Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — يس 36:1 – يس 36:74
المحتويات
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
يس 36:1
﴿يس﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّورِ، ومِن جُمْلَتِها أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ أشْهَبُ عَنْ مالِكٍ قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ: يا إنْسانُ، بِلِسانِ الحَبَشَةِ. وعَنْهُ أنَّها كَذَلِكَ بِلُغَةِ طَيِّءٍ. ولا أحْسَبُ هَذا يَصِحُّ عَنْهُ لِأنَّ كِتابَتَها في المَصاحِفِ عَلى حَرْفَيْنِ تُنافِي ذَلِكَ.
ومِنَ النّاسِ مَن يَدَّعِي أنَّ يس اسْمٌ مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ، وبَنى عَلَيْهِ إسْماعِيلُ بْنِ بِكْرٍ الحِمْيَرِيُّ شاعِرُ الرّافِضَةِ المَشْهُورُ عِنْدَهم بِالسَّيِّدِ الحِمْيَرِيِّ قَوْلَهُ:
يا نَفْسُ لا تَمْحَضِي بِالوِدِّ جاهِدَةً عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِـينَـا
ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الصّافّاتِ ﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَعْنِي آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ يس اخْتِزالُ: يا سَيِّدُ، خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ ويُوهِنُهُ نُطْقُ القُرَّآءِ بِها بِنُونٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن يُسَمِّي ابْنَهُ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ وهو كَثِيرٌ في البِلادِ المِصْرِيَّةِ والشّامِيَّةِ، ومِنهُمُ الشَّيْخُ يس بْنُ زَيْدِ الدِّينِ العُلَيْمِيُّ الحِمْصِيُّ المُتَوَفّى سَنَةَ ١٠٦١ صاحِبُ
صفحة ٣٤٥
التَّعالِيقِ القَيِّمَةِ فَإنَّما يَكْتُبُ اسْمَهُ بِحَسَبِ ما يَنْطِقُ بِهِ لا بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، وإنْ كانَ النّاسُ يَغْفُلُونَ فَيَكْتُبُونَهُ بِحَرْفَيْنِ كَما يُكْتَبُ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ قالَ أشْهَبُ: سَألْتُ مالِكًا هَلْ يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُسَمِّيَ يس ؟ قالَ: ما أراهُ يَنْبَغِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿يس والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ يَقُولُ هَذا: اسْمِي يس. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ وهو كَلامٌ بَدِيعٌ لِأنَّ العَبْدَ لا يَجُوزُ أنْ يُسَمّى باسِمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ إذا كانَ فِيهِ مَعْنًى مِنهُ كَقَوْلِهِ: عالِمٌ وقادِرٌ، وإنَّما مَنَعَ مالِكٌ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَذا؛ لِأنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ لا يَدْرِي مَعْناهُ فَرُبَّما كانَ مَعْناهُ يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّبُّ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ العَبْدُ فَيُقْدِمَ عَلى خَطَرٍ فاقْتَضى النَّظَرُ رَفْعَهُ عَنْهُ اهـ. وفِيهِ نَظَرٌ.
والنُّطْقُ بِاسْمِ يا بِدُونِ مَدٍّ تَخْفِيفٌ كَما في كهيعص.
يس 36:2
﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ القَسَمُ بِالقُرْآنِ كِنايَةٌ عَنْ شَرَفِ قَدْرِهِ وتَعْظِيمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الأُوَلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا القَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ مَعَ ذَلِكَ التَّنْوِيهِ.
والقُرْآنُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُوحى بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وقْتِ مَبْعَثِهِ إلى وفاتِهِ لِلْإعْجازِ والتَّشْرِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ في سُورَةِ يُونُسَ.
والحَكِيمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكَمُ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ المَجْعُولِ ذا إحْكامٍ، والإحْكامُ: الإتْقانُ بِماهِيَّةِ الشَّيْءِ فِيما يُرادُ مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صاحِبَ الحِكْمَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ مُحْتَوٍ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُرادًا بِهِ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
صفحة ٣٤٦
بِالرِّسالَةِ فَهو تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ وبِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ، والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خَبَرٌ ثانٍ لِـ إنَّ، أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: الإيقاظُ إلى عَظَمَةِ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُ مُرْسَلٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنِ المُخاطَبِ إفادَةَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ مِنَ الأخْبارِ مِن كَوْنِهِ أحَدَ المُرْسَلِينَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ المُرْسَلِينَ المُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّ الغَرَضَ الجَمْعُ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ حالِ دِينِهِ لِيَكُونَ العِلْمُ بِأنَّ دِينَهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا لا ضِمْنِيًّا.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الهُدى المُوَصِّلُ إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ، وهو الدِّينُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، والخُلُقُ الَّذِي لَقَّنَهُ اللَّهُ، شُبِّهَ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعْوِجاجَ فِيهِ في أنَّهُ مَوْثُوقٌ بِهِ في الإيصالِ إلى المَقْصُودِ دُونَ أنْ يَتَرَدَّدَ السّائِرُ فِيهِ.
فالإسْلامُ فِيهِ الهُدى في الحَياتَيْنِ فَمُتَّبِعُهُ كالسّائِرِ في صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا حَيْرَةَ في سَيْرِهِ تَعْتَرِيهِ حَتّى يَبْلُغَ المَكانَ المُرادَ.
والقُرْآنُ حاوِي الدِّينِ فَكانَ القُرْآنُ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وتَنْكِيرُ ”صِراطٍ“ لِلتَّوَصُّلِ إلى تَعْظِيمِهِ.
يس 36:3
﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ القَسَمُ بِالقُرْآنِ كِنايَةٌ عَنْ شَرَفِ قَدْرِهِ وتَعْظِيمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الأُوَلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا القَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ مَعَ ذَلِكَ التَّنْوِيهِ.
والقُرْآنُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُوحى بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وقْتِ مَبْعَثِهِ إلى وفاتِهِ لِلْإعْجازِ والتَّشْرِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ في سُورَةِ يُونُسَ.
والحَكِيمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكَمُ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ المَجْعُولِ ذا إحْكامٍ، والإحْكامُ: الإتْقانُ بِماهِيَّةِ الشَّيْءِ فِيما يُرادُ مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صاحِبَ الحِكْمَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ مُحْتَوٍ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُرادًا بِهِ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
صفحة ٣٤٦
بِالرِّسالَةِ فَهو تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ وبِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ، والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خَبَرٌ ثانٍ لِـ إنَّ، أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: الإيقاظُ إلى عَظَمَةِ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُ مُرْسَلٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنِ المُخاطَبِ إفادَةَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ مِنَ الأخْبارِ مِن كَوْنِهِ أحَدَ المُرْسَلِينَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ المُرْسَلِينَ المُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّ الغَرَضَ الجَمْعُ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ حالِ دِينِهِ لِيَكُونَ العِلْمُ بِأنَّ دِينَهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا لا ضِمْنِيًّا.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الهُدى المُوَصِّلُ إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ، وهو الدِّينُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، والخُلُقُ الَّذِي لَقَّنَهُ اللَّهُ، شُبِّهَ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعْوِجاجَ فِيهِ في أنَّهُ مَوْثُوقٌ بِهِ في الإيصالِ إلى المَقْصُودِ دُونَ أنْ يَتَرَدَّدَ السّائِرُ فِيهِ.
فالإسْلامُ فِيهِ الهُدى في الحَياتَيْنِ فَمُتَّبِعُهُ كالسّائِرِ في صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا حَيْرَةَ في سَيْرِهِ تَعْتَرِيهِ حَتّى يَبْلُغَ المَكانَ المُرادَ.
والقُرْآنُ حاوِي الدِّينِ فَكانَ القُرْآنُ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وتَنْكِيرُ ”صِراطٍ“ لِلتَّوَصُّلِ إلى تَعْظِيمِهِ.
يس 36:4
﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ القَسَمُ بِالقُرْآنِ كِنايَةٌ عَنْ شَرَفِ قَدْرِهِ وتَعْظِيمِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِنَ الآياتِ الأُوَلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا القَسَمِ تَأْكِيدُ الخَبَرِ مَعَ ذَلِكَ التَّنْوِيهِ.
والقُرْآنُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى الكِتابِ المُوحى بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن وقْتِ مَبْعَثِهِ إلى وفاتِهِ لِلْإعْجازِ والتَّشْرِيعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ في سُورَةِ يُونُسَ.
والحَكِيمُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُحْكَمُ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ المَجْعُولِ ذا إحْكامٍ، والإحْكامُ: الإتْقانُ بِماهِيَّةِ الشَّيْءِ فِيما يُرادُ مِنهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى صاحِبَ الحِكْمَةِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ مُحْتَوٍ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ جَوابُ القَسَمِ، وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مُرادًا بِهِ التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا
صفحة ٣٤٦
بِالرِّسالَةِ فَهو تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ، فالتَّأْكِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ وبِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنى الكِنائِيِّ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ، والنُّكَتُ لا تَتَزاحَمُ.
عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خَبَرٌ ثانٍ لِـ إنَّ، أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، والمَقْصُودُ مِنهُ: الإيقاظُ إلى عَظَمَةِ شَرِيعَتِهِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُ مُرْسَلٌ كَغَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الإخْبارِ بِهِ عَنِ المُخاطَبِ إفادَةَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ مِنَ الأخْبارِ مِن كَوْنِهِ أحَدَ المُرْسَلِينَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ المُرْسَلِينَ المُرْسَلُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّ الغَرَضَ الجَمْعُ بَيْنَ حالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ حالِ دِينِهِ لِيَكُونَ العِلْمُ بِأنَّ دِينَهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عِلْمًا مُسْتَقِلًّا لا ضِمْنِيًّا.
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الهُدى المُوَصِّلُ إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ، وهو الدِّينُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ، والخُلُقُ الَّذِي لَقَّنَهُ اللَّهُ، شُبِّهَ بِطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا اعْوِجاجَ فِيهِ في أنَّهُ مَوْثُوقٌ بِهِ في الإيصالِ إلى المَقْصُودِ دُونَ أنْ يَتَرَدَّدَ السّائِرُ فِيهِ.
فالإسْلامُ فِيهِ الهُدى في الحَياتَيْنِ فَمُتَّبِعُهُ كالسّائِرِ في صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا حَيْرَةَ في سَيْرِهِ تَعْتَرِيهِ حَتّى يَبْلُغَ المَكانَ المُرادَ.
والقُرْآنُ حاوِي الدِّينِ فَكانَ القُرْآنُ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وتَنْكِيرُ ”صِراطٍ“ لِلتَّوَصُّلِ إلى تَعْظِيمِهِ.
يس 36:5
﴿تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ الحَكِيمِ إذْ هو المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَبَعْدَ أنِ اسْتَوْفى القَسَمُ جَوابَهُ رَجَعَ الكَلامُ إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِنَ القَسَمِ وهو تَشْرِيفُ المُقْسَمِ بِهِ فَوُسِمَ بِأنَّهُ تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ.
وقَدْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهَذا مِن مَواقِعِ
صفحة ٣٤٧
حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ الحَذْفُ الجارِي عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ. وذَلِكَ أنَّهم إذا أجْرَوْا حَدِيثًا عَلى شَيْءٍ ثُمَّ أخْبَرُوا عَنْهُ التَزَمُوا حَذْفَ ضَمِيرِهِ الَّذِي هو مُسْنَدٌ إلَيْهِ إشارَةً إلى التَّنْوِيهِ بِهِ كَأنَّهُ لا يَخْفى كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ، أوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الأسَدِيِّ أوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الكاتِبِ، وهي مِن أبْياتِ الحَماسَةِ في بابِ الأضْيافِ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِـيَّتِـي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هِـيَ جَـلَّـتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرِ الشَّكْوى إذِ النَّعْلُ زَلَّـتِ
تَقْدِيرُهُ: هو فَتًى.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِنَصْبِ ”تَنْزِيلَ“ عَلى تَقْدِيرِ: أعْنِي. والمَعْنى: أعْنِي مِن قَسَمِي قُرْآنًا نَزَّلْتُهُ، وتِلْكَ العِنايَةُ زِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ وهي تُعادِلُ حَذْفَ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي في قِراءَةِ الرَّفْعِ.
والتَّنْزِيلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَصَدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا.
وأُضِيفَ التَّنْزِيلُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ صِفَتَيِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِأنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ مِن آثارِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما فِيهِ مِن حَمْلِ النّاسِ عَلى الحَقِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى دُونَ مُصانَعَةٍ ولا ضَعْفٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإنْذارِ والوَعِيدِ عَلى العِصْيانِ والكُفْرانِ.وأنْ يَكُونَ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وهو ما في القُرْآنِ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ وتَقْرِيبِ البَعِيدِ وكَشْفِ الحَقائِقِ لِلنّاظِرِينَ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ البِشارَةِ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ عِنْدَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو ما ورَدَ بَيانُهُ بَعْدُ إجْمالًا مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾، ثُمَّ تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] .
فاللّامُ في لِتُنْذِرَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تَنْزِيلُ“ وهي لامُ التَّعْلِيلِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ القُرْآنِ.
واقْتَصَرَ عَلى الإنْذارِ لِأنَّ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بِهِ القَوْمُ مِنَ التَّبْلِيغِ إنْذارُهم جَمِيعًا بِما
صفحة ٣٤٨
تَضَمَّنَتْهُ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِن قَوْلِهِ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] الآيَةَ. وما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ المُدَّثِّرِ لِأنَّ القَوْمَ جَمِيعًا كانُوا عَلى حالَةٍ لا تُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَكانَ حالُهم يَقْتَضِي الإنْذارَ لِيُسْرِعُوا إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مُرْتَبِكُونَ.
والقَوْمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم: إمّا العَرَبُ العَدْنانِيُّونَ فَإنَّهم مَضَتْ قُرُونٌ لَمْ يَأْتِهِمْ فِيها نَذِيرٌ، ومَضى آباؤُهم لَمْ يَسْمَعُوا نَذِيرًا، وإنَّما يُبْتَدَأُ عَدُّ آبائِهِمْ مِن جَدِّهِمُ الأعْلى في عَمُودِ نَسَبِهِمُ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِهِ جِذْمًا وهو عَدْنانُ، لِأنَّهُ جِذْمُ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، أوْ أُرِيدَ أهْلُ مَكَّةَ. وإنَّما باشَرَ النَّبِيءُ ﷺ في ابْتِداءِ بِعْثَتِهِ دَعْوَةَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَلَقَّوُا الدِّينَ وأنْ تَتَأصَّلَ مِنهم جامِعَةُ الإسْلامِ ثُمَّ كانُوا هم حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ وأعْوانَ الرَّسُولِ ﷺ في تَبْلِيغِ دَعْوَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. فانْضَمَّ إلَيْهِمْ أهْلُ يَثْرِبَ وهم قَحْطانِيُّونَ فَكانُوا أنْصارًا ثُمَّ تَتابَعَ إيمانُ قَبائِلِ العَرَبِ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”﴿فَهم غافِلُونَ﴾“ أيْ فَتَسَبَّبَ عَلى عَدَمِ إنْذارِ آبائِهِمْ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالغَفْلَةِ وصْفًّا ثابِتًا، أيْ فَهم غافِلُونَ عَمّا تَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ والشَّرائِعُ فَهم في جَهالَةٍ وغَوايَةٍ إذْ تَراكَمَتِ الضَّلالاتُ فِيهِمْ عامًا فَعامًا وجِيلًا فَجِيلًا.
فَهَذِهِ الحالَةُ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَن دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ سَواءٌ مَن آمَنَ بَعْدُ ومَن لَمْ يُؤْمِن.
والغَفْلَةُ: صَرِيحُهُا الذُّهُولُ عَنْ شَيْءٍ وعَدَمُ تَذَكُّرِهِ، وهي هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهْمالِ والإعْراضِ عَمّا يَحِقُّ التَّنْبِيهُ إلَيْهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
يَقُولُ أُناسٌ يَجْهَلُونَ خَلِيقَتِي ∗∗∗ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِـلُ
يس 36:6
﴿تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ راجِعٌ إلى القُرْآنِ الحَكِيمِ إذْ هو المُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَبَعْدَ أنِ اسْتَوْفى القَسَمُ جَوابَهُ رَجَعَ الكَلامُ إلى بَعْضِ المَقْصُودِ مِنَ القَسَمِ وهو تَشْرِيفُ المُقْسَمِ بِهِ فَوُسِمَ بِأنَّهُ تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ.
وقَدْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِلْعِلْمِ بِهِ، وهَذا مِن مَواقِعِ
صفحة ٣٤٧
حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ الحَذْفُ الجارِي عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ. وذَلِكَ أنَّهم إذا أجْرَوْا حَدِيثًا عَلى شَيْءٍ ثُمَّ أخْبَرُوا عَنْهُ التَزَمُوا حَذْفَ ضَمِيرِهِ الَّذِي هو مُسْنَدٌ إلَيْهِ إشارَةً إلى التَّنْوِيهِ بِهِ كَأنَّهُ لا يَخْفى كَقَوْلِ إبْراهِيمَ الصُّولِيِّ، أوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الأسَدِيِّ أوْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الكاتِبِ، وهي مِن أبْياتِ الحَماسَةِ في بابِ الأضْيافِ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِـيَّتِـي أيادِيَ لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هِـيَ جَـلَّـتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرِ الشَّكْوى إذِ النَّعْلُ زَلَّـتِ
تَقْدِيرُهُ: هو فَتًى.
وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِنَصْبِ ”تَنْزِيلَ“ عَلى تَقْدِيرِ: أعْنِي. والمَعْنى: أعْنِي مِن قَسَمِي قُرْآنًا نَزَّلْتُهُ، وتِلْكَ العِنايَةُ زِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ وهي تُعادِلُ حَذْفَ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي في قِراءَةِ الرَّفْعِ.
والتَّنْزِيلُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَصَدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحْقِيقِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا.
وأُضِيفَ التَّنْزِيلُ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ صِفَتَيِ العَزِيزِ الرَّحِيمِ لِأنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ مِن آثارِ عِزَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما فِيهِ مِن حَمْلِ النّاسِ عَلى الحَقِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى دُونَ مُصانَعَةٍ ولا ضَعْفٍ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإنْذارِ والوَعِيدِ عَلى العِصْيانِ والكُفْرانِ.وأنْ يَكُونَ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وهو ما في القُرْآنِ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ وتَقْرِيبِ البَعِيدِ وكَشْفِ الحَقائِقِ لِلنّاظِرِينَ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ البِشارَةِ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ عِنْدَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو ما ورَدَ بَيانُهُ بَعْدُ إجْمالًا مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾، ثُمَّ تَفْصِيلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] .
فاللّامُ في لِتُنْذِرَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”تَنْزِيلُ“ وهي لامُ التَّعْلِيلِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ القُرْآنِ.
واقْتَصَرَ عَلى الإنْذارِ لِأنَّ أوَّلَ ما ابْتُدِئَ بِهِ القَوْمُ مِنَ التَّبْلِيغِ إنْذارُهم جَمِيعًا بِما
صفحة ٣٤٨
تَضَمَّنَتْهُ أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِن قَوْلِهِ ﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] الآيَةَ. وما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ المُدَّثِّرِ لِأنَّ القَوْمَ جَمِيعًا كانُوا عَلى حالَةٍ لا تُرْضِي اللَّهَ تَعالى فَكانَ حالُهم يَقْتَضِي الإنْذارَ لِيُسْرِعُوا إلى الإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ مُرْتَبِكُونَ.
والقَوْمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ تُنْذَرْ آباؤُهم: إمّا العَرَبُ العَدْنانِيُّونَ فَإنَّهم مَضَتْ قُرُونٌ لَمْ يَأْتِهِمْ فِيها نَذِيرٌ، ومَضى آباؤُهم لَمْ يَسْمَعُوا نَذِيرًا، وإنَّما يُبْتَدَأُ عَدُّ آبائِهِمْ مِن جَدِّهِمُ الأعْلى في عَمُودِ نَسَبِهِمُ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِهِ جِذْمًا وهو عَدْنانُ، لِأنَّهُ جِذْمُ العَرَبِ المُسْتَعْرِبَةِ، أوْ أُرِيدَ أهْلُ مَكَّةَ. وإنَّما باشَرَ النَّبِيءُ ﷺ في ابْتِداءِ بِعْثَتِهِ دَعْوَةَ أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها فَكانُوا هُمُ الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَلَقَّوُا الدِّينَ وأنْ تَتَأصَّلَ مِنهم جامِعَةُ الإسْلامِ ثُمَّ كانُوا هم حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ وأعْوانَ الرَّسُولِ ﷺ في تَبْلِيغِ دَعْوَتِهِ وتَأْيِيدِهِ. فانْضَمَّ إلَيْهِمْ أهْلُ يَثْرِبَ وهم قَحْطانِيُّونَ فَكانُوا أنْصارًا ثُمَّ تَتابَعَ إيمانُ قَبائِلِ العَرَبِ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”﴿فَهم غافِلُونَ﴾“ أيْ فَتَسَبَّبَ عَلى عَدَمِ إنْذارِ آبائِهِمْ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالغَفْلَةِ وصْفًّا ثابِتًا، أيْ فَهم غافِلُونَ عَمّا تَأْتِي بِهِ الرُّسُلُ والشَّرائِعُ فَهم في جَهالَةٍ وغَوايَةٍ إذْ تَراكَمَتِ الضَّلالاتُ فِيهِمْ عامًا فَعامًا وجِيلًا فَجِيلًا.
فَهَذِهِ الحالَةُ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَن دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ سَواءٌ مَن آمَنَ بَعْدُ ومَن لَمْ يُؤْمِن.
والغَفْلَةُ: صَرِيحُهُا الذُّهُولُ عَنْ شَيْءٍ وعَدَمُ تَذَكُّرِهِ، وهي هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإهْمالِ والإعْراضِ عَمّا يَحِقُّ التَّنْبِيهُ إلَيْهِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
يَقُولُ أُناسٌ يَجْهَلُونَ خَلِيقَتِي ∗∗∗ لَعَلَّ زِيادًا لا أبا لَكَ غافِـلُ
يس 36:7
﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا تَفْصِيلٌ لِحالِ القَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيُنْذِرَهم، فَهم قِسْمانِ: قِسْمٌ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ النِّذارَةُ، وقِسْمٌ اتَّبَعُوا الذِّكْرَ وخافُوا اللَّهَ فانْتَفَعُوا بِالنِّذارَةِ. وبَيَّنَ أنَّ أكْثَرَ القَوْمِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، أيْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما جَبَلَ عَلَيْهِ
صفحة ٣٤٩
عُقُولَهم مِنَ النُّفُورِ عَنِ الخَيْرِ، فَحَقَّقَ في عِلْمِهِ وكَتَبَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ انْتِفاءِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ عَلى القَوْلِ الَّذِي حَقَّ عَلى أكْثَرِهِمْ.
وحَقَّ: بِمَعْنى ثَبَتَ ووَقَعَ فَلا يَقْبَلُ نَقْضًا. والقَوْلُ: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ فَهو قَوْلٌ مِن قَبِيلِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ، أوْ مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى رُسُلِهِ.
والتَّعْرِيفُ في القَوْلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ.
والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ، أيِ: القَوْلُ النَّفْسِيُّ وهو المَكْتُوبُ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.
يس 36:8
﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا فَهْيَ إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] فَإنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ يَشْتَمِلُ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن جَعْلِ أغْلالٍ في أعْناقِهِمْ حَقِيقَةً أوْ تَمْثِيلًا.
والجَعْلُ: تَكْوِينُ الشَّيْءِ، أيْ جَعَلْنا حالَهم كَحالِ مَن في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمِحُونَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا بِأنْ شُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ ودَعْوَةِ الإسْلامِ والتَّأمُّلِ في حُجَجِهِ الواضِحَةِ بِحالِ قَوْمٍ جُعِلَتْ في أعْناقِهِمْ أغْلالٌ غَلِيظَةٌ تَرْتَفِعُ إلى أذْقانِهِمْ فَيَكُونُونَ كالمُقْمَحِينَ، أيِ الرّافِعِينَ رُءُوسَهُمُ الغاضِّينَ أبْصارَهم لا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا ولا شِمالًا فَلا يَنْظُرُونَ إلى شَيْءٍ مِمّا حَوْلَهم فَتَكُونُ تَمْثِيلِيَّةً.
وذَكَرَ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ لِتَحْقِيقِ كَوْنِ الأغْلالِ مَلْزُوزَةً إلى عِظامِ الأذْقانِ بَحَيْثُ إذا أرادَ المَغْلُولُ مِنهُمُ الِالتِفاتَ أوْ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ وجِعَهُ ذَقَنُهُ فَلازَمَ السُّكُونَ، وهَذِهِ حالَةُ تَخْيِيلِ هَذِهِ الأغْلالِ ولَيْسَ كُلُّ الأغْلالِ مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِتَوْزِيعِ أجْزاءِ المَرْكَّبِ التَّمْثِيلِيِّ إلى تَشْبِيهِ كُلِّ جُزْءٍ مِنَ الحالَيْنِ بِجُزْءٍ مِنَ الحالَةِ الأُخْرى بِأنْ يُشَبَّهَ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ النُّفُورِ عَنِ الخَيْرِ بِالأغْلالِ، ويُشَبَّهُ إعْراضُهم عَنِ التَّأمُّلِ والإنْصافِ بِالإقْماحِ.
صفحة ٣٥٠
فالفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾، أيْ جَعَلْنا أغْلالًا، أيْ فَأبْلَغْناها إلى الأذْقانِ.
والجَعْلُ: هُنا حَقِيقَةٌ وهو ما خُلِقَ في نُفُوسِهِمْ مِن خُلُقِ التَّكَبُّرِ والمُكابَرَةِ.
والأغْلالُ: جَمَعُ غُلٍّ بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلْقَةٌ عَرِيضَةٌ مِن حَدِيدٍ كالقِلادَةِ ذاتُ أضْلاعٍ مِن إحْدى جِهاتِها وطَرَفَيْنِ يُقابِلانِ أضْلاعَهُما فِيهِما أثْقابٌ مُتَوازِيَةٌ تَشُدُّ الحَلْقَةُ مِن طَرَفَيْها عَلى رَقَبَةِ المَغْلُولِ بِعَمُودٍ مِن حَدِيدٍ لَهُ رَأْسٌ كالكُرَةِ الصَّغِيرَةِ يَسْقُطُ ذَلِكَ العَمُودُ في الأثْقابِ فَإذا انْتَهى إلى رَأْسِهِ الَّذِي كالكُرَةِ اسْتَقَرَّ لِيَمْنَعَ الغُلَّ مِنَ الِانْحِلالِ والتَّفَلُّتِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ [الرعد: ٥] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾ .
والمُقْمَحُ: بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ المَجْعُولِ قامِحًا، أيْ رافِعًا رَأْسَهُ ناظِرًا إلى فَوْقِهِ يُقالُ: قَمَحَهُ الغِلُّ، إذْ جَعَلَ رَأسَهُ مَرْفُوعًا وغَضَّ بَصَرَهُ، فَمَدْلُولُهُ مُرَكَّبٌ مِن شَيْئَيْنِ. والأذْقانُ: جَمَعُ ذَقَنٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهو مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ. وتَقَدَّمَ في الإسْراءِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ إلَخْ وعِيدًا بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يُساقُونَ إلى جَهَنَّمَ في الأغْلالِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١] في سُورَةِ غافِرٍ، فَيَكُونُ فِعْلُ ”جَعَلْنا“ مُسْتَقْبَلًا وعُبِّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]“ أيْ: سَنَجْعَلُ في أعْناقِهِمْ أغْلالًا.
يس 36:9
﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سُدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سُدًّا﴾ هَذا ارْتِقاءٌ في حِرْمانِهِمْ مِنَ الِاهْتِداءِ لَوْ أرادُوا تَأمُّلًا بِأنَّ فَظاظَةَ قُلُوبِهِمْ لا تَقْبَلُ الِاسْتِنْتاجَ مِنَ الأدِلَّةِ والحُجَجِ بِحَيْثُ لا يَتَحَوَّلُونَ عَمّا هم فِيهِ، فَمُثِّلَتْ حالُهم بِحالَةِ مَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ، أيْ جِدارَيْنِ: سَدًّا أمامَهم، وسَدًّا خَلْفَهم، فَلَوْ رامُوا
صفحة ٣٥١
تَحَوُّلًا عَنْ مَكانِهِمْ وسَعْيَهِمْ إلى مُرادِهِمْ لَما اسْتَطاعُوهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٦٧]، وقَوْلِ أبِي الشِّيصِ:
وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ
وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِ.
ومِنَ الحَوادِثِ لا أبالَكَ أنَنِـي ∗∗∗ ضُرِبَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِالأسْدادِ
لا أهْتَدِي فِيها لِمَوْضِعِ تَلْـعَةِ ∗∗∗ بَيْنَ العَذِيبِ وبَيْنَ أرْضِ مُرادِ
وتَقَدَّمَ السَّدُّ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ: مانِعُ الإيمانِ: إمّا أنْ يَكُونَ في النَّفْسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْها. ولَهُمُ المانِعانِ جَمِيعًا: أمّا في النَّفْسِ فالغُلُّ، وأمّا مِنَ الخارِجِ فالسَّدُّ فَلا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى أنْفُسِهِمْ فَيَرَوُا الآياتِ الَّتِي في أنْفُسِهِمْ لِأنَّ المُقْمَحَ لا يَرى نَفْسَهُ، ولا يَقَعُ نَظَرُهم عَلى الآفاقِ لِأنَّ مَن بَيْنَ السَّدَّيْنِ لا يُبْصِرُونَ الآفاقَ فَلا تَتَبَيَّنُ لَهُمُ الآياتُ كَما قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] .
وإعادَةُ فَعْلِ و”جَعَلْنا“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] الآيَةَ، تَأْكِيدٌ لِهَذا الجَعْلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَعْنى ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] فَإعادَةُ فِعْلِ و”جَعَلْنا“ لِأنَّهُ جَعْلٌ حاصِلٌ في الدُّنْيا فَهو مُغايِرٌ لِلْجَعْلِ الحاصِلِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”سُدًّا“ بِالضَّمِّ وهو اسْمُ الجِدارِ الَّذِي يَسُدُّ بَيْنَ داخِلٍ وخارِجٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِالفَتْحِ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ ما يُسَدُّ بِهِ.
* * *
﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كِلا المَفْعُولَيْنِ ﴿جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالًا﴾ [يس: ٨] و﴿جَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ لِأنَّ في كِلا الفِعْلَيْنِ مانِعًا مِن أحْوالِ النَّظَرِ.
وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَفَرَّعُ ثانِيًا عَلى تَمْثِيلِهِمْ بِمَن جُعِلُوا بَيْنَ سَدَّيْنِ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ التَّحَوُّلِ عَمّا هم عَلَيْهِ.
صفحة ٣٥٢
والإغْشاءُ: وضْعُ الغِشاءِ. وهو ما يُغَطِّي الشَّيْءَ. والمُرادُ: أغْشَيْنا أبْصارَهم، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وأكَّدَهُ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ فَهم لا يُبْصِرُونَ، وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ، أيْ: تَحْقِيقِ عَدَمِ إبْصارِهِمْ.
يس 36:10
﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ لا يُبْصِرُونَ، أيْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَحَرْفُ (عَلى) مَعْناهُ الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ وهو هُنا لِلْمُلابَسَةِ، مُتَعِلِّقٌ بِـ (سَواءٌ) الدّالِّ عَلى مَعْنى اسْتَوى، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وهَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ أصْلُها الِاسْتِفْهامُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في التَّسْوِيَةِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى عُدَّتِ التَّسْوِيَةُ مِن مَعانِي الهَمْزَةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها في ذَلِكَ مَعَ كَلِمَةِ سَواءٍ وهي تُفِيدُ المَصْدَرِيَّةَ. ولِمّا اسْتُعْمِلَتِ الهَمْزَةُ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ اسْتُعْمِلَتْ أمْ في مَعْنى الواوِ، وقَدْ جاءَ عَلى الِاسْتِعْمالِ الحَقِيقِيِّ قَوْلُ بُثَيْنَةَ:
سَواءٌ عَلَيْنا يا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ إذا مِتَّ بَأْساءُ الحَياةِ ولِينُهَـا
وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ مُبِيِّنَةٌ اسْتِواءَ الإنْذارِ وعَدَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
يس 36:11
﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ ﴿وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [يس: ١٠] أنَّ الإنْذارَ في جانِبِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ هو وعَدَمُهُ سَواءٌ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ يُوهِمُ انْتِفاءَ الجَدْوى مِنَ الغَيْرِ وبَعْضٍ مِن فَضْلِ أهَلِ الإيمانِ أعْقَبَ بِبَيانِ جَدْوى الإنْذارِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ.
والذِّكْرُ: القُرْآنُ.
والِاتِّباعُ: حَقِيقَتُهُ الِاقْتِفاءُ والسَّيْرُ وراءَ سائِرٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإقْبالِ عَلى
صفحة ٣٥٣
الشَّيْءِ والعِنايَةِ بِهِ لِأنَّ المُتَّبِعَ شَيْئًا يَعْتَنِي بِاقْتِفائِهِ، فاتِّباعُ الذِّكْرِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِما فِيهِ لِأنَّ التَّدَبُّرَ فِيهِ يُفْضِي إلى العَمَلِ بِهِ، كَما ورَدَ في قِصَّةِ إيمانِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ وجَدَ لَوْحًا فِيهِ سُورَةُ طه عِنْدَ أُخْتِهِ فَأخَذَ يَقْرَأُ ويَتَدَبَّرُ فَآمَنَ.
وكانَ المُشْرِكُونَ يُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ويَصُدُّونَ النّاسَ عَنْ سَماعِهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ ما في قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ ابْنِ سَلُولَ في مَبْدَأِ حُلُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمَجْلِسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ فَنَزَلَ فَسَلَّمَ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنُ حَتّى إذا فَرَغَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيٍّ: يا هَذا إنَّهُ أحْسَنُ مِن حَدِيثِكَ إنْ كانَ حَقًّا، فاجْلِسْ في بَيْتِكَ فَمَن جاءَكَ فَحَدِّثْهُ ومَن لَمْ يَأْتِكَ فَلا تَغُتَّهُ بِهِ»، ولَمّا كانَ الإقْبالُ عَلى سَماعِ القُرْآنِ مُفْضِيًا إلى الإيمانِ بِما فِيهِ لِأنَّهُ يُداخِلُ القَلْبَ كَما قالَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ. أُتْبِعَتْ صِلَةُ ”اتَّبَعَ الذِّكْرَ“ بِجُمْلَةِ ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾، فَكانَ المُرادُ مِنِ اتِّباعِ الذِّكْرِ أكْمَلَ أنْواعِهِ الَّذِي لا يَعْقُبُهُ إعْراضٌ، فَهو مُؤَدٍّ إلى امْتِثالِ المُتَّبِعِينَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ.
وخَشْيَةُ الرَّحْمَنِ: تَقْواهُ في خُوَيْصَّةِ أنْفُسِهِمْ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُؤْمِنُونَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وبِشَأْنِ الإنْذارِ، فَهَذا قَسِيمُ قَوْلِهِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] وهو بَقِيَّةُ تَفْصِيلِ قَوْلِهِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا، والغَرَضُ تَقْوِيَةُ داعِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ في الإنْذارِ، والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ قَبِلُوا نِذارَتَهُ فَآمَنُوا.
فَمَعْنى فِعْلِ ”تُنْذِرَ“ هو الإنْذارُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ مِنَ الخَشْيَةِ والِامْتِثالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تُنْذِرُ فَيَنْتَذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ، أيْ مِن ذَلِكَ شَأْنُهم لِأنَّهم آمَنُوا ويَتَّقُونَ.
والتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الِاتِّباعِ والخَشْيَةِ. والمُرادُ: ابْتِداءُ الِاتِّباعِ.
ثُمَّ فُرِّعَ عَلى هَذا التَّنْوِيهِ الأمْرُ بِتَبْشِيرِ هَؤُلاءِ بِمَغْفِرَةِ ما كانَ في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ وما يَقْتَرِفُونَ مِنَ اللَّمَمِ.
والجَمْعُ بَيْنَ تُنْذِرُ و”بَشِّرْ“ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ، مَعَ بَيانِ أنَّ أوَّلَ أمْرِهِمُ الإنْذارُ وعاقِبَتَهُ التَّبْشِيرُ.
صفحة ٣٥٤
والأجْرُ: الثَّوابُ عَلى الإيمانِ والطّاعاتِ، ووَصْفُهُ بِالكَرِيمِ لِأنَّهُ الأفْضَلُ في نَوْعِهِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والتَّعْبِيرُ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يُنَكِرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والثّانِي: الإشارَةُ إلى رَحْمَتِهِ لا تَقْتَضِي عَدَمَ خَشْيَتِهِ، فالمُؤْمِنُ يَخْشى اللَّهَ مَعَ عِلْمِهِ بِرَحْمَتِهِ فَهو يَرْجُو الرَّحْمَةَ.
فالقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ وهو قَصْرُ الإنْذارِ عَلى التَّعَلُّقِ بِـ (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) وخَشِيَ اللَّهَ هو بِالتَّأْوِيلِ الَّذِي تُؤُوِّلَ بِهِ مَعْنى فِعْلِ ”تُنْذِرُ“، أيْ حُصُولُ فائِدَةِ الإنْذارِ يَكُونُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا، وإنْ أبَيْتَ إلّا إبْقاءَ فِعْلِ ”تُنْذِرُ“ عَلى ظاهِرِ اسْتِعْمالِ الأفْعالِ وهو الدَّلالَةُ عَلى وُقُوعِ مَصادِرِها، فالقَصْرُ ادِّعائِيٌّ بِتَنْزِيلِ إنْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَتْبِعُوا الذِّكْرَ ولَمْ يَخْشَوْا مَنزِلَةَ عَدَمِ الإنْذارِ في انْتِفاءِ فائِدَتِهِ.
يس 36:12
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِ المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ لَمّا اقْتَضى القَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] نُفِيَ أنْ يَتَعَلَّقَ الإنْذارُ بِالَّذِينِ لَمْ يَتَّبِعُوا الذِّكْرَ ولَمْ يَخْشَوُا الرَّحْمَنَ، وكانَ في ذَلِكَ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالإنْذارِ بِمَنزِلَةِ الأمْواتِ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما يَنْفَعُ كُلَّ عاقِلٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لِتُنْذَرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وكَما قالَ ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ [النمل: ٨٠] اسْتُطْرِدَ عَقِبَ ذَلِكَ بِالتَّخَلُّصِ إلى إثْباتِ البَعْثِ فَإنَّ التَّوْفِيقَ الَّذِي حَفَّ بِمَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ هو كَإحْياءِ المَيِّتِ؛ لِأنَّ حالَةَ الشِّرْكِ حالَةُ ضَلالٍ يُشْبِهُ المَوْتَ، والإخْراجَ مِنهُ كَإحْياءِ المَيِّتِ، فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ بِصَرِيحِها عَلى عِلْمٍ بِتَحْقِيقِ البَعْثِ واشْتَمَلَتْ بِتَعْرِيضِها عَلى رَمْزٍ واسْتِعارَتَيْنِ ضِمْنِيَّتَيْنِ: اسْتِعارَةِ المَوْتى لِلْمُشْرِكِينَ، واسْتِعارَةِ الأحْياءِ لِلْإنْقاذِ مِنَ الشِّرْكِ، والقَرِينَةُ هي الِانْتِقالُ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ لِما يُومِئُ إلَيْهِ الِانْتِقالُ مِن سَبْقِ الحُضُورِ في المُخَيِّلَةِ فَيَشْمَلُ المُتَكَلِّمَ مِمّا كانَ يُتَكَلَّمُ في شَأْنِهِ إلى الكَلامِ فِيما خَطَرَ لَهُ. وهَذِهِ الدَّلالاتُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ
صفحة ٣٥٥
المَقامِ ولَيْسَتْ مِن لَوازِمِ مَعْنى التَّرْكِيبِ. وهَذا مِن أدَقِّ التَّخَلُّصِ بِحَرْفٍ ”إنَّ“ لِأنَّ المُناسَبَةَ بَيْنَ المُنْتَقَلِ مِنهُ والمُنْتَقَلِ إلَيْهِ تَحْتاجُ إلى فِطْنَةٍ، وهَذا مَقامُ خِطابِ الذَّكِيِّ المَذْكُورِ في مُقَدِّمَةِ عِلْمِ المَعانِي.
فَيَكُونُ مَوْقِعَ جُمْلَةِ ﴿إنّا نُحْيِي المَوْتى﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِقَصْدِ إنْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوا الذِّكْرَ، ولَمْ يَخْشَوُا الرَّحْمَنَ، وهُمُ الَّذِينَ اقْتَضاهم جانِبُ النَّفْيِ في صِيغَةِ القَصْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإحْياءُ مُسْتَعارًا لِلْإنْقاذِ مِنَ الشِّرْكِ، والمَوْتى: اسْتِعارَةٌ لِأهْلِ الشِّرْكِ، فَإحْياءُ المَوْتى تَوْفِيقُ مَن آمَنَ مِنَ النّاسِ إلى الإيمانِ كَما قالَ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] الآيَةَ.
فَتَكُونُ الجُمْلَةُ امْتِنانًا عَلى المُؤْمِنِينَ بِتَيْسِيرِ الإيمانِ لَهم، قالَ تَعالى ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١] .
والمُرادُ بِكِتابَةِ ما قَدَّمُوا الكِنايَةَ عَنِ الوَعْدِ بِالثَّوابِ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ والثَّوابِ عَلى آثارِهِمْ.
وهَذا الِاعْتِبارُ يُناسِبُ الِاسْتِئْنافَ الِابْتِدائِيَّ لِيَكُونَ الِانْتِقالُ بِابْتِداءِ كَلامٍ مُنَبِّهًا السّامِعَ إلى ما اعْتَبَرَهُ المُتَكَلِّمُ في مَطاوِي كَلامِهِ.
والتَّأْكِيدُ بِحَرْفِ ”إنَّ“ مَنظُورٌ فِيهِ إلى المَعْنى الصَّرِيحِ كَما هو الشَّأْنُ، ونَحْنُ ضَمِيرُ فَصْلٍ لا لِلتَّقْوِيَةِ وهو زِيادَةُ تَأْكِيدٍ. والمَعْنى: نُحْيِيهِمْ لِلْجَزاءِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا، أيْ نُحْصِي لَهم أعْمالَهم مِن خَيْرٍ وشَرٍّ قَدَّمُوها في الدُّنْيا لِنُجازِيَهِمْ.
وعَطْفُ ذَلِكَ إدْماجٌ لِلْإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِأنَّهم مُحاسَبُونَ عَلى أعْمالِهِمْ ومُجازَوْنَ عَلَيْها.
والكِنايَةُ: كِنايَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ إفْلاتِ شَيْءٍ مِن أعْمالِهِمْ أوْ إغْفالِهِ. وهي ما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِصَحائِفِ الأعْمالِ الَّتِي يُسَجِّلُها الكِرامُ الكاتِبُونَ.
صفحة ٣٥٦
فالمُرادُ بِـ ”ما قَدَّمُوا“ ما عَمِلُوا مِنَ الأعْمالِ قَبْلَ المَوْتِ، شُبِّهَتْ أعْمالُهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِأشْياءَ يُقَدِّمُونَها إلى الدّارِ الآخِرَةِ كَما يُقَدِّمُ المُسافِرُ ثِقْلَهُ وأحْمالَهُ.
وأمّا الآثارُ فَهي آثارُ الأعْمالِ ولَيْسَتْ عَيْنَ الأعْمالِ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِـ ”ما قَدَّمُوا“ مِثْلِ ما يَتْرُكُونَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ بَيْنَ النّاسِ وفي النُّفُوسِ.
والمَقْصُودُ بِذَلِكَ ما عَلِمُوهُ مُوافِقًا لِلتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ مُخالِفًا لَها ”وآثارَهم“ كَذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ شَيْئًا» .
فالآثارُ مُسَبَّباتُ أسْبابٍ عَمِلُوا بِها. ولَيْسَ المُرادُ كِتابَةَ كُلِّ ما عَمِلُوهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا تَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ دِينِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الجَزاءُ. فَهَذا وعْدٌ ووَعِيدٌ، كُلٌّ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنهُ.
وقَدْ ورَدَ عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ بَنِي سَلِمَةَ أرادُوا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِن مَنازِلِهِمْ في أقْصى المَدِينَةِ إلى قُرْبِ المَسْجِدِ وقالُوا: البِقاعُ خالِيَةٌ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ يا بُنِي سَلِمَةَ دِيارَكم، تُكْتَبْ آثارُكم ”مَرَّتَيْنِ» رَواهُ مُسْلِمٌ. ويَعْنِي آثارَ أرْجُلِهِمْ في المَشْيِ إلى صَلاةِ الجَماعَةِ.
وفِي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ زادَ: أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِمْ ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ فَجَعَلَ الآثارَ عامًّا لِلْحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ، وهَذا يُلاقِي الوَجْهَ الثّانِي في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾، وهو جارٍ عَلى ما أسَّسْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ. وتَوَهَّمَ راوِي الحَدِيثِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وسِياقُ الآيَةِ يُخالِفُهُ ومَكِّيَّتُها تُنافِيهِ.
والإحْصاءُ: حَقِيقَتُهُ العَدُّ والحِسابُ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإحاطَةِ والضَّبْطِ وعَدَمِ تَخَلُّفِ شَيْءٍ عَنِ الذِّكْرِ والتَّعْيِينِ؛ لِأنَّ الإحْصاءَ والحِسابَ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا يَفُوتَ واحِدٌ مِنَ المَحْسُوباتِ.
والإمامُ: ما يُؤْتَمُّ بِهِ في الِاقْتِداءِ عَلى حَسَبِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، قالَ النّابِغَةُ:
صفحة ٣٥٧
٢٠٦ بَنَوْا مَجْدَ الحَياةِ عَلى إمامِ أطْلَقَ الإمامَ عَلى الكِتابِ؛ لِأنَّ الكِتابَ يُتَّبَعُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ والشُّرُوطِ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْـ قُضُ ما فِـي الـمَـهَـارِقِ الأهْـواءُ
والمُرادُ (كُلَّ شَيْءٍ) بِحَسَبِ الظّاهِرِ هو كُلُّ شَيْءٍ مِن أعْمالِ النّاسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، فَذِكْرُ“ كُلَّ شَيْءٍ ”لِإفادَةِ الإحاطَةِ والعُمُومِ لِمّا قَدَّمُوا وآثارَهم مِن كَبِيرَةٍ وصَغِيرَةٍ. فَكَلِمَةُ (كُلَّ) نَصٌّ عَلى العُمُومِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ ومِنَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِالإضافَةِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ“ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ ”مُؤَكِّدَةً لِجُمْلَةِ ﴿ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾، ومُبَيِّنَةً لِمُجْمَلِها، ويَكُونُ عَطْفُها دُونَ فَصْلِها مُراعًى فِيهِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن زِيادَةِ الفائِدَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (كُلَّ شَيْءٍ) كَلُّ ما يُوجَدُ مِنَ الذَّواتِ والأعْمالِ، ويَكُونُ الإحْصاءُ إحْصاءَ عِلْمٍ، أيْ: تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالمَعْلُوماتِ عِنْدَ حُدُوثِها، ويَكُونُ الإمامُ المُبِينُ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى. والظَّرْفِيَّةُ ظَرْفِيَّةَ إحاطَةٍ، أيْ: عَدَمُ تَفَلُّتِ شَيْءٍ عَنْ عِلْمِهِ كَما لا يَنْفَلِتُ المَظْرُوفُ عَنِ الظَّرْفِ.
وجُعِلَ عِلْمُ اللَّهِ إمامًا لِأنَّهُ تَجْرِي عَلى وفْقِهِ تَعَلُقاتُ الإرادَةِ الرَّبّانِيَّةِ والقُدْرَةِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ﴾ عَلى هَذا تَذْيِيلًا مُفِيدًا أنَّ الكِتابَةَ لا تَخْتَصُّ بِأعْمالِ النّاسِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ التَّكالِيفِ أوْ ضِدِّها بَلْ تَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ. وإذْ قَدْ كانَ الشَّيْءُ يُرادِفُ المَوْجُودَ جازَ أنْ يُرادَ بِـ“ كُلَّ شَيْءٍ " المَوْجُودُ بِالفِعْلِ، أوْ ما قَبْلَ الإيجادِ وهو المُمْكِنُ، فَيَكُونُ إحْصاؤُهُ هو العِلْمُ بِأنَّهُ يَكُونُ أوْ لا يَكُونُ ومَقادِيرُ كَوْنِهِ وأحْوالِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] .
يس 36:13
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ أعْقَبَ وصْفَ إعْراضِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ القُرْآنِ بِتَهْدِيدِهِمْ
صفحة ٣٥٨
بِعَذابِ الدُّنْيا؛ إذْ قَدْ جاءَ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] .
والضَّرْبُ مَجازٌ مَشْهُورٌ في مَعْنى الوَضْعِ والجَعْلِ، ومِنهُ: ضَرَبَ خَتْمَهُ. وضَرَبْتُ بَيْتًا، وهو هُنا في الجَعْلِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ والمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ شَبَهًا لِأهْلِ مَكَّةَ وإرْسالِكَ إلَيْهِمْ.
و”لَهم“ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”اضْرِبْ“ أيِ اضْرِبْ مَثَلًا لِأجْلِهِمْ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْتَبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم صِفَةٌ لِـ ”مَثَلَ“، أيِ اضْرِبْ شَبِيهًا لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] .
والمَثَلُ: الشَّبِيهُ، فَقَوْلُهُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ مَعْناهُ ونَظِّرْ مَثَلًا، أيْ شَبِّهْ حالَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِكَ بِشَبِيهٍ مِنَ السّابِقَيْنَ، ولَمّا غَلَبَ المَثَلُ في المُشابِهِ في الحالِ وكانَ الضَّرْبُ أعَمَّ، جُعِلَ مَثَلًا مَفْعُولًا لِـ ”اضْرِبْ“، أيْ نَظِّرْ حالَهم بِمُشابِهٍ فِيها فَحَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ اضْرِبْ ومَثَلًا بِالِاعْتِبارِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى الحالِ.
وانْتَصَبَ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾) عَلى البَيانِ لِـ ”مَثَلًا“، أوْ بَدَلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أوَّلَ لِـ ”اضْرِبْ“ و”مَثَلًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢]“ .
والمَعْنى: أنَّ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ أصْحابِ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِهِمْ.
والقَرْيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي ”(أنْطاكِيَةُ)“ وهي مَدِينَةٌ بِالشّامِ مُتاخِمَةٌ لِبِلادِ اليُونانِ.
والمُرْسَلُونَ إلَيْها قالَ قَتادَةُ: هم مِنَ الحَوارِيِّينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ذَلِكَ حِينَ رُفِعَ عِيسى. وذَكَرُوا أسْماءَهم عَلى اخْتِلافٍ في ذَلِكَ.
صفحة ٣٥٩
وتَحْقِيقُ القِصَّةِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ إلى دِينِهِ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنِ الدِّينُ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ إلّا تَكْمِلَةً لِما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إكْمالَهُ مِن شَرِيعَةِ التَّوْارَةِ، ولَكِنَّ عِيسى أوْصى الحَوارِيِّينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ نَهْيِ النّاسِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَكانُوا إذا رَأوْا رُؤْيا أوْ خَطَرَ لَهم خاطِرٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ مِن بِلادِ إسْرائِيلَ أوْ مِمّا جاوَرَها، أوْ خَطَرَ في نُفُوسِهِمْ إلْهامٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لِتَحْقِيقِ وصِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ مَوْلِدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ووَقَعَتِ اخْتِلافاتٌ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَوَتَحْرِيفاتٌ في الأسْماءِ، والَّذِي يَنْطَبِقُ عَلى ما في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ مِن كُتُبِ العَهْدِ الجَدِيدِ أنَّ ”بِرْنابا“ و”شاوَل“ المَدْعُو ”بُولُس“ مِن تَلامِيذِ الحَوارِيِّينَ ووُصِفا بِأنَّهُما مِنَ الأنْبِياءِ، كانا في أنْطاكِيَةَ مُرْسَلَيْنِ لِلتَّعْلِيمِ، وأنَّهُما عُزِّزا بِالتِّلْمِيذِ ”سِيلا“ . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الثّالِثَ هو ”شَمْعُونُ“، لَكِنْ لَيْسَ في سِفْرِ الأعْمالِ ما يَقْتَضِي أنَّ بُولُس وبِرْنابا عُزِّزا بِسَمْعانَ. ووَقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثَ عَشَرَ مِنهُ أنَّهُ كانَ نَبِيٌّ في أنْطاكِيَةَ اسْمُهُ ”سَمْعانُ“ .
والمُكَذِّبُونَ هم مَن كانُوا سُكّانًا بِأنْطاكِيَةَ مِنَ اليَهُودِ واليُونانِ، ولَيْسَ في أعْمالِ الرُّسُلِ سِوى كَلِماتٍ مُجْمَلَةٍ عَنِ التَّكْذِيبِ والمُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ هُنالِكَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ يَطْعَنُونَ في صِدْقِ دَعْوَةِ بُولُس وبِرْنابا ويُثِيرُونَ عَلَيْهِما نِساءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن وُجُوهِ المَدِينَةِ مِنَ اليُونانِ وغَيْرِهِمْ، حَتّى اضْطُرَّ ”بُولُس وبِرْنابا“ إلى أنْ خَرَجا مِن أنْطاكِيَةَ وقَصَدا أيْقُونِيَّةَ وما جاوَرَها وقاوَمَهُما يَهُودُ بَعْضِ تِلْكَ المُدُنِ، وأنَّ أحْبارَ النَّصارى في تِلْكَ المَدائِنِ رَأوْا أنْ يُعِيدُوا بُولُس وبِرْنابا إلى أنْطاكِيَةَ. وبَعْدَ عَوْدَتِهِما حَصَلَ لَهُما ما حَصَلَ لَهُما في الأُولى وبِالخُصُوصِ في قَضِيَّةِ وُجُوبِ الخِتانِ عَلى مَن يَدْخُلُ في الدِّينِ، فَذَهَبَ بُولُس وبِرْنابا إلى أُورَشْلِيمَ لِمُراجَعَةِ الحَوارِيِّينَ فَرَأى أحْبارُ أُورَشْلِيمَ أنْ يُؤَيِّداهُما بِرَجُلَيْنِ
صفحة ٣٦٠
مِنَ الأنْبِياءِ هُما ”بِرْسابا“ و”سِيلا“ . فَأمّا ”بِرْسابا“ فَلَمْ يَمْكُثْ. وأمّا ”سِيلا“ فَبَقِيَ مَعَ ”بُولُس وبِرْنابا“ يَعِظُونَ النّاسَ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِهِمْ مِنَ الحَوارِيِّينَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ إذْ أرْسَلَنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أسْنَدَ الإرْسالَ والتَّعْزِيزَ إلى اللَّهِ.
والتَّعْزِيزُ: التَّقْوِيَةُ، وفي هَذِهِ المادَّةِ مَعْنى جَعْلِ المُقَوّى عَزِيزًا، فالأحْسَنُ أنَّ التَّعْزِيزَ هو النَّصْرُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَعَزَزْنا“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ الأُولى، وفِعْلُ عَزَّ بِمَعْنى يُحْيِي مُرادِفًا لِعَزَّزَ كَما قالُوا شَدَّ وشَدَّدَ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ.
وتَأْكِيدُ قَوْلِهِمْ إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَأكَّدُوا الخَبَرَ تَأْكِيدًا وسَطًا، ويُسَمّى هَذا ضَرْبًا طَلَبِيًّا.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَقْصُودِ إيمانِهِمْ بِعِيسى.
يس 36:14
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ أعْقَبَ وصْفَ إعْراضِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ القُرْآنِ بِتَهْدِيدِهِمْ
صفحة ٣٥٨
بِعَذابِ الدُّنْيا؛ إذْ قَدْ جاءَ في آخِرِ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ [يس: ٢٩] .
والضَّرْبُ مَجازٌ مَشْهُورٌ في مَعْنى الوَضْعِ والجَعْلِ، ومِنهُ: ضَرَبَ خَتْمَهُ. وضَرَبْتُ بَيْتًا، وهو هُنا في الجَعْلِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَعْنى: اجْعَلْ أصْحابَ القَرْيَةِ والمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ شَبَهًا لِأهْلِ مَكَّةَ وإرْسالِكَ إلَيْهِمْ.
و”لَهم“ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ”اضْرِبْ“ أيِ اضْرِبْ مَثَلًا لِأجْلِهِمْ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْتَبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم صِفَةٌ لِـ ”مَثَلَ“، أيِ اضْرِبْ شَبِيهًا لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ [النحل: ٧٤] .
والمَثَلُ: الشَّبِيهُ، فَقَوْلُهُ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ مَعْناهُ ونَظِّرْ مَثَلًا، أيْ شَبِّهْ حالَهم في تَكْذِيبِهِمْ بِكَ بِشَبِيهٍ مِنَ السّابِقَيْنَ، ولَمّا غَلَبَ المَثَلُ في المُشابِهِ في الحالِ وكانَ الضَّرْبُ أعَمَّ، جُعِلَ مَثَلًا مَفْعُولًا لِـ ”اضْرِبْ“، أيْ نَظِّرْ حالَهم بِمُشابِهٍ فِيها فَحَصَلَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ اضْرِبْ ومَثَلًا بِالِاعْتِبارِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى الحالِ.
