Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — يس 36:75 – الصافات 37:61
المحتويات
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
يس 36:75
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]، أيْ ألَمْ يَرَوْا دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَتَأمَّلُوا جَلائِلَ النِّعْمَةِ، واتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ المُنْعِمِ والمُنْفَرِدِ بِالخَلْقِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى الجُمْلَتَيْنِ المُفَرَّعَتَيْنِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ التَّعْجِيبُ مِن جَرَيانِهِمْ عَلى خِلافِ حَقِّ النِّعْمَةِ ثُمَّ مُخالَفَةِ مُقْتَضى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ المُدْمَجِ في ذِكْرِ النِّعَمِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ دُونَ ضَمِيرِ إظْهارٍ في مَقامِ الإضْمارِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُهُ العَلَمُ مِن عَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ، إيماءً إلى أنَّ اتِّخاذَهم آلِهَةً مِن دُونِهِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ فَإنَّهم قالُوا ما هو أشَدُّ نُكْرًا.
وأمّا الإضْمارُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] فَلِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ صَرِيحًا مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ وقَعَتْ لَعَلَّ فِيهِ مَوْقِعًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ لِأنَّ شَأْنَ لَعَلَّ أنْ تُفِيدَ إنْشاءَ رَجاءِ المُتَكَلِّمِ بِها وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هُنا. وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِهِ، وأهْمَلَهَ عُلَماءُ النَّحْوِ واللُّغَةِ مِنِ اسْتِعْمالِ لَعَلَّ، فَيَتَعَيَّنُ:
إمّا أنْ تَكُونَ لَعَلَّ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِأنْ شُبِّهَ شَأْنُ اللَّهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهم بِحالِ مَن
صفحة ٧١
يَرْجُو مِنَ المُخْبَرِ عَنْهم أنْ يَحْصُلَ لَهم خَبَرُ لَعَلَّ، وذِكْرُ حَرْفُ لَعَلَّ رَمْزٌ لِرَدِيفِ المُشْتَبَهِ بِهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةَ (﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ (آلِهَةً) وبَيْنَ صِفَتِهِ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ جَرى عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أوْ تَهَكُّمِيٌّ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، وإمّا أنْ يُجْعَلَ الرَّجاءُ مُنْصَرِفًا إلى رَجاءِ المُخْبَرِ عَنْهم، أيْ راجِينَ أنْ تَنْصُرَهم تِلْكَ الآلِهَةُ وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ: لَعَلَّنا نُنْصَرُ، وحُكِيَ (يُنْصَرُونَ) بِالمَعْنى عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في حِكايَةِ الأقْوالِ تَقُولُ: قالَ أفْعَلُ كَذا، وقالَ يَفْعَلُ كَذا، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾) اسْتِئْنافًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وإمّا أنْ تَجْعَلَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمُ﴾) اسْتِئْنافًا.
والمَقْصُودُ: الإشارَةُ إلى أنَّ الكُفّارَ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في أُمُورِ الدُّنْيا ويَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهم سالِكُونَ في هَذا الزَّعْمِ مَسْلَكَ ما يَأْلَفُونَهُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِالمُوالاةِ والحِلْفِ بَيْنَ القَبائِلِ والِانْتِماءِ إلى قادَتِهِمْ، فَبِمِقْدارِ كَثْرَةِ المَوالِي تَكُونُ عِزَّةُ القَبِيلَةِ فَقاسُوا شُئُونَهم مَعَ رَبِّهِمْ عَلى شُئُونِهِمُ الجارِيَةِ بَيْنَهم وقِياسُ أُمُورِ الإلَهِيَّةِ عَلى أحْوالِ البَشَرِ مِن أعْمَقِ مَهاوِي الضَّلالَةِ.
أُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهم سَمَّوْهم بِأسْماءِ العُقَلاءِ وزَعَمُوا لَهم إدْراكًا.
وضَمِيرُ (وهم) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى آلِهَةٍ تَبَعًا لِضَمِيرِ لا يَسْتَطِيعُونَ، وضَمِيرِ (لَهم) لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: والأصْنامُ لِلْمُشْرِكِينَ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ، والجُنْدُ العَدَدُ الكَثِيرُ. والمُحْضَرُ الَّذِي جِيءَ بِهِ لِيَحْضُرَ مَشْهَدًا. والمَعْنى: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّصْرَ مَعَ حُضُورِهِمْ في مَوْقِفِ المُشْرِكِينَ لِمُشاهَدَةِ تَعْذِيبِهِمْ ومَعَ كَوْنِهِمْ عَدَدًا كَثِيرًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِمْ، أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن نَفْعِ أصْنامِهِمْ.
ويَجُوزُ العَكْسُ، أيْ والمُشْرِكُونَ جُنْدٌ لِأصْنامِهِمْ مُحَضَرُونَ لِخِدْمَتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنْ حالِهِمْ مَعَ أصْنامِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
صفحة ٧٢
ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَطِيعُونَ، أيْ لَيْسَ عَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ نَصْرَهَمْ لِبُعْدِ مَكانَتِهِمْ وتَأخُّرِ الصَّرِيخِ لَهم ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ وهم حاضِرُونَ لَهم، واللّامُ في (لَهم) لِلْأجَلِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُ الأصْنامَ حِينَ حَشْرِ عَبَدَتِها إلى النّارِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ خَطَلَ رَأْيِهِمْ وخَيْبَةَ أمَلِهِمْ، فَهَذا وعِيدٌ بِعَذابٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَلْجَأً.
يس 36:76
﴿فَلا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] صَرْفَ أنْ تُحْزِنَ أقْوالُهُمُ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ تَحْذِيرُهُ مِن أنْ يَحْزَنَ لِأقْوالِهِمْ فِيهِ فَإنَّهم قالُوا في شَأْنِ اللَّهِ ما هو أفْظَعُ.
(وقَوْلُهم) مِن إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ، أيْ فَلا تُحْزِنْكَ أقْوالُهم في الإشْراكِ وإنْكارِ البَعْثِ والتَّكْذِيبِ والأذى لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المَقُولُ، أيْ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْزِنَكَ.
والنَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِ وهو اشْتِغالُ بالِ الرَّسُولِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وهو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالأسْبابِ الصّارِفَةِ لِلْحُزْنِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ التَّسَلِّي بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ مَن ناوَوْهُ وعادَوْهُ.
* * *
﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِقَوْلِهِمْ.
والخَبَرُ كِنايَةٌ عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما يَقُولُونَ، أيْ أنّا مُحْصُونَ عَلَيْهِمْ أقْوالَهَمْ وما تُسِرُّهُ أنْفُسُهم مِمّا لا يَجْهَرُونَ بِهِ فَنُؤاخِذُهم بِذَلِكَ كُلِّهِ بِما يُكافِئُهُ مِن عِقابِهِمْ ونَصْرِكَ عَلَيْهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْمِيمٌ لِجَعْلِ التَّعْلِيلِ تَذْيِيلًا أيْضًا.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ في مَقامِ وُرُودِها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالتَّأْكِيدِ المُخْبَرِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَتْ مُسْتَأْنَفَةً ولَكِنَّها مُتَرَتِّبَةٌ.
صفحة ٧٣
وقَرَأ نافِعٌ ”﴿يَحْزُنْكَ﴾“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ حَزَنًا. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ بِفَتْحِ الزّايِ بِمَعْنى أحْزَنَهُ وهَما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَدَّمَ الإسْرارَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أشَدُّ دَلالَةً عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ الإعْلانَ لِأنَّهُ مَحَلُّ الخَبَرِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيعابِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجُزْئِيّاتِ الأُمُورِ وكُلِّيّاتِها.
والوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] مَعَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ (﴿إنّا نَعْلَمُ﴾) أحْسَنُ مِنَ الوَصْلِ لِأنَّهُ أوْضَحُ لِلْمَعْنى، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ؛ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ سامِعٍ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، ولَوْ قالُوهُ لَما كانَ مِمّا يَحْزُنُ النَّبِيءَ ﷺ فَكَيْفَ يَنْهى عَنِ الحُزْنِ مِنهُ.
يس 36:77
﴿فَلا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ فَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] صَرْفَ أنْ تُحْزِنَ أقْوالُهُمُ النَّبِيءَ ﷺ، أيْ تَحْذِيرُهُ مِن أنْ يَحْزَنَ لِأقْوالِهِمْ فِيهِ فَإنَّهم قالُوا في شَأْنِ اللَّهِ ما هو أفْظَعُ.
(وقَوْلُهم) مِن إضافَةِ اسْمِ الجِنْسِ فَيَعُمُّ، أيْ فَلا تُحْزِنْكَ أقْوالُهم في الإشْراكِ وإنْكارِ البَعْثِ والتَّكْذِيبِ والأذى لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المَقُولُ، أيْ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْزِنَكَ.
والنَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ سَبَبِهِ وهو اشْتِغالُ بالِ الرَّسُولِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الدِّينِ الحَقِّ، وهو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالأسْبابِ الصّارِفَةِ لِلْحُزْنِ عَنْ نَفْسِهِ مِنَ التَّسَلِّي بِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ مَن ناوَوْهُ وعادَوْهُ.
* * *
﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِقَوْلِهِمْ.
والخَبَرُ كِنايَةٌ عَنْ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما يَقُولُونَ، أيْ أنّا مُحْصُونَ عَلَيْهِمْ أقْوالَهَمْ وما تُسِرُّهُ أنْفُسُهم مِمّا لا يَجْهَرُونَ بِهِ فَنُؤاخِذُهم بِذَلِكَ كُلِّهِ بِما يُكافِئُهُ مِن عِقابِهِمْ ونَصْرِكَ عَلَيْهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ. وفي قَوْلِهِ ﴿ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ تَعْمِيمٌ لِجَعْلِ التَّعْلِيلِ تَذْيِيلًا أيْضًا.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ عَنْ فاءِ التَّسَبُّبِ في مَقامِ وُرُودِها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالتَّأْكِيدِ المُخْبَرِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَتْ مُسْتَأْنَفَةً ولَكِنَّها مُتَرَتِّبَةٌ.
صفحة ٧٣
وقَرَأ نافِعٌ ”﴿يَحْزُنْكَ﴾“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أحْزَنَهُ إذا أدْخَلَ عَلَيْهِ حَزَنًا. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ مِن حَزَنَهُ بِفَتْحِ الزّايِ بِمَعْنى أحْزَنَهُ وهَما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَدَّمَ الإسْرارَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أشَدُّ دَلالَةً عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ، وذَكَرَ بَعْدَهُ الإعْلانَ لِأنَّهُ مَحَلُّ الخَبَرِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِيعابِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجُزْئِيّاتِ الأُمُورِ وكُلِّيّاتِها.
والوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥] مَعَ الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ (﴿إنّا نَعْلَمُ﴾) أحْسَنُ مِنَ الوَصْلِ لِأنَّهُ أوْضَحُ لِلْمَعْنى، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ؛ إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ سامِعٍ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ، ولَوْ قالُوهُ لَما كانَ مِمّا يَحْزُنُ النَّبِيءَ ﷺ فَكَيْفَ يَنْهى عَنِ الحُزْنِ مِنهُ.
يس 36:78
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهْيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا أُبْطِلَتْ شُبَهُ المُشْرِكِينَ في إشْراكِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وإحالَتِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ وتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في إنْبائِهِ بِذَلِكَ إبْطالًا كُلِّيًّا، عُطِفَ الكَلامُ إلى جانِبِ تَسْفِيهِ أقْوالٍ جُزْئِيَّةٍ لِزُعَماءِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى وقاحَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ وهم رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أحْسَبُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ الدَّلائِلَ ويُزَيِّنُونَ الجَدَلَ لِلنّاسِ ويَأْتُونَ لَهم بِأقْوالٍ إقْناعِيَّةٍ جارِيَةٍ عَلى وفْقِ أفْهامِ العامَّةِ، فَقِيلَ أُرِيدَ (بِالإنْسانِ) أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ أبُو جَهْلٍ، وفي ذَلِكَ رِواياتٌ بِأسانِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مَرّاتٍ تَوَلّى كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ بَعْضَها.
قالُوا في الرِّواياتِ: «جاءَ أحَدُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَدِهِ عَظْمُ إنْسانٍ رَمِيمٍ فَفَتَّهُ وذَراهُ في الرِّيحِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما أرَمَّ (أيْ بَلِيَ) فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: نَعَمْ يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» .
صفحة ٧٤
فالتَّعْرِيفُ في (الإنْسانُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ وهو الإنْسانُ المُعَيَّنُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ المَقالَةِ يَوْمَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] نَزَلَ في أحَدِ هَؤُلاءِ، وذُكِرَ مَعَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] في سُورَةِ القِيامَةِ.
ووَجْهُ حَمْلِ التَّعْرِيفِ هُنا عَلى التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ حَمْلُها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّ جَعْلَهُ لِلْجِنْسِ يَقْتَضِي أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَيْفَ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ وأهْلُ المِلَلِ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْعَدُ إلّا أنْ يُرادَ الِاسْتِغْراقُ العُرْفِيُّ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا المَقامِ مِن مَواقِعِهِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] فَهو تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، أيْ خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ.
والمُرادُ بِـ (خَصِيمٌ) في تِلْكَ الآيَةِ: أنَّهُ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ نُطْفَةً، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهُمُ﴾ [يس: ٧١] الآيَةَ.
والِاسْتِفْهامُ كالِاسْتِفْهامِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها.
والرُّؤْيَةُ هُنا قَلْبِيَّةٌ. وجُمْلَةُ (﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾ [يس: ٧٧]) سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] .
و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ. ووَجْهُ المُفاجَأةِ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ خُلِقَ لِيَعْبُدَ اللَّهَ ويَعْلَمَ ما يَلِيقُ بِهِ فَإذا لَمْ يَجْرِ عَلى ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ فاجَأ بِما لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا مِنهُ مَعَ إفادَةِ أنَّ الخُصُومَةَ في شُئُونِ الإلَهِيَّةِ كانَتْ بِما بادَرَ بِهِ حِينَ عَقَلَ.
والخَصِيمُ فَعِيلٌ مُبالَغَةً في مَعْنى مُفاعِلٍ، أيْ: مُخاصِمٌ شَدِيدُ الخِصامِ.
والمُبِينُ: مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أيْ: ظاهِرٌ في ذَلِكَ.
وضَرْبُ المَثَلِ: إيجادُهُ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، وضَرَبَ دِينارًا، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَثَلُ: تَمْثِيلُ الحالَةِ، فالمَعْنى: وأظْهَرَ لِلنّاسِ وأتى لَهم بِتَشْبِيهِ حالِ قُدْرَتِنا بِحالِ عَجْزِ النّاسِ إذْ أحالَ إحْياءُنا العِظامَ بَعْدَ أنْ أرَمَّتْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٧٥
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، أيْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَجْعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] .
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿مَن يُحْيِيِ العِظامَ﴾ إنْكارِيٌّ. و(مَن) عامَّةٌ في كُلِّ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ الخَبَرُ. فالمَعْنى: لا أحَدَ يُحْيِيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ. فَشَمِلَ عُمُومُهُ إنْكارَهم أنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعالى مُحْيِيًا لِلْعِظامِ وهي رَمِيمٌ، أيْ في حالِ كَوْنِها رَمِيمًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (ضَرْبَ لَنا مَثَلًا) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، فَجُمْلَةُ قالَ يا آدَمُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ وسُوسَ.
والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ (﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾) مُسْتَعارٌ لِانْتِفاءِ العِلْمِ مِن أصْلِهِ، أيْ لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، أيْ نَسِيَ أنَّنا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ، أيْ لَمْ يَهْتَدِ إلى أنَّ ذَلِكَ أعْجَبُ مِن إعادَةِ عَظْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
وذِكْرُ النُّطْفَةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِلْمُفاجَأةِ بِكَوْنِهِ خَصِيمًا مُبِينًا عَقِبَ خَلْقِهِ، أيْ: ذَلِكَ الهَيِّنُ المَنشَأِ قَدْ أصْبَحَ خَصِيمًا عَنِيدًا، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ (ونَسِيَ خَلْقُهُ) أيْ نَسِيَ خَلْقَهُ الضَّعِيفَ فَتَطاوَلَ وجاوَزَ، ولِأنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ أعْجَبُ مِن إحْيائِهِ وهو عَظَمٌ مُجاراةٌ لِزَعْمِهِ في مِقْدارِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ اللَّهُ يُحْيِي ما هو أضْعَفُ مِنَ العِظامِ فَيُحْيِي الإنْسانَ مِن رَمادِهِ، ومِن تُرابِهِ، ومِن عَجْبِ ذَنَبِهِ، ومَن لا شَيْءَ باقِيًا مِنهُ.
والرَّمِيمُ: البالِي، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ وأرَمَّ، إذا بَلِيَ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ رَمِيمًا، فَهو خَبَرٌ بِالمَصْدَرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطابِقِ المُخْبَرَ عَنْهُ في الجَمْعِيَّةِ وهي بِلى.
وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ أمْرٌ بِجَوابٍ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِ القائِلِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا تَطَلُّبُ تَعْيِينِ المُحْيِي وإنَّما أرادَ الِاسْتِحالَةَ، فَأُجِيبَ جَوابَ مَن هو مُتَطَلَّبٌ عَلِمًا. فَقِيلَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
صفحة ٧٦
فَلِذَلِكَ بُنِيَ الجَوابُ عَلى فِعْلِ الإحْياءِ مُسْنَدًا لِلْمُحْيِي، عَلى أنَّ الجَوابَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ إبْطالٌ لِلنَّفْيِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ. ولَمْ يُبْنَ الجَوابُ عَلى بَيانِ إمْكانِ الإحْياءِ وإنَّما جُعِلَ بَيانُ الإمْكانِ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَوْصُولًا لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى الإمْكانِ فَيَحْصُلُ الغَرَضانِ، فالمَوْصُولُ هُنا إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو يُحْيِيها، أيْ يُحْيِيها لِأنَّهُ أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى إنْشائِها ثانِيَ مَرَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وذُيِّلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسِعُ العِلْمِ مُحِيطٌ بِكُلِّ وسائِلِ الخَلْقِ الَّتِي لا نَعْلَمُها: كالخَلْقِ مِن نُطْفَةٍ، والخَلْقِ مِن ذَرَّةٍ، والخَلْقِ مِن أجْزاءِ النَّباتِ المُغْلَقَةِ كَسُوسِ الفُولِ وسُوسِ الخَشَبِ، فَتِلْكَ أعْجَبُ مِن تَكْوِينِ الإنْسانِ مِن عِظامِهِ.
وفِي تَعْلِيقِ الإحْياءِ بِالعِظامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عِظامَ الحَيِّ تَحُلُّها الحَياةُ كَلَحْمِهِ ودَمِهِ، ولَيْسَتْ بِمَنزِلَةِ القَصَبِ والخَشَبِ وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ ولِذَلِكَ تَنَجَّسُ عِظامُ الحَيَوانِ الَّذِي ماتَ دُونَ ذَكاةٍ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ العَظْمَ لا تَحُلُّهُ الحَياةُ فَلا يَنَجُسُ بِالمَوْتِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وقَدِ اضْطَرَبَ أرْبابُ المَذاهِبِ فِيهِ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناهُ، يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم نَسَبَ إلى الشّافِعِيِّ مُوافَقَةَ قَوْلِ مالِكٍ وهو قَوْلُ أحْمَدَ فَيَصِيرُ اتِّفاقًا، وعُلَماءُ الطِّبِّ يُثْبِتُونَ الحَياةَ في العِظامِ والإحْساسِ. وقالَ ابْنُ زُهْرٍ الحَكِيمُ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ التَّيْسِيرِ: أنَّ جالِينُوس اضْطَرَبَ كَلامُهُ في العِظامِ هَلْ لَها إحْساسٌ والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ لَها إحْساسًا بَطِيئًا.
يس 36:79
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهْيَ رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لَمّا أُبْطِلَتْ شُبَهُ المُشْرِكِينَ في إشْراكِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ وإحالَتِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ وتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ في إنْبائِهِ بِذَلِكَ إبْطالًا كُلِّيًّا، عُطِفَ الكَلامُ إلى جانِبِ تَسْفِيهِ أقْوالٍ جُزْئِيَّةٍ لِزُعَماءِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى وقاحَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ وهم رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أحْسَبُ أنَّهم كانُوا يُمَوِّهُونَ الدَّلائِلَ ويُزَيِّنُونَ الجَدَلَ لِلنّاسِ ويَأْتُونَ لَهم بِأقْوالٍ إقْناعِيَّةٍ جارِيَةٍ عَلى وفْقِ أفْهامِ العامَّةِ، فَقِيلَ أُرِيدَ (بِالإنْسانِ) أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ. وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ، وقِيلَ أبُو جَهْلٍ، وفي ذَلِكَ رِواياتٌ بِأسانِيدَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مَرّاتٍ تَوَلّى كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ بَعْضَها.
قالُوا في الرِّواياتِ: «جاءَ أحَدُ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَدِهِ عَظْمُ إنْسانٍ رَمِيمٍ فَفَتَّهُ وذَراهُ في الرِّيحِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما أرَمَّ (أيْ بَلِيَ) فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: نَعَمْ يُمِيتُكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ» .
صفحة ٧٤
فالتَّعْرِيفُ في (الإنْسانُ) تَعْرِيفُ العَهْدِ وهو الإنْسانُ المُعَيَّنُ المَعْرُوفُ بِهَذِهِ المَقالَةِ يَوْمَئِذٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] نَزَلَ في أحَدِ هَؤُلاءِ، وذُكِرَ مَعَهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] في سُورَةِ القِيامَةِ.
ووَجْهُ حَمْلِ التَّعْرِيفِ هُنا عَلى التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ أنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ حَمْلُها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ لِأنَّ جَعْلَهُ لِلْجِنْسِ يَقْتَضِي أنَّ جِنْسَ الإنْسانِ يُنْكِرُونَ البَعْثَ، كَيْفَ وفِيهِمُ المُؤْمِنُونَ وأهْلُ المِلَلِ، وحَمْلُها عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْعَدُ إلّا أنْ يُرادَ الِاسْتِغْراقُ العُرْفِيُّ ولَيْسَ مِثْلُ هَذا المَقامِ مِن مَواقِعِهِ. فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] فَهو تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، أيْ خُلِقَ كُلُّ إنْسانٍ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ.
والمُرادُ بِـ (خَصِيمٌ) في تِلْكَ الآيَةِ: أنَّهُ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ نُطْفَةً، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهُمُ﴾ [يس: ٧١] الآيَةَ.
والِاسْتِفْهامُ كالِاسْتِفْهامِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها.
والرُّؤْيَةُ هُنا قَلْبِيَّةٌ. وجُمْلَةُ (﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾ [يس: ٧٧]) سادَّةٌ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] .
و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ. ووَجْهُ المُفاجَأةِ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ خُلِقَ لِيَعْبُدَ اللَّهَ ويَعْلَمَ ما يَلِيقُ بِهِ فَإذا لَمْ يَجْرِ عَلى ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ فاجَأ بِما لَمْ يَكُنْ مُتَرَقَّبًا مِنهُ مَعَ إفادَةِ أنَّ الخُصُومَةَ في شُئُونِ الإلَهِيَّةِ كانَتْ بِما بادَرَ بِهِ حِينَ عَقَلَ.
والخَصِيمُ فَعِيلٌ مُبالَغَةً في مَعْنى مُفاعِلٍ، أيْ: مُخاصِمٌ شَدِيدُ الخِصامِ.
والمُبِينُ: مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أيْ: ظاهِرٌ في ذَلِكَ.
وضَرْبُ المَثَلِ: إيجادُهُ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، وضَرَبَ دِينارًا، وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَثَلُ: تَمْثِيلُ الحالَةِ، فالمَعْنى: وأظْهَرَ لِلنّاسِ وأتى لَهم بِتَشْبِيهِ حالِ قُدْرَتِنا بِحالِ عَجْزِ النّاسِ إذْ أحالَ إحْياءُنا العِظامَ بَعْدَ أنْ أرَمَّتْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٧٥
﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤]، أيْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَتَجْعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٣] .
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿مَن يُحْيِيِ العِظامَ﴾ إنْكارِيٌّ. و(مَن) عامَّةٌ في كُلِّ مَن يُسْنَدُ إلَيْهِ الخَبَرُ. فالمَعْنى: لا أحَدَ يُحْيِيِ العِظامَ وهي رَمِيمٌ. فَشَمِلَ عُمُومُهُ إنْكارَهم أنْ يَكُونَ اللَّهَ تَعالى مُحْيِيًا لِلْعِظامِ وهي رَمِيمٌ، أيْ في حالِ كَوْنِها رَمِيمًا.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (ضَرْبَ لَنا مَثَلًا) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، فَجُمْلَةُ قالَ يا آدَمُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ وسُوسَ.
والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ (﴿ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾) مُسْتَعارٌ لِانْتِفاءِ العِلْمِ مِن أصْلِهِ، أيْ لِعَدَمِ الِاهْتِداءِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَلْقِ الأوَّلِ، أيْ نَسِيَ أنَّنا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ، أيْ لَمْ يَهْتَدِ إلى أنَّ ذَلِكَ أعْجَبُ مِن إعادَةِ عَظْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
وذِكْرُ النُّطْفَةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِلْمُفاجَأةِ بِكَوْنِهِ خَصِيمًا مُبِينًا عَقِبَ خَلْقِهِ، أيْ: ذَلِكَ الهَيِّنُ المَنشَأِ قَدْ أصْبَحَ خَصِيمًا عَنِيدًا، ولِيُبْنى عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ (ونَسِيَ خَلْقُهُ) أيْ نَسِيَ خَلْقَهُ الضَّعِيفَ فَتَطاوَلَ وجاوَزَ، ولِأنَّ خَلْقَهُ مِنَ النُّطْفَةِ أعْجَبُ مِن إحْيائِهِ وهو عَظَمٌ مُجاراةٌ لِزَعْمِهِ في مِقْدارِ الإمْكانِ، وإنْ كانَ اللَّهُ يُحْيِي ما هو أضْعَفُ مِنَ العِظامِ فَيُحْيِي الإنْسانَ مِن رَمادِهِ، ومِن تُرابِهِ، ومِن عَجْبِ ذَنَبِهِ، ومَن لا شَيْءَ باقِيًا مِنهُ.
والرَّمِيمُ: البالِي، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ وأرَمَّ، إذا بَلِيَ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى المَصْدَرِ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ رَمِيمًا، فَهو خَبَرٌ بِالمَصْدَرِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُطابِقِ المُخْبَرَ عَنْهُ في الجَمْعِيَّةِ وهي بِلى.
وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها﴾ أمْرٌ بِجَوابٍ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ اسْتِفْهامِ القائِلِ عَلى خِلافِ مُرادِهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ لَمْ يَكُنْ قاصِدًا تَطَلُّبُ تَعْيِينِ المُحْيِي وإنَّما أرادَ الِاسْتِحالَةَ، فَأُجِيبَ جَوابَ مَن هو مُتَطَلَّبٌ عَلِمًا. فَقِيلَ لَهُ ﴿يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾
صفحة ٧٦
فَلِذَلِكَ بُنِيَ الجَوابُ عَلى فِعْلِ الإحْياءِ مُسْنَدًا لِلْمُحْيِي، عَلى أنَّ الجَوابَ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ إبْطالٌ لِلنَّفْيِ المُرادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ. ولَمْ يُبْنَ الجَوابُ عَلى بَيانِ إمْكانِ الإحْياءِ وإنَّما جُعِلَ بَيانُ الإمْكانِ في جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَوْصُولًا لِتَدُلَّ الصِّلَةُ عَلى الإمْكانِ فَيَحْصُلُ الغَرَضانِ، فالمَوْصُولُ هُنا إيماءٌ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو يُحْيِيها، أيْ يُحْيِيها لِأنَّهُ أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ فَهو قادِرٌ عَلى إنْشائِها ثانِيَ مَرَّةٍ. قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقالَ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
وذُيِّلُ هَذا الِاسْتِدْلالُ بِجُمْلَةِ ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: واسِعُ العِلْمِ مُحِيطٌ بِكُلِّ وسائِلِ الخَلْقِ الَّتِي لا نَعْلَمُها: كالخَلْقِ مِن نُطْفَةٍ، والخَلْقِ مِن ذَرَّةٍ، والخَلْقِ مِن أجْزاءِ النَّباتِ المُغْلَقَةِ كَسُوسِ الفُولِ وسُوسِ الخَشَبِ، فَتِلْكَ أعْجَبُ مِن تَكْوِينِ الإنْسانِ مِن عِظامِهِ.
