Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — سبأ 34:46 – فاطر 35:45

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. سبأ 34:46
  2. سبأ 34:47
  3. سبأ 34:48
  4. سبأ 34:49
  5. سبأ 34:50
  6. سبأ 34:51
  7. سبأ 34:52
  8. سبأ 34:53
  9. سبأ 34:54
  10. فاطر 35:1
  11. فاطر 35:2
  12. فاطر 35:3
  13. فاطر 35:4
  14. فاطر 35:5
  15. فاطر 35:6
  16. فاطر 35:7
  17. فاطر 35:8
  18. فاطر 35:9
  19. فاطر 35:10
  20. فاطر 35:11
  21. فاطر 35:12
  22. فاطر 35:13
  23. فاطر 35:14
  24. فاطر 35:15
  25. فاطر 35:16
  26. فاطر 35:17
  27. فاطر 35:18
  28. فاطر 35:19
  29. فاطر 35:20
  30. فاطر 35:21
  31. فاطر 35:22
  32. فاطر 35:23
  33. فاطر 35:24
  34. فاطر 35:25
  35. فاطر 35:26
  36. فاطر 35:27
  37. فاطر 35:28
  38. فاطر 35:29
  39. فاطر 35:30
  40. فاطر 35:31
  41. فاطر 35:32
  42. فاطر 35:33
  43. فاطر 35:34
  44. فاطر 35:35
  45. فاطر 35:36
  46. فاطر 35:37
  47. فاطر 35:38
  48. فاطر 35:39
  49. فاطر 35:40
  50. فاطر 35:41
  51. فاطر 35:42
  52. فاطر 35:43
  53. فاطر 35:44
  54. فاطر 35:45

سبأ 34:46

صفحة ٢٣١ ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ افْتَتَحَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ هُنا وفي الجُمَلِ الأرْبَعِ بَعْدَهُ لِلِاهْتِمامِ بِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ. وهَذا اسْتِئْنافٌ لِلِانْتِقالِ مِن حِكايَةِ أحْوالِ كُفْرِ المُشْرِكِينَ وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ النَّقْضِ والِاسْتِدْلالِ والتَّسْلِيَةِ والتَّهْدِيدِ ووَصْفِ صُدُودِهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ إلى دَعْوَتِهِمْ لِلْإنْصافِ فَبِالتَّأمُّلِ في الحَقائِقِ لِيَتَّضِحَ لَهم خَطَؤُهم فِيما ارْتَكَبُوهُ مِنَ العَسْفِ في تَلَقِّي دَعْوَةِ الإسْلامِ وما ألْصَقُوا بِهِ وبِالدّاعِي إلَيْهِ، وأرْشَدُوا إلى كَيْفِيَّةِ النَّظَرِ في شَأْنِهِمْ والِاخْتِلاءِ بِأنْفُسِهِمْ لِمُحاسَبَتِها عَلى سُلُوكِها، اسْتِقْصاءً لَهم في الحُجَّةِ وإعْذارًا لَهم في المُجادَلَةِ ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . ولِذَلِكَ اجْتُلِبَتْ صِيغَةُ الحَصْرِ بِـ (إنَّما)، أيْ ما أعِظُكم إلّا بِواحِدَةٍ، طَيًّا لِبِساطِ المُناظَرَةِ وإرْسالًا عَلى الخُلاصَةِ مِنَ المُجادَلاتِ الماضِيَةِ، وتَقْرِيبًا لِشُقَّةِ الخِلافِ بَيْنَنا وبَيْنَكم. وهُوَ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا بِغَيْرِها مِنَ المَواعِظِ المُفَصَّلَةِ، أيْ إنِ اسْتَكْثَرْتُمُ الحُجَجَ وضَجِرْتُمْ مِنَ الرُّدُودِ والمَطاعِنِ فَأنا أخْتَصِرُ المُجادَلَةَ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَقَدْ كانُوا يَتَذَمَّرُونَ مِنَ القُرْآنِ لِأبِي طالِبٍ: أما يَنْتَهِي ابْنُ أخِيكَ مِن شَتْمِ آلِهَتِنا وآبائِنا. وهَذا كَما يَقُولُ المُناظِرُ والجَدَلِيُّ بَعْدَ بَسْطِ الأدِلَّةِ فَيَقُولُ: والخُلاصَةُ أوِ الفَذْلَكَةُ كَذا. وقَدِ ارْتَكَبَ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ تَقْرِيبَ مَسالِكِ النَّظَرِ إلَيْهِمْ بِاخْتِصارِهِ، فَوُصِفَ بِأنَّهُ خَصْلَةٌ واحِدَةٌ لِئَلّا يَتَجَهَّمُوا الإقْبالَ عَلى النَّظَرِ الَّذِي عَقَدُوا نِيّاتِهِمْ عَلى رَفْضِهِ، فَأعْلَمُوا بِأنَّ ذَلِكَ لا يُكَلِّفُهم جُهْدًا ولا يُضِيعُ عَلَيْهِمْ زَمَنًا فَلْيَتَأمَّلُوا فِيهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَقْضُوا قَضاءَهم، والكَلامُ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ ﷺ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَهم بِهِ. والوَعْظُ: كَلامٌ فِيهِ تَحْذِيرٌ مِن مَكْرُوهٍ وتَرْغِيبٌ في ضِدِّهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلُهُ ”يَعِظُكُمُ اللَّهُ“ في سُورَةِ النُّورِ. صفحة ٢٣٢ و(واحِدَةٍ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ ويَفْرِضُهُ السّامِعُ نَحْوَ: بِخَصْلَةٍ، أوْ بِقَضِيَّةٍ، أوْ بِكَلِمَةٍ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ تَقْلِيلُها تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ واخْتِصارًا في الِاسْتِدْلالِ وإيجازًا في نَظْمِ الكَلامِ واسْتِنْزالًا لِطائِرِ نُفُورِهِمْ وإعْراضِهِمْ. وبُنِيَتْ هَذِهِ الواحِدَةُ بِقَوْلِهِ ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ إلى آخِرِهِ، فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ في مَوْضِعِ البَدَلِ مِن واحِدَةٍ، أوْ قُلْ عَطْفُ بَيانٍ فَإنَّ عَطْفَ البَيانِ هو البَدَلُ المُطابِقُ، وإنَّما اخْتَلَفَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ فَلا تَخُضْ في مُحاوَلَةِ الفَرْقِ بَيْنَهُما كالَّذِي خاضُوا. والقِيامُ في قَوْلِهِ ”أنْ تَقُومُوا“ مُرادٌ بِهِ المَعْنى المَجازِيُّ وهو التَّأهُّبُ لِلْعَمَلِ والِاجْتِهادُ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ [النساء: ١٢٧] . واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ اللَّهِ ولِذاتِهِ، أيْ جاعِلِينَ عَمَلَكم لِلَّهِ لا لِمَرْضاةِ صاحِبٍ ولا عَشِيرَةٍ، وهَذا عَكْسُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، أوْ لِأجْلِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ والتَّدَبُّرِ في صِفاتِهِ. وكَلِمَةُ مَثْنى مَعْدُولٌ بِها عَنْ قَوْلِهِمُ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، بِتَكْرِيرِ كَلِمَةِ اثْنَيْنِ تَكْرِيرًا يُفِيدُ مَعْنى تَرْصِيفِ الأشْياءِ المُتَعَدِّدَةِ بِجَعْلِ كُلِّ ما يُعَدُّ بِعَدَدِ اثْنَيْنِ مِنهُ مُرَصَّفًا عَلى نَحْوِ عَدَدِهِ. وكَلِمَةُ فُرادى مَعْدُولٌ بِها عَنْ قَوْلِهِمْ: فَرْدًا فَرْدًا تَكْرِيرًا يُفِيدُ مَعْنى التَّرْصِيفِ كَذَلِكَ. وكَذَلِكَ سائِرُ أسْماءِ العَدَدِ إلى تِسْعٍ أوْ عَشْرٍ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. وانْتَصَبَ مَثْنى وفُرادى عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تَقُومُوا“ أيْ أنْ تَكُونُوا في القِيامِ عَلى هَذَيْنِ الحالَيْنِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنْ تَقُومُوا لِحَقِّ اللَّهِ وإظْهارِهِ عَلى أيِّ حالٍ مِنِ اجْتِماعٍ وانْفِرادٍ، فَيَكُونُ ”مَثْنى“ كِنايَةً عَنِ التَّعَدُّدِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ مَعْنى التَّثْنِيَةِ في التَّكَرُّرِ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ أوَّلُ التَّكْرِيرِ فَجَعَلَ التَّكَرُّرَ لازِمًا لِلتَّثْنِيَةِ ادِّعاءً كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] فَإنَّ البَصَرَ لا يَرْجِعُ خاسِئًا مِن إعادَةِ نَظْرَةٍ واحِدَةٍ بَلِ المُرادُ مِنهُ تَكْرِيرُ صفحة ٢٣٣ النَّظَرِ ومِنهُ قَوْلُهم: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وقَوْلُهم: دَوالَيْكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنْ تَقُومُوا لِحَقِّ اللَّهِ مُسْتَعِينًا أحَدُكم بِصاحِبٍ لَهُ أوْ مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فَإنَّ مِن أهْلِ النَّظَرِ مَن يَنْشَطُ إلَيْهِ بِالمُدارَسَةِ ما لا يُنَشِّطُهُ بِالخَلْوَةِ. ومِنهم مَن حالُهُ بِعَكْسِ هَذا، فَلِهَذا اقْتَصَرَ عَلى مَثْنى وفُرادى لِأنَّ ما زادَ عَلى ذَلِكَ لا اضْطِرارَ إلَيْهِ. وقَدَّمَ مَثْنى لِأنَّ الِاسْتِعانَةَ أعْوَنُ عَلى الفَهْمِ فَيَكُونُ المُرادُ دَفْعَ عَوائِقِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ الَّذِي لا يُغالِطُ فِيهِ صاحِبُ هَوًى ولا شُبْهَةٍ ولا يَخْشى فِيهِ النّاظِرُ تَشْنِيعًا ولا سُمْعَةً، فَإنَّ الجَماهِيرَ إذا اجْتَمَعَتْ لَمْ يَخْلُ مُجْتَمَعُهم مِن ذِي هَوًى وذِي شُبْهَةٍ وذِي مَكْرٍ وذِي انْتِفاعٍ، وهَؤُلاءِ بِما يَلْزَمُ نَواياهم مِنَ الخُبْثِ تَصْحَبُهم جُرْأةٌ لا تَتْرُكُ فِيهِمْ وازِعًا عَنِ الباطِلِ ولا صَدًّا عَنِ الِاخْتِلاقِ والتَّحْرِيفِ لِلْأقْوالِ بِعَمْدٍ أوْ خَطَأٍ، ولا حَياءً يُهَذِّبُ مِن حِدَّتِهِمْ في الخِصامِ والأذى، ثُمَّ يَطِيرُونَ بِالقالَةِ وأعْمالِ أهْلِ السَّفالَةِ. فَلِلسَّلامَةُ مِن هَذِهِ العَوائِقِ والتَّخَلُّصُ مِن تِلْكَ البَوائِقِ الصّادَّةِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ قِيلَ هَنا مَثْنى وفُرادى فَإنَّ المَرْءَ إذا خَلا بِنَفْسِهِ عِنْدَ التَّأمُّلِ لَمْ يَرْضَ لَها بِغَيْرِ النُّصْحِ، وإذا خَلا ثانِي اثْنَيْنِ فَهو إنَّما يَخْتارُ ثانِيَهُ أعْلَقَ أصْحابِهِ بِهِ وأقْرَبَهم مِنهُ رَأْيًا فَسَلِمَ كِلاهُما مِن غِشِّ صاحِبِهِ. وحَرْفُ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لِأنَّ التَّفَكُّرَ في أحْوالِ النَّبِيءِ ﷺ أهَمُّ في إصْلاحِ حالِ المُخاطَبِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَتِهِ، بِخِلافِ القِيامِ لِلَّهِ فَإنَّهم لا يَأْبَوْنَهُ. والتَّفَكُّرُ: تَكَلُّفُ الفِكْرِ وهو العِلْمُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠] في الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ نَفْيٌ يُعَلِّقُ فِعْلَ تَتَفَكَّرُوا عَنِ العَمَلِ لِأجْلِ حَرْفِ النَّفْيِ. والمَعْنى: ثُمَّ تَعْلَمُوا نَفْيَ الجُنُونِ عَنْ صاحِبِكم، أيْ تَعْلَمُوا مَضْمُونَ هَذا. فَجُمْلَةُ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ مَعْمُولَةٌ لِـ (تَتَفَكَّرُوا)، ومَن وقَفَ عَلى تَتَفَكَّرُوا لَمْ يُتْقِنِ التَّفَكُّرَ. والمُرادُ بِالصّاحِبِ: المُخالِطُ مُطْلَقًا بِالمُوافَقَةِ والمُخاصَمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّبَصُّرِ صفحة ٢٣٤ فِي خَلْقِهِ كَقَوْلِ الحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ لِلْخَوارِجِ: ”ألَسْتُمْ أصْحابِي بِالأهْوازِ حِينَ رُمْتُمُ الغَدْرَ واسْتَبْطَنْتُمُ الكُفْرَ“ يَعْنِي: فَلا تَخْفى عَلَيَّ مَقاصِدُكم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَ لَمْ يَتَفَكَّروُاْ ما بِصاحِبِهمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والتَّعْبِيرُ بِصاحِبِكم إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ما بِي مِن جَنَّةٍ إذِ الكَلامُ جارٍ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ حالَهُ مَعْلُومٌ لَدَيْهِمْ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ مُخالَطَتِهِ بِهِمْ مُخالَطَةً لا تَذَرُ لِلْجَهالَةِ مَجالًا، فَهم عَرَفُوهُ ونَشَأ بَيْنَهم حَتّى جاءَهم بِالحَقِّ فَهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] . والِاقْتِصارُ في التَّفَكُّرِ المَطْلُوبِ عَلى انْتِفاءِ الجِنَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ هو أنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو الطَّعْنُ في نُبُوءَتِهِ وهم لَمّا طَعَنُوا فِيهِ قالُوا: مَجْنُونٌ، وقالُوا: ساحِرٌ، وقالُوا: كاذِبٌ. فابْتُدِئْ في إرْجاعِهِمْ إلى الحَقِّ بِنَفْيِ الجِنَّةِ عَنْهُ حَتّى إذا أذْعَنُوا إلى أنَّهُ مِنَ العُقَلاءِ انْصَرَفَ النَّظَرُ إلى أنَّ مِثْلَ ما جاءَ بِهِ لا يَأْتِي بِهِ إلّا عاقِلٌ وهم إنَّما ابَتَدَأُوا اخْتِلاقَهم بِأنَّهُ مَجْنُونٌ كَما جاءَ في القُرْآنِ قالَ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] في السُّورَةِ الثّانِيَةِ نُزُولًا. وقالَ ﴿وما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] في السُّورَةِ السّابِعَةِ، وذَلِكَ هو الَّذِي اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤] إذْ دَعْوى الجُنُونِ أرْوَجُ بَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ لِأنَّ الجُنُونَ يَطْرَأُ عَلى الإنْسانِ دَفْعَةً فَلَمْ يَجِدُوا تَعِلَّةً أقْرَبَ لِلْقَبُولِ مِن دَعْوى أنَّهُ اعْتَراهُ جُنُونٌ كَما قالَ عادٌ لِهُودٍ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقالَتْ ثَمُودُ لِصالِحٍ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ [هود: ٦٢] . فَبَقِيَتْ دَعْواهم أنَّهُ ساحِرٌ وأنَّهُ كاهِنٌ وأنَّهُ شاعِرٌ وأنَّهُ كاذِبٌ حاشاهُ. فَأمّا السِّحْرُ والكِهانَةُ فَسَهُلَ نَفْيُهُما بِنَفْيِ خَصائِصِهِما، فَأمّا انْتِفاءُ السِّحْرِ فَبَيِّنٌ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى مُعالَجَةِ تَعَلُّمٍ ومُزاوَلَةٍ طَوِيلَةٍ والنَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهُ، وأمّا الشِّعْرُ فَمَسْحَتُهُ مَنفِيَّةٌ عَنِ القُرْآنِ كَما قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَلَمْ يَبْقَ في كِنانَةِ مَطاعِنِهِمْ إلّا زَعْمُهم أنَّهُ كاذِبٌ عَلى اللَّهِ، وهَذا يُزَيِّفُهُ قَوْلُهم ”بِصاحِبِكم“ فَإنَّهم عَرَفُوهُ بِرَجاحَةِ العَقْلِ والصِّدْقِ والأمانَةِ في شَبِيبَتِهِ وكُهُولَتِهِ فَكَيْفَ يُصْبِحُ بَعْدَ ذَلِكَ كاذِبًا كَما قالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: فَلَمّا رَأيْتُمُ الشَّيْبَ في صُدْغَيْهِ قُلْتُمُ شاعِرٌ صفحة ٢٣٥ وقُلْتُمْ كاهِنٌ وقُلْتُمْ مَجْنُونٌ، وواللَّهِ ما هو بِأُولائِكم. وإذا كانَ لا يَكْذِبُ عَلى النّاسِ فَكَيْفَ يَكْذِبُ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ هِرَقْلُ لِأبِي سُفْيانَ وقَدْ سَألَهُ: هَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ كَذِبًا قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قالَ ؟ قالَ أبُو سُفْيانَ: لا. قالَ: فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَتْرُكَ الكَذِبَ عَلى النّاسِ ويَكْذِبَ عَلى اللَّهِ. ومِن أجْلِ هَذا التَّدَرُّجِ الَّذِي طُوِيَ تَحْتَ جُمْلَةِ ﴿ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾ أعْقَبَ ذَلِكَ بِحَصْرِ أمْرِهِ في النِّذارَةِ بِقُرْبِ عَذابٍ واقِعٍ، أيْ في النِّذارَةِ والرِّسالَةِ الصّادِقَةِ. قالَ في الكَشّافِ: أيْ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوى لا يَتَصَدّى لَها إلّا رَجُلانِ: إمّا مَجْنُونٌ لا يُبالِي بِافْتِضاحِهِ إذا طُولِبَ بِالبُرْهانِ، وإمّا عاقِلٌ راجِحُ العَقْلِ لا يَدَّعِي مِثْلَهُ إلّا بَعْدَ صِحَّتِهِ بِالحُجَّةِ وإلّا فَما يُجْدِي العاقِلُ دَعْوى شَيْءٍ لا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ما بِهِ مِن جِنَّةٍ بَلْ عَلِمْتُمُوهُ أرْجَحَ قُرَيْشٍ عَقْلًا وأرْزَنَهم حِلْمًا وأثْقَبَهم ذِهْنًا وآصَلَهم رَأْيًا وأصْدَقَهم قَوْلًا وأجْمَعَهم لِما يُحْمَدُ عَلَيْهِ الرِّجالُ فَكانَ مَظِنَّةً لِأنْ تَظُنُّوا بِهِ الخَيْرَ وتُرَجِّحُوا فِيهِ جانِبَ الصِّدْقِ عَلى الكَذِبِ اهـ. فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى صِفَةِ النِّذارَةِ لا تَحُومُ حَوْلَهُ الأوْصافُ الَّتِي لَمَزْتُمُوهُ بِها. ومَعْنى ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ﴾ القُرْبُ، أيْ قُرْبَ الحُصُولِ فَيَقْتَضِي القَبْلِيَّةَ، أيْ قَبْلَ عَذابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ، والمُرادُ عَذابُ الآخِرَةِ.

سبأ 34:47

﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهْوَ لَكم إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هَذا اسْتِقْصاءٌ لِبَقايا شُبَهِ التَّكْذِيبِ لِدَحْضِها سَواءً مِنها ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ: كاهِنٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ وما لَمْ يَدَّعُوهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَخْطُرُ بِبالِ واحِدٍ مِنهم أنْ يَزْعُمُوا أنَّهُ يُرِيدُ بِهَذِهِ الدَّعْوى نَفْعًا لِنَفْسِهِ يَكُونُ أجْرًا لَهُ عَلى التَّعْلِيمِ والإرْشادِ. وهم لَمّا ادَّعَوْا أنَّهُ ساحِرٌ أوْ أنَّهُ شاعِرٌ أوْ أنَّهُ كاهِنٌ لَزِمَ مِن دَعْواهم أنَّهُ يَتَعَرَّضُ صفحة ٢٣٦ لِجائِزَةِ الشّاعِرِ، وحُلْوانِ الكاهِنِ، فَلَمّا نُفِيَتْ عَنْهُ تِلْكَ الخِلالُ لَمْ يَبْقَ لَهم في الكِنانَةِ سَهْمُ طَعْنٍ، إلّا أنْ يَزْعُمُوا أنَّهُ يَطْلُبُ أجْرًا عَلى الإرْشادِ فَقِيلَ لَهم: ﴿ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ إنْ كانَ بِكم ظَنُّ انْتِفاعِي مِنكم بِما دَعَوْتُكم إلَيْهِ، فَما كانَ لِي مِن أجْرٍ عَلَيْهِ فَخُذُوهُ. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ بَدِيعَةٌ في الكِنايَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِأنْ يُفْرَضَ كالواقِعِ ثُمَّ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ الِانْكِفافُ عَنْهُ ورَدُّ ما فاتَ مِنهُ لِيُفْضِيَ بِذَلِكَ إلى البَراءَةِ مِنهُ ومِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْهم أجْرًا ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] أوْ إنْ كُنْتُ سَألْتُكم أجْرًا فَلا تُعْطُونِيهِ وإنْ كُنْتُمْ أعْطَيْتُمْ شَيْئًا فاسْتَرِدُّوهُ، فَكُنِّيَ بِهَذا الشَّرْطِ المُحَقَّقِ انْتِفاؤُهُ عِنْدَ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ طالِبًا أجْرًا مِنهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ عَقِبَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَجِيءَ بِالشَّرْطِ بِصِيغَةِ الماضِي لِيَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ ذَلِكَ في الماضِي فَيَكُونُ انْتِفاؤُهُ في المُسْتَقْبَلِ أجْدَرَ، عَلى أنَّ وُقُوعَهُ في سِياقِ الشَّرْطِ يَقْضِي بِانْتِفائِهِ في المُسْتَقْبَلِ أيْضًا. وهَذا جارٍ مَجْرى التَّحَدِّي لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِجَماعَتِهِمْ أوْ آحادِهِمْ عِلْمٌ بِأنَّهُ طَلَبَ أجْرًا مِنهم لَجارُوا حِينَ هَذا التَّحَدِّي بِمُكافَحَتِهِ وطالَبُوهُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِمْ. ويَنْتَقِلُ مِن هَذا إلى تَعْيِينِ أنَّ ما دَعاهم إلَيْهِ لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهم بِالنَّجاةِ مِنَ العَذابِ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ التَّبَرُّؤُ مِن أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ يُرِيدُ مِنهم أجْرًا أوْ يَتَطَلَّبُ نَفْعًا لِأنَّ انْتِفاءَ ذَلِكَ ما يُلاقِيهِ مِنَ العَناءِ في الدَّعْوَةِ دَلِيلُ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لا يُرِيدُ جَزاءً مِنهم. و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، و(مِن أجْرٍ) بَيانًا لِإبْهامِ (ما) وجُمْلَةُ ”فَهو لَكم“ جَوابَ الشَّرْطِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) نافِيَةً. وتَكُونَ (مِن) لِتَوْكِيدِ عُمُومِ النَّكِرَةِ في النَّفْيِ، وتَكُونَ الفاءُ في قَوْلِهِ (﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾) تَفْرِيعًا عَلى نَفْيِ الأجْرِ، وضَمِيرُ (هو) عائِدًا عَلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ ومِن تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [سبإ: ٤٣] أيْ فَهَذا القُرْآنُ لِفائِدَتِكم لا لِفائِدَتِي لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ يُفِيدُ أنْ لا فائِدَةَ لَهُ في هَذِهِ الدَّعْوَةِ. ويَكُونُ مَعْنى الآيَةِ نَظِيرَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧] . صفحة ٢٣٧ والأجْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] في سُورَةِ القَصَصِ. وجُمْلَةُ (﴿إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ أنْ يَسْألَ السّامِعُ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ عَلى ما قامَ بِهِ أجْرٌ، فَأُجِيبَ بِأنَّ أجْرَهُ مَضْمُونٌ وعَدَهُ اللَّهُ بِهِ لِأنَّهُ إنَّما يَقُومُ بِعَمَلٍ لِمَرْضاتِهِ وامْتِثالِ أمْرِهِ فَعَلَيْهِ أجْرُهُ. وحَرْفُ ”عَلى“ يَقْتَضِي أنَّهُ حَقُّ اللَّهِ وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى وعْدِهِ الصّادِقِ، ثُمَّ ذَيَّلَ ذَلِكَ بِاسْتِشْهادِ اللَّهِ تَعالى عَلى باطِنِهِ ونِيَّتِهِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ الكائِناتِ الَّتِي اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَيْها، وعَلِيمٌ بِخَفاياها فَهو مِن بابِ ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] أيْ وهو شاهِدٌ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ. والأجْرُ: عِوَضٌ نافِعٌ عَلى عَمَلٍ سَواءٌ كانَ مالًا أوْ غَيْرَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ ياءَ ”أجْرِيَ“ مَفْتُوحَةً. وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ساكِنَةً، وهُما وجْهانِ مِن وُجُوهِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الإضافَةِ.

سبأ 34:48

﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ لا جَرَمَ إذِ انْتَهى الِاسْتِدْلالُ والمُجادَلَةُ أنْ يُنْتَقَلَ إلى النِّداءِ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ بِظُهُورِ الحَقِّ فَيُسْتَغْنى عَنْ مُجادَلَتِهِمْ. وأُعِيدَ فِعْلُ ”قُلْ“ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. والتَّأْكِيدُ لِتَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ بِلَفْظِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِلْإشارَةِ أنَّ الحَقَّ في جانِبِهِ وأنَّهُ تَأْيِيدٌ مِن رَبِّهِ فَإنَّ الرَّبَّ يَنْصُرُ مَرْبُوبَهُ ويُؤَيِّدُهُ. فالمُرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ هُنا رُبُوبِيَّةُ الوَلاءِ والِاخْتِصاصِ لا مُطْلَقُ الرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّها تَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاخْتِصاصِ دُونَ التَّقَوِّي لِأنَّ تَقَوِّيَ الجُمْلَةِ حَصَلَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. وهَذا الِاخْتِصاصُ بِاعْتِبارِ ما في يَقْذِفُ صفحة ٢٣٨ بِالحَقِّ مِن مَعْنى النّاصِرِ لِي دُونَكم فَماذا يَنْفَعُكُمُ اعْتِزازُكم بِأمْوالِكم وأوْلادِكم وقُوَّتِكم. والقَذْفُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ، وأُطْلِقَ عَلى إظْهارِ الحَقِّ قَذْفٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، شَبَّهَ إعْلانَ الحَقِّ بِإلْقاءِ الحَجَرِ ونَحْوِهِ. والمَعْنى: أنَّ رَبِّي يَقْذِفُكم بِالحَقِّ. أوْ هو إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ﴾ [الأنبياء: ١٨] وعَلى كُلٍّ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ مِن نَصْرِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ. وتَخْصِيصُ وصْفِ ”﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾“ مِن بَيْنِ الأوْصافِ الإلَهِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ عالِمٌ بِالنَّوايا، وأنَّ القائِلَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فالَّذِي يَعْلَمُ هَذا لا يَجْتَرِئُ عَلى اللَّهِ بِادِّعائِهِ باطِلًا أنَّهُ أرْسَلَهُ إلَيْكم، فالإعْلامُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هُنا يُشْبِهُ اسْتِعْمالَ الخَبَرِ في لازِمِ فائِدَتِهِ وهو العِلْمُ بِالحُكْمِ الخَبَرِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى (﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾) يُرْسِلُ الوَحْيَ، أيْ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [غافر: ١٥] ويَكُونَ قَوْلُهُ (﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾) إشارَةً إلى أنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَتْ عَلَيْنا المَلائِكَةُ دُونَ مُحَمَّدٍ. وارْتَفَعَ (عَلّامُ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو عَلّامُ الغُيُوبِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِاسْمِ ”إنَّ“ إمّا مَقْطُوعٌ، وإمّا لِمُراعاةِ مَحَلِّ اسْمِ إنَّ حَيْثُ إنَّها اسْتَوْفَتْ خَبَرَها لِأنَّ حُكْمَ الصِّفَةِ حُكْمُ عَطْفِ النَّسَقِ عِنْدَ أكْثَرِ النُّحاةِ وهو الحَقُّ. وقالَ الفَرّاءُ: رَفْعُ الِاسْمِ هَذا هو غالِبُ كَلامِ العَرَبِ. ومِثْلُهُ بِالبَدَلِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ (الغُيُوبِ) بِضَمِّ الغَيْنِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ كَما جاءَ الوَجْهانِ في باءِ بُيُوتٍ.

سبأ 34:49

﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ قُلْ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. وجُمْلَةُ (قُلْ جاءَ الحَقُّ) تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] فَإنَّ الحَقَّ صفحة ٢٣٩ قَدْ جاءَ بِنُزُولِ القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ. وعَطَفَ ”﴿وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾“ عَلى ”﴿جاءَ الحَقُّ﴾“ لِأنَّهُ إذا جاءَ الحَقُّ انْقَشَعَ الباطِلُ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي حَلَّ فِيهِ الحَقُّ. و(يُبْدِئُ) مُضارِعُ أبْدَأ بِهَمْزَةٍ في أوَّلِهِ وهَمْزَةٍ في آخِرِهِ والهَمْزَةُ الَّتِي في أوَّلِهِ لِلزِّيادَةِ مِثْلُ هَمْزَةِ: أجاءَ، وأسْرى. وإسْنادُ الإبْداءِ والإعادَةِ إلى الباطِلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ أوِ اسْتِعارَةٌ. ومَعْنى وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ الكِنايَةُ عَنِ اضْمِحْلالِهِ وزَوالِهِ وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالزُّهُوقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] في سُورَةِ الإسْراءِ، وذَلِكَ أنَّ المَوْجُودَ الَّذِي تَكُونُ لَهُ آثارٌ إمّا أنْ تَكُونَ آثارُهُ مُسْتَأْنَفَةً أوْ مُعادَةً فَإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إبْداءٌ ولا إعادَةٌ فَهو مَعْدُومٌ وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن تَصَرُّفِ الحَيِّ فَيَكُونُ ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ كِنايَةً عَنِ الهَلاكِ كَما قالَ عُبَيْدُ بْنُ الأبْرَصِ: أفْقَرَ مِن أهْلِهِ عَبِيدُ فاليَوْمَ لا يُبْدِي ولا يُعِيدُ يَعْنِي نَفْسَهُ. ويَقُولُونَ أيْضًا: فُلانٌ ما يُبْدِئُ وما يُعِيدُ، أيْ ما يَتَكَلَّمُ بِبادِئَةٍ ولا عائِدَةٍ، أيْ لا يَرْتَجِلُ كَلامًا ولا يُجِيبُ عَنْ كَلامِ غَيْرِهِ. وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ ”بَدَأ“ المَهْمُوزُ أوَّلُهُ مَعَ فِعْلِ ”أعادَ“ مُزْدَوِجَيْنِ في إثْباتٍ أوْ نَفْيٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت: ١٩] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.

سبأ 34:50

﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّيَ إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الحَقِّ والباطِلِ وكانُوا يَزْعُمُونَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ أنَّ النَّبِيءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ غَيْرُ صادِقٍ في دَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ كانَتْ أقْوالُهم تَقْتَضِي زَعْمَهم إيّاهُ عَلى ضَلالٍ وكانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ قاطِعًا بِأنَّهُ عَلى هُدًى بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] انْتَقَلَ هُنا إلى مُتارَكَةِ جِدالِهِمْ وتَرْكِهِمْ وشَأْنِهِمْ لِقِلَّةِ جَدْوى مُراجَعَتِهِمْ. وهَذا مَحْضَرٌ خاصٌّ وطَيُّ بِساطِ مَجْلِسٍ واحِدٍ، فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلى تَرْكِ صفحة ٢٤٠ مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّ الواقِعَ يُنافِي ذَلِكَ فَقَدْ نَزَلَ القُرْآنُ بَعْدَ ذَلِكَ طَوِيلًا مُشْتَمِلًا عَلى دَعْوَتِهِمْ وتَحْذِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ. وصِيغَةُ القَصْرِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ لِقَصْرِ الضَّلالِ المَفْرُوضِ، أيْ عَلى نَفْسِي لا عَلَيْكم لِأنَّهم كانُوا يُحاوِلُونَ أنْ يُقْلِعَ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى صُدُودِهِمْ. وتَعْدِيَةُ (أضَلَّ) بِحَرْفِ (عَلى) تَتَضَمَّنُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً إذْ شَبَّهَ الضَّلالَ بِجَرِيرَةٍ عَلَيْهِ فَعَدّاهُ بِالحَرْفِ الشّائِعِ اسْتِعْمالُهُ في الأشْياءِ المُكْرَهِ عَلَيْها غَيْرِ المُلائِمَةِ، عَكْسَ اللّامِ، وذِكْرُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ ولا يُقالُ: ضُمِّنَ (أضِلُّ) مَعْنى أجْنِي، لِأنَّ ”ضَلَلْتُ“ الَّذِي هو فِعْلُ الشَّرْطِ المَفْرُوضُ غَيْرُ مُضَمَّنٍ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ فَكالِاحْتِراسِ مِن أنْ يَكُونَ حالُهُ مُقْتَصِرًا عَلى فَرْضِ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ الضَّلالِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاعْتِرافِ لِلَّهِ بِنِعْمَتِهِ بِأنَّ ما يَنالُهُ مِن خَيْرٍ فَهو بِإرْشادِ اللَّهِ لا مِن نَفْسِهِ لِأنَّهُ ما كانَ يَصِلُ لِذَلِكَ وهو مَغْمُورٌ بِأُمَّةٍ جاهِلِيَّةٍ لَوْلا إرْشادُ اللَّهِ إيّاهُ كَما قالَ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] . واخْتِيرَ في جانِبِ الهُدى فِعْلُ ”اهْتَدَيْتُ“ الَّذِي هو مُطاوِعُ ”هُدًى“ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّ لَهُ هادِيًا، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ لِيَحْصُلَ شُكْرُهُ لِلَّهِ إجْمالًا ثُمَّ تَفْصِيلًا، وفي قَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ إيماءٌ إلى أنَّهُ عَلى هُدًى لِأنَّهُ أثْبَتَ أنَّ وحْيًا مِنَ اللَّهِ وارِدٌ إلَيْهِ. وقَدِ اسْتُفِيدَ أنَّ الضَّلالَ المَفْرُوضَ إنْ حَصَلَ فَسَبَبُهُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ، مِن إسْنادِ فِعْلِ أضَلَّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ ثُمَّ مِمّا عَقِبَهُ مِن قَصْرِ الضَّلالِ عَلى الحُصُولِ مِنَ المُتَكَلِّمِ، وهو أغْرَقُ في التَّعَلُّقِ بِهِ، ولَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ الكَلامِ بَيانَ التَّسَبُّبِ ولَكِنْ عَدَمُ مُجاوَزَةِ الضَّلالِ المَفْرُوضِ إلَيْهِمْ إذْ هم يَتَّبِعُوهُ فِيما تَلَبَّسَ بِهِ، ولَمْ يُرْتَكَبْ مِثْلُ هَذا في جانِبِ فَرْضِ اهْتِدائِهِ لِأنَّ اهْتِداءَهُ كانَ هو الحاصِلَ في الواقِعِ وكانَ شامِلًا لَهُ ولِغَيْرِهِ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لِأنَّ اهْتِداءَهُ مُلابِسٌ لِدَعْوَتِهِ النّاسَ إلى اتِّباعِهِ، ولِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مُخْتَلِفٌ وإنْ كانَ يَعْلَمُ مِنَ المُقابَلَةِ أنَّ سَبَبَ الضَّلالِ صفحة ٢٤١ والِاهْتِداءِ مُخْتَلِفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى ولا سِيَّما حِينَ رَجَّحَ جانِبَ اهْتِدائِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ . عَلى أنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ يَنْقَدِحُ بِها في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّ الضَّلالَ مِن تَسْوِيلِ النَّفْسِ ولَوْ حَصَلَ لَكانَ جِنايَةً مِنَ النَّفْسِ عَلَيْهِ وأنَّ الِاهْتِداءَ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ نَفْعٌ ساقَهُ إلَيْهِ بِوَحْيِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَتانِ المَقُولَتانِ قَبْلَهُ مِنَ التَّرْدِيدِ في نِسْبَةِ الِاهْتِداءِ والضَّلالِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنِّي عَلى هُدًى أوْ ضِدِّهِ ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ عِلْمُ مُقابَلَةٍ مِن أحْوالِ خُصُومِهِ لِأنَّهُ سَمِيعٌ لِما يَقُولُهُ الفَرِيقانِ قَرِيبٌ مِمّا يُضْمِرُونَهُ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ. والقَرِيبُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِلْمِ والإحاطَةِ فِيهِ فَهو قُرْبٌ مَجازِيٌّ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.

سبأ 34:51

﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ لَمّا جاءَهُمُ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ مِن لازِمِ المُتارَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] لِلْعِلْمِ بِأنَّ الضّالَّ يَسْتَحِقُّ العِقابَ أتْبَعَ حالَهم حِينَ يَحِلُّ بِهِمُ الفَزَعُ مِن مُشاهَدَةِ ما هُدِّدُوا بِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ أوْ لِكُلِّ مُخاطَبٍ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِلتَّهْوِيلِ. والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا. ومَفْعُولُ ”تَرى“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، أيْ لَوْ تَراهم، أوْ تَرى عَذابَهَمْ ويَكُونُ ”إذْ فَزِعُوا“ ظَرْفًا لِـ ”تَرى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ“ هو المَفْعُولَ بِهِ وهو مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ لَوْ تَرى ذَلِكَ الزَّمانَ، أيْ تَرى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ. والفَزَعُ: الخَوْفُ المُفاجِئُ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْأنْصارِ: «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ صفحة ٢٤٢ عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» . وهَذا الفَزَعُ عِنْدَ البَعْثِ يُشْعِرُ بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُهَيِّئِينَ لِهَذا الوَقْتِ أسْبابَ النَّجاةِ مِن هَوْلِهِ. والأخْذُ: حَقِيقَتُهُ التَّناوُلُ وهو هُنا مَجازٌ في الغَلَبِ والتَّمَكُّنِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، والمَعْنى: أُمْسِكُوا وقُبِضَ عَلَيْهِمْ لِمُلاقاةِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ. وجُمْلَةُ ”فَلا فَوْتَ“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. والفَوْتُ: التَّفَلُّتُ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، قالَ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكم مِمّا عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكُمُ فَوْتُ أيْ إذا أذْنَبْتُمْ فَجاءَتْ جَماعَةٌ مِنكم مُعْتَذِرِينَ فَذَلِكَ لا يَدْفَعُ عَنْكم جَزاءَكم عَلى ذَنْبِكم. وفِي الكَشّافِ: ولَوْ، وإذْ، والأفْعالُ الَّتِي هي فَزِعُوا، وأُخِذُوا، وحِيلَ بَيْنَهم، كُلُّها لِلْمُضِيِّ، والمُرادُ بِها الِاسْتِقْبالُ لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ ووُجِدَ لِتَحْقِيقِهِ اهـ. ويَزْدادُ عَلَيْها فِعْلُ ”وقالُوا“ . والمَكانُ القَرِيبُ: المَحْشَرُ، أيْ أُخِذُوا مِنهُ إلى النّارِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ عَنْ ذِكْرِ الغايَةِ لِأنَّ كُلَّ مَبْدَأٍ لَهُ غايَةٌ، ومَعْنى قُرْبِ المَكانِ أنَّهُ قَرِيبٌ إلى جَهَنَّمَ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مُهْلَةً لِتَأْخِيرِ العَذابِ. ولَيْسَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ ”قَرِيبٍ“ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبإ: ٥٠] ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ في الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ فَصارَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ. وعَطَفَ ”وقالُوا“ عَلى ”أُخِذُوا“ أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: آمَنّا بِهِ. وضَمِيرُ ”بِهِ“ لِلْوَعِيدِ أوْ لِيَوْمِ البَعْثِ أوْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوِ القُرْآنِ، إذا كانَ الضَّمِيرُ مَحْكِيًّا مِن كَلامِهِمْ لِأنَّ جَمِيعَ ما يَصِحُّ مَعادًا لِلضَّمِيرِ مُشاهَدٌ لَهم ولِلْمَلائِكَةِ، فَأجْمَلُوا فِيما يُرادُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّهم ضاقَ عَلَيْهِمُ الوَقْتُ فاسْتَعْجَلُوهُ بِما يَحْسَبُونَهُ مُنْجِيًا لَهم مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ مِنَ الحِكايَةِ فَهو عائِدٌ إلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] لِأنَّ الحَقَّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ. صفحة ٢٤٣ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الكَلامَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ إلى إضاعَتِهِمْ وقْتَ الإيمانِ بِجُمْلَةِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ إلى آخِرِها. و”أنّى“ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. و”﴿التَّناوُشُ﴾“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الألِفِ وهو التَّناوُلُ السَّهْلُ أوِ الخَفِيفُ وأكْثَرُ وُرُودِهِ في شُرْبِ الإبِلِ شُرْبًا خَفِيفًا مِنَ الحَوْضِ ونَحْوِهِ، قالَ غَيْلانُ بْنُ حُرَيْثٍ: باتَتْ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تُقَطَّعُ أجْوازُ الفَلا يَتَحَدَّثُ عَنْ رِحْلَتِهِ، أيْ تَتَناوَلُ الماءَ مِن أعْلاهُ ولا تَغُوصُ مَشافِرُها فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ تَشْبِيهَ حالِهِمْ إذْ فَرَّطُوا في أسْبابِ النَّجاةِ وقْتَ المُكْنَةِ مِنها حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُوهم ويُحَرِّضُهم ويُحَذِّرُهم وقَدْ عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ثُمَّ جاءُوا يَطْلُبُونَ النَّجاةَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِها بِحالِهِمْ كَحالِ مَن يُرِيدُ تَناوُشَها وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مُرادِهِ الَّذِي يَجِبُ تَناوُلُهُ. وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ بِأنْ يُشَبَّهَ السَّعْيُ بِما يَحْصُلُ بِسُرْعَةٍ بِالتَّناوُشِ ويُشَبَّهُ فَواتُ المَطْلُوبِ بِالمَكانِ البَعِيدِ كالحَوْضِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِالهَمْزِ في مَوْقِعِ الواوِ فَقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِن إبْدالِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في نُطْقِ الضَّمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]“ وقَوْلِهِمْ: أُجُوهٌ: جَمْعُ وجْهٍ. وبَحَثَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أيْضًا: هو مِن نَأشَ بِالهَمْزِ إذا أبْطَأ وتَأخَّرَ في عَمَلٍ. ومِنهُ قَوْلُ نَهْشَلِ بْنِ حَرِيٍّ النَّهْشَلِيِّ: تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ أيْ تَمَنّى أخِيرًا. وفَسَّرَ المَعَرِّيُّ في رِسالَةِ الغُفْرانِ نَئِيشًا بِمَعْنى: بَعْدَ ما فاتَ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فالمُرادُ بِالتَّناوُشِ وصْفُ قَوْلِهِمْ: ”آمَنّا بِهِ“ بِأنَّهُ إيمانٌ تَأخَّرَ وقْتُهُ أوْ فاتَ وقْتُهُ. صفحة ٢٤٤ وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ”﴿مَكانٍ قَرِيبٍ﴾“ و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَيْفَ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ في وقْتِ الفَواتِ والحالُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ في وقْتِ التَّمَكُّنِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] . و”يَقْذِفُونَ“ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وكانُوا يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ. واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والقَذْفُ: الرَّمْيُ بِاليَدِ مِن بُعْدٍ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوْلِ بِدُونِ تَرَوٍّ ولا دَلِيلٍ، أيْ يَتَكَلَّمُونَ فِيما غابَ عَنِ القِياسِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ إذْ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ وقالُوا لِشُرَكائِهِمْ: هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بِعِيدٍ﴾ تَمْثِيلًا مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، شُبِّهُوا بِحالِ مَن يَقْذِفُ شَيْئًا وهو غائِبٌ عَنْهُ لا يَراهُ فَهو لا يُصِيبُهُ ألْبَتَّةَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَقْذِفُونَ“ لِدَلالَةِ فِعْلِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ عَلَيْهِ، أيْ يَقْذِفُونَ أشْياءَ مِنَ الكُفْرِ يَرْمُونَ بِها جِزافًا. والغَيْبُ: المُغَيَّبُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ بِها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقْذِفُونَ، أيْ يَقْذِفُونَ وهم غائِبُونَ عَنِ المَقْذُوفِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ يَعْنِي مِنَ الدُّنْيا، وهي مَكانٌ بَعِيدٌ عَنِ الآخِرَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ اسْتِعارَتِهِ لِما لا يُشاهَدُ مِنهُ بِقَوْلِهِ ”بِالغَيْبِ“ كَما عَلِمْتَ، فَتُعَيَّنُ لِلْحَقِيقَةِ لِأنَّها الأصْلُ، وبِذَلِكَ فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ ”بَعِيدٍ“ المَذْكُورِ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالمَجازِ والحَقِيقَةِ.

سبأ 34:52

﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ لَمّا جاءَهُمُ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ مِن لازِمِ المُتارَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] لِلْعِلْمِ بِأنَّ الضّالَّ يَسْتَحِقُّ العِقابَ أتْبَعَ حالَهم حِينَ يَحِلُّ بِهِمُ الفَزَعُ مِن مُشاهَدَةِ ما هُدِّدُوا بِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ أوْ لِكُلِّ مُخاطَبٍ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِلتَّهْوِيلِ. والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا. ومَفْعُولُ ”تَرى“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، أيْ لَوْ تَراهم، أوْ تَرى عَذابَهَمْ ويَكُونُ ”إذْ فَزِعُوا“ ظَرْفًا لِـ ”تَرى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ“ هو المَفْعُولَ بِهِ وهو مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ لَوْ تَرى ذَلِكَ الزَّمانَ، أيْ تَرى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ. والفَزَعُ: الخَوْفُ المُفاجِئُ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْأنْصارِ: «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ صفحة ٢٤٢ عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» . وهَذا الفَزَعُ عِنْدَ البَعْثِ يُشْعِرُ بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُهَيِّئِينَ لِهَذا الوَقْتِ أسْبابَ النَّجاةِ مِن هَوْلِهِ. والأخْذُ: حَقِيقَتُهُ التَّناوُلُ وهو هُنا مَجازٌ في الغَلَبِ والتَّمَكُّنِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، والمَعْنى: أُمْسِكُوا وقُبِضَ عَلَيْهِمْ لِمُلاقاةِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ. وجُمْلَةُ ”فَلا فَوْتَ“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. والفَوْتُ: التَّفَلُّتُ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، قالَ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكم مِمّا عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكُمُ فَوْتُ أيْ إذا أذْنَبْتُمْ فَجاءَتْ جَماعَةٌ مِنكم مُعْتَذِرِينَ فَذَلِكَ لا يَدْفَعُ عَنْكم جَزاءَكم عَلى ذَنْبِكم. وفِي الكَشّافِ: ولَوْ، وإذْ، والأفْعالُ الَّتِي هي فَزِعُوا، وأُخِذُوا، وحِيلَ بَيْنَهم، كُلُّها لِلْمُضِيِّ، والمُرادُ بِها الِاسْتِقْبالُ لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ ووُجِدَ لِتَحْقِيقِهِ اهـ. ويَزْدادُ عَلَيْها فِعْلُ ”وقالُوا“ . والمَكانُ القَرِيبُ: المَحْشَرُ، أيْ أُخِذُوا مِنهُ إلى النّارِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ عَنْ ذِكْرِ الغايَةِ لِأنَّ كُلَّ مَبْدَأٍ لَهُ غايَةٌ، ومَعْنى قُرْبِ المَكانِ أنَّهُ قَرِيبٌ إلى جَهَنَّمَ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مُهْلَةً لِتَأْخِيرِ العَذابِ. ولَيْسَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ ”قَرِيبٍ“ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبإ: ٥٠] ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ في الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ فَصارَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ. وعَطَفَ ”وقالُوا“ عَلى ”أُخِذُوا“ أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: آمَنّا بِهِ. وضَمِيرُ ”بِهِ“ لِلْوَعِيدِ أوْ لِيَوْمِ البَعْثِ أوْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوِ القُرْآنِ، إذا كانَ الضَّمِيرُ مَحْكِيًّا مِن كَلامِهِمْ لِأنَّ جَمِيعَ ما يَصِحُّ مَعادًا لِلضَّمِيرِ مُشاهَدٌ لَهم ولِلْمَلائِكَةِ، فَأجْمَلُوا فِيما يُرادُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّهم ضاقَ عَلَيْهِمُ الوَقْتُ فاسْتَعْجَلُوهُ بِما يَحْسَبُونَهُ مُنْجِيًا لَهم مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ مِنَ الحِكايَةِ فَهو عائِدٌ إلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] لِأنَّ الحَقَّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ. صفحة ٢٤٣ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الكَلامَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ إلى إضاعَتِهِمْ وقْتَ الإيمانِ بِجُمْلَةِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ إلى آخِرِها. و”أنّى“ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. و”﴿التَّناوُشُ﴾“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الألِفِ وهو التَّناوُلُ السَّهْلُ أوِ الخَفِيفُ وأكْثَرُ وُرُودِهِ في شُرْبِ الإبِلِ شُرْبًا خَفِيفًا مِنَ الحَوْضِ ونَحْوِهِ، قالَ غَيْلانُ بْنُ حُرَيْثٍ: باتَتْ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تُقَطَّعُ أجْوازُ الفَلا يَتَحَدَّثُ عَنْ رِحْلَتِهِ، أيْ تَتَناوَلُ الماءَ مِن أعْلاهُ ولا تَغُوصُ مَشافِرُها فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ تَشْبِيهَ حالِهِمْ إذْ فَرَّطُوا في أسْبابِ النَّجاةِ وقْتَ المُكْنَةِ مِنها حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُوهم ويُحَرِّضُهم ويُحَذِّرُهم وقَدْ عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ثُمَّ جاءُوا يَطْلُبُونَ النَّجاةَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِها بِحالِهِمْ كَحالِ مَن يُرِيدُ تَناوُشَها وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مُرادِهِ الَّذِي يَجِبُ تَناوُلُهُ. وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ بِأنْ يُشَبَّهَ السَّعْيُ بِما يَحْصُلُ بِسُرْعَةٍ بِالتَّناوُشِ ويُشَبَّهُ فَواتُ المَطْلُوبِ بِالمَكانِ البَعِيدِ كالحَوْضِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِالهَمْزِ في مَوْقِعِ الواوِ فَقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِن إبْدالِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في نُطْقِ الضَّمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]“ وقَوْلِهِمْ: أُجُوهٌ: جَمْعُ وجْهٍ. وبَحَثَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أيْضًا: هو مِن نَأشَ بِالهَمْزِ إذا أبْطَأ وتَأخَّرَ في عَمَلٍ. ومِنهُ قَوْلُ نَهْشَلِ بْنِ حَرِيٍّ النَّهْشَلِيِّ: تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ أيْ تَمَنّى أخِيرًا. وفَسَّرَ المَعَرِّيُّ في رِسالَةِ الغُفْرانِ نَئِيشًا بِمَعْنى: بَعْدَ ما فاتَ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فالمُرادُ بِالتَّناوُشِ وصْفُ قَوْلِهِمْ: ”آمَنّا بِهِ“ بِأنَّهُ إيمانٌ تَأخَّرَ وقْتُهُ أوْ فاتَ وقْتُهُ. صفحة ٢٤٤ وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ”﴿مَكانٍ قَرِيبٍ﴾“ و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَيْفَ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ في وقْتِ الفَواتِ والحالُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ في وقْتِ التَّمَكُّنِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] . و”يَقْذِفُونَ“ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وكانُوا يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ. واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والقَذْفُ: الرَّمْيُ بِاليَدِ مِن بُعْدٍ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوْلِ بِدُونِ تَرَوٍّ ولا دَلِيلٍ، أيْ يَتَكَلَّمُونَ فِيما غابَ عَنِ القِياسِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ إذْ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ وقالُوا لِشُرَكائِهِمْ: هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بِعِيدٍ﴾ تَمْثِيلًا مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، شُبِّهُوا بِحالِ مَن يَقْذِفُ شَيْئًا وهو غائِبٌ عَنْهُ لا يَراهُ فَهو لا يُصِيبُهُ ألْبَتَّةَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَقْذِفُونَ“ لِدَلالَةِ فِعْلِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ عَلَيْهِ، أيْ يَقْذِفُونَ أشْياءَ مِنَ الكُفْرِ يَرْمُونَ بِها جِزافًا. والغَيْبُ: المُغَيَّبُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ بِها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقْذِفُونَ، أيْ يَقْذِفُونَ وهم غائِبُونَ عَنِ المَقْذُوفِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ يَعْنِي مِنَ الدُّنْيا، وهي مَكانٌ بَعِيدٌ عَنِ الآخِرَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ اسْتِعارَتِهِ لِما لا يُشاهَدُ مِنهُ بِقَوْلِهِ ”بِالغَيْبِ“ كَما عَلِمْتَ، فَتُعَيَّنُ لِلْحَقِيقَةِ لِأنَّها الأصْلُ، وبِذَلِكَ فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ ”بَعِيدٍ“ المَذْكُورِ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالمَجازِ والحَقِيقَةِ.

