَةِ. والَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ النَّباتُ والمَعادِنُ والدَّوابُّ المُسْتَكِنَّةُ في بُيُوتِها ومَغاراتِها، وشَمِلَ ذَلِكَ مَن يُقْبَرُونَ في الأرْضِ وأحْوالَهم، والَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ: المَطَرُ والثَّلْجُ والرِّياحُ، والَّذِي يَعْرُجُ فِيها ما يَتَصاعَدُ في طَبَقاتِ الجَوِّ مِنَ الرُّطُوباتِ البَحَرِيَّةِ ومِنَ العَواصِفِ التُّرابِيَّةِ، ومِنَ العَناصِرِ الَّتِي تَتَبَخَّرُ في الطَّبَقاتِ الجَوِّيَّةِ فَوْقَ الأرْضِ، وما يَسْبَحُ في الفَضاءِ وما يَطِيرُ في الهَواءِ وعُرُوجِ الأرْواحِ عِنْدَ مُفارَقَةِ الأجْسادِ قالَ تَعالى ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] . واعْلَمْ أنَّ كَلِمَتَيْ (يَلِجُ) و(يَخْرُجُ) أوْضَحُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ أحْوالِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ الأرْضِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اتِّصالِها بِالأرْضِ، وأنَّ كَلِمَتَيْ (يَنْزِلُ) و(يَعْرُجُ) أوْضَحُ ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ أحْوالِ المَوْجُوداتِ السَّماوِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى اتِّصالِها بِالسَّماءِ، مِن كَلِماتِ اللُّغَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى المَعانِي المَوْضُوعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلَيْها دَلالَةً مُطابِقِيَّةً عَلى صفحة ١٣٨ الحَقِيقَةِ دُونَ المَجازِ ودُونَ الكِنايَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفِ السَّماءَ عَلى الأرْضِ في الآيَةِ فَلَمْ يَقُلْ: يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ والسَّماءِ، وما يَخْرُجُ مِنهُما، ولَمْ يَكْتَفِ بِإحْدى الجُمْلَتَيْنِ عَنِ الأُخْرى. وقَدْ لاحَ لِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ يَنْبَغِي أنْ تُجْعَلَ مِنَ الإنْشاءِ مِثْلَ ما اصْطَلَحَ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِصَراحَةِ اللَّفْظِ. ولِذَلِكَ ألْحَقْتُها بِكِتابِي (أصُولُ الإنْشاءِ والخَطابَةِ) بَعْدَ تَفَرُّقِ نُسَخِهِ بِالطَّبْعِ، وسَيَأْتِي نَظِيرُ هَذِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ. ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ ما في الأرْضِ أعْمالُ النّاسِ وأحْوالُهم مِن عَقائِدَ وسِيَرٍ ومِمّا يَعْرُجُ في السَّماءِ العَمَلُ الصّالِحُ والكَلِمُ الطَّيِّبُ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ أيِ الواسِعُ الرَّحْمَةِ والواسِعُ المَغْفِرَةِ. وهَذا إجْمالٌ قُصِدَ مِنهُ حَثُّ النّاسِ عَلى طَلَبِ أسْبابِ الرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ المَرْغُوبِ فِيهِما فَإنَّ مَن رَغِبَ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ بَحَثَ عَنْ وسائِلِ تَحْصِيلِهِ وسَعى إلَيْها. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ أنْ يَتُوبُوا عَنِ الشِّرْكِ فَيَغْفِرُ لَهم ما قَدَّمُوهُ.

سبأ 34:3

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ كانَ ذِكْرُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها مُشْعِرًا بِحالِ المَوْتى عِنْدَ وُلُوجِهِمُ القُبُورَ وعِنْدَ نَشْرِهِمْ مِنها كَما قالَ تَعالى ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً ‎وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] وقالَ ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، وكانَ ذِكْرُ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها مُومِيًا إلى عُرُوجِ الأرْواحِ عِنْدَ مُفارَقَةِ الأجْسادِ ونُزُولِ الأرْواحِ لِتُرَدَّ إلى الأجْسادِ الَّتِي تُعادُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبإ: ١] مُناسِبَةٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى ذِكْرِ إنْكارِ المُشْرِكِينَ الحَشْرَ لِأنَّ إبْطالَ زَعْمِهِمْ مِن أهَمِّ مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّخَلُّصُ بُقُولِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِلِاسْتِطْرادِ وهي في الأصْلِ واوُ عَطْفِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الكَلامِ. ولَمّا لَمْ تُفِدْ إلّا التَّشْرِيكَ في الذِّكْرِ دُونَ الحُكْمِ دَعَوْها بِالواوِ الِاعْتِراضِيَّةِ ولَيْسَتْ هُنا لِلْعَطْفِ لِعَدَمِ التَّناسُبِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ وإنَّما جاءَتِ المُناسَبَةُ مِن أجْزاءِ الجُمْلَةِ الأُولى فَكانَتِ الثّانِيَةُ اسْتِطْرادًا واعْتِراضًا، وتَقَدَّمَ آنِفًا ما قِيلَ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ السُّورَةِ. صفحة ١٣٩ وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ هَذا المَوْصُولَ صارَ كالعَلَمِ بِالغُبَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ وتَعارُفِ المُسْلِمِينَ. والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ في القُرْآنِ عَلى يَوْمِ القِيامَةِ وساعَةِ الحَشْرِ. وعَبَّرَ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِها بِانْتِفاءِ إتْيانِها عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ واقِعَةً لَأتَتْ، لَأنَّ وُقُوعَها هو إتْيانُها. وضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ. ولَقَدْ لَقَّنَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ الجَوابَ عَنْ قَوْلِ الكافِرِينَ بِالإبْطالِ المُؤَكَّدِ عَلى عادَةِ إرْشادِ القُرْآنِ في انْتِهازِ الفُرَصِ لِتَبْلِيغِ العَقائِدِ. و(بَلى) حَرْفُ جَوابٍ مُخْتَصٌّ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَهو حَرْفُ إيجابٍ لِما نَفاهُ كَلامٌ قَبْلَهُ وهو نَظِيرُ (بَلْ) أوْ مُرَكَّبٌ مِن (بَلْ) وألِفٍ زائِدَةٍ، أوْ هي ألِفُ تَأْنِيثٍ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ الكَلِمَةِ مِثْلَ زِيادَةِ تاءِ التَّأْنِيثِ في ثَمَّةَ ورُبَّةَ، لَكِنَّ (بَلى) حَرْفٌ يَخْتَصُّ بِإيجابِ النَّفْيِ فَلا يَكُونُ عاطِفًا و(بَلْ) يُجابُ بِهِ الإثْباتُ والنَّفْيُ وهو عاطِفٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (بَلى) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأكَّدَ ما اقْتَضاهُ (بَلى) مِن إثْباتِ إتْيانِ السّاعَةِ بِالقَسَمِ عَلى ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى ثِقَةِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّها آتِيَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ لِإقْناعِ المُخاطَبِينَ وهو تَأْكِيدٌ يُرَوِّعُ السّامِعِينَ المُكَذِّبِينَ. وعُدِّيَ إتْيانُها إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِن بَيْنِ جَمِيعِ النّاسِ دُونَ: لَتَأْتِيَنّا، ودُونَ أنْ يُجَرَّدَ عَنِ التَّعْدِيَةِ لِمَفْعُولٍ؛ لِأنَّ المُرادَ إتْيانُ السّاعَةِ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَهُ عِقابُهم كَما يُقالُ: وأتاكُمُ العَدُوُّ، وأتاكَ أتاكَ اللّاحِقُونَ، فَتَعَلُّقُهُ بِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ إتْيانِ مَكْرُوهٍ فِيهِ عَذابٌ. وفِعْلُ (أتى) يَرِدُ كَثِيرًا في مَعْنى حُلُولِ المَكْرُوهِ مِثْلَ (﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]) و﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ [الزمر: ٢٥] و﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقَوْلِ النّابِغَةِ: فَلَتَأْتِيَنْكَ قَصائِدٌ ولَيَدْفَعَ - نْ جَيْشًا إلَيْكَ قَوادِمُ الأكْوارِ صفحة ١٤٠ وقَوْلِهِ: أتانِي أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ لُمْتَنِي ومِن هَذا يَنْتَقِلُونَ إلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ (أتى) بِحَرْفِ (عَلى) فَيَقُولُونَ: أتى عَلى كَذا، إذا اسْتَأْصَلَهُ. ويَكْثُرُ في غَيْرِ ذَلِكَ اسْتِعْمالُ فِعْلِ جاءَ، وقَدْ يَكُونُ لِلْمَكْرُوهِ نَحْوُ ﴿وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [يونس: ٢٢] . * * * ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [سبإ: ١] في قِراءَةِ مَن قَرَأهُ بِالرَّفْعِ، وصِفَةٌ لِ - (رَبِّي) المُقْسَمِ بِهِ في قِراءَةِ مَن قَرَأهُ بِالجَرِّ وقَدِ اقْتَضَتْ ذِكْرَهُ مُناسَبَةُ تَحْقِيقِ إتْيانِ السّاعَةِ فَإنَّ وقْتَها وأحْوالَها مِنَ الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ في عِلْمِ النّاسِ. وفي هَذِهِ الصِّفَةِ إتْمامٌ لِتُبَيِّنَ سَعَةَ عِلْمِهِ تَعالى فَبَعْدَ أنْ ذُكِرَتْ إحاطَةُ عِلْمِهِ بِالكائِناتِ ظاهِرِها وخَفِيِّها جَلِيلِها ودَقِيقِها في سُورَةِ البَقَرَةِ أُتْبِعَ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِما سَيَكُونُ أنَّهُ يَكُونُ ومَتى يَكُونُ. والغَيْبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] عَلى مَعانٍ ذُكِرَتْ هُنالِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (عالِمُ الغَيْبِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وبِرَفْعِ (عالِمُ) عَلى القَطْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ أيْضًا ومَجْرُورًا عَلى الصِّفَةِ لِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ (ورَبِّي) . وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (عَلّامِ) بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ وبِالجَرِّ عَلى النَّعْتِ. وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ إتْباعُ ذِكْرِ السّاعَةِ بِذِكْرِ انْفِرادِهِ تَعالى بِعِلْمِها لِأنَّ الكافِرِينَ بِها جَعَلُوا مِن عَدَمِ العِلْمِ بِها دَلِيلًا سُفُسْطائِيًّا عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِواقِعَةٍ ولِذَلِكَ سَمّاها القُرْآنُ (الواقِعَةَ) في قَوْلِهِ ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢] صفحة ١٤١ والعُزُوبُ: الخَفاءُ. ومادَّتُهُ تَحُومُ حَوْلَ مَعانِي البُعْدِ عَنِ النَّظَرِ وفي مُضارِعِهِ ضَمُّ العَيْنِ وكَسْرُها. قَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الزّايِ، وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ ومَعْنى ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾: لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ [يونس: ٦١] . وتَقَدَّمَ مِثْقالُ الحَبَّةِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . وأشارَ بِقَوْلِهِ (﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾) إلى تَقْرِيبِ مَعْنى إمْكانِ الحَشْرِ لِأنَّ الكافِرِينَ أحالُوهُ بِعِلَّةِ أنَّ الأجْسادَ تَصِيرُ رُفاتًا وتُرابًا فَلا تُمْكِنُ إعادَتُها فَنُبِّهُوا إلى أنَّ عِلْمَ اللَّهِ مُحِيطٌ بِأجْزائِها. ومَواقِعُ تِلْكَ الأجْزاءِ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، وعِلْمُهُ بِها تَفْصِيلًا يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ عَلى تَسْخِيرِها لِلتَّجَمُّعِ والتِحاقِ كُلٍّ مِنها بِعَدِيلِهِ حَتّى تَلْتَئِمَ الأجْسامُ مِنَ الذَّرّاتِ الَّتِي كانَتْ مُرَكَّبَةً مِنها في آخِرِ لَحَظاتِ حَياتِها الَّتِي عَقِبَها المَوْتُ وتَوَقَّفَ الجَسَدُ بِسَبَبِ المَوْتِ عَنِ اكْتِسابِ أجْزاءٍ جَدِيدَةٍ. فَإذا عَدَتِ الأرْضُ عَلى أجْزاءِ ذَلِكَ الجَسَدِ ومَزَّقَتْهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ كانَ اللَّهُ عالِمًا بِكُلِّ جُزْءٍ فَإنَّ الكائِناتِ لا تَضْمَحِلُّ ذَرّاتُها فَتُمْكِنُ إعادَةُ أجْسامٍ جَدِيدَةٍ تَنْبَثِقُ مِن ذَرّاتِ الأجْسامِ الأُولى وتُنْفَخُ فِيها أرْواحُها. فاللَّهُ قادِرٌ عَلى تَسْخِيرِها لِلِاجْتِماعِ بِقُوًى يُحْدِثُها اللَّهُ تَعالى لِجَمْعِ المُتَفَرِّقاتِ أوْ تَسْخِيرِ مَلائِكَةٍ لِجَمْعِها مَن أقاصِي الجِهاتِ في الأرْضِ والجَوِّ أوِ السَّماءِ عَلى حَسَبِ تَفَرُّقِها، أوْ تَكُونُ ذَرّاتٌ مِنها صالِحَةً لِأنْ تَتَفَتَّقَ عَنْ أجْسامٍ كَما تَتَفَتَّقُ الحَبَّةُ عَنْ عِرْقِ الشَّجَرَةِ، أوْ بِخَلْقِ جاذِبِيَّةٍ خاصَّةٍ بِجَذْبِ تِلْكَ الذَّرّاتِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ ثُمَّ يُصَوِّرُ مِنها جَسَدَها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] ثُمَّ تَنْمُو تِلْكَ الأجْسامُ سَرِيعًا فَتُصْبِحُ في صُوَرِ أُصُولِها الَّتِي كانَتْ في الحَياةِ الدُّنْيا. وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿يَوْمَ يَدَعُ الدّاعِي إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] في سُورَةِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ، وقَوْلَهُ (﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]) في سُورَةِ القارِعَةِ فَإنَّ الفَراشَ وهو فِراخُ الجَرادِ تَنْشَأُ مِنَ البَيْضِ مِثْلَ الدُّودِ ثُمَّ لا تَلْبَثُ إلّا قَلِيلًا حَتّى تَصِيرَ جَرادًا وتَطِيرُ. ولِهَذا سَمّى اللَّهُ ذَلِكَ البَعْثَ نَشْأةً لِأنَّ فِيهِ إنْشاءً جَدِيدًا وخَلْقًا مُعادًا وهو تَصْوِيرُ تِلْكَ الأجْزاءِ صفحة ١٤٢ بِالصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ مُلْتَئَمَةً بِها حِينَ المَوْتِ ثُمَّ إرْجاعُ رُوحِ كُلِّ جَسَدٍ إلَيْهِ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ بِما سُمِّيَ بِالنَّفْخِ فَقالَ ﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧] وقالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ [ق: ١٦] الآيَةَ. أيْ فَذَلِكَ يُشْبِهُ خَلْقَ آدَمَ مِن تُرابِ الأرْضِ وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وذَلِكَ بَيانٌ مُقْنِعٌ لِلْمُتَأمِّلِ لَوْ نَصَبُوا أنْفُسَهم لِلتَّأمُّلِ. وأشارَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مِنَ العَناصِرِ والقُوى الدَّقِيقَةِ أجْزاؤُها الجَلِيلَةِ آثارُها، وتَسْيِيرُها بِما يَشْمَلُ الأرْواحَ الَّتِي تَحِلُّ في الأجْسامِ والقُوى الَّتِي تُودِعُها فِيها.

سبأ 34:4

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (لَتَأْتِيَنَّكم) دُونَ تَقْيِيدِ الإتْيانِ بِخُصُوصِ المُخاطَبِينَ بَلِ المُرادُ ما شَمَلَهم وغَيْرَهم لِأنَّ جَزاءَ الَّذِينَ آمَنُوا لا عَلاقَةَ لَهُ بِالمُخاطَبِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَتَأْتِيَنَّ السّاعَةُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ، وهُمُ المُخاطَبُونَ، وضَمِيرُ (يَجْزِيَ) عائِدٌ إلى عالِمِ الغَيْبِ. والمَعْنى: أنَّ الحِكْمَةَ في إيجادِ السّاعَةِ لِلْبَعْثِ والحَشْرِ هي جَزاءُ الصّالِحِينَ عَلى صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، أيْ جَزاءً صالِحًا مُماثِلًا، وجَزاءُ المُفْسِدِينَ جَزاءً سَيِّئًا، وعُلِمَ نَوْعُ الجَزاءِ مِن وصْفِ الفَرِيقَيْنِ مِن أصْحابِهِ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِكُلِّ فَرِيقٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا. صفحة ١٤٣ وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ عَطَفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وتَقْدِيرُ الكَلامِ. لِيُجْزى الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ سَعَوْا بِما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ. والمَعْنى: أنَّ عالَمَ الإنْسانِ يَحْتَوِي عَلى صالِحِينَ مُتَفاوِتٍ صَلاحُهم، وفاسِدِينَ مُتَفاوِتٍ فَسادُهم، وقَدِ انْتَفَعَ النّاسُ بِصَلاحِ الصّالِحِينَ، واسْتَضَرُّوا بِفَسادِ المُفْسِدِينَ، ورُبَّما عَطَّلَ هَؤُلاءِ مَنافِعَ أُولَئِكَ، وهَذَّبَ أُولَئِكَ مِن إفْسادِ هَؤُلاءِ، وانْقَضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما عَمِلَ، لَمْ يَلْقَ المُحْسِنُ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ ولا المُفْسِدُ جَزاءَ إفْسادِهِ، فَكانَتْ حِكْمَةُ خالِقِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً إعْلامَهم بِما أرادَ مِنهم وتَكْلِيفَهم أنْ يَسْعَوْا في الأرْضِ صَلاحًا، ومُقْتَضِيَةً ادِّخارَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَكانَ مِن مُقْتَضاها إحْضارُ الفَرِيقَيْنِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ. وإذْ قَدْ شُوهِدَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الحَياةِ عَلِمْنا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أبَدِيَّةً يُقارِنُها الجَزاءُ العادِلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو اللّائِقُ بِحِكْمَةِ مُرْشِدِ الحُكَماءِ تَعالى، فَهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ السَّلِيمُ وقَدْ أعْلَمَنا خالِقُ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ بِلِسانِ رَسُولِهِ ورُسُلِهِ ﷺ فَتَوافَقَ العَقْلُ والنَّقْلُ، وبَطَلَ الدَّجْلُ والدَّخْلُ. وجُعِلَ جَزاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مَغْفِرَةً، أيْ تَجاوَزُوا عَنْ آثامِهِمْ، ورِزْقًا كَرِيمًا وهو ما يُرْزَقُونَ مِنَ النَّعِيمِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في النَّعِيمِ وابْتِداءِ مُدَّتِهِ فَإنَّهم آيِلُونَ إلى المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ. ووُصِفَ بِالكَرِيمِ، أيِ النَّفِيسِ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ. وقُوبِلَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بِـ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ لِأنَّ السَّعْيَ في آياتِ اللَّهِ يُساوِي مَعْنى كَفَرُوا بِها وبِذَلِكَ يَشْمَلُ عَمَلَ السَّيِّئاتِ وهو سَيِّئَةٌ مِنَ السَّيِّئاتِ، ألا تَرى أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] الخَ. ومَعْنى ﴿سَعَوْا في آياتِنا﴾ اجْتَهَدُوا بِالصَّدِّ عَنْها ومُحاوَلَةِ إبْطالِها: فالسَّعْيُ مُسْتَعارٌ لِلْجِدِّ في فِعْلٍ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ. وآياتُ اللَّهِ هُنا: القُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقُّ﴾ [سبإ: ٦] . صفحة ١٤٤ و(مُعاجِزِينَ) مُبالَغَةٌ في مُعْجِزِينَ، وهو تَمْثِيلٌ: شُبَّهَتْ حالُهم في مَكْرِهِمْ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يَمْشِي مَشْيًا سَرِيعًا لِيَسْبِقَ غَيْرَهُ ويُعْجِزَهُ. والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمَ. والرِّجْزُ: أسْوَأُ العَذابِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ فَإنَّ العَذابَ نَفْسَهُ رِجْزٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ تَمْثِيلًا لِحالِ ظَنِّهِمُ النَّجاةَ والِانْفِلاتَ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهم بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والرِّسالَةَ بِحالِ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ ويُعاجِزُهُ، أيْ يُحاوِلُ عَجْزَهُ عَنْ لِحاقِهِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (مُعَجِّزِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن عَجَّزَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ أوْ مُعَجِّزِينَ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ بِالطَّعْنِ والجِدالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ألِيمٍ) بِالجَرِّ صِفَةً لِ - رِجْزٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ - (عَذابٌ)، وهُما سَواءٌ في المَعْنى.

سبأ 34:5

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٍ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ (لَتَأْتِيَنَّكم) دُونَ تَقْيِيدِ الإتْيانِ بِخُصُوصِ المُخاطَبِينَ بَلِ المُرادُ ما شَمَلَهم وغَيْرَهم لِأنَّ جَزاءَ الَّذِينَ آمَنُوا لا عَلاقَةَ لَهُ بِالمُخاطَبِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَتَأْتِيَنَّ السّاعَةُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ، وهُمُ المُخاطَبُونَ، وضَمِيرُ (يَجْزِيَ) عائِدٌ إلى عالِمِ الغَيْبِ. والمَعْنى: أنَّ الحِكْمَةَ في إيجادِ السّاعَةِ لِلْبَعْثِ والحَشْرِ هي جَزاءُ الصّالِحِينَ عَلى صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ وأعْمالِهِمْ، أيْ جَزاءً صالِحًا مُماثِلًا، وجَزاءُ المُفْسِدِينَ جَزاءً سَيِّئًا، وعُلِمَ نَوْعُ الجَزاءِ مِن وصْفِ الفَرِيقَيْنِ مِن أصْحابِهِ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِكُلِّ فَرِيقٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ لِأجْلِ ما قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ. فَجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ أيْضًا. صفحة ١٤٣ وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ عَطَفٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وتَقْدِيرُ الكَلامِ. لِيُجْزى الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ سَعَوْا بِما يَلِيقُ بِكُلِّ فَرِيقٍ. والمَعْنى: أنَّ عالَمَ الإنْسانِ يَحْتَوِي عَلى صالِحِينَ مُتَفاوِتٍ صَلاحُهم، وفاسِدِينَ مُتَفاوِتٍ فَسادُهم، وقَدِ انْتَفَعَ النّاسُ بِصَلاحِ الصّالِحِينَ، واسْتَضَرُّوا بِفَسادِ المُفْسِدِينَ، ورُبَّما عَطَّلَ هَؤُلاءِ مَنافِعَ أُولَئِكَ، وهَذَّبَ أُولَئِكَ مِن إفْسادِ هَؤُلاءِ، وانْقَضى كُلُّ فَرِيقٍ بِما عَمِلَ، لَمْ يَلْقَ المُحْسِنُ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ ولا المُفْسِدُ جَزاءَ إفْسادِهِ، فَكانَتْ حِكْمَةُ خالِقِ النّاسِ مُقْتَضِيَةً إعْلامَهم بِما أرادَ مِنهم وتَكْلِيفَهم أنْ يَسْعَوْا في الأرْضِ صَلاحًا، ومُقْتَضِيَةً ادِّخارَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما، فَكانَ مِن مُقْتَضاها إحْضارُ الفَرِيقَيْنِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ. وإذْ قَدْ شُوهِدَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ في هَذِهِ الحَياةِ عَلِمْنا أنَّ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أبَدِيَّةً يُقارِنُها الجَزاءُ العادِلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو اللّائِقُ بِحِكْمَةِ مُرْشِدِ الحُكَماءِ تَعالى، فَهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ العَقْلُ السَّلِيمُ وقَدْ أعْلَمَنا خالِقُ الخَلْقِ عَلى ذَلِكَ بِلِسانِ رَسُولِهِ ورُسُلِهِ ﷺ فَتَوافَقَ العَقْلُ والنَّقْلُ، وبَطَلَ الدَّجْلُ والدَّخْلُ. وجُعِلَ جَزاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مَغْفِرَةً، أيْ تَجاوَزُوا عَنْ آثامِهِمْ، ورِزْقًا كَرِيمًا وهو ما يُرْزَقُونَ مِنَ النَّعِيمِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِهِمْ في النَّعِيمِ وابْتِداءِ مُدَّتِهِ فَإنَّهم آيِلُونَ إلى المَغْفِرَةِ والرِّزْقِ الكَرِيمِ. ووُصِفَ بِالكَرِيمِ، أيِ النَّفِيسِ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ. وقُوبِلَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بِـ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ لِأنَّ السَّعْيَ في آياتِ اللَّهِ يُساوِي مَعْنى كَفَرُوا بِها وبِذَلِكَ يَشْمَلُ عَمَلَ السَّيِّئاتِ وهو سَيِّئَةٌ مِنَ السَّيِّئاتِ، ألا تَرى أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] الخَ. ومَعْنى ﴿سَعَوْا في آياتِنا﴾ اجْتَهَدُوا بِالصَّدِّ عَنْها ومُحاوَلَةِ إبْطالِها: فالسَّعْيُ مُسْتَعارٌ لِلْجِدِّ في فِعْلٍ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ. وآياتُ اللَّهِ هُنا: القُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقُّ﴾ [سبإ: ٦] . صفحة ١٤٤ و(مُعاجِزِينَ) مُبالَغَةٌ في مُعْجِزِينَ، وهو تَمْثِيلٌ: شُبَّهَتْ حالُهم في مَكْرِهِمْ بِالنَّبِيءِ ﷺ بِحالِ مَن يَمْشِي مَشْيًا سَرِيعًا لِيَسْبِقَ غَيْرَهُ ويُعْجِزَهُ. والعَذابُ: عَذابُ جَهَنَّمَ. والرِّجْزُ: أسْوَأُ العَذابِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ فَإنَّ العَذابَ نَفْسَهُ رِجْزٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُعاجِزِينَ) بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ تَمْثِيلًا لِحالِ ظَنِّهِمُ النَّجاةَ والِانْفِلاتَ مِن تَعْذِيبِ اللَّهِ إيّاهم بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ والرِّسالَةَ بِحالِ مَن يُسابِقُ غَيْرَهُ ويُعاجِزُهُ، أيْ يُحاوِلُ عَجْزَهُ عَنْ لِحاقِهِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ (مُعَجِّزِينَ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن عَجَّزَ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ، ومَعْناهُ: مُثَبِّطِينَ النّاسَ عَنِ اتِّباعِ آياتِ اللَّهِ أوْ مُعَجِّزِينَ مَن آمَنَ بِآياتِ اللَّهِ بِالطَّعْنِ والجِدالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ألِيمٍ) بِالجَرِّ صِفَةً لِ - رِجْزٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِ - (عَذابٌ)، وهُما سَواءٌ في المَعْنى.

سبأ 34:6

﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤] وهو مُقابِلُ جَزاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فالمُرادُ بِالَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ الَّذِينَ كَفَرُوا، عَدَلَ عَنْ جَعْلِ اسْمِ المَوْصُولِ (كَفَرُوا) لِتَصْلُحَ الجُمْلَةُ أنْ تَكُونَ تَمْهِيدًا لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ في الرَّسُولِ ﷺ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِ ما جاءَهم بِهِ مِنَ القُرْآنِ في زَعْمِهِمْ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُمَهَّدَ لِإبْطالِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ العِلْمِ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ هو الحَقُّ دُونَ غَيْرِهِ مِن باطِلِ أهْلِ الشِّرْكِ الجاهِلِينَ، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن عَطْفِ الأغْراضِ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في إبْطالِ شُبَهِ أهْلِ الضَّلالَةِ والمَلاحِدَةِ بِأنْ يُقَدِّمَ قَبْلَ ذِكْرِ الشُّبَهِ ما يُقابِلُها مِن إبْطالِها ورُبَّما سَلَكَ أهْلُ الجَدَلِ طَرِيقَةً أُخْرى هي تَقْدِيمُ الشُّبَهِ ثُمَّ الكُرُورِ عَلَيْها صفحة ١٤٥ بِالإبْطالِ وهي طَرِيقَةُ عَضُدِ الدِّينِ في كِتابِ (المَواقِفُ) وقَدْ كانَ بَعْضُ أشْياخِنا يَحْكِي انْتِقادَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ طَرِيقَتَهُ فَلِذَلِكَ خالَفَها التَّفْتَزانِيُّ في كِتابِ (المَقاصِدُ) . والحَقُّ أنَّ الطَّرِيقَتَيْنِ جادَّتانِ وقَدْ سُلِكَتا في القُرْآنِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ [سبإ: ٥] فَبَعْدَ أنْ أُورِدَتْ جُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ [سبإ: ٥]) لِمُقابَلَةِ جُمْلَةِ (﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [سبإ: ٤]) الَخْ، اعْتُبِرَتْ مَقْصُودًا مِن جِهَةٍ أُخْرى فَكانَتْ بِحاجَةٍ إلى رَدِّ مَضْمُونِها بِجُمْلَةِ (﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ سَعَوْا في الآياتِ أهْلُ جَهالَةٍ فَيَكُونُ ذِكْرُها بَعْدَها تَعْقِيبًا لِلشُّبْهَةِ بِما يُبْطِلُها وهي الطَّرِيقَةُ الأُخْرى. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ. واخْتِيرَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ هُنا دُونَ (ويَعْلَمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالمَرْئِيّاتِ الَّتِي عِلْمُها ضَرُورِيٌّ، ومَفْعُولا (يَرى) (الَّذِي أُنْزَلَ) و(الحَقَّ) . وضَمِيرُ (هو) فَصْلٌ يُفِيدُ حَصْرَ الحَقِّ في القُرْآنِ حَصْرًا إضافِيًّا، أيْ لا ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ مِمّا يُعارِضُونَ بِهِ القُرْآنَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُفِيدَ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعائِيًّا، أيْ قَصْرُ الحَقِّيَةِ المَحْضِ عَلَيْهِ لِأنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكُتُبِ خُلِطَ حَقُّها بِباطِلٍ. والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ فَسَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهم عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا عَمّا في قُلُوبِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ الرُّهْبانِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، فَهَذا تَحَدٍّ لِلْمُشْرِكِينَ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ولَيْسَ احْتِجاجٌ بِسُكُوتِهِمْ عَلى إبْطالِهِ في أوائِلِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يَدْعُوَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ويَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِبَشائِرِ رُسُلِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ بِهِ فَعانَدَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ تَبَعًا لِعامَّتِهِمْ. وبِهَذا تَتَبَيَّنُ أنَّ إرادَةَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ مِن هَذِهِ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نازِلَةً بِالمَدِينَةِ حَتّى يَتَوَهَّمَ الَّذِينَ تَوَهَّمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَثْناةٌ مِن مَكِّيّاتِ السُّورَةِ كَما تَقَدَّمَ. صفحة ١٤٦ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ مِنَ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مَن آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّهم أُوتُوا القُرْآنَ. وفِيهِ عِلْمٌ عَظِيمٌ هم عالِمُوهُ عَلى تَفاضُلِهِمْ في فَهْمِهِ والِاسْتِنْباطِ مِنهُ فَقَدْ كانَ الواحِدُ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَكُونُ فَظًّا غَلِيظًا حَتّى إذا أسْلَمَ رَقَّ قَلْبُهُ وامْتَلَأ صَدْرُهُ بِالحِكْمَةِ وانْشَرَحَ لِشَرائِعِ الإسْلامِ واهْتَدى إلى الحَقِّ وإلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. وأوَّلُ مِثالٍ لِهَؤُلاءِ وأشْهُرُهُ وأفْضَلُهُ هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِلْبَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَ حالَتَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ. وهَذا ما أعْرَبَ عَنْهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ خالِطًا فِيهِ الجَدَّ بِالهَزْلِ: وعادَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقائِلٍ سِوى العَدْلِ شَيْئًا فاسْتَراحَ العَواذِلُ فَإنَّهم كانُوا إذا لَقُوا النَّبِيءَ ﷺ أشْرَقَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ النُّبُوءَةِ فَمَلَأتْهم حِكْمَةً وتَقْوى. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِأحَدِ أصْحابِهِ: «لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم كَما تَكُونُونَ عِنْدِي لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها» . وبِفَضْلِ ذَلِكَ ساسُوا الأُمَّةَ وافْتَتَحُوا المَمالِكَ وأقامُوا العَدْلَ بَيْنَ النّاسِ مُسْلِمِهِمْ وذِمِّيِّهِمْ ومُعاهِدِهِمْ ومَلَأُوا أعْيُنَ مُلُوكِ الأرْضِ مَهابَةً. وعَلى هَذا المَحْمَلِ حُمِلَ (﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾) في سُورَةِ الحَجِّ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ﴾ [الروم: ٥٦] في سُورَةِ الرُّومِ. وجُمْلَةُ ﴿ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ في مَوْضِعِ المَعْطُوفِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِ - (يَرى) . والمَعْنى: يَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هادِيًا إلى العَزِيزِ الحَمِيدِ، وهو مِن عَطْفِ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ الَّذِي فِيهِ مادَّةُ الِاشْتِقاقِ وهو الحَقُّ فَإنَّ المَصْدَرَ في قُوَّةِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ إمّا مُشْتَقٌّ أوْ هو أصْلُ الِاشْتِقاقِ. والعُدُولُ عَنِ الوَصْفِ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِإشْعارِها بِتَجَدُّدِ الهِدايَةِ وتَكَرُّرِها. وإيثارُ وصْفَيْ (العَزِيزِ الحَمِيدِ) هُنا دُونَ بَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى إيماءً إلى أنَّ بَقِيَّةَ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُؤْمِنُونَ بِأنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ والهِدايَةُ اسْتَشْعَرُوا مِنَ الإيمانِ أنَّهُ صِراطٌ يَبْلُغُ بِهِ إلى العِزَّةِ قالَ تَعالى ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ويَبْلُغُ إلى الحَمْدِ، أيِ الخِصالِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، وهي الكَمالاتُ مِنَ الفَضائِلِ والفَواضِلِ.

سبأ 34:7

صفحة ١٤٧ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ انْتِقالٌ إلى قَوْلَةٍ أُخْرى مِن شَناعَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مَعْطُوفَةٍ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] . وهَذا القَوْلُ قائِمٌ مَقامَ الِاسْتِدْلالِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ قَوْلَهم لا تَأْتِينا السّاعَةُ دَعْوى وقَوْلُهم ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مُسْتَنَدُ تِلْكَ الدَّعْوى، ولِذَلِكَ حُكِيَ بِمِثْلِ الأُسْلُوبِ الَّذِي حُكِيَتْ بِهِ الدَّعْوى في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ. وأدْمَجُوا في الِاسْتِدْلالِ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِي يَأْتِي بِنَقِيضِ دَلِيلِهِمْ، ثُمَّ إرْدافُ ذَلِكَ التَّعْجِيبِ بِالطَّعْنِ في المُتَعَجَّبِ بِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِمْ (﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾) غَيْرُ مَذْكُورٍ لِأنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ الِاعْتِبارُ بِشَناعَةِ القَوْلِ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالمَقُولِ لَهم. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا تَقاوُلًا بَيْنَهم، أوْ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ يَقُولُ كُبَراؤُهم لِعامَّتِهِمْ ودَهْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ كُفّارِ مَكَّةَ لِلْوارِدِينَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ (نَدُلُّكم) مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَبْلُغْهم قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكّى﴾ [النازعات: ١٨]، وهو عَرْضٌ مُكَنّى بِهِ مِنَ التَّعْجِيبِ، أيْ هَلْ نَدُلُّكم عَلى أُعْجُوبَةٍ مِن رَجُلٍ يُنْبِئُكم بِهَذا النَّبَأِ المُحالِ. والمَعْنى: تَسْمَعُونَ مِنهُ ما سَمِعْناهُ مِنهُ فَتَعْرِفُوا عُذْرَنا في مُناصَبَتِهِ العَداءَ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ هَيَّأُوا ما يَكُونُ جَوابًا لِلَّذِينَ يَرِدُونَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ يَتَساءَلُونَ عَنْ خَبَرِ هَذا الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ، وعَنِ الوَحْيِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ كَما ورَدَ في خَبَرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ إذْ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ وأنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكم بَعْضًا ويَرُدَّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا، فَقالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وأقِمْ لَنا رَأيًا نَقُولُ بِهِ. قالَ صفحة ١٤٨ بَلْ أنْتُمْ قُولُوا أسْمَعْ، قالُوا: نَقُولُ كاهِنٌ ؟ قالَ لا واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا بِسَجْعِهِ. قالُوا فَنَقُولُ مَجْنُونٌ ؟ قالَ ما هو بِمَجْنُونٍ لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ فَما هو بِخَنَقِهِ ولا تَخَلُّجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ، قالُوا فَنَقُولُ شاعِرٌ ؟ قالَ: لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ فَما هو بِالشِّعْرِ، فَقالُوا: فَنَقُولُ ساحِرٌ ؟ قالَ: ما هو بِنَفْثِهِ ولا عَقْدِهِ، قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قالَ: إنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ أنْ تَقُولُوا: ساحِرٌ، جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ. فَلَعَلَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الوارِدِينَ عَلى مَكَّةَ بِهاتِهِ المَقالَةِ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ طَمَعًا مِنهم بِأنَّها تَصْرِفُ النّاسَ عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ تَلَبُّسًا بِاسْتِحالَةِ هَذا الخَلْقِ الجَدِيدِ. ويُرَجِّحُ ذَلِكَ إتْمامُها بِالِاسْتِفْهامِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . ثُمَّ إنْ كانَ التَّقاوُلُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِـ (رَجُلٍ) مُنَكَّرٍ مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بَيْنَهم وعَنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ، قَصَدُوا مِن تَنْكِيرِهِ أنَّهُ لا يُعْرَفُ تَجاهُلًا مِنهم. قالَ السَّكّاكِيُّ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنهُ إلّا أنَّهُ رَجُلٌ ما. وإنْ كانَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ مُوَجَّهًا إلى الوارِدِينَ مَكَّةَ في المَوْسِمِ، كانَ التَّعْبِيرُ بِـ (رَجُلٍ) جَرْيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ الوارِدِينَ لا يَعْرِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ ولا دَعْوَتَهُ فَيَكُونُ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ قَبْلَ إسْلامِهِ لِأخِيهِ اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا خَبَرَ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ، ومَعْنى نَدُلُّكم نُعَرِّفُكم ونُرْشِدُكم. وأصْلُ الدَّلالَةِ الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ. وغالِبُ اسْتِعْمالِ هَذا الفِعْلِ أنْ يَكُونَ إرْشادُ مَن يَطْلُبُ مَعْرِفَةً، وبِذَلِكَ فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا القَوْلَ يَقُولُونَهُ لِلَّذِينَ يَسْألُونَهم عَنْ خَبَرِ رَجُلٍ ظَهَرَ بَيْنَهم يَدَّعِي النُّبُوءَةَ فَيَقُولُونَ: هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يَزْعُمُ كَذا، أيْ لَيْسَ بِنَبِيءٍ بَلْ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٍ، فَمَوْرِدُ الِاسْتِفْهامِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم (﴿إذا مُزَّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾)، أيْ هَلْ صفحة ١٤٩ تُرِيدُونَ أنْ نَدُلَّكم عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، أيْ ولَيْسَ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ نَبِيءٌ بَلْ هو: إمّا كاذِبٌ أوْ غَيْرُ عاقِلٍ. والإنْباءُ: الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، وعَظَمَةُ هَذا القَوْلِ عِنْدَهم عَظَمَةُ إقْدامِ قائِلِهِ عَلى ادِّعاءِ وُقُوعِ ما يَرَوْنَهُ مُحالَ الوُقُوعِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) هي المُنَبَّأُ بِهِ. ولَمّا كانَ الإنْباءُ في مَعْنى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ صَحَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ ما هو مِن قَوْلِ المُنَبِّئِ. فالتَّقْدِيرُ مِن جِهَةِ المَعْنى: يَقُولُ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ (إنَّ) المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ دُونَ المَفْتُوحَةِ لِمُراعاةِ حِكايَةِ القَوْلِ. وهَذِهِ حِكايَةُ ما نَبَّأ بِهِ لِأنَّ المُنَبِّئَ إنَّما نَبَّأ بِأنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ. وأمّا شِبْهُ الجُمْلَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَلَيْسَ مِمّا نَبَّأ بِهِ الرَّجُلُ وإنَّما هو اعْتِراضٌ في كَلامِ الحاكِينَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحالَةِ ما يَقُولُهُ هَذا الرَّجُلُ عَلى أنَّهُ لازِمٌ لِإثْباتِ الخَلْقِ الجَدِيدِ لِكُلِّ الأمْواتِ. ولَيْسَ (إذا) بِمُفِيدٍ شَرْطًا لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ البِلى، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّهُ يَكُونُ البِلى حائِلًا دُونَ الخَلْقِ الجَدِيدِ المُنَبَّأِ بِهِ. وتَقْدِيمُ هَذا الِاعْتِراضِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَتَقَرَّرَ في أذْهانِ السّامِعِينَ؛ لِأنَّهُ مَناطُ الإحالَةِ في زَعْمِهِمْ، فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ لِلْأمْواتِ تَكُونُ بَعْدَ انْعِدامِ أجْزاءِ الأجْسادِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفْرِيقِها تَفَرُّقًا قَرِيبًا مِنَ العَدَمِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفَرُّقٍ ما، وتَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأجْسادِ عَلى حالِها بَقاءً مُتَفاوِتًا في الصَّلابَةِ والرُّطُوبَةِ، وهم أنْكَرُوا إعادَةَ الحَياةِ في سائِرِ الأحْوالِ ولَكِنَّهم خَصُّوا في كَلامِهِمِ الإعادَةَ بَعْدَ التَّمَزُّقِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، أيْ بَعْدَ اضْمِحْلالِ الأجْسادِ أوْ تَفَرُّقِها الشَّدِيدِ، لِقُوَّةِ اسْتِحالَةِ إرْجاعِ الحَياةِ إلَيْها بَعْدَئِذٍ. والتَّمْزِيقُ: تَفْكِيكُ الأجْزاءِ المُتَلاصِقَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ قِطَعًا مُتَباعِدَةً. والمُمَزَّقُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِمَزَّقَهُ مِثْلَ المُسَرَّحِ لِلتَّسْرِيحِ. و(كُلَّ) عَلى الوَجْهَيْنِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]) وقَوْلِ النّابِغَةِ: صفحة ١٥٠ بِها كُلُّ ذَيّالٍ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. والخَلْقُ الجَدِيدُ: الحَدِيثُ العَهْدِ بِالوُجُودِ، أيْ في خَلْقٍ غَيْرِ الخَلْقِ الأوَّلِ الَّذِي أبْلاهُ الزَّمانُ، فَجَدِيدٌ فَعِيلٌ مِن جَدَّ بِمَعْنى قَطَعَ. فَأصْلُ مَعْنى جَدِيدٍ مَقْطُوعٌ وأصْلُهُ وصْفٌ لِلثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ النّاسِجُ فَإذا أتَمَّهُ قَطَعَهُ مِنَ المِنوالِ. أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ بِحِدْثانِ قَطْعِهِ فَصارَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ لِبْسِهِ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ الجَدِيدُ وصْفًا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَهْدِ، وتُنُوسِيَ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ مِنهُ فَصارَ وصْفًا بِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ، فَيُقالُ: جَدَّ الثَّوْبُ بِالرَّقْعِ بِمَعْنى: كانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِنَسْجٍ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَدَّ اللّازِمِ مُطاوِعًا لِـ (جَدَّهُ) المُتَعَدِّي كَما كانَ (جَبَرَ العَظْمُ) مُطاوِعًا لِـ (جَبَرَ) كَما في قَوْلِ العَجّاجِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ وبِهَذا يَحِقُّ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ البَصْرِيِّينَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا جَدِيدًا فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، وقَوْلِ الكُوفِيِّينَ بِأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، وعَلى هَذَيْنِ الأعْتِبارَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَلْحَفَةٌ جَدِيدٌ كَما قالَ (﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]) . ووَصْفُ الخَلْقِ الجَدِيدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَصْدَرَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجِنْسِ يَكُونُ قَدِيمًا فَهو إذَنْ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ، ويَكُونُ جَدِيدًا فَهو بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَوُصِفَ بِالجَدِيدِ لِيَتَمَحَّضَ لِأحَدِ احْتِمالَيْهِ، والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ (﴿فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مَجازِيَّةٌ في قُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالخَلْقِ الجَدِيدِ تَلَبُّسًا كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وجُمْلَةُ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِـ (رَجُلٍ) أتَوْا بِها اسْتِفْهامِيَّةً لِتَشْرِيَكِ المُخاطَبِينَ مَعَهم في تَرْدِيدِ الرَّجُلِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ. وحُذِفَتْ هَمْزَةُ فِعْلِ (أفْتَرى) لِأنَّها هَمْزَةُ وصْلٍ فَسَقَطَتْ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ وُصِلَتْ بِالفِعْلِ فَسَقَطَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ في الدَّرَجِ. وجَعَلُوا حالَ الرَّسُولِ ﷺ دائِرًا بَيْنَ الكَذِبِ والجُنُونِ بِناءً عَلى أنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ مِنَ البَعْثِ قالَهُ عَنْ عَمْدٍ وسَلامَةِ عَقْلٍ فَهو في زَعْمِهِمْ مُفْتَرٍ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ صفحة ١٥١ ذَلِكَ لا يُطابِقُ الواقِعَ؛ لِأنَّهُ مُحالٌ في نَظَرِهِمُ القاصِرِ، وإنْ كانَ قالَهُ بِلِسانِهِ لِإمْلاءِ عَقْلٍ مُخْتَلٍّ فَهو مَجْنُونٌ وكَلامُ المَجْنُونِ لا يُوصَفُ بِالِافْتِراءِ. وإنَّما رَدَّدُوا حالَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ تَلَقِّي وحْيٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ يَبْقَ مُحْتَمِلًا لِقِسْمٍ ثالِثٍ وهو أنْ يَكُونَ مُتَوَهِّمًا أوْ غالِطًا كَما لا يَخْفى. وقَدِ اسْتَدَلَّ الجاحِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِرَأْيِهِ في أنَّ الكَلامَ يَصِفُهُ العَرَبُ بِالصِّدْقِ إنْ كانَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ مَعَ اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِذَلِكَ، وبِالكَذِبِ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ ولا لِلِاعْتِقادِ، وما سِوى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لا يُوصَفُ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ بَلْ هو واسِطَةٌ بَيْنَهُما وهو الَّذِي يُخالِفُ الواقِعَ ويُوافِقُ اعْتِقادَ المُتَكَلِّمِ أوْ يُخالِفُ الِاعْتِقادَ الواقِعَ أوْ يُخالِفُهُما مَعًا أوْ لَمْ يَكُنْ لِصاحِبِهِ اعْتِقادٌ ومِن هَذا الصِّنْفِ الأخِيرِ كَلامُ المَجْنُونِ. ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَهُ لِأنَّها حَكَتْ كَلامَ المُشْرِكِينَ في مَقامِ تَمْوِيهِهِمْ وضَلالِهِمْ أوْ تَضْلِيلِهِمْ فَهو مِنَ السَّفْسَفَطَةِ، ثُمَّ إنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ لِأنَّ الِافْتِراءَ إنْ كانَ عَنْ عَمْدٍ فَمُقابَلَتُهُ بِالجُنُونِ لا تَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَجْنُونِ لَيْسَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِافْتِراءِ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ وإيجادُ خَبَرٍ لا مُخْبِرَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلالَهم بِما أشارَ إلى أنَّهم ضالُّونَ أوْ مُضِلُّونَ، وواهِمُونَ أوْ مُوهِمُونَ، فَأبْطَلَ قَوْلَهم بِحَذافِرِهِ بِحَرْفِ الإضْرابِ، ثُمَّ بِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ . فَقابَلَ ما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ بِوَصْفَيْنِ: أنَّهم في العَذابِ وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِأنَّ الَّذِي يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَذابَهُ، وأنَّهم في الضَّلالِ البَعِيدِ، وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (بِهِ جِنَّةٌ) . وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: بَلْ أنْتُمْ في العَذابِ والضَّلالِ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ إدْماجًا لِتَهْدِيدِهِمْ. والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوصِّلِ إلى المَقْصُودِ. والبَعِيدُ وُصِفَ بِهِ الضَّلالُ صفحة ١٥٢ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِطَرِيقِ الضّالِّ، فَإسْنادُ وصْفِهِ إلى الضَّلالِ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَكانِ الضَّلالِ وهو الطَّرِيقُ الَّذِي حادَ عَنِ المَكانِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ الضّالَّ كُلَّما تَوَغَّلَ مَسافَةً في الطَّرِيقِ المَضْلُولِ فِيهِ ازْدادَ بُعْدًا عَنِ المَقْصُودِ فاشْتَدَّ ضَلالُهُ وعَسُرَ خَلاصُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْإسْنادِ المَجازِيِّ. وقَوْلُهُ (﴿فِي العَذابِ﴾) إدْماجٌ يَصِفُ بِهِ حالَهم في الآخِرَةِ مَعَ وصْفِ حالِهِمْ في الدُّنْيا. والظَّرْفِيَّةُ بِمَعْنى الإعْدادِ لَهم فَحَصَلَ في حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازانِ إذْ جُعِلَ العَذابُ والضَّلالُ لِتَلازُمِهِما كَأنَّهُما حاصِلانِ مَعًا، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المَوْضُوعِ لِلْواقِعِ فِيما لَيْسَ بِواقِعٍ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.