وفِي تَعْلِيقِ الإحْياءِ بِالعِظامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عِظامَ الحَيِّ تَحُلُّها الحَياةُ كَلَحْمِهِ ودَمِهِ، ولَيْسَتْ بِمَنزِلَةِ القَصَبِ والخَشَبِ وهو قَوْلُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ ولِذَلِكَ تَنَجَّسُ عِظامُ الحَيَوانِ الَّذِي ماتَ دُونَ ذَكاةٍ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ العَظْمَ لا تَحُلُّهُ الحَياةُ فَلا يَنَجُسُ بِالمَوْتِ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وقَدِ اضْطَرَبَ أرْبابُ المَذاهِبِ فِيهِ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْناهُ، يَعْنِي أنَّ بَعْضَهم نَسَبَ إلى الشّافِعِيِّ مُوافَقَةَ قَوْلِ مالِكٍ وهو قَوْلُ أحْمَدَ فَيَصِيرُ اتِّفاقًا، وعُلَماءُ الطِّبِّ يُثْبِتُونَ الحَياةَ في العِظامِ والإحْساسِ. وقالَ ابْنُ زُهْرٍ الحَكِيمُ الأنْدَلُسِيُّ في كِتابِ التَّيْسِيرِ: أنَّ جالِينُوس اضْطَرَبَ كَلامُهُ في العِظامِ هَلْ لَها إحْساسٌ والَّذِي ظَهَرَ لِي أنَّ لَها إحْساسًا بَطِيئًا.
يس 36:80
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الَّذِي أنْشَأها﴾ [يس: ٧٩] بَدَلًا مُطابِقًا، وإنَّما لَمْ تُعْطَفِ الصِّلَةُ عَلى الصِّلَةِ فَيُكْتَفى بِالعَطْفِ عَنْ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ؛ لِأنَّ في إعادَةِ المَوْصُولِ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ واهْتِمامًا بِالثّانِي حَتّى تَسْتَشْرِفَ نَفْسُ السّامِعِ لِتَلَقِّي ما يَرِدُ بَعْدَهُ فَيَفْطَنُ بِما في
صفحة ٧٧
هَذا الخَلْقِ مِنَ الغَرابَةِ إذْ هو إيجادُ الضِّدِّ وهو نِهايَةُ الحَرارَةِ مِن ضِدِّهِ وهو الرُّطُوبَةُ. وهَذا هو وجْهُ وصْفِ الشَّجَرِ بِالأخْضَرِ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الأخْضَرِ اللَّوْنَ وإنَّما المُرادُ لازِمُهُ وهو الرُّطُوبَةُ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ أخْضَرُ اللَّوْنِ ما دامَ حَيًّا فَإذا جَفَّ وزالَتْ مِنهُ الحَياةُ اسْتَحالَ لَوْنُهُ إلى الغَبَرَةِ فَصارَتِ الخُضْرَةُ كِنايَةً عَنْ رُطُوبَةِ النَّبْتِ وحَياتِهِ. قالَ ذُوُ الرُّمَّةِ:
ولَمّا تَنَمَّتْ تَأْكُلُ الرُّمَّ لَمْ تَـدَعْ ذَوابِلَ مِمّا يَجْمَعُونَ ولا خُضْرا
ووَصْفُ الشَّجَرِ وهو اسْمُ جَمْعِ شَجَرَةٍ، وهو مُؤَنَّثُ المَعْنى بِـ (الأخْضَرِ) بِدُونِ تَأْنِيثٍ مُراعاةً لِلَّفْظِ المَوْصُوفِ بِخُلُوِّهِ عَنْ عَلامَةِ تَأْنِيثٍ وهَذِهِ لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ، وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَيَقُولُونَ: شَجَرٌ خَضْراءُ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى الجَمْعِ، وقَدْ جاءَ القُرْآنُ بِهِما في قَوْلِهِ (﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧]) .
والمُرادُ بِالشَّجَرِ هُنا: شَجَرُ المَرْخِ - بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الرّاءِ - وشَجَرُ العَفارِ - بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وفَتْحِ الفاءِ - فَهُما شَجْرانِ يُقْتَدَحُ بِأغْصانِهِما يُؤْخَذُ غُصْنٌ مِن هَذا وغُصْنٌ مِنَ الآخَرِ بِمِقْدارِ المِسْواكِ، وهُما خَضْراوانِ يُقْطُرُ مِنهُما الماءُ فَيُسْحَقُ المَرْخُ عَلى العَفارِ فَتَنْقَدِحُ النّارُ، قِيلَ: يُجْعَلُ العَفارُ أعْلى والمَرْخُ أسْفَلَ، وقِيلَ العَكْسُ لِأنَّ الجَوْهَرِيَّ وابْنَ سِيدَهْ في المُخَصَّصِ قالا: العَفارُ هو الزَّنْدُ وهو الذَّكَرُ والمَرْخُ الأُنْثى وهو الزَّنْدَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: المَرْخُ الذَّكَرُ والعَفارُ الأُنْثى، والنّارُ هي سِقْطُ الزَّنْدِ، وهو ما يَخْرُجُ عِنْدَ الِاقْتِداحِ مُشْتَعِلًا فَيُوضَعُ تَحْتَهُ شَيْءٌ قابِلٌ لِلِالتِهابِ مِن تِبْنٍ أوْ ثَوْبٍ بِهِ زَيْتٌ فَتُخْطَفُ فِيهِ النّارُ.
والمُفاجَأةُ المُسْتَفادَةُ مِن ﴿فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾ دالَّةٌ عَلى عَجِيبِ إلْهامِ اللَّهِ البَشَرَ لِاسْتِعْمالِ الِاقْتِداحِ بِالشَّجَرِ الأخْضَرِ واهْتِدائِهِمْ إلى خاصِّيَّتِهِ.
والإيقادُ: إشْعالُ النّارِ يُقالُ: أوْقَدَ، ويُقالُ: وقَدْ بِمَعْنًى.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا مُضارِعًا لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ واسْتِمْرارِهِ.
يس 36:81
صفحة ٧٨
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ عُطِفَ هَذا التَّقْرِيرُ عَلى الِاحْتِجاجاتِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الإنْسانِ المَعْنِيِّ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَبَيَّنَ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ أشْياءَ عَلى إمْكانِ خَلْقِ أمْثالِها ارْتُقِيَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ مَخْلُوقاتٍ عَظِيمَةٍ عَلى إمْكانِ خَلْقِ ما دَونَها.
وجِيءَ في هَذا الدَّلِيلِ بِطَرِيقَةِ التَّقْرِيرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ لِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ لِوُضُوحِهِ لا يَسَعُ المُقِرَّ إلّا الإقْرارُ بِهِ فَإنَّ البَدِيهَةَ قاضِيَةٌ بِأنَّ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ هو عَلى خَلْقِ ناسٍ بَعْدَ المَوْتِ أقْدَرُ.
وإنَّما وُجِّهَ التَّقْرِيرُ إلى نَفْيِ المُقَرَّرِ بِثُبُوتِهِ تَوْسِعَةً عَلى المُقَرَّرِ إنْ أرادَ إنْكارًا مَعَ تَحَقُّقِ أنَّهُ لا يَسَعُهُ الإنْكارُ، فَيَكُونُ إقْرارُهُ بَعْدَ تَوْجِيهِ التَّقْرِيرِ إلَيْهِ عَلى نَفْيِ المَقْصُودِ، شاهِدًا عَلى أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إلّا أنْ يُقِرَّ، وأمْثالُ هَذا الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ كَثِيرَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بِقادِرٍ﴾) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ وبِألْفٍ بَعْدِ القافِ وجُرَّ الِاسْمُ بِالباءِ المَزِيدَةِ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِهِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتَحْتِيَّةٍ بِصِيغَةِ المُضارِعِ ”يَقْدِرُ“ .
ولِكَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَقِبَ التَّقْرِيرِ بِجَوابٍ عَنِ المُقَرَّرِ بِكَلِمَةِ ”بَلى“ الَّتِي هي لِنَقْضِ النَّفْيِ، أيْ بَلى هو قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم.
وضَمِيرُ ”مِثْلَهم“ عائِدٌ إلى الإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ﴾ [يس: ٧٧] عَلى تَأْوِيلِهِ بِالنّاسِ سَواءً كانَ المُرادُ بِالإنْسانِ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ﴾ [يس: ٧٧] شَخْصًا مُعَيَّنًا أمْ غَيْرَ شَخْصٍ، فالمَقْصُودُ هو وأمْثالُهُ مِنَ المُشايِعِينَ لَهُ عَلى اعْتِقادِهِ وهُمُ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ، أيْ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ أمْثالَهم، أيْ أجْسادًا عَلى صُوَرِهِمْ وشَبَهِهِمْ لِأنَّ الأجْسامَ المَخْلُوقَةَ لِلْبَعْثِ هي أمْثالُ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا مُرَكَّبِينَ مِن أجْزائِهِمْ فَإنَّ إعادَةَ الخَلْقِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بِجَمْعِ مُتَفَرِّقِ الأجْسامِ بَلْ يَجُوزُ كَوْنُها عَنْ عَدَمِها، ولَعَلَّ ذَلِكَ كَيْفِيّاتٌ، فالأمْواتُ الباقِيَةُ أجْسادُها تُبَثُّ فِيها الحَياةُ، والأمْواتُ الَّذِينَ تَفَرَّقَتْ أوْصالُهم وتَفَسَّخَتْ يُعادُ تَصْوِيرُها، والأجْسادُ
صفحة ٧٩
الَّتِي لَمْ تَبْقَ مِنها باقِيَةٌ تُعادُ أجْسادًا عَلى صُوَرِها لِتُودَعَ فِيها أرْواحُهم، ألا تَرى أنَّ جَسَدَ الإنْسانِ يَتَغَيَّرُ عَلى حالَتِهِ عِنْدَ الوِلادَةِ ويَكْبُرُ وتَتَغَيَّرُ مَلامِحُهُ، ويُجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الدَّمِ واللَّحْمِ بِقَدْرِ ما اضْمَحَلَّ وتَبَخَّرَ ولا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ التَّغَيُّرُ تَبْدِيلًا لِذاتِهِ، فَهو يُحِسُّ بِأنَّهُ هو هو، والنّاسُ يُمَيِّزُونَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ تَغَيُّرِ الرُّوحِ. وفي آياتِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ لِلْمَعادِ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَ عُلَماءُ السُّنَّةِ في أنَّ البَعْثَ عَنْ عَدَمٍ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ - كَما أشارَ إلَيْهِ سَيْفُ الدِّينِ الآمِدِيِّ في أبْكارِ الأفْكارِ - ومُودَعَةٌ فِيها أرْواحُهُمُ الَّتِي كانَتْ تُدَبِّرُ أجْسامَهم، فَإنَّ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ فَناءِ الأجْسادِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ هو يَخْلُقُ خَلائِقَ كَثِيرَةً، وواسِعُ العِلْمِ بِأحْوالِها ودَقائِقِ تَرْتِيبِها.
يس 36:82
﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هَذِهِ فَذَلَكَةُ الِاسْتِدْلالِ، وفَصْلُ المَقالِ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَمّا قَبْلَها كَما تُفْصَلُ جُمْلَةُ النَّتِيجَةِ عَنْ جُمْلَتِيِ القِياسِ، فَقَدْ نَتَجَ مِمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ قُدْرَتُهُ بِإيجادِهِ بِالأمْرِ التَّكْوِينِيِّ المُعَبِّرِ عَنْ تَقْرِيبِهِ بِـ (كُنْ) وهو أخْصَرُ كَلِمَةٍ تُعَبِّرُ عَنِ الأمْرِ بِالكَوْنِ، أيِ الِاتِّصافَ بِالوُجُودِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ (﴿إنَّما أمْرُهُ﴾) بِمَعْنى الشَّأْنِ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِإنْكارِهِمْ قُدْرَتَهُ عَلى إحْياءِ الرَّمِيمِ، أيْ لا شَأْنَ لِلَّهِ في وقْتِ إرادَتِهِ تَكْوِينَ كائِنٍ إلّا تَقْدِيرُهُ بِأنْ يُوجِدَهُ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ الَّذِي يَنْطاعُ لَهُ المَقْدُورُ بِقَوْلِ (كُنْ) لِيُعْلِمَ أنْ لا يُباشِرَ صُنْعَهُ بِيَدٍ ولا بِآلَةٍ ولا بِعَجْنِ مادَّةِ ما يَخْلُقُ مِنهُ كَما يَفْعَلُ الصُّنّاعُ والمُهَنْدِسُونَ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ نَشَأ لَهم تَوَهُّمُ اسْتِحالَةِ المَعادِ مِنِ انْعِدامِ المَوادِ فَضْلًا عَنْ إعْدادِها وتَصْوِيرِها، فالقَصْرُ إضافِيٌّ لِقَلْبِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى جَمْعِ مادَّةٍ وتَكْيِيفِها ومُضِيُّ مُدَّةٍ لِإتْمامِها.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ، أيْ حِينَ إرادَتِهِ شَيْئًا.
صفحة ٨٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿فَيَكُونُ﴾“ مَرْفُوعًا عَلى تَقْدِيرِ: أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَهو يَكُونُ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (يَقُولَ) المَنصُوبُ.
يس 36:83
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ إذا ظَهَرَ كُلُّ ما سَمِعْتُمْ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وتَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ وأنَّهُ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ فَيَنْشَأُ تَنْزِيهُهُ عَنْ أقْوالِهِمْ في شَأْنِهِ المُفْضِيَةِ إلى نَقْصِ عَظْمَتِهِ لِأنَّ بِيَدِهِ المُلْكَ الأتَمَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ.
والمَلَكُوتُ: مُبالَغَةٌ في المِلْكِ - بِكَسْرِ المِيمِ - فَإنَّ مادَّةَ فَعَلَوْتٍ ورَدَتْ بِقِلَّةٍ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: رَهَبُوتٌ ورَحَمُوتٌ، ومِن أقْوالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِالأمْثالِ رَهَبُوتٌ خَيْرُ مِن رَحَمُوتٍ أيْ لَأنْ يَرْهَبَكَ النّاسُ خَيْرٌ مِن أنْ يَرْحَمُوكَ، أيْ لَأنْ تَكُونَ عَزِيزًا يُخْشى بَأْسُكَ خَيْرٌ مِن أنْ تَكُونَ هَيِّنًا يَرِقُّ لَكَ النّاسُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ فَهو مِمّا شَمِلَتْهُ الفَصِيحَةُ. والمَعْنى: قَدِ اتَّضَحَ أنَّكم صائِرُونَ إلَيْهِ غَيْرَ خارِجِينَ مِن قَبْضَةِ مُلْكِهِ وذَلِكَ بِإعادَةِ خَلْقِكم بَعْدَ المَوْتِ.
وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (تُرْجَعُونَ) لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ ثَمَّةَ رَجْعَةً إلى غَيْرِهِ، ولَكِنَّهم يُنْكِرُونَ المَعادَ مِن أصْلِهِ.
* * *
صفحة ٨١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصّافّاتِ
اسْمُها المَشْهُورُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ ”الصّافّاتِ“، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وفي المَصاحِفِ كُلِّها، ولَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تَسْمِيَتِها، وقالَ في الإتْقانِ: رَأيْتُ في كَلامِ الجَعْبَرِيِّ أنَّ سُورَةَ ”الصّافّاتِ“ تُسَمّى ”سُورَةَ الذَّبِيحِ“ وذَلِكَ يَحْتاجُ إلى مُسْتَنَدٍ مِنَ الأمْرِ.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها باسِمِ ”الصّافّاتِ“ وُقُوعُ هَذا اللَّفْظِ فِيها بِالمَعْنى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ أنَّهُ وصْفُ المَلائِكَةِ، وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ في سُورَةِ المُلْكِ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ إذْ أُرِيدَ هُنالِكَ صِفَةُ الطَّيْرِ، عَلى أنَّ الأشْهَرَ أنَّ ”سُورَةَ المُلْكِ“ نَزَلَتْ بَعْدَ ”سُورَةِ الصّافّاتِ“ .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ وهي السّادِسَةُ والخَمْسُونَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأنْعامِ وقَبْلَ سُورَةِ لُقْمانَ.
وعُدَّتْ آيُها مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العَدَدِ. وعَدَّها البَصْرِيُّونَ مِائَةً وإحْدى وثَمانِينَ.
* * *
أغْراضُها إثْباتُ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وسَوْقُ دَلائِلَ كَثِيرَةٍ عَلى ذَلِكَ دَلَّتْ عَلى انْفِرادِهِ بِصُنْعِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا قِبَلَ لِغَيْرِهِ بِصُنْعِها؛ وهي العَوالِمُ السَّماوِيَّةِ بِأجْزائِها وسُكّانِها ولا قِبَلَ لِمَن عَلى الأرْضِ أنْ يَتَطَرَّقَ في ذَلِكَ.
وإثْباتُ أنَّ البَعْثَ يَعْقُبُهُ الحَشْرُ والجَزاءُ.
صفحة ٨٢
ووَصْفُ حالِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الجَزاءِ ووُقُوعِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ.
ووَصْفُ حُسْنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ ونَعِيمِهِمْ.
ومُذاكَرَتُهم فِيما كانَ يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أصْحابِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ ومُحاوَلَتِهِمْ صَرْفَهم عَنِ الإسْلامِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إلى تَنْظِيرِ دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِدَعْوَةِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ، وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ ورَفَعَ شَأْنَهم وبارَكَ عَلَيْهِمْ.
وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ شَيْءٌ مِن مَناقِبِهِمْ وفَضائِلِهِمْ وقُوَّتِهِمْ في دِينِ اللَّهِ، وما نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكُرُوبِ الَّتِي حَفَّتْ بِهِمْ. وخاصَةً مَنقَبَةُ الذَّبِيحِ، والإشارَةُ إلى أنَّهُ إسْماعِيلُ.
ووَصَفُ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم.
ثُمَّ الإنْحاءُ عَلى المُشْرِكِينَ فَسادَ مُعْتَقَداتِهِمْ في اللَّهِ ونِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ الشُّرَكاءِ، وقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وتَكْذِيبِ المَلائِكَةِ إيّاهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وقَوْلِهِمْ في النَّبِيءِ ﷺ والقُرْآنِ وكَيْفَ كانُوا يَوَدُّونَ أنْ يَكُونَ لَهم كِتابٌ.
ثُمَّ وعَدَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالنَّصْرِ كَدَأْبِ المُرْسَلِينَ ودَأْبِ المُؤْمِنِينَ السّابِقِينَ، وأنَّ عَذابَ اللَّهِ نازِلٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَخْلُصُ العاقِبَةُ الحُسْنى لِلْمُؤْمِنِينَ.
وكانَتْ فاتِحَتُها مُناسِبَةً لِأغْراضِها بِأنَّ القَسَمَ بِالمَلائِكَةِ مُناسِبٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِأنَّ الأصْنامَ لَمْ يَدَّعُوا لَها مَلائِكَةً، والَّذِي تَخْدِمُهُ المَلائِكَةُ هو الإلَهُ الحَقُّ، ولِأنَّ المَلائِكَةَ مِن جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ الدّالِّ خَلْقُها عَلى عِظَمِ الخالِقِ، ويُؤْذِنُ القَسَمُ بِأنَّها أشْرَفُ المَخْلُوقاتِ العُلْوِيَّةِ.
ثُمَّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتِي لُوحِظَتْ في القَسَمِ بِها مُناسِبَةٌ لِلْأغْراضِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها، فَـ (الصّافّاتِ) يُناسِبُ عَظَمَةَ رَبِّها، و(الزّاجِراتِ) يُناسِبُ قَذْفَ الشَّياطِينِ عَنِ السَّماواتِ، ويُناسِبُ تَسْيِيرَ الكَواكِبِ وحِفْظَها مِن أنْ يُدْرِكَ بَعْضُها بَعْضًا، ويُناسِبُ زَجْرَها النّاسَ في المَحْشَرِ.
صفحة ٨٣
و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ يُناسِبُ أحْوالَ الرَّسُولِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما أُرْسِلُوا بِهِ إلى أقْوامِهِمْ.
هَذا، وفي الِافْتِتاحِ بِالقَسَمِ تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ السّامِعُ بِشَراشِرِهِ.
فَقَدِ اسْتُكْمِلَتْ فاتِحَةُ السُّورَةِ أحْسَنَ وُجُوهِ البَيانِ وأكْمَلَها.
الصافات 37:1
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةَ، وهو قَسَمٌ واحِدٌ والمُقْسَمُ بِهِ نَوْعٌ واحِدٌ مُخْتَلِفُ الأصْنافِ، وهو طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾) .
وعَطْفُ الصِّفاتِ بِالفاءِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ جِهَةٍ تَرْجِعُ إلَيْها وحْدَتُهُ، وهَذا المَوْصُوفُ هو هَذِهِ الطَّوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ الشَّأْنَ في عَطْفِ الأوْصافِ أنْ تَكُونَ جارِيَةً عَلى مَوْصُوفٍ واحِدٍ لِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ بِالفاءِ اتِّصالُ المُتَعاطِفاتِ بِها لِما في الفاءِ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ ولِذَلِكَ يَعْطِفُونَ بِها أسْماءَ الأماكِنِ المُتَّصِلِ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوَضِحَ فالمِقْراةِ. . .
الـبَـيْتَ
وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
بِمَشارِقِ الجَبَلِيَّيْنِ أوْ بِمُحَجِّرِ
فَتَضَمَّنَتْها فَرْدَةٌ فَرُخامُها ∗∗∗ فَصِدِائِقُ أنْ أيْمَنَتْ فَمِظِنَّةٌ
. . . . . . . . . . . البَيْتَ ويَعْطِفُونَ بِها صِفاتِ مَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ ابْنِ زِيّابَةَ:
يا لَهَفَ زِيّابَةَ لِلْحارِثِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
يُرِيدُ صِفاتٍ لِلْحارِثِ، ووَصَفَهُ بِها تَهَكُّمًا بِهِ.
صفحة ٨٤
فَعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَلائِكَةِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ التّالِياتِ ذِكْرًا الجَماعَةُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَسَمُ اللَّهِ بِمَخْلُوقاتِهِ يُومِئُ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُقْسَمِ بِهِ مِن حَيْثُ هو دالٌّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ الخالِقِ أوْ كَوْنِهِ مُشَرَّفًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وتَأْنِيثُ هَذِهِ الصِّفاتِ بِاعْتِبارِ إجْرائِها عَلى مَعْنى الطّائِفَةِ والجَماعَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أصْنافٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا آحادَ مِنهم.
و”الصّافّاتِ“ جَمْعُ: صافَّةٍ، وهي الطّائِفَةُ المُصْطَفُّ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ. يُقالُ: صَفَّ الأمِيرُ الجَيْشَ - مُتَعَدِّيًا - إذا جَعَلَهُ صَفًّا واحِدًا أوْ صُفُوفًا، فاصْطَفَّوْا. ويُقالُ: فَصُفُّوا، أيْ صارُوا مُصْطَفِّينَ، فَهو قاصِرٌ. وهَذا مِنَ المُطاوِعِ الَّذِي جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلِهِ مِثْلُ قَوْلِ العَجّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] في سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في النُّورِ.
ووَصَفُ المَلائِكَةَ بِهَذا الوَصْفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُصْطَفَّةً صُفُوفًا، وهي صُفُوفٌ مُتَقَدِّمٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِاعْتِبارِ مَراتِبِ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ والقُرْبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] .
والزَّجْرُ: الحَثُّ في نَهْيٍ أوْ أمْرٍ بِحَيْثُ لا يُتْرَكُ لِلْمَأْمُورِ تَباطُؤٌ في الإتْيانِ بِالمَطْلُوبِ، والمُرادُ بِهِ: تَسْخِيرُ المَلائِكَةِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَسْخِيرِها خَلْقًا أوْ فِعْلًا، كَتَكْوِينِ العَناصِرِ، وتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وإزْجاءِ السَّحابِ إلى الآفاقِ.
و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ المُتَرَدِّدُونَ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَتَلَقَّوْنَهُ مِن جانِبِ القُدْسِ لِتَبْلِيغِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أوْ لِتَبْلِيغِهِ إلى الرُّسُلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العُلَيُ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣]، وبَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ
صفحة ٨٥
ﷺ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الَّذِي قالَ الحَقَّ» .
والمُرادُ بِـ (التّالِياتِ) ما يَتْلُونَهُ مِن تَسْبِيحٍ وتَقْدِيسٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لَمّا كانَ مُلَقَّنًا مِن لَدُنِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَلامُهم بِها تِلاوَةً. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ.
والذِّكْرُ ما يُتَذَكَّرُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وما تُفِيدُهُ الفاءُ مِن تَرْتِيبِ مَعْطُوفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُها في الفَصْلِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الزَّجْرَ وتِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الصَّفِّ لِأنَّ الِاصْطِفافَ مُقَدِّمَةٌ لَها ووَسِيلَةٌ، والوَسِيلَةُ دُونَ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، وأنَّ تِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الزَّجْرِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ المَزْجُورَةِ بِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إنْ كانَتِ التِّلاوَةُ تِلاوَةَ الوَحْيِ المُوحى بِهِ لِلرُّسُلِ، أوْ بِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التِّلاوَةُ مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الأعْمالَ تَتَفاضَلُ تارَةً بِتَفاضُلِ مُتَعَلَّقاتِها.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ قِسْمًا وسَطًا مِن أقْسامِ المَوْجُوداتِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ. فَأعْظَمُ الأقْسامِ المُؤَثِّرِ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ، وأدْناها المُتَأثِّرِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو سائِرُ الأجْسامِ، والمُتَوَسِّطُ الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ وهَذا هو قِسْمُ المُجَرَّداتِ مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَهي القابِلَةُ لِلْأثَرِ عَنْ عالَمِ الكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ وهي تُباشِرُ التَّأْثِيرَ في عالَمِ الأجْسامِ. وِجِهَةُ قابِلِيَّتِها الأثَرَ مِن عالَمِ الكِبْرِياءِ مُغايِرَةٌ لِجِهَةِ تَأْثِيرِها في عالَمِ الأجْسامِ وتَصَرُّفِها فِيها، فَقَوْلُهُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِها، وقَوْلُهُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأثُّرِها بِما يُلْقى إلَيْها مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَتْلُوهُ وتَتَعَبَّدُ بِالعَمَلِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ ومَناطُ التَّأْكِيدِ صِفَةُ واحِدٍ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّ لَهم إلَهًا ولَكِنَّهم جَعَلُوهُ عِدَّةَ آلِهَةٍ فَأبْطَلَ اعْتِقادَهم
صفحة ٨٦
بِإثْباتِ أنَّهُ واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنِ المُتَعَدِّدِينَ، وأمّا اقْتِضاؤُهُ تَعْيِينَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى فَذَلِكَ حاصِلٌ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الرَّبُّ العَظِيمُ ولَكِنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ فَحَصَلَ التَّعَدُّدُ في مَفْهُومِ الإلَهِ فَإذا بَطَلَ التَّعَدُّدَ تَعَيَّنَ انْحِصارُ الإلَهِيَّةِ في رَبٍّ واحِدٍ هو اللَّهُ تَعالى.
الصافات 37:2
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةَ، وهو قَسَمٌ واحِدٌ والمُقْسَمُ بِهِ نَوْعٌ واحِدٌ مُخْتَلِفُ الأصْنافِ، وهو طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾) .
وعَطْفُ الصِّفاتِ بِالفاءِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ جِهَةٍ تَرْجِعُ إلَيْها وحْدَتُهُ، وهَذا المَوْصُوفُ هو هَذِهِ الطَّوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ الشَّأْنَ في عَطْفِ الأوْصافِ أنْ تَكُونَ جارِيَةً عَلى مَوْصُوفٍ واحِدٍ لِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ بِالفاءِ اتِّصالُ المُتَعاطِفاتِ بِها لِما في الفاءِ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ ولِذَلِكَ يَعْطِفُونَ بِها أسْماءَ الأماكِنِ المُتَّصِلِ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوَضِحَ فالمِقْراةِ. . .
الـبَـيْتَ
وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
بِمَشارِقِ الجَبَلِيَّيْنِ أوْ بِمُحَجِّرِ
فَتَضَمَّنَتْها فَرْدَةٌ فَرُخامُها ∗∗∗ فَصِدِائِقُ أنْ أيْمَنَتْ فَمِظِنَّةٌ
. . . . . . . . . . . البَيْتَ ويَعْطِفُونَ بِها صِفاتِ مَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ ابْنِ زِيّابَةَ:
يا لَهَفَ زِيّابَةَ لِلْحارِثِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
يُرِيدُ صِفاتٍ لِلْحارِثِ، ووَصَفَهُ بِها تَهَكُّمًا بِهِ.