سبأ 34:53

﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ لَمّا جاءَهُمُ التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ مِن لازِمِ المُتارَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبإ: ٥٠] لِلْعِلْمِ بِأنَّ الضّالَّ يَسْتَحِقُّ العِقابَ أتْبَعَ حالَهم حِينَ يَحِلُّ بِهِمُ الفَزَعُ مِن مُشاهَدَةِ ما هُدِّدُوا بِهِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ أوْ لِكُلِّ مُخاطَبٍ. وحُذِفَ جَوابُ ”لَوْ“ لِلتَّهْوِيلِ. والتَّقْدِيرُ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا. ومَفْعُولُ ”تَرى“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، أيْ لَوْ تَراهم، أوْ تَرى عَذابَهَمْ ويَكُونُ ”إذْ فَزِعُوا“ ظَرْفًا لِـ ”تَرى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ“ هو المَفْعُولَ بِهِ وهو مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيْ لَوْ تَرى ذَلِكَ الزَّمانَ، أيْ تَرى ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ. والفَزَعُ: الخَوْفُ المُفاجِئُ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْأنْصارِ: «إنَّكم لَتَكْثُرُونَ صفحة ٢٤٢ عِنْدَ الفَزَعِ وتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ» . وهَذا الفَزَعُ عِنْدَ البَعْثِ يُشْعِرُ بِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُهَيِّئِينَ لِهَذا الوَقْتِ أسْبابَ النَّجاةِ مِن هَوْلِهِ. والأخْذُ: حَقِيقَتُهُ التَّناوُلُ وهو هُنا مَجازٌ في الغَلَبِ والتَّمَكُّنِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، والمَعْنى: أُمْسِكُوا وقُبِضَ عَلَيْهِمْ لِمُلاقاةِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العِقابِ. وجُمْلَةُ ”فَلا فَوْتَ“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ. والفَوْتُ: التَّفَلُّتُ والخَلاصُ مِنَ العِقابِ، قالَ رُوَيْشِدٌ الطّائِيُّ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكم مِمّا عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنكُمُ فَوْتُ أيْ إذا أذْنَبْتُمْ فَجاءَتْ جَماعَةٌ مِنكم مُعْتَذِرِينَ فَذَلِكَ لا يَدْفَعُ عَنْكم جَزاءَكم عَلى ذَنْبِكم. وفِي الكَشّافِ: ولَوْ، وإذْ، والأفْعالُ الَّتِي هي فَزِعُوا، وأُخِذُوا، وحِيلَ بَيْنَهم، كُلُّها لِلْمُضِيِّ، والمُرادُ بِها الِاسْتِقْبالُ لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما كانَ ووُجِدَ لِتَحْقِيقِهِ اهـ. ويَزْدادُ عَلَيْها فِعْلُ ”وقالُوا“ . والمَكانُ القَرِيبُ: المَحْشَرُ، أيْ أُخِذُوا مِنهُ إلى النّارِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ عَنْ ذِكْرِ الغايَةِ لِأنَّ كُلَّ مَبْدَأٍ لَهُ غايَةٌ، ومَعْنى قُرْبِ المَكانِ أنَّهُ قَرِيبٌ إلى جَهَنَّمَ بِحَيْثُ لا يَجِدُونَ مُهْلَةً لِتَأْخِيرِ العَذابِ. ولَيْسَ بَيْنَ كَلِمَتَيْ ”قَرِيبٍ“ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبإ: ٥٠] ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ في الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالحَقِيقَةِ والمَجازِ فَصارَ في الجَمْعِ بَيْنَهُما مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ. وعَطَفَ ”وقالُوا“ عَلى ”أُخِذُوا“ أيْ يَقُولُونَ حِينَئِذٍ: آمَنّا بِهِ. وضَمِيرُ ”بِهِ“ لِلْوَعِيدِ أوْ لِيَوْمِ البَعْثِ أوْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أوِ القُرْآنِ، إذا كانَ الضَّمِيرُ مَحْكِيًّا مِن كَلامِهِمْ لِأنَّ جَمِيعَ ما يَصِحُّ مَعادًا لِلضَّمِيرِ مُشاهَدٌ لَهم ولِلْمَلائِكَةِ، فَأجْمَلُوا فِيما يُرادُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّهم ضاقَ عَلَيْهِمُ الوَقْتُ فاسْتَعْجَلُوهُ بِما يَحْسَبُونَهُ مُنْجِيًا لَهم مِنَ العَذابِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ مِنَ الحِكايَةِ فَهو عائِدٌ إلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ [سبإ: ٤٨] لِأنَّ الحَقَّ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ كُلَّهُ. صفحة ٢٤٣ ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الكَلامَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ إلى إضاعَتِهِمْ وقْتَ الإيمانِ بِجُمْلَةِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ إلى آخِرِها. و”أنّى“ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ. و”﴿التَّناوُشُ﴾“ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ الألِفِ وهو التَّناوُلُ السَّهْلُ أوِ الخَفِيفُ وأكْثَرُ وُرُودِهِ في شُرْبِ الإبِلِ شُرْبًا خَفِيفًا مِنَ الحَوْضِ ونَحْوِهِ، قالَ غَيْلانُ بْنُ حُرَيْثٍ: باتَتْ تَنُوشُ الحَوْضَ نَوْشًا مِن عَلا ∗∗∗ نَوْشًا بِهِ تُقَطَّعُ أجْوازُ الفَلا يَتَحَدَّثُ عَنْ رِحْلَتِهِ، أيْ تَتَناوَلُ الماءَ مِن أعْلاهُ ولا تَغُوصُ مَشافِرُها فِيهِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ مُرَكَّبٌ تَمْثِيلِيٌّ يُفِيدُ تَشْبِيهَ حالِهِمْ إذْ فَرَّطُوا في أسْبابِ النَّجاةِ وقْتَ المُكْنَةِ مِنها حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُوهم ويُحَرِّضُهم ويُحَذِّرُهم وقَدْ عَمَّرَهُمُ اللَّهُ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ثُمَّ جاءُوا يَطْلُبُونَ النَّجاةَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِها بِحالِهِمْ كَحالِ مَن يُرِيدُ تَناوُشَها وهو في مَكانٍ بَعِيدٍ عَنْ مُرادِهِ الَّذِي يَجِبُ تَناوُلُهُ. وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَفْرِيقِ أجْزائِهِ بِأنْ يُشَبَّهَ السَّعْيُ بِما يَحْصُلُ بِسُرْعَةٍ بِالتَّناوُشِ ويُشَبَّهُ فَواتُ المَطْلُوبِ بِالمَكانِ البَعِيدِ كالحَوْضِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٍ بِالهَمْزِ في مَوْقِعِ الواوِ فَقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِن إبْدالِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ في نُطْقِ الضَّمَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]“ وقَوْلِهِمْ: أُجُوهٌ: جَمْعُ وجْهٍ. وبَحَثَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ أيْضًا: هو مِن نَأشَ بِالهَمْزِ إذا أبْطَأ وتَأخَّرَ في عَمَلٍ. ومِنهُ قَوْلُ نَهْشَلِ بْنِ حَرِيٍّ النَّهْشَلِيِّ: تَمَنّى نَئِيشًا أنْ يَكُونَ أطاعَنِي ∗∗∗ وقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ أيْ تَمَنّى أخِيرًا. وفَسَّرَ المَعَرِّيُّ في رِسالَةِ الغُفْرانِ نَئِيشًا بِمَعْنى: بَعْدَ ما فاتَ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ فالمُرادُ بِالتَّناوُشِ وصْفُ قَوْلِهِمْ: ”آمَنّا بِهِ“ بِأنَّهُ إيمانٌ تَأخَّرَ وقْتُهُ أوْ فاتَ وقْتُهُ. صفحة ٢٤٤ وفِي الجَمْعِ بَيْنَ ”﴿مَكانٍ قَرِيبٍ﴾“ و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ مُحَسِّنُ الطِّباقِ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كَيْفَ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ في وقْتِ الفَواتِ والحالُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ في وقْتِ التَّمَكُّنِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ وهم سالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] . و”يَقْذِفُونَ“ عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهي حالٌ ثانِيَةٌ. والتَّقْدِيرُ: وكانُوا يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ. واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] . والقَذْفُ: الرَّمْيُ بِاليَدِ مِن بُعْدٍ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوْلِ بِدُونِ تَرَوٍّ ولا دَلِيلٍ، أيْ يَتَكَلَّمُونَ فِيما غابَ عَنِ القِياسِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ بِما لا عِلْمَ لَهم بِهِ إذْ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ وقالُوا لِشُرَكائِهِمْ: هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿يَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بِعِيدٍ﴾ تَمْثِيلًا مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، شُبِّهُوا بِحالِ مَن يَقْذِفُ شَيْئًا وهو غائِبٌ عَنْهُ لا يَراهُ فَهو لا يُصِيبُهُ ألْبَتَّةَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَقْذِفُونَ“ لِدَلالَةِ فِعْلِ ﴿وقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ عَلَيْهِ، أيْ يَقْذِفُونَ أشْياءَ مِنَ الكُفْرِ يَرْمُونَ بِها جِزافًا. والغَيْبُ: المُغَيَّبُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمَجْرُورُ بِها في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَقْذِفُونَ، أيْ يَقْذِفُونَ وهم غائِبُونَ عَنِ المَقْذُوفِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. و”﴿مَكانٍ بَعِيدٍ﴾“ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ يَعْنِي مِنَ الدُّنْيا، وهي مَكانٌ بَعِيدٌ عَنِ الآخِرَةِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ اسْتِعارَتِهِ لِما لا يُشاهَدُ مِنهُ بِقَوْلِهِ ”بِالغَيْبِ“ كَما عَلِمْتَ، فَتُعَيَّنُ لِلْحَقِيقَةِ لِأنَّها الأصْلُ، وبِذَلِكَ فَلَيْسَ بَيْنَ لَفْظِ ”بَعِيدٍ“ المَذْكُورِ هُنا والَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ما يُشْبِهُ الإبْطاءَ لِاخْتِلافِ الكَلِمَتَيْنِ بِالمَجازِ والحَقِيقَةِ.

سبأ 34:54

صفحة ٢٤٥ ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ نَظائِرُ هَذِهِ وهي جُمَلُ ”﴿فُزِعُوا﴾ [سبإ: ٥١]“، ”﴿وأُخِذُوا﴾ [سبإ: ٥١]“، ”﴿وقالُوا﴾ [سبإ: ٥٢]“ أيْ وحالَ زَجُّهم في النّارِ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَأْمَلُونَهُ مِنَ النَّجاةِ بِقَوْلِهِمْ ”﴿آمَنّا بِهِ﴾ [سبإ: ٥٢]“، وما يَشْتَهُونَهُ هو النَّجاةُ مِنَ العَذابِ أوْ عَوْدَتُهم إلى الدُّنْيا، فَقَدْ حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ أُخْرى أنَّهم تَمَنَّوْهُ ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] . والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾ تَشْبِيهٌ لِلْحَيْلُولَةِ بِحَيْلُولَةٍ أُخْرى وهي الحَيْلُولَةُ بَيْنَ بَعْضِ الأُمَمِ وبَيْنَ الإمْهالِ حِينَ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الدُّنْيا، مِثْلَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذْ قالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، وكَذَلِكَ قَوْمُ نُوحٍ حِينَ رَأوُا الطُّوفانَ، وما مِن أُمَّةٍ حَلَّ بِها عَذابٌ إلّا وتَمَنَّتِ الإيمانَ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَنْفَعْهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ. والأشْياعُ: المُشابِهُونَ في النِّحْلَةِ وإنْ كانُوا سالِفِينَ. وأصْلُ المُشايَعَةِ المُتابَعَةُ في العَمَلِ والحِلْفِ ونَحْوِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى مُطْلَقِ المُماثِلَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”مِن قَبْلُ“، أيْ كَما فُعِلَ بِأمْثالِهِمْ في الدُّنْيا مِن قَبْلُ، وأمّا يَوْمُ الحَشْرِ فَإنَّما يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ وكَذَلِكَ أشْياعُهم في وقْتٍ واحِدٍ. وفائِدَةُ هَذا التَّشْبِيهِ تَذْكِيرُ الأحْياءِ مِنهم وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ لِيُوقِنُوا أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ واحِدَةٌ وأنَّهم لا تَنْفَعُهم أصْنامُهُمُ الَّتِي زَعَمُوها شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها. وفُعِلَ بِهِمْ جَمِيعُ ما سَمِعْتَ لِأنَّهم كانُوا في حَياتِهِمْ في شَكٍّ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ وما وُصِفَ لَهم مِن أهْوالِهِ. وإنَّما جُعِلَتْ حالَتُهم شَكًّا لِأنَّهم كانُوا في بَعْضِ الأُمُورِ شاكِّينَ، وفي بَعْضِها مُوقِنِينَ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، وإذا كانَ الشَّكُّ مُفْضِيًا إلى تِلْكَ العُقُوبَةِ فاليَقِينُ أوْلى بِذَلِكَ، ومَآلُ صفحة ٢٤٦ الشَّكِّ واليَقِينِ بِالِانْتِفاءِ واحِدٌ إذْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِما عَدَمُ الإيمانِ بِهِ وعَدَمُ النَّظَرِ في دَلِيلِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئَةً عَنْ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ هَلْ كانُوا طامِعِينَ في حُصُولِ ما تَمَنَّوْهُ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم كانُوا يَتَمَنَّوْنَ ذَلِكَ ويَشُكُّونَ في اسْتِجابَتِهِ فَلَمّا حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ غَشِيَهُمُ اليَأْسُ، واليَأْسُ بَعْدَ الشَّكِّ أوْقَعُ في الحُزْنِ مِنَ اليَأْسِ المُتَأصِّلِ. والمُرِيبُ: المُوقِعُ في الرَّيْبِ. والرَّيْبُ: الشَّكُّ، فَوَصْفُ الشَّكِّ بِهِ وصْفٌ لَهُ بِما هو مُشْتَقٌّ مِن مادَّتِهِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: شِعْرُ شاعِرٍ، ولَيْلٌ ألْيَلُ، أوْ لَيْلٌ داجٍ. ومُحاوَلَةُ غَيْرِ هَذا تَعَسُّفٌ. * * * صفحة ٢٤٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ فاطِرٍ سُمِّيَتْ ”سُورَةَ فاطِرٍ“ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وفي كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ. وسُمِّيَتْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وفي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وفي كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ ”سُورَةَ المَلائِكَةِ“ لا غَيْرَ. وقَدْ ذَكَرَ لَها كِلا الِاسْمَيْنِ صاحِبُ الإتْقانِ. فَوَجْهُ تَسْمِيَتِها ”سُورَةَ فاطِرٍ“ أنَّ هَذا الوَصْفَ وقَعَ في طالِعَةِ السُّورَةِ ولَمْ يَقَعْ في أوَّلِ سُورَةٍ أُخْرى. ووَجْهُ تَسْمِيَتِها ”سُورَةَ المَلائِكَةِ“ أنَّهُ ذُكِرَ في أوَّلِها صِفَةُ المَلائِكَةِ ولَمْ يَقَعْ في سُورَةٍ أُخْرى. وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وحَكى الألُوسِيُّ عَنِ الطَّبَرْسِيِّ أنَّ الحَسَنَ اسْتَثْنى آيَتَيْنِ: آيَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] الآيَةَ، وآيَةَ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] الآيَةَ، ولَمْ أرَ هَذا لِغَيْرِهِ. وهَذِهِ السُّورَةُ هي الثّالِثَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الفُرْقانِ وقَبْلَ سُورَةِ مَرْيَمَ. وقَدْ عُدَّتْ آيُها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ سِتًّا وأرْبَعِينَ، وفي عَدِّ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ خَمْسًا وأرْبَعِينَ. * * * أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ فافْتُتِحَتْ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الحَمْدَ عَلى ما أبْدَعَ مِنَ الكائِناتِ الدّالِّ إبْداعُها عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. صفحة ٢٤٨ وعَلى إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ وأنَّهُ جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ. وإثْباتِ البَعْثِ والدّارِ الآخِرَةِ. وتَذْكِيرِ النّاسِ بِإنْعامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ الإيجادِ ونِعْمَةِ الإمْدادِ، وما يَعْبُدُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا وقَدْ عَبَدَهُمُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَمْ يُغْنُوا عَنْهم. وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ. وكَشْفِ نَواياهم في الإعْراضِ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأنَّهُمُ احْتَفَظُوا بِعِزَّتِهِمْ. وإنْذارِهِمْ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ قَبْلَهم. والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ تَلَقَّوُا الإسْلامَ بِالتَّصْدِيقِ وبِضِدِّ حالِ المُكَذِّبِينَ. وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم كانُوا يَوَدُّونَ أنْ يُرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ تَكَبَّرُوا واسْتَنْكَفُوا. وأنَّهم لا مَفَرَّ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ شاهَدُوا آثارَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وأنْ لا يَغْتَرُّوا بِإمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَإنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ. والتَّحْذِيرِ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ والتَّذْكِيرِ بِعَداوَتِهِ لِنَوْعِ الإنْسانِ.

فاطر 35:1

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ افْتِتاحُها بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ صِفاتٍ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ سَتُذْكَرُ فِيها، وإجْراءُ صِفاتِ الأفْعالِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن خَلْقِهِ السَّماواتِ والأرْضَ وأفْضَلَ ما فِيها مِنَ المَلائِكَةِ والمُرْسَلِينَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ السُّورَةَ جاءَتْ لِإثْباتِ التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وإيذانُ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ بِاسْتِحْقاقِ اللَّهِ إيّاهُ دُونَ غَيْرِهِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ. صفحة ٢٤٩ والفاطِرُ: فاعِلُ الفَطْرِ، وهو الخَلْقُ، وفِيهِ مَعْنى التَّكَوُّنِ سَرِيعًا لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الفَطْرِ وهو الشَّقُّ، ومِنهُ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُنْتُ لا أدْرِي ما فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ أيْ: لِعَدَمِ جَرَيانِ هَذا اللَّفْظِ بَيْنَهم في زَمانِهِ حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها، أيْ أنا ابْتَدَأْتُها. وأحْسَبُ أنَّ وصْفَ اللَّهِ بِـ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] مِمّا سَبَقَ بِهِ القُرْآنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ ﴿وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] في آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ، فَضُمَّهُ إلى ما هُنا. وأمّا ”جاعِلُ“ فَيُطْلَقُ بِمَعْنى مُكَوِّنٍ، وبِمَعْنى مُصَيِّرٍ، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ يَخْتَلِفُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ”رُسُلًا“ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ ”جاعِلِ“ أيْ جَعَلَ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ لِيَكُونُوا رُسُلًا مِنهُ تَعالى لِما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلُوهُ بِقُوَّتِهِمُ الذّاتِيَّةِ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ يَجْعَلَ مِن أحْوالِهِمْ أنْ يُرْسَلُوا. ولِصَلاحِيَّةِ المَعْنَيَيْنِ أُوثِرَتْ مادَّةُ الجَعْلِ دُونَ أنْ يُعْطَفَ عَلى مَعْمُولِ ”فاطِرِ“ . وتَخْصِيصُ ذِكْرِ المَلائِكَةِ مِن بَيْنِ مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ والأرْضِ لِشَرَفِهِمْ بِأنَّهم سُكّانُ السَّماواتِ، وعَظِيمِ خَلْقِهِمْ. وأجْرى عَلَيْهِمْ صِفَةَ أنَّهم رُسُلٌ لِمُناسَبَةِ المَقْصُودِ مِن إثْباتِ الرِّسالَةِ، أيْ جاعِلُهم رُسُلًا مِنهُ إلى المُرْسَلِينَ مِنَ البَشَرِ لِلْوَحْيِ بِما يُرادُ تَبْلِيغُهم إيّاهُ لِلنّاسِ. وقَوْلُهُ ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَكُونَ الأجْنِحَةُ ذاتِيَّةً لَهم مِن مُقَوِّماتِ خَلْقِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في رُسُلًا فَيَكُونُ خاصَّةً بِحالَةِ مَرْسُولِيَّتِهِمْ. وأجْنِحَةٌ: جَمْعُ جَناحٍ بِفَتْحِ الجِيمِ وهو ما يَكُونُ لِلطّائِرِ في مَوْضِعِ اليَدِ لِلْإنْسانِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ إثْباتَ الأجْنِحَةِ لِلْمَلائِكَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ حَقِيقَةً، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اسْتِعارَةٌ لِلْقُوَّةِ الَّتِي يَخْتَرِقُونَ بِها الآفاقَ السَّماوِيَّةَ صُعُودًا ونُزُولًا لا يَعْلَمُ كُنْهَها إلّا اللَّهُ تَعالى. و”مَثْنى“ وأخَواتُهُ كَلِماتٌ دالَّةٌ عَلى مَعْنى التَّكْرِيرِ لِاسْمِ العَدَدِ الَّتِي تُشْتَقُّ صفحة ٢٥٠ مِنهُ ابْتِداءً مِنَ الِاثْنَيْنِ بِصِيغَةِ مَثْنى ثُمَّ الثَّلاثَةِ والأرْبَعَةِ بِصِيغَةِ ثُلاثَ ورُباعَ. والأكْثَرُ أنَّهم لا يَتَجاوَزُونَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مادَّةَ الأرْبَعَةِ، وقِيلَ يَجُوزُ إلى العَشَرَةِ. والمَعْنى: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ الَخْ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾ [سبإ: ٤٦] في سُورَةِ سَبَأٍ. والكَلامُ عَلى ”أُولِي“ تَقَدَّمَ. والمَعْنى: أنَّهم ذَوُو أجْنِحَةٍ بَعْضُها مُصَفَّفَةٌ جَناحَيْنِ جَناحَيْنِ في الصَّفِّ، وبَعْضُها ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وبَعْضُها أرْبَعَةً أرْبَعَةً، وذَلِكَ قَدْ تَتَعَدَّدُ صُفُوفُهُ فَتَبْلُغُ أعْدادًا كَثِيرَةً فَلا يُنافِي هَذا ما ورَدَ في الحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «رَأى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ» . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أعْدادُ الأجْنِحَةِ مُتَغَيِّرَةً لِكُلِّ مَلَكٍ في أوْقاتٍ مُتَغَيِّرَةٍ عَلى حَسَبِ المَسافاتِ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِاخْتِراقِها مِنَ السَّماواتِ والأرْضِينَ. والأظْهَرُ أنَّ الأجْنِحَةَ لِلْمَلائِكَةِ مِن أحْوالِ التَّشَكُّلِ الَّذِي يَتَشَكَّلُونَ بِهِ، وفي رِوايَةِ الزُّهْرِيِّ «أنَّ جِبْرِيلَ قالَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لَوْ رَأيْتَ إسْرافِيلَ إنَّ لَهُ لاثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ جَناحٍ وإنَّ العَرْشَ لَعَلى كاهِلِهِ» . واعْلَمْ أنَّ ماهِيَّةَ المَلائِكَةِ تَتَحَصَّلُ فِيما ذَكَرَهُ سَعْدُ الدِّينِ في كِتابِ المَقاصِدِ ”إنَّهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلاتِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، شَأْنُهُمُ الخَيْرُ والطّاعَةُ، والعِلْمُ، والقُدْرَةُ عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، ومَسْكَنُهُمُ السَّماواتُ، وقالَ: هَذا ظاهِرُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وهو قَوْلُ أكْثَرِ الأُمَّةِ اهـ. ومَعْنى الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ أنَّها مِن قَبِيلِ الجَوْهَرِ لا العَرَضِ وأنَّها جَواهِرُ مِمّا يُسَمّى عِنْدَ الحُكَماءِ بِالمُجَرَّداتِ. وعِنْدِي: أنَّ تَعْرِيفَ صاحِبِ المَقاصِدِ لِحَقِيقَةِ المَلائِكَةِ لا يَخْلُو عَنْ تَخْلِيطٍ في تَرْتِيبِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ خَلَطَ في التَّعْرِيفِ بَيْنَ الذّاتِيّاتِ والعَرَضِيّاتِ. والوَجْهُ عِنْدِي في تَرْتِيبِ التَّعْرِيفِ أنْ يُقالَ: أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ أخْيارٌ ذَوُو قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ، ومِن خَصائِصِهِمُ القُدْرَةُ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، والعِلْمُ بِما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أعْمالُهم، ومَقَرُّهُمُ السَّماواتُ ما لَمْ يُرْسَلُوا إلى جِهَةٍ مِنَ الأرْضِ. وهَذا التَّشَكُّلُ انْكِماشٌ وتَقَبُّضٌ في ذَرّاتِ نَوْرانِيَّتِهِمْ وإعْطاءُ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الجُسْمانِيّاتِ الكَثِيفَةِ لِذَواتِهِمْ. دَلَّ عَلى تَشَكُّلِهِمْ قَوْلُهُ تَعالى لَهم يَوْمَ بَدْرٍ صفحة ٢٥١ ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، وثَبَتَ تَشَكُّلُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنَّبِيءِ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وتَشَكُّلُهُ لَهُ ولِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في «حَدِيثِ السُّؤالِ عَنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ والسّاعَةِ في صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدِ بَياضِ الثِّيابِ شَدِيدِ سَوادِ الشَّعْرِ، لا يُرى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، ولا يَعْرِفُهُ مِنّا أحَدٌ أيْ مِن أهْلِ المَدِينَةِ حَتّى جَلَسَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلى رُكْبَتَيْهِ ووَضَعَ كَفَّيْهِ إلى فَخِذَيْهِ» الحَدِيثَ، وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ أنْ فارَقَهُمُ الرَّجُلُ «هَلْ تَدْرُونَ مَنِ السّائِلُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: فَإنَّهُ جِبْرِيلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دِينَكم» كَما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وثَبَتَ حُلُولُ جِبْرِيلَ في غارِ حِراءَ في بَدْءِ الوَحْيِ، وظُهُورِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِصُورَتِهِ الَّتِي رَآهُ فِيها في غارِ حِراءٍ كَما ذَلِكَ في حَدِيثِ نُزُولِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، ورَأى كَثِيرٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ ناسًا لا يَعْرِفُونَهم عَلى خَيْلٍ يُقاتِلُونَ مَعَهم. وجُمْلَةُ ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ المَلائِكَةِ يُثِيرُ تَعَجُّبَ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ، فَأُجِيبَ بِهَذا الِاسْتِئْنافِ بِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لا تَنْحَصِرُ ولا تُوَقَّتُ. ولِكُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِ المَخْلُوقاتِ مُقَوِّماتُهُ وخَواصُّهُ. فالمُرادُ بِالخَلْقِ: المَخْلُوقاتُ كُلُّها، أيْ يَزِيدُ اللَّهُ في بَعْضِها ما لَيْسَ في خَلْقٍ آخَرَ. فَيَشْمَلُ زِيادَةَ قُوَّةِ بَعْضِ المَلائِكَةِ عَلى بَعْضٍ، وكُلُّ زِيادَةٍ في شَيْءٍ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ مِنَ المَحاسِنِ والفَضائِلِ مِن حَصافَةِ عَقْلٍ وجَمالِ صُورَةٍ وشَجاعَةٍ وذَلْقَةِ لِسانٍ ولِياقَةِ كَلامٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ“ ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ " صِفَةً ثانِيَةً لِلْمَلائِكَةِ، أيْ أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في خَلْقِهِمْ ما يَشاءُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ وأكْثَرَ، فَما في بَعْضِ الأحادِيثِ مِن كَثْرَةِ أجْنِحَةِ جِبْرِيلَ يُبَيِّنُ مَعْنى ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالخَلْقِ ما خُلِقَ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ مِن أنَّ لِبَعْضِهِمْ أجْنِحَةً زائِدَةً عَلى ما لِبَعْضٍ آخَرَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَسْفِيهِ عُقُولِ الَّذِينَ أنْكَرُوا الرِّسالَةَ وقالُوا ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلَنا﴾ [إبراهيم: ١٠] صفحة ٢٥٢ فَأُجِيبُوا بِقَوْلِ الرُّسُلِ ﴿إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] .

فاطر 35:2

﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذا مِن بَقِيَّةِ تَصْدِيرِ السُّورَةِ بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطر: ١]، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطر: ١] الَخْ. والتَّقْدِيرُ: وفاتِحِ الرَّحْمَةِ لِلنّاسِ ومُمْسِكِها عَنْهم فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إمْساكِ ما فَتَحَهُ ولا عَلى فَتْحِ ما أمْسَكَهُ. و”ما“ شَرْطِيَّةٌ، أيِ اسْمٌ فِيهِ مَعْنى الشَّرْطِ. وأصْلُها اسْمٌ مَوْصُولٌ ضُمِّنَ مَعْنى الشَّرْطِ. فانْقَلَبَتْ صِلَتُهُ إلى جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ وانْقَلَبَتْ جُمْلَةُ الخَبَرِ جَوابًا واقْتَرَنَتْ بِالفاءِ لِذَلِكَ، فَأصْلُ ”ما“ الشَّرْطِيَّةِ هو المَوْصُولَةُ. ومَحَلُّ ”ما“ الِابْتِداءُ وجَوابُ الشَّرْطِ أغْنى مِنَ الخَبَرِ. و”﴿مِن رَحْمَةٍ﴾“ بَيانٌ لِإبْهامِ ”ما“ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ ضَمِيرٌ مَنصُوبٌ. و”الفَتْحُ“: تَمْثِيلِيَّةٌ لِإعْطاءِ الرَّحْمَةِ إذْ هي مِنَ النَّفائِسِ الَّتِي تُشْبِهُ المُدَّخَراتِ المُتَنافَسِ فِيها فَكانَتْ حالَةُ إعْطاءِ اللَّهِ الرَّحْمَةَ شَبِيهَةً بِحالَةِ فَتْحِ الخَزائِنِ لِلْعَطاءِ، فَأُشِيرَ إلى هَذا التَّمْثِيلِ بِفِعْلِ الفَتْحِ، وبَيانُهُ بِقَوْلِهِ ”﴿مِن رَحْمَةٍ﴾“ قَرِينَةُ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ. والإمْساكُ حَقِيقَتُهُ: أخْذُ الشَّيْءِ بِاليَدِ مَعَ الشَّدِّ عَلَيْهِ بِها لِئَلّا يَسْقُطَ أوْ يَنْفَلِتَ، وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، أوْ هو هُنا مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ والمَنعِ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِهِ الفَتْحُ. وأمّا قَوْلُهم: أمْسَكَ بِكَذا، فالباءُ إمّا لِتَوْكِيدِ لُصُوقِ المَفْعُولِ بِفِعْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وإمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِصامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] . وقَدْ أُوهِمَ النّاسُ في القامُوسِ واللِّسانِ والتّاجِ أنَّهُ لا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ. صفحة ٢٥٣ فَقَوْلُهُ هُنا ﴿وما يُمْسِكْ﴾ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: وما يُمْسِكُهُ مِن رَحْمَةٍ، ولَمْ يُذْكَرْ لَهُ بَيانٌ اسْتِغْناءً بِبَيانِهِ مِن فِعْلٍ. والإرْسالُ: ضِدُّ الإمْساكِ، وتَعْدِيَةُ الإرْسالِ بِاللّامِ لِلتَّقْوِيَةِ لِأنَّ العامِلَ هُنا فَرْعٌ في العَمَلِ. و﴿مِن بَعْدِهِ﴾ بِمَعْنى: مِن دُونِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٦]، أيْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ دُونَ اللَّهِ، أيْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى إبْطالِ ما أرادَ اللَّهُ مِن إعْطاءٍ أوْ مَنعٍ ”﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]“ . وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ مُراعاةٌ لِلَفْظِ ”ما“ لِأنَّها لا بَيانَ لَها، وتَأْنِيثُهُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ لِمُراعاةِ بَيانِ ”ما“ في قَوْلِهِ مِن رَحْمَةٍ لِقُرْبِهِ. وعَطْفُ ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ رُجِّحَ فِيهِ جانِبُ الإخْبارِ فَعُطِفَ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا لِإفادَةِ أنَّهُ يَفْتَحُ ويُمْسِكُ لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها، وأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ ما أبْرَمَهُ في فَتْحِ الرَّحْمَةِ وغَيْرِهِ مِن تَصَرُّفاتِهِ لِأنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ أنْ يَغْلِبَهُ، فَإنَّ نَقْضَ ما أبْرَمَ ضَرْبٌ مِنَ الهَوانِ والمَذَلَّةِ. ولِذَلِكَ كانَ مِن شِعارِ صاحِبِ السُّؤْدُدِ أنَّهُ يُبْرِمُ ويَنْقُضُ قالَ الأعْشى: عَلْقَمَ ما أنْتَ إلى عامِرٍ النّاقِضِ الأوْتارِ والواتِرِ وضَمِيرُ ”لَها“ وضَمِيرُ ”لَهُ“ عائِدانِ إلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾، رُوعِيَ في تَأْنِيثِ أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ مَعْنى ”ما“ فَإنَّهُ اسْمٌ صادِقٌ عَلى ”رَحْمَةٍ“ وقَدْ بُيِّنَ بِها، ورَوْعِيَ في تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ الآخَرِ لَفْظُ ”ما“ لِأنَّهُ لَفْظٌ لا عَلامَةُ تَأْنِيثٍ فِيهِ. وهُما اعْتِبارانِ كَثِيرانِ في مِثْلِهِ في فَصِيحِ الكَلامِ، فالمُتَكَلِّمُ بِالخِيارِ بَيْنَ أيِّ الِاعْتِبارَيْنِ شاءَ. والجَمْعُ بَيْنَهُما في هَذِهِ الآيَةِ تَفَنُّنٌ. وأُوثِرَ بِالتَّأْنِيثِ ضَمِيرُ ”ما“ لِأنَّها مُبَيَّنَةٌ بِلَفْظٍ مُؤَنَّثٍ وهو مِن رَحْمَةٍ.

فاطر 35:3

﴿يا أيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي تَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم أقْبَلَ عَلى خِطابِهِمْ بِأنْ يَتَذَكَّرُوا صفحة ٢٥٤ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الخاصَّةَ وهي النِّعْمَةُ الَّتِي تَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ بِخاصَّتِهِ فَيَأْتَلِفُ مِنها مَجْمُوعُ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وما هي إلّا بَعْضُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِمَخْلُوقاتِهِ. والمَقْصُودُ مِن تَذَكُّرِ النِّعْمَةِ شُكْرُها وقَدْرُها قَدْرَها. ومِن أكْبَرِ تِلْكَ النِّعَمِ نِعْمَةُ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ الَّتِي هي وسِيلَةُ فَوْزِ النّاسِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَها بِالنَّعِيمِ الأبَدِيِّ. فالمُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا التَّذَكُّرُ بِالقَلْبِ وبِاللِّسانِ فَهو مِن عُمُومِ المُشْتَرَكِ أوْ مِن إرادَةِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ فَإنَّ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ والذِّكْرَ بِالقَلْبِ يَسْتَلْزِمُ أحَدُهُما الآخَرَ وإلّا لَكانَ الأوَّلُ هَذَيانًا والثّانِي كِتْمانًا. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِّسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، أيْ وفي كِلَيْهِما فَضْلٌ. ووُصِفَتِ النِّعْمَةُ بِـ ”عَلَيْكم“ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّذَكُّرِ التَّذَكُّرُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ، ولَيْسَ المُرادُ مُطْلَقَ التَّذَكُّرِ بِمَعْنى الِاعْتِبارِ والنَّظَرِ في بَدِيعِ فَضْلِ اللَّهِ، فَذَلِكَ لَهُ مَقامٌ آخَرُ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ الدَّعْوَةَ إلى النَّظَرِ في دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ والفَضْلِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ ولِذَلِكَ اقْتَرَنَ ما بَعْدَهُ بِـ ”مِنِ“ الَّتِي تُزادُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، واخْتِيرَ الِاسْتِفْهامُ بِـ ”هَلْ“ دُونَ الهَمْزَةِ لِما في أصْلِ مَعْنى ”هَلْ“ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحْقِيقِ والتَّصْدِيقِ لِأنَّها في الأصْلِ بِمَعْنى ”قَدْ“ وتُفِيدُ تَأْكِيدَ النَّفْيِ. والِاهْتِمامُ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ قُدِّمَ في الذِّكْرِ قَبْلَ ما هو في قُوَّةِ المُسْتَثْنى مِنهُ. وجُعِلَ صِفَةً لِـ ”خالِقٍ“ لِأنَّ ”غَيْرُ“ صالِحَةٌ لِلِاعْتِبارَيْنِ ولِذَلِكَ جَرَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرُ“ هُنا وصْفًا لِـ ”خالِقٍ“، فَجُمْهُورُ القُرّاءِ قَرَءُوهُ بِرَفْعِ ”غَيْرُ“ عَلى اعْتِبارِ مَحَلِّ ”خالِقٍ“ المَجْرُورِ بِـ ”مِن“ لِأنَّ مَحَلَّهُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ. وإنَّما لَمْ يَظْهَرِ الرَّفْعُ لِلِاشْتِغالِ بِحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِالجَرِّ عَلى إتْباعِ اللَّفْظِ دُونَ المَحَلِّ. وهُما اسْتِعْمالانِ فَصِيحانِ في مِثْلِهِ اهْتَمَّ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِما سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ. وجُمْلَةُ يَرْزُقُكم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ وصْفًا ثانِيًا لِـ ”خالِقٍ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وجُعِلَ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلى القَيْدِ وهو جُمْلَةُ الصِّفَةِ كَما هي سُنَّتُهُ في الكَلامِ المُقَيَّدِ صفحة ٢٥٥ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّذْكِيرُ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى لِيَشْكُرُوا، ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ وصْفِ الخالِقِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرُهُ خالِقًا لَكانَ رازِقًا إذِ الخَلْقُ بِدُونِ رِزْقٍ قُصُورٌ في الخالِقِيَّةِ لَأنَّ المَخْلُوقَ بِدُونِ رِزْقٍ لا يَلْبَثُ أنْ يَصِيرَ إلى الهَلاكِ والعَدَمِ فَيَكُونُ خَلْقُهُ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ المَوْصُوفُ بِالإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْحِكْمَةِ فَكانَتِ الآيَةُ مُذَكِّرَةً بِنِعْمَتَيِ الإيجادِ والإمْدادِ. وزِيادَةُ ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ تَذْكِيرٌ بِتَعَدُّدِ مَصادِرِ الأرْزاقِ، فَإنَّ مِنها سَماوِيَّةً كالمَطَرِ الَّذِي مِنهُ شَرابٌ، ومِنهُ طَهُورٌ، وسَبَبُ نَباتِ أشْجارٍ وكَلَأٍ، وكالمَنِّ الَّذِي يَنْزِلُ عَلى شَجَرٍ خاصٍّ مِن أنْدِيَةٍ في الجَوِّ، وكالضِّياءِ مِنَ الشَّمْسِ، والِاهْتِداءِ بِالنُّجُومِ في اللَّيْلِ، وكَذَلِكَ أنْواعُ الطَّيْرِ الَّذِي يُصادُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن السَّماءِ. ومِنَ الأرْضِ أرْزاقٌ كَثِيرَةٌ مِن حُبُوبٍ وثِمارٍ وزُيُوتٍ وفَواكِهَ ومَعادِنَ وكَلَأٍ وكَمْأةٍ وأسْماكِ البِحارِ والأنْهارِ. وفِي هَذا القَيْدِ فائِدَةٌ أُخْرى وهي دَفْعُ تَوَهُّمِ الغَفَلِ أنَّ أرْزاقًا تَأْتِيهِمْ مِن غَيْرِ اللَّهِ مِن أنْواعِ العَطايا الَّتِي يُعْطِيها بَعْضُهم بَعْضًا، والمُعاوَضاتِ الَّتِي يُعاوِضُها بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ فَإنَّها لِكَثْرَةِ تَداوُلِها بَيْنَهم قَدْ يُلْهِيهِمُ الشُّغْلُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في أُصُولِ مَنابِعِها فَإنَّ أُصُولَ مَوادِّها مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فَآلَ ما يُعْطاهُ النّاسُ مِنها إلى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَلى نَحْوِ ما عَرَضَ لِلَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ إذْ قالَ لَهُ إبْراهِيمُ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَهَذا رَجُلٌ مَحْكُومٌ بِقَتْلِهِ ها أنا ذا أعْفُو عَنْهُ فَقَدْ أحْيَيْتُهُ، وهَذا رَجُلٌ حَيٌّ ها أنا ذا آمُرُ بِهِ فَيُقْتَلُ فَأنا أُمِيتُ. فانْتَقَلَ إبْراهِيمُ إلى أنْ قالَ لَهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . * * * ﴿لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ هَذا نَتِيجَةٌ عَقِبَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ إذْ رُتِّبَ عَلى انْفِرادِهِ بِالخالِقِيَّةِ والرّازِقِيَّةِ انْفِرادُهُ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ هُما أظْهَرُ دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ عِنْدَ النّاسِ فَجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ التَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِجُمْلَةِ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ . صفحة ٢٥٦ و”أنّى“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ يَجِيءُ بِمَعْنى اسْتِفْهامٍ عَنِ الحالَةِ أوْ عَنِ المَكانِ أوْ عَنِ الزَّمانِ. والِاسْتِفْهامُ عَنْ حالَةِ انْصِرافِهِمْ هو المُتَعَيِّنُ هُنا وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالوَحْدانِيَّةِ تَبَعًا لِمَن يُصَرِّفُهم وهم أوْلِياؤُهم وكُبَراؤُهم. و”﴿تُؤْفَكُونَ﴾“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مِن أفَكَهُ مِن بابِ ضَرَبَهُ، إذا صَرَفَهُ وعَدَلَ بِهِ، فالمَصْرُوفُ مَأْفُوكٌ. وحُذِفَ الفاعِلُ هُنا لِأنَّ آفِكِيهِمْ أصْنافٌ كَثِيرُونَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

فاطر 35:4

﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر: ٣] أيْ وإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِكَ ولَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ بِبَعْثِكَ فَلا عَجَبَ فَقَدْ كَذَّبَ أقْوامٌ مِن قَبْلِهِمْ رُسُلًا مِن قَبْلُ. وهو انْتِقالٌ مِن خِطابِ النّاسِ إلى خِطابِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ خِطابِ النّاسِ عَلى لِسانِهِ فَهو مُشاهِدٌ لِخِطابِهِمْ، فَلا جَرَمَ أنْ يُوَجَّهَ إلَيْهِ الخِطابُ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ إذِ المَقامُ واحِدٌ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] . وإذْ قَدْ أبانَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ حِينَ خاطَبَهم بِذَلِكَ نُقِلَ الإخْبارُ عَنْ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أنْكَرُوا قَبُولَهُ مِنهُ فَإنَّهُ لَمّا اسْتَبانَ صِدْقُهُ في ذَلِكَ بِالحُجَّةِ ناسَبَ أنْ يُعْرَضَ إلى الَّذِينَ كَذَّبُوهُ بِمِثْلِ عاقِبَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ مَن قَبْلِهِ وقَدْ أُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ إيّاهُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقامُهُ في ذَلِكَ دُونَ مَقامِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ. وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنِ“ الَّذِي أصْلُهُ أنْ يُعَلَّقَ بِهِ شَرْطٌ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ تَنْزِيلًا لَهم بَعْدَ ما قُدِّمَتْ إلَيْهِمُ الحُجَّةُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ المُصَدِّقَةِ لِما جاءَهم بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَذَّبُوهُ فِيهِ، مَنزِلَةَ مَن أيْقَنَ بِصِدْقِ الرَّسُولِ فَلا يَكُونُ فَرْضُ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِ إلّا كَما يُفْرَضُ المُحالُ. صفحة ٢٥٧ وهَذا وجْهُ إيثارِ الشَّرْطِ هُنا بِالفِعْلِ المُضارِعِ الَّذِي في حَيِّزِ الشَّرْطِ يَتَمَخَّضُ لِلِاسْتِقْبالِ، أيْ إنْ حَدَثَ مِنهم تَكْذِيبٌ بَعْدَ ما قَرَعَ أسْماعَهم مِنَ البَراهِينِ الدّامِغَةِ. والمَذْكُورُ جَوابًا لِلشَّرْطِ إنَّما هو سَبَبٌ لِجَوابٍ مَحْذُوفٍ إذِ التَّقْدِيرُ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَلا يَحْزُنْكَ تَكْذِيبُهم إذْ قَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فاسْتُغْنِيَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ. وإنَّما لَمْ يُعَرَّفْ ”رُسُلٌ“ وجِيءَ بِهِ مُنَكَّرًا لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ زِيادَةً عَلى جانِبِ صِفَةِ الرِّسالَةِ مِن جانِبِ كَثْرَتِهِمْ وتَنَوُّعِ آياتِ صِدْقِهِمْ ومَعَ ذَلِكَ كَذَّبَهم أقْوامُهم. وعُطِفَ عَلى هَذِهِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْرِيضِ ما هو كالتَّأْكِيدِ لَهُما والتَّذْكِيرِ بِعاقِبَةِ مَضْمُونِها بِأنَّ أمْرَ المُكَذِّبِينَ قَدْ آلَ إلى لِقائِهِمْ جَزاءَ تَكْذِيبِهِمْ مِن لَدُنِ الَّذِي تُرْجَعُ إلَيْهِ الأُمُورُ كُلُّها، فَكانَ أمْرُ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ وأمْرُ أُولَئِكَ الرُّسُلِ في جُمْلَةِ عُمُومِ الأُمُورِ الَّتِي أُرْجِعَتْ إلى اللَّهِ تَعالى إذْ لا تَخْرُجُ أُمُورُهم مِن نِطاقِ عُمُومِ الأُمُورِ. وقَدِ اكْتَسَبَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْنى التَّذْيِيلِ بِما فِيها مِنَ العُمُومِ. و”الأُمُورُ“: جَمْعُ أمْرٍ وهو الشَّأْنُ والحالُ، أيْ إلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأحْوالُ كُلُّها يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ شاءَ، فَتَكُونُ الآيَةُ تَهْدِيدًا لِلْمُكَذِّبِينَ وإنْذارًا.

فاطر 35:5

﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أُعِيدَ خِطابُ النّاسِ إعْذارًا لَهم وإنْذارًا بِتَحْقِيقِ أنَّ وعْدَ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ مِن عِقابِهِ المُكَذِّبِينَ في يَوْمِ البَعْثِ هو وعْدٌ واقِعٌ لا يَتَخَلَّفُ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ لَهُمُ التَّذْكِيرَ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، مَعَ الدَّلالَةِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ، وأنَّهُ لا يَتَّصِفُ بِالإلَهِيَّةِ الحَقِّ غَيْرُهُ. وبَعْدَ أنْ أشارَ إلَيْهِمْ بِأنَّ ما أنْتَجَتْهُ تِلْكَ الدَّلائِلُ هو ما أنْبَأهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ فِيما أنْبَأهم مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وهو أكْبَرُ ما قَرَعَ آذانَهم وأحْرَجُ شَيْءٍ صفحة ٢٥٨ لِنُفُوسِهِمْ، فَإذا تَأيَّدَ بِالدَّلِيلِ البُرْهانِيِّ تَمَهَّدَ السَّبِيلُ لِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِن وعْدِ اللَّهِ وهو يَوْمُ البَعْثِ؛ لِأنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ في الأُولى يُعْلَمُ صِدْقُهُ في الثّانِيَةِ بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، أوْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ ما تَلاهُ صالِحٌ لِمَوْعِظَةِ الفَرِيقَيْنِ كُلٌّ عَلى حَسَبِ حالِهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ إمّا لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُنْكِرِينَ، وإمّا لِتَغْلِيبِ فَرِيقِ المُنْكِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلى تَقْوِيَةِ المَوْعِظَةِ. والوَعْدُ مَصْدَرٌ، وهو الإخْبارُ عَنْ فِعْلِ المُخْبِرِ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ فِيما عَدا الشَّرِّ، ويُخَصُّ الشَّرُّ مِنهُ بِاسْمِ الوَعِيدِ، يَعُمُّهُما وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَتُهُ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ تَوْطِئَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْتِي مِنهُ الباطِلُ. والحَقُّ هُنا مُقابِلُ الكَذِبِ. والمَعْنى: أنَّ وعْدَ اللَّهِ صادِقٌ. ووَصْفُهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ في حَقِّيَّتِهِ. والمُرادُ بِهِ: الوَعْدُ بِحُلُولِ يَوْمِ جَزاءٍ بَعْدَ انْقِضاءِ هَذِهِ الحَياةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ. و”الغَرُورُ“ بِضَمِّ الغَيْنِ ويُقالُ التَّغْرِيرُ: إيهامُ النَّفْعِ والصَّلاحِ فِيما هو ضُرٌّ وفَسادٌ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ (آلِ عِمْرانَ) وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. والمُرادُ بِالحَياةِ: ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ أحْوالُ الحَياةِ الدُّنْيا مِن لَهْوٍ وتَرَفٍ، وانْتِهائِها بِالمَوْتِ والعَدَمِ مِمّا يُسَوِّلُ لِلنّاسِ أنْ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ أُخْرى. وإسْنادُ التَّغْرِيرِ إلى الحَياةِ ولَوْ مَعَ تَقْدِيرِ المُضافِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الغارَّ لِلْمَرْءِ هو نَفْسُهُ المُنْخَدِعَةُ بِأحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا فَهو مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ والباعِثِ عَلَيْهِ. صفحة ٢٥٩ والنَّهْيُ في الظّاهِرِ مُوَجَّهٌ لِلنّاسِ والمَنهِيُّ عَنْهُ مِن أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا، ولَيْسَتِ الحَياةُ الدُّنْيا مِن فِعْلِ النّاسِ فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ النَّهْيُ عَنْ لازِمِ ذَلِكَ الإسْنادِ وهو الِاغْتِرارُ لِمَظاهِرِ الحَياةِ. ونَظِيرُهُ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، ولا أرَيَنَّكَ هاهُنا، ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَئانُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢]، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] آخِرَ آلِ عِمْرانَ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ . و”﴿الغَرُورُ﴾“ بِفَتْحِ الغَيْنِ: هو الشَّدِيدُ التَّغْرِيرِ. والمُرادُ بِهِ الشَّيْطانُ، قالَ تَعالى ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، وهو يُغَيِّرُ النّاسَ بِتَزْيِينِ القَبائِحِ لَهم تَمْوِيهًا بِما يَلُوحُ عَلَيْها مِن مَحاسِنَ تُلائِمُ نُفُوسَ النّاسِ. والباءُ في قَوْلِهِ ”﴿بِاللَّهِ﴾“ لِلْمُلابَسَةِ وهي داخِلَةٌ عَلى مُضافٍ مُقَدَّرٍ، أيْ بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ يَتَطَرَّقُ إلى نَقْضِ هُدى اللَّهِ فَإنَّ فِعْلَ ”غَرَّ“ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ فَإذا أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلى بَعْضِ مُتَعَلِّقاتِهِ عُدِّيَ إلَيْهِ بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، فَقَدْ يُعَدّى بِالباءِ وهي باءُ المُلابَسَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] وقَوْلِهِ بِسُورَةِ الحَدِيدِ ﴿وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤] وذَلِكَ إذا أُرِيدَ بَيانُ مَنِ الغَرُورُ مُلابِسٌ لَهُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ حالٌ مِن أحْوالِهِ. وتِلْكُ مُلابَسَةُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في الكَلامِ عَلى الإيجازِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الباءُ باءَ السَّبَبِيَّةِ. وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ غُرُورَيْنِ: غُرُورًا يَغْتَرُّهُ المَرْءُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ويُزَيِّنُ لِنَفْسِهِ مِنَ المَظاهِرِ الفاتِنَةِ الَّتِي تَلُوحُ لَهُ في الدُّنْيا ما يَتَوَهَّمُهُ خَيْرًا ولا يَنْظُرُ في عَواقِبِهِ بِحَيْثُ تَخْفى مَضارُّهُ في بادِئِ الرَّأْيِ ولا يَظُنُّ أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ. وغُرُورًا يَتَلَقّاهُ مِمَّنْ يَغُرُّهُ وهو الشَّيْطانُ، وكَذَلِكَ الغُرُورُ كُلُّهُ في هَذا العالَمِ بَعْضُهُ يُمْلِيهِ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ وبَعْضُهُ يَتَلَقّاهُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ، فَتُرِكَ تَفْصِيلُ الغَرُورِ الأوَّلِ الآنَ اعْتِناءً بِالأصْلِ والأهَمِّ، فَإنَّ كُلَّ غُرُورٍ يَرْجِعُ إلى غُرُورِ الشَّيْطانِ. وسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] .