سبأ 34:8

صفحة ١٤٧ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ انْتِقالٌ إلى قَوْلَةٍ أُخْرى مِن شَناعَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مَعْطُوفَةٍ عَلى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] . وهَذا القَوْلُ قائِمٌ مَقامَ الِاسْتِدْلالِ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ قَوْلَهم لا تَأْتِينا السّاعَةُ دَعْوى وقَوْلُهم ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ مُسْتَنَدُ تِلْكَ الدَّعْوى، ولِذَلِكَ حُكِيَ بِمِثْلِ الأُسْلُوبِ الَّذِي حُكِيَتْ بِهِ الدَّعْوى في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ. وأدْمَجُوا في الِاسْتِدْلالِ التَّعْجِيبَ مِنَ الَّذِي يَأْتِي بِنَقِيضِ دَلِيلِهِمْ، ثُمَّ إرْدافُ ذَلِكَ التَّعْجِيبِ بِالطَّعْنِ في المُتَعَجَّبِ بِهِ. والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِمْ (﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾) غَيْرُ مَذْكُورٍ لِأنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ الِاعْتِبارُ بِشَناعَةِ القَوْلِ ولا غَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِالمَقُولِ لَهم. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم هَذا تَقاوُلًا بَيْنَهم، أوْ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أوْ يَقُولُ كُبَراؤُهم لِعامَّتِهِمْ ودَهْمائِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ كُفّارِ مَكَّةَ لِلْوارِدِينَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ. وهَذا الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ (نَدُلُّكم) مِن أنَّهُ خِطابٌ لِمَن لَمْ يَبْلُغْهم قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ . والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَّكّى﴾ [النازعات: ١٨]، وهو عَرْضٌ مُكَنّى بِهِ مِنَ التَّعْجِيبِ، أيْ هَلْ نَدُلُّكم عَلى أُعْجُوبَةٍ مِن رَجُلٍ يُنْبِئُكم بِهَذا النَّبَأِ المُحالِ. والمَعْنى: تَسْمَعُونَ مِنهُ ما سَمِعْناهُ مِنهُ فَتَعْرِفُوا عُذْرَنا في مُناصَبَتِهِ العَداءَ. وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ هَيَّأُوا ما يَكُونُ جَوابًا لِلَّذِينَ يَرِدُونَ عَلَيْهِمْ في المَوْسِمِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ يَتَساءَلُونَ عَنْ خَبَرِ هَذا الَّذِي ظَهَرَ فِيهِمْ يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى النّاسِ، وعَنِ الوَحْيِ الَّذِي يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ كَما ورَدَ في خَبَرِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ إذْ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذا المَوْسِمُ وأنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكم فِيهِ، وقَدْ سَمِعُوا بِأمْرِ صاحِبِكم هَذا، فَأجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا واحِدًا ولا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكم بَعْضًا ويَرُدَّ قَوْلُكم بَعْضُهُ بَعْضًا، فَقالُوا: فَأنْتَ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ فَقُلْ وأقِمْ لَنا رَأيًا نَقُولُ بِهِ. قالَ صفحة ١٤٨ بَلْ أنْتُمْ قُولُوا أسْمَعْ، قالُوا: نَقُولُ كاهِنٌ ؟ قالَ لا واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ لَقَدْ رَأيْنا الكُهّانَ فَما هو بِزَمْزَمَةِ الكاهِنِ ولا بِسَجْعِهِ. قالُوا فَنَقُولُ مَجْنُونٌ ؟ قالَ ما هو بِمَجْنُونٍ لَقَدْ رَأيْنا الجُنُونَ وعَرَفْناهُ فَما هو بِخَنَقِهِ ولا تَخَلُّجِهِ ولا وسْوَسَتِهِ، قالُوا فَنَقُولُ شاعِرٌ ؟ قالَ: لَقَدْ عَرَفْنا الشِّعْرَ كُلَّهُ فَما هو بِالشِّعْرِ، فَقالُوا: فَنَقُولُ ساحِرٌ ؟ قالَ: ما هو بِنَفْثِهِ ولا عَقْدِهِ، قالُوا: فَما نَقُولُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قالَ: إنَّ أقْرَبَ القَوْلِ فِيهِ أنْ تَقُولُوا: ساحِرٌ، جاءَ بِقَوْلٍ هو سِحْرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وأبِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وأخِيهِ وبَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وبَيْنَ المَرْءِ وعَشِيرَتِهِ. فَلَعَلَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَقْبِلُونَ الوارِدِينَ عَلى مَكَّةَ بِهاتِهِ المَقالَةِ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ طَمَعًا مِنهم بِأنَّها تَصْرِفُ النّاسَ عَنِ النَّظَرِ في الدَّعْوَةِ تَلَبُّسًا بِاسْتِحالَةِ هَذا الخَلْقِ الجَدِيدِ. ويُرَجِّحُ ذَلِكَ إتْمامُها بِالِاسْتِفْهامِ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . ثُمَّ إنْ كانَ التَّقاوُلُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فالتَّعْبِيرُ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِـ (رَجُلٍ) مُنَكَّرٍ مَعَ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا بَيْنَهم وعَنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ، قَصَدُوا مِن تَنْكِيرِهِ أنَّهُ لا يُعْرَفُ تَجاهُلًا مِنهم. قالَ السَّكّاكِيُّ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مِنهُ إلّا أنَّهُ رَجُلٌ ما. وإنْ كانَ قَوْلُ المُشْرِكِينَ مُوَجَّهًا إلى الوارِدِينَ مَكَّةَ في المَوْسِمِ، كانَ التَّعْبِيرُ بِـ (رَجُلٍ) جَرْيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ الوارِدِينَ لا يَعْرِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ ولا دَعْوَتَهُ فَيَكُونُ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ قَبْلَ إسْلامِهِ لِأخِيهِ اذْهَبْ فاسْتَعْلِمْ لَنا خَبَرَ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ، ومَعْنى نَدُلُّكم نُعَرِّفُكم ونُرْشِدُكم. وأصْلُ الدَّلالَةِ الإرْشادُ إلى الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ. وغالِبُ اسْتِعْمالِ هَذا الفِعْلِ أنْ يَكُونَ إرْشادُ مَن يَطْلُبُ مَعْرِفَةً، وبِذَلِكَ فالآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا القَوْلَ يَقُولُونَهُ لِلَّذِينَ يَسْألُونَهم عَنْ خَبَرِ رَجُلٍ ظَهَرَ بَيْنَهم يَدَّعِي النُّبُوءَةَ فَيَقُولُونَ: هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يَزْعُمُ كَذا، أيْ لَيْسَ بِنَبِيءٍ بَلْ مُفْتَرٍ أوْ مَجْنُونٍ، فَمَوْرِدُ الِاسْتِفْهامِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم (﴿إذا مُزَّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾)، أيْ هَلْ صفحة ١٤٩ تُرِيدُونَ أنْ نَدُلَّكم عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، أيْ ولَيْسَ مِن صِفَتِهِ أنَّهُ نَبِيءٌ بَلْ هو: إمّا كاذِبٌ أوْ غَيْرُ عاقِلٍ. والإنْباءُ: الإخْبارُ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ، وعَظَمَةُ هَذا القَوْلِ عِنْدَهم عَظَمَةُ إقْدامِ قائِلِهِ عَلى ادِّعاءِ وُقُوعِ ما يَرَوْنَهُ مُحالَ الوُقُوعِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) هي المُنَبَّأُ بِهِ. ولَمّا كانَ الإنْباءُ في مَعْنى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ صَحَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَهُ ما هو مِن قَوْلِ المُنَبِّئِ. فالتَّقْدِيرُ مِن جِهَةِ المَعْنى: يَقُولُ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ، ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ (إنَّ) المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ دُونَ المَفْتُوحَةِ لِمُراعاةِ حِكايَةِ القَوْلِ. وهَذِهِ حِكايَةُ ما نَبَّأ بِهِ لِأنَّ المُنَبِّئَ إنَّما نَبَّأ بِأنَّ النّاسَ يَصِيرُونَ في خَلْقٍ جَدِيدٍ. وأمّا شِبْهُ الجُمْلَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَلَيْسَ مِمّا نَبَّأ بِهِ الرَّجُلُ وإنَّما هو اعْتِراضٌ في كَلامِ الحاكِينَ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِحالَةِ ما يَقُولُهُ هَذا الرَّجُلُ عَلى أنَّهُ لازِمٌ لِإثْباتِ الخَلْقِ الجَدِيدِ لِكُلِّ الأمْواتِ. ولَيْسَ (إذا) بِمُفِيدٍ شَرْطًا لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ لِلْخَلْقِ الجَدِيدِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ البِلى، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّهُ يَكُونُ البِلى حائِلًا دُونَ الخَلْقِ الجَدِيدِ المُنَبَّأِ بِهِ. وتَقْدِيمُ هَذا الِاعْتِراضِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَتَقَرَّرَ في أذْهانِ السّامِعِينَ؛ لِأنَّهُ مَناطُ الإحالَةِ في زَعْمِهِمْ، فَإنَّ إعادَةَ الحَياةِ لِلْأمْواتِ تَكُونُ بَعْدَ انْعِدامِ أجْزاءِ الأجْسادِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفْرِيقِها تَفَرُّقًا قَرِيبًا مِنَ العَدَمِ، وتَكُونُ بَعْدَ تَفَرُّقٍ ما، وتَكُونُ مَعَ بَقاءِ الأجْسادِ عَلى حالِها بَقاءً مُتَفاوِتًا في الصَّلابَةِ والرُّطُوبَةِ، وهم أنْكَرُوا إعادَةَ الحَياةِ في سائِرِ الأحْوالِ ولَكِنَّهم خَصُّوا في كَلامِهِمِ الإعادَةَ بَعْدَ التَّمَزُّقِ كُلَّ مُمَزَّقٍ، أيْ بَعْدَ اضْمِحْلالِ الأجْسادِ أوْ تَفَرُّقِها الشَّدِيدِ، لِقُوَّةِ اسْتِحالَةِ إرْجاعِ الحَياةِ إلَيْها بَعْدَئِذٍ. والتَّمْزِيقُ: تَفْكِيكُ الأجْزاءِ المُتَلاصِقَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ بِحَيْثُ تَصِيرُ قِطَعًا مُتَباعِدَةً. والمُمَزَّقُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِمَزَّقَهُ مِثْلَ المُسَرَّحِ لِلتَّسْرِيحِ. و(كُلَّ) عَلى الوَجْهَيْنِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧]) وقَوْلِ النّابِغَةِ: صفحة ١٥٠ بِها كُلُّ ذَيّالٍ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. والخَلْقُ الجَدِيدُ: الحَدِيثُ العَهْدِ بِالوُجُودِ، أيْ في خَلْقٍ غَيْرِ الخَلْقِ الأوَّلِ الَّذِي أبْلاهُ الزَّمانُ، فَجَدِيدٌ فَعِيلٌ مِن جَدَّ بِمَعْنى قَطَعَ. فَأصْلُ مَعْنى جَدِيدٍ مَقْطُوعٌ وأصْلُهُ وصْفٌ لِلثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ النّاسِجُ فَإذا أتَمَّهُ قَطَعَهُ مِنَ المِنوالِ. أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ بِحِدْثانِ قَطْعِهِ فَصارَ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ لِبْسِهِ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ الجَدِيدُ وصْفًا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَهْدِ، وتُنُوسِيَ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ مِنهُ فَصارَ وصْفًا بِمَعْنى الفاعِلِيَّةِ، فَيُقالُ: جَدَّ الثَّوْبُ بِالرَّقْعِ بِمَعْنى: كانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِنَسْجٍ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَدَّ اللّازِمِ مُطاوِعًا لِـ (جَدَّهُ) المُتَعَدِّي كَما كانَ (جَبَرَ العَظْمُ) مُطاوِعًا لِـ (جَبَرَ) كَما في قَوْلِ العَجّاجِ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ وبِهَذا يَحِقُّ الجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ البَصْرِيِّينَ الَّذِينَ اعْتَبَرُوا جَدِيدًا فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ، وقَوْلِ الكُوفِيِّينَ بِأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، وعَلى هَذَيْنِ الأعْتِبارَيْنِ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَلْحَفَةٌ جَدِيدٌ كَما قالَ (﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]) . ووَصْفُ الخَلْقِ الجَدِيدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَصْدَرَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الجِنْسِ يَكُونُ قَدِيمًا فَهو إذَنْ بِمَعْنى الحاصِلِ بِالمَصْدَرِ، ويَكُونُ جَدِيدًا فَهو بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَوُصِفَ بِالجَدِيدِ لِيَتَمَحَّضَ لِأحَدِ احْتِمالَيْهِ، والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ (﴿فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾) مَجازِيَّةٌ في قُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالخَلْقِ الجَدِيدِ تَلَبُّسًا كَتَلَبُّسِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وجُمْلَةُ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ في مَوْضِعِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِـ (رَجُلٍ) أتَوْا بِها اسْتِفْهامِيَّةً لِتَشْرِيَكِ المُخاطَبِينَ مَعَهم في تَرْدِيدِ الرَّجُلِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ. وحُذِفَتْ هَمْزَةُ فِعْلِ (أفْتَرى) لِأنَّها هَمْزَةُ وصْلٍ فَسَقَطَتْ لِأنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ وُصِلَتْ بِالفِعْلِ فَسَقَطَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ في الدَّرَجِ. وجَعَلُوا حالَ الرَّسُولِ ﷺ دائِرًا بَيْنَ الكَذِبِ والجُنُونِ بِناءً عَلى أنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ مِنَ البَعْثِ قالَهُ عَنْ عَمْدٍ وسَلامَةِ عَقْلٍ فَهو في زَعْمِهِمْ مُفْتَرٍ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ صفحة ١٥١ ذَلِكَ لا يُطابِقُ الواقِعَ؛ لِأنَّهُ مُحالٌ في نَظَرِهِمُ القاصِرِ، وإنْ كانَ قالَهُ بِلِسانِهِ لِإمْلاءِ عَقْلٍ مُخْتَلٍّ فَهو مَجْنُونٌ وكَلامُ المَجْنُونِ لا يُوصَفُ بِالِافْتِراءِ. وإنَّما رَدَّدُوا حالَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِناءً عَلى أنَّهُ أخْبَرَ عَنْ تَلَقِّي وحْيٍ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ يَبْقَ مُحْتَمِلًا لِقِسْمٍ ثالِثٍ وهو أنْ يَكُونَ مُتَوَهِّمًا أوْ غالِطًا كَما لا يَخْفى. وقَدِ اسْتَدَلَّ الجاحِظُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِرَأْيِهِ في أنَّ الكَلامَ يَصِفُهُ العَرَبُ بِالصِّدْقِ إنْ كانَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ مَعَ اعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِذَلِكَ، وبِالكَذِبِ إنْ كانَ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ ولا لِلِاعْتِقادِ، وما سِوى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لا يُوصَفُ بِصِدْقٍ ولا كَذِبٍ بَلْ هو واسِطَةٌ بَيْنَهُما وهو الَّذِي يُخالِفُ الواقِعَ ويُوافِقُ اعْتِقادَ المُتَكَلِّمِ أوْ يُخالِفُ الِاعْتِقادَ الواقِعَ أوْ يُخالِفُهُما مَعًا أوْ لَمْ يَكُنْ لِصاحِبِهِ اعْتِقادٌ ومِن هَذا الصِّنْفِ الأخِيرِ كَلامُ المَجْنُونِ. ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ دَلِيلًا لَهُ لِأنَّها حَكَتْ كَلامَ المُشْرِكِينَ في مَقامِ تَمْوِيهِهِمْ وضَلالِهِمْ أوْ تَضْلِيلِهِمْ فَهو مِنَ السَّفْسَفَطَةِ، ثُمَّ إنَّ الِافْتِراءَ أخَصُّ مِنَ الكَذِبِ لِأنَّ الِافْتِراءَ إنْ كانَ عَنْ عَمْدٍ فَمُقابَلَتُهُ بِالجُنُونِ لا تَقْتَضِي أنَّ كَلامَ المَجْنُونِ لَيْسَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ إنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِافْتِراءِ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ وإيجادُ خَبَرٍ لا مُخْبِرَ لَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ اسْتِدْلالَهم بِما أشارَ إلى أنَّهم ضالُّونَ أوْ مُضِلُّونَ، وواهِمُونَ أوْ مُوهِمُونَ، فَأبْطَلَ قَوْلَهم بِحَذافِرِهِ بِحَرْفِ الإضْرابِ، ثُمَّ بِجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ . فَقابَلَ ما وصَفُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ بِوَصْفَيْنِ: أنَّهم في العَذابِ وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِأنَّ الَّذِي يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَذابَهُ، وأنَّهم في الضَّلالِ البَعِيدِ، وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (بِهِ جِنَّةٌ) . وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: بَلْ أنْتُمْ في العَذابِ والضَّلالِ إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ إدْماجًا لِتَهْدِيدِهِمْ. والضَّلالُ: خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوصِّلِ إلى المَقْصُودِ. والبَعِيدُ وُصِفَ بِهِ الضَّلالُ صفحة ١٥٢ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ وصْفًا لِطَرِيقِ الضّالِّ، فَإسْنادُ وصْفِهِ إلى الضَّلالِ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَكانِ الضَّلالِ وهو الطَّرِيقُ الَّذِي حادَ عَنِ المَكانِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّ الضّالَّ كُلَّما تَوَغَّلَ مَسافَةً في الطَّرِيقِ المَضْلُولِ فِيهِ ازْدادَ بُعْدًا عَنِ المَقْصُودِ فاشْتَدَّ ضَلالُهُ وعَسُرَ خَلاصُهُ، وهو مَعَ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْإسْنادِ المَجازِيِّ. وقَوْلُهُ (﴿فِي العَذابِ﴾) إدْماجٌ يَصِفُ بِهِ حالَهم في الآخِرَةِ مَعَ وصْفِ حالِهِمْ في الدُّنْيا. والظَّرْفِيَّةُ بِمَعْنى الإعْدادِ لَهم فَحَصَلَ في حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ مَجازانِ إذْ جُعِلَ العَذابُ والضَّلالُ لِتَلازُمِهِما كَأنَّهُما حاصِلانِ مَعًا، فَهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المَوْضُوعِ لِلْواقِعِ فِيما لَيْسَ بِواقِعٍ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ.

سبأ 34:9

﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسْفًا مِنَ السَّماءِ إنَّ في ذَلِكَ لِآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ ما بَعْدَها عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ﴾ [سبإ: ٨] الَخْ لِأنَّ رُؤْيَةَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ في السَّماءِ والأرْضِ مِن شَأْنِها أنْ تَهْدِيَهم لَوْ تَأمَّلُوا حَقَّ التَّأمُّلِ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعَجُّبِ الَّذِي يُخالِطُهُ إنْكارٌ عَلى انْتِفاءِ تَأمُّلِهِمْ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ مِنَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى خَلْقِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ مِن عَدَمٍ هو قادِرٌ عَلى تَجْدِيدِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ العَدَمِ. والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ بِقَرِينَةِ تَعْلِيقِ (إلى) . فَمَعْنى الِاسْتِفْهامِ عَنِ انْتِفائِها مِنهُمُ انْتِفاءُ آثارِها مِن الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الكائِناتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، فَشَبَّهَ وُجُودَ الرُّؤْيَةِ بِعَدَمِها واسْتُعِيرَ لَهُ حَرْفُ النَّفْيِ. والمَقْصُودُ: حَثُّهم عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ لِيَتَدارَكُوا عِلْمَهم بِما أهْمَلُوهُ. وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨] . صفحة ١٥٣ والمُرادُ بِـ (ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ) ما يَسْتَقْبِلُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِنَ الكائِناتِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، وبِـ (ما خَلْفَهم) ما هو وراءُ كُلِّ أحَدٍ مِنها فَإنَّهم لَوْ شاءُوا لَنَظَرُوا إلَيْهِ بِأنْ يَلْتَفِتُوا إلى ما وراءَهم، وذَلِكَ مِثْلَ أنْ يَنْظُرُوا النِّصْفَ الشَّمالِيَّ مِنَ الكُرَةِ السَّماوِيَّةِ في اللَّيْلِ ثُمَّ يَنْظُرُوا النِّصْفَ الجَنُوبِيَّ مِنها فَيَرَوْا كَواكِبَ ساطِعَةً بَعْضُها طالِعٌ مِن مَشْرِقِهِ وبَعْضُها هاوٍ إلى مَغْرِبِهِ وقَمَرًا مُخْتَلِفَ الأشْكالِ بِاخْتِلافِ الأيّامِ، وفي النَّهارِ بِأنْ يَنْظُرُوا إلى الشَّمْسِ بازِغَةً وآفِلَةً، وما يُقارِنُ ذَلِكَ مِن إسْفارٍ وأصِيلٍ وشَفَقٍ. وكَذَلِكَ النَّظَرُ إلى جِبالِ الأرْضِ وبِحارِها وأوْدِيَتِها وما عَلَيْها مِن أنْواعِ الحَيَوانِ واخْتِلافِ أصْنافِهِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنَ السَّماءِ والأرْضِ) تَبْعِيضِيَّةٌ. و(السَّماءِ والأرْضِ) أُطْلِقَتا عَلى مَحْوِيّاتِهِما كَما أُطْلِقَتِ القَرْيَةُ عَلى أهْلِها في قَوْلِهِ واسْألِ القَرْيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ اعْتِراضٌ بِالتَّهْدِيدِ فَمُناسَبَةُ التَّعَجِيبِ الإنْكارِيِّ بِما يُذَكِّرُهم بِقُدْرَةِ صانِعِ تِلْكَ المَصْنُوعاتِ العَظِيمَةِ عَلى عِقابِ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ والَّذِينَ ضَيَّقُوا واسِعَ قُدْرَتِهِ وكَذَّبُوا رَسُولَهُ ﷺ وما يَخْطُرُ في عُقُولِهِمْ ذِكْرُ الأُمَمِ الَّتِي أصابَها عِقابٌ بِشَيْءٍ مِنَ الكائِناتِ الأرْضِيَّةِ كالخَسْفِ أوِ السَّماوِيَّةِ كَإسْقاطِ كِسَفٍ مِنَ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مِثْلَ ما أصابَ قارُونَ مِنَ الخَسْفِ وما أصابَ أهْلَ الأيْكَةِ مِن سُقُوطِ الكِسَفِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ (نَخْسِبِّهِمُ) بِإدْغامِ الفاءِ في الباءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ الباءَ أضْعَفُ في الصَّوْتِ مِنَ الفاءِ فَلا تُدْغَمُ الفاءُ في الباءِ، وإنْ كانَتِ الباءُ تُدْغَمُ في الفاءِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ فُلانًا، وهَذا كَما تُدْغَمُ الباءُ في المِيمِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ مالِكًا، ولا تُدْغَمُ المِيمُ في الباءِ كَقَوْلِكَ: اضْمُمْ بَكْرًا؛ لِأنَّ الباءَ انْحَطَّتْ عَنِ المِيمِ بِفَقْدِ الغُنَّةِ الَّتِي في المِيمِ، وهَذا رَدٌّ لِلرِّوايَةِ بِالقِياسِ وهو غَصْبٌ. والكِسْفُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو القِطْعَةُ مِنَ صفحة ١٥٤ الشَّيْءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَخْسِفْ) و(نُسْقِطْ) بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأها حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ مِن مَقامِ التَّكَلُّمِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ، ومُعادُ الضَّمِيرَيْنِ مَعْرُوفٌ مِن سِياقِ الكَلامِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّعْجِيبِ الإنْكارِيِّ بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّوْكِيدِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِ بِشّارٍ: إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الجُمْلَةَ تَذْيِيلًا. والمُشارُ إلَيْهِ هو ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ مِنَ الكائِناتِ فِيهِما. والآيَةُ: الدَّلِيلُ. والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، فالمُفْرَدُ المُعَرَّفُ مُساوٍ لِلْجَمْعِ، أيْ لَآياتٍ كَثِيرَةٍ، والمُنِيبُ: الرّاجِعُ بِفِكْرِهِ إلى البَحْثِ عَمّا فِيهِ كَمالُهُ النَّفْسانِيُّ وحُسْنُ مَصِيرِهِ في الآخِرَةِ فَهو يُقَدِّرُ المَواعِظَ حَقَّ قَدْرِها ويَتَلَقّاها بِالشَّكِّ في الحالَةِ الَّتِي وُعِظَ مِن أجْلِها فَيُعاوِدُ النَّظَرَ حَتّى يَهْتَدِيَ ولا يَرْفُضَ نُصْحَ النّاصِحِينَ وإرْشادَ المُرْشِدِينَ مُتَرَدِّيًا بِرِداءِ المُتَكَبِّرِينَ فَهو لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في دَلائِلِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ومِن أكْبَرِ المُنِيبِينَ المُؤْمِنُونَ مَعَ رَسُولِهِمْ.

سبأ 34:10

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى ذِكْرِ داوُدَ خَفِيَّةٌ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ، وسُلَيْمانَ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا، أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدَ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا. صفحة ١٥٥ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبإ: ٩] لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِ مَن يَكْفُرُ بِهِ اهـ. فَقالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾؛ لِأنَّهُ كالتَّخَلُّصِ مِنهُ إلَيْهِ،؛ لِأنَّهُ مِنَ المُنِيبِينَ المُتَفَكِّرِينَ في آياتِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] اهـ. يُرِيدُ الطِّيبِيُّ أنَّ داوُدَ مِن أشْهَرِ المُثُلِ في المُنِيبِينَ بِما اشْتُهِرَ بِهِ مِنِ انْقِلابِ حالِهِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا غَلِيظًا إلى أنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ نَبِيئًا ومَلِكًا صالِحًا مُصْلِحًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهو مَثَلُ المُنِيبِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]، فَلِإنابَتِهِ وتَأْوِيبِهِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبارَكَهُ وبارَكَ نَسْلَهُ. وفي ذِكْرِ فَضْلِهِ عِبْرَةٌ لِلنّاسِ بِحُسْنِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالمُنِيبِينَ تَعْرِيضًا بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِينِ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ بَعْدَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وضِيقِ حالِهِ مِنهم سَيَئُولُ شَأْنُهُ إلى عِزَّةٍ عَظِيمَةٍ وتَأْسِيسِ مُلْكِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ كَما آلَتْ حالُ داوُدَ، وذَلِكَ الإيماءُ أوْضَحُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] الآيَةُ في سُورَةِ ص. وسَمّى الطِّيبِيُّ هَذا الِانْتِقالَ إلى ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ تَخَلُّصًا، والوَجْهُ أنْ يُسَمِّيَهُ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا وإنْ كانَ طَوِيلًا، فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وسَبَأٍ يُرْشِدُ إلى أنَّ إبْطالَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ هي المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠] . وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنّا) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (آتَيْنا)، أيْ مِن لَدُنّا ومِن عِنْدِنا، وذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلْفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ داوُدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (رِزْقًا مِن لَدُنّا) . وتَنْكِيرُ (فَضْلًا) لِتَعْظِيمِهِ وهو فَضْلُ النُّبُوءَةِ وفَضْلُ المُلْكِ، وفَضْلُ العِنايَةِ بِإصْلاحِ الأُمَّةِ، وفَضْلُ القَضاءِ بِالعَدْلِ، وفَضْلُ الشَّجاعَةِ في الحَرْبِ، وفَضْلُ سَعَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وفَضْلُ إغْنائِهِ عَنِ النّاسِ بِما أُلْهِمَهُ مِن صُنْعِ دُرُوعِ صفحة ١٥٦ الحَدِيدِ، وفَضْلُ إيتائِهِ الزَّبُورَ، وإيتائِهِ حُسْنَ الصَّوْتِ، وطُولَ العُمْرِ في الصَّلاحِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٌ، وحَذْفُ القَوْلِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفِعْلُ القَوْلِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ . وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي نُظِمَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الفَخامَةِ وجَلالَةِ الخالِقِ وعِظَمِ شَأْنِ داوُدَ مَعَ وفْرَةِ المَعانِي وإيجازِ الألْفاظِ وإفادَةِ مَعْنى المَعِيَّةِ بِالواوِ دُونَ ما لَوْ كانَتْ حَرْفَ عَطْفٍ. والأمْرُ في (أوِّبِي مَعَهُ) أمْرُ تَكْوِينٍ وتَسْخِيرٍ. والتَّأْوِيبُ: التَّرْجِيعُ، أيْ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ، وقِيلَ التَّأْوِيبُ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ فَهو مِنَ المُعَرَّبِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْبِيحِ الجِبالِ مَعَ داوُدَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. و(الطَّيْرَ) مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى المُنادى لِأنَّ المَعْطُوفَ المُعَرَّفَ عَلى المُنادى يَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ والنَّصْبُ أرْجَحُ عِنْدَ يُونُسَ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والجَرْمِيِّ وهو أوْجَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (والطَّيْرَ) مَفْعُولًا مَعَهُ لِـ (أوِّبِي)، والتَّقْدِيرُ: أوِّبِي مَعَهُ ومَعَ الطَّيْرِ، فَيُفِيدُ أنَّ الطَّيْرَ تَأوَّبَ مَعَهُ أيْضًا. وإلانَةُ الحَدِيدِ: تَسْخِيرُهُ لِأصابِعِهِ حِينَما يَلْوِي حَلَقِ الدُّرُوعِ ويَغْمِزُ المَسامِيرَ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في (ألَنّا لَهُ) مِن مَعْنى: أشْعَرْناهُ بِتَسْخِيرِ الحَدِيدِ لِيُقْدِمَ عَلى صُنْعِهِ فَكانَ في (ألَنّا) مَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ: أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ. والحَدِيدُ: تُرابٌ مَعْدِنِيٌّ إذا صُهِرَ بِالنّارِ امْتَزَجَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ولانَ وأُمْكِنَ تَطْرِيقُهُ وتَشْكِيلُهُ فَإذا بَرَدَ تَصَلَّبَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. و(سابِغاتٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ شاعَ وصْفُ صفحة ١٥٧ الدُّرُوعِ بِالسّابِغاتِ والسَّوابِغِ حَتّى اسْتَغْنَوْا عِنْدَ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. ومَعْنى (قَدِّرْ) اجْعَلْهُ عَلى تَقْدِيرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ. والسَّرْدُ: صُنْعُ دِرْعِ الحَدِيدِ، أيْ تَرْكِيبُ حَلَقِها ومَسامِيرِها الَّتِي تَشُدُّ شُقَقَ الدِّرْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ كالخِياطَةِ لِلثَّوْبِ، والدِّرْعُ تُوصَفُ بِالمَسْرُودَةِ كَما تُوصَفُ بِالسّابِغَةِ. قالَ أبُو ذُوَيْبٍ الهُذَلِيُّ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغِ تُبَّعُ ويُقالُ لِناسِجِ الدُّرُوعِ: سَرّادُ وزادَ بِالسِّينِ والزّايِ، وقالَ المَعَرِّيُّ يَصِفُ دِرْعًا: وداوُدُ قَيْنَ السّابِغاتِ أذالَها ∗∗∗ وتِلْكَ أضاةٌ صانَها المَرْءُ تُبَّعُ فَلَمّا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ ما اسْتَصْعَبَ عَلى غَيْرِهِ أتْبَعَهُ بِأمْرِهِ بِالشُّكْرِ بِأنْ يَعْمَلَ صالِحًا لِأنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالعَمَلِ الَّذِي يُرْضِي المَشْكُورَ المُنْعِمَ. وضَمِيرُ اعْمَلُوا لِداوُدَ وآلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. وقَوْلُهُ (إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) مَوُقِعُ (إنَّ) فِيهِ مَوُقِعَ فاءِ التَّسَبُّبِ كَقَوْلِ بَشّارٍ: إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. والبَصِيرُ: المُطَّلِعُ العَلِيمُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ.

سبأ 34:11

﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْدِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى ذِكْرِ داوُدَ خَفِيَّةٌ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَكَرَ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلى داوُدَ، وسُلَيْمانَ احْتِجاجًا عَلى ما مَنَحَ مُحَمَّدًا، أيْ لا تَسْتَبْعِدُوا هَذا فَقَدَ تَفَضَّلْنا عَلى عَبِيدِنا قَدِيمًا. صفحة ١٥٥ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبإ: ٩] لِأنَّ المُنِيبَ لا يَخْلُو مِنَ النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ ومِن عِقابِ مَن يَكْفُرُ بِهِ اهـ. فَقالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ إشارَةٌ إلى بَيانِ نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾؛ لِأنَّهُ كالتَّخَلُّصِ مِنهُ إلَيْهِ،؛ لِأنَّهُ مِنَ المُنِيبِينَ المُتَفَكِّرِينَ في آياتِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] اهـ. يُرِيدُ الطِّيبِيُّ أنَّ داوُدَ مِن أشْهَرِ المُثُلِ في المُنِيبِينَ بِما اشْتُهِرَ بِهِ مِنِ انْقِلابِ حالِهِ بَعْدَ أنْ كانَ راعِيًا غَلِيظًا إلى أنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ نَبِيئًا ومَلِكًا صالِحًا مُصْلِحًا لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَهو مَثَلُ المُنِيبِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] وقالَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]، فَلِإنابَتِهِ وتَأْوِيبِهِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعَمِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وبارَكَهُ وبارَكَ نَسْلَهُ. وفي ذِكْرِ فَضْلِهِ عِبْرَةٌ لِلنّاسِ بِحُسْنِ عِنايَةِ اللَّهِ بِالمُنِيبِينَ تَعْرِيضًا بِضِدِّ ذَلِكَ لِلَّذِينِ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِآياتِ اللَّهِ، وفي هَذا إيماءٌ إلى بِشارَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ بَعْدَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وضِيقِ حالِهِ مِنهم سَيَئُولُ شَأْنُهُ إلى عِزَّةٍ عَظِيمَةٍ وتَأْسِيسِ مُلْكِ أُمَّةٍ عَظِيمَةٍ كَما آلَتْ حالُ داوُدَ، وذَلِكَ الإيماءُ أوْضَحُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] الآيَةُ في سُورَةِ ص. وسَمّى الطِّيبِيُّ هَذا الِانْتِقالَ إلى ذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ تَخَلُّصًا، والوَجْهُ أنْ يُسَمِّيَهُ اسْتِطْرادًا أوِ اعْتِراضًا وإنْ كانَ طَوِيلًا، فَإنَّ الرُّجُوعَ إلى ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وسَبَأٍ يُرْشِدُ إلى أنَّ إبْطالَ أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ هي المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ كَما سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠] . وتَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] في سُورَةِ الأنْعامِ. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِنّا) ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (آتَيْنا)، أيْ مِن لَدُنّا ومِن عِنْدِنا، وذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلْفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ داوُدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (رِزْقًا مِن لَدُنّا) . وتَنْكِيرُ (فَضْلًا) لِتَعْظِيمِهِ وهو فَضْلُ النُّبُوءَةِ وفَضْلُ المُلْكِ، وفَضْلُ العِنايَةِ بِإصْلاحِ الأُمَّةِ، وفَضْلُ القَضاءِ بِالعَدْلِ، وفَضْلُ الشَّجاعَةِ في الحَرْبِ، وفَضْلُ سَعَةِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وفَضْلُ إغْنائِهِ عَنِ النّاسِ بِما أُلْهِمَهُ مِن صُنْعِ دُرُوعِ صفحة ١٥٦ الحَدِيدِ، وفَضْلُ إيتائِهِ الزَّبُورَ، وإيتائِهِ حُسْنَ الصَّوْتِ، وطُولَ العُمْرِ في الصَّلاحِ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٌ، وحَذْفُ القَوْلِ اسْتِعْمالٌ شائِعٌ، وفِعْلُ القَوْلِ المَحْذُوفِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ ﴿آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ . وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي نُظِمَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الفَخامَةِ وجَلالَةِ الخالِقِ وعِظَمِ شَأْنِ داوُدَ مَعَ وفْرَةِ المَعانِي وإيجازِ الألْفاظِ وإفادَةِ مَعْنى المَعِيَّةِ بِالواوِ دُونَ ما لَوْ كانَتْ حَرْفَ عَطْفٍ. والأمْرُ في (أوِّبِي مَعَهُ) أمْرُ تَكْوِينٍ وتَسْخِيرٍ. والتَّأْوِيبُ: التَّرْجِيعُ، أيْ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ، وقِيلَ التَّأْوِيبُ بِمَعْنى التَّسْبِيحِ لُغَةٌ حَبَشِيَّةٌ فَهو مِنَ المُعَرَّبِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْبِيحِ الجِبالِ مَعَ داوُدَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. و(الطَّيْرَ) مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى المُنادى لِأنَّ المَعْطُوفَ المُعَرَّفَ عَلى المُنادى يَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ والنَّصْبُ أرْجَحُ عِنْدَ يُونُسَ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والجَرْمِيِّ وهو أوْجَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (والطَّيْرَ) مَفْعُولًا مَعَهُ لِـ (أوِّبِي)، والتَّقْدِيرُ: أوِّبِي مَعَهُ ومَعَ الطَّيْرِ، فَيُفِيدُ أنَّ الطَّيْرَ تَأوَّبَ مَعَهُ أيْضًا. وإلانَةُ الحَدِيدِ: تَسْخِيرُهُ لِأصابِعِهِ حِينَما يَلْوِي حَلَقِ الدُّرُوعِ ويَغْمِزُ المَسامِيرَ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِما في (ألَنّا لَهُ) مِن مَعْنى: أشْعَرْناهُ بِتَسْخِيرِ الحَدِيدِ لِيُقْدِمَ عَلى صُنْعِهِ فَكانَ في (ألَنّا) مَعْنى: وأوْحَيْنا إلَيْهِ: أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ. والحَدِيدُ: تُرابٌ مَعْدِنِيٌّ إذا صُهِرَ بِالنّارِ امْتَزَجَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ولانَ وأُمْكِنَ تَطْرِيقُهُ وتَشْكِيلُهُ فَإذا بَرَدَ تَصَلَّبَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. و(سابِغاتٍ) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ إذْ شاعَ وصْفُ صفحة ١٥٧ الدُّرُوعِ بِالسّابِغاتِ والسَّوابِغِ حَتّى اسْتَغْنَوْا عِنْدَ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ عَنْ ذِكْرِ المَوْصُوفِ. ومَعْنى (قَدِّرْ) اجْعَلْهُ عَلى تَقْدِيرٍ والتَّقْدِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مَخْصُوصٍ. والسَّرْدُ: صُنْعُ دِرْعِ الحَدِيدِ، أيْ تَرْكِيبُ حَلَقِها ومَسامِيرِها الَّتِي تَشُدُّ شُقَقَ الدِّرْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ كالخِياطَةِ لِلثَّوْبِ، والدِّرْعُ تُوصَفُ بِالمَسْرُودَةِ كَما تُوصَفُ بِالسّابِغَةِ. قالَ أبُو ذُوَيْبٍ الهُذَلِيُّ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغِ تُبَّعُ ويُقالُ لِناسِجِ الدُّرُوعِ: سَرّادُ وزادَ بِالسِّينِ والزّايِ، وقالَ المَعَرِّيُّ يَصِفُ دِرْعًا: وداوُدُ قَيْنَ السّابِغاتِ أذالَها ∗∗∗ وتِلْكَ أضاةٌ صانَها المَرْءُ تُبَّعُ فَلَمّا سَخَّرَ اللَّهُ لَهُ ما اسْتَصْعَبَ عَلى غَيْرِهِ أتْبَعَهُ بِأمْرِهِ بِالشُّكْرِ بِأنْ يَعْمَلَ صالِحًا لِأنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالعَمَلِ الَّذِي يُرْضِي المَشْكُورَ المُنْعِمَ. وضَمِيرُ اعْمَلُوا لِداوُدَ وآلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ. وقَوْلُهُ (إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) مَوُقِعُ (إنَّ) فِيهِ مَوُقِعَ فاءِ التَّسَبُّبِ كَقَوْلِ بَشّارٍ: إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. والبَصِيرُ: المُطَّلِعُ العَلِيمُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ.

