Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — فصلت 41:31 – الشورى 42:48
المحتويات
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:2
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
فصلت 41:31
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
بَعْدَ اسْتِيفاءِ الكَلامِ عَلى ما أصابَ الأُمَمَ الماضِيَةَ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ مِن عَذابِ الدُّنْيا وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ
صفحة ٢٨٢
بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ثُمَّ أُنْذِرُوا بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ووَصْفِ بَعْضِ أهْوالِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حَظِّ المُؤْمِنِينَ ووَصْفِ حالِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ إلَخْ، بَيانًا لِلْمُتَرَقِّبِ وبُشْرى لِلْمُتَطَلِّبِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى إنْكارِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَفي تَوْكِيدِ الخَبَرِ زِيادَةُ قَمْعٍ لَهم.
ومَعْنى ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أنَّهم صَدَعُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَخْشَوْا أحَدًا بِإعْلانِهِمُ التَّوْحِيدَ، فَقَوْلُهم تَصْرِيحٌ بِما في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ، فَإنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الصِّدْقُ وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ الواقِعِ، وما في الوُجُودِ الخارِجِيِّ.
وقَوْلُهُ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ، أيْ لا رَبَّ لَنا إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ جامِعٌ لِأصْلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ لِأنَّ الإقْرارَ بِالتَّوْحِيدِ يُزِيلُ المانِعَ مِن تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ إذْ لَمْ يَصُدَّ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إلّا أنَّهُ أمَرَهم بِنَبْذِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ تَلَقَّوْهُ مِن دُعاةِ الشِّرْكِ.
والِاسْتِقامَةُ حَقِيقَتُها: عَدَمُ الِاعْوِجاجِ والمَيْلِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في التَّقَوُّمِ، فَحَقِيقَةُ اسْتَقامَ: اسْتَقَلَّ غَيْرَ مائِلٍ ولا مُنْحَنٍ. وتُطْلَقُ الِاسْتِقامَةُ بِوَجْهِ الِاسْتِعارَةِ عَلى ما يَجْمَعُ مَعْنى حُسْنِ العَمَلِ والسِّيرَةِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ قالَ تَعالى ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] وقالَ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ويُقالُ: اسْتَقامَتِ البِلادُ لِلْمَلِكِ، أيْ أطاعَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] .
فَـ (اسْتَقامُوا) هُنا يَشْمَلُ مَعْنى الوَفاءِ بِما كُلِّفُوا بِهِ وأوَّلُ ما يَشْمَلُ مِن ذَلِكَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى أصْلِ التَّوْحِيدِ، أيْ لا يُغَيِّرُوا ولا يَرْجِعُوا عَنْهُ.
ومِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ
صفحة ٢٨٣
قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» .
وعَنْ أبِي بَكْرٍ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. وعَنْ عُمَرَ: اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لِطاعَتِهِ ثُمَّ لَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وقالَ عُثْمانُ: ثُمَّ أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وعَنْ عَلِيٍّ ثُمَّ أدَّوُا الفَرائِضَ. فَقَدْ تَوَلّى تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في الإيمانِ وآثارِهِ، وعِنايَةُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ أقْطابِ الإسْلامِ بِبَيانِ الِاسْتِقامَةِ مُشِيرٌ إلى أهَمِّيَّتِها في الدِّينِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ ونَحْوَهُ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ إلى أنَّها سَبَبُ ثُبُوتِ المُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الكَرامَةِ مُسَبَّبٌ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ واسْتِقامَتِهِمْ فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ هُما سَبَبُ الفَوْزِ.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِقامَةَ زائِدَةٌ في المَرْتَبَةِ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْمَلُهُ وتَشْمَلُ الثَّباتَ عَلَيْهِ والعَمَلَ بِما يَسْتَدْعِيهِ، ولِأنَّ الِاسْتِقامَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ كانَ قَوْلًا مُنْبَعِثًا عَنِ اعْتِقادِ الضَّمِيرِ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقَيَّةِ.
وجَمَعَ قَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أصْلَيِ الكَمالِ الإسْلامِيِّ، فَقَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُشِيرٌ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِلِاهْتِداءِ بِهِ، ومَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالكَمالُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ وعَمَلٌ صالِحٌ، فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ هي أساسُ العِلْمِ اليَقِينِيِّ.
وأشارَ قَوْلُهُ (اسْتَقامُوا) إلى أساسِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وهو الِاسْتِقامَةُ عَلى الحَقِّ، أيْ أنْ يَكُونَ وسَطًا غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ قالَ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقالَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عَلى أنَّ كَمالَ الِاعْتِقادِ راجِعٌ إلى الِاسْتِقامَةِ، فالِاعْتِقادُ الحَقُّ أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ النَّفْيِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّعْطِيلِ، ولا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ بَلْ يَمْشِي عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ،
صفحة ٢٨٤
ويَسْتَمِرُّ كَذَلِكَ فاصِلًا بَيْنَ الجَبْرِيِّ والقَدَرِيِّ، وبَيْنَ الرَّجاءِ والقُنُوطِ، وفي الأعْمالِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّفْرِيطِ.
وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الحَشْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمُ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وكَما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم لَهم لِأنَّ ظاهِرَ الخَطّابِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]“، فَأُولَئِكَ تُلاقِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالوَزْعِ، والمُؤْمِنُونَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ بِالأمْنِ.
وذِكْرُ التَّنَزُّلِ هُنا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ أنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِن عُلْوِيّاتِهِمْ لِأجْلِهِمْ فَأمّا أعْداءُ اللَّهِ فَهم يَجِدُونَ المَلائِكَةَ حُضَّرًا في المَحْشَرِ يَزَعُونَهم ولَيْسُوا يَتَنَزَّلُونَ لِأجْلِهِمْ، فَثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهَذا كَرامَةٌ كَكَرامَةِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ إذْ يُنَزِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ. والمَعْنى: أنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَلَكانِ هُما الحافِظانِ اللَّذانِ كانا يَكْتُبانِ أعْمالَهُ في الدُّنْيا. ولِتَضَمُّنِ (تَتَنَزَّلُ) مَعْنى القَوْلِ ورَدَتْ بَعْدَهُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةُ. والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وهو تَنَزُّلٌ خَفِيٌّ يُعْرَفُ بِحُصُولِ آثارِهِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ويَكُونَ الخِطابُ بِـ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ بِمَعْنى إلْقائِهِمْ في رُوعِهِمْ عَكْسَ وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ القُرَناءِ بِالتَّزْيِينِ، أيْ يُلْقُونَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ ما يَصْرِفُهم عَنِ الخَوْفِ والحُزْنِ ويُذَكِّرُهم بِالجَنَّةِ فَتَحِلُّ فِيهِمُ السَّكِينَةُ فَتَنْشَرِحُ صُدُورُهم بِالثِّقَةِ بِحُلُولِها، ويُلْقُونَ في نُفُوسِهِمْ نَبْذَ وِلايَةِ مَن لَيْسُوا مِن حِزْبِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ، فَإنَّهُ تَقْيِيضٌ في الدُّنْيا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ لا يَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما يُصِيبُهم، ويُوقِنُونَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وهم فَرِحُونَ بِما يَتَرَقَّبُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ.
وعَلى هَذا المَعْنى فَقَوْلُهُ الَّتِي كُنْتُمْ تُعْتَبَرُ ”كانَ“ فِيهِ مَزِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ويَكُونُ المُضارِعُ في تُوعَدُونَ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِهِ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، ويَكُونُ قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَأْيِيدًا لَهم في الدُّنْيا ووَعْدًا بِنَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ.
صفحة ٢٨٥
ولا ناهِيَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ: النَّهْيُ عَنْ سَبَبِهِ، وهو تَوَقُّعُ الضُّرِّ، أيْ لا تَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ مُعاقِبُكم، فالنَّهْيُ كِنايَةٌ عَنِ التَّأْمِينِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم إذا تَحَقَّقُوا الأمْنَ زالَ خَوْفُهم، وهَذا تَطْمِينٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنْفُسِ المُؤْمِنِينَ.
والخَوْفُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ ظَنِّ حُصُولِ مَكْرُوهٍ شَدِيدٍ.
والحُزْنُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِفَواتِ نَفْعٍ أوْ حُصُولِ ضُرٍّ.
وألْحَقُوا بِتَأْمِينِهِمْ بِشارَتَهم، لِأنَّ وقْعَ النَّعِيمِ في النَّفْسِ مَوْقِعَ المَسَرَّةِ إذا لَمْ يُخالِطْهُ تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ.
ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي وُعِدُوا عَلَيْها بِالجَنَّةِ، وتَعْجِيلٌ لَهم بِمَسَرَّةِ الفَوْزِ بِرِضى اللَّهِ، وتَحْقِيقُ وعْدِهِ، أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَها في الدُّنْيا.
وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مُتَأصِّلُونَ في الوَعْدِ بِالجَنَّةِ وذَلِكَ مِن سابِقِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
وفِي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في تُوعَدُونَ إفادَةُ أنَّهم قَدْ تَكَرَّرَ وعْدُهم بِها، وذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الأعْمالِ المَوْعُودِ لِأجْلِها وبِتَكَرُّرِ الوَعْدِ في مَواقِعِ التَّذْكِيرِ والتَّبْشِيرِ.
وقَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَعْرِيفٌ بِأنْفُسِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ المُتَلَقِّيَ صاحِبٌ قَدِيمٌ يَزِيدُ نَفْسَ القادِمِ انْشِراحًا وأُنْسًا ويُزِيلُ عَنْهُ دَهْشَةَ القُدُومِ، يُخَفِّفُ عَنْهُ مِن حِشْمَةِ الضِّيافَةِ، ويُزِيلُ عَنْهُ وحْشَةَ الِاغْتِرابِ، أيْ نَحْنُ الَّذِي كُنّا في صُحْبَتِكم في الدُّنْيا، إذْ كانُوا يَكْتُبُونَ حَسَناتِهِمْ ويَشْهَدُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِصَلاتِهِمْ كَما في حَدِيثِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ فَيَسْألُهم رَبُّهم وهو أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي ؟ فَيَقُولُونَ: أتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ وتَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ»، وقَدْ حَفِظُوا العَهْدَ فَكانُوا أوْلِياءَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وقَدْ جِيءَ بِهَذا القَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ صِفاتِ الجَنَّةِ
صفحة ٢٨٦
لِيَتَحَقَّقَ المُؤْمِنُونَ أنَّ بِشارَتَهم بِالجَنَّةِ بِشارَةُ مُحِبٍّ يَفْرَحُ لِحَبِيبِهِ بِالخَيْرِ ويَسْعى لِيَزِيدَهُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ في المُشْرِكِينَ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] فَكَما قَيَّضَ لِلْكَفّارِ قُرَناءَ في الدُّنْيا قَيَّضَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَلائِكَةً بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ المَلائِكَةِ خاصٌّ بِرُفْقَةِ المُؤْمِنِينَ ووَلائِهِمْ ولا حَظَّ لِلْكافِرِينَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الحَفَظَةُ مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ كَما نَقَلَهُ ابْنُ ناجِي في شَرْحِ الرِّسالَةِ فَمَعْنى وِلايَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الحَفَظَةُ مُوَكَّلِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَما مَشى عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ٩] فَهَذا صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهم غَيْرُ الحَفَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ هَذا الصِّنْفُ مِنَ المَلائِكَةِ هو المُسَمّى بِالمُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] حَسْبَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَدْ دَلَّتْ عِدَّةُ آثارٍ مُتَفاوِتَةٍ في القَبُولِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ لَهم عَلاقَةٌ بِالنّاسِ عُمُومًا أوْ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً أصْنافٌ كَثِيرَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ، فَذَكَرَ لَهُ عِشْرِينَ مَلَكًا»، ولَعَلَّ وصْفَ المَلائِكَةِ المُتَنَزِّلِينَ بِأنَّهم أوْلِياءُ يَقْتَضِي أنَّ عَمَلَهم مَعَ المُؤْمِنِ عَمَلُ صَلاحٍ وتَأْيِيدٍ مِثْلَ إلْهامِ الطّاعاتِ ومُحارَبَةِ الشَّياطِينِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ مُقابَلَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ تَقْيِيضِ القُرَناءِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا أحْسَنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ كَما بَيَّنْتُهُ آنِفًا.
ومَعْنى ﴿ما تَدَّعُونَ﴾: ما تَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادَّعى، أيْ تَمَنّى، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] في سُورَةِ يس.
صفحة ٢٨٧
والمَعْنى: لَكم فِيها ما تَشْتَهُونَهُ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ الحِسِّ وما تَتَمَنَّوْنَهُ في نُفُوسِكم مِن كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِمّا يَجُولُ في الخَيالِ، فَما يَدَّعُونَ غَيْرَ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
ولِهَذِهِ المُغايَرَةِ أُعِيدَ لَكم لِيُؤْذِنَ بِاسْتِقْلالِ هَذا الوَعْدِ عَنْ سابِقِهِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ العَطْفَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أوْ عَطْفٌ عامٌّ عَلى خاصٍّ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ وضَمِّ الزّايِ: ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ؛ لِأنَّهُ كَرامَةُ النَّزِيلِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِما يُعْطُونَهُ مِنَ الرَّغائِبِ سَواءٌ كانَتْ رِزْقًا أمْ غَيْرَهُ. ووَجْهُ الشَّبَهِ سُرْعَةُ إحْضارِهِ كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ مِن قَبْلُ أنْ يَشْتَهُوهُ أوْ يَتَمَنَّوْهُ.
ومِن ﴿غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ صِفَةُ نُزُلًا، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾، وما تَدَّعُونَ حالَ كَوْنِهِ كالنُّزُلِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ، أيْ تُعْطَوْنَهُ كَما يُعْطى النُّزُلُ لِلضَّيْفِ.
وأُوثِرَتْ صِفَتا الغَفُورِ الرَّحِيمِ، هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم أوْ لِأكْثَرِهِمُ اللَّمَمَ وما تابُوا مِنهُ، وأنَّهُ رَحِيمٌ بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَهُ ويَخافُونَهُ ويُناصِرُونَ دِينَهُ.
فصلت 41:32
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ .
بَعْدَ اسْتِيفاءِ الكَلامِ عَلى ما أصابَ الأُمَمَ الماضِيَةَ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ مِن عَذابِ الدُّنْيا وما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ
صفحة ٢٨٢
بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ثُمَّ أُنْذِرُوا بِالتَّصْرِيحِ بِما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ، ووَصْفِ بَعْضِ أهْوالِهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ حَظِّ المُؤْمِنِينَ ووَصْفِ حالِهِمْ فَجاءَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ إلَخْ، بَيانًا لِلْمُتَرَقِّبِ وبُشْرى لِلْمُتَطَلِّبِ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ [فصلت: ١٩]“ إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] .
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى إنْكارِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ، فَفي تَوْكِيدِ الخَبَرِ زِيادَةُ قَمْعٍ لَهم.
ومَعْنى ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ أنَّهم صَدَعُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَخْشَوْا أحَدًا بِإعْلانِهِمُ التَّوْحِيدَ، فَقَوْلُهم تَصْرِيحٌ بِما في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّ المُرادَ بِهِمْ قالُوا ذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ، فَإنَّ الأصْلَ في الكَلامِ الصِّدْقُ وهو مُطابَقَةُ الخَبَرِ الواقِعِ، وما في الوُجُودِ الخارِجِيِّ.
وقَوْلُهُ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ بِتَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ والمُسْنَدِ، أيْ لا رَبَّ لَنا إلّا اللَّهُ، وذَلِكَ جامِعٌ لِأصْلِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ لِأنَّ الإقْرارَ بِالتَّوْحِيدِ يُزِيلُ المانِعَ مِن تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ إذْ لَمْ يَصُدَّ المُشْرِكِينَ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إلّا أنَّهُ أمَرَهم بِنَبْذِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ تَلَقَّوْهُ مِن دُعاةِ الشِّرْكِ.
والِاسْتِقامَةُ حَقِيقَتُها: عَدَمُ الِاعْوِجاجِ والمَيْلِ، والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ في التَّقَوُّمِ، فَحَقِيقَةُ اسْتَقامَ: اسْتَقَلَّ غَيْرَ مائِلٍ ولا مُنْحَنٍ. وتُطْلَقُ الِاسْتِقامَةُ بِوَجْهِ الِاسْتِعارَةِ عَلى ما يَجْمَعُ مَعْنى حُسْنِ العَمَلِ والسِّيرَةِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ قالَ تَعالى ﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦] وقالَ ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، ويُقالُ: اسْتَقامَتِ البِلادُ لِلْمَلِكِ، أيْ أطاعَتْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧] .
فَـ (اسْتَقامُوا) هُنا يَشْمَلُ مَعْنى الوَفاءِ بِما كُلِّفُوا بِهِ وأوَّلُ ما يَشْمَلُ مِن ذَلِكَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى أصْلِ التَّوْحِيدِ، أيْ لا يُغَيِّرُوا ولا يَرْجِعُوا عَنْهُ.
ومِن مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّقَفِيِّ قالَ
صفحة ٢٨٣
قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» .
وعَنْ أبِي بَكْرٍ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾: لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا. وعَنْ عُمَرَ: اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لِطاعَتِهِ ثُمَّ لَمْ يَرُوغُوا رَوَغانَ الثَّعالِبِ. وقالَ عُثْمانُ: ثُمَّ أخْلَصُوا العَمَلَ لِلَّهِ. وعَنْ عَلِيٍّ ثُمَّ أدَّوُا الفَرائِضَ. فَقَدْ تَوَلّى تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - . وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في الإيمانِ وآثارِهِ، وعِنايَةُ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ أقْطابِ الإسْلامِ بِبَيانِ الِاسْتِقامَةِ مُشِيرٌ إلى أهَمِّيَّتِها في الدِّينِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ المُؤْمِنِينَ ونَحْوَهُ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ إلى أنَّها سَبَبُ ثُبُوتِ المُسْنَدِ لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ فَيُفِيدُ أنَّ تَنَزُّلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الكَرامَةِ مُسَبَّبٌ عَلى قَوْلِهِمْ ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ واسْتِقامَتِهِمْ فَإنَّ الِاعْتِقادَ الحَقَّ والإقْبالَ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ هُما سَبَبُ الفَوْزِ.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الِاسْتِقامَةَ زائِدَةٌ في المَرْتَبَةِ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ لِأنَّها تَشْمَلُهُ وتَشْمَلُ الثَّباتَ عَلَيْهِ والعَمَلَ بِما يَسْتَدْعِيهِ، ولِأنَّ الِاسْتِقامَةَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهم ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ كانَ قَوْلًا مُنْبَعِثًا عَنِ اعْتِقادِ الضَّمِيرِ والمَعْرِفَةِ الحَقِيقَيَّةِ.
وجَمَعَ قَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أصْلَيِ الكَمالِ الإسْلامِيِّ، فَقَوْلُهُ ﴿قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ مُشِيرٌ إلى الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وهو مَعْرِفَةُ الحَقِّ لِلِاهْتِداءِ بِهِ، ومَعْرِفَةُ الخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، فالكَمالُ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ وعَمَلٌ صالِحٌ، فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ هي أساسُ العِلْمِ اليَقِينِيِّ.
وأشارَ قَوْلُهُ (اسْتَقامُوا) إلى أساسِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وهو الِاسْتِقامَةُ عَلى الحَقِّ، أيْ أنْ يَكُونَ وسَطًا غَيْرَ مائِلٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ قالَ تَعالى ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] وقالَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عَلى أنَّ كَمالَ الِاعْتِقادِ راجِعٌ إلى الِاسْتِقامَةِ، فالِاعْتِقادُ الحَقُّ أنْ لا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ النَّفْيِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّعْطِيلِ، ولا يَتَوَغَّلَ في جانِبِ الإثْباتِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي إلى التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ بَلْ يَمْشِي عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ الفاصِلِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ،
صفحة ٢٨٤
ويَسْتَمِرُّ كَذَلِكَ فاصِلًا بَيْنَ الجَبْرِيِّ والقَدَرِيِّ، وبَيْنَ الرَّجاءِ والقُنُوطِ، وفي الأعْمالِ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّفْرِيطِ.
وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الحَشْرِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمُ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وكَما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم لَهم لِأنَّ ظاهِرَ الخَطّابِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ”﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩]“، فَأُولَئِكَ تُلاقِيهِمُ المَلائِكَةُ بِالوَزْعِ، والمُؤْمِنُونَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ بِالأمْنِ.
وذِكْرُ التَّنَزُّلِ هُنا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ أنَّ المَلائِكَةَ يَنْزِلُونَ مِن عُلْوِيّاتِهِمْ لِأجْلِهِمْ فَأمّا أعْداءُ اللَّهِ فَهم يَجِدُونَ المَلائِكَةَ حُضَّرًا في المَحْشَرِ يَزَعُونَهم ولَيْسُوا يَتَنَزَّلُونَ لِأجْلِهِمْ، فَثَبَتَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهَذا كَرامَةٌ كَكَرامَةِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ إذْ يُنَزِّلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ. والمَعْنى: أنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ مَلَكانِ هُما الحافِظانِ اللَّذانِ كانا يَكْتُبانِ أعْمالَهُ في الدُّنْيا. ولِتَضَمُّنِ (تَتَنَزَّلُ) مَعْنى القَوْلِ ورَدَتْ بَعْدَهُ أنِ التَّفْسِيرِيَّةُ. والتَّقْدِيرُ: يَقُولُونَ لا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وهو تَنَزُّلٌ خَفِيٌّ يُعْرَفُ بِحُصُولِ آثارِهِ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ويَكُونَ الخِطابُ بِـ ﴿ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ بِمَعْنى إلْقائِهِمْ في رُوعِهِمْ عَكْسَ وسْوَسَةِ الشَّياطِينِ القُرَناءِ بِالتَّزْيِينِ، أيْ يُلْقُونَ في أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ ما يَصْرِفُهم عَنِ الخَوْفِ والحُزْنِ ويُذَكِّرُهم بِالجَنَّةِ فَتَحِلُّ فِيهِمُ السَّكِينَةُ فَتَنْشَرِحُ صُدُورُهم بِالثِّقَةِ بِحُلُولِها، ويُلْقُونَ في نُفُوسِهِمْ نَبْذَ وِلايَةِ مَن لَيْسُوا مِن حِزْبِ اللَّهِ، فَذَلِكَ مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآيَةَ، فَإنَّهُ تَقْيِيضٌ في الدُّنْيا. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ لا يَخافُونَ غَيْرَ اللَّهِ، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما يُصِيبُهم، ويُوقِنُونَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ، وهم فَرِحُونَ بِما يَتَرَقَّبُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ.
وعَلى هَذا المَعْنى فَقَوْلُهُ الَّتِي كُنْتُمْ تُعْتَبَرُ ”كانَ“ فِيهِ مَزِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ، ويَكُونُ المُضارِعُ في تُوعَدُونَ عَلى أصْلِ اسْتِعْمالِهِ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ، ويَكُونُ قَوْلُهم ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَأْيِيدًا لَهم في الدُّنْيا ووَعْدًا بِنَفْعِهِمْ في الآخِرَةِ.
صفحة ٢٨٥
ولا ناهِيَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ: النَّهْيُ عَنْ سَبَبِهِ، وهو تَوَقُّعُ الضُّرِّ، أيْ لا تَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ مُعاقِبُكم، فالنَّهْيُ كِنايَةٌ عَنِ التَّأْمِينِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهم إذا تَحَقَّقُوا الأمْنَ زالَ خَوْفُهم، وهَذا تَطْمِينٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنْفُسِ المُؤْمِنِينَ.
والخَوْفُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ ظَنِّ حُصُولِ مَكْرُوهٍ شَدِيدٍ.
والحُزْنُ: غَمٌّ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ بِفَواتِ نَفْعٍ أوْ حُصُولِ ضُرٍّ.
وألْحَقُوا بِتَأْمِينِهِمْ بِشارَتَهم، لِأنَّ وقْعَ النَّعِيمِ في النَّفْسِ مَوْقِعَ المَسَرَّةِ إذا لَمْ يُخالِطْهُ تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ.
ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي وُعِدُوا عَلَيْها بِالجَنَّةِ، وتَعْجِيلٌ لَهم بِمَسَرَّةِ الفَوْزِ بِرِضى اللَّهِ، وتَحْقِيقُ وعْدِهِ، أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَها في الدُّنْيا.
وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مُتَأصِّلُونَ في الوَعْدِ بِالجَنَّةِ وذَلِكَ مِن سابِقِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
وفِي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في تُوعَدُونَ إفادَةُ أنَّهم قَدْ تَكَرَّرَ وعْدُهم بِها، وذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الأعْمالِ المَوْعُودِ لِأجْلِها وبِتَكَرُّرِ الوَعْدِ في مَواقِعِ التَّذْكِيرِ والتَّبْشِيرِ.
وقَوْلُ المَلائِكَةِ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ تَعْرِيفٌ بِأنْفُسِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ تَأْنِيسًا لَهم.
فَإنَّ العِلْمَ بِأنَّ المُتَلَقِّيَ صاحِبٌ قَدِيمٌ يَزِيدُ نَفْسَ القادِمِ انْشِراحًا وأُنْسًا ويُزِيلُ عَنْهُ دَهْشَةَ القُدُومِ، يُخَفِّفُ عَنْهُ مِن حِشْمَةِ الضِّيافَةِ، ويُزِيلُ عَنْهُ وحْشَةَ الِاغْتِرابِ، أيْ نَحْنُ الَّذِي كُنّا في صُحْبَتِكم في الدُّنْيا، إذْ كانُوا يَكْتُبُونَ حَسَناتِهِمْ ويَشْهَدُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِصَلاتِهِمْ كَما في حَدِيثِ «يَتَعاقَبُونَ فِيكم مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ فَيَسْألُهم رَبُّهم وهو أعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي ؟ فَيَقُولُونَ: أتَيْناهم وهم يُصَلُّونَ وتَرَكْناهم وهم يُصَلُّونَ»، وقَدْ حَفِظُوا العَهْدَ فَكانُوا أوْلِياءَ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، وقَدْ جِيءَ بِهَذا القَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ صِفاتِ الجَنَّةِ
صفحة ٢٨٦
لِيَتَحَقَّقَ المُؤْمِنُونَ أنَّ بِشارَتَهم بِالجَنَّةِ بِشارَةُ مُحِبٍّ يَفْرَحُ لِحَبِيبِهِ بِالخَيْرِ ويَسْعى لِيَزِيدَهُ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ إشارَةٌ إلى مُقابَلَةِ قَوْلِهِ في المُشْرِكِينَ ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] فَكَما قَيَّضَ لِلْكَفّارِ قُرَناءَ في الدُّنْيا قَيَّضَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَلائِكَةً بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ المَلائِكَةِ خاصٌّ بِرُفْقَةِ المُؤْمِنِينَ ووَلائِهِمْ ولا حَظَّ لِلْكافِرِينَ فِيهِمْ، فَإنْ كانَ الحَفَظَةُ مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِينَ كَما نَقَلَهُ ابْنُ ناجِي في شَرْحِ الرِّسالَةِ فَمَعْنى وِلايَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الحَفَظَةُ مُوَكَّلِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ كَما مَشى عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ٩] فَهَذا صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، وهم غَيْرُ الحَفَظَةِ، وقَدْ يَكُونُ هَذا الصِّنْفُ مِنَ المَلائِكَةِ هو المُسَمّى بِالمُعَقِّباتِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] حَسْبَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وقَدْ دَلَّتْ عِدَّةُ آثارٍ مُتَفاوِتَةٍ في القَبُولِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ لَهم عَلاقَةٌ بِالنّاسِ عُمُومًا أوْ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً أصْنافٌ كَثِيرَةٌ. وعَنْ عُثْمانَ «أنَّهُ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ: كَمْ مِن مَلَكٍ عَلى الإنْسانِ، فَذَكَرَ لَهُ عِشْرِينَ مَلَكًا»، ولَعَلَّ وصْفَ المَلائِكَةِ المُتَنَزِّلِينَ بِأنَّهم أوْلِياءُ يَقْتَضِي أنَّ عَمَلَهم مَعَ المُؤْمِنِ عَمَلُ صَلاحٍ وتَأْيِيدٍ مِثْلَ إلْهامِ الطّاعاتِ ومُحارَبَةِ الشَّياطِينِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ تَتِمُّ مُقابَلَةُ تَنَزُّلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ تَقْيِيضِ القُرَناءِ لِلْكافِرِينَ، وهَذا أحْسَنُ.
وجُمْلَةُ ﴿ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ كَما بَيَّنْتُهُ آنِفًا.
ومَعْنى ﴿ما تَدَّعُونَ﴾: ما تَتَمَنَّوْنَ. يُقالُ: ادَّعى، أيْ تَمَنّى، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧] في سُورَةِ يس.
صفحة ٢٨٧
والمَعْنى: لَكم فِيها ما تَشْتَهُونَهُ مِمّا يَقَعُ تَحْتَ الحِسِّ وما تَتَمَنَّوْنَهُ في نُفُوسِكم مِن كُلِّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ مِمّا يَجُولُ في الخَيالِ، فَما يَدَّعُونَ غَيْرَ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم.
ولِهَذِهِ المُغايَرَةِ أُعِيدَ لَكم لِيُؤْذِنَ بِاسْتِقْلالِ هَذا الوَعْدِ عَنْ سابِقِهِ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ العَطْفَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أوْ عَطْفٌ عامٌّ عَلى خاصٍّ.
والنُّزُلُ بِضَمِّ النُّونِ وضَمِّ الزّايِ: ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ مِنَ القِرى، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ؛ لِأنَّهُ كَرامَةُ النَّزِيلِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِما يُعْطُونَهُ مِنَ الرَّغائِبِ سَواءٌ كانَتْ رِزْقًا أمْ غَيْرَهُ. ووَجْهُ الشَّبَهِ سُرْعَةُ إحْضارِهِ كَأنَّهُ مُهَيَّأٌ مِن قَبْلُ أنْ يَشْتَهُوهُ أوْ يَتَمَنَّوْهُ.
ومِن ﴿غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ صِفَةُ نُزُلًا، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن ﴿ما تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ﴾، وما تَدَّعُونَ حالَ كَوْنِهِ كالنُّزُلِ المُهَيَّأِ لِلضَّيْفِ، أيْ تُعْطَوْنَهُ كَما يُعْطى النُّزُلُ لِلضَّيْفِ.
وأُوثِرَتْ صِفَتا الغَفُورِ الرَّحِيمِ، هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهم أوْ لِأكْثَرِهِمُ اللَّمَمَ وما تابُوا مِنهُ، وأنَّهُ رَحِيمٌ بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُحِبُّونَهُ ويَخافُونَهُ ويُناصِرُونَ دِينَهُ.
فصلت 41:33
﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ .
لَيْسَ هَذا مِن حِكايَةِ خِطابِ المَلائِكَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وإنَّما هو مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ فالأظْهَرُ أنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِلثَّناءِ عَلى الَّذِينَ قالُوا: رَبُّنا اللَّهُ، واسْتَقامُوا، وتَوْجِيهٌ لِاسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ المُعامَلَةَ الشَّرِيفَةَ، وقَمْعٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ تَقْرَعُ أسْماعَهم، أيْ كَيْفَ لا يَكُونُونَ بِتِلْكَ المَثابَةِ وقَدْ قالُوا أحْسَنَ القَوْلِ وعَمِلُوا أحْسَنَ العَمَلِ. وذِكْرُ هَذا الثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِحُسْنِ قَوْلِهِمْ عَقِبَ ذِكْرِ مَذَمَّةِ المُشْرِكِينَ ووَعِيدِهِمْ عَلى سُوءِ قَوْلِهِمْ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ، مُشْعِرٌ لا مَحالَةَ بِأنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا، طَرَفاهُ: الحُسْنُ المُصَرُّحُ بِهِ، والأسْوَأُ المَفْهُومُ بِالمُقابَلَةِ، أيْ فَلا يَسْتَوِي الَّذِينَ قالُوا أحْسَنَ القَوْلِ وعَمِلُوا أصْلَحَ العَمَلِ مَعَ الَّذِينَ قالُوا أسْوَأ القَوْلِ وعَمِلُوا أسْوَأ العَمَلِ، ولِهَذا عَقَّبَ بُقُولِهِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] .
صفحة ٢٨٨
والواوُ إمّا عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠]، أوْ حالِيَّةً مِنَ الَّذِينَ قالُوا، والمَعْنى: أنَّهم نالُوا ذَلِكَ إذْ لا أحْسَنَ مِنهم قَوْلًا وعَمَلًا.
و(مَن) اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في النَّفْيِ، أيْ لا أحَدَ أحْسَنُ قَوْلًا مِن هَذا الفَرِيقِ كَقَوْلِهِ ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥] الآيَةَ في سُورَةِ النِّساءِ.
ومَن دَعا إلى اللَّهِ: كُلُّ أحَدٍ ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ هَذِهِ الصِّلَةِ. والدُّعاءُ إلى شَيْءٍ: أمْرُ غَيْرِكَ بِالإقْبالِ عَلى شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُهم: الدَّعْوَةُ العَبّاسِيَّةُ والدَّعْوَةُ العَلَوِيَّةُ، وتَسْمِيَةُ الواعِظِ عِنْدَ بَنِي عَبِيدٍ بِالدّاعِي لِأنَّهُ يَدْعُو إلى التَّشَيُّعِ لِآلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. فالدُّعاءُ إلى اللَّهِ: تَمْثِيلٌ لِحالِ الآمِرِ بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِ الشِّرْكِ بِحالِ مَن يَدْعُو أحَدًا بِالإقْبالِ إلى شَخْصٍ، وهَذا حالُ المُؤْمِنِينَ حِينَ أعْلَنُوا التَّوْحِيدَ وهو ما وُصِفُوا بِهِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] كَما عَلِمْتَ وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ المُشْرِكِينَ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وسَيِّدُ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَوْلُهُ مَن دَعا إلى اللَّهِ مَن فِيهِ تَفْضِيلِيَّةٌ لِاسْمِ أحْسَنَ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: مِن قَوْلِ (مَن دَعا إلى اللَّهِ) . وهَذا الحَذْفُ كالَّذِي في قَوْلِ النّابِغَةِ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعْلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ لا تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى مَخافَةِ وعْلٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيَةَ، في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعَمَلُ الصّالِحُ: هو العَمَلُ الَّذِي يُصْلِحُ عامِلَهُ في دِينِهِ ودُنْياهُ صَلاحًا لا يَشُوبُهُ فَسادٌ، وذَلِكَ العَمَلُ الجارِي عَلى وفْقَ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ، فالعَمَلُ الصّالِحُ: هو ما وُصِفَ بِهِ المُؤْمِنُونَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وأمّا ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ فَهو ثَناءٌ عَلى المُسْلِمِينَ بِأنَّهُمُ افْتَخَرُوا بِالإسْلامِ، واعْتَزُّوا بِهِ بَيْنَ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَتَسَتَّرُوا بِالإسْلامِ.
والِاعْتِزازُ بِالدِّينِ عَمَلٌ صالِحٌ ولَكِنَّهُ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْظُ
صفحة ٢٨٩
الكافِرِينَ. ومِثالُ هَذا «ما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ صاحَ أبُو سُفْيانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ قُولُوا ”اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ“ فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكم» .
وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ نَظِيرَ هَذا القَوْلِ في الصِّلَةِ المُشِيرَةِ إلى سَبَبِ تَنَزُّلِ المَلائِكَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالكَرامَةِ وهي ﴿الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها هُنا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِتَفاخُرِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ بِعِزَّةِ الإسْلامِ، وذَلِكَ مِن آثارِ تِلْكَ الصِّلَةِ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ هُنالِكَ بِخِلافِ مَوْقِعِهِ هُنا.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَنزَعٌ عَظِيمٌ لِفَضِيلَةِ عُلَماءِ الدِّينِ الَّذِينَ بَيَّنُوا السُّنَنَ ووَضَّحُوا أحْكامَ الشَّرِيعَةِ واجْتَهَدُوا في التَّوَصُّلِ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى مِن دِينِهِ ومِن خُلُقِهِ.
وفِيها أيْضًا مَنزَعٌ لَطِيفٌ لِتَأْيِيدِ قَوْلِ الماتُرِيدِيِّ وطائِفَةٍ مِن عُلَماءِ القَيْرَوانِ وعَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ: إنَّ المُسْلِمَ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ ولا يَقُولُ إنْ شاءَ اللَّهُ، خِلافًا لِقَوْلِ الأشْعَرِيِّ وطائِفَةٍ مِن عُلَماءِ القَيْرَوانِ وعَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسَ فَنُقِلَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَدْ تَطايَرَ شَرَرُ هَذا الخِلافِ بَيْنَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ مُدَّةَ قَرْنٍ. والحَقُّ أنَّهُ خِلافٌ لَفْظِيٌّ كَما بَيَّنَهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ ونَقَلَهُ عِياضٌ في المَدارِكِ ووافَقَهُ. وذَكَرْنا المَسْألَةَ مُفَصَّلَةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] في سُورَةِ الأعْرافِ وبِذَلِكَ فَلا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ وإنَّما الحُجَّةُ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ عَلى الماتُرِيدِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ.
والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] .
فصلت 41:34
﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
عَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لَهُ مَوْقِعٌ عَجِيبٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] إلَخْ تَكْمِلَةً لَها فَإنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْها تَضَمَّنَتِ
صفحة ٢٩٠
الثَّناءَ عَلى المُؤْمِنِينَ إثْرَ وعِيدِ المُشْرِكِينَ وذَمِّهِمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ فِيها بَيانُ التَّفاوُتِ بَيْنَ مَرْتَبَةِ المُؤْمِنِينَ وحالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الحَسَنَةَ اسْمٌ مَنقُولٌ مِنَ الصِّفَةِ فَتَلَمُّحُ الصِّفَةِ مُقارِنٌ لَهُ، فالحَسَنَةُ حالَةُ المُؤْمِنِينَ والسَّيِّئَةُ حالَةُ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى كَمَعْنى آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن هَذا القَبِيلِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ [غافر: ٥٨]، فَعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها عَلى هَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ الَّتِي يَجْمَعُها غَرَضٌ واحِدٌ ولَيْسَ مِن عَطْفِ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] الواقِعَةِ بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] فَإنَّ ذَلِكَ مُثِيرٌ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ الضَّجَرَ مِن إصْرارِ الكافِرِينَ عَلى كَفْرِهِمْ وعَدَمِ التَّأثُّرِ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى الحَقِّ فَهو بِحالٍ مِن تَضَيُّقِ طاقَةِ صَبْرِهِ عَلى سَفاهَةِ أُولَئِكَ الكافِرِينَ، فَأرْدَفَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ بِما يَدْفَعُ هَذا الضِّيقَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ الآيَةَ.
فالحَسَنَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ جِنْسِها وأُولاها تَبادُرًا إلى الأذْهانِ حَسَنَةُ الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ لِما فِيها مِن جَمِّ المَنافِعِ في الآخِرَةِ والدُّنْيا، وتَشْمَلُ صِفَةُ الصَّفْحِ عَنِ الجَفاءِ الَّذِي يَلْقى بِهِ المُشْرِكُونَ دَعْوَةَ الإسْلامِ لِأنَّ الصَّفْحَ مِنَ الإحْسانِ، وفِيهِ تَرْكُ ما يُثِيرُ حَمِيَّتَهم لِدِينِهِمْ ويُقَرِّبُ لِينَ نُفُوسِ ذَوِي النُّفُوسِ اللَّيِّنَةِ.
فالعَطْفُ عَلى هَذا مِن عَطْفِ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ، وهو الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِعَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وهي تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ عَقِبَها ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ الآيَةَ.
وقَدْ عَلِمْتَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ نَفْيَ الِاسْتِواءِ ونَحْوَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُرادُ بِهِ غالِبًا تَفْضِيلُ أحَدِهِما عَلى مُقابِلِهِ بِحَسَبَ دَلالَةِ السِّياقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقَوْلِ الأعْشى:
ما يُجْعَلُ الجُدُّ الضَّنُونُ الَّذِي جُنِّبَ صَوْبَ اللَّجِبِ الماطِرِ
مِثْلَ الفُراتِيِّ إذا ما طَما ∗∗∗ يَقْذِفُ بِالبُوصِيِّ والماهِرِ
صفحة ٢٩١
فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾، دُونَ إعادَةِ لا النّافِيَةِ بَعْدَ الواوِ الثّانِيَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [فاطر: ١٩]، فَإعادَةُ لا النّافِيَةِ تَأْكِيدٌ لِأُخْتِها السّابِقَةِ. وأحْسَنُ مِنِ اعْتِبارِ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ مُؤْذِنٌ بِاحْتِباكٍ في الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وما تَسْتَوِي الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ ولا السَّيِّئَةُ والحَسَنَةُ. فالمُرادُ بِالأوَّلِ نَفْيُ أنْ تَلْتَحِقَ فَضائِلُ الحَسَنَةِ مَساوِيَ السَّيِّئَةِ، والمُرادُ الثّانِي نَفْيُ أنْ تَلْتَحِقَ السَّيِّئَةُ بِشَرَفِ الحَسَنَةِ. وذَلِكَ هو الِاسْتِواءُ في الخَصائِصِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْيِ المُساواةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ نَفْيٌ تامٌّ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ: جِنْسِ الحَسَنَةِ وجِنْسِ السَّيِّئَةِ لا مُبالَغَةَ فِيهِ ولا مَجازَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ فاطِرٍ.
وفِي التَّعْبِيرِ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ دُونَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِن هَذَيْنِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في جِنْسِ وصْفِهِ مِن إحْسانٍ وإساءَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، ولِيَتَأتّى الِانْتِقالُ إلى مَوْعِظَةِ تَهْذِيبِ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، فَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيثارُ نَفْيِ المُساواةِ بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ تَوْطِئَةً لِلِانْتِقالِ إلى قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ يَجْرِي مَوْقِعُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في عَطْفِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ .
فالجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن وجْهَيْ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ تَخَلُّصٌ مِن غَرَضِ تَفْضِيلِ الحَسَنَةِ عَلى السَّيِّئَةِ إلى الأمْرِ بِخُلُقِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ لِمُناسَبَةِ أنَّ ذَلِكَ الدَّفْعَ مِن آثارِ تَفْضِيلِ الحَسَنَةِ عَلى السَّيِّئَةِ إرْشادًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ وأُمَّتِهِ بِالتَّخَلُّقِ بِخُلُقِ الدَّفْعِ بِالحُسْنى.
وهِيَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ والمَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ، فَمَضْمُونُها ناشِئٌ عَنْ مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها.
وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ في الجُمْلَةِ الأُولى مُقْتَضٍ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مَفْصُولَةً غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ.
صفحة ٢٩٢
وإنَّما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ لِأنَّ مُنْتَهى الكَمالِ البَشَرِيِّ خُلُقُهُ كَما قالَ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» وقالَتْ عائِشَةُ لَمّا سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ”«كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» “ لِأنَّهُ أفْضَلُ الحُكَماءِ.
والإحْسانُ كَمالٌ ذاتِيٌّ ولَكِنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَرْكُهُ مَحْمُودًا في الحُدُودِ ونَحْوِها فَذَلِكَ مَعْنًى خاصٌّ. والكَمالُ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ ما اسْتَطاعَ ما لَمْ يُخْشَ فَواتُ كَمالٍ أعْظَمَ، ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ «ما انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أنْ تُنْتَهَكَ حُرُماتُ اللَّهِ فَيَغْضَبَ لِلَّهِ»، وتَخَلُّقُ الأُمَّةِ بِهَذا الخُلُقِ مَرْغُوبٌ فِيهِ قالَ تَعالى ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
ورَوى عِياضٌ في الشِّفاءِ وهو مِمّا رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] سَألَ النَّبِيءُ ﷺ جِبْرِيلَ عَنْ تَأْوِيلِها فَقالَ لَهُ: حَتّى أسْألَ العالِمَ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ» .
ومَفْعُولُ ادْفَعْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ انْحِصارُ المَعْنى بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ، فَلَمّا أُمِرَ بِأنْ تَكُونَ الحَسَنَةُ مَدْفُوعًا بِها تَعَيَّنَ أنَّ المَدْفُوعَ هو السَّيِّئَةُ، فالتَّقْدِيرُ: ادْفَعِ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ كَقَوْلِهِ ﴿ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢] في سُورَةِ الرَّعْدِ وقَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
و﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هي الحَسَنَةُ، وإنَّما صِيغَتْ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ تَرْغِيبًا في دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِها لِأنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ فَإنَّ الغَضَبَ مِن سُوءِ المُعامَلَةِ مِن طِباعِ النَّفْسِ وهو يَبْعَثُ عَلى حُبِّ الِانْتِقامِ مِنَ المُسِيءِ فَلَمّا أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يُجازِيَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ أُشِيرَ إلى فَضْلِ ذَلِكَ. وقَدْ ورَدَ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وصْفُهُ في التَّوْراةِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الأمْرِ قَوْلُهُ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ لِبَيانِ ما في ذَلِكَ الأمْرِ مِنَ الصَّلاحِ تَرْوِيضًا عَلى التَّخَلُّقِ بِذَلِكَ الخُلُقِ الكَرِيمِ، وهو أنْ تَكُونَ النَّفْسُ مَصْدَرًا لِلْإحْسانِ. ولَمّا كانَتِ الآثارُ الصّالِحَةُ تَدُلُّ عَلى صَلاحِ مَثارِها. وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ أرْدَفَهُ بِذِكْرِ بَعْضِ مَحاسِنِهِ
صفحة ٢٩٣
وهُوَ أنْ يَصِيرَ العَدُوُّ كالصَّدِيقِ، وحُسْنُ ذَلِكَ ظاهِرٌ مَقْبُولٌ فَلا جَرَمَ أنْ يَدُلَّ حُسْنُهُ عَلى حُسْنِ سَبَبِهِ.
ولِذِكْرِ المَثَلِ والنَّتائِجِ عَقِبَ الإرْشادِ شَأْنٌ ظاهِرٌ في تَقْرِيرِ الحَقائِقِ وخاصَّةً الَّتِي قَدْ لا تَقْبَلُها النُّفُوسُ لِأنَّها شاقَّةٌ عَلَيْها، والعَداوَةُ مَكْرُوهَةٌ والصَّداقَةُ والوِلايَةُ مَرْغُوبَةٌ، فَلَمّا كانَ الإحْسانُ لِمَن أساءَ يُدْنِيهِ مِنَ الصَّداقَةِ أوْ يُكْسِبُهُ إيّاها كانَ ذَلِكَ مِن شَواهِدِ مَصْلَحَةِ الأمْرِ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
وإذا لِلْمُفاجَأةِ، وهي كِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ ظُهُورِ أثَرِ الدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ في انْقِلابِ العَدُوِّ صَدِيقًا.
وعَدَلَ عَنْ ذِكْرَ العَدُوِّ مُعَرَّفًا بِلامِ الجِنْسِ إلى ذِكْرِهِ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِيَتَأتّى تَنْكِيرُ عَداوَةٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وهو أصْلُ التَّنْكِيرِ فَيَصْدُقُ بِالعَداوَةِ القَوِيَّةِ ودُونِها، كَما أنَّ ظَرْفَ ﴿بَيْنَكَ وبَيْنَهُ﴾ يَصْدُقُ بِالبَيْنِ القَرِيبِ والبَيْنِ البَعِيدِ، أعْنِي مُلازِمَةَ العَداوَةِ أوْ طَرُوَّها.
وهَذا تَرْكِيبٌ مِن أعْلى طَرَفِ البَلاغَةِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ أحْوالَ العَداواتِ فَيُعْلَمُ أنَّ الإحْسانَ ناجِعٌ في اقْتِلاعِ عَداوَةِ المُحْسَنِ إلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ عَلى تَفاوُتِ مَراتِبِ العَداوَةِ قُوَّةً وضَعْفًا، وتَمَكُّنًا وبُعْدًا، ويُعْلَمُ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإحْسانُ لِلْعَدُوِّ قَوِيًّا بِقَدْرِ تَمَكُّنِ عَداوَتِهِ لِيَكُونَ أنْجَعَ في اقْتِلاعِها. ومِنَ الأقْوالِ المَشْهُورَةِ: النُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾، تَشْبِيهٌ في زَوالِ العَداوَةِ ومُخالَطَةِ شَوائِبِ المَحَبَّةِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو المُصافاةُ والمُقارَبَةُ وهو مَعْنًى مُتَفاوِتُ الأحْوالِ، أيْ مَقُولٌ عَلى جِنْسِهِ بِالتَّشْكِيكِ عَلى اخْتِلافِ تَأثُّرِ النَّفْسِ بِالإحْسانِ وتَفاوُتِ قُوَّةِ العَداوَةِ قَبْلَ الإحْسانِ، ولا يَبْلُغُ مَبْلَغَ المُشَبَّهِ بِهِ إذْ مِنَ النّادِرِ أنْ يَصِيرَ العَدُوُّ ولِيًّا حَمِيمًا، فَإنْ صارَهُ فَهو لِعَوارِضَ غَيْرِ داخِلَةٍ تَحْتَ مَعْنى الإسْراعِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ إذا الفُجائِيَّةُ.
والعَداوَةُ الَّتِي بَيْنَ المُشْرِكِينَ وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ عَداوَةٌ في الدِّينِ، فالمَعْنى: فَإذا
صفحة ٢٩٤
الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ لِكُفْرِهِ، فَلِذَلِكَ لا تَشْمَلُ الآيَةُ مَن آمَنُوا بَعْدَ الكُفْرِ فَزالَتْ عُدَواتُهم لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ إيمانِهِمْ كَما زالَتْ عَداوَةُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَعْدَ إسْلامِهِ حَتّى قالَ يَوْمًا لِلنَّبِيءِ ﷺ: «لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ»، وكَما زالَتْ عَداوَةُ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أبِي سُفْيانَ إذْ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ «ما كانَ أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ يَذِلُّوا مِن أهْلِ خِبائِكَ واليَوْمَ ما أهْلُ خِباءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ يَعِزُّوا مَن أهْلِ خِبائِكَ فَقالَ لَها النَّبِيءُ ﷺ وأيْضًا»، أيْ وسَتَزِيدِينَ حُبًّا.
وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ كانَ عَدُوًّا لِلنَّبِيءِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ فَصارَ بَعْدَ إسْلامِهِ ولِيًّا مُصافِيًا. وهو وإنْ كانَ كَما قالُوا فَلا أحْسَبُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في اكْتِسابِ المَوَدَّةِ بِالإحْسانِ.
والوَلِيُّ: اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلايَةِ بِفَتْحِ الواوِ، والوَلاءِ، وهو: الحَلِيفُ والنّاصِرُ، وهو ضِدُّ العَدُوِّ، وتَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
والحَمِيمُ: القَرِيبُ والصَّدِيقُ. ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ﴿ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ أنَّهُ جَمْعُ خَصْلَتَيْنِ، كِلْتاهُما لا تَجْتَمِعُ مَعَ العَداوَةِ وهُما خَصْلَتا الوَلايَةِ والقَرابَةِ.
فصلت 41:35
﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، أوْ حالٌ مِنَ ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣]، وضَمِيرُ يُلَقّاها عائِدٌ إلى ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِفِعْلِ ادْفَعْ، أيْ بِالمُعامَلَةِ والمُدافَعَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ، فَأمّا مُطْلَقُ الحَسَنَةِ فَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِ الَّذِينَ صَبَرُوا.
وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى الِارْتِياضِ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ بِإظْهارِ احْتِياجِها إلى قُوَّةِ عَزْمٍ وشِدَّةِ مِراسٍ لِلصَّبْرِ عَلى تَرْكِ هَوى النَّفْسِ في حُبِّ الِانْتِقامِ، وفي ذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِفَضْلِها بِأنَّها تُلازِمُها خَصْلَةُ الصَّبْرِ وهي في ذاتِها خَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ وثَوابُها جَزِيلٌ كَما عُلِمَ مِن عِدَّةِ آياتٍ في القُرْآنِ، وحَسْبُكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] .
صفحة ٢٩٥
فالصّابِرُ مُرْتاضٌ بِتَحَمُّلِ المَكارِهِ وتَجَرُّعِ الشَّدائِدِ وكَظْمِ الغَيْظِ فَيَهُونُ عَلَيْهِ تُرْكُ الِانْتِقامِ.
ويُلَقّاها يُجْعَلُ لاقِيًا لَها، أيْ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، وهو مُسْتَعارٌ لِلسَّعْيِ لِتَحْصِيلِها لِأنَّ التَّحْصِيلَ عَلى الشَّيْءِ بَعْدَ المُعالَجَةِ والتَّخَلُّقِ يُشْبِهُ السَّعْيَ لِمُلاقاةِ أحَدٍ فَيَلْقاهُ.
وجِيءَ في يُلَقّاها بِالمُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ بِاعْتِبارِ أنَّ المَأْمُورَ بِالدَّفْعِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ مَأْمُورٌ بِتَحْصِيلِ هَذا الخُلُقِ في المُسْتَقْبَلِ، وجِيءَ في الصِّلَةِ وهي الَّذِينَ صَبَرُوا بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الصَّبْرَ خُلُقٌ سابِقٌ فِيهِمْ هو العَوْنُ عَلى مُعامَلَةِ المُسِيءِ بِالحُسْنى، ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إلّا الصّابِرُونَ، لِنُكْتَةِ كَوْنِ الصَّبْرِ سَجِيَّةً فِيهِمْ مُتَأصِّلَةً.
ثُمَّ زِيدَ في التَّنْوِيهِ بِها بِأنَّها ما تَحْصُلُ إلّا لِذِي حَظٍّ عَظِيمٍ.
والحَظُّ: النَّصِيبُ مِنَ الشَّيْءِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: خاصٌّ بِالنَّصِيبِ مِن خَيْرٍ، والمُرادُ هُنا: نَصِيبُ الخَيْرِ، بِالقَرِينَةِ أوْ بِدَلالَةِ الوَضْعِ، أيْ ما يَحْصُلُ دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ إلّا لِصاحِبِ نَصِيبٍ عَظِيمٍ مِنَ الفَضائِلِ، أيْ مِنَ الخُلُقِ الحَسَنِ والِاهْتِداءِ والتَّقْوى.
فَتَحَصَّلَ مِن هَذَيْنِ أنَّ التَّخَلُّقَ بِالصَّبْرِ شَرْطٌ في الِاضْطِلاعِ بِفَضِيلَةِ دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وأنَّهُ لَيْسَ وحْدَهُ شَرْطًا فِيها بَلْ وراءَهُ شُرُوطٌ أُخَرُ يَجْمَعُها قَوْلُهُ ﴿حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أيْ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ، والصَّبْرُ مِن جُمْلَةِ الحَظِّ العَظِيمِ لِأنَّ الحَظَّ العَظِيمَ أعَمُّ مِنَ الصَّبْرِ، وإنَّما خُصَّ الصَّبْرُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أصْلُها ورَأْسُ أمْرِها وعَمُودُها.
وفِي إعادَةِ فِعْلِ ﴿وما يُلَقّاها﴾ دُونَ اكْتِفاءٍ بِحَرْفِ العَطْفِ إظْهارٌ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ بِحَيْثُ لا يَسْتَتِرُ مِن صَرِيحِهِ شَيْءٌ تَحْتَ العاطِفِ.
وأفادَ ﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾: الحَظُّ العَظِيمُ مِنَ الخَيْرِ سَجِيَّتُهُ ومَلَكَتُهُ كَما اقْتَضَتْهُ إضافَةُ ذُو.
صفحة ٢٩٦
وحاصِلُ ما أشارَ إلَيْهِ الجُمْلَتانِ أنَّ مِثْلَكَ مَن يَتَلَقّى هَذِهِ الوَصِيَّةَ وما هي بِالأمْرِ الهَيِّنِ لِكُلِّ أحَدٍ.
فصلت 41:36
﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٥]، فَبَعْدَ أنْ أرْشَدَ إلى ما هو عَوْنٌ عَلى تَحْصِيلِ هَذا الخُلُقِ المَأْمُورِ بِهِ وهو دَفْعُ السَّيِّئَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وبَعْدَ أنْ شُرِحَتْ فائِدَةُ العَمَلِ بِها بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] صَرَفَ العِنانَ هُنا إلى التَّحْذِيرِ مِن عَوائِقِها الَّتِي تَجْتَمِعُ كَثْرَتُها في حَقِيقَةِ نَزْغِ الشَّيْطانِ، فَأُمِرَ بِأنَّهُ إنْ وجَدَ في نَفْسِهِ خَواطِرَ تَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ وتَدْعُوهُ إلى دَفْعِ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها فَإنَّ ذَلِكَ نَزْغٌ مِنَ الشَّيْطانِ دَواؤُهُ أنْ تَسْتَعِيذَ بِاللَّهِ مِنهُ فَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لَهُ أنْ يُعِيذَهُ إذا اسْتَعاذَهُ لِأنَّهُ أمَرَهُ بِذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وفائِدَةُ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ تَجْدِيدُ داعِيَةِ العِصْمَةِ المَرْكُوزَةِ في نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ اسْتِمْدادٌ لِلْعِصْمَةِ وصَقْلٌ لِزُكاءِ النَّفْسِ مِمّا قَدْ يَقْتَرِبُ مِنها مِنَ الكُدُراتِ. وهَذا سِرٌّ مِنَ الِاتِّصالِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ ورَبِّهِ وقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»، فَبِذَلِكَ تَسْلَمُ نَفْسُهُ مِن أنْ يَغْشاها شَيْءٌ مِنَ الكُدُراتِ ويَلْحَقُ بِهِ في ذَلِكَ صالِحُو المُؤْمِنِينَ.
وفِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ «ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها ولَئِنْ سَألَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» .
ثُمَّ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ المُؤْمِنِينَ عَلى تَفاوُتِهِمْ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ
صفحة ٢٩٧
التِّرْمِذِيِّ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخْرى فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ» .
والنَّزْغُ: النَّخْسُ، وحَقِيقَتُهُ: مَسٌّ شَدِيدٌ لِلْجِلْدِ بِطَرَفِ عُودٍ أوْ إصْبَعٍ، فَهو مَصْدَرٌ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِاتِّصالِ القُوَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ بِخَواطِرِ الإنْسانِ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وتَصْرِفُهُ عَنِ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ وإسْنادُ يَنْزَغَنَّكَ إلى (نَزْغٌ) مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن بابِ: جِدُّ جِدِّهِ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنَّزْغِ هُنا: النّازِغُ، وهو الشَّيْطانُ، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِن بَيانِيَّةٌ، أيْ يَنْزَغَنَّكَ النّازِغُ الَّذِي هو الشَّيْطانُ. والمُبالَغَةُ حاصِلَةٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَعَ اخْتِلافِ جِهَتِها.
وجِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِـ إنَّ الَّتِي الأصْلُ فِيها عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ تَرْفِيعًا لِقَدْرِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ لَهُ إنَّما يُفْرَضُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] فَجاءَ في ذَلِكَ الشَّرْطِ بِحِرَفِ إذا الَّتِي الأصْلُ فِيها الجَزْمُ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ بِغَلَبَةِ وُقُوعِهِ.
وما زائِدَةٌ بَعْدَ حَرْفِ الشَّرْطِ لِتَوْكِيدِ الرَّبْطِ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولَيْسَتْ لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الشَّرْطِ فَإنَّها تَزْدادُ كَثِيرًا بَعْدَ إنْ دُونَ أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى الجَزْمِ بِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ وهو هَنا حُكْمٌ كِنائِيٌّ لِأنَّ المَقْصُودَ لازِمُ وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ وهو مُؤاخَذَةُ مَن تَصْدُرُ مِنهم أقْوالٌ وأعْمالٌ في أذى النَّبِيءِ ﷺ والكَيْدِ لَهُ مِمَّنْ أُمِرَ بِأنْ يَدْفَعَ سَيِّئاتِهِمْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
والمَعْنى: فَإنْ سَوَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ أنْ لا تُعامِلَ أعْداءَكَ بِالحَسَنَةِ وزَيَّنَ لَكَ الِانْتِقامَ وقالَ لَكَ: كَيْفَ تُحْسِنُ إلى أعْداءِ الدِّينِ، وفي الِانْتِقامِ مِنهم قَطْعُ
صفحة ٢٩٨
كَيْدِهِمْ لِلدِّينِ، فَلا تَأْخُذْ بِنَزْغِهِ وخُذْ بِما أمَرْناكَ واسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن أنْ يَزِلَّكَ الشَّيْطانُ فَإنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ أعْدائِكَ وهو يَتَوَلّى جَزاءَهم.
فصلت 41:37
﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿قُلَ أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]“ الآيَةَ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ خَلْقِ العَوالِمِ أنَّها دَلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ هُنا عَنِ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِأنَّها مِن آياتِ اللَّهِ انْتِقالًا في أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِذَواتٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالٍ مِن أحْوالِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، فابْتُدِئَ بِبَعْضِ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ وهي حالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وحالُ طُلُوعِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ القَمَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَعْضَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] .
ويَدُلُّ لِهَذا الِانْتِقالِ أنَّهُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] إلى أُسْلُوبِ خِطابِهِمْ رُجُوعًا إلى خِطابِهِمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ”﴿أيِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ [فصلت: ٩]“ .
والآياتُ: الدَّلائِلُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ اللَّهِ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَلى وُجُودِهِ.
واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يَفْعَلُها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِهِ بِالصُّنْعِ فَهو مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .
والمُرادُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ابْتِداءً هُنا حَرَكَتُهُما المُنْتَظِمَةُ المُسْتَمِرَّةُ، وأمّا خَلْقُهُما فَقَدْ عُلِمَ مَن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ
صفحة ٢٩٩
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، فَإنَّ الشَّمْسَ إحْدى السَّماواتِ السَّبْعِ والقَمَرَ تابِعٌ لِلشَّمْسِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِثْلَ طُلُوعٍ أوْ غُرُوبٍ أوْ فَلَكٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِيَكُونَ صالِحًا لِلِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِما وهو المَقْصُودُ الأوَّلُ، ولِخَلْقِهِما تَأْكِيدٌ لِما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] تَوْفِيرًا لِلْمَعانِي.
ولَمّا جَرى الِاعْتِبارُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ وكانَ في النّاسِ أقْوامٌ عَبَدُوا الشَّمْسَ والقَمَرَ وهُمُ الصّابِئَةُ ومَنبَعُهم مِنَ العِراقِ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] الآياتِ، ثُمَّ ظَهَرَ هَذا الدِّينُ في سَبَأٍ، عَبَدُوا الشَّمْسَ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ النَّمْلِ.
ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّ العَرَبَ في زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ هُنا لَعَلَّ ناسًا مِنهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ اهـ. ولَكِنَّ وُجُودَ عِبادَةِ الشَّمْسِ في اليَمَنِ أيّامَ سَبَأٍ قَبْلَ أنْ يَتَهَوَّدُوا يَقْتَضِي بَقاءَ آثارِهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ في بَعْضِ بِلادِ العَرَبِ. وقَدْ ذُكِرَ مِن أصْنامِ العَرَبِ صَنَمٌ اسْمُهُ شَمْسُ وبِهِ سُمُّوا عَبْدَ شَمْسَ، وكَذَلِكَ جَعَلَهم مِن أسْماءِ الشَّمْسِ الآلِهَةَ، قالَتْ مَيَّةُ بِنْتُ أُمِّ عُتْبَةَ:
تَرَوَّحْنا مِنَ اللَّعْباءِ عَصْرًا فاعْجَلْنا الآلِهَةَ أنْ تُئَوِّبا
وكانَ الصَّنَمُ الَّذِي اسْمُهُ شَمْسُ يَعْبُدُهُ بَنُو تَمِيمٍ وضَبَّةُ وتَمِيمٌ وعُكْلٌ وأُدٌّ. وكُنْتُ وقَفْتُ عَلى أنَّ بَعْضَ كِنانَةَ عَبَدُوا القَمَرَ.
وفِي تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ لِلْكَواشِيِّ وكانَ النّاسُ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ السُّجُودَ لِلَّهِكالصّابِئِينَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَخُصُّوهُ تَعالى بِالعِبادَةِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ النّاسَ مِنَ العَرَبِ، عَلى أنَّ هَدْيَ القُرْآنِ لا يَخْتَصُّ بِالعَرَبِ بَلْ شُيُوعُ دِينِ الصّابِئَةِ في البِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم كافٍ في التَّحْذِيرِ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.
صفحة ٣٠٠
وقَدْ كانَ العَرَبُ يَحْسَبُونَ دِينَ الإسْلامِ دِينَ الصّابِئَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ لِمَن أسْلَمَ: صَبَأ، وكانُوا يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِالصّابِئِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ في قَوْلِهِ ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ نَهْيَ إقْلاعٍ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، فَهو نَهْيُ تَحْذِيرٍ لِمَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُما أنْ لا يَتْبَعُوا مَن يَعْبُدُونَهُما.
ووُقُوعُ قَوْلِهِ ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يُفِيدُ مُفادَ الحَصْرِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ، ووُقُوعُ الإثْباتِ بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ النَّفْيِ بِالإيجابِ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في إفادَةِ الحَصْرِ كَما تَراهُ في قَوْلِ السَّمَوْألِ أوْ عَبْدِ المَلِكِ الحارِثِيِّ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ، أيْ دُونَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
فَجُمْلَةُ ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعْبُدُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٨] .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ، فَقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَدا ابْنَ وهْبٍ: السُّجُودُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في المَشْهُورِ عَنْهُ وابْنُ وهْبٍ: هي عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وهو عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.
فصلت 41:38
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ .
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى نَهْيِهِمْ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ وأمْرِهِمْ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ وحْدَهُ، أيْ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا أنْ يَتْبَعُوكَ وصَمَّمُوا عَلى السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، أوْ فَإنِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ الِاعْتِرافِ بِدَلالَةِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ
صفحة ٣٠١
بِالإلَهِيَّةِ فَيَعُمُّ ضَمِيرُ اسْتَكْبَرُوا جَمِيعَ المُشْرِكِينَ فاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ عِبادَتِهِمْ إيّاهُ.
والِاسْتِكْبارُ: قُوَّةُ التَّكَبُّرِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ وأصِلُ السِّينِ والتّاءِ المُسْتَعْمَلَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ هُما السِّينُ والتّاءُ لِلْحُسْبانِ، أيْ عَدُّوا أنْفُسَهم ذَوِي كِبْرٍ شَدِيدٍ مِن فَرْطِ تَكَبُّرِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ تَكَبَّرُوا عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ فَهو غَنِيٌّ عَنْ سُجُودِهِمْ، لِأنَّ لَهُ عَبِيدًا أفْضَلَ مِنهم لا يَفْتُرُونَ عَنِ التَّسْبِيحِ لَهُ بِإقْبالٍ دُونَ سَآمَةٍ.
والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: كُلُّ ما يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ بِإثْباتِ أضْدادِ ما لا يَلِيقُ بِهِ أوْ نَفْيِ ما لا يَلِيقُ، وذَلِكَ بِالأقْوالِ قالَ تَعالى ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]، أوْ بِالأعْمالِ قالَ ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] وذَلِكَ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ مِن كَوْنِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ قَوْلًا وعَمَلًا ولَيْسَ مُجَرَّدَ اعْتِقادٍ.
والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ عِنْدَ رَبِّكَ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ وكَرامَةٍ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ويُسَبِّحُونَهُ ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وهَؤُلاءِ المَلائِكَةُ هُمُ العامِرُونَ لِلْعَوالِمِ العُلْيا الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُشَرَّفَةً بِأنَّها لا يَقَعُ فِيها إلّا الفَضِيلَةُ فَكانَتْ بِذَلِكَ أشَدَّ اخْتِصاصًا بِهِ تَعالى مِن أماكِنَ غَيْرِها قَصْدًا لِتَشْرِيفِها.
والسَّآمَةُ: الضَّجَرُ والمَلَلُ مِنَ الإعْياءِ. وذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ هُنا لِقَصْدِ اسْتِيعابِ الزَّمانِ، أيْ يُسَبِّحُونَ لَهُ الزَّمانَ كُلَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يَسْأمُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ وهو أوْقَعُ مِن مَحْمِلِ العَطْفِ؛ لِأنَّ كَوْنَ الإخْبارِ عَنْهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ الحالِ أشَدَّ في إظْهارِ عَجِيبِ حالِهِمْ إذْ شَأْنُ العَمَلِ الدّائِمِ أنْ يَسْلَمَ مِنهُ عامِلُهُ.
فصلت 41:39
صفحة ٣٠٢
﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧]، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِهَذا الصُّنْعِ العَظِيمِ عَلى أنَّهُ تَعالى مُنْفَرِدٌ بِفِعْلِهِ فَهو دَلِيلُ إلَهِيَّتِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ ما لا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ هو الإلَهُ الحَقُّ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَعَدَّدَ لِكَوْنِ مَن لا يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِ ناقِصَ القُدْرَةِ، والنَّقْصُ يُنافِي الإلَهِيَّةَ كَما قالَ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] .
والخِطابُ في قَوْلِهِ أنَّكَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَصْلُحَ لِكُلِّ سامِعٍ.
والخُشُوعُ: التَّذَلُّلُ، وهو مُسْتَعارٌ لِحالِ الأرْضِ إذا كانَتْ مُقْحِطَةً لا نَباتَ عَلَيْها لِأنَّ حالَها في تِلْكَ الخَصاصَةِ كَحالِ المُتَذَلِّلِ، وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بِالمَعْقُولِ بِاعْتِبارِ ما يَتَخَيَّلُهُ النّاسُ مِن مُشابَهَةِ اخْتِلافِ حالَيِ القُحُولَةِ والخِصْبِ بِحالَيِ التَّذَلُّلِ والِازْدِهاءِ.
والِاهْتِزازُ حَقِيقَتُهُ: مُطاوَعَةُ هَزِّهِ، إذا حَرَّكَهُ بَعْدَ سُكُونِهِ فَتَحَرَّكَ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِرُبُوِّ وجْهِ الأرْضِ بِالنَّباتِ، شُبِّهَ حالُ إنْباتِها وارْتِفاعِها بِالماءِ والنَّباتِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُنْخَفِضَةً خامِدَةً بِالِاهْتِزازِ.
ويُؤْخَذُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ تَمْثِيلٌ، شُبِّهَ حالُ قُحُولَةِ الأرْضِ ثُمَّ إنْزالِ الماءِ عَلَيْها وانْقِلابِها مِنَ الجُدُوبَةِ إلى الخِصْبِ والإنْباتِ البَهِيجِ بِحالِ شَخْصٍ كانَ كاسِفَ البالِ رَثَّ اللِّباسِ فَأصابَهُ شَيْءٌ مِنَ الغِنى فَلَبِسَ الزِّينَةَ واخْتالَ في مِشْيَتِهِ زَهْوًا، ولِذا يُقالُ: هَزَّ عِطْفَيْهِ، إذا اخْتالَ في مِشْيَتِهِ.
وفِي قَوْلِهِ (خاشِعَةً واهْتَزَّتْ) مَكْنِيَّةٌ بِأنْ شُبِّهَتْ بِشَخْصٍ كانَ ذَلِيلًا ثُمَّ صارَ مُهْتَزًّا لِعِطْفَيْهِ، ورَمَزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِما بِذِكْرِ رَدِيفَيْهِما. فَهَذا مِن أحْسَنِ التَّمْثِيلِ وهو الَّذِي يَقْبَلُ تَفْرِيقَ أجْزائِهِ في أجْزاءِ التَّشْبِيهِ.
وعُطِفَ ورَبَتْ عَلى اهْتَزَّتْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاهْتِزازِ هو ظُهُورُ النَّباتِ عَلَيْها وتَحَرُّكُهُ. والمَقْصُودُ بِالرُّبُوِّ: انْتِفاخُها بِالماءِ واعْتِلاؤُها.
صفحة ٣٠٣
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”ورَبَأتْ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ مِن ”رَبَأ“ بِالهَمْزِ، إذا ارْتَفَعَ.
* * *
﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
إدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ في أثْناءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ، ووُقُوعِهِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في التَّفَنُّنِ وانْتِهازِ فُرَصِ الهُدى إلى الحَقِّ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ والمُناسَبَةُ مُشابَهَةُ الإحْياءَيْنِ، وحَرْفُ التَّوْكِيدِ لِمُراعاةِ إنْكارِ المُخاطَبِينَ إحْياءَ المَوْتى.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِما في المَوْصُولِ مِن تَعْلِيلِ الخَبَرِ، وشُبِّهَ إمْدادُ الأرْضِ بِماءِ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ انْبِثاقِ البُزُورِ الَّتِي في باطِنِها الَّتِي تَصِيرُ نَباتًا بِإحْياءِ المَيِّتِ، فَأطْلَقَ عَلى ذَلِكَ أحْياها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ ارْتُقِيَ مِن ذَلِكَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ الَّذِي سُمِّيَ إحْياءً؛ لِأنَّهُ شَبِيهُ الإحْياءِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ إحْياءِ المَوْتى بِطَرِيقَةِ قِياسِ الشَّبَهِ، وهو المُسَمّى في المَنطِقِ قِياسَ التَّمْثِيلِ، وهو يُفِيدُ تَقْرِيبَ المَقِيسِ بِالمَقِيسِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ الِاسْتِدْلالُ بِالشَّبَهِ والتَّمْثِيلِ بِحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ، بَلْ هو إقْناعِيٌّ ولَكِنَّهُ هُنا يَصِيرُ حُجَّةً لِأنَّ المَقِيسَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ أضْعَفَ مِنَ المَقِيسِ إذِ المُشَبَّهُ لا يَبْلُغُ قُوَّةَ المُشَبَّهِ بِهِ، فالمُشَبَّهُ بِهِ حَيْثُ كانَ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلِهِ إلّا الخالِقُ الَّذِي اتَّصَفَ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ لِذاتِهِ فَقَدْ تَساوى فِيهِ قَوِيُّهُ وضَعِيفُهُ، وهم كانُوا يُحِيلُونَ إحْياءَ الأمْواتِ اسْتِنادًا لِلِاسْتِبْعادِ العادِيِّ، فَلَمّا نُظِّرَ إحْياءُ الأمْواتِ بِإحْياءِ الأرْضِ المُشَبَّهِ تَمَّ الدَّلِيلُ الإقْناعِيُّ المُناسِبُ لِشُبْهَتِهِمُ الإقْناعِيَّةِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا تَذْيِيلُهُ بِقَوْلِهِ إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
فصلت 41:40
﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ قُصِدَ بِهِ تَهْدِيدُ الَّذِينَ أهْمَلُوا الِاسْتِدْلالَ بِآياتِ اللَّهِ عَلى تَوْحِيدِهِ.
صفحة ٣٠٤
وقَوْلُهُ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ مُرادٌ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ الوَعِيدِ تَذْكِيرًا لَهم بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِكُلِّ كائِنٍ، وهو مُتَّصِلُ المَعْنى بِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ.
والإلْحادُ حَقِيقَتُهُ: المَيْلُ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، والآياتُ تَشْمَلُ الدَّلائِلَ الكَوْنِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] وقَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ [فصلت: ٣٧] إلَخْ. وتَشْمَلُ الآياتِ القَوْلِيَّةَ المُتَقَدِّمَةَ في قَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
فالإلْحادُ في الآياتِ مُسْتَعارٌ لِلْعُدُولِ والِانْصِرافِ عَنْ دَلالَةِ الآياتِ الكَوْنِيَّةِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ. والإلْحادُ في الآياتِ القَوْلِيَّةِ مُسْتَعارٌ لِلْعُدُولِ عَنْ سَماعِها ولِلطَّعْنِ في صِحَّتِها وصَرْفِ النّاسِ عَنْ سَماعِها.
وحَرْفُ في مِن قَوْلِهِ تَعالى في آيَتِنا لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لِإفادَةِ تَمَكُّنِ إلْحادِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ مَظْرُوفٌ في آياتِ اللَّهِ حَيْثُما كانَتْ أوْ كُلَّما سَمِعُوها.
ومَعْنى نَفْيِ خَفائِهِمْ: نَفِيُ خَفاءِ إلْحادِهِمْ لا خَفاءِ ذَواتِهِمْ إذْ لا غَرَضَ في العِلْمِ بِذَواتِهِمْ.
* * *
﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ لِبَيانِ أنَّ الوَعِيدَ بِنارِ جَهَنَّمَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ، وبِالمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم آمِنُونَ مِن ذَلِكَ.
والِاسْتِفْهامُ تَفْرِيعٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ المَرْتَبَتَيْنِ.
وكُنِّيَ بِقَوْلِهِ ﴿يَأْتِي آمِنًا﴾ أنَّ ذَلِكَ الفَرِيقَ مَصِيرُهُ الجَنَّةُ إذْ لا غايَةَ لِلْآمِنِ إلّا أنَّهُ في نَعِيمٍ. وهَذِهِ كِنايَةٌ تَعْرِيضِيَّةٌ بِالَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِ اللَّهِ.
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الِاحْتِباكِ، إذْ حُذِفَ مُقابِلُ مَن يُلْقى في النّارِ وهو: مَن
صفحة ٣٠٥
يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وحُذِفَ مُقابِلُ ﴿مَن يَأْتِي آمِنًا﴾ وهو: مَن يَأْتِي خائِفًا، وهم أهْلُ النّارِ.
* * *
﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ إلَخْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآيَةَ، أيْ لا يَخْفى عَلَيْنا إلْحادُهم، ولا غَيْرُهُ مِن سَيِّئِ أعْمالِهِمْ. وإنَّما خَصَّ الإلْحادَ بِالذِّكْرِ ابْتِداءً لِأنَّهُ أشْنَعُ أعْمالِهِمْ ومَصْدَرُ أسْوائِها.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ، أوْ في الإغْراءِ المُكَنّى بِهِ عَنِ التَّهْدِيدِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ بِالعِقابِ عَلى أعْمالِهِمْ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ.
وتَوْكِيدُهُ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ مَعْنَيَيْهِ الكِنائِيِّ والصَّرِيحِ، وهو تَحْقِيقُ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا شاكِّينَ في ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] الآيَةَ.
والبَصِيرُ: العَلِيمُ بِالمُبْصَراتِ.
فصلت 41:41
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
أعْقَبَ تَهْدِيدَهم عَلى الإلْحادِ في آياتِ اللَّهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ بِالتَّعَرُّضِ إلى إلْحادِهِمْ في آياتِ القُرْآنِ وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلتَّنْوِيهِ بِخِصالِ القُرْآنِ وأنَّهُ لَيْسَ بِعُرْضَةٍ لِأنْ يُكْفَرَ بِهِ بَلْ هو جَدِيرٌ بِأنْ يُتَقَبَّلَ بِالِاقْتِداءِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ، فَلِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا واتِّصالٌ في المَوْقِعِ بِجُمْلَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
صفحة ٣٠٦
وتَحْدِيدُ هَذَيْنِ الِاتِّصالَيْنِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ آراءُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِما جَرى اخْتِلافُهم في مَوْقِعِها مِنَ الإعْرابِ وفي مَوْقِعِ أجْزائِها مِن تَصْرِيحٍ وتَقْدِيرٍ.
فَجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وهو يُرِيدُ أنَّهُ إبْدالُ المُفْرَدِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلًا مُطابِقًا أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وأنَّهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وهو حَرْفُ (إنَّ) وإنْ كانَتْ إعادَةُ العامِلِ مَعَ البَدَلِ غَيْرَ مَشْهُورٍ إلّا في حَرْفِ الجَرِّ كَما قالَ الرَّضِيُّ، فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ يَقْتَضِي الإطْلاقَ، وإنْ كانَ أتى بِمِثالَيْنِ عامِلُهُما حَرْفُ جَرٍّ.
وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُقَدَّرُ خَبَرٌ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرٌ عَنِ البَدَلِ وهو قَوْلُهُ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والكِسائِيِّ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَجْعَلُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّهم جَعَلُوا لِـ (إنَّ) خَبَرًا. فَأمّا أبُو عَمْرٍو فَقالَ: خَبَرُ إنَّ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
حُكِيَ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سُئِلَ في مَجْلِسِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ عَنْ خَبَرِ إنَّ فَقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: إنَّهُ مِنكَ لَقَرِيبٌ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وهو يَقْتَضِي جَعْلَ الجُمَلِ الَّتِي بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها جُمَلًا مُعْتَرِضَةً وهي نَحْوُ سَبْعٍ. وأمّا الكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَدَّرُوا خَبَرًا لِاسْمِ إنَّ فَقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فَنُقَدِّرُ الخَبَرَ: يُلْقُونَ في النّارِ، مَثَلًا. وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنِ الخَبَرِ، فَقالَ: عَمْرٌو: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. فَقالَ عِيسى: أجَدْتَ يا أبا عُثْمانَ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] بَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ في آياتِنا مُطْلَقُ الآياتِ، أوْ بَدَلًا مُطابِقًا إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ.
وقِيلَ الخَبَرُ قَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن﴾ [فصلت: ٤٣]، أيْ ما يُقالُ لَكَ فِيهِمْ إلّا ما قَدْ قُلْنا لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ في مُكَذِّبِيهِمْ، أوْ ما يَقُولُونَ إلّا كَما قالَهُ الأُمَمُ
صفحة ٣٠٧
لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
والكُفْرُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ إنْكارَ كُلِّ ما يُوصَفُ بِهِ القُرْآنُ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمّا خالَفَ مُعْتَقَدَهم ودِينَ شِرْكِهِمْ وذَلِكَ بِالِاخْتِلافاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَها كَقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وقَوْلُ كاهِنٍ، وقَوْلُ مَجْنُونٍ ولَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقُلُوبُنا في أكِنَّةٍ، ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] .
والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ إلَخْ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، والمَعْنى: لِأنَّهم جَدِيرُونَ بِالعُقُوبَةِ إذْ كَفَرُوا بِالآياتِ، وهي آيَةُ القُرْآنِ بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ ما أُوصِيَ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ.
ومَوْقِعُ إنَّ مَوْقِعُ فاءِ التَّعْلِيلِ. وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ.
والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الحالِ مِن جَلالَةِ الذِّكْرِ ونَفاسَتِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، أوْ سَفَّهُوا أنْفُسَهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُ السّامِعِ البَلِيغِ، فَفي هَذا الحَذْفِ تَوْفِيرٌ لِلْمَعانِي وإيجازٌ في اللَّفْظِ يَقُومُ مَقامَ عِدَّةِ جُمَلٍ، وحَذْفُ خَبَرِ ”إنَّ“ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وارِدٌ في الكَلامِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ، وتَبِعَهُ الجُمْهُورُ، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَشَرَطَهُ بِتَكَرُّرِ ”إنَّ“، ومِنَ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةُ في سُورَةِ الحَجِّ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا
إذْ رُوِيَ بِنَصْبِ رَواجِعا عَلى الحالِ فَلَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ لَيْتَ.
وذَكَرَ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ ”إنَّ مالًا وإنَّ ولَدًا“ أيْ إنَّ لَهم، وقَوْلَ الأعْشى:
إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا
صفحة ٣٠٨
أيْ أنَّ لَنا في الدُّنْيا حُلُولًا ولَنا عَنْها مُرْتَحَلًا، إذْ لَيْسَ بَقِيَّةُ البَيْتِ وهو قَوْلُهُ:
وإنَّ في السَّفَرِ إذْ مَضَوْا مَهَلا
ما يَصِحُّ وُقُوعُهُ خَبَرًا عَنْ ”إنَّ“ الأُولى. وقالَ جَمِيلٌ:
وقالُوا نَراها يا جَمِيلُ تَنَكَّرَتْ ∗∗∗ وغَيَّرَها الواشِي، فَقُلْتُ لَعَلَّها
وقالَ الجاحِظُ في البَيانِ في بابِ مِنَ الكَلامِ المَحْذُوفِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُهاجِرِينَ قالُوا «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الأنْصارَ آوَوْنا ونَصَرُونا، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: تَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهم، قالُوا: نَعَمْ، قالَ فَإنَّ ذَلِكَ» لَيْسَ في الحَدِيثِ غَيْرُ هَذا يُرِيدُ فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ ومُكافَأةٌ اهـ. وفي المَقامَةِ الثّالِثَةِ والأرْبَعِينَ: حَسْبُكَ يا شَيْخُ فَقَدْ عَرَفْتُ فَنَّكَ، واسْتَبَنْتُ أنَّكَ، أيْ أنَّكَ أبُو زَيْدٍ. وقَدْ مَثَّلَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِحَذْفِ خَبَرِ إنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الذِّكْرِ، أيْ كَفَرُوا بِهِ في حالِهِ هَذا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرِ إنَّ المَحْذُوفِ.
وقَدْ أُجْرِيَ عَلى القُرْآنِ سِتَّةُ أوْصافٍ ما مِنها واحِدٌ إلّا وهو كَمالٌ عَظِيمٌ: الوَصْفُ الأوَّلُ: أنَّهُ ذِكْرٌ، أيْ يُذَكِّرُ النّاسَ كُلَّهم بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِمّا في الغَفْلَةِ عَنْهُ فَواتُ فَوْزِهِمْ.
الوَصْفُ الثّانِي مِن مَعْنى الذِّكْرِ: أنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعَرَبِ وسُمْعَةٌ حَسَنَةٌ لَهم بَيْنَ الأُمَمِ يُخَلِّدُ لَهم مَفْخَرَةً عَظِيمَةً وهو كَوْنُهُ بِلُغَتِهِمْ ونَزَلَ بَيْنَهم كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وفي قَوْلِهِ لَمّا جاءَهم إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى الثّانِي.
الوَصْفُ الثّالِثُ: أنَّهُ كِتابٌ عَزِيزٌ، والعَزِيزُ النَّفِيسُ، وأصْلُهُ مِنَ العِزَّةِ وهي المَنَعَةُ لِأنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ يُدافَعُ عَنْهُ ويُحْمى عَنِ النَّبْذِ فَإنَّهُ بَيْنَ الإتْقانِ وعُلُوِّ المَعانِي ووُضُوحِ الحُجَّةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يَكُونُ عَزِيزًا، والعَزِيزُ أيْضًا: الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ، وكَذَلِكَ حُجَجُ القُرْآنِ.
صفحة ٣٠٩
الوَصْفُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَتَطَرَّقُهُ الباطِلُ ولا يُخالِطُهُ صَرِيحُهُ ولا ضِمْنِيُّهُ، أيْ لا يَشْتَمِلُ عَلى الباطِلِ بِحالٍ. فَمُثِّلَ ذَلِكَ بِـ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ الجِهاتِ تَمْثِيلًا لِحالِ انْتِفاءِ الباطِلِ عَنْهُ في ظاهِرِهِ وفي تَأْوِيلِهِ بِحالِ طَرْدِ المُهاجِمِ لِيَضُرَّ بِشَخْصٍ يَأْتِيهِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنْ صَدَّهُ خاتَلَهُ فَأتاهُ مِن خَلْفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
فَمَعْنى ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِ ولا يُداخِلُهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُدْعى عَلَيْهِ الباطِلُ.
الوَصْفُ الخامِسُ: أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحِكْمَةِ وهي المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ، ولا يَصْدُرُ عَنِ الحَكِيمِ إلّا الحِكْمَةُ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَإنَّ كَلامَ الحَكِيمِ يَأْتِي مُحْكَمًا مُتْقَنًا رَصِينًا لا يَشُوبُهُ الباطِلُ.
الوَصْفُ السّادِسُ: أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَمِيدٍ، والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ حَمْدًا كَثِيرًا، أيْ مُسْتَحِقٌّ الحَمْدَ الكَثِيرَ، فالكَلامُ المُنَزَّلُ مِنهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، وإنَّما يُحْمَدُ الكَلامُ إذْ يَكُونُ دَلِيلًا لِلْخَيْراتِ وسائِقًا إلَيْها لا مَطْعَنَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، فَيَحْمَدُهُ سامِعُهُ كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ يَجِدُهُ مَجْلَبَةً لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ، ويُحْمَدُ قائِلُهُ لا مَحالَةَ خِلافًا لِلْمُشْرِكِينَ.
وفِي إجْراءِ هَذِهِ الأوْصافِ إيماءٌ إلى حَماقَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهَذا القُرْآنِ وسَفاهَةِ آرائِهِمْ إذْ فَرَّطُوا فِيهِ فَفَرَّطُوا في أسْبابِ فَوْزِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِجُمْلَةِ الحالِ مِنَ الكِتابِ عَقِبَ ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ الآياتِ.
فصلت 41:42
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .
أعْقَبَ تَهْدِيدَهم عَلى الإلْحادِ في آياتِ اللَّهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ بِالتَّعَرُّضِ إلى إلْحادِهِمْ في آياتِ القُرْآنِ وهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِلتَّنْوِيهِ بِخِصالِ القُرْآنِ وأنَّهُ لَيْسَ بِعُرْضَةٍ لِأنْ يُكْفَرَ بِهِ بَلْ هو جَدِيرٌ بِأنْ يُتَقَبَّلَ بِالِاقْتِداءِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ، فَلِهَذِهِ الجُمْلَةِ اتِّصالٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا واتِّصالٌ في المَوْقِعِ بِجُمْلَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ.
صفحة ٣٠٦
وتَحْدِيدُ هَذَيْنِ الِاتِّصالَيْنِ اخْتَلَفَتْ فِيهِ آراءُ المُفَسِّرِينَ، وعَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِما جَرى اخْتِلافُهم في مَوْقِعِها مِنَ الإعْرابِ وفي مَوْقِعِ أجْزائِها مِن تَصْرِيحٍ وتَقْدِيرٍ.
فَجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وهو يُرِيدُ أنَّهُ إبْدالُ المُفْرَدِ مِنَ المُفْرَدِ بَدَلًا مُطابِقًا أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وأنَّهُ بِتَكْرِيرِ العامِلِ وهو حَرْفُ (إنَّ) وإنْ كانَتْ إعادَةُ العامِلِ مَعَ البَدَلِ غَيْرَ مَشْهُورٍ إلّا في حَرْفِ الجَرِّ كَما قالَ الرَّضِيُّ، فَكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ يَقْتَضِي الإطْلاقَ، وإنْ كانَ أتى بِمِثالَيْنِ عامِلُهُما حَرْفُ جَرٍّ.
وعَلى هَذا القَوْلِ لا يُقَدَّرُ خَبَرٌ؛ لِأنَّ الخَبَرَ عَنِ المُبْدَلِ مِنهُ خَبَرٌ عَنِ البَدَلِ وهو قَوْلُهُ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا.
وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والكِسائِيِّ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهم يَجْعَلُونَ جُمْلَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأنَّهم جَعَلُوا لِـ (إنَّ) خَبَرًا. فَأمّا أبُو عَمْرٍو فَقالَ: خَبَرُ إنَّ قَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] .
حُكِيَ أنَّ بِلالَ بْنَ أبِي بُرْدَةَ سُئِلَ في مَجْلِسِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ عَنْ خَبَرِ إنَّ فَقالَ: لَمْ أجِدْ لَها نَفاذًا، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: إنَّهُ مِنكَ لَقَرِيبٌ أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وهو يَقْتَضِي جَعْلَ الجُمَلِ الَّتِي بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها جُمَلًا مُعْتَرِضَةً وهي نَحْوُ سَبْعٍ. وأمّا الكِسائِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَدَّرُوا خَبَرًا لِاسْمِ إنَّ فَقالَ الكِسائِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ ﴿أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فَنُقَدِّرُ الخَبَرَ: يُلْقُونَ في النّارِ، مَثَلًا. وسَألَ عِيسى بْنُ عُمَرَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ عَنِ الخَبَرِ، فَقالَ: عَمْرٌو: مَعْناهُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ كَفَرُوا بِهِ وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ. فَقالَ عِيسى: أجَدْتَ يا أبا عُثْمانَ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا﴾ [فصلت: ٤٠] بَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ في آياتِنا مُطْلَقُ الآياتِ، أوْ بَدَلًا مُطابِقًا إنْ أُرِيدَ بِالآياتِ آياتُ القُرْآنِ.
وقِيلَ الخَبَرُ قَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن﴾ [فصلت: ٤٣]، أيْ ما يُقالُ لَكَ فِيهِمْ إلّا ما قَدْ قُلْنا لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ في مُكَذِّبِيهِمْ، أوْ ما يَقُولُونَ إلّا كَما قالَهُ الأُمَمُ
صفحة ٣٠٧
لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.
والكُفْرُ بِالقُرْآنِ يَشْمَلُ إنْكارَ كُلِّ ما يُوصَفُ بِهِ القُرْآنُ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِمّا خالَفَ مُعْتَقَدَهم ودِينَ شِرْكِهِمْ وذَلِكَ بِالِاخْتِلافاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُونَها كَقَوْلِهِمْ: سِحْرٌ، وشِعْرٌ، وقَوْلُ كاهِنٍ، وقَوْلُ مَجْنُونٍ ولَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، وأساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقُلُوبُنا في أكِنَّةٍ، ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] .
والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ إلَخْ واقِعَةً مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلتَّهْدِيدِ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، والمَعْنى: لِأنَّهم جَدِيرُونَ بِالعُقُوبَةِ إذْ كَفَرُوا بِالآياتِ، وهي آيَةُ القُرْآنِ بِالحَقِّ، وبِشَهادَةِ ما أُوصِيَ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ.
ومَوْقِعُ إنَّ مَوْقِعُ فاءِ التَّعْلِيلِ. وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ.
والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ الحالِ مِن جَلالَةِ الذِّكْرِ ونَفاسَتِهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، أوْ سَفَّهُوا أنْفُسَهم أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا تَذْهَبُ إلَيْهِ نَفْسُ السّامِعِ البَلِيغِ، فَفي هَذا الحَذْفِ تَوْفِيرٌ لِلْمَعانِي وإيجازٌ في اللَّفْظِ يَقُومُ مَقامَ عِدَّةِ جُمَلٍ، وحَذْفُ خَبَرِ ”إنَّ“ إذا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وارِدٌ في الكَلامِ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ الخَمْسَةِ، وتَبِعَهُ الجُمْهُورُ، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَشَرَطَهُ بِتَكَرُّرِ ”إنَّ“، ومِنَ الحَذْفِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] الآيَةُ في سُورَةِ الحَجِّ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
يا لَيْتَ أيّامَ الصِّبا رَواجِعا
إذْ رُوِيَ بِنَصْبِ رَواجِعا عَلى الحالِ فَلَمْ يُذْكَرْ خَبَرُ لَيْتَ.
وذَكَرَ أنَّ العَرَبَ يَقُولُونَ ”إنَّ مالًا وإنَّ ولَدًا“ أيْ إنَّ لَهم، وقَوْلَ الأعْشى:
إنَّ مَحَلًّا وإنَّ مُرْتَحَلًا
صفحة ٣٠٨
أيْ أنَّ لَنا في الدُّنْيا حُلُولًا ولَنا عَنْها مُرْتَحَلًا، إذْ لَيْسَ بَقِيَّةُ البَيْتِ وهو قَوْلُهُ:
وإنَّ في السَّفَرِ إذْ مَضَوْا مَهَلا
ما يَصِحُّ وُقُوعُهُ خَبَرًا عَنْ ”إنَّ“ الأُولى. وقالَ جَمِيلٌ:
وقالُوا نَراها يا جَمِيلُ تَنَكَّرَتْ ∗∗∗ وغَيَّرَها الواشِي، فَقُلْتُ لَعَلَّها
وقالَ الجاحِظُ في البَيانِ في بابِ مِنَ الكَلامِ المَحْذُوفِ: عَنِ الحَسَنِ أنَّ المُهاجِرِينَ قالُوا «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الأنْصارَ آوَوْنا ونَصَرُونا، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: تَعْرِفُونَ ذَلِكَ لَهم، قالُوا: نَعَمْ، قالَ فَإنَّ ذَلِكَ» لَيْسَ في الحَدِيثِ غَيْرُ هَذا يُرِيدُ فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ ومُكافَأةٌ اهـ. وفي المَقامَةِ الثّالِثَةِ والأرْبَعِينَ: حَسْبُكَ يا شَيْخُ فَقَدْ عَرَفْتُ فَنَّكَ، واسْتَبَنْتُ أنَّكَ، أيْ أنَّكَ أبُو زَيْدٍ. وقَدْ مَثَّلَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِحَذْفِ خَبَرِ إنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الذِّكْرِ، أيْ كَفَرُوا بِهِ في حالِهِ هَذا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ خَبَرِ إنَّ المَحْذُوفِ.
وقَدْ أُجْرِيَ عَلى القُرْآنِ سِتَّةُ أوْصافٍ ما مِنها واحِدٌ إلّا وهو كَمالٌ عَظِيمٌ: الوَصْفُ الأوَّلُ: أنَّهُ ذِكْرٌ، أيْ يُذَكِّرُ النّاسَ كُلَّهم بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِمّا في الغَفْلَةِ عَنْهُ فَواتُ فَوْزِهِمْ.
الوَصْفُ الثّانِي مِن مَعْنى الذِّكْرِ: أنَّهُ ذِكْرٌ لِلْعَرَبِ وسُمْعَةٌ حَسَنَةٌ لَهم بَيْنَ الأُمَمِ يُخَلِّدُ لَهم مَفْخَرَةً عَظِيمَةً وهو كَوْنُهُ بِلُغَتِهِمْ ونَزَلَ بَيْنَهم كَما قالَ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وفي قَوْلِهِ لَمّا جاءَهم إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى الثّانِي.
الوَصْفُ الثّالِثُ: أنَّهُ كِتابٌ عَزِيزٌ، والعَزِيزُ النَّفِيسُ، وأصْلُهُ مِنَ العِزَّةِ وهي المَنَعَةُ لِأنَّ الشَّيْءَ النَّفِيسَ يُدافَعُ عَنْهُ ويُحْمى عَنِ النَّبْذِ فَإنَّهُ بَيْنَ الإتْقانِ وعُلُوِّ المَعانِي ووُضُوحِ الحُجَّةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ يَكُونُ عَزِيزًا، والعَزِيزُ أيْضًا: الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ، وكَذَلِكَ حُجَجُ القُرْآنِ.
صفحة ٣٠٩
الوَصْفُ الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَتَطَرَّقُهُ الباطِلُ ولا يُخالِطُهُ صَرِيحُهُ ولا ضِمْنِيُّهُ، أيْ لا يَشْتَمِلُ عَلى الباطِلِ بِحالٍ. فَمُثِّلَ ذَلِكَ بِـ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ الجِهاتِ تَمْثِيلًا لِحالِ انْتِفاءِ الباطِلِ عَنْهُ في ظاهِرِهِ وفي تَأْوِيلِهِ بِحالِ طَرْدِ المُهاجِمِ لِيَضُرَّ بِشَخْصٍ يَأْتِيهِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ فَإنْ صَدَّهُ خاتَلَهُ فَأتاهُ مِن خَلْفِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] .
فَمَعْنى ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ﴾ لا يُوجَدُ فِيهِ ولا يُداخِلُهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لا يُدْعى عَلَيْهِ الباطِلُ.
الوَصْفُ الخامِسُ: أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الحِكْمَةِ وهي المَعْرِفَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ، ولا يَصْدُرُ عَنِ الحَكِيمِ إلّا الحِكْمَةُ ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] فَإنَّ كَلامَ الحَكِيمِ يَأْتِي مُحْكَمًا مُتْقَنًا رَصِينًا لا يَشُوبُهُ الباطِلُ.
الوَصْفُ السّادِسُ: أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن حَمِيدٍ، والحَمِيدُ هو المَحْمُودُ حَمْدًا كَثِيرًا، أيْ مُسْتَحِقٌّ الحَمْدَ الكَثِيرَ، فالكَلامُ المُنَزَّلُ مِنهُ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ، وإنَّما يُحْمَدُ الكَلامُ إذْ يَكُونُ دَلِيلًا لِلْخَيْراتِ وسائِقًا إلَيْها لا مَطْعَنَ في لَفْظِهِ ولا في مَعْناهُ، فَيَحْمَدُهُ سامِعُهُ كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ يَجِدُهُ مَجْلَبَةً لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ، ويُحْمَدُ قائِلُهُ لا مَحالَةَ خِلافًا لِلْمُشْرِكِينَ.
وفِي إجْراءِ هَذِهِ الأوْصافِ إيماءٌ إلى حَماقَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهَذا القُرْآنِ وسَفاهَةِ آرائِهِمْ إذْ فَرَّطُوا فِيهِ فَفَرَّطُوا في أسْبابِ فَوْزِهِمْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِجُمْلَةِ الحالِ مِنَ الكِتابِ عَقِبَ ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ الآياتِ.
فصلت 41:43
﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ لِسُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ فَيَقُولُ سائِلٌ: فَما بالُ هَؤُلاءِ طَعَنُوا فِيهِ ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ سُنَّةُ الأنْبِياءِ
صفحة ٣١٠
مَعَ أُمَمِهِمْ لا يُعْدَمُونَ مُعانِدِينَ جاحِدِينَ يَكْفُرُونَ بِما جاءُوا بِهِ. وإذا بُنِيَتْ عَلى ما جَوَّزْتُهُ سابِقًا أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ (ما يُقالُ) خَبَرَ ”إنَّ“ كانَتْ خَبَرًا ولَيْسَتِ اسْتِئْنافًا.
وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأمْرٌ لَهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ كَما صَبَرَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.
ولِهَذا الكَلامِ تَفْسِيرانِ:
أحَدَهُما: أنْ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ في القُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ هو دَأْبُ أمْثالِهِمُ المُعانِدِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو مَقالاتُ الَّذِينَ كَذَّبُوهم، أيْ تَشابَهَتْ قُلُوبُ المُكَذِّبِينَ فَكانَتْ مَقالاتُهم مُتَماثِلَةً قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
التَّفْسِيرُ الثّانِي: ما قُلْنا لَكَ إلّا ما قُلْناهُ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، فَأنْتَ لَمْ تَكُنْ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ فَيَكُونُ لِقَوْمِكَ بَعْضُ العُذْرِ في التَّكْذِيبِ ولَكِنَّهم كَذَّبُوا كَما كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَماصَدَقَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ هو الدِّينُ والوَحْيُ فَيَكُونُ مِن طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨]، وكِلا المَعْنَيَيْنِ وارِدٌ في القُرْآنِ فَيُحْمَلُ الكَلامُ عَلى كِلَيْهِما.
وفِي التَّعْبِيرِ بِـما المَوْصُولَةِ وفي حَذْفِ فاعِلِ القَوْلَيْنِ في قَوْلِهِ ما يُقالُ وقَوْلِهِ ما قَدْ قِيلَ نَظْمٌ مَتِينٌ حَمَّلَ الكَلامَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ العَظِيمَيْنِ، وفي قَوْلِهِ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. والمَعْنى: إلّا مِثْلَ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ.
واجْتِلابُ المُضارِعِ في ما يُقالُ لِإفادَةِ تَجَدُّدِ هَذا القَوْلِ مِنهم وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ عَنْهُ مَعَ ظُهُورِ ما شَأْنُهُ أنْ يَصُدَّهم عَنْ ذَلِكَ.
واقْتِرانُ الفِعْلِ بِقَدْ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِثْلُ ما قالَتِ المُشْرِكُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَهو تَأْكِيدٌ لِلازِمِ الخَبَرِ وهو لُزُومُ الصَّبْرِ عَلى قَوْلِهِمْ. وهو مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ المَرْدُودِ عَلَيْهِمْ إذْ حَسِبُوا أنَّهم جابَهُوا الرَّسُولَ بِما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .
* * *
صفحة ٣١١
﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ .
تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ. ووُقُوعُ هَذا الخَبَرِ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ يُومِئُ إلى أنَّ هَذا الوَعْدَ جَزاءٌ عَلى ما لَقِيَهُ مِنَ الأذى في ذاتِ اللَّهِ وأنَّ الوَعِيدَ لِلَّذِينَ آذَوْهُ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ.
ومَعْنى المَغْفِرَةِ لَهُ: التَّجاوُزُ عَمّا يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسْمَعُ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أذًى كَثِيرٍ. وحَرْفُ إنَّ فِيهِ لِإفادَةِ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ لا لِلتَّأكُّدِ.
وكَلِمَةُ ذُو مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ المَغْفِرَةَ والعِقابَ كِلَيْهِما مِن شَأْنِهِ تَعالى وهو يَضَعُهُما بِحِكْمَتِهِ في المَواضِعِ المُسْتَحِقَّةِ لِكُلٍّ مِنهُما.
ووَصْفُ العِقابِ بِألِيمٍ دُونَ وصْفٍ آخَرَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِما عُوقِبُوا لِأجْلِهِ فَإنَّهم آلَمُوا نَفْسَ النَّبِيءِ ﷺ بِما عَصَوْا وآذَوْا.
وفِي جُمْلَةِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ مُحَسِّنُ الجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمِ، فَقَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ﴾ يَجْمَعُ قائِلًا ومَقُولًا لَهُ فَكانَ الإيماءُ بِوَصْفِ ذُو مَغْفِرَةٍ إلى المَقُولِ لَهُ، ووَصْفِ ذُو عِقابٍ ألِيمٍ إلى القائِلِينَ، وهو جارٍ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ وقَرِينَةُ المَقامِ تَرُدُّ كُلًّا إلى مُناسِبِهِ.
فصلت 41:44
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ .
اتِّصالُ نَظْمِ الكَلامِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا وتَناسُبُ تَنَقُّلاتِهِ بِالتَّفْرِيعِ والبَيانِ والِاعْتِراضِ والِاسْتِطْرادِ يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا﴾ إلى آخِرِهِ تَنَقُّلٌ في دَرَجِ إثْباتِ أنَّ قَصْدَهُمُ العِنادُ فِيما يَتَعَلَّلُونَ بِهِ لِيُوَجِّهُوا إعْراضَهم عَنِ القُرْآنِ والِانْتِفاعِ بِهَدْيِهِ بِما يَخْتَلِقُونَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّعْنِ فِيهِ والتَّكْذِيبِ بِهِ، وتَكَلُّفُ الأعْذارِ الباطِلَةِ لِيَتَسَتَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الظُّهُورِ في مَظْهَرِ المُنْهَزِمِ المَحْجُوجِ، فَأخَذَ يَنْقُضُ دَعاوِيهِمْ عُرْوَةً عُرْوَةً، إذِ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَحَدِّيهِمْ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ
صفحة ٣١٢
﴿حم﴾ [فصلت: ١] ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢] ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] فَهَذا تَحَدٍّ لَهم ووَصْفٌ لِلْقُرْآنِ بِصِفَةِ الإعْجازِ.
ثُمَّ أخَذَ في إبْطالِ مَعاذِيرِهِمْ ومَطاعِنِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥]، فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ قَصَدُوا بِهِ أنَّ حُجَّةَ القُرْآنِ غَيْرُ مُقْنِعَةٍ لَهم إغاظَةً مِنهم لِلنَّبِيءِ ﷺ، ثُمَّ تَمالُؤَهم عَلى الإعْراضِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] وهو عَجْزٌ مَكْشُوفٌ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠] وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] الآياتِ. فَأعْقَبَها بِأوْصافِ كَمالِ القُرْآنِ الَّتِي لا يَجِدُونَ مَطْعَنًا فِيها بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] الآيَةَ.
وإذْ قَدْ كانَتْ هَذِهِ المُجادَلاتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا إبْطالًا لِتَعَلُّلاتِهِمْ، وكانَ عِمادُهُ عَلى أنَّ القُرْآنَ عَرَبِيٌّ مُفَصَّلُ الدَّلالَةِ المَعْرُوفَةِ في لُغَتِهِمْ حَسَبَما ابْتُدِئِ الكَلامُ بِقَوْلِهِ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]، وانْتُهِيَ هُنا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤١]، فَقَدْ نَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ مِن هَذِهِ الجِهَةِ فانْتَقَلَ إلى حُجَّةٍ أُخْرى عِمادُها الفَرْضُ والتَّقْدِيرُ أنْ يَكُونَ قَدْ جاءَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِقُرْآنٍ مِن لُغَةٍ أُخْرى غَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ.
ولِذَلِكَ فَجُمْلَةُ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] عَلى الِاعْتِبارَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا في مَوْقِعِ تِلْكَ الجُمْلَةِ.
ومَعْنى الآيَةِ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ﴾ [فصلت: ٦] مِنَ التَّحَدِّي بِصِفَةِ الأُمِّيَّةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا، أيْ لَوْ جِئْناهم بِلَوْنٍ آخَرَ مِن مُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ فَأنْزَلْنا عَلى الرَّسُولِ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا، ولَيْسَ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِتِلْكَ اللُّغَةِ مِن قَبْلُ، لَقَلَبُوا مَعاذِيرَهم، فَقالُوا: لَوْلا بُيِّنَتْ آياتُهُ بِلُغَةٍ نَفْهَمُها وكَيْفَ يُخاطِبُنا بِكَلامٍ أعْجَمِيٍّ. فالكَلامُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الفَرْضِ كَما هو مُقْتَضى حِرَفِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ. وهَذا إبانَةٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ لا تُجْدِي مَعَهُمُ الحُجَّةُ ولا يَنْقَطِعُونَ عَنِ المَعاذِيرِ؛ لِأنَّ جِدالَهم لا يُرِيدُونَ بِهِ تَطَلُّبَ الحَقِّ وما هو إلّا تَعَنُّتٌ لِتَرْوِيجِ هَواهم.
صفحة ٣١٣
ومِن هَذا النَّوْعِ في الِاحْتِجاجِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨]، أيْ لَوْ نَزَّلْناهُ بِلُغَةِ العَرَبِ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ بِالعَرَبِيَّةِ، لِاشْتِراكِ الحُجَّتَيْنِ في صِفَةِ الأُمِّيَّةِ في اللُّغَةِ المَفْرُوضِ إنْزالُ الكِتابِ بِها، إلّا أنَّ تِلْكَ الآيَةَ بُنِيَتْ عَلى فَرْضِ أنْ يَنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَسُولٍ لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، وهَذِهِ الآيَةُ بُنِيَتْ عَلى فَرْضِ أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ عَلى الرَّسُولِ العَرَبِيِّ ﷺ بِلُغَةٍ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عُمُومِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْعَرَبِ والعَجَمِ فَلَمْ يَكُنْ عَجَبًا أنْ يَكُونَ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ بِلُغَةِ غَيْرِ العَرَبِ لَوْلا أنَّ في إنْزالِهِ بِالعَرَبِيَّةِ حِكْمَةً عَلِمَها اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا اصْطَفى الرَّسُولَ ﷺ عَرَبِيًّا وبَعَثَهُ بَيْنَ أُمَّةٍ عَرَبِيَّةٍ كانَ أحَقُّ اللُّغاتِ بِأنْ يُنْزِلَ بِها كِتابَهُ إلَيْهِ العَرَبِيَّةَ، إذْ لَوْ نَزَلَ كِتابُهُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لاسْتَوَتْ لُغاتُ الأُمَمِ كُلُّها في اسْتِحْقاقِ نُزُولِ الكِتابِ بِها فَأوْقَعَ ذَلِكَ تَحاسُدًا بَيْنَها بِخِلافِ العَرَبِ إذْ كانُوا في عُزْلَةٍ عَنِ الأُمَمِ، فَلا جَرَمَ رُجِّحَتِ العَرَبِيَّةُ لِأنَّها لُغَةُ الرَّسُولِ ﷺ ولُغَةُ القَوْمِ المُرْسَلِ بَيْنَهم فَلا يَسْتَقِيمُ أنْ يَبْقى القَوْمُ الَّذِينَ يَدْعُوهم لا يَفْقَهُونَ الكِتابَ المُنَزَّلَ إلَيْهِمْ.
ولَوْ تَعَدَّدَتِ الكُتُبُ بِعَدَدِ اللُّغاتِ لَفاتَتْ مُعْجِزَةُ البَلاغَةِ الخاصَّةِ بِالعَرَبِيَّةِ لِأنَّ العَرَبِيَّةَ أشْرَفُ اللُّغاتِ وأعْلاها خَصائِصَ وفَصاحَةً وحُسْنَ أداءٍ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ بِالألْفاظِ الوَجِيزَةِ. ثُمَّ العَرَبُ هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ نَشْرَ هَذا الدِّينِ بَيْنَ الأُمَمِ وتَبْيِينَ مَعانِي القُرْآنِ لَهم.
ووَقَعَ في تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ: لَوْلا أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ أعْجَمِيًّا وعَرَبِيًّا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ”﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾“ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى غَيْرِ مَذْهَبِ الِاسْتِفْهامِ اهـ. ولا أحْسَبُ هَذا تَأْوِيلًا لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِأنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إلى راوٍ، ولَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِهِ فَرَأى أنَّ الآيَةَ تُنْبِئُ عَنْ جَوابِ كَلامٍ صَدَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ المُعَبَّرِ عَنْهم بِضَمِيرِ لَقالُوا.
وسِياقُ الآيَةِ ولَفْظُها يَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى، وكَيْفَ ولَوِ الِامْتِناعِيَّةُ تَمْتَنِعُ مَن تَحَمُّلِ هَذا التَّأْوِيلِ وتَدْفَعُهُ.
صفحة ٣١٤
وأمّا ما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ ”أنَّهم كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَقُولُونَ: هَلّا نَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَةِ العَجَمِ ؟ فَقِيلَ: لَوْ كانَ كَما يَقْتَرِحُونَ لَمْ يَتْرُكُوا الِاعْتِراضَ والتَّعَنُّتَ، وقالُوا:
﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ إلَخْ. فَلَمْ نَقِفْ عَلى مَن ذَكَرَ مِثْلَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ وأصْحابِ أسْبابِ النُّزُولِ وما هو إلّا مِن صِنْفِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ. ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ نَظْمُ الآيَةِ: وقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ، ولَمْ يَكُنْ عَلى طَرِيقَةِ لَوْ وجَوابِها. ولا يُظَنُّ بِقُرَيْشٍ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا إذا كانَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ.
وضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ [فصلت: ٤١] .
وقَوْلُهُ“ ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾ " بَقِيَّةُ ما يَقُولُونَهُ عَلى فَرْضِ أنْ يُجْعَلَ القُرْآنُ أعْجَمِيًّا، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ.
ومَعْنى فُصِّلَتْ هُنا: بُيِّنَتْ ووُضِّحَتْ، أيْ لَوْلا جُعِلَتْ آياتُهُ عَرَبِيَّةً نَفْهَمُها.
والواوُ في قَوْلِهِ (وعَرَبِيٌّ) لِلْعَطْفِ بِمَعْنى المَعِيَّةِ. والمَعْنى: وكَيْفَ يَلْتَقِي أعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ، أيْ كَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ أعْجَمِيًّا والمُخاطَبُ بِهِ عَرَبِيًّا كَأنَّهم يَقُولُونَ: أيُلْقى لَفْظٌ أعْجَمِيٌّ إلى مُخاطَبٍ عَرَبِيٍّ.
ومَعْنى قُرْآنًا كِتابًا مَقْرُوءًا. ووَرَدَ في الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُرْآنًا، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ داوُدَ يُسِّرَ لَهُ القُرْآنُ فَكانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كُلَّهُ في حِينِ يُسْرَجُ لَهُ فَرَسُهُ» أوْ كَما قالَ.
والأعْجَمِيُّ: المَنسُوبُ إلى أعْجَمَ، والأعْجَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُجْمَةِ وهي الإفْصاحُ، فالأعْجَمُ: الَّذِي لا يُفْصِحُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وزِيادَةُ الياءِ فِيهِ لِلْوَصْفِ نَحْوَ: أحَمِرَيٌّ ودَوّارِيٌّ. فالأعْجَمِيُّ مِن صِفاتِ الكَلامِ.
وأفْرَدَ (وعَرَبِيٌّ) عَلى تَأْوِيلِهِ بِجِنْسِ السّامِعِ، والمَعْنى: أكِتابٌ عَرَبِيٌّ لِسامِعِينَ عَرَبٍ فَكانَ حَقُّ (عَرَبِيٌّ) أنْ يُجْمَعَ ولَكِنَّهُ أُفْرِدَ لِأنَّ مَبْنى الإنْكارِ عَلى تَنافُرِ حالَتَيِ الكِتابِ والمُرْسَلِ إلَيْهِمْ، فاعْتُبِرَ فِيهِ الجِنْسُ دُونَ أنْ يُنْظَرَ إلى إفْرادٍ، أوْ جَمْعٍ.
صفحة ٣١٥
وحاصِلُ مَعْنى الآيَةِ: أنَّها تُؤْذِنُ بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ داخِلٍ في صِفاتِ الذِّكْرِ، وهو أنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ بِلُغَتِكم إتْمامًا لِهَدْيِكم فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وكَفَرْتُمْ وتَعَلَّلْتُمْ بِالتَّعَلُّلاتِ الباطِلَةِ فَلَوْ جَعَلْناهُ أعْجَمِيًّا لَقُلْتُمْ: هَلّا بُيِّنَتْ لَنا حَتّى نَفْهَمَهُ.
* * *
﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهْوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ .
هَذا جَوابٌ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، أيْ ما يُقالُ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ، فَجَوابُهُ: أنَّ ذَلِكَ الذِّكْرَ أوِ الكِتابَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ، أيْ أنَّ تِلْكَ الخِصالَ العَظِيمَةَ لِلْقُرْآنِ حَرَمَهم كُفْرُهُمُ الِانْتِفاعَ بِها وانْتَفَعَ بِها المُؤْمِنُونَ فَكانَ لَهم هَدْيًا وشِفاءً. وهَذا ناظِرٌ إلى ما حَكاهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، فَهو إلْزامٌ لَهم بِحُكْمٍ عَلى أنْفُسِهِمْ.
وحَقِيقَةُ الشِّفاءِ: زَوالُ المَرَضِ وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْبَصارَةِ بِالحَقائِقِ وانْكِشافِ الِالتِباسِ مِنَ النَّفْسِ كَما يَزُولُ المَرَضُ عِنْدَ حُصُولِ الشِّفاءِ، يُقالُ: شُفِيَتْ نَفْسُهُ، إذا زالَ حَرَجُهُ، قالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ:
شَفَيْتُ النَّفْسَ مِن حَمَلِ بْنِ بَدْرٍ وسَيْفِي مِن حُذَيْفَةَ قَدْ شَفانِي
ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: شُفِيَ غَلِيلُهُ، وبُرِدَ غَلِيلُهُ، فَإنَّ الكُفْرَ كالدّاءِ في النَّفْسِ لِأنَّهُ يُوقِعُ في العَذابِ ويَبْعَثُ عَلى السَّيِّئاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، أيْ وأمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فَلا تَتَخَلَّلُ آياتُهُ نُفُوسَهم؛ لِأنَّهم كَمَن في آذانِهِمْ وقْرٌ دُونَ سَماعِهِ، وهو ما تَقَدَّمَ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، ولِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ مَعْنى الجُمْلَةِ مُتَعَلِّقًا بِأحْوالِ القُرْآنِ مَعَ الفَرِيقِ غَيْرِ المُؤْمِنِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ لِتَقْدِيرِ جَعْلِ الجُمْلَةِ خَبَرًا عَنِ القُرْآنِ.
صفحة ٣١٦
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرًا ثانِيًا عَنْ ضَمِيرِ الذِّكْرِ، أيِ القُرْآنِ، فَتَكُونُ مِن مَقُولِ القَوْلِ وكَذَلِكَ جُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (وقْرٌ، وعَمًى) تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ ووَجْهُ الشَّبَهِ هو عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِ مَعَ سَماعِ ألْفاظِهِ، والوَقْرُ: داءٌ فَمُقابَلَتُهُ بِالشِّفاءِ مِن مُحَسِّنِ الطِّباقِ.
وضَمِيرُ ﴿وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ يَتَبادَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ أوِ الكِتابِ كَما عادَ ضَمِيرُ ﴿هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾، والعَمى: عَدَمُ البَصَرِ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِضِدِّ الِاهْتِداءِ فَمُقابَلَتُهُ بِالهُدى فِيها مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والإسْنادُ إلى القُرْآنِ عَلى هَذا الوَجْهِ في مُعادِ الضَّمِيرِ بِأنَّهُ عَلَيْهِمْ عَمًى مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ لِأنَّ عِنادَهم في قَبُولِهِ كانَ سَبَبًا لِضَلالِهِمْ فَكانَ القُرْآنُ سَبَبَ سَبَبٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (وهو) ضَمِيرَ شَأْنٍ تَنْبِيهًا عَلى فَظاعَةِ ضَلالِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ خَبَرَ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، أيْ وأعْظَمُ مِنَ الوَقْرِ أنَّ عَلَيْهِمْ عَمًى، أيْ عَلى أبْصارِهِمْ عَمًى كَقَوْلِهِ ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] .
وإنَّما عَلَّقَ العَمى بِالكَوْنِ عَلى ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ عَمًى مُجازِيًا تَعَيَّنَ أنَّ مُصِيبَتَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ كُلِّها لا عَلى أبْصارِهِمْ خاصَّةً فَإنَّ عَمى البَصائِرِ أشَدُّ ضُرًّا مِن عَمى الأبْصارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] .
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ إعْراضِهِمْ عَنِ الدَّعْوَةِ عِنْدَ سَماعِها بِحالِ مَن يُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَبْلُغُ إلَيْهِ في مِثْلِهِ صَوْتُ المُنادِي عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقُولُ العَرَبُ لِمَن لا يَفْهَمُ: أنْتَ تُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
والإشارَةُ بِـ (أُولَئِكَ) إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ لِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ
صفحة ٣١٧
إلَيْهِمْ بَعْدَ تِلْكَ الأوْصافِ أحْرِياءُ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِنَ الحِكَمِ مِن أجْلِها نَظِيرُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
ويَتَعَلَّقُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ بِـ (يُنادَوْنَ)، وإذا كانَ النِّداءُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ كانَ المُنادى بِالفَتْحِ في مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَحالَةَ كَما تَقَدَّمَ في تَعَلُّقِ مِنَ الأرْضِ بِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] أيْ دَعاكم مِن مَكانِكم في الأرْضِ، وبِذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يُنادَوْنَ) وذَلِكَ غَيْرُ مُتَأتٍّ في قَوْلِهِ ﴿إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] .
فصلت 41:45
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ .
اعْتِراضٌ بِتَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ وكُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِأوْحَدَ في ذَلِكَ فَقَدْ أُوتِيَ مُوسى التَّوْراةَ فاخْتَلَفَ الَّذِينَ دَعاهم في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن كَفَرَ.
والمَقْصُودُ الِاعْتِبارُ بِالِاخْتِلافِ في التَّوْراةِ فَإنَّهُ أشَدُّ مِنَ الِاخْتِلافِ في القُرْآنِ فالِاخْتِلافُ في التَّوْراةِ كانَ عَلى نَوْعَيْنِ: اخْتِلافٌ فِيها بَيْنَ مُؤْمِنٍ بِها وكافِرٍ، فَقَدْ كَفَرَ بِدَعْوَةِ مُوسى فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وبَعْضُ بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُ قارُونَ ومِثْلُ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ في مَغِيبِ مُوسى لِلْمُناجاةِ، واخْتِلافٌ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِها اخْتِلافًا عَطَّلُوا بِهِ بَعْضَ أحْكامِها كَما قالَ تَعالى ﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وكِلا الِاخْتِلافَيْنِ مَوْضِعُ عِبْرَةٍ وأُسْوَةٍ لِاخْتِلافِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ. وهَذا ما عَصَمَ اللَّهُ القُرْآنَ مِن مِثْلِهِ إذْ قالَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ فالتَّسْلِيَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِهَذا أوْقَعُ، وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن مَعْنَيَيْهِ بِذِكْرِ فَرْدٍ مِن أفْرادِ ذَلِكَ العُمُومِ وهو الأعْظَمُ الأهَمُّ.
* * *
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ .
هَذا مُتَعَلِّقٌ بِالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ مِنَ العَرَبِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾) يَقْتَضِي
صفحة ٣١٨
أنَّ اللَّهَ أخَّرَ القَضاءَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ إلى أجَلٍ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَأمّا قَوْمُ مُوسى فَقَدْ قَضى بَيْنَهم بِاسْتِئْصالِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وبِتَمْثِيلِ الآشُورِيِّينَ بِاليَهُودِ بَعْدَ مُوسى، وبِخَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وزَوالِ مُلْكِ إسْرائِيلَ آخِرًا. وهَذا الكَلامُ داخِلٌ في إتْمامِ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في اسْتِبْطاءِ النَّصْرِ.
والكَلِمَةُ هي كَلِمَةُ الإمْهالِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ المُكَذِّبِينَ، والإمْهالُ إلى يَوْمِ بَدْرٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَن صُرِعُوا بِبَدْرٍ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ الجَلالَةِ بِلَفْظِ رَبِّكَ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ الرَّأْفَةِ بِهِ والِانْتِصارِ لَهُ، ولِما في الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ. وكِلا الأمْرَيْنِ تَعْزِيزٌ لِلتَّسْلِيَةِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ كَلِمَةَ بَيْنَ دالَّةً عَلى أُخْرى مُقَدَّرَةً عَلى سَبِيلِ إيجازِ الحَذْفِ. والتَّقْدِيرُ: بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ بِما يُظْهِرُ بِهِ انْتِصارَ المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهُ يَكْثُرُ أنْ يُقالَ: بَيْنَ كَذا وبَيْنَ كَذا، قالَ تَعالى ﴿وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ [سبإ: ٥٤] .
ومَعْنى سَبَقَتْ أيْ تَقَدَّمَتْ في عِلْمِهِ عَلى مُقْتَضى حِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ.
والأجَلُ المُسَمّى: جِنْسٌ يَصْدُقُ بِكُلِّ ما أُجِّلَ بِهِ عِقابُهم في عِلْمِ اللَّهِ. وأمّا ضَمِيرُ ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ فَهو خاصٌّ بِالمُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في البَعْثِ والشّاكِّينَ في أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.
والرَّيْبُ: الشَّكُّ، فَوَصْفُ (شَكٍّ) بِـ (مُرِيبٍ) مِن قَبِيلِ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ بِأنِ اشْتُقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ وصْفٌ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ وشِعْرٌ شاعِرٌ.
فصلت 41:46
﴿مَن عَمِلَ صالِحا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ .
هَذا مِن مُكَمِّلاتِ التَّسْلِيَةِ ومِن مُناسَباتِ ذِكْرِ الأجَلِ المُسَمّى. وفِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّ (مَن) في المَوْضِعَيْنِ مُفِيدَةٌ لِلْعُمُومِ سَواءٌ اعْتُبِرَتْ شَرْطِيَّةً أوْ
صفحة ٣١٩
مَوْصُولَةً. ووُجُودُ الفاءِ في المَوْضِعَيْنِ: إمّا لِأنَّهُما جَوابانِ لِلشَّرْطِ، وإمّا لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ.
والمَعْنى: أنَّ الإمْهالَ إعْذارٌ لَهم لِيَتَدارَكُوا أمْرَهم.
وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الزُّمَرِ، كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لَفْظًا في سُورَةِ غافِرٍ.
وحَرْفُ عَلى مُؤْذِنٌ بِمُؤاخَذَةِ وتَحَمُّلِ أعْباءٍ كَما أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ فَلِنَفْسِهِ مُؤْذِنٌ بِالعَطاءِ.
والخِطابُ في رَبِّكَ لِلرَّسُولِ ﷺ، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ مِن تَعْزِيزِ تَسْلِيَتِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥] مِنَ العُدُولِ إلى لَفْظِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ.
والمُرادُ بِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لِعَبِيدِهِ: أنَّهُ لا يُعاقِبُ مَن لَيْسَ مِنهم بِمُجْرِمٍ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا وضَعَ لِلنّاسِ شَرائِعَ وبَيَّنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ووَعَدَ وأوْعَدَ فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ قانُونًا، فَصارَ العُدُولُ عَنْهُ إلى عِقابِ مَن لَيْسَ بِمُجْرِمٍ ظُلْمًا إذا الظُّلْمُ هو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ في القَوانِينِ المُتَلَقّاةِ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ أوِ القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ العُقُولِ الحَكِيمَةِ.
وأمّا صِيغَةُ ظَلّامٍ المُقْتَضِيَةُ المُبالَغَةَ في الظُّلْمِ فَهي مُعْتَبَرَةٌ قَبْلَ دُخُولِ النَّفْيِ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي وقَعَتْ هي فِيها كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُسِيءَ لَكانَ ظَلّامًا لَهُ وما هو بِظَلّامٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ المَعانِي: إنَّ النَّفْيَ إذا تَوَجَّهَ إلى كَلامٍ مُقَيَّدٍ قَدْ يَكُونُ النَّفْيُ نَفْيًا لِلْقَيْدِ وقَدْ يَكُونُ القَيْدُ قَيْدًا في النَّفْيِ ومَثَّلُوهُ بِهَذِهِ الآيَةِ. وهَذا اسْتِعْمالٌ دَقِيقٌ في الكَلامِ البَلِيغِ في نَفْيِ الوَصْفِ المَصُوغِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ مِن إتْمامِ عَدْلِ اللَّهِ تَعالى أنْ جَعَلَ كُلَّ دَرَجاتِ الظُّلْمِ في رُتْبَةِ الظُّلْمِ الشَّدِيدِ.
فصلت 41:47
صفحة ٥
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ .
كانُوا إذا أُنْذِرُوا بِالبَعْثِ وساعَتِهِ اسْتَهْزَءُوا فَسَألُوا عَنْ وقْتِها، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَتَكَرَّرُ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ دَلِيلِ إحْياءِ المَوْتى وذِكْرُ إلْحادِ المُشْرِكِينَ في دَلالَتِهِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها اسْتِهْزاءً انْتَقَلَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ سُؤالِهِمْ تَمْهِيدًا لِلْجَوابِ عَنْ ظاهِرِهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ إلى اللَّهِ يُفَوَّضُ عِلْمُ السّاعَةِ لا إلَيَّ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيِ الأجْدَرُ أنْ تَعْلَمُوا أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مَتى السّاعَةُ وأنْ تُؤْمِنُوا بِها وتَسْتَعِدُّوا لَها. ومِثْلُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ وسَألَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ لَهُ: ماذا أعْدَدْتَ لَها»، أيِ اسْتِعْدادُكَ لَها أوْلى بِالِاعْتِناءِ مِن أنْ تَسْألَ عَنْ وقْتِها.
والرَّدُّ: الإرْجاعُ وهو مُسْتَعْمَلٌ لِتَفْوِيضِ عِلْمِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ والتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ لِلْمَسْئُولِ عِلْمٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ جِيءَ بِالسُّؤالِ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فَرَدَّهُ إلى اللَّهِ. وفي حَدِيثِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ في الصَّحِيحِ: ”«فَعاتَبَ اللَّهُ مُوسى أنْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٨٣] الآيَةَ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ وما بَعْدَها، تَوْجِيهٌ لِصَرْفِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ إلى اللَّهِ بِذِكْرِ نَظائِرَ لا يَعْلَمُها النّاسُ، ولَيْسَ عِلْمُ السّاعَةِ
صفحة ٦
بِأقْرَبَ مِنها فَإنَّها أُمُورٌ مُشاهَدَةٌ ولا يَعْلَمُ تَفْصِيلَ حالِها إلّا اللَّهُ، أيْ فَلَيْسَ في عَدَمِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ حُجَّةٌ عَلى تَكْذِيبِ مَن أنْذَرَ بِها، لِأنَّهم قالُوا ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أيْ إنْ لَمْ تُبَيِّنْ لَنا وقْتَهُ فَلَسْتَ بِصادِقٍ. فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ تِلْكَ النَّظائِرِ، وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ:
أوَّلُها: عِلْمُ ما تُخْرِجُهُ أكْمامُ النَّخِيلِ مِنَ الثَّمَرِ بِقَدْرِهِ، وجَوْدَتِهِ، وثَباتِهِ أوْ سُقُوطِهِ، وضَمِيرُ (أكْمامِها) راجِعٌ إلى الثَّمَراتِ. والأكْمامُ: جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وهو وِعاءُ الثَّمَرِ وهو الجُفُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلَةِ مُحْتَوِيًا عَلى طَلْعِ الثَّمَرِ.
ثانِيها: حَمْلُ الأُنْثى مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ، ولا يَعْلَمُ الَّتِي تُلَقَّحُ مِنَ الَّتِي لا تُلَقَّحُ إلّا اللَّهُ.
ثالِثُها: وقْتُ وضْعِ الأجِنَّةِ؛ فَإنَّ الإناثَ تَكُونُ حَوامِلَ مُثْقَلَةً ولا يَعْلَمُ وقْتَ وضْعِها بِاليَوْمِ والسّاعَةِ إلّا اللَّهُ.
وعُدِلَ عَنْ إعادَةِ حَرْفِ (ما) مَرَّةً أُخْرى لِلتَّفادِي مِن ذِكْرِ حَرْفٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ تَساوِيَ هَذِهِ المَنفِيّاتِ الثَّلاثَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي كَوْنِ أزْمانِ حُصُولِها سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ يَسُدُّ عَلَيْنا بابَ ادِّعاءِ الجُمْهُورِ الفَرْقَ بَيْنَ (ما) و(لا) في تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِزَمانِ الحالِ مَعَ حَرْفِ (ما) وتَخْلِيصِهِ لِلِاسْتِقْبالِ مَعَ حَرْفِ (لا) . ويُؤَيِّدُ رَدَّ ابْنِ مالِكٍ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الحَقَّ في جانِبِ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ:
وحَرْفُ (مِن) بَعْدَ مَدْخُولَيْ (ما) في المَوْضِعَيْنِ لِإفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ ويُسَمّى حَرْفًا زائِدًا.