فاطر 35:6

صفحة ٢٦٠ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لَمّا كانَ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] إبْهامُ ما في المُرادِ بِالغَرُورِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِهِ بِأنَّ الغَرُورَ هو الشَّيْطانُ لِيَتَقَرَّرَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالبَيانِ بَعْدَ الإبْهامِ. فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥] مَنزِلَةَ البَيانِ مِنَ المُبَيَّنِ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وهَذا مِن دَلالَةِ تَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى إرادَةِ المُتَكَلِّمِ إذْ يَعْلَمُ السّامِعُ مِن وُقُوعِ وصْفِ الشَّيْطانِ عَقِبَ وصْفِ الغَرُورِ أنَّ الغَرُورَ هو الشَّيْطانُ. وأُظْهِرَ اسْمُ الشَّيْطانِ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإفْصاحِ عَنِ المُرادِ بِالغَرُورِ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وإثارَةُ العَداوَةِ بَيْنَ النّاسِ والشَّيْطانِ مَعْنًى مِن مَعانِي القُرْآنِ تَصْرِيحًا وتَضْمِينًا، وهو هُنا صَرِيحٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] . وتِلْكَ عَداوَةٌ مُودَعَةٌ في جِبِلَّتِهِ كَعَداوَةِ الكَلْبِ لِلْهِرِّ لِأنَّ جِبِلَّةَ الشَّيْطانِ مَوْكُولَةٌ بِإيقاعِ النّاسِ في الفَسادِ وأسْوَأِ العَواقِبِ في قَوالِبَ مُحَسَّنَةٍ مُزَيَّنَةٍ، وشَواهِدُ ذَلِكَ تَظْهَرُ لِلْإنْسانِ في نَفْسِهِ وفي الحَوادِثِ حَيْثُما عَثَرَ عَلَيْها وقَدْ قالَ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأكُّدِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِهِ لِأنَّهم بِغَفْلَتِهِمْ عَنْ عَداوَةِ الشَّيْطانِ كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ الشَّيْطانَ عَدُوٌّ. وتَقْدِيمُ ”لَكم“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا المُتَعَلِّقِ فَرَّعَ عَنْهُ أنْ أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا، لِأنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم حَقَّ عَلَيْهِمُ اتِّخاذُهُ عَدُوًّا وإلّا لَكانُوا في حَماقَةٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى وُجُوبِ عَداوَتِهِمُ الدُّعاةَ في الضَّلالَةِ المُسْتَمِدِّينَ مِنَ الشَّيْطانِ. والكَلامُ عَلى لَفْظِ ”عَدُوٌّ“ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ. واللّامُ في ”لَكم“ لامُ الِاخْتِصاصِ وهي الَّتِي تَتَضَمَّنُها الإضافَةُ فَلَمّا قَدَّمَ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلَيْهِ صَرَّحَ بِاللّامِ لِيَحْصُلَ مَعْنى الإضافَةِ. صفحة ٢٦١ وإنَّما أمَرَ اللَّهُ بِاتِّخاذِ العَدُوِّ عَدُوًّا ولَمْ يَنْدُبْ إلى العَفْوِ عَنْهُ والإغْضاءِ عَنْ عَداوَتِهِ كَما أمَرَ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، لِأنَّ ما نُدِبَ إلَيْهِ مِنَ العَفْوِ إنَّما هو فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ رَجاءَ صَلاحِ حالِ العَدُوِّ لِأنَّ عَداوَةَ المُسْلِمِ عارِضَةٌ لِأغْراضٍ يُمْكِنُ زَوالُها ولَها حُدُودٌ لا يُخْشى مَعَها المَضارُّ الفادِحَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ولِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعالى بِمِثْلِ ذَلِكَ مَعَ أعْداءِ الدِّينِ فَقالَ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآيَةَ، بَلْ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنِ المُحارِبِينَ مِن أهْلِ المِلَّةِ لِأنَّ مُناوَأتَهم غَيْرُ عارِضَةٍ بَلْ هي لِغَرَضِ ابْتِزازِ الأمْوالِ ونَحْوِ ذَلِكَ فَقالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] فَعَداوَةُ الشَّيْطانِ لَمّا كانَتْ جِبِلِيَّةً لا يُرْجى زَوالُها مَعَ مَن يَعْفُو عَنْهُ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ إلّا بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا لِأنَّهُ إذا لَمْ يُتَّخَذْ عَدُوًّا لَمْ يُراقِبِ المُسْلِمُ مَكائِدَهُ ومُخادَعَتَهُ. ومِن لَوازِمِ اتِّخاذِهِ عَدُوًّا العَمَلُ بِخِلافِ ما يَدْعُوا إلَيْهِ لِتَجَنُّبِ مَكائِدِهِ ولِمَقْتِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. فالإيقاعُ بِالنّاسِ في الضُّرِّ لا يَسْلَمُ مِنهُ أوْلِياؤُهُ ولا أعْداؤُهُ ولَكِنَّ أوْلِياءَهُ يُضْمِرُ لَهُمُ العَداوَةَ ويَأْنَسُ بِهِمْ لِأنَّهُ يَقْضِي بِهِمْ وطَرَهُ وأمّا أعْداؤُهُ فَهو مَعَ عَداوَتِهِ لَهم يَشْمَئِزُّ ويَنْفِرُ ويَغْتاظُ مِن مُقاوَمَتِهِمْ وساوِسَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ حَدَّ الفِرارِ مِن عُظَماءِ الأُمَّةِ فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِعُمَرَ «إيهِ يا بْنَ الخَطّابِ ما رَآكَ الشَّيْطانُ سالِكًا فَجًّا إلّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ»، ووَرَدَ في الصَّحِيحِ «إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ أدْبَرَ الشَّيْطانُ» الحَدِيثَ. ووَرَدَ أنَّهُ «ما رُئِيَ الشَّيْطانُ أخْسَأ وأحْقَرَ مِنهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ لِما يَرى مِنَ الرَّحْمَةِ» . وأُعْقِبَ الأمْرُ بِاتِّخاذِ الشَّيْطانِ عَدُوًّا بِتَحْذِيرٍ مِن قَبُولِ دَعْوَتِهِ وحَثٍّ عَلى وُجُوبِ اليَقْظَةِ لِتَغْرِيرِهِ وتَجَنُّبِ تَوَلِّيهِ بِأنَّهُ يَسْعى في ضُرِّ أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ فَيَدْعُوهم إلى ما يُوقِعُهم في السَّعِيرِ. وهَذا يُؤَكِّدُ الأمْرَ بِاتِّخاذِهِ عَدُوًّا لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ تَضَرُّرًا بِهِ هم حِزْبُهُ وأوْلِياؤُهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، وجِيءَ بِها في صِيغَةِ حَصْرٍ لِانْحِصارِ دَعَوْتِهِ في الغايَةِ المَذْكُورَةِ عَقِبَها بِلامِ العِلَّةِ كَيْلا يُتَوَهَّمَ أنَّ دَعْوَتَهُ تَخْلُو مِن تِلْكَ الغايَةِ ولَوْ في وقْتٍ ما صفحة ٢٦٢ وبِهَذا العُمُومِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحَصْرُ صارَتِ الجُمْلَةُ أيْضًا في مَعْنى التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَهُ كُلَّهُ. ومُقْتَضى وُقُوعِ فِعْلِ ”يَدْعُو“ في حَيِّزِ القَصْرِ أنَّ مَفْعُولَهُ وهو قَوْلُهُ ”حِزْبَهُ“ هو المَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ، أيْ أنَّهُ يَدْعُو حِزْبَهُ ولا يَدْعُو غَيْرَ حِزْبِهِ، والشَّيْطانُ يَدْعُو النّاسَ كُلَّهم سَواءً في ذَلِكَ حِزْبُهُ ومَن لَمْ يَرْكَنْ إلى دَعْوَتِهِ إلّا أنَّ أثَرَ دَعْوَتِهِ لا يَظْهَرُ إلّا في الَّذِينَ يَرْكَنُونَ لَهُ فَيَصِيرُونَ حِزْبَهُ قالَ تَعالى ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، وحَكى اللَّهُ عَنِ الشَّيْطانِ بِقَوْلِهِ ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] فَتَعَيَّنَ أنَّ في الكَلامِ إيجازَ حَذْفٍ. والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ دَعْوَةً بالِغَةً مَقْصِدَهُ. والقَرِينَةُ هي ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْذِيرِ ولَوْ كانَ لا يَدْعُو إلّا حِزْبَهُ لَما كانَ لِتَحْذِيرِ غَيْرِهِمْ فائِدَةٌ. واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لامَ العِلَّةِ فَإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَكُونُ ساعِيًا لِغايَةِ إيقاعِ الآدَمِيِّينَ في العَذابِ نِكايَةً بِهِمْ، وهي عِلَّةٌ لِلدَّعْوَةِ مَخْفِيَّةٌ في خاطِرِهِ الشَّيْطانِيِّ وإنْ كانَ لا يَجْهَرُ بِها لِأنَّ إخْفاءَها مِن جُمْلَةِ كَيْدِهِ وتَزْيِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ العاقِبَةِ والصَّيْرُورَةِ مِثْلَ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَّعِيرِ إنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم مِن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ. والسَّعِيرُ النّارُ الشَّدِيدَةُ، وغَلَبَ في لِسانِ الشَّرْعِ عَلى جَهَنَّمَ.

فاطر 35:7

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُفِيدُ مَفادَ الفَذْلَكَةِ والِاسْتِنْتاجِ مِمّا تَقَدَّمَ. هَذا الِاسْتِئْنافُ يَوْمِئُ إلى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم حِزْبُ الشَّيْطانِ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّ حِزْبَهُ مِن أصْحابِ السَّعِيرِ وحَكَمَ هُنا بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ عُلِمَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ إذْ هو العَذابُ الشَّدِيدُ فَعُلِمَ أنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ بِطَرِيقَةِ قِياسٍ مَطْوِيٍّ، فالَّذِينَ كَفَرُوا هم حِزْبُ الشَّيْطانِ لِعُكُوفِهِمْ عَلى مُتابَعَتِهِ وإنْ لَمْ يُعْلِنُوا ذَلِكَ لِاقْتِناعِهِ مِنهم بِمُلازَمَةِ ما يُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ. صفحة ٢٦٣ وأمّا المُؤْمِنُونَ العُصاةُ فَلَيْسُوا مِن حِزْبِهِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ كَيْدَهُ ولَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ بَعْضَ وسْوَسَتِهِ بِدافِعِ الشَّهَواتِ وهم مَعَ ذَلِكَ يَلْعَنُونَهُ ويَتَبَرَّأُونَ مِنهُ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِكم هَذِهِ ولَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنكم بِما دُونَ ذَلِكَ مِمّا تَحْقِرُونَ مِن أعْمالِكم» . وذِكْرُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تَتْمِيمٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن حِزْبِهِ قَدْ فازُوا بِالخَيْراتِ. وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى طَرَفَيْنِ في الضَّلالِ والِاهْتِداءِ وطَوَتْ ما بَيْنَ ذَيْنِكَ مِنَ المَراتِبِ لِيُعْلَمَ أنَّ ما بَيْنَ ذَلِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِن أشْبَهِ أحْوالِهِمْ بِأحْوالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في وضْعِ المُسْلِمِ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ. والأمَلِ والرَّهْبَةِ.

فاطر 35:8

﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ لَمّا جَرى تَحْذِيرُ النّاسِ مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ وإيقاظُهم إلى عَداوَتِهِ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وتَقْسِيمُ النّاسِ إلى فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ انْطَلَتْ عَلَيْهِ مَكائِدُ الشَّيْطانِ واغْتَرُّوا بِغُرُورِهِ ولَمْ يُناصِبُوهُ العَداءَ، وفَرِيقٍ أخَذُوا حِذْرَهم مِنهُ واحْتَرَسُوا مِن كَيْدِهِ وتَجَنَّبُوا السَّيْرَ في مَسالِكِهِ، ثُمَّ تَقْسِيمُهم إلى كافِرٍ مُعَذَّبٍ ومُؤْمِنٍ صالِحٍ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِ حِزْبِ الشَّيْطانِ عَذابَ السَّعِيرِ، وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى مَن لَمْ يَخْلُصُوا مِن حَبائِلِ الشَّيْطانِ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِهِ بِأُسْلُوبِ المُلاطَفَةِ في التَّسْلِيَةِ فَفَرَّعَ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ قَوْلَهُ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِما يَصْنَعُونَ﴾ فابْتِداؤُهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ رَبْطٌ لَهُ بِما تَقَدَّمَ لِيَعُودَ الذِّهْنُ إلى ما حُكِيَ مِن أحْوالِهِمْ، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ثُمَّ بِإبْرازِ الكَلامِ المُفَرَّعِ في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، واجْتِلابِ المَوْصُولِ الَّذِي تُومِئُ صِلَتُهُ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ المَقْصُودِ، فَأُشِيرَ إلى أنَّ وُقُوعَهُ في هَذِهِ الحالَةِ ناشِئٌ مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهُ سُوءَ عَمَلِهِ، فالمُزَيِّنُ لِلْأعْمالِ السَّيِّئَةِ هو الشَّيْطانُ قالَ تَعالى ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [النمل: ٢٤] فَرَأوْا أعْمالَهُمُ صفحة ٢٦٤ السَّيِّئَةَ حَسَنَةً فَعَكَفُوا عَلَيْها ولَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ نَصِيحَةَ ناصِحٍ، ولا رِسالَةَ مُرْسَلٍ. و”مَن“ مَوْصُولَةٌ صادِقَةٌ عَلى جَمْعٍ مِنَ النّاسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ بَلْ ودَلَّ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ هَذا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] و”مَن“ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ والخَبَرُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ إيجازًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ٧] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] . فَتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِما اسْتَحَقَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ مِنَ العَذابِ: أفَأنْتَ تَهْدِي مَن زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ. وتَقْدِيرُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لا يَحْزُنْكَ مَصِيرُهُ فَإنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾، وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ أيْ فَلا تَفْعَلْ ذَلِكَ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ فَإنَّهم أوْقَعُوا أنْفُسَهم في تِلْكَ الحالَةِ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ لَهم ورُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ حَسَنًا وهو مِن فِعْلِ أنْفُسِهِمْ فَلِماذا تَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ. وهَذا الخَبَرُ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: ٧] فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الكُفْرَ سُوءٌ وأنَّ الإيمانَ حُسْنٌ فَيَكُونُ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هو الكافِرَ، ويَكُونُ ضِدُّهُ هو المُؤْمِنَ، ونَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] وفي سُورَةِ الزُّمَرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] في سُورَةِ الرَّعْدِ. والتَّزْيِينُ: تَحْسِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ بَعْضَهُ أوْ كُلَّهُ. وقَدْ صَرَّحَ هُنا بِضِدِّهِ في قَوْلِهِ ”سُوءُ عَمَلِهِ“، أيْ صُوِّرَتْ لَهم أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ لِيُقْدِمُوا عَلَيْها بِشَرَهٍ وتَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ النَّمْلِ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ مُفَرَّعَةٌ، وهي تَقْرِيرٌ صفحة ٢٦٥ لِلتَّسْلِيَةِ وتَأْيِيسٌ مِنِ اهْتِداءِ مَن لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ فِيهِ أسْبابَ الِاهْتِداءِ إلى الحَقِّ مِن صَحِيحِ النَّظَرِ وإنْصافِ المُجادَلَةِ. وإسْنادُ الإضْلالِ والهِدايَةِ إلى اللَّهِ بِواسِطَةِ أنَّهُ خالِقُ أسْبابِ الضَّلالِ والِاهْتِداءِ، وذَلِكَ مِن تَصَرُّفِهِ تَعالى بِالخَلْقِ، وهو سِرٌّ مِنَ الحِكْمَةِ عَظِيمٌ لا يُدْرَكُ غَوْرُهُ ولَهُ أُصُولٌ وضَوابِطُ سَأُبَيِّنُها في رِسالَةِ القَضاءِ والقَدَرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وجُمْلَةُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى المُفَرَّعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ الَخْ فَتُأوَّلُ إلى التَّفْرِيعِ عَلى الجُمْلَتَيْنِ فَيُأوَّلُ إلى أنْ يَكُونَ النَّظْمُ هَكَذا: أفَتَتَحَسَّرُ عَلى مَن زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ فَرَأوْها حَسَناتٍ واخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ طَرِيقَ الضَّلالِ فَإنَّ اللَّهَ أضَلَّهم بِاخْتِيارِهِمْ وهو قَدْ تَصَرَّفَ بِمَشِيئَتِهِ فَهو أضَلَّهم وهُدى غَيْرَهم بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ الَّتِي شاءَ بِها إيجادَ المَوْجُوداتِ لا بِأمْرِهِ ورِضاهُ الَّذِي دَعا بِهِ النّاسَ إلى الرَّشادِ، ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ“ وإنَّما حَسْرَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ إذْ رَضُوا لَها بِاتِّباعِ الشَّيْطانِ ونَبَذُوا اتِّباعَ إرْشادِ اللَّهِ كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ أنَّهم ورَّطُوا أنْفُسَهم فِيما أوْقَعُوها فِيهِ بِصُنْعِهِمْ. فاللَّهُ أرْشَدَهم بِإرْسالِ رَسُولِهِ لِيَهْدِيَهم إلى ما يُرْضِيهِ، واللَّهُ أضَلَّهم بِتَكْوِينِ نُفُوسِهِمْ نافِرَةً عَنِ الهُدى تَكْوِينًا مُتَسَلْسِلًا مِن كائِناتٍ جَمَّةٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ وكُلُّها مِن مَظاهِرِ حِكْمَتِهِ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ سَلاسِلَ الكائِناتِ عَلى غَيْرِ هَذا النِّظامِ فَلَهَدى النّاسَ جَمِيعًا، وكُلُّهم مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِهِ إلى ما يَعْلَمُ مِنهم فَعُدِلَ عَنِ النَّظْمِ المَأْلُوفِ إلى هَذا النَّظْمِ العَجِيبِ. وصِيغَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ والنَّهْيِ التَّثْبِيتِيِّ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا الأُسْلُوبِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] في سُورَةِ الزُّمَرِ، فَإنَّ أصْلَ نَظْمِها: أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أنْتَ تُنْقِذُهُ مِنَ النّارِ، أفَأنْتَ تُنْقِذُ الَّذِينَ في النّارِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زادَتْ بِالِاعْتِراضِ، وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها نَهْيًا والأُخْرى عُرِّيَتْ عَنِ الِاعْتِراضِ وكانَ المُفَرَّعُ الأخِيرُ فِيها اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا. والنَّهْيُ مُوَجَّهٌ إلى نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ تَذْهَبَ حَسَراتٍ عَلى الضّالِّينَ ولَمْ يُوَجَّهْ إلَيْهِ بِأنْ يُقالَ: فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والرَّسُولُ ﷺ ونَفْسُهُ مُتَّحِدانِ صفحة ٢٦٦ فَتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى نَفْسِهِ دُونَ أنْ يُقالَ فَلا تَذْهَبْ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الذَّهابَ مُسْتَعارٌ إلى التَّلَفِ والِانْعِدامِ كَما يُقالُ: طارَتْ نَفْسُها شَعاعًا، ومِثْلُهُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ كَقَوْلِ الأعْرابِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ: أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَعْزِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدِ لِتَحْصُلَ فائِدَةُ تَوْزِيعِ النَّهْيِ والخِطابِ عَلى شَيْئَيْنِ في ظاهِرِ الأمْرِ فَهو تَكْرِيرُ الخِطابِ والنَّهْيِ لِكِلَيْهِما. وهي طَرِيقَةُ التَّجْرِيدِ المَعْدُودِ في المُحَسِّناتِ، وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ المُوجِبِ تَقْرِيرَ الجُمْلَةِ في النَّفْسِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يُخادِعُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والحَسْرَةُ تَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] مِن سُورَةِ مَرْيَمَ. وانْتَصَبَ ”حَسَراتٍ“ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لا تُتْلِفْ نَفْسَكَ لِأجْلِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ، وهو كَقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقَوْلِهِ ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤] أيْ مِن حُزْنِ نَفْسِهِ لا مِن حُزْنِ العَيْنَيْنِ. وجُمِعَتِ الحَسَراتُ مَعَ أنَّ اسْمَ الجِنْسِ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الأفْرادِ قَصْدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى إرادَةِ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ مِن جِنْسِ الحَسْرَةِ لِأنَّ تَلَفَ النَّفْسِ يَكُونُ عِنْدَ تَعاقُبِ الحَسَراتِ الواحِدَةِ تِلْوَ الأُخْرى لِدَوامِ المُتَحَسَّرِ مِنهُ فَكُلُّ تَحَسُّرٍ يَتْرُكُ حَزازَةً وكَمَدًا في النَّفْسِ حَتّى يَبْلُغَ إلى الحَدِّ الَّذِي لا تُطِيقُهُ النَّفْسُ فَيَنْفَطِرَ لَهُ القَلْبُ فَإنَّهُ قَدْ عُلِمَ في الطِّبِّ أنَّ المَوْتَ مِن شِدَّةِ الألَمِ كالضَّرْبِ المُبَرِّحِ وقَطْعِ الأعْضاءِ سَبَبُهُ اخْتِلالُ حَرَكَةِ القَلْبِ مِن تَوارُدِ الآلامِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ والهاءِ ورَفْعِ ”نَفْسُكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِنَفْسِهِ وهو كِنايَةٌ ظاهِرَةٌ عَنْ نَهْيِهِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الهاءِ ونَصْبِ ”نَفْسَكَ“ عَلى أنَّهُ نَهْيُ الرَّسُولِ أنْ يُذْهِبَ نَفْسَهُ. وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى فاءاتٍ أرْبَعٍ كُلُّها لِلسَّبَبِيَّةِ والتَّفْرِيعِ وهي الَّتِي بَلَغَ بِها نَظْمُ الآيَةِ إلى هَذا الإيجازِ البالِغِ حَدَّ الإعْجازِ وفي اجْتِماعِها مُحَسِّنُ جَمْعِ النَّظائِرِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ تَصْلُحُ لِإفادَةِ التَّصَبُّرِ والتَّحَلُّمِ، أيْ أنَّ اللَّهَ صفحة ٢٦٧ عَلِيمٌ بِصُنْعِهِمْ في المُخالَفَةِ عَنْ أمْرِهِ فَكَما أنَّهُ لِحِلْمِهِ لَمْ يُعَجِّلْ بِمُؤاخَذَتِهِمْ فَكُنْ أنْتَ مُؤْتَسِيًا بِاللَّهِ ومُتَخَلِّقًا بِما تَسْتَطِيعُهُ مِن صِفاتِهِ، وفي ضِمْنِ هَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إفْلاتِهِمْ مِنَ العَذابِ عَلى سُوءِ عَمَلِهِمْ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ لِأنَّ كَمَدَ نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِأجْلِ تَأْخِيرِ عِقابِهِمْ ولَكِنْ لِأجْلِ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ ”إنَّ“ إمّا تَمْثِيلٌ لِحالِ الرَّسُولِ ﷺ بِحالِ مَن أغْفَلَهُ التَّحَسُّرُ عَلَيْهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم فَأكَّدَ لَهُ الخَبَرَ بِـ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾، وإمّا لِجَعْلِ التَّأْكِيدِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِتَكُونَ ”إنَّ“ مُغْنِيَةً غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ فَتَتَمَخَّضَ الجُمْلَةُ لِتَقْرِيرِ التَّسْلِيَةِ والتَّعْرِيضِ بِالجَزاءِ عَنْ ذَلِكَ. وعَبَّرَ بِـ ”يَصْنَعُونَ“ دُونَ: يَعْمَلُونَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم يُدَبِّرُونَ مَكائِدَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ إيذانًا بِوُجُودِ باعِثٍ آخَرَ عَلى النَّزْعِ عَنِ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِهِ أبُو جَهْلٍ وحِزْبُهُ.

فاطر 35:9

﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ لَمّا قُدِّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ الِاسْتِدْلالُ بِأنَّ اللَّهَ فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ وما في السَّماواتِ مِن أهْلِها، وذَلِكَ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ ثَنّى هُنا بِالِاسْتِدْلالِ بِتَصْرِيفِ الأحْوالِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وذَلِكَ بِإرْسالِ الرِّياحِ وتَكْوِينِ السَّحابِ وإنْزالِ المَطَرِ، فَهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [فاطر: ١] . وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ إضْمارٍ دُونَ أنْ يَقُولَ: وهو الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ. فَيَعُودُ الضَّمِيرُ إلى اسْمِ اللَّهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨] . واخْتِيرَ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ دَلالَةُ تَجَمُّعِ أسْبابِ المَطَرِ لِيُفْضِيَ مِن ذَلِكَ إلى تَنْظِيرِ إحْياءِ الأمْواتِ بَعْدَ أحْوالِ الفَناءِ بِآثارِ ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ وأنَّ الَّذِي خَلَقَ وسائِلَ إحْياءِ الأرْضِ قادِرٌ عَلى خَلْقِ وسائِلِ إحْياءِ الَّذِينَ ضَمِنَتْهُمُ الأرْضُ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ. صفحة ٢٦٨ وإذْ قَدْ كانَ القَصْدُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ هو وُقُوعُ الإحْياءِ وتَقَرُّرُ وُقُوعِهِ جِيءَ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ ”أرْسَلَ“، وأمّا تَغْيِيرُهُ إلى المُضارِعِ في قَوْلِهِ ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ فَلِحِكايَةِ الحالِ العَجِيبَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيها إثارَةُ الرِّياحِ السَّحابَ وهي طَرِيقَةٌ لِلْبُلَغاءِ في الفِعْلِ الَّذِي في خُصُوصِيَّتِهِ بِحالٍ تُسْتَغْرَبُ وتَهُمُّ السّامِعَ. وهو نَظِيرُ قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا. بِأنِّي قَدْ لَقِيتُ الغُولَ تَهْوِي بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحانِ فَأضْرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّتْ ∗∗∗ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرانِ فابْتَدَأ بِـ ”لَقِيتُ“ لِإفادَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ ثُمَّ ثَنّى بِـ ”أضْرِبُها“ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ العَجِيبَةِ مِن إقْدامِهِ وثَباتِهِ حَتّى كَأنَّهم يُبْصِرُونَهُ في تِلْكَ الحالَةِ. ولَمْ يُؤْتَ بِفِعْلِ الإرْسالِ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ بِخِلافِ قَوْلِهِ في سُورَةِ الرُّومِ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ الآيَةَ لِأنَّ القَصْدَ هُنا اسْتِدْلالٌ بِما هو واقِعٌ إظْهارًا لِإمْكانِ نَظِيرِهِ وأمّا آيَةُ سُورَةِ الرُّومِ فالمَقْصُودُ مِنها الِاسْتِدْلالُ عَلى تَجْدِيدِ صُنْعِ اللَّهِ ونِعَمِهِ. والقَوْلُ في الرِّياحِ والسَّحابِ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أوَّلُها في سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي قَوْلِهِ ”فَسُقْناهُ“ بَعْدَ قَوْلِهِ واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ سَبِيلُهُ سَبِيلُ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: ٥] الآياتِ مِن إثْباتِ البَعْثِ مَعَ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، إلّا أنَّ ما قَبْلَهُ كانَ مَأْخُوذًا مِن فَحْوى الدَّلالَةِ لَمّا ظَهَرَتْ في بُرْهانِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما أخْبَرَ بِهِ مِن تَوْحِيدٍ أُخِذَ مِن طَرِيقِ دَلالَةِ التَّقْرِيبِ لِوُقُوعِ البَعْثِ إذْ عَثُرَ عَلى عُقُولِهِمْ تَصْدِيقُ إمْكانِ الإعادَةِ بَعْدَ الفَناءِ لِيَحْصُلَ مِن بارِقَةِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وبارِقَةِ الإمْكانِ ما يَسُوقُ أذْهانَهم إلى اسْتِقامَةِ التَّصْدِيقِ بِوُقُوعِ البَعْثِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾، والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مَجْمُوعِ الحالَةِ المُصَوَّرَةِ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الصُّنْعِ المُحْكَمِ المُتْقَنِ نَصْنَعُ صُنْعًا يَكُونُ بِهِ النُّشُورُ بِأنْ يُهَيِّئَ اللَّهُ حَوادِثَ سَماوِيَّةً صفحة ٢٦٩ أوْ أرْضِيَّةً أوْ مَجْمُوعَةً مِنها حَتّى إذا اسْتَقامَتْ آثارُها وتَهَيَّأتْ أجْسامٌ لِقَبُولِ أرْواحِها أمَرَ اللَّهُ بِالنَّفْخَةِ الأُولى والثّانِيَةِ فَإذا الأجْسادُ قائِمَةٌ ماثِلَةٌ نَظِيرَ أمْرِ اللَّهِ بِنَفْخِ الأرْواحِ في الأجِنَّةِ عِنْدَ اسْتِكْمالِ تَهْيِئَتِها لِقَبُولِ الأرْواحِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَقْرِيبُ ذَلِكَ بِمِثْلِ هَذا مِمّا رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وقَرِيبٌ مِنهُ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيءِ ﷺ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى وما آيَةُ ذَلِكَ في خَلْقِهِ ؟ فَقالَ: هَلْ مَرَرْتَ بِوادٍ أُهْلِكَ مُمَحَّلًا، ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا ؟ قِيلَ نَعَمْ: فَكَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ المَوْتى وتِلْكَ آيَتُهُ في خَلْقِهِ»، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ أنَّ السّائِلَ رَزِينٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّياحَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”الرِّيحَ“ بِالإفْرادِ، والمَعْرُوفُ بِلامِ الجِنْسِ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ.

فاطر 35:10

﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ﴾ جَمِيعًا مَضى ذِكْرُ غُرُورَيْنِ إجْمالًا في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [فاطر: ٥]، ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]“ فَأخَذَ في تَفْصِيلِ الغَرُورِ الثّانِي مِن قَوْلِهِ تَعالى ”﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]“ وما اسْتَتْبَعَهُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أحْجارِ كَيْدِهِ وانْبِعاثِ سُمُومِ مَكْرِهِ والحَذَرِ مِن مَصارِعِ مُتابَعَتِهِ وإبْداءِ الفَرْقِ بَيْنَ الواقِعِينَ في حَبائِلِهِ والمُعافِينَ مِن أدْوائِهِ، بِدارًا بِتَفْصِيلِ الأهَمِّ والأصْلِ، وأبْقى تَفْصِيلَ الغَرُورِ الأوَّلِ إلى هُنا. وإذْ قَدْ كانَ أعْظَمُ غُرُورِ المُشْرِكِينَ في شِرْكِهِمْ ناشِئًا عَنْ قَبُولِ تَعالِيمِ كُبَرائِهِمْ وسادَتِهِمْ وكانَ أعْظَمُ دَواعِي القادَةِ إلى تَضْلِيلِ دَهْمائِهِمْ وصَنائِعِهِمْ، هو ما يَجِدُونَهُ مِنَ العِزَّةِ والِافْتِتانِ بِحُبِّ الرِّئاسَةِ، فالقادَةُ يَجْلِبُونَ العِزَّةَ لِأنْفُسِهِمْ والأتْباعُ يَعْتَزُّونَ بِقُوَّةِ قادَتِهِمْ، لا جَرَمَ كانَتْ إرادَةُ العِزَّةِ مِلاكَ تَكاتُفِ المُشْرِكِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وتَألُّبِهِمْ عَلى مُناوَأةِ الإسْلامِ، فَوَجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ لِكَشْفِ اغْتِرارِهِمْ بِطَلَبِهِمُ العِزَّةَ في الدُّنْيا، فَكُلُّ مُسْتَمْسِكٍ بِحَبْلِ الشِّرْكِ مُعْرِضٌ عَنِ التَّأمُّلِ في دَعْوَةِ الإسْلامِ، لا يُمَسِّكُهُ بِذَلِكَ إلّا إرادَةُ العِزَّةِ، فَلِذَلِكَ نادى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ بِأنَّ مَن صفحة ٢٧٠ كانَ ذَلِكَ صارِفُهُ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ فَلْيَعْلَمْ بِأنَّ العِزَّةَ الحَقَّ في اتِّباعِ الإسْلامِ وأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العِزَّةِ كالعَدَمِ. و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ، وجُعِلَ جَوابُها ”﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾“، ولَيْسَ ثُبُوتُ العِزَّةِ لِلَّهِ بِمُرَتَّبٍ في الوُجُودِ عَلى حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ فَتَعَيَّنَ أنَّ ما بَعْدَ فاءِ الجَزاءِ هو عِلَّةُ الجَوابِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ واسْتُغْنِيَ بِها عَنْ ذِكْرِهِ إيجازًا، ولِيَحْصُلَ مِنِ اسْتِخْراجِهِ مِن مَطاوِي الكَلامِ تَقَرُّرُهُ في ذِهْنِ السّامِعِ، والتَّقْدِيرُ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلْيَسْتَجِبْ إلى دَعْوَةِ الإسْلامِ فَفِيها العِزَّةُ لِأنَّ العِزَّةَ كُلَّها لِلَّهِ تَعالى، فَأمّا العِزَّةُ الَّتِي يَتَشَبَّثُونَ بِها فَهي كَخَيْطِ العَنْكَبُوتِ لِأنَّها واهِيَةٌ بالِيَةٌ. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في المَقامِ الَّذِي يُرادُ فِيهِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِ عَلى خَطَأٍ في زَعْمِهِ كَما في قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ في مَقْتَلِ مالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ العَبْسِيِّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ يَجِدِ النِّساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ بِاللَّيْلِ قَبْلَ تَبَلُّجِ الإسْفارِ أرادَ أنَّ مَن سَرَّهُ مَقْتَلُ مالِكٍ فَلا يَتَمَتَّعْ بِسُرُورِهِ ولا يَحْسَبْ أنَّهُ نالَ مُبْتَغاهُ لِأنَّهُ إنْ أتى ساحَةَ نِسْوَتِنا انْقَلَبَ سُرُورُهُ غَمًّا وحُزْنًا إذْ يَجِدُ دَلائِلَ أخْذِ الثَّأْرِ مِن قاتِلِهِ بادِيَةً لَهُ، لِأنَّ العادَةَ أنَّ القَتِيلَ لا يَنْدُبُهُ النِّساءُ إلّا إذا أُخِذَ ثَأْرُهُ. هَذا ما فَسَّرَهُ المَرْزُوقِيُّ وهو الَّذِي تَلَقَّيْتُهُ عَنْ شَيْخِنا الوَزِيرِ وفي البَيْتَيْنِ تَفْسِيرٌ آخَرُ. وقَدْ يَكُونُ بِالعَكْسِ وهو تَثْبِيتُ المُخاطَبِ عَلى عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]“ . وقَرِيبٌ مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ما يُقْصَدُ بِهِ إظْهارُ الفَرْقِ بَيْنَ مَنِ اتَّصَفَ بِمَضْمُونِ الشَّرْطِ ومَنِ اتَّصَفَ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ: فَمَن يَكُنْ قَدْ قَضى مِن خُلَّةٍ وطَرًا ∗∗∗ فَإنَّنِي مِنكَ ما قَضَيْتُ أوْطارِي وقَوْلِ ضابِي بْنِ الحارِثِ: ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ وقَوْلِ الكِلابِيِّ: فَمَن يُكْلَمْ يَغْرَضْ فَإنِّي وناقَتِي ∗∗∗ بِحَجْرٍ إلى أهْلِ الحِمى غَرَضانِ صفحة ٢٧١ فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ يُفِيدُ قَصْرًا وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما لِلْمُشْرِكِينَ مِن عِزَّةٍ ضَئِيلَةٍ، أيْ فالعِزَّةُ لِلَّهِ لا لَهم. ومِنهُ ما يَكُونُ فِيهِ تَرْتِيبُ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ في الوُقُوعِ، وهو الأصْلُ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ﴾ [الإسراء: ١٨]“ الآيَةَ، وقَوْلِهِ ”﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾ [هود: ١٥]“ . و”جَمِيعًا“ أفادَتِ الإحاطَةَ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ فَحَصَلَتْ ثَلاثَةُ مُؤَكِّداتٍ، فالقَصْرُ بِمَنزِلَةِ تَأْكِيدَيْنِ و”جَمِيعًا“ بِمَنزِلَةِ تَأْكِيدٍ. وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا فَإنَّ فِيهِ تَأْكِيدَيْنِ: تَأْكِيدًا بِـ ”إنَّ“ وتَأْكِيدًا بِـ ”جَمِيعًا“ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ في وقْتِ قُوَّةِ الإسْلامِ فَلَمْ يَحْتَجْ فِيها إلى تَقْوِيَةِ التَّأْكِيدِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”جَمِيعًا“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا“ في سُورَةِ سَبَأٍ. وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ مِنَ العِزَّةِ وكَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ العِزَّةُ كُلُّها لِلَّهِ لا يَشِذُّ شَيْءٌ مِنها فَيَثْبُتُ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ العِزَّةَ المُتَعارَفَةَ بَيْنَ النّاسِ كالعَدَمِ إذْ لا يَخْلُو صاحِبُها مِنِ احْتِياجٍ ووَهَنٍ والعِزَّةُ الحَقُّ لِلَّهِ. وتَعْرِيفُ العِزَّةِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والعِزَّةُ: الشَّرَفُ والحَصانَةُ مِن أنْ يُنالَ بِسُوءٍ. فالمَعْنى: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فانْصَرَفَ عَنْ دَعْوَةِ اللَّهِ إبْقاءً عَلى ما يَخالُهُ لِنَفْسِهِ مِن عِزَّةٍ، فَهو مُخْطِئٌ إذْ لا عِزَّةَ لَهُ، فَهو كَمَن أراقَ ماءً لِلَمْعِ سَرابٍ. والعِزَّةُ الحَقُّ لِلَّهِ الَّذِي دَعاهم عَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وعِزَّةُ المَوْلى يَنالُ حِزْبُهُ وأوْلِياؤُهُ حَظًّا مِنها، فَلَوِ اتَّبَعُوا أمْرَ اللَّهِ فالتَحَقُوا بِحِزْبِهِ صارَتْ لَهم عِزَّةُ اللَّهِ وهي العِزَّةُ الدّائِمَةُ، فَإنَّ عِزَّةَ المُشْرِكِينَ يَعْقُبُها ذُلُّ الِانْهِزامِ والقَتْلِ والأسْرِ في الدُّنْيا وذُلُّ الخِزْيِ والعَذابِ في الآخِرَةِ، وعِزَّةُ المُؤْمِنِينَ في تَزايُدِ الدُّنْيا ولَها دَرَجاتُ كَمالٍ في الآخِرَةِ. * * * ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ كَما أتْبَعَ تَفْصِيلَ غُرُورِ الشَّيْطانِ بِعَواقِبِهِ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ صفحة ٢٧٢ ”﴿لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]“ الآيَةَ، وبِذِكْرِ مُقابِلِ عَواقِبِهِ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ، كَذَلِكَ أتْبَعَ تَفْصِيلَ غُرُورِ الأنْفُسِ أهْلَها بِعَواقِبِهِ وبِذِكْرِ مُقابِلِهِ أيْضًا لِيَلْتَقِيَ مَآلُ الغَرُورَيْنِ ومُقابِلِهِما في مُلْتَقًى واحِدٍ، ولَكِنْ قُدِّمَ في الأوَّلِ عاقِبَةُ أهْلِ الغَرُورِ بِالشَّيْطانِ ثُمَّ ذُكِرَتْ عاقِبَةُ أضْدادِهِمْ، وعُكِسَ في ما هُنا لِجَرَيانِ ذِكْرِ عِزَّةِ اللَّهِ فَقُدِّمَ ما هو المُناسِبُ لِآثارِ عَزَّةِ اللَّهِ في حِزْبِهِ وجُنْدِهِ. وجُمْلَةُ ”﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا بِمُناسَبَةِ تَفْصِيلِ الغَرُورِ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ. والمَقْصُودُ أنَّ أعْمالَ المُؤْمِنِينَ هي الَّتِي تَنْفَعُ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ أعْمالَ المُشْرِكِينَ سَعْيٌ باطِلٌ. والقُرُباتُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى أقْوالٍ وأعْمالٍ، فالأقْوالُ ما كانَ ثَناءً عَلى اللَّهِ تَعالى واسْتِغْفارًا ودُعاءً، ودُعاءَ النّاسِ إلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]“ في سُورَةِ الأحْزابِ. والأعْمالُ فِيها قُرُباتٌ كَثِيرَةٌ. وكانَ المُشْرِكُونَ يَتَقَرَّبُونَ إلى أصْنامِهِمْ بِالثَّناءِ والتَّمْجِيدِ كَما قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: اعْلُ هُبَلَ، وكانُوا يَتَحَنَّثُونَ بِأعْمالٍ مِن طَوافٍ وحَجٍّ وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ وكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَشُوبًا بِالإشْراكِ لِأنَّهم يَنْوُونَ بِها التَّقَرُّبَ إلى الآلِهَةِ فَلِذَلِكَ نَصَبُوا أصْنامًا في الكَعْبَةِ وجَعَلُوا هُبَلَ وهو كَبِيرُهم عَلى سَطْحِ الكَعْبَةِ، وجَعَلُوا إسافا ونائِلَةَ فَوْقَ الصَّفا والمَرْوَةِ، لِتَكُونَ مَناسِكُهم لِلَّهِ مَخْلُوطَةً بِعِبادَةِ الآلِهَةِ تَحْقِيقًا لِمَعْنى الإشْراكِ في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ. فَلَمّا قُدِّمَ المَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ”﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾“ أُفِيدَ أنَّ كُلَّ ما يُقَدَّمُ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ إلى غَيْرِ اللَّهِ لا طائِلَ تَحْتَهُ. وأمّا قَوْلُهُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ، فَـ ”العَمَلُ“ مُقابِلُ الكَلِمِ، أيِ الأفْعالُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ، وضَمِيرُ الرَّفْعِ عائِدٌ إلى مَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ”إلَيْهِ“ وهو اسْمُ الجَلالَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾“، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مِن ”يَرْفَعُهُ“ عائِدٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ أيِ اللَّهُ يَرْفَعُ العَمَلَ الصّالِحَ. و”الصُّعُودُ“: الإذْهابُ في مَكانٍ عالٍ. و”الرَّفْعُ“: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ أعْلى مِنهُ، فالصُّعُودُ مُسْتَعارٌ لِلْبُلُوغِ إلى عَظِيمِ القَدْرِ وهو كِنايَةٌ عَنِ القَبُولِ لَدَيْهِ. صفحة ٢٧٣ و”الرَّفْعُ“: حَقِيقَتُهُ نَقْلُ الجِسْمِ مِن مَقَرِّهِ إلى أعْلى مِنهُ وهو هُنا كِنايَةٌ لِلْقَبُولِ عِنْدَ عَظِيمٍ، لِأنَّ العَظِيمَ تَتَخَيَّلُهُ التَّصَوُّراتُ رَفِيعَ المَكانِ. فَيَكُونُ كُلٌّ مِن ”يَصْعَدُ“ و”يَرْفَعُ“ تَبِعَتَيْنِ قَرِينَتَيْ مَكْنِيَّةٍ، بِأنْ شُبِّهَ جانِبُ القَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ مُرْتَفِعٍ لا يَصِلُهُ إلّا ما يَصْعَدُ إلَيْهِ. فَقَوْلُهُ ”العَمَلُ“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ”يَرْفَعُهُ“، وفي بِناءِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ ما يُفِيدُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ، فَإذا انْضَمَّ إلَيْهِ سِياقُ جُمْلَتِهِ عَقِبَ سِياقَ جُمْلَةِ القَصْرِ المُشْعِرِ بِسَرَيانِ حُكْمِ القَصْرِ إلَيْهِ بِالقَرِينَةِ لِاتِّحادِ المَقامِ إذْ لا يُتَوَهَّمُ أنْ يُقْصَرَ صُعُودُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ عَلى الجانِبِ الإلَهِيِّ، ثُمَّ يُجْعَلَ لِغَيْرِهِ شَرِكَةً مَعَهُ في رَفْعِ العَمَلِ الصّالِحِ، تَعَيَّنَ مَعْنى التَّخْصِيصِ، فَصارَ المَعْنى: اللَّهُ الَّذِي يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أقْوالَهم وأعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ. وإنَّما جِيءَ في جانِبِ العَمَلِ الصّالِحِ بِالإخْبارِ عَنْهُ بِجُمْلَةِ ”يَرْفَعُهُ“ ولَمْ يُعْطَفْ عَلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ في حُكْمِ الصُّعُودِ إلى اللَّهِ مَعَ تَساوِي الخَبَرَيْنِ لِفائِدَتَيْنِ: أوَّلُهُما: الإيماءُ إلى أنَّ نَوْعَ العَمَلِ الصّالِحِ أهَمُّ مِن نَوْعِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ عَلى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ العَمَلِ الصّالِحِ أوْسَعُ نَفْعًا مِن مُعْظَمِ الكَلِمِ الطَّيِّبِ عَدا كَلِمَةَ الشَّهادَتَيْنِ وما ورَدَ تَفْضِيلُهُ مِنَ الأقْوالِ في السُّنَّةِ مِثْلَ دُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ رَفْعُهُ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا - تَلَقّاها الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فُلُوَّهُ حَتّى تَصِيرَ مِثْلَ الجَبَلِ» . وثانِيهِما: أنَّ الكَلِمَ الطَّيِّبَ يَتَكَيَّفُ في الهَواءِ فَإسْنادُ الصُّعُودُ إلَيْهِ مُناسِبٌ لِماهِيَّتِهِ، وأمّا العَمَلُ الصّالِحُ فَهو كَيْفِيّاتٌ عارِضَةٌ لِذَواتٍ فاعِلَةٍ ومَفْعُولَةٍ فَلا يُناسِبُهُ إسْنادُ الصُّعُودِ إلَيْهِ وإنَّما يَحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقًا لِرَفْعٍ يَقَعُ عَلَيْهِ ويُسَخِّرُهُ إلى الِارْتِفاعِ. * * * صفحة ٢٧٤ ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ هَذا فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ العِزَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ ”وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ“ الآيَةَ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، فَعَطْفُهم عَلى ”﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾“ تَخْصِيصٌ لَهم بِالذِّكْرِ لِما اخْتَصُّوا بِهِ مِن تَدْبِيرِ المَكْرِ. وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ. والمَكْرُ: تَدْبِيرُ إلْحاقِ الضُّرِّ بِالغَيْرِ في خُفْيَةٍ لِئَلّا يَأْخُذَ حِذْرَهُ، وفِعْلُهُ قاصِرٌ. وهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالمَضْرُورِ بِواسِطَةِ الباءِ الَّتِي لِلْمُلابَسَةِ، يُقالُ: مَكَرَ بِفُلانٍ. ويَتَعَلَّقُ بِوَسِيلَةِ المَكْرِ بِباءِ السَّبَبِيَّةِ يُقالُ: مَكَرَ بِفُلانٍ بِقَتْلِهِ، فانْتِصابُ السَّيِّئاتِ هُنا عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرِ المَكْرِ نائِبًا مَنابَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الفِعْلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ يَمْكُرُونَ المَكْرَ السَّيِّئَ. وكانَ حَقُّ وصْفِ المَصْدَرِ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]“ فَلَمّا أُرِيدَ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أوْلِياءَ الشَّيْطانِ لَهم أنْواعٌ مِنَ المَكْرِ عُدِلَ عَنِ الإفْرادِ إلى الجَمْعِ، وأُتِيَ بِهِ جَمْعَ مُؤَنَّثٍ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الفَعَلاتِ مِنَ المَكْرِ، فَكُلُّ واحِدَةٍ مِن مَكْرِهِمْ هي سَيِّئَةٌ، كَما جاءَ ذَلِكَ في لَفْظِ (صالِحَةٍ) كَقَوْلِ جَرِيرٍ: كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي أيْ صالِحاتٌ كَثِيرَةٌ، وأنْواعُ مَكَراتِهِمْ هي ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]“ . والتَّعْرِيفُ في السَّيِّئاتِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ عِلَّةٌ فِيما يَرِدُ بَعْدَها مِنَ الحُكْمِ، أيْ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ جَزاءَ مَكْرِهِمْ. وعُبِّرَ بِالمُضارِعِ في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ مَكْرِهِمْ واسْتِمْرارِهِ وأنَّهُ دَأْبُهم وهِجِّراهم. ولَمّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ عَلى مَكْرِهِمْ أنْبَأهم أنَّ مَكْرَهم لا يَرُوجُ ولا يَنْفِقُ وأنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ فَلا يَنْتَفِعُونَ مِنهُ في الدُّنْيا، ويُضَرُّونَ بِسَبَبِهِ في الآخِرَةِ فَقالَ ”﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾“ . صفحة ٢٧٥ وعُبِّرَ عَنْهم بِاسْمِ الإشارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، فَيُكَنّى بِذَلِكَ عَنْ تَمْيِيزِ المَكْرِ المُضافِ إلَيْهِمْ ووُضُوحِهِ في عِلْمِ اللَّهِ وعِلْمِ رَسُولِهِ ﷺ بِما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنهُ، فَكَأنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ وإلى مَكْرِهِمْ بِاسْمِ إشارَةٍ واحِدٍ عَلى سَبِيلِ الإيجازِ. والضَّمِيرُ المُتَوَسِّطُ بَيْنَ ”مَكْرِ أُولَئِكَ“ وبَيْنَ ”يَبُورُ“ ضَمِيرُ فَصْلٍ إذْ لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]“ . والرّاجِحُ مِن أقْوالِ النُّحاةِ قَوْلُ المازِنِيِّ: أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ يَلِيهِ الفِعْلُ المُضارِعُ، وحُجَّتُهُ قَوْلُهُ ”﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾“ دُونَ غَيْرِ المُضارِعِ، ووافَقَهُ عَبْدُ القاهِرِ الجُرْجانِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وخالَفَهُما أبُو حَيّانَ وقالَ: لَمْ يَذْهَبْ أحَدٌ إلى ذَلِكَ فِيما عَلِمْنا. وأقُولُ: إنَّ وجْهَ وُقُوعِ الفِعْلِ المُضارِعِ بَعْدَ ضَمِيرِ الفَصْلِ أنَّ المُضارِعَ يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ فَإذا اقْتَضى المَقامُ إرادَةَ إفادَةِ التَّجَدُّدِ في حُصُولِ الفِعْلِ مِن إرادَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ في حُصُولِ النِّسْبَةِ الحِكْمِيَّةِ لَمْ يَكُنْ إلى البَلِيغِ سَبِيلٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ القَصْدَيْنِ إلّا أنْ يَأْتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِيُفِيدَ الثَّباتَ والتَّقْوِيَةَ لِتَعَذُّرِ إفادَةِ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ”وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“، فالفَصْلُ هُنا يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ مَكْرُهم يَبُورُ دُونَ غَيْرِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ غَيْرَهُ هُنا تَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ يَمْكُرُ بِهِمْ مَكْرًا يُصِيبُ المَحَزَّ مِنهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]“ والبَوارُ حَقِيقَتُهُ: كَسادُ التِّجارَةِ وعَدَمُ نَفاقِ السِّلْعَةِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِخَيْبَةِ العَمَلِ بِوَجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَ ما دَبَّرُوهُ مِنَ المَكْرِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى إصابَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِضُرٍّ وبَيْنَ ما يُنَمِّقُهُ التّاجِرُ، وما يُخْرِجُهُ مِن عِيابِهِ، ويَرْصِفُهُ عَلى مَبْناتِهِ وسَطَ اللَّطِيمَةِ مَعَ السِّلَعِ لِاجْتِلابِ شَرَهِ المُشْتَرِينَ. ثُمَّ لا يُقْبِلُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّوقِ فَيَرْجِعُ مِن لَطِيمَتِهِ لَطِيمَ كَفِّ الخَيْبَةِ، فارِغَ الكَفِّ والعَيْبَةِ.