سبأ 34:12

﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ عَطْفُ فَضِيلَةِ سُلَيْمانَ عَلى فَضِيلَةِ داوُدَ لِلِاعْتِبارِ بِما أُوتِيَهُ سُلَيْمانُ مِن فَضْلٍ صفحة ١٥٨ كَرامَةً لِأبِيهِ عَلى إنابَتِهِ ولِسُلَيْمانَ عَلى نَشْأتِهِ الصّالِحَةِ عِنْدَ أبِيهِ، فالعَطْفُ عَلى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبإ: ١٠] والمُناسَبَةُ مِثْلُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ داوُدَ فَإنَّ سُلَيْمانَ كانَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ، قالَ تَعالى (ثُمَّ أنابَ) في سُورَةِ ص. و(الرِّيحَ) عَطْفٌ عَلى (الحَدِيدَ) في قَوْلِهِ (وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ) بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (وألَنّا) . والتَّقْدِيرُ: وسَخَّرَنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشّاعِرِ: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا أيْ وحامِلًا رُمْحًا. واللّامُ في قَوْلِهِ لِسُلَيْمانَ لامُ التَّقْوِيَةِ، أنَّهُ لَمّا حَذَفَ الفِعْلَ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَرَنَ مَفْعُولَ الأوَّلِ بِلامِ التَّقْوِيَةِ لِأنَّ الِاحْتِياجَ إلى لامِ التَّقْوِيَةِ عِنْدَ حَذْفِ الفِعْلِ أشَدُّ مِنَ الِاحْتِياجِ إلَيْها عِنْدَ تَأْخِيرِ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ. والرِّيحُ مَفْعُولٌ ثانٍ. ومَعْنى تَسْخِيرِهِ الرِّيحَ: خَلْقُ رِيحٍ تُلائِمُ سَيْرَ سَفائِنِهِ لِلْغَزْوِ أوِ التِّجارَةِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِمَراسِيهِ في شُطُوطِ فِلَسْطِينَ رِياحًا مَوْسِمِيَّةً تَهُبُّ شَهْرًا مُشْرِقَةً لِتَذْهَبَ في ذَلِكَ المَوْسِمِ سُفُنُهُ، وتَهُبُّ شَهْرًا مُغْرِبَةً لِتَرْجِعَ سُفُنُهُ إلى شَواطِئِفِلَسْطِينَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٨١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. فَأطْلَقَ الغُدُوَّ عَلى الِانْصِرافِ والِانْطِلاقِ مِنَ المَكانِ تَشْبِيهًا بِخُرُوجِ الماشِيَةِ لِلرَّعْيِ في الصَّباحِ وهو وقْتُ خُرُوجِها، أوْ تَشْبِيهًا بِغُدُوِّ النّاسِ في الصَّباحِ. وأطْلَقَ الرَّواحَ عَلى الرُّجُوعِ مِنَ النَّهْمَةِ الَّتِي يَخْرُجُ لَها كَقَوْلِ أبِي رَبِيعَةَ. أمِن آلِ نُعْمٍ أنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ ∗∗∗ غَداةَ غَدٍ أمْ رائِحٌ فَمُؤَخِّرُ لِأنَّ عُرْفَهم أنَّ رَواحَ الماشِيَةِ يَكُونُ في المَساءِ فَهو مُشْتَقٌّ مِن راحَ إذا رَجَعَ إلى مَقَرِّهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾) بِلَفْظِ إفْرادِ (الرِّيحَ) وبِنَصْبِ (الرِّيحَ) عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الحَدِيدِ في قَوْلِهِ (وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ) . وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ صفحة ١٥٩ عاصِمٍ بِرَفْعِ (الرِّيحُ) عَلى أنَّهُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، و(الرِّيحُ) مُبْتَدَأٌ و(لِسُلَيْمانَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ (الرِّياحَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَنصُوبًا. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطّاءِ: النُّحاسُ المُذابُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] في سُورَةِ الكَهْفِ. والإسالَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سائِلًا، أيْ مُنْبَطِحًا في الأرْضِ كَمَسِيلِ الوادِي. وعَيْنُ القِطْرِ: لَيْسَتْ عَيْنًا حَقِيقِيَّةً ولَكِنَّها مُسْتَعارَةٌ لِمَصَبِّ ما يُصْهَرُ في مَصانِعِهِ مِنَ النُّحاسِ حَتّى يَكُونَ النُّحاسُ المُذابُ سائِلًا خارِجًا مِن فَساقِيَّ ونَحْوِها مِنَ الأنابِيبِ كَما يَخْرُجُ الماءُ مِنَ العَيْنِ لِشِدَّةِ إصْهارِ النُّحاسِ وتَوالِي إصْهارِهِ فَلا يَزالُ يَسِيلُ لِيَصْنَعَ لَهُ آنِيَةً وأسْلِحَةً ودَرَقًا، وما ذَلِكَ إلّا بِإذابَةٍ وإصْهارٍ خارِقَيْنِ لِلْمُعْتادِ بِقُوَّةٍ إلاهِيَّةٍ، شَبَّهَ الإصْهارَ بِالكَهْرُباءِ أوْ بِالألْسِنَةِ النّارِيَّةِ الزَّرْقاءِ، وذَلِكَ ما لَمْ يُؤْتَهُ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ زَمانِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّيَلانُ مُسْتَعارًا لِكَثْرَةِ القِطْرِ كَثْرَةً تُشْبِهُ كَثْرَةَ ماءِ العُيُونِ والأنْهارِ كَقَوْلِ كُثَيِّرٍ: وسالَتْ بِأعْناقِ المَطِيِّ الأباطِحُ ويَكُونُ (أسَلْنا) أيْضًا تَرْشِيحًا لِاسْتِعارَةِ اسْمِ العَيْنِ لِمَعْنى مُذابِ القِطْرِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الكَثْرَةُ. وقَوْلُهُ ﴿ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ) فَقَوْلُهُ (مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ (بِإذْنِ رَبِّهِ) خَبَرٌ. و(مِنَ) في قَوْلِهِ (مِنَ الجِنِّ) بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِغَرابَتِهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (مَن يَعْمَلُ) عَطْفًا عَلى الرِّيحِ في قَوْلِهِ (ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) أيْ سَخَّرَنا لَهُ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الجِنِّ، وتَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. ومَعْنى (يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) يَخْدُمُهُ ويُطِيعُهُ. يُقالُ: أنا بَيْنَ يَدَيْكَ، أيْ مُطِيعٌ. صفحة ١٦٠ ولا يَقْتَضِي هَذا أنْ يَكُونَ عَمَلَتُهُ الجِنُّ وحْدَهم بَلْ يَقْتَضِي أنَّ مِنهم عَمَلَةً وفي آيَةِ النَّمْلِ ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٧] . والزَّيْغُ: تَجاوَزُ الحَدِّ والطَّرِيقِ. والمَعْنى: مَن يَعْصِ أمْرَنا الجارِي عَلى لِسانِ سُلَيْمانَ. وذِكْرُ الجِنِّ في جُنْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ. وعَذابُ السَّعِيرِ: عَذابُ النّارِ تَشْبِيهٌ أيْ عَذابٌ كَعَذابِ جَهَنَّمَ وأمّا عَذابُ جَهَنَّمَ فَإنَّما يَكُونُ حَقِيقَةً يَوْمَ الحِسابِ.

سبأ 34:13

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ و(يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ) . و (مِن مَحارِيبَ) بَيانٌ لِـ (ما يَشاءُ) . والمَحارِيبُ: جَمْعُ مِحْرابٍ، وهو الحِصْنُ الَّذِي يُحارَبُ مِنهُ العَدُوُّ والمُهاجِمُ لِلْمَدِينَةِ، أوْ؛ لِأنَّهُ يُرْمى مِن شُرُفاتِهِ بِالحِرابِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَصْرِ الحَصِينِ. وقَدْ سَمَّوْا قُصُورَ غُمْدانَ في اليَمَنِ مَحارِيبَ غُمْدانَ. وهَذا المَعْنى هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ. ثُمَّ أُطْلِقَ المِحْرابُ عَلى الَّذِي يُخْتَلى فِيهِ لِلْعِبادَةِ فَهْوَ بِمَنزِلَةِ المَسْجِدِ الخاصِّ، قالَ تَعالى ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ [آل عمران: ٣٩] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وكانَ لِداوُدَ مِحْرابٌ يَجْلِسُ فِيهِ لِلْعِبادَةِ، قالَ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] في سُورَةِ ص. وأمّا إطْلاقُ المِحْرابِ عَلى المَوْضِعِ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ الإمامُ الَّذِي يَأُمُّ النّاسَ، يُجْعَلُ مِثْلَ كُوَّةٍ غَيْرِ نافِذَةٍ واصِلَةٍ إلى أرْضِ المَسْجِدِ في حائِطِ القِبْلَةِ يَقِفُ الإمامُ تَحْتَهُ، فَتَسْمِيَةُ ذَلِكَ مِحْرابًا تَسْمِيَةٌ حَدِيثَةٌ ولَمْ أقِفْ عَلى تَعْيِينِ الزَّمَنِ الَّذِي ابْتُدِئَ فِيهِ إطْلاقُ اسْمِ المِحْرابِ عَلى هَذا المَوْقِفِ. واتِّخاذُ المَحارِيبِ في المَساجِدِ حَدَثَ في المِائَةِ الثّانِيَةِ، والمَظْنُونُ أنَّهُ حَدَثَ في أوَّلِها في حَياةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ لِأنَّهُ ١١ صفحة ١٦١ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ تَنَزَّهَ عَنِ الجُلُوسِ في المَحارِيبِ وكانُوا يُسَمُّونَهُ الطّاقَ أوِ الطّاقَةَ ورُبَّما سَمَّوْهُ المَذْبَحَ، ولَمْ أرَ أنَّهم سَمَّوْهُ أيّامَئِذٍ مِحْرابًا، وإنَّما كانُوا يُسَمُّونَ بِالمِحْرابِ مَوْضِعَ ذَبْحِ القُرْبانِ في الكَنِيسَةِ قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ: دُمْيَةٌ عِنْدَ راهِبٍ قِسِّيسٍ صَوَّرُوها في مَذابِحِ المِحْرابِ والمَذْبَحُ والمِحْرابُ مُقْتَبَسَةٌ مِنَ اليَهُودِ لِما لا يَخْفى مِن تَفَرُّعِ النَّصْرانِيَّةِ عَنْ دِينِ اليَهُودِيَّةِ. وما حُكِيَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إنْ صَحَّ فَإنَّما يُعْنى بِهِ بَيْتٌ لِلصَّلاةِ خاصٌّ. ورَأيْتُ إطْلاقَ المِحْرابِ عَلى الطّاقَةِ الَّتِي في المَسْجِدِ في كَلامِ الفَرّاءِ، أيْ في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّانِي، نَقَلَ الجَوْهَرِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: المَحارِيبُ صُدُورُ المَجالِسِ ومِنهُ سُمِّيَ مِحْرابُ المَسْجِدِ، لِأنَّ المِحْرابَ لَمْ يَبْقَ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا عَلى مَكانِ العِبادَةِ. ومِنَ الغَلَطِ أنْ جَعَلُوا في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ في المَوْضِعِ الَّذِي يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ يُصَلِّي فِيهِ صُورَةَ مِحْرابٍ مُنْفَصِلٍ يُسَمُّونَهُ مِحْرابَ النَّبِيءِ ﷺ وإنَّما هو عَلامَةٌ عَلى تَحَرِّي مَوْقِفِهِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المُسْلِمِينَ ابْتَدَأُوا فَجَعَلُوا طاقاتٍ صَغِيرَةً دَلالَةً عَلى القِبْلَةِ لِئَلّا يَضِلَّ الدّاخِلُ إلى المَسْجِدِ يُرِيدُ الصَّلاةَ فَإنَّ ذَلِكَ يَقَعُ كَثِيرًا، ثُمَّ وسَّعُوها شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى صَيَّرُوها في صُورَةِ نِصْفِ دِهْلِيزٍ صَغِيرٍ في جِدارِ القِبْلَةِ يَسَعُ مَوْقِفَ الإمامِ، وأحْسَبُ أنَّ أوَّلَ وضْعِهِ كانَ عِنْدَ بِناءِ المَسْجِدِ الأُمَوِيِّ في دِمَشْقَ ثُمَّ إنَّ الخَلِيفَةَ الوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ أمَرَ بِجَعْلِهِ في المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ حِينَ وسَّعَهُ وأعادَ بِناءَهُ وذَلِكَ في مُدَّةِ إمارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَلى المَدِينَةِ حَسْبَما ذَكَرَ السَّمْهُودِيُّ في كِتابِ ”خُلاصَةِ الوَفا بِأخْبارِ دارِ المُصْطَفى“ . والتَّماثِيلُ جَمْعُ تِمْثالٍ بِكَسْرِ التّاءِ، ووَزْنُهُ ”تِفْعالٌ“ لِأنَّ التّاءَ مَزِيدَةٌ وهو أحَدُ أسْماءٍ مَعْدُودَةٍ جاءَتْ عَلى وزْنِ تِفْعالٍ بِكَسْرِ التّاءِ، وأمّا قِياسُ هَذا البابِ وأكْثَرُهُ فَهو بِفَتْحِ التّاءِ. والأسْماءُ الَّتِي جاءَتْ عَلى هَذا الوَزْنِ مِنها مَصادِرُ ومِنها أسْماءٌ، فَأمّا المَصادِرُ فَأكْثَرُها بِفَتْحِ التّاءِ إلّا مَصْدَرَيْنِ: تِبْيانٌ وتِلْقاءٌ بِمَعْنى اللِّقاءِ. وأمّا الأسْماءُ فَوَرَدَ مِنهُ عَلى الكَسْرِ نَحْوٌ مِن أرْبَعَةَ عَشَرَ اسْمًا مِنها: تِمْثالٌ، أحْصاها ابْنُ صفحة ١٦٢ دُرَيْدٍ، وزادَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ عَنْ شَيْخِهِ الخَطِيبِ التَّبْرِيزِيِّ تِسْعَةً فَصارَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ. والتِّمْثالُ هو الصُّورَةُ المُمَثَّلَةُ، أيِ المُجَسَّمَةُ مِثْلَ شَيْءٍ مِنَ الأجْسامِ فَكانَ النَّحّاتُونَ يَعْمَلُونَ لِسُلَيْمانَ صُوَرًا مُخْتَلِفَةً كَصُوَرٍ مَوْهُومَةٍ لِلْمَلائِكَةِ ولِلْحَيَوانِ مِثْلَ الأُسُودِ فَقَدْ كانَ كُرْسِيُّ سُلَيْمانَ مَحْفُوفًا بِتَماثِيلِ أُسُودٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ كَما وُصِفَ في الإصْحاحِ العاشِرِ مِن سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ. وكانَ قَدْ جَعَلَ في الهَيْكَلِ جابِيَةً عَظِيمَةً مِن نُحاسٍ مَصْقُولٍ مَرْفُوعَةً عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةَ ثَوْرٍ مِن نُحاسٍ. ولَمْ تَكُنْ التَّماثِيلُ المُجَسَّمَةُ مُحَرَّمَةَ الِاسْتِعْمالِ في الشَّرائِعِ السّابِقَةِ وقَدْ حَرَّمَها الإسْلامُ لِأنَّ الإسْلامَ أمْعَنَ في قَطْعِ دابِرِ الإشْراكِ مِن نُفُوسِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ. وكانَ مُعْظَمُ الأصْنامِ تَماثِيلَ فَحَرَّمَ الإسْلامُ اتِّخاذَها لِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ تَحْرِيمًا لِأجْلِ اشْتِمالِها عَلى مَفْسَدَةٍ في ذاتِها ولَكِنْ لِكَوْنِها كانَتْ ذَرِيعَةً لِلْإشْراكِ. واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى تَحْرِيمِ اتِّخاذِ ما لَهُ ظِلٌّ مِن تَماثِيلِ ذَواتِ الرُّوحِ إذا كانَتْ مُسْتَكْمِلَةَ الأعْضاءِ الَّتِي لا يَعِيشُ ذُو الرُّوحِ بِدُونِها وعَلى كَراهَةِ ما عَدا ذَلِكَ مِثْلَ التَّماثِيلِ المُنَصَّفَةِ ومِثْلَ الصُّوَرِ الَّتِي عَلى الجُدْرانِ وعَلى الأوْراقِ والرَّقْمِ في الثَّوْبِ ولا ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُداسُ. وحُكْمُ صُنْعِها يَتْبَعُ اتِّخاذَها. ووَقَعَتِ الرُّخْصَةُ في اتِّخاذِ صُوَرٍ تَلْعَبُ بِها البَناتُ لِفائِدَةِ اعْتِيادِهِنَّ العَمَلَ بِأُمُورِ البَيْتِ. والجِفانُ: جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي القَصْعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يُجْفَنُ فِيها الماءُ. وقُدِّرَتِ الجَفْنَةُ في التَّوْراةِ بِأنَّها تَسَعُ أرْبَعِينَ بَثًّا بِالمُثَلَّثَةِ ولَمْ نَعْرِفْ مِقْدارَ البَثِّ عِنْدَهم ولا شَكَّ أنَّهُ مِكْيالٌ. وشُبِّهَتِ الجِفانُ في عَظَمَتِها وسِعَتِها بِالجَوابِي. وهي جَمْعُ: جابِيَةٍ وهي الحَوْضُ العَظِيمُ الواسِعُ العَمِيقُ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الماءُ لِسَقْيِ الأشْجارِ والزُّرُوعِ قالَ الأعْشى: نَفى الذَّمَّ عَنْ رَهْطِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ∗∗∗ كَجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ أيِ الجَفْنَةُ في سِعَتِها كَجابِيَةِ الرَّجُلِ العِراقِيِّ، وأهْلُ العِراقِ أهْلُ كُرُومٍ وغُرُوسٍ فَكانُوا يَجْمَعُونَ الماءَ لِلسَّقْيِ. وكانَتِ الجِفانُ المَذْكُورَةُ في الهَيْكَلِ المَعْرُوفِ عِنْدَنا بِبَيْتِ المَقْدِسِ لِأجْلِ وضْعِ الماءِ لِيَغْسِلُوا فِيها ما يُقَرِّبُونَهُ مِنَ المُحْرَقاتِ كَما في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الأيّامِ الثّانِي. صفحة ١٦٣ وكُتِبَ في المُصْحَفِ (كالجَوابِ) بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ياءٍ في حالَيِ الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِ الياءِ في حالِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالِ الوَقْفِ. والقُدُورُ: جَمْعُ قِدْرٍ وهي إناءٌ يُوضَعُ فِيهِ الطَّعامُ لِيُطْبَخَ مِن لَحْمٍ وزَيْتٍ وأدْهانٍ وتَوابِلَ. قالَ النّابِغَةُ في النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الجُلاحِيِّ: لَهُ بِفِناءِ البَيْتِ سَوْداءُ فَخْمَةٌ ∗∗∗ تُلَقَّمُ أوْصالَ الجَزُورِ العُراعِرِ بَقِيَّةُ قِدْرٍ مِن قُدُورٍ تُوُرِّثَتْ ∗∗∗ لِآلِ الجُلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرِ أيْ تَسَعُ قَوائِمَ البَعِيرِ إذا وُضِعَتْ فِيهِ لِتُطْبَخَ مَرَقًا ونَحْوَهُ. وهَذِهِ القُدُورُ هي الَّتِي يُطْبَخُ فِيها لِجُنْدِ سُلَيْمانَ ولِسَدَنَةِ الهَيْكَلِ ولِخَدَمِهِ وأتْباعِهِ وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ القُدُورِ إجْمالًا في الفِقْرَةِ السّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الأيّامِ الثّانِي. والرّاسِياتُ: الثّابِتاتُ في الأرْضِ الَّتِي لا تُنْزَلُ مِن فَوْقِ أثافِيِّها لِتَداوُلِ الطَّبْخِ فِيها صَباحَ مَساءَ. وجُمْلَةُ ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قُلْنا: اعْمَلُوا يا آلَ داوُدَ، ومَفْعُولُ اعْمَلُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (شُكْرًا) . وتَقْدِيرُهُ: اعْمَلُوا صالِحًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، عَمَلًا لَشُكْرِ اللَّهِ تَعالى، فانْتَصَبَ (شُكْرًا) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والخِطابُ لِسُلَيْمانَ وآلِهِ. وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ فَهو مِن تَمامِ المَقُولِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّذْيِيلُ كَلامًا جَدِيدًا جاءَ في القُرْآنِ، أيْ قُلْنا ذَلِكَ لِآلِ داوُدَ فَعَمِلَ مِنهم قَلِيلٌ ولَمْ يَعْمَلْ كَثِيرٌ وكانَ سُلَيْمانُ مِن أوَّلِ الفِئَةِ القَلِيلَةِ. والشَّكُورُ: الكَثِيرُ الشُّكْرِ. وإذْ كانَ العَمَلُ شُكْرًا أفادَ أنَّ العامِلِينَ قَلِيلٌ.

سبأ 34:14

صفحة ١٦٤ ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلّا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنساتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ومِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ إلى قَوْلِهِ وقُدُورٍ راسِياتٍ أيْ دامَ عَمَلُهم لَهُ حَتّى ماتَ فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ إلى آخِرِهِ. ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَطُلْ وقْتُهُ لِأنَّ مِثْلَهُ في عَظَمَةِ مُلْكِهِ لا بُدَّ أنْ يَفْتَقِدَهُ أتْباعُهُ، فَجُمْلَةُ ”ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ“ الَخْ جَوابُ ”لَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ“ . وضَمِيرُ دَلَّهم يَعُودُ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ أهْلَ بَلاطِهِ. والدَّلالَةُ: الإشْعارُ بِأمْرٍ خَفِيٍّ. وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ [سبإ: ٧] في الآيَةِ السّابِقَةِ. ودابَّةُ الأرْضِ هي الأرَضَةُ بِفَتَحاتٍ ثَلاثٍ وهي السُّرْفَةُ بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الفاءِ لا مَحالَةَ وهاءِ تَأْنِيثٍ: سُوسٌ يَنْخُرُ الخَشَبَ. فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ مَصْدَرُ أرَضَتِ السُّرْفَةُ الخَشَبَ مِن بابِ ضَرَبَ، وقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ لِمِنسَأةِ سُلَيْمانَ كَثِيرًا مِنَ السُّرَفِ فَتَعَجَّلَ لَها النَّخْرُ. وجُمْلَةُ (فَلَمّا خَرَّ) مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ“ . وجُمْلَةُ ”تَبَيَّنَتِ الجِنُّ“ جَوابُ ”فَلَمّا خَرَّ“ . والمِنسَأةُ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها وبِهَمْزَةٍ بَعْدَ السِّينِ، وتُخَفَّفُ الهَمْزَةُ فَتَصِيرُ ألِفًا هي العَصا العَظِيمَةُ، قِيلَ هي كَلِمَةٌ مِن لُغَةِ الحَبَشَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِألِفٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ. بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ السِّينِ. وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ تَخْفِيفًا وهو تَخْفِيفٌ نادِرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والمُوَحَّدَةِ والتَّحْتِيَّةِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ والمُوَحَّدَةِ وكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تَبَيَّنَ النّاسُ الجِنَّ. و”أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الجِنِّ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. وقَوْلُهُ ”تَبَيَّنَتِ الجِنُّ“ إسْنادٌ مُبْهَمٌ فَصَّلَهُ قَوْلُهُ ”أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ“ صفحة ١٦٥ فَـ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِنها بَدَلٌ مِنَ الجِنِّ بَدَلُ اشْتِمالٍ، أيْ تَبَيَّنَ أمْرُهم أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، أيْ تَبَيَّنَ عَدَمُ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ، ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو جُمْلَةُ الشَّرْطِ والجَوابِ. والعَذابُ المُهِينُ: المُذِلُّ، أيِ المُؤْلِمُ المُتْعِبُ، فَإنَّهم لَوْ عَلِمُوا الغَيْبَ لَكانَ عِلْمُهم بِالحاصِلِ أزَلِيًّا، وهَذا إبْطالٌ لِاعْتِقادِ العامَّةِ يَوْمَئِذٍ وما يَعْتَقِدُهُ المُشْرِكُونَ أنَّ الجِنَّ يَعْلَمُونَ الغَيْبَ فَلِذَلِكَ كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَعْلِمُونَ المُغَيَّباتِ مِنَ الكُهّانِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ لِكُلِّ كاهِنٍ جِنِّيًّا يَأْتِيهِ بِأخْبارِ الغَيْبِ، ويُسَمُّونَهُ رَئِيًّا إذْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَكانَ أنْ يَعْلَمُوا وفاةَ سُلَيْمانَ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ.

سبأ 34:15

﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ جَرَّ خَبَرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى ذِكْرِ سَبَأٍ لِما بَيْنَ مُلْكِ سُلَيْمانَ وبَيْنَ مَمْلَكَةِ سَبَأٍ مِنَ الِاتِّصالِ بِسَبَبِ قِصَّةِ بِلْقِيسٍ، ولِأنَّ في حالِ أهْلِ سَبَأٍ مُضادَّةً لِأحْوالِ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ كانَ هَذانِ مَثَلًا في إسْباغِ النِّعْمَةِ عَلى الشّاكِرِينَ، وكانَ أُولَئِكَ مَثَلًا لِسَلْبِ النِّعْمَةِ عَنِ الكافِرِينَ، وفِيهِمْ مَوْعِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ كانُوا في بُحْبُوحَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنَ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم بِرَبِّهِمْ ويُوقِظُهم بِأنَّهم خاطِئُونَ إذْ عَبَدُوا غَيْرَهُ، كَذَّبُوهُ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ في دَلالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَلى المُنْعِمِ المُتَفَرِّدِ بِالإلَهِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلًا﴾ [سبإ: ١٠] لَمّا فَرَغَ التَّمْثِيلُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ رَجَعَ التَّمْثِيلُ لَهم أيِ المُشْرِكِينَ أيْ حالِهِمْ بِسَبَأٍ وما كانَ مِن هَلاكِهِمْ بِالكُفْرِ والعُتُوِّ اهـ. فَهَذِهِ القِصَّةُ تَمْثِيلُ أُمَّةٍ بِأُمَّةٍ، وبِلادٍ بِأُخْرى، وذَلِكَ مِن قِياسٍ وعِبْرَةٍ. وهي فائِدَةُ تَدْوِينِ التّارِيخِ وتَقَلُّباتِ الأُمَمِ كَما قالَ تَعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ﴿ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾ [النحل: ١١٣] فَسَوْقُ هَذِهِ القِصَّةِ تَعْرِيضٌ بِأشْباهِ سَبَأٍ. والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في حالِ مَساكِنِهِمْ ونِظامِ بِلادِهِمْ آيَةٌ. صفحة ١٦٦ والآيَةُ هُنا: الأمارَةُ والدَّلالَةُ بِتَبَدُّلِ الأحْوالِ وتَقَلُّبِ الأزْمانِ، فَهي آيَةٌ عَلى تَصَرُّفِ اللَّهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الآيَةِ فَأشْرَكُوا بِهِ وقَدْ كانَ في إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ ما هو دَلِيلٌ عَلى وُجُودِهِ ثُمَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ. والتَّأْكِيدُ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ بِالتَّعْرِيضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ مَنزِلَةَ مَن يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ لِعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِحالِ قَوْمٍ مِن أهْلِ بِلادِهِمْ، وتَجْرِيدُ (كانَ) مِن تَأْنِيثِ الفِعْلِ لِأنَّ اسْمَها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِلتَّأْنِيثِ ولِوُقُوعِ الفَصْلِ المَجْرُورِ. واللّامُ في لِسَبَأٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ آيَةٌ. والمَساكِنُ: البِلادُ الَّتِي يَسْكُنُونَها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ والمَساكِنُ: دِيارُ السُّكْنى. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى سَبَأٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَأٍ في سُورَةِ النَّمْلِ. واسْمُ سَبَأٍ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ كَما هُنا وعَلى بِلادِهِمْ كَما في آيَةِ النَّمْلِ وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ في مَساكِنِهِمْ بِصِيغَةِ جَمْعِ مَسْكَنٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِلَفْظِ المُفْرَدِ ”في مَسْكَنِهِمْ“ إلّا أنَّ حَمْزَةَ وحَفْصًا فَتَحا الكافَ، والكِسائِيَّ وخَلَفًا كَسَرا الكافَ وهو خارِجٌ عَنِ القِياسِ لِأنَّهُ مُضارِعٌ غَيْرُ مَكْسُورِ العَيْنِ، فَحَقُّ اسْمِ المَكانِ مِنهُ فَتْحُ العَيْنِ. وشَذَّ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدٌ لِبَيْتِ الصَّلاةِ. و”جَنَّتانِ“ بَدَلٌ مِن ”آيَةٌ“ بِاعْتِبارِ تَكْمِلَتِهِ بِما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُتَعَلِّقِ والقَوْلُ المُقَدَّرُ وجَنَّتانِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ في مَساكِنِهِمْ شَبِيهُ جَنَّتَيْنِ في أنَّهُ مُغْتَرَسُ أشْجارٍ ذاتِ ثَمَرٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مِثْلَ ما يُعْرَفُ مِن حالِ الجَنّاتِ، وتَثْنِيَةُ جَنَّتَيْنِ بِاعْتِبارٍ أنَّ ما عَلى يَمِينِ السّائِرِ كَجَنَّةٍ، وما عَلى يَسارِهِ كَجَنَّةٍ. وقِيلَ كانَ لِكُلِّ رَجُلٍ في مَسْكَنِهِ - أيْ دارِهِ - جَنَّتانِ جَنَّةٌ عَنْ يَمِينِ المَسْكَنِ وجَنَّةٌ عَنْ شِمالِهِ فَكانُوا يَتَفَوَّؤُونَ ظِلالَهُما في الصَّباحِ والمَساءِ ويَجْتَنُونَ ثِمارَها مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وغَيْرِها، فَيَكُونُ مَعْنى التَّرْكِيبِ عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ: لِكُلِّ مَسْكَنٍ جَنَّتانِ، كَقَوْلِهِمْ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، وهَذا مُناسِبٌ لِقَوْلِهِ في مَساكِنِهِمْ دُونَ أنْ يَقُولَ في بِلادِهِمْ، أوْ دِيارِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ مَدِينَتَهم وهي مَأْرِبُ كانَتْ مَحْفُوفَةً صفحة ١٦٧ عَلى يَمِينِها وشِمالِها بِغابَةٍ مِنَ الجَنّاتِ يَصْطافُونَ فِيها ويَسْتَثْمِرُونَها مِثْلَ غُوطَةِ دِمَشْقَ، وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ بَعْدَ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦] لِأنَّ ظاهِرَهُ أنَّ المُبَدَّلَ بِهِ جَنَّتانِ اثْنَتانِ، إلّا أنْ تَجْعَلَهُ عَلى التَّوْزِيعِ مِن مُقابَلَةِ المُتَعَدِّدِ بِالمُتَعَدِّدِ. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا أهْلَ جَنّاتٍ مَغْرُوسَةٍ أشْجارًا مُثْمِرَةً وأعْنابًا. وكانَتْ مَدِينَتُهم مَأْرِبُ (بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ المِيمِ) وهي بَيْنَ صَنْعاءَ وحَضْرَمَوْتَ، قِيلَ كانَ السّائِرُ في طَرائِقِها لَوْ وضَعَ عَلى رَأْسِهِ مِكْتَلًا لَوَجَدَهُ قَدْ مُلِئَ ثِمارًا مِمّا يَسْقُطُ مِنَ الأشْجارِ الَّتِي يَسِيرُ تَحْتَها. ولَعَلَّ في هَذا القَوْلِ شَيْئًا مِنَ المُبالَغَةِ إلّا أنَّها تُؤْذِنُ بِوَفْرَةٍ. وكانَ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَدْبِيرٍ ألْهَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ في اخْتِزانِ المِياهِ النّازِلَةِ في مَواسِمِ المَطَرِ بِما بَنَوْا مِنَ السَّدِّ العَظِيمِ في مَأْرِبَ. وجُمْلَةُ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم مَقُولُ قَوْلٍ إمّا مِن دَلالَةِ لِسانِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي وإمّا أبْلَغُوهُ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِياءَ بُعِثُوا مِنهم قِيلَ بُعِثَ فِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَبِيئًا، أيْ مِثْلُ تُبَّعِ أسْعَدَ، فَقَدْ نُقِلَ أنَّهُ كانَ نَبِيئًا كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَوْمَ تُبَّعٍ﴾ [ق: ١٤] أوْ غَيْرُهُ، قالَ تَعالى ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، أوْ مِن غَيْرِهِمْ مِمّا قالَهُ سُلَيْمانُ بَلْقِيسَ أوْ مِمّا قالَهُ الصّالِحُونَ مِن رُسُلِ سُلَيْمانَ إلى سَبَأٍ، وفي جَعْلِ جَنَّتانِ في نَظْمِ الكَلامِ بَدَلًا عَنْ آيَةٍ كِنايَةٌ عَنْ طِيبِ تُرْبَةِ بِلادِهِمْ. قِيلَ كانُوا يَزْرَعُونَ ثَلاثَ مَرّاتٍ في كُلِّ عامٍ. والطَّيِّبَةُ: الحَسَنَةُ في جِنْسِها المُلائِمَةُ لِمُزاوِلِها ومُسْتَثْمِرِها قالَ تَعالى ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢] وقالَ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] وقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] . وفي «حَدِيثِ أبِي طَلْحَةَ في صَدَقَتِهِ بِحائِطِ بِئْرِ حاءٍ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ» . والطَّيِّبُ ضِدُّ الخَبِيثِ قالَ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقالَ ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . صفحة ١٦٨ واشْتِقاقُهُ مِنَ الطِّيبِ - بِكَسْرِ الطّاءِ بِوَزْنِ فِعْلٍ - وهو الشَّيْءُ الَّذِي تَعْبَقُ مِنهُ رائِحَةٌ لَذِيذَةٌ. وجُمْلَةُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ مِن تَمامِ القَوْلِ وهي مُسْتَأْنَفَةٌ في الكَلامِ المَقُولِ، أيْ بَلْدَةٌ لَكم طَيِّبَةٌ، وتَنْكِيرُ بَلْدَةٍ لِلتَّعْظِيمِ. وبَلْدَةٌ مُبْتَدَأٌ وطَيِّبَةٌ نَعْتٌ لِـ (بَلْدَةٌ)، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَكم، وعَدَلَ عَنْ إضافَةِ بَلْدَةٍ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ خَفِيفَةً عَلى اللِّسانِ فَتَكُونَ بِمَنزِلَةِ المَثَلِ. وجُمْلَةُ ”ورَبٌّ غَفُورٌ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ“ . وتَنْكِيرُ ”رَبٌّ“ لِلتَّعْظِيمِ. وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ عَلى وِزانِ ”بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ“، والتَّقْدِيرُ: ورَبٌّ لَكم، أيْ رَبُّكم غَفُورٌ. والعُدُولُ عَنْ إضافَةِ ”رَبٌّ“ لِضَمِيرِ المُخاطَبِينَ إلى تَنْكِيرِ ”رَبٌّ“ وتَقْدِيرُ لامِ الِاخْتِصاصِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِهِمْ بِهَذا الِاخْتِصاصِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ عَلى وِزانِ الَّتِي قَبْلَها طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ ولِتَحْصُلَ المُزاوَجَةُ بَيْنَ الفِقْرَتَيْنِ فَتُسَيَّرا مَسِيرَ المَثَلِ. ومَعْنى ”غَفُورٌ“: مُتَجاوِزٌ عَنْكم، أيْ عَنْ كُفْرِهِمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ إيمانِ بِلْقِيسَ بِدِينِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولا يُعْلَمُ مِقْدارُ مُدَّةِ بَقائِهِمْ عَلى الإيمانِ.

سبأ 34:16

﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ واشْكُرُوا لَهُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ أجْزاءِ القِصَّةِ الَّتِي بَقِيَّتُها قَوْلُهُ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى﴾ [سبإ: ١٨] الَخْ. وهو اعْتِراضٌ بِالفاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ. والإعْراضُ يَقْتَضِي سَبْقَ دَعْوَةِ رَسُولٍ أوْ نَبِيٍّ، والمَعْنى: أعْرَضُوا عَنِ الِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ بِالعَوْدَةِ إلى عِبادَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ أنْ أقْلَعُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ وبِلْقِيسَ فَلَعَلَّ بِلْقِيسَ كانَتْ حَوَّلَتْهم مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ فَقَطْ فَقَدْ كانَتِ الأُمَمُ تَتَّبِعُ أدْيانَ مُلُوكِهِمْ وقَدْ قِيلَ إنَّ بِلْقِيسَ لَمْ تُعَمِّرْ بَعْدَ زِيارَةِ سُلَيْمانَ إلّا بِضْعَ سِنِينَ صفحة ١٦٩ والإرْسالُ: الطَّلاقُ وهو ضِدُّ الحَبْسِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”عَلى“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ إرْسالُ نِقْمَةٍ فَإنَّ سَيْلَ العَرِمِ كانَ مَحْبُوسًا بِالسَّدِّ في مَأْرِبَ فَكانُوا يُرْسِلُونَ مِنهُ بِمِقْدارِ ما يَسْقُونَ جَنّاتِهِمْ، فَلَمّا كَفَرُوا بِاللَّهِ بَعْدَ الدَّعْوَةِ لِلتَّوْحِيدِ قَدَّرَ اللَّهُ لَهم عِقابًا بِأنْ قَدَّرَ أسْبابَ انْهِدامِ السَّدِّ فانْدَفَعَ ما فِيهِ مِنَ الماءِ فَكانَ لَهم خَطَرًا وإتْلافًا لِلْأنْعامِ والأشْجارِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ جَفافٌ بِاخْتِلافِ نِظامِ تَساقُطِ الأمْطارِ وانْعِدامِ الماءِ وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وهَذا جَزاءٌ عَلى إعْراضِهِمْ وشِرْكِهِمْ. والعَرِمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفًا مِنَ العَرامَةِ وهي الشِّدَّةُ والكَثْرَةُ فَتَكُونُ إضافَةُ السَّيْلِ إلى العَرِمِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَرِمُ اسْمًا لِلسَّيْلِ الَّذِي كانَ يَنْصَبُّ في السَّدِّ فَتَكُونُ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المُسَمّى إلى الِاسْمِ، أيِ السَّيْلُ العَرِمُ. وكانَتْ لِلسُّيُولِ والأوْدِيَةِ في بِلادِ العَرَبِ أسْماءٌ كَقَوْلِهِمْ: سَيْلُ مَهْزُورٍ ومُذَيْنِيبٍ الَّذِي كانَتْ تُسْقى بِهِ حَدائِقُ المَدِينَةِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: ومَأْرِبُ عَفّى عَلَيْها العَرِمُ وقِيلَ: العَرِمُ: اسْمُ جَمْعِ (عَرَمَةٍ) بِوَزْنِ شَجَرَةٍ، وقِيلَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهو ما بُنِيَ لِيُمْسِكَ الماءَ، لُغَةٌ يَمَنِيَّةٌ وحَبَشِيَّةٌ. وهي المَسْناةُ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، والمَسْناةُ بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ الَّتِي هي اسْمُ الآلَةِ مُشْتَقٌّ مِن سَنَيْتُ بِمَعْنى سَقَيْتُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ السّاقِيَةُ سانِيَةً وهي الدَّلْوُ المُسْتَقى بِهِ والإضافَةُ عَلى هَذَيْنِ أصِيلَةٌ. والمَعْنى: أرْسَلْنا السَّيْلَ الَّذِي كانَ مَخْزُونًا بِالسَّدِّ. وكانَ لِأهْلِ سَبَأٍ سَدٌّ عَظِيمٌ قُرْبَ بِلادِ مَأْرِبَ (ومَأْرِبُ مِن كُوَرِ اليَمَنِ) وكانَ أعْظَمَ السِّدادِ في بِلادِ اليَمَنِ الَّتِي كانَتْ فِيها سِدادٌ كَثِيرَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ وكانُوا جَعَلُوا هَذِهِ السِّدادَ لِخَزْنِ الماءِ الَّذِي تَأْتِي بِهِ السُّيُولُ في وقْتِ نُزُولِ الأمْطارِ في الصَّيْفِ والخَرِيفِ، فَكانُوا يَعْمِدُونَ إلى مَمَرّاتِ السُّيُولِ مِن بَيْنِ الجِبالِ فَيَبْنُونَ في مَمَرِّ الماءِ سُورًا مِن صُخُورٍ يَبْنُونَها بِناءً مُحْكَمًا يَصُبُّونَ في الشُّقُوقِ الَّتِي بَيْنَ الصُّخُورِ القارَ حَتّى تَلْتَئِمَ فَيَنْحَبِسَ الماءُ الَّذِي يَسْقُطُ هُنالِكَ حَتّى إذا امْتَلَأ الخَزّانُ جَعَلُوا بِجانِبَيْهِ صفحة ١٧٠ جَوابِيَ عَظِيمَةً يَصُبُّ فِيها الماءُ يَفِيضُ مِن أعْلى السَّدِّ فَيُقِيمُونَ مِن ذَلِكَ ما يَسْتَطِيعُونَ مِن تَوْفِيرِ الماءِ المُخْتَزَنِ. وكانَ سَدُّ مَأْرِبَ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ سَيْلُ العَرِمِ شَرَعَ في بِنائِهِ سَبَأُ أوَّلُ مُلُوكِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولَمْ يُتِمَّهُ فَأتَمَّهُ ابْنُهُ حِمْيَرُ. وأمّا ما يُقالُ مِن أنَّ بِلْقِيسَ بَنَتْهُ فَذَلِكَ اشْتِباهٌ إذْ لَعَلَّ بِلْقِيسَ بَنَتْ حَوْلَهُ خَزّاناتٍ أُخْرى فَرْعِيَّةً أوْ رَمَّمَتْ بِناءَهُ تَرْمِيمًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ البِناءِ، فَقَدْ كانُوا يَتَعَهَّدُونَ تِلْكَ السِّدادَ بِالإصْلاحِ والتَّرْمِيمِ كُلَّ سَنَةٍ حَتّى تَبْقى تُجاهَ قُوَّةِ السُّيُولِ السّاقِطَةِ فِيها. وكانُوا يَجْعَلُونَ لِلسَّدِّ مَنافِذَ مُغْلَقَةً يُزِيلُونَ عَنْها السَّكْرَ إذا أرادُوا إرْسالَ الماءِ إلى الجِهاتِ المُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُسْقى مِنهُ إذْ جَعَلُوا جَنّاتِهِمْ حَوْلَ السَّدِّ مُجْتَمِعَةً. وكانَ يَصُبُّ في سَدِّ مَأْرِبَ سَبْعُونَ وادِيًا. وجَعَلُوا هَذا السَّدَّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يُعْرَفُ كِلاهُما بِالبَلَقِ فَهُما البَلَقُ الأيْمَنُ والبَلَقُ الأيْسَرُ. وأعْظَمُ الأوْدِيَةِ الَّتِي كانَتْ تَصُبُّ فِيهِ اسْمُهُ ”إذْنَهْ“ فَقالُوا: إنَّ الأوْدِيَةَ كانَتْ تَأْتِي إلى سَبَأٍ مِنَ الشَّجَرِ وأوْدِيَةِ اليَمَنِ. وهَذا السَّدُّ حائِطٌ طُولُهُ مِنَ الشَّرْقِ إلى الغَرْبِ ثَمانُمِائَةِ ذِراعٍ وارْتِفاعُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ ذِراعًا وعَرْضُهُ مِائَةٌ وخَمْسُونَ ذِراعًا. وقَدْ شاهَدَهُ الحَسَنُ الهَمَدانِيُّ ووَصَفَهُ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالإكْلِيلِ وهو مِن أهْلِ أوائِلِ القَرْنِ الرّابِعِ بِما سَمِعْتُ حاصِلَهُ. ووَصَفَهُ الرَّحّالَةُ (أرْنُو) الفَرَنْسِيُّ سَنَةَ ١٨٨٣ والرَّحّالَةُ غِلازُرُ الفَرَنْسِيُّ. ولا يُعْرَفُ وقْتُ انْهِدامِ هَذا السَّدِّ ولا أسْبابُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ انْهِدامِهِ اشْتِغالُ مُلُوكِهِمْ بِحُرُوبٍ داخِلِيَّةٍ بَيْنَهم ألْهَتْهم عَنْ تَفَقُّدِ تَرْمِيمِهِ حَتّى تَخَرَّبَ، أوْ يَكُونُ قَدْ خَرَّبَهُ بَعْضُ مَن حارَبَهم مِن أعْدائِهِمْ، وأمّا ما يُذْكَرُ في القَصَصِ مِن أنَّ السَّدَّ خَرَّبَتْهُ الجُرْذانُ فَذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ. وفِي العَرِمِ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: مِن سَبَأِ الحاضِرِينَ مَأْرِبُ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِهِ العَرِما صفحة ١٧١ والتَّبْدِيلُ: تَعْوِيضُ شَيْءٍ بِآخَرَ وهو يَتَعَدّى إلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ وإلى المَبْذُولِ بِالباءِ وهي باءُ العِوَضِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ في سُورَةِ النِّساءِ. فالمَعْنى: أعْطَيْناهم أشْجارَ خَمْطٍ وأثْلٍ وسِدْرٍ عِوَضًا عَنْ جَنَّتَيْهِمْ، أيْ صارَتْ بِلادُهم صَحْراءَ قاحِلَةً لَيْسَ فِيها إلّا شَجَرُ العِضاةِ والبادِيَةِ، وفِيما بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ أحْوالٌ عَظِيمَةٌ انْتابَتْهم فَقاسَوُا العَطَشَ وفِقْدانَ الثِّمارِ حَتّى اضْطُرُّوا إلى مُفارَقَةِ تِلْكَ الدِّيارِ فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ النِّهايَةُ دالَّةً عَلى تِلْكَ الأحْوالِ طُوِيَ ذِكْرُ ما قَبْلَها واقْتُصِرَ عَلى وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ إلى آخِرِهِ. وإطْلاقُ اسْمِ الجَنَّتَيْنِ عَلى هَذِهِ المَنابِتِ مُشاكَلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكُمُ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَةً طَحُونا وقَوْلِهِ تَعالى ”فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ“ . وقَدْ وصَفَ الأعْشى هَذِهِ الحالَةَ بَدْءًا ونِهايَةً بِقَوْلِهِ: وفِي ذاكَ لِلْمُؤْنِسِي عِبْرَةٌ ∗∗∗ ومَأْرِبُ عَفّى عَلَيْهِ العَرِمْ رُخامٌ بَنَتْهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ فَأرْوى الزُّرُوعَ وأعْنابَها ∗∗∗ عَلى سَعَةٍ ماؤُهم إذا قُسِمْ فَعاشُوا بِذَلِكَ في غِبْطَةٍ ∗∗∗ فَحارَبَهم جارِفٌ مُنْهَزِمْ فَطارَ القُيُولَ وقِيلاتِها ∗∗∗ بِبَهْماءَ فِيها سَرابٌ يَطُمْ فَطارُوا سِراعًا وما يَقْدِرُو ∗∗∗ نَ مِنهُ لِشُرْبِ صَبِيٍّ فُطِمْ والخَمْطُ: شَجَرُ الأراكِ. ويُطْلَقُ الخَمْطُ عَلى الشَّيْءِ المُرِّ. والأثْلُ: شَجَرٌ عَظِيمٌ مِن شَجَرِ العِضاهِ يُشْبِهُ الطَّرْفاءَ. والسِّدْرُ: شَجَرٌ مِنَ العِضاهِ أيْضًا لَهُ شَوْكٌ يُشْبِهُ شَجَرَ العُنّابِ. وكُلُّها تَنْبُتُ في الفَيافِي. والسِّدْرُ: أكْثَرُها ظِلًّا وأنْفَعُها لِأنَّهُ يُغْسَلُ بِوَرَقِهِ مَعَ الماءِ فَيَنْظُفُ وفِيهِ رائِحَةٌ حَسَنَةٌ ولِذَلِكَ وُصِفَ هُنا بِالقَلِيلِ لِإفادَةِ أنَّ مُعْظَمَ شَجَرِهِمْ لا فائِدَةَ مِنهُ، وزِيدَ صفحة ١٧٢ تَقْلِيلُهُ قِلَّةً بِذِكْرِ كَلِمَةِ شَيْءٍ المُؤْذِنَةِ في ذاتِها بِالقِلَّةِ، يُقالُ شَيْءٌ مِن كَذا، إذا كانَ قَلِيلًا. وفِي القُرْآنِ وما أغْنى عَنْكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. والأُكْلُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ وبِضَمِّ الكافِ: المَأْكُولُ. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ بِضَمِّ الكافِ وقَرَأ الجُمْهُورُ أُكْلٍ بِالتَّنْوِينِ مَجْرُورًا فَإذا كانَ خَمْطٌ مُرادًا بِهِ الشَّجَرُ المُسَمّى بِالخَمْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَمْطٌ صِفَةً لِـ ”أُكْلٍ“ لِأنَّ الخَمْطَ شَجَرٌ، ولا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”أُكْلٍ“ كَذَلِكَ، ولا عَطْفَ بَيانٍ كَما قَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ كالبَدَلِ المُطابِقِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ خَمْطٌ هُنا صِفَةً يُقالُ: شَيْءٌ خامِطٌ إذا كانَ مُرًّا. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ ”أُكُلِ“ بِالإضافَةِ إلى خَمْطٍ، فالخَمْطُ إذَنْ مُرادٌ بِهِ شَجَرُ الأراكِ، وأُكْلُهُ ثَمَرُهُ وهو البَرِيرُ وهو مُرُّ الطَّعْمِ. ومَعْنى ”ذَواتَيْ أُكْلٍ“ صاحِبَتَيْ أُكْلٍ فَـ (ذَواتُ) جَمْعُ ذاتٍ الَّتِي بِمَعْنى صاحِبَةٍ، وهي مُؤَنَّثُ ذُو بِمَعْنى صاحِبٍ، وأصْلُ ذاتٍ ذَواةٌ بَهاءِ التَّأْنِيثِ مِثْلُ نَواةٍ ووَزْنُها فَعَلَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ ولامُها واوٌ، فَأصْلُها ذَوَوَةٌ فَلَمّا تَحَرَّكَتِ الواوُ إثْرَ فَتْحَةٍ قُلِبَتْ ألِفًا ثُمَّ خَفَّفُوها في حالِ الإفْرادِ بِحَذْفِ العَيْنِ فَقالُوا: ذاتٌ. فَوَزْنُها فَلَتْ أوْ فَلَهْ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: أصْلُ التّاءِ في (ذاتِ) هاءٌ مِثْلَ نَواةٍ لِأنَّكَ إذا وقَفْتَ عَلَيْها في الواحِدِ قُلْتَ: ذاهْ بِالهاءِ، ولَكِنَّهم لَمّا وصَلُوا بِما بَعْدَها بِالإضافَةِ صارَتْ تاءً ويَدُلُّ لِكَوْنِ أصْلِها هاءً أنَّهُ إذا صُغِّرَ يُقالُ: ذُوَيْهِ بِهاءِ التَّأْنِيثِ اهـ. ولَمْ يُبَيِّنْ أئِمَّةُ اللُّغَةِ وجْهَ هَذا الإبْدالِ ولَعَلَّهُ لِكَوْنِ الكَلِمَةِ بُنِيَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وألِفٍ هي مَدَّةُ الفَتْحَةِ فَكانَ النُّطْقُ بِالهاءِ بِعْدَهُما ثَقِيلًا في حالِ الوَقْفِ، ثُمَّ لَمّا ثَنَّوْها رَدُّوها إلى أصْلِها لِأنَّ التَّثْنِيَةَ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها فَقالُوا: ذَواتا كَذا، وحُذِفَتِ النُّونُ لِلُزُومِ إضافَتِهِ، وأصْلُهُ: ذُوَيّاتٌ. فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ووَزْنُهُ فَعَلَتانِ وصارَ وزْنُهُ بَعْدَ القَلْبِ فَعاتانِ وإذا جَمَعُوها عادُوا إلى الحَذْفِ فَقالُوا ذَواتُ كَذا بِمَعْنى صاحِباتٍ، وأصْلُهُ ذُوَيّاتٌ فَقُلِبَ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، صفحة ١٧٣ فَأصْلُ وزْنِ ذَواتَيْ فَعَلاتٌ ثُمَّ صارَ وزْنُهُ بَعْدَ القَلْبِ فَعاتٍ، وهو مِمّا أُلْحِقَ بِجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ لِأنَّ تاءَهُ في المُفْرَدِ أصْلُها هاءٌ، وأمّا تاؤُهُ في الجَمْعِ فَهي تاءٌ صارَتْ عِوَضًا عَنِ الهاءِ الَّتِي في المُفْرَدِ عَلى سُنَّةِ الجَمْعِ بِألِفٍ وتاءٍ.

