Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الشورى 42:49 – الزخرف 43:74
المحتويات
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
الشورى 42:49
﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِن عَجِيبِ خُلُقِ الإنْسانِ الَّذِي لَمْ يُهَذِّبْهُ الهَدْيُ الإلَهِيُّ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ فَطْرِ الإنْسانِ عَلى هاذِينَ الخُلُقَيْنِ اللَّذَيْنِ
صفحة ١٣٧
يَتَلَقّى بِهِما نِعْمَةَ رَبِّهِ وبَلاءَهُ وكَيْفَ لَمْ يُفْطَرْ عَلى الخُلُقِ الأكْمَلِ لِيَتَلَقّى النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ، والضُّرَّ بِالصَّبْرِ والضَّراعَةِ، وسُؤالًا أيْضًا عَنْ سَبَبِ إذاقَةِ الإنْسانِ النِّعْمَةَ مَرَّةً والبُؤْسَ مَرَّةً فَيَبْطَرُ ويَكْفُرُ وكَيْفَ لَمْ يَجْعَلْ حالَهُ كَفافًا لا لَذّاتَ لَهُ ولا بَلايا كَحالِ العَجْماواتِ فَكانَ جَوابُهُ: أنَّ اللَّهَ المُتَصَرِّفَ في السَّماواتِ والأرْضِ يَخْلُقُ فِيهِما ما يَشاءُ مِنَ الذَّواتِ وأحْوالِها. وهو جَوابٌ إجْمالِيٌّ إقْناعِيٌّ يُناسِبُ حَضْرَةَ التَّرَفُّعِ عَنِ الدُّخُولِ في المُجادَلَةِ عَنِ الشُّئُونِ الإلَهِيَّةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مِنَ الإجْمالِ ما يَبْعَثُ المُتَأمِّلَ المُنْصِفَ عَلى تَطَلُّبِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ فَإنْ تَطَلَّبَها انْقادَتْ لَهُ كَما أوْمَأ إلى ذَلِكَ تَذْيِيلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠]، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: عَلَيْكم بِالنَّظَرِ في الحِكْمَةِ في مَراتِبِ الكائِناتِ وتَصَرُّفِ مُبْدِعِها، فَكَما خَلَقَ المَلائِكَةَ عَلى أكْمَلِ الأخْلاقِ في جَمِيعِ الأحْوالِ، وفَطَرَ الدَّوابَّ عَلى حَدٍّ لا يَقْبَلُ كَمالَ الخَلْقِ، كَذَلِكَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى أساسِ الخَيْرِ والشَّرِّ وجَعَلَهُ قابِلًا لِلزِّيادَةِ مِنهُما عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ عُقُولِ أفْرادِهِ وما يُحِيطُ بِها مِن الِاقْتِداءِ والتَّقْلِيدِ، وخَلَقَهُ كامِلَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ النِّعْمَةِ وضِدِّها لِيَرْتَفِعَ دَرَجاتٍ ويَنْحَطَّ دَرَكاتٍ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفْسِهِ، ولا يُلائِمُ فَطْرُ الإنْسانِ عَلى فِطْرَةِ المَلائِكَةِ حالَةَ عالَمِهِ المادِّيِّ إذْ لا تَأهُّلَ لِهَذا العالَمِ لِأنْ يَكُونَ سُكّانُهُ كالمَلائِكَةِ لِعَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ عالَمِ المادَّةِ وعالَمِ الرُّوحِ. ولِذَلِكَ لَمّا تَمَّ خَلْقُ الفَرْدِ الأوَّلِ مِنَ الإنْسانِ وآنَ أوانُ تَصَرُّفِهِ مَعَ قَرِينَتِهِ بِحَسَبِ ما بَزَغَ فِيهِما مِنَ القُوى، لَمْ يَلْبَثْ أنْ نُقِلَ مِن عالَمِ المَلائِكَةِ إلى عالَمِ المادَّةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] .
ولَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسُدَّ عَلى النَّوْعِ مَنافِذَ الكَمالِ فَخَلَقَهُ خَلْقًا وسَطًا بَيْنَ المَلَكِيَّةِ والبَهِيمِيَّةِ إذْ رَكَّبَهُ مِنَ المادَّةِ وأوْدَعَ فِيهِ الرُّوحَ ولَمْ يُخَلِّهِ عَنِ الإرْشادِ بِواسِطَةِ وُسَطاءَ وتَعاقُبِهِمْ في العُصُورِ وتَناقُلِ إرْشادِهِمْ بَيْنَ الأجْيالِ، فَإنِ اتَّبَعَ إرْشادَهُمُ التَحَقَ بِأخْلاقِ المَلائِكَةِ حَتّى يَبْلُغَ المَقاماتِ الَّتِي أقامَتْهُ في مَقامِ المُوازَنَةِ بَيْنَ بَعْضِ أفْرادِهِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ في التَّفاضُلِ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ [طه: ١٢٣] ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ [طه: ١٢٤]،
صفحة ١٣٨
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [طه: ١١٦] .
* * *
﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] بَدَلَ مِن جُمْلَةِ ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ خَلْقَهُ ما يَشاءُ يَشْتَمِلُ عَلى هِبَتِهِ لِمَن يَشاءُ ما يَشاءُ.
وهَذا الإبْدالُ إدْماجُ مَثَلٍ جامِعٍ لِصُوَرِ إصابَةِ المَحْبُوبِ وإصابَةِ المَكْرُوهِ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠] هو مِنَ المَكْرُوهِ عِنْدَ غالِبِ البَشَرِ ويَتَضَمَّنُ ضَرْبًا مِن ضُرُوبِ الكُفْرانِ وهو اعْتِقادُ بَعْضِ النِّعْمَةِ سَيِّئَةً في عادَةِ المُشْرِكِينَ مِن تَطَيُّرِهِمْ بِوِلادَةِ البَناتِ لَهم، وقَدْ أُشِيرَ إلى التَّعْرِيضِ بِهِمْ في ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الإناثِ عَلى الذُّكُورِ في ابْتِداءِ تَعْدادِ النِّعَمِ المَوْهُوبَةِ عَلى عَكْسِ العادَةِ في تَقْدِيمِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ حَيْثُما ذُكِرا في القُرْآنِ في نَحْوِ ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] فَهَذا مِن دَقائِقِ هَذِهِ الآيَةِ.
والمُرادُ: يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا فَقَطْ ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ فَقَطْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] .
وتَنْكِيرُ (إناثًا) لِأنَّ التَّنْكِيرَ هو الأصْلُ في أسْماءِ الأجْناسِ وتَعْرِيفُ الذُّكُورِ بِاللّامِ لِأنَّهُمُ الصِّنْفُ المَعْهُودُ لِلْمُخاطَبِينَ، فاللّامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ وإنَّما يُصارُ إلى تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِمَقْصِدٍ، أيْ يَهَبُ ذَلِكَ الصِّنْفَ الَّذِي تَعْهَدُونَهُ وتَتَحَدَّثُونَ بِهِ وتَرْغَبُونَ فِيهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ: أرْسَلَها العِراكُ، وتَقَدَّمَ في أوَّلِ الفاتِحَةِ. و(أوْ) لِلتَّقْسِيمِ.
والتَّزْوِيجُ قَرْنُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَيَصِيرانِ زَوْجًا. ومِن مَجازِهِ إطْلاقُهُ عَلى إنْكاحِ الرَّجُلِ امْرَأةً لِأنَّهُما يَصِيرانِ كالزَّوْجِ، والمُرادُ هُنا: جَعَلَهم زَوْجًا في الهِبَةِ، أيْ يَجَمْعُ لِمَن يَشاءُ فَيَهَبُ لَهُ ذُكْرانًا مُشْفَعِينَ بِإناثٍ فالمُرادُ التَّزْوِيجُ بِصِنْفٍ آخَرَ لا مُقابَلَةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الصِّنْفِ بِفَرْدٍ مِنَ الصِّنْفِ الآخَرِ.
صفحة ١٣٩
والضَّمِيرُ في (يُزَوِّجُهم) عائِدٌ إلى كُلٍّ مِنَ الإناثِ والذُّكُورِ. وانْتَصَبَ ﴿ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠] عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في (يُزَوِّجُهم) .
والعَقِيمُ: الَّذِي لا يُولَدُ لَهُ مِن رَجُلٍ أوِ امْرَأةٍ، وفِعْلُهُ عَقِمَ مِن بابِ فَرِحَ وعَقُمَ مِن بابِ كَرُمَ. وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ؛ يُقالُ عَقَمَها اللَّهُ مِن بابِ ضَرَبَ، ويُقالُ عُقِمَتِ المَرْأةُ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ عَقَمَها عاقِمٌ لِأنَّ سَبَبَ العُقْمِ مَجْهُولٌ عِنْدَهم. فَهو مِمّا جاءَ مُتَعَدِّيًا وقاصِرًا، فالقاصِرُ بِضَمِّ القافِ وكَسْرِها والمُتَعَدِّي بِفَتْحِها، والعَقِيمُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلِذَلِكَ اسْتَوى فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ غالِبًا، ورُبَّما ظَهَرَتِ التّاءُ نادِرًا؛ قالُوا: رَحِمٌ عَقِيمَةٌ.
الشورى 42:50
﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ وهو ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٤٩] فَمَوْقِعُ (إنَّ) هُنا مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ.
والمَعْنى: أنَّ خَلْقَهُ ما يَشاءُ لَيْسَ خَلْقًا مُهْمَلًا عَرِيًّا عَنِ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ واسِعُ العِلْمِ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنَ المَعْلُوماتِ فَخَلْقُهُ الأشْياءَ يَجْرِي عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
وهُوَ قَدِيرٌ نافِذُ القُدْرَةِ، فَإذا عَلِمَ الحِكْمَةَ في خَلْقِ شَيْءٍ أرادَهُ، فَجَرى عَلى قَدْرِهِ. ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ وصْفَيِ العِلْمِ والقُدْرَةِ تَعَيَّنَ أنَّ هُنالِكَ صِفَةً مَطْوِيَّةً وهي الإرادَةُ لِأنَّهُ إنَّما تَتَعَلَّقُ قُدْرَتُهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِالكائِنِ.
وتَفْصِيلُ المَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِالأسْبابِ والقُوى والمُؤَثِّراتِ الَّتِي وضَعَها في العَوالِمِ، وبِتَوافُقِ آثارِ بَعْضِها وتَخالُفِ بَعْضٍ، وكَيْفَ تَتَكَوَّنُ الكائِناتُ عَلى نَحْوِ ما قَدَّرَ لَها مِنَ الأوْضاعِ، وكَيْفَ تَتَظاهَرُ فَتَأْتِي الآثارُ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وتَتَمانَعُ فَيَنْقُصُ تَأْثِيرُ بَعْضِها في آثارِهِ بِسَبَبِ مُمانَعَةِ مُؤَثِّراتٍ أُخْرى، وكُلُّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ عِلْمِهِ تَعالى في أصْلِ التَّكْوِينِ العالَمِيِّ ومَظاهِرِ قُدْرَتِهِ في الجَرْيِ عَلى وِفاقِ عِلْمِهِ.
الشورى 42:51
صفحة ١٤٠
﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي بِإذْنِهِ ما يَشاءُ إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾
عَطَفَ عَلى ما سَبَقَ مِن حِكايَةِ تُرَّهاتِهِمْ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وهو عَوْدٌ إلى إبْطالِ شُبَهِ المُشْرِكِينَ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وقَدْ أشَرْنا إلى تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] . وهَذِهِ الآيَةُ تُبْطِلُ الشُّبْهَةَ الثّانِيَةَ فِيما عَدَدْناهُ مِن شُبُهاتِهِمْ في كَوْنِ القُرْآنِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ زَعَمُوا أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَوْ كانَ مُرْسَلًا مِنَ اللَّهِ لَكانَتْ مَعَهُ مَلائِكَةٌ تُصَدِّقُ قَوْلَهُ أوْ لَأُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ جاهِزٌ مِنَ السَّماءِ يُشاهِدُونَ نُزُولَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧] وقالَ: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى أنْ قالَ: ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .
وإذْ قَدْ كانَ أهَمَّ غَرَضِ هَذِهِ السُّورَةِ إثْباتَ كَوْنِ القُرْآنِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ كَما أُوحِيَ مِن قَبْلِهِ لِلرُّسُلِ كانَ العَوْدُ إلى ذَلِكَ مِن قَبِيلِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
فَبَيَّنَ اللَّهُ لِلْمُكَذِّبِينَ أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ في خِطابِ رُسُلِهِ لا تَعْدُو ثَلاثَةَ أنْحاءٍ مِنَ الخِطابِ، مِنها ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِدَعًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الأوَّلُونَ وما كانَ اللَّهُ لِيُخاطِبَ رُسُلَهُ عَلى الأنْحاءِ الَّتِي اقْتَرَحَها المُشْرِكُونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَجِيءَ بِصِيغَةِ حَصْرٍ مُفْتَتَحَةٍ بِصِيغَةِ الجُحُودِ المُفِيدَةِ مُبالَغَةَ النَّفْيِ وهي ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ لَمْ يَتَهَيَّأْ لِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ يَأْتِيَهُ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ.
ودَلَّ ذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ إبْلاغُ مُرادِ اللَّهِ تَعالى لِأُمَمِ الرُّسُلِ بِغَيْرِ أحَدِ هَذِهِ
صفحة ١٤١
الأنْواعِ الثَّلاثَةِ؛ أعْنِي خُصُوصَ نَوْعِ إرْسالِ رَسُولٍ، بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ فَإنَّهُ إذا كانَ الرُّسُلُ لا يُخاطِبُهُمُ اللَّهُ إلّا بِأحَدِ هَذِهِ الأنْحاءِ الثَّلاثَةِ فالأُمَمُ أوْلى بِأنْ لا يُخاطَبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن نَحْوِ ما سَألَهُ المُشْرِكُونَ مِن رُؤْيَةِ اللَّهِ يُخاطِبُهم، أوْ مَجِيءِ المَلائِكَةِ إلَيْهِمْ بَلْ لا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِمْ خِطابُ اللَّهِ إلّا بِواسِطَةِ رَسُولٍ مِنهم يَتَلَقّى كَلامَ اللَّهِ بِنَحْوٍ مِنَ الأنْحاءِ الثَّلاثَةِ وهو مِمّا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ فَإنَّ الرَّسُولَ يَكُونُ مَلِكًا وهو الَّذِي يُبَلِّغُ الوَحْيَ إلى الرُّسُلِ والأنْبِياءِ.
وخِطابُ اللَّهِ الرُّسُلَ والأنْبِياءَ قَدْ يَكُونُ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمْ أمْرًا يُصْلِحُهم نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١]، وقَدْ يَكُونُ لِإبْلاغِهِمْ شَرائِعَ لِلْأُمَمِ مِثْلَ مُعْظَمِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ، أوْ إبْلاغِهِمْ مَواعِظَ لَهم مِثْلَ الزَّبُورِ ومِجَلَّةِ لُقْمانَ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا وحْيًا اسْتِثْناءٌ مِن عُمُومِ أنْواعِ المُتَكَلِّمِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الفِعْلُ الواقِعُ في سِياقِ النَّفْيِ وهو ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ.
