Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الزخرف 43:75 – الدخان 44:59
المحتويات
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:44
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
الزخرف 43:75
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعانِ: أحَدُهُما إتْمامُ التَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ الوَعِيدُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ تَفْصِيلِ بَعْضِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] إلَخْ. وبِقَوْلِهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] حَيْثُ قُطِعَ إتْمامُ تَفْصِيلِهِ بِالِاعْتِناءِ بِذِكْرِ وعْدِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَهي في هَذا المَوْقِعِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الوَعِيدِ وتَفْصِيلٌ لِإجْمالِها.
المَوْقِعُ الثّانِي: أنَّها كالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ يُثِيرُهُ ما يَسْمَعُ مِن وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِنَ التَّساؤُلِ: كَيْفَ يَكُونُ حالُ أضْدادِهِمُ المُشْرِكِينَ الظّالِمِينَ.
والمَوْقِعانِ سَواءٌ في كَوْنِ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وافْتِتاحُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِ السّائِلِ المُتَلَهِّفِ لِلْخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في مَضْمُونِهِ لِشِدَّةِ شَوْقِهِ إلَيْهِ، أوْ نَظَرًا إلى ما في الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِإسْماعِهِ المُشْرِكِينَ وهم يُنْكِرُونَ مَضْمُونَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم أيُّها المُجْرِمُونَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
والمُجْرِمُونَ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الإجْرامَ، وهو الذَّنْبُ العَظِيمُ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا: المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ السِّياقَ لَهم، ولِأنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِإجْمالِ وعِيدِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]، ولِأنَّ جَوابَ المَلائِكَةِ نِداؤُهم
صفحة ٢٥٨
بِقَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] لا يَنْطَبِقُ عَلى غَيْرِ المُكَذِّبِينَ، أيْ كارِهُونَ لِلْإسْلامِ والقُرْآنِ، فَذِكْرُ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شِرْكَهم إجْرامٌ.
وجُمْلَةُ ”﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”عَذابِ جَهَنَّمَ“ . و”يُفَتَّرُ“ مُضاعَفُ فَتَرَ، إذا سَكَنَ، وهو بِالتَّضْعِيفِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ. والمَعْنى: لا يُفَتِّرُهُ أحَدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ .
والإيلاسُ: اليَأْسُ والذُّلُّ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ: وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى الإيلاسِ قَيْدَ السُّكُوتِ ولَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ السُّكُوتَ مِن لَوازِمِ مَعْنى الإيلاسِ ولَيْسَ قَيْدًا في المَعْنى.
الزخرف 43:76
﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في حِكايَةِ أحْوالِ المُجْرِمِينَ قُصِدَ مِنها نَفْيُ اسْتِعْظامِ ما جُوِّزُوا بِهِ مِنَ الخُلُودِ في العَذابِ ونَفْيِ الرِّقَّةِ لِحالِهِمُ المَحْكِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] .
والظُّلْمُ هُنا: الِاعْتِداءُ، وهو الإصابَةُ بِضُرٍّ بِغَيْرِ مُوجِبٍ مَشْرُوعٍ أوْ مَعْقُولٍ، فَنَفْيُهُ عَنِ اللَّهِ في مُعامَلَتِهِ إيّاهم بِتِلْكَ المُعامَلَةِ لِأنَّها كانَتْ جَزاءً عَلى ظُلْمِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المُعْتَدِينَ إذِ اعْتَدَوْا عَلى ما أمَرَ اللَّهُ مِنَ الِاعْتِرافِ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ، وعَلى رُسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ كَذَّبُوهُ ولَمَزُوهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] في سُورَةِ لُقْمانَ.
و”هم“ ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ لا يُطْلَبُ مُعادًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْتَلَبْ لِلدَّلالَةِ عَلى مُعادٍ لِوُجُودِ ضَمِيرِ ”كانُوا“ دالًّا عَلى المَعادِ فَضَمِيرُ الفَصْلِ مُجْتَلَبٌ لِإفادَةِ قَصْرِ صِفَةِ الظُّلْمِ عَلى اسْمِ (كانَ)، وإذْ قَدْ كانَ حَرْفُ الِاسْتِدْراكِ بَعْدَ النَّفْيِ كافِيًا في إفادَةِ
صفحة ٢٥٩
القَصْرِ كانَ اجْتِلابُ ضَمِيرِ الفَصْلِ تَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ بِإعادَةِ صِيغَةٍ أُخْرى مِن صِيَغِ القَصْرِ.
وجُمْهُورُ العَرَبِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ الفَصْلِ في الكَلامِ غَيْرَ واقِعٍ في مَوْقِعِ إعْرابٍ فَهو بِمَنزِلَةِ الحَرْفِ، وهو عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ حَرْفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنِ الإعْرابِ ويُسَمِّيهِ نُحاةُ البَصْرَةِ فَصْلًا، ويُسَمِّيهِ نُحاةُ الكُوفَةِ عِمادًا.
واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ الظّالِمِينَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانُوا وبَنُو تَمِيمٍ يَجْعَلُونَهُ ضَمِيرًا طالِبًا مُعادًا وصَدْرًا لِجُمْلَتِهِ مُبْتَدَأً ويَجْعَلُونَ جُمْلَتَهُ في مَحَلِّ الإعْرابِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ما قَبْلَهُ، وعَلى ذَلِكَ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وأبُو زَيْدٍ النَّحْوِيُّ ”﴿ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمُونَ﴾“ عَلى أنَّ ”هم“ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ مِنهُ ومِن خَبَرِهِ خَبَرُ ”كانُوا“ .
وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ رُؤْبَةَ بْنَ العَجّاجِ كانَ يَقُولُ أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ بِرَفْعِ ”خَيْرٌ“ .
الزخرف 43:77
﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾
جُمْلَةُ ونادَوْا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] . وحُكِيَ نِداؤُهم بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّهُ مِمّا سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا لِأنَّ إبْلاسَهم في عَذابِ جَهَنَّمَ وهو اليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَ أنْ نادَوْا يا مالِكُ وأجابَهم بِما أجابَ بِهِ، وذَلِكَ إذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”ونادَوْا“ حالِيَّةً، وإمّا لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي في تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وهَذا إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ونادَوْا إلَخْ مَعْطُوفَةً.
و”مالِكُ“ المُنادى اسْمُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِجَهَنَّمَ خاطَبُوهُ لِيَرْفَعَ دَعْوَتَهم إلى اللَّهِ تَعالى شَفاعَةً.
صفحة ٢٦٠
واللّامُ في ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ لامُ الأمْرِ بِمَعْنى الدُّعاءِ.
وتَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الغائِبِ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَعْنى التَّبْلِيغِ كَما هُنا، أوْ تَنْزِيلِ الحاضِرِ مَنزِلَةَ الغائِبِ لِاعْتِبارٍ ما، مِثْلَ التَّعْظِيمِ في نَحْوِ قَوْلِ الوَزِيرِ لِلْخَلِيفَةِ لِيَرَ الخَلِيفَةُ رَأْيَهُ.
والقَضاءُ بِمَعْنى: الإماتَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، سَألُوا اللَّهَ أنْ يُزِيلَ عَنْهُمُ الحَياةَ لِيَسْتَرِيحُوا مِن إحْساسِ العَذابِ.
وهم إنَّما سَألُوا اللَّهَ أنْ يُمِيتَهم فَأُجِيبُوا بِأنَّهم ماكِثُونَ جَوابًا جامِعًا لِنَفْيِ الإماتَةِ ونَفْيِ الخُرُوجِ فَهو جَوابٌ قاطِعٌ لِما قَدْ يَسْألُونَهُ مِن بَعْدُ.
ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ ”ونادَوْا يا مالِ“ بِحَذْفِ الكافِ عَلى التَّرْخِيمِ، فَذُكِرَتْ قِراءَتُهُ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ ”ما كانَ أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ“، قالَ في الكَشّافِ: وعَنْ بَعْضِهِمْ: حَسَّنَ التَّرْخِيمَ أنَّهم يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وعِظَمَ ما هم فِيهِ ا ه. وأرادَ بِبَعْضِهِمُ ابْنَ جِنِّي فِيما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنَّ ابْنَ جِنِّي قالَ: ولِلتَّرْخِيمِ في هَذا المَوْضِعِ سِرٌّ؛ وذَلِكَ أنَّهم لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ضَعُفَتْ وذُلَّتْ أنْفُسُهم وصَغُرَ كَلامُهم فَكانَ هَذا مِن مَواضِعِ الِاخْتِصارِ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ ﴿ونادَوْا يا مالِكُ﴾ بِإثْباتِ الكافِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ ”ونادَوْا يا مالِ“ رَواها أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ النَّبِيءُ ﷺ قَرَأ بِالوَجْهَيْنِ وتَواتَرَتْ قِراءَةُ إثْباتِ الكافِ وبَقِيَتِ الأُخْرى مَرْوِيَّةً بِالآحادِ فَلَمْ تَكُنْ قُرْآنًا.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ بِاعْتِبارِ تَمامِ الجُمْلَةِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ .
وضَمِيرُ ”جِئْناكم“ لِلْمَلائِكَةِ، والحَقُّ: الوَحْيُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ فَنَسَبَ مالِكٌ المَجِيءَ بِالحَقِّ إلى جَمْعِ المَلائِكَةِ عَلى طَرِيقَةِ اعْتِزازِ الفَرِيقِ والقَبِيلَةِ بِمَزايا
صفحة ٢٦١
بَعْضِها، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
وفَكَكْنا غِلَّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ بَعْدَ ما طالَ حَبْسُهُ والعَناءُ
وإنَّما نُسِبَتْ كَراهَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ فَرِيقانِ أحَدُهُما سادَةٌ كُبَراءُ لِمِلَّةِ الكُفْرِ وهُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالإرْهابِ والتَّرْغِيبِ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ حِينَ صَدَّ أبا طالِبٍ عِنْدَ احْتِضارِهِ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقالَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وثانِيهِما دَهْماءُ وعامَّةٌ وهم تَبَعٌ لِأئِمَّةِ الكُفْرِ. وقَدْ أشارَتْ إلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآياتِ. فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ المُرادُ. مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وأُولَئِكَ إنَّما كَرِهُوا الحَقَّ لِأنَّهُ يَرْمِي إلى زَوالِ سُلْطانِهِمْ وتَعْطِيلِ مَنافِعِهِمْ.
وتَقْدِيمُ ”لِلْحَقِّ“ عَلى ”كارِهُونَ“ لِلِاهْتِمامِ بِالحَقِّ تَنْوِيهًا بِهِ، وفِيهِ إقامَةُ الفاصِلَةِ أيْضًا.
الزخرف 43:78
﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾
جُمْلَةُ ونادَوْا حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]، أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] . وحُكِيَ نِداؤُهم بِصِيغَةِ الماضِي مَعَ أنَّهُ مِمّا سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ، إمّا لِأنَّ إبْلاسَهم في عَذابِ جَهَنَّمَ وهو اليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَ أنْ نادَوْا يا مالِكُ وأجابَهم بِما أجابَ بِهِ، وذَلِكَ إذا جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”ونادَوْا“ حالِيَّةً، وإمّا لِتَنْزِيلِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ مَنزِلَةَ الماضِي في تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ تَخْرِيجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ويَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وهَذا إنْ كانَتْ جُمْلَةُ ونادَوْا إلَخْ مَعْطُوفَةً.
و”مالِكُ“ المُنادى اسْمُ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِجَهَنَّمَ خاطَبُوهُ لِيَرْفَعَ دَعْوَتَهم إلى اللَّهِ تَعالى شَفاعَةً.
صفحة ٢٦٠
واللّامُ في ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ لامُ الأمْرِ بِمَعْنى الدُّعاءِ.
وتَوْجِيهُ الأمْرِ إلى الغائِبِ لا يَكُونُ إلّا عَلى مَعْنى التَّبْلِيغِ كَما هُنا، أوْ تَنْزِيلِ الحاضِرِ مَنزِلَةَ الغائِبِ لِاعْتِبارٍ ما، مِثْلَ التَّعْظِيمِ في نَحْوِ قَوْلِ الوَزِيرِ لِلْخَلِيفَةِ لِيَرَ الخَلِيفَةُ رَأْيَهُ.
والقَضاءُ بِمَعْنى: الإماتَةِ كَقَوْلِهِ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، سَألُوا اللَّهَ أنْ يُزِيلَ عَنْهُمُ الحَياةَ لِيَسْتَرِيحُوا مِن إحْساسِ العَذابِ.
وهم إنَّما سَألُوا اللَّهَ أنْ يُمِيتَهم فَأُجِيبُوا بِأنَّهم ماكِثُونَ جَوابًا جامِعًا لِنَفْيِ الإماتَةِ ونَفْيِ الخُرُوجِ فَهو جَوابٌ قاطِعٌ لِما قَدْ يَسْألُونَهُ مِن بَعْدُ.
ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ ”ونادَوْا يا مالِ“ بِحَذْفِ الكافِ عَلى التَّرْخِيمِ، فَذُكِرَتْ قِراءَتُهُ لِابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ ”ما كانَ أشْغَلَ أهْلَ النّارِ عَنِ التَّرْخِيمِ“، قالَ في الكَشّافِ: وعَنْ بَعْضِهِمْ: حَسَّنَ التَّرْخِيمَ أنَّهم يَقْتَطِعُونَ بَعْضَ الِاسْمِ لِضَعْفِهِمْ وعِظَمَ ما هم فِيهِ ا ه. وأرادَ بِبَعْضِهِمُ ابْنَ جِنِّي فِيما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أنَّ ابْنَ جِنِّي قالَ: ولِلتَّرْخِيمِ في هَذا المَوْضِعِ سِرٌّ؛ وذَلِكَ أنَّهم لِعِظَمِ ما هم عَلَيْهِ ضَعُفَتْ وذُلَّتْ أنْفُسُهم وصَغُرَ كَلامُهم فَكانَ هَذا مِن مَواضِعِ الِاخْتِصارِ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ سَمِعْتُ النَّبِيءَ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ ﴿ونادَوْا يا مالِكُ﴾ بِإثْباتِ الكافِ» . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ ”ونادَوْا يا مالِ“ رَواها أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فَيَكُونُ النَّبِيءُ ﷺ قَرَأ بِالوَجْهَيْنِ وتَواتَرَتْ قِراءَةُ إثْباتِ الكافِ وبَقِيَتِ الأُخْرى مَرْوِيَّةً بِالآحادِ فَلَمْ تَكُنْ قُرْآنًا.
وجُمْلَةُ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ بِاعْتِبارِ تَمامِ الجُمْلَةِ وهو الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ .
وضَمِيرُ ”جِئْناكم“ لِلْمَلائِكَةِ، والحَقُّ: الوَحْيُ الَّذِي نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ فَنَسَبَ مالِكٌ المَجِيءَ بِالحَقِّ إلى جَمْعِ المَلائِكَةِ عَلى طَرِيقَةِ اعْتِزازِ الفَرِيقِ والقَبِيلَةِ بِمَزايا
صفحة ٢٦١
بَعْضِها، وهي طَرِيقَةٌ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
وفَكَكْنا غِلَّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ بَعْدَ ما طالَ حَبْسُهُ والعَناءُ
وإنَّما نُسِبَتْ كَراهَةُ الحَقِّ إلى أكْثَرِهِمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ لِأنَّ المُشْرِكِينَ فَرِيقانِ أحَدُهُما سادَةٌ كُبَراءُ لِمِلَّةِ الكُفْرِ وهُمُ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِالإرْهابِ والتَّرْغِيبِ مِثْلُ أبِي جَهْلٍ حِينَ صَدَّ أبا طالِبٍ عِنْدَ احْتِضارِهِ عَنْ قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وقالَ أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وثانِيهِما دَهْماءُ وعامَّةٌ وهم تَبَعٌ لِأئِمَّةِ الكُفْرِ. وقَدْ أشارَتْ إلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] الآياتِ. فالفَرِيقُ الأوَّلُ هُمُ المُرادُ. مِن قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وأُولَئِكَ إنَّما كَرِهُوا الحَقَّ لِأنَّهُ يَرْمِي إلى زَوالِ سُلْطانِهِمْ وتَعْطِيلِ مَنافِعِهِمْ.
وتَقْدِيمُ ”لِلْحَقِّ“ عَلى ”كارِهُونَ“ لِلِاهْتِمامِ بِالحَقِّ تَنْوِيهًا بِهِ، وفِيهِ إقامَةُ الفاصِلَةِ أيْضًا.
الزخرف 43:79
﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ مَعَ اتِّحادِ الغَرَضِ، انْتَقَلَ مِن حَدِيثِ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم مِنِ الخِزْيِ في الدُّنْيا.
فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] إلَخْ.
والكَلامُ بَعْدَ (أمْ) اسْتِفْهامٌ حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ اسْتِفْهامٍ وهو اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ وتَهْدِيدٌ، أيْ أأبْرَمُوا أمْرًا.
وضَمِيرُ أبْرَمُوا مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ ناوَوُا النَّبِيءَ ﷺ . وضَمِيرُ (إنّا) ضَمِيرُ الجَلالَةِ.
صفحة ٢٦٢
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضاهُ الِاسْتِفْهامُ مِن تَقْدِيرِ حُصُولِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ فَيُؤَوَّلُ الكَلامُ إلى مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ إنْ أبْرَمُوا أمْرًا مِنَ الكَيْدِ فَإنَّ اللَّهَ مُبْرِمٌ لَهم أمْرًا مِن نَقْضِ الكَيْدِ وإلْحاقِ الأذى بِهِمْ، ونَظِيرُهُ وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ [الطور: ٤٢] .
وعَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَدْبِيرِ قُرَيْشٍ بِالمَكْرِ بِالنَّبِيءِ ﷺ في دارِ النَّدْوَةِ حِينَ اسْتَقَرَّ أمْرُهم عَلى ما أشارَ بِهِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْرُزَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَشْتَرِكُوا في قَتْلِ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ بَنُو هاشِمٍ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ، وقَتَلَ اللَّهُ جَمِيعَهم في بَدْرٍ.
والإبْرامُ حَقِيقَتُهُ: القَتْلُ المُحْكَمُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإحْكامِ التَّدْبِيرِ والعَزْمِ عَلى ما دَبَّرُوهُ.
والمُخالَفَةُ بَيْنَ أبْرَمُوا و”مُبْرِمُونَ“ لِأنَّ إبْرامَهم واقِعٌ، وأمّا إبْرامُ اللَّهِ جَزاءً لَهم فَهو تَوَعُّدٌ بِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في زَمَنِ الحالِ، أيْ نَحْنُ نُقَدِّرُ لَهُمُ الآنَ أمْرًا عَظِيمًا، وذَلِكَ إيجادُ أسْبابِ وقْعَةِ بَدْرٍ الَّتِي اسْتُؤْصِلُوا فِيها.
والأمْرُ: العَمَلُ العَظِيمُ الخَطِيرُ، وحُذِفَ مَفْعُولُ ”مُبْرِمُونَ“ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
الزخرف 43:80
﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (أمْ) والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَها في قَوْلِهِ ”﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾“ هُما مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ”﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ [الزخرف: ٧٩]“ .
وحَرْفُ (بَلى) جَوابٌ لِلنَّفْيِ مِن قَوْلِهِ ”﴿أنّا لا نَسْمَعُ﴾“، أيْ بَلى نَحْنُ نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم.
صفحة ٢٦٣
والسَّمْعُ هو: العِلْمُ بِالأصْواتِ.
والمُرادُ بِالسِّرِّ: ما يُسِرُّونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن وسائِلِ المَكْرِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، وبِالنَّجْوى ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ خَفِيٍّ.
وعَطَفَ ﴿ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ لِيَعْلَمُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما يُسِرُّونَ عِلْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرٌ فِيهِمْ وهو مُؤاخَذَتُهم بِما يُسِرُّونَ لِأنَّ كِتابَةَ الأعْمالِ تُؤْذِنُ بِأنَّها سَتُحْسَبُ لَهم يَوْمَ الجَزاءِ.
والكِتابَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً، وأنْ تَكُونَ مَجازًا، أوْ كِنايَةً عَنِ الإحْصاءِ والِاحْتِفاظِ.
والرُّسُلُ: هُمُ الحَفَظَةُ مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّهم مُرْسَلُونَ لِتَقَصِّي أعْمالَ النّاسِ ولِذَلِكَ قالَ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، أيْ رَقِيبٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ.
الزخرف 43:81
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِادِّعاءِ بُنُوَّةِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧]، وعَقِبَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] .
وأعْقَبَ بِما يَنْتَظِرُهم مِن أهْوالِ القِيامَةِ وما أعَدَّ لِلَّذِينِ انْخَلَعُوا عَنِ الإشْراكِ بِالإيمانِ، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَقامِ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ إلى مَقامِ الِاحْتِجاجِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ، جَمْعًا بَيْنَ الرَّدِّ عَلى بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ، والَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ بَعْضَ أصْنامِهِمْ بَناتُ اللَّهِ مِثْلَ اللّاتِ والعُزّى، فَأمَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ قُلْ لَهم جَدَلًا وإفْحامًا،
صفحة ٢٦٤
ولَقَّنَهُ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَعْزُبُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ لِلَّهِ ابْنًا.
والَّذِينَ يَقُولُ لَهم هَذا القَوْلَ هُمُ المُشْرِكُونَ الزّاعِمُونَ ذَلِكَ فَهَذا غَرَضُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ مَعَ عِلْمِ السّامِعِينَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَرُوجُ عِنْدَهُ ذَلِكَ.
ونَظْمُ الآيَةِ دَقِيقٌ ومُعْضِلٌ، وتَحْتَهُ مَعانٍ جَمَّةٌ: وأوَّلُها وأوْلاها: أنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ أبْناءً لَكانَ أوَّلَ مَن يَعْبُدُهم، أيْ أحَقُّ مِنكم بِأنْ أعْبُدَهم، أيْ لِأنَّهُ لَيْسَ أقَلَّ فَهْمًا مِن أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ابْنًا لِلَّهِ ولا يَعْتَرِفَ لِذَلِكَ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّ ابْنَ اللَّهِ يَكُونُ مُنْسَلًّا مِن ذاتٍ إلَهِيَّةٍ فَلا يَكُونُ إلّا إلَهًا وأنا أعْلَمُ أنَّ الإلَهَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فالدَّلِيلُ مُرَكَّبٌ مِن مُلازَمَةٍ شَرْطِيَّةٍ، والشَّرْطُ فَرْضِيٌّ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الجَوابِ والشَّرْطِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ عاقِلٌ داعٍ إلى الحَقِّ والنَّجاةِ فَلا يَرْضى لِنَفْسِهِ ما يُوَرِّطُهُ، وأيْضًا لا يَرْضى لَهم إلّا ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، وهَذا مُنْتَهى النُّصْحِ لَهم، وبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ويُفِيدُ أنَّهُ ثابِتُ القَدَمِ في تَوْحِيدِ الإلَهِ.
ونُفِيَ التَّعَدُّدُ بِنَفْيِ أخَصِّ أحْوالِ التَّعَدُّدِ وهو التَّعَدُّدُ بِالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ كَتَعَدُّدِ العائِلَةِ، وهو أصْلُ التَّعَدُّدِ فَيَنْتَفِي أيْضًا تَعَدُّدُ الآلِهَةِ الأجانِبِ بِدَلالَةِ الفَحْوى. ونَظِيرُهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِلْحَجّاجِ. وقَدْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ حِينَ أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ: لَأُبَدِّلَنَّكَ بِالدُّنْيا نارًا تَلَظّى فَقالَ سَعِيدٌ: لَوْ عَرَفْتُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْكَ ما عَبَدْتُ إلَهًا غَيْرَكَ، فَنَبَّهَهُ إلى خَطَئِهِ بِأنَّ إدْخالَ النّارِ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى.
والحاصِلُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مُرَكَّبٌ مِن قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ أوَّلُ جُزْأيْها وهو المُقَدَّمُ باطِلٌ، وثانِيهِما وهو التّالِي باطِلٌ أيْضًا، لِأنَّ بُطْلانَ التّالِي لازِمٌ لِبُطْلانِ المُقَدَّمِ، كَقَوْلِكَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا فَهي مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا بِبُطْلانِ التّالِي عَلى بُطْلانِ المُقَدَّمِ لِأنَّ كَوْنَ النَّبِيءِ ﷺ عابِدًا لِمَزْعُومٍ بُنُوَّتُهُ لِلَّهِ أمْرٌ مُنْتَفٍ بِالمُشاهَدَةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ناهِيًا إيّاهم عَنْ ذَلِكَ. وهَذا عَلى وِزانِ الِاسْتِدْلالِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إلّا أنَّ تِلْكَ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ، وهَذِهِ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ غَيْرِ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ.
صفحة ٢٦٥
والنُّكْتَةُ في العُدُولِ عَنِ الأداةِ الصَّرِيحَةِ في الِامْتِناعِ هُنا، إيهامُهم في بادِئِ الأمْرِ أنَّ فَرْضَ الوَلَدِ لِلَّهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، ولِيَتَأتّى أنْ يَكُونَ نَظْمُ الكَلامِ مُوَجَّهًا حَتّى إذا تَأمَّلُوهُ وجَدُوهُ يَنْفِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. ويَدُلُّ لِهَذا ما رَواهُ في الكَشّافِ أنَّ النَّضِرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ . فَقالَ النَّضِرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَقَنِي، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَقَكَ ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. ورُوِيَ مُجْمَلُ هَذا المَعْنى عَنِ السُّدِّيِّ فَكانَ في نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، وإطْماعٌ لِلْخُصُومِ بِما إنْ تَأمَّلُوهُ اسْتَبانَ وجْهُ الحَقِّ فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ إعْراضُهم نُكُوصًا.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ المَعانِي. مِنها: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ فَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِجُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ.
ومِنها، أنْ يَكُونَ حَرْفُ (إنْ) لِلنَّفْيِ دُونَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ: أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ أتَنَزَّهُ عَنْ إثْباتِ الشَّرِيكِ لَهُ، وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنِهِ.
ومِنها: تَأْوِيلُ العابِدِينَ أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَبَدَ يَعْبُدُ مِن بابِ فَرِحَ، أيْ أنِفَ وغَضِبَ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وطَعَنَ فِيهِ نِفْطَوَيْهِ بِأنَّهُ إنَّما يُقالُ في اسْمِ فاعِلِ عَبَدَ يَعْبُدُ عَبْدٌ وقَلَّما يَقُولُونَ: عابِدٌ والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولَدٌ بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ ولَدٍ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَكْمِلَةً لِما أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ، أيْ قُلْ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ: مَعَ تَنْزِيهٍ عَنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَيَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمُ التّالِي في جُزْأيِ القِياسِ الشَّرْطِيِّ الِاسْتِثْنائِيِّ.
صفحة ٢٦٦
ولَيْسَ في ضَمِيرِ يَصِفُونَ التِفاتٌ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قُلْ لَهم إنَّ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ عَمّا يَقُولُونَ؛ فَتَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّها نَزَّهَتِ اللَّهَ عَنْ جَمِيعِ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ووَصْفُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أقْوى المَوْجُوداتِ وأعَمِّها وأعْظَمِها، لِأنَّهُ يُفِيدُ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لِانْتِفاءِ فائِدَةِ الوِلادَةِ، فَقَدْ تَمَّ خَلْقُ العَوالِمِ ونِظامِ نَمائِها ودَوامِها، وعُلِمَ مِن كَوْنِهِ خالِقَها أنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ وإلّا لاحْتاجَ إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ، واقْتَضى عَدَمَ السَّبْقِ بِعَدَمِ أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ فَناءٌ فَوُجُودُ الوَلَدِ لَهُ يَكُونُ عَبَثًا.
الزخرف 43:82
﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِادِّعاءِ بُنُوَّةِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧]، وعَقِبَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] .
وأعْقَبَ بِما يَنْتَظِرُهم مِن أهْوالِ القِيامَةِ وما أعَدَّ لِلَّذِينِ انْخَلَعُوا عَنِ الإشْراكِ بِالإيمانِ، أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَقامِ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ إلى مَقامِ الِاحْتِجاجِ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ، جَمْعًا بَيْنَ الرَّدِّ عَلى بَعْضِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ، والَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ بَعْضَ أصْنامِهِمْ بَناتُ اللَّهِ مِثْلَ اللّاتِ والعُزّى، فَأمَرَهُ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ قُلْ لَهم جَدَلًا وإفْحامًا،
صفحة ٢٦٤
ولَقَّنَهُ كَلامًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما كانَ يَعْزُبُ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ أنَّ لِلَّهِ ابْنًا.
والَّذِينَ يَقُولُ لَهم هَذا القَوْلَ هُمُ المُشْرِكُونَ الزّاعِمُونَ ذَلِكَ فَهَذا غَرَضُ الآيَةِ عَلى الإجْمالِ لِأنَّها افْتُتِحَتْ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ مَعَ عِلْمِ السّامِعِينَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَرُوجُ عِنْدَهُ ذَلِكَ.
ونَظْمُ الآيَةِ دَقِيقٌ ومُعْضِلٌ، وتَحْتَهُ مَعانٍ جَمَّةٌ: وأوَّلُها وأوْلاها: أنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ أبْناءً لَكانَ أوَّلَ مَن يَعْبُدُهم، أيْ أحَقُّ مِنكم بِأنْ أعْبُدَهم، أيْ لِأنَّهُ لَيْسَ أقَلَّ فَهْمًا مِن أنْ يَعْلَمَ شَيْئًا ابْنًا لِلَّهِ ولا يَعْتَرِفَ لِذَلِكَ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّ ابْنَ اللَّهِ يَكُونُ مُنْسَلًّا مِن ذاتٍ إلَهِيَّةٍ فَلا يَكُونُ إلّا إلَهًا وأنا أعْلَمُ أنَّ الإلَهَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، فالدَّلِيلُ مُرَكَّبٌ مِن مُلازَمَةٍ شَرْطِيَّةٍ، والشَّرْطُ فَرْضِيٌّ، والمُلازَمَةُ بَيْنَ الجَوابِ والشَّرْطِ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمَ عاقِلٌ داعٍ إلى الحَقِّ والنَّجاةِ فَلا يَرْضى لِنَفْسِهِ ما يُوَرِّطُهُ، وأيْضًا لا يَرْضى لَهم إلّا ما رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ، وهَذا مُنْتَهى النُّصْحِ لَهم، وبِهِ يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ ويُفِيدُ أنَّهُ ثابِتُ القَدَمِ في تَوْحِيدِ الإلَهِ.
ونُفِيَ التَّعَدُّدُ بِنَفْيِ أخَصِّ أحْوالِ التَّعَدُّدِ وهو التَّعَدُّدُ بِالأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ كَتَعَدُّدِ العائِلَةِ، وهو أصْلُ التَّعَدُّدِ فَيَنْتَفِي أيْضًا تَعَدُّدُ الآلِهَةِ الأجانِبِ بِدَلالَةِ الفَحْوى. ونَظِيرُهُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لِلْحَجّاجِ. وقَدْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ حِينَ أرادَ أنْ يَقْتُلَهُ: لَأُبَدِّلَنَّكَ بِالدُّنْيا نارًا تَلَظّى فَقالَ سَعِيدٌ: لَوْ عَرَفْتُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْكَ ما عَبَدْتُ إلَهًا غَيْرَكَ، فَنَبَّهَهُ إلى خَطَئِهِ بِأنَّ إدْخالَ النّارِ مِن خَصائِصِ اللَّهِ تَعالى.
والحاصِلُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ مُرَكَّبٌ مِن قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ أوَّلُ جُزْأيْها وهو المُقَدَّمُ باطِلٌ، وثانِيهِما وهو التّالِي باطِلٌ أيْضًا، لِأنَّ بُطْلانَ التّالِي لازِمٌ لِبُطْلانِ المُقَدَّمِ، كَقَوْلِكَ: إنْ كانَتِ الخَمْسَةُ زَوْجًا فَهي مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَساوِيَيْنِ، والِاسْتِدْلالُ هُنا بِبُطْلانِ التّالِي عَلى بُطْلانِ المُقَدَّمِ لِأنَّ كَوْنَ النَّبِيءِ ﷺ عابِدًا لِمَزْعُومٍ بُنُوَّتُهُ لِلَّهِ أمْرٌ مُنْتَفٍ بِالمُشاهَدَةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزَلْ ناهِيًا إيّاهم عَنْ ذَلِكَ. وهَذا عَلى وِزانِ الِاسْتِدْلالِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، إلّا أنَّ تِلْكَ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ، وهَذِهِ جُعِلَ شَرْطُها بِأداةٍ غَيْرِ صَرِيحَةٍ في الِامْتِناعِ.
صفحة ٢٦٥
والنُّكْتَةُ في العُدُولِ عَنِ الأداةِ الصَّرِيحَةِ في الِامْتِناعِ هُنا، إيهامُهم في بادِئِ الأمْرِ أنَّ فَرْضَ الوَلَدِ لِلَّهِ مَحَلُّ نَظَرٍ، ولِيَتَأتّى أنْ يَكُونَ نَظْمُ الكَلامِ مُوَجَّهًا حَتّى إذا تَأمَّلُوهُ وجَدُوهُ يَنْفِي أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ بِطَرِيقِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ. ويَدُلُّ لِهَذا ما رَواهُ في الكَشّافِ أنَّ النَّضِرَ بْنَ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ . فَقالَ النَّضِرُ: ألا تَرَوْنَ أنَّهُ قَدْ صَدَقَنِي، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ: ما صَدَقَكَ ولَكِنْ قالَ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ. ورُوِيَ مُجْمَلُ هَذا المَعْنى عَنِ السُّدِّيِّ فَكانَ في نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا النَّظْمِ إيجازٌ بَدِيعٌ، وإطْماعٌ لِلْخُصُومِ بِما إنْ تَأمَّلُوهُ اسْتَبانَ وجْهُ الحَقِّ فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ ذَلِكَ عُدَّ إعْراضُهم نُكُوصًا.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخَرَ مِنَ المَعانِي. مِنها: أنْ يَكُونَ المَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ فَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ بِقَرِينَةِ تَذْيِيلِهِ بِجُمْلَةِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ.
ومِنها، أنْ يَكُونَ حَرْفُ (إنْ) لِلنَّفْيِ دُونَ الشَّرْطِ، والمَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ: أنا أوَّلُ العابِدِينَ لِلَّهِ، أيْ أتَنَزَّهُ عَنْ إثْباتِ الشَّرِيكِ لَهُ، وهَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وابْنِهِ.
ومِنها: تَأْوِيلُ العابِدِينَ أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن عَبَدَ يَعْبُدُ مِن بابِ فَرِحَ، أيْ أنِفَ وغَضِبَ، قالَهُ الكِسائِيُّ، وطَعَنَ فِيهِ نِفْطَوَيْهِ بِأنَّهُ إنَّما يُقالُ في اسْمِ فاعِلِ عَبَدَ يَعْبُدُ عَبْدٌ وقَلَّما يَقُولُونَ: عابِدٌ والقُرْآنُ لا يَأْتِي بِالقَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ولَدٌ بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (وُلْدٌ) بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ جَمْعُ ولَدٍ.
وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَكْمِلَةً لِما أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ، أيْ قُلْ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ: مَعَ تَنْزِيهٍ عَنْ تَحَقُّقِ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ. فَيَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمُ التّالِي في جُزْأيِ القِياسِ الشَّرْطِيِّ الِاسْتِثْنائِيِّ.
صفحة ٢٦٦
ولَيْسَ في ضَمِيرِ يَصِفُونَ التِفاتٌ لِأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: قُلْ لَهم إنَّ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ تَنْزِيهِهِ عَمّا يَقُولُونَ؛ فَتَكُونَ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] . ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّها نَزَّهَتِ اللَّهَ عَنْ جَمِيعِ ما يَصِفُونَهُ بِهِ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ووَصْفُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أقْوى المَوْجُوداتِ وأعَمِّها وأعْظَمِها، لِأنَّهُ يُفِيدُ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لِانْتِفاءِ فائِدَةِ الوِلادَةِ، فَقَدْ تَمَّ خَلْقُ العَوالِمِ ونِظامِ نَمائِها ودَوامِها، وعُلِمَ مِن كَوْنِهِ خالِقَها أنَّهُ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ وإلّا لاحْتاجَ إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ، واقْتَضى عَدَمَ السَّبْقِ بِعَدَمِ أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ فَناءٌ فَوُجُودُ الوَلَدِ لَهُ يَكُونُ عَبَثًا.
الزخرف 43:83
﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾
اعْتِراضٌ بِتَفْرِيعٍ عَنْ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَمّا يَنْسُبُونَهُ إلَيْهِ مِنَ الوَلَدِ والشُّرَكاءِ، وهَذا تَأْيِيسٌ مِن إجْداءِ الحُجَّةِ فِيهِمْ وأنَّ الأوْلى بِهِ مُتارَكَتُهم في ضَلالِهِمْ إلى أنْ يَحِينَ يَوْمٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ العَذابَ المَوْعُودَ. وهَذا مُتَحَقِّقٌ في أئِمَّةِ الكُفْرِ الَّذِينَ ماتُوا عَلَيْهِ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا مُتَصَدِّينَ لِمُحاجَّةِ النَّبِيءِ ﷺ ومُجادَلَتِهِ والتَّشْغِيبِ عَلَيْهِ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والنَّضِرِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، مِمَّنْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
(واليَوْمُ) هُنا مُحْتَمِلٌ لِيَوْمِ بَدْرٍ ولِيَوْمِ القِيامَةِ وكِلاهُما قَدْ وُعِدُوهُ، والوَعْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ.
والخَوْضُ حَقِيقَتُهُ: الدُّخُولُ في لُجَّةِ الماءِ ماشِيًا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى كَثْرَةِ الحَدِيثِ، والأخْبارِ والِاقْتِصارِ عَلى الِاشْتِغالِ بِها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
صفحة ٢٦٧
والمَعْنى: فَأعْرِضْ عَنْهم في حالِ خَوْضِهِمْ في الأحادِيثِ ولَعِبِهِمْ في مَواقِعِ الجِدِّ حِينَ يَهْزَأُونَ بِالإسْلامِ. واللَّعِبُ: المَزْحُ والهَزْمُ.
وجُزِمَ فِعْلُ ”يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا“ بِلامِ الأمْرِ مَحْذُوفَةً وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ جَزْمًا في جَوابِ الأمْرِ، وقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُهُ في القُرْآنِ فالأمْرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ مِن قَبِيلِ ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُلاقُوا“ بِضَمِّ الياءِ وبِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ مَجازٌ في أنَّهُ لِقاءٌ مُحَقَّقٌ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ”يَلْقُوا“ بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ المُجَرَّدِ.
الزخرف 43:84
﴿وهْوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١] والجُمْلَتانِ اللَّتانِ بَيْنَهُما اعْتِراضانِ، قُصِدَ مِنَ العَطْفِ إفادَةُ نَفْيِ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ مُطْلَقًا بَعْدَ نَفْيِ الشَّرِيكِ فِيها بِالبُنُوَّةِ، وقُصِدَ بِذِكْرِ السَّماءِ والأرْضِ الإحاطَةُ بِعَوالِمِ التَّدْبِيرِ والخَلْقِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الأرْضِ وهم أصْنامُهُمُ المَنصُوبَةُ، وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ في السَّماءِ وهُمُ المَلائِكَةُ إذْ جَعَلُوهم بَناتٍ لِلَّهِ تَعالى؛ فَكانَ قَوْلُهُ ﴿فِي السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ إبْطالًا لِلْفَرِيقَيْنِ مِمّا زُعِمَتْ إلَهِيَّتُهم.
وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ يَكُونَ أوَّلُها ﴿الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلرَّحْمَنِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ [الزخرف: ٨١]، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ بِإيرادِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً لِتَكُونَ مُسْتَقِلَّةً غَيْرَ صِفَةٍ، وبِإيرادِ مُبْتَدَأٍ فِيها لِإفادَةِ قَصْرِ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ في السَّماءِ وفي الأرْضِ عَلى اللَّهِ تَعالى لا يُشارِكُهُ في ذَلِكَ غَيْرُهُ، لِأنَّ إيرادَ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَعْرِفَةً والمُسْنَدِ مَعْرِفَةً طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ. فالمَعْنى وهو لا غَيْرُهُ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ، وصِلَةُ ”الَّذِي“ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ صَدْرُها، وصَدْرُها ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى مُعادِ ضَمِيرِ ”وهو“ وحَذْفُ صَدْرِ الصِّلَةِ اسْتِعْمالٌ حَسَنٌ إذا طالَتِ الصِّلَةُ كَما هُنا. والتَّقْدِيرُ الَّذِي هو في السَّماءِ إلَهٌ.
صفحة ٢٦٨
والمَجْرُورانِ يَتَعَلَّقانِ بِـ ”إلَهٌ“ بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ مِن مَعْنى المَعْبُودِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ألَهَ، إذا عَبَدَ فَشابَهَ المُشْتَقَّ. وصَحَّ تَعَلُّقُ المَجْرُورِ بِهِ فَتَعَلُّقُهُ بِلَفْظِ إلَهٍ كَتَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِغِرْبالٍ وأقْوى مِن تَعَلُّقِ المَجْرُورِ بِكانُونَ في قَوْلِ الحَطِيئَةِ يَهْجُو أُمَّهُ مِن أبْياتِ:
أغِرْبالًا إذا اسْتُودِعْتِ سِرًّا وكانُونًا عَلى المُتَحَدِّثِينا
* * *
﴿وهْوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾بَعْدَ أنْ وُصِفَ اللَّهُ بِالتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ أُتْبِعَ بِوَصْفِهِ بِـ ”﴿الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾“ تَدْقِيقًا لِلدَّلِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، حَيْثُ دَلَّ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ غَيْرِهِ في السَّماءِ والأرْضِ واخْتِصاصُهُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما لِما في صِيغَةِ القَصْرِ مِن إثْباتِ الوَصْفِ لَهُ ونَفْيِهِ عَمَّنْ سِواهُ، فَكانَ قَوْلُهُ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ تَتْمِيمًا لِلدَّلِيلِ واسْتِدْلالًا عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ سَمَّيْناهُ تَدْقِيقًا إذِ التَّدْقِيقُ في الِاصْطِلاحِ هو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِ دَلِيلِهِ، وأمّا التَّحْقِيقُ فَذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ. لِأنَّ المَوْصُوفَ بِتَمامِ الحِكْمَةِ وكَمالِ العِلْمِ مُسْتَغْنٍ عَمّا سِواهُ فَلا يَحْتاجُ إلى ولَدٍ ولا إلى بِنْتٍ ولا إلى شَرِيكٍ.
الزخرف 43:85
﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢]، قُصِدَ مِنهُ إتْباعُ إنْشاءِ التَّنْزِيهِ بِإنْشاءِ الثَّناءِ والتَّمْجِيدِ.
”وتَبارَكَ“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ المَدْحِ لِأنَّ مَعْنى تَبارَكَ كانَ مُتَّصِفًا بِالبَرَكَةِ اتِّصافًا قَوِيًّا لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ تَفاعَلَ مِن قُوَّةِ حُصُولِ المُشْتَقِّ مِنهُ لِأنَّ أصْلَها أنْ تَدُلَّ عَلى صُدُورِ فِعْلٍ مِن فاعِلَيْنِ مِثْلَ: تَقاتَلَ وتَمارى، فاسْتُعْمِلَتْ في مُجَرَّدِ تَكَرُّرِ الفِعْلِ، وذَلِكَ مِثْلُ: تَسامى وتَعالى.
صفحة ٢٦٩
والبَرَكَةُ: الزِّيادَةُ في الخَيْرِ.
وقَدْ ذُكِرَ مَعَ التَّنْزِيهِ أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لِاقْتِضاءِ الرُّبُوبِيَّةِ التَّنْزِيهُ عَنِ الوَلَدِ المَسُوقِ الكَلامِ لِنَفْيِهِ، وعَنِ الشَّرِيكِ المَشْمُولِ لِقَوْلِهِ عَمّا يَصْفُونَ، وذُكِرَ مَعَ التَّبْرِيكِ والتَّعْظِيمِ أنَّ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لِمُناسَبَةِ المُلْكِ لِلْعَظَمَةِ وفَيْضِ الخَيْرِ، فَلا يَرِيبُكَ أنَّ ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزخرف: ٨٢] مُغْنٍ عَنِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، لِأنَّ غَرَضَ القُرْآنِ التَّذْكِيرُ وأغْراضُ التَّذْكِيرِ تُخالِفُ أغْراضَ الِاسْتِدْلالِ والجَدَلِ، فَإنَّ التَّذْكِيرَ يُلائِمُ التَّنْبِيهَ عَلى مُخْتَلَفِ الصِّفاتِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِباراتِ والتَّعَرُّضِ لِلِاسْتِمْدادِ مِنَ الفَضْلِ. ثُمَّ إنَّ صِيغَةَ ”تَبارَكَ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ البَرَكَةَ ذاتِيَّةٌ لِلَّهِ تَعالى فَيَقْتَضِي اسْتِغْناءَهُ عَنِ الزِّيادَةِ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ واتِّخاذِ الشَّرِيكِ، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِدْلالًا آخَرَ تابِعًا لِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الزخرف: ٨٢] .
وقَدْ تَأكَّدَ انْفِرادُهُ بِرُبُوبِيَّةِ أعْظَمِ المُوجُوداتِ ثَلاثَ مَرّاتٍ بِقَوْلِهِ رَبُّ العَرْشِ وقَوْلِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقَوْلِهِ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ .
فَكَمْ مِن خَصائِصَ ونُكَتٍ تَنْهالُ عَلى المُتَدَبِّرِ مِن آياتِ القُرْآنِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها إلّا الحَكِيمُ العَلِيمُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا التَّصَرُّفَ في هَذِهِ العَوالِمِ مُدَّةَ وُجُودِها ووُجُودِ ما بَيْنَها أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهُ مَعَ مُلْكِ العَوالِمِ الفانِيَةِ مُلْكُ العَوالِمِ الباقِيَةِ، وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في تِلْكَ العَوالِمِ بِما فِيها بِالتَّنْعِيمِ والتَّعْذِيبِ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وإدْماجًا لِإثْباتِ البَعْثِ.
وتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في ”إلَيْهِ تُرْجِعُونَ“ لِقَصْدِ التَّقَوِّي إذْ لَيْسَ المُخاطَبُونَ بِمُثْبِتِينَ رُجْعى إلى غَيْرِهِ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا.
وأمّا قَوْلُهم لِلْأصْنامِ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] فَمُرادُهم أنَّهم شُفَعاءُ لَهم في
صفحة ٢٧٠
الدُّنْيا أوْ هو عَلى سَبِيلِ الجَدَلِ ولِذَلِكَ أُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تُرْجَعُونَ“ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِلْمُباشَرَةِ بِالتَّهْدِيدِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ تَبَعًا لِأُسْلُوبِ الضَّمائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ، وهم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ.
الزخرف 43:86
﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ لَمّا أنْبَأهم أنَّ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ أعْلَمَهم أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَشْفَعَ لَهم في الدُّنْيا إبْطالًا لِزَعْمِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ مَن عَبَدُوا دُونَ اللَّهِ المَلائِكَةُ اسْتَثْناهم بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَهم يُشَفَّعُونَ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ثُمَّ قالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقَدْ مَضى في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
ووَصَفَ الشُّفَعاءَ بِأنَّهم شَهِدُوا بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ أيْ وهم يَعْلَمُونَ حالَ مَن يَسْتَحِقُّ الشَّفاعَةَ. فَقَدْ عَلِمَ أنَّهم لا يَشْفَعُونَ لِلَّذِينِ خالَفَ حالُهم حالَ مَن يَشْهَدُ لِلَّهِ بِالحَقِّ.
الزخرف 43:87
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾
بَعْدَ أنْ أمْعَنَ في إبْطالِ أنْ يَكُونَ إلَهٌ غَيْرَ اللَّهِ بِما سِيقَ مِنَ التَّفْصِيلاتِ، جاءَ هُنا بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ لِإبْطالِ زَعْمِهِمْ إلَهِيَّةَ غَيْرِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾
صفحة ٢٧١
أيْ سَألْتَهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ عَمَّنْ خَلَقَهم فَإنَّهم يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهم، وهَذا مَعْلُومٌ مِن حالِ المُشْرِكِينَ كَقَوْلِضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ لِلنَّبِيءِ ﷺ أسْألُكَ بِرَبِّكَ ورَبِّ مَن قَبْلِكَ اللَّهُ أرْسَلَكَ (، ولِأجْلِ ذَلِكَ أكَّدَ إنَّهم يُقِرُّونَ لِلَّهِ بِأنَّهُ الخالِقُ فَقالَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ، وذَلِكَ كافٍ في سَفاهَةِ رَأْيِهِمْ إذْ كَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مَن لَمْ يَخْلُقْ، قالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .
والخُطّابُ في قَوْلِهِ سَألْتَهم لِلنَّبِيءِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ إنْ سَألَهم مَن يَتَأتّى مِنهُ أنْ يَسْألَ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ والإقْرارِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ مِنِ انْصِرافِهِمْ مِن عِبادَةِ اللَّهِ إلى عِبادَةِ آلِهَةٍ أُخْرى بِقَوْلِهِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ.
و”أنّى“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ فَمَحَلُّهُ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ إلى أيِّ مَكانٍ يُصْرَفُونَ.
و”يُؤْفَكُونَ“ يُصْرَفُونَ: يُقالُ: أفَكَهُ عَنْ كَذا، يَأْفِكُهُ مِن بابِ ضَرَبَ، إذا صَرَفَهُ عَنْهُ، وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إذْ لَمْ يَصْرِفْهم صارِفٌ؛ ولَكِنْ صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنْ عِبادَةِ خالِقِهِمْ، فَقَوْلُهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ هو كَقَوْلِ العَرَبِ: أيْنَ يُذْهَبُ بِكَ، أيْ أيْنَ تَذْهَبُ بِنَفْسِكَ إذْ لا يُرِيدُونَ أنَّ ذاهِبًا ذَهَبَ بِهِ يَسْألُونَهُ عَنْهُ ولَكِنَّ المُرادَ: أنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ أحَدٌ وإنَّما ذَهَبَ بِنَفْسِهِ.
الزخرف 43:88
﴿وقِيلَهُ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ القِيلُ مَصْدَرُ قالَ، والأظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ مُرادٌ بِهِ المَفْعُولُ، أيِ المَقُولُ مِثْلُ الذِّبْحِ وأصْلُهُ: قَوْلٌ، بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الواوِ. والمَعْنى: ومَقُولِهِ.
والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ ”قِيلَ“ ضَمِيرُ الرَّسُولِ ﷺ بِقَرِينَةِ سِياقِ الِاسْتِدْلالِ والحِجاجِ مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”يا رَبِّ“ وبِقَرِينَةِ أنَّهُ قالَ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وبِقَرِينَةِ إجابَتِهِ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩]، والأوْلى أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الغائِبِ التِفاتًا عَنِ الخِطابِ
صفحة ٢٧٢
فِي قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فَإنَّهُ بَعْدَ ما مَضى مِنَ المُحاجَّةِ ومِن حِكايَةِ إقْرارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم، ثُمَّ إنَّهم لَمْ يَتَزَحْزَحُوا عَنِ الكُفْرِ قَيْدَ أنْمُلَةٍ، حَصَلَ اليَأْسُ لِلرَّسُولِ مِن إيمانِهِمْ فَقالَ ﴿يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ التِجاءً إلى اللَّهِ فِيهِمْ وتَفْوِيضًا إلَيْهِ لِيَجْرِيَ حُكْمُهُ عَلَيْهِمْ.
وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ الخَبَرِ في التَّحَسُّرِ أوِ الشِّكايَةِ وهو خَبَرٌ بِمَعْنى الإنْشاءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]، أيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا، ويُؤَيِّدُ هَذا تَفْرِيعُ ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٩]، فَفي ضَمِيرِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ لِأنَّ الكَلامَ كانَ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الخِطابِ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] فَمُقْتَضى الظّاهِرِ: وقَوْلُكَ: يا رَبِّ إلَخْ. ويُحَسِّنُ هَذا الِالتِفاتَ أنَّهُ حِكايَةٌ لِشَيْءٍ في نَفْسِ الرَّسُولِ فَجَعَلَ الرَّسُولَ بِمَنزِلَةِ الغائِبِ لِإظْهارِ أنَّ اللَّهَ لا يُهْمِلُ نِداءَهُ وشَكْواهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] . وإضافَةُ القِيلِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ تَكَرَّرَ مِنهُ وعُرِفَ بِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، أيْ عُرِفَ بِهَذا وبِما في مَعْناهُ مِن نَحْوِ ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْءانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] وقَوْلُهُ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وقِيلَهُ“ بِنَصْبِ اللّامِ عَلى اعْتِبارِ أنَّهُ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ.
والتَّقْدِيرُ: وقالَ: الرَّسُولُ قِيلَهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٧] أوْ عَلى جُمْلَةِ فَأنّى يُؤْفَكُونَ، أيْ وقالَ الرَّسُولُ حِينَئِذٍ يا رَبِّ إلَخْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
تَمْشِي الوُشاةُ جَنابَيْها وقِيلُهُمُ إنَّكَ يا ابْنَ أبِي سُلْمى لَمَقْتُولُ
عَلى رِوايَةِ قَيْلِهِمْ ونَصْبِهِ، أيْ ويَقُولُونَ: قِيلَهم وهي رِوايَةُ الأصْمَعِيِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِقَوْلِهِ لا نَسْمَعُ، والتَّقْدِيرُ: بَلى ونَعْلَمُ قِيلَهُ وهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ والأخْفَشِ، وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أيْ ويَعْلَمُ قِيلَهُ.
صفحة ٢٧٣
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِجَرِّ لامِ قِيلِهِ ويَجُوزُ في جَرِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى السّاعَةِ في قَوْلِهِ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] أيْ وعِلْمُ قِيلِ الرَّسُولِ: يا رَبِّ، وهو عَلى هَذا وعْدٌ لِلرَّسُولِ بِالنَّصْرِ وتَهْدِيدٌ لَهم بِالِانْتِقامِ.
وثانِيهِما: أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْقَسَمِ ويَكُونَ جَوابُ القَسَمِ جُمْلَةَ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَلى أنَّ اللَّهَ أقْسَمَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ: يا رَبِّ، تَعْظِيمًا لِلرَّسُولِ ولِقِيلِهِ الَّذِي هو تَفْوِيضٌ لِلرَّبِّ وثِقَةٌ بِهِ.
ومَقُولُ قِيلِهِ هو يا رَبِّ فَقَطْ، أيْ أقْسَمَ بِنِداءِ الرَّسُولِ رَبَّهُ نِداءَ مُضْطَرٍّ.
وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في شَرْحِ الكَعْبِيَّةِ عَنْ أبِي حاتِمٍ السِّجِسْتانِيِّ: أنَّ مَن جَرَّ فَقَوْلُهُ بِظَنٍّ وتَخْلِيطٍ، وأنْكَرَهُ عَلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ لِإمْكانِ تَخْرِيجِ الجَرِّ عَلى وجْهٍ صَحِيحٍ.
وقَدْ حُذِفَ بَعْدَ النِّداءِ ما نُودِيَ لِأجْلِهِ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ مَقامُ مَن أعْيَتْهُ الحِيلَةُ فِيهِمْ فَفَوَّضَ أمْرَهُ إلى رَبِّهِ فَأقْسَمَ اللَّهُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَكِنَّ اللَّهَ سَيَنْتَقِمُ مِنهم فَلِذَلِكَ قالَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما هي عادَةُ القُرْآنِ غالِبًا ووَصْفُهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ، أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ عَدَمِ الإيمانِ مِنهم مِن أنْ يَقُولَ: هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ.
الزخرف 43:89
﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ لِأنَّها أفْصَحَتْ عَنْ مُقَدَّرٍ، أيْ إذْ قُلْتَ ذَلِكَ القِيلَ وفَوَّضْتَ الأمْرَ إلَيْنا فَسَأتَوَلّى الِانْتِصافَ مِنهم ”فاصْفَحْ عَنْهم“، أيْ أعْرِضْ عَنْهم ولا تَحْزَنْ لَهم وقُلْ لَهم إنْ جادَلُوكَ: ”سَلامٌ“، أيْ سَلَّمْنا في المُجادَلَةِ وتَرَكْناها.
وأصْلُ ”سَلامٌ“ مَصْدَرٌ جاءَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. فَأصْلُهُ النَّصْبُ، وعُدِّلَ إلى رَفْعِهِ لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
صفحة ٢٧٤
يُقالُ: صَفَحَ يَصْفَحُ مِن بابِ مَنَعَ بِمَعْنى: أعْرَضَ وتَرَكَ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] ولَكِنَّ الصَّفْحَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا غَيْرُ الصَّفْحِ المُنْكَرِ وُقُوعُهُ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] .
وفُرِّعَ عَلَيْهِ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ تَهْدِيدًا لَهم ووَعِيدًا. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَعْلَمُونَ لِلتَّهْوِيلِ لِتَذْهَبَ نُفُوسُهم كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ تَعْلَمُونَ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مِمّا أُمِرَ الرَّسُولُ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم، أيْ وقُلْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى أنَّهُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنَّهُ مُنْتَقِمٌ مِنَ المُكَذِّبِينَ.
وما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الأمْرِ بِالإعْراضِ والتَّسْلِيمِ في الجِدالِ والوَعِيدِ ما يُؤْذِنُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ في هَذِهِ السُّورَةِ وهو مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ.
* * *
صفحة ٢٧٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الدُّخانِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ حم الدُّخانُ. رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ يُعَضِّدُ بَعْضُهُما بَعْضًا: عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن قَرَأ حم الدُّخانَ في لَيْلَةٍ أوْ في لَيْلَةِ الجُمْعَةِ» الحَدِيثَ.
واللَّفْظانِ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ لِأنَّ كَلِمَةَ (حم) غَيْرُ خاصَّةٍ بِهَذِهِ السُّورَةِ فَلا تُعَدُّ عَلَمًا لَها، ولِذَلِكَ لَمْ يَعُدَّها صاحِبُ الإتْقانِ في عِدادِ السُّورِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وفي كُتُبِ السُّنَّةِ (سُورَةَ الدُّخانِ) .
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها بِالدُّخانِ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّخانِ فِيها المُرادُ بِهِ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ أيَّدَ اللَّهُ بِها رَسُولَهُ ﷺ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهِ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ، وإنْ كانَ لَفْظُ (الدُّخانِ) بِمَعْنًى آخَرَ قَدْ وقَعَ في سُورَةِ حم تَنْزِيلُ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وهي نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى المَعْرُوفِ مِن تَرْتِيبِ تَنْزِيلِ سُوَرِ القُرْآنِ عَنْ رِوايَةِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي اعْتَمَدَها الجَعْبَرِيُّ وصاحِبُ الإتْقانِ عَلى أنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يُوجِبُها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الجُمْهُورِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ لا أحْفَظُ خِلافًا في شَيْءٍ مِنها. ووَقَعَ في الكَشّافِ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ، ومِثْلُهُ القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَهُ الكَواشِيُّ قَوْلًا وما عَزاهُ إلى مُعَيَّنٍ.
وأحْسَبُ أنَّهُ قَوْلٌ نَشَأ عَمّا فَهِمَهُ القائِلُ، وسَنُبَيِّنُهُ في مَوْضِعِهِ.
صفحة ٢٧٦
وهِيَ السُّورَةُ الثّالِثَةُ والسِّتُّونَ في عَدِّ نُزُولِ السُّوَرِ في قَوْلِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ وقَبْلَ سُورَةِ الجاثِيَةِ في مَكانِها هَذا.
وعُدَّتْ آيُها سِتًّا وخَمْسِينَ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ، وعُدَّتْ عِنْدَ أهْلِ البَصْرَةِ سَبْعًا وخَمْسِينَ، وعِنْدَ أهْلِ الكُوفَةِ تِسْعًا وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُها
أشْبَهَ افْتِتاحُ هَذِهِ السُّورَةِ فاتِحَةَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وشَرَفِهِ وشَرَفِ وقْتِ ابْتِداءِ نُزُولِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ودالًّا عَلى رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولِيَتَخَلَّصَ مِنهُ إلى أنَّ المُعْرِضِينَ عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ ألْهاهُمُ الِاسْتِهْزاءُ واللَّمْزُ عَنِ التَّدَبُّرِ فَحَقَّ عَلَيْهِمْ دُعاءُ الرَّسُولِ بِعَذابِ الجُوعِ، إيقاظًا لِبَصائِرِهِمْ بِالأدِلَّةِ الحِسِّيَّةِ حِينَ لَمْ تَنْجَعْ فِيهِمُ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ، لِيَعْلَمُوا أنَّ إجابَةَ اللَّهِ دُعاءَ رَسُولِهِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَ عَنْهُ مُرادَهُ.
فَأنْذَرَهم بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ عِلاوَةً عَلى ما دَعا بِهِ الرَّسُولُ ﷺ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ لَهُ بِما هو زائِدٌ عَلى مَطْلَبِهِ.
وضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِأُمَمٍ أمْثالِهِمْ عَصَوْا رُسُلَ اللَّهِ إلَيْهِمْ فَحَلَّ بِهِمْ مِنَ العِقابِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ عِظَةً لِهَؤُلاءِ، تَفْصِيلًا بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى ومُؤْمِنِي قَوْمِهِ، ودُونَ التَّفْصِيلِ بِقَوْمِ تُبَّعٍ، وإجْمالًا وتَعْمِيمًا بِالَّذِينِ مِن قَبْلِ هَؤُلاءِ.
وإذْ كانَ إنْكارُ البَعْثِ وإحالَتُهُ مِن أكْبَرِ الأسْبابِ الَّتِي أغْرَتْهم عَلى إهْمالِ التَّدَبُّرِ في مُرادِ اللَّهِ تَعالى انْتَقَلَ الكَلامُ إلى إثْباتِهِ والتَّعْرِيفِ بِما يَعْقُبُهُ مِن عُقُوبَةِ المُعانِدِينَ ومَثُوبَةِ المُؤْمِنِينَ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا.
وأُدْمِجَ فِيها فَضْلُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيها القُرْآنُ، أيِ ابْتُدِئَ إنْزالُهُ وهي لَيْلَةُ القَدْرِ.
وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ ما جَرَّتْ إلَيْهِ المُناسَباتُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وتَأْيِيدِ اللَّهِ مَن آمَنُوا بِالرُّسُلِ، ومِن إثْباتِ البَعْثِ.
وخُتِمَتْ بِالشَّدِّ عَلى قَلْبِ الرَّسُولِ ﷺ بِانْتِظارِ النَّصْرِ وانْتِظارِ الكافِرِينَ القَهْرَ.
الدخان 44:1
صفحة ٢٧٧
﴿حم﴾
القَوْلُ في نَظائِرِهِ تَقَدَّمَ.
الدخان 44:2
صفحة ٢٧٧
﴿حم﴾
القَوْلُ في نَظائِرِهِ تَقَدَّمَ.
الدخان 44:3
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا القِسْمِ وجَوابِهِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ونَوَّهَ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ عَنْهُ بِذِكْرِ فَضْلِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ.
فَتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
ومَعْنى الفِعْلِ في أنْزَلْناهُ ابْتِداءُ إنْزالِهِ فَإنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْ آياتٍ تَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فَهي مُنْضَمَّةٌ إلَيْهِ انْضِمامَ الجُزْءِ لِلْكُلِّ، ومَجْمُوعُ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الإنْزالُ في كُلِّ ساعَةٍ هو مُسَمّى القُرْآنِ إلى أنْ تَمَّ نُزُولُ آخِرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
وتَنْكِيرُ لَيْلَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ تَنْوِيهٌ بِها وتَشْوِيقٌ لِمَعْرِفَتِها. فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في الغارِ مِن جَبَلِ حِراءٍ في رَمَضانَ قالَ تَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
واللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُ القُرْآنِ فِيها هي لَيْلَةُ القَدْرِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] . والأصَحُّ أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وأنَّها في لَيْلَةِ الوِتْرِ. وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِنَظِيرَتِها مِن كُلِّ سَنَةٍ فَضْلًا عَظِيمًا لِكَثْرَةِ ثَوابِ العِبادَةِ فِيها في كُلِّ رَمَضانَ كَرامَةٌ لِذِكْرى نُزُولِ القُرْآنِ وابْتِداءِ رِسالَةِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ إلى النّاسِ كافَّةً. قالَ تَعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٤] .
صفحة ٢٧٨
وذَلِكَ مِن مَعانِي بَرَكَتِها وكَمْ لَها مِن بَرَكاتٍ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ، ولَعَلَّ تِلْكَ البَرَكَةَ تَسْرِي إلى شُئُونِهِمُ الصّالِحَةِ مِن أُمُورِ دُنْياهم.
فَبَرَكَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيها القُرْآنُ بَرَكَةٌ قَدَّرَها اللَّهُ لَها قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ لِيَكُونَ القُرْآنُ بِابْتِداءِ نُزُولِهِ فِيها مُلابِسًا لِوَقْتٍ مُبارَكٍ فَيَزْدادُ بِذَلِكَ فَضْلًا وشَرَفًا، وهَذا مِنَ المُناسَباتِ الإلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أنْبَأنا اللَّهُ بِبَعْضِها.
والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ أمَدَّها بِتِلْكَ البَرَكَةِ في كُلِّ عامٍ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إذْ قالَهُ بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ابْتِداءِ نُزُولِ القُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقَوْلُهُ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وقَوْلُهُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلُهُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
وعَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن لَيالِي رَمَضانَ، فَقِيلَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الباقِرِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ التَقى هو والمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِن رَمَضانَ ا ه. أيْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١] أنَّهُ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. وفي المُرادِ بِـ ما أنْزَلْنا احْتِمالاتٌ تَرْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في مِثْلِ لَيْلَةِ يَوْمِ بَدْرٍ.
والَّذِي يَجِبُ الجَزْمُ بِهِ أنَّ لَيْلَةَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ وأنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.
ولَمّا تَضافَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «قالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ في ثالِثَةٍ تَبْقى في خامِسَةٍ تَبْقى في سابِعَةٍ تَبْقى في تاسِعَةٍ تَبْقى» . فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ القُرْآنَ ابْتُدِئَ نُزُولُهُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، إلّا إذا حُمِلَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ عَلى خُصُوصِ اللَّيْلَةِ مِن ذَلِكَ العامِ.
صفحة ٢٧٩
وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ بِاسْتِمْرارٍ وهو مُنافٍ لِحَدِيثِ «اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ» عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وحَرْفُ (إنَّ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا لِلنّاسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ رَدُّ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ”أنْزَلْناهُ“ أيْ أنْزَلْناهُ لِلْإنْذارِ لِأنَّ الإنْذارَ شَأْنُنا، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ عِلَّةُ العِلَّةِ وهو إيجازٌ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى وصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ مُنْذِرٌ ومُبَشِّرٌ اهْتِمامًا بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ جُمْهُورِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، والإنْذارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلَيْهِ، أيْ مُنْذِرِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ. ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها ظَهَرَ فِيها إنْزالُ القُرْآنِ، وفِيها يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ.
وفِي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ، فَفي قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أوَّلُهُما: تَعْيِينُ إنْزالِ القُرْآنِ، وثانِيهِما: اخْتِصاصُ تَنْزِيلِهِ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ المَعْنى الأوَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾، وعَلَّلَ المَعْنى الثّانِي بِجُمْلَةِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
والمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أيْ يُخْبِرُ بِأمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أنْ يَتَّقِيَهُ المُخْبَرُ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفَرْقُ: الفَصْلُ والقَضاءُ، أيْ فِيها يُفْصَلُ كُلُّ ما يُرادُ قَضاؤُهُ في النّاسِ ولِهَذا يُسَمّى القُرْآنُ فُرْقانًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] في
صفحة ٢٨٠
سُورَةِ المائِدَةِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ وقْتًا لِإنْفاذِ وُقُوعِ أُمُورٍ هامَّةٍ مِثْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لِتِلْكَ المُقَضَّياتِ وتَشْرِيفًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وكَلِمَةُ ”كَلُّ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ مَعْناها مِنَ الشُّمُولِ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ما هي الأُمُورُ الحَكِيمَةُ فَجَمَعَها لِلْقَضاءِ بِها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وأعْظَمُها ابْتِداءً نُزُولُ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ النّاسِ كافَّةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ فِيها تُفْرَقُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ تُوافِقُ عَدَّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن كُلِّ عامٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ في قَوْلِهِ يُفْرَقُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ المُضارِعِ في يُفْرَقُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَظِيمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] .
والأمْرُ الحَكِيمُ: المُشْتَمِلُ عَلى حِكْمَةٍ مِن حِكَمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأمْرِ الَّذِي أحْكَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْقَنَهُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النُّظُمِ المُدَبِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ وعُمُومِهِ.
وبَعْضُ تِلْكَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأنْواعِ الشُّئُونِ، وبَعْضُها يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَعْضًا يُلْهَمُ إلَيْهِ مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ أفْعالًا حَكِيمَةً، واللَّهُ هو العالِمُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ أمْرًا مِن عِنْدِنا عَلى الحالِ مِن أمْرٌ حَكِيمٌ.
وإعادَةُ كَلِمَةِ أمْرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وإلّا فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ هو قَوْلُهُ مِن عِنْدِنا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقَعَ مِن عِنْدِنا صِفَةً لِـ أمْرٌ حَكِيمٌ فَخُولِفَ ذَلِكَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، أيْ أمْرًا عَظِيمًا فَخْمًا إذا وُصِفَ بِـ ”حَكِيمٌ“ . ثُمَّ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ، ويَنْصَرِفُ هَذا التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ ابْتِداءً وبِالتَّعْيِينِ إلى القُرْآنِ إذْ كانَ بِنُزُولِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَشْرِيفُها وجَعْلُها وقْتًا لِقَضاءِ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الحَكِيمَةِ.
صفحة ٢٨١
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وحَرْفُ (إنَّ) فِيها مِثْلُ ما وقَعَ في ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً لِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ إلى شَرَفِ القُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلنّاسِ لِيَكُفُّوا عَنِ الصَّدِّ عَنْهُ ولِهَذا ورَدَتِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ في أوَّلِها المَقْصُودُ مِنها التَّحَدِّي بِالإعْجازِ، واشْتَمَلَتْ تِلْكَ الجُمَلُ الثَّلاثُ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، ويَكُونُ إعْلامُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ المَزايا حاصِلًا تَبَعًا إنْ كانَ لَمْ يَسْبِقْ إعْلامُهُ بِذَلِكَ بِما سَبَقَ مِن آيِ القُرْآنِ أوْ بِوَحْيِ غَيْرِ القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ أصالَةً ويَكُونُ عِلْمُ المُشْرِكِينَ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ حاصِلًا تَبَعًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ويَكُونُ التَّوْكِيدُ مَنظُورًا فِيهِ إلى الغَرَضِ التَّعْرِيضِيِّ.
ومَفْعُولُ مُرْسِلِينَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مادَّةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ.
و﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسِلِينَ لِأجْلِ رَحْمَتِنا، أيْ بِالعِبادِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ بِالإنْذارِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ لِيَتَجَنَّبُوا مُهاوِيَ العَذابِ ويَكْتَسِبُوا مَكاسِبَ الثَّوابِ، قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أنْزَلْناهُ.
وإيرادُ لَفْظِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ مِن رَبِّكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنّا. وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ الإشْعارُ بِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ بِالمَرْبُوبِينَ، ثُمَّ إضافَةُ ”رَبِّ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ مُواجَهَةِ المُشْرِكِينَ إلى مُواجَهَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالخِطابِ لِأنَّهُ الَّذِي جَرى خِطابُهم هَذا بِواسِطَتِهِ فَهو كَحاضِرٍ مَعَهم عِنْدَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ فَيُصْرَفُ وجْهُ الكَلامِ تارَةً إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] وهَذا لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَظٍّ لَهُ في خِلالِ هَذِهِ
صفحة ٢٨٢
التَّشْرِيعاتِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن رَبِّهِ، أيْ بِواسِطَتِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ الإرْسالُ رَحْمَةً كانَ الرَّسُولُ ﷺ رَحْمَةً قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ويُعْلَمُ مِن كَوْنِهِ رَبَّ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ كُلِّهِمْ إذْ لا يَكُونُ الرَّبُّ رَبَّ بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَأغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ورَبِّهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ يَأْبى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِأنَّهُ رَبُّهم في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] وهو مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّهُ عَلِمَ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ لِلْأصْنامِ، وعَلِمَ إغْواءَ أئِمَّةِ الكُفْرِ لِلْأُمَمِ، وعَلِمَ ضَجِيجَ النّاسِ مِن ظُلْمِ قَوِيِّهِمْ ضَعِيفَهم، وعَلِمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، فَأرْسَلَ الرُّسُلَ لِتَقْوِيمِهِمْ وإصْلاحِهِمْ، وعَلِمَ أيْضًا نَوايا النّاسِ وأفْعالَهم وإفْسادَهم في الأرْضِ فَأرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشَّرائِعِ لِكَفِّ النّاسِ عَنِ الفَسادِ وإصْلاحِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الأوَّلِ بِوَصْفِ السَّمِيعِ، لِأنَّ السَّمِيعَ هو الَّذِي يَعْلَمُ الأقْوالَ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ. وأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الثّانِي بِوَصْفِ العَلِيمِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وقَدَّمَ السَّمِيعَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو دُعاءُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهم.
واعْلَمْ أنَّ السَّمِيعَ والعَلِيمَ تَعْلِيلانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِأنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ في الحَقِيقَةِ هي إرادَةُ الصَّلاحِ ورَحْمَةُ الخَلْقِ. وأمّا العِلْمُ فَهو الصِّفَةُ الَّتِي تَجْرِي الإرادَةُ عَلى وفْقِهِ، فالتَّعْلِيلُ بِصِفَةِ العِلْمِ بِناءً عَلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكِيمٌ لا يُحِبُّ الفَسادَ، فَإذا كانَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ وكانَ عَلِيمًا بِتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ كانَ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَيْنِ أنْ يُرْسِلَ لِلنّاسِ رُسُلًا رَحْمَةً بِهِمْ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، لا أصْنامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها.
وفِي هَذا إيماءٌ إلى الحاجَةِ إلى إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
وفِي وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
الدخان 44:4
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا القِسْمِ وجَوابِهِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ونَوَّهَ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ عَنْهُ بِذِكْرِ فَضْلِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ.
فَتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
ومَعْنى الفِعْلِ في أنْزَلْناهُ ابْتِداءُ إنْزالِهِ فَإنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْ آياتٍ تَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فَهي مُنْضَمَّةٌ إلَيْهِ انْضِمامَ الجُزْءِ لِلْكُلِّ، ومَجْمُوعُ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الإنْزالُ في كُلِّ ساعَةٍ هو مُسَمّى القُرْآنِ إلى أنْ تَمَّ نُزُولُ آخِرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
وتَنْكِيرُ لَيْلَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ تَنْوِيهٌ بِها وتَشْوِيقٌ لِمَعْرِفَتِها. فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في الغارِ مِن جَبَلِ حِراءٍ في رَمَضانَ قالَ تَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
واللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُ القُرْآنِ فِيها هي لَيْلَةُ القَدْرِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] . والأصَحُّ أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وأنَّها في لَيْلَةِ الوِتْرِ. وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِنَظِيرَتِها مِن كُلِّ سَنَةٍ فَضْلًا عَظِيمًا لِكَثْرَةِ ثَوابِ العِبادَةِ فِيها في كُلِّ رَمَضانَ كَرامَةٌ لِذِكْرى نُزُولِ القُرْآنِ وابْتِداءِ رِسالَةِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ إلى النّاسِ كافَّةً. قالَ تَعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٤] .
صفحة ٢٧٨
وذَلِكَ مِن مَعانِي بَرَكَتِها وكَمْ لَها مِن بَرَكاتٍ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ، ولَعَلَّ تِلْكَ البَرَكَةَ تَسْرِي إلى شُئُونِهِمُ الصّالِحَةِ مِن أُمُورِ دُنْياهم.
فَبَرَكَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيها القُرْآنُ بَرَكَةٌ قَدَّرَها اللَّهُ لَها قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ لِيَكُونَ القُرْآنُ بِابْتِداءِ نُزُولِهِ فِيها مُلابِسًا لِوَقْتٍ مُبارَكٍ فَيَزْدادُ بِذَلِكَ فَضْلًا وشَرَفًا، وهَذا مِنَ المُناسَباتِ الإلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أنْبَأنا اللَّهُ بِبَعْضِها.
والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ أمَدَّها بِتِلْكَ البَرَكَةِ في كُلِّ عامٍ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إذْ قالَهُ بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ابْتِداءِ نُزُولِ القُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقَوْلُهُ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وقَوْلُهُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلُهُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
وعَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن لَيالِي رَمَضانَ، فَقِيلَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الباقِرِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ التَقى هو والمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِن رَمَضانَ ا ه. أيْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١] أنَّهُ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. وفي المُرادِ بِـ ما أنْزَلْنا احْتِمالاتٌ تَرْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في مِثْلِ لَيْلَةِ يَوْمِ بَدْرٍ.
والَّذِي يَجِبُ الجَزْمُ بِهِ أنَّ لَيْلَةَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ وأنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.
ولَمّا تَضافَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «قالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ في ثالِثَةٍ تَبْقى في خامِسَةٍ تَبْقى في سابِعَةٍ تَبْقى في تاسِعَةٍ تَبْقى» . فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ القُرْآنَ ابْتُدِئَ نُزُولُهُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، إلّا إذا حُمِلَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ عَلى خُصُوصِ اللَّيْلَةِ مِن ذَلِكَ العامِ.
صفحة ٢٧٩
وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ بِاسْتِمْرارٍ وهو مُنافٍ لِحَدِيثِ «اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ» عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وحَرْفُ (إنَّ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا لِلنّاسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ رَدُّ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ”أنْزَلْناهُ“ أيْ أنْزَلْناهُ لِلْإنْذارِ لِأنَّ الإنْذارَ شَأْنُنا، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ عِلَّةُ العِلَّةِ وهو إيجازٌ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى وصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ مُنْذِرٌ ومُبَشِّرٌ اهْتِمامًا بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ جُمْهُورِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، والإنْذارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلَيْهِ، أيْ مُنْذِرِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ. ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها ظَهَرَ فِيها إنْزالُ القُرْآنِ، وفِيها يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ.
وفِي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ، فَفي قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أوَّلُهُما: تَعْيِينُ إنْزالِ القُرْآنِ، وثانِيهِما: اخْتِصاصُ تَنْزِيلِهِ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ المَعْنى الأوَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾، وعَلَّلَ المَعْنى الثّانِي بِجُمْلَةِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
والمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أيْ يُخْبِرُ بِأمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أنْ يَتَّقِيَهُ المُخْبَرُ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفَرْقُ: الفَصْلُ والقَضاءُ، أيْ فِيها يُفْصَلُ كُلُّ ما يُرادُ قَضاؤُهُ في النّاسِ ولِهَذا يُسَمّى القُرْآنُ فُرْقانًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] في
صفحة ٢٨٠
سُورَةِ المائِدَةِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ وقْتًا لِإنْفاذِ وُقُوعِ أُمُورٍ هامَّةٍ مِثْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لِتِلْكَ المُقَضَّياتِ وتَشْرِيفًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وكَلِمَةُ ”كَلُّ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ مَعْناها مِنَ الشُّمُولِ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ما هي الأُمُورُ الحَكِيمَةُ فَجَمَعَها لِلْقَضاءِ بِها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وأعْظَمُها ابْتِداءً نُزُولُ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ النّاسِ كافَّةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ فِيها تُفْرَقُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ تُوافِقُ عَدَّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن كُلِّ عامٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ في قَوْلِهِ يُفْرَقُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ المُضارِعِ في يُفْرَقُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَظِيمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] .
والأمْرُ الحَكِيمُ: المُشْتَمِلُ عَلى حِكْمَةٍ مِن حِكَمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأمْرِ الَّذِي أحْكَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْقَنَهُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النُّظُمِ المُدَبِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ وعُمُومِهِ.
وبَعْضُ تِلْكَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأنْواعِ الشُّئُونِ، وبَعْضُها يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَعْضًا يُلْهَمُ إلَيْهِ مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ أفْعالًا حَكِيمَةً، واللَّهُ هو العالِمُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ أمْرًا مِن عِنْدِنا عَلى الحالِ مِن أمْرٌ حَكِيمٌ.
وإعادَةُ كَلِمَةِ أمْرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وإلّا فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ هو قَوْلُهُ مِن عِنْدِنا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقَعَ مِن عِنْدِنا صِفَةً لِـ أمْرٌ حَكِيمٌ فَخُولِفَ ذَلِكَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، أيْ أمْرًا عَظِيمًا فَخْمًا إذا وُصِفَ بِـ ”حَكِيمٌ“ . ثُمَّ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ، ويَنْصَرِفُ هَذا التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ ابْتِداءً وبِالتَّعْيِينِ إلى القُرْآنِ إذْ كانَ بِنُزُولِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَشْرِيفُها وجَعْلُها وقْتًا لِقَضاءِ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الحَكِيمَةِ.
صفحة ٢٨١
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وحَرْفُ (إنَّ) فِيها مِثْلُ ما وقَعَ في ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً لِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ إلى شَرَفِ القُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلنّاسِ لِيَكُفُّوا عَنِ الصَّدِّ عَنْهُ ولِهَذا ورَدَتِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ في أوَّلِها المَقْصُودُ مِنها التَّحَدِّي بِالإعْجازِ، واشْتَمَلَتْ تِلْكَ الجُمَلُ الثَّلاثُ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، ويَكُونُ إعْلامُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ المَزايا حاصِلًا تَبَعًا إنْ كانَ لَمْ يَسْبِقْ إعْلامُهُ بِذَلِكَ بِما سَبَقَ مِن آيِ القُرْآنِ أوْ بِوَحْيِ غَيْرِ القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ أصالَةً ويَكُونُ عِلْمُ المُشْرِكِينَ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ حاصِلًا تَبَعًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ويَكُونُ التَّوْكِيدُ مَنظُورًا فِيهِ إلى الغَرَضِ التَّعْرِيضِيِّ.
ومَفْعُولُ مُرْسِلِينَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مادَّةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ.
و﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسِلِينَ لِأجْلِ رَحْمَتِنا، أيْ بِالعِبادِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ بِالإنْذارِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ لِيَتَجَنَّبُوا مُهاوِيَ العَذابِ ويَكْتَسِبُوا مَكاسِبَ الثَّوابِ، قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أنْزَلْناهُ.
وإيرادُ لَفْظِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ مِن رَبِّكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنّا. وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ الإشْعارُ بِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ بِالمَرْبُوبِينَ، ثُمَّ إضافَةُ ”رَبِّ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ مُواجَهَةِ المُشْرِكِينَ إلى مُواجَهَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالخِطابِ لِأنَّهُ الَّذِي جَرى خِطابُهم هَذا بِواسِطَتِهِ فَهو كَحاضِرٍ مَعَهم عِنْدَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ فَيُصْرَفُ وجْهُ الكَلامِ تارَةً إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] وهَذا لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَظٍّ لَهُ في خِلالِ هَذِهِ
صفحة ٢٨٢
التَّشْرِيعاتِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن رَبِّهِ، أيْ بِواسِطَتِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ الإرْسالُ رَحْمَةً كانَ الرَّسُولُ ﷺ رَحْمَةً قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ويُعْلَمُ مِن كَوْنِهِ رَبَّ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ كُلِّهِمْ إذْ لا يَكُونُ الرَّبُّ رَبَّ بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَأغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ورَبِّهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ يَأْبى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِأنَّهُ رَبُّهم في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] وهو مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّهُ عَلِمَ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ لِلْأصْنامِ، وعَلِمَ إغْواءَ أئِمَّةِ الكُفْرِ لِلْأُمَمِ، وعَلِمَ ضَجِيجَ النّاسِ مِن ظُلْمِ قَوِيِّهِمْ ضَعِيفَهم، وعَلِمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، فَأرْسَلَ الرُّسُلَ لِتَقْوِيمِهِمْ وإصْلاحِهِمْ، وعَلِمَ أيْضًا نَوايا النّاسِ وأفْعالَهم وإفْسادَهم في الأرْضِ فَأرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشَّرائِعِ لِكَفِّ النّاسِ عَنِ الفَسادِ وإصْلاحِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الأوَّلِ بِوَصْفِ السَّمِيعِ، لِأنَّ السَّمِيعَ هو الَّذِي يَعْلَمُ الأقْوالَ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ. وأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الثّانِي بِوَصْفِ العَلِيمِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وقَدَّمَ السَّمِيعَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو دُعاءُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهم.
واعْلَمْ أنَّ السَّمِيعَ والعَلِيمَ تَعْلِيلانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِأنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ في الحَقِيقَةِ هي إرادَةُ الصَّلاحِ ورَحْمَةُ الخَلْقِ. وأمّا العِلْمُ فَهو الصِّفَةُ الَّتِي تَجْرِي الإرادَةُ عَلى وفْقِهِ، فالتَّعْلِيلُ بِصِفَةِ العِلْمِ بِناءً عَلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكِيمٌ لا يُحِبُّ الفَسادَ، فَإذا كانَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ وكانَ عَلِيمًا بِتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ كانَ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَيْنِ أنْ يُرْسِلَ لِلنّاسِ رُسُلًا رَحْمَةً بِهِمْ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، لا أصْنامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها.
وفِي هَذا إيماءٌ إلى الحاجَةِ إلى إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
وفِي وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
الدخان 44:5
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا القِسْمِ وجَوابِهِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ونَوَّهَ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ عَنْهُ بِذِكْرِ فَضْلِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ.
فَتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
ومَعْنى الفِعْلِ في أنْزَلْناهُ ابْتِداءُ إنْزالِهِ فَإنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْ آياتٍ تَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فَهي مُنْضَمَّةٌ إلَيْهِ انْضِمامَ الجُزْءِ لِلْكُلِّ، ومَجْمُوعُ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الإنْزالُ في كُلِّ ساعَةٍ هو مُسَمّى القُرْآنِ إلى أنْ تَمَّ نُزُولُ آخِرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
وتَنْكِيرُ لَيْلَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ تَنْوِيهٌ بِها وتَشْوِيقٌ لِمَعْرِفَتِها. فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في الغارِ مِن جَبَلِ حِراءٍ في رَمَضانَ قالَ تَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
واللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُ القُرْآنِ فِيها هي لَيْلَةُ القَدْرِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] . والأصَحُّ أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وأنَّها في لَيْلَةِ الوِتْرِ. وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِنَظِيرَتِها مِن كُلِّ سَنَةٍ فَضْلًا عَظِيمًا لِكَثْرَةِ ثَوابِ العِبادَةِ فِيها في كُلِّ رَمَضانَ كَرامَةٌ لِذِكْرى نُزُولِ القُرْآنِ وابْتِداءِ رِسالَةِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ إلى النّاسِ كافَّةً. قالَ تَعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٤] .
صفحة ٢٧٨
وذَلِكَ مِن مَعانِي بَرَكَتِها وكَمْ لَها مِن بَرَكاتٍ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ، ولَعَلَّ تِلْكَ البَرَكَةَ تَسْرِي إلى شُئُونِهِمُ الصّالِحَةِ مِن أُمُورِ دُنْياهم.
فَبَرَكَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيها القُرْآنُ بَرَكَةٌ قَدَّرَها اللَّهُ لَها قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ لِيَكُونَ القُرْآنُ بِابْتِداءِ نُزُولِهِ فِيها مُلابِسًا لِوَقْتٍ مُبارَكٍ فَيَزْدادُ بِذَلِكَ فَضْلًا وشَرَفًا، وهَذا مِنَ المُناسَباتِ الإلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أنْبَأنا اللَّهُ بِبَعْضِها.
والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ أمَدَّها بِتِلْكَ البَرَكَةِ في كُلِّ عامٍ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إذْ قالَهُ بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ابْتِداءِ نُزُولِ القُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقَوْلُهُ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وقَوْلُهُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلُهُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
وعَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن لَيالِي رَمَضانَ، فَقِيلَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الباقِرِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ التَقى هو والمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِن رَمَضانَ ا ه. أيْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١] أنَّهُ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. وفي المُرادِ بِـ ما أنْزَلْنا احْتِمالاتٌ تَرْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في مِثْلِ لَيْلَةِ يَوْمِ بَدْرٍ.
والَّذِي يَجِبُ الجَزْمُ بِهِ أنَّ لَيْلَةَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ وأنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.
ولَمّا تَضافَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «قالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ في ثالِثَةٍ تَبْقى في خامِسَةٍ تَبْقى في سابِعَةٍ تَبْقى في تاسِعَةٍ تَبْقى» . فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ القُرْآنَ ابْتُدِئَ نُزُولُهُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، إلّا إذا حُمِلَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ عَلى خُصُوصِ اللَّيْلَةِ مِن ذَلِكَ العامِ.
صفحة ٢٧٩
وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ بِاسْتِمْرارٍ وهو مُنافٍ لِحَدِيثِ «اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ» عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وحَرْفُ (إنَّ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا لِلنّاسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ رَدُّ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ”أنْزَلْناهُ“ أيْ أنْزَلْناهُ لِلْإنْذارِ لِأنَّ الإنْذارَ شَأْنُنا، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ عِلَّةُ العِلَّةِ وهو إيجازٌ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى وصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ مُنْذِرٌ ومُبَشِّرٌ اهْتِمامًا بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ جُمْهُورِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، والإنْذارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلَيْهِ، أيْ مُنْذِرِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ. ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها ظَهَرَ فِيها إنْزالُ القُرْآنِ، وفِيها يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ.
وفِي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ، فَفي قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أوَّلُهُما: تَعْيِينُ إنْزالِ القُرْآنِ، وثانِيهِما: اخْتِصاصُ تَنْزِيلِهِ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ المَعْنى الأوَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾، وعَلَّلَ المَعْنى الثّانِي بِجُمْلَةِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
والمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أيْ يُخْبِرُ بِأمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أنْ يَتَّقِيَهُ المُخْبَرُ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفَرْقُ: الفَصْلُ والقَضاءُ، أيْ فِيها يُفْصَلُ كُلُّ ما يُرادُ قَضاؤُهُ في النّاسِ ولِهَذا يُسَمّى القُرْآنُ فُرْقانًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] في
صفحة ٢٨٠
سُورَةِ المائِدَةِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ وقْتًا لِإنْفاذِ وُقُوعِ أُمُورٍ هامَّةٍ مِثْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لِتِلْكَ المُقَضَّياتِ وتَشْرِيفًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وكَلِمَةُ ”كَلُّ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ مَعْناها مِنَ الشُّمُولِ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ما هي الأُمُورُ الحَكِيمَةُ فَجَمَعَها لِلْقَضاءِ بِها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وأعْظَمُها ابْتِداءً نُزُولُ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ النّاسِ كافَّةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ فِيها تُفْرَقُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ تُوافِقُ عَدَّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن كُلِّ عامٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ في قَوْلِهِ يُفْرَقُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ المُضارِعِ في يُفْرَقُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَظِيمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] .
والأمْرُ الحَكِيمُ: المُشْتَمِلُ عَلى حِكْمَةٍ مِن حِكَمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأمْرِ الَّذِي أحْكَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْقَنَهُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النُّظُمِ المُدَبِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ وعُمُومِهِ.
وبَعْضُ تِلْكَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأنْواعِ الشُّئُونِ، وبَعْضُها يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَعْضًا يُلْهَمُ إلَيْهِ مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ أفْعالًا حَكِيمَةً، واللَّهُ هو العالِمُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ أمْرًا مِن عِنْدِنا عَلى الحالِ مِن أمْرٌ حَكِيمٌ.
وإعادَةُ كَلِمَةِ أمْرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وإلّا فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ هو قَوْلُهُ مِن عِنْدِنا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقَعَ مِن عِنْدِنا صِفَةً لِـ أمْرٌ حَكِيمٌ فَخُولِفَ ذَلِكَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، أيْ أمْرًا عَظِيمًا فَخْمًا إذا وُصِفَ بِـ ”حَكِيمٌ“ . ثُمَّ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ، ويَنْصَرِفُ هَذا التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ ابْتِداءً وبِالتَّعْيِينِ إلى القُرْآنِ إذْ كانَ بِنُزُولِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَشْرِيفُها وجَعْلُها وقْتًا لِقَضاءِ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الحَكِيمَةِ.
صفحة ٢٨١
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وحَرْفُ (إنَّ) فِيها مِثْلُ ما وقَعَ في ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً لِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ إلى شَرَفِ القُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلنّاسِ لِيَكُفُّوا عَنِ الصَّدِّ عَنْهُ ولِهَذا ورَدَتِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ في أوَّلِها المَقْصُودُ مِنها التَّحَدِّي بِالإعْجازِ، واشْتَمَلَتْ تِلْكَ الجُمَلُ الثَّلاثُ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، ويَكُونُ إعْلامُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ المَزايا حاصِلًا تَبَعًا إنْ كانَ لَمْ يَسْبِقْ إعْلامُهُ بِذَلِكَ بِما سَبَقَ مِن آيِ القُرْآنِ أوْ بِوَحْيِ غَيْرِ القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ أصالَةً ويَكُونُ عِلْمُ المُشْرِكِينَ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ حاصِلًا تَبَعًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ويَكُونُ التَّوْكِيدُ مَنظُورًا فِيهِ إلى الغَرَضِ التَّعْرِيضِيِّ.
ومَفْعُولُ مُرْسِلِينَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مادَّةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ.
و﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسِلِينَ لِأجْلِ رَحْمَتِنا، أيْ بِالعِبادِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ بِالإنْذارِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ لِيَتَجَنَّبُوا مُهاوِيَ العَذابِ ويَكْتَسِبُوا مَكاسِبَ الثَّوابِ، قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أنْزَلْناهُ.
وإيرادُ لَفْظِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ مِن رَبِّكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنّا. وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ الإشْعارُ بِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ بِالمَرْبُوبِينَ، ثُمَّ إضافَةُ ”رَبِّ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ مُواجَهَةِ المُشْرِكِينَ إلى مُواجَهَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالخِطابِ لِأنَّهُ الَّذِي جَرى خِطابُهم هَذا بِواسِطَتِهِ فَهو كَحاضِرٍ مَعَهم عِنْدَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ فَيُصْرَفُ وجْهُ الكَلامِ تارَةً إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] وهَذا لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَظٍّ لَهُ في خِلالِ هَذِهِ
صفحة ٢٨٢
التَّشْرِيعاتِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن رَبِّهِ، أيْ بِواسِطَتِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ الإرْسالُ رَحْمَةً كانَ الرَّسُولُ ﷺ رَحْمَةً قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ويُعْلَمُ مِن كَوْنِهِ رَبَّ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ كُلِّهِمْ إذْ لا يَكُونُ الرَّبُّ رَبَّ بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَأغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ورَبِّهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ يَأْبى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِأنَّهُ رَبُّهم في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] وهو مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّهُ عَلِمَ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ لِلْأصْنامِ، وعَلِمَ إغْواءَ أئِمَّةِ الكُفْرِ لِلْأُمَمِ، وعَلِمَ ضَجِيجَ النّاسِ مِن ظُلْمِ قَوِيِّهِمْ ضَعِيفَهم، وعَلِمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، فَأرْسَلَ الرُّسُلَ لِتَقْوِيمِهِمْ وإصْلاحِهِمْ، وعَلِمَ أيْضًا نَوايا النّاسِ وأفْعالَهم وإفْسادَهم في الأرْضِ فَأرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشَّرائِعِ لِكَفِّ النّاسِ عَنِ الفَسادِ وإصْلاحِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الأوَّلِ بِوَصْفِ السَّمِيعِ، لِأنَّ السَّمِيعَ هو الَّذِي يَعْلَمُ الأقْوالَ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ. وأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الثّانِي بِوَصْفِ العَلِيمِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وقَدَّمَ السَّمِيعَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو دُعاءُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهم.
واعْلَمْ أنَّ السَّمِيعَ والعَلِيمَ تَعْلِيلانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِأنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ في الحَقِيقَةِ هي إرادَةُ الصَّلاحِ ورَحْمَةُ الخَلْقِ. وأمّا العِلْمُ فَهو الصِّفَةُ الَّتِي تَجْرِي الإرادَةُ عَلى وفْقِهِ، فالتَّعْلِيلُ بِصِفَةِ العِلْمِ بِناءً عَلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكِيمٌ لا يُحِبُّ الفَسادَ، فَإذا كانَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ وكانَ عَلِيمًا بِتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ كانَ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَيْنِ أنْ يُرْسِلَ لِلنّاسِ رُسُلًا رَحْمَةً بِهِمْ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، لا أصْنامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها.
وفِي هَذا إيماءٌ إلى الحاجَةِ إلى إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
وفِي وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
الدخان 44:6
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
القَوْلُ في نَظِيرِ هَذا القِسْمِ وجَوابِهِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
ونَوَّهَ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ عَنْهُ بِذِكْرِ فَضْلِ الوَقْتِ الَّذِي ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ.
فَتَعْرِيفُ الكِتابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
ومَعْنى الفِعْلِ في أنْزَلْناهُ ابْتِداءُ إنْزالِهِ فَإنَّ كُلَّ آيَةٍ أوْ آياتٍ تَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ فَهي مُنْضَمَّةٌ إلَيْهِ انْضِمامَ الجُزْءِ لِلْكُلِّ، ومَجْمُوعُ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ الإنْزالُ في كُلِّ ساعَةٍ هو مُسَمّى القُرْآنِ إلى أنْ تَمَّ نُزُولُ آخِرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ.
وتَنْكِيرُ لَيْلَةٍ لِلتَّعْظِيمِ، ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ تَنْوِيهٌ بِها وتَشْوِيقٌ لِمَعْرِفَتِها. فَهَذِهِ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في الغارِ مِن جَبَلِ حِراءٍ في رَمَضانَ قالَ تَعالى ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
واللَّيْلَةُ الَّتِي ابْتُدِئَ نُزُولُ القُرْآنِ فِيها هي لَيْلَةُ القَدْرِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] . والأصَحُّ أنَّها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ وأنَّها في لَيْلَةِ الوِتْرِ. وثَبَتَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِنَظِيرَتِها مِن كُلِّ سَنَةٍ فَضْلًا عَظِيمًا لِكَثْرَةِ ثَوابِ العِبادَةِ فِيها في كُلِّ رَمَضانَ كَرامَةٌ لِذِكْرى نُزُولِ القُرْآنِ وابْتِداءِ رِسالَةِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ إلى النّاسِ كافَّةً. قالَ تَعالى ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٤] .
صفحة ٢٧٨
وذَلِكَ مِن مَعانِي بَرَكَتِها وكَمْ لَها مِن بَرَكاتٍ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِهِمْ، ولَعَلَّ تِلْكَ البَرَكَةَ تَسْرِي إلى شُئُونِهِمُ الصّالِحَةِ مِن أُمُورِ دُنْياهم.
فَبَرَكَةُ اللَّيْلَةِ الَّتِي أُنْزِلُ فِيها القُرْآنُ بَرَكَةٌ قَدَّرَها اللَّهُ لَها قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ لِيَكُونَ القُرْآنُ بِابْتِداءِ نُزُولِهِ فِيها مُلابِسًا لِوَقْتٍ مُبارَكٍ فَيَزْدادُ بِذَلِكَ فَضْلًا وشَرَفًا، وهَذا مِنَ المُناسَباتِ الإلَهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي أنْبَأنا اللَّهُ بِبَعْضِها.
والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ أمَدَّها بِتِلْكَ البَرَكَةِ في كُلِّ عامٍ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إذْ قالَهُ بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ابْتِداءِ نُزُولِ القُرْآنِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وقَوْلُهُ ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] وقَوْلُهُ ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلُهُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
وعَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في اللَّيْلَةِ الَّتِي ابْتُدِئَ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن لَيالِي رَمَضانَ، فَقِيلَ: هي لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الباقِرِ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال: ٤١] فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ التَقى هو والمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِن رَمَضانَ ا ه. أيْ تَأوَّلَ قَوْلَهُ ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [الأنفال: ٤١] أنَّهُ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. وفي المُرادِ بِـ ما أنْزَلْنا احْتِمالاتٌ تَرْفَعُ الِاحْتِجاجَ بِهَذا التَّأْوِيلِ بِأنَّ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ في مِثْلِ لَيْلَةِ يَوْمِ بَدْرٍ.
والَّذِي يَجِبُ الجَزْمُ بِهِ أنَّ لَيْلَةَ نُزُولِ القُرْآنِ كانَتْ في شَهْرِ رَمَضانَ وأنَّهُ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ.
ولَمّا تَضافَرَتِ الأخْبارُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «قالَ في لَيْلَةِ القَدْرِ: اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ في ثالِثَةٍ تَبْقى في خامِسَةٍ تَبْقى في سابِعَةٍ تَبْقى في تاسِعَةٍ تَبْقى» . فالَّذِي نَعْتَمِدُهُ أنَّ القُرْآنَ ابْتُدِئَ نُزُولُهُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، إلّا إذا حُمِلَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ عَلى خُصُوصِ اللَّيْلَةِ مِن ذَلِكَ العامِ.
صفحة ٢٧٩
وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ بِاسْتِمْرارٍ وهو مُنافٍ لِحَدِيثِ «اطْلُبُوها في العَشْرِ الأواخِرِ» عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. وحَرْفُ (إنَّ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأْكِيدِ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَ رُسُلًا لِلنّاسِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يُرْسِلُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ قالَ تَعالى ﴿إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فَكانَ رَدُّ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ رِسالَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَتَكُونُ مُغْنِيَةً غِناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ فَتُفِيدُ تَعْلِيلًا، فَتَكُونُ جُمْلَةُ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ تَعْلِيلًا لِجُمْلَةِ ”أنْزَلْناهُ“ أيْ أنْزَلْناهُ لِلْإنْذارِ لِأنَّ الإنْذارَ شَأْنُنا، فَمَضْمُونُ الجُمْلَةِ عِلَّةُ العِلَّةِ وهو إيجازٌ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى وصْفِ مُنْذِرِينَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ مُنْذِرٌ ومُبَشِّرٌ اهْتِمامًا بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَضى حالِ جُمْهُورِ النّاسِ يَوْمَئِذٍ، والإنْذارُ يَقْتَضِي التَّبْشِيرَ لِمَنِ انْتَذَرَ. وحُذِفَ مَفْعُولُ مُنْذِرِينَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ عَلَيْهِ، أيْ مُنْذِرِينَ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ.
وجُمْلَةُ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَنْكِيرِ لَيْلَةٍ. ووَصْفُها بِـ ”مُبارَكَةٍ“ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَدَلَّ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هاتِهِ اللَّيْلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها ظَهَرَ فِيها إنْزالُ القُرْآنِ، وفِيها يُفَرَقُ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ.
وفِي هَذِهِ الجُمَلِ الأرْبَعِ مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ، فَفي قَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ لَفٌّ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ أوَّلُهُما: تَعْيِينُ إنْزالِ القُرْآنِ، وثانِيهِما: اخْتِصاصُ تَنْزِيلِهِ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ثُمَّ عَلَّلَ المَعْنى الأوَّلَ بِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾، وعَلَّلَ المَعْنى الثّانِي بِجُمْلَةِ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ .
والمُنْذِرُ: الَّذِي يُنْذِرُ، أيْ يُخْبِرُ بِأمْرٍ فِيهِ ضُرٍّ لِقَصْدِ أنْ يَتَّقِيَهُ المُخْبَرُ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفَرْقُ: الفَصْلُ والقَضاءُ، أيْ فِيها يُفْصَلُ كُلُّ ما يُرادُ قَضاؤُهُ في النّاسِ ولِهَذا يُسَمّى القُرْآنُ فُرْقانًا، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] في
صفحة ٢٨٠
سُورَةِ المائِدَةِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ الَّتِي أُنْزِلَ فِيها القُرْآنُ وقْتًا لِإنْفاذِ وُقُوعِ أُمُورٍ هامَّةٍ مِثْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَشْرِيفًا لِتِلْكَ المُقَضَّياتِ وتَشْرِيفًا لِتِلْكَ اللَّيْلَةِ.
وكَلِمَةُ ”كَلُّ“ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ مَعْناها مِنَ الشُّمُولِ وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ما هي الأُمُورُ الحَكِيمَةُ فَجَمَعَها لِلْقَضاءِ بِها في تِلْكَ اللَّيْلَةِ وأعْظَمُها ابْتِداءً نُزُولُ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ النّاسِ كافَّةً.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أيْ فِيها تُفْرَقُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا مُسْتَمِرٌّ في كُلِّ لَيْلَةٍ تُوافِقُ عَدَّ تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِن كُلِّ عامٍ كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ في قَوْلِهِ يُفْرَقُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْمالُ المُضارِعِ في يُفْرَقُ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَظِيمَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] .
والأمْرُ الحَكِيمُ: المُشْتَمِلُ عَلى حِكْمَةٍ مِن حِكَمِ اللَّهِ تَعالى أوِ الأمْرِ الَّذِي أحْكَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأتْقَنَهُ بِما يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ النُّظُمِ المُدَبِّرَةِ الدّالَّةِ عَلى سَعَةِ العِلْمِ وعُمُومِهِ.
وبَعْضُ تِلْكَ الأُمُورِ الحَكِيمَةِ يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ إلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِأنْواعِ الشُّئُونِ، وبَعْضُها يَنْفُذُ الأمْرُ بِهِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مُدَّةَ حَيّاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وبَعْضًا يُلْهَمُ إلَيْهِ مَن ألْهَمَهُ اللَّهُ أفْعالًا حَكِيمَةً، واللَّهُ هو العالِمُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ.
وانْتَصَبَ أمْرًا مِن عِنْدِنا عَلى الحالِ مِن أمْرٌ حَكِيمٌ.
وإعادَةُ كَلِمَةِ أمْرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ، وإلّا فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ هو قَوْلُهُ مِن عِنْدِنا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقَعَ مِن عِنْدِنا صِفَةً لِـ أمْرٌ حَكِيمٌ فَخُولِفَ ذَلِكَ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، أيْ أمْرًا عَظِيمًا فَخْمًا إذا وُصِفَ بِـ ”حَكِيمٌ“ . ثُمَّ بِكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهَذِهِ العِنْدِيَّةِ، ويَنْصَرِفُ هَذا التَّشْرِيفُ والتَّعْظِيمُ ابْتِداءً وبِالتَّعْيِينِ إلى القُرْآنِ إذْ كانَ بِنُزُولِهِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَشْرِيفُها وجَعْلُها وقْتًا لِقَضاءِ الأُمُورِ الشَّرِيفَةِ الحَكِيمَةِ.
صفحة ٢٨١
وجُمْلَةُ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ وحَرْفُ (إنَّ) فِيها مِثْلُ ما وقَعَ في ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ ابْتِداءً لِفَتْحِ بَصائِرِهِمْ إلى شَرَفِ القُرْآنِ وما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ لِلنّاسِ لِيَكُفُّوا عَنِ الصَّدِّ عَنْهُ ولِهَذا ورَدَتِ الحُرُوفُ المُقَطَّعَةُ في أوَّلِها المَقْصُودُ مِنها التَّحَدِّي بِالإعْجازِ، واشْتَمَلَتْ تِلْكَ الجُمَلُ الثَّلاثُ عَلى حَرْفِ التَّأْكِيدِ، ويَكُونُ إعْلامُ الرَّسُولِ ﷺ بِهَذِهِ المَزايا حاصِلًا تَبَعًا إنْ كانَ لَمْ يَسْبِقْ إعْلامُهُ بِذَلِكَ بِما سَبَقَ مِن آيِ القُرْآنِ أوْ بِوَحْيِ غَيْرِ القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ أصالَةً ويَكُونُ عِلْمُ المُشْرِكِينَ بِما يَحْتَوِي عَلَيْهِ حاصِلًا تَبَعًا بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ، ويَكُونُ التَّوْكِيدُ مَنظُورًا فِيهِ إلى الغَرَضِ التَّعْرِيضِيِّ.
ومَفْعُولُ مُرْسِلِينَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ مادَّةُ اسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُرْسِلِينَ الرُّسُلَ.
و﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسِلِينَ لِأجْلِ رَحْمَتِنا، أيْ بِالعِبادِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الإرْسالَ بِالإنْذارِ رَحْمَةٌ بِالنّاسِ لِيَتَجَنَّبُوا مُهاوِيَ العَذابِ ويَكْتَسِبُوا مَكاسِبَ الثَّوابِ، قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَحْمَةً حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أنْزَلْناهُ.
وإيرادُ لَفْظِ الرَّبِّ في قَوْلِهِ مِن رَبِّكَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِنّا. وفائِدَةُ هَذا الإظْهارِ الإشْعارُ بِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَدْعِي الرَّحْمَةَ بِالمَرْبُوبِينَ، ثُمَّ إضافَةُ ”رَبِّ“ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ صَرْفٌ لِلْكَلامِ عَنْ مُواجَهَةِ المُشْرِكِينَ إلى مُواجَهَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالخِطابِ لِأنَّهُ الَّذِي جَرى خِطابُهم هَذا بِواسِطَتِهِ فَهو كَحاضِرٍ مَعَهم عِنْدَ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلَيْهِمْ فَيُصْرَفُ وجْهُ الكَلامِ تارَةً إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] وهَذا لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ بَعْدَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ.
وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَتَوَصَّلَ إلى حَظٍّ لَهُ في خِلالِ هَذِهِ
صفحة ٢٨٢
التَّشْرِيعاتِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن رَبِّهِ، أيْ بِواسِطَتِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ الإرْسالُ رَحْمَةً كانَ الرَّسُولُ ﷺ رَحْمَةً قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ويُعْلَمُ مِن كَوْنِهِ رَبَّ الرَّسُولِ ﷺ أنَّهُ رَبُّ النّاسِ كُلِّهِمْ إذْ لا يَكُونُ الرَّبُّ رَبَّ بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَأغْنى عَنْ أنْ يَقُولَ: رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ورَبِّهِمْ، لِأنَّ غَرَضَ إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ يَأْبى ذَلِكَ، ثُمَّ سَيُصَرِّحُ بِأنَّهُ رَبُّهم في قَوْلِهِ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الدخان: ٨] وهو مَقامٌ آخَرُ سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ كُنّا مُرْسَلِينَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّهُ عَلِمَ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ لِلْأصْنامِ، وعَلِمَ إغْواءَ أئِمَّةِ الكُفْرِ لِلْأُمَمِ، وعَلِمَ ضَجِيجَ النّاسِ مِن ظُلْمِ قَوِيِّهِمْ ضَعِيفَهم، وعَلِمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أقْوالِهِمْ، فَأرْسَلَ الرُّسُلَ لِتَقْوِيمِهِمْ وإصْلاحِهِمْ، وعَلِمَ أيْضًا نَوايا النّاسِ وأفْعالَهم وإفْسادَهم في الأرْضِ فَأرْسَلَ الرُّسُلَ بِالشَّرائِعِ لِكَفِّ النّاسِ عَنِ الفَسادِ وإصْلاحِ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الأوَّلِ بِوَصْفِ السَّمِيعِ، لِأنَّ السَّمِيعَ هو الَّذِي يَعْلَمُ الأقْوالَ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ. وأُشِيرَ إلى عِلْمِ النَّوْعِ الثّانِي بِوَصْفِ العَلِيمِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ. وقَدَّمَ السَّمِيعَ لِلِاهْتِمامِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ أصْلَ الكُفْرِ هو دُعاءُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهم.
واعْلَمْ أنَّ السَّمِيعَ والعَلِيمَ تَعْلِيلانِ لِجُمْلَةِ ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ لِأنَّ عِلَّةَ الإرْسالِ في الحَقِيقَةِ هي إرادَةُ الصَّلاحِ ورَحْمَةُ الخَلْقِ. وأمّا العِلْمُ فَهو الصِّفَةُ الَّتِي تَجْرِي الإرادَةُ عَلى وفْقِهِ، فالتَّعْلِيلُ بِصِفَةِ العِلْمِ بِناءً عَلى مُقَدِّمَةٍ أُخْرى وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى حَكِيمٌ لا يُحِبُّ الفَسادَ، فَإذا كانَ لا يُحِبُّ ذَلِكَ وكانَ عَلِيمًا بِتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ كانَ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ مُقْتَضِيَيْنِ أنْ يُرْسِلَ لِلنّاسِ رُسُلًا رَحْمَةً بِهِمْ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، لا أصْنامُكُمُ الَّتِي تَدْعُونَها.
وفِي هَذا إيماءٌ إلى الحاجَةِ إلى إرْسالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ بِإبْطالِ عِبادَةِ الأصْنامِ.
وفِي وصْفِ السَّمِيعِ العَلِيمِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
الدخان 44:7
صفحة ٢٨٣
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾
هَذا عَوْدٌ إلى مُواجَهَةِ المُشْرِكِينَ بِالتَّذْكِيرِ عَلى نَحْوِ ما ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ.
وهُوَ تَخَلُّصٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ إلْزامًا لَهم بِما يُقِرُّونَ بِهِ مِن أنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ويُقِرُّونَ بِأنَّ الأصْنامَ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْ نَتِيجَةِ الدَّلِيلِ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ؛ ألا تَرى القُرْآنَ يُكَرِّرُ تَذْكِيرَهم بِأمْثالِ هَذا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢٠]، ولِأجْلِ ذَلِكَ ذَكَرَ الرُّبُوبِيَّةَ إجْمالًا في قَوْلِهِ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ ثُمَّ تَفْصِيلًا بِذِكْرِ صِفَةِ عُمُومِ العِلْمِ الَّتِي هي صِفَةُ المَعْبُودِ بِحَقٍّ بِصِيغَةِ قَصْرِ القَلْبِ المُشِيرِ إلى أنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ ولا تَعْلَمُ. وبِذِكْرِ صِفَةِ التَّكْوِينِ المُخْتَصَّةِ بِهِ تَعالى بِإقْرارِهِمُ ارْتِقاءً في الِاسْتِدْلالِ. فَلَمّا لَمْ يَكُنْ مَجالٌ لِلرَّيْبِ في أنَّهُ تَعالى هو الإلَهُ الحَقُّ أعْقَبَ هَذا الِاسْتِدْلالَ بِجُمْلَةِ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ بِطَرِيقَةِ إثارَةِ التَّيَقُّظِ لِعُقُولِهِمْ إذْ نَزَّلَهم مَنزِلَةَ المَشْكُوكِ إيقانُهم لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ الإيقانِ لِلَّهِ بِالخالِقِيِّةِ حِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ بِأنْ أُتِيَ في جانِبِ فَرْضِ إيقانِهِمْ بِطَرِيقَةِ الشَّرْطِ، وأُتِيَ بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي أصْلُهُ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (رَبُّ السَّماواتِ) بِرَفْعِ رَبِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِمُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ بَعْدَ إجْراءِ أخْبارٍ أوْ صِفاتٍ عَنْ ذاتٍ ثُمَّ يُرْدِفُ بِخَبَرٍ آخَرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم بَعْدَ ذِكْرِ شَخْصٍ: فَتًى يَفْعَلُ ويَفْعَلُ. وهو مِنَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ إذِ التَّقْدِيرُ: إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَهُ فَهو كَذا. وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِجَرِّ (رَبِّ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ رَبِّكَ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ مُوقِنِينَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ . وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ فَلا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِجُمْلَةِ لا إلَهَ إلّا هو.
الدخان 44:8
صفحة ٢٨٤
﴿لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ جُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو نَتِيجَةٌ لِلدَّلِيلِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّ انْفِرادَهُ بِرُبُوبِيَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما دَلِيلٌ عَلى انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، أيْ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ نَتِيجَةً لِذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِشِدَّةِ اقْتِضاءِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها إيّاها.
وجُمْلَةُ يُحْيِي ويُمِيتُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو بِتَفَرُّدِهِ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، والمُشْرِكُونَ لا يُنازِعُونَ في أنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي والمُمِيتُ؛ فَكَما اسْتَدِلَّ عَلَيْهِمْ بِتَفَرُّدِهِ بِإيجادِ العَوالِمِ وما فِيها اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِ أعْظَمِ أحْوالِ المَوْجُوداتِ وهي حالَةُ الحَياةِ الَّتِي شُرِّفَ بِها الإنْسانُ عَنْ مَوْجُوداتِ العالَمِ الأرْضِيِّ، وكُرِّمَ أيْضًا بِإعْطائِها لِلْحَيَوانِ لِتَسْخِيرِهِ لِانْتِفاعِ الإنْسانِ بِهِ بِسَبَبِها، وبِتَفَرُّدِهِ بِالإماتَةِ وهي سَلْبُ الحَياةِ عَنِ الحَيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ ذاتِيَّةً لِلْحَيِّ.
ولَمّا كانَ تَفَرُّدُهُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ دَلِيلًا واضِحًا في أحْوالِ المُخاطَبِينَ وفِيما حَوْلَهم مِن ظُهُورِ الأحْياءِ بِالوِلادَةِ والأمْواتِ بِالوَفاةِ يَوْمًا فَيَوْمًا مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَجْهَلُوا دَلالَتَهُ بَلْهَ جُحُودِهِمْ إيّاها ومَعَ ذَلِكَ قَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ الَّتِي لا تُحْيِي ولا تُمِيتُ، أعْقَبَ بِإثْباتِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْمُخاطَبِينَ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِجَحْدِ الأدِلَّةِ وبِكُفْرانِ النِّعْمَةِ.
وعَطَفَ ﴿ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ لِيُسَجِّلَ عَلَيْهِمُ الإلْزامَ بِقَوْلِهِمْ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] . ووَصَفَهم بِـ ”الأوَّلِينَ“ لِأنَّهم جَعَلُوا أقْدَمَ الآباءِ حُجَّةً أعْظَمَ مِنَ الآباءِ الأقْرَبِينَ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤] .
الدخان 44:9
﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾
(بَلْ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ رُدَّ بِهِ أنْ يَكُونُوا مُوقِنِينَ ومُقِرِّينَ بِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَإنَّ إقْرارَهم غَيْرُ صادِرٍ عَنْ عِلْمٍ ويَقِينٍ ثابِتٍ بَلْ هو كالعَدَمِ؛ لِأنَّهم خَلَطُوهُ بِالشَّكِّ واللَّعِبِ؛ فارْتَفَعَتْ عَنْهُ خاصِّيَّةُ اليَقِينِ والإقْرارِ الَّتِي هي الجَرْيُ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَإنَّ العِلْمَ إذا لَمْ يَجُرَّ صاحِبَهُ عَلى العَمَلِ بِهِ وتَجْدِيدِ مُلاحَظَتِهِ
صفحة ٢٨٥
تَطَرَّقَ إلَيْهِ الذُّهُولُ ثُمَّ النِّسْيانُ فَضَعُفَ حَتّى صارَ شَكًّا لِانْحِجابِ الأدِلَّةِ الَّتِي يَرْسُخُ بِها في النَّفْسِ، أيْ هم شاكُّونَ في وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
والإتْيانُ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى شِدَّةِ تَمَكُّنِ الشَّكِّ مِن نُفُوسِهِمْ حَتّى كَأنَّهُ ظَرْفٌ مُحِيطٌ بِهِمْ لا يَجِدُونَ عَنْهُ مَخْرَجًا، أيْ لا يُفارِقُهُمُ الشَّكُّ، فالظَّرْفِيَّةُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ مِثْلُ الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
وجُمْلَةُ يَلْعَبُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”هم“ أيِ اشْتَغَلُوا عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ الَّتِي تُزِيلُ الشَّكَّ عَنْهم وتَجْعَلُهم مُهْتَدِينَ، بِالهُزْءِ واللَّعِبِ في تَلَقِّي دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَكَأنَّ انْغِماسَهم في الشَّكِّ مُقارِنًا لِحالِهِمْ مِنَ اللَّعِبِ، ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ إذْ بِها أُفِيدَ أنَّ الشَّكَّ حامِلٌ لَهم عَلى الهُزْءِ واللَّعِبِ، وأنَّ الشُّغْلَ بِاللَّعِبِ يَزِيدُ الشَّكَّ فِيهِمْ رُسُوخًا بِخِلافِ ما لَوْ قِيلَ: بَلْ هم في شَكٍّ ولَعِبٍ، فَتَفَطَّنْ.
الدخان 44:10
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] قُصِدَ مِنهُ وعْدُ الرَّسُولِ ﷺ بِانْتِقامِ اللَّهِ مِن مُكَذِّبِيهِ، ووَعِيدُ المُشْرِكِينَ عَلى جُحُودِهِمْ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرَّسُولِ وُعُكُوفِهِمْ عَلى اللَّعِبِ، أيِ الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، وذَكَرَ لَهُ مُخَوِّفاتٍ لِلْمُشْرِكِينَ لِإعْدادِهِمْ لِلْإيمانِ وبَطْشَةُ انْتِقامٍ مِن أيِمَّتِهِمْ تَسْتَأْصِلُهم.
فالخِطابُ في ”ارْتَقِبْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّثْبِيتِ. والِارْتِقابُ: افْتِعالٌ مِن رَقَبَهُ، إذا انْتَظَرَهُ، وإنَّما يَكُونُ الِانْتِظارُ عِنْدَ قُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ المُنْتَظَرِ. وفِعْلُ (ارْتَقِبْ) يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّ إتْيانَ السَّماءِ بِدُخانٍ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقْتَضِي كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ وُقُوعِهِ كَما يَرْتَقِبُ الجائِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ.
و”يَوْمَ“ اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”ارْتَقِبْ“ ولَيْسَ ظَرْفًا وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧]، وهو مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ لِتَمْيِيزِ اليَوْمِ
صفحة ٢٨٦
المُرادِ عَنْ بَقِيَّةِ الأيّامِ بِأنَّهُ الَّذِي تَأْتِي فِيهِ السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فَنُصِبَ ”يَوْمَ“ نَصْبَ إعْرابٍ ولَمْ يُنَوَّنْ لِأجْلِ الإضافَةِ.
والجُمْلَةُ الَّتِي يُضافُ إلَيْها اسْمُ الزَّمانِ تَسْتَغْنِي عَنِ الرّابِطِ لِأنَّ الإضافَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ، ولِأنَّ الجُمْلَةَ في قُوَّةِ المَصْدَرِ. والتَّقْدِيرُ: فارْتَقِبْ يَوْمَ إتْيانِ السَّماءِ بِدُخانٍ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمانِ فَإنَّ ظُهُورَ الدُّخانِ كانَ في أيّامٍ وشُهُورٍ كَثِيرَةٍ.
والدُّخانُ: ما يَتَصاعَدُ عِنْدَ إيقادِ الحَطَبِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِمِثْلِ دُخانٍ.
والمُبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ. والمَعْنى: أنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ لا يُشَكُّ في رُؤْيَتِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الدُّخانُ في الآيَةِ هو: الغُبارُ الَّذِي يَتَصاعَدُ مِنَ الأرْضِ مِن جَرّاءِ الجَفافِ وأنَّ الغُبارَ يُسَمِّيهِ العَرَبُ دُخانًا وهو الغُبارُ الَّذِي تُثِيرُهُ الرِّياحُ مِنَ الأرْضِ الشَّدِيدَةِ الجَفافِ.
وعَنِ الأعْرَجِ: أنَّهُ الغُبارُ الَّذِي أثارَتْهُ سَنابِكُ الخَيْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَدْ حَجَبَتِ الغَبَرَةُ السَّماءَ، وإسْنادُ الإتْيانِ بِهِ إلى السَّماءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ السَّماءَ مَكانُهُ حِينَ يَتَصاعَدُ في جَوِّ السَّماءِ أوْ حِينَ يَلُوحُ لِلْأنْظارِ مِنها.
والكَلامُ يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا الدُّخانَ المُرْتَقَبَ حادِثٌ قَرِيبٌ الحُصُولِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ حَدَثٌ يَكُونُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِقابٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فالمُرادُ بِالنّاسِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ لَفْظِ النّاسِ في القُرْآنِ، وأنَّهُ يَكْشِفُ زَمَنًا قَلِيلًا عَنْهم إعْذارًا لَهم لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ وأنَّهم يَعُودُونَ بَعْدَ كَشْفِهِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ، وأنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥] . وأمّا قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ﴾ [الدخان: ١٦] فَهو عَذابٌ آخَرُ. وكُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ بِالدُّخانِ يَقَعُ في الدُّنْيا وأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قَرِيبٌ، وإذْ قَدْ كانَتِ الآيَةُ مَكِّيَّةً تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الدُّخانَ الَّذِي هو عَذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لا يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَتَعَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ هَذا الدُّخانِ غَيْرُ قاطِنِينَ بِدارِ
صفحة ٢٨٧
الشِّرْكِ، فَهَذا الدُّخانُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لا مَحالَةَ وتَعَيَّنَ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ حَصَلَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أوْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ.
والأصَحُّ أنَّ هَذا الدُّخانَ عُنِيَ بِهِ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِن سِنِي القَحْطِ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. والأصَحُّ في ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ وأبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: «إنَّ قُرَيْشًا لَمّا غَلَبُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأخَذَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها العِظامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ حَتّى جَعَلَ أحَدُهم يَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ أنْ يُكْشَفَ عَنْهُمُ العَذابُ، فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم وقالَ اللَّهُ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ عادُوا، فَعادُوا فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ» . وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، والرُّومُ، والقَمَرُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ.
فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في أبْوابِ الِاسْتِسْقاءِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الصُّبْحِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» . وهَؤُلاءِ الَّذِينَ دَعا لَهم بِالنَّجاةِ كانُوا مِمَّنْ حَبَسَهُمُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وكُلُّ هَذِهِ الرِّواياتِ يُؤْذِنُ بِأنَّ دُعاءَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ بِالسِّنِينِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِئَلّا يُعَذَّبَ المُسْلِمُونَ بِالجُوعِ وأنَّهُ كانَ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، وفي بَعْضِ رِواياتِ القُنُوتِ أنَّهُ دَعا في القُنُوتِ عَلى بَنِي لِحْيانَ وعُصَيَّةَ.
والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ هَذا الجُوعَ حَلَّ بِقُرَيْشٍ بُعَيْدَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ هو الجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْ قالَ «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وفي رِوايَةِ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ
صفحة ٢٨٨
كَسِنِينِ يُوسُفَ فَأُتِيَ النَّبِيءُ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ» وفي رِوايَةٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ الَّذِي أتى النَّبِيءَ هو أبُو سُفْيانَ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أبا سُفْيانَ أتاهُ في ناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَعْنِي أتَوُا المَدِينَةَ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ كانَ دَعا عَلَيْهِمْ بِالقَحْطِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَهم فَدَعا.
وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ ما يَراهُ الجائِعُونَ مِن شِبْهِ الغِشاوَةِ عَلى أبْصارِهِمْ حِينَ يَنْظُرُونَ في الجَوِّ بِهَيْئَةِ الدُّخانِ النّازِلِ مِنَ الأُفُقِ، فالمَجازُ في التَّرْكِيبِ. وأمّا مُفْرَداتُ التَّرْكِيبِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقائِقِها لِأنَّ مِن مَعانِي السَّماءِ في كَلامِ العَرَبِ قُبَّةُ الجَوِّ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ الَّذِي يَغْشاهم هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِنَ الجُوعِ، ولَيْسَ الدُّخانُ هو الَّذِي يَغْشاهم.
وبَعْضُ الرِّواياتِ رَكَّبَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثَ الِاسْتِسْقاءِ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيءُ ﷺ يَخْطُبُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الزَّرْعُ والضَّرْعُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَنا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا ثَلاثًا، وما يُرى في السَّماءِ قَزَعَةُ سَحابٍ، فَتَلَبَّدَتِ السَّماءُ بِالسَّحابِ وأُمْطِرُوا مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ وسالَ وادِي قَناةَ شَهْرًا، فَأتاهُ آتٍ الجُمُعَةَ القابِلَةَ هو الأوَّلُ أوْ غَيْرُهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُمْسِكَ المَطَرَ عَنّا، فَقالَ اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، فَتَفَرَّقَتِ السُّحُبُ حَتّى صارَتِ المَدِينَةُ في شِبْهِ الإكْلِيلِ مِنَ السَّحابِ» .
والجَمْعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ظاهِرٌ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَحْطَ وقَعَ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو قَحْطٌ آخَرُ غَيْرُ قَحْطِ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ.
ومَعْنى ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أنَّهُ يُحِيطُ بِهِمْ ويَعُمُّهم كَما تُحِيطُ الغاشِيَةُ بِالجَسَدِ، أيْ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ مِن أُولَئِكَ النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الدُّخانِ ما أصابَ أبْصارَهم مِن رُؤْيَةٍ مِثْلِ الغَبَرَةِ مِنَ الجُوعِ فالغَشَيانُ مَجازٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ
صفحة ٢٨٩
غُبارَ الحَرْبِ يَوْمَ الفَتْحِ فالغَشَيانُ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غُبارًا مُتَصاعِدًا في الجَوِّ مِن شِدَّةِ الجَفافِ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى تَعْجِيبًا مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النّاسِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِتَقْدِيرِ: يَقُولُونَ: هَذا عَذابٌ ألِيمٌ.
والإشارَةُ في ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إلى الدُّخانِ المَذْكُورِ آنِفًا، عَدَلَ عَنِ اسْتِحْضارِهِ بِالإضْمارِ وأنْ يُقالَ: هو عَذابٌ ألِيمٌ، إلى اسْتِحْضارِهِ بِالإشارَةِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا الشِّتاءُ قادِمٌ فَأعِدَّ لَهُ.
وقَرِيبٌ مِنهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] فَإنَّ المَحْكِيَّ مِمّا يَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
الدخان 44:11
﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] قُصِدَ مِنهُ وعْدُ الرَّسُولِ ﷺ بِانْتِقامِ اللَّهِ مِن مُكَذِّبِيهِ، ووَعِيدُ المُشْرِكِينَ عَلى جُحُودِهِمْ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وصِدْقِ الرَّسُولِ وُعُكُوفِهِمْ عَلى اللَّعِبِ، أيِ الِاسْتِهْزاءِ بِالقُرْآنِ والرَّسُولِ، وذَكَرَ لَهُ مُخَوِّفاتٍ لِلْمُشْرِكِينَ لِإعْدادِهِمْ لِلْإيمانِ وبَطْشَةُ انْتِقامٍ مِن أيِمَّتِهِمْ تَسْتَأْصِلُهم.
فالخِطابُ في ”ارْتَقِبْ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ والأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّثْبِيتِ. والِارْتِقابُ: افْتِعالٌ مِن رَقَبَهُ، إذا انْتَظَرَهُ، وإنَّما يَكُونُ الِانْتِظارُ عِنْدَ قُرْبِ حُصُولِ الشَّيْءِ المُنْتَظَرِ. وفِعْلُ (ارْتَقِبْ) يَقْتَضِي بِصَرِيحِهِ أنَّ إتْيانَ السَّماءِ بِدُخانٍ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقْتَضِي كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ وُقُوعِهِ كَما يَرْتَقِبُ الجائِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ.
و”يَوْمَ“ اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”ارْتَقِبْ“ ولَيْسَ ظَرْفًا وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ [النور: ٣٧]، وهو مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ بَعْدَهُ لِتَمْيِيزِ اليَوْمِ
صفحة ٢٨٦
المُرادِ عَنْ بَقِيَّةِ الأيّامِ بِأنَّهُ الَّذِي تَأْتِي فِيهِ السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فَنُصِبَ ”يَوْمَ“ نَصْبَ إعْرابٍ ولَمْ يُنَوَّنْ لِأجْلِ الإضافَةِ.
والجُمْلَةُ الَّتِي يُضافُ إلَيْها اسْمُ الزَّمانِ تَسْتَغْنِي عَنِ الرّابِطِ لِأنَّ الإضافَةَ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ، ولِأنَّ الجُمْلَةَ في قُوَّةِ المَصْدَرِ. والتَّقْدِيرُ: فارْتَقِبْ يَوْمَ إتْيانِ السَّماءِ بِدُخانٍ.
وأطْلَقَ اليَوْمَ عَلى الزَّمانِ فَإنَّ ظُهُورَ الدُّخانِ كانَ في أيّامٍ وشُهُورٍ كَثِيرَةٍ.
والدُّخانُ: ما يَتَصاعَدُ عِنْدَ إيقادِ الحَطَبِ، وهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ بِمِثْلِ دُخانٍ.
والمُبِينُ: البَيِّنُ الظّاهِرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ. والمَعْنى: أنَّهُ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ لا يُشَكُّ في رُؤْيَتِهِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الدُّخانُ في الآيَةِ هو: الغُبارُ الَّذِي يَتَصاعَدُ مِنَ الأرْضِ مِن جَرّاءِ الجَفافِ وأنَّ الغُبارَ يُسَمِّيهِ العَرَبُ دُخانًا وهو الغُبارُ الَّذِي تُثِيرُهُ الرِّياحُ مِنَ الأرْضِ الشَّدِيدَةِ الجَفافِ.
وعَنِ الأعْرَجِ: أنَّهُ الغُبارُ الَّذِي أثارَتْهُ سَنابِكُ الخَيْلِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَدْ حَجَبَتِ الغَبَرَةُ السَّماءَ، وإسْنادُ الإتْيانِ بِهِ إلى السَّماءِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ السَّماءَ مَكانُهُ حِينَ يَتَصاعَدُ في جَوِّ السَّماءِ أوْ حِينَ يَلُوحُ لِلْأنْظارِ مِنها.
والكَلامُ يُؤْذِنُ بِأنَّ هَذا الدُّخانَ المُرْتَقَبَ حادِثٌ قَرِيبٌ الحُصُولِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ حَدَثٌ يَكُونُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وأنَّهُ عِقابٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
فالمُرادُ بِالنّاسِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ كَما هو الغالِبُ في إطْلاقِ لَفْظِ النّاسِ في القُرْآنِ، وأنَّهُ يَكْشِفُ زَمَنًا قَلِيلًا عَنْهم إعْذارًا لَهم لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ وأنَّهم يَعُودُونَ بَعْدَ كَشْفِهِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ، وأنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُ عَلَيْهِمْ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا﴾ [الدخان: ١٥] . وأمّا قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ﴾ [الدخان: ١٦] فَهو عَذابٌ آخَرُ. وكُلُّ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّ العَذابَ بِالدُّخانِ يَقَعُ في الدُّنْيا وأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ قَرِيبٌ، وإذْ قَدْ كانَتِ الآيَةُ مَكِّيَّةً تَعَيَّنَ أنَّ هَذا الدُّخانَ الَّذِي هو عَذابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لا يُصِيبُ المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] فَتَعَيَّنَ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ هَذا الدُّخانِ غَيْرُ قاطِنِينَ بِدارِ
صفحة ٢٨٧
الشِّرْكِ، فَهَذا الدُّخانُ قَدْ حَصَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لا مَحالَةَ وتَعَيَّنَ أنَّهُ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ وما حَوْلَها فَيَتَعَيَّنُ أنَّهُ حَصَلَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ أوْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ.
والأصَحُّ أنَّ هَذا الدُّخانَ عُنِيَ بِهِ ما أصابَ المُشْرِكِينَ مِن سِنِي القَحْطِ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. والأصَحُّ في ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ مُسْلِمٍ وأبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: «إنَّ قُرَيْشًا لَمّا غَلَبُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ واسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قالَ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأخَذَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا فِيها العِظامَ والمَيْتَةَ مِنَ الجَهْدِ حَتّى جَعَلَ أحَدُهم يَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ مِنَ الجُوعِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ أنْ يُكْشَفَ عَنْهُمُ العَذابُ، فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم وقالَ اللَّهُ لَهُ: إنْ كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ عادُوا، فَعادُوا فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ الكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ» . وإنَّ عَبْدَ اللَّهِ قالَ: مَضى خَمْسٌ: الدُّخانُ، والرُّومُ، والقَمَرُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ.
فِي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في أبْوابِ الِاسْتِسْقاءِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الصُّبْحِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أنْجِ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ» . وهَؤُلاءِ الَّذِينَ دَعا لَهم بِالنَّجاةِ كانُوا مِمَّنْ حَبَسَهُمُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وكُلُّ هَذِهِ الرِّواياتِ يُؤْذِنُ بِأنَّ دُعاءَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى المُشْرِكِينَ بِالسِّنِينِ كانَ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِئَلّا يُعَذَّبَ المُسْلِمُونَ بِالجُوعِ وأنَّهُ كانَ قَبْلَ وقْعَةِ بَدْرٍ، وفي بَعْضِ رِواياتِ القُنُوتِ أنَّهُ دَعا في القُنُوتِ عَلى بَنِي لِحْيانَ وعُصَيَّةَ.
والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ هَذا الجُوعَ حَلَّ بِقُرَيْشٍ بُعَيْدَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ هو الجُوعُ الَّذِي دَعا بِهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْ قالَ «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وفي رِوايَةِ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ
صفحة ٢٨٨
كَسِنِينِ يُوسُفَ فَأُتِيَ النَّبِيءُ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: اسْتَسْقِ لِمُضَرَ» وفي رِوايَةٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ الَّذِي أتى النَّبِيءَ هو أبُو سُفْيانَ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ أبا سُفْيانَ أتاهُ في ناسٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَعْنِي أتَوُا المَدِينَةَ لَمّا عَلِمُوا أنَّ النَّبِيءَ كانَ دَعا عَلَيْهِمْ بِالقَحْطِ، فَقالُوا: إنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَهم فَدَعا.
وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ ما يَراهُ الجائِعُونَ مِن شِبْهِ الغِشاوَةِ عَلى أبْصارِهِمْ حِينَ يَنْظُرُونَ في الجَوِّ بِهَيْئَةِ الدُّخانِ النّازِلِ مِنَ الأُفُقِ، فالمَجازُ في التَّرْكِيبِ. وأمّا مُفْرَداتُ التَّرْكِيبِ فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقائِقِها لِأنَّ مِن مَعانِي السَّماءِ في كَلامِ العَرَبِ قُبَّةُ الجَوِّ، وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ تَرْشِيحًا لِلتَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ الَّذِي يَغْشاهم هو الظُّلْمَةُ الَّتِي في أبْصارِهِمْ مِنَ الجُوعِ، ولَيْسَ الدُّخانُ هو الَّذِي يَغْشاهم.
وبَعْضُ الرِّواياتِ رَكَّبَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثَ الِاسْتِسْقاءِ الَّذِي في الصَّحِيحِ «أنَّ رَجُلًا جاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ والنَّبِيءُ ﷺ يَخْطُبُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الزَّرْعُ والضَّرْعُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يَسْقِيَنا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنا ثَلاثًا، وما يُرى في السَّماءِ قَزَعَةُ سَحابٍ، فَتَلَبَّدَتِ السَّماءُ بِالسَّحابِ وأُمْطِرُوا مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمُعَةِ حَتّى سالَتِ الأوْدِيَةُ وسالَ وادِي قَناةَ شَهْرًا، فَأتاهُ آتٍ الجُمُعَةَ القابِلَةَ هو الأوَّلُ أوْ غَيْرُهُ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فادْعُ اللَّهَ أنْ يُمْسِكَ المَطَرَ عَنّا، فَقالَ اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، فَتَفَرَّقَتِ السُّحُبُ حَتّى صارَتِ المَدِينَةُ في شِبْهِ الإكْلِيلِ مِنَ السَّحابِ» .
والجَمْعُ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ ظاهِرٌ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَحْطَ وقَعَ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ فَهو قَحْطٌ آخَرُ غَيْرُ قَحْطِ قُرَيْشٍ الَّذِي ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ.
ومَعْنى ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أنَّهُ يُحِيطُ بِهِمْ ويَعُمُّهم كَما تُحِيطُ الغاشِيَةُ بِالجَسَدِ، أيْ لا يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ مِن أُولَئِكَ النّاسِ وهُمُ المُشْرِكُونَ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ الدُّخانِ ما أصابَ أبْصارَهم مِن رُؤْيَةٍ مِثْلِ الغَبَرَةِ مِنَ الجُوعِ فالغَشَيانُ مَجازٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ
صفحة ٢٨٩
غُبارَ الحَرْبِ يَوْمَ الفَتْحِ فالغَشَيانُ حَقِيقَةٌ أوْ مَجازٌ مَشْهُورٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غُبارًا مُتَصاعِدًا في الجَوِّ مِن شِدَّةِ الجَفافِ.
وقَوْلُهُ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى تَعْجِيبًا مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ الذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦] . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ النّاسِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِتَقْدِيرِ: يَقُولُونَ: هَذا عَذابٌ ألِيمٌ.
والإشارَةُ في ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ إلى الدُّخانِ المَذْكُورِ آنِفًا، عَدَلَ عَنِ اسْتِحْضارِهِ بِالإضْمارِ وأنْ يُقالَ: هو عَذابٌ ألِيمٌ، إلى اسْتِحْضارِهِ بِالإشارَةِ، لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ كَما تَقُولُ: هَذا الشِّتاءُ قادِمٌ فَأعِدَّ لَهُ.
وقَرِيبٌ مِنهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤] فَإنَّ المَحْكِيَّ مِمّا يَحْصُلُ في الآخِرَةِ.
الدخان 44:12
﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] وجُمْلَةُ ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] فَهي مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ.
وحَمَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها حِكايَةُ قَوْلِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِتَقْدِيرِ يَقُولُونَ: رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، أيْ هو وعْدٌ صادِرٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ يَغْشاهُمُ العَذابُ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ أنْ كُشِفَ عَنْهُمُ العَذابُ (أيْ فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩]، أيْ إنْ دَعَوْتَ رَبَّكَ اتَّبَعْناكَ) ويَكُونُ بِمَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] .
ومِمّا تَسْمَحُ بِهِ تَراكِيبُ الآيَةِ وسِياقُها أنْ يَكُونَ القَوْلُ المَحْذُوفُ مُقَدَّرًا بِفِعْلِ أمْرٍ أيْ قُولُوا لِتَلْقِينِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن أنْ يُصِيبَهم ذَلِكَ العَذابُ إذْ كانُوا
صفحة ٢٩٠
والمُشْرِكِينَ في بَلَدٍ واحِدٍ كَما اسْتَعاذَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ سَيُخْرِجُ المُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ قَبْلَ أنْ يَحُلَّ بِأهْلِها هَذا العَذابُ، فَهَذا التَّلْقِينُ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآياتِ.
وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ دَفْعِ العَذابِ عَنْهم، أيْ إنّا مُتَلَبِّسُونَ بِما يَدْفَعُ عَنّا عَذابَ الكافِرِينَ، وفي تَلْقِينِهِمْ بِذَلِكَ تَنْوِيهٌ بِشَرَفِ الإيمانِ، وأُسْلُوبُ الكَلامِ جارٍ عَلى أنَّ جُمْلَةَ إنّا مُؤْمِنُونَ تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اسْتِعْمالِ حَرْفِ (إنَّ) مِن مَعْنى الإخْبارِ دُونَ الوَعْدِ، ومِنَ التَّعْلِيلِ دُونَ التَّأْكِيدِ، ولِما يَقْتَضِيهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن زَمَنِ الحالِ دُونَ الِاسْتِقْبالِ، ولِأنَّ سِياقَهُ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِتَرَقُّبِ إعانَةِ اللَّهِ إيّاهُ عَلى المُشْرِكِينَ، كَما كانَ يَدْعُو أعْنِي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسِنِي يُوسُفَ فَمُقْتَضى المَقامِ تَأْمِينُهُ مِن أنْ يُصِيبَ العَذابُ المُسْلِمِينَ وفِيهِمُ النَّبِيءُ ﷺ، وظاهِرُ مادَّةِ الكَشْفِ تَقْتَضِي إزالَةَ شَيْءٍ كانَ حاصِلًا في شَيْءٍ إلّا أنَّ الكَشْفَ هُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كانَ مَجازُهُ مُحْتَمِلًا أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في مَنعِ حُصُولٍ يُخْشى حُصُولُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٩٨] فَإنَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمْ يَحُلَّ بِهِمْ عَذابٌ فَزالَ عَنْهم ولَكِنَّهم تُوُعِّدُوا بِهِ فَبادَرُوا بِالإيمانِ فَنَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُ، وقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
لا يَكْشِفُ الغَماءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
أرادَ أنَّهُ يَمْنَعُ العَدُوَّ مِن أنْ يَنالَهم بِسُوءٍ، ومُحْتَمِلًا لِلِاسْتِعْمالِ في زَوالِ شَيْءٍ كانَ حَصَلَ.
ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِن رُواةِ السِّيَرِ والآثارِ أنَّ المُشْرِكِينَ وعَدُوا النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهم يُسْلِمُونَ إنْ أزالَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَحْطَ.
الدخان 44:13
صفحة ٢٩١
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ جَعَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ القائِلِينَ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ تَكْذِيبًا لِوَعْدِهِمْ، أيْ هم لا يَتَذَكَّرُونَ، وكَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وقَدْ جاءَهم ما هو أقْوى دَلالَةً مِنَ العَذابِ وهي دَلائِلُ صَدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وأمّا عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي انْتَزَعْناهُ مِن تَرْكِيبِ الآيَةِ فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وهي كالنَّتِيجَةِ لَها لِأنَّهم إذا كانُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَقَدْ صارُوا بُعَداءَ عَنِ الذِّكْرى.
و(أنّى) اسْمُ اسْتِفْهامٍ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ أمْكِنَةِ حُصُولِ الشَّيْءِ ويَتَوَسَّعُونَ فِيها فَيَجْعَلُونَها اسْتِفْهامًا عَنِ الأحْوالِ بِمَعْنى (كَيْفَ) بِتَنْزِيلِ الأحْوالِ مَنزِلَةَ ظُرُوفٍ في مَكانٍ كَما هُنا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ. والمَعْنى: مِن أيْنَ تَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرى والمَخافَةُ عِنْدَ ظُهُورِ الدُّخانِ المُبِينِ وقَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُها بِطَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي أتاهم بِالتَّذْكِيرِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والإحالَةِ، أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ. فَجُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم في مَوْضِعِ الحالِ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ الذِّكْرى عَلَيْهِ، أيْ مُبِينٌ لَهم ما بِهِ يَتَذَكَّرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”أبانَ“ القاصِرِ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ رَسُولٌ ظاهِرٌ، أيْ ظاهِرَةٌ رِسالَتُهُ عَنِ اللَّهِ بِما تَوَفَّرَ مَعَها مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ.
وإيثارُ ”مُبِينٌ“ بِتَخْفِيفِ الياءِ عَلى (مُبَيِّنٌ) بِالتَّشْدِيدِ مِن نُكَتِ الإعْجازِ لِيُفِيدَ المَعْنَيَيْنِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو تَرَقٍّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ جُمْلَةٌ - كانَتْ جُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها -،
صفحة ٢٩٢
فالمَعْنى: وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ فَشَكُّوا في رِسالَتِهِ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ، فالتَّوَلِّي والطَّعْنُ حَصَلا عِنْدَ حُصُولِ الشَّكِّ واللَّعِبِ، ولِذَلِكَ كانَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا لِتَراخِي الزَّمانِ. ومَعْنى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ هُنا أنَّ التَّوَلِّيَ والبُهْتانَ أفْظَعُ مِنَ الشَّكِّ واللَّعِبِ.
والمُعَلَّمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهم وصَفُوهُ مَرَّةً بِأنَّهُ يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفُوهُ مَرَّةً بِالجُنُونِ، تَنَقُّلًا في البُهْتانِ، أوْ وصَفَهُ فَرِيقٌ بِهَذا وفَرِيقٌ بِذَلِكَ، فالقَوْلُ مُوَزَّعٌ بَيْنَ أصْحابِ ضَمِيرِ ”قالُوا“ أوْ بَيْنَ أوْقاتِ القائِلِينَ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلًا واحِدًا في وقْتٍ واحِدٍ لِأنَّ المَجْنُونَ لا يَكُونُ مُعَلَّمًا ولا يَتَأثَّرُ بِالتَّعْلِيمِ.
الدخان 44:14
صفحة ٢٩١
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ جَعَلَها جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ القائِلِينَ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ تَكْذِيبًا لِوَعْدِهِمْ، أيْ هم لا يَتَذَكَّرُونَ، وكَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وقَدْ جاءَهم ما هو أقْوى دَلالَةً مِنَ العَذابِ وهي دَلائِلُ صَدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وأمّا عَلى التَّأْوِيلِ الَّذِي انْتَزَعْناهُ مِن تَرْكِيبِ الآيَةِ فَهي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وهي كالنَّتِيجَةِ لَها لِأنَّهم إذا كانُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَقَدْ صارُوا بُعَداءَ عَنِ الذِّكْرى.
و(أنّى) اسْمُ اسْتِفْهامٍ أصْلُهُ اسْتِفْهامٌ عَنْ أمْكِنَةِ حُصُولِ الشَّيْءِ ويَتَوَسَّعُونَ فِيها فَيَجْعَلُونَها اسْتِفْهامًا عَنِ الأحْوالِ بِمَعْنى (كَيْفَ) بِتَنْزِيلِ الأحْوالِ مَنزِلَةَ ظُرُوفٍ في مَكانٍ كَما هُنا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ. والمَعْنى: مِن أيْنَ تَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرى والمَخافَةُ عِنْدَ ظُهُورِ الدُّخانِ المُبِينِ وقَدْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ طُرُقُها بِطَعْنِهِمْ في الرَّسُولِ ﷺ الَّذِي أتاهم بِالتَّذْكِيرِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والإحالَةِ، أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ وهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ. فَجُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم في مَوْضِعِ الحالِ.
و”مُبِينٌ“ اسْمُ فاعِلٍ إمّا مِن أبانَ المُتَعَدِّي، وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِدَلالَةِ الذِّكْرى عَلَيْهِ، أيْ مُبِينٌ لَهم ما بِهِ يَتَذَكَّرُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”أبانَ“ القاصِرِ الَّذِي هو بِمَعْنى بانَ، أيْ رَسُولٌ ظاهِرٌ، أيْ ظاهِرَةٌ رِسالَتُهُ عَنِ اللَّهِ بِما تَوَفَّرَ مَعَها مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ.
وإيثارُ ”مُبِينٌ“ بِتَخْفِيفِ الياءِ عَلى (مُبَيِّنٌ) بِالتَّشْدِيدِ مِن نُكَتِ الإعْجازِ لِيُفِيدَ المَعْنَيَيْنِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو تَرَقٍّ مِن مَفادِ قَوْلِهِ بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ الَّذِي اتَّصَلَتْ بِهِ جُمْلَةٌ - كانَتْ جُمْلَةُ وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ مِن مُتَعَلِّقاتِها -،
صفحة ٢٩٢
فالمَعْنى: وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ فَشَكُّوا في رِسالَتِهِ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وطَعَنُوا فِيهِ، فالتَّوَلِّي والطَّعْنُ حَصَلا عِنْدَ حُصُولِ الشَّكِّ واللَّعِبِ، ولِذَلِكَ كانَتْ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لا لِتَراخِي الزَّمانِ. ومَعْنى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ هُنا أنَّ التَّوَلِّيَ والبُهْتانَ أفْظَعُ مِنَ الشَّكِّ واللَّعِبِ.
والمُعَلَّمُ الَّذِي يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والمَعْنى: أنَّهم وصَفُوهُ مَرَّةً بِأنَّهُ يُعَلِّمُهُ غَيْرُهُ، ووَصَفُوهُ مَرَّةً بِالجُنُونِ، تَنَقُّلًا في البُهْتانِ، أوْ وصَفَهُ فَرِيقٌ بِهَذا وفَرِيقٌ بِذَلِكَ، فالقَوْلُ مُوَزَّعٌ بَيْنَ أصْحابِ ضَمِيرِ ”قالُوا“ أوْ بَيْنَ أوْقاتِ القائِلِينَ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلًا واحِدًا في وقْتٍ واحِدٍ لِأنَّ المَجْنُونَ لا يَكُونُ مُعَلَّمًا ولا يَتَأثَّرُ بِالتَّعْلِيمِ.
الدخان 44:15
﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ يَجِيءُ عَلى ما فَسَّرَ بِهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ قَوْلُهُ رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ، أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ جَوابٌ لِسُؤالِهِمْ، ويَجِيءُ عَلى ما دَرَجْنا عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ إعْلامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ يَكْشِفَ العَذابَ المُتَوَعَّدَ بِهِ المُشْرِكُونَ مُدَّةً، فَيَعُودُونَ إلى ما كانُوا فِيهِ، وعَلَيْهِ فَضَمِيرُ إنَّكم عائِدُونَ التِفاتٌ إلى خِطابِ المُشْرِكِينَ، أيْ يُمْسِكُونَ عَنْ ذَلِكَ مُدَّةً وهي المُدَّةُ الَّتِي أرْسَلُوا فِيها وفْدَهم إلى المَدِينَةِ لِيَسْألَ الرَّسُولُ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ القَحْطِ عَنْهم فَإنَّهم أيّامَئِذٍ يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعْنِ والذَّمِّ رَجاءَ أنْ يَدْعُوَ لَهم ثُمَّ يَعُودُونَ لِما كانُوا فِيهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨] كَما اقْتَضى أنَّ العَذابَ عائِدٌ إلَيْهِمْ بَعْدَ عَوْدَتِهِمْ إلى ما كانُوا فِيهِ مِن أسْبابِ إصابَتِهِمْ بِالعَذابِ.
فَمَعْنى ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ﴾: إنّا كاشِفُوهُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ المُقْتَضِي أنَّهُ يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ، والآيَةُ
صفحة ٢٩٣
مُتَّصِلٌ بَعْضُها بِبَعْضٍ وكَذَلِكَ مَعْنى إنَّكم عائِدُونَ، أيْ في المُسْتَقْبَلِ. واسْمُ الفاعِلِ يَكُونُ مُرادًا بِهِ الحُصُولُ في المُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ.
رُوِيَ أنَّهم كُشِفَ عَنْهُمُ القَحْطُ بَعْدَ اسْتِسْقاءِ النَّبِيءِ ﷺ، فَحَيَوْا وحَيِيَتْ أنْعامُهم ثُمَّ عادُوا فَعاوَدَهُمُ القَحْطُ كَمالَ سَبْعِ سِنِينَ، ولَعَلَّها عَقِبَها فَتْحُ مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم عائِدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّهم إذا سَمِعُوا إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا تَطَلَّعُوا إلى ما سَيَكُونُ بَعْدَ كَشْفِهِ، وتَطَلَّعَ المُؤْمِنُونَ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ حالُ المُشْرِكِينَ بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ هَلْ يُقْلِعُونَ عَنِ الطَّعْنِ فَكانَ قَوْلُهُ إنَّكم عائِدُونَ مُبَيِّنًا لِما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ.
الدخان 44:16
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾
هَذا هو الِانْتِقامُ الَّذِي وُعِدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وتُوُعِّدَ بِهِ أيِمَّةُ الكُفْرِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنّا كاشِفُوا العَذابِ قَلِيلًا إنَّكم عائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فَإنَّ السّامِعَ يُثارُ في نَفْسِهِ سُؤالٌ عَنْ جَزائِهِمْ حَيْثُ يَعُودُونَ إلى التَّوَلِّي والطَّعْنِ فَأُجِيبَ بِأنَّ الِانْتِقامَ مِنهم هو البَطْشَةُ الكُبْرى، وهي الِانْتِقامُ التّامُّ، ولِأجْلِ هَذا التَّطَلُّعِ والتَّساؤُلِ أُكِّدا بِخَبَرٍ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ دَفْعًا لِلتَّرَدُّدِ.
وأصْلُ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ: إنّا مُنْتَقِمُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى، فَـ ”يَوْمَ“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ لِاسْمِ الفاعِلِ وهو مُنْتَقِمُونَ.
وتَقَدَّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِتَهْوِيلِهِ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا التَّعْلِيقِ أنَّ العامِلَ في الظَّرْفِ خَبَرٌ عَنْ (إنَّ) بِناءً عَلى الشّائِعِ مِن كَلامِ النُّحاةِ أنَّ ما بَعْدَ (إنَّ) لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها فَإنَّ الظُّرُوفَ ونَحْوَها يُتَوَسَّعُ فِيها.
والبَطْشَةُ الكُبْرى: هي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ فَإنَّ ما أصابَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كانَ بَطْشَةً بِالشِّرْكِ وأهْلِهِ لِأنَّهم فَقَدُوا سادَتَهم وذَوِي الرَّأْيِ مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا يُسَيِّرُونَ أهْلَ مَكَّةَ كَما يُرِيدُونَ.
صفحة ٢٩٤
والبَطْشَةُ: واحِدَةُ البَطْشِ وهو: الأخْذُ الشَّدِيدُ بِعُنْفٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها في سُورَةِ الأعْرافِ.
الدخان 44:17
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾
جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.
صفحة ٢٩٥
والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.
ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.
وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.
ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.
و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ
صفحة ٢٩٦
عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:
أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.
وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.
و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ
صفحة ٢٩٧
المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.
والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.
والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.
و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:
قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .
صفحة ٢٩٨
وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .
والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.
وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.
وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.
الدخان 44:18
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾
جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.
صفحة ٢٩٥
والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.
ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.
وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.
ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.
و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ
صفحة ٢٩٦
عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:
أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.
وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.
و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ
صفحة ٢٩٧
المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.
والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.
والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.
و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:
قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .
صفحة ٢٩٨
وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .
والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.
وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.
وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.
الدخان 44:19
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾
جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.
صفحة ٢٩٥
والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.
ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.
وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.
ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.
و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ
صفحة ٢٩٦
عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:
أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.
وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.
و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ
صفحة ٢٩٧
المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.
والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.
والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.
و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:
قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .
صفحة ٢٩٨
وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .
والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.
وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.
وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.
الدخان 44:20
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾
جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.
صفحة ٢٩٥
والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.
ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.
وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.
ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.
و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ
صفحة ٢٩٦
عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:
أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.
وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.
و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ
صفحة ٢٩٧
المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.
والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.
والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.
و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:
قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .
صفحة ٢٩٨
وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .
والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.
وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.
وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.
الدخان 44:21
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّيَ آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾
جَعَلَ اللَّهُ قِصَّةَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَلَّ بِهِمْ إنْذارًا بِما سَيَحِلُّ بِالمُشْرِكِينَ مِنَ القَحْطِ والبَطْشَةِ مَعَ تَقْرِيبِ حُصُولِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ ويُسْرِهِ وإنْ كانُوا في حالَةِ قُوَّةٍ فَإنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا فَذِكْرُها هُنا تَأْيِيدٌ لِلنَّبِيءِ ووَعْدٌ لَهُ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ العاقِبَةِ، وتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ.
وهَذا المَثَلُ وإنْ كانَ تَشْبِيهًا لِمَجْمُوعِ الحالَةِ بِالحالَةِ فَهو قابِلٌ لِلتَّوْزِيعِ بِأنْ يُشَبَّهَ أبُو جَهْلٍ بِفِرْعَوْنَ، ويُشَبَّهَ أتْباعُهُ بِمَلَأِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أوْ يُشَبَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُشَبَّهُ المُسْلِمُونَ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وقَبُولُ المَثَلِ لِتَوْزِيعِ التَّشْبِيهِ مِن مَحاسِنِهِ.
ومَوْقِعُ جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعَ الحالِ فَتَكُونُ الواوُ لِلْحالِ وهي حالٌ مِن ضَمِيرِ إنّا مُنْتَقِمُونَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ إنّا مُنْتَقِمُونَ، أيْ مُنْتَقِمُونَ مِنهم في المُسْتَقْبَلِ وانْتَقَمْنا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فِيما مَضى.
وأشْعَرَ قَوْلُهُ قَبْلَهم أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَيُفْتَنُونَ كَما فُتِنَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، فَكانَ هَذا الظَّرْفُ مُؤْذِنًا بِجُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، والتَّقْدِيرُ: إنّا مُنْتَقِمُونَ فَفاتِنُوهم فَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ، ومُؤْذِنًا بِأنَّ المَذْكُورَ كالدَّلِيلِ عَلى تَوَقُّعِ ذَلِكَ وإمْكانِهِ وهو إيجازٌ آخَرُ.
صفحة ٢٩٥
والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ ولَكِنْ عُدِلَ عَنْ صَوْغِ الكَلامِ بِصِيغَةِ التَّشْبِيهِ والتَّمْثِيلِ إلى صَوْغِهِ بِصِيغَةِ الإخْبارِ اهْتِمامًا بِالقِصَّةِ وإظْهارًا بِأنَّها في ذاتِها مِمّا يَهِمُّ العِلْمُ بِهِ، وأنَّها تَذْكِيرٌ مُسْتَقِلٌّ وأنَّها غَيْرُ تابِعَةٍ غَيْرَها.
ولِأنَّ جُمْلَةَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ فَتَنّا أيْ ولَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ، عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، وإنَّما جاءَ مَعْطُوفًا إذِ المَذْكُورُ فِيهِ أكْثَرُ مِن مَعْنى الفِتْنَةِ، فَلا تَكُونُ جُمْلَةً وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”فَتَنّا“ بَلْ هي تَفْصِيلٌ لِقِصَّةِ بَعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفَتْنُ: الإيقاعُ في اخْتِلالِ الأحْوالِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والرَّسُولُ الكَرِيمُ: مُوسى، والكِرِيمُ: النَّفِيسُ الفائِقُ في صِنْفِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ، أيْ رَسُولٌ مِن خِيرَةِ الرُّسُلِ أوْ مِن خِيرَةِ النّاسِ.
وأنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تَفْسِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولٌ“ وفِعْلُ جاءَهم مِن مَعْنى الرِّسالَةِ والتَّبْلِيغِ فَفِيهِما مَعْنى القَوْلِ.
ومَعْنى أدُّوا إلَيَّ أرْجِعُوا إلَيَّ وأعْطُوا قالَ تَعالى ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ، يُقالُ: أدّى الشَّيْءَ أوْصَلَهُ وأبْلَغَهُ. وهَمْزَةُ الفِعْلِ أصْلِيَّةٌ وهو مُضاعَفُ العَيْنِ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ سالِمٌ غَيْرُ مُضاعَفٍ، جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ كالأمانَةِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ.
وخِطابُ الجَمْعِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ. والمُرادُ: فِرْعَوْنُ ومَن حَضَرَ مِن مَلَئِهِ لَعَلَّهم يُشِيرُونَ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحَقِّ، ولَعَلَّهُ إنَّما خاطَبَ مَجْمُوعَ المَلَأِ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ صَلَفًا وتَكَبُّرًا مِنَ الِامْتِثالِ، فَخاطَبَ أهْلَ مَشُورَتِهِ لَعَلَّ فِيهِمْ مَن يَتَبَصَّرُ الحَقَّ.
و”عِبادَ اللَّهِ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ”أدُّوا“ مُرادًا بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، أُجْرِيَ وصْفُهم عِبادَ اللَّهِ تَذْكِيرًا لِفِرْعَوْنَ بِمُوجَبِ رَفْعِ الِاسْتِعْبادِ عَنْهم، وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ فَحَصَلَ أنَّهُ وصَفَهم بِالوَصْفَتَيْنِ، فَوَصْفُ
صفحة ٢٩٦
عِبادَ اللَّهِ مُبْطِلٌ لِحُسْبانِ القِبْطِ إيّاهم عَبِيدًا كَما قالَ وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ وإنَّما هم عِبادُ اللَّهِ، أيْ أحْرارٌ فَعِبادُ اللَّهِ كِنايَةٌ عَنِ الحُرِّيَّةِ كَقَوْلِ بِشارٍ يُخاطِبُ نَفْسَهُ:
أصْبَحْتَ مَوْلى ذِي الجَلالِ وبَعْضُهم مَوْلى العَبِيدِ فَلُذْ بِفَضْلِكَ وافْخَرِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ فِعْلِ أدُّوا مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ أدَّوْا إلَيَّ الطّاعَةَ ويَكُونُ عِبادَ اللَّهِ مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى فِرْعَوْنُ أنْ يُؤْمِنَ ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِتَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ إلَيْهِ، أيْ لِأنِّي مُرْسِلٌ إلَيْكم بِهَذا، وأنا أمِينٌ، أيْ مُؤْتَمَنٌ عَلى أنِّي رَسُولٌ لَكم.
وتَقْدِيمُ لَكم عَلى رَسُولٍ لِلِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ الإرْسالِ بِأنَّهُ لَهُمُ ابْتِداءً بِأنْ يُعْطُوهُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِن إرْسالِهِ لِتَحْرِيرِ أُمَّةِ إسْرائِيلَ والتَّشْرِيعِ لَها، ولَيْسَ قَوْلُهُ لَكم خِطابًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ مُوسى قَدْ أبْلَغَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ رِسالَتَهُ مَعَ التَّبْلِيغِ إلى فِرْعَوْنَ قالَ تَعالى ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، ولِيَكُونَ امْتِناعُ فِرْعَوْنَ مِن تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ مُبَرِّرًا لِانْسِلاخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طاعَةِ فِرْعَوْنَ وفِرارِهِمْ مِن بِلادِهِ.
وعَطَفَ عَلى طَلَبِ تَسْلِيمِ بَنِي إسْرائِيلَ نَهْيًا عَنِ الِاسْتِكْبارِ عَنْ إجابَةِ أمْرِ اللَّهِ أنَفَةً مِنَ الحَطِّ مِن عَظَمَتِهِ في أنْظارِ قَوْمِهِمْ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ أيْ لا تَعْلُوا عَلى أمْرِهِ أوْ عَلى رَسُولِهِ فَلَمّا كانَ الِاعْتِلاءُ عَلى أمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رَسُولِهِ تَرْفِيعًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى واجِبِ امْتِثالِ رَبِّهِمْ جَعَلُوا في ذَلِكَ كَأنَّهم يَتَعالَوْنَ عَلى اللَّهِ.
و﴿وأنْ لا تَعْلُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ لِمَدْلُولِ الرِّسالَةِ. و(لا) ناهِيَةٌ، وفِعْلُ ”تَعْلُوا“ مَجْزُومٌ بِـ (لا) النّاهِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ عِلَّةٌ جَدِيرَةٌ بِالعَوْدِ إلى الجُمَلِ الثَّلاثَةِ
صفحة ٢٩٧
المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾، ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾، ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ لِأنَّ المُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلى تَحَقُّقِ مَضامِينِ تِلْكَ الجُمَلِ مَعْلُولِها وعِلَّتِها.
والسُّلْطانُ مِن أسْماءِ الحُجَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾ [يونس: ٦٨] فالحُجَّةٌ تُلْجِئُ المَحْجُوجَ عَلى الإقْرارِ لِمَن يُحاجُّهُ فَهي كالمُتَسَلِّطِ عَلى نَفْسِهِ.
والمُعْجِزَةُ: حُجَّةٌ عَظِيمَةٌ ولِذَلِكَ وصِفَ السُّلْطانُ بِـ ”مُبِينٍ“، أيْ واضِحِ الدَّلالَةِ لا رَيْبَ فِيهِ. وهَذِهِ المُعْجِزَةُ هي انْقِلابُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا.
و”آتِيكم“ مُضارِعٌ أوِ اسْمُ فاعِلِ (أتى) . وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مُقْتَضٍ لِلْإتْيانِ بِالحُجَّةِ في الحالِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ فَإنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِمّا شَمِلَهُ كَلامُهُ حِينَ تَبْلِيغِ رِسالَتِهِ فَكانَ داخِلًا في مُجْمَلِ مَعْنى ﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ المُفَسَّرِ بِما بَعْدَ (أنْ) التَّفْسِيرِيَّةِ.
ومَعْناهُ: تَحْذِيرُهم مِن أنْ يَرْجُمُوهُ لِأنَّ مَعْنى ﴿عُذْتُ بِرَبِّي﴾ جَعَلْتُ رَبِّي عَوْذًا، أيْ مَلْجَأً. والكَلامُ عَلى الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهِ التَّذْكِيرِ بِخَوْفِ اللَّهِ الَّذِي يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِ بِالِالتِجاءِ إلى حِصْنٍ أوْ مَعْقِلٍ بِجامِعِ السَّلامَةِ مِنَ الِاعْتِداءِ. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]، وقالَ أحَدُ رُجّازِ العَرَبِ:
قالَتْ وفِيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ∗∗∗ عَوْذٌ بِرَبِّي مِنكُمُ وحِجْرُ
والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّي ورَبِّكم لِأنَّهُ أُدْخِلَ في ارْعِوائِهِمْ مِن رَجْمِهِ حِينَ يَتَذَكَّرُونَ أنَّهُ اسْتَعْصَمَ بِاللَّهِ الَّذِي يَشْتَرِكُونَ في مَرْبُوبِيَّتِهِ، وأنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِهِ.
والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ تِباعًا حَتّى يَمُوتَ المَرْمِيُّ أوْ يُثْخِنَهُ الجِراحُ. والقَصْدُ مِنهُ تَحْقِيرُ المَقْتُولِ لِأنَّهم كانُوا يَرْمُونَ بِالحِجارَةِ مَن يَطْرُدُونَهُ، قالَ ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] .
صفحة ٢٩٨
وإنَّما اسْتَعاذَ مُوسى مِنهُ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عادَتَهم عِقابُ مَن يُخالِفُ دِينَهم بِالقَتْلِ رَمْيًا بِالحِجارَةِ. وجاءَ في سُورَةِ القَصَصِ ﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٤] . ومَعْنى ذَلِكَ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِما جِئْتُ بِهِ فَلا تَقْتُلُونِي، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ .
والمَعْنى: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِالمُعْجِزَةِ الَّتِي آتِيكم بِها فَلا تَرْجُمُونِي فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أنْ تَرْجُمُونِي ولَكِنِ اعْتَزِلُونِي فَكُونُوا غَيْرَ مُوالِينَ لِي وأكُونُ مَعَ قَوْمِي بَنِي إسْرائِيلَ، فالتَّقْدِيرُ: فاعْتَزِلُونِي وأعْتَزِلُكم لِأنَّ الِاعْتِزالَ لا يَتَحَقَّقُ إلّا مِن جانِبَيْنِ.
وجِيءَ في شَرْطِ ﴿إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي﴾ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّتِي شَأْنُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الشَّرْطِ غَيْرِ المُتَيَقَّنِ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ دِلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِهِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ غَيْرَ واقِعٍ فَيُفْرَضَ عَدَمُهُ كَما يُفْرَضُ المُحالُ. ولَعَلَّهُ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ، أوْ أرادَ: فاعْتَزِلُونِي زَمَنًا، يَعْنِي إلى أنْ يُعَيِّنَ لَهُ اللَّهُ زَمَنَ الخُرُوجِ.
وعُدِّيَ تُؤْمِنُوا بِاللّامِ لِأنَّهُ يُقالُ: آمَنَ بِهِ وآمَنَ لَهُ، قالَ تَعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وأصْلُ هَذِهِ اللّامِ لامُ العِلَّةِ عَلى تَضْمِينِ فِعْلِ الإيمانِ مَعْنى الرُّكُونِ.
وقَدْ جاءَ تَرْتِيبُ فَواصِلِ هَذا الخِطابِ عَلى مُراعاةِ ما يَبْدُو مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ عِنْدَ إلْقاءِ مُوسى دَعْوَتَهُ عَلَيْهِمْ إذِ ابْتَدَأ بِإبْلاغِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ فَآنَسَ مِنهُمُ التَّعَجُّبَ والتَّرَدُّدَ فَقالَ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ فَرَأى مِنهُمُ الصَّلَفَ والأنَفَةَ فَقالَ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ فَلَمْ يَرْعَوْا فَقالَ ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، فَلاحَتْ عَلَيْهِمْ عَلاماتُ إضْمارِ السُّوءِ لَهُ فَقالَ ﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾، فَكانَ هَذا التَّرْتِيبُ بَيْنَ الجُمَلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ ما أجابُوا بِهِ عَلى أبْدَعِ إيجازٍ.
الدخان 44:22
﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾
التَّعْقِيبُ المُفادُ بِالفاءِ تَعْقِيبٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِي هَذا الدُّعاءَ إذْ لَيْسَ في المَذْكُورِ قَبْلَ الفاءِ ما يُناسِبُهُ التَّعْقِيبُ بِهَذا الدُّعاءِ إذِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ كَلامٌ مِن مُوسى
صفحة ٢٩٩
إلَيْهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ فِيما أمَرَهم، أوْ فَأصَرُّوا عَلى أذاهُ وعَدَمِ مُتارَكَتِهِ فَدَعا رَبَّهُ، وهَذا التَّقْرِيرُ الثّانِي ألْيَقُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا﴾ [الزخرف: ٨٨] . وهَذا كالتَّعْقِيبِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ اتَّفَقَ القُرّاءُ العَشَرَةُ عَلى قِراءَتِهِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وشَدِّ النُّونِ فَما بَعْدَها في قُوَّةِ المَصْدَرِ، فَلِذَلِكَ تُقَدَّرُ الباءُ الَّتِي يَتَعَدّى بِها فِعْلُ (دَعا)، أيْ دَعا رَبَّهُ بِما يَجْمَعُهُ هَذا التَّرْكِيبُ المُسْتَعْمَلُ في التَّعْرِيضِ بِأنَّهُمُ اسْتَوْجَبُوا تَسْلِيطَ العِقابِ الَّذِي يَدْعُو بِهِ الدّاعِي، فالإخْبارُ عَنْ كَوْنِهِمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ المُجازاةِ عَلى الإجْرامِ أوْ في الشِّكايَةِ مِنِ اعْتِدائِهِمْ، أوْ في التَّخَوُّفِ مِن شَرِّهِمْ إذا اسْتَمَرُّوا عَلى عَدَمِ تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الدُّعاءَ لِكَفِّ شَرِّهِمْ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى هَذا الخَبَرِ فِعْلُ (دَعا) .
الدخان 44:23
﴿فاسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] . والمُفَرَّعُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الكَلامِ، أيْ فَدَعا فَقُلْنا: أسْرِ بِعِبادِي.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (فاسْرِ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن (سَرى)، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مِن (أسْرى) يُقالُ: سَرى وأسْرى. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] فَتَقْيِيدُهُ بِزَمانِ اللَّيْلِ هَنا نَظِيرُ تَقْيِيدِهِ في سُورَةِ الإسْراءِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ مَعْنى الإسْراءِ بِأنَّهُ حَقِيقَةٌ ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في التَّبْكِيرِ بِناءً عَلى أنَّ المُتَعارَفَ في الرَّحِيلِ أنْ يَكُونَ فَجْرًا.
وفائِدَةُ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن سَعَةِ الوَقْتِ ما يَبْلُغُونَ بِهِ إلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تُقَيِّدُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ لَيْلًا لِأنَّهُ مِمّا يُسْتَغْرَبُ، أيْ إنَّكم مُتَّبَعُونَ فَأرَدْنا أنْ تَقْطَعُوا مَسافَةً يَتَعَذَّرُ عَلى فِرْعَوْنَ لَحاقُكم.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ غَيْرِ السّائِلِ مَنزِلَةَ السّائِلِ إذا قُدِّمَ إلَيْهِ ما يُلَوِّحُ لَهُ
صفحة ٣٠٠
بِالخَبَرِ فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرافَ المُتَرَدِّدِ السّائِلِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .
وأُسْنِدَ الِاتِّباعُ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الَّذِي سَيَتْبَعُهم هو فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ.
الدخان 44:24
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا﴾ [الدخان: ٢٣] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَتانِ صَدَرَتا مُتَّصِلَتَيْنِ بِأنْ أعْلَمَ اللَّهُ مُوسى حِينَ أمْرَهُ بِالإسْراءِ بِأنَّهُ يَضْرِبُ البَحْرَ بِعَصاهُ فَيَنْفَلِقُ عَنْ قَعْرِهِ اليابِسِ حَتّى يَمُرَّ مِنهُ بَنُو إسْرائِيلَ كَما ورَدَ في آياتٍ أُخْرى مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ. ولَمّا أمَرَهُ بِذَلِكَ طَمَّنَهُ بِأنْ لا يَخْشى بَقاءَهُ مُنْفَلِقًا فَيَتَوَقَّعَ أنْ يَلْحَقَ بِهِ فِرْعَوْنُ بَلْ يَجْتازُ البَحْرَ ويَتْرُكُهُ فَإنَّهُ سَيَطْغى عَلى فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ فَيَغْرَقُونَ، فَفي الكَلامِ إيجازٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا سَرَيْتَ بِعِبادِي فَسَنَفْتَحُ لَكُمُ البَحْرَ فَتَسْلُكُونَهُ فَإذا سَلَكْتَهُ فَلا تَخْشَ أنْ يَلْحَقَكم فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ واتْرُكْهُ فَإنَّهم مُغْرَقُونَ فِيهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ صَدَرَتْ وقْتَ دُخُولِ مُوسى ومَن مَعَهُ في طَرائِقَ البَحْرِ فَيُقَدَّرُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، أيْ وقُلْنا لَهُ: اتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا، أيْ سَيَدْخُلُهُ فِرْعَوْنُ وجُنْدُهُ ولا يَخْرُجُونَ مِنهُ لِأنَّ في بَقائِهِ مَفْرُوقًا حِكْمَةً أُخْرى وهي دُخُولُ فِرْعَوْنَ وجُنْدِهِ في طَرائِقِهِ طَمَعًا مِنهم أنْ يَلْحَقُوا مُوسى وقَوْمَهُ، حَتّى إذا تَوَسَّطُوهُ انْضَمَّ عَلَيْهِمْ، فَتَحْصُلُ فائِدَةُ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفائِدَةُ إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، فَتَكُونُ الواوُ عاطِفَةً قَوْلًا مَحْذُوفًا عَلى القَوْلِ المَحْذُوفِ قَبْلَهُ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فالتَّرْكُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في عَدَمِ المُبالاةِ بِالشَّيْءِ كَما يُقالُ: دَعْهُ يَفْعَلْ كَذا، وذَرْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقالَتْ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِ يكَرِبَ:
ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمٌ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرِ المَطْعَمِ
والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ المُسَمّى اليَوْمَ البَحْرُ الأحْمَرُ.
صفحة ٣٠١
والرَّهْوُ: الفَجْوَةُ الواسِعَةُ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ رَها، إذا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَسُمِّيَتِ الفَجْوَةُ رَهْوًا تَسْمِيَةً بِالمَصْدَرِ، وانْتَصَبَ رَهْوًا عَلى الحالِ مِنَ البَحْرِ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مِثْلُ رَهْوٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ ناشِئٍ عَنِ الأمْرِ بِتَرْكِ البَحْرِ مَفْتُوحًا، وضَمِيرُ ”إنَّهم“ عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] والجُنْدُ: القَوْمُ والأُمَّةُ وعَسْكَرُ المَلِكِ.
وإقْحامُ لِفَظِ (جُنْدٌ) دُونَ الِاقْتِصارِ عَلى مُغْرَقُونَ لِإفادَةِ أنَّ إغْراقَهم قَدْ لَزِمَهم حَتّى صارَ كَأنَّهُ مِن مُقَوِّماتِ عِنْدِيَّتِهِمْ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الدخان 44:25
﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان: ٢٨]
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِلْعِبْرَةِ بِعَواقِبِ الظّالِمِينَ المَغْرُورِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ، غُرُورًا أنْساهم مُراقَبَةَ اللَّهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذا الِاسْتِئْنافِ مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوِ البَيانِ مِنَ الإجْمالِ لِما في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] مِنَ التَّنْظِيرِ الإجْمالِيِّ.
وضَمِيرُ تَرَكُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] .
والتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: إلْقاءُ شَيْءٍ في مَكانٍ مُتَنَقِّلٍ عَنْهُ إبْقاءً اخْتِيارِيًّا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مُفارَقَةِ المَكانِ والشَّيْءِ الَّذِي في مَكانِ غَلَبَةٍ دُونَ اخْتِيارٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ يُقالُ: تَرَكَ المَيِّتُ مالًا، ومِنهُ سُمِّي مُخَلَّفُ المَيِّتِ تَرِكَةً وهو هُنا مِن هَذا القَبِيلِ.
وفِعْلُ ”تَرَكُوا“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم أُغْرِقُوا وأُعْدِمُوا، وذَلِكَ مُقْتَضى أنَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسى مِنَ الإسْراءِ بِبَنِي إسْرائِيلَ وما مَعَهُ مِنِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ إيّاهم وانْفِلاقِ البَحْرِ
صفحة ٣٠٢
وإزْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ واقْتِحامِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ البَحْرَ، وانْضِمامِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ”كَمْ تَرَكُوا“ .
و(كَمْ) اسْمٌ لِعَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ نَوْعَهُ مُمَيَّزٌ بَعْدَ (كَمْ) مَجْرُورٌ بِـ (مِن) مَذْكُورَةٍ أوْ مَحْذُوفَةٍ.
وحُكْمُ (كَمْ) كالأسْماءِ تَكُونُ عَلى حَسَبِ العَوامِلِ. وإذْ كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ لِأنَّها في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ فَلا تَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ولا خَبَرَ (كانَ) ولا (إنَّ) وإذا كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْأفْعالِ وجَبَ تَقْدِيمُها عَلى عامِلِها.
وانْتَصَبَ (كَمْ) هُنا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِن جَنّاتٍ. و(مِن) مُمَيِّزَةٌ لِمُبْهَمِ العَدَدِ في (كَمْ) .
والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ، والقِيامُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ المَكانِ.
والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ أنْفَسُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ بِهِ: المَساكِنُ والدِّيارُ والأسْواقُ ونَحْوُها مِمّا كانَ لَهم في مَدِينَةِ (مَنفِسِينَ) .
والنَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ مَصُوغٌ عَلى وزْنَةِ المَرَّةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَرَّةَ بَلْ مُطْلَقُ المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَجْمُوعَ أحْوالِ النَّعِيمِ صارَ كالشَّيْءِ الواحِدِ وهو أبْلَغُ وأجْمَعُ في تَصْوِيرِ مَعْنى المَصْدَرِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِفِعْلِ تَرَكُوا لِأنَّ المَتْرُوكَ هو أشْخاصُ الأُمُورِ الَّتِي يُنْعَمُ بِها ولَيْسَ المَتْرُوكُ وهو المَعْنى المَصْدَرِيُّ.
و”فاكِهِينَ“ مُتَّصِفِينَ بِالفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ وهي اللَّعِبُ والمَزْحُ، أيْ كانُوا مَغْمُورِينَ في النِّعْمَةِ لاعِبِينَ في تِلْكَ النِّعْمَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهِينَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”فَكِهِينَ“ بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ راجِعٌ لِفِعْلِ ”تَرَكُوا“ . والتَّقْدِيرُ: تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِ.
والإشارَةُ إلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ ومَعْنى الكافِ، وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ.
الدخان 44:26
﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان: ٢٨]
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِلْعِبْرَةِ بِعَواقِبِ الظّالِمِينَ المَغْرُورِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ، غُرُورًا أنْساهم مُراقَبَةَ اللَّهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذا الِاسْتِئْنافِ مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوِ البَيانِ مِنَ الإجْمالِ لِما في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] مِنَ التَّنْظِيرِ الإجْمالِيِّ.
وضَمِيرُ تَرَكُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] .
والتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: إلْقاءُ شَيْءٍ في مَكانٍ مُتَنَقِّلٍ عَنْهُ إبْقاءً اخْتِيارِيًّا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مُفارَقَةِ المَكانِ والشَّيْءِ الَّذِي في مَكانِ غَلَبَةٍ دُونَ اخْتِيارٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ يُقالُ: تَرَكَ المَيِّتُ مالًا، ومِنهُ سُمِّي مُخَلَّفُ المَيِّتِ تَرِكَةً وهو هُنا مِن هَذا القَبِيلِ.
وفِعْلُ ”تَرَكُوا“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم أُغْرِقُوا وأُعْدِمُوا، وذَلِكَ مُقْتَضى أنَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسى مِنَ الإسْراءِ بِبَنِي إسْرائِيلَ وما مَعَهُ مِنِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ إيّاهم وانْفِلاقِ البَحْرِ
صفحة ٣٠٢
وإزْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ واقْتِحامِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ البَحْرَ، وانْضِمامِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ”كَمْ تَرَكُوا“ .
و(كَمْ) اسْمٌ لِعَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ نَوْعَهُ مُمَيَّزٌ بَعْدَ (كَمْ) مَجْرُورٌ بِـ (مِن) مَذْكُورَةٍ أوْ مَحْذُوفَةٍ.
وحُكْمُ (كَمْ) كالأسْماءِ تَكُونُ عَلى حَسَبِ العَوامِلِ. وإذْ كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ لِأنَّها في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ فَلا تَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ولا خَبَرَ (كانَ) ولا (إنَّ) وإذا كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْأفْعالِ وجَبَ تَقْدِيمُها عَلى عامِلِها.
وانْتَصَبَ (كَمْ) هُنا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِن جَنّاتٍ. و(مِن) مُمَيِّزَةٌ لِمُبْهَمِ العَدَدِ في (كَمْ) .
والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ، والقِيامُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ المَكانِ.
والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ أنْفَسُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ بِهِ: المَساكِنُ والدِّيارُ والأسْواقُ ونَحْوُها مِمّا كانَ لَهم في مَدِينَةِ (مَنفِسِينَ) .
والنَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ مَصُوغٌ عَلى وزْنَةِ المَرَّةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَرَّةَ بَلْ مُطْلَقُ المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَجْمُوعَ أحْوالِ النَّعِيمِ صارَ كالشَّيْءِ الواحِدِ وهو أبْلَغُ وأجْمَعُ في تَصْوِيرِ مَعْنى المَصْدَرِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِفِعْلِ تَرَكُوا لِأنَّ المَتْرُوكَ هو أشْخاصُ الأُمُورِ الَّتِي يُنْعَمُ بِها ولَيْسَ المَتْرُوكُ وهو المَعْنى المَصْدَرِيُّ.
و”فاكِهِينَ“ مُتَّصِفِينَ بِالفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ وهي اللَّعِبُ والمَزْحُ، أيْ كانُوا مَغْمُورِينَ في النِّعْمَةِ لاعِبِينَ في تِلْكَ النِّعْمَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهِينَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”فَكِهِينَ“ بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ راجِعٌ لِفِعْلِ ”تَرَكُوا“ . والتَّقْدِيرُ: تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِ.
والإشارَةُ إلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ ومَعْنى الكافِ، وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ.
الدخان 44:27
﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ [الدخان: ٢٨]
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَسُوقٌ لِلْعِبْرَةِ بِعَواقِبِ الظّالِمِينَ المَغْرُورِينَ بِما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ، غُرُورًا أنْساهم مُراقَبَةَ اللَّهِ فِيما يُرْضِيهِ، فَمَوْقِعُ هَذا الِاسْتِئْنافِ مُوقِعُ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوِ البَيانِ مِنَ الإجْمالِ لِما في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] مِنَ التَّنْظِيرِ الإجْمالِيِّ.
وضَمِيرُ تَرَكُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] .
والتَّرْكُ حَقِيقَتُهُ: إلْقاءُ شَيْءٍ في مَكانٍ مُتَنَقِّلٍ عَنْهُ إبْقاءً اخْتِيارِيًّا، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مُفارَقَةِ المَكانِ والشَّيْءِ الَّذِي في مَكانِ غَلَبَةٍ دُونَ اخْتِيارٍ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ يُقالُ: تَرَكَ المَيِّتُ مالًا، ومِنهُ سُمِّي مُخَلَّفُ المَيِّتِ تَرِكَةً وهو هُنا مِن هَذا القَبِيلِ.
وفِعْلُ ”تَرَكُوا“ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم أُغْرِقُوا وأُعْدِمُوا، وذَلِكَ مُقْتَضى أنَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مُوسى مِنَ الإسْراءِ بِبَنِي إسْرائِيلَ وما مَعَهُ مِنِ اتِّباعِ فِرْعَوْنَ إيّاهم وانْفِلاقِ البَحْرِ
صفحة ٣٠٢
وإزْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ واقْتِحامِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ البَحْرَ، وانْضِمامِ البَحْرِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ، فَفي الكَلامِ إيجازُ حَذْفِ جُمَلٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَيْها ”كَمْ تَرَكُوا“ .
و(كَمْ) اسْمٌ لِعَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ نَوْعَهُ مُمَيَّزٌ بَعْدَ (كَمْ) مَجْرُورٌ بِـ (مِن) مَذْكُورَةٍ أوْ مَحْذُوفَةٍ.
وحُكْمُ (كَمْ) كالأسْماءِ تَكُونُ عَلى حَسَبِ العَوامِلِ. وإذْ كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ لِأنَّها في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ فَلا تَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ ولا خَبَرَ (كانَ) ولا (إنَّ) وإذا كانَتْ مَعْمُولَةً لِلْأفْعالِ وجَبَ تَقْدِيمُها عَلى عامِلِها.
وانْتَصَبَ (كَمْ) هُنا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوا كَثِيرًا مِن جَنّاتٍ. و(مِن) مُمَيِّزَةٌ لِمُبْهَمِ العَدَدِ في (كَمْ) .
والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ، والقِيامُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ المَكانِ.
والكَرِيمُ مِن كُلِّ نَوْعٍ أنْفَسُهُ وخَيْرُهُ، والمُرادُ بِهِ: المَساكِنُ والدِّيارُ والأسْواقُ ونَحْوُها مِمّا كانَ لَهم في مَدِينَةِ (مَنفِسِينَ) .
والنَّعْمَةُ بِفَتْحِ النُّونِ: اسْمٌ لِلتَّنَعُّمِ مَصُوغٌ عَلى وزْنَةِ المَرَّةِ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ المَرَّةَ بَلْ مُطْلَقُ المَصْدَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَجْمُوعَ أحْوالِ النَّعِيمِ صارَ كالشَّيْءِ الواحِدِ وهو أبْلَغُ وأجْمَعُ في تَصْوِيرِ مَعْنى المَصْدَرِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِفِعْلِ تَرَكُوا لِأنَّ المَتْرُوكَ هو أشْخاصُ الأُمُورِ الَّتِي يُنْعَمُ بِها ولَيْسَ المَتْرُوكُ وهو المَعْنى المَصْدَرِيُّ.
و”فاكِهِينَ“ مُتَّصِفِينَ بِالفُكاهَةِ بِضَمِّ الفاءِ وهي اللَّعِبُ والمَزْحُ، أيْ كانُوا مَغْمُورِينَ في النِّعْمَةِ لاعِبِينَ في تِلْكَ النِّعْمَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فاكِهِينَ“ بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”فَكِهِينَ“ بِدُونِ ألِفٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
وقَوْلُهُ كَذَلِكَ راجِعٌ لِفِعْلِ ”تَرَكُوا“ . والتَّقْدِيرُ: تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّرْكِ.
والإشارَةُ إلى مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ ومَعْنى الكافِ، وهَذا التَّرْكِيبُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ.
الدخان 44:28
صفحة ٣٠٣
﴿وأوْرَثْناَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى ”تَرَكُوا“ أيْ تَرَكُوها وأوْرَثْناها غَيْرَهم، أيْ لِفِرْعَوْنَ الَّذِي ولِيَ بَعْدَ مَوْتِ (مَنفَطا) وسُمِّي (صَفْطا مَنفَطا) وهو أحَدُ أُمَراءِ فِرْعَوْنَ (مَنفَطا) تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَنفَطا المُسَمّاةَ (طُوسِيرَ) الَّتِي خَلَفَتْ أباها (مَنفَطا) عَلى عَرْشِ مِصْرَ، ولِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ نَسْلِ فِرْعَوْنَ وُصِفَ هو وجُنْدُهُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ، ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ قَوْمًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ألا تَرى أنَّهُ أُعِيدَ الِاسْمُ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ عَقِبِهِ ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الدخان: ٣٠]، ولَمْ يَقُلْ ولَقَدْ نَجَّيْناهم.
ووَقَعَ في آيَةِ الشُّعَراءِ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ٥٧] ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨] ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] والمُرادُ هُنالِكَ أنَّ أنْواعًا مِمّا أخْرَجْنا مِنهُ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يُقْصَدْ أنْواعُ تِلْكَ الأشْياءِ في خُصُوصِ أرْضِ فِرْعَوْنَ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ هُنالِكَ أنَّ القَوْمَيْنِ أُخْرِجا مِمّا كانا فِيهِ، فَسَلَبَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ ما كانَ لَهُ دُونَ إعادَةٍ لِأنَّهم هَلَكُوا، وأُعْطِي الفَرِيقُ الآخَرُ أمْثالَ ذَلِكَ في أرْضِ فَلَسْطِينَ، فَفي قَوْلِهِ ﴿وأوْرَثْناها﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ وانْظُرْ آيَةَ سُورَةِ الشُّعَراءِ.
الدخان 44:29
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ﴾ [الدخان: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨]، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم هَلَكُوا وانْقَرَضُوا، أيْ فَما كانَ مَهْلِكُهم إلّا كَمَهْلِكِ غَيْرِهِمْ ولَمْ يَكُنْ حَدَثًا عَظِيمًا كَما كانُوا يَحْسَبُونَ ويَحْسَبُ قَوْمُهم، وكانَ مِن كَلامِ العَرَبِ إذا هَلَكَ عَظِيمٌ أنْ يُهَوِّلُوا أمْرَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ: بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ، وتَزَلْزَلَتِ الجِبالُ، قالَ النّابِغَةُ في تَوَقُّعِ مَوْتِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ مِن مَرَضِهِ:
فَإنْ يَهْلِكْ أبُو قابُوسٍ يَهْلِكُ رَبِيعُ النّاسِ والبَلَدُ الحَرامُ
وقالَ في رِثاءِ النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ:
بَكى حارِثُ الجَوْلانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحَوْرانُ مِنهُ مُوحَشٌ مُتَضائِلُ
صفحة ٣٠٤
والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّحْقِيرِ لَهم، وقَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، وهو طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ وكَثُرَ ذَلِكَ في كَلامِ الشُّعَراءِ المُحْدَثِينَ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبّانَةِ الأنْدَلُسِيُّ في رِثاءِ المُعْتَمِدِ بْنِ عَبّادٍ مَلِكِ إشْبِيلِيَّةَ:
تَبْكِي السَّماءُ بِمُزْنٍ رائِحٍ غادِ ∗∗∗ عَلى البَهالِيلِ مِن أبْناءِ عَبّادِ
والمَعْنى: فَما كانَ هَلاكُهم إلّا كَهَلاكِ غَيْرِهِمْ ولا أُنْظِرُوا بِتَأْخِيرِ هَلاكِهِمْ بَلْ عُجِّلَ لَهُمُ الِاسْتِئْصالُ.
الدخان 44:30
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى الكَلامِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] الَّذِي تَقْدِيرُهُ: فَأغْرَقْناهم ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] .
والمَعْنى: ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ وقَساوَتِهِ، أيْ فَكانَتْ آيَةُ البَحْرِ هَلاكًا لِقَوْمٍ وإنْجاءً لِآخَرِينَ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِي الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن عَذابِ أهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ، كَما نَجّى الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُوسى مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ.
وجُعِلَ طُغْيانُ فِرْعَوْنَ وإسْرافُهُ في الشَّرِّ مَثَلًا لِطُغْيانِ أبِي جَهْلٍ ومَلَئِهِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإشارَةِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ. وقَدْ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ المُقَدَّرِ لِلْمُشْرِكِينَ إجابَةً لِدَعْوَةِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
والعَذابُ المُهِينُ: هو ما كانَ يُعامِلُهم بِهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الِاسْتِعْبادِ والإشْقاقِ عَلَيْهِمْ في السُّخْرَةِ، وكانَ يُكَلِّفُهم أنْ يَصْنَعُوا لَهُ اللَّبِنَ كُلَّ يَوْمٍ لِبِناءِ مَدِينَتَيِ (فَيْثُومَ) و(رَعْمَسِيسَ) وكانَ اللَّبِنُ يُصْنَعُ مِنَ الطُّوبِ والتِّبْنِ فَكانَ يُكَلِّفُهُمُ اسْتِحْضارَ التِّبْنِ اللّازِمِ لِصُنْعِ اللَّبِنِ ويَلْتَقِطُونَ مُتَناثِرَهُ ويُذِلُّونَهم ولا يَتْرُكُونَ لَهم راحَةً، فَذَلِكَ العَذابُ المُهِينُ لِأنَّهُ عَذابٌ فِيهِ إذْلالٌ.
صفحة ٣٠٥
وقَوْلُهُ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مُطابِقًا لِلْعَذابِ المُهِينِ فَتَكُونَ (مِن) مُؤَكِّدَةً لِـ (مِن) الأُولى المُعَدِّيَةِ لِـ ”نَجَّيْنا“ لِأنَّ الحَرْفَ الدّاخِلَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ. ويَحْسُنُ ذَلِكَ في نُكَتٍ يَقْتَضِيها المَقامُ وحُسْنُهُ هُنا، فَأُظْهِرَتْ (مِن) لِخَفاءِ كَوْنِ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ فِرْعَوْنَ في جَعْلِ اسْمِهِ نَفْسَ العَذابِ المُهِينِ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ التَّهْوِيلِ الَّذِي أفادَهُ جَعْلُ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ المُهِينِ. والعالِي: المُتَكَبِّرُ العَظِيمُ في النَّسا، قالَ تَعالى ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] .
و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ فِرْعَوْنَ، والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ. والمُرادُ هُنا الإكْثارُ في التَّعالِي، يُرادُ الإكْثارُ في أعْمالِ الشَّرِّ بِقَرِينَةِ مَقامِ الذَّمِّ.
و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً في اتِّصافِهِ بِالإسْرافِ مِن أنْ يُقالَ: مُسْرِفًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الدخان 44:31
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾
مَعْطُوفٌ عَلى الكَلامِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] الَّذِي تَقْدِيرُهُ: فَأغْرَقْناهم ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ كَما قالَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤] ﴿وأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٦٥] ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] .
والمَعْنى: ونَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ وقَساوَتِهِ، أيْ فَكانَتْ آيَةُ البَحْرِ هَلاكًا لِقَوْمٍ وإنْجاءً لِآخَرِينَ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الإشارَةُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِي الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن عَذابِ أهْلِ الشِّرْكِ بِمَكَّةَ، كَما نَجّى الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُوسى مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ.
وجُعِلَ طُغْيانُ فِرْعَوْنَ وإسْرافُهُ في الشَّرِّ مَثَلًا لِطُغْيانِ أبِي جَهْلٍ ومَلَئِهِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإشارَةِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ. وقَدْ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إنْجاءِ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ المُقَدَّرِ لِلْمُشْرِكِينَ إجابَةً لِدَعْوَةِ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
والعَذابُ المُهِينُ: هو ما كانَ يُعامِلُهم بِهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الِاسْتِعْبادِ والإشْقاقِ عَلَيْهِمْ في السُّخْرَةِ، وكانَ يُكَلِّفُهم أنْ يَصْنَعُوا لَهُ اللَّبِنَ كُلَّ يَوْمٍ لِبِناءِ مَدِينَتَيِ (فَيْثُومَ) و(رَعْمَسِيسَ) وكانَ اللَّبِنُ يُصْنَعُ مِنَ الطُّوبِ والتِّبْنِ فَكانَ يُكَلِّفُهُمُ اسْتِحْضارَ التِّبْنِ اللّازِمِ لِصُنْعِ اللَّبِنِ ويَلْتَقِطُونَ مُتَناثِرَهُ ويُذِلُّونَهم ولا يَتْرُكُونَ لَهم راحَةً، فَذَلِكَ العَذابُ المُهِينُ لِأنَّهُ عَذابٌ فِيهِ إذْلالٌ.
صفحة ٣٠٥
وقَوْلُهُ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مُطابِقًا لِلْعَذابِ المُهِينِ فَتَكُونَ (مِن) مُؤَكِّدَةً لِـ (مِن) الأُولى المُعَدِّيَةِ لِـ ”نَجَّيْنا“ لِأنَّ الحَرْفَ الدّاخِلَ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ عَلى البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ. ويَحْسُنُ ذَلِكَ في نُكَتٍ يَقْتَضِيها المَقامُ وحُسْنُهُ هُنا، فَأُظْهِرَتْ (مِن) لِخَفاءِ كَوْنِ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ التَّهْوِيلِ لِأمْرِ فِرْعَوْنَ في جَعْلِ اسْمِهِ نَفْسَ العَذابِ المُهِينِ، أيْ في حالِ كَوْنِهِ صادِرًا مِن فِرْعَوْنَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ التَّهْوِيلِ الَّذِي أفادَهُ جَعْلُ اسْمِ فِرْعَوْنَ بَدَلًا مِنَ العَذابِ المُهِينِ. والعالِي: المُتَكَبِّرُ العَظِيمُ في النَّسا، قالَ تَعالى ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٤] .
و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ فِرْعَوْنَ، والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ. والمُرادُ هُنا الإكْثارُ في التَّعالِي، يُرادُ الإكْثارُ في أعْمالِ الشَّرِّ بِقَرِينَةِ مَقامِ الذَّمِّ.
و﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً في اتِّصافِهِ بِالإسْرافِ مِن أنْ يُقالَ: مُسْرِفًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الدخان 44:32
﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾
إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى أُمَمِ عَصْرِهِمْ كَما اخْتارَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أُمَمِ عَصْرِهِمْ وأنَّهُ عالِمٌ بِأنَّ أمْثالَهم أهْلٌ لِأنْ يَخْتارَهُمُ اللَّهُ. والمَقْصُودُ: التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ وأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَنْصُرَهُمُ اللَّهُ عَلى أعْدائِهِمْ ولِأجْلِ هَذِهِ الإشارَةِ أُكِّدَ الخَبَرُ بِاللّامِ و(قَدْ)، كَما أُكِّدَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الدخان: ٣٠] . و(عَلى) في قَوْلِهِ عَلى عِلْمٍ بِمَعْنى (مَعَ)، كَقَوْلِ الأحْوَصِ:
إنِّي عَلى ما قَدْ عَلِمْتُ مُحَسَّدٌ أُنْمِي عَلى البَغْضاءِ والشَّنَآنِ
ومَوْضِعُ المَجْرُورِ بِها مَوْضِعُ الحالِ.
والمُرادُ بِـ ”العالَمِينَ“ الأُمَمُ المُعاصِرَةُ لَهم. ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
صفحة ٣٠٦
الذِّلَّةُ، وقَدِ اخْتارَ اللَّهُ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الأُمَمِ فَقالَ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] أيْ أخْرَجَها اللَّهُ لِلنّاسِ.
واخْتارَ المُسْلِمِينَ بَعْدَهُمُ اخْتِيارًا نِسْبِيًّا عَلى حَسَبِ اسْتِقامَتِهِمْ واسْتِقامَةِ غَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عَلى أنَّ التَّوْحِيدَ لا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ.
الدخان 44:33
”﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾“
إيتاءُ الآياتِ مِن آثارِ الِاخْتِيارِ لِأنَّهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِالأُمَّةِ لِأنَّهُ يَزِيدُهم يَقِينًا بِإيمانِهِمْ.
والمُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في مَواقِعِ حُرُوبِهِمْ بِنَصْرِ الفِئَةِ القَلِيلَةِ مِنهم عَلى الجُيُوشِ الكَثِيرَةِ مَن عَدُوِّهِمْ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُسْلِمِينَ سَيَغْلِبُونَ جَمْعَهم مَعَ قِلَّتِهِمْ في بَدْرٍ وغَيْرِها.
والبَلاءُ: الِاخْتِبارُ يَكُونُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ. فالأوَّلُ اخْتِبارٌ لِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ أوْ غَيْرِهِ، والثّانِي اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ الصَّبْرِ، قالَ تَعالى ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] أيْ ما فِيهِ اخْتِبارٌ لَهم في نَظَرِ النّاسِ لِيَعْلَمَ بَعْضُهم أنَّهم قابَلُوا نِعْمَةَ إيتاءِ الآياتِ بِالشُّكْرِ، ويُحَذِّرُوا قَوْمَهم مِن مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ.
الدخان 44:34
”﴿وآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾“
إيتاءُ الآياتِ مِن آثارِ الِاخْتِيارِ لِأنَّهُ مِن عِنايَةِ اللَّهِ بِالأُمَّةِ لِأنَّهُ يَزِيدُهم يَقِينًا بِإيمانِهِمْ.
والمُرادُ بِالآياتِ المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيَّدَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في مَواقِعِ حُرُوبِهِمْ بِنَصْرِ الفِئَةِ القَلِيلَةِ مِنهم عَلى الجُيُوشِ الكَثِيرَةِ مَن عَدُوِّهِمْ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ المُسْلِمِينَ سَيَغْلِبُونَ جَمْعَهم مَعَ قِلَّتِهِمْ في بَدْرٍ وغَيْرِها.
والبَلاءُ: الِاخْتِبارُ يَكُونُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ. فالأوَّلُ اخْتِبارٌ لِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالشُّكْرِ أوْ غَيْرِهِ، والثّانِي اخْتِبارٌ لِمِقْدارِ الصَّبْرِ، قالَ تَعالى ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] أيْ ما فِيهِ اخْتِبارٌ لَهم في نَظَرِ النّاسِ لِيَعْلَمَ بَعْضُهم أنَّهم قابَلُوا نِعْمَةَ إيتاءِ الآياتِ بِالشُّكْرِ، ويُحَذِّرُوا قَوْمَهم مِن مُقابَلَةِ النِّعْمَةِ بِالكُفْرانِ.
الدخان 44:35
﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأوْلى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ وجُمْلَةِ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] فَإنَّهُ لَمّا هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّخانِ ثُمَّ بِالبَطْشَةِ الكُبْرى وضَرَبَ لَهُمُ
صفحة ٣٠٧
المَثَلَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ إنْكارَ البَعْثِ هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ تَوَقُّعِ جَزاءِ السُّوءِ عَلى إعْراضِهِمْ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّذِي لَيْسَ هو لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إلى المُشْرِكِينَ لا تَرَدُّدَ فِيهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّأْكِيدِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ حَرْفِ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، وهو إذا وقَعَ مِثْلُ هَذا المَوْقِعِ أفادَ التَّسَبُّبُ وأغْنى عَنِ الفاءِ. فالمَعْنى: إنّا مُنْتَقِمُونَ مِنهم بِالبَطْشَةِ الكُبْرى لِأنَّهم لا يَرْتَدِعُونَ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ الحَياةَ الآخِرَةَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلّا لِما هم عَلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ فَلِذَلِكَ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى سُوءِ كُفْرِهِمْ جَزاءً في الحَياةِ الدُّنْيا.
وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ الشَّأْنِ ويُقالُ لَهُ: ضَمِيرُ القِصَّةِ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ المُؤَنَّثِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ، أيْ لا قِصَّةَ في هَذا الغَرَضِ إلّا المَوْتَةُ المَعْرُوفَةُ فَهي مَوْتَةٌ دائِمَةٌ لا نُشُورَ لَنا بَعْدَها.
وهَذا كَلامٌ مِن كَلِماتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فَإنَّ لَهم كَلِماتٌ في ذَلِكَ، فَتارَةً يَنْفُونَ أنْ تَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ كَما حَكى عَنْهم في آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتارَةً يَنْفُونَ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِمْ بَعْدَ المَوْتَةِ المَعْرُوفَةِ شَيْءٌ غَيْرُها يَعْنُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا ضِدَّ المَوْتَةِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتَةِ.
فَلَهم في نَفْيِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ أفانِينُ مِن أقْوالِ الجُحُودِ، وهَذا القَصْرُ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِراءِ أحْوالٍ لَهم بَعْدَ المَوْتِ.
وكَلِمَةُ ”هَؤُلاءِ“ حَيْثُما ذُكِرَ في القُرْآنِ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ: مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما اسْتَنْبَطْناهُ، وقَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ووَصْفُ الأُولى مُرادٌ بِهِ السّابِقَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] . ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] .
وأعْقَبُوا قَصْرَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الحَياةِ عَلى المَوْتَةِ الَّتِي يَمُوتُونَها، بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾
صفحة ٣٠٨
تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ. وجِيءَ بِهِ مَعْطُوفًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ غَرَضٌ مَقْصُودٌ مَعَ إفادَتِهِ تَأْكِيدُ القَصْرِ وجَعَلُوا قَوْلَهم ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ حُجَّةً عَلى نَفْيِ البَعْثِ بِأنَّ الأمْواتِ السّابِقِينَ لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلى الحَياةِ وهو سَفْسَطَةٌ لِأنَّ البَعْثَ المَوْعُودَ بِهِ لا يَحْصُلُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وهَذا مِن تَوَرُّكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.
وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ لَهم ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ [هود: ٧] كَما جاءَ في حَدِيثِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ الَّذِي نَزَلَ بِسَبَبِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
الدخان 44:36
﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأوْلى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ وجُمْلَةِ ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ [الدخان: ٣٧] فَإنَّهُ لَمّا هَدَّدَهم بِعَذابِ الدُّخانِ ثُمَّ بِالبَطْشَةِ الكُبْرى وضَرَبَ لَهُمُ
صفحة ٣٠٧
المَثَلَ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ إنْكارَ البَعْثِ هو الَّذِي صَرَفَهم عَنْ تَوَقُّعِ جَزاءِ السُّوءِ عَلى إعْراضِهِمْ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) الَّذِي لَيْسَ هو لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إلى المُشْرِكِينَ لا تَرَدُّدَ فِيهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّأْكِيدِ فَتَعَيَّنَ كَوْنُ حَرْفِ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، وهو إذا وقَعَ مِثْلُ هَذا المَوْقِعِ أفادَ التَّسَبُّبُ وأغْنى عَنِ الفاءِ. فالمَعْنى: إنّا مُنْتَقِمُونَ مِنهم بِالبَطْشَةِ الكُبْرى لِأنَّهم لا يَرْتَدِعُونَ بِوَعِيدِ الآخِرَةِ لِإنْكارِهِمُ الحَياةَ الآخِرَةَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلّا لِما هم عَلَيْهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ النِّعْمَةِ والقُوَّةِ فَلِذَلِكَ قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى سُوءِ كُفْرِهِمْ جَزاءً في الحَياةِ الدُّنْيا.
وضَمِيرُ (هي) ضَمِيرُ الشَّأْنِ ويُقالُ لَهُ: ضَمِيرُ القِصَّةِ لِأنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ المُؤَنَّثِ بِتَأْوِيلِ القِصَّةِ، أيْ لا قِصَّةَ في هَذا الغَرَضِ إلّا المَوْتَةُ المَعْرُوفَةُ فَهي مَوْتَةٌ دائِمَةٌ لا نُشُورَ لَنا بَعْدَها.
وهَذا كَلامٌ مِن كَلِماتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ فَإنَّ لَهم كَلِماتٌ في ذَلِكَ، فَتارَةً يَنْفُونَ أنْ تَكُونَ بَعْدَ المَوْتِ حَياةٌ كَما حَكى عَنْهم في آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩]، وتارَةً يَنْفُونَ أنْ يَطْرَأ عَلَيْهِمْ بَعْدَ المَوْتَةِ المَعْرُوفَةِ شَيْءٌ غَيْرُها يَعْنُونَ بِذَلِكَ شَيْئًا ضِدَّ المَوْتَةِ وهو الحَياةُ بَعْدَ المَوْتَةِ.
فَلَهم في نَفْيِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ أفانِينُ مِن أقْوالِ الجُحُودِ، وهَذا القَصْرُ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاعْتِراءِ أحْوالٍ لَهم بَعْدَ المَوْتِ.
وكَلِمَةُ ”هَؤُلاءِ“ حَيْثُما ذُكِرَ في القُرْآنِ غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِما يَصْلُحُ أنْ يُشارَ إلَيْهِ: مُرادٌ بِهِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَما اسْتَنْبَطْناهُ، وقَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾ [الأنعام: ٨٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ووَصْفُ الأُولى مُرادٌ بِهِ السّابِقَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] . ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات: ٥٨] ﴿إلّا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] .
وأعْقَبُوا قَصْرَ ما يَنْتابُهم بَعْدَ الحَياةِ عَلى المَوْتَةِ الَّتِي يَمُوتُونَها، بِقَوْلِهِمْ ﴿وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾
صفحة ٣٠٨
تَصْرِيحًا بِمَفْهُومِ القَصْرِ. وجِيءَ بِهِ مَعْطُوفًا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ غَرَضٌ مَقْصُودٌ مَعَ إفادَتِهِ تَأْكِيدُ القَصْرِ وجَعَلُوا قَوْلَهم ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ حُجَّةً عَلى نَفْيِ البَعْثِ بِأنَّ الأمْواتِ السّابِقِينَ لَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم إلى الحَياةِ وهو سَفْسَطَةٌ لِأنَّ البَعْثَ المَوْعُودَ بِهِ لا يَحْصُلُ في الحَياةِ الدُّنْيا، وهَذا مِن تَوَرُّكِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ.
وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِينَ أرادُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ لَهم ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ [هود: ٧] كَما جاءَ في حَدِيثِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ الَّذِي نَزَلَ بِسَبَبِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
الدخان 44:37
﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] فَضَمِيرُ ”هم“ راجِعٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] فَبَعْدَ أنْ ضُرِبَ لَهُمُ المَثَلُ بِمَهْلِكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ زادَهم مَثَلًا آخَرَ هو أقْرَبُ إلى اعْتِبارِهِمْ بِهِ وهو مَهْلِكُ قَوْمٍ أقْرَبُ إلى بِلادِهِمْ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأُولَئِكَ قَوْمُ تُبَّعٍ فَإنَّ العَرَبَ يَتَسامَعُونَ بِعَظَمَةِ مَلِكِ تُبَّعٍ وقَوْمِهِ أهْلِ اليَمَنِ وكَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ شاهَدُوا آثارَ قُوَّتِهِمْ وعَظَمَتِهِمْ في مَراحِلِ أسْفارِهِمْ وتَحادَثُوا بِما أصابَهم مِنَ الهُلْكِ بِسَيْلِ العَرِمِ.
وافْتُتِحَ الكَلامُ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ لِاسْتِرْعاءِ الأسْماعِ لِمَضْمُونِهِ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ تُبَّعًا ومَن قَبْلَهُ مِنَ المُلُوكِ خَيْرٌ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.
والمَعْنى: أنَّهم لَيْسُوا خَيْرًا مِن قَوْمِ تُبَّعٍ ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ لِأجْلِ إجْرامِهِمْ فَلَمّا ماثَلُوهم في الإجْرامِ فَلا مَزِيَّةَ لَهم تَدْفَعُ عَنْهُمُ اسْتِئْصالَ الَّذِي أهْلَكَ اللَّهُ بِهِ أُمَمًا قَبْلَهم.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ إذْ لا يَسَعُهم إلّا أنْ يَعْتَرِفُوا بِأنَّ قَوْمَ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ خَيْرٌ مِنهم لِأنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ بِهِمُ الأمْثالَ في القُوَّةِ
صفحة ٣٠٩
والمَنَعَةِ. والمُرادُ بِالخَيْرِيَّةِ التَّفْضِيلُ في القُوَّةِ والمَنَعَةِ، كَما قالَ تَعالى بَعْدَ ذِكْرِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣] في سُورَةِ القَمَرِ.
وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ وهم سُكّانُ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ مِن حِمْيَرَ وسَبَأٍ وقَدْ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ ق.
وتُبَّعٌ بِضَمِّ التّاءِ وتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ لَقَبٌ لِمَن يَمْلِكُ جَمِيعَ بِلادِ اليَمَنِ حِمْيَرًا وسَبَأً وحَضْرَمَوْتَ، فَلا يُطْلَقُ عَلى المَلِكِ لَقَبُ تُبَّعٍ إلّا إذا مَلَكَ هَذِهِ المَواطِنَ الثَّلاثَةَ. قِيلَ سَمَّوْهُ تُبَّعًا بِاسْمِ الظِّلِّ لِأنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ كَما يَتْبَعُ الظِّلُّ الشَّمْسَ، ومَعْنى ذَلِكَ: أنَّهُ يَسِيرُ بِغَزَواتِهِ إلى كُلِّ مَكانٍ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، كَما قالَ تَعالى في ذِي القَرْنَيْنِ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٥] إلى قَوْلِهِ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ [الكهف: ٩٠]، وقِيلَ لِأنَّهُ تَتَبَّعَهُ مُلُوكُ مَخالِيفِ اليَمَنِ، وتَخْضَعُ لَهُ جَمِيعُ الأقْيالِ والأذْواءِ مِن مُلُوكِ مَخالِيفِ اليَمَنِ وأذْوائِهِ، فَلِذَلِكَ لُقِّبَ تُبَّعًا لِأنَّهُ تَتَبَّعَهُ المُلُوكُ.
وتُبَّعٌ المُرادُ هُنا المُسَمّى أسْعَدُ والمُكَنّى أبا كَرِبٍ، كانَ قَدْ عَظُمَ سُلْطانُهُ وغَزا بِلادَ العَرَبِ ودَخَلَ مَكَّةَ ويَثْرِبَ وبَلَغَ العِراقَ. ويُقالُ: إنَّهُ الَّذِي بَنى مَدِينَةَ الحِيرَةِ في العِراقِ، وكانَتْ دَوْلَةُ تُبَّعٍ في سَنَةِ ألْفٍ قَبْلَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وقِيلَ كانَ في حُدُودِ السَّبْعِمِائَةِ قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيءِ ﷺ .
وتَعْلِيقُ الإهْلاكِ بِقَوْمِ تُبَّعٍ دُونَهُ يَقْتَضِي أنَّ تُبَّعًا نَجا مِن هَذا الإهْلاكِ وأنَّ الإهْلاكَ سُلِّطَ عَلى قَوْمِهِ، قالَتْ عائِشَةُ: ألا تَرى أنَّ اللَّهَ ذَمَّ قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ.
والمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في مُسْنَدِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «لا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ» وفي رِوايَةٍ: كانَ مُؤْمِنًا، وفَسَّرَهُ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ اهْتَدى إلى ذَلِكَ بِصُحْبَةِ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ لَقِيَهُما بِيَثْرِبَ حِينَ غَزاها وذَلِكَ يَقْتَضِي نَجاتَهُ مِنِ الإهْلاكِ. ولَعَلَّ اللَّهَ أهْلَكَ قَوْمَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أوْ في مَغِيبِهِ.
وجُمْلَةُ أهْلَكْناهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِما أثارَهُ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مِنَ السُّؤالِ عَنْ إبْهامِهِ ماذا أُرِيدَ بِهِ.
صفحة ٣١٠
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ أهْلَكْناهم، أيْ أهْلَكْناهم عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ بِسَبَبِ إجْرامِهِمْ، أيْ شِرْكِهِمْ.
الدخان 44:38
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وجَزاءٌ لَكانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَبَثًا، ونَحْنُ خَلَقْنا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالحَقِّ، أيْ بِالحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ إتْقانُ نِظامِ المَوْجُوداتِ، فَلا جَرَمَ اقْتَضى خَلْقَ ذَلِكَ أنْ يُجازى كُلُّ فاعِلٍ عَلى فِعْلِهِ وأنْ لا يُضاعُ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ المُشاهَدُ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَقْضِي حَياتَهُ ولا يَرى لِنَفْسِهِ جَزاءً عَلى أعْمالِهِ تَعَيَّنَ أنَّ اللَّهَ أخَّرَ جَزاءَهم إلى حَياةٍ أُخْرى وإلّا لَكانَ خَلْقُهم في بَعْضِ أحْوالِهِ مِن قَبِيلِ اللَّعِبِ.
وذِكْرُ اللَّعِبِ تَوْبِيخٌ لِلَّذِينِ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ما يُفْضِي بِهِمْ إلى جَعْلِ أفْعالِ الحَكِيمِ لَعِبًا، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ المُلازَمَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في سُورَةِ ص.
و”لاعِبِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“، والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذا الحالِ فاقْتَضى نَفْيَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن خَلْقِ ذَلِكَ في حالَةِ عَبَثٍ فَمِن ذَلِكَ حالَةُ إهْمالِ الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ .
والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ خَلَقْنا ذَلِكَ مُلابِسًا ومُقارِنًا لِلْحَقِّ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الحَقِّ، أيْ لِإيجادِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِما.
والحَقُّ: ما يَحِقُّ وُقُوعُهُ مِن عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ، أيْ يَجِبُ ويَتَعَيَّنُ لِسَبَبِيَّةٍ أوْ تَفَرُّعٍ أوْ
صفحة ٣١١
مُجازاةٍ، فَمِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما لِأجْلِهِ مُكافَأةُ كُلِّ عامِلٍ بِما يُناسِبُ عَمَلَهُ ويُجازِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ناشِئٌ عَمّا أفادَهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ المَخْلُوقاتِ لَعِبًا وإثْباتُ أنَّهُ لِلْحَقِّ لا غَيْرَ مِن كَوْنِ شَأْنِ ذَلِكَ أنْ لا يَخْفى ولَكِنَّ جَهْلَ المُشْرِكِينَ هو الَّذِي سَوَّلَ لَهم أنْ يَقُولُوا " ما نَحْنُ بِمَنشَرِينَ.
وجُمْلَةُ الِاسْتِدْراكِ تَذْيِيلٌ، وقَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ.
الدخان 44:39
﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] رَدًّا عَلَيْهِمْ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا. والمَعْنى: أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْثٌ وجَزاءٌ لَكانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَبَثًا، ونَحْنُ خَلَقْنا ذَلِكَ كُلَّهُ بِالحَقِّ، أيْ بِالحِكْمَةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ إتْقانُ نِظامِ المَوْجُوداتِ، فَلا جَرَمَ اقْتَضى خَلْقَ ذَلِكَ أنْ يُجازى كُلُّ فاعِلٍ عَلى فِعْلِهِ وأنْ لا يُضاعُ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ المُشاهَدُ أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَقْضِي حَياتَهُ ولا يَرى لِنَفْسِهِ جَزاءً عَلى أعْمالِهِ تَعَيَّنَ أنَّ اللَّهَ أخَّرَ جَزاءَهم إلى حَياةٍ أُخْرى وإلّا لَكانَ خَلْقُهم في بَعْضِ أحْوالِهِ مِن قَبِيلِ اللَّعِبِ.
وذِكْرُ اللَّعِبِ تَوْبِيخٌ لِلَّذِينِ أحالُوا البَعْثَ والجَزاءَ بِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ما يُفْضِي بِهِمْ إلى جَعْلِ أفْعالِ الحَكِيمِ لَعِبًا، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ المُلازَمَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] في سُورَةِ ص.
و”لاعِبِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“، والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذا الحالِ فاقْتَضى نَفْيَ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن خَلْقِ ذَلِكَ في حالَةِ عَبَثٍ فَمِن ذَلِكَ حالَةُ إهْمالِ الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ .
والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ خَلَقْنا ذَلِكَ مُلابِسًا ومُقارِنًا لِلْحَقِّ، أوِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ الحَقِّ، أيْ لِإيجادِ الحَقِّ مِن خَلْقِهِما.
والحَقُّ: ما يَحِقُّ وُقُوعُهُ مِن عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ، أيْ يَجِبُ ويَتَعَيَّنُ لِسَبَبِيَّةٍ أوْ تَفَرُّعٍ أوْ
صفحة ٣١١
مُجازاةٍ، فَمِنَ الحَقِّ الَّذِي خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما لِأجْلِهِ مُكافَأةُ كُلِّ عامِلٍ بِما يُناسِبُ عَمَلَهُ ويُجازِيهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] في سُورَةِ الرُّومِ.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ناشِئٌ عَمّا أفادَهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ خَلْقُ المَخْلُوقاتِ لَعِبًا وإثْباتُ أنَّهُ لِلْحَقِّ لا غَيْرَ مِن كَوْنِ شَأْنِ ذَلِكَ أنْ لا يَخْفى ولَكِنَّ جَهْلَ المُشْرِكِينَ هو الَّذِي سَوَّلَ لَهم أنْ يَقُولُوا " ما نَحْنُ بِمَنشَرِينَ.
وجُمْلَةُ الِاسْتِدْراكِ تَذْيِيلٌ، وقَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥] في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ.
الدخان 44:40
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصُرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، والمَعْنى: فَيَوْمُ الفَصْلِ مِيقاتُهم إعْلامًا لَهم بِأنَّ يَوْمَ القَضاءِ هو أجَلُ الجَزاءِ، فَهَذا وعِيدٌ لَهم وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ.
ويَوْمَ الفَصْلِ: هو يَوْمُ الحُكْمِ، لِأنَّهُ يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ تَعالى ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] .
والمِيقاتُ: اسْمُ زَمانِ التَّوْقِيتِ، أيِ التَّأْجِيلِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المِيقاتِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ مِيقاتُ جَزائِهِمْ.
وأُضِيفَ المِيقاتُ إلى ضَمِيرِ المُخْبَرِ عَنْهم لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ وإلّا فَإنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُ جَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِيهِمْ وكُفّارِهِمْ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، أيْ مِيقاتٌ
صفحة ٣١٢
لِجَزائِهِمْ كُلِّهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ مِنهم تَقْوِيَةً في الوَعِيدِ وتَأْيِيسًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
و﴿يَوْمَ لا يُغْنِى مَوْلًى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وفَتْحَةُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ فَتْحَةُ إعْرابٍ لِأنَّ (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ ذاتِ فِعْلٍ مُعْرَبٍ.
والمَوْلى: القَرِيبُ والحَلِيفُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَنْكِيرُ مَوْلًى في سِياقِ النَّفْيِ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا يُغْنِي أحَدٌ مِنَ المَوالِي كائِنًا مَن كانَ عَنْ أحَدٍ مِن مَوالِيهِ كائِنًا مَن كانَ.
و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّ المُرادَ شَيْئًا مِن إغْناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ وهو الغالِبُ في تَنْكِيرِ لَفْظِ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبإ: ١٦] . ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ أيْضًا، يَعْنِي أيَّ إغْناءٍ كانَ في القِلَّةِ بَلْهَ الإغْناءِ الكَثِيرِ. والمَعْنى: يَوْمَ لا تُغْنِي عَنْهم مَوالِيهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى التَّعْمِيمِ لِأنَّهُ أوْسَعُ فائِدَةً إذْ هو بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
والإغْناءُ: الإفادَةُ والنَّفْعُ بِالكَثِيرِ أوِ القَلِيلِ، وضَمِيرًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ راجِعانِ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أهم خَيْرٌ، وهو اسْمُ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] . والمَعْنى: أنَّهم لا يُغْنِي عَنْهم أوْلِياؤُهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ ذَلِكَ ولا يَنْصُرُهم مُقَيَّضُونَ آخَرُونَ لَيْسُوا مِن مَوالِيهِمْ تَأْخُذُهُمُ الحَمِيَّةُ أوِ الغَيْرَةُ أوِ الشَّفَقَةُ فَيَنْصُرُونَهم.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدْوِّ وعَلى الغالِبِ، وهو أشَدُّ الإغْناءِ.
فَعُطِفَ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ زِيادَةً في نَفْيِ عَدَمِ الإغْناءِ.
فَمُحَصَّلُ المَعْنى أنَّهُ لا يُغْنِي مُوالٍ عَنْ مُوالِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ حَسَبَ مُسْتَطاعِهِ ولا يَنْصُرُهم ناصِرٌ شَدِيدُ الِاسْتِطاعَةِ هو أقْوى مِنهم يَدْفَعُ عَنْهم غَلَبَ القَوِيِّ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ هو الغالِبُ لا يَدْفَعُهُ غالِبٌ.
وبُنِيَ فِعْلُ ”يُنْصَرُونَ“ إلى المَجْهُولِ لِيَعُمَّ نَفْيَ كُلِّ ناصِرٍ مَعَ إيجازِ العِبارَةِ.
صفحة ٣١٣
والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ وقَعَ عَقِبَ جُمْلَتَيْ ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَحُقَّ بِأنْ يَرْجِعَ إلى ما يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ في تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ. ولَنا في الجُمْلَتَيْنِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنها وهي مَوْلى الأوَّلِ المَرْفُوعِ بِفِعْلِ يُغْنِي، ومَوْلى الثّانِي المَجْرُورِ بِحَرْفِ (عَنْ)، وضَمِيرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، فالِاسْتِثْناءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّلاثَةِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المَوالِي، أيْ فَإنَّهُ يَأْذَنُ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِ، ويَأْذَنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّهُ يُقالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» . والشَّفاعَةُ: إغْناءٌ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ. والشُّفَعاءُ يَوْمَئِذٍ أوْلِياءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ مِنَ الشُّفَعاءِ المَلائِكَةُ وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] .
وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ قَبْلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهْلِ المَحْشَرِ، والمَعْنى: لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَن يُغْنِي عَنْهُ أوْ يَنْصُرُهُ وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وأسْبابُ رَحْمَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى رِضاهُ عَنْ عَبْدِهِ وذَلِكَ سِرٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو جَوابٌ مُجْمَلٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ تَعْيِينِ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، أيْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُكْرِهُهُ أحَدٌ عَلى العُدُولِ عَنْ مُرادِهِ، فَهو يَرْحَمُ مَن يَرْحَمُهُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ وهو رَحِيمٌ، أيْ واسِعُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلى وفْقِ ما جَرى بِهِ عَلِمُهُ وحِكْمَتُهُ ووَعْدُهُ. وفي الحَدِيثِ: «ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمُكم مَن في السَّماءِ» .
الدخان 44:41
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصُرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، والمَعْنى: فَيَوْمُ الفَصْلِ مِيقاتُهم إعْلامًا لَهم بِأنَّ يَوْمَ القَضاءِ هو أجَلُ الجَزاءِ، فَهَذا وعِيدٌ لَهم وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ.
ويَوْمَ الفَصْلِ: هو يَوْمُ الحُكْمِ، لِأنَّهُ يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ تَعالى ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] .
والمِيقاتُ: اسْمُ زَمانِ التَّوْقِيتِ، أيِ التَّأْجِيلِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المِيقاتِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ مِيقاتُ جَزائِهِمْ.
وأُضِيفَ المِيقاتُ إلى ضَمِيرِ المُخْبَرِ عَنْهم لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ وإلّا فَإنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُ جَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِيهِمْ وكُفّارِهِمْ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، أيْ مِيقاتٌ
صفحة ٣١٢
لِجَزائِهِمْ كُلِّهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ مِنهم تَقْوِيَةً في الوَعِيدِ وتَأْيِيسًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
و﴿يَوْمَ لا يُغْنِى مَوْلًى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وفَتْحَةُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ فَتْحَةُ إعْرابٍ لِأنَّ (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ ذاتِ فِعْلٍ مُعْرَبٍ.
والمَوْلى: القَرِيبُ والحَلِيفُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَنْكِيرُ مَوْلًى في سِياقِ النَّفْيِ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا يُغْنِي أحَدٌ مِنَ المَوالِي كائِنًا مَن كانَ عَنْ أحَدٍ مِن مَوالِيهِ كائِنًا مَن كانَ.
و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّ المُرادَ شَيْئًا مِن إغْناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ وهو الغالِبُ في تَنْكِيرِ لَفْظِ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبإ: ١٦] . ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ أيْضًا، يَعْنِي أيَّ إغْناءٍ كانَ في القِلَّةِ بَلْهَ الإغْناءِ الكَثِيرِ. والمَعْنى: يَوْمَ لا تُغْنِي عَنْهم مَوالِيهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى التَّعْمِيمِ لِأنَّهُ أوْسَعُ فائِدَةً إذْ هو بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
والإغْناءُ: الإفادَةُ والنَّفْعُ بِالكَثِيرِ أوِ القَلِيلِ، وضَمِيرًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ راجِعانِ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أهم خَيْرٌ، وهو اسْمُ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] . والمَعْنى: أنَّهم لا يُغْنِي عَنْهم أوْلِياؤُهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ ذَلِكَ ولا يَنْصُرُهم مُقَيَّضُونَ آخَرُونَ لَيْسُوا مِن مَوالِيهِمْ تَأْخُذُهُمُ الحَمِيَّةُ أوِ الغَيْرَةُ أوِ الشَّفَقَةُ فَيَنْصُرُونَهم.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدْوِّ وعَلى الغالِبِ، وهو أشَدُّ الإغْناءِ.
فَعُطِفَ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ زِيادَةً في نَفْيِ عَدَمِ الإغْناءِ.
فَمُحَصَّلُ المَعْنى أنَّهُ لا يُغْنِي مُوالٍ عَنْ مُوالِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ حَسَبَ مُسْتَطاعِهِ ولا يَنْصُرُهم ناصِرٌ شَدِيدُ الِاسْتِطاعَةِ هو أقْوى مِنهم يَدْفَعُ عَنْهم غَلَبَ القَوِيِّ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ هو الغالِبُ لا يَدْفَعُهُ غالِبٌ.
وبُنِيَ فِعْلُ ”يُنْصَرُونَ“ إلى المَجْهُولِ لِيَعُمَّ نَفْيَ كُلِّ ناصِرٍ مَعَ إيجازِ العِبارَةِ.
صفحة ٣١٣
والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ وقَعَ عَقِبَ جُمْلَتَيْ ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَحُقَّ بِأنْ يَرْجِعَ إلى ما يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ في تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ. ولَنا في الجُمْلَتَيْنِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنها وهي مَوْلى الأوَّلِ المَرْفُوعِ بِفِعْلِ يُغْنِي، ومَوْلى الثّانِي المَجْرُورِ بِحَرْفِ (عَنْ)، وضَمِيرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، فالِاسْتِثْناءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّلاثَةِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المَوالِي، أيْ فَإنَّهُ يَأْذَنُ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِ، ويَأْذَنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّهُ يُقالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» . والشَّفاعَةُ: إغْناءٌ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ. والشُّفَعاءُ يَوْمَئِذٍ أوْلِياءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ مِنَ الشُّفَعاءِ المَلائِكَةُ وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] .
وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ قَبْلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهْلِ المَحْشَرِ، والمَعْنى: لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَن يُغْنِي عَنْهُ أوْ يَنْصُرُهُ وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وأسْبابُ رَحْمَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى رِضاهُ عَنْ عَبْدِهِ وذَلِكَ سِرٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو جَوابٌ مُجْمَلٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ تَعْيِينِ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، أيْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُكْرِهُهُ أحَدٌ عَلى العُدُولِ عَنْ مُرادِهِ، فَهو يَرْحَمُ مَن يَرْحَمُهُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ وهو رَحِيمٌ، أيْ واسِعُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلى وفْقِ ما جَرى بِهِ عَلِمُهُ وحِكْمَتُهُ ووَعْدُهُ. وفي الحَدِيثِ: «ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمُكم مَن في السَّماءِ» .
الدخان 44:42
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصُرُونَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها مَنزِلَةَ النَّتِيجَةِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، والمَعْنى: فَيَوْمُ الفَصْلِ مِيقاتُهم إعْلامًا لَهم بِأنَّ يَوْمَ القَضاءِ هو أجَلُ الجَزاءِ، فَهَذا وعِيدٌ لَهم وتَأْكِيدُ الخَبَرِ لِرَدِّ إنْكارِهِمْ.
ويَوْمَ الفَصْلِ: هو يَوْمُ الحُكْمِ، لِأنَّهُ يُفْصَلُ فِيهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ قالَ تَعالى ﴿لِأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] ﴿لِيَوْمِ الفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] .
والمِيقاتُ: اسْمُ زَمانِ التَّوْقِيتِ، أيِ التَّأْجِيلِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ المِيقاتِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ مِيقاتُ جَزائِهِمْ.
وأُضِيفَ المِيقاتُ إلى ضَمِيرِ المُخْبَرِ عَنْهم لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ وإلّا فَإنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُ جَمِيعِ الخَلْقِ مُؤْمِنِيهِمْ وكُفّارِهِمْ.
والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الإحاطَةِ والشُّمُولِ، أيْ مِيقاتٌ
صفحة ٣١٢
لِجَزائِهِمْ كُلِّهِمْ لا يُفْلِتُ مِنهُ أحَدٌ مِنهم تَقْوِيَةً في الوَعِيدِ وتَأْيِيسًا مِنَ الِاسْتِثْناءِ.
و﴿يَوْمَ لا يُغْنِى مَوْلًى﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الفَصْلِ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وفَتْحَةُ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ فَتْحَةُ إعْرابٍ لِأنَّ (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ ذاتِ فِعْلٍ مُعْرَبٍ.
والمَوْلى: القَرِيبُ والحَلِيفُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] في سُورَةِ مَرْيَمَ. وتَنْكِيرُ مَوْلًى في سِياقِ النَّفْيِ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا يُغْنِي أحَدٌ مِنَ المَوالِي كائِنًا مَن كانَ عَنْ أحَدٍ مِن مَوالِيهِ كائِنًا مَن كانَ.
و”شَيْئًا“ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأنَّ المُرادَ شَيْئًا مِن إغْناءٍ. وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّقْلِيلِ وهو الغالِبُ في تَنْكِيرِ لَفْظِ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبإ: ١٦] . ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ أيْضًا، يَعْنِي أيَّ إغْناءٍ كانَ في القِلَّةِ بَلْهَ الإغْناءِ الكَثِيرِ. والمَعْنى: يَوْمَ لا تُغْنِي عَنْهم مَوالِيهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى التَّعْمِيمِ لِأنَّهُ أوْسَعُ فائِدَةً إذْ هو بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
والإغْناءُ: الإفادَةُ والنَّفْعُ بِالكَثِيرِ أوِ القَلِيلِ، وضَمِيرًا ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ راجِعانِ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ أهم خَيْرٌ، وهو اسْمُ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] . والمَعْنى: أنَّهم لا يُغْنِي عَنْهم أوْلِياؤُهُمُ المَظْنُونُ بِهِمْ ذَلِكَ ولا يَنْصُرُهم مُقَيَّضُونَ آخَرُونَ لَيْسُوا مِن مَوالِيهِمْ تَأْخُذُهُمُ الحَمِيَّةُ أوِ الغَيْرَةُ أوِ الشَّفَقَةُ فَيَنْصُرُونَهم.
والنَّصْرُ: الإعانَةُ عَلى العَدْوِّ وعَلى الغالِبِ، وهو أشَدُّ الإغْناءِ.
فَعُطِفَ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ عَلى ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ زِيادَةً في نَفْيِ عَدَمِ الإغْناءِ.
فَمُحَصَّلُ المَعْنى أنَّهُ لا يُغْنِي مُوالٍ عَنْ مُوالِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ الإغْناءِ حَسَبَ مُسْتَطاعِهِ ولا يَنْصُرُهم ناصِرٌ شَدِيدُ الِاسْتِطاعَةِ هو أقْوى مِنهم يَدْفَعُ عَنْهم غَلَبَ القَوِيِّ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ هو الغالِبُ لا يَدْفَعُهُ غالِبٌ.
وبُنِيَ فِعْلُ ”يُنْصَرُونَ“ إلى المَجْهُولِ لِيَعُمَّ نَفْيَ كُلِّ ناصِرٍ مَعَ إيجازِ العِبارَةِ.
صفحة ٣١٣
والِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ ﴿إلّا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ وقَعَ عَقِبَ جُمْلَتَيْ ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ فَحُقَّ بِأنْ يَرْجِعَ إلى ما يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْناءِ مِنهُ في تَيْنِكَ الجُمْلَتَيْنِ. ولَنا في الجُمْلَتَيْنِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ تَصْلُحُ لِأنْ يُسْتَثْنى مِنها وهي مَوْلى الأوَّلِ المَرْفُوعِ بِفِعْلِ يُغْنِي، ومَوْلى الثّانِي المَجْرُورِ بِحَرْفِ (عَنْ)، وضَمِيرُ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾، فالِاسْتِثْناءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّلاثَةِ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، أيْ إلّا مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مِنَ المَوالِي، أيْ فَإنَّهُ يَأْذَنُ أنْ يُشَفَّعَ فِيهِ، ويَأْذَنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾ [سبإ: ٢٣] وقالَ ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨] . وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّهُ يُقالُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ «سَلْ تُعْطَهْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» . والشَّفاعَةُ: إغْناءٌ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ. والشُّفَعاءُ يَوْمَئِذٍ أوْلِياءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّ مِنَ الشُّفَعاءِ المَلائِكَةُ وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] .
وقِيلَ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ قَبْلَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى أهْلِ المَحْشَرِ، والمَعْنى: لَكِنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ لا يَحْتاجُ إلى مَن يُغْنِي عَنْهُ أوْ يَنْصُرُهُ وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ.
وأسْبابُ رَحْمَةِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُها إلى رِضاهُ عَنْ عَبْدِهِ وذَلِكَ سِرٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ هو جَوابٌ مُجْمَلٌ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ تَعْيِينِ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، أيْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يُكْرِهُهُ أحَدٌ عَلى العُدُولِ عَنْ مُرادِهِ، فَهو يَرْحَمُ مَن يَرْحَمُهُ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ وهو رَحِيمٌ، أيْ واسِعُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَلى وفْقِ ما جَرى بِهِ عَلِمُهُ وحِكْمَتُهُ ووَعْدُهُ. وفي الحَدِيثِ: «ارْحَمُوا مَن في الأرْضِ يَرْحَمُكم مَن في السَّماءِ» .
الدخان 44:43
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:44
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:45
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:46
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:47
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:48
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:49
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:50
صفحة ٣١٤
”﴿إنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ ﴿كالمُهْلِ تَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتُلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ فَرِيقًا مَرْحُومِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ قابَلَهُ هُنا بِفَرِيقٍ مُعَذَّبِينَ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ووَصَفَ بَعْضَ أصْنافِ عَذابِهِمْ وهو مَأْكَلُهم وإهانَتُهم وتَحْرِيقُهم، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ الكَلامُ بِالإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم يَأْكُلُونَ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥١] الآيَةَ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإخْبارِ عَنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ بِأنَّها طَعامُ الأثِيمِ اهْتِمامًا بِالإعْلامِ بِحالِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ. وقَدْ جُعِلَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ شَيْئًا مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ فَأخْبَرَ عَنْها بِطَرِيقِ تَعْرِيفِ الإضافَةِ لِأنَّها سَبَقَ ذِكْرُها في سُورَةِ الواقِعَةِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ فَإنَّ الواقِعَةَ عُدَّتِ السّادِسَةَ والأرْبَعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ وسُورَةُ الدُّخانِ ثالِثَةٌ وسِتِّينَ.
ومَعْنى كَوْنِ الشَّجَرَةِ طَعامًا أنَّ ثَمَرَها طَعامٌ، كَما قالَ تَعالى ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها﴾ [الصافات: ٦٦] .
وكُتِبَتْ كَلِمَةُ“ شَجَرَتَ ”في المَصاحِفِ بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ وكانَ الشّائِعُ في رَسْمِ أواخِرِ الكَلِمِ أنْ تُراعى فِيهِ حالَةُ الوَقْفِ، فَهَذا مِمّا جاءَ عَلى خِلافِ الأصْلِ.
والأثِيمُ: الكَثِيرُ الآثامِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ زِنَةُ فَعِيلٍ. والمُرادُ بِهِ: المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ [الدخان: ٣٤] ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥]، فَهَذا مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى أنَّ المُهِمَّ بِالشِّرْكِ مَعَ سَبَبِ مُعامَلَتِهِمْ هَذِهِ.
صفحة ٣١٥
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ في سُورَةِ الصّافّاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ.
والمُهْلُ بِضَمِّ المِيمِ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ. والتَّشْبِيهُ بِهِ في سَوادِ لَوْنِهِ وقِيلَ في ذَوَبانِهِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ الَّذِي انْتَهى غَلَيانُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ هو هَيْئَةُ غَلَيانِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ“ تَغْلِي ”بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ.
وإسْنادُ الغَلَيانِ إلى الشَّجَرَةِ مَجازٌ وإنَّما الَّذِي يَغْلِي ثَمَرُها. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِالتَّحْتِيَّةِ عَلى رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى الطَّعامِ لا إلى المُهْلِ.
والغَلَيانُ: شِدَّةُ تَأثُّرِ الشَّيْءِ بِحَرارَةِ النّارِ يُقالُ: غَلى الماءُ وغَلَتِ القِدْرُ، قالَ النّابِغَةُ.
يَسِيرُ بِها النُّعْمانُ تَغْلِي قُدُورُهُ
وجُمْلَةُ“ خُذُوهُ ”إلَخْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ يُقالُ لِمَلائِكَةِ العَذابِ: خُذُوهُ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ عائِدٌ إلى الأثِيمِ بِاعْتِبارِ آحادِ جِنْسِهِ.
والعَتْلُ: القَوْدُ بِعُنْفٍ وهو أنْ يُؤْخَذَ بِتَلْبِيبِ أحَدٍ فَيُقادَ إلى سَجْنٍ أوْ عَذابٍ، وماضِيهِ جاءَ بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِها.
وقَرَأهُ بِالضَّمِّ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ التّاءِ.
وسَواءُ الشَّيْءِ: وسَطُهُ وهو أشَدُّ المَكانِ حَرارَةً.
وقَوْلُهُ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ يَتَنازَعُهُ في التَّعَلُّقِ كُلُّ مِن فِعْلَيْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ لِتَضَمُّنِهِما: سُوقُوهُ سَوْقًا عَنِيفًا.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ صَبَّ الحَمِيمِ عَلى رَأْسِهِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أخْذِهِ وعَتْلِهِ.
والصَّبُّ: إفْراغُ الشَّيْءِ المَظْرُوفِ مِنَ الظَّرْفِ، وفِعْلُ الصَّبِّ لا يَتَعَدّى إلى العَذابِ لِأنَّ العَذابَ أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ لا يُصَبُّ. فالصَّبُّ مُسْتَعارٌ لِلتَّقْوِيَةِ والإسْراعِ فَهو تَمْثِيلِيَّةٌ
صفحة ٣١٦
اقْتَضاها تَرْوِيعُ الأثِيمِ حِينَ سَمِعَها، فَلَمّا كانَ المَحْكِيُّ هُنا القَوْلَ الَّذِي يَسْمَعُهُ الأثِيمُ صِيغَ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَهْوِيلًا، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩] الَّذِي هو إخْبارٌ عَنْهم في زَمَنٍ هم غَيْرُ سامِعِيهِ فَلَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ إذْ لا مُقْتَضى لَها.
وجُمْلَةُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ آخَرَ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قُولُوا لَهُ أوْ يُقالُ لَهُ.
والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإحْساسِ وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإهانَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِعَلاقَةِ الضِّدِّيَّةِ.
والمَقْصُودُ عَكْسُ مَدْلُولِهِ، أيْ أنْتَ الذَّلِيلُ المُهانُ، والتَّأْكِيدُ لِلْمَعْنى التَّهَكُّمِيِّ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّكَ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ المُنْفَصِلِ في قَوْلِهِ“ أنْتَ ”تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ في“ إنَّكَ " ولا يُؤَكَّدُ ضَمِيرُ النَّصْبِ المُتَّصِلِ إلّا بِضَمِيرِ رَفْعٍ مُنْفَصِلٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ بَقِيَّةُ القَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ ويُقالُ لِلْآثِمِينَ جَمِيعًا: إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ في الدُّنْيا. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ، واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى الحالَةِ الحاضِرَةِ لَدَيْهِمْ، أيْ هَذا العَذابُ والجَزاءُ هو ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ في الدُّنْيا.
والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، وأطْلَقَ الِامْتِراءَ عَلى جَزْمِهِمْ بِنَفْيِ يَقِينِهِمْ بِانْتِفاءِ البَعْثِ لِأنَّ يَقِينَهم لَمّا كانَ خَلِيًّا عَنْ دَلائِلِ العِلْمِ كانَ بِمَنزِلَةِ الشَّكِّ، أيْ أنَّ البَعْثَ هو بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُوقَنَ بِنَفْيِهِ عَلى نَحْوِ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] .
الدخان 44:51
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مُقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن وصْفِ عَذابِ الأثِيمِ إلى وصْفِ نَعِيمِ المُتَّقِينَ لِمُناسَبَةِ التَّضادِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ والعَكْسُ.
صفحة ٣١٧
والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: مَكانُ الإقامَةِ. والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ ويَتَناوَلُ المَسْكَنَ وما يَتْبَعُهُ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ.
والمُرادُ بِالمَقامِ المَكانُ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ.
والأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ والمُرادُ: الآمِنُ ساكِنُهُ، فَوَصْفُهُ بِـ ”أمِينٍ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] . والأمْنُ أكْبَرُ شُرُوطِ حُسْنِ المَكانِ لِأنَّ السّاكِنَ أوَّلُ ما يَتَطَلَّبُ الأمْنَ وهو السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ والمَخاوِفِ فَإذا كانَ آمِنًا في مَنزِلِهِ كانَ مُطْمَئِنَّ البالِ شاعِرًا بِالنَّعِيمِ الَّذِي يَنالُهُ. وأبَدَلَ مِنهُ بِأنَّهم ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وذَلِكَ مِن وسائِلِ النُّزْهَةِ والطِّيبِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (في) مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذا نَعِيمُ مَكانِهِمْ. ووَصَفَ نَعِيمَ أجْسادِهِمْ بِذِكْرِ لِباسِهِمْ وهو لِباسُ التَّرَفِ والنَّعِيمِ وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوَفُّرِ أسْبابِ نَعِيمِ الأجْسادِ لِأنَّهُ لا يَلْبَسُ هَذا اللِّباسَ إلّا مَنِ اسْتَكْمَلَ ما قَبْلَهُ مِن مُلائِماتِ الجَسَدِ باطِنَهُ وظاهِرَهُ.
والسُّنْدُسُ: الدِّيباجُ الرَّقِيقُ النَّفِيسُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ وقِيلَ عَرَبِيٌّ. أصْلُهُ: سِنْدِيٌّ، مَنسُوبٌ إلى السِّنْدِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. والسُّنْدُسُ يُلْبَسُ مِمّا يَلِي الجَسَدَ.
والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ القَوِيُّ يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ وهو مُعَرَّبُ ”اسْتَبَرَهْ“ فارِسِيَّةٌ، وهو الغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ الدِّيباجِ، ثُمَّ عُرِّبَ.
وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
و(مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، والمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَلْبَسُونَ. والتَّقْدِيرُ: ثِيابًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ.
صفحة ٣١٨
ثُمَّ وصَفَ نَعِيمَ نُفُوسِهِمْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مَجالِسِهِمْ ومُحادَثاتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَقابِلِينَ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مَعَ الأصْحابِ والأحِبَّةِ نَعِيمٌ لِلنَّفْسِ فَأغْنى قَوْلُهُ مُتَقابِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اجْتِماعِهِمْ وتَحابِّهِمْ وحَدِيثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم أجْمَعِينَ بِأنَّ ذِكْرَ ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو صِيغَةُ مُتَقابِلِينَ ومادَّتُهُ عَلى وجْهِ الإيجازِ البَدِيعِ.
الدخان 44:52
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مُقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن وصْفِ عَذابِ الأثِيمِ إلى وصْفِ نَعِيمِ المُتَّقِينَ لِمُناسَبَةِ التَّضادِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ والعَكْسُ.
صفحة ٣١٧
والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: مَكانُ الإقامَةِ. والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ ويَتَناوَلُ المَسْكَنَ وما يَتْبَعُهُ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ.
والمُرادُ بِالمَقامِ المَكانُ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ.
والأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ والمُرادُ: الآمِنُ ساكِنُهُ، فَوَصْفُهُ بِـ ”أمِينٍ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] . والأمْنُ أكْبَرُ شُرُوطِ حُسْنِ المَكانِ لِأنَّ السّاكِنَ أوَّلُ ما يَتَطَلَّبُ الأمْنَ وهو السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ والمَخاوِفِ فَإذا كانَ آمِنًا في مَنزِلِهِ كانَ مُطْمَئِنَّ البالِ شاعِرًا بِالنَّعِيمِ الَّذِي يَنالُهُ. وأبَدَلَ مِنهُ بِأنَّهم ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وذَلِكَ مِن وسائِلِ النُّزْهَةِ والطِّيبِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (في) مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذا نَعِيمُ مَكانِهِمْ. ووَصَفَ نَعِيمَ أجْسادِهِمْ بِذِكْرِ لِباسِهِمْ وهو لِباسُ التَّرَفِ والنَّعِيمِ وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوَفُّرِ أسْبابِ نَعِيمِ الأجْسادِ لِأنَّهُ لا يَلْبَسُ هَذا اللِّباسَ إلّا مَنِ اسْتَكْمَلَ ما قَبْلَهُ مِن مُلائِماتِ الجَسَدِ باطِنَهُ وظاهِرَهُ.
والسُّنْدُسُ: الدِّيباجُ الرَّقِيقُ النَّفِيسُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ وقِيلَ عَرَبِيٌّ. أصْلُهُ: سِنْدِيٌّ، مَنسُوبٌ إلى السِّنْدِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. والسُّنْدُسُ يُلْبَسُ مِمّا يَلِي الجَسَدَ.
والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ القَوِيُّ يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ وهو مُعَرَّبُ ”اسْتَبَرَهْ“ فارِسِيَّةٌ، وهو الغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ الدِّيباجِ، ثُمَّ عُرِّبَ.
وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
و(مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، والمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَلْبَسُونَ. والتَّقْدِيرُ: ثِيابًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ.
صفحة ٣١٨
ثُمَّ وصَفَ نَعِيمَ نُفُوسِهِمْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مَجالِسِهِمْ ومُحادَثاتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَقابِلِينَ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مَعَ الأصْحابِ والأحِبَّةِ نَعِيمٌ لِلنَّفْسِ فَأغْنى قَوْلُهُ مُتَقابِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اجْتِماعِهِمْ وتَحابِّهِمْ وحَدِيثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم أجْمَعِينَ بِأنَّ ذِكْرَ ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو صِيغَةُ مُتَقابِلِينَ ومادَّتُهُ عَلى وجْهِ الإيجازِ البَدِيعِ.
الدخان 44:53
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مُقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتَقَلَ بِهِ الكَلامُ مِن وصْفِ عَذابِ الأثِيمِ إلى وصْفِ نَعِيمِ المُتَّقِينَ لِمُناسَبَةِ التَّضادِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ والعَكْسُ.
صفحة ٣١٧
والمُقامُ بِضَمِّ المِيمِ: مَكانُ الإقامَةِ. والمَقامُ بِفَتْحِ المِيمِ: مَكانُ القِيامِ ويَتَناوَلُ المَسْكَنَ وما يَتْبَعُهُ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المِيمِ.
والمُرادُ بِالمَقامِ المَكانُ فَهو مَجازٌ بِعَلاقَةِ الخُصُوصِ والعُمُومِ.
والأمِينُ بِمَعْنى الآمِنِ والمُرادُ: الآمِنُ ساكِنُهُ، فَوَصْفُهُ بِـ ”أمِينٍ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] . والأمْنُ أكْبَرُ شُرُوطِ حُسْنِ المَكانِ لِأنَّ السّاكِنَ أوَّلُ ما يَتَطَلَّبُ الأمْنَ وهو السَّلامَةُ مِنَ المَكارِهِ والمَخاوِفِ فَإذا كانَ آمِنًا في مَنزِلِهِ كانَ مُطْمَئِنَّ البالِ شاعِرًا بِالنَّعِيمِ الَّذِي يَنالُهُ. وأبَدَلَ مِنهُ بِأنَّهم ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ وذَلِكَ مِن وسائِلِ النُّزْهَةِ والطِّيبِ. وأُعِيدَ حَرْفُ (في) مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. والعُيُونُ: جَمْعُ عَيْنٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَهَذا نَعِيمُ مَكانِهِمْ. ووَصَفَ نَعِيمَ أجْسادِهِمْ بِذِكْرِ لِباسِهِمْ وهو لِباسُ التَّرَفِ والنَّعِيمِ وفِيهِ كِنايَةٌ عَنْ تَوَفُّرِ أسْبابِ نَعِيمِ الأجْسادِ لِأنَّهُ لا يَلْبَسُ هَذا اللِّباسَ إلّا مَنِ اسْتَكْمَلَ ما قَبْلَهُ مِن مُلائِماتِ الجَسَدِ باطِنَهُ وظاهِرَهُ.
والسُّنْدُسُ: الدِّيباجُ الرَّقِيقُ النَّفِيسُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنَ الفارِسِيَّةِ وقِيلَ عَرَبِيٌّ. أصْلُهُ: سِنْدِيٌّ، مَنسُوبٌ إلى السِّنْدِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. والسُّنْدُسُ يُلْبَسُ مِمّا يَلِي الجَسَدَ.
والإسْتَبْرَقُ: الدِّيباجُ القَوِيُّ يُلْبَسُ فَوْقَ الثِّيابِ وهو مُعَرَّبُ ”اسْتَبَرَهْ“ فارِسِيَّةٌ، وهو الغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ الدِّيباجِ، ثُمَّ عُرِّبَ.
وتَقَدَّما في قَوْلِهِ ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: ٣١] في سُورَةِ الكَهْفِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
و(مِن) لِبَيانِ الجِنْسِ، والمُبَيَّنُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ يَلْبَسُونَ. والتَّقْدِيرُ: ثِيابًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ.
صفحة ٣١٨
ثُمَّ وصَفَ نَعِيمَ نُفُوسِهِمْ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مَجالِسِهِمْ ومُحادَثاتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُتَقابِلِينَ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مَعَ الأصْحابِ والأحِبَّةِ نَعِيمٌ لِلنَّفْسِ فَأغْنى قَوْلُهُ مُتَقابِلِينَ عَنْ ذِكْرِ اجْتِماعِهِمْ وتَحابِّهِمْ وحَدِيثِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وأنَّ ذَلِكَ شَأْنُهم أجْمَعِينَ بِأنَّ ذِكْرَ ما يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ وهو صِيغَةُ مُتَقابِلِينَ ومادَّتُهُ عَلى وجْهِ الإيجازِ البَدِيعِ.
الدخان 44:54
﴿كَذَلِكَ﴾
اعْتِراضٌ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
* * *
﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]
مَعْنى ”زَوَّجْناهم“ جَعَلْناهم أزْواجًا جَمْعَ زَوْجٍ ضِدِّ الفَرْدِ، أيْ جَعَلْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنَ المُتَّقِينَ زَوْجًا بِسَبَبِ نِساءٍ حُورِ العُيُونِ.
والزَّوْجُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ القَرِينِ، أيْ قَرَنّا بِكُلِّ واحِدٍ نِساءً حُورًا عِينًا، ولَيْسَ فِعْلُ ”زَوَّجْناهم“ هُنا مُشْتَقًّا مِنَ الزَّوْجِ الشّائِعِ إطْلاقُهُ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ وعَلى رَجُلِ المَرْأةِ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ يُقالُ: زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلانٍ، قالَ تَعالى ”﴿زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]“، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ هُنا إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ، إذْ لَيْسَ في الجَنَّةِ عُقُودُ نِكاحٍ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم مَأْنُوسُونَ بِصُحْبَةِ حَبائِبَ مِنَ النِّساءِ كَما أنِسُوا بِصُحْبَةِ الأصْحابِ والأحِبَّةِ مِنَ الرِّجالِ اسْتِكْمالًا لِمُتَعارَفِ الأُنْسِ بَيْنَ النّاسِ. وُفي كِلا الأُنْسَيْنِ نَعِيمٌ نَفْسانِيٌّ مُنْجَرٌّ لِلنَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ الجُثْمانِيِّ، وهَذا مَعْنًى سامٍ مِن مَعانِي الِانْبِساطِ الرُّوحِيِّ وإنَّما أفْسَدَ بَعْضَهُ في الدُّنْيا ما يُخالِطُ بَعْضَهُ مِن أحْوالٍ تَجُرُّ إلى فَسادٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ مِثْلَ ارْتِكابِ المُحَرَّمِ شَرْعًا ومِثْلَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ قَسْرًا،
صفحة ٣١٩
ومِن مُصْطَلَحاتِ مُتَكَلَّفَةٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهَ سُكُونًا فَقالَ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
والحُورُ: جَمْعُ الحَوْراءِ، وهي البَيْضاءُ، أيْ بِنِساءٍ بَضِيضاتِ الجِلْدِ.
والعَيْنُ: جَمْعُ العَيْناءِ، وهي واسِعَةُ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وشَمِلَ الحُورُ العِينِ النِّساءَ اللّاءِ كُنَّ أزْواجَهم في الدُّنْيا، ونِساءً يَخْلُقُهُنَّ اللَّهُ لِأجْلِ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وقالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] .
ومَعْنى ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ هم يَأْمُرُونَ بِأنْ تَحَضُرَ لَهُمُ الفاكِهَةُ، أيْ فَيُجابُونَ.
والدُّعاءُ نَوْعٌ مِنَ الأمْرِ أيْ يَأْذَنُونَ بِكُلِّ فاكِهَةٍ، أيْ بِإحْضارِ كُلِّ فاكِهَةٍ.
و”كُلِّ“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ الشَّدِيدَةِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الإحاطَةِ، أيْ بِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الفاكِهَةِ.
والفاكِهَةُ: ما يُتَفَكَّهُ بِهِ، أيْ يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ، و”آمِنِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ. والمُرادُ هُنا أمْنٌ خاصٌّ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فِي مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] وهو الأمْنُ مِنَ الغَوائِلِ والآلامِ مِن تِلْكَ الفَواكِهِ عَلى خِلافِ حالِ الإكْثارِ مِنَ الطَّعامِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ في خَمْرِ الجَنَّةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أوْ آمَنِينَ مِن نَفادِ ذَلِكَ وانْقِطاعِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] حالٌ أُخْرى. وهَذِهِ بِشارَةٌ بِخُلُودِ النِّعْمَةِ لِأنَّ المَوْتَ يَقْطَعُ ما كانَ في الحَياةِ مِنَ النَّعِيمِ لِأصْحابِ النَّعِيمِ كَما كانَ الإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لا يَمُوتُونَ نِذارَةً بِدَوامِ العَذابِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ انْتِفاءِ ذَوْقِ المَوْتِ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَذُوقُونَ المَوْتَ ألْبَتَّةَ وقَرِينَةُ ذَلِكَ وصْفُها بِ ”الأُولى“ . والمُرادُ بِـ ”الأُولى“ السّالِفَةُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] .
الدخان 44:55
﴿كَذَلِكَ﴾
اعْتِراضٌ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْناهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] في سُورَةِ الكَهْفِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
* * *
﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]
مَعْنى ”زَوَّجْناهم“ جَعَلْناهم أزْواجًا جَمْعَ زَوْجٍ ضِدِّ الفَرْدِ، أيْ جَعَلْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنَ المُتَّقِينَ زَوْجًا بِسَبَبِ نِساءٍ حُورِ العُيُونِ.
والزَّوْجُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ القَرِينِ، أيْ قَرَنّا بِكُلِّ واحِدٍ نِساءً حُورًا عِينًا، ولَيْسَ فِعْلُ ”زَوَّجْناهم“ هُنا مُشْتَقًّا مِنَ الزَّوْجِ الشّائِعِ إطْلاقُهُ عَلى امْرَأةِ الرَّجُلِ وعَلى رَجُلِ المَرْأةِ لِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ يُقالُ: زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وتَزَوَّجَ بِنْتَ فُلانٍ، قالَ تَعالى ”﴿زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]“، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُرادٍ هُنا إذْ لا طائِلَ تَحْتَهُ، إذْ لَيْسَ في الجَنَّةِ عُقُودُ نِكاحٍ، وإنَّما المُرادُ أنَّهم مَأْنُوسُونَ بِصُحْبَةِ حَبائِبَ مِنَ النِّساءِ كَما أنِسُوا بِصُحْبَةِ الأصْحابِ والأحِبَّةِ مِنَ الرِّجالِ اسْتِكْمالًا لِمُتَعارَفِ الأُنْسِ بَيْنَ النّاسِ. وُفي كِلا الأُنْسَيْنِ نَعِيمٌ نَفْسانِيٌّ مُنْجَرٌّ لِلنَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ الجُثْمانِيِّ، وهَذا مَعْنًى سامٍ مِن مَعانِي الِانْبِساطِ الرُّوحِيِّ وإنَّما أفْسَدَ بَعْضَهُ في الدُّنْيا ما يُخالِطُ بَعْضَهُ مِن أحْوالٍ تَجُرُّ إلى فَسادٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ مِثْلَ ارْتِكابِ المُحَرَّمِ شَرْعًا ومِثْلَ الِاعْتِداءِ عَلى المَرْأةِ قَسْرًا،
صفحة ٣١٩
ومِن مُصْطَلَحاتِ مُتَكَلَّفَةٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهَ سُكُونًا فَقالَ ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] .
والحُورُ: جَمْعُ الحَوْراءِ، وهي البَيْضاءُ، أيْ بِنِساءٍ بَضِيضاتِ الجِلْدِ.
والعَيْنُ: جَمْعُ العَيْناءِ، وهي واسِعَةُ العَيْنِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وشَمِلَ الحُورُ العِينِ النِّساءَ اللّاءِ كُنَّ أزْواجَهم في الدُّنْيا، ونِساءً يَخْلُقُهُنَّ اللَّهُ لِأجْلِ الجَنَّةِ قالَ تَعالى ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ [الواقعة: ٣٥] وقالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾ [يس: ٥٦] .
ومَعْنى ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ أيْ هم يَأْمُرُونَ بِأنْ تَحَضُرَ لَهُمُ الفاكِهَةُ، أيْ فَيُجابُونَ.
والدُّعاءُ نَوْعٌ مِنَ الأمْرِ أيْ يَأْذَنُونَ بِكُلِّ فاكِهَةٍ، أيْ بِإحْضارِ كُلِّ فاكِهَةٍ.
و”كُلِّ“ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في الكَثْرَةِ الشَّدِيدَةِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الإحاطَةِ، أيْ بِكُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الفاكِهَةِ.
والفاكِهَةُ: ما يُتَفَكَّهُ بِهِ، أيْ يُتَلَذَّذُ بِطَعْمِهِ مِنَ الثِّمارِ ونَحْوِها.
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ حالٌ مِنَ المُتَّقِينَ، و”آمِنِينَ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ. والمُرادُ هُنا أمْنٌ خاصٌّ غَيْرُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فِي مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] وهو الأمْنُ مِنَ الغَوائِلِ والآلامِ مِن تِلْكَ الفَواكِهِ عَلى خِلافِ حالِ الإكْثارِ مِنَ الطَّعامِ في الدُّنْيا كَقَوْلِهِ في خَمْرِ الجَنَّةِ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٧]، أوْ آمَنِينَ مِن نَفادِ ذَلِكَ وانْقِطاعِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] حالٌ أُخْرى. وهَذِهِ بِشارَةٌ بِخُلُودِ النِّعْمَةِ لِأنَّ المَوْتَ يَقْطَعُ ما كانَ في الحَياةِ مِنَ النَّعِيمِ لِأصْحابِ النَّعِيمِ كَما كانَ الإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشِّرْكِ لا يَمُوتُونَ نِذارَةً بِدَوامِ العَذابِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ ﴿إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ انْتِفاءِ ذَوْقِ المَوْتِ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لا يَذُوقُونَ المَوْتَ ألْبَتَّةَ وقَرِينَةُ ذَلِكَ وصْفُها بِ ”الأُولى“ . والمُرادُ بِـ ”الأُولى“ السّالِفَةُ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ [الدخان: ٣٥] .
الدخان 44:56
صفحة ٣٢٠
﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
عُطِفَ عَلى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] . وهَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ السَّلامَةِ مِمّا ارْتَبَكَ فِيهِ غَيْرُهم. وذَلِكَ مِمّا يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما ورَدَ أنَّ مِن آدابِ مَن يَرى غَيْرَهُ في شِدَّةٍ أوْ بَأْسٍ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمّا هو فِيهِ.
وضَمِيرُ وقاهم عائِدٌ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وزَوَّجْناهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
و”فَضْلًا“ حالٌ مِنَ المَذْكُوراتِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وذِكْرُ الرَّبِّ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَضْلًا مِنهُ أوْ مِنّا. ونُكْتَةُ هَذا الإظْهارِ تَشْرِيفُ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ والإيماءُ إلى أنَّ ذَلِكَ إكْرامٌ لَهُ لِإيمانِهِمْ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ، والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِتَعْظِيمِ الفَضْلِ بِبُعْدِ المَرْتَبَةِ.
وأُتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَخْصِيصِ الفَوْزِ بِالفَضْلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو قَصْرٌ لِإفادَةِ مَعْنى الكَمالِ كَأنَّهُ لا فَوْزَ غَيْرُهُ.
الدخان 44:57
صفحة ٣٢٠
﴿ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
عُطِفَ عَلى ﴿وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان: ٥٤] . وهَذا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ السَّلامَةِ مِمّا ارْتَبَكَ فِيهِ غَيْرُهم. وذَلِكَ مِمّا يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما ورَدَ أنَّ مِن آدابِ مَن يَرى غَيْرَهُ في شِدَّةٍ أوْ بَأْسٍ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمّا هو فِيهِ.
وضَمِيرُ وقاهم عائِدٌ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في وزَوَّجْناهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
و”فَضْلًا“ حالٌ مِنَ المَذْكُوراتِ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وذِكْرُ الرَّبِّ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَضْلًا مِنهُ أوْ مِنّا. ونُكْتَةُ هَذا الإظْهارِ تَشْرِيفُ مَقامِ النَّبِيءِ ﷺ والإيماءُ إلى أنَّ ذَلِكَ إكْرامٌ لَهُ لِإيمانِهِمْ بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ، والإشارَةُ في ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِتَعْظِيمِ الفَضْلِ بِبُعْدِ المَرْتَبَةِ.
وأُتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِتَخْصِيصِ الفَوْزِ بِالفَضْلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو قَصْرٌ لِإفادَةِ مَعْنى الكَمالِ كَأنَّهُ لا فَوْزَ غَيْرُهُ.
الدخان 44:58
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها مُتَفَرِّعٌ عَمّا قَبْلَها حَيْثُ كانَ المَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ، أيْ إجْمالٌ لِأغْراضِها بَعْدَ تَفْصِيلِها فِيما مَضى إحْضارًا لِتِلْكَ الأغْراضِ وضَبْطًا لِتَرَتُّبِ عِلَّتِها.
وضَمِيرُ يَسَّرْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ
صفحة ٣٢١
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] إلَخْ، والَّذِي كانَ جُلُّ غَرَضِ السُّورَةِ في إثْباتِ إنْزالِهِ مِنَ اللَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ افْتِتاحُها بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢]، فَهَذا التَّفْرِيعُ مُرْتَبِطٌ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ وهو مَن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. فَهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعٌ لِمَعْنى الحَصْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إنْزالِ القُرْآنِ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ما تَقَدَّمَ في السُّورَةِ وما تَخَلَّلَهُ وتَبِعَهُ مِنَ المَواعِظِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَرَّعُ قَوْلَهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ . وقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو تَوْطِئَةٌ لَهُ اهْتِمامًا بِالمُقَدَّمِ وتَقْدِيرِ النَّظْمِ فَلَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ بِهَذا لِما يَسَّرْناهُ لَهم بِلِسانِهِمْ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ قَلْبٍ وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قَدْ سَهُلَ لَهم طَرِيقُ فَهْمِهِ بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ فَقابَلُوهُ بِالشَّكِّ والهُزْءِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ إنّا جَعَلْنا فَهْمَهُ يَسِيرًا - بِسَبَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى وهي لُغَتُهم - إلّا لِيَتَذَكَّرُوا فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا.
فَمَفْعُولُ يَسَّرْناهُ مُضافٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: فَهْمَهُ.
والباءُ في بِلِسانِكَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ لُغَتِكَ، أيِ العَرَبِيَّةِ وفي إضافَةِ اللِّسانِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنايَةٌ بِجانِبِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وإلّا فاللِّسانُ لِسانُ العَرَبِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] .
وإطْلاقُ اللِّسانِ وهو اسْمُ الجارِحَةِ المَعْرُوفَةِ في الفَمِ عَلى اللُّغَةِ مَجازٌ شائِعٌ لِأنَّ أهَمَّ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللِّسانُ الكَلامُ قالَ تَعالى ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .
وأفْصَحَ قَوْلُهُ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ عَنِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ. والتَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْهم بِهِ ولا تَسْأمْ لِعِنادِهِمْ فِيهِ ودُمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ التَّذَكُّرُ، فالتَّيْسِيرُ هُنا تَسْهِيلُ الفَهْمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧] إلَخْ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
و(لَعَلَّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ”﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢]“ .
صفحة ٣٢٢
وفِي هَذا الكَلامِ المُوجَزِ إخْبارٌ بِتَيْسِيرِ القُرْآنِ لِلْفَهْمِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّذَكُّرُ، قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وبِأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ كَوْنُهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وكَوْنُهُ عَلى لِسانِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ تَسَبُّبُهُ في حُصُولِ تَذَكُّرِهِمْ تَسَبُّبًا قَرِيبًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ.
وبِاعْتِبارِ هَذِهِ المَعانِي المُتَوافِرَةِ حَسُنَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْيِيدُ النَّبِيءِ ﷺ وتَهْدِيدُ مُعانِدِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ فارْتَقَبِ النَّصْرَ الَّذِي سَألْتَهُ بِأنْ تُعانَ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ فَإنَّهم مُرْتَقِبُونَ ذَلِكَ وأشَدَّ مِنهُ وهو البَطْشَةُ الكُبْرى.
وإطْلاقُ الِارْتِقابِ عَلى حالِ المُعانِدِينَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لاقُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ وقَدْ حَسَّنَها اعْتِبارُ المُشاكَلَةِ بَيْنَ ”ارْتَقِبْ“ و”مُرْتَقِبُونَ“ .
وجُمْلَةُ ”إنَّهم مُرْتَقِبُونَ“ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِ ”فارْتَقِبْ“ أيِ ارْتَقِبِ النَّصْرَ بِأنَّهم لاقَوُا العَذابَ بِالقَحْطِ وقَدْ أغْنَتْ (إنَّ) التَّسَبُّبَ والتَّعْلِيلَ.
وفِي هَذِهِ الخاتِمَةِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ إذْ كانَ صَدْرُ السُّورَةِ فِيهِ ذِكْرُ إنْزالِ الكِتابِ المُبِينِ وأنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكانَ في صَدْرِها الإنْذارُ بِارْتِقابِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ وذِكْرِ البَطْشَةِ الكُبْرى.
فَكانَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ خاتِمَةٌ عَزِيزَةُ المَنالِ اشْتَمَلَتْ عَلى حُسْنِ بَراعَةِ المَقْطَعِ وبَدِيعِ الإيجازِ.
* * *
صفحة ٣٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجاثِيَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِتُونِسَ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ ”سُورَةَ الجاثِيَةِ“ مُعَرَّفًا بِاللّامِ.
وتُسَمّى حم الجاثِيَةِ لِوُقُوعِ لَفْظِ (جاثِيَةٍ) فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، واقْتِرانُ لَفَظِ (الجاثِيَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ في اسْمِ السُّورَةِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ المَذْكُورَ فِيها خَلِيٌّ عَنْ لامِ التَّعْرِيفِ لِقَصْدِ تَحْسِينِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: سُورَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أيِ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها هَذِهِ الكَلِمَةُ، ولَيْسَ لِهَذا التَّعْرِيفِ فائِدَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وذَلِكَ تَسْمِيَةُ حم غافِرٍ، وحم الزُّخْرُفِ.
وتُسَمّى ”سُورَةُ شَرِيعَةٍ“ لِوُقُوعِ لَفْظ ”شَرِيعَةٍ“ فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ.
وتُسَمّى ”سُورَةَ الدَّهْرِ“ لِوُقُوعِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فِيها ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ الدَّهْرِ في ذَواتِ حم الأُخَرِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ، وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ فَأرادَ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ.
وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والسِّتُّونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الدُّخانِ وقَبْلَ الأحْقافِ.
صفحة ٣٢٤
وعَدَدُ آيِها في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ سِتٌّ وثَلاثُونَ. وفي عَدِّ الكُوفَةِ سَبْعٌ وثَلاثُونَ لِاخْتِلافِهِمْ في عَدِّ لَفْظِ حم آيَةً مُسْتَقِلَّةً.
* * *
أغْراضُها
الِابْتِداءُ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ تَوْطِئَةً لِما سَيُذْكَرُ بِأنَّهُ حَقٌّ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦] .
وإثْباتُ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن آثارِ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ في جَواهِرِ المَوْجُوداتِ وأعْراضِها وإدْماجِ ما فِيها مَعَ ذَلِكَ مِن نِعَمٍ يَحِقُّ عَلى النّاسِ شُكْرُها لا كُفْرُها.
ووَعِيدُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ والتَزَمُوا الآثامَ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في آياتِ القُرْآنِ والِاسْتِهْزاءِ بِها.
والتَّنْدِيدُ عَلى المُشْرِكِينَ إذِ اتَّخَذُوا آلِهَةً عَلى حَسَبِ أهْوائِهِمْ وإذْ جَحَدُوا البَعْثَ، وتَهْدِيدُهِمْ بِالخُسْرانِ يَوْمَ البَعْثِ، ووَصْفُ أهْوالِ ذَلِكَ، وما أُعِدَّ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِلْمُشْرِكِينَ ومِن رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ودُعاءُ المُسْلِمِينَ لِلْإعْراضِ عَنْ إساءَةِ الكُفّارِ لَهم والوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُخْزِي المُشْرِكِينَ.
ووَصْفُ بَعْضِ أحْوالِ يَوْمِ الجَزاءِ. ونَظَرُ الَّذِينَ أهْمَلُوا النَّظَرَ في آياتِ اللَّهِ مَعَ تِبْيانِها وخالَفُوا عَلى رَسُولِهِمْ ﷺ فِيما فِيهِ صَلاحُهم بِحالِ بَنِي إسْرائِيلَ في اخْتِلافِهِمْ في كِتابِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ العِلْمُ وبَعْدَ أنِ اتَّبَعُوهُ، فَما ظَنُّكَ بِمَن خالَفَ آياتِ اللَّهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن تَسْلِيطِ الأُمَمِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ.
وذَلِكَ تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شَأْنَ شَرْعِهِ مَعَ قَوْمِهِ كَشَأْنِ شَرِيعَةِ مُوسى لا تَسْلَمُ مِن مُخالِفٍ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِيها ولا في الَّذِي جاءَ بِها، وأنْ لا يَعْبَأ بِالمُعانِدِينَ ولا بِكَثْرَتِهِمْ إذْ لا وزْنَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
الدخان 44:59
﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾
الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها مُتَفَرِّعٌ عَمّا قَبْلَها حَيْثُ كانَ المَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ فَذْلَكَةً لِلسُّورَةِ، أيْ إجْمالٌ لِأغْراضِها بَعْدَ تَفْصِيلِها فِيما مَضى إحْضارًا لِتِلْكَ الأغْراضِ وضَبْطًا لِتَرَتُّبِ عِلَّتِها.
وضَمِيرُ يَسَّرْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ والمَذْكُورُ في قَوْلِهِ
صفحة ٣٢١
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] إلَخْ، والَّذِي كانَ جُلُّ غَرَضِ السُّورَةِ في إثْباتِ إنْزالِهِ مِنَ اللَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ افْتِتاحُها بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وقَوْلُهُ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢]، فَهَذا التَّفْرِيعُ مُرْتَبِطٌ بِذَلِكَ الِافْتِتاحِ وهو مَن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ. فَهَذا التَّفْرِيعُ تَفْرِيعٌ لِمَعْنى الحَصْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ لِبَيانِ الحِكْمَةِ في إنْزالِ القُرْآنِ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ فَيَكُونُ تَفْرِيعًا عَلى ما تَقَدَّمَ في السُّورَةِ وما تَخَلَّلَهُ وتَبِعَهُ مِنَ المَواعِظِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَرَّعُ قَوْلَهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ . وقُدِّمَ عَلَيْهِ ما هو تَوْطِئَةٌ لَهُ اهْتِمامًا بِالمُقَدَّمِ وتَقْدِيرِ النَّظْمِ فَلَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ بِهَذا لِما يَسَّرْناهُ لَهم بِلِسانِهِمْ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ قَلْبٍ وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ قَدْ سَهُلَ لَهم طَرِيقُ فَهْمِهِ بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ فَقابَلُوهُ بِالشَّكِّ والهُزْءِ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان: ٩] أيْ إنّا جَعَلْنا فَهْمَهُ يَسِيرًا - بِسَبَبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الفُصْحى وهي لُغَتُهم - إلّا لِيَتَذَكَّرُوا فَلَمْ يَتَذَكَّرُوا.
فَمَفْعُولُ يَسَّرْناهُ مُضافٌ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: فَهْمَهُ.
والباءُ في بِلِسانِكَ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ لُغَتِكَ، أيِ العَرَبِيَّةِ وفي إضافَةِ اللِّسانِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ عِنايَةٌ بِجانِبِهِ وتَعْظِيمٌ لَهُ، وإلّا فاللِّسانُ لِسانُ العَرَبِ كَما قالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] .
وإطْلاقُ اللِّسانِ وهو اسْمُ الجارِحَةِ المَعْرُوفَةِ في الفَمِ عَلى اللُّغَةِ مَجازٌ شائِعٌ لِأنَّ أهَمَّ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللِّسانُ الكَلامُ قالَ تَعالى ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] .
وأفْصَحَ قَوْلُهُ ”﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾“ عَنِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ. والتَّقْدِيرُ: فَذَكِّرْهم بِهِ ولا تَسْأمْ لِعِنادِهِمْ فِيهِ ودُمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ التَّذَكُّرُ، فالتَّيْسِيرُ هُنا تَسْهِيلُ الفَهْمِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧] إلَخْ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
و(لَعَلَّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّعْلِيلِ، أيْ لِأجْلِ أنْ يَتَذَكَّرُوا بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ”﴿وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢]“ .
صفحة ٣٢٢
وفِي هَذا الكَلامِ المُوجَزِ إخْبارٌ بِتَيْسِيرِ القُرْآنِ لِلْفَهْمِ لِأنَّ الغَرَضَ مِنهُ التَّذَكُّرُ، قالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْءانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، وبِأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ التَّيْسِيرِ كَوْنُهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وكَوْنُهُ عَلى لِسانِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ فَلِذَلِكَ كانَ تَسَبُّبُهُ في حُصُولِ تَذَكُّرِهِمْ تَسَبُّبًا قَرِيبًا لَوْ لَمْ يَكُونُوا في شَكٍّ يَلْعَبُونَ.
وبِاعْتِبارِ هَذِهِ المَعانِي المُتَوافِرَةِ حَسُنَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْيِيدُ النَّبِيءِ ﷺ وتَهْدِيدُ مُعانِدِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ أيْ فارْتَقَبِ النَّصْرَ الَّذِي سَألْتَهُ بِأنْ تُعانَ عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ فَإنَّهم مُرْتَقِبُونَ ذَلِكَ وأشَدَّ مِنهُ وهو البَطْشَةُ الكُبْرى.
وإطْلاقُ الِارْتِقابِ عَلى حالِ المُعانِدِينَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم لاقُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ وقَدْ حَسَّنَها اعْتِبارُ المُشاكَلَةِ بَيْنَ ”ارْتَقِبْ“ و”مُرْتَقِبُونَ“ .
وجُمْلَةُ ”إنَّهم مُرْتَقِبُونَ“ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِ ”فارْتَقِبْ“ أيِ ارْتَقِبِ النَّصْرَ بِأنَّهم لاقَوُا العَذابَ بِالقَحْطِ وقَدْ أغْنَتْ (إنَّ) التَّسَبُّبَ والتَّعْلِيلَ.
وفِي هَذِهِ الخاتِمَةِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ إذْ كانَ صَدْرُ السُّورَةِ فِيهِ ذِكْرُ إنْزالِ الكِتابِ المُبِينِ وأنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وكانَ في صَدْرِها الإنْذارُ بِارْتِقابِ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ وذِكْرِ البَطْشَةِ الكُبْرى.
فَكانَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ خاتِمَةٌ عَزِيزَةُ المَنالِ اشْتَمَلَتْ عَلى حُسْنِ بَراعَةِ المَقْطَعِ وبَدِيعِ الإيجازِ.
* * *
صفحة ٣٢٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الجاثِيَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَثِيرٍ مِنَ المَصاحِفِ العَتِيقَةِ بِتُونِسَ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ ”سُورَةَ الجاثِيَةِ“ مُعَرَّفًا بِاللّامِ.
وتُسَمّى حم الجاثِيَةِ لِوُقُوعِ لَفْظِ (جاثِيَةٍ) فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ، واقْتِرانُ لَفَظِ (الجاثِيَةِ) بِلامِ التَّعْرِيفِ في اسْمِ السُّورَةِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ المَذْكُورَ فِيها خَلِيٌّ عَنْ لامِ التَّعْرِيفِ لِقَصْدِ تَحْسِينِ الإضافَةِ، والتَّقْدِيرُ: سُورَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أيِ السُّورَةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيها هَذِهِ الكَلِمَةُ، ولَيْسَ لِهَذا التَّعْرِيفِ فائِدَةٌ غَيْرُ هَذِهِ. وذَلِكَ تَسْمِيَةُ حم غافِرٍ، وحم الزُّخْرُفِ.
وتُسَمّى ”سُورَةُ شَرِيعَةٍ“ لِوُقُوعِ لَفْظ ”شَرِيعَةٍ“ فِيها ولَمْ يَقَعْ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ.
وتُسَمّى ”سُورَةَ الدَّهْرِ“ لِوُقُوعِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فِيها ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ الدَّهْرِ في ذَواتِ حم الأُخَرِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِلا خِلافٍ، وفي القُرْطُبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ اسْتِثْناءُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] إلى ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ شَتَمَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ فَأرادَ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ.
وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والسِّتُّونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الدُّخانِ وقَبْلَ الأحْقافِ.
صفحة ٣٢٤
وعَدَدُ آيِها في عَدِّ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ سِتٌّ وثَلاثُونَ. وفي عَدِّ الكُوفَةِ سَبْعٌ وثَلاثُونَ لِاخْتِلافِهِمْ في عَدِّ لَفْظِ حم آيَةً مُسْتَقِلَّةً.
* * *
أغْراضُها
الِابْتِداءُ بِالتَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وأنَّهُ جاءَ بِالحَقِّ تَوْطِئَةً لِما سَيُذْكَرُ بِأنَّهُ حَقٌّ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦] .
وإثْباتُ انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِن آثارِ خَلْقِهِ وقُدْرَتِهِ في جَواهِرِ المَوْجُوداتِ وأعْراضِها وإدْماجِ ما فِيها مَعَ ذَلِكَ مِن نِعَمٍ يَحِقُّ عَلى النّاسِ شُكْرُها لا كُفْرُها.
ووَعِيدُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ والتَزَمُوا الآثامَ بِالإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في آياتِ القُرْآنِ والِاسْتِهْزاءِ بِها.
والتَّنْدِيدُ عَلى المُشْرِكِينَ إذِ اتَّخَذُوا آلِهَةً عَلى حَسَبِ أهْوائِهِمْ وإذْ جَحَدُوا البَعْثَ، وتَهْدِيدُهِمْ بِالخُسْرانِ يَوْمَ البَعْثِ، ووَصْفُ أهْوالِ ذَلِكَ، وما أُعِدَّ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِلْمُشْرِكِينَ ومِن رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ودُعاءُ المُسْلِمِينَ لِلْإعْراضِ عَنْ إساءَةِ الكُفّارِ لَهم والوَعْدُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُخْزِي المُشْرِكِينَ.
ووَصْفُ بَعْضِ أحْوالِ يَوْمِ الجَزاءِ. ونَظَرُ الَّذِينَ أهْمَلُوا النَّظَرَ في آياتِ اللَّهِ مَعَ تِبْيانِها وخالَفُوا عَلى رَسُولِهِمْ ﷺ فِيما فِيهِ صَلاحُهم بِحالِ بَنِي إسْرائِيلَ في اخْتِلافِهِمْ في كِتابِهِمْ بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ العِلْمُ وبَعْدَ أنِ اتَّبَعُوهُ، فَما ظَنُّكَ بِمَن خالَفَ آياتِ اللَّهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَقَعُوا فِيما وقَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ مِن تَسْلِيطِ الأُمَمِ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ.
وذَلِكَ تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ شَأْنَ شَرْعِهِ مَعَ قَوْمِهِ كَشَأْنِ شَرِيعَةِ مُوسى لا تَسْلَمُ مِن مُخالِفٍ، وأنَّ ذَلِكَ لا يَقْدَحُ فِيها ولا في الَّذِي جاءَ بِها، وأنْ لا يَعْبَأ بِالمُعانِدِينَ ولا بِكَثْرَتِهِمْ إذْ لا وزْنَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.