سبأ 34:17

﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ يُجازى إلّا الكُفُورُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ فَهو مِن تَمامِ الِاعْتِراضِ. واسْمُ الإشارَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الجَزاءِ، وهو مِنَ البَيانِ بِطْرِيقِ الإشارَةِ، أيْ جَزَيْناهُمُ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ وهو ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّبْدِيلِ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِشِدَّةِ ذَلِكَ الجَزاءِ. واسْتِحْضارُهُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِن عَظَمَةِ هَوْلِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وتَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ إلى قَوْلِهِ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ ويَكُونُ جُمْلَةُ ”جَزَيْناهم“ خَبَرَ المُبْتَدَأِ والرّابِطُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: جَزَيْناهُمُوهُ. والباءُ في ”بِما كَفَرُوا“ لِلسَّبَبِيَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. والكُفْرُ هو الكُفْرُ بِاللَّهِ، أيْ: إنْكارُ إلَهِيَّتِهِ لِأنَّهم عَبْدَةُ الشَّمْسِ. والِاسْتِفْهامُ في ”وهَلْ يُجازى“ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ. والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ويَعْبُدُونَ الشَّمْسَ فَهم أسْوَأُ حالًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ. والمَعْنى: ما يُجازى ذَلِكَ الجَزاءُ إلّا الكَفُورُ لِأنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ عَظِيمٌ في نَوْعِهِ، أيْ نَوْعِ العُقُوباتِ فَإنَّ العُقُوبَةَ مِن جِنْسِ الجَزاءِ. والمَثُوبَةَ مِن جِنْسِ الجَزاءِ فَلَمّا قِيلَ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ: وهَلْ يُجازى مِثْلَ جَزائِهِمْ إلّا الكَفُورُ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَ الكَفُورِ لا يُجازى عَلى فِعْلِهِ، ولا أنَّ الثَّوابَ لا يُسَمّى جَزاءً ولا أنَّ العاصِيَ المُؤْمِنَ لا يُجازى عَلى مَعْصِيَتِهِ، لِأنَّ تِلْكَ التَّوَهُّماتِ صفحة ١٧٤ كُلَّها مُنْدَفِعَةٌ بِما في اسْمِ الإشارَةِ مِن بَيانِ نَوْعِ الجَزاءِ، فَإنَّ الِاسْتِئْصالَ ونَحْوَهُ لا يَجْرِي عَلى المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يُجازى بِياءِ الغائِبِ والبِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ الكَفُورِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِنُونِ العَظَمَةِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”الكَفُورَ“ .

سبأ 34:18

﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ تَكْمِلَةُ القِصَّةِ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ بَعْدَ نِعْمَةٍ فَإنَّ ما تَقَدَّمَ لِنِعْمَةِ الرَّخاءِ والبَهْجَةِ وطِيبِ الإقامَةِ، وما هُنا لِنِعْمَةِ الأمْنِ وتَيْسِيرِ الأسْفارِ وعُمْرانِ بِلادِهِمْ. والمُرادُ بِالقُرى الَّتِي بُورِكَتْ قُرى بِلادِ الشّامِ فَكانُوا إذا خَرَجُوا مِن مَأْرِبَ إلى البِلادِ الشّامِيَّةِ بِقَوافِلَ لِلتِّجارَةِ وبَيْعِ الطَّعامِ سَلَكُوا طَرِيقَ تِهامَةَ ثُمَّ الحِجازِ ثُمَّ مَشارِفِ الشّامِ ثُمَّ بِلادِ الشّامِ، فَكانُوا كُلَّما سارُوا مَرْحَلَةً وجَدُوا قَرْيَةً أوْ بَلَدًا أوْ دارًا لِلِاسْتِراحَةِ اسْتَراحُوا وتَزَوَّدُوا. فَكانُوا مِن أجْلِ ذَلِكَ لا يَحْمِلُونَ مَعَهم أزْوادًا إذا خَرَجُوا مِن مَأْرِبَ. وهَذِهِ القُرى الظّاهِرَةُ يُحْتَمَلُ أنَّها تَكَوَّنَتْ مِن عَمَلِ النّاسِ القاطِنِينَ حَفافِي الطَّرِيقِ السّابِلَةِ بَيْنَ مَأْرِبَ وجِلَّقَ قَصْدَ اسْتِجْلابِ الِانْتِفاعِ بِنُزُولِ القَوافِلِ بَيْنَهم وابْتِياعِ الأزْوادِ مِنهم وإيصالِ ما تَحْتاجُهُ تِلْكَ القُرى مِنَ السِّلَعِ والثِّمارِ وهَذِهِ طَبِيعَةُ العُمْرانِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ سَبَأً أقامُوا مَبانِيَ يَأْوُونَ إلَيْها عِنْدَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِن مَراحِلِ أسْفارِهِمْ واسْتَنْبَطُوا فِيها الآبارَ والمَصانِعَ وأوْكَلُوا بِها مَن يَحْفَظُها ويَكُونُ لائِذًا بِهِمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ ما وطَّدَ لَهم مُلُوكُهم مِن أسْبابِ الحَضارَةِ والأمْنِ عَلى القَوافِلِ وقَدْ تَكُونُ إقامَةُ هاتِهِ المَنازِلِ مَجْلَبَةً لِمَن يَقْطُنُونَ حَوْلَها مِمَّنْ يَرْغَبُ في المُعامَلَةِ مَعَ القافِلَةِ عِنْدَ مُرُورِها. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَإسْنادُ جَعْلِ تِلْكَ القُرى إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ المُلْهِمُ النّاسَ والمُلُوكَ صفحة ١٧٥ أوْ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ لَهم تُرْبَةً طَيِّبَةً تَتَوَفَّرُ مَحاصِيلُها عَلى حاجَةِ السُّكّانِ فَتَسْمَحُ لَهم بِتَطَلُّبِ تَرْوِيجِها في بِلادٍ أُخْرى. ووَصْفُ ”ظاهِرَةً“ أنَّها مُتَقارِبَةٌ بِحَيْثُ يَظْهَرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ ويَتَراءى بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقِيلَ: الظّاهِرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ لِلسّائِرِ مِن بُعْدٍ بِأنْ كانَتِ القُرى مَبْنِيَّةٌ عَلى الآكامِ والظِّرابِ يُشاهِدُها المُسافِرُ فَلا يَضِلُّ طَرِيقَها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى ”ظاهِرَةً“ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ المُدُنِ فَهي في ظَواهِرِ المُدُنِ ومِنهُ قَوْلُهم: نَزَلْنا بِظاهِرِ المَدِينَةِ الفُلانِيَّةِ، أيْ خارِجًا عَنْها. فَقَوْلُهُ ظاهِرَةً كَتَسْمِيَةِ النّاسِ إيّاها بِالبادِيَةِ وبِالضّاحِيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وأنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ: فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَّواهِرِ وفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: «وجاءَ أهْلُ الظَّواهِرِ يَشْتَكُونَ الغَرَقَ» اهـ. وهو تَفْسِيرٌ جَمِيلٌ. ويَكُونُ في قَوْلِهِ ”ظاهِرَةً“ عَلى ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ وفْرَةِ المُدُنِ حَتّى إنَّ القُرى كُلَّها ظاهِرَةٌ مِنها. ومَعْنى تَقْدِيرِ السَّيْرِ في القُرى أنَّ أبْعادَها عَلى تَقْدِيرٍ وتَعادُلٍ بِحَيْثُ لا يَتَجاوَزُ مِقْدارٌ مَرْحَلَةً. فَكانَ الغادِي يُقِيلُ في قَرْيَةٍ والرّائِحُ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ. فالمَعْنى قَدَّرْنا مَسافاتِ السَّيْرِ في القُرى، أيْ في أبْعادِها. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ فِيها بِفِعْلِ قَدَّرْنا لا بِالسَّيْرِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ في القُرى وأبْعادِها لا في السَّيْرِ إذْ تَقْدِيرُ السَّيْرِ تَبَعٌ لِتَقْدِيرِ الأبْعادِ. وجُمْلَةُ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. وجُمْلَةُ القَوْلِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”قَدَّرْنا“ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها. وهَذا القَوْلُ هو قَوْلُ التَّكْوِينِ وهو جَعْلُها يَسِيرُونَ فِيها وصِيغَةُ الأمْرِ لِلتَّكْوِينِ. وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى القُرى، والظَّرْفِيَّةُ المُسْتَفادَةُ مِن حَرْفِ الظَّرْفِ تَخْيِيلٌ لِمَكْنِيَّةٍ، شَبِهَتِ القُرى لِشِدَّةِ تَقارُبِها بِالظَّرْفِ وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِ ورُمِزَ إلَيْهِ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ. والمَعْنى: سِيرُوا بَيْنَها. وكانُوا يَسِيرُونَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَسِيرُونَ الصَّباحَ ثُمَّ تَعْتَرِضُهم قَرْيَةٌ فَيُرِيحُونَ فِيها صفحة ١٧٦ ويُقِيلُونَ، ويَسِيرُونَ المَساءَ فَتَعْرِضُهم قَرْيَةٌ يَبِيتُونَ بِها. فَمَعْنى قَوْلِهِ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا سِيرُوا كَيْفَ شِئْتُمْ. وتَقْدِيمُ اللَّيالِي عَلى الأيّامِ بِها في مَقامِ الِامْتِنانِ لِأنَّ المُسافِرِينَ أحْوَجُ إلى الأمْنِ في اللَّيْلِ مِنهم إلَيْهِ في النَّهارِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ تَعْتَرِضُهم فِيهِ القُطّاعُ والسِّباعُ.

سبأ 34:19

﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ الفاءُ مِن قَوْلِهِ ”فَقالُوا رَبَّنا“ لِتَعْقِيبِ قَوْلِهِمْ هَذا إثْرَ إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ بِاقْتِرابِ المُدُنِ وتَيْسِيرِ الأسْفارِ، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ فَلَمّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ بَطَرُوها فَحَلَّتْ بِهِمْ أسْبابُ سَلْبِها عَنْهم. ومِن أكْبَرِ أسْبابِ زَوالِ النِّعْمَةِ كُفْرانُها. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ الإسْكَنْدَرِيُّ: مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها ومَن شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها. والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ قالُوهُ جَوابًا عَنْ مَواعِظِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ مِنهم حِينَ يَنْهَوْنَهم عَنِ الشِّرْكِ فَهم يَعِظُونَهم بِأنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الرَّفاهِيَةِ فَهم يُجِيبُونَ بِهَذا القَوْلِ إفْحامًا لِدُعاةِ الخَيْرِ مِنهم عَلى نَحْوِ قَوْلِ كُفّارِ قُرَيْشٍ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، قَبْلَ هَذا ”فَأعْرَضُوا فَإنَّ الإعْراضَ يَقْتَضِي دَعْوَةً لِشَيْءٍ“ ويُفِيدُ هَذا المَعْنى قُوَّةً وظَلَمُوا أنْفُسَهم عَقِبَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ فَإنَّهُ إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ”فَقالُوا“، أيْ فَأعْقَبُوا ذَلِكَ بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ وبِالإشْراكِ فَإنَّ ظُلْمَ النَّفْسِ أُطْلِقَ كَثِيرًا عَلى الإشْراكِ في القُرْآنِ وما الإشْراكُ إلّا أعْظَمُ كُفْرانِ نِعْمَةِ الخالِقِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وظَلَمُوا أنْفُسَهم في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ قالُوا ذَلِكَ وقَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالشِّرْكِ فَكانَ قَوْلُهم مُقارِنًا لِلْإشْراكِ. وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ فَإنَّ العِقابَ إنَّما كانَ مُسَبَّبًا بِسَبَبَيْنِ كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ صفحة ١٧٧ ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبإ: ١٦] إلى قَوْلِهِ ”﴿إلّا الكُفُورُ﴾ [سبإ: ١٧]“ . فالمُسَبَّبُ عَلى الكُفْرِ هو اسْتِئْصالُهم وهو مَدْلُولُ قَوْلِهِ فَجَعَلْناهم أحادِيثَ كَما سَتَعْرِفُهُ، والمُسَبَّبُ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ تَقارُبِ البِلادِ هو تَمْزِيقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، أيْ تَفْرِيقُهم، فَنَظْمُ الكَلامِ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّقِ. ودَرَجَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهم دَعَوُا اللَّهَ بِذَلِكَ، ويُعَكِّرُ عَلَيْهِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُقِرِّينَ بِاللَّهِ فِيما يَظْهَرُ فَإنْ دَرَجْنا عَلى أنَّهم عَرَفُوا اللَّهَ ودَعَوْهُ بِهَذا الدُّعاءِ لِأنَّهم لَمْ يَقْدُرُوا نِعْمَتَهُ العَظِيمَةَ قَدْرَها فَسَألُوا اللَّهَ أنْ تَزُولَ تِلْكَ القُرى العامِرَةُ لِيَسِيرُوا في الفَيافِي ويَحْمِلُوا الأزْوادَ مِنَ المِيرَةِ والشَّرابِ. ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ هَذِهِ المَقالَةِ مِمَّنْ كانُوا أدْرَكُوا حالَةَ تَباعُدِ الأسْفارِ في بِلادِهِمْ قَبْلَ أنْ تَئُولَ إلى تِلْكَ الحَضارَةِ أوْ مِمَّنْ كانُوا يَسْمَعُونَ أحْوالَ الأسْفارِ الماضِيَةِ في بِلادِهِمْ أوْ أسْفارَ الأُمَمِ البادِيَةِ فَتَرُوقُ لَهم تِلْكَ الأحْوالُ، وهَذا مِن كُفْرِ النِّعْمَةِ النّاشِئِ عَنْ فَسادِ الذَّوْقِ في إدْراكِ المَنافِعِ وأضْدادِها. والمُباعَدَةُ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ القائِمَةِ مَقامَ هَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ والتَّضْعِيفِ. فالمَعْنى: رَبَّنا أبْعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا. وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وبَيْنَ خَطايايَ كَما باعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . وقَرَأهُ الجُمْهُورُ ”باعِدْ“ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عَمْرٍو ”بَعِّدْ“ بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ العَيْنِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ وحْدَهُ ”رَبُّنا“ بِالرَّفْعِ و”باعَدَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ وفَتْحِ الدّالِ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. والمَعْنى: أنَّهم تَذَمَّرُوا مِن ذَلِكَ العُمْرانِ واسْتَقَلُّوهُ، وطَلَبُوا أنْ تَزْدادَ البِلادُ قُرْبًا، وذَلِكَ مِن بَطَرِ النِّعْمَةِ بِطَلَبِ ما يُتَعَذَّرُ حِينَئِذٍ. والتَّرْكِيبُ يُعْطِي مَعْنى ”اجْعَلِ البُعْدَ بَيْنَ أسْفارِنا“ . ولَمّا كانَتْ ”بَيْنَ“ تَقْتَضِي أشْياءَ تَعَيَّنَ أنَّ المَعْنى: باعِدْ بَيْنَ السَّفَرِ والسَّفَرِ مِن أسْفارِنا. ومَعْنى ذَلِكَ إبْعادُ المَراحِلِ لِأنَّ كُلَّ مَرْحَلَةٍ تُعْتَبَرُ سَفَرًا، أيْ باعِدْ بَيْنَ مَراحِلِ أسْفارِنا. ومَعْنى فَجَعَلْناهم أحادِيثَ جَعَلْنا أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في الجَنّاتِ صفحة ١٧٨ وفِي بُحْبُوحَةِ العَيْشِ أحادِيثَ، أيْ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ فَصارَ وُجُودُهم في الأخْبارِ والقِصَصِ وأبادَهُمُ اللَّهُ حِينَ تَفَرَّقُوا بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ فَكانَ ذَلِكَ مُسْرِعًا فِيهِمْ بِالفَناءِ بِالتَّغَرُّبِ في الأرْضِ والفاقَةِ وتَسَلُّطِ العَوادِي عَلَيْهِمْ في الطُّرُقاتِ كَما سَنَعْلَمُهُ. وفِعْلُ الجَعْلِ يَقْتَضِي تَغْيِيرًا ولَمّا عَلَقَ بِذَواتِهِمُ انْقَلَبَتْ مِن ذَواتٍ مُشاهَدَةٍ إلى كَوْنِها أخْبارًا مَسْمُوعَةً. والمَعْنى: أنَّهم هَلَكُوا وتَحَدَّثَ النّاسُ بِهِمْ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: دَخَلُوا في خَبَرِ ”كانَ“، وإلّا فَإنَّ الأحادِيثَ لا يَخْلُوا مِنها أحَدٌ ولا جَماعَةٌ. وقَدْ يَكُونُ في المَدْحِ كَقَوْلِهِ: هاذِي قُبُورُهم وتِلْكَ قُصُورُهم وحَدِيثُهم مُسْتَوْدَعُ الأوْراقِ أوْ أُرِيدَ: فَجَعَلْناهم أحادِيثَ اعْتِبارٍ ومَوْعِظَةٍ، أيْ فَأصَبْناهم بِأمْرٍ غَرِيبٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ النّاسُ فَيَكُونُ ”أحادِيثَ“ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩] . والتَّمْزِيقُ: تَقْطِيعُ الثَّوْبِ قِطَعًا، اسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّفْرِيقِ تَشْبِيهًا لِتَفْرِيقِ جامِعَةِ القَوْمِ شَذَرَ مَذَرَ بِتَمْزِيقِ الثَّوْبِ قِطَعًا. و”كُلَّ“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُمَزَّقِ كُلِّهِ، فاكْتَسَبَ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ مِن إضافَتِهِ إلى المَصْدَرِ. ومَعْنى ”كُلَّ“ كَثِيرَةُ التَّمْزِيقِ لِأنَّ كُلًّا تَرِدُ كَثِيرًا بِمَعْنى الكَثِيرِ لا بِمَعْنى الجَمِيعِ، قالَ تَعالى: ”ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ“ وقالَ النّابِغَةُ: بِها كُلُّ ذَيّالٍ وأشارَتِ الآيَةُ إلى التَّفَرُّقِ الشَّهِيرِ الَّذِي أُصِيبَتْ بِهِ قَبِيلَةُ سَبَأٍ إذْ حَمَلَهم خَرابُ السَّدِّ وقُحُولَةُ الأرْضِ إلى مُفارَقَةِ تِلْكَ الأوْطانِ مُفارَقَةً وتَفْرِيقًا ضَرَبَتْ بِهِ العَرَبُ المَثَلَ في قَوْلِهِمْ: ذَهَبُوا، أوْ تَفَرَّقُوا أيْدِي سَبا، أوْ آيادِيَ سَبا، بِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ سَبَأٍ لِتَخْفِيفِ المَثَلِ. وفي لِسانِ العَرَبِ في مادَّةِ ”يَدَيَ“ قالَ المَعَرِّيُّ: لَمْ يَهْمِزُوا سَبا لِأنَّهم جَعَلُوهُ مَعَ ما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ الواحِدِ. هَكَذا ولَعَلَّهُ التِباسٌ أوْ تَحْرِيفٌ، وإنَّما ذَكَرَ المَعَرِّيُّ عَدَمَ إظْهارِ الفَتْحَةِ عَلى ياءِ ”أيادِي“ أوْ ”أيْدِي“ صفحة ١٧٩ كَما هو مُقْتَضى التَّعْلِيلِ لِأنَّ التَّعْلِيلَ يَقْتَضِي التِزامَ فَتْحِ هَمْزَةِ سَبَأٍ كَشَأْنِ المُرَكَّبِ المَزْجِيِّ. قالَ في لِسانِ العَرَبِ: وبَعْضُهم يُنَوِّنُهُ إذا خَفَّفَهُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: فَيا لَكِ مِن دارٍ تَفَرَّقَ أهْلُها ∗∗∗ أيادِي سَبا عَنْها وطالَ انْتِقالُها والأكْثَرُ عَدَمُ تَنْوِينِهِ قالَ كُثَيِّرٌ: أيادِي سَبا يا عَزُّ ما كُنْتُ بَعْدَكم ∗∗∗ فَلَمْ يَحْلُ بِالعَيْنَيْنِ بَعْدَكِ مَنظَرُ والأيادِي والأيْدِي فِيهِ جَمْعُ يَدٍ. واليَدُ بِمَعْنى الطَّرِيقِ. والمَعْنى: أنَّهم ذَهَبُوا في مَذاهِبَ شَتّى يَسْلُكُونَ مِنها إلى أقْطارٍ عِدَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا. وقِيلَ: الأيادِي جَمْعُ يَدٍ بِمَعْنى النِّعْمَةِ لِأنَّ سَبَأً تَلِفَتْ أمْوالُهم. وكانَتْ سَبَأٌ قَبِيلَةً عَظِيمَةً تَنْقَسِمُ إلى عَشَرَةِ أفْخاذٍ وهُمُ: الأزْدُ، وكِنْدَةُ، ومَذْحِجُ، والأشْعَرِيُّونَ، وأنْمارُ، وبَجِيلَةُ، وعامِلَةُ، وهم خُزاعَةُ، وغَسّانُ، ولَخْمٌ، وجُذامُ. فَلَمّا فارَقُوا مَواطِنَهم فالسِّتَّةُ الأوَّلُونَ تَفَرَّقُوا في اليَمَنِ والأرْبَعَةُ الأخْيَرُونَ خَرَجُوا إلى جِهاتٍ قاصِيَةٍ فَلَحِقَتِ الأزْدُ بِعُمانَ، ولَحِقَتْ خُزاعَةُ بِتِهامَةَ في مَكَّةَ، ولَحِقَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ بِيَثْرِبَ، ولَعَلَّهم مَعْدُودُونَ في لَخْمٍ، ولَحِقَتْ غَسّانُ بِبُصْرى والغُوَيْرِ مِن بِلادِ الشّامِ، ولَحِقَتْ لَخْمٌ بِالعِراقِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ القَصَصِ لِهَذا التَّفَرُّقِ سَبَبًا هو أشْبَهُ بِالخُرافاتِ فَأعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِهِ، وهو مَوْجُودٌ في كُتُبِ السِّيَرِ والتَّوارِيخِ. وعِنْدِي أنَّ ذَلِكَ مِن خِذْلانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَلَبَهُمُ التَّفَكُّرَ في العَواقِبِ فاسْتَخْفَفَ الشَّيْطانُ أحْلامَهم فَجَزِعُوا مِنِ انْقِلابِ حالِهِمْ ولِمَ يَتَدَرَّعُوا بِالصَّبْرِ حِينَ سُلِبَتْ عَنْهُمُ النِّعْمَةُ ولَمْ يَجْأرُوا إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ فَبَعَثَهُمُ الجَزَعُ والطُّغْيانُ والعِنادُ وسُوءُ التَّدْبِيرِ مِن رُؤَسائِهِمْ عَلى أنْ فارَقُوا أوْطانَهم عِوَضًا مِن أنْ يَلُمُّوا شَعْثَهم ويُرْقِعُوا خَرْقَهم فَتَشَتَّتُوا في الأرْضِ، ولا يَخْفى ما يُلاقُونَ في ذَلِكَ مِن نَصَبٍ وجُوعٍ ونَقْصٍ مِنَ الأنْفُسِ والحَمُولَةِ والأزْوادِ والحُلُولِ في دِيارِ أقْوامٍ لا يَرْثُونَ لِحالِهِمْ ولا يَسْمَحُونَ لَهم بِمُقاسَمَةِ أمْوالِهِمْ فَيَكُونُونَ بَيْنَهم عافِينَ. صفحة ١٨٠ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ تَذْيِيلٌ فَلِذَلِكَ قُطِعَتْ، وافْتِتاحُها بِأداةِ التَّوْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَيْرِ. والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ هو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَأٍ في مَساكِنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبإ: ١٥]“ . ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّذْيِيلَ تَنْهِيَةٌ لِلْقِصَّةِ وأنَّ ما بَعْدَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالغَرَضِ الأوَّلِ المُتَعَلِّقِ بِأقْوالِ المُشْرِكِينَ والمُنْتَقَلِ مِنهُ إلى العِبْرَةِ بِداوُدَ وسُلَيْمانَ والمُمَثَّلِ لِحالِ المُشْرِكِينَ فِيهِ بِحالِ أهْلِ سَبَأٍ. وجُمِعَ ”الآياتُ“ لِأنَّ في تِلْكَ القِصَّةِ عِدَّةُ آياتٍ وعِبَرٍ فَحالَةُ مَساكِنِهِمْ آيَةٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ وإنْعامِهِ. وفِيهِ آيَةٌ عَلى أنَّهُ الواحِدُ بِالتَّصَرُّفِ، وفي إرْسالِ سَيْرِ العَرِمِ عَلَيْهِ آيَةٌ عَلى انْفِرادِهِ وحْدَهُ بِالتَّصَرُّفِ، وعَلى أنَّهُ المُنْتَقِمُ وعَلى أنَّهُ واحِدٌ، فَلِذَلِكَ عاقَبَهم عَلى الشِّرْكِ، وفي انْعِكاسِ حالِهِمْ مِنَ الرَّفاهَةِ إلى الشَّظَفِ آيَةٌ عَلى تَقَلُّبِ الأحْوالِ وتَغَيُّرِ العالَمِ وآيَةٌ عَلى صِفاتِ الأحْوالِ لِلَّهِ تَعالى مِن خَلْقٍ ورِزْقٍ وإحْياءٍ وإماتَةٍ، وفي ذَلِكَ آيَةٌ مِن عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لِدَوامِ حالٍ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وفِيما كانَ مِن عُمْرانِ إقْلِيمِهِمْ واتِّساعِ قُراهم إلى بِلادِ الشّامِ آيَةٌ عَلى مَبْلَغِ العُمْرانِ وعِظَمِ السُّلْطانِ مِن آياتِ التَّصَرُّفاتِ، وآيَةٌ عَلى أنَّ الأمْنَ أساسُ العُمْرانِ. وفي تَمَنِّيهِمْ زَوالَ ذَلِكَ آيَةٌ عَلى ما قَدْ تَبْلُغُهُ العُقُولُ مِنَ الِانْحِطاطِ المُفْضِي إلى اخْتِلالِ أُمُورِ الأُمَّةِ وذَهابِ عَظَمَتِها وفِيما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النُّزُوحِ عَنِ الأوْطانِ والتَّشَتُّتِ في الأرْضِ آيَةٌ عَلى ما يُلْجِئُ الِاضْطِرارُ إلَيْهِ النّاسَ مِنِ ارْتِكابِ الأخْطارِ والمَكارِهِ كَما يَقُولُ المَثَلُ: الحُمّى أرْضَعَتْنِي إلَيْكَ. والجَمْعُ بَيْنَ صَبّارٍ وشَكُورٍ في الوَصْفِ لِإفادَةِ أنَّ واجِبَ المُؤْمِنِ التَّخَلُّقُ بِالخُلُقَيْنِ وهُما: الصَّبْرُ عَلى المَكارِهِ، والشُّكْرُ عَلى النِّعَمِ، وهَؤُلاءِ المُتَحَدَّثُ عَنْهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ فَبَطَرُوها، ولَمْ يَصْبِرُوا عَلى ما أصابَهم مِن زَوالِها فاضْطَرَبَتْ نُفُوسُهم وعَمَّهُمُ الجَزَعُ فَخَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وتَفَرَّقُوا في الأرْضِ، ولا تَسْألْ عَمّا لاقُوهُ في ذَلِكَ مِنَ المَتالِفِ والمَذَلّاتِ. فالصَّبّارُ يَعْتَبِرُ مِن تِلْكَ الأحْوالِ فَيَعْلَمُ أنَّ الصَّبْرَ عَلى المَكارِهِ خَيْرٌ مِنَ الجَزَعِ ويَرْتَكِبُ أخَفَّ الضَّرَرَيْنِ، ولا يَسْتَخِفُّهُ الجَزَعُ فَيُلْقِي بِنَفْسِهِ إلى الأخْطارِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ. صفحة ١٨١ والشَّكُورُ يَعْتَبِرُ بِما أُعْطِيَ مِنَ النِّعَمِ فَيَزْدادُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ولا يَبْطَرُ النِّعْمَةَ ولا يَطْغى فَيُعاقَبَ بِسَلْبِها كَما سُلِبَتْ عَنْهم، ومِن وراءِ ذَلِكَ أنْ يَحْرِمَهُمُ اللَّهُ التَّوْفِيقَ. وأنْ يُقْذَفَ بِهِمُ الخِذْلانُ في بُنَيّاتِ الطَّرِيقِ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّ تَأْمِينَ الطَّرِيقِ وتَيْسِيرَ المُواصَلاتِ وتَقْرِيبَ البُلْدانِ لِتَيْسِيرِ تَبادُلِ المَنافِعِ واجْتِلابِ الأرْزاقِ مِن هُنا ومِن هُناكَ نِعْمَةٌ إلَهِيَّةٌ ومَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ يُحِبُّهُ اللَّهُ لِمَن يُحِبُّ أنْ يَرْحَمَهُ مِن عِبادِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقالَ ﴿وآمَنَهم مِن خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، فَلِذَلِكَ قالَ هُنا: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ [سبإ: ١٨] . وعَلى أنَّ الإجْحافَ في إيفاءِ النِّعْمَةِ حَقَّها مِنَ الشُّكْرِ يُعَرِّضُ بِها لِلزَّوالِ وانْقِلابِ الأحْوالِ قالَ تَعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . مِن أجْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ كانَ حَقًّا عَلى وُلاةِ أُمُورِ الأُمَّةِ أنْ يَسْعَوْا جُهْدَهم في تَأْمِينِ البِلادِ وحِراسَةِ السُّبُلِ وتَيْسِيرِ الأسْفارِ وتَقْرِيرِ الأمْنِ في سائِرِ نَواحِي البِلادِ جَلِيلِها وصَغِيرِها بِمُخْتَلِفِ الوَسائِلِ وكانَ ذَلِكَ مِن أهَمِّ ما تُنْفَقُ فِيهِ أمْوالُ المُسْلِمِينَ وما يَبْذُلُ فِيهِ أهْلُ الخَيْرِ مِنَ المُوسِرِينَ أمْوالَهم عَوْنًا عَلى ذَلِكَ وذَلِكَ مِن رَحْمَةِ أهْلِ الأرْضِ المَشْمُولَةِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمْكم مَن في السَّماءِ» . وكانَ حَقًّا عَلى أهْلِ العِلْمِ والدِّينِ أنْ يُرْشِدُوا الأئِمَّةَ والأُمَّةَ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ وأنْ يُنَبِّهُوا عَلى مَعالِمِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ ومَسالِكِهِ بِالتَّفْصِيلِ دُونَ الإجْمالِ، فَقَدِ افْتَقَرَتِ الأُمَّةُ إلى العَمَلِ وسَئِمَتِ الأقْوالَ.

سبأ 34:20

صفحة ١٨٢ ﴿ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ الآيَةَ وأنَّ ما بَيْنَها مِنَ الأخْبارِ المَسُوقَةِ لِلِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم الَخْ. والَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ أنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى سَبَأٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. ولَكِنْ لا مَفَرَّ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ الآياتِ هو عَوْدٌ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ المُنْتَقَلِ مِنها بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأهْلِ سَبَأٍ. وصَلُوحَيَّةُ الآيَةِ لِلْمَحْمَلَيْنِ ناشِئٌ مِن مَوْقِعِها وهَذا مِن بَلاغَةِ القُرْآنِ المُسْتَفادَةِ مِن تَرْتِيبِ مَواقِعِ الآيَةِ. فالمَقْصُودُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكائِدِ الشَّيْطانِ وسُوءِ عاقِبَةِ أتْباعِهِ لِيَحْذَرُوهُ ويَسْتَيْقِظُوا لِكَيْدِهِ فَلا يَقَعُوا في شَرَكِ وسْوَسَتِهِ. فالمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ سَوَّلَ لِلْمُمَثَّلِ بِهِمْ حالُ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ بِالمُنْعِمِ وحَسَّنَ لَهم ضِدَّ النِّعْمَةِ حَتّى تَمَنَّوْهُ وتَوَسَّمَ فِيهِمُ الِانْخِداعَ لَهُ فَألْقى إلَيْهِمْ وسْوَسَتَهُ وكَرَّهَ إلَيْهِمْ نَصائِحَ الصّالِحِينَ مِنهم فَصَدَقَ تَوَسُّمُهُ فِيهِمْ أنَّهم يَأْخُذُونَ بِدَعْوَتِهِ فَقَبِلُوها وأعْرَضُوا عَنْ خِلافِها فاتَّبَعُوهُ. فَفِي قَوْلِهِ ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ إيجازُ حَذْفٍ لِأنَّ صِدْقَ الظَّنِّ المُفَرَّعِ عَنْهُ اتِّباعُهم يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهم إلى شَيْءٍ ظانًّا اسْتِجابَةَ دَعْوَتِهِ إيّاهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”صَدَقَ“ بِتَخَفِيفِ الدّالِ فَـ ”إبْلِيسُ“ فاعِلٌ و”ظَنَّهُ“ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ في ظَنِّهِ. و”عَلَيْهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”صَدَقَ“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أوْقَعَ أوْ ألْقى، أيْ أوْقَعَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ فَصَدَقَ فِيهِ. والصِّدْقُ بِمَعْنى الإصابَةِ في الظَّنِّ لِأنَّ الإصابَةَ مُطابِقَةٌ لِلْواقِعِ فَهي مِن قَبِيلِ الصِّدْقِ. قالَ أبُو الغُولِ الطُّهَوِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: فَدَتْ نَفْسِي وما مَلَكَتْ يَمِينِي فَوارِسَ صَدَقَتْ فِيهِمْ ظُنُونِي صفحة ١٨٣ وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ: ”صَدَّقَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ انْخَدَعُوا لِوَسْوَسَتِهِ فَهو لَمّا وسْوَسَ لَهم ظَنَّ أنَّهم يُطِيعُونَهُ فَجَدَّ في الوَسْوَسَةِ حَتّى اسْتَهْواهم فَحَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وفِي (عَلى) إيماءٌ إلى أنَّ عَمَلَ إبْلِيسَ كانَ مِن جِنْسِ التَّغَلُّبِ والِاسْتِعْلاءِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ فاتَّبَعُوهُ تَفْرِيعٌ وتَعْقِيبٌ عَلى فِعْلِ ”صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ“ أيْ: تَحَقَّقَ ظَنُّهُ حِينَ انْفَعَلُوا لِفِعْلِ وسْوَسَتِهِ فَبادَرُوا إلى العَمَلِ بِما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ والكُفْرانِ. و”إلّا فَرِيقًا“ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ”فاتَّبَعُوهُ“ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ ضَمِيرُ ”اتَّبَعُوهُ“ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ وأمّا إنْ كانَ عائِدًا عَلى أهْلِ سَبَإٍ فَيُحْتَمَلُ الِاتِّصالُ إنْ كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ وإلّا فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَمْ يَعْصِهِ في ذَلِكَ إلّا فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ، أوِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ سَبَإٍ. فَلَعَلَّ فِيهِمْ طائِفَةً مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ نَجَوْا قَبْلَ إرْسالِ سَيْلِ العَرِمِ. والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ مُطْلَقًا، واسْتِثْناؤُها مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَقِيَّةِ وإلّا فَإنَّ الفَرِيقَ يَصْدُقُ بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. والتَّعْرِيفُ في المُؤْمِنِينَ لِلِاسْتِغْراقِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: إلّا فَرِيقًا هم بَعْضُ جَماعاتِ المُؤْمِنِينَ في الأزْمانِ والبُلْدانِ. وقَوْلُهُ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ أيْ ما كانَ لِلشَّيْطانِ مِن سُلْطانٍ عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. وفِعْلُ كانَ في النَّفْيِ مَعَ ”مِنَ“ الَّتِي تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ في النَّفْيِ يُفِيدُ انْتِفاءَ السُّلْطانِ، أيِ المُلْكِ والتَّصْرِيفِ لِلشَّيْطانِ، أيْ لَيْسَتْ لَهُ قُدْرَةٌ ذاتِيَّةٌ هو مُسْتَقِلٌّ بِها يَتَصَرَّفُ بِها في العالَمِ كَيْفَ يَشاءُ لِأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ خاصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا لِنَعْلَمَ“ اسْتِثْناءٌ مِن عِلَلٍ. فَيُفِيدُ أنَّ تَأْثِيرَ وسْوَسَتِهِ فِيهِمْ كانَ بِتَمْكِينٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ لَكِنْ جَعَلْنا الشَّيْطانَ سَبَبًا يَتَوَجَّهُ إلى عُقُولِهِمْ وإرادَتِهِمْ فَتُخامِرُها وسْوَسَتُهُ فَيَتَأثَّرُ مِنها فَرِيقٌ ويَنْجُو مِنها فَرِيقٌ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ صفحة ١٨٤ وهَؤُلاءِ مِن قُوَّةِ الِانْفِعالِ والمُمانَعَةِ عَلى حَسَبِ السُّنَنِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ سُلْطانٍ، وحُذِفَ المُسْتَثْنى ودَلَّ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ والتَّقْدِيرُ: إلّا سُلْطانًا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ. فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُلْطانٌ مَجْعُولٌ لَهُ بِجَعْلِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ أنَّ تَعْلِيلَهُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وانْظُرْ ما قُلْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] في سُورَةِ الحِجْرِ وضُمَّهُ إلى ما قُلْناهُ هُنا. واقْتُصِرَ مَن عَلَّلَ تَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّلْطانِ عَلى تَمْيِيزِ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ومَن لا يُؤْمِنُ بِها لِمُراعاةِ أحْوالِ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمُ المَوْعِظَةُ بِأهْلِ سَبَإٍ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ جُحُودَهم قَرِينٌ لِلشِّرْكِ ومُساوٍ لَهُ فَإنَّهم لَوْ آمَنُوا بِالآخِرَةِ لَآمَنُوا بِرَبِّها وهو الرَّبُّ الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وإلّا فَإنَّ عِلَلَ جَعْلِ الشَّيْطانِ لِلْوَسْوَسَةِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى تَمْيِيزِ الكُفّارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُتَّقِينَ مِنَ المُعْرِضِينَ. وكُنِّيَ بِـ ”نَعْلَمَ“ عَنْ إظْهارِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحالَيْنِ لِأنَّ الظُّهُورَ يُلازِمُ العِلْمَ في العُرْفِ. قالَ قَبِيصَةُ الطّائِيُّ مِن رِجالِ حَرْبِ ذِي قارٍ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أرادَ لِيَتَمَيَّزَ الجَبانُ مِنَ الشُّجاعِ فَيَعْلَمُهُ النّاسُ فَإنَّ غَرَضَهُ الأهَمَّ إظْهارُ شَجاعَةِ نَفْسِهِ لِثِقَتِهِ بِها لا اخْتِبارُ شَجاعَةِ أقْرانِهِ وإلّا لَكانَ مُتَرَدِّدًا في إقْدامِهِ. فالمَعْنى: لِيَظْهَرَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ويَتَمَيَّزَ عَمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ فَيَعْلَمُهُ مَن يَعْلَمُهُ ويَتَعَلَّقُ عِلْمُنا بِهِ تَعَلُّقًا جُزْئِيًّا عِنْدَ حُصُولِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنْ لا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبارِ تَعَلُّقٍ تَنْجِيزِيٍّ لِعِلْمِ اللَّهِ. ورَأيْتُ في الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ لِعَبْدِ الحَكِيمِ السَّلَكُوتِيِّ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ أثْبَتَ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ ولَمْ يُعَيِّنْ قائِلَهُ. وخُولِفَ في النَّظْمِ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ فَجاءَتْ جُمْلَةُ ”مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ“ فِعْلِيَّةً، وجاءَتْ جُمْلَةُ ”هو مِنها في شَكٍّ“ اسْمِيَّةً لِأنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ طارِئٌ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ ومُتَجَدِّدٌ ومُتَزايِدٌ آنًا فَآنًا، فَكانَ مُقْتَضى الحالِ إيرادُ الفِعْلِ في صِلَةِ أصْحابِهِ. وأمّا شَكُّهم في الآخِرَةِ فَبِخِلافِ ذَلِكَ هو أمْرٌ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ فاجْتُلِبَتْ لِأصْحابِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. صفحة ١٨٥ وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِنُفُوسِهِمْ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ”مِنها“ بِقَوْلِهِ بِـ ”شَكٍّ“ . وجُمْلَةُ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ تَذْيِيلٌ. والحَفِيظُ: الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ مَقْدِرَتِهِ ما هو في حِفْظِهِ، وهو يَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ إذْ بِمَجْمُوعِها تَتَقَوَّمُ ماهِيَّةُ الحِفْظِ ولِذَلِكَ يُتْبَعُ الحِفْظُ بِالعِلْمِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وصِيغَةُ فَعِيلٍ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ وأفادَ عُمُومُ ”كُلِّ شَيْءٍ“ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الكائِناتِ فَتَنَزَّلَ هَذا التَّذْيِيلُ مَنزِلَةَ الِاحْتِراسِ عَنْ غَيْرِ المَعْنى الكِنائِيِّ مِن قَوْلِهِ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ، أيْ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ فَتَقُومَ الحُجَّةُ لَهم وعَلَيْهِمْ.