فانْتِصابُ وحْيًا عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا كَلامًا وحْيًا أيْ مُوحًى بِهِ كَما تَقُولُ: لا أُكَلِّمُهُ إلّا جَهْرًا، أوْ إلّا إخْفاتًا، لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاتَ صِفَتانِ لِلْكَلامِ.
والمُرادُ بِالتَّكَلُّمِ بُلُوغُ مُرادِ اللَّهِ إلى النَّبِيءِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ البُلُوغُ بِكَلامٍ يَسْمَعُهُ ولا يَرى مَصْدَرَهُ أوْ بِكَلامٍ يُبَلِّغُهُ إلَيْهِ المَلَكُ عَنِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِعِلْمٍ يُلْقى في نَفْسِ النَّبِيءِ يُوقِنُ بِأنَّهُ مُرادُ اللَّهِ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في نَفْسِهِ.
وإطْلاقُ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأنْواعِ: بَعْضُهُ حَقِيقَةٌ مِثْلَ ما يَسْمَعُهُ النَّبِيءُ كَما سَمِعَ مُوسى، وبَعْضُهُ مَجازٌ قَرِيبٌ مِنَ الحَقِيقَةِ وهو ما يُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ فَإنَّهُ رِسالَةٌ بِكَلامٍ، وبَعْضُهُ مَجازٌ مَحْضٌ وهو ما يُلْقى في قَلْبِ النَّبِيءِ مَعَ العِلْمِ، فَإطْلاقُ فِعْلِ يُكَلِّمُهُ عَلى جَمِيعِها مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعانِيهِ.
وإسْنادُ فِعْلِ يُكَلِّمُهُ إلى اللَّهِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ.
وبِهَذا الِاعْتِبارِ صارَ اسْتِثْناءُ الكَلامِ المَوْصُوفِ بِأنَّهُ وحْيٌ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا.
صفحة ١٤٢
وأصْلُ الوَحْيِ: الإشارَةُ الخَفِيَّةُ، ومِنهُ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] . ويُطْلَقُ عَلى ما يَجِدُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ دَفْعَةً كَحُصُولِ مَعْنى الكَلامِ في نَفْسِ السّامِعِ قالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ:
وأوْحى إلَيَّ اللَّهُ أنَّ قَدْ تَـآمَـرُوا بِإبْلِ أبِي أوْفى فَقُمْتُ عَلى رِجْلِ
وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ هُنا بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ بِالنَّوْعَيْنِ الآخَرَيْنِ. ومِن هُنا أُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى ما فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَيَوانَ مِنَ الإلْهامِ المُتْقَنِ الدَّقِيقِ كَقَوْلِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] . فالوَحْيُ بِهَذا المَعْنى نَوْعٌ مِن أنْواعِ إلْقاءِ كَلامِ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ وهو النَّوْعُ الأوَّلُ في العَدِّ، فَأُطْلِقَ الوَحْيُ عَلى الكَلامِ الَّذِي يَسْمَعُهُ النَّبِيءُ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ وهَذا الإطْلاقُ مِن مُصْطَلَحِ القُرْآنِ وهو الغالِبُ في إطْلاقاتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ فَعَلِمْتُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَرَأ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، ولَمْ يَقُلْ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ.
والوَحْيُ بِهَذا المَعْنى غَيْرُ الوَحْيِ الَّذِي سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ . والمُرادُ بِالوَحْيِ هُنا: إيقاعُ مُرادِ اللَّهِ في نَفْسِ النَّبِيءِ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ العِلْمُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو حُجَّةٌ لِلنَّبِيءِ لِمَكانِ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وحُجَّةٌ لِلْأُمَّةِ لِمَكانِ العِصْمَةِ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِ الأنْبِياءِ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ ولا مُنْضَبِطٍ مَعَ أنَّهُ واقِعٌ وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «قَدْ كانَ فِيما مَضى قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» قالَ ابْنُ وهْبٍ مُحَدَّثُونَ: مُلْهَمُونَ.
ومِن هَذا الوَحْيِ مَرائِي الأنْبِياءِ فَإنَّها وحْيٌ، وهي لَيْسَتْ بِكَلامٍ يُلْقى إلَيْهِمْ، فَفي الحَدِيثِ «إنِّي أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم وهي في حَرَّةٍ ذاتِ نَخْلٍ فَوَقَعَ في وهْلِي أنَّها اليَمامَةُ أوْ هَجَرُ فَإذا هي طابَةُ» .
وقَدْ تَشْتَمِلُ الرُّؤْيا عَلى إلْهامٍ وكَلامٍ مِثْلَ حَدِيثِ «رَأيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ ورَأيْتُ واللَّهُ خَيْرٌ» ( . في رِوايَةِ رَفْعِ اسْمِ الجَلالَةِ، أيْ رَأيْتُ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وقَدْ أوَّلَ النَّبِيءُ ﷺ رُؤْياهُ البَقَرَ الَّتِي تُذْبَحُ بِما أصابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وأمّا واللَّهُ خَيْرٌ فَهو ما أتى اللَّهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ.
صفحة ١٤٣
ومِنَ الإلْهامِ مَرائِي الصّالِحِينَ فَإنَّها جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ.
ولَيْسَ الإلْهامُ بِحُجَّةٍ في الدِّينِ لِأنَّ غَيْرَ المَعْصُومِ لا يُوثَقُ بِصِحَّةِ خَواطِرِهِ إذْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ. وبَعْضُ أهْلِ التَّصَوُّفِ وحُكَماءِ الإشْراقِ يَأْخُذُونَ بِهِ في خاصَّتِهِمْ ويَدَّعُونَ أنَّ أماراتٍ تُمَيِّزُ لَهم بَيْنَ صادِقِ الخَواطِرِ وكاذِبِها، ومِنهُ قَوْلُ قُطْبِ الدِّينِ الشِّيرازِيِّ في دِيباجَةِ شَرْحِهِ عَلى المِفْتاحِ: إنِّي قَدْ أُلْقِيَ إلَيَّ عَلى سَبِيلِ الإنْذارِ مِن حَضْرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ بِلِسانِ الإلْهامِ لا كَوَهْمٍ مِنَ الأوْهامِ، إلى أنْ قالَ ما أوْرَثَنِي التَّجافِيَ عَنْ دارِ الغُرُورِ. ومِنهُ ما ورَدَ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَوْفِيَ أجْلَها ورِزْقَها» عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ فِيهِ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ المُرادُ هُنا لِأنَّ ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ جَرَتْ عَلى غَيْرِ الألْفاظِ الَّتِي يُحْكى بِها نُزُولُ الوَحْيِ بِواسِطَةِ كَلامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن وراءِ حِجابٍ يَسْمَعُهُ سامِعُهُ ولا يَرى مَصْدَرَهُ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ كَلامًا في شَيْءٍ مَحْجُوبٍ عَنْ سامِعِهِ وهو ما وصَفَ اللَّهَ هُنا بَقَوْلِهِ: ﴿أوْ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ .
والمَعْنى: أوْ مَحْجُوبًا المُخاطَبُ بِالفَتْحِ عَنْ رُؤْيَةِ مَصْدَرِ الكَلامِ، فالكَلامُ كَأنَّهُ مِن وراءِ حِجابٍ، وهَذا مِثْلَ تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى مُوسى في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، ويَحْصُلُ عِلْمُ المُخاطَبِ بِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوَّلَ مَرَّةٍ بِآيَةٍ يُرِيهِ اللَّهُ إيّاها يَعْلَمُ أنَّها لا تَكُونُ إلّا بِتَسْخِيرِ اللَّهِ كَما عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ بِانْقِلابِ عَصاهُ حَيَّةً ثُمَّ عَوْدِها إلى حالَتِها الأُولى، وبِخُرُوجِ يَدِهِ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿آيَةً أُخْرى لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٢] . ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ عادَةً يَعْرِفُ بِها كَلامَ اللَّهِ.
واخْتَصَّ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الكَلامِ في الرُّسُلِ السّابِقِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ولَيْسَ الوَحْيُ إلى مُوسى مُنْحَصِرًا في هَذا النَّوْعِ فَإنَّهُ كانَ يُوحى إلَيْهِ الوَحْيَ الغالِبَ لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وقَدْ حَصَلَ هَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْلَةَ الإسْراءِ، فَقَدْ جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ: «أنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ
صفحة ١٤٤
خَمْسِينَ صَلاةً ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ مِنها حَتّى بَلَغَتْ خَمْسَ صَلَواتٍ وأنَّهُ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى أتْمَمْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي» .
وأشارَتْ إلَيْهِ سُورَةُ النَّجْمِ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَوى وهو بِالأُفُقِ الأعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النجم: ٦] . والقَوْلُ بِأنَّهُ سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى السَّماءِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ والأشْعَرِيِّ والواسِطِيِّ، وهو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ فَضْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى جَمِيعِ المُرْسَلِينَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يُعْطِيَهُ اللَّهُ مِن أفْضَلِ ما أعْطاهُ رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَمِيعًا.
النَّوْعُ الثّالِثُ: أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ المَلَكَ إلى النَّبِيءِ فَيُبَلِّغُ إلَيْهِ كَلامًا يَسْمَعُهُ النَّبِيءُ ويَعِيهِ، وهَذا هو غالِبُ ما يُوَجَّهُ إلى الأنْبِياءِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى في ذِكْرِ زَكَرِيّا ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقالَ في إبْراهِيمَ ﴿ونادَيْناهُ أنْ يا إبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٤] وهَذا الكَلامُ يَأْتِي بِكَيْفِيَّةٍ وصَفَها النَّبِيءُ ﷺ لِلْحارِثِ ابْنِ هِشامٍ وقَدْ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ ؟ فَقالَ: أحْيانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ وهو أشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وعَيْتُ عَنْهُ - أيْ عَنْ جِبْرِيلَ - ما قالَ، وأحْيانًا يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأعِي ما يَقُولُ» .
فالرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾: هو المَلَكُ جِبْرِيلُ أوْ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ سَمّى هَذا الكَلامَ وحْيًا عَلى مُراعاةِ الإطْلاقِ القُرْآنِيِّ الغالِبِ كَما تَقَدَّمَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٣] وهو غَيْرُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا وحْيًا﴾ بِقَرِينَةِ التَّقْسِيمِ والمُقابَلَةِ.
ومِن لَطائِفِ نَسْجِ هَذِهِ الآيَةِ تَرْتِيبُ ما دَلَّ عَلى تَكْلِيمِ اللَّهِ الرُّسُلَ بِدَلالاتٍ فَجِيءَ بِالمَصْدَرِ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿إلّا وحْيًا﴾ وجِيءَ بِما يُشْبِهُ الجُمْلَةَ ثانِيًا وهو قَوْلُهُ: ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ثالِثًا بَقَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ أوْ يُرْسِلُ بِرَفْعِ يُرْسِلُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ هو
صفحة ١٤٥
مُرْسِلٌ رَسُولًا. وقَرَأ فَيُوحِي بِسُكُونِ الياءِ بَعْدَ كَسْرَةِ الحاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ أوْ يُرْسِلَ بِنَصْبِ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِ (أنْ) مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها العَطْفُ عَلى المَصْدَرِ فَصارَ الفِعْلُ المَعْطُوفُ في مَعْنى المَصْدَرِ، فاحْتاجَ إلى تَقْدِيرِ حَرْفِ السَّبْكِ. وقَرَأُوا فَيُوحِيَ بِفَتْحَةٍ عَلى الياءِ عَطْفًا عَلى يُرْسِلُ.
وماصَدَقُ ما يَشاءُ كَلامٌ، أيْ فَيُوحِيَ كَلامًا يَشاؤُهُ اللَّهُ فَكانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَعْنى الصِّفَةِ لِـ (كَلامًا) المُسْتَثْنى المَحْذُوفِ، والرّابِطُ هو ما يَشاءُ لِأنَّهُ في مَعْنى: كَلامًا، فَهو كَرَبْطِ الجُمْلَةِ بِإعادَةِ لَفْظِ ما هي لَهُ أوْ بِمُرادِفِهِ نَحْوَ ﴿الحاقَّةُ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] . والتَّقْدِيرُ: أوْ إلّا كَلامًا مَوْصُوفًا بِأنَّ اللَّهَ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِي بِإذْنِهِ كَلامًا يَشاؤُهُ فَإنَّ الإرْسالَ نَوْعٌ مِنَ الكَلامِ المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ.
والآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ أنْواعٌ لِكَلامِ اللَّهِ الَّذِي يُخاطِبُ بِهِ عِبادَهُ. وذِكْرُ النَّوْعَيْنِ: الأوَّلِ والثّالِثِ صَرِيحٌ في أنَّ إضافَةَ الكَلامِ المُنَوَّعِ إلَيْها إلى اللَّهِ أوْ إسْنادَهُ إلَيْهِ حَيْثُما وقَعَ في ألْفاظِ الشَّرِيعَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وقَوْلُهُ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَلامٌ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ هي أنَّهُ أوْجَدَهُ اللَّهُ إيجادًا بِخَرْقِ العادَةِ لِيَكُونَ بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ مَدْلُولَ ألْفاظِهِ مُرادٌ لِلَّهِ تَعالى ومَقْصُودٌ لَهُ كَما سُمِّيَ الرُّوحُ الَّذِي تَكَوَّنَ بِهِ عِيسى رُوحَ اللَّهِ لِأنَّهُ تَكَوَّنَ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، فاللَّهُ خَلَقَ الكَلامَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى مُرادِهِ خَلْقًا غَيْرَ جارٍ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الكَلامِ لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ اللَّهَ أرادَ إعْلامَهم بِأنَّهُ أرادَ مَدْلُولاتِ ذَلِكَ الكَلامِ بِآيَةِ أنَّهُ خَرَقَ فِيهِ عادَةَ إيجادِ الكَلامِ فَكانَ إيجادًا غَيْرَ مُتَوَلِّدٍ مِن عِلَلٍ وأسْبابٍ عادِيَّةٍ فَهو كَإيجادِ السَّماواتِ والأرْضِ وإيجادِ آدَمَ في أنَّهُ غَيْرُ مُتَوَلِّدٍ مِن عِلَلٍ وأسْبابٍ فِطْرِيَّةٍ.