فاطر 35:11

﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾ هَذا عَوْدٌ إلى سَوْقِ دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةٍ عَلَيْها مِن أنْفُسِ النّاسِ بَعْدَ أنْ قُدِّمَ لَهم ما هو مِن دَلالَةِ الآفاقِ بِقَوْلِهِ ”﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩]“ . فَهَذا كَقَوْلِهِ: صفحة ٢٧٦ ”﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]“ وقَوْلِهِ ”﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١]“ فابْتَدَأهم بِتَذْكِيرِهِمْ بِأصْلِ التَّكْوِينِ الأوَّلِ مِن تُرابٍ وهو ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ لَدى جَمِيعِ البَشَرِ مِن أنَّ أصْلَهم وهو البَشَرُ الأوَّلُ، خُلِقَ مِن طِينٍ فَصارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً مُقَرَّرَةً في عِلْمِ البَشَرِ وهي مِمّا يُعَبَّرُ عَنْهُ في المَنطِقِ بِالأُصُولِ المَوْضُوعَةِ القائِمَةِ مَقامَ المَحْسُوساتِ. ثُمَّ اسْتَدْرَجَهم إلى التَّكْوِينِ الثّانِي بِدَلالَةِ خَلْقِ النَّسْلِ مِن نُطْفَةٍ، وذَلِكَ عِلْمٌ مُسْتَقِرٌّ في النُّفُوسِ، وذَلِكَ بِمُشاهَدَةِ الحاضِرِ وقِياسِ الغائِبِ عَلى المُشاهَدِ، فَكَما يَجْزِمُ المَرْءُ بِأنَّ نَسْلَهُ خُلِقَ مِن نُطْفَتِهِ يَجْزِمُ بِأنَّهُ خُلِقَ مِن نُطْفَةِ أبَوَيْهِ، وهَكَذا يَصْعَدُ إلى تَخَلُّقِ أبْناءِ آدَمَ وحَوّاءَ. والنُّطْفَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الكهف: ٣٧]“ في سُورَةِ الكَهْفِ. وقَوْلُهُ ”﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾“ يُشِيرُ إلى حالَةٍ في التَّكْوِينِ الثّانِي وهو شَرْطُهُ مِنَ الِازْدِواجِ. فَـ ”ثُمَّ“ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ فَهي دالَّةٌ عَلى التَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ الَّذِي هو أهَمُّ في الغَرَضِ أعْنِي دَلالَةَ التَّكْوِينِ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ الخالِقِ سُبْحانَهُ فَذَلِكَ مُوَزَّعٌ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ”ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ“ . والمَعْنى: ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ وقَدْ جَعَلَكم أزْواجًا لِتَرْكِيبِ تِلْكَ النُّطْفَةِ، فالِاسْتِدْلالُ بِدِقَّةِ صُنْعِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ. وفِيها غُنْيَةٌ عَنِ النَّظَرِ في تَأمُّلِ صُنْعِ بَقِيَّةِ الحَيَوانِ. والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو الَّذِي يَصِيرُ بِانْضِمامِ الفَرْدِ إلَيْهِ زَوْجًا، أيْ شافِعًا، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى صِنْفِ الذُّكُورِ مَعَ صِنْفِ الإناثِ لِاحْتِياجِ الفَرْدِ الذَّكَرِ مِن كُلِّ صِنْفٍ إلى أُنْثاهُ مِن صِنْفِهِ والعَكْسِ. * * * ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ بِما في بَدْءِ التَّكْوِينِ الثّانِي مِنَ التَّلاقُحِ بَيْنَ النُّطْفَتَيْنِ اسْتِدْلالٌ بِما يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ العارِضَةِ لِلنُّطْفَةِ في الرَّحِمِ وهو أطْوارُ الحَمْلِ مِن أوَّلِهِ إلى الوَضْعِ. صفحة ٢٧٧ وأُدْمِجَ في ذَلِكَ دَلِيلُ التَّنْبِيهِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالكائِناتِ الخَفِيَّةِ والظّاهِرَةِ، ولِكَوْنِ العِلْمِ بِالخَفِيّاتِ أعْلى قُدِّمَ ذِكْرُ الحَمْلِ عَلى ذِكْرِ الوَضْعِ، والمَقْصُودُ مِن عَطْفِ الوَضْعِ أنْ يَدْفَعَ تَوَهُّمَ وُقُوفِ العِلْمِ عِنْدَ الخَفِيّاتِ الَّتِي هي مِنَ الغَيْبِ دُونَ الظَّواهِرِ بِأنْ يَشْتَغِلَ عَنْها بِتَدْبِيرِ خَفِيّاتِها كَما هو شَأْنُ كُبَراءِ العُلَماءِ مِن الخَلْقِ، ولِظُهُورِ اسْتِحالَةِ تَوَجُّهِ إرادَةِ الخَلْقِ نَحْوَ مَجْهُولٍ عِنْدَ مُرِيدِهِ. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ. * * * ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لا جَرَمَ أنَّ الحَدِيثَ عَنِ التَّكْوِينِ يَسْتَتْبِعُ ذِكْرَ المَوْتِ المَكْتُوبِ عَلى كُلِّ بَشَرٍ فَجاءَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ الآجالَ والأعْمارَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ الإلَهِيِّ. والتَّعْمِيرُ: جَعْلُ الإنْسانِ عامِرًا، أيْ باقِيًا في الحَياةِ، فَإنَّ العَمْرَ هو مُدَّةُ الحَياةِ يُقالُ: عَمِرَ فُلانٌ كَفَرِحَ ونَصِرَ وضَرِبَ، إذا بَقِيَ زَمانًا، فَمَعْنى عَمَّرَهُ بِالتَّضْعِيفِ: جَعَلَهُ باقِيًا مُدَّةً زائِدَةً عَلى المُدَّةِ المُتَعارَفَةِ في أعْمارِ الأجْيالِ، ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالنَّقْصِ مِنَ العُمُرِ، ولِذَلِكَ لا يُوصَفُ بِالتَّعْمِيرِ صاحِبُهُ إلّا بِالمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَيُقالُ: عُمِّرَ فُلانٌ فَهو مُعَمَّرٌ. وقَدْ غَلَبَ في هَذِهِ الأجْيالِ أنْ يَكُونَ المَوْتُ بَيْنَ السِّتِّينَ والسَّبْعِينَ فَما بَيْنَهُما، فَهو عُمُرٌ مُتَعارَفٌ، والمُعَمَّرُ الَّذِي يَزِيدُ عُمُرُهُ عَلى السَّبْعِينَ، والمَنقُوصُ عُمُرُهُ الَّذِي يَمُوتُ دُونَ السِّتِّينَ ولِذَلِكَ كانَ أرْجَحُ الأقْوالِ في تَعْمِيرِ المَفْقُودِ عِنْدَ فُقَهاءِ المالِكِيَّةِ هو الإبْلاغَ بِهِ سَبْعِينَ سَنَةً مِن تارِيخِ وِلادَتِهِ ووَقَعَ القَضاءُ في تُونُسَ بِأنَّهُ ما تَجاوَزَ ثَمانِينَ سَنَةً، قالُوا لِأنَّ الَّذِينَ يَعِيشُونَ إلى ثَمانِينَ غَيْرُ قَلِيلٍ فَلا يَنْبَغِي الحُكْمُ بِاعْتِبارِ المَفْقُودِ مَيِّتًا إلّا بَعْدَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المِيراثُ ولا مِيراثَ بِشَكٍّ، ولِأنَّهُ بَعْدَ الحُكْمِ بِاعْتِبارِهِ مَيِّتًا تُزَوَّجُ امْرَأتُهُ، وشَرْطُ صِحَّةِ التَّزَوُّجِ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ خَلِيَّةً مِن عِصْمَةٍ، ولا يَصِحُّ إعْمالُ الشَّرْطِ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ. وهو تَخْرِيجٌ فِيهِ نَظَرٌ. وضَمِيرُ ”مِن عُمُرِهِ“ عائِدٌ إلى ”مُعَمَّرٍ“ عَلى تَأْوِيلِ ”مُعَمَّرٍ“ بِـ (أحَدٍ) كَأنَّهُ صفحة ٢٧٨ قِيلَ: وما يُعَمَّرُ مِن أحَدٍ ولا يُنْقَصُ عُمُرُهُ، أيْ عُمُرُ أحَدٍ وآخَرَ. وهَذا كَلامٌ جارٍ عَلى التَّسامُحِ في مِثْلِهِ في الِاسْتِعْمالِ واعْتِمادًا عَلى أنَّ السّامِعِينَ يَفْهَمُونَ المُرادَ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]“ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَنْقَلِبُ المَيِّتُ وارِثًا لِمَن قَدْ ورِثَهُ ولا وارِثٌ مَيِّتًا مَوْرُوثًا لِوارِثِهِ. والكِتابُ كِنايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَغِيبُ عَنْهُ مَعْلُومٌ كَما أنَّ الشَّيْءَ المَكْتُوبَ لا يُزادُ فِيهِ ولا يُنْقَصُ، ويَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَوْجُوداتٍ هي كالكُتُبِ تُسَطَّرُ فِيها الآجالُ مُفَصَّلَةً وذَلِكَ يَسِيرٌ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى. ولِذَلِكَ قالَ: ”﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾“ أيْ لا يَلْحَقُهُ مِن هَذا الضَّبْطِ عُسْرٌ ولا كَدٌّ. وقَدْ ورَدَ هُنا الإشْكالُ العامُّ النّاشِئُ عَنِ التَّعارُضِ بَيْنَ أدِلَّةِ جَرَيانِ كُلِّ شَيْءٍ عَلى ما هو سابِقٌ في عِلْمِ اللَّهِ في الأزَلِ، وبَيْنَ إضافَةِ الأشْياءِ إلى أسْبابٍ وطَلَبِ اكْتِسابِ المَرْغُوبِ مِن تِلْكَ الأسْبابِ واجْتِنابِ المَكْرُوهِ مِنها فَكَيْفَ يَثْبُتُ في هَذِهِ الآيَةِ لِلْأعْمارِ زِيادَةٌ ونَقْصٌ مَعَ كَوْنِها في كِتابٍ وعِلْمٍ لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ. وكَيْفَ يُرَغَّبُ بِالصَّدَقَةِ مَثَلًا أنَّها تَزِيدُ في العُمُرِ، وأنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُطِيلُ في العُمُرِ. والمُخَلِّصُ مِن هَذا ونَحْوِهِ هو القاعِدَةُ الأصْلِيَّةُ الفارِقَةُ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى وبَيْنَ كَوْنِهِ مُرادًا، فَإنَّ العِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالأشْياءِ المَوْجُودَةِ والمَعْدُومَةِ، والإرادَةُ تَتَعَلَّقُ بِإيجادِ الأشْياءِ عَلى وفْقِ العِلْمِ بِأنَّها تُوجَدُ، فالنّاسُ مُخاطَبُونَ بِالسَّعْيِ لِما تَتَعَلَّقُ بِهِ الإرادَةُ فَإذا تَعَلَّقَتِ الإرادَةُ بِالشَّيْءِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ عَلِمَ وُقُوعَهُ، وما تَصَرُّفاتُ النّاسِ ومَساعِيهِمْ إلّا أماراتٌ عَلى ما عَلِمَهُ اللَّهُ لَهم، فَصَدَقَةُ المُتَصَدِّقِ أمارَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ تَعْمِيرَهُ، واللَّهُ تَعالى يُظْهِرُ مَعْلُوماتِهِ في مَظاهِرِ تَكْرِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ لِيَتِمَّ النِّظامُ الَّذِي أسَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذا العالَمَ ويَلْتَئِمُ جَمِيعُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن هَذا التَّكْوِينِ عَلى وُجُوهٍ لا يُخِلُّ بَعْضُها بِبَعْضٍ وكُلُّ ذَلِكَ مُقْتَضى الحِكْمَةِ العالِيَةِ. ولا مُخَلِّصَ مِن هَذا الإشْكالِ إلّا هَذا الجَوابُ وجَمِيعُ ما سِواهُ وإنْ أقْنَعَ ابْتِداءً فَمَآلُهُ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ الإشْكالُ.

فاطر 35:12

صفحة ٢٧٩ ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالأحْوالِ في الأجْواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما عَلى الأرْضِ مِن بِحارٍ وأنْهارٍ وما في صِفاتِها مِن دَلالَةٍ زائِدَةٍ عَلى دَلالَةِ وُجُودِ أعْيانِها، عَلى عِظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى، فَصِيغَ هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعٍ إذِ اقْتُصِرَ فِيهِ عَلى التَّنْبِيهِ عَلى الحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ في المَخْلُوقاتِ وهي نامُوسُ تَمايُزِها بِخَصائِصَ مُخْتَلِفَةٍ واتِّحادِ أنْواعِها في خَصائِصَ مُتَماثِلَةٍ اسْتِدْلالًا عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ”تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ“ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ البَحْرَيْنِ أنْفُسِهِما لِأنَّ ذِكْرَ اخْتِلافِ مَذاقِهِما يَسْتَلْزِمُ تَذَكُّرَ تَكْوِينِهِما. فالتَّقْدِيرُ: وخَلَقَ البَحْرَيْنِ العَذْبَ والأُجاجَ عَلى صُورَةٍ واحِدَةٍ وخالَفَ بَيْنَ أعْراضِها، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ، وإنَّما قُدِّمَ مِن هَذا الكَلامِ تَفاوُتُ البَحْرَيْنِ في المَذاقِ واقْتُصِرَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأفانِينِ الدَّلائِلِ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وفِي الكَشّافِ: ضَرَبَ البَحْرِينِ العَذْبَ والمالِحَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ قالَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ في صِفَةِ البَحْرَيْنِ وما عُلِّقَ بِهِما مِن نِعْمَتِهِ وعَطائِهِ ”ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا“ . والبَحْرُ في كَلامِ العَرَبِ: اسْمٌ لِلْماءِ الكَثِيرِ القارِّ في سَعَةٍ، فالفُراتُ والدِّجْلَةُ بَحْرانِ عَذْبانِ وبَحْرُ خَلِيجِ العَجَمِ مِلْحٌ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البَحْرَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣]“ في سُورَةِ الفُرْقانِ وقَدِ اتَّحَدا في إخْراجِ الحِيتانِ والحِلْيَةِ، أيِ اللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ، وهُما يُوجَدُ أجْوَدُهُما في بَحْرِ العَجَمِ حَيْثُ مَصَبُّ النَّهْرَيْنِ ولِماءِ النَّهْرَيْنِ العَذْبِ واخْتِلاطِهِ بِماءِ البَحْرِ المالِحِ أثَرٌ في جَوْدَةِ اللُّؤْلُؤِ كَما بَيَّنّاهُ فِيما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ، فَقَوْلُهُ ”﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾“ كُلِّيَّةٌ، وقَوْلُهُ ”﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾“ كُلٌّ لا كُلِّيَّةٌ لِأنَّ مِن مَجْمُوعِها تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً. وكَلِمَةُ ”كُلٍّ“ صالِحَةٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، فَعَطْفُ ”وتَسْتَخْرِجُونَ“ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. صفحة ٢٨٠ فالِاخْتِلافُ بَيْنَ البَحْرِينِ بِالعُذُوبَةِ والمُلُوحَةِ دَلِيلٌ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ. والتَّخالُفُ في بَعْضِ مُسْتَخْرَجاتِهِما والتَّماثُلُ في بَعْضِها دَلِيلٌ آخَرُ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ وهَذا مِن أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ. والعَذْبُ: الحُلْوُ حَلاوَةً مَقْبُولَةً في الذَّوْقِ. والمِلْحُ بِكَسْرِ المِيمِ: الشَّيْءُ المَوْصُوفُ بِالمُلُوحَةِ بِذاتِهِ لا بِإلْقاءِ مِلْحٍ فِيهِ، فَأمّا الشَّيْءُ الَّذِي يُلْقى فِيهِ المِلْحُ حَتّى يَكْتَسِبَ مُلُوحَةً فَإنَّما يُقالُ لَهُ: مالِحٌ، ولا يُقالُ: مِلْحٌ. ومَعْنى ”﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾“ أنَّ شُرْبَهُ لا يُكَلِّفُ النَّفْسَ كَراهَةً، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الإساغَةِ وهي اسْتِطاعَةُ ابْتِلاعِ المَشْرُوبِ دُونَ غُصَّةٍ ولا كُرْهٍ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْرُبَ: فَساغَ لِيَ الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلُ أكادُ أغُصُّ بِالماءِ الحَمِيمِ والأُجاجُ: الشَّدِيدُ المُلُوحَةِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ البَحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]“ في سُورَةِ الأنْعامِ، وبَقِيَّةُ الآيَةِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ ”﴿فِيهِ مَواخِرَ﴾“ عَلى عَكْسِ آيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَسُوقَةٌ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ عَلى دَقِيقِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في المَخْلُوقاتِ وأُدْمِجَ فِيهِ الِامْتِنانُ بِقَوْلِهِ ”يَأْكُلُونَ“ . ”﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾“ وقَوْلِهِ ”﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾“ فَكانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن سِياقِها الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ فَهو الأهَمُّ هُنا. ولَمّا كانَ طَفْوُ الفُلْكِ عَلى الماءِ حَتّى لا يَغْرَقَ فِيهِ أظْهَرَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ مِنَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ النِّعْمَةِ والِامْتِنانِ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو الظَّرْفِيَّةُ في البَحْرِ. والمَخْرُ في البَحْرِ آيَةُ صُنْعِ اللَّهِ أيْضًا بِخَلْقِ وسائِلِ ذَلِكَ والإلْهامِ لَهُ، إلّا أنَّ خُطُورَةَ السَّفَرِ مِن ذَلِكَ الوَصْفِ أوْ ما يَتَبادَرُ إلى الفَهْمِ فَأُخِّرَ هُنا لِأنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الغَرَضِ لا مِن مَقْصِدِهِ، فَهو يَسْتَتْبِعُ نِعْمَةَ تَيْسِيرِ الأسْفارِ لِقَطْعِ المَسافاتِ الَّتِي لَوْ قُطِعَتْ بِسَيْرِ القَوافِلِ لَطالَتْ مُدَّةُ الأسْفارِ. ومِن هُنا يَلْمَعُ بارِقُ الفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ سُورَةِ النَّحْلِ في كَوْنِ فِعْلِ ”لِتَبْتَغُوا“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ بِالواوِ هُنا ومَعْطُوفًا نَظِيرُهُ في آيَةِ النَّحْلِ لِأنَّ الِابْتِغاءَ عُلِّقَ صفحة ٢٨١ هُنا بِـ ”مَواخِرَ“ إيقافًا عَلى الغَرَضِ مِن تَقْدِيمِ الظَّرْفِ، وفي آيَةِ النَّحْلِ ذُكِرَ المَخْرُ في عِدادِ الِامْتِنانِ لِأنَّ بِهِ تَيْسِيرَ الأسْفارِ، ثُمَّ فُصِلَ بَيْنَ ”مَواخِرَ“ وعِلَّتِهِ بِظَرْفِ ”فِيهِ“، فَصارَ ما يُومِئُ إلَيْهِ الظَّرْفُ فَصْلًا بِغَرَضٍ أُدْمِجَ إدْماجًا وهو الِاسْتِدْلالُ عَلى عَظِيمِ الصُّنْعِ بِطَفْوِ الفُلْكِ عَلى الماءِ، فَلَمّا أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنهُ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وهو العَوْدُ إلى الِامْتِنانِ بِالمَخْرِ لِنِعْمَةِ التِّجارَةِ في البَحْرِ عُطِفَ المُغايِرُ في الغَرَضِ.

فاطر 35:13

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِدْلالٌ عَلَيْهِمْ بِما في مَظاهِرِ السَّماواتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ في أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ لِيَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ أنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ لُقْمانَ، سِوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ فِيها ”﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ فَعُدِّيَ فِعْلُ ”يَجْرِي“ بِاللّامِ وجِيءَ في آيَةِ سُورَةِ لُقْمانَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَجْرِي“ بِحَرْفِ ”إلى“، فَقِيلَ اللّامُ تَكُونُ بِمَعْنى ”إلى“ في الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِهاءِ، فالمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ في النَّظْمِ. وهَذا أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ ورَدَّهُ أغْلَظَ رَدٍّ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن تَعاقُبِ الحَرْفَيْنِ، ولا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلّا بَلِيدُ الطَّبْعِ ضَيِّقُ العَطَنِ، ولَكِنَّ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي الِانْتِهاءَ والِاخْتِصاصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُلائِمٌ لِصِحَّةِ الغَرَضِ لِأنَّ قَوْلَكَ: يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْناهُ يَبْلُغُهُ، وقَوْلَهُ ”﴿يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ تُرِيدُ لِإدْراكِ أجَلٍ اهـ. وجُعِلَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيْ ويَجْرِي لِأجْلِ أجَلٍ، أيْ لِبُلُوغِهِ واسْتِيفائِهِ، والِانْتِهاءُ والِاخْتِصاصُ كُلٌّ مِنهُما مُلائِمٌ لِلْغَرَضِ، أيْ فَمَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ وإنْ كانَ طَرِيقُهُ مُخْتَلِفًا، يَعْنِي فَلا يُعَدُّ الِانْتِهاءُ مَعْنًى لِلّامِ كَما فَعَلَ ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ، وهو وإنْ كانَ يَرْمِي إلى تَحْقِيقِ الفَرْقِ بَيْنَ مَعانِي الحُرُوفِ وهو ما نَمِيلُ إلَيْهِ إلّا أنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُنْكِرَ كَثْرَةَ وُرُودِ اللّامِ في مَقامِ مَعْنى الِانْتِهاءِ كَثْرَةً جَعَلَتِ اسْتِعارَةَ حَرْفِ التَّخْصِيصِ لِمَعْنى الِانْتِهاءِ مِنَ الكَثْرَةِ إلى مُساوِيهِ لِلْحَقِيقَةِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ يُرِيدُ أنَّ الأجَلَ هُنا هو أجَلُ كُلِّ إنْسانٍ، أيْ عُمُرُهُ وأنَّ الأجَلَ في سُورَةِ لُقْمانَ هو أجَلُ بَقاءِ هَذا العالَمِ. وهُوَ عَلى الِاعْتِبارَيْنِ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَّرَهم صفحة ٢٨٢ بِأنَّ لِأعْمارِهِمْ نِهايَةً تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ الإنْذارُ والوَعِيدُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ”﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، واقْتِلاعُ الطُّغْيانِ والكِبْرِياءِ مِن نُفُوسِهِمْ. ويُرِيدُ ذَلِكَ أنَّ مُعْظَمَ الخِطابِ في هَذِهِ الآيَةِ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَها“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ”وفي سُورَةِ لُقْمانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ عامٌّ لِكُلِّ مُخاطَبٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَكانَ إدْماجُ التَّذْكِيرِ فِيهِ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ انْتِهاءً أنْسَبَ بِالجَمِيعِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُرْغَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ البَعْثِ لِأنَّ نِهايَةَ هَذا العالَمِ ابْتِداءٌ لِعالَمٍ آخَرَ. * * * ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الأدِلَّةِ بَعْدَ تَفْصِيلِها. واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى مَن جَرَتْ عَلَيْهِ الصِّفاتُ والأخْبارُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ“ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] ”الآياتِ، فَكانَ اسْمُهُ حَرِيًّا بِالإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ إجْراءِ تِلْكَ الصِّفاتِ إذْ بِذِكْرِها يَتَمَيَّزُ عِنْدَ السّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهِدٌ لِأبْصارِهِمْ مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، ومَعَ ما يَقْتَضِيهِ إيرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ أوْصافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ فَأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ صاحِبُ الِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ الَّذِي لا يَجْهَلُونَهُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ رَبُّ الخَلائِقِ بَعْدَ أنْ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ ما لا قِبَلَ لَهم بِإنْكارِهِ مِن أنَّهُ الَّذِي خَلَقَهم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، وأنْ خَلَقَهم مِن تُرابٍ، وقَدَّرَ آجالَهم وأوْجَدَ ما هو أعْظَمُ مِنهم مِنَ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَهو الرَّبُّ دُونَ غَيْرِهِ وهو الَّذِي المُلْكُ والسُّلْطانُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ أفادَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى“ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ ”، فانْتَهِضِ الدَّلِيلَ. صفحة ٢٨٣ وعُطِفَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ أصْنامَهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ المُلْكِ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا وهو المُمَثَّلُ بِالقِطْمِيرِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ كالخَيْطِ الدَّقِيقِ. فالمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا، فَكَوْنُهم لا يَمْلِكُونَ أعْظَمَ مِنَ القِطْمِيرِ مَعْلُومٌ بِفَحْوى الخِطابِ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِالمُشاهَدَةِ فَإنَّ أصْنامَهم حِجارَةٌ جاثِمَةٌ لا تَمْلِكُ شَيْئًا بِتَكَسُّبٍ ولا تَحُوزُهُ بِهِبَةٍ، فَإذا انْتَفى أنَّها تَمْلِكُ شَيْئًا انْتَفى عَنْها وصْفُ الإلَهِيَّةِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَنُفِيَ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم. وجُمْلَةُ“ ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾ ”خَبَرٌ ثانٍ عَنِ“ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِهِ ”، والمَقْصِدُ مِنها تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ إلى عَجْزِ أصْنامِهِمْ بِأنَّها لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَسْمَعُ مِنهم فَلِذَلِكَ كانُوا يُكَلِّمُونَها ويُوَجِّهُونَ إلَيْها مَحامِدَهم ومَدائِحَهم، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الخَبَرِ وهي جُمْلَةُ“ ﴿ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ ”فَإنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ“ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ ”، ولَيْسَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، أيْ ولَوْ سَمِعُوا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ومُجاراةِ مَزاعِمِكم حِينَ تَدَّعُونَها فَإنَّها لا تَسْتَجِيبُ لِدَعْوَتِكم، أيْ لا تُرَدُّ عَلَيْكم بِقَبُولٍ، وهَذا اسْتِدْلالٌ سَنَدُهُ المُشاهَدَةُ، فَطالَما دَعَوُا الأصْنامَ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنها جَوابًا وطالَما دَعَوْها فَلَمْ يَحْصُلْ ما دَعَوْها لِتَحْصِيلِهِ مَعَ أنَّها حاضِرَةٌ بِمَرْأًى مِنهم غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ، فَعَدَمُ إجابَتِها دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تَسْمَعُ، لِأنَّ شَأْنَ العَظِيمِ أنْ يَسْتَجِيبَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ في مَرْضاتِهِ، فَقَدْ لَزِمَهم إمّا عَجْزُها وإمّا أنَّها لا تَفْقَهُ إذْ لَيْسَ في أوْلِيائِها مَغْمَزٌ بِأنَّهم غَيْرُ مُرْضَيْنَ لِهَذا. وهَذا مِن أبْدَعِ الِاسْتِدْلالِ المُوَطَّأِ بِمُقَدِّمَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْها. وقَوْلُهُ“ ما اسْتَجابُوا ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ المُنادِي بِكَلِماتِ الجَوابِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ السّائِلِ بِتَنْوِيلِهِ ما سَألَهُ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ. ولَمّا كُشِفَ حالُ الأصْنامِ في الدُّنْيا بِما فِيهِ تَأْيِيسٌ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِها فِيها كَمُلَ كَشْفُ أمْرِها في الآخِرَةِ؛ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ يُنْطِقُها اللَّهُ فَتَتَبَرَّأُ مِن شِرْكِهِمْ، أيْ تَتَبَرَّأُ مِن أنْ تَكُونَ دَعَتْ لَهُ أوْ رَضِيَتْ بِهِ. صفحة ٢٨٤ والكُفْرُ: جُحْدٌ في كَراهَةٍ. والشِّرْكُ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ، أيْ بِشِرْكِكم إيّاهم في الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ مَوْصُولُ العاقِلِ وضَمائِرُ العُقَلاءِ“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ ”إلى قَوْلِهِ“ ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ”عَلى تَنْزِيلِ الأصْنامِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ مُجاراةً لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ. وقَوْلُهُ“ ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ”تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّ المُخْبِرَ بِها هو الخَبِيرُ بِها وبِغَيْرِها ولا يُخْبِرُكَ أحَدٌ مِثْلَ ما يُخْبِرُكَ هو. وعَبَّرَ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِأنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ عَنْ حَدَثٍ خَطِيرٍ مُهِمٍّ. والخِطابُ في قَوْلِهِ يُنَبِّئُكَ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ هَذا الكَلامِ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أُرْسِلَتْ مُرْسَلَ الأمْثالِ فَلا يَنْبَغِي تَخْصِيصُ مَضْمُونِها بِمُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ. وخَبِيرٌ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن خَبُرَ - بِضَمِّ الباءِ - فُلانٌ الأمْرَ، إذا عَلِمَهُ عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ. والمُرادُ بِـ“ خَبِيرٍ ”جِنْسُ الخَبِيرِ، فَلَمّا أرْسَلَ هَذا القَوْلَ مَثَلًا وكانَ شَأْنُ الأمْثالِ أنْ تَكُونَ مُوجَزَةً صِيغَ عَلى أُسْلُوبِ الإيجازِ فَحُذِفَ مِنهُ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ“ يُنَبِّئُ ”ومُتَعَلِّقُ وصْفِ“ خَبِيرٍ ”، ولَمْ يُذْكَرْ وجْهُ المُماثَلَةِ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ. وجُعِلَ“ خَبِيرٍ ”نَكِرَةً مَعَ أنَّ المُرادَ خَبِيرٌ مُعَيَّنٌ وهو المُتَكَلِّمُ فَكانَ حَقُّهُ التَّعْرِيفَ، فَعُدِلَ إلى تَنْكِيرِهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ إضافَةَ كَلِمَةِ“ مِثْلُ ”إلى“ خَبِيرٍ ”لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا. وجُعِلَ نَفْيُ فِعْلِ الإنْباءِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُنْبِئِ. ولَعَلَّ التَّرْكِيبَ: ولا يُوجَدُ أحَدٌ يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ يُماثِلُ هَذا الخَبِيرَ الَّذِي أنْبَأكَ بِهِ، فَإذا أرْدَفَ مُخْبِرٌ خَبَرَهُ بِهَذا المَثَلِ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ المُخْبِرِ بِالخَبَرِ المَخْصُوصِ يُرِيدُ بِـ“ خَبِيرٍ " نَفْسَهُ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ مَعْنى هَذا المَثَلِ وبَيْنَ تَمَثُّلِ المُتَكَلِّمِ مِنهُ. فالمَعْنى: ولا يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ مِثْلِي لِأنِّي خَبِرْتُهُ، فَهَذا تَأْوِيلُ هَذا التَّرْكِيبِ. والمِثْلُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ المُساوِي، إمّا في قَدْرٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى ضَعْفٍ، وإمّا المُساوِي في صِفَةٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى شَبِيهٍ وهو بِوَزْنِ فِعْلٍ وهو قَلِيلٌ. ومِنهُ قَوْلُهم: شِبْهٌ، ونِدٌّ، وخِدْنٌ.

فاطر 35:14

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ اسْتِدْلالٌ عَلَيْهِمْ بِما في مَظاهِرِ السَّماواتِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ في أعْظَمِ المَخْلُوقاتِ لِيَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ أنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ لُقْمانَ، سِوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ فِيها ”﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ فَعُدِّيَ فِعْلُ ”يَجْرِي“ بِاللّامِ وجِيءَ في آيَةِ سُورَةِ لُقْمانَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”يَجْرِي“ بِحَرْفِ ”إلى“، فَقِيلَ اللّامُ تَكُونُ بِمَعْنى ”إلى“ في الدَّلالَةِ عَلى الِانْتِهاءِ، فالمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ في النَّظْمِ. وهَذا أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ ورَدَّهُ أغْلَظَ رَدٍّ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن تَعاقُبِ الحَرْفَيْنِ، ولا يَسْلُكُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ إلّا بَلِيدُ الطَّبْعِ ضَيِّقُ العَطَنِ، ولَكِنَّ المَعْنَيَيْنِ أعْنِي الِانْتِهاءَ والِاخْتِصاصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُلائِمٌ لِصِحَّةِ الغَرَضِ لِأنَّ قَوْلَكَ: يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى مَعْناهُ يَبْلُغُهُ، وقَوْلَهُ ”﴿يَجْرِي لِأجَلٍ﴾“ تُرِيدُ لِإدْراكِ أجَلٍ اهـ. وجُعِلَ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ أيْ ويَجْرِي لِأجْلِ أجَلٍ، أيْ لِبُلُوغِهِ واسْتِيفائِهِ، والِانْتِهاءُ والِاخْتِصاصُ كُلٌّ مِنهُما مُلائِمٌ لِلْغَرَضِ، أيْ فَمَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ وإنْ كانَ طَرِيقُهُ مُخْتَلِفًا، يَعْنِي فَلا يُعَدُّ الِانْتِهاءُ مَعْنًى لِلّامِ كَما فَعَلَ ابْنُ مالِكٍ وابْنُ هِشامٍ، وهو وإنْ كانَ يَرْمِي إلى تَحْقِيقِ الفَرْقِ بَيْنَ مَعانِي الحُرُوفِ وهو ما نَمِيلُ إلَيْهِ إلّا أنَّنا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نُنْكِرَ كَثْرَةَ وُرُودِ اللّامِ في مَقامِ مَعْنى الِانْتِهاءِ كَثْرَةً جَعَلَتِ اسْتِعارَةَ حَرْفِ التَّخْصِيصِ لِمَعْنى الِانْتِهاءِ مِنَ الكَثْرَةِ إلى مُساوِيهِ لِلْحَقِيقَةِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الزَّمَخْشَرِيُّ يُرِيدُ أنَّ الأجَلَ هُنا هو أجَلُ كُلِّ إنْسانٍ، أيْ عُمُرُهُ وأنَّ الأجَلَ في سُورَةِ لُقْمانَ هو أجَلُ بَقاءِ هَذا العالَمِ. وهُوَ عَلى الِاعْتِبارَيْنِ إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَّرَهم صفحة ٢٨٢ بِأنَّ لِأعْمارِهِمْ نِهايَةً تَذْكِيرًا مُرادًا بِهِ الإنْذارُ والوَعِيدُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ”﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، واقْتِلاعُ الطُّغْيانِ والكِبْرِياءِ مِن نُفُوسِهِمْ. ويُرِيدُ ذَلِكَ أنَّ مُعْظَمَ الخِطابِ في هَذِهِ الآيَةِ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ بَعْدَها“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ”وفي سُورَةِ لُقْمانَ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ أوْ عامٌّ لِكُلِّ مُخاطَبٍ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَكانَ إدْماجُ التَّذْكِيرِ فِيهِ بِأنَّ لِهَذا العالَمِ انْتِهاءً أنْسَبَ بِالجَمِيعِ لِيَسْتَعِدَّ لَهُ الَّذِينَ آمَنُوا ولِيُرْغَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى العِلْمِ بِوُجُودِ البَعْثِ لِأنَّ نِهايَةَ هَذا العالَمِ ابْتِداءٌ لِعالَمٍ آخَرَ. * * * ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الأدِلَّةِ بَعْدَ تَفْصِيلِها. واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى مَن جَرَتْ عَلَيْهِ الصِّفاتُ والأخْبارُ السّابِقَةُ مِن قَوْلِهِ“ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] ”الآياتِ، فَكانَ اسْمُهُ حَرِيًّا بِالإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ إجْراءِ تِلْكَ الصِّفاتِ إذْ بِذِكْرِها يَتَمَيَّزُ عِنْدَ السّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهِدٌ لِأبْصارِهِمْ مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِنَ البُعْدِ المُسْتَعْمَلِ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، ومَعَ ما يَقْتَضِيهِ إيرادُ اسْمِ الإشارَةِ عَقِبَ أوْصافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حَقِيقٌ بِما سَيَرِدُ بَعْدَ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ فَأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ صاحِبُ الِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ الَّذِي لا يَجْهَلُونَهُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ رَبُّ الخَلائِقِ بَعْدَ أنْ سَجَّلَ عَلَيْهِمْ ما لا قِبَلَ لَهم بِإنْكارِهِ مِن أنَّهُ الَّذِي خَلَقَهم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ، وأنْ خَلَقَهم مِن تُرابٍ، وقَدَّرَ آجالَهم وأوْجَدَ ما هو أعْظَمُ مِنهم مِنَ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَهو الرَّبُّ دُونَ غَيْرِهِ وهو الَّذِي المُلْكُ والسُّلْطانُ لَهُ لا لِغَيْرِهِ أفادَ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى“ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ ”، فانْتَهِضِ الدَّلِيلَ. صفحة ٢٨٣ وعُطِفَ عَلَيْهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ أصْنامَهم لا يَمْلِكُونَ مِنَ المُلْكِ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا وهو المُمَثَّلُ بِالقِطْمِيرِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ كالخَيْطِ الدَّقِيقِ. فالمَعْنى: لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولَوْ حَقِيرًا، فَكَوْنُهم لا يَمْلِكُونَ أعْظَمَ مِنَ القِطْمِيرِ مَعْلُومٌ بِفَحْوى الخِطابِ، وذَلِكَ حاصِلٌ بِالمُشاهَدَةِ فَإنَّ أصْنامَهم حِجارَةٌ جاثِمَةٌ لا تَمْلِكُ شَيْئًا بِتَكَسُّبٍ ولا تَحُوزُهُ بِهِبَةٍ، فَإذا انْتَفى أنَّها تَمْلِكُ شَيْئًا انْتَفى عَنْها وصْفُ الإلَهِيَّةِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَنُفِيَ ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ مِن أنَّها تَشْفَعُ لَهم. وجُمْلَةُ“ ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾ ”خَبَرٌ ثانٍ عَنِ“ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِهِ ”، والمَقْصِدُ مِنها تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ إلى عَجْزِ أصْنامِهِمْ بِأنَّها لا تَسْمَعُ، ولَيْسَ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَسْمَعُ مِنهم فَلِذَلِكَ كانُوا يُكَلِّمُونَها ويُوَجِّهُونَ إلَيْها مَحامِدَهم ومَدائِحَهم، ولَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الخَبَرِ وهي جُمْلَةُ“ ﴿ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ ”فَإنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ“ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ ”، ولَيْسَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، أيْ ولَوْ سَمِعُوا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ ومُجاراةِ مَزاعِمِكم حِينَ تَدَّعُونَها فَإنَّها لا تَسْتَجِيبُ لِدَعْوَتِكم، أيْ لا تُرَدُّ عَلَيْكم بِقَبُولٍ، وهَذا اسْتِدْلالٌ سَنَدُهُ المُشاهَدَةُ، فَطالَما دَعَوُا الأصْنامَ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنها جَوابًا وطالَما دَعَوْها فَلَمْ يَحْصُلْ ما دَعَوْها لِتَحْصِيلِهِ مَعَ أنَّها حاضِرَةٌ بِمَرْأًى مِنهم غَيْرُ مَحْجُوبَةٍ، فَعَدَمُ إجابَتِها دَلِيلٌ عَلى أنَّها لا تَسْمَعُ، لِأنَّ شَأْنَ العَظِيمِ أنْ يَسْتَجِيبَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ في مَرْضاتِهِ، فَقَدْ لَزِمَهم إمّا عَجْزُها وإمّا أنَّها لا تَفْقَهُ إذْ لَيْسَ في أوْلِيائِها مَغْمَزٌ بِأنَّهم غَيْرُ مُرْضَيْنَ لِهَذا. وهَذا مِن أبْدَعِ الِاسْتِدْلالِ المُوَطَّأِ بِمُقَدِّمَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْها. وقَوْلُهُ“ ما اسْتَجابُوا ”يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ المُنادِي بِكَلِماتِ الجَوابِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى إجابَةِ السّائِلِ بِتَنْوِيلِهِ ما سَألَهُ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ. ولَمّا كُشِفَ حالُ الأصْنامِ في الدُّنْيا بِما فِيهِ تَأْيِيسٌ مِنِ انْتِفاعِهِمْ بِها فِيها كَمُلَ كَشْفُ أمْرِها في الآخِرَةِ؛ بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ يُنْطِقُها اللَّهُ فَتَتَبَرَّأُ مِن شِرْكِهِمْ، أيْ تَتَبَرَّأُ مِن أنْ تَكُونَ دَعَتْ لَهُ أوْ رَضِيَتْ بِهِ. صفحة ٢٨٤ والكُفْرُ: جُحْدٌ في كَراهَةٍ. والشِّرْكُ أُضِيفَ إلى فاعِلِهِ، أيْ بِشِرْكِكم إيّاهم في الإلَهِيَّةِ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ مَوْصُولُ العاقِلِ وضَمائِرُ العُقَلاءِ“ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ ”إلى قَوْلِهِ“ ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ ”عَلى تَنْزِيلِ الأصْنامِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ مُجاراةً لِلْمَرْدُودِ عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ. وقَوْلُهُ“ ﴿ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ”تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الأخْبارِ بِأنَّ المُخْبِرَ بِها هو الخَبِيرُ بِها وبِغَيْرِها ولا يُخْبِرُكَ أحَدٌ مِثْلَ ما يُخْبِرُكَ هو. وعَبَّرَ بِفِعْلِ الإنْباءِ لِأنَّ النَّبَأ هو الخَبَرُ عَنْ حَدَثٍ خَطِيرٍ مُهِمٍّ. والخِطابُ في قَوْلِهِ يُنَبِّئُكَ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ مِنهُ سَماعُ هَذا الكَلامِ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أُرْسِلَتْ مُرْسَلَ الأمْثالِ فَلا يَنْبَغِي تَخْصِيصُ مَضْمُونِها بِمُخاطَبٍ مُعَيَّنٍ. وخَبِيرٌ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن خَبُرَ - بِضَمِّ الباءِ - فُلانٌ الأمْرَ، إذا عَلِمَهُ عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ. والمُرادُ بِـ“ خَبِيرٍ ”جِنْسُ الخَبِيرِ، فَلَمّا أرْسَلَ هَذا القَوْلَ مَثَلًا وكانَ شَأْنُ الأمْثالِ أنْ تَكُونَ مُوجَزَةً صِيغَ عَلى أُسْلُوبِ الإيجازِ فَحُذِفَ مِنهُ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ“ يُنَبِّئُ ”ومُتَعَلِّقُ وصْفِ“ خَبِيرٍ ”، ولَمْ يُذْكَرْ وجْهُ المُماثَلَةِ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ. وجُعِلَ“ خَبِيرٍ ”نَكِرَةً مَعَ أنَّ المُرادَ خَبِيرٌ مُعَيَّنٌ وهو المُتَكَلِّمُ فَكانَ حَقُّهُ التَّعْرِيفَ، فَعُدِلَ إلى تَنْكِيرِهِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في سِياقِ النَّفْيِ لِأنَّ إضافَةَ كَلِمَةِ“ مِثْلُ ”إلى“ خَبِيرٍ ”لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا. وجُعِلَ نَفْيُ فِعْلِ الإنْباءِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُنْبِئِ. ولَعَلَّ التَّرْكِيبَ: ولا يُوجَدُ أحَدٌ يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ يُماثِلُ هَذا الخَبِيرَ الَّذِي أنْبَأكَ بِهِ، فَإذا أرْدَفَ مُخْبِرٌ خَبَرَهُ بِهَذا المَثَلِ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ المُخْبِرِ بِالخَبَرِ المَخْصُوصِ يُرِيدُ بِـ“ خَبِيرٍ " نَفْسَهُ لِلتَّلازُمِ بَيْنَ مَعْنى هَذا المَثَلِ وبَيْنَ تَمَثُّلِ المُتَكَلِّمِ مِنهُ. فالمَعْنى: ولا يُنَبِّئُكَ بِهَذا الخَبَرِ مِثْلِي لِأنِّي خَبِرْتُهُ، فَهَذا تَأْوِيلُ هَذا التَّرْكِيبِ. والمِثْلُ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ المُثَلَّثَةِ المُساوِي، إمّا في قَدْرٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى ضَعْفٍ، وإمّا المُساوِي في صِفَةٍ فَيَكُونُ بِمَعْنى شَبِيهٍ وهو بِوَزْنِ فِعْلٍ وهو قَلِيلٌ. ومِنهُ قَوْلُهم: شِبْهٌ، ونِدٌّ، وخِدْنٌ.

فاطر 35:15

صفحة ٢٨٥ ﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ لَمّا أُشْبِعَ المَقامُ أدِلَّةً، ومَواعِظَ، وتَذْكِيراتٍ، مِمّا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَن نَصَبَ نَفْسَهُ مَنصِبَ الِانْتِفاعِ والِاقْتِناعِ، ولَمْ يَظْهَرْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن أحْوالِ القَوْمِ ما يُتَوَسَّمُ مِنهُ نَزْعُهم عَنْ ضَلالِهِمْ ورُبَّما أحْدَثَ ذَلِكَ في نُفُوسِ أهْلِ العِزَّةِ مِنهم إعْجابًا بِأنْفُسِهِمْ واغْتِرارًا بِأنَّهم مَرْغُوبٌ في انْضِمامِهِمْ إلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَيَزِيدُهم ذَلِكَ الغَرُورُ قَبُولًا لِتَسْوِيلِ مَكائِدِ الشَّيْطانِ لَهم أنْ يَعْتَصِمُوا بِشِرْكِهِمْ، ناسَبَ أنْ يُنَبِّئَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ وأنَّ دِينَهُ لا يَعْتَزُّ بِأمْثالِهِمْ وأنَّهُ مُصَيِّرُهم إلى الفَناءِ وآتٍ بِناسٍ يَعْتَزُّ بِهِمُ الإسْلامُ. فالمُرادُ بِـ ”أيُّها النّاسُ“ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو غالِبُ اصْطِلاحِ القُرْآنِ، وهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ آنِفًا ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ الآياتِ. وقَبْلَ أنْ يُوَجَّهَ إلَيْهِمُ الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم وُجِّهَ إلَيْهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ لِأنَّ ذَلِكَ أدْخَلُ لِلذِّلَّةِ عَلى عَظَمَتِهِمْ مِنَ الشُّعُورِ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم فَإنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّهُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ ولَكِنَّهم لا يُوقِنُونَ بِالمَقْصِدِ الَّذِي يَقْضِي إلَيْهِ عِلْمُهم بِذَلِكَ، فَأُرِيدَ إبْلاغُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِدْلالِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ قَرْعِ أسْماعِهِمْ بِما لَمْ تَكُنْ تُقْرَعُ مِن قَبْلُ عَسى أنْ يَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ويَتَكَعْكَعُوا عَنْ غُرُورِ أنْفُسِهِمْ، عَلى أنَّهم لا يَخْلُو جَمْعُهم مِن أصْحابِ عُقُولٍ صالِحَةٍ لِلْوُصُولِ إلى حَقائِقِ الحَقِّ فَأُولَئِكَ إذا قُرِعَتْ أسْماعُهم بِما لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَهُ مِن قَبْلُ ازْدادُوا يَقِينًا بِمُشاهَدَةِ ما كانَ مَحْجُوبًا عَنْ بَصائِرِهِمْ بِأسْتارِ الِاشْتِغالِ بِفِتْنَةِ ضَلالِهِمْ عَسى أنْ يُؤْمِنَ مَن هَيَّأهُ اللَّهُ بِفِطْرَتِهِ لِلْإيمانِ، فَمَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ كانَ بَقاؤُهُ مَشُوبًا بِحِيرَةٍ ومَرَّ طَعْمُ الحَياةِ عِنْدَهُ، فَأيْنَ ما كانَتْ تَتَلَقّاهُ مَسامِعُهم مِن قَبْلِ تَمْجِيدِهِمْ وتَمْجِيدِ آبائِهِمْ وتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم لَمّا عاتَبُوا النَّبِيءَ ﷺ في بَعْضِ مُراجَعَتِهِمْ عَدُّوا عَلَيْهِ شَتْمَ آبائِهِمْ، فَحَصَلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فائِدَتانِ. وجُمْلَةُ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ تُفِيدُ القَصْرَ لِتَعْرِيفِ جُزْأيْها، أيْ قَصْرَ صِفَةِ الفَقْرِ عَلى النّاسِ المُخاطَبِينَ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ، أيْ أنْتُمُ المُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ ولَيْسَ هو بِمُفْتَقِرٍ إلَيْكم، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمُ المُشْعِرُ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَغِيظُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِعَدَمِ قَبُولِ دَعْوَتِهِ. فالوَجْهُ حَمْلُ القَصْرِ صفحة ٢٨٦ المُسْتَفادِ مِن جُمْلَةِ ”أنْتُمُ الفُقَراءُ“ إلى القَصْرِ الإضافِيِّ، وهو قَصْرُ قَلْبٍ، وأمّا حَمْلُ القَصْرِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ تَكَلُّفُ أنَّهُ ادِّعائِيٌّ فَلا داعِيَ إلَيْهِ. وإتْباعُ صِفَةِ الغَنِيِّ بِـ ”الحَمِيدِ“ تَكْمِيلٌ، فَهو احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَمّا كانَ غَنِيًّا عَنِ اسْتِجابَتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ فَهم مَعْذُورُونَ في أنْ لا يَعْبُدُوهُ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَمْدِ لِمَن عَبَدَهُ واسْتَجابَ لِدَعْوَتِهِ كَما أتْبَعَ الآيَةَ الأُخْرى إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكم بِقَوْلِهِ وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكم، ومِنَ المُحَسِّناتِ وُقُوعُ ”الحَمِيدِ“ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ”إلى اللَّهِ“ كَما وقَعَ ”الغَنِيُّ“ في مُقابَلَةِ ”الفُقَراءُ“ لِأنَّهُ لَمّا قَيَّدَ فَقْرَهم بِالكَوْنِ إلى اللَّهِ قَيَّدَ غِنى اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ ”الحَمِيدِ“ لِإفادَةِ أنَّ غِناهُ تَعالى مُقْتَرِنٌ بِجُودِهِ فَهو يَحْمِدُ مَن يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ.

فاطر 35:16

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]“ مِن مَعْنى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، ومِن مَعْنى رِضاهُ عَلى مَن يَعْبُدُهُ فَهو تَعالى لِغِناهُ عَنْهم وغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لَوْ شاءَ لَأبادَهم وأتى بِخَلْقٍ آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ فَخَلُصَ العالَمُ مِن عُصاةِ أمْرِ اللَّهِ وذَلِكَ في قُدْرَتِهِ ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم إعْمالًا لِصِفَةِ الحِلْمِ. فالمَشِيئَةُ هُنا المَشِيئَةُ النّاشِئَةُ عَنْ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إهْلاكَهم ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم، لا أصْلُ المَشِيئَةِ الَّتِي هي كَوْنُهُ مُخْتارًا في فِعْلِهِ لا مُكْرِهَ لَهُ لِأنَّها لا يُحْتاجُ إلى الإعْلامِ بِها. والإذْهابُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ، أيِ الإعْدامِ مِن هَذا العالَمِ، أيْ إنْ يَشَأْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِمْ مَوْتًا يَعُمُّهم، فَكَأنَّهُ أذَهْبَهم مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأنَّهُ يَأْتِي بِهِمْ إلى دارِ الآخِرَةِ. والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مُسْتَعْمَلٌ في إحْداثِ ناسٍ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ ولا مُتَرَقَّبًا وجُودُهم، أيْ يُوجِدُ خَلْقًا مِنَ النّاسِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. فالخَلْقُ هُنا بِمَعْنى المَخْلُوقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] صفحة ٢٨٧ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . ولَيْسَ المَعْنى: أنَّهُ إنْ يَشَأْ يُعَجِّلْ بِمَوْتِهِمْ فَيَأْتِي جِيلُ أبْنائِهِمْ مُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يَنْبُو عَنْهُ. وعُطِفَ عَلَيْهِ الإعْلامُ بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ شاءَ لَكانَ هَيِّنًا عَلَيْهِ وما هو عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ. والعَزِيزُ: المُتَمَنِّعُ الغالِبُ، وهَذا زِيادَةٌ في الإرْهابِ والتَّهْدِيدِ لِيَكُونُوا مُتَوَقِّعِينَ حُلُولَ هَذا بِهِمْ. ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ اسْتِغْناءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو يُذْهِبْكم أيْ إنْ يَشَأْ إذْهابَكم، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ لِمَفْعُولِ المَشِيئَةِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”وما ذَلِكَ“ عائِدَةٌ إلى الإذْهابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ ”يُذْهِبْكم“ أوْ إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.

فاطر 35:17

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”﴿هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]“ مِن مَعْنى قِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِإعْراضِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، ومِن مَعْنى رِضاهُ عَلى مَن يَعْبُدُهُ فَهو تَعالى لِغِناهُ عَنْهم وغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ لَوْ شاءَ لَأبادَهم وأتى بِخَلْقٍ آخَرِينَ يَعْبُدُونَهُ فَخَلُصَ العالَمُ مِن عُصاةِ أمْرِ اللَّهِ وذَلِكَ في قُدْرَتِهِ ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم إعْمالًا لِصِفَةِ الحِلْمِ. فالمَشِيئَةُ هُنا المَشِيئَةُ النّاشِئَةُ عَنْ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إهْلاكَهم ولَكِنَّهُ أمْهَلَهم، لا أصْلُ المَشِيئَةِ الَّتِي هي كَوْنُهُ مُخْتارًا في فِعْلِهِ لا مُكْرِهَ لَهُ لِأنَّها لا يُحْتاجُ إلى الإعْلامِ بِها. والإذْهابُ مُسْتَعْمَلٌ في الإهْلاكِ، أيِ الإعْدامِ مِن هَذا العالَمِ، أيْ إنْ يَشَأْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِمْ مَوْتًا يَعُمُّهم، فَكَأنَّهُ أذَهْبَهم مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ لِأنَّهُ يَأْتِي بِهِمْ إلى دارِ الآخِرَةِ. والإتْيانُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ مُسْتَعْمَلٌ في إحْداثِ ناسٍ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ ولا مُتَرَقَّبًا وجُودُهم، أيْ يُوجِدُ خَلْقًا مِنَ النّاسِ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ. فالخَلْقُ هُنا بِمَعْنى المَخْلُوقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] صفحة ٢٨٧ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] . ولَيْسَ المَعْنى: أنَّهُ إنْ يَشَأْ يُعَجِّلْ بِمَوْتِهِمْ فَيَأْتِي جِيلُ أبْنائِهِمْ مُؤْمِنِينَ لِأنَّ قَوْلَهُ وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يَنْبُو عَنْهُ. وعُطِفَ عَلَيْهِ الإعْلامُ بِأنَّ ذَلِكَ لَوْ شاءَ لَكانَ هَيِّنًا عَلَيْهِ وما هو عَلَيْهِ بِعَزِيزٍ. والعَزِيزُ: المُتَمَنِّعُ الغالِبُ، وهَذا زِيادَةٌ في الإرْهابِ والتَّهْدِيدِ لِيَكُونُوا مُتَوَقِّعِينَ حُلُولَ هَذا بِهِمْ. ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ اسْتِغْناءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ الشَّرْطِ وهو يُذْهِبْكم أيْ إنْ يَشَأْ إذْهابَكم، ومِثْلُ هَذا الحَذْفِ لِمَفْعُولِ المَشِيئَةِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ”وما ذَلِكَ“ عائِدَةٌ إلى الإذْهابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ ”يُذْهِبْكم“ أوْ إلى ما تَقَدَّمَ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.

فاطر 35:18

﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ لَمّا كانَ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَسُوقًا في غَرَضِ التَّهْدِيدِ وكانَ الخِطابُ لِلنّاسِ أُرِيدَتْ طَمْأنَةُ المُسْلِمِينَ مِن عَواقِبِ التَّهْدِيدِ، فَعُقِّبَ بِأنَّ مَن لَمْ يَأْتِ وِزْرًا لا يَنالُهُ جَزاءُ الوازِرِ في الآخِرَةِ قالَ تَعالى ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا، وقَدْ يَكُونُ وعْدًا بِالإنْجاءِ مِن عَذابِ الدُّنْيا إذْ نَزَلَ بِالمُهَدَّدِينَ الإذْهابُ والإهْلاكُ مِثْلَما أُهْلِكَ فَرِيقُ الكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ وأُنْجِيَ فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ هَذا وعْدًا خاصًّا لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً وما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «قالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُنْجِي مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا صفحة ٢٨٨ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ، ولِهَذا فالظّاهِرُ أنَّ هَذا تَأْمِينٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كَقَوْلِهِ تَعالى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهو تَأْمِينٌ مِن تَعْمِيمِ العِقابِ في الآخِرَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم جَمِيعًا ولا يُعَذِّبِ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . والوَجْهُ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ. وأيًّا ما كانَ فَإنَّ قَضِيَّةَ ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى كُلِّيَّةٌ عامَّةٌ فَكَيْفَ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، فالجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَفَتْ أنْ يَحْمِلَ أحَدٌ وِزْرَ آخَرَ لا مُشارَكَةَ لَهُ لِلْحامِلِ عَلى اقْتِرافِ الوِزْرِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ فَمَوْرِدُها في زُعَماءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ مَوَّهُوا الضَّلالَةَ وثَبَتُوا عَلَيْها، فَإنَّ أوَّلَ تِلْكَ الآيَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِكُلِّ مَن يَسْتَرْوِحُونَ مِنهُ الإقْبالَ عَلى الإيمانِ بِالأحْرى. وأصْلُ الوِزْرِ بِكَسْرِ الواوِ: هو الوِقْرُ بِوَزْنِهِ ومَعْناهُ. وهو الحِمْلُ بِكَسْرِ الحاءِ، أيْ ما يُحْمَلُ، ويُقالُ وزِرَ إذا حَمَلَ. فالمَعْنى: ولا تَحْمِلُ حامِلَةٌ حِمْلَ أُخْرى، أيْ لا يُحَمِّلُ اللَّهُ نَفْسًا حِمْلًا جَعَلَهُ لِنَفْسٍ أُخْرى عَدْلًا مِنهُ تَعالى لِأنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَدْلَ وقَدْ نَفى عَنْ شَأْنِهِ الظُّلْمَ وإنْ كانَ تَصَرُّفُهُ إنَّما هو في مَخْلُوقاتِهِ. وجَرى وصْفُ الوازِرَةِ عَلى التَّأْنِيثِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ النَّفْسُ. ووَجْهُ اخْتِيارِ الإسْنادِ إلى المُؤَنَّثِ بِتَأْوِيلِ النَّفْسِ دُونَ أنْ يَجْرِيَ الإضْمارُ عَلى التَّذْكِيرِ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ، لِأنَّ مَعْنى النَّفْسِ هو المُتَبادَرُ لِلْأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ الِاكْتِسابِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] في سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا الحُكْمَ العادِلَ مُطَّرِدٌ مُسْتَمِرٌّ حَتّى لَوِ اسْتَغاثَتْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ في الأوْزارِ مَن يُنْتَدَبُ لَحَمْلِ أوْزارِها أوْ بَعْضِها لَمْ تَجِدْ مَن يَحْمِلُ عَنْها شَيْئًا، لِئَلّا يَقِيسَ النّاسُ الَّذِينَ في الدُّنْيا أحْوالَ الآخِرَةِ عَلى ما تَعارَفُوهُ صفحة ٢٨٩ فَإنَّ العَرَبَ تَعارَفُوا النَّجْدَةَ إذا اسْتُنْجِدُوا ولَوْ كانَ لِأمْرٍ يَضُرُّ بِالمُنْجِدِ. ومِن أمْثالِهِمْ ”لَوْ دُعِيَ الكَرِيمُ إلى حَتْفِهِ لَأجابَ“ وقالَ ودّاكُ ابْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ: إذا اسْتُنْجِدُوا لَمْ يَسْألُوا مَن دَعاهُمُ لِأيَّةِ حَرْبٍ أمْ بِأِيِّ مَكانِ ولِذَلِكَ سُمِّيَ طَلَبُ الحِمْلِ هُنا دُعاءً لِأنَّ في الدُّعاءِ مَعْنى الِاسْتِغاثَةِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ ”تَدْعُ“ لِقَصْدِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أيَّ مَدْعُوٍّ. وقَوْلُهُ ”إلى حِمْلِها“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَدْعُ“، وجُعِلَ الدُّعاءُ إلى الحِمْلِ لِأنَّ الحِمْلَ سَبَبُ الدُّعاءِ وعِلَّتُهُ. فالتَّقْدِيرُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أحَدًا إلَيْها لِأجْلِ أنْ يَحْمِلَ عَنْها حِمْلَها، فَحُذِفَ أحَدُ مُتَعَلِّقَيِ الفِعْلِ المَجْرُورِ بِاللّامِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ المَذْكُورِ عَلى المَحْذُوفِ. وهَذا إشارَةٌ إلى ما سَيَكُونُ في الآخِرَةِ، أيْ لَوِ اسْتُصْرِخَتْ نَفْسٌ مَن يَحْمِلُ عَنْها شَيْئًا مِن أوْزارِها، كَما كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ أصْنامَهم تَشْفَعُ لَهم أوْ غَيْرِهِمْ، لا تَجِدُ مَن يُجِيبُها لِذَلِكَ. وقَوْلُهُ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”مُثْقَلَةٌ“، و”لَوْ“ وصْلِيَّةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”كانَ“ عائِدٌ إلى مَفْعُولِ ”تَدْعُ“ المَحْذُوفِ، إذْ تَقْدِيرُهُ: وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أحَدًا إلى حِمْلِها كَما ذَكَرْنا، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ كانَ المَدْعُوُّ ذا قُرْبى، فَإنَّ العُمُومَ الشُّمُولِيَّ الَّذِي اقْتَضَتْهُ النَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ يَصِيرُ في سِياقِ الإثْباتِ عُمُومًا بَدَلِيًّا. ووَجْهُ ما اقْتَضَتْهُ المُبالَغَةُ مِن ”لَوِ“ الوَصْلِيَّةِ أنَّ ذا القُرْبى أرَقُّ وأشْفَقُ عَلى قَرِيبِهِ، فَقَدْ يَظُنُّ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ في الآخِرَةِ بِأنْ يُقاسِمَهُ الثِّقَلَ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ إلى العَذابِ فَيَخِفُّ عَنْهُ العَذابُ بِالِاقْتِسامِ. صفحة ٢٩٠ والإطْلاقُ في القُرْبى يَشْمَلُ قَرِيبَ القَرابَةِ كالأبَوَيْنِ والزَّوْجَيْنِ كَما قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] . وهَذا إبْطالٌ لِاعْتِقادِ الغَناءِ الذّاتِيِّ بِالتَّضامُنِ والتَّحامُلِ فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَقِيسُونَ أُمُورَ الآخِرَةِ عَلى أمْرِ الدُّنْيا فَيُعَلِّلُونَ أنْفُسَهم إذا هُدِّدُوا بِالبَعْثِ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَإنَّ لَهم يَوْمَئِذٍ شُفَعاءَ وأنْصارًا، فَهَذا سِياقُ تَوْجِيهِ هَذا إلى المُشْرِكِينَ ثُمَّ هو بِعُمُومِهِ يَنْسَحِبُ حُكْمُهُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ المَحْشَرِ، فَلا يَحْمِلُ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ إثْمَهُ. وهَذا لا يُنافِي الشَّفاعَةَ الوارِدَةَ في الحَدِيثِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ سَبَأٍ، فَإنَّها إنَّما تَكُونُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى إظْهارًا لِكَرامَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا يُنافِي ما جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مُكَفِّراتِ الذُّنُوبِ كَما ورَدَ أنَّ أفْراطَ المُؤْمِنِينَ يَشْفَعُونَ لِأُمَّهاتِهِمْ، فَتِلْكَ شَفاعَةٌ جَعْلِيَّةٌ جَعَلَها اللَّهُ كَرامَةً لِلْأُمَّهاتِ المُصابَةِ مِنَ المُؤْمِناتِ. * * * ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَلامِيٌّ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ يَخْطُرُ في نَفْسِهِ التَّعَجُّبُ مِن عَدَمِ تَأثُّرِ أكْثَرِ المُشْرِكِينَ بِإنْذارِهِ فَأُجِيبَ بِأنَّ إنْذارَهُ يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُونَ ومَن تَهَيَّأُوا لِلْإيمانِ. وإيرادُ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها يُؤَكِّدُ أنَّ المَقْصِدَ الأوَّلَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ وتَخْوِيفُهم، وإبْلاغُ الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ لِاقْتِلاعِ مَزاعِمِهِمْ وأوْهامِهِمْ في أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ. فَأقْبَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بِالخِطابِ لِيَشْعُرَ بِأنَّ تِلْكَ المَواعِظَ فِيهِ وأنَّها إنَّما يَنْتَفِعُ بِها المُسْلِمُونَ، وهو أيْضًا يُؤَكِّدُ ما في الآيَةِ الأُولى مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَأْمِينِ المُسْلِمِينَ بِما اقْتَضاهُ عُمُومُ الإنْذارِ والوَعِيدِ. وأُطْلِقَ الإنْذارُ هُنا عَلى حُصُولِ أثَرِهِ، وهو الِانْكِفافُ أوِ التَّصْدِيقُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ الإنْذارِ، وهو الإخْبارُ عَنْ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ لِأنَّ القَرِينَةَ صادِقَةٌ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وهي قَرِينَةُ تَكَرُّرِ الإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ وما هو بِبَعِيدٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أنْذَرَ المُشْرِكِينَ طُولَ مُدَّةِ دَعْوَتِهِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ المَقْصُورِ عَلَيْهِ بِـ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ تَعَلُّقٌ عَلى مَعْنى حُصُولِ أثَرِ الفِعْلِ. صفحة ٢٩١ فالمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ أنَّهُ قَصْرُ قَلْبٍ لِأنَّ المَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلى أنْ لا يَظُنَّ النَّبِيءُ ﷺ انْتِفاعَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنِذارَتِهِ، وإنْ كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ صالِحَةً لِمَعْنى القَصْرِ الحَقِيقِيِّ لَكِنَّ اعْتِبارَ المَقامِ يُعَيِّنُ اعْتِبارَ القَصْرِ الإضافِيِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ (يس) إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وقَوْلُهُ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ في سُورَةِ (ق)، مَعَ أنَّ التَّذْكِيرَ بِالقُرْآنِ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. والغَيْبُ: ما غابَ عَنْكَ، أيِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خَلْواتِهِمْ وعِنْدَ غَيْبَتِهِمْ عَنِ العِيانِ، أيِ الَّذِينَ آمَنُوا حَقًّا غَيْرَ مُرائِينَ أحَدًا. و”أقامُوا الصَّلاةَ“ أيْ لَمْ يُفَرِّطُوا في صَلاةٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ الإقامَةِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَمّا كانَتْ هاتانِ الصِّفَتانِ مِن خَصائِصِ المُسْلِمِينَ صارَ المَعْنى: إنَّما تُنْذِرُ المُؤْمِنِينَ، فَعَدَلَ عَنِ اسْتِحْضارِهِمْ بِأشْهَرِ ألْقابِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ إلى اسْتِحْضارِهِمْ بِصِلَتَيْنِ مَعَ ما فِيهِما مِنَ الإطْنابِ، تَذَرُّعًا بِذِكْرِ هاتَيْنِ الصِّلَتَيْنِ إلى الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِإخْلاصِ الإيمانِ في الِاعْتِقادِ والعَمَلِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى المَثَلِ. وذِكْرُ التَّذْيِيلِ عَقِبَ المُذَيَّلِ يُؤْذِنُ بِأنَّ ما تَضَمَّنَهُ المُذَيَّلُ داخِلٌ في التَّذْيِيلِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ، مِثْلَ دُخُولِ سَبَبِ العامِّ في عُمُومِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ دُونَ أنْ يُخَصَّ العامُّ بِهِ، فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ خَشَوْا رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ هم مِمَّنْ تَزَكّى فانْتَفَعُوا بِتَزْكِيَتِهِمْ، فالمَعْنى: إنَّما يَنْتَفِعُ بِالنِّذارَةِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ فَأُولَئِكَ تَزَكَّوْا بِها ومَن تَزَكّى فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ القَصْرِ في قَوْلِهِ ”﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾“ أنَّ قَبُولَهُمُ النِّذارَةَ كانَ لِفائِدَةِ أنْفُسِهِمْ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَعْبَأُوا بِنِذارَتِهِ تَرَكُوا تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ بِها فَكانَ تَرْكُهم ضُرًّا عَلى أنْفُسِهِمْ. وجُمْلَةُ ”﴿وإلى اللَّهِ المَصِيرُ﴾“ تَكْمِيلٌ لِلتَّذْيِيلِ، والتَّعْرِيفُ في ”المَصِيرُ“ صفحة ٢٩٢ لِلْجِنْسِ، أيِ المَصِيرُ كُلُّهُ إلى اللَّهِ سَواءً فِيهِ مَصِيرُ المُتَزَكِّي ومَصِيرُ غَيْرِ المُتَزَكِّي، أيْ وكُلٌّ يُجازى بِما يُناسِبُهُ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ”وإلى اللَّهِ المَصِيرُ“ لِلِاهْتِمامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَصِيرٌ إلى مَنِ اقْتَضى اسْمُهُ الجَلِيلُ الصِّفاتِ المُناسِبَةَ لِإقامَةِ العَدْلِ وإفاضَةِ الفَضْلِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

فاطر 35:19

﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أرْبَعَةُ أمْثالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِلْإيمانِ والكُفْرِ، شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى، والكُفْرُ بِالظُّلُماتِ والحَرُورُ، والكافِرُ بِالمَيِّتِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالبَصِيرِ، وشُبِّهَ الإيمانُ بِالنُّورِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالحَيِّ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ قِلَّةَ نَفْعِ النِّذارَةِ لِلْكافِرِينَ وأنَّها لا يَنْتَفِعُ بِها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ ضَرَبَ لِلْفَرِيقَيْنِ أمْثالًا كاشِفَةً عَنِ اخْتِلافِ حالَيْهِما، ورُوعِيَ في هَذِهِ الأشْباهِ تَوْزِيعُها عَلى صِفَةِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وعَلى حالَةِ الكُفْرِ والإيمانِ، وعَلى أثَرِ الإيمانِ وأثَرِ الكُفْرِ. وقُدِّمَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ وكُفْرِهِ عَلى تَشْبِيهِ حالِ المُؤْمِنِ وإيمانِهِ ابْتِداءً لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا التَّشْبِيهِ هو تَفْظِيعُ حالِ الكافِرِ ثُمَّ الِانْتِقالُ إلى حُسْنِ حالِ ضِدِّهِ لِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ جاءَ لِإيضاحِ ما أفادَهُ القَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ قَلْبٍ، فالكافِرُ شَبِيهٌ بِالأعْمى في اخْتِلاطِ أمْرِهِ بَيْنَ عَقْلٍ وجَهالَةٍ، كاخْتِلاطِ أمْرِ الأعْمى بَيْنَ إدْراكٍ وعَدَمِهِ. والمَقْصُودُ: أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ ذا عَقْلٍ يُدْرِكُ بِهِ الأُمُورَ فَإنَّ عَقْلَهُ تَمَحَّضَ لِإدْراكِ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا وكانَ كالعَدَمِ في أحْوالِ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، فَحالُهُ المُقَسَّمُ بَيْنَ انْتِفاعٍ بِالعَقْلِ وعَدَمِهِ يُشْبِهُ حالَ الأعْمى في إدْراكِهِ أشْياءَ وعَدَمِ إدْراكِهِ. والعَمى يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الضَّلالِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: صفحة ٢٩٣ أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ ثُمَّ شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ في أنَّهُ يَجْعَلُ الَّذِي أحاطَ هو بِهِ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ لِلْأشْياءِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ الظُّلْمَةِ إخْفاءَ الأشْياءِ، والكافِرُ خَفِيَتْ عَنْهُ الحَقائِقُ الِاعْتِيادِيَّةُ، وكُلَّما بَيَّنَها لَهُ القُرْآنُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى أجْلى، كَما لَوْ وصَفْتَ الطَّرِيقَ لِلسّائِرِ في الظَّلامِ. وجِيءَ في الظُّلُماتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ فَهم لا يَذْكُرُونَ الظُّلْمَةَ إلّا بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ في الأنْعامِ. وضُرِبَ الظِّلُّ مَثَلًا لِأثَرِ الإيمانِ، وضِدُّهُ وهو الحَرُورُ مَثَلًا لِأثَرِ الكُفْرِ، فالظِّلُّ مَكانُ نَعِيمٍ في عُرْفِ السّامِعِينَ الأوَّلِينَ، وهُمُ العَرَبُ أهْلُ البِلادِ الحارَّةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ الظِّلَّ لِلنَّعِيمِ غالِبًا إلّا في بَعْضِ فَصْلِ الشِّتاءِ، وقُوبِلَ بِالحَرُورِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ ومُعَذِّبٌ في عُرْفِهِمْ كَما عَلِمْتَ، وفي مُقابَلَتِهِ بِالحَرُورِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالظِّلِّ في حالَةِ اسْتِطابَتِهِ. والحَرُورُ: حَرُّ الشَّمْسِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الرِّيحِ الحارَّةِ وهي السَّمُومُ، أوِ الحَرُورُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَهُبُّ بِلَيْلٍ والسَّمُومُ تَهُبُّ بِالنَّهارِ. وقُدِّمَ في هَذِهِ الفِقْرَةِ ما هو مِن حالِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَكْسِ الفِقْراتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها لِأجْلِ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ بِكَلِمَةِ ”الحَرُورِ“، وفَواصِلُ القُرْآنِ مِن مُتَمِّماتِ فَصاحَتِهِ، فَلَها حَظٌّ مِنَ الإعْجازِ. فَحالُ المُؤْمِنِ يُشْبِهُ حالَ الظِّلَّ تَطْمَئِنُّ فِيهِ المَشاعِرُ، وتَصْدُرُ فِيهِ الأعْمالُ عَنْ تَبَصُّرٍ وتَرَيُّثٍ وإتْقانٍ. وحالُ الكافِرِ يُشْبِهُ الحَرُورَ تَضْطَرِبُ فِيهِ النُّفُوسُ ولا تَتَمَكَّنُ مَعَهُ القُوى مِنَ التَّأمُّلِ والتَّبَصُّرِ وتَصْدُرُ فِيها الآراءُ والمَساعِي مُعَجَّلَةً مُتَفَكِّكَةً. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ عَجِيبٌ فَقَدِ احْتَوَتْ عَلى واواتِ عَطْفٍ وأدَواتِ نَفْيٍ، فَكُلٌّ مِنَ الواوَيْنِ اللَّذَيْنِ في قَوْلِهِ ”﴿ولا الظُّلُماتُ﴾“ الَخْ، وقَوْلِهِ ”﴿ولا الظِّلُّ﴾“ الَخْ عاطِفٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وعاطِفٌ تَشَبُّهاتٍ ثَلاثَةً بَلْ تَشْبِيهٌ مِنها يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ولا تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا يَسْتَوِي الظِّلُّ والحَرُورُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالمُقَدَّرِ أخِيرًا في قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ. صفحة ٢٩٤ وأمّا الواواتُ الثَّلاثَةُ في قَوْلِهِ ”والبَصِيرُ“ ”ولا النُّورُ“ ”ولا الحَرُورُ“ فَكُلُّ واوٍ عاطِفٌ مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، فَهي سِتَّةُ تَشْبِيهاتٍ مُوَزَّعَةٌ عَلى كُلِّ فَرِيقٍ، فَـ ”البَصِيرُ“ عُطِفَ عَلى ”الأعْمى“، و”النُّورُ“ عُطِفَ عَلى الظُّلُماتِ، و”الحَرُورُ“ عُطِفَ عَلى الظِّلِّ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ. وأمّا أدَواتُ النَّفْيِ فاثْنانِ مِنها مُؤَكَّدانِ لِلتَّغَلُّبِ المُوَجَّهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ المَحْذُوفِ فِعْلاهُما ”ولا الظُّلُماتُ“، ”ولا الظِّلُّ“، واثْنانِ مُؤَكَّدانِ لِتَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُفْرَدَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مُفْرَدَيْنِ في سِياقِ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما عُطِفا عَلَيْهِما وهُما واوُ ”ولا النُّورُ“، وواوُ ”ولا الحَرُورُ“، والتَّوْكِيدُ بَعْضُهُ بِالمِثْلِ وهو حَرْفُ ”لا“ وبَعْضُهُ بِالمُرادِفِ وهو حَرْفُ ”ما“ ولَمْ يُؤْتَ بِأداةِ نَفْيٍ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ نَفْيُ الِاسْتِواءِ المُؤَكَّدِ مِن بَعْدُ فَهو كُلُّهُ تَأْيِيسٌ. وهو اسْتِعْمالٌ قُرْآنِيٌّ بَدِيعٌ في عَطْفِ المَنفِيّاتِ مِنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. وجُمْلَةُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ أُظْهِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الفِعْلُ الَّذِي قُدِّرَ في الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهو فِعْلُ ”يَسْتَوِي“ لِأنَّ التَّمْثِيلَ هُنا عادَ إلى تَشْبِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ إذْ شَبَّهَ حالَ المُسْلِمِ بِحالِ الأحْياءِ وحالَ الكافِرِينَ بِحالِ الأمْواتِ، فَهَذا ارْتِقاءٌ في تَشْبِيهِ الحالَيْنِ مِن تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ والكافِرِ بِالأعْمى إلى تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالحَيِّ والكافِرِ بِالمَيِّتِ، ونَظِيرُهُ في إعادَةِ فِعْلِ الِاسْتِواءِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ. فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ هي مَبْعَثُ المَدارِكِ والمَساعِي كُلِّها وكانَ المَوْتُ قاطِعًا لِلْمَدارِكِ والمَساعِي، شُبِّهَ الإيمانُ بِالحَياةِ في انْبِعاثِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنهُ وفي تَلَقِّي ذَلِكَ وفَهْمِهِ، وشُبِّهَ الكُفْرُ بِالمَوْتِ في الِانْقِطاعِ عَنِ الأعْمالِ والمُدْرَكاتِ النّافِعَةِ كُلِّها وفي عَدَمِ تَلَقِّي ما يُلْقى إلى صاحِبِهِ فَصارَ المُؤْمِنُ شَبِيهًا بِالحَيِّ مُشابَهَةً كامِلَةً لَمّا خَرَجَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَكَأنَّهُ بِالإيمانِ نُفِخَتْ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكانَ الكافِرُ شَبِيهًا بِالمَيِّتِ ما دامَ عَلى كُفْرِهِ. واكْتُفِيَ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ عَنْ صفحة ٢٩٥ تَشْبِيهِ الكُفْرِ والإيمانِ وبِالعَكْسِ لِتَلازُمِهِما، وأُوتِيَ تَشْبِيهُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ في الكافِرِ والمُؤْمِنِ أوْضَحَ، وعَكْسُ ذَلِكَ في مَوْضِعَيْنِ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ أوْضَحُ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

فاطر 35:20

﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أرْبَعَةُ أمْثالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِلْإيمانِ والكُفْرِ، شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى، والكُفْرُ بِالظُّلُماتِ والحَرُورُ، والكافِرُ بِالمَيِّتِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالبَصِيرِ، وشُبِّهَ الإيمانُ بِالنُّورِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالحَيِّ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ قِلَّةَ نَفْعِ النِّذارَةِ لِلْكافِرِينَ وأنَّها لا يَنْتَفِعُ بِها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ ضَرَبَ لِلْفَرِيقَيْنِ أمْثالًا كاشِفَةً عَنِ اخْتِلافِ حالَيْهِما، ورُوعِيَ في هَذِهِ الأشْباهِ تَوْزِيعُها عَلى صِفَةِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وعَلى حالَةِ الكُفْرِ والإيمانِ، وعَلى أثَرِ الإيمانِ وأثَرِ الكُفْرِ. وقُدِّمَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ وكُفْرِهِ عَلى تَشْبِيهِ حالِ المُؤْمِنِ وإيمانِهِ ابْتِداءً لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا التَّشْبِيهِ هو تَفْظِيعُ حالِ الكافِرِ ثُمَّ الِانْتِقالُ إلى حُسْنِ حالِ ضِدِّهِ لِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ جاءَ لِإيضاحِ ما أفادَهُ القَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ قَلْبٍ، فالكافِرُ شَبِيهٌ بِالأعْمى في اخْتِلاطِ أمْرِهِ بَيْنَ عَقْلٍ وجَهالَةٍ، كاخْتِلاطِ أمْرِ الأعْمى بَيْنَ إدْراكٍ وعَدَمِهِ. والمَقْصُودُ: أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ ذا عَقْلٍ يُدْرِكُ بِهِ الأُمُورَ فَإنَّ عَقْلَهُ تَمَحَّضَ لِإدْراكِ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا وكانَ كالعَدَمِ في أحْوالِ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، فَحالُهُ المُقَسَّمُ بَيْنَ انْتِفاعٍ بِالعَقْلِ وعَدَمِهِ يُشْبِهُ حالَ الأعْمى في إدْراكِهِ أشْياءَ وعَدَمِ إدْراكِهِ. والعَمى يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الضَّلالِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: صفحة ٢٩٣ أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ ثُمَّ شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ في أنَّهُ يَجْعَلُ الَّذِي أحاطَ هو بِهِ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ لِلْأشْياءِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ الظُّلْمَةِ إخْفاءَ الأشْياءِ، والكافِرُ خَفِيَتْ عَنْهُ الحَقائِقُ الِاعْتِيادِيَّةُ، وكُلَّما بَيَّنَها لَهُ القُرْآنُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى أجْلى، كَما لَوْ وصَفْتَ الطَّرِيقَ لِلسّائِرِ في الظَّلامِ. وجِيءَ في الظُّلُماتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ فَهم لا يَذْكُرُونَ الظُّلْمَةَ إلّا بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ في الأنْعامِ. وضُرِبَ الظِّلُّ مَثَلًا لِأثَرِ الإيمانِ، وضِدُّهُ وهو الحَرُورُ مَثَلًا لِأثَرِ الكُفْرِ، فالظِّلُّ مَكانُ نَعِيمٍ في عُرْفِ السّامِعِينَ الأوَّلِينَ، وهُمُ العَرَبُ أهْلُ البِلادِ الحارَّةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ الظِّلَّ لِلنَّعِيمِ غالِبًا إلّا في بَعْضِ فَصْلِ الشِّتاءِ، وقُوبِلَ بِالحَرُورِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ ومُعَذِّبٌ في عُرْفِهِمْ كَما عَلِمْتَ، وفي مُقابَلَتِهِ بِالحَرُورِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالظِّلِّ في حالَةِ اسْتِطابَتِهِ. والحَرُورُ: حَرُّ الشَّمْسِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الرِّيحِ الحارَّةِ وهي السَّمُومُ، أوِ الحَرُورُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَهُبُّ بِلَيْلٍ والسَّمُومُ تَهُبُّ بِالنَّهارِ. وقُدِّمَ في هَذِهِ الفِقْرَةِ ما هو مِن حالِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَكْسِ الفِقْراتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها لِأجْلِ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ بِكَلِمَةِ ”الحَرُورِ“، وفَواصِلُ القُرْآنِ مِن مُتَمِّماتِ فَصاحَتِهِ، فَلَها حَظٌّ مِنَ الإعْجازِ. فَحالُ المُؤْمِنِ يُشْبِهُ حالَ الظِّلَّ تَطْمَئِنُّ فِيهِ المَشاعِرُ، وتَصْدُرُ فِيهِ الأعْمالُ عَنْ تَبَصُّرٍ وتَرَيُّثٍ وإتْقانٍ. وحالُ الكافِرِ يُشْبِهُ الحَرُورَ تَضْطَرِبُ فِيهِ النُّفُوسُ ولا تَتَمَكَّنُ مَعَهُ القُوى مِنَ التَّأمُّلِ والتَّبَصُّرِ وتَصْدُرُ فِيها الآراءُ والمَساعِي مُعَجَّلَةً مُتَفَكِّكَةً. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ عَجِيبٌ فَقَدِ احْتَوَتْ عَلى واواتِ عَطْفٍ وأدَواتِ نَفْيٍ، فَكُلٌّ مِنَ الواوَيْنِ اللَّذَيْنِ في قَوْلِهِ ”﴿ولا الظُّلُماتُ﴾“ الَخْ، وقَوْلِهِ ”﴿ولا الظِّلُّ﴾“ الَخْ عاطِفٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وعاطِفٌ تَشَبُّهاتٍ ثَلاثَةً بَلْ تَشْبِيهٌ مِنها يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ولا تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا يَسْتَوِي الظِّلُّ والحَرُورُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالمُقَدَّرِ أخِيرًا في قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ. صفحة ٢٩٤ وأمّا الواواتُ الثَّلاثَةُ في قَوْلِهِ ”والبَصِيرُ“ ”ولا النُّورُ“ ”ولا الحَرُورُ“ فَكُلُّ واوٍ عاطِفٌ مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، فَهي سِتَّةُ تَشْبِيهاتٍ مُوَزَّعَةٌ عَلى كُلِّ فَرِيقٍ، فَـ ”البَصِيرُ“ عُطِفَ عَلى ”الأعْمى“، و”النُّورُ“ عُطِفَ عَلى الظُّلُماتِ، و”الحَرُورُ“ عُطِفَ عَلى الظِّلِّ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ. وأمّا أدَواتُ النَّفْيِ فاثْنانِ مِنها مُؤَكَّدانِ لِلتَّغَلُّبِ المُوَجَّهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ المَحْذُوفِ فِعْلاهُما ”ولا الظُّلُماتُ“، ”ولا الظِّلُّ“، واثْنانِ مُؤَكَّدانِ لِتَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُفْرَدَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مُفْرَدَيْنِ في سِياقِ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما عُطِفا عَلَيْهِما وهُما واوُ ”ولا النُّورُ“، وواوُ ”ولا الحَرُورُ“، والتَّوْكِيدُ بَعْضُهُ بِالمِثْلِ وهو حَرْفُ ”لا“ وبَعْضُهُ بِالمُرادِفِ وهو حَرْفُ ”ما“ ولَمْ يُؤْتَ بِأداةِ نَفْيٍ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ نَفْيُ الِاسْتِواءِ المُؤَكَّدِ مِن بَعْدُ فَهو كُلُّهُ تَأْيِيسٌ. وهو اسْتِعْمالٌ قُرْآنِيٌّ بَدِيعٌ في عَطْفِ المَنفِيّاتِ مِنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. وجُمْلَةُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ أُظْهِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الفِعْلُ الَّذِي قُدِّرَ في الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهو فِعْلُ ”يَسْتَوِي“ لِأنَّ التَّمْثِيلَ هُنا عادَ إلى تَشْبِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ إذْ شَبَّهَ حالَ المُسْلِمِ بِحالِ الأحْياءِ وحالَ الكافِرِينَ بِحالِ الأمْواتِ، فَهَذا ارْتِقاءٌ في تَشْبِيهِ الحالَيْنِ مِن تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ والكافِرِ بِالأعْمى إلى تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالحَيِّ والكافِرِ بِالمَيِّتِ، ونَظِيرُهُ في إعادَةِ فِعْلِ الِاسْتِواءِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ. فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ هي مَبْعَثُ المَدارِكِ والمَساعِي كُلِّها وكانَ المَوْتُ قاطِعًا لِلْمَدارِكِ والمَساعِي، شُبِّهَ الإيمانُ بِالحَياةِ في انْبِعاثِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنهُ وفي تَلَقِّي ذَلِكَ وفَهْمِهِ، وشُبِّهَ الكُفْرُ بِالمَوْتِ في الِانْقِطاعِ عَنِ الأعْمالِ والمُدْرَكاتِ النّافِعَةِ كُلِّها وفي عَدَمِ تَلَقِّي ما يُلْقى إلى صاحِبِهِ فَصارَ المُؤْمِنُ شَبِيهًا بِالحَيِّ مُشابَهَةً كامِلَةً لَمّا خَرَجَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَكَأنَّهُ بِالإيمانِ نُفِخَتْ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكانَ الكافِرُ شَبِيهًا بِالمَيِّتِ ما دامَ عَلى كُفْرِهِ. واكْتُفِيَ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ عَنْ صفحة ٢٩٥ تَشْبِيهِ الكُفْرِ والإيمانِ وبِالعَكْسِ لِتَلازُمِهِما، وأُوتِيَ تَشْبِيهُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ في الكافِرِ والمُؤْمِنِ أوْضَحَ، وعَكْسُ ذَلِكَ في مَوْضِعَيْنِ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ أوْضَحُ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

فاطر 35:21

﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] أرْبَعَةُ أمْثالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ولِلْإيمانِ والكُفْرِ، شُبِّهَ الكافِرُ بِالأعْمى، والكُفْرُ بِالظُّلُماتِ والحَرُورُ، والكافِرُ بِالمَيِّتِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالبَصِيرِ، وشُبِّهَ الإيمانُ بِالنُّورِ، وشُبِّهَ المُؤْمِنُ بِالحَيِّ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ قِلَّةَ نَفْعِ النِّذارَةِ لِلْكافِرِينَ وأنَّها لا يَنْتَفِعُ بِها غَيْرُ المُؤْمِنِينَ ضَرَبَ لِلْفَرِيقَيْنِ أمْثالًا كاشِفَةً عَنِ اخْتِلافِ حالَيْهِما، ورُوعِيَ في هَذِهِ الأشْباهِ تَوْزِيعُها عَلى صِفَةِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ، وعَلى حالَةِ الكُفْرِ والإيمانِ، وعَلى أثَرِ الإيمانِ وأثَرِ الكُفْرِ. وقُدِّمَ تَشْبِيهُ حالِ الكافِرِ وكُفْرِهِ عَلى تَشْبِيهِ حالِ المُؤْمِنِ وإيمانِهِ ابْتِداءً لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا التَّشْبِيهِ هو تَفْظِيعُ حالِ الكافِرِ ثُمَّ الِانْتِقالُ إلى حُسْنِ حالِ ضِدِّهِ لِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ جاءَ لِإيضاحِ ما أفادَهُ القَصْرُ في قَوْلِهِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّهُ قَصْرٌ إضافِيٌّ قَصْرُ قَلْبٍ، فالكافِرُ شَبِيهٌ بِالأعْمى في اخْتِلاطِ أمْرِهِ بَيْنَ عَقْلٍ وجَهالَةٍ، كاخْتِلاطِ أمْرِ الأعْمى بَيْنَ إدْراكٍ وعَدَمِهِ. والمَقْصُودُ: أنَّ الكافِرَ وإنْ كانَ ذا عَقْلٍ يُدْرِكُ بِهِ الأُمُورَ فَإنَّ عَقْلَهُ تَمَحَّضَ لِإدْراكِ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا وكانَ كالعَدَمِ في أحْوالِ الآخِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، فَحالُهُ المُقَسَّمُ بَيْنَ انْتِفاعٍ بِالعَقْلِ وعَدَمِهِ يُشْبِهُ حالَ الأعْمى في إدْراكِهِ أشْياءَ وعَدَمِ إدْراكِهِ. والعَمى يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الضَّلالِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: صفحة ٢٩٣ أرانا الهُدى بَعْدَ العَمى فَقُلُوبُنا بِهِ مُوقِناتٌ أنَّ ما قالَ واقِعُ ثُمَّ شَبَّهَ الكُفْرَ بِالظُّلُماتِ في أنَّهُ يَجْعَلُ الَّذِي أحاطَ هو بِهِ غَيْرَ مُتَبَيِّنٍ لِلْأشْياءِ، فَإنَّ مِن خَصائِصِ الظُّلْمَةِ إخْفاءَ الأشْياءِ، والكافِرُ خَفِيَتْ عَنْهُ الحَقائِقُ الِاعْتِيادِيَّةُ، وكُلَّما بَيَّنَها لَهُ القُرْآنُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى أجْلى، كَما لَوْ وصَفْتَ الطَّرِيقَ لِلسّائِرِ في الظَّلامِ. وجِيءَ في الظُّلُماتِ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّهُ الغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ فَهم لا يَذْكُرُونَ الظُّلْمَةَ إلّا بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ في الأنْعامِ. وضُرِبَ الظِّلُّ مَثَلًا لِأثَرِ الإيمانِ، وضِدُّهُ وهو الحَرُورُ مَثَلًا لِأثَرِ الكُفْرِ، فالظِّلُّ مَكانُ نَعِيمٍ في عُرْفِ السّامِعِينَ الأوَّلِينَ، وهُمُ العَرَبُ أهْلُ البِلادِ الحارَّةِ الَّتِي تَتَطَلَّبُ الظِّلَّ لِلنَّعِيمِ غالِبًا إلّا في بَعْضِ فَصْلِ الشِّتاءِ، وقُوبِلَ بِالحَرُورِ لِأنَّهُ مُؤْلِمٌ ومُعَذِّبٌ في عُرْفِهِمْ كَما عَلِمْتَ، وفي مُقابَلَتِهِ بِالحَرُورِ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُهُ بِالظِّلِّ في حالَةِ اسْتِطابَتِهِ. والحَرُورُ: حَرُّ الشَّمْسِ، ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الرِّيحِ الحارَّةِ وهي السَّمُومُ، أوِ الحَرُورُ: الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَهُبُّ بِلَيْلٍ والسَّمُومُ تَهُبُّ بِالنَّهارِ. وقُدِّمَ في هَذِهِ الفِقْرَةِ ما هو مِن حالِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَكْسِ الفِقْراتِ الثَّلاثِ الَّتِي قَبْلَها لِأجْلِ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ بِكَلِمَةِ ”الحَرُورِ“، وفَواصِلُ القُرْآنِ مِن مُتَمِّماتِ فَصاحَتِهِ، فَلَها حَظٌّ مِنَ الإعْجازِ. فَحالُ المُؤْمِنِ يُشْبِهُ حالَ الظِّلَّ تَطْمَئِنُّ فِيهِ المَشاعِرُ، وتَصْدُرُ فِيهِ الأعْمالُ عَنْ تَبَصُّرٍ وتَرَيُّثٍ وإتْقانٍ. وحالُ الكافِرِ يُشْبِهُ الحَرُورَ تَضْطَرِبُ فِيهِ النُّفُوسُ ولا تَتَمَكَّنُ مَعَهُ القُوى مِنَ التَّأمُّلِ والتَّبَصُّرِ وتَصْدُرُ فِيها الآراءُ والمَساعِي مُعَجَّلَةً مُتَفَكِّكَةً. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ الآيَةِ عَجِيبٌ فَقَدِ احْتَوَتْ عَلى واواتِ عَطْفٍ وأدَواتِ نَفْيٍ، فَكُلٌّ مِنَ الواوَيْنِ اللَّذَيْنِ في قَوْلِهِ ”﴿ولا الظُّلُماتُ﴾“ الَخْ، وقَوْلِهِ ”﴿ولا الظِّلُّ﴾“ الَخْ عاطِفٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ وعاطِفٌ تَشَبُّهاتٍ ثَلاثَةً بَلْ تَشْبِيهٌ مِنها يَجْمَعُ الفَرِيقَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: ولا تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ولا يَسْتَوِي الظِّلُّ والحَرُورُ، وقَدْ صَرَّحَ بِالمُقَدَّرِ أخِيرًا في قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ. صفحة ٢٩٤ وأمّا الواواتُ الثَّلاثَةُ في قَوْلِهِ ”والبَصِيرُ“ ”ولا النُّورُ“ ”ولا الحَرُورُ“ فَكُلُّ واوٍ عاطِفٌ مُفْرَدًا عَلى مُفْرَدٍ، فَهي سِتَّةُ تَشْبِيهاتٍ مُوَزَّعَةٌ عَلى كُلِّ فَرِيقٍ، فَـ ”البَصِيرُ“ عُطِفَ عَلى ”الأعْمى“، و”النُّورُ“ عُطِفَ عَلى الظُّلُماتِ، و”الحَرُورُ“ عُطِفَ عَلى الظِّلِّ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ. وأمّا أدَواتُ النَّفْيِ فاثْنانِ مِنها مُؤَكَّدانِ لِلتَّغَلُّبِ المُوَجَّهِ إلى الجُمْلَتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ المَحْذُوفِ فِعْلاهُما ”ولا الظُّلُماتُ“، ”ولا الظِّلُّ“، واثْنانِ مُؤَكَّدانِ لِتَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُفْرَدَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلى مُفْرَدَيْنِ في سِياقِ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ ما عُطِفا عَلَيْهِما وهُما واوُ ”ولا النُّورُ“، وواوُ ”ولا الحَرُورُ“، والتَّوْكِيدُ بَعْضُهُ بِالمِثْلِ وهو حَرْفُ ”لا“ وبَعْضُهُ بِالمُرادِفِ وهو حَرْفُ ”ما“ ولَمْ يُؤْتَ بِأداةِ نَفْيٍ في نَفْيِ الِاسْتِواءِ الأوَّلِ لِأنَّهُ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ نَفْيُ الِاسْتِواءِ المُؤَكَّدِ مِن بَعْدُ فَهو كُلُّهُ تَأْيِيسٌ. وهو اسْتِعْمالٌ قُرْآنِيٌّ بَدِيعٌ في عَطْفِ المَنفِيّاتِ مِنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. وجُمْلَةُ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ أُظْهِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الفِعْلُ الَّذِي قُدِّرَ في الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهو فِعْلُ ”يَسْتَوِي“ لِأنَّ التَّمْثِيلَ هُنا عادَ إلى تَشْبِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ إذْ شَبَّهَ حالَ المُسْلِمِ بِحالِ الأحْياءِ وحالَ الكافِرِينَ بِحالِ الأمْواتِ، فَهَذا ارْتِقاءٌ في تَشْبِيهِ الحالَيْنِ مِن تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالبَصِيرِ والكافِرِ بِالأعْمى إلى تَشْبِيهِ المُؤْمِنِ بِالحَيِّ والكافِرِ بِالمَيِّتِ، ونَظِيرُهُ في إعادَةِ فِعْلِ الِاسْتِواءِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ. فَلَمّا كانَتِ الحَياةُ هي مَبْعَثُ المَدارِكِ والمَساعِي كُلِّها وكانَ المَوْتُ قاطِعًا لِلْمَدارِكِ والمَساعِي، شُبِّهَ الإيمانُ بِالحَياةِ في انْبِعاثِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِنهُ وفي تَلَقِّي ذَلِكَ وفَهْمِهِ، وشُبِّهَ الكُفْرُ بِالمَوْتِ في الِانْقِطاعِ عَنِ الأعْمالِ والمُدْرَكاتِ النّافِعَةِ كُلِّها وفي عَدَمِ تَلَقِّي ما يُلْقى إلى صاحِبِهِ فَصارَ المُؤْمِنُ شَبِيهًا بِالحَيِّ مُشابَهَةً كامِلَةً لَمّا خَرَجَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ، فَكَأنَّهُ بِالإيمانِ نُفِخَتْ فِيهِ الحَياةُ بَعْدَ المَوْتِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وكانَ الكافِرُ شَبِيهًا بِالمَيِّتِ ما دامَ عَلى كُفْرِهِ. واكْتُفِيَ بِتَشْبِيهِ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ عَنْ صفحة ٢٩٥ تَشْبِيهِ الكُفْرِ والإيمانِ وبِالعَكْسِ لِتَلازُمِهِما، وأُوتِيَ تَشْبِيهُ الكافِرِ والمُؤْمِنِ في مَوْضِعَيْنِ لِكَوْنِ وجْهِ الشَّبَهِ في الكافِرِ والمُؤْمِنِ أوْضَحَ، وعَكْسُ ذَلِكَ في مَوْضِعَيْنِ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهِ أوْضَحُ في المَوْضِعَيْنِ الآخَرَيْنِ.

فاطر 35:22

﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ لَمّا كانَ أعْظَمُ حِرْمانٍ نَشَأ عَنِ الكُفْرِ هو حِرْمانُ الِانْتِفاعِ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأصْدَقِهِ وهو القُرْآنُ كانَ حالُ الكافِرِ الشَّبِيهِ بِالمَوْتِ أوْضَحَ شَبَهًا بِهِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِالقُرْآنِ وإعْراضِهِ عَنْ سَماعِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ إذْ تَلَقَّوُا القُرْآنَ ودَرَسُوهُ وتَفَقَّهُوا فِيهِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ، وأُعْقِبَ تَمْثِيلُ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِحالِ الأحْياءِ والأمْواتِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعْذِرَةً لَهُ في التَّبْلِيغِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وفي عَدَمِ قَبُولِ تَبْلِيغِهِ لَدى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وتَسْلِيَةً لَهُ عَنْ ضَياعِ وابِلِ نُصْحِهِ في سِباخِ قُلُوبِ الكافِرِينَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ قَبُولَ الَّذِينَ قَبِلُوا الهُدى واسْتَمَعُوا إلَيْهِ كانَ بِتَهْيِئَةِ اللَّهِ تَعالى نُفُوسَهم لِقَبُولِ الذِّكْرِ والعِلْمِ، وأنَّ عَدَمَ انْتِفاعِ المُعْرِضِينَ بِذَلِكَ هو بِسَبَبِ مَوْتِ قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُمُ الأمْواتُ في القُبُورِ وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تُسْمِعَ الأمْواتَ، فَجاءَ قَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ مُقابَلَةَ اللَّفِّ بِالنَّشْرِ المُرَتَّبِ. فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، لِأنَّ مَعْنى القَصْرِ يَنْحَلُّ إلى إثْباتٍ ونَفْيٍ فَكانَ مُفِيدًا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا انْتَفَعَ بِالإنْذارِ، وفَرِيقًا لَمْ يَنْتَفِعْ، فَعُلِّلَ ذَلِكَ بِـ ”﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾“ . وقَوْلُهُ ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يُسْمِعَهم إنْذارَكَ. واسْتُعِيرَ مَن في القُبُورِ لِلَّذِينِ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِمُ النُّذُرُ، وعَبَّرَ عَنِ الأمْواتِ بِـ ”مَن في القُبُورِ“ لِأنَّ مَن في القُبُورِ أعْرَقُ في الِابْتِعادِ عَنْ بُلُوغِ الأصْواتِ لِأنَّ صفحة ٢٩٦ بَيْنَهم وبَيْنَ المُنادِي حاجِزُ الأرْضِ. فَهَذا إطْنابٌ أفادَ مَعْنًى لا يُفِيدُهُ الإيجازُ بِأنْ يُقالَ: وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ المَوْتى. وجِيءَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ”الأحْياءُ“ و”الأمْواتُ“ تَفَنُّنًا في الكَلامِ بَعْدَ أنْ أُورِدَ الأعْمى والبَصِيرُ بِالإفْرادِ لِأنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ في المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ سَواءٌ إذا كانَ اسْمًا لَهُ أفْرادٌ بِخِلافِ النُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، وأمّا جَمْعُ الظُّلُماتِ فَقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ آنِفًا. وجُمْلَةُ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ أفادَتْ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعالَجَةِ تَسْمِيعِهِمُ الحَقَّ، أيْ أنْتَ نَذِيرٌ لِلْمُشابِهِينَ مَن في القُبُورِ ولَسْتَ بِمُدْخِلٍ الإيمانَ إلى قُلُوبِهِمْ، وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المَعْذِرَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ إذْ كانَ مُهْتَمًّا مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ. والنَّذِيرُ: المُنْبِئُ عَنْ تَوَقُّعِ حُدُوثِ مَكْرُوهٍ أوْ مُؤْلِمٍ. والِاقْتِصارُ عَلى وصْفِهِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ عَلى المُصَمِّمِينَ عَلى الكُفْرِ.

فاطر 35:23

﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ ﴿إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ﴾ لَمّا كانَ أعْظَمُ حِرْمانٍ نَشَأ عَنِ الكُفْرِ هو حِرْمانُ الِانْتِفاعِ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأصْدَقِهِ وهو القُرْآنُ كانَ حالُ الكافِرِ الشَّبِيهِ بِالمَوْتِ أوْضَحَ شَبَهًا بِهِ في عَدَمِ انْتِفاعِهِ بِالقُرْآنِ وإعْراضِهِ عَنْ سَماعِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ بِعَكْسِ ذَلِكَ إذْ تَلَقَّوُا القُرْآنَ ودَرَسُوهُ وتَفَقَّهُوا فِيهِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ، وأُعْقِبَ تَمْثِيلُ حالِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِحالِ الأحْياءِ والأمْواتِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيءِ ﷺ مَعْذِرَةً لَهُ في التَّبْلِيغِ لِلْفَرِيقَيْنِ، وفي عَدَمِ قَبُولِ تَبْلِيغِهِ لَدى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، وتَسْلِيَةً لَهُ عَنْ ضَياعِ وابِلِ نُصْحِهِ في سِباخِ قُلُوبِ الكافِرِينَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ قَبُولَ الَّذِينَ قَبِلُوا الهُدى واسْتَمَعُوا إلَيْهِ كانَ بِتَهْيِئَةِ اللَّهِ تَعالى نُفُوسَهم لِقَبُولِ الذِّكْرِ والعِلْمِ، وأنَّ عَدَمَ انْتِفاعِ المُعْرِضِينَ بِذَلِكَ هو بِسَبَبِ مَوْتِ قُلُوبِهِمْ فَكَأنَّهُمُ الأمْواتُ في القُبُورِ وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تُسْمِعَ الأمْواتَ، فَجاءَ قَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ مُقابَلَةَ اللَّفِّ بِالنَّشْرِ المُرَتَّبِ. فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، لِأنَّ مَعْنى القَصْرِ يَنْحَلُّ إلى إثْباتٍ ونَفْيٍ فَكانَ مُفِيدًا فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا انْتَفَعَ بِالإنْذارِ، وفَرِيقًا لَمْ يَنْتَفِعْ، فَعُلِّلَ ذَلِكَ بِـ ”﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾“ . وقَوْلُهُ ﴿وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن في القُبُورِ﴾ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أنْ يُسْمِعَهم إنْذارَكَ. واسْتُعِيرَ مَن في القُبُورِ لِلَّذِينِ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِمُ النُّذُرُ، وعَبَّرَ عَنِ الأمْواتِ بِـ ”مَن في القُبُورِ“ لِأنَّ مَن في القُبُورِ أعْرَقُ في الِابْتِعادِ عَنْ بُلُوغِ الأصْواتِ لِأنَّ صفحة ٢٩٦ بَيْنَهم وبَيْنَ المُنادِي حاجِزُ الأرْضِ. فَهَذا إطْنابٌ أفادَ مَعْنًى لا يُفِيدُهُ الإيجازُ بِأنْ يُقالَ: وما أنْتَ بِمُسْمِعٍ المَوْتى. وجِيءَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ ”الأحْياءُ“ و”الأمْواتُ“ تَفَنُّنًا في الكَلامِ بَعْدَ أنْ أُورِدَ الأعْمى والبَصِيرُ بِالإفْرادِ لِأنَّ المُفْرَدَ والجَمْعَ في المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ سَواءٌ إذا كانَ اسْمًا لَهُ أفْرادٌ بِخِلافِ النُّورِ والظِّلِّ والحَرُورِ، وأمّا جَمْعُ الظُّلُماتِ فَقَدْ عَلِمْتَ وجْهَهُ آنِفًا. وجُمْلَةُ إنْ أنْتَ إلّا نَذِيرٌ أفادَتْ قَصْرًا إضافِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعالَجَةِ تَسْمِيعِهِمُ الحَقَّ، أيْ أنْتَ نَذِيرٌ لِلْمُشابِهِينَ مَن في القُبُورِ ولَسْتَ بِمُدْخِلٍ الإيمانَ إلى قُلُوبِهِمْ، وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ المَعْذِرَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَتِهِ إذْ كانَ مُهْتَمًّا مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ. والنَّذِيرُ: المُنْبِئُ عَنْ تَوَقُّعِ حُدُوثِ مَكْرُوهٍ أوْ مُؤْلِمٍ. والِاقْتِصارُ عَلى وصْفِهِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ مَساقَ الكَلامِ عَلى المُصَمِّمِينَ عَلى الكُفْرِ.

فاطر 35:24

﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وتَنْوِيهٌ بِهِ بِالإسْلامِ. وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ قَصْرُهُ عَلى النِّذارَةِ قَصْرًا حَقِيقًا لِتَبَيُّنِ أنَّ قَصْرَهُ عَلى النِّذارَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ شابَهَ حالُهم حالَ أصْحابِ القُبُورِ، أيْ إنَّ رِسالَتَكَ تَجْمَعُ بِشارَةً ونِذارَةً، فالبِشارَةُ لِمَن قَبِلَ الهُدى، والنِّذارَةُ لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لِأنَّ الجَزاءَ عَلى حَسَبِ القَبُولِ، فَهي رِسالَةٌ مُلابِسَةٌ لِلْحَقِّ ووَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها. فَقَوْلُهُ ”بِالحَقِّ“ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في ”أرْسَلْناكَ“ أيْ مُحِقِّينَ غَيْرَ لاعِبِينَ، أوْ مِن كافِ الخِطابِ، أيْ مُحِقًّا أنْتَ غَيْرَ كاذِبٍ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إرْسالًا مُلابَسًا بِالحَقِّ لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنَ الباطِلِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ إبْطالٌ لِاسْتِبْعادِ المُشْرِكِينَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلى النّاسِ بَشَرًا مِنهم، فَإنَّ تِلْكَ الشُّبْهَةَ كانَتْ مِن أعْظَمِ ما صَدَّهم عَنِ التَّصْدِيقِ صفحة ٢٩٧ بِهِ، فَلِذَلِكَ أُتْبِعَتْ دَلائِلُ الرِّسالَةِ بِإبْطالِ الشُّبْهَةِ الحاجِبَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ. وأيْضًا في ذَلِكَ تَسْفِيهٌ لِأحْلامِهِمْ إذْ رَضُوا أنْ يَكُونُوا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي شَرُفَتْ بِالرِّسالَةِ. ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى وصْفِ النَّذِيرِ هُنا دُونَ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِ البَشِيرِ هو مُراعاةُ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ وإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ، فَإنَّ مِنَ الأُمَمِ مَن لَمْ تَحْصُلْ لَها بِشارَةٌ لِأنَّها لَمْ يُؤْمِن مِنها أحَدٌ، فَفي الحَدِيثِ «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيءُ يَمُرُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، والنَّبِيءُ يَمُرُّ مَعَهُ الرَّجُلُ الواحِدُ، والنَّبِيءُ يَمُرُّ وحْدَهُ» الحَدِيثَ، فَإنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ مَرُّوا وحْدَهم هُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِبْ لَهم أحَدٌ مِن قَوْمِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ عَدَمُ ذِكْرِ وصْفِ البِشارَةِ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ قَرِينَةٍ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ وصْفُ النَّذِيرِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أشَدُّ مُناسَبَةً لِمَقامِ خِطابِ المُكَذِّبِينَ. ومَعْنى الأُمَّةِ هُنا: الجَذْمُ العَظِيمُ مِن أهْلِ نَسَبٍ يَنْتَهِي إلى جَدٍّ واحِدٍ جامِعٍ لِقَبائِلَ كَثِيرَةٍ لَها مَواطِنُ مُتَجاوِرَةٌ مِثْلَ أُمَّةِ الفُرْسِ وأُمَّةِ الرُّومِ وأُمَّةِ الصِّينِ وأُمَّةِ الهِنْدِ وأُمَّةِ يُونانَ وأُمَّةِ إسْرائِيلَ وأُمَّةِ العَرَبِ وأُمَّةِ البَرْبَرِ، فَما مِن أُمَّةٍ مِن هَؤُلاءِ إلّا وقَدْ سَبَقَ فِيها نَذِيرٌ، أيْ رَسُولٌ أوْ نَبِيءٌ يُنْذِرُهم بِالمُهْلِكاتِ وعَذابِ الآخِرَةِ. فَمِنَ المُنْذِرِينَ مَن عَلِمْناهم، ومِنهم مَن أنْذَرُوا وانْقَرَضُوا ولَمْ يَبْقَ خَبَرُهم قالَ تَعالى ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مَن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ. والحِكْمَةُ في الإنْذارِ أنْ لا يَبْقى الضَّلالُ رائِجًا وأنْ يَتَخَوَّلَ اللَّهُ عِبادَهُ بِالدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ سَواءً عَمِلُوا بِها أمْ لَمْ يَعْمَلُوا، فَإنَّها لا تَخْلُوا مِن أثَرٍ صالِحٍ فِيهِمْ. وإنَّما لَمْ يُسَمِّ القُرْآنُ إلّا الأنْبِياءَ والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا في الأُمَمِ السّامِيَّةِ القاطِنَةِ في بِلادِ العَرَبِ وما جاوَرَها لِأنَّ القُرْآنَ حِينَ نُزُولِهِ ابْتَدَأ بِخِطابِ العَرَبِ ولَهم عِلْمٌ بِهَؤُلاءِ الأقْوامِ فَقَدْ عَلِمُوا أخْبارَهم وشَهِدُوا آثارَهم فَكانَ الِاعْتِبارُ بِهِمْ أوْقَعَ، ولَوْ ذُكِرَتْ لَهم رُسُلُ أُمَمٍ لا يَعْرِفُونَهم لَكانَ إخْبارُهم عَنْهم مُجَرَّدَ حِكايَةٍ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِدْلالٌ واعْتِبارٌ.

فاطر 35:25

صفحة ٢٩٨ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أُعَقِبَ الثَّناءُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وتَأْنِيسِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ سِياقُ الحَدِيثِ في شَأْنِ الأُمَمِ جُعِلَتِ التَّسْلِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِحالِ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَكْسَ ما في آيَةِ آلِ عِمْرانَ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ لِأنَّ سِياقَ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) كانَ في رَدِّ مُحاوَلَةِ أهْلِ الكِتابِ إفْحامَ الرَّسُولِ لِأنَّ قَبْلَها الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. وقَدْ خُولِفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) إذْ قُرِنَ كُلٌّ مِنَ الزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ هُنا بِالباءِ، وجُرِّدا مِنها في آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) وذَلِكَ لِأنَّ آيَةَ (آلِ عِمْرانَ) جَرَتْ في سِياقِ زَعْمِ اليَهُودِ أنْ لا تُقْبَلَ مُعْجِزَةُ رَسُولٍ إلّا مُعْجِزَةَ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، فَقِيلَ في التَّفَرُّدِ بِبُهْتانِهِمْ: قَدْ كُذِّبَتِ الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءَ الواحِدُ مِنهم بِأصْنافِ المُعْجِزاتِ مِثْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِن مُعْجِزاتِهِمْ قَرابِينُ تَأْكُلُها النّارُ فَكَذَّبْتُمُوهم، فَتَرْكُ إعادَةِ الباءِ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّسُلَ جاءُوا بِالأنْواعِ الثَّلاثَةِ. ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ ابْتِلاءُ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ الرُّسُلِ، فَمِنهُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِآياتٍ، أيْ خَوارِقِ عاداتٍ فَقَطْ مِثْلُ صالِحٍ وهُودٍ ولُوطٍ، ومِنهم مَن أتَوْا بِالزُّبُرِ وهي المَواعِظُ الَّتِي يُؤْمَرُ بِكِتابَتِها وزَبْرِها، أيْ تَخْطِيطِها لِتَكُونَ مَحْفُوظَةً وتُرَدَّدَ عَلى الألْسُنِ كَزَبُورِ داوُدَ وكُتُبِ أصْحابِ الكُتُبِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ أرْمِياءَ وإيلِياءَ، ومِنهم مَن جاءُوا بِالكِتابِ المُنِيرِ، يَعْنِي كِتابَ الشَّرائِعِ مِثْلَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، فَذَكَرَ الباءَ مُشِيرًا إلى تَوْزِيعِ أصْنافِ المُعْجِزاتِ عَلى أصْنافِ الرُّسُلِ. فَزَبُورُ إبْراهِيمَ صُحُفُهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] . وزَبُورُ مُوسى كَلامُهُ في المَواعِظِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ مِثْلَ دُعائِهِ الَّذِي صفحة ٢٩٩ دَعا بِهِ في قادِشَ المَذْكُورِ في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، ووَصِيَّتِهِ في عَبْرِ الأُرْدُنِ الَّتِي في الإصْحاحِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ، ومِثْلَ نَشِيدِهِ الوَعْظِيِّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحِفْظِهِ والتَّرَنُّمِ بِهِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ مِنهُ، ومِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي بارَكَ بِهِ أسْباطَ إسْرائِيلَ في عَرَباتِ مُؤابَ في آخِرِ حَياتِهِ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنهُ. وزَبُورُ عِيسى أقْوالُهُ المَأْثُورَةُ في الأناجِيلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَنسُوبًا إلى الوَحْيِ. فالضَّمِيرُ في ”جاءُوا“ لِلرُّسُلِ وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ جاءَ مَجْمُوعُهم بِهَذِهِ الأصْنافِ مِنَ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَجِيءَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم بِجَمِيعِها كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا. وجَوابُ ”إنْ يُكَذِّبُوكَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، والتَّقْدِيرُ: إنْ يُكَذِّبُوكَ فَلا تَحْزَنْ، ولا تَحْسَبْهم مُفْلِتِينَ مِنَ العِقابِ عَلى ذَلِكَ إذْ قَدْ كَذَّبَ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءَتْهم رُسُلٌ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ وقَدْ عاقَبْناهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ فاءٌ فَصِيحَةٌ أوْ تَفْرِيعٌ عَلى المَحْذُوفِ. وجُمْلَةُ ”جاءَتْهم“ صِلَةُ ”الَّذِينَ“ و”مِن قَبْلِهِمْ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِـ ”جاءَتْهم“ . و”ثُمَّ“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ”أخَذْتُ“ عَلى جُمْلَةِ ”جاءَتْهم“ أيْ ثُمَّ أخَذْتُهم، وأُظْهِرَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ في مَوْضِعِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ أخْذَهم لِأجْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن أنَّهم كَفَرُوا. والأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِئْصالِ والإفْناءِ، شُبِّهَ إهْلاكُهم جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِإتْلافِ المُغِيرِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ يَقْتُلُونَهم ويَغْنَمُونَ أمْوالَهم فَتَبْقى دِيارُهم بَلْقَعًا كَأنَّهم أُخِذُوا مِنها. و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهو مُفَرَّعٌ بِالفاءِ عَلى ”﴿أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾“، والمَعْنى: أخَذْتُهم أخْذًا عَجِيبًا كَيْفَ تَرَوْنَ أُعْجُوبَتَهُ. صفحة ٣٠٠ وأصْلُ ”كَيْفَ“ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ عَنِ الحالِ فَلَمّا اسْتُعْمِلَ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ أخْذِهِمْ لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُهم مَعْرُوفًا، أيْ يَعْرِفُهُ النَّبِيءُ ﷺ وكُلُّ مَن بَلَغَتْهُ أخْبارُهم فَعَلى تِلْكَ المَعْرِفَةِ المَشْهُورَةِ بُنِيَ التَّعْجِيبُ. والنَّكِيرُ: اسْمٌ لِشِدَّةِ الإنْكارِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العِقابِ لِأنَّ الإنْكارَ يَسْتَلْزِمُ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ المُنْكَرِ بِالعِقابِ. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا ولِرِعايَةِ الفَواصِلِ في الوَقْفِ لِأنَّ الفَواصِلَ يُعْتَبَرُ فِيها الوَقْفُ، وتَقَدَّمَ في سَبَأٍ.

فاطر 35:26

صفحة ٢٩٨ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ وبِالكِتابِ المُنِيرِ﴾ ﴿ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أُعَقِبَ الثَّناءُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ وتَأْنِيسِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ. وإذْ قَدْ كانَ سِياقُ الحَدِيثِ في شَأْنِ الأُمَمِ جُعِلَتِ التَّسْلِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِحالِ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَكْسَ ما في آيَةِ آلِ عِمْرانَ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ لِأنَّ سِياقَ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) كانَ في رَدِّ مُحاوَلَةِ أهْلِ الكِتابِ إفْحامَ الرَّسُولِ لِأنَّ قَبْلَها الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا أنْ لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. وقَدْ خُولِفَ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبُ آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) إذْ قُرِنَ كُلٌّ مِنَ الزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ هُنا بِالباءِ، وجُرِّدا مِنها في آيَةِ (آلِ عِمْرانَ) وذَلِكَ لِأنَّ آيَةَ (آلِ عِمْرانَ) جَرَتْ في سِياقِ زَعْمِ اليَهُودِ أنْ لا تُقْبَلَ مُعْجِزَةُ رَسُولٍ إلّا مُعْجِزَةَ قُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ، فَقِيلَ في التَّفَرُّدِ بِبُهْتانِهِمْ: قَدْ كُذِّبَتِ الرُّسُلُ الَّذِينَ جاءَ الواحِدُ مِنهم بِأصْنافِ المُعْجِزاتِ مِثْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِن مُعْجِزاتِهِمْ قَرابِينُ تَأْكُلُها النّارُ فَكَذَّبْتُمُوهم، فَتَرْكُ إعادَةِ الباءِ هُنالِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الرُّسُلَ جاءُوا بِالأنْواعِ الثَّلاثَةِ. ولَمّا كانَ المَقامُ هُنا لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ناسَبَ أنْ يُذْكَرَ ابْتِلاءُ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِ أُمَمِهِمْ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ الرُّسُلِ، فَمِنهُمُ الَّذِينَ أتَوْا بِآياتٍ، أيْ خَوارِقِ عاداتٍ فَقَطْ مِثْلُ صالِحٍ وهُودٍ ولُوطٍ، ومِنهم مَن أتَوْا بِالزُّبُرِ وهي المَواعِظُ الَّتِي يُؤْمَرُ بِكِتابَتِها وزَبْرِها، أيْ تَخْطِيطِها لِتَكُونَ مَحْفُوظَةً وتُرَدَّدَ عَلى الألْسُنِ كَزَبُورِ داوُدَ وكُتُبِ أصْحابِ الكُتُبِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلَ أرْمِياءَ وإيلِياءَ، ومِنهم مَن جاءُوا بِالكِتابِ المُنِيرِ، يَعْنِي كِتابَ الشَّرائِعِ مِثْلَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، فَذَكَرَ الباءَ مُشِيرًا إلى تَوْزِيعِ أصْنافِ المُعْجِزاتِ عَلى أصْنافِ الرُّسُلِ. فَزَبُورُ إبْراهِيمَ صُحُفُهُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] . وزَبُورُ مُوسى كَلامُهُ في المَواعِظِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ مِثْلَ دُعائِهِ الَّذِي صفحة ٢٩٩ دَعا بِهِ في قادِشَ المَذْكُورِ في الإصْحاحِ التّاسِعِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، ووَصِيَّتِهِ في عَبْرِ الأُرْدُنِ الَّتِي في الإصْحاحِ السّابِعِ والعِشْرِينَ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ، ومِثْلَ نَشِيدِهِ الوَعْظِيِّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ وأمَرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحِفْظِهِ والتَّرَنُّمِ بِهِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَّلاثِينَ مِنهُ، ومِثْلَ الدُّعاءِ الَّذِي بارَكَ بِهِ أسْباطَ إسْرائِيلَ في عَرَباتِ مُؤابَ في آخِرِ حَياتِهِ في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَّلاثِينَ مِنهُ. وزَبُورُ عِيسى أقْوالُهُ المَأْثُورَةُ في الأناجِيلِ مِمّا لَمْ يَكُنْ مَنسُوبًا إلى الوَحْيِ. فالضَّمِيرُ في ”جاءُوا“ لِلرُّسُلِ وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ جاءَ مَجْمُوعُهم بِهَذِهِ الأصْنافِ مِنَ الآياتِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَجِيءَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهم بِجَمِيعِها كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا. وجَوابُ ”إنْ يُكَذِّبُوكَ“ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ عِلَّتُهُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، والتَّقْدِيرُ: إنْ يُكَذِّبُوكَ فَلا تَحْزَنْ، ولا تَحْسَبْهم مُفْلِتِينَ مِنَ العِقابِ عَلى ذَلِكَ إذْ قَدْ كَذَّبَ الأقْوامُ الَّذِينَ جاءَتْهم رُسُلٌ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ وقَدْ عاقَبْناهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾“ فاءٌ فَصِيحَةٌ أوْ تَفْرِيعٌ عَلى المَحْذُوفِ. وجُمْلَةُ ”جاءَتْهم“ صِلَةُ ”الَّذِينَ“ و”مِن قَبْلِهِمْ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ أوْ مُتَعَلِّقٍ بِـ ”جاءَتْهم“ . و”ثُمَّ“ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ”أخَذْتُ“ عَلى جُمْلَةِ ”جاءَتْهم“ أيْ ثُمَّ أخَذْتُهم، وأُظْهِرَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ في مَوْضِعِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ أخْذَهم لِأجْلِ ما تَضَمَّنَتْهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن أنَّهم كَفَرُوا. والأخْذُ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِئْصالِ والإفْناءِ، شُبِّهَ إهْلاكُهم جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِإتْلافِ المُغِيرِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ يَقْتُلُونَهم ويَغْنَمُونَ أمْوالَهم فَتَبْقى دِيارُهم بَلْقَعًا كَأنَّهم أُخِذُوا مِنها. و”كَيْفَ“ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وهو مُفَرَّعٌ بِالفاءِ عَلى ”﴿أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾“، والمَعْنى: أخَذْتُهم أخْذًا عَجِيبًا كَيْفَ تَرَوْنَ أُعْجُوبَتَهُ. صفحة ٣٠٠ وأصْلُ ”كَيْفَ“ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِهِ عَنِ الحالِ فَلَمّا اسْتُعْمِلَ في التَّعْجِيبِ مِن حالِ أخْذِهِمْ لَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُهم مَعْرُوفًا، أيْ يَعْرِفُهُ النَّبِيءُ ﷺ وكُلُّ مَن بَلَغَتْهُ أخْبارُهم فَعَلى تِلْكَ المَعْرِفَةِ المَشْهُورَةِ بُنِيَ التَّعْجِيبُ. والنَّكِيرُ: اسْمٌ لِشِدَّةِ الإنْكارِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العِقابِ لِأنَّ الإنْكارَ يَسْتَلْزِمُ الجَزاءَ عَلى الفِعْلِ المُنْكَرِ بِالعِقابِ. وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا ولِرِعايَةِ الفَواصِلِ في الوَقْفِ لِأنَّ الفَواصِلَ يُعْتَبَرُ فِيها الوَقْفُ، وتَقَدَّمَ في سَبَأٍ.

فاطر 35:27

﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ اسْتِئْنافٌ فِيهِ إيضاحُ ما سَبَقَهُ مِنِ اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى ورَفْضِهِ بِسَبَبِ ما تَهَيَّأتْ خِلْقَةُ النُّفُوسِ إلَيْهِ لِيَظْهَرَ بِهِ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ أفْرادِ الأصْنافِ والأنْواعِ نامُوسٌ جَبَلِيٌّ فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَخْلُوقاتِ هَذا العالَمِ الأرْضِيِّ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَدْفَعَ عَنْهُ اغْتِمامَهُ مِن مُشاهَدَةِ عَدَمِ انْتِفاعِ المُشْرِكِينَ بِالقُرْآنِ. وضُرِبَ اخْتِلافُ الظَّواهِرِ في أفْرادِ الصِّنْفِ الواحِدِ مَثَلًا لِاخْتِلافِ البَواطِنِ تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ، فَكانَ هَذا الِاسْتِئْنافُ مِن الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا التَّقْرِيبِ مِمّا تَشْرَئِبُّ إلَيْهِ الأفْهامُ عِنْدَ سَماعِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٢٢] . والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وجاءَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ عَلى ما هو المُسْتَعْمَلُ كَما بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨] في سُورَةِ (الأعْرافِ) وفي آياتٍ أُخْرى. وضَمِيرُ فَأخْرَجْنا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. والألْوانُ: جَمْعُ لَوْنٍ وهو عَرَضٌ، أيْ كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ لِسُطُوحِ الأجْسامِ يُكَيِّفُهُ النُّورُ كَيْفِيّاتٍ مُخْتَلِفَةً عَلى اخْتِلافِ ما يَحْصُلُ مِنها عِنْدَ انْعِكاسِها إلى عَدَساتِ الأعْيُنِ صفحة ٣٠١ مِن شِبْهِ الظُّلْمَةِ وهو لَوْنُ السَّوادِ وشِبْهِ الصُّبْحِ هو لَوْنُ البَياضِ، فَهُما الأصْلانِ لِلْألْوانِ، وتَنْشَقُّ مِنها ألْوانٌ كَثِيرَةٌ وُضِعَتْ لَها أسْماءٌ اصْطِلاحِيَّةٌ وتَشْبِيهِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ. والمَقْصُودُ مِن الِاعْتِبارِ هو اخْتِلافُ ألْوانِ الأصْنافِ مِنَ النَّوْعِ الواحِدِ كاخْتِلافِ ألْوانِ التُّفّاحِ مَعَ ألْوانِ السَّفَرْجَلِ، وألْوانِ العِنَبِ مَعَ ألْوانِ التِّينِ، واخْتِلافِ ألْوانِ الأفْرادِ مِنَ الصِّنْفِ الواحِدِ تاراتٍ كاخْتِلافِ ألْوانِ التُّمُورِ والزَّيْتُونِ والأعْنابِ والتُّفّاحِ والرُّمّانِ. وذِكْرُ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ إدْماجٌ في الغَرَضِ لِلِاعْتِبارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مَعَ ما فِيهِ مِنِ اتِّحادِ أصْلِ نَشْأةِ الأصْنافِ والأنْواعِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤]، وذَلِكَ أرْعى لِلِاعْتِبارِ. وجِيءَ بِالجُمْلَتَيْنِ الفِعْلِيَّتَيْنِ في ”أنْزَلَ“ وأخْرَجْنا لِأنَّ إنْزالَ الماءِ وإخْراجَ الثَّمَراتِ مُتَجَدِّدٌ آنًا فَآنًا. والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ”أنْزَلَ“ وقَوْلِهِ ”أخْرَجْنا“ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاسْتِدْلالِ عَلى القُدْرَةِ لِأنَّهُ الِاسْمُ الجامِعُ لِمَعانِي الصِّفاتِ. وضَمِيرُ التَّكَلُّمِ أنْسَبُ بِما فِيهِ امْتِنانٌ. وقُدِّمَ الِاعْتِبارُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الثَّمَراتِ لِأنَّ في اخْتِلافِها سَعَةً تُشْبِهُ سَعَةَ اخْتِلافِ النّاسِ في المَنافِعِ والمَدارِكِ والعَقائِدِ. وفي الحَدِيثِ «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها طَيِّبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ ولا رِيحَ لَها، ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحانَةِ رِيحُها طَيِّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ، ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ طَعْمُها مُرٌّ ولا رِيحَ لَها» . وجُرِّدَ مُخْتَلِفًا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ مَعَ أنَّ فاعِلَهُ جَمْعٌ وشَأْنُ النَّعْتِ السَّبَبِيِّ أنْ يُوافِقَ مَرْفُوعَهُ في التَّذْكِيرِ وضِدِّهِ والإفْرادِ وضِدِّهِ، ولا يُوافِقُ في ذَلِكَ مَنعُوتَهُ صفحة ٣٠٢ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الفاعِلُ جَمْعًا لِما لا يَعْقِلُ وهو الألْوانُ كانَ حَذْفُ التّاءِ في مِثْلِهِ جائِزًا في الِاسْتِعْمالِ، وآثَرَهُ القُرْآنُ إيثارًا لِلْإيجازِ. والمُرادُ بِالثَّمَراتِ: ثَمَراتُ النَّخِيلِ والأعْنابِ وغَيْرِها، فَثَمَراتُ النَّخِيلِ أكْثَرُ الثَّمَراتِ ألْوانًا، فَإنَّ ألْوانَها تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أطْوارِها، فَمِنها الأخْضَرُ والأصْفَرُ والأحْمَرُ والأسْوَدُ. * * * ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَطْفُها عَلَيْها لِلْمُناسَبَةِ الظّاهِرَةِ. وجُدَدٌ مُبْتَدَأٌ ﴿ومِنَ الجِبالِ﴾ خَبَرُهُ. وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلِاهْتِمامِ ولِلتَّشْوِيقِ لِذِكْرِ المُبْتَدَأِ حَثًّا عَلى التَّأمُّلِ والنَّظَرِ. و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى مَعْنى: وبَعْضُ تُرابِ الجِبالِ جُدَدٌ، فَفي الجَبَلِ الواحِدِ تُوجَدُ جُدَدٌ مُخْتَلِفَةٌ، وقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الجُدَدِ بَعْضُها في بَعْضِ الجِبالِ وبَعْضٌ آخَرُ في بَعْضٍ آخَرَ. وجُدَدٌ: جَمْعُ جُدَّةٍ بِضَمِّ الجِيمِ، وهي الطَّرِيقَةُ والخُطَّةُ في الشَّيْءِ تَكُونُ واضِحَةً فِيهِ. يُقالُ لِلْخُطَّةِ السَّوْداءِ الَّتِي عَلى ظَهْرِ الحِمارِ جُدَّةٌ، ولِلظَّبْيِ جُدَّتانِ مِسْكِيَّتا اللَّوْنِ تَفْصِلانِ بَيْنَ لَوْنَيْ ظَهْرِهِ وبَطْنِهِ، والجُدَدُ البِيضُ الَّتِي في الجِبالِ هي ما كانَتْ صُخُورًا بَيْضاءَ مِثْلَ المَرْوَةِ، أوْ كانَتْ تَقْرُبُ مِنَ البَياضِ فَإنَّ مِنَ التُّرابِ ما يَصِيرُ في لَوْنِ الأهْصَبِ فَيُقالُ: تُرابٌ أبْيَضُ، ولا يَعْنُونَ أنَّهُ أبْيَضُ كالجِيرِ والجِصِّ بَلْ يَعْنُونَ أنَّهُ مُخالِفٌ لِغالِبِ ألْوانِ التُّرابِ، والجُدَدُ الحُمْرُ هي ذاتُ الحِجارَةِ الحَمْراءِ في الجِبالِ. وغَرابِيبُ: جَمْعُ غِرْبِيبٍ، والغِرْبِيبُ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الأسْوَدِ الحالِكِ سَوادُهُ، ولا تُعْرَفُ لَهُ مادَّةٌ مُشْتَقٌّ هو مِنها، وأحْسَبُ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الجامِدِ، وهو الغُرابُ لِشُهْرَةِ الغُرابِ بِالسَّوادِ. وسُودٌ: جَمْعُ أسْوَدَ وهو الَّذِي لَوْنُهُ السَّوادُ. صفحة ٣٠٣ فالغِرْبِيبُ يَدُلُّ عَلى أشَدَّ مِن مَعْنى أسْوَدَ، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ غَرابِيبُ مُتَأخِّرًا عَنْ سُودٍ لِأنَّ الغالِبَ أنَّهم يَقُولُونَ: أسْوَدُ غِرْبِيبٌ، كَما يَقُولُونَ: أبْيَضُ يَقَقٌ وأصْفَرُ فاقِعٌ وأحْمَرُ قانٍ، ولا يَقُولُونَ: غِرْبِيبٌ أسَوْدُ وإنَّما خُولِفَ ذَلِكَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفَواصِلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الواوِ والياءِ السّاكِنَتَيْنِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، عَلى أنَّ في دَعْوى أنْ يَكُونَ غَرِيبًا تابِعًا لِأسْوَدَ نَظَرًا، والآيَةُ تُؤَيِّدُ هَذا النَّظَرَ، ودَعْوى كَوْنِ غَرابِيبُ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سُودٌ تَكَلُّفٌ واضِحٌ، وكَذَلِكَ دَعْوى الفَرّاءِ: أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وغَرَضُ التَّوْكِيدِ حاصِلٌ عَلى كُلِّ حالٍ.

فاطر 35:28

﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ مَوْقِعُهُ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُسَوِّغُ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ مَعْنًى آخَرَ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الخَبَرِ هُنا سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ. واخْتِلافُ ألْوانِ النّاسِ مِنهُ اخْتِلافٌ عامٌّ وهو ألْوانُ أصْنافِ البَشَرِ وهي الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأصْفَرُ والأحْمَرُ حَسَبَ الِاصْطِلاحِ الجُغْرافِيِّ. ولِلْعَرَبِ في كَلامِهِمْ تَقْسِيمٌ آخَرُ لِألْوانِ أصْنافِ البَشَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] في سُورَةِ الرُّومِ. و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ. والمَعْنى: أنَّ المُخْتَلِفَ ألْوانُهُ بَعْضٌ مِنَ النّاسِ، ومَجْمُوعُ المُخْتَلِفاتِ كُلُّهُ هو النّاسُ كُلُّهم وكَذَلِكَ الدَّوابُّ والأنْعامُ، وهو نَظْمٌ دَقِيقٌ دَعا إلَيْهِ الإيجازُ. وجِيءَ في جُمْلَةِ ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر: ٢٧] و﴿ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ بِالِاسْمِيَّةِ دُونَ الفِعْلِيَّةِ كَما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ الجِبالِ والحَيَوانِ الدّالِّ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ الإيجادِ اخْتِلافًا دائِمًا لا يَتَغَيَّرُ وإنَّما يَحْصُلُ مَرَّةً واحِدَةً عِنْدَ الخَلْقِ وعِنْدَ تَوَلُّدِ النَّسْلِ. * * * صفحة ٣٠٤ ﴿كَذَلِكَ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ الأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ ”كَذَلِكَ“ ابْتِداءُ كَلامٍ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الإخْبارِ بِالنَّتِيجَةِ عَقِبَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ. والمَعْنى: كَذَلِكَ أمْرُ الِاخْتِلافِ في ظَواهِرِ الأشْياءِ المُشاهَدِ في اخْتِلافِ ألْوانِها وهو تَوْطِئَةٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن تَفْصِيلِ الِاسْتِنْتاجِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِنَ البَشَرِ المُخْتَلِفَةِ ألْوانُهُمُ العُلَماءُ مِنهم، فَجُمْلَةُ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ”كَذَلِكَ“، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ دَلَّ بِالِالتِزامِ عَلى أنَّ غَيْرَ العُلَماءِ لا تَتَأتّى مِنهم خَشْيَةُ اللَّهِ فَدَلَّ عَلى أنَّ البَشَرَ في أحْوالِ قُلُوبِهِمْ ومَدارِكِهِمْ مُخْتَلِفُونَ. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] . وأُوثِرَ هَذا الأُسْلُوبُ في الدَّلالَةِ تَخَلُّصًا لِلتَّنْوِيهِ بِأهْلِ العِلْمِ والإيمانِ لِيَنْتَقِلَ إلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] الآيَةَ. فَقَوْلُهُ ”كَذَلِكَ“ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ. والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ الِاخْتِلافُ، أوْ كَذَلِكَ الأمْرُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الكَهْفِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] وهو مِن فَصْلِ الخِطابِ كَما عَلِمْتَ هُنالِكَ ولِذَلِكَ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى ما قَبْلَهُ ويُسْتَأْنَفُ ما بَعْدَهُ. وأمّا جَعْلُ ”كَذَلِكَ“ مِن تَوابِعِ الكَلامِ السّابِقِ فَلا يُناسِبُ نَظْمَ القُرْآنِ لِضَعْفِهِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لا يَخْشاهُ الجُهّالُ، وهم أهْلُ الشِّرْكِ فَإنَّ مِن أخَصِّ أوْصافِهِمْ أنَّهم أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، أيْ عَدَمِ العِلْمِ، فالمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ هُمُ العُلَماءُ، والمُشْرِكُونَ جاهِلُونَ نُفِيَتْ عَنْهم خَشْيَةُ اللَّهِ. ثُمَّ إنَّ العُلَماءَ في مَراتِبِ الخَشْيَةِ مُتَفاوِتُونَ في الدَّرَجاتِ تَفاوُتًا كَثِيرًا. وتَقْدِيمُ مَفْعُولِ ”يَخْشى“ عَلى فاعِلِهِ لِأنَّ المَحْصُورَ فِيهِمْ خَشْيَةُ اللَّهِ هُمُ العُلَماءُ فَوَجَبَ تَأْخِيرُهُ عَلى سُنَّةِ تَأْخِيرِ المَحْصُورِ فِيهِ. والمُرادُ بِالعُلَماءِ: العُلَماءُ بِاللَّهِ وبِالشَّرِيعَةِ، وعَلى حَسَبِ مِقْدارِ العِلْمِ في ذَلِكَ تَقْوى الخَشْيَةُ، فَأمّا العُلَماءُ بِعُلُومٍ لا تَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وثَوابِهِ وعِقابِهِ مَعْرِفَةً عَلى صفحة ٣٠٥ وجْهِها فَلَيْسَتْ عُلُومُهم بِمُقَرِّبَةٍ لَهم مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَلِكَ لِأنَّ العالِمَ بِالشَّرِيعَةِ لا تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ حَقائِقُ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ فَهو يَفْهَمُ مَواقِعَها حَقَّ الفَهْمِ ويَرْعاها في مَواقِعِها ويَعْلَمُ عَواقِبَها مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَهو يَأْتِي ويَدَعُ مِنَ الأعْمالِ ما فِيهِ مُرادُ اللَّهِ ومَقْصِدُ شَرْعِهِ، فَإنْ هو خالَفَ ما دَعَتْ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ في بَعْضِ الأحْوالِ أوْ في بَعْضِ الأوْقاتِ لِداعِي شَهْوَةٍ أوْ هَوًى أوْ تَعَجُّلِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ كانَ في حالِ المُخالَفَةِ مُوقِنًا أنَّهُ مُوَرَّطٌ فِيما لا تُحْمَدُ عُقْباهُ، فَذَلِكَ الإيقانُ لا يَلْبَثُ أنْ يَنْصَرِفَ بِهِ عَنْ الِاسْتِرْسالِ في المُخالَفَةِ بِالإقْلاعِ أوِ الإقْلالِ. وغَيْرُ العالِمِ إنِ اهْتَدى بِالعُلَماءِ فَسَعْيُهُ مِثْلُ سَعْيِ العُلَماءِ وخَشْيَتُهُ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ خَشْيَةِ العُلَماءِ. قالَ الشَّيْخُأبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ والعِلْمُ دَلِيلٌ عَلى الخَيْراتِ وقائِدٌ إلَيْها، وأقْرَبُ العُلَماءِ إلى اللَّهِ أوْلاهم بِهِ وأكْثَرُهم لَهُ خَشْيَةً وفِيما عِنْدَهُ رَغْبَةً. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ تَكْمِيلٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِغْناءِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إيمانِ المُشْرِكِينَ ولَكِنَّهُ يُرِيدُ لَهُمُ الخَيْرَ. ولَمّا كانَ في هَذا الوَصْفِ ضَرْبٌ مِنَ الإعْراضِ عَنْهم مِمّا قَدْ يُحْدِثُ يَأْسًا في نُفُوسِ المُقارِبِينَ مِنهم، أُلِّفَتْ قُلُوبُهم بِاتِّباعِ وصْفِ ”عَزِيزٌ“، بِوَصْفِ ”غَفُورٌ“ أيْ فَهو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهم إنْ تابُوا إلى ما دَعاهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى أنَّ في صِفَةِ ”غَفُورٌ“ حَظًّا عَظِيمًا لِأحَدِ طَرَفَيِ القَصْرِ وهو العُلَماءُ، أيْ غَفُورٌ لَهم.

فاطر 35:29

﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] الآيَةَ، فالَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ هُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ، وقَدْ تُخُلِّصَ إلى بَيانِ فَوْزِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الذِّكْرَ وخَشَوُا الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَإنَّ حالَهم مُضادٌّ لِحالِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا القُرْآنَ، وكانُوا عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِهِ كَحالِ أهْلِ القُبُورِ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا. فَبَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ ثَناءً إجْمالِيًّا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأجْمَلَ حُسْنَ جَزائِهِمْ بِذِكْرِ صفحة ٣٠٦ صِفَةِ ”غَفُورٌ“ ولِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فُصِّلَ ذَلِكَ الثَّناءُ وذُكِرَتْ آثارُهُ ومَنافِعُهُ. فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ المُؤْمِنُونَ بِهِ لِأنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِذَلِكَ وعُرِفُوا بِهِ وهُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ. قالَ تَعالى ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ إيمانِهِمْ لِأنَّهُ لا يَتْلُو الكِتابَ إلّا مَن صَدَّقَ بِهِ وتَلَقّاهُ بِاعْتِناءٍ. وتَضَمَّنَ هَذا أنَّهم يَكْتَسِبُونَ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ العَقائِدِ والأخْلاقِ والتَّكالِيفِ، فَقَدْ أشْعَرَ الفِعْلُ المُضارِعُ بِتَجَدُّدِ تِلاوَتِهِمْ فَإنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُتَجَدِّدٌ فَكُلَّما نَزَلَ مِنهُ مِقْدارٌ تَلَقَّوْهُ وتَدارَسُوهُ. وكِتابُ اللَّهِ القُرْآنُ، وعَدَلَ عَنِ اسْمِهِ العَلَمِ إلى اسْمِ الجِنْسِ المُضافِ لِاسْمِ الجَلالَةِ لِما في إضافَتِهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ. وأتْبَعَ ما هو عَلامَةُ قَبُولِ الإيمانِ والعِلْمِ بِهِ بِعَلامَةٍ أُخْرى وهي إقامَةُ الصَّلاةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّها أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ مِنَ الأعْمالِ في المالِ وهي الإنْفاقُ، والمُرادُ بِالإنْفاقِ حَيْثُما أُطْلِقَ في القُرْآنِ هو الصَّدَقاتُ واجِبُها ومُسْتَحَبُّها، وما ورَدَ الإنْفاقُ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ إلّا والمُرادُ بِهِ الصَّدَقاتُ المُسْتَحَبَّةُ إذْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ أيّامَئِذٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ مَفْرُوضَةً دُونَ نُصُبٍ ولا تَحْدِيدٍ ثُمَّ حُدِّدَتْ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ. وجِيءَ في جانِبِ إقامَةِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِأنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ قَدْ تَقَرَّرَ وعَمِلُوا بِهِ فَلا تَجَدُّدَ فِيهِ، وامْتِثالُ الَّذِي كُلِّفُوا يَقْتَضِي أنَّهم مُداوِمُونَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ وإيماءٌ إلى أنَّهُ إنْفاقُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ فَهم يُعْطُونَ مِنهُ أهْلَ الحاجَةِ. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِامْتِنانِ. صفحة ٢٠٧ وانْتَصَبَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرِ ”أنْفَقُوا“ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ والمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ. والمَعْنى: أنَّهم لا يُرِيدُونَ مِنَ الإنْفاقِ إلّا مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لا يُراءُونَ بِهِ، فَهم يُنْفِقُونَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ ويُنْفِقُونَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ فَلا يَصُدُّهم مُشاهَدَةُ النّاسِ عَنِ الإنْفاقِ. وفِي تَقْدِيمِ السِّرِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أفْضَلُ لِانْقِطاعِ شائِبَةِ الرِّياءِ مِنهُ، وذِكْرُ العَلانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَصُدُّهم مَرْأى المُشْرِكِينَ عَنِ الإنْفاقِ فَهم قَدْ أعْلَنُوا بِالإيمانِ وشَرائِعِهِ حُبَّ مَن حَبَّ أوْ كُرْهَ مَن كَرِهَ. و﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ هو خَبَرُ ”إنَّ“ . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّبْشِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَرْجُوا تِجارَةً، وزادَهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ قَرِينَةً عَلى إرادَةِ التَّبْشِيرِ. والتِّجارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِأعْمالِهِمْ مِن تِلاوَةٍ وصَلاةٍ وإنْفاقٍ. ووَجْهُ الشَّبَهِ مُشابَهَةُ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمْ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ عَلى التِّجارَةِ. والمَعْنى: لِيَرْجُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُهم كَتِجارَةٍ رابِحَةٍ. والبَوارُ: الهَلاكُ. وهَلاكُ التِّجارَةِ: خَسارَةُ التّاجِرِ. فَمَعْنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أنَّها رابِحَةٌ. و﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صِفَةُ تِجارَةً، والمَعْنى: أنَّهم يَرْجُونَ عَدَمَ بَوارِ التِّجارَةِ. فالصِّفَةُ مَناطُ التَّبْشِيرِ والرَّجاءِ لا أصْلُ التِّجارَةِ؛ لِأنَّ مُشابَهَةَ العَمَلِ الفَظِيعِ لِعَمَلِ التّاجِرِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ. و”لِيُوَفِّيَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَرْجُونَ“، أيْ بَشَّرْناهم بِذَلِكَ وقَدَّرْناهُ لَهم لِنُوَفِّيَهم أُجُورَهم ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ رُجُوعًا إلى سِياقِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ لِيُوَفِّيَ اللَّهُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَهُ. والتَّوْفِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ تامًّا لا نَقِيصَةَ فِيهِ ولا غَبْنَ. وأسْجَلَ عَلَيْهِمُ الفَضْلَ بِأنَّهُ يَزِيدُهم عَلى ما تَسْتَحِقُّهُ أعْمالُهم ثَوابًا مِن فَضْلِهِ صفحة ٣٠٨ أيْ كَرَمِهِ، وهو مُضاعَفَةُ الحَسَناتِ الوارِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ. وذُيِّلَ هَذا الوَعْدُ بِما يُحَقِّقُهُ وهو أنَّ الغُفْرانَ والشُّكْرانَ مِن شَأْنِهِ، فَإنَّ مِن صِفاتِهِ الغَفُورَ الشَّكُورَ، أيِ الكَثِيرَ المَغْفِرَةِ والشَّدِيدَ الشُّكْرِ. فالمَغْفِرَةُ تَأْتِي عَلى تَقْصِيرِ العِبادِ المُطِيعِينَ، فَإنَّ طاعَةَ اللَّهِ الحَقَّ الَّتِي هي بِالقَلْبِ والعَمَلِ والخَواطِرِ لا يَبْلُغُ حَقَّ الوَفاءِ بِها إلّا المَعْصُومُ ولَكِنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنِ الأُمَّةِ فِيما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، وفِيما هَمَّتْ بِهِ ولَمْ تَفْعَلْهُ. وفي اللَّمَمِ، وفي مَحْوِ الذُّنُوبِ الماضِيَةِ بِالتَّوْبَةِ، والشُّكْرُ كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الحَسَناتِ عَلى أعْمالِهِمْ فَهو يَشْكُرُ بِالعَمَلِ لِأنَّ الَّذِي يُجازِي عَلى عَمَلٍ عَمِلَهُ المَجْزِيُّ بِجَزاءٍ وافِرٍ يَدُلُّ جَزاؤُهُ عَلى أنَّهُ حَمِدَ لِلْفاعِلِ فِعْلَهُ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ زِيادَةً في تَحْقِيقِهِ، ولِما في التَّأْكِيدِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ عِلَّةً لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ والزِّيادَةِ فِيها. وفِي الآيَةِ ما يَشْمَلُ ثَوابَ قُرّاءِ القُرْآنِ، فَإنَّهم يَصْدُقُ عَنْهم أنَّهم مِنَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولَوْ لَمْ يُصاحِبْهُمُ التَّدَبُّرُ في القُرْآنِ فَإنَّ لِلتِّلاوَةِ حَظَّها مِنَ الثَّوابِ والتَّنَوُّرِ بِأنْوارِ كَلامِ اللَّهِ.

فاطر 35:30

﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] الآيَةَ، فالَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ هُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ، وقَدْ تُخُلِّصَ إلى بَيانِ فَوْزِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الذِّكْرَ وخَشَوُا الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَإنَّ حالَهم مُضادٌّ لِحالِ الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا القُرْآنَ، وكانُوا عِنْدَ تَذْكِيرِهِمْ بِهِ كَحالِ أهْلِ القُبُورِ لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا. فَبَعْدَ أنْ أثْنى عَلَيْهِمْ ثَناءً إجْمالِيًّا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأجْمَلَ حُسْنَ جَزائِهِمْ بِذِكْرِ صفحة ٣٠٦ صِفَةِ ”غَفُورٌ“ ولِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ فُصِّلَ ذَلِكَ الثَّناءُ وذُكِرَتْ آثارُهُ ومَنافِعُهُ. فالمُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ المُؤْمِنُونَ بِهِ لِأنَّهُمُ اشْتُهِرُوا بِذَلِكَ وعُرِفُوا بِهِ وهُمُ المُرادُ بِالعُلَماءِ. قالَ تَعالى ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ إيمانِهِمْ لِأنَّهُ لا يَتْلُو الكِتابَ إلّا مَن صَدَّقَ بِهِ وتَلَقّاهُ بِاعْتِناءٍ. وتَضَمَّنَ هَذا أنَّهم يَكْتَسِبُونَ مِنَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ مِنَ العَقائِدِ والأخْلاقِ والتَّكالِيفِ، فَقَدْ أشْعَرَ الفِعْلُ المُضارِعُ بِتَجَدُّدِ تِلاوَتِهِمْ فَإنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مُتَجَدِّدٌ فَكُلَّما نَزَلَ مِنهُ مِقْدارٌ تَلَقَّوْهُ وتَدارَسُوهُ. وكِتابُ اللَّهِ القُرْآنُ، وعَدَلَ عَنِ اسْمِهِ العَلَمِ إلى اسْمِ الجِنْسِ المُضافِ لِاسْمِ الجَلالَةِ لِما في إضافَتِهِ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِهِ. وأتْبَعَ ما هو عَلامَةُ قَبُولِ الإيمانِ والعِلْمِ بِهِ بِعَلامَةٍ أُخْرى وهي إقامَةُ الصَّلاةِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّها أعْظَمُ الأعْمالِ البَدَنِيَّةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِعَمَلٍ عَظِيمٍ مِنَ الأعْمالِ في المالِ وهي الإنْفاقُ، والمُرادُ بِالإنْفاقِ حَيْثُما أُطْلِقَ في القُرْآنِ هو الصَّدَقاتُ واجِبُها ومُسْتَحَبُّها، وما ورَدَ الإنْفاقُ في السُّوَرِ المَكِّيَّةِ إلّا والمُرادُ بِهِ الصَّدَقاتُ المُسْتَحَبَّةُ إذْ لَمْ تَكُنِ الزَّكاةُ قَدْ فُرِضَتْ أيّامَئِذٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ مَفْرُوضَةً دُونَ نُصُبٍ ولا تَحْدِيدٍ ثُمَّ حُدِّدَتْ بِالنُّصُبِ والمَقادِيرِ. وجِيءَ في جانِبِ إقامَةِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِأنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ قَدْ تَقَرَّرَ وعَمِلُوا بِهِ فَلا تَجَدُّدَ فِيهِ، وامْتِثالُ الَّذِي كُلِّفُوا يَقْتَضِي أنَّهم مُداوِمُونَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ وإيماءٌ إلى أنَّهُ إنْفاقُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ فَهم يُعْطُونَ مِنهُ أهْلَ الحاجَةِ. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِامْتِنانِ. صفحة ٢٠٧ وانْتَصَبَ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرِ ”أنْفَقُوا“ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وإنْفاقَ عَلانِيَةٍ والمَصْدَرُ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ. والمَعْنى: أنَّهم لا يُرِيدُونَ مِنَ الإنْفاقِ إلّا مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى لا يُراءُونَ بِهِ، فَهم يُنْفِقُونَ حَيْثُ لا يَراهم أحَدٌ ويُنْفِقُونَ بِمَرْأًى مِنَ النّاسِ فَلا يَصُدُّهم مُشاهَدَةُ النّاسِ عَنِ الإنْفاقِ. وفِي تَقْدِيمِ السِّرِّ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أفْضَلُ لِانْقِطاعِ شائِبَةِ الرِّياءِ مِنهُ، وذِكْرُ العَلانِيَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يَصُدُّهم مَرْأى المُشْرِكِينَ عَنِ الإنْفاقِ فَهم قَدْ أعْلَنُوا بِالإيمانِ وشَرائِعِهِ حُبَّ مَن حَبَّ أوْ كُرْهَ مَن كَرِهَ. و﴿يَرْجُونَ تِجارَةً﴾ هو خَبَرُ ”إنَّ“ . والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ التَّبْشِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَرْجُوا تِجارَةً، وزادَهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ﴾ قَرِينَةً عَلى إرادَةِ التَّبْشِيرِ. والتِّجارَةُ مُسْتَعارَةٌ لِأعْمالِهِمْ مِن تِلاوَةٍ وصَلاةٍ وإنْفاقٍ. ووَجْهُ الشَّبَهِ مُشابَهَةُ تَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمْ بِتَرَتُّبِ الرِّبْحِ عَلى التِّجارَةِ. والمَعْنى: لِيَرْجُوا أنْ تَكُونَ أعْمالُهم كَتِجارَةٍ رابِحَةٍ. والبَوارُ: الهَلاكُ. وهَلاكُ التِّجارَةِ: خَسارَةُ التّاجِرِ. فَمَعْنى ﴿لَنْ تَبُورَ﴾ أنَّها رابِحَةٌ. و﴿لَنْ تَبُورَ﴾ صِفَةُ تِجارَةً، والمَعْنى: أنَّهم يَرْجُونَ عَدَمَ بَوارِ التِّجارَةِ. فالصِّفَةُ مَناطُ التَّبْشِيرِ والرَّجاءِ لا أصْلُ التِّجارَةِ؛ لِأنَّ مُشابَهَةَ العَمَلِ الفَظِيعِ لِعَمَلِ التّاجِرِ شَيْءٌ مَعْلُومٌ. و”لِيُوَفِّيَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَرْجُونَ“، أيْ بَشَّرْناهم بِذَلِكَ وقَدَّرْناهُ لَهم لِنُوَفِّيَهم أُجُورَهم ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِنَ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ إلى الغَيْبَةِ رُجُوعًا إلى سِياقِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ أيْ لِيُوَفِّيَ اللَّهُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَهُ. والتَّوْفِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ وافِيًا، أيْ تامًّا لا نَقِيصَةَ فِيهِ ولا غَبْنَ. وأسْجَلَ عَلَيْهِمُ الفَضْلَ بِأنَّهُ يَزِيدُهم عَلى ما تَسْتَحِقُّهُ أعْمالُهم ثَوابًا مِن فَضْلِهِ صفحة ٣٠٨ أيْ كَرَمِهِ، وهو مُضاعَفَةُ الحَسَناتِ الوارِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيَةَ. وذُيِّلَ هَذا الوَعْدُ بِما يُحَقِّقُهُ وهو أنَّ الغُفْرانَ والشُّكْرانَ مِن شَأْنِهِ، فَإنَّ مِن صِفاتِهِ الغَفُورَ الشَّكُورَ، أيِ الكَثِيرَ المَغْفِرَةِ والشَّدِيدَ الشُّكْرِ. فالمَغْفِرَةُ تَأْتِي عَلى تَقْصِيرِ العِبادِ المُطِيعِينَ، فَإنَّ طاعَةَ اللَّهِ الحَقَّ الَّتِي هي بِالقَلْبِ والعَمَلِ والخَواطِرِ لا يَبْلُغُ حَقَّ الوَفاءِ بِها إلّا المَعْصُومُ ولَكِنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنِ الأُمَّةِ فِيما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، وفِيما هَمَّتْ بِهِ ولَمْ تَفْعَلْهُ. وفي اللَّمَمِ، وفي مَحْوِ الذُّنُوبِ الماضِيَةِ بِالتَّوْبَةِ، والشُّكْرُ كِنايَةٌ عَنْ مُضاعَفَةِ الحَسَناتِ عَلى أعْمالِهِمْ فَهو يَشْكُرُ بِالعَمَلِ لِأنَّ الَّذِي يُجازِي عَلى عَمَلٍ عَمِلَهُ المَجْزِيُّ بِجَزاءٍ وافِرٍ يَدُلُّ جَزاؤُهُ عَلى أنَّهُ حَمِدَ لِلْفاعِلِ فِعْلَهُ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ زِيادَةً في تَحْقِيقِهِ، ولِما في التَّأْكِيدِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ عِلَّةً لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ والزِّيادَةِ فِيها. وفِي الآيَةِ ما يَشْمَلُ ثَوابَ قُرّاءِ القُرْآنِ، فَإنَّهم يَصْدُقُ عَنْهم أنَّهم مِنَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ولَوْ لَمْ يُصاحِبْهُمُ التَّدَبُّرُ في القُرْآنِ فَإنَّ لِلتِّلاوَةِ حَظَّها مِنَ الثَّوابِ والتَّنَوُّرِ بِأنْوارِ كَلامِ اللَّهِ.

فاطر 35:31

﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ هو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لَمّا كانَ المُبْدَأُ بِهِ مِن أسْبابِ ثَوابِ المُؤْمِنِينَ هو تِلاوَتُهم كِتابَ اللَّهِ أُعْقِبَ التَّنْوِيهُ بِهِمْ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ لِلتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ، ولِأنَّ في التَّذْكِيرِ بِجَلالِ القُرْآنِ وشَرَفِهِ إيماءً إلى عِلَّةِ اسْتِحْقاقِ الَّذِينَ يَتْلُونَهُ ما اسْتَحَقُّوا. وابْتُدِئَ التَّنْوِيهُ بِهِ بِأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى رَسُولِهِ، وناهِيكَ بِهَذِهِ الصِّلَةِ تَنْوِيهًا بِالكِتابِ، وهو يَتَضَمَّنُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، فَفي هَذِهِ مَسَرَّةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وبِشارَةٌ لَهُ بِأنَّهُ أفْضَلُ الرُّسُلِ وأنَّ كِتابَهُ أفْضَلُ الكُتُبِ. صفحة ٣٠٩ وهَذِهِ نُكْتَةُ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ كَوْنِهِ الحَقَّ الكامِلَ، دُونَ الإضْمارِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ بِأنْ يُقالَ: وهو الكِتابُ الحَقُّ. فالتَّعْرِيفُ في الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ. و”مِن“ بَيانِيَّةٌ لِما في المَوْصُولِ مِنَ الإبْهامِ، والتَّقْدِيرُ: والكِتابُ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو الحَقُّ. فَقُدِّمَ المَوْصُولُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَقَعَ صِفَةً لِلْكِتابِ تَقْدِيمًا لِلتَّشْوِيقِ بِالإبْهامِ لِيَقَعَ بَعْدَهُ التَّفْصِيلُ فَيَتَمَكَّنَ مِنَ الذِّهْنِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢٩] فَهي مِثْلُها في حُكْمِ الِاسْتِئْنافِ. وضَمِيرُ ”هو“ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وهو تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ تَعْرِيفُ المُسْنَدِ مِنَ القَصْرِ. والتَّعْرِيفُ في ”الحَقِّ“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وأفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرَ جِنْسِ الحَقِّ عَلى ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَقِّيَّةِ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ. وأمّا الكُتُبُ غَيْرُ الإلَهِيَّةِ مِثْلُ (الزَّنْدِ فِسْتا) كِتابِ زِرادِشْتَ ومِثْلُ كُتُبِ الصّابِئَةِ فَلِأنَّ ما فِيها مِن قَلِيلِ الحَقِّ قَدْ غُمِرَ بِالباطِلِ والأوْهامِ. وأمّا الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ كالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ وما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُ الأنْبِياءِ كالزَّبُورِ وكِتابِ أرْمِيا مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، فَما شَهِدَ القُرْآنُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَدْ دَخَلَ في شَهادَةِ قَوْلِهِ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، وما جاءَ نَسْخُهُ بِالقُرْآنِ فَقَدْ بَيَّنَ النَّسْخُ تَحْدِيدَ صَلاحِيَّتِهِ في القُرْآنِ. وذَلِكَ أيْضًا تَصْدِيقٌ لَها لِأنَّهُ يَدْفَعُ مَوْهِمَ بُطْلانِها عِنْدَ مَن يَجِدُ خِلافَها في القُرْآنِ، وما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ نُقِلَ عَلى تَحْرِيفٍ أوْ تَأْوِيلٍ فَقَدْ دَخَلَ فِيما أخْرَجَهُ القَصْرُ. وقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ مُعْظَمَهُ وكَشَفَ عَنْ مَواقِعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيْهِ ما سَبَقَهُ لِأنَّ السّابِقَ يَجِيءُ مُتَقَدِّمًا عَلى المَسْبُوقِ فَكَأنَّهُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] . صفحة ٣١٠ والمُرادُ بِما بَيْنَ يَدَيْهِ ما قَبْلَهُ مِنَ الشَّرائِعِ، وأهَمُّها شَرِيعَةُ مُوسى وشَرِيعَةُ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. وانْتَصَبَ مُصَدِّقًا عَلى الحالِ مِنَ الكِتابِ والعامِلُ في الحالِ فِعْلُ ”أوْحَيْنا“ لِيُفِيدَ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا بالِغًا في الحَقِّيَّةِ فَهو مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ الحَقَّةِ، ومُقَرِّرٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ. * * * ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ قَبْلَهُ مِن تَفْضِيلِ بَعْضِ عِبادِ اللَّهِ عَلى بَعْضٍ ومِنِ انْطِواءِ ضَمائِرِهِمْ عَلى الخَشْيَةِ وعَدَمِها، وإقْبالِ بَعْضِهِمْ عَلى الطّاعاتِ وإعْراضِ بَعْضٍ، ومِن تَفْضِيلِ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ عَلى بَعْضٍ المُقْتَضِي أيْضًا تَفْضِيلَ بَعْضِ المُرْسَلِينَ بِها عَلى بَعْضٍ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ مَوْقِعُ إقْناعِ السّامِعِينَ بِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِعِبادِهِ وهو يُعامِلُهم بِحَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهم، ويَصْطَفِي مِنهم مَن عَلِمَ أنَّهُ خَلَقَهُ كُفْئًا لِاصْطِفائِهِ، فَألْقَمَ بِهَذا الَّذِينَ قالُوا ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] حَجَرًا، وكَأُولَئِكَ أيْضًا الَّذِينَ يُنْكِرُونَ القُرْآنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِعِلَّةِ أنَّهُ جاءَ مُبْطِلًا لِكِتابِهِمْ. والخَبِيرُ: العالِمُ بِدَقائِقِ الأُمُورِ المَعْقُولَةِ والمَحْسُوسَةِ والظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ. والبَصِيرُ: العالِمُ بِالأُمُورِ المُبْصَرَةِ. وتَقْدِيمُ ”الخَبِيرُ“ عَلى ”البَصِيرُ“ لِأنَّهُ أشْمَلُ. وذِكْرُ ”البَصِيرُ“ عَقِبَهُ لِلْعِنايَةِ بِالأعْمالِ الَّتِي هي مِنَ المُبْصَراتِ وهي غالِبُ شَرائِعِ الإسْلامِ، وقَدْ تَكَرَّرَ إرْدافُ الخَبِيرِ بِالبَصِيرِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ. والتَّأْكِيدُ بِـ ”إنَّ“ واللّامِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقْصُودِ مِن هَذا الخَبَرِ.

فاطر 35:32

﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ”ثُمَّ“ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ فَهي هُنا لِعَطْفِ الجُمَلِ صفحة ٣١١ عَطْفًا ذِكْرِيًّا، فالمُتَعاطِفاتُ بِها بِمَنزِلَةِ المُسْتَأْنَفاتِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالمُسْتَأْنَفَةِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّرَقِّي في الِاسْتِئْنافِ. وهَذا ارْتِقاءٌ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ المُتَضَمِّنِ التَّنْوِيهَ بِالرَّسُولِ ﷺ وعُرُوجٌ في مَسَرَّتِهِ وتَبْشِيرِهِ، فَبَعْدَ أنْ ذُكِّرَ بِفَضِيلَةِ كِتابِهِ وهو أمْرٌ قَدْ تَقَرَّرَ لَدَيْهِ زِيدَ تَبْشِيرًا بِدَوامِ كِتابِهِ وإيتائِهِ أُمَّةً هُمُ المُصْطَفَوْنَ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى، وتَبْشِيرِهِ بِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِهِ ولا يَتْرُكُونَهُ كَما تَرَكَ أُمَمٌ مِن قَبْلِهِ كُتُبَهم ورُسُلَهم، لِقَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآيَةَ، فَهَذِهِ البِشارَةُ أهَمُّ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأنَّ هَذِهِ البِشارَةَ لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُ فَوَقْعُها أهَمُّ. وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ”ثُمَّ“ هُنا عَلى التَّراخِي الزَّمَنِيِّ فاحْتاجَ إلى تَكَلُّفٍ في إقامَةِ المَعْنى. والمُرادُ بِـ ”الكِتابِ“ الكِتابُ المَعْهُودُ وهو الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [فاطر: ٣١] أيِ القُرْآنِ. و”أوْرَثْنا“ جَعَلْنا وارِثِينَ. يُقالُ: ورِثَ، إذا صارَ إلَيْهِ مالُ مَيِّتٍ قَرِيبٍ. ويَسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الكَسْبِ عَنْ غَيْرِ اكْتِسابٍ ولا عِوَضٍ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: جَعَلْناهم آخِذِينَ الكِتابَ مِنّا، أوْ نَجْعَلُ الإيراثَ مُسْتَعْمَلًا في الأمْرِ بِالتَّلَقِّي، أيْ أمَرْنا المُسْلِمِينَ بِأنْ يَرِثُوا القُرْآنَ، أيْ يَتَلَقَّوْهُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَفي الإيراثِ مَعْنى الإعْطاءِ فَيَكُونُ فِعْلُ ”أوْرَثْنا“ حَقِيقًا بِأنْ يَنْصِبَ مَفْعُولَيْنِ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَكُونَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ الَّذِي هو الآخِذُ في المَعْنى هو المَفْعُولَ الأوَّلَ والآخَرُ ثانِيًا، وإنَّما خُولِفَ هُنا فَقُدِّمَ المَفْعُولُ الثّانِي لِأمْنِ اللَّبْسِ قَصْدًا لِلِاهْتِمامِ بِالكِتابِ المُعْطى. وأمّا التَّنْوِيهُ بِآخِذِي الكِتابِ فَقَدْ حَصَلَ مِنَ الصِّلَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينِ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ: المُؤْمِنُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَدِ اخْتارَ اللَّهُ لِلْإيمانِ والإسْلامِ أفْضَلَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ رُوِيَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ تُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى في مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِ ذَكَرَها ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. ولَمّا أُرِيدَ تَعْمِيمُ البِشارَةِ مَعَ بَيانِ أنَّهم مَراتِبُ فِيما بُشِّرُوا بِهِ جِيءَ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى آخِرِهِ، فَهو تَفْصِيلٌ لِمَراتِبِ المُصْطَفَيْنَ لِتَشْمَلَ البِشارَةُ صفحة ٣١٢ جَمِيعَ أصْنافِهِمْ ولا يُظَنَّ أنَّ الظّالِمَ لِنَفْسِهِ مَحْرُومٌ مِنها، فَمَناطُ الِاصْطِفاءِ هو الإيمانُ والإسْلامُ وهو الِانْقِيادُ بِالقَوْلِ والِاسْتِسْلامُ. وقُدِّمَ في التَّفْصِيلِ ذِكْرُ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ حِرْمانِهِ مِنَ الجَنَّةِ وتَعْجِيلًا لِمَسَرَّتِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الَخْ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ أيْ أُعْطَوُا القُرْآنَ. وضَمِيرُ ”مِنهُمُ“ الأظْهَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾، وذَلِكَ قَوْلُ الحَسَنِ، وعَلَيْهِ فالظّالِمُ لِنَفْسِهِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ. وقِيلَ هو عائِدٌ إلى عِبادِنا أيْ ومِن عِبادِنا عَلى الإطْلاقِ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وعَلَيْهِ فالظّالِمُ لِنَفْسِهِ هو الكافِرُ. ويَسْرِي أثَرُ هَذا الخِلافِ في مَحْمَلِ ضَمِيرِ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٣] ولِذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُ الحَسَنِ جارِيًا عَلى وِفاقِ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وعُثْمانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي الدَّرْداءِ وعُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو وما هو مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ وهو الرّاجِحُ. والظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَجُرُّونَ أنْفُسَهم إلى ارْتِكابِ المَعْصِيَةِ فَإنَّ مَعْصِيَةَ المَرْءِ رَبَّهُ ظُلْمٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يُوَرِّطُها في العُقُوبَةِ المُعَيَّنَةِ لِلْمَعاصِي عَلى تَفْصِيلِها وذَلِكَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلَيْها إذْ قَصَّرَ بِها عَنْ شَيْءٍ مِنَ الخَيِّراتِ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، ووَرَّطَها فِيما تَجِدُ جَزاءَ ذَمِيمِها عَلَيْهِ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ آدَمَ وحَوّاءَ حِينَ خالَفا ما نُهِيا عَنْهُ مِن أكْلِ الشَّجَرَةِ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣] وقالَ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] وقالَ ﴿إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] في سُورَةِ (النَّمْلِ)، وقالَ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ. واللّامُ في ”لِنَفْسِهِ“ لامُ التَّقْوِيَةِ لِأنَّ العامِلَ فَرْعٌ في العَمَلِ إذْ هو اسْمُ فاعِلٍ. والمُقْتَصِدُ: هو غَيْرُ الظّالِمِ نَفْسَهُ كَما تَقْتَضِيهِ المُقابَلَةُ، فَهُمُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الكِبارَ ولَمْ يَحْرِمُوا أنْفُسَهم مِنَ الخَيْراتِ المَأْمُورِ بِها وقَدْ يُلِمُّونَ بِاللَّمَمِ المَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَأْتُوا بِمُنْتَهى القُرُباتِ الرّافِعَةِ لِلدَّرَجاتِ، فالِاقْتِصادُ افْتِعالٌ مِنَ القَصْدِ وهو ارْتِكابُ صفحة ٣١٣ القَصْدِ وهو الوَسَطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ يُبَيِّنُهُ المَقامُ، فَلَمّا ذُكِرَ هُنا في مُقابَلَةِ الظّالِمِ والسّابِقِ عُلِمَ أنَّهُ مُرْتَكِبٌ حالَةً بَيْنِ تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ فَهو لَيْسَ بِظالِمٍ لِنَفْسِهِ ولَيْسَ بِسابِقٍ. والسّابِقُ أصْلُهُ: الواصِلُ إلى غايَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَبْلَ غَيْرِهِ مِنَ الماشِينَ إلَيْها. وهو هُنا مَجازٌ لِإحْرازِ الفَضْلِ لِأنَّ السّابِقَ يُحْرِزُ السَّبَقَ ”بِفَتْحِ الباءِ“، أوْ مَجازٌ في بَذْلِ العِنايَةِ لِنَوالِ رِضى اللَّهِ، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ في المَجازِ فَهو مُكَنًّى عَنِ الإكْثارِ مِنَ الخَيْرِ لِأنَّ السَّبْقَ يَسْتَلْزِمُ إسْراعَ الخُطُواتِ، والإسْراعُ إكْثارٌ. وفي هَذا السَّبْقِ تَفاوُتٌ أيْضًا كَخَيْلِ الحَلَبَةِ. والخَيْراتُ: جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، والخَيْرُ: النّافِعُ. والمُرادُ بِها هُنا الطّاعاتُ لِأنَّها أعْمالٌ صالِحَةٌ نافِعَةٌ لِعامِلِها ولِلنّاسِ بِآثارِها. والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ في الخَيْراتِ كَقَوْلِهِ ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٦٢] . وفِي ذِكْرِ الخَيْراتِ في القِسْمِ الآخَرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّها مُرادَةٌ في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَيُؤَوَّلُ إلى مَعْنى ظالِمٍ لِنَفْسِهِ في الخَيْراتِ ومُقْتَصِدٍ في الخَيْراتِ أيْضًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَعْنى ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أنَّهُ ناقِصُها مِنَ الخَيْراتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣] أيْ لَمْ تَنْقُصْ عَنْ مُعْتادِها في الإثْمارِ في سُورَةِ الكَهْفِ. والإذْنُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّيْسِيرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”سابِقٌ“، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الأمْرَ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ النّاسَ كُلَّهم بِفِعْلِ الخَيْرِ سَواءٌ مِنهم مَن أتى بِهِ ومَن قَصَّرَ فِيهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ وتَجْعَلَها ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”سابِقٌ“ أيْ مُتَلَبِّسًا بِإذْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ الإذْنُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ سابِقٌ مَلابِسٌ لِما أذِنَ اللَّهُ بِهِ، أيْ لَمْ يُخالِفْهُ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ هو تَنْوِيهٌ بِالسّابِقِينَ بِأنَّ سَبْقَهم كانَ بِعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ وتَيْسِيرٍ مِنهُ. وفِيما رَأيْتَ مِن تَفْسِيرِ هَذِهِ المَراتِبِ الثَّلاثِ في الآيَةِ المَأْخُوذِ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ صفحة ٣١٤ مَعَ ضَمِيمَةٍ لا بُدَّ مِنها. تَسْتَغْنِي عَنِ التِّيهِ في مَهامِّهِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِها تَجاوَزَتِ الأرْبَعِينَ قَوْلًا. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ إلى الِاصْطِفاءِ المَفْهُومِ مِنِ ﴿اصْطَفَيْنا﴾ أوْ إلى المَذْكُورِ مِن الِاصْطِفاءِ وإيراثِ الكِتابِ. والفَضْلُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ، والكَبِيرُ مُرادٌ بِهِ ذُو العِظَمِ المَعْنَوِيِّ وهو الشَّرَفُ وهو فَضْلُ الخُرُوجِ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ والإسْلامِ. وهَذا الفَضْلُ مَراتِبُ في الشَّرَفِ كَما أشارَ إلَيْهِ تَقْسِيمُ أصْحابِهِ إلى: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ. وضَمِيرُ الفَصْلِ لِتَأْكِيدِ القَصْرِ الحاصِلِ مِن تَعْرِيفِ الجُزْأيْنِ، وهو حَقِيقِيٌّ لِأنَّ الفَضْلَ الكَبِيرَ مُنْحَصِرٌ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ فَضْلٍ هو غَيْرُ كَبِيرٍ إلّا ذَلِكَ الفَضْلَ. ووَجْهُ هَذا الِانْحِصارِ أنَّ هَذا الِاصْطِفاءَ وإيراثَ الكِتابِ جَمَعَ فَضِيلَةَ الدُّنْيا وفَضْلَ الآخِرَةِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] .

فاطر 35:33

﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] فَإنَّ مِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الفَضْلُ دُخُولَهُمُ الجَنَّةَ كَما عَلِمْتَ، وتَخْصِيصُ هَذا الفَضْلِ مِن بَيْنِ أصْنافِهِ لِأنَّهُ أعْظَمُ الفَضْلِ ولِأنَّهُ أمارَةٌ عَلى رِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم حِينَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ، ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ الفَضْلِ الكَبِيرِ وقَدْ بُيِّنَ بِأعْظَمِ أصْنافِهِ. والمَعْنى واحِدٌ. وضَمِيرُ الجَماعَةِ في ”يَدْخُلُونَها“ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾ [فاطر: ٣٢] المُقَسَّمِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: ظالِمٍ، ومُقْتَصِدٍ، وسابِقٍ، أيْ هَؤُلاءِ كُلُّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ لِأنَّ صفحة ٣١٥ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم مَآلُهُمُ الجَنَّةُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ الَّتِي تَكاثَرَتْ. وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولانِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قالَ: هَؤُلاءِ كُلُّهم بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ وكُلُّهم في الجَنَّةِ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ الأصْنافَ الثَّلاثَةَ هُمُ الَّذِينَ في سُورَةِ الواقِعَةِ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ، وأصْحابُ المَشْأمَةِ، والسّابِقُونَ. وهَذا فاسِدٌ لِأنَّ أصْحابَ المَشْأمَةِ في النّارِ الحامِيَةِ، وأصْحابَ سُورَةِ فاطِرٍ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَهم بَيْنَ فاتِحَةٍ وخاتِمَةٍ؛ فَأمّا الفاتِحَةُ فَهي قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢] فَجَعَلَهم مُصْطَفَيْنَ. ثُمَّ قالَ في آخِرِهِمْ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ ولا يُصْطَفى إلّا مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، ولَكِنَّ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ فَقالَ ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وهو العاصِي والظّالِمُ المُطْلَقُ هو الكافِرُ، وقِيلَ عَنْهُ: الظّالِمُ لِنَفْسِهِ رِفْقًا بِهِ، وقِيلَ لِلْآخَرِ السّابِقِ بِإذْنِ اللَّهِ إنْباءً أنَّ ذَلِكَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ وفَضْلِهِ لا مِن حالِ العَبْدِ اهـ. وفِي الإخْبارِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ إفادَةٌ تُقَوِّي الحُكْمَ، وصَوْغُ الفِعْلِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ، وكَذَلِكَ صَوْغُ ”يُحَلَّوْنَ“ وهو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ الحَجِّ فانْظُرْهُ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”ولُؤْلُؤًا“ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”أساوِرَ“ لِأنَّهُ لَمّا جُرَّ بِحَرْفِ الجَرِّ الزّائِدِ كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ ”يُحَلَّوْنَ“ فَجازَ في المَعْطُوفِ أنْ يُنْصَبَ عَلى مُراعاةِ مَحَلِّ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالجَرِّ عَلى مُراعاةِ اللَّفْظِ، وهُما وجْهانِ.

فاطر 35:34

﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ”وقالُوا“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يُحَلَّوْنَ“ لِئَلّا يَلْزَمَ تَأْوِيلُ صفحة ٣١٦ الماضِي بِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ في قَوْلِهِ ”يَدْخُلُونَها“، وتِلْكَ المَقالَةُ مُقارِنَةٌ لِلتَّحْلِيَةِ واللِّباسِ، وهو كَلامٌ يَجْرِي بَيْنَهم ساعَتَئِذٍ لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى ما خَوَّلَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، ولِما فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ. وإذْهابُ الحَزَنِ مَجازٌ في الإنْجاءِ مِنهُ فَتَصْدُقُ بِإزالَتِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ ويَصْدُقُ بِعَدَمِ حُصُولِهِ. والحَزَنُ: الأسَفُ. والمُرادُ: أنَّهم لَمّا أُعْطَوْا ما أُعْطَوْهُ زالَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ قَبْلُ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ ومِن خَشْيَةِ العِقابِ بِالنِّسْبَةِ لِلسّابِقِينَ والمُقْتَصِدِينَ ومِمّا كانُوا فِيهِ مِن عِقابٍ بِالنِّسْبَةِ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ شَكَرُوا بِهِ نِعْمَةَ السَّلامَةِ أثْنَوْا عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ لِما تَجاوَزَ عَمّا اقْتَرَفُوهُ مِنَ اللَّمَمِ وحَدِيثِ الأنْفُسِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ، ولِما تَجاوَزَ عَنْهُ مِن تَطْوِيلِ العَذابِ وقَبُولِ الشَّفاعَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُخْتَلَفِ أحْوالِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم وأثْنَوْا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ ”شَكُورٌ“ لِما رَأوْا مِن إفاضَتِهِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ ومُضاعَفَةِ الحَسَناتِ مِمّا هو أكْثَرُ مِن صالِحاتِ أعْمالِهِمْ. وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] . والمُقامَةُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أقامَ بِالمَكانِ إذا قَطَنَهُ. والمُرادُ: دارُ الخُلُودِ. وانْتَصَبَ ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ﴿أحَلَّنا﴾ أيْ أسْكَنَنا. و”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] ابْتِدائِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ . والفَضْلُ: العَطاءُ، وهو أخُو التَّفَضُّلِ في أنَّهُ عَطاءٌ مِنهُ وكَرَمٌ. ومِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ جَعَلَ لَهُمُ الجَنَّةَ جَزاءً عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما جَعَلَ لِلصّالِحاتِ عَطاءً ولَكانَ جَزاؤُها مُجَرَّدَ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، وكانَ أمْرُ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ الخُلُودَ في النّارِ كِفافًا، أيْ لا عِقابَ ولا ثَوابَ فَيَبْقى كالسَّوائِمِ، وإنَّما أرادُوا مِن هَذا تَمامَ الشُّكْرِ والمُبالَغَةَ في التَّأدُّبِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ. صفحة ٣١٧ والمَسُّ: الإصابَةُ في ابْتِداءِ أمْرِها، والنَّصَبُ: التَّعَبُ مِن نَحْوِ شِدَّةِ حَرٍّ وشِدَّةِ بَرْدٍ. واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِن جَرّاءِ عَمَلٍ أوْ جَرْيٍ. وإعادَةُ الفِعْلِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ لِتَأْكِيدِ انْتِفاءِ المَسِّ.

فاطر 35:35

﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ”وقالُوا“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يُحَلَّوْنَ“ لِئَلّا يَلْزَمَ تَأْوِيلُ صفحة ٣١٦ الماضِي بِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ في قَوْلِهِ ”يَدْخُلُونَها“، وتِلْكَ المَقالَةُ مُقارِنَةٌ لِلتَّحْلِيَةِ واللِّباسِ، وهو كَلامٌ يَجْرِي بَيْنَهم ساعَتَئِذٍ لِإنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ عَلى ما خَوَّلَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، ولِما فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ. وإذْهابُ الحَزَنِ مَجازٌ في الإنْجاءِ مِنهُ فَتَصْدُقُ بِإزالَتِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ ويَصْدُقُ بِعَدَمِ حُصُولِهِ. والحَزَنُ: الأسَفُ. والمُرادُ: أنَّهم لَمّا أُعْطَوْا ما أُعْطَوْهُ زالَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ قَبْلُ مِن هَوْلِ المَوْقِفِ ومِن خَشْيَةِ العِقابِ بِالنِّسْبَةِ لِلسّابِقِينَ والمُقْتَصِدِينَ ومِمّا كانُوا فِيهِ مِن عِقابٍ بِالنِّسْبَةِ لِظالِمِي أنْفُسِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ شَكَرُوا بِهِ نِعْمَةَ السَّلامَةِ أثْنَوْا عَلَيْهِ بِالمَغْفِرَةِ لِما تَجاوَزَ عَمّا اقْتَرَفُوهُ مِنَ اللَّمَمِ وحَدِيثِ الأنْفُسِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُقْتَصِدِينَ والسّابِقِينَ، ولِما تَجاوَزَ عَنْهُ مِن تَطْوِيلِ العَذابِ وقَبُولِ الشَّفاعَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُخْتَلَفِ أحْوالِ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم وأثْنَوْا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ ”شَكُورٌ“ لِما رَأوْا مِن إفاضَتِهِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ ومُضاعَفَةِ الحَسَناتِ مِمّا هو أكْثَرُ مِن صالِحاتِ أعْمالِهِمْ. وهَذا عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٠] . والمُقامَةُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن أقامَ بِالمَكانِ إذا قَطَنَهُ. والمُرادُ: دارُ الخُلُودِ. وانْتَصَبَ ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ﴿أحَلَّنا﴾ أيْ أسْكَنَنا. و”مِن“ في قَوْلِهِ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٠] ابْتِدائِيَّةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿دارَ المُقامَةِ﴾ . والفَضْلُ: العَطاءُ، وهو أخُو التَّفَضُّلِ في أنَّهُ عَطاءٌ مِنهُ وكَرَمٌ. ومِن فَضْلِ اللَّهِ أنْ جَعَلَ لَهُمُ الجَنَّةَ جَزاءً عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما جَعَلَ لِلصّالِحاتِ عَطاءً ولَكانَ جَزاؤُها مُجَرَّدَ السَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، وكانَ أمْرُ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ الخُلُودَ في النّارِ كِفافًا، أيْ لا عِقابَ ولا ثَوابَ فَيَبْقى كالسَّوائِمِ، وإنَّما أرادُوا مِن هَذا تَمامَ الشُّكْرِ والمُبالَغَةَ في التَّأدُّبِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ. صفحة ٣١٧ والمَسُّ: الإصابَةُ في ابْتِداءِ أمْرِها، والنَّصَبُ: التَّعَبُ مِن نَحْوِ شِدَّةِ حَرٍّ وشِدَّةِ بَرْدٍ. واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِن جَرّاءِ عَمَلٍ أوْ جَرْيٍ. وإعادَةُ الفِعْلِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ لِتَأْكِيدِ انْتِفاءِ المَسِّ.

فاطر 35:36

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مُقابَلَةُ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ لِلَّذِينِ أُورِثُوا الكِتابَ بِذِكْرِ الكافِرِينَ يَزِيدُنا يَقِينًا بِأنَّ تِلْكَ الأقْسامَ أقْسامُ المُؤْمِنِينَ، ومُقابَلَةُ جَزاءِ الكافِرِينَ بِنارِ جَهَنَّمَ يُوَضِّحُ أنَّ الجَنَّةَ دارٌ لِلْأقْسامِ الثَّلاثَةِ عَلى تَفاوُتٍ في الزَّمانِ والمَكانِ. وفِي قَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ إيماءٌ إلى أنَّ نارَ عِقابِ المُؤْمِنِينَ خَفِيَّةٌ عَنْ نارِ المُشْرِكِينَ. فَجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٣] . ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْ نارِ جَهَنَّمَ بِأنَّها ”لَهم“ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أُعِدَّتْ لِجَزاءِ أعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَنارُ عِقابِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ نارٌ مُخالِفَةٌ أوْ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. وإنَّما دَخَلَ فِيها مَن أُدْخِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم لِاقْتِرافِهِمُ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي شَأْنُها أنْ تَكُونَ لِلْكافِرِينَ. وقُدِّمَ المَجْرُورُ في ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ حَتّى إذا سَمِعَهُ السّامِعُونَ تَمَكَّنَ مِن نُفُوسِهِمْ تَمامَ التَّمَكُّنِ. وجُمْلَةُ ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾، والقَضاءُ: حَقِيقَتُهُ الحُكْمُ، ومِنهُ قَضاءُ اللَّهِ حُكْمُهُ وما أوْجَدَهُ في مَخْلُوقاتِهِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى أماتَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، وهو هُنا مُحْتَمِلٌ صفحة ٣١٨ لِلْحَقِيقَةِ، أيْ لا يُقَدِّرُ اللَّهُ مَوْتَهم، فَقَوْلُهُ فَيَمُوتُوا مُسَبَّبٌ عَلى القَضاءِ. والمَعْنى: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بِالمَوْتِ فَيَمُوتُوا، ومُحْتَمِلٌ لِلْمَجازِ وهو المَوْتُ. وتَفْرِيعُ فَيَمُوتُوا عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهم لا يَمُوتُونَ إلّا الإماتَةَ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَلَيْها المَوْتُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يَزُولُ عِنْدَهُ الإحْساسُ، فَيُفِيدُ أنَّهم يَمُوتُونَ مَوْتًا لَيْسَ فِيهِ مِنَ المَوْتِ إلّا آلامُهُ دُونَ راحَتِهِ، قالَ تَعالى ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وقالَ تَعالى ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] . وضَمِيرُ ”عَذابِها“ عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ لِيَشْمَلَ ما ورَدَ مِن أنَّ المُعَذَّبِينَ يُعَذَّبُونَ بِالنّارِ ويُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وهو شِدَّةُ البَرْدِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ. ووَقَعَ كَذَلِكَ مَوْقِعَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِقَوْلِهِ ”نَجْزِي“ أيْ نَجْزِيهِمْ جَزاءً كَذَلِكَ الجَزاءِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ تَذْيِيلٌ. والكَفُورُ: الشَّدِيدُ الكُفْرِ، وهو المُشْرِكُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَجْزِي“ بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ ”كُلَّ“، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ ”يُجْزى“ بِياءِ الغائِبِ والبِناءِ لِلنّائِبِ ورَفْعِ ”كُلَّ“ .

فاطر 35:37

﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ الضَّمِيرُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦] ولا تُجْعَلُ حالًا لِأنَّ التَّذْيِيلَ آذَنَ بِانْتِهاءِ الكَلامِ وبِاسْتِقْبالِ كَلامٍ جَدِيدٍ. و﴿يَصْطَرِخُونَ﴾ مُبالَغَةٌ في ”يَصْرُخُونَ“ لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو الصِّياحُ بِشِدَّةٍ وجُهْدٍ، فالِاصْطِراخُ مُبالَغَةٌ فِيهِ، أيْ يَصِيحُونَ مِن شِدَّةِ ما نابَهم. وجُمْلَةُ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَصْطَرِخُونَ﴾، يَحْسَبُونَ أنَّ رَفْعَ الأصْواتِ أقْرَبُ إلى عِلْمِ اللَّهِ بِنِدائِهِمْ وإظْهارِ عَدَمِ إطاقَةِ ما هم فِيهِ. صفحة ٣١٩ وقَوْلُهم ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ وعْدٌ بِالتَّدارُكِ لِما فاتَهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ولَكِنَّها إنابَةٌ بَعْدَ إبانِها. ولِإرادَةِ الوَعْدِ جُزِمَ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ في جَوابِ الدُّعاءِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ تُخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا. و﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ نَعْتٌ لِـ صالِحًا، أيْ عَمَلًا مُغايِرًا لِما كُنّا نَعْمَلُهُ في الدُّنْيا، وهَذا نَدامَةٌ عَلى ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ لِأنَّهم أيْقَنُوا بِفَسادِ عَمَلِهِمْ وضُرِّهِ فَإنَّ ذَلِكَ العالَمَ عالَمُ الحَقائِقِ. * * * ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ الواوُ عاطِفَةٌ فِعْلَ قَوْلٍ مَحْذُوفًا لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ بِحَسَبِ الضَّمِيرِ في ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ فَإنَّ صُراخَهم كَلامٌ مِنهم، والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا ونَقُولُ ألَمْ نُعَمِّرْكم. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيعٌ لِلتَّوْبِيخِ، وجُعِلَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ تَوْطِئَةً لِيُنْكِرَهُ المُقَرَّرُ حَتّى إذا قالَ: بَلى عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَسَعْهُ الإنْكارُ إلَيْهِ حَتّى مَعَ تَمْهِيدِ وِطاءِ الإنْكارِ عَلَيْهِ. والتَّعْمِيرُ: تَطْوِيلُ العُمُرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر: ١١] في هَذِهِ السُّورَةِ. و”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ زَمانَ تَعْمِيرِ مُعَمَّرٍ. وجُمْلَةُ ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ صِفَةٌ لِـ ”ما“، أيْ زَمانًا كافِيًا بِامْتِدادِهِ لِلتَّذَكُّرِ والتَّبْصِيرِ. والنَّذِيرُ: الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ . وجُمْلَةُ ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ألَمْ نُعَمِّرْكم لِأنَّ مَعْناها الخَبَرُ صفحة ٣٢٠ فَعُطِفَ عَلَيْها الخَبَرُ، عَلى أنَّ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ جائِزٌ عَلى التَّحْقِيقِ وهو هُنا حَسَنٌ. ووَصْفُ الرَّسُولِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ الأهَمَّ مِن شَأْنِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ هو النِّذارَةُ. والفاءُ في فَذُوقُوا لِلتَّفْرِيعِ، وحَذْفُ مَفْعُولِ ”ذُوقُوا“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ ذُوقُوا العَذابَ. والأمْرُ في قَوْلِهِ فَذُوقُوا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ. وقَوْلُهُ ﴿فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الحِكايَةِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الكَلامِ الَّذِي وبَّخَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَهو تَذْيِيلُ لَهُ وتَفْرِيعٌ عَلَيْهِ لِتَأْيِيسِهِمْ مِنَ الخَلاصِ يَعْنِي: فَأيْنَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم أوْلِياؤُكم ونُصَراؤُكم فَما لَكم مَن نَصِيرٍ. وعُدِلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ أنْ يُقالَ: فَما لَكُمَ مِن نَصِيرٍ، إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ بِوَصْفِ الظّالِمِينَ لِإفادَةِ سَبَبِ انْتِفاءِ النَّصِيرِ عَنْهم، فَفي الكَلامِ إيجازٌ، أيْ لِأنَّكم ظالِمُونَ وما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ، فالمَقْصُودُ ابْتِداءُ نَفْيِ النَّصِيرِ عَنْهم ويَتْبَعُهُ التَّعْمِيمُ بِنَفْيِ النَّصِيرِ عَنْ كُلِّ مَن كانَ مِثْلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا مُفَرَّعًا عَلى القِصَّةِ ذُيِّلَتْ بِهِ لِلسّامِعِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر: ٣٦]، فَلَيْسَ فِيهِ عُدُولٌ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِأنَّ المَقْصُودَ إفادَةُ شُمُولِ هَذا الحُكْمِ لِكُلِّ ظالِمٍ فَيَدْخُلُ الَّذِينَ كَفَرُوا المُتَحَدَّثُ عَنْهم في العُمُومِ. والظُّلْمُ: هو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ صاحِبِ حَقٍّ، وأعْظَمُهُ الشِّرْكُ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى اللَّهِ بِإنْكارِ صِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وهو الوَحْدانِيَّةُ، واعْتِداءُ المُشْرِكِ عَلى نَفْسِهِ إذا أقْحَمَها في العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] . وتَعْمِيمُ الظّالِمِينَ وتَعْمِيمُ النَّصِيرِ يَقْتَضِي أنَّ نَصْرَ الظّالِمِ تَجاوُزٌ لِلْحَقِّ، لِأنَّ الحَقَّ أنْ لا يَكُونَ لِلظّالِمِ نَصِيرٌ، إذْ واجِبُ الحِكْمَةِ والحَقِّ أنْ يَأْخُذَ المُقْتَدِرُ عَلى يَدِ كُلِّ ظالِمٍ لِأنَّ الأُمَّةَ مُكَلَّفَةٌ بِدَفْعِ الفَسادِ عَنْ جَماعَتِها. صفحة ٣٢١ وفِي هَذا إبْطالٌ لِخُلُقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ القائِلِينَ في أمْثالِهِمُ «انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا»، وقَدْ ألْقى النَّبِيءُ ﷺ عَلى أصْحابِهِ إبْطالُ ذَلِكَ؛ فَساقَ لَهم هَذا المَثَلَ حَتّى سَألُوا عَنْهُ ثُمَّ أصْلَحَ مَعْناهُ مَعَ بَقاءِ لَفْظِهِ فَقالَ ”«إذا كانَ ظالِمًا تَنْصُرُهُ عَلى نَفْسِهِ فَتَكُفُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ» “ .

فاطر 35:38

﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ واصِلٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] الآيَةَ، فَتَسَلْسَلَتْ مَعانِيهِ فَعادَ إلى فَذْلَكَةِ الغَرَضِ السّالِفِ المُنْتَقِلِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] . وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُجازِي كُلَّ ذِي نِيَّةٍ عَلى حَسَبِ ما أضْمَرَهُ لِيَزْدادَ النَّبِيءُ ﷺ يَقِينًا بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يُكِنُّهُ المُشْرِكُونَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ هي كالنَّتِيجَةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِأنَّ ما في الصُّدُورِ مِنَ الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ فَيَلْزَمُ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِ النّاسِ. وذاتِ الصُّدُورِ ضَمائِرِ النّاسِ ونِيّاتِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ في سُورَةِ الأنْفالِ. وجِيءَ في الإخْبارِ بِعِلْمِ اللَّهِ بِالغَيْبِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وفي الإخْبارِ بِعِلْمِهِ بِذاتِ الصُّدُورِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إخْبارِ المُخاطَبِينَ تَنْبِيِهُهم عَلى أنَّهُ صفحة ٣٢٢ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أنْ يَفُوتَ عِلْمَهُ تَعالى شَيْءٌ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ. وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ . والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في أمْرٍ كانَ لِذَلِكَ الغَيْرِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ أُمَمٍ مَضَتْ كَما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] في سُورَةِ يُونُسَ فَيَكُونُ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ هو الَّذِي أوْجَدَكم في الأرْضِ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما غابَ في قُلُوبِكم كَما قالَ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ويَكُونُ ماصَدَقُ ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ شامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هو الَّذِي جَعَلَكم مُتَصَرِّفِينَ في الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فَيَكُونَ الكَلامُ بِشارَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ أهْلَ سُلْطانٍ في الأرْضِ بَعْدَ أُمَمٍ تَداوَلَتْ سِيادَةَ العالَمِ ويَظْهَرُ بِذَلِكَ دِينُ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُفِيدَةٌ تُقَوِّي الحُكْمِ الَّذِي هو جَعْلُ اللَّهِ المُخاطَبِينَ خَلائِفَ في الأرْضِ. وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قَوْلُهُ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وهو شَرْطٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ دَوامِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ هَذا المَعْنى أنْ لا تُعْطَفَ عَلَيْها لِأنَّ البَيانَ لا يُعْطَفُ عَلى المُبَيَّنِ، وإنَّما خُولِفَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِهَذا البَيانِ فَجُعِلَ مُسْتَقِلًّا بِالقَصْدِ إلى الإخْبارِ بِهِ فَعُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ بِمَضْمُونِها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِقْلالِ، وهَذا مَقْصِدٌ يَفُوتُ لَوْ تُرِكَ العَطْفُ، أمّا ما تُفِيدُهُ مِنَ البَيانِ فَهو أمْرٌ لا يَفُوتُ لِأنَّهُ تَقْتَضِيهِ نِسْبَةُ مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى. صفحة ٣٢٣ والمَقْتُ: البُغْضُ مَعَ خِزْيٍ وصَغارٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ يَزِيدُهم مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم، ومَقْتُ اللَّهِ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو إمْساكُ لُطْفِهِ عَنْهم وجَزاؤُهم بِأشَدِّ العِقابِ. وتَرْكِيبُ جُمْلَةِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ تَرْكِيبٌ عَجِيبٌ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنَّ الكافِرِينَ كانُوا قَبْلَ الكُفْرِ مَمْقُوتِينَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا كَفَرُوا زادَهم كُفْرُهم مَقْتًا عِنْدَهُ، في حالِ أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ مَقْتِ اللَّهِ إيّاهم، ولَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَما مَقَتَهُمُ اللَّهُ. فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِالكُفْرِ ابْتِداءً ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ كُفْرَهم يَزِيدُهم مَقْتًا عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُفْرِهِمُ الثّانِي الدَّوامُ عَلى الكُفْرِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَكَبَّرُونَ عَلى المُسْلِمِينَ ويُشاقُّونَهم ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ الطَّماعِيَّةِ في أنْ يَقْبَلُوا الإسْلامَ بِأنَّهم أعْظَمُ مِن أنْ يَتَّبِعُوهم وأنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَ آبائِهِمْ، ويَحْسَبُونَ ذَلِكَ مَقْتًا مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ فَجازاهُمُ اللَّهُ بِزِيادَةِ المَقْتِ عَلى اسْتِمْرارِ الكُفْرِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، يَعْنِي: يُنادَوْنَ في المَحْشَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ . والخَسارُ: مَصْدَرُ خَسِرَ مِثْلُ الخَسارَةِ، وهو: نُقْصانُ التِّجارَةِ، واسْتُعِيرَ لِخَيْبَةِ العَمَلِ. شَبَّهَ عَمَلَهم في الكُفْرِ بِعَمَلِ التّاجِرِ والخاسِرِ، أيِ الَّذِي بارَتْ سِلْعَتُهُ فَباعَ بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها بِهِ فَأصابَهُ الخَسارُ فَكُلَّما زادَ بَيْعًا زادَتْ خَسارَتُهُ حَتّى تُفْضِيَ بِهِ إلى الإفْلاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فاطر 35:39

﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ واصِلٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ أراْيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مَن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] الآيَةَ، فَتَسَلْسَلَتْ مَعانِيهِ فَعادَ إلى فَذْلَكَةِ الغَرَضِ السّالِفِ المُنْتَقِلِ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١]، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ كالتَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] . وفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ يُجازِي كُلَّ ذِي نِيَّةٍ عَلى حَسَبِ ما أضْمَرَهُ لِيَزْدادَ النَّبِيءُ ﷺ يَقِينًا بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِما يُكِنُّهُ المُشْرِكُونَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ هي كالنَّتِيجَةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِأنَّ ما في الصُّدُورِ مِنَ الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ فَيَلْزَمُ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِغَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ عِلْمُهُ بِما في صُدُورِ النّاسِ. وذاتِ الصُّدُورِ ضَمائِرِ النّاسِ ونِيّاتِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ في سُورَةِ الأنْفالِ. وجِيءَ في الإخْبارِ بِعِلْمِ اللَّهِ بِالغَيْبِ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وفي الإخْبارِ بِعِلْمِهِ بِذاتِ الصُّدُورِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إخْبارِ المُخاطَبِينَ تَنْبِيِهُهم عَلى أنَّهُ صفحة ٣٢٢ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أنْ يَفُوتَ عِلْمَهُ تَعالى شَيْءٌ. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ فَهي كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ. وجُمْلَةُ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ . والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في أمْرٍ كانَ لِذَلِكَ الغَيْرِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ أُمَمٍ مَضَتْ كَما في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [يونس: ١٤] في سُورَةِ يُونُسَ فَيَكُونُ هَذا بَيانًا لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ هو الَّذِي أوْجَدَكم في الأرْضِ فَكَيْفَ لا يَعْلَمُ ما غابَ في قُلُوبِكم كَما قالَ تَعالى ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ويَكُونُ ماصَدَقُ ضَمِيرِ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ شامِلًا لِلْمُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ النّاسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هو الَّذِي جَعَلَكم مُتَصَرِّفِينَ في الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فَيَكُونَ الكَلامُ بِشارَةً لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ أهْلَ سُلْطانٍ في الأرْضِ بَعْدَ أُمَمٍ تَداوَلَتْ سِيادَةَ العالَمِ ويَظْهَرُ بِذَلِكَ دِينُ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مُفِيدَةٌ تُقَوِّي الحُكْمِ الَّذِي هو جَعْلُ اللَّهِ المُخاطَبِينَ خَلائِفَ في الأرْضِ. وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ قَوْلُهُ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وهو شَرْطٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ دَوامِهِمْ عَلى الكُفْرِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ هَذا المَعْنى أنْ لا تُعْطَفَ عَلَيْها لِأنَّ البَيانَ لا يُعْطَفُ عَلى المُبَيَّنِ، وإنَّما خُولِفَ ذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِهَذا البَيانِ فَجُعِلَ مُسْتَقِلًّا بِالقَصْدِ إلى الإخْبارِ بِهِ فَعُطِفَتْ عَلى الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ بِمَضْمُونِها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ الِاسْتِقْلالِ، وهَذا مَقْصِدٌ يَفُوتُ لَوْ تُرِكَ العَطْفُ، أمّا ما تُفِيدُهُ مِنَ البَيانِ فَهو أمْرٌ لا يَفُوتُ لِأنَّهُ تَقْتَضِيهِ نِسْبَةُ مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ الأُولى. صفحة ٣٢٣ والمَقْتُ: البُغْضُ مَعَ خِزْيٍ وصَغارٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢] في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ يَزِيدُهم مَقْتُ اللَّهِ إيّاهم، ومَقْتُ اللَّهِ مَجازٌ عَنْ لازِمِهِ وهو إمْساكُ لُطْفِهِ عَنْهم وجَزاؤُهم بِأشَدِّ العِقابِ. وتَرْكِيبُ جُمْلَةِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلّا مَقْتًا﴾ تَرْكِيبٌ عَجِيبٌ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَقْتَضِي أنَّ الكافِرِينَ كانُوا قَبْلَ الكُفْرِ مَمْقُوتِينَ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا كَفَرُوا زادَهم كُفْرُهم مَقْتًا عِنْدَهُ، في حالِ أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ مَقْتِ اللَّهِ إيّاهم، ولَوْ لَمْ يَكْفُرُوا لَما مَقَتَهُمُ اللَّهُ. فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِالكُفْرِ ابْتِداءً ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّ كُفْرَهم يَزِيدُهم مَقْتًا عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِكُفْرِهِمُ الثّانِي الدَّوامُ عَلى الكُفْرِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَكَبَّرُونَ عَلى المُسْلِمِينَ ويُشاقُّونَهم ويُؤَيِّسُونَهم مِنَ الطَّماعِيَّةِ في أنْ يَقْبَلُوا الإسْلامَ بِأنَّهم أعْظَمُ مِن أنْ يَتَّبِعُوهم وأنَّهم لا يُفارِقُونَ دِينَ آبائِهِمْ، ويَحْسَبُونَ ذَلِكَ مَقْتًا مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ فَجازاهُمُ اللَّهُ بِزِيادَةِ المَقْتِ عَلى اسْتِمْرارِ الكُفْرِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، يَعْنِي: يُنادَوْنَ في المَحْشَرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم إلّا خَسارًا﴾ . والخَسارُ: مَصْدَرُ خَسِرَ مِثْلُ الخَسارَةِ، وهو: نُقْصانُ التِّجارَةِ، واسْتُعِيرَ لِخَيْبَةِ العَمَلِ. شَبَّهَ عَمَلَهم في الكُفْرِ بِعَمَلِ التّاجِرِ والخاسِرِ، أيِ الَّذِي بارَتْ سِلْعَتُهُ فَباعَ بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها بِهِ فَأصابَهُ الخَسارُ فَكُلَّما زادَ بَيْعًا زادَتْ خَسارَتُهُ حَتّى تُفْضِيَ بِهِ إلى الإفْلاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها ما في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فاطر 35:40

﴿قُلْ أراْيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّناتٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾ لَمْ يَزَلِ الكَلامُ مُوَجَّهًا لِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ . ولَمّا جَرى ذِكْرُ المُشْرِكِينَ وتَعَنُّتِهِمْ وحُسْبانِ أنَّهم مَقَتُوا المُسْلِمِينَ عادَ إلى الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ في بُطْلانِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمْ بِحُجَّةِ أنَّها لا يُوجَدُ في الأرْضِ شَيْءٌ يَدَّعِي صفحة ٣٢٤ أنَّها خَلَقَتْهُ، ولا في السَّماواتِ شَيْءٌ لَها فِيهِ شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُحاجَّهم ويُوَجِّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ نَفى اسْتِحْقاقَها لِعِبادَتِهِمْ بِأنَّها لا تَرْزُقُهم كَما في أوَّلِ السُّورَةِ، وبَعْدَ أنْ أثْبَتَ اللَّهُ التَّصَرُّفَ في مَظاهِرِ الأحْداثِ الجَوِّيَّةِ والأرْضِيَّةِ واخْتِلافِ أحْوالِها مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩]، وذَكَّرَهم بِخَلْقِهِمْ وخَلْقِ أصْلِهِمْ وقالَ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ﴾ [فاطر: ١٣] الآيَةَ عادَ إلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ. وبُنِيَتِ الحُجَّةُ عَلى مُقَدِّمَةِ مُشاهَدَةِ انْتِفاءِ خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ عَنِ الأصْنامِ، وهي خُصُوصِيَّةِ خَلْقِ المَوْجُوداتِ وانْتِفاءِ الحُجَّةِ النَّقْلِيَّةِ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في قَوْلِهِ ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ يَعْنِي: إنْ كُنْتُمْ رَأيْتُمُوهم فَلا سَبِيلَ لَكم إلّا الإقْرارَ بِأنَّهم لَمْ يَخْلُقُوا شَيْئًا. والمُسْتَفْهَمُ عَنْ رُؤْيَتِهِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في الِاسْتِعْمالِ هو أحْوالُ المَرْئِيِّ وإناطَةُ البَصَرِ بِها، أيْ أنَّ أمْرَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ واضِحٌ بادٍ لِكُلِّ مَن يَراهُ كَقَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ١] وقَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢] إلْخَ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِكَلامٍ يَأْتِي بَعْدَهُ يَكُونُ هو كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ أوِ الإيضاحِ لَهُ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَيُؤَوَّلُ مَعْناهُ بِما يَتَّصِلُ بِهِ مِن كَلامٍ بَعْدَهُ، فَفي قَوْلِهِ هُنا ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ تَمْهِيدٌ لِأنْ يَطْلُبَ مِنهُمُ الإخْبارَ عَنْ شَيْءٍ خَلَقَهُ شُرَكاؤُهم فَصارَ المُرادُ مِن ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ انْظُرُوا ما تُخْبِرُونَنِي بِهِ مِن أحْوالِ خَلْقِهِمْ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ، فَحَصَلَ في قَوْلِهِ ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ إجْمالٌ فَصَّلَهُ قَوْلُهُ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا﴾ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ. والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ مَن زَعَمُوهم شُرَكاءَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ فَلِذَلِكَ أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيِ الشُّرَكاءِ عِنْدَكم، لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ مَعَ المُخاطَبِينَ بِشَيْءٍ فَتَمَحَّضَتِ الإضافَةُ لِمَعْنى مُدَّعِيكم شُرَكاءَ لِلَّهِ. والمَوْصُولُ والصِّلَةُ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في تِلْكَ الدَّعْوَةِ كَقَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ: صفحة ٣٢٥ إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَهم إخْوانَكم يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمُ أنْ تُصْرَعُوا وقَرِينَةُ التَّخْطِئَةِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ فَإنَّهُ أمْرٌ لِلتَّعْجِيزِ إذْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرَوْهُ شَيْئًا خَلَقَتْهُ الأصْنامُ، فَيَكُونُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ في قُوَّةِ نَفْيِ أنْ خَلَقُوا شَيْئًا ما، كَما كانَ الخَبَرُ في بَيْتِ عَبْدَةَ الوارِدِ بَعْدَ الصِّلَةِ قَرِينَةً عَلى كَوْنِ الصِّلَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَأِ المُخاطَبِينَ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ قَلْبِيٌّ بِمَعْنى الإعْلامِ والإنْباءِ، أيْ أنْبِئُونِي شَيْئًا مَخْلُوقًا لِلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ في الأرْضِ. و(ماذا) كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ و”ذا“ الَّتِي بِمَعْنى الَّذِي، حِينَ تَقَعُ بَعْدَ اسْمِ اسْتِفْهامٍ، وفِعْلُ الإراءَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي والثّالِثِ بِالِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: أرُونِي شَيْئًا خَلَقُوهُ مِمّا في الأرْضِ. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ شَيْئًا ناشِئًا مِنَ الأرْضِ، أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ ما عَلَيْها كَإطْلاقِ القَرْيَةِ عَلى سُكّانِها في قَوْلِهِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . وأمْ مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، وهي تُؤْذِنُ بِاسْتِفْهامٍ بَعْدَها. والمَعْنى: بَلْ ألَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ. والشِّرْكُ بِكَسْرِ الشِّينِ: اسْمٌ لِلنَّصِيبِ المُشْتَرَكِ بِهِ في مِلْكِ شَيْءٍ. والمَعْنى: ألَهم شِرْكٌ مَعَ اللَّهِ في مُلْكِ السَّماواتِ وتَصْرِيفِ أحْوالِهِما كَسَيْرِ الكَواكِبِ وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَسْخِيرِ الرِّياحِ وإنْزالِ المَطَرِ. ولَمّا كانَ مَقَرُّ الأصْنامِ في الأرْضِ كانَ مِنَ الرّاجِحِ أنْ تُخَيِّلَ لَهُمُ الأوْهامُ تَصَرُّفًا كامِلًا في الأرْضِ فَكَأنَّهم آلِهَةٌ أرْضِيَّةٌ، وقَدْ كانَتْ مَزاعِمُ العَرَبِ واعْتِقاداتُهم أفانِينَ شَتّى مُخْتَلِطَةً مِنِ اعْتِقادِ الصّابِئَةِ ومِنِ اعْتِقادِ الفُرْسِ واعْتِقادِ الرُّومِ فَكانُوا أشْباهًا لَهم فَلِذَلِكَ قِيلَ لِأشْباهِهِمْ في الإشْراكِ ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ فَكانَ تَصَرُّفُهم في ذَلِكَ تَصَرُّفَ الخالِقِيَةِ، فَأمّا السَّماواتُ فَقَلَّما يَخْطُرُ بِبالِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِلْأصْنامِ تَصَرُّفًا في شُئُونِها، ولَعَلَّهم لَمْ يَدَّعُوا ذَلِكَ ولَكِنْ جاءَ قَوْلُهُ ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾ مَجِيءَ تَكْمِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الفَرْضِ والِاحْتِمالِ، كَما يُقالُ في آدابِ البَحْثِ ”فَإنْ قُلْتَ“ وقَدْ كانُوا يَنْسِبُونَ لِلْأصْنامِ بُنُوَّةً لِلَّهِ تَعالى قالَ تَعالى صفحة ٣٢٦ ﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠] ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآبائُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣] . فَمِن أجْلِ ذَلِكَ جِيءَ في جانِبِ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْتِفاءِ تَأْثِيرِ الأصْنامِ في العَوالِمِ السَّماوِيَّةِ بِإبْطالِ أنْ يَكُونَ لَها شِرْكٌ في السَّماواتِ لِأنَّهم لا يَدَّعُونَ لَها في مَزاعِمِهِمْ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ. ولَمّا قَضى حَقُّ البُرْهانِ العَقْلِيِّ عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ انْتَقَلَ إلى انْتِفاءِ الحُجَّةِ السَّمْعِيَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى المُثْبِتَةِ آلِهَةً دُونَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِشُرَكائِهِ وأنْدادِهِ لَوْ كانُوا، فَقالَ تَعالى ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ﴾ المَعْنى: بَلْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم يَتَمَكَّنُونَ مِن حُجَّةٍ فِيهِ تُصَرِّحُ بِإلَهِيَّةِ هَذِهِ الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”عَلى بَيِّناتٍ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ بِصِيغَةِ الإفْرادِ. فَأمّا قِراءَةُ الجَمْعِ فَوَجْهُها أنَّ شَأْنَ الكِتابِ أنْ يَشْتَمِلَ عَلى أحْكامٍ عَدِيدَةٍ ومَواعِظَ مُكَرَّرَةٍ لِيَتَقَرَّرَ المُرادُ مِن إيتاءِ الكُتُبِ مِنَ الدَّلالَةِ القاطِعَةِ بِحَيْثُ لا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ولا مُبالَغَةً ولا نَحْوَها عَلى حَدِّ قَوْلِ عُلَماءِ الأُصُولِ في دَلالَةِ الأخْبارِ المُتَواتِرَةِ دَلالَةً قَطْعِيَّةً، وأمّا قِراءَةُ الإفْرادِ فالمُرادُ مِنها جِنْسُ البَيِّنَةِ الصّادِقُ بِأفْرادٍ كَثِيرَةٍ. ووَصْفُ البَيِّناتِ أوِ البَيِّنَةِ بِـ (مِنهُ) دَلالَةً عَلى أنَّ المُرادَ كَوْنُ الكِتابِ المَفْرُوضِ إيتاؤُهُ مُشْتَمِلًا عَلى حُجَّةٍ لَهم تُثْبِتُ إلَهِيَّةَ الأصْنامِ. ولَيْسَ مُطْلَقُ كِتابٍ يُؤْتُونَهُ أمارَةً مِنَ اللَّهِ عَلى أنَّهُ راضٍ مِنهم بِما هم عَلَيْهِ كَدَلالَةِ المُعْجِزاتِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، ولَيْسَتِ الخَوارِقُ ناطِقَةً بِأنَّهُ صادِقٌ فَأُرِيدَ: آتَيْناهم كِتابًا ناطِقًا مِثْلَ ما آتَيْنا المُسْلِمِينَ القُرْآنَ. ثُمَّ كَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ الإبْطالَ بِواسِطَةِ ”بَلْ“، بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُنْتَفٍ وأنَّهم لا باعِثَ لَهم عَلى مَزاعِمِهِمُ الباطِلَةِ إلّا وعْدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مَواعِيدَ كاذِبَةً يَغُرُّ بَعْضُهم بِها بَعْضًا. والمُرادُ بِالَّذِينَ يَعِدُونَهم رُؤَساءُ المُشْرِكِينَ وقادَتُهم، وبِالمَوْعُودِينَ عامَّتُهم ودُهْماؤُهم صفحة ٣٢٧ أوْ أُرِيدَ أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ واعِدٌ ومَوْعُودٌ في الرُّؤَساءِ، وأيِمَّةِ الكُفْرِ يَعِدُونَ العامَّةَ نَفْعَ الأصْنامِ وشَفاعَتِها وتَقْرِيبِها إلى اللَّهِ ونَصْرِها غُرُورًا بِالعامَّةِ، والعامَةُ تَعِدُ رُؤَساءَها التَّصْمِيمَ عَلى الشِّرْكِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] . و(إنْ) نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّعٌ عَنْ جِنْسِ الوَعْدِ مَحْذُوفًا. وانْتَصَبَ غُرُورًا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُثَنّى المَحْذُوفِ. والتَّقْدِيرُ: ﴿إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا﴾ وعْدًا إلّا وعْدًا غُرُورًا. والغُرُورُ تَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في آلِ عِمْرانَ.

فاطر 35:41

﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ انْتِقالٌ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ لِشُرَكائِهِمْ خَلْقٌ أوْ شَرِكَةُ تَصَرُّفٍ في الكائِناتِ الَّتِي في السَّماءِ والأرْضِ إلى إثْباتِ أنَّهُ تَعالى هو القَيُّومُ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ لِتَبْقَيا مَوْجُودَتَيْنِ فَهو الحافِظُ بِقُدْرَتِهِ نِظامَ بَقائِها. وهَذا الإمْساكُ هو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الهَيْئَةِ بِنِظامِ الجاذِبِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِ خَلَلٌ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الحِفْظِ بِالإمْساكِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ. وحَقِيقَةُ الإمْساكِ: القَبْضُ بِاليَدِ عَلى الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا يَنْفَلِتُ ولا يَتَفَرَّقُ، فَمُثِّلَ حالُ حِفْظِ نِظامِ السَّماواتِ والأرْضِ بِحالِ اسْتِقْرارِ الشَّيْءِ الَّذِي يُمْسِكُهُ المُمْسِكُ بِيَدِهِ، ولَمّا كانَ في الإمْساكِ مَعْنى المَنعِ عُدِيَّ إلى الزَّوالِ بِـ (مِن) وحُذِفَتْ، كَما هو شَأْنُ حُرُوفِ الجَرِّ مَعَ (أنْ) و(أنَّ) في الغالِبِ، وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ مَعْناهُ وأنَّهُ لا تَسامُحَ فِيهِ ولا مُبالَغَةَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ [الحج: ٦٥] في سُورَةِ الحَجِّ. ثُمَّ أُشِيرَ إلى أنَّ شَأْنَ المُمْكِناتِ المَصِيرُ إلى الزَّوالِ والتَّحَوُّلِ ولَوْ بَعْدَ أدْهارٍ، فَعُطِفَ عَلَيْهِ صفحة ٣٢٨ قَوْلُهُ ﴿ولَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾، فالزَّوالُ المَفْرُوضُ أيْضًا مُرادٌ بِهِ اخْتِلالُ نِظامِهِما الَّذِي يُؤَدِّي إلى تَطاحُنِهِما. فالزَّوالُ يُطْلَقُ عَلى العَدَمِ، ويُطْلَقُ عَلى التَّحَوُّلِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ومِنهُ زَوالُ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ، وتَقَدَّمَ آخِرَ سُورَةِ إبْراهِيمَ. وقَدِ اخْتِيرَ هَذا الفِعْلُ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مَعْناهُ المُشْتَرَكُ لِأنَّ اللَّهَ يُمْسِكُهُما مِن أنْ يُعْدَما، ويُمْسِكُهُما مِن أنْ يَتَحَوَّلَ نِظامُ حَرَكَتِهِما، كَما قالَ تَعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠] . فاللَّهُ مُرِيدٌ اسْتِمْرارَ انْتِظامِ حَرَكَةِ الكَواكِبِ والأرْضِ عَلى هَذا النِّظامِ المُشاهَدِ المُسَمّى بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ، وكَذَلِكَ نِظامُ الكَواكِبِ الأُخْرى الخارِجَةِ عَنْهُ إلى فَلَكِ الثَّوابِتِ، أيْ إذا أرادَ اللَّهُ انْقِراضَ تِلْكَ العَوالِمِ أوْ بَعْضِهِا قَيَّضَ فِيها طَوارِئَ الخَلَلِ والفَسادِ والخَرْقِ بَعْدَ الِالتِئامِ والفَتْقِ بَعْدَ الرَّتْقِ، فَتَفَكَّكَتْ وانْتَشَرَتْ إلى ما لا يَعْلَمُ مَصِيرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وحِينَئِذٍ لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ مُدافَعَةَ ذَلِكَ ولا إرْجاعَها إلى نِظامِها السّابِقِ فَرُبَّما اضْمَحَلَّتْ أوِ اضْمَحَلَّ بَعْضُها، ورُبَّما أخَذَتْ مَسالِكَ جَدِيدَةً مِنَ البَقاءِ. وفِي هَذا إيقاظٌ لِلْبَصائِرِ لِتَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمًا إجْمالِيًّا وتَتَدَبَّرَ في اتِّساقِ هَذا النِّظامِ البَدِيعِ. فاللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ. والشَّرْطُ وجَوابُهُ مُقْسَمٌ عَلَيْهِ، أيْ مُحَقَّقٌ تَعْلِيقُ الجَوابِ بِالشَّرْطِ ووُقُوعُهُ عِنْدَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ هو الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِـ (إنْ) النّافِيَةِ وهي أيْضًا سادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ القَسَمِ. وإذْ قَدْ تَحَقَّقَ بِالجُمْلَةِ السّابِقَةِ أنَّ اللَّهَ مُمْسِكُهُما عَنِ الزَّوالِ عُلِمَ أنَّ زَوالَهُما المَفْرُوضَ لا يَكُونُ إلّا بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى زَوالَهُما، وإلّا لَبَطَلَ أنَّهُ مُمْسِكُهُما مِنَ الزَّوالِ. وأسْنَدَ فِعْلَ ﴿زالَتا﴾ إلى ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى تَأْوِيلِ السَّماواتِ بِسَماءٍ واحِدَةٍ. وأسْنَدَ الزَّوالَ إلَيْهِما لِلْعِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يُزِيلُهُما لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾ . وجِيءَ في نَفْيِ إمْساكِ أحَدٍ بِحَرْفِ (مِن) المُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى عُمُومِ صفحة ٣٢٩ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ إمْساكَهُما وإرْجاعَهُما. (ومِن بَعْدِ) صِفَةُ ”أحَدٍ“ و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ أحَدٍ ناشِئٍ أوْ كائِنٍ مِن زَمانٍ بَعْدَهُ، لِأنَّ حَقِيقَةَ ”بَعْدِ“ تَأخُّرُ زَمانِ ”أحَدٍ“ عَنْ زَمَنِ غَيْرِهِ المُضافِ إلَيْهِ ”بَعْدَ“ وهو هُنا مَجازٌ عَنِ المُغايَرَةِ بِطَرِيقِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّ بَعْدِيَّةَ الزَّمانِ المُضافِ تَقْتَضِي مُغايِرَةَ صاحِبِ تِلْكَ البَعْدِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، أيْ غَيْرِ اللَّهِ، فالضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (بَعْدَ) عائِدٌ إلى اللَّهِ. وهَذا نَظِيرُ اسْتِعْمالِ (وراءَ) بِمَعْنى (دُونَ) أوْ بِمَعْنى (غَيْرَ) أيْضًا في قَوْلِ النّابِغَةِ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ وفِي ذِكْرِ إمْساكِ السَّماواتِ عَنِ الزَّوالِ بَعْدَ الإطْنابِ في مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ وتَفْظِيعِ غُرُورِهِمْ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما يَدْعُونَ إلَيْهِ مِنَ الفَظاعَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزَلْزِلَ الأرَضِينَ ويُسْقِطَ السَّماءَ كِسَفًا لَوْلا أنَّ اللَّهَ أرادَ بَقاءَهُما لِحِكْمَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٨٩]، وهَذِهِ دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ بِاعْتِبارِ مُثارِ مَقاماتِ التَّكَلُّمِ بِها، وهو أيْضًا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ. ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِالتَّذْيِيلِ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعالى بِالحِلْمِ والمَغْفِرَةِ بِما يَشْمَلُهُ صِفَةُ الحَلِيمِ مِن حِلْمِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ لا يُزْعِجَهم بِفَجائِعَ عَظِيمَةٍ، وعَلى المُشْرِكِينَ بِتَأْخِيرِ مُؤاخَذَتِهِمْ فَإنَّ التَّأْخِيرَ مِن أثَرِ الحِلْمِ، وما تَقْتَضِيهِ صِفَةُ الغَفُورِ مِن أنَّ في الإمْهالِ إعْذارًا لِلظّالِمِينَ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ لَمّا رَأى مَلَكَ الجِبالِ فَقالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ» . وفِعْلُ (كانَ) المُخْبَرُ بِهِ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ مُفِيدٌ لِتَقَرُّرِ الِاتِّصافِ بِالصِّفَتَيْنِ الحُسْنَيَيْنِ.

فاطر 35:42

صفحة ٣٣٠ ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ ﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ ومَكْرَ السَّيِّئِ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] هَذا شَيْءٌ حَكاهُ القُرْآنُ عَنِ المُشْرِكِينَ فَهو حِكايَةُ قَوْلٍ صَدَرَ عَنْهم لا مَحالَةَ، ولَمْ يُرْوَ خَبَرٌ عَنِ السَّلَفِ يُعَيِّنُ صُدُورَ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ، ولا قائِلَها سِوى كَلامٍ أُثِرَ عَنِ الضَّحّاكِ هو أشْبَهُ بِتَفْسِيرِ الضَّمِيرِ مِن أقْسَمُوا، وتَفْسِيرِ المُرادِ ﴿مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ ولَمْ يَقُلْ إنَّهُ سَبَبُ نُزُولٍ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ صَدَرَتْ عَنْهم قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا بَلَغَهم أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كَذَّبُوا الرُّسُلَ. والَّذِي يَلُوحُ لِي: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ صَدَرَتْ عَنْهم في مَجارِي المُحاوَرَةِ أوِ المُفاخَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ مِمَّنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِمْ بِمَكَّةَ، أوْ يَقْدَمُونَ هم عَلَيْهِمْ في أسْفارِهِمْ إلى يَثْرِبَ أوْ إلى بِلادِ الشّامِ، فَرُبَّما كانَ أهْلُ تِلْكَ البُلْدانِ يَدْعُونَ المُشْرِكِينَ إلى اتِّباعِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ ويُصَغِّرُونَ الشِّرْكَ في نُفُوسِهِمْ، فَكانَ المُشْرِكُونَ لا يَجْرَءُونَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّهم كانُوا مَرْمُوقِينَ عِنْدَهم بِعَيْنِ الوَقارِ؛ إذْ كانُوا يُفَضِّلُونَهم بِمَعْرِفَةِ الدِّيانَةِ وبِأنَّهم لَيْسُوا أُمِّيِّينَ وهم يَأْبَوْنَ أنْ يَتْرُكُوا دِينَ الشِّرْكِ فَكانُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّ رَسُولَ القَوْمِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم إلى دِينِهِمْ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلى العَرَبِ ولَوْ جاءَنا رَسُولٌ لَكُنّا أهْدى مِنكم، كَما قالَ تَعالى ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ الدّاعُونَ لَهم هُمُ النَّصارى لِأنَّ الدُّعاءَ إلى النَّصْرانِيَّةِ مِن شِعارِ أصْحابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ عِيسى أوْصاهم أنْ يُرْشِدُوا بَنِي الإنْسانِ إلى الحَقِّ وكانَتِ الدَّعْوَةُ إلى النَّصْرانِيَّةِ فاشِيَّةً في بِلادِ العَرَبِ أيّامِ الجاهِلِيَّةِ وتَنَصَّرَتْ قَبائِلُ كَثِيرَةٌ مِثْلُ تَغْلِبَ، ولَخْمٍ، وكَلْبٍ، ونَجْرانَ، فَكانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ إنْ صَحَّ إيصاءُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِها دَعْوَةَ إرْشادٍ إلى التَّوْحِيدِ لا دَعْوَةَ تَشْرِيعٍ، فَإذا ثَبَتَتْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ فَما أراها إلّا تَوْطِئَةً لِدِينٍ يَجِيءُ تَعُمُّ دَعْوَتُهُ سائِرَ البَشَرِ، فَكانَتْ وصِيتُهُ وسَطًا بَيْنَ أحْوالِ الرُّسُلِ الماضِينَ إذْ كانَتْ دَعْوَتُهم خاصَّةً وبَيْنَ حالَةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ العامَّةِ لِكافَّةِ النّاسِ عَزْمًا. صفحة ٣٣١ أمّا اليَهُودُ فَلَمْ يَكُونُوا يَدْعُونَ النّاسَ إلى اليَهُودِيَّةِ ولَكِنَّهم يَقْبَلُونَ مَن يَتَهَوَّدُ كَما تَهَوَّدَ عَرَبُ اليَمَنِ. وأحْسَبُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، أوْ تَشْهِيرِ أنَّها لا تَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، لا يَخْلُو عَنْها عُلَماءُ مُوَحِّدُونَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النُّصّاحِ مِن أحْبارِ يَهُودِ يَثْرِبَ يَعْرِضُ لِقُرَيْشٍ إذا مَرُّوا عَلى يَثْرِبَ بِأنَّهم عَلى ضَلالٍ مِنَ الشِّرْكِ فَيَعْتَذِرُونَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ. وهي تُساوِقُ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . فَيَتَّضِحُ بِهَذا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن أخْبارِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ في شَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ وفي شَأْنِ الرِّسالَةِ والتَّدَيُّنِ، وأنَّ ما حُكِيَ فِيها هو مِن ضَلالاتِهِمْ ومُجازَفَتِهِمْ. والقَسَمُ بَيْنَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ أكْثَرُهُ بِاللَّهِ، وقَدْ يُقْسِمُونَ بِالأصْنامِ وبِآبائِهِمْ وعَمْرِهِمْ. والغالِبُ في ذَلِكَ أنْ يَقُولُوا: واللّاتِ والعُزّى، ولِذَلِكَ جاءَ في الحَدِيثِ «مَن حَلَفَ بِاللّاتِ والعُزّى فَلْيَقُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، أيْ مَن جَرى عَلى لِسانِهِ ذَلِكَ جَرْيَ الكَلامِ الغالِبِ وذَلِكَ في صَدْرِ انْتِشارِ الإسْلامِ. وجَهْدُ اليَمِينِ: أبْلَغُها وأقْواها. وأصْلُهُ مِنَ الجَهْدِ وهو التَّعَبُ، يُقالُ: بَلَغَ كَذا مِنِّي الجَهْدُ، أيْ عَمِلْتُهُ حَتّى بَلَغَ عَمَلُهُ مِنِّي تَعَبِي، كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ عَزْمِهِ في العَمَلِ. فَجَهْدُ الأيْمانِ هُنا كِنايَةٌ عَنْ تَأْكِيدِها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ٥٣] في سُورَةِ العُقُودِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ وسُورَةِ النَّحْلِ وسُورَةِ النُّورِ. وانْتَصَبَ (جَهْدَ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِما كانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا وهو (أيْمانِهِمْ) إذْ هو جَمِيعُ يَمِينٍ وهو الحَلِفُ صفحة ٣٣٢ فَهُوَ مُرادِفٌ لِـ ”أقْسَمُوا“، فَتَقْدِيرُهُ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ قَسَمًا جَهْدًا، وهو صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ أُضِيفَتْ إلى مَوْصُوفِها. وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ أقْسَمُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدامُ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ. وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ بِالنَّذِيرِ لِأنَّ مُجادَلَةَ أهْلِ الكِتابِ إيّاهم كانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى تَخْوِيفٍ وإنْذارٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى وصْفِ النَّذِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، وهَذا يُرَجِّحُ أنْ تَكُونَ المُجادَلَةُ جَرَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ النَّصارى لِأنَّ الإنْجِيلَ مُعْظَمُهُ نِذارَةٌ. وإحْدى الأُمَمِ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ ذاتِ الدِّينِ، فَإنْ عَنَوْا بِها أُمَّةً مَعْرُوفَةً: إمّا الأُمَّةَ النَّصْرانِيَّةَ، وإمّا الأُمَّةَ اليَهُودِيَّةَ، أوِ الصّابِئَةَ كانَ التَّعْبِيرُ عَنْها بِـ (إحْدى) الأُمَمِ إبْهامًا لَها يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إبْهامًا مِن كَلامِ المُقْسِمِينَ تَجَنُّبًا لِمُجابَهَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ بِصَرِيحِ التَّفْضِيلِ عَلَيْها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إبْهامًا مِن كَلامِ القُرْآنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّرَفُّعِ عَمّا لا فائِدَةَ في تَعْيِينِهِ إذِ المَقْصُودُ أنَّهم أشْهَدُوا اللَّهَ عَلى أنَّهم إنْ جاءَهم رَسُولٌ يَكُونُوا أسْبَقَ مِن غَيْرِهِمُ اهْتِداءً فَإذا هم لَمْ يَشُمُّوا رائِحَةَ الِاهْتِداءِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ مِنَ المُشْرِكِينَ نَظَرُوا في قَسَمِهِمْ بِهَدْيِ اليَهُودِ، وفَرِيقٌ نَظَرُوا بِهَدْيِ النَّصارى، وفَرِيقٌ بِهَدْيِ الصّابِئَةِ، فَجَمَعَتْ عِبارَةُ القُرْآنِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِن إحْدى الأُمَمِ لِيَأْتِيَ عَلى مَقالَةِ كُلِّ فَرِيقٍ مَعَ الإيجازِ. وذَكَرَ في الكَشّافِ وجْهًا آخَرَ أنْ يَكُونَ إحْدى الأُمَمِ بِمَعْنى أفْضَلِ الأُمَمِ، فَيَكُونَ مِن تَعْبِيرِ المُقْسِمِينَ، أيْ أهْدى مِن أفْضَلِ الأُمَمِ، ولَكِنَّهُ بَناهُ عَلى التَّنْظِيرِ بِما لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ، وهو قَوْلُهم إحْدى الإحَدِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الحاءِ - في الإحَدِ، ولا يَتِمُ التَّنْظِيرُ لِأنَّ قَوْلَهم: إحْدى الإحَدِ، جَرى مَجْرى المَثَلِ في اسْتِعْظامِ الأمْرِ في الشَّرِّ أوِ الخَيْرِ. وقَرِينَةُ إرادَةِ الِاسْتِعْظامِ إضافَةُ إحْدى إلى اسْمٍ مِن لَفْظِها فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ مَعْنًى يُرادُ في حالَةِ تَجَرُّدِ إحْدى عَنِ الإضافَةِ. وبَيْنَ: (أهْدى) و(إحْدى) الجِناسُ المُحَرَّفُ. وهَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها وما يُؤْثَرُ مِن تَنَصُّرِ بَعْضِ العَرَبِ ومِنِ اتِّساعِ بَعْضِهِمْ في صفحة ٣٣٣ التَّحَنُّفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْلَمُونَ رِسالَةَ الرُّسُلِ، وأمّا ما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَذَلِكَ صَدَرَ مِنهم في المُلاجَّةِ والمُحاجَّةِ لَمّا لَزِمَتْهُمُ الحُجَّةُ بِأنَّ الرُّسُلَ مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مِنَ البَشَرِ وكانَتْ أحْوالُهم أحْوالَ البَشَرِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] فَلَجَأُوا إلى إنْكارِ أنْ يُوحِيَ اللَّهُ إلى بَشَرٍ شَيْئًا. وأمّا ما حُكِيَ عَنْهم هُنا فَهو شَأْنُهم قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ بِكَلامِهِ. فالمَعْنى: فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَكُنْ جاءَهم رَسُولٌ قَبْلَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] وهَذا غَيْرُ القَسَمِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩] . والزِّيادَةُ: أصْلُها نَماءٌ وتَوَفُّرٌ في ذَواتٍ. وقَدْ يُرادُ بِها القُوَّةُ في الصِّفاتِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ومِن ثَمَّةَ تُطْلَقُ الزِّيادَةُ أيْضًا عَلى طُرُوِّ حالٍ عَلى حالٍ، أوْ تَغْيِيرِ حالٍ إلى غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [النبإ: ٣٠] . وتُطْلَقُ عَلى ما يَطْرَأُ مِنَ الخَيْرِ عَلى الإنْسانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَوْعُهُ عِنْدَهُ مِن قَبْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، أيْ وعَطاءٌ يَزِيدُ في خَيْرِهِمْ. ولَّما كانَ مَجِيءُ الرَّسُولِ يَقْتَضِي تَغْيِيرَ أحْوالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ إلى ما هو أحْسَنُ كانَ الظَّنُّ بِهِمْ لَمّا أقْسَمُوا قَسَمَهم ذَلِكَ أنَّهم إذا جاءَهُمُ النَّذِيرُ اهْتَدَوْا وازْدادُوا مِنَ الخَيْرِ إنْ كانُوا عَلى شَأْنٍ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّ البَشَرَ لا يَخْلُو مِن جانِبٍ مِنَ الخَيْرِ قَوِيٌّ أوْ ضَعِيفٌ فَإذا بِهِمْ صارُوا نافِرِينَ مِنَ الدِّينِ الَّذِي جاءَهم. والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ زادَهُمُ المَحْذُوفِ، أيْ ما أفادَهم صَلاحًا وحالًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ إلّا نُفُورًا، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ (إلّا نُفُورًا) مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا نافِرِينَ مِن قَبْلُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَمّا أقْسَمُوا: لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى كانَ صفحة ٣٣٤ حالُهم حالَ النُّفُورِ مِن قِبَلِ دَعْوَةِ النَّصارى إيّاهم إلى دِينِهِمْ أوْ مِنَ الِاتِّعاظِ بِمَواعِظِ اليَهُودِ في تَقْبِيحِ الشِّرْكِ فَأقْسَمُوا ذَلِكَ القَسَمَ تَفَصِّيًا مِنَ المُجادَلَةِ، وباعِثُهم عَلَيْهِ النُّفُورُ مِن مُفارَقَةِ الشِّرْكِ، فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ ما زادَهم شَيْئًا وإنَّما زادَهم نُفُورًا، فالزِّيادَةُ بِمَعْنى التَّغْيِيرِ والِاسْتِثْناءِ تَأْكِيدٌ لِلشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ. والنُّفُورُ هو نُفُورُهُمُ السّابِقُ، فالمَعْنى لَمْ يَزِدْهم شَيْئًا وحالُهم هي هي. وضَمِيرُ ”زادَهم“ عائِدٌ إلى رَسُولٍ أوْ إلى المَجِيءِ المَأْخُوذِ مِن جاءَهم، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلَيْهِ عَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الرَّسُولَ أوْ مَجِيئَهُ لَيْسَ هو يَزِيَدُهم ولَكِنَّهُ سَبَبُ تَقْوِيَةِ نُفُورِهِمْ أوِ اسْتِمْرارِ نُفُورِهِمْ. و”اسْتِكْبارًا“ بَدَلُ اشْتِمالِ مِن ”نُفُورًا“ أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ، لِأنَّ النُّفُورَ في مَعْنى الفِعْلِ فَصَحَّ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ لَهُ. والتَّقْدِيرُ: نَفَرُوا لِأجْلِ الِاسْتِكْبارِ في الأرْضِ. والِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ التَّكَبُّرِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ اسْتَجابَ. والأرْضُ: مَوْطِنُ القَوْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] أيْ بَلَدِنا، فالتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا في قَوْمِهِمْ أنْ يَتَّبِعُوا واحِدًا مِنهم. و(مَكْرُ السَّيِّءِ) عُطِفَ عَلى ”اسْتِكْبارًا“ بِالوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، وإضافَةُ مَكْرٍ إلى السَّيِّئِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مِثْلُ: عِشاءِ الآخِرَةِ. وأصْلُهُ: أنْ يَمْكُرُوا المَكْرَ السَّيِّئَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . والمَكْرُ: إخْفاءُ الأذى وهو سَيِّئٌ لِأنَّهُ مِنَ الغَدْرِ وهو مُنافٍ لِلْخُلُقِ الكَرِيمِ، فَوَصْفُهُ بِالسَّيِّئِ وصْفٌ كاشِفٌ، ولَعَلَّ التَّنْبِيهَ إلى أنَّهُ وصْفٌ كاشِفٌ هو مُقْتَضى إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الوَصْفِ لِإظْهارِ مُلازَمَةِ الوَصْفِ لِلْمَوْصُوفِ فَلَمْ يَقُلْ: ومَكْرًا سَيِّئًا ”ولَمْ يُرَخِّصْ في المَكْرِ إلّا في الحَرْبِ لِأنَّها مَدْخُولٌ فِيها عَلى مِثْلِهِ“ أيْ مَكْرًا بِالنَّذِيرِ وأتْباعِهِ وهو مَكْرٌ ذَمِيمٌ لِأنَّهُ مُقابَلَةُ المُتَسَبِّبِ في صَلاحِهِمْ بِإضْمارِ ضُرِّهِ. صفحة ٣٣٥ وقَدْ تَبَيَّنَ كَذِبُهم في قَسَمِهِمْ إذْ قالُوا ”لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونُنَّ أهْدى مِنهم“ وأنَّهم ما أرادُوا بِهِ إلّا التَّفَصِّي مِنَ اللَّوْمِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] تَذْيِيلٌ أوْ مَوْعِظَةٌ. ويَحِيقُ: يَنْزِلُ بِشَيْءٍ مَكْرُوهٍ حاقَ بِهِ، أيْ نَزَلَ وأحاطَ إحاطَةَ سُوءٍ، أيْ لا يَقَعُ أثَرُهُ إلّا عَلى أهْلِهِ. وفِيهِ حَذْفٌ مُضافٌ تَقْدِيرُهُ: ضُرُّ المَكْرِ السَّيِّئِ أوْ سُوءُ المَكْرِ السَّيِّئِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ يَحِيقُ، فَإنْ كانَ التَّعْرِيفُ في المَكْرِ لِلْجِنْسِ كانَ المُرادُ بِـ (أهْلِهِ) كُلَّ ماكِرٍ. وهَذا هو الأنْسَبُ بِمَوْقِعِ الجُمْلَةِ ومَحْمَلِها عَلى التَّذْيِيلِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَكْرٍ وكُلَّ ماكِرٍ، فَيَدْخُلَ فِيهِ الماكِرُونَ بِالمُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونَ القَصْرُ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَصْرًا ادِّعائِيًّا مَبْنِيًّا عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالضُّرِّ القَلِيلِ الَّذِي يَحِيقُ بِالمَمْكُورِ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِما أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْماكِرِ في قَدَرِهِ مِن مُلاقاةِ جَزائِهِ عَلى مَكْرِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنَ النَّوامِيسِ الَّتِي قَدَّرَها القَدَرُ لِنِظامِ هَذا العالَمِ؛ لِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المُعامَلاتِ الضّارَّةِ تُؤَوَّلُ إلى ارْتِفاعِ ثِقَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ واللَّهُ بَنى نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى تَعاوُنِ النّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ لِأنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، فَإذا لَمْ يَأْمَن أفْرادُ الإنْسانِ بَعْضُهم بَعْضًا تَنَكَّرَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ وتَبادَرُوا الإضْرارَ والإهْلاكَ لِيَفُوزَ كُلُّ واحِدٍ بِكَيْدِ الآخَرِ قَبْلَ أنْ يَقَعَ فِيهِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى فَسادٍ كَبِيرٍ في العالِمِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ولا ضُرَّ عَبِيدِهِ إلّا حَيْثُ تَأْذَنُ شَرائِعُهُ بِشَيْءٍ، ولِهَذا قِيلَ في المَثَلِ وما ظالِمٌ إلّا سَيُبْلى بِظالِمٍ. وقالَ الشّاعِرُ: لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ مِن جِنْسِهِ حَتّى الحَدِيدُ سَطا عَلَيْهِ المِبْرَدُ وكَمْ في هَذا العالَمِ مِن نَوامِيسَ مَغْفُولٍ عَنْها، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وفي كِتابِ ابْنِ المُبارَكِ في الزُّهْدِ بِسَنَدِهِ عَنِ الزُّهْرِيُّ بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قالَ لا تَمْكُرْ ولا تُعِنْ ماكِرًا؛ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر»: ٤٣]، ومِن كَلامِ العَرَبِ: مَن حَفْرَ لِأخِيهِ جُبًّا وقَعَ فِيهِ مُنْكَبًّا، ومِن كَلامِ عامَّةِ أهْلِ تُونِسَ يا حافِرَ حُفْرَةِ السَّوْءِ ما تَحْفِرُ إلّا قِياسَكَ. وإذا كانَ تَعْرِيفُ المَكْرِ تَعْرِيفُ العَهْدِ كانَ المَعْنى: ولا يَحِيقُ هَذا المَكْرُ إلّا بِأهْلِهِ، أيِ الَّذِينَ جاءَهُمُ النَّذِيرُ فازْدادُوا نُفُورًا، فَيَكُونُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] مَوْقِعَ الوَعِيدِ بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ مَكْرَهم، ويَحِيقُ صفحة ٣٣٦ ضُرُّ مَكْرِهِمْ بِهِمْ، بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ عَلى غَفْلَةٍ مِنهم كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، فَيَكُونُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] فالقَصْرُ حَقِيقِيُّ. فَكَمِ انْهالَتْ مِن خِلالِ هَذِهِ الآيَةِ مِن آدابٍ عُمْرانِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ قُرْآنِيَّةٍ ومُعْجِزاتٍ نَبَوِيَّةٍ خَفِيَّةٍ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] قَدْ جُعِلَ في عِلْمِ المَعانِي مِثالًا لِلْكَلامِ الجارِي عَلى أُسْلُوبِ المُساواةِ دُونَ إيجازٍ ولا إطْنابٍ. وأوَّلُ مَن رَأيْتُهُ مَثَّلَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمُساواةِ هو الخَطِيبُ القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ وفي تَخْلِيصِ المِفْتاحِ، وهو مِمّا زادَهُ عَلى ما في المِفْتاحِ ولَمْ يُمَثِّلْ صاحِبُ المِفْتاحِ لِلْمُساواةِ بِشَيْءٍ ولَمْ أدْرِ مِن أيْنَ أخَذَهُ القَزْوِينِيُّ فَإنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القاهِرِ لَمْ يَذْكُرِ الإيجازَ والإطْنابَ في كِتابِهِ. وإذْ قَدْ صَرَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّ المُساواةَ هي مُتَعارَفُ الأوْساطِ وأنَّهُ لا يُحْمَدُ في بابِ البَلاغَةِ ولا يُذَمُّ فَقَدْ وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُساواةَ لا تَقَعُ في الكَلامِ البَلِيغِ بَلْهَ المُعْجِزَ. ومِنَ العَجِيبِ إقْرارُ العَلّامَةِ التَّفْتَزانِيِّ كَلامَ صاحِبِ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ وكَيْفَ يَكُونُ هَذا مِنَ المُساواةِ وفِيهِ جُمْلَةٌ ذاتُ قَصْرٍ، والقَصْرُ مِنَ الإيجازِ؛ لِأنَّهُ قائِمٌ مُقامَ جُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةُ إثْباتٍ لِلْمَقْصُودِ، وجُمْلَةُ نَفْيِهِ عَمّا سِواهُ، فالمُساواةُ أنْ يُقالَ: يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ بِالماكِرِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَما عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى صِيغَةِ القَصْرِ فَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَ الإيجازِ. وفِيهِ أيْضًا حَذْفُ مُضافٍ إذِ التَّقْدِيرُ: ولا يَحِيقُ ضُرُّ المَكْرِ السَّيِّئِ إلّا بِأهْلِهِ عَلى أنَّ في قَوْلِهِ بِأهْلِهِ إيجازًا لِأنَّهُ عَوَّضَ عَنْ أنْ يُقالَ: بِالَّذِينِ تَقَلَّدُوهُ. والوَجْهُ أنَّ المُساواةَ لَمْ تَقَعْ في القُرْآنِ وإنَّما مَواقِعُها في مُحادَثاتِ النّاسِ الَّتِي لا يُعْبَأُ فِيها بِمُراعاةِ آدابِ اللُّغَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ ”ومَكْرَ السَّيِّئْ“ بِسُكُونِ الهَمْزَةِ في حالَةِ الوَصْلِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.

فاطر 35:43

صفحة ٣٣٧ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا سُنَّتَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ ما زادَهم إلّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] الآيَةَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في تَعْرِيفِ المَكْرِ وفي المُرادِ بِـ ”أهْلِهِ“، أيْ كَما مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَحاقَ بِهِمْ مَكْرُهم كَذَلِكَ هَؤُلاءِ. ويَنْظُرُونَ هُنا مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى الِانْتِظارِ. كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ. وشُعْثٍ يَنْظُرُونَ إلى بَـلِالٍ كَما نَظَرَ العِطاشُ حَيا الغَمامِ فَقَوْلُهُ إلى مُفْرَدٌ مُضافٌ، وهو النِّعْمَةُ وجَمُّهُ آلاءُ. ومَعْنى الِانْتِظارِ هُنا: أنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ قَبْلَهم فَشَبَّهَ لُزُومَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ بِالشَّيْءِ المَعْلُومِ لَهُمُ المُنْتَظَرِ مِنهم عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ. والسُّنَّةُ: العادَةُ: والأوَّلُونَ: هُمُ السّابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَهم، بِقَرِينَةِ سِياقِ الكَلامِ. ”وسُنَّةُ“ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ أوْ قِياسَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] . والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ لِأنَّ ما قَبْلَها لَمّا ذَكَّرَ النّاسَ بِسُنَّةِ اللَّهِ في المُكَذِّبِينَ أفْصَحَ عَنِ اطِّرادِ سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِهِ. والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمُوا ذَلِكَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، ولَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. والخِطابُ في تَجِدَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مُخاطِبٍ، وبِذَلِكَ يَتَسَنّى أنْ يُسِيرَ هَذا الخَبَرُ مَسِيرَ الأمْثالِ. وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ. والتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ شَيْءٍ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] في سُورَةِ النِّساءِ. صفحة ٣٣٨ والتَّحْوِيلُ: نَقْلُ الشَّيْءِ مِن مَكانٍ إلى غَيْرِهِ، وكَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَوْلِ وهو الجانِبُ. والمَعْنى: أنَّهُ لا تَقَعُ الكَرامَةُ في مَوْقِعِ العِقابِ، ولا يُتْرَكُ عِقابُ الجانِي. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُ الحُكَماءِ: ما بِالطَّبْعِ لا يَتَخَلَّفُ ولا يَخْتَلِفُ.

فاطر 35:44

﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] اسْتِدْلالًا عَلى أنَّ مُساواتَهم لِلْأوَّلِينَ تُنْذِرُ بِأنْ سَيَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ مِن نَوْعِ ما يُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ اسْتِئْصالِهِمْ في دِيارِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ كانَ عاقِبَتُهُمُ الِاضْمِحْلالَ مَعَ أنَّهم أشَدُّ قُوَّةً مِن هَؤُلاءِ فَيَكُونُ اسْتِئْصالُ هَؤُلاءِ أقْرَبَ. وجِيءَ بِهَذا الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ لِما يُفِيدُ مَوْقِعُ الحالِ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَةِ تِلْكَ القُوَّةِ إيثارًا لِلْإيجازِ لِاقْتِرابِ خَتْمِ السُّورَةِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في نَظائِرِها بِجُمْلَةِ الحالِ ولَكِنْ أُتِيَ فِيها بِجُمْلَةِ وصْفٍ في قَوْلِهِ في سُورَةِ غافِرٍ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٢١]، وفي سُورَةِ الرُّومِ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأثارُوا الأرْضَ﴾ [الروم: ٩] حَيْثُ أُوثِرَ فِيها الإطْنابُ بِتَعْدادِ بَعْضِ مَظاهِرِ تِلْكَ القُوَّةِ. * * * ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ لَمّا عَرَضَ وصْفَ الأُمَمِ السّابِقَةِ بِأنَّهم أشَدُّ قُوَّةً مِن قُرَيْشٍ في مَعْرِضِ التَّمْثِيلِ بِالأوَّلِينَ تَهْدِيدًا واسْتِعْدادًا لِتَلَقِّي مِثْلِ عَذابِهِمْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالِاحْتِراسِ عَنِ الطَّماعِيَةِ في النَّجاةِ مِن مِثْلِ عَذابِهِمْ بِعِلَّةِ أنَّ لَهم مِنَ المُنْجِياتِ ما لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَمِ الخالِيَةِ كَزَعْمِهِمْ: أنَّ لَهم آلِهَةً تَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ بِشَفاعَتِها أوْ دَفْعِها فَقِيلَ ﴿وما صفحة ٣٣٩ كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، أيْ هَبْكم أقْوى مِنَ الأوَّلِينَ وأشَدَّ حِيلَةً مِنهم، أوْ لَكم مِنَ الأنْصارِ ما لَيْسَ لَهم، فَما أنْتُمْ بِمُفْلِتِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ كَقَوْلِهِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت: ٢٢] . وجِيءَ بِلامِ الجُحُودِ مَعَ كانَ المَنفِيَّةِ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ نَفْيِّ كُلِّ شَيْءٍ يَحُولُ دُونَ قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالِاحْتِراسِ. ومَعْنى يُعْجِزُهُ: يَجْعَلُهُ عاجِزًا عَنْ تَحْقِيقِ مُرادِهِ فِيهِ فَيُفْلِتُ أحَدً عَنْ مُرادِ اللَّهِ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ شَيْءٍ يُغالِبُ مُرادَ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِلْمِ واسِعُهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ وبِأنَّهُ شَدِيدُ القُدْرَةِ. وقَدْ حَصَرَ هَذانِ الوَصْفانِ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ يُعْجِزُ اللَّهَ لِأنَّ عَجْزَ المُرِيدِ عَنْ تَحْقِيقِ إرادَتِهِ: إمّا أنْ يَكُونَ سَبَبُهُ خَفاءَ مَوْضِعِ تَحَقُّقِ الإرادَةِ، وهَذا يُنافِي إحاطَةَ العِلْمِ، أوْ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ التَّمَكُّنِ مِنهُ وهَذا يُنافِي عُمُومَ القُدْرَةِ.

فاطر 35:45

﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ ولَكِنْ يُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَإذا جاءَ أجَلُهم فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ تَذْكِيرٌ لَهم عَنْ أنْ يَغُرَّهم تَأْخِيرُ المُؤاخَذَةِ فَيَحْسَبُوهُ عَجْزًا أوْ رِضًى مِنَ اللَّهِ بِما هم فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ قالُوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] فَعِلْمُهم أنَّ لِعَذابِ اللَّهِ آجالًا اقْتَضَتْها حِكَمُهُ، فِيها رَعْيُ مَصالِحِ أُمَمٍ آخَرِينَ، أوِ اسْتِبْقاءِ أجْيالٍ آتِينَ. فالمُرادُ بِـ ”النّاسِ“ مَجْمُوعُ الأُمَّةِ، وضَمِيرُ ”ما كَسَبُوا“ وضَمِيرُ ”يُؤَخِّرُهم“ عائِدٌ إلى ”أجَلٍ“ . ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ إلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ فِيها ”بِما كَسَبُوا“ وهُنالِكَ جاءَ فِيها ”بِظُلْمِهِمْ“ لِأنَّ ”ما كَسَبُوا“ صفحة ٣٤٠ يَعُمُّ الظُّلْمَ وغَيْرَهُ. وأُوثِرَ في سُورَةِ النَّحْلِ ”بِظُلْمِهِمْ“ لِأنَّها جاءَتْ عَقِبَ تَشْنِيعِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ مِن ظُلْمِهِمْ وهو ظُلْمُ بَناتِهِمُ المَوْءُوداتِ وإلّا أنَّ هُنالِكَ قالَ ما تَرَكَ عَلَيْها وهُنا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها وهو تَفَنُّنٌ تَبِعَهُ المَعَرِّيُّ في قَوْلِهِ: وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلاهَكَ يَشْهَدِ والضَّمِيرُ لِلْأرْضِ هُنا وهُناكَ في البَيْتِ لِأنَّها مَعْلُومَةٌ مِنَ المَقامِ. والظَّهْرُ: حَقِيقَتُهُ مَتْنُ الدّابَّةِ الَّذِي يَظْهَرُ مِنها، وهو ما يَعْلُو الصُّلْبَ مِنَ الجَسَدِ وهو مُقابِلُ البَطْنِ فَأُطْلِقَ عَلى ظَهْرِ الإنْسانِ أيْضًا وإنْ كانَ غَيْرَ ظاهِرٍ؛ لِأنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الإنْسانِ صَدْرُهُ وبَطْنُهُ. وظَهْرُ الأرْضِ مُسْتَعارٌ لِبَسْطِها الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ مَخْلُوقاتُ الأرْضِ تَشْبِيهًا لِلْأرْضِ بِالدّابَّةِ المَرْكُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ. ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ مِنَ الحَقِيقَةِ. فَأمّا قَوْلُهُ هُنا ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾، وقَدْ قالَ هُنالِكَ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فَما هُنا إيماءٌ إلى الحِكْمَةِ في تَأْخِيرِهِمْ إلى أجَلٍ مُسَمًّى. والتَّقْدِيرُ: فَإذا جاءَ أجْلُهم أخَذَهم بِما كَسَبُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا، أيْ عَلِيمًا في حالَيِ التَّأْخِيرِ ومَجِيءِ الأجَلِ، ولِهَذا فَقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ دَلِيلُ جَوابِ إذا ولَيْسَ هو جَوابَها، ولِذَلِكَ كانَ حَقِيقًا بِقَرْنِهِ بِفاءِ التَّسَبُّبِ، وأمّا ما في سُورَةِ النَّحْلِ فَهو الجَوابُ وهو تَهْدِيدٌ بِأنَّهُ إذا جاءَ أجْلُهم وقَعَ بِهِمُ العَذابُ دُونَ إمْهالٍ. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا﴾ هو أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ أنْ يُقالَ: ماذا جَنَتِ الدَّوابُّ حَتّى يَسْتَأْصِلَها اللَّهُ بِسَبَبِ ما كَسَبَ النّاسُ، وكَيْفَ يَهْلِكُ كُلُّ مَن عَلى الأرْضِ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ والصّالِحُونَ، فَأُفِيدَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِعَدْلِهِ. فَأمّا الدَّوابُّ فَإنَّها مَخْلُوقَةٌ لِأجْلِ الإنْسانِ كَما قالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فَإهْلاكُها قَدْ يَكُونُ إنْذارًا لِلنّاسِ لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنْ إجْرامِهِمْ، وأمّا حالُ المُؤْمِنِينَ في حِينِ إهْلاكِ الكُفّارِ فاللَّهُ أعْلَمُ بِهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَهم طَرِيقًا إلى النَّجاةِ كَما نَجّى هُودًا ومَن مَعَهُ، ولَعَلَّهُ إنْ أهْلَكَهم أنْ يُعَوِّضَ لَهم حُسْنَ الدّارِ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «ثُمَّ يُحْشَرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» . * * * صفحة ٣٤١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ يسسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ يس بِمُسَمّى الحَرْفَيْنِ الواقِعَيْنِ في أوَّلِها في رَسْمِ المُصْحَفِ؛ لِأنَّها انْفَرَدَتْ بِها فَكانا مُمَيِّزَيْنِ لَها عَنْ بَقِيَّةِ السُّوَرِ، فَصارَ مَنطُوقُهُما عَلَمًا عَلَيْها. وكَذَلِكَ ورَدَ اسْمُها عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . رَوى أبُو داوُدَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْرَءُوا يس عَلى مَوْتاكم»، وبِهَذا الِاسْمِ عَنْوَنَ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ في كِتابَيِ التَّفْسِيرِ. ودَعاها بَعْضُ السَّلَفِ ”قَلْبَ القُرْآنِ“ لِوَصْفِها في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وقَلْبُ القُرْآنِ يس»، رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ، وهي تَسْمِيَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ. ورَأيْتُ مُصْحَفًا مَشْرِقِيًّا نُسِخَ سَنَةَ ١٠٧٨ أحْسَبُهُ في بِلادِ العَجَمِ عَنْوَنَها سُورَةَ حَبِيبٍ النَّجّارِ وهو صاحِبُ القِصَّةِ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ [يس: ٢٠] كَما يَأْتِي. وهَذِهِ تَسْمِيَةٌ غَرِيبَةٌ لا نَعْرِفُ لَها سَنَدًا ولَمْ يُخالِفْ ناسِخُ ذَلِكَ المُصْحَفِ في أسْماءِ السُّوَرِ ما هو مَعْرُوفٌ إلّا في هَذِهِ السُّورَةِ وفي سُورَةِ التِّينِ عَنْوَنَها سُورَةَ الزَّيْتُونِ. وهِيَ مَكِّيَّةٌ، وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ الِاتِّفاقَ عَلى ذَلِكَ ”قالَ إلّا أنَّ فِرْقَةً قالَتْ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] نَزَلَتْ في بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الأنْصارِ حِينَ أرادُوا أنْ يَتْرُكُوا دِيارَهم ويَنْتَقِلُوا إلى جِوارِ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالَ لَهم: «دِيارَكم تُكْتَبُ آثارُكم» . ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِمَكَّةَ ولَكِنَّها احْتُجَّ بِها عَلَيْهِمْ في المَدِينَةِ“ اهـ. صفحة ٣٤٢ وفِي الصَّحِيحِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ عَلَيْهِمْ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم» وهو يُؤَوِّلُ ما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ بِما يُوهِمُ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ. وهِيَ السُّورَةُ الحادِيَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ في قَوْلِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الجَعْبَرِيُّ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ”قُلْ أُوحِيَ“ وقَبْلَ سُورَةِ الفُرْقانِ. وعُدَّتْ آياتُها عِنْدَ جُمْهُورِ الأمْصارِ اثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ. وعُدَّتْ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ثَلاثًا وثَمانِينَ. ووَرَدَ في فَضْلِها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا وقَلْبُ القُرْآنِ يس» «. ومَن قَرَأ يس كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِراءَتِها قِراءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرّاتٍ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وفِيهِ هارُونُ أبُو مُحَمَّدٍ شَيْخٌ مَجْهُولٌ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: حَدِيثُها ضَعِيفٌ. * * * أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وبِالقَسَمِ بِالقُرْآنِ تَنْوِيهًا بِهِ، وأُدْمِجَ وصْفُهُ بِالحَكِيمِ إشارَةً إلى بُلُوغِهِ أعْلى دَرَجاتِ الإحْكامِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ تَحْقِيقُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَفْضِيلُ الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ في كِتابٍ مُنْزِلٍ مِنَ اللَّهِ لِإبْلاغِ الأُمَّةِ الغايَةَ السّامِيَةَ؛ وهي اسْتِقامَةُ أُمُورِها في الدُّنْيا والفَوْزُ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، فَلِذَلِكَ وُصِفَ الدِّينُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وأنَّ القُرْآنَ داعٍ لِإنْقاذِ العَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يَسْبِقْ مَجِيءُ رَسُولٍ إلَيْهِمْ، لِأنَّ عَدَمَ سَبْقِ الإرْسالِ إلَيْهِمْ تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ لِقَبُولِ الدِّينِ إذْ لَيْسَ فِيها شاغِلٌ سابِقٌ يَعِزُّ عَلَيْهِمْ فِراقُهُ أوْ يَكْتَفُونَ بِما فِيهِ مِن هُدًى. ووَصْفُ إعْراضِ أكْثَرِهِمْ عَنْ تَلَقِّي الإسْلامِ، وتَمْثِيلُ حالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وحِرْمانُهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ الإسْلامِ وأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا دِينَ الإسْلامِ هم أهْلُ الخَشْيَةِ، وهو الدِّينُ المَوْصُوفُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ. وضَرْبُ المَثَلِ لِفَرِيقَيِ المُتَّبِعِينَ والمُعَرِضِينَ مِن أهْلِ القُرى بِما سَبَقَ مِن حالِ أهْلِ القَرْيَةِ الَّذِينَ شابَهَ تَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ تَكْذِيبَ قُرَيْشٍ. صفحة ٣٤٣ وكَيْفَ كانَ جَزاءُ المُعْرِضِينَ مِن أهْلِها في الدُّنْيا وجَزاءُ المُتَّبِعِينَ في دَرَجاتِ الآخِرَةِ. ثُمَّ ضَرْبُ المَثَلُ بِالأعَمِّ وهُمُ القُرُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا فَأُهْلِكُوا. والرِّثاءُ لِحالِ النّاسِ في إضاعَةِ أسْبابِ الفَوْزِ كَيْفَ يُسْرِعُونَ إلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ. وتَخْلُصُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَقْرِيبِ البَعْثِ وإثْباتِهِ بِالِاسْتِقْلالِ تارَةً وبِالِاسْتِطْرادِ أُخْرى. مُدْمِجًا في آياتِهِ الِامْتِنانَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها تِلْكَ الآياتُ. ورامِزًا إلى دَلالَةِ تِلْكَ الآياتِ والنِّعَمِ عَلى تَفَرُّدِ خالِقِها ومُنْعِمِها بِالوَحْدانِيَّةِ إيقاظًا لَهم. ثُمَّ تَذْكِيرُهم بِأعْظَمِ حادِثَةٍ حَدَثَتْ عَلى المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ والمُتَمَسِّكِينَ بِالأصْنامِ مِنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ نُوحٌ نَذِيرًا، فَهَلَكَ مَن كَذَّبَ، ونَجا مَن آمَنَ. ثُمَّ سِيقَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المَشُوبَةُ بِالِامْتِنانِ لِلتَّذْكِيرِ بِواجِبِ الشُّكْرِ عَلى النِّعَمِ بِالتَّقْوى والإحْسانِ وتَرَقُّبِ الجَزاءِ. والإقْلاعُ عَنِ الشِّرْكِ والِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ واسْتِعْجالِ وعِيدِ العَذابِ. وحُذِّرُوا مِن حُلُولِهِ بَغْتَةً حِينَ يَفُوتُ التَّدارُكُ. وذُكِّرُوا بِما عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ مِمّا أوْدَعَهُ في الفِطْرَةِ مِنَ الفِطْنَةِ. والِاسْتِدْلالُ عَلى عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْإنْسانِ. واتِّباعُ دُعاةِ الخَيْرِ. ثُمَّ رَدَّ العَجْزَ عَلى الصَّدْرِ فَعادَ إلى تَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ مُفْتَرًى صادِرًا مِن شاعِرٍ بِتَخَيُّلاتِ الشُّعَراءِ. وسَلّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ لا يُحْزِنَهُ قَوْلُهم وأنَّ لَهُ بِاللَّهِ أُسْوَةً إذْ خَلَقَهم فَعَطَّلُوا قُدْرَتَهُ عَنْ إيجادِهِمْ مَرَّةً ثانِيَةً ولَكِنَّهم راجِعُونَ إلَيْهِ. صفحة ٣٤٤ فَقامَتِ السُّورَةُ عَلى تَقْرِيرِ أُمَّهاتِ أُصُولِ الدِّينِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ مِن إثْباتِ الرِّسالَةِ، ومُعْجِزَةِ القُرْآنِ، وما يُعْتَبَرُ في صِفاتِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ القَدَرِ، وعِلْمِ اللَّهِ، والحَشْرِ، والتَّوْحِيدِ، وشُكْرِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ أُصُولُ الطّاعَةِ بِالِاعْتِقادِ والعَمَلِ، ومِنها تَتَفَرَّعُ الشَّرِيعَةُ. وإثْباتُ الجَزاءِ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ مَعَ إدْماجِ الأدِلَّةِ مِنَ الآفاقِ والأنْفُسِ بِتَفَنُّنٍ عَجِيبٍ، فَكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ جَدِيرَةً بِأنْ تُسَمّى ”قَلْبَ القُرْآنِ“ لِأنَّ مِن تَقاسِيمِها تَتَشَعَّبُ شَرايِينُ القُرْآنِ كُلِّهِ، وإلى وتِينِها يَنْصَبُّ مَجْراها. قالَ الغَزالِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ صِحَّتُهُ بِاعْتِرافٍ بِالحَشْرِ، والحَشْرُ مُقَرَّرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأبْلَغِ وجْهٍ، كَما سُمِّيَتِ الفاتِحَةُ أُمَّ القُرْآنِ إذْ كانَتْ جامِعَةً لِأُصُولُ التَّدَبُّرِ في أفانِيهِ كَما تَكُونُ أُمُّ الرَّأْسِ مَلاكَ التَّدَبُّرِ في أُمُورِ الجَسَدِ.