وانْتَصَبَ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾) عَلى البَيانِ لِـ ”مَثَلًا“، أوْ بَدَلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا أوَّلَ لِـ ”اضْرِبْ“ و”مَثَلًا“ مَفْعُولًا ثانِيًا كَقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ [النحل: ١١٢]“ .
والمَعْنى: أنَّ حالَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَحالِ أصْحابِ القَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِهِمْ.
والقَرْيَةُ، قالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ هي ”(أنْطاكِيَةُ)“ وهي مَدِينَةٌ بِالشّامِ مُتاخِمَةٌ لِبِلادِ اليُونانِ.
والمُرْسَلُونَ إلَيْها قالَ قَتادَةُ: هم مِنَ الحَوارِيِّينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ ذَلِكَ حِينَ رُفِعَ عِيسى. وذَكَرُوا أسْماءَهم عَلى اخْتِلافٍ في ذَلِكَ.
صفحة ٣٥٩
وتَحْقِيقُ القِصَّةِ: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَدْعُ إلى دِينِهِ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنِ الدِّينُ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ إلّا تَكْمِلَةً لِما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ إكْمالَهُ مِن شَرِيعَةِ التَّوْارَةِ، ولَكِنَّ عِيسى أوْصى الحَوارِيِّينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ نَهْيِ النّاسِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ فَكانُوا إذا رَأوْا رُؤْيا أوْ خَطَرَ لَهم خاطِرٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ مِن بِلادِ إسْرائِيلَ أوْ مِمّا جاوَرَها، أوْ خَطَرَ في نُفُوسِهِمْ إلْهامٌ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَلَدٍ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ لِتَحْقِيقِ وصِيَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وكانَ ذَلِكَ في حُدُودِ سَنَةِ أرْبَعِينَ بَعْدَ مَوْلِدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ووَقَعَتِ اخْتِلافاتٌ لِلْمُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَوَتَحْرِيفاتٌ في الأسْماءِ، والَّذِي يَنْطَبِقُ عَلى ما في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ مِن كُتُبِ العَهْدِ الجَدِيدِ أنَّ ”بِرْنابا“ و”شاوَل“ المَدْعُو ”بُولُس“ مِن تَلامِيذِ الحَوارِيِّينَ ووُصِفا بِأنَّهُما مِنَ الأنْبِياءِ، كانا في أنْطاكِيَةَ مُرْسَلَيْنِ لِلتَّعْلِيمِ، وأنَّهُما عُزِّزا بِالتِّلْمِيذِ ”سِيلا“ . وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ الثّالِثَ هو ”شَمْعُونُ“، لَكِنْ لَيْسَ في سِفْرِ الأعْمالِ ما يَقْتَضِي أنَّ بُولُس وبِرْنابا عُزِّزا بِسَمْعانَ. ووَقَعَ في الإصْحاحِ الثّالِثَ عَشَرَ مِنهُ أنَّهُ كانَ نَبِيٌّ في أنْطاكِيَةَ اسْمُهُ ”سَمْعانُ“ .
والمُكَذِّبُونَ هم مَن كانُوا سُكّانًا بِأنْطاكِيَةَ مِنَ اليَهُودِ واليُونانِ، ولَيْسَ في أعْمالِ الرُّسُلِ سِوى كَلِماتٍ مُجْمَلَةٍ عَنِ التَّكْذِيبِ والمُحاوَرَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ هُنالِكَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ يَطْعَنُونَ في صِدْقِ دَعْوَةِ بُولُس وبِرْنابا ويُثِيرُونَ عَلَيْهِما نِساءَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِعِيسى مِن وُجُوهِ المَدِينَةِ مِنَ اليُونانِ وغَيْرِهِمْ، حَتّى اضْطُرَّ ”بُولُس وبِرْنابا“ إلى أنْ خَرَجا مِن أنْطاكِيَةَ وقَصَدا أيْقُونِيَّةَ وما جاوَرَها وقاوَمَهُما يَهُودُ بَعْضِ تِلْكَ المُدُنِ، وأنَّ أحْبارَ النَّصارى في تِلْكَ المَدائِنِ رَأوْا أنْ يُعِيدُوا بُولُس وبِرْنابا إلى أنْطاكِيَةَ. وبَعْدَ عَوْدَتِهِما حَصَلَ لَهُما ما حَصَلَ لَهُما في الأُولى وبِالخُصُوصِ في قَضِيَّةِ وُجُوبِ الخِتانِ عَلى مَن يَدْخُلُ في الدِّينِ، فَذَهَبَ بُولُس وبِرْنابا إلى أُورَشْلِيمَ لِمُراجَعَةِ الحَوارِيِّينَ فَرَأى أحْبارُ أُورَشْلِيمَ أنْ يُؤَيِّداهُما بِرَجُلَيْنِ
صفحة ٣٦٠
مِنَ الأنْبِياءِ هُما ”بِرْسابا“ و”سِيلا“ . فَأمّا ”بِرْسابا“ فَلَمْ يَمْكُثْ. وأمّا ”سِيلا“ فَبَقِيَ مَعَ ”بُولُس وبِرْنابا“ يَعِظُونَ النّاسَ. ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ وإلى أصْحابِهِمْ مِنَ الحَوارِيِّينَ. فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ إذْ أرْسَلَنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أسْنَدَ الإرْسالَ والتَّعْزِيزَ إلى اللَّهِ.
والتَّعْزِيزُ: التَّقْوِيَةُ، وفي هَذِهِ المادَّةِ مَعْنى جَعْلِ المُقَوّى عَزِيزًا، فالأحْسَنُ أنَّ التَّعْزِيزَ هو النَّصْرُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”فَعَزَزْنا“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ الأُولى، وفِعْلُ عَزَّ بِمَعْنى يُحْيِي مُرادِفًا لِعَزَّزَ كَما قالُوا شَدَّ وشَدَّدَ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ الزّايِ.
وتَأْكِيدُ قَوْلِهِمْ إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهم فَأكَّدُوا الخَبَرَ تَأْكِيدًا وسَطًا، ويُسَمّى هَذا ضَرْبًا طَلَبِيًّا.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمُ المَقْصُودِ إيمانِهِمْ بِعِيسى.
يس 36:15
﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾ كانَ أهْلُ أنْطاكِيَةَ والمُدُنِ المُجاوِرَةِ لَها خَلِيطًا مِنَ اليَهُودِ وعَبَدَةَ الأصْنامِ مِنَ اليُونانِ، فَقَوْلُ ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا صالِحٌ لِأنْ يَصْدُرَ مِن عَبَدَةِ الأوْثانِ وهو ظاهِرٌ لِظَنِّهِمْ أنَّ الآلِهَةَ لا تَبْعَثُ الرُّسُلَ ولا تُوحِي إلى أحَدٍ، ولِذَلِكَ جاءَ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ أنَّ بَعْضَ اليُونانِ مِن أهْلِ مَدِينَةِ ”لِسْتُرَة“ رَأوْا مُعْجِزَةً مِن بُولُس النَّبِيءِ فَقالُوا بِلِسانٍ يُونانِيٍّ: إنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنّاسِ ونَزَلُوا إلَيْنا فَكانُوا يَدْعُونَ ”بِرْنابا“ ”زِفْس“ . أيْ: كَوْكَبَ المُشْتَرِي، و”بُولُس“ ”هُرْمُس“ أيْ: كَوْكَبَ عُطارِدٍ وجاءَهُما كاهِنُ ”زِفْس“ بِثِيرانٍ لِيَذْبَحَها لَهُما، وأكالِيلَ لِيَضَعَها عَلَيْهِما، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ”بُولُس وبِرْنابا“ مَزَّقا ثِيابَهُما وصَرَخا: نَحْنُ بَشْرٌ مَثْلُكم نَعِظُكم أنْ تَرْجِعُوا عَنْ
صفحة ٣٦١
هَذِهِ الأباطِيلِ إلى الإلَهِ الحَيِّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ. . . إلَخْ.
وصالِحٌ لِأنْ يَصْدُرُ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ يَقْتَضِي أنَّهُما وبَقِيَّةَ اليَهُودِ سَواءٌ وأنْ لا فَضْلَ لَهُما بِما يَزْعُمُونَ مِنَ النُّبُوءَةِ ويَقْتَضِي إنْكارَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أنَزَلَ شَيْئًا، أيْ بَعْدَ التَّوْراةِ. فَمِن إعْجازِ القُرْآنِ جَمْعُ مُقالَةِ الفَرِيقَيْنِ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ.
واخْتِيارُ وصْفِ الرَّحْمَنِ في حِكايَةِ قَوْلِ الكَفَرَةِ ﴿وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ لِكَوْنِهِ صالِحًا لِعَقِيدَةِ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّ اليُونانَ لا يَعْرِفُونَ اسْمَ اللَّهِ، ورَبُّ الأرْبابِ عِنْدَهم هو ”زِفْس“ وهو مَصْدَرُ الرَّحْمَةِ في اعْتِقادِهِمْ، واليَهُودُ كانُوا يَتَجَنَّبُونَ النُّطْقَ بِاسْمِ اللَّهِ الَّذِي هو في لُغَتِهِمْ ”يَهْوَه“ فَيُعَوِّضُونَهُ بِالصِّفاتِ.
والِاسْتِثْناءُ في (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا تَكْذِبُونَ﴾) اسْتِفْهامٌ مُفَرَّغٌ مِن أخْبارٍ مَحْذُوفَةٍ، فَجُمْلَةُ ”تُكْذِبُونَ“ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ ضَمِيرِ ”أنْتُمْ“ .
يس 36:16
﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ حُكِيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ عَلى سَنَنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِحِكايَةِ أقْوالِ المُتَحاوِرِينَ دُونَ عَطْفٍ.
و(﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾) قَسَمٌ لِأنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِاللَّهِ عَلى صِدْقِ مَقالَتِهِمْ، وهو يَمِينٌ قَدِيمَةٌ انْتَقَلَها العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ الحارِثُ بْنِ عَبّادٍ:
لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ الـلَّـ ـهُ وإنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِي
ويَظْهَرُ أنَّهُ كانَ مُغَلِّظًا عِنْدَهم لِقِلَّةِ وُرُودِهِ في كَلامِهِمْ ولا يَكادُ يَقَعُ إلّا في مَقامٍ مُهِمٍّ. وهو عِنْدَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ يَمِينٌ كَسائِرِ الأيْمانِ فِيها كَفّارَةٌ عِنْدَ الحِنْثِ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ: أنَّ لَهم قَوْلًا بِأنَّ الحالِفَ بِهِ كاذِبًا تَلْزَمُهُ الرِّدَّةُ لِأنَّهُ نَسَبَ إلى عِلْمِ اللَّهِ ما هو مُخالِفٌ لِلْواقِعِ، فَآلَ إلى جَعْلِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا. وهَذا يَرْمِي إلى التَّغْلِيظِ والتَّحْذِيرِ، وإلّا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ أحَدٌ بِلَوازِمَ بَعِيدَةٍ.
صفحة ٣٦٢
واضْطَرَّهم إلى شِدَّةِ التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ ما رَأوْا مِن تَصْمِيمِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ. ويُسَمّى هَذا المِقْدارُ مِنَ التَّأْكِيدِ ضَرْبًا إنْكارِيًّا.
وأمّا قَوْلُهم ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَذَلِكَ وعْظٌ وعَظُوا بِهِ القَوْمَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا مَنفَعَةَ تَنْجَرُّ لَهم مِن إيمانِ القَوْمِ، وإعْلانٌ لَهم بِالتَّبَرُّؤِ مِن عُهْدَةِ بَقاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ النَّظَرَ الفِكْرِيَّ في نُفُوسِ القَوْمِ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِن أبْلَغَ إذا أوْصَلَ خَبَرًا، قالَ تَعالى ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقالَ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، ولا يُسْتَعْمَلُ البَلاغُ في إيصالِ الذَّواتِ.
والفُقَهاءُ يَقُولُونَ في كَراءِ السُّفُنِ والرَّواحِلِ: إنَّ مِنهُ ما هو عَلى البَلاغِ. يُرِيدُونَ عَلى الوُصُولِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ بَيْنَ المَكْرِي والمُكْتَرِي.
والمُبِينُ: وصْفٌ لِلْبَلاغِ، أيِ البَلاغِ الواضِحِ دَلالَةً، وهو الَّذِي لا إيهامَ فِيهِ ولا مُوارَبَةَ.
يس 36:17
﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ حُكِيَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ عَلى سَنَنِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ بِحِكايَةِ أقْوالِ المُتَحاوِرِينَ دُونَ عَطْفٍ.
و(﴿رَبُّنا يَعْلَمُ﴾) قَسَمٌ لِأنَّهُ اسْتِشْهادٌ بِاللَّهِ عَلى صِدْقِ مَقالَتِهِمْ، وهو يَمِينٌ قَدِيمَةٌ انْتَقَلَها العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَ الحارِثُ بْنِ عَبّادٍ:
لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ الـلَّـ ـهُ وإنِّي لِحَرِّها اليَوْمَ صالِي
ويَظْهَرُ أنَّهُ كانَ مُغَلِّظًا عِنْدَهم لِقِلَّةِ وُرُودِهِ في كَلامِهِمْ ولا يَكادُ يَقَعُ إلّا في مَقامٍ مُهِمٍّ. وهو عِنْدَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ يَمِينٌ كَسائِرِ الأيْمانِ فِيها كَفّارَةٌ عِنْدَ الحِنْثِ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ: أنَّ لَهم قَوْلًا بِأنَّ الحالِفَ بِهِ كاذِبًا تَلْزَمُهُ الرِّدَّةُ لِأنَّهُ نَسَبَ إلى عِلْمِ اللَّهِ ما هو مُخالِفٌ لِلْواقِعِ، فَآلَ إلى جَعْلِ عِلْمِ اللَّهِ جَهْلًا. وهَذا يَرْمِي إلى التَّغْلِيظِ والتَّحْذِيرِ، وإلّا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ أحَدٌ بِلَوازِمَ بَعِيدَةٍ.
صفحة ٣٦٢
واضْطَرَّهم إلى شِدَّةِ التَّوْكِيدِ بِالقَسَمِ ما رَأوْا مِن تَصْمِيمِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ. ويُسَمّى هَذا المِقْدارُ مِنَ التَّأْكِيدِ ضَرْبًا إنْكارِيًّا.
وأمّا قَوْلُهم ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فَذَلِكَ وعْظٌ وعَظُوا بِهِ القَوْمَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا مَنفَعَةَ تَنْجَرُّ لَهم مِن إيمانِ القَوْمِ، وإعْلانٌ لَهم بِالتَّبَرُّؤِ مِن عُهْدَةِ بَقاءِ القَوْمِ عَلى الشِّرْكِ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ النَّظَرَ الفِكْرِيَّ في نُفُوسِ القَوْمِ.
والبَلاغُ: اسْمُ مَصْدَرٍ مِن أبْلَغَ إذا أوْصَلَ خَبَرًا، قالَ تَعالى ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقالَ ﴿هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، ولا يُسْتَعْمَلُ البَلاغُ في إيصالِ الذَّواتِ.
والفُقَهاءُ يَقُولُونَ في كَراءِ السُّفُنِ والرَّواحِلِ: إنَّ مِنهُ ما هو عَلى البَلاغِ. يُرِيدُونَ عَلى الوُصُولِ إلى مَكانٍ مُعَيَّنٍ بَيْنَ المَكْرِي والمُكْتَرِي.
والمُبِينُ: وصْفٌ لِلْبَلاغِ، أيِ البَلاغِ الواضِحِ دَلالَةً، وهو الَّذِي لا إيهامَ فِيهِ ولا مُوارَبَةَ.
يس 36:18
﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لَمّا غَلَبَتْهُمُ الحُجَّةُ مِن كُلِّ جانٍ، وبَلَغَ قَوْلُ الرُّسُلِ ﴿وما عَلَيْنا إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧] مِن نُفُوسِ أصْحابِ القَرْيَةِ مَبَلَغَ الخَجَلِ والِاسْتِكانَةِ مِن إخْفاقِ الحُجَّةِ والِاتِّسامِ بِمِيسَمِ المُكابَرَةِ والمُنابَذَةِ لِلَّذِينَ يَبْتَغُونَ نَفْعَهُمُ انْصَرَفُوا إلى سَتْرِ خَجَلِهِمْ وانْفِحامِهِمْ بِتَلْفِيفِ السَّبَبِ لِرَفْضِ دَعْوَتِهِمْ بِما حَسِبُوهُ مُقْنِعًا لِلرُّسُلِ بِتَرْكِ دَعْوَتِهِمْ ظَنًّا مِنهم أنَّ ما يَدَّعُونَهُ شَيْءٌ خَفِيٌّ لا قِبَلَ لِغَيْرِ مُخْتَرِعِهِ بِالمُنازَعَةِ فِيهِ، وذَلِكَ بِأنْ زَعَمُوا أنَّهم تَطَيَّرُوا بِهِمْ ولَحِقَهم مِنهم شُؤْمٌ، ولابُدَّ لِلْمَغْلُوبِ مِن بارِدِ العُذْرِ.
والتَّطَيُّرُ في الأصْلِ تَكَلُّفُ مُعْرِفَةِ دَلالَةِ الطَّيْرِ عَلى خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِن تَعَرُّضِ نَوْعِ الطَّيْرِ ومِن صِفَةِ انْدِفاعِهِ أوْ مَجِيئِهِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ حَدَثٍ يَتَوَهَّمُ مِنهُ أحَدٌ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في لَحاقِ شَرٍّ بِهِ فَصارَ مُرادِفًا لِلتَّشاؤُمِ.
وفِي الحَدِيثِ «لا عَدْوى ولا طِيرَةَ، وإنَّما الطِّيرَةُ عَلى مَن تَطَيَّرَ» وبِهَذا المَعْنى أُطْلِقَ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ قالُوا إنّا تَشاءَمْنا بِكم.
صفحة ٣٦٣
ومَعْنى بِكم بِدَعْوَتِكم، ولَيْسُوا يُرِيدُونَ أنَّ القَرْيَةَ حَلَّ بِها حادِثُ سُوءٍ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهَمْ مِن قَحْطٍ أوْ وباءٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الضُّرِّ العامِّ مُقارَنٌ لِحُلُولِ الرُّسُلِ أوْ لِدَعْوَتِهِمْ، وقَدْ جَوَّزَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما مَعْنى ذَلِكَ: أنَّ أحَدًا لا يَخْلُو في هَذِهِ الحَياةِ مِن أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهُ. ومِن عادَةِ أصْحابِ الأوْهامِ السَّخِيفَةِ والعُقُولِ المَأْفُونَةِ أنْ يُسْنِدُوا الأحْداثَ إلى مُقارَناتِها دُونَ مَعْرِفَةِ أسْبابِها ثُمَّ أنْ يَتَخَيَّرُوا في تَعْيِينِ مُقارَناتِ الشُّؤْمِ أُمُورًا لا تُلائِمُ شَهَواتِهِمْ وما يَنْفِرُونَ مِنهُ، وأنْ يُعِيِّنُوا مِنَ المُقارَناتِ لِلتَّيَمُّنِ ما يَرْغَبُونَ فِيهِ وتَقْبَلُهُ طِباعُهم يُغالِطُونَ بِذَلِكَ أنْفُسَهم، شَأْنُ أهْلِ العُقُولِ الضَّعِيفَةِ، فَمَرْجِعُ العِلَلِ كُلِّها لَدَيْهِمْ إلى أحْوالِ نُفُوسِهِمْ ورَغائِبِهِمْ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وحَكى عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ وإنْ ﴿تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا أرادُوا بِالشُّؤْمِ أنَّ دَعْوَتَهم أحْدَثَتْ مُشاجَراتٍ واخْتِلافًا بَيْنَ أهْلِ القَرْيَةِ فَلَمّا تَمالَأتْ نُفُوسُ أهْلِ القَرْيَةِ عَلى أنَّ تَعْلِيلَ كُلِّ حَدَثٍ مَكْرُوهٍ يُصِيبُ أحَدَهم بِأنَّهُ مِن جَرّاءِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى ذَلِكَ فَقالُوا ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أيْ يَقُولُها الواحِدُ مِنهم أوِ الجَمْعُ فَيُوافِقُهم عَلى ذَلِكَ جَمِيعُ أهْلِ القَرْيَةِ.
ثُمَّ انْتَقَلُوا إلى المُطالَبَةِ بِالِانْتِهاءِ عَنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ فَقالُوا ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وبِذَلِكَ ألْجَأُوا ”بُولُس“ و”بِرْنابا“ إلى الخُرُوجِ مِن أنْطاكِيَةَ فَخَرَجا إلى أيْقُونِيَّةَ وظَهَرَتْ كَرامَةُ ”بُولُس“ في أيْقُونِيَّةَ ثُمَّ في ”لِسْتُرَة“ ثُمَّ في ”دَرْبَةَ“، ولَمْ يَزَلِ اليَهُودُ في كُلِّ مَدِينَةٍ مِن هَذِهِ المُدُنِ يُشاقُّونَ الرُّسُلَ ويَضْطَهِدُونَهم ويُثِيرُونَ النّاسَ عَلَيْهِمْ، فَمَسَّهم مِن ذَلِكَ عَذابٌ وضُرٌّ ورُجِمَ ”بُولُس“ في مَدِينَةِ ”لِسْتُرَة“ حَتّى حَسِبُوا أنْ قَدْ ماتَ.
ولامُ ”﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾“ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ حُكِيَ بِها ما صَدَرَ مِنهم مِن قَسَمٍ بِكَلامِهِمْ.
يس 36:19
﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكم أئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ حُكِيَ قَوْلُ الرَّسُولِ بِما يُرادِفُهُ ويُؤَدِّي مَعْناهُ بِأُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشِّرْكِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ ضُرِبَتِ القَرْيَةُ مَثَلًا لَهم، فالرُّسُلُ لَمْ يَذْكُرُوا مادَّةَ الطِّيَرَةَ والطَّيْرَ وإنَّما
صفحة ٣٦٤
أتَوْا بِما دَلَّ عَلى أنَّ شُؤْمَ القَوْمِ مُتَّصِلٌ بِذَواتِهِمْ لا جاءٍ مِنَ المُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ فَحُكِيَ بِما يُوافِقُهُ في كَلامِ العَرَبِ تَعْرِيضًا بِمُشْرِكِي مَكَّةَ، وهَذا بِمَنزِلَةِ التَّجْرِيدِ لِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِأنْ لُوحِظَ في حِكايَةِ القِصَّةِ مِن شُئُونِ المُشَبَّهِينَ بِأصْحابِ القِصَّةِ، ولَمّا كانَتِ الطِّيرَةُ بِمَعْنى الشُّؤْمِ مُشْتَقَّةً مِنِ اسْمِ الطَّيْرِ لُوحِظَ فِيها مادَّةُ الِاشْتِقاقِ.
وقَدْ جاءَ إطْلاقُ الطّائِرِ عَلى مَعْنى الشُّؤْمِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ ”﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]“ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ.
ومَعْنى (﴿طائِرُكم مَعَكُمُ﴾) الطّائِرُ الَّذِي تَنْسُبُونَ إلَيْهِ الشُّؤْمَ هو مَعَكم، أيْ في نُفُوسِكم، أرادُوا أنَّكم لَوْ تَدَبَّرْتُمْ لَوَجَدْتُمْ أنَّ سَبَبَ ما سَمَّيْتُمُوهُ شُؤْمًا هو كُفْرُكم وسُوءُ سَمْعِكم لِلْمَواعِظِ، فَإنَّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا أحْسَنَ القَوْلِ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يَعْتَدُوا عَلَيْكم، وأنْتُمُ الَّذِينَ آثَرْتُمُ الفِتْنَةَ وأسْعَرْتُمُ البَغْضاءَ والإحَنَ، فَلا جَرَمَ أنْتُمْ سَبَبُ سُوءٍ لِلْحالَةِ الَّتِي حَدَثَتْ في المَدِينَةِ.
وأشارَ آخِرُ كَلامِهِمْ إلى هَذا القَوْلِ إذْ قالُوا (﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾) بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الدّاخِلِ عَلى إنِ الشَّرْطِيَّةِ، فَهو اسْتِفْهامٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، وقُيَّدَ ذَلِكَ المَحْذُوفُ بِالشَّرْطِ الَّذِي حُذِفَ جَوابُهُ أيْضًا اسْتِغْناءً عَنْهُ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْهُ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ إلّا أنَّسِيبَوَيْهِ يُرَجِّحُ إذا اجْتَمَعَ الِاسْتِفْهامُ والشَّرْطُ أنْ يُؤْتى بِما يُناسِبُ الِاسْتِفْهامَ لَوْ صُرِّحَ بِهِ، فَكَذَلِكَ لَمّا حُذِفَ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُناسِبًا لِلِاسْتِفْهامِ. والتَّقْدِيرُ: أتَتَشاءَمُونَ بِالتَّذْكِيرِ إنْ ذُكِّرْتُمْ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أهْلِ القَرْيَةِ إنّا تَطَيَّرْنا بِكم، أيْ بِكَلامِكم وأبْطَلُوا أنْ يَكُونَ الشُّؤْمُ مِن تَذْكِيرِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أيْ لا طِيَرَةَ فِيما زَعَمْتُمْ ولَكِنَّكم قَوْمٌ كافِرُونَ غَشِيَتْ عُقُولَكُمُ الأوْهامُ فَظَنَنْتُمْ ما فِيهِ نَفْعُكم ضُرًّا لَكم، ونُطْتُمُ الأشْياءَ بِغَيْرِ أسْبابِها مِن إغْراقِكم بِالجَهالَةِ والكُفْرِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. ومِن إسْرافِكُمُ اعْتِقادُكم بِالشُّؤْمِ والبَخْتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿أئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾) بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ داخِلَةٍ عَلى ”إنْ“ المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ الشَّرْطِيَّةِ وتَشْدِيدِ الكافِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”أئِنْ ذُكِّرْتُمْ“ بِفَتْحِ كِلْتا الهَمْزَتَيْنِ وبِتَخْفِيفِ الكافِ مِن ”ذُكِرْتُمْ“، والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرٌ، أيْ ألِأجْلِ أنْ ذَكَرْنا
صفحة ٣٦٥
أسْماءَكم حِينَ دَعَوْناكم حَلَّ الشُّؤْمُ بَيْنَكم، كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ أهْلًا لِأنْ تَكُونَ أسْماؤُهم شُؤْمًا.
وفِي ذِكْرِ كَلِمَةِ ”قَوْمِ“ إيذانٌ بِأنَّ الإسْرافَ مُتَمَكِّنٌ مِنهم وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
يس 36:20
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:21
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:22
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:23
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:24
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:25
﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّيَ إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّيَ آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ التَّحاوُرِ الجارِي بَيْنَ أصْحابِ القَرْيَةِ والرُّسُلِ الثَّلاثَةِ لِبَيانِ البَوْنِ بَيْنَ حالِ المُعانِدِينَ مِن أهَّلِ القَرْيَةِ وحالِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ مِنهُمُ الَّذِي وعَظَهم بِمَوْعِظَةٍ بالِغَةٍ وهو مِن نَفَرٍ قَلِيلٍ مِن أهْلِ القَرْيَةِ.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ ﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ جاءَها المُرْسَلُونَ ولَكَ أنْ تَجْعَلَها عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤] .
والمُرادُ بِالمَدِينَةِ هُنا نَفْسُ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) عُبِّرَ عَنْها هُنا بِالمَدِينَةِ تَفَنُّنًا، فَيَكُونُ أقْصى صِفَةً لِمَحْذُوفٍ هو المُضافُ في المَعْنى إلى المَدِينَةِ. والتَّقْدِيرُ: مِن بَعِيدِ المَدِينَةِ، أيْ طَرَفِ المَدِينَةِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ أنَّهُ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ ظَهَرَ في أهْلِ رَبَضِ المَدِينَةِ قَبْلَ ظُهُورِهِ في قَلْبِ المَدِينَةِ لِأنَّ قَلْبَ المَدِينَةِ هو مَسْكَنُ حُكّامِها وأحْبارِ اليَهُودِ وهم أبْعَدُ عَنِ الِإنْصافِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، وعامَّةُ سُكّانِها تَبَعٌ لِعُظَمائِها لِتَعَلُّقِهِمْ بِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ بَأْسَهم بِخِلافِ أطْرافِ سُكّانِ المَدِينَةِ فَهم أقْرَبُ إلى الِاسْتِقْلالِ بِالنَّظَرِ وقِلَّةِ اكْتِراثٍ بِالآخَرِينَ لِأنَّ سُكّانَ أطْرافِ المَدِينَةِ غالِبُهم عَمَلَةُ أنْفُسِهِمْ لِقُرْبِهِمْ مِنَ البَدْوِ.
وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ تَقْدِيمِ (مِن أقْصى المَدِينَةِ) عَلى (رَجُلٍ) لِلِاهْتِمامِ بِالثَّناءِ
صفحة ٣٦٦
عَلى أهْلِ أقْصى المَدِينَةِ. وأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الخَيْرُ في الأطْرافِ ما لا يُوجَدُ في الوَسَطِ، وأنَّ الإيمانَ يَسْبِقُ إلَيْهِ الضُّعَفاءُ لِأنَّهم لا يَصُدُّهم عَنِ الحَقِّ ما فِيهِ أهَّلُ السِّيادَةِ مِن تَرَفُّقٍ وعَظَمَةٍ إذِ المُعْتادُ أنَّهم يَسْكُنُونَ وسَطَ المَدِينَةِ، قالَ أبُو تَمّامٍ:
كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاتَّصَلَتْ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَصَصِ ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ [القصص: ٢٠] . فَجاءَ النَّظْمُ عَلى التَّرْتِيبِ الأصْلِيِّ إذْ لا داعِي إلى التَّقْدِيمِ إذْ كانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ناصِحًا ولَمْ يَكُنْ داعِيًا لِلْإيمانِ.
وعَلى هَذا فَهَذا الرَّجُلُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وهو مِمّا امْتازَ القُرْآنُ بِالإعْلامِ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ وُجِدَ أنَّ اسْمَهُ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ قِيلَ كانَ نَجّارًا - وقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ - فَلَمّا أشْرَفَ الرُّسُلُ عَلى المَدِينَةِ رَآهم ورَأى مُعْجِزَةً لَهم أوْ كَرامَةً فَآمَنَ. وقِيلَ: كانَ مُؤْمِنًا مِن قَبْلُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي وصَفَهُ المُفَسِّرُونَ بِالنَّجّارِ أنَّهُ هو ”سَمْعانُ“ الَّذِي يُدْعى ”بِالنَّيْجَرِ“ المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الحادِيَ عَشَرَ مِن سِفْرِ أعْمالِ الرُّسُلِ وأنَّ وصْفَ النَّجّارِ مُحَرَّفٌ عَنْ ”نَيْجَر“ فَقَدْ جاءَ في الأسْماءِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ اسْمُ شَمْعُونَ الصَّفا أوْ سَمْعانَ. ولَيْسَ هَذا الِاسْمُ مَوْجُودًا في كِتابِ أعْمالِ الرُّسُلِ.
ووَصْفُ الرَّجُلِ بِالسَّعْيِ يُفِيدُ أنَّهُ جاءَ مُسْرِعًا وأنَّهُ بَلَغَهُ هَمُّ أهْلِ المَدِينَةِ بِرَجْمِ الرُّسُلِ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَنْصَحَهم خَشْيَةً عَلَيْهِمْ وعَلى الرُّسُلِ، وهَذا ثَناءٌ عَلى هَذا الرَّجُلِ يُفِيدُ أنَّهُ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ في الإسْراعِ إلى تَغَيُّرِ المُنْكَرِ.
وجُمْلَةُ قالَ (يا قَوْمِ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَ رَجُلٌ) لِأنَّ مَجِيئَهُ لَمّا كانَ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِمّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَجِيءُ المَذْكُورُ.
وافْتِتاحُ خِطابِهِ إيّاهم بِنِدائِهِمْ بِوَصْفِ القَوْمِيَّةِ لَهُ قَصْدٌ مِنهُ أنَّ في كَلامِهِ الإيماءَ إلى أنَّ ما سَيُخاطِبُهم بِهِ هو مَحْضُ نَصِيحَةٍ لِأنَّهُ يُحِبُّ لِقَوْمِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
والِاتِّباعُ: الِامْتِثالُ، اسْتُعِيرَ لَهُ الِاتِّباعُ تَشْبِيهًا لِلْأخْذِ بِرَأْيِ غَيْرِهِ بِالمُتَّبِعِ لَهُ في سَيْرِهِ.
والتَّعْرِيفُ في المُرْسَلِينَ لِلْعَهْدِ.
صفحة ٣٦٧
وجُمْلَةُ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) مَعَ زِيادَةِ الإيماءِ إلى عِلَّةِ اتِّباعِهِمْ بِلَوائِحِ عَلاماتِ الصِّدْقِ والنُّصْحِ عَلى رِسالَتِهِمْ إذْ هم يَدْعُونَ إلى هُدًى، ولا نَفْعَ يَنْجَرُّ لَهم مِن ذَلِكَ فَتَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهم لِقَصْدِ هِدايَةِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ حِكْمَةٌ جامِعَةٌ، أيِ اتَّبِعُوا مَن لا تَخْسَرُونَ مَعَهم شَيْئًا مِن دُنْياكم وتَرْبَحُونَ صِحَّةَ دِينِكم.
وإنَّما قُدِّمَ في الصِّلَةِ عَدَمُ سُؤالِ الأجْرِ عَلى الِاهْتِداءِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا في شَكٍّ مِن صِدْقِ المُرْسَلِينَ وكانَ مِن دَواعِي تَكْذِيبِهِمُ اتِّهامُهم بِأنَّهم يَجُرُّونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا مِن ذَلِكَ لِأنَّ القَوْمَ لَمّا غَلَبَ عَلَيْهِمُ التَّعَلُّقُ بِحُبِّ المالِ وصارُوا بُعَداءَ عَنْ إدْراكِ المَقاصِدِ السّامِيَةِ كانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ سَعْيٍ يَلُوحُ عَلى امْرِئٍ إنَّما يَسْعى بِهِ إلى نَفْعِهِ. فَقَدَّمَ ما يُزِيلُ عَنْهم هَذِهِ الِاسْتِرابَةَ ولِيتَهَيَّوْا إلى التَّأمُّلِ فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ، ولِأنَّ هَذا مِن قَبِيلِ التَّخْلِيَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْسَلِينَ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، والتَّخْلِيَةُ تُقَدَّمُ عَلى التَّحْلِيَةِ، فَكانَتْ جُمْلَةُ لا يَسْألُكم أجْرًا أهَمَّ في صِلَةِ المَوْصُولِ.
والأجْرُ يَصْدُقُ بِكُلِّ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لِأحَدٍ مِن عَمَلِهِ فَيَشْمَلُ المالَ والجاهَ والرِّئاسَةَ. فَلَمّا نُفِيَ عَنْهم أنْ يَسْألُوا أجْرًا فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَكُونُوا يَرْمُونَ مِن دَعْوَتِهِمْ إلى نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَحْصُلُ لَهم.
وبَعْدَ ذَلِكَ تَهَيَّأُ المَوْقِعُ لِجُمْلَةِ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) أيْ وهم مُتَّصِفُونَ بِالِاهْتِداءِ إلى ما يَأْتِي بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، وهم إنَّما يَدْعُونَكم إلى أنْ تَسِيرُوا سِيرَتَهم فَإذا كانُوا هم مُهْتَدِينَ فَإنَّ ما يَدْعُونَكم إلَيْهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِهِمْ دَعْوَةً إلى الهُدى، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَوْقِعِها بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها ثَناءً عَلى المُرْسَلِينَ وعَلى ما يَدْعُونَ إلَيْهِ وتَرْغِيبًا في مُتابَعَتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ مَثَّلَ بِها القَزْوِينِيُّ في الإيضاحِ والتَّلْخِيصِ لِلْإطْنابِ المُسَمّى بِالإيغالِ وهو أنْ يُؤْتى بَعْدَ تَمامِ المَعْنى المَقْصُودِ بِكَلامٍ آخَرَ يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ لِنُكْتَةٍ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَكَ مِمّا فَسَّرْنا بِهِ أنَّ قَوْلَهُ (﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾) لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ زِيادَةٍ بَلْ كانَ لِتَوَقُّفِ المَوْعِظَةِ عَلَيْها، وكانَ قَوْلُهُ (﴿مَن لا يَسْألُكم أجْرًا﴾) كالتَّوْطِئَةِ لَهُ. ونَعْتَذِرُ لِصاحِبِ التَّلْخِيصِ بِأنَّ المِثالَ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ.
صفحة ٣٦٨
وجاءَتِ الجُمْلَةُ الأُولى مِنَ الصِّلَةِ فِعْلِيَّةً مَنفِيَّةً لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ أنْ يَحْدُثَ مِنهم سُؤالُ أجْرٍ فَضْلًا عَنْ دَوامِهِ وثَباتِهِ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ اسْمِيَّةً لِإفادَةِ إثْباتِ اهْتِدائِهِمْ ودَوامِهِ بِحَيْثُ لا يُخْشى مَن يَتَّبِعُهم أنْ يَكُونَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ مُهْتَدٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ومالِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾) قَصَدَ إشْعارَهم بِأنَّهُ اتَّبَعَ المُرْسَلِينَ وخَلَعَ عِبادَةَ الأوْثانِ، وأبْرَزَ الكَلامَ في صُورَةِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ وبِصِيغَةِ: ما لِيَ لا أفْعَلُ، الَّتِي شَأْنُها أنْ يُورِدَها المُتَكَلِّمُ في رَدِّ مَن أنْكَرَ عَلَيْهِ فِعْلًا، أوْ مَلَكَهُ العَجَبُ مِن فِعْلِهِ أوْ يُورِدُها مَن يُقَدِّرُ ذَلِكَ في قَلْبِهِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إلى تَصْدِيقِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ سَبَقَهم بِما أمَرَهم بِهِ.
و”ما“ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ الِابْتِداءِ، والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ لِي خَبَرٌ عَنْ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وجُمْلَةُ لا أعْبُدُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ. والمَعْنى: وما يَكُونُ لِي في حالِ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي، أيْ لا شَيْءَ يَمْنَعُنِي مِن عِبادَةِ الَّذِي خَلَقَنِي، وهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِهِمْ كَأنَّهُ يَقُولُ: وما لِيَ لا أعْبُدُ وما لَكَمَ لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) إذْ جَعَلَ الإسْنادَ إلى ضَمِيرِهِمْ تَقْوِيَةً لِمَعْنى التَّعَرُّضِ، وإنَّما ابْتَدَأهُ بِإسْنادِ الخَبَرِ إلى نَفْسِهِ لِإبْرازِهِ في مَعْرِضِ المُناصَحَةِ لِنَفْسِهِ وهو مُرِيدٌ مُناصَحَتَهم لِيَتَلَطَّفَ بِهِمْ ويُدارِئَهم فَيُسْمِعَهُمُ الحَقَّ عَلى وجْهٍ لا يُثِيرُ غَضَبَهم ويَكُونُ أعْوَنَ عَلى قَبُولِهِمْ إيّاهُ حِينَ يَرَوْنَ أنَّهُ لا يُرِيدُ لَهم إلّا ما يُرِيدُ لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ فَرَجَعَ إلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِاسْتِشْعارِ سُؤالٍ عَنْ وُقُوعِ الِانْتِفاعِ بِشَفاعَةِ تِلْكَ الآلِهَةِ عِنْدَ الَّذِي فَطَرَهُ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيُّ أيْ أُنْكِرُ عَلى نَفْسِي أنْ أتَّخِذَ مِن دُونِهِ آلِهَةً، أيْ لا أتَّخِذُ آلِهَةً.
والِاتِّخاذٌ: افْتِعالٌ مِنَ الأخْذِ وهو التَّناوُلُ، والتَّناوُلُ يُشْعِرُ بِتَحْصِيلِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فالِاتِّخاذُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ صُنِعَ وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ أنَّهم جَعَلُوا الأوْثانَ آلِهَةً ولَيْسَتْ بِآلِهَةٍ لِأنَّ الإلَهَ الحَقَّ لا يُجْعَلُ جَعْلًا ولَكِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ الإلَهِيَّةَ بِالذّاتِ.
صفحة ٣٦٩
ووَصَفَ الآلِهَةَ المَزْعُومَةَ المَفْرُوضَةَ الِاتِّخاذِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾، والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِالمُخاطَبِينَ في اتِّخاذِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةِ بِعِلَّةِ أنَّها تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ وتُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى. وقَدْ عَلِمَ مِنِ انْتِفاءِ دَفْعِهِمُ الضُّرَّ أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ جَلْبِ نَفْعٍ لِأنَّ دَواعِيَ دَفْعِ الضُّرِّ عَنِ المَوْلى أقْوى وأهَمُّ، ولَحاقُ العارِ بِالوَلِيِّ في عَجْزِهِ عَنْهُ أشَدُّ.
وجاءَ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْوَجْهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾ [يس: ١٥] .
والإنْقاذُ: التَّخْلِيصُ مِن غَلَبٍ أوْ كَرْبٍ أوْ حَيْرَةٍ، أيْ لا تَنْفَعُنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي أرادَنِي بِضُرٍّ ولا يُنْقِذُونَنِي مِنَ الضُّرِّ إذا أصابَنِي.
وإذْ قَدْ نُفِيَ عَنْ شَفاعَتِهِمُ النَّفْعُ لِلْمَشْفُوعِ فِيهِ فَقَدْ نُفِيَ عَنْهم أنْ يَشْفَعُوا بِطَرِيقِ الِالتِزامِ لِأنَّ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُشَفَّعُ لا يَشْفَعُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً لا شَفاعَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، لِإبْطالِ اعْتِقادِهِمْ أنَّهم شُفَعاءُ مَقْبُولُو الشَّفاعَةِ. وإذْ كانَتْ شَفاعَتُهم لا تَنْفَعُ لِعَجْزِهِمْ وعَدَمِ مُساواتِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي يَضُرُّ ويَنْفَعُ في صِفاتِ الإلَهِيَّةِ كانَ انْتِفاءُ أنْ يُنْقِذُوا أوْلى. وإنَّما ذُكِرَ العُدُولُ عَنْ دَلالَةِ الفَحْوى إلى دَلالَةِ المَنطُوقِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَصْرِيحٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالإيمانِ وهو أساسُ الصَّلاحِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. فَحَرْفُ إذًا جَزاءٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، أيْ إنِ اتَّخَذَتُ مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً أكُنْ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الغايَةِ مِنَ الخِطابِ والنَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ. وهَذا إعْلانٌ لِإيمانِهِ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو رَبُّهم لا تِلْكَ الأصْنامِ.
وأُكِّدَ الإعْلانُ بِتَفْرِيعِ فاسْمَعُونِ اسْتِدْعاءً لِتَحْقِيقِ أسْماعِهِمْ إنْ كانُوا في غَفْلَةٍ.
يس 36:26
صفحة ٣٧٠
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يَنْتَظِرُهُ سامِعُ القِصَّةِ مِن مَعْرِفَةِ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ واجَهَهم بِذَلِكَ الخِطابِ الجَزْلِ. وهَلِ اهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ وتارَكُوهُ أوْ آذَوْهُ كَما يُؤْذى أمْثالُهُ مِنَ الدّاعِينَ إلى الحَقِّ المُخالِفِينَ هَوى الدَّهْماءِ فَيُجابُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وهو الأهَمُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وهم مِنَ المَقْصُودِينَ بِمَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذا لِيَزْدادُوا يَقِينًا وثَباتًا في إيمانِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَحَظُّهم مِنَ المَثَلِ ما تَقَدَّمَ وما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ شَهِيدًا في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأنَّ تَعْقِيبَ مَوْعِظَتِهِ بِأمْرِهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُفْعَةً بِلا انْتِقالٍ يُفِيدُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّهُ ماتَ وأنَّهم قَتَلُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَتَلُوهُ رَجْمًا بِالحِجارَةِ، وقالَ بَعْضُهم: أحْرَقُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ورَدَمُوهُ فِيها حَيًّا.
وإنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قَدْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَقِبَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشُّهَداءِ، والشُّهَداءُ لَهم مَزِيَّةَ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولًا غَيْرَ مُوَسَّعٍ. فَفي الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ» .
والقائِلُ ادْخُلِ الجَنَّةَ هو اللَّهُ تَعالى.
والمَقُولُ لَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرُ المَقُولِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللّامِ لِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ هُنا قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لا يُقْصَدُ مِنهُ المُخاطَبُ بِهِ بَلْ يُقْصَدُ حِكايَةُ حُصُولِهِ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ حَصَلَ أثَرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) .
وإذْ لَمْ يَقُصَّ في المَثَلِ أنَّهُ غادَرَ مَقامَهَ الَّذِي قامَ فِيهِ بِالمَوْعِظَةِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ ماتَ في مَقامِهِ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ماتَ قَتِيلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِأثَرِهِ.
وإنَّما سَلَكَ في هَذا المَعْنى طَرِيقَ الكِنايَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم قَتَلُوهُ إغْماضًا لِهَذا المَعْنى عَنِ المُشْرِكِينَ كَيْلا يَسُرُّهم أنَّ قَوْمَهُ قَتَلُوهُ فَيَجْعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما ضُرِبَ بِهِ
صفحة ٣٧١
المَثَلُ لَهم ولِلرَّسُولِ ﷺ فَيَطْمَعُوا فِيهِ أنَّهم يَقْتُلُونَ الرَّسُولَ ﷺ فَهَذِهِ الكِنايَةُ لا يَفْهَمُها إلّا أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَيَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ في الكَلامِ البَلِيغِ خَصائِصُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِها بَعْضُ السّامِعِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ماذا قالَ حِينَ غَمَرَهُ الفَرَحُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُلْهِهِ دُخُولُ الجَنَّةِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، فَتَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا ماذا لَقِيَ مِن رَبِّهِ لِيَعْلَمُوا فَضِيلَةَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُوا وما تَمَنّى هَلاكَهم ولا الشَّماتَةَ بِهِمْ فَكانَ مُتَّسِمًا بِكَظْمِ الغَيْظِ وبِالحِلْمِ عَلى أهْلِ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الحَقائِقِ لا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إلّا إلى الصَّلاحِ المَحْضِ ولا قِيمَةَ لِلْحُظُوظِ الدَّنِيَّةَ وسَفْسافِ الأُمُورِ.
وأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُخْبِرُونَ، لِأنَّهُ لا مَطْمَعَ في أنْ يَحْصُلَ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَعْلَمُونَ بِغُفْرانِ رَبِّي وجَعْلِهِ إيّايَ مِنَ المُكْرَمِينَ.
والمُرادُ بِالمُكْرَمِينَ: الَّذِينَ تَلْحَقُهم كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وأفْضَلُ الصّالِحِينَ قالَ تَعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يَعْنِي المَلائِكَةَ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
صفحة ٥
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى قِصَّةِ أصْحابِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنِ انْقَطَعَ الحَدِيثُ عَنْهم بِذِكْرِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ ناصِحًا لَهم وكانَ هَذا الرُّجُوعُ بِمُناسَبَةِ أنَّ القَوْمَ قَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ ما كانَ مِن هَذا الرَّجُلِ ومِن أمْرِ قَوْمِهِ الَّذِينَ نَصَحَهم فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فَلَمّا بَيَّنَ لِلسّامِعِ ما كانَ مِن أمْرِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانُ ما كانَ مِن أمْرِ القَوْمِ بَعْدَهُ.
وافْتِتاحُ قِصَّةِ عِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِنَفْيِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الِانْتِقامِ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أنَّهم ما حَلَّ بِهِمْ إلّا مِثْلُ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً لِقِتالِ قَوْمِهِ، أوْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ، وما كانَتْ عُقُوبَتُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِن مَلَكٍ واحِدٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ مَزِيدَةٌ في الظَّرْفِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ، وإضافَةُ (بَعْدِ) إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ شائِعِ الحَذْفِ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]
صفحة ٦
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن جُنْدٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ جُنْدٍ في سِياقِ النَّفْيِ، و(مِنَ) في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الإتْيانِ بِحَرْفٍ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ مَعَ اخْتِلافِ المَعْنى مُحَسِّنُ الجِناسِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الَّذِي تَدَّعِي أنَّهُ أرْسَلَكَ ومَعَهُ جُنْدُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَثْأرَ لَكَ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ نَوْعَيِ العِقابِ المَنفِيِّ والمُثْبَتِ، لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَجْرِ بِإنْزالِ الجُنُودِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وشَأْنُ العاصِينَ أدْوَنُ مِن هَذا الِاهْتِمامِ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، فَوَصْفُهُا بِواحِدَةٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ المُفْرَدُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ، و(صَيْحَةً) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَتْ“ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ، ولَحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ بِالفِعْلِ مَعَ نَصْبِ (صَيْحَةً) مُشِيرٌ إلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ إلّا صَيْحَةً مِن صِفَتِها أنَّها واحِدَةٌ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
ومَجِيءُ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ الخُمُودِ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ.
وهَذِهِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةٌ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] .
والخُمُودُ: انْطِفاءُ النّارِ، اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ المَلِيئَةِ بِالقُوَّةِ والطُّغْيانِ، لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ تَشْبِيهَ حالِ حَياتِهِمْ بِشُبُوبِ النّارِ وحالِ مَوْتِهِمْ بِخُمُودِ النّارِ فَحَصَلَ لِذَلِكَ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما صَرِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وأُخْرى ضِمْنِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ ورَمْزُها الأُولى، وهُما الِاسْتِعارَتانِ اللَّتانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُ لَبِيَدٍ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
صفحة ٧
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَ هَذا الإيجازُ في الآيَةِ بَدِيعًا لِحُصُولِ مَعْنى بَيْتِ لَبِيَدٍ في ثَلاثِ كَلِماتٍ.
وهَذا يُشِيرُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِأهْلِ أنْطاكِيَةَ عَقِبَ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ وهو كَرامَةٌ لِشُهَداءِ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودٍ كانَ الَّذِينَ خَمَدُوا بِها جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ، فَلَعَلَّهم كانُوا كُفّارًا كُلُّهم بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ الَّذِي وعَظَهم وبَعْدَ مُغادَرَةِ الرُّسُلِ القَرْيَةَ. ولَكِنْ مِثْلُ هَذا الحادِثِ لَمْ يَذْكُرِ التّارِيخُ حُدُوثَهُ في أنْطاكِيَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ التّارِيخُ بَعْضَ الحَوادِثِ وخاصَّةً في أزْمِنَةِ الِاضْطِرابِ والفِتْنَةِ.
يس 36:27
صفحة ٣٧٠
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يَنْتَظِرُهُ سامِعُ القِصَّةِ مِن مَعْرِفَةِ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ واجَهَهم بِذَلِكَ الخِطابِ الجَزْلِ. وهَلِ اهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ وتارَكُوهُ أوْ آذَوْهُ كَما يُؤْذى أمْثالُهُ مِنَ الدّاعِينَ إلى الحَقِّ المُخالِفِينَ هَوى الدَّهْماءِ فَيُجابُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وهو الأهَمُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وهم مِنَ المَقْصُودِينَ بِمَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذا لِيَزْدادُوا يَقِينًا وثَباتًا في إيمانِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَحَظُّهم مِنَ المَثَلِ ما تَقَدَّمَ وما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ شَهِيدًا في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأنَّ تَعْقِيبَ مَوْعِظَتِهِ بِأمْرِهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُفْعَةً بِلا انْتِقالٍ يُفِيدُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّهُ ماتَ وأنَّهم قَتَلُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَتَلُوهُ رَجْمًا بِالحِجارَةِ، وقالَ بَعْضُهم: أحْرَقُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ورَدَمُوهُ فِيها حَيًّا.
وإنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قَدْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَقِبَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشُّهَداءِ، والشُّهَداءُ لَهم مَزِيَّةَ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولًا غَيْرَ مُوَسَّعٍ. فَفي الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ» .
والقائِلُ ادْخُلِ الجَنَّةَ هو اللَّهُ تَعالى.
والمَقُولُ لَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرُ المَقُولِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللّامِ لِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ هُنا قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لا يُقْصَدُ مِنهُ المُخاطَبُ بِهِ بَلْ يُقْصَدُ حِكايَةُ حُصُولِهِ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ حَصَلَ أثَرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) .
وإذْ لَمْ يَقُصَّ في المَثَلِ أنَّهُ غادَرَ مَقامَهَ الَّذِي قامَ فِيهِ بِالمَوْعِظَةِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ ماتَ في مَقامِهِ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ماتَ قَتِيلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِأثَرِهِ.
وإنَّما سَلَكَ في هَذا المَعْنى طَرِيقَ الكِنايَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم قَتَلُوهُ إغْماضًا لِهَذا المَعْنى عَنِ المُشْرِكِينَ كَيْلا يَسُرُّهم أنَّ قَوْمَهُ قَتَلُوهُ فَيَجْعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما ضُرِبَ بِهِ
صفحة ٣٧١
المَثَلُ لَهم ولِلرَّسُولِ ﷺ فَيَطْمَعُوا فِيهِ أنَّهم يَقْتُلُونَ الرَّسُولَ ﷺ فَهَذِهِ الكِنايَةُ لا يَفْهَمُها إلّا أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَيَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ في الكَلامِ البَلِيغِ خَصائِصُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِها بَعْضُ السّامِعِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ماذا قالَ حِينَ غَمَرَهُ الفَرَحُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُلْهِهِ دُخُولُ الجَنَّةِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، فَتَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا ماذا لَقِيَ مِن رَبِّهِ لِيَعْلَمُوا فَضِيلَةَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُوا وما تَمَنّى هَلاكَهم ولا الشَّماتَةَ بِهِمْ فَكانَ مُتَّسِمًا بِكَظْمِ الغَيْظِ وبِالحِلْمِ عَلى أهْلِ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الحَقائِقِ لا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إلّا إلى الصَّلاحِ المَحْضِ ولا قِيمَةَ لِلْحُظُوظِ الدَّنِيَّةَ وسَفْسافِ الأُمُورِ.
وأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُخْبِرُونَ، لِأنَّهُ لا مَطْمَعَ في أنْ يَحْصُلَ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَعْلَمُونَ بِغُفْرانِ رَبِّي وجَعْلِهِ إيّايَ مِنَ المُكْرَمِينَ.
والمُرادُ بِالمُكْرَمِينَ: الَّذِينَ تَلْحَقُهم كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وأفْضَلُ الصّالِحِينَ قالَ تَعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يَعْنِي المَلائِكَةَ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
صفحة ٥
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى قِصَّةِ أصْحابِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنِ انْقَطَعَ الحَدِيثُ عَنْهم بِذِكْرِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ ناصِحًا لَهم وكانَ هَذا الرُّجُوعُ بِمُناسَبَةِ أنَّ القَوْمَ قَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ ما كانَ مِن هَذا الرَّجُلِ ومِن أمْرِ قَوْمِهِ الَّذِينَ نَصَحَهم فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فَلَمّا بَيَّنَ لِلسّامِعِ ما كانَ مِن أمْرِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانُ ما كانَ مِن أمْرِ القَوْمِ بَعْدَهُ.
وافْتِتاحُ قِصَّةِ عِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِنَفْيِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الِانْتِقامِ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أنَّهم ما حَلَّ بِهِمْ إلّا مِثْلُ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً لِقِتالِ قَوْمِهِ، أوْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ، وما كانَتْ عُقُوبَتُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِن مَلَكٍ واحِدٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ مَزِيدَةٌ في الظَّرْفِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ، وإضافَةُ (بَعْدِ) إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ شائِعِ الحَذْفِ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]
صفحة ٦
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن جُنْدٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ جُنْدٍ في سِياقِ النَّفْيِ، و(مِنَ) في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الإتْيانِ بِحَرْفٍ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ مَعَ اخْتِلافِ المَعْنى مُحَسِّنُ الجِناسِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الَّذِي تَدَّعِي أنَّهُ أرْسَلَكَ ومَعَهُ جُنْدُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَثْأرَ لَكَ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ نَوْعَيِ العِقابِ المَنفِيِّ والمُثْبَتِ، لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَجْرِ بِإنْزالِ الجُنُودِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وشَأْنُ العاصِينَ أدْوَنُ مِن هَذا الِاهْتِمامِ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، فَوَصْفُهُا بِواحِدَةٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ المُفْرَدُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ، و(صَيْحَةً) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَتْ“ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ، ولَحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ بِالفِعْلِ مَعَ نَصْبِ (صَيْحَةً) مُشِيرٌ إلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ إلّا صَيْحَةً مِن صِفَتِها أنَّها واحِدَةٌ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
ومَجِيءُ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ الخُمُودِ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ.
وهَذِهِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةٌ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] .
والخُمُودُ: انْطِفاءُ النّارِ، اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ المَلِيئَةِ بِالقُوَّةِ والطُّغْيانِ، لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ تَشْبِيهَ حالِ حَياتِهِمْ بِشُبُوبِ النّارِ وحالِ مَوْتِهِمْ بِخُمُودِ النّارِ فَحَصَلَ لِذَلِكَ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما صَرِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وأُخْرى ضِمْنِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ ورَمْزُها الأُولى، وهُما الِاسْتِعارَتانِ اللَّتانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُ لَبِيَدٍ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
صفحة ٧
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَ هَذا الإيجازُ في الآيَةِ بَدِيعًا لِحُصُولِ مَعْنى بَيْتِ لَبِيَدٍ في ثَلاثِ كَلِماتٍ.