سبأ 34:21

صفحة ١٨٢ ﴿ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ الآيَةَ وأنَّ ما بَيْنَها مِنَ الأخْبارِ المَسُوقَةِ لِلِاعْتِبارِ كَما تَقَدَّمَ واقِعٌ مَوْقِعَ الِاسْتِطْرادِ والِاعْتِراضِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم الَخْ. والَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ أنَّ ضَمِيرَ عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى سَبَأٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم. ولَكِنْ لا مَفَرَّ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ الآياتِ هو عَوْدٌ إلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ المُنْتَقَلِ مِنها بِذِكْرِ قِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأهْلِ سَبَأٍ. وصَلُوحَيَّةُ الآيَةِ لِلْمَحْمَلَيْنِ ناشِئٌ مِن مَوْقِعِها وهَذا مِن بَلاغَةِ القُرْآنِ المُسْتَفادَةِ مِن تَرْتِيبِ مَواقِعِ الآيَةِ. فالمَقْصُودُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكائِدِ الشَّيْطانِ وسُوءِ عاقِبَةِ أتْباعِهِ لِيَحْذَرُوهُ ويَسْتَيْقِظُوا لِكَيْدِهِ فَلا يَقَعُوا في شَرَكِ وسْوَسَتِهِ. فالمَعْنى: أنَّ الشَّيْطانَ سَوَّلَ لِلْمُشْرِكِينَ أوْ سَوَّلَ لِلْمُمَثَّلِ بِهِمْ حالُ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ بِالمُنْعِمِ وحَسَّنَ لَهم ضِدَّ النِّعْمَةِ حَتّى تَمَنَّوْهُ وتَوَسَّمَ فِيهِمُ الِانْخِداعَ لَهُ فَألْقى إلَيْهِمْ وسْوَسَتَهُ وكَرَّهَ إلَيْهِمْ نَصائِحَ الصّالِحِينَ مِنهم فَصَدَقَ تَوَسُّمُهُ فِيهِمْ أنَّهم يَأْخُذُونَ بِدَعْوَتِهِ فَقَبِلُوها وأعْرَضُوا عَنْ خِلافِها فاتَّبَعُوهُ. فَفِي قَوْلِهِ ﴿صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ إيجازُ حَذْفٍ لِأنَّ صِدْقَ الظَّنِّ المُفَرَّعِ عَنْهُ اتِّباعُهم يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهم إلى شَيْءٍ ظانًّا اسْتِجابَةَ دَعْوَتِهِ إيّاهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”صَدَقَ“ بِتَخَفِيفِ الدّالِ فَـ ”إبْلِيسُ“ فاعِلٌ و”ظَنَّهُ“ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ في ظَنِّهِ. و”عَلَيْهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”صَدَقَ“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أوْقَعَ أوْ ألْقى، أيْ أوْقَعَ عَلَيْهِمْ ظَنَّهُ فَصَدَقَ فِيهِ. والصِّدْقُ بِمَعْنى الإصابَةِ في الظَّنِّ لِأنَّ الإصابَةَ مُطابِقَةٌ لِلْواقِعِ فَهي مِن قَبِيلِ الصِّدْقِ. قالَ أبُو الغُولِ الطُّهَوِيُّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: فَدَتْ نَفْسِي وما مَلَكَتْ يَمِينِي فَوارِسَ صَدَقَتْ فِيهِمْ ظُنُونِي صفحة ١٨٣ وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ: ”صَدَّقَ“ بِتَشْدِيدِ الدّالِ بِمَعْنى حَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ انْخَدَعُوا لِوَسْوَسَتِهِ فَهو لَمّا وسْوَسَ لَهم ظَنَّ أنَّهم يُطِيعُونَهُ فَجَدَّ في الوَسْوَسَةِ حَتّى اسْتَهْواهم فَحَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ. وفِي (عَلى) إيماءٌ إلى أنَّ عَمَلَ إبْلِيسَ كانَ مِن جِنْسِ التَّغَلُّبِ والِاسْتِعْلاءِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ فاتَّبَعُوهُ تَفْرِيعٌ وتَعْقِيبٌ عَلى فِعْلِ ”صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ“ أيْ: تَحَقَّقَ ظَنُّهُ حِينَ انْفَعَلُوا لِفِعْلِ وسْوَسَتِهِ فَبادَرُوا إلى العَمَلِ بِما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ والكُفْرانِ. و”إلّا فَرِيقًا“ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ”فاتَّبَعُوهُ“ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ ضَمِيرُ ”اتَّبَعُوهُ“ عائِدًا عَلى المُشْرِكِينَ وأمّا إنْ كانَ عائِدًا عَلى أهْلِ سَبَإٍ فَيُحْتَمَلُ الِاتِّصالُ إنْ كانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ وإلّا فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَمْ يَعْصِهِ في ذَلِكَ إلّا فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ، أوِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ سَبَإٍ. فَلَعَلَّ فِيهِمْ طائِفَةً مُؤْمِنِينَ مِمَّنْ نَجَوْا قَبْلَ إرْسالِ سَيْلِ العَرِمِ. والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ مُطْلَقًا، واسْتِثْناؤُها مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَقِيَّةِ وإلّا فَإنَّ الفَرِيقَ يَصْدُقُ بِالجَماعَةِ الكَثِيرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ. والتَّعْرِيفُ في المُؤْمِنِينَ لِلِاسْتِغْراقِ و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: إلّا فَرِيقًا هم بَعْضُ جَماعاتِ المُؤْمِنِينَ في الأزْمانِ والبُلْدانِ. وقَوْلُهُ وما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ أيْ ما كانَ لِلشَّيْطانِ مِن سُلْطانٍ عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. وفِعْلُ كانَ في النَّفْيِ مَعَ ”مِنَ“ الَّتِي تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ في النَّفْيِ يُفِيدُ انْتِفاءَ السُّلْطانِ، أيِ المُلْكِ والتَّصْرِيفِ لِلشَّيْطانِ، أيْ لَيْسَتْ لَهُ قُدْرَةٌ ذاتِيَّةٌ هو مُسْتَقِلٌّ بِها يَتَصَرَّفُ بِها في العالَمِ كَيْفَ يَشاءُ لِأنَّ تِلْكَ القُدْرَةَ خاصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ”إلّا لِنَعْلَمَ“ اسْتِثْناءٌ مِن عِلَلٍ. فَيُفِيدُ أنَّ تَأْثِيرَ وسْوَسَتِهِ فِيهِمْ كانَ بِتَمْكِينٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ لَكِنْ جَعَلْنا الشَّيْطانَ سَبَبًا يَتَوَجَّهُ إلى عُقُولِهِمْ وإرادَتِهِمْ فَتُخامِرُها وسْوَسَتُهُ فَيَتَأثَّرُ مِنها فَرِيقٌ ويَنْجُو مِنها فَرِيقٌ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ صفحة ١٨٤ وهَؤُلاءِ مِن قُوَّةِ الِانْفِعالِ والمُمانَعَةِ عَلى حَسَبِ السُّنَنِ الَّتِي أوْدَعَها اللَّهُ في المَخْلُوقاتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ سُلْطانٍ، وحُذِفَ المُسْتَثْنى ودَلَّ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ والتَّقْدِيرُ: إلّا سُلْطانًا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ. فَيَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُلْطانٌ مَجْعُولٌ لَهُ بِجَعْلِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ أنَّ تَعْلِيلَهُ مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وانْظُرْ ما قُلْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] في سُورَةِ الحِجْرِ وضُمَّهُ إلى ما قُلْناهُ هُنا. واقْتُصِرَ مَن عَلَّلَ تَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّلْطانِ عَلى تَمْيِيزِ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ومَن لا يُؤْمِنُ بِها لِمُراعاةِ أحْوالِ الَّذِينَ سَبَقَتْ إلَيْهِمُ المَوْعِظَةُ بِأهْلِ سَبَإٍ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ لِأنَّ جُحُودَهم قَرِينٌ لِلشِّرْكِ ومُساوٍ لَهُ فَإنَّهم لَوْ آمَنُوا بِالآخِرَةِ لَآمَنُوا بِرَبِّها وهو الرَّبُّ الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وإلّا فَإنَّ عِلَلَ جَعْلِ الشَّيْطانِ لِلْوَسْوَسَةِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى تَمْيِيزِ الكُفّارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُتَّقِينَ مِنَ المُعْرِضِينَ. وكُنِّيَ بِـ ”نَعْلَمَ“ عَنْ إظْهارِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحالَيْنِ لِأنَّ الظُّهُورَ يُلازِمُ العِلْمَ في العُرْفِ. قالَ قَبِيصَةُ الطّائِيُّ مِن رِجالِ حَرْبِ ذِي قارٍ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ∗∗∗ لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أرادَ لِيَتَمَيَّزَ الجَبانُ مِنَ الشُّجاعِ فَيَعْلَمُهُ النّاسُ فَإنَّ غَرَضَهُ الأهَمَّ إظْهارُ شَجاعَةِ نَفْسِهِ لِثِقَتِهِ بِها لا اخْتِبارُ شَجاعَةِ أقْرانِهِ وإلّا لَكانَ مُتَرَدِّدًا في إقْدامِهِ. فالمَعْنى: لِيَظْهَرَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ويَتَمَيَّزَ عَمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ فَيَعْلَمُهُ مَن يَعْلَمُهُ ويَتَعَلَّقُ عِلْمُنا بِهِ تَعَلُّقًا جُزْئِيًّا عِنْدَ حُصُولِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنْ لا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبارِ تَعَلُّقٍ تَنْجِيزِيٍّ لِعِلْمِ اللَّهِ. ورَأيْتُ في الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ لِعَبْدِ الحَكِيمِ السَّلَكُوتِيِّ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ أثْبَتَ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ ولَمْ يُعَيِّنْ قائِلَهُ. وخُولِفَ في النَّظْمِ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ فَجاءَتْ جُمْلَةُ ”مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ“ فِعْلِيَّةً، وجاءَتْ جُمْلَةُ ”هو مِنها في شَكٍّ“ اسْمِيَّةً لِأنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ طارِئٌ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ ومُتَجَدِّدٌ ومُتَزايِدٌ آنًا فَآنًا، فَكانَ مُقْتَضى الحالِ إيرادُ الفِعْلِ في صِلَةِ أصْحابِهِ. وأمّا شَكُّهم في الآخِرَةِ فَبِخِلافِ ذَلِكَ هو أمْرٌ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ فاجْتُلِبَتْ لِأصْحابِهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ. صفحة ١٨٥ وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِنُفُوسِهِمْ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ”مِنها“ بِقَوْلِهِ بِـ ”شَكٍّ“ . وجُمْلَةُ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ تَذْيِيلٌ. والحَفِيظُ: الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ مَقْدِرَتِهِ ما هو في حِفْظِهِ، وهو يَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ إذْ بِمَجْمُوعِها تَتَقَوَّمُ ماهِيَّةُ الحِفْظِ ولِذَلِكَ يُتْبَعُ الحِفْظُ بِالعِلْمِ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ تَعالى إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وصِيغَةُ فَعِيلٍ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ وأفادَ عُمُومُ ”كُلِّ شَيْءٍ“ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الكائِناتِ فَتَنَزَّلَ هَذا التَّذْيِيلُ مَنزِلَةَ الِاحْتِراسِ عَنْ غَيْرِ المَعْنى الكِنائِيِّ مِن قَوْلِهِ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ، أيْ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ لِكُلِّ أحَدٍ فَتَقُومَ الحُجَّةُ لَهم وعَلَيْهِمْ.

سبأ 34:22

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيها مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهْوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ . كانَتْ قِصَّةُ سَبَأٍ قَدْ ضُرِبَتْ مَثَلًا وعِبْرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وكانَ في أحْوالِهِمْ مَثِيلٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ في أمْنِ بِلادِهِمْ وتَيْسِيرِ أرْزاقِهِمْ وتَأْمِينِ سُبُلِهِمْ في أسْفارِهِمْ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وقَوْلُهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ فِيما قابَلُوا بِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالإشْراكِ بِهِ وكُفْرانِ نِعْمَتِهِ وإفْحامِهِمْ دُعاةَ الخَيْرِ المُلْهَمِينَ مِن لَدُنْهُ إلى دَعْوَتِهِمْ، فَلَمّا تَقَضّى خَبَرُهم لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى تَطْبِيقِ العِبْرَةِ عَلى مَن قَصَدَ اعْتِبارَهُمُ انْتِقالًا مُناسَبَتُهُ بَيِّنَةٌ وهو أيْضًا عَوْدٌ إلى إبْطالِ أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وسِيقَ لَهم مِنَ الكَلامِ ما هو فِيهِ تَوْقِيفٌ عَلى أخْطائِهِمْ، وأيْضًا فَلَمّا جَرى مِنِ اسْتِهْواءِ الشَّيْطانِ أهْلَ سَبَأٍ فاتَّبَعُوهُ وكانَ الشَّيْطانُ مَصْدَرَ الضَّلالِ وعُنْصُرَ الإشْراكِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ فُرُوعِهِ وأوْلِيائِهِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما هو مُتَتابِعٌ في بَقِيَّةِ هَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعَةِ بِكَلِمَةِ قُلْ فَأمَرَ بِالقَوْلِ تَجْدِيدًا لِمَعْنى التَّبْلِيغِ الَّذِي هو مُهِمَّةُ كُلِّ القُرْآنِ. صفحة ١٨٦ والأمْرُ في قَوْلِهِ ادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّخْطِئَةِ والتَّوْبِيخِ، أيِ اسْتَمِرُّوا عَلى دُعائِكم. والَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْناهُ زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا، فَحُذِفَ مَفْعُولا الزَّعْمِ: أمّا الأوَّلُ فَحُذِفَ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ قَصْدًا لِتَخْفِيفِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقاتِها، وأمّا الثّانِي فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ صِفَتِهِ عَلَيْهِ وهي ”مِن دُونِ اللَّهِ“ . ومِن دُونِ اللَّهِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمْ أوْلِياءَ. ومَعْنى مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم مُبْتَدِءُونَ مِن جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ اللَّهِ، أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مُبْتَدِئِينَ إيّاهم مِن ناحِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ لِأنَّهم حِينَ يَعْبُدُونَهم قَدْ شُغِلُوا بِعِبادَتِهِمْ فَفَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ وتَجاوَزُوا حَقَّ إلَهِيَّتِهِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وأوْقاتٍ وفِيرَةٍ. وجُمْلَةُ لا يَمْلِكُونَ مُبَيِّنَةٌ لِما في جُمْلَةِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنَ التَّخْطِئَةِ وقَدْ نُفِيَ عَنْهم مِلْكُ أحْقَرِ الأشْياءِ وهو ما يُساوِي ذَرَّةً مِنَ السَّماءِ والأرْضِ. والذَّرَّةُ: بَيْضَةُ النَّمْلِ الَّتِي تَبْدُوا حُبَيْبَةً صَغِيرَةً بَيْضاءَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ جَوْهَرُهُما وعَيْنُهُما لِما تَشْتَمِلانِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِأنَّ جَوْهَرَهُما لا يَدَّعِي المُشْرِكُونَ فِيهِ مُلْكًا لِآلِهَتِهِمْ، فالمِثْقالُ: إمّا آلَةُ الثِّقَلِ فَهو اسْمٌ لِلصُّنُوجِ الَّتِي يُوزَنُ بِها فَأُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا مُرْسَلًا، وإمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي بِهِ التَّثْقِيلُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا، وتَقَدَّمَ المِثْقالُ عِنْدَ قَوْلِهِ وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومِثْقالُ الذَّرَّةِ: ما يَعْدِلُ الذَّرَّةَ فَيُثْقَلُ بِهِ المِيزانُ، أيْ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ تَأْكِيدٌ لَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وقَدْ نُفِيَ أنْ يَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ مُلْكٌ مُسْتَقِلٌّ، وأُتْبِعَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الشِّرْكُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ كَما هو السِّياقُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ إيجازًا لِأنَّهُ مَحَلُّ الوِفاقِ. صفحة ١٨٧ ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ مِنهم ظَهِيرٌ، أيْ مُعِينٌ لِلَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الظَّهِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] في سُورَةِ الإسْراءِ. وهُنا تَعَيَّنَ التَّصْرِيحُ المُتَعَلِّقُ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ آلِهَتَهم تُقَرِّبُ إلَيْهِ وتُبَعِّدُ عَنْهُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ شَفِيعٌ عِنْدَ اللَّهِ يَضْطَرُّهُ إلى قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيمَن يَشْفَعُ لَهُ لِتَعْظِيمٍ أوْ حَياءٍ. وقَدْ صَرَّحَ بِالمُتَعَلِّقِ هُنا أيْضًا رَدًّا عَلى قَوْلِ المُشْرِكِينَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ فَنُفِيَتْ شَفاعَتُهم في عُمُومِ نَفْيِ كُلِّ شَفاعَةٍ نافِعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ. وفي هَذا إبْطالُ شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ لِأنَّهم زَعَمُوا لَهم شَفاعَةً لازِمَةً مِن صِفاتِ آلِهَتِهِمْ لِأنَّ أوْصافَ الإلَهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً فَلَمّا نَفى اللَّهُ كُلَّ شَفاعَةٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيها لِلشّافِعِ انْتَفَتِ الشَّفاعَةُ المَزْعُومَةُ لِأصْنامِهِمْ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ قَوْلَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ لا يُبْطِلُ شَفاعَةَ الأصْنامِ فافْهَمْ. وجاءَ نَظْمُ قَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ نَظْمًا بَدِيعًا مِن وفْرَةِ المَعْنى، فَإنَّ النَّفْعَ يَجِيءُ بِمَعْنى حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ العَمَلِ ونَجاحِهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا حَلِفِي عَلى البَراءَةِ نافِعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويَجِيءُ بِمَعْنى المُساعِدِ المُلائِمِ وهو ضِدُّ الضّارِّ وهو أكْثَرُ إطْلاقِهِ. ومِنهُ: دَواءٌ نافِعٌ، ونَفَعَنِي فُلانٌ. فالنَّفْعُ بِالمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ يُفِيدُ القَبُولَ مِنَ الشّافِعِ لِشَفاعَتِهِ، وبِالمَعْنى الثّانِي يُفِيدُ انْتِفاعَ المَشْرُوعِ لَهُ بِالشَّفاعَةِ، أيْ وُصُولَ النَّفْعِ لَهُ بِانْقِشاعِ ضُرِّ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ كَقَوْلِهِ تَعالى فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. فَلَمّا عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِلَفْظِ الشَّفاعَةِ الصّالِحِ لِأنْ يُعْتَبَرَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أوْ إلى المَفْعُولِ احْتَمَلَ النَّفْعُ أنْ يَكُونَ نَفْعَ الفاعِلِ، أيْ قَبُولُ شَفاعَتِهِ، ونَفْعَ المَفْعُولِ، أيْ قَبُولَ شَفاعَةِ مَن شَفَعَ فِيهِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الشَّفاعَةِ بِاللّامِ دُونَ ”في“ ودُونَ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ زادَ صَلُوحِيَّتَهُ لِلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا ومَشْفُوعًا فِيهِ فَكانَ بِذَلِكَ أوْفَرَ مَعْنًى. فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ اسْتِثْناءٌ مِن جِنْسِ الشَّفاعَةِ المَنفِيِّ بِقَرِينَةِ وُجُودِ اللّامِ ولَيْسَ اسْتِثْناءً مِن مُتَعَلِّقِ ”تَنْفَعُ“ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ إلّا إذا تَأخَّرَ الفِعْلُ عَنْهُ فَضَعُفَ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتْ صفحة ١٨٨ اللّامُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً عَلى الشّافِعِ، وأنَّ ”مَنِ“ المَجْرُورَةَ بِاللّامِ صادِقَةٌ عَلى الشّافِعِ، أيْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةٌ إلّا شَفاعَةٌ كائِنَةٌ لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ، أيْ أذِنَ لَهُ بِأنْ يَشْفَعَ فاللّامُ لِلْمِلْكِ فَقَوْلُكَ: الكَرَمُ لِزَيْدٍ، أيْ هو كَرِيمٌ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ. وأنْ تَكُونَ اللّامُ داخِلَةً عَلى المَشْفُوعِ فِيهِ، و”مَن“ صادِقَةً عَلى مَشْفُوعٍ فِيهِ، أيْ إلّا شَفاعَةً لِمَشْفُوعٍ أذِنَ اللَّهُ الشّافِعِينَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ أيْ لِأجْلِهِ فاللّامُ لِلْعِلَّةِ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ لِزَيْدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى. وإنَّما جِيءَ بِنَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما نُظِمَتْ عَلَيْهِ غَيْرُها لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا إبْطالُ رَجائِهِمْ أنْ تَشْفَعَ لَهم آلِهَتُهم عِنْدَ اللَّهِ فَيَنْتَفِعُوا بِشَفاعَتِها، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ تَوْبِيخٌ وتَعْجِيزٌ لَهم في دَعْوَتِهِمُ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ فاقْتَضَتْ إبْطالَ الدَّعْوَةِ والمَدْعُوِّ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ نَفْيَ جَمِيعِ أصْنافِ التَّصَرُّفِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ كَما جَمَعَتْ نَفْيَ أصْنافِ الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ عِنْدَ العَرَبِ، لِأنَّ مِنَ العَرَبِ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وهي في زَعْمِهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ في السَّماواتِ تُدَبِّرُ أُمُورَ أهْلِ الأرْضِ فَأبْطَلَ هَذا الزَّعْمَ قَوْلُهُ ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، فَأمّا في السَّماواتِ فَبِاعْتِرافِهِمْ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَصَرَّفُ في السَّماواتِ وإنَّما تَصَرُّفُها في الأرْضِ وأمّا في الأرْضِ فَبِقَوْلِهِ ولا في الأرْضِ. ومِنَ العَرَبِ عَبْدَةُ أصْنامٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ جَعَلَها اللَّهُ شُفَعاءَ لِأهْلِ الأرْضِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أذِنَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلَ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ. والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ”لَهُ“ في مَوْضِعِ نائِبِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ”حَتّى“ ابْتِدائِيَّةٌ وهي تُفِيدُ ارْتِباطَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها لا مَحالَةَ فالضَّمائِرُ الَّتِي في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى عائِدَةٌ عَلى ما يَصْلُحُ لَها في الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ أفادَتْ ”حَتّى“ الغايَةَ بِأصْلِ وضْعِها، وهي هُنا غايَةٌ لِما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ مِن أنَّ هُنالِكَ إذْنًا يَصْدُرُ مِن جانِبِ صفحة ١٨٩ القُدْسِ يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ ناسًا مِنَ الأخْيارِ بِأنْ يَشْفَعُوا كَما جاءَ تَفْصِيلُ بَعْضِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وأنَّ الَّذِينَ يَرْجُونَ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ يَنْتَظِرُونَ مِمَّنْ هو أهْلٌ لِأنْ يَشْفَعَ وهم في فَزَعٍ مِنَ الإشْفاقِ أنْ لا يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لِمَن شاءَ أنْ يَشْفَعَ زالَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ واسْتَبْشَرُوا إذْ أنَّهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ الَّذِينَ قُبِلَتِ الشَّفاعَةُ فِيهِمْ، أيْ وأيِسَ المُجْرِمُونَ مِن قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ. وهَذا مِنَ الحَذْفِ المُسَمّى بِالِاكْتِفاءِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الشَّيْءِ عَنْ ذِكْرِ نَظِيرِهِ أوْ ضِدِّهِ، وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ اقْتِصارٌ عَلى ما يَسُرُّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ. وقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ مِن وراءِ ”حَتّى“، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ ويَوْمَئِذٍ يَبْقى النّاسُ مُرْتَقِبِينَ الإذْنَ لِمَن يَشْفَعُ، فَزِعِينَ مِن أنْ لا يُؤْذَنَ لِأحَدٍ زَمَنًا يَنْتَهِي بِوَقْتِ زَوالِ الفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ حِينَ يُؤْذَنُ لِلشّافِعِينَ بِأنْ يَشْفَعُوا، وهو إيجازُ حَذْفٍ. و”إذا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو مُضافٌ إلى جُمْلَةِ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا. وفُزِّعَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُشَدَّدَةً، وهو مُضاعَفُ ”فُزِعَ“ . والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ: قُشِّرَ العُودُ، ومَرِضَ المَرِيضُ إذا باشَرَ عِلاجَهُ، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ التَّفْزِيعِ بِأنَّهُ صادِرٌ مِن جانِبٍ عَظِيمٍ، فَفِيهِ جانِبُ الآذِنِ فِيهِ، وجانِبُ المُبَلِّغِ لَهُ وهو المَلَكُ. والتَّفْزِيعُ يَحْصُلُ لَهم بِانْكِشافٍ إجْمالِيٍّ يُلْهَمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ أذِنَ بِالشَّفاعَةِ ثُمَّ يَتَطَلَّبُونَ التَّفْصِيلَ بِقَوْلِهِمْ ماذا قالَ رَبُّكم لِيَعْلَمُوا مَن أذِنَ لَهُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وهَذا كَما يُكَرِّرُ النَّظَرَ ويُعاوِدُ المُطالَعَةَ مَن يَنْتَظِرُ القَبُولَ، أوْ هم يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَشْيَةِ فَإنَّهم إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ تَساءَلُوا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ بِما اسْتَبْشَرُوا بِهِ فَيُجابُونَ أنَّهُ قالَ الحَقَّ. فَضَمِيرُ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَدْلُولِ قَوْلِهِ لِمَن أذِنَ لَهُ. وهُمُ الَّذِينَ أُذِنَ لِلشُّفَعاءِ لِقَبُولِ شَفاعَتِهِمْ مِنهم وهم يُوَجِّهُونَ هَذا الِاسْتِفْهامَ إلى المَلائِكَةِ الحافِّينَ، وضَمِيرُ قالُوا الحَقَّ عائِدٌ إلى المَسْئُولِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ. ويَظْهَرُ أنَّ كَلِمَةَ ”الحَقَّ“ وقَعَتْ حِكايَةً لِمَقُولِ اللَّهِ بِوَصْفٍ يَجْمَعُ مُتَنَوَّعَ صفحة ١٩٠ أقْوالِ اللَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ مِن قَبُولِ شَفاعَةٍ في بَعْضِ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ومِن حِرْمانٍ لِغَيْرِهِمْ كَما يُقالُ: ماذا قالَ القاضِي لِلْخَصْمِ ؟ فَيُقالُ: قالَ الفَصْلَ. فَهَذا حِكايَةٌ لِمَقُولِ اللَّهِ بِالمَعْنى. وانْتِصابُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”قالُوا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَلامِ، أيْ قالَ الكَلامَ الحَقَّ، كَقَوْلِهِ: وقَصِيدَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ غَرِيبَةً ∗∗∗ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها هَذا هو المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الآيَةِ ويَلْتَئِمُ مَعَ مَعانِيها. وقَدْ ذَهَبَتْ في تَفْسِيرِها أقْوالُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ طَرائِقَ قِدَدًا، وتَفَرَّقُوا بَدَدًا بَدَدًا. و”ذا“ مِن قَوْلِهِ ”ماذا“ إشارَةٌ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ لِأنَّ أصْلَ: ماذا قالَ: ما هَذا الَّذِي قالَ، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِدُونِ ذِكْرِ اسْمِ المَوْصُولِ قِيلَ أنَّ ”ذا“ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَصِيرُ اسْمَ مَوْصُولٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَوْصُولُ بَعْدَها كَقَوْلِهِ تَعالى مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ فَزَّعَ بِفَتْحِ الفاءِ وفَتْحِ الزّايِ مُشَدَّدَةً بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ فَزَّعَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وقَدْ ورَدَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن ذُرِّيَّتِكَ» وفي حَدِيثِ أنَسٍ في شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأهْلِ المَحْشَرِ كُلِّهِمْ لِيَدْخُلْ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ. وفِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ أبَوْا أنْ يَشْفَعُوا وأنَّ أهْلَ المَحْشَرِ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ وأنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ لَهُ سَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَشْفَعُ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ تَغْلِي مِنهُ أُمُّ دِماغِهِ» . وجُمْلَةُ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ تُتِمُّ جَوابَ المُجِيبِينَ، عَطَفُوا تَعْظِيمَ اللَّهِ بِذِكْرِ صِفَتَيْنِ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وهُما صِفَةُ العَلِيُّ وصِفَةُ الكَبِيرُ. والعُلُوُّ: عُلُوُّ الشَّأْنِ الشّامِلُ لِمُنْتَهى الكَمالِ في العِلْمِ. والكِبْرُ: العَظَمَةُ المَعْنَوِيَّةُ، وهي مُنْتَهى القُدْرَةِ والعَدْلِ والحِكْمَةِ وتَخْصِيصُ هاتَيْنِ صفحة ١٩١ الصِّفَتَيْنِ لِمُناسَبَةِ مَقامِ الجَوابِ، أيْ قَدْ قَضى بِالحَقِّ لِكُلِّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُ أحَدٍ ولا يَعُوقُهُ عَنْ إيصالِهِ إلى حَقِّهِ عائِقٌ ولا يَجُوزُ دُونَهُ حائِلٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ في سُورَةِ الحَجِّ. واعْلَمْ أنَّهُ ورَدَ في صِفَةِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ الوَحْيَ أنَّ مَن يَتَلَقّى مِنَ المَلائِكَةِ الوَحْيَ يَسْألُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّ نَبِيءَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتْ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» اهـ. فَمَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ”قَضى“ صَدَرَ مِنهُ أمْرُ التَّكْوِينِ الَّذِي تَتَوَلّى المَلائِكَةُ تَنْفِيذَهُ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ ”في السَّماءِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”قَضى“ بِمَعْنى أوْصَلَ قَضاءَهُ إلى السَّماءِ حَيْثُ مَقَرُّ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ خُضْعانًا لِقَوْلِهِ أيْ خَوْفًا وخَشْيَةً، وقَوْلُهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أيْ أُزِيلَ الخَوْفُ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مِنَ التِّرْمِذِيِّ «إذا قَضى رَبُّنا أمْرًا سَبَّحَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم قالَ ثُمَّ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ» الحَدِيثَ. وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّهُ المُرادُ في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ وإنَّما هَذِهِ صِفَةُ تَلَقِّي المَلائِكَةِ أمْرَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَكانَتْ أقْوالُهم عَلى سُنَّةٍ واحِدَةٍ. ولَيْسَ تَخْرِيجُ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ هَذا الحَدِيثَ في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ مُرادًا بِهِ أنَّهُ وارِدٌ في ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّ مِن صُوَرِ مَعْناهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ سَبَأٍ. وهَذا يُغْنِيكَ عَنِ الِالتِجاءِ إلى تَكَلُّفاتٍ تَعَسَّفُوها في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وتَعَلُّقِها بِما قَبْلَها.

سبأ 34:23

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيها مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهْوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ . كانَتْ قِصَّةُ سَبَأٍ قَدْ ضُرِبَتْ مَثَلًا وعِبْرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وكانَ في أحْوالِهِمْ مَثِيلٌ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ في أمْنِ بِلادِهِمْ وتَيْسِيرِ أرْزاقِهِمْ وتَأْمِينِ سُبُلِهِمْ في أسْفارِهِمْ مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] وقَوْلُهُ ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] إلى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ فِيما قابَلُوا بِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ بِالإشْراكِ بِهِ وكُفْرانِ نِعْمَتِهِ وإفْحامِهِمْ دُعاةَ الخَيْرِ المُلْهَمِينَ مِن لَدُنْهُ إلى دَعْوَتِهِمْ، فَلَمّا تَقَضّى خَبَرُهم لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى تَطْبِيقِ العِبْرَةِ عَلى مَن قَصَدَ اعْتِبارَهُمُ انْتِقالًا مُناسَبَتُهُ بَيِّنَةٌ وهو أيْضًا عَوْدٌ إلى إبْطالِ أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وسِيقَ لَهم مِنَ الكَلامِ ما هو فِيهِ تَوْقِيفٌ عَلى أخْطائِهِمْ، وأيْضًا فَلَمّا جَرى مِنِ اسْتِهْواءِ الشَّيْطانِ أهْلَ سَبَأٍ فاتَّبَعُوهُ وكانَ الشَّيْطانُ مَصْدَرَ الضَّلالِ وعُنْصُرَ الإشْراكِ أعْقَبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ فُرُوعِهِ وأوْلِيائِهِ. وافْتَتَحَ الكَلامَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما هو مُتَتابِعٌ في بَقِيَّةِ هَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعَةِ بِكَلِمَةِ قُلْ فَأمَرَ بِالقَوْلِ تَجْدِيدًا لِمَعْنى التَّبْلِيغِ الَّذِي هو مُهِمَّةُ كُلِّ القُرْآنِ. صفحة ١٨٦ والأمْرُ في قَوْلِهِ ادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّخْطِئَةِ والتَّوْبِيخِ، أيِ اسْتَمِرُّوا عَلى دُعائِكم. والَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ مَعْناهُ زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا، فَحُذِفَ مَفْعُولا الزَّعْمِ: أمّا الأوَّلُ فَحُذِفَ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ قَصْدًا لِتَخْفِيفِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقاتِها، وأمّا الثّانِي فَحَذْفُهُ لِدَلالَةِ صِفَتِهِ عَلَيْهِ وهي ”مِن دُونِ اللَّهِ“ . ومِن دُونِ اللَّهِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: زَعَمْتُمْ أوْلِياءَ. ومَعْنى مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهم مُبْتَدِءُونَ مِن جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ اللَّهِ، أيْ زَعَمْتُمُوهم آلِهَةً مُبْتَدِئِينَ إيّاهم مِن ناحِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ لِأنَّهم حِينَ يَعْبُدُونَهم قَدْ شُغِلُوا بِعِبادَتِهِمْ فَفَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ وتَجاوَزُوا حَقَّ إلَهِيَّتِهِ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ وأوْقاتٍ وفِيرَةٍ. وجُمْلَةُ لا يَمْلِكُونَ مُبَيِّنَةٌ لِما في جُمْلَةِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنَ التَّخْطِئَةِ وقَدْ نُفِيَ عَنْهم مِلْكُ أحْقَرِ الأشْياءِ وهو ما يُساوِي ذَرَّةً مِنَ السَّماءِ والأرْضِ. والذَّرَّةُ: بَيْضَةُ النَّمْلِ الَّتِي تَبْدُوا حُبَيْبَةً صَغِيرَةً بَيْضاءَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] في سُورَةِ يُونُسَ. والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ جَوْهَرُهُما وعَيْنُهُما لِما تَشْتَمِلانِ عَلَيْهِ مِنَ المَوْجُوداتِ لِأنَّ جَوْهَرَهُما لا يَدَّعِي المُشْرِكُونَ فِيهِ مُلْكًا لِآلِهَتِهِمْ، فالمِثْقالُ: إمّا آلَةُ الثِّقَلِ فَهو اسْمٌ لِلصُّنُوجِ الَّتِي يُوزَنُ بِها فَأُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا مُرْسَلًا، وإمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي بِهِ التَّثْقِيلُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَدِيلِ مَجازًا، وتَقَدَّمَ المِثْقالُ عِنْدَ قَوْلِهِ وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومِثْقالُ الذَّرَّةِ: ما يَعْدِلُ الذَّرَّةَ فَيُثْقَلُ بِهِ المِيزانُ، أيْ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ تَأْكِيدٌ لَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وقَدْ نُفِيَ أنْ يَكُونَ لِآلِهَتِهِمْ مُلْكٌ مُسْتَقِلٌّ، وأُتْبِعَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ الشِّرْكُ في شَيْءٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أيْ شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ كَما هو السِّياقُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ إيجازًا لِأنَّهُ مَحَلُّ الوِفاقِ. صفحة ١٨٧ ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ مِنهم ظَهِيرٌ، أيْ مُعِينٌ لِلَّهِ تَعالى. وتَقَدَّمَ الظَّهِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] في سُورَةِ الإسْراءِ. وهُنا تَعَيَّنَ التَّصْرِيحُ المُتَعَلِّقُ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ إذْ زَعَمُوا أنَّ آلِهَتَهم تُقَرِّبُ إلَيْهِ وتُبَعِّدُ عَنْهُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ شَفِيعٌ عِنْدَ اللَّهِ يَضْطَرُّهُ إلى قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيمَن يَشْفَعُ لَهُ لِتَعْظِيمٍ أوْ حَياءٍ. وقَدْ صَرَّحَ بِالمُتَعَلِّقِ هُنا أيْضًا رَدًّا عَلى قَوْلِ المُشْرِكِينَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ فَنُفِيَتْ شَفاعَتُهم في عُمُومِ نَفْيِ كُلِّ شَفاعَةٍ نافِعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ إلّا شَفاعَةَ مَن أذِنَ اللَّهُ أنْ يَشْفَعَ. وفي هَذا إبْطالُ شَفاعَةِ أصْنامِهِمْ لِأنَّهم زَعَمُوا لَهم شَفاعَةً لازِمَةً مِن صِفاتِ آلِهَتِهِمْ لِأنَّ أوْصافَ الإلَهِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ ذاتِيَّةً فَلَمّا نَفى اللَّهُ كُلَّ شَفاعَةٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيها لِلشّافِعِ انْتَفَتِ الشَّفاعَةُ المَزْعُومَةُ لِأصْنامِهِمْ. وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ قَوْلَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ لا يُبْطِلُ شَفاعَةَ الأصْنامِ فافْهَمْ. وجاءَ نَظْمُ قَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ نَظْمًا بَدِيعًا مِن وفْرَةِ المَعْنى، فَإنَّ النَّفْعَ يَجِيءُ بِمَعْنى حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ العَمَلِ ونَجاحِهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: ولا حَلِفِي عَلى البَراءَةِ نافِعٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ويَجِيءُ بِمَعْنى المُساعِدِ المُلائِمِ وهو ضِدُّ الضّارِّ وهو أكْثَرُ إطْلاقِهِ. ومِنهُ: دَواءٌ نافِعٌ، ونَفَعَنِي فُلانٌ. فالنَّفْعُ بِالمَعْنى الأوَّلِ في الآيَةِ يُفِيدُ القَبُولَ مِنَ الشّافِعِ لِشَفاعَتِهِ، وبِالمَعْنى الثّانِي يُفِيدُ انْتِفاعَ المَشْرُوعِ لَهُ بِالشَّفاعَةِ، أيْ وُصُولَ النَّفْعِ لَهُ بِانْقِشاعِ ضُرِّ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ كَقَوْلِهِ تَعالى فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ. فَلَمّا عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِلَفْظِ الشَّفاعَةِ الصّالِحِ لِأنْ يُعْتَبَرَ مُضافًا إلى الفاعِلِ أوْ إلى المَفْعُولِ احْتَمَلَ النَّفْعُ أنْ يَكُونَ نَفْعَ الفاعِلِ، أيْ قَبُولُ شَفاعَتِهِ، ونَفْعَ المَفْعُولِ، أيْ قَبُولَ شَفاعَةِ مَن شَفَعَ فِيهِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الشَّفاعَةِ بِاللّامِ دُونَ ”في“ ودُونَ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ زادَ صَلُوحِيَّتَهُ لِلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا ومَشْفُوعًا فِيهِ فَكانَ بِذَلِكَ أوْفَرَ مَعْنًى. فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ اسْتِثْناءٌ مِن جِنْسِ الشَّفاعَةِ المَنفِيِّ بِقَرِينَةِ وُجُودِ اللّامِ ولَيْسَ اسْتِثْناءً مِن مُتَعَلِّقِ ”تَنْفَعُ“ لِأنَّ الفِعْلَ لا يُعَدّى إلى مَفْعُولِهِ بِاللّامِ إلّا إذا تَأخَّرَ الفِعْلُ عَنْهُ فَضَعُفَ عَنِ العَمَلِ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتْ صفحة ١٨٨ اللّامُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً عَلى الشّافِعِ، وأنَّ ”مَنِ“ المَجْرُورَةَ بِاللّامِ صادِقَةٌ عَلى الشّافِعِ، أيْ لا تُقْبَلُ شَفاعَةٌ إلّا شَفاعَةٌ كائِنَةٌ لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ، أيْ أذِنَ لَهُ بِأنْ يَشْفَعَ فاللّامُ لِلْمِلْكِ فَقَوْلُكَ: الكَرَمُ لِزَيْدٍ، أيْ هو كَرِيمٌ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ. وأنْ تَكُونَ اللّامُ داخِلَةً عَلى المَشْفُوعِ فِيهِ، و”مَن“ صادِقَةً عَلى مَشْفُوعٍ فِيهِ، أيْ إلّا شَفاعَةً لِمَشْفُوعٍ أذِنَ اللَّهُ الشّافِعِينَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ أيْ لِأجْلِهِ فاللّامُ لِلْعِلَّةِ كَقَوْلِكَ: قُمْتُ لِزَيْدٍ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى. وإنَّما جِيءَ بِنَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى غَيْرِ ما نُظِمَتْ عَلَيْهِ غَيْرُها لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا إبْطالُ رَجائِهِمْ أنْ تَشْفَعَ لَهم آلِهَتُهم عِنْدَ اللَّهِ فَيَنْتَفِعُوا بِشَفاعَتِها، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ تَوْبِيخٌ وتَعْجِيزٌ لَهم في دَعْوَتِهِمُ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ فاقْتَضَتْ إبْطالَ الدَّعْوَةِ والمَدْعُوِّ. وقَدْ جَمَعَتِ الآيَةُ نَفْيَ جَمِيعِ أصْنافِ التَّصَرُّفِ عَنْ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ كَما جَمَعَتْ نَفْيَ أصْنافِ الآلِهَةِ المَعْبُودَةِ عِنْدَ العَرَبِ، لِأنَّ مِنَ العَرَبِ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وهي في زَعْمِهِمْ مُسْتَقِرَّةٌ في السَّماواتِ تُدَبِّرُ أُمُورَ أهْلِ الأرْضِ فَأبْطَلَ هَذا الزَّعْمَ قَوْلُهُ ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، فَأمّا في السَّماواتِ فَبِاعْتِرافِهِمْ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَصَرَّفُ في السَّماواتِ وإنَّما تَصَرُّفُها في الأرْضِ وأمّا في الأرْضِ فَبِقَوْلِهِ ولا في الأرْضِ. ومِنَ العَرَبِ عَبْدَةُ أصْنامٍ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ جَعَلَها اللَّهُ شُفَعاءَ لِأهْلِ الأرْضِ فَنَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أذِنَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وفِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِثْلَ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ. والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ”لَهُ“ في مَوْضِعِ نائِبِ الفاعِلِ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ”حَتّى“ ابْتِدائِيَّةٌ وهي تُفِيدُ ارْتِباطَ ما بَعْدَها بِما قَبْلَها لا مَحالَةَ فالضَّمائِرُ الَّتِي في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ حَتّى عائِدَةٌ عَلى ما يَصْلُحُ لَها في الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ أفادَتْ ”حَتّى“ الغايَةَ بِأصْلِ وضْعِها، وهي هُنا غايَةٌ لِما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ مِن أنَّ هُنالِكَ إذْنًا يَصْدُرُ مِن جانِبِ صفحة ١٨٩ القُدْسِ يَأْذَنُ اللَّهُ بِهِ ناسًا مِنَ الأخْيارِ بِأنْ يَشْفَعُوا كَما جاءَ تَفْصِيلُ بَعْضِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وأنَّ الَّذِينَ يَرْجُونَ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِمْ يَنْتَظِرُونَ مِمَّنْ هو أهْلٌ لِأنْ يَشْفَعَ وهم في فَزَعٍ مِنَ الإشْفاقِ أنْ لا يُؤْذَنَ بِالشَّفاعَةِ فِيهِمْ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ لِمَن شاءَ أنْ يَشْفَعَ زالَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ واسْتَبْشَرُوا إذْ أنَّهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِ الَّذِينَ قُبِلَتِ الشَّفاعَةُ فِيهِمْ، أيْ وأيِسَ المُجْرِمُونَ مِن قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ. وهَذا مِنَ الحَذْفِ المُسَمّى بِالِاكْتِفاءِ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الشَّيْءِ عَنْ ذِكْرِ نَظِيرِهِ أوْ ضِدِّهِ، وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ اقْتِصارٌ عَلى ما يَسُرُّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ. وقَدْ طُوِيَتْ جُمَلٌ مِن وراءِ ”حَتّى“، والتَّقْدِيرُ: إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ ويَوْمَئِذٍ يَبْقى النّاسُ مُرْتَقِبِينَ الإذْنَ لِمَن يَشْفَعُ، فَزِعِينَ مِن أنْ لا يُؤْذَنَ لِأحَدٍ زَمَنًا يَنْتَهِي بِوَقْتِ زَوالِ الفَزَعِ عَنْ قُلُوبِهِمْ حِينَ يُؤْذَنُ لِلشّافِعِينَ بِأنْ يَشْفَعُوا، وهو إيجازُ حَذْفٍ. و”إذا“ ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو مُضافٌ إلى جُمْلَةِ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا. وفُزِّعَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ الزّايِ مُشَدَّدَةً، وهو مُضاعَفُ ”فُزِعَ“ . والتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلْإزالَةِ مِثْلَ: قُشِّرَ العُودُ، ومَرِضَ المَرِيضُ إذا باشَرَ عِلاجَهُ، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ لِتَعْظِيمِ ذَلِكَ التَّفْزِيعِ بِأنَّهُ صادِرٌ مِن جانِبٍ عَظِيمٍ، فَفِيهِ جانِبُ الآذِنِ فِيهِ، وجانِبُ المُبَلِّغِ لَهُ وهو المَلَكُ. والتَّفْزِيعُ يَحْصُلُ لَهم بِانْكِشافٍ إجْمالِيٍّ يُلْهَمُونَهُ فَيَعْلَمُونَ بِأنَّ اللَّهَ أذِنَ بِالشَّفاعَةِ ثُمَّ يَتَطَلَّبُونَ التَّفْصِيلَ بِقَوْلِهِمْ ماذا قالَ رَبُّكم لِيَعْلَمُوا مَن أذِنَ لَهُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وهَذا كَما يُكَرِّرُ النَّظَرَ ويُعاوِدُ المُطالَعَةَ مَن يَنْتَظِرُ القَبُولَ، أوْ هم يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَشْيَةِ فَإنَّهم إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ تَساءَلُوا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ بِما اسْتَبْشَرُوا بِهِ فَيُجابُونَ أنَّهُ قالَ الحَقَّ. فَضَمِيرُ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم عائِدٌ عَلى بَعْضِ مَدْلُولِ قَوْلِهِ لِمَن أذِنَ لَهُ. وهُمُ الَّذِينَ أُذِنَ لِلشُّفَعاءِ لِقَبُولِ شَفاعَتِهِمْ مِنهم وهم يُوَجِّهُونَ هَذا الِاسْتِفْهامَ إلى المَلائِكَةِ الحافِّينَ، وضَمِيرُ قالُوا الحَقَّ عائِدٌ إلى المَسْئُولِينَ وهُمُ المَلائِكَةُ. ويَظْهَرُ أنَّ كَلِمَةَ ”الحَقَّ“ وقَعَتْ حِكايَةً لِمَقُولِ اللَّهِ بِوَصْفٍ يَجْمَعُ مُتَنَوَّعَ صفحة ١٩٠ أقْوالِ اللَّهِ تَعالى حِينَئِذٍ مِن قَبُولِ شَفاعَةٍ في بَعْضِ المَشْفُوعِ فِيهِمْ ومِن حِرْمانٍ لِغَيْرِهِمْ كَما يُقالُ: ماذا قالَ القاضِي لِلْخَصْمِ ؟ فَيُقالُ: قالَ الفَصْلَ. فَهَذا حِكايَةٌ لِمَقُولِ اللَّهِ بِالمَعْنى. وانْتِصابُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ”قالُوا“ يَتَضَمَّنُ مَعْنى المَلامِ، أيْ قالَ الكَلامَ الحَقَّ، كَقَوْلِهِ: وقَصِيدَةٍ تَأْتِي المُلُوكَ غَرِيبَةً ∗∗∗ قَدْ قُلْتُها لِيُقالَ مَن ذا قالَها هَذا هو المَعْنى الَّذِي يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الآيَةِ ويَلْتَئِمُ مَعَ مَعانِيها. وقَدْ ذَهَبَتْ في تَفْسِيرِها أقْوالُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ طَرائِقَ قِدَدًا، وتَفَرَّقُوا بَدَدًا بَدَدًا. و”ذا“ مِن قَوْلِهِ ”ماذا“ إشارَةٌ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ المَوْصُولِ لِأنَّ أصْلَ: ماذا قالَ: ما هَذا الَّذِي قالَ، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِدُونِ ذِكْرِ اسْمِ المَوْصُولِ قِيلَ أنَّ ”ذا“ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ تَصِيرُ اسْمَ مَوْصُولٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَوْصُولُ بَعْدَها كَقَوْلِهِ تَعالى مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ فَزَّعَ بِفَتْحِ الفاءِ وفَتْحِ الزّايِ مُشَدَّدَةً بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ فَزَّعَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ. وقَدْ ورَدَ في أحادِيثِ الشَّفاعَةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِآدَمَ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ مِن ذُرِّيَّتِكَ» وفي حَدِيثِ أنَسٍ في شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأهْلِ المَحْشَرِ كُلِّهِمْ لِيَدْخُلْ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ. وفِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ أبَوْا أنْ يَشْفَعُوا وأنَّ أهْلَ المَحْشَرِ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ وأنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في ذَلِكَ فَقالَ لَهُ سَلْ تُعْطَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَشْفَعُ لِعَمِّهِ أبِي طالِبٍ فَيُجْعَلُ في ضِحْضاحٍ مِن نارٍ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ تَغْلِي مِنهُ أُمُّ دِماغِهِ» . وجُمْلَةُ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ تُتِمُّ جَوابَ المُجِيبِينَ، عَطَفُوا تَعْظِيمَ اللَّهِ بِذِكْرِ صِفَتَيْنِ مِن صِفاتِ جَلالِهِ وهُما صِفَةُ العَلِيُّ وصِفَةُ الكَبِيرُ. والعُلُوُّ: عُلُوُّ الشَّأْنِ الشّامِلُ لِمُنْتَهى الكَمالِ في العِلْمِ. والكِبْرُ: العَظَمَةُ المَعْنَوِيَّةُ، وهي مُنْتَهى القُدْرَةِ والعَدْلِ والحِكْمَةِ وتَخْصِيصُ هاتَيْنِ صفحة ١٩١ الصِّفَتَيْنِ لِمُناسَبَةِ مَقامِ الجَوابِ، أيْ قَدْ قَضى بِالحَقِّ لِكُلِّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ حالُ أحَدٍ ولا يَعُوقُهُ عَنْ إيصالِهِ إلى حَقِّهِ عائِقٌ ولا يَجُوزُ دُونَهُ حائِلٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في قَوْلِهِ وأنَّ اللَّهَ هو العَلِيُّ الكَبِيرُ في سُورَةِ الحَجِّ. واعْلَمْ أنَّهُ ورَدَ في صِفَةِ تَلَقِّي المَلائِكَةِ الوَحْيَ أنَّ مَن يَتَلَقّى مِنَ المَلائِكَةِ الوَحْيَ يَسْألُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذا الكَلامِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّ نَبِيءَ اللَّهِ ﷺ قالَ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتْ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» اهـ. فَمَعْنى قَوْلِهِ في الحَدِيثِ: ”قَضى“ صَدَرَ مِنهُ أمْرُ التَّكْوِينِ الَّذِي تَتَوَلّى المَلائِكَةُ تَنْفِيذَهُ، وقَوْلُهُ في الحَدِيثِ ”في السَّماءِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”قَضى“ بِمَعْنى أوْصَلَ قَضاءَهُ إلى السَّماءِ حَيْثُ مَقَرُّ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ خُضْعانًا لِقَوْلِهِ أيْ خَوْفًا وخَشْيَةً، وقَوْلُهُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ أيْ أُزِيلَ الخَوْفُ عَنْ نُفُوسِهِمْ. وفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ مِنَ التِّرْمِذِيِّ «إذا قَضى رَبُّنا أمْرًا سَبَّحَ لَهُ حَمَلَةُ العَرْشِ ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم قالَ ثُمَّ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ» الحَدِيثَ. وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّهُ المُرادُ في آيَةِ سُورَةِ سَبَأٍ وإنَّما هَذِهِ صِفَةُ تَلَقِّي المَلائِكَةِ أمْرَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَكانَتْ أقْوالُهم عَلى سُنَّةٍ واحِدَةٍ. ولَيْسَ تَخْرِيجُ البُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ هَذا الحَدِيثَ في الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ سُورَةِ سَبَأٍ مُرادًا بِهِ أنَّهُ وارِدٌ في ذَلِكَ، وإنَّما يُرِيدُ أنَّ مِن صُوَرِ مَعْناهُ ما ذُكِرَ في سُورَةِ سَبَأٍ. وهَذا يُغْنِيكَ عَنِ الِالتِجاءِ إلى تَكَلُّفاتٍ تَعَسَّفُوها في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وتَعَلُّقِها بِما قَبْلَها.