والباءُ في (بِعِلْمِهِ) لِلْمُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (ثَمَراتٍ) بِالجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (ثَمَرَةٍ) واحِدَةِ الثَّمَراتِ.
* * *
صفحة ٧
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ بِأنَّ عَدَمَ بَيانِ وقْتِها يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ حُصُولِها، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِنَظائِرَ لِوَقْتِ السّاعَةِ مِمّا هو جارٍ في الدُّنْيا دَوْمًا - عادَ الكَلامُ إلى شَأْنِ السّاعَةِ عَلى وجْهِ الإنْذارِ مُقْتَضِيًا إثْباتَ وُقُوعِ السّاعَةِ بِذِكْرِ بَعْضِ ما يَلْقَوْنَهُ في يَوْمِها.
و(يَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ شائِعٍ حَذْفُهُ في القُرْآنِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ.
والضَّمِيرُ في (يُنادِي) عائِدٌ إلى رَبِّكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، والنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ الخِطابِ العَلَنِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (أيْنَ شُرَكائِي) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] . وحَذْفُ القَوْلِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِما تَضَمَّنَهُ (يُنادِيهِمْ) مِن مَعْنى الكَلامِ المُعْلَنِ بِهِ. وجاءَتْ جُمْلَةُ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأنَّها جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ. إلى قَوْلِهِ: ما لا تَعْلَمُونَ.
و(﴿آذَنّاكَ﴾): أخْبَرْناكَ وأعْلَمْناكَ. وأصْلُ هَذا الفِعْلِ مُشْتَقٌّ مِن الِاسْمِ الجامِدِ وهو الأُذْنُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الذّالِ. قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
صفحة ٨
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ
وصِيغَةُ الماضِي في (﴿آذَنّاكَ﴾) إنْشاءٌ، فَهو بِمَعْنى الحالِ مِثْلَ: بِعْتُ وطَلَّقْتُ، أيْ نَأْذَنُكَ ونُقِرُّ بِأنَّهُ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ.
والشَّهِيدُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُشاهِدُ، أيِ المُبْصِرُ، أيْ ما أحَدٌ مِنّا يَرى الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوهم شُرَكاءَكَ الآنَ، أيْ لا نَرى واحِدًا مِنَ الأصْنامِ الَّتِي كُنّا نَعْبُدُها، فَتَكُونُ جُمْلَةُ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوَ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ بِمَعْنى الشّاهِدِ، أيْ ما مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ أنَّهم شُرَكاؤُكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِكَذِبِهِمْ فِيما مَضى، وتَكُونُ جُمْلَةُ (وضَلَّ عَنْهم) مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) أيْ قالُوا ذَلِكَ ولَمْ يَجِدُوا واحِدًا مِن أصْنامِهِمْ.
وفِعْلُ (﴿آذَنّاكَ﴾) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُرُودِ النَّفْيِ بَعْدَهُ.
و(ضَلَّ): حَقِيقَتُهُ غابَ عَنْهم، أيْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَدْعُونَهم مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: بَلْ ضَلُّوا عَنْهم. فالمُرادُ هُنا: غَيْبَةُ أصْنامِهِمْ عَنْهم وعَدَمُ وُجُودِها في تِلْكَ الحَضْرَةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِها مُلْقاةً في جَهَنَّمَ أوْ بَقِيَتْ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حِينَ فَنائِهِ.
وإذْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم، أيْ لا مَلْجَأ لَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي شاهَدُوا إعْدادَهُ، فالظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.
والمَحِيصُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن: حاصَ يَحِيصُ: إذا هَرَبَ، أيْ ما لَهم مَفَرٌّ مِنَ النّارِ.
فصلت 41:48
صفحة ٥
﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ .
كانُوا إذا أُنْذِرُوا بِالبَعْثِ وساعَتِهِ اسْتَهْزَءُوا فَسَألُوا عَنْ وقْتِها، وكانَ ذَلِكَ مِمّا يَتَكَرَّرُ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ [الأعراف: ١٨٧] فَلَمّا جَرى ذِكْرُ دَلِيلِ إحْياءِ المَوْتى وذِكْرُ إلْحادِ المُشْرِكِينَ في دَلالَتِهِ بِسُؤالِهِمْ عَنْها اسْتِهْزاءً انْتَقَلَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ سُؤالِهِمْ تَمْهِيدًا لِلْجَوابِ عَنْ ظاهِرِهِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِإفادَةِ الحَصْرِ، أيْ إلى اللَّهِ يُفَوَّضُ عِلْمُ السّاعَةِ لا إلَيَّ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيِ الأجْدَرُ أنْ تَعْلَمُوا أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ مَتى السّاعَةُ وأنْ تُؤْمِنُوا بِها وتَسْتَعِدُّوا لَها. ومِثْلُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ وسَألَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: مَتى السّاعَةُ ؟ فَقالَ لَهُ: ماذا أعْدَدْتَ لَها»، أيِ اسْتِعْدادُكَ لَها أوْلى بِالِاعْتِناءِ مِن أنْ تَسْألَ عَنْ وقْتِها.
والرَّدُّ: الإرْجاعُ وهو مُسْتَعْمَلٌ لِتَفْوِيضِ عِلْمِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ والتَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ لِلْمَسْئُولِ عِلْمٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ جِيءَ بِالسُّؤالِ إلى النَّبِيءِ ﷺ، فَرَدَّهُ إلى اللَّهِ. وفي حَدِيثِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ في الصَّحِيحِ: ”«فَعاتَبَ اللَّهُ مُوسى أنْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ» “، وقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٨٣] الآيَةَ.
وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾ وما بَعْدَها، تَوْجِيهٌ لِصَرْفِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ إلى اللَّهِ بِذِكْرِ نَظائِرَ لا يَعْلَمُها النّاسُ، ولَيْسَ عِلْمُ السّاعَةِ
صفحة ٦
بِأقْرَبَ مِنها فَإنَّها أُمُورٌ مُشاهَدَةٌ ولا يَعْلَمُ تَفْصِيلَ حالِها إلّا اللَّهُ، أيْ فَلَيْسَ في عَدَمِ العِلْمِ بِوَقْتِ السّاعَةِ حُجَّةٌ عَلى تَكْذِيبِ مَن أنْذَرَ بِها، لِأنَّهم قالُوا ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، أيْ إنْ لَمْ تُبَيِّنْ لَنا وقْتَهُ فَلَسْتَ بِصادِقٍ. فَهَذا وجْهُ ذِكْرِ تِلْكَ النَّظائِرِ، وهي ثَلاثَةُ أشْياءَ:
أوَّلُها: عِلْمُ ما تُخْرِجُهُ أكْمامُ النَّخِيلِ مِنَ الثَّمَرِ بِقَدْرِهِ، وجَوْدَتِهِ، وثَباتِهِ أوْ سُقُوطِهِ، وضَمِيرُ (أكْمامِها) راجِعٌ إلى الثَّمَراتِ. والأكْمامُ: جَمْعُ كِمٍّ بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ وهو وِعاءُ الثَّمَرِ وهو الجُفُّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلَةِ مُحْتَوِيًا عَلى طَلْعِ الثَّمَرِ.
ثانِيها: حَمْلُ الأُنْثى مِنَ النّاسِ والحَيَوانِ، ولا يَعْلَمُ الَّتِي تُلَقَّحُ مِنَ الَّتِي لا تُلَقَّحُ إلّا اللَّهُ.
ثالِثُها: وقْتُ وضْعِ الأجِنَّةِ؛ فَإنَّ الإناثَ تَكُونُ حَوامِلَ مُثْقَلَةً ولا يَعْلَمُ وقْتَ وضْعِها بِاليَوْمِ والسّاعَةِ إلّا اللَّهُ.
وعُدِلَ عَنْ إعادَةِ حَرْفِ (ما) مَرَّةً أُخْرى لِلتَّفادِي مِن ذِكْرِ حَرْفٍ واحِدٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِأنَّ تَساوِيَ هَذِهِ المَنفِيّاتِ الثَّلاثَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وفي كَوْنِ أزْمانِ حُصُولِها سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْحالِ ولِلِاسْتِقْبالِ يَسُدُّ عَلَيْنا بابَ ادِّعاءِ الجُمْهُورِ الفَرْقَ بَيْنَ (ما) و(لا) في تَخْلِيصِ المُضارِعِ لِزَمانِ الحالِ مَعَ حَرْفِ (ما) وتَخْلِيصِهِ لِلِاسْتِقْبالِ مَعَ حَرْفِ (لا) . ويُؤَيِّدُ رَدَّ ابْنِ مالِكٍ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ الحَقَّ في جانِبِ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ:
وحَرْفُ (مِن) بَعْدَ مَدْخُولَيْ (ما) في المَوْضِعَيْنِ لِإفادَةِ عُمُومِ النَّفْيِ ويُسَمّى حَرْفًا زائِدًا.
والباءُ في (بِعِلْمِهِ) لِلْمُلابَسَةِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (ثَمَراتٍ) بِالجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ (ثَمَرَةٍ) واحِدَةِ الثَّمَراتِ.
* * *
صفحة ٧
﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ .
عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها فَإنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ إبْطالَ شُبْهَتِهِمْ بِأنَّ عَدَمَ بَيانِ وقْتِها يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ حُصُولِها، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِنَظائِرَ لِوَقْتِ السّاعَةِ مِمّا هو جارٍ في الدُّنْيا دَوْمًا - عادَ الكَلامُ إلى شَأْنِ السّاعَةِ عَلى وجْهِ الإنْذارِ مُقْتَضِيًا إثْباتَ وُقُوعِ السّاعَةِ بِذِكْرِ بَعْضِ ما يَلْقَوْنَهُ في يَوْمِها.
و(يَوْمَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ شائِعٍ حَذْفُهُ في القُرْآنِ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ.
والضَّمِيرُ في (يُنادِي) عائِدٌ إلى رَبِّكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، والنِّداءُ كِنايَةٌ عَنِ الخِطابِ العَلَنِيِّ كَقَوْلِهِ: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى النِّداءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وجُمْلَةُ (أيْنَ شُرَكائِي) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَما صَرَّحَ بِهِ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢] ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] . وحَذْفُ القَوْلِ لَيْسَ بِعَزِيزٍ.
ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِما تَضَمَّنَهُ (يُنادِيهِمْ) مِن مَعْنى الكَلامِ المُعْلَنِ بِهِ. وجاءَتْ جُمْلَةُ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأنَّها جارِيَةٌ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ. إلى قَوْلِهِ: ما لا تَعْلَمُونَ.
و(﴿آذَنّاكَ﴾): أخْبَرْناكَ وأعْلَمْناكَ. وأصْلُ هَذا الفِعْلِ مُشْتَقٌّ مِن الِاسْمِ الجامِدِ وهو الأُذْنُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الذّالِ. قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
صفحة ٨
آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسْماءُ
وصِيغَةُ الماضِي في (﴿آذَنّاكَ﴾) إنْشاءٌ، فَهو بِمَعْنى الحالِ مِثْلَ: بِعْتُ وطَلَّقْتُ، أيْ نَأْذَنُكَ ونُقِرُّ بِأنَّهُ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ.
والشَّهِيدُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُشاهِدُ، أيِ المُبْصِرُ، أيْ ما أحَدٌ مِنّا يَرى الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوهم شُرَكاءَكَ الآنَ، أيْ لا نَرى واحِدًا مِنَ الأصْنامِ الَّتِي كُنّا نَعْبُدُها، فَتَكُونُ جُمْلَةُ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوَ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّهِيدُ بِمَعْنى الشّاهِدِ، أيْ ما مِنّا أحَدٌ يَشْهَدُ أنَّهم شُرَكاؤُكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ اعْتِرافًا بِكَذِبِهِمْ فِيما مَضى، وتَكُونُ جُمْلَةُ (وضَلَّ عَنْهم) مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿قالُوا آذَنّاكَ﴾) أيْ قالُوا ذَلِكَ ولَمْ يَجِدُوا واحِدًا مِن أصْنامِهِمْ.
وفِعْلُ (﴿آذَنّاكَ﴾) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُرُودِ النَّفْيِ بَعْدَهُ.
و(ضَلَّ): حَقِيقَتُهُ غابَ عَنْهم، أيْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَدْعُونَهم مِن قَبْلُ في الدُّنْيا، قالَ تَعالى: بَلْ ضَلُّوا عَنْهم. فالمُرادُ هُنا: غَيْبَةُ أصْنامِهِمْ عَنْهم وعَدَمُ وُجُودِها في تِلْكَ الحَضْرَةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِها مُلْقاةً في جَهَنَّمَ أوْ بَقِيَتْ في العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حِينَ فَنائِهِ.
وإذْ لَمْ يَجِدُوا ما كانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقَدْ عَلِمُوا أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم، أيْ لا مَلْجَأ لَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي شاهَدُوا إعْدادَهُ، فالظَّنُّ هُنا بِمَعْنى اليَقِينِ.
والمَحِيصُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أوِ اسْمُ مَكانٍ مِن: حاصَ يَحِيصُ: إذا هَرَبَ، أيْ ما لَهم مَفَرٌّ مِنَ النّارِ.
فصلت 41:49
صفحة ٩
﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] .
اعْتِراضٌ بَيْنَ أجْزاءِ الوَعِيدِ. والمَعْنى: وعَلِمُوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ. وقَدْ كانُوا إذا أصابَتْهم نَعْماءُ كَذَّبُوا بِقِيامِ السّاعَةِ. فَجُمْلَةُ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (﴿قَنُوطٌ﴾) تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا﴾ [فصلت: ٥٠] إلَخْ. . .
ومَوْقِعُ هَذِهِ الآياتِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ﴾ [فصلت: ٤٧] إلَخْ يَقْتَضِي مُناسَبَةً في النَظْمِ داعِيَةً إلى هَذا الِاعْتِراضِ فَتِلْكَ قاضِيَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ المُخْبَرَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا يَسْأمُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ هو مِن صِنْفِ النّاسِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُ قَصَصِهِمْ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ فَرِيقًا مِن نَوْعِ الإنْسانِ، فَيَكُونَ تَعْرِيفُ الإنْسانِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ العامِّ لَكِنَّ عُمُومَهُ عُرْفِيٌّ بِالقَرِينَةِ وهو المُمَثَّلُ لَهُ في عِلْمِ المَعانِي بِقَوْلِكَ: جَمَعَ الأمِيرُ الصّاغَةَ. وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا مِن هَذا الصِّنْفِ فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ تَعْرِيفَ العَهْدِ. كَما أنَّ الإخْبارَ عَنِ الإنْسانِ بِأنَّهُ يَقُولُ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠]، صَرِيحٌ أنَّ المُخْبَرَ عَنْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ مُعَيَّنًا كانَ أوْ عامًّا عُمُومًا عُرْفِيًّا. فَقِيلَ المُرادُ بِالإنْسانِ: المُشْرِكُونَ كُلُّهم، وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ مُشْرِكٌ مُعَيَّنٌ، قِيلَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وقِيلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وأيًّا ما كانَ فالإخْبارُ عَنِ إنْسانٍ كافِرٍ.
ومَحْمَلُ الكَلامِ البَلِيغِ يُرْشِدُ إلى أنَّ إناطَةَ هَذِهِ الأخْبارِ بِصِنْفٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ بِمُشْرِكٍ مُعَيَّنٍ بِعُنْوانِ إنْسانٍ يُومِئُ بِأنَّ لِلْجِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ أثَرًا قَوِيًّا في الخُلُقِ الَّذِي مِنهُ هَذِهِ العَقِيدَةُ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ بِوازِعِ الإيمانِ. فَأصْلُ هَذا الخُلُقِ أمْرٌ مُرْتَكِزٌ في نَفْسِ الإنْسانِ، وهو التَّوَجُّهُ إلى طَلَبِ المُلائِمِ والنّافِعِ، ونِسْيانُ ما عَسى أنْ يَحِلَّ بِهِ مِنَ المُؤْلِمِ والضّارِّ، فَبِذَلِكَ يَأْنَسُ بِالخَيْرِ إذا حَصَلَ لَهُ فَيَزْدادُ مِنَ السَّعْيِ لِتَحْصِيلِهِ ويَحْسَبُهُ كالمُلازِمِ الذّاتِيِّ فَلا يَتَدَبَّرُ في مُعْطِيهِ حَتّى يَشْكُرَهُ ويَسْألَهُ المَزِيدَ تَخَضُّعًا،
صفحة ١٠
ويَنْسى ما عَسى أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِ مِنَ الضُّرِّ فَلا يَسْتَعِدُّ لِدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِسُؤالِ الفاعِلِ المُخْتارِ أنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ ويُعِيذَهُ مِنهُ.
فَأمّا أنَّ الإنْسانَ لا يَسْأمُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ فَمَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتَفِي، فَأطْلَقَ عَلى الِاكْتِفاءِ والِاقْتِناعِ السَّآمَةَ. وهي المَلَلُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ اسْتِرْسالِ الإنْسانِ في طَلَبِ الخَيْرِ عَلى الدَّوامِ بِالعَمَلِ الدّائِمِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَسْأمَ مِنهُ عامِلُهُ فَنَفْيُ السَّآمَةِ عَنْهُ رَمْزٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
وفِي الحَدِيثِ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مَن ذَهَبٍ لَأحَبَّ لَهُما ثالِثًا، ولَوْ أنَّ لَهُ ثَلاثَةً لَأحَبَّ لَهُما رابِعًا، ولا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ»، وقالَ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] .
والدُّعاءُ: أصْلُهُ الطَّلَبُ بِالقَوْلِ، وهو هُنا مَجازٌ في الطَّلَبِ مُطْلَقًا فَتَكُونُ إضافَتُهُ إلى الخَيْرِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى ما في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الدُّعاءُ بِالخَيْرِ أوْ طَلَبُ الخَيْرِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، شَبَّهَ الخَيْرَ بِعاقِلٍ يَسْألُهُ الإنْسانُ أنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِ، فَإضافَةُ الدُّعاءِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
وأمّا أنَّ الإنْسانَ يَئُوسٌ قُنُوطٌ إنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَذَلِكَ مِن خُلُقِ قِلَّةِ صَبْرِ الإنْسانِ عَلى ما يُتْعِبُهُ ويَشُقُّ عَلَيْهِ فَيَضْجَرُ إنْ لَحِقَهُ شَرٌّ ولا يُوازِي بَيْنَ ما كانَ فِيهِ مِن خَيْرٍ فَيَقُولُ: لَئِنْ مَسَّنِيَ الشَّرُّ زَمَنًا لَقَدْ حَلَّ بِيَ الخَيْرُ أزْمانًا، فَمِنَ الحَقِّ أنْ أتَحَمَّلَ ما أصابَنِي كَما نَعِمْتُ بِما كانَ لِي مِن خَيْرٍ، ثُمَّ لا يَنْتَظِرُ إلى حِينِ انْفِراجِ الشَّرِّ عَنْهُ ويَنْسى الإقْبالَ عَلى سُؤالِ اللَّهِ أنْ يَكْشِفَ عَنْهُ الضُّرَّ بَلْ يَيْأسُ ويَقْنَطُ غَضَبًا وكِبْرًا ولا يَنْتَظِرُ مُعاوَدَةَ الخَيْرِ ظاهِرًا عَلَيْهِ أثَرُ اليَأْسِ بِانْكِسارٍ وحُزْنٍ.
واليَأْسُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ هو: اعْتِقادُ عَدَمِ حُصُولِ المَأْيُوسِ مِنهُ.
والقُنُوطُ: انْفِعالٌ يُدْنِي مِن أثَرِ اليَأْسِ وهو انْكِسارٌ وتَضاؤُلٌ. ولَمْ يَذْكُرْ هُنا أنَّهُ ذُو دُعاءٍ لِلَّهِ كَما ذَكَرَ في قَوْلِهِ الآتِي: ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] لِأنَّ المَقْصُودَ أهْلُ الشِّرْكِ وهم إنَّما يَنْصَرِفُونَ إلى أصْنامِهِمْ.
صفحة ١١
وقَدْ جاءَتْ تَرْبِيَةُ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ عَلى ذَمِّ القُنُوطِ؛ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلّا الضّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، وفي الحَدِيثِ: «انْتِظارُ الفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ عِبادَةٌ» .
فالآيَةُ وصَفَتْ خُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ: أحَدُهُما خُلُقُ البَطَرِ بِالنِّعْمَةِ والغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ عَلَيْها. وثانِيهِما اليَأْسُ مِن رُجُوعِ النِّعْمَةِ عِنْدَ فَقْدِها.
وفِي نَظْمِ الآيَةِ لَطائِفُ مِنَ البَلاغَةِ:
الأُولى: التَّعْبِيرُ عَنْ دَوامِ طَلَبِ النِّعْمَةِ بِعَدَمِ السَّآمَةِ كَما عَلِمْتَهُ.
الثّانِيَةُ: التَّعْبِيرُ عَنْ مَحَبَّةِ الخَيْرِ بِدُعاءِ الخَيْرِ.
الثّالِثَةُ: التَّعْبِيرُ عَنْ إضافَةِ الضُّرِّ بِالمَسِّ الَّذِي هو أضْعَفُ إحْساسٍ بِالإصابَةِ؛ قالَ تَعالى لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ.
الرّابِعَةُ: اقْتِرانُ شَرْطِ مَسِّ الشَّرِّ بِـ (إنْ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَدْخُلَ عَلى النّادِرِ وُقُوعُهُ فَإنَّ إصابَةَ الشَّرِّ الإنْسانَ نادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِما هو مَغْمُورٌ بِهِ مِنَ النِّعَمِ.
الخامِسَةُ: صِيغَةُ المُبالَغَةِ في (يَئُوسٌ) .
السّادِسَةُ: إتْباعُ (يَئُوسٌ) بِـ (قَنُوطٌ) الَّذِي هو تَجاوُزُ إحْساسِ اليَأْسِ إلى ظاهِرِ البَدَنِ بِالِانْكِسارِ، وهو مِن شِدَّةِ يَأْسِهِ، فَحَصَلَتْ مُبالَغَتانِ في التَّعْبِيرِ عَنْ يَأْسِهِ بِأنَّهُ اعْتِقادٌ في ضَمِيرِهِ وانْفِعالٌ في سَحَناتِهِ.
فالمُشْرِكُ يَتَأصَّلُ فِيهِ هَذا الخُلُقُ ويَتَزايَدُ بِاسْتِمْرارِ الزَّمانِ، والمُؤْمِنُ لا تَزالُ تَرْبِيَةُ الإيمانِ تَكُفُّهُ عَنْ هَذا الخُلُقِ حَتّى يَزُولَ مِنهُ أوْ يَكادَ.
ثُمَّ بَيَّنَتِ الآيَةُ خُلُقًا آخَرَ في الإنْسانِ وهو أنَّهُ إذا زالَ عَنْهُ كَرْبُهُ وعادَتْ إلَيْهِ النِّعْمَةُ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ ولَمْ يَتَفَكَّرْ في لُطْفِ اللَّهِ بِهِ فَبَطِرَ النِّعْمَةَ، وقالَ: قَدِ اسْتَرْجَعْتُ خَيْراتِي بِحِيلَتِي وتَدْبِيرِي، وهَذا الخَيْرُ حَقٌّ لِي حَصُلْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا كانَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ - وهُمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم - تَراهُ إذا سَمِعَ إنْذارَ النَّبِيءِ ﷺ بِقِيامِ السّاعَةِ أوْ هَجَسَ في نَفْسِهِ هاجِسُ عاقِبَةِ هَذِهِ الحَياةِ قالَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى العَمَلِ لِيَوْمِ
صفحة ١٢
الحِسابِ أوْ قالَ في نَفْسِهِ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ولَئِنْ فَرَضْتُ قِيامَ السّاعَةِ عَلى احْتِمالٍ ضَعِيفٍ فَإنِّي سَأجِدُ عِنْدَ اللَّهِ المُعامَلَةَ بِالحُسْنى لِأنِّي مِن أهْلِ الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ في الدُّنْيا فَكَذَلِكَ سَأكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. وهَذا مِن سُوءِ اعْتِقادِهِمْ أنْ يَحْسَبُوا أحْوالَ الدُّنْيا مُقارِنَةً لَهم في الآخِرَةِ، كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ العاصِي بْنِ وائِلٍ حِينَ اقْتَضاهُ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ مالًا لَهُ عِنْدَهُ مِن أجْرِ صِناعَةِ سَيْفٍ فَقالَ لَهُ: حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ؟ فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ويَبْعَثَكَ، فَقالَ: أوَإنِّي لَمَيِّتٌ فَمَبْعُوثٌ ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ: لَئِنْ بَعَثَنِي اللَّهُ فَسَيَكُونُ لِي مالِي فَأقْضِيكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآياتِ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
ولَعَلَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠] إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما في مَقالَةِ العاصِي بْنِ وائِلٍ.
وذِكْرُ إنْكارِ البَعْثِ هُنا إدْماجٌ بِذِكْرِ أحْوالِ الإنْسانِ المُشْرِكِ في عُمُومِ أحْوالِ الإنْسانِ.
وجِيءَ في حِكايَةِ قَوْلِهِ (﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ﴾ [فصلت: ٥٠]) بِحَرْفِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي يَغْلِبُ وُقُوعُها في الشَّرْطِ المَشْكُوكِ وُقُوعُهُ لِأنَّهُ جَعَلَ رُجُوعَهُ إلى اللَّهِ أمْرًا مَفْرُوضًا ضَعِيفَ الِاحْتِمالِ.
وأمّا دُخُولُ اللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقَسَمِ عَلَيْهِ فَمَوْرِدُ التَّحْقِيقِ بِالقِسَمِ هو حُصُولُ الجَوابِ لَوْ حَصَلَ الشَّرْطُ.
وكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ مَوْرِدُهُ هو جَوابُ الشَّرْطِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ (لِي) و(عِنْدَهُ) عَلى اسْمِ (إنَّ) هو لِتَقَوِّي تَرَتُّبِ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ.
والحُسْنى: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيِ الحالَةُ الحُسْنى، أوِ المُعامَلَةُ الحُسْنى. والأظْهَرُ أنَّ الحُسْنى صارَتِ اسْمًا لِلْإحْسانِ الكَثِيرِ أخْذًا مِن صِيغَةِ التَّفْضِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ مُتَفاوِتَةٌ أفْرادُهُ في هَذا الخُلُقِ المَعْزُوِّ إلَيْهِ هُنا عَلى تَفاوُتِ أفْرادِهِ في الغُرُورِ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ المُشْرِكِينَ كانَ هَذا الخُلُقُ فاشِيًا فِيهِمْ
صفحة ١٣
يَقْتَضِيهِ دِينُ الشِّرْكِ. ولا نَظَرَ في الآيَةِ لِمَن كانَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّهُمُ النّادِرُ، عَلى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ يُخامِرُهُ بَعْضُ هَذا الخُلُقِ وتَرْتَسِمُ فِيهِ شِياتٌ مِنهُ ولَكِنَّ إيمانَهُ يَصْرِفُهُ عَنْهُ انْصِرافًا بِقَدْرِ قُوَّةِ إيمانِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَبْلُغُ بِهِ إلى الحَدِّ الَّذِي يَقُولُ ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [فصلت: ٥٠] ولَكِنَّهُ قَدْ تَجْرِي أعْمالُ بَعْضِ المُسْلِمِينَ عَلى صُورَةِ أعْمالِ مَن لا يَظُنُّ أنَّ السّاعَةَ قائِمَةٌ مِثْلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَأْتُونَ السَّيِّئاتِ ثُمَّ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِنا، وإذا ذُكِرَ لَهم يَوْمُ الجَزاءِ قالُوا: ما ثَمَّ إلّا الخَيْرُ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَذَمَّةً لِلْمُشْرِكِينَ ومَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ كَمَدًا لِلْأوَّلِينَ وانْتِشالًا لِلْآخِرِينَ.
فصلت 41:50
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾ [فصلت: ٤٧] وما اتَّصَلَ بِها؛ أيْ فَلَنُعْلِمَنَّهم بِما عَمِلُوا عَلَنًا يَعْلَمُونَ بِهِ أنّا لا يَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِمّا عَمِلُوهُ وتَقْرِيعًا لَهم.
وقَوْلُ الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولَنُنَبِّئَنَّهم بِما عَمِلُوا، فَعَدَلَ إلى المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن عِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ الإذاقَةَ بِما عَمِلُوا وإذاقَةَ العَذابِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ.
والغَلِيظُ حَقِيقَتُهُ: الصُّلْبُ، قالَ تَعالى: ﴿فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْقَوِيِّ في نَوْعِهِ، أيْ عَذابٍ شَدِيدِ الإيلامِ والتَّعْذِيبِ، كَما اسْتُعِيرَ لِلْقَساوَةِ في المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ: واغْلُظْ عَلَيْهِمْ وقَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] .
الإذاقَةُ: مَجازٌ في مُطْلَقِ الإصابَةِ في الحِسِّ لِإطْماعِهِمْ أنَّها إصابَةٌ خَفِيفَةٌ كَإصابَةِ الذَّوْقِ بِاللِّسانِ. وهَذا تَجْرِيدٌ لِلْمَجازِ كَما أنَّ وصْفَهُ بِالغَلِيظِ تَجْرِيدٌ ثانٍ فَحَصَلَ مِن ذَلِكَ ابْتِداءٌ مُطْمِعٌ وانْتِهاءٌ مُؤْيِسٌ.
فصلت 41:51
صفحة ١٤
﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ .
هَذا وصْفٌ وتَذْكِيرٌ بِضَرْبٍ آخَرَ مِن طُغْيانِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ غَيْرِ خاصٍّ بِأهْلِ الشِّرْكِ بَلْ هو مُنْبَثٌّ في جَمِيعِ النّاسِ عَلى تَفاوُتٍ، إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ. وهو تَوْصِيفٌ لِنَزَقِ النَّفْسِ الإنْسانِيِّ وقِلَّةِ ثَباتِهِ فَإذا أصابَتْهُ السَّرّاءُ طَغا وتَكَبَّرَ ونَسِيَ شُكْرَ رَبِّهِ نِسْيانًا قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا وشُغِلَ بِلَذّاتِهِ، وإذا أصابَتْهُ الضَّرّاءُ لَمْ يَصْبِرْ وجَزِعَ ولَجَأ إلى رَبِّهِ يُلِحُّ بِسُؤالِ كَشْفِ الضَّرّاءِ عَنْهُ سَرِيعًا. وفي ذِكْرِ هَذا الضَّرْبِ تَعَرُّضٌ لِفِعْلِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ الخَلَّتَيْنِ: السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.
وهُوَ نَقْدٌ لِسُلُوكِ الإنْسانِ في الحالَتَيْنِ وتَعْجِيبٌ مِن شَأْنِهِ. ومَحَلُّ النَّقْدِ والتَّعْجِيبِ مِن إعْراضِهِ ونَأْيِهِ بِجانِبِهِ واضِحٌ، وأمّا مَحَلُّ الِانْتِقادِ والتَّعْجِيبِ مِن أنَّهُ ذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ عِنْدَما يَمَسُّهُ الشَّرُّ فَهو مِن حَيْثُ لَمْ يَتَذَكَّرِ الإقْبالَ عَلى دُعاءِ رَبِّهِ إلّا عِنْدَما يَمَسُّهُ الشَّرُّ وكانَ الشَّأْنُ أنْ لا يَغْفُلَ عَنْ ذَلِكَ في حالِ النِّعْمَةِ فَيَدْعُوَ بِدَوامِها ويَشْكُرَ رَبَّهُ عَلَيْها وقَبُولِ شُكْرِهِ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ أوْلى بِالعِنايَةِ مِن حالَةِ مَسِّ الضُّرِّ.
وأمّا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩] إلى قَوْلِهِ (﴿لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]) فَهو وصْفٌ لِضَرْبٍ آخَرَ أشَدَّ، وهو خاصٌّ بِأهْلِ الشِّرْكِ لِما وقَعَ فِيهِ مِن قَوْلِهِ: وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً، فَلَيْسَ قَوْلُهُ: وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ إلَخْ تَكْرِيرًا مَعَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ﴾ [فصلت: ٤٩] الآيَةَ.
فَهَذا التَّفَنُّنُ في وصْفِ أحْوالِ الإنْسانِ مَعَ رَبِّهِ هو الَّذِي دَعا إلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (وإذا أنْعَمْنا) مِن بَعْضِ التَّكْرِيرِ لِما ذَكَرَ في الضَّرْبِ المُتَقَدِّمِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافِ الحالَتَيْنِ بِاعْتِبارِ الشِّرْكِ وعَدَمِهِ مَعَ اتِّحادِهِما في مَثارِ الجِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ، وبِاعْتِبارِ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لِلْإنْسانِ.
والإعْراضُ: الِانْصِرافُ عَنْ شَيْءٍ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلْغَفْلَةِ عَنْ شُكْرِ المُنْعِمِ أوِ التَّعَمُّدِ لِتَرْكِ الشُّكْرِ.
صفحة ١٥
ومُتَعَلِّقُ فِعْلِ (أعْرَضَ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أعْرَضَ عَنْ دُعائِنا.
والنَّأْيُ: البُعْدُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في المُنْعِمِ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَ عَدَمَ اشْتِغالِهِ بِذَلِكَ بِالبُعْدِ.
والجانِبُ لِلْإنْسانِ: مُنْتَهى جِسْمِهِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ لَيْسَتا قُبالَةَ وجْهِهِ وظَهْرِهِ، ويُسَمّى الشِّقَّ، والعِطْفَ بِكَسْرِ العَيْنِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ. والمَعْنى: أبْعَدَ جانِبَهُ، كِنايَةً عَنْ إبْعادِ نَفْسِهِ، أيْ ولّى مُعْرِضًا غَيْرَ مُلْتَفِتٍ بِوَجْهِهِ إلى الشَّيْءِ الَّذِي ابْتَعَدَ هو عَنْهُ.
ومَعْنى (مَسَّهُ الشَّرُّ): أصابَهُ شَرٌّ بِسَبَبٍ عادِيٍّ. وعَدَلَ عَنْ إسْنادِ إصابَةِ الشَّرِّ إلى اللَّهِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَ اللَّهِ كَما قالَ إبْراهِيمُ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ إلَخْ. ثُمَّ قالَ: وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ فَلَمْ يَقُلْ: وإذا أمْرَضَنِي، وفي ذَلِكَ سِرٌّ؛ وهو أنَّ النِّعَمَ والخَيْرَ مُسَخَّرانِ لِلْإنْسانِ في أصْلِ وضْعِ خِلْقَتِهِ فَهُما الغالِبانِ عَلَيْهِ لِأنَّهُما مِن مَظاهِرِ نامُوسِ بَقاءِ النَّوْعِ. وأمّا الشُّرُورُ والأضْرارُ فَإنَّ مُعْظَمَها يَنْجَرُّ إلى الإنْسانِ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِ وبِتَعَرُّضِهِ إلى ما حَذَّرَتْهُ مِنهُ الشَّرائِعُ والحُكَماءُ المُلْهَمُونَ فَقَلَّما يَقَعُ فِيهِما الإنْسانُ إلّا بِعَمَلِهِ وجُرْأتِهِ.
والدُّعاءُ: الدُّعاءُ لِلَّهِ بِكَشْفِ الشَّرِّ عَنْهُ. ووَصْفُهُ بِالعَرِيضِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ العَرْضَ بِفَتْحِ العَيْنِ (ضِدُّ الطُّولِ)، والشَّيْءُ العَرِيضُ هو المُتَّسِعُ مِساحَةَ العَرْضِ، فَشَبَّهَ الدُّعاءَ المُتَكَرِّرَ المُلِحَّ فِيهِ بِالثَّوْبِ أوِ المَكانِ العَرِيضِ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَداعٍ، إلى (ذُو دُعاءٍ) لِما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (ذُو) مِن مُلازَمَةِ الدُّعاءِ لَهُ وتَمَلُّكِهِ مِنهُ.
والدُّعاءُ إلى اللَّهِ مِن شِيَمِ المُؤْمِنِينَ وهم مُتَفاوِتُونَ في الإكْثارِ مِنهُ والإقْلالِ عَلى تَفاوُتِ مُلاحَظَةِ الحَقائِقِ الإلَهِيَّةِ.
وتَوَجُّهُ المُشْرِكِينَ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ هو أقْوالٌ تَجْرِي عَلى ألْسِنَتِهِمْ تَوارَثُوها مِن عاداتٍ سالِفَةٍ مِن أزْمانِ تَدَيُّنِهِمْ بِالحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ عِبادَةُ الأصْنامِ وتَتَأصَّلَ فِيهِمْ؛ فَإذا دَعَوُا اللَّهَ غَفَلُوا عَنْ مُنافاةِ أقْوالِهِمْ لِعَقائِدِ شِرْكِهِمْ.
فصلت 41:52
صفحة ١٦
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١] إلى قَوْلِهِ: لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ فَهَذا انْتِقالٌ إلى المُجادَلَةِ في شَأْنِ القُرْآنِ رَجَعَ بِهِ إلى الغَرَضِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وهو بَيانُ حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وصِدْقِهِ وصِدْقِ مَن جاءَ بِهِ.
وهَذا اسْتِدْعاءٌ لِيُعْمِلُوا النَّظَرَ في دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ مِثْلَ إعْجازِهِ وانْتِساقِهِ وتَأْيِيدِ بَعْضِهِ بَعْضًا وكَوْنِهِ مُؤَيِّدًا لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ، وكَوْنِ تِلْكَ الكُتُبِ مُؤَيِّدَةً لَهُ.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن إنْكارِ صِدْقِ القُرْآنِ لَيْسَ صادِرًا عَنْ نَظَرٍ وتَمْحِيصٍ يُحَصِّلُ اليَقِينَ وإنَّما جازَفْتُمْ بِهِ قَبْلَ النَّظَرِ فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ لاحْتَمَلَ أنْ يُنْتِجَ لَكُمُ التَّأمُّلُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْ لا يَكُونَ مِن عِنْدِهِ، فَإذا فُرِضَ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ فَقَدْ أقْحَمْتُمْ أنْفُسَكم في شِقاقٍ قَوِيٍّ. وهَذا مِنَ الكَلامِ المُنْصِفِ واقْتَصَرَ فِيهِ عَلى ذِكْرِ الحالَةِ المُنْطَبِقَةِ عَلى صِفاتِهِمْ تَعْرِيضًا بِأنَّ ذَلِكَ هو الطَّرَفُ الرّاجِحُ في هَذا الإجْمالِ كَأنَّهُ يَقُولُ: كَما أنَّكم قَضَيْتُمْ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَيْسَ ذَلِكَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَتَعالَوْا فَتَأمَّلُوا في الدَّلائِلِ، فَهم لَمّا أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وصَدُّوا أنْفُسَهم وعامَّتَهم عَنْ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ فَقَدْ أعْمَلُوا شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ وأهْمَلُوا الأخْذَ بِالحِيطَةِ لَهم بِأنْ يَتَدَبَّرُوهُ حَتّى يَكُونُوا عَلى بَيِّنَةٍ مِن أمْرِهِمْ في شَأْنِهِ، وهو إذا تَدَبَّرُوهُ لا يَلْبَثُونَ أنْ يَعْلَمُوا صِدْقَهُ، فاسْتَدْعاهُمُ اللَّهُ إلى النَّظَرِ بِطَرِيقِ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ إذا جازَ ذَلِكَ وكانُوا قَدْ كَفَرُوا بِهِ دُونَ تَأمُّلٍ كانُوا قَدْ قَضَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالضَّلالِ الشَّدِيدِ، وإذا كانُوا كَذَلِكَ فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ الوَعِيدِ.
و(إنْ) الشَّرْطِيَّةُ شَأْنُها أنْ تَدْخُلَ عَلى الشَّرْطِ المَشْكُوكِ فِيهِ، فالإتْيانُ بِها إرْخاءٌ لِلْعِنانِ مَعَهم لِاسْتِنْزالِ طائِرِ إنْكارِهِمْ حَتّى يُقْبِلُوا عَلى التَّأمُّلِ في دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ.
ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ والتَّشْكِيكِ أوَّلًا دَهْماءَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ
صفحة ١٧
يَنْظُرُوا في دَلالَةِ القُرْآنِ أوْ لَمْ يُطِيلُوا النَّظَرَ ولَمْ يَبْلُغُوا بِهِ حَدَّ الِاسْتِدْلالِ.
وأمّا قادَتُهم وكُبَراؤُهم وأهْلُ العُقُولِ مِنهم فَهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولَكِنَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمْ حُبُّ الرِّئاسَةِ عَلى أنَّهم مُتَفاوِتُونَ في هَذا العِلْمِ إلى أنْ يَبْلُغَ بَعْضُهم إلى حَدٍّ قَرِيبٍ مِن حالَةِ الدَّهْماءِ ولَكِنَّ القُرْآنَ ألْقى بَيْنَهم هَذا التَّشْكِيكَ تَغْلِيبًا ومُراعاةً لِاخْتِلافِ دَرَجاتِ المُعانِدِينَ ومُجاراةً لَهُمُ ادِّعاءَهم أنَّهم لَمْ يَهْتَدُوا نَظَرًا لِقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] .
و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ (﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ﴾) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ أمْرُهُ أخْطَرُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
و(مَن) الأُولى لِلِاسْتِفْهامِ وهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا أضَلَّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ إذا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ.
و(مَن) الثّانِيَةِ مَوْصُولَةٌ وماصَدَقُها المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ (﴿كَفَرْتُمْ بِهِ﴾) فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى طَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تَأْذَنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ أنَّهم أضَلُّ الضّالِّينَ بِكَوْنِهِمْ شَدِيدِي الشِّقاقِ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ أشَدَّ الخَلْقِ عُقُوبَةً لِما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ الضَّلالَ سَبَبٌ لِلْخُسْرانِ.
والشِّقاقُ: العِصْيانُ. والمُرادُ: عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ لِظُهُورِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ عَلى هَذا الفَرْضِ بَيْنَنا.
والبَعِيدُ: الواسِعُ المَسافَةِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّشْدِيدِ في جِنْسِهِ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ لِلضَّلالِ لِأنَّ الضَّلالَ أصْلُهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ إلى الطَّرِيقِ، وأنَّ البُعْدَ مُناسِبٌ لِلشِّقاقِ لِأنَّ المُنْشَقَّ قَدْ فارَقَ المُنْشَقَّ عَنْهُ فَكانَ فِراقُهُ بَعِيدًا لا رَجاءَ مَعَهُ لِلدُّنُوِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِعْلُ (أرَأيْتُمْ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ؛ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ.
فصلت 41:53
صفحة ١٨
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ .
أعْقَبَ اللَّهُ أمْرَ رَسُولِهِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ ما فِيهِ تَخْوِيفُهم مِن عَواقِبِ الشِّقاقِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ إلى آخِرِ ما قُرِّرَ آنِفًا، بِأنْ وعَدَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ بِأنَّ اللَّهَ سَيَغْمُرُ المُشْرِكِينَ بِطائِفَةٍ مِن آياتِهِ ما يَتَبَيَّنُونَ بِهِ أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقًّا فَلا يَسَعُهم إلّا الإيمانُ بِهِ، أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ بَيِّنٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى اعْتِرافِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وسَتَظْهَرُ دَلائِلُ حَقِّيَّتِهِ في الآفاقِ البَعِيدَةِ عَنْهم وفي قَبِيلَتِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَتَتَظاهَرُ الدَّلائِلُ عَلى أنَّهُ الحَقُّ فَلا يَجِدُوا إلى إنْكارِها سَبِيلًا، والمُرادُ: أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ يَوْمَئِذٍ مَعَ جَمِيعِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ.
وفِي هَذا الوَعْدِ لِلرَّسُولِ ﷺ تَعْرِيضٌ بِهِمْ إذْ يَسْمَعُونَهُ عَلى طَرِيقَةِ: فاسْمَعِي يا جارَةُ.
فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِصَرِيحِها وتَعْرِيضِها مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِأمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما أُمِرَ بِهِ، والتَّعْلِيلُ راجِعٌ إلى إحالَتِهِمْ عَلى تَشْكِيكِهِمْ في مَوْقِفِهِمْ لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ.
وقَدْ سَكَتَ عَمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ظُهُورِ الآياتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمُ المُبَيِّنَةِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] يُنْبِئُ عَنْ تَقْدِيرِهِ، أيْ لا يَسَعُهم إلّا الإيمانُ بِأنَّهُ حَقٌّ فَمَن كانَ مِنهم شاكًّا مِن قَبْلُ عَنْ قِلَّةِ تَبَصُّرٍ حَصَلَ لَهُ العِلْمُ بَعْدَ ذَلِكَ، ومَن كانَ إنَّما يَكْفُرُ عِنادًا واحْتِفاظًا بِالسِّيادَةِ افْتَضَحَ بُهْتانُهُ وسَفَّهَهُ جِيرانُهُ. وكِلاهُما قَدْ أفاتَ بِتَأْخِيرِ الإيمانِ خَيْرًا عَظِيمًا مِن خَيْرِ الآخِرَةِ بِما أضاعَهُ مِن تَزَوُّدِ ثَوابٍ في مُدَّةِ كُفْرِهِ ومِن خَيْرِ الدُّنْيا بِما فاتَهُ مِن شَرَفِ السَّبْقِ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ كَما قالَ تَعالى: لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ طَرَفٌ مِنَ الإعْجازِ بِالإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ إذْ أخْبَرَتْ بِالوَعْدِ
صفحة ١٩
بِحُصُولِ النَّصْرِ لَهُ ولِدِينِهِ وذَلِكَ بِما يَسَّرَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ولِخُلَفائِهِ مِن بَعْدِهِ في آفاقِ الدُّنْيا والمَشْرِقِ والمَغْرِبِ عامَّةً وفي باحَةِ العَرَبِ خاصَّةً مِنَ الفُتُوحِ وثَباتِها وانْطِباعِ الأُمَمِ بِها ما لَمْ تَتَيَسَّرْ أمْثالُها لِأحَدٍ مِن مُلُوكِ الأرْضِ والقَياصِرَةِ والأكاسِرَةِ عَلى قِلَّةِ المُسْلِمِينَ إنْ نُسِبَ عَدَدُهم إلى عَدَدِ الأُمَمِ الَّتِي فَتَحُوا آفاقَها بِنَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ في أقْطارِ الأرْضِ، والتّارِيخُ شاهِدٌ بِأنَّ ما تَهَيَّأ لِلْمُسْلِمِينَ مِن عَجائِبِ الِانْتِشارِ والسُّلْطانِ عَلى الأُمَمِ أمْرٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَتَبَيَّنُ أنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الحَقُّ وأنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّما تَمَسَّكُوا بِعُرى الإسْلامِ لَقُوا مِن نَصْرِ اللَّهِ أمْرًا عَجِيبًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ السّابِقُ واللّاحِقُ، وقَدْ تَحَدّاهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهو سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [الرعد: ٤١] ثُمَّ قالَ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] .
ولَمْ يَقِفْ ظُهُورُ الإسْلامِ عِنْدَ فَتْحِ المَمالِكِ والغَلَبِ عَلى المُلُوكِ والجَبابِرَةِ، بَلْ تَجاوَزَ ذَلِكَ إلى التَّغَلْغُلِ في نُفُوسِ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ فَتَقَلَّدُوهُ دِينًا وانْبَثَّتْ آدابُهُ وأخْلاقُهُ فِيهِمْ فَأصْلَحَتْ عَوائِدَهم ونُظُمَهُمُ المَدَنِيَّةَ المُخْتَلِفَةَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها فَأصْبَحُوا عَلى حَضارَةٍ مُتَماثِلَةٍ مُتَناسِقَةٍ وأوْجَدُوا حَضارَةً جَدِيدَةً سالِمَةً مِنَ الرُّعُونَةِ وتَفَشَّتْ لُغَةُ القُرْآنِ فَتَخاطَبَتْ بِها الأُمَمُ المُخْتَلِفَةُ الألْسُنِ وتَعارَفَتْ بِواسِطَتِها. ونَبَغَتْ فِيهِمْ فَطاحِلُ مِن عُلَماءِ الدِّينِ وعُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وأيِمَّةِ الأدَبِ العَرَبِيِّ وفُحُولِ الشُّعَراءِ ومَشاهِيرِ المُلُوكِ الَّذِينَ نَشَرُوا الإسْلامَ في المَمالِكِ بِفُتُوحِهِمْ.
فالمُرادُ بِالآياتِ في قَوْلِهِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا﴾ ما يَشْمَلُ الدَّلائِلَ الخارِجَةَ عَنِ القُرْآنِ وما يَشْمَلُ آياتِ القُرْآنِ فَإنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْنى رُؤْيَتِها رُؤْيَةَ ما يُصَدِّقُ أخْبارَها ويُبَيِّنُ نُصْحَها إيّاهم بِدَعْوَتِها إلى خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والآفاقُ: جَمْعُ أُفُقٍ بِضَمَّتَيْنِ وتُسَكَّنُ فاؤُهُ أيْضًا هو: النّاحِيَةُ مِنَ الأرْضِ المُتَمَيِّزَةُ عَنْ غَيْرِها، والنّاحِيَةُ مِن قُبَّةِ السَّماءِ.
وعَطْفُ (﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، أيْ وفي أُفُقِ أنْفُسِهِمْ، أيْ مَكَّةَ وما حَوْلَها عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
صفحة ٢٠
والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ (﴿فِي الآفاقِ﴾) عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِأُفُقِهِمْ، ويَكُونَ مَعْنى (﴿وفِي أنْفُسِهِمْ﴾) أنَّهم يَرَوْنَ آياتِ صِدْقِهِ في أحْوالٍ تُصِيبُ أنْفُسَهم، أيْ ذَواتِهِمْ؛ مِثْلَ الجُوعِ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ونَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، ومِثْلَ ما شاهَدُوهُ مِن مَصارِعِ كُبَرائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وقَدْ تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] . وأيَّةُ عِبْرَةٍ أعْظَمُ مِن مَقْتَلِ أبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ رَماهُ غُلامانِ مِنَ الأنْصارِ وتَوَلّى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ذَبْحَهُ وثَلاثَتُهم مِن ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ وهو ذَلِكَ الجَبّارُ العَنِيدُ. وقَدْ قالَ عِنْدَ مَوْتِهِ: لَوْ غَيْرَ أكّارٍ قَتَلَنِي، ومِن مَقْتَلِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَئِذٍ بِيَدِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ كانَ قالَ لَهُ بِمَكَّةَ: أنا أقْتُلُكَ وقَدْ أيْقَنَ بِذَلِكَ فَقالَ لِزَوْجِهِ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ إلى بَدْرٍ: واللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
* * *
﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
عَطْفٌ عَلى إعْلامِ الرَّسُولِ بِما سَيَظْهَرُ مِن دَلائِلِ صِدْقِ القُرْآنِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ زِيادَةً لِتَثْبِيتِ الرَّسُولِ وشَرْحِ صَدْرِهِ بِأنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لَهُ بِظُهُورِ دِينِهِ ووُضُوحِ صِدْقِهِ في سائِرِ أقْطارِ الأرْضِ وفي أرْضِ قَوْمِهِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ تَحْقِيقًا لِتَيَقُّنِ النَّبِيءِ ﷺ بِكَفالَةِ رَبِّهِ بِحَيْثُ كانَتْ مِمّا يُقَرَّرُ عَلَيْها كِنايَةً عَنِ اليَقِينِ بِها، فالِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.
والمَعْنى: تَكْفِيكَ شَهادَةُ رَبِّكَ بِصِدْقِكَ فَلا تَلْتَفِتْ لِتَكْذِيبِهِمْ، وهَذا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] فَهَذا وجْهٌ في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ.
وهُنالِكَ وجْهٌ آخَرُ أنْ يَكُونَ مَساقُها مَساقَ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَسْتَشْهِدَ بِاللَّهِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَكُونَ مَوْقِعُها مَوْقِعَ القَسَمِ بِإشْهادِ اللَّهِ، وهو قَسَمٌ غَلِيظٌ فِيهِ مَعْنى نِسْبَةِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ إلى أنَّهُ مِمّا يَشْهَدُ اللَّهُ بِهِ فَيَكُونَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، إنْكارًا لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِالقَسَمِ بِاللَّهِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ القَسَمِ، وعَنْ عَدَمِ
صفحة ٢١
تَصْدِيقِهِمْ بِالقَسَمِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ قَرِيبًا مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ [العنكبوت: ٥٢] .
ولَيْسَ مَعْنى الآيَةِ إنْكارًا عَلى المُشْرِكِينَ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِشَهادَةِ اللَّهِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ ولا عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّهم غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ اللَّهَ شَهِدَ بِذَلِكَ فَلا يَظْهَرُ تَوَجُّهُ الإنْكارِ إلَيْهِمْ.
ولَقَدْ دَلَّتْ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرَدُّدٍ في اسْتِخْراجِ مَعْناها مِن لَفْظِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن بِرَبِّكَ والتَّقْدِيرُ: أوَلَمْ يَكْفِهِمْ رَبُّكَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، أيْ فَهو يُحَقِّقُ ما وعَدَكَ مِن دَمْغِهِمْ بِالحُجَّةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِكَ، أوْ فَمَنِ اسْتَشْهَدَ بِهِ فَقَدْ صَدَقَ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ مَنِ اسْتَشْهَدَ بِهِ كاذِبًا فَلا يَلْبَثُ أنْ يَأْخُذَهُ.
وفِي الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِن وجْهَيْ قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ لا يُصَدِّقُ مَن كَذَبَ عَلَيْهِ فَلا يَتِمُّ لَهُ أمْرٌ وهو مَعْنى قَوْلِ أئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ: إنَّ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ أنَّ تَغْيِيرَ اللَّهِ العادَةَ لِأجْلِ تَحَدِّي الرَّسُولِ ﷺ قائِمٌ مَقامَ قَوْلِهِ: صَدَقَ عَبْدِي فِيما أخْبَرَ بِهِ عَنِّي.
فصلت 41:54
﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ .
تَذْيِيلانِ لِلسُّورَةِ وفَذْلَكَتانِ افْتُتِحا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ اهْتِمامًا بِما تَضَمَّناهُ.
فَأمّا التَّذْيِيلُ الأوَّلُ فَهو جِماعُ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِن أحْوالِ المُشْرِكِينَ المُعانِدِينَ إذْ كانَتْ أحْوالُهُمُ المَذْكُورَةُ فِيها ناشِئَةً عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ فَكانُوا في مَأْمَنٍ مِنَ التَّفْكِيرِ فِيما بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، فانْحَصَرَتْ مَساعِيهم في تَدْبِيرِ الحَياةِ الدُّنْيا وانْكَبُّوا عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالنَّفْعِ فِيها.
صفحة ٢٢
وضَمِيرُ (إنَّهم) عائِدٌ إلَيْهِمْ كَما عادَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في سَنُرِيهِمْ.
وأمّا التَّذْيِيلُ الثّانِي فَهو جامِعٌ لِكُلِّ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِن إبْطالٍ لِأقْوالِهِمْ وتَقْوِيمٍ لِاعْوِجاجِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ.
وتَأْكِيدُ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ مَعَ أنَّ المُخاطَبَ بِهِما لا يَشُكُّ في ذَلِكَ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهِما واسْتِدْعاءِ النَّظَرِ لِاسْتِخْراجِ ما تَحْوِيانِهِ مِنَ المَعانِي والجُزْئِيّاتِ.
والمِرْيَةُ بِكَسْرِ المِيمِ وهو الأشْهَرُ فِيها واتَّفَقَتْ عَلَيْهِ القِراءاتُ المُتَواتِرَةُ، وبِكَسْرِ المِيمِ وهو لُغَةٌ مِثْلَ: خِفْيَةٍ وخُفْيَةٍ. والمِرْيَةُ: الشَّكُّ. وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ مُسْتَعارٌ لِتَمَكُّنِ الشَّكِّ بِهِمْ حَتّى كَأنَّهم مَظْرُوفُونَ فِيهِ. و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وتَعَدّى بِها أفْعالُ الشَّكِّ إلى الأمْرِ المَشْكُوكِ فِيهِ بِتَنْزِيلِ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ مَثارِ الفِعْلِ بِتَشْبِيهِ المَفْعُولِ بِالمُنْشَأِ كَأنَّ الشَّكَّ جاءَ مِن مَكانٍ هو المَشْكُوكُ فِيهِ.
وفِي تَعْلِيقِهِ بِذاتِ الشَّيْءِ مَعَ أنَّ الشَّكَّ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ مُبالَغَةٌ عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ الأُمُورِ إلى الأعْيانِ والمُرادُ أوْصافُها، فَتَقْدِيرُ في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ: في مِرْيَةٍ مِن وُقُوعِ لِقاءِ رَبِّهِمْ وعَدَمِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣] أيْ في رَيْبٍ مِن كَوْنِهِ مُنَزَّلًا.
وأطْلَقَ الشَّكَّ عَلى جَزْمِهِمْ بِعَدَمِ وُقُوعِ البَعْثِ لِأنَّ جَزْمَهم خَلِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، فَكانَ إطْلاقُ الشَّكِّ عَلَيْهِ تَعْرِيضًا بِهِمْ بِأنَّ الأوْلى بِهِمْ أنْ يَكُونُوا في شَكٍّ عَلى الأقَلِّ.
ووَصْفُ اللَّهِ بِالمُحِيطِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ هو عِلْمُهُ فَأُسْنِدَتِ الإحاطَةُ إلى اسْمِ اللَّهِ لِأنَّ (المُحِيطَ) صِفَةٌ مِن أوْصافِهِ وهو العِلْمُ.
وبِهاتَيْنِ الفَذْلَكَتَيْنِ آذَنَ بِانْتِهاءِ الكَلامِ فَكانَ مِن بَراعَةِ الخِتامِ.
الشورى 42:1
صفحة ٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى
اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَتُها عِنْدَ السَّلَفِ ﴿حم عسق﴾، وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في عِدَّةٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ.
وتُسَمّى سُورَةَ الشُّورى بِالألِفِ واللّامِ كَما قالُوا سُورَةَ المُؤْمِنِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ، ورُبَّما قالُوا سُورَةَ شُورى بِدُونِ ألْفٍ ولامٍ حِكايَةً لِلَفْظِ القُرْآنِ.
وتُسَمّى سُورَةَ عسق بِدُونِ لَفْظِ حم لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ.
ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذاتِ الِاسْمَيْنِ فَأكْثَرَ. ولَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ شَيْءٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الحَسَنُ بْنُ الحَصّارِ في كِتابِهِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ كَما عَزاهُ إلَيْهِ في الإتْقانِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ أرْبَعِ آياتٍ أُولاها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ الآياتِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ وهي داخِلَةٌ في
صفحة ٢٤
الآياتِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ الفُرْسِ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] الآيَةَ، نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وفِيهِ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَهْفِ وقَبْلَ سُورَةِ إبْراهِيمَ وعُدَّتِ التّاسِعَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ الجَعْبَرِيِّ المَرْوِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وإذا صَحَّ أنَّ آيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] نَزَلَتْ في انْحِباسِ المَطَرِ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ كَما قالَ مُقاتِلٌ تَكُونُ السُّورَةُ نَزَلَتْ في حُدُودِ سَنَةِ ثَمانٍ بَعْدَ البَعْثَةِ، ولَعَلَّ نُزُولَها اسْتَمَرَّ إلى سَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ أنْ آمَنَ نُقَباءُ الأنْصارِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أُرِيدَ بِهِ الأنْصارُ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ.
وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ خَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَلاثًا وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
أوَّلُ أغْراضِها الإشارَةُ إلى تَحَدِّي الطّاعِنِينَ في أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِهِ، فَهَذا التَّحَدِّي لا تَخْلُو عَنْهُ السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالحُرُوفِ الهِجائِيَّةِ المُقَطَّعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلى المُعانِدِينَ بِأنَّ الوَحْيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما هو إلّا كالوَحْيِ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها بِيَوْمِ الحِسابِ.
وأنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لا تُعارَضُ قُدْرَتُهُ ولا يُشَكُّ في حِكْمَتِهِ، وقَدْ خَضَعَتْ لَهُ العَوالِمُ العُلْيا ومَن فِيها وهو فاطِرُ المَخْلُوقاتِ، فَهو يَجْتَبِي مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ فَلا بِدْعَ أنْ يُشَرِّعَ لِلْأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الدِّينِ مِثْلَ ما شَرَّعَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وما أرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إلّا مِنَ البَشَرِ يُوحِي إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْبِقْ أنْ أرْسَلَ مَلائِكَةً لِمُخاطَبَةِ عُمُومِ النّاسِ مُباشَرَةً.
صفحة ٢٥
وأنَّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لا حُجَّةَ لَهم إلّا تَقْلِيدُ أئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُمُ الإشْراكَ وألْقَوْا إلَيْهِمُ الشُّبُهاتِ.
وحَذَّرَهم يَوْمَ الجَزاءِ واقْتِرابَ السّاعَةِ وما سَيَلْقى المُشْرِكُونَ يَوْمَ الحِسابِ مِنَ العَذابِ مَعَ إدْماجِ التَّعْرِيضِ بِالتَّرْغِيبِ فِيما سَيَلْقاهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكَرامَةِ، وأنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا لَعَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَأْتِي عَنِ اللَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّهُ عَلى أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.
وذَكَرَتْ دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ وما هو مِن تِلْكَ الآياتِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ، مِثْلَ دَلِيلِ السَّيْرِ في البَحْرِ وما أُوتِيَهُ النّاسُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.
وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ هو مُتَوَلِّي جَزاءِ المُكَذِّبِينَ وما عَلى الرَّسُولِ ﷺ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ فَما عَلَيْهِ إلّا الِاسْتِمْرارُ عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ القَوِيمِ. ونَبَّهَهم إلى أنَّهُ لا يَبْتَغِي مِنهم جَزاءً عَلى نُصْحِهِ لَهم وإنَّما يَبْتَغِي أنْ يُراعُوا أواصِرَ القَرابَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.
وذَكَّرَهم نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وحَذَّرَهم مِنَ التَّسَبُّبِ في قَطْعِها بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، وحَرَّضَهم عَلى السَّعْيِ في أسْبابِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ والمُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ قَبْلَ الفَواتِ، فَقَدْ فازَ المُؤْمِنُونَ المُتَوَكِّلُونَ، ونَوَّهَ بِجَلايِلِ أعْمالِهِمْ وتَجَنُّبِهِمُ التَّعَرُّضَ لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن آياتِ انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّصَرُّفِ المُقْتَضِي انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ إبْطالًا لِلشِّرْكِ.
وخَتَمَها بِتَجَدُّدِ المُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ جاءَهم بِهُدًى عَظِيمٍ مِنَ الدِّينِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَصَدّى لِذَلِكَ في سابِقِ عُمُرِهِ وذَلِكَ أكْبَرُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ ما جاءَ بِهِ أمْرٌ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِهِ فَمَنِ اهْتَدى بِهَدْيِهِ فَقَدْ وافَقَ مُرادَ اللَّهِ.
وخَتَمَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ تَتَضَمَّنُ التَّفْوِيضَ إلى اللَّهِ وانْتِظارَ حُكْمِهِ وهي كَلِمَةُ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ.
* * *
صفحة ٢٦
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ .
ابْتُدِئَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ عَلى نَحْوِ ما ابْتُدِئَتْ بِهِ أمْثالُها مِثْلَ أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ ابْتِداءَها مُشِيرٌ إلى التَّحَدِّي بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ وأنَّ عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وخُصَّتْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (﴿عسق﴾) عَلى أوائِلِ السُّوَرِ مِن (آلِ حم) ولَعَلَّ ذَلِكَ لِحالٍ كانُوا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الطَّعْنِ في القُرْآنِ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّحَدِّي لَهم بِالمُعارَضَةِ أشَدَّ فَزِيدَ في تَحَدِّيهِمْ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي.
وإنَّما لَمْ تُوصَلِ المِيمُ بِالعَيْنِ كَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالرّاءِ في طالِعَةِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وكَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ الأعْرافِ، وكَما وُصِلَتِ العَيْنُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ المِيمِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ حَرْفٌ واحِدٌ فاتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أوْلى بِخِلافِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ تُشْبِهُ كَلِمَةً فَكانَتْ أوْلى بِالِانْفِصالِ.
الشورى 42:2
صفحة ٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الشُّورى
اشْتُهِرَتْ تَسْمِيَتُها عِنْدَ السَّلَفِ ﴿حم عسق﴾، وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ، وكَذَلِكَ سُمِّيَتْ في عِدَّةٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ وكَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ.
وتُسَمّى سُورَةَ الشُّورى بِالألِفِ واللّامِ كَما قالُوا سُورَةَ المُؤْمِنِ، وبِذَلِكَ سُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ، ورُبَّما قالُوا سُورَةَ شُورى بِدُونِ ألْفٍ ولامٍ حِكايَةً لِلَفْظِ القُرْآنِ.
وتُسَمّى سُورَةَ عسق بِدُونِ لَفْظِ حم لِقَصْدِ الِاخْتِصارِ.
ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذاتِ الِاسْمَيْنِ فَأكْثَرَ. ولَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ شَيْءٌ في تَسْمِيَتِها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، وقَدْ سَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الحَسَنُ بْنُ الحَصّارِ في كِتابِهِ في النّاسِخِ والمَنسُوخِ كَما عَزاهُ إلَيْهِ في الإتْقانِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ أرْبَعِ آياتٍ أُولاها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] إلى آخِرِ الأرْبَعِ الآياتِ.
وعَنْ مُقاتِلٍ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في الأنْصارِ وهي داخِلَةٌ في
صفحة ٢٤
الآياتِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها ابْنُ عَبّاسٍ. وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِابْنِ الفُرْسِ عَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] الآيَةَ، نَزَلَ في أهْلِ الصُّفَّةِ فَتَكُونُ مَدَنِيَّةً، وفِيهِ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الكَهْفِ وقَبْلَ سُورَةِ إبْراهِيمَ وعُدَّتِ التّاسِعَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ الجَعْبَرِيِّ المَرْوِيِّ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وإذا صَحَّ أنَّ آيَةَ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] نَزَلَتْ في انْحِباسِ المَطَرِ عَنْ أهْلِ مَكَّةَ كَما قالَ مُقاتِلٌ تَكُونُ السُّورَةُ نَزَلَتْ في حُدُودِ سَنَةِ ثَمانٍ بَعْدَ البَعْثَةِ، ولَعَلَّ نُزُولَها اسْتَمَرَّ إلى سَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ أنْ آمَنَ نُقَباءُ الأنْصارِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] أُرِيدَ بِهِ الأنْصارُ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ.
وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ خَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ ثَلاثًا وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ
أوَّلُ أغْراضِها الإشارَةُ إلى تَحَدِّي الطّاعِنِينَ في أنَّ القُرْآنَ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَأْتُوا بِكَلامٍ مِثْلِهِ، فَهَذا التَّحَدِّي لا تَخْلُو عَنْهُ السُّوَرُ المُفْتَتَحَةُ بِالحُرُوفِ الهِجائِيَّةِ المُقَطَّعَةِ، كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتَدَلَّ اللَّهُ عَلى المُعانِدِينَ بِأنَّ الوَحْيَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما هو إلّا كالوَحْيِ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ لِيُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها بِيَوْمِ الحِسابِ.
وأنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لا تُعارَضُ قُدْرَتُهُ ولا يُشَكُّ في حِكْمَتِهِ، وقَدْ خَضَعَتْ لَهُ العَوالِمُ العُلْيا ومَن فِيها وهو فاطِرُ المَخْلُوقاتِ، فَهو يَجْتَبِي مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ فَلا بِدْعَ أنْ يُشَرِّعَ لِلْأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِنَ الدِّينِ مِثْلَ ما شَرَّعَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، وما أرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إلّا مِنَ البَشَرِ يُوحِي إلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْبِقْ أنْ أرْسَلَ مَلائِكَةً لِمُخاطَبَةِ عُمُومِ النّاسِ مُباشَرَةً.
صفحة ٢٥
وأنَّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لا حُجَّةَ لَهم إلّا تَقْلِيدُ أئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ شَرَعُوا لَهُمُ الإشْراكَ وألْقَوْا إلَيْهِمُ الشُّبُهاتِ.
وحَذَّرَهم يَوْمَ الجَزاءِ واقْتِرابَ السّاعَةِ وما سَيَلْقى المُشْرِكُونَ يَوْمَ الحِسابِ مِنَ العَذابِ مَعَ إدْماجِ التَّعْرِيضِ بِالتَّرْغِيبِ فِيما سَيَلْقاهُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الكَرامَةِ، وأنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا لَعَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَأْتِي عَنِ اللَّهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ لِأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّهُ عَلى أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.
وذَكَرَتْ دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ وما هو مِن تِلْكَ الآياتِ نِعْمَةٌ عَلى النّاسِ، مِثْلَ دَلِيلِ السَّيْرِ في البَحْرِ وما أُوتِيَهُ النّاسُ مِن نِعَمِ الدُّنْيا.
وتَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ هو مُتَوَلِّي جَزاءِ المُكَذِّبِينَ وما عَلى الرَّسُولِ ﷺ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ فَما عَلَيْهِ إلّا الِاسْتِمْرارُ عَلى دَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ القَوِيمِ. ونَبَّهَهم إلى أنَّهُ لا يَبْتَغِي مِنهم جَزاءً عَلى نُصْحِهِ لَهم وإنَّما يَبْتَغِي أنْ يُراعُوا أواصِرَ القَرابَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.
وذَكَّرَهم نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وحَذَّرَهم مِنَ التَّسَبُّبِ في قَطْعِها بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، وحَرَّضَهم عَلى السَّعْيِ في أسْبابِ الفَوْزِ في الآخِرَةِ والمُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ قَبْلَ الفَواتِ، فَقَدْ فازَ المُؤْمِنُونَ المُتَوَكِّلُونَ، ونَوَّهَ بِجَلايِلِ أعْمالِهِمْ وتَجَنُّبِهِمُ التَّعَرُّضَ لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن آياتِ انْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّصَرُّفِ المُقْتَضِي انْفِرادَهُ بِالإلَهِيَّةِ إبْطالًا لِلشِّرْكِ.
وخَتَمَها بِتَجَدُّدِ المُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ جاءَهم بِهُدًى عَظِيمٍ مِنَ الدِّينِ وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَصَدّى لِذَلِكَ في سابِقِ عُمُرِهِ وذَلِكَ أكْبَرُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ ما جاءَ بِهِ أمْرٌ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ بِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يَهْتَدُوا بِهَدْيِهِ فَمَنِ اهْتَدى بِهَدْيِهِ فَقَدْ وافَقَ مُرادَ اللَّهِ.
وخَتَمَ ذَلِكَ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ تَتَضَمَّنُ التَّفْوِيضَ إلى اللَّهِ وانْتِظارَ حُكْمِهِ وهي كَلِمَةُ ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ.
* * *
صفحة ٢٦
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ .
ابْتُدِئَتْ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ عَلى نَحْوِ ما ابْتُدِئَتْ بِهِ أمْثالُها مِثْلَ أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ ابْتِداءَها مُشِيرٌ إلى التَّحَدِّي بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ وأنَّ عَجْزَهم عَنْ مُعارَضَتِهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
وخُصَّتْ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ (﴿عسق﴾) عَلى أوائِلِ السُّوَرِ مِن (آلِ حم) ولَعَلَّ ذَلِكَ لِحالٍ كانُوا عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الطَّعْنِ في القُرْآنِ وقْتَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَكانَ التَّحَدِّي لَهم بِالمُعارَضَةِ أشَدَّ فَزِيدَ في تَحَدِّيهِمْ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي.
وإنَّما لَمْ تُوصَلِ المِيمُ بِالعَيْنِ كَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالرّاءِ في طالِعَةِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وكَما وُصِلَتِ المِيمُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ الأعْرافِ، وكَما وُصِلَتِ العَيْنُ بِالصّادِ في مُفْتَتَحِ سُورَةِ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ المِيمِ في السُّوَرِ الثَّلاثِ حَرْفٌ واحِدٌ فاتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أوْلى بِخِلافِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّهُ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ تُشْبِهُ كَلِمَةً فَكانَتْ أوْلى بِالِانْفِصالِ.
الشورى 42:3
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
مُوقِعُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: مِثْلَ هَذا الوَحْيِ يُوحِي اللَّهُ إلَيْكَ، فالمُشارُ إلَيْهِ: الإيحاءُ المَأْخُوذُ مِن فِعْلِ (يُوحِي) .
وأمّا وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ فَإدْماجٌ. والتَّشْبِيهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى أصْلِهِ، أيْ مِثْلَ وحْيِهِ إلَيْكَ وحْيُهُ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، فالتَّشْبِيهُ مُسْتَعْمَلٌ في كِلْتا طَرِيقَتَيْهِ كَما يُسْتَعْمَلُ المُشْتَرَكُ في مَعْنَيَيْهِ. والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ إثْباتُ التَّسْوِيَةِ، أيْ لَيْسَ وحْيُ اللَّهِ إلَيْكَ إلّا عَلى سُنَّةِ وحْيِهِ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، فَلَيْسَ وحْيُهُ إلى الرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ بِأوْضَحَ مِن وحْيِهِ إلَيْكَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، أيْ ما جاءَ بِهِ مِنَ الوَحْيِ إنْ هو إلّا مِثْلُ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ السّابِقُونَ، فَما إعْراضُ قَوْمِهِ عَنْهُ إلّا كَإعْراضِ الأُمَمِ السّالِفَةِ عَمّا جاءَتْ بِهِ
صفحة ٢٧
رُسُلُهم. فَحَصَلَ هَذا المَعْنى الثّانِي بِغايَةِ الإيجازِ مَعَ حُسْنِ مَوْقِعِ الِاسْتِطْرادِ.
وإجْراءُ وصْفَيِ (العَزِيزِ الحَكِيمِ) عَلى اسْمِ الجَلالَةِ دُونَ غَيْرِهِما لِأنَّ لِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مَزِيدًا مِنِ اخْتِصاصٍ بِالغَرَضِ المَقْصُودِ مِن أنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مَن يَشاءُ لِرِسالَتِهِ.
فَـالعَزِيزُ المُتَصَرِّفُ بِما يُرِيدُ لا يَصُدُّهُ أحَدٌ. و(الحَكِيمُ) يُحَمِّلُ كَلامَهُ مَعانِيَ لا يَبْلُغُ إلى مِثْلِها غَيْرُهُ، وهَذا مِن مُتَمِّماتِ الغَرَضِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ وهو الإشارَةُ إلى تَحَدِّي المُعانِدِينَ بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ إلى آخِرِها ابْتِدائِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَوْلِهِ (كَذَلِكَ) عَلى (﴿يُوحِي إلَيْكَ﴾) لِلِاهْتِمامِ بِالمُشارِ إلَيْهِ والتَّشْوِيقِ بِتَنْبِيهِ الأذْهانِ إلَيْهِ، وإذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ في الكَلامِ ما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ بِـ (كَذَلِكَ) عُلِمَ أنَّ المُشارَ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ وهو المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِنَ الفِعْلِ، أيْ كَذَلِكَ الإيحاءِ يُوحِي إلَيْكَ اللَّهُ. وهَذا اسْتِعْمالٌ مُتَّبَعٌ في نَظائِرِ هَذا التَّرْكِيبِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأحْسَبُ أنَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ؛ إذْ لَمْ أقِفْ عَلى مِثْلِهِ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَنْظِيرِهِ بِقَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَذَلِكَ خَيْمُهم ولِكُلِّ قَوْمٍ إذا مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ خَيْمُ
لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ بَيْتَ زُهَيْرٍ مَسْبُوقٌ بِما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ، وقَدْ فاتَنِي التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ فَعَلَيْكَ بِضَمِّ ما هُنا إلى ما هُنالِكَ.
والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةٌ لِمَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (يُوحِي) أيْ إيحاءً كَذَلِكَ الإيحاءِ العَجِيبِ.
والعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الماضِي إلى صِيغَةِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (يُوحِي) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ إيحاءَهُ إلَيْهِ مُتَجَدِّدٌ لا يَنْقَطِعُ في مُدَّةِ حَياتِهِ الشَّرِيفَةِ لِيَيْأسَ المُشْرِكُونَ مِن إقْلاعِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الشورى: ٧] إذْ لا غَرَضَ في إفادَةِ مَعْنى التَّجَدُّدِ هُناكَ. وأمّا مُراعاةُ التَّجَدُّدِ هُنا
صفحة ٢٨
فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ هو ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ القُرْآنِ، وأنَّ قَوْلَهُ: إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ إدْماجٌ.
ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ صِيغَةَ المُضارِعِ مَنظُورًا فِيها إلى مُتَعَلِّقَيِ الإيحاءِ وهو إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ، فَتَجْعَلَ المُضارِعَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ مِنَ الإيحاءِ إلى الرُّسُلِ حَيْثُ اسْتَبْعَدَ المُشْرِكُونَ وُقُوعَهُ فَجُعِلَ كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: اللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا وقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُوحِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ واسْمُ الجَلالَةِ فاعِلٌ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (يُوحى) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ (إلَيْكَ) نائِبُ فاعِلٍ، فَيَكُونُ اسْمُ الجَلالَةِ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ لَمّا قالَ: يُوحى إلَيْكَ، قِيلَ: ومَن يُوحِيهِ، فَقِيلَ: اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ، أيْ يُوحِيهِ اللَّهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ ضِرارِ بْنِ نَهْشَلٍ أوِ الحارِثِ بْنِ نَهِيكٍ:
لَيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
إذْ كانَتْ رِوايَةُ البَيْتِ بِالبِناءِ لِلنّائِبِ.
الشورى 42:4
﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهْوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾
جُمْلَةُ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مُقَرِّرَةٌ لِوَصْفِهِ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) لِأنَّ مَن كانَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مُلْكًا لَهُ تَتَحَقَّقُ لَهُ العِزَّةُ لِقُوَّةِ مَلَكُوتِهِ، وتَتَحَقَّقُ لَهُ الحِكْمَةُ لِأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي خَلْقَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وإتْقانَ ذَلِكَ النِّظامِ الَّذِي تَسِيرُ بِهِ المَخْلُوقاتُ.
ولِكَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُقَرِّرَةً مَعْنى الَّتِي قَبْلَها كانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ فَلَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها.
صفحة ٢٩
وجُمْلَةُ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ عَطْفٌ عَلَيْها مُقَرِّرَةٌ لِما قَرَّرَتْهُ الجُمْلَةُ قَبْلَها فَإنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَلاءِ والعَظَمَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَزِيزًا لَتَخَلَّفَ عَلاؤُهُ وعَظَمَتُهُ، ولا يَكُونُ إلّا حَكِيمًا لَأنَّ عَلاءَهُ يَقْتَضِي سُمُوَّهُ عَنْ سَفاسِفِ الصِّفاتِ والأفْعالِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَظِيمًا لَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِسَفاسِفِ الأُمُورِ ولَتَنازَلَ إلى عَبَثِ الفِعالِ.
والعُلُوُّ هُنا عُلُوٌّ مَجازِيٌّ، وهو السُّمُوُّ في الكَمالِ بِحَيْثُ كانَ أكْمَلَ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ كامِلٍ. والعَظَمَةُ مَجازِيَّةٌ وهي جَلالَةُ الصِّفاتِ والأفْعالِ.
وأفادَتْ صِيغَةُ الجُمْلَةِ مَعْنى القَصْرِ، أيْ لا عَلِيَّ ولا عَظِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّ مَن عَداهُ لا يَخْلُو عَنِ افْتِقارٍ إلَيْهِ فَلا عُلُوَّ لَهُ ولا عَظَمَةَ. وهَذا قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ دُونَ آلِهَتِكم فَلا عُلُوَّ لَها كَما تَزْعُمُونَ. قالَ أبُو سُفْيانَ: (اعْلُ هُبَلُ) .
وتَقَدَّمَ مَعْنى هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ في خِلالِ آيَةِ الكُرْسِيِّ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشورى 42:5
( ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها، أيْ يَكادُ السَّماواتُ عَلى عَظَمَتِهِنَّ يَتَشَقَّقْنَ مِن شِدَّةِ تَسَخُّرِهِنَّ فِيما يُسَخِّرُهُنَّ اللَّهُ لَهُ مِن عَمَلٍ لا يُخالِفُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَهُنَّ، وأيْضًا قَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن كَثْرَةِ ما فِيهِنَّ مِنَ المَلائِكَةِ والكَواكِبِ وتَصارِيفِ الأقْدارِ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «أطَّتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَئِطَّ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا فِيهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ» ويُرَجِّحُهُ تَعْقِيبُهُ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ كَما سَيَأْتِي.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ والكِسائِيُّ (يَكادُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَوْقِيَّةٍ وهُما وجْهانِ جائِزانِ في الفِعْلِ المُسْنَدِ إلى جَمْعٍ غَيْرِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وخاصَّةً مَعَ عَدَمِ التَّأْنِيثِ الحَقِيقِيِّ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ: (﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠]) .
صفحة ٣٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَتَفَطَّرْنَ بِتَحْتِيَّةٍ ثُمَّ فَوْقِيَّةٌ وأصْلُهُ مُضارِعُ التَّفَطُّرِ، وهو مُطاوِعُ التَّفْطِيرِ الَّذِي هو تَكْرِيرُ الشَّقِّ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِتَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونٍ وهو مُضارِعُ: انْفَطَرَ، مُطاوِعُ الفَطْرِ مَصْدَرِ فَطَرَ الثُّلاثِيِّ، إذا شَقَّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ عَلى القِراءَتَيْنِ قَبُولَ أثَرِ الفاعِلِ؛ إذْ لا فاعِلَ هُنا لِلشَّقِّ وإنَّما المَقْصُودُ الخَبَرُ بِحُصُولِ الفِعْلِ، وهَذا كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِمُ: انْشَقَّ ضَوْءُ الفَجْرِ، فَلا التِفاتَ هُنا لِما يُقْصَدُ غالِبًا في مادَّةِ التَّفَعُّلِ مِن تَكْرِيرِ الفِعْلِ إذْ لا فاعِلَ لِلشَّقِّ هُنا ولا لِتَكَرُّرِهِ، فاسْتَوَتِ القِراءَتانِ في بابِ البَلاغَةِ، عَلى أنَّ اسْتِعْمالَ صِيَغِ المُطاوَعَةِ في اللُّغَةِ ذُو أنْحاءَ كَثِيرَةٍ واعْتِباراتٍ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ كَلامُ الرَّضِيِّ في شَرْحِ الشّافِيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ فَوْقِهِنَّ عائِدًا عَلى السَّماواتِ، فَيَكُونَ المَجْرُورُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ يَتَفَطَّرْنَ بِمَعْنى: أنَّ انْشِقاقَهُنَّ يَحْصُلُ مِن أعْلاهُنَّ، وذَلِكَ أبْلَغُ الِانْشِقاقِ لِأنَّهُ إذا انْشَقَّ أعْلاهُنَّ كانَ انْشِقاقُ ما دُونَهُ أوْلى، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ الحَجِّ. وتَكُونُ (مِن) ابْتِدائِيَّةً.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الأرْضِ مِن قَوْلِهِ تَعالى وما في الأرْضِ عَلى تَأْوِيلِ الأرْضِ بِأرَضِينَ بِاعْتِبارِ أجْزاءِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ أوْ بِتَأْوِيلِ الأرْضِ بِسُكّانِها مِن بابِ واسْألِ القَرْيَةَ.
وتَكُونُ (مِن) زائِدَةً زِيادَتَها مَعَ الظُّرُوفِ لِتَأْكِيدِ الفَوْقِيَّةِ، فَيُفِيدُ الظَّرْفُ اسْتِحْضارَ حالَةِ التَّفَطُّرِ وحالَةِ مَوْقِعِهِ، وقَدْ شُبِّهَ انْشِقاقُ السَّماءِ بِانْشِقاقِ الوَرْدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] . والوَرْدَةُ تَنْشَقُّ مِن أعْلاها حِينَ يَنْفَتِحُ بِرْعُومُها فَيُوشِكُ إنْ هُنَّ تَفَطَّرْنَ أنْ يَخْرِرْنَ عَلى الأرْضِ، أيْ يَكادُ يَقَعُ ذَلِكَ لِما فَشا في الأرْضِ مِن إشْراكٍ وفَسادٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩] ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ [مريم: ٩٠] ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]) ويُرَجِّحُهُ قَوْلُهُ الآتِي ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.
صفحة ٣١
* * *
﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ جُمْلَةٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ (﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾) لِإفادَتِها تَقْرِيرَ مَعْنى عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بَقَوْلِهِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ.
مَرْتَبَةُ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ وهو أهْلُ التَّنْزِيهِ والحَمْدِ. ومَرْتَبَةُ الرَّوْحانِيّاتِ وهي المَلائِكَةُ وهي واسِطَةُ المُتَصَرِّفِ القَدِيرِ ومُفِيضِ الخَيْرِ في تَنْفِيذِ أمْرِهِ مِن تَكْوِينٍ وهُدًى وإفاضَةِ خَيْرٍ عَلى النّاسِ، فَهي حِينُ تَتَلَقّى مِنَ اللَّهِ أوامِرَهُ تُسَبِّحُهُ وتَحْمَدُهُ، وحِينَ تَفِيضُ خَيْراتُ رَبِّها عَلى عِبادِهِ تَسْتَغْفِرُ لِلَّذِينِ يَتَقَبَّلُونَها تَقَبُّلَ العَبِيدِ المُؤْمِنِينَ بِرَبِّهِمْ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى حُصُولِ ثَمَراتِ إبْلاغِها، وذَلِكَ بِتَأْثِيرِها في نَظْمِ أحْوالِ العالَمِ الإنْسانِيِّ.
ومَرْتَبَةُ البَشَرِيَّةِ المُفَضَّلَةِ بِالعَقْلِ إذْ أكْمَلُهُ الإيمانُ وهي المُرادُ بِـ (مَن في الأرْضِ) .
الشورى 42:6
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .
جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٤] بَعْدَ أنْ أُفِيدَ ما هو كالحُجَّةِ عَلى أنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن قَوْلِهِ: وهو ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ [الشورى: ٥] الآيَتَيْنِ. فالمَعْنى: قَدْ نَهَضَتْ حُجَّةُ انْفِرادِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ والعُلُوِّ والعَظَمَةِ وعَلِمَها المُؤْمِنُونَ فاسْتَغْفَرَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ. وأمّا الَّذِينَ لَمْ يُبْصِرُوا تِلْكَ الحُجَّةَ وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأدِلَّةُ فَلا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ حَسْبُهم وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. فَهَذا تَسْكِينٌ لِحُزْنِ الرَّسُولِ ﷺ مِن أجْلِ عَدَمِ إيمانِهِمْ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ لِما سَيُؤْمَرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الدَّعْوَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ [الشورى: ٧]
صفحة ٣٢
الآيَةَ، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الشورى: ٢٣] الآيَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ .
والحَفِيظُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ حافِظٌ، وتَخْتَلِفُ مَعانِيهِ ومَرْجِعُها إلى رِعايَةِ الشَّيْءِ والعِنايَةِ بِهِ: ويَكْثُرُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ المَرْقُوبِ وأعْمالِهِ، وبِاخْتِلافِ مَعانِيهِ تَخْتَلِفُ تَعْدِيَتِهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِحَرْفِ جَرٍّ يُناسِبُ المَعْنى، وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ (عَلى) كَما يُعَدّى الوَكِيلُ لِأنَّهُ بِمَعْناهُ.
والوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَوْكُولُ إلَيْهِ عَمَلٌ في شَيْءٍ أوِ اقْتِضاءِ حَقٍّ. يُقالُ: وكَّلَهُ عَلى كَذا، ومِنهُ الوَكالَةُ في التَّصَرُّفاتِ المالِيَّةِ والمُخاصَمَةِ، ويَكْثُرُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنْ مُراقَبَةِ أحْوالِ المُوَكَّلِ عَلَيْهِ وأعْمالِهِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ حَفِيظٌ و(وكِيلٌ) هُنا في اسْتِعْمالِهِما الكِنائِيِّ عَنْ مُتَقارِبِ المَعْنى فَلِذَلِكَ قَدْ يُفَسِّرُ أهْلُ اللُّغَةِ أحَدَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن تَفْسِيرِ اللَّفْظِ الآخَرِ كَتَفْسِيرِ المُرادِفِ بِمُرادِفِهِ وذَلِكَ تَسامُحٌ.
فَعَلى مَن يُرِيدُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أنْ يَرْجِعَ بِهِما إلى أصْلِ مادَّتَيْ (حَفِظَ) و(وكَلَ)، فَمادَّةُ (حَفِظَ) تَقْتَضِي قِيامَ الحَدَثِ بِفاعِلٍ وتَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ، ومادَّةُ (وكَلَ) تَقْتَضِي قِيامَ الحَدَثِ بِفاعِلٍ وتَعْدِيَتَهُ إلى مَفْعُولٍ وتَجاوُزَهُ مِن ذَلِكَ المَفْعُولِ إلى شَيْءٍ آخَرَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وبِذَلِكَ كانَ فِعْلُ (حَفِظَ) مُفِيدًا بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ فاعِلِهِ ومَفْعُولِهِ دُونَ احْتِياجٍ إلى مُتَعَلِّقٍ آخَرَ، بِخِلافِ فِعْلِ (وكَلَ)؛ فَإفادَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلى ذِكْرٍ أوْ عَلى تَقْدِيرِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ آخَرَ زائِدٍ عَلى المَفْعُولِ ومِن عَلائِقِهِ، فَلِذَلِكَ أُوثِرَ وصْفُ (حَفِيظٌ) هُنا بِالإسْنادِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ اللَّهَ جَلَّ عَنْ أنْ يُكَلِّفَهُ غَيْرُهُ حِفْظَ شَيْءٍ فَهو فاعِلُ الحِفْظِ، وأُوثِرَ وصْفُ (وكِيلٍ) بِالإسْنادِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ بِأكْثَرِ مِنَ التَّبْلِيغِ، والمَعْنى: اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ لا أنْتَ وما أنْتَ بِمُوَكَّلٍ مِنَ اللَّهِ عَلى جَبْرِهِمْ عَلى الإيمانِ. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ
صفحة ٣٣
السُّورَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] .
وأيْضًا هي كالبَيانِ لِما في جُمْلَةِ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] لِأنَّ مِن أسْبابِ مُقارَبَةِ تَفَطُّرِهِنَّ كَثْرَةَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَوْلا أنَّها أُرِيدَ مِنها زِيادَةُ تَقْرِيرِ مَعْنى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤] لَكانَتْ جَدِيرَةً بِأنْ تُفْصَلَ ولَكِنْ رَجَحَ العَطْفُ لِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِتَقْرِيرِ العُلُوِّ والعَظَمَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا التَّبْيِينُ فَيَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ تَعْقِيبِ جُمْلَةِ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ [الشورى: ٥] بِها كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا.
فَقَوْلُهُ المَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ يُسَبِّحُونَ خَبَرٌ والمَقْصُودُ الإعْلامُ بِجَلالِ اللَّهِ.
وتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ بِحَمْدِ اللَّهِ: خُضُوعٌ لِعَظَمَتِهِ وعُلُوِّهِ، والتَّسْبِيحُ التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ.
فَتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ قَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ إدْراكِهِمْ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى فَهو: انْفِعالٌ رَوْحانِيٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، وقَدْ يَكُونُ دَلالَةً عَلى التَّنْزِيهِ بِما يُناسِبُ المَلائِكَةَ مِن ظَواهِرِ الِانْفِعالِ بِالطّاعَةِ أوْ مِن كَلامٍ مُناسِبٍ لِلْحالَةِ المَلَكِيَّةِ وكَذَلِكَ حَمْدُهم رَبَّهم واسْتِغْفارُهم لِمَن في الأرْضِ.
ومَفْعُولُ يُسَبِّحُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مُصاحَبَتُهُ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ تَقْدِيرُهُ: يُسَبِّحُونَ رَبَّهم، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ يُسَبِّحُونَ تَسْبِيحًا مُصاحِبًا لِحَمْدِهِمْ رَبَّهم، أيِ الثَّناءُ عَلَيْهِ بِصِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ، ومِنَ الثَّناءِ ما هو شُكْرٌ عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: يُسَبِّحُونَ اللَّهَ ويَحْمَدُونَهُ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ أعْرَضُوا عَنْ تَسْبِيحِ رَبِّهِمْ وحَمْدِهِ وشُغِلُوا بِتَحْمِيدِ الأصْنامِ الَّتِي لا نِعْمَةَ لَها عَلَيْهِمْ ولا تَنْفَعُهم ولا تَضُرُّهم.
وتَقْدِيمُ التَّسْبِيحِ عَلى الحَمْدِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَنْزِيهَ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ أهَمُّ مِن إثْباتِ صِفَةِ الكَمالِ لَهُ لِأنَّ التَّنْزِيهَ تَمْهِيدٌ لِإدْراكِ كَمالاتِهِ تَعالى. ولِذَلِكَ كانَتِ
صفحة ٣٤
الصِّفاتُ المُعَبَّرُ عَنْها بِصِفاتِ السُّلُوبِ مُقَدَّمَةً في تَرْتِيبِ عِلْمِ الكَلامِ عَلى صِفاتِ المَعانِي (عِنْدَنا) والصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةِ.
والِاسْتِغْفارُ لِمَن في الأرْضِ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ لَهم بِحُصُولِ أسْبابِها لِأنَّ المَلائِكَةَ يَعْلَمُونَ مَراتِبَ المَغْفِرَةِ وأسْبابَها، وهم لِكَوْنِهِمْ مِن عالَمِ الخَيْرِ والهُدى يَحْرِصُونَ عَلى حُصُولِ الخَيْرِ لِلْمَخْلُوقاتِ وعَلى اهْتِدائِهِمْ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ والطّاعاتِ ويُناجُونَ نُفُوسَ النّاسِ بِدَواعِي الخَيْرِ، وهي الخَواطِرُ المَلَكِيَّةُ. فالمُرادُ بِـ مَن في الأرْضِ مَن عَلَيْها يَسْتَحِقُّونَ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٩] في سُورَةِ المُؤْمِنِ. وقَدْ أثْبَتَ القُرْآنُ أنَّ المَلائِكَةَ يَلْعَنُونَ مَن تَحِقُّ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَعُمُومُ مَن في الأرْضِ هُنا مَخْصُوصٌ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ المُؤْمِنِ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥] إلى آخِرِها لِإبْطالِ وهْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ شُرَكاءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، ولِذَلِكَ جِيءَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِصِيغَةِ القَصْرِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ، أيْ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَغْفِرُ لِأحَدٍ. وصُدِّرَتْ بِأداةِ التَّنْبِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِمُفادِها.
وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى مَراتِبِ المَوْجُوداتِ، وهي: . . .
والمَقْصُودُ رَفْعُ التَّبَعِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ، أيْ لا تَخْشَ أنْ نَسْألَكَ عَلى عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإذْ قَدْ كانَ الحَفِيظُ والوَكِيلُ بِمَعْنًى، كانَ إثْباتُ كَوْنِ اللَّهِ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ونَفْيُ كَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ وكِيلًا عَلَيْهِمْ مُفِيدًا قَصْرَ الكَوْنِ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقٍ غَيْرِ أحَدِ طُرُقِ القَصْرِ المَعْرُوفَةِ، فَإنَّ هَذا مِن صَرِيحِ القَصْرِ ومَنطُوقِهِ لا مِن مَفْهُومِهِ وهو الأصْلُ في القَصْرِ وإنْ كانَ قَلِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ السَّمَوْءَلِ:
صفحة ٣٥
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
وأمّا طُرُقُ القَصْرِ المَعْرُوفَةُ في عِلْمِ المَعانِي فَهي مِن أُسْلُوبِ الإيجازِ، والقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ كَما هو صَرِيحُ طَرَفِهِ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ نَزَّلَ الرَّسُولَ ﷺ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ أنَّهُ وكَيْلٌ عَلى إيمانِهِمْ وحَصَلَ مِن هَذا التَّنْزِيلِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ الرَّسُولَ ﷺ إذا لَمْ يُصَدِّقُوهُ.
الشورى 42:7
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٣] إلَخْ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَةِ والمَعْطُوفِ عَلَيْها بِما في المَعْطُوفَةِ مِن كَوْنِ المُوحى بِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وما في المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن كَوْنِهِ مَن نَوْعِ ما أُوحِيَ بِهِ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ.
والقَوْلُ في ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا﴾ كالقَوْلِ في ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] .
وإنَّما أُعِيدَ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا لِيُبْنى عَلَيْهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِما حَجَزَ بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ. وأصْلُ النَّظْمِ: كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. مَعَ ما حَصَلَ بِتِلْكَ الإعادَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِتَقْرِيرِ ذَلِكَ المَعْنى أفْضَلَ تَقْرِيرٍ.
والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغائِبِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ التِفاتٌ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما أُوحِيَ إلَيْكَ وما أُوحِيَ إلى مَن قَبْلَكَ، إلّا اخْتِلافُ اللُّغاتِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] .
والقُرْآنُ مَصْدَرُ: قَرَأ، مِثْلُ: غُفْرانَ وسُبْحانَ، وأُطْلِقُ هُنا عَلى المَقْرُوءِ مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ بِالمَقْرُوئِيَّةِ لِكَثْرَةِ ما يَقْرَأُهُ القارِئُونَ وذَلِكَ لِحُسْنِهِ وفائِدَتِهِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْمُ مَعْنى الكَمالِ بَيْنَ المَقْرُوءاتِ. و(عَرَبِيًّا) نِسْبَةٌ إلى العَرَبِيَّةِ، أيْ لُغَةِ العَرَبِ
صفحة ٣٦
لِأنَّ كَوْنَهُ قُرْآنًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ، فَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا يُفِيدُ أنَّهُ كَلامٌ عَرَبِيٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ تَعْلِيلٌ لِـ ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا﴾ [الشورى: ١٣] لِأنَّ كَوْنَهُ عَرَبِيًّا يَلِيقُ بِحالِ المُنْذَرِينَ بِهِ وهم أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، فَأُولَئِكَ هُمُ المُخاطَبُونَ بِالدِّينِ ابْتِداءً لِما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِنِ اخْتِيارِ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ لِتَكُونَ أوَّلَ مَن يَتَلَقّى الإسْلامَ ويَنْشُرُهُ بَيْنَ الأُمَمِ، ولَوْ رُوعِيَ فِيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ المُخاطَبِينَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ لاقْتَضى أنْ يَنْزِلَ بِلُغاتٍ لا تُحْصى، فَلا جَرَمَ اخْتارَ اللَّهُ لَهُ أفْضَلَ اللُّغاتِ واخْتارَ إنْزالَهُ عَلى أفْضَلِ البَشَرِ.
وأُمَّ القُرى مَكَّةُ، وكُنِّيَتْ: أُمَّ القُرى لِأنَّها أقْدَمُ المُدُنِ العَرَبِيَّةِ فَدَعاها العَرَبُ: أُمَّ القُرى، لِأنَّ الأُمَّ تُطْلَقُ عَلى أصْلِ الشَّيْءِ، مِثْلَ: أُمِّ الرَّأْسِ، وعَلى مَرْجِعِهِ، مِثْلَ قَوْلِهِمْ لِلرّايَةِ: أُمُّ الحَرْبِ، وقَوْلِهِمْ: أُمُّ الطَّرِيقِ، لِلطَّرِيقِ العَظِيمِ الَّذِي حَوْلَهُ طُرُقٌ صِغارٌ.
ثُمَّ إنَّ إنْذارَ أُمِّ القُرى يَقْتَضِي إنْذارَ بَقِيَّةِ القُرى بِالأحْرى، قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ: لِتُنْذَرَ أهْلَ أُمِّ القُرى، فَأطْلَقَ اسْمَ البَلَدِ عَلى سُكّانِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] .
وأهْلُ مَكَّةَ هم قُرَيْشٌ، وأمّا (مَن حَوْلَها) فَهُمُ النّازِلُونَ حَوْلَها مِنَ القَبائِلِ مِثْلَ خُزاعَةَ وكِنانَةَ، ومِنَ الَّذِينَ حَوْلَها قُرَيْشٌ الظَّواهِرُ وهُمُ السّاكِنُونَ خارِجَ مَكَّةَ في جِبالِها.
والِاقْتِصارُ عَلى إنْذارِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إنْذارِ الرَّسُولِ ﷺ بِأهْلِ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، ولا تَخْصِيصَ الرَّسُولِ ﷺ بِالإنْذارِ دُونَ التَّبْشِيرِ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّ تَعْلِيلَ الفِعْلِ بِعِلَّةِ باعِثِهِ لا يَقْتَضِي أنَّ الفِعْلَ المُعَلَّلَ مُخَصَّصٌ بِتِلْكَ العِلَّةِ ولا بِمُتَعَلِّقاتِها إذْ قَدْ يَكُونُ لِلْفِعْلِ الواحِدِ عِلَلٌ باعِثَةٌ فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ بُعِثَ لِلنّاسِ كافَّةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [سبإ: ٢٨] . والِاقْتِصارُ هُنا عَلى إنْذارِ أهْلِ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
صفحة ٣٧
وانْتَصَبَ أُمَّ القُرى عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ (تُنْذِرَ) بِتَنْزِيلِ الفِعْلِ مَنزِلَةَ المُعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ إذْ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ المُنْذَرَ مِنهُ وهو الَّذِي يَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِفِعْلِ الإنْذارِ. لِأنَّ (أنْذَرَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، وفي حَدِيثِ الدَّجّالِ: ما مِن نَبِيءٍ إلّا أنْذَرَ قَوْمَهُ. فالمَعْنى: لِتُنْذِرَ أهْلَ القُرى ومَن حَوْلَها ما يُنْذَرُونَهُ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ (تُنْذِرَ) لِزِيادَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ يَوْمِ الجَمْعِ لِأنَّ تَخْصِيصَهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ عُمُومِ الإنْذارِ يَقْتَضِي تَهْوِيلَهُ، ولِأنَّ تَعْدِيَةَ فِعْلِ (وتُنْذِرَ) إلى (يَوْمِ الجَمْعِ) تَعْدِيَةُ مُخالَفَةٍ لِإنْذارِ أُمِّ القُرى لِأنَّ يَوْمَ الجَمْعِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (وتُنْذِرَ)، أيْ وتُنْذِرَ النّاسَ يَوْمَ الجَمْعِ، فَمَفْعُولُ (لِتُنْذِرَ) الثّانِي هو المُنْذَرُ بِهِ ومَفْعُولُ (لِتُنْذِرَ) الأوَّلُ هو المُنْذَرُ.
وانْتَصَبَ (يَوْمُ الجَمْعِ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (تُنْذِرَ) وحُذِفَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيْ وتُنْذِرَهم - أيْ أهْلَ أُمِّ القُرى - يَوْمَ الجَمْعِ بِالخُصُوصِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] .
ويَوْمُ الجَمْعِ: يَوْمُ القِيامَةِ، سُمِّيَ يَوْمَ الجَمْعِ لِأنَّ الخَلائِقَ تُجْمَعُ فِيهِ لِلْحِسابِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] .
والجَمْعُ مَصْدَرٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمُجْتَمِعِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص: ٥٩]، أيْ يَوْمَ جَماعَةِ النّاسِ كُلِّهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، وعُطِفَتْ عَلَيْها جُمْلَةُ ﴿وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ فَكانَ الجُمْلَتانِ جَوابًا لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ شَأْنِ هَذا الجَمْعِ إنْ كانَ بِمَعْنى المَصْدَرِ. فَقِيلَ: فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أيْ فَرِيقٌ مِنَ المَجْمُوعِينَ بِهَذا الجَمْعِ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، أوْ لِسُؤالِ سائِلٍ عَنْ حالِ هَذا الجَمْعِ إنْ كانَ الجَمْعُ بِمَعْنى المَجْمُوعِينَ. والتَّقْدِيرُ: فَرِيقٌ مِنهم في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ مِنهم في السَّعِيرِ. وتَقَدَّمَ السَّعِيرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِـ (فَرِيقٌ) وهو نَكِرَةٌ لِوُقُوعِها في مَعْرِضِ التَّفْصِيلِ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
صفحة ٣٨
٦٩ فَأقْبَلْتُ زَحْفًا عَلى الرُّكْبَتَيْنِ فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُـرُّ
وجُمْلَةُ لا رَيْبَ فِيهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ. ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ أنَّ دَلائِلَهُ تَنْفِي الشَّكَّ في أنَّهُ سَيَقَعُ فَنَزَّلَ رَيْبَ المُرْتابِينَ فِيهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ لِأنَّ مُوجِباتِ اليَقِينَ بِوُقُوعِهِ بَيِّنَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وظَرْفِيَّةُ الرَّيْبِ المَنفِيِّ في ضَمِيرِ اليَوْمِ في قَوْلِهِ: لا رَيْبَ فِيهِ مِن بابِ إيقاعِ الفِعْلِ ونَحْوِهِ عَلى اسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ: إيقاعُهُ عَلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْها المَقامُ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ أكْلُها، أيْ لا رَيْبَ في وُقُوعِهِ. وجُمْلَةُ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ و(فَرِيقٌ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ المُتابَعِ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ، أيْ هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ إلَخْ.
الشورى 42:8
﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] . والغَرَضُ مِن هَذا العَطْفِ إفادَةُ أنَّ كَوْنَهم فَرِيقَيْنِ أمْرٌ شاءَ اللَّهُ تَقْدِيرَهُ، أيْ أوْجَدَ أسْبابَهُ بِحِكْمَتِهِ ولَوْ شاءَ لَقَدَّرَ أسْبابَ اتِّحادِهِمْ عَلى عَقِيدَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الهُدى فَكانُوا سَواءً في المَصِيرِ، والمُرادُ: لَكانُوا جَمِيعًا في الجَنَّةِ.
وهَذا مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى تَمَنِّيهِمْ أنْ يَكُونَ النّاسُ كُلُّهم مُهْتَدِينَ ويَكُونَ جَمِيعُهم في الجَنَّةِ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ المُرادُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً في الأمْرَيْنِ: الهُدى والضَّلالِ، لَأنَّ هَذا الشِّقَّ الثّانِيَ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِبَيانِهِ هُنا وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ. فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بِما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .
وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِدْراكُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾
صفحة ٣٩
أيْ ولَكِنْ شاءَ مَشِيئَةً أُخْرى جَرَتْ عَلى وفْقِ حِكْمَتِهِ، وهي أنْ خَلَقَهم قابِلَيْنِ لِلْهُدى والضَّلالِ بِتَصارِيفِ عُقُولِهِمْ وأمْيالِهِمْ، ومَكَّنَهم مِن كَسْبِ أفْعالِهِمْ وأوْضَحَ لَهم طَرِيقَ الخَيْرِ وطَرِيقَ الشَّرِّ بِالتَّكْلِيفِ فَكانَ مِنهُمُ المُهْتَدُونَ وهُمُ الَّذِينَ شاءَ اللَّهُ إدْخالَهم في رَحْمَتِهِ، ومِنهُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
فَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ أحَدُ دَلِيلَيْنِ عَلى المَعْنى المُسْتَدْرَكِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ جَعَلَهم فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا في الجَنَّةِ وفَرِيقًا في السَّعِيرِ لِيُدْخِلَ مَن يَشاءُ مِنهم في رَحْمَتِهِ وهي الجَنَّةُ. وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ يُدْخِلُ مِنهُمُ الفَرِيقَ الآخَرَ في عِقابِهِ، فَدَلَّ عَلَيْهِ أيْضًا بَقَوْلِهِ: ﴿والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لِأنَّ نَفْيَ النَّصِيرِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ في بُؤْسٍ وضُرٍّ ومَغْلُوبِيَّةٍ بِحَيْثُ يَحْتاجُونَ إلى نَصِيرٍ لَوْ كانَ لَهم نَصِيرٌ، فَيَدْخُلُ في الظّالِمِينَ مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِأنَّهم سَبَبُ وُرُودِ هَذا العُمُومِ.
وأصْلُ النَّظْمِ: ويُدْخِلُ مَن يَشاءُ في غَضَبِهِ، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ سَبَبَ إدْخالِهِمْ في غَضَبِهِ هو ظُلْمُهم، أيْ شِرْكُهم ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] مَعَ إفادَةِ أنَّهم لا يَجِدُونَ ولِيًّا يَدْفَعُ عَنْهم غَضَبَهُ ولا نَصِيرًا يَثْأرُ لَهم. وضَمِيرُ (جَعَلَهم) عائِدٌ إلى فَرِيقِ الجَنَّةِ وفَرِيقِ السَّعِيرِ بِاعْتِبارِ أفْرادِ كُلِّ فَرِيقٍ.
الشورى 42:9
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ وهْوَ يُحْيِي المَوْتى وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ كَما يُقالُ: دَعِ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ وإنْذارِهِمْ ولْنَعُدْ إلى فَظاعَةِ حالِهِمْ في اتِّخاذِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ.
وتُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ. فالمَعْنى: بَلِ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ، أيْ أتَوْا مُنْكَرًا لَمّا اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ.
فَضَمِيرُ (اتَّخَذُوا) عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ.
صفحة ٤٠
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ فاءُ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَقامُ إنْكارِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، لِأنَّ إنْكارَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أوْلِياءَهم لَيْسَتْ جَدِيرَةً بِالوِلايَةِ، وأنَّهم ضَلُّوا في وِلايَتِهِمْ إيّاها، فَنَشَأ تَقْدِيرُ شَرْطٍ مَعْناهُ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ.
قالَ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ: (وتَقْدِيرُ الشَّرْطِ لِقَرائِنِ الأحْوالِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] عَلى تَقْدِيرِ إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم، وقالَ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ عَلى تَقْدِيرِ: إنْ أرادُوا ولِيًّا بِحَقٍّ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ بِالحَقِّ لا ولِيَّ سِواهُ) .
والمُرادُ بِالوَلايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ ولايَةُ المَعْبُودِيَّةِ، فَأفادَ تَعْرِيفَ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ قَصْرَ جِنْسِ الوَلِيِّ بِهَذا الوَصْفِ عَلى اللَّهِ، وإذْ قَدْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ قَصْرُ الوَلايَةِ الحَقِّ عَلَيْهِ تَعالى.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ تَأْكِيدَ القَصْرِ وتَحْقِيقَهُ وأنَّهُ لا مُبالَغَةَ فِيهِ تَذْكِيرًا بِأنَّ الوَلايَةَ الحَقَّ في هَذا الشَّأْنِ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ تَعالى.
وهَذا كُلُّهُ مَسُوقٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ تَسْلِيَةً وتَثْبِيتًا وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ فَإنَّهم لا يَخْلُونَ مِن أنْ يَسْمَعُوهُ.
وعَطْفُ ﴿وهُوَ يُحْيِي المَوْتى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿فاللَّهُ هو الوَلِيُّ﴾ إدْماجٌ لِإعادَةِ إثْباتِ البَعْثِ تَرْسِيخًا لِعِلْمِ المُسْلِمِينَ وإبْلاغًا لِمَسامِعِ المُنْكِرِينَ لِأنَّهم أنْكَرُوا ذَلِكَ في ضِمْنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَلَمّا أبْطَلَ مُعْتَقَدَهم إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ أرْدَفَ بِإبْطالِ ما هو مِن عَلائِقِ شِرْكِهِمْ وهو نَفْيُ البَعْثِ، ولَيْسَ ذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِمْ لِإبْطالِ إلَهِيَّةِ آلِهَتِهِمْ لِأنَّ وُقُوعَ البَعْثِ مَجْحُودٌ عِنْدَهم.
فَأمّا عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَهو لِإثْباتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعالى تَذْكِيرًا بِانْفِرادِهِ بِتَمامِ القُدْرَةِ، ويُفِيدُ الِاسْتِدْلالَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ. قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ويُفِيدُ الِاسْتِدْلالَ عَلى نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ أصْنامِهِمْ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ: قالَ تَعالى
صفحة ٤١
﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقالَ: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وقالَ: وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ. والغَرَضُ مِن هَذا تَعْرِيضٌ بِإبْلاغِهِ إلى مَسامِعِ المُشْرِكِينَ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إثْباتَ القُدْرَةِ لِلَّهِ تَعالى عُطِفَتِ الجُمْلَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها مِثْلُها في إفادَةِ الحُكْمِ، وكانَتْ إفادَةُ التَّعْلِيلِ بِها حاصِلَةً مِن مَوْقِعِها عَقِبَها، ولَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ ابْتِداءً لَفُصِلَتِ الجُمْلَةُ ولَمْ تُعْطَفْ.
الشورى 42:10
﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَكْمِلَةً لِلِاعْتِراضِ فَيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى النّاسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مُتَّصِلًا بَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذا الكَلامِ لِمُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، لِأنَّ ضَمائِرَ (رَبِّي، وتَوَكَّلْتُ، وأُنِيبُ) ضَمائِرُهُ، وتِلْكَ الضَّمائِرُ لا تَصْلُحُ أنْ تَعُودَ إلى اللَّهِ تَعالى. ولا حَظَّ في سِياقِ الوَحْيِ إلى أحَدٍ سِوى النَّبِيءِ ﷺ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ فِعْلِ أمْرٍ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ النَّبِيءُ ﷺ .
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ وإلى المُسْلِمِينَ. والواوُ عاطِفَةٌ فِعْلَ أمْرٍ بِالقَوْلِ، وحَذْفُ القَوْلِ شائِعٌ في القُرْآنِ بِدَلالَةِ القَرائِنِ لِأنَّ مادَّةَ الِاخْتِلافِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ وحالَةَ الفَرِيقَيْنِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ اخْتِلافٌ في أُمُورِ الِاعْتِقادِ الَّتِي أنْكَرَها الكافِرُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ والنَّفْعِ والإضْرارِ.
و(مِن شَيْءٍ) بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) أيْ أيُّ شَيْءٍ اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، والمُرادُ: مِن أشْياءِ الدِّينِ وُشُئُونِ اللَّهِ تَعالى.
وضَمِيرُ (فَحُكْمُهُ) عائِدٌ إلى (ما اخْتَلَفْتُمْ) عَلى مَعْنى: الحُكْمُ بَيْنَكم في شَأْنِهِ إلى اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهُ يَتَّضِحُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ حِينَ يَرَوْنَ الثَّوابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والعِقابَ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ أنَّهم مُبْطِلُونَ فِيما كانُوا يَزْعُمُونَ.
صفحة ٤٢
و(إلى اللَّهِ) خَبَرٌ عَنْ حُكْمِهِ. و(إلى) لِلِانْتِهاءِ وهو انْتِهاءٌ مَجازِيٌّ تَمْثِيلِيٌّ، مَثَّلَ تَأْخِيرَ الحُكْمِ إلى حُلُولِ الوَقْتِ المُعَيَّنِ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِسَيْرِ السّائِرِ إلى أحَدٍ يَنْزِلُ عِنْدَهُ.
ولا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِاخْتِلافِ عُلَماءِ الأُمَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاخْتِلافَ حُكْمُهُ مَنُوطٌ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ والأقْيِسَةِ صِحَّةً وفَسادًا فَإصْدارُ الحُكْمِ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ فِيها يَسِيرٌ إنْ شاءَ النّاسُ التَّداوُلَ والإنْصافَ. وبِذَلِكَ تَوَصَّلَ أهْلُ الحَقِّ إلى التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُصِيبِ والمُخْطِئِ، ومَراتِبُ الخَطَأِ في ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ لا يُناسِبُ سِياقَ الآياتِ سابِقَها وتالِيَها ولا أغْراضَ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ. وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ نُفاةُ القِياسِ، وهو احْتِجاجٌ لا يَرْتَضِيهِ نَطّاسٌ.
* * *
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى الآيَةَ، فَتَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا لِأنَّ الإنْذارَ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْذَرًا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ تَكْمِلَةٌ لِلْكَلامِ المُوَجَّهِ مِنَ اللَّهِ ويَكُونَ في قَوْلِهِ رَبِّي التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى التَّكَلُّمِ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم، وتَكُونُ جُمْلَتا عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ مُعْتَرِضَتَيْنِ.
والإشارَةُ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ وهو المَفْهُومُ مِن فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ. وهَذا التَّمْيِيزُ لِإبْطالِ التِباسِ ماهِيَّةِ الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ سَمَّوُا الأصْنامَ آلِهَةً وأرْبابًا.
وأُوثِرَ اسْمُ الإشارَةِ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلْبَعِيدِ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ بِالبُعْدِ الِاعْتِبارِيِّ اللّازِمِ لِلسُّمُوِّ وشَرَفِ القَدْرِ، أيْ ذَلِكُمُ اللَّهُ العَظِيمُ. ويُتَوَصَّلُ مِن ذَلِكَ إلى تَعْظِيمِ حُكْمِهِ، فالمَعْنى: اللَّهُ العَظِيمُ في حُكْمِهِ هو رَبِّي الَّذِي تَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ فَهو كافِينِي مِنكم.
التَّوَكُّلُ: تَفَعُّلٌ مِنَ الوَكْلِ، وهو التَّفْوِيضُ في العَمَلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى، ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٤٣
والإنابَةُ: الرُّجُوعُ، والمُرادُ بِها هُنا الكِنايَةُ عَنْ تَرْكِ الِاعْتِمادِ عَلى الغَيْرِ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلى الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ وُجُودِ المَطْلُوبِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وتَقَدَّمَتِ الإنابَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] في سُورَةِ هُودٍ.
وجِيءَ في فِعْلِ (تَوَكَّلْتُ) بِصِيغَةِ الماضِي وفي فِعْلِ (أُنِيبُ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ كانَ سابِقًا مِن قَبْلِ أنْ يَظْهَرَ لَهُ تَنَكُّرُ قَوْمِهِ لَهُ، فَقَدْ صادَفَ تَنَكُّرُهم مِنهُ عَبْدًا مُتَوَكِّلًا عَلى رَبِّهِ، وإذا كانَ تَوَكُّلُهُ قَدْ سَبَقَ تَنَكُّرَ قَوْمِهِ فاسْتِمْرارُهُ بَعْدَ أنْ كَشَّرُوا لَهُ عَنْ أنْيابِ العُدْوانِ مُحَقَّقٌ.
وأمّا فِعْلُ (أُنِيبُ) فَجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى تَجَدُّدِ الإنابَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ. ويُعْلَمُ تَحَقُّقُها في الماضِي بِمُقارَنَتِها لِجُمْلَةِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ لِأنَّ المُتَوَكِّلَ مُنِيبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن الِاحْتِباكِ. والتَّقْدِيرُ: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وأتَوَكَّلُ وإلَيْهِ أنَبْتُ وأُنِيبُ.
وتَقْدِيمُ المُتَعَلِّقَيْنِ في عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ لا أتَوَكَّلُ إلّا عَلَيْهِ ولا أُنِيبُ إلّا إلَيْهِ.
الشورى 42:11
﴿فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾
خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ آنِفًا أعْقَبَ بِهِ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَإنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أبْرَزِ آثارِ صِفَةِ القُدْرَةِ المُنْفَرِدِ بِها.
والفاطِرُ: الخالِقُ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ فاطِرٍ.
* * *
﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾
جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (فاطِرِ) لِأنَّ مَضْمُونَها حالٌ مِن أحْوالِ
صفحة ٤٤
فَطْرِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَإنَّ خَلْقَ الإنْسانِ والأنْعامِ مِن أعْجَبِ أحْوالِ خَلْقِ الأرْضِ.
ويَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا ثالِثًا عَنْ ضَمِيرِ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
والمَعْنى: قَدَّرَ في تَكْوِينِ نَوْعِ الإنْسانِ أزْواجًا لِأفْرادِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ مُقارِنًا لِأصْلِ تَكْوِينِ النَّوْعِ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ الماضِي.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: لَكم لِلنّاسِ كُلِّهِمْ. والخِطابُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. وتَقْدِيمُ لَكم عَلى غَيْرِهِ مِن مَعْمُولاتِ جَعَلَ لِيُعْرَفَ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ أزْواجًا، ولِيَكُونَ التَّعْلِيلُ بِهِ مُلاحَظًا في المَعْطُوفِ بَقَوْلِهِ: ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو الَّذِي يَنْضَمُّ إلى فَرْدٍ فَيَصِيرُ كِلاهُما زَوْجًا لِلْآخَرِ والمُرادُ هُنا: الذُّكُورُ والإناثُ مِنَ النّاسِ، أيْ جَعَلَ لِمَجْمُوعِكم أزْواجًا، فَلِلذُّكُورِ أزْواجٌ مِنَ الإناثِ، ولِلنِّساءِ أزْواجٌ مِنَ الرِّجالِ، وذَلِكَ لِأجْلِ الجَمِيعِ لِأنَّ بِذَلِكَ الجَعْلِ حَصَلَتْ لَذَّةُ التَّأنُّسِ ونِعْمَةُ النَّسْلِ.
ومَعْنى (مِن أنْفُسِكم) مِن نَوْعِكم، ومِن بَعْضِكم، كَقَوْلِهِ: فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] . وكَوْنُ الأزْواجِ مِن أنْفُسِهِمْ كَمالٌ في النِّعْمَةِ لِأنَّهُ لَوْ جَعَلَ أحَدَ الزَّوْجَيْنِ مِن نَوْعٍ آخَرَ لَفاتَ نَعِيمُ الأُنْسِ، وأمّا زَعْمُ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَتَزَوَّجُ جِنِّيَّةً أوْ غُولًا فَذَلِكَ مِنَ التَّكاذِيبِ وتَخَيُّلاتِ بَعْضِهِمْ، ورُبَّما عَرَضَ لِبَعْضِ النّاسِ خَبالٌ في العَقْلِ خاصٌّ بِذَلِكَ فَتَخَيَّلَ ذَلِكَ وتَحَدَّثَ بِهِ فَراجَ عَنْ كُلِّ أبْلَهَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾ عَطْفٌ عَلى (أزْواجًا) الأوَّلِ فَهو كَمَفْعُولٍ لِـ (جَعَلَ) والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَ مِنَ الأنْعامِ أزْواجًا، أيْ جَعَلَ مِنها أزْواجًا بَعْضَها لِبَعْضٍ. وفائِدَةُ ذِكْرِ أزْواجِ الأنْعامِ دُونَ أزْواجِ الوَحْشِ: أنَّ في أنْواعِ الأنْعامِ فائِدَةً لِحَياةِ الإنْسانِ لِأنَّها تَعِيشُ مَعَهُ ولا تَنْفِرُ مِنهُ، ويَنْتَفِعُ بِألْبانِها، وأصْوافِها، ولُحُومِها، ونَسْلِها، وعَمَلِها مِن حَمْلٍ وحَرْثٍ، فَبِجَعْلِها أزْواجًا حَصَلَ مُعْظَمُ نَفْعِها لِلْإنْسانِ.
صفحة ٤٥
والذَّرْءُ: بَثُّ الخَلْقِ وتَكْثِيرُهُ، فَفِيهِ مَعْنى تَوالِي الطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ إذْ لا مَنفَعَةَ لِلنّاسِ مِن أزْواجِ الأنْعامِ بِاعْتِبارِها أزْواجًا سِوى ما يَحْصُلُ مِن نَسْلِها.
وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ (يَذْرَؤُكم) لِلْمُخاطَبِينَ بَقَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) . ومُرادُ شُمُولِهِ لِجَعْلِ أزْواجٍ مِنَ الأنْعامِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أزْواجِ الأنْعامِ لَمْ يَكُنْ هَمَلًا بَلْ مُرادًا مِنهُ زِيادَةُ المِنَّةِ فَإنَّ ذَرْءَ نَسْلِ الإنْسانِ نِعْمَةٌ لِلنّاسِ وذَرْءَ نَسْلِ الأنْعامِ نِعْمَةٌ أُخْرى لِلنّاسِ، ولِذَلِكَ اكْتَفى بِذِكْرِ الأزْواجِ في جانِبِ الأنْعامِ عَنْ ذِكْرِ الذَّرْءِ إذْ لا مَنفَعَةَ لِلنّاسِ في تَزاوُجِ الأنْعامِ سِوى ما يَحْصُلُ مِن نَسْلِها.
وإذْ كانَ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ جَماعَةِ العُقَلاءِ وكانَ ضَمِيرَ خِطابٍ في حِينِ أنَّ الأنْعامَ لَيْسَتْ عُقَلاءَ ولا مُخاطَبَةً، فَقَدْ جاءَ في ذَلِكَ الضَّمِيرِ تَغْلِيبُ العُقَلاءِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ ضَمِيرٌ صالِحٌ لِلْعُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ كَأنْ يُقالَ: يَذَراكِ بِكَسْرِ الكافِ عَلى تَأْوِيلِ إرادَةِ خِطابِ الجَماعَةِ.
وجاءَ فِيهِ تَغْلِيبُ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، فَقَدْ جاءَ فِيهِ تَغْلِيبانِ. وهو تَغْلِيبٌ دَقِيقٌ؛ إذِ اجْتَمَعَ في لَفْظٍ واحِدٍ نَوْعانِ مِنَ التَّغْلِيبِ كَما أشارَ إلَيْهِ الكَشّافُ والسَّكّاكِيُّ في مَبْحَثِ التَّغْلِيبِ مِنَ المِفْتاحِ.
وضَمِيرُ (فِيهِ) عائِدٌ إلى الجَعْلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ (جَعَلَ لَكم) أيْ في الجَعْلِ المَذْكُورِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في (يَذْرَؤُكم) لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ، والتَّجَدُّدُ أنْسَبُ بِالِامْتِنانِ.
وحَرْفُ (في) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ تَشْبِيهًا لِلسَّبَبِ بِالظَّرْفِ في احْتِوائِهِ عَلى مُسَبَّباتِهِ كاحْتِواءِ المَنبَعِ عَلى مائِهِ والمَعْدِنِ عَلى تُرابِهِ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ.
* * *
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهْوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾
خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ رابِعٌ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] . ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كالنَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ فَإنَّهُ لَمّا قَدَّمَ ما هو نِعَمٌ عَظِيمَةٌ تَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ لا يُماثِلُهُ
صفحة ٤٦
شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ في تَدْبِيرِهِ وإنْعامِهِ.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، فَأُقْحِمَتْ كافُ التَّشْبِيهِ عَلى (مِثْلِ) وهي بِمَعْناهُ لِأنَّ مَعْنى المِثْلِ هو التَّشْبِيهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الكافَ مُفِيدَةٌ تَأْكِيدًا لِمَعْنى المِثْلِ، وهو مِنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ بِاللَّفْظِ المُرادِفِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وحَسَّنَهُ أنَّ المُؤَكَّدَ اسْمٌ فَأشْبَهَ مَدْخُولَ كافِ التَّشْبِيهِ المُخالِفِ لِمَعْنى الكافِ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ الثِّقَلُ الَّذِي في قَوْلِ خِطامٍ المُجاشِعِيِّ:
وصالِياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ
وإذْ قَدْ كانَ المَثَلُ واقِعًا في حَيِّزِ النَّفْيِ فالكافُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ فَكَأنَّهُ نَفى المِثْلَ عَنْهُ تَعالى بِجُمْلَتَيْنِ تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ كَيْفَ يُبْطِلُونَ مُماثَلَةَ الأصْنامِ لِلَّهِ تَعالى.
وهَذا الوَجْهُ هو رَأْيُ ثَعْلَبٍ وابْنِ جِنِّيٍّ والزَّجّاجِ والرّاغِبِ وأبِي البَقاءِ وابْنِ عَطِيَّةَ.
وجَعَلَهُ في الكَشّافِ وجْهًا ثانِيًا، وقَدَّمَ قَبْلَهُ أنْ تَكُونَ الكافُ غَيْرَ مَزِيدَةٍ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لَيْسَ شَبِيهَ مِثْلِهِ شَيْءٌ. والمُرادُ: لَيْسَ شِبْهَ ذاتِهِ شَيْءٌ، فَأثْبَتَ لِذاتِهِ مِثْلًا ثُمَّ نَفى عَنْ ذَلِكَ المِثْلِ أنْ يَكُونَ لَهُ مُماثِلٌ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُماثِلِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى، أيْ بِطَرِيقِ لازِمِ اللّازِمِ لِأنَّهُ إذا نَفى المِثْلَ عَنْ مِثْلِهِ فَقَدِ انْتَفى المِثْلُ عَنْهُ إذْ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَمّا اسْتَقامَ قَوْلُكَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَ مِثْلِهِ. وجَعَلَهُ مِن بابِ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ قَدْ أيْفَعَتْ لِداتُهُ، أيْ أيْفَعَ هو فَكُنِّيَ بِإيفاعِ لِداتِهِ عَنْ إيفاعِهِ.
وقَوْلِ رُقَيْقَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ في حَدِيثِ سُقْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ: ألا وفِيهِمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ لِداتُهُ، أيْ ويَكُونُ مَعَهُمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ .
وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ ابْنِ المُنِيرِ في الِانْتِصافِ. وبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: هو كَقَوْلِكَ لَيْسَ لِأخِي زَيْدٍ أخٌ، تُرِيدُ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ أخٌ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لِزَيْدٍ أخٌ لَكانَ زَيْدٌ أخًا
صفحة ٤٧
لِأخِيهِ فَلَمّا نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِأخِيهِ أخٌ فَقَدْ نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِزَيْدٍ أخٌ، ولا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلى هَذا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ والإبْهامِ وكِلاهُما مِمّا يَنْبُو عَنْهُ المَقامُ.
وقَدْ شَمِلَ نَفْيُ المُماثَلَةِ إبْطالَ ما نَسَبُوا لِلَّهِ البَناتِ وهو مُناسَبَةُ وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا الآيَةَ.
وحَدِيثُ سُقْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ، أيْ خَبَرُ اسْتِسْقائِهِ لِقُرَيْشٍ أنَّ رُقَيْقَةَ بِنْتَ أبِي صَيْفِيٍّ قالَتْ: تَتابَعَتْ عَلى قُرَيْشٍ سُنُونَ أقْحَلَتِ الضَّرْعَ وأدَقَّتِ العَظْمَ، فَبَيْنا أنا نائِمَةٌ إذا هاتِفٌ يَهْتِفُ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ هَذا النَّبِيءَ المَبْعُوثَ مِنكم قَدْ أظَلَّتْكم أيّامُهُ ألا فانْظُرُوا رَجُلًا مِنكم وسِيطًا عِظامًا جِسامًا أبْيَضَ أوْطَفَ الأهْدابِ سَهْلَ الخَدَّيْنِ أشَمَّ العِرْنِينِ فَلْيُخْلِصْ هو ووَلَدُهُ، ألا وفِيهِمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ لِداتُهُ ولِيَهْبِطْ إلَيْهِ مِن كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ فَلْيَشُنُّوا مِنَ الماءِ ولْيَمَسُّوا مِنَ الطِّيبِ ثُمَّ لْيَرْتَقُوا أبا قُبَيْسٍ فَلْيَسْتَسْقِ الرَّجُلُ ولْيُؤَمِّنُوا فَعِثْتُمْ ما شِئْتُمْ) إلَخْ. قالُوا: وكانَ مَعَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وهو يَوْمَئِذٍ غُلامٌ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَفَتْ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مِنَ المَوْجُوداتِ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى. والمِثْلُ يُحْمَلُ عِنْدَ إطْلاقِهِ عَلى أكْمَلِ أفْرادِهِ، قالَ فَخْرُ الدِّينِ: (المِثْلانِ هُما: اللَّذانِ يَقُومُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَقامَ الآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ) اهـ. فَلا يُسَمّى مِثْلًا حَقًّا إلّا المُماثِلُ في الحَقِيقَةِ والماهِيَّةِ وأجْزائِها ولَوازِمِها دُونَ العَوارِضِ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ مُماثِلًا لِلَّهِ تَعالى في صِفاتِ ذاتِهِ؛ لِأنَّ ذاتَ اللَّهِ تَعالى لا يُماثِلُها ذَواتُ المَخْلُوقاتِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقاتِ في مَحْسُوسِ ذَواتِها فَهو مُنْتَفٍ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى.
وبِذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصْلًا في تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ الجَوارِحِ والحَواسِّ والأعْضاءِ عِنْدَ أهْلِ التَّأْوِيلِ، والَّذِينَ أثْبَتُوا لِلَّهِ تَعالى ما ورَدَ في القُرْآنِ مِمّا نُسَمِّيهِ بِالمُتَشابِهِ فَإنَّما أثْبَتُوهُ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ ظاهِرِهِ إذْ لا خِلافَ في إعْمالِ قَوْلِهِ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وأنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ ولا نَظِيرَ لَهُ.
وإذْ قَدِ اتَّفَقْنا عَلى هَذا الأصْلِ لَمْ يَبْقَ خِلافٌ في تَأْوِيلِ النُّصُوصِ المُوهِمَةِ
صفحة ٤٨
التَّشْبِيهَ، إلّا أنَّ تَأْوِيلَ سَلَفِنا كانَ تَأْوِيلًا جُمْلِيًّا، وتَأْوِيلَ خَلَفِهِمْ كانَ تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا كَتَأْوِيلِهِمُ اليَدَ بِالقُدْرَةِ، والعَيْنَ بِالعِلْمِ، وبَسْطَ اليَدَيْنِ بِالجُودِ، والوَجْهَ بِالذّاتِ، والنُّزُولَ بِتَمْثِيلِ حالِ الإجابَةِ والقَبُولِ بِحالِ نُزُولِ المُرْتَفِعِ مِن مَكانِهِ المُمْتَنِعِ إلى حَيْثُ يَكُونُ سائِلُوهُ لِيُنِيلَهم ما سَألُوهُ. ولِهَذا قالُوا: طَرِيقَةُ السَّلَفِ أسْلَمُ وطَرِيقَةُ الخَلَفِ أعْلَمُ.
ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ صِفاتِ السُّلُوبِ أعْقَبَ بِإثْباتِ صِفَةِ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى وهي مِنَ الصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةِ وذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ السَّمِيعُ البَصِيرُ الدّالَّيْنِ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِالمَوْجُوداتِ مِنَ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ نَفْيَ مُماثَلَةِ الأشْياءِ لِلَّهِ تَعالى لا يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ الِاتِّصافِ بِما اتَّصَفَتْ بِهِ المَخْلُوقاتُ مِن أوْصافِ الكَمالِ المَعْنَوِيَّةِ كالحَياةِ والعِلْمِ ولَكِنْ صِفاتُ المَخْلُوقاتِ لا تُشْبِهُ صِفاتِهِ تَعالى في كَمالِها لِأنَّها في المَخْلُوقاتِ عارِضَةٌ، وهي واجِبَةٌ لِلَّهِ تَعالى في مُنْتَهى الكَمالِ، فَكَوْنُهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا مِن جُمْلَةِ الصِّفاتِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ ظِلالِ التَّأْوِيلِ بِالحَمْلِ عَلى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فَلَمْ يَقْتَضِيا جارِحَتَيْنِ.
ولَقَدْ كانَ تَعْقِيبُ قَوْلِهِ ذَلِكَ بِهِما شَبِيهًا بِتَعْقِيبِ المَسْألَةِ بِمِثالِها.
الشورى 42:12
﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
خَبَرٌ رابِعٌ أوْ خامِسٌ عَنِ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩] ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَمَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ لِما تَقَدَّمَها، لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ هو الوَلِيُّ وما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: يَذْرَؤُكم فِيهِ مِنِ انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ، ثَبَتَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالرِّزْقِ.
والمَقالِيدُ: جَمْعُ إقْلِيدٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، أوْ جَمْعُ مِقْلادٍ، وهو المِفْتاحُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ في سُورَةِ الزُّمَرِ.
صفحة ٤٩
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ هي مِلْكُهُ لا مِلْكُ غَيْرِهِ.
والمَقالِيدُ هُنا اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ لِخَيْراتِ السَّماواتِ والأرْضِ، شُبِّهَتِ الخَيْراتُ بِالكُنُوزِ، وأُثْبِتَ لَها ما هو مِن مُرادِفاتِ المُشَبَّهِ بِهِ وهو المَفاتِيحُ، والمَعْنى: أنَّهُ وحْدَهُ المُتَصَرِّفُ بِما يَنْفَعُ النّاسَ مِنَ الخَيْراتِ. وأمّا ما يَتَراءى مِن تَصَرُّفِ بَعْضِ النّاسِ في الخَيْراتِ الأرْضِيَّةِ بِالإعْطاءِ والحِرْمانِ والتَّقْتِيرِ والتَّبْذِيرِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ لِقِلَّةِ جَدْواهُ بِالنِّسْبَةِ لِتَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ. وبَسْطُ الرِّزْقِ: تَوْسِعَتُهُ، وقَدْرُهُ كِنايَةٌ عَنْ قِلَّتِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
وجُمْلَةُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو كالعِلَّةِ لِقَوْلِهِ: لِمَن يَشاءُ، أيْ أنَّ مَشِيئَتَهُ جارِيَةٌ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِما يُناسِبُ أحْوالَ المَرْزُوقِينَ مِن بَسْطٍ أوْ قَدْرٍ.
وبَيانُ هَذا في قَوْلِهِ الآتِي ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] .
الشورى 42:13
﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
انْتِقالٌ مِن الِامْتِنانِ بِالنِّعَمِ الجُثْمانِيَّةِ إلى الِامْتِنانِ بِالنِّعْمَةِ الرُّوحِيَّةِ بِطَرِيقِ الإقْبالِ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ لِلتَّنْوِيهِ بِدِينِ الإسْلامِ ولِلتَّعْرِيضِ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أعْرَضُوا عَنْهُ. فالجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةٌ.
ومَعْنى (شَرَعَ) أوْضَحَ وبَيَّنَ لَكم مَسالِكَ ما كَلَّفَكم بِهِ. وأصْلُ (شَرَعَ): جَعَلَ طَرِيقًا واسِعَةً. وكَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى سَنِّ القَوانِينِ والأدْيانِ فَسُمِّيَ الدِّينُ شَرِيعَةً. فَـ (شَرَعَ) هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّبْيِينِ كَما في قَوْلِهِ: أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ
صفحة ٥٠
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] في سُورَةِ العُقُودِ.
والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو يَعُمُّ الأدْيانَ الإلَهِيَّةَ السّابِقَةَ. و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ.
والتَّوْصِيَةُ: الأمْرُ بِشَيْءٍ مَعَ تَحْرِيضٍ عَلى إيقاعِهِ والعَمَلِ بِهِ.
ومَعْنى كَوْنِهِ شَرَعَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا أنَّ الإسْلامَ دِينٌ مِثْلُ ما أمَرَ بِهِ نُوحًا وحَضَّهُ عَلَيْهِ. فَقَوْلُهُ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ، أيْ مِثْلَ ما وصّى بِهِ نُوحًا، أوْ هو بِتَقْدِيرِ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ مُبالَغَةً في شِدَّةِ المُماثَلَةِ حَتّى صارَ المِثْلُ كَأنَّهُ عَيْنُ مِثْلِهِ. وهَذا تَقْدِيرٌ شائِعٌ كَقَوْلِ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ: (هَذا هو النّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى عِيسى) .
والمُرادُ: المُماثَلَةُ في أُصُولِ الدِّينِ مِمّا يَجِبُ لِلَّهِ تَعالى مِنَ الصِّفاتِ، وفي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِن كُلِّيّاتِ التَّشْرِيعِ، وأعْظَمُها تَوْحِيدُ اللَّهِ، ثُمَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الكُلِّيّاتِ الخَمْسِ الضَّرُورِيّاتِ، ثُمَّ الحاجِيّاتِ الَّتِي لا يَسْتَقِيمُ نِظامُ البَشَرِ بِدُونِها، فَإنَّ كُلَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأدْيانُ المَذْكُورَةُ مِن هَذا النَّوْعِ قَدْ أُودِعَ مِثْلُهُ في دِينِ الإسْلامِ.
فالأدْيانُ السّابِقَةُ كانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّوْحِيدِ، والإيمانِ بِالبَعْثِ والحَياةِ الآخِرَةِ، وتَقْوى اللَّهِ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ مَنهِيِّهِ عَلى العُمُومِ، وبِمَكارِمِ الأخْلاقِ بِحَسَبِ المَعْرُوفِ، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] . وتَخْتَلِفُ في تَفاصِيلِ ذَلِكَ وتَفارِيعِهِ.
ودِينُ الإسْلامِ لَمْ يَخْلُ عَنْ تِلْكَ الأُصُولِ وإنْ خالَفَها في التَّفارِيعِ تَضْيِيقًا وتَوْسِيعًا، وامْتازَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ بِتَعْلِيلِ الأحْكامِ، وسَدِّ الذَّرائِعِ، والأمْرِ بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ، وبِرَفْعِ الحَرَجِ، وبِالسَّماحَةِ، وبِشِدَّةِ الِاتِّصالِ بِالفِطْرَةِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ.
أوِ المُرادُ المُماثَلَةُ فِيما وقَعَ عَقِبُهُ بَقَوْلِهِ: أنْ أقِيمُوا الدِّينَ إلَخْ بِناءً عَلى أنْ
صفحة ٥١
تَكُونَ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةً، أيْ شَرَعَ لَكم وُجُوبَ إقامَةِ الدِّينِ المُوحى بِهِ وعَدَمَ التَّفَرُّقِ فِيهِ كَما سَيَأْتِي. وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ أنَّ الإسْلامَ لا يُخالِفُ هَذِهِ الشَّرائِعَ المُسَمّاةَ وأنَّ اتِّباعَهُ يَأْتِي بِما أتَتْ بِهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ دِينِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى لِأنَّ نُوحًا أوَّلُ رَسُولٍ أرْسَلَهُ اللَّهُ إلى النّاسِ، فَدِينُهُ هو أساسُ الدِّياناتِ، قالَ تَعالى: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ولِأنَّ دِينَإبْراهِيمَ هو أصْلُ الحَنِيفِيَّةِ وانْتَشَرَ بَيْنَ العَرَبِ بِدَعْوَةِ إسْماعِيلَ إلَيْهِ فَهو أشْهَرُ الأدْيانِ بَيْنَ العَرَبِ، وكانُوا عَلى أثارَةٍ مِنهُ في الحَجِّ والخِتانِ والقِرى والفُتُوَّةِ. ودِينُ مُوسى هو أوْسَعُ الأدْيانِ السّابِقَةِ في تَشْرِيعِ الأحْكامِ، وأمّا دِينُ عِيسى فَلِأنَّهُ الدِّينُ الَّذِي سَبَقَ دِينَ الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما دِينٌ آخَرُ، ولِيَتَضَمَّنَ التَّهْيِئَةَ إلى دَعْوَةِ اليَهُودِ والنَّصارى إلى دِينِ الإسْلامِ.
وتَعْقِيبُ ذِكْرِ دِينِ نُوحٍ بِما أُوحِيَ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الخاتَمُ لِلْأدْيانِ، فَعُطِفَ عَلى أوَّلِ الأدْيانِ جَمْعًا بَيْنَ طَرَفَيِ الأدْيانِ، ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُما الأدْيانُ الثَّلاثَةُ الأُخَرُ لِأنَّها مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الدِّينَيْنِ المَذْكُورَيْنِ قَبْلَها. وهَذا نَسْجٌ بَدِيعٌ مِن نَظْمِ الكَلامِ، ولَوْلا هَذا الِاعْتِبارُ لَكانَ ذِكْرُ الإسْلامِ مُبْتَدَأً بِهِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ١٦٣] مِن بَعْدِهِ وقَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] الآيَةَ في سُورَةِ الأحْزابِ.
وذَكَرَ في الكَشّافِ في آيَةِ الأحْزابِ أنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ النَّبِيءِ ﷺ في التَّفْصِيلِ لِبَيانِ أفْضَلِيَّتِهِ لِأنَّ المَقامَ هُنالِكَ لِسَرْدِ مَن أُخِذَ عَلَيْهِمِ المِيثاقُ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ الشُّورى فَإنَّما أُورِدَتْ في مَقامِ وصْفِ دِينِ الإسْلامِ بِالأصالَةِ والِاسْتِقامَةِ فَكَأنَّ اللَّهَ قالَ: شَرَعَ لَكُمُ الدِّينَ الأصِيلَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا في العَهْدِ القَدِيمِ وبَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ في العَهْدِ الحَدِيثِ، وبَعَثَ بِهِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَهُما.
فَقَوْلُهُ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ هو ما سَبَقَ نُزُولُهُ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ القُرْآنِ بِما فِيهِ مِن أحْكامٍ، فَعَطَفَهُ عَلى ما وصّى بِهِ نُوحًا لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ ما وصّى بِهِ نُوحًا مِنَ المُغايَرَةِ بِزِيادَةِ التَّفْصِيلِ والتَّفْرِيعِ. وذَكَرَهُ عَقِبَ ما وصّى بِهِ نُوحًا لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
صفحة ٥٢
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، جِيءَ بِالمَوْصُولِ (ما)، وفي قَوْلِهِ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ جِيءَ بِالمَوْصُولِ (الَّذِي)، وقَدْ يَظْهَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّهُ مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ بِتَجَنُّبِ تَكْرِيرِ الكَلِمَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَوالِياتٍ، وذَلِكَ كافٍ في هَذا التَّخالُفِ. ولَيْسَ يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا الِاخْتِلافُ لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ، وأنَّهُ فَرْقٌ دَقِيقٌ في اسْتِعْمالِ الكَلامِ البَلِيغِ وهو أنَّ (الَّذِي) وأِخَواتِهِ هي الأصْلُ في المَوْصُولاتِ فَهي مَوْضُوعَةٌ مِن أصْلِ الوَضْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَن يُعَيَّنُ بِحالَةٍ مَعْرُوفَةٍ هي مَضْمُونُ الصِّلَةِ، فَـ (الَّذِي) يَدُلُّ عَلى مَعْرُوفٍ عِنْدَ المُخاطَبِ بِصِلَتِهِ.
وأمّا (ما) المَوْصُولَةُ فَأصْلُها اسْمٌ عامٌّ نَكِرَةٌ مُبْهَمَةٌ مُحْتاجَةٌ إلى صِفَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ [النساء: ٥٨] عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وجَماعَةٍ. إذْ قَدَّرُوهُ: نِعْمَ شَيْئًا يَعِظُكم بِهِ. فَـ (ما) نَكِرَةُ تَمْيِيزٍ بِـ (نِعْمَ) وجُمْلَةُ يَعِظُكم بِهِ صِفَةٌ لِتِلْكَ النَّكِرَةِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ المُرادُ: هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ، وأنْشَدُوا:
لِما نافِعٍ يَسْعى اللَّبِيبُ فَلا تَكُنْ لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ الدَّهْرَ ساعِيًا
أيْ لِشَيْءٍ نافِعٍ، فَقَدْ جاءَتْ صِفَتُها اسْمًا مُفْرَدًا بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بَقَوْلِهِ: لِشَيْءٍ بَعِيدٍ نَفْعُهُ، ثُمَّ يَعْرِضُ لِـ (ما) التَّعْرِيفُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها نَكِرَةً مَوْصُوفَةً بِجُمْلَةٍ فَتَعَرَّفَتْ بِصِفَتِها وأشْبَهَتِ اسْمَ المَوْصُولِ في مُلازَمَةِ الجُمْلَةِ بَعْدَها، ولِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ (ما) مَوْصُولَةً في غَيْرِ العُقَلاءِ، فَيَكُونُ إيثارُ ما وصّى بِهِ نُوحًا وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى بِحَرْفِ (ما) لِمُناسَبَةِ أنَّها شَرائِعُ بَعُدَ العَهْدُ بِها فَلَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً عِنْدَ المُخاطَبِينَ إلّا إجْمالًا فَكانَتْ نَكِراتٍ لا تَتَمَيَّزُ إلّا بِصِفاتِها، وأمّا إيثارُ المُوحى بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ بِاسْمِ (الَّذِي) فَلِأنَّهُ شَرْعٌ مُتَداوَلٌ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم. فالتَّقْدِيرُ: شَرَعَ لَكم شَيْئًا وصّى بِهِ نُوحًا وشَيْئًا وصّى بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، والشَّيْءَ المُوحى بِهِ إلَيْكَ. ولَعَلَّ هَذا مِن نُكَتِ الإعْجازِ المَغْفُولِ عَنْها.
وفِي العُدُولِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ: والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَرَعَ لَكم التِفاتٌ.
وذَكَرَ في جانِبِ الشَّرائِعِ الأرْبَعِ السّابِقَةِ فِعْلَ (وصّى) وفي جانِبِ شَرِيعَةِ
صفحة ٥٣
مُحَمَّدٍ ﷺ فِعْلَ الإيحاءِ لِأنَّ الشَّرائِعَ الَّتِي سَبَقَتْ شَرِيعَةَ الإسْلامِ كانَتْ شَرائِعَ مُوَقَّتَةً مُقَدَّرًا وُرُودُ شَرِيعَةٍ بَعْدَها فَكانَ العَمَلُ بِها كالعَمَلِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ صاحِبُهُ، ولِيَقَعَ الِاتِّصالُ بَيْنَ فِعْلِ أوْحَيْنا إلَيْكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ في صَدْرِ السُّورَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣] .
و(أنْ) في قَوْلِهِ: أنْ أقِيمُوا الدِّينَ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، فَإنَّها قَدْ تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الَّتِي فِعْلُها مُتَصَرِّفٌ، والمَصْدَرُ الحاصِلُ مِنها في مَوْضِعِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ مِن (ما) المَوْصُولَةِ الأُولى أوِ الأخِيرَةِ. وإذا كانَ بَدَلًا مِن إحْداهُما كانَ في مَعْنى البَدَلِ مِن جَمِيعِ أخَواتِهِما لِأنَّها سَواءٌ في المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ (شَرَعَ) بِواسِطَةِ العَطْفِ فَيَكُونُ الأمْرُ بِإقامَةِ الدِّينِ والنَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ وِصايَةُ الأدْيانِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِمَعْنى وصّى لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. فالمَعْنى: أنَّ إقامَةَ الدِّينِ واجْتِماعَ الكَلِمَةِ عَلَيْهِ أوْصى اللَّهُ بِها كُلَّ رَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ سَمّاهم. وهَذا الوَجْهُ يَقْتَضِي أنَّ ما حُكِيَ شَرْعُهُ في الأدْيانِ السّابِقَةِ هو هَذا المَعْنى وهو إقامَةُ الدِّينِ المَشْرُوعِ كَما هو، والإقامَةُ مُجْمَلَةٌ يُفَسِّرُها ما في كُلِّ دِينٍ مِنَ الفُرُوعِ.
وإقامَةُ الشَّيْءِ: جَعْلُهُ قائِمًا، وهي اسْتِعارَةٌ لِلْحِرْصِ عَلى العَمَلِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وضَمِيرُ (أقِيمُوا) مُرادٌ بِهِ: أُمَمُ أُولَئِكَ الرُّسُلِ ولَمْ يَسْبِقْ لَهم ذِكْرٌ في اللَّفْظِ لَكِنْ دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِمْ ما في فِعْلِ (وصّى) مِن مَعْنى التَّبْلِيغِ.
وأعْقَبَ الأمْرَ بِإقامَةِ الدِّينِ بِالنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ.
والتَّفَرُّقُ: ضِدُّ التَّجَمُّعِ، وأصْلُهُ: تَباعُدُ الذَّواتِ، أيِ اتِّساعُ المَسافَةِ بَيْنَها ويُسْتَعارُ كَثِيرًا لِقُوَّةِ الِاخْتِلافِ في الأحْوالِ والآراءِ كَما هُنا، وهو يَشْمَلُ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الأُمَّةِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، والكُفْرِ بِهِ، أيْ لا تَخْتَلِفُوا عَلى أنْبِيائِكم. ويَشْمَلُ التَّفَرُّقَ بَيْنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنْ يَكُونُوا نِحَلًا وأحْزابًا، وذَلِكَ اخْتِلافُ الأُمَّةِ في أُمُورِ دِينِها، أيْ في
صفحة ٥٤
أُصُولِهِ وقَواعِدِهِ ومَقاصِدِهِ، فَإنَّ الِاخْتِلافَ في الأُصُولِ يُفْضِي إلى تَعْطِيلِ بَعْضِها فَيَنْخَرِمُ بَعْضُ أساسِ الدِّينِ.
والمُرادُ: ولا تَتَفَرَّقُوا في إقامَتِهِ بِأنْ يَنْشَطَ بَعْضُهم لِإقامَتِهِ ويَتَخاذَلَ البَعْضُ، إذْ بِدُونِ الِاتِّفاقِ عَلى إقامَةِ الدِّينِ يَضْطَرِبُ أمْرُهُ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ تَأْثِيرَ النُّفُوسِ إذا اتَّفَقَتْ يَتَوارَدُ عَلى قَصْدٍ واحِدٍ فَيَقْوى ذَلِكَ التَّأْثِيرُ ويُسْرِعُ في حُصُولِ الأثَرِ إذْ يَصِيرُ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ الأُمَّةِ مُعِينًا لِلْآخَرِ فَيَسْهُلُ مَقْصِدُهم مِن إقامَةِ دِينِهِمْ. أمّا إذا حَصَلَ التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ فَذَلِكَ مُفْضٍ إلى ضَياعِ أُمُورِ الدِّينِ في خِلالِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ هو لا يَلْبَثُ أنْ يُلْقِيَ بِالأُمَّةِ إلى العَداوَةِ بَيْنَها وقَدْ يَجُرُّهم إلى أنْ يَتَرَبَّصَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ الدَّوائِرَ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم.
أمّا الِاخْتِلافُ في فُرُوعِهِ بِحَسَبِ اسْتِنْباطِ أهْلِ العِلْمِ بِالدِّينِ فَذَلِكَ مِنَ التَّفَقُّهِ الوارِدِ فِيهِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ في الدِّينِ.
* * *
﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ وجُمْلَةِ وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالِ مَن يَتَعَجَّبُ مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ عَنِ الإسْلامِ مَعَ أنَّهُ دِينٌ مُؤَيَّدٌ بِما سَبَقَ مِنَ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، فَأُجِيبَ إجْمالًا بِأنَّهُ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ وتَجَهَّمُوهُ و(كَبُرَ) بِمَعْنى صَعُبَ، وقَرِيبٌ مِنهُ إطْلاقُ ثَقُلَ، أيْ عَجَزُوا عَنْ قَبُولِ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، فالكِبَرُ مَجازٌ اسْتُعِيرَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا تَطْمَئِنُّ النَّفْسُ لِقَبُولِهِ، والكِبَرُ في الأصْلِ الدّالُّ عَلى ضَخامَةِ الذّاتِ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ الضَّخْمِ أنْ يَعْسُرَ حَمْلُهُ. ولِما فِيهِ مِن تَضْمِينِ مَعْنى ثَقُلَ عُدِّيَ بِـ (عَلى) .
وعَبَّرَ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ اعْتِبارًا بِنُكْرانِ المُشْرِكِينَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ واسْتِغْرابِهِمْ إيّاها، وعَدِّهِمْ إيّاها مِنَ المُحالِ الغَرِيبِ، وقَدْ كَبُرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:
صفحة ٥٥
جِهَةِ الدّاعِي لِأنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ مِن عُظَماءِ القَرْيَتَيْنِ لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ.
وِجِهَةِ ما بِهِ الدَّعْوَةُ فَإنَّهم حَسِبُوا أنَّ اللَّهَ لا يُخاطِبُ الرُّسُولَ إلّا بِكِتابٍ يُنَزِّلُهُ إلَيْهِ دَفْعَةً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ والقائِلُونَ هُمُ المُشْرِكُونَ.
ومِن جِهَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ الدَّعْوَةُ مِمّا لَمْ تُساعِدْ أهْواؤُهم عَلَيْهِ قالُوا أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ.
وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في (تَدْعُوهم) لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الدَّعْوَةِ واسْتِمْرارِها.
* * *
﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالِ مَن يَسْألُ: كَيْفَ كَبُرَتْ عَلى المُشْرِكِينَ دَعْوَةُ الإسْلامِ، بِأنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ. فالمُشْرِكُونَ الَّذِينَ لَمْ يَقْتَرِبُوا مِن هُدى اللَّهِ غَيْرُ مُجْتَبَيْنَ إلى اللَّهِ إذْ لَمْ يَشَأِ اجْتِباءَهم، أيْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهم الِاهْتِداءَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَدًّا عَلى إحْدى شُبْهِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ بِأنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مَن يَشاءُ. ولا يَلْزَمُهُ مُراعاةُ عَوائِدِكم في الزَّعامَةِ والِاصْطِفاءِ.
والِاجْتِباءُ: التَّقْرِيبُ والِاخْتِيارُ قالَ تَعالى: قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها. ومَن يَشاءُ اللَّهُ اجْتِباءَهُ مَن هَداهُ إلى دِينِهِ مِمَّنْ يُنِيبُ وهو أعْلَمُ بِسَرائِرِ خَلْقِهِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو اسْمُ الجَلالَةِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ القَصْرِ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ أحالُوا رِسالَةَ بَشَرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وحِينَ أكْبَرُوا أنْ يَكُونَ الضَّعَفَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ خَيْرًا مِنهم.
الشورى 42:14
صفحة ٥٦
﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وما تَفَرَّقُوا تَقْدِيرُهُ: فَتَفَرَّقُوا. وضَمِيرُ (تَفَرَّقُوا) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرٌ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣] وهم أُمَمُ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ، أيْ أوْصَيْناهم بِواسِطَةِ رُسُلِهِمْ بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ. دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِ ما في فِعْلِ (وصّى) مِن مَعْنى التَّبْلِيغِ كَما تَقَدَّمَ.
والعِلْمُ: إدْراكُ العَقْلِ جَزْمًا أوْ ظَنًّا.
ومَجِيءُ العِلْمِ إلَيْهِمْ يُؤْذِنُ بِأنَّ رُسُلَهم بَيَّنُوا لَهم مَضارَّ التَّفَرُّقِ مِن عَهْدِ نُوحٍ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ [نوح: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠] في سُورَةِ نُوحٍ. وإنَّما تَلَّقى ذَلِكَ العِلْمَ عُلَماؤُهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعِلْمِ سَبَبُ العِلْمِ، أيْ إلّا مِن بَعْدِ مَجِيءِ النَّبِيءِ ﷺ بِصِفاتِهِ المُوافِقَةِ لِما في كِتابِهِمْ فَتَفَرَّقُوا في اخْتِلاقِ المَطاعِنِ والمَعاذِيرِ الباطِلَةِ لِيَنْفُوا مُطابَقَةِ الصِّفاتِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ.
والمَعْنى: وما تَفَرَّقَتْ أُمَمُهم في أدْيانِهِمْ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ عَلى لِسانِ رُسُلِهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ في الدِّينِ مَعَ بَيانِهِمْ لَهم مَفاسِدِ التَّفَرُّقِ وأضْرارِهِ، أيْ أنَّهم تَفَرَّقُوا عالِمَيْنِ بِمَفاسِدِ التَّفَرُّقِ غَيْرَ مَعْذُورِينَ بِالجَهْلِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] عَلى التَّفْسِيرِ الآخَرِ.
وذَكَرَ سَبَبَ تَفَرُّقِهِمْ بَقَوْلِهِ: بَغْيًا بَيْنَهم أيْ تَفَرَّقُوا لِأجْلِ العَداوَةِ بَيْنَهم، أيْ بَيْنِ المُتَفَرِّقِينَ، أيْ لَمْ يُحافِظُوا عَلى وصايا الرُّسُلِ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.
صفحة ٥٧
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ إلَخْ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ. وتَنْكِيرُ (كَلِمَةٌ) لِلتَّنْوِيعِ لِأنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المُتَفَرِّقِينَ في الدِّينِ كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ في تَأْجِيلِهِمْ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . وتَنْكِيرُ (أجَلٍ) أيْضًا لِلتَّنْوِيعِ؛ لِأنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ المُتَفَرِّقِينَ أجَلًا مُسَمًّى، فَهي آجالٌ مُتَفاوِتَةٌ في الطُّولِ والقِصَرِ ومُخْتَلِفَةٌ بِالأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ.
والمُرادُ بِالكَلِمَةِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن إمْهالِهِمْ وتَأْخِيرِ مُؤاخَذَتِهِمْ إلى أجَلٍ لَهُمُ اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ في نِظامِ هَذا العالَمِ، فَرُبَّما أخَّرَهم ثُمَّ عَذَّبَهم في الدُّنْيا، ورُبَّما أخَّرَهم إلى عَذابِ الآخِرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ في الأجَلِ المُسَمّى، ولِكُلِّ ذَلِكَ كَلِمَتُهُ. فالكَلِمَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْإرادَةِ والتَّقْدِيرِ. وسَبْقُها تَقَدُّمُها مِن قَبْلِ وقْتِ تَفَرُّقِهِمْ وذَلِكَ سَبْقُ عِلْمِ اللَّهِ بِها وإرادَتِهِ إيّاها عَلى وقْتٍ عَلِمَهُ وقَدَّرَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في سُورَةِ هُودٍ وفي سُورَةِ طه.
* * *
﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ . وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] لِأنَّ المَقْصُودَ أهْلُ الكِتابِ المَوْجُودُونَ في زَمَنِ نُزُولِ الآيَةِ.
وإذْ قَدْ كانَتْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلى رُسُلِهِمْ أُمَّتانِ مَوْجُودَتانِ في حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهُما اليَهُودُ والنَّصارى، وكانَتا قَدْ تَفَرَّقَتا فِيما جاءَهم بِهِ العِلْمُ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أخَّرَ القَضاءَ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ مِنهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى، وكانُوا لَمّا بَلَغَتْهم رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ شَكُّوا في انْطِباقِ الأوْصافِ الَّتِي ورَدَتْ في الكِتابِ بِوَصْفِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ - فالمَعْنى: أنَّهُ كَما تَفَرَّقَ أسْلافُهم في الدِّينِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَفَرَّقَ خَلَفُهم مِثْلَهم وزادُوا تَفَرُّقًا في تَطْبِيقِ صِفاتِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَفَرُّقًا ناشِئًا عَنِ التَّرَدُّدِ
صفحة ٥٨
والشَّكِّ، أيْ دُونَ بَذْلِ الجُهْدِ في تَحْصِيلِ اليَقِينِ، فَلَمْ يَزَلِ الشَّكُّ دَأْبَهم.
فالمُخْبَرُ عَنْهم بِأنَّهم في شَكٍّ: هُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِ سَلَفِهِمْ.
وقَدْ جاءَ نَظْمُ الآيَةِ عَلى أُسْلُوبِ إيجازٍ يَحْتَمَلُ هَذِهِ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ وما يَتَفَرَّعُ عَنْها، فَجِيءَ بِضَمِيرِ (مِنهُ) بَعْدَ تَقَدُّمِ ألْفاظٍ صالِحَةٍ لِأنْ تَكُونَ مَعادَ ذَلِكَ الضَّمِيرِ، وهي لَفْظُ (الدِّينِ) في قَوْلِهِ (مِنَ الدِّينِ)، ولَفْظُ (الَّذِي) في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الشورى: ١٣]، و(ما) المَوْصُولَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مَدْلُولُها الإسْلامُ. وهُنالِكَ لَفْظُ ما وصَّيْنا المُتَعَدِّي إلى مُوسى وعِيسى، ولَفْظُ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ . وهَذانَ مَدْلُولُهُما كِتابا أهْلِ الكِتابِ.
وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هُمُ المَوْجُودُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ. والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم في شَكٍّ ناشِئٍ مِن تِلْكَ المُعاداتِ لِلضَّمِيرِ - مَعْناهُ أنَّ مَبْلَغَ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ لا يَتَجاوَزُ حالَةَ الشَّكِّ في صِدْقِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، أيْ لَيْسُوا مَعَ ذَلِكَ بِمُوقِنِينَ بِأنَّ الإسْلامَ باطِلٌ، ولَكِنَّهم تَرَدَّدُوا ثُمَّ أقْدَمُوا عَلى التَّكْذِيبِ بِهِ حَسَدًا وعِنادًا. فَمِنهم مَن بَقِيَ حالُهم في الشَّكِّ. ومِنهم مَن أيْقَنَ بِأنَّ الإسْلامَ حَقٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] . ويُحْتَمَلُ أنَّ المَعْنى لَفي شَكٍّ بِصِدْقِ القُرْآنِ أوْ في شَكٍّ مِمّا في كِتابِهِمْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَفَرَّقُوا فِيها، أوْ ما في كِتابِهِمْ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَجِيءِ النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ وصِفاتِهِ.
فَهَذِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ تَتَحَمَّلُها الآيَةُ وكُلُّها مُنْطَبِقَةٌ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ وبِذَلِكَ يَظْهَرُ أنَّهُ لا داعِيَ إلى صَرْفِ كَلِمَةِ (شَكٍّ) عَنْ حَقِيقَتِها.
ومَعْنى أُورِثُوا الكِتابَ: صارَ إلَيْهِمْ عِلْمُ الكِتابِ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ سَلَفُهم فاسْتُعِيرَ الإرْثُ لِلْخَلَفِيَّةِ في عِلْمِ الكِتابِ.
والتَّعْرِيفُ في الكِتابِ لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ كِتابَ اليَهُودِ وكِتابَ النَّصارى.
صفحة ٥٩
فَضَمِيرُ (مِن بَعْدِهِمْ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (تَفَرَّقُوا) وهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
وظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ (في شَكٍّ) ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ وهي اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، شَبَّهَ تَمَكُّنَ الشَّكِّ مِن نُفُوسِهِمْ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ: لَفي شَكٍّ مِنهُ ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ مَعْناهُ المُصاحَبَةُ والمُلابَسَةُ، أيْ شَكٌّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ في شَكٍّ بِسَبَبِهِ. فَفي حَرْفِ (مِن) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقَعَ حَرْفُ (مِن) مَوْقِعَ باءِ المُصاحَبَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ ومُجَرَّدِ تَحْقِيقِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وهَذا الِاهْتِمامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّحْرِيضِ لِلْحَذَرِ مِن مَكْرِهِمْ وعَدَمِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ لِئَلّا يَرْكَنُوا إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ اليَهُودَ قَدْ أخَذُوا يَوْمَئِذٍ في تَشْكِيكِ المُسْلِمِينَ واخْتَلَطُوا بِهِمْ في مَكَّةَ لِيَتَطَلَّعُوا حالَ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وهو الَّذِي يَلْتَئِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ ومَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ [الشورى: ١٥] الآيَةَ.
والمُرِيبُ: المُوجِبُ الرَّيْبَ وهو الِاتِّهامُ. فالمَعْنى: لَفي شَكٍّ يُفْضِي إلى الظِّنَّةِ والتُّهْمَةِ، أيْ شَكٍّ مَشُوبٍ بِتَكْذِيبٍ، فَـ (مُرِيبٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن (أرابَ) الَّذِي هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جاعِلُ الرَّيْبِ، ولَيْسَتْ هَمْزَةُ (أرابَ) الَّتِي هي لِلْجَعْلِ في قَوْلِهِمْ: أرابَنِي، بِمَعْنى أوْهَمَنِي مِنهُ رِيبَةٌ، وهو لَيْسَ بِذِي رَيْبٍ، كَما في قَوْلِ بَشّارٍ:
أخُوكَ الَّذِي إنْ رِبْتَهُ قالَ إنَّما أرَبْتَ وإنْ عاتَبْتَهُ لانَ جانِبُهُ
عَلى رِوايَةِ فَتْحِ التّاءِ مِن (أرَبْتَ)، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: ٦٢] في هُودٍ.
الشورى 42:15
صفحة ٦٠
﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] إلى آخِرِهِ، المُفَسَّرِ بَقَوْلِهِ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] المُخَلَّلِ بَعْضُهُ بِجُمَلٍ مُعْتَرِضَةٍ مِن قَوْلِهِ: كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ إلى (مَن يُنِيبُ) .
واللّامُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ وتَكُونَ الإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ، أيْ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِإقامَةِ الدِّينِ والنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ وتَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِلدَّعْوَةِ بِالتَّجَهُّمِ وتَلَقِّي المُؤْمِنِينَ لَها بِالقَبُولِ والإنابَةِ، وتَلَقِّي أهْلِ الكِتابِ لَها بِالشَّكِّ، أيْ فَلِأجَلِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ فادْعُ واسْتَقِمْ، أيْ لِأجْلِ جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن حُصُولِ الِاهْتِداءِ لِمَن هَداهُمُ اللَّهُ ومِن تَبَرُّمِ المُشْرِكِينَ ومِن شَكِّ أهْلِ الكِتابِ فادْعُ.
ولَمْ يَذْكُرْ مَفْعُولَ (ادْعُ) لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، أيِ ادْعُ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والَّذِينَ اهْتَدَوْا وأنابُوا.
وتَقْدِيمُ (لِذَلِكَ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو فِعْلُ (ادْعُ) لِلِاهْتِمامِ بِما احْتَوى عَلَيْهِ اسْمُ الإشارَةِ إذْ هو مَجْمُوعُ أسْبابٍ لِلْأمْرِ بِالدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في قَوْلِهِ فَلِذَلِكَ لامَ التَّقْوِيَةِ وتَكُونَ مَعَ مَجْرُورِها مَفْعُولَ (ادْعُ) والإشارَةُ إلى الدِّينِ مِن قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣] أيْ فادْعُ لِذَلِكَ الدِّينِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالدِّينِ.
وفِعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (فادْعُ) مُسْتَعْمَلٌ في الدَّوامِ عَلى الدَّعْوَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: كَما أُمِرْتَ، وفي هَذا إبْطالٌ
صفحة ٦١
لِشُبْهَتِهِمْ في الجِهَةِ الثّالِثَةِ المُتَقَدِّمَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ (فادْعُ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِفاءِ التَّفْرِيعِ الَّتِي قَبْلَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُضَمَّنَةً مَعْنى الجَزاءِ لِما في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ مِن مُشابَهَةِ مَعْنى الشَّرْطِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا.
والِاسْتِقامَةُ: الِاعْتِدالُ، والسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: أجابَ واسْتَجابَ. والمُرادُ هُنا الِاعْتِدالُ المَجازِيُّ وهو اعْتِدالُ الأُمُورِ النَّفْسانِيَّةِ مِنَ التَّقْوى ومَكارِمِ الأخْلاقِ، وإنَّما أُمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ، أيِ الدَّوامِ عَلَيْها، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كَمالَ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ لا يَحْصُلُ إلّا إذا كانَ الدّاعِي مُسْتَقِيمًا في نَفْسِهِ.
والكافُ في كَما أُمِرْتَ لِتَشْبِيهِ مَعْنى المُماثَلَةِ، أيْ دَعْوَةٌ واسْتِقامَةٌ مِثْلَ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، أيْ عَلى وِفاقِهِ، أيْ وافِيَةٌ بِما أُمِرْتَ بِهِ. وهَذِهِ الكافُ مِمّا يُسَمّى كافَ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولَيْسَ التَّعْلِيلُ مِن مَعانِي الكافِ في التَّحْقِيقِ ولَكِنَّهُ حاصِلُ مَعْنًى يَعْرِضُ في اسْتِعْمالِ الكافِ إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُ عامِلِها بِمَدْخُولِها عَلى مَعْنى المُطابَقَةِ والمُوافَقَةِ.
والِاتِّباعُ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى المُجاراةِ والمُوافَقَةِ، وعَلى المُحاكاةِ والمُماثَلَةِ في العَمَلِ، والمُرادُ هُنا كِلا الإطْلاقَيْنِ لِيَرْجِعَ النَّهْيُ إلى النَّهْيِ عَنْ مُخالَفَةِ الأمْرَيْنِ المَأْمُورِ بِهِما في قَوْلِهِ: فادْعُ واسْتَقِمْ.
وضَمِيرُ (أهْواءَهم) لِلَّذِينِ ذُكِرُوا مِن قَبْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، والمَقْصُودُ: نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢] في سُورَةِ هُودٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم تُجارِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ، أيْ لا يَحْمِلْكَ طَعْنُهم في دَعْوَتِكَ عَلى عَدَمِ ذِكْرِ فَضائِلِ رُسُلِهِمْ وهَدْيِ كُتُبِهِمْ عَدا ما بَدَّلُوهُ مِنها فَأعْلِنْ بِأنَّكَ مُؤْمِنٌ بِكُتُبِهِمْ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ الآيَةَ، فَمَوْقِعُ واوِ العَطْفِ
صفحة ٦٢
فِيهِ بِمَنزِلَةِ مَوْقِعِ فاءِ التَّفْرِيعِ. ويَكُونُ المَعْنى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] في سُورَةِ المائِدَةِ.
والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى وهو المَحَبَّةُ، وغَلَبَ عَلى مَحَبَّةِ ما لا نَفْعَ فِيهِ، أيِ ادْعُهم إلى الحَقِّ وإنْ كَرِهُوهُ، واسْتَقِمْ أنْتَ ومَن مَعَكَ وإنْ عاداكم أهْلُ الكِتابِ فَهم يُحِبُّونَ أنْ تَتَّبِعُوا مِلَّتَهم، وهَذا مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] .
وقَوْلُهُ: وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: (فادْعُ) أمْرٌ بِمُخالَفَةِ اليَهُودِ؛ إذْ قالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ يَعْنُونَ التَّوْراةَ، ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ يَعْنُونَ الإنْجِيلَ والقُرْآنَ، فَأُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ والمُسْلِمُونَ بِالإيمانِ بِالكُتُبِ الثَّلاثَةِ المُوحى بِها مِنَ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] . فالمَعْنى: وقُلْ لِمَن يُهِمُّهُ هَذا القَوْلُ وهُمُ اليَهُودُ. وإنَّما أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ إعْلانًا بِهِ وإبْلاغًا لِأسْماعِ اليَهُودِ، فَلا يُقابِلُ إنْكارَهم حَقِّيَّةَ كِتابِهِ بِإنْكارِهِ حَقِّيَّةَ كِتابِهِمْ وفي هَذا إظْهارٌ لِما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ مِنَ الإنْصافِ.
و(مِن كِتابٍ) بَيانٌ لِما أنْزَلَ اللَّهُ، فالتَّنْكِيرُ في (كِتابٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ بِأيِّ كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ ولَيْسَ يَوْمَئِذٍ كِتابٌ مَعْرُوفٌ غَيْرَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ.
وضَمِيرُ (بَيْنَكم) خِطابٌ لِلَّذِينِ أُمِرَ بِأنْ يُوَجِّهَ هَذا القَوْلَ إلَيْهِمْ وهُمُ اليَهُودُ، أيْ أُمِرْتُ أنْ أُقِيمَ بَيْنَكُمُ العَدْلَ بِأنْ أدْعُوَكم إلى الحَقِّ ولا أظْلِمَكم لِأجْلِ عَداواتِكم ولَكِنِّي أُنَفِّذُ أمْرَ اللَّهِ فِيكم ولا أنْتَمِي إلى اليَهُودِ ولا إلى النَّصارى.
ومَعْنى (بَيْنَكم) أنَّنِي أُقِيمُ العَدْلَ بَيْنَكم فَلا تَرَوْنَ بَيْنَكم جَوْرًا مِنِّي، فَـ (بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ مُتَّحِدٌ غَيْرُ مُوَزَّعٍ فَهو بِمَعْنى وسَطَ الجَمْعِ وخِلالَهُ، بِخِلافِ (بَيْنَ) في قَوْلِ القائِلِ: قَضى بَيْنَ الخَصْمَيْنِ أوْ قَسَّمَ المالَ بَيْنَ العُفاةِ. فَلَيْسَ المَعْنى: لِأعْدِلَ بَيْنَ فِرَقِكم؛ إذْ لا يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَعَ كَوْنِها نازِلَةً في مَكَّةَ في زَمَنِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ إعْجازٌ بِالغَيْبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ سَيَكُونُ لَهُ الحُكْمُ عَلى يَهُودِ بِلادِ العَرَبِ مِثْلِ أهْلِ خَيْبَرَ
صفحة ٦٣
٧٢ وتَيْماءَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ وأقَرَّهم عَلى أمْرِهِمْ حَتّى ظاهَرُوا عَلَيْهِ الأحْزابَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأحْزابِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (لِأعْدِلَ) لامٌ يَكْثُرُ وُقُوعُها بَعْدَ أفْعالِ مادَّتَيِ الأمْرِ والإرادَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها. وبَعْضُهم يَجْعَلُها زائِدَةً.
وجُمْلَةُ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم مِنَ المَأْمُورِ بِأنْ يَقُولَهُ. فَهي كُلُّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَنْ جُمْلَةِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن جُمْلَةِ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم بِحَذافِرِها هو قَوْلُهُ: لا ﴿حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ فَهي مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ، وإنَّما ابْتُدِئَتْ بِجُمْلَتَيِ اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم تَمْهِيدًا لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ؛ وهو: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكم، فَلِذَلِكَ كانَتِ الجُمَلُ كُلُّها مَفْصُولَةً عَنْ جُمْلَةِ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ.
والمَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكم أنَّنا مُتَّفِقُونَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم أنْ لا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا الآيَةَ، أيْ فاللَّهُ الشَّهِيدُ عَلَيْنا وعَلَيْكم إذْ كَذَّبْتُمْ كِتابًا أُنْزِلَ مِن عِنْدِهِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْجِيلِ والإلْزامِ.
وجُمْلَةُ لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم دَعْوَةُ إنْصافٍ، أيْ أنَّ اللَّهَ يُجازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ. وهَذا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ.
وجُمْلَةُ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ هي الغَرَضُ المَقْصُودُ بَعْدَ قَوْلِهِ: وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكم أيْ أعْدِلَ بَيْنَكم ولا أُخاصِمَكم عَلى إنْكارِكم صِدْقِي.
والحُجَّةُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ المَسُوقَ إلَيْهِ عَلى صِدْقِ دَعْوى القائِمِ بِهِ وإنَّما تَكُونُ الحُجَّةُ بَيْنَ مُخْتَلِفِينَ في دَعْوى. ونَفْيُ الحُجَّةِ نَفْيُ جِنْسٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ المُجادَلَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها وُقُوعُ الِاحْتِجاجِ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ التَّصَدِّي لِخُصُومَتِهِمْ فَيَكُونَ المَعْنى الإمْساكَ عَنْ مُجادَلَتِهِمْ لِأنَّ الحَقَّ ظَهَرَ وهم مُكابِرُونَ فِيهِ وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ الجِدالَ مَعَهم لَيْسَ بِذِي جَدْوى.
صفحة ٦٤
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ جِنْسَ الحُجَّةِ المُفِيدَةِ، بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ مِثْلَ: «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الكِتابِ» . والمَعْنى: أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ما أظْهَرَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ يَكُونُ مِنَ العَبَثِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم مُكابِرُونَ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ هَذا النَّفْيُ مُسْتَعْمَلًا في النَّهْيِ عَنِ التَّصَدِّي لِلِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ حاجَّهُمُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ وحاجَّهُمُ النَّبِيءُ ﷺ في قَضِيَّةِ الرَّجْمِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ فالِاسْتِثْناءُ صَرِيحٌ في مَشْرُوعِيَّةِ مُجادَلَتِهِمْ.
و(بَيْنَ) المُكَرَّرَةُ في قَوْلِهِ: بَيْنَنا وبَيْنَكم ظَرْفٌ مُوَزَّعٌ عَلى جَماعاتِ أوْ أفْرادِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، كَما يُقالُ: قَسَّمَ بَيْنَهم، وهَذا مُخالَفٌ بِـ (بَيْنَ) المُتَقَدِّمِ آنِفًا.
والمُرادُ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا الحَشْرُ لِفَصْلِ القَضاءِ، فَيَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وهَذا كَلامٌ مُنْصِفٌ. ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا الكَلامِ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ الواثِقِ بِحَقِّهِ كانَ خِطابُهم بِهِ مُسْتَعْمَلًا في المُتارَكَةِ والمُحاجَزَةِ، أيْ سَأتْرُكُ جِدالَكم ومُحاجَّتَكم لِقِلَّةِ جَدْواها فِيكم وأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ يَقْضِي بَيْنَنا يَوْمَ يَجْمَعُنا، فَهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ القَضاءَ سَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا لِلتَّقَوِّي، أيْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ هَذا الجَمْعِ وإلّا فَإنَّ المُخاطَبِينَ وهُمُ اليَهُودُ يُثْبِتُونَ البَعْثَ. و(بَيْنَ) هُنا ظَرْفٌ مُوَزَّعٌ مِثْلَ الَّذِي في قَوْلِهِ: لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ.
وجُمْلَةُ وإلَيْهِ المَصِيرُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ يَجْمَعُ بَيْنَنا. والتَّعْرِيفُ في المَصِيرِ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ مَصِيرُ النّاسِ كُلِّهِمْ، فَبِذَلِكَ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا بِما فِيها مِنَ العُمُومِ، أيْ مَصِيرُنا ومَصِيرُكم ومَصِيرُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ.
وهَذِهِ الجُمَلُ الأرْبَعُ تَقْتَضِي المُحاجَزَةَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ اليَهُودِ وهي مُحاجَزَةٌ في المُقاوَلَةِ ومُتارَكَةٌ في المُقاتَلَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ في قِتالِهِمْ لَمّا ظاهَرُوا الأحْزابَ.
صفحة ٦٥
ولَيْسَ في صِيَغِ هَذِهِ الجُمَلِ ما يَقْتَضِي دَوامَ المُتارَكَةِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها ما يَقْتَضِي عُمُومَ الأزْمِنَةِ فَلَيْسَ الأمْرُ بِقِتالِ بَعْضِهِمْ بَعْدَ يَوْمِ الأحْزابِ ناسِخًا لِهَذِهِ الآيَةِ.
الشورى 42:16
﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الشورى: ١٥] إلَخْ، وهو يَقْتَضِي انْتِقالَ الكَلامِ، فَلَمّا اسْتَوْفى حَظَّ أهْلِ الكِتابِ فِيِ شَأْنِ المُحاجَّةِ مَعَهم، رَجَعَ إلى المُشْرِكِينَ في هَذا الشَّأْنِ بَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالإتْيانِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ المَوْصُولِ وكَوْنِ صِلَتِهِ مادَّةَ الِاحْتِجاجِ مُؤْذِنٌ بِتَغْيِيرِ الغَرَضِ في المُتَحَدِّثِ عَنْهم مَعَ مُناسَبَةِ ما أُلْحِقَ بِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فالمَقْصُودُ بِـ ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ اسْتُجِيبَ لَهُ﴾: المُشْرِكُونَ لِأنَّهم يُحاجُّونَ في شَأْنِ اللَّهِ وهو الوَحْدانِيَّةُ دُونَ اليَهُودِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّهم لا يُحاجُّونَ في تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ رِجالٌ طَمِعُوا أنْ تَعُودَ الجاهِلِيَّةُ بَعْدَ ما دَخَلَ النّاسُ في الإسْلامِ. ووَقَعَ في كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عِنْدَ الطَبَرِيِّ: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
فَمَعْنى مُحاجَّتِهِمْ في اللَّهِ مُحاجَّتُهم في دِينِ اللَّهِ، أيْ إدْخالُهم عَلى النّاسِ الشَّكَّ في صِحَّةِ دِينِ الإسْلامِ أوْ في كَوْنِهِ أفْضَلَ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ. ومُحاجَّتُهم هي ما يُلْبِسُوهُ بِهِ عَلى المُسْلِمِينَ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ في اتِّباعِ الإسْلامِ كَقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقَوْلِهِمْ في الأصْنامِ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾ [ق: ٣] وقَوْلِهِمْ ﴿إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ [القصص: ٥٧]
صفحة ٦٦
وكَقَوْلِ أهْلِ الكِتابِ: نَحْنُ الَّذِينَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، وقَوْلِهِمْ: كِتابُنا أسْبَقُ مِن كِتابِ المُسْلِمِينَ.
وإطْلاقُ اسْمِ الحُجَّةِ عَلى شُبُهاتِهِمْ مُجاراةٌ لَهم بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ .
ومَفْعُولُ يُحاجُّونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: يُحاجُّونَ المُسْتَجِيبِينَ لِلَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابُوا لَهُ، أيِ اسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ .
وحَذَفَ فاعِلَ اسْتُجِيبَ إيجازًا لِأنَّ المَقْصُودَ مِن بَعْدِ حُصُولِ الِاسْتِجابَةِ المَعْرُوفَةِ.
والدّاحِضَةُ: الَّتِي دَحَضَتْ بِفَتْحِ الحاءِ، يُقالُ: دَحَضَتْ رِجْلُهُ تَدْحَضُ: بِفَتْحِ الحاءِ دُحُوضًا، أيْ زَلَّتِ. اسْتُعِيرَ الدَّحْضُ لِلْبُطْلانِ بِجامِعِ عَدَمِ الثُّبُوتِ كَما لا تَثْبُتُ القَدَمُ في المَكانِ الدَّحْضِ، ولَمْ يُبَيِّنْ وجْهَ دَحْضِها اكْتِفاءً بِما بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى فَسادِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، وعَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَلى إمْكانِ البَعْثِ، وبِما ظَهَرَ لِلْعِيانِ مَن تَزايُدِ المُسْلِمِينَ يَوْمًا فَيَوْمًا، وأمْنِهِمْ مِن أنْ يُعْتَدى عَلَيْهِمْ.
والغَضَبُ: غَضَبُ اللَّهِ، وإنَّما نُكِّرَ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّتِهِ. ولَمْ يُحْتَجْ إلى إضافَتِهِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ أوْ ضَمِيرِهِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . فالتَّقْدِيرُ: وعَلَيْهِمْ غَضَبُ اللَّهِ.
وإنَّما قَدَّمَ المُسْنَدَ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ بَقَوْلِهِ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ لِلِاهْتِمامِ بِوُقُوعِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ كَما هو مُقْتَضى حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ . ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ السَّيْفِ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.
الشورى 42:17
صفحة ٦٧
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾
قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مِن جُمْلَةِ مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ في اللَّهِ ومِن أشَدِّها تَشْغِيبًا في زَعْمِهِمْ مُحاجَّتَهم بِإنْكارِ البَعْثِ كَما في قَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٧]، وقالَ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ:
يُخَبِّرُنا الرَّسُولُ بِأنْ سَنَحْيا وكَيْفَ حَياةُ أصْداءٍ وهامِ
وقَدْ دَحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهم في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ بِنَفْيِ اسْتِحالَتِهِ، وبِدَلِيلِ إمْكانِهِ، وأوْمَأ هُنا إلى مُقْتَضِي إيجابِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ البَعْثَ والجَزاءَ حَقٌّ وعَدْلٌ فَكَيْفَ لا يُقَدِّرُهُ مُدَبِّرُ الكَوْنِ ومُنَزِّلُ الكِتابِ والمِيزانِ. وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا المَعْنى آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] .
وأكْثَرُها جاءَ نَظْمُها عَلى نَحْوِ التَّرْتِيبِ الَّذِي في نَظْمِ هَذِهِ الآيَةِ مِن الِابْتِداءِ بِما يُذَكِّرُ بِحِكْمَةِ الإيجادِ وأنَّ تَمامَ الحِكْمَةِ بِالجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.
فَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ يُؤْذِنُ بِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: فَجَعَلَ الجَزاءَ لِلسّائِرِينَ عَلى الحَقِّ والنّاكِبِينَ عَنْهُ في يَوْمِ السّاعَةِ فَلا مَحِيصَ لِلْعِبادِ عَنْ لِقاءِ الجَزاءِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] . وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَوْقِعُها مِن جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] مَوْقِعُ الدَّلِيلِ، والدَّلِيلُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِشِدَّةِ اتِّصالِ مَعْناها بِمَعْنى الأُخْرى.
والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِاسْمِ المَوْصُولِ الَّذِي مَضْمُونُ صِلَتِهِ إنْزالُهُ الكِتابَ
صفحة ٦٨
والمِيزانَ، لِأجْلِ ما في المَوْصُولِيَّةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ الآتِي، وأنَّهُ مِن جِنْسِ الحَقِّ والعَدْلِ، مِثْلَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] .
ولامُ التَّعْرِيفِ في (الكِتابِ) لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أيْ إنْزالُ الكُتُبِ وهو يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥] .
والباءُ في (بِالحَقِّ) لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أنْزَلَ الكُتُبَ مُقْتَرِنَةً بِالحَقِّ بَعِيدَةً عَنِ الباطِلِ.
والحَقُّ: كُلُّ ما يَحِقُّ، أيْ يَجِبُ في بابِ الصَّلاحِ عَمَلُهُ ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِالأغْراضِ الصَّحِيحَةِ النّافِعَةِ.
والمِيزانُ حَقِيقَتُهُ: آلَةُ الوَزْنِ، والوَزْنُ: تَقْدِيرُ ثِقَلِ جِسْمٍ، والمِيزانُ آلَةٌ ذاتُ كِفَّتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ مُعَلَّقَتَيْنِ في طَرَفَيْ قَضِيبٍ مُسْتَوٍ مُعْتَدِلٍ، لَهُ عُرْوَةٌ في وسَطِهِ، بِحَيْثُ لا تَتَدَلّى إحْدى الكِفَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى إذا أُمْسِكَ القَضِيبُ مِن عُرْوَتِهِ.
والمِيزانُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ والهَدْيِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (أنْزَلَ) فَإنَّ الدِّينَ هو المُنَزَّلُ والدِّينُ يَدْعُو إلى العَدْلِ والإنْصافِ في المُجادَلَةِ في الدِّينِ وفي إعْطاءِ الحُقُوقِ، فَشُبِّهَ بِالمِيزانِ في تَساوِي رُجْحانِ كِفَّتَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وجُمْلَةُ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾، والمُناسَبَةُ هي ما ذَكَرْناهُ مِن إيذانِ تِلْكَ الجُمْلَةِ بِمُقَدَّرٍ.
وكَلِمَةُ وما يُدْرِيكَ جارِيَةٌ مَجْرى المَثَلِ، والكافُ مِنها خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِمَعْنى: قَدْ تَدْرِي، أيْ قَدْ يَدْرِي الدّارِي، فَـ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ والتَّهْيِئَةِ. و(يُدْرِيكَ) مِنَ الدِّرايَةِ بِمَعْنى العِلْمِ وقَدْ عُلِّقَ فِعْلُ (يَدْرِي) عَنِ العَمَلِ بِحَرْفِ التَّرَجِّي.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كُلُّ ما جاءَ فِعْلُ ما أدْراكَ فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) فَقَدْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ (أيْ بَيَّنَهُ لَهُ) عَقِبَ كَلِمَةِ (ما أدْراكَ) نَحْوَ ﴿وما أدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ١٠] وكُلُّ ما جاءَ فِيهِ وما يُدْرِيكَ
صفحة ٦٩
لَمْ يُعْلِمْهُ بِهِ أيْ لَمْ يُعْقِبْهُ بِما يُبَيِّنُ إبْهامَهُ نَحْوَ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] . ولَعَلَّ مَعْنى هَذا الكَلامِ أنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّ كُلَّ صِيغَةٍ مِن هاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ بِهَذا الِاسْتِعْمالِ فَتَأمَّلْ.
والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أيُّها السّامِعُ السّاعَةَ قَرِيبًا، أيْ مُقْتَضِي عِلْمِكَ مُتَوَفِّرٌ، فالخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإخْبارُ عَنِ السّاعَةِ بِـ (قَرِيبٌ) وهو غَيْرُ مُؤَنَّثٍ لِأنَّهُ غَلَبَ لُزُومُ كَلِمَةِ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ لِلتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ.
الشورى 42:18
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ يَسْتَعْجِلُ بِها إلى آخِرِها حالًا مِنَ السّاعَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] لِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّهْيِئَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ بِالسّاعَةِ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها، فَذَكَرَ فِيها حالَ كِلا الفَرِيقَيْنِ تُجاهَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ. فَأمّا المُشْرِكُونَ فَيَتَلَقَّوْنَهُ بِالِاسْتِهْزاءِ والتَّصْمِيمِ عَلى الجَحْدِ بِها، وهو المُرادُ بَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾، والَّذِينَ آمَنُوا بِها يَعْمَلُونَ لِما بِهِ الفَوْزُ عِنْدَها، ولِذَلِكَ جِيءَ عَقِبَها بِجُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ كَما سَيَأْتِي.
والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ التَّعْجِيلِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] في سُورَةِ يُونُسَ، أيْ يَطْلُبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ بِحُلُولِ السّاعَةِ لِيَبِينَ صِدْقُهُ، تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً وكِنايَةً عَنِ اتِّخاذِهِمْ تَأخُّرَها دَلِيلًا عَلى عَدَمِ وُقُوعِها، وهم آيِسُونَ مِنها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ . وقَدْ تَكَرَّرَ مِنهم هَذا المَعْنى بِأسالِيبَ ذُكِرَتْ في تَضاعِيفِ آيِ القُرْآنِ
صفحة ٧٠
كَقَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]، ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦] .
والإشْفاقُ: رَجاءُ وُقُوعِ ما يُكْرَهُ، أيْ مُشْفِقُونَ مِن أهْوالِها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وإنَّما جَعَلَ الإشْفاقَ مِن ذاتِ السّاعَةِ لِإفادَةِ تَعْظِيمِ أهْوالِها حَتّى كَأنَّ أحْوالَها هي ذاتُها، عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ الحُكْمِ ونَحْوِهِ إلى الأعْيانِ نَحْوَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فَهم يَتَوَخَّوْنَ النَّجاةَ مِنها بِالطّاعَةِ والتَّقْوى، أيْ فَهم لا يَسْتَعْجِلُونَ بِها وإنَّما يَغْتَنِمُونَ بَقاءَهم في الدُّنْيا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ والتَّوْبَةِ.
والمُرادُ بِـ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: المُشْرِكُونَ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ تَدُلُّ عَلى عِلَّةِ اسْتِعْجالِهِمْ بِها، والمُرادُ بِالَّذِينِ آمَنُوا: المُسْلِمُونَ فَإنَّ هَذا لَقَبٌ لَهم، فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ، تَقْدِيرُهُ: يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها فَلا يُشْفِقُونَ مِنها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها فَلا يَسْتَعْجِلُونَ بِها.
وعُطِفَتْ عَلى ﴿مُشْفِقُونَ مِنها﴾ جُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ لِإفادَةِ أنَّ إشْفاقَهم مِنها إشْفاقٌ عَنْ يَقِينٍ وجَزْمٍ لا إشْفاقٌ عَنْ تَرَدُّدٍ وخَشْيَةِ أنْ يَكْشِفَ الواقِعُ عَلى صِدْقِ الإخْبارِ بِها وأنَّهُ احْتِمالٌ مُساوٍ عِنْدَهم.
وتَعْرِيفُ الحَقِّ في قَوْلِهِ (إنَّها الحَقُّ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو يُفِيدُ قَصْرَ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ قَصْرَ مُبالَغَةٍ لِكَمالِ الجِنْسِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ نَحْوَ: عَنْتَرَةُ الشُّجاعُ، أيْ يُوقِنُونَ بِأنَّها الحَقُّ كُلَّ الحَقِّ، وذَلِكَ لِظُهُورِ دَلائِلِ وُقُوعِها حَتّى كَأنَّهُ لا حَقَّ غَيْرُهُ.
* * *
﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾
الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها بِصَرِيحِها وكِنايَتِها لِأنَّ صَرِيحَها إثْباتُ الضَّلالِ لِلَّذِينِ يُكَذِّبُونَ بِالسّاعَةِ وكِنايَتَها إثْباتُ الهُدى لِلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ. وهَذا التَّذْيِيلُ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
صفحة ٧١
وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ (ألا) الَّذِي هو لِلتَّنْبِيهِ لِقَصْدِ العِنايَةِ بِالكَلامِ.
والمُماراةُ: مُفاعَلَةٌ مِنَ المِرْيَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي الشَّكُّ. والمُماراةُ: المُلاحَّةُ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلى المُجادِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾ [الكهف: ٢٢] في سُورَةِ الكَهْفِ.
وجَعَلَ الضَّلالَ كالظَّرْفِ لَهم تَشْبِيهًا لِتَلَبُّسِهِمْ بِالضَّلالِ بِوُقُوعِ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، فَحَرْفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ.
ووَصْفُ الضَّلالَ بِالبَعِيدِ وصْفٌ مَجازِيٌّ؛ شَبَّهَ الكُفْرَ بِضَلالِ السّائِرِ في طَرِيقٍ وهو يَكُونُ أشَدَّ إذا كانَ الطَّرِيقُ بَعِيدًا، وذَلِكَ كِنايَةً عَنْ عُسْرِ إرْجاعِهِ إلى المَقْصُودِ.
والمَعْنى: لَفي ضَلالٍ شَدِيدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
الشورى 42:19
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهْوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] لِأنَّ ما سَيُذْكَرُ في الجُمْلَةِ الآتِيَةِ هو أثَرٌ مِن آثارِ لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ ورِفْقِهِ بِهِمْ وما يَسَّرَ مِنَ الرِّزْقِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهم والكُفّارِ في الدُّنْيا، ثُمَّ ما خَصَّ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن رِزْقِ الآخِرَةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُقَدَّمَةٌ لِاسْتِئْنافِ الجُمْلَةِ المُوَطَّأِ لَها، وهي جُمْلَةُ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] الآيَةَ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] إلَخْ فَسَنُبَيِّنُهُ.
واللَّطِيفُ: البَرُّ القَوِيُّ البِرُّ. ويَدْخُلُ في هَذا كَثِيرٌ مِنَ النِّعَمِ. فَسَّرَ عَدَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ (اللَّطِيفَ) بِواهِبِ بَعْضِها وإنَّما هو تَفْسِيرُ تَمْثِيلٍ لا يَخُصُّ دَلالَةَ الوَصْفِ بِهِ. وفِعْلُ لَطَفَ مِن بابِ نَصَرَ يَتَعَدّى بِالباءِ كَما هُنا وبِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْنى اسْمِهِ تَعالى اللَّطِيفِ.
صفحة ٧٢
و(عِبادِهِ) عامٌّ لِجَمِيعِ العِبادِ، وهم نَوْعُ الإنْسانِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ.
وجُمْلَةُ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ في مَوْضِعِ خَبَرٍ عَنْهُ.
والرِّزْقُ: إعْطاءُ ما يَنْفَعُ. وهو عِنْدَنا لا يَخْتَصُّ بِالحَلالِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ يَخْتَصُّ بِهِ والخِلافُ اصْطِلاحٌ.
والظّاهِرُ: أنَّ المُرادَ هَنا رِزْقُ الدُّنْيا لِأنَّ الكَلامَ تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ [الشورى: ٢٠] .
والمَشِيئَةُ: مَشِيئَةُ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العِبادِ لِيَكُونَ عُمُومُ اللُّطْفِ لِلْعِبادِ باقِيًا، فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ (مَن يَشاءُ) في مَعْنى التَّكْرِيرِ، إذْ يَصِيرُ هَكَذا: يَرْزُقُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ المَلْطُوفِ بِجَمِيعِهِمْ، وما الرِّزْقُ إلّا مِنَ اللُّطْفِ، فَيَصِيرُ بَعْضَ المَعْنى المُفادِ، فَلا جَرَمَ تَعَيَّنَ أنَّ المَشِيئَةَ هُنا مَصْرُوفَةٌ لِمَشِيئَةِ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ بِمَقادِيرِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ لِلُطْفِهِ بِجَمِيعِ عِبادِهِ لا يَتْرُكُ أحَدًا مِنهم بِلا رِزْقٍ وأنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ جَرْيًا عَلى مَشِيئَتِهِ.
وهَذا المَعْنى يُثِيرُ مَسْألَةَ الخِلافِ بَيْنَ أئِمَّةِ أُصُولِ الدِّينِ في نِعْمَةِ الكافِرِ، ومِن فُرُوعِها رِزْقُ الكافِرِ. وعَنِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً لِأنَّ مَلاذَ الكافِرِ اسْتِدْراجٌ لَمّا كانَتْ مُفْضِيَةً إلى العَذابِ في الآخِرَةِ فَكانَتْ غَيْرَ نِعْمَةٍ، ومُرادُهم بِالدُّنْيَوِيَّةِ مُقابِلُ الدِّينِيَّةِ. وكَأنَّ مُرادَ الشَّيْخِ بِهَذا تَحْقِيقُ مَعْنى غَضَبِ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ كَما جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، فَمُرادُهُ: أنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رِضًا وكَرامَةً ولَكِنَّها نِعْمَةُ رَحْمَةٍ لِما لَهُ مِنِ انْتِسابِ المَخْلُوقِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ: الكافِرُ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً. وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهو مُنْعَمٌ عَلَيْهِ نِعْمَةً دُنْيَوِيَّةً ودِينِيَّةً: فالدُّنْيَوِيَّةُ ظاهِرَةٌ، والدِّينِيَّةُ كالقُدْرَةِ عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ.
وهَذِهِ مَسْألَةٌ أرْجَعَ المُحَقِّقُونَ الخِلافَ فِيها إلى اللَّفْظِ والبِناءِ عَلى المُصْطَلَحاتِ
صفحة ٧٣
والِاعْتِباراتِ المُوافِقَةِ لِدَقائِقِ المَذاهِبِ، إذْ لا يُنازِعُ أحَدٌ في نِعْمَةِ المُنَعَّمِينَ مِنهم وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١] .
وعَطْفُ ﴿وهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ عَلى صِفَةِ لَطِيفٍ أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ وهو تَمْجِيدٌ لِلَّهِ تَعالى بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، ويُفِيدُ الِاحْتِراسَ مِن تَوَهُّمِ أنَّ لُطْفَهُ عَنْ عَجْزٍ أوْ مُصانَعَةٍ، فَإنَّهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا يَعْجِزُ ولا يُصانِعُ، أوْ عَنْ تَوَهُّمِ أنَّ رِزْقَهُ لِمَن يَشاءُ عَنْ شُحٍّ أوْ قِلَّةٍ فَإنَّهُ القَوِيُّ، والقَوِيُّ تَنْتَفِي عَنْهُ أسْبابُ الشُّحِّ، والعَزِيزُ يَنْتَفِي عَنْهُ سَبَبُ الفَقْرِ فَرِزْقُهُ لِمَن يَشاءُ بِما يَشاءُ مَنُوطٌ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها في أحْوالِ خَلْقِهِ عامَّةً وخاصَّةً، قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] الآيَةَ.
والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ بِالمُسْنَدِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ يُفِيدُ مَعْنى قَصْرِ القُوَّةِ والعِزَّةِ عَلَيْهِ تَعالى، وهو قَصْرُ الجِنْسِ لِلْمُبالَغَةِ لِكَمالِهِ فِيهِ تَعالى حَتّى كَأنَّ قُوَّةَ غَيْرِهِ وعِزَّةَ غَيْرِهِ عَدَمٌ.
الشورى 42:20
﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾
هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بَقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨] الآيَةَ، لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن وُجُودِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أكْبَرُ هَمِّهِمْ حَياةُ الآخِرَةِ، وفَرِيقِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، هِمَّتُهم قاصِرَةٌ عَلى حَياةِ الدُّنْيا، فَجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلُ مُعامَلَةِ اللَّهِ الفَرِيقَيْنِ مُعامَلَةً مُتَفاوِتَةً مَعَ اسْتِوائِهِمْ في كَوْنِهِمْ عَبِيدَهُ وكَوْنِهِمْ بِمَحَلِّ لُطْفٍ مِنهُ، فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] تَمْهِيدًا لِهَذِهِ الجُمْلَةِ، وكانَتْ هاتِهِ الجُمْلَةُ تَفْصِيلًا لِحُظُوظِ الفَرِيقَيْنِ في شَأْنِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ وعَدَمِ الإيمانِ بِها.
ولِأجْلِ هَذا الِاتِّصالِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] تُرِكَ عَطْفُها عَلَيْها، وتُرِكَ عَطْفُ تَوْطِئَتِها كَذَلِكَ، ولِأجْلِ الِاتِّصالِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]
صفحة ٧٤
اتِّصالَ المَقْصُودِ بِالتَّوْطِئَةِ تُرِكَ عَطْفُها عَلى جُمْلَةِ ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ [الشورى: ١٩] .
والحَرْثُ: أصُلُهُ مَصْدَرُ حَرَثَ: إذا شَقَّ الأرْضَ لِيَزْرَعَ فِيها حَبًّا أوْ لِيَغْرِسَ فِيها شَجَرًا، وأُطْلِقَ عَلى الأرْضِ الَّتِي فِيها زَرْعٌ أوْ شَجَرٌ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكم إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ [القلم: ٢٢]، أيْ جَنَّتِكم. لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] وقالَ: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ﴾ [آل عمران: ١٤] إلى قَوْلِهِ: (والأنْعامِ والحَرْثِ) وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والحَرْثُ في هَذِهِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ لِلْإقْبالِ عَلى كَسْبِ ما يَعُدُّهُ الكاسِبُ نَفْعًا لَهُ يَرْجُو مِنهُ فائِدَةً وافِرَةً بِإقْبالِ الفَلّاحِ عَلى شَقِّ الأرْضِ وزَرْعِها لِيَحْصُلَ لَهُ سَنابِلُ كَثِيرَةٌ وثِمارٌ مِن شَجَرِ الحَرْثِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
كِلانا إذا مَـا نَـالَ شَـيْئًا أفَـاتَـهُ ومَن يَحْتَرِثْ حَرْثِي وحَرْثَكَ يَهْزِلِ
وإضافَةُ حَرْثٍ إلى الآخِرَةِ وإلى الدُّنْيا عَلى مَعْنى اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]، وهي لامُ الِاخْتِصاصِ وهو في مِثْلِ هَذا اخْتِصاصُ المُعَلَّلِ بِعِلَّتِهِ، وما لامُ التَّعْلِيلِ إلّا مِن تَصارِيفِ لامِ الِاخْتِصاصِ.
ومَعْنى ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ يَبْتَغِي عَمَلًا لِأجْلِ الآخِرَةِ. وذَلِكَ المُرِيدُ: هو المُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ لِأنَّ المُؤْمِنَ بِالآخِرَةِ لا يَخْلُو عَنْ أنْ يُرِيدَ الآخِرَةَ بِبَعْضِ أعْمالِهِ كَثِيرًا كانَ أوْ قَلِيلًا، والَّذِي يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا مُرادٌ بِهِ: مَن لا يَسْعى إلّا لِعَمَلِ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِمَن يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ مُرِيدَ حَرْثِ الدُّنْيا في هَذِهِ الآيَةِ: هو الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ. ونَظِيرُها في هَذا قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ هُودٍ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ﴾ [هود: ١٦] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الإسْراءِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨] ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] .
صفحة ٧٥
وفِعْلُ ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ يَتَحَمَّلُ مَعْنَيَيْنِ:
أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ في ثَوابِ العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وسَيَأْتِي قَرِيبًا قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] . وعَلى هَذا فَتَعْلِيقُ الزِّيادَةِ بِالحَرْثِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ عُلِّقَتِ بِهِ الزِّيادَةُ بِالحَرْثِ وحَقُّها أنْ تُعَلَّقَ بِسَبَبِهِ وهو الثَّوابُ، فالمَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
وأنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ في العَمَلِ، أيْ نُقَدِّرُ لَهُ العَوْنَ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ونُيَسِّرُ لَهُ ذَلِكَ فَيَزْدادُ مِنَ الصّالِحاتِ. وعَلى هَذا فَتَعْلِيقُ الزِّيادَةِ بِالحَرْثِ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ مِنِ اسْتِعْمالِ المُرَكَّبِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ العَقْلِيَّيْنِ.
ومَعْنى (نُؤْتِهِ مِنها): نُقَدِّرُ لَهُ مِن مَتاعِ الدُّنْيا مِن مُدَّةِ حَياةٍ وعافِيَةٍ ورِزْقٍ لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِمَخْلُوقاتِهِ أرْزاقَهم وأمْدادَهم في الدُّنْيا، وجَعَلَ حَظَّ الآخِرَةِ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] . وقَدْ شَمِلَتْ آيَةُ سُورَةِ الإسْراءِ فَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ مَذْكُورٍ هُنا، وهو الَّذِي يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ ويَبْتَغِي النَّجاةَ فِيها ولَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمِن بِالإسْلامِ مِثْلَ أهْلِ الكِتابِ، وهَذا الفَرِيقُ مَذْكُورٌ أيْضًا في سُورَةِ البَلَدِ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .
فَلا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ونَحْوَها تَحْجُرُ تَناوُلَ المُسْلِمِ حُظُوظَ الدُّنْيا إذا أدّى حَقَّ الإيمانِ والتَّكْلِيفِ، ولا أنَّها تَصُدُّ عَنْ خَلْطِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعَ حُظُوظِ الآخِرَةِ إذا وقَعَ الإيفاءُ بِكِلَيْهِما، ولا أنَّ الخَلْطَ بَيْنَ الحَظَّيْنِ يُنافِي الإخْلاصَ كَطَلَبِ التَّبَرُّدِ مَعَ الوُضُوءِ وطَلَبِ الصِّحَّةِ مَعَ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ إذا كانَ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ الإيفاءَ بِالحَقِّ الدِّينِيِّ.
وقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ المَسْألَةِ أبُو إسْحاقَ الشّاطِبِيُّ في فَصْلٍ أوَّلٍ مِنَ المَسْألَةِ السّادِسَةِ مِنَ النَّوْعِ الرّابِعِ مِن كِتابِ المَقاصِدِ مِن كِتابِ المُوافَقاتِ. وذَكَرَ فِيها نَظَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِلْغَزالِيِّ وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ ورَجَّحَ فِيها رَأْيَ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ فانْظُرْهُ.
صفحة ٧٦
والنَّصِيبُ: ما يُعَيَّنُ لِأحَدٍ مِنَ الشَّيْءِ المَقْسُومِ، وهو فَعِيلٌ مِن نَصَبَ لِأنَّ الحَظَّ يُنْصَبُ، أيْ يُجْعَلُ كالصُّبْرَةِ لِصاحِبِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الشورى 42:21
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
(أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ وهو انْتِقالٌ مِنَ الكَلامِ عَلى تَفَرُّقِ أهْلِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ في شَرائِعِهِمْ مَنِ انْقَرَضَ مِنهم ومَن بَقِيَ كَأهْلِ الكِتابَيْنِ إلى الكَلامِ عَلى ما يُشابِهُ ذَلِكَ مِن الِاخْتِلافِ عَلى أصْلِ الدِّيانَةِ، وتِلْكَ مُخالَفَةُ المُشْرِكِينَ لِلشَّرائِعِ كُلِّها وتَلَقِّيهِمْ دِينَ الإشْراكِ مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ وقادَةِ الضَّلالِ.
ومَعْنى الِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ (أمْ) الَّتِي لِلْإضْرابِ هو هُنا لِلتَّقْرِيعِ والتَّهَكُّمِ، فالتَّقْرِيعُ راجِعٌ إلى أنَّهم شَرَعُوا مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، والتَّهَكُّمُ راجِعٌ إلى مَن شَرَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ، فَسُئِلُوا عَمَّنْ شَرَعَ لَهم دِينَ الشِّرْكِ: أهم شُرَكاءُ آخَرُونَ اعْتَقَدُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ وفي شَرْعِ الأدْيانِ كَما شَرَعَ اللَّهُ لِلنّاسِ الأدْيانَ ؟ وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الشُّرَكاءِ لَمْ يَدَّعِهِ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي يُساعِدُ تَنْكِيرَ (شُرَكاءَ) ووَصْفَهُ بِجُمْلَةِ ﴿شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَسْئُولُ عَنِ الَّذِي شَرَعَ لَهم هو الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُونَها، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، فَيَكُونَ (لَهم) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شُرَكاءَ) .
والمَقْصُودُ: فَضْحُ فَظاعَةِ شِرْكِهِمْ بِعُرُوِّهِ عَنْ الِانْتِسابِ إلى اللَّهِ، أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا مِنَ الإلَهِ الحَقِّ فَهو مَشْرُوعٌ مِنَ الآلِهَةِ الباطِلَةِ وهي الشُّرَكاءُ. وظاهِرٌ أنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ لا تَصْلُحُ لِتَشْرِيعِ دِينٍ لِأنَّها لا تَعْقِلُ ولا تَتَكَلَّمُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ دِينَ الشِّرْكِ دِينٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ. وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] .
صفحة ٧٧
وقِيلَ المُرادُ بِالشُّرَكاءِ: أئِمَّةُ دِينِ الشِّرْكِ أُطْلِقَ عَلَيْهِمُ اسْمُ الشُّرَكاءِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.
وضَمِيرا (لَهم) عائِدانِ إلى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ [الشورى: ١٨] أوْ إلى ﴿الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٦] .
والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْجِنْسِ، أيْ شَرَعُوا لَهم مِن جِنْسِ الدِّينِ ما - أيْ دِينًا - لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، أيْ لَمْ يَأْذَنْ بِشَرْعِهِ، أيْ لَمْ يُرْسِلْ بِهِ رَسُولًا مِنهُ ولا أوْحى بِهِ بِواسِطَةِ مَلائِكَتِهِ.
* * *
﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾
هُوَ كَقَوْلِهِ فِيما تَقَدَّمَ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤] .
وكَلِمَةُ الفَصْلِ هي: ما قَدَّرَهُ اللَّهُ وأرادَهُ مِن إمْهالِهِمْ. والفَصْلُ: الفاصِلُ، أيِ الَّذِي لا تَرَدُّدَ فِيهِ.
* * *
﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ والمَقْصُودُ تَحْقِيقُ أنَّ إمْهالَهم إلى أجَلٍ مُسَمًّى لا يُفْلِتُهم مِنَ المُؤاخَذَةِ بِما ظَلَمُوا. والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
والعَذابُ الألِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ لِجَمِيعِهِمْ، وعَذابُ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ والذُّلِّ لِلَّذِينِ أُخِّرُوا إلى إبّانِ حُلُولِهِ مِثْلَ قَتْلِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ ويَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهِ.
الشورى 42:22
صفحة ٧٨
﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهْوَ واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
جُمْلَةُ ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]، بَيَّنَ حالَ هَذا العَذابِ بِبَيانِ حالِ أصْحابِهِ حِينَ تَوَقُّعِ حُلُولِهِ، وكَفى بِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ هَوْلِهِ.
والخِطابُ بِـ (تَرى) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَعُمُّ كُلَّ مَن تُمْكِنُ مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَوْمَئِذٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] . والمَقْصُودُ اسْتِحْضارُ صُورَةِ حالِ الظّالِمِينَ يَوْمَ القِيامَةِ في ذِهْنِ المُخاطَبِ.
والإشْفاقُ: تَوَقُّعِ الشَّيْءِ المُضِرِّ وهو ضِدُّ التَّمَنِّي.
و(ما كَسَبُوا) هو أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ. والمُرادُ: جَزاؤُها بِقَرِينَةِ المَقامِ.
وجُمْلَةُ: وهو واقِعٌ بِهِمْ. في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُشْفِقِينَ إشْفاقًا يُقارِبُ اليَأْسَ وهو أشَدُّ الإشْفاقِ حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُشْفَقَ مِنهُ لا يُنْجِي مِنهُ حَذَرٌ، لِأنَّ الإشْفاقَ إذا حَصَلَ قَبْلَ اقْتِرابِ المُشْفَقِ مِنهُ قَدْ يُحاوِلُ المُشْفِقُ وسائِلَ التَّخَلُّصِ مِنهُ، فَأمّا إذا وقَعَ العَذابُ فَقَدْ حالَ دُونَ التَّخَلُّصِ حائِلُهُ. والمَعْنى: مُشْفِقِينَ مِن عِقابِ أعْمالِهِمْ في حالِ نُزُولِ العِقابِ بِهِمْ. ولَيْسَ المَعْنى: أنَّهم مُشْفِقُونَ في الدُّنْيا مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ لِأنَّهم لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَما بُنِيَ عَلى ذَلِكَ الِاحْتِمالِ مِنَ التَّفْسِيرِ لَيْسَ بَيِّنًا.
والباءُ في قَوْلِهِ (واقِعٌ بِهِمْ) لِلِاسْتِعْلاءِ، كَقَوْلِ غاوِي السُّلَمِيِّ:
أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانِ بِرَأْسِهِ
وهَذا الِاسْتِعْمالُ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الإلْصاقِ المَجازِيِّ.
وضَمِيرُ (هو واقِعٌ) عائِدٌ عَلى (ما كَسَبُوا) بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ
صفحة ٧٩
جَزاءُ ما كَسَبُوا، أيْ في حالِ أنَّ الجَزاءَ واقِعٌ عَلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ حالٌ مِنَ (الظّالِمِينَ)، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ تَرى الظّالِمِينَ في إشْفاقٍ في حالِ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا يَطْمَئِنُّونَ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ، وفي هَذِهِ الحالِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَدِ اسْتَقَرُّوا في الرَّوْضاتِ مِن قَبْلِ عَرْضِ الظّالِمِينَ عَلى الحِسابِ وإشْفاقِهِمْ مِن تَبِعاتِهِ. وهَذا مِن تَضادِّ شَأْنَيِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ عَلى عَكْسِهِ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا المُقَدَّمِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقِينَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]، أيْ فاليَوْمَ انْقَلَبَ إشْفاقُ المُؤْمِنِينَ اطْمِئْنانًا واطْمِئْنانُ المُشْرِكِينَ إشْفاقًا، وشَتّانَ بَيْنَ الِاطْمِئْنانَيْنِ والإشْفاقَيْنِ، وبِهَذِهِ المُضادَّةِ في الحالَتَيْنِ وأسْبابِهِما صَحَّ اعْتِبارُ كَيْنُونَةِ الَّذِينَ آمَنُوا في الجَنَّةِ، حالًا مِنَ الظّالِمِينَ.
والرَّوْضاتُ: جَمْعُ رَوْضَةٍ، وهي اسْمٌ لِمَجْمُوعِ ماءٍ وشَجَرٍ حافٍّ بِهِ وخُضْرَةٍ حَوْلَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، و(عِنْدَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ والمَجْرُورُ في: لَهم ما يَشاءُونَ.
والعِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٌ لِمَعْنى الِاخْتِصاصِ الَّذِي أفادَتْهُ اللّامُ في قَوْلِهِ (لَهم) وعِنايَةٌ بِما يُعْطَوْنَهُ مِن رَغْبَةٍ. والمَعْنى: ما يَشاءُونَهُ حَقٌّ لَهم مَحْفُوظٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. ولا يَنْبَغِي جَعْلُ (عِنْدَ) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (يَشاءُونَ) لِأنَّ (عِنْدَ) حِينَئِذٍ تَكُونُ ظَرْفًا لِمَشِيئَتِهِمْ، أيْ مَشِيئَةٍ مِنهم مُتَوَجِّهَةٍ إلى رَبِّهِمْ، فَتُؤَوَّلُ المَشِيئَةُ إلى مَعْنى الطَّلَبِ أنْ يُعْطِيَهم ما يَطْلُبُونَ فَيَفُوتُ قَصْدُ التَّشْرِيفِ والعِنايَةِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) خَبَرًا ثالِثًا عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ هم عِنْدَ رَبِّهِمْ، أيْ في ضِيافَتِهِ وقِراهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، ويَكُونَ تَرْتِيبُ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ جارِيًا عَلى نَمَطِ الِارْتِقاءِ مِنَ الحَسَنِ إلى الأحْسَنِ بِأنْ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم نَزَلُوا في أحْسَنِ مَنزِلٍ، ثُمَّ أحْضَرَ لَهم ما يَشْتَهُونَ، ثُمَّ ارْتَقى إلى ما هو أعْظَمُ وهو كَوْنُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . ومِن لَطائِفِ هَذا الوَجْهِ أنَّهُ جاءَ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ
صفحة ٨٠
فِي الحُصُولِ في الخارِجِ فَإنَّ الضَّيْفَ أوِ الوافِدَ يَنْزِلُ أوَّلَ قُدُومِهِ في مَنزِلِ إكْرامٍ ثُمَّ يُحْضَرُ إلَيْهِ القِرى ثُمَّ يُخالِطُهُ رَبُّ المَنزِلِ ويَقْتَرِبُ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ. والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بِتَأْوِيلِ: ذَلِكَ المَذْكُورُ.
وجِيءَ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ اسْتِعارَةً لِكَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ بَعِيدَ المَكانَةِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ مَجازِيٍّ وهو الشَّرَفُ.
والفَضْلُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الشَّرَفِ والتَّفَوُّقِ عَلى الغَيْرِ فَيَكُونَ في مَعْنى فَضْلِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِما يُتَفَضَّلُ بِهِ مِن عَطاءٍ فَيَكُونَ في مَعْنى: ذَلِكَ فَضْلُنا عَلَيْهِمْ. وفي هَذا الأخِيرِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ثَوابَ الأعْمالِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ طاعَةَ العِبادِ واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ فَإذا أدَّوْها فَقَدْ فَعَلُوا ما لا يَسَعُهم إلّا فِعْلُهُ فَلَوْ لَمْ يُثابُوا عَلى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَدَمُ إثابَتِهِمْ ظُلْمًا.
وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ قَصْرًا ادِّعائِيًّا لِلْمُبالَغَةِ في أعَظْمِيَّةِ الفَضْلِ، و(الفَضْلُ) يَصْلُحُ لِأنَّ يُعْتَبَرُ كالمُضافِ إلى المَفْعُولِ، أيْ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنْ يُعْتَبَرَ كالمُضافِ إلى الفاعِلِ فَضْلُهم، أيْ شَرَفُهم وبَرَكَتُهم فَيُؤَوَّلُ مَعْنى القَصْرِ إلى أنَّ الفَضْلَ الَّذِي حَصَلَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أكْبَرُ فَضْلٍ.
الشورى 42:23
﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾
اسْمُ الإشارَةِ مُؤَكِّدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي قَبْلَهُ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ الَّذِي هو فَضْلٌ يَحْصُلُ لَهم في الجَنَّةِ هو أيْضًا بُشْرى لَهم مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا.
والعائِدُ مِنَ الصِّلَةِ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ. وحَذْفُهُ هُنا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِاعْتِبارِ حَذْفِ الجارِّ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: واخْتارَ مُوسى لِقَوْمِهِ بِتَقْدِيرِ: مِن قَوْمِهِ، فَلَمّا عُومِلَ مُعامَلَةَ المَنصُوبِ حُذِفَ كَما يُحْذَفُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ.
صفحة ٨١
وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ (يُبَشِّرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ المُوَحِّدَةِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ المَكْسُورَةِ، وهو مِن بَشَّرَهُ: إذا أخْبَرَهُ بِحادِثٍ يَسُرُّهُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَبْشُرُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ المُوَحِّدَةِ وضَمِّ الشِّينِ مُخَفَّفَةً، يُقالُ: بَشَرْتُ الرَّجُلَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ أبْشُرُهُ مِن بابِ نَصَرَ: إذا أغْبَطَهُ بِحادِثٍ يَسُرُّهُ.
وجَمْعُ العِبادِ المُضافُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ أوْ ضَمِيرِهِ غَلَبَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ في مَعْرِضِ التَّقْرِيبِ وتَرْفِيعِ الشَّأْنِ، ولِذَلِكَ يَكُونُ مَوْقِعُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [فصلت: ٨] هُنا مَوْقِعَ عَطْفِ البَيانِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢] إذْ وقَعَ (الَّذِينَ آمَنُوا) مَوْقِعَ عَطْفِ البَيانِ مِن (أوْلِياءَ اللَّهِ) .
* * *
﴿قُلْ لا أسْئَلُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ ما أُعِدَّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن عَذابٍ وما أُعِدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن خَيْرٍ، وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ لا مَحالَةَ ولَيْسَ في الكَلامِ السّابِقِ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ: قُلْ لا أسْألُكم. جَوابًا عَنْهُ، فَتَعَيَّنَ أنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
ويَظْهَرُ مِمّا رَواهُ الواحِدِيٌّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في مَجْمَعٍ لَهم فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أتَرَوْنَ مُحَمَّدًا يَسْألُ عَلى ما يَتَعاطاهُ أجْرًا. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (يَعْنُونَ: إنْ كانَ ذَلِكَ جَمَعْنا لَهُ مالًا كَما قالُوهُ لَهُ غَيْرَ مَرَّةٍ) أنَّها لا اتِّصالَ لَها بِما قَبْلَها وأنَّها لَمّا عَرَضَ سَبَبُ نُزُولِها نَزَلَتْ في أثْناءِ نُزُولِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها فَتَكُونُ جُمْلَةً ابْتِدائِيَّةً. وكانَ مَوْقِعُها هُنا لِمُناسَبَةِ ما سَبَقَ مِن ذِكْرِ حِجاجِ المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ فَإنَّ مُناسَبَتَها لِما مَعَها مِنَ الآياتِ مَوْجُودَةٌ إذْ هي مِن جُمْلَةِ ما واجَهَ بِهِ القُرْآنُ مُحاجَّةَ المُشْرِكِينَ، ونَفى بِهِ أوْهامَهم، واسْتَفْتَحَ بَصائِرَهم إلى النَّظَرِ في عَلاماتِ صِدْقِ الرَّسُولِ؛ فَهي جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشورى: ٢٢] وجُمْلَةِ ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ .
صفحة ٨٢
وابْتُدِئَتْ بِـ (قُلْ) إمّا لِأنَّها جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم، وإمّا لِأنَّها مِمّا يَهْتَمُّ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ كَما أنَّ نَظائِرَها افْتُتِحَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] ﴿إنَّ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧٢] وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ.
والأجْرُ: الجَزاءُ الَّذِي يُعْطاهُ أحَدٌ عَلى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٢] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
والمَوَدَّةُ: المَحَبَّةُ والمُعامَلَةُ الحَسَنَةُ المُشْبِهَةُ مُعامَلَةَ المُتَحابِّينَ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٥] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ. والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ مُعامَلَةَ المَوَدَّةِ، أيِ المُجامَلَةِ؛ بِقَرِينَةِ أنَّ المَحَبَّةَ لا تُسْألُ لِأنَّها انْبِعاثٌ وانْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ لِأنَّ مَجْرُورَها وهو (القُرْبى) لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَظْرُوفًا فِيهِ.
ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ هُنا: التَّعْلِيلُ، وهو مَعْنًى كَثِيرُ العُرُوضِ لِحَرْفِ (في) كَقَوْلِهِ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨] .
والقُرْبى: اسْمُ مَصْدَرٍ كالرُّجْعى والبُشْرى، وهي قَرابَةُ النَّسَبِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقالَ زُهَيْرٌ:
وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشَدُّ مُضاضَةً
. . . . البَيْتَ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (ولِذِي القُرْبى) في سُورَةِ الأنْفالِ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ نَظْمُها: لا أسْألُكم عَلى القُرْآنِ جَزاءً إلّا أنْ تَوَدُّونِي، أيْ أنْ تُعامِلُونِي مُعامَلَةَ الوُدِّ، أيْ غَيْرَ مُعامَلَةِ العَداوَةِ، لِأجْلِ القَرابَةِ الَّتِي بَيْنَنا في النَّسَبِ القُرَشِيِّ.
صفحة ٨٣
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ بِحَضْرَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فابْتَدَرَ سَعِيدٌ فَقالَ: قُرْبى آلِ مُحَمَّدٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَجِلْتَ؛ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا كانَ لَهُ فِيهِمْ قَرابَةٌ، فَقالَ: إلّا أنْ تَصِلُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم مِنَ القَرابَةِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: أكْثَرَ النّاسُ عَلَيْنا في هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَبْنا إلى ابْنِ عَبّاسٍ نَسْألُهُ عَنْها فَكَتَبَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ أوْسَطَ النّاسِ في قُرَيْشٍ فَلَيْسَ بَطْنٌ مِن بُطُونِهِمْ إلّا وقَدْ ولَدَهُ فَقالَ اللَّهُ لَهُ ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلّا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي مِنكم، أيْ تُراعُوا ما بَيْنِي وبَيْنَكم فَتَصُدِّقُونِي، فالقُرْبى هاهُنا قَرابَةُ الرَّحِمِ كَأنَّهُ قالَ: اتَّبَعُونِي لِلْقَرابَةِ إنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لِلنُّبُوَّةِ. انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.
وما فَسَّرَ بِهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّوا أقارِبِي تَلْفِيقُ مَعْنًى عَنْ فَهْمٍ غَيْرِ مَنظُورٍ فِيهِ إلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ، ولا تَصِحُّ فِيهِ رِوايَةٌ عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِفَهْمِهِ.
أمّا كَوْنُ مَحَبَّةِ آلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأجْلِ مَحَبَّةِ ما لَهُ اتِّصالٌ بِهِ خُلُقًا مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ فَحاصِلٌ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى، وتَحْدِيدُ حُدُودِها مُفَصَّلٌ في الشِّفاءِ لِعِياضٍ.
والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ المَوَدَّةَ لِأجْلِ القَرابَةِ لَيْسَتْ مِنَ الجَزاءِ عَلى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ بِالقُرْآنِ ولَكِنَّها مِمّا تَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ فَلَيْسَ اسْتِثْناؤُها مِن عُمُومِ الأجْرِ المَنفِيِّ اسْتِثْناءً حَقِيقِيًّا. والمَعْنى: لا أسْألُكم عَلى التَّبْلِيغِ أجْرًا وأسْألُكُمُ المَوَدَّةَ لِأجْلِ القُرْبى.
وإنَّما سَألَهُمُ المَوَدَّةَ لِأنَّ مُعامَلَتَهم إيّاهُ مُعامَلَةَ المَوَدَّةِ مُعِينَةٌ عَلى نَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، إذْ تَلِينُ بِتِلْكَ المُعامَلَةِ شَكِيمَتُهم فَيَتْرُكُونَ مُقاوَمَتَهُ فَيَتَمَكَّنُ مِن تَبْلِيغِ دَعْوَةِ الإسْلامِ عَلى وجْهٍ أكْمَلَ. فَصارَتْ هَذِهِ المَوَدَّةُ غَرَضًا دِينِيًّا لا نَفْعَ فِيهِ لِنَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ .
وفِي بَعْضِ الأخْبارِ المَوْضُوعَةِ في أسْبابِ النُّزُولِ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَما قَدِمَ المَدِينَةَ كانَتْ تَنُوبُهُ نَوائِبُ لا يَسَعُها ما في يَدَيْهِ. فَقالَتِ الأنْصارُ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ هَداكُمُ اللَّهُ بِهِ فَنَجْمَعُ لَهُ مالًا، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ بِهِ، فَنَزَلَتْ.
صفحة ٨٤
وفِي رِوايَةٍ: أنَّ الأنْصارَ قالُوا لَهُ يَوْمًا: أنْفُسُنا وأمْوالُنا لَكَ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ نَزَلَ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤] . ولِأجْلِ ذَلِكَ قالَ فَرِيقٌ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ وهي أخْبارٌ واهِيَةٌ.
وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَتَطَلَّبَ مِنَ النّاسِ جَزاءً عَلى تَبْلِيغِ الهُدى إلَيْهِمْ فَإنَّ النُّبُوءَةَ أعْظَمُ مَرْتَبَةٍ في تَعْلِيمِ الحَقِّ. وهي فَوْقَ مَرْتَبَةِ الحِكْمَةِ، والحُكَماءُ تَنَزَّهُوا عَنْ أخْذِ الأجْرِ عَلى تَعْلِيمِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ الحِكْمَةَ خَيْرٌ كَثِيرٌ والخَيْرُ الكَثِيرُ لا تُقابِلُهُ أعْراضُ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ أمَرَ اللَّهُ رُسُلَهُ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ طَلَبِ جَزاءٍ عَلى التَّبْلِيغِ، فَقالَ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٩] . وكَذَلِكَ حَكى عَنْ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ.
* * *
﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ والمَعْنى: وكُلَّما عَمِلَ مُؤْمِنٌ حَسَنَةً زِدْناهُ حُسْنًا مِن ذَلِكَ الفَضْلِ الكَبِيرِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
والِاقْتِرافُ: افْتِعالٌ مِنَ القَرْفِ، وهو الِاكْتِسابُ، فالِاقْتِرافُ مُبالَغَةٌ في الكَسْبِ نَظِيرَ الِاكْتِسابِ، ولَيْسَ خاصًّا بِاكْتِسابِ السُّوءِ وإنْ كانَ قَدْ غَلَبَ فِيهِ، وأصْلُهُ مِن قَرَفَ الشَّجَرَةَ: إذا قَشَّرَ قِرْفَها، بِكَسْرِ القافِ، وهو لِحاؤُها، أيْ قِشْرُ عُودِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها﴾ [التوبة: ٢٤] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
والحَسَنَةُ: الفَعْلَةُ ذاتُ الحُسْنِ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ غَلَبَتْ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى الطّاعَةِ والقُرْبَةِ فَصارَتْ بِمَنزِلَةِ الجَوامِدِ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الحُسْنِ وهو جَمالُ الصُّورَةِ. والحُسْنُ: ضِدُّ القُبْحِ وهو صِفَةٌ في الذّاتِ تَقْتَضِي قَبُولَ مَنظَرِها في نُفُوسِ الرّائِينَ ومَيْلَهم إلى مُداوَمَةِ مُشاهَدَتِها. وتُوصَفُ المَعْنَوِيّاتُ بِالحُسْنِ فَيُرادُ بِهِ كَوْنُ الفِعْلِ أوِ الصِّفَةِ مَحْمُودَةً عِنْدَ العُقُولِ مَرْغُوبًا في الِاتِّصافِ بِها.
صفحة ٨٥
ولَمّا كانَتِ الحَسَنَةُ مَأْخُوذَةً مِنَ الحُسْنِ جُعِلَتِ الزِّيادَةُ فِيها مِنَ الزِّيادَةِ في الحُسْنِ مُراعاةً لِأصْلِ الِاشْتِقاقِ فَكانَ ذِكْرُ الحُسْنِ مِنَ الجِناسِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِجِناسِ الِاشْتِقاقِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ﴾ [الروم: ٤٣]، وصارَ المَعْنى: نَزِدْ لَهُ فِيها مُماثِلًا لَها.
ويَتَعَيَّنُ أنَّ الزِّيادَةَ فِيها زِيادَةٌ مِن غَيْرِ عَمَلِهِ ولا تَكُونُ الزِّيادَةُ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ لِأنَّها تَصِيرُ عَمَلًا يَسْتَحِقُّ الزِّيادَةَ أيْضًا فَلا تَنْتَهِي الزِّيادَةُ فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ الزِّيادَةُ في جَزاءِ أمْثالِها عِنْدَ اللَّهِ. وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَها كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ تَذْيِيلٌ وتَعْلِيلٌ لِلزِّيادَةِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِها بِأنَّ اللَّهَ كَثِيرَةٌ مَغْفِرَتِهِ لِمَن يَسْتَحِقُّها، كَثِيرٌ شُكْرُهُ لِلْمُتَقَرِّبِينَ إلَيْهِ. والمَقْصُودُ بِالتَّعْلِيلِ هو وصْفُ الشَّكُورِ، وأمّا وصْفُ الغَفُورِ فَقَدْ ذُكِرَ لِلْإشارَةِ إلى تَرْغِيبِ المُقْتَرِفِينَ السَّيِّئاتِ في الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ لِيُغْفَرَ لَهم فَلا يَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
الشورى 42:24
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وهو الكَلامُ المُضْرَبُ عَنْهُ والمُنْتَقَلُ مِنهُ، والمُرادُ الِانْتِقالُ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، فالهَمْزَةُ المُقَدِّرَةُ بَعْدَ (أمْ) لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ، فَإنَّهم قالُوا ذَلِكَ فاسْتَحَقُّوا التَّوْبِيخَ عَلَيْهِ. والمَعْنى: أمْ قالُوا افْتَرى ويَقُولُونَهُ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (يَقُولُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِيَتَوَجَّهَ التَّوْبِيخُ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى هَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ بُطْلانِهِ. فَإذا كانَ قَوْلُهم هَذا شَنَعًا مِنَ القَوْلِ فاسْتِمْرارُهم عَلَيْهِ أشْنَعُ.
صفحة ٨٦
وفَرَّعَ عَلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ وهو تَفْرِيعٌ فِيهِ خَفاءٌ ودِقَّةٌ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ التَّفْرِيعِ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ إبْطالٌ لِما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِن الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ وتَوْكِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ فَكَيْفَ يُسْتَفادُ هَذا الإبْطالُ مِنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ المُفَرَّعَيْنِ عَلى التَّوْبِيخِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ في بَيانِ هَذا التَّفْرِيعِ وتَرَتُّبِهِ عَلى ما قَبْلَهُ أفْهامٌ عَدِيدَةٌ لا يَخْلُو مُعْظَمُها عَنْ تَكَلُّفٍ وضَعْفِ اقْتِناعٍ.
والوَجْهُ في بَيانِهِ: أنَّ هَذا الشَّرْطَ وجَوابَهُ المُفَرَّعَيْنِ في ظاهِرِ اللَّفْظِ عَلى التَّوْبِيخِ والإبْطالِ هُما دَلِيلٌ عَلى المَقْصُودِ بِالتَّفْرِيعِ المُناسِبِ لِتَوْبِيخِهِمْ وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وتَقْدِيرُ المُفَرَّعِ هَكَذا: فَكَيْفَ يَكُونُ الِافْتِراءُ مِنكَ عَلى اللَّهِ واللَّهُ لا يُقِرُّ أحَدًا أنْ يَكْذِبَ عَلَيْهِ فَلَوْ شاءَ لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ، أيْ سَلَبَكَ العَقْلَ الَّذِي يُفَكِّرُ في الكَذِبِ فَتُفْحَمُ عَنِ الكَلامِ فَلا تَسْتَطِيعُ أنْ تَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ، أيْ ولَيْسَ ثَمَّةَ حائِلٌ يَحُولُ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ ذَلِكَ لَوِ افْتَرَيْتَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ كِنايَةً عَنِ انْتِفاءِ الِافْتِراءِ لَأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ كَلامًا، فَحَصَلَ بِهَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، وتَكُونُ الآيَةُ قَرِيبًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] .
ولِابْنِ عَطِيَّةَ كَلِماتٌ قَلِيلَةٌ يُؤَيِّدُ مَغْزاها هَذا التَّقْرِيرَ مُسْتَنِدَةٌ لِقَوْلِ قَتادَةَ مَحْمُولًا عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن كَوْنِ ما بَعْدَ الفاءِ هو المُفَرَّعُ، ويَكُونُ الكَلامُ كِنايَةً عَنِ الإعْراضِ عَنْ قَوْلِهِمُ ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أيْ أنَّ اللَّهَ يُخاطِبُ رَسُولَهُ بِهَذا تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ. والمَعْنى: أنَّ افْتِراءَهُ عَلى اللَّهِ لا يُهِمُّكم حَتّى تُناصِبُوامُحَمَّدًا ﷺ العَداءَ، فاللَّهُ أوْلى مِنكم بِأنْ يُغارَ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ رِسالَتِهِ وبِأنْ يَذُبَّ عَنْ جَلالِهِ فَلا تَجْعَلُوا هَذِهِ الدَّعْوى هَمَّكم فَإنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَخَتَمَ عَلى قَلْبِكَ فَسَلَبَكَ القُدْرَةَ عَلى أنْ تَنْسُبَ إلَيْهِ كَلامًا.
وهَذانَ الوَجْهانِ هُما المُناسِبانِ لِمَوْقِعِ الآيَةِ، ولِفاءِ التَّفْرِيعِ، ولِما في الشَّرْطِ مِن الِاسْتِقْبالِ، ولِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُضارِعًا، فالوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ (عَلى قَلْبِكَ) وهو انْتِهاءُ كَلامٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى التَّفْرِيعِ، وهي كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ، مُرادٌ
صفحة ٨٧
مِنهُ أنَّ اللَّهَ يَمْحُو باطِلَ المُشْرِكِينَ وبُهْتانَهم ويُحَقِّقُ ما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ .
وعَلى مُراعاةِ هَذا المَعْنى جَرى جَمْعٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ مِثْلَ الكِسائِيِّ وابْنِ الأنْبارِيِّ والزَّجّاجِ والزَّمَخْشَرِيِّ ولَمْ يَجْعَلُوا (ويَمْحُ) عَطْفًا عَلى فِعْلِ الجَزاءِ لِأنَّ المُتَبادِرَ أنَّ هَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ بِإظْهارِ الإسْلامِ، ووَعِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّ دِينَهم زائِلٌ. وهَذا هو المُتَبادِرُ مِن رَفْعِ (ويُحِقُّ) بِاتِّفاقِ القُرّاءِ عَلى رَفْعِهِ، والمُرادُ بِالمَحْوِ عَلى هَذا: الإزالَةُ. والمُرادُ بِالباطِلِ: الباطِلُ المَعْهُودُ وهو دِينُ الشِّرْكِ. وبِالحَقِّ: الحَقُّ المَعْهُودُ، وهو الإسْلامُ.
أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مِن شَأْنِ اللَّهِ تَعالى أنْ يُزِيلَ الباطِلَ ويَفْضَحَهُ بِإيجادِ أسْبابِ زَوالِهِ وأنْ يُوَضِّحَ الحَقَّ بِإيجادِ أسْبابِ ظُهُورِهِ، حَتّى يَكُونَ ظُهُورُهُ فاضِحًا لِبُطْلانِ الباطِلِ فَلَوْ كانَ القُرْآنُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لَفَضَحَ اللَّهُ بُطْلانَهُ وأظْهَرَ الحَقَّ، فالمُرادُ بِالباطِلِ: جِنْسُ الباطِلِ، وبِالحَقِّ جِنْسُ الحَقِّ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ كالتَّذْيِيلِ لِلتَّفْرِيعِ. والمَعْنى الأوَّلُ أنْسَبُ بِالِاسْتِئْنافِ، ولِإفادَتِهِ الوَعِيدَ بِإزالَةِ ما هم عَلَيْهِ ونَصْرِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى: إنْ يَشَأِ اللَّهُ يَمْحُ الباطِلَ، بَلْ هو تَحْقِيقٌ لِمَحْوِهِ لِلْباطِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، كَما دَلَّ عَلَيْهِ رَفْعُ ﴿ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾، فَفِعْلُ يَمْحُ مَرْفُوعٌ وحَقُّهُ ظُهُورُ الواوِ في آخِرِهِ، ولَكِنَّها حُذِفَتْ تَخْفِيفًا في النُّطْقِ، وتَبِعَ حَذْفَها في النُّطْقِ حَذْفُها في الرَّسْمِ اعْتِبارًا بِحالِ النُّطْقِ كَما حُذِفَ واوُ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وواوُ ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١] . وذَكَرَ في الكَشّافِ أنَّ الواوَ ثَبَتَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ ولَمْ يُعَيِّنْهُ ولا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِيما رَأيْتُ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: ويَمْحُ الباطِلَ، لِتَقْوِيَةِ تَمَكُّنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ الذِّهْنِ ولِإظْهارِ عِنايَةِ اللَّهِ بِمَحْوِ الباطِلِ.
وإنَّما عَدَلَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في صَوْغِ ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ فَلَمْ يَقُلْ: واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ، لِأنَّهُ أُرِيدَ أنَّ ما في إفادَةِ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا شَأْنُ اللَّهِ وعادَتُهُ لا تَتَخَلَّفُ ولَمْ يَقْصِدْ تَحْقِيقَ ذَلِكَ وتَثْبِيتَهُ لِأنَّ إفادَةَ
صفحة ٨٨
التَّكْرِيرِ تَقْتَضِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَحَصَلَ الغَرَضانِ.
والباءُ في (بِكَلِماتِهِ) لِلسَّبَبِيَّةِ والكَلِماتُ هي: كَلِماتُ القُرْآنِ والوَحْيِ كَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، أوِ المُرادُ: كَلِماتُ التَّكْوِينِ المُتَعَلِّقَةُ بِالإيجادِ عَلى وفْقَ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] .
وإنَّما جاءَ هَذا الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأُسْلُوبِ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في الِاعْتِناءِ بِتَلْقِينِهِ جَوابَ تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْظِيعٍ لِبُهْتانِهِمْ، وهَذا وجْهُ التَّخالُفِ بَيْنَ أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ وأُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ﴾ [يونس: ١٦] لَأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَسُوقًا لِإبْطالِ كَلامٍ صَدَرَ مِنهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] تَعْلِيلٌ لِمَجْمُوعِ جُمْلَتَيْ: فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ. إلى قَوْلِهِ: (بِكَلِماتِهِ) أيْ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ افْتِراءُ مُفْتَرٍ ولا صِدْقُ مُحِقٍّ. و(ذاتِ الصُّدُورِ): النَّوايا والمَقاصِدُ الَّتِي يُضْمِرُها النّاسُ في عُقُولِهِمْ. والصُّدُورُ: العُقُولُ، أُطْلِقَ عَلَيْها الصُّدُورُ عَلى الِاسْتِعْمالِ العَرَبِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.
الشورى 42:25
﴿وهْوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
لَمّا جَرى وعِيدُ الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ لِتَأْيِيدِ باطِلِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] . ثُمَّ أُتْبِعَ بِوَصْفِ سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَ الجَزاءِ بَقَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢]، وقُوبِلَ بِوَصْفِ نَعِيمِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَكْسِرَ نُفُوسَ أهْلِ
صفحة ٨٩
العِنادِ والضَّلالَةِ - أُعْقِبَ بِإعْلامِهِمْ أنَّ اللَّهَ مِن شَأْنِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ مَن يَتُوبُ مِن عِبادِهِ، وعَفْوُهُ بِذَلِكَ عَمّا سَلَفَ مِن سَيِّئاتِهِمْ.
وهَذا الإخْبارُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى مُبادَرَةِ التَّوْبَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الصّالِحِ لِلِاسْتِقْبالِ. وهو أيْضًا بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ في المُسْتَقْبَلِ يَكُونُ قَدْ قَبِلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِن قَبْلُ، بِدَلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ أوْ فَحْواهُ، وأنَّ مِن شَأْنِهِ الِاسْتِجابَةَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن عِبادِهِ. وكُلُّ ذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ وعَكْسِهِ. وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ إيمانِهِمْ ولِلْعُصاةِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.
فَجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] وما اتَّصَلَ بِها مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وخاصَّةً جُمْلَةَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] .
وابْتِناءُ الإخْبارِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أُسْلُوبِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَتِها ثَباتَ حُكْمِها ودَوامَهُ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ اسْمَ مَوْصُولٍ لِإفادَةِ اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ وأنَّها شَأْنٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى عُرِفَ بِهِ ثابِتٌ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِحِكْمَتِهِ وعَظْمَةِ شَأْنِهِ وغِناهُ عَنْ خَلْقِهِ.
وإيثارُ جُمْلَةِ الصِّلَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تُجَدُّدِ مَضْمُونِهِ وتَكَرُّرِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ لا يَتَخَلَّفُ ولا يَخْتَلِفُ.
وفِعْلُ (قَبِلَ) يَتَعَدّى بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ تارَةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١]، فَيُفِيدُ مَعْنى الأخْذِ لِلشَّيْءِ المَقْبُولِ صادِرًا مِنَ المَأْخُوذِ مِنهُ، ويُعَدّى بِـ (عَنْ) فَيُفِيدُ مَعْنى مُجاوَزَةِ الشَّيْءِ المَقْبُولِ أوِ انْفِصالَهُ عَنْ مُعْطِيهِ وباذِلِهِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في مَعْنى الفِعْلِ مَن تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (مِن) لَأنَّ فِيهِ كِنايَةً عَنِ احْتِباسِ الشَّيْءِ المَبْذُولِ عِنْدَ المَبْذُولِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُرَدُّ عَلى باذِلِهِ.
صفحة ٩٠
فَحَصَلَتْ في جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أرْبَعُ مُبالَغاتٍ: بِناءُ الجُمْلَةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وعَلى المَوْصُولِيَّةِ، وعَلى المُضارِعِيَّةِ، وعَلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ الصِّلَةِ بِـ (عَنْ) دُونَ (مِن) .
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِطاعَةِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما رَضِيَ عَنِ الَّذِي اقْتَرَفَ الجَرِيمَةَ ولَكِنَّهُ جَعَلَها مَقْبُولَةً لِحِكْمَتِهِ وفَضْلِهِ.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ العِبادِ دُونَ نَحْوِ: النّاسِ أوِ التّائِبِينَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِعِبادِهِ لِمَقامِ العُبُودِيَّةِ فَإنَّ الخالِقَ والصّانِعَ يُحِبُّ صَلاحَ مَصْنُوعِهِ.
والعَفْوُ: عَدَمُ مُؤاخَذَةِ الجانِي بِجِنايَتِهِ. والسَّيِّئاتُ: الجَرائِمُ لِأنَّها سَيِّئَةٌ عِنْدَ الشَّرْعِ. والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ يَكُونُ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ بِأنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرَفَها العاصِي قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ويَكُونُ بِدُونِ ذَلِكَ مِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ عَقِبَ الحَجِّ المَبْرُورِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ بِأنْ يُمْحى عَنِ العاصِي مِن سَيِّئاتِهِ ما يُقابِلُ مِقْدارًا مِن حَسَناتِهِ عَلى وجْهٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.
والتَّعْرِيفُ في (السَّيِّئاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشِّرْكِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ سَيِّئاتِ عِبادِهِ فَيَعُمَّ جَمِيعَ العِبادِ عُمُومًا مَخْصُوصًا بِالأدِلَّةِ لِهَذا الحُكْمِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَقْصُودُ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ عِبادِهِ خَيْرِها وشَرِّها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ ما يَفْعَلُ عِبادُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ، وخُصَّتِ الِاسْتِجابَةُ في الِاسْتِعْمالِ بِامْتِثالِ الدَّعْوَةِ أوِ الأمْرِ.
صفحة ٩١
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَفْعُولُ (يَسْتَجِيبُ) وأنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ .
والغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: اسْتَجابَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقَدْ يَحْذِفُونَ اللّامَ فَيُعَدُّونَهُ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِـيبُ
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لَهم ما يَرْجُونَهُ مِنهُ مِن ثَوابٍ، وما يَدْعُونَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ آمَنُوا فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) أيْ يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فَيُطِيعُونَهُ وتَكُونَ جُمْلَةُ (ويَسْتَجِيبُ) عَطْفًا عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، أيْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وهَذا شَأْنُ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.
ومَعْنى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّهُ يُعْطِيهِمْ ما أمَّلَوْا مِن دُعائِهِمْ وعَمَلِهِمْ وأعْظَمَ مِمّا أمَّلَوْا حِينَ اسْتَجابُوا لَهُ ولِرَسُولِهِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنَ الثَّوابِ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في الحَدِيثِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا ما لَمْ يَسْألُوهُ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَطِيفٌ بِهِمْ ومُدَبِّرٌ لِمَصالِحِهِمْ.
ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ والزِّيادَةُ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أُظْهِرَ اسْمُ الَّذِينَ آمَنُوا وجِيءَ بِهِ مَوْصُولًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو وجْهُ الِاسْتِجابَةِ لَهم والزِّيادَةِ لَهم.
وجُمْلَةُ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] تَوْكِيدًا لِلْوَعِيدِ وتَحْذِيرًا مِنَ الدَّوامِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّوْبَةِ لَهم.
الشورى 42:26
﴿وهْوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
لَمّا جَرى وعِيدُ الَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ لِتَأْيِيدِ باطِلِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] . ثُمَّ أُتْبِعَ بِوَصْفِ سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَ الجَزاءِ بَقَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢]، وقُوبِلَ بِوَصْفِ نَعِيمِ الَّذِينَ آمَنُوا بَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ [الشورى: ٢٢]، وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أنْ يَكْسِرَ نُفُوسَ أهْلِ
صفحة ٨٩
العِنادِ والضَّلالَةِ - أُعْقِبَ بِإعْلامِهِمْ أنَّ اللَّهَ مِن شَأْنِهِ قَبُولُ تَوْبَةِ مَن يَتُوبُ مِن عِبادِهِ، وعَفْوُهُ بِذَلِكَ عَمّا سَلَفَ مِن سَيِّئاتِهِمْ.
وهَذا الإخْبارُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْرِيضِ عَلى مُبادَرَةِ التَّوْبَةِ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الصّالِحِ لِلِاسْتِقْبالِ. وهو أيْضًا بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم مِمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ في المُسْتَقْبَلِ يَكُونُ قَدْ قَبِلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ مِن قَبْلُ، بِدَلالَةِ لَحْنِ الخِطابِ أوْ فَحْواهُ، وأنَّ مِن شَأْنِهِ الِاسْتِجابَةَ لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن عِبادِهِ. وكُلُّ ذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ وعَكْسِهِ. وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ إيمانِهِمْ ولِلْعُصاةِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.
فَجُمْلَةُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١] وما اتَّصَلَ بِها مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وخاصَّةً جُمْلَةَ: ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] .
وابْتِناءُ الإخْبارِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى أُسْلُوبِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَتِها ثَباتَ حُكْمِها ودَوامَهُ.
ومَجِيءُ المُسْنَدِ اسْمَ مَوْصُولٍ لِإفادَةِ اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِمَضْمُونِ صِلَتِهِ وأنَّها شَأْنٌ مِن شُئُونِ اللَّهِ تَعالى عُرِفَ بِهِ ثابِتٌ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِحِكْمَتِهِ وعَظْمَةِ شَأْنِهِ وغِناهُ عَنْ خَلْقِهِ.
وإيثارُ جُمْلَةِ الصِّلَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِإفادَةِ تُجَدُّدِ مَضْمُونِهِ وتَكَرُّرِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ لا يَتَخَلَّفُ ولا يَخْتَلِفُ.
وفِعْلُ (قَبِلَ) يَتَعَدّى بِـ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ تارَةً كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١]، فَيُفِيدُ مَعْنى الأخْذِ لِلشَّيْءِ المَقْبُولِ صادِرًا مِنَ المَأْخُوذِ مِنهُ، ويُعَدّى بِـ (عَنْ) فَيُفِيدُ مَعْنى مُجاوَزَةِ الشَّيْءِ المَقْبُولِ أوِ انْفِصالَهُ عَنْ مُعْطِيهِ وباذِلِهِ، وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في مَعْنى الفِعْلِ مَن تَعْدِيَتِهِ بِحَرْفِ (مِن) لَأنَّ فِيهِ كِنايَةً عَنِ احْتِباسِ الشَّيْءِ المَبْذُولِ عِنْدَ المَبْذُولِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يُرَدُّ عَلى باذِلِهِ.
صفحة ٩٠
فَحَصَلَتْ في جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ أرْبَعُ مُبالَغاتٍ: بِناءُ الجُمْلَةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ، وعَلى المَوْصُولِيَّةِ، وعَلى المُضارِعِيَّةِ، وعَلى تَعْدِيَةِ فِعْلِ الصِّلَةِ بِـ (عَنْ) دُونَ (مِن) .
والتَّوْبَةُ: الإقْلاعُ عَنْ فِعْلِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِطاعَةِ اللَّهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَبُولُ التَّوْبَةِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ لَوْ شاءَ لَما رَضِيَ عَنِ الَّذِي اقْتَرَفَ الجَرِيمَةَ ولَكِنَّهُ جَعَلَها مَقْبُولَةً لِحِكْمَتِهِ وفَضْلِهِ.
وفِي ذِكْرِ اسْمِ العِبادِ دُونَ نَحْوِ: النّاسِ أوِ التّائِبِينَ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِعِبادِهِ لِمَقامِ العُبُودِيَّةِ فَإنَّ الخالِقَ والصّانِعَ يُحِبُّ صَلاحَ مَصْنُوعِهِ.
والعَفْوُ: عَدَمُ مُؤاخَذَةِ الجانِي بِجِنايَتِهِ. والسَّيِّئاتُ: الجَرائِمُ لِأنَّها سَيِّئَةٌ عِنْدَ الشَّرْعِ. والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ يَكُونُ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ بِأنْ يَعْفُوَ عَنِ السَّيِّئاتِ الَّتِي اقْتَرَفَها العاصِي قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ويَكُونُ بِدُونِ ذَلِكَ مِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ عَقِبَ الحَجِّ المَبْرُورِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِأجْلِ الشَّهادَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ السَّيِّئاتِ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ بِأنْ يُمْحى عَنِ العاصِي مِن سَيِّئاتِهِ ما يُقابِلُ مِقْدارًا مِن حَسَناتِهِ عَلى وجْهٍ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى، ومِثْلَ العَفْوِ عَنِ الصَّغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ.
والتَّعْرِيفُ في (السَّيِّئاتِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ وهو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الشِّرْكِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ سَيِّئاتِ عِبادِهِ فَيَعُمَّ جَمِيعَ العِبادِ عُمُومًا مَخْصُوصًا بِالأدِلَّةِ لِهَذا الحُكْمِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، والمَقْصُودُ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ عِبادِهِ خَيْرِها وشَرِّها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (ما يَفْعَلُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ ما يَفْعَلُ عِبادُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والِاسْتِجابَةُ: مُبالَغَةٌ في الإجابَةِ، وخُصَّتِ الِاسْتِجابَةُ في الِاسْتِعْمالِ بِامْتِثالِ الدَّعْوَةِ أوِ الأمْرِ.
صفحة ٩١
وظاهِرُ النَّظْمِ أنَّ فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَفْعُولُ (يَسْتَجِيبُ) وأنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ .
والغالِبُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: اسْتَجابَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقَدْ يَحْذِفُونَ اللّامَ فَيُعَدُّونَهُ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِـيبُ
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لَهم ما يَرْجُونَهُ مِنهُ مِن ثَوابٍ، وما يَدْعُونَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ آمَنُوا فاعِلَ (يَسْتَجِيبُ) أيْ يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فَيُطِيعُونَهُ وتَكُونَ جُمْلَةُ (ويَسْتَجِيبُ) عَطْفًا عَلى مَجْمُوعِ جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، أيْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وهَذا شَأْنُ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ.
ومَعْنى ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّهُ يُعْطِيهِمْ ما أمَّلَوْا مِن دُعائِهِمْ وعَمَلِهِمْ وأعْظَمَ مِمّا أمَّلَوْا حِينَ اسْتَجابُوا لَهُ ولِرَسُولِهِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِنَ الثَّوابِ أكْثَرَ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الصّالِحاتِ إذْ جَعَلَ لَهُمُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ كَما في الحَدِيثِ، وأنَّهُ يُعْطِيهِمْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا ما لَمْ يَسْألُوهُ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَطِيفٌ بِهِمْ ومُدَبِّرٌ لِمَصالِحِهِمْ.
ولَمّا كانَتِ الِاسْتِجابَةُ والزِّيادَةُ كَرامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أُظْهِرَ اسْمُ الَّذِينَ آمَنُوا وجِيءَ بِهِ مَوْصُولًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ هو وجْهُ الِاسْتِجابَةِ لَهم والزِّيادَةِ لَهم.
وجُمْلَةُ ﴿والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ عائِدٌ إلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] تَوْكِيدًا لِلْوَعِيدِ وتَحْذِيرًا مِنَ الدَّوامِ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّوْبَةِ لَهم.
الشورى 42:27
صفحة ٩٢
﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] أوْ عَلى المَجْمُوعِ مِن جُمْلَةِ ﴿ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٦] ومِن جُمْلَةِ ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦] .
ومَوْقِعُ مَعْناها مُوقِعُ الِاسْتِدْراكِ والِاحْتِراسِ فَإنَّها تُشِيرُ إلى جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ في نَفْسِ السّامِعِ إذا سَمِعَ أنَّ اللَّهَ يَسْتَجِيبُ لِلَّذِينِ آمَنُوا وأنَّهُ يَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ أنْ يَتَساءَلَ في نَفْسِهِ: أنَّ مِمّا يَسْألُ المُؤْمِنُونَ سَعَةَ الرِّزْقِ والبَسْطَةَ فِيهِ فَقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ أيّامَ صَدْرِ الإسْلامِ في حاجَةٍ وضِيقِ رِزْقٍ إذْ مَنَعَهُمُ المُشْرِكُونَ أرْزاقَهم وقاطَعُوا مُعامَلَتَهم، فَيُجابُ بِأنَّ اللَّهَ لَوْ بَسَطَ الرِّزْقَ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ لَكانَ بَسْطُهُ مُفْسِدًا لَهم لَأنَّ الَّذِي يَسْتَغْنِي يَتَطَرَّقَهُ نِسْيانُ الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ، ويَحْمِلُهُ عَلى الِاعْتِداءِ عَلى النّاسِ فَكانَ مِن خَيْرِ المُؤْمِنِينَ الآجِلِ لَهم أنْ لا يُبْسَطَ لَهم في الرِّزْقِ، وكانَ ذَلِكَ مَنُوطًا بِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ مِن تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ تَطَّرِدُ في النّاسِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ [العلق: ٦] ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] .
وقَدْ كانَ في ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِ فائِدَةٌ أُخْرى، وهي أنْ لا يَشْغَلَهُ غِناهُ عَنِ العَمَلِ الَّذِي بِهِ يَفُوزُ في الآخِرَةِ فَلا تَشْغَلُهُ أمْوالُهُ عَنْهُ، وهَذا الِاعْتِبارُ هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ النَّبِيءُ ﷺ حِينَ قالَ لِلْأنْصارِ لَمّا تَعَرَّضُوا لَهُ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وقَدْ جاءَهُ مالٌ مِنَ البَحْرَيْنِ: «فَواللَّهِ ما الفَقْرَ أخْشى عَلَيْكم ولَكِنْ أخْشى عَلَيْكم أنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيا كَما بُسِطَتْ عَلى مَن قَبْلَكم فَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها وتُهْلِكَكم كَما أهْلَكَتْهم» .
وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَوْرِدًا كُلِّيًّا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (لِعِبادِهِ) يَعُمُّ جَمِيعَ العِبادِ. ومِن هَذِهِ الكُلِّيَّةِ تَحْصُلُ فائِدَةُ المَسْئُولِ عَلَيْهِ الجُزْئِيِّ الخاصِّ بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ إفادَةِ الحِكْمَةِ العامَّةِ مِن هَذا النِّظامِ التَّكْوِينِيِّ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِهَذا الِاعْتِبارِ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِما فِيها مِنَ العُمُومِ، أيْ أنَّ اللَّهَ أسَّسَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى قَوانِينَ عامَّةٍ ولَيْسَ مِن حِكْمَتِهِ أنْ يَخُصَّ أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ بِنِظامٍ تَكْوِينِيٍّ دُنْيَوِيٍّ ولَكِنَّهُ خَصَّهم بِمَعانِي القُرْبِ
صفحة ٩٣
والرِّضا والفَوْزِ في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ. ورُبَّما خَصَّهم بِما أرادَ تَخْصِيصَهم بِهِ مِمّا يَرْجِعُ إلى إقامَةِ الحَقِّ.
والبَغْيُ: العُدْوانُ والظُّلْمُ، أيْ لَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لِأنَّ الغِنى مَظِنَّةُ البَطَرِ والأشَرِ إذا صادَفَ نَفْسًا خَبِيثَةً، قالَ بَعْضُ بَنِي جَرْمٍ مِن طَيِّئٍ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
إذا أخْصَبْتُمُو كُنْتُمْ عَدُوًّا وإنْ أجْدَبْتُمُو كُنْتُمْ عِيالًا
ولِبَعْضِ العَرَبِ أنْشَدَهُ في الكَشّافِ:
وقَدْ جَعَلَ الوَسْمِيُّ يُنْبِتُ بَيْنَـنَـا ∗∗∗ وبَيْنَ بَنِي رُومانَ نَبْعًا وشَوْحَطًا
فَأمّا الفَقْرُ فَقَلَّما كانَ سَبَبًا لِلْبَغْيِ إلّا بَغْيًا مَشُوبًا بِمَخافَةٍ كَبَغْيِ الجائِعِ بِالِافْتِكاكِ بِالعُنْفِ فَذَلِكَ لِنُدْرَتِهِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ السِّياقَ لِبَيانِ حِكْمَةِ كَوْنِ الرِّزْقِ بِقَدَرٍ لا لِبَيانِ حِكْمَةٍ في الفَقْرِ.
فالتَّلازُمُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا﴾ حاصِلٌ بِهَذِهِ السَّبَبِيَّةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ هَذا السَّبَبِ قَدْ يَخْلُفُهُ ضِدُّهُ أيْضًا، عَلى أنَّ بَيْنَ بَسْطِ الرِّزْقِ وبَيْنَ الفَقْرِ مَراتِبَ أُخْرى مِنَ الكَفافِ وضِيقِ الرِّزْقِ والخَصاصَةِ، والفَقْرِ، وهي مُتَفاوِتَةٌ فَلا إشْكالَ في التَّعْلِيلِ.
وعَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ وبَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ فَتَمَنَّيْناها فَنَزَلَتْ، وهَذا مِمّا حَمَلَ قَوْمًا عَلى ظَنِّ هَذِهِ الآيَةِ مَدَنِيَّةً كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ. وهَذا إنْ صَحَّ عَنْ خَبّابٍ فَهو تَأْوِيلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ وخَبّابٌ أنْصارِيٌّ فَلَعَلَّهُ سَمِعَ تَمْثِيلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يَكُنْ سَمِعَها مِن قَبْلُ.
ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الصُّفَّةِ؛ تَمَنَّوْا سَعَةَ الرِّزْقِ فَنَزَلَتْ، وهَذا خَبَرٌ ضَعِيفٌ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ جَعَلَ اللَّهُ جَمِيعَ النّاسِ في بَسْطَةٍ مِنَ الرِّزْقِ لاخْتَلَّ نِظامُ حَياتِهِمْ بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ لِأنَّ بَعْضَ الأغْنِياءَ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِالبَغْيِ لِتَوَفُّرِ
صفحة ٩٤
أسْبابِ العُدْوانِ كَما عَلِمْتَ فَيَجِدُ مِنَ المَبْغِيِّ عَلَيْهِ المُقاوَمَةَ وهَكَذا، وذَلِكَ مُفْضٍ إلى اخْتِلالِ نِظامِهِمْ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ بَسْطَ الرِّزْقِ لِبَعْضِ العِبادِ كَما هو مُشاهَدٌ لا يُفْضِي إلى مِثْلِ هَذا الفَسادِ لِأنَّ الغِنى قَدْ يُصادِفُ نَفْسًا صالِحَةً ونَفْسًا لَها وازِعٌ مِنَ الدِّينِ فَلا يَكُونُ سَبَبًا لِلْبَغْيِ، فَإنْ صادَفَ نَفْسًا خَبِيثَةً لا وازِعَ لَها فَتِلْكَ حالَةٌ نادِرَةٌ هي مِن جُمْلَةِ الأحْوالِ السَّيِّئَةِ في العالَمِ ولَها ما يُقاوِمُها في الشَّرِيعَةِ وفَصْلِ القَضاءِ وغَيْرَةِ الجَماعَةِ فَلا يُفْضِي إلى فَسادٍ عامٍّ ولا إلى اخْتِلالِ نِظامٍ.
وإطْلاقُ فِعْلِ التَّنْزِيلِ عَلى إعْطاءِ الرِّزْقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّهُ عَطاءٌ مِن رَفِيعِ الشَّأْنِ، فَشُبِّهَ بِالنّازِلِ مِن عُلُوٍّ، وتَكَرَّرَ مِثْلُ هَذا الإطْلاقِ في القُرْآنِ.
والقَدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ: المِقْدارُ والتَّعْيِينُ.
ومَعْنى (ما يَشاءُ) أنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وعَلى ما يُيَسِّرُهُ لَهُ مِن تَرْتِيبِ الأسْبابِ عَلى حَسَبِ مُخْتَلِفِ مَصالِحِ مَخْلُوقاتِهِ وتَعارُضِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وكُلُّ ذَلِكَ تَصَرُّفاتٌ وتَقْدِيراتٌ لا يُحِيطُ بِها إلّا عِلْمُهُ تَعالى. وكُلُّها تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، وهي جُمْلَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلَّتِي قَبْلَها.
وافْتُتِحَتْ بِـ (إنَّ) الَّتِي لَمْ يُرَدْ مِنها تَأْكِيدُ الخَبَرِ ولَكِنَّها لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ والإيذانِ بِالتَّعْلِيلِ لِأنَّ (إنَّ) في مِثْلِ هَذا المَقامِ تَقُومُ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، فالجُمْلَةُ في تَقْدِيرِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ.
والجَمْعُ بَيْنَ وصْفَيْ خَبِيرٍ و(بَصِيرٍ) لِأنَّ وصْفَ خَبِيرٍ دالٌّ عَلى العِلْمِ بِمَصالِحِ العِبادِ وأحْوالِهِمْ قَبْلَ تَقْدِيرِها وتَقْدِيرِ أسْبابِها، أيِ العِلْمِ بِما سَيَكُونُ. ووَصْفُ (بَصِيرٍ) دالٌّ عَلى العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي حَصَلَتْ، وفَرْقٌ بَيْنَ التَّعَلُّقَيْنِ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ.
الشورى 42:28
صفحة ٩٥
﴿وهْوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهْوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] فَإنَّ الغَيْثَ سَبَبُ رِزْقٍ عَظِيمٍ وهو ما يُنَزِّلُهُ اللَّهُ بِقَدَرٍ هو أعْلَمُ بِهِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ عَلى النّاسِ الَّتِي مِنها مُعْظَمُ رِزْقِهِمُ الحَقِيقِيِّ لَهم ولِأنْعامِهِمْ.
وخَصَّها بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِأنَّها نِعْمَةٌ لا يَخْتَلِفُ النّاسُ فِيها لِأنَّها أصْلُ دَوامِ الحَياةِ بِإيجادِ الغِذاءِ الصّالِحِ لِلنّاسِ والدَّوابِّ، وبِهَذا يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] عَقِبَ قَوْلِهِ هُنا ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ .
واخْتِيارُ المُضارِعِ في (يُنَزِّلُ) لِإفادَةِ تَكَرُّرِ التَّنْزِيلِ وتَجْدِيدِهِ.
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ لِلْإشارَةِ إلى حُصُولِ القُنُوطِ وتَقَرُّرِهِ بِمُضِيِّ زَمانٍ عَلَيْهِ.
والغَيْثُ: المَطَرُ الآتِي بَعْدَ الجَفافِ، سُمِّيَ غَيْثًا بِالمَصْدَرِ لِأنَّ بِهِ غَيْثَ النّاسِ المُضْطَرِّينَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ [يوسف: ٤٩] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والقُنُوطُ: اليَأْسُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ القانِطِينَ﴾ [الحجر: ٥٥] في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ: مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا مِنَ الغَيْثِ بِانْقِطاعِ أماراتِ الغَيْثِ المُعْتادَةِ وضِيقِ الوَقْتِ عَنِ الزَّرْعِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ﴾ تُفِيدُ قَصْرَ القَلْبِ لِأنَّ في السّامِعِينَ مُشْرِكِينَ يَظُنُّونَ نُزُولَ الغَيْثِ مِن تَصَرُّفِ الكَواكِبِ وفِيهِمُ المُسْلِمُونَ الغافِلُونَ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ نُزُولَ الغَيْثِ مَنُوطًا بِالأسْبابِ المُعْتادَةِ لِنُزُولِ الغَيْثِ لِأنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ أنَّ المَطَرَ مِن تَصَرُّفِ أنْواءِ الكَواكِبِ.
وفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قالَ «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ عَلى إثْرَ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَقالَ: أتَدْرُونَ ماذا قالَ رَبُّكم ؟ قالَ، قالَ: أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ بِي: فَأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ
صفحة ٩٦
بِالكَوْكَبِ، وأمّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا ونَوْءِ كَذا فَذَلِكَ كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ» .
فَهَذا القَصْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ قَصْرُ قَلْبٍ أصْلِيٌّ وهو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْرُ قَلْبٍ تَنْزِيلِيٌّ.
والنَّشْرُ: ضِدُّ الطَّيِّ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] في سُورَةِ الإسْراءِ.
واسْتُعِيرَ هُنا لِلتَّوْسِيعِ والِامْتِدادِ. والرَّحْمَةُ هُنا: رَحْمَتُهُ بِالماءِ، وقِيلَ: بِالشَّمْسِ بَعْدَ المَطَرِ. وضَمِيرُ ﴿مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ عائِدٌ إلى (عِبادِهِ) مِن قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] .
وقَدْ قِيلَ: «إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَفْعِ القَحْطِ عَنْ قُرَيْشٍ بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دامَ عَلَيْهِمُ القَحْطُ سَبْعَ سِنِينَ أكَلُوا فِيها الجِيَفَ والعِظامَ وهو المُشارُ إلَيْهِ بَقَوْلِهِ في سُورَةِ الدُّخانِ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان»: ١٥] .
فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقالَ: «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ. فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللَّهَ أنْ يَكْشِفَ عَنْهم فَدَعا. ثُمَّ قالَ: تَعُودُونَ بَعْدُ» . وقَدْ كانَ هَذا في المَدِينَةِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «اسْتِسْقاءِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سَألَهُ الأعْرابِيُّ وهو في خُطْبَةِ الجُمُعَةِ» .
وفِي رِوايَةٍ أنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ هو كَعْبُ بْنُ مُرَّةَ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ» .
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (يُنَزِّلُ) بِفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الزّايِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِسُكُونِ النُّونِ وتَخْفِيفِ الزّايِ.
وذِكْرُ صِفَتَيِ ﴿الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ دُونَ غَيْرِهِما لِمُناسَبَتِهِما لِلْإغاثَةِ لِأنَّ الوَلِيَّ يُحْسِنُ إلى مَوالِيهِ والحَمِيدَ يُعْطِي ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ. ووَصْفُ (حَمِيدٍ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.
وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ تَفْسِيرَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ المَطَرِ.
الشورى 42:29
صفحة ٩٧
﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهْوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾
لَمّا كانَ إنْزالُ الغَيْثِ جامِعًا بَيْنَ كَوْنِهِ نِعْمَةً وكَوْنِهِ آيَةً دالَّةً عَلى بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ المُقْتَضِيَةِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ - انْتَقَلَ مِن ذِكْرِهِ إلى ذِكْرِ آياتٍ دالَّةٍ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وهي آيَةُ خَلْقِ العَوالِمِ العَظِيمَةِ وما فِيها مِمّا هو مُشاهَدٌ لِلنّاسِ دُونَ قَصْدِ الِامْتِنانِ. وهَذا الِانْتِقالُ اسْتِطْرادٌ واعْتِراضٌ بَيْنَ الأغْراضِ الَّتِي سِياقُ الآياتِ فِيها.
والآياتُ: جَمْعُ آيَةٍ، وهي العَلامَةُ والدَّلِيلُ عَلى شَيْءٍ. والسِّياقُ دالٌّ عَلى أنَّ المُرادَ آياتُ الإلَهِيَّةِ. والسَّماواتُ: العَوالِمُ العُلْيا غَيْرُ المُشاهَدَةِ لَنا والكَواكِبُ وما تَجاوَزَ الأرْضَ مِنَ الجَوِّ. والأرْضُ: الكُرَةُ الَّتِي عَلَيْها الحَيَوانُ والنَّباتُ. والبَثُّ: وضْعُ الأشْياءِ في أمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ.
والدّابَّةُ: ما يَدُبُّ عَلى الأرْضِ، أيْ يَمْشِي فَيَشْمَلُ الطَّيْرَ لِأنَّ الطَّيْرَ يَمْشِي إذا نَزَلَ وهو مِمّا أُرِيدَ في قَوْلِهِ هُنا فِيهِما أيْ في الأرْضِ وفي السَّماءِ، أيْ بَعْضِ ما يُسَمّى بِالسَّماءِ وهو الجَوُّ وهو ما يَلُوحُ لِلنّاظِرِ مِثْلَ قُبَّةٍ زَرْقاءَ عَلى الأرْضِ في النَّهارِ، قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ﴾ [النحل: ٧٩] فَإطْلاقُ الدّابَّةِ عَلى الطَّيْرِ بِاعْتِبارِ أنَّ الطَّيْرَ يَدُبُّ عَلى الأرْضِ كَثِيرًا لِالتِقاطِ الحَبِّ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وأمّا المَوْجُوداتُ الَّتِي في السَّماواتِ العُلا مِنَ المَلائِكَةِ والأرْواحِ فَلا يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ دابَّةٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في بَعْضِ السَّماواتِ مَوْجُوداتٌ تَدُبُّ فِيها فَإنَّ الكَواكِبَ مِنَ السَّماواتِ. والعُلَماءُ يَتَرَدَّدُونَ في إثْباتِ سُكّانٍ في الكَواكِبِ، وجَوَّزَ بَعْضُ العُلَماءِ المُتَأخِّرِينَ أنَّ في كَوْكَبِ المَرِّيخِ سُكّانًا، وقالَ تَعالى: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ فِيهِما ظَرْفِيَّةَ المَجْمُوعِ لا الجَمِيعِ، أيْ ما بَثَّ في مَجْمُوعِ الأرْضِ والسَّماءِ مِن دابَّةٍ، فالدّابَّةُ إنَّما هي عَلى الأرْضِ، ولَمّا ذُكِرَتِ الأرْضُ والسَّماءُ مُقْتَرِنَتَيْنِ وجاءَ ذِكْرُ الدَّوابِّ جُعِلَتِ الدَّوابُّ مَظْرُوفَةً فِيهِما لِأنَّ الأرْضَ مَحُوطَةٌ بِالسَّماواتِ ومُتَخَيَّلَةٌ مِنها كالمَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ، والمَظْرُوفُ في ظَرْفٍ مَظْرُوفٌ في ظَرْفِ مَظْرُوفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] ثُمَّ قالَ:
صفحة ٩٨
﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] واللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ يَخْرُجانِ مِن أحَدِ البَحْرَيْنِ وهو البَحْرُ المَلِحُ لا مِنَ البَحْرِ العَذْبِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾، مُعْتَرِضَةٌ في جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ لِإدْماجِ إمْكانِ البَعْثِ في عَرْضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وعَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ.
والمَعْنى: أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما عَنْ عَدَمٍ قادِرٌ عَلى إعادَةِ خَلْقِ بَعْضِ ما فِيهِما لِلْبَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَواءٌ في جَوازِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ فَكَيْفَ تَعُدُّونَهُ مُحالًا.
وضَمِيرُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: (جَمْعِهِمْ) عائِدٌ إلى ما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ بِاعْتِبارِ أنَّ الَّذِي تَتَعَلَّقُ الإرادَةُ بِجَمْعِهِ في الحَشْرِ لِلْجَزاءِ هُمُ العُقَلاءُ مِنَ الدَّوابِّ أيِ الإنْسُ.
والمُرادُ بِـ (جَمْعِهِمْ) حَشْرُهم لِلْجَزاءِ، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩] .
وقَدْ ورَدَ في أحادِيثَ في الصَّحِيحِ أنَّ بَعْضَ الدَّوابِّ تُحْشَرُ لِلِانْتِصافِ مِمَّنْ ظَلَمَها. و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ وهو هُنا مُجَرَّدٌ عَنْ تَضَمُّنِ الشَّرْطِيَّةِ، فالتَّقْدِيرُ: حِينَ يَشاءُ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (جَمْعِهِمْ) . وهَذا الظَّرْفُ إدْماجٌ ثانٍ لِإبْطالِ اسْتِدْلالِهِمْ بِتَأخُّرِ يَوْمِ البَعْثِ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
الشورى 42:30
﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
لَمّا تَضَمَّنَتِ المِنَّةُ بِإنْزالِ الغَيْثِ بَعْدَ القُنُوطِ أنَّ القَوْمَ أصابَهم جُهْدٌ مِنَ القَحْطِ بَلَغَ بِهِمْ مَبْلَغَ القُنُوطِ مِنَ الغَيْثِ أعْقَبَتْ ذَلِكَ بِتَنْبِيهِهِمْ إلى أنَّ ما أصابَهم مِن ذَلِكَ البُؤْسِ هو جَزاءٌ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ الشِّرْكِ تَنْبِيهًا يَبْعَثُهم ويَبْعَثُ الأُمَّةَ عَلى أنْ
صفحة ٩٩
يُلاحِظُوا أحْوالَهم نَحْوَ امْتِثالِ رِضا خالِقِهِمْ ومُحاسِبَةِ أنْفُسِهِمْ حَتّى لا يَحْسَبُوا أنَّ الجَزاءَ الَّذِي أُوعِدُوا بِهِ مَقْصُورٌ عَلى الجَزاءِ في الآخِرَةِ بَلْ يَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ يُصِيبُهُمُ اللَّهُ بِما هو جَزاءٌ لَهم في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ القَحْطِ والجُوعِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ تِلْكَ الدَّعْوَةُ ناشِئَةً عَلى ما لا قُوَّةَ بِهِ مِنَ الأذى - لا جَرَمَ كانَ ما أصابَهم مُسَبَّبًا عَلى ما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ.
فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، وأُطْلِقَ كَسْبُ الأيْدِي عَلى الأفْعالِ والأقْوالِ المُنْكَرَةِ عَلى وجْهِ المَجازِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ بِما صَدَرَ مِنكم مِن أقْوالِ الشِّرْكِ ولِأذى لِلنَّبِيءِ ﷺ وفِعْلِ المُنْكَراتِ النّاشِئَةِ عَنْ دِينِ الشِّرْكِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ابْتِداءٌ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن سِياقِ الآياتِ كُلِّها وهم أوْلى بِهَذِهِ المَوْعِظَةِ لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ ويَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ القِياسِ وبِما دَلَّ عَلى شُمُولِ هَذا الحُكْمِ لَهم مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ومِن آياتٍ أُخْرى.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ سَبَبُ ما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ هو أعْمالُكم. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ عَلى أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ وهي مُبْتَدَأٌ. و﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ كُتِبَتْ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ وقَرَأ الباقُونَ (﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾) بِفاءٍ قَبْلَ الباءِ وكَذَلِكَ كُتِبَتْ في مُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ، عَلى أنَّ (ما) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الشَّرْطِ فاقْتَرَنَ خَبَرُها بِالفاءِ لِذَلِكَ، أوْ هي شَرْطِيَّةٌ والفاءُ رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ. ويَكُونُ وُقُوعُ فِعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ.
و(مِن) بَيانِيَّةٌ عَلى القِراءَتَيْنِ لِما في المَوْصُولِ واسْمِ الشَّرْطِ مِنَ الإبْهامِ.
والمُصِيبَةُ: اسْمٌ لِلْحادِثَةِ الَّتِي تُصِيبُ بِضُرٍّ ومَكْرُوهٍ، وقَدْ لَزِمَتْها هاءُ التَّأْنِيثِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحادِثَةِ فَلِذَلِكَ تُنُوسِيَتْ مِنها الوَصْفِيَّةُ وصارَتِ اسْمًا لِلْحادِثَةِ المَكْرُوهَةِ.
فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ تُعَيِّنُ مَعْنى عُمُومِ التَّسَبُّبِ لِأفْعالِهِمْ فِيما يُصِيبُهم مِنَ المَصائِبِ لِأنَّ (ما) في هَذِهِ القِراءَةِ إمّا شَرْطِيَّةٌ والشَّرْطُ دالٌّ عَلى التَّسَبُّبِ وإمّا مَوْصُولَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِالشَّرْطِيَّةِ، فالمَوْصُولِيَّةُ تُفِيدُ الإيماءَ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، وتَشْبِيهُها بِالشَّرْطِيَّةِ يُفِيدُ التَّسَبُّبَ.
صفحة ١٠٠
وقِراءَةُ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ لا تُعَيِّنُ التَّسَبُّبَ بَلْ تُجَوِّزُهُ لِأنَّ المَوْصُولَ قَدْ يُرادُ بِهِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ بِالوَصْفِ بِالصِّلَةِ، فَتُحَمَلُ عَلى العُمُومِ بِالقَرِينَةِ وبِتَأْيِيدِ القِراءَةِ الأُخْرى لِأنَّ الأصْلَ في اخْتِلافِ القِراءاتِ الصَّحِيحَةِ اتِّحادُ المَعانِي.
وكِلْتا القِراءَتَيْنِ سَواءٌ في احْتِمالِ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالخِطابِ فَرِيقًا مُعَيَّنًا وأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ جَمِيعَ النّاسِ، وكَذَلِكَ في أنْ يَكُونَ المُرادُ مَصائِبَ مُعَيَّنَةً حَصَلَتْ في الماضِي، وأنْ يُرادَ جَمِيعُ المَصائِبِ الَّتِي حَصَلَتْ والَّتِي تَحْصُلُ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يُفِيدُ: أنَّ مِمّا يُصِيبُ النّاسَ مِن مَصائِبِ الدُّنْيا ما هو جَزاءٌ لَهم عَلى أعْمالِهِمُ الَّتِي لا يَرْضاها اللَّهُ تَعالى كَمَثَلِ المُصِيبَةِ أوِ المَصائِبِ الَّتِي أصابَتِ المُشْرِكِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ وأذاهم لِلرَّسُولِ ﷺ .
ثُمَّ إنْ كانَتْ (ما) شَرْطِيَّةً كانَتْ دَلالَتُها عَلى عُمُومِ مَفْهُومِها المُبَيَّنِ بِحَرْفِ (مِن) البَيانِيَّةِ أظْهَرَ؛ لِأنَّ شَرْطَها الماضِيَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما هو كَثِيرٌ في الشُّرُوطِ المَصُوغَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ، والتَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ يُمَحِّضُها لِلْمُسْتَقْبَلِ، وإنْ كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً كانَتْ دَلالَتُها مُحْتَمِلَةً لِلْعُمُومِ ولِلْخُصُوصِ لِأنَّ المَوْصُولَ يَكُونُ لِلْعَهْدِ ويَكُونُ لِلْجِنْسِ.
وأيًّا ما كانَ فَهو دالٌّ عَلى أنَّ مِنَ المَصائِبِ الَّتِي تُصِيبُ النّاسَ في الدُّنْيا ما سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَزاءً عَلى سُوءِ أعْمالِهِمْ وإذا كانَ ذَلِكَ ثابِتًا بِالنِّسْبَةِ لِأُناسٍ مُعَيَّنِينَ كانَ فِيهِ نِذارَةٌ وتَحْذِيرٌ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِن جِنْسِ أفْعالِهِمْ أنْ تَحِلَّ بِهِمْ مَصائِبُ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى أعْمالِهِمْ زِيادَةً في التَّنْكِيلِ بِهِمْ إلّا أنَّ هَذا الجَزاءَ لا يَطَّرِدُ فَقَدْ يُجازِي اللَّهُ قُومًا عَلى أعْمالِهِمْ جَزاءً في الدُّنْيا مَعَ جَزاءِ الآخِرَةِ، وقَدْ يَتْرُكُ قَوْمًا إلى جَزاءِ الآخِرَةِ، فَجَزاءُ الآخِرَةِ في الخَيْرِ والشَّرِّ هو المُطَّرِدُ المَوْعُودُ بِهِ، والجَزاءُ في الدُّنْيا قَدْ يَحْصُلُ وقَدْ لا يَحْصُلُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ كَما سَنُبَيِّنُهُ.
وهَذا المَعْنى قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ في آياتٍ وأحادِيثَ كَثِيرَةٍ بِوَجْهِ الكُلِّيَّةِ وبِوَجْهِ الجُزْئِيَّةِ، فَمِمّا جاءَ بِطَرِيقِ الكُلِّيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمْنَ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمّا﴾ [الفجر: ١٩] الآيَةَ،
صفحة ١٠١
فَقَوْلُهُ: ﴿بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ (كَلّا) المُرَتَّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِي﴾ [الفجر: ١٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِي﴾ [الفجر: ١٦]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَرامَةَ والإهانَةَ إنَّما تَسَبَّبا عَلى عَدَمِ إكْرامِ اليَتِيمِ والحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ، وقالَ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] .
وفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا تُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ» . وهو يَنْظُرُ إلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وأمّا جاءَ عَلى وجْهِ الجُزْئِيَّةِ فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢] ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٢] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْهُ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ [نوح: ٣] ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] في سُورَةِ نُوحٍ. وقَوْلُهُ خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] وقالَ حِكايَةً عَنْ مُوسى ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] في الأعْرافِ، وقالَ في فِرْعَوْنَ ﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥]، وقالَ في المُنافِقِينَ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] في ”بَراءَةٌ“ .
وفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قالَ النَّبِيءُ: «نَقْلُ الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ، وإسْباغُ الوُضُوءِ في المَكْرُوهاتِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، مَن يُحافِظُ عَلَيْهِنَّ عاشَ بِخَيْرٍ وماتَ بِخَيْرٍ»، وفي بابِ العُقُوباتِ مِن آخَرِ سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» .
وفِي البُخارِيِّ «قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ إنّا آمَنّا بِاللَّهِ وجاهَدْنا في سَبِيلِهِ فَوَجَبَ أجْرُنا عَلى اللَّهِ فَمِنّا مَن ذَهَبَ لَمْ يَأْخُذْ مِن أجْرِهِ شَيْئًا مِنهم مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، ماتَ وما تَرَكَ إلّا. . . كُنّا إذا غَطَّيْنا بِها رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلاهُ وإذا غَطَّيْنا رِجْلَيْهِ بَدا رَأْسُهُ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نُغَطِّيَ بِها رَأْسَهُ ونَضَعَ عَلى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ
صفحة ١٠٢
ومِنهم مَن عُجِّلَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهو يُهَدِّبُها» .
وإذا كانَتِ المُصِيبَةُ في الدُّنْيا تَكُونُ جَزاءً عَلى فِعْلِ الشَّرِّ فَكَذَلِكَ خَيْراتُ الدُّنْيا قَدْ تَكُونُ جَزاءً عَلى فِعْلِ الخَيْرِ قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، وقالَ حِكايَةً عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] أيْ مُذْنِبِينَ، أيْ وأنْتَ لَمْ تَكُنْ خاطِئًا، وقالَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤٨] في آلِ عِمْرانَ وقالَ: ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢] في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] في سُورَةِ النُّورِ.
وهَذا كُلُّهُ لا يَنْقُضُ الجَزاءَ في الآخِرَةِ، فَمَن أنْكَرُوا ذَلِكَ وقالُوا: إنَّ الجَزاءَ إنَّما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أيْ يَوْمِ الجَزاءِ وإنَّما الدُّنْيا دارُ تَكْلِيفٍ والآخِرَةُ دارُ الجَزاءِ - فالجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: هو أنَّهُ لَيْسَ كَوْنُ ما يُصِيبُ مِنَ الشَّرِّ والخَيْرِ في الدُّنْيا جَزاءً عَلى عَمَلٍ بِمُطَّرِدٍ، ولا مُتَعَيِّنٍ لَهُ فَإنَّ لِذَلِكَ أسْبابًا كَثِيرَةً وتَدْفَعُهُ أوْ تَدْفَعُ بَعْضًا مِنهُ جَوابِرُ كَثِيرَةٌ واللَّهُ يُقَدِّرُ ذَلِكَ اسْتِحْقاقًا ودَفْعًا ولَكِنَّهُ مِمّا يَزِيدُهُ اللَّهُ بِهِ الجَزاءَ إنْ شاءَ.
وقَدْ تُصِيبُ الصّالِحِينَ نَكَباتٌ ومَصائِبُ وآلامٌ فَتَكُونُ بَلْوى وزِيادَةً في الأجْرِ ولِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وقَدْ تُصِيبُ المُسْرِفِينَ خَيْراتٌ ونِعَمٌ إمْهالًا واسْتِدْراجًا ولِأسْبابٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ وهو أعْلَمُ بِخَفايا خَلْقِهِ ونَواياهم ومَقادِيرِ أعْمالِهِمْ مِن حَسَناتٍ وسَيِّئاتٍ، واسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمْ وعُقُولِهِمْ لِمُخْتَلِفِ مَصادِرِ الخَيْرِ والشَّرِّ؛ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] .
ومِمّا اخْتَبَطَ فِيهِ ضُعَفاءُ المَعْرِفَةِ وقُصّارُ الأنْظارِ أنْ زَعَمَ أهْلُ القَوْلِ بِالتَّناسُخِ أنَّ هَذِهِ المَصائِبَ الَّتِي لا نَرى لَها أسْبابًا والخَيْراتِ الَّتِي تَظْهَرُ في مُواطِنَ تَحُفُّ بِها مُقْتَضَياتُ الشُّرُورِ إنَّما هي بِسَبَبِ جَزاءِ الأرْواحِ المُودَعَةِ في الأجْسامِ الَّتِي نُشاهِدُها
صفحة ١٠٣
عَلى ما كانَتْ أصابَتْهُ مِن مُقْتَضَياتِ الأحْوالِ الَّتِي عَرَضَتْ لَها في مَرْآِنا قَبْلَ أنْ تُوضَعَ في هَذِهِ الأجْسادِ الَّتِي نَراها. وقَدْ عَمُوا عَمّا يَرُدُّ عَلى هَذا الزَّعْمِ مِن سُؤالٍ عَنْ سَبَبِ إيداعِ الأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ في الأجْسادِ المُيَسَّرَةِ لِلصّالِحاتِ والعَكْسِ، فَبِئْسَ ما يَفْتَرُونَ !
فَقَوْلُهُ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾، وضَمِيرُ يَعْفُو عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ﴾ [الشورى: ٢٩] . وهَذا يُشِيرُ إلى ما يَتَراءى لَنا مِن تَخَلُّفِ إصابَةِ المُصِيبَةِ عَنْ بَعْضِ الَّذِينَ كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ جَرائِمَ، ومِن ضِدِّ ذَلِكَ مِمّا تُصِيبُ المَصائِبُ بَعْضَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وهو إجْمالٌ يُبَيِّنُهُ عَلى الجُمْلَةِ أنَّ ما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ عِبادَهِ وما تَغَلَّبَ مِن حَسَناتِهِمْ عَلى سَيِّئاتِهِمْ، وما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ مِن إمْهالِ بَعْضِ عِبادِهِ أوْ مِنِ ابْتِلاءِ بَعْضِ المُقَرَّبِينَ، وتِلْكَ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ تَتَعارَضُ وتَتَساقَطُ والمُوَفَّقُ يَبْحَثُ عَنِ الأسْبابِ فَإنْ أعْجَزَتْهُ فَوَّضَ العِلْمَ إلى اللَّهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْفُو، أيْ يَصْفَحُ فَلا يُصِيبُ كَثِيرًا مِن عِبادِهِ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا جَزاءَ السُّوءِ بِعُقُوباتٍ دُنْيَوِيَّةٍ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِهِمْ. فالمُرادُ هُنا: العَفْوُ عَنِ المُؤاخَذَةِ في الدُّنْيا ولا عَلاقَةَ لَها بِجَزاءِ الآخِرَةِ فَإنَّ فِيهِ أدِلَّةً أُخْرى مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وكَثِيرٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ عَنْ خَلْقٍ أوْ ناسٍ.
الشورى 42:31
﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وهو احْتِراسٌ، أيْ يَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ فَإنَّكم لا تُعْجِزُونَهُ ولا تَغْلِبُونَهُ ولَكِنْ يَعْفُو تَفَضُّلًا.
والمُعْجِزُ: الغالِبُ غَيْرَهُ بِانْفِلاتِهِ مِن قَبْضَتِهِ.
والمَعْنى: ما أنْتُمْ بِفالِتِينَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ.
صفحة ١٠٤
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أصابَكم بِمُصِيبَةِ القَحْطِ ثُمَّ عَفا عَنْكم بِرَفْعِ القَحْطِ عَنْكم وما أنْتُمْ بِمُفْلِتِينَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ إنْ شاءَ أنْ يُصِيبَكم، فَهو مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي سُفْيانَ حِينَ دَعا بِرَفْعِ القَحْطِ عَنْهم تَعُودُونَ بَعْدُ وقَدْ عادُوا فَأصابَهُمُ اللَّهُ بِبَطْشَةِ بَدْرٍ قالَ: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] .
وتَقْيِيدُ النَّفْيِ بَقَوْلِهِ: في الأرْضِ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ، أيْ في أيِّ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّهم في مَنَعَةٍ بِحُلُولِهِمْ في مَكَّةَ الَّتِي أمَّنَها اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا خافُوا سَطْوَةَ مَلِكٍ أوْ عَظِيمٍ سَكَنُوا الجِهاتِ الصَّعْبَةَ، كَما قالَ النّابِغَةُ ذاكِرًا تَحْذِيرَهُ قَوْمَهُ مِن تَرَصُّدِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ لَهم وناصِحًا لَهم:
إمّا عُصِيتُ فَإنِّي غَيْرُ مُنْفَلِـتٍ مِنِّي اللِّصابُ فَجَنْبا حَرَّةِ النَّـارِ
أوْ أضَعِ البَيْتَ في صَمّاءَ مُضْلِمَةٍ ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُـدْعَـى أُمَّ صَـبّارِ
تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُهَـا ∗∗∗ تَقَيُّدَ العَيْرِ لا يَسْرِي بِها السّارِي
وجِيءَ بِالخَبَرِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً في قَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الخَبَرِ ودَوامِهِ، أيْ نَفْيُ إعْجازِهِمْ ثابِتٌ لا يَتَخَلَّفُ فَهم في مُكْنَةِ خالِقِهِمْ.
ولَمّا أفادَ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ أنْ يَكُونَ لَهم مَنجًى مِن سُلْطَةِ اللَّهِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَلْجَأٌ يَلْجَأُونَ إلَيْهِ لِيَنْصُرَهم ويَقِيَهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وما لَكَمَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم ولِيٌّ يَتَوَلّاكم فَيَمْنَعَكم مِن سُلْطانِ اللَّهِ ولا نَصِيرٍ يَنْصُرُكم عَلى اللَّهِ إنْ أرادَ إصابَتَكم فَتَغْلِبُونَهُ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ نَفْيَ ما هو مُعْتادٌ بَيْنَهم مِن وُجُوهِ الوِقايَةِ.
ومِن دُونِ اللَّهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (ولِيٍّ ونَصِيرٍ)، والخَبَرُ الأوَّلُ هو لَكم. وتَقْدِيمُ الخِبْرَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِتَعْجِيلِ بَأْسِهِمْ مِن ذَلِكَ.
الشورى 42:32
صفحة ١٠٥
﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
لَمّا جَرى تَذْكِيرُهم بِأنَّ ما أصابَهم مِن مُصِيبَةٍ هو مُسَبَّبٌ عَنِ اقْتِرافِ أعْمالِهِمْ، وتَذْكِيرِهِمْ بِحُلُولِ المَصائِبِ تارَةً وكَشْفِها تارَةً أُخْرى بَقَوْلِهِ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وأعْقَبَ بِأنَّهم في الحالَتَيْنِ غَيْرُ خارِجِينَ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ سِيقَ لَهم ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ جامِعَةً مِثالًا لِإصابَةِ المَصائِبِ وظُهُورِ مَخائِلِها المُخِيفَةِ المُذَكِّرَةِ بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ والَّتِي قَدْ تَأْتِي بِما أُنْذِرُوا بِهِ وقَدْ تَنْكَشِفُ عَنْ غَيْرِ ضُرٍّ، ودَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ إصابَةِ ما أرادَهُ، وإدْماجًا لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ السَّيْرِ في البَحْرِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لِلنّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٩] .
والآياتُ: الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ البَحْرِ، أيِ السُّفُنُ الجَوارِي في البَحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وعَدَلَ عَنِ: الفُلْكِ إلى الجِوارِ إيماءً إلى مَحَلِّ العِبْرَةِ لِأنَّ العِبْرَةَ في تَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرْيِها وتَفْكِيرِ الإنْسانِ في صُنْعِها.
والأعْلامُ: جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، والمُرادُ: بِالجَوارِي السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَسَعُ ناسًا كَثِيرِينَ، والعِبْرَةُ بِها أظْهَرُ والنِّعْمَةُ بِها أكْثَرُ.
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ الجِوارِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الرّاءِ ولَها نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ في الرَّسْمِ والقِراءَةِ، ولِلْقُرّاءِ في أمْثالِها اخْتِلافٌ وهي الَّتِي تُدْعى عِنْدَ عُلَماءِ القِراءاتِ بِالياءاتِ الزَّوائِدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (الجَوارِي) في هَذِهِ السُّورَةِ بِإثْباتِ الياءِ في
صفحة ١٠٦
حالَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالَةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.
وإسْكانُ الرِّياحِ: قَطْعُ هُبُوبِها، فَإنَّ الرِّيحَ حَرَكَةٌ وتَمَوُّجٌ في الهَواءِ فَإذا سَكَنَ ذَلِكَ التَّمَوُّجُ فَلا رِيحَ.
وقَرَأ نافِعٌ (الرِّياحَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ الرِّيحَ بِلَفْظِ المُفْرَدِ. وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّيحَ قَدْ تُطْلَقُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى رِيحِ الخَيْرِ، وما قِيلَ: إنَّ الرِّياحَ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلْعَذابِ في القُرْآنِ هو غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ. وقَدْ قُرِئَ في آياتٍ أُخْرى الرِّياحَ والرِّيحَ في سِياقِ الخَيْرِ دُونَ العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَشَأْ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ مِن طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ بِألَفٍ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ.
والرَّواكِدُ: جَمْعُ راكِدَةٍ، والرُّكُودُ: الِاسْتِقْرارُ والثُّبُوتُ.
والظَّهْرُ: الصُّلْبُ لِلْإنْسانِ والحَيَوانِ، ويُطْلَقُ عَلى أعْلى الشَّيْءِ إطْلاقًا شائِعًا. يُقالُ: ظَهْرُ البَيْتِ، أيْ سَطْحُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] . وأصْلُهُ: اسْتِعارَةٌ فَشاعَتْ حَتّى قارَبَتِ الحَقِيقَةَ، فَظَهْرُ البَحْرِ سَطْحُ مائِهِ البادِي لِلنّاظِرِ، كَما أُطْلِقَ ظَهْرُ الأرْضِ عَلى ما يَبْدُو مِنها، قالَ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .
وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ لِأنَّ في الحالَتَيْنِ خَوْفًا ونَجاةً، والخَوْفُ يَدْعُو إلى الصَّبْرِ، والنَّجاةُ تَدْعُو إلى الشُّكْرِ. والمُرادُ: أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مُتَخَلِّقٍ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ، فَهو يَعْتَبِرُ بِأحْوالِ الفُلْكِ في البَحْرِ اعْتِبارًا يُقارِنُهُ الصَّبْرُ أوِ الشُّكْرُ.
وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآيَةِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّها تَمُرُّ بِأعْيُنِهِمْ فَلا يَعْتَبِرُونَ بِها.
وقَوْلُهُ أوْ يُوبِقْهُنَّ عَطْفٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ.
ويُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكُهُنَّ. والإيباقُ: الإهْلاكُ، وفِعْلُهُ وبَقَ كَوَعَدَ. والمُرادُ بِهِ
صفحة ١٠٧
هُنا الغَرَقُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الإناثِ عائِدًا إلى الجَوارِ عَلى أنْ يُسْتَعارَ الإيباقِ لِلْإغْراقِ لِأنَّ الإغْراقَ إتْلافٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الرّاكِبِينَ عَلى تَأْوِيلِ مُعادِ الضَّمِيرِ بِالجَماعاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِما كَسَبُوا فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ عَطْفٌ عَلى يُوبِقْهُنَّ فَهو في مَعْنى جَزاءٍ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ وإنْ يَشَأْ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فَلا يُوبِقُهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يُوبَقُوا. وهَذا العَطْفُ اعْتِراضٌ.
الشورى 42:33
صفحة ١٠٥
﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
لَمّا جَرى تَذْكِيرُهم بِأنَّ ما أصابَهم مِن مُصِيبَةٍ هو مُسَبَّبٌ عَنِ اقْتِرافِ أعْمالِهِمْ، وتَذْكِيرِهِمْ بِحُلُولِ المَصائِبِ تارَةً وكَشْفِها تارَةً أُخْرى بَقَوْلِهِ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وأعْقَبَ بِأنَّهم في الحالَتَيْنِ غَيْرُ خارِجِينَ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ سِيقَ لَهم ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ جامِعَةً مِثالًا لِإصابَةِ المَصائِبِ وظُهُورِ مَخائِلِها المُخِيفَةِ المُذَكِّرَةِ بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ والَّتِي قَدْ تَأْتِي بِما أُنْذِرُوا بِهِ وقَدْ تَنْكَشِفُ عَنْ غَيْرِ ضُرٍّ، ودَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ إصابَةِ ما أرادَهُ، وإدْماجًا لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ السَّيْرِ في البَحْرِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لِلنّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٩] .
والآياتُ: الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ البَحْرِ، أيِ السُّفُنُ الجَوارِي في البَحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وعَدَلَ عَنِ: الفُلْكِ إلى الجِوارِ إيماءً إلى مَحَلِّ العِبْرَةِ لِأنَّ العِبْرَةَ في تَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرْيِها وتَفْكِيرِ الإنْسانِ في صُنْعِها.
والأعْلامُ: جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، والمُرادُ: بِالجَوارِي السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَسَعُ ناسًا كَثِيرِينَ، والعِبْرَةُ بِها أظْهَرُ والنِّعْمَةُ بِها أكْثَرُ.
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ الجِوارِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الرّاءِ ولَها نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ في الرَّسْمِ والقِراءَةِ، ولِلْقُرّاءِ في أمْثالِها اخْتِلافٌ وهي الَّتِي تُدْعى عِنْدَ عُلَماءِ القِراءاتِ بِالياءاتِ الزَّوائِدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (الجَوارِي) في هَذِهِ السُّورَةِ بِإثْباتِ الياءِ في
صفحة ١٠٦
حالَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالَةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.
وإسْكانُ الرِّياحِ: قَطْعُ هُبُوبِها، فَإنَّ الرِّيحَ حَرَكَةٌ وتَمَوُّجٌ في الهَواءِ فَإذا سَكَنَ ذَلِكَ التَّمَوُّجُ فَلا رِيحَ.
وقَرَأ نافِعٌ (الرِّياحَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ الرِّيحَ بِلَفْظِ المُفْرَدِ. وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّيحَ قَدْ تُطْلَقُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى رِيحِ الخَيْرِ، وما قِيلَ: إنَّ الرِّياحَ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلْعَذابِ في القُرْآنِ هو غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ. وقَدْ قُرِئَ في آياتٍ أُخْرى الرِّياحَ والرِّيحَ في سِياقِ الخَيْرِ دُونَ العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَشَأْ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ مِن طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ بِألَفٍ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ.
والرَّواكِدُ: جَمْعُ راكِدَةٍ، والرُّكُودُ: الِاسْتِقْرارُ والثُّبُوتُ.
والظَّهْرُ: الصُّلْبُ لِلْإنْسانِ والحَيَوانِ، ويُطْلَقُ عَلى أعْلى الشَّيْءِ إطْلاقًا شائِعًا. يُقالُ: ظَهْرُ البَيْتِ، أيْ سَطْحُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] . وأصْلُهُ: اسْتِعارَةٌ فَشاعَتْ حَتّى قارَبَتِ الحَقِيقَةَ، فَظَهْرُ البَحْرِ سَطْحُ مائِهِ البادِي لِلنّاظِرِ، كَما أُطْلِقَ ظَهْرُ الأرْضِ عَلى ما يَبْدُو مِنها، قالَ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .
وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ لِأنَّ في الحالَتَيْنِ خَوْفًا ونَجاةً، والخَوْفُ يَدْعُو إلى الصَّبْرِ، والنَّجاةُ تَدْعُو إلى الشُّكْرِ. والمُرادُ: أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مُتَخَلِّقٍ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ، فَهو يَعْتَبِرُ بِأحْوالِ الفُلْكِ في البَحْرِ اعْتِبارًا يُقارِنُهُ الصَّبْرُ أوِ الشُّكْرُ.
وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآيَةِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّها تَمُرُّ بِأعْيُنِهِمْ فَلا يَعْتَبِرُونَ بِها.
وقَوْلُهُ أوْ يُوبِقْهُنَّ عَطْفٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ.
ويُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكُهُنَّ. والإيباقُ: الإهْلاكُ، وفِعْلُهُ وبَقَ كَوَعَدَ. والمُرادُ بِهِ
صفحة ١٠٧
هُنا الغَرَقُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الإناثِ عائِدًا إلى الجَوارِ عَلى أنْ يُسْتَعارَ الإيباقِ لِلْإغْراقِ لِأنَّ الإغْراقَ إتْلافٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الرّاكِبِينَ عَلى تَأْوِيلِ مُعادِ الضَّمِيرِ بِالجَماعاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِما كَسَبُوا فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ عَطْفٌ عَلى يُوبِقْهُنَّ فَهو في مَعْنى جَزاءٍ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ وإنْ يَشَأْ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فَلا يُوبِقُهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يُوبَقُوا. وهَذا العَطْفُ اعْتِراضٌ.
الشورى 42:34
صفحة ١٠٥
﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّياحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿أوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾
لَمّا جَرى تَذْكِيرُهم بِأنَّ ما أصابَهم مِن مُصِيبَةٍ هو مُسَبَّبٌ عَنِ اقْتِرافِ أعْمالِهِمْ، وتَذْكِيرِهِمْ بِحُلُولِ المَصائِبِ تارَةً وكَشْفِها تارَةً أُخْرى بَقَوْلِهِ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، وأعْقَبَ بِأنَّهم في الحالَتَيْنِ غَيْرُ خارِجِينَ عَنْ قَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ سِيقَ لَهم ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ جامِعَةً مِثالًا لِإصابَةِ المَصائِبِ وظُهُورِ مَخائِلِها المُخِيفَةِ المُذَكِّرَةِ بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ والَّتِي قَدْ تَأْتِي بِما أُنْذِرُوا بِهِ وقَدْ تَنْكَشِفُ عَنْ غَيْرِ ضُرٍّ، ودَلِيلًا عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ إصابَةِ ما أرادَهُ، وإدْماجًا لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ السَّيْرِ في البَحْرِ وتَسْخِيرِ البَحْرِ لِلنّاسِ فَإنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا مِثْلَ جُمْلَةِ ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٩] .
والآياتُ: الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ.
والجَوارِي: جَمْعُ جارِيَةٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ البَحْرِ، أيِ السُّفُنُ الجَوارِي في البَحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحاقَّةِ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] . وعَدَلَ عَنِ: الفُلْكِ إلى الجِوارِ إيماءً إلى مَحَلِّ العِبْرَةِ لِأنَّ العِبْرَةَ في تَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرْيِها وتَفْكِيرِ الإنْسانِ في صُنْعِها.
والأعْلامُ: جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ، والمُرادُ: بِالجَوارِي السُّفُنُ العَظِيمَةُ الَّتِي تَسَعُ ناسًا كَثِيرِينَ، والعِبْرَةُ بِها أظْهَرُ والنِّعْمَةُ بِها أكْثَرُ.
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ الجِوارِ في المُصْحَفِ بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الرّاءِ ولَها نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ في الرَّسْمِ والقِراءَةِ، ولِلْقُرّاءِ في أمْثالِها اخْتِلافٌ وهي الَّتِي تُدْعى عِنْدَ عُلَماءِ القِراءاتِ بِالياءاتِ الزَّوائِدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (الجَوارِي) في هَذِهِ السُّورَةِ بِإثْباتِ الياءِ في
صفحة ١٠٦
حالَةِ الوَصْلِ وبِحَذْفِها في حالَةِ الوَقْفِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ. وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها في الحالَيْنِ.
وإسْكانُ الرِّياحِ: قَطْعُ هُبُوبِها، فَإنَّ الرِّيحَ حَرَكَةٌ وتَمَوُّجٌ في الهَواءِ فَإذا سَكَنَ ذَلِكَ التَّمَوُّجُ فَلا رِيحَ.
وقَرَأ نافِعٌ (الرِّياحَ) بِلَفْظِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ الباقُونَ الرِّيحَ بِلَفْظِ المُفْرَدِ. وفي قِراءَةِ الجُمْهُورِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الرِّيحَ قَدْ تُطْلَقُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى رِيحِ الخَيْرِ، وما قِيلَ: إنَّ الرِّياحَ لِلْخَيْرِ والرِّيحَ لِلْعَذابِ في القُرْآنِ هو غالِبٌ لا مُطَّرِدٌ. وقَدْ قُرِئَ في آياتٍ أُخْرى الرِّياحَ والرِّيحَ في سِياقِ الخَيْرِ دُونَ العَذابِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يَشَأْ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ مِن طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ بِألَفٍ عَلى أنَّهُ تَخْفِيفٌ لِلْهَمْزَةِ.
والرَّواكِدُ: جَمْعُ راكِدَةٍ، والرُّكُودُ: الِاسْتِقْرارُ والثُّبُوتُ.
والظَّهْرُ: الصُّلْبُ لِلْإنْسانِ والحَيَوانِ، ويُطْلَقُ عَلى أعْلى الشَّيْءِ إطْلاقًا شائِعًا. يُقالُ: ظَهْرُ البَيْتِ، أيْ سَطْحُهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] . وأصْلُهُ: اسْتِعارَةٌ فَشاعَتْ حَتّى قارَبَتِ الحَقِيقَةَ، فَظَهْرُ البَحْرِ سَطْحُ مائِهِ البادِي لِلنّاظِرِ، كَما أُطْلِقَ ظَهْرُ الأرْضِ عَلى ما يَبْدُو مِنها، قالَ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] .
وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ لِأنَّ في الحالَتَيْنِ خَوْفًا ونَجاةً، والخَوْفُ يَدْعُو إلى الصَّبْرِ، والنَّجاةُ تَدْعُو إلى الشُّكْرِ. والمُرادُ: أنَّ في ذَلِكَ آياتٍ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مُتَخَلِّقٍ بِخُلُقِ الصَّبْرِ عَلى الضَّرّاءِ والشُّكْرِ لِلسَّرّاءِ، فَهو يَعْتَبِرُ بِأحْوالِ الفُلْكِ في البَحْرِ اعْتِبارًا يُقارِنُهُ الصَّبْرُ أوِ الشُّكْرُ.
وإنَّما جَعَلَ ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآيَةِ فَيَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّها تَمُرُّ بِأعْيُنِهِمْ فَلا يَعْتَبِرُونَ بِها.
وقَوْلُهُ أوْ يُوبِقْهُنَّ عَطْفٌ عَلى جَزاءِ الشَّرْطِ.
ويُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكُهُنَّ. والإيباقُ: الإهْلاكُ، وفِعْلُهُ وبَقَ كَوَعَدَ. والمُرادُ بِهِ
صفحة ١٠٧
هُنا الغَرَقُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الإناثِ عائِدًا إلى الجَوارِ عَلى أنْ يُسْتَعارَ الإيباقِ لِلْإغْراقِ لِأنَّ الإغْراقَ إتْلافٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الرّاكِبِينَ عَلى تَأْوِيلِ مُعادِ الضَّمِيرِ بِالجَماعاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: بِما كَسَبُوا فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ عَطْفٌ عَلى يُوبِقْهُنَّ فَهو في مَعْنى جَزاءٍ لِلشَّرْطِ المُقَدَّرِ، أيْ وإنْ يَشَأْ يَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فَلا يُوبِقُهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ أنْ يُوبَقُوا. وهَذا العَطْفُ اعْتِراضٌ.
الشورى 42:35
﴿ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ بِرَفْعِ (ويَعْلَمُ) عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِالنَّصْبِ.
فَأمّا الِاسْتِئْنافُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ فَمَعْناهُ أنَّهُ كَلامٌ آنِفٌ لا ارْتِباطَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، وذَلِكَ تَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا مَحِيصَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] صارَ المَعْنى: ومِن آياتِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ الجَوارِي في البَحْرِ. والمُشْرِكُونَ يُجادِلُونَ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ بِالإعْراضِ والِانْصِرافِ عَنْ سَماعِها فَهَدَّدَهُمُ اللَّهُ بِأنْ أعْلَمَهم أنَّهم لا مَحِيصَ لَهم، أيْ مِن عَذابِهِ فَحَذَفَ مُتَعَلِّقَ المَحِيصِ إبْهامًا لَهُ تَهْوِيلًا لِلتَّهْدِيدِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ خَبَرًا مُرادًا بِهِ الإنْشاءُ والطَّلَبُ فَهو في قُوَّةِ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾، أوِ اعْلَمُوا يا مَن يُجادِلُونَ، ولَيْسَ خَبَرًا عَنْهم لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ حَتّى يَعْلَمُوهُ.
وأمّا قِراءَةُ النَّصْبِ فَهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى العَطْفِ عَلى فِعْلٍ
صفحة ١٠٨
مَدْخُولٍ لِلامِ التَّعْلِيلِ، وتَضَمَّنَ (أنْ) بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ: لِيَنْتَقِمَ مِنهم ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ الخَ. وسَمَّوْا هَذِهِ الواوَ واوَ الصَّرْفِ، لِأنَّها تَصْرِفُ ما بَعْدَها عَنْ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَها، إلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى فِعْلٍ مُتَصَيَّدٍ مِنَ الكَلامِ وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما يَرْتَفِعُ بَيْنَ الجَزْمَيْنِ ويَنْجَزِمُ بَيْنَهُما، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ، وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ الواوَ واوُ المَعِيَّةِ الَّتِي يُنْصَبُ الفِعْلُ المُضارِعُ بَعْدَها بِـ (أنْ) مُضْمَرَةٍ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلًا في مُقارَبَةِ المُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فَلَمّا كانَ عِلْمُهم بِذَلِكَ يُوشِكُ أنْ يَحْصُلَ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الحاصِلِ فَأُخْبِرَ عَنْهم بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ إنْذارًا بِعِقابٍ يَحْصُلُ لَهم قَرِيبٍ وهو عَذابُ السَّيْفِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وذُكِرَ فِعْلُ (يَعْلَمُ) لِلتَّنْوِيهِ والِاعْتِناءِ بِالخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في سُورَةِ الأنْفالِ «، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ رَأى أبا مَسْعُودٍ الأنْصارِيَّ يَضْرِبُ غُلامًا لَهُ فَناداهُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ، قالَ أبُو مَسْعُودٍ: فالتَفَتُّ فَإذا هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإذا هو يَقُولُ: اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ فَألْقَيْتُ السَّوْطَ مِن يَدِي، فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا الغُلامِ» رَواهُ مُسْلِمٌ أواخِرَ كِتابِ الإيمانِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(ما) نافِيَةٌ، وهي مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ (يَعْلَمُ) عَنْ نَصْبِ المَفْعُولَيْنِ.
والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَن حاصَ، إذا أخَذَ في الفِرارِ ومالَ في سَيْرِهِ، وفي حَدِيثِ أبِي سُفْيانَ في وصْفِ مَجْلِسِ هِرَقْلَ فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ وأُغْلِقَتِ الأبْوابُ. والمَعْنى: ما لَهم مِن فِرارٍ ومَهْرَبٍ مِن لِقاءِ اللَّهِ. والمُرادُ: ما لَهم مِن مَحِيدٍ ولا مَلْجَأٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١] في سُورَةِ النِّساءِ.
الشورى 42:36
صفحة ١٠٩
﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا﴾ [الشورى: ٢٧] إلى آخِرِها، فَإنَّها اقْتَضَتْ وُجُودَ مُنْعَمٍ عَلَيْهِ ومَحْرُومٍ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ ما أُوتُوهُ مِن رِزْقٍ هو عَرَضٌ زائِلٌ، وأنَّ الخَيْرَ في الثَّوابِ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ المُناسَبَةِ لِما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤] مِن سَلامَةِ النّاسِ مِن كَثِيرٍ مِن أهْوالِ الأسْفارِ البَحْرِيَّةِ فَإنَّ تِلْكَ السَّلامَةَ نِعْمَةٌ مِن نَعَمِ الدُّنْيا، فَفُرِّعَتْ عَلَيْهِ الذِّكْرى بِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ نِعْمَةٌ قَصِيرَةُ الزَّمانِ صائِرَةٌ إلى الزَّوالِ فَلا يَجْعَلُها المُوَفَّقُ غايَةَ سَعْيِهِ ولْيَسْعَ لِعَمَلِ الآخِرَةِ الَّذِي يَأْتِي بِالنَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ وهو النَّعِيمُ الَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ أُوتِيتُمْ لِلْمُشْرِكِينَ جَرْيًا عَلى نَسَقِ الخِطابِ السّابِقِ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]، ويَنْسَحِبُ الحُكْمُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِلَحْنِ الخِطابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، فالفاءُ الأُولى لِلتَّفْرِيعِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ ضُمِّنَتْ مَعْنى الشُّرَطِ والفاءُ الثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ داخِلَةٌ عَلى خَبَرِ (ما) المَوْصُولَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وإنَّما لَمْ نَجْعَلْ (ما) شَرْطِيَّةً لِأنَّ المَعْنى عَلى الإخْبارِ لا عَلى التَّعْلِيقِ، وإنَّما تَضْمَنُ مَعْنى الشَّرْطِ وهو مُجَرَّدُ مُلازَمَةِ الخَبَرِ لِمَدْلُولِ اسْمِ المَوْصُولِ كَما تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] في قِراءَةِ غَيْرِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ.
ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِلَّذِينِ آمَنُوا خَيْرٌ وأبْقى عَلى وجْهِ التَّنازُعِ، وأُتْبِعَتْ صِلَةُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما يَدُلُّ عَلى عَمَلِهِمْ بِإيمانِهِمْ في اعْتِقادِهِ فَعَطَفَ عَلى الصِّلَةِ أنَّهم يَتَوَكَّلُونَ عَلى رَبِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِ. وهَذا التَّوَكُّلُ إفْرادٌ لِلَّهِ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ في كُلِّ ما تَعْجِزُ عَنْهُ قُدْرَةُ العَبْدِ، فَإنَّ التَّوَجُّهَ إلى غَيْرِهِ في ذَلِكَ يُنافِي التَّوْحِيدَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلى آلِهَتِهِمْ أكْثَرَ مِن تَوَكُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ، ولِكَوْنِ هَذا مُتَمَّمًا لِمَعْنى الَّذِينَ آمَنُوا عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ ولَمْ يُؤْتَ مَعَهُ بِاسْمٍ مَوْصُولٍ بِخِلافِ ما ورَدَ بَعْدَهُ.
الشورى 42:37
صفحة ١١٠
﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾
أتْبَعَ المَوْصُولَ السّابِقَ بِمَوْصُولاتٍ مَعْطُوفٍ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كَما تُعْطَفُ الصِّفاتُ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ، فَكَذَلِكَ عَطْفُ هَذِهِ الصِّلاتِ، ومَوْصُولاتُها أصْحابُها مُتَحِدُّونَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤] الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ: هو الِاهْتِمامُ بِالصِّلاتِ فَيُكَرَّرُ الِاسْمُ المَوْصُولُ لِتَكُونَ صِلَتُهُ مُعْتَنًى بِها حَتّى كَأنَّ صاحِبَها المُتَّحِدَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ ذَواتٍ. فالمَقْصُودُ: ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم، أيْ أتْبَعُوا إيمانَهم بِها. وهَذِهِ صِفاتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم فَهي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ قَدْ تَجْتَمِعُ في المُؤْمِنَ الواحِدِ إذا وُجِدَتْ أسْبابُها وقَدْ لا تَجْتَمِعُ إذا لَمْ تُوجَدْ بَعْضُ أسْبابِها مِثْلَ وأمْرُهم شُورى بَيْنَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (كَبائِرَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (كَبِيرَ) بِالإفْرادِ، فَكَبائِرُ الإثْمِ: الفِعْلاتُ الكَبِيرَةُ مِن جِنْسِ الإثْمِ وهي الآثامُ العَظِيمَةُ الَّتِي نَهى الشَّرْعُ عَنْها نَهْيًا جازِمًا، وتَوَعَّدَ فاعِلَها بِعِقابِ الآخِرَةِ مِثْلَ القَذْفِ والِاعْتِداءِ والبَغْيِ. وعَلى قِراءَةِ (كَبِيرَ الإثْمِ) مُرادٌ بِهِ مَعْنى كَبائِرِ الإثْمِ لِأنَّ المُفْرَدَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُعَرَّفٍ بِلامِ الجِنْسِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ كانَ لَهُ حُكْمُ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ.
والفَواحِشُ: جَمْعُ فاحِشَةٍ، وهي: الفِعْلَةُ المَوْصُوفَةُ بِالشَّناعَةِ والَّتِي شَدَّدَ الدِّينُ في النَّهْيِ عَنْها وتَوَعَّدَ عَلَيْها بِالعَذابِ أوْ وضَعَ لَها عُقُوباتٍ في الدُّنْيا لِلَّذِي يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِن فاعِلِيها. وهَذِهِ مِثْلُ قَتْلِ النَّفْسِ، والزِّنى، والسَّرِقَةِ، والحِرابَةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ [الأعراف: ٢٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وكَبائِرُ الإثْمِ والفَواحِشِ قَدْ تَدْعُو إلَيْها القُوَّةُ الشّاهِيَةُ. ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن كَبائِرِ الإثْمِ والفَواحِشِ مُتَسَبِّبًا عَلى القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ مِثْلَ القَتْلِ والجِراحِ والشَّتْمِ والضَّرْبِ
صفحة ١١١
أعْقَبَ الثَّناءَ عَلى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَها، فَذَكَرَ أنَّ مِن شِيمَتِهِمُ المَغْفِرَةَ عِنْدَ الغَضَبِ، أيْ إمْساكَ أنْفُسِهِمْ عَنْ الِانْدِفاعِ مَعَ داعِيَةِ الغَضَبِ فَلا يَغُولُ الغَضَبُ أحْلامَهم.
وجِيءَ بِكَلِمَةِ (إذا) المُضَمَّنَةِ مَعْنى الشَّرْطِ والدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، لِأنَّ الغَضَبَ طَبِيعَةٌ نَفْسِيَّةٌ لا تَكادُ تَخْلُو عَنْهُ نَفْسُ أحَدٍ عَلى تَفاوُتٍ. وجُمْلَةُ ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ.
وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في جُمْلَةِ هم يَغْفِرُونَ لِإفادَةِ التَّقَوِّي.
وتَقْيِيدُ المُسْنَدِ بِـ (إذا) المُفِيدَةِ مَعْنى الشَّرْطِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ الغُفْرانِ كُلَّما غَضِبُوا.
والمَقْصُودُ مِن هَذا مُعامَلَةُ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَلا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ الآتِي والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ لِأنَّ ذَلِكَ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ أعْداءِ دِينِهِمْ.
الشورى 42:38
﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصِّلْوَةَ وأمْرُهم شُورى بَيْنِهِمْ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
هَذا مَوْصُولٌ آخَرُ وصِلَةٌ أُخْرى. ومَدْلُولُهُما مِن أعْمالِ الَّذِينَ آمَنُوا الَّتِي يَدْعُوهم إلَيْها إيمانُهم، والمَقْصُودُ مِنها ابْتِداءً هُمُ الأنْصارُ، كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَأصَّلَ فِيهِمْ خُلُقُ الشُّورى.
وأمّا الِاسْتِجابَةُ لِلَّهِ فَهي ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ هي الِاسْتِجابَةُ لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّهُ دَعاهم إلى الإسْلامِ مُبَلِّغًا عَنِ اللَّهِ فَكَأنَّ اللَّهَ دَعاهم إلَيْهِ فاسْتَجابُوا لِدَعْوَتِهِ. والسِّينُ والتّاءُ في (اسْتَجابُوا) لِلْمُبالَغَةِ في الإجابَةِ، أيْ هي إجابَةٌ لا يُخالِطُها كَراهِيَةٌ ولا تَرَدُّدٌ.
ولامُ (لَهُ) لِلتَّقْوِيَةِ يُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ كَما يُقالُ: اسْتَجابَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ مِنهُ اسْتِجابَةٌ خاصَّةٌ، وهي إجابَةُ المُبادَرَةِ مِثْلَ أبِي بَكْرٍ وخَدِيجَةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ونُقَباءِ الأنْصارِ أصْحابِ لَيْلَةِ العَقَبَةِ.
صفحة ١١٢
وجُعِلَتْ ﴿وأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾ عَطْفًا عَلى الصِّلَةِ. وقَدْ عُرِفَ الأنْصارُ بِذَلِكَ إذْ كانَ التَّشاوُرُ في الأُمُورِ عادَتَهم فَإذا نَزَلَ بِهِمْ مُهِمٌّ اجْتَمَعُوا وتَشاوَرُوا وكانَ مِن تَشاوُرِهِمُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهِ هو تَشاوُرُهم حِينَ ورَدَ إلَيْهِمْ نُقَباؤُهم وأخْبَرُوهم بِدَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أنْ آمَنُوا هم بِهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، فَلَمّا أبْلَغُوهم ذَلِكَ اجْتَمَعُوا في دارِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ فَأجْمَعَ رَأْيُهم عَلى الإيمانِ بِهِ والنَّصْرِ لَهُ.
وإذْ قَدْ كانَتِ الشُّورى مُفْضِيَةً إلى الرُّشْدِ والصَّوابِ وكانَ مِن أفْضَلِ آثارِها أنِ اهْتَدى بِسَبَبِها الأنْصارُ إلى الإسْلامِ أثْنى اللَّهُ بِها عَلى الإطْلاقِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِالشُّورى الخاصَّةِ الَّتِي تَشاوَرَ بِها الأنْصارُ في الإيمانِ، وأيُّ أمْرِ أعْظَمُ مِن أمْرِ الإيمانِ.
والأمْرُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ الأجْناسِ العامَّةِ مِثْلُ: شَيْءٍ وحادِثٍ. وإضافَةُ اسْمِ الجِنْسِ قَدْ تُفِيدُ العُمُومَ بِمَعُونَةِ المَقامِ، أيْ جَمِيعُ أُمُورِهِمْ مُتَشاوَرٌ فِيها بَيْنَهم.
والإخْبارُ عَنِ الأمْرِ بِأنَّهُ شُورى مِن قَبِيلِ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ. والإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ الشُّورى تُسْنَدُ لِلْمُتَشاوِرِينَ، وأمّا الأمْرُ فَهو ظَرْفٌ مَجازِيٌّ لِلشُّورى، ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ: تَشاوَرا في كَذا، قالَ تَعالى: وشاوِرْهم في الأمْرِ فاجْتَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْرُهم شُورى﴾ مَجازٌ عَقْلِيٌّ واسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ ومُبالَغَةٌ.
والشُّورى مَصْدَرٌ كالبُشْرى والفُتْيا؛ وهي أنَّ قاصِدَ عَمَلٍ يَطْلُبُ مِمَّنْ يَظُنُّ فِيهِ صَوابَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ أنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِما يَراهُ في حُصُولِ الفائِدَةِ المَرْجُوَّةِ مِن عَمَلِهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَوْلُهُ (بَيْنَهم) ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو صِفَةٌ لِـ (شُورى) . والتَّشاوُرُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ المُتَشاوِرَيْنِ، فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ هَذا الظَّرْفُ إيماءً إلى أنَّ الشُّورى لا يَنْبَغِي أنْ تَتَجاوَزَ مَن يُهِمُّهُمُ الأمْرُ مِن أهْلِ الرَّأْيِ فَلا يَدْخُلُ فِيها مَن لا يُهِمُّهُ الأمْرُ، وإلى أنَّها سِرٌّ بَيْنَ المُتَشاوِرَيْنِ قالَ بَشّارٌ:
ولا تُشْهِدِ الشُّورى امْرَأً غَيْرَ كاتِمِ
وقَدْ كانَ شَيْخُ الإسْلامِ مَحْمُودُ ابْنُ الخُوجَةَ أشارَ في حَدِيثٍ جَرى بَيْنِي وبَيْنَهُ إلى اعْتِبارِ هَذا الإيماءِ إشارَةً بِيَدِهِ حِينَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ولا أدْرِي أذَلِكَ اسْتِظْهارٌ مِنهُ أمْ
صفحة ١١٣
شَيْءٌ تَلَقّاهُ مِن بَعْضِ الكُتُبِ أوْ بَعْضِ أساتِذَتِهِ وكِلا الأمْرَيْنِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَنْ مِثْلِهِ.
وأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإقامَةِ الصَّلاةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَكانَةِ الصَّلاةِ بِأعْمالِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إقامَةً خاصَّةً، فَإذا كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في الأنْصارِ أوْ كانَ الأنْصارُ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِنها فَلَعَلَّ المُرادَ مُبادَرَةُ الأنْصارِ بَعْدَ إسْلامِهِمْ بِإقامَةِ الجَماعَةِ إذْ سَألُوا النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَن يُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ ويَؤُمُّهم في الصَّلاةِ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وأثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يُنْفِقُونَ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، ولِلْأنْصارِ الحَظُّ الأوْفَرُ مِن هَذا الثَّناءِ، وهو كَقَوْلِهِ فِيهِمْ ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] . وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانُوا أصْحابَ أمْوالٍ وعَمَلٍ فَلَمّا آمَنُوا كانُوا أوَّلَ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَهم أمْوالٌ يُعِينُونَ بِها ضُعَفاءَ المُؤْمِنِينَ مِنهم ومِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ . فَأمّا المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقَدَ صادَرَهُمُ المُشْرِكُونَ أمْوالَهم لِأجْلِ إيمانِهِمْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «وهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلٌ مِن دارٍ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في خِلالِ المَدْحِ وإلّا فَلَيْسَ الإنْفاقُ مِن غَيْرِ ما يُرْزَقُهُ المُنْفِقُ.
الشورى 42:39
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾ هَذا مَوْصُولٌ رابِعٌ وصِلَتُهُ خُلُقٌ أرادَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، والحَظُّ الأوَّلُ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا فَإنَّهم أصابَهم بَغْيُ المُشْرِكِينَ بِأصْنافِ الأذى مِن شَتْمٍ وتَحْقِيرٍ ومُصادَرَةِ الأمْوالِ وتَعْذِيبِ الذَّواتِ فَصَبَرُوا عَلَيْهِ.