واعْلَمْ أنَّ حَقِيقَةَ الإلَهِيَّةِ لا تَقْتَضِي لِذاتِها أنْ يَكُونَ اللَّهُ مُتَكَلِّمًا كَما تَقْتَضِي أنَّهُ واحِدٌ حَيٌّ عالِمٌ قَدِيرٌ مُرِيدٌ، ومَن حاوَلَ جَعَلَ صِفَةَ الكَلامِ مِن مُقْتَضى الإلَهِيَّةِ عَلى تَنْظِيرِ الإلَهِ بِالمُلْكِ بِناءً عَلى أنَّ المُلْكَ يَقْتَضِي مُخاطَبَةَ الرَّعايا بِما يُرِيدُ المَلِكُ مِنهم، فَقَدْ جاءَ بِحُجَّةٍ خَطابِيَّةٍ، بَلِ الحَقُّ أنَّ الَّذِي اقْتَضى إثْباتَ كَلامِ اللَّهِ هو
صفحة ١٤٦
وضْعُ الشَّرائِعِ الإلَهِيَّةِ، أيْ تَعَلُّقُ إرادَةِ اللَّهِ بِإرْشادِ النّاسِ إلى اجْتِنابِ ما يُخِلُّ بِاسْتِقامَةِ شُئُونِهِمْ بِأمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ ومَوْعِظَتِهِمْ ووَعْدِهِمْ ووَعِيدِهِمْ، مِن يَوْمِ نَهى آدَمَ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ وتَوَعَّدَهُ بِالشَّقاءِ إنْ أكَلَ مِنها ثُمَّ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ إلى النّاسِ وتَبْلِيغِهِمْ إيّاهم أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ بِوَضْعِ الشَّرائِعِ وذَلِكَ مِن عَهْدِ نُوحٍ بِلا شَكٍّ أوْ مِن عَهْدِ آدَمَ إنْ قُلْنا إنَّ آدَمَ بَلَّغَ أهْلَهُ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ.
فَتَعَيَّنَ الإيمانُ بِأنَّ اللَّهَ آمِرٌ وناهٍ وواعِدٌ ومُوعِدٌ، ومُخْبِرٌ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وأنَّ مُرادَهُ ذَلِكَ أبْلَغَهُ إلى الأنْبِياءِ بِكَلامٍ يُلْقى إلَيْهِمْ ويَفْهَمُونَهُ وهو غَيْرُ مُتَعارَفٍ لَهم قَبْلَ النُّبُوءَةِ وهو مُتَفاوِتُ الأنْواعِ في مُشابَهَةِ الكَلامِ المُتَعارَفِ.
ولَمّا لَمْ يَرِدْ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وصْفُ اللَّهِ بِأنَّهُ مُتَكَلِّمٌ ولا إثْباتُ صِفَةٍ لَهُ تُسَمّى الكَلامَ، ولَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ حَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ - ما كانَ ثَمَّةَ داعٍ إلى إثْباتِ ذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الخَلَفِ مِن أشْعَرِيَّةٍ وماتُرِيدِيَّةٍ إذْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ وإنَّ لَهُ صِفَةً تُسَمّى الكَلامَ وبِخاصَّةٍ المُعْتَزِلَةُ إذْ قالُوا إنَّهُ مُتَكَلِّمٌ ونَفَوْا صِفَةَ الكَلامِ. وأمْرُ المُعْتَزِلَةِ أعْجَبُ إذْ أثْبَتُوا الصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةَ لِأجْلِ القَواطِعِ مِن آياتِ القُرْآنِ وأنْكَرُوا صِفاتِ المَعانِي تَوَرُّعًا وتَخَلُّصًا مِن مُشابَهَةِ القَوْلِ بِتَعَدُّدِ القُدَماءِ بِلا داعٍ، وقَدْ كانَ لَهم في عَدَمِ إثْباتِ صِفَةِ المُتَكَلِّمِ مَندُوحَةٌ؛ لِانْتِفاءِ الدّاعِي إلى إثْباتِها، خِلافًا لِما دَعا إلى إثْباتِ غَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ المَعْنَوِيَّةِ، وقَدْ حَكى فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ إجْماعَ الأُمَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَكَلِّمٌ.
وقُصارى ما ورَدَ في القُرْآنِ إسْنادُ فِعْلِ الكَلامِ إلى اللَّهِ أوْ إضافَةُ مَصْدَرِهِ إلى اسْمِهِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ أنْ يُشْتَقَّ مِنهُ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّهم لَمْ يَقُولُوا لِلَّهِ صِفَةُ نافِخِ الأرْواحِ لِأجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ص: ٧٢]، فالَّذِي حَدا مُثْبِتِي صِفَةِ الكَلامِ لِلَّهِ هو قُوَّةُ تَعَلُّقِ هَذا الوَصْفِ بِصِفَةِ العِلْمِ فَخَصُّوا هَذا التَّعَلُّقَ بِاسْمٍ خاصٍّ وجَعَلُوهُ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً مِثْلَ ما فَعَلُوا في صِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ.
هَذا، واعْلَمْ أنَّ مُثْبِتِي صِفَةِ الكَلامِ قَدِ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِها، فَذَهَبَ السَّلَفُ إلى أنَّها صِفَةٌ قَدِيمَةٌ كَسائِرِ صِفاتِ اللَّهِ. فَإذا سُئِلُوا عَنِ الألْفاظِ الَّتِي هي الكَلامُ: أقَدِيمَةٌ هي أمْ حادِثَةٌ ؟ قالُوا: قَدِيمَةٌ، وتَعَجَّبَ مِنهم فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ ونَبَزَهم ولا
صفحة ١٤٧
أحْسَبُهم إلّا أنَّهم تَحاشَوْا عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّها حادِثَةٌ لِئَلّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ دَهْماءَ الأُمَّةِ إلى اعْتِقادِ حُدُوثِ صِفاتِ اللَّهِ، أوْ يُؤَدِّيَ إلى إبْطالِ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، لِأنَّ تِبْيانَ حَقِيقَةِ مَعْنى الإضافَةِ في قَوْلِهِمْ: كَلامُ اللَّهِ، دَقِيقٌ جِدًّا يَحْتاجُ مُدْرِكُهُ إلى شَحْذِ ذِهْنِهِ بِقَواعِدِ العُلُومِ، والعامَّةُ عَلى بَوْنٍ مِن ذَلِكَ.
واشْتُهِرَ مِن أهْلِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ زَمَنَ فِتْنَةِ خَلْقِ القُرْآنِ. وكانَ فُقَهاءُ المالِكِيَّةِ في زَمَنِ العُبَيْدِيِّينَ مُلْتَزِمِينَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ. وقالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ وإنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدَ ولا صِفَةٍ لِمَخْلُوقٍ فَيَنْفَدَ. وقَدْ نَقَشُوا عَلى إسْطُوانَةٍ مِن أساطِينِ الجامِعِ بِمَدِينَةِ سُوسَةَ هَذِهِ العِبارَةَ: القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ ولَيْسَ بِمَخْلُوقٍ. وهي ماثِلَةٌ إلى الآنِ.
قالَ فَخْرُ الدِّينِ: واتَّفَقَ أنِّي قُلْتُ يَوْمًا لِبَعْضِ الحَنابِلَةِ: لَوْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُرُوفِ؛ إمّا أنْ يَتَكَلَّمَ بِها دَفْعَةً واحِدَةً أوْ عَلى التَّعاقُبِ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ التَّكَلُّمَ بِها دَفْعَةً واحِدَةً لا يُفِيدُ هَذا النَّظْمَ المُرَكَّبَ عَلى التَّعاقُبِ والتَّوالِي، والثّانِي باطِلٌ لِأنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ اللَّهُ بِها عَلى التَّوالِي كانَتْ مُحْدَثَةً. فَلَمّا سَمِعَ مِنِّي هَذا الكَلامَ قالَ: الواجِبُ عَلَيْنا أنْ نُقِرَّ ونُمُرَّ. يَعْنِي نُقِرُّ بِأنَّ القُرْآنَ قَدِيمٌ ونَمُرُّ عَلى هَذا الكَلامِ عَلى وفْقِ ما سَمِعْناهُ. قالَ: فَتَعَجَّبْتُ مِن سَلامَةِ قَلْبِ ذَلِكَ القائِلِ.
ومِنَ الغَرِيبِ جِدًّا ما يُعْزى إلى مُحَمَّدِ بْنِ كَرّامٍ وأصْحابِهِ الكَرّامِيَّةِ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ كَلامَ اللَّهِ حُرُوفٌ وأصْواتٌ قائِمَةٌ بِذاتِهِ تَعالى، وقالُوا: لا يَلْزَمُ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ لِلَّهِ قَدِيمَةٌ، ونُسِبَ مِثْلُ هَذا إلى الحَشَوِيَّةِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَأثْبَتُوا لِلَّهِ أنَّهُ مُتَكَلِّمٌ ومَنَعُوا أنْ تَكُونَ لَهُ صِفَةٌ تُسَمّى الكَلامَ، والَّذِي دَعاهم إلى ذَلِكَ هو الجَمْعُ بَيْنَ ما شاعَ في القُرْآنِ والسُّنَّةِ وعِنْدَ السَّلَفِ مِن إسْنادِ الكَلامِ إلى اللَّهِ وإضافَتِهِ إلَيْهِ وقالُوا: إنَّ اشْتِقاقَ الوَصْفِ لا يَسْتَلْزِمُ قِيامَ المَصْدَرِ بِالمَوْصُوفِ، وتِلْكَ طَرِيقَتُهم في صِفاتِ المَعانِي كُلِّها، وزادُوا فَقالُوا: مَعْنى كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا أنَّهُ خالِقُ الكَلامِ.
وأمّا الأشْعَرِيُّ وأصْحابُهُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الكَلامَ الَّذِي نَقُولُ: إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ المُرَكَّبُ مِن حُرُوفٍ وأصْواتٍ، المَتْلُوُّ بِألْسِنَتِنا، المَكْتُوبُ في مَصاحِفِنا - إنَّهُ حادِثٌ ولَيْسَ هو صِفَةَ اللَّهِ تَعالى وإنَّما صِفَةُ اللَّهِ مَدْلُولُ ذَلِكَ الكَلامِ المُرَكَّبِ مِنَ الحُرُوفِ
صفحة ١٤٨
والأصْواتِ مِنَ المَعانِي مِن أمْرٍ ونَهْيٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ. وتَقْرِيبُ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ الكَلامَ الحادِثَ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ دالٌّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ مُرادَ اللَّهِ صِفَةٌ لِلَّهِ.
قالَ أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ عَنِ الشَّيْخِ: إنَّ كَلامَ اللَّهِ الأزَلِيَّ مَقْرُوءٌ بِألْسِنَتِنا، مَحْفُوظٌ في قُلُوبِنا، مَسْمُوعٌ بِآذانِنا، مَكْتُوبٌ في مَصاحِفِنا غَيْرَ حالٍّ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، كَما أنَّ اللَّهَ مَعْلُومٌ بِقُلُوبِنا مَذْكُورٌ بِألْسِنَتِنا مَعْبُودٌ في مَحارِيبِنا وهو غَيْرُ حالٍّ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. والقِراءَةُ والقارِئُ مَخْلُوقانِ، كَما أنَّ العِلْمَ والمَعْرِفَةَ مَخْلُوقانِ، والمَعْلُومُ والمَعْرُوفُ قَدِيمانِ اهـ. يَعْنِي أنَّ الألْفاظَ المَقْرُوءَةَ والمَكْتُوبَةَ دَوالُّ وهي مَخْلُوقَةٌ والمَدْلُولُ وهو كَوْنُ اللَّهِ مُرِيدًا لِمَدْلُولاتِ تِلْكَ التَّراكِيبِ هو وصْفُ اللَّهِ تَعالى لِيَصِحَّ أنَّ اللَّهَ أرادَ مِنَ النّاسِ العَمَلَ بِالمَدْلُولاتِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها تِلْكَ التَّراكِيبُ. وقَدِ اصْطَلَحَ الأشْعَرِيُّ عَلى تَسْمِيَةِ ذَلِكَ المَدْلُولِ كَلامًا نَفْسِيًّا وهو إرادَةُ المَعانِي الَّتِي دَلَّ عَلَيْها الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، وقَدِ اسْتَأْنَسَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الأخْطَلِ:
إنَّ الكَلامَ لَفي الفُؤادِ وإنَّـمَـا ∗∗∗ جُعِلَ اللِّسانُ عَلى الفُؤادِ دَلِيلًا
وأمّا أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ فَنَقَلَ الفَخْرُ عَنْهُ كَلامًا مَزِيجًا مِن كَلامِ الأشْعَرِيِّ وكَلامِ المُعْتَزِلَةِ، والبَعْضُ نَقَلَ عَنْهُ مِثْلَ قَوْلِ السَّلَفِ. وسَبَبُ اخْتِلافِ النَّقْلِ عَنْهُ هو أنَّ الماتُرِيدِيَّ تابَعَ في أُصُولِ الدِّينِ أبا حَنِيفَةَ. وقَدِ اضْطَرَبَ أتْباعُهُ في فَهْمِ عِبارَتِهِ الواقِعَةِ في العَقِيدَةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ المُسَمّاةِ: الفِقْهُ الأكْبَرُ (إنْ صَحَّ عَزْوُها إلَيْهِ) إذْ كانَتْ عِبارَةً يَلُوحُ عَلَيْها التَّضارُبُ ولَعَلَّهُ مَقْصُودٌ. وتَأْوِيلُها بِما يُوافِقُ كَلامَ الأشْعَرِيِّ هو التَّحْقِيقُ.
وتَحْقِيقُ هَذا المَقامِ بِوَجْهٍ واضِحٍ قَرِيبٍ أنْ نَقُولَ: إنَّ ثُبُوتَ صِفَةِ الكَلامِ لِلَّهِ هو مِثْلَ ثُبُوتِ صِفَةِ الإرادَةِ وصِفَةِ القُدْرَةِ لَهُ تَعالى، في الأزَلِ وهو أشْبَهُ بِاتِّصافِهِ بِالإرادَةِ فَكَما أنَّ مَعْنى ثُبُوتِ صِفَةِ الإرادَةِ لِلَّهِ أنَّهُ تَعالى مَتى تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِإيجادِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، أوْ بِإعْدامِ شَيْءٍ كانَ مَوْجُودًا - أنَّهُ لا يَحُولُ دُونَ تَنْفِيذِ ما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ يِإيجادِهِ أوْ إعْدامِهِ حائِلٌ ولا يَمْنَعُهُ مِنهُ مانِعٌ، ومَتى تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِإبْقاءِ المَعْدُومِ في حالَةِ العَدَمِ أوِ المَوْجُودِ في حالَةِ الوُجُودِ، لا يُكْرِهُهُ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ مُكْرِهٌ. فَكَذَلِكَ ثُبُوتُ الكَلامِ لِلَّهِ مَعْناهُ أنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِأنْ يَأْمُرَ أوْ يَنْهى أحَدًا لَمْ يَحُلْ
صفحة ١٤٩
حائِلٌ دُونَ إيجادِ ما يُبَلِّغُ مُرادَهُ إلى المَأْمُورِينَ أوِ المَنهِيَّينَ، وكُلَّما تَعَلَّقَ عِلْمُهُ بِأنْ يَتْرُكَ تَوْجِيهَ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ إلى النّاسِ لَمْ يُكْرِهْهُ مُكْرِهٌ عَلى أنْ يَأْمُرَهم أوْ يَنْهاهم.