صفحة ٨٤
فَعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَلائِكَةِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ التّالِياتِ ذِكْرًا الجَماعَةُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَسَمُ اللَّهِ بِمَخْلُوقاتِهِ يُومِئُ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُقْسَمِ بِهِ مِن حَيْثُ هو دالٌّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ الخالِقِ أوْ كَوْنِهِ مُشَرَّفًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وتَأْنِيثُ هَذِهِ الصِّفاتِ بِاعْتِبارِ إجْرائِها عَلى مَعْنى الطّائِفَةِ والجَماعَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أصْنافٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا آحادَ مِنهم.
و”الصّافّاتِ“ جَمْعُ: صافَّةٍ، وهي الطّائِفَةُ المُصْطَفُّ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ. يُقالُ: صَفَّ الأمِيرُ الجَيْشَ - مُتَعَدِّيًا - إذا جَعَلَهُ صَفًّا واحِدًا أوْ صُفُوفًا، فاصْطَفَّوْا. ويُقالُ: فَصُفُّوا، أيْ صارُوا مُصْطَفِّينَ، فَهو قاصِرٌ. وهَذا مِنَ المُطاوِعِ الَّذِي جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلِهِ مِثْلُ قَوْلِ العَجّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] في سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في النُّورِ.
ووَصَفُ المَلائِكَةَ بِهَذا الوَصْفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُصْطَفَّةً صُفُوفًا، وهي صُفُوفٌ مُتَقَدِّمٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِاعْتِبارِ مَراتِبِ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ والقُرْبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] .
والزَّجْرُ: الحَثُّ في نَهْيٍ أوْ أمْرٍ بِحَيْثُ لا يُتْرَكُ لِلْمَأْمُورِ تَباطُؤٌ في الإتْيانِ بِالمَطْلُوبِ، والمُرادُ بِهِ: تَسْخِيرُ المَلائِكَةِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَسْخِيرِها خَلْقًا أوْ فِعْلًا، كَتَكْوِينِ العَناصِرِ، وتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وإزْجاءِ السَّحابِ إلى الآفاقِ.
و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ المُتَرَدِّدُونَ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَتَلَقَّوْنَهُ مِن جانِبِ القُدْسِ لِتَبْلِيغِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أوْ لِتَبْلِيغِهِ إلى الرُّسُلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العُلَيُ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣]، وبَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ
صفحة ٨٥
ﷺ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الَّذِي قالَ الحَقَّ» .
والمُرادُ بِـ (التّالِياتِ) ما يَتْلُونَهُ مِن تَسْبِيحٍ وتَقْدِيسٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لَمّا كانَ مُلَقَّنًا مِن لَدُنِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَلامُهم بِها تِلاوَةً. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ.
والذِّكْرُ ما يُتَذَكَّرُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وما تُفِيدُهُ الفاءُ مِن تَرْتِيبِ مَعْطُوفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُها في الفَصْلِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الزَّجْرَ وتِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الصَّفِّ لِأنَّ الِاصْطِفافَ مُقَدِّمَةٌ لَها ووَسِيلَةٌ، والوَسِيلَةُ دُونَ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، وأنَّ تِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الزَّجْرِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ المَزْجُورَةِ بِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إنْ كانَتِ التِّلاوَةُ تِلاوَةَ الوَحْيِ المُوحى بِهِ لِلرُّسُلِ، أوْ بِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التِّلاوَةُ مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الأعْمالَ تَتَفاضَلُ تارَةً بِتَفاضُلِ مُتَعَلَّقاتِها.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ قِسْمًا وسَطًا مِن أقْسامِ المَوْجُوداتِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ. فَأعْظَمُ الأقْسامِ المُؤَثِّرِ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ، وأدْناها المُتَأثِّرِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو سائِرُ الأجْسامِ، والمُتَوَسِّطُ الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ وهَذا هو قِسْمُ المُجَرَّداتِ مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَهي القابِلَةُ لِلْأثَرِ عَنْ عالَمِ الكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ وهي تُباشِرُ التَّأْثِيرَ في عالَمِ الأجْسامِ. وِجِهَةُ قابِلِيَّتِها الأثَرَ مِن عالَمِ الكِبْرِياءِ مُغايِرَةٌ لِجِهَةِ تَأْثِيرِها في عالَمِ الأجْسامِ وتَصَرُّفِها فِيها، فَقَوْلُهُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِها، وقَوْلُهُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأثُّرِها بِما يُلْقى إلَيْها مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَتْلُوهُ وتَتَعَبَّدُ بِالعَمَلِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ ومَناطُ التَّأْكِيدِ صِفَةُ واحِدٍ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّ لَهم إلَهًا ولَكِنَّهم جَعَلُوهُ عِدَّةَ آلِهَةٍ فَأبْطَلَ اعْتِقادَهم
صفحة ٨٦
بِإثْباتِ أنَّهُ واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنِ المُتَعَدِّدِينَ، وأمّا اقْتِضاؤُهُ تَعْيِينَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى فَذَلِكَ حاصِلٌ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الرَّبُّ العَظِيمُ ولَكِنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ فَحَصَلَ التَّعَدُّدُ في مَفْهُومِ الإلَهِ فَإذا بَطَلَ التَّعَدُّدَ تَعَيَّنَ انْحِصارُ الإلَهِيَّةِ في رَبٍّ واحِدٍ هو اللَّهُ تَعالى.
الصافات 37:3
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةَ، وهو قَسَمٌ واحِدٌ والمُقْسَمُ بِهِ نَوْعٌ واحِدٌ مُخْتَلِفُ الأصْنافِ، وهو طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾) .
وعَطْفُ الصِّفاتِ بِالفاءِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ جِهَةٍ تَرْجِعُ إلَيْها وحْدَتُهُ، وهَذا المَوْصُوفُ هو هَذِهِ الطَّوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ الشَّأْنَ في عَطْفِ الأوْصافِ أنْ تَكُونَ جارِيَةً عَلى مَوْصُوفٍ واحِدٍ لِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ بِالفاءِ اتِّصالُ المُتَعاطِفاتِ بِها لِما في الفاءِ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ ولِذَلِكَ يَعْطِفُونَ بِها أسْماءَ الأماكِنِ المُتَّصِلِ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوَضِحَ فالمِقْراةِ. . .
الـبَـيْتَ
وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
بِمَشارِقِ الجَبَلِيَّيْنِ أوْ بِمُحَجِّرِ
فَتَضَمَّنَتْها فَرْدَةٌ فَرُخامُها ∗∗∗ فَصِدِائِقُ أنْ أيْمَنَتْ فَمِظِنَّةٌ
. . . . . . . . . . . البَيْتَ ويَعْطِفُونَ بِها صِفاتِ مَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ ابْنِ زِيّابَةَ:
يا لَهَفَ زِيّابَةَ لِلْحارِثِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
يُرِيدُ صِفاتٍ لِلْحارِثِ، ووَصَفَهُ بِها تَهَكُّمًا بِهِ.
صفحة ٨٤
فَعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَلائِكَةِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ التّالِياتِ ذِكْرًا الجَماعَةُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَسَمُ اللَّهِ بِمَخْلُوقاتِهِ يُومِئُ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُقْسَمِ بِهِ مِن حَيْثُ هو دالٌّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ الخالِقِ أوْ كَوْنِهِ مُشَرَّفًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وتَأْنِيثُ هَذِهِ الصِّفاتِ بِاعْتِبارِ إجْرائِها عَلى مَعْنى الطّائِفَةِ والجَماعَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أصْنافٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا آحادَ مِنهم.
و”الصّافّاتِ“ جَمْعُ: صافَّةٍ، وهي الطّائِفَةُ المُصْطَفُّ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ. يُقالُ: صَفَّ الأمِيرُ الجَيْشَ - مُتَعَدِّيًا - إذا جَعَلَهُ صَفًّا واحِدًا أوْ صُفُوفًا، فاصْطَفَّوْا. ويُقالُ: فَصُفُّوا، أيْ صارُوا مُصْطَفِّينَ، فَهو قاصِرٌ. وهَذا مِنَ المُطاوِعِ الَّذِي جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلِهِ مِثْلُ قَوْلِ العَجّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] في سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في النُّورِ.
ووَصَفُ المَلائِكَةَ بِهَذا الوَصْفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُصْطَفَّةً صُفُوفًا، وهي صُفُوفٌ مُتَقَدِّمٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِاعْتِبارِ مَراتِبِ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ والقُرْبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] .
والزَّجْرُ: الحَثُّ في نَهْيٍ أوْ أمْرٍ بِحَيْثُ لا يُتْرَكُ لِلْمَأْمُورِ تَباطُؤٌ في الإتْيانِ بِالمَطْلُوبِ، والمُرادُ بِهِ: تَسْخِيرُ المَلائِكَةِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَسْخِيرِها خَلْقًا أوْ فِعْلًا، كَتَكْوِينِ العَناصِرِ، وتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وإزْجاءِ السَّحابِ إلى الآفاقِ.
و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ المُتَرَدِّدُونَ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَتَلَقَّوْنَهُ مِن جانِبِ القُدْسِ لِتَبْلِيغِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أوْ لِتَبْلِيغِهِ إلى الرُّسُلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العُلَيُ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣]، وبَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ
صفحة ٨٥
ﷺ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الَّذِي قالَ الحَقَّ» .
والمُرادُ بِـ (التّالِياتِ) ما يَتْلُونَهُ مِن تَسْبِيحٍ وتَقْدِيسٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لَمّا كانَ مُلَقَّنًا مِن لَدُنِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَلامُهم بِها تِلاوَةً. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ.
والذِّكْرُ ما يُتَذَكَّرُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وما تُفِيدُهُ الفاءُ مِن تَرْتِيبِ مَعْطُوفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُها في الفَصْلِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الزَّجْرَ وتِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الصَّفِّ لِأنَّ الِاصْطِفافَ مُقَدِّمَةٌ لَها ووَسِيلَةٌ، والوَسِيلَةُ دُونَ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، وأنَّ تِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الزَّجْرِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ المَزْجُورَةِ بِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إنْ كانَتِ التِّلاوَةُ تِلاوَةَ الوَحْيِ المُوحى بِهِ لِلرُّسُلِ، أوْ بِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التِّلاوَةُ مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الأعْمالَ تَتَفاضَلُ تارَةً بِتَفاضُلِ مُتَعَلَّقاتِها.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ قِسْمًا وسَطًا مِن أقْسامِ المَوْجُوداتِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ. فَأعْظَمُ الأقْسامِ المُؤَثِّرِ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ، وأدْناها المُتَأثِّرِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو سائِرُ الأجْسامِ، والمُتَوَسِّطُ الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ وهَذا هو قِسْمُ المُجَرَّداتِ مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَهي القابِلَةُ لِلْأثَرِ عَنْ عالَمِ الكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ وهي تُباشِرُ التَّأْثِيرَ في عالَمِ الأجْسامِ. وِجِهَةُ قابِلِيَّتِها الأثَرَ مِن عالَمِ الكِبْرِياءِ مُغايِرَةٌ لِجِهَةِ تَأْثِيرِها في عالَمِ الأجْسامِ وتَصَرُّفِها فِيها، فَقَوْلُهُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِها، وقَوْلُهُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأثُّرِها بِما يُلْقى إلَيْها مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَتْلُوهُ وتَتَعَبَّدُ بِالعَمَلِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ ومَناطُ التَّأْكِيدِ صِفَةُ واحِدٍ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّ لَهم إلَهًا ولَكِنَّهم جَعَلُوهُ عِدَّةَ آلِهَةٍ فَأبْطَلَ اعْتِقادَهم
صفحة ٨٦
بِإثْباتِ أنَّهُ واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنِ المُتَعَدِّدِينَ، وأمّا اقْتِضاؤُهُ تَعْيِينَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى فَذَلِكَ حاصِلٌ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الرَّبُّ العَظِيمُ ولَكِنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ فَحَصَلَ التَّعَدُّدُ في مَفْهُومِ الإلَهِ فَإذا بَطَلَ التَّعَدُّدَ تَعَيَّنَ انْحِصارُ الإلَهِيَّةِ في رَبٍّ واحِدٍ هو اللَّهُ تَعالى.
الصافات 37:4
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى إنْكارِهِمُ الوَحْدانِيَّةَ، وهو قَسَمٌ واحِدٌ والمُقْسَمُ بِهِ نَوْعٌ واحِدٌ مُخْتَلِفُ الأصْنافِ، وهو طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾) .
وعَطْفُ الصِّفاتِ بِالفاءِ يَقْتَضِي أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ ثابِتَةٌ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ بِاعْتِبارِ جِهَةٍ تَرْجِعُ إلَيْها وحْدَتُهُ، وهَذا المَوْصُوفُ هو هَذِهِ الطَّوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ الشَّأْنَ في عَطْفِ الأوْصافِ أنْ تَكُونَ جارِيَةً عَلى مَوْصُوفٍ واحِدٍ لِأنَّ الأصْلَ في العَطْفِ بِالفاءِ اتِّصالُ المُتَعاطِفاتِ بِها لِما في الفاءِ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ؛ ولِذَلِكَ يَعْطِفُونَ بِها أسْماءَ الأماكِنِ المُتَّصِلِ بَعْضُها بِبَعْضٍ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
بِسِقْطِ اللِّوى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوَضِحَ فالمِقْراةِ. . .
الـبَـيْتَ
وكَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
بِمَشارِقِ الجَبَلِيَّيْنِ أوْ بِمُحَجِّرِ
فَتَضَمَّنَتْها فَرْدَةٌ فَرُخامُها ∗∗∗ فَصِدِائِقُ أنْ أيْمَنَتْ فَمِظِنَّةٌ
. . . . . . . . . . . البَيْتَ ويَعْطِفُونَ بِها صِفاتِ مَوْصُوفٍ واحِدٍ كَقَوْلِ ابْنِ زِيّابَةَ:
يا لَهَفَ زِيّابَةَ لِلْحارِثِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
يُرِيدُ صِفاتٍ لِلْحارِثِ، ووَصَفَهُ بِها تَهَكُّمًا بِهِ.
صفحة ٨٤
فَعَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ: أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَلائِكَةِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ التّالِياتِ ذِكْرًا الجَماعَةُ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَسَمُ اللَّهِ بِمَخْلُوقاتِهِ يُومِئُ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُقْسَمِ بِهِ مِن حَيْثُ هو دالٌّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ الخالِقِ أوْ كَوْنِهِ مُشَرَّفًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وتَأْنِيثُ هَذِهِ الصِّفاتِ بِاعْتِبارِ إجْرائِها عَلى مَعْنى الطّائِفَةِ والجَماعَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أصْنافٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا آحادَ مِنهم.
و”الصّافّاتِ“ جَمْعُ: صافَّةٍ، وهي الطّائِفَةُ المُصْطَفُّ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ. يُقالُ: صَفَّ الأمِيرُ الجَيْشَ - مُتَعَدِّيًا - إذا جَعَلَهُ صَفًّا واحِدًا أوْ صُفُوفًا، فاصْطَفَّوْا. ويُقالُ: فَصُفُّوا، أيْ صارُوا مُصْطَفِّينَ، فَهو قاصِرٌ. وهَذا مِنَ المُطاوِعِ الَّذِي جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلِهِ مِثْلُ قَوْلِ العَجّاجِ:
قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الإلَهُ فَجَبَرَ
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ [الحج: ٣٦] في سُورَةِ الحَجِّ، وقَوْلُهُ ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ [النور: ٤١] في النُّورِ.
ووَصَفُ المَلائِكَةَ بِهَذا الوَصْفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ في العالَمِ العُلْوِيِّ مُصْطَفَّةً صُفُوفًا، وهي صُفُوفٌ مُتَقَدِّمٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِاعْتِبارِ مَراتِبِ المَلائِكَةِ في الفَضْلِ والقُرْبِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى قالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْهم في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥] ﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٦] .
والزَّجْرُ: الحَثُّ في نَهْيٍ أوْ أمْرٍ بِحَيْثُ لا يُتْرَكُ لِلْمَأْمُورِ تَباطُؤٌ في الإتْيانِ بِالمَطْلُوبِ، والمُرادُ بِهِ: تَسْخِيرُ المَلائِكَةِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَسْخِيرِها خَلْقًا أوْ فِعْلًا، كَتَكْوِينِ العَناصِرِ، وتَصْرِيفِ الرِّياحِ، وإزْجاءِ السَّحابِ إلى الآفاقِ.
و”التّالِياتِ ذِكْرًا“ المُتَرَدِّدُونَ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي يَتَلَقَّوْنَهُ مِن جانِبِ القُدْسِ لِتَبْلِيغِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أوْ لِتَبْلِيغِهِ إلى الرُّسُلِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العُلَيُ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣]، وبَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ
صفحة ٨٥
ﷺ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ، فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: الَّذِي قالَ الحَقَّ» .
والمُرادُ بِـ (التّالِياتِ) ما يَتْلُونَهُ مِن تَسْبِيحٍ وتَقْدِيسٍ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لَمّا كانَ مُلَقَّنًا مِن لَدُنِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَلامُهم بِها تِلاوَةً. والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ﴾ [الأنفال: ٢] في الأنْفالِ.
والذِّكْرُ ما يُتَذَكَّرُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ ونَحْوِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وما تُفِيدُهُ الفاءُ مِن تَرْتِيبِ مَعْطُوفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُها في الفَصْلِ بِأنْ يُرادَ أنَّ الزَّجْرَ وتِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الصَّفِّ لِأنَّ الِاصْطِفافَ مُقَدِّمَةٌ لَها ووَسِيلَةٌ، والوَسِيلَةُ دُونَ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ، وأنَّ تِلاوَةَ الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الزَّجْرِ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِن إصْلاحِ المَخْلُوقاتِ المَزْجُورَةِ بِتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إنْ كانَتِ التِّلاوَةُ تِلاوَةَ الوَحْيِ المُوحى بِهِ لِلرُّسُلِ، أوْ بِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ التِّلاوَةُ مِن تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ الأعْمالَ تَتَفاضَلُ تارَةً بِتَفاضُلِ مُتَعَلَّقاتِها.
وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ قِسْمًا وسَطًا مِن أقْسامِ المَوْجُوداتِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ. فَأعْظَمُ الأقْسامِ المُؤَثِّرِ الَّذِي لا يَتَأثَّرُ وهو واجِبُ الوُجُودِ سُبْحانَهُ، وأدْناها المُتَأثِّرِ الَّذِي لا يُؤَثِّرُ وهو سائِرُ الأجْسامِ، والمُتَوَسِّطُ الَّذِي يُؤَثِّرُ ويَتَأثَّرُ وهَذا هو قِسْمُ المُجَرَّداتِ مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَهي القابِلَةُ لِلْأثَرِ عَنْ عالَمِ الكِبْرِياءِ الإلَهِيَّةِ وهي تُباشِرُ التَّأْثِيرَ في عالَمِ الأجْسامِ. وِجِهَةُ قابِلِيَّتِها الأثَرَ مِن عالَمِ الكِبْرِياءِ مُغايِرَةٌ لِجِهَةِ تَأْثِيرِها في عالَمِ الأجْسامِ وتَصَرُّفِها فِيها، فَقَوْلُهُ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِها، وقَوْلُهُ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ إشارَةٌ إلى تَأثُّرِها بِما يُلْقى إلَيْها مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَتْلُوهُ وتَتَعَبَّدُ بِالعَمَلِ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ ومَناطُ التَّأْكِيدِ صِفَةُ واحِدٍ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا قَدْ عَلِمُوا أنَّ لَهم إلَهًا ولَكِنَّهم جَعَلُوهُ عِدَّةَ آلِهَةٍ فَأبْطَلَ اعْتِقادَهم
صفحة ٨٦
بِإثْباتِ أنَّهُ واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ، وهَذا إنَّما يَقْتَضِي نَفْيَ الإلَهِيَّةِ عَنِ المُتَعَدِّدِينَ، وأمّا اقْتِضاؤُهُ تَعْيِينَ الإلَهِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى فَذَلِكَ حاصِلٌ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الرَّبُّ العَظِيمُ ولَكِنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ فَحَصَلَ التَّعَدُّدُ في مَفْهُومِ الإلَهِ فَإذا بَطَلَ التَّعَدُّدَ تَعَيَّنَ انْحِصارُ الإلَهِيَّةِ في رَبٍّ واحِدٍ هو اللَّهُ تَعالى.
الصافات 37:5
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ أتْبَعَ تَأْكِيدَ الإخْبارِ عَنْ وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالِاسْتِدْلالِ عَلى تَحْقِيقِ ذَلِكَ الإخْبارِ لِأنَّ القَسَمَ لِتَأْكِيدِهِ لا يُقْنِعُ المُخاطَبِينَ لِأنَّهم مُكَذِّبُونَ مَن بَلَّغَ إلَيْهِمُ القَسَمَ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِبَيانِ الإلَهِ الواحِدِ مَعَ إدْماجِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَعْيِينِهِ بِذِكْرِ ما هو مِن خَصائِصِهِ المُقْتَضِي تَفَرُّدَهُ بِالإلَهِيَّةِ.
فَقَوْلُهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: هو رَبُّ السَّماواتِ، أيْ: إلاهُكُمُ الواحِدُ هو الَّذِي تَعْرِفُونَهُ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ إلى آخِرِهِ.
فَقَوْلُهُ (﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جَرى حَذْفُهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ الوارِدِ بَعْدَ تَقَدُّمِ حَدِيثٍ عَنْهُ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ.
فَإنَّ المُشْرِكِينَ مَعَ غُلُوِّهِمْ في الشِّرْكِ لَمْ يَتَجَرَّءُوا عَلى ادِّعاءِ الخالِقِيَةِ لِأصْنامِهِمْ ولا التَّصَرُّفِ في العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ، وكَيْفَ يَبْلُغُونَ إلَيْها وهم لَقًى عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَكانَ تَفَرُّدُ اللَّهِ بِالخالِقِيَةِ أفْحَمَ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ في بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ.
وشَمِلَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما جَمِيعَ العَوالِمِ المَشْهُودَةِ لِلنّاسِ بِأجْرامِها وسُكّانِها والمَوْجُوداتِ فِيها.
وتَخْصِيصُ المَشارِقِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضَ لِأنَّها أحْوالٌ مَشْهُودَةٌ كُلَّ يَوْمٍ.
وجَمْعُ ”المَشارِقِ“ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ مَطْلَعِ الشَّمْسِ في أيّامِ نِصْفِ سَنَةِ دَوْرَتِها - وهي السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ شَرْقًا - بِاعْتِبارِ أطْوَلِ نَهارٍ في السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ
صفحة ٨٧
وأقْصَرِهِ مُكَرَّرَةً مَرَّتَيْنِ في السَّنَةِ، ابْتِداءً مِنَ الرُّجُوعِ الشِّتْوِيِّ إلى الرُّجُوعِ الخَرِيفِيِّ، وهي مَطالِعُ مُتَقارِبَةٌ لَيْسَتْ مُتَّحِدَةً، فَإنَّ المَشْرِقَ اسْمٌ لِمَكانِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وهو ظُهُورِها فَإذا راعَوُا الجِهَةَ دُونَ الفَصْلِ قالُوا: المَشْرِقَ - بِالإفْرادِ - وإذا رُوعِيَ الفَصْلانِ الشِّتاءُ والصَّيْفُ قِيلَ: رَبُّ المَشْرِقَيْنِ، عَلى أنَّ جَمْعَ المَشارِقِ قَدْ يَكُونُ بِمُراعاةِ اخْتِلافِ المَطالِعِ في مَبادِئِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ. والآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاعْتِبارَيْنِ لِيَعْتَبِرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِها عَلى حَسَبِ مَبالِغِ عَمَلِهِمْ.
الصافات 37:6
”﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾“ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْزِلُ مِن جُمْلَةِ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَنزِلَةَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ. واقْتَصَرَ عَلى رُبُوبِيَّةِ السَّماواتِ لِأنَّ ثُبُوتَها يَقْتَضِي رُبُوبِيَّةَ الأرْضِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
وأدْمَجَ فِيها مِنَّةً عَلى النّاسِ بِأنْ جَعَلَ لَهم في السَّماءِ زِينَةَ الكَواكِبِ تَرُوقُ أنْظارُهم، فَإنَّ مَحاسِنَ المَناظِرِ لَذَّةٌ لِلنّاظِرِينَ قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، ومِنَّةً عَلى المُسْلِمِينَ بِأنْ جَعْلَ في تِلْكَ الكَواكِبِ حِفْظًا مِن تَلَقِّي الشَّياطِينِ لِلسَّمْعِ فِيما قَضى اللَّهُ أمْرَهُ في العِلْمِ العُلْوِيِّ لِقَطْعِ سَبِيلِ اطِّلاعِ الكُهّانِ عَلى بَعْضِ ما سَيَحْدُثُ في الأرْضِ فَلا يَفْتِنُوا النّاسَ في الإسْلامِ كَما فَتَنُوهم في الجاهِلِيَّةِ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ قُطِعَتِ الكَهانَةُ عِنْدَ إرْسالِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ فِيها مَنفَعَةً عَظِيمَةً دِينِيَّةً وهي قَطْعُ دابِرِ الشَّكِّ في الوَحْيِ، كَما أنَّ فِيها مَنفَعَةً دُنْيَوِيَّةً وهي لِلزِّينَةِ والِاهْتِداءِ بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ.
والكَواكِبُ: الكُرَيّاتُ السَّماوِيَّةُ الَّتِي تَلْمَعُ في اللَّيْلِ عَدا الشَّمْسَ والقَمَرَ. وتُسَمّى النُّجُومَ، وهي أقْسامٌ: مِنها العَظِيمُ، ومِنها دُونَهُ، فَمِنها الكَواكِبُ السَّيّارَةُ، ومِنها الثَّوابِتُ، ومِنها قِطَعٌ تَدُورُ حَوْلَ الشَّمْسِ. وفي الكَواكِبِ حِكَمٌ؛ مِنها أنَّها تَكُونُ زِينَةً لِلسَّماءِ في اللَّيْلِ، فالكَواكِبُ هي الَّتِي بِها زُيِّنَتِ السَّماءُ. فَإضافَةُ (زِينَةِ) إلى (الكَواكِبِ) إنْ جَعَلْتَ (زِينَةِ) مَصْدَرًا بِوَزْنِ فِعْلَةٍ مِثْلِ
صفحة ٨٨
نِسْبَةٍ كانَتْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ زانَتْها الكَواكِبُ أوْ إلى المَفْعُولِ، أيْ بِزِينَةِ اللَّهِ الكَواكِبَ، أيْ جَعْلَها زَيْنًا.
وإنْ جَعَلْتَ (زِينَةِ) اسْمًا لِما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِنا: لِيقَةٍ لِما تُلاقُ بِهِ الدَّواةُ، فالإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ عَلى مَعْنى مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ، أيْ زِينَةٍ حاصِلَةٍ مِنَ الكَواكِبِ. وأيًّا ما كانَ فاقْتِحامُ لَفْظِ (زِينَةِ) تَأْكِيدٌ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ زَيَّنّا السَّماءَ بِسَبَبِ زِينَةِ الكَواكِبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ تَزْيِينًا فَكانَ بِزِينَةِ الكَواكِبِ في قُوَّةِ: بِالكَواكِبِ تَزْيِينًا، فَقَوْلُهُ ”بِزِينَةِ“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ ”زَيَّنّا“ في المَعْنى ولَكِنْ حَوْلَ التَّعْلِيقِ فَجَعْلَ زِينَةً هو المُتَعَلِّقُ بِـ (زَيَّنّا) لِيُفِيدَ مَعْنى التَّعْلِيلِ ومَعْنى الإضافَةِ في تَرْكِيبٍ واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ زِينَةٌ مِن تَعْلِيقِهِ بِفِعْلِ زَيَّنّا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إعادَةِ زِينَةٍ لَوْلا ما قُصِدَ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّوْكِيدِ.
والدُّنْيا: أصْلُهُ وصْفٌ هو مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ القُرْبى. والمُرادُ: قُرْبُها مِنَ الأرْضِ، أيْ السَّماءُ الأُولى مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ.