وهَذا يُشِيرُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِأهْلِ أنْطاكِيَةَ عَقِبَ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ وهو كَرامَةٌ لِشُهَداءِ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودٍ كانَ الَّذِينَ خَمَدُوا بِها جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ، فَلَعَلَّهم كانُوا كُفّارًا كُلُّهم بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ الَّذِي وعَظَهم وبَعْدَ مُغادَرَةِ الرُّسُلِ القَرْيَةَ. ولَكِنْ مِثْلُ هَذا الحادِثِ لَمْ يَذْكُرِ التّارِيخُ حُدُوثَهُ في أنْطاكِيَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ التّارِيخُ بَعْضَ الحَوادِثِ وخاصَّةً في أزْمِنَةِ الِاضْطِرابِ والفِتْنَةِ.
يس 36:28
صفحة ٣٧٠
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يَنْتَظِرُهُ سامِعُ القِصَّةِ مِن مَعْرِفَةِ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ واجَهَهم بِذَلِكَ الخِطابِ الجَزْلِ. وهَلِ اهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ وتارَكُوهُ أوْ آذَوْهُ كَما يُؤْذى أمْثالُهُ مِنَ الدّاعِينَ إلى الحَقِّ المُخالِفِينَ هَوى الدَّهْماءِ فَيُجابُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وهو الأهَمُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وهم مِنَ المَقْصُودِينَ بِمَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذا لِيَزْدادُوا يَقِينًا وثَباتًا في إيمانِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَحَظُّهم مِنَ المَثَلِ ما تَقَدَّمَ وما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ شَهِيدًا في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأنَّ تَعْقِيبَ مَوْعِظَتِهِ بِأمْرِهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُفْعَةً بِلا انْتِقالٍ يُفِيدُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّهُ ماتَ وأنَّهم قَتَلُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَتَلُوهُ رَجْمًا بِالحِجارَةِ، وقالَ بَعْضُهم: أحْرَقُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ورَدَمُوهُ فِيها حَيًّا.
وإنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قَدْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَقِبَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشُّهَداءِ، والشُّهَداءُ لَهم مَزِيَّةَ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولًا غَيْرَ مُوَسَّعٍ. فَفي الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ» .
والقائِلُ ادْخُلِ الجَنَّةَ هو اللَّهُ تَعالى.
والمَقُولُ لَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرُ المَقُولِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللّامِ لِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ هُنا قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لا يُقْصَدُ مِنهُ المُخاطَبُ بِهِ بَلْ يُقْصَدُ حِكايَةُ حُصُولِهِ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ حَصَلَ أثَرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) .
وإذْ لَمْ يَقُصَّ في المَثَلِ أنَّهُ غادَرَ مَقامَهَ الَّذِي قامَ فِيهِ بِالمَوْعِظَةِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ ماتَ في مَقامِهِ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ماتَ قَتِيلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِأثَرِهِ.
وإنَّما سَلَكَ في هَذا المَعْنى طَرِيقَ الكِنايَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم قَتَلُوهُ إغْماضًا لِهَذا المَعْنى عَنِ المُشْرِكِينَ كَيْلا يَسُرُّهم أنَّ قَوْمَهُ قَتَلُوهُ فَيَجْعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما ضُرِبَ بِهِ
صفحة ٣٧١
المَثَلُ لَهم ولِلرَّسُولِ ﷺ فَيَطْمَعُوا فِيهِ أنَّهم يَقْتُلُونَ الرَّسُولَ ﷺ فَهَذِهِ الكِنايَةُ لا يَفْهَمُها إلّا أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَيَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ في الكَلامِ البَلِيغِ خَصائِصُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِها بَعْضُ السّامِعِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ماذا قالَ حِينَ غَمَرَهُ الفَرَحُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُلْهِهِ دُخُولُ الجَنَّةِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، فَتَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا ماذا لَقِيَ مِن رَبِّهِ لِيَعْلَمُوا فَضِيلَةَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُوا وما تَمَنّى هَلاكَهم ولا الشَّماتَةَ بِهِمْ فَكانَ مُتَّسِمًا بِكَظْمِ الغَيْظِ وبِالحِلْمِ عَلى أهْلِ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الحَقائِقِ لا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إلّا إلى الصَّلاحِ المَحْضِ ولا قِيمَةَ لِلْحُظُوظِ الدَّنِيَّةَ وسَفْسافِ الأُمُورِ.
وأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُخْبِرُونَ، لِأنَّهُ لا مَطْمَعَ في أنْ يَحْصُلَ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَعْلَمُونَ بِغُفْرانِ رَبِّي وجَعْلِهِ إيّايَ مِنَ المُكْرَمِينَ.
والمُرادُ بِالمُكْرَمِينَ: الَّذِينَ تَلْحَقُهم كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وأفْضَلُ الصّالِحِينَ قالَ تَعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يَعْنِي المَلائِكَةَ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
صفحة ٥
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى قِصَّةِ أصْحابِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنِ انْقَطَعَ الحَدِيثُ عَنْهم بِذِكْرِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ ناصِحًا لَهم وكانَ هَذا الرُّجُوعُ بِمُناسَبَةِ أنَّ القَوْمَ قَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ ما كانَ مِن هَذا الرَّجُلِ ومِن أمْرِ قَوْمِهِ الَّذِينَ نَصَحَهم فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فَلَمّا بَيَّنَ لِلسّامِعِ ما كانَ مِن أمْرِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانُ ما كانَ مِن أمْرِ القَوْمِ بَعْدَهُ.
وافْتِتاحُ قِصَّةِ عِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِنَفْيِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الِانْتِقامِ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أنَّهم ما حَلَّ بِهِمْ إلّا مِثْلُ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً لِقِتالِ قَوْمِهِ، أوْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ، وما كانَتْ عُقُوبَتُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِن مَلَكٍ واحِدٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ مَزِيدَةٌ في الظَّرْفِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ، وإضافَةُ (بَعْدِ) إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ شائِعِ الحَذْفِ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]
صفحة ٦
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن جُنْدٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ جُنْدٍ في سِياقِ النَّفْيِ، و(مِنَ) في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الإتْيانِ بِحَرْفٍ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ مَعَ اخْتِلافِ المَعْنى مُحَسِّنُ الجِناسِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الَّذِي تَدَّعِي أنَّهُ أرْسَلَكَ ومَعَهُ جُنْدُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَثْأرَ لَكَ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ نَوْعَيِ العِقابِ المَنفِيِّ والمُثْبَتِ، لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَجْرِ بِإنْزالِ الجُنُودِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وشَأْنُ العاصِينَ أدْوَنُ مِن هَذا الِاهْتِمامِ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، فَوَصْفُهُا بِواحِدَةٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ المُفْرَدُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ، و(صَيْحَةً) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَتْ“ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ، ولَحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ بِالفِعْلِ مَعَ نَصْبِ (صَيْحَةً) مُشِيرٌ إلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ إلّا صَيْحَةً مِن صِفَتِها أنَّها واحِدَةٌ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
ومَجِيءُ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ الخُمُودِ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ.
وهَذِهِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةٌ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] .
والخُمُودُ: انْطِفاءُ النّارِ، اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ المَلِيئَةِ بِالقُوَّةِ والطُّغْيانِ، لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ تَشْبِيهَ حالِ حَياتِهِمْ بِشُبُوبِ النّارِ وحالِ مَوْتِهِمْ بِخُمُودِ النّارِ فَحَصَلَ لِذَلِكَ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما صَرِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وأُخْرى ضِمْنِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ ورَمْزُها الأُولى، وهُما الِاسْتِعارَتانِ اللَّتانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُ لَبِيَدٍ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
صفحة ٧
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَ هَذا الإيجازُ في الآيَةِ بَدِيعًا لِحُصُولِ مَعْنى بَيْتِ لَبِيَدٍ في ثَلاثِ كَلِماتٍ.
وهَذا يُشِيرُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِأهْلِ أنْطاكِيَةَ عَقِبَ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ وهو كَرامَةٌ لِشُهَداءِ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودٍ كانَ الَّذِينَ خَمَدُوا بِها جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ، فَلَعَلَّهم كانُوا كُفّارًا كُلُّهم بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ الَّذِي وعَظَهم وبَعْدَ مُغادَرَةِ الرُّسُلِ القَرْيَةَ. ولَكِنْ مِثْلُ هَذا الحادِثِ لَمْ يَذْكُرِ التّارِيخُ حُدُوثَهُ في أنْطاكِيَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ التّارِيخُ بَعْضَ الحَوادِثِ وخاصَّةً في أزْمِنَةِ الِاضْطِرابِ والفِتْنَةِ.
يس 36:29
صفحة ٣٧٠
﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما يَنْتَظِرُهُ سامِعُ القِصَّةِ مِن مَعْرِفَةِ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ بَعْدَ أنْ واجَهَهم بِذَلِكَ الخِطابِ الجَزْلِ. وهَلِ اهْتَدَوْا بِهَدْيِهِ أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ وتارَكُوهُ أوْ آذَوْهُ كَما يُؤْذى أمْثالُهُ مِنَ الدّاعِينَ إلى الحَقِّ المُخالِفِينَ هَوى الدَّهْماءِ فَيُجابُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وهو الأهَمُّ عِنْدَ المُسْلِمِينَ وهم مِنَ المَقْصُودِينَ بِمَعْرِفَةِ مِثْلِ هَذا لِيَزْدادُوا يَقِينًا وثَباتًا في إيمانِهِمْ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَحَظُّهم مِنَ المَثَلِ ما تَقَدَّمَ وما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ قَتْلِهِ شَهِيدًا في إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ لِأنَّ تَعْقِيبَ مَوْعِظَتِهِ بِأمْرِهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُفْعَةً بِلا انْتِقالٍ يُفِيدُ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّهُ ماتَ وأنَّهم قَتَلُوهُ لِمُخالَفَتِهِ دِينَهم، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَتَلُوهُ رَجْمًا بِالحِجارَةِ، وقالَ بَعْضُهم: أحْرَقُوهُ، وقالَ بَعْضُهم: حَفَرُوا لَهُ حُفْرَةً ورَدَمُوهُ فِيها حَيًّا.
وإنَّ هَذا الرَّجُلَ المُؤْمِنَ قَدْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ عَقِبَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشُّهَداءِ، والشُّهَداءُ لَهم مَزِيَّةَ التَّعْجِيلِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ دُخُولًا غَيْرَ مُوَسَّعٍ. فَفي الحَدِيثِ «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ» .
والقائِلُ ادْخُلِ الجَنَّةَ هو اللَّهُ تَعالى.
والمَقُولُ لَهُ هو الرَّجُلُ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرُ المَقُولِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللّامِ لِأنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ هُنا قَوْلٌ تَكْوِينِيٌّ لا يُقْصَدُ مِنهُ المُخاطَبُ بِهِ بَلْ يُقْصَدُ حِكايَةُ حُصُولِهِ؛ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ حَصَلَ أثَرُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]) .
وإذْ لَمْ يَقُصَّ في المَثَلِ أنَّهُ غادَرَ مَقامَهَ الَّذِي قامَ فِيهِ بِالمَوْعِظَةِ كانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ ماتَ في مَقامِهِ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ماتَ قَتِيلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بِأثَرِهِ.
وإنَّما سَلَكَ في هَذا المَعْنى طَرِيقَ الكِنايَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهم قَتَلُوهُ إغْماضًا لِهَذا المَعْنى عَنِ المُشْرِكِينَ كَيْلا يَسُرُّهم أنَّ قَوْمَهُ قَتَلُوهُ فَيَجْعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما ضُرِبَ بِهِ
صفحة ٣٧١
المَثَلُ لَهم ولِلرَّسُولِ ﷺ فَيَطْمَعُوا فِيهِ أنَّهم يَقْتُلُونَ الرَّسُولَ ﷺ فَهَذِهِ الكِنايَةُ لا يَفْهَمُها إلّا أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ تَقَرَّرَ عِنْدَهُمُ التَّلازُمُ بَيْنَ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ودُخُولِ الجَنَّةِ، أمّا المُشْرِكُونَ فَيَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ في الكَلامِ البَلِيغِ خَصائِصُ يَخْتَصُّ بِنَفْعِها بَعْضُ السّامِعِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ ماذا قالَ حِينَ غَمَرَهُ الفَرَحُ بِدُخُولِ الجَنَّةِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يُلْهِهِ دُخُولُ الجَنَّةِ عَنْ حالِ قَوْمِهِ، فَتَمَنّى أنْ يَعْلَمُوا ماذا لَقِيَ مِن رَبِّهِ لِيَعْلَمُوا فَضِيلَةَ الإيمانِ فَيُؤْمِنُوا وما تَمَنّى هَلاكَهم ولا الشَّماتَةَ بِهِمْ فَكانَ مُتَّسِمًا بِكَظْمِ الغَيْظِ وبِالحِلْمِ عَلى أهْلِ الجَهْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ عالَمَ الحَقائِقِ لا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إلّا إلى الصَّلاحِ المَحْضِ ولا قِيمَةَ لِلْحُظُوظِ الدَّنِيَّةَ وسَفْسافِ الأُمُورِ.
وأُدْخِلَتِ الباءُ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُخْبِرُونَ، لِأنَّهُ لا مَطْمَعَ في أنْ يَحْصُلَ لَهم عِلْمُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
و(ما) مِن قَوْلِهِ (﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ يَعْلَمُونَ بِغُفْرانِ رَبِّي وجَعْلِهِ إيّايَ مِنَ المُكْرَمِينَ.
والمُرادُ بِالمُكْرَمِينَ: الَّذِينَ تَلْحَقُهم كَرامَةُ اللَّهِ تَعالى وهُمُ المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ وأفْضَلُ الصّالِحِينَ قالَ تَعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يَعْنِي المَلائِكَةَ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
* * *
صفحة ٥
﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ رُجُوعٌ إلى قِصَّةِ أصْحابِ القَرْيَةِ بَعْدَ أنِ انْقَطَعَ الحَدِيثُ عَنْهم بِذِكْرِ الرَّجُلِ المُؤْمِنِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ ناصِحًا لَهم وكانَ هَذا الرُّجُوعُ بِمُناسَبَةِ أنَّ القَوْمَ قَوْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ ما كانَ مِن هَذا الرَّجُلِ ومِن أمْرِ قَوْمِهِ الَّذِينَ نَصَحَهم فَلَمْ يَنْتَصِحُوا فَلَمّا بَيَّنَ لِلسّامِعِ ما كانَ مِن أمْرِهِ عُطِفَ عَلَيْهِ بَيانُ ما كانَ مِن أمْرِ القَوْمِ بَعْدَهُ.
وافْتِتاحُ قِصَّةِ عِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِنَفْيِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ الِانْتِقامِ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِن أنَّهم ما حَلَّ بِهِمْ إلّا مِثْلُ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ، أيْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً لِقِتالِ قَوْمِهِ، أوْ لَمْ نُنْزِلْ جُنُودًا مِنَ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ لِإهْلاكِهِمْ، وما كانَتْ عُقُوبَتُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً مِن مَلَكٍ واحِدٍ أهْلَكَتْهم جَمِيعًا.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن بَعْدِهِ مَزِيدَةٌ في الظَّرْفِ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ المَظْرُوفِ بِالظَّرْفِ. وأصْلُها (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ، وإضافَةُ (بَعْدِ) إلى ضَمِيرِ الرَّجُلِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ شائِعِ الحَذْفِ، أيْ بَعْدَ مَوْتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: ١٣٣]
صفحة ٦
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن جُنْدٍ مُؤَكِّدَةٌ لِعُمُومِ جُنْدٍ في سِياقِ النَّفْيِ، و(مِنَ) في قَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ ابْتِدائِيَّةٌ، وفي الإتْيانِ بِحَرْفٍ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ مَعَ اخْتِلافِ المَعْنى مُحَسِّنُ الجِناسِ.
وفِي هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢] أيْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ الَّذِي تَدَّعِي أنَّهُ أرْسَلَكَ ومَعَهُ جُنْدُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لِيَثْأرَ لَكَ.
فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ نَوْعَيِ العِقابِ المَنفِيِّ والمُثْبَتِ، لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى لَمْ تَجْرِ بِإنْزالِ الجُنُودِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وشَأْنُ العاصِينَ أدْوَنُ مِن هَذا الِاهْتِمامِ.
والصَّيْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الصِّياحِ، بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، فَوَصْفُهُا بِواحِدَةٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الوَحْدَةِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ المُفْرَدُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ، و(صَيْحَةً) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَتْ“ بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ، ولَحاقُ تاءِ التَّأْنِيثِ بِالفِعْلِ مَعَ نَصْبِ (صَيْحَةً) مُشِيرٌ إلى أنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها صَيْحَةً واحِدَةً، أيْ لَمْ تَكُنِ العُقُوبَةُ أوِ الصَّيْحَةُ إلّا صَيْحَةً مِن صِفَتِها أنَّها واحِدَةٌ إلى آخِرِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ ”صَيْحَةٌ“ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، أيْ ما وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ.
ومَجِيءُ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلى ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ لِإفادَةِ سُرْعَةِ الخُمُودِ إلَيْهِمْ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ.
وهَذِهِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةٌ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] .
والخُمُودُ: انْطِفاءُ النّارِ، اسْتُعِيرَ لِلْمَوْتِ بَعْدَ الحَياةِ المَلِيئَةِ بِالقُوَّةِ والطُّغْيانِ، لِيَتَضَمَّنَ الكَلامُ تَشْبِيهَ حالِ حَياتِهِمْ بِشُبُوبِ النّارِ وحالِ مَوْتِهِمْ بِخُمُودِ النّارِ فَحَصَلَ لِذَلِكَ اسْتِعارَتانِ إحْداهُما صَرِيحَةٌ مُصَرِّحَةٌ، وأُخْرى ضِمْنِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ ورَمْزُها الأُولى، وهُما الِاسْتِعارَتانِ اللَّتانِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُ لَبِيَدٍ:
وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
صفحة ٧
وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَكانَ هَذا الإيجازُ في الآيَةِ بَدِيعًا لِحُصُولِ مَعْنى بَيْتِ لَبِيَدٍ في ثَلاثِ كَلِماتٍ.
وهَذا يُشِيرُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِأهْلِ أنْطاكِيَةَ عَقِبَ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ وهو كَرامَةٌ لِشُهَداءِ أتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودٍ كانَ الَّذِينَ خَمَدُوا بِها جَمِيعَ أهْلِ القَرْيَةِ، فَلَعَلَّهم كانُوا كُفّارًا كُلُّهم بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ الَّذِي وعَظَهم وبَعْدَ مُغادَرَةِ الرُّسُلِ القَرْيَةَ. ولَكِنْ مِثْلُ هَذا الحادِثِ لَمْ يَذْكُرِ التّارِيخُ حُدُوثَهُ في أنْطاكِيَةَ، فَيَجُوزُ أنْ يُهْمِلَ التّارِيخُ بَعْضَ الحَوادِثِ وخاصَّةً في أزْمِنَةِ الِاضْطِرابِ والفِتْنَةِ.
يس 36:30
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ تَذْيِيلٌ وهو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى واقِعٌ مَوْقِعَ الرَّثاءِ لِلْأُمَمِ المُكَذِّبَةِ الرُّسُلَ شامِلٌ لِلْأُمَّةِ المَقْصُودَةِ بِسَوْقِ الأمْثالِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، واطِّرادِ هَذا السَنَنِ القَبِيحِ فِيهِمْ.
فالتَّعْرِيفُ في العِبادِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُسْتَعْمَلِ في الِاسْتِغْراقِ وهو اسْتِغْراقٌ ادِّعائِيٌّ رُوعِيَ فِيهِ حالُ الأغْلَبِ عَلى الأُمَمِ الَّتِي يَأْتِيها رَسُولٌ لِعَدَمِ الِاعْتِداءِ في هَذا المَقامِ بِقِلَّةِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرُّسُلَ ونَصَرُوهم فَكَأنَّهم كُلُّهم قَدْ كَذَّبُوا.
والعِبادُ: اسْمٌ لِلْبَشَرِ وهو جَمْعُ ”عَبْدٍ“ . والعَبْدُ: المَمْلُوكُ وجَمِيعُ النّاسِ عَبِيدُ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ خالِقُهم والمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ قالَ تَعالى ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ [ق: ١١] وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَبْناءَ:
أمْسى العِبادُ بِشَرٍّ لا غِياثَ لَهم إلّا المُهَلَّبُ بَعْدَ اللَّهِ والمَطَـرُ
ويُجْمَعُ عَلى عَبِيدٍ وعِبادٍ وغَلَبَ الجَمْعُ الأوَّلُ عَلى عَبْدٍ بِمَعْنى مَمْلُوكٍ، والجَمْعُ الثّانِي عَلى عَبْدٍ بِمَعْنى آدَمِيِّ، وهو تَخْصِيصٌ حَسَنٌ مِنَ الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ.
والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ مَشُوبًا بِتَلَهُّفٍ عَلى نَفْعٍ فائِتٍ.
صفحة ٨
وحَرْفُ النِّداءِ هُنا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى خَطَرِ ما بَعْدَهُ لِيُصْغِيَ إلَيْهِ السّامِعُ وكَثُرَ دُخُولُهُ في الجُمَلِ المَقْصُودِ مِنها إنْشاءُ مَعْنًى في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ دُونَ الإخْبارِ فَيَكُونُ اقْتِرانُ ذَلِكَ الإنْشاءِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ إعْلانًا بِما في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ مِن مَدْلُولِ الإنْشاءِ كَقَوْلِهِمْ: يا خَيْبَةً، ويا لَعْنَةً، ويا ويْلِي، ويا فَرْحِي، ويا لَيْتَنِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَتِ امْرَأةٌ مِن طَيِّءٍ مِن أبْياتِ الحَماسَةِ:
فَيا ضَيْعَةَ الفِتْيانِ إذْ يَعْتَلُونَهُ ∗∗∗ بِبَطْنِ الشَّرا مِثْلِ الفَنِيقِ المُسَدَّمِ
وبَيْتُ الكِتابِ:
يا لَعْنَةَ اللَّهِ والأقْـوامَ كُـلَّـهُـمْ ∗∗∗ والصّالِحِينَ عَلى سِمْعانَ مِن جارِ
وقَدْ يَقَعُ النِّداءُ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
أُلَهْفى بِقُرّى سَحْبَلٍ حِينَ أجْلَبَتْ ∗∗∗ عَلَيْنا الوَلايا والعَدُوُّ المُباسِـلُ
وأصْلُ هَذا النِّداءِ أنَّهُ عَلى تَنْزِيلِ المَعْنى المُثِيرِ لِلْإنْشاءِ مَنزِلَةَ العاقِلِ فَيَقْصِدُ اسْمَهُ بِالنِّداءِ لِطَلَبِ حُضُورِهِ فَكانَ المُتَكَلِّمُ يَقُولُ: هَذا مَقامُكَ فاحْضُرْ، كَما يُنادى مَن يُقْصَدُ في أمْرٍ عَظِيمٍ، ويَنْتَقِلُ مِن ذَلِكَ إلى الكِتابَةِ عَمّا لَحِقَ المُتَكَلِّمَ مِن حاجَةٍ إلى ذَلِكَ المُنادِي ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ وشاعَ حَتّى تُنُوسِيَ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ والكِنايَةِ وصارَ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ عَلى ما يَجِيءُ بَعْدَهُ، والِاهْتِمامُ حاصِلٌ في الحالَيْنِ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ٧٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿يا ويْلَتا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
ومُوقِعُ مِثْلِهِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَمْثِيلٌ لِحالِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى في تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ بِحالِ مَن يَرْثِي لَهُ أهْلُهُ وُقُوعَهُ في هَلاكٍ أرادُوا مِنهُ تَجَنُّبَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِوَجْهِ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ بَعْدَ ذِكْرِ أهْلِ القَرْيَةِ فَإنَّهُ لَمّا عَمَّمَ عَلى جَمِيعِ العِبادِ حَدَثَ إيهامٌ في وجْهِ العُمُومِ. فَوَقَعَ بَيانُهُ بِأنَّ جَمِيعَ العِبادِ مُساوُونَ لِمَن ضُرِبَ بِهِمُ المَثَلُ ومَن ضُرِبَ لَهم في تِلْكَ الحالَةِ المُمَثَّلِ بِها ولَمْ تَنْفَعْهُمُ المَواعِظُ والنُّذُرُ البالِغَةُ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّسُولِ المُرْسَلِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم ومِن مُشاهَدَةِ القُرُونِ الَّذِينَ كَذَّبُوا
صفحة ٩
الرُّسُلَ فَهَلَكُوا، فَعُلِمَ وجْهُ الحَسْرَةِ عَلَيْهِمْ إجْمالًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ تَفْصِيلًا مِن قَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ [يس: ٣١] إلَخْ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْتِيهِمْ أيْ لا يَأْتِيهِمْ رَسُولٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالَةِ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى يَسْتَهْزِئُونَ لِلِاهْتِمامِ بِالرَّسُولِ المُشْعِرِ بِاسْتِفْظاعِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ مَعَ تَأتِّي الفاصِلَةَ بِهَذا التَّقْدِيمِ فَحَصَلَ مِنهُ غَرَضانِ مِنَ المَعانِي ومِنَ البَدِيعِ.
يس 36:31
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] لِما فِيها مِن تَفْصِيلِ الإجْمالِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ كانَتْ هَلاكَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَعَدَمُ اعْتِبارِ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَها يُثِيرُ الحَسْرَةَ عَلَيْها وعَلى نُظَرائِها كَما أثارَها اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ وقِلَّةِ التَّبَصُّرِ في دَعْوَتِهِ ونِذارَتِهِ ودَلائِلِ صِدْقِهِ.
وضَمِيرُ ”يَرَوا“ عائِدٌ إلى العِبادِ كَما يَقْتَضِيهِ تَناسُقُ الضَّمائِرِ. والمُعادُ فِيهِ عُمُومٌ ادِّعائِيٌّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَخُصَّ مِنهُ أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها وهم قَوْمُ نُوحٍ فَإنَّهم لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَهم هَلاكُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها. فَهَذا مِنَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهم يُرْشِدُ بِالتَّأمُّلِ إلى عَدَمِ شُمُولِهِ أوَّلَ أُمَّةٍ أُرْسِلَ إلَيْها.
وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ألَمْ يَرَوْا عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ [يس: ١٣] ويَكُونُ المَثَلُ قَدِ انْتَهى بِجُمْلَةِ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] . الآيَةَ. وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ كانَ يَقْتَضِي أنْ تُعْطَفَ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ واضْرِبْ لَهم مَثَلًا كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيِّتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وجُمْلَةُ ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]
صفحة ١٠
ولا مُلْجِئَ إلى هَذا الِاعْتِبارِ في المُعادِ، وقَدْ عَلِمْتَ تَوْجِيهَ الِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِتَصْحِيحِ العُمُومِ.
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا؛ نَزَلَتْ غَفْلَتُهم عَنْ إهْلاكِ القُرُونِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العِلْمِ بِذَلِكَ وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا بُنِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِإهْلاكِ القُرُونِ اسْتِقْصاءً لِمَعْذِرَتِهِمْ حَتّى لا يَسَعَهم إلّا الإقْرارُ بِأنَّهم عامِلُونَ فَيَكُونُ إقْرارُهم أشَدَّ لُزُومًا لَهم؛ لِأنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا عَلى النَّفْيِ فَكانَ يَسَعُهم أنْ يَنْفُوا ذَلِكَ.
والرُّؤْيَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عِلْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ بَصَرِيَّةً لِأنَّ إهْلاكَ القُرُونِ لَمْ يَكُنْ مَشْهُودًا لِأُمَّةٍ جاءَتْ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ قَبْلَها.
وفَعَلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُرُودِ كَمْ لِأنَّ كَمْ لَها صَدْرُ الكَلامِ سَواءً كانَتِ اسْتِفْهامًا أمْ خَبَرًا، فَإنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وما لَهُ صَدْرُ الكَلامِ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ.
و(وكَمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أهْلَكْنا): ومُفادُها كَثْرَةٌ مُبْهَمَةٌ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ مِنَ القُرُونِ ووَقَعَتْ كَمْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِقَوْلِهِ أهْلَكْنا.
و”قَبْلَهم“ ظَرْفٌ لِـ (أهْلَكْنا)، ومَعْنى قَبْلَهم: قَبْلَ وُجُودِهِمْ.
وقَوْلُهُ ”﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”أهْلَكْنا“ لِأنَّ الإهْلاكَ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ أُبَدِلَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها مِن مَعْنى جُمْلَةِ (﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾) لِأنَّ مَعْنى تِلْكَ الجُمْلَةِ كَثْرَةُ الإهْلاكِ وكَثْرَةُ المُهْلَكِينَ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ عامِلٌ في أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِتَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلى جُمْلَةِ كَمْ أهْلَكْنا؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ يُبْطِلُ العَمَلَ في اللَّفْظِ لا في المَحَلِّ.
وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ تَقْرِيرُ تَصْوِيرِ الإهْلاكِ لِزِيادَةِ التَّخْوِيفِ، ولِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الإهْلاكِ أيْ إهْلاكًا لا طَماعِيَةَ مَعَهُ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، فَإنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ مِن عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الأهْلِ والأحْبابِ مِمّا يَزِيدُ الحَسْرَةَ اتِّضاحًا.
صفحة ١١
و”إلَيْهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَرْجِعُونَ) وتَقْدِيمُهُ إلى مُتَعَلِّقِهِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى العِبادَةِ، وضَمِيرُ أنَّهم عائِدٌ إلى القُرُونِ.
يس 36:32
﴿وإنْ كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أرى أنَّ عَطْفَهُ عَلى جُمْلَةِ (﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]) واقِعٌ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ مِن تَوَهُّمِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] مُؤَيِّدٌ اعْتِقادَهُمُ انْتِفاءَ البَعْثِ.
و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والأفْصَحُ إهْمالُها عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَها، والأكْثَرُ أنْ يَقْتَرِنَ خَبَرُ الِاسْمِ بِلامٍ تُسَمّى اللّامَ الفارِقَةَ لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الخَبَرُ المُؤَكَّدُ بِالخَبَرِ المَنفِيِّ فَيُناقِضَ مَقْصِدَ المُتَكَلِّمِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”لَما“ مُخَفَّفُ المِيمِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ (لَما جَمِيعٌ)، فَهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ وما الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنْ) نافِيَةً بِمَعْنى ”لا“ ويَكُونُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ اسْتِثْناءٍ بِمَعْنى ”إلّا“ تَقَعُ بَعْدَ النَّفْيِ ونَحْوِهِ كالقَسَمِ. وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ. والتَّقْدِيرُ: وما كُلُّهم إلّا مُحْضَرُونَ لَدَيْنا.
و”كُلٌّ“ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ تَنْوِينُ العِوَضِ عَمّا أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلٌّ)، أيْ: كُلُّ القُرُونِ، أوْ كُلُّ المَذْكُورِينَ مِنَ القُرُونِ والمُخاطَبِينَ.
و”جَمِيعٌ“ اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، أيْ مَجْمُوعٌ، وهو ضِدُّ المُتَفَرِّقِ. يُقالُ: جَمْعُ أشْياءَ كَذا، إذا جَعَلَها مُتَقارِبَةً مُتَّصِلَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مُشَتَّتَةً ومُتَباعِدَةً.
والمَعْنى: أنَّ كُلَّ القُرُونِ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا مُجْتَمِعِينَ، أيْ لَيْسَ إحْضارُهم في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولا في أمْكِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَكَلِمَةُ (كُلٌّ) أفادَتْ أنَّ الإحْضارَ مُحِيطٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْفَلِتُ فَرِيقٌ مِنهم، وكَلِمَةُ (جَمِيعٌ) أفادَتْ أنَّهم مُحْضَرُونَ مُجْتَمِعِينَ فَلَيْسَتْ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ بِمُغْنِيَّةٍ عَنْ ذِكْرِ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وإنَّ أكْثَرَهم لَمّا
صفحة ١٢
جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، لَمّا كانَ تَنافٍ بَيْنَ أكْثَرِهِمْ وبَيْنَ جَمِيعِهِمْ؛ أيْ أكْثَرُهم يَحْضُرُ مُجْتَمِعِينَ؛ فارْتَفَعَ (جَمِيعٌ) عَلى الخَبَرِيَّةِ في قِراءَةِ تَخْفِيفِ ”لَمّا“ وعَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ ”لَمّا“ .
و”مُحْضَرُونَ“ نَعَتٌ لِـ (جَمِيعٌ) عَلى القِراءَتَيْنِ. ورُوعِيَ في النَّعْتِ مَعْنى المَنعُوتِ فَأُلْحِقَتْ بِهِ عَلامَةُ الجَماعَةِ، كَقَوْلِلَبِيَدٍ:
عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُوا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثُمامُها
والإحْضارُ: الإحْضارُ لِلْحِسابِ والجَزاءِ والعِقابِ.
يس 36:33
”﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيِّتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾“ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ (﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) فَإنَّهُ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِحالِ إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تِلْكَ الحالُ مِن إشْراكٍ وإنْكارٍ لِلْبَعْثِ وأذًى لِلرَّسُولِ ﷺ وعاقِبَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ لِإبْطالِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الِاعْتِقاداتُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ.
وابْتُدِئَ بِدَلالَةِ تَقْرِيبِ البَعْثِ لِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] عَلى أنَّ هَذِهِ لا تَخْلُو مِن دَلالَتِها عَلى الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ، وفي ذَلِكَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ.
و(آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ ولَهم صِفَةُ ”آيَةٌ“، و(الأرْضُ) خَبَرُ (آيَةٌ)، و(المَيِّتَةُ) صِفَةُ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ أحْيَيْناها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأرْضِ وهي حالٌ مُقَيَّدَةٌ لِأنَّ إحْياءَ الأرْضِ هو مَناطٌ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ يَكُونُ جُمْلَةُ ”أحْيَيْناها“ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”﴿وآيَةً لَهُمُ الأرْضُ﴾“ لِبَيانِ مَوْقِعَ الآيَةِ فِيها، أوْ بَدَلَ اشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾، أوِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: كَيْفَ كانَتِ الأرْضُ المَيِّتَةُ ؟
صفحة ١٣
ومَوْتُ الأرْضِ: جَفافُها وجَرازَتُها لِخُلُوِّها مِن حَياةِ النَّباتِ فِيها، وإحْياؤُها: خُرُوجُ النَّباتِ مِنها مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ والزَّرْعِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”المَيِّتَةُ“ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الياءِ، والمَعْنى واحِدٌ وهُما سَواءٌ في الِاسْتِعْمالِ.
والحَبُّ: اسْمُ جَمْعِ حَبَّةٍ، وهو بَزْرَةُ النَّبْتِ مِثْلُ البُرَّةِ والشَّعِيرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإخْراجُ الحَبِّ مِنَ الأرْضِ: هو إخْراجُهُ مِن نَباتِها فَهو جاءَ مِنها بِواسِطَةٍ. وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ فَمِنهُ يَأْكُلُونَ، وتَقْدِيمُ مِنهُ عَلى يَأْكُلُونَ لِلِاهْتِمامِ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.
يس 36:34
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا مِن إحْياءِ الأرْضِ بِإنْباتِ الأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ، وهو إحْياءٌ أعْجَبُ وأبْقى وإنْ كانَ الإحْياءُ بِإنْباتِ الزَّرْعِ والكَلَأِ أوْضَحَ دَلالَةً لِأنَّهُ سَرِيعُ الحُصُولِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَنّاتِ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
وتَفْجِيرُ العُيُونِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والثَّمَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ: ما يَغُلُّهُ النَّخْلُ والأعْنابُ مِن أصْنافِ الثَّمَرِ وأصْنافِ العِنَبِ والثَّمَرَةِ بِمَنزِلَةِ الحُبِّ لِلسُّنْبُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثَمَرِهِ“ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمَّتَيْنِ.
والنَّخِيلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلٍ.
والأعْنابُ جَمْعُ عِنَبٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ وعَلى ثَمَرِها. وجَمْعُ النَّخِيلِ
صفحة ١٤
والأعْنابِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْنافِ شَجَرِهِ المُثْمِرِ أصْنافًا مِن ثَمَرِهِ.
وضَمِيرُ (مِن ثَمَرِهِ) عائِدٌ إلى المَذْكُورِ، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعَ البَهَقْ
فَقِيلَ لَهُ: هَلّا قُلْتَ: كَأنَّها ؟ فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلَكَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى النَّخِيلِ وتُتْرَكُ الأعْنابُ لِلْعِلْمِ بِأنَّها مِثْلُ النَّخِيلِ. كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ بْنِ العَمُودِ القَراطِيِّ الباهِلِيِّ:
رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمّانِي
فَلَمْ يَقُلْ: بَرِيئَيْنِ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ والِدَهُ مِثْلُهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ثَمَرِهِ، أيْ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ ما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ إدْماجًا لِلْإرْشادِ إلى إقامَةِ الجَنّاتِ بِالخِدْمَةِ والسَّقْيِ والتَّعَهُّدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أوْفَرَ لِأغْلالِها. وضَمِيرُ عَمِلَتْهُ عَلى هَذا عائِدٌ إلى اسْمِ المَوْصُولِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُقُوهُ. وهَذا أوْفَرُ في الِامْتِنانِ وأنْسَبُ بِسِياقِ الآيَةِ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وما عَمِلَتْهُ“ بِإثْباتِ هاءِ الضَّمِيرِ عائِدًا إلى المَذْكُورِ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”وما عَمِلَتْ“ بِدُونِ هاءٍ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ وهو جارٍ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ إنْ كانَ مَعْلُومًا.
صفحة ١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ لِإرادَةِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وكِلا الحَذْفَيْنِ شائِعٌ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ بِأنِ اتَّخَذُوا لِلَّذِي أوْجَدَ هَذا الصُّنْعَ العَجِيبَ أنْدادًا.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِأنْ يُكَرَّرُوا شُكْرُهُ فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ.
يس 36:35
﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا مِن إحْياءِ الأرْضِ بِإنْباتِ الأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ، وهو إحْياءٌ أعْجَبُ وأبْقى وإنْ كانَ الإحْياءُ بِإنْباتِ الزَّرْعِ والكَلَأِ أوْضَحَ دَلالَةً لِأنَّهُ سَرِيعُ الحُصُولِ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَنّاتِ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
وتَفْجِيرُ العُيُونِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والثَّمَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ: ما يَغُلُّهُ النَّخْلُ والأعْنابُ مِن أصْنافِ الثَّمَرِ وأصْنافِ العِنَبِ والثَّمَرَةِ بِمَنزِلَةِ الحُبِّ لِلسُّنْبُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثَمَرِهِ“ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمَّتَيْنِ.
والنَّخِيلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلٍ.
والأعْنابُ جَمْعُ عِنَبٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ وعَلى ثَمَرِها. وجَمْعُ النَّخِيلِ
صفحة ١٤
والأعْنابِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْنافِ شَجَرِهِ المُثْمِرِ أصْنافًا مِن ثَمَرِهِ.
وضَمِيرُ (مِن ثَمَرِهِ) عائِدٌ إلى المَذْكُورِ، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعَ البَهَقْ
فَقِيلَ لَهُ: هَلّا قُلْتَ: كَأنَّها ؟ فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلَكَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى النَّخِيلِ وتُتْرَكُ الأعْنابُ لِلْعِلْمِ بِأنَّها مِثْلُ النَّخِيلِ. كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ بْنِ العَمُودِ القَراطِيِّ الباهِلِيِّ:
رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمّانِي
فَلَمْ يَقُلْ: بَرِيئَيْنِ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ والِدَهُ مِثْلُهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ثَمَرِهِ، أيْ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ ما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ إدْماجًا لِلْإرْشادِ إلى إقامَةِ الجَنّاتِ بِالخِدْمَةِ والسَّقْيِ والتَّعَهُّدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أوْفَرَ لِأغْلالِها. وضَمِيرُ عَمِلَتْهُ عَلى هَذا عائِدٌ إلى اسْمِ المَوْصُولِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُقُوهُ. وهَذا أوْفَرُ في الِامْتِنانِ وأنْسَبُ بِسِياقِ الآيَةِ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وما عَمِلَتْهُ“ بِإثْباتِ هاءِ الضَّمِيرِ عائِدًا إلى المَذْكُورِ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”وما عَمِلَتْ“ بِدُونِ هاءٍ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ وهو جارٍ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ إنْ كانَ مَعْلُومًا.
صفحة ١٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ لِإرادَةِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وكِلا الحَذْفَيْنِ شائِعٌ.
وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ بِأنِ اتَّخَذُوا لِلَّذِي أوْجَدَ هَذا الصُّنْعَ العَجِيبَ أنْدادًا.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِأنْ يُكَرَّرُوا شُكْرُهُ فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ.
يس 36:36
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٣] وجُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧]، أثارَهُ ذِكْرُ إحْياءِ الأرْضِ وإخْراجِ الحَبِّ والشَّجَرِ مِنها؛ فَإنَّ في ذَلِكَ أحْوالًا وإبْداعًا عَجِيبًا يُذَكِّرُ بِتَعْظِيمِ مُودِعِ تِلْكَ الصَّنائِعِ بِحِكْمَتِهِ وذَلِكَ تَضَمَّنَ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ الأزْواجِ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ.
وسُبْحانَ هُنا لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ وأعْظَمُهُ الإشْراكُ بِهِ وهو المَقْصُودُ هُنا.
وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ إنْشاءِ التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ. وقَدْ مَضّى الكَلامُ عَلى ”سُبْحانَ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها. والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى مَعْنى الصِّنْفِ المُتَمَيِّزِ بِخَواصِّهِ مِنَ المَوْجُوداتِ تَشْبِيهًا لَهُ بِصِنْفِ الذَّكَرِ وصِنْفِ الأُنْثى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ طه، والإطْلاقُ الأوَّلُ هو الكَثِيرُ كَما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ، وهو الَّذِي يُناسِبُهُ نَقْلُ اللَّفْظِ مِنَ الزَّوْجِ الَّذِي يَكُونُ ثانِيًا لِآخَرَ، فَيَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الأزْواجُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، فَيَكُونَ تَذْكِيرًا بِخَلْقِ أصْنافِ الحَيَوانِ الَّذِي مِنهُ الذَّكَرُ والأُنْثى، وتَكُونَ ”مِن“ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ ”خَلَقَ“ .
صفحة ١٦
وهَذا إدْماجٌ لِذَكَرِ آيَةٍ أُخْرى مِن آياتِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ، فَخَلْقُ الحَيَوانِ بِما فِيهِ مِنَ القُوى لِتَناسُلِهِ وحِمايَةِ نَوْعِهِ وإنْتاجِ مَنافِعِهِ، هو أدَقُّ الخَلْقِ صُنْعًا وأعْمَقُهُ حِكْمَةً، وأدْخَلُهُ في المِنَّةِ عَلى الإنْسانِ، بِأنْ جُعِلَتْ مَنافِعُ الحَيَوانِ لَهُ كَما في آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ خُصَّ مِن بَيْنِ الخَلْقِ الآخَرِ بِقَرْنِهِ بِالتَّسْبِيحِ لِخالِقِهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَفَنُّنًا في سَرْدِ أعْظَمِ المَوالِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ إبْداعِ قُوَّةِ الحَياةِ لِلْأرْضِ وانْبِثاقِ أنْواعِ الأحْياءِ وأصْنافِها مِنها، كَما أشارَ إلَيْهِ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ قَبْلَ غَيْرِهِ مِن مَبادِئِ التَّخَلُّقِ؛ لِأنَّهُ الأسْبَقُ في تَكْوِينِ مَوادِّ حَياةِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطَفِ الذُّكُورُ والإناثُ، وتَتَوَلَّدُ النُّطَفُ مِن قُوى الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِن تَناوُلِ النَّباتِ فَذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ ومِمّا يَتَكَوَّنُ فِيهِمْ مِن أجْزائِهِمُ الحَيَوانِيَّةِ.
وجِيءَ بِضَمِيرِ جَماعَةِ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِنَوْعِ الإنْسانِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالعِبْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولِلتَّخَلُّصِ إلى تَخْصِيصِهِ بِالعِبْرَةِ في قَوْلِهِ ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ .
وإشارَةُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى أسْرارٍ مُودَعَةٍ في خَلْقِ أنْواعِ الحَيَوانِ وأصْنافِهِ هي الَّتِي مَيَّزَتْ أنْواعَهُ عَنْ بَعْضٍ ومَيَّزَتْ أصْنافَهُ وذُكُورَهُ عَنْ إناثِهِ، وأوْدَعَتْ فِيهِ الرُّوحَ الَّذِي امْتازَ بِهِ عَنِ النَّباتِ بِتَدْبِيرِ شُئُونِهِ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِ كُلِّ نَوْعٍ وكُلِّ صِنْفٍ حَتّى يَبْلُغَ في الِارْتِقاءِ إلى أشْرَفِ الأنْواعِ وهو نَوْعُ الإنْسانِ، فَمَعْنى مِمّا لا يَعْلَمُونَ: مِمّا لا يَعْلَمُونَهُ تَفْصِيلًا وإنْ كانُوا قَدْ يَشْعُرُونَ بِهِ إجْمالًا، فَإنَّ المُتَأمِّلَ يَعْلَمُ أنَّ في المَخْلُوقاتِ أسْرارًا خَفِيَّةً لَمْ تَصِلْ أفْهامُهم إلى إدْراكِ كُنْهِها، ومِن ذَلِكَ الرُّوحُ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .
وقَدْ يَتَفاضَلُ النّاسُ في إدْراكِ بَعْضِ تِلْكَ الخَصائِصِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا ثُمَّ يَسْتَوُونَ في عَدَمِ العِلْمِ بِبَعْضِها، وقَدْ يَمْتازُ بَعْضُ الطَّوائِفِ أوِ الأجْيالِ بِمَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِن دَقائِقَ الخَلْقِ بِسَبَبِ اكْتِشافٍ أوْ تَجْرِبَةٍ أوْ تَقَصِّيَ آثارٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُها غَيْرُ أُولَئِكَ ثُمَّ يَسْتَوُونَ فِيما بَقِيَ تَحْتَ طَيِّ الخَفاءِ مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ، فَبِهَذا الشُّعُورِ الإجْمالِيِّ بِها وقَعَ عَدُّها في ضِمْنِ الِاعْتِبارِ بِآيَةِ خَلْقِ الأزْواجِ مِن جَمِيعِ النَّواحِي. وإذا حُمِلَ الأزْواجُ في قَوْلِهِ ﴿سَبَحْانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ عَلى المَعْنى
صفحة ١٧
الثّانِي لِهَذا اللَّفْظِ وهو إطْلاقُهُ عَلى الأصْنافِ والأنْواعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] كانَتْ ”مِن“ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بَيانِيَّةً، والمَجْرُورُ بِها في فَحْوى عَطْفِ البَيانِ، أوْ بَدَلِ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلِ قَوْلِهِ ”الأزْواجَ“ والمَعْنى: الأزْواجُ كُلُّها الَّتِي هي: ما تُنْبِتُ الأرْضُ، وأنْفُسُهم، وما لا يَعْلَمُونَ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وما يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ مِن دَلالَةِ الإشارَةِ.
فَخَصَّ بِالذِّكْرِ أصْنافَ النَّباتِ لِأنَّ بِها قِوامَ مَعاشِ النّاسِ ومَعاشِ أنْعامِهِمْ ودَوابِّهِمْ، وأصْنافِ أنْفُسِ النّاسِ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أقْوى، قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . ثُمَّ ذَكَرَ ما يَعُمُّ المَخْلُوقاتِ مِمّا يَعْلَمُهُ النّاسُ وما لا يَعْلَمُونَهُ في مُخْتَلَفِ الأقْطارِ والأجْيالِ والعُصُورِ.
وقَدَّمَ ذِكْرَ النَّباتِ إيثارًا لَهُ بِالأهَمِّيَّةِ في هَذا المَقامِ لِأنَّهُ أشْبَهَ بِالبَعْثِ الَّذِي أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] .
وتَكْرِيرُ حَرْفِ ”مِن“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ لِلتَّوْكِيدِ عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ.
وضَمِيرُ ”أنْفُسِهِمْ“ عائِدٌ إلى العِبادِ في قَوْلِهِ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، والمُرادُ بِهِمُ: المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ .
يس 36:37
﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ انْتِقالٌ إلى دَلالَةِ مَظاهِرِ العَوالِمِ عَلى دَقِيقِ نِظامِ الخَلْقِ فِيها مِمّا تُؤْذِنُ بِهِ المُشاهَدَةُ مَعَ التَّبَصُّرِ.
وابْتُدِئَ مِنها بِنِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِتَكَرُّرِ وُقُوعِهِ أمامَ المُشاهَدَةِ لِكُلِّ راءٍ. وجُمْلَةُ ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ تَحْتَمِلُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في جُمْلَةِ أحْيَيْناها آنِفًا.
والسَّلْخُ: إزالَةُ الجِلْدِ عَنْ حَيَوانِهِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى الجِلْدِ المُزالِ بِنَفْسِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْجِلْدِ المُزالِ مِن جِسْمِ الحَيَوانِ: سِلْخٌ - بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ - بِمَعْنى مَسْلُوخٍ، ولا يُقالُ لِلْجِسْمِ الَّذِي أُزِيلَ جِلْدُهُ: سِلْخٌ. ويَتَعَدّى فِعْلُ سَلَخَ إلى الجِسْمِ الَّذِي أُزِيلَ جِلْدُهُ بِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ أنَّهُ (مِن)
صفحة ١٨
الِابْتِدائِيَّةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ ”عَنْ“ أيْضًا لِما في السَّلْخِ مِن مَعْنى المُباعَدَةِ والمُجاوَزَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ.
فَمَفْعُولُ ”نَسْلَخَ“ هُنا هو النَّهارُ بِلا رَيْبٍ، وعُدِّيَ السَّلْخُ إلى ضَمِيرِ اللَّيْلِ بِـ ”مِن“ فَصارَ المَعْنى: اللَّيْلُ آيَةٌ لَهم في حالِ إزالَةِ غِشاءِ نُورِ النَّهارِ عَنْهُ فَيَبْقى عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، فَشُبِّهَ النَّهارُ بِجِلْدِ الشّاةِ ونَحْوِها يُغَطِّي ما تَحْتَهُ مِنها كَما يُغَطِّي النَّهارُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ في الصَّباحِ. وشُبِّهَ كَشْفُ النَّهارِ وإزالَتِهِ بِسَلْخِ الجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشّاةِ فَصارَ اللَّيْلُ بِمَنزِلَةِ جِسْمِ الحَيَوانِ المَسْلُوخِ مِنهُ جِلْدُهُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمَقْصُودٍ بِالتَّشْبِيهِ وإنَّما المَقْصُودُ تَشْبِيهُ زَوالِ النَّهارِ عَنْهُ فاسْتَتْبَعَ ذَلِكَ أنَّ اللَّيْلَ يَبْقى شِبْهَ الجِسْمِ المَسْلُوخِ عَنْهُ جِلْدُهُ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ هي الحالَةُ السّابِقَةُ لِلْعَوالِمِ قَبْلَ خَلْقِ النُّورِ في الأجْسامِ النَّيِّرَةِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ والنُّورُ وُجُودٌ، وكانَتِ المَوْجُوداتُ في ظُلْمَةٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَواكِبَ النَّيِّرَةَ ويُوصِلُ نُورَها إلى الأجْسامِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُها كالأرْضِ والقَمَرِ.
وإذا كانَتِ الظُّلْمَةُ هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لِلْمَوْجُوداتِ فَلَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أصْلِيَّةً لِلْأرْضِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ عَنِ الشَّمْسِ نَيِّرَةً وإنَّما ظُلْمَةُ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ إذا غَشِيَها نُورُ الشَّمْسِ مُعْتَبَرَةٌ كالجِسْمِ الَّذِي غَشِيَهُ جِلْدُهُ فَإذا أُزِيلَ النُّورُ عادَتِ الظَّلَمَةُ فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِسَلْخِ الجِلْدِ عَنِ الحَيَوانِ كَما قالَ تَعالى في مُقابِلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الرعد: ٣] .
فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أصْلَ أحْوالِ العالَمِ الأرْضِيِّ هو الظُّلْمَةُ ولَكِنَّها ساقَتْ لِلنّاسِ اعْتِبارًا ودَلالَةً بِحالَةٍ مُشاهَدَةٍ لَدَيْهِمْ فَفَرَّعَ عَلَيْهِ فَإذا هم مُظْلِمُونَ بِناءً عَلى ما هو مُتَعارَفٌ.
وقَدِ اعْتَبَرَ أيِمَّةُ البَلاغَةِ الِاسْتِعارَةَ في الآيَةِ أصْلِيَّةً تَبَعِيَّةً ولَمْ يَجْعَلُوها تَمْثِيلِيَّةً لِما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّشْبِيهِ هو حالَةُ زَوالِ نُورِ النَّهارِ عَنِ الأُفُقِ فَتَخْلُفُها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فَإذا هم مُظْلِمُونَ.
وإسْنادُ مُظْلِمُونَ إلى النّاسِ مِن إسْنادِ إفْعالِ الَّذِي الهَمْزَةُ فِيهِ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ مِثْلِ أصْبَحَ وأمْسى.
يس 36:38
صفحة ١٩
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ الشَّمْسُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اللَّيْلِ مِن قَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرِدٍ ويُقَدَّرُ لَهُ خَبَرٌ مُماثِلٌ لِخَبَرِ اللَّيْلِ، والتَّقْدِيرُ: والشَّمْسُ آيَةٌ لَهم، وتَكُونُ جُمْلَةُ تَجْرِي حالًا مِنَ الشَّمْسِ مِثْلُ جُمْلَةِ ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَجْرِي خَبَرًا عَنِ الشَّمْسِ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَفْصِيلٌ لِإجْمالِ جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] إلْخَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الآتِي ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠]، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن كَوْنِهِ تَفْصِيلًا أنْ لا يُعْطَفَ فَيُقالَ: الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها، فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّ في هَذا التَّفْصِيلِ آيَةً خاصَّةً وهي آيَةُ سَيْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
وقُدِّمَ التَّنْبِيهُ عَلى آيَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، فَكانَتْ آيَةُ الشَّمْسِ المَذْكُورَةِ هُنا مُرادًا بِها دَلِيلٌ آخَرَ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وهو نِظامُ الفُصُولِ.
وجُمْلَةُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يَتَحَمَّلُ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرْناها في جُمْلَةِ أحْيَيْناها مِن كَوْنِها حالًا أوْ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”وآيَةٌ لَهم“ أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن ”آيَةٌ“ .
والجَرْيُ حَقِيقَتُهُ: السَّيْرُ السَّرِيعُ لِذَواتِ الأرْجُلِ، وأُطْلِقَ مَجازًا عَلى تَنَقُّلِ الجِسْمِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ تَنَقُّلًا سَرِيعًا بِالنِّسْبَةِ لِتَنَقُّلِ أمْثالِ ذَلِكَ الجِسْمِ، وغَلَبَ هَذا الإطْلاقُ فَساوى الحَقِيقَةَ وأُرِيدَ بِهِ السَّيْرُ في مَسافاتٍ مُتَباعِدَةٍ جِدَّ التَّباعُدِ فَتَقْطَعُها في مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِتَباعُدِ الأرْضِ حَوْلَ الشَّمْسِ. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِآثارِ ذَلِكَ السَّيْرِ المَعْرُوفَةِ لِلنّاسِ مَعْرِفَةً إجْمالِيَّةً بِما يَحْسِبُونَ مِنَ الوَقْتِ وامْتِدادِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وهي المَعْرِفَةُ لِأهْلِ المَعْرِفَةِ بِمُراقَبَةِ أحْوالِها مِن خاصَّةِ النّاسِ وهُمُ الَّذِينَ يَرْقُبُونَ مَنازِلَ تَنَقُّلِها المُسَمّاةِ بِالبُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، والمَعْرُوفَةِ لِأهْلِ العِلْمِ بِالهَيْئَةِ تَفْصِيلًا واسْتِدْلالًا، وكُلُّ هَؤُلاءِ مُخاطَبُونَ بِالِاعْتِبارِ بِما بَلَغَهُ عِلْمُهم.
والمُسْتَقَرُّ: مَكانُ الِاسْتِقْرارِ، أيِ القَرارُ أوْ زَمانُهُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ: اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
صفحة ٢٠
واللّامُ في لِمُسْتَقَرٍّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامُ التَّعْلِيلِ عَلى ظاهِرِها، أيْ تَجْرِي لِأجْلِ أنْ تَسْتَقِرَّ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَنْتَهِيَ جَرْيُها كَما يَنْتَهِي سَيْرُ المُسافِرِ إذا بَلَغَ إلى مَكانِهِ فاسْتَقَرَّ فِيهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَجْرِي“ عَلى أنَّهُ نِهايَةٌ لَهُ لِأنَّ سَيْرَ الشَّمْسِ لَمّا كانَتْ نِهايَتُهُ انْقِطاعَهُ نَزَلَ الِانْقِطاعُ عَنْهُ مَنزِلَةَ العِلَّةِ كَما يُقالُ (لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ) .
وتَنْزِيلُ النِّهايَةِ مَنزِلَةَ العِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والمَعْنى: أنَّها تَسِيرُ سَيْرًا دائِبًا مُشاهَدًا إلى أنْ تَبْلُغَ الِاحْتِجابَ عَنِ الأنْظارِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى إلى، أيْ تَجْرِي إلى مَكانِ اسْتِقْرارِها وهو مَكانُ الغُرُوبِ، شُبِّهَ غُرُوبُها عَنِ الأبْصارِ بِالمُسْتَقَرِّ والمَأْوى الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ المَرْءُ في آخِرِ النَّهارِ بَعْدَ الأعْمالِ.