سبأ 34:24

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ انْتِقالٌ مِن دَمْغِ المُشْرِكِينَ بِضَعْفِ آلِهَتِهِمْ وانْتِفاءِ جَدْواها عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى إلْزامِهِمْ بُطْلانَ عِبادَتِها بِأنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِأنَّ مُسْتَحِقَّ العِبادَةِ هو الَّذِي يَرْزُقُ عِبادَهُ فَإنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ ولا يَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ إلّا المُنْعِمُ صفحة ١٩٢ وهَذا احْتِجاجٌ بِالدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ يَسْتَلْزِمُ انْفِرادَهُ بِإلَهِيَّتِهِ إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفَرِدَ بِبَعْضِ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ ويُشارَكَ في بَعْضٍ آخَرَ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ حَقِيقَةٌ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ والتَّبْعِيضَ. وأُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ فَإنَّ أصْلَ الأمْرِ بِالقَوْلِ في مَقامِ التَّصَدِّي لِلتَّبْلِيغِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ، وإعادَةُ ذَلِكَ الأمْرِ زِيادَةٌ في الِاهْتِمامِ. و”مَنِ“ اسْتِفْهامٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِالجَوابِ مِن طَرَفِ السّائِلِ بِقَوْلِهِ قُلِ اللَّهُ لِتَحَقُّقِ أنَّهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ الجَوابَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمْ مَن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ إلى قَوْلِهِ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ في سُورَةِ يُونُسَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ صَدْرِ الآيَةِ في سُورَةِ الرَّعْدِ. وعَطْفٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ إبْرازُ المَقْصِدِ بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ تُوقِعُ الخَصْمَ في شَرَكِ المَغْلُوبِيَّةِ وذَلِكَ بِتَرْدِيدِ حالَتَيِ الفَرِيقَيْنِ بَيْنَ حالَةِ هُدًى وحالَةِ ضَلالٍ لِأنَّ حالَةَ كُلِّ فَرِيقٍ لَمّا كانَتْ عَلى الضِّدِّ مِن حالِ الفَرِيقِ الآخَرِ بَيْنَ مُوافَقَةِ الحَقِّ وعَدَمِها، تَعَيَّنَ أنَّ أمْرَ الضَّلالِ والهُدى دائِرٌ بَيْنَ الحالَتَيْنِ لا يَعْدُوانِهِما. ولِذَلِكَ جِيءَ بِحَرْفِ ”أوِ“ المُفِيدِ لِلتَّرْدِيدِ المُنْتَزَعِ مِنَ الشَّكِّ. وهَذا اللَّوْنُ مِنَ الكَلامِ يُسَمّى الكَلامَ المُنْصِفَ وهو أنْ لا يَتْرُكَ المُجادِلُ لِخَصْمِهِ مُوجِبَ تَغَيُّظٍ واحْتِدادٍ في الجِدالِ، ويُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ إرْخاءَ العِنانِ لِلْمُناظِرِ ومَعَ ذَلِكَ فَقَرِينَةُ إلْزامِهِمُ الحُجَّةَ قَرِينَةٌ واضِحَةٌ. ومِن لَطائِفِهِ هُنا أنِ اشْتَمَلَ عَلى إيماءٍ إلى تَرْجِيحِ أحَدِ الجانِبَيْنِ في أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ بِطَرِيقِ مُقابَلَةِ الجانِبَيْنِ في تَرْتِيبِ الحالَتَيْنِ بِاللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ وهو أصْلُ اللَّفِّ. فَإنَّهُ ذَكَرَ ضَمِيرَ جانِبِ المُتَكَلِّمِ وجَماعَتِهِ وجانِبِ المُخاطَبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الهُدى وحالَ الضَّلالِ عَلى تَرْتِيبِ ذِكْرِ الجانِبَيْنِ، فَأوْمَأ إلى أنَّ الأوَّلِينَ مُوَجَّهُونَ إلى الهُدى والآخِرِينَ مُوَجَّهُونَ إلى الضَّلالِ المُبِينِ، لا سِيَّما بَعْدَ قَرِينَةِ الِاسْتِفْهامِ، وهَذا أيْضًا مِنَ التَّعْرِيضِ، وهو أوْقَعُ مِنَ التَّصْرِيحِ لا سِيَّما في اسْتِنْزالِ طائِرِ الخَصْمِ. وفِيهِ أيْضًا تَجاهُلُ العارِفِ فَقَدِ التَأمَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ثَلاثَةُ مُحَسِّناتٍ مِنَ البَدِيعِ ونُكْتَةٌ مِنَ البَيانِ فاشْتَمَلَتْ عَلى أرْبَعِ خُصُوصِيّاتٍ. صفحة ١٩٣ وجِيءَ في جانِبِ أصْحابِ الهُدى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المُسْتَعارِ لِلتَّمَكُّنِ تَمْثِيلًا لِحالِ المُهْتَدِي بِحالِ مُتَصَرِّفٍ في فَرَسِهِ يُرْكِضُهُ حَيْثُ شاءَ مُتَمَكِّنٌ مِن شَيْءٍ بَلَغَ بِهِ مَقْصِدَهُ. وهي حالَةٌ مُماثِلَةٌ لِحالِ المُهْتَدِي عَلى بَصِيرَةٍ فَهو يَسْتَرْجِعُ مَناهِجَ الحَقِّ في كُلِّ صَوْبٍ. مُتَّسِعَ النَّظَرِ، مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ: فَفِيهِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ. وجِيءَ في جانِبِ الضّالِّينَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ المُسْتَعارِ لِشِدَّةِ التَّلْبِيسِ بِالوَصْفِ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في إحاطَةِ الضَّلالِ بِهِمْ بِحالِ الشَّيْءِ في ظَرْفٍ مُحِيطٍ بِهِ لا يَتْرُكُهُ يُفارِقُهُ ولا يَتَطَلَّعُ مِنهُ عَلى خِلافِ ما هو فِيهِ مِن ضِيقٍ يُلازِمُهُ. وفِيهِ أيْضًا تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا. فَحَصَلَ في الآيَةِ أرْبَعُ اسْتِعاراتٍ وثَلاثَةُ مُحَسِّناتٍ مِنَ البَدِيعِ وأُسْلُوبٌ بَيانِيٌّ، وحُجَّةٌ قائِمَةٌ، وهَذا إعْجازٌ بَدِيعٌ. ووَصْفُ الضَّلالِ بِالمُبِينِ دُونَ وصْفِ الهُدى بِالمُبِينِ لِأنَّ حَقِيقَةَ الهُدى مَقُولٌ عَلَيْها بِالتَّواطُؤِ وهو مَعْنى قَوْلِ أصْحابِنا الأشاعِرَةِ: الإيمانُ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ في ذاتِهِ وإنَّما زِيادَتُهُ بِكَثْرَةِ الطّاعاتِ، وأمّا الكُفْرُ فَيَكُونُ بِإنْكارِ بَعْضِ المُعْتَقَداتِ وبِإنْكارِ جَمِيعِها وكُلُّ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الكُفْرُ. ولِذَلِكَ قِيلَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ: فَوَصَفَ كُفْرَهم بِأنَّهُ أشَدُّ الكُفْرِ، فَإنَّ المُبِينَ هو الواضِحُ في جِنْسِهِ البالِغُ غايَةَ حَدِّهِ.

سبأ 34:25

﴿قُلْ لا تُسْألُونَ عَمّا أجْرَمْنا ولا نُسْألُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . أُعِيدَ الأمْرُ بِأنْ يَقُولَ لَهم مَقالًا آخَرَ إعادَةً لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا واسْتِدْعاءً لِأسْماءِ المُخاطَبِينَ بِالإصْغاءِ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ يَتَضَمَّنُ بَيانًا لِلْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فُصِلَتْ جُمْلَةُ الأمْرِ بِالقَوْلِ عَنْ أُخْتِها إذْ لا يُعْطَفُ البَيانُ عَلى المُبِينِ بِحَرْفِ النَّسَقِ، فَإنَّهُ لَمّا رَدَّدَ أمْرَ الفَرِيقَيْنِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ أحَدُهُما عَلى هُدًى والآخَرُ في ضَلالٍ وكانَ الضَّلالُ يَأْتِي بِالإجْرامِ صفحة ١٩٤ اتَّسَعَ بِالمُحاجَّةِ فَقِيلَ لَهم: إذا نَحْنُ أجْرَمْنا فَأنْتُمْ غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِجُرْمِنا وإذا عَمِلْتُمْ عَمَلًا فَنَحْنُ غَيْرُ مُؤاخَذِينَ بِهِ، أيْ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مُؤاخَذٌ وحْدَهُ بِعَمَلِهِ فالأجْدى بِكِلا الفَرِيقَيْنِ أنْ يَنْظُرَ كُلٌّ في أعْمالِهِ وأعْمالِ ضِدِّهِ لِيَعْلَمَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالفَوْزِ والنَّجاةِ عِنْدَ اللَّهِ. وأيْضًا فُصِلَتْ لِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها لِيَخُصَّها السّامِعُ بِالتَّأمُّلِ في مَدْلُولِها فَيَجُوزُ أنْ تُعْتَبَرَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهي مَعَ ذَلِكَ اعْتِراضٌ بَيِّنٌ أثْناءَ الِاحْتِجاجِ. فَمَعْنى ”لا تُسْألُونَ، ولا نُسْألُ“ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ لَهُ خُوَيِّصَتُهُ. والسُّؤالُ: كِنايَةٌ عَنْ أثَرِهِ وهو الثَّوابُ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ والجَزاءُ عَلى الإجْرامِ بِمِثْلِهِ كَما هو في قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولُ أرادَ ومُؤاخَذٌ بِما سَبَقَ مِنكَ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: لَذاكَ أهْيَبُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ وإسْنادُ الإجْرامِ إلى جانِبِ المُتَكَلِّمِ ومَن مَعَهُ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِ المُخاطَبِينَ، وقالَ تَعالى وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ كانَ المُشْرِكُونَ يُؤَنِّبُونَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم خاطِئُونَ في تَجَنُّبِ عِبادَةِ أصْنامِ قَوْمِهِمْ. وهَذِهِ نُكْتَةُ صَوْغِهِ في صِيغَةِ الماضِي لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ. وصِيغَ ما يَعْمَلُ المُشْرِكُونَ في صِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّهم يَنْتَظِرُونَ مِنهم عَمَلًا تَعْرِيضًا بِأنَّهم يَأْتُونَ عَمَلًا غَيْرَ ما عَمِلُوهُ، أيْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ بَعْدَ كُفْرِهِمْ. وهَذا ضَرْبٌ مِنَ المُشارَكَةِ والمُوادَعَةِ لِيَخْلُوا بِأنْفُسِهِمْ فَيَنْظُرُوا في أمْرِهِمْ ولا يُلْهِيَهِمْ جِدالُ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِعْراضِ ومُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ وأسْنَدُوا العَمَلَ عَلى إطْلاقِهِ في جانِبِ المُخاطَبِينَ لِأنَّ النَّظَرَ والتَّدَبُّرَ بَعْدَ ذَلِكَ يَكْشِفُ عَنْ كُنْهِ كِلا العَمَلَيْنِ. ولَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ تَعَلُّقٌ بِمُشارَكَةِ القِتالِ فَلا تُجْعَلُ مَنسُوخَةً بِآياتِ القِتالِ.

سبأ 34:26

صفحة ١٩٥ ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ وهْوَ الفَتّاحُ العَلِيمُ﴾ إعادَةُ فِعْلِ ”قُلْ“ لِما عَرَفْتَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مِن زِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُحاجّاتِ لِتَكُونَ كُلُّ مُجادَلَةٍ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وأيْضًا فَهي بِمَنزِلَةِ البَيانِ لِلَّتِي قَبْلَها لِأنَّ نَفْيَ سُؤالِ كُلِّ فَرِيقٍ عَنْ عَمَلِ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أنَّ هُنالِكَ سُؤالًا عَنْ عَمَلِ نَفْسِهِ فَبَيَّنَ بِأنَّ الَّذِي يَسْألُ النّاسَ عَنْ أعْمالِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى، وأنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالحَقِّ حِينَ يَجْمَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي هم مُنْكِرُوهُ فَما ظَنُّكَ بِحالِهِمْ يَوْمَ تَحَقُّقِ ما أنْكَرُوهُ. وهُنا تَدَرَّجَ الجَدَلُ مِنَ الإيماءِ إلى الإشارَةِ القَرِيبَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ لِما في إثْباتِ يَوْمِ الحِسابِ والسُّؤالِ مِنَ المُصارَحَةِ بِأنَّهُمُ الضّالُّونَ. ويُسَمّى هَذا التَّدَرُّجُ عِنْدَ أهْلِ الجَدَلِ بِالتَّرَقِّي. والفَتْحُ الحُكْمُ والفَصْلُ بِالحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩] وهو مَأْخُوذٌ مِن فَتْحِ الكُوَّةِ لِإظْهارِ ما خَلْفَها. وجُمْلَةُ وهو الفَتّاحُ العَلِيمُ تَذْيِيلٌ بِوَصْفِهِ تَعالى بِكَثْرَةِ الحُكْمِ وقُوَّتِهِ وإحاطَةِ العِلْمِ، وبِذَلِكَ كانَ تَذْيِيلًا لِجُمْلَةِ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ المُتَضَمِّنَةِ حُكْمًا جُزْئِيًّا فَذَيَّلَ بِوَصْفٍ كُلِّيٍّ، وإنَّما أتْبَعَ الفَتّاحَ بِـ العَلِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لِأنَّهُ عَلِيمٌ لا تَحُفُّ بِحُكْمِهِ أسْبابُ الخَطَأِ والجَوْرِ النّاشِئِ عَنِ الجَهْلِ والعَجْزِ واتِّباعِ الضَّعْفِ النَّفْسانِيِّ النّاشِئِ عَنِ الجَهْلِ بِالأحْوالِ والعَواقِبِ.

سبأ 34:27

صفحة ١٩٦ ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ رابِعَ مَرَّةٍ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ وهو رُجُوعٌ إلى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ فَهو كالنَّتِيجَةِ لِجُمْلَةِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ”أرُونِي“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، وهو تَعْجِيزٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ إبْداءِ حُجَّةٍ لِإشْراكِهِمْ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ بِدَلِيلِ النَّظِيرِ في قَوْلِهِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم إلى إبْطالِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البَداهَةِ. وقَدْ سَلَكَ مِن طُرُقِ الجَدَلِ أنَّ طَرِيقَ الِاسْتِفْسارِ، والمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الجَدَلِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْسارُ مُقَدَّمًا عَلى طَرائِقِ المُناظَرَةِ وإنَّما أُخِّرَ هُنا لِأنَّهُ كانَ مُفْضِيًا إلى إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ بِحَذافِرِها فَأُرِيدَ تَأْخِيرُهُ لِئَلّا يَفُوتَ افْتِضاحُ الخَصْمِ بِالأدِلَّةِ السّابِقَةِ تَبْسِيطًا لِبِساطِ المُجادَلَةِ حَتّى يَكُونَ كُلُّ دَلِيلٍ مُنادِيًا عَلى غَلَطِ الخُصُومِ وباطِلِهِمْ. وافْتِضاحُ الخَطَأِ مِن مَقاصِدِ المُناظِرِ الَّذِي قامَتْ حُجَّتُهُ. والإراءَةُ هُنا مِن الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِالأصالَةِ، والثّانِي بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ. والمَقْصُودُ: أرُونِي شُخُوصَهم لِنُبْصِرَ هَلْ عَلَيْها ما يُناسِبُ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، أيْ أنَّ كُلَّ مَن يُشاهِدُ الأصْنامَ بادِئَ مَرَّةٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّها خَلِيَّةٌ عَنْ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ إذْ يَرى حِجارَةً لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَفْقَهُ لِأنَّ انْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنِ الأصْنامِ بَدِيهِيٌّ ولا يَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن رُؤْيَةِ حالِها كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ: أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ والتَّعْبِيرُ عَنِ المَرْئِيِّ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى خَطَئِهِمْ في جَعْلِهِمْ إيّاهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في الرُّبُوبِيَّةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّيِّبِ: إنَّ الَّذِينَ تَرُونَهم إخْوانَكم ∗∗∗ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا وفِي جَعْلِ الصِّلَةِ ”ألْحَقْتُمْ“ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً بِالإلَهِيَّةِ وصْفًا ذاتِيًّا حَقًّا ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ ألْحَقُوها بِاللَّهِ تَعالى، فَتِلْكَ خُلْعَةٌ خَلَعَها عَلَيْهِمْ أصْحابُ الأهْواءِ. وتِلْكَ حالَةٌ تُخالِفُ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وهَذا الإلْحاقُ اخْتَرَعَهُ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ العَرَبِ مِن قَبْلُ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن جُمْلَةِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ. وانْتَصَبَ ”شُرَكاءَ“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ. والمَعْنى: شُرَكاءَ لَهُ. صفحة ١٩٧ ولَمّا أعْرَضَ عَنِ الخَوْضِ في آثارِ هَذِهِ الإراءَةِ عُلِمَ أنَّهم مُفْتَضَحُونَ عِنْدَ تِلْكَ الإراءَةِ فَقُدِّرَتْ حاصِلَةٌ، وأُعْقِبَ طَلَبُ تَحْصِيلِها بِإثْباتِ أثَرِها وهو الرَّدْعُ عَنِ اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها، وإبْطالُها عَنْهم بِإثْباتِها لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفَيِ الرَّدْعِ والإبْطالِ ثُمَّ الِانْتِقالِ إلى تَعْيِينِ الإلَهِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ كَلّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ. وضَمِيرُ هو اللَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى الشَّأْنِ والعَزِيزُ الحَكِيمُ خَبَرانِ، أيْ بَلِ الشَّأْنُ المُهِمُّ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ لا آلِهَتُكم، فَفي الجُمْلَةِ قَصْرُ العِزَّةِ والحُكْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى كِنايَةً عَنْ قَصْرِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرَ إفْرادٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الإلَهِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ وهو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُسْتَحْضَرِ في الذِّهْنِ وهو اللَّهُ. وتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ (اللَّهُ) فاسْمُ الجَلالَةِ عَطْفُ بَيانٍ. والعَزِيزُ الحَكِيمُ خَبَرانِ عَنِ الضَّمِيرِ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ الوَجْهِ الأوَّلِ يَظْهَرُ في اخْتِلافِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ واخْتِلافِ مَوْقِعِ اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَهُ، واخْتِلافِ مَوْقِعِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. والعِزَّةُ: الِاسْتِغْناءُ عَنِ الغَيْرِ. والحَكِيمُ: وصْفٌ مِنَ الحِكْمَةِ وهي مُنْتَهى العِلْمِ، أوْ مِنَ الإحْكامِ وهو إتْقانُ الصُّنْعِ، شاعَ في الأمْرَيْنِ. وهَذا إثْباتٌ لِافْتِقارِ أصْنامِهِمْ وانْتِفاءِ العِلْمِ عَنْها. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.

سبأ 34:28

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انْتِقالٌ مِن إبْطالِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ في أمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى إبْطالِ ضَلالِهِمْ في شَأْنِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ مِنَ الأمْرِ بِمُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ إلى الإخْبارِ بِرِسالَةِ النَّبِيءِ ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ بِتَوْجِيهِ هَذا الإخْبارِ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ إلَيْهِ، ويَحْصُلُ إبْطالُ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ. صفحة ١٩٨ وفِي هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإثْباتُ عُمُومِها عَلى مُنْكِرِيها مِنَ اليَهُودِ. فَإنَّ ”كافَّةً“ مِن ألْفاظِ العُمُومِ ووَقَعَتْ هُنا حالًا مِنَ النّاسِ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الأحْوالِ وهي حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . وذَكَرْنا أنَّ التَّحْقِيقَ: أنَّ كافَّةً يُوصَفُ بِهِ العاقِلُ وغَيْرُهُ وأنَّهُ تَعْتَوِرُهُ وُجُوهُ الإعْرابِ كَما هو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وشَهِدَ لَهُ القُرْآنُ والِاسْتِعْمالُ خِلافًا لِابْنِ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وأنَّ ما شُدِّدَ بِهِ التَّنْكِيرُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَهْوِيلٌ وتَضْيِيقٌ في الجَوازِ. والتَّقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: وما أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ إلّا كافَّةً. وقَدَّمَ الحالَ عَلى صاحِبِهِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِأنَّها تَجْمَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرِسالَتِهِ كُلِّهِمْ. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ جائِزٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ وإنْ أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى حَرْفِ الجَرِّ فَجَعَلَ ”كافَّةً“ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ إرْسالَهُ كافَّةً، أيْ عامَّةً. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وقالَ: قَدْ جَوَّزَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وابْنُ كَيْسانَ. وقُلْتُ: وجَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والرَّضِيُّ. وجَعَلَ الزَّجّاجُ ”كافَّةً“ هُنا حالًا مِنَ الكافِ في أرْسَلْناكَ وفَسَّرَهُ بِمَعْنى جامِعٍ لِلنّاسِ في الإنْذارِ والإبْلاغِ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ التّاءِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ العَلّامَةِ والرّاوِيَةِ وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المُسْتَثْنى لِلْغَرَضِ أيْضًا. وقَدِ اشْتَرَكَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ هُنا في إخْراجِ ”كافَّةً“ عَنْ مَعْنى الوَصْفِ بِإفادَةِ الشُّمُولِ الَّذِي هو شُمُولٌ جُزْئِيٌّ في غَرَضٍ مُعَيَّنٍ إلى مَعْنى الجَمْعِ الكُلِّيِّ المُسْتَفادِ مِن وراءِ ذَلِكَ. وهَذا كَمَن يَعْمِدُ إلى كُلٍّ فَيَقُولُ: إنَّكَ كُلٌّ لِلنّاسِ، أيْ جامِعٌ لِلنّاسِ، أوْ يَعْمِدُ إلى ”عَلى“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ الجُزْئِيِّ فَيَسْتَعْمِلُها بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ الكُلِّيِّ فَيَقُولُ: إيّاكَ وعَلى، يُرِيدُ إيّاكَ والِاسْتِعْلاءَ. و”البَشِيرُ النَّذِيرُ“ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فاطر: ٢٤] في البَقَرَةِ. صفحة ١٩٩ وأفادَ تَرْكِيبُ وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ قَصْرَ حالَةِ عُمُومِ الرِّسالَةِ عَلى كافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ أرْسَلْناكَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ تَخْصِيصِ إرْسالِكَ بِأهْلِ مَكَّةَ أوْ بِالعَرَبِ أوْ بِمَن يَجِيئُكَ يَطْلُبُ الإيمانَ والإرْشادَ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ جاءَ مَجْلِسًا هو فِيهِ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: لا أُحْسِنَ مِمّا تَقُولُ أيُّها المَرْءُ ولَكِنِ اقْعُدْ في رَحْلِكَ فَمَن جاءَ فاقْرَأْ عَلَيْهِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إثْباتَ رِسالَتِهِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ إذْ لا يَصْدُقُ ذَلِكَ القَصْرُ إلّا إذا ثَبَتَ أصْلُ رِسالَتِهِ فاقْتَضى ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى المُنْكِرِينَ كُلِّهِمْ سَواءً مَن أنْكَرَ رِسالَتَهُ مِن أصْلِها ومَن أنْكَرَ عُمُومَها وزَعَمَ تَخْصِيصَها. ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ رَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنِ اغْتِرارِ المُغْتَرِّينَ بِكَثْرَةِ عَدَدِ المُنْكِرِينَ رِسالَتَهُ بِأنَّ كَثْرَتَهم تَغُرُّ المُتَأمِّلَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ. ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لا يَعْلَمُونَ ما بَشَّرْتَ بِهِ المُؤْمِنِينَ وما أنْذَرْتَ بِهِ الكافِرِينَ، أيْ يَحْسَبُونَ البِشارَةَ والنِّذارَةَ غَيْرَ صادِقَتَيْنِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ يَعْلَمُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّامِ مَقْصُودًا مِنهُ نَفْيُ صِفَةِ العِلْمِ عَنْهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ جاهِلُونَ قَدْرَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ.

سبأ 34:29

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ كانَ مِن أعْظَمِ ما أنْكَرُوهُ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ القِيامَةُ والبَعْثُ ولِذَلِكَ عَقَّبَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ الرِّسالَةِ بِإبْطالِ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ ”لَكِنَّ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ حَقَّ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ويَتَهَكَّمُونَ فَيَسْألُونَ عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ الَّذِي هو مَظْهَرُ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. وضَمِيرُ يَقُولُونَ عائِدٌ إلى المُحاجِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ صَدَرَتْ عَنْهم هَذِهِ صفحة ٢٠٠ المَقالَةُ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَقُولُونَ تُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن مَقالَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ مَعَ إفادَتِها تَكَرُّرَ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم وتَجَدُّدَهُ. وجُمْلَةُ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ إلى آخِرِها مَسُوقَةٌ مَساقَ الجَوابِ عَنْ مَقالَتِهِمْ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ في القُرْآنِ، وهَذا الجَوابُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيْ أنَّ الأهَمَّ لِلْعُقَلاءِ أنْ تَتَوَجَّهَ هِمَمُهم إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الوَعْدِ في الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ وإنَّهُ لا يُؤَخِّرُهُ شَيْءٌ ولا يُقَدِّمُهُ، وحَسَّنَ هَذا الأُسْلُوبَ أنَّ سُؤالَهم إنَّما أرادُوا بِهِ الكِنايَةَ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِهِ. وفِي هَذا الجَوابِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ مُطابِقًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، ولِذَلِكَ زِيدَ في الجَوابِ كَلِمَةُ ”لَكم“ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المِيعادَ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمُ ابْتِداءً. وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إمّا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعَهُ جَماعَةً يُخْبِرُونَ بِهَذا الوَعْدِ، وإمّا الخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُسْلِمِينَ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الوَعْدِ لِلِاسْتِخْفافِ والتَّحْقِيرِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا تَبْقَ حاجَةٌ لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها وجَوابُ كُنْتُمْ صادِقِينَ دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤالُ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَعَيِّنُوا لَنا مِيقاتَ هَذا الوَعْدِ. وهَذا كَلامٌ صادِرٌ عَنْ جَهالَةٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِشَيْءٍ أنْ يَكُونَ المُخْبِرُ عالِمًا بِوَقْتِ حُصُولِهِ ولَوْ في المُضِيِّ فَكَيْفَ بِهِ في الِاسْتِقْبالِ. وخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في الجَوابِ مِنَ الإتْيانِ بِضَمِيرِ الوَعْدِ الواقِعِ في كَلامِهِمْ إلى الإتْيانِ باسِمٍ ظاهِرٍ وهو مِيعادُ يَوْمٍ لِما في هَذا الِاسْمِ النَّكِرَةِ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي يُوَجِّهُ نُفُوسَ السّامِعِينَ إلى كُلِّ وجْهٍ مُمْكِنٍ في مَحْمَلِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَكُونَ يَوْمُ البَعْثِ أوْ يَوْمًا آخَرَ يَحِلُّ فِيهِ عَذابُ أئِمَّةِ الكُفْرِ وزُعَماءِ المُشْرِكِينَ وهو يَوْمُ بَدْرٍ ولَعَلَّ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ هم أصْحابُ مَقالَةِ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وأفادَ تَنْكِيرُ يَوْمَ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا بِقَرِينَةِ المَقامِ. والمِيعادُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْوَعْدِ فَإضافَتُهُ إلى ظَرْفِهِ بَيانِيَّةٌ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا صفحة ٢٠١ فِي الزَّمانِ وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ بَيانِيَّةٌ لِأنَّ المِيعادَ هو اليَوْمُ نَفْسُهُ. وجُمْلَةُ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً إمّا صِفَةٌ لِـ ”مِيعادُ“ وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ . والِاسْتِئْخارُ والِاسْتِقْدامُ مُبالَغَةٌ في التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقَدَّمَ الِاسْتِئْخارَ عَلى الِاسْتِقْدامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِيعادُ بَأْسٍ وعَذابٍ عَلَيْهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَمَنَّوْا تَأخُّرَهُ، ويَكُونُ ”ولا تَسْتَقْدِمُونَ“ تَتْمِيمًا لِتَحَقُّقِهِ عِنْدَ وقْتِهِ المُعَيَّنِ في عِلْمِ اللَّهِ. والسّاعَةُ: حِصَّةٌ مِنَ الزَّمَنِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.

سبأ 34:30

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ كانَ مِن أعْظَمِ ما أنْكَرُوهُ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ القِيامَةُ والبَعْثُ ولِذَلِكَ عَقَّبَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ الرِّسالَةِ بِإبْطالِ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ ”لَكِنَّ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ حَقَّ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ويَتَهَكَّمُونَ فَيَسْألُونَ عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ الَّذِي هو مَظْهَرُ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ. وضَمِيرُ يَقُولُونَ عائِدٌ إلى المُحاجِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ صَدَرَتْ عَنْهم هَذِهِ صفحة ٢٠٠ المَقالَةُ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَقُولُونَ تُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن مَقالَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ مَعَ إفادَتِها تَكَرُّرَ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم وتَجَدُّدَهُ. وجُمْلَةُ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ إلى آخِرِها مَسُوقَةٌ مَساقَ الجَوابِ عَنْ مَقالَتِهِمْ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ في القُرْآنِ، وهَذا الجَوابُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيْ أنَّ الأهَمَّ لِلْعُقَلاءِ أنْ تَتَوَجَّهَ هِمَمُهم إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الوَعْدِ في الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ وإنَّهُ لا يُؤَخِّرُهُ شَيْءٌ ولا يُقَدِّمُهُ، وحَسَّنَ هَذا الأُسْلُوبَ أنَّ سُؤالَهم إنَّما أرادُوا بِهِ الكِنايَةَ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِهِ. وفِي هَذا الجَوابِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ مُطابِقًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، ولِذَلِكَ زِيدَ في الجَوابِ كَلِمَةُ ”لَكم“ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المِيعادَ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمُ ابْتِداءً. وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إمّا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعَهُ جَماعَةً يُخْبِرُونَ بِهَذا الوَعْدِ، وإمّا الخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُسْلِمِينَ. واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الوَعْدِ لِلِاسْتِخْفافِ والتَّحْقِيرِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ: مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا تَبْقَ حاجَةٌ لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها وجَوابُ كُنْتُمْ صادِقِينَ دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤالُ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَعَيِّنُوا لَنا مِيقاتَ هَذا الوَعْدِ. وهَذا كَلامٌ صادِرٌ عَنْ جَهالَةٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِشَيْءٍ أنْ يَكُونَ المُخْبِرُ عالِمًا بِوَقْتِ حُصُولِهِ ولَوْ في المُضِيِّ فَكَيْفَ بِهِ في الِاسْتِقْبالِ. وخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في الجَوابِ مِنَ الإتْيانِ بِضَمِيرِ الوَعْدِ الواقِعِ في كَلامِهِمْ إلى الإتْيانِ باسِمٍ ظاهِرٍ وهو مِيعادُ يَوْمٍ لِما في هَذا الِاسْمِ النَّكِرَةِ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي يُوَجِّهُ نُفُوسَ السّامِعِينَ إلى كُلِّ وجْهٍ مُمْكِنٍ في مَحْمَلِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَكُونَ يَوْمُ البَعْثِ أوْ يَوْمًا آخَرَ يَحِلُّ فِيهِ عَذابُ أئِمَّةِ الكُفْرِ وزُعَماءِ المُشْرِكِينَ وهو يَوْمُ بَدْرٍ ولَعَلَّ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ هم أصْحابُ مَقالَةِ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وأفادَ تَنْكِيرُ يَوْمَ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا بِقَرِينَةِ المَقامِ. والمِيعادُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْوَعْدِ فَإضافَتُهُ إلى ظَرْفِهِ بَيانِيَّةٌ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا صفحة ٢٠١ فِي الزَّمانِ وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ بَيانِيَّةٌ لِأنَّ المِيعادَ هو اليَوْمُ نَفْسُهُ. وجُمْلَةُ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً إمّا صِفَةٌ لِـ ”مِيعادُ“ وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ . والِاسْتِئْخارُ والِاسْتِقْدامُ مُبالَغَةٌ في التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقَدَّمَ الِاسْتِئْخارَ عَلى الِاسْتِقْدامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِيعادُ بَأْسٍ وعَذابٍ عَلَيْهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَمَنَّوْا تَأخُّرَهُ، ويَكُونُ ”ولا تَسْتَقْدِمُونَ“ تَتْمِيمًا لِتَحَقُّقِهِ عِنْدَ وقْتِهِ المُعَيَّنِ في عِلْمِ اللَّهِ. والسّاعَةُ: حِصَّةٌ مِنَ الزَّمَنِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.