والبَغْيُ: الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، فَمَعْنى إصابَتُهُ إيّاهم أنَّهُ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ، أيْ بَغى غَيْرُهم عَلَيْهِمْ وهَذِهِ الآيَةُ مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ في سُورَةِ الحَجِّ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: ٤٠] فَإنَّ سُورَةَ الحَجِّ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وإنَّما أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَنْتَصِرُونَ لِأنْفُسِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ الِانْتِصارَ ناشِئٌ عَلى ما أصابَهم مِنَ البَغْيِ فَكانَ كُلٌّ مِنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ مُوجِبٌ الثَّناءَ لِأنَّ الِانْتِصارَ مَحْمَدَةٌ دِينِيَّةٌ إذْ هو لِدَفْعِ البَغْيِ اللّاحِقِ بِهِمْ لِأجْلِ أنَّهم
صفحة ١١٤
مُؤْمِنُونَ، فالِانْتِصارُ لِأنْفُسِهِمْ رادِعٌ لِلْباغِينَ عَنِ التَّوَغُّلِ في البَغْيِ عَلى أمْثالِهِمْ، وذَلِكَ الرَّدْعُ عَوْنٌ عَلى انْتِشارِ الإسْلامِ، إذْ يَقْطَعُ ما شَأْنُهُ أنْ يُخالِجَ نُفُوسَ الرّاغِبِينَ في الإسْلامِ مِن هَواجِسِ خَوْفِهِمْ مِن أنْ يُبْغى عَلَيْهِمْ.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ بَيْنَ قَوْلِهِ هُنا والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ وبَيْنَ قَوْلِهِ آنِفًا وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ تَعارَضٌ لِاخْتِلافِ المَقامَيْنِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وعَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَكْرَهُونَ أنْ يُسْتَذَلُّوا وكانُوا إذا قَدَرُوا عَفَوْا.
وأدْخَلَ ضَمِيرَ الفَصْلِ بَقَوْلِهِ: ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ المَوْصُولِ وبَيْنَ خَبَرِهِ لِإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ، أيْ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَرَدَّدُوا في الِانْتِصارِ لِأنْفُسِهِمْ.
وأُوثِرَ الخَبَرُ الفِعْلِيُّ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: مُنْتَصِرُونَ، لِإفادَةِ مَعْنى تَجَدُّدِ الِانْتِصارِ كُلَّما أصابَهُمُ البَغْيُ.
وأمّا مَجِيءُ الفِعْلِ مُضارِعًا فَلِأنَّ المُضارِعَ هو الَّذِي يَجِيءُ مَعَهُ ضَمِيرُ الفَصْلِ.
الشورى 42:40
﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ مُعْتَرِضَةٌ الواحِدَةُ تِلْوَ الأُخْرى بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشورى: ٤١] . وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ تَحْدِيدُ الِانْتِصارِ والتَّرْغِيبُ في العَفْوِ ثُمَّ ذَمُّ الظُّلْمِ والِاعْتِداءِ، وهَذا انْتِقالٌ مِنَ الإذْنِ في الِانْتِصارِ مِن أعْداءِ الدِّينِ إلى تَحْدِيدِ إجْرائِهِ بَيْنَ الأُمَّةِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ إذْ سُمِّيَ تَرْكُ الِانْتِصارِ عَفْوًا وإصْلاحًا ولا عَفْوَ ولا إصْلاحَ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ.
وبِقَرِينَةِ الوَعْدِ بِأجْرٍ مِنَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ العَفْوِ ولا يَكُونُ عَلى الإصْلاحِ مَعَ أهْلِ الشِّرْكِ أجْرٌ.
صفحة ١١٥
و(سَيِّئَةٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ فِعْلَةٌ تَسُوءُ مَن عُومِلَ بِها. ووَزْنُ سَيِّئَةٍ فَيْعَلَةٌ مُبالَغَةً في الوَصْفِ مِثْلَ: هَيِّنَةٍ، فَعَيْنُها ياءٌ ولامُها هَمْزَةٌ، لِأنَّها مِن ساءَ، فَلَمّا صِيغَ مِنها وزْنُ فَيْعَلَةَ التَقَتْ ياءانِ فَأُدْغِمَتا، أيْ أنَّ المُجازِيَ يُجازِي مَن فَعَلَ مَعَهُ فِعْلَةً تَسُوءُهُ بِفِعْلَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلِ فِعْلَتِهِ في السُّوءِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالسَّيِّئَةِ هُنا المَعْصِيَةَ الَّتِي لا يَرْضاها اللَّهُ، فَلا إشْكالَ في إطْلاقِ السَّيِّئَةِ عَلى الأذى الَّذِي يُلْحَقُ بِالظّالِمِ.
ومَعْنى مِثْلِها أنَّها تَكُونُ بِمِقْدارِها في مُتَعارَفِ النّاسِ، فَقَدْ تَكُونُ المُماثَلَةُ في الغَرَضِ والصُّورَةِ وهي المُماثَلَةُ التّامَّةُ وتِلْكَ حَقِيقَةُ المُماثَلَةِ مِثْلَ القِصاصِ مِنَ القاتِلِ ظُلْمًا بِمِثْلِ ما قَتَلَ بِهِ، ومِنَ المُعْتَدِي بِجِراحِ عَمْدٍ، وقَدْ تَتَعَذَّرُ المُماثَلَةُ التّامَّةُ فَيُصارُ إلى المُشابَهَةِ في الغَرَضِ، أيْ مِقْدارِ الضُّرِّ وتِلْكَ هي المُقارَبَةُ مِثْلَ تَعَذُّرِ المُشابِهَةِ التّامَّةِ في جَزاءِ الحُرُوبِ مَعَ عَدُوِّ الدِّينِ إذْ قَدْ يُلْحَقُ الضُّرُّ بِأشْخاصٍ لَمْ يُصِيبُوا أحَدًا بِضُرٍّ ويَسْلَمُ أشْخاصٌ أصابُوا النّاسَ بِضُرٍّ، فالمُماثَلَةُ في الحَرْبِ هي انْتِقامُ جَماعَةٍ مِن جَماعَةٍ بِمِقْدارِ ما يَشْفِي نُفُوسَ الغالِبِينَ حَسْبَما اصْطَلَحَ عَلَيْهِ النّاسُ.
ومِن ذَلِكَ أيْضًا إتْلافُ بَعْضِ الحَواسِّ بِسَبَبِ ضَرْبٍ عَلى الرَّأْسِ أوْ عَلى العَيْنِ فَيُصارُ إلى الدِّيَةِ إذْ لا تُضْبَطُ إصابَةُ حاسَّةِ الباغِي بِمِثْلِ ما أصابَ بِهِ حاسَّةَ المُعْتَدى عَلَيْهِ. وكَذَلِكَ إعْطاءُ قِيَمِ المَتْلَفاتِ مِنَ المُقَوَّماتِ إذْ يَتَعَسَّرُ أنْ يُكَلَّفَ الجانِي بِإعْطاءِ مِثْلِ ما أتْلَفَهُ.
ومِن مَشاكِلِ المُماثَلَةِ في العُقُوبَةِ مَسْألَةُ الجَماعَةِ يَتَمالَأُونَ عَلى قَتْلِ أحَدٍ عَمْدًا، أوْ عَلى قَطْعِ بَعْضِ أعْضائِهِ؛ فَإنِ اقْتُصَّ مِن واحِدٍ مِنهم كانَ ذَلِكَ إفْلاتًا لِبَقِيَّةِ الجُناةِ مِن عُقُوبَةِ جُرْمِهِمْ، وإنِ اقْتُصَّ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهم كانَ ذَلِكَ زِيادَةً في العُقُوبَةِ لِأنَّهم إنَّما جَنَوْا عَلى واحِدٍ.
فَمِنَ العُلَماءِ مَن لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الزِّيادَةِ ونَظَرَ إلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم جَنى عَلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ فاسْتَحَقَّ الجَزاءَ بِمِثْلِ ما ألْحَقَهُ بِالمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وجَعَلَ التَّعَدُّدَ مُلْغًى وراعى في ذَلِكَ سَدَّ ذَرِيعَةِ أنْ يَتَحَيَّلَ المُجْرِمُ عَلى التَّنَصُّلِ مِن جُرْمِهِ بِضَمِّ جَماعَةٍ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ أخْذًا مِن قَضاءِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وقَوْلِهِ: لَوِ اجْتَمَعَ عَلى قَتْلِهِ أهْلُ صَنْعاءَ لاقْتَصَصْتُ مِنهم.
صفحة ١١٦
ومِنهم مَن عَدَلَ عَنِ الزِّيادَةِ مُطْلَقًا وهو قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ، ومِنهم مَن عَدَلَ عَنْ تِلْكَ الزِّيادَةِ في القَطْعِ ولَمْ يَعْدِلْ عَنْها في القَتْلِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَضى بِهِ في القَتْلِ ولَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أحَدٍ في القَطْعِ. ورُبَّما ألْغى بَعْضُهُمُ الزِّيادَةَ إذا كانَ طَرِيقُ ثُبُوتِ الجِنايَةِ ضَعِيفًا مِثْلَ القَسامَةِ مَعَ اللَّوْثِ عِنْدَ مَن يَرى القِصاصَ بِها فَإنَّ مالِكًا لَمْ يَرَ أنْ يُقْتَلَ بِالقَسامَةِ أكْثَرُ مِن رَجُلٍ واحِدٍ.
واعْلَمْ أنَّ المُماثَلَةَ في نَحْوِ هَذا تُحَقَّقُ بِقِيمَةِ الغُرْمِ كَما اعْتُبِرَتْ في الدِّياتِ وأُرُوشِ الجِناياتِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ فَيُقَدَّرُ: أنَّهُ يُحِبُّ العافِينَ كَما قالَ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . ونَصْرُهُ عَلى ظالِمِهِ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ وهو لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، أيْ فَيُؤْجِرُ الَّذِينَ عَفَوْا ويَنْتَصِرُ لَهم عَلى الباغِينَ لِأنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ فَلا يُهْمِلُ الظّالِمَ دُونَ عِقابٍ ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا. وقَدِ اسْتُفِيدَ حُبُّ اللَّهِ العافِينَ مِن قَوْلِهِ: إنَّهُ ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾، وعَلى هَذا فَماصَدَقُ الظّالِمِينَ: هُمُ الَّذِينَ أصابُوا المُؤْمِنِينَ بِالبَغْيِ.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ مُنْصَرِفًا لِمَفْهُومِ جُمْلَةِ ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ أيْ دُونَ تَجاوُزِ المُماثَلَةِ في الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فَيَكُونَ ماصَدَقُ الظّالِمِينَ: الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العُقُوبَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا مِن مُجاوَزَةِ الحَدِّ، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَن حامَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ» .
وقَدْ شَمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَوْقِعِها الِاعْتِراضِيِّ أُصُولَ الإرْشادِ إلى ما في الِانْتِصارِ مِنَ الظّالِمِ وما في العَفْوِ عَنْهُ مِن صَلاحِ الأُمَّةِ، فَفي تَخْوِيلِ حَقِّ انْتِصارِ المَظْلُومِ مِن ظالِمِهِ رَدْعٌ لِلظّالِمِينَ عَنِ الإقْدامِ عَلى الظُّلْمِ خَوْفًا مِن أنْ يَأْخُذَ المَظْلُومُ بِحَقِّهِ، فالمُعْتَدِي يَحْسَبُ لِذَلِكَ حِسابَهُ حِينَ أُلْهِمَ بِالعُدْوانِ.
وفِي التَّرْغِيبِ في عَفْوِ المَظْلُومِ عَنْ ظالِمِهِ حِفْظُ آصِرَةِ الأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ بَيْنَ المَظْلُومِ وظالِمِهِ كَيْلا تَنْثَلِمَ في آحادِ جُزْئِيّاتِها بَلْ تَزْدادَ بِالعَفْوِ مَتانَةً كَما قالَ تَعالى
صفحة ١١٧
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلْ جانِبَ رَدْعِ الظّالِمِ فَأنْبَأ بِتَحْقِيقِ أنَّهُ بِمَحَلٍّ مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ إذْ قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ ولا يَنْحَصِرُ ما في طَيِّ هَذا مِن هَوْلِ الوَعِيدِ.
وتَنْشَأُ عَلى مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَسْألَةٌ غَرّاءُ تَجاذَبَتْها أنْظارُ السَّلَفِ بِالِاعْتِبارِ، وهي: تَحْلِيلُ المَظْلُومِ ظالِمَهُ مِن مَظْلِمَتِهِ. قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ المَعَرِّيِّ في الأحْكامِ: رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ وسُئِلَ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: لا أُحَلِّلُ أحَدًا، فَقالَ: ذَلِكَ يَخْتَلِفُ. فَقُلْتُ: الرَّجُلُ يُسَلِّفُ الرَّجُلَ فَيَهْلِكُ ولا وفاءَ لَهُ قالَ: أرى أنْ يُحَلِّلَهُ، وهو أفْضَلُ عِنْدِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وإنْ كانَ لَهُ فَضْلٌ يُتَّبَعُ، فَقِيلَ لَهُ: الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ، فَقالَ: لا أرى ذَلِكَ، وهو عِنْدِي مُخالِفٌ لِلْأوَّلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، ويَقُولُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] فَلا أرى أنْ تَجْعَلَهُ مِن ظُلْمِهِ في حِلٍّ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَصارَ في المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لا يُحَلِّلُهُ بِحالٍ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ. والثّانِي: يُحَلِّلُهُ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، زادَ القُرْطُبِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، الثّالِثُ: إنْ كانَ مالًا حَلَّلَهُ وإنْ كانَ ظُلْمًا لَمْ يُحَلِّلْهُ وهو قَوْلُ مالِكٍ.
وجْهُ الأوَّلِ: أنْ لا يُحِلَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيَكُونَ كالتَّبْدِيلِ لِحُكْمِ اللَّهِ.
ووَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ حَقُّهُ فَلَهُ أنْ يُسْقِطَهُ.
ووَجْهُ الثّالِثِ: أنَّ الرَّجُلَ إذا غَلَبَ عَلى حَقِّكَ فَمِنَ الرِّفْقِ بِهِ أنْ تُحَلِّلَهُ، وإنْ كانَ ظالِمًا فَمِنَ الحَقِّ أنْ لا تَتْرُكَهُ لِئَلّا يَغْتَرَّ الظَّلَمَةُ ويَسْتَرْسِلُوا في أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ.
وذَكَرَ حَدِيثَ مُسْلِمٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ خَرَجْتُ أنا وأبِي لِطَلَبِ العِلْمِ في هَذا الحَيِّ مِنَ الأنْصارِ قَبْلَ أنْ يَهْلِكُوا فَكانَ أوَّلَ مَن لَقِيَنا أبُو اليُسْرِ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ أبِي: أرى في وجْهِكَ سِنْعَةً مَن غَضَبٍ فَقالَ: أجَلْ كانَ لِي عَلى فُلانٍ دَيْنٌ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ وقُلْتُ: أثَمَّ هو ؟ قالُوا:
صفحة ١١٨
لا. فَخَرَجَ ابْنٌ لَهُ فَقُلْتُ لَهُ: أيْنَ أبُوكَ ؟ فَقالَ سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إلَيَّ، فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: ما حَمَلَكَ عَلى أنِ اخْتَبَأْتَ مِنِّي ؟ قالَ: خَشِيتُ واللَّهِ أنْ أُحَدِّثَكَ فَأكْذِبَكَ وأنْتَ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وكُنْتُ واللَّهِ مُعْسِرًا. قالَ: فَأتى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحاها بِيَدِهِ، قالَ: إنْ وجَدْتَ قَضاءً فاقْضِ وإلّا فَأنْتَ في حِلٍّ.
الشورى 42:41
﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ﴾ [الشورى: ٤٠] فَيَكُونَ عُذْرًا لِلَّذِينِ لَمْ يَعْفُوا، ويَجُوزُ أنَّها عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هم يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] وما بَيْنَ ذَلِكَ اعْتِراضٌ كَما عَلِمْتَ، فالجُمْلَةُ: إمّا مُرْتَبِطَةٌ بِغَرَضِ انْتِصارِ المُسْلِمِ عَلى ظالِمِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ تَكْمِلَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وإمّا مُرْتَبِطَةٌ بِغَرَضِ انْتِصارِ المُؤْمِنِينَ مِن بَغْيِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، وهو الِانْتِصارُ بِالدِّفاعِ سَواءٌ كانَ دِفاعَ جَماعاتٍ وهو الحَرْبُ فَيَكُونَ هَذا تَمْهِيدًا لِلْإذْنِ بِالقِتالِ الَّذِي شُرِّعَ مِن بَعْدُ، أمْ دِفاعَ الآحادِ إنْ تَمَكَّنُوا مِنهُ فَقَدْ صارَ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ ذَوِي قُوَّةٍ يَسْتَطِيعُونَ بِها الدِّفاعَ عَنْ أنْفُسِهِمْ آحادًا كَما قِيلَ في عِزِّ الإسْلامِ بِإسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
واللّامُ في ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ﴾ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، أوِ اللّامُ لامُ ابْتِداءٍ و(مَن) مَوْصُولَةٌ. وإضافَةُ (ظُلْمِهِ) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ بَعْدَ كَوْنِهِ مَظْلُومًا.
ومَعْنى (بَعْدَ ظُلْمِهِ) التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا الِانْتِصارَ بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ أنَّهم ظُلِمُوا: فَأمّا في غَيْرِ الحُرُوبِ فَمَن يَتَوَقَّعُ أنَّ أحَدًا سَيَعْتَدِي عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يُبادِرَ أحَدًا بِأذًى قَبْلَ أنْ يَشْرَعَ في الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ ويَقُولَ: ظَنَنْتُ أنَّهُ يَعْتَدِي عَلَيَّ فَبادَرْتُهُ بِالأذى اتِّقاءً لِاعْتِدائِهِ المُتَوَقَّعِ، لِأنَّ مِثْلَ هَذا يُثِيرُ التَّهارُجَ والفَسادَ، فَنَبَّهَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ عَلى تَجَنُّبِهِ مَعَ عَدُوِّهِمْ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهم حَرْبٌ.
وأمّا حالُ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ مِن غَرَضِ الآيَةِ، فَلَوْ أنَّ أحَدًا
صفحة ١١٩
ساوَرَهُ أحَدٌ بِبادِئِ عَمَلٍ مِنَ البَغْيِ فَهو مُرَخَّصٌ لَهُ أنْ يُدافِعَهُ عَنْ إيصالِ بَغْيِهِ إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَتَمَكَّنَ مِنهُ ولا يُمْهِلَهُ حَتّى يُوقِعَ بِهِ ما عَسى أنْ لا يَتَدارَكَهُ فاعِلُهُ مِن بَعْدُ، وذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى قاعِدَةِ أنَّ ما قارَبَ الشَّيْءَ يُعْطى حُكْمَ حُصُولِهِ، أيْ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِسَبَبِ ظُهُورِ بَوادِرِهِ، وهو ما قالَ فِيهِ الفُقَهاءُ: يَجُوزُ دَفْعُ صائِلٍ بِما أمْكَنَ.
ومَحَلُّ هَذِهِ الرُّخْصَةِ هو الحالاتُ الَّتِي يُتَوَقَّعُ فِيها حُصُولُ الضُّرِّ حُصُولًا يَتَعَذَّرُ أوْ يَعْسُرُ رَفْعُهُ وتَدارُكُهُ. ومَعْلُومٌ أنَّ مَحَلَّها هو الحالَةُ الَّتِي لَمْ يَفُتْ فِيها فِعْلُ البَغْيِ فَأمّا إنْ فاتَ فَإنَّ حَقَّ الجَزاءِ عَلَيْهِ يَكُونُ بِالرَّفْعِ لِلْحاكِمِ ولا يَتَوَلّى المَظْلُومُ الِانْتِصافَ بِنَفْسِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِمّا شَمِلَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ ولَكِنَّهُ مُسْتَقْرًى مِن تَصارِيفِ الشَّرِيعَةِ ومَقاصِدِها فَفَرَضْناهُ هُنا لِمُجَرَّدِ بَيانِ مَقْصِدِ الآيَةِ لا لِبَيانِ مَعْناها.
والمُرادُ بِالسَّبِيلِ مُوجِبُ المُؤاخَذَةِ بِاللّائِمَةِ بَيْنَ القَبائِلِ واللَّمْزِ بِالعُدْوانِ والتَّبِعَةِ في الآخِرَةِ عَلى الفَسادِ في الأرْضِ بِقَتْلِ المُسالِمِينَ، سُمِّيَ ذَلِكَ سَبِيلًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّهُ أشْبَهَ الطَّرِيقَ في إيصالِهِ إلى المَطْلُوبِ، وكَثُرَ إطْلاقُ ذَلِكَ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ فاءُ جَوابِ الشَّرْطِ فَإنْ جَعَلْتَ لامَ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] لامَ الِابْتِداءِ فَهو ظاهِرٌ، وإنْ جَعَلْتَ اللّامَ مُوطِئَةً لِلْقَسَمِ كانَ اقْتِرانُ ما بَعْدَها بِفاءِ الجَوابِ تَرْجِيحًا لِلشَّرْطِ عَلى القَسَمِ عِنْدَ اجْتِماعِهِما، والأعْرَفُ أنْ يُرَجَّحَ الأوَّلُ مِنهُما فَيُعْطى جَوابَهُ ويُحْذَفَ جَوابُ الثّانِي، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ في القَسَمِ الصَّرِيحِ دُونَ القَسَمِ المَدْلُولِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في صَدْرِ جَوابِ الشَّرْطِ لِتَمْيِيزِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ سَبَبَ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ هو أنَّهُمُ انْتَصَرُوا بَعْدَ أنْ ظُلِمُوا ولَمْ يَبْدَأُوا النّاسَ بِالبَغْيِ.
الشورى 42:42
صفحة ١٢٠
﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ فَإنَّهُ لِما جَرى الكَلامُ السّابِقُ كُلُّهُ عَلى الإذْنِ لِلَّذِينِ بُغِيَ عَلَيْهِمْ أنْ يَنْتَصِرُوا مِمَّنْ بَغَوْا عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَقَّبَ بِأنَّ أُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ كانَ ذَلِكَ مَثارَ سُؤالِ سائِلٍ عَنِ الجانِبِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ السَّبِيلُ المَنفِيُّ عَنْ هَؤُلاءِ.
والقَصْرُ المُفادُ بِـ (إنَّما) تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] لِأنَّهُ كانَ يَكْفِي لِإفادَةِ مَعْنى القَصْرِ أنْ يُقابَلَ نَفْيُ السَّبِيلِ عَنِ الَّذِينَ انْتَصَرُوا بَعْدَ ظُلْمِهِمْ بِإثْباتِ أنَّ السَّبِيلَ عَلى الظّالِمِينَ، لِأنَّ إثْباتَ الشَّيْءِ لِأحَدٍ ونَفْيَهُ عَمَّنْ سِواهُ يُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ وهو الأصْلُ في إفادَةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ المُساواةِ أوِ الإطْنابِ كَقَوْلِ السَّمَوْألِ أوْ غَيْرِهِ:
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنَـا ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
وأمّا طُرُقُ القَصْرِ المَعْرُوفَةُ في عِلْمِ المَعانِي فَهي مِنَ الإيجازِ، فَلَمّا أُورِدَتْ أداةُ القَصْرِ هُنا حَصَلَ نَفْيُ السَّبِيلِ عَنْ غَيْرِهِمْ مَرَّةً أُخْرى بِمُفادِ القَصْرِ فَتَأكَّدَ حُصُولُهُ الأوَّلُ الَّذِي حَصَلَ بِالنَّفْيِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُوكَ وهم أغْنِياءٌ﴾ [التوبة: ٩٣] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
والمُرادُ بِـ (السَّبِيلِ) عَيْنُ المُرادِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] بِقَرِينَةِ أنَّهُ أُعِيدَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ مُنَكَّرًا فَإنَّ إعادَةَ اللَّفْظِ النَّكِرَةِ مُعَرَّفًا بِلامِ التَّعْرِيفِ يُفِيدُ أنَّ المُرادَ بِهِ ما ذُكِرَ أوَّلًا. وهَذا السَّبِيلُ الجَزاءُ والتَّبِعَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
وشَمِلَ عُمُومُ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ، وعُمُومُ النّاسِ كُلَّ ظالِمٍ، وبِمِقْدارِ ظُلْمِهِ يَكُونُ جَزاؤُهُ. ويَدْخُلُ ابْتِداءً فِيهِ الظّالِمُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم وهم مُشْرِكُو أهْلِ مَكَّةَ، والنّاسُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم وهُمُ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ.
صفحة ١٢١
والبَغْيُ في الأرْضِ: الِاعْتِداءُ عَلى ما وضَعَهُ اللَّهُ في الأرْضِ مِنَ الحَقِّ الشّامِلِ لِمَنافِعِ الأرْضِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلنّاسِ، مِثْلَ تَحْجِيرِ الزَّرْعِ والأنْعامِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ومِثْلَ تَسْيِيبِ السّائِبَةِ وتَبْحِيرِ البَحِيرَةِ، والشّامِلِ لِمُخالَفَةِ ما سَنَّهُ اللَّهُ في فِطْرَةِ البَشَرِ مِنَ الأحْوالِ القَوِيمَةِ مِثْلَ العَدْلِ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، فالبَغْيُ عَلَيْها بِمِثْلِ الكِبْرِياءِ والصَّلَفِ وتَحْقِيرِ النّاسِ المُؤْمِنِينَ وطَرْدِهِمْ عَنْ مَجامِعِ القَوْمِ بَغْيٌ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ.
والأرْضُ: أرْضُ مَكَّةَ، أوْ جَمِيعُ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ وهو الألْيَقُ بِعُمُومِ الآيَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وقالَ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ [الأعراف: ٥٦]، فَكُلُّ فَسادٍ وظُلْمٍ يَقَعُ في جُزْءٍ مِنَ الأرْضِ فَهو بَغْيٌ مَظْرُوفٌ في الأرْضِ.
وبِغَيْرِ الحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْغُونَ) وهو لِكَشْفِ حالَةِ البَغْيِ لِإفادَةِ مَذِمَّتِهِ إذْ لا يَكُونُ البَغْيُ إلّا بِغَيْرِ الحَقِّ فَإنَّ مُسَمّى البَغْيِ هو الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، وأمّا الِاعْتِداءُ عَلى المُبْطِلِ لِأجَلِ باطِلِهِ فَلا يُسَمّى بَغْيًا ويُسَمّى اعْتِداءً قالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ويُقالُ: اسْتَعْدى فُلانٌ الحاكِمَ عَلى خَصْمِهِ، أيْ طَلَبَ مِنهُ الحُكْمَ عَلَيْهِ.
وجُمْلَةُ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ﴾ إنْ أُرِيدَ بِـ (السَّبِيلِ) في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] سَبِيلُ العِقابِ في الآخِرَةِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنها إنْ أُرِيدَ بِـ (السَّبِيلِ) هُنالِكَ ما يَشْمَلُ المَلامَ في الدُّنْيا، أيِ السَّبِيلُ الَّذِي عَلَيْهِمْ هو أنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا جَزاءَ ظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ.
وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ يَشْمَلُ ظُلْمَ المُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ويَشْمَلُ ظُلْمَ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَتَناسَبَ مَضْمُونُها مَعَ جَمِيعِ ما سَبَقَ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مَعَ تَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ بِهَذا الوَعِيدِ.
الشورى 42:43
صفحة ١٢٢
﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] وجُمْلَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُفِيدُ بَيانَ مَزِيَّةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا الأذى مِنَ المُشْرِكِينَ وصَبَرُوا عَلَيْهِ ولَمْ يُؤاخِذُوا بِهِ مَن آمَنَ مِمَّنْ آذَوْهم مِثْلَ أُخْتِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قَبْلَ إسْلامِهِ، ومِثْلَ صِهْرِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَقَدْ قالَ لَقَدْ رَأيْتُنِي وإنَّ عُمَرَ لَمُوثِقِي عَلى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ عُمَرُ، فَكانَ في صَبْرِ سَعِيدٍ خَيْرٌ دَخَلَ بِهِ عُمَرُ في الإسْلامِ، ومَزِيَّةُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلى ظُلْمِ إخْوانِهِمْ ويَغْفِرُونَ لَهم فَلا يَنْتَصِفُونَ مِنهم ولا يَسْتَعْدُونَ عَلَيْهِمْ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في مَسْألَةِ التَّحَلُّلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠] .
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (مَن) لامُ ابْتِداءٍ و(مَن) مَوْصُولَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ خَبَرٌ عَنْ (مَن) المَوْصُولَةِ، ولامُ ﴿لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ لامُ الِابْتِداءِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى خَبَرِ (إنَّ) وهي مِن لاماتِ الِابْتِداءِ.
وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا الخَبَرُ عَلى أرْبَعَةِ مُؤَكِّداتٍ هي: اللّامُ، وإنَّ، ولامُ الِابْتِداءِ، والوَصْفُ بِالمَصْدَرِ في قَوْلِهِ: ﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ تَنْوِيهًا بِمَضْمُونِهِ، وزِيدَ تَنْوِيهًا بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: (إنَّ ذَلِكَ) فَصارَ فِيهِ خَمْسَةُ اهْتِماماتٍ.
والعَزْمُ: عَقْدُ النِّيَّةِ عَلى العَمَلِ والثَّباتُ عَلى ذَلِكَ، والوَصْفُ بِالعَزْمِ مُشْعِرٌ بِمَدْحِ المَوْصُوفِ لِأنَّ شَأْنَ الفَضائِلِ أنْ يَكُونَ عَمَلُها عَسِيرًا عَلى النُّفُوسِ لِأنَّها تُعاكِسُ الشَّهَواتِ، ومِن ثَمَّ وُصِفَ أفْضَلُ الرُّسُلِ بِأُولِي العَزْمِ.
والأُمُورُ: جَمْعُ أمْرٍ. والمُرادُ بِهِ هُنا: الخِلالُ والصِّفاتُ، وإضافَةُ عَزْمٍ إلى الأُمُورِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ العَزْمِ.
ووَصْفُ الأُمُورِ بِـ (العَزْمِ) مِنَ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ المَعْنى فِيها،
صفحة ١٢٣
وهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأُمُورُ العازِمَةُ العازِمُ أصْحابُها مَجازًا عَقْلِيًّا.
والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى الصَّبْرِ والغُفْرانِ المَأْخُوذَيْنِ مِن صَبَرَ وغَفَرَ والمُتَحَمِّلَيْنِ لِضَمِيرِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَيَكُونُ صَوْغُ المَصْدَرِ مُناسِبًا لِما مَعَهُ مِن ضَمِيرٍ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ صَبْرَهُ وغَفْرَهُ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ.
وهَذا تَرْغِيبٌ في العَفْوِ والصَّبْرِ عَلى الأذى وذَلِكَ بَيْنَ الأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ ظاهِرٌ، وأمّا مَعَ الكافِرِينَ فَتَعْتَرِيهِ أحْوالٌ تَخْتَلِفُ بِها أحْكامُ الغُفْرانِ، ومِلاكُها أنْ تَتَرَجَّحَ المَصْلَحَةُ في العَفْوِ أوْ في المُؤاخَذَةِ.
الشورى 42:44
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ بَعْدَ أنْ حَكى أصْنافًا مِن كُفْرِ المُشْرِكِينَ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ وما في مَطاوِيها مِنَ النِّعَمِ وحَذَّرَهم مِنَ الغُرُورِ بِمَتاعِ الدُّنْيا الزّائِلِ أعْقَبَهُ بَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢] .
والمَعْنى: أنَّ فِيما سَمِعْتُمْ هِدايَةً لِمَن أرادَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَهْتَدِيَ، وأمّا مَن قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الضَّلالَ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ غَيْرِ اللَّهِ يَهْدِيهِ أوْ يُنْقِذُهُ، فالمُرادُ نَفْيُ الوَلِيِّ الَّذِي يُصْلِحُهُ ويُرْشِدُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، فالمُرادُ هُنا ابْتِداءُ مَعْنًى خاصٍّ مِنَ الوِلايَةِ.
وإضْلالُ اللَّهِ المَرْءَ: خَلْقُهُ غَيْرَ سَرِيعٍ لِلِاهْتِداءِ أوْ غَيْرَ قابِلٍ لَهُ وحِرْمانُهُ مِن تَدارُكِهِ إيّاهُ بِالتَّوْفِيقِ كُلَّما تَوَغَّلَ في الضَّلالَةِ، فَضَلالُهُ مِن خَلْقِ اللَّهِ وتَقْدِيرِ اللَّهِ لَهُ، واللَّهُ دَعا النّاسَ إلى الهِدايَةِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وشَرائِعِهِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، أيْ يَدْعُو كُلَّ عاقِلٍ ويَهْدِي بَعْضَ مَن دَعاهم.
و(مَن) شَرْطِيَّةٌ، والفاءُ في ﴿فَما لَهُ مِن ولِيٍّ﴾ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ. ونَفْيُ الوَلِيِّ
صفحة ١٢٤
كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أسْبابِ النَّجاةِ عَنِ الضَّلالَةِ وعَواقِبِ العُقُوبَةِ عَلَيْها لِأنَّ الوَلِيَّ مِن خَصائِصِهِ نَفْعُ مَوْلاهُ بِالإرْشادِ والِانْتِشالِ، فَنَفْيُ الوَلِيِّ يَدُلُّ بِالِالتِزامِ عَلى احْتِياجٍ إلى نَفْعِهِ مَوْلاهُ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أنَّ مَوْلاهُ في عَناءٍ وعَذابٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ الآيَةَ. فَهَذِهِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ، وقَدْ جاءَ صَرِيحُ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٦] الآتِي في هَذِهِ السُّورَةِ.
وضَمِيرُ (بَعْدِهِ) راجِعٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣] في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
ومَعْنى (بَعْدِ) هُنا مَعْنى (دُونَ) أوْ (غَيْرَ) اسْتُعِيرَ لَفْظُ (بَعْدَ) لِمَعْنى (دُونَ) لِأنَّ (بَعْدَ) مَوْضُوعٌ لِمَن يَخْلُفُ غائِبًا في مَكانِهِ أوْ في عَمَلِهِ، فَشَبَّهَ تَرْكَ اللَّهِ الضّالَّ في ضَلالِهِ بِغَيْبَةِ الوَلِيِّ الَّذِي يَتْرُكُ مَوْلاهُ دُونَ وصِيٍّ ولا وكِيلٍ لِمَوْلاهُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ. ومِن مَواضِعِ زِيادَتِها أنْ تُزادَ قَبْلَ الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ قالَ الحَرِيرِيُّ و(ما) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لا يَخْفِضُهُ سِوى حَرْفٍ.
* * *
﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾، وهَذا تَفْصِيلٌ وبَيانٌ لِما أُجْمِلَ في الآيَتَيْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِما وهُما قَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥] وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ .
والمَعْنى: أنَّهم لا يَجِدُونَ مَحِيصًا ولا ولِيًّا، فَلا يَجِدُونَ إلّا النَّدامَةَ عَلى ما فاتَ فَيَقُولُوا ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ .
صفحة ١٢٥
والِاسْتِفْهامُ بِحَرْفِ (هَلْ) إنْكارِيٌّ في مَعْنى النَّفْيِ، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ (مِن) الزّائِدَةُ عَلى (سَبِيلٍ) لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ.
والمَرَدُّ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلرَّدِّ، والمُرادُ بِالرَّدِّ: الرُّجُوعُ، يُقالُ: رَدَّهُ: إذا أرْجَعَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مَرَدٌّ) بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ هَلْ إلى رَدِّ العَذابِ عَنّا الَّذِي يَبْدُو لَنا سَبِيلٌ حَتّى لا نَقَعَ فِيهِ، فَهو في مَعْنى ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ [الطور: ٧] في سُورَةِ الطُّورِ.
والخِطابُ في (تَرى) لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ تَناهَتْ حالُهم في الظُّهُورِ فَلا يَخْتَصُّ بِهِ مُخاطَبٌ، أوِ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ عَلى ما لاقاهُ مِنهم مِنَ التَّكْذِيبِ.
والمَقْصُودُ: الإخْبارُ بِحالِهِمْ أوَّلًا، والتَّعْجِيبُ مِنهُ ثانِيًا، فَلَمْ يَقُلْ: والظّالِمُونَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ، وإنَّما قِيلَ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ﴾ لِلِاعْتِبارِ بِحالِهِمْ.
ومَجِيءُ فِعْلِ رَأوُا العَذابَ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فالمُضِيُّ مُسْتَعارٌ لِلِاسْتِقْبالِ تَشْبِيهًا لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالماضِي في التَّحَقُّقِ، والقَرِينَةُ فِعْلُ (تَرى) الَّذِي هو مُسْتَقْبَلٌ؛ إذْ لَيْسَتِ الرُّؤْيَةُ المَذْكُورَةُ بِحاصِلَةٍ في الحالِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا يَرَوْنَ العَذابَ.
وجُمْلَةُ (يَقُولُونَ) حالٌ مِنَ الظّالِمِينَ؛ أيْ تَراهم قائِلِينَ، فالرُّؤْيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِها في حالِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، أيْ في حالِ سَماعِ الرّائِي قَوْلَهم.
الشورى 42:45
﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ أُعِيدَ فِعْلُ (تَرى) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ وتَهْوِيلِها كَما أُعِيدَ فِعْلُ (تُلاقُوا) في قَوْلِ ودّاكِ بْنِ ثُمَيْلٍ المازِنِيِّ:
رُوَيْدًا بَنِي شَيْبانَ بَعْضَ وعِيدِكم تُلاقُوا غَدًا خَيْلِي عَلى سَفَـوانِ
تُلاقُوا جِيادًا لا تَحِيدُ عَنِ الوَغى ∗∗∗ إذا ظَهَرَتْ في المَأْزِقِ المُتَدانِي
صفحة ١٢٦
والعَرْضُ: أصْلُهُ إظْهارُ الشَّيْءِ وإراءَتُهُ لِلْغَيْرِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُ العَرَبِ: عَرَضْتُ البَعِيرَ عَلى الحَوْضِ، مَعْدُودًا عِنْدَ عُلَماءِ اللُّغَةِ وعُلَماءِ المَعانِي مِن قَبِيلِ القَلْبِ في التَّرْكِيبِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ إطْلاقاتٌ عَدِيدَةٌ مُتَقارِبَةٌ دَقِيقَةٌ تَحْتاجُ إلى تَدْقِيقٍ.
ومِن إطْلاقاتِهِ قَوْلُهم: عَرْضُ الجُنْدِ عَلى الأمِيرِ، وعَرْضُ الأسْرى عَلى الأمِيرِ، وهو إمْرارُهم لِيَرى رَأْيَهُ في حالِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، وهو إطْلاقُهُ هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، اسْتُعِيرَ لَفْظُ (يُعْرَضُونَ) لِمَعْنى: يَمُرُّ بِهِمْ مَرّا عاقِبَتُهُ التَّمَكُّنُ مِنهم والحُكْمُ فِيهِمْ فَكَأنَّ جَهَنَّمَ إذا عُرِضُوا عَلَيْها تَحْكُمُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهم مِن حَرِيقِها، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الأحْقافِ ﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] الآيَةَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ إطْلاقٌ لَهُ آخَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وبُنِيَ فِعْلُ (يُعْرَضُونَ) لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ حُصُولُ الفِعْلِ لا تَعْيِينُ فاعِلِهِ. والَّذِينَ يَعْرِضُونَ الكافِرِينَ عَلى النّارِ هُمُ المَلائِكَةُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخْرى.
وضَمِيرُ (عَلَيْها) عائِدٌ إلى العَذابِ بِتَأْوِيلِ أنَّهُ النّارُ أوْ جَهَنَّمُ أوْ عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ المَعْلُومَةِ مِنَ المَقامِ.
وانْتَصَبَ (خاشِعِينَ) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (تَراهم) لِأنَّها رُؤْيَةٌ بَصَرِيَّةٌ.
والخُشُوعُ مَعْناهُ: التَّطامُنُ وأثَرُ انْكِسارِ النَّفْسِ مِنِ اسْتِسْلامٍ واسْتِكانَةٍ فَيَكُونُ لِلْمَخافَةِ، ولِلْمَهابَةِ، ولِلطّاعَةِ، ولِلْعَجْزِ عَنِ المُقاوَمَةِ.
والخُشُوعُ مِثْلُ الخُضُوعِ إلّا أنَّ الخُضُوعَ لا يُسْنَدُ إلّا إلى البَدَنِ فَيُقالُ: خَضَعَ فُلانٌ، ولا يُقالُ: خَضَعَ بَصَرُهُ إلّا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وأمّا الخُشُوعُ فَيُسْنَدُ إلى البَدَنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. ويُسْنَدُ إلى بَعْضِ أعْضاءِ البَدَنِ كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ١٢٧
﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾ [القمر: ٧] في سُورَةِ القَمَرِ، وقَوْلِهِ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] في سُورَةِ طه.
والمُرادُ بِالخُشُوعِ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَبْدُو عَلَيْهِمْ مِن أثَرِ المَذَلَّةِ والمَخافَةِ.
فَقَوْلُهُ: مِنَ الذُّلِّ مُتَعَلِّقٌ بِـ (خاشِعِينَ) وتَعَلُّقُهُ بِهِ يُغْنِي عَنْ تَعْلِيقِهِ بِـ (يَنْظُرُونَ) ويُفِيدُ ما لا يُفِيدُهُ تَعْلِيقُهُ بِهِ.
و(مِن) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ خاشِعِينَ خُشُوعًا ناشِئًا عَنِ الذُّلِّ، أيْ لَيْسَ خُشُوعُهم لِتَعْظِيمِ اللَّهِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمْ في الدُّنْيا.
وجُمْلَةُ ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ خاشِعِينَ لِأنَّ النَّظَرَ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ حالَةٌ لِلْخاشِعِ الذَّلِيلِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها تَصْوِيرُ حالَتِهِمُ الفَظِيعَةِ.
وفِي قَرِيبٍ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النّابِغَةِ يَصِفُ سَبايا:
يَنْظُرْنَ شَزْرًا إلى مَن جاءَ عَنْ عُرُضٍ ∗∗∗ بِأوْجُهٍ مُنْـكِـراتِ الـرِّقِّ أحْـرارِ
وقَوْلُ جَرِيرٍ:
فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ∗∗∗ فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ ولا كِلابَـا
والطَّرْفُ، أصْلُهُ مَصْدَرٌ، وهو تَحْرِيكُ جَفْنِ العَيْنِ، يُقالُ: طَرَفَ مِن بابِ ضَرَبَ، أيْ حَرَّكَ جَفْنَهُ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى العَيْنِ مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِفِعْلِهِ، ولِذَلِكَ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، قالَ تَعالى: لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم. ووَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ (خَفِيٍّ) يَقْتَضِي أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ حَرَكَةُ العَيْنِ، أيْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا خَفِيًّا، أيْ لا حِدَّةَ لَهُ فَهو كَمُسارَقَةِ النَّظَرِ، وذَلِكَ مِن هَوْلِ ما يَرَوْنَهُ مِنَ العَذابِ، فَهم يُحْجِمُونَ عَنْ مُشاهَدَتِهِ لِلرَّوْعِ الَّذِي يُصِيبُهم مِنها، ويَبْعَثُهم ما في الإنْسانِ مِن حُبِّ الِاطِّلاعِ عَلى أنْ يَتَطَلَّعُوا لِما يُساقُونَ إلَيْهِ كَحالِ الهارِبِ الخائِفِ مِمَّنْ يَتْبَعُهُ، فَتَراهُ يُمْعِنُ في الجَرْيِ ويَلْتَفِتُ وراءَهُ الفَيْنَةَ بَعْدَ الفَيْنَةِ لِيَنْظُرَ هَلِ اقْتَرَبَ مِنهُ الَّذِي يَجْرِي وراءَهُ وهو في تِلْكَ الِالتِفاتَةِ أفاتَ خُطُواتٍ مِن جَرْيِهِ لَكِنَّ حُبَّ الِاطِّلاعِ يُغالِبُهُ.
صفحة ١٢٨
و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ. والمَعْنى: يَنْظُرُونَ نَظَرًا مُنْبَعِثًا مِن حَرَكَةِ الجَفْنِ الخَفِيَّةِ.
وحَذَفَ مَفْعُولَ يَنْظُرُونَ لِلتَّعْمِيمِ أيْ يَنْظُرُونَ العَذابَ، ويَنْظُرُونَ أهْوالَ الحَشْرِ ويَنْظُرُونَ نَعِيمَ المُؤْمِنِينَ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ.
* * *
﴿وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾
يَتَرَجَّحُ أنَّ الواوَ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في تَراهم، أيْ تَراهم في حالِ الفَظاعَةِ المُلْتَبِسَيْنِ بِها، وتَراهم في حالِ سَماعِ الكَلامِ الذّامِّ لَهُمُ الصّادِرِ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَشْهَدِ. وحُذِفَتْ قَدْ مَعَ الفِعْلِ الماضِي لِظُهُورِ قَرِينَةِ الحالِ.
وهَذا قَوْلُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ كانُوا يَوْمَئِذٍ مُطَمَئِنِّينَ مِنَ الأهْوالِ شاكِرِينَ ما سَبَقَ مِن إيمانِهِمْ في الدُّنْيا عارِفِينَ بِرِبْحِ تِجارَتِهِمْ ومُقابِلِينَ بِالضِّدِّ حالَةَ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ بِهِمْ في الدُّنْيا إذْ كانُوا سَبَبًا في خَسارَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
والظّاهِرُ: أنَّ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ هَذا بِمَسْمَعٍ مِنَ الظّالِمِينَ فَيَزِيدُ الظّالِمِينَ تَلْهِيبًا لِنَدامَتِهِمْ ومَهانَتِهِمْ وخِزْيِهِمْ.
فَهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في إظْهارِ المَسَرَّةِ والبَهْجَةِ بِالسَّلامَةِ مِمّا لَحِقَ الظّالِمِينَ، أيْ قالُوهُ تَحَدُّثًا بِالنِّعْمَةِ واغْتِباطًا بِالسَّلامَةِ يَقُولُهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم أوْ يَقُولُهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وإنَّما جِيءَ بِحَرْفِ (إنَّ) مَعَ أنَّ القائِلَ لا يَشُكُّ في ذَلِكَ والسّامِعَ لا يَشُكُّ فِيهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الكَلامِ إذْ قَدْ تَبَيَّنَتْ سَعادَتُهم في الآخِرَةِ وتَوْفِيقُهم في الدُّنْيا بِمُشاهَدَةِ ضِدِّ ذَلِكَ في مُعانَدِيهِمْ.
والتَّعْرِيفُ في الخاسِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ لا غَيْرُهم. والمَعْنى: أنَّهم
صفحة ١٢٩
الأكْمَلُونَ في الخُسْرانِ وتُسَمّى ألْ هَذِهِ دالَّةً عَلى مَعْنى الكَمالِ وهو مُسْتَفادٌ مِن تَعْرِيفِ الجُزْءَيْنِ المُفِيدِ لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ حَيْثُ نَزَّلَ خُسْرانَ غَيْرِهِمْ مَنزِلَةَ عَدَمِ الخُسْرانِ. فالمَعْنى: لا خُسْرانَ يُشْبِهُ خُسْرانَهم، فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: إنَّ الخاسِرِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ كَما تُوُهِّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] في سُورَةِ الزُّمَرِ.
والخُسْرانُ: تَلَفُ مالِ التّاجِرِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِانْتِفاءِ الِانْتِفاعِ بِما كانَ صاحِبُهُ يُعِدُّهُ لِلنَّفْعِ، فَإنَّهم كانُوا يَأْمُلُونَ نَعِيمَ أنْفُسِهِمْ والأُنْسَ بِأهْلِيهِمْ حَيْثُما اجْتَمَعُوا، فَكُشِفَ لَهم في هَذا الجَمْعِ عَنِ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنْ لا يَحْيَوْا بَعْدَ المَوْتِ فَحَسِبُوا أنَّهم لا يَلْقَوْنَ بَعْدَهُ ألَمًا ولا تُوحِشُهم فُرْقَةُ أهْلِيهِمْ فَكُشِفَ لَهم ما خَيَّبَ ظَنَّهم فَكانُوا كالتّاجِرِ الَّذِي أمَّلَ الرِّبْحَ فَأصابَهُ الخُسْرانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ خَسِرُوا لا بِفِعْلِ قُلْ.
وجُمْلَةُ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [الشورى: ٤٤] الآياتِ. لِأنَّ حالَةَ كَوْنِهِمْ في عَذابٍ مُقِيمٍ أعَمُّ مِن حالَةِ تَلَهُّفِهِمْ عَلى أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، وذُلِّهِمْ وسَماعِهِمُ الذَّمَّ.
وإعادَةُ لَفْظِ الظّالِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ اقْتَضاهُ أنَّ شَأْنَ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ مُسْتَقِلَّ الدَّلالَةِ عَلى مَعْناهُ لِأنَّهُ كالمَثَلِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ إذْ لا قِبَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَحْكُمُوا هَذا الحُكْمَ، عَلى أنَّ أُسْلُوبَ افْتِتاحِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ كَلامُ مَن بِيَدِهِ الحُكْمُ يَوْمَ القِيامَةِ وهو مَلِكُ يَوْمِ الدِّينِ، فَهو كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ، أيْ وهم مَعَ النَّدَمِ وذَلِكَ الذُّلِّ والخِزْيِ بِسَماعِ ما يَكْرَهُونَ في عَذابٍ مُسْتَمِرٍّ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ في التَّذْيِيلاتِ لِأهَمِّيَّتِها.
والمُقِيمُ: الَّذِي لا يَرْتَحِلُ. ووَصَفَ بِهِ العَذابَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، شَبَّهَ المُسْتَمِرِّ الدّائِمِ بِالَّذِي اتَّخَذَ دارَ إقامَةٍ لا يَبْرَحُها.
الشورى 42:46
صفحة ١٣٠
﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ الظّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى: ٤٥]، أيْ هم في عَذابٍ دائِمٍ لا يَجِدُونَ مِنهُ نَصِيرًا. وهو رَدٌّ لِمَزاعِمِهِمْ أنَّ آلِهَتَهم تَنْفَعُهم عِنْدَ اللَّهِ.
وجُمْلَةُ يَنْصُرُونَهم صِفَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ هُنا وِلايَةٌ خاصَّةٌ، وهي وِلايَةُ النَّصْرِ، كَما كانَ قَوْلُهُ سابِقًا ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] مُرادًا بِهِ وِلايَةُ الإرْشادِ.
و(مِن) زائِدَةٌ في النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الوَلِيِّ لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الشعراء: ٩٣] صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أوْلِياءَ) وهي صِفَةٌ كاشِفَةٌ.
و(مِن) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ تَعَلُّقِ ظَرْفِ دُونَ بِالفِعْلِ.
* * *
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما كانَ لَهم مِن أوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾، وتَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ وهو ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .
وسَبِيلٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ كُلَّ سَبِيلٍ مُخَلِّصٍ مِنَ الضَّلالِ ومِن آثارِهِ، والمَقْصُودُ هُنا ابْتِداءً هو سَبِيلُ الفِرارِ مِنَ العَذابِ المُقِيمِ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ. وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ما هُنا تَأْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ﴾ [الشورى: ٤٤] .
الشورى 42:47
﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكم مِن مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ بَعْدَ أنْ قَطَعَ خِطابَهم عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الشورى: ٣٦] بِما تَخَلَّصَ بِهِ إلى الثَّناءِ عَلى فِرَقِ المُؤْمِنِينَ، وما اسْتَتْبَعَ ذَلِكَ مِنَ التَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ
صفحة ١٣١
بِالضَّلالَةِ والعَذابِ، ووَصْفِ حالِهِمُ الفَظِيعِ - عادَ الكَلامُ إلى خِطابِهِمْ بِالدَّعْوَةِ الجامِعَةِ لِما تَقَدَّمَ طَلَبًا لِتَدارُكِ أمْرِهِمْ قَبْلَ الفَواتِ، فاسْتُؤْنِفَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا فِيهِ مَعْنى النَّتِيجَةِ لِلْمَواعِظِ المُتَقَدِّمَةِ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الزَّواجِرِ يُهَيِّئُ بَعْضَ النُّفُوسِ لِقَبُولِ دَعْوَةِ الإسْلامِ.
والِاسْتِجابَةُ: إجابَةُ الدّاعِي، والسِّينُ والتّاءُ لِلتَّوْكِيدِ. وأُطْلِقَتْ الِاسْتِجابَةُ عَلى امْتِثالِ ما يُطالِبُهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ لِأنَّ اسْتِجابَةَ النِّداءِ تَسْتَلْزِمُ الِامْتِثالَ لِلْمُنادِي فَقَدْ كَثُرَ إطْلاقُها عَلى إجابَةِ المُسْتَنْجِدِ.
والمَعْنى: أطِيعُوا رَبَّكم وامْتَثِلُوا أمْرَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمُ العَذابِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ لِأنَّ الحَدِيثَ جارٍ عَلَيْهِ.
واللّامُ في لِرَبِّكم لِتَأْكِيدِ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ مِثْلَ: حَمِدْتُ لَهُ وشَكَرْتُ لَهُ. وتُسَمّى لامَ التَّبْلِيغِ ولامَ التَّبْيِينِ. وأصْلُهُ اسْتِجابَةٌ، قالَ كَعْبٌ الغَنَوِيٌّ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِـيبُ
ولَعَلَّ أصْلَهُ اسْتَجابَ دُعاءَهُ لَهُ، أيْ لِأجْلِهِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فاخْتُصِرَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَقالُوا: اسْتَجابَ لَهُ وشَكَرَ لَهُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَرَدُّ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرَّدِّ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] . و﴿لا مَرَدَّ لَهُ﴾ صِفَةُ يَوْمٍ. والمَعْنى: لا مَرَدَّ لِإثْباتِهِ بَلْ هو واقِعٌ، و(لَهُ) خَبَرُ (لا) النّافِيَةِ، أيْ لا مَرَدَّ كائِنًا لَهُ، ولامُ (لَهُ) لِلِاخْتِصاصِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ: مِنَ اللَّهِ ابْتِدائِيَّةٌ وهو ابْتِداءٌ مَجازِيٌّ، ومَعْناهُ: حُكْمُ اللَّهِ بِهِ فَكَأنَّ اليَوْمَ جاءَ مِن لَدُنْهُ.
ويَجُوزُ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ بِفِعْلِ يَأْتِي. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالكَوْنِ الَّذِي في خَبَرِ (لا) . والتَّقْدِيرُ عَلى هَذا: لا مَرَدَّ كائِنًا مِنَ اللَّهِ لَهُ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ (مَرَدَّ) عَلى أنَّهُ مُتَمِّمُ مَعْناهُ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ اسْمُ (لا) شَبِيهًا بِالمُضافِ فَكانَ مُنَوَّنًا
صفحة ١٣٢
ولَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، وما وقَعَ في الكَشّافِ مِمّا يُوهِمُ هَذا مُؤَوَّلٌ بِما سَمِعْتَ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ صِلَةً، ولَمْ يَسْمَعْهُ مُتَعَلِّقًا.
وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ.
والمَلْجَأُ: مَكانُ المَلْجَأِ، واللَّجَأُ: المَصِيرُ والِانْحِيازُ إلى الشَّيْءِ، فالمَلْجَأُ: المَكانُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَرْءُ لِلتَّوَقِّي فِيهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى النّاصِرِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ ما لَكم مِن شَيْءٍ يَقِيكم مِنَ العَذابِ.
والنَّكِيرُ: اسْمُ مَصْدَرِ أنْكَرَ، أيْ ما لَكم إنْكارٌ لِما جُوزِيتُمْ بِهِ، أيْ لا يَسَعُكم إلّا الِاعْتِرافُ دُونَ تَنَصُّلٍ.
الشورى 42:48
﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] الآيَةَ، وهو جامِعٌ لِما تَقَدَّمَ كَما عَلِمْتَ إذْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ بِدَعْوَتِهِمْ لِلْإيمانِ مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ﴾ [الشورى: ١٥] . وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ واعْتَرَضَهُ مِن تَضاعِيفِ الأمْرِ الصَّرِيحِ والضِّمْنِيِّ إلى قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧] . الآيَةَ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إعْلامَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَقامِهِ وعَمَلِهِ إنْ أعْرَضَ مُعْرِضُونَ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُوهم، وبِمَعْذِرَتِهِ فِيما قامَ بِهِ وأنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى ما لاقاهُ مِنهم، والمَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذا كُلِّهِ فَما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ومُتَكَفِّلًا بِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.
وإذْ قَدْ كانَ ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ مُصَدَّرًا بَقَوْلِهِ أوائِلَ السُّورَةِ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى: ٦]، لا جَرَمَ ناسَبَ أنْ يُفَرِّعَ عَلى تِلْكَ الأوامِرِ بَعْدَ تَمامِها مِثْلَ ما قَدَّمَ لَها فَقالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ .
وهَذا الِارْتِباطُ هو نُكْتَةُ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى: ٤٧]
صفحة ١٣٣
الآيَةَ، إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ هُنا ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ أعْرَضْتُمْ.
والحَفِيظُ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ وقَوْلُهُ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وقائِمٌ مَقامَهُ، إذِ المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ مُقَصِّرًا في دَعْوَتِهِمْ، ولا عَلَيْكَ تَبِعَةُ صَدِّهِمْ إذْ ما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بِاعْتِبارِ أنَّها دالَّةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ.
و(إنِ) الثّانِيَةُ نافِيَةٌ. والجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جِناسٌ تامٌّ.
والبَلاغُ: التَّبْلِيغُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ، وقَدْ فُهِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ قَدْ أدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ دَلَّ عَلى نَفْيِ التَّبِعَةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِهِمْ، وأنَّ الإعْراضَ هو الإعْراضُ عَنْ دَعْوَتِهِ، فاسْتُفِيدَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الدَّعْوَةَ ولَوْلا ذَلِكَ ما أثْبَتَ لَهُمُ الإعْراضَ.
* * *
﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ تَتَّصِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ﴾ لِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما لاقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما عَلِمْتَ، ويُؤْذِنُ بِهَذا الِاتِّصالِ أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً هي ثامِنَةٌ وأرْبَعُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ إعْراضُهم عَنْ دَعْوَتِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْ نِعْمَتِي وعَنْ إنْذارِي بِزِيادَةِ الكُفْرِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وابْتِداءُ الكَلامِ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ المُنْفَصِلِ مُسْنَدًا إلَيْهِ فِعْلٌ دُونَ أنْ يُقالَ: وإذا أذَقْنا الإنْسانَ إلَخْ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ وصْفُ هَذا الإنْسانِ بِالبَطَرِ بِالنِّعْمَةِ وبِالكُفْرِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ جَفاءِ قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ، فالمَعْنى: أنَّ مُعامَلَتَهم
صفحة ١٣٤
رَبَّهم هَذِهِ المُعامَلَةَ تُسَلِّيكَ عَنْ مُعامَلَتِهِمْ إيّاكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣]، ولِهَذا لا تَجِدُ نَظائِرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَعْناها مُفْتَتَحًا بِمِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ تِلْكَ النَّظائِرِ لا تُماثِلُ مَوْقِعَ هَذِهِ وإنْ كانَ مَعْناهُما مُتَماثِلًا، فَهَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ خاصَّةٌ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ.
ولَكِنَّ نَظْمَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَ صالِحًا لِإفادَةِ هَذا المَعْنى ولِإفادَةِ مَعْنًى آخَرَ مُقارِبٍ لَهُ وهو أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ خُلُقٍ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مُرْتَكِزٍ في الجِبِلَّةِ لَكِنَّ مَظاهِرَهُ مُتَفاوِتَةٌ بِتَفاوُتِ أفْرادِهِ في التَّخَلُّقِ بِالآدابِ الدِّينِيَّةِ، فَيُحْمَلُ الإنْسانُ في المَوْضِعَيْنِ عَلى جِنْسِ بَنِي آدَمَ ويُحْمَلُ الفَرَحُ عَلى مُطْلَقِهِ المَقُولِ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ البَطَرِ، وتُحْمَلُ السَّيِّئَةُ الَّتِي قَدَّمَتْها أيْدِيهِمْ عَلى مَراتِبِ السَّيِّئاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ الإشْراكِ، ويُحْمَلُ وصْفُ (كَفُورٌ) عَلى ما يَشْمَلُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الكُفْرِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والكُفْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.
ولِهَذا اخْتَلَفَتْ مَحامِلُ المُفَسِّرِينَ لِلْآيَةِ. فَمِنهم مَن حَمَلَها عَلى خُصُوصِ الإنْسانِ الكافِرِ بِاللَّهِ مِثْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ والقُرْطُبِيِّ والطِّيبِيِّ، ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى ما يَعُمُّ أصْنافَ النّاسِ مِثْلَ الطَبَرِيِّ والبَغَوِيِّ والنَّسَفِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ. ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى أنَّ أوَّلَهُما هو المَقْصُودُ والثّانِيَ مُنْدَرِجٌ بِالتَّبَعِ وهَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْضاوِيِّ وصاحِبِ الكَشْفِ. ومِنهم مَن عَكَسَ وهي طَرِيقَةُ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِهِ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِـ الإنْسانَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ والمَوْضِعِ الثّانِي مَعْنًى واحِدٌ وهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ إذا أذَقْنا النّاسَ، وأنَّ النّاسَ كَفُورُونَ، ويَكُونُ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا أُرِيدَ بِهِ أكْثَرُ جِنْسِ الإنْسانِ في ذَلِكَ الزَّمانِ والمَكانِ لِأنَّ أكْثَرَ نَوْعِ الإنْسانِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكُونَ، وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الكُفْرِ قَوِيُّهُ، ولِقَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ.
وإنَّما عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ إلى التَّعْبِيرِ بِالإنْسانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا الخُلُقَ المُخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو مِن أخْلاقِ النَّوْعِ لا يُزِيلُهُ إلّا التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ الإسْلامِ فالَّذِينَ لَمْ
صفحة ١٣٥
يُسْلِمُوا باقُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ اسْمَ الإنْسانِ اسْمُ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ أوْصافَ الجِنْسِ المُسَمّى بِهِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الهَوى. وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ مِرارًا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُناسَبَةِ التَّسْلِيَةِ بِأنْ نُزِّلَ السّامِعُ الَّذِي لا يَشُكُّ في وُقُوعِ هَذا الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في ذَلِكَ لِاسْتِعْظامِهِ إعْراضَهم عَنْ دَعْوَةِ الخَيْرِ فَشُبِّهَ بِالمُتَرَدِّدِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ.
والإذاقَةُ: مَجازٌ في الإصابَةِ.
والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: أثَرُ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ، فالتَّقْدِيرُ: وإنّا إذا رَحِمْنا الإنْسانَ فَأصَبْناهُ بِنِعْمَةٍ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الرَّحْمَةِ بِالسَّيِّئَةِ كَما قُوبِلَتْ بِالضَّرّاءِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت: ٥٠] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
والمُرادُ بِالفَرَحِ: ما يَشْمَلُ الفَرَحَ المُجاوِزَ حَدَّ المَسَرَّةِ إلى حَدِّ البَطَرِ والتَّجَبُّرِ، عَلى نَحْوِ ما اسْتُعْمِلَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] لا الفَرَحُ الَّذِي في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] .
وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في (فَرِحَ) لِمُراعاةِ لَفْظِ الإنْسانِ وإنْ كانَ مَعْناهُ جَمْعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] أيِ الطّائِفَةَ الَّتِي تَبْغِي، فاعْتَدَّ بِلَفْظِ طائِفَةٍ دُونَ مَعْناهُ مَعَ أنَّهُ قالَ قَبْلَهُ: (اقْتَتَلُوا) . ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بِضَمِيرَيِ الجَماعَةِ ثُمَّ عادَ فَقالَ: ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ .
واجْتِلابُ (إذا) في هَذا الشَّرْطِ لِأنَّ شَأْنَ (إذا) أنْ تَدُلَّ عَلى تَحَقُّقِ كَثْرَةِ وُقُوعِ شَرْطِها، وشَأْنُ (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ اجْتَلَبَ (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ لِأنَّ إصابَتَهم بِالسَّيِّئَةِ نادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِإصابَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] .
صفحة ١٣٦
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] .
والحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ﴾ هو المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ كُلِّها، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ التَّأْكِيدِ فِيها بَعْدَ أنْ صُدِّرَتْ بِهِ الجُمْلَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرْطِ لِيُحِيطَ التَّأْكِيدُ بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ مِن عَوارِضِ صِفَةِ الإنْسانِيَّةِ عُرُوضَ الكُفْرِ بِاللَّهِ لَها، لِأنَّ في طَبْعِ الإنْسانِ تَطَلُّبَ مَسالِكِ النَّفْعِ وسَدَّ مَنافِذِ الضُّرِّ مِمّا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ لا تَدْخُلُ بَعْضُ أسْبابِها في مَقْدُورِهِ، ومِن طَبْعِهِ النَّظَرُ في الوَسائِلِ الواقِيَةِ لَهُ بِدَلائِلِ العَقْلِ الصَّحِيحِ، ولَكِنْ مِن طَبْعِهِ تَحْرِيكُ خَيالِهِ في تَصْوِيرِ قُوًى تُخَوِّلُهُ تِلْكَ الأسْبابَ فَإذا أمْلى عَلَيْهِ خَيالُهُ وُجُودَ قُوًى مُتَصَرِّفَةٍ في النَّوامِيسِ الخارِجَةِ عَنْ مَقْدُورِهِ خالَها ضالَّتَهُ المَنشُودَةَ، فَرَكَنَ إلَيْها وآمَنَ بِها وغابَ عَنْهُ دَلِيلُ الحَقِّ، إمّا لِقُصُورِ تَفْكِيرِهِ عَنْ دَرَكِهِ وانْعِدامِ المُرْشِدِ إلَيْهِ، أوْ لِغَلَبَةِ هَواهُ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِ عِصْيانَ المُرْشِدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والحُكَماءِ الصّالِحِينَ إذْ لا يَتْبَعُهم إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ ولا يَهْتَدِي بِالعَقْلِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا الأقَلُّ مِثْلَ الحُكَماءِ، فَغَلَبَ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ الكُفْرُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِهِ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ .
ولِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الحُكْمَ عَلى النَّوْعِ بَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] . ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا العُمُومِ إلّا الصّالِحُونَ مِن نَوْعِ الإنْسانِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنِهِمْ في كَمالِ الخُلُقِ وقَدِ اسْتُفِيدَ خُرُوجُهم مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤] .
وقَدْ شَمِلَ وصْفُ (كَفُورٌ) ما يَشْمَلُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وهُما مُتَلازِمانِ في الأكْثَرِ.