وكَما أنَّ لِلْإرادَةِ تَعَلُّقًا صَلاحِيًّا أزَلِيًّا وتَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا حادِثًا حِينَ تَتَوَجَّهُ الإرادَةُ إلى إيجادٍ بِواسِطَةِ القُدْرَةِ. كَذَلِكَ نَجِدُ لِكَلامِ اللَّهِ تَعَلُّقًا صَلاحِيًّا أزَلِيًّا وتَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا حِينَ اقْتِضاءِ عِلْمِ اللَّهِ تَوْجِيهَ أمْرِهِ أوْ نَهْيِهِ أوْ نَحْوِهِما إلى بَعْضِ عِبادِهِ.
فالكَلامُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ الرَّسُولُ ويَنْسُبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى هو حادِثٌ وهو أثَرُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ الحادِثِ، والكَلامُ الَّذِي نَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ أرادَهُ وأرادَ مِنَ النّاسِ العَمَلَ بِهِ هو الصِّفَةُ الأزَلِيَّةُ القَدِيمَةُ ولَها التَّعَلُّقُ الصَّلاحِيُّ القَدِيمُ. وفي الرِّسالَةِ الخاقانِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ عَبْدِ الحَكِيمِ السَّلَكُوتِيِّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ بِأنَّ لِكَلامِ اللَّهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا حادِثًا، وهَذا مِنَ التَّحْقِيقِ بِمَكانٍ.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ ذَلِكَ الكَلامَ الأزَلِيَّ يَتَنَوَّعُ إلى أنْواعِ المَدْلُولاتِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ وخَبَرٍ ووَعْدٍ ووَعِيدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وخُلاصَةُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ قَدْ يَخْلُقُ في نَفْسِ جِبْرِيلَ أوْ غَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ عِلْمًا بِمُرادِ اللَّهِ عَلى كَيْفِيَّةٍ لا نَعْلَمُها، وعِلْمًا بِأنَّ اللَّهَ سَخَّرَهُ إبْلاغَ مُرادِهِ إلى النَّبِيِّ، والمَلَكُ يُبَلِّغُ إلى النَّبِيءِ ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لِلْآمِرِ التَّسْخِيرِيِّ، بِألْفاظٍ مُعَيَّنَةٍ ألْقاها اللَّهُ في نَفْسِ المَلَكِ مِثْلَ ألْفاظِ القُرْآنِ، أوْ بِألْفاظٍ مِن صَنْعَةِ المَلَكِ كالَّتِي حَكى اللَّهُ عَنْ زَكَرِيّا بَقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ [آل عمران: ٣٩] .
أوْ يَخْلُقُ في سَمْعِ النَّبِيءِ كَلامًا يَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أنَّهُ غَيْرُ صادِرٍ إلَيْهِ مِن مُتَكَلِّمٍ، فَيُوقِنُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ أوَّلَ مَرَّةٍ وبِدَلالَةِ تَعَوُّدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا مِثْلُ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يا مُوسى إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠] ﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ [القصص: ٣١] الآيَةَ، فَقَرَنَ خِطابَهُ الخارِقَ لِلْعادَةِ بِالمُعْجِزَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ لِيُوقِنَ مُوسى أنَّ ذَلِكَ كَلامٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
أوْ يَخْلُقُ في نَفْسِ النَّبِيءِ عِلْمًا قَطْعِيًّا بِأنَّ اللَّهَ أرادَ مِنهُ كَذا كَما يَخْلُقُ في نَفْسِ المَلَكِ في الحالَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا.
صفحة ١٥٠
فَعَلى هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ يَأْتِي الوَحْيُ لِلْأنْبِياءِ ويَخْتَصُّ القُرْآنُ بِمَزِيَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَخْلُقُ كَلامًا يَعِيهِ المَلَكُ ويُؤْمَرُ بِإبْلاغِهِ بِنَصِّهِ دُونَ تَغْيِيرٍ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ .
والقَوْلُ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠] السّابِقَةِ، وإنَّما أُوثِرَ هُنا صِفَةُ العَلِيِّ الحَكِيمِ لِمُناسَبَتِهِما لِلْغَرَضِ لِأنَّ العُلُوَّ في صِفَةِ العَلِيِّ عُلُوُّ عَظَمَةٍ فائِقَةٍ لا تُناسِبُها النُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ الَّتِي لَمْ تَحْظَ مِن جانِبِ القُدْسِ بِالتَّصْفِيَةِ فَما كانَ لَها أنْ تَتَلَقّى مِنَ اللَّهِ مُرادَهُ مُباشَرَةً فاقْتَضى عُلُوُّهُ أنْ يَكُونَ تَوْجِيهُ خِطابِهِ إلى البَشَرِ بِوَسائِطَ يُفْضِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ لِأنَّ ذَلِكَ كَما يَقُولُ الحُكَماءُ: اسْتِفادَةُ القابِلِ مِنَ المَبْدَأِ تَتَوَقَّفُ عَنِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما.
وأمّا وصْفُ الحَكِيمِ فَلِأنَّ مَعْناهُ المُتْقِنُ لِلصُّنْعِ العالِمُ بِدَقائِقِهِ وما خِطابُهُ البَشَرَ إلّا لِحِكْمَةِ إصْلاحِهِمْ ونِظامِ عالَمِهِمْ، وما وُقُوعُهُ عَلى تِلْكَ الكَيْفِيّاتِ الثَّلاثِ إلّا مِن أثَرِ الحِكْمَةِ لِتَيْسِيرِ تَلَقِّي خِطابِهِ ووَعْيِهِ دُونَ اخْتِلالٍ فِيهِ ولا خُرُوجٍ عَنْ طاقَةِ المُتَلَقِّينَ.
وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الشورى 42:52
﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلَيْهِمْ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ أعْقَبَ بِهِ إبْطالَ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمَ لِإبْطالِها قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، أيْ كانَ وحْيُنا إلَيْكَ مِثْلَ كَلامِنا الَّذِي كَلَّمْنا بِهِ مَن قَبْلِكَ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] . والمَقْصُودُ مِن هَذا هو قَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ .
صفحة ١٥١
والإشارَةُ إلى سابِقٍ في الكَلامِ وهو المَذْكُورُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا وحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] الآيَةَ، أيْ ومِثْلَ الَّذِي ذُكِرَ مِن تَكْلِيمِ اللَّهِ وحْيُنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا، فَيَكُونُ عَلى حَدِّ قَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
مِثْلَها تَخْرُجُ النَّصِيحَةُ لِلْقَوْمِ فَلاةً مِن دُونِهَـا أفْـلاءُ
أيْ مِثْلَ نَصِيحَتِنا الَّتِي نَصَحْناها لِلْمَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ تَكُونُ نَصِيحَةُ الأقْوامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِأنَّها نَصِيحَةُ قَرابَةِ ذَوِي أرْحامٍ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما يَأْتِي مِن بَعْدُ وهو الإيحاءُ المَأْخُوذُ مَن (أوْحَيْنا إلَيْكَ) أيْ مِثْلَ إيحائِنا إلَيْكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ، أيْ لَوْ أُرِيدَ تَشْبِيهُ إيحائِنا إلَيْكَ في رِفْعَةِ القَدْرِ والهُدى ما وُجِدَ لَهُ شَبِيهٌ إلّا نَفْسُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: إنَّ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ هو أعَزُّ وأشْرَفُ وحْيٍ بِحَيْثُ لا يُماثِلُهُ غَيْرُهُ.
وكِلا المَعْنَيَيْنِ صالِحٌ هُنا فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَحْمَلًا لِلْآيَةِ عَلى نَحْوِ ما ابْتَكَرْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ. ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّبِيءَ مُحَمَّدًا ﷺ قَدْ أُعْطِي أنْواعَ الوَحْيِ الثَّلاثَةَ، وهو أيْضًا مُقْتَضى الغَرَضِ مِن مَساقِ هَذِهِ الآياتِ.
والرُّوحُ: ما بِهِ حَياةُ الإنْسانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ. وأطْلَقَ الرُّوحَ هُنا مَجازًا عَلى الشَّرِيعَةِ الَّتِي بِها اهْتِداءُ النُّفُوسِ إلى ما يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالخَيْرِ في حَياتِهِمُ الأُولى وحَياتِهِمُ الثّانِيَةِ، شُبِّهَتْ هِدايَةُ عُقُولِهِمْ بَعْدَ الضَّلالَةِ بِحُلُولِ الرُّوحِ في الجَسَدِ فَيَصِيرُ حَيًّا بَعْدَ أنْ كانَ جُثَّةً.
ومَعْنى (مِن أمْرِنا) مِمّا اسْتَأْثَرْنا بِخَلْقِهِ وحَجَبْناهُ عَنِ النّاسِ فالأمْرُ المُضافُ إلى
صفحة ١٥٢
اللَّهِ بِمَعْنى الشَّأْنِ العَظِيمِ، كَقَوْلِهِمْ: أمِرَ أمْرُ فُلانٍ، أيْ شَأْنُهُ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] .
والمُرادُ بِالرُّوحِ مِن أمْرِ اللَّهِ: ما أُوحِيَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الإرْشادِ والهِدايَةِ سَواءٌ كانَ بِتَلْقِينِ كَلامٍ مُعَيَّنٍ مَأْمُورٍ بِإبْلاغِهِ إلى النّاسِ بِلَفْظِهِ دُونَ تَغَيُّرٍ وهو الوَحْيُ القُرْآنِيُّ المَقْصُودُ مِنهُ أمْرانِ: الهِدايَةُ والإعْجازُ، أمْ كانَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذَلِكَ بَلِ الرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ وهو ما يَكُونُ بِكَلامٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ بِهِ الإعْجازُ، أوْ بِإلْقاءِ المَعْنى إلى الرَّسُولِ بِمُشافَهَةِ المَلَكِ، ولِلرَّسُولِ في هَذا أنْ يَتَصَرَّفَ مِن ألْفاظِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ بِما يُرِيدُ التَّعْبِيرَ بِهِ أوْ بِرُؤْيا المَنامِ أوْ بِالإلْقاءِ في النَّفْسِ كَما تَقَدَّمَ.
واخْتِتامُ هَذِهِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ افْتِتاحِها بَقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] الآيَةَ فِيهِ مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (أوْحَيْنا) أيْ أوْحَيْنا إلَيْكَ في حالَ انْتِفاءِ عِلْمِكَ بِالكِتابِ والإيمانِ، أيْ أفَضْنا عَلَيْكَ مَوْهِبَةَ الوَحْيِ في حالِ خُلُوِّكَ عَنْ عِلْمِ الكِتابِ وعِلْمِ الإيمانِ. وهَذا تَحَدٍّ لِلْمُعانِدِينَ لِيَتَأمَّلُوا في حالِ الرَّسُولِ ﷺ فَيَعْلَمُوا أنَّ ما أُوتِيَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ والآدابِ الخُلُقِيَّةِ هو مِن مَواهِبِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي لَمْ تَسْبِقْ لَهُ مُزاوَلَتُها، ويَتَضَمَّنُ امْتِنانًا عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ المُسْلِمِينَ.
ومَعْنى عَدَمِ دِرايَةِ الكِتابِ: عَدَمُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِقِراءَةِ كِتابٍ أوْ فَهْمِهِ.
ومَعْنى انْتِفاءِ دِرايَةِ الإيمانِ: عَدَمُ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الإيمانِ الشَّرْعِيِّ مِن صِفاتِ اللَّهِ وأُصُولِ الدِّينِ وقَدْ يُطْلَقُ الإيمانُ عَلى ما يُرادِفُ الإسْلامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وهو الإيمانُ الَّذِي يَزِيدُ ويَنْقُصُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ [المدثر: ٣١]، فَيُزادُ في مَعْنى عَدَمِ دِرايَةِ الإيمانِ انْتِفاءُ تَعَلُّقِ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِشَرائِعِ الإسْلامِ. فانْتِفاءُ دِرايَتِهِ بِالإيمانِ مِثْلُ انْتِفاءِ دِرايَتِهِ بِالكِتابِ، أيِ انْتِفاءِ العِلْمِ بِحَقائِقِهِ ولِذَلِكَ قالَ ما كُنْتَ تَدْرِي ولَمْ يَقُلْ: ما كُنْتَ مُؤْمِنًا.
صفحة ١٥٣
وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَقْتَضِي أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّةِ إلَهِيَّتِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ إذِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ فَهم مُوَحِّدُونَ لِلَّهِ ونابِذُونَ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ الإيمانِ، وكانَ نَبِيُّنا ﷺ في عَهْدِ جاهِلِيَّةِ قَوْمِهِ يَعْلَمُ بُطْلانَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وإذْ قَدْ كانَ قَوْمُهُ يُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ فَبُطْلانُ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ عِنْدَهُ تُمَحِّضُهُ لِإفْرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ لا مَحالَةَ.
وقَدْ أخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فِيما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوءَةِ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ وذَكَرَهُ عِياضٌ في الشِّفاءِ غَيْرَ مَعْزُوٍّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا نَشَأْتُ - أيْ عَقَلْتُ - بُغِّضَتْ إلَيَّ الأوْثانُ وبُغِّضَ إلَيَّ الشِّعْرُ، ولَمْ أهُمَّ بِشَيْءٍ مِمّا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ إلّا مَرَّتَيْنِ فَعَصَمَنِي اللَّهُ مِنهُما ثُمَّ لَمْ أعُدْ» .
وعَلى شِدَّةِ مُنازَعَةِ قُرَيْشٍ إيّاهُ في أمْرِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهم لَمْ يُحاجُّوهُ بِأنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ مَعَهم.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ حُجَّةٌ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ رَسُولَ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبِّدًا قَبْلَ نُبُوءَتِهِ بِشَرْعٍ.
وإدْخالُ (لا) النّافِيَةِ في قَوْلِهِ ولا الإيمانُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ دِرايَتِهِ إيّاهُ، أيْ ما كُنْتَ تَدْرِي الكِتابَ ولا الإيمانَ، لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّ المَنفِيَّ دِرايَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ . وضَمِيرُ جَعَلْناهُ عائِدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: وجَعَلَنا الكِتابَ نُورًا. وأُقْحِمَ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ حَرْفُ الِاسْتِدْراكِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَكْسُ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ .
والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ نَفْيِ دِرايَةِ الكِتابِ أنَّ انْتِفاءَها مُسْتَمِرٌّ فاسْتَدْرَكَ بِأنَّ اللَّهَ هَداهُ، بِالكِتابِ وهَدى بِهِ أُمَّتَهُ، فالِاسْتِدْراكُ واقِعٌ في المَحَزِّ. والتَّقْدِيرُ: ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ثُمَّ هَدَيْناكَ بِالكِتابِ ابْتِداءً وعَرَّفْناكَ بِهِ الإيمانَ وهَدَيْتَ بِهِ النّاسَ ثانِيًا
صفحة ١٥٤
فاهْتَدى بِهِ مَن شِئْنا هِدايَتَهُ، أيْ وبَقِيَ عَلى الضَّلالِ مَن لَمْ نَشَأْ لَهُ الِاهْتِداءَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] .
وشُبِّهَ الكِتابُ بِالنُّورِ لِمُناسَبَةِ الهَدْيِ بِهِ لِأنَّ الإيمانَ والهُدى والعِلْمَ تُشَبَّهُ بِالنُّورِ، والضَّلالَ والجَهْلَ والكُفْرَ تُشَبَّهُ بِالظُّلْمَةِ، قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . وإذا كانَ السّائِرُ في الطَّرِيقِ في ظُلْمَةٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ فَإذا اسْتَنارَ لَهُ اهْتَدى إلى الطَّرِيقِ، فالنُّورُ وسِيلَةُ الِاهْتِداءِ ولَكِنْ إنَّما يَهْتَدِي بِهِ مَن لا يَكُونُ لَهُ حائِلٌ دُونَ الِاهْتِداءِ وإلّا لَمْ تَنْفَعْهُ وسِيلَةُ الِاهْتِداءِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾، أيْ نَخْلُقُ بِسَبَبِهِ الهِدايَةَ في نُفُوسِ الَّذِينَ أعَدَدْناهم لِلْهُدى مِن عِبادِنا.
فالهِدايَةُ هُنا هِدايَةٌ خاصَّةٌ وهي خَلْقُ الإيمانِ في القَلْبِ.
* * *
﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣]
أيْ نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ بِدَعْوَتِكَ وواسِطَتِكَ فَلَمّا أثْبَتَ الهَدْيَ إلى اللَّهِ وجَعَلَ الكِتابَ سَبَبًا لِتَحْصِيلِ الهِدايَةِ عَطَفَ وساطَةَ الرَّسُولِ في إيصالِ ذَلِكَ الهَدْيِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ .
فَجُمْلَةُ وإنَّكَ لَتَهْدِي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ . وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ وإذْ كَبُرَ عَلَيْهِمْ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ مَعَ أنَّهُ يَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
والهِدايَةُ في قَوْلِهِ وإنَّكَ لَتَهْدِي هِدايَةٌ عامَّةٌ. وهي: إرْشادُ النّاسِ إلى طَرِيقِ الخَيْرِ فَهي تُخالِفُ الهِدايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾ .
وحَذَفَ مَفْعُولَ لَتَهْدِي لِلْعُمُومِ، أيْ لَتَهْدِي جَمِيعَ النّاسِ، أيْ تُرْشِدُهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] .
صفحة ١٥٥
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في تَثْبِيتِ قَلْبِ النَّبِيءِ ﷺ بِالشَّهادَةِ لَهُ بِهَذا المَقامِ العَظِيمِ فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ، عَلى أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ أيْضًا لِلتَّعْرِيضِ بِالمُنْكِرِينَ لِهَدْيِهِ فَيَكُونُ في التَّأْكِيدِ مُلاحَظَةُ تَحْقِيقِهِ وإبْطالُ إنْكارِهِمْ.
فَكَما أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمَيْنِ مِن لَوازِمِ مَعْناهُ فَكَذَلِكَ التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُسْتَعْمَلٌ في غَرَضَيْنِ مِن أغْراضِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مِمّا أُلْحِقَ بِاسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ.
وتَنْكِيرُ (صِراطٍ) لِلتَّعْظِيمِ مِثْلُ تَنْكِيرِ عَظْمٍ في قَوْلِ أبِي خِراشٍ:
فَلا وأبِي الطَّيْرِ المُرِبَّةِ في الضُّحى عَلى خالِدٍ لَقَدْ وقَعْنَ عَلى عَـظْـمِ
ولِأنَّ التَّنْكِيرَ أنْسَبُ بِمَقامِ التَّعْرِيضِ بِالَّذِينِ لَمْ يَأْبَهُوا بِهِدايَتِهِ.
وعَدَلَ عَنْ إضافَةِ (صِراطٍ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ ابْتِداءً لِقَصْدِ الإجْمالِ الَّذِي يَعْقُبُهُ التَّفْصِيلُ بِأنْ يُبْدِلَ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ (صِراطَ اللَّهِ) لِيَتَمَكَّنَ بِهَذا الأُسْلُوبِ المَعْنى المَقْصُودُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] .
وإجْراءُ وصْفِ اسْمِ الجَلالَةِ بِاسْمِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِلْإيماءِ أنَّ سَبَبَ اسْتِقامَةِ الصِّراطِ الَّذِي يَهْدِي إلَيْهِ النَّبِيءُ بِأنَّهُ صِراطُ الَّذِي يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَلا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِمّا يَلِيقُ بِعِبادِهِ، فَلَمّا أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بِكِتابٍ لا يُرْتابُ في أنَّ ما أرْسَلَ لَهم فِيهِ صَلاحُهم.
الشورى 42:53
﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْهِيَةٌ لِلسُّورَةِ بِخِتامِ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ المُجادَلَةِ والِاحْتِجاجِ بِكَلامٍ قاطِعٍ جامِعٍ مُنْذِرٍ بِوَعِيدٍ لِلْمُعْرِضِينَ فاجِعٍ ومُبَشِّرٍ بِالوَعْدِ لِكُلِّ خاشِعٍ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ لِاسْتِرْعاءِ أسْماعِ النّاسِ.
صفحة ١٥٦
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ؛ أيْ إلى اللَّهِ لا إلى غَيْرِهِ.
والمَصِيرُ: الرُّجُوعُ والِانْتِهاءُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِظُهُورِ الحَقائِقِ كَما هي يَوْمَ القِيامَةِ فَيَذْهَبُ تَلْبِيسُ المُلَبِّسِينَ، ويَهِنُ جَبَرُوتُ المُتَجَبِّرِينَ، ويُقِرُّ بِالحَقِّ مَن كانَ فِيهِ مِنَ المُعانِدِينَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] . والأُمُورُ: الشُّئُونُ والأحْوالُ والحَقائِقُ وكُلُّ مَوْجُودٍ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي.
وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى الكُمَيْتُ في قَوْلِهِ:
فالآنَ صِرْتُ إلى أُمَيَّـ ـيةَ والأُمُورُ إلى مَصائِرْ
وفِي تَنْهِيَةِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ مُحَسِّنُ حُسْنِ الخِتامِ.
* * *
صفحة ١٥٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزُّخْرُفِ
سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ العَتِيقَةِ والحَدِيثَةِ (سُورَةَ الزُّخْرُفِ) وكَذَلِكَ وجَدْتُها في جَوْءٍ عَتِيقٍ مِن مُصْحَفٍ كُوفِيِّ الخَطِّ مِمّا كُتِبَ في أواخِرِ القَرْنِ الخامِسِ، وبِذَلِكَ تَرْجَمَ لَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، وسُمِّيَتْ كَذَلِكَ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ.
وسَمّاها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ (سُورَةَ حم الزُّخْرُفِ) وإضافَةُ كَلِمَةِ (حم) إلى الزُّخْرُفِ عَلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ في تَسْمِيَةِ سُورَةِ (حم المُؤْمِنِ) رَوى الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الباقِرِ أنَّهُ سَمّاها كَذَلِكَ.
ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ كَلِمَةَ (وزُخْرُفًا) وقَعَتْ فِيها ولَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ فَعَرَّفُوها بِهَذِهِ الكَلِمَةِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ: وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ آيَةَ ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] نَزَلَتْ بِالمَسْجِدِ الأقْصى فَإذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ مُنافِيًا لِهَذا لِأنَّ المُرادَ بِالمَكِّيِّ ما أُنْزِلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السُّورَةَ الثّانِيَةَ والسِتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ فُصِّلَتْ وقَبْلَ سُورَةِ الدُّخانِ.
وعُدَّتْ آيُها عِنْدَ العادِّينَ مِن مُعْظَمِ الأمْصارِ تِسْعًا وثَمانِينَ، وعَدَّها أهْلُ الشّامِ ثَمانِيًا وثَمانِينَ.
* * *
صفحة ١٥٨
أغْراضُها
أعْظَمُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ: التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ لِأنَّهُ آيَةُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ والتَّنْوِيهُ بِهِ عِدَّةَ مَرّاتٍ وأنَّهُ أوْحى اللَّهُ بِهِ لِتَذْكِيرِهِمْ وتَكْرِيرِ تَذْكِيرِهِمْ وإنْ أعْرَضُوا كَما أعْرَضَ مَن قَبْلَهم عَنْ رُسُلِهِمْ.
وإذْ قَدْ كانَ باعِثُهم عَلى الطَّعْنِ في القُرْآنِ تَعَلُّقَهم بِعِبادَةِ الأصْنامِ الَّتِي نَهاهُمُ القُرْآنُ عَنْها كانَ مِن أهَمِّ أغْراضِ السُّورَةِ، التَّعْجِيبُ مِن حالِهِمْ إذْ جَمَعُوا بَيْنَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم والمُنْعِمُ عَلَيْهِمْ وخالِقُ المَخْلُوقاتِ كُلِّها. وبَيْنَ اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً يَعْبُدُونَها شُرَكاءَ لِلَّهِ، حَتّى إذا انْتَقَضَ أساسُ عِنادِهِمُ اتَّضَحَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ باطِلُهم.
وجَعَلُوا بَناتٍ لِلَّهِ مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّ البَناتِ أحَطُّ قَدْرًا مِنَ الذُّكُورِ فَجَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ الإشْراكِ والتَّنْقِيصِ.
وإبْطالُ عِبادَةِ كُلِّ ما دُونَ اللَّهِ عَلى تَفاوُتِ دَرَجاتِ المَعْبُودِينَ في الشَّرَفِ فَإنَّهم سَواءٌ في عَدَمِ الإلَهِيَّةِ لِلْأُلُوهِيَّةِ ولِبُنُوَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وعَرَّجَ عَلى إبْطالِ حُجَجِهِمْ ومَعاذِيرِهِمْ، وسَفَّهَ تَخْيِيلاتِهِمْ وتُرَّهاتِهِمْ.
وذَكَّرَهم بِأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقِينَ مَعَ رُسُلِهِمْ، وأنْذَرَهم بِمِثْلِ عَواقِبِهِمْ، وحَذَّرَهم مِن الِاغْتِرارِ بِإمْهالِ اللَّهِ وخَصَّ بِالذِّكْرِ رِسالَةَ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وخَصَّ إبْراهِيمَ بِأنَّهُ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في جَمْعٍ مِن عَقِبِهِ وتَوَعَّدَ المُشْرِكِينَ وأنْذَرَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ الَّذِي كانَ إنْكارُهم وُقُوعَهُ مِن مُغَذِّياتِ كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم في مَأْمَنٍ بَعْدَ المَوْتِ.
وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الأغْراضُ وتَفارِيعُها عَلى نَسْجٍ بَدِيعٍ وأُسْلُوبٍ رائِعٍ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والأصالَةِ والِاسْتِطْرادِ عَلى حَسَبِ دَواعِي المُناسَباتِ الَّتِي اقْتَضَتْها البَلاغَةُ، وتَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ لِقَبُولِ ما يُلْقى إلَيْهِ. وتَخَلَّلَ في خِلالِهِ مِنَ الحُجَجِ والأمْثالِ
صفحة ١٥٩
والمَثَلِ والقَوارِعِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، شَيْءٌ عَجِيبٌ، مَعَ دَحْضِ شُبَهِ المُعانِدِينَ بِأفانِينِ الإقْناعِ بِانْحِطاطِ مِلَّةِ كُفْرِهِمْ وعَسْفِ مُعْوَجِّ سُلُوكِهِمْ.
وأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ ما في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ مِنَ النِّعَمِ عَلى النّاسِ والإنْذارِ والتَّبْشِيرِ.
وقَدْ جَرَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أُسْلُوبِ نِسْبَةِ الكَلامِ إلى اللَّهِ تَعالى عَدا ما قامَتِ القَرِينَةُ عَلى الإسْنادِ إلى غَيْرِهِ.
الزخرف 43:1
﴿حم﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِهِ ومَواقِعِهِ قَبْلَ ذِكْرِ القُرْآنِ وتَنْزِيلِهِ.
الزخرف 43:2
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أقْسَمَ بِالكِتابِ المُبِينِ وهو القُرْآنُ عَلى أنَّ القُرْآنَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَرَبِيًّا واضِحَ الدَّلالَةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُصَدِّقُوا بِهِ لَوْ كانُوا غَيْرَ مُكابِرِينَ، ولَكِنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ كانُوا كَمَن لا يَعْقِلُونَ. فالقَسَمُ بِالقُرْآنِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وهو تَوْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ جَوابُ القَسَمِ إذْ لَيْسَ القَسَمُ هُنا بِرافِعٍ لِتَكْذِيبِ المُنْكِرِينَ إذْ لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ المُقْسِمَ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّ المُخاطَبَ بِالقَسَمِ هُمُ المُنْكِرُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ) وتَفْرِيعِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] عَلَيْهِ. وتَوْكِيدُ الجَوابِ بِـ (إنَّ) زِيادَةُ تَوْكِيدٍ لِلْخَبَرِ أنَّ القُرْآنَ مِن جَعْلِ اللَّهِ.
وفِي جَعْلِ المُقْسَمِ بِهِ القُرْآنَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُبِينًا، وجَعْلِ جَوابِ القَسَمِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مُبِينًا، تَنْوِيهٌ خاصٌّ بِالقُرْآنِ إذْ جَعَلَ المُقْسَمَ بِهِ هو المُقَسَمَ عَلَيْهِ، وهَذا ضَرْبٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّ المُقْسَمَ عَلى شَأْنِهِ بَلَغَ غايَةَ الشَّرَفِ فَإذا أرادَ المُقْسِمُ أنْ يُقْسِمَ عَلى ثُبُوتِ شَرَفٍ لَهُ لَمْ يَجِدْ ما هو أوْلى بِالقَسَمِ بِهِ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ مِن قَبِيلِهِ قَوْلَ أبِي تَمّامٍ:
صفحة ١٦٠
وثَناياكِ إنَّهَـا إغْـرِيضُ ولَآلٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ
إذْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ جُمْلَةَ إنَّها إغْرِيضُ جَوابَ القَسَمِ وهو الَّذِي تَبِعَهُ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ في شَرْحَيْهِما لِلْكَشّافِ، وهو ما فَسَّرَ بِهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ لِدِيوانِ أبِي تَمّامٍ، ولَكِنَّ التَّفْتَزانِيَّ أبْطَلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الكَشّافِ وجَعَلَ جُمْلَةَ (إنَّها إغْرِيضُ) اسْتِئْنافًا أيِ اعْتِراضًا لِبَيانِ اسْتِحْقاقِ ثَناياها أنْ يُقْسِمَ بِها، وجَعَلَ جَوابَ القَسَمِ قَوْلَهُ بَعْدَ أبْياتٍ ثَلاثَةٍ:
لَتَكاءَدْنَنِي غِمارٌ مِنَ الأحْ ∗∗∗ داثِ لَمْ أدْرِ أيَّهُنَّ أخُوضُ
والنُّكَتُ والخُصُوصِيّاتُ الأدَبِيَّةُ يَكْفِي فِيها الِاحْتِمالُ المَقْبُولُ فَإنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ:
وارْتِكاضُ الكَرى بِعَيْنَيْكَ في النَّ ∗∗∗ وْمِ فُنُونًا وما بِعَيْنِي غُمُوضُ
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا ثانِيًا فَيَكُونَ البَيْتُ جَوابًا لَهُ.