سبأ 34:31

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ لَمّا فاجَأتْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ وأخَذَ أمْرُهُ في الظُّهُورِ قَدْ سَلَكُوا طَرائِقَ مُخْتَلِفَةً لِقَمْعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ لاهِينَ عَنِ الخَوْضِ فِيما سَلَفَ مِنَ الشَّرائِعِ فَلَمّا قَرَعَتْ أسْماعَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُهم: فَقالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وقالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ أنَّهم لَجَأُوا إلى أهْلِ الكِتابِ وهم عَلى مَقْرُبَةٍ مِنهم بِالمَدِينَةِ وخَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ لِيَتَلَقَّوْا مِنهم مُلَقَّناتٍ يُفْحِمُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ فَكانَ أهْلُ الكِتابِ يُمْلُونَ عَلَيْهِمْ كُلَّما لَقُوهم ما عَساهم أنْ يُمَوِّهُوا عَلى النّاسِ عَدَمَ صِحَّةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]، ومَرَّةً يَقُولُونَ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكَثِيرًا ما كانُوا يَحْسَبُونَ مُساواتِهِ لِلنّاسِ في الأحْوالِ البَشَرِيَّةِ مُنافِيَةً لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ مُخْتارًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، وهم لا يُحاجُّونَ بِذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ بِصِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَكِنَّهم يَجْعَلُونَهُ وسِيلَةً لِإبْطالِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا دَمَغَتْهم حُجَجُ القُرْآنِ العَدِيدَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّ مُحَمَّدًا ما هو بِدْعٌ مِنَ الرُّسُلِ وأنَّهُ جاءَ بِمِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَحاجَّهم بِقَوْلِهِ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن صفحة ٢٠٢ عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ الآيَةَ. فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْمُكابَرَةِ في مُساواةِ حالِهِ بِحالَةِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ وأوَوْا إلى مَأْوى الشِّرْكِ الصَّرِيحِ فَلَجَأُوا إلى إنْكارِ رِسالَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ حَتّى لا تَنْهَضَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِمُساواةِ أحْوالِ الرَّسُولِ وأحْوالِ الرُّسُلِ الأقْدَمِينَ، فَكانَ مِن مُسْتَقَرِّ أمْرِهِمْ أنْ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ. وقَدْ كانَ القُرْآنُ حاجَّهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ كَما في سُورَةِ القَصَصِ، أيْ كَفَرَ أمْثالُهم مِن عَبْدَةِ الأصْنامِ وهم قِبْطُ مِصْرَ بِما أُوتِيَ مُوسى وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِقِياسِ المُساواةِ والتَّمْثِيلِ. فَهَذا وجْهُ قَوْلِهِمْ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَدْعُوِّينَ لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابٍ آخَرَ غَيْرِ القُرْآنِ ولَكِنْ جَرى ذَلِكَ في مَجارِي الجِدالِ والمُناظَرَةِ، فَعَدَمُ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ وإنَّما أرادُوا قَطْعَ وسائِلِ الإلْزامِ الجَدَلِيِّ. وهَذِهِ الآيَةُ انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ طَعْنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ. والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ دُونَ تَعْقِيبٍ بِما يُبْطِلُها إيماءٌ إلى أنَّ بُطْلانَها بادٍ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُها حَيْثُ جَمَعَتِ التَّكْذِيبَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وهَذا بُهْتانٌ واضِحٌ. وحِكايَةُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ بِصِيغَةِ الماضِي تُؤْذِنُ بِأنَّهم أقْلَعُوا عَنْها. وجِيءَ بِحَرْفِ ”لَنْ“ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ إيمانِهِمْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى التَّأْبِيدِ تَأْيِيسًا لِلنَّبِيِّ والمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ بِهِ. واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى حاضِرٍ في الأذْهانِ لِأنَّ الخَوْضَ في القُرْآنِ شائِعٌ بَيْنَ النّاسِ مِن مُؤَيِّدٍ ومُنْكَرٍ فَكَأنَّهُ مُشاهَدٌ. ولَيْسَ في اسْمِ الإشارَةِ مَعْنى التَّحْقِيرِ لِأنَّهم ما كانُوا يَنْبِزُونَ القُرْآنَ بِالنُّقْصانِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: إنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ: لا أحْسَنَ مِمّا تَقُولُ أيُّها المَرْءُ، «وأنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ وقالَ لَهُ: هَلْ تَرى بِما أقُولُ بَأْسًا ؟ فَقالَ: لا والدِّماءِ» . وكَيْفَ وقَدْ تَحَدّاهُمُ بِالإتْيانِ صفحة ٢٠٣ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ولَوْ كانُوا يَنْبِزُونَهُ بِنَقْصٍ أوْ سَخَفٍ لَقالُوا: نَحْنُ نَتَرَفَّعُ عَنْ مُعالَجَةِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. ومَعْنى بَيْنَ يَدَيْهِ القَرِيبُ مِنهُ، سَواءً كانَ سابِقًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ» أمْ كانَ جائِيًا بَعْدَهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ (آلِ عِمْرانَ) . ولَيْسَ مُرادًا هُنا لِأنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوضٍ ولا مُدَّعًى. * * * ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أُرْدِفَتْ حِكاياتُ أقْوالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفاءِ أصْنافِها بِذِكْرِ جَزائِهِمْ وتَصْوِيرِ فَظاعَتِهِ بِما في قَوْلِهِ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ الآيَةَ مِنَ الإبْهامِ المُفِيدِ لِلتَّهْوِيلِ. والمُناسَبَةُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِقَوْلِهِ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ الَخْ أتْبَعَهُ بِتَصْوِيرِ حالِهِمْ فِيهِ. والخِطابُ في ولَوْ تَرى لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِتَلَقِّي الخِطابِ مِمَّنْ تَبْلُغُهُ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ ولَوْ يَرى الرّائِي هَذا الوَقْتَ. وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ. وتَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجَبًا. وإذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَرى“ أيْ لَوْ تَرى في الزَّمانِ الَّذِي يُوقَفُ فِيهِ الظّالِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ. والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ إيقافٌ جَمَعَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ دَعَوْهم إلى الإشْراكِ في قَوْلِهِ تَعالى ويَوْمَ صفحة ٢٠٤ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ. والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ اسْمِيَّةً هُنا لِإفادَةِ طُولِ وُقُوفِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طُولًا يَسْتَوْجِبُ الضَّجَرَ ويَمْلَأُ القُلُوبَ رُعْبًا وهو ما أشارَ لَهُ حَدِيثُ أنَسٍ وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ في شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأهْلِ المَحْشَرِ: «تَدْنُو الشَّمْسُ مِن رُءُوسِ الخَلائِقِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَرُّها فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حَتّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا» الحَدِيثَ. وجُمْلَةُ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظّالِمُونَ أوْ مِن ضَمِيرِ مَوْقُوفُونَ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ. ورَجْعُ القَوْلِ: الجَوابُ، ورَجْعُ البَعْضِ إلى البَعْضِ: المُجاوَبَةُ والمُحاوَرَةُ. وهي أنْ يَقُولَ بَعْضُهم كَلامًا ويُجِيبَهُ الآخَرُ عَنْهُ وهَكَذا، شَبَّهَ الجَوابَ عَنِ القَوْلِ بِإرْجاعِ القَوْلِ كَأنَّ المُجِيبَ أرْجَعَ إلى المُتَكَلِّمِ كَلامَهُ بِعَيْنِهِ إذْ كانَ قَدْ خاطَبَهُ بِكِفائِهِ وعَدْلِهِ قالَ بَشّارٌ: وكَأنَّ رَجْعَ حَدِيثِها قَطْعُ الرِّياضِ كُسِينَ زَهْرا أيْ كَأنَّ جَوابَها حَيْثُ تُجِيبُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْجَوابِ رَدٌّ. ورَجْعُ الرَّشْقِ في الرَّمْيِ: ما تَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراشُقِ. * * * ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ وما ذُكِرَ بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ المَحْكِيَّةِ بِأفْعالِ القَوْلِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ لِيَكُونَ البَيانُ كالمُبَيَّنِ بِها لِاسْتِحْضارِ حالَةِ صفحة ٢٠٥ القَوْلِ لِأنَّها حالَةٌ غَرِيبَةٌ لِما فِيها مِن جُرْأةِ المُسْتَضْعَفِينَ عَلى المُسْتَكْبِرِينَ ومِن تَنَبُّهِ هَؤُلاءِ مِن غَفْلَتِهِمْ عَمّا كانَ المُسْتَكْبِرُونَ يَغُرُّونَهم بِهِ حَتّى أوْقَعُوهم في هَذا المَأْزِقِ والسِّينُ والتّاءُ في اسْتُضْعِفُوا لِلْعَدِّ والحُسْبانِ، أيِ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ لا يَؤْبَهُ بِهِمْ وإنَّما يَعُدُّهُمُ النّاسُ كَذَلِكَ لِأنَّهم كَذَلِكَ ويُعْلَمُ أنَّهم يَسْتَضْعِفُونَ أنْفُسَهم بِالأوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ. والضَّعْفُ هُنا الضَّعْفُ المَجازِيُّ وهو حالَةُ الِاحْتِجاجِ في المَهامِّ إلى مَن يَضْطَلِعُ بِشُئُونِهِمْ ويَذُبُّ عَنْهم ويُصَرِّفُهم كَيْفَ يَشاءُ. ومِن مَشْمُولاتِهِ الضَّعَةُ والضَّراعَةُ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِـ ”الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا“، أيْ عَدُّوا أنْفُسَهم كُبَراءَ وهم ما عَدُّوا أنْفُسَهم كُبَراءَ إلّا لِما يَقْتَضِي اسْتِكْبارَهم لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ لَوُصِفُوا بِالغُرُورِ والإعْجابِ الكاذِبِ. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ وفي جانِبِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَعْلُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ. و”لَوْلا“ حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِهِ أيِ انْتِفائِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ فَعُلِمَ أنَّها حَرْفُ شَرْطٍ ولَكِنَّهُمُ اخْتَصَرُوا العِبارَةَ، ومَعْنى: لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ حُصُولِهِ في الوُجُودِ، وهو حَرْفٌ مِنَ الحُرُوفِ المُلازِمَةِ الدُّخُولَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَيَلْزَمُ إيلاؤُهُ اسْمًا ومُبْتَدَأً. وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ في الكَلامِ غالِبًا بِحَيْثُ يَبْقى مِن شَرْطِها اسْمٌ واحِدٌ وذَلِكَ اخْتِصارٌ لِأنَّ حَرْفَ لَوْلا يُؤْذِنُ بِتَعْلِيقِ حُصُولِ جَوابِهِ عَلى وُجُودِ شَرْطِهِ. فَلَمّا كانَ الِاسْمُ بَعْدَها في مَعْنى شَيْءٍ مَوْجُودٍ حَذَفُوا الخَبَرَ اخْتِصارًا. ويُعْلَمُ مِنَ المَقامِ أنَّ التَّعْلِيقَ في الحَقِيقَةِ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الوُجُودُ مَفْهُومَةٍ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الوُجُودُ المُجَرَّدُ لِشَيْءٍ سَبَبًا في وُجُودِ غَيْرِهِ وإنَّما يُؤْخَذُ أخَصُّ أحْوالِهِ المُلازِمَةِ لِوُجُودِهِ. وهَذا المَعْنى عَبَّرَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالوُجُودِ المُطْلَقِ وهي عِبارَةٌ غَيْرُ مُتْقَنَةٍ ومُرادُهم أعْلَقُ أحْوالِ الوُجُودِ بِهِ، وإلّا فَإنَّ الوُجُودَ المُطْلَقَ، أيِ المُجَرَّدَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهِ شَرْطٌ. صفحة ٢٠٦ وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ رَبْطُ التَّعْلِيقِ بِضَمِيرِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فاقْتَضى أنَّ جَمِيعَ أحْوالِ المُسْتَكْبِرِينَ كانَتْ تُدَنْدِنُ حَوْلَ مَنعِهِمْ مِنَ الإيماءِ فَكانَ وجُودُهم لا أثَرَ لَهُ إلّا في ذَلِكَ المَنعِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم فِيما بَعْدَ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ مِن فَرْطِ إلْحاحِهِمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وتَكْرِيرِهِ في مُعْظَمِ الأوْقاتِ، فَكَأنَّهُ اسْتَغْرَقَ وُجُودَهم، لِأنَّ الوُجُودَ كَوْنٌ في أزْمِنَةٍ فَكانَ قَوْلُهم هُنا لَوْلا أنْتُمْ مُبالَغَةً في شِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ. وهَذا وجْهٌ وجِيهٌ في الِاعْتِبارِ البَلاغِيِّ فَمُقْتَضى الحالِ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو حَذْفُ المُشَبَّهِ. واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: مُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى اللَّقَبِيِّ الَّذِي اشْتُهِرَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَكَذَلِكَ لا يُقَدَّرُ لِـ ”مُؤْمِنِينَ“ مُتَعَلِّقٌ.

سبأ 34:32

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى بَعْدَ إذْ جاءَكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ جُرِّدَ فِعْلُ ”قالَ“ عَنِ العاطِفِ لِأنَّهُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ المُجاوَبَةِ، والشَّأْنُ فِيهِ حِكايَةُ القَوْلِ بِدُونِ عَطْفٍ كَما بَيَّنّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْكارِ عَلى قَوْلٍ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ تَبَرُّؤًا مِنهم. وهَذا الإنْكارُ بُهْتانٌ وإنْكارٌ لِلْواقِعِ بَعَثَهُ فِيهِمْ خَوْفُ إلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِمْ وفَرْطُ الغَضَبِ والحَسْرَةِ مِنِ انْتِقاضِ أتْباعِهِمْ عَلَيْهِمْ وزَوالِ حُرْمَتِهِمْ بَيْنَهم فَلَمْ يَتَمالَكُوا أنْ لا يُكَذِّبُوهم ويَذِيلُوا بِتَوْرِيطِهِمْ. وأتى بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ قَبْلَ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في سِياقِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الَّذِي هو في قُوَّةِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ عَلى طَرِيقَةِ: ما أنا قُلْتُ هَذا. والمَعْنى: ما صَدَدْناكم ولَكِنْ صَدَّكم شَيْءٌ آخَرُ وهو المَعْطُوفُ بِـ ”بَلِ“ الَّتِي لِلْإبْطالِ بِقَوْلِهِ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، أيْ ثَبَتَ لَكُمُ الإجْرامُ مِن قَبْلُ، وإجْرامُكم هو الَّذِي صَدَّكم إذْ لَمْ تَكُونُوا عَلى مُقارَبَةِ الإيمانِ فَنَصُدَّكم عَنْهُ ولَكِنَّكم صَدَدْتُمْ وأعْرَضْتُمْ بِإجْرامِكم ولَمْ تَقْبَلُوا دَعْوَةَ الإيمانِ. صفحة ٢٠٧ وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ حالَنا وحالَكم سَواءٌ، كُلُّ فَرِيقٍ يَتَحَمَّلُ تَبِعَةَ أعْمالِهِ فَإنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ كانَ مُعْرِضًا عَنِ الإيمانِ. وهَذا الِاسْتِدْلالُ مُكابَرَةٌ مِنهم وبُهْتانٌ وسَفْسَطَةٌ فَإنَّهم كانُوا يَصُدُّونَ الدَّهْماءَ عَنِ الدِّينِ ويَخْتَلِقُونَ لَهُمُ المَعاذِيرَ. وإنَّما نَفَوْا هُنا أنْ يَكُونُوا مُحَوِّلِينَ لَهم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ تَقَلُّدِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ هو المُدَّعى. فَمَوْقِعُ السَّفْسَطَةِ هو قَوْلُهم بَعْدَ إذْ جاءَكم لِأنَّ المَجِيءَ فِيهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاقْتِرابِ مِنهُ والمُخالَطَةِ لَهُ. و”إذْ“ في قَوْلِهِ إذْ جاءَكم مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ ومَحْضَةٌ لِكَوْنِها اسْمَ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ وهو أصْلُ وضْعِها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِهَذا صَحَّتْ إضافَةُ ”بَعْدَ“ إلَيْها لِأنَّ الإضافَةَ قَرِينَةٌ عَلى تَجْرِيدِ ”إذْ“ مِن مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ إلى مُطْلَقِ الزَّمانِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ. والتَّقْدِيرُ: بَعْدَ زَمَنِ مَجِيئِهِمْ إيّاكم. و”بَلْ“ إضْرابُ إبْطالٍ عَنِ الأمْرِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ، أيْ ما صَدَدْناكم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. والإجْرامُ: الشِّرْكُ وهو مُؤْذِنٌ بِتَعَمُّدِهِمْ إيّاهُ وتَصْمِيمِهِمْ عَلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنْفُسِهِمْ دُونَ تَسْوِيلِ مُسَوِّلٍ.

سبأ 34:33

﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ لَمْ تَجْرِ حِكايَةُ هَذا القَوْلِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُقاوَلاتِ الَّتِي تُحْكى بِدُونِ عَطْفٍ عَلى حُسْنِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُقاوَلاتِ كَما اسْتَقْرَيْناهُ مِنِ اسْتِعْمالِ الكِتابِ المَجِيدِ وقَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً الآيَةَ، فَجِيءَ بِحَرْفِ العَطْفِ في حِكايَةِ هَذِهِ المَقالَةِ مَعَ أنَّ المُسْتَضْعَفِينَ جاوَبُوا بِها قَوْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أنَحْنُ صَدَدْناكُمُ الآيَةَ لِنُكْتَةٍ دَقِيقَةٍ، وهي التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَقالَةَ المُسْتَضْعَفِينَ هَذِهِ هي في المَعْنى تَكْمِلَةٌ لِمَقالَتِهِمْ تَلَقَّفَها الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فابْتَدَرُوها بِالجَوابِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هُنالِكَ بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرُوا تَمامَ كَلامِهِمْ وأبْلَغُوهم رِيقَهم لَحَصَلَ ما فِيهِ إبْطالُ كَلامِهِمْ ولَكِنَّهم قاطَعُوا صفحة ٢٠٨ كَلامَهم مِن فَرْطِ الجَزَعِ أنْ يُؤاخَذُوا بِما يَقُولُهُ المُسْتَضْعَفُونَ. وحُكِيَ قَوْلُهم هَذا بِفِعْلِ المُضِيِّ لِمُزاوَجَةِ كَلامِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ قَوْلَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هَذا بَعْدَ أنْ كانَ تَكْمِلَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ، انْقَلَبَ جَوابًا عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ مِن أنْ يَكُونُوا صَدُّوا المُسْتَضْعَفِينَ عَنِ الهُدى، فَصارَ لِقَوْلِ المُسْتَضْعَفِينَ مَوْقِعانِ يَقْتَضِي أحَدُ المَوْقِعَيْنِ عَطْفَهُ بِالواوِ، ويَقْتَضِي المَوْقِعُ الآخَرُ قَرْنَهُ بِحَرْفِ بَلْ وبِزِيادَةِ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وأصْلُ الكَلامِ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ إذْ تَأْمُرُونَنا بِاللَّيْلِ والنَّهارِ أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ الَخْ. فَلَمّا قاطَعَهُ المُسْتَكْبِرُونَ بِكَلامِهِمْ أُقْحِمَ في كَلامِ المُسْتَضْعَفِينَ حَرْفُ ”بَلْ“ إبْطالًا لِقَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ”بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ“، وبِذَلِكَ أفادَ تَكْمِلَةَ الكَلامِ السّابِقِ والجَوابَ عَنْ تَبَرُّؤِ المُسْتَكْبِرِينَ، ولَوْ لَمْ يَعْطِفْ بِالواوِ لَما أفادَ إلّا أنَّهُ جَوابٌ عَنْ كَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ فَقَطْ، وهَذا مِن أبْدَعِ الإيجازِ. وبَلْ لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ أيْضًا إبْطالًا لِمُقْتَضى القَصْرِ في قَوْلِهِمْ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى فَإنَّهُ واقِعٌ في حَيِّزِ نَفْيٍ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لَهُ مَعْنى النَّفْيِ. ومَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الإضافَةِ عَلى مَعْنى ”في“، وهُنالِكَ مُضافٌ إلَيْهِ ومَجْرُورٌ مَحْذُوفانِ دَلَّ عَلَيْهِما السِّياقُ، أيْ مَكْرُكم بِنا. وارْتَفَعَ ”مَكْرُ“ عَلى الِابْتِداءِ. والخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ هَذا الكَلامِ بِكَلامِ المُسْتَكْبِرِينَ إذْ هو جَوابٌ عَنْهُ. فالتَّقْدِيرُ: بَلْ مَكْرُكم صَدَّنا، فَيُفِيدُ القَصْرَ، أيْ ما صَدَّنا إلّا مَكْرُكم، وهو نَقْضٌ تامٌّ لِقَوْلِهِمْ أنَحْنُ صَدَدْناكم عَنِ الهُدى وقَوْلِهِمْ ”بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ“ . والمَكْرُ: الِاحْتِيالُ بِإظْهارِ الماكِرِ فِعْلَ ما لَيْسَ بِفاعِلِهِ لِيُغَرَّ المُحْتالُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ وفي قَوْلِهِ تَعالى ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ في آلِ عِمْرانَ. وإطْلاقُ المَكْرِ عَلى تَسْوِيلِهِمْ لَهُمُ البَقاءَ عَلى الشِّرْكِ، بِاعْتِبارِ أنَّهم يُمَوِّهُونَ عَلَيْهِمْ ويُوهِمُونَهم أشْياءَ كَقَوْلِهِمْ: إنَّهُ دِينُ آبائِكم وكَيْفَ تَأْمَنُونَ غَضَبَ الآلِهَةِ عَلَيْكم إذا صفحة ٢٠٩ تَرَكْتُمْ دِينَكم ونَحْوَ ذَلِكَ. والِاحْتِيالُ لا يَقْتَضِي أنَّ المُحْتالَ غَيْرُ مُسْتَحْسِنٍ الفِعْلَ الَّذِي يَحْتالُ لِتَحْصِيلِهِ. والمَعْنى: مُلازَمَتُهُمُ المَكْرَ لَيْلًا ونَهارًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ الإلْحاحِ عَلَيْهِمْ في التَّمَسُّكِ بِالشِّرْكِ. وإذْ تَأْمُرُونَنا ظَرْفٌ لِما في مَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مِن مَعْنى صَدَّنا أيْ حِينَ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ. والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ، وهو المُماثِلُ، أيْ نَجْعَلُ لِلَّهِ أمْثالًا في الإلَهِيَّةِ. وهَذا تَطاوُلٌ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ عَلى مُسْتَكْبِرِيهِمْ لَمّا رَأوْا قِلَّةَ غَنائِهِمْ عَنْهم، واحْتَقَرُوهم حِينَ عَلِمُوا كَذِبَهم وبُهْتانَهم. وقَدْ حُكِيَ نَظِيرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الآيَتَيْنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ [سبإ: ٣١] فَتَكُونُ حالًا. ويَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سبإ: ٣١] . وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى جَمِيعِ المَذْكُورِينَ قَبْلُ وهُمُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. والمَعْنى: أنَّهم كُشِفَ لَهم عَنِ العَذابِ المُعَدِّ لَهم، وذَلِكَ عَقِبَ المُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهم، فَعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ التَّرامِيَ الواقِعَ بَيْنَهم لَمْ يُغْنِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا، فَحِينَئِذٍ أيْقَنُوا بِالخَيْبَةِ ونَدِمُوا عَلى ما فاتَ مِنهم في الحَياةِ الدُّنْيا وأسَرُّوا النَّدامَةَ في أنْفُسِهِمْ، وكَأنَّهم أسَرُّوا النَّدامَةَ اسْتِبْقاءً لِلطَّمَعِ في صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهم أوِ اتِّقاءً لِلْفَضِيحَةِ بَيْنَ أهْلِ المَوْقِفِ، وقَدْ أعْلَنُوا بِها مِن بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] في سُورَةِ الزُّمَرِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ ”أسَرُّوا“ هُنا بِمَعْنى أظْهَرُوا، وزَعَمَ أنَّ أسَرَّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ ضِدَّيْنِ. فَأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَسَلَّمَهُ ولَمْ يَتَعَقَّبْهُ وقَدْ فَسَّرَ الزَّوْزَنِيُّ الإسْرارَ بِالمَعْنَيَيْنِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: صفحة ٢١٠ تَجاوَزْتُ أحْراسًا إلَيْها ومَعْشَرًا عَلَيَّ حِراصًا لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي وأمّا ابْنُ عَطِيَّةَ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: ولَمْ يَثْبُتْ قَطُّ في اللُّغَةِ أنَّ أسَرَّ مِنَ الأضْدادِ. قُلْتُ: وفِيهِ نَظَرٌ. وقَدْ عَدَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ في الأضْدادِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ الفَرَزْدَقِ: ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ ∗∗∗ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرا وفِي كِتابِ الأضْدادِ لِأبِي الطَّيِّبِ الحَلَبِيِّ: قالَ أبُو حاتِمٍ: ولا أثِقُ بِقَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ في القُرْآنِ ولا في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ والفَرَزْدَقُ كَثِيرُ التَّخْلِيطِ في شِعْرِهِ. وذَكَرَ أبُو الطَّيِّبِ عَنِ التَّوَّزِيِّ أنَّ غَيْرَ أبِي عُبَيْدَةَ أنْشَدَ بَيْتَ الفَرَزْدَقِ والَّذِي جَرَّ عَلى تَفْسِيرِ ”أسَرُّوا“ بِمَعْنى أظْهَرُوا هُنا هو ما يَقْتَضِي إعْلانَهم بِالنَّدامَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٣١]، وفي آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] الآيَةَ. والنَّدامَةُ: التَّحَسُّرُ مِن عَمَلٍ فاتَ تَدارُكُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] في سُورَةِ العُقُودِ. * * * ﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ في أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ [سبإ: ٣١]، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى إذْ جَعَلْنا الأغْلالَ في رَقَبَةِ المَأْسُورِ ونَحْوِهِ ويُشَدُّ إلَيْها بِسِلْسِلَةٍ أوْ سَيْرٍ مِن جِلْدٍ أوْ حَبْلٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ. وجَعْلُ الأغْلالِ في الأعْناقِ شِعارٌ عَلى أنَّهم يُساقُونَ إلى ما يُحاوِلُونَ الفِرارَ والِانْفِلاتَ مِنهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥] في الرَّعْدِ. والَّذِينَ كَفَرُوا هم هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَرَتْ عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ المُتَقَدِّمَةُ فالإتْيانُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ وكَوْنُهُ مَوْصُولًا لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ جَزاءُ الكُفْرِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِجُمْلَةِ ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا صفحة ٢١١ كَأنَّ سائِلًا اسْتَعْظَمَ هَذا العَذابَ وهو تَعْرِيضٌ بِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ بِـ ”هَلْ“ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ بِاعْتِبارِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَتَقْدِيرُ المَعْنى: هَلْ جُزُوا بِغَيْرِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ. وما كانُوا يَعْمَلُونَ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ يُجْزَوْنَ لِأنَّ جَزى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ أعْطى، كَما يَتَعَدّى إلَيْهِ بِالبابِ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى: عَوَّضَهُ. وجُعِلَ جَزاؤُهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، وهَذِهِ المُماثَلَةُ كِنايَةٌ عَنِ المُعادَلَةِ فِيما يُجاوِزُونَهُ بِمُساواةِ الجَزاءِ لِلْأعْمالِ الَّتِي جُوزُوا عَلَيْها حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُها كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] . واعْلَمْ أنَّ كَوْنَهُ مُماثِلًا في المِقْدارِ أمْرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا مُقَدِّرُ الحَقائِقِ والنِّيّاتِ، وأمّا كَوْنُهُ وِفاقًا في النَّوْعِ فَلِأنَّ وضْعَ الأغْلالِ في الأعْناقِ مَنعٌ مِن حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ في أنْفُسِهِمْ لِأصْنامِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، وما تَقَبَّلُوهُ مِنِ اسْتِعْبادِ زُعَمائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ إيّاهم قالَ تَعالى ﴿وقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] . ومِن غُرَرِ المَسائِلِ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ لَمّا كانَ عَرَضَ عَلَيْهِ في دَرْسِ التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] فَسَألَهُ بَعْضُ الحاضِرِينَ: هَلْ يَسْتَقِيمُ أنْ نَأْخُذَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ما يُؤَيِّدُ فِعْلَ الأُمَراءِ أصْلَحَهُمُ اللَّهُ مِنَ الإتْيانِ بِالمُحارِبِينَ ونَحْوِهِمْ مَغْلُولِينَ مِن أعْناقِهِمْ مَعَ قَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِجَوازِ القِياسِ في العُقُوباتِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ”في حَدِّ الفاحِشَةِ“ فَأجابَهُ الشَّيْخُ بِأنْ لا دَلالَةَ فِيها لِأنَّ مالِكًا إنَّما أجازَ القِياسَ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا، وهَذا مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في الآخِرَةِ فَلا بُدَّ لِجَوازِهِ مِن دَلِيلٍ.

سبأ 34:34

﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ اعْتِراضٌ لِلِانْتِقالِ إلى تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِمّا مُنِيَ بِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ صفحة ٢١٢ وخاصَّةً ما قابَلَهُ بِهِ سادَتُهم وكُبَراؤُهم مِنَ التَّأْلِيبِ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِهِ أنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ فَلَيْسَ في ذَلِكَ غَضاضَةٌ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ في الزُّخْرُفِ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] الَخْ، أيْ وكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ الَّذِي كَذَّبَكَ أهْلُ هَذِهِ القَرْيَةِ. والتَّعْرِيضُ بِقَوْمِهِ الَّذِينَ عادَوْهُ بِتَذْكِيرِهِمْ عاقِبَةَ أمْثالِهِمْ مِن أهْلِ القُرى الَّتِي كَذَّبَ أهْلُها وأغْراهم بِذَلِكَ زُعَماؤُهم. والمُتْرَفُونَ: الَّذِينَ أُعْطُوا التَّرَفَ، والتَّرَفُ: النَّعِيمُ وسَعَةُ العَيْشِ، وهو مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِتَقْدِيرِ: أنَّ اللَّهَ أتْرَفَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. وفِي بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ تَعْرِيضٌ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَها ويُقْلِعُونَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، وبَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ يَقُولُ تَقْدِيرُهُ: أتْرَفَتْهُمُ النِّعْمَةُ، أيْ أبْطَرَتْهم. و﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ﴾ حِكايَةٌ لِلْقَوْلِ بِالمَعْنى: أيْ قالَ مُتْرَفُو كُلِّ قَرْيَةٍ لِرَسُولِهِمْ: إنّا بِما أُرْسِلْتَ بِهِ كافِرُونَ. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ الَّتِي يُرادُ مِنها التَّوْزِيعُ عَلى آحادِ الجَمْعِ. وقَوْلُهم أُرْسِلْتُمْ بِهِ تَهَكُّمٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ كافِرُونَ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذَّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، أوِ المَعْنى: إنّا بِما ادَّعَيْتُمْ أنَّكم أُرْسِلْتُمْ بِهِ.

سبأ 34:35

﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَفَّوْا عَلى صَرِيحِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِكَلامٍ كَنَّوْا بِهِ عَنْ إبْطالِ حَقِيقَةِ الإسْلامِ بِدَلِيلٍ سِفُسْطائِيٍّ فَجَعَلُوا كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حُجَّةً عَلى أنَّهم أهْلُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَمِيرُ ”وقالُوا“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وهَذا مِن تَمْوِيهِ الحَقائِقِ بِما يَحُفُّ صفحة ٢١٣ بِها مِنَ العَوارِضِ فَجَعَلُوا ما حَفَّ بِحالِهِمْ في كُفْرِهِمْ مِن وفْرَةِ المالِ والوَلَدِ مِن حُجَّةٍ عَلى أنَّهم مَظِنَّةُ العِنايَةِ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ. وهَذا تَعْرِيضٌ مِنهم بِعَكْسِ حالِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حالَ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وشَظَفِ عَيْشِهِمْ حُجَّةٌ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَحْظُوظِينَ عِنْدَ اللَّهِ ولَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ لا عَلاقَةَ لَها بِأحْوالِ الأوْلادِ. وهَذا المَبْدَأُ الوَهْمِيُّ السِّفُسْطائِيُّ خَطِيرٌ في العَقائِدِ الضّالَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ والمُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْلُو المُسْلِمُونَ مِن قَرِيبٍ مِنها في تَصَرُّفاتِهِمْ في الدِّينِ ومَرْجِعُها إلى قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وهو قِياسٌ يُصادِفُ الصَّوابَ تارَةً ويُخْطِئُهُ تاراتٍ. ومِن أكْبَرِ أخْطاءِ المُسْلِمِينَ في هَذا البابِ خَطَأُ اللَّجَأِ إلى القَضاءِ والقَدَرِ في أعْذارِهِمْ وخَطَأُ التَّخَلُّقِ بِالتَّوَكُّلِ في تَقْصِيرِهِمْ وتَكاسُلِهِمْ. فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وقَوْلُهم ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾، وإنَّما جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ العَطْفِ لِتَرْجِيحِ جانِبِ الفائِدَةِ المُسْتَقِلَّةِ عَلى جانِبِ الِاسْتِنْساخِ الَّذِي يُومِئُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَهُ وهو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ اسْتِدْلالٌ لِصِحَّةِ دِينِهِمْ ولِإبْطالِ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ ثُمَّ الِافْتِخارِ بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ والضَّعَةِ لِجانِبِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةٍ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ عَلى مُلازَمَةٍ مَوْهُومَةٍ، وكَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ عَلى أنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى قِياسِ مُساواةٍ مَطْوِيٍّ فَكَأنَّهم حَصَرُوا وسائِلَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ في وفْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ. ولَوْلا هَذا التَّأْوِيلُ لَخَلا كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَنْ أهَمِّ مَعْنَيَيْهِما وبِهِ يَكُونُ مَوْقِعُ الجَوابِ بِـ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَعْنى، أيْ قُلْ لَهم: إنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْتِيرَهُ شَأْنٌ آخَرُ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ المَنُوطَةِ بِما قَدَّرَهُ في نِظامِ هَذا العالَمِ، أيْ فَلا مُلازَمَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ، والهُدى والضَّلالِ، ولَوْ تَأمَّلْتُمْ أسْبابَ الرِّزْقِ لَرَأيْتُمُوها لا تُلاقِي أسْبابَ الغَيِّ والِاهْتِداءِ، فَرُبَّما وسَّعَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَلى العاصِي وضَيَّقَهُ عَلى المُطِيعِ ورُبَّما عَكَسَ فَلا يُغْرَنَّهم هَذا وذاكَ فَإنَّكم لا تَعْلَمُونَ. وهَذا ما جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُصِيبًا المَحَزَّ، فَأكْثَرُ النّاسِ صفحة ٢١٤ تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ فَيَخْلِطُونَ بَيْنَها ولا يَضَعُونَ في مَواضِعِها زَيْنَها وشَيْنَها. وقَدْ أفادَ هَذا أنَّ حالَها غَيْرُ دالٍّ عَلى رِضا اللَّهِ عَنْهم ولا عَدَمِهِ، وهَذا الإبْطالُ هو ما يُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ نَقْضًا إجْمالِيًّا. وبَسْطُ الرِّزْقِ: تَيْسِيرُهُ وتَكْثِيرُهُ اسْتُعِيرَ لَهُ البَسْطُ وهو نَشْرُ الثَّوْبِ ونَحْوِهِ لِأنَّ المَبْسُوطَ تَكْثُرُ مِساحَةُ انْتِشارِهِ. وقَدْرُ الرِّزْقِ: عُسْرُ التَّحْصِيلِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ حاصِلِهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ القَدْرُ، أيِ التَّقْدِيرُ وهو التَّحْدِيدُ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ وحِسابُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ في ضِدِّهِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، ومَفْعُولُ يَقْدِرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الرَّعْدِ. ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، بِاعْتِبارِ عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن كَوْنِهِ صالِحًا أوْ طالِحًا، ومِنِ انْتِفاءِ عَمَلِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَوَهَّمُوا بَسْطَ الرِّزْقِ عَلامَةً عَلى القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ، وضِدَّهُ عَلامَةً عَلى ضِدِّ ذَلِكَ. وبِهَذا أخْطَأ قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ الرّاوَنْدِيِّ: كَمْ عاقِلٍ عاقِلٌ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ وجاهِلٍ جاهِلٌ تَلْقاهُ مَرْزُوقًا هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا فَلَوْ كانَ عالِمًا نِحْرِيرًا لَما تَحَيَّرَ فَهْمُهُ، وما تَزَنْدَقَ مِن ضِيقِ عَطَنِ فِكْرِهِ.

سبأ 34:36

﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قَفَّوْا عَلى صَرِيحِ كُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِكَلامٍ كَنَّوْا بِهِ عَنْ إبْطالِ حَقِيقَةِ الإسْلامِ بِدَلِيلٍ سِفُسْطائِيٍّ فَجَعَلُوا كَثْرَةَ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ حُجَّةً عَلى أنَّهم أهْلُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَضَمِيرُ ”وقالُوا“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وهَذا مِن تَمْوِيهِ الحَقائِقِ بِما يَحُفُّ صفحة ٢١٣ بِها مِنَ العَوارِضِ فَجَعَلُوا ما حَفَّ بِحالِهِمْ في كُفْرِهِمْ مِن وفْرَةِ المالِ والوَلَدِ مِن حُجَّةٍ عَلى أنَّهم مَظِنَّةُ العِنايَةِ عِنْدَ اللَّهِ وأنَّ ما هم عَلَيْهِ هو الحَقُّ. وهَذا تَعْرِيضٌ مِنهم بِعَكْسِ حالِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ حالَ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وشَظَفِ عَيْشِهِمْ حُجَّةٌ عَلى أنَّهم غَيْرُ مَحْظُوظِينَ عِنْدَ اللَّهِ ولَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا مُسَبَّبَةٌ عَلى أسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ لا عَلاقَةَ لَها بِأحْوالِ الأوْلادِ. وهَذا المَبْدَأُ الوَهْمِيُّ السِّفُسْطائِيُّ خَطِيرٌ في العَقائِدِ الضّالَّةِ الَّتِي كانَتْ لِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ والمُنْتَشِرَةِ عِنْدَ غَيْرِ المُسْلِمِينَ ولا يَخْلُو المُسْلِمُونَ مِن قَرِيبٍ مِنها في تَصَرُّفاتِهِمْ في الدِّينِ ومَرْجِعُها إلى قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وهو قِياسٌ يُصادِفُ الصَّوابَ تارَةً ويُخْطِئُهُ تاراتٍ. ومِن أكْبَرِ أخْطاءِ المُسْلِمِينَ في هَذا البابِ خَطَأُ اللَّجَأِ إلى القَضاءِ والقَدَرِ في أعْذارِهِمْ وخَطَأُ التَّخَلُّقِ بِالتَّوَكُّلِ في تَقْصِيرِهِمْ وتَكاسُلِهِمْ. فَجُمْلَةُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١] الَخْ. وقَوْلُهم ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالنَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾، وإنَّما جِيءَ فِيهِ بِحَرْفِ العَطْفِ لِتَرْجِيحِ جانِبِ الفائِدَةِ المُسْتَقِلَّةِ عَلى جانِبِ الِاسْتِنْساخِ الَّذِي يُومِئُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَهُ وهو قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ فَحَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ اسْتِدْلالٌ لِصِحَّةِ دِينِهِمْ ولِإبْطالِ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ ثُمَّ الِافْتِخارِ بِذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ والضَّعَةِ لِجانِبِ المُسْلِمِينَ بِإشارَةٍ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ عَلى مُلازَمَةٍ مَوْهُومَةٍ، وكَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ عَلى أنَّهم مُقَرَّبُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِناءً عَلى قِياسِ مُساواةٍ مَطْوِيٍّ فَكَأنَّهم حَصَرُوا وسائِلَ القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ في وفْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ. ولَوْلا هَذا التَّأْوِيلُ لَخَلا كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ عَنْ أهَمِّ مَعْنَيَيْهِما وبِهِ يَكُونُ مَوْقِعُ الجَوابِ بِـ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَعْنى، أيْ قُلْ لَهم: إنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ وتَقْتِيرَهُ شَأْنٌ آخَرُ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ المَنُوطَةِ بِما قَدَّرَهُ في نِظامِ هَذا العالَمِ، أيْ فَلا مُلازَمَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّشْدِ والغَيِّ، والهُدى والضَّلالِ، ولَوْ تَأمَّلْتُمْ أسْبابَ الرِّزْقِ لَرَأيْتُمُوها لا تُلاقِي أسْبابَ الغَيِّ والِاهْتِداءِ، فَرُبَّما وسَّعَ اللَّهُ الرِّزْقَ عَلى العاصِي وضَيَّقَهُ عَلى المُطِيعِ ورُبَّما عَكَسَ فَلا يُغْرَنَّهم هَذا وذاكَ فَإنَّكم لا تَعْلَمُونَ. وهَذا ما جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ مُصِيبًا المَحَزَّ، فَأكْثَرُ النّاسِ صفحة ٢١٤ تَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ فَيَخْلِطُونَ بَيْنَها ولا يَضَعُونَ في مَواضِعِها زَيْنَها وشَيْنَها. وقَدْ أفادَ هَذا أنَّ حالَها غَيْرُ دالٍّ عَلى رِضا اللَّهِ عَنْهم ولا عَدَمِهِ، وهَذا الإبْطالُ هو ما يُسَمّى في عِلْمِ المُناظَرَةِ نَقْضًا إجْمالِيًّا. وبَسْطُ الرِّزْقِ: تَيْسِيرُهُ وتَكْثِيرُهُ اسْتُعِيرَ لَهُ البَسْطُ وهو نَشْرُ الثَّوْبِ ونَحْوِهِ لِأنَّ المَبْسُوطَ تَكْثُرُ مِساحَةُ انْتِشارِهِ. وقَدْرُ الرِّزْقِ: عُسْرُ التَّحْصِيلِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ حاصِلِهِ، اسْتُعِيرَ لَهُ القَدْرُ، أيِ التَّقْدِيرُ وهو التَّحْدِيدُ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يَسْهُلُ عَدُّهُ وحِسابُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ في ضِدِّهِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢]، ومَفْعُولُ يَقْدِرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الرَّعْدِ. ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ، بِاعْتِبارِ عُمُومِ مَن يَشاءُ مِن كَوْنِهِ صالِحًا أوْ طالِحًا، ومِنِ انْتِفاءِ عَمَلِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَوَهَّمُوا بَسْطَ الرِّزْقِ عَلامَةً عَلى القُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ، وضِدَّهُ عَلامَةً عَلى ضِدِّ ذَلِكَ. وبِهَذا أخْطَأ قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ الرّاوَنْدِيِّ: كَمْ عاقِلٍ عاقِلٌ أعْيَتْ مَذاهِبُهُ وجاهِلٍ جاهِلٌ تَلْقاهُ مَرْزُوقًا هَذا الَّذِي تَرَكَ الأوْهامَ حائِرَةً ∗∗∗ وصَيَّرَ العالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا فَلَوْ كانَ عالِمًا نِحْرِيرًا لَما تَحَيَّرَ فَهْمُهُ، وما تَزَنْدَقَ مِن ضِيقِ عَطَنِ فِكْرِهِ.

سبأ 34:37

﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهم في الغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وما أمْوالُكم عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [سبإ: ٣٦] الَخْ فَيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] فَتَكُونَ ضَمائِرُ الخِطابِ مُوَجَّهَةً إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] . صفحة ٢١٥ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ [سبإ: ٣٦] فَيَكُونَ مِمّا أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم ويُبْلِغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ في ضَمِيرِ ”عِنْدَنا“ التِفاتٌ، وضَمائِرُ الخِطابِ تَكُونُ عائِدَةً إلى الَّذِينَ قالُوا ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ نُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. وهُوَ ارْتِقاءٌ مِن إبْطالِ المُلازِمَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمَحَلِّ الرِّضى مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ النَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ المُسَمّى بِالمُناقَضَةِ أيْضًا في عِلْمِ المُناظَرَةِ. وهُوَ مَقامُ الِانْتِقالِ مِنَ المَنعِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ، فَقَدْ أبْطَلَتِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ أمْوالُهم وأوْلادُهم مُقَرِّبَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ إلّا الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ في صِيغَةِ حَصْرٍ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ، لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أُرِيدَ مِنها نَفْيُ قَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] أيْ لا أنْتُمْ، فَكانَ كَلامُهم في قُوَّةِ حَصْرِ التَّقْرِيبِ إلى اللَّهِ في كَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ فَنُفِيَ ذَلِكَ بِأسْرِهِ. وتَكْرِيرُ (لا) النّافِيَةِ بَعْدَ العاطِفِ في ولا أوْلادُكم لِتَأْكِيدِ تَسَلُّطِ النَّفْيِ عَلى كِلا المَذْكُورَيْنِ لِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مَقْصُودًا بِنَفْيِ كَوْنِهِ مِمّا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ومُتَلَفَّتًا إلَيْهِ. ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ والأوْلادُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ عُومِلا مُعامَلَةَ المُفْرَدِ المُؤَنَّثِ فَجِيءَ بِخَبَرِهِما اسْمَ مَوْصُولٍ لِلْمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ عَلى تَأْوِيلِ جَماعَةِ الأمْوالِ وجَماعَةِ الأوْلادِ، ولَمْ يُلْتَفَتْ إلى تَغَلُّبِ الأوْلادِ عَلى الأمْوالِ فَيُخْبَرُ عَنْهُما مَعًا بِالَّذِينَ ونَحْوِهِ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: بِالَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْنا، إلى ”﴿تُقَرِّبُكم عِنْدَنا﴾“ لِأنَّ التَّقْرِيبَ هُنا مَجازٌ في التَّشْرِيفِ والكَرامَةِ لا تَقْرِيبَ مَكانٍ. والزُّلْفى: اسْمٌ لِلْقُرْبِ مِثْلَ ”الرُّجْعى“ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نائِبٌ عَنِ المَصْدَرِ، أيْ تُقَرِّبُكم تَقْرِيبًا، ونَظِيرُهُ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] . وقَوْلُهُ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. و”إلّا“ بِمَعْنى لَكِنِ المُخَفَّفَةِ النُّونِ الَّتِي هي لِلِاسْتِدْراكِ وما بَعْدَها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وذَلِكَ مِنِ اسْتِعْمالاتِ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَإنَّهُ إذا كانَ ما بَعْدَ إلّا لَيْسَ مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ كانَ صفحة ٢١٦ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ثُمَّ إنْ كانَ ما بَعْدَ ”إلّا“ مُفْرَدًا فَإنَّ ”إلّا“ تُقَدَّرُ بِمَعْنى لَكِنَّ أُخْتِ ”إنَّ“ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ فَيَنْصِبُونَ ما بَعْدَها عَلى تَوَهُّمِ اسْمِ ”لَكِنَّ“ وتُقَدَّرُ بِمَعْنى ”لَكِنِ“ المُخَفَّفَةِ العاطِفَةِ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ فَيَتْبَعُ الِاسْمُ الَّذِي بَعْدَها إعْرابَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَها وذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ يَخْتارُ فِيهِ النَّصْبَ مِن أبْوابِ الِاسْتِثْناءِ. فَأمّا إنْ كانَ ما بَعْدَ ”إلّا“ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أوْ فِعْلِيَّةً فَإنَّ ”إلّا“ تُقَدَّرُ بِمَعْنى ”لَكِنِ“ المُخَفَّفَةِ وتُجْعَلُ الجُمْلَةُ بَعْدُ اسْتِئْنافًا، وذَلِكَ في قَوْلِ العَرَبِ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا إلّا حِلُّ ذَلِكَ أنْ أفْعَلَ كَذا وكَذا اهـ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ”فَإنَّ أنْ أفْعَلَ كَذا: بِمَنزِلَةِ: إلّا فِعْلَ كَذا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى حِلٍّ“ أيْ هو خَبَرٌ لَهُ ”. وحِلُّ مُبْتَدَأٌ كَأنَّهُ قالَ: ولَكِنَّ حِلُّ ذَلِكَ أنْ أفْعَلَ كَذا وكَذا“ اهـ. قالَ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ: وتَقْرِيرُ الإخْراجِ في هَذا أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهم: إلّا حِلُّ ذَلِكَ، بِمَنزِلَةِ: لا أرى لِهَذا العَقْدِ مُبْطِلًا إلّا فِعْلُ كَذا. وجَعَلَ ابْنُ خَرُوفٍ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] عَلى أنْ يَكُونَ مَن مُبْتَدَأً ويُعَذِّبُهُ اللَّهُ الخَبَرَ ودَخَلَ الفاءُ لِتَضْمِينِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الجَزاءِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ إلّا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَكُونُ ما بَعْدَها كَلامًا مُسْتَأْنَفًا اهـ. وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾، فَيَكُونُ ”مَن“ مُبْتَدَأً مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ و﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ جُمْلَةَ خَبَرٍ عَنِ المُبْتَدَأِ وزِيدَتِ الفاءُ في الخَبَرِ لِتَضْمِينِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ. وأسْهَلُ مِن هَذا أنْ نَجْعَلَ ”مَن“ شَرْطِيَّةً وجُمْلَةَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ جَوابَ الشَّرْطِ، واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ. وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ وتَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ ولا تَرَدُّدَ في النَّظْمِ. صفحة ٢١٧ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما أمْوالُكم ولا أوْلادُكُمُ﴾ الَخْ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [سبإ: ٣٦] وجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبإ: ٣٩]، وتَكُونُ ضَمائِرُ الخِطابِ مُوَجَّهَةً إلى جَمِيعِ النّاسِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ مِن مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ الَخْ مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، أيْ ما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنكم وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ ثَناءً عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في الإخْبارِ عَنْ ”مَن آمَنَ“ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي تَقَدَّمَتِ اسْمَ الإشارَةِ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وغَيْرِهِ. ووِزانُ هَذا المَعْنى وِزانُ قَوْلِهِ ﴿لا يُغْرَنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ﴾ [آل عمران: ١٩٨] . والضِّعْفُ: المُضاعَفُ المُكَرَّرُ فَيَصْدُقُ بِالمُكَرَّرِ مَرَّةً وأكْثَرَ. وفي الحَدِيثِ «والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ» وقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . وإضافَةُ جَزاءٍ إلى الضِّعْفِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ، أيِ الجَزاءُ الَّذِي هو المُضاعَفَةُ لِأعْمالِهِمْ، أيْ لِما تَسْتَحِقُّهُ كَما تَقَدَّمَ. وكُنِّيَ عَنِ التَّقْرِيبِ بِمُضاعَفَةِ الجَزاءِ لِأنَّ ذَلِكَ أمارَةُ كَرامَةِ المَجْزِيِّ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ أُولَئِكَ يَقْرُبُونَ زُلْفى فَيُجْزَوْنَ جَزاءَ الضِّعْفِ عَلى أعْمالِهِمْ لا عَلى وفْرَةِ أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فالِاسْتِدْراكُ ورَدَ عَلى جَمِيعِ ما أفادَهُ كَلامُ المُشْرِكِينَ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ، والفَخْرِ الكاذِبِ لِرَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ الأمْوالَ والأوْلادَ لا تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ بِحالٍ، فَإنَّ مِن أمْوالِ المُؤْمِنِينَ صَدَقاتٍ ونَفَقاتٍ، ومِن أوْلادِهِمْ أعْوانًا عَلى البِرِّ ومُجاهِدِينَ وداعِينَ لِآبائِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِما عَمِلُوا تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ فَتَكُونُ دَلِيلًا عَلى ما هو المُضاعَفُ وهو ما يُناسِبُ السَّبَبَ مِنَ الصّالِحاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وتَحْتَمِلُ العِوَضَ فَيَكُونُ ما عَمِلُوا هو المُجازى عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: صفحة ٢١٨ جَزَيْتُهُ بِألْفٍ، فَلا تَقْدِيرَ في قَوْلِهِ جَزاءَ الضِّعْفِ. والغُرُفاتُ: جَمْعُ غُرْفَةٍ. وتَقَدَّمَ في آخِرِ الفُرْقانِ وهي البَيْتُ المُعْتَلِي وهو أجْمَلُ مَنظَرًا وأشْمَلُ مَرْأًى. وآمِنُونَ خَبَرٌ ثانٍ يَعْنِي تُلْقِي في نُفُوسِهِمُ الأمْنَ مِنِ انْقِطاعِ ذَلِكَ النَّعِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ في الغُرُفاتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ ”في الغُرْفَةِ“ بِالإفْرادِ.