وقَدْ ورَدَ تَقْرِيبُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِ في صَحِيحَي البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ حاصِلُ تَرْتِيبِها أنَّهُ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ في المَسْجِدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَألْتُهُ أوْ قالَ: إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً، فَلا تَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُقالُ لَها: ارْتَفِعِي، ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَطْلَعِها ثُمَّ تَجْرِي حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها تَحْتَ العَرْشِ فَتَخِرُّ ساجِدَةً ولا تَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُقالُ لَها: ارْتَفِعِي ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ، فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَطْلَعِها، ثُمَّ تَجْرِي لا يَسْتَنْكِرُ النّاسُ مِنها شَيْئًا حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها ذاكَ تَحْتَ العَرْشِ فَيُقالُ لَها: ارْتَفِعِي أصْبِحِي طالِعَةً مِن مَغْرِبِكِ، فَتُصْبِحُ طالِعَةً مِن مَغْرِبِها فَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَها ومُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى» ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ .
وهَذا تَمْثِيلٌ وتَقْرِيبٌ لِسَيْرِ الشَّمْسِ اليَوْمِيِّ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِشُرُوقِها عَلى بَعْضِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ ويَنْتَهِي بِغُرُوبِها عَلى بَعْضِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، في خُطُوطٍ دَقِيقَةٍ، وبِتَكَرُّرِ طُلُوعِها وغُرُوبِها تَتَكَوَّنُ السَّنَةُ الشَّمْسِيَّةُ.
وقَدْ جُعِلَ المَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ سَيْرُها هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَحْتِ العَرْشِ وهو سَمْتٌ مُعَيَّنٌ لا قِبَلَ لِلنّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ، وهو مُنْتَهى مَسافَةِ سَيْرِها اليَوْمِيِّ، وعِنْدَهُ
صفحة ٢١
يَنْقَطِعُ سَيْرُها في إبّانِ انْقِطاعِهِ، وذَلِكَ حِينَ تَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها، أيْ حِينَ يَنْقَطِعُ سَيْرُ الأرْضِ حَوْلَ شُعاعِها لِأنَّ حَرَكَةَ الأجْرامِ التّابِعَةِ لِنِظامِها تَنْقَطِعُ تَبَعًا لِانْقِطاعِ حَرَكَتِها هي وذَلِكَ نِهايَةُ بَقاءِ هَذا العِلْمِ الدُّنْيَوِيِّ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لَها لامُ الِاخْتِصاصِ وهو صِفَةٌ لِمُسْتَقَرٍّ، وعُدِلَ عَنْ إضافَةِ مُسْتَقَرٍّ لِضَمِيرِ الشَّمْسِ المُغْنِيَةِ عَنْ إظْهارِ اللّامِ إلى الإتْيانِ بِاللّامِ لِيَتَأتّى تَنْكِيرُ مُسْتَقَرٍّ تَنْكِيرًا مُشْعِرًا بِتَعْظِيمِ ذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.
وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ هَذا تَمْثِيلٌ لِحالِ الغُرُوبِ والشُّرُوقِ اليَوْمِيَّيْنِ. وجُعِلَ سُجُودُ الشَّمْسِ تَمْثِيلًا لِتَسْخِرِها لِتَسْخِيرِ اللَّهِ إيّاها كَما جُعِلَ القَوْلُ تَمْثِيلًا لَهُ في آيَةِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ لِمُسْتَقَرِّ لَها إدْماجٌ لِلتَّعْلِيمِ في التَّذْكِيرِ ولَيْسَ مِن آيَةِ الشَّمْسِ لِلنّاسِ لِأنَّ النّاسَ لا يَشْعُرُونَ بِهِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] عَقِبَ الِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٠] .
والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ إلى المَذْكُورِ: إمّا مِن قَوْلِهِ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي﴾ أيْ ذَلِكَ الجَرْيِ، وإمّا مِنهُ ومِن قَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧] أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
وذِكْرُ صِفَتِي ”العَزِيزِ العَلِيمِ“ لِمُناسَبَةِ مَعْناهُما لِلتَّعَلُّقِ بِنِظامِ سَيْرِ الكَواكِبِ، فالعِزَّةُ تُناسِبُ تَسْخِيرَ هَذا الكَوْكَبِ العَظِيمِ، والعِلْمُ يُناسِبُ النِّظامَ البَدِيعَ الدَّقِيقَ، وتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
يس 36:39
﴿والقَمَرُ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ”قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِرَفْعِ (والقَمَرُ) فَهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى“ والشَّمْسُ ”تَجْرِي عَطْفَ المُفْرَداتِ، وإمّا مُبْتَدَأٌ والعَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.
صفحة ٢٢
وجُمْلَةُ قَدَّرْناهُ إمّا حالٌ وإمّا خَبَرٌ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ وخَلَفٍ بِنَصْبِ“ القَمَرَ ”عَلى الِاشْتِغالِ فَهو إذَنْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَنازِلِ القَمَرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] في سُورَةِ يُونُسَ.
والتَّقْدِيرُ: يُطْلَقُ عَلى جَعْلِ الأشْياءِ بِقَدَرٍ ونِظامٍ مُحْكَمٍ، ويُطْلَقُ عَلى تَحْدِيدِ المِقْدارِ مِن شَيْءٍ تُطْلَبُ مَعْرِفَةُ مِقْدارِهِ مِثْلُ تَقْدِيرِ الأوْقاتِ وتَقْدِيرِ الكِمِّيّاتِ مِنَ المَوْزُوناتِ والمَعْدُوداتِ، وكِلا الإطْلاقَيْنِ مُرادٌ هُنا. فَإنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ نِظامَ سَيْرِهِما وقَدَّرَ بِذَلِكَ حِسابَ الفُصُولِ السَّنَوِيَّةِ والأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي.
وعُدِّيَ فَعْلُ“ قَدَّرْنا ”إلى ضَمِيرِ (القَمَرَ) الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ ذاتِهِ وإنَّما التَّقْدِيرُ لِسَيْرِهِ ولَكِنْ عُدِّيَ التَّقْدِيرُ إلى اسْمِ ذاتِهِ دُونَ ذِكْرِ المُضافِ مُبالَغَةً في لُزُومِ السَّيْرِ لَهُ مِن وقْتِ خَلْقِهِ حَتّى كَأنَّ تَقْدِيرَ سَيْرِهِ تَقْدِيرٌ لِذاتِهِ.
وانْتَصَبَ“ مَنازِلَ ”عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ مِثْلُ: سِرْتُ أمْيالًا، أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ في مَنازِلَ يَنْتَقِلُ بِسَيْرِهِ فِيها مَنزِلَةً بَعْدَ أُخْرى.
و“ حَتّى ”ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ لَيْسَتْ حَرْفَ جَرٍّ فَإنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ. ومَعْنى الغايَةِ لا يُفارِقُ“ حَتّى ”فَآذَنَ ما فِيها مِن مَعْنى الغايَةِ بِمُغَيًّا مَحْذُوفٍ، فالغايَةُ تَسْتَلْزِمُ ابْتِداءَ شَيْءٍ. والتَّقْدِيرُ: فابْتَدَأ ضَوْءُهُ وأخَذَ في الِازْدِيادِ لَيْلَةً قَلِيلَةً ثُمَّ أخَذَ في التَّناقُصِ حَتّى عادَ، أيْ صارَ كالعُرْجُونِ التَّقْدِيمِ، أيْ شَبِيهًا بِهِ.
وعُبِّرَ عَنْهُ بِهَذا التَّشْبِيهِ إذْ لَيْسَ لِضَوْءِ القَمَرِ في أواخِرِ لَيالِيهِ اسْمٌ يُعْرَفُ بِهِ، بِخِلافِ أوَّلِ أجْزاءِ ضَوْئِهِ المُسَمّى هِلالًا، ولِأنَّ هَذا التَّشْبِيهَ يُماثِلُ حالَةَ اسْتِهْلالِهِ كَما يُماثِلُ حالَةَ انْتِهائِهِ.
وعادَ بِمَعْنى صارَ شَكْلُهُ لِلرّائِي كالعُرْجُونِ.
والعُرْجُونُ: العُودُ الَّذِي تُخْرِجُهُ النَّخْلَةُ، فَيَكُونُ الثَّمَرُ في مُنْتَهاهِ وهو الَّذِي يَبْقى مُتَّصِلًا بِالنَّخْلَةِ بَعْدَ قَطْعِ الكِباسَةِ مِنهُ وهي مُجْتَمَعُ أعْوادِ التَّمْرِ.
صفحة ٢٣
والقَدِيمُ: هو البالِي لِأنَّهُ إذا انْقَطَعَ الثَّمَرُ تَقَوَّسَ واصْفَرَّ وتَضاءَلَ فَأشْبَهَ صُورَةَ ما يُواجِهُ الأرْضَ مِن ضَوْءِ القَمَرِ في آخِرِ لَيالِي الشَّهْرِ وفي أوَّلِ لَيْلَةٍ مِنهُ، وتَرْكِيبُ“ ﴿عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ " صالِحٌ لِصُورَةِ القَمَرِ في اللَّيْلَةِ الأخِيرَةِ وهي الَّتِي يَعْقُبُها المُحاقُ ولِصُورَتِهِ في اللَّيْلَةِ الأُولى مِنَ الشَّهْرِ هو الهِلالُ.
وقَدْ بَسَّطَ لَهم بَيانُ سَيْرِ القَمَرِ ومَنازِلِهِ لِأنَّهم كانُوا يُتْقِنُونَ عِلْمَهُ بِخِلافِ سَيْرِ الشَّمْسِ.
يس 36:40
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لَمّا جَرى ذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ في مَعْرِضِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، وعَلى صِفاتِ إلَهِيَّتِهِ الَّتِي مِن مُتَعَلَّقاتِها تَعَلُّقُ صِفَةِ القُدْرَةِ بِآيَةِ الشَّمْسِ وسَيْرِها، والقَمَرِ وسَيْرِهِ، وقَدْ سَمّاها بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ صِفاتِ الأفْعالِ، وكانَ النّاسُ يَعْرِفُونَ تَقارُبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ فِيما يَراهُ الرّاءُونَ، وكانُوا يُقَدِّرُونَ سَيْرَهُما بِأسْماتٍ مُعَلَّمَةٍ بِعَلاماتٍ نُجُومِيَّةٍ تُسَمّى بُرُوجًا بِالنِّسْبَةِ لِسَيْرِ الشَّمْسِ، وتُسَمّى مُنازِلَ بِالنِّسْبَةِ لِسَيْرِ القَمَرِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ شِدَّةَ قُرْبِ المَنازِلِ القَمَرِيَّةِ مِنَ البُرُوجِ الشَّمْسِيَّةِ فَإنَّ كُلَّ بُرْجٍ تُسامِتُهُ مَنزِلَتانِ أوْ ثَلاثَ مَنازِلَ، وبَعْضُ نُجُومِ المَنازِلِ هي أجْزاءٌ مِن نُجُومِ البُرُوجِ، زادَهُمُ اللَّهُ عِبْرَةً وتَعْلِيمًا بِأنَّ لِلشَّمْسِ سَيْرًا لا يُلاقِي سَيْرَ القَمَرِ، ولِلْقَمَرِ سَيْرًا لا يُلاقِي سَيْرَ الشَّمْسِ ولا يَمُرُّ أحَدُهُما بِطَرائِقِ مَسِيرِ الآخَرِ وأنَّ ما يَتَراءى لِلنّاسِ مِن شِدَّةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في جَوٍّ واحِدٍ وفي حَجْمَيْنِ مُتَقارِبَيْنِ، وما يَتَراءى لَهم مِن تَقارُبِ نُجُومِ بُرُوجِ الشَّمْسِ ونُجُومِ مَنازِلِ القَمَرِ، إنْ هو إلّا مِن تَخَيُّلاتِ الأبْصارِ وتَفاوُتِ المَقادِيرِ بَيْنَ الأجْرامِ والأبْعادِ.
فالكُرَةُ العَظِيمَةُ كالشَّمْسِ تَبْدُو مُقارِبَةً لِكُرَةِ القَمَرِ في المَرْأى وإنَّما ذَلِكَ مِن تَباعُدِ الأبْعادِ، فَأبْعادُ فَلَكِ الشَّمْسِ تَفُوتُ أبْعادَ فَلَكِ القَمَرِ بِمِئاتِ المَلايِينِ مِنَ الأمْيالِ، حَتّى يَلُوحَ لَنا حَجْمُ الشَّمْسِ مُقارِبًا لِحَجْمِ القَمَرِ.
فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّهُ نَظَّمَ سَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى نِظامٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ اتِّصالُ إحْدى الكُرَتَيْنِ بِالأُخْرى لِشِدَّةِ الأبْعادِ بَيْنَ مَدارَيْهِما.
صفحة ٢٤
فَمَعْنى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ نَفْيُ انْبِغاءِ ذَلِكَ، أيْ: نَفْيُ تَأْتِيهِ؛ لِأنَّ انْبَغى مُطاوِعُ بَغى الَّذِي هو بِمَعْنى طَلَبَ، فانْبَغى يُفِيدُ أنَّ الشَّيْءَ طَلَبٌ فَحَصَلَ لِلَّذِي طَلَبَهُ، يُقالُ: بَغاهُ فانْبَغى لَهُ، فَإثْباتُ الِانْبِغاءِ يُفِيدُ التَّمَكُّنَ مِنَ الشَّيْءِ فَلا يَقْتَضِي وُجُوبًا، ونَفْيُ الِانْبِغاءِ يُفِيدُ نَفْيَ إمْكانِهِ ولِذَلِكَ يُكْنى بِهِ عَنِ الشَّيْءِ المَحْظُورِ. يُقالُ: لا يَنْبَغِي لَكَ كَذا، فَفَرِّقْ ما بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي أنْ لا تَفْعَلَ كَذا، وبَيْنَ قَوْلِكَ: لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، قالَ تَعالى:
﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] في سُورَةِ مَرْيَمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والإدْراكُ: اللَّحاقُ والوُصُولُ إلى البُغْيَةِ، فَقَوْلُهُ (أنْ تُدْرِكَ) فاعِلُ (يَنْبَغِي) فَأفادَ الكَلامُ نَفِيَ انْبِغاءِ إدْراكِ الشَّمْسِ القَمَرَ. والمَعْنى: نَفْيُ أنْ تَصْطَدِمَ الشَّمْسُ بِالقَمَرِ، خِلافًا لِما يَبْدُو مِن قُرْبِ مَنازِلِهِما فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُسامَتَةِ لا مِنَ الِاقْتِرابِ.
وصَوْغُ هَذا بِصِيغَةِ الإخْبارِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةٍ تُقَوِّي حُكْمَ النَّفْيِ فَذَلِكَ أبْلَغُ في الِانْتِفاءِ مِمّا لَوْ قِيلَ: لا يَنْبَغِي لِلشَّمْسِ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ.
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ ذِكْرِ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِيَكُونَ النَّفْيُ مُتَقَرَّرًا في ذِهْنِ السّامِعِ أقْوى مِمّا لَوْ قِيلَ: الشَّمْسُ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ، فَكانَ في قَوْلِهِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ خُصُوصِيَّتانِ.
ولَمّا ذَكَرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكانَتِ الشَّمْسُ مُقارِنَةً لِلنَّهارِ في مُخَيَّلاتِ البَشَرِ، وكانَ القَمَرُ مُقارِنًا لِلَّيْلِ، وكانَ في نِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَنافِعُ لِلنّاسِ اعْتُرِضَ بِذِكْرِ نِظامِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أثْناءَ الِاعْتِبارِ بِنِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ. ومَعْنى ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ أنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمُفْلِتٍ لِلنَّهارِ، فالسَّبْقُ بِمَعْنى التَّخَلُّصِ والنَّجاةِ، كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءَ الفَقْعَسِيِّ:
كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْـرِ مَـرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكَتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
صفحة ٢٥
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، والمَعْنى: أنَّ انْسِلاخَ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ أمْرٌ مُسَخَّرٌ لا قِبَلَ لِلَّيْلِ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ.
ولا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُ السَّبْقِ هُنا بِمَعْناهُ المَشْهُورِ وهو الأوَّلِيَّةُ بِالسَّيْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في تَداوُلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، ولا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبْقِ ابْتِداءَ التَّكْوِينِ إذْ لا يُتَعَلَّقُ بِذَلِكَ غَرَضٌ مُهِمٌّ في الآيَةِ، عَلى أنَّ الشَّأْنَ أنْ تَكُونَ الظُّلْمَةُ أسْبَقَ في التَّكْوِينِ.
والغَرَضُ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّيْلِ ونِعْمَةِ النَّهارِ فَإنَّ لِكِلَيْهِما فَوائِدَ لِلنّاسِ فَلَوْ تَخَلَّصَ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ فاسْتَقَرَّ في الأُفُقِ لَتَعَطَّلَتْ مَنافِعُ جَمَّةٌ مِن حَياةِ النّاسِ والحَيَوانِ.
وفِي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ولا القَمَرُ يُدْرِكُ الشَّمْسَ، ولا النَّهارُ سابِقُ اللَّيْلِ.
وقَوْلُهُ ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾، والواوُ عاطِفَةٌ تَرْجِيحًا لِجانِبِ الإخْبارِ بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ عَلى جانِبِ التَّذْيِيلِ، وإلّا فَحَقُّ التَّذْيِيلِ الفَصْلُ.
وما أُضِيفَ إلَيْهِ ”كُلٌّ“ مَحْذُوفٍ، وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ، فالتَّقْدِيرُ: وكُلُّ الكَواكِبِ.
وزِيدَتْ قَرِينَةُ السِّياقِ تَأْكِيدًا بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ”يَسْبَحُونَ“ مَعَ أنَّ المَذْكُورَ مِن قَبْلُ شَيْئانِ لا أشْياءَ، وبِهَذا التَّعْمِيمِ صارَتِ الجُمْلَةُ في مَعْنى التَّذْيِيلِ.
والفَلَكُ: الدّائِرَةُ المَفْرُوضَةُ في الخَلاءِ الجَوِّيِّ لِسَيْرِ أحَدِ الكَواكِبِ سَيْرًا مُطَّرِدًا لا يَحِيدُ عَنْهُ، فَإنَّ أهْلَ الأرْصادِ الأقْدَمِينَ لَمّا رَصَدُوا تِلْكَ المَداراتِ وجَدُوها لا تَتَغَيَّرُ ووَجَدُوا نِهايَتَها تَتَّصِلُ بِمُبْتَداها فَتَوَهَّمُوها طَرائِقَ مُسْتَدِيرَةً تَسِيرُ فِيها الكَواكِبُ كَما تَتَقَلَّبُ الكُرَةُ عَلى الأرْضِ ورُبَّما تَوَسَّعُوا في التَّوَهُّمِ فَظَنُّوها طَرائِقَ صَلْبَةً تَرْتَكِزُ عَلَيْها الكَواكِبُ في سَيْرِها مَجْرُورَةً بِسَلاسِلَ وكَلالِيبَ وكانَ ذَلِكَ في مُعْتَقَدِ القِبْطِ بِمِصْرَ.
صفحة ٢٦
وسَمّى العَرَبُ تِلْكَ الطَّرائِقَ أفْلاكًا وأحَدُها فَلَكٌ اشْتَقُّوا لَهُ اسْمًا مِنِ اسْمِ فَلْكَةِ المِغْزَلِ، وهي عُودٌ في أعْلاهُ خَشَبَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ مُتَبَطِّحَةٌ مِثْلُ التُّفّاحَةِ الكَبِيرَةِ، تَلُفُّ المَرْأةُ عَلَيْها خِيُوطَ غَزْلِها الَّتِي تَفْتِلُها لِتُدِيرَها بِكَفَّيْها. فَتَلْتَفُّ عَلَيْها خُيُوطُ الغَزْلِ، فَتَوَهَّمُوا الفَلَكَ جِسْمًا كُرَوِيًّا، وتَوَهَّمُوا الكَواكِبَ مَوْضُوعَةً عَلَيْهِ تَدُورُ بِدَوْرَتِهِ ولِذَلِكَ قَدَّرُوا الزَّمانَ بِأنَّهُ حَرَكَةُ الفَلَكِ. وسَمَّوْا ما بَيْنَ مَبْدَأِ المُدَّتَيْنِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ دَوْرَةَ الفَلَكِ ولَكِنَّ القُرْآنَ جاراهم في الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْلَغُ اللُّغَةِ وأصْلَحُ لَهم ما تَوَهَّمُوا بِقَوْلِهِ يَسْبَحُونَ، فَبَطَلَ أنْ تَكُونَ أجْرامُ الكَواكِبِ مُلْتَصِقَةً بِأفْلاكِها ولَزِمَ مِن كَوْنِها سابِحَةً أنَّ طَرائِقَ سَيْرِها دَوائِرُ وهْمِيَّةٌ لِأنَّ السَّبْحَ هُنا سَبَحٌ في الهَواءِ لا في الماءِ، والهَواءُ لا تُخَطَّطُ فِيهِ الخُطُوطُ ولا الأخادِيدُ.
وجِيءَ بِضَمِيرِ يَسْبَحُونَ ضَمِيرَ جَمْعٍ مَعَ أنَّ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ شَيْئانِ هُما الشَّمْسُ والقَمَرُ لِأنَّ المُرادَ إفادَةُ تَعْمِيمِ هَذا الحُكْمِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وجَمِيعِ الكَواكِبِ وهي حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ سَبَقَ بِها القُرْآنُ.
وجُمْلَةُ ”كُلٌّ في فَلَكٍ“ فِيها مُحَسِّنُ الطَّرْدِ والعَكْسُ فَإنَّها تُقْرَأُ مِن آخِرِها كَما تَقْرَأُ مَن أوَّلِها.
يس 36:41
”﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومُتَعًا إلى حِينٍ﴾“ انْتِقالٌ مِن عَدِّ آياتٍ في الأرْضِ وفي السَّماءِ إلى عَدِّ آيَةٍ في البَحْرِ تَجْمَعُ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ وهي آيَةُ تَسْخِيرِ الفُلْكِ أنْ تَسِيرَ عَلى الماءِ وتَسْخِيرِ الماءِ لِتَطْفُوَ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُغْرِقَها.
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ النّاسَ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ اشْتُهِرَتْ حَتّى كانَتْ كالمُشاهَدَةِ عِنْدَهم وهي آيَةُ إلْهامِ نُوحٍ صُنْعَ السَّفِينَةِ لِيَحْمِلَ النّاسَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَحْمِلَ مِن كُلِّ أنْواعِ الحَيَوانِ زَوْجَيْنِ لِيُنْجِيَ الأنْواعَ مِنَ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ بِالغَرَقِ في حادِثِ الطُّوفانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حاصِلَةً لِفائِدَةِ حَمْلِ أزْواجٍ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ جُعِلَتِ
صفحة ٢٧
الآيَةُ نَفْسَ الحَمْلِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في ضِمْنِ العِبْرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآيَةٌ لَهم صُنْعُ الفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْناهم.
وأُطْلِقَ الحَمْلُ عَلى الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَبِيَّةِ، أيْ أنْجَيْنا ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ حِينَ الطُّوفانِ.
والذُّرِّيّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وهي نَسْلُ الإنْسانِ.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: هو المَعْهُودُ بَيْنَ البَشَرِ في قِصَّةِ الطُّوفانِ، وهو هُنا مُفْرَدٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ وهو المَشْحُونُ ولَمْ يَقُلِ: المَشْحُونَةُ كَما قالَ:
﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وهو فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأنْجَيْناهُ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ولَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذا الوَصْفِ.
وتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إلى الذُّرِّيّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَإنَّ المَجازَ العَقْلِيَّ لا يَخْتَصُّ بِالإسْنادِ بَلْ يَكُونُ المَجازَ في التَّعْلِيقِ فَإنَّ المَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيّاتِ، لا الذُّرِّيّاتُ وأُصُولُها مُلابِسَةً لَها.
ولَمّا كانَتْ ذُرِّيّاتُ المُخاطَبِينَ مِمّا أرادَ اللَّهُ بَقاءَهُ في الأرْضِ حِينَ أمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الفُلْكِ لِإنْجاءِ الأنْواعِ وأمَرَهُ بِحَمْلِ أزْواجٍ مِنَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنهُمُ البَشَرَ بَعْدَ الطُّوفانِ نَزَّلَ البَشَرَ كُلَّهُ مَنزِلَةَ مَحْمُولِينَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ في زَمَنِ نُوحٍ، وذِكْرُ الذُّرِّيّاتِ يَقْتَضِي أنَّ أُصُولَهم مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إيجازًا في الكَلامِ، وأنَّ أنْفُسَهم مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا حَمَلْنا أُصُولَهم وحَمَلْناهم وحَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ، إذْ لَوْلا نَجاةُ الأُصُولِ ما جاءَتِ الذُّرِّيّاتُ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في حَمْلِ الأُصُولِ بَقاءَ الذُّرِّيّاتِ فَكانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وهَذا كالِامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] .
وضَمِيرُ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَهم أيِ: العِبادُ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهم لُوحِظُوا هُنا بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، فالمَعْنى: آيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ البَشَرِ في سَفِينَةِ نُوحٍ وذَلِكَ حِينَ أمْرَ اللَّهُ نُوحًا
صفحة ٢٨
بِأنْ يَحْمِلَ فِيها أهَّلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ لِبَقاءِ ذُرِّيّاتِ البَشَرِ فَكانَ ذَلِكَ حَمْلًا لِذُرِّيّاتِهِمْ ما تَسَلْسَلَتْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
هَذا هو تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مِن أشْكَلِ ما في السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ خَلَطَ بَعْضُ النّاسِ حَتّى قالُوا: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ وهَذا لا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ وتَقْدَمَ قَوْلُهُ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَدْ فَهُمَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ صَرِيحًا وكِنايَةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَمِرَّةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ إذْ يَشْهَدُونَ أسْفارَهم وأسْفارَ أمْثالِهِمْ في البَحْرِ، وخاصَّةً سُكّانَ الشُّطُوطِ والسَّواحِلِ مَثْلَ أهْلِ جِدَّةَ وأهْلِ يَنْبُعَ إذْ يُسافِرُونَ إلى بِلادِ اليَمَنِ وبِلادِ الحَبَشَةِ فَيُفْهَمُ مِنهُ: أنّا حَمَلْنا ونَحْمِلُ وسَنَحْمِلُ أسْلافَهم وأنْفُسَهم وذُرِّيّاتِهِمْ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ السُّفُنَ في مُعَلَّقَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ آيَةِ البَحْرِ اقْتَضَتْها مُراعاةُ النَّظِيرِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِ الإبِلِ صالِحَةً لِلْأسْفارِ فَحُكِيَتْ آيَةُ الإلْهامِ بِصُنْعِ الفُلْكِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ في الإلْهامِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لَها وإيجادِها في وقْتِ الحاجَةِ لِحِفْظِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في جانِبِها بِفِعْلِ الخَلْقِ المُخْتَصِّ بِالإيجادِ دُونَ صُنْعِ النّاسِ. وحُكِيَتْ آيَةُ اتِّخاذِ الرَّواحِلِ بِفِعْلِ خَلَقْنا، ونَظِيرُ هَذِهِ المُقارَنَةِ قَوْلُهُ وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ، فَماصَدَقُ ما يَرْكَبُونَ هُنا هو الرَّواحِلُ خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُشْبِهُ الفُلْكَ في جَعْلِها قادِرَةً عَلى قَطْعِ الرِّمالِ كَما جَعَلَ الفُلْكَ صالِحًا لِمَخْرِ البِحارِ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الرَّواحِلَ سَفائِنَ البَرِّ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن مِثْلِهِ“ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ وهو جائِزٌ عَلى الأصَحِّ، أوْ مُؤَكِّدَةٌ ومَجْرُورُها أصْلُهُ حالٌ مِن ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما يَرْكَبُونَ، والمُرادُ المُماثَلَةُ في العَظَمَةِ وقُوَّةِ الحَمْلِ ومُداوَمَةِ السَّيْرِ وفي الشَّكْلِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ وإنْ نَشَأ نُغْرِقُهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾“ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها الكِنائِيَّةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذِهِ المِنَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ جَعْلَ فِيما هو نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ نِقْمَةً لَهم لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ لِئَلّا يَبْطَرَ النّاسُ بِالنِّعْمَةِ ولا يَيْأسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُضارِعِ المُتَمَحِّضِ في سِياقِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكَمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .
والصَّرِيخُ: الصّارِخُ وهو المُسْتَغِيثُ المُسْتَنْجِدُ تَقُولُ العَرَبُ: جاءَهُمُ الصَّرِيخُ، أيِ المَنكُوبُ المُسْتَنْجِدُ لِيُنْقِذُوهُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. ويُطْلَقُ الصَّرِيخُ عَلى المُغِيثِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وذَلِكَ أنَّ المُنْجِدَ إذا صَرَخَ بِهِ المُسْتَنْجِدُ صَرَخَ هو مُجِيبًا بِما يَطْمَئِنُّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ. وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ:
إنّا إذا أتَـانَـا صَـارِخٌ فَـزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ
والظَّنابِيبُ: جَمْعُ ظُنْبُوبٍ وهو مِسْمارٌ يَكُونُ في جُبَّةِ السِّنانِ. وقَرَعَ الظَّنابِيبَ تَفَقَّدَ الأسِنَّةَ اسْتِعْدادًا لِلْخُرُوجِ.
والمَعْنى: لا يَجِدُونَ مَن يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ وهم في لُجُجِ البَحْرِ ولا يُنْقِذُهم أحَدٌ مِنَ الغَرَقِ.
والإنْقاذُ: الِانْتِشالُ مِنَ الماءِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْقَذُونَ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ؛ وهو نَفْيُ الحُكْمِ؛ وهو نَفْيُ إنْقاذِ أحَدٍ إيّاهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَحْمَةً مُنْقَطِعٌ فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّرِيخِ ولا مِنَ
صفحة ٣٠
المُنْقِذِ وإنَّما هي إسْعافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِسُكُونِ البَحْرِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّبْحِ عَلى أعْوادِ الفَلَكِ.
و”مَتاعًا“ عَطَفٌ عَلى ”رَحْمَةً“، أيْ إلّا رَحْمَةً هي تَمْتِيعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ فَإنَّ كُلَّ حَيٍّ طائِرٌ إلى المَوْتِ فَإذا نَجا مِن مَوْتَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ مَوْتَةٌ أُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في فِطْرَةِ الإنْسانِ حُبَّ زِيادَةِ الحَياةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَحِيدَ لَهُ عَنِ المَوْتِ.
يس 36:42
”﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومُتَعًا إلى حِينٍ﴾“ انْتِقالٌ مِن عَدِّ آياتٍ في الأرْضِ وفي السَّماءِ إلى عَدِّ آيَةٍ في البَحْرِ تَجْمَعُ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ وهي آيَةُ تَسْخِيرِ الفُلْكِ أنْ تَسِيرَ عَلى الماءِ وتَسْخِيرِ الماءِ لِتَطْفُوَ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُغْرِقَها.
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ النّاسَ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ اشْتُهِرَتْ حَتّى كانَتْ كالمُشاهَدَةِ عِنْدَهم وهي آيَةُ إلْهامِ نُوحٍ صُنْعَ السَّفِينَةِ لِيَحْمِلَ النّاسَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَحْمِلَ مِن كُلِّ أنْواعِ الحَيَوانِ زَوْجَيْنِ لِيُنْجِيَ الأنْواعَ مِنَ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ بِالغَرَقِ في حادِثِ الطُّوفانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حاصِلَةً لِفائِدَةِ حَمْلِ أزْواجٍ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ جُعِلَتِ
صفحة ٢٧
الآيَةُ نَفْسَ الحَمْلِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في ضِمْنِ العِبْرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآيَةٌ لَهم صُنْعُ الفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْناهم.
وأُطْلِقَ الحَمْلُ عَلى الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَبِيَّةِ، أيْ أنْجَيْنا ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ حِينَ الطُّوفانِ.
والذُّرِّيّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وهي نَسْلُ الإنْسانِ.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: هو المَعْهُودُ بَيْنَ البَشَرِ في قِصَّةِ الطُّوفانِ، وهو هُنا مُفْرَدٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ وهو المَشْحُونُ ولَمْ يَقُلِ: المَشْحُونَةُ كَما قالَ:
﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وهو فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأنْجَيْناهُ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ولَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذا الوَصْفِ.
وتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إلى الذُّرِّيّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَإنَّ المَجازَ العَقْلِيَّ لا يَخْتَصُّ بِالإسْنادِ بَلْ يَكُونُ المَجازَ في التَّعْلِيقِ فَإنَّ المَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيّاتِ، لا الذُّرِّيّاتُ وأُصُولُها مُلابِسَةً لَها.
ولَمّا كانَتْ ذُرِّيّاتُ المُخاطَبِينَ مِمّا أرادَ اللَّهُ بَقاءَهُ في الأرْضِ حِينَ أمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الفُلْكِ لِإنْجاءِ الأنْواعِ وأمَرَهُ بِحَمْلِ أزْواجٍ مِنَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنهُمُ البَشَرَ بَعْدَ الطُّوفانِ نَزَّلَ البَشَرَ كُلَّهُ مَنزِلَةَ مَحْمُولِينَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ في زَمَنِ نُوحٍ، وذِكْرُ الذُّرِّيّاتِ يَقْتَضِي أنَّ أُصُولَهم مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إيجازًا في الكَلامِ، وأنَّ أنْفُسَهم مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا حَمَلْنا أُصُولَهم وحَمَلْناهم وحَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ، إذْ لَوْلا نَجاةُ الأُصُولِ ما جاءَتِ الذُّرِّيّاتُ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في حَمْلِ الأُصُولِ بَقاءَ الذُّرِّيّاتِ فَكانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وهَذا كالِامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] .
وضَمِيرُ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَهم أيِ: العِبادُ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهم لُوحِظُوا هُنا بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، فالمَعْنى: آيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ البَشَرِ في سَفِينَةِ نُوحٍ وذَلِكَ حِينَ أمْرَ اللَّهُ نُوحًا
صفحة ٢٨
بِأنْ يَحْمِلَ فِيها أهَّلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ لِبَقاءِ ذُرِّيّاتِ البَشَرِ فَكانَ ذَلِكَ حَمْلًا لِذُرِّيّاتِهِمْ ما تَسَلْسَلَتْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
هَذا هو تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مِن أشْكَلِ ما في السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ خَلَطَ بَعْضُ النّاسِ حَتّى قالُوا: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ وهَذا لا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ وتَقْدَمَ قَوْلُهُ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَدْ فَهُمَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ صَرِيحًا وكِنايَةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَمِرَّةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ إذْ يَشْهَدُونَ أسْفارَهم وأسْفارَ أمْثالِهِمْ في البَحْرِ، وخاصَّةً سُكّانَ الشُّطُوطِ والسَّواحِلِ مَثْلَ أهْلِ جِدَّةَ وأهْلِ يَنْبُعَ إذْ يُسافِرُونَ إلى بِلادِ اليَمَنِ وبِلادِ الحَبَشَةِ فَيُفْهَمُ مِنهُ: أنّا حَمَلْنا ونَحْمِلُ وسَنَحْمِلُ أسْلافَهم وأنْفُسَهم وذُرِّيّاتِهِمْ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ السُّفُنَ في مُعَلَّقَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ آيَةِ البَحْرِ اقْتَضَتْها مُراعاةُ النَّظِيرِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِ الإبِلِ صالِحَةً لِلْأسْفارِ فَحُكِيَتْ آيَةُ الإلْهامِ بِصُنْعِ الفُلْكِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ في الإلْهامِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لَها وإيجادِها في وقْتِ الحاجَةِ لِحِفْظِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في جانِبِها بِفِعْلِ الخَلْقِ المُخْتَصِّ بِالإيجادِ دُونَ صُنْعِ النّاسِ. وحُكِيَتْ آيَةُ اتِّخاذِ الرَّواحِلِ بِفِعْلِ خَلَقْنا، ونَظِيرُ هَذِهِ المُقارَنَةِ قَوْلُهُ وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ، فَماصَدَقُ ما يَرْكَبُونَ هُنا هو الرَّواحِلُ خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُشْبِهُ الفُلْكَ في جَعْلِها قادِرَةً عَلى قَطْعِ الرِّمالِ كَما جَعَلَ الفُلْكَ صالِحًا لِمَخْرِ البِحارِ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الرَّواحِلَ سَفائِنَ البَرِّ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن مِثْلِهِ“ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ وهو جائِزٌ عَلى الأصَحِّ، أوْ مُؤَكِّدَةٌ ومَجْرُورُها أصْلُهُ حالٌ مِن ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما يَرْكَبُونَ، والمُرادُ المُماثَلَةُ في العَظَمَةِ وقُوَّةِ الحَمْلِ ومُداوَمَةِ السَّيْرِ وفي الشَّكْلِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ وإنْ نَشَأ نُغْرِقُهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾“ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها الكِنائِيَّةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذِهِ المِنَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ جَعْلَ فِيما هو نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ نِقْمَةً لَهم لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ لِئَلّا يَبْطَرَ النّاسُ بِالنِّعْمَةِ ولا يَيْأسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُضارِعِ المُتَمَحِّضِ في سِياقِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكَمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .
والصَّرِيخُ: الصّارِخُ وهو المُسْتَغِيثُ المُسْتَنْجِدُ تَقُولُ العَرَبُ: جاءَهُمُ الصَّرِيخُ، أيِ المَنكُوبُ المُسْتَنْجِدُ لِيُنْقِذُوهُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. ويُطْلَقُ الصَّرِيخُ عَلى المُغِيثِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وذَلِكَ أنَّ المُنْجِدَ إذا صَرَخَ بِهِ المُسْتَنْجِدُ صَرَخَ هو مُجِيبًا بِما يَطْمَئِنُّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ. وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ:
إنّا إذا أتَـانَـا صَـارِخٌ فَـزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ
والظَّنابِيبُ: جَمْعُ ظُنْبُوبٍ وهو مِسْمارٌ يَكُونُ في جُبَّةِ السِّنانِ. وقَرَعَ الظَّنابِيبَ تَفَقَّدَ الأسِنَّةَ اسْتِعْدادًا لِلْخُرُوجِ.
والمَعْنى: لا يَجِدُونَ مَن يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ وهم في لُجُجِ البَحْرِ ولا يُنْقِذُهم أحَدٌ مِنَ الغَرَقِ.
والإنْقاذُ: الِانْتِشالُ مِنَ الماءِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْقَذُونَ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ؛ وهو نَفْيُ الحُكْمِ؛ وهو نَفْيُ إنْقاذِ أحَدٍ إيّاهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَحْمَةً مُنْقَطِعٌ فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّرِيخِ ولا مِنَ
صفحة ٣٠
المُنْقِذِ وإنَّما هي إسْعافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِسُكُونِ البَحْرِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّبْحِ عَلى أعْوادِ الفَلَكِ.
و”مَتاعًا“ عَطَفٌ عَلى ”رَحْمَةً“، أيْ إلّا رَحْمَةً هي تَمْتِيعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ فَإنَّ كُلَّ حَيٍّ طائِرٌ إلى المَوْتِ فَإذا نَجا مِن مَوْتَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ مَوْتَةٌ أُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في فِطْرَةِ الإنْسانِ حُبَّ زِيادَةِ الحَياةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَحِيدَ لَهُ عَنِ المَوْتِ.
يس 36:43
”﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومُتَعًا إلى حِينٍ﴾“ انْتِقالٌ مِن عَدِّ آياتٍ في الأرْضِ وفي السَّماءِ إلى عَدِّ آيَةٍ في البَحْرِ تَجْمَعُ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ وهي آيَةُ تَسْخِيرِ الفُلْكِ أنْ تَسِيرَ عَلى الماءِ وتَسْخِيرِ الماءِ لِتَطْفُوَ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُغْرِقَها.
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ النّاسَ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ اشْتُهِرَتْ حَتّى كانَتْ كالمُشاهَدَةِ عِنْدَهم وهي آيَةُ إلْهامِ نُوحٍ صُنْعَ السَّفِينَةِ لِيَحْمِلَ النّاسَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَحْمِلَ مِن كُلِّ أنْواعِ الحَيَوانِ زَوْجَيْنِ لِيُنْجِيَ الأنْواعَ مِنَ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ بِالغَرَقِ في حادِثِ الطُّوفانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حاصِلَةً لِفائِدَةِ حَمْلِ أزْواجٍ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ جُعِلَتِ
صفحة ٢٧
الآيَةُ نَفْسَ الحَمْلِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في ضِمْنِ العِبْرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآيَةٌ لَهم صُنْعُ الفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْناهم.
وأُطْلِقَ الحَمْلُ عَلى الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَبِيَّةِ، أيْ أنْجَيْنا ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ حِينَ الطُّوفانِ.
والذُّرِّيّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وهي نَسْلُ الإنْسانِ.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: هو المَعْهُودُ بَيْنَ البَشَرِ في قِصَّةِ الطُّوفانِ، وهو هُنا مُفْرَدٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ وهو المَشْحُونُ ولَمْ يَقُلِ: المَشْحُونَةُ كَما قالَ:
﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وهو فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأنْجَيْناهُ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ولَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذا الوَصْفِ.
وتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إلى الذُّرِّيّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَإنَّ المَجازَ العَقْلِيَّ لا يَخْتَصُّ بِالإسْنادِ بَلْ يَكُونُ المَجازَ في التَّعْلِيقِ فَإنَّ المَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيّاتِ، لا الذُّرِّيّاتُ وأُصُولُها مُلابِسَةً لَها.
ولَمّا كانَتْ ذُرِّيّاتُ المُخاطَبِينَ مِمّا أرادَ اللَّهُ بَقاءَهُ في الأرْضِ حِينَ أمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الفُلْكِ لِإنْجاءِ الأنْواعِ وأمَرَهُ بِحَمْلِ أزْواجٍ مِنَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنهُمُ البَشَرَ بَعْدَ الطُّوفانِ نَزَّلَ البَشَرَ كُلَّهُ مَنزِلَةَ مَحْمُولِينَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ في زَمَنِ نُوحٍ، وذِكْرُ الذُّرِّيّاتِ يَقْتَضِي أنَّ أُصُولَهم مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إيجازًا في الكَلامِ، وأنَّ أنْفُسَهم مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا حَمَلْنا أُصُولَهم وحَمَلْناهم وحَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ، إذْ لَوْلا نَجاةُ الأُصُولِ ما جاءَتِ الذُّرِّيّاتُ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في حَمْلِ الأُصُولِ بَقاءَ الذُّرِّيّاتِ فَكانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وهَذا كالِامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] .
وضَمِيرُ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَهم أيِ: العِبادُ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهم لُوحِظُوا هُنا بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، فالمَعْنى: آيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ البَشَرِ في سَفِينَةِ نُوحٍ وذَلِكَ حِينَ أمْرَ اللَّهُ نُوحًا
صفحة ٢٨
بِأنْ يَحْمِلَ فِيها أهَّلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ لِبَقاءِ ذُرِّيّاتِ البَشَرِ فَكانَ ذَلِكَ حَمْلًا لِذُرِّيّاتِهِمْ ما تَسَلْسَلَتْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
هَذا هو تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مِن أشْكَلِ ما في السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ خَلَطَ بَعْضُ النّاسِ حَتّى قالُوا: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ وهَذا لا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ وتَقْدَمَ قَوْلُهُ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَدْ فَهُمَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ صَرِيحًا وكِنايَةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَمِرَّةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ إذْ يَشْهَدُونَ أسْفارَهم وأسْفارَ أمْثالِهِمْ في البَحْرِ، وخاصَّةً سُكّانَ الشُّطُوطِ والسَّواحِلِ مَثْلَ أهْلِ جِدَّةَ وأهْلِ يَنْبُعَ إذْ يُسافِرُونَ إلى بِلادِ اليَمَنِ وبِلادِ الحَبَشَةِ فَيُفْهَمُ مِنهُ: أنّا حَمَلْنا ونَحْمِلُ وسَنَحْمِلُ أسْلافَهم وأنْفُسَهم وذُرِّيّاتِهِمْ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ السُّفُنَ في مُعَلَّقَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ آيَةِ البَحْرِ اقْتَضَتْها مُراعاةُ النَّظِيرِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِ الإبِلِ صالِحَةً لِلْأسْفارِ فَحُكِيَتْ آيَةُ الإلْهامِ بِصُنْعِ الفُلْكِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ في الإلْهامِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لَها وإيجادِها في وقْتِ الحاجَةِ لِحِفْظِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في جانِبِها بِفِعْلِ الخَلْقِ المُخْتَصِّ بِالإيجادِ دُونَ صُنْعِ النّاسِ. وحُكِيَتْ آيَةُ اتِّخاذِ الرَّواحِلِ بِفِعْلِ خَلَقْنا، ونَظِيرُ هَذِهِ المُقارَنَةِ قَوْلُهُ وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ، فَماصَدَقُ ما يَرْكَبُونَ هُنا هو الرَّواحِلُ خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُشْبِهُ الفُلْكَ في جَعْلِها قادِرَةً عَلى قَطْعِ الرِّمالِ كَما جَعَلَ الفُلْكَ صالِحًا لِمَخْرِ البِحارِ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الرَّواحِلَ سَفائِنَ البَرِّ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن مِثْلِهِ“ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ وهو جائِزٌ عَلى الأصَحِّ، أوْ مُؤَكِّدَةٌ ومَجْرُورُها أصْلُهُ حالٌ مِن ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما يَرْكَبُونَ، والمُرادُ المُماثَلَةُ في العَظَمَةِ وقُوَّةِ الحَمْلِ ومُداوَمَةِ السَّيْرِ وفي الشَّكْلِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ وإنْ نَشَأ نُغْرِقُهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾“ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها الكِنائِيَّةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذِهِ المِنَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ جَعْلَ فِيما هو نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ نِقْمَةً لَهم لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ لِئَلّا يَبْطَرَ النّاسُ بِالنِّعْمَةِ ولا يَيْأسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُضارِعِ المُتَمَحِّضِ في سِياقِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكَمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .
والصَّرِيخُ: الصّارِخُ وهو المُسْتَغِيثُ المُسْتَنْجِدُ تَقُولُ العَرَبُ: جاءَهُمُ الصَّرِيخُ، أيِ المَنكُوبُ المُسْتَنْجِدُ لِيُنْقِذُوهُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. ويُطْلَقُ الصَّرِيخُ عَلى المُغِيثِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وذَلِكَ أنَّ المُنْجِدَ إذا صَرَخَ بِهِ المُسْتَنْجِدُ صَرَخَ هو مُجِيبًا بِما يَطْمَئِنُّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ. وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ:
إنّا إذا أتَـانَـا صَـارِخٌ فَـزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ
والظَّنابِيبُ: جَمْعُ ظُنْبُوبٍ وهو مِسْمارٌ يَكُونُ في جُبَّةِ السِّنانِ. وقَرَعَ الظَّنابِيبَ تَفَقَّدَ الأسِنَّةَ اسْتِعْدادًا لِلْخُرُوجِ.
والمَعْنى: لا يَجِدُونَ مَن يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ وهم في لُجُجِ البَحْرِ ولا يُنْقِذُهم أحَدٌ مِنَ الغَرَقِ.
والإنْقاذُ: الِانْتِشالُ مِنَ الماءِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْقَذُونَ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ؛ وهو نَفْيُ الحُكْمِ؛ وهو نَفْيُ إنْقاذِ أحَدٍ إيّاهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَحْمَةً مُنْقَطِعٌ فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّرِيخِ ولا مِنَ
صفحة ٣٠
المُنْقِذِ وإنَّما هي إسْعافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِسُكُونِ البَحْرِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّبْحِ عَلى أعْوادِ الفَلَكِ.
و”مَتاعًا“ عَطَفٌ عَلى ”رَحْمَةً“، أيْ إلّا رَحْمَةً هي تَمْتِيعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ فَإنَّ كُلَّ حَيٍّ طائِرٌ إلى المَوْتِ فَإذا نَجا مِن مَوْتَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ مَوْتَةٌ أُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في فِطْرَةِ الإنْسانِ حُبَّ زِيادَةِ الحَياةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَحِيدَ لَهُ عَنِ المَوْتِ.
يس 36:44
”﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومُتَعًا إلى حِينٍ﴾“ انْتِقالٌ مِن عَدِّ آياتٍ في الأرْضِ وفي السَّماءِ إلى عَدِّ آيَةٍ في البَحْرِ تَجْمَعُ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ وهي آيَةُ تَسْخِيرِ الفُلْكِ أنْ تَسِيرَ عَلى الماءِ وتَسْخِيرِ الماءِ لِتَطْفُوَ عَلَيْهِ دُونَ أنْ يُغْرِقَها.
وقَدْ ذَكَّرَ اللَّهُ النّاسَ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ اشْتُهِرَتْ حَتّى كانَتْ كالمُشاهَدَةِ عِنْدَهم وهي آيَةُ إلْهامِ نُوحٍ صُنْعَ السَّفِينَةِ لِيَحْمِلَ النّاسَ الَّذِينَ آمَنُوا ويَحْمِلَ مِن كُلِّ أنْواعِ الحَيَوانِ زَوْجَيْنِ لِيُنْجِيَ الأنْواعَ مِنَ الهَلاكِ والِاضْمِحْلالِ بِالغَرَقِ في حادِثِ الطُّوفانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ حاصِلَةً لِفائِدَةِ حَمْلِ أزْواجٍ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ جُعِلَتِ
صفحة ٢٧
الآيَةُ نَفْسَ الحَمْلِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في ضِمْنِ العِبْرَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآيَةٌ لَهم صُنْعُ الفُلْكِ لِنَحْمِلَ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيهِ فَحَمَلْناهم.
وأُطْلِقَ الحَمْلُ عَلى الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَبِيَّةِ، أيْ أنْجَيْنا ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ الغَرَقِ بِحَمْلِهِمْ في الفُلْكِ حِينَ الطُّوفانِ.
والذُّرِّيّاتُ: جُمَعُ ذُرِّيَّةٍ وهي نَسْلُ الإنْسانِ.
والفُلْكُ المَشْحُونُ: هو المَعْهُودُ بَيْنَ البَشَرِ في قِصَّةِ الطُّوفانِ، وهو هُنا مُفْرَدٌ بِقَرِينَةِ وصْفِهِ وهو المَشْحُونُ ولَمْ يَقُلِ: المَشْحُونَةُ كَما قالَ:
﴿وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ [فاطر: ١٢] وهو فُلْكُ نُوحٍ فَقَدِ اشْتَهَرَ بِهَذا الوَصْفِ في القُرْآنِ كَما في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأنْجَيْناهُ ﴿ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] ولَمْ يُوصَفْ غَيْرُ فُلْكِ نُوحٍ بِهَذا الوَصْفِ.
وتَعْدِيَةُ حَمَلْنا إلى الذُّرِّيّاتِ تَعْدِيَةٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المَجازِيَّةِ وهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ فَإنَّ المَجازَ العَقْلِيَّ لا يَخْتَصُّ بِالإسْنادِ بَلْ يَكُونُ المَجازَ في التَّعْلِيقِ فَإنَّ المَحْمُولَ أُصُولُ الذُّرِّيّاتِ، لا الذُّرِّيّاتُ وأُصُولُها مُلابِسَةً لَها.
ولَمّا كانَتْ ذُرِّيّاتُ المُخاطَبِينَ مِمّا أرادَ اللَّهُ بَقاءَهُ في الأرْضِ حِينَ أمَرَ نُوحًا بِصُنْعِ الفُلْكِ لِإنْجاءِ الأنْواعِ وأمَرَهُ بِحَمْلِ أزْواجٍ مِنَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ تَوَلَّدَ مِنهُمُ البَشَرَ بَعْدَ الطُّوفانِ نَزَّلَ البَشَرَ كُلَّهُ مَنزِلَةَ مَحْمُولِينَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ في زَمَنِ نُوحٍ، وذِكْرُ الذُّرِّيّاتِ يَقْتَضِي أنَّ أُصُولَهم مَحْمُولُونَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ إيجازًا في الكَلامِ، وأنَّ أنْفُسَهم مَحْمُولُونَ كَذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا حَمَلْنا أُصُولَهم وحَمَلْناهم وحَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ، إذْ لَوْلا نَجاةُ الأُصُولِ ما جاءَتِ الذُّرِّيّاتُ، وكانَتِ الحِكْمَةُ في حَمْلِ الأُصُولِ بَقاءَ الذُّرِّيّاتِ فَكانَتِ النِّعْمَةُ شامِلَةً لِلْكُلِّ، وهَذا كالِامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً﴾ [الحاقة: ١٢] .
وضَمِيرُ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ لَهم أيِ: العِبادُ المُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ لَكِنَّهم لُوحِظُوا هُنا بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ البَشَرِ، فالمَعْنى: آيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِ البَشَرِ في سَفِينَةِ نُوحٍ وذَلِكَ حِينَ أمْرَ اللَّهُ نُوحًا
صفحة ٢٨
بِأنْ يَحْمِلَ فِيها أهَّلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِهِ لِبَقاءِ ذُرِّيّاتِ البَشَرِ فَكانَ ذَلِكَ حَمْلًا لِذُرِّيّاتِهِمْ ما تَسَلْسَلَتْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
هَذا هو تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ قالَ القُرْطُبِيُّ: وهي مِن أشْكَلِ ما في السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَدْ خَلَطَ بَعْضُ النّاسِ حَتّى قالُوا: الذُّرِّيَّةُ تُطْلَقُ عَلى الآباءِ وهَذا لا يُعْرَفُ مِنَ اللُّغَةِ وتَقْدَمَ قَوْلُهُ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ”ذُرِّيّاتِهِمْ“ بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَدْ فَهُمَ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ صَرِيحًا وكِنايَةً أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُسْتَمِرَّةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ إذْ يَشْهَدُونَ أسْفارَهم وأسْفارَ أمْثالِهِمْ في البَحْرِ، وخاصَّةً سُكّانَ الشُّطُوطِ والسَّواحِلِ مَثْلَ أهْلِ جِدَّةَ وأهْلِ يَنْبُعَ إذْ يُسافِرُونَ إلى بِلادِ اليَمَنِ وبِلادِ الحَبَشَةِ فَيُفْهَمُ مِنهُ: أنّا حَمَلْنا ونَحْمِلُ وسَنَحْمِلُ أسْلافَهم وأنْفُسَهم وذُرِّيّاتِهِمْ. وقَدْ وصَفَ طَرَفَةُ السُّفُنَ في مُعَلَّقَتِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ آيَةِ البَحْرِ اقْتَضَتْها مُراعاةُ النَّظِيرِ تَذْكِيرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِ الإبِلِ صالِحَةً لِلْأسْفارِ فَحُكِيَتْ آيَةُ الإلْهامِ بِصُنْعِ الفُلْكِ مِن حَيْثُ الحِكْمَةُ العَظِيمَةُ في الإلْهامِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لَها وإيجادِها في وقْتِ الحاجَةِ لِحِفْظِ النَّوْعِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ في جانِبِها بِفِعْلِ الخَلْقِ المُخْتَصِّ بِالإيجادِ دُونَ صُنْعِ النّاسِ. وحُكِيَتْ آيَةُ اتِّخاذِ الرَّواحِلِ بِفِعْلِ خَلَقْنا، ونَظِيرُ هَذِهِ المُقارَنَةِ قَوْلُهُ وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ، فَماصَدَقُ ما يَرْكَبُونَ هُنا هو الرَّواحِلُ خاصَّةً؛ لِأنَّها الَّتِي تُشْبِهُ الفُلْكَ في جَعْلِها قادِرَةً عَلى قَطْعِ الرِّمالِ كَما جَعَلَ الفُلْكَ صالِحًا لِمَخْرِ البِحارِ، وقَدْ سَمَّتِ العَرَبُ الرَّواحِلَ سَفائِنَ البَرِّ و”مِن“ الَّتِي في قَوْلِهِ ”مِن مِثْلِهِ“ بَيانِيَّةٌ بِتَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ وهو جائِزٌ عَلى الأصَحِّ، أوْ مُؤَكِّدَةٌ ومَجْرُورُها أصْلُهُ حالٌ مِن ”ما“ المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما يَرْكَبُونَ، والمُرادُ المُماثَلَةُ في العَظَمَةِ وقُوَّةِ الحَمْلِ ومُداوَمَةِ السَّيْرِ وفي الشَّكْلِ.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ وإنْ نَشَأ نُغْرِقُهم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ﴾“ بِاعْتِبارِ دَلالَتِها الكِنائِيَّةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذِهِ الآيَةِ وهَذِهِ المِنَّةِ تَذْكِيرًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ إذا شاءَ جَعْلَ فِيما هو نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ نِقْمَةً لَهم لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها. وهَذا جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ وعَكْسِهِ لِئَلّا يَبْطَرَ النّاسُ بِالنِّعْمَةِ ولا يَيْأسُوا مِنَ الرَّحْمَةِ.
وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّهُ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمُضارِعِ المُتَمَحِّضِ في سِياقِ الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مُسْتَقْبَلًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكَمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] .
والصَّرِيخُ: الصّارِخُ وهو المُسْتَغِيثُ المُسْتَنْجِدُ تَقُولُ العَرَبُ: جاءَهُمُ الصَّرِيخُ، أيِ المَنكُوبُ المُسْتَنْجِدُ لِيُنْقِذُوهُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ. ويُطْلَقُ الصَّرِيخُ عَلى المُغِيثِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وذَلِكَ أنَّ المُنْجِدَ إذا صَرَخَ بِهِ المُسْتَنْجِدُ صَرَخَ هو مُجِيبًا بِما يَطْمَئِنُّ لَهُ مِنَ النَّصْرِ. وقَدْ جَمَعَ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ:
إنّا إذا أتَـانَـا صَـارِخٌ فَـزِعٌ كانَ الصُّراخُ لَهُ قَرْعَ الظَّنابِيبِ
والظَّنابِيبُ: جَمْعُ ظُنْبُوبٍ وهو مِسْمارٌ يَكُونُ في جُبَّةِ السِّنانِ. وقَرَعَ الظَّنابِيبَ تَفَقَّدَ الأسِنَّةَ اسْتِعْدادًا لِلْخُرُوجِ.
والمَعْنى: لا يَجِدُونَ مَن يَسْتَصْرِخُونَ بِهِ وهم في لُجُجِ البَحْرِ ولا يُنْقِذُهم أحَدٌ مِنَ الغَرَقِ.
والإنْقاذُ: الِانْتِشالُ مِنَ الماءِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ولا هم يُنْقَذُونَ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ؛ وهو نَفْيُ الحُكْمِ؛ وهو نَفْيُ إنْقاذِ أحَدٍ إيّاهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَحْمَةً مُنْقَطِعٌ فَإنَّ الرَّحْمَةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّرِيخِ ولا مِنَ
صفحة ٣٠
المُنْقِذِ وإنَّما هي إسْعافُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِسُكُونِ البَحْرِ وتَمْكِينِهِمْ مِنَ السَّبْحِ عَلى أعْوادِ الفَلَكِ.
و”مَتاعًا“ عَطَفٌ عَلى ”رَحْمَةً“، أيْ إلّا رَحْمَةً هي تَمْتِيعٌ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ فَإنَّ كُلَّ حَيٍّ طائِرٌ إلى المَوْتِ فَإذا نَجا مِن مَوْتَةٍ اسْتَقْبَلَتْهُ مَوْتَةٌ أُخْرى ولَكِنَّ اللَّهَ أوْدَعَ في فِطْرَةِ الإنْسانِ حُبَّ زِيادَةِ الحَياةِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا مَحِيدَ لَهُ عَنِ المَوْتِ.
يس 36:45
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تَخَلَّصَ الكَلامُ مِن عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ إلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأقْوالِ المُبَلَّغَةِ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِنَ المَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وبِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِتَذْكِيرِ القُرْآنِ إيّاهم بِالأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وعَلى البَعْثِ.
وبِناءُ فِعْلِ ”قِيلَ“ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ القائِلَ هو الرَّسُولُ ﷺ في تَبْلِيغِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أيْ قِيلَ لَهم في القُرْآنِ.
وما بَيْنَ الأيْدِي يُرادُ مِنهُ المُسْتَقْبَلُ، وما هو خَلْفٌ يُرادُ مِنهُ الماضِي، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦]، أيْ ما تَقَدَّمَنِي. وذَلِكَ أنَّ أصْلَ هَذَيْنِ التَّرْكِيبَيْنِ تَمْثِيلانِ فَتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ إلَيْهِ بِسائِرٍ إلى مَكانٍ فالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هو ما سَيَرِدُ هو عَلَيْهِ، والَّذِي مِن ورائِهِ هو ما خَلَّفَهُ خَلْفَهُ في سَيْرِهِ، وتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ بِسائِرٍ، فَهو إذا كانَ بَيْنَ يَدِيِ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ سَبَقَهُ في السَّيْرِ فَهو سابِقٌ لَهُ وإذا كانَ خَلْفَ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ تَأخَّرَ عَنْهُ فَهو وارِدٌ بَعْدَهُ.
وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالوَجْهَيْنِ فَقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِن أمْرِ الآخِرَةِ وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الأُمَمِ في الدُّنْيا، وهو عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم أحْوالُ الأُمَمِ في الدُّنْيا وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الآخِرَةِ
صفحة ٣١
وهُوَ عَنْ قَتادَةَ وسُفْيانَ. ومَتى حُمِلَ أحَدُ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ وجَبَ تَقْدِيرُ مُضافَيْنِ قَبْلَ ما المَوْصُولَةِ هُما المَفْعُولُ، أيِ اتَّقُوا مِثْلَ أحْوالِ ما بَيْنَ أيْدِيكم، أوْ أحْوالِ ما خَلْفَكم، ولا يُقَدَّرُ مُضافانِ في مُقابَلَهِ لِأنَّ ماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَهو مَفْعُولُ اتَّقُوا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولَعَلَّ لِلرَّجاءِ، أيْ تُرْجى لَكم رَحْمَةُ اللَّهِ، لِأنَّهم إذا اتَّقَوْا حَذِرُوا ما يُوقِعُ في المُتَّقى فارْتَكَبُوا واجْتَنَبُوا وبادَرُوا بِالتَّوْبَةِ فِيما فَرَطَ فَرَضِيَ رَبُّهم عَنْهم فَرَحِمَهم بِالثَّوابِ وجَنَّبَهُمُ العِقابَ. والكَلامُ في لَعَلَّ الوارِدَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فالتَّقْدِيرُ هُنا: كانُوا مُعْرِضِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها، فَفِيها تَعْمِيمُ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ ما يَبَلَّغُونَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا أعْرَضُوا، والإعْراضُ دَأْبُهم في كُلِّ ما يُقالُ لَهم.
والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ الَّتِي تَنْزِلُ فَيَقْرَؤُها النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأُطْلِقَ عَلى بُلُوغِها إلَيْهِمْ فِعْلَ الإتْيانِ. ووَصْفُها بِأنَّها مِن آياتِ رَبِّهِمْ لِلتَّنْوِيهِ بِالآياتِ والتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ كَلامِ رَبِّهِمْ كُفْرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِهِ إيّاهم.
و”ما“ نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. وجُمْلَةُ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ في مَوْضِعِ الحالِ.
يس 36:46
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ تَخَلَّصَ الكَلامُ مِن عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ إلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالأقْوالِ المُبَلَّغَةِ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ مِنَ المَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم، وبِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِتَذْكِيرِ القُرْآنِ إيّاهم بِالأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وعَلى البَعْثِ.
وبِناءُ فِعْلِ ”قِيلَ“ لِلْمَجْهُولِ لِظُهُورِ أنَّ القائِلَ هو الرَّسُولُ ﷺ في تَبْلِيغِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أيْ قِيلَ لَهم في القُرْآنِ.
وما بَيْنَ الأيْدِي يُرادُ مِنهُ المُسْتَقْبَلُ، وما هو خَلْفٌ يُرادُ مِنهُ الماضِي، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦]، أيْ ما تَقَدَّمَنِي. وذَلِكَ أنَّ أصْلَ هَذَيْنِ التَّرْكِيبَيْنِ تَمْثِيلانِ فَتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ إلَيْهِ بِسائِرٍ إلى مَكانٍ فالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هو ما سَيَرِدُ هو عَلَيْهِ، والَّذِي مِن ورائِهِ هو ما خَلَّفَهُ خَلْفَهُ في سَيْرِهِ، وتارَةً يَنْظُرُونَ إلى تَمْثِيلِ المُضافِ بِسائِرٍ، فَهو إذا كانَ بَيْنَ يَدِيِ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ سَبَقَهُ في السَّيْرِ فَهو سابِقٌ لَهُ وإذا كانَ خَلْفَ المُضافِ إلَيْهِ فَقَدْ تَأخَّرَ عَنْهُ فَهو وارِدٌ بَعْدَهُ.
وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالوَجْهَيْنِ فَقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم مِن أمْرِ الآخِرَةِ وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الأُمَمِ في الدُّنْيا، وهو عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: ما بَيْنَ أيْدِيكم أحْوالُ الأُمَمِ في الدُّنْيا وما خَلْفَكم مِن أحْوالِ الآخِرَةِ
صفحة ٣١
وهُوَ عَنْ قَتادَةَ وسُفْيانَ. ومَتى حُمِلَ أحَدُ المَوْصُولَيْنِ عَلى ما سَبَقَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ وجَبَ تَقْدِيرُ مُضافَيْنِ قَبْلَ ما المَوْصُولَةِ هُما المَفْعُولُ، أيِ اتَّقُوا مِثْلَ أحْوالِ ما بَيْنَ أيْدِيكم، أوْ أحْوالِ ما خَلْفَكم، ولا يُقَدَّرُ مُضافانِ في مُقابَلَهِ لِأنَّ ماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ فِيهِ حِينَئِذٍ هو عَذابُ الآخِرَةِ فَهو مَفْعُولُ اتَّقُوا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولَعَلَّ لِلرَّجاءِ، أيْ تُرْجى لَكم رَحْمَةُ اللَّهِ، لِأنَّهم إذا اتَّقَوْا حَذِرُوا ما يُوقِعُ في المُتَّقى فارْتَكَبُوا واجْتَنَبُوا وبادَرُوا بِالتَّوْبَةِ فِيما فَرَطَ فَرَضِيَ رَبُّهم عَنْهم فَرَحِمَهم بِالثَّوابِ وجَنَّبَهُمُ العِقابَ. والكَلامُ في لَعَلَّ الوارِدَةِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَوابُ إذا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. فالتَّقْدِيرُ هُنا: كانُوا مُعْرِضِينَ.
وجُمْلَةُ (﴿ما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها، فَفِيها تَعْمِيمُ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ ما يَبَلَّغُونَهُ مِنَ القُرْآنِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا أعْرَضُوا، والإعْراضُ دَأْبُهم في كُلِّ ما يُقالُ لَهم.
والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ الَّتِي تَنْزِلُ فَيَقْرَؤُها النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأُطْلِقَ عَلى بُلُوغِها إلَيْهِمْ فِعْلَ الإتْيانِ. ووَصْفُها بِأنَّها مِن آياتِ رَبِّهِمْ لِلتَّنْوِيهِ بِالآياتِ والتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْ كَلامِ رَبِّهِمْ كُفْرًا بِنِعْمَةِ خَلْقِهِ إيّاهم.
و”ما“ نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مِن أحْوالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما تَأْتِيهِمْ آيَةٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. وجُمْلَةُ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ في مَوْضِعِ الحالِ.
يس 36:47
﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كانُوا مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكَرَمِ يَشِحُّونَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ فَيَمْنَعُونَهُمُ البَذْلَ تَشَفِّيًا، مِنهم فَإذا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ما فِيهِ الأمْرُ بِالإنْفاقِ أوْ سَألَهم فُقَراءُ المُسْلِمِينَ
صفحة ٣٢
مِن فُضُولِ أمْوالِهِمْ أوْ أنْ يُعْطُوهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلَّهِ مِن أمْوالِهِمُ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] فَلَعَلَّ مَن أسْلَمَ مِنَ الفُقَراءِ سَألُوا المُشْرِكِينَ ما اعْتادُوا يُعْطُونَهم قَبْلَ إسْلامِهِمْ فَيَقُولُونَ أعْطُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، وقَدْ سَمِعُوا مِنهم كَلِماتٍ إسْلامِيَّةً لَمْ يَكُونُوا يَسْمَعُونَها مِن قَبْلُ، ورُبَّما كانُوا يُحاجُّونَهم بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ولا يَقَعُ في الكَوْنِ كائِنٌ إلّا بِإرادَتِهِ، فَجَعَلَ المُشْرِكُونَ يَتَعَلَّلُونَ لِمَنعِهِمْ بِالِاسْتِهْزاءِ فَيَقُولُونَ: لا نُطْعِمُ مِن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَأطْعَمَهُ، وإذا كانَ هَذا رَزَقَناهُ اللَّهُ فَلِماذا لَمْ يَرْزُقْكم، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأطْعَمَكم كَما أطْعَمَنا. وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهم ذَلِكَ جَهْلًا؛ فَإنَّهم كانُوا يَجْهَلُونَ وضْعَ صِفاتِ اللَّهِ في مَواضِعِها كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
وإظْهارُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: قالُوا أنُطْعِمُ إلَخْ لِنُكْتَةِ الإيماءِ إلى أنَّ صُدُورَ هَذا القَوْلِ مِنهم إنَّما هو لِأجْلِ كُفْرِهِمْ ولِأجْلِ إيمانِ الَّذِينَ سُئِلَ الإنْفاقَ عَلَيْهِمْ.
رَوى ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمْرَ المُشْرِكِينَ بِالإنْفاقِ عَلى المَساكِينِ في شِدَّةٍ أصابَتِ النّاسَ فَشَحَّ فِيها الأغْنِياءُ عَلى المَساكِينِ ومَنَعُوهم ما كانُوا يُعْطُونَهم.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِلَّذِينِ آمَنُوا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ القَوْلِ إلى المُخاطَبِ بِهِ أيْ خاطَبُوا المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ قالُوا في شَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا﴾ [آل عمران: ١٦٨] وقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أيْ قالُوا ذَلِكَ تَعِلَّةً لِعَدَمِ الإنْفاقِ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.
والِاسْتِفْهامُ في ”أنُطْعِمُ“ إنْكارِيٌّ، أيْ لا نُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَأطْعَمَهم بِحَسَبِ اعْتِقادِكم أنَّ اللَّهَ هو المَطْعِمُ.
والتَّعْبِيرُ في جَوابِهِمْ بِالإطْعامِ مَعَ أنَّ المَطْلُوبَ هو الإنْفاقُ: إمّا لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ تَجَنُّبًا لِإعادَةِ اللَّفْظِ فَإنَّ الإنْفاقَ يُرادُ مِنهُ الإطْعامُ، وإمّا لِأنَّهم سُئِلُوا الإنْفاقَ وهو أعَمُّ مِنَ الإطْعامِ لِأنَّهُ يَشْمَلُ الإكْساءَ والإسْكانَ فَأجابُوا بِإمْساكِ الطَّعامِ وهو أيْسَرُ
صفحة ٣٣
أنْواعِ الإنْفاقِ، ولِأنَّهم كانُوا يُعَيِّرُونَ مَن يَشِحُّ بِإطْعامِ الطَّعامِ وإذا مَنَعُوا المُؤْمِنِينَ الطَّعامَ كانَ مَنعُهم ما هو فَوْقَهُ أحْرى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ يُخاطِبُونَ المُؤْمِنِينَ، أيْ ما أنْتُمْ في قَوْلِكم ﴿أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وما في مَعْناهُ مِنِ اعْتِقادِ أنَّ اللَّهَ مُتَصَرِّفٌ في أحْوالِنا إلّا مُتَمَكِّنٌ مِنكُمُ الضَّلالُ الواضِحُ. وجَعَلُوهُ ضَلالًا لِجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ اللَّهِ، وجَعَلُوهُ مُبِينًا لِأنَّهم يُحَكِّمُونَ الظَّواهِرَ مِن أسْبابِ اكْتِسابِ المالِ وعَدَمِهِ.
والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
يس 36:48
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخَصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ذَكَرَ عَقِبَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ لَمّا مَنَعُوهُمُ الإنْفاقَ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأطْعَمَهُمُ اسْتِهْزاءً آخَرَ بِالمُؤْمِنِينَ في تَهْدِيدِهِمُ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ فَكانُوا يَسْألُونَهم هَذا الوَعْدَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّهَكُّمِ والتَّكْذِيبِ.
وأُطْلِقَ الوَعْدُ عَلى الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الوَعْدَ أعَمُّ ويَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ بِالقَرِينَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِلْوَعْدِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِخْفافِ بِوَعْدِ العَذابِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَهَـا
وإذا قَدْ كانَ اسْتِهْزاؤُهم هَذا يَسُوءُ المُسْلِمِينَ أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الوَعْدَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً تَأْخُذُهم فَلا يُفْلِتُونَ مِن أخْذَتِها.
صفحة ٣٤
وفِعْلُ يَنْظُرُونَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظْرَةِ وهو التَّرَقُّبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأعراف: ٥٣] سُورَةُ الأعْرافِ. والصَّيْحَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ الخارِجُ مِن حَلْقِ الإنْسانِ لِزَجْرٍ، أوِ اسْتِغاثَةٍ. وأُطْلِقَتِ الصَّيْحَةُ في مَواضِعَ في القُرْآنِ عَلى صَوْتِ الصّاعِقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣] . فالصَّيْحَةُ هُنا تَحْتَمِلُ المَجازَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَعْقَةً أوْ نَفْخَةً عَظِيمَةً. والمُرادُ النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَنْقَضِي بِها نِظامُ الحَياةِ في هَذا العالَمِ، والأُخْرى تَنْشَأُ عَنْها النَّشْأةُ الثّانِيَةُ وهي الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُ الكَلامِ خارِجًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إعْراضًا عَنْ جَوابِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ فَأُجِيبُوا بِأنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ هو الأجْدَرُ بِأنْ يَنْتَظِرُوهُ. ومَعْنى تَأْخُذُهم تُهْلِكُهم فَجْأةً، شُبِّهَ حُلُولُ صَيْحَةِ العِقابِ بِحُلُولِ المُغِيرِينَ عَلى الحَيِّ لِأخْذِ أنْعامِهِ وسَبْيِ نِسائِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الحُلُولِ فِعْلُ تَأْخُذُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: تَحُلُّ بِهِمْ وهم يَخْتَصِمُونَ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِأنَّهم يَهْلِكُونَ بِصَعْقَتِها. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الصَّيْحَةُ عَلى حَقِيقَتِها وهي صَيْحَةُ صائِحِينَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يُصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً تُنْذِرُ بِحُلُولِ القَتْلِ، فَيَكُونَ إنْذارًا بِعَذابِ الدُّنْيا. ولَعَلَّها صَيْحَةُ الصّائِحِينَ الَّذِي جاءَهم بِخَبَرِ تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لِرَكْبِ تِجارَةِ قُرَيْشٍ في بَدْرٍ. و”يَخَصِّمُونَ“ مِنَ الخُصُومَةِ والخِصامِ وهو الجِدالُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] في سُورَةِ الحَجِّ. وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ فَوَقَعَ إبْدالُ التّاءِ ضادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِالإدْغامِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها، فَقَرَأهُ الجَمِيعُ بِفَتْحِ الياءِ واخْتَلَفُوا فِيما عَدا ذَلِكَ: فَقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ ”يَخَصِّمُونَ“ .
صفحة ٣٥
بِتَشْدِيدِ الصّادِ مَكْسُورَةً عَلى اعْتِبارِ التّاءِ المُبْدَلَةِ صادًا والمُسَكَّنَةِ لِأجْلِ الإدْغامِ، أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الخاءِ الَّتِي كانَتْ ساكِنَةً. وقَرَأهُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو في المَشْهُورِ عَنْهُ بِسُكُونِ الخاءِ سُكُونًا مُخْتَلَسًا ”بِالفَتْحِ“ لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَخِصِّمُونَ“ كَسْرُ الخاءِ وكَسْرُ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ ”يَخْصِمُونَ“ بِسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ ”خَصَمَ“ قِيلَ بِمَعْنى جادَلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”يَخْصِّمُونَ“ إسْكانُ الخاءِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدِّدَةً عَلى الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ. والِاخْتِصامُ: اخْتِصامُهم في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ أوْ في تَعْيِينِ مَن يَخْرُجُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن مُفاجَآتٍ لَهم وهم يَخْتَصِمُونَ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِلنَّذِيرِ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الصَّيْحَةَ وقْتُ الأخْذِ وإنَّما تَأْخُذُهم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو أنَّ الصَّيْحَةَ تَأْخُذُهم. . وفُرِّعَ عَلى تَأْخُذُهم جُمْلَةُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَوْصِيَةٍ عَلى أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ كَما هو شَأْنُ المُحْتَضَرِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ الواقِعَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ السُّرْعَةِ بَيْنَ الصَّيْحَةِ وهَلاكِهِمْ، إذْ لا يَكُونُ المُرادُ مَدْلُولَهُ الصَّرِيحَ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ غَيْرَهم بَعْدَهم؛ إذِ الهَلاكُ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ القِتالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَفْزَعُونَ إلى مَواقِعِ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ إلى تَرَقُّبِ وُصُولِ جَيْشِ الفَتْحِ يَوْمَ الفَتْحِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ الحَدِيثِ مَعَ مَن يُوصُونَهُ بِأهْلِيهِمْ. والتَّوْصِيَةُ: مَصْدَرُ وصّى المُضاعَفِ وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ما.
صفحة ٣٦
وقَوْلُهُ ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ”تَوْصِيَةً“، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ الرُّجُوعَ إلى أهْلِهِمْ كَشَأْنِ الَّذِي يُفاجِئُهُ ذُعْرٌ فَيُبادِرُ بِافْتِقادِ حالِ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ، أيْ فَلا يَرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ، أيْ هم هالِكُونَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ صَيْحَةُ الحَرْبِ يُخَصَّصُ ضَمِيرُ ”يَرْجِعُونَ“ بِكُبَراءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هَلَكُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم هُمُ المُتَوَلُّونَ كِبْرَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، أوِ الَّذِينَ أُكْمِلُوا بِالهَلاكِ يَوْمَ الفَتْحِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الفَتْحِ.
يس 36:49
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخَصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ذَكَرَ عَقِبَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ لَمّا مَنَعُوهُمُ الإنْفاقَ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأطْعَمَهُمُ اسْتِهْزاءً آخَرَ بِالمُؤْمِنِينَ في تَهْدِيدِهِمُ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ فَكانُوا يَسْألُونَهم هَذا الوَعْدَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّهَكُّمِ والتَّكْذِيبِ.
وأُطْلِقَ الوَعْدُ عَلى الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الوَعْدَ أعَمُّ ويَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ بِالقَرِينَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِلْوَعْدِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِخْفافِ بِوَعْدِ العَذابِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَهَـا
وإذا قَدْ كانَ اسْتِهْزاؤُهم هَذا يَسُوءُ المُسْلِمِينَ أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الوَعْدَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً تَأْخُذُهم فَلا يُفْلِتُونَ مِن أخْذَتِها.
صفحة ٣٤
وفِعْلُ يَنْظُرُونَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظْرَةِ وهو التَّرَقُّبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأعراف: ٥٣] سُورَةُ الأعْرافِ. والصَّيْحَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ الخارِجُ مِن حَلْقِ الإنْسانِ لِزَجْرٍ، أوِ اسْتِغاثَةٍ. وأُطْلِقَتِ الصَّيْحَةُ في مَواضِعَ في القُرْآنِ عَلى صَوْتِ الصّاعِقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣] . فالصَّيْحَةُ هُنا تَحْتَمِلُ المَجازَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَعْقَةً أوْ نَفْخَةً عَظِيمَةً. والمُرادُ النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَنْقَضِي بِها نِظامُ الحَياةِ في هَذا العالَمِ، والأُخْرى تَنْشَأُ عَنْها النَّشْأةُ الثّانِيَةُ وهي الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُ الكَلامِ خارِجًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إعْراضًا عَنْ جَوابِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ فَأُجِيبُوا بِأنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ هو الأجْدَرُ بِأنْ يَنْتَظِرُوهُ. ومَعْنى تَأْخُذُهم تُهْلِكُهم فَجْأةً، شُبِّهَ حُلُولُ صَيْحَةِ العِقابِ بِحُلُولِ المُغِيرِينَ عَلى الحَيِّ لِأخْذِ أنْعامِهِ وسَبْيِ نِسائِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الحُلُولِ فِعْلُ تَأْخُذُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: تَحُلُّ بِهِمْ وهم يَخْتَصِمُونَ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِأنَّهم يَهْلِكُونَ بِصَعْقَتِها. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الصَّيْحَةُ عَلى حَقِيقَتِها وهي صَيْحَةُ صائِحِينَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يُصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً تُنْذِرُ بِحُلُولِ القَتْلِ، فَيَكُونَ إنْذارًا بِعَذابِ الدُّنْيا. ولَعَلَّها صَيْحَةُ الصّائِحِينَ الَّذِي جاءَهم بِخَبَرِ تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لِرَكْبِ تِجارَةِ قُرَيْشٍ في بَدْرٍ. و”يَخَصِّمُونَ“ مِنَ الخُصُومَةِ والخِصامِ وهو الجِدالُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] في سُورَةِ الحَجِّ. وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ فَوَقَعَ إبْدالُ التّاءِ ضادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِالإدْغامِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها، فَقَرَأهُ الجَمِيعُ بِفَتْحِ الياءِ واخْتَلَفُوا فِيما عَدا ذَلِكَ: فَقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ ”يَخَصِّمُونَ“ .
صفحة ٣٥
بِتَشْدِيدِ الصّادِ مَكْسُورَةً عَلى اعْتِبارِ التّاءِ المُبْدَلَةِ صادًا والمُسَكَّنَةِ لِأجْلِ الإدْغامِ، أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الخاءِ الَّتِي كانَتْ ساكِنَةً. وقَرَأهُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو في المَشْهُورِ عَنْهُ بِسُكُونِ الخاءِ سُكُونًا مُخْتَلَسًا ”بِالفَتْحِ“ لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَخِصِّمُونَ“ كَسْرُ الخاءِ وكَسْرُ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ ”يَخْصِمُونَ“ بِسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ ”خَصَمَ“ قِيلَ بِمَعْنى جادَلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”يَخْصِّمُونَ“ إسْكانُ الخاءِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدِّدَةً عَلى الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ. والِاخْتِصامُ: اخْتِصامُهم في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ أوْ في تَعْيِينِ مَن يَخْرُجُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن مُفاجَآتٍ لَهم وهم يَخْتَصِمُونَ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِلنَّذِيرِ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الصَّيْحَةَ وقْتُ الأخْذِ وإنَّما تَأْخُذُهم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو أنَّ الصَّيْحَةَ تَأْخُذُهم. . وفُرِّعَ عَلى تَأْخُذُهم جُمْلَةُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَوْصِيَةٍ عَلى أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ كَما هو شَأْنُ المُحْتَضَرِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ الواقِعَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ السُّرْعَةِ بَيْنَ الصَّيْحَةِ وهَلاكِهِمْ، إذْ لا يَكُونُ المُرادُ مَدْلُولَهُ الصَّرِيحَ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ غَيْرَهم بَعْدَهم؛ إذِ الهَلاكُ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ القِتالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَفْزَعُونَ إلى مَواقِعِ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ إلى تَرَقُّبِ وُصُولِ جَيْشِ الفَتْحِ يَوْمَ الفَتْحِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ الحَدِيثِ مَعَ مَن يُوصُونَهُ بِأهْلِيهِمْ. والتَّوْصِيَةُ: مَصْدَرُ وصّى المُضاعَفِ وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ما.
صفحة ٣٦
وقَوْلُهُ ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ”تَوْصِيَةً“، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ الرُّجُوعَ إلى أهْلِهِمْ كَشَأْنِ الَّذِي يُفاجِئُهُ ذُعْرٌ فَيُبادِرُ بِافْتِقادِ حالِ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ، أيْ فَلا يَرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ، أيْ هم هالِكُونَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ صَيْحَةُ الحَرْبِ يُخَصَّصُ ضَمِيرُ ”يَرْجِعُونَ“ بِكُبَراءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هَلَكُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم هُمُ المُتَوَلُّونَ كِبْرَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، أوِ الَّذِينَ أُكْمِلُوا بِالهَلاكِ يَوْمَ الفَتْحِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الفَتْحِ.
يس 36:50
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخَصِّمُونَ﴾ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ذَكَرَ عَقِبَ اسْتِهْزائِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ لَمّا مَنَعُوهُمُ الإنْفاقَ بِعِلَّةِ أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأطْعَمَهُمُ اسْتِهْزاءً آخَرَ بِالمُؤْمِنِينَ في تَهْدِيدِهِمُ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ فَكانُوا يَسْألُونَهم هَذا الوَعْدَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ التَّهَكُّمِ والتَّكْذِيبِ.
وأُطْلِقَ الوَعْدُ عَلى الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِالشَّرِّ لِأنَّ الوَعْدَ أعَمُّ ويَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ بِالقَرِينَةِ.
واسْمُ الإشارَةِ لِلْوَعْدِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِخْفافِ بِوَعْدِ العَذابِ كَما في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَهَـا
وإذا قَدْ كانَ اسْتِهْزاؤُهم هَذا يَسُوءُ المُسْلِمِينَ أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ الوَعْدَ واقِعٌ لا مَحالَةَ وأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً تَأْخُذُهم فَلا يُفْلِتُونَ مِن أخْذَتِها.
صفحة ٣٤
وفِعْلُ يَنْظُرُونَ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّظْرَةِ وهو التَّرَقُّبِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأعراف: ٥٣] سُورَةُ الأعْرافِ. والصَّيْحَةُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ الخارِجُ مِن حَلْقِ الإنْسانِ لِزَجْرٍ، أوِ اسْتِغاثَةٍ. وأُطْلِقَتِ الصَّيْحَةُ في مَواضِعَ في القُرْآنِ عَلى صَوْتِ الصّاعِقَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في شَأْنِ ثَمُودٍ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٨٣] . فالصَّيْحَةُ هُنا تَحْتَمِلُ المَجازَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَعْقَةً أوْ نَفْخَةً عَظِيمَةً. والمُرادُ النَّفْخَةُ الأوْلى الَّتِي يَنْقَضِي بِها نِظامُ الحَياةِ في هَذا العالَمِ، والأُخْرى تَنْشَأُ عَنْها النَّشْأةُ الثّانِيَةُ وهي الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، فَيَكُونُ أُسْلُوبُ الكَلامِ خارِجًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إعْراضًا عَنْ جَوابِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهامِ فَأُجِيبُوا بِأنَّ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ هو الأجْدَرُ بِأنْ يَنْتَظِرُوهُ. ومَعْنى تَأْخُذُهم تُهْلِكُهم فَجْأةً، شُبِّهَ حُلُولُ صَيْحَةِ العِقابِ بِحُلُولِ المُغِيرِينَ عَلى الحَيِّ لِأخْذِ أنْعامِهِ وسَبْيِ نِسائِهِ، فَأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الحُلُولِ فِعْلُ تَأْخُذُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أيْ: تَحُلُّ بِهِمْ وهم يَخْتَصِمُونَ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِأنَّهم يَهْلِكُونَ بِصَعْقَتِها. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الصَّيْحَةُ عَلى حَقِيقَتِها وهي صَيْحَةُ صائِحِينَ، أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يُصاحَ بِهِمْ صَيْحَةً تُنْذِرُ بِحُلُولِ القَتْلِ، فَيَكُونَ إنْذارًا بِعَذابِ الدُّنْيا. ولَعَلَّها صَيْحَةُ الصّائِحِينَ الَّذِي جاءَهم بِخَبَرِ تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لِرَكْبِ تِجارَةِ قُرَيْشٍ في بَدْرٍ. و”يَخَصِّمُونَ“ مِنَ الخُصُومَةِ والخِصامِ وهو الجِدالُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ [الحج: ١٩] في سُورَةِ الحَجِّ. وأصْلُهُ: يَخْتَصِمُونَ فَوَقَعَ إبْدالُ التّاءِ ضادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِالإدْغامِ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها، فَقَرَأهُ الجَمِيعُ بِفَتْحِ الياءِ واخْتَلَفُوا فِيما عَدا ذَلِكَ: فَقَرَأ ورَشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ ”يَخَصِّمُونَ“ .
صفحة ٣٥
بِتَشْدِيدِ الصّادِ مَكْسُورَةً عَلى اعْتِبارِ التّاءِ المُبْدَلَةِ صادًا والمُسَكَّنَةِ لِأجْلِ الإدْغامِ، أُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الخاءِ الَّتِي كانَتْ ساكِنَةً. وقَرَأهُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ وأبُو عَمْرٍو في المَشْهُورِ عَنْهُ بِسُكُونِ الخاءِ سُكُونًا مُخْتَلَسًا ”بِالفَتْحِ“ لِأجْلِ التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ ”يَخِصِّمُونَ“ كَسْرُ الخاءِ وكَسْرُ الصّادِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ ”يَخْصِمُونَ“ بِسُكُونِ الخاءِ وكَسْرِ الصّادِ مُخَفَّفَةً مُضارِعُ ”خَصَمَ“ قِيلَ بِمَعْنى جادَلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”يَخْصِّمُونَ“ إسْكانُ الخاءِ وبِكَسْرِ الصّادِ مُشَدِّدَةً عَلى الجَمْعِ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ. والِاخْتِصامُ: اخْتِصامُهم في الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ أوْ في تَعْيِينِ مَن يَخْرُجُ لِما حَلَّ بِهِمْ مِن مُفاجَآتٍ لَهم وهم يَخْتَصِمُونَ بَيْنَ مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ لِلنَّذِيرِ. وإسْنادُ الأخْذِ إلى الصَّيْحَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ الصَّيْحَةَ وقْتُ الأخْذِ وإنَّما تَأْخُذُهم سُيُوفُ المُسْلِمِينَ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وهو أنَّ الصَّيْحَةَ تَأْخُذُهم. . وفُرِّعَ عَلى تَأْخُذُهم جُمْلَةُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أيْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن تَوْصِيَةٍ عَلى أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ كَما هو شَأْنُ المُحْتَضَرِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ الواقِعَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ السُّرْعَةِ بَيْنَ الصَّيْحَةِ وهَلاكِهِمْ، إذْ لا يَكُونُ المُرادُ مَدْلُولَهُ الصَّرِيحَ لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ غَيْرَهم بَعْدَهم؛ إذِ الهَلاكُ يَأْتِي عَلى جَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الصَّيْحَةِ صَيْحَةَ القِتالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَفْزَعُونَ إلى مَواقِعِ القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ إلى تَرَقُّبِ وُصُولِ جَيْشِ الفَتْحِ يَوْمَ الفَتْحِ فَلا يَتَمَكَّنُ مِنَ الحَدِيثِ مَعَ مَن يُوصُونَهُ بِأهْلِيهِمْ. والتَّوْصِيَةُ: مَصْدَرُ وصّى المُضاعَفِ وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ما.
صفحة ٣٦
وقَوْلُهُ ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى ”تَوْصِيَةً“، أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ الرُّجُوعَ إلى أهْلِهِمْ كَشَأْنِ الَّذِي يُفاجِئُهُ ذُعْرٌ فَيُبادِرُ بِافْتِقادِ حالِ أهْلِهِ مِن ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ التَّفْرِيعُ بِالفاءِ، أيْ فَلا يَرْجِعُونَ إلى أهْلِهِمْ، أيْ هم هالِكُونَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى احْتِمالِ أنْ يُرادَ صَيْحَةُ الحَرْبِ يُخَصَّصُ ضَمِيرُ ”يَرْجِعُونَ“ بِكُبَراءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ هَلَكُوا يَوْمَ بَدْرٍ لِأنَّهم هُمُ المُتَوَلُّونَ كِبْرَ التَّكْذِيبِ والعِنادِ، أوِ الَّذِينَ أُكْمِلُوا بِالهَلاكِ يَوْمَ الفَتْحِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الفَتْحِ.
يس 36:51
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ مَوْضِعَ الحالِ، أيْ ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً وقَدْ نُفِخَ في الصُّورِ إلَخْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، وهَذا الِاعْتِراضُ واقِعٌ بَيْنِ جُمْلَةِ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا﴾ [يس: ٦٦] .
والمَقْصُودُ وعْظُهم بِالبَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ وبِما وراءَهُ.
والماضِي مُسْتَعْمَلٌ في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ مِثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، والمَعْنى: ويُنْفَخُ في الصُّورِ، أيْ ويَنْفُخُ نافِخٌ في الصُّورِ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ، واسْمُهُ إسْرافِيلُ. وهَذِهِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] .
و”إذا“ لِلْمُفاجَأةِ وهي حُصُولُ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها سَرِيعًا وبِدُونِ تَهَيُّؤٍ. وضَمِيرُ هم عائِدٌ إلى ما عادَتْ إلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ، أيْ فَإذا النّاسُ كُلُّهم ومِنهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم.
والأجْداثُ: جَمْعُ جَدَثٍ بِالتَّحْرِيكِ، وهو القَبْرُ.
و”يَنْسِلُونَ“ يَمْشُونَ مَشْيًا سَرِيعًا. وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، ووَرَدَ مِن بابِ نَصَرَ قَلِيلًا. والمَصْدَرُ: النَّسَلانِ عَلى وزْنِ الغَلَيانِ لِما في مَعْنى الفِعْلِ مِنَ التَّقْلِيبِ والِاضْطِرابِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم قُبِرُوا بَعْدَ الصَّيْحَةِ
صفحة ٣٧
الَّتِي أخَذَتْهم فَإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ الواقِعَةُ فالأجْداثُ هي ما يَعْلُوهم مِنَ التُّرابِ في المُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الصَّيْحَةِ والنَّفْخَةِ. وقَدْ ورَدَ أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً إذْ لا يَبْقى بَعْدَ تِلْكَ الصَّيْحَةِ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ لِيُدْفِنَ مَن هَلَكَ مِنهم، وإنْ كانَتِ الصَّيْحَةُ صَيْحَةَ الفَزَعِ إلى القَتْلِ فالأجْداثُ عَلى حَقِيقَتِها مِثْلُ قَلِيبِ بَدْرٍ.
ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ وحِسابِهِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَنْسِلُونَ“ .
يس 36:52
﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ وصْفَ هَذِهِ الحالِ بَعْدَ حِكايَةِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ وإحالَتِهِمْ إيّاهُ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ مَقالِهِمْ حِينَما يَرَوْنَ حَقِيقَةَ البَعْثِ.
و”يا ويْلَنا“ كَلِمَةٌ يَقُولُها الواقِعُ في مُصِيبَةٍ أوِ المُتَحَسِّرُ. والوَيْلُ: سُوءُ الحالِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّهم رَأوْا ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ عِنْدَما بُعِثُوا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وحُكِيَ قَوْلُهم بِصِيغَةِ الماضِي اتِّباعًا لِحِكايَةِ ما قَبْلَهُ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحْقِيقِ الوُقُوعِ.
وحَرْفُ النِّداءِ الدّاخِلُ عَلى ”ويْلِنا“ لِلتَّنْبِيهِ وتَنْزِيلِ الوَيْلِ مَنزِلَةَ مَن يَسْمَعُ فَيُنادى لِيَحْضُرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَتْ (يا ويْلَتا) في سُورَةِ هُودٍ.
و”مَن“ اسْتِفْهامٌ عَنْ فاعِلِ البَعْثِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ والتَّحَسُّرِ مِن حُصُولِ البَعْثِ. ولَمّا كانَ البَعْثُ عِنْدَهم مُحالًا كَنَوْا عَنِ التَّعَجُّبِ مِن حُصُولِهِ بِالتَّعَجُّبِ مِن فاعِلِهِ لِأنَّ الأفْعالَ الغَرِيبَةَ تَتَوَجَّهُ العُقُولُ إلى مَعْرِفَةِ فاعِلِها لِأنَّهم لَمّا بُعِثُوا وأُزْجِيَ بِهِمْ إلى العَذابِ عَلِمُوا أنَّهُ بَعْثٌ فَعَلَهُ مَن أرادَ تَعْذِيبَهم.
والمَرْقَدُ: مَكانُ الرُّقادِ. وحَقِيقَةُ الرُّقادِ: النَّوْمُ. وأطْلَقُوا الرُّقادَ عَلى المَوْتِ والِاضْطِجاعِ في القُبُورِ تَشْبِيهًا بِحالَةِ الرّاقِدِ.
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا أنِ اسْتَحْضَرَتْ نُفُوسُهم ما كانُوا يُنْذَرُونَ بِهِ في الدُّنْيا فاسْتَأْنَفُوا عَنْ
صفحة ٣٨
تَعَجُّبِهِمْ قَوْلَهم ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ .
وهَذا الكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ الفائِدَةِ وهو أنَّهم عَلِمُوا سَبَبَ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ فَبَطَلَ العَجَبُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ كَما يَتَكَلَّمُ المُتَحَسِّرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وأنْ يَقُولَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ كُلٌّ يَظُنُّ أنَّ صاحِبَهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِلسَّبَبِ فَيُرِيدُ أنْ يُعْلِمَهُ بِهِ.
وأتَوْا في التَّعْبِيرِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِصِفَةِ الرَّحْمَنِ إكْمالًا لِلتَّحَسُّرِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ بِذِكْرِ ما كانَ مُقارَنًا لِلْبَعْثِ في تَكْذِيبِهِمْ وهو إنْكارُ هَذا الِاسْمِ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إشارَةٌ إلى الحالَةِ المَرْئِيَّةِ لِجَمِيعِهِمْ وهي حالَةُ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وهو مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ عَلى أنْ كَذَّبُوا الرُّسُلَ.
وجَمْعُ ”المُرْسَلِينَ“ مَعَ أنَّ المَحْكِيَّ كَلامُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إمّا لِأنَّهُمُ اسْتَحْضَرُوا أنَّ تَكْذِيبَهم مُحَمَّدًا ﷺ كانَ باعِثُهُ إحالَتَهم أنْ يَكُونَ اللَّهُ يُرْسِلُ بَشَرًا رَسُولًا، فَكانَ ذَلِكَ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ أحَدًا يَأْتِي بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ كَما حَكى عَنْهم قَوْلَهُ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَلَمّا تَحَسَّرُوا عَلى خَطَئِهِمْ ذَكَرُوهُ بِما يَشْمَلُهُ ويَشْمَلُ سَبَبَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ [الفرقان: ٣٧]، وإمّا لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ صَدَرَ عَنْ جَمِيعِ الكُفّارِ المَبْعُوثِينَ مِنَ الأُمَمِ فَعَلِمَتْ كُلُّ أُمَّةٍ خَطَأها في تَكْذِيبِ رَسُولِها وخَطَأِ غَيْرِها في تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ فَنَطَقُوا جَمِيعًا بِما يُفْصِحُ عَنِ الخَطَأيْنِ، وقَدْ مَضى أنَّ ضَمِيرَ فَإذا هم جَمِيعٌ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى جَمِيعِ النّاسِ.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ قَوْلَهُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ يُجِيبُونَ بِهِ قَوْلَ الكُفّارِ مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا فَهَذا جَوابٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ مَن بَعَثَهم مَعَ تَنْدِيمِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا حِينَ أبْلَغَهُمُ الرُّسُلُ
صفحة ٣٩
ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. واسْمُ الرَّحْمَنِ حِينَئِذٍ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ لِزِيادَةِ تَوْبِيخِ الكُفّارِ عَلى تَجاهُلِهِمْ بِهِ في الدُّنْيا.
يس 36:53
﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَنْظُرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٤٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] لِأنَّ النَّفْخَ مُرادِفٌ لِلصَّيْحَةِ في إطْلاقِها المَجازِيِّ، فاقْتِرانُ فِعْلِ ”كانَتْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِتَأْوِيلِ النَّفْخِ مَأْخُوذٌ مِن ونُفِخَ في الصُّورِ بِمَعْنى النَّفْخَةِ يُنْظَرُ إلى الإخْبارِ عَنْهُ بِـ ”صَيْحَةً“، ووَصْفُها بِـ ”واحِدَةً“ لِأنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ هو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، أيْ ما كانَ ذَلِكَ النَّفْخُ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً لا يُكَرَّرُ اسْتِدْعاؤُهم لِلْحُضُورِ بَلِ النَّفْخُ الواحِدُ يُخْرِجُهم مِنَ القُبُورِ ويَسِيرُ بِهِمْ ويُحْضِرُهم لِلْحِسابِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فَتِلْكَ نَفْخَةٌ سابِقَةٌ تَقَعُ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فَيَفْنى بِها النّاسُ وسَيَأْتِي ذِكْرُها في سُورَةِ الزُّمَرِ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً في قُوَّةِ التَّكْرِيرِ والتَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ ونُفِخَ في الصُّورِ كانَ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ بِمَنزِلَةِ العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] فَكَأنَّهُ مِثْلُ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] و﴿إذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾، وإعادَةُ حَرْفِ المُفاجَأةِ إيماءٌ إلى حُصُولِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ المُقْتَرِنَتَيْنِ بِحَرْفِ المُفاجَأةِ في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ حَتّى كانَ كِلَيْهِما مُفاجَأً في وقْتٍ واحِدٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ هَذا التَّرْكِيبِ آنِفًا.
و”جَمِيعٌ“ نَعْتٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيْ هم جَمِيعُهم، فالتَّنْوِينُ في ”جَمِيعٌ“ عِوَضُ المُضافِ إلَيْهِ الرّابِطِ لِلنَّعْتِ بِالمَنعُوتِ، أيْ مُجْتَمِعُونَ لا يَحْضُرُونَ أفْواجًا وزُرافاتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٤٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِنَصْبِ ”صَيْحَةً“، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في أوائِلِ السُّورَةِ.
يس 36:54
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] حِكايَةً لِكَلامِ الكُفّارِ يَوْمَ البَعْثِ كانَ هَذا كَلامًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ وكانَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فاءٌ فَصِيحَةٌ وهي الَّتِي تُفْصِحُ وتُنْبِئُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] فَهو خِطابٌ لِلَّذِينِ قالُوا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا، والمَعْنى: فَقَدْ أيْقَنْتُمْ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ الرُّسُلَ صَدَقُوا فاليَوْمَ يَوْمُ الجَزاءِ كَما كانَ الرُّسُلُ يُنْذِرُونَكم.
وإنْ كانَ قَوْلُهُ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] مِن كَلامِ المَلائِكَةِ كانَتِ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلَيْهِ وكانَتْ جُمْلَةُ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] إلَخْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ.
و”اليَوْمَ“ ظَرْفٌ وتَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ، وهو عَهْدُ حُضُورٍ يَعْنِي يَوْمَ الجَزاءِ. وفائِدَةُ ذِكْرِ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ العَدْلِ.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا بِالتَّعْرِيضِ بِأنَّهم سَيَلْقَوْنَ جَزاءً قاسِيًا لَكِنَّهُ عادِلٌ لا ظُلْمَ فِيهِ لِأنَّ نَفْيَ الظُّلْمِ يُشْعِرُ بِأنَّ الجَزاءَ مِمّا يُخالُ أنَّهُ مُتَجاوِزٌ مُعادَلَةَ الجَرِيمَةِ، وهو مَعْنى ﴿ولا تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا عَلى وِفاقِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعَلى مِقْدارِهِ. وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ.
ووُقُوعُ ”نَفْسٌ“ و”شَيْئًا“ وهُما نَكِرَتانِ في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ انْتِفاءَ كُلِّ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ وانْتِفاءَ كُلِّ شَيْءٍ مِن حَقِيقَةِ الظُّلْمِ، وذَلِكَ يَعُمُّ جَمِيعَ الأنْفُسِ. ولَكِنَّ المَقْصُودَ أنْفُسُ المُعاقَبِينَ، أيْ أنَّ جَزاءَهم عَلى حَسَبِ سَيِّئاتِهِمْ جَزاءٌ عادِلٌ. وإذْ قَدْ كانَ تَقْدِيرُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ كانَتْ حَقِيقَةُ العَدْلِ مُحَقَّقَةً في مِقْدارِ جَزائِهِمْ إذْ كُلُّ عَدْلٍ غَيْرُ عَدْلِ اللَّهِ مُعَرَّضٌ لِلزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في نَفْسِ
صفحة ٤١
الأمْرِ، ولَكِنَّهُ يَجْرِي عَلى حَسَبِ اجْتِهادِ الحاكِمِينِ، واللَّهُ لَمْ يُكَلِّفِ الحاكِمَ إلّا بِبَذْلِ جُهْدِهِ في إصابَةِ الحَقِّ، ولِهَذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فَأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا اجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ» .
يس 36:55
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ الَّذِي يُلْقى مِنَ المَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مِمّا يُقالُ لِمَن حَقُّ عَلَيْهِمُ العَذابُ إعْلامًا لَهم بِنُزُولِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَراتِبِ أهْلِ الجَنَّةِ إعْلانًا بِالحَقائِقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عالَمُ الحَقائِقِ وإدْخالًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن طَلَبِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ.
وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عُجِّلَ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى النّارِ أهْلُها، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرُ حاضِرِينَ ذَلِكَ المَحْضَرَ.
وتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ كَما تَقَدَّمَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الظَّرْفِ وهو ”اليَوْمَ“ التَّنْوِيهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَضْلِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
والشَّغْلُ: مَصْدَرُ شَغَلَهُ، إذا ألْهاهُ. يُقالُ: شَغَلَهُ بِكَذا عَنْ كَذا فاشْتَغَلَ بِهِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، جُعِلَ تَلَبُّسُهم بِالشُّغْلِ كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ، أيْ أحاطَ بِهِمْ شُغْلٌ عَنْ مُشاهَدَةِ مَوْقِفِ أهْلِ العَذابِ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ مَنظَرِ المُزْعِجاتِ لِأنَّ مُشاهَدَتَها لا تَخْلُو مِنِ انْقِباضِ النُّفُوسِ، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ما يَشْغَلُهم إذْ لا غَرَضَ في ذِكْرِهِ، فَقَوْلُهُ (في شُغْلِ) خَبَرُ ”إنَّ“ و”فاكِهُونَ“ خَبَرٌ ثانٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبٌ ”شُغْلٍ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.
والفاكِهَهُ: ذُو الفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ، وهي المِزاحُ بِالكَلامِ المُسِرِّ والمُضْحِكِ، وهي اسْمُ مَصْدَرٍ، فَكِهَ بِكَسْرِ الكافِ، إذا مَزَحَ وسُرَّ. وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّهُ لَمْ
صفحة ٤٢
يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي قِلَّةَ اسْتِعْمالِهِ، وأمّا الأفْعالُ غَيْرُ الثُّلاثِيَّةِ مِن هَذِهِ المادَّةِ فَقَدْ جاءَ في المَثَلِ: لا تُفاكِهْ أمَهْ ولا تَبُلْ عَلى أكْمَهْ، وقالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهُونَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ مِثالِ المُبالَغَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ إلى آخِرِها واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ إلَخْ. والمُرادُ بِـ (أزْواجُهم) الأزْواجُ اللّاتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ. ومِنهُنَّ مَن كُنَّ أزْواجًا لَهم في الدُّنْيا إنْ كُنَّ غَيْرَ مَمْنُوعاتٍ مِنَ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
والظِّلالُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِوَزْنِ فِعالٍ بِكَسْرِ أوَّلِهِ عَلى جَمْعِ ظِلٍّ، أيْ ظِلُّ الجَنّاتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”ظُلَلٍ“ بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ ظُلَّةَ وهي ما يَظِلُّ كالقِبابِ.
وجُمِعَ الظِّلالُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ مُقابَلَتِهِ بِالجَمْعِ وهم أصْحابُ الجَنَّةِ، فَكُلٌّ مِنهم في ظِلٍّ أوْ في ظُلَّةٍ.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ السَّرِيرِ والحَجَلَةِ، فَإذا كانَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ سُمِّيَ الجَمِيعُ أرِيكَةً. وهَذا مِنَ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى شَيْءٍ مُرَكَّبٍ مِن شَيْئَيْنِ مِثْلِ المائِدَةِ اسْمٌ لِلْخِوانِ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ.
والِاتِّكاءُ: هَيْئَةٌ بَيْنَ الِاضْطِجاعِ والجُلُوسِ وهو اضْطِجاعٌ عَلى جَنْبٍ دُونَ وضْعِ الرَّأْسِ والكَتِفِ عَلى الفِراشِ. وهو افْتِعالٌ مِن وكَأ المَهْمُوزِ، إذا اعْتُمِدَ، أُبْدِلَتْ واوُهُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في: تُجاهٍ وتُراثٍ، وأُخِذَ مِنهُ فِعْلُ اتِّكاءٍ لِأنَّ المُتَّكِئَ يَشُدُّ قَعْدَتَهُ ويُرَسِّخُها بِضَرْبٍ مِنَ الِاضْطِجاعِ. والِاسْمُ مِنهُ التُّكَأةُ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ، وهو جُلُوسُ المُتَطَلِّبِ لِلرّاحَةِ والإطالَةِ، وهو جِلْسَةُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ. وكانَ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كانَ ذَلِكَ عادَةَ سادَةِ الفُرْسِ والرُّومِ ومَن يَتَشَبَّهُ بِهِمْ مِنَ العَرَبِ ولِذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» وذَلِكَ لِأنَّ الِاتِّكاءَ يُعِينُ عَلى امْتِدادِ
صفحة ٤٣
المَعِدَةِ فَتَقْبَلُ زِيادَةَ الطَّعامِ ولِذَلِكَ كانَ الِاتِّكاءُ في الطَّعامِ مَكْرُوهًا لِلْإفْراطِ في الرَّفاهِيَةِ.
وأمّا الِاتِّكاءُ في غَيْرِ حالِ الأكْلِ فَقَدِ اتَّكَأ النَّبِيءُ ﷺ في مَجْلِسِهِ كَما في حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وافِدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أنَّهُ «دَخْلَ المَسْجِدَ فَسَألَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ هو ذَلِكَ الأزْهَرُ المُتَّكِئُ» .
والفاكِهَةُ: ما يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لا لِلشِّبَعِ كالثِّمارِ والنُّقُولِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها عَزِيزَةُ النَّوالِ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، ولِأنَّها اسْتَجْلَبَها ذِكْرُ الِاتِّكاءِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُتَّكِئِينَ أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَناوُلِ الفَواكِهِ.
ثُمَّ عَمَّمَ ما أُعِدَّ لَهم بِقَوْلِهِ ولَهم ما يَدَّعُونَ و”يَدَّعُونَ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَصَرِّفًا مِنَ الدُّعاءِ أوْ مِنَ الِادِّعاءِ، أيْ ما يَدَّعُونَ إلَيْهِ أوْ ما يَدَّعُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَهم بِإلْهامٍ إلَهِيٍّ. وصِيغَ لَهُ وزْنُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ، فَوَزْنُ يَدَّعُونَ يَفْتَعِلُونَ. أصْلُهُ يَدْتَعْيُونَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّ عَلى الياءِ ثَقِيلٌ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَةِ العَيْنِ فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً وبَعْدَها واوُ الجَماعَةِ لِأنَّهُ مُفِيدُ مَعْنى الإسْنادِ إلى الجَمْعِ.
وهَذا الِافْتِعالُ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن ”دَعا“، والِافْتِعالُ هُنا يَجْعَلُ فِعْلَ ”دَعا“ قاصِرًا فَيَنْبَغِي تَعْلِيقُ مَجْرُورٍ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: ما يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ
اشْتَوى إذا شَوى لِنَفْسِهِ واجْتَمَلَ إذا جَمُلَ لِنَفْسِهِ، أيْ جَمْعَ الجَمِيلَ وهو الشَّحْمُ المُذابُ وهو الإهالَةُ.
وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الِادِّعاءِ فَمَعْناهُ: أنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَهم، أيْ تَتَحَدَّثُ أنْفُسُهم بِذَلِكَ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ في أنْفُسِهِمْ دُونَ احْتِياجٍ إلى أنْ يَسْألُوا
صفحة ٤٤
بِالقَوْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ مَعْنى يَدَّعُونَ يَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، أيْ تَمَنَّ عَلَيَّ، وفُلانٌ في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ في خَيْرٍ ما يَتَمَنّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
يس 36:56
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ الَّذِي يُلْقى مِنَ المَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مِمّا يُقالُ لِمَن حَقُّ عَلَيْهِمُ العَذابُ إعْلامًا لَهم بِنُزُولِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَراتِبِ أهْلِ الجَنَّةِ إعْلانًا بِالحَقائِقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عالَمُ الحَقائِقِ وإدْخالًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن طَلَبِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ.
وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عُجِّلَ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى النّارِ أهْلُها، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرُ حاضِرِينَ ذَلِكَ المَحْضَرَ.
وتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ كَما تَقَدَّمَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الظَّرْفِ وهو ”اليَوْمَ“ التَّنْوِيهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَضْلِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
والشَّغْلُ: مَصْدَرُ شَغَلَهُ، إذا ألْهاهُ. يُقالُ: شَغَلَهُ بِكَذا عَنْ كَذا فاشْتَغَلَ بِهِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، جُعِلَ تَلَبُّسُهم بِالشُّغْلِ كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ، أيْ أحاطَ بِهِمْ شُغْلٌ عَنْ مُشاهَدَةِ مَوْقِفِ أهْلِ العَذابِ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ مَنظَرِ المُزْعِجاتِ لِأنَّ مُشاهَدَتَها لا تَخْلُو مِنِ انْقِباضِ النُّفُوسِ، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ما يَشْغَلُهم إذْ لا غَرَضَ في ذِكْرِهِ، فَقَوْلُهُ (في شُغْلِ) خَبَرُ ”إنَّ“ و”فاكِهُونَ“ خَبَرٌ ثانٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبٌ ”شُغْلٍ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.
والفاكِهَهُ: ذُو الفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ، وهي المِزاحُ بِالكَلامِ المُسِرِّ والمُضْحِكِ، وهي اسْمُ مَصْدَرٍ، فَكِهَ بِكَسْرِ الكافِ، إذا مَزَحَ وسُرَّ. وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّهُ لَمْ
صفحة ٤٢
يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي قِلَّةَ اسْتِعْمالِهِ، وأمّا الأفْعالُ غَيْرُ الثُّلاثِيَّةِ مِن هَذِهِ المادَّةِ فَقَدْ جاءَ في المَثَلِ: لا تُفاكِهْ أمَهْ ولا تَبُلْ عَلى أكْمَهْ، وقالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهُونَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ مِثالِ المُبالَغَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ إلى آخِرِها واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ إلَخْ. والمُرادُ بِـ (أزْواجُهم) الأزْواجُ اللّاتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ. ومِنهُنَّ مَن كُنَّ أزْواجًا لَهم في الدُّنْيا إنْ كُنَّ غَيْرَ مَمْنُوعاتٍ مِنَ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
والظِّلالُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِوَزْنِ فِعالٍ بِكَسْرِ أوَّلِهِ عَلى جَمْعِ ظِلٍّ، أيْ ظِلُّ الجَنّاتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”ظُلَلٍ“ بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ ظُلَّةَ وهي ما يَظِلُّ كالقِبابِ.
وجُمِعَ الظِّلالُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ مُقابَلَتِهِ بِالجَمْعِ وهم أصْحابُ الجَنَّةِ، فَكُلٌّ مِنهم في ظِلٍّ أوْ في ظُلَّةٍ.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ السَّرِيرِ والحَجَلَةِ، فَإذا كانَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ سُمِّيَ الجَمِيعُ أرِيكَةً. وهَذا مِنَ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى شَيْءٍ مُرَكَّبٍ مِن شَيْئَيْنِ مِثْلِ المائِدَةِ اسْمٌ لِلْخِوانِ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ.
والِاتِّكاءُ: هَيْئَةٌ بَيْنَ الِاضْطِجاعِ والجُلُوسِ وهو اضْطِجاعٌ عَلى جَنْبٍ دُونَ وضْعِ الرَّأْسِ والكَتِفِ عَلى الفِراشِ. وهو افْتِعالٌ مِن وكَأ المَهْمُوزِ، إذا اعْتُمِدَ، أُبْدِلَتْ واوُهُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في: تُجاهٍ وتُراثٍ، وأُخِذَ مِنهُ فِعْلُ اتِّكاءٍ لِأنَّ المُتَّكِئَ يَشُدُّ قَعْدَتَهُ ويُرَسِّخُها بِضَرْبٍ مِنَ الِاضْطِجاعِ. والِاسْمُ مِنهُ التُّكَأةُ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ، وهو جُلُوسُ المُتَطَلِّبِ لِلرّاحَةِ والإطالَةِ، وهو جِلْسَةُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ. وكانَ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كانَ ذَلِكَ عادَةَ سادَةِ الفُرْسِ والرُّومِ ومَن يَتَشَبَّهُ بِهِمْ مِنَ العَرَبِ ولِذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» وذَلِكَ لِأنَّ الِاتِّكاءَ يُعِينُ عَلى امْتِدادِ
صفحة ٤٣
المَعِدَةِ فَتَقْبَلُ زِيادَةَ الطَّعامِ ولِذَلِكَ كانَ الِاتِّكاءُ في الطَّعامِ مَكْرُوهًا لِلْإفْراطِ في الرَّفاهِيَةِ.
وأمّا الِاتِّكاءُ في غَيْرِ حالِ الأكْلِ فَقَدِ اتَّكَأ النَّبِيءُ ﷺ في مَجْلِسِهِ كَما في حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وافِدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أنَّهُ «دَخْلَ المَسْجِدَ فَسَألَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ هو ذَلِكَ الأزْهَرُ المُتَّكِئُ» .
والفاكِهَةُ: ما يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لا لِلشِّبَعِ كالثِّمارِ والنُّقُولِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها عَزِيزَةُ النَّوالِ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، ولِأنَّها اسْتَجْلَبَها ذِكْرُ الِاتِّكاءِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُتَّكِئِينَ أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَناوُلِ الفَواكِهِ.
ثُمَّ عَمَّمَ ما أُعِدَّ لَهم بِقَوْلِهِ ولَهم ما يَدَّعُونَ و”يَدَّعُونَ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَصَرِّفًا مِنَ الدُّعاءِ أوْ مِنَ الِادِّعاءِ، أيْ ما يَدَّعُونَ إلَيْهِ أوْ ما يَدَّعُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَهم بِإلْهامٍ إلَهِيٍّ. وصِيغَ لَهُ وزْنُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ، فَوَزْنُ يَدَّعُونَ يَفْتَعِلُونَ. أصْلُهُ يَدْتَعْيُونَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّ عَلى الياءِ ثَقِيلٌ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَةِ العَيْنِ فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً وبَعْدَها واوُ الجَماعَةِ لِأنَّهُ مُفِيدُ مَعْنى الإسْنادِ إلى الجَمْعِ.
وهَذا الِافْتِعالُ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن ”دَعا“، والِافْتِعالُ هُنا يَجْعَلُ فِعْلَ ”دَعا“ قاصِرًا فَيَنْبَغِي تَعْلِيقُ مَجْرُورٍ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: ما يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ
اشْتَوى إذا شَوى لِنَفْسِهِ واجْتَمَلَ إذا جَمُلَ لِنَفْسِهِ، أيْ جَمْعَ الجَمِيلَ وهو الشَّحْمُ المُذابُ وهو الإهالَةُ.
وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الِادِّعاءِ فَمَعْناهُ: أنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَهم، أيْ تَتَحَدَّثُ أنْفُسُهم بِذَلِكَ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ في أنْفُسِهِمْ دُونَ احْتِياجٍ إلى أنْ يَسْألُوا
صفحة ٤٤
بِالقَوْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ مَعْنى يَدَّعُونَ يَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، أيْ تَمَنَّ عَلَيَّ، وفُلانٌ في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ في خَيْرٍ ما يَتَمَنّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
يس 36:57
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ هَذا مِن كَلامِ الَّذِي يُلْقى مِنَ المَلائِكَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وهَذا مِمّا يُقالُ لِمَن حَقُّ عَلَيْهِمُ العَذابُ إعْلامًا لَهم بِنُزُولِ مَرْتَبَتِهِمْ عَنْ مَراتِبِ أهْلِ الجَنَّةِ إعْلانًا بِالحَقائِقِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عالَمُ الحَقائِقِ وإدْخالًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن طَلَبِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ.
وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عُجِّلَ بِهِمْ إلى النَّعِيمِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ إلى النّارِ أهْلُها، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ غَيْرُ حاضِرِينَ ذَلِكَ المَحْضَرَ.
وتَعْرِيفُ اليَوْمِ لِلْعَهْدِ كَما تَقَدَّمَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ الظَّرْفِ وهو ”اليَوْمَ“ التَّنْوِيهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَضْلِ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
والشَّغْلُ: مَصْدَرُ شَغَلَهُ، إذا ألْهاهُ. يُقالُ: شَغَلَهُ بِكَذا عَنْ كَذا فاشْتَغَلَ بِهِ. والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ، جُعِلَ تَلَبُّسُهم بِالشُّغْلِ كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ، أيْ أحاطَ بِهِمْ شُغْلٌ عَنْ مُشاهَدَةِ مَوْقِفِ أهْلِ العَذابِ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنْ مَنظَرِ المُزْعِجاتِ لِأنَّ مُشاهَدَتَها لا تَخْلُو مِنِ انْقِباضِ النُّفُوسِ، ولِكَوْنِ هَذا هو المَقْصُودَ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ما يَشْغَلُهم إذْ لا غَرَضَ في ذِكْرِهِ، فَقَوْلُهُ (في شُغْلِ) خَبَرُ ”إنَّ“ و”فاكِهُونَ“ خَبَرٌ ثانٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبٌ ”شُغْلٍ“ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ فِيهِ.
والفاكِهَهُ: ذُو الفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ، وهي المِزاحُ بِالكَلامِ المُسِرِّ والمُضْحِكِ، وهي اسْمُ مَصْدَرٍ، فَكِهَ بِكَسْرِ الكافِ، إذا مَزَحَ وسُرَّ. وعَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّهُ لَمْ
صفحة ٤٢
يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ، وكَأنَّهُ يَعْنِي قِلَّةَ اسْتِعْمالِهِ، وأمّا الأفْعالُ غَيْرُ الثُّلاثِيَّةِ مِن هَذِهِ المادَّةِ فَقَدْ جاءَ في المَثَلِ: لا تُفاكِهْ أمَهْ ولا تَبُلْ عَلى أكْمَهْ، وقالَ تَعالى ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهُونَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألْفٍ بِصِيغَةِ مِثالِ المُبالَغَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ إلى آخِرِها واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ إلَخْ. والمُرادُ بِـ (أزْواجُهم) الأزْواجُ اللّاتِي أُعِدَّتْ لَهم في الجَنَّةِ. ومِنهُنَّ مَن كُنَّ أزْواجًا لَهم في الدُّنْيا إنْ كُنَّ غَيْرَ مَمْنُوعاتٍ مِنَ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣] .
والظِّلالُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِوَزْنِ فِعالٍ بِكَسْرِ أوَّلِهِ عَلى جَمْعِ ظِلٍّ، أيْ ظِلُّ الجَنّاتِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”ظُلَلٍ“ بِضَمِّ الظّاءِ وفَتْحِ اللّامِ جَمْعُ ظُلَّةَ وهي ما يَظِلُّ كالقِبابِ.
وجُمِعَ الظِّلالُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِأجْلِ مُقابَلَتِهِ بِالجَمْعِ وهم أصْحابُ الجَنَّةِ، فَكُلٌّ مِنهم في ظِلٍّ أوْ في ظُلَّةٍ.
والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ السَّرِيرِ والحَجَلَةِ، فَإذا كانَ السَّرِيرُ في الحَجَلَةِ سُمِّيَ الجَمِيعُ أرِيكَةً. وهَذا مِنَ الكَلِماتِ الدّالَّةِ عَلى شَيْءٍ مُرَكَّبٍ مِن شَيْئَيْنِ مِثْلِ المائِدَةِ اسْمٌ لِلْخِوانِ الَّذِي عَلَيْهِ طَعامٌ.
والِاتِّكاءُ: هَيْئَةٌ بَيْنَ الِاضْطِجاعِ والجُلُوسِ وهو اضْطِجاعٌ عَلى جَنْبٍ دُونَ وضْعِ الرَّأْسِ والكَتِفِ عَلى الفِراشِ. وهو افْتِعالٌ مِن وكَأ المَهْمُوزِ، إذا اعْتُمِدَ، أُبْدِلَتْ واوُهُ تاءً كَما أُبْدِلَتْ في: تُجاهٍ وتُراثٍ، وأُخِذَ مِنهُ فِعْلُ اتِّكاءٍ لِأنَّ المُتَّكِئَ يَشُدُّ قَعْدَتَهُ ويُرَسِّخُها بِضَرْبٍ مِنَ الِاضْطِجاعِ. والِاسْمُ مِنهُ التُّكَأةُ بِوَزْنِ هُمَزَةٍ، وهو جُلُوسُ المُتَطَلِّبِ لِلرّاحَةِ والإطالَةِ، وهو جِلْسَةُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ. وكانَ المُتَرَفِّهُونَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ يَأْكُلُونَ مُتَّكِئِينَ كانَ ذَلِكَ عادَةَ سادَةِ الفُرْسِ والرُّومِ ومَن يَتَشَبَّهُ بِهِمْ مِنَ العَرَبِ ولِذا قالَ النَّبِيءُ ﷺ «أمّا أنا فَلا آكُلُ مُتَّكِئًا» وذَلِكَ لِأنَّ الِاتِّكاءَ يُعِينُ عَلى امْتِدادِ
صفحة ٤٣
المَعِدَةِ فَتَقْبَلُ زِيادَةَ الطَّعامِ ولِذَلِكَ كانَ الِاتِّكاءُ في الطَّعامِ مَكْرُوهًا لِلْإفْراطِ في الرَّفاهِيَةِ.
وأمّا الِاتِّكاءُ في غَيْرِ حالِ الأكْلِ فَقَدِ اتَّكَأ النَّبِيءُ ﷺ في مَجْلِسِهِ كَما في حَدِيثِ ضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وافِدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أنَّهُ «دَخْلَ المَسْجِدَ فَسَألَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ هو ذَلِكَ الأزْهَرُ المُتَّكِئُ» .
والفاكِهَةُ: ما يُؤْكَلُ لِلتَّلَذُّذِ لا لِلشِّبَعِ كالثِّمارِ والنُّقُولِ، وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها عَزِيزَةُ النَّوالِ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، ولِأنَّها اسْتَجْلَبَها ذِكْرُ الِاتِّكاءِ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُتَّكِئِينَ أنْ يَشْتَغِلُوا بِتَناوُلِ الفَواكِهِ.
ثُمَّ عَمَّمَ ما أُعِدَّ لَهم بِقَوْلِهِ ولَهم ما يَدَّعُونَ و”يَدَّعُونَ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَصَرِّفًا مِنَ الدُّعاءِ أوْ مِنَ الِادِّعاءِ، أيْ ما يَدَّعُونَ إلَيْهِ أوْ ما يَدَّعُونَ في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَهم بِإلْهامٍ إلَهِيٍّ. وصِيغَ لَهُ وزْنُ الِافْتِعالِ لِلْمُبالَغَةِ، فَوَزْنُ يَدَّعُونَ يَفْتَعِلُونَ. أصْلُهُ يَدْتَعْيُونَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى العَيْنِ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ الضَّمَّ عَلى الياءِ ثَقِيلٌ بَعْدَ حَذْفِ حَرَكَةِ العَيْنِ فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً وبَعْدَها واوُ الجَماعَةِ لِأنَّهُ مُفِيدُ مَعْنى الإسْنادِ إلى الجَمْعِ.
وهَذا الِافْتِعالُ لَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن ”دَعا“، والِافْتِعالُ هُنا يَجْعَلُ فِعْلَ ”دَعا“ قاصِرًا فَيَنْبَغِي تَعْلِيقُ مَجْرُورٍ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: ما يَدْعُونَ لِأنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
فاشْتَوى لَيْلَةَ رِيحٍ واجْتَمَلْ
اشْتَوى إذا شَوى لِنَفْسِهِ واجْتَمَلَ إذا جَمُلَ لِنَفْسِهِ، أيْ جَمْعَ الجَمِيلَ وهو الشَّحْمُ المُذابُ وهو الإهالَةُ.
وإنْ جَعَلْتَهُ مِنَ الِادِّعاءِ فَمَعْناهُ: أنَّهم يَدَّعُونَ ذَلِكَ حَقًّا لَهم، أيْ تَتَحَدَّثُ أنْفُسُهم بِذَلِكَ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ في أنْفُسِهِمْ دُونَ احْتِياجٍ إلى أنْ يَسْألُوا
صفحة ٤٤
بِالقَوْلِ فَلِذَلِكَ قِيلَ مَعْنى يَدَّعُونَ يَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادْعُ عَلَيَّ ما شِئْتَ، أيْ تَمَنَّ عَلَيَّ، وفُلانٌ في خَيْرٍ ما ادَّعى، أيْ في خَيْرٍ ما يَتَمَنّى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
يس 36:58
﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ اسْتِئْنافُ قَطْعٍ عَنْ أنَّ يُعْطَفَ عَلى ما قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ، وهو الدَّلالَةُ عَلى الكَرامَةِ والعِنايَةِ بِأهْلِ الجَنَّةِ مِن جانِبِ القُدْسِ إذْ يُوَجَّهُ إلَيْهِمْ سَلامُ اللَّهِ بِكَلامٍ يَعْرِفُونَ أنَّهُ قَوْلٌ مِنَ اللَّهِ: إمّا بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وإمّا بِخَلْقِ أصْواتٍ يُوقِنُونَ بِأنَّها مَجْعُولَةً لِأجْلِ أسْماعِهِمْ كَما سَمِعَ مُوسى كَلامَ اللَّهِ حِينَ ناداهُ مِن جانِبِ الطَّوْرِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ بِما حَباهم بِهِ مِنَ النَّعِيمِ مُشِيرًا إلى أُصُولِ أصْنافِهِ، أخْبَرَ بِأنَّ لَهم ما هو أسْمى وأعْلى وهو التَّكْرِيمُ بِالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِمْ قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .
و”سَلامٌ“ مَرْفُوعٌ في جَمْعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ. وهو مُبْتَدَأٌ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ. ورَفْعُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والتَّحْقِيقِ، فَإنَّ أصْلَهُ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ نِيابَةً عَنِ الفِعْلِ، مِثْلُ قَوْلِهِ قالُوا سَلامًا. فَلَمّا أُرِيدَتِ الدَّلالَةُ عَلى الدَّوامِ جِيءَ بِهِ مَرْفُوعًا مِثْلَ قَوْلِهِ (قالَ سَلامٌ) وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] .
وحَذْفُ خَبَرِ ”سَلامٌ“ لِنِيابَةِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ وهو ”قَوْلًا“ عَنِ الخَبَرِ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: سَلامٌ يُقالُ لَهم قَوْلًا مِنَ اللَّهِ، والَّذِي اقْتَضى حَذْفَ الفِعْلِ ونِيابَةَ المَصْدَرِ عَنْهُ هو اسْتِعْدادُ المَصْدَرِ لِقَبُولِ التَّنْوِينِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ، والَّذِي اقْتَضى أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ مَنصُوبًا دُونَ أنْ يُؤْتى بِهِ مَرْفُوعًا هو ما يُشْعِرُ بِهِ النَّصْبَ مِن كَوْنِ المَصْدَرِ جاءَ بَدَلًا عَنِ الفِعْلِ، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ.
وتَنْوِينُ ”رَبٍّ“ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأجِلِ ذَلِكَ عُدِلَ عَنْ إضافَةِ رَبٍّ إلى ضَمِيرِهِمْ، واخْتِيرَ في التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ العَلِيَّةِ بِوَصْفِ الرَّبِّ لِشِدَّةِ مُناسَبَتِهِ لِلْإكْرامِ والرِّضى عَنْهم بِذِكْرِ أنَّهم عَبَدُوهُ في الدُّنْيا فاعْتَرَفُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ.
يس 36:59
صفحة ٤٥
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى سَلامٌ قَوْلًا، أيْ ويُقالُ: امْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ، عَلى الضِّدِّ مِمّا يُقالُ لِأصْحابِ الجَنَّةِ. والتَّقْدِيرُ: سَلامٌ يُقالُ لِأهْلِ الجَنَّةِ قَوْلًا، ويُقالُ لِلْمُجْرِمِينَ: امْتازُوا، فَتَكُونُ مِن تَوْزِيعِ الخِطابَيْنِ في مَقامٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] .
وامْتازَ مُطاوِعُ مازَهَ، إذا أفْرَدَهُ عَمّا كانَ مُخْتَلِطًا مَعَهُ، وُجِّهَ الأمْرُ إلَيْهِمْ بِأنْ يَمْتازُوا مُبالَغَةً في الإسْراعِ بِحُصُولِ المَيْزِ لِأنَّ هَذا الأمْرَ أمْرُ تَكْوِينٍ فَعُبِّرَ عَنْ مَعْنى. فَيَكُونُ المَيْزُ بِصَوْغِ الأمْرِ مِن مادَّةِ المُطاوَعَةِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لِتَنْكَسِرَ الزُّجاجَةُ أشَدُّ في الإسْراعِ بِحُصُولِ الكَسْرِ فِيها مِن أنْ تَقُولَ: اكْسِرُوا الزُّجاجَةَ. والمُرادُ: امْتِيازُهم بِالِابْتِعادِ عَنِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَصِيرُوا إلى النّارِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى: ادْخُلُوا النّارَ.
وهَذا يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا في المَحْشَرِ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥]، فَلَمّا حُكِيَ ما فِيهِ أصْحابِ الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ حِينَ يُقالُ لِأصْحابِ النّارِ ﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس: ٥٤]، حُكِيَ ذَلِكَ ثُمَّ قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
وتَكْرِيرُ كَلِمَةِ ”اليَوْمَ“ ثَلاثَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الحِكايَةِ لِلتَّعْرِيضِ بِالمُخاطَبِينَ فِيهِ وهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا يَجْحَدُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ تَأْكِيدِ ذَكْرِهِ عَلى أسْماعِهِمْ بِقَوْلِهِ فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ وقَوْلِهِ ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغْلٍ﴾ [يس: ٥٥] وقَوْلِهِ ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ .
ونِداؤُهم بِعُنْوانِ: و”المُجْرِمُونَ“ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةٍ مَيْزِهِمْ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ، فاللّامُ في ”المُجْرِمُونَ“ مَوْصُولَةٌ، أيْ أيُّها الَّذِينَ أجْرَمُوا.
يس 36:60
صفحة ٤٦
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنُ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ إقْبالٌ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ المَحْشَرُ غَيْرَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ عُجِّلُوا إلى الجَنَّةِ، فَيَشْمَلُ هَذا جَمِيعَ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن مُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَعَلَّهُ شامِلٌ لِأهْلِ الأعْرافِ، وهو إشْهادٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ عَلى عِبادَتِهِمُ الشَّيْطانَ يَقْتَضِي تَذْكِيرَهم بِأنَّهم أبْناءُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لَهُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلَّقٍ وقَبْرٍ بَصِيداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
ولِلْحارِثِ الجَفْنِيِّ سَيِّدِ قَوْمِـهِ ∗∗∗ لَيَلْتَمِسَنْ بِالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ
يَعْنِي بِلادَ مَن حارَبَ أُصُولَهُ.
والعَهْدُ: الوِصايَةُ، ووِصايَةُ اللَّهِ آدَمُ بِألّا يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ هي ما تَقَرِّرَ واشْتَهِرَ في الأُمَمِ بِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ في العُصُورِ الماضِيَةِ فَلا يَسَعُ إنْكارُهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في حالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِحالِ مَن يَجْحَدُ هَذا العَهْدَ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ”أعْهَدْ“ تَوالِي العَيْنِ والهاءِ وهُما حَرْفانِ مُتَقارِبا المَخْرَجِ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ إلّا أنَّ تَوالِيَهُما لَمْ يُحْدِثْ ثِقْلًا في النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ يُنافِي الفَصاحَةَ بِمُوجَبِ تَنافُرِ الحُرُوفِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ النُّطْقِ في مَخْرَجِ العَيْنِ مِن وسَطِ الحَلْقِ إلى مَخْرَجِ الهاءِ مِن أقْصى الحَلْقِ خَفَّفَ النُّطْقَ بِهِما، وكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِن سُكُونٍ إلى حَرَكَةٍ زادَ ذَلِكَ خِفَّةً. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ”وسَبِّحْهُ“ المُشْتَمِلُ عَلى حاءٍ - وهي مِن وسَطِ الحَلْقِ - وهاءٍ - وهي مَن أقْصاهُ - إلّا أنَّ الأُولى ساكِنَةٌ والثّانِيَةَ مُتَحَرِّكَةٌ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، ولا يُعَدُّ هَذا مِن تَنافُرِ الحُرُوفِ، ومُثِّلَ لَهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
كَرِيمٌ مَتى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرى ∗∗∗ مَعِي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي
صفحة ٤٧
فَإنَّ كَلِمَةَ ”أمْدَحْهُ“ لا تُعَدُّ مُتَنافِرَةَ الحُرُوفِ عَلى أنَّ تَكْرِيرَها أحْدَثَ عَلَيْها ثِقْلًا ما فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلى
المَجْعُولِ مِثالًا لِلتَّنافُرِ، فَإنَّ تَنافُرَ حُرُوفِهِ انْجَرَّ إلَيْهِ مِن تَعاقُبِ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ: السِّينِ والشِّينِ والزّايِ، ولَوْلا الفَصْلُ بَيْنَ السِّينِ والشِّينِ بِالتّاءِ لَكانَ أشَدَّ تَنافُرًا.
ومُوجِباتُ التَّنافُرِ كَثِيرَةٌ ومَرْجِعُها إلى سُرْعَةِ انْتِقالِ اللِّسانِ في مَخارِجِ حُرُوفٍ شَدِيدَةِ التَّقارُبِ أوِ التَّباعُدِ مَعَ عَوارِضَ تَعْرِضُ لَها مِن صِفاتِ الحُرُوفِ مِن: جَهْرٍ وهَمْسٍ، أوْ شِدَّةٍ ورِخْوٍ، أوِ اسْتِعْلاءٍ واسْتِفالٍ، أوِ انْفِتاحٍ وانْطِباقٍ، أوْ إصْماتٍ وانْذِلاقٍ، ومِن حَرَكاتِها وسَكَناتِها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ضابِطٌ مُطَّرِدٌ ولَكِنَّهَ مِمّا يُرْجَعُ فِيهِ إلى ذَوْقِ الفُصَحاءِ. وقَدْ حاوَلَ ابْنُ سِنانٍ الخَفاجِيِّ إرْجاعَهُ إلى تَقارُبِ مَخارِجِ الحُرُوفِ فَرَدَّهُ ابْنُ الأثِيرِ عَلَيْهِ بِما لا مُخَلِّصَ مِنهُ.
وإذا اقْتَضى الحالُ مِن حَقِّ البَلاغَةِ إيثارَ كَلِمَةٍ بِالذِّكْرِ إذْ لا يَعْدِلُها غَيْرُها فَعَرَضَ مِن تَصارِيفِها عارِضُ ثِقَلٍ لا يَكُونُ حَقُّ مُقْتَضى الحالِ البَلاغِيِّ مُوجِبًا إيرادَها.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَرَتْ إجْمالَ العَهْدِ لِأنَّ العَهْدَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَـ (أنْ) الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرِيَّةٌ.
وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: عِبادَةُ ما يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ وقَدْ أغْنَتْ (أنْ) عَنْ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ عَدَواتَهُ واضِحَةٌ، ووَجْهُ وُضُوحِها أنَّ المَرْءَ إذا راقَبَ عَواقِبَ الأعْمالِ الَّتِي تُوَسْوِسُها لَهُ نَفْسُهُ واتَّهَمَها وعَرَضَها عَلى وصايا الأنْبِياءِ والحُكَماءِ وجَدَها عَواقِبَ نَحِسَةً، فَوَضَحَ لَهُ أنَّها مِنَ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ وأنَّ الَّذِي وسْوَسَ بِها عَدُوٌّ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ودُودًا لَما أوْقَعَهُ في
صفحة ٤٨
الكَوارِثِ ولا يُظَنُّ بِهِ الإيقاعُ في ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِأنْ تَكْرارَ أمْثالِ تِلْكَ الوَساوِسِ لِلْمَرْءِ ولِأمْثالِهِ مِمَّنْ يَبُوحُ لَهُ بِأحْوالِهِ يَدُلُّ ذَلِكَ التَّكَرُّرُ عَلى أنَّها وساوِسُ مَقْصُودَةٌ لِلْإيقاعِ في المَهالِكِ فَعُلِمَ أنَّ المُشِيرَ بِها عَدُوٌّ ألَدُّ، ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
وجُمْلَةُ وأنِ اعْبُدُونِي عَطْفٌ عَلى أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ بِإعادَةِ ”أنْ“ التَّفْسِيرِيَّةِ فَهُما جُمْلَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِعَهْدَيْنِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ؛ لِأنَّ في الإتْيانِ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ زِيادَةَ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ الدَّهْرِيِّينَ والمُعَطِّلِينَ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولَكِنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فَكانُوا خاسِئِينَ بِالعَهْدِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لِلْعَهْدِ المَفْهُومِ مِن فِعْلِ ”أعْهَدْ“ أوْ لِلْمَذْكُورِ في تَفْسِيرِهِ مِن جُمْلَتَيْ (لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ) (وأنُ عَبَدُونِي)، أيْ: هَذا المَذْكُورُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ كالطَّرِيقِ القَوِيمِ في الإبْلاغِ إلى المَقْصُودِ. والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا عَطْفٌ عَلى إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ فَعَداوَتُهُ واضِحَةٌ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ فَكانَتْ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ ما يَأْمُرُهم بِعِبادَتِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ عَداوَتَهُ واضِحَةٌ وُضُوحَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ بَيْنَ النّاسِ وشَهِدَتْ بِها العُصُورُ والأجْيالُ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُضِلُّ النّاسَ إضْلالًا تَواتَرَ أمْرُهُ وتَعَذَّرَ إنْكارُهُ.
والجِبِلُّ: بِكَسْرِ الجِيمِ وكَسْرِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ.
والجِبِلُّ: الجَمْعُ العَظِيمُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْلِ بِسُكُونِ الباءِ بِمَعْنى الخَلْقِ.
صفحة ٤٩
وفُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم بِقِلَّةِ العُقُولِ بِقَوْلِهِ أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ كَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ، أيْ يُدْرِكُونَ، إذْ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ لَتَفَطَّنُوا إلى إيقاعِ الشَّيْطانِ بِهِمْ في مَهاوِي الهَلاكِ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ العَقْلَ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِمْ ولا هم كائِنُونَ بِهِ.
يس 36:61
صفحة ٤٦
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنُ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ إقْبالٌ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ المَحْشَرُ غَيْرَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ عُجِّلُوا إلى الجَنَّةِ، فَيَشْمَلُ هَذا جَمِيعَ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن مُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَعَلَّهُ شامِلٌ لِأهْلِ الأعْرافِ، وهو إشْهادٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ عَلى عِبادَتِهِمُ الشَّيْطانَ يَقْتَضِي تَذْكِيرَهم بِأنَّهم أبْناءُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لَهُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلَّقٍ وقَبْرٍ بَصِيداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
ولِلْحارِثِ الجَفْنِيِّ سَيِّدِ قَوْمِـهِ ∗∗∗ لَيَلْتَمِسَنْ بِالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ
يَعْنِي بِلادَ مَن حارَبَ أُصُولَهُ.
والعَهْدُ: الوِصايَةُ، ووِصايَةُ اللَّهِ آدَمُ بِألّا يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ هي ما تَقَرِّرَ واشْتَهِرَ في الأُمَمِ بِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ في العُصُورِ الماضِيَةِ فَلا يَسَعُ إنْكارُهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في حالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِحالِ مَن يَجْحَدُ هَذا العَهْدَ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ”أعْهَدْ“ تَوالِي العَيْنِ والهاءِ وهُما حَرْفانِ مُتَقارِبا المَخْرَجِ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ إلّا أنَّ تَوالِيَهُما لَمْ يُحْدِثْ ثِقْلًا في النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ يُنافِي الفَصاحَةَ بِمُوجَبِ تَنافُرِ الحُرُوفِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ النُّطْقِ في مَخْرَجِ العَيْنِ مِن وسَطِ الحَلْقِ إلى مَخْرَجِ الهاءِ مِن أقْصى الحَلْقِ خَفَّفَ النُّطْقَ بِهِما، وكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِن سُكُونٍ إلى حَرَكَةٍ زادَ ذَلِكَ خِفَّةً. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ”وسَبِّحْهُ“ المُشْتَمِلُ عَلى حاءٍ - وهي مِن وسَطِ الحَلْقِ - وهاءٍ - وهي مَن أقْصاهُ - إلّا أنَّ الأُولى ساكِنَةٌ والثّانِيَةَ مُتَحَرِّكَةٌ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، ولا يُعَدُّ هَذا مِن تَنافُرِ الحُرُوفِ، ومُثِّلَ لَهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
كَرِيمٌ مَتى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرى ∗∗∗ مَعِي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي
صفحة ٤٧
فَإنَّ كَلِمَةَ ”أمْدَحْهُ“ لا تُعَدُّ مُتَنافِرَةَ الحُرُوفِ عَلى أنَّ تَكْرِيرَها أحْدَثَ عَلَيْها ثِقْلًا ما فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلى
المَجْعُولِ مِثالًا لِلتَّنافُرِ، فَإنَّ تَنافُرَ حُرُوفِهِ انْجَرَّ إلَيْهِ مِن تَعاقُبِ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ: السِّينِ والشِّينِ والزّايِ، ولَوْلا الفَصْلُ بَيْنَ السِّينِ والشِّينِ بِالتّاءِ لَكانَ أشَدَّ تَنافُرًا.
ومُوجِباتُ التَّنافُرِ كَثِيرَةٌ ومَرْجِعُها إلى سُرْعَةِ انْتِقالِ اللِّسانِ في مَخارِجِ حُرُوفٍ شَدِيدَةِ التَّقارُبِ أوِ التَّباعُدِ مَعَ عَوارِضَ تَعْرِضُ لَها مِن صِفاتِ الحُرُوفِ مِن: جَهْرٍ وهَمْسٍ، أوْ شِدَّةٍ ورِخْوٍ، أوِ اسْتِعْلاءٍ واسْتِفالٍ، أوِ انْفِتاحٍ وانْطِباقٍ، أوْ إصْماتٍ وانْذِلاقٍ، ومِن حَرَكاتِها وسَكَناتِها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ضابِطٌ مُطَّرِدٌ ولَكِنَّهَ مِمّا يُرْجَعُ فِيهِ إلى ذَوْقِ الفُصَحاءِ. وقَدْ حاوَلَ ابْنُ سِنانٍ الخَفاجِيِّ إرْجاعَهُ إلى تَقارُبِ مَخارِجِ الحُرُوفِ فَرَدَّهُ ابْنُ الأثِيرِ عَلَيْهِ بِما لا مُخَلِّصَ مِنهُ.
وإذا اقْتَضى الحالُ مِن حَقِّ البَلاغَةِ إيثارَ كَلِمَةٍ بِالذِّكْرِ إذْ لا يَعْدِلُها غَيْرُها فَعَرَضَ مِن تَصارِيفِها عارِضُ ثِقَلٍ لا يَكُونُ حَقُّ مُقْتَضى الحالِ البَلاغِيِّ مُوجِبًا إيرادَها.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَرَتْ إجْمالَ العَهْدِ لِأنَّ العَهْدَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَـ (أنْ) الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرِيَّةٌ.
وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: عِبادَةُ ما يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ وقَدْ أغْنَتْ (أنْ) عَنْ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ عَدَواتَهُ واضِحَةٌ، ووَجْهُ وُضُوحِها أنَّ المَرْءَ إذا راقَبَ عَواقِبَ الأعْمالِ الَّتِي تُوَسْوِسُها لَهُ نَفْسُهُ واتَّهَمَها وعَرَضَها عَلى وصايا الأنْبِياءِ والحُكَماءِ وجَدَها عَواقِبَ نَحِسَةً، فَوَضَحَ لَهُ أنَّها مِنَ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ وأنَّ الَّذِي وسْوَسَ بِها عَدُوٌّ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ودُودًا لَما أوْقَعَهُ في
صفحة ٤٨
الكَوارِثِ ولا يُظَنُّ بِهِ الإيقاعُ في ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِأنْ تَكْرارَ أمْثالِ تِلْكَ الوَساوِسِ لِلْمَرْءِ ولِأمْثالِهِ مِمَّنْ يَبُوحُ لَهُ بِأحْوالِهِ يَدُلُّ ذَلِكَ التَّكَرُّرُ عَلى أنَّها وساوِسُ مَقْصُودَةٌ لِلْإيقاعِ في المَهالِكِ فَعُلِمَ أنَّ المُشِيرَ بِها عَدُوٌّ ألَدُّ، ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
وجُمْلَةُ وأنِ اعْبُدُونِي عَطْفٌ عَلى أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ بِإعادَةِ ”أنْ“ التَّفْسِيرِيَّةِ فَهُما جُمْلَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِعَهْدَيْنِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ؛ لِأنَّ في الإتْيانِ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ زِيادَةَ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ الدَّهْرِيِّينَ والمُعَطِّلِينَ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولَكِنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فَكانُوا خاسِئِينَ بِالعَهْدِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لِلْعَهْدِ المَفْهُومِ مِن فِعْلِ ”أعْهَدْ“ أوْ لِلْمَذْكُورِ في تَفْسِيرِهِ مِن جُمْلَتَيْ (لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ) (وأنُ عَبَدُونِي)، أيْ: هَذا المَذْكُورُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ كالطَّرِيقِ القَوِيمِ في الإبْلاغِ إلى المَقْصُودِ. والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا عَطْفٌ عَلى إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ فَعَداوَتُهُ واضِحَةٌ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ فَكانَتْ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ ما يَأْمُرُهم بِعِبادَتِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ عَداوَتَهُ واضِحَةٌ وُضُوحَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ بَيْنَ النّاسِ وشَهِدَتْ بِها العُصُورُ والأجْيالُ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُضِلُّ النّاسَ إضْلالًا تَواتَرَ أمْرُهُ وتَعَذَّرَ إنْكارُهُ.
والجِبِلُّ: بِكَسْرِ الجِيمِ وكَسْرِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ.
والجِبِلُّ: الجَمْعُ العَظِيمُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْلِ بِسُكُونِ الباءِ بِمَعْنى الخَلْقِ.
صفحة ٤٩
وفُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم بِقِلَّةِ العُقُولِ بِقَوْلِهِ أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ كَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ، أيْ يُدْرِكُونَ، إذْ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ لَتَفَطَّنُوا إلى إيقاعِ الشَّيْطانِ بِهِمْ في مَهاوِي الهَلاكِ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ العَقْلَ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِمْ ولا هم كائِنُونَ بِهِ.
يس 36:62
صفحة ٤٦
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وأنُ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ إقْبالٌ عَلى جَمِيعِ البَشَرِ الَّذِينَ جَمَعَهُمُ المَحْشَرُ غَيْرَ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ عُجِّلُوا إلى الجَنَّةِ، فَيَشْمَلُ هَذا جَمِيعَ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن مُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ، ولَعَلَّهُ شامِلٌ لِأهْلِ الأعْرافِ، وهو إشْهادٌ عَلى المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، وخُوطِبُوا بِعُنْوانِ بَنِي آدَمَ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ عَلى عِبادَتِهِمُ الشَّيْطانَ يَقْتَضِي تَذْكِيرَهم بِأنَّهم أبْناءُ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّيْطانُ عَدُوًّا لَهُ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
لَئِنْ كانَ لِلْقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بِجِلَّقٍ وقَبْرٍ بَصِيداءَ الَّذِي عِنْدَ حارِبِ
ولِلْحارِثِ الجَفْنِيِّ سَيِّدِ قَوْمِـهِ ∗∗∗ لَيَلْتَمِسَنْ بِالجَيْشِ دارَ المُحارِبِ
يَعْنِي بِلادَ مَن حارَبَ أُصُولَهُ.
والعَهْدُ: الوِصايَةُ، ووِصايَةُ اللَّهِ آدَمُ بِألّا يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ هي ما تَقَرِّرَ واشْتَهِرَ في الأُمَمِ بِما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ في العُصُورِ الماضِيَةِ فَلا يَسَعُ إنْكارُهُ. وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في حالِهِمُ الشَّبِيهَةِ بِحالِ مَن يَجْحَدُ هَذا العَهْدَ.
واعْلَمْ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى ”أعْهَدْ“ تَوالِي العَيْنِ والهاءِ وهُما حَرْفانِ مُتَقارِبا المَخْرَجِ مِن حُرُوفِ الحَلْقِ إلّا أنَّ تَوالِيَهُما لَمْ يُحْدِثْ ثِقْلًا في النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ يُنافِي الفَصاحَةَ بِمُوجَبِ تَنافُرِ الحُرُوفِ؛ لِأنَّ انْتِقالَ النُّطْقِ في مَخْرَجِ العَيْنِ مِن وسَطِ الحَلْقِ إلى مَخْرَجِ الهاءِ مِن أقْصى الحَلْقِ خَفَّفَ النُّطْقَ بِهِما، وكَذَلِكَ الِانْتِقالُ مِن سُكُونٍ إلى حَرَكَةٍ زادَ ذَلِكَ خِفَّةً. ومَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ”وسَبِّحْهُ“ المُشْتَمِلُ عَلى حاءٍ - وهي مِن وسَطِ الحَلْقِ - وهاءٍ - وهي مَن أقْصاهُ - إلّا أنَّ الأُولى ساكِنَةٌ والثّانِيَةَ مُتَحَرِّكَةٌ وهُما مُتَقارِبا المَخْرَجِ، ولا يُعَدُّ هَذا مِن تَنافُرِ الحُرُوفِ، ومُثِّلَ لَهُ بِقَوْلِ أبِي تَمّامٍ:
كَرِيمٌ مَتى أمْدَحْهُ أمْدَحْهُ والوَرى ∗∗∗ مَعِي وإذا ما لُمْتُهُ لُمْتُهُ وحْدِي
صفحة ٤٧
فَإنَّ كَلِمَةَ ”أمْدَحْهُ“ لا تُعَدُّ مُتَنافِرَةَ الحُرُوفِ عَلى أنَّ تَكْرِيرَها أحْدَثَ عَلَيْها ثِقْلًا ما فَلا يَكُونُ ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
غَدائِرُهُ مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلى
المَجْعُولِ مِثالًا لِلتَّنافُرِ، فَإنَّ تَنافُرَ حُرُوفِهِ انْجَرَّ إلَيْهِ مِن تَعاقُبِ ثَلاثَةِ حُرُوفٍ: السِّينِ والشِّينِ والزّايِ، ولَوْلا الفَصْلُ بَيْنَ السِّينِ والشِّينِ بِالتّاءِ لَكانَ أشَدَّ تَنافُرًا.
ومُوجِباتُ التَّنافُرِ كَثِيرَةٌ ومَرْجِعُها إلى سُرْعَةِ انْتِقالِ اللِّسانِ في مَخارِجِ حُرُوفٍ شَدِيدَةِ التَّقارُبِ أوِ التَّباعُدِ مَعَ عَوارِضَ تَعْرِضُ لَها مِن صِفاتِ الحُرُوفِ مِن: جَهْرٍ وهَمْسٍ، أوْ شِدَّةٍ ورِخْوٍ، أوِ اسْتِعْلاءٍ واسْتِفالٍ، أوِ انْفِتاحٍ وانْطِباقٍ، أوْ إصْماتٍ وانْذِلاقٍ، ومِن حَرَكاتِها وسَكَناتِها، ولَيْسَ لِذَلِكَ ضابِطٌ مُطَّرِدٌ ولَكِنَّهَ مِمّا يُرْجَعُ فِيهِ إلى ذَوْقِ الفُصَحاءِ. وقَدْ حاوَلَ ابْنُ سِنانٍ الخَفاجِيِّ إرْجاعَهُ إلى تَقارُبِ مَخارِجِ الحُرُوفِ فَرَدَّهُ ابْنُ الأثِيرِ عَلَيْهِ بِما لا مُخَلِّصَ مِنهُ.
وإذا اقْتَضى الحالُ مِن حَقِّ البَلاغَةِ إيثارَ كَلِمَةٍ بِالذِّكْرِ إذْ لا يَعْدِلُها غَيْرُها فَعَرَضَ مِن تَصارِيفِها عارِضُ ثِقَلٍ لا يَكُونُ حَقُّ مُقْتَضى الحالِ البَلاغِيِّ مُوجِبًا إيرادَها.
و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، فَسَرَتْ إجْمالَ العَهْدِ لِأنَّ العَهْدَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَـ (أنْ) الواقِعَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرِيَّةٌ.
وعِبادَةُ الشَّيْطانِ: عِبادَةُ ما يَأْمُرُ بِعِبادَتِهِ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ وقَدْ أغْنَتْ (أنْ) عَنْ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ عَدَواتَهُ واضِحَةٌ، ووَجْهُ وُضُوحِها أنَّ المَرْءَ إذا راقَبَ عَواقِبَ الأعْمالِ الَّتِي تُوَسْوِسُها لَهُ نَفْسُهُ واتَّهَمَها وعَرَضَها عَلى وصايا الأنْبِياءِ والحُكَماءِ وجَدَها عَواقِبَ نَحِسَةً، فَوَضَحَ لَهُ أنَّها مِنَ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ وأنَّ الَّذِي وسْوَسَ بِها عَدُوٌّ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ودُودًا لَما أوْقَعَهُ في
صفحة ٤٨
الكَوارِثِ ولا يُظَنُّ بِهِ الإيقاعُ في ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِأنْ تَكْرارَ أمْثالِ تِلْكَ الوَساوِسِ لِلْمَرْءِ ولِأمْثالِهِ مِمَّنْ يَبُوحُ لَهُ بِأحْوالِهِ يَدُلُّ ذَلِكَ التَّكَرُّرُ عَلى أنَّها وساوِسُ مَقْصُودَةٌ لِلْإيقاعِ في المَهالِكِ فَعُلِمَ أنَّ المُشِيرَ بِها عَدُوٌّ ألَدُّ، ولَعَلَّ هَذا المَعْنى هو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ.
وجُمْلَةُ وأنِ اعْبُدُونِي عَطْفٌ عَلى أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ بِإعادَةِ ”أنْ“ التَّفْسِيرِيَّةِ فَهُما جُمْلَتانِ مُفَسِّرَتانِ لِعَهْدَيْنِ.
وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِصِيغَةِ قَصْرٍ؛ لِأنَّ في الإتْيانِ بِهاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ زِيادَةَ فائِدَةٍ؛ لِأنَّ مِن أهْلِ الضَّلالَةِ الدَّهْرِيِّينَ والمُعَطِّلِينَ، فَهم وإنْ لَمْ يَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ولَكِنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فَكانُوا خاسِئِينَ بِالعَهْدِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لِلْعَهْدِ المَفْهُومِ مِن فِعْلِ ”أعْهَدْ“ أوْ لِلْمَذْكُورِ في تَفْسِيرِهِ مِن جُمْلَتَيْ (لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ) (وأنُ عَبَدُونِي)، أيْ: هَذا المَذْكُورُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ كالطَّرِيقِ القَوِيمِ في الإبْلاغِ إلى المَقْصُودِ. والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ولَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا عَطْفٌ عَلى إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ فَعَداوَتُهُ واضِحَةٌ بِدَلِيلِ التَّجْرِبَةِ فَكانَتْ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ ما يَأْمُرُهم بِعِبادَتِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّ عَداوَتَهُ واضِحَةٌ وُضُوحَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لِأنَّها تَقَرَّرَتْ بَيْنَ النّاسِ وشَهِدَتْ بِها العُصُورُ والأجْيالُ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُضِلُّ النّاسَ إضْلالًا تَواتَرَ أمْرُهُ وتَعَذَّرَ إنْكارُهُ.
والجِبِلُّ: بِكَسْرِ الجِيمِ وكَسْرِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ كَما قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الجِيمِ وضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ.
والجِبِلُّ: الجَمْعُ العَظِيمُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْلِ بِسُكُونِ الباءِ بِمَعْنى الخَلْقِ.
صفحة ٤٩
وفُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم بِقِلَّةِ العُقُولِ بِقَوْلِهِ أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ عَنْ عَدَمِ كَوْنِهِمْ يَعْقِلُونَ، أيْ يُدْرِكُونَ، إذْ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ لَتَفَطَّنُوا إلى إيقاعِ الشَّيْطانِ بِهِمْ في مَهاوِي الهَلاكِ.
وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ العَقْلَ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِمْ ولا هم كائِنُونَ بِهِ.
يس 36:63
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
إقْبالٌ عَلى خِطابِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعْبُوداتٍ يُسَوِّلُها لَهُمُ الشَّيْطانُ، إذْ تَبْدُو لَهم جَهَنَّمُ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها ويُعَرَّفُونَ أنَّها هي جَهَنَّمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يُنْذَرُونَ بِها وتَذْكُرُ لَهم في الوَعِيدِ مُدَّةَ الحَياةِ. والأمْرُ بِقَوْلِهِ اصْلَوْها مُسْتَعْمَلٌ في الإهانَةِ والتَّنْكِيرِ.
و”اصْلَوْها“ أمْرٌ مِن صَلِيَ يَصْلى، إذا اسْتَدْفَأ بِحَرِّ النّارِ، وإطْلاقُ الصَّلْيِ عَلى الإحْراقِ تَهَكُّمٌ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَوْمَ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ هَذا اليَوْمَ الحاضِرَ، وأُرِيدَ بِهِ جَوابَ ما كانُوا يَقُولُونَ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنِ اسْتِبْطاءِ الوَعْدِ والتَّكْذِيبِ إذْ يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والباءُ في بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا.
يس 36:64
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
إقْبالٌ عَلى خِطابِ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعْبُوداتٍ يُسَوِّلُها لَهُمُ الشَّيْطانُ، إذْ تَبْدُو لَهم جَهَنَّمُ بِحَيْثُ يُشارُ إلَيْها ويُعَرَّفُونَ أنَّها هي جَهَنَّمُ الَّتِي كانُوا في الدُّنْيا يُنْذَرُونَ بِها وتَذْكُرُ لَهم في الوَعِيدِ مُدَّةَ الحَياةِ. والأمْرُ بِقَوْلِهِ اصْلَوْها مُسْتَعْمَلٌ في الإهانَةِ والتَّنْكِيرِ.
و”اصْلَوْها“ أمْرٌ مِن صَلِيَ يَصْلى، إذا اسْتَدْفَأ بِحَرِّ النّارِ، وإطْلاقُ الصَّلْيِ عَلى الإحْراقِ تَهَكُّمٌ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَوْمَ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ هَذا اليَوْمَ الحاضِرَ، وأُرِيدَ بِهِ جَوابَ ما كانُوا يَقُولُونَ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنِ اسْتِبْطاءِ الوَعْدِ والتَّكْذِيبِ إذْ يَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
والباءُ في بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ سَبَبِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا.
يس 36:65
﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وقَوْلُهُ اليَوْمَ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”نَخْتِمُ“ .
والقَوْلُ في لَفْظِ اليَوْمَ كالقَوْلِ في نَظائِرِهِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ بِحُصُولِ هَذا الحالِ العَجِيبِ فِيهِ، وهو انْتِقالُ النُّطْقِ مِن مَوْضِعِهِ المُعْتادِ إلى الأيْدِي والأرْجُلِ.
صفحة ٥٠
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في (أفْواهِهِمْ، وأيْدِيهِمْ، وأرْجُلِهِمْ، ويَكْسِبُونَ) عائِدَةٌ عَلى الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس: ٦٣] عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. وأصْلُ النَّظْمِ: اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِكم وتُكَلِّمُنا أيْدِيكم وتَشْهَدُ أرْجُلُكم بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ. ومُواجَهَتُهم بِهَذا الإعْلامِ تَأْيِيسٌ لَهم بِأنَّهم لا يَسَعُهم إنْكارُ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ مِن صَحائِفِ أعْمالِهِمْ كَما قالَ تَعالى اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا.
وقَدْ طُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ ما ورَدَ تَفْصِيلُهُ في آيٍ أُخَرَ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فَتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقالَ ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لِغافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٩] .
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «يُخاطِبُ العَبْدُ رَبَّهُ يَقُولُ: يا رَبِّ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ ؟ فَيَقُولُ: إنِّي لا أُجِيزُ عَلى نَفْسِي إلّا شاهِدًا مِنِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ: كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، فَيَخْتِمُ عَلى فِيهِ. فَيُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ»، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُ الدّاعِي إلى خِطابِهِمْ بِهَذا الكَلامِ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ هُنا فاقْتَصَرَ عَلى المَقْصُودِ.
وقَدْ يُخَيَّلُ تَعارُضٌ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، ولا تَعارُضَ لِأنَّ آيَةَ يس في أحْوالِ المُشْرِكِينَ وآيَةَ سُورَةِ النُّورِ في أحْوالِ المُنافِقِينَ.
والمُرادُ بِتَكَلُّمِ الأيْدِي تَكَلُّمُها بِالشَّهادَةِ، والمُرادُ بِشَهادَةِ الأرْجُلِ نُطْقُها بِالشَّهادَةِ، فَفي كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ احْتِباكٌ. والتَّقْدِيرُ: وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ فَتَشْهَدُ وتُكَلِّمُنا أرْجُلُهم فَتَشْهَدُ.
ويَتَعَلَّقُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بِكُلٍّ مِن فِعْلَيْ ”تُكَلِّمُنا وتَشْهَدُ“ عَلى وجْهِ التَّنازُعِ. وما يَكْسِبُونَهُ: هو الشِّرْكُ وفُرُوعُهُ، وتَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وما ألْحَقُوا بِهِ مِنَ الأذى.
يس 36:66
صفحة ٥١
﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ، ومَوْقِعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهُما أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ إلْجاءَهم إلى الِاعْتِرافِ بِالشِّرْكِ بَعْدَ إنْكارِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا لِأنْ يَهْجِسَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَمَنَّوْا لَوْ سَلَكَ اللَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِثْلَ هَذا الإلْجاءِ فَألْجَأهم إلى الإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ وإلى تَصْدِيقِ رَسُولِهِ واتِّباعِ دِينِهِ، فَأفادَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا لَفَعَلَ، إيماءً إلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى تُجْرِي تَعَلُقاتِهِا عَلى وفْقِ عِلْمِهِ تَعالى وحَكْمَتِهِ، فَهو قَدْ جَعَلَ نِظامَ الدُّنْيا جارِيًا عَلى حُصُولِ الأشْياءِ عَنْ أسْبابِها الَّتِي وكَّلَ اللَّهُ إلَيْها إنْتاجَ مُسَبَّباتِها وأثارِها وتَوالُداتِها حَتّى إذا بُدِّلَ هَذا العالَمُ بِعالَمِ الحَقِيقَةِ أجْرى الأُمُورَ كُلَّها عَلى المَهْيَعِ الحَقِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي غَيْرُهُ في مَجارِي العَقْلِ والحِكْمَةِ. والمَعْنى إنّا ألْجَأْناهم إلى الإقْرارِ في الآخِرَةِ بِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا شِرْكٌ وباطِلٌ ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناهم آياتِنا في الدُّنْيا لِيَرْتَدِعُوا ويَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وسُوءِ إنْكارِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ ”لَوْ“ تَقْتَضِي امْتِناعًا لِامْتِناعٍ فَهي تَقْتَضِي مَعْنى: لَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ فَتَرَكْناهم عَلى شَأْنِهِمُ اسْتِدْراجًا وتَمْيِيزًا بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ. فَهَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ ومُرادٌ مِنهُ تَبْصِرَةُ المُؤْمِنِينَ وإرْشادُهم إلى الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ حَتّى يَأْتِيَ نَصْرُ اللَّهِ.
فالطَّمْسُ والمَسْخُ المُتَعَلِّقانِ عَلى الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ طَمْسٌ ومَسْخٌ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ.
والطَّمْسُ: مَسْخُ شَواهِدِ العَيْنِ بِإزالَةِ سَوادِها وبَياضِها أوِ اخْتِلاطِهِما وهو العَمى أوِ العَوَرُ، ويُقالُ: طَرِيقٌ مَطْمُوسَةٌ، إذا لَمْ تَكُنْ فِيها آثارُ السّائِرِينَ لِيَقْفُوَها السّائِرُ. وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الطَّمْسِ وإلّا فَإنَّ طَمَسَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.
صفحة ٥٢
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ والِافْتِعالُ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والِاجْتِهادِ في الفِعْلِ أيْ فَبادَرُوا.
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ الَّذِي يُمْشى فِيهِ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الِاسْتِباقِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ إلى بِطَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، قالَ الشّاعِرُ وهو مِن شَواهِدِ الكِتابِ:
تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا
أرادَ: تَمُرُّونَ عَلى الدِّيارِ.
أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقُوا مَعْنى ابْتَدَرُوا، أيِ ابْتَدَرُوا الصِّراطَ مُتَسابِقِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ لِما دَهَمَهم رَجاءَ أنْ يَصِلُوا إلى بُيُوتِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلِكُوا فَلَمْ يُبْصِرُوا الطَّرِيقَ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ في سُورَةِ يُوسُفَ.
و(أنّى) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى (كَيْفَ) وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا يُبْصِرُونَ وقَدْ طُمِسَتْ أعْيُنُهم، أيْ لَوْ شِئْنا لِعَجَّلْنا لَهم عُقُوبَةً في الدُّنْيا يَرْتَدِعُونَ بِها لِيُقْلِعُوا عَنْ إشْراكِهِمْ.
والمَسْخُ: تَصْيِيرُ جِسْمِ الإنْسانِ في صُورَةِ جِسْمٍ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ وعَلَيْهِ فَلا شَيْءَ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ الآنَ بِبَقِيَّةِ مَسْخٍ.
والمَكانَةُ: تَأْنِيثُ المَكانِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبُقْعَةِ كَما قالُوا: مُقامٌ ومُقامَةٌ، ودارٌ ودارَةٌ، أيْ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْنا الكافِرِينَ في الدُّنْيا في مَكانِهِمُ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ فَما اسْتَطاعُوا انْصِرافًا إلى ما خَرَجُوا إلَيْهِ ولا رُجُوعًا إلى ما أتَوْا مِنهُ بَلْ لَزِمُوا مَكانَهم لِزَوالِ العَقْلِ الإنْسانِيِّ مِنهم بِسَبَبِ المَسْخِ.
وكانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُقالَ: ولا رُجُوعًا، ولَكِنْ عَدَلَ إلى ولا يَرْجِعُونَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ فَجُعِلَ قَوْلُهُ ولا يَرْجِعُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ما اسْتَطاعُوا ولَيْسَ عَطْفًا عَلى ”مُضِيًّا“ لِأنَّ فِعْلَ اسْتَطاعَ لا يَنْصِبُ الجُمَلَ. والتَّقْدِيرُ: فَما
صفحة ٥٣
مَضَوْا ولا رَجَعُوا، فَجَعَلْنا لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ وأرَحْنا مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ وتَرَكْناهم عِبْرَةً ومَوْعِظَةً لِمَن بَعْدَهم.
يس 36:67
صفحة ٥١
﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ، ومَوْقِعُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنَ الَّتِي قَبْلَهُما أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ إلْجاءَهم إلى الِاعْتِرافِ بِالشِّرْكِ بَعْدَ إنْكارِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا لِأنْ يَهْجِسَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَمَنَّوْا لَوْ سَلَكَ اللَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِثْلَ هَذا الإلْجاءِ فَألْجَأهم إلى الإقْرارِ بِوَحْدانِيَّتِهِ وإلى تَصْدِيقِ رَسُولِهِ واتِّباعِ دِينِهِ، فَأفادَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِذَلِكَ في الدُّنْيا لَفَعَلَ، إيماءً إلى أنَّ إرادَتَهُ تَعالى تُجْرِي تَعَلُقاتِهِا عَلى وفْقِ عِلْمِهِ تَعالى وحَكْمَتِهِ، فَهو قَدْ جَعَلَ نِظامَ الدُّنْيا جارِيًا عَلى حُصُولِ الأشْياءِ عَنْ أسْبابِها الَّتِي وكَّلَ اللَّهُ إلَيْها إنْتاجَ مُسَبَّباتِها وأثارِها وتَوالُداتِها حَتّى إذا بُدِّلَ هَذا العالَمُ بِعالَمِ الحَقِيقَةِ أجْرى الأُمُورَ كُلَّها عَلى المَهْيَعِ الحَقِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي غَيْرُهُ في مَجارِي العَقْلِ والحِكْمَةِ. والمَعْنى إنّا ألْجَأْناهم إلى الإقْرارِ في الآخِرَةِ بِأنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا شِرْكٌ وباطِلٌ ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناهم آياتِنا في الدُّنْيا لِيَرْتَدِعُوا ويَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ وسُوءِ إنْكارِهِمْ.
ولَمّا كانَتْ ”لَوْ“ تَقْتَضِي امْتِناعًا لِامْتِناعٍ فَهي تَقْتَضِي مَعْنى: لَكِنّا لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ فَتَرَكْناهم عَلى شَأْنِهِمُ اسْتِدْراجًا وتَمْيِيزًا بَيْنَ الخَبِيثِ والطَّيِّبِ. فَهَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ ومُرادٌ مِنهُ تَبْصِرَةُ المُؤْمِنِينَ وإرْشادُهم إلى الصَّبْرِ عَلى ما يُلاقُونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ حَتّى يَأْتِيَ نَصْرُ اللَّهِ.
فالطَّمْسُ والمَسْخُ المُتَعَلِّقانِ عَلى الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ طَمْسٌ ومَسْخٌ في الدُّنْيا لا في الآخِرَةِ.
والطَّمْسُ: مَسْخُ شَواهِدِ العَيْنِ بِإزالَةِ سَوادِها وبَياضِها أوِ اخْتِلاطِهِما وهو العَمى أوِ العَوَرُ، ويُقالُ: طَرِيقٌ مَطْمُوسَةٌ، إذا لَمْ تَكُنْ فِيها آثارُ السّائِرِينَ لِيَقْفُوَها السّائِرُ. وحَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الطَّمْسِ وإلّا فَإنَّ طَمَسَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ.
صفحة ٥٢
والِاسْتِباقُ: افْتِعالٌ مِنَ السَّبْقِ والِافْتِعالُ دالٌّ عَلى التَّكَلُّفِ والِاجْتِهادِ في الفِعْلِ أيْ فَبادَرُوا.
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ الَّذِي يُمْشى فِيهِ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الِاسْتِباقِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ إلى بِطَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، قالَ الشّاعِرُ وهو مِن شَواهِدِ الكِتابِ:
تَمُرُّونَ الدِّيارَ ولَمْ تَعُوجُوا
أرادَ: تَمُرُّونَ عَلى الدِّيارِ.
أوْ عَلى تَضْمِينِ اسْتَبَقُوا مَعْنى ابْتَدَرُوا، أيِ ابْتَدَرُوا الصِّراطَ مُتَسابِقِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ لِما دَهَمَهم رَجاءَ أنْ يَصِلُوا إلى بُيُوتِهِمْ قَبْلَ أنْ يَهْلِكُوا فَلَمْ يُبْصِرُوا الطَّرِيقَ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ في سُورَةِ يُوسُفَ.
و(أنّى) اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى (كَيْفَ) وهو مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ لا يُبْصِرُونَ وقَدْ طُمِسَتْ أعْيُنُهم، أيْ لَوْ شِئْنا لِعَجَّلْنا لَهم عُقُوبَةً في الدُّنْيا يَرْتَدِعُونَ بِها لِيُقْلِعُوا عَنْ إشْراكِهِمْ.
والمَسْخُ: تَصْيِيرُ جِسْمِ الإنْسانِ في صُورَةِ جِسْمٍ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَمْسُوخَ لا يَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ وعَلَيْهِ فَلا شَيْءَ مِنَ الأشْياءِ المَوْجُودَةِ الآنَ بِبَقِيَّةِ مَسْخٍ.
والمَكانَةُ: تَأْنِيثُ المَكانِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبُقْعَةِ كَما قالُوا: مُقامٌ ومُقامَةٌ، ودارٌ ودارَةٌ، أيْ لَوْ نَشاءُ لَمَسَخْنا الكافِرِينَ في الدُّنْيا في مَكانِهِمُ الَّذِي أظْهَرُوا فِيهِ التَّكْذِيبَ بِالرُّسُلِ فَما اسْتَطاعُوا انْصِرافًا إلى ما خَرَجُوا إلَيْهِ ولا رُجُوعًا إلى ما أتَوْا مِنهُ بَلْ لَزِمُوا مَكانَهم لِزَوالِ العَقْلِ الإنْسانِيِّ مِنهم بِسَبَبِ المَسْخِ.
وكانَ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُقالَ: ولا رُجُوعًا، ولَكِنْ عَدَلَ إلى ولا يَرْجِعُونَ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ فَجُعِلَ قَوْلُهُ ولا يَرْجِعُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ما اسْتَطاعُوا ولَيْسَ عَطْفًا عَلى ”مُضِيًّا“ لِأنَّ فِعْلَ اسْتَطاعَ لا يَنْصِبُ الجُمَلَ. والتَّقْدِيرُ: فَما
صفحة ٥٣
مَضَوْا ولا رَجَعُوا، فَجَعَلْنا لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ وأرَحْنا مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ وتَرَكْناهم عِبْرَةً ومَوْعِظَةً لِمَن بَعْدَهم.
يس 36:68
﴿ومَن نُعَمِّرُهُ نَنْكُسْهُ في الخَلْقِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ قَدْ يُلَوَّحُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآيَةِ كالغَرِيبِ عَنِ السِّياقِ فَيَظُنُّ ظانٌّ أنَّها كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ انْتَقَلَ بِهِ غَرَضُ الحَدِيثِ عَنِ المُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمْ والإمْلاءِ لَهم إلى التَّذْكِيرِ بِأمْرٍ عَجِيبٍ مِن صُنْعِ اللَّهِ حَتّى يُخالُ أنَّ الَّذِي اقْتَضى وُقُوعَ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَوْقِعِ أنَّها نَزَلَتْ في تِباعِ نُزُولِ الآياتِ قَبْلَها لِسَبَبٍ اقْتَضى نُزُولَها. فَجَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَوْقِعَها مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى لا يُسْتَصْعَبُ عَلَيْها طَمْسُ أعْيُنِهِمْ ولا مَسْخُهم كَما غَيَّرَ خِلْقَةَ المُعَمَّرِينَ مِن قُوَّةٍ إلى ضَعْفٍ، فَيَكُونُ قِياسَ تَقْرِيبٍ مِن قَبِيلِ ما يُسَمّى في أُصُولِ الفِقْهِ بِالقِياسِ الخَفِيِّ وبِالأدْوَنِ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ في الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا إلَخْ لِأنّا قادِرُونَ عَلى قَلْبِ الأحْوالِ، ألا يَرَوْنَ كَيْفَ نُقَلِّبُ خَلْقَ الإنْسانِ فَنَجْعَلُهُ عَلى غَيْرِ ما خَلَقْناهُ أوَّلًا. وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ فَمَوْقِعُ واوِ العَطْفِ غَيْرُ شَدِيدِ الِانْتِظامِ.
وجَعَلَها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ واقِعَةً مَوْقِعَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المَكانِ البَعِيدِ، أيْ أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ مِن شَبابٍ إلى هَرَمٍ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهم بَعْدَ المَوْتِ فَهو أيْضًا قِياسُ تَقْرِيبٍ بِالخَفِيِّ وبِالأدْوَنِ.
ومِنهم مَن تَكَلَّمَ عَلَيْها مُعْرِضًا عَمّا قَبْلَها فَتَكَلَّمُوا عَلى مَعْناها وما فِيها مِنَ العِبْرَةِ ولَمْ يُبَيِّنُوا وجْهَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها.
ومِنهم مَن جَعَلَها لِقَطْعِ مَعْذِرَةِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنْ يَقُولُوا: ما لَبِثْنا في الدُّنْيا إلّا عَمْرًا قَلِيلًا ولَوْ عَمَّرْنا طَوِيلًا لَما كانَ مِنّا تَقْصِيرٌ، وهو بَعِيدٌ عَنْ مُقْتَضى قَوْلِهِ ﴿نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ﴾، وكُلُّ هَذِهِ التَّفاسِيرِ تَحُومُ حَوْلَ جَعْلِ الخَلْقِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ، أيْ في خِلْقَتِهِ أوْ في أثَرِ خَلْقِهِ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّفْسِيراتِ بَعِيدٌ عَنْ نَظْمِ الكَلامِ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي دَفَعَ
صفحة ٥٤
المُفَسِّرِينَ إلى ذَلِكَ هو ما ألِفَهُ النّاسُ مِن إطْلاقِ التَّعْمِيرِ عَلى طُولِ عُمْرِ المُعَمَّرِ، فَلَمّا تَأوَّلُوهُ بِهَذا المَعْنى ألْحَقُوا تَأْوِيلَ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ عَلى ما يُناسِبُ ذَلِكَ.
والوَجْهُ عِنْدِي أنَّ لِكَوْنِ جُمْلَةِ (ومَن نُعَمِّرْهُ) عَطَفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ [يس: ٦٧] فَهي جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةٍ شَرْطِيَّةٍ، فالمَعْطُوفُ عَلَيْها جُمْلَةُ شَرْطٍ امْتِناعِيٍّ والمَعْطُوفَةُ جُمْلَةُ شَرْطٍ تَعْلِيقِيٍّ، والجُمْلَةُ الأوْلى أفادَتْ إمْهالَهم والإمْلاءَ لَهم، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ أفادَتْ إنْذارَهَمْ بِعاقِبَةٍ غَيْرِ مَحْمُودَةٍ ووَعِيدَهم بِحُلُولِها بِهِمْ، أيْ إنْ كُنّا لَمْ نَمْسَخْهم ولَمْ نَطْمِسْ عَلى عُيُونِهِمْ فَقَدْ أبْقَيْناهم لِيَكُونُوا مَغْلُوبِينَ أذِلَّةً، فَمَعْنى ”ومَن نُعَمِّرْهُ“ مَن نُعَمِّرْهُ مِنهم.
فالتَّعْمِيرُ بِمَعْنى الإبْقاءِ، أيْ مَن نُبْقِيهِ مِنهم ولا نَسْتَأْصِلُهُ مِنهم، أيْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَهُ بَيْنَ الأُمَمِ ذَلِيلًا، فالتَّعْمِيرُ المُرادُ هُنا كالتَّعْمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]، بِأنَّ مَعْناها: ألَمْ نُبْقِكم مُدَّةً مِنَ الحَياةِ تَكْفِي المُتَأمِّلَ وهو المُقَدَّرُ بِقَوْلِهِ ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] .
ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْمِيرِ فِيها طُولَ الحَياةِ وإدْراكَ الهَرَمِ كالَّذِي في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ مِنَ المُعَمَّرِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بِجَمِيعِ أهْلِ النّارِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم، وقَدْ طُوِيَتْ في الكَلامِ جُمْلَةٌ تَقْدِيرُها: ولَوْ نَشاءُ لَأهْلَكْناهم، يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ ”مَن نُعَمِّرْهُ“ أيْ نُبْقِهِ حَيًّا.
والنَّكْسُ: حَقِيقَةُ قَلْبِ الأعْلى أسْفَلَ، أوْ ما يَقْرُبُ مِنَ الأسْفَلِ، قالَ تَعالى ﴿ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى الرُّجُوعِ مِن حالٍ حَسَنَةٍ إلى سَيِّئَةٍ، ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ نَكِسٌ، إذا كانَ ضَعِيفًا لا يُرْجى لِنَجْدَةٍ، وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَأنَّهُ مَنكُوسٌ في خَلائِقِ الرُّجُولَةِ، فَـ ”نُنَكِّسْهُ“ مَجازٌ لا مَحالَةَ إلّا أنّا نَجْعَلُهُ مَجازًا في الإذْلالِ بَعْدَ العِزَّةِ وسُوءِ الحالَةِ بَعْدَ زَهْرَتِها.
والخَلْقُ: مَصْدَرُ خَلَقَهُ، ويُطْلَقُ عَلى المَخْلُوقِ كَثِيرًا وعَلى النّاسِ. وفي «حَدِيثِ عائِشَةَ عَنِ الكَنِيسَةِ الَّتِي رَأتْها أُمُّ سَلَمَةَ وأُمُّ حَبِيبَةَ بِالحَبَشَةِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ وأُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ»، أيْ شَرارُ النّاسِ.
ووُقُوعُ حَرْفِ (في) هُنا يُعَيِّنُ أنَّ الخَلْقَ هَنا مُرادٌ بِهِ النّاسُ، أيْ تَجْعَلُهُ دَلِيلًا في
صفحة ٥٥
النّاسِ وهو ألْيَقُ بِهَذا المَعْنى دُونَ مَعْنًى في خِلْقَتِهِ؛ لِأنَّ الإنْكاسَ لا يَكُونُ في أصْلِ الخِلْقَةِ إنَّما يَكُونُ في أطْوارِها، وقَدْ فُسِّرَ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩] أيْ زادَكم قُوَّةً وسَعَةً في الأُمَمِ، أيْ في الأُمَمِ المُعاصِرَةِ لَكم، فَهو وعِيدٌ لَهم ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ عَلى المُشْرِكِينَ ووُقُوعِهِمْ تَحْتَ نُفُوذِ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا رُءُوسًا لِلْمُشْرِكِينَ في الجاهِلِيَّةِ صارُوا في أسْرِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وفي حُكْمِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ فَكانُوا يُدْعَوْنَ الطُّلَقاءَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”نَنْكُسْهُ“ بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وضَمِّ الكافِ مُخَفَّفَةً، وهو مُضارِعُ نَكَسَ المُتَعَدِّي، يُقالُ: نَكَسَ رَأْسَهُ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةً مُضارِعُ نَكَّسَ المُضاعَفِ.
وفُرِّعَ عَلى الجُمَلِ الشَّرْطِيَّةِ الثَّلاثِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها قَوْلُهُ (﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾) اسْتِئْنافًا إنْكارِيًّا لِعَدَمِ تَأمُّلِهِمْ في عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لَوْ شاءَ لَطَمَسَ عَلى أعْيُنِهِمْ ولَوْ شاءَ لَمَسْخَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإنَّهم لا يَسْلَمُونَ مِن نَصْرِهِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ قاسُوا مَقْدُوراتِ اللَّهِ تَعالى المُشاهَدَةِ لَهم لَعَلِمُوا أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى مَسْخِهِمْ فَما دَونَهُ مِن إنْزالِ مَكْرُوهٍ بِهِمْ أيْسَرُ مِن قُدْرَتِهِ عَلى إيجادِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ المُتْقَنَةِ، وأنَّهُ لا حائِلَ بَيْنَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِمَسْخِهِمْ إلّا عَدَمُ إرادَتِهِ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها فَإنَّ القُدْرَةَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُوراتِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ عَنْ أبِي عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ وهو خِطابٌ لِلَّذِينِ وُجِّهَ إلَيْهِمْ قَوْلُهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] الآيَةَ. وقَرَأ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ لِأنَّ تِلْكَ الجُمَلَ الشَّرْطِيَّةَ لا تَخْلُوا مِن مُواجَهَةٍ بِالتَّعْرِيضِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم فَكانُوا أحْرِياءَ أنْ يَعْقِلُوا مَغْزاها ويَتَفَهَّمُوا مَعْناها.
يس 36:69
﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَرْجِعُ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦]
صفحة ٥٦
فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ، فَإعْراضُهم عَنِ القُرْآنِ لَهُ أحْوالٌ شَتّى: بَعْضُها بِعَدَمِ الِامْتِثالِ لِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] الآيَةَ، وبَعْضُها بِالتَّكْذِيبِ لِما يُنْذِرُهم بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨]، ومِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ طَعْنُهم في آياتِ القُرْآنِ بِأقْوالٍ شَتّى مِنها قَوْلُهم: هو قَوْلُ شاعِرٍ، فَلَمّا تَصَدّى القُرْآنُ لِإبْطالِ تَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدٍ بِالجَزاءِ يَوْمَ الحَشْرِ بِما تَعاقَبَ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ عادَ هُنا إلى طَعْنِهِمْ في ألْفاظِ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] يَقْتَضِي لا مَحالَةَ أنَّهم يَقُولُونَ: القُرْآنُ شِعْرٌ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ويَكُونُ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى تَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا والنَّبِيءُ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ شاعِرًا دُونَ التَّعَرُّضِ لِتَنْزِيهٍ عَنْ أنْ يَكُونَ ساحِرًا، أوْ أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا لِأنَّ الغَرَضَ الرَّدُّ عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا قَصَدَ إبْطالَ مَقالاتٍ لَهم في القُرْآنِ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] .
وضَمِيرُ ”عَلَّمْناهُ“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الرَّدِّ ولَيْسَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ.
وبُنِيَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ بِنَفْيِ تَعْلِيمِ النَّبِيءِ ﷺ الشِّعْرَ لِما في ذَلِكَ مِن إفادَةِ أنَّ القُرْآنَ مُعَلَّمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَيْسَ بِشاعِرٍ.
وانْتَصَبَ الشِّعْرُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ ”عَلَّمْناهُ“ وهَذا الفِعْلُ مِن أفْعالِ العِلْمِ، ومُجَرَّدُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ غالِبًا نَحْوُ عَلِمَ المَسْألَةَ. ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، فَإذا دَخَلَهُ التَّضْعِيفُ صارَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ فَقَطِ اعْتِدادًا بِأنَّ مَجْرَدَهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [المائدة: ١١٠] في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ يس
صفحة ٥٧
وهَذِهِ تَفْرِقَةٌ في الِاسْتِعْمالِ مَوْكُولَةٌ إلى اخْتِبارِ أهْلِ اللِّسانِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ في بابِ تَعْدِيَةِ أفْعالِ القُلُوبِ إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنَّ أصْلَهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ.
فَتَقْدِيرُ المَعْنى: نَحْنُ عَلَّمْناهُ القُرْآنَ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، فالقُرْآنُ مُوحًى إلَيْهِ بِتَعْلِيمٍ مِنَ اللَّهِ والَّذِي أوْحى بِهِ إلَيْهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإذَنْ فالمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِنَ الشِّعْرِ في شَيْءٍ، فَكانَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ لِأنَّها انْتِقالٌ مِنَ اللّازِمِ إلى المَلْزُومِ.
ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، أيْ لَيْسَ الَّذِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا وما هو بِشِعْرٍ.
والتَّعْلِيمُ هُنا بِمَعْنى الوَحْيِ، أيْ وما أوْحَيْنا إلَيْهِ الشَّعْرَ فَقَدْ أُطْلِقَ التَّعْلِيمُ عَلى الوَحْيِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٤] وقالَ ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] .
وكَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ شِعْرًا والشِّعْرُ كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى لَهُ مَعانٍ مُناسِبَةٌ لِأغْراضِهِ الَّتِي أكْثَرَها هَزْلٌ وفُكاهَةٌ، فَأيْنَ الوَزْنُ في القُرْآنِ، وأيْنَ التَّقْفِيَةُ، وأيْنَ المَعانِي الَّتِي يُنْتِجُها الشِّعْرُ، وأيْنَ نَظْمُ كَلامِهِمْ مِن نَظْمِهِ، وأسالِيبُهم مِن أسالِيبِهِ. ومِنَ العَجِيبِ في الوَقاحَةِ أنْ يَصْدُرَ عَنْ أهْلِ اللِّسانِ والبَلاغَةِ قَوْلٌ مِثْلُ هَذا ولا شُبْهَةَ لَهم فِيهِ بِحالٍ، فَما قَوْلُهم ذَلِكَ إلّا بُهْتانٌ.
وما بُنِيَ عَلَيْهِ أُسْلُوبُ القُرْآنِ مِن تَساوِي الفَواصِلِ لا يَجْعَلُها مُوازِيَةً لِلْقَوافِي كَما يَعْلَمُهُ أهْلُ الصِّناعَةِ مِنهم وكُلُّ مَن زاوَلَ مَبادِئَ القافِيَةِ مِنَ المُوَلَّدِينَ، ولا أحْسَبُهم دَعَوْهُ شِعْرًا إلّا تَعَجُّلًا في الإبْطالِ، أوْ تَمْوِيهًا عَلى الإغْفالِ، فَأشاعُوا في العَرَبِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ شاعِرٌ، وأنَّ كَلامَهُ شِعْرٌ، ويَنْبَنِي عَنْ هَذا الظَّنِّ خَبَرُ أُنَيْسِ بْنِ جُنادَةَ الغِفارِيِّ أخِي أبِي ذَرٍّ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصّامِتِ، يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ قالا ”«قالَ أبُو ذَرٍّ لِأخِيهِ: ارْكَبْ إلى هَذا الوادِي فاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ واسْتَمِعْ مِن قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فانْطَلَقَ الأخُ حَتّى قَدِمَ وسَمِعَ مِن قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبِي
صفحة ٥٨
ذَرٍّ» فَقالَ لَهُ: رَأيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وكَلامًا ما هو بِالشِّعْرِ. قالَ أبُو ذَرٍّ: فَما يَقُولُ النّاسُ ؟ قالَ: يَقُولُونَ شاعِرٌ، كاهِنٌ، ساحِرٌ. وكانَ أُنَيْسٌ أحَدَ الشُّعَراءِ، قالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ فَما هو بِقَوْلِهِمْ، ولَقَدْ وضَعْتُ قَوْلَهُ عَلى أقِرّاءَ الشِّعْرِ فَما يَلْتَئِمُ عَلى لِسانِ أحَدٍ بَعْدِي أنَّهُ شِعْرُ، واللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ وإنَّهم لَكاذِبُونَ“ ثُمَّ اقْتَصَّ الخَبَرَ عَنْ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ، ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في أوَّلِ البَعْثَةِ.
ومِثْلُهُ خَبَرُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ الَّذِي رَواهُ البَيْهَقِيُّ وابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا عِنْدَ حُضُورِ المَوْسِمِ لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهم: إنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَرِدُ عَلَيْكم فَأجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا لا يُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَقالُوا: نَقُولُ كاهِنٌ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ، وما هو بِزَمْزَمَتِهِ ولا بِسَجْعِهِ، قالُوا: نَقُولُ مَجْنُونٌ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِمَجْنُونٍ ولا بِخَنْقِهِ ولا وسْوَسَتِهِ، فَذَكَرَ تَرَدُّدَهم في وصْفِهِ إلى أنْ قالُوا: نَقُولُ شاعِرٌ ؟ قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قَدْ عَرَفْتُ الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَبْسُوطَهُ ومَقْبُوضَهُ، وما هو بِشاعِرٍ.
إلى آخَرِ القِصَّةِ.
فَمَعْنى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾: وما أوْحَيْنا إلَيْهِ شِعْرًا عَلَّمْناهُ إيّاهُ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ في طَبْعِ النَّبِيءِ القُدْرَةَ عَلى نَظْمِ الشِّعْرِ لِأنَّ تِلْكَ المَقْدِرَةِ لا تُسَمّى تَعْلِيمًا حَتّى تُنْفى وإنَّما يُسْتَفادُ هَذا المَعْنى مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ وما يَنْبَغِي لَهُ وسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ شِعْرًا، وهَذا الِاقْتِضاءُ قَدْ أثارَ مَطاعِنَ لِلْمُلْحِدِينَ ومَشاكِلَ لِلْمُخْلِصِينَ، وإذْ وُجِدَتْ فِقْراتٌ قُرْآنِيَّةٌ اسْتَكْمَلَتْ مِيزانَ بُحُورٍ مِنَ البُحُورِ الشِّعْرِيَّةِ، بَعْضُها يَلْتَئِمُ مِنهُ بَيْتٌ كامِلٌ، وبَعْضُها يَتَقَوَّمُ مِنهُ مِصْراعٌ واحِدٌ، ولا تَجِدُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ الشِّعْرِ في آيِ القُرْآنِ.
وقَدْ أثارَ المَلاحِدَةُ هَذا المَطْعَنَ، فَلِذَلِكَ تَعَرَّضَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ إلى دَحْضِهِ في كِتابِهِ (إعْجازُ القُرْآنِ) وتَبِعَهُ السَّكّاكِيُّ وأبُو بَكْرٍ بْنُ العَرَبِيِّ، فَأمّا الباقِلّانِيُّ فانْفَرَدَ بَرَدٍّ قالَ فِيهِ: إنَّ البَيْتَ المُفْرَدَ لا يُسَمّى شِعْرا بَلْهَ المِصْراعَ الَّذِي لا يَكْمُلُ بِهِ بَيْتٌ. وأرى هَذا غَيْرَ كافٍ هُنا لِأنَّهُ لا يُسْتَطاعُ نَفْيُ مُسَمّى الشِّعْرِ عَنِ المِصْراعِ وأوْلى عَنِ البَيْتِ.
صفحة ٥٩
وقالَ السَّكّاكِيُّ في آخِرِ مَبْحَثِ رَدِّ المَطاعِنِ عَنِ القُرْآنِ مِن كِتابِ مِفْتاحِ العُلُومِ إنَّهم يَقُولُونَ أنْتُمْ في دَعْواكم أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ وقَدْ عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جاهِلٌ لا يَعْلَمُ ما الشِّعْرُ، وإمّا أنَّ الدَّعْوى باطِلَةٌ، وذَلِكَ أنَّ في قُرْآنِكم وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ لا يَكُونَ فِيما عَلَّمَهُ شِعْرٌ.
ثُمَّ إنَّ في القُرْآنِ مِن جَمِيعِ البُحُورِ شِعْرًا:
فَمِنَ الطَّوِيلِ مِن صَحِيحِهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
ومِن مَخْرُومِهِ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] .
ومِن بَحْرِ المَدِيدِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] .
ومِن بَحْرِ الوافِرِ ﴿ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] .
ومِن بَحْرِ الكامِلِ:
﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
ومِن بَحْرِ الهَزَجِ مِن مَخْرُومِهِ:
﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١] .
ومِن بَحْرِ الرَّجَزِ ﴿دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] .
ومِن بَحْرِ الرَّمَلِ ﴿وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣]، ونَظِيرُهُ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] .
ومِن بَحْرِ المُنْسَرِحِ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢] .
ومِن بَحْرِ الخَفِيفِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ١] ومِنهُ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ونَحْوُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ [هود: ٧٨] .
ومِن بَحْرِ المُضارِعِ مِن مَخْرُومِهِ ﴿يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢] .
ومِن بَحْرِ المُقْتَضَبِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] .
ومِن بَحْرِ المُتَقارِبِ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] .
صفحة ٦٠
فَيُقالُ لَهم مِن قَبْلِ النَّظَرِ فِيما أوْرَدُوهُ: هَلْ حَرَّفُوا بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ حَرَكَةً أوْ حَرْفًا أمْ لا. وقَبْلَ أنْ نَنْظُرَ هَلْ راعَوْا أحْكامَ عِلْمِ العَرُوضِ في الأعارِيضِ والضُّرُوبِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها أمْ لا. ومِن قَبْلِ أنْ نَنْظُرَ هَلْ عَمِلُوا بِالمَنصُورِ مِنَ المَذْهَبَيْنِ في مَعْنى الشِّعْرِ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ أمْ لا، يَعْنِي المَذْهَبَيْنِ مَذْهَبَ الَّذِينَ قالُوا لا يَكُونُ الشِّعْرُ شِعْرًا إلّا إذا قَصَدَ قائِلُهُ أنْ يَكُونَ مَوْزُونًا، ومَذْهَبَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ تَعَمُّدَ الوَزْنِ لَيْسَ بِواجِبٍ بَلْ يَكْفِي أنْ يُلْفى مَوْزُونًا ولَوْ بِدُونِ قَصْدِ قائِلِهِ لِلْوَزْنِ وقَدْ نُصِرَ المَذْهَبُ الأوَّلِ ) يا سُبْحانَ اللَّهِ قَدَّرُوا جَمِيعَ ذَلِكَ أشْعارًا، ألَيْسَ يَصِحُّ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى ما أوْرَدْتُمُوهُ لِقِلَّتِهِ، ويُجْرى ذَلِكَ القُرْآنُ مَجْرى الخالِي عَنِ الشِّعْرِ فَيُقالُ بِناءً عَلى مُقْتَضى البَلاغَةِ: (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾) اهـ. كَلامُهُ، وقَدْ نَحا بِهِ نَحْوَ أمْرَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّ ما وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ الكَلامِ المُتَّزِنِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنهُ الوَزْنَ، فَلا يَكُونُ شِعْرًا عَلى رَأْيِ الأكْثَرِ مِنِ اشْتِراطِ القَصْدِ إلى الوَزْنِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْبَأْ بِاتِّزانِهِ.
الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا عَدَمَ اشْتِراطِ القَصْدِ فَإنَّ نَفْيَ كَوْنِ القُرْآنِ شِعْرًا جَرى عَلى الغالِبِ. فَلا يُعَدُّ قائِلُهُ كاذِبًا ولا جاهِلًا فَلا يُنافِي اليَقِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
ومالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى أنَّ ما تَكَلَّفُوهُ مِنِ اسْتِخْراجِ فِقْراتٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى مَوازِينَ شِعْرِيَّةٍ لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِأحَدِ أُمُورٍ مِثْلِ بَتْرِ الكَلامِ أوْ زِيادَةِ ساكِنٍ أوْ نَقْصِ حَرْفٍ أوْ حَرْفَيْنِ، وذَكَرَ أمْثِلَةً لِذَلِكَ في بَعْضِها ما لا يَتِمُّ لَهُ فَراجِعْهُ.
ولا مَحِيصَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِاشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى فِقْراتٍ مُتَّزِنَةٍ يَلْتَئِمُ مِنها بَيْتٌ أوْ مِصْراعٌ، فَأمّا ما يَقِلُّ عَنْ بَيْتٍ فَهو كالعَدَمِ إذْ لا يَكُونُ الشِّعْرُ أقَلَّ مِن بَيَّتٍ، ولا فائِدَةَ في الِاسْتِنْكارِ مِن جَلْبِ ما يُلْفى مُتَّزِنًا فَإنَّ وُقُوعَ ما يُساوِي بَيْتًا تامًّا مِن بَحْرٍ مِن بُحُورِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ ولَوْ نادِرًا أوْ مُزْحَفًا أوْ مُعَلًّا كافٍ في بَقاءِ الإشْكالِ، فَلا حاجَةَ إلى ما سَلَكَ ابْنُ العَرَبِيِّ في رَدِّهِ ولا كِفايَةَ لِما سَلَكَهُ السَّكّاكِيُّ في كِتابِهِ، لِأنَّ المَرْدُودَ عَلَيْهِمْ في سَعَةٍ مِنَ الأخْذِ بِما يُلائِمُ نِحْلَتَهم مِن أضْعَفِ المَذاهِبِ في حَقِيقَةِ الشِّعْرِ وفي زِحافِهِ وعِلَلِهِ. وبَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّ الباقِلّانِيَّ والسَّكّاكِيَّ لَمْ يَغُوصا
صفحة ٦١
عَلى اقْتِلاعِ ما يُثِيرُهُ الجَوابُ الثّانِي في كَلامِهِما بِعَدَمِ القَصْدِ إلى الوَزْنِ، مِن لُزُومِ خَفاءِ ذَلِكَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلِماذا لا تُجْعَلُ في مَوْضِعِ تِلْكَ الفِقْراتِ المُتَّزِنَةِ فِقْراتٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الِاتِّزانِ.
ولَمْ أرَ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والخائِضِينَ في وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ التَّصَدِّي لِاقْتِلاعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدْ مَضَتْ عَلَيْها مِنَ الزَّمانِ بُرْهَةٌ، وكُنْتُ غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِتِلْكَ الرُّدُودِ ولا أرْضاها، وأراها غَيْرَ بالِغَةٍ مِن غايَةِ خَيْلِ الحَلْبَةِ مُنْتَهاها.
فالَّذِي بَدا لِي أنْ نَقُولَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِأفْصَحِ لُغاتِ البَشَرِ الَّتِي تَواضَعُوا واصْطَلَحُوا عَلَيْها ولَوْ أنَّ كَلامًا كانَ أفْصَحَ مِن كَلامِ العَرَبِ، أوْ أُمَّةً كانَتْ أسْلَمَ طِباعًا مِنَ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لاخْتارَها اللَّهُ لِظُهُورِ أفْضَلِ الشَّرائِعِ وأشْرَفِ الرُّسُلِ وأعَزِّ الكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ القُرْآنَ جاءَ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ فَكانَتْ تَراكِيبُهُ ومَعانِيها بِالِغَيْنِ حَدًّا يَقْصُرُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ مِن بُلَغائِهِمْ عَلى مَبْلَغِ ما تَتَّسِعُ لَهُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ فَصاحَةً وبَلاغَةً فَإذا كانَتْ نِهايَةُ مُقْتَضى الحالِ في مَقامٍ مِن مَقاماتِ الكَلامِ تَتَطَلَّبُ لِإيفاءِ حَقِّ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ ألْفاظًا وتَرْكِيبًا ونَظْمًا فاتَّفَقَ أنْ كانَ لِمَجْمُوعِ حَرَكاتِها وسُكُوناتِها ما كانَ جارِيًا عَلى مِيزانِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ في أعارِيضِهِ وضُرُوبِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكَلامُ مَعْدُودًا مِنَ الشِّعْرِ لَوْ وقَعَ مِثْلُهُ في كَلامٍ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَوُقُوعُهُ في كَلامِ البَشَرِ قَدْ لا يَتَفَطَّنُ إلَيْهِ قائِلُهُ ولَوْ تَفَطَّنَ لَهُ لَمْ يَعْسُرْ تَغْيِيرُهُ لِأنَّهُ لَيْسَ غايَةَ ما يَقْتَضِيِهِ الحالُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قُصِدَ بِهِ تَفَنُّنًّا في الإتْيانِ بِكَلامٍ ظاهِرُهُ نَثْرٌ وتَفْكِيكُهُ نَظْمٌ.
فَأمّا وُقُوعُهُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَخارِجٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ وُقُوعُهُ في كَلامٍ أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ .
الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبْدِيلُ ذَلِكَ المَجْمُوعِ مِنَ الألْفاظِ بِغَيْرِهِ لِأنَّ مَجْمُوعَها هو جَمِيعُ ما اقْتَضاهُ الحالُ وبَلَغَ حَدَّ الإعْجازِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ أنْ يَشْتَمِلَ الكَلامُ المُوحى بِهِ مِن عِنْدِهِ عَلى مُحَسِّنِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّثْرِ والنَّظْمِ لِأنَّهُ أرادَ تَنْزِيهَ كَلامِهِ عَنْ شائِبَةِ الشِّعْرِ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ في أنْ لا يَكُونَ القُرْآنُ مِنَ الشِّعْرِ مَعَ أنَّ المُتَحَدَّيْنَ بِهِ بُلَغاءُ العَرَبِ
صفحة ٦٢
وجُلُّهم شُعَراءُ، وبَلاغَتُهم مُودَعَةٌ في أشْعارِهِمْ هي الجَمْعُ بَيْنَ الإعْجازِ وبَيْنَ سَدِّ بابِ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهم لَوْ جاءَ القُرْآنُ عَلى مَوازِينِ الشِّعْرِ، وهي شِبْهُ الغَلَطِ أوِ المُغالَطَةِ بِعَدِّهِمُ النَّبِيءَ ﷺ في زُمْرَةِ الشُّعَراءِ، فَيَحْسَبُ جُمْهُورُ النّاسِ الَّذِينَ لا تَغُوصُ مُدْرِكاتُهم عَلى الحَقائِقِ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَيْسَ بِالعَجِيبِ، وأنَّ هَذا الجائِيَ بِهِ لَيْسَ بِنَبِيءٍ ولَكِنَّهُ شاعِرٌ، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ بِكَوْنِهِ مِن نَوْعِ كَلامِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ جُحُودًا لِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصِّنْفِ المُسَمّى بِالشِّعْرِ بَلْ هو فائِقٌ عَلى شِعْرِهِمْ في مَحاسِنِهِ البَلاغِيَّةِ ولَيْسَ هو في أُسْلُوبِ الشِّعْرِ بِالأوْزانِ الَّتِي ألِفُوها بَلْ هو في أُسْلُوبِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والذِّكْرِ.
ولَقَدْ ظَهَرَتْ حِكْمَةُ عَلّامِ الغُيُوبِ في ذَلِكَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ ابْتَدَرُوا إلى الطَّعْنِ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ في الرَّسُولِ: هو شاعِرٌ، أيْ أنَّ كَلامَهُ شِعْرٌ حَتّى أفاقَهم مِن غَفْلَتِهِمْ عُقَلاؤُهم مِثْلُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ، وأُنَيْسِ بْنِ جُنادَةَ، وحَتّى قَرَعَهُمُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ .
وبَعْدَ هَذا فَإنَّ إقامَةَ الشِّعْرِ لا يَخْلُو الشّاعِرُ فِيها مِن أنْ يَتَصَرَّفَ في تَرْتِيبِ الكَلامِ تاراتٍ بِما لا تَقْضِيهِ الفَصاحَةُ، مِثْلُ ما وقَعَ لِبَعْضِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ، ومِثْلُ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الحالِ، فَيُعْتَذَرُ لِوُقُوعِهِ بِعُذْرِ الضَّرُورَةِ الشِّعْرِيَّةِ، فَإذا جاءَ القُرْآنُ شِعْرًا قَصَّرَ في بَعْضِ المَواضِعِ عَنْ إيفاءِ جَمِيعِ مُقْتَضى الحالِ حَقَّهُ. وسَنَذْكُرُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (وما يَنْبَغِي لَهُ) وُجُوهًا يَنْطَبِقُ مُعْظَمُها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، وقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ وما يَنْبَغِي لَهُ، يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ وما يَنْبَغِي لَهُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ قُصِدَ مِنها اتِّباعُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ المُوحى بِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ شَعَرا بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ شاعِرًا فِيما يَقُولُهُ مِن غَيْرِ ما أوْحى بِهِ إلَيْهِ أيْ فَطَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ عَلى النَّفْرَةِ بَيْنَ مَلَكَتِهِ الكَلامِيَّةِ والمَلَكَةِ الشّاعِرِيَّةِ، أيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَلَكَةَ أصْحابِ قَرْضِ الشِّعْرِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَقْطَعَ مِن نُفُوسِ المُكَذِّبِينَ دابِرَ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ شاعِرًا
صفحة ٦٣
وأنْ يَكُونَ قُرْآنَهُ شِعْرًا؛ لِيَتَّضِحَ بُهْتانُهم عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن تَمْيِيزٍ لِلْكَلامِ، وكَثِيرٌ ما هم بَيْنَ العَرَبِ رِجالِهِمْ، وكَثِيرٌ مِن نِسائِهِمْ غَيْرَ زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ونَظِيراتِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وضَمِيرُ يَنْبَغِي عائِدٌ إلى الشِّعْرِ، وضَمِيرُ لَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) وهو الظّاهِرُ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ فِعْلُ عَلَّمْناهُ فَجَعَلَ جُمْلَةَ ”وما يَنْبَغِي لَهُ“ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ .
ومَعْنى وما يَنْبَغِي لَهُ ما يَتَأتّى لَهُ الشِّعْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] . فَأصْلُ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ لِلْبَغْيِ، أيِ الطَّلَبِ المُلِحِّ. ثُمَّ غَلَبَ في مَعْنى يَتَأتّى ويَسْتَقِيمُ فَتُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ وصارَ يَنْبَغِي بِمَعْنى يَتَأتّى يُقالُ: لا يَنْبَغِي كَذا، أيْ لا يَتَأتّى. قالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوَعَهً عَلى الِانْفِعالِ: كَضَرَبَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ: كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَأْتِي في مُطاوِعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
ومَعْنى كَوْنِ الشِّعْرِ لا يَنْبَغِي لَهُ: أنَّ قَوْلَ الشِّعْرِ لا يَنْبَغِي لَهُ لِأنَّ الشِّعْرَ صِنْفٌ مِنَ القَوْلِ لَهُ مَوازِينُ وقَوافٍ، فالنَّبِيءُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ قَرْضِ الشِّعْرِ وتَأْلِيفِهِ، أيْ لَيْسَتْ مِن طِباعِ مَلَكَتِهِ إقامَةُ المَوازِينِ الشِّعْرِيَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُنْشِدُ الشِّعْرَ لِأنَّ إنْشادَ الشِّعْرِ غَيْرُ تَعَلُّمِهِ، وكَمْ مِن راوِيَةٍ لِلْأشْعارِ ومِن نُقّادٍ لِلشِّعْرِ لا يَسْتَطِيعُ قَوْلَ الشِّعْرِ وكَذَلِكَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ قَدِ انْتَقَدَ الشِّعْرَ، ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ مَزايا فِيهِ، وفَضَّلَ بَعْضِ الشُّعَراءِ عَلى بَعْضٍ وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَقْرِضُ شِعْرًا. ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ فَغَفَلَ عَنْ تَرْتِيبِ كَلِماتِهِ فَرُبَّما اخْتَلَّ وزْنُهُ في إنْشادِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ المُنافَرَةِ بَيْنَ مَلَكَةِ بَلاغَتِهِ ومَلَكَةِ الشُّعَراءِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا فَرُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مَوْزُونًا.
صفحة ٦٤
هَذا مِن جانِبِ نَظْمِ الشِّعْرِ ومَوازِينِهِ، وكَذَلِكَ أيْضًا جانِبُ قِوامِ الشِّعْرِ ومَعانِيهِ فَإنَّ لِلشِّعْرِ طَرائِقَ مِنَ الأغْراضِ كالغَزَلِ والنَّسِيبِ والهِجاءِ والمَدِيحِ والمُلَحِ، وطَرائِقٌ مِنَ المَعانِي كالمُبالَغَةِ البالِغَةِ حَدَّ الإغْراقِ وكادِّعاءِ الشّاعِرِ أحْوالًا لِنَفْسِهِ في غَرامٍ أوْ سَيْرٍ أوْ شَجاعَةٍ هو خُلُوٌّ مِن حَقائِقِها فَهو كَذِبٌ مُغْتَفَرٌ في صِناعَةِ الشِّعْرِ. وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأرْفَعِ مَقامٍ لِكِمالاتِ النَّفْسِ، وهو مَقامُ أعْظَمِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ فَلَوْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَضَ الشِّعْرَ ولَمْ يَأْتِ في شِعْرِهِ بِأفانِينِ الشُّعَراءِ لَعُدَّ غَضاضَةً في شِعْرِهِ وكانَتْ تِلْكَ الغَضاضَةُ داعِيَةً لِلتَّناوُلِ مِن حُرْمَةِ كَمالِهِ في أنْفُسِ قَوْمِهِ يَسْتَوِي فِيها العَدُوُّ والصَّدِيقُ.
عَلى أنَّ الشُّعَراءَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانَتْ أحْوالُهم غَيْرَ مُرْضِيَّةٍ عِنْدَ أهْلِ المُرُوءَةِ والشَّرَفِ لِما فِيهِمْ مِنَ الخَلاعَةِ والإقْبالِ عَلى السُّكْرِ والمَيْسِرِ والنِّساءِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وحَسْبُكَ ما هو مَعْلُومٌ مِن قَضِيَّةِ خَلْعِ حُجْرٍ الكِنِدِيِّ ابْنَهُ امْرَأ القَيْسِ وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] الآيَةَ. فَلَوْ جاءَ الرَّسُولُ ﷺ بِالشِّعْرِ أوْ قالَهُ لَرَمَقَهُ النّاسُ بِالعَيْنِ الَّتِي لا يُرْمَقُ بِها قَدْرُهُ الجَلِيلُ وشَرَفُهُ النَّبِيلُ، والمَنظُورُ إلَيْهِ في هَذا الشَّأْنِ هو الغالِبُ الشّائِعُ وإلّا فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» وقالَ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
. .
فَتَنْزِيهُ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ قَوْلِ الشِّعْرِ مِن قَبِيلِ حِياطَةِ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ وحِياطَةِ مَقامِ الرِّسالَةِ مِثْلِ تَنْزِيهِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الكِتابَةِ.
قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ مِن عَيْبِ الشِّعْرِ كَما لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ
صفحة ٦٥
تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] مِن عَيْبِ الخَطِّ. فَلَمّا لَمْ تَكُنِ الأُمِّيَّةُ مِن عَيْبِ الخَطِّ كَذَلِكَ لا يَكُونُ نَفْيُ النَّظْمِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن عَيْبِ الشِّعْرِ.
ومِن أجْلِ ما لِلشِّعْرِ مِنَ الفائِدَةِ والتَّأْثِيرِ في شُيُوعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ أنْ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ حَسّانَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ بِقَوْلِهِ، وأظْهَرَ اسْتِحْسانَهُ لِكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ حِينَ أنْشَدَهُ القَصِيدَةَ المَشْهُورَةَ: بانَتْ سُعادُ.
والقَوْلُ في ما صَدَرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن كَلامٍ مَوْزُونٍ مِثْلِ قَوْلِهِ يَوْمَ أُحُدٍ: «
أنا النَّبِيءُ لا كَـذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» كالقَوْلِ فِيما وقَعَ في القُرْآنِ مِن شَبِيهِ ذَلِكَ مِمّا بَيَّناهُ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ نَفْيَ الشِّعْرِ عَنِ القُرْآنِ يُثِيرُ سُؤالَ مُتَطَلِّبٍ يَقُولُ: فَما هو هَذا الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ﴾ جَوابًا لِطِلْبَتِهِ.
وضَمِيرُ هو لِلْقُرْآنِ المَفْهُومِ مِن (عَلَّمْناهُ) أيْ لَيْسَ الَّذِي عَلِمَهُ الرَّسُولُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا أوْ لِلشَّيْءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ، أيْ لِلشَّيْءِ المُعَلَّمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”عَلَّمْناهُ“، أوْ عائِدٌ إلى ”ذِكْرٌ“ في قَوْلِهِ ”إلّا ذِكْرٌ“ الَّذِي هو مُبِينٌ، وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً لِأنَّ البَيانَ كالبَدَلِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ القَصْرِ المُفِيدَةِ قَصْرَ الوَحْيِ عَلى الِاتِّصافِ بِالكَوْنِ ذِكْرًا وقُرْآنًا قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ لَيْسَ شِعْرًا كَما زَعَمْتُمْ. فَحَصَلَ بِذَلِكَ اسْتِقْصاءُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَأْكِيدُ قَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، وتَقْرِيرٌ لِلْمَعْنى المُقَدَّرِ المُكْنى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ مِن كَوْنِ القُرْآنِ شِعْرًا.
والذِّكْرُ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وصْفًا لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنْ هو إلّا مُذَكِّرٌ لِلنّاسِ بِما نَسُوهُ أوْ جَهِلُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الذِّكْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والقُرْآنُ: مَصْدَرُ قَرَأ، أُطْلِقَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ الكَلامِ المَقْرُوءِ، وتَقَدَّمَ
صفحة ٦٦
بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] في سُورَةِ يُونُسَ.
والمُبِينُ: هو الَّذِي أبانَ المُرادَ بِفَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ (لِتُنْذِرَ) بِقَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِهِ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ شِعْرًا ثُمَّ إثْباتِ كَوْنِهِ ذِكْرًا وقُرْآنًا، أيْ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَها في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: وما عَلَّمْناهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا مُبِينًا لِيُنْذِرَ أوْ لِتُنْذِرَ. وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُتَعَلِّقًا بِـ (مُبِينٌ) .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”لِتُنْذِرَ“ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغائِبِ، أيِ النَّبِيءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ.
والإنْذارُ: الإعْلامُ بِأمْرٍ يَجِبُ التَّوَقِّي مِنهُ.
والحَيُّ: مُسْتَعارٌ لِكامِلِ العَقْلِ وصائِبِ الإدْراكِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ مَن كانَ مِثْلَ الحَيِّ في الفَهْمِ.
والمَقْصُودُ مِنهُ: التَّعْرِيضُ بِالمُعْرِضِينَ عَنْ دَلائِلِ القُرْآنِ بِأنَّهم كالأمْواتِ لا انْتِفاعَ لَهم بِعُقُولِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] .
وعَطَفَ ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ عَلى لِتُنْذِرَ عَطْفَ المَجازِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ اللّامَ النّائِبَ عَنْهُ واوُ العَطْفِ لَيْسَ لامَ تَعْلِيلٍ ولَكِنَّهُ لامُ عاقِبَةٍ كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . فَفي الواوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي هَذِهِ العاقِبَةِ احْتِباكٌ إذِ التَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا فَيَزْدادَ حَياةً بِامْتِثالِ الذِّكْرِ فَيَفُوزَ، ومَن كانَ مَيِّتًا فَلا يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ فَيَحِقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، كَما قالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الإنْذارِ ابْتِداءً والبِشارَةِ آخِرًا.
والقَوْلُ: هو الكَلامُ الَّذِي جاءَ بِوَعِيدِ مَن لَمْ يَنْتَفِعُوا بِإنْذارِ الرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٦٧
والمُرادُ بِالكافِرِينَ: المُسْتَمِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ وإلّا فَإنَّ الإنْذارَ ورَدَ لِلنّاسِ أوَّلَ ما ورَدَ وكُلُّهم مِنَ الكافِرِينَ.
وفِي ذِكْرِ الإنْذارِ عَوْدٌ إلى ما ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، وبِذَلِكَ تَمَّ مَجالُ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ شُبَهِهِمْ، وتَخْلُصُ إلى الِامْتِنانِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] إلى قَوْلِهِ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] .
يس 36:70
﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَرْجِعُ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [يس: ٤٦]
صفحة ٥٦
فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ، فَإعْراضُهم عَنِ القُرْآنِ لَهُ أحْوالٌ شَتّى: بَعْضُها بِعَدَمِ الِامْتِثالِ لِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الخَيْرِ مَعَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ وهو قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] الآيَةَ، وبَعْضُها بِالتَّكْذِيبِ لِما يُنْذِرُهم بِهِ مِنَ الجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨]، ومِن إعْراضِهِمْ عَنْهُ طَعْنُهم في آياتِ القُرْآنِ بِأقْوالٍ شَتّى مِنها قَوْلُهم: هو قَوْلُ شاعِرٍ، فَلَمّا تَصَدّى القُرْآنُ لِإبْطالِ تَكْذِيبِهِمْ بِوَعِيدٍ بِالجَزاءِ يَوْمَ الحَشْرِ بِما تَعاقَبَ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ عادَ هُنا إلى طَعْنِهِمْ في ألْفاظِ القُرْآنِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] يَقْتَضِي لا مَحالَةَ أنَّهم يَقُولُونَ: القُرْآنُ شِعْرٌ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يس: ٤٨] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والغَرَضِ عَلى الغَرَضِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ويَكُونُ الواوُ لِلِاسْتِئْنافِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ هُنا عَلى تَنْزِيهِ القُرْآنِ عَنْ أنْ يَكُونَ شِعْرًا والنَّبِيءُ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ شاعِرًا دُونَ التَّعَرُّضِ لِتَنْزِيهٍ عَنْ أنْ يَكُونَ ساحِرًا، أوْ أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا لِأنَّ الغَرَضَ الرَّدُّ عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا قَصَدَ إبْطالَ مَقالاتٍ لَهم في القُرْآنِ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] .
وضَمِيرُ ”عَلَّمْناهُ“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن مَقامِ الرَّدِّ ولَيْسَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ.
وبُنِيَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ بِنَفْيِ تَعْلِيمِ النَّبِيءِ ﷺ الشِّعْرَ لِما في ذَلِكَ مِن إفادَةِ أنَّ القُرْآنَ مُعَلَّمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَيْسَ بِشاعِرٍ.
وانْتَصَبَ الشِّعْرُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ ”عَلَّمْناهُ“ وهَذا الفِعْلُ مِن أفْعالِ العِلْمِ، ومُجَرَّدُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ غالِبًا نَحْوُ عَلِمَ المَسْألَةَ. ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، فَإذا دَخَلَهُ التَّضْعِيفُ صارَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ فَقَطِ اعْتِدادًا بِأنَّ مَجْرَدَهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [المائدة: ١١٠] في سُورَةِ العُقُودِ، وقَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ يس
صفحة ٥٧
وهَذِهِ تَفْرِقَةٌ في الِاسْتِعْمالِ مَوْكُولَةٌ إلى اخْتِبارِ أهْلِ اللِّسانِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الكافِيَةِ في بابِ تَعْدِيَةِ أفْعالِ القُلُوبِ إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنَّ أصْلَهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ.
فَتَقْدِيرُ المَعْنى: نَحْنُ عَلَّمْناهُ القُرْآنَ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، فالقُرْآنُ مُوحًى إلَيْهِ بِتَعْلِيمٍ مِنَ اللَّهِ والَّذِي أوْحى بِهِ إلَيْهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإذَنْ فالمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ مِنَ الشِّعْرِ في شَيْءٍ، فَكانَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ لِأنَّها انْتِقالٌ مِنَ اللّازِمِ إلى المَلْزُومِ.
ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، أيْ لَيْسَ الَّذِي عَلَّمْناهُ إيّاهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا وما هو بِشِعْرٍ.
والتَّعْلِيمُ هُنا بِمَعْنى الوَحْيِ، أيْ وما أوْحَيْنا إلَيْهِ الشَّعْرَ فَقَدْ أُطْلِقَ التَّعْلِيمُ عَلى الوَحْيِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٤] وقالَ ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] .
وكَيْفَ يَكُونُ القُرْآنُ شِعْرًا والشِّعْرُ كَلامٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى لَهُ مَعانٍ مُناسِبَةٌ لِأغْراضِهِ الَّتِي أكْثَرَها هَزْلٌ وفُكاهَةٌ، فَأيْنَ الوَزْنُ في القُرْآنِ، وأيْنَ التَّقْفِيَةُ، وأيْنَ المَعانِي الَّتِي يُنْتِجُها الشِّعْرُ، وأيْنَ نَظْمُ كَلامِهِمْ مِن نَظْمِهِ، وأسالِيبُهم مِن أسالِيبِهِ. ومِنَ العَجِيبِ في الوَقاحَةِ أنْ يَصْدُرَ عَنْ أهْلِ اللِّسانِ والبَلاغَةِ قَوْلٌ مِثْلُ هَذا ولا شُبْهَةَ لَهم فِيهِ بِحالٍ، فَما قَوْلُهم ذَلِكَ إلّا بُهْتانٌ.
وما بُنِيَ عَلَيْهِ أُسْلُوبُ القُرْآنِ مِن تَساوِي الفَواصِلِ لا يَجْعَلُها مُوازِيَةً لِلْقَوافِي كَما يَعْلَمُهُ أهْلُ الصِّناعَةِ مِنهم وكُلُّ مَن زاوَلَ مَبادِئَ القافِيَةِ مِنَ المُوَلَّدِينَ، ولا أحْسَبُهم دَعَوْهُ شِعْرًا إلّا تَعَجُّلًا في الإبْطالِ، أوْ تَمْوِيهًا عَلى الإغْفالِ، فَأشاعُوا في العَرَبِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ شاعِرٌ، وأنَّ كَلامَهُ شِعْرٌ، ويَنْبَنِي عَنْ هَذا الظَّنِّ خَبَرُ أُنَيْسِ بْنِ جُنادَةَ الغِفارِيِّ أخِي أبِي ذَرٍّ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصّامِتِ، يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ قالا ”«قالَ أبُو ذَرٍّ لِأخِيهِ: ارْكَبْ إلى هَذا الوادِي فاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيءٌ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّماءِ واسْتَمِعْ مِن قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فانْطَلَقَ الأخُ حَتّى قَدِمَ وسَمِعَ مِن قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أبِي
صفحة ٥٨
ذَرٍّ» فَقالَ لَهُ: رَأيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ وكَلامًا ما هو بِالشِّعْرِ. قالَ أبُو ذَرٍّ: فَما يَقُولُ النّاسُ ؟ قالَ: يَقُولُونَ شاعِرٌ، كاهِنٌ، ساحِرٌ. وكانَ أُنَيْسٌ أحَدَ الشُّعَراءِ، قالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ فَما هو بِقَوْلِهِمْ، ولَقَدْ وضَعْتُ قَوْلَهُ عَلى أقِرّاءَ الشِّعْرِ فَما يَلْتَئِمُ عَلى لِسانِ أحَدٍ بَعْدِي أنَّهُ شِعْرُ، واللَّهِ إنَّهُ لَصادِقٌ وإنَّهم لَكاذِبُونَ“ ثُمَّ اقْتَصَّ الخَبَرَ عَنْ إسْلامِ أبِي ذَرٍّ، ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ كانَ في أوَّلِ البَعْثَةِ.
ومِثْلُهُ خَبَرُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ الَّذِي رَواهُ البَيْهَقِيُّ وابْنُ إسْحاقَ أنَّهُ جَمَعَ قُرَيْشًا عِنْدَ حُضُورِ المَوْسِمِ لِيَتَشاوَرُوا في أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ لَهم: إنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَرِدُ عَلَيْكم فَأجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا لا يُكَذِّبُ بَعْضُكم بَعْضًا، فَقالُوا: نَقُولُ كاهِنٌ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِكاهِنٍ، وما هو بِزَمْزَمَتِهِ ولا بِسَجْعِهِ، قالُوا: نَقُولُ مَجْنُونٌ ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما هو بِمَجْنُونٍ ولا بِخَنْقِهِ ولا وسْوَسَتِهِ، فَذَكَرَ تَرَدُّدَهم في وصْفِهِ إلى أنْ قالُوا: نَقُولُ شاعِرٌ ؟ قالَ: ما هو بِشاعِرٍ، قَدْ عَرَفْتُ الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ وهَزَجَهُ وقَرِيضَهُ ومَبْسُوطَهُ ومَقْبُوضَهُ، وما هو بِشاعِرٍ.
إلى آخَرِ القِصَّةِ.
فَمَعْنى ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾: وما أوْحَيْنا إلَيْهِ شِعْرًا عَلَّمْناهُ إيّاهُ.
ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ في طَبْعِ النَّبِيءِ القُدْرَةَ عَلى نَظْمِ الشِّعْرِ لِأنَّ تِلْكَ المَقْدِرَةِ لا تُسَمّى تَعْلِيمًا حَتّى تُنْفى وإنَّما يُسْتَفادُ هَذا المَعْنى مِن قَوْلِهِ بَعْدَهُ وما يَنْبَغِي لَهُ وسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وقَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ شِعْرًا، وهَذا الِاقْتِضاءُ قَدْ أثارَ مَطاعِنَ لِلْمُلْحِدِينَ ومَشاكِلَ لِلْمُخْلِصِينَ، وإذْ وُجِدَتْ فِقْراتٌ قُرْآنِيَّةٌ اسْتَكْمَلَتْ مِيزانَ بُحُورٍ مِنَ البُحُورِ الشِّعْرِيَّةِ، بَعْضُها يَلْتَئِمُ مِنهُ بَيْتٌ كامِلٌ، وبَعْضُها يَتَقَوَّمُ مِنهُ مِصْراعٌ واحِدٌ، ولا تَجِدُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، فَهَذا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ الشِّعْرِ في آيِ القُرْآنِ.
وقَدْ أثارَ المَلاحِدَةُ هَذا المَطْعَنَ، فَلِذَلِكَ تَعَرَّضَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ إلى دَحْضِهِ في كِتابِهِ (إعْجازُ القُرْآنِ) وتَبِعَهُ السَّكّاكِيُّ وأبُو بَكْرٍ بْنُ العَرَبِيِّ، فَأمّا الباقِلّانِيُّ فانْفَرَدَ بَرَدٍّ قالَ فِيهِ: إنَّ البَيْتَ المُفْرَدَ لا يُسَمّى شِعْرا بَلْهَ المِصْراعَ الَّذِي لا يَكْمُلُ بِهِ بَيْتٌ. وأرى هَذا غَيْرَ كافٍ هُنا لِأنَّهُ لا يُسْتَطاعُ نَفْيُ مُسَمّى الشِّعْرِ عَنِ المِصْراعِ وأوْلى عَنِ البَيْتِ.
صفحة ٥٩
وقالَ السَّكّاكِيُّ في آخِرِ مَبْحَثِ رَدِّ المَطاعِنِ عَنِ القُرْآنِ مِن كِتابِ مِفْتاحِ العُلُومِ إنَّهم يَقُولُونَ أنْتُمْ في دَعْواكم أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ وقَدْ عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جاهِلٌ لا يَعْلَمُ ما الشِّعْرُ، وإمّا أنَّ الدَّعْوى باطِلَةٌ، وذَلِكَ أنَّ في قُرْآنِكم وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وأنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ لا يَكُونَ فِيما عَلَّمَهُ شِعْرٌ.
ثُمَّ إنَّ في القُرْآنِ مِن جَمِيعِ البُحُورِ شِعْرًا:
فَمِنَ الطَّوِيلِ مِن صَحِيحِهِ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
ومِن مَخْرُومِهِ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] .
ومِن بَحْرِ المَدِيدِ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧] .
ومِن بَحْرِ الوافِرِ ﴿ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] .
ومِن بَحْرِ الكامِلِ:
﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] .
ومِن بَحْرِ الهَزَجِ مِن مَخْرُومِهِ:
﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١] .
ومِن بَحْرِ الرَّجَزِ ﴿دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: ١٤] .
ومِن بَحْرِ الرَّمَلِ ﴿وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ [سبإ: ١٣]، ونَظِيرُهُ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] .
ومِن بَحْرِ المُنْسَرِحِ ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢] .
ومِن بَحْرِ الخَفِيفِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدَعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ١] ومِنهُ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ونَحْوُهُ ﴿قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ [هود: ٧٨] .
ومِن بَحْرِ المُضارِعِ مِن مَخْرُومِهِ ﴿يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢] .
ومِن بَحْرِ المُقْتَضَبِ ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] .
ومِن بَحْرِ المُتَقارِبِ ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣] .
صفحة ٦٠
فَيُقالُ لَهم مِن قَبْلِ النَّظَرِ فِيما أوْرَدُوهُ: هَلْ حَرَّفُوا بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ حَرَكَةً أوْ حَرْفًا أمْ لا. وقَبْلَ أنْ نَنْظُرَ هَلْ راعَوْا أحْكامَ عِلْمِ العَرُوضِ في الأعارِيضِ والضُّرُوبِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُها أمْ لا. ومِن قَبْلِ أنْ نَنْظُرَ هَلْ عَمِلُوا بِالمَنصُورِ مِنَ المَذْهَبَيْنِ في مَعْنى الشِّعْرِ عَلى نَحْوِ ما سَبَقَ أمْ لا، يَعْنِي المَذْهَبَيْنِ مَذْهَبَ الَّذِينَ قالُوا لا يَكُونُ الشِّعْرُ شِعْرًا إلّا إذا قَصَدَ قائِلُهُ أنْ يَكُونَ مَوْزُونًا، ومَذْهَبَ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ تَعَمُّدَ الوَزْنِ لَيْسَ بِواجِبٍ بَلْ يَكْفِي أنْ يُلْفى مَوْزُونًا ولَوْ بِدُونِ قَصْدِ قائِلِهِ لِلْوَزْنِ وقَدْ نُصِرَ المَذْهَبُ الأوَّلِ ) يا سُبْحانَ اللَّهِ قَدَّرُوا جَمِيعَ ذَلِكَ أشْعارًا، ألَيْسَ يَصِحُّ بِحُكْمِ التَّغْلِيبِ أنْ لا يُلْتَفَتَ إلى ما أوْرَدْتُمُوهُ لِقِلَّتِهِ، ويُجْرى ذَلِكَ القُرْآنُ مَجْرى الخالِي عَنِ الشِّعْرِ فَيُقالُ بِناءً عَلى مُقْتَضى البَلاغَةِ: (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾) اهـ. كَلامُهُ، وقَدْ نَحا بِهِ نَحْوَ أمْرَيْنِ: أحَدِهِما: أنَّ ما وقَعَ في القُرْآنِ مِنَ الكَلامِ المُتَّزِنِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنهُ الوَزْنَ، فَلا يَكُونُ شِعْرًا عَلى رَأْيِ الأكْثَرِ مِنِ اشْتِراطِ القَصْدِ إلى الوَزْنِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْبَأْ بِاتِّزانِهِ.
الثّانِي: إنْ سَلَّمْنا عَدَمَ اشْتِراطِ القَصْدِ فَإنَّ نَفْيَ كَوْنِ القُرْآنِ شِعْرًا جَرى عَلى الغالِبِ. فَلا يُعَدُّ قائِلُهُ كاذِبًا ولا جاهِلًا فَلا يُنافِي اليَقِينَ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَّمَهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
ومالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ إلى أنَّ ما تَكَلَّفُوهُ مِنِ اسْتِخْراجِ فِقْراتٍ مِنَ القُرْآنِ عَلى مَوازِينَ شِعْرِيَّةٍ لا يَسْتَقِيمُ إلّا بِأحَدِ أُمُورٍ مِثْلِ بَتْرِ الكَلامِ أوْ زِيادَةِ ساكِنٍ أوْ نَقْصِ حَرْفٍ أوْ حَرْفَيْنِ، وذَكَرَ أمْثِلَةً لِذَلِكَ في بَعْضِها ما لا يَتِمُّ لَهُ فَراجِعْهُ.
ولا مَحِيصَ مِنَ الِاعْتِرافِ بِاشْتِمالِ القُرْآنِ عَلى فِقْراتٍ مُتَّزِنَةٍ يَلْتَئِمُ مِنها بَيْتٌ أوْ مِصْراعٌ، فَأمّا ما يَقِلُّ عَنْ بَيْتٍ فَهو كالعَدَمِ إذْ لا يَكُونُ الشِّعْرُ أقَلَّ مِن بَيَّتٍ، ولا فائِدَةَ في الِاسْتِنْكارِ مِن جَلْبِ ما يُلْفى مُتَّزِنًا فَإنَّ وُقُوعَ ما يُساوِي بَيْتًا تامًّا مِن بَحْرٍ مِن بُحُورِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ ولَوْ نادِرًا أوْ مُزْحَفًا أوْ مُعَلًّا كافٍ في بَقاءِ الإشْكالِ، فَلا حاجَةَ إلى ما سَلَكَ ابْنُ العَرَبِيِّ في رَدِّهِ ولا كِفايَةَ لِما سَلَكَهُ السَّكّاكِيُّ في كِتابِهِ، لِأنَّ المَرْدُودَ عَلَيْهِمْ في سَعَةٍ مِنَ الأخْذِ بِما يُلائِمُ نِحْلَتَهم مِن أضْعَفِ المَذاهِبِ في حَقِيقَةِ الشِّعْرِ وفي زِحافِهِ وعِلَلِهِ. وبَعْدَ ذَلِكَ فَإنَّ الباقِلّانِيَّ والسَّكّاكِيَّ لَمْ يَغُوصا
صفحة ٦١
عَلى اقْتِلاعِ ما يُثِيرُهُ الجَوابُ الثّانِي في كَلامِهِما بِعَدَمِ القَصْدِ إلى الوَزْنِ، مِن لُزُومِ خَفاءِ ذَلِكَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلِماذا لا تُجْعَلُ في مَوْضِعِ تِلْكَ الفِقْراتِ المُتَّزِنَةِ فِقْراتٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الِاتِّزانِ.
ولَمْ أرَ لِأحَدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والخائِضِينَ في وُجُوهِ إعْجازِ القُرْآنِ التَّصَدِّي لِاقْتِلاعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقَدْ مَضَتْ عَلَيْها مِنَ الزَّمانِ بُرْهَةٌ، وكُنْتُ غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِتِلْكَ الرُّدُودِ ولا أرْضاها، وأراها غَيْرَ بالِغَةٍ مِن غايَةِ خَيْلِ الحَلْبَةِ مُنْتَهاها.
فالَّذِي بَدا لِي أنْ نَقُولَ: إنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِأفْصَحِ لُغاتِ البَشَرِ الَّتِي تَواضَعُوا واصْطَلَحُوا عَلَيْها ولَوْ أنَّ كَلامًا كانَ أفْصَحَ مِن كَلامِ العَرَبِ، أوْ أُمَّةً كانَتْ أسْلَمَ طِباعًا مِنَ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لاخْتارَها اللَّهُ لِظُهُورِ أفْضَلِ الشَّرائِعِ وأشْرَفِ الرُّسُلِ وأعَزِّ الكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ.
ومَعْلُومٌ أنَّ القُرْآنَ جاءَ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ فَكانَتْ تَراكِيبُهُ ومَعانِيها بِالِغَيْنِ حَدًّا يَقْصُرُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ مِن بُلَغائِهِمْ عَلى مَبْلَغِ ما تَتَّسِعُ لَهُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ فَصاحَةً وبَلاغَةً فَإذا كانَتْ نِهايَةُ مُقْتَضى الحالِ في مَقامٍ مِن مَقاماتِ الكَلامِ تَتَطَلَّبُ لِإيفاءِ حَقِّ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ ألْفاظًا وتَرْكِيبًا ونَظْمًا فاتَّفَقَ أنْ كانَ لِمَجْمُوعِ حَرَكاتِها وسُكُوناتِها ما كانَ جارِيًا عَلى مِيزانِ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ في أعارِيضِهِ وضُرُوبِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكَلامُ مَعْدُودًا مِنَ الشِّعْرِ لَوْ وقَعَ مِثْلُهُ في كَلامٍ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَوُقُوعُهُ في كَلامِ البَشَرِ قَدْ لا يَتَفَطَّنُ إلَيْهِ قائِلُهُ ولَوْ تَفَطَّنَ لَهُ لَمْ يَعْسُرْ تَغْيِيرُهُ لِأنَّهُ لَيْسَ غايَةَ ما يَقْتَضِيِهِ الحالُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ قُصِدَ بِهِ تَفَنُّنًّا في الإتْيانِ بِكَلامٍ ظاهِرُهُ نَثْرٌ وتَفْكِيكُهُ نَظْمٌ.
فَأمّا وُقُوعُهُ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَخارِجٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ وُقُوعُهُ في كَلامٍ أوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ .
الثّانِي: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبْدِيلُ ذَلِكَ المَجْمُوعِ مِنَ الألْفاظِ بِغَيْرِهِ لِأنَّ مَجْمُوعَها هو جَمِيعُ ما اقْتَضاهُ الحالُ وبَلَغَ حَدَّ الإعْجازِ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ أنْ يَشْتَمِلَ الكَلامُ المُوحى بِهِ مِن عِنْدِهِ عَلى مُحَسِّنِ الجَمْعِ بَيْنَ النَّثْرِ والنَّظْمِ لِأنَّهُ أرادَ تَنْزِيهَ كَلامِهِ عَنْ شائِبَةِ الشِّعْرِ. واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ في أنْ لا يَكُونَ القُرْآنُ مِنَ الشِّعْرِ مَعَ أنَّ المُتَحَدَّيْنَ بِهِ بُلَغاءُ العَرَبِ
صفحة ٦٢
وجُلُّهم شُعَراءُ، وبَلاغَتُهم مُودَعَةٌ في أشْعارِهِمْ هي الجَمْعُ بَيْنَ الإعْجازِ وبَيْنَ سَدِّ بابِ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهم لَوْ جاءَ القُرْآنُ عَلى مَوازِينِ الشِّعْرِ، وهي شِبْهُ الغَلَطِ أوِ المُغالَطَةِ بِعَدِّهِمُ النَّبِيءَ ﷺ في زُمْرَةِ الشُّعَراءِ، فَيَحْسَبُ جُمْهُورُ النّاسِ الَّذِينَ لا تَغُوصُ مُدْرِكاتُهم عَلى الحَقائِقِ أنَّ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ لَيْسَ بِالعَجِيبِ، وأنَّ هَذا الجائِيَ بِهِ لَيْسَ بِنَبِيءٍ ولَكِنَّهُ شاعِرٌ، فَكانَ القُرْآنُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ العَرَبِ بِكَوْنِهِ مِن نَوْعِ كَلامِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ جُحُودًا لِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصِّنْفِ المُسَمّى بِالشِّعْرِ بَلْ هو فائِقٌ عَلى شِعْرِهِمْ في مَحاسِنِهِ البَلاغِيَّةِ ولَيْسَ هو في أُسْلُوبِ الشِّعْرِ بِالأوْزانِ الَّتِي ألِفُوها بَلْ هو في أُسْلُوبِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والذِّكْرِ.
ولَقَدْ ظَهَرَتْ حِكْمَةُ عَلّامِ الغُيُوبِ في ذَلِكَ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا القُرْآنَ ابْتَدَرُوا إلى الطَّعْنِ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ في الرَّسُولِ: هو شاعِرٌ، أيْ أنَّ كَلامَهُ شِعْرٌ حَتّى أفاقَهم مِن غَفْلَتِهِمْ عُقَلاؤُهم مِثْلُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ، وأُنَيْسِ بْنِ جُنادَةَ، وحَتّى قَرَعَهُمُ القُرْآنُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ .
وبَعْدَ هَذا فَإنَّ إقامَةَ الشِّعْرِ لا يَخْلُو الشّاعِرُ فِيها مِن أنْ يَتَصَرَّفَ في تَرْتِيبِ الكَلامِ تاراتٍ بِما لا تَقْضِيهِ الفَصاحَةُ، مِثْلُ ما وقَعَ لِبَعْضِ الشُّعَراءِ مِنَ التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ، ومِثْلُ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الحالِ، فَيُعْتَذَرُ لِوُقُوعِهِ بِعُذْرِ الضَّرُورَةِ الشِّعْرِيَّةِ، فَإذا جاءَ القُرْآنُ شِعْرًا قَصَّرَ في بَعْضِ المَواضِعِ عَنْ إيفاءِ جَمِيعِ مُقْتَضى الحالِ حَقَّهُ. وسَنَذْكُرُ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (وما يَنْبَغِي لَهُ) وُجُوهًا يَنْطَبِقُ مُعْظَمُها عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، وقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ وما يَنْبَغِي لَهُ، يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ وما يَنْبَغِي لَهُ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ قُصِدَ مِنها اتِّباعُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ المُوحى بِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ شَعَرا بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ شاعِرًا فِيما يَقُولُهُ مِن غَيْرِ ما أوْحى بِهِ إلَيْهِ أيْ فَطَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ عَلى النَّفْرَةِ بَيْنَ مَلَكَتِهِ الكَلامِيَّةِ والمَلَكَةِ الشّاعِرِيَّةِ، أيْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَلَكَةَ أصْحابِ قَرْضِ الشِّعْرِ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يَقْطَعَ مِن نُفُوسِ المُكَذِّبِينَ دابِرَ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ ﷺ شاعِرًا
صفحة ٦٣
وأنْ يَكُونَ قُرْآنَهُ شِعْرًا؛ لِيَتَّضِحَ بُهْتانُهم عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مِن تَمْيِيزٍ لِلْكَلامِ، وكَثِيرٌ ما هم بَيْنَ العَرَبِ رِجالِهِمْ، وكَثِيرٌ مِن نِسائِهِمْ غَيْرَ زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ونَظِيراتِها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وضَمِيرُ يَنْبَغِي عائِدٌ إلى الشِّعْرِ، وضَمِيرُ لَهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ في قَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) وهو الظّاهِرُ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ إلى القُرْآنِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ فِعْلُ عَلَّمْناهُ فَجَعَلَ جُمْلَةَ ”وما يَنْبَغِي لَهُ“ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ .
ومَعْنى وما يَنْبَغِي لَهُ ما يَتَأتّى لَهُ الشِّعْرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] . فَأصْلُ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ لِلْبَغْيِ، أيِ الطَّلَبِ المُلِحِّ. ثُمَّ غَلَبَ في مَعْنى يَتَأتّى ويَسْتَقِيمُ فَتُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ وصارَ يَنْبَغِي بِمَعْنى يَتَأتّى يُقالُ: لا يَنْبَغِي كَذا، أيْ لا يَتَأتّى. قالَ الطِّيبِيُّ: رُوِيَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوَعَهً عَلى الِانْفِعالِ: كَضَرَبَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ: كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَأْتِي في مُطاوِعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
ومَعْنى كَوْنِ الشِّعْرِ لا يَنْبَغِي لَهُ: أنَّ قَوْلَ الشِّعْرِ لا يَنْبَغِي لَهُ لِأنَّ الشِّعْرَ صِنْفٌ مِنَ القَوْلِ لَهُ مَوازِينُ وقَوافٍ، فالنَّبِيءُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ قَرْضِ الشِّعْرِ وتَأْلِيفِهِ، أيْ لَيْسَتْ مِن طِباعِ مَلَكَتِهِ إقامَةُ المَوازِينِ الشِّعْرِيَّةِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُنْشِدُ الشِّعْرَ لِأنَّ إنْشادَ الشِّعْرِ غَيْرُ تَعَلُّمِهِ، وكَمْ مِن راوِيَةٍ لِلْأشْعارِ ومِن نُقّادٍ لِلشِّعْرِ لا يَسْتَطِيعُ قَوْلَ الشِّعْرِ وكَذَلِكَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ قَدِ انْتَقَدَ الشِّعْرَ، ونَبَّهَ عَلى بَعْضِ مَزايا فِيهِ، وفَضَّلَ بَعْضِ الشُّعَراءِ عَلى بَعْضٍ وهو مَعَ ذَلِكَ لا يَقْرِضُ شِعْرًا. ورُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ فَغَفَلَ عَنْ تَرْتِيبِ كَلِماتِهِ فَرُبَّما اخْتَلَّ وزْنُهُ في إنْشادِهِ وذَلِكَ مِن تَمامِ المُنافَرَةِ بَيْنَ مَلَكَةِ بَلاغَتِهِ ومَلَكَةِ الشُّعَراءِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطَّرِدًا فَرُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ مَوْزُونًا.
صفحة ٦٤
هَذا مِن جانِبِ نَظْمِ الشِّعْرِ ومَوازِينِهِ، وكَذَلِكَ أيْضًا جانِبُ قِوامِ الشِّعْرِ ومَعانِيهِ فَإنَّ لِلشِّعْرِ طَرائِقَ مِنَ الأغْراضِ كالغَزَلِ والنَّسِيبِ والهِجاءِ والمَدِيحِ والمُلَحِ، وطَرائِقٌ مِنَ المَعانِي كالمُبالَغَةِ البالِغَةِ حَدَّ الإغْراقِ وكادِّعاءِ الشّاعِرِ أحْوالًا لِنَفْسِهِ في غَرامٍ أوْ سَيْرٍ أوْ شَجاعَةٍ هو خُلُوٌّ مِن حَقائِقِها فَهو كَذِبٌ مُغْتَفَرٌ في صِناعَةِ الشِّعْرِ. وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِأرْفَعِ مَقامٍ لِكِمالاتِ النَّفْسِ، وهو مَقامُ أعْظَمِ الرُّسُلِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ فَلَوْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَضَ الشِّعْرَ ولَمْ يَأْتِ في شِعْرِهِ بِأفانِينِ الشُّعَراءِ لَعُدَّ غَضاضَةً في شِعْرِهِ وكانَتْ تِلْكَ الغَضاضَةُ داعِيَةً لِلتَّناوُلِ مِن حُرْمَةِ كَمالِهِ في أنْفُسِ قَوْمِهِ يَسْتَوِي فِيها العَدُوُّ والصَّدِيقُ.
عَلى أنَّ الشُّعَراءَ في ذَلِكَ الزَّمانِ كانَتْ أحْوالُهم غَيْرَ مُرْضِيَّةٍ عِنْدَ أهْلِ المُرُوءَةِ والشَّرَفِ لِما فِيهِمْ مِنَ الخَلاعَةِ والإقْبالِ عَلى السُّكْرِ والمَيْسِرِ والنِّساءِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وحَسْبُكَ ما هو مَعْلُومٌ مِن قَضِيَّةِ خَلْعِ حُجْرٍ الكِنِدِيِّ ابْنَهُ امْرَأ القَيْسِ وقَدْ قالَ تَعالى ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] الآيَةَ. فَلَوْ جاءَ الرَّسُولُ ﷺ بِالشِّعْرِ أوْ قالَهُ لَرَمَقَهُ النّاسُ بِالعَيْنِ الَّتِي لا يُرْمَقُ بِها قَدْرُهُ الجَلِيلُ وشَرَفُهُ النَّبِيلُ، والمَنظُورُ إلَيْهِ في هَذا الشَّأْنِ هو الغالِبُ الشّائِعُ وإلّا فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» وقالَ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
. .
فَتَنْزِيهُ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ قَوْلِ الشِّعْرِ مِن قَبِيلِ حِياطَةِ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ وحِياطَةِ مَقامِ الرِّسالَةِ مِثْلِ تَنْزِيهِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ الكِتابَةِ.
قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ مِن عَيْبِ الشِّعْرِ كَما لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ
صفحة ٦٥
تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] مِن عَيْبِ الخَطِّ. فَلَمّا لَمْ تَكُنِ الأُمِّيَّةُ مِن عَيْبِ الخَطِّ كَذَلِكَ لا يَكُونُ نَفْيُ النَّظْمِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن عَيْبِ الشِّعْرِ.
ومِن أجْلِ ما لِلشِّعْرِ مِنَ الفائِدَةِ والتَّأْثِيرِ في شُيُوعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ أنْ أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ حَسّانَ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ بِقَوْلِهِ، وأظْهَرَ اسْتِحْسانَهُ لِكَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ حِينَ أنْشَدَهُ القَصِيدَةَ المَشْهُورَةَ: بانَتْ سُعادُ.
والقَوْلُ في ما صَدَرَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن كَلامٍ مَوْزُونٍ مِثْلِ قَوْلِهِ يَوْمَ أُحُدٍ: «
أنا النَّبِيءُ لا كَـذِبْ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» كالقَوْلِ فِيما وقَعَ في القُرْآنِ مِن شَبِيهِ ذَلِكَ مِمّا بَيَّناهُ آنِفًا.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ نَفْيَ الشِّعْرِ عَنِ القُرْآنِ يُثِيرُ سُؤالَ مُتَطَلِّبٍ يَقُولُ: فَما هو هَذا الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ﴾ جَوابًا لِطِلْبَتِهِ.
وضَمِيرُ هو لِلْقُرْآنِ المَفْهُومِ مِن (عَلَّمْناهُ) أيْ لَيْسَ الَّذِي عَلِمَهُ الرَّسُولُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا أوْ لِلشَّيْءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ، أيْ لِلشَّيْءِ المُعَلَّمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”عَلَّمْناهُ“، أوْ عائِدٌ إلى ”ذِكْرٌ“ في قَوْلِهِ ”إلّا ذِكْرٌ“ الَّذِي هو مُبِينٌ، وهَذا مِن مَواضِعِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً لِأنَّ البَيانَ كالبَدَلِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [المؤمنون: ٣٧] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ القَصْرِ المُفِيدَةِ قَصْرَ الوَحْيِ عَلى الِاتِّصافِ بِالكَوْنِ ذِكْرًا وقُرْآنًا قَصْرَ قَلْبٍ، أيْ لَيْسَ شِعْرًا كَما زَعَمْتُمْ. فَحَصَلَ بِذَلِكَ اسْتِقْصاءُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَأْكِيدُ قَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾، وتَقْرِيرٌ لِلْمَعْنى المُقَدَّرِ المُكْنى عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ مِن كَوْنِ القُرْآنِ شِعْرًا.
والذِّكْرُ: مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وصْفًا لِلْمُبالَغَةِ، أيْ إنْ هو إلّا مُذَكِّرٌ لِلنّاسِ بِما نَسُوهُ أوْ جَهِلُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الذِّكْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والقُرْآنُ: مَصْدَرُ قَرَأ، أُطْلِقَ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ الكَلامِ المَقْرُوءِ، وتَقَدَّمَ
صفحة ٦٦
بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] في سُورَةِ يُونُسَ.
والمُبِينُ: هو الَّذِي أبانَ المُرادَ بِفَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ (لِتُنْذِرَ) بِقَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) بِاعْتِبارِ ما اتَّصَلَ بِهِ مِن نَفْيِ كَوْنِهِ شِعْرًا ثُمَّ إثْباتِ كَوْنِهِ ذِكْرًا وقُرْآنًا، أيْ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَها في قُوَّةِ أنْ لَوْ قِيلَ: وما عَلَّمْناهُ إلّا ذِكْرًا وقُرْآنًا مُبِينًا لِيُنْذِرَ أوْ لِتُنْذِرَ. وجَعَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُتَعَلِّقًا بِـ (مُبِينٌ) .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”لِتُنْذِرَ“ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ (عَلَّمْناهُ) إلى ضَمِيرِ الخِطابِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغائِبِ، أيِ النَّبِيءِ الَّذِي عَلَّمْناهُ.
والإنْذارُ: الإعْلامُ بِأمْرٍ يَجِبُ التَّوَقِّي مِنهُ.
والحَيُّ: مُسْتَعارٌ لِكامِلِ العَقْلِ وصائِبِ الإدْراكِ، وهَذا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ مَن كانَ مِثْلَ الحَيِّ في الفَهْمِ.
والمَقْصُودُ مِنهُ: التَّعْرِيضُ بِالمُعْرِضِينَ عَنْ دَلائِلِ القُرْآنِ بِأنَّهم كالأمْواتِ لا انْتِفاعَ لَهم بِعُقُولِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] .
وعَطَفَ ﴿ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ عَلى لِتُنْذِرَ عَطْفَ المَجازِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ اللّامَ النّائِبَ عَنْهُ واوُ العَطْفِ لَيْسَ لامَ تَعْلِيلٍ ولَكِنَّهُ لامُ عاقِبَةٍ كاللّامِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] . فَفي الواوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وهَذا قَرِيبٌ مِنِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ. وفي هَذِهِ العاقِبَةِ احْتِباكٌ إذِ التَّقْدِيرُ: لِتُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا فَيَزْدادَ حَياةً بِامْتِثالِ الذِّكْرِ فَيَفُوزَ، ومَن كانَ مَيِّتًا فَلا يَنْتَفِعُ بِالإنْذارِ فَيَحِقَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، كَما قالَ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الإنْذارِ ابْتِداءً والبِشارَةِ آخِرًا.
والقَوْلُ: هو الكَلامُ الَّذِي جاءَ بِوَعِيدِ مَن لَمْ يَنْتَفِعُوا بِإنْذارِ الرَّسُولِ ﷺ .
صفحة ٦٧
والمُرادُ بِالكافِرِينَ: المُسْتَمِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ وإلّا فَإنَّ الإنْذارَ ورَدَ لِلنّاسِ أوَّلَ ما ورَدَ وكُلُّهم مِنَ الكافِرِينَ.
وفِي ذِكْرِ الإنْذارِ عَوْدٌ إلى ما ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦] فَهو كَرَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، وبِذَلِكَ تَمَّ مَجالُ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ وإبْطالِ شُبَهِهِمْ، وتَخْلُصُ إلى الِامْتِنانِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١] إلى قَوْلِهِ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٧٣] .
يس 36:71
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ أنِ انْقَضى إبْطالُ مَعاقِدِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ أخَذَ الكَلامُ يَتَطَرَّقُ غَرَضَ تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَيْفَ قابَلُوها بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ وأعْرَضُوا عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ واتَّخَذُوا لِعِبادَتِهِمْ آلِهَةً زَعْمًا بِأنَّها تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهم وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ الأنْعامَ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.
والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ شَواهِدَ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً كانَ الإنْكارُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فالإنْكارُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ المَذْكُوراتِ مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ بِتِلْكَ المُشاهَداتِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَتِها ورُؤْيَةِ أحْوالِها، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَجُمْلَةُ الفِعْلِ المُنْسَبِكِ بِالمَصْدَرِ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، أوِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِنها مَفْعُولٌ لِلرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وفِي خِلالِ هَذا الِامْتِنانِ إدْماجُ شَيْءٍ مِن دَلائِلَ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ في الخَلْقِ المُبْطِلَةِ لِإشْراكِهِمْ إيّاهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ”أنّا خَلَقْنا“ وقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ وقَوْلِهِ ”﴿وذَلَّلْناها﴾“ وقَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، لِأنَّ
صفحة ٦٨
مَعْناهُ: أوْدَعْنا لَهم في أضْراعِها ألْبانًا يَشْرَبُونَها وفي أبْدانِها أوْبارًا وأشْعارًا يَنْتَفِعُونَ بِها.
وقَوْلُهُ (لَهم) هو مَحَلُّ الِامْتِنانِ، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِ الإنْسانِ بِها تَكْرِمَةً لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتُعِيرَ عَمَلُ الأيْدِي الَّذِي هو المُتَعارَفُ في الصُّنْعِ إلى إيجادِ أُصُولِ الأجْناسِ بِدُونِ سابِقِ مَنشَأٍ مِن تَوالُدٍ أوْ نَحْوِهِ فَأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى أيْدِي اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأُصُولَ لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْ سَبَبٍ كَقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فَـ (مِن) في قَوْلِهِ ”﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الأنْعامَ الَّتِي لَهم مُتَوَلَّدَةٌ مِن أُصُولٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى أُصُولِها الأصْلِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ آدَمَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الخَلْقِ بِأنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِتَقْرِيبِ شَأْنِ الخَلْقِ الخَفِيِّ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدِيَّ﴾ [ص: ٧٥]“، وقَرِينَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما تَقَرِّرَ مِن أنَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقاتِ، فَذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ القَطْعِيَّةِ في الإسْلامِ. فَأمّا الَّذِينَ رَأوُا الإمْساكَ عَنْ تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ فَسَمَّوْها المُتَشابِهَ وإنَّما أرادُوا أنَّنا لَمْ نَصِلْ إلى حَقِيقَةِ ما نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالكُنْهِ، وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوها بِطَرِيقَةِ المَجازِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ تَأْوِيلَها تَقْرِيبٌ وإساغَةٌ لِغُصَصِ العِبارَةِ. فَأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِظَواهِرِها فَباعِثُهم فَرْطُ الخَشْيَةِ، وكانَ لِلسَّلَفِ في ذَلِكَ عُذْرٌ لا يَسَعُ أهْلَ العُصُورِ الَّتِي فَشا فِيها الإلْحادُ والكُفْرُ فَهم عَنْ إقْناعِ السّائِلِينَ بِمَعْزِلٍ، وقَلَمُ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ مَغْزِلٌ.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَعْزُ. وفَرَّعَ عَلى خَلْقِها لِلنّاسِ أنَّهم لَها مالِكُونَ قادِرُونَ عَلى اسْتِعْمالِها فِيما يَشاءُونَ لِأنَّ المِلْكَ هو أنْواعُ التَّصَرُّفِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ المُعَمَّرِينَ:
أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَـرا
وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ التَّذْكِيرِ.
وتَقْدِيمُ (لَها) عَلى (مالِكُونَ) الَّذِي هو مُتَعَلِّقَهُ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ الأنْعامِ عِنْدَ
صفحة ٦٩
السّامِعِينَ قَبْلَ سَماعِ مُتَعَلِّقِهِ لِيَقَعَ كِلاهُما أمْكَنَ وقَعَ بِالتَّقْدِيمِ وبِالتَّشْوِيقِ، وقَضى بِذَلِكَ أيْضًا رَعْيُ الفاصِلَةِ.
وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: (فَهم مالِكُونَ)، إلى ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ فَيُفِيدَ بِتَعْظِيمِ المالِكِينَ لِلْأنْعامِ الكِنايَةَ عَنْ تَعْظِيمِ المِلْكِ، أيْ بِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، وأنَّ إضافَةَ الوَصْفِ المُشْبِهِ الفِعْلَ وإنْ كانَتْ لا تُكْسِبُ المُضافَ تَعْرِيفًا لَكِنَّها لا تَنْسَلِخُ مِنها خَصائِصُ التَّنْكِيرِ مِثْلَ التَّنْوِينِ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ ثَباتِ هَذا المِلْكِ ودَوامِهِ.
والتَّذْلِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ذَلِيلًا، والذَّلِيلُ ضِدُّ العَزِيزِ وهو الَّذِي لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. ومَعْنى تَذْلِيلِ الأنْعامِ خَلْقُ مَهانَتِها لِلْإنْسانِ في جِبِلَّتِها بِحَيْثُ لا تُقْدِمُ عَلى مُدافَعَةِ ما يُرِيدُ مِنها فَإنَّها ذاتُ قُواتٍ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِها، فَإذا زَجَرَها الإنْسانُ أوْ أمَرَها ذَلَّتْ لَهُ وطاعَتْ مَعَ كَراهِيَتِها ما يُرِيدُهُ مِنها، مِن سَيْرٍ أوْ حَمْلٍ أوْ حَلْبٍ أوْ أخْذِ نَسْلٍ أوْ ذَبْحٍ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .
والرَّكُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَرْكُوبُ مِثْلُ الحَلُوبُ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ يُقالُ: بَعِيرٌ رَكُوبٌ وناقَةٌ حَلُوبَةٌ.
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: وبَعْضُها غَيْرُ ذَلِكَ مِثْلُ الحَرْثِ والقِتالِ كَما قالَ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾ والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ: مَشْرُوباتٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ بِـ (مِن) عَلى ما حَقِّهِما أنْ يَتَأخَّرا عَنْهُما لِلْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ قَوْلُهُ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اسْتِفْهامًا تَعَجُّبِيًّا لِتَرْكِهِمْ تَكْرِيرَ الشُّكْرِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ العِدَّةِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ مُتَتالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ في كُلِّ حِينٍ، وإذْ قَدْ عُجِبَ مِن عَدَمِ
صفحة ٧٠
تَكْرِيرِهِمُ الشُّكْرَ كانَتْ إفادَةُ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ الشُّكْرِ مِن أصْلِهِ بِالفَحْوى ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] .
يس 36:72
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ أنِ انْقَضى إبْطالُ مَعاقِدِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ أخَذَ الكَلامُ يَتَطَرَّقُ غَرَضَ تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَيْفَ قابَلُوها بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ وأعْرَضُوا عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ واتَّخَذُوا لِعِبادَتِهِمْ آلِهَةً زَعْمًا بِأنَّها تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهم وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ الأنْعامَ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.
والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ شَواهِدَ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً كانَ الإنْكارُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فالإنْكارُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ المَذْكُوراتِ مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ بِتِلْكَ المُشاهَداتِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَتِها ورُؤْيَةِ أحْوالِها، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَجُمْلَةُ الفِعْلِ المُنْسَبِكِ بِالمَصْدَرِ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، أوِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِنها مَفْعُولٌ لِلرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وفِي خِلالِ هَذا الِامْتِنانِ إدْماجُ شَيْءٍ مِن دَلائِلَ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ في الخَلْقِ المُبْطِلَةِ لِإشْراكِهِمْ إيّاهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ”أنّا خَلَقْنا“ وقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ وقَوْلِهِ ”﴿وذَلَّلْناها﴾“ وقَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، لِأنَّ
صفحة ٦٨
مَعْناهُ: أوْدَعْنا لَهم في أضْراعِها ألْبانًا يَشْرَبُونَها وفي أبْدانِها أوْبارًا وأشْعارًا يَنْتَفِعُونَ بِها.
وقَوْلُهُ (لَهم) هو مَحَلُّ الِامْتِنانِ، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِ الإنْسانِ بِها تَكْرِمَةً لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتُعِيرَ عَمَلُ الأيْدِي الَّذِي هو المُتَعارَفُ في الصُّنْعِ إلى إيجادِ أُصُولِ الأجْناسِ بِدُونِ سابِقِ مَنشَأٍ مِن تَوالُدٍ أوْ نَحْوِهِ فَأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى أيْدِي اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأُصُولَ لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْ سَبَبٍ كَقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فَـ (مِن) في قَوْلِهِ ”﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الأنْعامَ الَّتِي لَهم مُتَوَلَّدَةٌ مِن أُصُولٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى أُصُولِها الأصْلِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ آدَمَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الخَلْقِ بِأنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِتَقْرِيبِ شَأْنِ الخَلْقِ الخَفِيِّ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدِيَّ﴾ [ص: ٧٥]“، وقَرِينَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما تَقَرِّرَ مِن أنَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقاتِ، فَذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ القَطْعِيَّةِ في الإسْلامِ. فَأمّا الَّذِينَ رَأوُا الإمْساكَ عَنْ تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ فَسَمَّوْها المُتَشابِهَ وإنَّما أرادُوا أنَّنا لَمْ نَصِلْ إلى حَقِيقَةِ ما نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالكُنْهِ، وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوها بِطَرِيقَةِ المَجازِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ تَأْوِيلَها تَقْرِيبٌ وإساغَةٌ لِغُصَصِ العِبارَةِ. فَأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِظَواهِرِها فَباعِثُهم فَرْطُ الخَشْيَةِ، وكانَ لِلسَّلَفِ في ذَلِكَ عُذْرٌ لا يَسَعُ أهْلَ العُصُورِ الَّتِي فَشا فِيها الإلْحادُ والكُفْرُ فَهم عَنْ إقْناعِ السّائِلِينَ بِمَعْزِلٍ، وقَلَمُ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ مَغْزِلٌ.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَعْزُ. وفَرَّعَ عَلى خَلْقِها لِلنّاسِ أنَّهم لَها مالِكُونَ قادِرُونَ عَلى اسْتِعْمالِها فِيما يَشاءُونَ لِأنَّ المِلْكَ هو أنْواعُ التَّصَرُّفِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ المُعَمَّرِينَ:
أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَـرا
وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ التَّذْكِيرِ.
وتَقْدِيمُ (لَها) عَلى (مالِكُونَ) الَّذِي هو مُتَعَلِّقَهُ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ الأنْعامِ عِنْدَ
صفحة ٦٩
السّامِعِينَ قَبْلَ سَماعِ مُتَعَلِّقِهِ لِيَقَعَ كِلاهُما أمْكَنَ وقَعَ بِالتَّقْدِيمِ وبِالتَّشْوِيقِ، وقَضى بِذَلِكَ أيْضًا رَعْيُ الفاصِلَةِ.
وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: (فَهم مالِكُونَ)، إلى ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ فَيُفِيدَ بِتَعْظِيمِ المالِكِينَ لِلْأنْعامِ الكِنايَةَ عَنْ تَعْظِيمِ المِلْكِ، أيْ بِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، وأنَّ إضافَةَ الوَصْفِ المُشْبِهِ الفِعْلَ وإنْ كانَتْ لا تُكْسِبُ المُضافَ تَعْرِيفًا لَكِنَّها لا تَنْسَلِخُ مِنها خَصائِصُ التَّنْكِيرِ مِثْلَ التَّنْوِينِ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ ثَباتِ هَذا المِلْكِ ودَوامِهِ.
والتَّذْلِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ذَلِيلًا، والذَّلِيلُ ضِدُّ العَزِيزِ وهو الَّذِي لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. ومَعْنى تَذْلِيلِ الأنْعامِ خَلْقُ مَهانَتِها لِلْإنْسانِ في جِبِلَّتِها بِحَيْثُ لا تُقْدِمُ عَلى مُدافَعَةِ ما يُرِيدُ مِنها فَإنَّها ذاتُ قُواتٍ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِها، فَإذا زَجَرَها الإنْسانُ أوْ أمَرَها ذَلَّتْ لَهُ وطاعَتْ مَعَ كَراهِيَتِها ما يُرِيدُهُ مِنها، مِن سَيْرٍ أوْ حَمْلٍ أوْ حَلْبٍ أوْ أخْذِ نَسْلٍ أوْ ذَبْحٍ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .
والرَّكُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَرْكُوبُ مِثْلُ الحَلُوبُ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ يُقالُ: بَعِيرٌ رَكُوبٌ وناقَةٌ حَلُوبَةٌ.
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: وبَعْضُها غَيْرُ ذَلِكَ مِثْلُ الحَرْثِ والقِتالِ كَما قالَ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾ والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ: مَشْرُوباتٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ بِـ (مِن) عَلى ما حَقِّهِما أنْ يَتَأخَّرا عَنْهُما لِلْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ قَوْلُهُ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اسْتِفْهامًا تَعَجُّبِيًّا لِتَرْكِهِمْ تَكْرِيرَ الشُّكْرِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ العِدَّةِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ مُتَتالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ في كُلِّ حِينٍ، وإذْ قَدْ عُجِبَ مِن عَدَمِ
صفحة ٧٠
تَكْرِيرِهِمُ الشُّكْرَ كانَتْ إفادَةُ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ الشُّكْرِ مِن أصْلِهِ بِالفَحْوى ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] .
يس 36:73
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ أنِ انْقَضى إبْطالُ مَعاقِدِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ أخَذَ الكَلامُ يَتَطَرَّقُ غَرَضَ تَذْكِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وكَيْفَ قابَلُوها بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ وأعْرَضُوا عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ وعِبادَتِهِ واتَّخَذُوا لِعِبادَتِهِمْ آلِهَةً زَعْمًا بِأنَّها تَنْفَعُهم وتَدْفَعُ عَنْهم وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِأنَّ الأنْعامَ مَخْلُوقَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ.
فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.
والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ شَواهِدَ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً كانَ الإنْكارُ جارِيًا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وإنْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً فالإنْكارُ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِتَنْزِيلِ مُشاهَدَتِهِمْ تِلْكَ المَذْكُوراتِ مَنزِلَةَ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ بِتِلْكَ المُشاهَداتِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ رُؤْيَتِها ورُؤْيَةِ أحْوالِها، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَجُمْلَةُ الفِعْلِ المُنْسَبِكِ بِالمَصْدَرِ سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِلرُّؤْيَةِ القَلْبِيَّةِ، أوِ المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِنها مَفْعُولٌ لِلرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وفِي خِلالِ هَذا الِامْتِنانِ إدْماجُ شَيْءٍ مِن دَلائِلَ الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ في الخَلْقِ المُبْطِلَةِ لِإشْراكِهِمْ إيّاهُ غَيْرَهُ في العِبادَةِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ ”أنّا خَلَقْنا“ وقَوْلِهِ ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ وقَوْلِهِ ”﴿وذَلَّلْناها﴾“ وقَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، لِأنَّ
صفحة ٦٨
مَعْناهُ: أوْدَعْنا لَهم في أضْراعِها ألْبانًا يَشْرَبُونَها وفي أبْدانِها أوْبارًا وأشْعارًا يَنْتَفِعُونَ بِها.
وقَوْلُهُ (لَهم) هو مَحَلُّ الِامْتِنانِ، أيْ لِأجْلِهِمْ، فَإنَّ جَمِيعَ المَنافِعِ الَّتِي عَلى الأرْضِ خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِ الإنْسانِ بِها تَكْرِمَةً لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتُعِيرَ عَمَلُ الأيْدِي الَّذِي هو المُتَعارَفُ في الصُّنْعِ إلى إيجادِ أُصُولِ الأجْناسِ بِدُونِ سابِقِ مَنشَأٍ مِن تَوالُدٍ أوْ نَحْوِهِ فَأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى أيْدِي اللَّهِ تَعالى لِظُهُورِ أنَّ تِلْكَ الأُصُولَ لَمْ تَتَوَلَّدْ عَنْ سَبَبٍ كَقَوْلِهِ ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]، فَـ (مِن) في قَوْلِهِ ”﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ لِأنَّ الأنْعامَ الَّتِي لَهم مُتَوَلَّدَةٌ مِن أُصُولٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى أُصُولِها الأصْلِيَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ كَما خَلَقَ آدَمَ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الخَلْقِ بِأنَّهُ بِيَدِ اللَّهِ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِتَقْرِيبِ شَأْنِ الخَلْقِ الخَفِيِّ البَدِيعِ مِثْلَ قَوْلِهِ ”﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدِيَّ﴾ [ص: ٧٥]“، وقَرِينَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ ما تَقَرِّرَ مِن أنَّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقاتِ، فَذَلِكَ مِنَ العَقائِدِ القَطْعِيَّةِ في الإسْلامِ. فَأمّا الَّذِينَ رَأوُا الإمْساكَ عَنْ تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الِاسْتِعاراتِ فَسَمَّوْها المُتَشابِهَ وإنَّما أرادُوا أنَّنا لَمْ نَصِلْ إلى حَقِيقَةِ ما نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالكُنْهِ، وأمّا الَّذِينَ تَأوَّلُوها بِطَرِيقَةِ المَجازِ فَهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ تَأْوِيلَها تَقْرِيبٌ وإساغَةٌ لِغُصَصِ العِبارَةِ. فَأمّا الَّذِينَ أثْبَتُوا وصْفَ اللَّهِ تَعالى بِظَواهِرِها فَباعِثُهم فَرْطُ الخَشْيَةِ، وكانَ لِلسَّلَفِ في ذَلِكَ عُذْرٌ لا يَسَعُ أهْلَ العُصُورِ الَّتِي فَشا فِيها الإلْحادُ والكُفْرُ فَهم عَنْ إقْناعِ السّائِلِينَ بِمَعْزِلٍ، وقَلَمُ التَّطْوِيلِ في ذَلِكَ مَغْزِلٌ.
والأنْعامُ: الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ والمَعْزُ. وفَرَّعَ عَلى خَلْقِها لِلنّاسِ أنَّهم لَها مالِكُونَ قادِرُونَ عَلى اسْتِعْمالِها فِيما يَشاءُونَ لِأنَّ المِلْكَ هو أنْواعُ التَّصَرُّفِ. قالَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ المُعَمَّرِينَ:
أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَـرا
وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في أثْناءِ التَّذْكِيرِ.
وتَقْدِيمُ (لَها) عَلى (مالِكُونَ) الَّذِي هو مُتَعَلِّقَهُ لِزِيادَةِ اسْتِحْضارِ الأنْعامِ عِنْدَ
صفحة ٦٩
السّامِعِينَ قَبْلَ سَماعِ مُتَعَلِّقِهِ لِيَقَعَ كِلاهُما أمْكَنَ وقَعَ بِالتَّقْدِيمِ وبِالتَّشْوِيقِ، وقَضى بِذَلِكَ أيْضًا رَعْيُ الفاصِلَةِ.
وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: (فَهم مالِكُونَ)، إلى ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ فَيُفِيدَ بِتَعْظِيمِ المالِكِينَ لِلْأنْعامِ الكِنايَةَ عَنْ تَعْظِيمِ المِلْكِ، أيْ بِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ تَفْصِيلًا وإجْمالًا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾، وأنَّ إضافَةَ الوَصْفِ المُشْبِهِ الفِعْلَ وإنْ كانَتْ لا تُكْسِبُ المُضافَ تَعْرِيفًا لَكِنَّها لا تَنْسَلِخُ مِنها خَصائِصُ التَّنْكِيرِ مِثْلَ التَّنْوِينِ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ ثَباتِ هَذا المِلْكِ ودَوامِهِ.
والتَّذْلِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ ذَلِيلًا، والذَّلِيلُ ضِدُّ العَزِيزِ وهو الَّذِي لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ما يَكْرَهُهُ. ومَعْنى تَذْلِيلِ الأنْعامِ خَلْقُ مَهانَتِها لِلْإنْسانِ في جِبِلَّتِها بِحَيْثُ لا تُقْدِمُ عَلى مُدافَعَةِ ما يُرِيدُ مِنها فَإنَّها ذاتُ قُواتٍ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا عَنْ نَفْسِهِ بِها، فَإذا زَجَرَها الإنْسانُ أوْ أمَرَها ذَلَّتْ لَهُ وطاعَتْ مَعَ كَراهِيَتِها ما يُرِيدُهُ مِنها، مِن سَيْرٍ أوْ حَمْلٍ أوْ حَلْبٍ أوْ أخْذِ نَسْلٍ أوْ ذَبْحٍ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ .
والرَّكُوبُ بِفَتْحِ الرّاءِ: المَرْكُوبُ مِثْلُ الحَلُوبُ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ يُقالُ: بَعِيرٌ رَكُوبٌ وناقَةٌ حَلُوبَةٌ.
و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: وبَعْضُها غَيْرُ ذَلِكَ مِثْلُ الحَرْثِ والقِتالِ كَما قالَ ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ﴾ والمَشارِبُ: جَمْعُ مَشْرَبٍ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الشُّرْبِ، أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، أيْ: مَشْرُوباتٌ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ بِـ (مِن) عَلى ما حَقِّهِما أنْ يَتَأخَّرا عَنْهُما لِلْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ .
وفُرِّعَ عَلى التَّذْكِيرِ والِامْتِنانِ قَوْلُهُ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اسْتِفْهامًا تَعَجُّبِيًّا لِتَرْكِهِمْ تَكْرِيرَ الشُّكْرِ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ العِدَّةِ فَلِذَلِكَ جِيءَ بِالمُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ مُتَتالِيَةٌ مُتَعاقِبَةٌ في كُلِّ حِينٍ، وإذْ قَدْ عُجِبَ مِن عَدَمِ
صفحة ٧٠
تَكْرِيرِهِمُ الشُّكْرَ كانَتْ إفادَةُ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ الشُّكْرِ مِن أصْلِهِ بِالفَحْوى ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس: ٧٤] .
يس 36:74
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]، أيْ ألَمْ يَرَوْا دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ ولَمْ يَتَأمَّلُوا جَلائِلَ النِّعْمَةِ، واتَّخَذُوا آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ المُنْعِمِ والمُنْفَرِدِ بِالخَلْقِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى الجُمْلَتَيْنِ المُفَرَّعَتَيْنِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ التَّعْجِيبُ مِن جَرَيانِهِمْ عَلى خِلافِ حَقِّ النِّعْمَةِ ثُمَّ مُخالَفَةِ مُقْتَضى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ المُدْمَجِ في ذِكْرِ النِّعَمِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ دُونَ ضَمِيرِ إظْهارٍ في مَقامِ الإضْمارِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُهُ العَلَمُ مِن عَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ، إيماءً إلى أنَّ اتِّخاذَهم آلِهَةً مِن دُونِهِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] أيْ فَإنَّهم قالُوا ما هو أشَدُّ نُكْرًا.
وأمّا الإضْمارُ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] فَلِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ صَرِيحًا مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] .
وقَوْلُهُ ﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ وقَعَتْ لَعَلَّ فِيهِ مَوْقِعًا غَيْرَ مَأْلُوفٍ لِأنَّ شَأْنَ لَعَلَّ أنْ تُفِيدَ إنْشاءَ رَجاءِ المُتَكَلِّمِ بِها وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ هُنا. وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ التَّعَرُّضَ لِتَفْسِيرِهِ، وأهْمَلَهَ عُلَماءُ النَّحْوِ واللُّغَةِ مِنِ اسْتِعْمالِ لَعَلَّ، فَيَتَعَيَّنُ:
إمّا أنْ تَكُونَ لَعَلَّ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِأنْ شُبِّهَ شَأْنُ اللَّهِ فِيما أخْبَرَ عَنْهم بِحالِ مَن
صفحة ٧١
يَرْجُو مِنَ المُخْبَرِ عَنْهم أنْ يَحْصُلَ لَهم خَبَرُ لَعَلَّ، وذِكْرُ حَرْفُ لَعَلَّ رَمْزٌ لِرَدِيفِ المُشْتَبَهِ بِهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةَ (﴿لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ (آلِهَةً) وبَيْنَ صِفَتِهِ وهي جُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ جَرى عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ أوْ تَهَكُّمِيٌّ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ أيْضًا، وإمّا أنْ يُجْعَلَ الرَّجاءُ مُنْصَرِفًا إلى رَجاءِ المُخْبَرِ عَنْهم، أيْ راجِينَ أنْ تَنْصُرَهم تِلْكَ الآلِهَةُ وعَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ: لَعَلَّنا نُنْصَرُ، وحُكِيَ (يُنْصَرُونَ) بِالمَعْنى عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ في حِكايَةِ الأقْوالِ تَقُولُ: قالَ أفْعَلُ كَذا، وقالَ يَفْعَلُ كَذا، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾) اسْتِئْنافًا لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
وإمّا أنْ تَجْعَلَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمُ﴾) اسْتِئْنافًا.
والمَقْصُودُ: الإشارَةُ إلى أنَّ الكُفّارَ يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ في أُمُورِ الدُّنْيا ويَقُولُونَ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وهم سالِكُونَ في هَذا الزَّعْمِ مَسْلَكَ ما يَأْلَفُونَهُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِالمُوالاةِ والحِلْفِ بَيْنَ القَبائِلِ والِانْتِماءِ إلى قادَتِهِمْ، فَبِمِقْدارِ كَثْرَةِ المَوالِي تَكُونُ عِزَّةُ القَبِيلَةِ فَقاسُوا شُئُونَهم مَعَ رَبِّهِمْ عَلى شُئُونِهِمُ الجارِيَةِ بَيْنَهم وقِياسُ أُمُورِ الإلَهِيَّةِ عَلى أحْوالِ البَشَرِ مِن أعْمَقِ مَهاوِي الضَّلالَةِ.
أُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ لِأنَّهم سَمَّوْهم بِأسْماءِ العُقَلاءِ وزَعَمُوا لَهم إدْراكًا.
وضَمِيرُ (وهم) يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى آلِهَةٍ تَبَعًا لِضَمِيرِ لا يَسْتَطِيعُونَ، وضَمِيرِ (لَهم) لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: والأصْنامُ لِلْمُشْرِكِينَ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ، والجُنْدُ العَدَدُ الكَثِيرُ. والمُحْضَرُ الَّذِي جِيءَ بِهِ لِيَحْضُرَ مَشْهَدًا. والمَعْنى: أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّصْرَ مَعَ حُضُورِهِمْ في مَوْقِفِ المُشْرِكِينَ لِمُشاهَدَةِ تَعْذِيبِهِمْ ومَعَ كَوْنِهِمْ عَدَدًا كَثِيرًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى نَصْرِ المُتَمَسِّكِينَ بِهِمْ، أيْ هم عاجِزُونَ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن نَفْعِ أصْنامِهِمْ.
ويَجُوزُ العَكْسُ، أيْ والمُشْرِكُونَ جُنْدٌ لِأصْنامِهِمْ مُحَضَرُونَ لِخِدْمَتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَنْ حالِهِمْ مَعَ أصْنامِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
صفحة ٧٢
ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ مِن ضَمِيرِ يَسْتَطِيعُونَ، أيْ لَيْسَ عَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ نَصْرَهَمْ لِبُعْدِ مَكانَتِهِمْ وتَأخُّرِ الصَّرِيخِ لَهم ولَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ وهم حاضِرُونَ لَهم، واللّامُ في (لَهم) لِلْأجَلِ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُحْضِرُ الأصْنامَ حِينَ حَشْرِ عَبَدَتِها إلى النّارِ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ خَطَلَ رَأْيِهِمْ وخَيْبَةَ أمَلِهِمْ، فَهَذا وعِيدٌ بِعَذابٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ مَلْجَأً.