وإطْلاقُ اسْمِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ لِيُكْتَبَ وأنَّ الأُمَّةَ مَأْمُورُونَ بِكِتابَتِهِ وإنْ كانَ نُزُولُهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيُكْتَبُ في المَصاحِفِ، والمُرادُ بِـ (الكِتابِ) ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ.
وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الكِتابِ، أيْ إنّا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ قُرْآنًا والجَعْلُ: الإيجادُ والتَّكْوِينُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والمَعْنى: أنَّهُ مَقْرُوءٌ دُونَ حُضُورِ كِتابٍ فَيَقْتَضِي أنَّهُ مَحْفُوظٌ في الصُّدُورِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِلْإخْبارِ بِأنَّهُ مَقْرُوءٌ لِأنَّ كُلَّ كِتابٍ صالِحٌ لِأنْ يُقْرَأُ. والإخْبارُ عَنِ الكِتابِ بِأنَّهُ قُرْآنٌ مُبالَغَةٌ في كَوْنِ هَذا الكِتابِ مَقْرُوءًا، أيْ مُيَسَّرًا لِأنْ يُقْرَأُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] . وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
فَحَصَلَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ جامِعٌ لِوَصْفَيْنِ: كَوْنِهِ كِتابًا، وكَوْنِهِ مَقْرُوءًا عَلى ألْسِنَةِ الأُمَّةِ. وهَذا مِمّا اخْتُصَّ بِهِ كِتابُ الإسْلامِ.
صفحة ١٦١
و(عَرَبِيًّا) نِسْبَةً إلى العَرَبِ، وإذْ قَدْ كانَ المَنسُوبُ كِتابًا ومَقْرُوءًا فَقَدِ اقْتَضى أنَّ نِسْبَتَهُ إلى العَرَبِ نِسْبَةُ الكَلامِ واللُّغَةِ إلى أهْلِها، أيْ هو مِمّا يَنْطِقُ العَرَبُ بِمِثْلِ ألْفاظِهِ، وبِأنْواعِ تَراكِيبِهِ.
وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ جَعَلْناهُ.
ومَعْنى جَعْلِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا تَكْوِينُهُ عَلى ما كُوِّنَتْ عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ، وأنَّ اللَّهَ بِباهِرِ حِكْمَتِهِ جَعَلَ هَذا الكِتابَ قُرْآنًا بِلُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها أشْرَفُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها دَلالَةً عَلى عَدِيدِ المَعانِي، وأنْزَلَهُ بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِأنَّهم أفْهَمُ لِدَقائِقِها، ولِذَلِكَ اصْطَفى رَسُولَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِتَتَظاهَرَ وسائِلُ الدَّلالَةِ والفَهْمِ فَيَكُونُوا المُبَلِّغِينَ مُرادَ اللَّهِ إلى الأُمَمِ. وإذا كانَ هَذا القُرْآنُ بِهاتِهِ المَثابَةِ فَلا يَأْبى مِن قَبُولِهِ إلّا قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في الباطِلِ بُعَداءُ عَنِ الإنْصافِ والرُّشْدِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ هَدْيَهم فَلا يُقْطَعُ عَنْهم ذِكْرُهُ حَتّى يَتِمَّ مُرادُهُ ويَكْمُلَ انْتِشارُ دِينِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُراجِعُوا عُقُولَهم ويَتَدَبَّرُوا إخْلاصَهم فَإنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤاخِذِهِمْ بِما سَلَفَ مِن إسْرافِهِمْ إنْ هم ثابُوا إلى رُشْدِهِمْ.
والمَقْصُودُ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ غَرَضانِ: أحَدُهُما التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، ومَدْحُهُ بِأنَّهُ مَنسُوجٌ عَلى مِنوالِ أفْصَحِ لُغَةٍ، وثانِيهِما التَّوَرُّكُ عَلى المُعانِدِينَ مِنَ العَرَبِ حِينَ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِمَعانِيهِ بِأنَّهم كَمَن يَسْمَعُ كَلامًا بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ الحَرْفانِ المُقَطَّعانِ المُفْتَتَحَةُ بِهِما السُّورَةُ مِن مَعْنى التَّحَدِّي بِأنَّ هَذا كِتابٌ بِلُغَتِكم وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
وحَرْفُ (لَعَلَّ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإرادَةِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعَقْلُ: الفَهْمُ.
والغَرَضُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّهم أهْمَلُوا التَّدَبُّرَ في هَذا الكِتابِ وأنَّ كَمالَهُ في البَيانِ والإفْصاحِ نَسْتَأْهِلُ العِنايَةَ بِهِ لا الإعْراضَ عَنْهُ، فَقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ مُشْعِرٌ بِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا.
والمَعْنى: أنّا يَسَّرْنا فَهْمَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ فَأعْرَضْتُمْ ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَهُ،
صفحة ١٦٢
لِأنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِقْدارٌ عَظِيمٌ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَعَقَلُوا، فَهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ.
الزخرف 43:3
﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أقْسَمَ بِالكِتابِ المُبِينِ وهو القُرْآنُ عَلى أنَّ القُرْآنَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَرَبِيًّا واضِحَ الدَّلالَةِ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يُصَدِّقُوا بِهِ لَوْ كانُوا غَيْرَ مُكابِرِينَ، ولَكِنَّهم بِمُكابَرَتِهِمْ كانُوا كَمَن لا يَعْقِلُونَ. فالقَسَمُ بِالقُرْآنِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وهو تَوْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ جَوابُ القَسَمِ إذْ لَيْسَ القَسَمُ هُنا بِرافِعٍ لِتَكْذِيبِ المُنْكِرِينَ إذْ لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ المُقْسِمَ هو اللَّهُ تَعالى فَإنَّ المُخاطَبَ بِالقَسَمِ هُمُ المُنْكِرُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ) وتَفْرِيعِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] عَلَيْهِ. وتَوْكِيدُ الجَوابِ بِـ (إنَّ) زِيادَةُ تَوْكِيدٍ لِلْخَبَرِ أنَّ القُرْآنَ مِن جَعْلِ اللَّهِ.
وفِي جَعْلِ المُقْسَمِ بِهِ القُرْآنَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُبِينًا، وجَعْلِ جَوابِ القَسَمِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مُبِينًا، تَنْوِيهٌ خاصٌّ بِالقُرْآنِ إذْ جَعَلَ المُقْسَمَ بِهِ هو المُقَسَمَ عَلَيْهِ، وهَذا ضَرْبٌ عَزِيزٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ يُومِئُ إلى أنَّ المُقْسَمَ عَلى شَأْنِهِ بَلَغَ غايَةَ الشَّرَفِ فَإذا أرادَ المُقْسِمُ أنْ يُقْسِمَ عَلى ثُبُوتِ شَرَفٍ لَهُ لَمْ يَجِدْ ما هو أوْلى بِالقَسَمِ بِهِ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ مِن قَبِيلِهِ قَوْلَ أبِي تَمّامٍ:
صفحة ١٦٠
وثَناياكِ إنَّهَـا إغْـرِيضُ ولَآلٍ تُؤْمٌ وبَرْقٌ ومِيضُ
إذْ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ جُمْلَةَ إنَّها إغْرِيضُ جَوابَ القَسَمِ وهو الَّذِي تَبِعَهُ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ والقَزْوِينِيُّ في شَرْحَيْهِما لِلْكَشّافِ، وهو ما فَسَّرَ بِهِ التَّبْرِيزِيُّ في شَرْحِهِ لِدِيوانِ أبِي تَمّامٍ، ولَكِنَّ التَّفْتَزانِيَّ أبْطَلَ ذَلِكَ في شَرْحِ الكَشّافِ وجَعَلَ جُمْلَةَ (إنَّها إغْرِيضُ) اسْتِئْنافًا أيِ اعْتِراضًا لِبَيانِ اسْتِحْقاقِ ثَناياها أنْ يُقْسِمَ بِها، وجَعَلَ جَوابَ القَسَمِ قَوْلَهُ بَعْدَ أبْياتٍ ثَلاثَةٍ:
لَتَكاءَدْنَنِي غِمارٌ مِنَ الأحْ ∗∗∗ داثِ لَمْ أدْرِ أيَّهُنَّ أخُوضُ
والنُّكَتُ والخُصُوصِيّاتُ الأدَبِيَّةُ يَكْفِي فِيها الِاحْتِمالُ المَقْبُولُ فَإنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهُ:
وارْتِكاضُ الكَرى بِعَيْنَيْكَ في النَّ ∗∗∗ وْمِ فُنُونًا وما بِعَيْنِي غُمُوضُ
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا ثانِيًا فَيَكُونَ البَيْتُ جَوابًا لَهُ.
وإطْلاقُ اسْمِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ لِيُكْتَبَ وأنَّ الأُمَّةَ مَأْمُورُونَ بِكِتابَتِهِ وإنْ كانَ نُزُولُهُ عَلى الرَّسُولِ ﷺ لَفْظًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ.
وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيُكْتَبُ في المَصاحِفِ، والمُرادُ بِـ (الكِتابِ) ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ وقَدْ كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ.
وضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) عائِدٌ إلى الكِتابِ، أيْ إنّا جَعَلْنا الكِتابَ المُبِينَ قُرْآنًا والجَعْلُ: الإيجادُ والتَّكْوِينُ، وهو يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والمَعْنى: أنَّهُ مَقْرُوءٌ دُونَ حُضُورِ كِتابٍ فَيَقْتَضِي أنَّهُ مَحْفُوظٌ في الصُّدُورِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَتْ فائِدَةٌ لِلْإخْبارِ بِأنَّهُ مَقْرُوءٌ لِأنَّ كُلَّ كِتابٍ صالِحٌ لِأنْ يُقْرَأُ. والإخْبارُ عَنِ الكِتابِ بِأنَّهُ قُرْآنٌ مُبالَغَةٌ في كَوْنِ هَذا الكِتابِ مَقْرُوءًا، أيْ مُيَسَّرًا لِأنْ يُقْرَأُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] . وقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
فَحَصَلَ بِهَذا الوَصْفِ أنَّ الكِتابَ المُنَزَّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ جامِعٌ لِوَصْفَيْنِ: كَوْنِهِ كِتابًا، وكَوْنِهِ مَقْرُوءًا عَلى ألْسِنَةِ الأُمَّةِ. وهَذا مِمّا اخْتُصَّ بِهِ كِتابُ الإسْلامِ.
صفحة ١٦١
و(عَرَبِيًّا) نِسْبَةً إلى العَرَبِ، وإذْ قَدْ كانَ المَنسُوبُ كِتابًا ومَقْرُوءًا فَقَدِ اقْتَضى أنَّ نِسْبَتَهُ إلى العَرَبِ نِسْبَةُ الكَلامِ واللُّغَةِ إلى أهْلِها، أيْ هو مِمّا يَنْطِقُ العَرَبُ بِمِثْلِ ألْفاظِهِ، وبِأنْواعِ تَراكِيبِهِ.
وانْتَصَبَ قُرْآنًا عَلى الحالِ مِن مَفْعُولِ جَعَلْناهُ.
ومَعْنى جَعْلِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا تَكْوِينُهُ عَلى ما كُوِّنَتْ عَلَيْهِ لُغَةُ العَرَبِ، وأنَّ اللَّهَ بِباهِرِ حِكْمَتِهِ جَعَلَ هَذا الكِتابَ قُرْآنًا بِلُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها أشْرَفُ اللُّغاتِ وأوْسَعُها دَلالَةً عَلى عَدِيدِ المَعانِي، وأنْزَلَهُ بَيْنَ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِأنَّهم أفْهَمُ لِدَقائِقِها، ولِذَلِكَ اصْطَفى رَسُولَهُ مِن أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ لِتَتَظاهَرَ وسائِلُ الدَّلالَةِ والفَهْمِ فَيَكُونُوا المُبَلِّغِينَ مُرادَ اللَّهِ إلى الأُمَمِ. وإذا كانَ هَذا القُرْآنُ بِهاتِهِ المَثابَةِ فَلا يَأْبى مِن قَبُولِهِ إلّا قَوْمٌ مُسْرِفُونَ في الباطِلِ بُعَداءُ عَنِ الإنْصافِ والرُّشْدِ، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ هَدْيَهم فَلا يُقْطَعُ عَنْهم ذِكْرُهُ حَتّى يَتِمَّ مُرادُهُ ويَكْمُلَ انْتِشارُ دِينِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُراجِعُوا عُقُولَهم ويَتَدَبَّرُوا إخْلاصَهم فَإنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤاخِذِهِمْ بِما سَلَفَ مِن إسْرافِهِمْ إنْ هم ثابُوا إلى رُشْدِهِمْ.
والمَقْصُودُ بِوَصْفِ الكِتابِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ غَرَضانِ: أحَدُهُما التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ، ومَدْحُهُ بِأنَّهُ مَنسُوجٌ عَلى مِنوالِ أفْصَحِ لُغَةٍ، وثانِيهِما التَّوَرُّكُ عَلى المُعانِدِينَ مِنَ العَرَبِ حِينَ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِمَعانِيهِ بِأنَّهم كَمَن يَسْمَعُ كَلامًا بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَتِهِ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِما تَضَمَّنَهُ الحَرْفانِ المُقَطَّعانِ المُفْتَتَحَةُ بِهِما السُّورَةُ مِن مَعْنى التَّحَدِّي بِأنَّ هَذا كِتابٌ بِلُغَتِكم وقَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
وحَرْفُ (لَعَلَّ) مُسْتَعارٌ لِمَعْنى الإرادَةِ وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
والعَقْلُ: الفَهْمُ.
والغَرَضُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّهم أهْمَلُوا التَّدَبُّرَ في هَذا الكِتابِ وأنَّ كَمالَهُ في البَيانِ والإفْصاحِ نَسْتَأْهِلُ العِنايَةَ بِهِ لا الإعْراضَ عَنْهُ، فَقَوْلُهُ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ مُشْعِرٌ بِأنَّهم لَمْ يَعْقِلُوا.