سبأ 34:38

﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ جَرى الكَلامُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ، فَكانَ هَذا بِمَنزِلَةِ الِاعْتِراضِ بَيْنَ الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ وبَيْنَ إرْشادِهِمْ إلى الِانْتِفاعِ بِأمْوالِهِمْ لِلْقُرْبِ عِنْدَ اللَّهِ بِجُمْلَةِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [سبإ: ٣٩] الَخْ. والَّذِينَ يَسْعَوْنَ في الآياتِ هُمُ المُشْرِكُونَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ وبِالطَّعْنِ فِيهِ بِالباطِلِ واللَّغْوِ عِنْدَ سَماعِهِ. والسَّعْيُ مُسْتَعارٌ لِلِاجْتِهادِ في العَمَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] وإذا عُدِّيَ بِـ ”في“ كانَ في الغالِبِ مُرادًا مِنهُ الِاجْتِهادُ في المَضَرَّةِ فَمَعْنى ﴿يَسْعَوْنَ في آياتِنا﴾ يَجْتَهِدُونَ في إبْطالِها، ومُعاجِزِينَ مُغالِبِينَ مُطالِبِينَ العَجْزَ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [الحج: ٥١] في سُورَةِ الحَجِّ. واسْمُ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الجَحِيمَ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ مَثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وفي العَذابِ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ومُحْضَرُونَ هُنا كِنايَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ فَهو ارْتِقاءٌ في المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الظَّرْفِيَّةِ مِن إحاطَةِ العَذابِ بِهِمْ وهو خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ ومُتَعَلِّقِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّرْفُ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] في سُورَةِ الرُّومِ.

سبأ 34:39

صفحة ٢١٩ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهْوَ يُخْلِفُهُ وهْوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أتْبَعَ إبْطالَ أنْ تَكُونَ الأمْوالُ والأوْلادُ بِذاتِهِما وسِيلَةَ قُرْبٍ لَدى اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلى مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِما يُشْبِهُ مَعْنى الِاسْتِدْراكِ عَلى ذَلِكَ الإبْطالِ مِن إثْباتِ الِانْتِفاعِ بِالمالِ لِلتَّقَرُّبِ إلى رِضى اللَّهِ إنِ اسْتُعْمِلَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَفْصِيلًا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِن أنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ قُرْبى إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [سبإ: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ قَرِيبًا تَأْكِيدًا لِذَلِكَ ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ“ . فالَّذِي تَقَدَّمَ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ والمَذْكُورُ هُنا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِباراتُ واحِدَةٌ والمَقاصِدُ مُخْتَلِفَةٌ. وهَذا مِن وُجُوهِ الإعْجازِ أنْ يَكُونَ الكَلامُ الواحِدُ صالِحًا لِغَرَضَيْنِ وأنْ يَتَوَجَّهَ إلى طائِفَتَيْنِ. ولَمّا كانَ هَذا الثّانِي مُوَجَّهًا إلى المُؤْمِنِينَ أُشِيرَ إلى تَشْرِيفِهِمْ بِزِيادَةِ قَوْلِهِ مِن عِبادِهِ أيِ المُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدٌ إلى ”مَن“، أيْ ويَقْدِرُ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ. ومَفْعُولُ ”يَقْدِرُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَفْعُولُ يَبْسُطُ. وكانَ ما تَقَدَّمَ حَدِيثًا أنْ يَبْسُطَ الرِّزْقَ لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَنْعَمُوا بِوَصْفٍ مِن عِبادِهِ لِأنَّ في الإضافَةِ تَشْرِيفًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي هَذا امْتِنانٌ عَلى الَّذِينَ يَبْسُطُ عَلَيْهِمُ الرِّزْقَ بِأنْ جَمَعَ اللَّهُ لَهم فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ سَعَةِ الرِّزْقِ، وتَسْلِيَةٌ لِلَّذِينِ قَدَرَ عَلَيْهِمْ رِزْقَهم بِأنَّهم نالُوا فَضْلَ الإيمانِ وفَضْلَ الصَّبْرِ عَلى ضِيقِ الحَياةِ. وفِي تَعْلِيقِ ”لَهُ“ بِـ ”يَقْدِرُ“ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ لا يَخْلُو مِن فائِدَةٍ لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وهي فائِدَةُ الثَّوابِ عَلى الرِّضا بِما قُسِمَ لَهُ والسَّلامَةِ مِنَ الحِسابِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُؤْمِنَ إلّا كُفِّرَ بِها عَنْهُ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها» . ولَوْلا هَذا الإيماءُ لَقِيلَ: ويَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَما قالَ ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وأمّا حالُ الكافِرِينَ فَإنَّهم يُنْعِمُ عَلى بَعْضِهِمْ بِرِزْقٍ يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ أشَدَّ صفحة ٢٢٠ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا رازِقَهم، ويَقْدِرُ عَلى بَعْضِهِمْ فَلا يَنالُهُ الشَّقاءُ. وهَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ حَثًّا عَلى الإنْفاقِ. والمُرادُ الإنْفاقُ فِيما أذِنَ فِيهِ الشَّرْعُ. وهَذا تَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ لا يُنافِي نَعِيمَ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] . فَأمّا نَعِيمُ الدُّنْيا فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أحْوالٍ دُنْيَوِيَّةٍ رَتَّبَها اللَّهُ تَعالى ويَسَّرَها لِمَن يَسَّرَها في عِلْمِهِ بِغَيْبِهِ، وأمّا نَعِيمُ الآخِرَةِ فَهو مُسَبَّبٌ عَنْ أعْمالٍ مُبَيَّنَةٍ في الشَّرِيعَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ الصّالِحِينَ يَحْصُلُ لَهُمُ النَّعِيمُ في الدُّنْيا مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مُنَعَّمُونَ في الآخِرَةِ كَما أنْعَمَ عَلى داوُدَ وسُلَيْمانَ وعَلى كَثِيرٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكَثِيرٍ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ مِثْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والشّافِعِيِّ والشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زَيْدٍ وسَحْنُونٍ. فَأمّا اخْتِيارُ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حالَةَ الزَّهادَةِ في الدُّنْيا فَلِتَحْصُلَ لَهُ غاياتُ الكَمالِ مِنَ التَّمَحُّضِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ وجَمِيلِ الخِصالِ ومِن مُساواةِ جُمْهُورِ أصْحابِهِ في أحْوالِهِمْ وقَدْ بَسَطْناهُ بَيانًا في رِسالَةِ طَعامِ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَرْغِيبِ الأغْنِياءِ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فَجَعَلَ الوَعْدَ بِإخْلافِ ما يُنْفِقُهُ المَرْءُ كِنايَةً عَنِ التَّرْغِيبِ في الإنْفاقِ لِأنَّ وعْدَ اللَّهِ بِإخْلافِهِ مَعَ تَأْكِيدِ الوَعْدِ يَقْتَضِي أنَّهُ يُحِبُّ ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ. وأكَّدَ ذَلِكَ الوَعْدَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وبِجَعْلِ جُمْلَةِ الجَوابِ اسْمِيَّةً وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ”فَهو يُخْلِفُهُ“، فَفي هَذا الوَعْدِ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ دالَّةٍ عَلى مَزِيدِ العِنايَةِ بِتَحْقِيقِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَرْغُوبَهُ تَعالى. و”مِن شَيْءٍ“ بَيانٌ لِما في ”ما“ مِنَ العُمُومِ، وجُمْلَةُ ”وهو خَيْرُ الرّازِقِينَ“ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْغِيبِ والوَعْدِ بِزِيادَةٍ، لِبَيانِ أنَّ ما يُخْلِفُهُ أفْضَلُ مِمّا أنْفَقَهُ المُنْفِقُ. ”خَيْرُ“ بِمَعْنى أخْيَرَ لِأنَّ الرِّزْقَ الواصِلَ مِن غَيْرِهِ تَعالى إنَّما هو مِن فَضْلِهِ أجْراهُ عَلى يَدِ بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ فَإذا كانَ تَيْسِيرُهُ بِرِضًى مِنَ اللَّهِ عَلى المَرْزُوقِ ووَعْدٍ بِهِ كانَ ذَلِكَ أخْلَقَ بِالبَرَكَةِ والدَّوامِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ إخْلافَ الرِّزْقِ يَقَعُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ. والمُرادُ بِالإنْفاقِ: الإنْفاقُ المُرَغَّبُ فِيهِ في الدِّينِ كالإنْفاقِ عَلى الفُقَراءِ صفحة ٢٢١ والإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِنَصْرِ الدِّينِ. رَوى مالِكٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «يا بْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» . قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قَدْ يُعَوَّضُ مِثْلَهُ أوْ أزْيَدَ، وقَدْ يُعَوَّضُ ثَوابًا، وقَدْ يُدَّخَرُ لَهُ وهو كالدُّعاءِ في وعْدِ الإجابَةِ اهـ. قُلْتُ: وقَدْ يُعَوَّضُ صِحَّةً وقَدْ يُعَوَّضُ تَعْمِيرًا. ولِلَّهِ في خَلْقِهِ أسْرارٌ.

سبأ 34:40

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمُ﴾ [سبإ: ٣١] الآيَةَ اسْتِكْمالًا لِتَصْوِيرِ فَظاعَةِ حالِهِمْ يَوْمَ الوَعْدِ الَّذِي أنْكَرُوهُ تَبَعًا لِما وصَفَ مِن حالِ مُراجَعَةِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهم والمُسْتَضْعَفِينَ، فَوَصَفَ هُنا افْتِضاحَهم بِتَبَرُّؤِ المَلائِكَةِ مِنهم وشَهادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ مِن ”نَحْشُرُهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] الَّذِي هو عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١]، والكَلامُ كُلُّهُ مُنْتَظِمٌ في أحْوالِ المُشْرِكِينَ، وجَمِيعُ ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى ”مَفْعُولٍ“، أيْ مَجْمُوعٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وصْفًا لِإفادَةِ شُمُولِ أفْرادِ ما أُجْرِيَ هو عَلَيْهِ مِن ذَواتٍ وأحْوالٍ، أيْ يَجْمَعُهُمُ المُتَكَلِّمُ قالَ لَبِيدٌ: عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُويا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثِمامُها وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] في سُورَةِ هُودٍ. فَلَفْظُ ”جَمِيعًا“ يَعُمُّ أصْنافَ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ نِحَلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في شِرْكِهِمْ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ نِحَلًا شَتّى يَأْخُذُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وما كانُوا يُحَقِّقُونَ مَذْهَبًا مُنْتَظِمَ العَقائِدِ والأقْوالِ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِما يُنافِي بَعْضُهُ بَعْضًا. والمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ قَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: ”﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]“ كَما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وكانُوا يَخْلِطُونَ بَيْنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ ويَجْعَلُونَ بَيْنَهم نَسَبًا فَكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرْواتِ الجِنِّ. صفحة ٢٢٢ وقَدْ كانَ حَيٌّ مِن خُزاعَةَ يُقالُ لَهم: بَنُو مُلَيْحٍ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، يَعْبُدُونَ الجِنَّ والمَلائِكَةَ. والِاقْتِصارُ عَلى تَقْرِيرِ المَلائِكَةِ واسْتِشْهادِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّ إبْطالَ إلَهِيَّةِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ إبْطالَ إلَهِيَّةِ ما هو دُونَهُ مِمَّنْ عَبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، أيْ بِطَرِيقِ الأوْلى فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْرِيرَ مِن أجْلِ ما جُعِلَ الحَشْرُ لِأجْلِهِ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى المَلائِكَةِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ المَثَلِ إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى فَرِيقٍ كانُوا عَبَدُوا المَلائِكَةَ والجِنَّ ومَن شايَعَهم عَلى أقْوالِهِمْ مِن بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ لِلِاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وحُكِيَ قَوْلُ المَلائِكَةِ بِدُونِ عاطِفٍ لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في الحِكايَةِ. وجَوابُ المَلائِكَةِ يَتَضَمَّنُ إقْرارًا مَعَ التَّنَزُّهِ عَنْ لَفْظِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ كَما يَتَنَزَّهُ مَن يَحْكِي كُفْرَ أحَدٍ فَيَقُولُ قالَ: هو مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، وإنَّما القائِلُ قالَ: أنا مُشْرِكٌ بِاللَّهِ. فَمَوْرِدُ التَّنْزِيهِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ سُبْحانَكَ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا أنْ يُعْبَدَ، مَعَ لازِمِ الفائِدَةِ وهو أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُضَرُّونَ بِأنْ يَكُونُوا مَعْبُودِينَ. والوَلِيُّ: النّاصِرُ والحَلِيفُ والصَّدِيقُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلْيِ، مَصْدَرُ ولِيَ بِوَزْنِ عَلِمَ، وكُلٌّ مِن فاعِلِ الوَلْيِ ومَفْعُولِهِ ولِيٌّ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ نِسْبَةٌ تَسْتَدْعِي طَرَفَيْنِ ولِذَلِكَ كانَ الوَلِيُّ فَعِيلًا صالِحًا لِمَعْنى فاعِلٍ ولِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَيَقَعُ اسْمُ الوَلِيِّ عَلى المُوالِي بِكَسْرِ اللّامِ وعَلى المُوالى بِفَتْحِها وقَدْ ورَدَ بِالمَعْنَيَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا. فَمَعْنى أنْتَ ولِيُّنا لا نُوالِي غَيْرَكَ، أيْ لا نَرْضى بِهِ ولِيًّا، والعِبادَةُ ولايَةٌ بَيْنَ العابِدِ والمَعْبُودِ، ورِضى المَعْبُودِ بِعِبادَةِ عابِدِهِ إيّاهُ وِلايَةٌ بَيْنَ المَعْبُودِ وعابِدِهِ، فَقَوْلُ المَلائِكَةِ: ”سُبْحانَكَ“ تَبَرُّؤٌ مِنَ الرِّضى بِأنْ يَعْبُدَهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا صفحة ٢٢٣ جَعَلُوا أنْفُسَهم مُوالِينَ لِلَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الإلَهِيَّةَ، لِأنَّ العابِدَ لا يَكُونُ مَعْبُودًا. ولَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ولِيٍّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ. و”مِن“ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ و”دُونَ“ اسْمٌ لِمَعْنى غَيْرٍ، أيْ: أنْتَ ولِيُّنا وهم لَيْسُوا أوْلِياءَ لَنا ولا نَرْضى بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ فَـ ”مِن دُونِهِمْ“ تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ جُمْلَةُ أنْتَ ولِيُّنا مِنَ الحَصْرِ لِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ. وبَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ انْتِقالًا مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنهم إلى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ وعَلى الَّذِينَ سَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، والمَعْنى بَلْ كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ يَعْبُدُونَ الجِنَّ وكانَ الجِنُّ راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم. وحاصِلُ المَعْنى، أنّا مُنْكِرُونَ عِبادَتَهم إيّانا ولَمْ نَأْمُرْهم بِها ولَكِنَّ الجِنَّ سَوَّلَتْ لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ فَعَبَدُوا الجِنَّ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ. وجُمْلَةُ ”أكْثَرُهم“ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ”بِهِمْ“ لِلْجِنِّ والمَقامُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ ولَوْ تَماثَلَتِ الضَّمائِرُ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا أيْ أحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِن مَغانِمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَحْشُرُهم“ و”نَقُولُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ فِيهِما، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى رَبِّي مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبإ: ٣٩] .

سبأ 34:41

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمُ﴾ [سبإ: ٣١] الآيَةَ اسْتِكْمالًا لِتَصْوِيرِ فَظاعَةِ حالِهِمْ يَوْمَ الوَعْدِ الَّذِي أنْكَرُوهُ تَبَعًا لِما وصَفَ مِن حالِ مُراجَعَةِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهم والمُسْتَضْعَفِينَ، فَوَصَفَ هُنا افْتِضاحَهم بِتَبَرُّؤِ المَلائِكَةِ مِنهم وشَهادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ مِن ”نَحْشُرُهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا﴾ [سبإ: ٣٥] الَّذِي هو عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ﴾ [سبإ: ٣١]، والكَلامُ كُلُّهُ مُنْتَظِمٌ في أحْوالِ المُشْرِكِينَ، وجَمِيعُ ”فَعِيلٍ“ بِمَعْنى ”مَفْعُولٍ“، أيْ مَجْمُوعٍ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وصْفًا لِإفادَةِ شُمُولِ أفْرادِ ما أُجْرِيَ هو عَلَيْهِ مِن ذَواتٍ وأحْوالٍ، أيْ يَجْمَعُهُمُ المُتَكَلِّمُ قالَ لَبِيدٌ: عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُويا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثِمامُها وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥] في سُورَةِ هُودٍ. فَلَفْظُ ”جَمِيعًا“ يَعُمُّ أصْنافَ المُشْرِكِينَ عَلى اخْتِلافِ نِحَلِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في شِرْكِهِمْ فَقَدْ كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ نِحَلًا شَتّى يَأْخُذُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ وما كانُوا يُحَقِّقُونَ مَذْهَبًا مُنْتَظِمَ العَقائِدِ والأقْوالِ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِما يُنافِي بَعْضُهُ بَعْضًا. والمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إبْطالُ قَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ: إنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: ”﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]“ كَما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وكانُوا يَخْلِطُونَ بَيْنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ ويَجْعَلُونَ بَيْنَهم نَسَبًا فَكانُوا يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرْواتِ الجِنِّ. صفحة ٢٢٢ وقَدْ كانَ حَيٌّ مِن خُزاعَةَ يُقالُ لَهم: بَنُو مُلَيْحٍ، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ، يَعْبُدُونَ الجِنَّ والمَلائِكَةَ. والِاقْتِصارُ عَلى تَقْرِيرِ المَلائِكَةِ واسْتِشْهادِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّ إبْطالَ إلَهِيَّةِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ إبْطالَ إلَهِيَّةِ ما هو دُونَهُ مِمَّنْ عَبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ بِدَلالَةِ الفَحْوى، أيْ بِطَرِيقِ الأوْلى فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْرِيرَ مِن أجْلِ ما جُعِلَ الحَشْرُ لِأجْلِهِ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى المَلائِكَةِ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلٌ بِالتَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ المَثَلِ إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى فَرِيقٍ كانُوا عَبَدُوا المَلائِكَةَ والجِنَّ ومَن شايَعَهم عَلى أقْوالِهِمْ مِن بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ. وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى ”يَعْبُدُونَ“ لِلِاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. وحُكِيَ قَوْلُ المَلائِكَةِ بِدُونِ عاطِفٍ لِوُقُوعِهِ في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في الحِكايَةِ. وجَوابُ المَلائِكَةِ يَتَضَمَّنُ إقْرارًا مَعَ التَّنَزُّهِ عَنْ لَفْظِ كَوْنِهِمْ مَعْبُودِينَ كَما يَتَنَزَّهُ مَن يَحْكِي كُفْرَ أحَدٍ فَيَقُولُ قالَ: هو مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، وإنَّما القائِلُ قالَ: أنا مُشْرِكٌ بِاللَّهِ. فَمَوْرِدُ التَّنْزِيهِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ سُبْحانَكَ هو أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ مُسْتَحِقًّا أنْ يُعْبَدَ، مَعَ لازِمِ الفائِدَةِ وهو أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا يُضَرُّونَ بِأنْ يَكُونُوا مَعْبُودِينَ. والوَلِيُّ: النّاصِرُ والحَلِيفُ والصَّدِيقُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلْيِ، مَصْدَرُ ولِيَ بِوَزْنِ عَلِمَ، وكُلٌّ مِن فاعِلِ الوَلْيِ ومَفْعُولِهِ ولِيٌّ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ نِسْبَةٌ تَسْتَدْعِي طَرَفَيْنِ ولِذَلِكَ كانَ الوَلِيُّ فَعِيلًا صالِحًا لِمَعْنى فاعِلٍ ولِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَيَقَعُ اسْمُ الوَلِيِّ عَلى المُوالِي بِكَسْرِ اللّامِ وعَلى المُوالى بِفَتْحِها وقَدْ ورَدَ بِالمَعْنَيَيْنِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ كَثِيرًا. فَمَعْنى أنْتَ ولِيُّنا لا نُوالِي غَيْرَكَ، أيْ لا نَرْضى بِهِ ولِيًّا، والعِبادَةُ ولايَةٌ بَيْنَ العابِدِ والمَعْبُودِ، ورِضى المَعْبُودِ بِعِبادَةِ عابِدِهِ إيّاهُ وِلايَةٌ بَيْنَ المَعْبُودِ وعابِدِهِ، فَقَوْلُ المَلائِكَةِ: ”سُبْحانَكَ“ تَبَرُّؤٌ مِنَ الرِّضى بِأنْ يَعْبُدَهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ المَلائِكَةَ لَمّا صفحة ٢٢٣ جَعَلُوا أنْفُسَهم مُوالِينَ لِلَّهِ فَقَدْ كَذَّبُوا المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا لَهُمُ الإلَهِيَّةَ، لِأنَّ العابِدَ لا يَكُونُ مَعْبُودًا. ولَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ ولِيٍّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ. و”مِن“ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ و”دُونَ“ اسْمٌ لِمَعْنى غَيْرٍ، أيْ: أنْتَ ولِيُّنا وهم لَيْسُوا أوْلِياءَ لَنا ولا نَرْضى بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ فَـ ”مِن دُونِهِمْ“ تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ جُمْلَةُ أنْتَ ولِيُّنا مِنَ الحَصْرِ لِتَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ. وبَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ انْتِقالًا مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنهم إلى الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ وعَلى الَّذِينَ سَوَّلُوا لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ إضْرابَ إبْطالٍ لِأنَّ المُشْرِكِينَ المُتَحَدَّثَ عَنْهم كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، والمَعْنى بَلْ كانَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ يَعْبُدُونَ الجِنَّ وكانَ الجِنُّ راضِينَ بِعِبادَتِهِمْ إيّاهم. وحاصِلُ المَعْنى، أنّا مُنْكِرُونَ عِبادَتَهم إيّانا ولَمْ نَأْمُرْهم بِها ولَكِنَّ الجِنَّ سَوَّلَتْ لَهم عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ فَعَبَدُوا الجِنَّ وعَبَدُوا المَلائِكَةَ. وجُمْلَةُ ”أكْثَرُهم“ لِلْمُشْرِكِينَ وضَمِيرُ ”بِهِمْ“ لِلْجِنِّ والمَقامُ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ ولَوْ تَماثَلَتِ الضَّمائِرُ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ: عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا أيْ أحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِن مَغانِمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَحْشُرُهم“ و”نَقُولُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِياءِ الغائِبِ فِيهِما، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى رَبِّي مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبإ: ٣٩] .

سبأ 34:42

﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ الأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى المُشْرِكِينَ والجِنَّ. والفاءُ فَصِيحَةٌ ناشِئَةٌ عَنِ المُقاوَلَةِ السّابِقَةِ. وهي كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المَلائِكَةِ والمَقْصُودُ بِهِ: التَّعْرِيضُ بِضَلالِ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ والجِنَّ لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ مَضْمُونَ هَذا الخَبَرِ، فَلا نَقْصِدُ إفادَتَهم بِهِ. والمَعْنى: إذْ عَلِمْتُمْ أنَّكم عِبْتُمُ الجِنَّ فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا. صفحة ٢٢٤ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ المَلائِكَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ بَعْدَ أداءِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخًا لَهم وإظْهارًا لِلْغَضَبِ عَلَيْهِمْ تَحْقِيقًا لِلتَّبَرُّؤِ مِنهم، والفاءُ أيْضًا فَصِيحَةٌ وهي ظاهِرَةٌ. وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ لِأنَّ النَّفْعَ والضُّرَّ يَوْمَئِذٍ قَدِ اخْتَصَّ صَغِيرُهُما وكَبِيرُهُما بِاللَّهِ تَعالى خِلافَ ما كانَ في الدُّنْيا مِن نَفْعِ الجِنِّ عُبّادَهم بِبَعْضِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ونَفَعِ المُشْرِكِينَ الجِنَّ بِخِدْمَةِ وساوِسِهِمْ وتَنْفِيذِ أغْراضِهِمْ مِنَ الفِتْنَةِ والإضْلالِ، وكَذَلِكَ الضُّرُّ في الدُّنْيا أيْضًا. والمِلْكُ هُنا بِمَعْنى: القُدْرَةِ، أيْ لا يَقْدِرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضِ نَصْرٍ أوْ نَفْعٍ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدَّمَ النَّفْعَ في حَيِّزِ النَّفْيِ تَأْيِيسًا لَهم لِأنَّهم يَرْجُونَ أنْ يَشْفَعُوا لَهم يَوْمَئِذٍ ويَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] . وعَطَفَ نَفْيَ الضُّرِّ عَلى نَفْعِ النَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى سَلْبِ مَقْدِرَتِهِمْ عَلى أيِّ شَيْءٍ فَإنَّ بَعْضَ الكائِناتِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَضُرَّ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْفَعَ كالعَقْرَبِ. * * * ﴿ونَقُولُ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ، وقَدْ وقَعَ الإخْبارُ عَنْ هَذا القَوْلِ بَعْدَ الإخْبارِ عَنِ الحِوارِ الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ إظْهارًا لِاسْتِحْقاقِهِمْ هَذا الحُكْمَ الشَّدِيدَ، ولَكِنَّهُ كالمَعْمُولِ لِقَوْلِهِ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا. والذَّوْقُ مَجازٌ لِمُطْلَقِ الإحْساسِ، واخْتِيارُهُ دُونَ الحَقِيقَةِ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمالِهِ. ووَصْفُ النّارِ بِالَّتِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها في صِلَةِ المَوْصُولِ مِن إيذانٍ بِغَلَطِهِمْ وتَنْدِيمِهِمْ. وقَدْ عُلِّقَ التَّكْذِيبُ هُنا بِنَفْسِ النّارِ فَجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ المُناسِبِ لَها ولَمْ صفحة ٢٢٥ يُعَلَّقْ بِالعَذابِ كَما في آيَةِ سُورَةِ السَّجْدَةِ وقِيلَ لَهم: ”﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]“ لِأنَّ القَوْلَ المُخَبَرَ عَنْهُ هُنا هو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى وحُكْمُهُ وقَدْ أذِنَ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وشاهَدُوها كَما قالَ تَعالى آنِفًا ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبإ: ٣٣] فَإنَّ الَّذِي يَرى هو ما بِهِ العَذابُ، وأمّا القَوْلُ المَحْكِيُّ في سُورَةِ السَّجْدَةِ فَهو قَوْلُ مَلائِكَةِ العَذابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

سبأ 34:43

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكم وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ مُفْتَرًى وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ انْتِقالٌ مِن حِكايَةِ كُفْرِهِمْ وغُرُورِهِمْ وازْدِهائِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِأُصُولِ الدِّيانَةِ إلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِحِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الكِتابَ والدِّينَ الَّذِي جاءَ بِهِ، فَكانَ كالفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ. وجُمْلَةُ ”إذا تُتْلى“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. وضَمِيرُ ”عَلَيْهِمْ“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا وهُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. وإيرادُ حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ مُقَيَّدَةً بِالزَّمَنِ الَّذِي تُتْلى عَلَيْهِمْ فِيهِ آياتُ اللَّهِ البَيِّناتِ تَعْجِيبٌ مِن وقاحَتِهِمْ حَيْثُ كَذَّبُوهُ في أجْدَرِ الأوْقاتِ بِأنْ يُصَدِّقُوهُ عِنْدَها لِأنَّ وقْتَ ظُهُورِ حُجَّةِ صِدْقِهِ لِكُلِّ عاقِلٍ مُتَبَصِّرٍ. ولِلِاهْتِمامِ بِهَذا الظَّرْفِ والتَّعْجِيبِ مِن مُتَعَلِّقِهِ قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ والتَّشَوُّقِ إلى الخَبَرِ الآتِي بَعْدَهُ وأنَّهُ مِن قِبَلِ البُهْتانِ والكُفْرِ البَواحِ. والمُرادُ بِالآياتِ البَيِّناتِ آياتُ القُرْآنِ، ووَصْفُها بِالبَيانِ لِأجْلِ ظُهُورِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ لِإعْجازِها إيّاهم مِن مُعارَضَتِها، ولِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مَعانِيها مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ عَلى صِدْقِ ما تَدْعُوا إلَيْهِ، فَهي مَحْفُوظَةٌ بِالبَيانِ بِألْفاظِها ومَعانِيها. صفحة ٢٢٦ وحُذِفَ فاعِلُ التِّلاوَةِ لِظُهُورِ أنَّهُ الرَّسُولُ ﷺ إذْ هو تالِي آياتِ اللَّهِ، فالإشارَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ إلى الرَّسُولِ ﷺ واسْتَحْضَرُوهُ بِطَرِيقَةِ الإشارَةِ دُونَ الِاسْمِ إفادَةً لِحُضُورِ مَجْلِسِ التِّلاوَةِ وذَلِكَ مِن تَمامِ وقاحَتِهِمْ، فَقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ في مَجالِسِهِمْ كَما ورَدَ في حَدِيثِ قِراءَتِهِ عَلى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ سُورَةَ فُصِّلَتْ وقِراءَتِهِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِلْقُرْآنِ بِالمَدِينَةِ في القِصَّةِ الَّتِي تَشاجَرَ فِيها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ. وابْتَدَأُوا بِالطَّعْنِ في التّالِي لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي يَرْمُونَ إلَيْهِ، وأثْبَتُوا لَهُ إرادَةَ صَدِّهِمْ عَنْ دِينِ آبائِهِمْ قَصْدَ أنْ يُثِيرَ بَعْضُهم حَمِيَّةَ بَعْضٍ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ آباءَهم أهْلَ الرَّأْيِ فِيما ارْتَأوْا والتَّسْدِيدِ فِيما فَعَلُوا فَلا يَرَوْنَ إلّا حَقًّا ولا يَفْعَلُونَ إلّا صَوابًا وحِكْمَةً، فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونَ مُرِيدُ الصَّدِّ عَنْها مُحاوِلًا الباطِلَ وكاذِبًا في قَوْلِهِ لِأنَّ الحَقَّ مُطابِقٌ الواقِعَ فَإبْطالُ ما هو حَقٌّ في زَعْمِهِمْ قَوْلٌ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ فَهو الكَذِبُ. وفِعْلُ ”كانَ“ في قَوْلِهِمْ: ”﴿عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾“ إشارَةٌ إلى أنَّهم عَنَوْا أنَّ تِلْكَ عِبادَةٌ قَدِيمَةٌ ثابِتَةٌ. وفي ذَلِكَ إلْهابٌ لِقُلُوبِ قَوْمِهِمْ وإيغارٌ لِصُدُورِهِمْ لِيَتَألَّبُوا عَلى الرَّسُولِ ﷺ ويَزْدادُوا تَمَسُّكًا بِدِينِهِمْ وقَدْ قَصَرُوا لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى صِفَةِ إرادَةِ صَدِّهِمْ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ إلّا رَجُلٌ صادِقٌ فَما هو بِرَسُولٍ. وأتْبَعُوا وصْفَ التّالِي بِوَصْفِ المَتْلُوِّ بِأنَّهُ كَذِبٌ مُفْتَرًى، وإعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ إعادَةٌ ثابِتَةٌ لِلِاهْتِمامِ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنَ القَوْلَيْنِ الغَرِيبَيْنِ تَشْنِيعًا لَهُما في نَفْسِ السّامِعِينَ فَجُمْلَةُ ”﴿وقالُوا ما هَذا إلّا إفْكٌ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ فالفِعْلانِ مُشْتَرِكانِ في الظَّرْفِ. والإشارَةُ الثّانِيَةُ إلى القُرْآنِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ”تُتْلى“ لِتَعَيُّنِهِ لِذَلِكَ. والإفْكُ: الكَذِبُ، ووَصْفُهُ بِالمُفْتَرى إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ إلى نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى أوْ أُرِيدَ أنَّهُ في ذاتِهِ إفْكٌ وزادُوا فَجَعَلُوهُ مُخْتَرَعًا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَيْسَ مَسْبُوقًا بِهِ. فَكَوْنُهُ إفْكًا يَرْجِعُ إلى جَمِيعِ ما في القُرْآنِ، وكَوْنُهُ مُفْتَرًى يُرْجِعُونَهُ إلى ما فِيهِ مِن صفحة ٢٢٧ قَصَصِ الأوَّلِينَ. وهَذا القَوْلُ مِن بُهْتانِهِمْ لِأنَّهم كَثِيرًا ما يَقُولُونَ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَلَيْسَ (مُفْتَرًى) تَأْكِيدًا لِـ (إفْكٌ) . ثُمَّ حُكِيَ تَكْذِيبُهُمُ الَّذِي يَعُمُّ جَمِيعَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن وحْيٍ يُتْلى أوْ دَعْوَةٍ إلى التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ أوِ اسْتِدْلالٍ عَلَيْهِ أوْ مُعْجِزَةٍ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَهَذا المَقالُ الثّالِثُ يَشْمَلُ ما تَقَدَّمَ وغَيْرَهُ، فَحِكايَةُ مَقالِهِمْ هَذا تَقُومُ مَقامَ التَّذْيِيلِ. وأُظْهِرَ لِلْقائِلِينَ دُونَ إضْمارِ ما تَقَدَّمَ ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعادًا لِلضَّمِيرِ فَقِيلَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وقالُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الكُفْرَ هو باعِثُ قَوْلِهِمْ هَذا. وأُظْهِرَ المُشارُ إلَيْهِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”﴿لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾“ لِأنَّ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ في الكَلامِ السّابِقِ، أيْ إذْ أظْهَرَ لَهم ما هو حَقٌّ مِن إثْباتٍ لِلتَّوْحِيدِ أوْ إخْبارٍ عَنِ الغَيْبِ أوِ البَعْثِ قالُوا: ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ. فالمُرادُ مِنَ الحَقِّ: ما هو أعَمُّ مِن آياتِ القُرْآنِ لِأنَّ السِّحْرَ لَهُ أُسْلُوبانِ: أحَدُهُما شَعْوَذَةُ الأقْوالِ الَّتِي لا تُفْهَمُ مَدْلُولاتُها يَخْتَلِقُها السَّحَرَةُ لِيُوهِمُوا النّاسَ أنَّ فِيها مُناجاةً مَعَ الجِنِّ لِيُمَكِّنُوهم مِن عَمَلِ ما يُرِيدُونَ فَيَسْتَرْهِبُوهم بِذَلِكَ، وثانِيهِما أفْعالٌ لَها أسْبابٌ خَفِيَّةٌ مَسْتُورَةٌ بِحِيَلِ وخِفَّةِ أيْدٍ تُحَرِّكُها، فَيُوهِمُونَ بِها النّاسَ أنَّها مِن تَمْكِينِ الجِنِّ إيّاهُمُ التَّصَرُّفَ في الخَفِيّاتِ، فَإذا سَمِعُوا القُرْآنَ ألْحَقُوهُ بِالأُسْلُوبِ الأوَّلِ وإذا رَأوُا المُعْجِزاتِ ألْحَقُوها بِالأُسْلُوبِ الثّانِي كَما قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي شاهَدَتْ مُعْجِزَةَ تَكْثِيرِ الماءِ في بَعْضِ غَزَواتِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَتْ لِقَوْمِها: أتَيْتُ أسْحَرَ النّاسِ، أوَ هو نَبِيءٌ كَما زَعَمُوهُ. ومَعْنى ”مُبِينٌ“ أنَّهُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ سِحْرٌ فَتَبْيِينُهُ كُنْهُهُ مِن نَفْسِهِ، يَعْنُونَ أنَّ مَن سَمِعَهُ يَعْلَمُ أنَّهُ سِحْرٌ. وجُمْلَةُ (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (وإذا تُتْلى) .

سبأ 34:44

﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قالُوا ما هَذا إلّا رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكم عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمُ﴾ [سبإ: ٤٣] الآيَةَ، صفحة ٢٢٨ تَحْمِيقًا لِجَهالَتِهِمْ وتَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ في أمْرَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يُدْرِكُوا ما يَنالُهم مِنَ المَزِيَّةِ بِمَجِيءِ الحَقِّ إلَيْهِمْ إذْ هَيَّأهُمُ اللَّهُ بِهِ لِأنْ يَكُونُوا في عِدادِ الأُمَمِ ذَوِي الكِتابِ، وفي بَدْءِ حالٍ يَبْلُغُ بِهِمْ مَبْلَغَ العِلْمِ، إذْ هم لَمْ يَسْبِقْ لَهم أنْ أتاهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْ رَسُولٌ مِنهُ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ فَكَيْفَ رَفَضُوا اتِّباعَ الرَّسُولِ وتَلَقِّيَ القُرْآنِ وكانَ الأجْدَرُ بِهِمُ الِاغْتِباطَ بِذَلِكَ. وهَذا المَعْنى هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ يَدْرُسُونَها أيْ لَمْ يَكُونُوا أهْلَ دِراسَةٍ، فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يَسُرَّهم ما جاءَهم مِنَ الحَقِّ. وثانِيهِما: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا عَلى هُدًى ولا دِينٍ مَنسُوبٍ إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى يَكُونَ تَمَسُّكُهم بِهِ وخَشْيَةُ الوُقُوعِ في الضَّلالَةِ إنْ فَرَّطُوا فِيهِ يَحْمِلُهم عَلى التَّرَدُّدِ في الحَقِّ الَّذِي جاءَهم وصِدْقِ الرَّسُولِ الَّذِي أتاهم بِهِ، فَيَكُونُ لَهم في الصَّدِّ عَنْهُما بَعْضُ العُذْرِ: فَيَكُونُ المَعْنى: التَّعْجِيبُ مِن رَفْضِهِمُ الحَقَّ حِينَ لا مانِعَ يَصُدُّهم، فَلَيْسَ مَعْنى جُمْلَةِ (﴿وما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ﴾) الَخْ عَلى العَطْفِ ولا عَلى الإخْبارِ لِأنَّ مَضْمُونَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِالإخْبارِ بِهِ. ولَكِنْ عَلى الحالِ إفادَةُ التَّعْجِيبِ والتَّحْمِيقِ، وعَلى هَذا المَعْنى جَرى المُفَسِّرُونَ. والدِّراسَةُ: القِراءَةُ بِتَمَهُّلٍ وتَفَهُّمٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] في آلِ عِمْرانَ. وإنَّما لَمْ يُقَيِّدْ إيتاءَ الكُتُبِ بِقَيْدٍ كَما قَيَّدَ الإرْسالَ بِقَوْلِهِ (قَبْلَكَ) لِأنَّ الإيتاءَ هو التَّمْكِينُ مِنَ الشَّيْءِ وهم لَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ القُرْآنِ بِخِلافِ إرْسالِ النَّذِيرِ فَهو حاصِلٌ سَواءً تَقَبَّلُوهُ أمْ أعْرَضُوا عَنْهُ. ومَن نَحا نَحْوَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ أهْلِ الكِتابِ فَذَلِكَ مَنحًى واهِنٌ؛ لِأنَّهُ يَجُرُّ إلى مَعْذِرَةِ أهْلِ الكِتابِ في عَضِّهِمْ بِالنَّواجِذِ عَلى دِينِهِمْ، عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ بِمَكَّةَ عَلاقَةٌ لِلدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ بِأهْلِ الكِتابِ وإنَّما دَعاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وأيْضًا لا يَكُونُ لِلتَّقْيِيدِ بِـ (قَبْلَكَ) فائِدَةٌ خاصَّةٌ كَما عَلِمْتَ. وهُنالِكَ تَفْسِيراتٌ أُخْرى أشَدُّ بُعْدًا وأبْعَدُ عَنِ القَصْدِ جِدًّا.

سبأ 34:45

صفحة ٢٢٩ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلَّذِينِ كَذَّبُوهُ، فَمَوْقِعُ التَّسْلِيَةِ مِنهُ قَوْلُهُ: ”وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ“، ومَوْقِعُ التَّهْدِيدِ بَقِيَّةُ الآيَةِ، فالتَّسْلِيَةُ في أنَّ لَهُ أُسْوَةً بِالرُّسُلِ السّابِقِينَ، والتَّهْدِيدُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها وكَيْفَ عاقَبَهُمُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ وكانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ وأعْظَمَ سَطْوَةً مِنهم وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ [الزخرف: ٨] . ومَفْعُولُ ”كَذَّبَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ كَذَّبُوا بِالرُّسُلِ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾) . وضَمِيرُ بَلَغُوا عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في آتَيْناهم عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبإ: ٤٣]، والمَقامُ يُرَدُّ عَلى كُلِّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ، كَما قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] . والمِعْشارُ: العُشْرُ، وهو الجُزْءُ العاشِرُ مِثْلَ المِرْباعِ الَّذِي كانَ يُجْعَلُ لِقائِدِ الكَتِيبَةِ مِن غَنائِمِ الجَيْشِ في الجاهِلِيَّةِ. وذُكِرَ احْتِمالانِ آخَرانِ في مَعادِ الضَّمِيرَيْنِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ لا يَسْتَقِيمُ مَعَهُما سِياقُ الآيَةِ. وجُمْلَةُ ”﴿وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾“ مُعْتَرِضَةٌ، والِاعْتِراضُ بِها تَمْهِيدٌ لِلتَّهْدِيدِ وتَقْرِيبٌ لَهُ بِأنَّ عِقابَ هَؤُلاءِ أيْسَرُ مِن عِقابِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ في مُتَعارَفِ النّاسِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] . والفاءُ في قَوْلِهِ فَكَذَّبُوا رُسُلِي لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، بِاعْتِبارِ أنَّ المُفَرَّعَ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، وبِذَلِكَ كانَتْ ”جُمْلَةُ فَكَذَّبُوا رُسُلِي“ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ [القمر: ٩] في سُورَةِ القَمَرِ، ولِكَوْنِ الفاءِ صفحة ٢٣٠ الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلْفاءِ في قَوْلِهِ فَكَذَّبُوا رُسُلِي. وقَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ عَنِ الحالَةِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ والتَّفْرِيعِ كَقَوْلِ الحَجّاجِ لِلْعُدَيْلِ ابْنِ الفَرْخِ ”فَكَيْفَ رَأيْتَ اللَّهَ أمْكَنَ مِنكَ“، أيْ أمْكَنَنِي مِنكَ، في قِصَّةِ هُرُوبِهِ. فَجُمْلَتا ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ في قُوَّةِ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ مُفَرَّعَةٍ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ جُمْلَةُ ﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مَقْصُودًا مِنها تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ابْتِداءً جُعِلَتْ مَقْصُورَةً عَلى ذَلِكَ اهْتِمامًا بِذَلِكَ الغَرَضِ وانْتِصارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ ثُمَّ خَصَّتْ عِبْرَةَ تَسَبُّبِ التَّكْذِيبِ في العِقابِ بِجُمْلَةٍ تَخُصُّها تَهْوِيلًا لِلتَّكْذِيبِ، وهو مِن مَقاماتِ الإطْنابِ، فَصادَفَ أنْ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَتَيْنِ مُتَّحِدًا اتِّحادَ السَّبَبِ لِمُسَبِّبَيْنِ أوِ العِلَّةِ لِمَعْلُولَيْنِ كَعِلَّةِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ والغُرْمِ. وبُنِيَ النَّظْمُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الشَّيِّقِ تَجَنُّبًا لِثِقَلِ إعادَةِ الجُمْلَةِ إعادَةً ساذِجَةً فَفُرِّعَتِ الثّانِيَةُ عَلى الأُولى وأُظْهِرَ فِيها مَفْعُولُ ”كَذَّبَ“ وبُنِيَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ التَّفْظِيعِيُّ، أوْ فَرَّعَ لِلتَّكْذِيبِ الخاصِّ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي هو سَجِيَّتُهُمُ العامَّةُ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى: ”﴿وكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ كَما تَقَدَّمَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] . والتَّنْكِيرُ: اسْمٌ لِلْإنْكارِ وهو عَدُّ الشَّيْءِ مُنْكَرًا، أيْ مَكْرُوهًا، واسْتُعْمِلَ هُنا كِنايَةً عَنِ الغَضَبِ وتَسْلِيطِ العِقابِ عَلى الآتِي بِذَلِكَ المُنْكَرِ فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ. والمَعْنى: فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم عَلى ما جاءُوا بِهِ مِمّا أنْكَرَهُ، أيْ كانَ عِقابًا عَظِيمًا عَلى وفْقِ إنْكارِنا تَكْذِيبَهم. و”نَكِيرِ“ بِكَسْرِ الرّاءِ وهو مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِلتَّخْفِيفِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَيْها بِبَقاءِ الكَسْرَةِ عَلى آخِرِ الكَلِمَةِ ولِيُناسِبَ الفاصِلَةَ وأُخْتَها. وكُتِبَ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ وبِوَقْفٍ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ.