Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — غافر 40:48 – فصلت 41:30

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. غافر 40:48
  2. غافر 40:49
  3. غافر 40:50
  4. غافر 40:51
  5. غافر 40:52
  6. غافر 40:53
  7. غافر 40:54
  8. غافر 40:55
  9. غافر 40:56
  10. غافر 40:57
  11. غافر 40:58
  12. غافر 40:59
  13. غافر 40:60
  14. غافر 40:61
  15. غافر 40:62
  16. غافر 40:63
  17. غافر 40:64
  18. غافر 40:65
  19. غافر 40:66
  20. غافر 40:67
  21. غافر 40:68
  22. غافر 40:69
  23. غافر 40:70
  24. غافر 40:71
  25. غافر 40:72
  26. غافر 40:73
  27. غافر 40:74
  28. غافر 40:75
  29. غافر 40:76
  30. غافر 40:77
  31. غافر 40:78
  32. غافر 40:79
  33. غافر 40:80
  34. غافر 40:81
  35. غافر 40:82
  36. غافر 40:83
  37. غافر 40:84
  38. غافر 40:85
  39. فصلت 41:1
  40. فصلت 41:2
  41. فصلت 41:3
  42. فصلت 41:4
  43. فصلت 41:5
  44. فصلت 41:6
  45. فصلت 41:7
  46. فصلت 41:8
  47. فصلت 41:9
  48. فصلت 41:10
  49. فصلت 41:11
  50. فصلت 41:12
  51. فصلت 41:13
  52. فصلت 41:14
  53. فصلت 41:15
  54. فصلت 41:16
  55. فصلت 41:17
  56. فصلت 41:18
  57. فصلت 41:19
  58. فصلت 41:20
  59. فصلت 41:21
  60. فصلت 41:22
  61. فصلت 41:23
  62. فصلت 41:24
  63. فصلت 41:25
  64. فصلت 41:26
  65. فصلت 41:27
  66. فصلت 41:28
  67. فصلت 41:29
  68. فصلت 41:30

غافر 40:48

﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُلٌّ فِيها إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مَعْمُولًا لِ اذْكُرْ مَحْذُوفٍ فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨]، والضَّمِيرُ عائِدًا إلى صفحة ١٦٠ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ﴾ [غافر: ٥٦] وما بَيْنَ هَذا وذاكَ اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ لِأنَّها قُصِدُ مِنها عِظَةُ المُشْرِكِينَ بِمَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ فَلَمّا اسْتُوفِيَ ذَلِكَ عادَ الكَلامُ إلَيْهِمْ. ويُفِيدُ ذَلِكَ صَرِيحَ الوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أنْ ضُرِبَتْ لَهُمُ الأمْثالُ كَما قالَ تَعالى ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مَوْعِظَةُ المُشْرِكِينَ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُولاهم لِأُخْراهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] الآيَةُ في سُورَةِ الأعْرافِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] لِأنَّ (إذْ) ويَوْمَ كِلَيْهِما ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وحِينَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقالُ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ، وحِينَ يَتَحاجُّ أهْلُ النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ إلَخْ. وقَرَنَ ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ﴾ بِالفاءِ لِإفادَةِ كَوْنَ هَذا القَوْلِ ناشِئًا عَنْ تَحاجِّهِمْ في النّارِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ في مَعْنًى مُتَعَلِّقِ (إذْ)، وهَذا اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ الفاءِ الَّتِي يُسَمِّيها النُّحاةُ زائِدَةً، وأثْبَتَ زِيادَتَها جَماعَةٌ مِنهُمُ الأخْفَشُ والفَرّاءُ والأعْلَمُ وابْنُ بُرْهانٍ، وحَكاهُ عَنْ أصْحابِهِ البَصْرِيِّينَ. وضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى آلِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ ذَلِكَ يَأْباهُ قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر: ٤٩] وقَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٥٠] ولَمْ يَأْتِ آلَ فِرْعَوْنَ إلّا رَسُولٌ واحِدٌ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَعُودُ ضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهم أهْلُ النّارِ. والتَحاجُّ: الِاحْتِجاجُ مِن جانِبَيْنِ فَأكْثَرَ، أيْ إقامَةُ كُلِّ فَرِيقٍ حُجَّتَهُ وهو يَقْتَضِي وُقُوعَ خِلافٍ بَيْنِ المُتَحاجِّينَ إذِ الحُجَّةُ تَأْيِيدُ الدَّعْوى لِدَفْعِ الشَّكِّ في صِحَّتِها. والضُّعَفاءُ: عامَّةُ النّاسِ الَّذِينَ لا تَصَرُّفَ لَهم في أُمُورِ الأُمَّةِ. والَّذِينَ صفحة ١٦١ اسْتَكْبَرُوا: سادَةُ القَوْمِ، أيِ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا كِبَرًا شَدِيدًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. وقَوْلُ الضُّعَفاءِ لِلْكُبَراءِ هَذا الكَلامَ يُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَهو ناشِئٌ عَمّا اعْتادُوهُ مِنَ اللَّجَأِ إلَيْهِمْ في مُهِمِّهِمْ حِينَ كانُوا في الدُّنْيا فَخالُوا أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ تَدْبِيرَ أُمُورِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ ولِهَذا أجابَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِما يُفِيدُ أنَّهُمُ اليَوْمَ سَواءٌ في العَجْزِ وعَدَمِ الحِيلَةِ فَقالُوا ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ أيْ لَوْ أغْنَيْنا عَنْكم لَأغْنَيْنا عَنْ أنْفُسِنا. وتَقْدِيمُ قَوْلِهِمْ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ عَلى طَلَبِ التَّخْفِيفِ عَنْهم مِنَ النّارِ، مُقَدِّمَةٌ لِلطَّلَبِ لِقَصْدِ تَوْجِيهِهِ وتَعْلِيلِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِالوَلاءِ الَّذِي بَيْنَهم في الدُّنْيا، يُلْهِمُهُمُ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِافْتِضاحِ عَجْزِ المُسْتَكْبِرِينَ أنْ يَنْفَعُوا أتْباعَهم تَحْقِيرًا لَهم جَزاءً عَلى تَعاظُمِهِمُ الَّذِي كانُوا يَتَعاظَمُونَ بِهِ في الدُّنْيا. ويُحْتَمَلُ أنْ قَوْلَ الضُّعَفاءِ لَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَةِ الحَثِّ عَلى التَّخْفِيفِ عَنْهم ولَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ، أيْ كُنْتُمْ تَدْعُونَنا إلى دِينِ الشِّرْكِ فَكانَتْ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ صِرْنا في هَذا العَذابِ فَهَلْ تَسْتَطِيعُونَ الدَّفْعَ عَنّا. وتَأْكِيدُ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ بِ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولَيْسَ لِرَدِّ إنْكارٍ. والتَّبَعُ: اسْمٌ لِمَن يَتْبَعُ غَيْرَهُ، يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وهو مِثْلُ خَدَمٍ وحَشَمٍ لِأنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وقِيلَ: التَّبَعُ: جَمْعٌ لا يَجْرِي عَلى الواحِدِ، فَهو إذَنْ مِنَ الجُمُوعِ النّادِرَةِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ واللَّوْمِ عَلى خِذْلانِهِمْ وتُرْكِ الِاهْتِمامِ بِما هم فِيهِ مِن عَذابٍ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ هَلْ مِن شَأْنِكم أنَّكم مُغْنُونَ عَنّا. ومُغْنُونَ اسْمُ فاعِلٍ مِن أغْنى غَناءً بِفَتْحِ الغَيْنِ والمَدِّ، أيْ فائِدَةٌ وإجْزاءٌ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ والحِصَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، قالَ تَعالى صفحة ١٦٢ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] إلى قَوْلِهِ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] . وقَدْ ضُمِّنَ مُغْنُونَ مَعْنى دافِعُونَ ورادُّونَ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ وهو نَصِيبًا، أيْ جُزْءًا مِن حَرِّ النّارِ غَيْرَ مُحَدَّدِ المِقْدارِ مِن قُوَّتِها، ومِنَ النّارِ بَيانٌ لِ نَصِيبًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] فَهم قانِعُونَ بِكُلِّ ما يُخَفِّفُ عَنْهم مِن شِدَّةِ حَرِّ النّارِ وغَيْرُ طامِعِينَ في الخُرُوجِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُغْنُونَ عَلى مَعْناهُ دُونَ تَضْمِينٍ ويَكُونَ نَصِيبًا مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِ (مُغْنُونَ) والتَّقْدِيرُ غَنّاءً نَصِيبًا، أيْ غِناءً ما ولَوْ قَلِيلًا. ومِنَ النّارِ مُتَعَلِّقًا بِ مُغْنُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصِيبُ الجُزْءَ مِن أزْمِنَةِ العَذابِ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن مُدَّةِ النّارِ. ولَمّا كانَ جَوابُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا جارِيًا في مَجْرى المُحاوَرَةِ جُرِّدَ فَعَلُ (قالَ) مِن حَرْفِ العَطْفِ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. ومَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ مُسْتَوُونَ في الكَوْنِ في النّارِ فَكَيْفَ تَطْمَعُونَ أنْ نَدْفَعَ عَنْكم شَيْئًا مِنَ العَذابِ. وعَلى وجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الضُّعَفاءِ ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ إلى آخِرِهِ تَوْبِيخًا ولَوْمًا لِزُعَمائِهِمْ يَكُونُ قَوْلُ الزُّعَماءِ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ اعْتِرافًا بِالغَلَطِ، أيْ دَعُوا لَوْمَنا وتَوْبِيخَنا فَقَدْ كَفانا أنا مَعَكم في النّارِ. وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِهِ أوْ لِتَنْزِيلِ مَن طالَبُوهم بِالغَناءِ عَنْهم مِن عَذابِ النّارِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ أنَّهم في العَذابِ مِثْلُهم، مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُهم غَيْرَ واقِعِينَ في النّارِ، وفي هَذا التَّنْزِيلِ ضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ يَقُولُونَ: ألَسْتُمْ تَرَوْنَنا في النّارِ مَثَلَكم فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم. و(كُلٌّ) مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ (فِيها) والجُمْلَةُ مِنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ خَبَرُ (إنَّ) وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، إذِ التَّقْدِيرُ: إنّا كُلُّنا في النّارِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ صفحة ١٦٣ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ فَكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ جَوابٌ لَهم مُؤْيِسٌ مِن حُصُولِ التَّخْفِيفِ عَنْهم. والمَعْنى: نَحْنُ مُسْتَوُونَ في العَذابِ وهو حُكْمُ اللَّهِ فَلا مَطْمَعَ في التَّفَصِّي مِن حُكْمِهِ فَقَدْ جُوزِيَ كُلُّ فَرِيقٍ بِما يَسْتَحِقُّ. وما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن عُمُومِ تَعَلُّقِ فِعْلِ الحُكْمِ بَيْنَ العِبادِ ما يُجْعَلُ هَذا البَدَلَ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، أيْ أنَّ اللَّهَ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ كُلِّهِمْ بِجَزاءِ أعْمالِهِمْ فَكانَ قِسْطُنا مِنَ الحُكْمِ هَذا العَذابَ. فَكَلِمَةُ (بَيْنَ) هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها الحَقِيقِيِّ وهو المَكانُ المُتَوَسِّطُ، أيْ وقَعَ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ في مَجْمَعِهِمُ الَّذِي حَضَرَهُ مَن حُكِمَ عَلَيْهِ ومَن حُكِمَ لَهُ ومَن لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحُكُومَةِ لِأنَّهُ مِن أهْلِ الكَرامَةِ بِالجَنَّةِ، فَلَيْسَتْ كَلِمَةُ (بَيْنَ) هُنا بِمَنزِلَةِ (بَيْنَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨] فَإنَّها في ذَلِكَ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ عِبْرَةٌ لِزُعَماءِ الأُمَمِ وقادَتِهِمْ أنْ يَحْذَرُوا الِارْتِماءَ بِأنْفُسِهِمْ في مَهاوِي الخُسْرانِ فَيُوقِعُوا المُقْتَدِينَ بِهِمْ في تِلْكَ المَهاوِي فَإنْ كانَ إقْدامُهم ومُغامَرَتُهم بِأنْفُسِهِمْ وأُمَمِهِمْ عَلى عِلْمٍ بِعَواقِبَ ذَلِكَ كانُوا أحْرِياءَ بِالمَذَمَّةِ والخِزْيِ في الدُّنْيا ومُضاعَفَةِ العَذابِ في الآخِرَةِ، إذْ ما كانَ لَهم أنْ يُغْرَوْا بِأقْوامٍ وكَّلُوا أُمُورَهم بِقادَتِهِمْ عَنْ حُسْنِ ظَنٍّ فِيهِمْ، أنْ يَخُونُوا أمانَتَهم فِيهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَّعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وإنْ كانَ قَحْمُهم أنْفُسَهم في مَضائِقِ الزَّعامَةِ عَنْ جَهْلٍ بِعَواقِبِ قُصُورِهِمْ وتَقْصِيرِهِمْ فَإنَّهم مَلُومُونَ عَلى عَدَمِ التَّوْثِيقِ مِن كَفاءَتِهِمْ لِتَدْبِيرِ الأُمَّةِ فَيَخْبِطُوا بِها خَبْطَ عَشْواءٍ حَتّى يَزِلُّوا بِها فَيَهْوُوا بِها مِن شَواهِقَ بَعِيدَةٍ فَيَصِيرُوا رَمِيمًا، ويَلْقُوا في الآخِرَةِ جَحِيمًا.

غافر 40:49

﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ . لَمّا لَمْ يَجِدُوا مَساغًا لِلتَّخْفِيفِ مِنَ العَذابِ في جانِبِ كُبَرائِهِمْ، وتَنَصَّلَ كُبَراؤُهم صفحة ١٦٤ مِن ذَلِكَ أوِ اعْتَرَفُوا بِغَلَطِهِمْ وتَوْرِيطِهِمْ قَوْمَهم وأنْفُسَهم تَمالَأ الجَمِيعُ عَلى مُحاوَلَةِ طَلَبِ تَخْفِيفِ العَذابِ بِدَعْوَةٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الَّذِينَ في النّارِ، أيْ جَمِيعِهِمْ مِن الضُّعَفاءِ والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. وخَزَنَةٌ: جَمْعُ خازِنٍ، وهو الحافِظُ لِما في المَكانِ مِن مالٍ أوْ عُرُوضٍ. وخَزَنَةُ جَهَنَّمَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِما تَحْوِيهِ مِنَ النّارِ ووَقُودِها والمُعَذَّبِينَ فِيها ومُوَكَّلُونَ بِتَسْيِيرِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ دارُ العَذابِ وأهْلِها ولِذَلِكَ يُقالُ لَهم: خَزَنَةُ النّارِ، لِأنَّ الخَزْنَ لا يَتَعَلَّقُ بِالنّارِ بَلْ بِما يَحْوِيها فَلَيْسَ قَوْلُهُ هُنا جَهَنَّمُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لا يَحْسُنُ إضافَةُ خَزَنَةٍ إلى النّارِ ولَوْ تَقَدَّمَ لَفْظُ جَهَنَّمُ لَقالَ: لِخَزَنَتِها، كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِ جَهَنَّمَ لا لِ النّارِ. وفِي الكَشّافِ إنَّهُ مِنِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارُ لِلتَّهْوِيلِ بِلَفْظِ جَهَنَّمَ، والمَسْلَكُ الَّذِي سَلَكْناهُ أوْضَحُ. وفِي إضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ضَرْبٌ مِنَ الإغْراءِ بِالدُّعاءِ، أيْ لِأنَّكم أقْرَبُ إلى اسْتِجابَتِهِ لَكم. ولِما ظَنُّوهم أرْجى لِلِاسْتِجابَةِ سَألُوا التَّخْفِيفَ يَوْمًا مِن أزْمِنَةِ العَذابِ وهو أنْفَعُ لَهم مِن تَخْفِيفِ قُوَّةِ النّارِ الَّذِي سَألُوهُ مِن مُسْتَكْبِرِيهِمْ. وجُزِمَ يُخَفِّفْ بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّعاءِ، ولَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ومِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن يَجْعَلُهُ جَزَما في جَوابِ الطَّلَبِ لِتَحْقِيقِ التَّسَبُّبِ. فَيَكُونُ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الَّذِينَ في النّارِ واثِقُونَ بِأنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ إذا دَعَوُا اللَّهَ اسْتَجابَ لَهم. وهَذا الجَزْمُ شائِعٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ وما في مَعْناهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وحَقُّهُ الرَّفْعُ أوْ إظْهارُ لامِ الأمْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. وضُمِّنَ يُخَفَّفْ مَعْنى يُنْقِصُ فَنَصَبَ يَوْمًا، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ، وانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ يُخَفَّفْ. صفحة ١٦٥ واليَوْمُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنّا ولَوْ زَمَنًا قَلِيلًا. و﴿مِنَ العَذابِ﴾ بَيانٌ لِ يَوْمًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المِقْدارُ فاحْتاجَ إلى البَيانِ عَلى نَحْوِ التَّمْيِيزِ. ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِ يُخَفِّفْ. وجَوابُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُرادِ بِهِ: إظْهارُ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ حَتّى وقَعُوا في هَذا العَذابِ، وتَنْدِيمُهم عَلى ما أضاعُوهُ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا مِن وسائِلِ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ. وهو كَلامٌ جامِعٌ يَتَضَمَّنُ التَّوْبِيخَ، والتَّنْدِيمَ، والتَّحْسِيرَ، وبَيانِ سَبَبِ تَجَنُّبِ الدُّعاءِ لَهم، وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُحَذِّرُهم مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ﴾ لَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى مَوْقِعِها. وهي واوُ العَطْفِ عَطَفَ بِها خَزَنَةُ جَهَنَّمَ كَلامَهم عَلى كَلامِ الَّذِينَ في النّارِ مِن قَبِيلِ طَرِيقَةِ عَطْفِ المُتَكَلِّمِ كَلامًا عَلى كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُخاطَبِ إيماءً إلى أنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ وأنْ لا يُغْفِلَهُ، وهو ما يُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإنَّ أهْلَ النّارِ إذا تَذَكَّرُوا ذَلِكَ عَلِمُوا وجاهَةَ تَنَصُّلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّفاعَةِ لَهم، وتَفْرِيعُ فادْعُوا عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لِوُجُوبِ صَدارَتِها. وجُمْلَةُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تَذْيِيلًا لِكَلامِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهم فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ، أيْ دُعاؤُكم لَمْ يَنْفَعْكم لِأنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ في ضَلالٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَذْيِيلًا واعْتِراضًا. والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الواضِحَةُ والدَّعَواتُ الصَّرِيحَةُ إلى اتِّباعِ الهُدى. فَلَمْ يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَقالُوا: بَلى، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَدْعُوا اللَّهَ بِذَلِكَ، إلى إيكالِ أمْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فادْعُوا تَفْرِيعًا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ. صفحة ١٦٦ ومَعْنى تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ هو أنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ الَّذِي هو التَّنَصُّلُ مِن أنْ يَدْعُوا لَهم، أيْ كَما تَوَلَّيْتُمُ الإعْراضَ عَنِ الرُّسُلِ اسْتِبْدادًا بِآرائِكم فَتَوَلُّوا اليَوْمَ أمْرَ أنْفُسِكم فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنَّ مَن تَوَلّى قُرَّها يَتَوَلّى حَرَّها، فالأمْرُ في قَوْلِهِ فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ أوْ في التَّسْوِيَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَأِ السّائِلِينَ في سُؤالِهِمْ. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُحَقَّقٌ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِنَ الوُجُودِ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ فِعْلَ الإتْيانِ كانَ في الزَّمَنِ الماضِي فَهو مُسْتَفادٌ مَن لَمِ النّافِيَةِ في الماضِي. والضَّلالُ: الضَّياعُ، وأصْلُهُ: خَطَّأُ الطَّرِيقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ . والمَعْنى: أنَّ دُعاءَهم لا يَنْفَعُهم ولا يُقْبَلُ مِنهم، وسَواءٌ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُقْتَضٍ عُمُومَ دُعائِهِمْ لِأنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مَن صِيَغِ العُمُومِ فَيَقْتَضِي أنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ في الآخِرَةِ وفي الدُّنْيا لِأنَّ عُمُومَ الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ. وأمّا ما يُوهِمُ اسْتِجابَةَ دُعاءِ الكافِرِينَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ [الأنعام: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، فَظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِجابَةِ كَرامَةٍ ولَكِنَّها لِتَسْجِيلِ كَفْرِهِمْ ونُكْرانِهِمْ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ في بَعْضِ الأحْوالِ أنْ يَدْعُوَ الكافِرُ فَيَقَعُ ما طَلَبَهُ وإنَّما ذَلِكَ لِمُصادَفَةِ دُعائِهِ وقْتَ إجابَةِ دُعاءِ غَيْرِهِ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَيْفَ يُسْتَجابُ دُعاءُ الكافِرِ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِبْعادُ اسْتِجابَةِ دُعاءِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَأْكُلُ الحَرامَ ويَلْبَسُ الحَرامَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثُ أغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ صفحة ١٦٧ بِالحَرامِ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» ؟، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ اللَّهُ: فَلَمّا اسْتَجابَ دُعاءَهم، وإنَّما قالَ: فَلَمّا نَجّاهم، أيْ لِأنَّهُ قَدَّرَ نَجاتَهم مِن قَبْلِ أنْ يَدْعُوا أوْ لِأنَّ دُعاءَهم صادَفَ دُعاءَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ.

غافر 40:50

﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ . لَمّا لَمْ يَجِدُوا مَساغًا لِلتَّخْفِيفِ مِنَ العَذابِ في جانِبِ كُبَرائِهِمْ، وتَنَصَّلَ كُبَراؤُهم صفحة ١٦٤ مِن ذَلِكَ أوِ اعْتَرَفُوا بِغَلَطِهِمْ وتَوْرِيطِهِمْ قَوْمَهم وأنْفُسَهم تَمالَأ الجَمِيعُ عَلى مُحاوَلَةِ طَلَبِ تَخْفِيفِ العَذابِ بِدَعْوَةٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الَّذِينَ في النّارِ، أيْ جَمِيعِهِمْ مِن الضُّعَفاءِ والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. وخَزَنَةٌ: جَمْعُ خازِنٍ، وهو الحافِظُ لِما في المَكانِ مِن مالٍ أوْ عُرُوضٍ. وخَزَنَةُ جَهَنَّمَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِما تَحْوِيهِ مِنَ النّارِ ووَقُودِها والمُعَذَّبِينَ فِيها ومُوَكَّلُونَ بِتَسْيِيرِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ دارُ العَذابِ وأهْلِها ولِذَلِكَ يُقالُ لَهم: خَزَنَةُ النّارِ، لِأنَّ الخَزْنَ لا يَتَعَلَّقُ بِالنّارِ بَلْ بِما يَحْوِيها فَلَيْسَ قَوْلُهُ هُنا جَهَنَّمُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لا يَحْسُنُ إضافَةُ خَزَنَةٍ إلى النّارِ ولَوْ تَقَدَّمَ لَفْظُ جَهَنَّمُ لَقالَ: لِخَزَنَتِها، كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِ جَهَنَّمَ لا لِ النّارِ. وفِي الكَشّافِ إنَّهُ مِنِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارُ لِلتَّهْوِيلِ بِلَفْظِ جَهَنَّمَ، والمَسْلَكُ الَّذِي سَلَكْناهُ أوْضَحُ. وفِي إضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ضَرْبٌ مِنَ الإغْراءِ بِالدُّعاءِ، أيْ لِأنَّكم أقْرَبُ إلى اسْتِجابَتِهِ لَكم. ولِما ظَنُّوهم أرْجى لِلِاسْتِجابَةِ سَألُوا التَّخْفِيفَ يَوْمًا مِن أزْمِنَةِ العَذابِ وهو أنْفَعُ لَهم مِن تَخْفِيفِ قُوَّةِ النّارِ الَّذِي سَألُوهُ مِن مُسْتَكْبِرِيهِمْ. وجُزِمَ يُخَفِّفْ بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّعاءِ، ولَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ومِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن يَجْعَلُهُ جَزَما في جَوابِ الطَّلَبِ لِتَحْقِيقِ التَّسَبُّبِ. فَيَكُونُ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الَّذِينَ في النّارِ واثِقُونَ بِأنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ إذا دَعَوُا اللَّهَ اسْتَجابَ لَهم. وهَذا الجَزْمُ شائِعٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ وما في مَعْناهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وحَقُّهُ الرَّفْعُ أوْ إظْهارُ لامِ الأمْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. وضُمِّنَ يُخَفَّفْ مَعْنى يُنْقِصُ فَنَصَبَ يَوْمًا، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ، وانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ يُخَفَّفْ. صفحة ١٦٥ واليَوْمُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنّا ولَوْ زَمَنًا قَلِيلًا. و﴿مِنَ العَذابِ﴾ بَيانٌ لِ يَوْمًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المِقْدارُ فاحْتاجَ إلى البَيانِ عَلى نَحْوِ التَّمْيِيزِ. ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِ يُخَفِّفْ. وجَوابُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُرادِ بِهِ: إظْهارُ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ حَتّى وقَعُوا في هَذا العَذابِ، وتَنْدِيمُهم عَلى ما أضاعُوهُ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا مِن وسائِلِ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ. وهو كَلامٌ جامِعٌ يَتَضَمَّنُ التَّوْبِيخَ، والتَّنْدِيمَ، والتَّحْسِيرَ، وبَيانِ سَبَبِ تَجَنُّبِ الدُّعاءِ لَهم، وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُحَذِّرُهم مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ﴾ لَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى مَوْقِعِها. وهي واوُ العَطْفِ عَطَفَ بِها خَزَنَةُ جَهَنَّمَ كَلامَهم عَلى كَلامِ الَّذِينَ في النّارِ مِن قَبِيلِ طَرِيقَةِ عَطْفِ المُتَكَلِّمِ كَلامًا عَلى كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُخاطَبِ إيماءً إلى أنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ وأنْ لا يُغْفِلَهُ، وهو ما يُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإنَّ أهْلَ النّارِ إذا تَذَكَّرُوا ذَلِكَ عَلِمُوا وجاهَةَ تَنَصُّلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّفاعَةِ لَهم، وتَفْرِيعُ فادْعُوا عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لِوُجُوبِ صَدارَتِها. وجُمْلَةُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تَذْيِيلًا لِكَلامِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهم فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ، أيْ دُعاؤُكم لَمْ يَنْفَعْكم لِأنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ في ضَلالٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَذْيِيلًا واعْتِراضًا. والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الواضِحَةُ والدَّعَواتُ الصَّرِيحَةُ إلى اتِّباعِ الهُدى. فَلَمْ يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَقالُوا: بَلى، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَدْعُوا اللَّهَ بِذَلِكَ، إلى إيكالِ أمْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فادْعُوا تَفْرِيعًا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ. صفحة ١٦٦ ومَعْنى تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ هو أنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ الَّذِي هو التَّنَصُّلُ مِن أنْ يَدْعُوا لَهم، أيْ كَما تَوَلَّيْتُمُ الإعْراضَ عَنِ الرُّسُلِ اسْتِبْدادًا بِآرائِكم فَتَوَلُّوا اليَوْمَ أمْرَ أنْفُسِكم فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنَّ مَن تَوَلّى قُرَّها يَتَوَلّى حَرَّها، فالأمْرُ في قَوْلِهِ فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ أوْ في التَّسْوِيَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَأِ السّائِلِينَ في سُؤالِهِمْ. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُحَقَّقٌ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِنَ الوُجُودِ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ فِعْلَ الإتْيانِ كانَ في الزَّمَنِ الماضِي فَهو مُسْتَفادٌ مَن لَمِ النّافِيَةِ في الماضِي. والضَّلالُ: الضَّياعُ، وأصْلُهُ: خَطَّأُ الطَّرِيقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ . والمَعْنى: أنَّ دُعاءَهم لا يَنْفَعُهم ولا يُقْبَلُ مِنهم، وسَواءٌ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُقْتَضٍ عُمُومَ دُعائِهِمْ لِأنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مَن صِيَغِ العُمُومِ فَيَقْتَضِي أنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ في الآخِرَةِ وفي الدُّنْيا لِأنَّ عُمُومَ الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ. وأمّا ما يُوهِمُ اسْتِجابَةَ دُعاءِ الكافِرِينَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ [الأنعام: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، فَظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِجابَةِ كَرامَةٍ ولَكِنَّها لِتَسْجِيلِ كَفْرِهِمْ ونُكْرانِهِمْ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ في بَعْضِ الأحْوالِ أنْ يَدْعُوَ الكافِرُ فَيَقَعُ ما طَلَبَهُ وإنَّما ذَلِكَ لِمُصادَفَةِ دُعائِهِ وقْتَ إجابَةِ دُعاءِ غَيْرِهِ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَيْفَ يُسْتَجابُ دُعاءُ الكافِرِ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِبْعادُ اسْتِجابَةِ دُعاءِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَأْكُلُ الحَرامَ ويَلْبَسُ الحَرامَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثُ أغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ صفحة ١٦٧ بِالحَرامِ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» ؟، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ اللَّهُ: فَلَمّا اسْتَجابَ دُعاءَهم، وإنَّما قالَ: فَلَمّا نَجّاهم، أيْ لِأنَّهُ قَدَّرَ نَجاتَهم مِن قَبْلِ أنْ يَدْعُوا أوْ لِأنَّ دُعاءَهم صادَفَ دُعاءَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ.

غافر 40:51

﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا مِنَ العَذابِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فادْعُوا وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ . لَمّا لَمْ يَجِدُوا مَساغًا لِلتَّخْفِيفِ مِنَ العَذابِ في جانِبِ كُبَرائِهِمْ، وتَنَصَّلَ كُبَراؤُهم صفحة ١٦٤ مِن ذَلِكَ أوِ اعْتَرَفُوا بِغَلَطِهِمْ وتَوْرِيطِهِمْ قَوْمَهم وأنْفُسَهم تَمالَأ الجَمِيعُ عَلى مُحاوَلَةِ طَلَبِ تَخْفِيفِ العَذابِ بِدَعْوَةٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الَّذِينَ في النّارِ، أيْ جَمِيعِهِمْ مِن الضُّعَفاءِ والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. وخَزَنَةٌ: جَمْعُ خازِنٍ، وهو الحافِظُ لِما في المَكانِ مِن مالٍ أوْ عُرُوضٍ. وخَزَنَةُ جَهَنَّمَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِما تَحْوِيهِ مِنَ النّارِ ووَقُودِها والمُعَذَّبِينَ فِيها ومُوَكَّلُونَ بِتَسْيِيرِ ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ دارُ العَذابِ وأهْلِها ولِذَلِكَ يُقالُ لَهم: خَزَنَةُ النّارِ، لِأنَّ الخَزْنَ لا يَتَعَلَّقُ بِالنّارِ بَلْ بِما يَحْوِيها فَلَيْسَ قَوْلُهُ هُنا جَهَنَّمُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لا يَحْسُنُ إضافَةُ خَزَنَةٍ إلى النّارِ ولَوْ تَقَدَّمَ لَفْظُ جَهَنَّمُ لَقالَ: لِخَزَنَتِها، كَما في قَوْلِهِ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [الملك: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ [الملك: ٨] فَإنَّ الضَّمِيرَ لِ جَهَنَّمَ لا لِ النّارِ. وفِي الكَشّافِ إنَّهُ مِنِ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارُ لِلتَّهْوِيلِ بِلَفْظِ جَهَنَّمَ، والمَسْلَكُ الَّذِي سَلَكْناهُ أوْضَحُ. وفِي إضافَةِ (رَبِّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ضَرْبٌ مِنَ الإغْراءِ بِالدُّعاءِ، أيْ لِأنَّكم أقْرَبُ إلى اسْتِجابَتِهِ لَكم. ولِما ظَنُّوهم أرْجى لِلِاسْتِجابَةِ سَألُوا التَّخْفِيفَ يَوْمًا مِن أزْمِنَةِ العَذابِ وهو أنْفَعُ لَهم مِن تَخْفِيفِ قُوَّةِ النّارِ الَّذِي سَألُوهُ مِن مُسْتَكْبِرِيهِمْ. وجُزِمَ يُخَفِّفْ بَعْدَ الأمْرِ بِالدُّعاءِ، ولَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ لامِ الأمْرِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، ومِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ مَن يَجْعَلُهُ جَزَما في جَوابِ الطَّلَبِ لِتَحْقِيقِ التَّسَبُّبِ. فَيَكُونُ فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الَّذِينَ في النّارِ واثِقُونَ بِأنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ إذا دَعَوُا اللَّهَ اسْتَجابَ لَهم. وهَذا الجَزْمُ شائِعٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ وما في مَعْناهُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ وحَقُّهُ الرَّفْعُ أوْ إظْهارُ لامِ الأمْرِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] في سُورَةِ إبْراهِيمَ. وضُمِّنَ يُخَفَّفْ مَعْنى يُنْقِصُ فَنَصَبَ يَوْمًا، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَذابَ يَوْمٍ، أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ، وانْتَصَبَ يَوْمًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ يُخَفَّفْ. صفحة ١٦٥ واليَوْمُ كِنايَةٌ عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنّا ولَوْ زَمَنًا قَلِيلًا. و﴿مِنَ العَذابِ﴾ بَيانٌ لِ يَوْمًا لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المِقْدارُ فاحْتاجَ إلى البَيانِ عَلى نَحْوِ التَّمْيِيزِ. ويَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِ يُخَفِّفْ. وجَوابُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ لَهم بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُرادِ بِهِ: إظْهارُ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ إذْ لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ حَتّى وقَعُوا في هَذا العَذابِ، وتَنْدِيمُهم عَلى ما أضاعُوهُ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا مِن وسائِلِ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ. وهو كَلامٌ جامِعٌ يَتَضَمَّنُ التَّوْبِيخَ، والتَّنْدِيمَ، والتَّحْسِيرَ، وبَيانِ سَبَبِ تَجَنُّبِ الدُّعاءِ لَهم، وتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ تُحَذِّرُهم مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ. والواوُ في قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكُمْ﴾ لَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى مَوْقِعِها. وهي واوُ العَطْفِ عَطَفَ بِها خَزَنَةُ جَهَنَّمَ كَلامَهم عَلى كَلامِ الَّذِينَ في النّارِ مِن قَبِيلِ طَرِيقَةِ عَطْفِ المُتَكَلِّمِ كَلامًا عَلى كَلامٍ صَدَرَ مِنَ المُخاطَبِ إيماءً إلى أنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِهِ وأنْ لا يُغْفِلَهُ، وهو ما يُلَقَّبُ بِعَطْفِ التَّلْقِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] فَإنَّ أهْلَ النّارِ إذا تَذَكَّرُوا ذَلِكَ عَلِمُوا وجاهَةَ تَنَصُّلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ مِنَ الشَّفاعَةِ لَهم، وتَفْرِيعُ فادْعُوا عَلى ذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ. وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّمَةٌ مِنَ التَّأْخِيرِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، لِوُجُوبِ صَدارَتِها. وجُمْلَةُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تَذْيِيلًا لِكَلامِهِمْ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهم فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ، أيْ دُعاؤُكم لَمْ يَنْفَعْكم لِأنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ في ضَلالٍ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَذْيِيلًا واعْتِراضًا. والبَيِّناتُ: الحُجَجُ الواضِحَةُ والدَّعَواتُ الصَّرِيحَةُ إلى اتِّباعِ الهُدى. فَلَمْ يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَقالُوا: بَلى، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ بِالتَّنَصُّلِ مِن أنْ يَدْعُوا اللَّهَ بِذَلِكَ، إلى إيكالِ أمْرِهِمْ إلى أنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ فادْعُوا تَفْرِيعًا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ. صفحة ١٦٦ ومَعْنى تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ هو أنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ الَّذِي هو التَّنَصُّلُ مِن أنْ يَدْعُوا لَهم، أيْ كَما تَوَلَّيْتُمُ الإعْراضَ عَنِ الرُّسُلِ اسْتِبْدادًا بِآرائِكم فَتَوَلُّوا اليَوْمَ أمْرَ أنْفُسِكم فادْعُوا أنْتُمْ، فَإنَّ مَن تَوَلّى قُرَّها يَتَوَلّى حَرَّها، فالأمْرُ في قَوْلِهِ فادْعُوا مُسْتَعْمَلٌ في الإباحَةِ أوْ في التَّسْوِيَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى خَطَأِ السّائِلِينَ في سُؤالِهِمْ. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿أوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ إلى الأُمَمِ أمْرٌ مُتَقَرِّرٌ مُحَقَّقٌ، لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِنَ الوُجُودِ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ فِعْلَ الإتْيانِ كانَ في الزَّمَنِ الماضِي فَهو مُسْتَفادٌ مَن لَمِ النّافِيَةِ في الماضِي. والضَّلالُ: الضَّياعُ، وأصْلُهُ: خَطَّأُ الطَّرِيقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ . والمَعْنى: أنَّ دُعاءَهم لا يَنْفَعُهم ولا يُقْبَلُ مِنهم، وسَواءٌ كانَ قَوْلُهُ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو مُقْتَضٍ عُمُومَ دُعائِهِمْ لِأنَّ المَصْدَرَ المُضافَ مَن صِيَغِ العُمُومِ فَيَقْتَضِي أنَّ دُعاءَ الكافِرِينَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ في الآخِرَةِ وفي الدُّنْيا لِأنَّ عُمُومَ الذَّواتِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ. وأمّا ما يُوهِمُ اسْتِجابَةَ دُعاءِ الكافِرِينَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ مَن يُنْجِيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها﴾ [الأنعام: ٦٤] وقَوْلِهِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، فَظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ لا تَدُلُّ عَلى اسْتِجابَةِ كَرامَةٍ ولَكِنَّها لِتَسْجِيلِ كَفْرِهِمْ ونُكْرانِهِمْ، وقَدْ يُتَوَهَّمُ في بَعْضِ الأحْوالِ أنْ يَدْعُوَ الكافِرُ فَيَقَعُ ما طَلَبَهُ وإنَّما ذَلِكَ لِمُصادَفَةِ دُعائِهِ وقْتَ إجابَةِ دُعاءِ غَيْرِهِ مِنَ الصّالِحِينَ، وكَيْفَ يُسْتَجابُ دُعاءُ الكافِرِ وقَدْ جاءَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِبْعادُ اسْتِجابَةِ دُعاءِ المُؤْمِنِ الَّذِي يَأْكُلُ الحَرامَ ويَلْبَسُ الحَرامَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثُ أغْبَرُ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ صفحة ١٦٧ بِالحَرامِ فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» ؟، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ اللَّهُ: فَلَمّا اسْتَجابَ دُعاءَهم، وإنَّما قالَ: فَلَمّا نَجّاهم، أيْ لِأنَّهُ قَدَّرَ نَجاتَهم مِن قَبْلِ أنْ يَدْعُوا أوْ لِأنَّ دُعاءَهم صادَفَ دُعاءَ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ.

غافر 40:52

﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلُنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ . كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وهو اسْتِخْلاصٌ لِلْعِبْرَةِ مِنِ القِصَصِ الماضِيَةِ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ ووَعْدِهُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمْ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مِنِ ابْتِداءِ السُّورَةِ كانَ بِذِكْرِ مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وأوْمَأ إلى الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شِيَعَهم آيِلَةٌ إلى خَسارٍ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤]، وامْتَدَّ الكَلامُ في الرَّدِّ عَلى المُجادِلِينَ وتَمْثِيلِ حالِهِمْ بِحالِ أمْثالِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي آلَ أمْرُها إلى خَيْبَةٍ واضْمِحْلالٍ في الدُّنْيا وإلى عَذابٍ دائِمٍ في الآخِرَةِ ولَمّا اسْتَوْفى الغَرَضُ مُقْتَضاهُ مِن إطْنابِ البَيانِ بَيَّنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ عَقِبَهُ أنَّهُ يَنْصُرُ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الكَلامِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥] . وقَدْ عُلِمَ مِن فِعْلِ النَّصْرِ أنَّ هُنالِكَ فَرِيقًا مَنصُورًا عَلَيْهِمُ الرُّسُلُ والمُؤْمِنُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومِنَ المُتَعَيَّنِ أنَّهُمُ الفَرِيقُ المُعانِدُ لِلرُّسُلِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَنَصْرُ الرُّسُلِ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا بِإظْهارِهِمْ عَلَيْهِمْ وإبادَتِهِمْ، وفي الآخِرَةِ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ لَهم وعَذابِ النّارِ لِأعْدائِهِمْ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ لِما فِيهِ مِنِ اسْتِحْضارِ حالاتِ النَّصْرِ العَجِيبَةِ الَّتِي وُصِفَ بَعْضُها في السُّورَةِ ووُصِفَ بَعْضٌ آخَرُ في سُوَرٍ أُخْرى تَقَدَّمَ نُزُولُها، وإلّا فَإنَّ نَصْرَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَبَقُوا مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ مَضى، ونَصْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُتَرَقَّبٌ غَيْرُ حاصِلٍ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ. صفحة ١٦٨ وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (إنْ) وبِجَعْلِ المُسْنَدِ فِعْلِيًا في قَوْلِهِ لَنَنْصُرُ مُراعًى فِيهِ حالُ المُعَرَّضِ بِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رُسُلَهُ عَلَيْهِمْ وهم المُشْرِكُونَ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ. وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهم عَلى مَن ظَلَمَهم في الحَياةِ الدُّنْيا بِأنْ يُوقِعَ الظّالِمَ في سُوءِ عاقِبَةٍ أوْ بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِ مَن يَنْتَقِمُ مِنهُ بِنَحْوٍ أوْ أشَدَّ مِمّا ظَلَمَ بِهِ مُؤْمِنًا. والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ. والقِيامُ: الوُقُوفُ في المَوْقِفِ. والأشْهادُ: الرُّسُلُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، والمُؤْمِنُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وذَلِكَ اليَوْمُ هو يَوْمُ الحَشْرِ، وشَهادَةُ الرُّسُلِ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِمْ مِن جُمْلَةِ نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ وكَذَلِكَ شَهادَةُ المُؤْمِنِينَ. و﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وهو مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الظَّرْفِ. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ. والمَعْذِرَةُ اسْمُ مَصْدَرِ اعْتَذَرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وظاهِرُ إضافَةِ المَعْذِرَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّهم تَصْدُرُ مِنهم يَوْمَئِذٍ مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ العَذابَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] وهَذا لا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] الَّذِي هو في انْتِفاءِ الِاعْتِذارُ مِن أصْلِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِذارَ هو الِاعْتِذارُ المَأْذُونُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم: ٥٧] في سُورَةِ الرُّومِ. وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ لا يَنْفَعُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ الفاعِلَ وهو (مَعْذِرَةُ) غَيْرُ حَقِيقِيُّ التَّأْنِيثِ ولِلْفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وفاعِلِهِ بِالمَفْعُولِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ. ولَهُمُ اللَّعْنَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أيْ ويَوْمَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ. صفحة ١٦٩ واللَّعْنَةُ: البُعْدُ والطَّرْدُ، أيْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [الرعد: ٢٥] هي جَهَنَّمُ. وتَقْدِيمُ لَهم في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِالِانْتِقامِ مِنهم.

غافر 40:53

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ . هَذا مِن أوْضَحِ مَثَلِ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وهو أشْبَهُ الأمْثالِ بِالنَّصْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ نَصْرَ مُوسى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَوَّنَ اللَّهُ بِهِ أُمَّةً عَظِيمَةً لَمْ تَكُنْ يُؤْبَهُ بِها وأُوتِيَتْ شَرِيعَةً عَظِيمَةً ومُلْكًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ كانَ نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ كانَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأكْمَلَ وأشْرَفَ. فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وبَيْنَ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥]، وأيُّ نَصْرٍ أعْظَمُ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والقِلَّةِ والتَّبَعِ لِأُمَّةٍ أُخْرى في أحْكامٍ تُلائِمُ أحْوالَ الأُمَّةِ التّابِعَةِ، إلى مَصِيرِ الأُمَّةِ مالِكَةِ أمْرِ نَفْسِها ذاتِ شَرِيعَةٍ مُلائِمَةٍ لِأحْوالِها ومَصالِحِها وسِيادَةٍ عَلى أُمَمٍ أُخْرى، وذَلِكَ مِثْلُ المُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ وبَعْدَهُ وهو إيماءٌ إلى الوَعْدِ بِأنَّ القُرْآنَ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ باقٍ مَوْرُوثٌ في الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى هو ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيِ الرِّسالَةِ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وهي المُرادُ بِالكِتابِ، أيِ التَّوْراةِ، وهو الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ جَعَلَهُ باقِيًا فِيهِمْ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهم ورِثُوهُ عَنْ مُوسى، أيْ أخَذُوهُ مِنهُ في حَياتِهِ وأبْقاهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ وفاتِهِ، فَإطْلاقُ الإيراثِ اسْتِعارَةٌ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ الكِتابَ مِن جُمْلَةِ الهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى، قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى والكِتابَ وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ، فَإنَّ مُوسى أُوتِيَ مِنَ الهُدى ما لَمْ يَرِثْهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الرِّسالَةُ وأُوتِيَ مِنَ الهُدى ما أُورِثَهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الشَّرِيعَةُ الَّتِي في التَّوْراةِ. و﴿هُدًى وذِكْرى﴾ حالانِ مِنَ الكِتابِ، أيْ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرى صفحة ١٧٠ لَهم، فَفِيهِ عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ المُتَعَلِّمُونَ، وفِيهِ ذِكْرى لِما عَلِمَهُ أهْلُ العِلْمِ مِنهم، وتَشْمَلُ الذِّكْرى اسْتِنْباطَ الأحْكامِ مِن نُصُوصِ الكِتابِ وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالعُلَماءِ مِنهم مِن أنْبِيائِهِمْ وقُضاتِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَيَكُونُ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِذِكْرى. وأُولُو الألْبابِ: أُولُو العُقُولِ الرّاجِحَةِ القادِرَةِ عَلى الِاسْتِنْباطِ.

غافر 40:54

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ ﴿هُدًى وذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ . هَذا مِن أوْضَحِ مَثَلِ نَصْرِ اللَّهِ رُسُلَهُ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ وهو أشْبَهُ الأمْثالِ بِالنَّصْرِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ نَصْرَ مُوسى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ كَوَّنَ اللَّهُ بِهِ أُمَّةً عَظِيمَةً لَمْ تَكُنْ يُؤْبَهُ بِها وأُوتِيَتْ شَرِيعَةً عَظِيمَةً ومُلْكًا عَظِيمًا، وكَذَلِكَ كانَ نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ كانَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأكْمَلَ وأشْرَفَ. فَجُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وبَيْنَ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥]، وأيُّ نَصْرٍ أعْظَمُ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العُبُودِيَّةِ والقِلَّةِ والتَّبَعِ لِأُمَّةٍ أُخْرى في أحْكامٍ تُلائِمُ أحْوالَ الأُمَّةِ التّابِعَةِ، إلى مَصِيرِ الأُمَّةِ مالِكَةِ أمْرِ نَفْسِها ذاتِ شَرِيعَةٍ مُلائِمَةٍ لِأحْوالِها ومَصالِحِها وسِيادَةٍ عَلى أُمَمٍ أُخْرى، وذَلِكَ مِثْلُ المُسْلِمِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ وبَعْدَهُ وهو إيماءٌ إلى الوَعْدِ بِأنَّ القُرْآنَ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ باقٍ مَوْرُوثٌ في الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ. والهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى هو ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيِ الرِّسالَةِ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وهي المُرادُ بِالكِتابِ، أيِ التَّوْراةِ، وهو الَّذِي أوْرَثَهُ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ جَعَلَهُ باقِيًا فِيهِمْ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهم ورِثُوهُ عَنْ مُوسى، أيْ أخَذُوهُ مِنهُ في حَياتِهِ وأبْقاهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ وفاتِهِ، فَإطْلاقُ الإيراثِ اسْتِعارَةٌ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ الكِتابَ مِن جُمْلَةِ الهُدى الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسى، قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى والكِتابَ وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ، فَإنَّ مُوسى أُوتِيَ مِنَ الهُدى ما لَمْ يَرِثْهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الرِّسالَةُ وأُوتِيَ مِنَ الهُدى ما أُورِثَهُ بَنُو إسْرائِيلَ وهو الشَّرِيعَةُ الَّتِي في التَّوْراةِ. و﴿هُدًى وذِكْرى﴾ حالانِ مِنَ الكِتابِ، أيْ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرى صفحة ١٧٠ لَهم، فَفِيهِ عِلْمُ ما لَمْ يَعْلَمْهُ المُتَعَلِّمُونَ، وفِيهِ ذِكْرى لِما عَلِمَهُ أهْلُ العِلْمِ مِنهم، وتَشْمَلُ الذِّكْرى اسْتِنْباطَ الأحْكامِ مِن نُصُوصِ الكِتابِ وهو الَّذِي يَخْتَصُّ بِالعُلَماءِ مِنهم مِن أنْبِيائِهِمْ وقُضاتِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَيَكُونُ ﴿لِأُولِي الألْبابِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِذِكْرى. وأُولُو الألْبابِ: أُولُو العُقُولِ الرّاجِحَةِ القادِرَةِ عَلى الِاسْتِنْباطِ.

غافر 40:55

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] أيْ فاعْلَمْ أنّا ناصِرُوكَ والَّذِينَ آمَنُوا واصْبِرْ عَلى ما تُلاقِيهِ مِن قَوْمِكَ ولا تَهِنْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ. وإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهي في مِثْلِ هَذا المَقامِ تُغْنِي غَناءَ فاءِ التَّعْلِيلِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ ويُفادُ بِأنَّ التَّأْكِيدَ الَّذِي هو لِلِاهْتِمامِ والتَّحْقِيقِ. ووَعْدُ اللَّهِ هو وعْدُ رَسُولِهِ بِالنَّصْرِ في الآيَةِ السّابِقَةِ وفي غَيْرِ ما آيَةٍ. والمَعْنى لا تَسْتَبْطِئِ النَّصْرَ فَإنَّهُ واقِعٌ، وذَلِكَ ما نُصِرَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ في أيّامِهِ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ ويَوْمَ حُنَيْنٍ وفي أيّامِ الغَزَواتِ الأُخْرى. وما عَرَضَ مِنَ الهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ امْتِحانًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ عَدَمِ الحِفاظِ عَلى وصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ لا يَبْرَحُوا مِن مَكانِهِمْ ثُمَّ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ. وعُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ الأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ والتَّسْبِيحِ فَكانا داخِلَيْنِ في سِياقِ التَّفْرِيعِ عَلى الوَعْدِ بِالنَّصْرِ رَمْزًا إلى تَحْقِيقِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أمَرَ عَقِبَهُ بِما هو مِن آثارِ الشُّكْرِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ نِعْمَةِ النَّصْرِ حاصِلَةً لا مَحالَةَ، وهَذِهِ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ. والأمْرُ بِالِاسْتِغْفارِ أمْرٌ بِأنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى المَغْفِرَةَ الَّتِي اقْتَضَتْها النُّبُوءَةُ، صفحة ١٧١ أيِ اسْألِ اللَّهَ دَوامَ العِصْمَةِ لِتَدُومَ المَغْفِرَةُ، وهَذا مَقامُ التَّخْلِيَةِ عَنِ الأكْدارِ النَّفْسِيَّةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ أُمَّتَهُ مَطْلُوبُونَ بِذَلِكَ بِالأحْرى كَقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وأيْضًا فالنَّبِيءُ ﷺ مَأْمُورٌ بِالِاسْتِغْفارِ تَعَبُّدًا وتَأدُّبًا. وأُمِرَ بِتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيهِهِ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ، أيِ الأوْقاتِ كُلِّها فاقْتَصَرَ عَلى طَرَفَيْ أوْقاتِ العَمَلِ. والعَشِيُّ: آخِرُ النَّهارِ إلى ابْتِداءِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ طَعامُ اللَّيْلِ عَشاءً، وسُمِّيَتِ الصَّلاةُ الأخِيرَةُ بِاللَّيْلِ عِشاءً. والإبْكارُ: اسْمٌ لِبُكْرَةِ النَّهارِ كالإصْباحِ اسْمٌ لِلصَّباحِ، والبُكْرَةُ أوَّلُ النَّهارِ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَقَدَّمَ العَشِيُّ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا مَقامُ التَّحَلِّي بِالكَمالاتِ النَّفْسِيَّةِ وبِذَلِكَ يَتِمُّ الشُّكْرُ ظاهِرًا وباطِنًا. وجُعِلَ الأمْرانِ مَعْطُوفَيْنِ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ الصَّبْرَ هُنا لِانْتِظارِ النَّصْرِ المَوْعُودِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالصَّبْرِ لَمّا حَصَلَ النَّصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] فَإنَّ ذَلِكَ مَقامُ مَحْضِ الشُّكْرِ دُونَ الصَّبْرِ. وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ بِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ كَما في أوَّلِ سُورَةِ الفَتْحِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ في سُورَةِ غافِرٍ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ، لِطَلَبِ دَوامِ المَغْفِرَةِ، وكانَ أمْرُهُ بِهِ في سُورَةِ النَّصْرِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَهُ بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، لِلْإرْشادِ إلى شُكْرِ نِعْمَةِ النَّصْرِ، وقَدْ «قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ لِلنَّبِيءِ ﷺ في شَأْنِ عِبادَتِهِ إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَقالَ: أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. وكانَ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ في سُجُودِهِ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. بَعْدَ نُزُولِ سُورَةِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يَتَأوَّلُ القُرْآنُ» . وبِحُكْمِ السِّياقِ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا عَلاقَةَ لَها بِفَرْضِ الصَّلاةِ ولا بِأوْقاتِها وإنَّما هي عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] في سُورَةِ النَّصْرِ.

غافر 40:56

صفحة ١٧٢ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ . جَرى الكَلامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في مَيْدانِ الرَّدِّ عَلى مُجادَلَةِ المُشْرِكِينَ في آياتِ اللَّهِ ودَحْضِ شُبَهِهِمْ وتَوَعُّدِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وضَرْبِ الأمْثالِ لَهم بِأمْثالِهِمْ مِن أهْلِ العِنادِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا وقَوْلِهِ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ، كَما ذُكِرَتْ أمْثالُ أضْدادِهِمْ مِن أهْلِ الإيمانِ مَن حَضَرَ مِنهم ومَن غَبَرَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٤] ثُمَّ قَوْلِهِ وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِوَعْدِ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ كَما نَصَرَ النَّبِيئِينَ مِن قَبْلِهِ والَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ، وأمَرَ بِالصَّبْرِ عَلى عِنادِ قَوْمِهِ والتَّوَجُّهِ إلى عِبادَةِ رَبِّهِ، فَكانَ ذِكْرُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ عَقِبَ ذَلِكَ مِن بابِ المَثَلِ المَشْهُورِ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ. وبِهَذِهِ المُناسَبَةِ انْتَقَلَ هُنا إلى كَشْفِ ما تُكِنُّهُ صُدُورُ المُجادِلِينَ مِن أسْبابِ جِدالِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ ﷺ دَخِيلَتَهم فَلا يَحْسَبُ أنَّهم يُكَذِّبُونَهُ تَنَقُّصًا لَهُ ولا تَجْوِيزًا لِلْكَذِبِ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدْفَعُهم إلى التَّكْذِيبِ هو التَّكَبُّرُ عَنْ أنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلرَّسُولِ ﷺ ووَراءَ الَّذِينَ سَبَقُوهم بِالإيمانِ مِمَّنْ كانُوا لا يَعْبَئُونَ بِهِمْ. وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . فَقَوْلُهُ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ الآيَةَ، اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو كالتَّكْرِيرِ لِجُمْلَةِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ تَكْرِيرُ تِعْدادٍ لِلتَّوْبِيخِ عِنْدَ تَنْهِيَةِ غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ كَما يُوقَفُ المُوَبَّخُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ. والَّذِينَ يُجادِلُونَ هم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ المُخْبَرُ عَنْهم في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] . ومَعْنى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ تَقَدَّمَ هُناكَ. صفحة ١٧٣ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ بِغَيْرِ سُلْطانٍ بِ يُجادِلُونَ، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ مُصاحِبٌ لَهم غَيْرَ سُلْطانٍ، أيْ غَيْرَ حُجَّةٍ، أيْ أنَّهم يُجادِلُونَ مُجادَلَةَ عِنادٍ وغَصْبٍ. وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ تَشْنِيعُ مُجادَلَتِهِمْ وإلّا فَإنَّ المُجادَلَةَ في آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بِغَيْرِ سُلْطانٍ لِأنَّ آياتِ اللَّهِ لا تَكُونُ مُخالِفَةً لِلْواقِعِ فَهَذا القَيْدُ نَظِيرُ القَيْدِ في قَوْلِهِ ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ، وكَذَلِكَ وُصِفَ سُلْطانٌ بِجُمْلَةِ أتاهم لِزِيادَةِ تَفْظِيعِ مُجادَلَتِهِمْ بِأنَّها عَرِيَّةٌ عَنْ حُجَّةٍ لَدَيْهِمْ فَهم يُجادِلُونَ بِما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ أوَّلِ هَذِهِ الآيَةِ في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ في هَذِهِ السُّورَةِ. وإنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ نافِيَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وكِبْرٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ، وأطْلَقَ الصُّدُورَ عَلى القُلُوبِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، والمُرادُ ضَمائِرُ أنْفُسِهِمْ، والعَرَبُ يُطْلِقُونَ القَلْبَ عَلى العَقْلِ لِأنَّ القَلْبَ هو الَّذِي يُحِسُّ الإنْسانُ بِحَرَكَتِهِ عِنْدَ الِانْفِعالاتِ النَّفْسِيَّةِ مِنَ الفَرَحِ وضِدِّهِ والِاهْتِمامِ بِالشَّيْءِ. والكِبْرُ مِنَ الِانْفِعالاتِ النَّفْسِيَّةِ، وهو: إدْراكُ الإنْسانِ خَواطِرَ تُشْعِرُهُ بِأنَّهُ أعْظَمُ مِن غَيْرِهِ فَلا يَرْضى بِمُساواتِهِ بَلْهَ مُتابَعَتِهِ، وتَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ إلّا الكِبْرُ عَلى الَّذِي جاءَهم بِها ولَيْسَتْ مُجادَلَتُهم لِدَلِيلٍ لاحَ لَهم. وقَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الكِبْرَ الباعِثَ عَلى المُجادَلَةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ لِيَنْفِيَ - أنْ يَكُونَ داعِيَهم إلى المُجادَلَةِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ الكِبْرِ عَلى وجْهٍ مُؤَكَّدٍ، فَإنَّ القَصْرَ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ لِما يَتَضَمَّنُهُ مِن إثْباتِ الشَّيْءِ بِوَجْهٍ مَخْصُوصٍ مُؤَكَّدٍ، ومِن نَفْيِ ما عَداهُ فَتَضَمَّنَ جُمْلَتَيْنِ. وجُمْلَةُ ما هم بِبالِغِيهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ صفحة ١٧٤ الصِّفَةِ لِـ (كِبْرٌ)، وحَقِيقَةُ البُلُوغِ: الوُصُولُ، قالَ تَعالى ﴿إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] ويُطْلَقُ عَلى نَوالِ الشَّيْءِ وتَحْصِيلِهِ مَجازًا مُرْسَلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهم وهو هُنا مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ لا مَحالَةَ، أيْ ما هم بِبالِغِي الكِبْرِ. وإذْ قَدْ كانَ الكِبْرُ مُثْبَتًا حُصُولُهُ في نُفُوسِهِمْ إثْباتًا مُؤَكَّدًا بِقَوْلِهِ ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾، تَعَيَّنَ أنَّ نَفْيَ بُلُوغِهِمُ الكِبْرَ مُنْصَرِفٌ إلى حالاتِ الكِبْرِ: فَإمّا أنْ يُرادَ نَفْيُ أهْلِيَّتِهِمْ لِلْكِبْرِ إذْ هم أقَلُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهُمُ الكِبْرُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنهُ الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] أيْ لا عِزَّةَ حَقًّا لَهم، فالمَعْنى هُنا: كِبْرُ زَيْفٍ؛ وإمّا أنْ يُرادَ نَفْيُ نَوالِهِمْ شَيْئًا مِن آثارِ كِبْرِهِمْ مِثْلَ تَحْقِيرِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ احْتِقارِ المُتَكَبِّرِ عَلَيْهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ إيّاهم فِيما يَدْعُونَهم إلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ أتْباعِهِمْ، وإذْلالِهِمْ، وإفْحامِ حُجَّتِهِمْ، فالمَعْنى: ما هم بِبالِغِينَ مُرادَهُمُ الَّذِي يَأْمُلُونَهُ مِنكَ في نُفُوسِهِمُ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أقْوالُهم مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وقَوْلِهِمْ ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمُ الكاشِفَةِ لِآمالِهِمْ. فَتَنْكِيرُ (كِبْرٌ) لِلتَّعْظِيمِ، أيْ كِبْرٌ شَدِيدٌ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ، وتَمَكُّنِهِ مِن نُفُوسِهِمْ، فالضَّمِيرُ البارِزُ في بِبالِغِيهِ عائِدٌ إلى الكِبْرِ عَلى وجْهِ المَجازِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ أوِ المُسَبَّبِيَّةِ، والدّاعِي إلى هَذا المَجازِ طَلَبُ الإيجازِ لِأنَّ تَعْلِيقَ نَفْيِ البُلُوغِ بِاسْمِ ذاتِ الكِبْرِ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأحْوالِ الَّتِي يُثِيرُها الكِبْرُ، وهَذا مِن مَقاصِدِ إسْنادِ الأحْكامِ إلى الذَّواتِ إنْ لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلى إرادَةِ حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ [الزخرف: ٣٢] أيْ جَمِيعَ أحْوالِ مَعِيشَتِهِمْ. فَشِمَلَ قَوْلُهُ ما هم بِبالِغِيهِ عَدَمَ بُلُوغِهِمْ شَيْئًا مِمّا يَنْطَوِي عَلَيْهِ كِبْرُهم، فَما بَلَغُوا الفَضْلَ عَلى غَيْرِهِمْ حَتّى يَتَكَبَّرُوا، ولا مَطْمَعَ لَهم في حُصُولِ آثارِ كِبْرِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] . وقَدْ نُفِيَ أنْ يَبْلُغُوا مُرادَهم بِصَوْغِهِ في قالَبِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَتِها ثَباتَ مَدْلُولِها ودَوامِهِ، فالمَعْنى: أنَّهم مَحْرُومُونَ مِن بُلُوغِهِ حِرْمانًا مُسْتَمِرًّا، فاشْتَمَلَ تَشْوِيهُ حالِهِمْ إثْباتًا ونَفْيًا عَلى خُصُوصِيّاتٍ بَلاغِيَّةٍ كَثِيرَةٍ. صفحة ١٧٥ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ماصَدَقَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ هُنا اليَهُودَ، وجَعَلَهُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، وارْتَقى بِذَلِكَ إلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أُلْحِقَتْ بِالسُّورَةِ المَكِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ السُّورَةِ، وأيَّدُوا تَفْسِيرَهم هَذا بِآثارٍ لَوْ صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ فِيها دَلالَةٌ عَلى أكْثَرَ مِن صُلُوحِيَّةِ الآيَةِ لَأنْ تُضْرَبَ مَثَلًا لِكُلِّ فَرِيقٍ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ جِدالًا يَدْفَعُهم إلَيْهِ الكِبْرُ. * * * ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . لَمّا ضَمِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَهُ فِيما جاءَهم بِهِ يَحْدُوهم إلى الجِدالِ كِبْرُهُمُ المُنْطَوِي عَلى كَيْدِهِمْ وأنَّهم لا يَبْلُغُونَ ما أضْمَرُوهُ وما يُضْمِرُونَهُ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أمَرَهُ بِأنْ يَجْعَلَ اللَّهَ مَعاذَهُ مِنهم، أيْ لا يَعْبَأُ بِما يُبَيِّتُونَهُ، أيْ قَدِّمْ عَلى طَلَبِ العَوْذِ بِاللَّهِ وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ اسْتَعِذْ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ الِاسْتِعاذَةِ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الِاسْتِعاذَةِ، أيْ لِأنَّهُ المُطَّلِعُ عَلى أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأنْتَ لا تُحِيطُ عِلْمًا بِتَصارِيفِ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ. والتَّوْكِيدُ بِحَرْفِ إنَّ، والحَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ مُراعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالمُتَحَدَّثِ عَنْهم وهُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ. والمَعْنى: أنَّهُ هو القادِرُ عَلى إبْطالِ ما يَصْنَعُونَهُ لا أنْتَ فَكَيْفَ يَتِمُّ لَهم ما أضْمَرُوهُ لَكَ.