والمَعْنى: أنّا يَسَّرْنا فَهْمَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ فَأعْرَضْتُمْ ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَهُ،
صفحة ١٦٢
لِأنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِقْدارٌ عَظِيمٌ لَوْ تَدَبَّرُوهُ لَعَقَلُوا، فَهَذا الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ.
الزخرف 43:4
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] فَهو زِيادَةٌ في الثَّناءِ عَلى هَذا الكِتابِ ثَناءً ثانِيًا لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ رِفْعَةً وإرْشادًا.
وأُمُّ الكِتابِ: أصْلُ الكِتابِ. والمُرادُ بِـ (أُمِّ الكِتابِ) عِلْمُ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ: ﴿وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩] في سُورَةِ الرَّعْدِ، لِأنَّ الأُمَّ بِمَعْنى الأصْلِ والكِتابُ هُنا بِمَعْنى المَكْتُوبِ، أيِ المُحَقَّقُ المُوَثَّقُ وهَذا كِنايَةً عَنِ الحَقِّ الَّذِي لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا أنْ يُحَقِّقُوا عَهْدًا عَلى طُولِ مُدَّةٍ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ، قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذِرُ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْ قُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
وعَلِيٌّ أصْلُهُ المُرْتَفِعُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِشَرَفِ الصِّفَةِ وهي اسْتِعارَةٌ شائِعَةٌ.
وحَكِيمٌ: أصْلُهُ الَّذِي الحِكْمَةُ مِن صِفاتِ رَأْيِهِ، فَهو هُنا مَجازٌ لِما يَحْوِي الحِكْمَةَ بِما فِيهِ مِن صَلاحِ أحْوالِ النُّفُوسِ والقَوانِينِ المُقِيمَةِ لِنِظامِ الأُمَّةِ.
ومَعْنى كَوْنِ ذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ عَلِمَهُ كَذَلِكَ وما عَلِمَهُ اللَّهُ لا يَقْبَلُ الشَّكَّ. ومَعْناهُ: أنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي هو مِن مُرادِ اللَّهِ وصَدَرَ عَنْ عِلْمِهِ.
ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُفِيدَ هَذا شَهادَةً بِعُلُوِّ القُرْآنِ وحِكْمَتِهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في اليَمِينِ: اللَّهُ يَعْلَمُ، و: عَلِمَ اللَّهُ.
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ (إنَّ) لِرَدِّ إنْكارِ المُخاطَبِينَ إذْ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُوحًى بِهِ مِنَ اللَّهِ.
ولَدَيْنا ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ إنَّهُ أوْ مِن أُمِّ الكِتابِ
صفحة ١٦٣
والمَقْصُودُ: زِيادَةُ تَحْقِيقِ الخَبَرِ وتَشْرِيفِ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ في أُمِّ الكِتابِ بِضَمِّ هَمْزَةِ أُمِّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إمِّ الكِتابِ في الوَصْلِ اتِّباعًا لِكَسْرَةِ (في)، فَلَوْ وقَفَ عَلى (في) لَمْ يَكْسِرِ الهَمْزَةَ.
الزخرف 43:5
﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾
الفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، أيْ أتَحْسَبُونَ أنَّ إعْراضَكم عَمّا نَزَلَ مِن هَذا الكِتابِ يَبْعَثُنا عَلى أنْ نَقْطَعَ عَنْكم تَجَدُّدَ التَّذْكِيرِ بِإنْزالِ شَيْءٍ آخَرَ مِنَ القُرْآنِ. فَلَمّا أُرِيدَتْ إعادَةُ تَذْكِيرِهِمْ وكانُوا قَدْ قَدَّمَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّذْكِيرِ ما فِيهِ هَدْيُهم لَوْ تَأمَّلُوا وتَدَبَّرُوا، وكانَتْ إعادَةُ التَّذْكِيرِ لَهم مَوْسُومَةً في نَظَرِهِمْ بِقِلَّةِ الجَدْوى بَيَّنَ لَهم أنَّ اسْتِمْرارَ إعْراضِهِمْ لا يَكُونُ سَبَبًا في قَطْعِ الإرْشادِ عَنْهم لِأنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ بِهِمْ مُرِيدٌ لِصَلاحِهِمْ لا يَصُدُّهُ إسْرافُهم في الإنْكارِ عَنْ زِيادَةِ التَقَدُّمِ إلَيْهِمْ بِالمَواعِظِ والهَدْيِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَجُوزُ أنْ نَضْرِبَ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا مِن جَرّاءِ إسْرافِكم.
والضَّرْبُ حَقِيقَتُهُ قَرْعُ جِسْمٍ بِآخَرَ، ولَهُ إطْلاقاتٌ أشْهَرُها: قَرَعَ البَعِيرَ بِعَصًا، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِمَعْنى القَطْعِ والصَّرْفِ أخْذًا مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الغَرائِبَ عَنِ الحَوْضِ، أيْ أطْرَدَها وصَرَفَها لِأنَّها لَيْسَتْ لِأهْلِ الماءِ، فاسْتَعارُوا الضَّرْبَ لِلصَّرْفِ والطَّرْدِ، وقالَ طَرَفَةُ:
أضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ الفَرَسِ
صفحة ١٦٤
والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ، والمُرادُ بِهِ القُرْآنُ.
والصَّفْحُ: الإعْراضُ بِصَفْحِ الوَجْهِ وهو جانِبُهُ وهو أشَدُّ الإعْراضِ عَنِ الكَلامِ لِأنَّهُ يَجْمَعُ تَرْكَ اسْتِماعِهِ وتَرْكَ النَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ.
وانْتَصَبَ صَفْحًا عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ، أيْ في مَكانِ صَفْحٍ، كَما يُقالُ: ضَعْهُ جانِبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صَفْحًا مَصْدَرَ صَفَحَ عَنْ كَذا، إذا أعْرَضَ، فَيَنْتَصِبَ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِبَيانِ نَوْعِ الضَّرْبِ بِمَعْنى الصَّرْفِ والإعْراضِ.
والإسْرافُ: الإفْراطُ والإكْثارُ، وأغْلَبُ إطْلاقِهِ عَلى الإكْثارِ مِنَ الفِعْلِ الضّائِرِ. ولِذَلِكَ قِيلَ لا سَرَفَ في الخَيْرِ، والمَقامُ دالٌّ عَلى أنَّهم أسْرَفُوا في الإعْراضِ عَنِ القُرْآنِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٌ إنْ كُنْتُمْ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنْ) فَتَكُونُ (إنْ) شَرْطِيَّةً، ولَمّا كانَ الغالِبُ في اسْتِعْمالِ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ أنْ تَقَعَ في الشَّرْطِ الَّذِي لَيْسَ مُتَوَقَّعًا وُقُوعُهُ بِخِلافِ إذا الَّتِي هي لِلشَّرْطِ المُتَيَقَّنِ وُقُوعُهُ، فالإتْيانُ بِـ (إنْ) في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ لِقَصْدِ تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ المَعْلُومِ إسْرافُهم مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في إسْرافِهِ لِأنَّ تَوَفُّرَ الأدِلَّةِ عَلى صِدْقِ القُرْآنِ مِن شَأْنِهِ أنْ يُزِيلَ إسْرافَهم وفي هَذا ثِقَةٌ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وضَرْبٌ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى إمْعانِهِمْ في الإعْراضِ عَنْهُ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى جَعْلِ (أنْ) مَصْدَرِيَّةً وتَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفًا؛ أيْ لِأجْلِ إسْرافِكم، أيْ لا نَتْرُكُ تَذْكِيرَكم بِسَبَبِ كَوْنِكم مُسْرِفِينَ بَلْ لا نَزالُ نُعِيدُ التَّذْكِيرَ رَحْمَةً بِكم.
وإقْحامُ قَوْمًا قَبْلَ مُسْرِفِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الإسْرافَ صارَ طَبْعًا لَهم وبِهِ قِوامُ قَوْمِيَّتِهِمْ، كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الزخرف 43:6
صفحة ١٦٥
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيءٍ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيءٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ إسْرافَهم في الإعْراضِ عَنِ الإصْغاءِ لِدَعْوَةِ القُرْآنِ وأعْقَبَهُ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً عَمّا يُلاقِيهِ مِنهم، في خِلالِ الإعْراضِ مِنَ الأذى والِاسْتِهْزاءِ، بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ حالَهُ في ذَلِكَ حالُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ وسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ، ووَعْدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ بِتَذْكِيرِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
وجُعِلَ لِلتَّسْلِيَةِ المَقامُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ بِقَرِينَةِ العَدْلِ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِزَجْرِهِمْ عَنْ إسْرافِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في القُرْآنِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وما بَعْدَها إلى هُنا عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ، ومُوقِعُ (كَمْ) نَصْبٌ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِـ (أرْسَلْنا) وهو مُلْتَزَمٌ تَقْدِيمُهُ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ فَنُقِلَ مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الإخْبارِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.
وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ حَتّى صارَ الإخْبارُ بِالكَثْرَةِ مَعْنًى مِن مَعانِي (كَمْ) . والدّاعِي إلى اجْتِلابِ اسْمِ العَدَدِ الكَثِيرِ أنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ أدْخَلُ في زَجْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ وأدْخَلُ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْصِيلِ صَبْرِهِ، لِأنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ، وذَلِكَ أزْجَرُ وأسْلى.
و(الأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الماضِينَ السّابِقِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] فَإنَّ الَّذِينَ أُهْلِكُوا قَدِ انْقَرَضُوا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ عَسى أنْ يَكُونَ خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ
صفحة ١٦٦
نَبِيءٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا يُقارِنُ اسْتِهْزاؤُهم إتْيانَ ذَلِكَ النَّبِيءِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا الحالُ هو المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ .
وضَمِيرُ (أشَدَّ مِنهم) عائِدٌ إلى (قَوْمٍ مُسْرِفِينَ) الَّذِينَ تَقَدَّمَ خِطابُهم فَعَدَلَ عَنِ اسْتِرْسالِ خِطابِهِمْ إلى تَوْجِيهِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا الكَلامِ هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينِ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم يَبْلُغُهم هَذا الكَلامُ كَما تَقَدَّمَ.
ويَظْهَرُ أنَّ تَغْيِيرَ أُسْلُوبِ الإضْمارِ تَبَعًا لِتَغْيِيرِ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ لا يُنافِي اعْتِبارَ الِالتِفاتِ في الضَّمِيرِ لِأنَّ مَناطَ الِالتِفاتِ هو اتِّحادُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ تَأتِّي الِاقْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ الإضْمارِ الأُولى، وهَلْ تَغْيِيرُ تَوْجِيهِ الكَلامِ إلّا تَقْوِيَةٌ لِمُقْتَضى نَقْلِ الإضْمارِ، ولا تَفُوتُ النُّكْتَةُ الَّتِي تَحْصُلُ مِن الِالتِفاتِ وهي تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ بَلْ تَزْدادُ قُوَّةً بِازْدِيادِ مُقْتَضَياتِها.
وكَلامُ الكَشّافِ ظاهِرٌ في أنَّ نَقْلَ الضَّمِيرِ هُنا التِفاتٌ وعَلى ذَلِكَ قَرَّرَهُ شارِحُوهُ، ولَكِنَّ العَلّامَةَ التَّفْتَزانِيَّ قالَ ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن الِالتِفاتِ في شَيْءٍ اهـ. ولَعَلَّهُ يَرى أنَّ اخْتِلافَ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ الواقِعِ فِيهِ الضَّمِيرانِ طَرِيقَةٌ أُخْرى غَيْرُ طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وكَلامُ الكَشّافِ فِيهِ احْتِمالٌ، وخُصُوصِيّاتُ البَلاغَةِ واسِعَةُ الأطْرافِ.
والَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ: هُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ (الأوَّلِينَ) ووُصِفُوا بِأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِمَن يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ.
وهَذا تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ في الإيجازِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَقْتَضِي كَلامًا مَطْوِيًّا تَقْدِيرُهُ: فَلا نَعْجِزُ عَنْ إهْلاكِ المُسْرِفِينَ وهم أقَلُّ بَطْشًا.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] .
صفحة ١٦٧
والبَطْشُ: الإضْرارُ القَوِيُّ.
وانْتَصَبَ (بَطْشًا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الأشُدِّيَّةِ.
و(مَثَلُ الأوَّلِينَ) حالُهُمُ العَجِيبَةُ. ومَعْنى مَضى: انْقَرَضَ، أيْ ذَهَبُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، فَمُضِيِّ المَثَلِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّ مُضِيَّ الأحْوالِ يَكُونُ بِمُضِيِّ أصْحابِها، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وذِكْرُ الأوَّلِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ (في الأوَّلِينَ) .
ووَجْهُ إظْهارِهِ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْهم صَرِيحًا وجارِيًا مَجْرى المَثَلِ.
الزخرف 43:7
صفحة ١٦٥
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيءٍ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيءٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ إسْرافَهم في الإعْراضِ عَنِ الإصْغاءِ لِدَعْوَةِ القُرْآنِ وأعْقَبَهُ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً عَمّا يُلاقِيهِ مِنهم، في خِلالِ الإعْراضِ مِنَ الأذى والِاسْتِهْزاءِ، بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ حالَهُ في ذَلِكَ حالُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ وسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ، ووَعْدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ بِتَذْكِيرِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
وجُعِلَ لِلتَّسْلِيَةِ المَقامُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ بِقَرِينَةِ العَدْلِ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِزَجْرِهِمْ عَنْ إسْرافِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في القُرْآنِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وما بَعْدَها إلى هُنا عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ، ومُوقِعُ (كَمْ) نَصْبٌ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِـ (أرْسَلْنا) وهو مُلْتَزَمٌ تَقْدِيمُهُ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ فَنُقِلَ مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الإخْبارِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.
وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ حَتّى صارَ الإخْبارُ بِالكَثْرَةِ مَعْنًى مِن مَعانِي (كَمْ) . والدّاعِي إلى اجْتِلابِ اسْمِ العَدَدِ الكَثِيرِ أنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ أدْخَلُ في زَجْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ وأدْخَلُ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْصِيلِ صَبْرِهِ، لِأنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ، وذَلِكَ أزْجَرُ وأسْلى.
و(الأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الماضِينَ السّابِقِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] فَإنَّ الَّذِينَ أُهْلِكُوا قَدِ انْقَرَضُوا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ عَسى أنْ يَكُونَ خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ
صفحة ١٦٦
نَبِيءٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا يُقارِنُ اسْتِهْزاؤُهم إتْيانَ ذَلِكَ النَّبِيءِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا الحالُ هو المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ .
وضَمِيرُ (أشَدَّ مِنهم) عائِدٌ إلى (قَوْمٍ مُسْرِفِينَ) الَّذِينَ تَقَدَّمَ خِطابُهم فَعَدَلَ عَنِ اسْتِرْسالِ خِطابِهِمْ إلى تَوْجِيهِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا الكَلامِ هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينِ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم يَبْلُغُهم هَذا الكَلامُ كَما تَقَدَّمَ.