ووَصَفَها بِالدُّنْيا: إمّا لِأنَّها أدْنى إلى الأرْضِ مِن بَقِيَّةِ السَّماواتِ. والسَّماءُ الدُّنْيا عَلى هَذا هي الكُرَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِكُرَةِ الهَواءِ الأرْضِيَّةِ وهي ذاتُ أبْعادٍ عَظِيمَةٍ. ومَعْنى تَزْيِينِها بِالكَواكِبِ والشُّهُبِ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الكَواكِبَ والشُّهُبَ سابِحَةً في مُقَعَّرِ تِلْكَ الكُرَةِ عَلى أبْعادٍ مُخْتَلِفَةٍ، ووَراءَ تِلْكَ الكُرَةِ السَّماواتُ السَّبْعُ مُحِيطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ في أبْعادٍ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ سَعَتِها إلّا اللَّهُ تَعالى. ونِظامُ الكَواكِبِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ عَلى هَذا مِن أحْوالِ السَّماءِ الدُّنْيا، ولا مانِعَ مِن هَذا لِأنَّ هَذِهِ اصْطِلاحاتٌ، والقُرْآنُ صالِحٌ لَها، ولَمْ يَأْتِ لِتَدْقِيقِها ولَكِنَّهُ لا يُنافِيها. والسَّماءُ الدُّنْيا عَلى هَذا هي الَّتِي وُصِفَتْ في حَدِيثِ الإسْراءِ بِالأُولى.
وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الكُرَةُ الهَوائِيَّةُ المُحِيطَةُ بِالأرْضِ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الكَواكِبِ ولا مِنَ الشُّهُبِ وأنَّ الكَواكِبَ والشُّهُبَ في أفْلاكِها وهي السَّماواتُ السِّتُّ والعَرْشُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ النِّظامُ الشَّمْسِيُّ كُلُّهُ لَيْسَ مِن أحْوالِ السَّماءِ
صفحة ٨٩
الدُّنْيا. ومَعْنى تَزْيِينِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ والشُّهُبِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ أدِيمَ السَّماءِ الدُّنْيا قابِلًا لِاخْتِراقِ أنْوارِ الكَواكِبِ في نِصْفِ الكُرَةِ السَّماوِيَّةِ الَّذِي يَغْشاهُ الظَّلامُ مِن تَباعُدِ نُورِ الشَّمْسِ عَنْهُ فَتَلُوحُ أنْوارُ الكَواكِبِ مُتَلَأْلِئَةً في اللَّيْلِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأضْواءُ زِينَةً لِلسَّماءِ الدُّنْيا تَزْدانُ بِها.
والآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّها لَمْ يَثْبُتْ فِيها إلّا أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَزْدانُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الكَواكِبِ سابِحَةً في السَّماءِ الدُّنْيا. فالزِّينَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنّاسِ، والأشْياءُ الَّتِي يَزْدانُ بِها النّاسُ مُغايِرَةٌ لَهم مُنْفَصِلَةٌ عَنْهم، ومِثْلُهُ قَوْلُنا: ازْدانَ البَحْرُ بِأضْواءِ القَمَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾“ بِإضافَةِ ”زِينَةِ“ إلى ”الكَواكِبِ“، وقَرَأ حَمْزَةُ ”﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾“ بِتَنْوِينِ ”زِينَةٍ“ وجَرِّ ”الكَواكِبِ“ عَلى أنَّ ”الكَواكِبِ“ بَدَلٌ مِن ”زِينَةٍ“، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَنْوِينِ ”زِينَةٍ“ ونَصْبِ ”الكَواكِبَ“ عَلى الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى زِينَةِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ وكَوْنِها حِفْظًا مِنَ الشَّياطِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] في سُورَةِ الحِجْرِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكَواكِبِ في قَوْلِهِ (رَأى كَوْكَبًا) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وانْتَصَبَ (حِفْظًا) بِالعَطْفِ عَلى (بِزِينَةِ الكَواكِبِ) عَطْفًا عَلى المَعْنى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وبَيَّنَهُ ما بَيَّناهُ آنِفًا مِن أنَّ قَوْلَهُ (﴿بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾) في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: بِالكَواكِبِ زِينَةً، وعامِلُهُ زَيَّنا.
والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ حِكْمَةٌ مِن حِكَمِ خَلْقِ الكَواكِبِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الكَواكِبَ خُلِقَتْ قَبْلَ اسْتِحْقاقِ الشَّياطِينِ الرَّجْمَ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بَعْدَ أنْ أُطْرِدَ إبْلِيسُ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ فَلَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ اتِّحادِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَعَ عامِلِهِ في الوَقْتِ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يَرى اشْتِراطُ ذَلِكَ. ولَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يُتابِعُهُ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلى اعْتِبارِهِ عِلَّةً مُقَدَّرَةً كَما جَوَّزَ في الحالِ أنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً.
صفحة ٩٠
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (حِفْظًا) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: وحَفِظْنا، عَطْفًا عَلى (زَيَّنّا)، أيْ حَفِظْنا بِالكَواكِبِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. والمَحْفُوظُ هو السَّماءُ، أيْ وحَفِظْناها بِالكَواكِبِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ.
ولَيْسَ الَّذِي بِهِ الحِفْظُ هو جَمِيعُ الَّذِي بِهِ التَّزْيِينُ بَلِ العِلَّةُ مُوَزَّعَةٌ، فالَّذِي هو زِينَةٌ مُشاهَدٌ بِالأبْصارِ، والَّذِي هو حِفْظٌ هو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ (﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]) .
ومَعْنى كَوْنِ الكَواكِبِ حِفْظًا مِنَ الشَّياطِينِ أنَّ مِن جُمْلَةِ الكَواكِبِ الشُّهُبَ الَّتِي تُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ عِنْدَ مُحاوَلَتِها اسْتِراقَ السَّمْعِ فَتَفِرُّ الشَّياطِينُ خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَها؛ لِأنَّها إذا أصابَتْ أشْكالَها اخْتَرَقَتْها فَتَفَكَّكَتْ، فَلَعَلَّها تَزُولُ أشْكالُها بِذَلِكَ التَّفَكُّكِ فَتَنْعَدِمُ بِذَلِكَ قِوامُ ماهِيَّتِها أوْ تَتَفَرَّقُ لَحْظَةً لَمْ تَلْتَئِمْ بَعْدُ، فَتَتَألَّمُ مِن ذَلِكَ الخَرْقِ والِالتِئامِ، فَإنَّ تِلْكَ الشُّهُبَ الَّتِي تَلُوحُ لِلنّاظِرِ قِطَعًا لامِعَةً مِثْلَ النُّجُومِ جارِيَةً في السَّماءِ إنَّما هي أجْسامٌ مَعْدِنِيَّةٌ تَدُورُ حَوْلَ الشَّمْسِ وعِنْدَما تَقْرُبُ إلى الأرْضِ تَتَغَلَّبُ عَلَيْها جاذِبِيَّةُ الأرْضِ فَتَنْزِعُها مِن جاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ فَتَنْقَضُّ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ مَرْكَزِ الأرْضِ ولِشِدَّةِ سُرْعَةِ انْقِضاضِها تُولَدُ في الجَوِّ الكُرَوِيِّ حَرارَةٌ كافِيَةٌ لِإحْراقِ الصِّغارِ مِنها وتَحْمى الكِبارُ مِنها إلى دَرَجَةٍ مِنَ الحَرارَةِ تُوجِبُ لَمَعانَها، وتَسْقُطُ حَتّى تَقَعَ عَلى الأرْضِ في البَحْرِ غالِبًا، ورُبَّما وقَعَتْ عَلى البَرِّ، وقَدْ يَعْثُرُ عَلَيْها بَعْضُ النّاسِ إذْ يَجِدُونَها واقِعَةً عَلى الأرْضِ قِطَعًا مَعْدِنِيَّةً مُتَفاوِتَةً، ورُبَّما أحْرَقَتْ ما تُصِيبُهُ مِن شَجَرٍ أوْ مَنازِلَ. وقَدْ أُرِّخَ نُزُولُ بَعْضِها سَنَةَ ٦١٦ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ بِبِلادِ الصِّينِ فَكَسَرَ عِدَّةَ مَرْكَباتٍ وقَتَلَ رِجالًا، وقَدْ ذَكَرَها العَرَبُ في شِعْرِهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ قالَ دَوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَصِفُ ثَوْرًا وحْشِيًّا:
فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا
وقالَ بِشْرِ بْنِ خازِمٍ أنْشَدَهُ الجاحِظُ في الحَيَوانِ:
والعَيْرُ يُرْهِقُها الخَبارَ وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقاضَ الكَوْكِبِ
وفِي سَنَةِ ٩٤٤ سُجِّلَ مُرُورُ كُرَيّاتٍ نارِيَّةٍ في الجَوِّ أحْرَقَتْ بُيُوتًا عِدَّةً.
صفحة ٩١
وسَقَطَتْ بِالقُطْرِ التُّونِسِيِّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، مِنها قِطْعَةٌ سَقَطَتْ في أوائِلِ هَذا القَرْنِ وسَطَ المَمْلَكَةِ أحْسَبُ أنَّها بِجِهاتِ تالَةٍ، ورَأيْتُ شَظِيَّةً مِنها تُشْبِهُ الحَدِيدَ، والعامَّةُ يَحْسَبُونَها صاعِقَةً ويُسَمُّونَ ذَلِكَ حَجَرَ الصّاعِقَةِ. وتَساقُطُها يَقَعُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولَكِنّا لا نُشاهِدُ مُرُورَها في النَّهارِ لِأنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَحْجُبُها عَنِ الأنْظارِ.
ومِمّا عَلِمْتَ مِن تَدَحْرُجِ هَذِهِ الشُّهُبِ مِن فَلَكِ الشَّمْسِ إلى فَلَكِ الأرْضِ تَبَيَّنَ لَكَ سَبَبُ كَوْنِها مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا وسَبَبُ اتِّصالِها بِالأجْرامِ الشَّيْطانِيَّةِ الصّاعِدَةِ مِنَ الأرْضِ تَتَطَلَّبُ الِاتِّصالَ بِالسَّماواتِ.
وقَدْ سُمِّيَتْ شُهُبًا عَلى التَّشْبِيهِ بِقَبَسِ النّارِ وهو الجَمْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والمارِدُ: الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ الَّذِي لا يُلابِسُ الطّاعَةَ ساعَةً قالَ تَعالى ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وفي وصْفِهِ بِالمارِدِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُ إخْوانَهُ مِنَ الضُّرِّ بِالشُّهُبِ لا يَعِظُهُ عَنْ تَجْدِيدِ مُحاوَلَةِ الِاسْتِراقِ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُهُ الشَّيْطانِيُّ مِنَ المُداوَمَةِ عَلى تِلْكَ السَّجايا الخَبِيثَةِ كَما لا يَنْزَجِرُ الفِراشُ عَنِ التَّهافُتِ حَوْلَ المِصْباحِ بِما يُصِيبُ أطْرافَ أجْنِحَتِهِ مِن مَسِّ النّارِ.
الصافات 37:7
”﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾ ﴿وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾“ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَنْزِلُ مِن جُمْلَةِ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مَنزِلَةَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ. واقْتَصَرَ عَلى رُبُوبِيَّةِ السَّماواتِ لِأنَّ ثُبُوتَها يَقْتَضِي رُبُوبِيَّةَ الأرْضِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
وأدْمَجَ فِيها مِنَّةً عَلى النّاسِ بِأنْ جَعَلَ لَهم في السَّماءِ زِينَةَ الكَواكِبِ تَرُوقُ أنْظارُهم، فَإنَّ مَحاسِنَ المَناظِرِ لَذَّةٌ لِلنّاظِرِينَ قالَ تَعالى ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، ومِنَّةً عَلى المُسْلِمِينَ بِأنْ جَعْلَ في تِلْكَ الكَواكِبِ حِفْظًا مِن تَلَقِّي الشَّياطِينِ لِلسَّمْعِ فِيما قَضى اللَّهُ أمْرَهُ في العِلْمِ العُلْوِيِّ لِقَطْعِ سَبِيلِ اطِّلاعِ الكُهّانِ عَلى بَعْضِ ما سَيَحْدُثُ في الأرْضِ فَلا يَفْتِنُوا النّاسَ في الإسْلامِ كَما فَتَنُوهم في الجاهِلِيَّةِ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَشْرِيفًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ قُطِعَتِ الكَهانَةُ عِنْدَ إرْسالِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ فِيها مَنفَعَةً عَظِيمَةً دِينِيَّةً وهي قَطْعُ دابِرِ الشَّكِّ في الوَحْيِ، كَما أنَّ فِيها مَنفَعَةً دُنْيَوِيَّةً وهي لِلزِّينَةِ والِاهْتِداءِ بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ.
والكَواكِبُ: الكُرَيّاتُ السَّماوِيَّةُ الَّتِي تَلْمَعُ في اللَّيْلِ عَدا الشَّمْسَ والقَمَرَ. وتُسَمّى النُّجُومَ، وهي أقْسامٌ: مِنها العَظِيمُ، ومِنها دُونَهُ، فَمِنها الكَواكِبُ السَّيّارَةُ، ومِنها الثَّوابِتُ، ومِنها قِطَعٌ تَدُورُ حَوْلَ الشَّمْسِ. وفي الكَواكِبِ حِكَمٌ؛ مِنها أنَّها تَكُونُ زِينَةً لِلسَّماءِ في اللَّيْلِ، فالكَواكِبُ هي الَّتِي بِها زُيِّنَتِ السَّماءُ. فَإضافَةُ (زِينَةِ) إلى (الكَواكِبِ) إنْ جَعَلْتَ (زِينَةِ) مَصْدَرًا بِوَزْنِ فِعْلَةٍ مِثْلِ
صفحة ٨٨
نِسْبَةٍ كانَتْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ زانَتْها الكَواكِبُ أوْ إلى المَفْعُولِ، أيْ بِزِينَةِ اللَّهِ الكَواكِبَ، أيْ جَعْلَها زَيْنًا.
وإنْ جَعَلْتَ (زِينَةِ) اسْمًا لِما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِثْلَ قَوْلِنا: لِيقَةٍ لِما تُلاقُ بِهِ الدَّواةُ، فالإضافَةُ حَقِيقِيَّةٌ عَلى مَعْنى مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ، أيْ زِينَةٍ حاصِلَةٍ مِنَ الكَواكِبِ. وأيًّا ما كانَ فاقْتِحامُ لَفْظِ (زِينَةِ) تَأْكِيدٌ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ زَيَّنّا السَّماءَ بِسَبَبِ زِينَةِ الكَواكِبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ تَزْيِينًا فَكانَ بِزِينَةِ الكَواكِبِ في قُوَّةِ: بِالكَواكِبِ تَزْيِينًا، فَقَوْلُهُ ”بِزِينَةِ“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِ ”زَيَّنّا“ في المَعْنى ولَكِنْ حَوْلَ التَّعْلِيقِ فَجَعْلَ زِينَةً هو المُتَعَلِّقُ بِـ (زَيَّنّا) لِيُفِيدَ مَعْنى التَّعْلِيلِ ومَعْنى الإضافَةِ في تَرْكِيبٍ واحِدٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ الكَواكِبَ زِينَةٌ مِن تَعْلِيقِهِ بِفِعْلِ زَيَّنّا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى إعادَةِ زِينَةٍ لَوْلا ما قُصِدَ مِن مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّوْكِيدِ.
والدُّنْيا: أصْلُهُ وصْفٌ هو مُؤَنَّثُ الأدْنى، أيِ القُرْبى. والمُرادُ: قُرْبُها مِنَ الأرْضِ، أيْ السَّماءُ الأُولى مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ.
ووَصَفَها بِالدُّنْيا: إمّا لِأنَّها أدْنى إلى الأرْضِ مِن بَقِيَّةِ السَّماواتِ. والسَّماءُ الدُّنْيا عَلى هَذا هي الكُرَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِكُرَةِ الهَواءِ الأرْضِيَّةِ وهي ذاتُ أبْعادٍ عَظِيمَةٍ. ومَعْنى تَزْيِينِها بِالكَواكِبِ والشُّهُبِ عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الكَواكِبَ والشُّهُبَ سابِحَةً في مُقَعَّرِ تِلْكَ الكُرَةِ عَلى أبْعادٍ مُخْتَلِفَةٍ، ووَراءَ تِلْكَ الكُرَةِ السَّماواتُ السَّبْعُ مُحِيطٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ في أبْعادٍ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ سَعَتِها إلّا اللَّهُ تَعالى. ونِظامُ الكَواكِبِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنِّظامِ الشَّمْسِيِّ عَلى هَذا مِن أحْوالِ السَّماءِ الدُّنْيا، ولا مانِعَ مِن هَذا لِأنَّ هَذِهِ اصْطِلاحاتٌ، والقُرْآنُ صالِحٌ لَها، ولَمْ يَأْتِ لِتَدْقِيقِها ولَكِنَّهُ لا يُنافِيها. والسَّماءُ الدُّنْيا عَلى هَذا هي الَّتِي وُصِفَتْ في حَدِيثِ الإسْراءِ بِالأُولى.
وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ الدُّنْيا الكُرَةُ الهَوائِيَّةُ المُحِيطَةُ بِالأرْضِ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الكَواكِبِ ولا مِنَ الشُّهُبِ وأنَّ الكَواكِبَ والشُّهُبَ في أفْلاكِها وهي السَّماواتُ السِّتُّ والعَرْشُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ النِّظامُ الشَّمْسِيُّ كُلُّهُ لَيْسَ مِن أحْوالِ السَّماءِ
صفحة ٨٩
الدُّنْيا. ومَعْنى تَزْيِينِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ والشُّهُبِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ أدِيمَ السَّماءِ الدُّنْيا قابِلًا لِاخْتِراقِ أنْوارِ الكَواكِبِ في نِصْفِ الكُرَةِ السَّماوِيَّةِ الَّذِي يَغْشاهُ الظَّلامُ مِن تَباعُدِ نُورِ الشَّمْسِ عَنْهُ فَتَلُوحُ أنْوارُ الكَواكِبِ مُتَلَأْلِئَةً في اللَّيْلِ فَتَكُونُ تِلْكَ الأضْواءُ زِينَةً لِلسَّماءِ الدُّنْيا تَزْدانُ بِها.
والآيَةُ صالِحَةٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّها لَمْ يَثْبُتْ فِيها إلّا أنَّ السَّماءَ الدُّنْيا تَزْدانُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي كَوْنَ الكَواكِبِ سابِحَةً في السَّماءِ الدُّنْيا. فالزِّينَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنّاسِ، والأشْياءُ الَّتِي يَزْدانُ بِها النّاسُ مُغايِرَةٌ لَهم مُنْفَصِلَةٌ عَنْهم، ومِثْلُهُ قَوْلُنا: ازْدانَ البَحْرُ بِأضْواءِ القَمَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾“ بِإضافَةِ ”زِينَةِ“ إلى ”الكَواكِبِ“، وقَرَأ حَمْزَةُ ”﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾“ بِتَنْوِينِ ”زِينَةٍ“ وجَرِّ ”الكَواكِبِ“ عَلى أنَّ ”الكَواكِبِ“ بَدَلٌ مِن ”زِينَةٍ“، وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَنْوِينِ ”زِينَةٍ“ ونَصْبِ ”الكَواكِبَ“ عَلى الِاخْتِصاصِ بِتَقْدِيرِ: أعْنِي.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى زِينَةِ السَّماءِ بِالكَواكِبِ وكَوْنِها حِفْظًا مِنَ الشَّياطِينِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] ﴿وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] في سُورَةِ الحِجْرِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الكَواكِبِ في قَوْلِهِ (رَأى كَوْكَبًا) في سُورَةِ الأنْعامِ.
وانْتَصَبَ (حِفْظًا) بِالعَطْفِ عَلى (بِزِينَةِ الكَواكِبِ) عَطْفًا عَلى المَعْنى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ في الكَشّافِ وبَيَّنَهُ ما بَيَّناهُ آنِفًا مِن أنَّ قَوْلَهُ (﴿بِزِينَةِ الكَواكِبِ﴾) في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: بِالكَواكِبِ زِينَةً، وعامِلُهُ زَيَّنا.
والحِفْظُ مِنَ الشَّياطِينِ حِكْمَةٌ مِن حِكَمِ خَلْقِ الكَواكِبِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الكَواكِبَ خُلِقَتْ قَبْلَ اسْتِحْقاقِ الشَّياطِينِ الرَّجْمَ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بَعْدَ أنْ أُطْرِدَ إبْلِيسُ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ فَلَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ اتِّحادِ المَفْعُولِ لِأجْلِهِ مَعَ عامِلِهِ في الوَقْتِ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ لا يَرى اشْتِراطُ ذَلِكَ. ولَعَلَّ الزَّمَخْشَرِيَّ يُتابِعُهُ عَلى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلَهُ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وهو الحَقُّ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلى اعْتِبارِهِ عِلَّةً مُقَدَّرَةً كَما جَوَّزَ في الحالِ أنْ تَكُونَ مُقَدَّرَةً.
صفحة ٩٠
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (حِفْظًا) مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ فَيَكُونُ في تَقْدِيرِ: وحَفِظْنا، عَطْفًا عَلى (زَيَّنّا)، أيْ حَفِظْنا بِالكَواكِبِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ. وهَذا قَوْلُ المُبَرِّدِ. والمَحْفُوظُ هو السَّماءُ، أيْ وحَفِظْناها بِالكَواكِبِ مِن كُلِّ شَيْطانٍ.
ولَيْسَ الَّذِي بِهِ الحِفْظُ هو جَمِيعُ الَّذِي بِهِ التَّزْيِينُ بَلِ العِلَّةُ مُوَزَّعَةٌ، فالَّذِي هو زِينَةٌ مُشاهَدٌ بِالأبْصارِ، والَّذِي هو حِفْظٌ هو المُبَيَّنُ بِقَوْلِهِ (﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]) .
ومَعْنى كَوْنِ الكَواكِبِ حِفْظًا مِنَ الشَّياطِينِ أنَّ مِن جُمْلَةِ الكَواكِبِ الشُّهُبَ الَّتِي تُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ عِنْدَ مُحاوَلَتِها اسْتِراقَ السَّمْعِ فَتَفِرُّ الشَّياطِينُ خَشْيَةَ أنْ تُصِيبَها؛ لِأنَّها إذا أصابَتْ أشْكالَها اخْتَرَقَتْها فَتَفَكَّكَتْ، فَلَعَلَّها تَزُولُ أشْكالُها بِذَلِكَ التَّفَكُّكِ فَتَنْعَدِمُ بِذَلِكَ قِوامُ ماهِيَّتِها أوْ تَتَفَرَّقُ لَحْظَةً لَمْ تَلْتَئِمْ بَعْدُ، فَتَتَألَّمُ مِن ذَلِكَ الخَرْقِ والِالتِئامِ، فَإنَّ تِلْكَ الشُّهُبَ الَّتِي تَلُوحُ لِلنّاظِرِ قِطَعًا لامِعَةً مِثْلَ النُّجُومِ جارِيَةً في السَّماءِ إنَّما هي أجْسامٌ مَعْدِنِيَّةٌ تَدُورُ حَوْلَ الشَّمْسِ وعِنْدَما تَقْرُبُ إلى الأرْضِ تَتَغَلَّبُ عَلَيْها جاذِبِيَّةُ الأرْضِ فَتَنْزِعُها مِن جاذِبِيَّةِ الشَّمْسِ فَتَنْقَضُّ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ مَرْكَزِ الأرْضِ ولِشِدَّةِ سُرْعَةِ انْقِضاضِها تُولَدُ في الجَوِّ الكُرَوِيِّ حَرارَةٌ كافِيَةٌ لِإحْراقِ الصِّغارِ مِنها وتَحْمى الكِبارُ مِنها إلى دَرَجَةٍ مِنَ الحَرارَةِ تُوجِبُ لَمَعانَها، وتَسْقُطُ حَتّى تَقَعَ عَلى الأرْضِ في البَحْرِ غالِبًا، ورُبَّما وقَعَتْ عَلى البَرِّ، وقَدْ يَعْثُرُ عَلَيْها بَعْضُ النّاسِ إذْ يَجِدُونَها واقِعَةً عَلى الأرْضِ قِطَعًا مَعْدِنِيَّةً مُتَفاوِتَةً، ورُبَّما أحْرَقَتْ ما تُصِيبُهُ مِن شَجَرٍ أوْ مَنازِلَ. وقَدْ أُرِّخَ نُزُولُ بَعْضِها سَنَةَ ٦١٦ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ بِبِلادِ الصِّينِ فَكَسَرَ عِدَّةَ مَرْكَباتٍ وقَتَلَ رِجالًا، وقَدْ ذَكَرَها العَرَبُ في شِعْرِهِمْ قَبْلَ الإسْلامِ قالَ دَوْسُ بْنُ حَجَرٍ يَصِفُ ثَوْرًا وحْشِيًّا:
فانْقَضَّ كالدُّرِّيِّ يَتْبَعُهُ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا
وقالَ بِشْرِ بْنِ خازِمٍ أنْشَدَهُ الجاحِظُ في الحَيَوانِ:
والعَيْرُ يُرْهِقُها الخَبارَ وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقاضَ الكَوْكِبِ
وفِي سَنَةِ ٩٤٤ سُجِّلَ مُرُورُ كُرَيّاتٍ نارِيَّةٍ في الجَوِّ أحْرَقَتْ بُيُوتًا عِدَّةً.
صفحة ٩١
وسَقَطَتْ بِالقُطْرِ التُّونِسِيِّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، مِنها قِطْعَةٌ سَقَطَتْ في أوائِلِ هَذا القَرْنِ وسَطَ المَمْلَكَةِ أحْسَبُ أنَّها بِجِهاتِ تالَةٍ، ورَأيْتُ شَظِيَّةً مِنها تُشْبِهُ الحَدِيدَ، والعامَّةُ يَحْسَبُونَها صاعِقَةً ويُسَمُّونَ ذَلِكَ حَجَرَ الصّاعِقَةِ. وتَساقُطُها يَقَعُ في اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولَكِنّا لا نُشاهِدُ مُرُورَها في النَّهارِ لِأنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَحْجُبُها عَنِ الأنْظارِ.
ومِمّا عَلِمْتَ مِن تَدَحْرُجِ هَذِهِ الشُّهُبِ مِن فَلَكِ الشَّمْسِ إلى فَلَكِ الأرْضِ تَبَيَّنَ لَكَ سَبَبُ كَوْنِها مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا وسَبَبُ اتِّصالِها بِالأجْرامِ الشَّيْطانِيَّةِ الصّاعِدَةِ مِنَ الأرْضِ تَتَطَلَّبُ الِاتِّصالَ بِالسَّماواتِ.
وقَدْ سُمِّيَتْ شُهُبًا عَلى التَّشْبِيهِ بِقَبَسِ النّارِ وهو الجَمْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والمارِدُ: الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ الَّذِي لا يُلابِسُ الطّاعَةَ ساعَةً قالَ تَعالى ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، وفي وصْفِهِ بِالمارِدِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُصِيبُ إخْوانَهُ مِنَ الضُّرِّ بِالشُّهُبِ لا يَعِظُهُ عَنْ تَجْدِيدِ مُحاوَلَةِ الِاسْتِراقِ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ طَبْعُهُ الشَّيْطانِيُّ مِنَ المُداوَمَةِ عَلى تِلْكَ السَّجايا الخَبِيثَةِ كَما لا يَنْزَجِرُ الفِراشُ عَنِ التَّهافُتِ حَوْلَ المِصْباحِ بِما يُصِيبُ أطْرافَ أجْنِحَتِهِ مِن مَسِّ النّارِ.
الصافات 37:8
”﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾“ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا وجُمْلَةِ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا قُصِدَ مِنهُ وصْفُ قِصَّةِ طَرْدِ الشَّياطِينِ.
وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ”وحِفْظًا“ مَصْدَرًا نائِبًا مَنابَ فِعْلِهِ يَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ (لا يَسْمَعُونَ) بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ عَطْفِ البَيانِ مِن جُمْلَةِ (وحِفْظًا) عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، أيِ انْتَفى بِذَلِكَ الحِفْظِ سَمْعُ الشَّياطِينِ لِلْمَلَأِ الأعْلى.