غافر 40:57

﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ . مُناسَبَةُ اتِّصالِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ أنَّ أهَمَّ ما جادَلُوا فِيهِ مِن آياتِ اللَّهِ هي الآياتُ المُثْبِتَةُ لِلْبَعْثِ وجِدالُهم في إثْباتِ البَعْثِ هو أكْبَرُ شُبْهَةٍ لَهم ضَلَّلَتْ أنْفُسَهم صفحة ١٧٦ ورَوَّجُوها في عامَّتِهِمْ فَقالُوا ”﴿أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥]“ . فَكانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ بِأنَّ بَعْثَ الأمْواتِ لا يَبْلُغُ أمْرُهُ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. والكَلامُ مُؤْذِنٌ بِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ لِأنَّ اللّامَ لامُ جَوابِ القَسَمِ، والمَقْصُودُ: تَأْكِيدُ الخَبَرِ. ومَعْنى أكْبَرُ أنَّهُ أعْظَمُ وأهَمُّ وأكْثَرُ مُتَعَلَّقاتِ قُدْرَةٍ بِالقادِرِ عَلَيْهِ لا يَعْجِزُ عَنْ خَلْقِ ناسٍ يَبْعَثُهم لِلْحِسابِ. فالمُرادُ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ مِن خَلْقِ النّاسِ الَّذِينَ يُعِيدُ اللَّهُ خِلْقَتَهم كَما بَدَأهم أوَّلَ مَرَّةٍ ويُودِعُ فِيهِمْ أرْواحَهم كَما أوْدَعَها فِيهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّ كَوْنَ خَلْقِها أكْبَرَ هو أمْرٌ مَعْلُومٌ وإنَّما أُرِيدَ التَّذْكِيرُ والتَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِهِ. ومُوقِعُ الِاسْتِدْراكِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ما اقْتَضاهُ التَّوْكِيدُ بِالقِسْمِ مِنَ اتِّضاحِ أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ. فالمَعْنى: أنَّ حُجَّةَ إمْكانِ البَعْثِ واضِحَةٌ ولَكِنَّ الَّذِينَ يُنْكِرُونَها لا يَعْلَمُونَ، أيْ لا يَعْلَمُونَ الدَّلِيلَ لِأنَّهم مُتَلاهُونَ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ مُقْتَنِعُونَ بِبادِئِ الخَواطِرِ الَّتِي تَبْدُو لَهم فَيَتَّخِذُونَها عَقِيدَةً دُونَ بَحْثٍ عَنْ مُعارِضِها، فَلَمّا جَرَوْا عَلى حالَةِ انْتِقاءِ العِلْمِ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا عِلْمَ لَهم فَلِذَلِكَ نَزَلَ فِعْلُ يَعْلَمُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ ولَمْ يُذْكَرْ لَهُ مَفْعُولٌ. فالمُرادُ بِ أكْثَرَ النّاسِ هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ البَعْثِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأمّا الَّذِينَ عَلِمُوا ذَلِكَ فَهُمُ المُؤْمِنُونَ وهم أقَلُّ مِنهم عَدَدًا. وإظْهارُ لَفْظِ النّاسِ في قَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ مَعَ أنَّ صفحة ١٧٧ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ، لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِالدَّلالَةِ فَتَصْلُحُ لِأنْ تَسِيرَ مَسِيرَ الأمْثالِ، فالمَعْنى أنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ لِاسْتِبْعادِهِمْ خَلْقَ الأجْسامِ مَعَ أنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ما لا يَبْقى مَعَهُ اسْتِبْعادٌ مِثْلَ ذَلِكَ.

غافر 40:58

”﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلًا ما يَتَذَكَّرُونَ﴾“ . لَمّا نَزَّلَهم مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ ضَرَبَ مَثَلًا لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَثَلُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في أمْرِ البَعْثِ مَعَ وُضُوحِ إمْكانِهِ مَثَلُ الأعْمى، ومَثَلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ حالَ البَصِيرِ، وقَدْ عُلِمَ حالُ المُؤْمِنِينَ مِن مَفْهُومِ صِفَةِ أكْثَرَ النّاسِ لِأنَّ الأكْثَرِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يُقابِلُهم أقَلُّونَ يَعْلَمُونَ. والمَعْنى: لا يَسْتَوِي الَّذِينَ اهْتَدَوْا والَّذِينَ هم في ضَلالٍ، فَإطْلاقُ الأعْمى والبَصِيرِ اسْتِعارَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ تَضَمَّنَهُما قَوْلُهُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ. ونَفْيُ الِاسْتِواءِ بَيْنَهُما يَقْتَضِي تَفْضِيلَ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ كَما قَدَّمْنا في قَوْلِهِ تَعالى لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ، ومِنَ المُتَبادَرِ أنَّ الأفْضَلَ هو صاحِبُ الحالِ الأفْضَلِ وهو البَصِيرُ إذْ لا يَخْتَلِفُ النّاسُ في أنَّ البَصَرَ أشْرَفُ مِنَ العَمى في شَخْصٍ واحِدٍ، ونَفْيُ الِاسْتِواءِ بِدُونِ مُتَعَلِّقٍ يَقْتَضِي العُمُومَ في مُتَعَلِّقاتِهِ، لَكِنَّهُ يُخَصُّ بِالمُتَعَلِّقاتِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها سِياقُ الكَلامِ وهي آياتُ اللَّهِ ودَلائِلُ صِفاتِهِ، ويُسَمّى مِثْلُ هَذا العُمُومِ العُمُومَ العُرْفِيَّ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُها في سُورَةِ فاطِرٍ. وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ زِيادَةُ بَيانٍ لِفَضِيلَةِ أهْلِ الإيمانِ بِذِكْرِ فَضِيلَتِهِمْ في أعْمالِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ فَضْلِهِمْ في إدْراكِ أدِلَّةِ إمْكانِ البَعْثِ ونَحْوِهِ مِن أدِلَّةِ الإيمانِ. والمَعْنى: وما يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ والمُسِيئُونَ، أيْ في أعْمالِهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ، وفِيهِ إيماءٌ إلى صفحة ١٧٨ اخْتِلافِ جَزْيِ الفَرِيقَيْنِ وهَذا الإيماءُ إدْماجٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ. والواوُ في قَوْلِهِ والَّذِينَ آمَنُوا عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ بِتَقْدِيرِ: وما يَسْتَوِي الَّذِينَ آمَنُوا. والواوُ في قَوْلِهِ ولا المُسِيءُ عاطِفَةٌ المُسِيءُ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا عَطَفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، فالعَطْفُ الأوَّلُ عَطْفُ المَجْمُوعِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ. وإنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ الأعْمى عَلى ذِكْرِ البَصِيرِ مَعَ أنَّ البَصَرَ أشْرَفُ مِنَ العَمى بِالنِّسْبَةِ لِذاتٍ واحِدَةٍ، والمُشَبَّهَ بِالبَصِيرِ أشْرَفُ مِنَ المُشَبَّهِ بِالأعْمى إذِ المُشَبَّهُ بِالبَصِيرِ المُؤْمِنُونَ، فَقَدْ ذَكَرَ تَشْبِيهَ الكافِرِينَ مُراعاةً لِكَوْنِ الأهَمِّ في المَقامِ بَيانَ حالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في الآياتِ إذْ هُمُ المَقْصُودُ بِالمَوْعِظَةِ. وأمّا قَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ فَإنَّما رَتَّبَ فِيهِ ذِكْرَ الفَرِيقَيْنِ عَلى عَكْسِ تَرْتِيبِهِ في التَّشْبِيهِ بِالأعْمى والبَصِيرِ اهْتِمامًا بِشَرَفِ المُؤْمِنِينَ. وأُعِيدَتْ لا النّافِيَةُ بَعْدَ واوِ العَطْفِ عَلى النَّفْيِ، وكانَ العَطْفُ مُغْنِيًا عَنْها فَإعادَتُها لِإفادَتِها تَأْكِيدَ نَفْيِ المُساواةِ ومَقامُ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِي الإطْنابَ، ولِذَلِكَ تُعَدُّ (لا) في مِثْلِهِ زائِدَةً كَما في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ تَقَعَ لا قَبْلَ الَّذِينَ آمَنُوا، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَدَمُ مُساواةِ المُسِيءِ لِمَن عَمِلَ الصّالِحاتِ، وأنَّ ذِكْرَ الَّذِينَ آمَنُوا قَبْلَ المُسِيءِ لِلِاهْتِمامِ بِالَّذِينَ آمَنُوا ولا مُقْتَضِيَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ بَعْدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الِاهْتِمامِ بِالَّذِينَ سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِ تَمْثِيلِهِمْ، فَحَصَلَ في الكَلامِ اهْتِمامانِ. وقَرِيبٌ مِنهُ ما في سُورَةِ فاطِرٍ في أرْبَعِ جُمَلٍ: اثْنَتَيْنِ قُدِّمَ فِيهِما جانِبُ تَشْبِيهِ الكافِرِينَ، واثْنَتَيْنِ قُدِّمَ فِيهِما تَشْبِيهُ جانِبِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾ [فاطر: ٢٢] . (وقَلِيلًا) حالٌ مِن (أكْثَرَ النّاسِ) في قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ صفحة ١٧٩ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وما في قَوْلِهِ ما يَتَذَكَّرُونَ مَصْدَرِيَّةٌ وهي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وهَذا مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] لِأنَّ قِلَّةَ التَّذَكُّرِ تُئَوَّلُ إلى عَدَمِ العِلْمِ، والقِلَّةُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى صَرِيحِ مَعْناها ويَكُونُ المُرادُ بِالقِلَّةِ عَدَمَ التَّمامِ، أيْ لا يَعْلَمُونَ فَإذا تَذَكَّرُوا تَذَكَّرُوا تَذَكُّرًا لا يَتَمَنَّوْنَهُ فَيَنْقَطِعُونَ في أثْنائِهِ عَنِ التَّعَمُّقِ إلى اسْتِنْباطِ الدَّلالَةِ مِنهُ فَهو كالعَدَمِ في عَدَمِ تَرَتُّبِ أثَرِهِ عَلَيْهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَتَذَكَّرُونَ“ بِياءِ الغَيْبَةِ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الكَلامِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ تَتَذَكَّرُونَ بِتاءِ الخِطابِ عَلى الِالتِفاتِ، والخِطابُ لِلَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ. وكَوْنُ الخِطابِ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ مِن مُؤْمِنِينَ ومُشْرِكِينَ وأنَّ التَّذَكُّرَ القَلِيلَ هو تَذَكُّرُ المُؤْمِنِينَ فَهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ المُشْرِكِينَ بَعِيدٌ عَنْ سِياقِ الرَّدِّ ولا يُلاقِي الِالتِفاتَ.

غافر 40:59

﴿إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . لَمّا أُعْطِيَ إثْباتُ البَعْثِ ما يَحِقُّ مِنَ الحِجاجِ والِاسْتِدْلالِ، تَهَيَّأ المَقامُ لِاسْتِخْلاصِ تَحْقِيقِهِ كَما تُسْتَخْلَصُ النَّتِيجَةُ مِنَ القِياسِ، فَأُعْلِنَ بِتَحْقِيقِ مَجِيءِ السّاعَةِ وهي ساعَةُ البَعْثِ إذِ السّاعَةُ في اصْطِلاحِ الإسْلامِ عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ البَعْثِ، فالسّاعَةُ والبَعْثُ مُتَرادِفانِ في المَآلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِي جادَلَ فِيهِ المُجادِلُونَ سَيَقَعُ لا مَحالَةَ إذِ انْكَشَفَتْ عَنْهُ شُبَهُ الضّالِّينَ وتَمْوِيهاتُهم فَصارَ بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـإنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الخَبَرَ تَحَقَّقَ بِالأدِلَّةِ السّابِقَةِ. وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ، ولِهَذا لَمْ صفحة ١٨٠ يُؤْتَ بِلامِ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ في سُورَةِ طه (﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]) لِأنَّ الخِطابَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وجِيءَ بِاسْمِ الفاعِلِ في آتِيَةٌ الَّذِي هو حَقِيقَةٌ في الحالِ، لِلْإيماءِ إلى أنَّها لَمّا تَحَقَّقَتْ فَقَدْ صارَتْ كالشَّيْءِ الحاضِرِ المُشاهَدِ. والمُرادُ تَحْقِيقُ وُقُوعِها لا الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِها. وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيها مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ إنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ، ونَفْيُ الرَّيْبِ عَنْ نَفْسِ السّاعَةِ، والمُرادُ نَفْيُهُ عَنْ إتْيانِها لِدَلالَةِ قَوْلِهِ آتِيَةٌ عَلى ذَلِكَ. ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ في وُقُوعِها: أنَّ دَلائِلَها واضِحَةٌ بِحَيْثُ لا يُعْتَدُّ بِرَيْبِ المُرْتابِينَ فِيها لِأنَّهُمُ ارْتابُوا فِيها لِعَدَمِ الرَّوِيَّةِ والتَّفَكُّرِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ. فَمَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هو ما يُثِيرُهُ نَفْيُ الرَّيْبِ عَنْ وُقُوعِها مِن أنْ يَتَساءَلَ مُتَسائِلٌ كَيْفَ يَنْفِي الرَّيْبَ عَنْها ؟ والرَّيْبُ حاصِلٌ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، فَكانَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ. والمَعْنى: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ يَمُرُّونَ بِالأدِلَّةِ والآياتِ وهم مُعْرِضُونَ عَنْ دَلالَتِها فَيَبْقَوْنَ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِمَدْلُولاتِها ولَوْ تَأمَّلُوا واسْتَنْبَطُوا بِعُقُولِهِمْ لَظَهَرَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ ما يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، فَلِذَلِكَ نُفِيَ عَنْهم هُنا وصْفُ الإيمانِ. وهَذا الِاسْتِدْراكُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، ولَوْلا أنَّ لَكِنَّ يَكْثُرُ أنْ تَقَعَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ لَكانَتِ الجُمْلَةُ جَدِيرَةً بِالفَصْلِ دُونَ عَطْفٍ، فَهَذا العَطْفُ تَحْلِيَةٌ لَفْظِيَّةٌ. وأكْثَرُ النّاسِ هُمُ المُشْرِكُونَ، وهم يَوْمَئِذٍ أكْثَرُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جِدًّا.

غافر 40:60

﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ . لَمّا كانَتِ المُجادَلَةُ في آياتِ اللَّهِ تَشْمَلُ مُجادَلَتَهم في وحْدانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ صفحة ١٨١ قَوْلُهُ الآتِي، ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [غافر: ٧٣] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤]، فَجَعَلَ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو نَقِيضَ ما قِيلَ لَهم ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢]، وتَشْمَلُ المُجادَلَةُ في وُقُوعِ البَعْثِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩] إلى قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] الآيَةَ، أعْقَبَ ذِكْرَ المُجادَلَةِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وذَلِكَ اسْتِدْلالٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، تَحْذِيرًا مِنَ الإشْراكِ بِهِ، وأيْضًا لَمّا ذُكِرَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِدُعاءِ اللَّهِ وحْدَهُ أمْرًا مُفَرَّعًا عَلى تَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢] وعَلى قَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ ﴿وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] وانْتَقَلَ الكَلامُ إثْرَ ذَلِكَ إلى الأهَمِّ وهو إنْذارُ المُشْرِكِينَ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] إلَخْ، وتَتابَعَتِ الأغْراضُ حَتّى اسْتَوْفَتْ مُقْتَضاها، عادَ الكَلامُ الآنَ إلى ما يَشْمَلُ عِبادَةَ المُؤْمِنِينَ الخالِصَةَ لِلَّهِ تَعالى وهو أيْضًا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلّا في ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] . فَلَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدُّعاءِ بِمَعْنَيَيْهِ: مَعْنى العِبادَةِ، ومَعْنى سُؤالِ المَطْلُوبِ، أرْدَفَ بِهَذا الأمْرِ الجامِعِ لِكِلا المَعْنَيَيْنِ. والقَوْلُ المُخْبَرُ عَنْهُ بِفِعْلِ قالَ رَبُّكم يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ، أيْ ما تَعَلَّقَتْ إرادَةُ اللَّهِ تَعَلُّقًا صَلاحِيًّا، بِأنْ يَقُولَهُ عِنْدَ إرادَةِ تَكْوِينِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ القَوْلُ اللَّفْظِيُّ ويَكُونَ التَّعْبِيرُ بِـ (قالَ) الماضِي إخْبارًا عَنْ أقْوالٍ مَضَتْ في آياتٍ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَإنَّهُ نَزَلَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الماضِي مُسْتَعْمَلًا في الحالِ مَجازًا، أيْ يَقُولُ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي. والدُّعاءُ يُطْلَقُ بِمَعْنى النِّداءِ المُسْتَلْزِمِ لِلِاعْتِرافِ بِالمُنادى، ويُطْلَقُ عَلى الطَّلَبِ وقَدْ جاءَ مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ ما فِيهِ صَلاحِيَةُ مَعْنى الدُّعاءِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ لِما يُلائِمُ المَعْنَيَيْنِ في حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقُولُ: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ ثُمَّ قَرَأ ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ»﴾ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَإنَّ قَوْلَهُ «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ» يَقْتَضِي اتِّحادَ الحَقِيقَتَيْنِ صفحة ١٨٢ فَإذا كانَ الدُّعاءُ هو العِبادَةَ كانَتِ العِبادَةُ هي الدُّعاءَ لا مَحالَةَ. فالدُّعاءُ يُطْلَقُ عَلى سُؤالِ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ حاجَتَهُ وهو مَعْناهُ في اللُّغَةِ، ويُطْلَقُ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ العِبادَةَ لا تَخْلُو مِن دُعاءِ المَعْبُودِ بِنِداءِ تَعْظِيمِهِ والتَّضَرُّعِ إلَيْهِ، وهَذا إطْلاقٌ أقَلُّ شُيُوعًا مِنَ الأوَّلِ، ويُرادُ بِالعِبادَةِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ إفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، أيِ الِاعْتِرافُ بِوَحْدانِيَّتِهِ. والِاسْتِجابَةُ تُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ المَسْئُولِ لِمَن سَألَهُ وهو أشْهَرُ إطْلاقِها، وتُطْلَقُ عَلى أثَرِ قَبُولِ العِبادَةِ بِمَغْفِرَةِ الشِّرْكِ السّابِقِ وبِحُصُولِ الثَّوابِ عَلى أعْمالِ الإيمانِ فَإفادَةُ الآيَةِ عَلى مَعْنى طَلَبِ الحاجَةِ مِنَ اللَّهِ يُناسِبُ تَرَتُّبَ الِاسْتِجابَةِ عَلى ذَلِكَ الطَّلَبِ مُعَلَّقًا عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ أوْ عَلى اسْتِيفاءِ شُرُوطِ قَبُولِ الطَّلَبِ، وإعْطاءِ خَيْرٍ مِنهُ في الدُّنْيا، أوْ إعْطاءِ عِوَضٍ مِنهُ في الآخِرَةِ. وإفادَتِها عَلى مَعْنى إفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ، أيْ بِأنْ يَتُوبُوا عَنِ الشِّرْكِ، فَتَرَتُّبُ الِاسْتِجابَةِ هو قَبُولُ ذَلِكَ، فَإنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الشِّرْكِ مَقْطُوعٌ بِهِ. فَلَمّا جَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ شُيُوعِ الإطْلاقِ في كِلَيْهِما عَلِمْنا أنَّ في المَعْنى المُرادِ ما يُشْبِهُ الِاحْتِباكَ بِأنْ صَرَّحَ بِالمَعْنى المَشْهُورِ في كِلا الفِعْلَيْنِ، ثُمَّ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾، فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ الدُّعاءُ والعِبادَةُ، وأنَّ الِاسْتِجابَةَ أُرِيدَ بِها قَبُولُ الدُّعاءِ وحُصُولُ أثَرِ العِبادَةِ. فَفِعْلُ ادْعُونِي مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ بِطَرِيقَةِ عُمُومِ المُشْتَرَكِ. وفِعْلُ أسْتَجِبْ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، والقَرِينَةُ ما عَلِمْتَ وذَلِكَ مِنَ الإيجازِ والكَلامِ الجامِعِ. وتَعْرِيفُ اللَّهِ بِوَصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِما في هَذا الوَصْفِ وإضافَتِهِ مِنَ الإيماءِ إلى وُجُوبِ امْتِثالِ أمْرِهِ لِأنَّ مِن حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ امْتِثالَ ما يَأْمُرُ بِهِ مَوْصُوفُها لِأنَّ المَرْبُوبَ مَحْقُوقٌ بِالطّاعَةِ لِرَبِّهِ، ولِهَذا لَمْ يُعَرِّجْ مَعَ هَذا الوَصْفِ عَلى تَذْكِيرٍ بِنِعْمَتِهِ ولا إشارَةٍ إلى كَمالاتِ ذاتِهِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ صفحة ١٨٣ بِالدُّعاءِ تَعْلِيلًا يُفِيدُ التَّحْذِيرَ مِن إبايَةِ دُعاءِ اللَّهِ حِينَ الإقْبالِ عَلى دُعاءِ الأصْنامِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢] وكانَ المُشْرِكُونَ لا يَضْرَعُونَ إلى اللَّهِ إلّا إذا لَمْ يَتَوَسَّمُوا اسْتِجابَةَ شُرَكائِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ومَعْنى التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالدُّعاءِ بِهَذا التَّحْذِيرِ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ لِعِبادِهِ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى العَذابِ، قالَ تَعالى ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] فَفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى طَلَبِ اللَّهِ مِن عِبادِهِ أنْ يَدْعُوَهُ في حاجاتِهِمْ. ومَشْرُوعِيَّةُ الدُّعاءِ لا خِلافَ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ وإنَّما الخِلافُ في أنَّهُ يَنْفَعُ في رَدِّ القَدَرِ أوْ لا وهو خِلافٌ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ. ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم تَأوَّلُوا مَعْنى أسْتَجِبْ لَكم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ إيماءٌ إلى التَّعْلِيلِ. وداخِرِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ سَيَدْخُلُونَ أيْ أذِلَّةً، دَخَرَ كَمَنَعَ وفَرِحَ: صَغُرَ وذَلَّ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] في سُورَةِ النَّحْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ سَيَدْخُلُونَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الخاءِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى البِناءِ لِلنّائِبِ، أيْ سَيُدْخِلُهم مَلائِكَةُ العَذابِ جَهَنَّمَ.

غافر 40:61

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ بَدَلًا مِن رَبِّكم في (﴿وقالَ رَبُّكُمُ﴾ [غافر: ٦٠]) أتْبَعَ رَبَّكم بِالِاسْمِ العَلَمِ لِيُقْضى بِذَلِكَ حَقّانِ: حَقُّ اسْتِحْقاقِهِ أنْ يُطاعَ بِمُقْتَضى الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، وحَقُّ اسْتِحْقاقِهِ الطّاعَةَ لِصِفاتِ كَمالِهِ الَّتِي يَجْمَعُها اسْمُ الذّاتِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ مَعَ وصْفِ الرَّبِّ المُتَقَدِّمِ بِشَيْءٍ مِن ذِكْرِ نِعَمِهِ ولا كَمالاتِهِ اجْتِزاءً بِمُقْتَضى حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وذَكَرَ مَعَ الِاسْمِ العَلَمِ بَعْضَ إنْعامِهِ وإفْضالِهِ ثُمَّ وصَفَ الِاسْمَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إشارَةً إلى بَعْضِ صِفاتِهِ، وإيماءً إلى وجْهِ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَقْوِيَةِ الأمْرِ بِدُعائِهِ. صفحة ١٨٤ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ صِفَةً لَهُ ويَكُونَ الخَبَرُ قَوْلَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] ويَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ مُعْتَرِضَةً، أوْ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولُ خَبَرًا. واعْتِبارُ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً أحْسَنُ مِنِ اعْتِبارِ اسْمِ الجَلالَةِ بَدَلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالتَّوْقِيفِ عَلى سُوءِ شُكْرِهِمْ، وبِمَقامِ تَعْدادِ الدَّلائِلِ وأسْعَدُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤]، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ تَسَبَّبُوا لِأنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ العِقابِ؛ لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ. وعَلى هَذِهِ الِاعْتِباراتِ كُلِّها فَقَدْ سَجَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النّاسِ تَقْسِيمَهم إلى: شاكِرِ نِعْمَةٍ، وكَفُورِها، كَما سَجَّلَتْ عَلَيْهِمُ الآيَةُ السّابِقَةُ تَقْسِيمَهم إلى: مُؤْمِنٍ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وكافِرٍ بِها. وهَذِهِ الآيَةُ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلْقِ كَما اقْتَضاهُ لامُ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ لَكم واقْتَضاهُ التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ . وأُدْمِجَ في التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ اسْتِدْلالٌ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ بِالخَلْقِ، والتَّدْبِيرِ الَّذِي هو مُلازِمٌ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ. وابْتُدِئَ الِاسْتِدْلالُ بِدَلائِلِ الأكْوانِ العُلْوِيَّةِ وآثارِها الواصِلَةِ إلى الأكْوانِ السُّفْلِيَّةِ، وهي مَظْهَرُ النِّعْمَةِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَهُما تَكْوِينانِ عَظِيمانِ دالّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ مُكَوِّنِهِما ومُنَظِّمِهِما وجاعِلِهِما مُتَعاقِبَيْنِ، فَنِيطَتْ بِهِما أكْثَرُ مَصالِحِ هَذا العالَمِ ومَصالِحِ أهْلِهِ، فَمِن مَصالِحِ العالَمِ حُصُولُ التَّعادُلِ بَيْنَ الضِّياءِ والظُّلْمَةِ، والحَرارَةِ والبُرُودَةِ لِتَكُونَ الأرْضُ لائِقَةً بِمَصالِحِ مَن عَلَيْها فَتُنْبِتُ الكَلَأ وتُنْضِجُ الثِّمارَ، ومِن مَصالِحِ سُكّانِ العالَمِ سُكُونُ الإنْسانِ والحَيَوانِ في اللَّيْلِ لِاسْتِرْدادِ النَّشاطِ العَصَبِيِّ الَّذِي يُعْيِيهِ عَمَلُ الحَواسِّ والجَسَدِ في النَّهارِ، فَيَعُودُ النَّشاطُ إلى المَجْمُوعِ العَصَبِيِّ في الجَسَدِ كُلِّهِ وإلى الحَواسِّ، ولَوْلا ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لَكانَ النَّوْمُ غَيْرَ صفحة ١٨٥ كامِلٍ فَكانَ عَوْدُ النَّشاطِ بَطِيئًا وواهِنًا ولَعادَ عَلى القُوَّةِ العَصَبِيَّةِ بِالِانْحِطاطِ والِاضْمِحْلالِ في أقْرَبِ وقْتٍ فَلَمْ يَتَمَتَّعِ الإنْسانُ بِعُمُرٍ طَوِيلٍ. ومِنها انْتِشارُ النّاسِ والحَيَوانِ في النَّهارِ وتَبَيُّنُ الذَّواتِ بِالضِّياءِ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ المَساعِي لِلنّاسِ في أعْمالِهِمُ الَّتِي بِها انْتِظامُ أمْرِ المُجْتَمَعِ مِنَ المُدُنِ والبَوادِي، والحَضَرِ والسَّفَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ، وكادِحٌ لِلْعَمَلِ والِاكْتِسابِ، فَحاجَتُهُ لِلضِّياءِ ضَرُورِيَّةٌ ولَوْلا الضِّياءُ لَكانَتْ تَصَرُّفاتُ النّاسِ مُضْطَرِبَةً مُخْتَبِطَةً. ولِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ إبْصارِ النّاسِ في الضِّياءِ وكَثْرَةِ الفَوائِدِ الحاصِلَةِ لَهم مِن ذَلِكَ أسْنَدَ الإبْصارَ إلى النَّهارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ الأفْعالِ وزَمانِها، فَأسْنَدَ إبْصارَ النّاسِ إلى نَفْسِ النَّهارِ لِأنَّهُ سَبَبُ بَعْضِهِ وسَبَبُ كَمالِ بَعْضٍ آخَرَ. فَأمّا نِعْمَةُ السُّكُونِ في اللَّيْلِ فَهي نِعْمَةٌ واحِدَةٌ هي رُجُوعُ النَّشاطِ. وفِي ذِكْرِ اللَّيْلِ تَذْكِيرٌ بِآيَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ وهي الشَّمْسُ الَّتِي يَنْشَأُ اللَّيْلُ مِنِ احْتِجابِ أشِعَّتِها عَنْ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ ويَنْشَأُ النَّهارُ مِنِ انْتِشارِ شُعاعِها عَلى النِّصْفِ المُقابِلِ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقْصِدُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الِامْتِنانَ ذَكَرَ اللَّيْلَ والنَّهارَ دُونَ الشَّمْسِ، وقَدْ ذُكِرَتِ الشَّمْسُ في آياتٍ أُخْرى كانَ الغَرَضُ الأهَمُّ مِنها الدَّلالَةَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والوَحْدانِيَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] . ودَلَّتْ مُقابَلَةُ تَعْلِيلِ إيجادِ اللَّيْلِ بِعِلَّةِ سُكُونِ النّاسِ فِيهِ، بِإسْنادِ الإبْصارِ إلى ذاتِ النَّهارِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ وإنَّما المُبْصِرُونَ النّاسُ في النَّهارِ، عَلى احْتِباكٍ إذْ يُفْهَمُ مِن كِلَيْهِما أنَّ اللَّيْلَ ساكِنٌ أيْضًا، وأنَّ النَّهارَ خُلِقَ لِيُبْصِرَ النّاسُ فِيهِ إذِ المِنَّةُ بِهِما سَواءٌ، فَهَذا مِن بَدِيعِ الإيجازِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَفَنُّنِ أُسْلُوبَيِ الحَقِيقَةِ والمَجازِ العَقْلِيِّ. ولَمْ يُعْكَسْ فَيُقَلْ: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ ساكِنًا والنَّهارَ لِتُبْصِرُوا فِيهِ، لِئَلّا تَفُوتَ صَراحَةُ المُرادِ مِنَ السُّكُونِ كَيْلا يُتَوَهَّمَ أنَّ سُكُونَ اللَّيْلِ هو شِدَّةُ الظَّلامِ فِيهِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ ساجٍ، لِقِلَّةِ الأصْواتِ فِيهِ. صفحة ١٨٦ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وفي مَواضِعَ أُخْرى. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ اعْتِراضٌ هو كالتَّذْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ لِأنَّ الفَضْلَ يَشْمَلُ جَعْلَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النِّعَمِ، ولِأنَّ النّاسَ يَعُمُّ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) وغَيْرَهم مِنَ النّاسِ. وتَنْكِيرُ فَضْلٍ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ ولِذَلِكَ قالَ لَذُو فَضْلٍ ولَمْ يَقُلْ: لَمُتَفَضِّلٌ، ولا لَمُفَضَّلٌ، فَعُدِلَ إلى إضافَةِ ذُو إلى فَضْلٍ لِتَأتِّي التَّنْكِيرِ المُشْعِرِ بِالتَّعْظِيمِ. وعُدِلَ عَنْ نَحْوِ: لَهُ فَضْلٌ، إلى لَذُو فَضْلٍ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ذُو مِن شَرَفِ ما يُضافُ هو إلَيْهِ. والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنَّ ناشِئٌ عَنْ لازِمِ ذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ يَشْكُرَ النّاسُ رَبَّهم عَلى فَضْلِهِ فَكانَ أكْثَرُهم كافِرًا بِنِعَمِهِ، وأيُّ كُفْرٍ لِلنِّعْمَةِ أعْظَمُ مِن أنْ يَتْرُكُوا عِبادَةَ خالِقِهِمُ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِمْ ويَعْبُدُوا ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا ولا ضَرًّا. وخَرَجَ بِـ أكْثَرَ النّاسِ الأقَلُّ وهُمُ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم أقَلُّ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] . والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ النّاسِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِيَتَكَرَّرَ لَفْظُ النّاسِ عِنْدَ ذِكْرِ عَدَمِ الشُّكْرِ كَما ذُكِرَ عِنْدَ التَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ فَيُسَجِّلُ عَلَيْهِمُ الكُفْرانَ بِوَجْهٍ أصْرَحَ. وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ وجْهَ اخْتِلافِ المَنفِيّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩] وقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾، فَقَدْ أتْبَعَ كُلَّ غَرَضٍ أُرِيدَ إثْباتُهُ بِما يُناسِبُ حالَ مُنْكِرِيهِ.

غافر 40:62

صفحة ١٨٧ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ . اتَّصَلَ الكَلامُ عَلى دَلائِلِ التَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ مِن قَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] اتِّصالَ الأدِلَّةِ بِالمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ. والإشارَةُ بِـ ذَلِكم إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]، وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّهُ تَعالى مَعْلُومٌ مُتَمَيِّزٌ بِأفْعالِهِ المُنْفَرِدِ بِها بِحَيْثُ إذا ذُكِرَتْ أفْعالُهُ تَمَيَّزَ عَمّا سِواهُ فَصارَ كالمُشاهَدِ المُشارِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ تَلْتَبِسُ إلَهِيَّتُهُ بِإلَهِيَّةٍ مَزْعُومَةٍ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَتْ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ شُبْهَةٌ تُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ ما لا يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ، أيْ ذَلِكم رَبُّكم لا غَيْرُهُ وفي اسْمِ الإشارَةِ هَذا تَعْرِيضٌ بِغَباوَةِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ التَبَسَتْ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةُ إلَهِيَّتِهِ. وقَوْلُهُ ﴿اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، ابْتُدِئَ فِيها بِالِاسْمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ إجْمالًا، وأرْدَفَ بِـ (رَبُّكم) أيِ الَّذِي دَبَّرَ خَلْقَ النّاسِ وهَيَّأ لَهم ما بِهِ قِوامُ حَياتِهِمْ. ولَمّا كانَ في مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ مِن مَعْنى الخَلْقِ ما هو خَلْقٌ خاصٌّ بِالبَشَرِ بِأنَّهُ خالِقُ الأشْياءِ كُلِّها كَما خَلَقَهم، وأرْدَفَ بِنَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ فَجاءَتْ مَضامِينُ هَذِهِ الأخْبارِ الأرْبَعَةِ مُتَرَتِّبَةً بِطَرِيقَةِ التَّرَقِّي، وكانَ رابِعُها نَتِيجَةً لَها، ثُمَّ فُرِّعَ عَلَيْها اسْتِفْهامٌ تَعْجِيبِيٌّ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِ إلى جانِبِ عِبادَةِ غَيْرِهِ مَعَ وُضُوحِ فَسادِ إعْراضِهِمْ عَنْ عِبادَتِهِ. وأنّى اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ الكَيْفِيَّةِ، وأصْلُهُ اسْتِفْهامٌ عَنِ المَكانِ فَإذا جَعَلُوا الحالَةَ في مَعْنى الجانِبِ ومَثارِ الشَّيْءِ اسْتَفْهَمُوا بِـ أنّى عَنِ الحالَةِ ويُشْعِرُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] في سُورَةِ الأنْعامِ. وتُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠] في سُورَةِ بَراءَةَ، وبِناؤُهُ لِلْمَجْهُولِ لِإجْمالٍ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ إذْ سَيُبَيَّنُ بِحاصِلِ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ.

غافر 40:63

صفحة ١٨٨ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وهو التَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ رَبِّهِمْ خالِقِهِمْ وخالِقِ كُلِّ شَيْءٍ فَإنَّ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ ما يُبَيِّنُ سَبَبَ التَّعْجِيبِ فَجِيءَ في جانِبِ المَأْفُوكِينَ بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُومِئُ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّتِهِ، أيْ أنَّ اسْتِمْرارَهم عَلى الجَحْدِ بِآياتِ اللَّهِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ في مَعانِيها ودَلائِلِها يَطْبَعُ نُفُوسَهم عَلى الِانْصِرافِ عَنِ العِلْمِ بِوُجُوبِ الوَحْدانِيَّةِ لَهُ تَعالى. فالإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الإفْكِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ تُؤْفَكُونَ أيْ مِثْلُ إفْكِكم ذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]، ويَكُونُ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، والمَعْنى: كَذَلِكَ تُؤْفَكُونَ، أيْ مِثْلُ إفْكِكم تُؤْفَكُونَ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ مُبالَغَةً في أنَّ إفْكَهم بَلَغَ في كُنْهِ الإفْكِ النِّهايَةَ بِحَيْثُ لَوْ أرادَ المُقَرِّبُ أنْ يُقَرِّبَهُ لِلسّامِعِينَ بِشَبِيهٍ لَهُ لَمْ يَجِدْ شَبِيهًا لَهُ أوْضَحَ مِنهُ وأجْلى في ماهِيَّتِهِ فَلا يَسَعُهُ إلّا أنْ يُشَبِّهَهُ بِنَفْسِهِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَأْلُوفَةِ المُبَيَّنَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ إيماءً إلى عِلَّةِ إفْكِهِمْ تَعْلِيلًا صَرِيحًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ كُلَّ مَن جَحَدَ بِآياتِ اللَّهِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ فَيَصِيرُ التَّعْلِيلُ المُومى إلَيْهِ بِالصِّلَةِ تَعْلِيلًا تَعْرِيضِيًّا لِأنَّهُ إذا كانَ الإفْكُ شَأْنَ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ كُلِّهِمْ فَقَدْ شَمِلَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ بِحُكْمِ المُماثَلَةِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ، وذُكِرَ فِعْلُ الكَوْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الجَحْدَ بِآياتِ اللَّهِ شَأْنُهم وهِجِّيراهم. وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في الأخْلاقِ العِلْمِيَّةِ، فَإنَّ العُقُولَ الَّتِي تَتَخَلَّقُ بِالإنْكارِ صفحة ١٨٩ والمُكابَرَةِ قَبْلَ التَّأمُّلِ في المَعْلُوماتِ تُصْرَفُ عَنِ انْكِشافِ الحَقائِقِ العِلْمِيَّةِ فَتَخْتَلِطُ عَلَيْها المَعْلُوماتُ ولا تُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ.

غافر 40:64

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا والسَّماءَ بِناءً﴾ . اسْتِئْنافٌ ثانٍ بِناءً عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّتِي فَسَّرْنا بِها مَوْقِعَ قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١] كَما تَقَدَّمَ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تِعْدادِ دَلائِلِ انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ وبِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَفْتَضِحَ خَطَلُهم في الإشْراكِ بِهِ وكُفْرانِ نِعَمِهِ، فَذَكَّرَهم في الآيَةِ السّابِقَةِ بِآثارِ قُدْرَتِهِ في إيجادِ الأعْراضِ القائِمَةِ بِجَواهِرِ هَذا العالَمِ وهُما عَرَضا الظُّلْمَةِ والنُّورِ، وفي كِلَيْهِما نِعَمٌ عَظِيمَةٌ عَلى النّاسِ، وذَكَّرَهم في هَذِهِ الآيَةِ بِآثارِ خَلْقِ الجَواهِرِ في هَذا العالَمِ عَلى كَيْفِيّاتٍ هي نِعْمَةٌ لَهم، وفي خَلْقِ أنْفُسِهِمْ عَلى صُوَرٍ صالِحَةٍ بِهِمْ، فَأمّا إنْ جَعَلْتَ اسْمَ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ﴾ إلَخْ بَدَلًا مِن رَبِّكم في ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠]، فَإنَّ جُمْلَةَ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ تَكُونُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. والمَوْصُولُ وصِلَتُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِاسْمِ الجَلالَةِ فَيَكُونَ الخَبَرُ قَوْلَهُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وهو أوْلى لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ إلَهِيَّتِهِ وحْدَهُ بِدَلِيلِ ما هو مُشاهَدٌ مِن إتْقانِ صُنْعِهِ المَمْزُوجِ بِنِعْمَتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ خَبَرًا فَيَكُونُ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في الِامْتِنانِ والِاعْتِبارِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الِامْتِنانَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَكم قُدِّمَتِ الأرْضُ عَلى السَّماءِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِها مَحْسُوسٌ وذُكِرَتِ السَّماءُ بَعْدَها كَما يُسْتَحْضَرُ الشَّيْءُ بِضِدِّهِ مَعَ قَصْدِ إيداعِ دَلائِلِ عِلْمِ الهَيْئَةِ لِمَن فِيهِمُ اسْتِعْدادٌ لِلنَّظَرِ فِيها وتَتَبُّعِ أحْوالِها عَلى تَفاوُتِ المَدارِكِ وتَعاقُبِ الأجْيالِ واتِّساعِ العُلُومِ. والقَرارُ أصْلُهُ، مَصْدَرُ قَرَّ، إذا سَكَنَ. وهو هُنا مِن صِفاتِ الأرْضِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الخَبَرِ عَنِ الأرْضِ، فالمَعْنى يَحْتَمِلُ: أنَّهُ جَعَلَها قارَّةً غَيْرَ مائِدَةٍ ولا مُضْطَرِبَةٍ فَلَمْ تَكُنْ مِثْلَ كُرَةِ الهَواءِ مُضْطَرِبَةً مُتَحَرِّكَةً ولَوْ لَمْ تَكُنْ قارَّةً لَكانَ النّاسُ في عَناءٍ مِنَ صفحة ١٩٠ اضْطِرابِها وتَزَلْزُلِها، وقَدْ يُفْضِي ذَلِكَ بِأكْثَرِهِمْ إلى الهَلاكِ وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى جَعَلَ الأرْضَ ذاتَ قَرارٍ، أيْ قَرارٍ لَكم، أيْ جَعَلَها مُسْتَقَرًّا لَكم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] أيْ خَلَقَها عَلى كَيْفِيَّةٍ تُلائِمُ الِاسْتِقْرارَ عَلَيْها بِأنْ جَعَلَها يابِسَةً غَيْرَ سائِلَةٍ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ سَطْحَ الأرْضِ سَيّالًا كالزِّئْبَقِ أوْ كالعَجَلِ فَلا يَزالُ الإنْسانُ سائِخًا فِيها يَطْفُو تارَةً ويَسِيخُ أُخْرى فَلا يَكادُ يَبْقى عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وذَلِكَ كَوَسَطِ سَبْخَةِ التاكمرت المُسَمّاةِ شَطَّ الجَرِيدِ الفاصِلَ بَيْنَ نُفَطَةَ ونَفْزاوَةَ مِنَ الجَنُوبِ التُّونُسِيِّ فَإنَّ فِيها مَسافاتٍ إذا مَشَتْ فِيها القَوافِلُ ساخَتْ في الأرْضِ فَلا يُعْثَرُ عَلَيْها ولِذَلِكَ لا تَسِيرُ فِيها القَوافِلُ إلّا بِهُداةٍ عارِفِينَ بِمَسالِكِ السَّيْرِ في عَلاماتٍ مَنصُوبَةٍ، فَكانَتْ خِلْقَةُ الأرْضِ دالَّةً عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَلى دَقِيقِ حِكْمَتِهِ وعَلى رَحْمَتِهِ بِالإنْسانِ والحَيَوانِ المَعْمُورِ بِهِما وجْهُ الأرْضِ. والبِناءُ: ما يُرْفَعُ سُمْكُهُ عَلى الأرْضِ لِلِاتِّقاءِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَطَرِ والدَّوابِّ. ووَصْفُ السَّماءِ بِالبِناءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البقرة: ٢٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. * * * ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ . لا جَرَمَ أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِإيجادِ ما يَحُفُّ بِالإنْسانِ مِنَ العَوالِمِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مُلائِمَةٍ لِحَياةِ الإنْسانِ وراحَتِهِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِإيجادِ الإنْسانِ في ذاتِهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ مُلائِمَةٍ لَهُ مُدَّةَ بَقاءِ نَوْعِهِ عَلى الأرْضِ وتَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ التَّذْكِيرَ بِما مَهَّدَ لَهُ مِن خَلْقِ الأرْضِ والسَّماءِ، بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ خَلَقَهُ مُسْتَوْفِيًا مَصْلَحَتَهُ وراحَتَهُ. صفحة ١٩١ وعَبَّرَ عَنْ هَذا الخَلْقِ بِفِعْلِ (صَوَّرَكم) لِأنَّ التَّصْوِيرَ خَلْقٌ عَلى صُورَةٍ مُرادَةٍ تُشْعِرُ بِالعِنايَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فاقْتَضى حُسْنَ الصُّوَرِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ في جانِبِ خَلْقِ الإنْسانِ عَنْ فِعْلِ الجَعْلِ إلى فِعْلِ التَّصْوِيرِ بِقَوْلِهِ وصَوَّرَكم فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ [الإنفطار: ٨] ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ فِعْلُ التَّصْوِيرِ مِنَ الإتْقانِ والتَّحْسِينِ بِقَوْلِهِ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ ودالَّةٌ عَلى التَّعْقِيبِ أيْ أوْجَدَ صُورَةَ الإنْسانِ فَجاءَتْ حَسَنَةً. وعَطَفَ عَلى هَذِهِ العِبْرَةِ والمِنَّةِ مِنَّةً أُخْرى فِيها عِبْرَةٌ، أيْ خَلَقَكم في أحْسَنِ صُورَةٍ ثُمَّ أمَدَّكم بِأحْسَنِ رِزْقٍ فَجَمَعَ لَكم بَيْنَ الإيجادِ والإمْدادِ، ولَمّا كانَ الرِّزْقُ شَهْوَةً في ظاهِرِهِ وكانَ مُشْتَمِلًا عَلى حِكْمَةِ إمْدادِ الجِسْمِ بِوَسائِلِ تَجْدِيدِ قُواهُ الحَيَوِيَّةِ وكانَ في قَوْلِهِ رَزَقَكم إيماءٌ إلى نِعْمَةِ طُولِ الوُجُودِ فَلَمْ يَكُنِ الإنْسانُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي تَظْهَرُ عَلى الأرْضِ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ في زَمَنٍ قَرِيبٍ وجَمَعَ لَهُ بَيْنَ حُسْنِ الإيجادِ وبَيْنَ حُسْنِ الإمْدادِ فَجَعَلَ ما بِهِ مَدَدُ الحَياةِ وهو الرِّزْقُ مِن أحْسَنِ الطَّيِّباتِ عَلى خِلافِ رِزْقِ بَقِيَّةِ أنْواعِ الحَيَوانِ. * * * ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ . مَوْقِعُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ كَمَوْقِعِ نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وإعادَةُ هَذا تَكْرِيرٌ لِلتَّوْقِيفِ عَلى خَطَلِ رَأْيِهِمْ في عِبادَةِ غَيْرِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، بِقَرِينَةِ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢]، وقَرِينَةِ قَوْلِهِ هُنا ﴿لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥] . وفُرِّعَ عَلى ما ذَكَرَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ وجَزِيلِ مَنِّهِ، أنْ أُنْشِئَ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِما يُفِيدُ اتِّصافَهُ بِعَظِيمِ صِفاتِ الكَمالِ، فَقالَ (فَتَبارَكَ اللَّهُ)، وفِعْلُ تَبارَكَ صِيغَةُ مُفاعَلَةٍ مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في قُوَّةِ ما اشْتُقَّ مِنهُ الفِعْلُ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمٍ جامِدٍ وهو البَرَكَةُ، والبَرَكَةُ: اسْمٌ يَدُلُّ عَلى تَزايُدِ الخَيْرِ. وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ مَعَ فِعْلِ صفحة ١٩٢ تَبارَكَ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرٍ مَعَ تَقَدُّمِ اسْمِهِ، فالإظْهارُ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ كَلِمَةَ ثَناءٍ مُسْتَقِلَّةً. ورَبُّ العالَمِينَ خالِقُ أجْناسِ العُقَلاءِ مِنَ النّاسِ والمَلائِكَةِ والجِنِّ. وهَذا الوَصْفُ مِن تَمامِ الإنْشاءِ لِأنَّ في ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ وهم أشْرَفُ أجْناسِ المَوْجُوداتِ اسْتِحْضارٌ لِما أفاضَهُ عَلَيْهِمْ مِن خَيْراتِ الإيجادِ والإمْدادِ.

غافر 40:65

﴿هو الحَيُّ لا إلَهَ إلّا هو فادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ لِلِارْتِقاءِ في إثْباتِ إلَهِيَّتِهِ الحَقِّ بِإثْباتِ ما يُناسِبُها وهو الحَياةُ الكامِلَةُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَدِّمَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ فَإثْباتُ الحَياةِ الواجِبَةِ لِذاتِهِ فَإنَّ الَّذِي رَبَّ العالَمِينَ وأوْجَدَهم عَلى أكْمَلِ الأحْوالِ وأمَدَّهم بِما بِهِ قَوامُهم عَلى مَمَرِّ الأزْمانِ لا جَرَمَ أنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالحَياةِ الحَقِّ لِأنَّ مُدَبِّرَ المَخْلُوقاتِ عَلى طُولِ العُصُورِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحَياةِ، إذِ الحَياةُ - مَعَ ما عَرَضَ مِن عُسْرٍ في تَعْرِيفِها عِنْدَ الحُكَماءِ والمُتَكَلِّمِينَ - هي صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والإرادَةَ والفِعْلَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها مَسْبُوقًا بِعَدَمٍ فَهي حَياةٌ مُمْكِنَةٌ عارِضَةٌ مِثْلُ حَياةِ المَلائِكَةِ وحَياةِ الأرْواحِ وحَياةِ الإنْسانِ وحَياةِ الحَيَوانِ وحَياةِ الأسارِيعِ، فَتَكُونُ مُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفاتِها بِتَفاوُتِ قُوَّتِها فِيها ومُتَفاوِتَةً في مَوْصُوفِها الواحِدِ بِتَفاوُتِ أزْمانِها مِثْلَ تَفاوُتِ حَياةِ الشَّخْصِ الواحِدِ في وقْتِ شَبابِهِ، وحَياتِهِ في وقْتِ هِرَمِهِ، ومِثْلَ حَياةِ الشَّخْصِ وقْتَ نَشاطِهِ وحَياتِهِ وقْتَ نَوْمِهِ، وبِذَلِكَ التَّفاوُتِ تَصِيرُ إلى الخُفُوتِ ثُمَّ الزَّوالِ، ويَظْهَرُ أثَرُ تَفاوُتِها في تَفاوُتِ آثارِها مِنَ الإدْراكِ والإرادَةِ والفِعْلِ. وإنْ كانَ اتِّصافُ مَوْصُوفِها بِها أزَلِيًّا غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ فَهي حَياةُ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وهي حَياةٌ واجِبَةٌ ذاتِيَّةٌ. وهي الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّها غَيْرُ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّقْصِ ولا لِلزَّوالِ، فَلِذَلِكَ كانَ الحَيُّ حَقِيقَةً هو اللَّهُ تَعالى كَما أنْبَأتْ عَنْهُ صِيغَةُ الحَصْرِ في صفحة ١٩٣ قَوْلِهِ ﴿هُوَ الحَيُّ﴾ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَياةِ ما سِواهُ مِنَ الأحْياءِ لِأنَّها عارِضَةٌ ومُعَرَّضَةٌ لِلْفَناءِ والزَّوالِ. فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مَوْقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ لِأنَّ كُلَّ مَن سِواهُ لا حَياةَ لَهُ واجِبَةٌ، فَهو مُعَرَّضٌ لِلزَّوالِ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مُدَبِّرًا لِلْعالَمِ. وجَمِيعُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو بَيْنَ ما لَمْ يَتَّصِفْ بِالحَياةِ تَمامًا كالأصْنامِ مِنَ الحِجارَةِ أوِ الخَشَبِ أوِ المَعادِنِ. ومِثْلَ الكَواكِبِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والشَّجَرِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ غَيْرِ زائِلَةٍ كالمَلائِكَةِ، وبَيْنَ ما اتَّصَفَ بِحَياةٍ عارِضَةٍ زائِلَةٍ مِن مَعْبُوداتِ البَشَرِ مِثْلَ بُوذَةَ وبَرْهَما بَلْهَ المَعْبُوداتِ مِنَ البَقَرِ والثَّعابِينَ. قالَ تَعالى ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] أيْ لا يَسْتَطِيعُ أحَدُهُمُ التَّصَرُّفَ بِالإيجادِ والإحْياءِ وهو مَخْلُوقٌ، أيْ مُعَرَّضٌ لِلْحَياةِ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] فَجَعَلَ نَفْيَ الحَياةِ عَنْهم في الحالِ أوْ في المَآلِ دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ وجَعَلَ نَفْيَ إدْراكِ بَعْضِ المُدْرِكاتِ عَنْهم دَلالَةً عَلى انْتِفاءِ إلَهِيَّتِهِمْ. وبَعْدَ اتِّضاحِ الدَّلالَةِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ فُرِّعَ عَلَيْهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ وحْدَهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ غَيْرَهُ في العِبادَةِ لِنُهُوضِ انْفِرادِهِ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ. والدُّعاءُ: العِبادَةُ لِأنَّها يُلازِمُها السُّؤالُ والنِّداءُ في أوَّلِها وفي أثْنائِها غالِبًا، لِأنَّ الدُّعاءَ عُنْوانُ انْكِسارِ النَّفْسِ وخُضُوعِها كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآيَةَ وكَما في قَوْلِهِ الآتِي ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] . والإخْلاصُ: الإفْرادُ وتَصْفِيَةُ الشَّيْءِ مِمّا يُنافِيهِ أوْ يُفْسِدُهُ. والدِّينُ: المُعامَلَةُ. وأُطْلِقَ عَلى الطّاعَةِ وهو المُرادُ هُنا؛ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُطِيعِ والمُطاعِ. والمَعْنى: فَإذْ كانَ هو الحَيَّ دُونَ الأصْنامِ وكانَ لا إلَهَ غَيْرُهُ فاعْبُدُوهُ غَيْرَ مُشْرِكِينَ مَعَهُ غَيْرَهُ في عِبادَتِهِ. ويَدْخُلُ في ماهِيَّةِ الإخْلاصِ دُخُولًا أوَّلِيًّا تَرْكُ الرِّياءِ في العِبادَةِ؛ لِأنَّ الرِّياءَ وهو أنْ صفحة ١٩٤ يَقْصِدَ المُتَعَبِّدُ مِن عِبادَتِهِ أنْ يَراهُ النّاسُ سَواءٌ كانَ قَصْدًا مُجَرَّدًا أوْ مَخْلُوطًا مَعَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ. كُلُّ ذَلِكَ لا يَخْلُو مِن حُصُولِ حَظٍّ في تِلْكَ العِبادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحَظُّ في جَوْهَرِها. وهَذا مَعْنى ما جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الرِّياءَ الشِّرْكُ الأصْغَرُ» . وتَقْدِيمُ (لَهُ) المُتَعَلِّقِ بِمُخْلِصِينَ عَلى مَفْعُولِ مُخْلِصِينَ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ بِهِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ تَعَلُّقًا بِمُتَعَلِّقِهِ مِن تَعَلُّقِ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ. * * * ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إنْشاءً لِلثَّناءِ عَلى اللَّهِ كَما هو شَأْنُ أمْثالِها في غالِبِ مَواقِعِ اسْتِعْمالِها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِفِعْلِ فادْعُوهُ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ قائِلِينَ، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أوْ قُولُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ وقَرِينَةُ المَحْذُوفِ هو أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا يَجْرِي عَلى ألْسِنَةِ النّاسِ كَثِيرًا فَصارَتْ كالمَثَلِ في إنْشاءِ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ. والمَعْنى: فاعْبُدُوهُ بِالعَمَلِ وبِالثَّناءِ عَلَيْهِ وشُكْرِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا أُرِيدَ بِهِ إنْشاءُ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ مِن نَفْسِهِ تَعْلِيمًا لِلنّاسِ كَيْفَ يَحْمَدُونَهُ، كَما تَقَدَّمَ في وُجُوهِ نَظِيرِها في سُورَةِ الفاتِحَةِ. أوْ جارِيًا عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآياتِ مِن سُورَةِ الأنْعامِ. وعِنْدِي: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَمْدُ مَصْدَرًا جِيءَ بِهِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ عَلى مَعْنى الأمْرِ، أيِ احْمَدُوا اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ. وعُدِلَ بِهِ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ. صفحة ١٩٥ وفَصْلُ الجُمْلَةِ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَها أسْعَدُ بِالِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلِ والرّابِعِ.