صفحة ٩٢
وحَرْفُ (إلى) يُشِيرُ إلى تَضْمِينِ فِعْلِ (يَسْمَعُونَ) مَعْنى يَنْتَهُونَ فَيَسْمَعُونَ، أيْ لا يَتْرُكُهُمُ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مُنْتَهِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى انْتِهاءَ الطّالِبِ المَكانَ المَطْلُوبَ بَلْ تَدْحَرُهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ فَلا يَتَلَقَّفُونَ مِن عِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى الأشْياءَ مَخْطُوفَةً غَيْرَ مُتَبَيَّنَةٍ، وذَلِكَ أبْعَدُ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا لِأنَّهم لا يَنْتَهُونَ فَلا يَسْمَعُونَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ ”سَمِعْتُ“ المَعْدّى بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الإدْراكَ، ”وسَمِعْتُ“ المَعْدّى بِـ (إلى) يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤]“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ أصْلَهُ: لا يَتَسَمَّعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ سِينًا تَوَصُّلًا إلى الإدْغامِ، والتَّسَمُّعُ: تَطَلُّبُ السَّمْعِ وتَكَلُّفُهُ، فالمُرادُ التَّسَمُّعُ المُباشِرُ، وهو الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ إذا بَلَغَ المَكانَ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أصْواتُ المَلَأِ الأعْلى، أيْ أنَّهم يُدْحَرُونَ مِن قَبْلِ وُصُولِهِمُ المَكانَ المَطْلُوبَ، والقِراءَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ.
وما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما في المَعْنى والِاسْتِعْمالِ لا يَصِحُّ.
وحاصِلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ أنَّ الشُّهُبَ تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ أنْ يَسْمَعُوا شَيْئًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وقَدْ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ رُبَّما اخْتَطَفُوا الخَطْفَةَ فَألْقَوْها إلى الكُهّانِ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قَدَّرَ زِيادَةَ حِراسَةِ السَّماءِ بِإرْدافِ الكَواكِبِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حَتّى لا يَرْجِعَ مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ سالِمًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾)، فالشُّهُبُ كانَتْ مَوْجُودَةً مِن قَبْلُ وكانَتْ لا تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ تَلَقُّفِ أخْبارٍ مُقَطَّعَةٍ مِنَ المَلَأِ الأعْلى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِمَتِ الشَّياطِينُ مِن ذَلِكَ.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أهْلُ الشَّأْنِ والقَدْرِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا المَلائِكَةُ. ووَصْفُ المَلَأِ بِـ (الأعْلى) لِتَشْرِيفِ المَوْصُوفِ.
والقَذْفُ: الرَّجْمُ، والجانِبُ: الجِهَةُ، والدُّحُورُ: الطَّرْدُ. وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (يَقْذِفُونَ)، وإسْنادُ فَعْلِ يَقْذِفُونَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ القاذِفَ مَعْلُومٌ وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالحِفْظِ المُشارِ إلَيْهِ
صفحة ٩٣
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] .
والعَذابُ الواصِبُ: الدّائِمُ يُقالُ: وصَبَ يَصِبُ وُصُوبا، إذا دامَ. والمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ في الدُّنْيا ويُحَقَّرُونَ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ في الآخِرَةِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ لِلنّارِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابَ القَذْفِ وأنَّهُ واصِبٌ، أيْ لا يَنْفَكُّ عَنْهم كُلَّما حاوَلُوا الِاسْتِراقَ لِأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى مُحاوَلَتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى﴾ وبَيْنَ الِاسْتِثْناءِ.
و(﴿مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾) مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ (لا يَسْمَعُونَ) فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ إلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ.
والخَطْفُ: ابْتِدارُ تَناوُلِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، والخَطْفَةُ المَرَّةُ مِنهُ. فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (خَطِفَ) لِبَيانِ عَدَدِ مَرّاتِ المَصْدَرِ، أيْ: خَطْفَةً واحِدَةً، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإسْراعِ بِسَمْعِ ما يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ تامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(أتْبَعَهُ) بِمَعْنى تَبِعَهُ؛ فَهَمْزَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْدِيَةً، وهي كَهَمْزَةِ أبانَ بِمَعْنى بانَ.
والشِّهابُ: القَبَسُ والجَمْرُ مِنَ النّارِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُسَمّى بِالنَّيْزَكِ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والثّاقِبُ: الخارِقُ، أيِ الَّذِي يَتْرُكُ ثُقْبًا في الجِسْمِ الَّذِي يُصِيبُهُ، أيْ: ثاقِبٌ لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشِّهابُ لا يَقْتُلُ الشَّيْطانَ الَّذِي يُصِيبُهُ ولَكِنَّهُ يَحْتَرِقُ ويَخْبِلُ، أيْ يُفْسِدُ قِوامَهُ فَتَزُولُ خَصائِصُهُ، فَإنْ لَمْ يَضْمَحِلَّ فَإنَّهُ يُصْبِحُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُحاوَلَةِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً أُخْرى، أيْ إلّا مَن تَمَكَّنَ مِنَ الدُّنُوِّ إلى مَحَلٍّ يَسْمَعُ فِيهِ كَلِماتٍ مِن كَلِماتِ المَلَأِ الأعْلى فَيُرْدَفُ بِشِهابٍ يَثْقُبُهُ فَلا يَرْجِعُ إلى حَيْثُ صَدَرَ، وهَذا مِن خَصائِصِ ما بَعْدَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتِراقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:9
”﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾“ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا وجُمْلَةِ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا قُصِدَ مِنهُ وصْفُ قِصَّةِ طَرْدِ الشَّياطِينِ.
وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ”وحِفْظًا“ مَصْدَرًا نائِبًا مَنابَ فِعْلِهِ يَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ (لا يَسْمَعُونَ) بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ عَطْفِ البَيانِ مِن جُمْلَةِ (وحِفْظًا) عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، أيِ انْتَفى بِذَلِكَ الحِفْظِ سَمْعُ الشَّياطِينِ لِلْمَلَأِ الأعْلى.
صفحة ٩٢
وحَرْفُ (إلى) يُشِيرُ إلى تَضْمِينِ فِعْلِ (يَسْمَعُونَ) مَعْنى يَنْتَهُونَ فَيَسْمَعُونَ، أيْ لا يَتْرُكُهُمُ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مُنْتَهِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى انْتِهاءَ الطّالِبِ المَكانَ المَطْلُوبَ بَلْ تَدْحَرُهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ فَلا يَتَلَقَّفُونَ مِن عِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى الأشْياءَ مَخْطُوفَةً غَيْرَ مُتَبَيَّنَةٍ، وذَلِكَ أبْعَدُ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا لِأنَّهم لا يَنْتَهُونَ فَلا يَسْمَعُونَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ ”سَمِعْتُ“ المَعْدّى بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الإدْراكَ، ”وسَمِعْتُ“ المَعْدّى بِـ (إلى) يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤]“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ أصْلَهُ: لا يَتَسَمَّعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ سِينًا تَوَصُّلًا إلى الإدْغامِ، والتَّسَمُّعُ: تَطَلُّبُ السَّمْعِ وتَكَلُّفُهُ، فالمُرادُ التَّسَمُّعُ المُباشِرُ، وهو الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ إذا بَلَغَ المَكانَ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أصْواتُ المَلَأِ الأعْلى، أيْ أنَّهم يُدْحَرُونَ مِن قَبْلِ وُصُولِهِمُ المَكانَ المَطْلُوبَ، والقِراءَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ.
وما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما في المَعْنى والِاسْتِعْمالِ لا يَصِحُّ.
وحاصِلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ أنَّ الشُّهُبَ تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ أنْ يَسْمَعُوا شَيْئًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وقَدْ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ رُبَّما اخْتَطَفُوا الخَطْفَةَ فَألْقَوْها إلى الكُهّانِ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قَدَّرَ زِيادَةَ حِراسَةِ السَّماءِ بِإرْدافِ الكَواكِبِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حَتّى لا يَرْجِعَ مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ سالِمًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾)، فالشُّهُبُ كانَتْ مَوْجُودَةً مِن قَبْلُ وكانَتْ لا تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ تَلَقُّفِ أخْبارٍ مُقَطَّعَةٍ مِنَ المَلَأِ الأعْلى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِمَتِ الشَّياطِينُ مِن ذَلِكَ.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أهْلُ الشَّأْنِ والقَدْرِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا المَلائِكَةُ. ووَصْفُ المَلَأِ بِـ (الأعْلى) لِتَشْرِيفِ المَوْصُوفِ.
والقَذْفُ: الرَّجْمُ، والجانِبُ: الجِهَةُ، والدُّحُورُ: الطَّرْدُ. وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (يَقْذِفُونَ)، وإسْنادُ فَعْلِ يَقْذِفُونَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ القاذِفَ مَعْلُومٌ وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالحِفْظِ المُشارِ إلَيْهِ
صفحة ٩٣
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] .
والعَذابُ الواصِبُ: الدّائِمُ يُقالُ: وصَبَ يَصِبُ وُصُوبا، إذا دامَ. والمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ في الدُّنْيا ويُحَقَّرُونَ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ في الآخِرَةِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ لِلنّارِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابَ القَذْفِ وأنَّهُ واصِبٌ، أيْ لا يَنْفَكُّ عَنْهم كُلَّما حاوَلُوا الِاسْتِراقَ لِأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى مُحاوَلَتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى﴾ وبَيْنَ الِاسْتِثْناءِ.
و(﴿مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾) مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ (لا يَسْمَعُونَ) فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ إلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ.
والخَطْفُ: ابْتِدارُ تَناوُلِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، والخَطْفَةُ المَرَّةُ مِنهُ. فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (خَطِفَ) لِبَيانِ عَدَدِ مَرّاتِ المَصْدَرِ، أيْ: خَطْفَةً واحِدَةً، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإسْراعِ بِسَمْعِ ما يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ تامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(أتْبَعَهُ) بِمَعْنى تَبِعَهُ؛ فَهَمْزَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْدِيَةً، وهي كَهَمْزَةِ أبانَ بِمَعْنى بانَ.
والشِّهابُ: القَبَسُ والجَمْرُ مِنَ النّارِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُسَمّى بِالنَّيْزَكِ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والثّاقِبُ: الخارِقُ، أيِ الَّذِي يَتْرُكُ ثُقْبًا في الجِسْمِ الَّذِي يُصِيبُهُ، أيْ: ثاقِبٌ لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشِّهابُ لا يَقْتُلُ الشَّيْطانَ الَّذِي يُصِيبُهُ ولَكِنَّهُ يَحْتَرِقُ ويَخْبِلُ، أيْ يُفْسِدُ قِوامَهُ فَتَزُولُ خَصائِصُهُ، فَإنْ لَمْ يَضْمَحِلَّ فَإنَّهُ يُصْبِحُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُحاوَلَةِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً أُخْرى، أيْ إلّا مَن تَمَكَّنَ مِنَ الدُّنُوِّ إلى مَحَلٍّ يَسْمَعُ فِيهِ كَلِماتٍ مِن كَلِماتِ المَلَأِ الأعْلى فَيُرْدَفُ بِشِهابٍ يَثْقُبُهُ فَلا يَرْجِعُ إلى حَيْثُ صَدَرَ، وهَذا مِن خَصائِصِ ما بَعْدَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتِراقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:10
”﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾“ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا وجُمْلَةِ فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا قُصِدَ مِنهُ وصْفُ قِصَّةِ طَرْدِ الشَّياطِينِ.
وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ ”وحِفْظًا“ مَصْدَرًا نائِبًا مَنابَ فِعْلِهِ يَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ (لا يَسْمَعُونَ) بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الحِفْظِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ عَطْفِ البَيانِ مِن جُمْلَةِ (وحِفْظًا) عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ﴾ [طه: ١٢٠] الآيَةَ، أيِ انْتَفى بِذَلِكَ الحِفْظِ سَمْعُ الشَّياطِينِ لِلْمَلَأِ الأعْلى.
صفحة ٩٢
وحَرْفُ (إلى) يُشِيرُ إلى تَضْمِينِ فِعْلِ (يَسْمَعُونَ) مَعْنى يَنْتَهُونَ فَيَسْمَعُونَ، أيْ لا يَتْرُكُهُمُ الرَّمْيُ بِالشُّهُبِ مُنْتَهِينَ إلى المَلَأِ الأعْلى انْتِهاءَ الطّالِبِ المَكانَ المَطْلُوبَ بَلْ تَدْحَرُهم قَبْلَ وُصُولِهِمْ فَلا يَتَلَقَّفُونَ مِن عِلْمِ ما يَجْرِي في المَلَأِ الأعْلى الأشْياءَ مَخْطُوفَةً غَيْرَ مُتَبَيَّنَةٍ، وذَلِكَ أبْعَدُ لَهم مِن أنْ يَسْمَعُوا لِأنَّهم لا يَنْتَهُونَ فَلا يَسْمَعُونَ. وفي الكَشّافِ: أنَّ ”سَمِعْتُ“ المَعْدّى بِنَفْسِهِ يُفِيدُ الإدْراكَ، ”وسَمِعْتُ“ المَعْدّى بِـ (إلى) يُفِيدُ الإصْغاءَ مَعَ الإدْراكِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾“ بِسُكُونِ السِّينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”﴿لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤]“ بِتَشْدِيدِ السِّينِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلى أنَّ أصْلَهُ: لا يَتَسَمَّعُونَ فَقُلِبَتِ التّاءُ سِينًا تَوَصُّلًا إلى الإدْغامِ، والتَّسَمُّعُ: تَطَلُّبُ السَّمْعِ وتَكَلُّفُهُ، فالمُرادُ التَّسَمُّعُ المُباشِرُ، وهو الَّذِي يَتَهَيَّأُ لَهُ إذا بَلَغَ المَكانَ الَّذِي تَصِلُ إلَيْهِ أصْواتُ المَلَأِ الأعْلى، أيْ أنَّهم يُدْحَرُونَ مِن قَبْلِ وُصُولِهِمُ المَكانَ المَطْلُوبَ، والقِراءَتانِ في مَعْنًى واحِدٍ.
وما نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما في المَعْنى والِاسْتِعْمالِ لا يَصِحُّ.
وحاصِلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ أنَّ الشُّهُبَ تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ أنْ يَسْمَعُوا شَيْئًا مِنَ المَلَأِ الأعْلى، وقَدْ كانُوا قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ رُبَّما اخْتَطَفُوا الخَطْفَةَ فَألْقَوْها إلى الكُهّانِ فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قَدَّرَ زِيادَةَ حِراسَةِ السَّماءِ بِإرْدافِ الكَواكِبِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حَتّى لا يَرْجِعَ مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ سالِمًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾)، فالشُّهُبُ كانَتْ مَوْجُودَةً مِن قَبْلُ وكانَتْ لا تَحُولُ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ تَلَقُّفِ أخْبارٍ مُقَطَّعَةٍ مِنَ المَلَأِ الأعْلى فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ حُرِمَتِ الشَّياطِينُ مِن ذَلِكَ.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ أهْلُ الشَّأْنِ والقَدْرِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا المَلائِكَةُ. ووَصْفُ المَلَأِ بِـ (الأعْلى) لِتَشْرِيفِ المَوْصُوفِ.
والقَذْفُ: الرَّجْمُ، والجانِبُ: الجِهَةُ، والدُّحُورُ: الطَّرْدُ. وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (يَقْذِفُونَ)، وإسْنادُ فَعْلِ يَقْذِفُونَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ القاذِفَ مَعْلُومٌ وهُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالحِفْظِ المُشارِ إلَيْهِ
صفحة ٩٣
فِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] .
والعَذابُ الواصِبُ: الدّائِمُ يُقالُ: وصَبَ يَصِبُ وُصُوبا، إذا دامَ. والمَعْنى: أنَّهم يُطْرَدُونَ في الدُّنْيا ويُحَقَّرُونَ ولَهم عَذابٌ دائِمٌ في الآخِرَةِ، فَإنَّ الشَّياطِينَ لِلنّارِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ عَذابَ القَذْفِ وأنَّهُ واصِبٌ، أيْ لا يَنْفَكُّ عَنْهم كُلَّما حاوَلُوا الِاسْتِراقَ لِأنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى مُحاوَلَتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَأِ الأعْلى﴾ وبَيْنَ الِاسْتِثْناءِ.
و(﴿مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾) مُسْتَثْنًى مِن ضَمِيرِ (لا يَسْمَعُونَ) فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ إلى البَدَلِيَّةِ مِنهُ.
والخَطْفُ: ابْتِدارُ تَناوُلِ شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ، والخَطْفَةُ المَرَّةُ مِنهُ. فَهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ (خَطِفَ) لِبَيانِ عَدَدِ مَرّاتِ المَصْدَرِ، أيْ: خَطْفَةً واحِدَةً، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإسْراعِ بِسَمْعِ ما يَسْتَطِيعُونَ سَمْعَهُ مِن كَلامٍ غَيْرِ تامٍّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(أتْبَعَهُ) بِمَعْنى تَبِعَهُ؛ فَهَمْزَتُهُ لا تُفِيدُهُ تَعْدِيَةً، وهي كَهَمْزَةِ أبانَ بِمَعْنى بانَ.
والشِّهابُ: القَبَسُ والجَمْرُ مِنَ النّارِ. والمُرادُ بِهِ هُنا ما يُسَمّى بِالنَّيْزَكِ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والثّاقِبُ: الخارِقُ، أيِ الَّذِي يَتْرُكُ ثُقْبًا في الجِسْمِ الَّذِي يُصِيبُهُ، أيْ: ثاقِبٌ لَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الشِّهابُ لا يَقْتُلُ الشَّيْطانَ الَّذِي يُصِيبُهُ ولَكِنَّهُ يَحْتَرِقُ ويَخْبِلُ، أيْ يُفْسِدُ قِوامَهُ فَتَزُولُ خَصائِصُهُ، فَإنْ لَمْ يَضْمَحِلَّ فَإنَّهُ يُصْبِحُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى مُحاوَلَةِ اسْتِراقِ السَّمْعِ مَرَّةً أُخْرى، أيْ إلّا مَن تَمَكَّنَ مِنَ الدُّنُوِّ إلى مَحَلٍّ يَسْمَعُ فِيهِ كَلِماتٍ مِن كَلِماتِ المَلَأِ الأعْلى فَيُرْدَفُ بِشِهابٍ يَثْقُبُهُ فَلا يَرْجِعُ إلى حَيْثُ صَدَرَ، وهَذا مِن خَصائِصِ ما بَعْدَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اسْتِراقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠] ﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الصافات 37:11
صفحة ٩٤
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى الإنْشاءِ، أيْ فَسَلْهم عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ وإحالَتِهِمْ إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ يَصِيرُوا عِظامًا ورُفاتًا، أخَلْقُهم حِينَئِذٍ أشُدُّ عَلَيْنا أمْ خَلْقُ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ ؟ وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ فاسْتَفْتِهِمْ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن دَلالَةِ المَقامِ وهُمُ الَّذِينَ أحالُوا إعادَةَ الخَلْقِ بَعْدَ المَماتِ. وكَذَلِكَ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ الآتِيَةِ بَعْدَهُ وضَمِيرُ الخِطابِ مِنهُ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ، أيْ فَسَلْهم، وهو سُؤالُ مَحاجَّةٍ وتَغْلِيطٍ.
والِاسْتِفْتاءُ: طَلَبُ الفَتْوى بِفَتْحِ الفاءِ وبِالواوِ، ويُقالُ: الفُتْيا بِضَمِّ الفاءِ وبِالياءِ. وهي إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ يَخْفى عَنْ غَيْرِ الخَواصِّ في غَرَضٍ ما. وهي: إمّا إخْبارٌ عَنْ عِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ المُخْبِرُ قالَ تَعالى ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] الآيَةَ، وقالَ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١]) في سُورَةِ يُوسُفَ.
وإمّا إخْبارٌ عَنْ رَأْيٍ يُطْلَبُ مِن ذِي رَأْيٍ مَوْثُوقٍ بِهِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ [النمل: ٣٢] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والمَعْنى: فاسْألْهم عَنْ رَأْيِهِمْ فَلَمّا كانَ المَسْئُولُ عَنْهُ أمْرًا مُحْتاجًا إلى إعْمالِ نَظَرٍ أطُلِقَ عَلى الِاسْتِفْهامِ عَنْهُ فِعْلُ الِاسْتِفْتاءِ.
وهَمْزَةُ (﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾) لِلِاسْتِفْهامِ المُسْتَعْمَلِ لِلتَّقْرِيرِ بِضَعْفِ خَلْقِ البَشَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَخْلُوقاتِ السَّماوِيَّةِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ يَؤُولُ إلى الإقْرارِ حَيْثُ إنَّهُ يُلْجِئُ المُسْتَفْهِمَ إلى الإقْرارِ بِالمَقْصُودِ مِن طَرَفَيِ الِاسْتِفْهامِ، فالِاسْتِفْتاءُ في مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَهو يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ.
وأشَدُّ بِمَعْنى: أصْعَبُ وأعْسَرُ.
صفحة ٩٥
و”خَلْقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ أخَلْقُهم أشَدُّ أمْ خَلْقٌ مَن خَلَقْنا الَّذِي سَمِعْتُمْ وصْفَهُ.
والمُرادُ بِـ (مَن خَلَقْنا) ما خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الشّامِلُ لِلْمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والكَواكِبِ المَذْكُورَةِ آنِفًا بِقَرِينَةِ إيرادِ فاءِ التَّعْقِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ ذَلِكَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ﴾ [النازعات: ٢٧] ونَحْوِهِ.
وجِيءَ بِاسْمِ العاقِلِ وهو ”مَن“ المَوْصُولَةُ تَغْلِيبًا لِلْعاقِلِينَ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِما يَتَوَلَّدُ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ الإقْرارِ بِأنَّهم أضْعَفُ خَلْقًا مِن خَلْقِ السَّماواتِ وعَوالِمِها احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ تَأتِّيَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ الفَناءِ أهْوَنُ مِن تَأتِّي المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ المَذْكُورَةِ آنِفًا ولَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً قَبْلُ، فَإنَّهم خُلِقُوا مِن طِينٍ لِأنَّ أصْلَهم وهو آدَمُ خُلِقَ مِن طِينٍ كَما هو مُقَرَّرٌ لَدى جَمِيعِ البَشَرِ فَكَيْفَ يُحِيلُونَ البَعْثَ بِمَقالاتِهِمُ الَّتِي مِنها قَوْلُهم (﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢]) .
والطِّينُ: التُّرابُ المَخْلُوطُ بِالماءِ.
واللّازِبُ: اللّاصِقُ بِغَيْرِهِ ومِنهُ أُطْلِقَ عَلى الأمْرِ الواجِبِ ”لازِبٌ“ في قَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا يَحْسَبُونَ الشَّرَّ ضَرْبَةَ لازِبِ
وقَدْ قِيلَ: إنَّ باءَ لازِبٍ بَدَلٌ مِن مِيمِ لازِمٍ، والمَعْنى: أنَّهُ طِينٌ عَتِيقٌ صارَ حَمْأةً.
وضَمِيرُ (إنّا خَلَقْناهم) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ خَلَقْنا أصْلَهم وهو آدَمُ فَإنَّهُ الَّذِي خُلِقَ مِن طِينٍ لازِبٍ، فَإذا كانَ أصْلُهم قَدْ أُنْشِئَ مِن تُرابٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إمْكانَ إعادَةِ كُلِّ آدَمِيٍّ مِن تُرابٍ.
الصافات 37:12
﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ”بَلْ“ لِلْإضْرابُ الِانْتِقالِيِّ مِنَ التَّقْرِيرِ التَّوْبِيخِيِّ إلى أنَّ حالَهم عَجَبٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾) بِفَتْحِ التّاءِ لِلْخِطابِ. والخِطِابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٩٦
المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ (﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١])، وفِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في مَعْنى الطَّلَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُسْتَعْمَلُ الخَبَرُ في إنْشاءِ صِيَغِ العُقُودِ نَحْوُ: بِعْتُ. والمَعْنى: اعْجَبْ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ قَدْ حَصَلَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَهم وقِلَّةَ إنْصافِهِمْ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أعَجِبْتَ ؟ .
والمَعْنى عَلى الجَمِيعِ: أنَّ حالَهم حَرِيَّةٌ بِالتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾“ بِضَمِّ التّاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ اللَّهَ أسْنَدَ العَجَبَ إلى نَفْسِهِ. ويُعْرَفُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَجَبِ المُسْتَلْزِمَةِ الرَّوْعَةَ والمُفاجَأةَ بِأمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ بَلِ المُرادُ التَّعْجِيبُ أوِ الكِنايَةُ عَنْ لازِمِهِ، وهو اسْتِعْظامُ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ولَيْسَ لِهَذا الِاسْتِعْمالِ نَظِيرٌ في القُرْآنِ ولَكِنَّهُ تَكَرَّرَ في كَلامِ النُّبُوءَةِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِن رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقاتِلُ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى القاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» رَواهُ النَّسائِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. يَعْنِي ثُمَّ يُسْلِمُ القاتِلُ الَّذِي كانَ كافِرًا فَيُقاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ في حَدِيثِ الأنْصارِيِّ وزَوْجِهِ إذْ أضافا رَجُلًا فَأطْعَماهُ عَشاءَهُما وتَرَكا صِبْيانَهُما «عَجِبَ اللَّهُ مِن فِعالِكُما» .
ونَزَلَ فِيهِ (﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩])، وقَوْلُهُ «عَجِبَ اللَّهُ مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ» إنَّما عَدَلَ عَنِ الصَّرِيحِ وهو الِاسْتِعْظامُ لِأنَّ الكِنايَةَ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والصّارِفُ عَنْ مَعْنى اللَّفْظِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ (عَجِبْتُ) ما هو مَعْلُومٌ مِن مُخالَفَتِهِ تَعالى لِلْحَوادِثِ.
صفحة ٩٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ (عَجِبْتَ) عَلى مَعْنى المُجازاةِ عَلى عَجَبِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] دَلَّ عَلى أنَّهم عَجِبُوا مِن إعادَةِ الخَلْقِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ عَلى عَجَبِهِمْ. وأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ العِقابِ فِعْلَ (عَجِبْتَ) كَما أطْلَقَ عَلى عِقابِ مَكْرِهِمُ المَكْرَ في قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
والواوُ في (ويَسْخَرُونَ) واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَجِبْتَ) أيْ كانَ أمْرُهم عَجَبًا في حالِ اسْتِسْخارِهِمْ بِكَ في اسْتِفْتائِهِمْ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَسْخَرُونَ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ السُّخْرِيَةِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنْها.
والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّذْكِيرُ بِأنْ يَذْكُرُوا ما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، ومِن تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى فَلا يَتَّعِظُوا بِذَلِكَ عِنادًا فَأطْلَقَ (لا يَذْكُرُونَ) عَلى أثَرِ الفِعْلِ، أيْ لا يَحْصُلُ فِيهِمْ أثَرُ تَذَكُّرِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ وإنْ كانُوا قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (لا يَذْكُرُونَ) ما ذُكِّرُوا بِهِ، أيْ لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ لِاسْتِقْرارِ ما ذُكِّرُوا بِهِ في عُقُولِهِمْ فَلا يَذْكُرُونَ ما هم غافِلُونَ عَنْهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]) .
(﴿وِإذا رَأوْا آيَةً﴾) أيْ خارِقَ عادَةٍ أظْهَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ دالًّا عَلى صِدْقِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُغَيِّرُ نِظامَ خِلْقَتِهِ في العالَمِ إلّا إذا أرادَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ مِن خالِقِ العاداتِ وناظِمِ سُنَنِ الأكْوانِ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ هَذا الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي. وقَدْ رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، قالَ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] .
صفحة ٩٨
و(يَسْتَسْخِرُونَ) مُبالَغَةٌ في السُّخْرِيَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]) وقَوْلِهِ (﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]) .
فالسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ ويَسْخَرُونَ سُخْرِيَةٌ مِن مُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِالأدِلَّةِ.
والسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا سُخْرِيَةٌ مِن ظُهُورِ الآياتِ المُعْجِزاتِ، أيْ يَزِيدُونَ في السُّخْرِيَةِ بِمَن ظَنَّ مِنهم أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ يَحُولُ بِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) .
الصافات 37:13
﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ”بَلْ“ لِلْإضْرابُ الِانْتِقالِيِّ مِنَ التَّقْرِيرِ التَّوْبِيخِيِّ إلى أنَّ حالَهم عَجَبٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾) بِفَتْحِ التّاءِ لِلْخِطابِ. والخِطِابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٩٦
المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ (﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١])، وفِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في مَعْنى الطَّلَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُسْتَعْمَلُ الخَبَرُ في إنْشاءِ صِيَغِ العُقُودِ نَحْوُ: بِعْتُ. والمَعْنى: اعْجَبْ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ قَدْ حَصَلَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَهم وقِلَّةَ إنْصافِهِمْ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أعَجِبْتَ ؟ .
والمَعْنى عَلى الجَمِيعِ: أنَّ حالَهم حَرِيَّةٌ بِالتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾“ بِضَمِّ التّاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ اللَّهَ أسْنَدَ العَجَبَ إلى نَفْسِهِ. ويُعْرَفُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَجَبِ المُسْتَلْزِمَةِ الرَّوْعَةَ والمُفاجَأةَ بِأمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ بَلِ المُرادُ التَّعْجِيبُ أوِ الكِنايَةُ عَنْ لازِمِهِ، وهو اسْتِعْظامُ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ولَيْسَ لِهَذا الِاسْتِعْمالِ نَظِيرٌ في القُرْآنِ ولَكِنَّهُ تَكَرَّرَ في كَلامِ النُّبُوءَةِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِن رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقاتِلُ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى القاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» رَواهُ النَّسائِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. يَعْنِي ثُمَّ يُسْلِمُ القاتِلُ الَّذِي كانَ كافِرًا فَيُقاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ في حَدِيثِ الأنْصارِيِّ وزَوْجِهِ إذْ أضافا رَجُلًا فَأطْعَماهُ عَشاءَهُما وتَرَكا صِبْيانَهُما «عَجِبَ اللَّهُ مِن فِعالِكُما» .
ونَزَلَ فِيهِ (﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩])، وقَوْلُهُ «عَجِبَ اللَّهُ مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ» إنَّما عَدَلَ عَنِ الصَّرِيحِ وهو الِاسْتِعْظامُ لِأنَّ الكِنايَةَ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والصّارِفُ عَنْ مَعْنى اللَّفْظِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ (عَجِبْتُ) ما هو مَعْلُومٌ مِن مُخالَفَتِهِ تَعالى لِلْحَوادِثِ.
صفحة ٩٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ (عَجِبْتَ) عَلى مَعْنى المُجازاةِ عَلى عَجَبِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] دَلَّ عَلى أنَّهم عَجِبُوا مِن إعادَةِ الخَلْقِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ عَلى عَجَبِهِمْ. وأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ العِقابِ فِعْلَ (عَجِبْتَ) كَما أطْلَقَ عَلى عِقابِ مَكْرِهِمُ المَكْرَ في قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
والواوُ في (ويَسْخَرُونَ) واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَجِبْتَ) أيْ كانَ أمْرُهم عَجَبًا في حالِ اسْتِسْخارِهِمْ بِكَ في اسْتِفْتائِهِمْ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَسْخَرُونَ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ السُّخْرِيَةِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنْها.
والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّذْكِيرُ بِأنْ يَذْكُرُوا ما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، ومِن تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى فَلا يَتَّعِظُوا بِذَلِكَ عِنادًا فَأطْلَقَ (لا يَذْكُرُونَ) عَلى أثَرِ الفِعْلِ، أيْ لا يَحْصُلُ فِيهِمْ أثَرُ تَذَكُّرِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ وإنْ كانُوا قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (لا يَذْكُرُونَ) ما ذُكِّرُوا بِهِ، أيْ لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ لِاسْتِقْرارِ ما ذُكِّرُوا بِهِ في عُقُولِهِمْ فَلا يَذْكُرُونَ ما هم غافِلُونَ عَنْهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]) .
(﴿وِإذا رَأوْا آيَةً﴾) أيْ خارِقَ عادَةٍ أظْهَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ دالًّا عَلى صِدْقِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُغَيِّرُ نِظامَ خِلْقَتِهِ في العالَمِ إلّا إذا أرادَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ مِن خالِقِ العاداتِ وناظِمِ سُنَنِ الأكْوانِ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ هَذا الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي. وقَدْ رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، قالَ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] .
صفحة ٩٨
و(يَسْتَسْخِرُونَ) مُبالَغَةٌ في السُّخْرِيَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]) وقَوْلِهِ (﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]) .
فالسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ ويَسْخَرُونَ سُخْرِيَةٌ مِن مُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِالأدِلَّةِ.
والسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا سُخْرِيَةٌ مِن ظُهُورِ الآياتِ المُعْجِزاتِ، أيْ يَزِيدُونَ في السُّخْرِيَةِ بِمَن ظَنَّ مِنهم أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ يَحُولُ بِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) .
الصافات 37:14
﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ”بَلْ“ لِلْإضْرابُ الِانْتِقالِيِّ مِنَ التَّقْرِيرِ التَّوْبِيخِيِّ إلى أنَّ حالَهم عَجَبٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾) بِفَتْحِ التّاءِ لِلْخِطابِ. والخِطِابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٩٦
المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ (﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات: ١١])، وفِعْلُ المُضِيِّ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في مَعْنى الطَّلَبِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُسْتَعْمَلُ الخَبَرُ في إنْشاءِ صِيَغِ العُقُودِ نَحْوُ: بِعْتُ. والمَعْنى: اعْجَبْ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَجَبُ قَدْ حَصَلَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا رَأى إعْراضَهم وقِلَّةَ إنْصافِهِمْ فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، أيْ بَلْ أعَجِبْتَ ؟ .
والمَعْنى عَلى الجَمِيعِ: أنَّ حالَهم حَرِيَّةٌ بِالتَّعَجُّبِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]) في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾“ بِضَمِّ التّاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ اللَّهَ أسْنَدَ العَجَبَ إلى نَفْسِهِ. ويُعْرَفُ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَجَبِ المُسْتَلْزِمَةِ الرَّوْعَةَ والمُفاجَأةَ بِأمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ بَلِ المُرادُ التَّعْجِيبُ أوِ الكِنايَةُ عَنْ لازِمِهِ، وهو اسْتِعْظامُ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ. ولَيْسَ لِهَذا الِاسْتِعْمالِ نَظِيرٌ في القُرْآنِ ولَكِنَّهُ تَكَرَّرَ في كَلامِ النُّبُوءَةِ مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِن رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أحَدُهُما الآخَرَ يَدْخُلانِ الجَنَّةَ، يُقاتِلُ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى القاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ» رَواهُ النَّسائِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. يَعْنِي ثُمَّ يُسْلِمُ القاتِلُ الَّذِي كانَ كافِرًا فَيُقاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ في حَدِيثِ الأنْصارِيِّ وزَوْجِهِ إذْ أضافا رَجُلًا فَأطْعَماهُ عَشاءَهُما وتَرَكا صِبْيانَهُما «عَجِبَ اللَّهُ مِن فِعالِكُما» .
ونَزَلَ فِيهِ (﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩])، وقَوْلُهُ «عَجِبَ اللَّهُ مِن قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ في السَّلاسِلِ» إنَّما عَدَلَ عَنِ الصَّرِيحِ وهو الِاسْتِعْظامُ لِأنَّ الكِنايَةَ أبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ، والصّارِفُ عَنْ مَعْنى اللَّفْظِ الصَّرِيحِ في قَوْلِهِ (عَجِبْتُ) ما هو مَعْلُومٌ مِن مُخالَفَتِهِ تَعالى لِلْحَوادِثِ.
صفحة ٩٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ (عَجِبْتَ) عَلى مَعْنى المُجازاةِ عَلى عَجَبِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] دَلَّ عَلى أنَّهم عَجِبُوا مِن إعادَةِ الخَلْقِ فَتَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ عَلى عَجَبِهِمْ. وأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ العِقابِ فِعْلَ (عَجِبْتَ) كَما أطْلَقَ عَلى عِقابِ مَكْرِهِمُ المَكْرَ في قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .
والواوُ في (ويَسْخَرُونَ) واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (عَجِبْتَ) أيْ كانَ أمْرُهم عَجَبًا في حالِ اسْتِسْخارِهِمْ بِكَ في اسْتِفْتائِهِمْ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَسْخَرُونَ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ السُّخْرِيَةِ، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنْها.
والسُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والتَّذْكِيرُ بِأنْ يَذْكُرُوا ما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، ومِن تَنْظِيرِ حالِهِمْ بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى فَلا يَتَّعِظُوا بِذَلِكَ عِنادًا فَأطْلَقَ (لا يَذْكُرُونَ) عَلى أثَرِ الفِعْلِ، أيْ لا يَحْصُلُ فِيهِمْ أثَرُ تَذَكُّرِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ وإنْ كانُوا قَدْ ذَكَرُوا ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (لا يَذْكُرُونَ) ما ذُكِّرُوا بِهِ، أيْ لِشِدَّةِ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ لِاسْتِقْرارِ ما ذُكِّرُوا بِهِ في عُقُولِهِمْ فَلا يَذْكُرُونَ ما هم غافِلُونَ عَنْهُ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ﴾ [الفرقان: ٤٤]) .
(﴿وِإذا رَأوْا آيَةً﴾) أيْ خارِقَ عادَةٍ أظْهَرَهُ الرَّسُولُ ﷺ دالًّا عَلى صِدْقِهِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُغَيِّرُ نِظامَ خِلْقَتِهِ في العالَمِ إلّا إذا أرادَ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ لِأنَّ خَرْقَ العادَةِ مِن خالِقِ العاداتِ وناظِمِ سُنَنِ الأكْوانِ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ هَذا الرَّسُولُ فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي. وقَدْ رَأوُا انْشِقاقَ القَمَرِ، فَقالُوا: هَذا سِحْرٌ، قالَ تَعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] ﴿وإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] .
صفحة ٩٨
و(يَسْتَسْخِرُونَ) مُبالَغَةٌ في السُّخْرِيَةِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]) وقَوْلِهِ (﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]) .
فالسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ ويَسْخَرُونَ سُخْرِيَةٌ مِن مُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِالأدِلَّةِ.
والسُّخْرِيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا سُخْرِيَةٌ مِن ظُهُورِ الآياتِ المُعْجِزاتِ، أيْ يَزِيدُونَ في السُّخْرِيَةِ بِمَن ظَنَّ مِنهم أنَّ ظُهُورَ المُعْجِزاتِ يَحُولُ بِهِمْ عَنْ كُفْرِهِمْ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) .
الصافات 37:15
”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .
وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،
صفحة ٩٩
ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.
صفحة ١٠٠
والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .
و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.
وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.
وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.
وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.
الصافات 37:16
”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .
وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،
صفحة ٩٩
ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.
صفحة ١٠٠
والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .
و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.
وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.
وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.
وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.
الصافات 37:17
”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .
وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،
صفحة ٩٩
ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.
صفحة ١٠٠
والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .
و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.
وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.
وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.
وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.
الصافات 37:18
”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .
وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،
صفحة ٩٩
ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.
صفحة ١٠٠
والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .
و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.
وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.
وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.
وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.
الصافات 37:19
”﴿وقالُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوْ آباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] الآيَةَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ [الصافات: ١١] وهو إعادَةُ الخَلْقِ عِنْدَ البَعْثِ، ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ”أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، أيْ وقالُوا في رَدِّ الدَّلِيلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾ [الصافات: ١١] أيْ أجابُوا بِأنَّ ادِّعاءَ إعادَةِ الحَياةِ بَعْدَ البِلى كَلامُ سِحْرٍ مُبِينٍ، أيْ: كَلامٌ لا يُفْهَمُ، قُصِدَ بِهِ سِحْرُ السّامِعِ. هَذا وجْهُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَفْسِيرًا يَلْتَئِمُ بِهِ نَظْمُها خِلافًا لِما دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي هَمْزَةُ ”إنَّ“ بِاعْتِبارِ أنَّهُ جَوابُ ”إذا“ الواقِعَةِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ فَهو مِن حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ أئِنّا بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى (إذا) .
وقَوْلُهُ ”أوْ آباؤُنا“ قَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ واوِ (أوْ) عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَعَ الواوِ حَرْفٌ واحِدٌ هو (أوْ) العاطِفَةُ المُفِيدَةُ لِلتَّقْسِيمِ هُنا،
صفحة ٩٩
ووَجْهُ العَطْفِ بِـ ”أوْ“ هو جَعْلُهُمُ الآباءَ الأوَّلِينَ قِسْمًا آخَرَ فَكانَ عَطْفُهُ ارْتِقاءً في إظْهارِ اسْتِحالَةِ إعادَةِ هَذا القِسْمِ لِأنَّ آباءَهَمْ طالَتْ عُصُورُ فَنائِهِمْ فَكانَتْ إعادَةُ حَياتِهِمْ أوْغَلَ في الِاسْتِحالَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ العَطْفِ والهَمْزَةَ هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ فَهُما حَرْفانِ. وقُدِّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى حَرْفِ العَطْفِ حَسَبِ الِاسْتِعْمالِ الكَثِيرِ. والتَّقْدِيرُ: وأآباؤُنا الأوَّلُونَ مِثْلُنا.
وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَرَفْعُهُ بِالعَطْفِ عَلى مَحَلِّ اسْمِ ”إنَّ“ الَّذِي كانَ مُبْتَدَأً قَبْلَ دُخُولِ ”إنَّ“، والغالِبُ في العَطْفِ عَلى اسْمِ ”إنَّ“ يَرْفَعُ المَعْطُوفَ اعْتِبارًا بِالمَحَلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] أوْ يُجْعَلُ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ وهو هُنا مَرْفُوعٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ الَّذِي هو ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ وبَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ، أوْ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ بِالهَمْزَةِ المُفْضِي إلى إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وذَلِكَ يُنافِي صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأنَّ صَدارَةَ الِاسْتِفْهامِ بِالنِّسْبَةِ إلى جُمْلَتِهِ فَلا يُنافِيها عَمَلُ عامِلٍ مِن جُمْلَةٍ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الإعْمالَ اعْتِبارٌ يَعْتَبِرُهُ المُتَكَلِّمُ ويَفْهَمُهُ السّامِعُ فَلا يُنافِي التَّرْتِيبَ اللَّفْظِيَّ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ إنْكارِيٌّ كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿قُلْ نَعَمْ﴾“ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ ”﴿أئِذا مِتْنا﴾“ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِصَرْفِ قَصْدِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ إلى ظاهِرِ الِاسْتِفْهامِ فَجُعِلُوا كالسّائِلِينَ: أيُبْعَثُونَ ؟ فَقِيلَ لَهم: نَعَمْ، تَقْرِيرًا لِلْبَعْثِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ نَعَمْ تُبْعَثُونَ. وجِيءَ بِـ ”قُلْ“ غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعْمالِ في حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأنْتُمْ ”داخِرُونَ“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ. والدّاخِرُ: الصّاغِرُ الذَّلِيلُ، أيْ تُبْعَثُونَ بَعْثَ إهانَةٍ مُؤْذِنَةٍ بِتَرَقُّبِ العِقابِ لا بَعْثَ كَرامَةٍ.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ البَعْثِ الحاصِلِ بِقَوْلِهِ ”نَعَمْ“؛ أنَّ بَعْثَهم وشِيكُ الحُصُولِ لا يَقْتَضِي مُعالَجَةً ولا زَمَنًا إنْ هي إلّا إعادَةٌ تَنْتَظِرُ زَجْرَةً واحِدَةً.
صفحة ١٠٠
والزَّجْرَةُ: الصَّيْحَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢] .
و(واحِدَةٌ) تَأْكِيدٌ لِما تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفَعْلَةِ مِن مَعْنى المَرَّةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ الجِنْسَ دُونَ الوُجُودِ؛ لِأنَّ وزْنَ الفَعْلَةِ يَجِيءُ لِمَعْنى المَصْدَرِ دُونَ المَرَّةِ.
وضَمِيرُ ”هي“ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، وهو لا مُعادَ لَهُ، إنَّما تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾“ ودَلَّ فاءُ التَّفْرِيعِ عَلى تَعْقِيبِ المُفاجَأةِ، ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ حُصُولِ ذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] في سُورَةِ يس.
وكُنِيَ عَنِ الحَياةِ الكامِلَةِ الَّتِي لا دَهْشَ يُخالِطُها بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ ”يَنْظُرُونَ“ لِأنَّ النَّظَرَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ تَمامِ الحَياةِ.
وأُوثِرَ النَّظَرُ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الحَواسِّ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِالمَقامِ؛ وهو التَّعْرِيضُ بِما اعْتَراهم مِنَ البَهْتِ لِمُشادَّةِ الحَشْرِ.
الصافات 37:20
﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ قائِلِينَ يا ويْلَنا؛ أيْ يَقُولُ جَمِيعُهم: يا ويْلَنا، يَقُولُهُ كُلُّ أحَدٍ عَنْهُ وعَنْ أصْحابِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”يَنْظُرُونَ“، والمَعْنى: ونَظَرُوا وقالُوا.
والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ. وحَرْفُ النِّداءِ لِلِاهْتِمامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] في سُورَةِ يس.
والإشارَةُ إلى اليَوْمِ المُشاهَدِ. والدِّينُ: الجَزاءُ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
الصافات 37:21
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا كَلامًا مُوَجَّهًا إلَيْهِمْ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ
صفحة ١٠١
﴿يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠]، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ .
والفَصْلُ: تَمْيِيزُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والمُرادُ بِهِ الحُكْمُ والقَضاءُ، أيْ هَذا يَوْمٌ يُفْضِي عَلَيْكم بِما اسْتَحْقَقْتُمُوهُ مِنَ العِقابِ.
الصافات 37:22
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.
والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.
وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٢
وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.
وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.
والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ
صفحة ١٠٣
وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.
والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.
وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.
الصافات 37:23
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.
والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.
وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٢
وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.
وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.
والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ
صفحة ١٠٣
وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.
والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.
وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.
الصافات 37:24
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.
والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.
وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٢
وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.
وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.
والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ
صفحة ١٠٣
وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.
والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.
وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.
الصافات 37:25
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.
والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.
وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٢
وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.
وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.
والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ
صفحة ١٠٣
وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.
والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.
وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.
الصافات 37:26
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ تَخَلُّصٌ مِنَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحِلُّ بِهِمْ عَقِبَهُ إذا ثَبَتُوا عَلى شِرْكِهِمْ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ.
و(احْشُرُوا) أمْرٌ، وهو يَقْتَضِي آمِرًا، أيْ ناطِقًا بِهِ، فَهَذا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ لِظُهُورِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلتَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِمّا سَبَقَهُ، وحَذْفُ القَوْلِ مِن حَدِيثِ البَحْرِ، وظاهِرٌ أنَّهُ أمْرٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالنّاسِ يَوْمَ الحِسابِ.
والحَشْرُ: جَمْعُ المُتَفَرِّقِينَ إلى مَكانٍ واحِدٍ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا: المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والأزْواجُ ظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ بِهِ حَلائِلُهم وهو تَفْسِيرُ مُجاهِدٍ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وتَأْوِيلُهُ: أنَّهُنَّ الأزْواجُ المُوافِقاتُ لَهم في الإشْراكِ، أمّا مَن آمَنَ فَهُنَّ ناجِياتٌ مِن تَبِعاتِ أزْواجِهِنَّ، وهَذا كَذِكْرِ أزْواجِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] فَإنَّ المُرادَ أزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ فَأُطْلِقَ حَمْلًا عَلى المُقَيَّدِ في قَوْلِهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
وذِكْرُ الأزْواجِ إبْلاغٌ في الوَعِيدِ والإنْذارِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ النِّساءَ المُشْرِكاتِ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِنَّ.
وذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِهِنَّ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٠٢
وقِيلَ: الأزْواجُ: الأصْنافُ، أيْ: أشْياعُهم في الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ. قالَهُ قَتادَةُ وهو رِوايَةٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: الأزْواجُ المُقارَنُونَ لَهم مِنَ الشَّياطِينِ.
وضَمِيرُ (يَعْبُدُونَ) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾)، وماصْدَقُ (ما) غَيْرُ العُقَلاءِ، فَأمّا العُقَلاءُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فاهْدُوهم) عائِدٌ إلى (﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾)، أيِ: الأصْنامُ.
وعَطْفُ (فاهْدُوهم) بِفاءِ التَّعْقِيبِ إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ الأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ عَقِبَ ذَلِكَ الحَشْرِ فالأمْرُ بِالأصالَةِ في القُرْآنِ.
والهِدايَةُ والهَدْيُ: الدَّلالَةُ عَلى الطَّرِيقِ لِمَن لا يَعْرِفُهُ، فَهي إرْشادٌ إلى مَرْغُوبٍ، وقَدْ غَلَبَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَوْنَ المَهْدِيِّ راغِبًا في مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ مِن لَوازِمِ فِعْلِ الهِدايَةِ، ولِذَلِكَ تُقابَلُ بِالضَّلالَةِ وهي الحَيْرَةُ في الطَّرِيقِ، فَذَكَرَ (اهْدُوهم) هُنا تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرادَّةَ طَحُونا
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ، أيْ طَرِيقُ جَهَنَّمَ.
ومَعْنى (وقِفُوهم) أمْرٌ بِإيقافِهِمْ في ابْتِداءِ السَّيْرِ بِهِمْ، لِما أفادَهُ الأمْرُ مِنَ الفَوْرِ بِقَرِينَةِ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي عَطَفَتْهُ، أيِ احْبِسُوهم عَنِ السَّيْرِ قَلِيلًا لِيُسْألُوا سُؤالَ تَأْيِيسٍ وتَحْقِيرٍ وتَغْلِيظٍ، فَيُقالُ لَهم ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ ما لَكم لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَيَدْفَعُ عَنْهُ الشَّقاءَ الَّذِي هو فِيهِ، وأيْنَ تُناصُرُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَناصَرُونَ في الدُّنْيا وتَتَألَّبُونَ عَلى الرَّسُولِ وعَلى المُؤْمِنِينَ.
فالِاسْتِفْهامُ في ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الحَياةِ الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ (مَسْئُولُونَ) وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لِلتَّذْكِيرِ بِما يَسُوءُهم، فَظَهَرَ أنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ
صفحة ١٠٣
وإنَّما أُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ وهو التَّعْجِيبُ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ اخْتُصَّ بِكم، فَـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةُ مُبْتَدَأٌ و”لَكم“ خَبَرٌ عَنْهُ.
وجُمْلَةُ ”لا تَناصَرُونَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ وهي مَناطُ الِاسْتِفْهامِ، أيْ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ تَسْتَوْجِبُ التَّعَجُّبَ مِن عَدَمِ تَناصُرِكم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لا تَناصَرُونَ“ بِتَخْفِيفِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ. وقَرَأهُ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ عَلى إدْغامِ إحْدى التّاءَيْنِ في الأُخْرى.
والإضْرابُ المُسْتَفادُ مِن (بَلْ) إضْرابٌ لِإبْطالِ إمْكانِيَّةِ التَّناصُرِ بَيْنَهم، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَهَّمُهُ السَّمْعُ، فَلِذَلِكَ كانَ الإضْرابُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِنَ التَّعْجِيزِ.
والِاسْتِسْلامُ: الإسْلامُ القَوِيُّ، أيْ: إسْلامُ النَّفْسِ وتَرْكُ المُدافَعَةِ فَهو مُبالَغَةٌ في أسْلَمَ.
وذَكَرَ ”اليَوْمَ“ لِإظْهارِ النِّكايَةِ بِهِمْ، أيْ زالَ عَنْهم ما كانَ لَهم مِن تَناصُرٍ وتَطاوُلٍ عَلى المُسْلِمِينَ قَبْلَ اليَوْمِ، أيْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤]، وقَدْ قالَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، أيْ نَحْنُ جَماعَةٌ لا تُغْلَبُ، فَكانَ لِذِكْرِ اليَوْمِ وقْعٌ بَدِيعٌ في هَذا المَقامِ.
الصافات 37:27
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:28
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:29
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:30
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:31
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:32
﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ”مُسْتَسْلِمُونَ“ أيِ اسْتَسْلَمُوا وعادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِاللّائِمَةِ، والمُتَسائِلُونَ: المُتَقاوِلُونَ وهم زُعَماءُ أهْلِ الشِّرْكِ ودَهْماؤُهم كَما تُبَيِّنُهُ حِكايَةُ تَحاوُرِهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ وقَوْلِهِ ”فَأغْوَيْناكم“ إلَخْ.
صفحة ١٠٤
وعَبَّرَ عَنْ إقْبالِهِمْ بِصِيغَةِ المُضِيِّ وهو مِمّا سَيَقَعُ في القِيامَةِ، تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ لِذَلِكَ مَزِيدَ تَأْثِيرٍ في تَحْذِيرِ زُعَمائِهِمْ مِنَ التَّغْرِيرِ بِهِمْ، وتَحْذِيرِ دَهْمائِهِمْ مِنَ الِاعْتِزازِ بِتَغْرِيرِهِمْ، مَعَ أنَّ قَرِينَةَ الِاسْتِقْبالِ ظاهِرَةٌ مِنَ السِّياقِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ [الصافات: ١٩]“ الآيَةَ.
والإقْبالُ: المَجِيءُ مِن جِهَةٍ قِبَلَ الشَّيْءِ، أيْ مِن جِهَةِ وجْهِهِ وهو مَجِيءُ المُتَجاهِرِ بِمَجِيئِهِ غَيْرِ المُتَخَتِّلِ الخائِفِ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْقَصْدِ بِالكَلامِ والِاهْتِمامِ بِهِ كَأنَّهُ جاءَهُ مِن مَكانٍ آخَرَ.
فَحاصِلُ المَعْنى حِكايَةُ عِتابٍ ولَوْمٍ تَوَجَّهَ بِهِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا عَلى قادَتِهِمْ وزُعَمائِهِمْ، ودَلالَةُ التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ أُطْلِقُ عَلى الدَّعايَةِ والخَطابَةِ فِيهِمْ لِأنَّ الإتْيانَ يَتَضَمَّنُ القَصْدَ دُونَ إرادَةِ مَجِيءٍ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أتاكَ امْرِؤٌ مُسْتَبْطِنٌ لِي بِغَضَّةٍ
وقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِعْمالُهُ واسْتِعْمالُ مُرادِفِهِ وهو المَجِيءُ مَعًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٣] ﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٦٤] الآيَةُ في سُورَةِ الحِجْرِ.
أوْ أنْ يَكُونَ اليَمِينُ مُرادًا بِهِ جِهَةَ الخَيْرِ لِأنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الخَيْرَ إلى جِهَةِ اليَمِينِ. وقَدِ اشْتُقَّتْ مِنَ اليُمْنِ وهو البَرَكَةُ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِالفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ عِنْدَهم. وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ عَقائِدُهم في زَجْرِ الطَّيْرِ والوَحْشِ مِنَ التَّيَمُّنِ بِالسّانِحِ، وهو الوارِدُ مِن جِهَةِ يَمِينِ السّائِرِ، والتَّشاؤُمِ، أيْ تَرَقُّبِ وُرُودِ الشَّرِّ مِن جِهَةِ الشِّمالِ.
وكانَ حَقُّ فِعْلِ ”تَأْتُونَنا“ أنْ يُعَدّى إلى جِهَةِ اليَمِينِ بِحَرْفِ (مِن)، فَلَمّا عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَنِ) الَّذِي هو لِلْمُجازَةِ تَعَيَّنَ تَضْمِينُ ”تَأْتُونَنا“ مَعْنى ”تَصُدُّونَنا“ لِيُلائِمَ مَعْنى المُجاوَزَةِ، أيْ تَأْتُونَنا صادِّينَنا عَنِ اليَمِينِ، أيْ عَنِ الخَيْرِ. فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ وقَدِ اضْطَرَبَ كَثِيرٌ في تَفْسِيرِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما خُلاصَتُهُ: اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ ”عَنِ اليَمِينِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي هي تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى ولا تَخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَّفْظَةِ، وبَعْضُهم أيْضًا نَحا في تَفْسِيرِهِ إلى ما يَخُصُّ اللَّفْظَةَ فَتَحَصَّلَ مِن ذَلِكَ مَعانٍ مِنها: أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ القُوَّةَ والشِّدَّةَ ( قُلْتُ: وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والفَرّاءِ
صفحة ١٠٥
فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْرُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكم، ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكم وتُظْهِرُونَ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُّشْدِ، وهو عَنِ الزَّجّاجِ والجُبّائِيِّ، ومِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ تَقْطَعُونَ بِنا عَنْ أخْبارِ الخَيْرِ واليُمْنِ، فَعَبَّرُوا عَنْها بِاليَمِينِ، ومِنَ المَعانِي أنْ يُرِيدُوا: أنَّكم تَجِيئُونَ مِن جِهَةِ الشَّهَواتِ وعَدَمِ النَّظَرِ لِأنَّ جِهَةَ يَمِينِ الإنْسانِ فِيها كَبِدُهُ، وجِهَةَ شَمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وأنَّ نَظَرَ الإنْسانِ في قَلْبِهِ، وقِيلَ: تَحْلِفُونَ لَنا. اهـ.
وجَوابُ الزُّعَماءِ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إضْرابُ إبْطالٍ لِزَعْمِ الأتْباعِ أنَّهُمُ الَّذِينَ صَدُّوهم عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ، أيْ بَلْ هم لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَقْبَلُ الإيمانَ لِأنَّ تَسْلِيطَ النَّفْيِ عَلى فِعْلِ الكَوْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، مُشْعِرٌ بِأنَّ الإيمانَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ، أيْ بَلْ كُنْتُمْ أنْتُمُ الآبِينَ قَبُولَ الإيمانِ. ﴿وما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ مِن قَهْرٍ وغَلَبَةٍ حَتّى نُكْرِهَكم عَلى رَفْضِ الإيمانِ، ولِذَلِكَ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾، أيْ كانَ الطُّغْيانُ، وهو التَّكَبُّرُ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رَجُلٍ مِنكم، شَأْنَكم وسَجِيَّتَكم، فَلِذَلِكَ أقْحَمُوا لَفْظَ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كانَ“ وخَبَرِها لِأنَّ اسْتِحْضارَهم بِعُنْوانِ القَوْمِيَّةِ في الطُّغْيانِ يُؤْذِنُ بِأنَّ الطُّغْيانَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفَرَّعُوا عَلى كَلامِهِمُ اعْتِرافَهَمْ بِأنَّهم جَمِيعًا اسْتَحَقُّوا العَذابَ، فَقَوْلُهم ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾، تَفْرِيعُ الِاعْتِراضِ، أيْ كانَ أمْرُ رَبِّنا بِإذاقَتِنا عَذابَ جَهَنَّمَ حَقًّا. وفِعْلُ (حَقَّ) بِمَعْنى ثَبَتَ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾“ بَيانٌ لِ ”﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾“ .
وحُكِيَ القَوْلُ بِالمَعْنى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ولَوْلا الِالتِفاتُ لَقالَ: ”إنَّكم لَذائِقُونَ“ أوْ إنَّهم ”لَذائِقُونَ“ .
ونُكْتَةُ الِالتِفاتِ زِيادَةُ التَّنْصِيصِ عَلى المَعْنِيِّ بِذَوْقِ العَذابِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ذائِقُونَ“ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ وهو الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] .
صفحة ١٠٦
وفَرَّعُوا عَلى مَضْمُونِ رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إلى ﴿قَوْمًا طاغِينَ﴾ قَوْلَهم فَأغْوَيْناكم، أيْ ما أكْرَهْناكم عَلى الشِّرْكِ ولَكِنّا وجَدْناكم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ وراغِبِينَ فِيهِ فَأغْوَيْناكم، أيْ فَأيَّدْناكم في غَوايَتِكم إنّا كُنّا غاوِينَ، فَسَوَّلْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ”﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾“ مَوْقِعُ العِلَّةِ.
و(إنَّ) مُغْنِيَةٌ غَناءَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ كَما ذَكَرْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وزِيادَةُ ”كُنّا“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الغَوايَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، وقَدِ اسْتَبانَ لَهم أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ غَوايَةٌ فَأقَرُّوا بِها، وقَدْ قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] أنَّ تَساؤُلَهُمُ المَنفِيَّ هُنالِكَ هو طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ النَّجْدَةَ والنُّصْرَةَ، وأنَّ تَساؤُلَهم هُنا تَساؤُلٌ عَنْ أسْبابِ ورْطَتِهِمْ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
الصافات 37:33
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ هَذا الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ حِكايَةِ حِوارِ اللَّهِ أهْلَ الشِّرْكِ في القِيامَةِ وبَيْنَ تَوْبِيخِ اللَّهِ إيّاهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] .
والفاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِأنَّها ورَدَتْ بَعْدَ تَقْرِيرِ أحْوالٍ، وكانَ ما بَعْدَ الفاءِ نَتِيجَةً لِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكانَتِ الفاءُ مُفْصِحَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا كانَ حالُهم كَما سَمِعْتُمْ فَإنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ لِاشْتِراكِهِمْ في الشِّرْكِ وتَمالُئِهِمْ، أيْ لا عُذْرَ لِلْكَلامِ لِلْفَرِيقَيْنِ لا لِلزُّعَماءِ بِتَسْوِيلِهِمْ ولا لِلدَّهْماءِ بِنَصْرِهِمْ. وقَدْ يَكُونُ عَذابُ الدُّعاةِ المُغْوِينَ أشَدَّ مِن عَذابِ الآخَرِينَ، وذَلِكَ لا يُنافِي الإشْراكَ في جِنْسِ العَذابِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أُخْرى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا بَيانُ عَدَمِ إجْداءِ مَعْذِرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ وتَنَصُّلِهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ حِكايَةِ مَوْقِفِهِمْ في الحِسابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّهم يَوْمئِذٍ في
صفحة ١٠٧
العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ فَإنَّ جَزاءَ المُجْرِمِينَ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ في مُؤاخَذَةِ التّابِعِ المَتْبُوعِ.
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ، أيِ المُجْرِمِينَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
الصافات 37:34
﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ هَذا الكَلامُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ حِكايَةِ حِوارِ اللَّهِ أهْلَ الشِّرْكِ في القِيامَةِ وبَيْنَ تَوْبِيخِ اللَّهِ إيّاهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ [الصافات: ٣٨] .
والفاءُ لِلْفَصِيحَةِ لِأنَّها ورَدَتْ بَعْدَ تَقْرِيرِ أحْوالٍ، وكانَ ما بَعْدَ الفاءِ نَتِيجَةً لِتِلْكَ الأحْوالِ، فَكانَتِ الفاءُ مُفْصِحَةً عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا كانَ حالُهم كَما سَمِعْتُمْ فَإنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ لِاشْتِراكِهِمْ في الشِّرْكِ وتَمالُئِهِمْ، أيْ لا عُذْرَ لِلْكَلامِ لِلْفَرِيقَيْنِ لا لِلزُّعَماءِ بِتَسْوِيلِهِمْ ولا لِلدَّهْماءِ بِنَصْرِهِمْ. وقَدْ يَكُونُ عَذابُ الدُّعاةِ المُغْوِينَ أشَدَّ مِن عَذابِ الآخَرِينَ، وذَلِكَ لا يُنافِي الإشْراكَ في جِنْسِ العَذابِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أُخْرى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا بَيانُ عَدَمِ إجْداءِ مَعْذِرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ وتَنَصُّلِهِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمَلِ حِكايَةِ مَوْقِفِهِمْ في الحِسابِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّهم يَوْمئِذٍ في
صفحة ١٠٧
العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أيْ فَإنَّ جَزاءَ المُجْرِمِينَ يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ في مُؤاخَذَةِ التّابِعِ المَتْبُوعِ.
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ: المُشْرِكُونَ، أيِ المُجْرِمِينَ مِثْلَ جُرْمِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
الصافات 37:35
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أفادَ تَعْلِيلَ جَزائِهِمْ وبَيانَ إجْرامِهِمْ بِذِكْرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، ومِن وصْفِ الرَّسُولِ ﷺ بِما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ وصْفًا يَرْمُونَ بِهِ إلى تَكْذِيبِهِ فِيما جاءَ بِهِ. فَحَرْفُ (إنَّ) هُنا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ مِمّا لا مُنازِعَ فِيهِ، وإنَّما هو لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَلِذَلِكَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ وتُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ.
وذُكِرَ فِعَلُ الكَوْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ وصْفٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، فَهو غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا هم حائِدُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى ﴿قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أنَّهُ يُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الدَّعْوَةِ والتَّعْلِيمِ.
وفاعِلُ القَوْلِ المَبْنِيُّ فِعْلُهُ لِلنّائِبِ هو النَّبِيُّ ﷺ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
والِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ يَتَعاظَمُونَ عَنْ أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِن رَجُلٍ مِثْلِهِمْ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ والتّاءَ لِلطَّلَبِ، أيْ إظْهارِ التَّكَبُّرِ، أيْ يَبْدُو عَلَيْهِمُ التَّكَبُّرُ والِاشْمِئْزازُ مِن هَذا القَوْلِ.
ويُقارِنُ اسْتِكْبارَهم أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَتْرُكُ آلِهَتَنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ، وأتَوْا بِالنَّفْيِ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إظْهارًا لِكَوْنِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أمْرًا مُنْكَرًا لا يَطْمَعُ في قَبُولِهِمْ إيّاهُ، تَحْذِيرًا لِمَن يَسْمَعُ مَقالَتَهم مِن أنْ يَجُولَ في خاطِرِهِ تَأمُّلٌ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . وقَوَّوْا هَذا التَّحْذِيرَ بِجَعْلِ حَرْفِ الإنْكارِ مُسَلَّطًا عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم إذا أتَوْا ما أنْكَرُوهُ كانُوا قَدْ تَحَقَّقَ تَرْكُهم آلِهَتَهِمْ تَنْزِيلًا لِبَعْضِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ
صفحة ١٠٨
الإيمانَ بِتَوْحِيدِ الإلَهِ يُفْضِي إلى تَرْكِ آلِهَتِهِمْ لِيَسُدُّوا عَلى المُخاطَبِينَ مَنافِذَ التَّرَدُّدِ أنْ يَتَطَرَّقَ مِنها إلى خَواطِرِهِمْ.
واللّامُ في ”لِشاعِرٍ“ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ، أيْ لِأجْلِ شاعِرٍ، أيْ لِأجْلِ دَعْوَتِهِ.
وقَوْلُهم ”﴿شاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾“ قَوْلٌ مُوَزَّعٌ، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم: هو شاعِرٌ، وبَعْضُهم: هو مَجْنُونٌ، أوْ يَقُولُونَ مَرَّةً: شاعِرٌ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] .
الصافات 37:36
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿ويَقُولُونَ أئِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أفادَ تَعْلِيلَ جَزائِهِمْ وبَيانَ إجْرامِهِمْ بِذِكْرِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ عَنِ الِاعْتِرافِ بِالوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ، ومِن وصْفِ الرَّسُولِ ﷺ بِما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ وصْفًا يَرْمُونَ بِهِ إلى تَكْذِيبِهِ فِيما جاءَ بِهِ. فَحَرْفُ (إنَّ) هُنا لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ مِمّا لا مُنازِعَ فِيهِ، وإنَّما هو لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَلِذَلِكَ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ وتُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ.
وذُكِرَ فِعَلُ الكَوْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ وصْفٌ مُتَمَكِّنٌ مِنهم، فَهو غَيْرُ مُنْقَطِعٍ ولا هم حائِدُونَ عَنْهُ.
ومَعْنى ﴿قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ أنَّهُ يُقالُ لَهم عَلى سَبِيلِ الدَّعْوَةِ والتَّعْلِيمِ.
وفاعِلُ القَوْلِ المَبْنِيُّ فِعْلُهُ لِلنّائِبِ هو النَّبِيُّ ﷺ فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ.
والِاسْتِكْبارُ: شِدَّةُ الكِبْرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ يَتَعاظَمُونَ عَنْ أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِن رَجُلٍ مِثْلِهِمْ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ السِّينَ والتّاءَ لِلطَّلَبِ، أيْ إظْهارِ التَّكَبُّرِ، أيْ يَبْدُو عَلَيْهِمُ التَّكَبُّرُ والِاشْمِئْزازُ مِن هَذا القَوْلِ.
ويُقارِنُ اسْتِكْبارَهم أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَتْرُكُ آلِهَتَنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ، وأتَوْا بِالنَّفْيِ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ إظْهارًا لِكَوْنِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ أمْرًا مُنْكَرًا لا يَطْمَعُ في قَبُولِهِمْ إيّاهُ، تَحْذِيرًا لِمَن يَسْمَعُ مَقالَتَهم مِن أنْ يَجُولَ في خاطِرِهِ تَأمُّلٌ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ . وقَوَّوْا هَذا التَّحْذِيرَ بِجَعْلِ حَرْفِ الإنْكارِ مُسَلَّطًا عَلى الجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم إذا أتَوْا ما أنْكَرُوهُ كانُوا قَدْ تَحَقَّقَ تَرْكُهم آلِهَتَهِمْ تَنْزِيلًا لِبَعْضِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ
صفحة ١٠٨
الإيمانَ بِتَوْحِيدِ الإلَهِ يُفْضِي إلى تَرْكِ آلِهَتِهِمْ لِيَسُدُّوا عَلى المُخاطَبِينَ مَنافِذَ التَّرَدُّدِ أنْ يَتَطَرَّقَ مِنها إلى خَواطِرِهِمْ.
واللّامُ في ”لِشاعِرٍ“ لامُ العِلَّةِ والأجْلِ، أيْ لِأجْلِ شاعِرٍ، أيْ لِأجْلِ دَعْوَتِهِ.
وقَوْلُهم ”﴿شاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾“ قَوْلٌ مُوَزَّعٌ، أيْ يَقُولُ بَعْضُهم: هو شاعِرٌ، وبَعْضُهم: هو مَجْنُونٌ، أوْ يَقُولُونَ مَرَّةً: شاعِرٌ، ومَرَّةً: مَجْنُونٌ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] .
الصافات 37:37
﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ اعْتِراضٌ في آخِرِ الِاعْتِراضِ قُصِدَتْ مِنهُ المُبادَرَةُ بِتَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَمّا قالُوهُ.
و(بَلْ) إضْرابُ إبْطالٍ لِقَوْلِهِمْ ”﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٦]“ وبِإثْباتِ صِفَتِهِ الحَقِّ لِبَيانِ حَقِيقَةِ ما جاءَ بِهِ. وفي وصْفِ ما جاءَ بِهِ أنَهُ الحَقُّ ما يَكْفِي لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ شاعِرًا ومَجْنُونًا، فَإنَّ المُشْرِكِينَ ما أرادُوا بِوَصْفِهِ بِشاعِرٍ أوْ مَجْنُونٍ إلّا التَّنْفِيرَ مِنَ اتِّباعِهِ فَمَثَّلُوهُ بِالشّاعِرِ مِن قَبِيلَةٍ يَهْجُو أعْداءَ قَبِيلَتِهِ، أوْ بِالمَجْنُونِ يَقُولُ ما لا يَقُولُهُ عُقَلاءُ قَوْمِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾ مُثْبِتًا لِكَوْنِ الرَّسُولِ عَلى غَيْرِ ما وصَفُوهُ إثْباتًا بِالبَيِّنَةِ.
وأتْبَعَ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهُ ما جاءَ إلّا بِمِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، فَكانَ الإنْصافُ أنْ يُلْحِقُوهُ بِالفَرِيقِ الَّذِي شابَهَهم دُونَ فَرِيقِ الشُّعَراءِ أوِ المَجانِينِ.
وتَصْدِيقُ المُرْسَلِينَ يَجْمَعُ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ إجْمالًا وتَفْصِيلًا؛ لِأنَّ ما جاءَ بِهِ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ تَقْرِيرًا لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرائِعُ السّالِفَةُ، فَهو تَصْدِيقٌ لَهُ ومُصادَقَةٌ عَلَيْهِ، أوْ أنْ يَكُونَ نَسْخًا لِما جاءَتْ بِهِ بَعْضُ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ، والإنْباءُ بِنَسْخِهِ وانْتِهاءِ العَمَلِ بِهِ تَصْدِيقٌ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ في حِينِ مَجِيئِهِمْ بِهِ، فَكُلُّ هَذا مِمّا شَمِلَهُ مَعْنى التَّصْدِيقِ، وأوَّلُ ذَلِكَ هو إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى. فالمَعْنى: أنَّ ما دَعاكم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ قَدْ دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ، وهَذا احْتِجاجٌ بِالنَّقْلِ عَقِبَ الِاحْتِجاجِ بِأدِلَّةِ النَّظَرِ.
الصافات 37:38
صفحة ١٠٩
﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ المُوَجَّهِ إلى المُشْرِكِينَ عَقِبَ تَساؤُلِهِمْ وتَحاوُرِهِمْ فَيَكُونُ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ مُحاوَرَتِهِمُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] اعْتِراضًا، أيْ فَلَمّا انْتَهَوْا مِن تَحاوُرِهِمْ خُوطِبُوا بِما يَقْطَعُ طَمَعَهم في قَبُولِ تَنَصُّلِ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِن تَبِعاتِ الفَرِيقِ الآخَرِ لِيَزْدادُوا تَحَقُّقًا مِنَ العَذابِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ لَذائِقُوا العَذابِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ، أيْ حالِ التَّلَبُّسِ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهم هَذا كانُوا مُشْرِفِينَ عَلى الوُقُوعِ في العَذابِ وذَلِكَ زَمَنُ حالٍ في العُرْفِ العَرَبِيِّ.
ولَمّا وصَفَ عَذابَهم بِأنَّهُ ألِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إخْبارَهم بِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ لا حَيْفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأنَّهُ عَلى وِفاقِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا مِن آثارِ الشِّرْكِ، والحَظُّ الأكْبَرُ مِن ذَلِكَ الجَزاءِ هو حَظُّ الشِّرْكِ ولَكِنْ كُنِّيَ عَنِ الشِّرْكِ بِأعْمالِهِ، وأمّا هو فَهو أمْرٌ اعْتِقادِيٌّ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُجازُونَ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ كَتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ والدُّعاءِ لَها، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وأذاهُ وأذى المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِمْ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وفي المَلائِكَةِ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، ومِن قَتْلِ الأنْفُسِ والغارَةِ عَلى الأمْوالِ ووَأْدِ البَناتِ والزِّنى، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا، وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ.
الصافات 37:39
صفحة ١٠٩
﴿إنَّكم لَذائِقُواْ العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ المُوَجَّهِ إلى المُشْرِكِينَ عَقِبَ تَساؤُلِهِمْ وتَحاوُرِهِمْ فَيَكُونُ ما بَيْنَ هَذا وبَيْنَ مُحاوَرَتِهِمُ المُنْتَهِيَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] اعْتِراضًا، أيْ فَلَمّا انْتَهَوْا مِن تَحاوُرِهِمْ خُوطِبُوا بِما يَقْطَعُ طَمَعَهم في قَبُولِ تَنَصُّلِ كِلا الفَرِيقَيْنِ مِن تَبِعاتِ الفَرِيقِ الآخَرِ لِيَزْدادُوا تَحَقُّقًا مِنَ العَذابِ الَّذِي عَلِمُوهُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ دَلالَةُ اسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ لَذائِقُوا العَذابِ لِأنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ، أيْ حالِ التَّلَبُّسِ، فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهم هَذا كانُوا مُشْرِفِينَ عَلى الوُقُوعِ في العَذابِ وذَلِكَ زَمَنُ حالٍ في العُرْفِ العَرَبِيِّ.
ولَمّا وصَفَ عَذابَهم بِأنَّهُ ألِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ إخْبارَهم بِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ لا حَيْفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ لِأنَّهُ عَلى وِفاقِ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا مِن آثارِ الشِّرْكِ، والحَظُّ الأكْبَرُ مِن ذَلِكَ الجَزاءِ هو حَظُّ الشِّرْكِ ولَكِنْ كُنِّيَ عَنِ الشِّرْكِ بِأعْمالِهِ، وأمّا هو فَهو أمْرٌ اعْتِقادِيٌّ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُجازُونَ عَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ كَتَمْجِيدِ آلِهَتِهِمْ والدُّعاءِ لَها، وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وأذاهُ وأذى المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِمْ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، وفي المَلائِكَةِ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، ومِن قَتْلِ الأنْفُسِ والغارَةِ عَلى الأمْوالِ ووَأْدِ البَناتِ والزِّنى، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا يَزِيدُهم عَذابًا، وهو يُؤَيِّدُ قَوْلَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ.
الصافات 37:40
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:41
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:42
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:43
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:44
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:45
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:46
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:47
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:48
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:49
صفحة ١١٠
﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ في مَعْنى الِاسْتِدْراكِ، والِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِما يُضادُّهُ، وهَذا الِاسْتِدْراكُ تَعْقِيبٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات: ٣٣] فَإنَّ حالَ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ تامُّ الضِّدَّيَّةِ لِحالِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، ولَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ أنْ يَكُونَ رَفْعَ تَوَهُّمٍ، وإنَّما ذَلِكَ غالِبٌ، فَقَوْلُ بَعْضِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِهِ هو: تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، تَعْرِيفٌ أغْلَبِيٌّ، أوْ أُرِيدَ أدْنى التَّوَهُّمِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، فَقَدْ يَكُونُ إخْراجًا مِن حُكْمٍ لا مِن مَحْكُومٍ عَلَيْهِ ضَرُورَةً أنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ حَرْفَ الِاسْتِثْناءِ في المُنْقَطِعِ قائِمٌ مَقامَ لَكِنْ؛ ولِذَلِكَ يَقْتَصِرُونَ عَلى ذِكْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ والمُسْتَثْنى بَلْ يُرْدِفُونَهُ بِجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ مَحَلَّ الِاسْتِدْراكِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] وقَوْلِهِ ”﴿إلّا إبْلِيسَ أبى﴾ [البقرة: ٣٤]“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ . ولَوْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِثْناءِ لَما أتْبَعَ المُسْتَثْنى بِإخْبارٍ عَنْهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُثْبِتُ لَهُ نَقِيضَ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُفادُ (إلّا)، ونَظِيرُهُ مَعَ (لَكِنِ) قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠] الآيَةُ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ المُضافَةِ لِلَّهِ تَعالى تَنْوِيهٌ بِهِمْ وتَقْرِيبٌ، وذَلِكَ اصْطِلاحٌ غالِبٌ في القُرْآنِ في إطْلاقِ العَبْدِ والعِبادِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] . . ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] . . ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨]، ورُبَّما أُطْلِقَ العَبْدُ غَيْرَ مُضافٍ مُرادًا بِهِ التَّقْرِيبَ أيْضًا كَقَوْلِهِ ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ [ص: ٣٠]، أيِ العَبْدُ لِلَّهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا أُرِيدَ ذِكْرُ قَوْمٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْتَ بِلَفْظِ العِبادِ مُضافًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] إلّا
صفحة ١١١
بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّوْبِيخِ في قَوْلِهِ ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ﴾ [الفرقان: ١٧] لِأنَّ صِفَةَ الإضْلالِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لِلتَّقْرِيبِ، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَقَرِينَةُ التَّغْلِيبِ هي مَناطُ اسْتِثْناءِ الغاوِينَ مِن قَوْلِهِ ”عِبادِي“ . ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
ومِمّا زادَنِي شَرَفًا وفَخْرًا وكِدْتُ بِأخْمُصِي أطَأُ الثُّرَيّا
دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ (﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]) ∗∗∗ وأنْ أرْسَلْتَ أحْمَدَ لِي نَبِيّا
والمُرادُ بِهِمْ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وقالُوا فِيهِ ما هو مِنهُ بَرِيءٌ خُطُورَ الضِّدِّ بِذِكْرِ ضِدِّهِ.
و”المُخْلَصِينَ“ صِفَةُ عِبادِ اللَّهِ، وهو بِفَتْحِ اللّامِ إذا أُرِيدَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِوِلايَتِهِ، وبِكَسْرِها أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ. فَقَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ.
و”أُولَئِكَ“ إشارَةٌ إلى ”عِبادَ اللَّهِ“ قَصَدَ مِنهُ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مِمّا أُثْبِتَ لَهم مِن صِفَةِ الإخْلاصِ كَما ذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإشارَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرِّزْقُ: الطَّعامُ، قالَ تَعالى ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، وقالَ ﴿لا يَأْتِيَكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ [يوسف: ٣٧] . والمَعْلُومُ: الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْ مِيعادِهِ ولا يَنْتَظِرُهُ أهْلُهُ.
و”فَواكِهُ“ عَطْفُ بَيانٍ مِن ”رِزْقٌ“، والمَعْنى: أنَّ طَعامَهم كُلَّهُ مِنَ الأطْعِمَةِ الَّتِي يُتَفَكَّهُ بِها لا مِمّا يُؤْكَلُ لِأجْلِ الشِّبَعِ. والفَواكِهُ: الثِّمارُ والبُقُولُ اللَّذِيذَةُ.
و”هم مُكْرَمُونَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ يُعامَلُونَ بِالحَفاوَةِ والبَهْجَةِ، فَإنَّهُ وسَّطَ في أثْناءِ وصْفِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الجِسْمانِيِّ أنَّ لَهم نَعِيمَ الكَرامَةِ وهو أهَمُّ لِأنَّ بِهِ انْتِعاشَ النَّفْسِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن خُلُوصِ النِّعْمَةِ مِمَّنْ يُكَدِّرُها
صفحة ١١٢
وذَلِكَ لِأنَّ الإحْسانَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَدْحٍ وتَعْظِيمٍ ولا بِأذًى وهو الغالِبُ، وقَدْ يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِأذًى وذَلِكَ يُكَدِّرُ مِن صَفْوِهُ، قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَإذا كانَ الإحْسانُ مَعَ عِباراتِ الكَرامَةِ وحُسْنِ التَّلَقِّي فَذَلِكَ الثَّوابُ.
وسُرُرٌ: جَمْعُ سَرِيرٍ وهو كَكُرْسِيٍّ واسِعٍ يُمْكِنُ الِاضْطِجاعُ عَلَيْهِ، وكانَ الجُلُوسُ عَلى السَّرِيرِ مِن شِعارِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، وذَلِكَ جُلُوسُ أهْلِ النَّعِيمِ لِأنَّ الجالِسَ عَلى السَّرِيرِ لا يَجِدُ مَلَلًا لِأنَّهُ يُغَيِّرُ جِلْسَتَهُ كَيْفَ تَتَيَسَّرُ لَهُ.
و”مُتَقابِلِينَ“ كُلُّ واحِدٍ قُبالَةَ الآخَرِ. وهَذا أتَمُّ لِلْأُنْسِ لِأنَّ فِيهِ أُنْسَ الِاجْتِماعِ وأُنْسَ نَظَرِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، فَإنَّ رُؤْيَةَ الحَبِيبِ والصَّدِيقِ تُؤْنِسُ النَّفْسَ.
والظّاهِرُ: أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ مُتَقابِلِينَ تَقابُلَ أفْرادٍ، كُلُّ جَماعَةٍ مَعَ أصْحابِهِمْ، وأنَّهم جَماعاتٌ عَلى حَسَبِ تَراتِيبِهِمْ في طَبَقاتِ الجَنَّةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ طَبَقَةٍ يُقَسَّمُونَ جَماعاتٍ عَلى حَسَبِ قَرابَتِهِمْ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] وكَثْرَةُ كُلِّ جَماعَةٍ لا تُنافِي تَقابُلَهم عَلى السُّرُرِ والأرائِكِ وتَحادُثَهم لِأنَّ شُئُونَ ذَلِكَ العالَمِ غَيْرُ جارِيَةٍ عَلى المُتَعارَفِ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ”يُطافُ“ يُدارُ عَلَيْهِمْ وهم في مَجالِسِهِمْ. والكَأْسُ (بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ): إناءُ الخَمْرِ، مُؤَنَّثٌ، وهي إناءٌ بِلا عُرْوَةٍ ولا أُنْبُوبٍ واسِعَةُ الفَمِ، أيْ مَحَلُّ الصَّبِّ مِنها، تَكُونُ مِن فِضَّةٍ ومِن ذَهَبٍ ومِن خَزَفٍ ومِن زُجاجٍ، وتُسَمّى قَدَحًا وهو مُذَكَّرٌ. وجَمْعُ كَأْسٍ: كاساتٌ وكُئُوسٌ وأكْؤُسٌ. وكانَتْ خاصَّةً بِسَقْيِ الخَمْرِ حَتّى كانَتِ الكَأْسُ مِن أسْماءِ الخَمْرِ تَسْمِيَةً بِاسْمِ المَحَلِّ، وجَعَلُوا مِنهُ قَوْلَ الأعْشى:
وكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ ∗∗∗ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها
وقَدْ قِيلَ لا يُسَمّى ذَلِكَ الإناءُ كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ فِيهِ الخَمْرُ وإلّا فَهو قَدَحٌ.
والمَعْنِيُّ بِها في الآيَةِ الخَمْرُ لِأنَّهُ أفْرَدَ الكَأْسَ مَعَ أنَّ المَطُوفَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُونَ، ولِأنَّها وُصِفَتْ بِأنَّها مِن مَعِينٍ. ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ إنَّما عُنِيَ بِها الخَمْرُ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ الأخْفَشُ.
صفحة ١١٣
و”مَعِينٍ“ بِفَتْحِ المِيمِ، قِيلَ أصْلُهُ: مَعْيُونٍ. فَقِيلَ: مِيمُهُ أصْلِيَّةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن مَعْنٍ يُقالُ: ماءُ مَعْنٍ، فَيَكُونُ ”مَعِينٍ“ بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثالُ مُبالَغَةٍ مِنَ المَعْنِ وهو الإبْعادُ في الفِعْلِ، شَبَّهَ جَرْيَهُ بِالإبْعادِ في المَشْيِ، وهَذا أظْهَرُ في الِاشْتِقاقِ. وقِيلَ: مِيمُهُ زائِدَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن عانَهُ، إذا أبْصَرَهُ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ في سَيَلانِهِ فَوَزْنُهُ مَفْعُولٌ، وأصْلُهُ مَعْيُونٌ فَهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو اسْمُ العَيْنِ، ولَيْسَ فِعْلُ عانَ مُسْتَعْمَلًا، اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِفِعْلِ عايَنَ.
و”بَيْضاءَ“ صِفَةٌ لِـ ”كَأْسٍ“ . وإذْ قَدْ أُرِيدَ بِالكَأْسِ الخَمْرُ الَّذِي فِيها كانَ وصْفُ ”بَيْضاءَ“ لِلْخَمْرِ. وإنَّما جَرى تَأْنِيثُ الوَصْفِ تَبَعًا لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الخَمْرِ بِكَلِمَةِ كَأْسٍ، عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وتَأْنِيثُها أكْثَرُ. رَوى مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَوْنُها مُشْرِقٌ حَسَنٌ فَهي لا كَخَمْرِ الدُّنْيا في مَنظَرِها الرَّدِيءِ مِن حُمْرَةٍ أوْ سَوادٍ.
واللَّذَّةُ: اسْمٌ مَعْناهُ إدْراكٌ مَلائِمٌ نَفْسَ المُدْرِكِ، يُقالُ: لَذَّهُ ولَذَّ بِهِ، والمَصْدَرُ: اللَّذَّةُ واللَّذاذَةُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ، تَقُولُ: لَذَّذْتُ بِالشَّيْءِ، ويُقالُ: شَيْءٌ لَذٌّ، أيْ لَذِيذٍ، فَهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ، فَإذا جاءَ بِهاءِ التَّأْنِيثِ كَما في الآيَةِ فَهو الِاسْمُ لا مَحالَةَ لِأنَّ المَصْدَرَ الوَصْفَ لا يُؤَنَّثُ بِتَأْنِيثِ مَوْصُوفِهِ، يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلٌ ولا يُقالُ: امْرَأةٌ عَدْلَةٌ. ووَصْفُ الكَأْسِ بِها كالوَصْفِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ المُبالِغَةَ في تَمَكُّنِ الوَصْفِ، فَقَوْلُهُ تَعالى ”لَذَّةٍ“ هو أقْصى مِمّا يُؤَدِّي شِدَّةَ الِالتِذاذِ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنِ الوَصْفِ الأصْلِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وعَدَلَ عَنِ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ لِما في المَصْدَرِ مِن مَعْنى الِاشْتِقاقِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ صِفَةٌ رابِعَةٌ لِكَأْسٍ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى الخَمْرِ.
والغَوْلُ، بِفَتْحِ الغَيْنِ: ما يَعْتَرِي شارِبَ الخَمْرِ مِنَ الصُّداعِ والألَمِ، اشْتُقَّ مِنَ الغَوْلِ مَصْدَرِ غالَهُ، إذا أهْلَكَهُ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ [الواقعة: ١٩] .
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيْ هو مُنْتَفٍ عَنْ خَمْرِ الجَنَّةِ فَقَطْ دُونَ ما يُعْرَفُ مِن خَمْرِ الدُّنْيا، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ووُقُوعُ ”غَوْلٌ“
صفحة ١١٤
وهُوَ نَكِرَةٌ بَعْدَ ”لا“ النّافِيَةِ أفادَ انْتِفاءَ هَذا الجِنْسِ مِن أصْلِهِ، ووَجَبَ رَفْعُهُ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَرْفِ النَّفْيِ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ عَلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، والمُسْنَدُ فِعْلٌ، لِيُفِيدَ التَّقْدِيمُ تَخْصِيصَ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ، أيْ بِخِلافِ شارِبِي الخَمْرِ مِن أهْلِ الدُّنْيا.
و”يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، يُقالُ: نُزِفَ الشّارِبُ، بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ إذا كانَ مُجَرَّدًا (ولا يُبْنى لِلْمَعْلُومِ) فَهو مَنزُوفٌ ونَزِيفٌ، شَبَّهُوا عَقْلَ الشّارِبِ بِالدَّمِ، يُقالُ: نُزِفَ دَمُ الجَرِيحِ، أيْ أُفْرِغَ. وأصْلُهُ مِن: نَزَفَ الرَّجُلُ ماءَ البِئْرِ مُتَعَدِّيًا، إذا نَزَحَهُ ولَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ مِن أُنْزِفَ الشّارِبُ، إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ صارَ ذا نَزْفٍ، فالهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ لا لِلتَّعْدِيَةِ.
و﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ حابِساتُ أنْظارِهِنَّ حَياءً وغُنْجًا. والطَّرَفُ: العَيْنُ، وهو مُفْرَدٌ لا جَمْعَ لَهُ مِن لَفْظِهِ لِأنَّ أصْلَ الطَّرَفِ مَصْدَرُ: طَرَفَ بِعَيْنِهِ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا حَرَّكَ جَفْنَيْهِ، فَسُمِّيَتِ العَيْنُ طَرْفًا، فالطَّرْفُ هُنا الأعْيُنُ، أيْ قاصِراتُ الأعْيُنِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣] في سُورَةِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِ ﴿قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وذُكِرَ (عِنْدَ) لِإفادَةِ أنَّهُنَّ مُلابِساتٌ لَهم في مَجالِسِهِمُ الَّتِي تُدارُ عَلَيْهِمْ فِيها كَأْسُ الجَنَّةِ، وكانَ حُضُورُ الجَوارِي مَجالِسَ الشَّرابِ مِن مُكَمِّلاتِ الأُنْسِ والطَّرَبِ عِنْدَ سادَةِ العَرَبِ، قالَ طَرْفَةُ:
نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ ∗∗∗ تَرُوحُ عَلَيْنا بَيْنَ بَرْدٍ ومِجْسَدِ
و”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ، وهي المَرْأةُ الواسِعَةُ العَيْنِ النَّجْلاوَتُها.
والبَيْضُ المَكْنُونُ: هو بَيْضُ النَّعامِ، والنَّعامُ يُكِنُّ بَيْضَهُ في حُفَرٍ في الرَّمْلِ ويَفْرِشُ لَها مِن دَقِيقِ رِيشِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الحُفَرُ: الأُداحِيَّ، واحِدَتُها أُدْحِيَّةٌ بِوَزْنِ أُثْفِيَّةٍ. فَيَكُونُ البَيْضُ شَدِيدَ لَمَعانِ اللَّوْنِ وهو أبْيَضُ مَشُوبٌ بَياضُهُ بِصُفْرَةٍ
صفحة ١١٥
وذَلِكَ اللَّوْنُ أحْسَنُ ألْوانِ النِّساءِ، وقَدِيمًا شَبَّهُوا الحِسانَ بِبَيْضِ النَّعامِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعَتْ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ
الصافات 37:50
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:51
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:52
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:53
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:54
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:55
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:56
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:57
”﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَدِينُونَ﴾ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَءاهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾“ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ لِأنَّ شَأْنَ المُتَجالِسِينَ في مَسَرَّةٍ أنْ يَشْرَعُوا في الحَدِيثِ فَإنَّ في الحَدِيثِ مَعَ الأصْحابِ والمُنْتَدِمِينَ لَذَّةً كَما قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:
وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا أحادِيثُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ
فَإذا اسْتَشْعَرُوا أنَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ النَّعِيمِ كانَ جَزاءً عَلى ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ، تَذَكَّرَ بَعْضُهم مَن كانَ يُجادِلُهُ في ثُبُوتِ البَعْثِ والجَزاءِ، فَحَمَدَ اللَّهَ عَلى أنْ هَداهُ لِعَدَمِ الإصْغاءِ إلى ذَلِكَ الصّادِّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ جُلَساءَهُ وأراهم إيّاهُ في النّارِ، فَلِذَلِكَ حُكِيَ إقْبالُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ بِالمُساءَلَةِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسَ في الآخِرَةِ تَعُودُ إلَيْهِمْ تَذَكُّراتُهُمُ الَّتِي كانَتْ لَهم في الدُّنْيا مُصَفّاةً مِنَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ والأكْدارِ النَّفْسانِيَّةِ مُدْرِكَةً الحَقائِقَ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ هَذِهِ الحالَةِ بِصِيَغِ الفِعْلِ الماضِي مَعَ أنَّها مُسْتَقْبَلَةٌ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ وُقُوعِ ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والقَرِينَةُ هي التَّفْرِيعُ عَلى الأخْبارِ المُتَعَلِّقَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ.
والتَّساؤُلُ: أنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا، وحُذِفَ المُتَساءَلُ عَنْهُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وقَدْ بَيَّنَ نَحْوًا مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] .
صفحة ١١٦
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَساءَلُونَ“، أيْ قالَ أحَدُهم في جَوابِ سُؤالِ بَعْضِهِمْ، فَإنَّ مَعْنى التَّساؤُلِ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى الجَوابِ فَلِذَلِكَ جَعَلْناهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ لا بَدَلَ بَعْضٍ ولا عَطْفَ بَيانٍ، والقَرِينُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقُولَهُ كَثِيرٌ مِن خُلَطاءِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا.
والقَرِينُ: المُصاحِبُ المُلازِمُ، شُبِّهَتِ المُلازِمَةُ الغالِبَةُ بِالقَرْنِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِحَيْثُ لا يَنْفَصِلانِ، أيْ يَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ لَمّا أسْلَمَ وبَقِيَ صاحِبُهُ عَلى الكُفْرِ يُجادِلُهُ في الإسْلامِ ويُحاوِلُ تَشْكِيكَهُ في صِحَّتِهِ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ بِهِ إلى الكُفْرِ كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: ”لَقَدْ رَأيْتُنِي وأنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ“ أيْ: جاعِلُنِي في وثاقٍ لِأجْلِ أنِّي أسْلَمْتُ، وكانَ سَعِيدٌ صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أُخْتِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ ما كانَ يَحِقُّ لَكَ أنْ تُصَدِّقَ بِهَذا، وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَرْفِ التَّوْكِيدِ لِإفادَةِ أنَّهُ بَلَغَهُ تَأكُّدُ إسْلامِ قَرِينِهِ فَجاءَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ ما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ، أيْ أنَّ إنْكارَهُ إسْلامَهُ بَعْدَ تَحَقُّقِ خَبَرِهِ، ولَوْلا أنَّهُ تَحَقَّقَهُ لَما ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ.
والمُصَدِّقُ هو: المُوقِنُ بِالخَبَرِ.
وجُمْلَةُ ”﴿أإذا مِتْنا﴾ [الصافات: ١٦]“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بَيَّنَتِ الإنْكارَ المُجْمَلَ بِإنْكارٍ مُفَصَّلٍ وهو إنْكارُ أنْ يُبْعَثَ النّاسُ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِهِمْ وتَحَوُّلِها تُرابًا بَعْدَ المَوْتِ ثُمَّ يُجازُوا.
وجُمْلَةُ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ جَوابُ (إذا) . وقُرِنَتْ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِلْوَجْهِ الَّذِي عَلِمْتَهُ في قَوْلِهِ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ .
والمَدِينُ: المُجازى. يُقالُ: دانَهُ يُدِينُهُ، إذا جازاهُ، والأكْثَرُ اسْتِعْمالُهُ في الجَزاءِ عَلى السَّواءِ، والدَّيْنُ: الجَزاءُ كَما في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وقِيلَ هُنا: ”إنّا لَمَدِينُونَ“، وفي أوَّلِ السُّورَةِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“ لِاخْتِلافِ القائِلِينَ.
وقَرَأ الجَمِيعُ ”أإنَّكَ“ بِهَمْزَتَيْنِ. وقَرَأ مَن عَدا ابْنَ عامِرٍ أإذا مِتْنا بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ عامِرٍ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ وهي (إذا) اكْتِفاءً بِهَمْزَةِ ”أإنّا لَمَدِينُونَ“ في
صفحة ١١٧
قِراءَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ ”إنّا لَمَدِينُونَ“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ اكْتِفاءً بِالِاسْتِفْهامِ الدّاخِلِ عَلى شَرْطِها. وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ المَحْكِيَّ بِها هو مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الأوَّلُ إذْ هو تَكْمِلَةٌ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ.
والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، عَرَضَ عَلى رُفَقائِهِ أنْ يَتَطَلَّعُوا إلى رُؤْيَةِ قَرِينِهِ وما صارَ إلَيْهِ، وذَلِكَ: إمّا لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ قَرِينَهُ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَهُ بِالمَوْتِ، وإمّا لِأنَّهُ أُلْقِيَ في رَوْعِهِ أنَّ قَرِينَهُ صارَ إلى النّارِ، وهو مُوقِنٌ بِأنَّ خازِنَ النّارِ يُطْلِعُهم عَلى هَذا القَرِينِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ لِأهْلِ الجَنَّةِ ما يَتَساءَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُطَّلِعُونَ لِدَلالَةِ آخِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ عَلى أهْلِ النّارِ لِنَنْظُرَهُ فِيهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ ”فاطَّلَعَ“ اكْتِفاءٌ، أيْ فاطَّلَعَ فَرَآهُ ورَأوْهُ في سَواءِ الجَحِيمِ، إذْ هو إنَّما عَرَضَ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعَ لِيَعْلَمُوا تَحْقِيقَ ما حَدَّثَهم عَنْ قَرِينِهِ. واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ اطِّلاعِهِ هو دُونَ ذِكْرِ اطِّلاعِ رُفَقائِهِ لِأنَّهُ ابْتَدَأ بِالِاطِّلاعِ لِيُمَيِّزَ قَرِينَهُ فَيُرِيَهُ لِرُفَقائِهِ.
و”سَواءِ الجَحِيمِ“ وسَطُها، قالَ بَلْعاءُ بْنُ قَيْسٍ:
عَضْبًا أصابَ سَواءَ الرَّأْسِ فانْفَلَقا
وجُمْلَةُ ﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ اطَّلَعَ ؟ فَيُجابُ بِأنَّهُ حِينَ رَأى قَرِينَهُ أخَذَ يُوَبِّخُهُ عَلى ما كانَ يُحاوِلُ مِنهُ حَتّى كادَ أنْ يُلْقِيَهُ في النّارِ مِثْلَهُ. وهَذا التَّوْبِيخُ يَتَضَمَّنُ تَنْدِيمَهُ عَلى مُحاوَلَةِ إرْجاعِهِ عَنِ الإسْلامِ.
والقَسَمُ بِالتّاءِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ فِيما جَوابُ قَسَمِهِ غَرِيبٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ [يوسف: ٧٣] في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ومَحَلُّ الغَرابَةِ هو خَلاصُهُ مِن شَبَكَةِ قَرِينِهِ واخْتِلافُ
صفحة ١١٨
حالِ عاقِبَتَيْهِما مَعَ ما كانا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ المُلازَمَةِ والصُّحْبَةِ، وما حَفَّهُ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ، وما تَوَرَّطَ قَرِينُهُ في أوْحالِ الغَوايَةِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واتَّصَلَ بِها الفِعْلُ النّاسِخُ عَلى ما هو الغالِبُ في أحْوالِها إذا أُهْمِلَتْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ كادَ هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. و”تُرْدِينِ“ تُوقِعُنِي في الرَّدى وهو الهَلاكُ، وأصِلُ الرَّدى: المَوْتُ ثُمَّ شاعَتِ اسْتِعارَتُهُ لِسُوءِ الحالِ تَشْبِيهًا بِالمَوْتِ لِما شاعَ مِنَ اعْتِبارِ المَوْتِ أعْظَمَ ما يُصابُ بِهِ المَرْءُ.
والمَعْنى: أنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُفْضِيَ بِي إلى حالِ الرَّدى بِإلْحاحِكَ في صَرْفِي عَنِ الإيمانِ بِالبَعْثِ لِفَرْطِ الصُّحْبَةِ. ولَوْلا نِعْمَةُ هِدايَةِ اللَّهِ وتَثْبِيتِهِ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ في العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ " لَتُرْدِينِ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ في آخِرِهِ دُونَ ياءِ المُتَكَلِّمِ عَلى التَّخْفِيفِ، وهو حَذْفٌ شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ الفَصِيحِ وهو لُغَةُ أهْلِ نَجْدٍ. وكُتِبَ في المَصاحِفِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ ولا يُنافِي رَسْمَ المُصْحَفِ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الياءاتِ لَمْ تُكْتَبْ في المُصْحَفِ، وقَرَأ القُرّاءُ بِإثْباتِها فَإنَّ كُتّابَ المُصْحَفِ قَدْ حَذَفُوا مُدُودًا كَثِيرَةً مِن ألِفاتٍ وياءاتٍ.
والمُحْضَرُونَ أُرِيدَ بِهِمُ المُحْضَرُونَ في النّارِ، أيْ لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ مَعَكَ لِلْعَذابِ. وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُ المُحْضَرِ ونَحْوِهِ عَلى الَّذِي يَحْضُرُ لِأجْلِ العِقابِ.
وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ القَرِينَ هُنا بِالشَّيْطانِ الَّذِي يُلازِمُ الإنْسانَ لِإضْلالِهِ وإغْوائِهِ. وطَرِيقُ حِكايَةِ تَصَدِّي القائِلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لِإخْبارِ أهْلِ مَجْلِسِهِ بِحالِهِ يُبْطِلُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ الشَّيْطانَ لَكانَ إخْبارُهُ بِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ، فَما مِن أحَدٍ مِنهم إلّا كانَ لَهُ قَرِينٌ مِنَ الشَّياطِينِ، وما مِنهم إلّا عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَ الشَّياطِينِ إلى النّارِ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في شَرِيكَيْنِ هُما المُشارُ إلَيْهِما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ﴾ [الكهف: ٣٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ١١٩
ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في أخَوَيْنِ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، كانا غَنِيَّيْنِ، وكانَ المُؤْمِنُ يُنْفِقُ مالَهُ في الصَّدَقاتِ وكانَ الكافِرُ يُنْفِقُ مالَهُ في اللَّذّاتِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ مِنَ الحَذَرِ مِن قُرَناءِ السُّوءِ ووُجُوبِ الِاحْتِراسِ مِمّا يَدْعُونَ إلَيْهِ ويُزَيِّنُونَهُ مِنَ المَهالِكِ.
الصافات 37:58
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهْوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عَطَفَ فاءَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، فالِاسْتِفْهامُ مُوَجَّهٌ مِن هَذا القائِلِ إلى بَعْضِ المُتَسائِلِينَ.
وهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ المُرادِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الخُلُودِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أطْلَعَهم عَلى مَصِيرِ قَرِينِهِ السُّوءِ أقْبَلَ عَلى رِفاقِهِ بِإكْمالِ حَدِيثِهِ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ واغْتِباطًا وابْتِهاجًا بِها، وذِكْرًا لَها فَإنَّ لِذِكْرِ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لَذَّةً، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ قَدِ انْغَمَسُوا فِيها وأيْقَنُوا بِخُلُودِها. ولَعَلَّ نَظْمَ هَذا التَّذَكُّرِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ تَكَرُّرَ ذِكْرِ ذَلِكَ حِينَ يُجِيبُهُ الرِّفاقُ بِأنْ يَقُولُوا: نَعَمْ ما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ المَنفِيَّ هو المَوْتُ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ كَما هو شَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُسْتَثْنى غَيْرُ داخِلٍ في المَنفِيِّ فَهو مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ المَوْتَةُ الأُولى. وذَلِكَ الِاسْتِدْراكُ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وانْتِصابُهُ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لا لِأجْلِ النَّفْيِ.
وعَطَفَ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لِيَتَمَحَّضَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أيْضًا ما هم بِمَيِّتِينَ ولَكِنَّهم مُعَذَّبُونَ، فَحالُهم شَرٌّ مِنَ المَوْتِ. قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: ما شَرُّ مِنَ المَوْتِ ؟ فَقالَ: الَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حِكايَةٌ لِبَقِيَّةِ كَلامِ القائِلِ لِرِفاقِهِ، فَهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ والفَذْلَكَةِ لِحالَتِهِمُ المُشاهَدِ بَعْضُها والمُتَحَدَّثِ عَنْ بَعْضِها بِقَوْلِهِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ .
صفحة ١٢٠
والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، أيْ حالُنا هو النَّجاحُ والظَّفَرُ العَظِيمُ.
وقَدْ أُبْدِعَ في تَصْوِيرِ حُسْنِ حالِهِمْ بِحَصْرِ الفَوْزِ فِيهِ حَتّى كانَ كُلُّ فَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَيْسَ بِفَوْزٍ، فالحَصْرُ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ ألْحَقُوا ذَلِكَ الحَصْرَ بِوَصْفِهِ بِ ”العَظِيمُ“ .
الصافات 37:59
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهْوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عَطَفَ فاءَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، فالِاسْتِفْهامُ مُوَجَّهٌ مِن هَذا القائِلِ إلى بَعْضِ المُتَسائِلِينَ.
وهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ المُرادِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الخُلُودِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أطْلَعَهم عَلى مَصِيرِ قَرِينِهِ السُّوءِ أقْبَلَ عَلى رِفاقِهِ بِإكْمالِ حَدِيثِهِ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ واغْتِباطًا وابْتِهاجًا بِها، وذِكْرًا لَها فَإنَّ لِذِكْرِ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لَذَّةً، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ قَدِ انْغَمَسُوا فِيها وأيْقَنُوا بِخُلُودِها. ولَعَلَّ نَظْمَ هَذا التَّذَكُّرِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ تَكَرُّرَ ذِكْرِ ذَلِكَ حِينَ يُجِيبُهُ الرِّفاقُ بِأنْ يَقُولُوا: نَعَمْ ما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ المَنفِيَّ هو المَوْتُ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ كَما هو شَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُسْتَثْنى غَيْرُ داخِلٍ في المَنفِيِّ فَهو مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ المَوْتَةُ الأُولى. وذَلِكَ الِاسْتِدْراكُ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وانْتِصابُهُ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لا لِأجْلِ النَّفْيِ.
وعَطَفَ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لِيَتَمَحَّضَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أيْضًا ما هم بِمَيِّتِينَ ولَكِنَّهم مُعَذَّبُونَ، فَحالُهم شَرٌّ مِنَ المَوْتِ. قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: ما شَرُّ مِنَ المَوْتِ ؟ فَقالَ: الَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حِكايَةٌ لِبَقِيَّةِ كَلامِ القائِلِ لِرِفاقِهِ، فَهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ والفَذْلَكَةِ لِحالَتِهِمُ المُشاهَدِ بَعْضُها والمُتَحَدَّثِ عَنْ بَعْضِها بِقَوْلِهِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ .
صفحة ١٢٠
والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، أيْ حالُنا هو النَّجاحُ والظَّفَرُ العَظِيمُ.
وقَدْ أُبْدِعَ في تَصْوِيرِ حُسْنِ حالِهِمْ بِحَصْرِ الفَوْزِ فِيهِ حَتّى كانَ كُلُّ فَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَيْسَ بِفَوْزٍ، فالحَصْرُ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ ألْحَقُوا ذَلِكَ الحَصْرَ بِوَصْفِهِ بِ ”العَظِيمُ“ .
الصافات 37:60
﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهْوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ عَطَفَ فاءَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، فالِاسْتِفْهامُ مُوَجَّهٌ مِن هَذا القائِلِ إلى بَعْضِ المُتَسائِلِينَ.
وهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ المُرادِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ الخُلُودِ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أطْلَعَهم عَلى مَصِيرِ قَرِينِهِ السُّوءِ أقْبَلَ عَلى رِفاقِهِ بِإكْمالِ حَدِيثِهِ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ واغْتِباطًا وابْتِهاجًا بِها، وذِكْرًا لَها فَإنَّ لِذِكْرِ الأشْياءِ المَحْبُوبَةِ لَذَّةً، فَما ظَنُّكَ بِذِكْرِ نِعْمَةٍ قَدِ انْغَمَسُوا فِيها وأيْقَنُوا بِخُلُودِها. ولَعَلَّ نَظْمَ هَذا التَّذَكُّرِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ تَكَرُّرَ ذِكْرِ ذَلِكَ حِينَ يُجِيبُهُ الرِّفاقُ بِأنْ يَقُولُوا: نَعَمْ ما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى﴾ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ المَوْتَ المَنفِيَّ هو المَوْتُ في الحالِ، أوِ الِاسْتِقْبالِ كَما هو شَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُسْتَثْنى غَيْرُ داخِلٍ في المَنفِيِّ فَهو مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنِ المَوْتَةُ الأُولى. وذَلِكَ الِاسْتِدْراكُ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ. وانْتِصابُهُ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لا لِأجْلِ النَّفْيِ.
وعَطَفَ ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لِيَتَمَحَّضَ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أيْضًا ما هم بِمَيِّتِينَ ولَكِنَّهم مُعَذَّبُونَ، فَحالُهم شَرٌّ مِنَ المَوْتِ. قِيلَ لِبَعْضِ الحُكَماءِ: ما شَرُّ مِنَ المَوْتِ ؟ فَقالَ: الَّذِي يُتَمَنّى فِيهِ المَوْتُ.
والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ حِكايَةٌ لِبَقِيَّةِ كَلامِ القائِلِ لِرِفاقِهِ، فَهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ والفَذْلَكَةِ لِحالَتِهِمُ المُشاهَدِ بَعْضُها والمُتَحَدَّثِ عَنْ بَعْضِها بِقَوْلِهِ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ .
صفحة ١٢٠
والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ، أيْ حالُنا هو النَّجاحُ والظَّفَرُ العَظِيمُ.
وقَدْ أُبْدِعَ في تَصْوِيرِ حُسْنِ حالِهِمْ بِحَصْرِ الفَوْزِ فِيهِ حَتّى كانَ كُلُّ فَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَيْسَ بِفَوْزٍ، فالحَصْرُ لِلْمُبالَغَةِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِغَيْرِهِ ثُمَّ ألْحَقُوا ذَلِكَ الحَصْرَ بِوَصْفِهِ بِ ”العَظِيمُ“ .
الصافات 37:61
﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ هَذا تَذْيِيلٌ لِحِكايَةِ حالِ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ، فَهو كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلتَّنْوِيهِ بِما فِيهِ عِبادُ اللَّهِ المُخَلِصُونَ، ولِلتَّحْرِيضِ عَلى العَمَلِ بِمِثْلِ ما عَمِلُوهُ مِمّا أوْجَبَ لَهم إخْلاصَ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، فالإشارَةُ في قَوْلِهِ ”﴿لِمِثْلِ هَذا﴾“ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ٤١] الآياتِ، أيْ لِمِثْلِ نَعِيمِهِمْ وأُنْسِهِمْ ومَسَرَّتِهِمْ ولَذّاتِهِمْ وبَهْجَتِهِمْ وخُلُودِ ذَلِكَ كُلِّهِ.
والمُرادُ بِمِثْلِهِ: نَظِيرُهُ مِن نَعِيمٍ لِمُخْلِصِينَ آخَرِينَ. والمُرادُ بِالعامِلِينَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الخَيْرَ ويَسِيرُونَ عَلى ما خَطَّتْ لَهم شَرِيعَةُ الإسْلامِ، فَحَذَفَ مَفْعُولَ (يَعْمَلِ) اخْتِصارًا لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
واللّامُ في ”لِمِثْلِ“ لامُ التَّعْلِيلِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا لِعَمَلِ غَيْرِهِ، وهو قَلْبٌ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يَعْمَلُونَ أعْمالًا صالِحَةً يَتَفاخَرُونَ بِها مِنَ المَيْسِرِ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
والمَعْنى: لِنَوالِ مِثْلَ هَذا، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ اللّامِ عَلى مَعْناهُ.
والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى مَضْمُونِ القِصَّةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] الآياتِ.
والأمْرُ في ”فَلْيَعْمَلِ“ لِلْإرْشادِ الصّادِقِ بِالواجِباتِ والمَندُوباتِ.