غافر 40:66

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ . جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلالَةِ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ لِيَجْرُوا عَلى مُقْتَضاها في أنْفُسِهِمْ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ، فانْتَقَلَ إلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ بِخَبَرِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ بِإبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ لِيَعْمَلَ بِذَلِكَ في نَفْسِهِ ويُبَلِّغَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ، وأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في الغَفْلَةِ عَنْها أوْ عَدَمِ إتْقانِ النَّظَرِ فِيها أوْ قُصُورِ الِاسْتِنْتاجِ مِنها بَعْدَ أنْ جاءَهم رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يُبَيِّنُ لَهم أنْواعًا بِمُخْتَلِفِ البَيانِ مِن أدِلَّةٍ بُرْهانِيَّةٍ وتَقْرِيبِيَّةٍ إقْناعِيَّةٍ. وأنَّ هَذا الرَّسُولَ ﷺ إنَّما يَدْعُوهم إلى ما يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ فَهو مُمْحِضٌ لَهُمُ النَّصِيحَةَ، وهادِيهِمْ إلى الحُجَّةِ لِتَتَظاهَرَ الأدِلَّةُ النَّظَرِيَّةُ بِأدِلَّةِ الأمْرِ الإلَهِيِّ بِحَيْثُ يَقْوى إبْطالُ مَذْهَبِهِمْ في الشِّرْكِ، فَإنَّ ما نَزَلَ مِنَ الوَحْيِ تَضَمَّنَ أدِلَّةً عَقْلِيَّةً وإقْناعِيَّةً وأوامِرَ إلَهِيَّةً وزَواجِرَ وتَرْغِيباتٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَحُومُ حَوْلَ إثْباتِ تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ تَفَرُّدًا مُطْلَقًا لا تَشُوبُهُ شائِبَةُ مُشارَكَةٍ ولَوْ في ظاهِرِ الحالِ كَما تَشُوبُ المُشارَكَةُ في كَثِيرٍ مِنَ الصِّفاتِ الأُخْرى في مِثْلِ المُلْكِ والمِلْكِ والحَمْدِ، والنَّفْعِ والضُّرِّ، والكَرَمِ والإعانَةِ وذَلِكَ كَثِيرٌ. فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ إبْطالًا لِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِالقَوْلِ الدّالِّ عَلى التَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ بَعْدَ أنْ أُبْطِلَ ذَلِكَ بِدَلالَةِ الحُجَّةِ عَلى المَقْصُودِ. وهَذِهِ دَلالَةٌ كِنائِيَّةٌ لِأنَّ النَّهْيَ يَسْتَلْزِمُ التَّحْذِيرَ. وذَكَرَ مَجِيءَ البَيِّناتِ في أثْناءِ هَذا الخَبَرِ إشارَةً إلى طُرُقٍ أُخْرى مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ تَكَرَّرَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. وكانَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ضَمِيرُ (إنِّي) عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ نَحْوَ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، وكانَ تَخْصِيصُ صفحة ١٩٦ ذاتِهِ بِهَذا النَّهْيِ دُونَ تَشْرِيكِهِمْ في ذَلِكَ الغَرَضِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم مَنهِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ وإلّا فَلا فائِدَةَ لَهم في إبْلاغِ هَذا القَوْلِ فَكانَ الرَّسُولُ ﷺ مِن حِينِ نَشْأتِهِ لَمْ يَسْجُدْ لِصَنَمٍ قَطُّ وكانَ ذَلِكَ مَصْرَفَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنْ ذَلِكَ إلْهامًا إلَهِيًّا إرْهاصًا لِنُبُوءَتِهِ. و(لَمّا) حَرْفٌ أوْ ظَرْفٌ عَلى خِلافٍ بَيْنَهم، وأيًّا ما كانَ فَهي كَلِمَةٌ تُفِيدُ اقْتِرانَ مَضْمُونِ جُمْلَتَيْنِ تَلِيانِها تُشْبِهانِ جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ، ولِذَلِكَ يَدْعُونَها لَمّا التَّوْقِيتِيَّةَ، وحُصُولُ ذَلِكَ في الزَّمَنِ الماضِي، فَقَوْلُهُ ﴿لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي﴾ تَوْقِيتٌ لِنَهْيِهِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِوَقْتِ مَجِيءِ البَيِّناتِ، أيْ بَيِّناتُ الوَحْيِ فِيما مَضى وهو يَقْتَضِي أنَّ النَّهْيَ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ وقْتِ مَجِيءِ البَيِّناتِ. والمَقْصُودُ مِن إسْنادِ المَنهِيَّةِ إلى الرَّسُولِ ﷺ التَّعْرِيضُ بِنَهْيِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الأمْرَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ لا قَصْدَ مِنهُ إلّا التَّبْلِيغَ لَهم وإلّا فَلا فائِدَةَ لَهم في الإخْبارِ بِأنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَنهِيٌّ عَنْ أنْ يَعْبُدَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، يَعْنِي: فَإذا كُنْتُ أنا مَنهِيًّا عَنْ ذَلِكَ فَتَأمَّلُوا في شَأْنِكم واسْتَعْمِلُوا أنْظارَكم فِيهِ، لِيَسُوقَهم إلى النَّظَرِ في الأدِلَّةِ سَوْقًا لَيِّنًا خَفِيًّا لِاتِّباعِهِ فِيما نَهى عَنْهُ، كَما جاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا لا تَعْرِيضًا في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣] ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وبُنِيَ الفِعْلُ لِلنّائِبِ لِظُهُورِ أنَّ النّاهِيَ هو اللَّهُ تَعالى بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّبْلِيغِ والرِّسالَةِ. ومَعْنى الدُّعاءِ في قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِ الدُّعاءِ، وهو القَوْلُ الَّذِي تَسْألُ بِهِ حاجَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى تَعْبُدُونَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ أنْ يَقُولَ: أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ، تَفَنُّنا. و(مِن) في قَوْلِهِ (مِن رَبِّي) ابْتِدائِيَّةٌ، وجُعِلَ المَجْرُورُ بِـ (مِن) وصْفَ رَبٍّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ دُونَ أنْ يُجْعَلَ مَجْرُورُها ضَمِيرًا يَعُودُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نُفُوسِ صفحة ١٩٧ المُعَرَّضِ بِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ هَذا النَّهْيَ ومَجِيءَ البَيِّناتِ هو مِن جانِبِ سَيِّدِهِ وسَيِّدِهِمْ فَما يَسَعُهم إلّا أنْ يُطِيعُوهُ ولِذَلِكَ عَزَّزَهُ بِإضافَةِ الرَّبِّ إلى الجَمِيعِ في قَوْلِهِ ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ رَبُّكم ورَبُّ غَيْرِكم فَلا مُنْصَرَفَ لَكم عَنْ طاعَتِهِ. والإسْلامُ: الِانْقِيادُ بِالقَوْلِ والعَمَلِ، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَأصْلُهُ: أسْلَمَ نَفْسَهُ أوْ ذاتَهُ أوْ وجْهَهُ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ كاللّازِمِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ هو هُنا.

غافر 40:67

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ رابِعٌ بَعْدَ اسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الحَيُّ﴾ [غافر: ٦٥] وما تَفَرَّعَ عَلَيْها، وكُلُّها ناشِئٌ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ. وهَذا الِامْتِنانُ بِنِعْمَةِ الإيجادِ وهو نِعْمَةٌ لِأنَّ المَوْجُودَ شَرَفٌ والمَعْدُومَ لا عِنايَةَ بِهِ. وأُدْمِجَ فِيهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى الإبْداعِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ في سُورَةِ الحَجِّ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بَعْضِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ. والطِّفْلُ: اسْمٌ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ، لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ قالَ تَعالى ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] وقَدْ يُطابِقُ فَيُقالُ: طِفْلٌ وطِفْلانِ وأطْفالٌ. واللّاماتُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِـ ثُمَّ مُتَعَلِّقاتٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ يُبْقِيكم، أوْ ثُمَّ يُنْشِئُكم لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم، وهي لاماتُ صفحة ١٩٨ التَّعْلِيلِ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى إلى لِأنَّ الغايَةَ المُقَدَّرَةَ مِنَ اللَّهِ تُشْبِهُ العِلَّةَ فِيما يُفْضِي إلَيْها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ. وقَوْلُهُ ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أيْ لِلشَّيْخُوخَةِ غايَةٌ وهي الأجَلُ المُسَمّى أيِ المَوْتُ فَلا طَوْرَ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ. وأمّا الأجَلُ المُقَدَّرُ لِلَّذِينَ يَهْلِكُونَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغُوا الشَّيْخُوخَةَ فَقَدِ اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ﴾ أنَّ مِن قَبْلِ بَعْضِ هَذِهِ الأطْوارِ، أيْ يُتَوَفّى قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ طِفْلًا وهو السَّقْطُ أوْ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الأشُدَّ، أوْ يُتَوَفّى قَبْلَ أنْ يَكُونَ شَيْخًا. ولِتَعَلُّقِهِ بِما يَلِيهِ خاصَّةً عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ ولَمْ يُعْطَفْ بِـ ثُمَّ كَما عُطِفَتِ المَجْرُوراتُ الأُخْرى، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ انْقِراضَ الأجْيالِ وخَلَقَها بِأجْيالٍ أُخْرى، فالحَيُّ غايَتُهُ الفَناءُ وإنْ طالَتْ حَياتُهُ، ولَمّا خَلَقَهُ عَلى حالَةٍ تَئُولُ إلى الفَناءِ لا مَحالَةَ كانَ عالِمًا بِأنَّ مِن جُمْلَةِ الغاياتِ في ذَلِكَ الخَلْقِ أنْ يَبْلُغُوا أجَلًا. وبُنِيَ قَبْلُ عَلى الضَّمِّ عَلى نِيَّةِ مَعْنى المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ. والأشُدُّ: القُوَّةُ في البَدَنِ، وهو ما بَيْنَ ثَمانِ عَشْرَةَ إلى الثَلاثِينَ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وشُيُوخٌ: جَمْعُ شَيْخٍ، وهو مَن بَلَغَ سِنَّ الخَمْسِينَ إلى الثَّمانِينَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] في سُورَةِ هُودٍ. ويَجُوزُ في شُيُوخٍ ضَمُّ الشِّينِ. وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ. ويَجُوزُ كَسْرُ الشِّينِ وبِهِ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ،، والكِسائِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى﴾ أيْ أنَّ مِن جُمْلَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى الحالَةِ المُبَيَّنَةِ، أنْ تَكُونَ في تِلْكَ الخِلْقَةِ دَلالَةٌ لِآحادِهِ عَلى وُجُودِ هَذا الخالِقِ الخَلْقَ البَدِيعَ، وعَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى أنَّ ما عَداهُ لا يَسْتَحِقُّ وصْفَ الإلَهِيَّةِ، فَمَن عَقَلَ ذَلِكَ مِنَ النّاسِ فَقَدِ اهْتَدى إلى ما أُرِيدَ مِنهُ ومَن لَمْ يَعْقِلْ ذَلِكَ فَهو بِمَنزِلَةِ عَدِيمِ العَقْلِ. ولِأجْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ لَمْ يُؤْتَ صفحة ١٩٩ لِفِعْلِ تَعْقِلُونَ بِمَفْعُولٍ ولا بِمَجْرُورٍ لِأنَّهُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ رَجاءَ أنْ يَكُونَ لَكم عُقُولٌ فَهو مُرادٌ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ الخَلْقِ فَمِن حِكْمَتِهِ أنْ جَعَلَ الخَلْقَ العَجِيبَ عِلَّةً لِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ.

غافر 40:68

﴿هو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . اسْتِئْنافٌ خامِسٌ ومُناسَبَةُ مَوْقِعِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] إلى ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧] فَإنَّ مِن أوَّلِ ما يُرْجى أنْ يَعْقِلُوهُ هو ذَلِكَ التَّصَرُّفُ البَدِيعُ بِخَلْقِ الحَياةِ في الإنْسانِ عِنْدَ تَكْوِينِهِ بَعْدَ أنْ كانَ جُثَّةً لا حَياةَ فِيها، وخَلْقِ المَوْتِ فِيهِ عِنْدَ انْتِهاءِ أجَلِهِ بَعْدَ أنْ كانَ حَيًّا مُتَصَرِّفًا بِقُوَّتِهِ وتَدْبِيرِهِ. فَمَعْنى يُحْيِي يُوجِدُ المَخْلُوقَ حَيًّا. ومَعْنى يُمِيتُ أنَّهُ يُعْدِمُ الحَياةَ عَنِ الَّذِي كانَ حَيًّا، وهَذا هو مَحَلُّ العِبْرَةِ. وأمّا إمْكانُ الإحْياءِ بَعْدَ الإماتَةِ فَمَدْلُولٌ بِدَلالَةِ قِياسِ التَّمْثِيلِ العَقْلِيِّ ولَيْسَ هو صَرِيحَ الآيَةِ. والمَقْصُودُ: الِامْتِنانُ بِالحَياةِ تَبَعًا لِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧] . وفِي قَوْلِهِ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [الدخان: ٨] المُحَسِّنُ البَدِيعِيُّ المُسَمّى الطِّباقَ. وفُرِّعَ عَلى هَذا الخَبَرِ إخْبارٌ بِأنَّهُ إذا أرادَ أمْرًا مِن أُمُورِ التَّكْوِينِ مِن إحْياءٍ أوْ إماتَةٍ أوْ غَيْرِهِما فَإنَّهُ يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ دُونَ تَرَدُّدٍ ولا مُعالَجَةٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِالمَقْدُورِ وذَلِكَ التَّعَلُّقُ هو تَوْجِيهُ قُدْرَتِهِ لِلْإيجادِ أوِ الإعْدامِ. فالفاءُ مِن قَوْلِهِ فَإذا قَضى فاءُ تَفْرِيعِ الإخْبارِ بِما بَعْدَها عَلى الإخْبارِ بِما قَبْلَها. وقَوْلُ كُنْ تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ بِلا تَأْخِيرٍ ولا عُدَّةٍ ولا مُعاناةٍ وعِلاجٍ بِحالِ مَن يُرِيدُ إذْنَ غَيْرِهِ بِعَمَلٍ فَلا يَزِيدُ عَلى أنْ يُوَجِّهَ إلَيْهِ أمْرًا فَإنَّ صُدُورَ القَوْلِ صفحة ٢٠٠ عَنِ القائِلِ أسْرَعُ أعْمالِ الإنْسانِ وأيْسَرُ وقَدِ اخْتِيرَ لِتَقْرِيبِ ذَلِكَ أخْصَرُ فِعْلٍ وهو كُنِ المُرَكَّبُ مِن حَرْفَيْنِ مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ.

غافر 40:69

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إبْطالِ جَدَلِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ جِدالَ التَّكْذِيبِ والتَّوَرُّكِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ إذْ كانَ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَكَرَّرَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرّاتٍ فِيها، فَنَبَّهَ عَلى إبْطالِ جِدالِهِمْ في مُناسَباتِ الإبْطالِ كُلِّها إذِ ابْتُدِئَ بِإبْطالِهِ عَلى الإجْمالِ عَقِبَ الآياتِ الثَّلاثِ مِن أوَّلِها بِقَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ بِإبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ . وذَلِكَ كُلُّهُ إيماءٌ إلى أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ هو ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ فَلِذَلِكَ أعْقَبَ كُلَّ طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِالإنْحاءِ عَلى جِدالِهِمْ في آياتِ اللَّهِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ وهو مَنفِيٌّ لَفْظًا، والمُرادُ بِهِ: التَّقْرِيرُ عَلى الإثْباتِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُها مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ صفحة ٢٠١ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] أيْ أرَأيْتَ عَجِيبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ بِصارِفٍ غَيْرِ بَيِّنٍ مَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُ يُصْرَفُونَ لِلنّائِبِ لِأنَّ سَبَبَ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ لَيْسَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنّى بِمَعْنى أيْنَ، أيْ ألا تَعْجَبُ مِن أيْنَ يَصْرِفُهم صارِفٌ عَنِ الإيمانِ حَتّى جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مَعَ أنَّ شُبَهَ انْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ مُنْتَفِيَةٌ بِما تَكَرَّرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وأنْفُسِهِمْ وبِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ الَّذِينَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مِمَّنْ سَبَقَهم، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَعَجِّبُ مِن فِعْلِ أحَدٍ أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ. وبِناءُ فِعْلِ يُصْرَفُونَ لِلْمَجْهُولِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الصّارِفِ الَّذِي يَصْرِفُهم وهو غَيْرُ كائِنٍ في مَكانٍ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ. وأبْدَلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ لِأنَّ صِلَتَيِ المَوْصُولَيْنِ صادِقَتانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتَّكْذِيبُ هو ماصَدَقَ الجِدالِ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وعَطْفُ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ العَطْفِ مُقْتَضِيًا المُغايَرَةَ، فَيَكُونُ المُرادُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ تَكْذِيبُهم ما أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ مُرادًا بِهِ تَكْذِيبُهم جَمِيعَ الأدْيانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أُنْزِلَ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ فَلَعَلَّهم لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِإثْباتِ البَعْثِ سَألُوا عَنْهُ أهْلَ الكِتابِ فَأثْبَتُوهُ فَأنْكَرَ المُشْرِكُونَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ لِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُرادِفٍ فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ، والمُرادُ بِـ رُسُلَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] يَعْنِي الرَّسُولَ نُوحًا عَلى أنَّ في العَطْفِ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهي أنَّ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مَواعِظَ وإرْشادًا كَثِيرًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وتَفَرَّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وعِيدُهم بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، صفحة ٢٠٢ أيْ سَوْفَ يَجِدُونَ العَذابَ الَّذِي كانُوا يُجادِلُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَهُ. وعَبَّرَ عَنْ وِجْدانِهِمُ العَذابَ بِالعِلْمِ بِهِ بِمُناسَبَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِالبَعْثِ وتَظاهُرِهِمْ بَعْدَ فَهْمِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأُنْذِرُوا بِأنَّ ما جَهِلُوهُ سَيَتَحَقَّقُونَهُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِ النّاسِ: سَتَعْرِفُ مِنهُ ما تَجْهَلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ البَصِيرُ: فَتَذُمُّ رَأْيَكَ في الَّذِينَ خَصَصْتَهم دُونِي وتَعْرِفُ مِنهم ما تَجْهَلُ وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ كَذَّبُوا بِالكِتابِ عَلَيْهِ، أيْ يَتَحَقَّقُونَ ما كَذَّبُوا بِهِ. والظَّرْفُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَعْلَمُونَ) أيْ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ. وشَأْنُ إذْ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الماضِي واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ سَوْفَ فَهو إمّا اسْتِعْمالُ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ تَشْبِيهًا بِالزَّمَنِ الماضِي وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. ومِنهُ اقْتِرانُها بِـ (يَوْمَ) في نَحْوِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها، وقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وأوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ حِينَ تَكُونُ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ وُقُوعَ البَعْثِ. والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلَقَةٌ مِن قِدٍّ أوْ حَدِيدٍ تُحِيطُ بِالعُنُقِ تُناطُ بِها سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، أوْ سَيْرٌ مِن قِدٍّ يُمْسَكُ بِها المُجْرِمُ والأسِيرُ. والسَّلاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ بِكَسْرِ السِّينَيْنِ وهي مَجْمُوعُ حِلَقٍ غَلِيظَةٍ مِن حَدِيدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ. ومِنَ المَسائِلِ ما رَأيْتُهُ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ كانَ يَوْمًا في دَرْسِهِ في التَّفْسِيرِ سُئِلَ: هَلْ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ سَنَدًا لِما يَفْعَلُهُ أُمَراءُ المَغْرِبِ - أصْلَحَهُمُ اللَّهُ - مَن وضْعِ الجُناةِ بِالأغْلالِ والسَّلاسِلِ جَرْيًا عَلى حُكْمِ القِياسِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في العُقُوباتِ كَما اسْتَنْبَطُوا بَعْضَ صُوَرِ عِقابٍ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، أوِ الإلْقاءِ مِن شاهِقٍ. فَأجابَ بِالمَنعِ لِأنَّ وضْعَ الغُلِّ في العُنُقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ وإنَّما يُوثَقُ الجانِي مِن يَدِهِ، قالَ: لِأنَّهم إنَّما قاسُوا عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا يُقاسُ عَلى صفحة ٢٠٣ تَصَرُّفِهِ في الآخِرَةِ «لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وقَوْلِهِ إنَّما يُعَذِّبُ بِها رَبُّ العِزَّةِ» . وجُمْلَةُ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أعْناقِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ. والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو يَجْمَعُ بَيْنَ الإيلامِ والإهانَةِ. والحَمِيمُ: أشَدُّ الحَرِّ. و(ثُمَّ) عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ، وشَأْنُ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وذَلِكَ أنَّ احْتِراقَهم بِالنّارِ أشَدُّ في تَعْذِيبِهِمْ مِن سَحْبِهِمْ عَلى النّارِ، فَهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والسَّجْرُ بِالنّارِ حاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَواءٌ كانَ بِتَراخٍ أمْ بِدُونِهِ. والسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النّارِ فِيهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إلى ضَمِيرِهِمْ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هو مَكانُهم مِن جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإسْنادِ المَسْجُورِ إلَيْهِمُ المُبالَغَةُ في تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ في اسْتِقْرارِ النّارِ بِباطِنِهِمْ كَما قالَ تَعالى يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ.

غافر 40:70

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إبْطالِ جَدَلِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ جِدالَ التَّكْذِيبِ والتَّوَرُّكِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ إذْ كانَ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَكَرَّرَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرّاتٍ فِيها، فَنَبَّهَ عَلى إبْطالِ جِدالِهِمْ في مُناسَباتِ الإبْطالِ كُلِّها إذِ ابْتُدِئَ بِإبْطالِهِ عَلى الإجْمالِ عَقِبَ الآياتِ الثَّلاثِ مِن أوَّلِها بِقَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ بِإبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ . وذَلِكَ كُلُّهُ إيماءٌ إلى أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ هو ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ فَلِذَلِكَ أعْقَبَ كُلَّ طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِالإنْحاءِ عَلى جِدالِهِمْ في آياتِ اللَّهِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ وهو مَنفِيٌّ لَفْظًا، والمُرادُ بِهِ: التَّقْرِيرُ عَلى الإثْباتِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُها مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ صفحة ٢٠١ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] أيْ أرَأيْتَ عَجِيبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ بِصارِفٍ غَيْرِ بَيِّنٍ مَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُ يُصْرَفُونَ لِلنّائِبِ لِأنَّ سَبَبَ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ لَيْسَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنّى بِمَعْنى أيْنَ، أيْ ألا تَعْجَبُ مِن أيْنَ يَصْرِفُهم صارِفٌ عَنِ الإيمانِ حَتّى جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مَعَ أنَّ شُبَهَ انْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ مُنْتَفِيَةٌ بِما تَكَرَّرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وأنْفُسِهِمْ وبِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ الَّذِينَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مِمَّنْ سَبَقَهم، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَعَجِّبُ مِن فِعْلِ أحَدٍ أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ. وبِناءُ فِعْلِ يُصْرَفُونَ لِلْمَجْهُولِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الصّارِفِ الَّذِي يَصْرِفُهم وهو غَيْرُ كائِنٍ في مَكانٍ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ. وأبْدَلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ لِأنَّ صِلَتَيِ المَوْصُولَيْنِ صادِقَتانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتَّكْذِيبُ هو ماصَدَقَ الجِدالِ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وعَطْفُ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ العَطْفِ مُقْتَضِيًا المُغايَرَةَ، فَيَكُونُ المُرادُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ تَكْذِيبُهم ما أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ مُرادًا بِهِ تَكْذِيبُهم جَمِيعَ الأدْيانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أُنْزِلَ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ فَلَعَلَّهم لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِإثْباتِ البَعْثِ سَألُوا عَنْهُ أهْلَ الكِتابِ فَأثْبَتُوهُ فَأنْكَرَ المُشْرِكُونَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ لِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُرادِفٍ فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ، والمُرادُ بِـ رُسُلَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] يَعْنِي الرَّسُولَ نُوحًا عَلى أنَّ في العَطْفِ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهي أنَّ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مَواعِظَ وإرْشادًا كَثِيرًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وتَفَرَّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وعِيدُهم بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، صفحة ٢٠٢ أيْ سَوْفَ يَجِدُونَ العَذابَ الَّذِي كانُوا يُجادِلُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَهُ. وعَبَّرَ عَنْ وِجْدانِهِمُ العَذابَ بِالعِلْمِ بِهِ بِمُناسَبَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِالبَعْثِ وتَظاهُرِهِمْ بَعْدَ فَهْمِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأُنْذِرُوا بِأنَّ ما جَهِلُوهُ سَيَتَحَقَّقُونَهُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِ النّاسِ: سَتَعْرِفُ مِنهُ ما تَجْهَلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ البَصِيرُ: فَتَذُمُّ رَأْيَكَ في الَّذِينَ خَصَصْتَهم دُونِي وتَعْرِفُ مِنهم ما تَجْهَلُ وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ كَذَّبُوا بِالكِتابِ عَلَيْهِ، أيْ يَتَحَقَّقُونَ ما كَذَّبُوا بِهِ. والظَّرْفُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَعْلَمُونَ) أيْ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ. وشَأْنُ إذْ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الماضِي واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ سَوْفَ فَهو إمّا اسْتِعْمالُ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ تَشْبِيهًا بِالزَّمَنِ الماضِي وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. ومِنهُ اقْتِرانُها بِـ (يَوْمَ) في نَحْوِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها، وقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وأوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ حِينَ تَكُونُ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ وُقُوعَ البَعْثِ. والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلَقَةٌ مِن قِدٍّ أوْ حَدِيدٍ تُحِيطُ بِالعُنُقِ تُناطُ بِها سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، أوْ سَيْرٌ مِن قِدٍّ يُمْسَكُ بِها المُجْرِمُ والأسِيرُ. والسَّلاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ بِكَسْرِ السِّينَيْنِ وهي مَجْمُوعُ حِلَقٍ غَلِيظَةٍ مِن حَدِيدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ. ومِنَ المَسائِلِ ما رَأيْتُهُ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ كانَ يَوْمًا في دَرْسِهِ في التَّفْسِيرِ سُئِلَ: هَلْ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ سَنَدًا لِما يَفْعَلُهُ أُمَراءُ المَغْرِبِ - أصْلَحَهُمُ اللَّهُ - مَن وضْعِ الجُناةِ بِالأغْلالِ والسَّلاسِلِ جَرْيًا عَلى حُكْمِ القِياسِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في العُقُوباتِ كَما اسْتَنْبَطُوا بَعْضَ صُوَرِ عِقابٍ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، أوِ الإلْقاءِ مِن شاهِقٍ. فَأجابَ بِالمَنعِ لِأنَّ وضْعَ الغُلِّ في العُنُقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ وإنَّما يُوثَقُ الجانِي مِن يَدِهِ، قالَ: لِأنَّهم إنَّما قاسُوا عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا يُقاسُ عَلى صفحة ٢٠٣ تَصَرُّفِهِ في الآخِرَةِ «لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وقَوْلِهِ إنَّما يُعَذِّبُ بِها رَبُّ العِزَّةِ» . وجُمْلَةُ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أعْناقِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ. والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو يَجْمَعُ بَيْنَ الإيلامِ والإهانَةِ. والحَمِيمُ: أشَدُّ الحَرِّ. و(ثُمَّ) عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ، وشَأْنُ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وذَلِكَ أنَّ احْتِراقَهم بِالنّارِ أشَدُّ في تَعْذِيبِهِمْ مِن سَحْبِهِمْ عَلى النّارِ، فَهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والسَّجْرُ بِالنّارِ حاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَواءٌ كانَ بِتَراخٍ أمْ بِدُونِهِ. والسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النّارِ فِيهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إلى ضَمِيرِهِمْ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هو مَكانُهم مِن جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإسْنادِ المَسْجُورِ إلَيْهِمُ المُبالَغَةُ في تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ في اسْتِقْرارِ النّارِ بِباطِنِهِمْ كَما قالَ تَعالى يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ.

غافر 40:71

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إبْطالِ جَدَلِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ جِدالَ التَّكْذِيبِ والتَّوَرُّكِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ إذْ كانَ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَكَرَّرَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرّاتٍ فِيها، فَنَبَّهَ عَلى إبْطالِ جِدالِهِمْ في مُناسَباتِ الإبْطالِ كُلِّها إذِ ابْتُدِئَ بِإبْطالِهِ عَلى الإجْمالِ عَقِبَ الآياتِ الثَّلاثِ مِن أوَّلِها بِقَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ بِإبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ . وذَلِكَ كُلُّهُ إيماءٌ إلى أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ هو ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ فَلِذَلِكَ أعْقَبَ كُلَّ طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِالإنْحاءِ عَلى جِدالِهِمْ في آياتِ اللَّهِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ وهو مَنفِيٌّ لَفْظًا، والمُرادُ بِهِ: التَّقْرِيرُ عَلى الإثْباتِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُها مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ صفحة ٢٠١ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] أيْ أرَأيْتَ عَجِيبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ بِصارِفٍ غَيْرِ بَيِّنٍ مَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُ يُصْرَفُونَ لِلنّائِبِ لِأنَّ سَبَبَ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ لَيْسَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنّى بِمَعْنى أيْنَ، أيْ ألا تَعْجَبُ مِن أيْنَ يَصْرِفُهم صارِفٌ عَنِ الإيمانِ حَتّى جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مَعَ أنَّ شُبَهَ انْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ مُنْتَفِيَةٌ بِما تَكَرَّرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وأنْفُسِهِمْ وبِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ الَّذِينَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مِمَّنْ سَبَقَهم، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَعَجِّبُ مِن فِعْلِ أحَدٍ أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ. وبِناءُ فِعْلِ يُصْرَفُونَ لِلْمَجْهُولِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الصّارِفِ الَّذِي يَصْرِفُهم وهو غَيْرُ كائِنٍ في مَكانٍ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ. وأبْدَلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ لِأنَّ صِلَتَيِ المَوْصُولَيْنِ صادِقَتانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتَّكْذِيبُ هو ماصَدَقَ الجِدالِ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وعَطْفُ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ العَطْفِ مُقْتَضِيًا المُغايَرَةَ، فَيَكُونُ المُرادُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ تَكْذِيبُهم ما أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ مُرادًا بِهِ تَكْذِيبُهم جَمِيعَ الأدْيانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أُنْزِلَ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ فَلَعَلَّهم لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِإثْباتِ البَعْثِ سَألُوا عَنْهُ أهْلَ الكِتابِ فَأثْبَتُوهُ فَأنْكَرَ المُشْرِكُونَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ لِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُرادِفٍ فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ، والمُرادُ بِـ رُسُلَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] يَعْنِي الرَّسُولَ نُوحًا عَلى أنَّ في العَطْفِ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهي أنَّ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مَواعِظَ وإرْشادًا كَثِيرًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وتَفَرَّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وعِيدُهم بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، صفحة ٢٠٢ أيْ سَوْفَ يَجِدُونَ العَذابَ الَّذِي كانُوا يُجادِلُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَهُ. وعَبَّرَ عَنْ وِجْدانِهِمُ العَذابَ بِالعِلْمِ بِهِ بِمُناسَبَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِالبَعْثِ وتَظاهُرِهِمْ بَعْدَ فَهْمِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأُنْذِرُوا بِأنَّ ما جَهِلُوهُ سَيَتَحَقَّقُونَهُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِ النّاسِ: سَتَعْرِفُ مِنهُ ما تَجْهَلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ البَصِيرُ: فَتَذُمُّ رَأْيَكَ في الَّذِينَ خَصَصْتَهم دُونِي وتَعْرِفُ مِنهم ما تَجْهَلُ وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ كَذَّبُوا بِالكِتابِ عَلَيْهِ، أيْ يَتَحَقَّقُونَ ما كَذَّبُوا بِهِ. والظَّرْفُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَعْلَمُونَ) أيْ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ. وشَأْنُ إذْ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الماضِي واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ سَوْفَ فَهو إمّا اسْتِعْمالُ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ تَشْبِيهًا بِالزَّمَنِ الماضِي وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. ومِنهُ اقْتِرانُها بِـ (يَوْمَ) في نَحْوِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها، وقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وأوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ حِينَ تَكُونُ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ وُقُوعَ البَعْثِ. والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلَقَةٌ مِن قِدٍّ أوْ حَدِيدٍ تُحِيطُ بِالعُنُقِ تُناطُ بِها سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، أوْ سَيْرٌ مِن قِدٍّ يُمْسَكُ بِها المُجْرِمُ والأسِيرُ. والسَّلاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ بِكَسْرِ السِّينَيْنِ وهي مَجْمُوعُ حِلَقٍ غَلِيظَةٍ مِن حَدِيدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ. ومِنَ المَسائِلِ ما رَأيْتُهُ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ كانَ يَوْمًا في دَرْسِهِ في التَّفْسِيرِ سُئِلَ: هَلْ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ سَنَدًا لِما يَفْعَلُهُ أُمَراءُ المَغْرِبِ - أصْلَحَهُمُ اللَّهُ - مَن وضْعِ الجُناةِ بِالأغْلالِ والسَّلاسِلِ جَرْيًا عَلى حُكْمِ القِياسِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في العُقُوباتِ كَما اسْتَنْبَطُوا بَعْضَ صُوَرِ عِقابٍ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، أوِ الإلْقاءِ مِن شاهِقٍ. فَأجابَ بِالمَنعِ لِأنَّ وضْعَ الغُلِّ في العُنُقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ وإنَّما يُوثَقُ الجانِي مِن يَدِهِ، قالَ: لِأنَّهم إنَّما قاسُوا عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا يُقاسُ عَلى صفحة ٢٠٣ تَصَرُّفِهِ في الآخِرَةِ «لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وقَوْلِهِ إنَّما يُعَذِّبُ بِها رَبُّ العِزَّةِ» . وجُمْلَةُ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أعْناقِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ. والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو يَجْمَعُ بَيْنَ الإيلامِ والإهانَةِ. والحَمِيمُ: أشَدُّ الحَرِّ. و(ثُمَّ) عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ، وشَأْنُ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وذَلِكَ أنَّ احْتِراقَهم بِالنّارِ أشَدُّ في تَعْذِيبِهِمْ مِن سَحْبِهِمْ عَلى النّارِ، فَهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والسَّجْرُ بِالنّارِ حاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَواءٌ كانَ بِتَراخٍ أمْ بِدُونِهِ. والسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النّارِ فِيهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إلى ضَمِيرِهِمْ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هو مَكانُهم مِن جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإسْنادِ المَسْجُورِ إلَيْهِمُ المُبالَغَةُ في تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ في اسْتِقْرارِ النّارِ بِباطِنِهِمْ كَما قالَ تَعالى يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ.

غافر 40:72

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ . بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى إبْطالِ جَدَلِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ جِدالَ التَّكْذِيبِ والتَّوَرُّكِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ إذْ كانَ مِن أوَّلِها قَوْلُهُ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] وتَكَرَّرَ ذَلِكَ خَمْسَ مَرّاتٍ فِيها، فَنَبَّهَ عَلى إبْطالِ جِدالِهِمْ في مُناسَباتِ الإبْطالِ كُلِّها إذِ ابْتُدِئَ بِإبْطالِهِ عَلى الإجْمالِ عَقِبَ الآياتِ الثَّلاثِ مِن أوَّلِها بِقَوْلِهِ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ بِإبْطالِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥]، ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] ثُمَّ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ . وذَلِكَ كُلُّهُ إيماءٌ إلى أنَّ الباعِثَ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في آياتِ اللَّهِ هو ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ فَلِذَلِكَ أعْقَبَ كُلَّ طَرِيقَةٍ مِن طَرائِقِ إبْطالِ شِرْكِهِمْ بِالإنْحاءِ عَلى جِدالِهِمْ في آياتِ اللَّهِ، فَجُمْلَةُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ تِلْكَ الدَّلائِلِ البَيِّنَةِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّقْرِيرِ وهو مَنفِيٌّ لَفْظًا، والمُرادُ بِهِ: التَّقْرِيرُ عَلى الإثْباتِ، كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُها مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ﴿أنّى يُصْرَفُونَ﴾، وأنّى بِمَعْنى كَيْفَ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْجِيبِ مِثْلَ قَوْلِهِ صفحة ٢٠١ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧] أيْ أرَأيْتَ عَجِيبَ انْصِرافِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالقُرْآنِ بِصارِفٍ غَيْرِ بَيِّنٍ مَنشَؤُهُ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُ يُصْرَفُونَ لِلنّائِبِ لِأنَّ سَبَبَ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ لَيْسَ غَيْرَ أنْفُسِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ أنّى بِمَعْنى أيْنَ، أيْ ألا تَعْجَبُ مِن أيْنَ يَصْرِفُهم صارِفٌ عَنِ الإيمانِ حَتّى جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مَعَ أنَّ شُبَهَ انْصِرافِهِمْ عَنِ الإيمانِ مُنْتَفِيَةٌ بِما تَكَرَّرَ مِن دَلائِلِ الآفاقِ وأنْفُسِهِمْ وبِما شاهَدُوا مِن عاقِبَةِ الَّذِينَ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ مِمَّنْ سَبَقَهم، وهَذا كَما يَقُولُ المُتَعَجِّبُ مِن فِعْلِ أحَدٍ أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ. وبِناءُ فِعْلِ يُصْرَفُونَ لِلْمَجْهُولِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلتَّعَجُّبِ مِنَ الصّارِفِ الَّذِي يَصْرِفُهم وهو غَيْرُ كائِنٍ في مَكانٍ غَيْرِ نُفُوسِهِمْ. وأبْدَلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ لِأنَّ صِلَتَيِ المَوْصُولَيْنِ صادِقَتانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتَّكْذِيبُ هو ماصَدَقَ الجِدالِ، والكِتابُ: القُرْآنُ. وعَطْفُ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى أصْلِ العَطْفِ مُقْتَضِيًا المُغايَرَةَ، فَيَكُونُ المُرادُ: ﴿وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ تَكْذِيبُهم ما أُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ مُرادًا بِهِ تَكْذِيبُهم جَمِيعَ الأدْيانِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أُنْزِلَ عَلى بِشْرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ فَلَعَلَّهم لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ بِإثْباتِ البَعْثِ سَألُوا عَنْهُ أهْلَ الكِتابِ فَأثْبَتُوهُ فَأنْكَرَ المُشْرِكُونَ جَمِيعَ الشَّرائِعِ لِذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ مُرادِفٍ فائِدَتُهُ التَّوْكِيدُ، والمُرادُ بِـ رُسُلَنا مُحَمَّدٌ ﷺ كَقَوْلِهِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] يَعْنِي الرَّسُولَ نُوحًا عَلى أنَّ في العَطْفِ فائِدَةً زائِدَةً عَلى ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهي أنَّ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مَواعِظَ وإرْشادًا كَثِيرًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وتَفَرَّعَ عَلى تَكْذِيبِهِمْ وعِيدُهم بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَقِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، صفحة ٢٠٢ أيْ سَوْفَ يَجِدُونَ العَذابَ الَّذِي كانُوا يُجادِلُونَ فِيهِ فَيَعْلَمُونَهُ. وعَبَّرَ عَنْ وِجْدانِهِمُ العَذابَ بِالعِلْمِ بِهِ بِمُناسَبَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى جَهْلِهِمْ بِالبَعْثِ وتَظاهُرِهِمْ بَعْدَ فَهْمِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ فَأُنْذِرُوا بِأنَّ ما جَهِلُوهُ سَيَتَحَقَّقُونَهُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِ النّاسِ: سَتَعْرِفُ مِنهُ ما تَجْهَلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ البَصِيرُ: فَتَذُمُّ رَأْيَكَ في الَّذِينَ خَصَصْتَهم دُونِي وتَعْرِفُ مِنهم ما تَجْهَلُ وحُذِفَ مَفْعُولُ يَعْلَمُونَ لِدَلالَةِ كَذَّبُوا بِالكِتابِ عَلَيْهِ، أيْ يَتَحَقَّقُونَ ما كَذَّبُوا بِهِ. والظَّرْفُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (يَعْلَمُونَ) أيْ يَعْلَمُونَ في ذَلِكَ الزَّمَنِ. وشَأْنُ إذْ أنْ تَكُونَ اسْمًا لِلزَّمَنِ الماضِي واسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ سَوْفَ فَهو إمّا اسْتِعْمالُ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، وإمّا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ الوُقُوعِ تَشْبِيهًا بِالزَّمَنِ الماضِي وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. ومِنهُ اقْتِرانُها بِـ (يَوْمَ) في نَحْوِ قَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها، وقَوْلِهِ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ، وأوَّلُ ما يَعْلَمُونَهُ حِينَ تَكُونُ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ أنَّهم يَتَحَقَّقُونَ وُقُوعَ البَعْثِ. والأغْلالُ: جَمْعُ غُلٍّ، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهو حَلَقَةٌ مِن قِدٍّ أوْ حَدِيدٍ تُحِيطُ بِالعُنُقِ تُناطُ بِها سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، أوْ سَيْرٌ مِن قِدٍّ يُمْسَكُ بِها المُجْرِمُ والأسِيرُ. والسَّلاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ بِكَسْرِ السِّينَيْنِ وهي مَجْمُوعُ حِلَقٍ غَلِيظَةٍ مِن حَدِيدٍ مُتَّصِلٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ. ومِنَ المَسائِلِ ما رَأيْتُهُ أنَّ الشَّيْخَ ابْنَ عَرَفَةَ كانَ يَوْمًا في دَرْسِهِ في التَّفْسِيرِ سُئِلَ: هَلْ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ سَنَدًا لِما يَفْعَلُهُ أُمَراءُ المَغْرِبِ - أصْلَحَهُمُ اللَّهُ - مَن وضْعِ الجُناةِ بِالأغْلالِ والسَّلاسِلِ جَرْيًا عَلى حُكْمِ القِياسِ عَلى فِعْلِ اللَّهِ في العُقُوباتِ كَما اسْتَنْبَطُوا بَعْضَ صُوَرِ عِقابٍ مِن عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، أوِ الإلْقاءِ مِن شاهِقٍ. فَأجابَ بِالمَنعِ لِأنَّ وضْعَ الغُلِّ في العُنُقِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ وإنَّما يُوثَقُ الجانِي مِن يَدِهِ، قالَ: لِأنَّهم إنَّما قاسُوا عَلى فِعْلِ اللَّهِ في الدُّنْيا ولا يُقاسُ عَلى صفحة ٢٠٣ تَصَرُّفِهِ في الآخِرَةِ «لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الإحْراقِ بِالنّارِ، وقَوْلِهِ إنَّما يُعَذِّبُ بِها رَبُّ العِزَّةِ» . وجُمْلَةُ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أعْناقِهِمْ أوْ مِن ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ. والسَّحْبُ: الجَرُّ، وهو يَجْمَعُ بَيْنَ الإيلامِ والإهانَةِ. والحَمِيمُ: أشَدُّ الحَرِّ. و(ثُمَّ) عاطِفَةٌ جُمْلَةَ ﴿فِي النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ في الحَمِيمِ، وشَأْنُ (ثُمَّ) إذا عَطَفَتِ الجُمَلَ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، وذَلِكَ أنَّ احْتِراقَهم بِالنّارِ أشَدُّ في تَعْذِيبِهِمْ مِن سَحْبِهِمْ عَلى النّارِ، فَهو ارْتِقاءٌ في وصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ والسَّجْرُ بِالنّارِ حاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَواءٌ كانَ بِتَراخٍ أمْ بِدُونِهِ. والسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النّارِ فِيهِ، فَإسْنادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إلى ضَمِيرِهِمْ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هو مَكانُهم مِن جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإسْنادِ المَسْجُورِ إلَيْهِمُ المُبالَغَةُ في تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ في اسْتِقْرارِ النّارِ بِباطِنِهِمْ كَما قالَ تَعالى يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ.

غافر 40:73

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ مِمّا وقَعَ في آخِرِ القَوْلِ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، ودُخُولُ أبْوابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ في حَمِيمِها والسَّجْرِ في نارِها. وهَذا القِيلُ ارْتِقاءٌ في تَقْرِيعِهِمْ صفحة ٢٠٤ وإعْلانُ خَطَلِ آرائِهِمْ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ وهو أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن ألَمِ الجِسْمِ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ سَبَبِ العَذابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وازْدِهائِهِمْ في الأرْضِ بِكُفْرِهِمْ ومَرَحِهِمْ، وهو أيْضًا ارْتِقاءٌ في وصْفِ أحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَكالِهِمْ إذِ ارْتَقى مِن صِفَةِ جَزائِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ وهو شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلى الشِّرْكِ إلى وصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن أحْوالِهِمْ وأشَدُّ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وهو المَقْصِدُ المُهِمُّ مِنَ القَوارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ المَعْطُوفِ بِـ ثُمَّ هُنا كَمَوْقِعِ المَعْطُوفِ بِها في قَوْلِ أبِي نُواسٍ: قُلْ إنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سادَ مِن قَبْلُ جَدُّهُ مِن حَيْثُ كانَتْ سِيادَةُ جَدِّهِ أرْسَخَتْ لَهُ سِيادَةَ أبِيهِ وأعْقَبَتْ سِيادَةَ نَفْسِهِ، وهَذا اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وصِيغَ قِيلَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَأنَّهُ وقَعَ ومَضى وكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا. والقائِلُ لَهم: ناطِقٌ بِإذْنِ اللَّهِ. وأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ المَجْهُولِ المَكانِ، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الغَلَطِ والفَضِيحَةِ في المَوْقِفِ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَكُونُوا شُفَعاءَ لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ ذُكِّرُوا بِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فابْتَدَرُوا بِالجَوابِ قَبْلَ انْتِهاءِ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم، ومَعْنى ضَلُّوا غابُوا كَقَوْلِهِ ”﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ غُيِّبْنا في التُّرابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهم فَعَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تُفِيدُهم. فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا، وقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ نَكُنْ في الدُّنْيا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنّا، فَنَفْيُ دُعاءِ شَيْءٍ هُنا راجِعٌ إلى نَفْيِ دُعاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ صفحة ٢٠٥ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيما يَقْصِدُهُمُ النّاسُ لِأجْلِهِ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْراءٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ العُقُودِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنافاتِهِ لِقَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا المُقْتَضِي الِاعْتِرافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبادَتِهِمْ. وفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنَّهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها لِاضْطِرابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ مَقالانِ، وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يُحْشَرُوا في النّارِ هم وأصْنامُهم فَإنَّهم يَكُونُونَ مُتَماثِلِينَ حِينَئِذٍ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ لَهم. ومَعْنى الإشارَةِ تَعْجِيبٌ مِن ضَلالِهِمْ، أيْ مِثْلُ ضَلالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: عُمُومُ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إضْلالِ جَمِيعِ الكافِرِينَ بِإضْلالِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ مِثْلُ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ إضْلالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إضْلالُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ، والتَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ ما خَفِيَ مِن أصْنافِ الضَّلالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ في آياتِ اللَّهِ أشَدَّ الكُفْرِ. والتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى أصْلِهِ وهو إلْحاقُ ناقِصٍ بِكامِلٍ في وصْفٍ ولا يَكُونُ مِن قَبِيلِ صفحة ٢٠٦ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا هو نَظِيرُ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] . وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَكْمِلَةُ القِيلِ الَّذِي يُقالُ لَهم حِينَ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ. والإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ. وما في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكم مُسَبَّبٌ عَلى فَرَحِكم ومَرَحِكُمُ اللَّذَيْنِ كانا لَكم في الدُّنْيا، والأرْضُ: مُطْلَقَةٌ عَلى الدُّنْيا. والفَرَحُ: المَسَرَّةُ ورِضى الإنْسانِ عَلى أحْوالِهِ، فَهو انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ. والمَرَحُ ما يَظْهَرُ عَلى الفارِحِ مِنَ الحَرَكاتِ في مَشْيِهِ ونَظَرِهِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ النّاسِ وكَلامِهِ وتَكَبُّرِهِ فَهو هَيْئَةٌ ظاهِرِيَّةٌ. وبِغَيْرِ الحَقِّ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن (تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ) أيْ تَفْرَحُونَ بِما يَسُرُّكم مِنَ الباطِلِ وتَزْدَهُونَ بِالباطِلِ، فَمِن آثارِ فَرَحِهِمْ بِالباطِلِ تَطاوُلُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ المَرَحِ بِالباطِلِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى و﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] . فالفَرَحُ كُلَّما جاءَ مَنهِيًّا عَنْهُ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا كُلَّ فَرِحٍ فَإنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالفَرَحِ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] . وبَيْنَ تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ. وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ وأيْقَنُوا بِانْتِفاءِ الشَّفِيعِ تَرَقَّبُوا ماذا سَيُؤْمَرُ بِهِ في حَقِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الإشارَةِ العَذابُ المُشاهَدُ لَهم وهو يَشْتَمِلُ عَلى إدْخالِهِمْ أبْوابَ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها. ودُخُولُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ الكَوْنِ في جَهَنَّمَ لِأنَّ الأبْوابَ إنَّما جُعِلَتْ لِيُسْلَكَ مِنها إلى البَيْتِ ونَحْوِهِ. صفحة ٢٠٧ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جَهَنَّمَ أيْ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ، ولَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُ بِئْسَ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَهُ في الظّاهِرِ هو مَثْوى لِأنَّ العِبْرَةَ بِإسْنادِ فِعْلِ الذَّمِّ والمَدْحِ إلى الِاسْمِ المَذْكُورِ بَعْدَهُما، وأمّا اسْمُ المَخْصُوصِ فَهو بِمَنزِلَةِ البَيانِ بَعْدَ الإجْمالِ فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولِذَلِكَ عُدَّ بابُ نِعْمَ وبِئْسَ مِن طُرُقِ الإطْنابِ. والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ، والثَّواءِ: الإقامَةُ الدّائِمَةُ، وأُوثِرَ لَفْظُ مَثْوى دُونَ (مُدْخَلٍ) المُناسِبِ لِـ (ادْخُلُوا) لِأنَّ المَثْوى أدَلُّ عَلى الخُلُودِ فَهو أوْلى بِمَساءَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمُتَكَبِّرِينَ: المُخاطَبُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ عَنْ كِبْرٍ في صُدُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ولِأنَّ تَكَبُّرَهم مِن فَرَحِهِمْ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو المُتَكَبِّرِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ تَكَبُّرَهم عَلى الرُّسُلِ. ولِيَكُونَ لِكُلِّ مَوْصُوفٍ بِالكِبْرِ حَظٌّ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ إذا لَمْ يَتُبْ ولَمْ تَغْلُبْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الإيمانِ.

غافر 40:74

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ مِمّا وقَعَ في آخِرِ القَوْلِ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، ودُخُولُ أبْوابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ في حَمِيمِها والسَّجْرِ في نارِها. وهَذا القِيلُ ارْتِقاءٌ في تَقْرِيعِهِمْ صفحة ٢٠٤ وإعْلانُ خَطَلِ آرائِهِمْ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ وهو أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن ألَمِ الجِسْمِ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ سَبَبِ العَذابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وازْدِهائِهِمْ في الأرْضِ بِكُفْرِهِمْ ومَرَحِهِمْ، وهو أيْضًا ارْتِقاءٌ في وصْفِ أحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَكالِهِمْ إذِ ارْتَقى مِن صِفَةِ جَزائِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ وهو شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلى الشِّرْكِ إلى وصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن أحْوالِهِمْ وأشَدُّ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وهو المَقْصِدُ المُهِمُّ مِنَ القَوارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ المَعْطُوفِ بِـ ثُمَّ هُنا كَمَوْقِعِ المَعْطُوفِ بِها في قَوْلِ أبِي نُواسٍ: قُلْ إنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سادَ مِن قَبْلُ جَدُّهُ مِن حَيْثُ كانَتْ سِيادَةُ جَدِّهِ أرْسَخَتْ لَهُ سِيادَةَ أبِيهِ وأعْقَبَتْ سِيادَةَ نَفْسِهِ، وهَذا اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وصِيغَ قِيلَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَأنَّهُ وقَعَ ومَضى وكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا. والقائِلُ لَهم: ناطِقٌ بِإذْنِ اللَّهِ. وأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ المَجْهُولِ المَكانِ، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الغَلَطِ والفَضِيحَةِ في المَوْقِفِ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَكُونُوا شُفَعاءَ لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ ذُكِّرُوا بِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فابْتَدَرُوا بِالجَوابِ قَبْلَ انْتِهاءِ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم، ومَعْنى ضَلُّوا غابُوا كَقَوْلِهِ ”﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ غُيِّبْنا في التُّرابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهم فَعَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تُفِيدُهم. فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا، وقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ نَكُنْ في الدُّنْيا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنّا، فَنَفْيُ دُعاءِ شَيْءٍ هُنا راجِعٌ إلى نَفْيِ دُعاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ صفحة ٢٠٥ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيما يَقْصِدُهُمُ النّاسُ لِأجْلِهِ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْراءٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ العُقُودِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنافاتِهِ لِقَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا المُقْتَضِي الِاعْتِرافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبادَتِهِمْ. وفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنَّهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها لِاضْطِرابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ مَقالانِ، وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يُحْشَرُوا في النّارِ هم وأصْنامُهم فَإنَّهم يَكُونُونَ مُتَماثِلِينَ حِينَئِذٍ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ لَهم. ومَعْنى الإشارَةِ تَعْجِيبٌ مِن ضَلالِهِمْ، أيْ مِثْلُ ضَلالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: عُمُومُ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إضْلالِ جَمِيعِ الكافِرِينَ بِإضْلالِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ مِثْلُ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ إضْلالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إضْلالُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ، والتَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ ما خَفِيَ مِن أصْنافِ الضَّلالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ في آياتِ اللَّهِ أشَدَّ الكُفْرِ. والتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى أصْلِهِ وهو إلْحاقُ ناقِصٍ بِكامِلٍ في وصْفٍ ولا يَكُونُ مِن قَبِيلِ صفحة ٢٠٦ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا هو نَظِيرُ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] . وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَكْمِلَةُ القِيلِ الَّذِي يُقالُ لَهم حِينَ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ. والإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ. وما في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكم مُسَبَّبٌ عَلى فَرَحِكم ومَرَحِكُمُ اللَّذَيْنِ كانا لَكم في الدُّنْيا، والأرْضُ: مُطْلَقَةٌ عَلى الدُّنْيا. والفَرَحُ: المَسَرَّةُ ورِضى الإنْسانِ عَلى أحْوالِهِ، فَهو انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ. والمَرَحُ ما يَظْهَرُ عَلى الفارِحِ مِنَ الحَرَكاتِ في مَشْيِهِ ونَظَرِهِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ النّاسِ وكَلامِهِ وتَكَبُّرِهِ فَهو هَيْئَةٌ ظاهِرِيَّةٌ. وبِغَيْرِ الحَقِّ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن (تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ) أيْ تَفْرَحُونَ بِما يَسُرُّكم مِنَ الباطِلِ وتَزْدَهُونَ بِالباطِلِ، فَمِن آثارِ فَرَحِهِمْ بِالباطِلِ تَطاوُلُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ المَرَحِ بِالباطِلِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى و﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] . فالفَرَحُ كُلَّما جاءَ مَنهِيًّا عَنْهُ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا كُلَّ فَرِحٍ فَإنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالفَرَحِ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] . وبَيْنَ تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ. وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ وأيْقَنُوا بِانْتِفاءِ الشَّفِيعِ تَرَقَّبُوا ماذا سَيُؤْمَرُ بِهِ في حَقِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الإشارَةِ العَذابُ المُشاهَدُ لَهم وهو يَشْتَمِلُ عَلى إدْخالِهِمْ أبْوابَ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها. ودُخُولُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ الكَوْنِ في جَهَنَّمَ لِأنَّ الأبْوابَ إنَّما جُعِلَتْ لِيُسْلَكَ مِنها إلى البَيْتِ ونَحْوِهِ. صفحة ٢٠٧ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جَهَنَّمَ أيْ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ، ولَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُ بِئْسَ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَهُ في الظّاهِرِ هو مَثْوى لِأنَّ العِبْرَةَ بِإسْنادِ فِعْلِ الذَّمِّ والمَدْحِ إلى الِاسْمِ المَذْكُورِ بَعْدَهُما، وأمّا اسْمُ المَخْصُوصِ فَهو بِمَنزِلَةِ البَيانِ بَعْدَ الإجْمالِ فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولِذَلِكَ عُدَّ بابُ نِعْمَ وبِئْسَ مِن طُرُقِ الإطْنابِ. والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ، والثَّواءِ: الإقامَةُ الدّائِمَةُ، وأُوثِرَ لَفْظُ مَثْوى دُونَ (مُدْخَلٍ) المُناسِبِ لِـ (ادْخُلُوا) لِأنَّ المَثْوى أدَلُّ عَلى الخُلُودِ فَهو أوْلى بِمَساءَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمُتَكَبِّرِينَ: المُخاطَبُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ عَنْ كِبْرٍ في صُدُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ولِأنَّ تَكَبُّرَهم مِن فَرَحِهِمْ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو المُتَكَبِّرِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ تَكَبُّرَهم عَلى الرُّسُلِ. ولِيَكُونَ لِكُلِّ مَوْصُوفٍ بِالكِبْرِ حَظٌّ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ إذا لَمْ يَتُبْ ولَمْ تَغْلُبْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الإيمانِ.

غافر 40:75

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ مِمّا وقَعَ في آخِرِ القَوْلِ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، ودُخُولُ أبْوابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ في حَمِيمِها والسَّجْرِ في نارِها. وهَذا القِيلُ ارْتِقاءٌ في تَقْرِيعِهِمْ صفحة ٢٠٤ وإعْلانُ خَطَلِ آرائِهِمْ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ وهو أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن ألَمِ الجِسْمِ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ سَبَبِ العَذابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وازْدِهائِهِمْ في الأرْضِ بِكُفْرِهِمْ ومَرَحِهِمْ، وهو أيْضًا ارْتِقاءٌ في وصْفِ أحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَكالِهِمْ إذِ ارْتَقى مِن صِفَةِ جَزائِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ وهو شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلى الشِّرْكِ إلى وصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن أحْوالِهِمْ وأشَدُّ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وهو المَقْصِدُ المُهِمُّ مِنَ القَوارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ المَعْطُوفِ بِـ ثُمَّ هُنا كَمَوْقِعِ المَعْطُوفِ بِها في قَوْلِ أبِي نُواسٍ: قُلْ إنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سادَ مِن قَبْلُ جَدُّهُ مِن حَيْثُ كانَتْ سِيادَةُ جَدِّهِ أرْسَخَتْ لَهُ سِيادَةَ أبِيهِ وأعْقَبَتْ سِيادَةَ نَفْسِهِ، وهَذا اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وصِيغَ قِيلَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَأنَّهُ وقَعَ ومَضى وكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا. والقائِلُ لَهم: ناطِقٌ بِإذْنِ اللَّهِ. وأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ المَجْهُولِ المَكانِ، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الغَلَطِ والفَضِيحَةِ في المَوْقِفِ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَكُونُوا شُفَعاءَ لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ ذُكِّرُوا بِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فابْتَدَرُوا بِالجَوابِ قَبْلَ انْتِهاءِ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم، ومَعْنى ضَلُّوا غابُوا كَقَوْلِهِ ”﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ غُيِّبْنا في التُّرابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهم فَعَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تُفِيدُهم. فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا، وقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ نَكُنْ في الدُّنْيا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنّا، فَنَفْيُ دُعاءِ شَيْءٍ هُنا راجِعٌ إلى نَفْيِ دُعاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ صفحة ٢٠٥ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيما يَقْصِدُهُمُ النّاسُ لِأجْلِهِ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْراءٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ العُقُودِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنافاتِهِ لِقَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا المُقْتَضِي الِاعْتِرافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبادَتِهِمْ. وفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنَّهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها لِاضْطِرابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ مَقالانِ، وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يُحْشَرُوا في النّارِ هم وأصْنامُهم فَإنَّهم يَكُونُونَ مُتَماثِلِينَ حِينَئِذٍ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ لَهم. ومَعْنى الإشارَةِ تَعْجِيبٌ مِن ضَلالِهِمْ، أيْ مِثْلُ ضَلالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: عُمُومُ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إضْلالِ جَمِيعِ الكافِرِينَ بِإضْلالِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ مِثْلُ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ إضْلالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إضْلالُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ، والتَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ ما خَفِيَ مِن أصْنافِ الضَّلالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ في آياتِ اللَّهِ أشَدَّ الكُفْرِ. والتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى أصْلِهِ وهو إلْحاقُ ناقِصٍ بِكامِلٍ في وصْفٍ ولا يَكُونُ مِن قَبِيلِ صفحة ٢٠٦ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا هو نَظِيرُ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] . وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَكْمِلَةُ القِيلِ الَّذِي يُقالُ لَهم حِينَ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ. والإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ. وما في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكم مُسَبَّبٌ عَلى فَرَحِكم ومَرَحِكُمُ اللَّذَيْنِ كانا لَكم في الدُّنْيا، والأرْضُ: مُطْلَقَةٌ عَلى الدُّنْيا. والفَرَحُ: المَسَرَّةُ ورِضى الإنْسانِ عَلى أحْوالِهِ، فَهو انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ. والمَرَحُ ما يَظْهَرُ عَلى الفارِحِ مِنَ الحَرَكاتِ في مَشْيِهِ ونَظَرِهِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ النّاسِ وكَلامِهِ وتَكَبُّرِهِ فَهو هَيْئَةٌ ظاهِرِيَّةٌ. وبِغَيْرِ الحَقِّ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن (تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ) أيْ تَفْرَحُونَ بِما يَسُرُّكم مِنَ الباطِلِ وتَزْدَهُونَ بِالباطِلِ، فَمِن آثارِ فَرَحِهِمْ بِالباطِلِ تَطاوُلُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ المَرَحِ بِالباطِلِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى و﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] . فالفَرَحُ كُلَّما جاءَ مَنهِيًّا عَنْهُ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا كُلَّ فَرِحٍ فَإنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالفَرَحِ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] . وبَيْنَ تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ. وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ وأيْقَنُوا بِانْتِفاءِ الشَّفِيعِ تَرَقَّبُوا ماذا سَيُؤْمَرُ بِهِ في حَقِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الإشارَةِ العَذابُ المُشاهَدُ لَهم وهو يَشْتَمِلُ عَلى إدْخالِهِمْ أبْوابَ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها. ودُخُولُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ الكَوْنِ في جَهَنَّمَ لِأنَّ الأبْوابَ إنَّما جُعِلَتْ لِيُسْلَكَ مِنها إلى البَيْتِ ونَحْوِهِ. صفحة ٢٠٧ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جَهَنَّمَ أيْ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ، ولَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُ بِئْسَ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَهُ في الظّاهِرِ هو مَثْوى لِأنَّ العِبْرَةَ بِإسْنادِ فِعْلِ الذَّمِّ والمَدْحِ إلى الِاسْمِ المَذْكُورِ بَعْدَهُما، وأمّا اسْمُ المَخْصُوصِ فَهو بِمَنزِلَةِ البَيانِ بَعْدَ الإجْمالِ فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولِذَلِكَ عُدَّ بابُ نِعْمَ وبِئْسَ مِن طُرُقِ الإطْنابِ. والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ، والثَّواءِ: الإقامَةُ الدّائِمَةُ، وأُوثِرَ لَفْظُ مَثْوى دُونَ (مُدْخَلٍ) المُناسِبِ لِـ (ادْخُلُوا) لِأنَّ المَثْوى أدَلُّ عَلى الخُلُودِ فَهو أوْلى بِمَساءَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمُتَكَبِّرِينَ: المُخاطَبُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ عَنْ كِبْرٍ في صُدُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ولِأنَّ تَكَبُّرَهم مِن فَرَحِهِمْ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو المُتَكَبِّرِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ تَكَبُّرَهم عَلى الرُّسُلِ. ولِيَكُونَ لِكُلِّ مَوْصُوفٍ بِالكِبْرِ حَظٌّ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ إذا لَمْ يَتُبْ ولَمْ تَغْلُبْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الإيمانِ.

غافر 40:76

﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ . ثُمَّ هَذِهِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا مَحالَةَ لِأنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم قَبْلَ دُخُولِ النّارِ، بِدَلِيلِ أنَّ مِمّا وقَعَ في آخِرِ القَوْلِ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، ودُخُولُ أبْوابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ في حَمِيمِها والسَّجْرِ في نارِها. وهَذا القِيلُ ارْتِقاءٌ في تَقْرِيعِهِمْ صفحة ٢٠٤ وإعْلانُ خَطَلِ آرائِهِمْ بَيْنَ أهْلِ المَحْشَرِ وهو أشَدُّ عَلى النَّفْسِ مِن ألَمِ الجِسْمِ، ولِأنَّ هَذا القَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمالِهِ عَلى بَيانِ سَبَبِ العَذابِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وازْدِهائِهِمْ في الأرْضِ بِكُفْرِهِمْ ومَرَحِهِمْ، وهو أيْضًا ارْتِقاءٌ في وصْفِ أحْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى نَكالِهِمْ إذِ ارْتَقى مِن صِفَةِ جَزائِهِمْ عَلى إشْراكِهِمْ وهو شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلى الشِّرْكِ إلى وصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها وذَلِكَ غَرِيبٌ مِن أحْوالِهِمْ وأشَدُّ دَلالَةً عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وهو المَقْصِدُ المُهِمُّ مِنَ القَوارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ المَعْطُوفِ بِـ ثُمَّ هُنا كَمَوْقِعِ المَعْطُوفِ بِها في قَوْلِ أبِي نُواسٍ: قُلْ إنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبُوهُ قَبْلَهُ ثُمَّ سادَ مِن قَبْلُ جَدُّهُ مِن حَيْثُ كانَتْ سِيادَةُ جَدِّهِ أرْسَخَتْ لَهُ سِيادَةَ أبِيهِ وأعْقَبَتْ سِيادَةَ نَفْسِهِ، وهَذا اسْتِعْمالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وصِيغَ قِيلَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ فَكَأنَّهُ وقَعَ ومَضى وكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا. والقائِلُ لَهم: ناطِقٌ بِإذْنِ اللَّهِ. وأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ مَكانِ الشَّيْءِ المَجْهُولِ المَكانِ، والِاسْتِفْهامُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى الغَلَطِ والفَضِيحَةِ في المَوْقِفِ فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيَكُونُوا شُفَعاءَ لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ فَلَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعاءَ ذُكِّرُوا بِما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فابْتَدَرُوا بِالجَوابِ قَبْلَ انْتِهاءِ القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهم، ومَعْنى ضَلُّوا غابُوا كَقَوْلِهِ ”﴿أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]“ أيْ غُيِّبْنا في التُّرابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهم فَعَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لا تُفِيدُهم. فَأضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا، وقالُوا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أيْ لَمْ نَكُنْ في الدُّنْيا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنّا، فَنَفْيُ دُعاءِ شَيْءٍ هُنا راجِعٌ إلى نَفْيِ دُعاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا. وفي الحَدِيثِ «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ صفحة ٢٠٥ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» أيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيما يَقْصِدُهُمُ النّاسُ لِأجْلِهِ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْراءٍ ∗∗∗ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] في سُورَةِ العُقُودِ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى إنْكارِ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنافاتِهِ لِقَوْلِهِمْ ضَلُّوا عَنّا المُقْتَضِي الِاعْتِرافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبادَتِهِمْ. وفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلَهم ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنَّهُ إنْكارٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ بَعْدَ الِاعْتِرافِ بِها لِاضْطِرابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم في ذَلِكَ المَوْقِفِ مَقالانِ، وهَذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يُحْشَرُوا في النّارِ هم وأصْنامُهم فَإنَّهم يَكُونُونَ مُتَماثِلِينَ حِينَئِذٍ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] . وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ الَّذِي يُقالُ لَهم. ومَعْنى الإشارَةِ تَعْجِيبٌ مِن ضَلالِهِمْ، أيْ مِثْلُ ضَلالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: عُمُومُ الكافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إضْلالِ جَمِيعِ الكافِرِينَ بِإضْلالِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ تَذْيِيلًا، أيْ مِثْلُ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الكافِرِينَ، فَيَكُونُ إضْلالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إضْلالُ الكافِرِينَ كُلِّهِمْ، والتَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ إضْلالِ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ ما خَفِيَ مِن أصْنافِ الضَّلالِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجادَلَةِ هَؤُلاءِ في آياتِ اللَّهِ أشَدَّ الكُفْرِ. والتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى أصْلِهِ وهو إلْحاقُ ناقِصٍ بِكامِلٍ في وصْفٍ ولا يَكُونُ مِن قَبِيلِ صفحة ٢٠٦ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولا هو نَظِيرُ قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣] . وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَكْمِلَةُ القِيلِ الَّذِي يُقالُ لَهم حِينَ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ. والإشارَةُ إلى ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ. وما في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ ذَلِكم مُسَبَّبٌ عَلى فَرَحِكم ومَرَحِكُمُ اللَّذَيْنِ كانا لَكم في الدُّنْيا، والأرْضُ: مُطْلَقَةٌ عَلى الدُّنْيا. والفَرَحُ: المَسَرَّةُ ورِضى الإنْسانِ عَلى أحْوالِهِ، فَهو انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ. والمَرَحُ ما يَظْهَرُ عَلى الفارِحِ مِنَ الحَرَكاتِ في مَشْيِهِ ونَظَرِهِ ومُعامَلَتِهِ مَعَ النّاسِ وكَلامِهِ وتَكَبُّرِهِ فَهو هَيْئَةٌ ظاهِرِيَّةٌ. وبِغَيْرِ الحَقِّ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن (تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ) أيْ تَفْرَحُونَ بِما يَسُرُّكم مِنَ الباطِلِ وتَزْدَهُونَ بِالباطِلِ، فَمِن آثارِ فَرَحِهِمْ بِالباطِلِ تَطاوُلُهم عَلى الرَّسُولِ ﷺ، ومِنَ المَرَحِ بِالباطِلِ اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، قالَ تَعالى و﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] . فالفَرَحُ كُلَّما جاءَ مَنهِيًّا عَنْهُ في القُرْآنِ فالمُرادُ بِهِ هَذا الصِّنْفُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا كُلَّ فَرِحٍ فَإنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالفَرَحِ في قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥] . وبَيْنَ تَفْرَحُونَ وتَمْرَحُونَ الجِناسُ المُحَرَّفُ. وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ وأيْقَنُوا بِانْتِفاءِ الشَّفِيعِ تَرَقَّبُوا ماذا سَيُؤْمَرُ بِهِ في حَقِّهِمْ فَقِيلَ لَهُمُ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ إلَخْ، فَإنَّ مَدْلُولَ اسْمِ الإشارَةِ العَذابُ المُشاهَدُ لَهم وهو يَشْتَمِلُ عَلى إدْخالِهِمْ أبْوابَ جَهَنَّمَ والخُلُودِ فِيها. ودُخُولُ الأبْوابِ كِنايَةٌ عَنِ الكَوْنِ في جَهَنَّمَ لِأنَّ الأبْوابَ إنَّما جُعِلَتْ لِيُسْلَكَ مِنها إلى البَيْتِ ونَحْوِهِ. صفحة ٢٠٧ وخالِدِينَ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ جَهَنَّمَ أيْ فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ جَهَنَّمُ، ولَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُ بِئْسَ بِتاءِ التَّأْنِيثِ لِأنَّ فاعِلَهُ في الظّاهِرِ هو مَثْوى لِأنَّ العِبْرَةَ بِإسْنادِ فِعْلِ الذَّمِّ والمَدْحِ إلى الِاسْمِ المَذْكُورِ بَعْدَهُما، وأمّا اسْمُ المَخْصُوصِ فَهو بِمَنزِلَةِ البَيانِ بَعْدَ الإجْمالِ فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ولِذَلِكَ عُدَّ بابُ نِعْمَ وبِئْسَ مِن طُرُقِ الإطْنابِ. والمَثْوى: مَحَلُّ الثَّواءِ، والثَّواءِ: الإقامَةُ الدّائِمَةُ، وأُوثِرَ لَفْظُ مَثْوى دُونَ (مُدْخَلٍ) المُناسِبِ لِـ (ادْخُلُوا) لِأنَّ المَثْوى أدَلُّ عَلى الخُلُودِ فَهو أوْلى بِمَساءَتِهِمْ. والمُرادُ بِالمُتَكَبِّرِينَ: المُخاطَبُونَ ابْتِداءً؛ لِأنَّهم جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ عَنْ كِبْرٍ في صُدُورِهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] ولِأنَّ تَكَبُّرَهم مِن فَرَحِهِمْ. وإنَّما عُدِلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو المُتَكَبِّرِينَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِمْ في النّارِ تَكَبُّرَهم عَلى الرُّسُلِ. ولِيَكُونَ لِكُلِّ مَوْصُوفٍ بِالكِبْرِ حَظٌّ مِنَ اسْتِحْقاقِ العِقابِ إذا لَمْ يَتُبْ ولَمْ تَغْلُبْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ إنْ كانَ مِن أهْلِ الإيمانِ.

غافر 40:77

﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ . قَدْ كانَ فِيما سَبَقَ مِنَ السُّورَةِ ما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما تَلَقّاهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الإساءَةِ والتَّصْمِيمِ عَلى الإعْراضِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [غافر: ٢١]، ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] ثُمَّ صفحة ٢٠٨ قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] الآيَةَ، فَفَرَّعَ هُنا عَلى جَمِيعِ ما سَبَقَ وما تَخَلَّلَهُ مِن تَصْرِيحٍ وتَعْرِيضٍ أنَّ أمْرَ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنهم، وهَذا كالتَّكْرِيرِ لِقَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، وذَلِكَ أنَّ نَظِيرَهُ المُتَقَدِّمَ ورَدَ بَعْدَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ [غافر: ٥٣] الآيَةَ، فَلَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى ما أخَذَ اللَّهُ بِهِ المُكَذِّبِينَ مِن عَذابِ الدُّنْيا انْتَقَلَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما يَلْقَوْنَهُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٧٠] إذِ ﴿الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] الآياتِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ عَوْدًا إلى بَدْءٍ إذِ الأمْرُ بِالصَّبْرِ مُفَرَّعٌ عَلى ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافر: ٤] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافر: ١٨] ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [غافر: ٢١] وما بَعْدَهُ، فَلَمّا حَصَلَ الوَعْدُ بِالِانْتِصافِ مِن مُكَذِّبِي النَّبِيءِ ﷺ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فَإنَّ مُناسَبَةَ الأمْرِ بِالصَّبْرِ عَقِبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا بِالِانْتِصارِ لَهُ ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلى الأمْرِ بِالصَّبْرِ الشَّرْطُ المُرَدَّدُ بَيْنَ أنْ يُرِيَهُ بَعْضَ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ وبَيْنَ أنْ لا يَراهُ، فَإنَّ جَوابَ الشَّرْطِ حاصِلٌ عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ وهو مَضْمُونُ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ أيْ أنَّهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِنَ العِقابِ، فَلا شَكَّ أنَّ أحَدَ التَّرْدِيدَيْنِ هو أنْ يَرى النَّبِيءُ ﷺ عَذابَهم في الدُّنْيا. ولِهَذا كانَ لِلتَّأْكِيدِ بِـ إنَّ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر: ٥٥] مَوْقِعُهُ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ كَما قالَ تَعالى ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ فِيهِ فَأُكِّدَ وعْدُهُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ. والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ يُرْجَعُونَ لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ فَيُشْعِرُ بِأنَّهُ رُجُوعٌ إلى اللَّهِ في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ شَرْطٌ، اقْتَرَنَ حَرْفُ إنِ الشَّرْطِيَّةِ بِحَرْفِ ما صفحة ٢٠٩ الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ ولِذَلِكَ لَحِقَتْ نُونُ التَّوْكِيدِ بِفِعْلِ الشَّرْطِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ وهو فِعْلُ شَرْطٍ ثانٍ. وجُمْلَةُ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ جَوابٌ لِفِعْلِ الشَّرْطِ الثّانِي؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ جَوابٌ لَهُ. وأمّا فِعْلُ الشَّرْطِ الأوَّلُ فَجَوابُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ الكَلامِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وتَقْدِيرُ جَوابِهِ: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ فَذاكَ، ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، أيْ فَهم غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِمّا نَعِدُهم. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ في سُورَةِ يُونُسَ إلّا أنَّ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦] وفي سُورَةِ غافِرٍ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، والمُخالَفَةُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ تَفَنُّنٌ، ولِأنَّ ما في يُونُسَ اقْتَضى تَهْدِيدَهم بِأنَّ اللَّهَ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ، أيْ عَلى ما يَفْعَلُهُ الفَرِيقانِ مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فَكانَتِ الفاصِلَةُ حاصِلَةً بِقَوْلِهِ ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، وأمّا هُنا فالفاصِلَةُ مُعاقِبَةٌ لِلشَّرْطِ فاقْتَضَتْ صَوْغَ الرُّجُوعِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُخْتَتَمِ بِواوٍ ونُونٍ، عَلى أنَّ مَرْجِعَهم مُعَرَّفٌ بِالإضافَةِ فَهو مُشْعِرٌ بِالمَرْجِعِ المَعْهُودِ وهو مَرْجِعُهم في الآخِرَةِ بِخِلافِ قَوْلِهِ يُرْجَعُونَ المُشْعِرِ بِرُجُوعٍ مُتَجَدِّدٍ كَما عَلِمْتَ. والمَعْنى: أنَّهم واقِعُونَ في قَبْضَةِ قُدْرَتِنا في الدُّنْيا سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في حَياتِكَ مِثْلَ عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ أوْ بَعْدَ وفاتِكَ مِثْلَ قَتْلِهِمْ يَوْمَ اليَمامَةِ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَذَلِكَ مُقَرَّرٌ لَهم بِطَرِيقِ الأوْلى، وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ ولِلِاهْتِمامِ.

غافر 40:78

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ . ذَكَرْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] في أوَّلِ هَذِهِ صفحة ٢١٠ السُّورَةِ أنَّ مِن صُوَرِ مُجادَلَتِهِمْ في الآياتِ إظْهارَهم عَدَمَ الِاقْتِناعِ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ فَكانُوا يَقْتَرِحُونَ آياتٍ كَما يُرِيدُونَ لِقَصْدِهِمْ إفْحامَ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا انْقَضى تَفْصِيلُ الإبْطالِ لِضَلالِهِمْ بِالأدِلَّةِ البَيِّنَةِ والتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ والإنْذارِ بِالتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ وضَرْبِ الأمْثالِ بِأحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ثُمَّ بِوَعْدِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ وتَحْقِيقِ الوَعْدِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ ما كانَ شَأْنُهُ إلّا شَأْنَ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ أنْ لا يَأْتُوا بِالآياتِ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ ولا اسْتِجابَةً لِرَغائِبِ مُعانِدِيهِمْ ولَكِنَّها الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ يُظْهِرُ ما شاءَ مِنها بِمُقْتَضى إرادَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُجادِلِينَ في آياتِ اللَّهِ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى خَطَأِ ظَنِّهِمْ أنَّ الرُّسُلَ تَنْتَصِبُ لِمُناقَشَةِ المُعانِدِينَ. فالمَقْصُودُ الأهَمُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وأمّا قَوْلُهُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ﴾ إلَخْ فَهو كَمُقَدَّمَةٍ لِلْمَقْصُودِ لِتَأْكِيدِ العُمُومِ مِن قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وهو مَعَ ذَلِكَ يُفِيدُ بِتَقْدِيمِهِ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا مِن رَدِّ مُجادَلَتِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ويَقُولُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] فَدُمِغَتْ مَزاعِمُهم بِما هو مَعْلُومٌ بِالتَّواتُرِ مِن تَكَرُّرِ بِعْثَةِ الرُّسُلَ في العُصُورِ والأُمَمِ الكَثِيرَةِ. وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ رُسُلًا وأنْبِياءَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى لِأنَّ مِنهم مَن أعْلَمَ اللَّهُ بِهِمْ نَبِيئَهُ ﷺ ومِنهم مَن لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِمْ إذْ لا كَمالَ في الإعْلامِ بِمَن لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِمْ، والَّذِينَ أعْلَمَهُ بِهِمْ مِنهم مَن قَصَّهُ في القُرْآنِ، ومِنهم مَن أعْلَمَهُ بِهِمْ بِوَحْيٍ غَيْرِ القُرْآنِ فَوَرَدَ ذِكْرُ بَعْضِهِمْ في الآثارِ الصَّحِيحَةِ بِتَعْيِينٍ أوْ بِدُونِ تَعْيِينٍ، فَفي الحَدِيثِ «أنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيئًا اسْمُهُ عَبُّودٌ عَبْدًا أسْوَدَ» وفي الحَدِيثِ «ذِكْرُ: حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ نَبِيِّ أهْلِ الرَّسِّ»، وذِكْرُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ نَبِيِّ بَنِي عَبْسٍ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ نَبِيئًا لَسَعَتْهُ نَمْلَةٌ فَأحْرَقَ قَرْيَتَها فَعُوتِبَ في ذَلِكَ»، ولا يَكادُ النّاسُ يُحْصُونَ عَدَدَهم لِتَباعُدِ أزْمانِهِمْ وتَكاثُرِ أُمَمِهِمْ وتَقاصِي أقْطارِهِمْ مِمّا لا تُحِيطُ بِهِ عُلُومُ النّاسِ ولا تَسْتَطِيعُ إحْصاءَهُ أقْلامُ المُؤَرِّخِينَ وأخْبارُ القَصّاصِينَ وقَدْ حَصَلَ مِنَ العِلْمِ بِبَعْضِهِمْ وبَعْضِ أُمَمِهِمْ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِتَحْصِيلِ العِبْرَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. صفحة ٢١١ وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَسْمِيَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَسُولًا وهم: نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ومُوسى، وهارُونُ، وعِيسى، ويُونُسُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ واثْنا عَشَرَ نَبِيئًا وهم: داوُدُ وسُلَيْمانُ وأيُّوبُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وإلْياسُ واليَسَعُ وإدْرِيسُ وآدَمُ وذُو الكِفْلِ، وذُو القَرْنَيْنِ، ولُقْمانُ، ونَبِيئَةٌ وهي مَرْيَمُ. ووَرَدَ بِالإجْمالِ دُونَ تَسْمِيَةٍ صاحِبُ مُوسى المُسَمّى في السُّنَّةِ خَضْراءَ ونَبِيءُ بَنِي إسْرائِيلَ وهو صَمْوِيلُ، وتُبَّعٌ. ولَيْسَ المُسْلِمُونَ مُطالَبِينَ بِأنْ يَعْلَمُوا غَيْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَكِنَّ الأنْبِياءَ الَّذِينَ ذُكِرُوا في القُرْآنِ بِصَرِيحِ وصْفِ النُّبُوءَةِ يَجِبُ الإيمانُ بِنُبُوءَتِهِمْ لِمَن قَرَأ الآياتِ الَّتِي ذُكِرُوا فِيها وعِدَّتُهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ بَيْنَ رَسُولٍ ونَبِيءٍ، وقَدِ اشْتَمَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلى قَوْلِهِ ولُوطًا عَلى أسْماءِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِنهم وذُكِرَ أسْماءُ سَبْعَةٍ آخَرِينَ في آياتٍ أُخْرى وقَدْ جَمَعَها مَن قالَ: حَتْمٌ عَلى كُلِّ ذِي التَّكْلِيفِ مَعْرِفَةٌ بِأنْبِياءَ عَلى التَّفْصِيلِ قَدْ عُلِمُوا فِي تِلْكَ حُجَّتُنا مِنهم ثَمانِيَةٌ ∗∗∗ مِن بَعْدِ عَشْرٍ ويَبْقى سَبْعَةٌ وهُمْ إدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صالِحٌ وكَذا ∗∗∗ ذُو الكِفْلِ آدَمُ بِالمُخْتارِ قَدْ خُتِمُوا واعْلَمْ أنَّ في كَوْنِ يُوسُفَ رَسُولًا تَرَدُّدًا بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] في هَذِهِ السُّورَةِ، وأنَّ في نُبُوَّةِ الخِضْرِ ولُقْمانَ وذِي القَرْنَيْنِ ومَرْيَمَ تَرَدُّدًا. واخْتَرْتُ إثْباتَ نُبُوَّتِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ في بَعْضِهِمْ أنَّهُ خاطَبَهم، وذَكَرَ في بَعْضِهِمْ أنَّهُ أُوتِيَ الحِكْمَةَ وقَدِ اشْتُهِرَتْ في النُّبُوءَةِ، وفي بَعْضِهِمْ أنَّهُ كَلَّمَتْهُ المَلائِكَةُ. ولا يَجِبُ الإيمانُ إلّا بِوُقُوعِ الرِّسالَةِ والنُّبُوءَةِ عَلى الإجْمالِ. ولا يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ الإيمانُ بِنُبُوءَةِ رِسالَةِ مُعَيَّنٍ إلّا مُحَمَّدًا ﷺ، أوْ مَن بَلَغَ العِلْمُ بِنُبُوءَتِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ مَبْلَغَ اليَقِينِ لِتَواتُرِهِ مِثْلَ مُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ ونُوحٍ. ولَكِنَّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى ذِكْرِ نُبُوءَةِ نَبِيءٍ بِوَصْفِهِ ذَلِكَ في القُرْآنِ صَرِيحًا وجِيءَ عَلَيْهِ الإيمانُ بِما عَلِمَهُ. صفحة ٢١٢ وما ثَبَتَ بِأخْبارِ الآحادِ لا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ لِأنَّ الِاعْتِقاداتِ لا تَجِبُ بِالظَّنِّ ولَكِنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لا وُجُوبَ اعْتِقادٍ. وتَنْكِيرُ رُسُلًا مُفِيدٌ لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ، أيْ أرْسَلْنا رُسُلًا عَدَدُهم كَثِيرٌ وشَأْنُهم عَظِيمٌ. وعَطْفُ وما كانَ لِرَسُولٍ إلَخْ بِالواوِ دُونَ الفاءِ يُفِيدُ اسْتِقْلالَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِنَفْسِها لِما فِيها مِن مَعْنًى عَظِيمٍ حَقِيقٍ بِأنْ لا يَكُونَ تابِعًا لِغَيْرِهِ، ويُكْتَفى في الدَّلالَةِ عَلى ارْتِباطِ الجُمْلَتَيْنِ بِمَوْقِعِ إحْداهُما مِنَ الأُخْرى. والآيَةُ: المُعْجِزَةُ، وإذْنُ اللَّهِ: هو أمْرُ التَّكْوِينِ الَّذِي يَخْلُقُ اللَّهُ بِهِ خارِقَ العادَةِ لِيَجْعَلَهُ عَلامَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ. ومَعْنى إتْيانِ الرَّسُولِ بِآيَةٍ: هو تَحَدِّيهِ إلى قَوْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سَيُؤَيِّدُهُ بِآيَةٍ يُعَيِّنُها مِثْلَ قَوْلٍ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣] وقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] الآيَةَ. وقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”﴿أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيها فَيَكُونُ طائِرًا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩]“ وقَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] . فالباءُ في (بِآيَةٍ) باءُ التَّعْدِيَةِ لِفِعْلِ أنْ يَأْتِيَ وأمّا الباءُ في (﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾) فَهي باءُ السَّبَبِيَّةِ دَخَلَتْ عَلى مُسْتَثْنًى مِن أسْبابٍ مَحْذُوفَةٍ في الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا إبْطالٌ لِما يَتَوَرَّكُونَ بِهِ مِنَ المُقْتَرَحاتِ والتَّعِلّاتِ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ﴾ أيْ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ بِإظْهارِ الرَّسُولِ آيَةً ظَهَرَ صِدْقُ الرَّسُولِ وكانَ ذَلِكَ قَضاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ بِالحَقِّ عَلى مُكَذِّبِيهِ، فَإذْنُ اللَّهِ هو أمْرُهُ التَّكْوِينِيُّ بِخَلْقِ آيَةٍ وظُهُورِها. وقَوْلُهُ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ الأمْرُ: القَضاءُ والتَّقْدِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلُهُ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ [المائدة: ٥٢] وهو الحَدَثُ القاهِرُ لِلنّاسِ كَما في صفحة ٢١٣ قَوْلِ عُمَرَ لَمّا قالَ لَهُ أبُو قَتادَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ما شَأْنُ النّاسِ حِينَ انْهَزَمُوا وفَرُّوا قالَ عُمَرُ أمْرُ اللَّهِ. وفِي العُدُولِ عَنْ: إذْنِ اللَّهِ، إلى أمْرِ اللَّهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ ما سَيُظْهِرُهُ اللَّهُ مِنَ الإذْنِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ هي آياتُ عِقابٍ لِمُعانِدِيهِ، فَمِنها: آيَةُ الجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا المَيْتَةَ، وآيَةُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ إذِ اسْتَأْصَلَ صَنادِيدَ المُكَذِّبِينَ مِن أهْلِ الطّائِفِ، وآيَةُ الأحْزابِ الَّتِي قالَ عَنْها ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] ثُمَّ قالَ ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب: ٢٦] ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] . وفِي إيثارِ قُضِيَ بِالحَقِّ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِ: ظَهَرَ الحَقُّ، أوْ تَبَيَّنَ الصِّدْقُ، تَرْشِيحٌ لِما في قَوْلِهِ أمْرُ اللَّهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهُ أمْرُ انْتِصافٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ. ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ خَسِرَ الَّذِينَ جادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ. والخُسْرانُ: مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الضُّرِّ لِمَن أرادَ النَّفْعَ، كَخَسارَةِ التّاجِرِ الَّذِي أرادَ الرِّبْحَ فَذَهَبَ رَأْسُ مالِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وهُنالِكَ أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ إلى المَكانِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلْإشارَةِ إلى الزَّمانِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِـ إذا في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ . وفِي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ نُكْتَةٌ بَدِيعِيَّةٌ وهي الإيماءُ إلى أنَّ المُبْطِلِينَ مِن قُرَيْشٍ سَتَأْتِيهِمُ الآيَةُ في مَكانٍ مِنَ الأرْضِ وهو مَكانُ بَدْرٍ وغَيْرُهُ مِن مَواقِعِ إعْمالِ السَّيْفِ فِيهِمْ صفحة ٢١٤ فَكانَتْ آياتُ مُحَمَّدٍ ﷺ حُجَّةً عَلى مُعانَدِيهِ أقْوى مِنَ الآياتِ السَّماوِيَّةِ نَحْوَ الصَّواعِقِ أوِ الرِّيحِ، وعَنِ الآياتِ الأرْضِيَّةِ نَحْوَ الغَرَقِ والخَسْفِ لِأنَّها كانَتْ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ ومُداخَلَتِهِمْ حَتّى يَكُونَ انْغَلابُهم أقْطَعَ لِحُجَّتِهِمْ وأخْزى لَهم نَظِيرَ آيَةِ عَصا مُوسى مَعَ عِصِيِّ السَّحَرَةِ.

غافر 40:79

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِما سَخَّرَ لِأجْلِهِمْ مِن نِظامِ العَوالِمِ العُلْيا والسُّفْلى، وبِما مَنَحَهم مِنَ الإيجادِ وتَطَوُّرِهِ وما في ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ بِهِمْ وما أدْمَجَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ فَكَيْفَ يَنْصَرِفُ عَنْ عِبادَتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ آلِهَةً أُخْرى، إلى الِامْتِنانِ بِما سَخَّرَ لَهم مِنَ الإبِلِ لِمَنافِعِهِمُ الجَمَّةِ خاصَّةٍ وعامَّةٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سادِسٌ. والقَوْلُ في افْتِتاحِها كالقَوْلِ في افْتِتاحِ نَظائِرِها السّابِقَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ أوْ بِضَمِيرِهِ. والأنْعامُ: الإبِلُ، والغَنَمُ، والمَعْزُ، والبَقَرُ. والمُرادُ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً لِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وكانَتِ الإبِلُ غالِبَ مَكاسِبِهِمْ. والجَعْلُ: الوَضْعُ والتَّمْكِينُ والتَّهْيِئَةُ، فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ وفائِدَةُ الِامْتِنانِ تَقْرِيبُ نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ المُرُوءَةِ الِاسْتِحْياءُ مِنَ المُنْعِمِ. وأُدْمِجَ في الِامْتِنانِ اسْتِدْلالٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ وبَلِيغِ الحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ في ذَلِكَ كُلِّهِ. صفحة ٢١٥ واللّامُ في لَكم لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِكم وهو امْتِنانٌ مُجْمَلٌ يَشْمَلُ بِالتَّأمُّلِ كُلَّ ما في الإبِلِ لَهم مِن مَنافِعَ وهم يَعْلَمُونَها إذا تَذَكَّرُوها وعَدُّوها. ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ الإجْمالَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ المُهِمِّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي في الإبِلِ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ إلى تُحْمَلُونَ. فاللّامُ في ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ جَعَلَ أيْ لِرُكُوبِكم. ومِن في المَوْضِعَيْنِ هُنا لِلتَّبْعِيضِ وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن أيْ بَعْضًا مِنها، وهو ما أُعِدَّ لِلْأسْفارِ مِنَ الرَّواحِلِ. ويَتَعَلَّقُ حَرْفُ مِن بِ تَرْكَبُوا، وتَعَلُّقُ مِنِ التَّبْعِيَّضِيَّةِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ وهو الَّذِي دَعا التَّفْتَزانِيَّ إلى القَوْلِ بِأنَّ مِن في مِثْلِهِ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُرِيدَ بِالرُّكُوبِ هُنا الرُّكُوبُ لِلرّاحَةِ مِن تَعَبِ الرِّجْلَيْنِ في الحاجَةِ القَرِيبَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ . وجُمْلَةُ ومِنها تَأْكُلُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأنْعامِ، أوْ عَطْفٌ عَلى المَعْنى مِن جُمْلَةِ لِتَرْكَبُوا مِنها لِأنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: تَرْكَبُونَ مِنها، عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ فَهي في حَيِّزِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ كَيْ فَمَعْناها: ولِتَأْكُلُوا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، والمَعْنى أيْضًا عَلى اعْتِبارِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِتَجْتَنُوا مَنافِعَها المَجْعُولَةَ لَكم وإنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّعْلِيلِ تَفَنُّنًا في الكَلامِ وتَنْشِيطًا لِلسّامِعِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ تِكْراراتٍ كَثِيرَةً. والمَنافِعُ: جَمْعُ مَنفَعَةٍ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ النَّفْعِ، وهي: الشَّيْءُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، أيْ يُسْتَصْلَحُ بِهِ. فالمَنافِعُ في هَذِهِ الآيَةِ أُرِيدَ بِها ما قابَلَ مَنافِعَ أكْلِ لُحُومِها في صفحة ٢١٦ قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِثْلَ الِانْتِفاعِ بِأوْبارِها وألْبانِها وأثْمانِها وأعْواضِها في الدِّياتِ والمُهُورِ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجُلُودِها بِاتِّخاذِها قِبابًا وغَيْرَها وبِالجُلُوسِ عَلَيْها، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجَمالِ مَرْآها في العُيُونِ في المَسْرَحِ والمَراحِ، والمَنافِعُ شامِلَةٌ لِلرُّكُوبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾، فَذِكْرُ المَنافِعِ بَعْدَ لِتَرْكَبُوا مِنها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨]، فَذَكَرَ هُنا الشّائِعَ المَطْرُوقَ عِنْدَهم، ثُمَّ ذَكَر مَثِيلَهُ في الشُّيُوعِ وهو الأكْلُ مِنها، ثُمَّ عادَ إلى عُمُومِ المَنافِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِنَ المَنافِعِ الأسْفارَ فَإنَّ اشْتِدادَ الحاجَةِ إلى الأنْعامِ فِيها تَجْعَلُ الِانْتِفاعَ بِرُكُوبِها لِلسَّفَرِ في مَحَلِّ الِاهْتِمامِ. ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في أجْزاءِ الأنْعامِ جِيءَ في مُتَعَلِّقِها بِحَرْفِ في دُونَ مِن لِأنَّ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ فَتَشْمَلُ كُلَّ ما يُعَدُّ كالشَّيْءِ المُحَوِّي في الأنْعامِ، كَقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ يَذْكُرُ ما أخَذَهُ مِنَ الإبِلِ في دِيَةِ قَرِيبٍ: نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ وأنْبَأ فِعْلُ لِتَبْلُغُوا أنَّ الحاجَةَ الَّتِي في الصُّدُورِ حاجَةٌ في مَكانٍ بَعِيدٍ يَطْلُبُها صاحِبُها. والحاجَةُ: النِّيَّةُ والعَزِيمَةُ. والصُّدُورُ أُطْلِقَ عَلى العُقُولِ اتِّباعًا لِلْمُتَعارَفِ الشّائِعِ كَما يُطْلَقُ القُلُوبُ عَلى العُقُولِ. وأعْقَبَ الِامْتِنانَ بِالأنْعامِ بِالِامْتِنانِ بِالفُلْكِ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ فَقالَ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ بِجَعْلِ الأنْعامِ، إلى الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الرُّكُوبِ في الفُلْكِ في البِحارِ والأنْهارِ فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وأمّا قَوْلُهُ وعَلَيْها فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ وهو اعْتِراضٌ بِالواوِ الِاعْتِراضِيَّةِ تَكْرِيرًا لِلْمِنَّةِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ حَمْلَ الأثْقالِ عَلى الإبِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] فَيَكُونُ إسْنادُ الحَمْلِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ تَغْلِيبًا. صفحة ٢١٧ وُوَجْهُ الِامْتِنانِ بِالفُلْكِ أنَّهُ امْتِنانٌ بِما رَكَّبَ اللَّهُ في الإنْسانِ مِنَ التَّدْبِيرِ والذَّكاءِ الَّذِي تَوَصَّلَ بِهِ إلى المُخْتَرَعاتِ النّافِعَةِ بِحَسْبِ مُخْتَلَفِ العُصُورِ والأجْيالِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ لَآياتٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وبَيَّنّا هُنالِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأحْمَرَ في التِّجارَةِ ويَرْكَبُونَ الأنْهارَ أيْضًا قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الفُراتَ: يَظَلُّ مِن خَوْفِهِ المَلّاحُ مُعْتَصِمًا ∗∗∗ بِالخَيْزُرانَةِ بَعْدَ الأيْنِ والنَّجَدِ والجَمْعُ بَيْنَ السَّفَرِ بِالإبِلِ والسِّفْرِ بِالفُلْكِ جَمْعٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ الإبِلَ سَفائِنُ البَرِّ، وقَدِيمًا سَمَّوْها بِذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وإنَّما قالَ وعَلى الفُلْكِ ولَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ، كَما قالَ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِلْمُزاوَجَةِ والمُشاكَلَةِ مَعَ (وعَلَيْها)، وإنَّما أُعِيدَ حِرَفُ عَلى في الفُلْكِ لِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذِّكْرِ وكانَ ذِكْرُ وعَلَيْها كالتَّوْطِئَةِ لَها فَجاءَتْ عَلى مِثالِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِما هو المَقْصُودُ في السِّياقِ. وتَقْدِيمُ لَكم عَلى الأنْعامِ مَعَ أنَّ المَفْعُولَ أشَدُّ اتِّصالًا بِفِعْلِهِ مِنَ المَجْرُورِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ. وأمّا تَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ والمُنْعِمِ بِها لِأنَّهُ الغَرَضُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ .

غافر 40:80

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ . انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِما سَخَّرَ لِأجْلِهِمْ مِن نِظامِ العَوالِمِ العُلْيا والسُّفْلى، وبِما مَنَحَهم مِنَ الإيجادِ وتَطَوُّرِهِ وما في ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ بِهِمْ وما أدْمَجَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى انْفِرادِهِ تَعالى بِالتَّصَرُّفِ فَكَيْفَ يَنْصَرِفُ عَنْ عِبادَتِهِ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ آلِهَةً أُخْرى، إلى الِامْتِنانِ بِما سَخَّرَ لَهم مِنَ الإبِلِ لِمَنافِعِهِمُ الجَمَّةِ خاصَّةٍ وعامَّةٍ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سادِسٌ. والقَوْلُ في افْتِتاحِها كالقَوْلِ في افْتِتاحِ نَظائِرِها السّابِقَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ أوْ بِضَمِيرِهِ. والأنْعامُ: الإبِلُ، والغَنَمُ، والمَعْزُ، والبَقَرُ. والمُرادُ هُنا: الإبِلُ خاصَّةً لِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وكانَتِ الإبِلُ غالِبَ مَكاسِبِهِمْ. والجَعْلُ: الوَضْعُ والتَّمْكِينُ والتَّهْيِئَةُ، فَيُحْمَلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ وفائِدَةُ الِامْتِنانِ تَقْرِيبُ نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ المُرُوءَةِ الِاسْتِحْياءُ مِنَ المُنْعِمِ. وأُدْمِجَ في الِامْتِنانِ اسْتِدْلالٌ عَلى دَقِيقِ الصُّنْعِ وبَلِيغِ الحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١] أيْ في ذَلِكَ كُلِّهِ. صفحة ٢١٥ واللّامُ في لَكم لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِكم وهو امْتِنانٌ مُجْمَلٌ يَشْمَلُ بِالتَّأمُّلِ كُلَّ ما في الإبِلِ لَهم مِن مَنافِعَ وهم يَعْلَمُونَها إذا تَذَكَّرُوها وعَدُّوها. ثُمَّ فَصَّلَ ذَلِكَ الإجْمالَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ بِذِكْرِ المُهِمِّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي في الإبِلِ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ إلى تُحْمَلُونَ. فاللّامُ في ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾ لامُ كَيْ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِ جَعَلَ أيْ لِرُكُوبِكم. ومِن في المَوْضِعَيْنِ هُنا لِلتَّبْعِيضِ وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن أيْ بَعْضًا مِنها، وهو ما أُعِدَّ لِلْأسْفارِ مِنَ الرَّواحِلِ. ويَتَعَلَّقُ حَرْفُ مِن بِ تَرْكَبُوا، وتَعَلُّقُ مِنِ التَّبْعِيَّضِيَّةِ بِالفِعْلِ تَعَلُّقٌ ضَعِيفٌ وهو الَّذِي دَعا التَّفْتَزانِيَّ إلى القَوْلِ بِأنَّ مِن في مِثْلِهِ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُرِيدَ بِالرُّكُوبِ هُنا الرُّكُوبُ لِلرّاحَةِ مِن تَعَبِ الرِّجْلَيْنِ في الحاجَةِ القَرِيبَةِ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ . وجُمْلَةُ ومِنها تَأْكُلُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأنْعامِ، أوْ عَطْفٌ عَلى المَعْنى مِن جُمْلَةِ لِتَرْكَبُوا مِنها لِأنَّها في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: تَرْكَبُونَ مِنها، عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ لِبَيانِ الإجْمالِ الَّذِي في ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾، وعَلى الِاعْتِبارَيْنِ فَهي في حَيِّزِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ كَيْ فَمَعْناها: ولِتَأْكُلُوا مِنها. وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، والمَعْنى أيْضًا عَلى اعْتِبارِ التَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولِتَجْتَنُوا مَنافِعَها المَجْعُولَةَ لَكم وإنَّما غَيَّرَ أُسْلُوبَ التَّعْلِيلِ تَفَنُّنًا في الكَلامِ وتَنْشِيطًا لِلسّامِعِ لِئَلّا يَتَكَرَّرَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ تِكْراراتٍ كَثِيرَةً. والمَنافِعُ: جَمْعُ مَنفَعَةٍ، وهي مَفْعَلَةٌ مِنَ النَّفْعِ، وهي: الشَّيْءُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ، أيْ يُسْتَصْلَحُ بِهِ. فالمَنافِعُ في هَذِهِ الآيَةِ أُرِيدَ بِها ما قابَلَ مَنافِعَ أكْلِ لُحُومِها في صفحة ٢١٦ قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ مِثْلَ الِانْتِفاعِ بِأوْبارِها وألْبانِها وأثْمانِها وأعْواضِها في الدِّياتِ والمُهُورِ، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجُلُودِها بِاتِّخاذِها قِبابًا وغَيْرَها وبِالجُلُوسِ عَلَيْها، وكَذَلِكَ الِانْتِفاعُ بِجَمالِ مَرْآها في العُيُونِ في المَسْرَحِ والمَراحِ، والمَنافِعُ شامِلَةٌ لِلرُّكُوبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾، فَذِكْرُ المَنافِعِ بَعْدَ لِتَرْكَبُوا مِنها تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ [طه: ١٨]، فَذَكَرَ هُنا الشّائِعَ المَطْرُوقَ عِنْدَهم، ثُمَّ ذَكَر مَثِيلَهُ في الشُّيُوعِ وهو الأكْلُ مِنها، ثُمَّ عادَ إلى عُمُومِ المَنافِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِنَ المَنافِعِ الأسْفارَ فَإنَّ اشْتِدادَ الحاجَةِ إلى الأنْعامِ فِيها تَجْعَلُ الِانْتِفاعَ بِرُكُوبِها لِلسَّفَرِ في مَحَلِّ الِاهْتِمامِ. ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً في أجْزاءِ الأنْعامِ جِيءَ في مُتَعَلِّقِها بِحَرْفِ في دُونَ مِن لِأنَّ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ فَتَشْمَلُ كُلَّ ما يُعَدُّ كالشَّيْءِ المُحَوِّي في الأنْعامِ، كَقَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ يَذْكُرُ ما أخَذَهُ مِنَ الإبِلِ في دِيَةِ قَرِيبٍ: نُحابِي بِها أكْفاءَنا ونُهِينُها ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ وأنْبَأ فِعْلُ لِتَبْلُغُوا أنَّ الحاجَةَ الَّتِي في الصُّدُورِ حاجَةٌ في مَكانٍ بَعِيدٍ يَطْلُبُها صاحِبُها. والحاجَةُ: النِّيَّةُ والعَزِيمَةُ. والصُّدُورُ أُطْلِقَ عَلى العُقُولِ اتِّباعًا لِلْمُتَعارَفِ الشّائِعِ كَما يُطْلَقُ القُلُوبُ عَلى العُقُولِ. وأعْقَبَ الِامْتِنانَ بِالأنْعامِ بِالِامْتِنانِ بِالفُلْكِ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ فَقالَ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِامْتِنانِ بِجَعْلِ الأنْعامِ، إلى الِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ الرُّكُوبِ في الفُلْكِ في البِحارِ والأنْهارِ فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وأمّا قَوْلُهُ وعَلَيْها فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ وهو اعْتِراضٌ بِالواوِ الِاعْتِراضِيَّةِ تَكْرِيرًا لِلْمِنَّةِ، عَلى أنَّهُ قَدْ يَشْمَلُ حَمْلَ الأثْقالِ عَلى الإبِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ﴾ [النحل: ٧] فَيَكُونُ إسْنادُ الحَمْلِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ تَغْلِيبًا. صفحة ٢١٧ وُوَجْهُ الِامْتِنانِ بِالفُلْكِ أنَّهُ امْتِنانٌ بِما رَكَّبَ اللَّهُ في الإنْسانِ مِنَ التَّدْبِيرِ والذَّكاءِ الَّذِي تَوَصَّلَ بِهِ إلى المُخْتَرَعاتِ النّافِعَةِ بِحَسْبِ مُخْتَلَفِ العُصُورِ والأجْيالِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ لَآياتٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وبَيَّنّا هُنالِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَرْكَبُونَ البَحْرَ الأحْمَرَ في التِّجارَةِ ويَرْكَبُونَ الأنْهارَ أيْضًا قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الفُراتَ: يَظَلُّ مِن خَوْفِهِ المَلّاحُ مُعْتَصِمًا ∗∗∗ بِالخَيْزُرانَةِ بَعْدَ الأيْنِ والنَّجَدِ والجَمْعُ بَيْنَ السَّفَرِ بِالإبِلِ والسِّفْرِ بِالفُلْكِ جَمْعٌ لَطِيفٌ، فَإنَّ الإبِلَ سَفائِنُ البَرِّ، وقَدِيمًا سَمَّوْها بِذَلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. وإنَّما قالَ وعَلى الفُلْكِ ولَمْ يَقُلْ: وفي الفُلْكِ، كَما قالَ ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِلْمُزاوَجَةِ والمُشاكَلَةِ مَعَ (وعَلَيْها)، وإنَّما أُعِيدَ حِرَفُ عَلى في الفُلْكِ لِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذِّكْرِ وكانَ ذِكْرُ وعَلَيْها كالتَّوْطِئَةِ لَها فَجاءَتْ عَلى مِثالِها. وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ في قَوْلِهِ ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ﴾ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ الِاهْتِمامِ بِما هو المَقْصُودُ في السِّياقِ. وتَقْدِيمُ لَكم عَلى الأنْعامِ مَعَ أنَّ المَفْعُولَ أشَدُّ اتِّصالًا بِفِعْلِهِ مِنَ المَجْرُورِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ. وأمّا تَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ﴾ فَلِلِاهْتِمامِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِمْ والمُنْعِمِ بِها لِأنَّهُ الغَرَضُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ .

غافر 40:81

﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ . عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ (لَكُمُ) الأنْعامَ أيِ اللَّهُ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ. وهَذا انْتِقالٌ مِن مُتَعَدَّدِ الِامْتِنانِ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرارًا﴾ [غافر: ٦٤]، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [غافر: ٦٧]، ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾ [غافر: ٧٩]، فَإنَّ تِلْكَ ذُكِرَتْ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ تَذْكِيرًا صفحة ٢١٨ بِالشُّكْرِ، فَنَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ في تِلْكَ المِنَنِ آياتٍ دالَّةً عَلى ما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ مُفِيدًا مُفادَ التَّذْيِيلِ لِما في قَوْلِهِ (آياتِهِ) مِنَ العُمُومِ لِأنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ مِن صِيَغِ العُمُومِ، أيْ يُرِيكم آياتِهِ في النِّعَمِ المَذْكُوراتِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ ونَبْذِ المُكابَرَةِ فِيما يَأْتُونَهم بِهِ مِن آياتِ صِدْقِهِمْ. وقَدْ جِيءَ في جانِبِ إراءَةِ الآياتِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ لِأنَّ الإنْسانَ كُلَّما انْتَفَعَ بِشَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ عَلِمَ ما في ذَلِكَ مِن دَلالَةٍ عَلى وحْدانِيَّةِ خالِقِها وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ. والإراءَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ، عُبِّرَ بِها عَنِ العِلْمِ بِصِفاتِ اللَّهِ إذْ كانَ طَرِيقُ ذَلِكَ العِلْمِ هو مُشاهَدَةُ تِلْكَ الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ فَمِن تِلْكَ المُشاهَدَةِ يَنْتَقِلُ العَقْلُ إلى الِاسْتِدْلالِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ دَلالَةَ وُجُودِ الخالِقِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ بُرْهانِيَّةٌ تَنْتَهِي إلى اليَقِينِ والضَّرُورَةِ. وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ التَّنْوِيهِ بِها، والإرْشادِ إلى إجادَةِ النَّظَرِ العَقْلِيِّ في دَلائِلِها، وأمّا كَوْنُها جائِيَةً مِن لَدُنِ اللَّهِ وكَوْنُ إضافَتِها مِنَ الإضافَةِ إلى ما هو في مَعْنى الفاعِلِ، فَذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَفادٌ مِن إسْنادِ فِعْلِ يُرِيكم إلى ضَمِيرِهِ تَعالى. وفُرِّعَ عَلى إراءَةِ الآياتِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ إنْكارِهِمْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الآياتُ. وأيُّ: اسْمُ اسْتِفْهامٍ يُطْلَبُ بِهِ تَمْيِيزُ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِهِ فِيما يُضافُ إلَيْهِ أيٌّ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن آياتِ اللَّهِ يُمْكِنُ أنْ يُنْكَرَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُفِيدُ أنَّ جَمِيعَ الآياتِ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ لا مَساغَ لِادِّعاءِ خَفائِهِ وأنَّهم لا عُذْرَ لَهم في عَدَمِ الِاسْتِفادَةِ مِن إحْدى الآياتِ. صفحة ٢١٩ والأكْثَرُ في اسْتِعْمالِ أيٍّ إذا أُضِيفَتْ إلى اسْمٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ أنْ لا تَلْحَقَها هاءُ التَّأْنِيثِ اكْتِفاءً بِتَأْنِيثِ ما تُضافُ إلَيْهِ لِأنَّ الغالِبَ في الأسْماءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِصِفاتٍ أنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ مُذَكَّرِها ومُؤَنَّثِها بِالهاءِ نَحْوَ حِمارٍ، فَلا يُقالُ لِلْمُؤَنَّثِ حِمارَةٌ. وأيُّ: اسْمٌ ويَزِيدُ بِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ فَلا يُفَسِّرُهُ إلّا المُضافُ إلَيْهِ فَلِذَلِكَ قالَ هُنا ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ: فَأيَّةَ آياتِ اللَّهِ، لِأنَّ إلْحاقَ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ بِأيٍّ في مِثْلِ هَذا قَلِيلٌ، ومِن غَيْرِ الغالِبِ تَأْنِيثُ أيٍّ في قَوْلِ الكُمَيْتِ: بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسُبُ

غافر 40:82

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . تَفْرِيعُ هَذا الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١]، يَقْتَضِي أنَّهُ مُساوِقٌ لِلتَّفْرِيعِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] فَيَقْتَضِي أنَّ السَّيْرَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِالإنْكارِ عَلى تَرْكِهِ هو سَيْرٌ تَحْصُلُ فِيهِ آياتٌ ودَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وكِلا التَّفْرِيعَيْنِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، فَذَلِكَ هو مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى التَّذْكِيرِ بِعِبْرَةِ آثارِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى لَمّا كَذَّبَتْ رُسُلَهُ وجَحَدَتْ آياتِهِ ونِعَمَهُ. وحَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيرُ الإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ [غافر: ٢١] الآيَةَ، فَكانَ ما تَقَدَّمَ انْتِقالًا عَقِبَ آياتِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ، وكانَ هَذا انْتِقالًا عَقِبَ آياتِ الِامْتِنانِ والِاسْتِدْلالِ، وفي كِلا الِانْتِقالَيْنِ تَذْكِيرٌ وتَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وهو يُشِيرُ إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَزَعُهُمُ النِّعَمُ عَنْ كُفْرانِ مُسْدِيها كَشَأْنِ أهْلِ النُّفُوسِ الكَرِيمَةِ فَلْيَكُونُوا مِمَّنْ يَرْدَعُهُمُ الخَوْفُ مِنَ البَطْشِ كَشَأْنِ أهْلِ النُّفُوسِ اللَّئِيمَةِ فَلْيَضَعُوا أنْفُسَهم حَيْثُ يَخْتارُونَ مِن إحْدى الخُطَّتَيْنِ. صفحة ٢٢٠ والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وخُولِفَ في عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ فَعُطِفَتْ بِالفاءِ لِلتَّفْرِيعِ لِوُقُوعِها بَعْدَ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُفَرَّعُ عَنْهُ إنْكارُ عَدَمِ النَّظَرِ في عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِخِلافِ نَظِيرِها الَّذِي قَبْلَها فَقَدْ وقَعَ بَعْدَ إنْذارِهِمْ بِيَوْمِ الآزِفَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] وقَوْلِ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ التَّعْجِيلُ بِإفادَةِ أنَّ كَثْرَتَهم وقُوَّتَهم وحُصُونَهم وجَنّاتِهِمْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا. وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ كانُوا كَذَلِكَ إلى أنْ جاءَتْهم رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهم فَرَأوْا بَأْسَنا. وجَعَلَها في الكَشّافِ جارِيَةً مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾، وما سَلَكْتُهُ أنا أحْسَنُ ومَوْقِعُ الفاءِ يُؤَيِّدُهُ. وأمّا في لَمّا مِن مَعْنى التَّوْقِيتِ أفادَتْ مَعْنى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُغَيِّرْ ما بِهِمْ مِنَ النِّعَمِ العُظْمى حَتّى كَذَّبُوا رُسُلَهُ. وجَوابُ لَمّا جُمْلَةُ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرائِقَ قِدَدًا ذَكَرَ بَعْضَها الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ. وأنْهاها صاحِبُ الكَشّافِ إلى سِتٍّ، ومالَ صاحِبُ الكَشْفِ إلى إحْداها، وأبُو حَيّانَ إلى أُخْرى ولا حاجَةَ إلى جَلْبِ ذَلِكَ. والطَّرِيقَةُ الَّتِي يُرَجَّحُ سُلُوكُها هي أنَّ هُنا ضَمائِرَ عَشْرَةً هي ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ وأنَّ بَعْضَها عائِدٌ لا مَحالَةَ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وأنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ مُتَناسِقَةً غَيْرَ مُفَكَّكَةٍ فَلِذا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى مَعادٍ واحِدٍ، صفحة ٢٢١ فالَّذِينَ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ هُمُ الَّذِينَ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ، وهُمُ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، والَّذِينَ رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ، فَما بِنا إلّا أنْ نُبَيِّنَ مَعْنى ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ . فالفَرَحُ هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ آثارِهِ وهي الِازْدِهاءُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ بِما أنْتَ فِيهِ مُكَنًّى بِهِ هُنا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ، فالمَعْنى: أنَّهم جادَلُوا الرُّسُلَ وكابَرُوا الأدِلَّةَ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ. وما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ هو مُعْتَقَداتُهُمُ المَوْرُوثَةُ عَنْ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن أسْلافِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: قالُوا لِرُسُلِهِمْ: نَحْنُ أعْلَمُ مِنكم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ اهـ. وإطْلاقُ العِلْمِ عَلى اعْتِقادِهِمْ تَهَكُّمٌ وجَرْيٌ عَلى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ وإلّا فَهو جَهْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ بِجَهْلِهِمْ يَعْنِي فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وحاقَ بِهِمْ: أحاطَ، يُقالُ: حاقَ يَحِيقُ حَيْقًا، إذا أحاطَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي لا تَنْفِيسَ بِها لِأنَّ المُحِيطَ بِشَيْءٍ لا يَدْعُ لَهُ مَفْرَجًا. و﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هو الِاسْتِئْصالُ والعَذابُ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَهم أوْعَدُوهم بِالعَذابِ فاسْتَهْزَءُوا بِالعَذابِ، أيْ بِوُقُوعِهِ وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِوَعِيدِ الرُّسُلِ كانَ شِنْشَنَةً لَهم، وفي الإتْيانِ بِـ يَسْتَهْزِئُونَ مُضارِعًا إفادَةٌ لِتَكَرُّرِ اسْتِهْزائِهِمْ.

غافر 40:83

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . تَفْرِيعُ هَذا الِاسْتِفْهامِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ [غافر: ٨١]، يَقْتَضِي أنَّهُ مُساوِقٌ لِلتَّفْرِيعِ الَّذِي قَبْلَهُ وهو ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] فَيَقْتَضِي أنَّ السَّيْرَ المُسْتَفْهَمَ عَنْهُ بِالإنْكارِ عَلى تَرْكِهِ هو سَيْرٌ تَحْصُلُ فِيهِ آياتٌ ودَلائِلُ عَلى وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وكِلا التَّفْرِيعَيْنِ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠]، فَذَلِكَ هو مُناسَبَةُ الِانْتِقالِ إلى التَّذْكِيرِ بِعِبْرَةِ آثارِ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ تَعالى لَمّا كَذَّبَتْ رُسُلَهُ وجَحَدَتْ آياتِهِ ونِعَمَهُ. وحَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيرُ الإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ قَبْلَ هَذا ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً﴾ [غافر: ٢١] الآيَةَ، فَكانَ ما تَقَدَّمَ انْتِقالًا عَقِبَ آياتِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ، وكانَ هَذا انْتِقالًا عَقِبَ آياتِ الِامْتِنانِ والِاسْتِدْلالِ، وفي كِلا الِانْتِقالَيْنِ تَذْكِيرٌ وتَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وهو يُشِيرُ إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَزَعُهُمُ النِّعَمُ عَنْ كُفْرانِ مُسْدِيها كَشَأْنِ أهْلِ النُّفُوسِ الكَرِيمَةِ فَلْيَكُونُوا مِمَّنْ يَرْدَعُهُمُ الخَوْفُ مِنَ البَطْشِ كَشَأْنِ أهْلِ النُّفُوسِ اللَّئِيمَةِ فَلْيَضَعُوا أنْفُسَهم حَيْثُ يَخْتارُونَ مِن إحْدى الخُطَّتَيْنِ. صفحة ٢٢٠ والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وآثارًا في الأرْضِ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ في هَذِهِ السُّورَةِ، وخُولِفَ في عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ فَعُطِفَتْ بِالفاءِ لِلتَّفْرِيعِ لِوُقُوعِها بَعْدَ ما يَصْلُحُ لِأنْ يُفَرَّعُ عَنْهُ إنْكارُ عَدَمِ النَّظَرِ في عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِخِلافِ نَظِيرِها الَّذِي قَبْلَها فَقَدْ وقَعَ بَعْدَ إنْذارِهِمْ بِيَوْمِ الآزِفَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] وقَوْلِ عَنْتَرَةَ: ولَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ التَّعْجِيلُ بِإفادَةِ أنَّ كَثْرَتَهم وقُوَّتَهم وحُصُونَهم وجَنّاتِهِمْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا. وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ كانُوا كَذَلِكَ إلى أنْ جاءَتْهم رُسُلُ اللَّهِ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ فَلَمْ يُصَدِّقُوهم فَرَأوْا بَأْسَنا. وجَعَلَها في الكَشّافِ جارِيَةً مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾، وما سَلَكْتُهُ أنا أحْسَنُ ومَوْقِعُ الفاءِ يُؤَيِّدُهُ. وأمّا في لَمّا مِن مَعْنى التَّوْقِيتِ أفادَتْ مَعْنى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُغَيِّرْ ما بِهِمْ مِنَ النِّعَمِ العُظْمى حَتّى كَذَّبُوا رُسُلَهُ. وجَوابُ لَمّا جُمْلَةُ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها. واعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ ذَهَبُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ طَرائِقَ قِدَدًا ذَكَرَ بَعْضَها الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ. وأنْهاها صاحِبُ الكَشّافِ إلى سِتٍّ، ومالَ صاحِبُ الكَشْفِ إلى إحْداها، وأبُو حَيّانَ إلى أُخْرى ولا حاجَةَ إلى جَلْبِ ذَلِكَ. والطَّرِيقَةُ الَّتِي يُرَجَّحُ سُلُوكُها هي أنَّ هُنا ضَمائِرَ عَشْرَةً هي ضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ وأنَّ بَعْضَها عائِدٌ لا مَحالَةَ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وأنَّ وجْهَ النَّظْمِ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ مُتَناسِقَةً غَيْرَ مُفَكَّكَةٍ فَلِذا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى مَعادٍ واحِدٍ، صفحة ٢٢١ فالَّذِينَ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ هُمُ الَّذِينَ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ، وهُمُ الَّذِينَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، والَّذِينَ رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ، فَما بِنا إلّا أنْ نُبَيِّنَ مَعْنى ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ . فالفَرَحُ هُنا مُكَنّى بِهِ عَنْ آثارِهِ وهي الِازْدِهاءُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص: ٧٦] أيْ بِما أنْتَ فِيهِ مُكَنًّى بِهِ هُنا عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما هم عَلَيْهِ، فالمَعْنى: أنَّهم جادَلُوا الرُّسُلَ وكابَرُوا الأدِلَّةَ وأعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ. وما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ هو مُعْتَقَداتُهُمُ المَوْرُوثَةُ عَنْ أهْلِ الضَّلالَةِ مِن أسْلافِهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: قالُوا لِرُسُلِهِمْ: نَحْنُ أعْلَمُ مِنكم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُعَذَّبَ اهـ. وإطْلاقُ العِلْمِ عَلى اعْتِقادِهِمْ تَهَكُّمٌ وجَرْيٌ عَلى حَسَبِ مُعْتَقَدِهِمْ وإلّا فَهو جَهْلٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ بِجَهْلِهِمْ يَعْنِي فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وحاقَ بِهِمْ: أحاطَ، يُقالُ: حاقَ يَحِيقُ حَيْقًا، إذا أحاطَ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي لا تَنْفِيسَ بِها لِأنَّ المُحِيطَ بِشَيْءٍ لا يَدْعُ لَهُ مَفْرَجًا. و﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هو الِاسْتِئْصالُ والعَذابُ. والمَعْنى: أنَّ رُسُلَهم أوْعَدُوهم بِالعَذابِ فاسْتَهْزَءُوا بِالعَذابِ، أيْ بِوُقُوعِهِ وفي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ بِوَعِيدِ الرُّسُلِ كانَ شِنْشَنَةً لَهم، وفي الإتْيانِ بِـ يَسْتَهْزِئُونَ مُضارِعًا إفادَةٌ لِتَكَرُّرِ اسْتِهْزائِهِمْ.

غافر 40:84

﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] . مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٨٣] كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ [غافر: ٨٣] مِن قَوْلِهِ ﴿كانُوا أكْثَرَ مِنهُمْ﴾ [غافر: ٨٢] لِأنَّ إفادَةَ لَمّا مَعْنى التَّوْقِيتِ يُثِيرُ مَعْنى تَوْقِيتِ انْتِهاءِ ما قَبْلَها، أيْ دامَ دُعاءُ الرُّسُلِ إيّاهم ودامَ صفحة ٢٢٢ تَكْذِيبُهم واسْتِهْزاؤُهم إلى أنْ رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ. والبَأْسُ: الشِّدَّةُ في المَكْرُوهِ، وهو جامِعٌ لِأصْنافِ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] فَذَلِكَ البَأْسُ بِمَعْنى البَأْساءِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَضَرَّعُوا وهو هُنا يَقُولُ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥] . فالبَأْسُ هُنا العَذابُ الخارِقُ لِلْعادَةِ المُنْذِرُ بِالفَناءِ فَإنَّهم لَمّا رَأوْهُ عَلِمُوا أنَّهُ العَذابُ الَّذِي أُنْذِرُوهُ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٥]، أيْ حِينَ شاهَدُوا العَذابَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإيمانُ لِأنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ الإيمانَ عِنْدَ نُزُولِ عَذابِهِ. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَلَمْ يَنْفَعْهم، إلى قَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ﴾ [غافر: ٨٥] لِدَلالَةِ فِعْلِ الكَوْنِ عَلى أنَّ خَبَرَهُ مُقَرَّرُ الثُّبُوتِ لِاسْمِهِ، فَلَمّا أُرِيدَ نَفْيُ ثُبُوتِ النَّفْعِ إيّاهم بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ اجْتَلَبَ لِذَلِكَ نَفْيَ فِعْلِ الكَوْنِ الَّذِي خَبَرُهُ يَنْفَعُهم. والمَعْنى أنَّ الإيمانَ بَعْدَ رُؤْيَةِ بَوارِقِ العَذابِ لا يُفِيدُ صاحِبَهُ مِثْلَ الإيمانِ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ ومِثْلَ الإيمانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها كَما جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ وسَيَأْتِي بَيانُ هَذا عَقِبَهُ.

غافر 40:85

﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ . انْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِأنَّ سُنَّةً اسْمُ مَصْدَرِ السَّنِّ، وهو آتٍ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ، والتَّقْدِيرُ: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالِ مَن يَسْألُ لِماذا لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإيمانُ وقَدْ آمَنُوا، فالجَوابُ أنَّ ذَلِكَ تَقْدِيرٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلْأُمَمِ السّالِفَةِ أعْلَمَهم بِهِ وشَرَطَهُ عَلَيْهِمْ فَهي قَدِيمَةٌ في عِبادِهِ لا يَنْفَعُ الكافِرَ الإيمانُ إلّا قَبْلَ ظُهُورِ البَأْسِ ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ قالَ تَعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٩٨] . صفحة ٢٢٣ وهَذا حُكْمُ اللَّهِ في البَأْسِ بِمَعْنى العِقابِ الخارِقِ لِلْعادَةِ والَّذِي هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ، فَأمّا البَأْسُ الَّذِي هو مُعْتادٌ والَّذِي هو آيَةٌ خَفِيَّةٌ مِثْلُ عَذابِ بَأْسِ السَّيْفِ الَّذِي نَصَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَإنَّ مَن يُؤْمِنُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ مِثْلَ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ حِينَ رَأى جَيْشَ الفَتْحِ، أوْ بَعْدَ أنْ يَنْجُوَ مِنهُ مِثْلَ إيمانِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الفَتْحِ بَعْدَ رَفْعِ السَّيْفِ عَنْهم، فَإيمانُهُ كامِلٌ مِثْلَ إيمانِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وأبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ بَعْدَ ارْتِدادِهِ. ووَجْهُ عَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ عِنْدَ حُلُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ وقَبُولِ الإيمانِ عِنْدَ نُزُولِ بَأْسِ السَّيْفِ أنَّ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مُشارَفَةٌ لِلْهَلاكِ والخُرُوجِ مِن عالَمِ الدُّنْيا فَإيقاعُ الإيمانِ عِنْدَهُ لا يَحْصُلُ المَقْصِدُ مِن إيجابِ الإيمانِ وهو أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ حِزْبًا وأنْصارًا لِدِينِهِ وأنْصارًا لِرُسُلِهِ، وماذا يُغْنِي إيمانُ قَوْمٍ لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ إلّا رَمَقٌ ضَعِيفٌ مِن حَياةٍ، فَإيمانُهم حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ اعْتِرافِ أهِلِ الحَشْرِ بِذُنُوبِهِمْ ولَيْسَتْ ساعَةَ عَمَلٍ، قالَ تَعالى في شَأْنِ فِرْعَوْنَ ﴿فَلَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠] ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، أيْ فَلَمْ يَبْقَ وقْتٌ لِاسْتِدْراكِ عِصْيانِهِ وإفْسادِهِ، وقالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَأشارَ قَوْلُهُ ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] إلى حِكْمَةِ عَدَمِ انْتِفاعِ أحَدٍ بِإيمانِهِ ساعَتَئِذٍ. وإنَّما كانَ ما حَلَّ بِقَوْمِ يُونُسَ حالًا وسِيطًا بَيْنَ ظُهُورِ البَأْسِ وبَيْنَ الشُّعُورِ بِهِ عِنْدَ ظُهُورِ عَلاقاتِهِ كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ يُونُسَ. وجُمْلَةُ ﴿وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ كالفَذْلَكَةِ لِقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾، وبِذَلِكَ آذَنَتْ بِانْتِهاءِ الغَرَضِ مِنَ السُّورَةِ. وهُنالِكَ اسْمُ إشارَةٍ إلى مَكانٍ، اسْتُعِيرَ لِلْإشارَةِ إلى الزَّمانِ، أيْ خَسِرُوا وقْتَ رُؤْيَتِهِمْ بَأْسَنا إذِ انْقَضَتْ حَياتُهم وسُلْطانُهم وصارُوا إلى تَرَقُّبِ عَذابٍ خالِدٍ مُسْتَقْبَلٍ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهُمْ﴾ [غافر: ٢١] إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وهو الكافِرُونَ إيماءٌ إلى أنَّ سَبَبَ خُسْرانِهِمْ هو الكُفْرُ بِاللَّهِ وذَلِكَ إعْذارٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ. * * * صفحة ٢٢٤ أُسْلُوبُ سُورَةِ غافِرٍ. أُسْلُوبُها أُسْلُوبُ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ وأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإبْطالِ ضَلالَةِ المُكَذِّبِينَ وضَرْبِ مَثَلِهِمْ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، وتَرْهِيبِهِمْ مِنَ التَّمادِي في ضَلالِهِمْ وتَرْغِيبِهِمْ في التَّبَصُّرِ لِيَهْتَدُوا. وافْتُتِحَتْ بِالحَرْفَيْنِ المُقَطَّعَيْنِ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ لِأنَّ أوَّلَ أغْراضِها أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَفي حَرْفَيِ الهِجاءِ رَمْزٌ إلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بَعْدَ أنْ تَحَدّاهم، لِذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلُوا، كَما تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وفِي ذَلِكَ الِافْتِتاحِ تَشْوِيقٌ إلى تَطَلُّعِ ما يَأْتِي بَعْدَهُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وكانَ في الصِّفاتِ الَّتِي أُجْرِيَتْ عَلى اسْمِ مُنَزِّلِ القُرْآنِ إيماءٌ إلى أنَّهُ لا يُشْبِهُ كَلامَ البَشَرِ لِأنَّهُ كَلامُ العَزِيزِ العَلِيمِ، وإيماءٌ إلى تَيْسِيرِ إقْلاعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ، وتَرْهِيبٌ مِنَ العِقابِ عَلى الإصْرارِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ. ثُمَّ تَخَلَّصَ مِنَ الإيماءِ والرَّمْزِ إلى صَرِيحِ وصْفِ ضَلالِ المُعانِدِينَ وتَنْظِيرِهِمْ بِسابِقِيهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ. وخُصَّ بِالذِّكْرِ أعْظَمُ الرُّسُلِ السّالِفِينَ وهو مُوسى مَعَ أُمَّةٍ مِن أعْظَمِ الأُمَمِ السّالِفَةِ وهم أهْلُ مِصْرَ وأُطِيلَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مُماثِلَةِ حالِهِمْ لِحالِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ في الِاعْتِزازِ بِأنْفُسِهِمْ، وفي قِلَّةِ المُؤْمِنِينَ مِنهم مِثْلَ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وتَخَلَّلَ ذَلِكَ ثَباتُ مُوسى وثَباتُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ إيماءً إلى التَّنْظِيرِ بِثَباتِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأبِي بَكْرٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وسِعَةِ القُدْرَةِ عَلى إعادَةِ الأمْواتِ. وخُتِمَتْ بِذِكْرِ أهْلِ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ الَّذِينَ أوْبَقَهَمُ الإعْجابُ بِرَأْيِهِمْ وثِقَتُهم بِجَهْلِهِمْ فَصُمَّتْ آذانُهم عَنْ سَماعِ حُجَجِ الحَقِّ، وأعْماهم عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ الكَوْنِ فَحَسِبُوا أنَّهم عَلى كَمالٍ لا يَنْقُصُهم ما بِهِ حاجَةٌ إلى الكَمالِ، فَحاقَ بِهِمُ العَذابُ، وفي هَذا رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. وخَوَّفَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ مِنَ الِانْزِلاقِ في مَهْواةِ الأوَّلِينَ بِأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في عِبادِهِ الإمْهالُ ثُمَّ المُؤاخَذَةُ، فَكانَ ذَلِكَ كَلِمَةً جامِعَةً لِلْغَرَضِ أذِنَتْ بِانْتِهاءِ الكَلامِ فَكانَتْ مَحْسِنَ الخِتامِ. صفحة ٢٢٥ وتَخَلَّلَ في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ المُسْتَطْرَداتِ والِانْتِقالاتِ بِذِكْرِ ثَناءِ المَلَأِ الأعْلى عَلى المُؤْمِنِينَ وثَنائِهِمْ عَلى الكافِرِينَ، وذِكْرِ ما هم صائِرُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ والنَّدامَةِ، وتَمْثِيلِ الفارِقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وتَشْوِيهِ حالِ الكافِرِينَ في الآخِرَةِ، وتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ وأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمْرِهِمْ بِالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ، وأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ ﷺ كَشَأْنِ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ في لُقْيانِ التَّكْذِيبِ وفي أنَّهُ يَأْتِي بِالآياتِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ دُونَ مُقْتَرَحاتِ المُعانِدِينَ. * * * صفحة ٢٢٦ صفحة ٢٢٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. سُورَةُ فُصِّلَتْ. تُسَمّى حم السَّجْدَةِ بِإضافَةِ حم إلى السَّجْدَةِ كَما قَدَّمْناهُ في أوَّلِ سُورَةِ المُؤْمِنِ، وبِذَلِكَ تُرْجِمَتْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ لِأنَّها تَمَيَّزَتْ عَنِ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ حم بِأنَّ فِيها سَجْدَةَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ خَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ لا يَنامُ حَتّى يَقْرَأ: تَبارَكَ، وحم السَّجْدَةِ» . وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ مَصاحِفِ المَشْرِقِ والتَّفاسِيرِ سُورَةَ السَّجْدَةِ، وهو اخْتِصارُ قَوْلِهِمْ حم السَّجْدَةِ ولَيْسَ تَمْيِيزًا لَها بِذاتِ السَّجْدَةِ. وسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّوَرُ في كَثِيرٍ مِنَ التَّفاسِيرِ سُورَةَ فُصِّلَتْ. واشْتُهِرَتْ تَسْمِيَتُها في تُونِسَ والمَغْرِبِ ”سُورَةُ فُصِّلَتْ“ لِوُقُوعِ كَلِمَةِ ”﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٣]“ في أوَّلِها فَعُرِفَتْ بِها تَمْيِيزًا لَها مِنَ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ ”حم“ . كَما تَمَيَّزَتْ ”سُورَةُ المُؤْمِنِ“ بِاسْمِ ”سُورَةِ غافِرٍ“ عَنْ بَقِيَّةِ السُّورِ المُفْتَتَحَةِ بِحُرُوفِ ”حم“ . وقالَ الكَواشِيُّ: وتُسَمّى ”سُورَةَ المَصابِيحِ“ لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥]، وتُسَمّى ”سُورَةَ الأقْواتِ“ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠] . صفحة ٢٢٨ وقالَ الكَواشِيُّ في التَّبْصِرَةِ: تُسَمّى ”سَجْدَةَ المُؤْمِنِ“ ووَجْهُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ قَصْدُ تَمْيِيزِها عَنْ سُورَةِ ”الم السَّجْدَةِ“ المُسَمّاةِ ”سُورَةَ المَضاجِعِ“ فَأضافُوا هَذِهِ إلى السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها وهي ”سُورَةُ المُؤْمِنِ“، كَما مَيَّزُوا ”سُورَةَ المَضاجِعِ“ بِاسْمِ ”سَجْدَةِ لُقْمانَ“ لِأنَّها واقِعَةٌ بَعْدَ ”سُورَةِ لُقْمانَ“ . وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ نَزَلَتْ بَعْدَ ”سُورَةِ غافِرٍ“ قَبْلَ ”سُورَةِ الزُّخْرُفِ“، وعُدَّتِ الحادِيَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ. وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ ثَلاثًا وخَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الشّامِ والبَصْرَةِ اثْنَتَيْنِ وخَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ أرْبَعًا وخَمْسِينَ. * * * أغْراضُها. التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والإشارَةُ إلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ. وذِكْرُ هَدْيِهِ، وأنَّهُ مَعْصُومٌ مِن أنْ يَتَطَرَّقَهُ الباطِلُ، وتَأْيِيدُهُ بِما أُنْزِلَ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِ الإسْلامِ. وتَلَقِّي المُشْرِكِينَ لَهُ بِالإعْراضِ وصَمِّ الآذانِ. وإبْطالُ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ فِيهِ وتَذْكِيرُهم بِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ فَلا عُذْرَ لَهم أصْلًا في عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهَدْيِهِ. وزَجْرُ المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخُهم عَلى كُفْرِهِمْ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَعَ بَيانِ ما في خَلْقِها مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ. وإنْذارُهم بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ مِن عَذابِ الدُّنْيا. ووَعِيدُهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وشَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأجْسادِهِمْ عَلَيْهِمْ. وتَحْذِيرُهم مِنَ القُرَناءِ المُزَيِّنِينَ لَهُمُ الكُفْرَ مِنَ الشَّياطِينِ والنّاسِ وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى اتِّباعِهِمْ في الدُّنْيا. صفحة ٢٢٩ وقُوبِلَ ذَلِكَ بِما لِلْمُوَحِّدِينَ مِنَ الكَرامَةِ عِنْدَ اللَّهِ. وأمْرُ النَّبِيءِ ﷺ بِدَفْعِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ وبِالصَّبْرِ عَلى جَفْوَتِهِمْ وأنْ يَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ. وذَكَرَتْ دَلائِلَ تَفَرُّدِ اللَّهَ بِخَلْقِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ كالشَّمْسِ والقَمَرِ. ودَلائِلَ إمْكانِ البَعْثِ وأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ ولا يَعْلَمُ وقْتَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى. وتَثْبِيتَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِتَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهم بِتَنَزُّلِ المَلائِكَةِ بِالوَحْيِ، وبِالبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وتَخَلَّلَ ذَلِكَ أمْثالٌ مُخْتَلِفَةٌ في ابْتِداءِ خَلْقِ العَوالِمِ وعِبَرٌ في تَقَلُّباتِ أهْلِ الشِّرْكِ. والتَّنْوِيهُ بِإيتاءِ الزَّكاةِ.

فصلت 41:1

﴿حم﴾ . القَوْلُ في الحُرُوفِ الواقِعَةِ فاتِحَةَ هَذِهِ السُّورَةِ كالقَوْلِ في الم.

فصلت 41:2

﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ . افْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ فَكانَتْ بِذَلِكَ كالمَوْصُوفَةِ وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَوْلُهُ (﴿كِتابٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿تَنْزِيلٌ﴾) فَحَصَلَ مِنَ المَعْنى: أنَّ التَّنْزِيلَ مِنَ اللَّهِ كِتابٌ، وأنَّ صِفَتَهُ فُصِّلَتْ آياتُهُ، مَوْسُومًا بِكَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فَحَصَلَ مِن هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُفَصَّلًا عَرَبِيًّا. صفحة ٢٣٠ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمُبْتَدَأِ وتَجْعَلَ قَوْلَهُ (كِتابٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو أُسْلُوبٌ فَخْمٌ وقَدْ مَضى مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] . والمُرادُ: أنَّهُ مُنَزَّلٌ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهو مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ فَعَلَ اللَّهُ تَنْزِيلَهُ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مُوحًى بِهِ ولَيْسَ مَنقُولًا مِن صُحُفِ الأوَّلِينَ. وتَنْكِيرُ (﴿تَنْزِيلٌ﴾) (وكِتابٌ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ. والكِتابُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ حُرُوفٍ دالَّةٍ عَلى ألْفاظٍ مُفِيدَةٍ وسُمِّيَ القُرْآنُ كِتابًا لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِألْفاظِهِ وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَكْتُبَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ اتَّخَذَ الرَّسُولُ ﷺ كُتّابًا يَكْتُبُونَ لَهُ كُلَّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ. وإيثارُ الصِّفَتَيْنِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبادِهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] . والجَمْعُ بَيْنَ صِفَتَيِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ مُتَعَلِّقَها مُنْتَشِرٌ في المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ والبَسْمَلَةِ. وفِي ذَلِكَ إيماءٌ إلى اسْتِحْماقِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَذا الكِتابِ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ رَحْمَةٍ، وأنَّ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ هم أهْلُ المَرْحَمَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ، والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والإخْلاءُ مِنَ الِالتِباسِ. صفحة ٢٣١ والمُرادُ: أنَّ آياتِ القُرْآنِ واضِحَةُ الأغْراضِ لا تَلْتَبِسُ إلّا عَلى مُكابِرٍ في دَلالَةِ كُلِّ آيَةٍ عَلى المَقْصُودِ مِنها، وفي مَواقِعِها وتَمْيِيزِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ في المَعْنى بِاخْتِلافِ فُنُونِ المَعانِي الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعَةِ سُورَةِ هُودٍ. ومِن كَمالِ تَفْصِيلِهِ أنَّهُ كانَ بِلُغَةٍ كَثِيرَةِ المَعانِي، واسِعَةِ الأفْنانِ، فَصِيحَةِ الألْفاظِ، فَكانَتْ سالِمَةً مِنَ التِباسِ الدَّلالَةِ، وانْغِلاقِ الألْفاظِ، مَعَ وفْرَةِ المَعانِي غَيْرِ المُتَنافِيَةِ في قِلَّةِ التَّراكِيبِ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن مُكَمِّلاتِ الإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ. وقَدْ تَكَرَّرَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ كَقَوْلِهِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ولِهَذا فُرِّعَ عَلَيْهِ ذَمُّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] . والقُرْآنُ: الكَلامُ المَقْرُوءُ المَتْلُوُّ. وكَوْنُهُ قُرْآنًا مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو أنَّهُ سَهْلُ الحِفْظِ، سَهْلُ التِّلاوَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ولِذَلِكَ كانَ شَأْنُ الرَّسُولِ ﷺ حِفْظَ القُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وكانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الِاقْتِداءَ بِهِ في ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الهِمَمِ والمُكْناتِ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُشِيرُ إلى تَفْضِيلِ المُؤْمِنِينَ بِما عِنْدَهم مِنَ القُرْآنِ. وكانَ يَوْمُ أُحُدٍ يُقَدِّمُ في لَحْدِ شُهَدائِهِ مَن كانَ أكْثَرَهم أخْذًا لِلْقُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِ حِفْظِ القُرْآنِ زِيادَةً عَلى فَضْلِ تِلْكَ الشَّهادَةِ. وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى النَّعْتِ المَقْطُوعِ لِلِاخْتِصاصِ بِالمَدْحِ وإلّا لَكانَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ الثّانِي، فَقَوْلُهُ قُرْآنًا مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِها مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ عَرَبِيٌّ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ صِفَةٌ لِـ (قُرْآنًا) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ كائِنًا لِقَوْمٍ صفحة ٢٣٢ يَعْلَمُونَ بِاعْتِبارِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى وُضُوحِ الدَّلالَةِ وسُطُوعِ الحُجَّةِ، أوْ يَتَعَلَّقُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِقَوْلِهِ تَنْزِيلٌ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ عَلى مَعْنى فَوائِدِ تَنْزِيلِهِ وتَفْصِيلِهِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يُنْزَلْ إلّا لَهم، أيْ فَلا بِدْعَ إذا أعْرَضَ عَنْ فَهْمِهِ المُعانِدُونَ فَإنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقَوْلُهُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] . والبَشِيرُ: اسْمٌ لِلْمُبَشِّرِ وهو المُخْبِرُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ المُخْبَرَ. والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِأمْرٍ مُخَوِّفٍ، شَبَّهَ القُرْآنَ بِالبَشِيرِ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، وبِالنَّذِيرِ فِيما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ وأهْلِ المَعاصِي، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. ولَيْسَ (﴿بَشِيرًا﴾) أوْ (نَذِيرًا) اسْمَيْ فاعِلٍ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا. والجَمْعُ بَيْنَ بَشِيرًا ونَذِيرًا مِن قَبِيلِ مُحَسِّنِ الطِّباقِ. والجَمْعُ بَيْنَ (﴿بَشِيرًا﴾) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ مِن كِتابٍ أوْ صِفَةٌ لِـ (﴿قُرْآنًا﴾)، وصِفَةُ الحالِ في مَعْنى الحالِ، فالأوْلى كَوْنُهُ حالًا ثانِيَةً. وجِيءَ بِقَوْلِهِ نَذِيرًا مَعْطُوفًا بِالواوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ مَوْقِعِ كُلٍّ مِنَ الحالَيْنِ فَهو بَشِيرٌ لِقَوْمٍ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ونَذِيرٌ لِآخَرِينَ وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْهُ، ولَيْسَ هو جامِعًا بَيْنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ فالواوُ هُنا كالواوِ في قَوْلِهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] . وتَفْرِيعُ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وضَمِيرُ أكْثَرُهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما هي عادَةُ القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والمَعْنى: فَأعْرَضَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ عَمّا في القُرْآنِ مِنَ الهُدى فَلَمْ يَهْتَدُوا، ومِنَ البِشارَةِ فَلَمْ يُعْنَوْا بِها، ومِنَ النِّذارَةِ فَلَمْ يَحْذَرُوها، فَكانُوا في أشَدِّ الحَماقَةِ، إذْ لَمْ صفحة ٢٣٣ يُعْنَوْا بِخَيْرٍ، ولا حَذِرُوا الشَّرَّ، فَلَمْ يَأْخُذُوا بِالحِيطَةِ لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ عائِدًا لِـ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ لِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ لا يُعْرِضُ أحَدٌ مِنهم. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الإعْراضِ، أيْ فَهم لا يُلْقُونَ أسْماعَهم لِلْقُرْآنِ فَضْلًا عَنْ تَدَبُّرِهِ، وهَذا إجْمالٌ لِإعْراضِهِمْ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَلا يَسْمَعُونَ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ.

فصلت 41:3

﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ . افْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ فَكانَتْ بِذَلِكَ كالمَوْصُوفَةِ وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَوْلُهُ (﴿كِتابٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿تَنْزِيلٌ﴾) فَحَصَلَ مِنَ المَعْنى: أنَّ التَّنْزِيلَ مِنَ اللَّهِ كِتابٌ، وأنَّ صِفَتَهُ فُصِّلَتْ آياتُهُ، مَوْسُومًا بِكَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فَحَصَلَ مِن هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُفَصَّلًا عَرَبِيًّا. صفحة ٢٣٠ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمُبْتَدَأِ وتَجْعَلَ قَوْلَهُ (كِتابٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو أُسْلُوبٌ فَخْمٌ وقَدْ مَضى مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] . والمُرادُ: أنَّهُ مُنَزَّلٌ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهو مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ فَعَلَ اللَّهُ تَنْزِيلَهُ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مُوحًى بِهِ ولَيْسَ مَنقُولًا مِن صُحُفِ الأوَّلِينَ. وتَنْكِيرُ (﴿تَنْزِيلٌ﴾) (وكِتابٌ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ. والكِتابُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ حُرُوفٍ دالَّةٍ عَلى ألْفاظٍ مُفِيدَةٍ وسُمِّيَ القُرْآنُ كِتابًا لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِألْفاظِهِ وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَكْتُبَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ اتَّخَذَ الرَّسُولُ ﷺ كُتّابًا يَكْتُبُونَ لَهُ كُلَّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ. وإيثارُ الصِّفَتَيْنِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبادِهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] . والجَمْعُ بَيْنَ صِفَتَيِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ مُتَعَلِّقَها مُنْتَشِرٌ في المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ والبَسْمَلَةِ. وفِي ذَلِكَ إيماءٌ إلى اسْتِحْماقِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَذا الكِتابِ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ رَحْمَةٍ، وأنَّ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ هم أهْلُ المَرْحَمَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ، والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والإخْلاءُ مِنَ الِالتِباسِ. صفحة ٢٣١ والمُرادُ: أنَّ آياتِ القُرْآنِ واضِحَةُ الأغْراضِ لا تَلْتَبِسُ إلّا عَلى مُكابِرٍ في دَلالَةِ كُلِّ آيَةٍ عَلى المَقْصُودِ مِنها، وفي مَواقِعِها وتَمْيِيزِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ في المَعْنى بِاخْتِلافِ فُنُونِ المَعانِي الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعَةِ سُورَةِ هُودٍ. ومِن كَمالِ تَفْصِيلِهِ أنَّهُ كانَ بِلُغَةٍ كَثِيرَةِ المَعانِي، واسِعَةِ الأفْنانِ، فَصِيحَةِ الألْفاظِ، فَكانَتْ سالِمَةً مِنَ التِباسِ الدَّلالَةِ، وانْغِلاقِ الألْفاظِ، مَعَ وفْرَةِ المَعانِي غَيْرِ المُتَنافِيَةِ في قِلَّةِ التَّراكِيبِ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن مُكَمِّلاتِ الإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ. وقَدْ تَكَرَّرَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ كَقَوْلِهِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ولِهَذا فُرِّعَ عَلَيْهِ ذَمُّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] . والقُرْآنُ: الكَلامُ المَقْرُوءُ المَتْلُوُّ. وكَوْنُهُ قُرْآنًا مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو أنَّهُ سَهْلُ الحِفْظِ، سَهْلُ التِّلاوَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ولِذَلِكَ كانَ شَأْنُ الرَّسُولِ ﷺ حِفْظَ القُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وكانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الِاقْتِداءَ بِهِ في ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الهِمَمِ والمُكْناتِ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُشِيرُ إلى تَفْضِيلِ المُؤْمِنِينَ بِما عِنْدَهم مِنَ القُرْآنِ. وكانَ يَوْمُ أُحُدٍ يُقَدِّمُ في لَحْدِ شُهَدائِهِ مَن كانَ أكْثَرَهم أخْذًا لِلْقُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِ حِفْظِ القُرْآنِ زِيادَةً عَلى فَضْلِ تِلْكَ الشَّهادَةِ. وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى النَّعْتِ المَقْطُوعِ لِلِاخْتِصاصِ بِالمَدْحِ وإلّا لَكانَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ الثّانِي، فَقَوْلُهُ قُرْآنًا مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِها مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ عَرَبِيٌّ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ صِفَةٌ لِـ (قُرْآنًا) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ كائِنًا لِقَوْمٍ صفحة ٢٣٢ يَعْلَمُونَ بِاعْتِبارِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى وُضُوحِ الدَّلالَةِ وسُطُوعِ الحُجَّةِ، أوْ يَتَعَلَّقُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِقَوْلِهِ تَنْزِيلٌ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ عَلى مَعْنى فَوائِدِ تَنْزِيلِهِ وتَفْصِيلِهِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يُنْزَلْ إلّا لَهم، أيْ فَلا بِدْعَ إذا أعْرَضَ عَنْ فَهْمِهِ المُعانِدُونَ فَإنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقَوْلُهُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] . والبَشِيرُ: اسْمٌ لِلْمُبَشِّرِ وهو المُخْبِرُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ المُخْبَرَ. والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِأمْرٍ مُخَوِّفٍ، شَبَّهَ القُرْآنَ بِالبَشِيرِ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، وبِالنَّذِيرِ فِيما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ وأهْلِ المَعاصِي، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. ولَيْسَ (﴿بَشِيرًا﴾) أوْ (نَذِيرًا) اسْمَيْ فاعِلٍ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا. والجَمْعُ بَيْنَ بَشِيرًا ونَذِيرًا مِن قَبِيلِ مُحَسِّنِ الطِّباقِ. والجَمْعُ بَيْنَ (﴿بَشِيرًا﴾) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ مِن كِتابٍ أوْ صِفَةٌ لِـ (﴿قُرْآنًا﴾)، وصِفَةُ الحالِ في مَعْنى الحالِ، فالأوْلى كَوْنُهُ حالًا ثانِيَةً. وجِيءَ بِقَوْلِهِ نَذِيرًا مَعْطُوفًا بِالواوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ مَوْقِعِ كُلٍّ مِنَ الحالَيْنِ فَهو بَشِيرٌ لِقَوْمٍ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ونَذِيرٌ لِآخَرِينَ وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْهُ، ولَيْسَ هو جامِعًا بَيْنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ فالواوُ هُنا كالواوِ في قَوْلِهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] . وتَفْرِيعُ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وضَمِيرُ أكْثَرُهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما هي عادَةُ القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والمَعْنى: فَأعْرَضَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ عَمّا في القُرْآنِ مِنَ الهُدى فَلَمْ يَهْتَدُوا، ومِنَ البِشارَةِ فَلَمْ يُعْنَوْا بِها، ومِنَ النِّذارَةِ فَلَمْ يَحْذَرُوها، فَكانُوا في أشَدِّ الحَماقَةِ، إذْ لَمْ صفحة ٢٣٣ يُعْنَوْا بِخَيْرٍ، ولا حَذِرُوا الشَّرَّ، فَلَمْ يَأْخُذُوا بِالحِيطَةِ لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ عائِدًا لِـ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ لِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ لا يُعْرِضُ أحَدٌ مِنهم. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الإعْراضِ، أيْ فَهم لا يُلْقُونَ أسْماعَهم لِلْقُرْآنِ فَضْلًا عَنْ تَدَبُّرِهِ، وهَذا إجْمالٌ لِإعْراضِهِمْ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَلا يَسْمَعُونَ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ.

فصلت 41:4

﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ . افْتُتِحَ الكَلامُ بِاسْمٍ نَكِرَةٍ لِما في التَّنْكِيرِ مِنَ التَّعْظِيمِ. والوَجْهُ أنْ يَكُونَ تَنْزِيلٌ مُبْتَدَأٌ سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهِ ما في التَّنْكِيرِ مِن مَعْنى التَّعْظِيمِ فَكانَتْ بِذَلِكَ كالمَوْصُوفَةِ وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ. وقَوْلُهُ (﴿كِتابٌ﴾) بَدَلٌ مِن (﴿تَنْزِيلٌ﴾) فَحَصَلَ مِنَ المَعْنى: أنَّ التَّنْزِيلَ مِنَ اللَّهِ كِتابٌ، وأنَّ صِفَتَهُ فُصِّلَتْ آياتُهُ، مَوْسُومًا بِكَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، فَحَصَلَ مِن هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُفَصَّلًا عَرَبِيًّا. صفحة ٢٣٠ ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمُبْتَدَأِ وتَجْعَلَ قَوْلَهُ (كِتابٌ) خَبَرَ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو أُسْلُوبٌ فَخْمٌ وقَدْ مَضى مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٢] . والمُرادُ: أنَّهُ مُنَزَّلٌ، فالمَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهو مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ فَعَلَ اللَّهُ تَنْزِيلَهُ، تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ مُوحًى بِهِ ولَيْسَ مَنقُولًا مِن صُحُفِ الأوَّلِينَ. وتَنْكِيرُ (﴿تَنْزِيلٌ﴾) (وكِتابٌ) لِإفادَةِ التَّعْظِيمِ. والكِتابُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ حُرُوفٍ دالَّةٍ عَلى ألْفاظٍ مُفِيدَةٍ وسُمِّيَ القُرْآنُ كِتابًا لِأنَّ اللَّهَ أوْحى بِألْفاظِهِ وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَكْتُبَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولِذَلِكَ اتَّخَذَ الرَّسُولُ ﷺ كُتّابًا يَكْتُبُونَ لَهُ كُلَّ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ. وإيثارُ الصِّفَتَيْنِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ العَلِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا التَّنْزِيلَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِعِبادِهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] . والجَمْعُ بَيْنَ صِفَتَيِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى، وأنَّ مُتَعَلِّقَها مُنْتَشِرٌ في المَخْلُوقاتِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ والبَسْمَلَةِ. وفِي ذَلِكَ إيماءٌ إلى اسْتِحْماقِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنِ الِاهْتِداءِ بِهَذا الكِتابِ بِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ رَحْمَةٍ، وأنَّ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِهِ هم أهْلُ المَرْحَمَةِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] . ومَعْنى ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ بُيِّنَتْ، والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ والإخْلاءُ مِنَ الِالتِباسِ. صفحة ٢٣١ والمُرادُ: أنَّ آياتِ القُرْآنِ واضِحَةُ الأغْراضِ لا تَلْتَبِسُ إلّا عَلى مُكابِرٍ في دَلالَةِ كُلِّ آيَةٍ عَلى المَقْصُودِ مِنها، وفي مَواقِعِها وتَمْيِيزِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ في المَعْنى بِاخْتِلافِ فُنُونِ المَعانِي الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ في طالِعَةِ سُورَةِ هُودٍ. ومِن كَمالِ تَفْصِيلِهِ أنَّهُ كانَ بِلُغَةٍ كَثِيرَةِ المَعانِي، واسِعَةِ الأفْنانِ، فَصِيحَةِ الألْفاظِ، فَكانَتْ سالِمَةً مِنَ التِباسِ الدَّلالَةِ، وانْغِلاقِ الألْفاظِ، مَعَ وفْرَةِ المَعانِي غَيْرِ المُتَنافِيَةِ في قِلَّةِ التَّراكِيبِ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ مِن مُكَمِّلاتِ الإخْبارِ عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ. وقَدْ تَكَرَّرَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ كَقَوْلِهِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] ولِهَذا فُرِّعَ عَلَيْهِ ذَمُّ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ هُنا ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ وقَوْلُهُ هُنالِكَ ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] . والقُرْآنُ: الكَلامُ المَقْرُوءُ المَتْلُوُّ. وكَوْنُهُ قُرْآنًا مِن صِفاتِ كَمالِهِ، وهو أنَّهُ سَهْلُ الحِفْظِ، سَهْلُ التِّلاوَةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ولِذَلِكَ كانَ شَأْنُ الرَّسُولِ ﷺ حِفْظَ القُرْآنِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وكانَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ الِاقْتِداءَ بِهِ في ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الهِمَمِ والمُكْناتِ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُشِيرُ إلى تَفْضِيلِ المُؤْمِنِينَ بِما عِنْدَهم مِنَ القُرْآنِ. وكانَ يَوْمُ أُحُدٍ يُقَدِّمُ في لَحْدِ شُهَدائِهِ مَن كانَ أكْثَرَهم أخْذًا لِلْقُرْآنِ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِ حِفْظِ القُرْآنِ زِيادَةً عَلى فَضْلِ تِلْكَ الشَّهادَةِ. وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى النَّعْتِ المَقْطُوعِ لِلِاخْتِصاصِ بِالمَدْحِ وإلّا لَكانَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ الثّانِي، فَقَوْلُهُ قُرْآنًا مَقْصُودٌ بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ الَّتِي اخْتُصَّ بِها مِن بَيْنِ سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَقالَ: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ عَرَبِيٌّ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ صِفَةٌ لِـ (قُرْآنًا) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ كائِنًا لِقَوْمٍ صفحة ٢٣٢ يَعْلَمُونَ بِاعْتِبارِ ما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى وُضُوحِ الدَّلالَةِ وسُطُوعِ الحُجَّةِ، أوْ يَتَعَلَّقُ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ بِقَوْلِهِ تَنْزِيلٌ أوْ بِقَوْلِهِ ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ عَلى مَعْنى فَوائِدِ تَنْزِيلِهِ وتَفْصِيلِهِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَكَأنَّهُ لَمْ يُنْزَلْ إلّا لَهم، أيْ فَلا بِدْعَ إذا أعْرَضَ عَنْ فَهْمِهِ المُعانِدُونَ فَإنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] وقَوْلُهُ ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقَوْلُهُ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] . والبَشِيرُ: اسْمٌ لِلْمُبَشِّرِ وهو المُخْبِرُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ المُخْبَرَ. والنَّذِيرُ: المُخْبِرُ بِأمْرٍ مُخَوِّفٍ، شَبَّهَ القُرْآنَ بِالبَشِيرِ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، وبِالنَّذِيرِ فِيما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ وأهْلِ المَعاصِي، فالكَلامُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. ولَيْسَ (﴿بَشِيرًا﴾) أوْ (نَذِيرًا) اسْمَيْ فاعِلٍ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا. والجَمْعُ بَيْنَ بَشِيرًا ونَذِيرًا مِن قَبِيلِ مُحَسِّنِ الطِّباقِ. والجَمْعُ بَيْنَ (﴿بَشِيرًا﴾) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ مِن كِتابٍ أوْ صِفَةٌ لِـ (﴿قُرْآنًا﴾)، وصِفَةُ الحالِ في مَعْنى الحالِ، فالأوْلى كَوْنُهُ حالًا ثانِيَةً. وجِيءَ بِقَوْلِهِ نَذِيرًا مَعْطُوفًا بِالواوِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِلافِ مَوْقِعِ كُلٍّ مِنَ الحالَيْنِ فَهو بَشِيرٌ لِقَوْمٍ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ونَذِيرٌ لِآخَرِينَ وهُمُ المُعْرِضُونَ عَنْهُ، ولَيْسَ هو جامِعًا بَيْنَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ لِطائِفَةٍ واحِدَةٍ فالواوُ هُنا كالواوِ في قَوْلِهِ ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥] . وتَفْرِيعُ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ عَلى ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وضَمِيرُ أكْثَرُهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ وهُمُ المُشْرِكُونَ كَما هي عادَةُ القُرْآنِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ. والمَعْنى: فَأعْرَضَ أكْثَرُ هَؤُلاءِ عَمّا في القُرْآنِ مِنَ الهُدى فَلَمْ يَهْتَدُوا، ومِنَ البِشارَةِ فَلَمْ يُعْنَوْا بِها، ومِنَ النِّذارَةِ فَلَمْ يَحْذَرُوها، فَكانُوا في أشَدِّ الحَماقَةِ، إذْ لَمْ صفحة ٢٣٣ يُعْنَوْا بِخَيْرٍ، ولا حَذِرُوا الشَّرَّ، فَلَمْ يَأْخُذُوا بِالحِيطَةِ لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ عائِدًا لِـ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ لِأنَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ لا يُعْرِضُ أحَدٌ مِنهم. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الإعْراضِ، أيْ فَهم لا يُلْقُونَ أسْماعَهم لِلْقُرْآنِ فَضْلًا عَنْ تَدَبُّرِهِ، وهَذا إجْمالٌ لِإعْراضِهِمْ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَلا يَسْمَعُونَ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَأْكِيدِهِ.

فصلت 41:5

﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ . عَطْفُ (وقالُوا) عَلى (﴿فَأعْرَضَ﴾ [فصلت: ٤])، أوْ حالٌ مِن (﴿أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤])، أوْ عَطْفٌ عَلى (لا يَسْمَعُونَ)، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أعْرَضُوا مُصَرِّحِينَ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ وبِالِانْتِصابِ لِلْجَفاءِ والعَداءِ. وهَذا تَفْصِيلٌ لِلْإعْراضِ عَمّا وُصِفَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُقَرِّبَهم إلى تَلَقِّيهِ لا أنْ يَبْعُدُوا ويُعْرِضُوا، وقَدْ جاءَ بِالتَّفْصِيلِ بِأقْوالِهِمُ الَّتِي حَرَمَتْهم مِنَ الِانْتِفاعِ بِالقُرْآنِ واحِدًا واحِدًا كَما سَتَعْلَمُهُ. والمُرادُ بِالقُلُوبِ: العُقُولُ، حُكِيَ بِمُصْطَلَحِ كَلامِهِمْ قَوْلُهم إذْ يُطْلِقُونَ القَلْبَ عَلى العَقْلِ. والأكِنَّةُ: جَمْعُ كِنانٍ مِثْلُ غِطاءٍ وأغْطِيَةٍ وزْنًا ومَعْنًى، أُثْبِتَتْ لِقُلُوبِهِمْ أغْطِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِ، وشُبِّهَتِ القُلُوبُ بِالأشْياءِ المُغَطّاةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ حَيْلُولَةُ وصُولِ الدَّعْوَةِ إلى عُقُولِهِمْ كَما يَحُولُ الغِطاءُ والغِلافُ دُونَ تَناوُلِ ما تَحْتَهُ. وما يَدْعُوهم إلَيْهِ يَعُمُّ كُلَّ ما دَعاهم إلَيْهِ مِنَ المَدْلُولاتِ وأدِلَّتِها، ومِنها دَلالَةُ مُعْجِزَةِ القُرْآنِ وما تَتَضَمَّنُهُ مِن دَلالَةِ أُمَيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . صفحة ٢٣٤ وجُعِلَتِ القُلُوبُ في أكِنَّةٍ لِإفادَةِ حَرْفٍ في مَعْنى إحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ. وكَذَلِكَ جُعِلَ الوَقْرُ في القُلُوبِ لِإفادَةِ تَغَلْغُلِهِ في إدْراكِهِمْ. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ بِمَعْنى عَنْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وقَوْلِهِ قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا، والمَعْنى: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ فَهي بَعِيدَةٌ عَمّا تَدْعُونا إلَيْهِ لا يَنْفُذُ إلَيْها. والوَقْرُ بِفَتْحِ الواوِ: ثِقَلُ السَّمْعِ وهو الصَّمَمُ، وكَأنَّ اللُّغَةَ أخَذَتْهُ مِنَ الوِقْرِ بِكَسْرِ الواوِ، وهو الحِمْلُ لِأنَّهُ يُثْقِلُ الدّابَّةَ عَنِ التَّحَرُّكِ، فَأطْلَقُوهُ عَلى عَدَمِ تَحَرُّكِ السَّمْعِ عِنْدَ قَرْعِ الصَّوْتِ المَسْمُوعِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَفَتَحُوا لَهُ الواوَ تَفْرِقَةً بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كَما فَرَّقُوا بَيْنَ العَضِّ الحَقِيقِيِّ وعَظِّ الدَّهْرِ بِأنْ صَيَّرُوا ضادَهُ ظاءً. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأكِنَّةِ والوَقْرِ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] في الأنْعامِ وفي سُورَةِ الإسْراءِ. والحِجابُ: السّاتِرُ لِلْمَرْئِيِّ مِن حائِطٍ أوْ ثَوْبٍ. أطْلَقُوا اسْمَ الحِجابِ عَلى ما يَمْنَعُ نُفُوسَهم أنْ يَأْخُذُوا بِالدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن كَراهِيَةِ دِينِهِ وتَجافِي تَقَلُّدِهِ بِجامِعِ أنَّ الحِجابَ يَحُولُ بَيْنَ الرّائِي والمَرْئِيِّ فَلا يَنْظُرُ أحَدُهُما الآخَرَ ولا يَصِلُ إلَيْهِ، ومُرادُهُمُ البَراءَةُ مِنهُ. مَثَّلَ نُبُوَّ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَقَبُّلِ الإسْلامِ واعْتِقادِهِ بِحالِ ما هو في أكِنَّةٍ، وعَدَمَ تَأثُّرِ أسْماعِهِمْ بِدَعْوَتِهِ بِصُمِّ الآذانِ. وعَدَمَ التَّقارُبِ بَيْنَ ما هم عَلَيْهِ وما هو عَلَيْهِ بِالحِجابِ المَمْدُودِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَلا تَلاقِيَ ولا تَرائِيَ. وقَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الحالاتِ الثَّلاثِ في التَّمْثِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهم لا يَقْبَلُونَ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ. واجْتِلابُ حَرْفِ مِن في قَوْلِهِ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى الحِجابِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وتَمَكُّنِ لازِمِهِ الَّذِي هو بُعْدُ المَسافَةِ الَّتِي بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ لِأنَّ (مِن) هَذِهِ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ. صفحة ٢٣٥ وضَمِيرُ (﴿بَيْنِنا﴾) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿أكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٤]) . وعَطْفُ (﴿وبَيْنِكَ﴾) تَأْكِيدٌ لِأنَّ واوَ العَطْفِ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ بَيْنَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مِثْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] . وقَدْ جَعَلَ ابْنُ مالِكٍ ”مِن“ الدّاخِلَةَ عَلى ”قَبْلُ“ و”بَعْدُ“ زائِدَةً فَيَكُونُ ”بَيْنَ“ مَقِيسًا عَلى ”قَبْلُ“ و”بَعْدُ“ لِأنَّ الجَمِيعَ ظُرُوفٌ. وهَذا القَوْلُ المَحْكِيُّ عَنْهم في القُرْآنِ بِـ (قالُوا) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ حَكاهُ عَنْهم بِالمَعْنى، فَجَمَعَ القُرْآنُ بِإيجازِهِ وبَلاغَتِهِ ما أطالُوا بِهِ الجِدالَ وأطْنَبُوا في اللَّجاجِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ حَكاهُ بِلَفْظِهِمْ فَيَكُونُ مِمّا قالَهُ أحَدُ بُلَغائِهِ في مَجامِعِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ، وهَذا ظاهِرُ ما في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ، وزَعَمَ أنَّهم قالُوهُ اسْتِهْزاءً وأنَّ اللَّهَ حَكاهُ في سُورَةِ الكَهْفِ. . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا تَلَقَّفُوهُ مِمّا سَمِعُوهُ في القُرْآنِ مِن وصْفِ قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وتَباعُدِهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦] في سُورَةِ الإسْراءِ، فَإنَّ سُورَةَ الإسْراءِ مَعْدُودَةٌ في النُّزُولِ قَبْلَ سُورَةِ فُصِّلَتْ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] في سُورَةِ الإسْراءِ أيْضًا، فَجَمَعُوا ذَلِكَ وجادَلُوا بِهِ الرَّسُولَ. فَيَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ البَلاغَةِ قَدِ اقْتَبَسُوهُ مِن آياتٍ أُخْرى. قِيلَ: إنَّ قائِلَهُ أبُو جَهْلٍ في مَجْمَعٍ مِن قُرَيْشٍ فَلِذَلِكَ أسْنَدَ القَوْلَ إلَيْهِمْ جَمِيعًا لِأنَّهم مُشائِعُونَ لَهُ. وقَدْ جاءَ في حِكايَةِ أقْوالِهِمْ ما فِيهِ تَفْصِيلُ ما يُقابِلُ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِن صِفاتِ القُرْآنِ وهي ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]، فَإنَّ كَوْنَهُ تَنْزِيلًا مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَسْتَدْعِي تَفَهُّمَهُ والِانْتِفاعَ بِما فِيهِ، فَقُوبِلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ وكَوْنُهُ فُصِّلَتْ آياتُهُ يَسْتَدْعِي تَلَقِّيَها والِاسْتِماعَ إلَيْها فَقُوبِلَ بِقَوْلِهِمْ ﴿فِي آذانِنا وقْرٌ﴾، أيْ فَلا نَسْمَعُ تَفْصِيلَهُ، وكَوْنُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا أشَدُّ إلْزامًا لَهم بِفَهْمِهِ فَقُوبِلَ ذَلِكَ بِما يَقْطَعُ هَذِهِ الحُجَّةَ صفحة ٢٣٦ وهُوَ ﴿مِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ أيْ فَلا يَصِلُ كَلامُهُ إلَيْهِمْ ولا يَتَطَرَّقُ جانِبَهم، فَهَذِهِ تَفاصِيلُ إعْراضِهِمْ عَنْ صِفاتِ القُرْآنِ. وقَوْلُهم ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى تَأْيِيسِهِمُ الرَّسُولَ مِن قَبُولِهِمْ دَعْوَتَهُ وجَعَلَ قَوْلَهم هَذا مُقابِلَ وصْفِ القُرْآنِ بِأنَّهُ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ لِظُهُورِ أنَّهُ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ نَذِيرًا لَهم بِعَذابٍ عَظِيمٍ؛ لِأنَّهم أعْرَضُوا فَحُكِيَ ما فِيهِ تَصْرِيحُهم بِأنَّهم لا يَعْبَئُونَ بِنِذارَتِهِ فَإنْ كانَ لَهُ أذًى فَلْيُؤْذِهِمْ بِهِ وهَذا كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: ٢٦] . وحَذَفَ مَفْعُولا اعْمَلْ وعامِلُونَ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يُمْكِنُ عَمَلُهُ كُلٌّ مَعَ الآخَرِ ما يُناسِبُهُ. والأمْرُ في قَوْلِهِ فاعْمَلْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ بْنِ الأخْرَسِ المَعْنِيِّ: أطِلْ حَمْلَ الشَّناءَةِ لِي وبُغْضِي وعِشْ ما شِئْتَ فانْظُرْ مَن تُضِيرُ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] . والخَبَرُ في قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ.

فصلت 41:6

﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو تَلْقِينُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُجِيبَ قَوْلَهم ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] المُفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] إلى آخِرِهِ جَوابُ المُتَبَرِّئِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ حَوْلٌ وقُوَّةٌ لِيَعْمَلَ في إلْجائِهِمْ إلى الإيمانِ لِما أبَوْهُ إذْ ما هو إلّا بَشَرٌ مِثْلُهم في البَشَرِيَّةِ لا حَوْلَ لَهُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ الضّالَّةِ إلى الهُدى، وما عَلَيْهِ إلّا أنْ يُبَلِّغَهم ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ. وهَذا الخَبَرُ يُفِيدُ كِنايَةً عَنْ تَفْوِيضِ الأمْرِ في العَمَلِ صفحة ٢٣٧ بِجَزائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: وماذا أسْتَطِيعُ أنْ أعْمَلَ مَعَكم فَإنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَحِسابُكم عَلى اللَّهِ. فَصِيغَةُ القَصْرِ في ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تُفِيدُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ أنا مَقْصُورٌ عَلى البَشَرِيَّةِ دُونَ التَّصَرُّفِ في قُلُوبِ النّاسِ. وبَيْنَ ما تَمَيَّزَ بِهِ عَنْهم عَلى وجْهِ الِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَلَقَّفُوا قَوْلَهُ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَلَقُّفَ مَن حَصَلَ عَلى اعْتِرافِ خَصْمِهِ بِنُهُوضِ حُجَّتِهِ بِما يُثْبِتُ الفارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ وذَلِكَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ إبْطالَ زَعْمِهِمُ المَشْهُورِ المُكَرَّرِ أنَّ كَوْنَهُ بَشَرًا مانِعٌ مِن إرْسالِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، ونَحْوَهُ مِمّا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ. ومِثْلُ هَذا الِاحْتِراسِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الكُفّارِ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] . وحِرْصًا عَلى إبْلاغِ الإرْشادِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ لَهُ ما يُوحى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ إعادَةً لِما أبْلَغَهم إيّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، شَأْنَ القائِمِ بِهَدْيِ النّاسِ أنْ لا يُغادِرَ فُرْصَةً لِإبْلاغِهِمُ الحَقَّ إلّا انْتَهَزَها. ونَظِيرُهُ ما جاءَ في مُحاوَرَةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] . وأنَّما مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ، وهي أُخْتُ ”إنَّما“ المَكْسُورَةِ وإنَّما تُفْتَحُ هَمْزَتُها إذا وقَعَتْ مَعْمُولَةً لِما قَبْلَها ولَمْ تَكُنْ في الِابْتِداءِ كَما تُفْتَحُ هَمْزَةُ ”أنَّ“ وتُكْسَرُ هَمْزَةُ ”إنَّ“ لِأنَّ ”إنَّما“ أوْ ”أنَّما“ مُرَكَّبانِ مِن ”إنَّ“ أوْ ”أنَّ“ مَعَ ”ما“ الكافَّةِ الزّائِدَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى ”ما“ و”إلّا“ حَتّى ذَهَبَ وهَلُ بَعْضِهِمْ أنَّ ”ما“ الَّتِي مَعَها هي النّافِيَةُ اغْتِرارًا بِأنَّ مَعْنى القَصْرِ إثْباتُ الحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ ونَفْيُهُ عَمّا عَداهُ مِثْلَ ”ما“ و”إلّا“ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في كَوْنِ ”أنَّما“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ مُفِيدَةً القَصْرَ صفحة ٢٣٨ مِثْلَ أُخْتِها المَكْسُورَةِ الهُمَزَةِ وبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ، وما رَدَّهُ أبُو حَيّانَ عَلَيْهِ إنَّما هو مُجازَفَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ إدْماجٌ لِلدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ في خِلالِ الجَوابِ حِرْصًا عَلى الهَدْيِ. وكَذَلِكَ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ فَإنَّهُ إتْمامٌ لِذَلِكَ الإدْماجِ بِتَفْرِيعِ فائِدَتِهِ عَلَيْهِ لِأنَّ إثْباتَ أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ إنَّما يَقْصِدُ مِنهُ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ ونَبْذَ الشِّرْكِ. هَذا هو الوَجْهُ في تَوْجِيهِ ارْتِباطِ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] إلَخْ. ومَوْقِعُ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾، أيْ يُوحى إلَيَّ مَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وهو حَصْرُ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ واحِدٌ، أيْ دُونَ شَرِيكٍ. ومُماثَلَتُهُ لَهم: المُماثَلَةُ في البَشَرِيَّةِ فَتُفِيدُ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ بَشَرًا. والِاسْتِقامَةُ: كَوْنُ الشَّيْءِ قَوِيمًا، أيْ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا خالِصًا لَيْسَتْ فِيهِ شائِبَةُ تَمْوِيهٍ ولا باطِلٍ. وعَلى كَوْنِ الشَّخْصِ صادِقًا في مُعامَلَتِهِ أوْ عَهْدِهِ غَيْرَ خالِطٍ بِهِ شَيْئًا مِنَ الحِيلَةِ أوِ الخِيانَةِ، فَيُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ صادِقُ الخُلُقِ، وإنْ أُرِيدَ صِدْقُهُ مَعَ غَيْرِهِ يُقالُ: اسْتَقامَ لَهُ، أيِ اسْتَقامَ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ مُعامَلَتِهِ مِنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] والِاسْتِقامَةُ هُنا بِهَذا المَعْنى، وإنَّما عُدِّيَ بِحَرْفِ إلى لِأنَّها كَثِيرًا ما تُعاقِبُ اللّامَ، يُقالُ: ذَهَبَتْ لَهُ وذَهَبَتْ إلَيْهِ، والأحْسَنُ أنَّ إيثارَ إلى هُنا لِتَضْمِينِ اسْتَقِيمُوا مَعْنى: تَوَجَّهُوا، لِأنَّ التَّوْحِيدَ تَوَجُّهٌ، أيْ صَرْفُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، أوْ ضُمِّنَ اسْتَقِيمُوا مَعْنى: أنِيبُوا، أيْ تُوبُوا مِنَ الشِّرْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ . صفحة ٢٣٩ والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِن ذَنْبٍ أوْ عِصْيانٍ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغَفْرِ وهو السَّتْرُ. والمَعْنى: فَأخْلِصُوا إلى اللَّهِ في عِبادَتِهِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ واسْألُوا مِنهُ الصَّفْحَ عَمّا فَرَطَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ والعِنادِ. * * * ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِسُوءِ الحالِ والشَّقاءِ في الآخِرَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَرِضًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ وجُمْلَةِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ [فصلت: ٩] أيْ أجِبْهم بِقَوْلِكَ: أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ ونَحْنُ أعْتَدْنا لَهُمُ الوَيْلَ والشَّقاءَ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وذِكْرُ المُشْرِكِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ويُسْتَفادُ تَعْلِيقُ الوَعِيدِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الوَيْلِ بِكَوْنِهِ ثابِتًا لِلْمُشْرِكِينَ والمَوْصُوفِينَ بِالَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وبِأنَّهم كافِرُونَ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعَلِيَّةِ ما مِنهُ الِاشْتِقاقُ، ولِأنَّ المَوْصُولَ يُؤْذِنُ بِالإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ. فَأمّا كَوْنُ الشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ مُوجِبَيْنِ لِلْوَيْلِ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مُوجِبًا لِلْوَيْلِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ ما قارَنَ الإشْراكَ وإنْكارَ البَعْثِ مِن عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأعْمالِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ، فَذِكْرُ ذَلِكَ هُنا لِتَشْوِيهِ كُفْرِهِمْ وتَفْظِيعِ شِرْكِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بِالبَعْثِ بِأنَّهُما يَدْعُوانِهِمْ إلى مَنعِ الزَّكاةِ، أيْ إلى القَسْوَةِ عَلى الفُقَراءِ الضُّعَفاءِ وإلى الشُّحِّ بِالمالِ وكَفى بِذَلِكَ تَشْوِيهًا في حُكْمِ الأخْلاقِ وحُكْمِ العُرْفِ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم يَتَعَيَّرُونَ بِاللُّؤْمِ، ولَكِنَّهم يَبْذُلُونَ المالَ في غَيْرِ وجْهِهِ ويَحْرِمُونَ مِنهُ مُسْتَحِقِّيهِ. صفحة ٢٤٠ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الوَيْلِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ المُشْرِكُونَ لِمَنعِهِمُ الزَّكاةَ في ضِمْنِ شِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ رَأى أبُو بَكْرٍ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ومَنَعُوا الزَّكاةَ مَعَ المُرْتَدِّينَ، ووافَقَهُ جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فالزَّكاةُ في الآيَةِ هي الصَّدَقَةُ لِوُقُوعِها مَفْعُولَ يُؤْتُونَ، ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ زَكاةٌ مَفْرُوضَةٌ في الإسْلامِ غَيْرَ الصَّدَقَةِ دُونَ تَعْيِينِ نُصُبِ ولا أصْنافِ الأرْزاقِ المُزَكّاةِ، وكانَتِ الصَّدَقَةُ مَفْرُوضَةً عَلى الجُمْلَةِ، ولِبَعْضِ الصَّدَقَةِ مِيقاتٌ وهي الصَّدَقَةُ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] . وجُمْلَةُ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ يُؤْتُونَ وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ. وضَمِيرُ ﴿هم كافِرُونَ﴾ ضَمِيرُ فَصْلٍ لا يُفِيدُ هُنا إلّا تَوْكِيدَ الحُكْمِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هُنا تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لا ضَمِيرَ فَصْلٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلُهُ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه. وتَقْدِيمُ (﴿بِالآخِرَةِ﴾) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (﴿كافِرُونَ﴾) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ.

فصلت 41:7

﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو تَلْقِينُ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُجِيبَ قَوْلَهم ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] المُفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] إلى آخِرِهِ جَوابُ المُتَبَرِّئِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ حَوْلٌ وقُوَّةٌ لِيَعْمَلَ في إلْجائِهِمْ إلى الإيمانِ لِما أبَوْهُ إذْ ما هو إلّا بَشَرٌ مِثْلُهم في البَشَرِيَّةِ لا حَوْلَ لَهُ عَلى تَقْلِيبِ القُلُوبِ الضّالَّةِ إلى الهُدى، وما عَلَيْهِ إلّا أنْ يُبَلِّغَهم ما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ. وهَذا الخَبَرُ يُفِيدُ كِنايَةً عَنْ تَفْوِيضِ الأمْرِ في العَمَلِ صفحة ٢٣٧ بِجَزائِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: وماذا أسْتَطِيعُ أنْ أعْمَلَ مَعَكم فَإنِّي رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ فَحِسابُكم عَلى اللَّهِ. فَصِيغَةُ القَصْرِ في ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تُفِيدُ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ أنا مَقْصُورٌ عَلى البَشَرِيَّةِ دُونَ التَّصَرُّفِ في قُلُوبِ النّاسِ. وبَيْنَ ما تَمَيَّزَ بِهِ عَنْهم عَلى وجْهِ الِاحْتِراسِ مِن أنْ يَتَلَقَّفُوا قَوْلَهُ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ تَلَقُّفَ مَن حَصَلَ عَلى اعْتِرافِ خَصْمِهِ بِنُهُوضِ حُجَّتِهِ بِما يُثْبِتُ الفارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في البَشَرِيَّةِ، وهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ وذَلِكَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ إبْطالَ زَعْمِهِمُ المَشْهُورِ المُكَرَّرِ أنَّ كَوْنَهُ بَشَرًا مانِعٌ مِن إرْسالِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]، ونَحْوَهُ مِمّا تَكَرَّرَ في القُرْآنِ. ومِثْلُ هَذا الِاحْتِراسِ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الكُفّارِ لِرُسُلِهِمْ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] . وحِرْصًا عَلى إبْلاغِ الإرْشادِ إلَيْهِمْ بَيَّنَ لَهُ ما يُوحى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ إعادَةً لِما أبْلَغَهم إيّاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، شَأْنَ القائِمِ بِهَدْيِ النّاسِ أنْ لا يُغادِرَ فُرْصَةً لِإبْلاغِهِمُ الحَقَّ إلّا انْتَهَزَها. ونَظِيرُهُ ما جاءَ في مُحاوَرَةِ مُوسى وفِرْعَوْنَ ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤] ﴿قالَ لِمَن حَوْلَهُ ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥] ﴿قالَ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] ﴿قالَ إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] . وأنَّما مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ، وهي أُخْتُ ”إنَّما“ المَكْسُورَةِ وإنَّما تُفْتَحُ هَمْزَتُها إذا وقَعَتْ مَعْمُولَةً لِما قَبْلَها ولَمْ تَكُنْ في الِابْتِداءِ كَما تُفْتَحُ هَمْزَةُ ”أنَّ“ وتُكْسَرُ هَمْزَةُ ”إنَّ“ لِأنَّ ”إنَّما“ أوْ ”أنَّما“ مُرَكَّبانِ مِن ”إنَّ“ أوْ ”أنَّ“ مَعَ ”ما“ الكافَّةِ الزّائِدَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى ”ما“ و”إلّا“ حَتّى ذَهَبَ وهَلُ بَعْضِهِمْ أنَّ ”ما“ الَّتِي مَعَها هي النّافِيَةُ اغْتِرارًا بِأنَّ مَعْنى القَصْرِ إثْباتُ الحُكْمِ لِلْمَذْكُورِ ونَفْيُهُ عَمّا عَداهُ مِثْلَ ”ما“ و”إلّا“ ولا يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في كَوْنِ ”أنَّما“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ مُفِيدَةً القَصْرَ صفحة ٢٣٨ مِثْلَ أُخْتِها المَكْسُورَةِ الهُمَزَةِ وبِذَلِكَ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأنْبِياءِ، وما رَدَّهُ أبُو حَيّانَ عَلَيْهِ إنَّما هو مُجازَفَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. فَقَوْلُهُ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ إدْماجٌ لِلدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ في خِلالِ الجَوابِ حِرْصًا عَلى الهَدْيِ. وكَذَلِكَ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ فَإنَّهُ إتْمامٌ لِذَلِكَ الإدْماجِ بِتَفْرِيعِ فائِدَتِهِ عَلَيْهِ لِأنَّ إثْباتَ أنَّ اللَّهَ إلَهٌ واحِدٌ إنَّما يَقْصِدُ مِنهُ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ ونَبْذَ الشِّرْكِ. هَذا هو الوَجْهُ في تَوْجِيهِ ارْتِباطِ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ بِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] إلَخْ. ومَوْقِعُ ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ ﴿يُوحى إلَيَّ﴾، أيْ يُوحى إلَيَّ مَعْنى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وهو حَصْرُ صِفَةِ اللَّهِ تَعالى في أنَّهُ واحِدٌ، أيْ دُونَ شَرِيكٍ. ومُماثَلَتُهُ لَهم: المُماثَلَةُ في البَشَرِيَّةِ فَتُفِيدُ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ بَشَرًا. والِاسْتِقامَةُ: كَوْنُ الشَّيْءِ قَوِيمًا، أيْ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا خالِصًا لَيْسَتْ فِيهِ شائِبَةُ تَمْوِيهٍ ولا باطِلٍ. وعَلى كَوْنِ الشَّخْصِ صادِقًا في مُعامَلَتِهِ أوْ عَهْدِهِ غَيْرَ خالِطٍ بِهِ شَيْئًا مِنَ الحِيلَةِ أوِ الخِيانَةِ، فَيُقالُ: فُلانٌ رَجُلٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ صادِقُ الخُلُقِ، وإنْ أُرِيدَ صِدْقُهُ مَعَ غَيْرِهِ يُقالُ: اسْتَقامَ لَهُ، أيِ اسْتَقامَ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ مُعامَلَتِهِ مِنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] والِاسْتِقامَةُ هُنا بِهَذا المَعْنى، وإنَّما عُدِّيَ بِحَرْفِ إلى لِأنَّها كَثِيرًا ما تُعاقِبُ اللّامَ، يُقالُ: ذَهَبَتْ لَهُ وذَهَبَتْ إلَيْهِ، والأحْسَنُ أنَّ إيثارَ إلى هُنا لِتَضْمِينِ اسْتَقِيمُوا مَعْنى: تَوَجَّهُوا، لِأنَّ التَّوْحِيدَ تَوَجُّهٌ، أيْ صَرْفُ الوَجْهِ إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، أوْ ضُمِّنَ اسْتَقِيمُوا مَعْنى: أنِيبُوا، أيْ تُوبُوا مِنَ الشِّرْكِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾ . صفحة ٢٣٩ والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ العَفْوِ عَمّا فَرَطَ مِن ذَنْبٍ أوْ عِصْيانٍ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الغَفْرِ وهو السَّتْرُ. والمَعْنى: فَأخْلِصُوا إلى اللَّهِ في عِبادَتِهِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ واسْألُوا مِنهُ الصَّفْحَ عَمّا فَرَطَ مِنكم مِنَ الشِّرْكِ والعِنادِ. * * * ﴿ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ . وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِسُوءِ الحالِ والشَّقاءِ في الآخِرَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُعْتَرِضًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى فَتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ﴾ وجُمْلَةِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ [فصلت: ٩] أيْ أجِبْهم بِقَوْلِكَ: أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ ونَحْنُ أعْتَدْنا لَهُمُ الوَيْلَ والشَّقاءَ إنْ لَمْ يَقْبَلُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، فَيَكُونُ هَذا إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وذِكْرُ المُشْرِكِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ويُسْتَفادُ تَعْلِيقُ الوَعِيدِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مِنَ الإخْبارِ عَنِ الوَيْلِ بِكَوْنِهِ ثابِتًا لِلْمُشْرِكِينَ والمَوْصُوفِينَ بِالَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وبِأنَّهم كافِرُونَ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِعَلِيَّةِ ما مِنهُ الِاشْتِقاقُ، ولِأنَّ المَوْصُولَ يُؤْذِنُ بِالإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ. فَأمّا كَوْنُ الشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ مُوجِبَيْنِ لِلْوَيْلِ فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُ عَدَمِ إيتاءِ الزَّكاةِ مُوجِبًا لِلْوَيْلِ فَذَلِكَ لِأنَّهُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ ما قارَنَ الإشْراكَ وإنْكارَ البَعْثِ مِن عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأعْمالِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ، فَذِكْرُ ذَلِكَ هُنا لِتَشْوِيهِ كُفْرِهِمْ وتَفْظِيعِ شِرْكِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بِالبَعْثِ بِأنَّهُما يَدْعُوانِهِمْ إلى مَنعِ الزَّكاةِ، أيْ إلى القَسْوَةِ عَلى الفُقَراءِ الضُّعَفاءِ وإلى الشُّحِّ بِالمالِ وكَفى بِذَلِكَ تَشْوِيهًا في حُكْمِ الأخْلاقِ وحُكْمِ العُرْفِ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم يَتَعَيَّرُونَ بِاللُّؤْمِ، ولَكِنَّهم يَبْذُلُونَ المالَ في غَيْرِ وجْهِهِ ويَحْرِمُونَ مِنهُ مُسْتَحِقِّيهِ. صفحة ٢٤٠ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ مِنَ المُسْلِمِينَ لَهُ حَظٌّ مِنَ الوَيْلِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ المُشْرِكُونَ لِمَنعِهِمُ الزَّكاةَ في ضِمْنِ شِرْكِهِمْ، ولِذَلِكَ رَأى أبُو بَكْرٍ قِتالَ مانِعِي الزَّكاةِ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ ومَنَعُوا الزَّكاةَ مَعَ المُرْتَدِّينَ، ووافَقَهُ جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فالزَّكاةُ في الآيَةِ هي الصَّدَقَةُ لِوُقُوعِها مَفْعُولَ يُؤْتُونَ، ولَمْ تَكُنْ يَوْمَئِذٍ زَكاةٌ مَفْرُوضَةٌ في الإسْلامِ غَيْرَ الصَّدَقَةِ دُونَ تَعْيِينِ نُصُبِ ولا أصْنافِ الأرْزاقِ المُزَكّاةِ، وكانَتِ الصَّدَقَةُ مَفْرُوضَةً عَلى الجُمْلَةِ، ولِبَعْضِ الصَّدَقَةِ مِيقاتٌ وهي الصَّدَقَةُ قَبْلَ مُناجاةِ الرَّسُولِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] . وجُمْلَةُ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ يُؤْتُونَ وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ. وضَمِيرُ ﴿هم كافِرُونَ﴾ ضَمِيرُ فَصْلٍ لا يُفِيدُ هُنا إلّا تَوْكِيدَ الحُكْمِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هُنا تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لا ضَمِيرَ فَصْلٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ في سُورَةِ يُوسُفَ، وقَوْلُهُ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه. وتَقْدِيمُ (﴿بِالآخِرَةِ﴾) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (﴿كافِرُونَ﴾) لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ.

فصلت 41:8

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنِ الوَعِيدِ الَّذِي تُوُعِّدَ بِهِ المُشْرِكُونَ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِالِاسْتِقامَةِ إلى اللَّهِ واسْتِغْفارِهِ عَمّا فَرَطَ مِنهم، كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: فَإنِ اتَّعَظُوا وارْتَدَعُوا فَماذا يَكُونُ جَزاؤُهم، فَأُفِيدَ ذَلِكَ وهو أنَّهم حِينَئِذٍ يَكُونُونَ مِن زُمْرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ. وتَقْدِيمُ لَهم لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ. صفحة ٢٤١ والأجْرُ: الجَزاءُ النّافِعُ، عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ، أوْ هو ما يُعْطَوْنَهُ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ. والمَمْنُونُ: مَفْعُولٌ مِنَ المَنِّ، وهو ذِكْرُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ بِها، والتَّقْدِيرُ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أُعْطُوهُ شُكْرًا لَهم عَلى ما أسْلَفُوهُ مِن عَمَلٍ صالِحٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ، يَعْنِي: أنَّ الإنْعامَ عَلَيْهِمْ في الجَنَّةِ تُرافِقُهُ الكَرامَةُ والثَّناءُ فَلا يُحِسُّونَ بِخَجَلِ العَطاءِ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] فَأجْرُهم بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ المَمْلُوكِ لَهُمُ الَّذِي لَمْ يُعْطِهِ إيّاهم أحَدٌ وذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: غُضْفٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها أيْ تَأْخُذُ طَعامَها بِأنْفُسِها فَلا مِنَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْها.

فصلت 41:9

﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ . بَعْدَ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ بَشَرٌ يُوحى إلَيْهِ فَما يَمْلِكُ إلْجاءَهم إلى الإيمانِ أمَرَهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِمُعاوَدَةِ إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، مُدْمِجًا في ذَلِكَ تَذْكِيرَهم بِالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، بِطَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ عَلى إشْراكِهِمْ بِهِ في حِينِ وُضُوحِ الدَّلائِلِ عَلى انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ واتِّصافِهِ بِتَمامِ القُدْرَةِ والعِلْمِ. فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ثانٍ هو جَوابٌ ثانٍ عَنْ مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] . وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ المُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّوْبِيخِ، فَقَوْلُهُ ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] . وفِي الِافْتِتاحِ بِالِاسْتِفْهامِ وحَرْفَيِ التَّوْكِيدِ تَشْوِيقٌ لِتَلَقِّي ما بَعْدَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ ذَلِكَ صفحة ٢٤٢ عَلى أنَّ أمْرًا مُهِمًّا سَيُلْقى إلَيْهِمْ، وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ، أوِ التَّعْجِيبِيِّ اسْتِعْمالٌ وارِدٌ كَثِيرًا في الكَلامِ الفَصِيحِ، لِيَكُونَ الإنْكارُ لِأمْرٍ مُحَقَّقٍ، وهو هُنا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ وعَلى تَجاهُلِهِمُ المُلازَمَةَ بَيْنَ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ وبَيْنَ اسْتِحْقاقِ الإفْرادِ بِالعِبادَةِ فَأُعْلِمُوا بِتَوْكِيدِ أنَّهم يَكْفُرُونَ، وبِتَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ، فالتَّوْبِيخُ المُفادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ مُسَلَّطٌ عَلى تَحْقِيقِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ بِالمَكانَةِ العُلْيا، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ التَّوْكِيدُ مُسَلَّطًا عَلى التَّوْبِيخِ والإنْكارِ قَلْبٌ لِنِظامِ الكَلامِ. ومَجِيءُ فِعْلِ (تَكْفُرُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ أنَّ تَجَدُّدَ كُفْرِهِمْ يَوْمًا فَيَوْمًا مَعَ سُطُوعِ الأدِلَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الإقْلاعَ عَنْهُ أمْرٌ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ. ومَعْنى الكُفْرِ بِهِ الكُفْرُ بِانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَلَمّا أشْرَكُوا مَعَهُ آلِهَةً كانُوا واقِعِينَ في إبْطالِ إلَهِيَّتِهِ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يُنافِي حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهم أنْكَرُوا وُجُودَهُ؛ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا صِفاتِ ذاتِهِ فَقَدْ تَصَوَّرُوهُ عَلى غَيْرِ كُنْهِهِ. وأُدْمِجَ في هَذا الِاسْتِدْلالِ بَيانُ خَلْقِ هَذِهِ العَوالِمِ، فَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو صِلَةُ المَوْصُولِ، وأمّا ما تَعَلَّقَ بِها فَهو إدْماجٌ. والأرْضُ: هي الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما فِيها مِن يابِسٍ وبِحارٍ، أيْ خَلْقُ جِرْمِها. واليَوْمانِ: تَثْنِيَةُ يَوْمٍ، وهو الحِصَّةُ الَّتِي بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ وطُلُوعِها ثانِيَةً. والمُرادُ: في مُدَّةِ تَساوِي يَوْمَيْنِ مِمّا عَرَفَهُ النّاسُ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ؛ لِأنَّ النُّورَ والظُّلْمَةَ اللَّذَيْنِ يُقَدَّرُ اليَوْمُ بِظُهُورِهِما عَلى الأرْضِ لَمْ يَظْهَرا إلّا بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما ابْتُدِئَ بِذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ؛ لِأنَّ آثارَهُ أظْهَرُ لِلْعِيانِ وهي في مُتَناوَلِ الإنْسانِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ الأرْضِ أسْبَقَ نُهُوضًا. ولِأنَّ النِّعْمَةَ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ الأرْضُ أقْوى وأعَمُّ فَيَظْهَرُ قُبْحُ الكُفْرانِ بِخالِقِها أوْضَحَ وأشْنَعَ. وعَطْفُ ﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ عَلى لَتَكْفُرُونَ تَفْسِيرٌ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وكانَ صفحة ٢٤٣ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنَّ في التَّفْسِيرِ لا يُعْطَفُ، فَعَدَلَ إلى عَطْفِهِ لِيَكُونَ مَضْمُونُهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ. والأنْدادُ: جَمْعُ نِدٍّ بِكَسْرِ النُّونِ وهو المِثْلُ. والمُرادُ: أنْدادٌ في الإلَهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِالمَوْصُولِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ التَّوْبِيخِ، لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ. والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى ﴿الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ وفي الإشارَةِ نِداءٌ عَلى بَلادَةِ رَأْيِهِمْ إذْ لَمْ يَتَفَطَّنُوا إلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ هو رَبُّ العالَمِينَ؛ لِأنَّهُ خالِقُ الأرْضِ وما فِيها، ولا إلى أنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَقْتَضِي انْتِفاءَ النِّدِّ والشَّرِيكِ، وإذا كانَ هو رَبَّ العالَمِينَ فَهو رَبُّ ما دُونُ العالَمِينَ مِنَ الأجْناسِ الَّتِي هي أحَطُّ مِنَ العُقَلاءِ كالحِجارَةِ والأخْشابِ الَّتِي مِنها صُنِعَ أصْنامُهم. وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفاتِ عَلى الصِّلَةِ.

فصلت 41:10

﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الصِّلَةِ لا عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ، فَجُمْلَةُ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ إلَخْ صِلَةٌ ثانِيَةٌ في المَعْنى، ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ فِعْلِ خَلَقَ لِأنَّ هَذا الجَعْلَ تَكْوِينٌ آخَرُ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وهو خَلْقُ أجْزاءٍ تَتَّصِلُ بِها إمّا مِن جِنْسِها كالجِبالِ وإمّا مِن غَيْرِ جِنْسِها كالأقْواتِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] . والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، وهو صِفَةٌ لِلْجِبالِ لِأنَّ الجِبالَ حِجارَةٌ لا تَنْتَقِلُ بِخِلافِ الرِّمالِ والكُثْبانِ، وهي كَثِيرَةٌ في بِلادِ العَرَبِ. وحُذِفَ المَوْصُوفُ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] أيِ السُّفُنُ الجَوارِي. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ. صفحة ٢٤٤ ووَصْفُ الرَّواسِي بِـ ﴿مِن فَوْقِها﴾ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الرّائِعَةِ لِمَناظِرِ الجِبالِ، فَمِنها الجَمِيلُ المَنظَرِ المُجَلَّلُ بِالخُضْرَةِ أوِ المَكْسُوُّ بِالثُّلُوجِ، ومِنها الرَّهِيبُ المَرْأى مِثْلَ جِبالِ النّارِ البَراكِينِ، والجِبالِ المَعْدِنِيَّةِ السُّودِ. وبارَكَ فِيها جَعَلَ فِيها البَرَكَةَ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ، وفي الأرْضِ خَيْراتٌ كَثِيرَةٌ فِيها رِزْقُ الإنْسانِ وماشِيَتِهِ، وفِيها التُّرابُ والحِجارَةُ والمَعادِنُ، وكُلُّها بَرَكاتٌ. وقَدَّرَ جَعَلَ قَدْرًا، أيْ مِقْدارًا، قالَ تَعالى ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]، والمِقْدارُ: النِّصابُ المَحْدُودُ بِالنَّوْعِ أوِ الكَمِّيَّةِ، فَمَعْنى ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أنَّهُ خَلَقَ في الأرْضِ القُوى الَّتِي تَنْشَأُ مِنها الأقْواتُ وخَلَقَ أُصُولَ أجْناسِ الأقْواتِ وأنْواعَها مِنَ الحَبِّ لِلْحُبُوبِ، والكَلَأِ والكَمْأةِ، والنَّوى لِلثِّمارِ، والحَرارَةِ الَّتِي يَتَأثَّرُ بِها تَوَلُّدُ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ، وما يَتَوَلَّدُ مِنهُ الحِيتانُ ودَوابُّ البِحارِ والأنْهارِ. ومِنَ التَّقْدِيرِ: تَقْدِيرُ كُلِّ نَوْعٍ بِما يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الأوْقاتِ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ أوِ اعْتِدالٍ. وأشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] ويَأْتِي القَوْلُ فِيهِ، وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] الآيَةَ. وجَمْعُ الأقْواتِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ جَمِيعُ أقْواتِها وعُمُومُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُقْتاتِينَ، فَلِلدَّوابِّ أقْواتٌ، ولِلطَّيْرِ أقْواتٌ، ولِلْوُحُوشِ أقْواتٌ، ولِلزَّواحِفِ أقْواتٌ، ولِلْحَشَراتِ أقْواتٌ، وجُعِلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ تِلْكَ الأقْواتِ مِمّا اسْتَطابَ مِنها كَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومَضى الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ فَذْلَكَةٌ لِمَجْمُوعِ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ جِرْمِها، وما عَلَيْها مِن رَواسِيَ، وما فِيها مِنَ القُوى، فَدَخَلَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأيّامِ اليَوْمانِ اللَّذانِ في قَوْلِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] فَكَأنَّهُ قِيلَ: في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقَوْلُهُ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ فَذْلَكَةٌ، وعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما في نَسْجِ الآيَةِ لِقَصْدِ الإيجازِ صفحة ٢٤٥ واعْتِمادًا عَلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، فَلَوْ كانَ اليَوْمانِ اللَّذانِ قَضى فِيهِما خَلْقَ السَّماواتِ زائِدَيْنِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ انْقَضَتْ في خَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها لَصارَ مَجْمُوعُ الأيّامِ ثَمانِيَةً، وذَلِكَ يُنافِي الإشارَةَ إلى عِدَّةِ أيّامِ الأُسْبُوعِ، فَإنَّ اليَوْمَ السّابِعَ يَوْمُ فَراغٍ مِنَ التَّكْوِينِ. وحِكْمَةُ التَّمْدِيدِ لِلْخَلْقِ أنْ يَقَعَ عَلى صِفَةٍ كامِلَةٍ مُتَناسِبَةٍ. (﴿وسَواءٌ﴾ [يس: ١٠]) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن أيّامٍ أيْ كامِلَةً لا نَقْصَ فِيها ولا زِيادَةَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هي سَواءٌ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَلى الوَصْفِ لِأيّامٍ. ولِلسّائِلِينَ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن أفْعالِ ”جَعَلَ، وبارَكَ، وقَدَّرَ“ فَيَكُونُ لِلسّائِلِينَ جَمْعُ سائِلٍ بِمَعْنى الطّالِبِ لِلْمَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، أيْ بَيَّنّا ذَلِكَ لِلسّائِلِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لِلسّائِلِينَ) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالسّائِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْقُوتِ.

فصلت 41:11

﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ . ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مَرْتَبَةً مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ أعْظَمُ مِن خَلْقِ الأرْضِ، وعَوالِمُها أكْثَرُ وأعْظَمُ، فَجِيءَ بِحَرْفِ التَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ بَعْدَ أنْ قُضِيَ حَقُّ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ خَلْقِ الأرْضِ حَتّى يُوَفّى المُقْتَضِيانِ حَقَّهُما. ولَيْسَ هَذا بِمُقْتَضٍ أنَّ الإرادَةَ تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِ السَّماءِ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِ الأرْضِ ولا مُقْتَضِيًا أنَّ خَلْقَ السَّماءِ وقَعَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ كَما سَيَأْتِي. والِاسْتِواءُ: القَصْدُ إلى الشَّيْءِ تَوًّا لا يَعْتَرِضُهُ شَيْءٌ آخَرُ. وهو تَمْثِيلٌ لِتَعَلُّقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِإيجادِ السَّماواتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ورُبَّما كانَ في قَوْلِهِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى تَوَجَّهَتْ إرادَتُهُ لِخَلْقِ صفحة ٢٤٦ السَّماواتِ والأرْضِ تَوَجُّهًا واحِدًا ثُمَّ اخْتَلَفَ زَمَنُ الإرادَةِ التَّنْجِيزِيُّ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ تَنْجِيزًا بِخَلْقِ السَّماءِ ثُمَّ بِخَلْقِ الأرْضِ، فَعَبَّرَ عَنْ تَعَلُّقِ الإرادَةِ تَنْجِيزًا لِخَلْقِ السَّماءِ بِتَوَجُّهِ الإرادَةِ إلى السَّماءِ، وذَلِكَ التَّوَجُّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِواءِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَفِعْلُ ائْتِيا أمْرٌ لِلتَّكْوِينِ. والدُّخانُ: ما يَتَصاعَدُ مِنَ الوَقُودِ عِنْدَ التِهابِ النّارِ فِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ وهي مِثْلُ الدُّخانِ، وقَدْ ورَدَ في الحَدِيثِ «إنَّها كانَتْ عَماءَ» . وقِيلَ: أرادَ بِالدُّخانِ هُنا شَيْئًا مُظْلِمًا، وهو المُوافِقُ لِما في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِن قَوْلِها ”وعَلى وجْهِ الغَمْرِ ظُلْمَةٌ“ وهو بَعِيدٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الوُجُودِ مِنَ الحَوادِثِ إلّا العَماءُ، والعَماءُ: سَحابٌ رَقِيقٌ، أيْ رُطُوبَةٌ دَقِيقَةٌ وهو تَقْرِيبٌ لِلْعُنْصُرِ الأصْلِيِّ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ مِنهُ المَوْجُوداتِ، وهو الَّذِي يُناسِبُ كَوْنَ السَّماءِ مَخْلُوقَةً قَبْلَ الأرْضِ. ومَعْنى ﴿وهِيَ دُخانٌ﴾ أنَّ أصْلَ السَّماءِ هو ذَلِكَ الكائِنُ المُشَبَّهُ بِالدُّخانِ، أيْ أنَّ السَّماءَ كُوِّنَتْ مِن ذَلِكَ الدُّخانِ كَما تَقُولُ: عَمَدْتُ إلى هاتِهِ النَّخْلَةِ وهي نَواةٌ فاخْتَرْتُ لَها أخْصَبَ تُرْبَةٍ، فَتَكُونُ مادَّةُ السَّماءِ مَوْجُودَةً قَبْلَ وُجُودِ الأرْضِ. وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى فِعْلِ ﴿اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ فَيَكُونُ القَوْلُ مُوَجَّهًا إلى السَّماءِ والأرْضِ حِينَئِذٍ، أيْ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ لا مَحالَةَ وقَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ، لِأنَّهُ جَعَلَ القَوْلَ لَها مُقارِنًا القَوْلَ لِلسَّماءِ، وهو قَوْلُ تَكْوِينٍ. أيْ تَعَلُّقُ القُدْرَةِ بِالسَّماءِ والأرْضِ، أيْ بِمادَّةِ تَكْوِينِهِما وهي الدُّخانُ لِأنَّ السَّماءَ تَكَوَّنَتْ مِنَ العَماءِ بِجُمُودِ شَيْءٍ مِنهُ سُمِّيَ جِلْدًا فَكانَتْ مِنهُ السَّماءُ وتَكَوَّنَ مَعَ السَّماءِ الماءُ وتَكَوَّنَتِ الأرْضُ بِيُبْسٍ ظَهَرَ في ذَلِكَ الماءِ كَما جاءَ الإصْحاحُ الأوَّلُ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ. والإتْيانُ في قَوْلِهِ ائْتِيا أصْلُهُ: المَجِيءُ والإقْبالُ ولَمّا كانَ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ غَيْرَ صفحة ٢٤٧ مُرادٍ لِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَأْتِيا، ولا يُتَصَوَّرَ مِنهُما طَواعِيَةٌ أوْ كَراهِيَةٌ إذْ لَيْسَتا مِن أهْلِ العُقُولِ والإدْراكاتِ، ولا يُتَصَوَّرُ أنَّ اللَّهَ يُكْرِهُهُما عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي خُرُوجَهُما عَنْ قُدْرَتِهِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ تَعَيَّنَ الصَّرْفُ عَنِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ لَهُما مِنَ البَلاغَةِ المَكانَةُ العُلْيا: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الإتْيانُ مُسْتَعارًا لِقَبُولِ التَّكْوِينِ كَما اسْتُعِيرَ لِلْعِصْيانِ الإدْبارُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ [النازعات: ٢٢] «، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُسَيْلِمَةَ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ في وفْدِ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ لَئِنْ أدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ»، وكَما يُسْتَعارُ النُّفُورُ والفِرارُ لِلْعِصْيانِ. فَمَعْنى ائْتِيا امْتَثِلا أمْرَ التَّكْوِينِ. وهَذا الِامْتِثالُ مُسْتَعارٌ لِلْقَبُولِ وهو مِن بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ ولَهُ مَكانَةٌ في البَلاغَةِ، والقَوْلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مُسْتَعارٌ لِتَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدُورِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . وقَوْلُهُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ البُدِّ مِن قَبُولِ الأمْرِ وهو تَمْثِيلٌ لِتَمَكُّنِ القُدْرَةِ مِن إيجادِهِما عَلى وفْقِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى فَكَلِمَةُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ جارِيَةٌ مَجْرى الأمْثالِ. و﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مَصْدَرانِ وقَعا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ ائْتِيا أيْ طائِعَيْنِ أوْ كارِهَيْنِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ مُسْتَعْمَلَةً تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِتَكْوِينِ السَّماءِ والأرْضِ لِعَظَمَةِ خالِقِهِما بِهَيْئَةِ صُدُورِ الأمْرِ مِن آمِرٍ مُطاعٍ لِلْعَبْدِ المَأْذُونِ بِالحُضُورِ لِعَمَلٍ شاقٍّ أنْ يَقُولَ لَهُ: ائْتِ لِهَذا العَمَلِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، لِتَوَقُّعِ إبائِهِ مِنَ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ، وهَذا مِن دُونِ مُراعاةِ مُشابَهَةِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ المُشَبَّهَةِ لِأجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، فَلا قَوْلَ ولا مَقُولَ، وإنَّما هو تَمْثِيلٌ، ويَكُونُ ﴿طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ عَلى هَذا مِن تَمامِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ. والمَقْصُودُ عَلى كِلا الِاعْتِبارَيْنِ تَصْوِيرُ عَظَمَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ ونُفُوذِها في المَقْدُوراتِ دَقَّتْ أوْ جَلَّتْ. صفحة ٢٤٨ وأمّا قَوْلُهُ ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ السَّماءِ والأرْضِ مُسْتَعارًا لِدَلالَةِ سُرْعَةِ تَكَوُّنِهِما لِشِبْهِهِما بِسُرْعَةِ امْتِثالِ المَأْمُورِ المُطِيعِ عَنْ طَواعِيَةٍ فَإنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ ولا يَتَلَكَّأُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ والتَّخْيِيلِ مِن بابِ قَوْلِ الرّاجِزِ الَّذِي لا يُعْرَفُ تَعْيِينُهُ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ: قَطْنِي وهو كَثِيرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ تَكَوُّنِ السَّماءِ والأرْضِ عِنْدَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِتَكْوِينِهِما بِهَيْئَةِ المَأْمُورِ بِعَمَلٍ تَقَبُّلُهُ عَنْ طَواعِيَةٍ. وهُما اعْتِبارانِ مُتَقارِبانِ، إلّا أنَّ القَوْلَ، والإتْيانَ، والطَّوْعَ، عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ تَكُونُ مَجازاتٍ، وعَلى الِاعْتِبارِ الثّانِي تَكُونُ حَقائِقَ وإنَّما المَجازُ في التَّرْكِيبِ عَلى ما هو مَعْلُومٌ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المَجازِ المُفْرَدِ والمَجازِ المُرَكَّبِ في فَنِّ البَيانِ. وإنَّما جاءَ قَوْلُهُ طائِعِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِأنَّ لَفْظَ السَّماءِ يَشْتَمِلُ عَلى سَبْعِ سَماواتٍ كَما قالَ تَعالى إثْرَ هَذا ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] فالِامْتِثالُ صادِرٌ عَنْ جَمْعٍ، وأمّا كَوْنُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ فَلِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ لَيْسَ لَهُما تَأْنِيثٌ حَقِيقِيٌّ. وأمّا كَوْنُهُ بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ فَذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلْمَكْنِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] .

فصلت 41:12

﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا﴾ [فصلت: ١١] . والقَضاءُ: الإيجادُ الإبْداعِيُّ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الإتْمامِ والحُكْمِ، فَهو يَقْتَضِي الِابْتِكارَ والإسْراعَ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعُ السَّوابِغِ تُبَّعُ وضَمِيرُ فَقَضّاهُنَّ عائِدٌ إلى السَّماواتِ عَلى اعْتِبارِ تَأْنِيثِ لَفْظِها، وهَذا تَفَنُّنٌ. صفحة ٢٤٩ وانْتَصَبَ سَبْعُ سَماواتٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قَضّاهُنَّ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ قَضاهُنَّ لِتَضْمِينِ قَضاهُنَّ مَعْنى صَيَّرَهُنَّ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] . وكانَ خَلْقُ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ قَبْلَ أرْبَعَةِ الأيّامِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيها الأرْضُ وما فِيها. وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ خَلْقَ السَّماءِ كانَ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ وهو المُناسِبُ لِقَواعِدِ عِلْمِ الهَيْئَةِ. ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي ذَلِكَ. وإنَّما كانَتْ مُدَّةُ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ أقْصَرَ مِن مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ مَعَ أنَّ عَوالِمَ السَّماواتِ أعْظَمُ وأكْثَرُ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ بِكَيْفِيَّةٍ أسْرَعَ فَلَعَلَّ خَلْقَ السَّماواتِ كانَ بِانْفِصالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ وتَفَرْقَعَ أحْجامُها بَعْضُها عَنْ خُرُوجِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهو الَّذِي قَرَّبَهُ حُكَماءُ اليُونانِ الأقْدَمُونَ بِما سَمَّوْهُ صُدُورَ العُقُولِ العَشَرَةِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وكانَتْ سُرْعَةُ انْبِثاقِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ مَعْلُولَةً لِأحْوالٍ مُناسِبَةٍ لِما تَرَكَّبَتْ بِهِ مِنَ الجَواهِرِ. وأمّا خَلْقُ الأرْضِ فالأشْبَهُ أنَّهُ بِطَرِيقَةِ التَّوَلُّدِ المُبْطِئِ لِأنَّها تَكَوَّنَتْ مِنَ العَناصِرِ الطَّبِيعِيَّةِ فَكانَ تُوَلُّدُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ أيْضًا. ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] . وهَذِهِ الأيّامُ كانَتْ هي مَبْدَأ الِاصْطِلاحِ عَلى تَرْتِيبِ أيّامِ الأُسْبُوعِ وقَدْ خاضَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ مَبْدَأِ هَذِهِ الأيّامِ، فَأمّا كُتُبُ اليَهُودِ فَفِيها أنَّ مَبْدَأ هَذِهِ الأيّامِ هو الأحَدُ وأنَّ سادِسَها هو يَوْمُ الجُمُعَةِ وأنَّ يَوْمَ السَّبْتِ جَعَلَهُ اللَّهُ خِلْوًا مِنَ الخَلْقِ لِيُوافِقَ طُقُوسَ دِينِهِمُ الجاعِلَةَ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ راحَةٍ لِلنّاسِ ودَوابِّهِمُ اقْتِداءً بِإنْهاءِ خَلْقِ العالَمِينَ. وعَلى هَذا الِاعْتِبارِ جَرى العَرَبُ في تَسْمِيَةِ الأيّامِ ابْتِداءً مِنَ الأحَدِ الَّذِي هو بِمَعْنى أوَّلٌ أوْ واحِدٌ، واسْمُهُ في العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ أوَّلٌ وذَلِكَ سَرى إلَيْهِمْ مِن تَعالِيمِ اليَهُودِ أوْ مِن تَعالِيمَ أسْبَقَ كانَتْ هي الأصْلَ الأصِيلَ لِاصْطِلاحِ الأُمَّتَيْنِ. والَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الأخْبارُ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وأنَّهُ خَيْرُ أيّامِ الأُسْبُوعِ وأفْضَلِها، وأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى اخْتَلَفُوا في صفحة ٢٥٠ تَعْيِينِ اليَوْمِ الأفْضَلِ مِنَ الأُسْبُوعِ، وأنَّ اللَّهَ هَدى إلَيْهِ المُسْلِمِينَ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فَهَذا اليَوْمُ ”أيِ الجُمُعَةُ“ هو اليَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللَّهُ إلَيْهِ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . ولا خِلافَ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ يَوْمُ خَلْقِهِ هو اليَوْمَ السّابِعَ. وقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «أنَّ اللَّهَ ابْتَدَأ الخَلْقَ يَوْمَ السَّبْتِ» . وقَدْ ضَعَّفَهُ البُخارِيُّ وابْنُ المَدِينِيِّ بِأنَّهُ مِن كَلامِ كَعْبِ الأحْبارِ حَدَّثَ بِهِ أبا هُرَيْرَةَ، وإنَّما اشْتَبَهَ عَلى بَعْضِ رُواةِ سَنَدِهِ فَظَنَّهُ مَرْفُوعًا. ولِهَذِهِ تَفْصِيلاتٌ لَيْسَ وراءَها طائِلٌ وإنَّما ألْمَمْنا بِهِ هُنا لِئَلّا يَعْرُوَ التَّفْسِيرُ عَنْها، فَيَقَعَ مَن يَراها في غَيْرِهِ في حَيْرَةٍ، وإنَّما مَقْصِدُ القُرْآنِ العِبْرَةُ. * * * ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ . وأوْحى عَطْفٌ عَلى فَقَضّاهُنَّ. والوَحْيُ: الكَلامُ الخَفِيُّ، ويُطْلَقُ الوَحْيُ عَلى حُصُولِ المَعْرِفَةِ في نَفْسِ مَن يُرادُ حُصُولُها عِنْدَهُ دُونَ قَوْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّاءَ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣] أيْ أوْمَأ إلَيْهِمْ بِما دَلَّ عَلى مَعْنى: سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا. وقَوْلُ أبِي داوُدَ: يَرْمُونَ بِالخُطَبِ الطُّوالِ وتارَةً وحْيَ المَلاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَباءِ ثُمَّ يُتَوَسَّعُ فِيهِ فَيُطْلَقُ عَلى إلْهامِ اللَّهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ لِما تَتَطَلَّبُهُ مِمّا فِيهِ صَلاحُها كَقَوْلِهِ ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] أيْ جَبَلِها عَلى إدْراكِ ذَلِكَ وتَطَلُّبِهِ، ويُطْلَقُ عَلى تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ لِقَبُولِ أثَرِ قُدْرَتِهِ كَقَوْلِهِ ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] . والوَحْيُ في السَّماءِ يَقَعُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازاتِهِ، فَهو أوْحى في السَّماواتِ بِتَقادِيرِ نُظُمِ جاذِبِيَّتِها، وتَقادِيرِ سَيْرِ صفحة ٢٥١ كَواكِبِها، وأوْحى فِيها بِخَلْقِ المَلائِكَةِ فِيها، وأوْحى إلى المَلائِكَةِ بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِنَ الأمْرِ بِما يَعْمَلُونَ، قالَ تَعالى ﴿وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧] وقالَ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . وأمْرَها بِمَعْنى شَأْنِها، وهو يَصْدُقُ بِكُلِّ ما هو مِن مُلابَساتِها مِن سُكّانِها وكَواكِبِها وتَماسُكِ جِرْمِها والجاذِبِيَّةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُجاوِرُها. وذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ في خَلْقِ الأرْضِ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ [فصلت: ١٠] . وانْتَصَبَ (أمْرَها) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأمْرِها أوْ عَلى تَضْمِينِ أوْحى مَعْنى قَدَّرَ أوْ أوْدَعَ. ووَقَعَ الِالتِفاتُ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقِ التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ تَجْدِيدًا لِنَشاطِ السّامِعِينَ لِطُولِ اسْتِعْمالِ طَرِيقِ الغَيْبَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ بِـ ﴿الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] مَعَ إظْهارِ العِنايَةِ بِتَخْصِيصِ هَذا الصُّنْعِ الَّذِي يَنْفَعُ النّاسَ دِينًا ودُنْيا وهو خَلْقُ النُّجُومِ الدَّقِيقَةِ والشُّهُبِ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ عُمُومِ ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾، فَما السَّماءُ الدُّنْيا إلّا مِن جُمْلَةِ السَّماواتِ، وما النُّجُومُ والشُّهُبُ إلّا مِن جُمْلَةِ أمْرِها. والمَصابِيحُ: جَمْعُ مِصْباحٍ، وهو ما يُوقَدُ بِالنّارِ في الزَّيْتِ لِلْإضاءَةِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّباحِ لِأنَّهم يُحاوِلُونَ أنْ يَجْعَلُوهُ خَلَفًا عَنِ الصَّباحِ. والمُرادُ بِالمَصابِيحِ النُّجُومُ، اسْتُعِيرَ لَها المَصابِيحُ لِما يَبْدُو مِن نُورِها. وانْتَصَبَ (حِفْظًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ زَيَّنّا، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْناها حِفْظًا. والمُرادُ: حِفْظًا لِلسَّماءِ مِنَ الشَّياطِينِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ الصّافّاتِ. * * * ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ . الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ [فصلت: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ . صفحة ٢٥٢ والتَّقْدِيرُ: وضْعُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مُعَيَّنٍ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ يس. وتَقَدَّمَ وجْهُ إيثارِ وصْفَيِ ﴿العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ بِالذِّكْرِ.

فصلت 41:13

﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [فصلت: ١٤] بَعْدَ أنْ قَرَعَتْهُمُ الحُجَّةُ الَّتِي لا تَتْرُكُ لِلشَّكِّ مَسْرَبًا إلى النُّفُوسِ بَعْدَها في أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِإيجادِ العَوالِمِ كُلِّها. وكانَ ثُبُوتُ الوَحْدانِيَّةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزِيلَ الرِّيبَةَ في أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهم ما كَفَرُوا بِهِ إلّا لِأجْلِ إعْلانِهِ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا اسْتَبانَ ذَلِكَ كانَ الشَّأْنُ أنْ يَفِيئُوا إلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ والإيمانِ بِالقُرْآنِ، وأنْ يُقْلِعُوا عَنْ إعْراضِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم بِقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] إلَخْ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ اسْتِمْرارُهم عَلى الإعْراضِ بَعْدَ تِلْكَ الحُجَجِ أمْرًا مَفْرُوضًا كَما يُفْرَضُ المُحالُ، فَجِيءَ في جانِبِهِ بِحَرْفِ إنَّ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَقَعَ في المَوْقِعِ الَّذِي لا جَزْمَ فِيهِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] في قِراءَةِ مَن قَرَأ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنْ) . فَمَعْنى ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى إعْراضِهِمْ بَعْدَ ما هَدَيْتُهم بِالدَّلائِلِ البَيِّنَةِ وكابَرُوا فِيها، فالفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . والإنْذارُ: التَّخْوِيفُ، وهو هُنا تَخْوِيفٌ بِتَوَقُّعِ عُقابٍ مِثْلِ عِقابِ الَّذِينَ شابَهُوهم في الإعْراضِ خَشْيَةَ أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، بِناءً عَلى أنَّ المَعْرُوفَ أنْ تَجْرِيَ أفْعالُ اللَّهِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ، ولَيْسَ هو وعِيدًا لِأنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُصِبْهم صاعِقَةٌ مِثْلُ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ، وإنْ كانُوا قَدْ ساوَوْهُما في التَّكْذِيبِ والإعْراضِ عَنِ الرُّسُلِ وفي التَّعَلُّلاتِ الَّتِي تَعَلَّلُوا بِها مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤]، وأمْهَلَ اللَّهُ قُرَيْشًا حَتّى آمَنَ كَثِيرٌ مِنهم واسْتَأْصَلَ كُفّارَهم بِعَذابٍ خاصٍّ. صفحة ٢٥٣ وحَقِيقَةُ الصّاعِقَةِ: نارٌ تَخْرُجُ مَعَ البَرْقِ تُحْرِقُ ما تُصِيبُهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتُطْلَقُ عَلى الحادِثَةِ المُبِيرَةِ السَّرِيعَةِ الإهْلاكِ، ولَمّا أُضِيفَتْ صاعِقَةٌ هُنا إلى عادٍ وثَمُودَ، وعادٌ لَمْ تُهْلِكْهُمُ الصّاعِقَةُ وإنَّما أهْلَكَهُمُ الرِّيحُ وثَمُودُ أُهْلِكُوا بِالصّاعِقَةِ فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الصّاعِقَةَ هُنا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، أوْ هو مِن عُمُومِ المُجاوِزِ والمُقْتَضِي لِذَلِكَ عَلى الِاعْتِبارَيْنِ قَصْدَ الإيجازِ، ولِيَقَعَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ بَعْدُ بِقَوْلِهِ ﴿فَأمّا عادٌ﴾ [فصلت: ١٥] إلى قَوْلِهِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] . وإذْ ظَرْفٌ لِلْماضِي، والمَعْنى مِثْلُ صاعِقَتِهِمْ حِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ إلى آخِرِ الآياتِ. رَوى ابْنُ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ كَلَّمَ النَّبِيءَ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ مِن خِلافِ قَوْمِهِ فَتَلا عَلَيْهِمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] حَتّى بَلَغَ ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ الآيَةَ، فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فَمِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ لَهُ: ناشَدْتُكَ اللَّهَ والرَّحِمَ» . وضَمِيرُ جاءَتْهم عائِدٌ إلى عادٍ وثَمُودَ بِاعْتِبارِ عَدَدِ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنهُما. وجَمْعُ الرُّسُلِ هُنا مِن بابِ إطْلاقِ صِيغَةِ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ وهو اسْتِعْمالٌ غَيْرُ عَزِيزٍ، وإنَّما جاءَهم رَسُولانِ هُودٌ وصالِحٌ. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت: ١٤] تَمْثِيلٌ لِحِرْصِ رَسُولِ كُلٍّ مِنهم عَلى هُداهم بِحَيْثُ لا يَتْرُكُ وسِيلَةً يُتَوَسَّلُ بِها إلى إبْلاغِهِمُ الدِّينَ إلّا تَوَسَّلَ بِها. فَمُثِّلَ ذَلِكَ بِالمَجِيءِ إلى كُلٍّ مِنهم تارَةً مِن أمامِهِ وتارَةً مِن خَلْفِهِ لا يَتْرُكُ لَهُ جِهَةً، كَما يَفْعَلُ الحَرِيصُ عَلى تَحْصِيلِ أمْرٍ أنْ يَتَطَلَّبَهُ ويُعِيدَ تَطَلُّبَهُ ويَسْتَوْعِبَ مَظانَّ وُجُودِهِ أوْ مَظانَّ سَماعِهِ، وهَذا التَّمْثِيلُ نَظِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] . وإنَّما اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى جِهَتَيْنِ ولَمْ تُسْتَوْعَبِ الجِهاتُ الأرْبَعُ كَما مُثِّلَ حالُ الشَّيْطانِ في وسْوَسَتِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا تَمْثِيلُ الحِرْصِ فَقَطْ وقَدْ حَصَلَ، والمَقْصُودُ صفحة ٢٥٤ فِي الحِكايَةِ عَنِ الشَّيْطانِ تَمْثِيلُ الحِرْصِ مَعَ التَّلَهُّفِ تَحْذِيرًا مِنهُ وإثارَةً لِبُغْضِهِ في نُفُوسِ النّاسِ. وأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ ﴿جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ [فصلت: ١٤] لِتَضَمُّنِ المَجِيءِ مَعْنى الإبْلاغِ بِقَرِينَةِ كَوْنِ فاعِلِ المَجِيءِ مُتَّصِفًا بِأنَّهم رُسُلٌ، فَتَكُونُ أنْ تَفْسِيرِيَّةً لِـ (جاءَتْهم) بِهَذا التَّأْوِيلِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: إنْ تَحْمِلا حاجَةً لِي خِفٌ مَحْمِلُها تَسْتَوْجِبا مِنَّةً عِنْدِي بِها ويَدًا أنْ تَقْرَآنِ عَلى أسْماءَ ويْحَكُما ∗∗∗ مِنِّي السَّلامَ وأنْ لا تُشْعِرا أحَدًا إذْ فَسَّرَ الحاجَةَ بِأنْ يَقْرَأ السَّلامَ عَلى أسْماءَ؛ لِأنَّهُ أرادَ بِالحاجَةِ الرِّسالَةَ، وهَذا جَرْيٌ عَلى رَأْيِ الزَّمَخْشَرِيِّ والمُحَقِّقِينَ مِن عَدَمِ اشْتِراطِ تَقَدُّمِ جُمْلَةٍ فِيها مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ بَلِ الِاكْتِفاءُ بِتَقَدُّمِ ما أُرِيدَ بِهِ مَعْنى القَوْلِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ جُمْلَةً خِلافًا لِما أطالَ بِهِ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ مِن أبْحاثٍ لا يَرْضاها الأرِيبُ، أوْ لِما يَتَضَمَّنُهُ عُنْوانُ الرُّسُلِ مِن إبْلاغِ رِسالَةٍ.

فصلت 41:14

﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ . حِكايَةُ جَوابِ عادٍ وثَمُودَ لِرَسُولَيْهِمْ فَقَدْ كانَ جَوابًا مُتَماثِلًا؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ تَفْكِيرٍ مُتَماثِلٍ وهو أنَّ تَفْكِيرَ الأذْهانِ القاصِرَةِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْنى عَلى تَصَوُّراتٍ وهْمِيَّةٍ وأقْيِسَةٍ تَخْيِيلِيَّةٍ وسُفِسْطائِيَّةٍ، فَإنَّهم يَتَصَوَّرُونَ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى وأفْعالَهُ عَلى غَيْرِ كُنْهِها ويَقِيسُونَها عَلى أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ يَتَماثَلُ في هَذا حالُ أهْلِ الجَهالَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، أيْ بَلْ هم مُتَماثِلُونَ في الطُّغْيانِ، أيِ الكُفْرِ الشَّدِيدِ فَتُمْلِي عَلَيْهِمْ أوْهامُهم قَضايا مُتَماثِلَةً. ولِكَوْنِ جَوابِهِمْ جَرى في سِياقِ المُحاوَرَةِ أتَتْ حِكايَةُ قَوْلِهِمْ غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ بِأُسْلُوبِ المُقاوَلَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] صفحة ٢٥٥ فَإنَّ قَوْلَ الرُّسُلِ لَهم: لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قَدْ حُكِيَ بِفِعْلٍ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى القَوْلِ، وهو فِعْلُ جاءَتْهم كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. فَقَوْلُهم ﴿لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ يَتَضَمَّنُ إبْطالَ رِسالَةِ البَشَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ومَفْعُولُ شاءَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ لَوْ شاءَ رَبُّنا أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً مِنَ السَّماءِ مُرْسَلِينَ إلَيْنا، وهَذا حَذْفٌ خاصٌّ هو غَيْرُ حَذْفِ مَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ الشّائِعِ في الكَلامِ لِأنَّ ذَلِكَ فِيما إذا كانَ المَحْذُوفُ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِجَوابِ لَوْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، ونُكْتَتُهُ الإبْهامُ ثُمَّ البَيانُ، وأمّا الحَذْفُ في الآيَةِ فَهو لِلِاعْتِمادِ عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ والإيجازِ وهو حَذْفٌ عَزِيزٌ لِمَفْعُولِ فِعْلِ المَشِيئَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ المَعَرِّيِّ: وإنْ شِئْتَ فازْعُمْ أنَّ مَن فَوْقَ ظَهْرِها عَبِيدُكَ واسْتَشْهِدْ إلَهَكَ يَشْهَدِ وتَضَمَّنَ كَلامُهم قِياسًا اسْتِثْنائِيًّا تَرْكِيبُهُ: لَوْ شاءَ رَبُّنا أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا لَأرْسَلَ مَلائِكَةً يُنْزِلُهم مِنَ السَّماءِ لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ إلَيْنا مَلائِكَةً فَهو لَمْ يَشَأْ أنْ يُرْسِلَ إلَيْنا رَسُولًا. وهَذا إيماءٌ إلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ ولِهَذا فَرَّعُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أيْ جاحِدُونَ رِسالَتَكم وهو أيْضًا كِنايَةٌ عَنِ التَّكْذِيبِ.

فصلت 41:15

﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحْساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ . بَعْدَ أنْ حَكى عَنْ عادٍ وثَمُودَ ما اشْتَرَكَ فِيهِ الأُمَّتانِ مِنَ المُكابَرَةِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ فَصَّلَ هُنا بَعْضَ ما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهُما مِن صُورَةِ الكُفْرِ، وذَكَرَ مِن ذَلِكَ ما لَهُ مُناسَبَةٌ لِما حَلَّ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهُما مِنَ العَذابِ. صفحة ٢٥٦ والفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] المُقْتَضِيَةِ أنَّهم رَفَضُوا دَعْوَةَ رَسُولَيْهِمْ ولَمْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُما واسْتِدْلالَهُما. وأمّا حَرْفُ شَرْطٍ وتَفْصِيلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: فَأمّا عادٌ فَمَنَعَهم مِن قَبُولِ الهُدى اسْتِكْبارُهم. والِاسْتِكْبارُ المُبالَغَةُ في الكِبْرِ، أيِ التَّعاظُمُ واحْتِقارُ النّاسِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ أرْضُهُمُ المَعْهُودَةُ. وإنَّما ذُكِرَ مِن مَساوِيهِمُ الِاسْتِكْبارُ لِأنَّ تَكَبُّرَهم هو الَّذِي صَرَفَهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِهِمْ وعَنْ تَوَقُّعِ عِقابِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ لِاسْتِكْبارِهِمْ، فَإنَّ الِاسْتِكْبارَ لا يَكُونُ بِحَقٍّ إذْ لا مُبَرِّرَ لِلْكِبْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمُورِ المُغْرِياتِ بِالكِبْرِ مِنَ العِلْمِ والمالِ والسُّلْطانِ والقُوَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لا تُبْلِغُ الإنْسانَ مَبْلَغَ الخُلُوِّ عَنِ النَّقْصِ ولَيْسَ لِلضَّعِيفِ النّاقِصِ حَقٌّ في الكِبْرِ ولِذَلِكَ كانَ الكِبْرُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى. وهم قَدِ اغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وعَزَّةِ أُمَّتِهِمْ وادَّعَوْا أنَّهم لا يَغْلِبُهم أحَدٌ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) فَقَوْلُهم ذَلِكَ هو سَبَبُ اسْتِكْبارِهِمْ؛ لِأنَّهُ أوْرَثَهُمُ الِاسْتِخْفافَ بِمَن عَداهم، فَلَمّا جاءَهم هُودٌ بِإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اعْتادُوا العُجْبَ بِأنْفُسِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَكَذَّبُوا رَسُولَهم. فَلَمّا كانَ اغْتِرارُهم بِقُوَّتِهِمْ هو باعِثَهم عَلى الكُفْرِ وكانَ قَوْلُهم (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) دَلِيلًا عَلَيْهِ خُصَّ بِالذِّكْرِ. وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ مَعَ أنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِهِ بِكَوْنِهِ مُوجِبَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو بِمُفْرَدِهِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ فَذُكِرَ بِالعَطْفِ عَلى فِعْلِ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ شَأْنَ العَطْفِ أنْ يَقْتَضِيَ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُعْلِمَ أنَّهُ باعِثُهم عَلى الِاسْتِكْبارِ بِالسِّياقِ. صفحة ٢٥٧ وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ رَبِّهِمْ وعَنْ إنْذارِهِ إيّاهم إعْراضَ مَن لا يَكْتَرِثُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم لَوْ حَسَبُوا لِذَلِكَ حِسابَهُ لَتَوَقَّعُوا عَذابَهُ فَلَأقْبَلُوا عَلى دَلائِلِ صِدْقِ رَسُولِهِ. وإجْراءُ وصْفِ الَّذِي خَلَقَهم عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أقْوى مِنهم، فَإنَّ كَوْنَهم مَخْلُوقِينَ مَعْلُومٌ لَهم بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ العِلْمُ بِهِ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْسِبُوا لِغَضَبِهِ حِسابَهُ فَيَنْظُرُوا في أدِلَّةِ صِدْقِ رَسُولِهِ إلَيْهِمْ. وضَمِيرُ هو أشَدُّ مِنهم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وهو مُفِيدٌ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ بِمَعْنى وُضُوحِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مُحَقَّقًا كانَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِمُقْتَضاهُ أشْنَعَ وعُذْرُهم في جَهْلِهِ مُنْتَفِيًا. والقُوَّةُ حَقِيقَتُها: حالَةٌ في الجِسْمِ يَتَأتّى بِها أنْ يَعْمَلَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، وتُطْلَقُ عَلى لازِمِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ ووَسائِلِ الأعْمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ إطْلاقِها في قَوْلِهِ تَعالى فَخُذْها بِقُوَّةٍ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ بِها هُنا مَعْناها الحَقِيقِيُّ والكِنائِيُّ والمَجازِيُّ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ تَصْرِيحًا وكِنايَةً، ومَجازُهُ لِما عِنْدَهم مِن وسائِلِ تَذْلِيلِ صِعابِ الأُمُورِ لِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ. والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِعادٍ في أصالَةِ آرائِهِمْ فَيَقُولُونَ أحْلامُ عادٍ قالَ النّابِغَةُ: أحْلامُ عادٍ وأجْسامٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والإثَمِ ويَقُولُونَ في وصْفِ الأشْياءِ الَّتِي يَقِلُّ صُنْعُ أمْثالِها ”عادِيَّةٌ“ يَقُولُونَ: بِئْرٌ عادِيَّةٌ، وبِناءٌ عادِيٌّ. ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ سِعَةَ القُدْرَةِ أسْنَدَ القُوَّةَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا يَسْتَعْصِي عَلَيْها شَيْءٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ تَعالى، وهَذا المُرادُ هُنا في قَوْلِهِ ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ أيْ هو أوْسَعُ قُدْرَةً مِن قُدْرَتِهِمْ فَإطْلاقُ القُوَّةِ صفحة ٢٥٨ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ، أيْ عُمُومُ تَأْثِيرِها وتَعَلُّقِها بِالمُمْكِناتِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَسْتَعْصِي عَلى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ مُمْكِنٌ، وكَمالُ غِناهُ عَنِ التَّأثُّرِ لِلْغَيْرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ في سُورَةِ الأنْفالِ. وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والواوُ فِيها اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ مُعْجِزاتُ رَسُولِهِمْ هُودٍ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأصَرُّوا عَلى العِنادِ ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ لِهُودٍ آياتٍ سِوى أنَّهُ أنْذَرَهم عَذابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ السَّماءِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِأوائِلِ الآياتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي في دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وتَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] . ودَلَّ فِعْلُ كانُوا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالآياتِ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ. ودَلَّتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَجْحَدُونَ أنَّ الجَحْدَ مُتَكَرِّرٌ فِيهِمْ مُتَجَدِّدٌ. ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ وصْفَ عِقابِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأشارَتِ الفاءُ إلى أنَّ عِقابَهم كانَ مُسَبَّبًا عَلى حالَةِ كُفْرِهِمْ بِصِفَتِها، فَإنَّ باعِثَ كُفْرِهِمْ كانَ اغْتِرارَهم بِقُوَّتِهِمْ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما لا يَتَرَقَّبُ النّاسُ الهَلاكَ بِهِ، فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يُؤْبَهُ بِهِ: هو رِيحٌ، لِيُرِيَهم أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ القُوَّةِ وأنَّهُ يَضَعُ القُوَّةَ في الشَّيْءِ الهَيِّنِ مِثْلِ الرِّيحِ لِيَكُونَ عَذابًا وخِزْيًا، أيْ تَحْقِيرًا كَما قالَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأيُّ خِزْيٍ أشَدُّ مِن أنْ تَتَراماهُمُ الرِّيحُ في الجَوِّ كالرِّيشِ، وأنْ تُلْقِيَهم هَلْكى عَلى التُّرابِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ فَيُشاهِدُهُمُ المارُّونَ صفحة ٢٥٩ بِدِيارِهِمْ جُثَثًا صَرْعى قَدْ تَقَلَّصَتْ جُلُودُهم وبَلِيَتْ أجْسامُهم كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ. والرِّيحُ: تَمَوُّجٌ في الهَواءِ يَحْدُثُ مِن تَعاكُسِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ، وتَنْتَقِلُ مَوْجاتُهُ كَما تَنْتَقِلُ أمْواجُ البَحْرِ، والرِّيحُ الَّذِي أصابَ عادًا هو الرِّيحُ الدَّبُورُ، وهو الَّذِي يَهُبُّ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَتْ دَبُورًا بِفَتْحِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الباءِ لِأنَّها تَهُبُّ مِن جِهَةِ دُبُرِ الكَعْبَةِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وإنَّما كانَتِ الرِّيحُ الَّتِي أصابَتْ عادًا بِهَذِهِ القُوَّةِ بِسَبَبِ قُوَّةِ انْضِغاطٍ في الهَواءِ غَيْرِ مُعْتادٍ فَإنَّ الِانْضِغاطَ يُصَيِّرُ الشَّيْءَ الضَّعِيفَ قَوِيًّا، كَما شُوهِدَ في عَصْرِنا أنَّ الأجْسامَ الدَّقِيقَةَ مِن أجْزاءٍ كِيمْياوِيَّةٍ تُسَمّى الذَّرَّةَ تَصِيرُ بِالِانْضِغاطِ قادِرَةً عَلى نَسْفِ مَدِينَةٍ كامِلَةٍ، وتُسَمّى الطّاقَةَ الذَّرِّيَّةَ، وقَدْ نُسِفَ بِها جُزْءٌ عَظِيمٌ مِن بِلادِ اليابانِ في الحَرْبِ العامَّةِ. والصَّرْصَرُ: الرِّيحُ العاصِفَةُ الَّتِي يَكُونُ لَها صَرْصَرَةٌ، أيْ دَوِيٌّ في هُبُوبِها مِن شِدَّةِ سُرْعَةِ تَنَقُّلِها. وتَضْعِيفُ عَيْنِهِ لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِها بَيْنَ أفْرادِ نَوْعِها كَتَضْعِيفِ كُبْكِبَ لِلْمُبالَغَةِ في كَبَّ. وأصْلُهُ صَرَّ، أيْ صاحَ، وهو وصْفٌ لا يُؤَنَّثُ لَفْظُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي إلّا عَلى الرِّيحِ وهي مُقَدَّرَةُ التَّأْنِيثِ. والنَّحِساتُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ: جَمْعُ نَحِسٍ بِدُونِ تَأْنِيثٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلِ نَحِسَ كَعَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] . وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِسِكُونِ الحاءِ. ويَجُوزُ كَسْرُ الحاءِ وبِهِ قَرَأ البَقِيَّةُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن ”نَحْسٍ“ إذا أصابَهُ النَّحْسُ إصابَةَ سُوءٍ أوْ ضُرٍّ شَدِيدٍ. وضِدُّهُ البَخْتُ في أوْهامِ العامَّةِ. ولا حَقِيقَةَ لِلنَّحْسِ ولا لِلْبَخْتِ ولَكِنَّهُما عارِضانِ لِلْإنْسانِ، فالنَّحْسُ يَعْرِضُ لَهُ مِن سُوءِ خُلُقِهِ ومِزاجِهِ أوْ مِن تَفْرِيطِهِ أوْ مِن فَسادِ بِيئَتِهِ أوْ قَوْمِهِ، والبَخْتُ يَعْرِضُ مِن جَرّاءِ عَكْسِ ذَلِكَ. وبَعْضُ النَّوْعَيْنِ أُمُورٌ اتِّفاقِيَّةٌ ورُبَّما كانَ بَعْضُها جَزاءً مِنَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِن عِبادِهِ أوْ في دِينِهِ صفحة ٢٦٠ كَما حَلَّ بِعادٍ وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وعامَّةُ الأُمَمِ يَتَوَهَّمُونَ النَّحْسَ والبَخْتَ مِن نَوْعِ الطِّيَرَةِ ومِنَ التَّشاؤُمِ والتَّيَمُّنِ، ومِنهُ الزَّجْرُ والعِيافَةُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ ومِنهُ تَطَلُّعُ الحَدَثانِ مِن طَوالِعِ الكَواكِبِ والأيّامِ عِنْدَ مُعْظَمِ الأُمَمِ الجاهِلَةِ أوِ المُخْتَلَّةِ العَقِيدَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، أيْ كَشَفَ بُطْلانَهُ، بِما لَمْ يَسْبِقْهُ تَعْلِيمٌ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي ظَهَرَتْ قَبْلَ الإسْلامِ. فَمَعْنى وصْفِ الأيّامِ بِالنَّحِساتِ: أنَّها أيّامُ سُوءٍ شَدِيدٍ أصابَهم وهو عَذابُ الرِّيحِ، وهي ثَمانِيَةُ أيّامٍ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فالمُرادُ: أنَّ تِلْكَ الأيّامَ بِخُصُوصِها كانَتْ نَحْسًا وأنَّ نَحْسَها عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِأنَّ عادًا هُمُ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن كُلِّ عامٍ هي أيّامُ نَحْسٍ عَلى البَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ لِاقْتِضائِهِ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأُمَمِ حَلَّ بِها سُوءٌ في تِلْكَ الأيّامِ. ووُصِفَتْ تِلْكَ الأيّامُ بِأنَّها نَحِساتٌ لِأنَّها لَمْ يَحْدُثْ فِيها إلّا السُّوءُ لَهم مِن إصابَةِ آلامِ الهَشْمِ المُحَقَّقِ إفْضاؤُهُ إلى المَوْتِ، ومُشاهَدَةِ الأمْواتِ مِن ذَوِيِهِمْ، ومَوْتِ أنْعامِهِمْ، واقْتِلاعِ نَخِيلِهِمْ. وقَدِ اخْتَرَعَ أهْلُ القِصَصِ تَسْمِيَةَ أيّامٍ ثَمانِيَةٍ نِصْفُها آخِرُ شَهْرِ شَباطَ ونِصْفُها شَهْرُ آذارَ تَكْثُرُ فِيها الرِّياحُ غالِبًا دَعَوْها أيّامَ الحُسُومِ، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها المَوْصُوفَةُ بِحُسُومٍ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فَزَعَمُوا أنَّها الأيّامُ المُوافِقَةُ لِأيّامِ الرِّيحِ الَّتِي أصابَتْ عادًا، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها أيّامُ نَحْسٍ مِن كُلِّ عامٍ وكَذَبُوا عَلى بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أكاذِيبَ في ذَلِكَ، وذَلِكَ ضِغْثٌ عَلى إبالَةٍ، وتَفَنُّنٌ في أوْهامِ الضَّلالَةِ. وجُمِعَ نَحِساتٍ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِجَمْعِ غَيْرِ العاقِلِ وهو أيّامٌ. واللّامُ في لِنُذِيقَهم لِلتَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أرْسَلْنا)، والإذاقَةُ تَخْيِيلٌ لِمَكْنِيَّةٍ، شُبِّهَ العَذابُ بِطَعامٍ هُيِّئَ لَهم عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَما سَمّى عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ الغارَةَ قِرًى في قَوْلِهِ: صفحة ٢٦١ قَرِيناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا والإذاقَةُ: تَخْيِيلٌ مِن مُلائِماتِ الطَّعامِ المُشَبَّهِ بِهِ. والخِزْيُ: الذُّلُّ. وإضافَةُ (عَذابَ) إلى (الخِزْيِ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ أشَدُّ إخْزاءً مِن إخْزاءِ عَذابِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الخِزْيَ وصْفٌ لِلْعَذابِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ أوِ اسْمِ المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَوْنِ ذَلِكَ العَذابِ مُخْزِيًا لِلَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ. ومَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُخْزِيًا: أنَّهُ سَبَبُ خِزْيٍ فَوَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ خِزْيٌ بِمَعْنى مُخْزٍ مِن بابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ويُقَدَّرُ قَبْلَ الإضافَةِ: لِنُذِيقَهم عَذابًا خِزْيًا، أيْ مُخْزِيًا، فَلَمّا أُرِيدَتْ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ قِيلَ: عَذابُ الخِزْيِ، لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ إضافَةَ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مُبالَغَةٌ في الِاتِّصافِ حَتّى جُعِلَتِ الصِّفَةُ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ آخَرَ يُضافُ إلَيْهِ المَوْصُوفُ وهو قَرِيبٌ مِن مُحَسِّنِ التَّجْرِيدِ فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ في قَوْلِهِ (﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾) مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ومُبالَغَةُ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وجُمْلَةُ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾) احْتِراسٌ لِئَلّا يَحْسَبَ السّامِعُونَ أنَّ حَظَّ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ هو عَذابُ الإهْلاكِ بِالرِّيحِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ لَهم ولِكُلِّ مَن عُذِّبَ عَذابًا في الدُّنْيا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وأخْزى: اسْمُ تَفْضِيلٍ جَرى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِياسُهُ أنْ يُقالَ: أشَدُّ إخْزاءً، لِأنَّهُ لا يُقالُ: خَزاهُ، بِمَعْنى أخْزاهُ، أيْ أهانَهُ، ومِثْلُ هَذا في صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ. وجُمْلَةُ وهم لا يُنْصَرُونَ تَذْيِيلٌ، أيْ لا يَنْصُرُهم مَن يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم، ولا مَن يَشْفَعُ لَهم، ولا مَن يُخْرِجُهم مِنهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ.

فصلت 41:16

﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحْساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ . بَعْدَ أنْ حَكى عَنْ عادٍ وثَمُودَ ما اشْتَرَكَ فِيهِ الأُمَّتانِ مِنَ المُكابَرَةِ والإصْرارِ عَلى الكُفْرِ فَصَّلَ هُنا بَعْضَ ما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ أُمَّةٍ مِنهُما مِن صُورَةِ الكُفْرِ، وذَكَرَ مِن ذَلِكَ ما لَهُ مُناسَبَةٌ لِما حَلَّ بِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهُما مِنَ العَذابِ. صفحة ٢٥٦ والفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] المُقْتَضِيَةِ أنَّهم رَفَضُوا دَعْوَةَ رَسُولَيْهِمْ ولَمْ يَقْبَلُوا إرْشادَهُما واسْتِدْلالَهُما. وأمّا حَرْفُ شَرْطٍ وتَفْصِيلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: فَأمّا عادٌ فَمَنَعَهم مِن قَبُولِ الهُدى اسْتِكْبارُهم. والِاسْتِكْبارُ المُبالَغَةُ في الكِبْرِ، أيِ التَّعاظُمُ واحْتِقارُ النّاسِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ لِلْعَهْدِ، أيْ أرْضُهُمُ المَعْهُودَةُ. وإنَّما ذُكِرَ مِن مَساوِيهِمُ الِاسْتِكْبارُ لِأنَّ تَكَبُّرَهم هو الَّذِي صَرَفَهم عَنِ اتِّباعِ رَسُولِهِمْ وعَنْ تَوَقُّعِ عِقابِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ لِاسْتِكْبارِهِمْ، فَإنَّ الِاسْتِكْبارَ لا يَكُونُ بِحَقٍّ إذْ لا مُبَرِّرَ لِلْكِبْرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمُورِ المُغْرِياتِ بِالكِبْرِ مِنَ العِلْمِ والمالِ والسُّلْطانِ والقُوَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لا تُبْلِغُ الإنْسانَ مَبْلَغَ الخُلُوِّ عَنِ النَّقْصِ ولَيْسَ لِلضَّعِيفِ النّاقِصِ حَقٌّ في الكِبْرِ ولِذَلِكَ كانَ الكِبْرُ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى. وهم قَدِ اغْتَرُّوا بِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وعَزَّةِ أُمَّتِهِمْ وادَّعَوْا أنَّهم لا يَغْلِبُهم أحَدٌ، وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) فَقَوْلُهم ذَلِكَ هو سَبَبُ اسْتِكْبارِهِمْ؛ لِأنَّهُ أوْرَثَهُمُ الِاسْتِخْفافَ بِمَن عَداهم، فَلَمّا جاءَهم هُودٌ بِإنْكارِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ عَظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمُ اعْتادُوا العُجْبَ بِأنْفُسِهِمْ وأحْوالِهِمْ فَكَذَّبُوا رَسُولَهم. فَلَمّا كانَ اغْتِرارُهم بِقُوَّتِهِمْ هو باعِثَهم عَلى الكُفْرِ وكانَ قَوْلُهم (﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾) دَلِيلًا عَلَيْهِ خُصَّ بِالذِّكْرِ. وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ مَعَ أنَّهُ كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إشارَةً إلى اسْتِقْلالِهِ بِكَوْنِهِ مُوجِبَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو بِمُفْرَدِهِ مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ فَذُكِرَ بِالعَطْفِ عَلى فِعْلِ اسْتَكْبَرُوا لِأنَّ شَأْنَ العَطْفِ أنْ يَقْتَضِيَ المُغايَرَةَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، ويُعْلِمَ أنَّهُ باعِثُهم عَلى الِاسْتِكْبارِ بِالسِّياقِ. صفحة ٢٥٧ وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمَعْنى: إنْكارُ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ رَبِّهِمْ وعَنْ إنْذارِهِ إيّاهم إعْراضَ مَن لا يَكْتَرِثُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم لَوْ حَسَبُوا لِذَلِكَ حِسابَهُ لَتَوَقَّعُوا عَذابَهُ فَلَأقْبَلُوا عَلى دَلائِلِ صِدْقِ رَسُولِهِ. وإجْراءُ وصْفِ الَّذِي خَلَقَهم عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ لِجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أقْوى مِنهم، فَإنَّ كَوْنَهم مَخْلُوقِينَ مَعْلُومٌ لَهم بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ العِلْمُ بِهِ كافِيًا في الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، وأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَحْسِبُوا لِغَضَبِهِ حِسابَهُ فَيَنْظُرُوا في أدِلَّةِ صِدْقِ رَسُولِهِ إلَيْهِمْ. وضَمِيرُ هو أشَدُّ مِنهم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وهو مُفِيدٌ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ بِمَعْنى وُضُوحِهِ، وإذا كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مُحَقَّقًا كانَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِمُقْتَضاهُ أشْنَعَ وعُذْرُهم في جَهْلِهِ مُنْتَفِيًا. والقُوَّةُ حَقِيقَتُها: حالَةٌ في الجِسْمِ يَتَأتّى بِها أنْ يَعْمَلَ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، وتُطْلَقُ عَلى لازِمِ ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ ووَسائِلِ الأعْمالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ إطْلاقِها في قَوْلِهِ تَعالى فَخُذْها بِقُوَّةٍ في سُورَةِ الأعْرافِ، والمُرادُ بِها هُنا مَعْناها الحَقِيقِيُّ والكِنائِيُّ والمَجازِيُّ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ تَصْرِيحًا وكِنايَةً، ومَجازُهُ لِما عِنْدَهم مِن وسائِلِ تَذْلِيلِ صِعابِ الأُمُورِ لِقُوَّةِ أجْسامِهِمْ وقُوَّةِ عُقُولِهِمْ. والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِعادٍ في أصالَةِ آرائِهِمْ فَيَقُولُونَ أحْلامُ عادٍ قالَ النّابِغَةُ: أحْلامُ عادٍ وأجْسامٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والإثَمِ ويَقُولُونَ في وصْفِ الأشْياءِ الَّتِي يَقِلُّ صُنْعُ أمْثالِها ”عادِيَّةٌ“ يَقُولُونَ: بِئْرٌ عادِيَّةٌ، وبِناءٌ عادِيٌّ. ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ تَسْتَلْزِمُ سِعَةَ القُدْرَةِ أسْنَدَ القُوَّةَ إلى اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى لا يَسْتَعْصِي عَلَيْها شَيْءٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ تَعالى، وهَذا المُرادُ هُنا في قَوْلِهِ ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ أيْ هو أوْسَعُ قُدْرَةً مِن قُدْرَتِهِمْ فَإطْلاقُ القُوَّةِ صفحة ٢٥٨ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى كَمالِ القُدْرَةِ، أيْ عُمُومُ تَأْثِيرِها وتَعَلُّقِها بِالمُمْكِناتِ عَلى وفْقِ الإرادَةِ لا يَسْتَعْصِي عَلى تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ شَيْءٌ مُمْكِنٌ، وكَمالُ غِناهُ عَنِ التَّأثُّرِ لِلْغَيْرِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ في سُورَةِ الأنْفالِ. وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ، والواوُ فِيها اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ مُعْجِزاتُ رَسُولِهِمْ هُودٍ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها وأصَرُّوا عَلى العِنادِ ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ لِهُودٍ آياتٍ سِوى أنَّهُ أنْذَرَهم عَذابًا يَأْتِيهِمْ مِنَ السَّماءِ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] فَذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِأوائِلِ الآياتِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي في دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ، وتَذْكِيرُهم بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف: ٦٩]، وقَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ١٣٢] ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣] ﴿وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٤] . ودَلَّ فِعْلُ كانُوا عَلى أنَّ التَّكْذِيبَ بِالآياتِ مُتَأصِّلٌ فِيهِمْ. ودَلَّتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَجْحَدُونَ أنَّ الجَحْدَ مُتَكَرِّرٌ فِيهِمْ مُتَجَدِّدٌ. ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ وصْفَ عِقابِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأشارَتِ الفاءُ إلى أنَّ عِقابَهم كانَ مُسَبَّبًا عَلى حالَةِ كُفْرِهِمْ بِصِفَتِها، فَإنَّ باعِثَ كُفْرِهِمْ كانَ اغْتِرارَهم بِقُوَّتِهِمْ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما لا يَتَرَقَّبُ النّاسُ الهَلاكَ بِهِ، فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا يُؤْبَهُ بِهِ: هو رِيحٌ، لِيُرِيَهم أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ القُوَّةِ وأنَّهُ يَضَعُ القُوَّةَ في الشَّيْءِ الهَيِّنِ مِثْلِ الرِّيحِ لِيَكُونَ عَذابًا وخِزْيًا، أيْ تَحْقِيرًا كَما قالَ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأيُّ خِزْيٍ أشَدُّ مِن أنْ تَتَراماهُمُ الرِّيحُ في الجَوِّ كالرِّيشِ، وأنْ تُلْقِيَهم هَلْكى عَلى التُّرابِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ فَيُشاهِدُهُمُ المارُّونَ صفحة ٢٥٩ بِدِيارِهِمْ جُثَثًا صَرْعى قَدْ تَقَلَّصَتْ جُلُودُهم وبَلِيَتْ أجْسامُهم كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ. والرِّيحُ: تَمَوُّجٌ في الهَواءِ يَحْدُثُ مِن تَعاكُسِ الحَرارَةِ والبُرُودَةِ، وتَنْتَقِلُ مَوْجاتُهُ كَما تَنْتَقِلُ أمْواجُ البَحْرِ، والرِّيحُ الَّذِي أصابَ عادًا هو الرِّيحُ الدَّبُورُ، وهو الَّذِي يَهُبُّ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، سُمِّيَتْ دَبُورًا بِفَتْحِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الباءِ لِأنَّها تَهُبُّ مِن جِهَةِ دُبُرِ الكَعْبَةِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «نُصِرْتُ بِالصَّبا وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُورِ» . وإنَّما كانَتِ الرِّيحُ الَّتِي أصابَتْ عادًا بِهَذِهِ القُوَّةِ بِسَبَبِ قُوَّةِ انْضِغاطٍ في الهَواءِ غَيْرِ مُعْتادٍ فَإنَّ الِانْضِغاطَ يُصَيِّرُ الشَّيْءَ الضَّعِيفَ قَوِيًّا، كَما شُوهِدَ في عَصْرِنا أنَّ الأجْسامَ الدَّقِيقَةَ مِن أجْزاءٍ كِيمْياوِيَّةٍ تُسَمّى الذَّرَّةَ تَصِيرُ بِالِانْضِغاطِ قادِرَةً عَلى نَسْفِ مَدِينَةٍ كامِلَةٍ، وتُسَمّى الطّاقَةَ الذَّرِّيَّةَ، وقَدْ نُسِفَ بِها جُزْءٌ عَظِيمٌ مِن بِلادِ اليابانِ في الحَرْبِ العامَّةِ. والصَّرْصَرُ: الرِّيحُ العاصِفَةُ الَّتِي يَكُونُ لَها صَرْصَرَةٌ، أيْ دَوِيٌّ في هُبُوبِها مِن شِدَّةِ سُرْعَةِ تَنَقُّلِها. وتَضْعِيفُ عَيْنِهِ لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّتِها بَيْنَ أفْرادِ نَوْعِها كَتَضْعِيفِ كُبْكِبَ لِلْمُبالَغَةِ في كَبَّ. وأصْلُهُ صَرَّ، أيْ صاحَ، وهو وصْفٌ لا يُؤَنَّثُ لَفْظُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي إلّا عَلى الرِّيحِ وهي مُقَدَّرَةُ التَّأْنِيثِ. والنَّحِساتُ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الحاءِ: جَمْعُ نَحِسٍ بِدُونِ تَأْنِيثٍ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلِ نَحِسَ كَعَلِمَ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] . وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِسِكُونِ الحاءِ. ويَجُوزُ كَسْرُ الحاءِ وبِهِ قَرَأ البَقِيَّةُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن ”نَحْسٍ“ إذا أصابَهُ النَّحْسُ إصابَةَ سُوءٍ أوْ ضُرٍّ شَدِيدٍ. وضِدُّهُ البَخْتُ في أوْهامِ العامَّةِ. ولا حَقِيقَةَ لِلنَّحْسِ ولا لِلْبَخْتِ ولَكِنَّهُما عارِضانِ لِلْإنْسانِ، فالنَّحْسُ يَعْرِضُ لَهُ مِن سُوءِ خُلُقِهِ ومِزاجِهِ أوْ مِن تَفْرِيطِهِ أوْ مِن فَسادِ بِيئَتِهِ أوْ قَوْمِهِ، والبَخْتُ يَعْرِضُ مِن جَرّاءِ عَكْسِ ذَلِكَ. وبَعْضُ النَّوْعَيْنِ أُمُورٌ اتِّفاقِيَّةٌ ورُبَّما كانَ بَعْضُها جَزاءً مِنَ اللَّهِ عَلى عَمَلِ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِن عِبادِهِ أوْ في دِينِهِ صفحة ٢٦٠ كَما حَلَّ بِعادٍ وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وعامَّةُ الأُمَمِ يَتَوَهَّمُونَ النَّحْسَ والبَخْتَ مِن نَوْعِ الطِّيَرَةِ ومِنَ التَّشاؤُمِ والتَّيَمُّنِ، ومِنهُ الزَّجْرُ والعِيافَةُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ ومِنهُ تَطَلُّعُ الحَدَثانِ مِن طَوالِعِ الكَواكِبِ والأيّامِ عِنْدَ مُعْظَمِ الأُمَمِ الجاهِلَةِ أوِ المُخْتَلَّةِ العَقِيدَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ أبْطَلَهُ الإسْلامُ، أيْ كَشَفَ بُطْلانَهُ، بِما لَمْ يَسْبِقْهُ تَعْلِيمٌ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي ظَهَرَتْ قَبْلَ الإسْلامِ. فَمَعْنى وصْفِ الأيّامِ بِالنَّحِساتِ: أنَّها أيّامُ سُوءٍ شَدِيدٍ أصابَهم وهو عَذابُ الرِّيحِ، وهي ثَمانِيَةُ أيّامٍ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فالمُرادُ: أنَّ تِلْكَ الأيّامَ بِخُصُوصِها كانَتْ نَحْسًا وأنَّ نَحْسَها عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الأرْضِ لِأنَّ عادًا هُمُ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الأيّامَ مِن كُلِّ عامٍ هي أيّامُ نَحْسٍ عَلى البَشَرِ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَقِيمُ لِاقْتِضائِهِ أنْ تَكُونَ جَمِيعُ الأُمَمِ حَلَّ بِها سُوءٌ في تِلْكَ الأيّامِ. ووُصِفَتْ تِلْكَ الأيّامُ بِأنَّها نَحِساتٌ لِأنَّها لَمْ يَحْدُثْ فِيها إلّا السُّوءُ لَهم مِن إصابَةِ آلامِ الهَشْمِ المُحَقَّقِ إفْضاؤُهُ إلى المَوْتِ، ومُشاهَدَةِ الأمْواتِ مِن ذَوِيِهِمْ، ومَوْتِ أنْعامِهِمْ، واقْتِلاعِ نَخِيلِهِمْ. وقَدِ اخْتَرَعَ أهْلُ القِصَصِ تَسْمِيَةَ أيّامٍ ثَمانِيَةٍ نِصْفُها آخِرُ شَهْرِ شَباطَ ونِصْفُها شَهْرُ آذارَ تَكْثُرُ فِيها الرِّياحُ غالِبًا دَعَوْها أيّامَ الحُسُومِ، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها المَوْصُوفَةُ بِحُسُومٍ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، فَزَعَمُوا أنَّها الأيّامُ المُوافِقَةُ لِأيّامِ الرِّيحِ الَّتِي أصابَتْ عادًا، ثُمَّ رَكَّبُوا عَلى ذَلِكَ أنَّها أيّامُ نَحْسٍ مِن كُلِّ عامٍ وكَذَبُوا عَلى بَعْضِ السَّلَفِ مِثْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أكاذِيبَ في ذَلِكَ، وذَلِكَ ضِغْثٌ عَلى إبالَةٍ، وتَفَنُّنٌ في أوْهامِ الضَّلالَةِ. وجُمِعَ نَحِساتٍ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِجَمْعِ غَيْرِ العاقِلِ وهو أيّامٌ. واللّامُ في لِنُذِيقَهم لِلتَّعْلِيلِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (أرْسَلْنا)، والإذاقَةُ تَخْيِيلٌ لِمَكْنِيَّةٍ، شُبِّهَ العَذابُ بِطَعامٍ هُيِّئَ لَهم عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ كَما سَمّى عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ الغارَةَ قِرًى في قَوْلِهِ: صفحة ٢٦١ قَرِيناكم فَعَجَّلْنا قِراكم ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا والإذاقَةُ: تَخْيِيلٌ مِن مُلائِماتِ الطَّعامِ المُشَبَّهِ بِهِ. والخِزْيُ: الذُّلُّ. وإضافَةُ (عَذابَ) إلى (الخِزْيِ) مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ بِدَلِيلِ مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ أشَدُّ إخْزاءً مِن إخْزاءِ عَذابِ الدُّنْيا، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ الخِزْيَ وصْفٌ لِلْعَذابِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ أوِ اسْمِ المَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في كَوْنِ ذَلِكَ العَذابِ مُخْزِيًا لِلَّذِي يُعَذَّبُ بِهِ. ومَعْنى كَوْنِ العَذابِ مُخْزِيًا: أنَّهُ سَبَبُ خِزْيٍ فَوَصْفُ العَذابِ بِأنَّهُ خِزْيٌ بِمَعْنى مُخْزٍ مِن بابِ المَجازِ العَقْلِيِّ، ويُقَدَّرُ قَبْلَ الإضافَةِ: لِنُذِيقَهم عَذابًا خِزْيًا، أيْ مُخْزِيًا، فَلَمّا أُرِيدَتْ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ قِيلَ: عَذابُ الخِزْيِ، لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا لِأنَّ إضافَةَ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ مُبالَغَةٌ في الِاتِّصافِ حَتّى جُعِلَتِ الصِّفَةُ بِمَنزِلَةِ شَخْصٍ آخَرَ يُضافُ إلَيْهِ المَوْصُوفُ وهو قَرِيبٌ مِن مُحَسِّنِ التَّجْرِيدِ فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ في قَوْلِهِ (﴿عَذابَ الخِزْيِ﴾) مُبالَغَةُ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ومُبالَغَةُ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. وجُمْلَةُ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾) احْتِراسٌ لِئَلّا يَحْسَبَ السّامِعُونَ أنَّ حَظَّ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ هو عَذابُ الإهْلاكِ بِالرِّيحِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ بِأنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أخْزى، أيْ لَهم ولِكُلِّ مَن عُذِّبَ عَذابًا في الدُّنْيا لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وأخْزى: اسْمُ تَفْضِيلٍ جَرى عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِياسُهُ أنْ يُقالَ: أشَدُّ إخْزاءً، لِأنَّهُ لا يُقالُ: خَزاهُ، بِمَعْنى أخْزاهُ، أيْ أهانَهُ، ومِثْلُ هَذا في صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ. وجُمْلَةُ وهم لا يُنْصَرُونَ تَذْيِيلٌ، أيْ لا يَنْصُرُهم مَن يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم، ولا مَن يَشْفَعُ لَهم، ولا مَن يُخْرِجُهم مِنهُ بَعْدَ مُهْلَةٍ.

فصلت 41:17

صفحة ٢٦٢ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ . بَقِيَّةُ التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا. ولَمّا كانَ حالُ الأُمَّتَيْنِ واحِدًا في عَدَمِ قَبُولِ الإرْشادِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً كانَ الإخْبارُ عَنْ ثَمُودَ بِأنَّ اللَّهَ هَداهم مُقْتَضِيًا أنَّهُ هَدى عادًا مِثْلَ ما هَدى ثَمُودَ وأنَّ عادًا اسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى مِثْلَ ما اسْتَحَبَّتْ ثَمُودُ. والمَعْنى: وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم هِدايَةَ إرْشادٍ بِرَسُولِنا إلَيْهِمْ وتَأْيِيدِهِ بِآيَةِ النّاقَةِ الَّتِي أخْرَجَها لَهم مِنَ الأرْضِ. فالمُرادُ بِالهِدايَةِ هُنا: الإرْشادُ التَّكْلِيفِيُّ، وهي غَيْرُ ما في قَوْلِهِ ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ فَإنَّ تِلْكَ الهِدايَةَ التَّكْوِينِيَّةَ لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ. واسْتَحَبُّوا العَمى مَعْناها: أحَبُّوا، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُهُما في قَوْلِهِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ، أيْ كانَ العَمى مَحْبُوبًا لَهم. والعَمى: هُنا مُسْتَعارٌ لِلضَّلالِ في الرَّأْيِ، أيِ اخْتارُوا الضَّلالَ بِكَسْبِهِمْ. وضُمِّنَ اسْتَحَبُّوا مَعْنى: فَضَلُّوا، وهَيَّأ لِهَذا التَّضْمِينِ اقْتِرانُهُ بِالسِّينِ والتّاءِ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ المُبالَغَةَ في المَحَبَّةِ تَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ عَلى بَقِيَّةِ المَحْبُوباتِ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ اسْتَحَبُّوا بِحَرْفِ عَلى، أيْ رَجَّحُوا بِاخْتِيارِهِمْ. وتَعْلِيقُ عَلى الهُدى بِفِعْلِ اسْتَحَبُّوا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: فَضَّلُوا وآثَرُوا. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾، وكانَ العِقابُ مُناسِبًا لِلْجُرْمِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلالَ الَّذِي هو مِثْلُ العَمى، فَمَن يَسْتَحِبُّهُ فَشَأْنُهُ أنْ يُحِبَّ العَمى، فَكانَ جَزاؤُهم بِالصّاعِقَةِ لِأنَّها تُعْمِي أبْصارَهم في حِينِ تُهْلِكُهم قالَ تَعالى يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهم. صفحة ٢٦٣ والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلْإصابَةِ المُهْلِكَةِ لِأنَّها اتِّصالٌ بِالمُهْلَكِ يُزِيلُهُ مِنَ الحَياةِ فَكَأنَّهُ أخْذٌ بِاليَدِ. والصّاعِقَةُ: الصَّيْحَةُ الَّتِي تَنْشَأُ في كَهْرَبائِيَّةِ السَّحابِ الحامِلِ لِلْماءِ فَتَنْقَدِحُ مِنها نارٌ تُهْلِكُ ما تُصِيبُهُ. وإضافَةُ (صاعِقَةُ) إلى (العَذابِ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها صاعِقَةٌ تُعَرَّفُ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إذْ لا يُعَرَّفُ بِها إلّا ما تُضافُ إلَيْهِ، أيْ صاعِقَةٌ خارِقَةٌ لِمُعْتادِ الصَّواعِقِ، فَهي صاعِقَةٌ مُسَخَّرَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعَذابِ ثَمُودَ، فَإنَّ أصْلَ مَعْنى الإضافَةِ أنَّها بِتَقْدِيرِ لامِ الِاخْتِصاصِ فَتَعْرِيفُ المُضافِ لا طَرِيقَ لَهُ إلّا بَيانَ اخْتِصاصِهِ بِالمُضافِ إلَيْهِ. والعَذابُ هو: الإهْلاكُ بِالصَّعْقِ، ووُصِفَ بِـ (الهُونِ) كَما وُصِفَ العَذابُ بِالخِزْيِ في قَوْلِهِ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ، أيِ العَذابَ الَّذِي هو سَبَبُ الهُونِ. والهُونُ: الهَوانُ وهو الذُّلُّ، ووَجْهُ كَوْنِهِ هَوانًا أنَّهُ إهْلاكٌ فِيهِ مَذَلَّةٌ إذِ اسْتُؤْصِلُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ وتُرِكُوا صَرْعى عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما بَيَّنّاهُ في مَهْلِكِ عادٍ. أيْ أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ في اخْتِيارِهِمُ البَقاءَ عَلى الضَّلالِ بِإعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولِهِمْ وعَنْ دَلالَةِ آياتِهِ. ويُعْلَمُ مِن قَوْلِهِ في شَأْنِ عادٍ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى أنَّ لِثَمُودَ عَذابًا في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الأُمَّتَيْنِ تَماثَلَتا في الكُفْرِ فَلَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ هُنا اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ فِيما تَقَدَّمَ. وهَذا مُحَسِّنُ الِاكْتِفاءِ، وهو مُحَسِّنٌ يَرْجِعُ إلى الإيجازِ.

فصلت 41:18

﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ . الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى التَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت: ١٥] وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] لِأنَّ مَوْقِعَ هاتِهِ الجُمْلَةِ المُتَضَمِّنَةِ إنْجاءَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَذابُ عادٍ وعَذابُ ثَمُودَ يُشِيرُ إلى أنَّ المَعْنى إنْجاءُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن قَوْمِ عادٍ وقَوْمِ ثَمُودَ، فَمَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فِيهِ مَعْنى اسْتِثْناءٍ مِن عُمُومِ أُمَّتَيْ عادٍ وثَمُودَ فَيَكُونُ لَها حُكْمُ الِاسْتِثْناءِ الوارِدِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاقِبَةٍ أنَّهُ يَعُودُ إلى جَمِيعِها صفحة ٢٦٤ فَإنَّ جُمْلَتَيِ التَّفْصِيلِ هُما المَقْصُودُ، قالَ تَعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٥٨]، وقالَ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٦٦]، وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ هُودٍ كَيْفَ أنْجى اللَّهُ هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وصالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. وقَوْلُهُ (﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾)، أيْ كانَ سُنَّتُهُمُ اتِّقاءَ اللَّهِ والنَّظَرَ فِيما يُنْجِي مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ، وهو أبْلَغُ في الوَصْفِ مِن أنْ يُقالَ: والمُتَّقِينَ.

فصلت 41:19

”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]“ . لَمّا فَرَغَ مِن مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ بِحالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ مِن قَبْلِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ لِيَكُونَ لَهم ذَلِكَ عِبْرَةً فَإنَّ لِاسْتِحْضارِ المُثُلِ والنَّظائِرِ أثَرًا في النَّفْسِ تَعْتَبِرُ بِهِ ما لا تَعْتَبِرُ بِتَوَصُّفِ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، انْتَقَلَ إلى إنْذارِهِمْ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ فَجُمْلَةُ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ الآياتِ، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً الآياتِ. والتَّقْدِيرُ: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ. ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً إلَخْ، أيْ وأنْذِرْهم يَوْمَ عِقابِ الآخِرَةِ. وأعْداءُ اللَّهِ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِهِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] يَعْنِي المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، ولِأنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ كِتابِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهم بِتَهَيُّؤِ النَّبِيءِ ﷺ لِغَزْوِ مَكَّةَ ولِقَوْلِهِ في آخِرِ هَذِهِ الآياتِ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . صفحة ٢٦٥ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ أعْداءِ اللَّهِ جَمِيعُ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ دُخُولَ البَعْضِ في العُمُومِ لِأنَّ ذَلِكَ المَحْمِلَ لا يَكُونُ لَهُ مَوْقِعٌ رَشِيقٌ في المَقامِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مَن ذِكْرِ ما أصابَ عادًا وثَمُودَ هو تَهْدِيدُ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِحُلُولِ عَذابٍ مِثْلِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوهُ ورَأوْا آثارَهُ فَلِلتَّهْدِيدِ بِمِثْلِهِ مَوْقِعٌ لا يَسَعُهُمُ التَّغافُلُ عَنْهُ، وأمّا عَذابُ عادٍ وثَمُودَ في الآخِرَةِ فَهو مَوْعُودٌ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يُناسِبُ أنْ يُجْعَلَ مَوْعِظَةً لِقُرَيْشٍ بَلِ الأجْدَرُ أنْ يَقَعَ إنْذارُ قُرَيْشٍ رَأْسًا بِعَذابٍ يُعَذَّبُونَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ أُطِيلَ وصْفُهُ لِتَهْوِيلِهِ ما لَمْ يُطَلْ بِمِثْلِهِ حِينَ التَّعَرُّضِ لِعَذابِ عادٍ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ [فصلت: ١٦]) المُكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ عَذابِ ثَمُودَ. ولِهَذا فَلَيْسَ في قَوْلِهِ (أعْداءَ اللَّهِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ مِن ضَمِيرِ عادٍ وثَمُودَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”واذْكُرْ“ مَحْذُوفًا مِثْلَ نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ في مَكانٍ لِمَقْصِدٍ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ إلى النّارِ بِـ ”نَحْشُرُ“ لِتَضْمِينِ ”نَحْشُرُ“ مَعْنى: نُرْسِلُ، أيْ نُرْسِلُهم إلى النّارِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَهم يُوزَعُونَ عَطْفٌ وتَفْرِيعٌ عَلى ”نَحْشُرُ“ لِأنَّ الحَشْرَ يَقْتَضِي الوَزْعَ إذْ هو مِن لَوازِمِهِ عُرْفًا، إذِ الحَشْرُ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ عَدَدِ المَحْشُورِينَ، وكَثْرَةُ العَدَدِ تَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلاطَ وتَداخُلَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَلا غِنى لَهم عَنِ الوَزْعِ لِتَصْفِيفِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. والوَزْعُ: كَفُّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ومَنعُهم مِنَ الفَوْضى، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ المَحْشُورِينَ. وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ ”نَحْشُرُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”أعْداءَ“، وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ وهي مُفِيدَةٌ لِمَعْنى الغايَةِ فَهي حِرَفُ انْتِهاءٍ في المَعْنى وحَرْفُ صفحة ٢٦٦ ابْتِداءٍ في اللَّفْظِ، أيْ أنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. وإذا ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِهِ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَعْدَ إذا تُفِيدُ تَوْكِيدَ مَعْنى إذا مِنَ الِارْتِباطِ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ إذا سَواءٌ كانَتْ شَرْطِيَّةً كَما في هَذِهِ الآيَةِ أمْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ، ويَظْهَرُ أنَّ وُرُودَ ما بَعْدَ إذا يُقَوِّي مَعْنى الشَّرْطِ في إذا، ولَعَلَّهُ يَكُونُ مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ نَصًّا احْتِمالًا. وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ الغائِبِ في جاءُوها عائِدٌ إلى النّارِ، أيْ إذا وصَلُوا إلى جَهَنَّمَ. وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمُ﴾ إلَخْ يَقْتَضِي كَلامُ المُفَسِّرِينَ أنَّها جَوابُ إذا، فاقْتَضى الِارْتِباطُ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها وتَعْلِيقِها بِفِعْلِ الجَوابِ. واسْتَشْعَرُوا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِمْ تَكُونُ قَبْلَ أنْ يُوَجَّهُوا إلى النّارِ، فَقَدَّرُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وسُئِلُوا عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ فَأنْكَرُوا فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، يَعْنِي: سَألَهم خَزَنَةُ النّارِ. وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ أنْ نَقُولَ: إنَّ جَوابَ إذا مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ مَفادِ حَتّى مِنَ الغايَةِ لِأنَّ السّائِلَ يَتَطَلَّبُ ماذا حَصَلَ بَيْنَ حَشْرِهِمْ إلى النّارِ وبَيْنَ حُضُورِهِمْ عِنْدَ النّارِ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم إلى قَوْلِهِ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّهم حُوسِبُوا عَلى أعْمالِهِمْ وأنْكَرُوها فَشَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم وأجْسادُهم. أوْ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. وشَهادَةُ جَوارِحِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ: شَهادَةُ تَكْذِيبٍ وافْتِضاحٍ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ شَهادَةً يَقْتَضِي أنَّهم لَمّا رَأوُا النّارَ اعْتَذَرُوا بِإنْكارِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ طَمَعًا في تَخْفِيفِ صفحة ٢٦٧ العَذابِ وإلّا فَقَدَ عَلِمَ اللَّهُ ما كانُوا يَصْنَعُونَ وشَهِدَتْ بِهِ الحَفَظَةُ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ كِتابُهم، وما أُحْضِرُوا لِلنّارِ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَتْ إدانَتُهم، فَما كانَتْ شَهادَةُ جَوارِحِهِمْ إلّا زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم وتَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ في سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ. وتَخْصِيصُ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ بِالشَّهادَةِ عَلى هَؤُلاءِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَوارِحِ لِأنَّ لِلسَّمْعِ اخْتِصاصًا بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَلَقِّي آياتِ القُرْآنِ، فَسَمْعُهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ولِأنَّ لِلْأبْصارِ اخْتِصاصًا بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ فَذَلِكَ دَلِيلُ وحْدانِيَّتِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وشَهادَةِ الجُلُودِ لِأنَّ الجِلْدَ يَحْوِي جَمِيعَ الجَسَدِ لِتَكُونَ شَهادَةُ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ شَهادَةً عَلى أنْفُسِها فَيَظْهَرُ اسْتِحْقاقُها لِلْحَرْقِ بِالنّارِ لِبَقِيَّةِ الأجْسادِ دُونَ اقْتِصارٍ عَلى حَرْقِ مَوْضِعِ السَّمْعِ والبَصَرِ. ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا في تَوْجِيهِ المَلامَةِ عَلى جُلُودِهِمْ لِأنَّها حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ الحَواسِّ والجَوارِحِ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى شَهادَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ هُنا بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ النُّورِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، لِأنَّ آيَةَ النُّورِ تَصِفُ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وهُمُ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا تُهْمَةَ الإفْكِ ومَشَوْا في المَجامِعِ يُشِيعُونَها بَيْنَ النّاسِ ويُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى مَنِ اتَّهَمُوهُ إفْكًا. وإنَّما قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا دُونَ أنْ يَقُولُوهُ لِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لِأنَّ الجُلُودَ مُواجِهَةٌ لَهم يَتَوَجَّهُونَ إلَيْها بِالمَلامَةِ. وإجْراءُ ضَمائِرِ السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ بِصِيغَتَيْ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّ التَّحاوُرَ مَعَها صَيَّرَها بِحالَةِ العُقَلاءِ يَوْمَئِذٍ. ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ قَوْلُ مَن زَعَمُوا أنَّ الجُلُودَ أُرِيدَ بِها الفُرُوجُ، ونُسِبَ هَذا لِلسُّدِّيِّ والفَرّاءِ، وهو تَعَنُّتٌ في مَحْمِلِ الآيَةِ لا داعِيَ إلَيْهِ بِحالٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ بَنى أحْمَدُ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ كِناياتِ الأُدَباءِ فَعَدَّ الجُلُودَ مِنَ الكِناياتِ عَنِ الفُرُوجِ وعَزاهُ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ فَجازَفَ في التَّعْبِيرِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] مُسْتَعْمَلٌ في المَلامَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ صفحة ٢٦٨ جُلُودَهم لِكَوْنِها جُزْءًا مِنهم لا يَحِقُّ لَهم شَهادَتُها عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَجُرُّ العَذابَ إلَيْها. واسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ في مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ. وقَوْلُ الجُلُودِ ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٢١] اعْتِذارٌ بِأنَّ الشَّهادَةَ جَرَتْ مِنها بِغَيْرِ اخْتِيارٍ. وهَذا النُّطْقُ مِن خَوارِقِ العاداتِ كَما هو شَأْنُ العالَمِ الأُخْرَوِيِّ. وقَوْلُهُمُ ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، ولا عِلاقَةَ لَهُ بِالِاعْتِذارِ، والمَعْنى: الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ نُطْقٌ مِنَ الحَيَوانِ، واخْتِلافُ دَلالَةِ أصْواتِها عَلى وِجْدانِها، فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٌ بِالعُرْفِ.

فصلت 41:20

”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]“ . لَمّا فَرَغَ مِن مَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ بِحالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ مِن قَبْلِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِعَذابٍ يَحِلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ لِيَكُونَ لَهم ذَلِكَ عِبْرَةً فَإنَّ لِاسْتِحْضارِ المُثُلِ والنَّظائِرِ أثَرًا في النَّفْسِ تَعْتَبِرُ بِهِ ما لا تَعْتَبِرُ بِتَوَصُّفِ المَعانِي العَقْلِيَّةِ، انْتَقَلَ إلى إنْذارِهِمْ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ فَجُمْلَةُ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ الآياتِ، مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً الآياتِ. والتَّقْدِيرُ: وأنْذِرْهم يَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ. ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً إلَخْ، أيْ وأنْذِرْهم يَوْمَ عِقابِ الآخِرَةِ. وأعْداءُ اللَّهِ: هم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِأنَّهم أعْداءُ رَسُولِهِ ﷺ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] يَعْنِي المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، ولِأنَّها نَزَلَتْ في قَضِيَّةِ كِتابِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ إلى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهم بِتَهَيُّؤِ النَّبِيءِ ﷺ لِغَزْوِ مَكَّةَ ولِقَوْلِهِ في آخِرِ هَذِهِ الآياتِ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . صفحة ٢٦٥ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ أعْداءِ اللَّهِ جَمِيعُ الكُفّارِ مِنَ الأُمَمِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ دُخُولَ البَعْضِ في العُمُومِ لِأنَّ ذَلِكَ المَحْمِلَ لا يَكُونُ لَهُ مَوْقِعٌ رَشِيقٌ في المَقامِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ مَن ذِكْرِ ما أصابَ عادًا وثَمُودَ هو تَهْدِيدُ مُشْرِكِي مَكَّةَ بِحُلُولِ عَذابٍ مِثْلِهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوهُ ورَأوْا آثارَهُ فَلِلتَّهْدِيدِ بِمِثْلِهِ مَوْقِعٌ لا يَسَعُهُمُ التَّغافُلُ عَنْهُ، وأمّا عَذابُ عادٍ وثَمُودَ في الآخِرَةِ فَهو مَوْعُودٌ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ فَلا يُناسِبُ أنْ يُجْعَلَ مَوْعِظَةً لِقُرَيْشٍ بَلِ الأجْدَرُ أنْ يَقَعَ إنْذارُ قُرَيْشٍ رَأْسًا بِعَذابٍ يُعَذَّبُونَهُ في الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ أُطِيلَ وصْفُهُ لِتَهْوِيلِهِ ما لَمْ يُطَلْ بِمِثْلِهِ حِينَ التَّعَرُّضِ لِعَذابِ عادٍ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ (﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ [فصلت: ١٦]) المُكْتَفى بِهِ عَنْ ذِكْرِ عَذابِ ثَمُودَ. ولِهَذا فَلَيْسَ في قَوْلِهِ (أعْداءَ اللَّهِ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ مِن ضَمِيرِ عادٍ وثَمُودَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”واذْكُرْ“ مَحْذُوفًا مِثْلَ نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ. والحَشْرُ: جَمْعُ النّاسِ في مَكانٍ لِمَقْصِدٍ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ إلى النّارِ بِـ ”نَحْشُرُ“ لِتَضْمِينِ ”نَحْشُرُ“ مَعْنى: نُرْسِلُ، أيْ نُرْسِلُهم إلى النّارِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَهم يُوزَعُونَ عَطْفٌ وتَفْرِيعٌ عَلى ”نَحْشُرُ“ لِأنَّ الحَشْرَ يَقْتَضِي الوَزْعَ إذْ هو مِن لَوازِمِهِ عُرْفًا، إذِ الحَشْرُ يَسْتَلْزِمُ كَثْرَةَ عَدَدِ المَحْشُورِينَ، وكَثْرَةُ العَدَدِ تَسْتَلْزِمُ الِاخْتِلاطَ وتَداخُلَ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ فَلا غِنى لَهم عَنِ الوَزْعِ لِتَصْفِيفِهِمْ ورَدِّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. والوَزْعُ: كَفُّ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ومَنعُهم مِنَ الفَوْضى، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّمْلِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ المَحْشُورِينَ. وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ ”نَحْشُرُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ونَصْبِ ”أعْداءَ“، وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغائِبِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ. وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ وهي مُفِيدَةٌ لِمَعْنى الغايَةِ فَهي حِرَفُ انْتِهاءٍ في المَعْنى وحَرْفُ صفحة ٢٦٦ ابْتِداءٍ في اللَّفْظِ، أيْ أنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ. وإذا ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِجَوابِهِ، وما زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَعْدَ إذا تُفِيدُ تَوْكِيدَ مَعْنى إذا مِنَ الِارْتِباطِ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ إذا سَواءٌ كانَتْ شَرْطِيَّةً كَما في هَذِهِ الآيَةِ أمْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ، ويَظْهَرُ أنَّ وُرُودَ ما بَعْدَ إذا يُقَوِّي مَعْنى الشَّرْطِ في إذا، ولَعَلَّهُ يَكُونُ مَعْنى الشَّرْطِ حِينَئِذٍ نَصًّا احْتِمالًا. وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ الغائِبِ في جاءُوها عائِدٌ إلى النّارِ، أيْ إذا وصَلُوا إلى جَهَنَّمَ. وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمُ﴾ إلَخْ يَقْتَضِي كَلامُ المُفَسِّرِينَ أنَّها جَوابُ إذا، فاقْتَضى الِارْتِباطُ بَيْنَ شَرْطِها وجَوابِها وتَعْلِيقِها بِفِعْلِ الجَوابِ. واسْتَشْعَرُوا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِمْ تَكُونُ قَبْلَ أنْ يُوَجَّهُوا إلى النّارِ، فَقَدَّرُوا فِعْلًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: وسُئِلُوا عَمّا كانُوا يَفْعَلُونَ فَأنْكَرُوا فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، يَعْنِي: سَألَهم خَزَنَةُ النّارِ. وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ أنْ نَقُولَ: إنَّ جَوابَ إذا مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، ويَكُونُ جُمْلَةُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ مَفادِ حَتّى مِنَ الغايَةِ لِأنَّ السّائِلَ يَتَطَلَّبُ ماذا حَصَلَ بَيْنَ حَشْرِهِمْ إلى النّارِ وبَيْنَ حُضُورِهِمْ عِنْدَ النّارِ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم إلى قَوْلِهِ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ أنَّهم حُوسِبُوا عَلى أعْمالِهِمْ وأنْكَرُوها فَشَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم وأجْسادُهم. أوْ أنْ يَكُونَ جَوابُ إذا قَوْلَهُ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] إلَخْ. وجُمْلَةُ ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهُمْ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. وشَهادَةُ جَوارِحِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ: شَهادَةُ تَكْذِيبٍ وافْتِضاحٍ لِأنَّ كَوْنَ ذَلِكَ شَهادَةً يَقْتَضِي أنَّهم لَمّا رَأوُا النّارَ اعْتَذَرُوا بِإنْكارِ بَعْضِ ذُنُوبِهِمْ طَمَعًا في تَخْفِيفِ صفحة ٢٦٧ العَذابِ وإلّا فَقَدَ عَلِمَ اللَّهُ ما كانُوا يَصْنَعُونَ وشَهِدَتْ بِهِ الحَفَظَةُ، وقُرِئَ عَلَيْهِمْ كِتابُهم، وما أُحْضِرُوا لِلنّارِ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَتْ إدانَتُهم، فَما كانَتْ شَهادَةُ جَوارِحِهِمْ إلّا زِيادَةَ خِزْيٍ لَهم وتَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ في سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ. وتَخْصِيصُ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ بِالشَّهادَةِ عَلى هَؤُلاءِ دُونَ بَقِيَّةِ الجَوارِحِ لِأنَّ لِلسَّمْعِ اخْتِصاصًا بِتَلَقِّي دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وتَلَقِّي آياتِ القُرْآنِ، فَسَمْعُهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ عَنْ سَماعِ ذَلِكَ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ولِأنَّ لِلْأبْصارِ اخْتِصاصًا بِمُشاهَدَةِ دَلائِلِ المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ فَذَلِكَ دَلِيلُ وحْدانِيَّتِهِ في إلَهِيَّتِهِ، وشَهادَةِ الجُلُودِ لِأنَّ الجِلْدَ يَحْوِي جَمِيعَ الجَسَدِ لِتَكُونَ شَهادَةُ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ شَهادَةً عَلى أنْفُسِها فَيَظْهَرُ اسْتِحْقاقُها لِلْحَرْقِ بِالنّارِ لِبَقِيَّةِ الأجْسادِ دُونَ اقْتِصارٍ عَلى حَرْقِ مَوْضِعِ السَّمْعِ والبَصَرِ. ولِذَلِكَ اقْتَصَرُوا في تَوْجِيهِ المَلامَةِ عَلى جُلُودِهِمْ لِأنَّها حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ الحَواسِّ والجَوارِحِ، وبِهَذا يَظْهَرُ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى شَهادَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ والجُلُودِ هُنا بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ النُّورِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، لِأنَّ آيَةَ النُّورِ تَصِفُ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ وهُمُ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا تُهْمَةَ الإفْكِ ومَشَوْا في المَجامِعِ يُشِيعُونَها بَيْنَ النّاسِ ويُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى مَنِ اتَّهَمُوهُ إفْكًا. وإنَّما قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا دُونَ أنْ يَقُولُوهُ لِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لِأنَّ الجُلُودَ مُواجِهَةٌ لَهم يَتَوَجَّهُونَ إلَيْها بِالمَلامَةِ. وإجْراءُ ضَمائِرِ السَّمْعِ والبَصَرِ والجُلُودِ بِصِيغَتَيْ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِأنَّ التَّحاوُرَ مَعَها صَيَّرَها بِحالَةِ العُقَلاءِ يَوْمَئِذٍ. ومِن غَرِيبِ التَّفْسِيرِ قَوْلُ مَن زَعَمُوا أنَّ الجُلُودَ أُرِيدَ بِها الفُرُوجُ، ونُسِبَ هَذا لِلسُّدِّيِّ والفَرّاءِ، وهو تَعَنُّتٌ في مَحْمِلِ الآيَةِ لا داعِيَ إلَيْهِ بِحالٍ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ بَنى أحْمَدُ الجُرْجانِيُّ في كِتابِ كِناياتِ الأُدَباءِ فَعَدَّ الجُلُودَ مِنَ الكِناياتِ عَنِ الفُرُوجِ وعَزاهُ لِأهْلِ التَّفْسِيرِ فَجازَفَ في التَّعْبِيرِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١] مُسْتَعْمَلٌ في المَلامَةِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّ صفحة ٢٦٨ جُلُودَهم لِكَوْنِها جُزْءًا مِنهم لا يَحِقُّ لَهم شَهادَتُها عَلَيْهِمْ لِأنَّها تَجُرُّ العَذابَ إلَيْها. واسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ في مَعْرِضِ التَّوْبِيخِ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعالى فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ. وقَوْلُ الجُلُودِ ﴿أنْطَقَنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٢١] اعْتِذارٌ بِأنَّ الشَّهادَةَ جَرَتْ مِنها بِغَيْرِ اخْتِيارٍ. وهَذا النُّطْقُ مِن خَوارِقِ العاداتِ كَما هو شَأْنُ العالَمِ الأُخْرَوِيِّ. وقَوْلُهُمُ ﴿الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى، ولا عِلاقَةَ لَهُ بِالِاعْتِذارِ، والمَعْنى: الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ نُطْقٌ مِنَ الحَيَوانِ، واخْتِلافُ دَلالَةِ أصْواتِها عَلى وِجْدانِها، فَعُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ مَخْصُوصٌ بِالعُرْفِ.

فصلت 41:21

﴿وهْوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ، والَّتِي عُطِفَتْ عَلَيْها مِن تَمامِ ما أنْطَقَ اللَّهُ بِهِ جُلُودَهم قُتُفِّيَ عَلى مَقالَتِها تَشْهِيرًا بِخَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ والمَصِيرَ إلى اللَّهِ لِزِيادَةِ التَّنْدِيمِ والتَّحْسِيرِ، وهَذا ظاهِرُ كَوْنِ الواوِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ واوَ العَطْفِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِاسْتِحْضارِ حالَتِهِمْ فَإنَّهم ساعَتَئِذٍ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ مُباشَرَةً. وأمّا رُجُوعُهم بِمَعْنى البَعْثِ فَإنَّهُ قَدْ مَضى بِالنِّسْبَةِ لِوَقْتِ إحْضارِهِمْ عِنْدَ جَهَنَّمَ، أوْ يَكُونُ المُرادُ بِالرُّجُوعِ الرُّجُوعَ إلى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ وجُمْلَةِ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] مُوَجَّهًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المُشْرِكِينَ الأحْياءِ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالبَعْثِ عَقِبَ ذِكْرِ حالِهِمْ في القِيامَةِ انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المَوْعِظَةِ السّابِقَةِ عِنْدَ تَأثُّرِهِمْ بِسَماعِها. ويَكُونُ فِعْلُ تُرْجَعُونَ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِقْبالِ عَلى أصْلِهِ، والكَلامُ اسْتِدْلالٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. صفحة ٢٦٩ قالَ تَعالى ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] . وتَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ تُرْجَعُونَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ.

فصلت 41:22

﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . قَلَّ مَن تَصَدّى مِنَ المُفَسِّرِينَ لِبَيانِ اتِّصالِ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَها، ومَن تَصَدّى مِنهم لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ، وأوْلى كَلامٍ في ذَلِكَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ ولَكِنَّهُ وجِيزٌ وغَيْرُ مُحَرَّرٍ وهو وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا سَبَبًا لِنُزُولِها فَزادُوا بِذَلِكَ إشْكالًا وما أبانُوا انْفِصالًا. ولْنَبْدَأْ بِما يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، ثُمَّ نَأْتِي عَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها بِما لا يُفْضِي إلى الِانْفِصامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ بِتَمامِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ، إلَخْ فَتَكُونَ مَشْمُولَةً لِلِاعْتِراضِ مُتَّصِلَةً بِالَّتِي قَبْلَها عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الَّتِي قَبْلَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً عَنْها: إمّا مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآياتِ، وإمّا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ تِلْكَ الجُمْلَةِ وجُمْلَةِ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤]، وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، ومُناسَبَةُ الِاعْتِراضِ ما جَرى مِن ذِكْرِ شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ الأحْياءِ في الدُّنْيا، أوْ لِلْمُشْرِكِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تُخْفُونَ شِرْكَكم وتُسْتَرُونَ مِنهُ بَلْ كُنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِهِ وتَفْخَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَماذا لَوْمُكم عَلى جَوارِحِكم وأجْسادِكم أنْ شَهِدَتْ عَلَيْكم بِذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا فالِاسْتِتارُ مُسْتَعْمَلٌ في الإخْبارِ مَجازًا صفحة ٢٧٠ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِتارِ إخْفاءُ الذَّواتِ والَّذِي شَهِدَتْ بِهِ جَوارِحُهم هو اعْتِقادُ الشِّرْكِ والأقْوالِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وحَرْفُ ما نَفْيٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ إلَخْ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ (تَسْتَتِرُونَ) إلى (أنْ يَشْهَدَ) وهو مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ المَشْهُورَةِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ أنَّ، وتَقْدِيرُهُ: بِحَسَبِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو هُنا يُقَدَّرُ حَرْفُ مِن، أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ مِن شَهادَةِ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، أيْ ما كُنْتُمْ تُسْتَرُونَ مِن تِلْكَ الشُّهُودِ، وما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ شَهادَتَها، إذْ لا تَحْسَبُونَ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ضائِرٌ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِ يَوْمِ الحِسابِ. فَأمّا ما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ فَهو حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِأسانِيدَ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٍّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أفْهَمْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ، فَقالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَهو يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ بِهِ نَفَرٌ مُعَيَّنٌ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ مَعَ الصَّلاحِيَةِ لِشُمُولِ مَن عَسى أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهم مِثْلُ هَذا العَمَلِ لِلتَّساوِي في التَّفْكِيرِ. ويُجْعَلُ مَوْقِعُها بَيْنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها غَرِيبًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها صادَفَ الوَقْتَ المُوالِيَ لِنُزُولِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في وقْتٍ آخَرَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا لِمُناسَبَةِ ما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها مِن شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. صفحة ٢٧١ ومَعَ هَذا فَهي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ إذْ لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فالآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها عِنْدَ إخْبارِ عَبْدِ اللَّهِ إيّاهُ اهـ. وفي كَلامِهِ الأوَّلِ مُخالَفَةٌ لِما جَزَمَ بِهِ هو وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ كَلامُهُ ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّ النَّفَرَ الثَّلاثَةَ هم: عَبْدُ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ، وصَفْوانُ، ورَبِيعَةُ ابْنا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأمّا عَبْدُ يالِيلَ فَأسْلَمَ ولَهُ صُحْبَةٌ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ وجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وأمّا رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ فَلا يُعْرَفُ لَهُ إسْلامٌ فَلا يُلاقِي ذَلِكَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأحْسَنُ ما في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ طَرَفُهُ الثّانِي وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها فَإنَّ ذَلِكَ يُئَوِّلُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، ويُبَيِّنُ وجْهَ قِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها عِنْدَما أخْبَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِأنَّهُ قَرَأها تَحْقِيقًا لِمِثالٍ مِن صُوَرِ مَعْنى الآيَةِ، وهو أنَّ مِثْلَ هَذا النَّفَرِ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وذَلِكَ قاضٍ بِأنَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ كانُوا مُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، والآيَةُ تَحِقُّ عَلى مَن ماتَ مِنهم كافِرًا مِثْلَ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وعَلى بَعْضِ احْتِمالاتِ هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، أيْ تَسْتَتِرُونَ بِأعْمالِكم عَنْ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، وذَلِكَ تَوْبِيخٌ كِنايَةً عَنْ أنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَ ما هم عَلَيْهِ قَبِيحًا حَتّى يَسْتَتِرُوا مِنهُ. وعَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ فِيما ذُكِرَ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولا يَعُوزُكَ تَوْزِيعُ أصْنافِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ في كُلِّ تَقْدِيرٍ تَفْرِضُهُ. وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ: أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها إنْ جَهَرْتُمْ أوْ سَتَرْتُمْ ولَيْسَ اللَّهُ بِحاجَةٍ إلى شَهادَةِ جِوارِحِكم عَلَيْكم وما أوْقَعَكم في هَذا الضُّرِّ إلّا سُوءُ ظَنِّكم بِجَلالِ اللَّهِ. وذَلِكم ظَنُّكُمُ الإشارَةُ إلى الظَّنِّ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ تَمْيِيزُهُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ وتَشْهِيرُ شَناعَتِهِ لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ. صفحة ٢٧٢ وأتْبَعَ اسْمَ الإشارَةِ بِالبَدَلِ بِقَوْلِهِ ظَنُّكم لِزِيادَةِ بَيانِهِ لِيَتَمَكَّنَ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو فِعْلُ (أرْداكم) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. والَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم صِفَةٌ لِـ (ظَنُّكم)، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أرْداكم وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، أيْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم ظَنًّا باطِلًا. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ إلى بِرَبِّكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِ ظَنِّهِمْ، إذْ ظَنُّوا خَفاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ عَنْ عِلْمِهِ مَعَ أنَّهُ رَبُّهم وخَلَقَهم فَكَيْفَ يَخْلُقُهم وتَخْفى عَنْهُ أعْمالُهم، وهو يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فَفي وصْفِ بِرَبِّكم إيماءٌ إلى هَذا المَعْنى. والإرْادَءُ: الإهْلاكُ، يُقالُ: رَدِيَ كَرَضِيَ، إذا هَلَكَ، أيْ ماتَ، والإرْداءُ مُسْتَعارٌ لِلْإيقاعِ في سُوءِ الحالَةِ بِحَيْثُ أصارَهم مِثْلَ الأمْواتِ فَإنَّ ذَلِكَ أقْصى ما هو مُتَعارَفٌ بَيْنَ النّاسِ في سُوءِ الحالَةِ، وفي الإتْيانِ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا إفادَةُ قَصْرٍ، أيْ ما أرْداكم إلّا ظَنُّكم ذَلِكَ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ تُرْدِكم شَهادَةُ جَوارِحِكم حَتّى تَلُومُوها بَلْ أرْداكم ظَنُّكم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ أعْمالَكم فَلَمْ تَحْذَرُوا عِقابَهُ. وقَوْلُهُ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إذْ يَحْسَبُونَ أنَّهم وصَلُوا إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِقُّ أنْ يَعْرِفُوهُ مِن شُئُونِ اللَّهِ ووَثِقُوا مِن تَحْصِيلِ سَعادَتِهِمْ، وهم ما عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَعامَلُوا اللَّهَ بِما لا يَرْضاهُ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ مِن حَيْثُ ظَنُّوا النَّجاةَ، فَشَبَّهَ حالَهَمْ بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي اسْتَعَدَّ لِلرِّبْحِ فَوَقَعَ في الخَسارَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ نُعِيَ عَلَيْهِمْ سُوءُ اسْتِدْلالِهِمْ وفَسادُ قِياسِهِمْ في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، وقِياسِهِمُ الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، تِلْكَ الأُصُولُ الَّتِي اسْتَدْرَجَتْهم في الضَّلالَةِ فَأحالُوا رِسالَةَ البَشَرِ عَنِ اللَّهِ ونَفَوُا البَعْثَ، ثُمَّ أثْبَتُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وتَفَرَّعَ لَهم مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعُ نَظَرِهِمْ عَمّا وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا وأمْنُهم مِنَ التَّبِعاتِ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَذَلِكَ جِماعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . صفحة ٢٧٣ واعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الضَّلالِ في العَقائِدِ كُلِّها إنَّما تَأْتِي عَلى النّاسِ مِن فَسادِ التَّأمُّلِ وسُرْعَةِ الإيقانِ وعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الصّائِبَةِ والدَّلائِلِ المُشابِهَةِ وكُلُّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الوَهْمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالظَّنِّ السَّيِّئِ، أوِ الباطِلِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مِثْلَهُ في المُنافِقِينَ وأنَّ ظَنَّهم هو ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَلْيَحْذَرِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ هَذِهِ الأوْهامِ فَيَبُوءُوا بِبَعْضِ ما نُعِيَ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» يُرِيدُ الظَّنَّ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وأصْبَحْتُمْ بِمَعْنى: صِرْتُمْ، لِأنَّ أصْبَحَ يَكْثُرُ أنْ تَأْتِيَ بِمَعْنى: صارَ.

فصلت 41:23

﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . قَلَّ مَن تَصَدّى مِنَ المُفَسِّرِينَ لِبَيانِ اتِّصالِ هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ بِما قَبْلَها، ومَن تَصَدّى مِنهم لِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ بِما فِيهِ مَقْنَعٌ، وأوْلى كَلامٍ في ذَلِكَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ ولَكِنَّهُ وجِيزٌ وغَيْرُ مُحَرَّرٍ وهو وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوا سَبَبًا لِنُزُولِها فَزادُوا بِذَلِكَ إشْكالًا وما أبانُوا انْفِصالًا. ولْنَبْدَأْ بِما يَقْتَضِيهِ نَظْمُ الكَلامِ، ثُمَّ نَأْتِي عَلى ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها بِما لا يُفْضِي إلى الِانْفِصامِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ بِتَمامِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ، إلَخْ فَتَكُونَ مَشْمُولَةً لِلِاعْتِراضِ مُتَّصِلَةً بِالَّتِي قَبْلَها عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ السّابِقَيْنِ في الَّتِي قَبْلَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً عَنْها: إمّا مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآياتِ، وإمّا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ تِلْكَ الجُمْلَةِ وجُمْلَةِ ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤]، وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، ومُناسَبَةُ الِاعْتِراضِ ما جَرى مِن ذِكْرِ شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وجُلُودِهِمْ عَلَيْهِمْ. فَيَكُونُ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ الأحْياءِ في الدُّنْيا، أوْ لِلْمُشْرِكِينَ في يَوْمِ القِيامَةِ. وعَلى هَذِهِ الوُجُوهِ فالمَعْنى: ما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تُخْفُونَ شِرْكَكم وتُسْتَرُونَ مِنهُ بَلْ كُنْتُمْ تَجْهَرُونَ بِهِ وتَفْخَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَماذا لَوْمُكم عَلى جَوارِحِكم وأجْسادِكم أنْ شَهِدَتْ عَلَيْكم بِذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ أمْرًا مَشْهُورًا فالِاسْتِتارُ مُسْتَعْمَلٌ في الإخْبارِ مَجازًا صفحة ٢٧٠ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِتارِ إخْفاءُ الذَّواتِ والَّذِي شَهِدَتْ بِهِ جَوارِحُهم هو اعْتِقادُ الشِّرْكِ والأقْوالِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ. وحَرْفُ ما نَفْيٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ إلَخْ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُ (تَسْتَتِرُونَ) إلى (أنْ يَشْهَدَ) وهو مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ المَشْهُورَةِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ أنَّ، وتَقْدِيرُهُ: بِحَسَبِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ وهو هُنا يُقَدَّرُ حَرْفُ مِن، أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ مِن شَهادَةِ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، أيْ ما كُنْتُمْ تُسْتَرُونَ مِن تِلْكَ الشُّهُودِ، وما كُنْتُمْ تَتَّقُونَ شَهادَتَها، إذْ لا تَحْسَبُونَ أنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ضائِرٌ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِ يَوْمِ الحِسابِ. فَأمّا ما ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ فَهو حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ بِأسانِيدَ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضِ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٍّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أفْهَمْهُ، فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ، فَقالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا فَهو يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . وهَذا بِظاهِرِهِ يَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ بِهِ نَفَرٌ مُعَيَّنٌ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ مَعَ الصَّلاحِيَةِ لِشُمُولِ مَن عَسى أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهم مِثْلُ هَذا العَمَلِ لِلتَّساوِي في التَّفْكِيرِ. ويُجْعَلُ مَوْقِعُها بَيْنَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها وبَعْدَها غَرِيبًا، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نُزُولُها صادَفَ الوَقْتَ المُوالِيَ لِنُزُولِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في وقْتٍ آخَرَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِها في مَوْضِعِها هَذا لِمُناسَبَةِ ما في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها مِن شَهادَةِ سَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ. صفحة ٢٧١ ومَعَ هَذا فَهي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ إذْ لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ هَذا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فالآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ويُشْبِهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها عِنْدَ إخْبارِ عَبْدِ اللَّهِ إيّاهُ اهـ. وفي كَلامِهِ الأوَّلِ مُخالَفَةٌ لِما جَزَمَ بِهِ هو وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ كَلامُهُ ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّ النَّفَرَ الثَّلاثَةَ هم: عَبْدُ يالِيلَ الثَّقَفِيُّ، وصَفْوانُ، ورَبِيعَةُ ابْنا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأمّا عَبْدُ يالِيلَ فَأسْلَمَ ولَهُ صُحْبَةٌ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ وجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وأمّا رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ فَلا يُعْرَفُ لَهُ إسْلامٌ فَلا يُلاقِي ذَلِكَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. وأحْسَنُ ما في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ طَرَفُهُ الثّانِي وهو أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ الآيَةَ مُتَمَثِّلًا بِها فَإنَّ ذَلِكَ يُئَوِّلُ قَوْلَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، ويُبَيِّنُ وجْهَ قِراءَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاها عِنْدَما أخْبَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِأنَّهُ قَرَأها تَحْقِيقًا لِمِثالٍ مِن صُوَرِ مَعْنى الآيَةِ، وهو أنَّ مِثْلَ هَذا النَّفَرِ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم، وذَلِكَ قاضٍ بِأنَّ هَؤُلاءِ النَّفَرَ كانُوا مُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ، والآيَةُ تَحِقُّ عَلى مَن ماتَ مِنهم كافِرًا مِثْلَ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. وعَلى بَعْضِ احْتِمالاتِ هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، أيْ تَسْتَتِرُونَ بِأعْمالِكم عَنْ سَمْعِكم وأبْصارِكم وجُلُودِكم، وذَلِكَ تَوْبِيخٌ كِنايَةً عَنْ أنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَ ما هم عَلَيْهِ قَبِيحًا حَتّى يَسْتَتِرُوا مِنهُ. وعَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ فِيما ذُكِرَ يَكُونُ فِعْلُ تَسْتَتِرُونَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، ولا يَعُوزُكَ تَوْزِيعُ أصْنافِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ في كُلِّ تَقْدِيرٍ تَفْرِضُهُ. وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ عَلى جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ: أنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِأعْمالِكم ونِيّاتِكم لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها إنْ جَهَرْتُمْ أوْ سَتَرْتُمْ ولَيْسَ اللَّهُ بِحاجَةٍ إلى شَهادَةِ جِوارِحِكم عَلَيْكم وما أوْقَعَكم في هَذا الضُّرِّ إلّا سُوءُ ظَنِّكم بِجَلالِ اللَّهِ. وذَلِكم ظَنُّكُمُ الإشارَةُ إلى الظَّنِّ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾، ويُسْتَفادُ مِنَ الإشارَةِ إلَيْهِ تَمْيِيزُهُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ وتَشْهِيرُ شَناعَتِهِ لِلنِّداءِ عَلى ضَلالِهِمْ. صفحة ٢٧٢ وأتْبَعَ اسْمَ الإشارَةِ بِالبَدَلِ بِقَوْلِهِ ظَنُّكم لِزِيادَةِ بَيانِهِ لِيَتَمَكَّنَ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو فِعْلُ (أرْداكم) وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. والَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم صِفَةٌ لِـ (ظَنُّكم)، والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أرْداكم وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، أيْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم ظَنًّا باطِلًا. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ اللَّهِ العَلَمِ إلى بِرَبِّكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَلالِ ظَنِّهِمْ، إذْ ظَنُّوا خَفاءَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ عَنْ عِلْمِهِ مَعَ أنَّهُ رَبُّهم وخَلَقَهم فَكَيْفَ يَخْلُقُهم وتَخْفى عَنْهُ أعْمالُهم، وهو يُشِيرُ إلى قَوْلِهِ ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فَفي وصْفِ بِرَبِّكم إيماءٌ إلى هَذا المَعْنى. والإرْادَءُ: الإهْلاكُ، يُقالُ: رَدِيَ كَرَضِيَ، إذا هَلَكَ، أيْ ماتَ، والإرْداءُ مُسْتَعارٌ لِلْإيقاعِ في سُوءِ الحالَةِ بِحَيْثُ أصارَهم مِثْلَ الأمْواتِ فَإنَّ ذَلِكَ أقْصى ما هو مُتَعارَفٌ بَيْنَ النّاسِ في سُوءِ الحالَةِ، وفي الإتْيانِ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا إفادَةُ قَصْرٍ، أيْ ما أرْداكم إلّا ظَنُّكم ذَلِكَ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَمْ تُرْدِكم شَهادَةُ جَوارِحِكم حَتّى تَلُومُوها بَلْ أرْداكم ظَنُّكم أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ أعْمالَكم فَلَمْ تَحْذَرُوا عِقابَهُ. وقَوْلُهُ ﴿فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إذْ يَحْسَبُونَ أنَّهم وصَلُوا إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِقُّ أنْ يَعْرِفُوهُ مِن شُئُونِ اللَّهِ ووَثِقُوا مِن تَحْصِيلِ سَعادَتِهِمْ، وهم ما عَرَفُوا اللَّهَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ فَعامَلُوا اللَّهَ بِما لا يَرْضاهُ فاسْتَحَقُّوا العَذابَ مِن حَيْثُ ظَنُّوا النَّجاةَ، فَشَبَّهَ حالَهَمْ بِحالِ التّاجِرِ الَّذِي اسْتَعَدَّ لِلرِّبْحِ فَوَقَعَ في الخَسارَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ نُعِيَ عَلَيْهِمْ سُوءُ اسْتِدْلالِهِمْ وفَسادُ قِياسِهِمْ في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، وقِياسِهِمُ الغائِبَ عَلى الشّاهِدِ، تِلْكَ الأُصُولُ الَّتِي اسْتَدْرَجَتْهم في الضَّلالَةِ فَأحالُوا رِسالَةَ البَشَرِ عَنِ اللَّهِ ونَفَوُا البَعْثَ، ثُمَّ أثْبَتُوا شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وتَفَرَّعَ لَهم مِن ذَلِكَ كُلِّهِ قَطْعُ نَظَرِهِمْ عَمّا وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا وأمْنُهم مِنَ التَّبِعاتِ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَذَلِكَ جِماعُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . صفحة ٢٧٣ واعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الضَّلالِ في العَقائِدِ كُلِّها إنَّما تَأْتِي عَلى النّاسِ مِن فَسادِ التَّأمُّلِ وسُرْعَةِ الإيقانِ وعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الدَّلائِلِ الصّائِبَةِ والدَّلائِلِ المُشابِهَةِ وكُلُّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الوَهْمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالظَّنِّ السَّيِّئِ، أوِ الباطِلِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مِثْلَهُ في المُنافِقِينَ وأنَّ ظَنَّهم هو ظَنُّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَلْيَحْذَرِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ هَذِهِ الأوْهامِ فَيَبُوءُوا بِبَعْضِ ما نُعِيَ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ. وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» يُرِيدُ الظَّنَّ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وأصْبَحْتُمْ بِمَعْنى: صِرْتُمْ، لِأنَّ أصْبَحَ يَكْثُرُ أنْ تَأْتِيَ بِمَعْنى: صارَ.

فصلت 41:24

﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى جَوابِ إذا عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، أوْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١]، أوْ هو جَوابُ إذا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ عَلى حَسَبِ ما يُناسِبُ الوُجُوهَ المُتَقَدِّمَةَ. والمَعْنى عَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ: أنَّ حاصِلَ أمْرِهِمْ أنَّهم قَدْ زُجَّ بِهِمْ في النّارِ فَإنْ صَبَرُوا واسْتَسْلَمُوا فَهم باقُونَ في النّارِ، وإنِ اعْتَذَرُوا لَمْ يَنْفَعْهُمُ العُذْرُ ولَمْ يُقْبَلْ مِنهم تَنَصُّلٌ. وقَوْلُهُ ﴿فالنّارُ مَثْوًى﴾ لَهم دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّ كَوْنَ النّارِ مَثْوًى لَهم لَيْسَ مُسَبَّبًا عَلى حُصُولِ صَبْرِهِمْ وإنَّما هو مِن بابِ قَوْلِهِمْ: إنْ قَبِلَ ذَلِكَ فَذاكَ، أيْ فَهو عَلى ذَلِكَ الحالِ، فالتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَصْبِرُوا فَلا يَسَعُهم إلّا الصَّبْرُ لِأنَّ النّارَ مَثْوًى لَهم. ومَعْنى ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ إنْ يَسْألُوا العُتْبى بِضَمِّ العَيْنِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ مَقْصُورًا اسْمُ مَصْدَرِ الإعْتابِ وهي رُجُوعُ المَعْتُوبِ عَلَيْهِ إلى ما يُرْضِي العاتِبَ. صفحة ٢٧٤ وفِي المَثَلِ (( ما مُسِيءٌ مَن أعْتَبَ) ) أيْ مَن رَجَعَ عَمّا أساءَ بِهِ فَكَأنَّهُ لَمْ يُسِئْ. وقَلَّما اسْتَعْمَلُوا المَصْدَرَ الأصْلِيَّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِاسْمِ المَصْدَرِ وهو العُتْبى. والعاتِبُ هو اللّائِمُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلطَّلَبِ لِأنَّ المَرْءَ لا يَسْألُ أحَدًا أنْ يُعاتِبَهُ وإنَّما يَسْألُهُ تَرْكَ المُعاتَبَةِ، أيْ يَسْألُهُ الصَّفْحَ عَنْهُ، فَإذا قَبِلَ مِنهُ ذَلِكَ قِيلَ: أعْتَبَهُ أيْضًا، وهَذا مِن غَرِيبِ تَصارِيفِ هَذِهِ المادَّةِ في اللُّغَةِ، ولِهَذا كادُوا أنْ يُمِيتُوا مَصْدَرَ: أعْتَبَ بِمَعْنى رَجَعَ وأبْقَوْهُ في مَعْنى قَبِلَ العُتْبى، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيْ أنَّ اللَّهَ لا يُعْتِبُهم، أيْ لا يَقْبَلُ مِنهم.

فصلت 41:25

﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“، وذَلِكَ أنَّهُ حُكِيَ قَوْلُهُمُ المُقْتَضِي إعْراضَهم عَنِ التَّدَبُّرِ في دَعْوَةِ الإيمانِ ثُمَّ ذُكِرَ كُفْرُهم بِخالِقِ الأكْوانِ بِقَوْلِهِ ”﴿قُلْ أيِنَّكم لَتَكْفُرُونِ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]“ . ثُمَّ ذُكِرَ مَصِيرُهم في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ سَبَبِ ضَلالِهِمُ الَّذِي نَشَأتْ عَنْهُ أحْوالُهم بِقَوْلِهِ وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ، وتَخَلَّلَ بَيْنَ ما هُنالِكَ وما هُنا أفانِينُ مِنَ المَواعِظِ والدَّلائِلِ والمِنَنِ والتَّعالِيمِ والقَوارِعِ والإيقاظِ. وقَيَّضَ: أتاحَ وهَيَّأ شَيْئًا لِلْعَمَلِ في شَيْءٍ. والقُرَناءُ جَمْعُ: قَرِينٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، والقُرَناءُ هُنا: هُمُ المُلازِمُونَ لَهم في الضَّلالَةِ: إمّا في الظّاهِرِ مِثْلَ دُعاةِ الكُفْرِ وأيمَّتِهِ، وإمّا في باطِنِ النُّفُوسِ مِثْلَ شَياطِينِ الوَسْواسِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ ويَأْتِي في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. ومَعْنى تَقْيِيضِهِمْ لَهم: تَقْدِيرُهم لَهم، أيْ خَلْقُ المُناسَباتِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَلَيْها صفحة ٢٧٥ تَقارُنُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ لِتَناسُبِ أفْكارِ الدُّعاةِ والقابِلِينَ كَما يَقُولُ الحُكَماءُ اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَأِ تَتَوَقَّفُ عَلى المُناسَبَةِ بَيْنَهُما. فالتَّقْيِيضُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ عِبارَةٌ جامِعَةٌ لِمُخْتَلِفِ المُؤَثِّراتِ والتَّجَمُّعاتِ الَّتِي تُوجِبُ التَّآلُفَ والتَّحابَّ بَيْنَ الجَماعاتِ، ولِمُخْتَلِفِ الطَّبائِعِ المُكَوَّنَةِ في نُفُوسِ بَعْضِ النّاسِ فَيَقْتَضِي بَعْضُها جاذِبِيَّةَ الشَّياطِينِ إلَيْها وحُدُوثَ الخَواطِرِ السَّيِّئَةِ فِيها. ولِلْإحاطَةِ بِهَذا المَقْصُودِ أُوثِرَ التَّعْبِيرُ هُنا بِـ قَيَّضْنا دُونَ غَيْرِهِ مِن نَحْوِهِ: بَعَثْنا، وأرْسَلْنا. والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، وهو يُشْعِرُ بِأنَّ المُزَيَّنَ غَيْرُ حَسَنٍ في ذاتِهِ. وما بَيْنَ أيْدِيهِمْ يُسْتَعارُ لِلْأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما خَلْفَهم يُسْتَعارُ لِلْأُمُورِ المُغَيَّبَةِ. والمُرادُ بِـ (﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾) أُمُورُ الدُّنْيا، أيْ زَيَّنُوا لَهم ما يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الفَسادِ مِثْلَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وقَتْلِ النَّفْسِ بِلا حَقٍّ، وأكْلِ الأمْوالِ، والعُدُولِ عَلى النّاسِ بِاليَدِ واللِّسانِ، والمَيْسِرِ، وارْتِكابِ الفَواحِشِ، والوَأْدِ. فَعَوَّدُوهم بِاسْتِحْسانِ ذَلِكَ كُلِّهِ لِما فِيهِ مِن مُوافَقَةِ الشَّهَواتِ والرَّغَباتِ العارِضَةِ القَصِيرَةِ المَدى، وصَرَفُوهم عَنِ النَّظَرِ فِيما يُحِيطُ بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ مِنَ المَفاسِدِ الذّاتِيَّةِ الدّائِمَةِ. والمُرادُ بِـ (ما خَلْفَهم) الأُمُورُ المُغَيَّبَةُ عَنِ الحِسِّ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وأُمُورِ الآخِرَةِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ مِثْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ ونِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، وظَنِّهِمْ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ مَسْتُورُ أعْمالِهِمْ، وإحالَتِهِمْ بِعْثَةَ الرُّسُلِ، وإحالَتِهِمُ البَعْثَ والجَزاءَ. ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ هَذا لَهم تَلْقِينُهم تِلْكَ العَقائِدَ بِالأدِلَّةِ السُّفُسْطائِيَّةِ مِثْلَ قِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ، ونَفْيِ الحَقائِقِ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ المُدْرَكاتِ الحِسِّيَّةِ كَقَوْلِهِمْ ”(﴿أاْذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا إنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: ٤٧] ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ [الواقعة: ٤٨])“ . وحَقَّ عَلَيْهِمْ أيْ تَحَقَّقَ فِيهِمُ القَوْلُ وهو وعِيدُ اللَّهِ إيّاهم بِالنّارِ عَلى الكُفْرِ، فالتَّعْرِيفُ في القَوْلِ لِلْعَهْدِ. وفي هَذا العَهْدِ إجْمالٌ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يُعْهَدُ مِنهُ هَذا القَوْلُ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] وقَوْلِهِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١]، فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ لا تَكُونَ الآياتُ المَذْكُورَةُ قَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الآيَةَ. صفحة ٢٧٦ وقَوْلُهُ في أُمَمٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمْ حالَةَ كَوْنِهِمْ في أُمَمٍ أمْثالِهِمْ قَدْ سَبَقُوهم. والظَّرْفِيَّةُ هُنا مَجازِيَّةٌ، وهي بِمَعْنى التَّبْعِيضِ، أيْ هم مِن أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ. ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ أُذَيْنَةَ: إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْفُو كًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا أيْ فَأنْتَ مِن جُمْلَةِ آخَرِينَ قَدْ صُرِفُوا عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ. ومِن في قَوْلِهِ (﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾) بَيانِيَّةٌ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِـ أُمَمٍ، أيْ مِن أُمَمٍ مِنَ البَشَرِ ومِنَ الشَّياطِينِ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، وقَوْلِهِ ﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِـ (قُرَناءَ) أيْ مُلازِمِينَ لَهم مُلازَمَةً خَفِيَّةً وهي مُلازَمَةُ الشَّياطِينِ لَهم بِالوَسْوَسَةِ ومُلازَمَةُ أيِمَّةِ الكُفْرِ لَهم بِالتَّشْرِيعِ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِلْقَوْلِ مِثْلَ نَظِيرَتِها ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ [الصافات: ٣١] في سُورَةِ الصّافّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ جُمْلَةِ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ﴾ والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ.

فصلت 41:26

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ. ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، ومُناسَبَةُ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ أنَّ هَذا القَوْلَ مِمّا يَنْشَأُ عَنْ تَزْيِينِ قُرَنائِهِمْ مِنَ الإنْسِ، أوْ هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]) . وهَذا حِكايَةٌ لِحالٍ أُخْرى مِن أحْوالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بَعْدَ أنْ وصَفَ إعْراضَهم في أنْفُسِهِمُ انْتَقَلَ إلى وصْفِ تَلْقِينِهِمُ النّاسَ أسالِيبَ صفحة ٢٧٧ الإعْراضِ، فالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا هم أيِمَّةُ الكُفْرِ يَقُولُونَ لِعامَّتِهِمْ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ، فَإنَّهم عَلِمُوا أنَّ القُرْآنَ كَلامٌ هو أكْمَلُ الكَلامِ شَرِيفَ مُعانٍ وبَلاغَةَ تَراكِيبَ وفَصاحَةَ ألْفاظٍ، وأيْقَنُوا أنَّ كُلَّ مَن يَسْمَعُهُ وتُداخِلُ نَفْسَهُ جَزالَةُ ألْفاظِهِ وسُمُوُّ أغْراضِهِ قَضى لَهُ فَهْمُهُ أنَّهُ حَقٌّ اتِّباعُهُ، وقَدْ أدْرَكُوا ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ ولَكِنَّهم غالَبَتْهم مَحَبَّةُ الدَّوامِ عَلى سِيادَةِ قَوْمِهِمْ فَتَمالَئُوا ودَبَّرُوا تَدْبِيرًا لِمَنعِ النّاسِ مِنِ اسْتِماعِهِ، وذَلِكَ خَشْيَةً مِن أنْ تَرِقَّ قُلُوبُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ فَصَرَفُوهم عَنْ سَماعِهِ. وهَذا مِن شَأْنِ دُعاةِ الضَّلالِ والباطِلِ أنْ يَكُمُّوا أفْواهَ النّاطِقِينَ بِالحَقِّ والحُجَّةِ، بِما يَسْتَطِيعُونَ مِن تَخْوِيفٍ وتَسْوِيلٍ، وتَرْهِيبٍ وتَرْغِيبٍ ولا يَدَعُوا النّاسَ يَتَجادَلُونَ بِالحُجَّةِ ويَتَراجَعُونَ بِالأدِلَّةِ؛ لِأنَّهم يُوقِنُونَ أنَّ حُجَّةَ خُصُومِهِمْ أنْهَضُ، فَهم يَسْتُرُونَها ويُدافِعُونَها لا بِمِثْلِها ولَكِنْ بِأسالِيبَ مِنَ البُهْتانِ والتَّضْلِيلِ، فَإذا أعْيَتْهُمُ الحِيَلُ ورَأوْا بِوارِقَ الحَقِّ تَخْفُقُ خَشَوْا أنْ يَعُمَّ نُورُها النّاسَ الَّذِينَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِن خَيْرٍ ورُشْدٍ عَدَلُوا إلى لَغْوِ الكَلامِ ونَفَخُوا في أبْواقِ اللَّغْوِ والجَعْجَعَةِ لَعَلَّهم يَغْلِبُونَ بِذَلِكَ عَلى حُجَجِ الحَقِّ ويَغْمُرُونَ الكَلامَ القَوْلَ الصّالِحَ بِاللَّغْوِ، وكَذَلِكَ شَأْنُ هَؤُلاءِ. فَقَوْلُهم ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ تَحْذِيرًا واسْتِهْزاءً بِالقُرْآنِ، فاسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْهم أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم. وتَسْمِيَتُهم إيّاهُ بِالقُرْآنِ حِكايَةٌ لِما يَجْرِي عَلى ألْسِنَةِ المُسْلِمِينَ مِن تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ تَسْمَعُوا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: تَطْمَئِنُوا أوْ تَرْكَنُوا. واللَّغْوُ: القَوْلُ الَّذِي لا فائِدَةَ فِيهِ، ويُسَمّى الكَلامُ الَّذِي لا جَدْوى لَهُ لَغْوًا، وهو واوِيُّ اللّامِ، فَأصْلُ والغَوْا: والغَوُوا اسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الواوِ فَحُذِفَتْ والتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ أوَّلُهُما وسَكَنَتِ الواوُ الثّانِيَةُ سُكُونًا حَيًّا، والواوُ عَلامَةُ الجَمْعِ. وهَذا الجارِي عَلى ظاهِرِ كَلامِ الصِّحاحِ والقامُوسِ وفي الكَشّافِ أنَّهُ يُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، كَما يُقالُ: لَغا يَلْغُو فَهو إذَنْ واوِيٌّ ويائِيٌّ. فَمَعْنى والغَوْا فِيهِ قُولُوا أقْوالًا لا مَعْنى لَها أوْ تَكَلَّمُوا كَلامًا غَيْرَ مُرادٍ مِنهُ إفادَةٌ صفحة ٢٧٨ أوِ المَقْصُودُ إحْداثُ أصْواتٍ تَغْمُرُ صَوْتَ النَّبِيءِ ﷺ بِالقُرْآنِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِتَخَلُّلِ أصْواتِهِمْ صَوْتَ القارِئِ حَتّى لا يَفْقَهَهُ السّامِعُونَ عُدِّيَ اللَّغْوُ بِحَرْفِ في الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ إيقاعِ لَغْوِهِمْ في خِلالِ صَوْتِ القارِئِ وُقُوعَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ عَلى وجْهِ المَجازِ. وأُدْخِلَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ عَلى اسْمِ القُرْآنِ دُونَ اسْمِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ مِثْلَ صَوْتٍ أوْ كَلامٍ لِيَشْمَلَ كُلَّ ما يُخْفِي ألْفاظَ القُرْآنِ أوْ يُشَكِّكُ في مَعانِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وهَذا نَظْمٌ لَهُ مَكانَةٌ مِنَ البَلاغَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «كانَ النَّبِيءُ ﷺ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ أبُو جَهْلٍ وغَيْرُهُ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ لَهم: لا تَسْمَعُوا لَهُ والغَوْا فِيهِ، فَكانُوا يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ وما يَحْضُرُهم مِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَصْخَبُونَ بِها» . وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ أنَّهم قالُوا لَمّا اسْتَمَعُوا إلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وكانَ رَقِيقَ القِراءَةِ: إنّا نَخافُ أنْ يَفْتِنَ أبْناءَنا ونِساءَنا. ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَغْلِبُوا مُحَمَّدًا بِصَرْفِ مَن يُتَوَقَّعُ أنْ يَتْبَعَهُ إذا سَمِعَ قِراءَتَهُ. وهَذا مُشْعِرٌ بِأنَّهم كانُوا يَجِدُونَ القُرْآنَ غالِبَهم إذْ كانَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَهُ يُداخِلُ قُلُوبَهم فَيُؤْمِنُونَ، أيْ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَهو غالِبُكم.

فصلت 41:27

﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ . دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُفَرَّعٌ عَمّا قَبْلَها: فَإمّا أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] الآيَةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ (﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ [فصلت: ١٣]) الآيَةَ وقَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا﴾ [فصلت: ٢٦] إلَخْ. صفحة ٢٧٩ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَنْهم. فالَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ ما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ إذاقَةِ العَذابِ، أيْ لِكُفْرِهِمُ المَحْكِيِّ بَعْضُهُ فِيما تَقَدَّمَ. وإذاقَةُ العَذابِ: تَعْذِيبُهم، اسْتُعِيرَ لَهُ الإذاقَةُ عَلى طَرِيقِ المَكْنِيَّةِ والتَّخْيِيلَةِ. والعَذابِ الشَّدِيدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو عَذابُ الدُّنْيا. وعَطْفُ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ. وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. والتَّقْدِيرُ: عَلى أسْوَأِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ تَقْدِيرُهُ: جَزاءً مُماثِلًا أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ. وأسْوَأُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ السَّيِّئُ، فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في سُوئِهِ. وإضافَتُهُ إلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إضافَةِ البَعْضِ إلى الكُلِّ ولَيْسَ مِن إضافَةِ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ. والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ وهو الجَزاءُ والعَذابُ الشَّدِيدُ عَلى أسْوَأِ أعْمالِهِمْ. وأعْداءُ اللَّهِ: هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“ . والنّارُ عَطْفُ بَيانٍ مِن جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ. ودارُ الخُلْدِ: النّارُ. فَقَوْلُهُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جاءَ بِالظَّرْفِيَّةِ بِتَنْزِيلِ النّارِ مَنزِلَةَ ظَرْفٍ لِدارِ الخُلْدِ وما دارُ الخُلْدِ إلّا عَيْنُ النّارِ. وهَذا مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ لِيُفِيدَ مُبالَغَةَ مَعْنى الخُلْدِ في النّارِ. وهو مَعْدُودٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقَوْلُ أبِي حامِدٍ العَتّابِيِّ: صفحة ٢٨٠ ٢٠٦ وفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِي أيْ والرَّحْمَنُ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. والخُلْدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطْلِقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ. وانْتَصَبَ جَزاءُ عَلى الحالِ مِن دارِ الخُلْدِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ جَزاءٌ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ يَجْحَدُونَ بِآياتِنا. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَجْحَدُونَ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ الجُحُودِ حِينًا فَحِينًا وتَكَرُّرِهِ. وعُدِّيَ فِعْلُ يَجْحَدُونَ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يَكْذِبُونَ. وتَقْدِيمُ بِآياتِنا لِلِاهْتِمامِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

فصلت 41:28

﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ . دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها مُفَرَّعٌ عَمّا قَبْلَها: فَإمّا أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦] الآيَةَ، وإمّا أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] الآيَةَ، وقَوْلِهِ (﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ [فصلت: ١٣]) الآيَةَ وقَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا﴾ [فصلت: ٢٦] إلَخْ. صفحة ٢٧٩ وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا: المُشْرِكِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَنْهم. فالَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ ما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ إذاقَةِ العَذابِ، أيْ لِكُفْرِهِمُ المَحْكِيِّ بَعْضُهُ فِيما تَقَدَّمَ. وإذاقَةُ العَذابِ: تَعْذِيبُهم، اسْتُعِيرَ لَهُ الإذاقَةُ عَلى طَرِيقِ المَكْنِيَّةِ والتَّخْيِيلَةِ. والعَذابِ الشَّدِيدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو عَذابُ الدُّنْيا. وعَطْفُ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ. وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ. والتَّقْدِيرُ: عَلى أسْوَأِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ تَقْدِيرُهُ: جَزاءً مُماثِلًا أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ. وأسْوَأُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ، وإنَّما أُرِيدَ بِهِ السَّيِّئُ، فَصِيغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في سُوئِهِ. وإضافَتُهُ إلى الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ مِن إضافَةِ البَعْضِ إلى الكُلِّ ولَيْسَ مِن إضافَةِ اسْمِ التَّفْضِيلِ إلى المُفَضَّلِ عَلَيْهِ. والإشارَةُ بِـ ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ إلى ما تَقَدَّمَ وهو الجَزاءُ والعَذابُ الشَّدِيدُ عَلى أسْوَأِ أعْمالِهِمْ. وأعْداءُ اللَّهِ: هُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ تَعالى ”﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ أعْداءَ اللَّهِ﴾ [فصلت: ١٩]“ . والنّارُ عَطْفُ بَيانٍ مِن جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ. ودارُ الخُلْدِ: النّارُ. فَقَوْلُهُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جاءَ بِالظَّرْفِيَّةِ بِتَنْزِيلِ النّارِ مَنزِلَةَ ظَرْفٍ لِدارِ الخُلْدِ وما دارُ الخُلْدِ إلّا عَيْنُ النّارِ. وهَذا مِن أُسْلُوبِ التَّجْرِيدِ لِيُفِيدَ مُبالَغَةَ مَعْنى الخُلْدِ في النّارِ. وهو مَعْدُودٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقَوْلُ أبِي حامِدٍ العَتّابِيِّ: صفحة ٢٨٠ ٢٠٦ وفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِي أيْ والرَّحْمَنُ كافٍ لِلضُّعَفاءِ. والخُلْدُ: طُولُ البَقاءِ، وأُطْلِقَ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ عَلى البَقاءِ المُؤَبَّدِ الَّذِي لا نِهايَةَ لَهُ. وانْتَصَبَ جَزاءُ عَلى الحالِ مِن دارِ الخُلْدِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ جَزاءٌ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ يَجْحَدُونَ بِآياتِنا. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَجْحَدُونَ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ الجُحُودِ حِينًا فَحِينًا وتَكَرُّرِهِ. وعُدِّيَ فِعْلُ يَجْحَدُونَ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يَكْذِبُونَ. وتَقْدِيمُ بِآياتِنا لِلِاهْتِمامِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

فصلت 41:29

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ . عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ [فصلت: ٢٨]، أيْ ويَقُولُونَ في جَهَنَّمَ، فَعَدَلَ عَنْ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إلى صِيغَةِ المُضِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ هَذا القَوْلِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، فالقائِلُونَ رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا: هم عامَّةُ المُشْرِكِينَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ اللَّذَيْنِ أضَلّانا. ومَعْنى أرِنا عَيِّنْ لَنا، وهو كِنايَةٌ عَنْ إرادَةِ انْتِقامِهِمْ مِنهم ولِذَلِكَ جَزَمَ (نَجْعَلْهُما) في جَوابِ الطَّلَبِ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ تُرِناهُما نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا. والجَعْلُ تَحْتَ الأقْدامِ: الوَطْءُ بِالأقْدامِ والرَّفْسُ، أيْ نَجْعَلُ آحادَهم تَحْتَ أقْدامِ آحادِ جَماعَتِنا، فَإنَّ الدَّهْماءَ أكْثَرُ مِنَ القادَةِ فَلا يَعُوزُهُمُ الِانْتِقامُ مِنهم. وكانَ الوَطْءُ بِالأرْجُلِ مِن كَيْفِيّاتِ الِانْتِقامِ والِامْتِهانِ، قالَ ابْنُ وعْلَةَ الجَرْمِيُّ: ووَطْئِنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْأ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ صفحة ٢٨١ وإنَّما طَلَبُوا أنْ يَرَوْهُما لِأنَّ المُضِلِّينَ كانُوا في دَرَكاتٍ مِنَ النّارِ أسْفَلَ مِن دَرَكاتِ أتْباعِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوا أيْنَ هم. والتَّعْلِيلُ لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ تَوْطِئَةٌ لِاسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم أنْ يَرِيَهُمُوهُما لِأنَّهم عَلِمُوا مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنَّهُ أشَدُّ غَضَبًا عَلى الفَرِيقَيْنِ المُضِلَّيْنِ فَتَوَسَّلُوا بِعَزْمِهِمْ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم إلى تَيْسِيرِ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ مِنهم. والأسْفَلُونَ: الَّذِينَ هم أشَدُّ حَقارَةً مِن حَقارَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ لِيَكُونُوا أحْقَرَ مِنّا جَزاءً لَهم، فالسَّفالَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإهانَةِ والحَقارَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ أرِنا بِكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِسُكُونِ الرّاءِ لِلتَّخْفِيفِ مِن ثِقَلِ الكَسْرَةِ، كَما قالُوا: فَخْذٌ في فَخِذٍ. وعَنِ الخَلِيلِ إذا قُلْتَ: أرِنِي ثَوْبَكَ بِكَسْرِ الرّاءِ، فالمَعْنى: رَصِّرْنِيهِ، وإذا قُلْتَهُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَهو اسْتِعْطاءٌ، مَعْناهُ: أعْطِنِيهِ. وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ ومَن وافَقَهُما: مَكِّنّا مِنَ اللَّذَيْنِ أضَلّانا كَيْ نَجْعَلَهُما تَحْتَ أقْدامِنا، أيِ ائْذَنْ لَنا بِإهانَتِهِما وخِزْيِهِما. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”اللَّذَيْنِ“ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ اسْمِ المَوْصُولِ وهي لُغَةٌ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

فصلت 41:30

﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ . بَعْدَ اسْتِيفاءِ الكَلامِ عَلى ما أصابَ الأُمَمَ الماضِيَةَ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ مِن عَذابِ الدُّنْيا وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ صفحة ٢٨٢ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ثُمَّ أُنْذِرُوا بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ووَصْفِ بَعْضِ أهْوالِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حَظِّ المُؤْمِنِينَ ووَصْفِ حالِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ إلَخْ، بَيانًا لِلْمُتَرَقِّبِ وبُشْرى لِلْمُتَطَلِّبِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] . وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى إنْكارِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَفي تَوْكِيدِ الخَبَرِ زِيادَةُ قَمْعٍ لَهم. ومَعْنى ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أنَّهم صَدَعُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَخْشَوْا أحَدًا بِإعْلانِهِمُ التَّوْحِيدَ، فَقَوْلُهم تَصْرِيحٌ بِما في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ، فَإنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الصِّدْقُ وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ الواقِعِ، وما في الوُجُودِ الخارِجِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ، أيْ لا رَبَّ لَنا إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ جامِعٌ لِأصْلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ لِأنَّ الإقْرارَ بِالتَّوْحِيدِ يُزِيلُ المانِعَ مِن تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ إذْ لَمْ يَصُدَّ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إلّا أنَّهُ أمَرَهم بِنَبْذِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ تَلَقَّوْهُ مِن دُعاةِ الشِّرْكِ. والِاسْتِقامَةُ حَقِيقَتُها: عَدَمُ الِاعْوِجاجِ والمَيْلِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في التَّقَوُّمِ، فَحَقِيقَةُ اسْتَقامَ: اسْتَقَلَّ غَيْرَ مائِلٍ ولا مُنْحَنٍ. وتُطْلَقُ الِاسْتِقامَةُ بِوَجْهِ الِاسْتِعارَةِ عَلى ما يَجْمَعُ مَعْنى حُسْنِ العَمَلِ والسِّيرَةِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ قالَ تَعالى ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] وقالَ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ويُقالُ: اسْتَقامَتِ البِلادُ لِلْمَلِكِ، أيْ أطاعَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] . فَـ (اسْتَقامُوا) هُنا يَشْمَلُ مَعْنى الوَفاءِ بِما كُلِّفُوا بِهِ وأوَّلُ ما يَشْمَلُ مِن ذَلِكَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى أصْلِ التَّوْحِيدِ، أيْ لا يُغَيِّرُوا ولا يَرْجِعُوا عَنْهُ. ومِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ صفحة ٢٨٣ قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» . وعَنْ أبِي بَكْرٍ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. وعَنْ عُمَرَ: اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لِطاعَتِهِ ثُمَّ لَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وقالَ عُثْمانُ: ثُمَّ أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وعَنْ عَلِيٍّ ثُمَّ أدَّوُا الفَرائِضَ. فَقَدْ تَوَلّى تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في الإيمانِ وآثارِهِ، وعِنايَةُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ أقْطابِ الإسْلامِ بِبَيانِ الِاسْتِقامَةِ مُشِيرٌ إلى أهَمِّيَّتِها في الدِّينِ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ ونَحْوَهُ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ إلى أنَّها سَبَبُ ثُبُوتِ المُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الكَرامَةِ مُسَبَّبٌ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ واسْتِقامَتِهِمْ فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ هُما سَبَبُ الفَوْزِ. وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِقامَةَ زائِدَةٌ في المَرْتَبَةِ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْمَلُهُ وتَشْمَلُ الثَّباتَ عَلَيْهِ والعَمَلَ بِما يَسْتَدْعِيهِ، ولِأنَّ الِاسْتِقامَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ كانَ قَوْلًا مُنْبَعِثًا عَنِ اعْتِقادِ الضَّمِيرِ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقَيَّةِ. وجَمَعَ قَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أصْلَيِ الكَمالِ الإسْلامِيِّ، فَقَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُشِيرٌ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِلِاهْتِداءِ بِهِ، ومَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالكَمالُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ وعَمَلٌ صالِحٌ، فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ هي أساسُ العِلْمِ اليَقِينِيِّ. وأشارَ قَوْلُهُ (اسْتَقامُوا) إلى أساسِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وهو الِاسْتِقامَةُ عَلى الحَقِّ، أيْ أنْ يَكُونَ وسَطًا غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ قالَ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقالَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عَلى أنَّ كَمالَ الِاعْتِقادِ راجِعٌ إلى الِاسْتِقامَةِ، فالِاعْتِقادُ الحَقُّ أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ النَّفْيِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّعْطِيلِ، ولا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ بَلْ يَمْشِي عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، صفحة ٢٨٤ ويَسْتَمِرُّ كَذَلِكَ فاصِلًا بَيْنَ الجَبْرِيِّ والقَدَرِيِّ، وبَيْنَ الرَّجاءِ والقُنُوطِ، وفي الأعْمالِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّفْرِيطِ. وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الحَشْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمُ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وكَما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم لَهم لِأنَّ ظاهِرَ الخَطّابِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]“، فَأُولَئِكَ تُلاقِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالوَزْعِ، والمُؤْمِنُونَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ بِالأمْنِ. وذِكْرُ التَّنَزُّلِ هُنا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ أنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِن عُلْوِيّاتِهِمْ لِأجْلِهِمْ فَأمّا أعْداءُ اللَّهِ فَهم يَجِدُونَ المَلائِكَةَ حُضَّرًا في المَحْشَرِ يَزَعُونَهم ولَيْسُوا يَتَنَزَّلُونَ لِأجْلِهِمْ، فَثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهَذا كَرامَةٌ كَكَرامَةِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ إذْ يُنَزِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ. والمَعْنى: أنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَلَكانِ هُما الحافِظانِ اللَّذانِ كانا يَكْتُبانِ أعْمالَهُ في الدُّنْيا. ولِتَضَمُّنِ (تَتَنَزَّلُ) مَعْنى القَوْلِ ورَدَتْ بَعْدَهُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةُ. والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وهو تَنَزُّلٌ خَفِيٌّ يُعْرَفُ بِحُصُولِ آثارِهِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ويَكُونَ الخِطابُ بِـ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ بِمَعْنى إلْقائِهِمْ في رُوعِهِمْ عَكْسَ وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ القُرَناءِ بِالتَّزْيِينِ، أيْ يُلْقُونَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ ما يَصْرِفُهم عَنِ الخَوْفِ والحُزْنِ ويُذَكِّرُهم بِالجَنَّةِ فَتَحِلُّ فِيهِمُ السَّكِينَةُ فَتَنْشَرِحُ صُدُورُهم بِالثِّقَةِ بِحُلُولِها، ويُلْقُونَ في نُفُوسِهِمْ نَبْذَ وِلايَةِ مَن لَيْسُوا مِن حِزْبِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ، فَإنَّهُ تَقْيِيضٌ في الدُّنْيا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ لا يَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما يُصِيبُهم، ويُوقِنُونَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وهم فَرِحُونَ بِما يَتَرَقَّبُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ. وعَلى هَذا المَعْنى فَقَوْلُهُ الَّتِي كُنْتُمْ تُعْتَبَرُ ”كانَ“ فِيهِ مَزِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ويَكُونُ المُضارِعُ في تُوعَدُونَ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِهِ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، ويَكُونُ قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَأْيِيدًا لَهم في الدُّنْيا ووَعْدًا بِنَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ. صفحة ٢٨٥ ولا ناهِيَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ: النَّهْيُ عَنْ سَبَبِهِ، وهو تَوَقُّعُ الضُّرِّ، أيْ لا تَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ مُعاقِبُكم، فالنَّهْيُ كِنايَةٌ عَنِ التَّأْمِينِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم إذا تَحَقَّقُوا الأمْنَ زالَ خَوْفُهم، وهَذا تَطْمِينٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنْفُسِ المُؤْمِنِينَ. والخَوْفُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ ظَنِّ حُصُولِ مَكْرُوهٍ شَدِيدٍ. والحُزْنُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِفَواتِ نَفْعٍ أوْ حُصُولِ ضُرٍّ. وألْحَقُوا بِتَأْمِينِهِمْ بِشارَتَهم، لِأنَّ وقْعَ النَّعِيمِ في النَّفْسِ مَوْقِعَ المَسَرَّةِ إذا لَمْ يُخالِطْهُ تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ. ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي وُعِدُوا عَلَيْها بِالجَنَّةِ، وتَعْجِيلٌ لَهم بِمَسَرَّةِ الفَوْزِ بِرِضى اللَّهِ، وتَحْقِيقُ وعْدِهِ، أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَها في الدُّنْيا. وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مُتَأصِّلُونَ في الوَعْدِ بِالجَنَّةِ وذَلِكَ مِن سابِقِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ. وفِي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في تُوعَدُونَ إفادَةُ أنَّهم قَدْ تَكَرَّرَ وعْدُهم بِها، وذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الأعْمالِ المَوْعُودِ لِأجْلِها وبِتَكَرُّرِ الوَعْدِ في مَواقِعِ التَّذْكِيرِ والتَّبْشِيرِ. وقَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَعْرِيفٌ بِأنْفُسِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم. فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ المُتَلَقِّيَ صاحِبٌ قَدِيمٌ يَزِيدُ نَفْسَ القادِمِ انْشِراحًا وأُنْسًا ويُزِيلُ عَنْهُ دَهْشَةَ القُدُومِ، يُخَفِّفُ عَنْهُ مِن حِشْمَةِ الضِّيافَةِ، ويُزِيلُ عَنْهُ وحْشَةَ الِاغْتِرابِ، أيْ نَحْنُ الَّذِي كُنّا في صُحْبَتِكم في الدُّنْيا، إذْ كانُوا يَكْتُبُونَ حَسَناتِهِمْ ويَشْهَدُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِصَلاتِهِمْ كَما في حَدِيثِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ فَيَسْألُهم رَبُّهم وهو أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي ؟ فَيَقُولُونَ: أتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ وتَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ»، وقَدْ حَفِظُوا العَهْدَ فَكانُوا أوْلِياءَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وقَدْ جِيءَ بِهَذا القَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ صِفاتِ الجَنَّةِ صفحة ٢٨٦ لِيَتَحَقَّقَ المُؤْمِنُونَ أنَّ بِشارَتَهم بِالجَنَّةِ بِشارَةُ مُحِبٍّ يَفْرَحُ لِحَبِيبِهِ بِالخَيْرِ ويَسْعى لِيَزِيدَهُ. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ في المُشْرِكِينَ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] فَكَما قَيَّضَ لِلْكَفّارِ قُرَناءَ في الدُّنْيا قَيَّضَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَلائِكَةً بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ المَلائِكَةِ خاصٌّ بِرُفْقَةِ المُؤْمِنِينَ ووَلائِهِمْ ولا حَظَّ لِلْكافِرِينَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الحَفَظَةُ مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ كَما نَقَلَهُ ابْنُ ناجِي في شَرْحِ الرِّسالَةِ فَمَعْنى وِلايَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الحَفَظَةُ مُوَكَّلِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَما مَشى عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ٩] فَهَذا صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهم غَيْرُ الحَفَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ هَذا الصِّنْفُ مِنَ المَلائِكَةِ هو المُسَمّى بِالمُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] حَسْبَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. وقَدْ دَلَّتْ عِدَّةُ آثارٍ مُتَفاوِتَةٍ في القَبُولِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ لَهم عَلاقَةٌ بِالنّاسِ عُمُومًا أوْ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً أصْنافٌ كَثِيرَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ، فَذَكَرَ لَهُ عِشْرِينَ مَلَكًا»، ولَعَلَّ وصْفَ المَلائِكَةِ المُتَنَزِّلِينَ بِأنَّهم أوْلِياءُ يَقْتَضِي أنَّ عَمَلَهم مَعَ المُؤْمِنِ عَمَلُ صَلاحٍ وتَأْيِيدٍ مِثْلَ إلْهامِ الطّاعاتِ ومُحارَبَةِ الشَّياطِينِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ مُقابَلَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ تَقْيِيضِ القُرَناءِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا أحْسَنُ. وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ كَما بَيَّنْتُهُ آنِفًا. ومَعْنى ﴿ما تَدَّعُونَ﴾: ما تَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادَّعى، أيْ تَمَنّى، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] في سُورَةِ يس. صفحة ٢٨٧ والمَعْنى: لَكم فِيها ما تَشْتَهُونَهُ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ الحِسِّ وما تَتَمَنَّوْنَهُ في نُفُوسِكم مِن كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِمّا يَجُولُ في الخَيالِ، فَما يَدَّعُونَ غَيْرَ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم. ولِهَذِهِ المُغايَرَةِ أُعِيدَ لَكم لِيُؤْذِنَ بِاسْتِقْلالِ هَذا الوَعْدِ عَنْ سابِقِهِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ العَطْفَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أوْ عَطْفٌ عامٌّ عَلى خاصٍّ. والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ وضَمِّ الزّايِ: ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ؛ لِأنَّهُ كَرامَةُ النَّزِيلِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِما يُعْطُونَهُ مِنَ الرَّغائِبِ سَواءٌ كانَتْ رِزْقًا أمْ غَيْرَهُ. ووَجْهُ الشَّبَهِ سُرْعَةُ إحْضارِهِ كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ مِن قَبْلُ أنْ يَشْتَهُوهُ أوْ يَتَمَنَّوْهُ. ومِن ﴿غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ صِفَةُ نُزُلًا، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾، وما تَدَّعُونَ حالَ كَوْنِهِ كالنُّزُلِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ، أيْ تُعْطَوْنَهُ كَما يُعْطى النُّزُلُ لِلضَّيْفِ. وأُوثِرَتْ صِفَتا الغَفُورِ الرَّحِيمِ، هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم أوْ لِأكْثَرِهِمُ اللَّمَمَ وما تابُوا مِنهُ، وأنَّهُ رَحِيمٌ بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَهُ ويَخافُونَهُ ويُناصِرُونَ دِينَهُ.