ويَظْهَرُ أنَّ تَغْيِيرَ أُسْلُوبِ الإضْمارِ تَبَعًا لِتَغْيِيرِ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ لا يُنافِي اعْتِبارَ الِالتِفاتِ في الضَّمِيرِ لِأنَّ مَناطَ الِالتِفاتِ هو اتِّحادُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ تَأتِّي الِاقْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ الإضْمارِ الأُولى، وهَلْ تَغْيِيرُ تَوْجِيهِ الكَلامِ إلّا تَقْوِيَةٌ لِمُقْتَضى نَقْلِ الإضْمارِ، ولا تَفُوتُ النُّكْتَةُ الَّتِي تَحْصُلُ مِن الِالتِفاتِ وهي تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ بَلْ تَزْدادُ قُوَّةً بِازْدِيادِ مُقْتَضَياتِها.
وكَلامُ الكَشّافِ ظاهِرٌ في أنَّ نَقْلَ الضَّمِيرِ هُنا التِفاتٌ وعَلى ذَلِكَ قَرَّرَهُ شارِحُوهُ، ولَكِنَّ العَلّامَةَ التَّفْتَزانِيَّ قالَ ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن الِالتِفاتِ في شَيْءٍ اهـ. ولَعَلَّهُ يَرى أنَّ اخْتِلافَ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ الواقِعِ فِيهِ الضَّمِيرانِ طَرِيقَةٌ أُخْرى غَيْرُ طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وكَلامُ الكَشّافِ فِيهِ احْتِمالٌ، وخُصُوصِيّاتُ البَلاغَةِ واسِعَةُ الأطْرافِ.
والَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ: هُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ (الأوَّلِينَ) ووُصِفُوا بِأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِمَن يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ.
وهَذا تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ في الإيجازِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَقْتَضِي كَلامًا مَطْوِيًّا تَقْدِيرُهُ: فَلا نَعْجِزُ عَنْ إهْلاكِ المُسْرِفِينَ وهم أقَلُّ بَطْشًا.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] .
صفحة ١٦٧
والبَطْشُ: الإضْرارُ القَوِيُّ.
وانْتَصَبَ (بَطْشًا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الأشُدِّيَّةِ.
و(مَثَلُ الأوَّلِينَ) حالُهُمُ العَجِيبَةُ. ومَعْنى مَضى: انْقَرَضَ، أيْ ذَهَبُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، فَمُضِيِّ المَثَلِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّ مُضِيَّ الأحْوالِ يَكُونُ بِمُضِيِّ أصْحابِها، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وذِكْرُ الأوَّلِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ (في الأوَّلِينَ) .
ووَجْهُ إظْهارِهِ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْهم صَرِيحًا وجارِيًا مَجْرى المَثَلِ.
الزخرف 43:8
صفحة ١٦٥
﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيءٍ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيءٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾
لَمّا ذَكَرَ إسْرافَهم في الإعْراضِ عَنِ الإصْغاءِ لِدَعْوَةِ القُرْآنِ وأعْقَبَهُ بِكَلامٍ مُوَجَّهٍ إلى الرَّسُولِ ﷺ تَسْلِيَةً عَمّا يُلاقِيهِ مِنهم، في خِلالِ الإعْراضِ مِنَ الأذى والِاسْتِهْزاءِ، بِتَذْكِيرِهِ بِأنَّ حالَهُ في ذَلِكَ حالُ الرُّسُلِ مِن قَبْلِهِ وسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ، ووَعْدٍ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالنَّصْرِ عَلى قَوْمِهِ بِتَذْكِيرِهِ بِسُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم.
وجُعِلَ لِلتَّسْلِيَةِ المَقامُ الأوَّلُ مِن هَذا الكَلامِ بِقَرِينَةِ العَدْلِ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهُمْ﴾ كَما سَيَأْتِي، ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَعْرِيضًا بِزَجْرِهِمْ عَنْ إسْرافِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ في القُرْآنِ.
فَجُمْلَةُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] وما بَعْدَها إلى هُنا عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ.
و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ مُبْهَمٍ، ومُوقِعُ (كَمْ) نَصْبٌ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِـ (أرْسَلْنا) وهو مُلْتَزَمٌ تَقْدِيمُهُ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ فَنُقِلَ مِن الِاسْتِفْهامِ إلى الإخْبارِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ.
وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ حَتّى صارَ الإخْبارُ بِالكَثْرَةِ مَعْنًى مِن مَعانِي (كَمْ) . والدّاعِي إلى اجْتِلابِ اسْمِ العَدَدِ الكَثِيرِ أنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِ هَذا الحُكْمِ أدْخَلُ في زَجْرِهِمْ عَنْ مِثْلِهِ وأدْخَلُ في تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ وتَحْصِيلِ صَبْرِهِ، لِأنَّ كَثْرَةَ وُقُوعِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّهُ سُنَّةٌ لا تَتَخَلَّفُ، وذَلِكَ أزْجَرُ وأسْلى.
و(الأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الماضِينَ السّابِقِينَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١] فَإنَّ الَّذِينَ أُهْلِكُوا قَدِ انْقَرَضُوا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّنْ عَسى أنْ يَكُونَ خَلَفَهم مِنَ الأُمَمِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، أيْ ما يَأْتِيهِمْ
صفحة ١٦٦
نَبِيءٌ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا يُقارِنُ اسْتِهْزاؤُهم إتْيانَ ذَلِكَ النَّبِيءِ إلَيْهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا الحالُ هو المَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ تَفْرِيعٌ وتَسَبُّبٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ .
وضَمِيرُ (أشَدَّ مِنهم) عائِدٌ إلى (قَوْمٍ مُسْرِفِينَ) الَّذِينَ تَقَدَّمَ خِطابُهم فَعَدَلَ عَنِ اسْتِرْسالِ خِطابِهِمْ إلى تَوْجِيهِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن هَذا الكَلامِ هو تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ووَعْدُهُ بِالنَّصْرِ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينِ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم يَبْلُغُهم هَذا الكَلامُ كَما تَقَدَّمَ.
ويَظْهَرُ أنَّ تَغْيِيرَ أُسْلُوبِ الإضْمارِ تَبَعًا لِتَغْيِيرِ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ لا يُنافِي اعْتِبارَ الِالتِفاتِ في الضَّمِيرِ لِأنَّ مَناطَ الِالتِفاتِ هو اتِّحادُ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ تَأتِّي الِاقْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ الإضْمارِ الأُولى، وهَلْ تَغْيِيرُ تَوْجِيهِ الكَلامِ إلّا تَقْوِيَةٌ لِمُقْتَضى نَقْلِ الإضْمارِ، ولا تَفُوتُ النُّكْتَةُ الَّتِي تَحْصُلُ مِن الِالتِفاتِ وهي تَجْدِيدُ نَشاطِ السّامِعِ بَلْ تَزْدادُ قُوَّةً بِازْدِيادِ مُقْتَضَياتِها.
وكَلامُ الكَشّافِ ظاهِرٌ في أنَّ نَقْلَ الضَّمِيرِ هُنا التِفاتٌ وعَلى ذَلِكَ قَرَّرَهُ شارِحُوهُ، ولَكِنَّ العَلّامَةَ التَّفْتَزانِيَّ قالَ ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن الِالتِفاتِ في شَيْءٍ اهـ. ولَعَلَّهُ يَرى أنَّ اخْتِلافَ المُواجَهَةِ بِالكَلامِ الواقِعِ فِيهِ الضَّمِيرانِ طَرِيقَةٌ أُخْرى غَيْرُ طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، وكَلامُ الكَشّافِ فِيهِ احْتِمالٌ، وخُصُوصِيّاتُ البَلاغَةِ واسِعَةُ الأطْرافِ.
والَّذِينَ هم أشَدُّ بَطْشًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ: هُمُ الَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ (الأوَّلِينَ) ووُصِفُوا بِأنَّهم يَسْتَهْزِئُونَ بِمَن يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ.
وهَذا تَرْكِيبٌ بَدِيعٌ في الإيجازِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ يَقْتَضِي كَلامًا مَطْوِيًّا تَقْدِيرُهُ: فَلا نَعْجِزُ عَنْ إهْلاكِ المُسْرِفِينَ وهم أقَلُّ بَطْشًا.
وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] .
صفحة ١٦٧
والبَطْشُ: الإضْرارُ القَوِيُّ.
وانْتَصَبَ (بَطْشًا) عَلى التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ الأشُدِّيَّةِ.
و(مَثَلُ الأوَّلِينَ) حالُهُمُ العَجِيبَةُ. ومَعْنى مَضى: انْقَرَضَ، أيْ ذَهَبُوا عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، فَمُضِيِّ المَثَلِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ لِأنَّ مُضِيَّ الأحْوالِ يَكُونُ بِمُضِيِّ أصْحابِها، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] . وذِكْرُ الأوَّلِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ (في الأوَّلِينَ) .
ووَجْهُ إظْهارِهِ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ عَنْهم صَرِيحًا وجارِيًا مَجْرى المَثَلِ.
الزخرف 43:9
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ خَلْقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾
لَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] مُوَجَّهًا إلى الرَّسُولِ ﷺ لِلتَّسْلِيَةِ والوَعْدِ بِالنَّصْرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ خِطابَ الرَّسُولِ ﷺ صَرِيحًا بَقَوْلِهِ ولَئِنْ سَألْتَهم الآيَةَ، لِقَصْدِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ فَإنَّهم إنَّما كَذَّبُوهُ لِأنَّهُ دَعاهم إلى عِبادَةِ إلَهٍ واحِدٍ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ، ورَأوْا ذَلِكَ عَجَبًا مَعَ أنَّهم يُقِرُّونَ لِلَّهِ تَعالى بِأنَّهُ خالِقُ العَوالِمِ وما فِيها. وهَلْ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُ خالِقِ العابِدِينَ، ولِأنَّ الأصْنامَ مِن جُمْلَةِ ما خَلَقَ اللَّهُ في الأرْضِ مِن حِجارَةٍ، فَلَوْ سَألَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ في مُحاجَّتِهِ إيّاهم عَنْ خالِقِ الخَلْقِ لَما اسْتَطاعُوا غَيْرَ الإقْرارِ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى.
فَجُمْلَةُ ولَئِنْ سَألْتَهم مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] عَطْفَ الغَرَضِ، وهو انْتِقالٌ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى بُطْلانِ الإشْراكِ بِإقْرارِهِمُ الضِّمْنِيِّ: أنَّ أصْنامَهم خالِيَةٌ عَنْ صِفَةِ اسْتِحْقاقِ أنْ تُعْبَدَ.
وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِاللّامِ المُوطِئَةِ لِلْقَسَمِ ولامِ الجَوابِ ونُونِ التَّوْكِيدِ لِتَحْقِيقِ أنَّهم يُجِيبُونَ بِذَلِكَ تَنْزِيلًا لِغَيْرِ المُتَرَدِّدِ في الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ، وهَذا التَّنْزِيلُ كِنايَةٌ عَنْ جَدارَةِ حالَتِهِمْ بِالتَّعْجِيبِ مِنِ اخْتِلالِ تَفْكِيرِهِمْ وتَناقُضِ عَقائِدِهِمْ وإنَّما فَرَضَ الكَشْفَ عَنْ عَقِيدَتِهِمْ في صُورَةِ سُؤالِهِمْ عَنْ خالِقِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ في
صفحة ١٦٨
مَجْرى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ ودُعائِهِمْ حَتّى إذا سَألَهُمُ السّائِلُ عَنْ خالِقِهِمْ لَمْ يَتَرَيَّثُوا أنْ يُجِيبُوا بِأنَّهُ اللَّهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى شِرْكِهِمْ.
وتاءُ الخِطابِ في سَألْتَهم لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو ظاهِرُ سِياقِ التَّسْلِيَةِ، أوْ يَكُونُ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ يَتَصَوَّرُ مِنهُ أنْ يَسْألَهم.
والعَزِيزُ العَلِيمُ هو اللَّهُ تَعالى. ولَيْسَ ذِكْرُ الصِّفَتَيْنِ العَلِيَّتَيْنِ مِن مَقُولِ جَوابِهِمْ وإنَّما حُكِيَ قَوْلُهم بِالمَعْنى، أيْ لَيَقُولُنَّ خَلْقَهُنَّ الَّذِي الصِّفَتانِ مِن صِفاتِهِ، وإنَّما هم يَقُولُونَ: خَلَقَهُنَّ اللَّهُ، كَما حُكِيَ عَنْهم في سُورَةِ لُقْمانَ. ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وذَلِكَ هو المُسْتَقْرَئُ مِن كَلامِهِمْ نَثْرًا وشِعْرًا في الجاهِلِيَّةِ.
وإنَّما عَدَلَ عَنِ الِاسْمِ العَلِيِّ إلى الصِّفَتَيْنِ زِيادَةً في إفْحامِهِمْ بِأنَّ الَّذِي انْصَرَفُوا عَنْ تَوْحِيدِهِ بِالعِبادَةِ عَزِيزٌ عَلِيمٌ، فَهو الَّذِي يَجِبُ أنْ يَرْجُوَهُ النّاسُ لِلشَّدائِدِ لِعِزَّتِهِ، وأنْ يُخْلِصُوا لَهُ باطِنَهم لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ سِرُّهم، بِخِلافِ شُرَكائِهِمْ فَإنَّها أذِلَّةٌ لا تَعْلَمُ، وإنَّهم لا يُنازَعُونَ وصْفَهُ بِـ (العَزِيزُ والعَلِيمُ) .
وتَخْصِيصُ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ بَقِيَّةِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها مُضادَّةٌ لِصِفاتِ الأصْنامِ فَإنَّ الأصْنامَ عاجِزَةٌ عَنْ دَفْعِ الأيْدِي.
والتَّقْدِيرُ: ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَقُولُنَّ اللَّهُ، وإنْ سَألْتَهم: أهْوَ العَزِيزُ العَلِيمُ.
الزخرف 43:10
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
هَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، هو تَخَلُّصٌ مِن الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِإسْداءِ النِّعَمِ الَّتِي بِها قِوامُ أوَدِ حَياةِ النّاسِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ، حُذِفَ مِنها المُبْتَدَأُ، والتَّقْدِيرُ: هو
صفحة ١٦٩
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا. وهَذا الِاسْتِئْنافُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الزخرف: ٩] الآيَةَ وجُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] الآيَةَ.
واسْمُ المَوْصُولِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هو الَّذِي جَعَلَ لَكم، وهو مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الوارِدِ عَلى مُتابَعَةِ الِاسْتِعْمالِ في تَسْمِيَةِ السَّكّاكِيِّ حَيْثُ تَقَدَّمَ الحَدِيثُ عَنِ اللَّهِ تَعالى فِيما قَبْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ. واجْتِلابُ المَوْصُولِ لِلِاشْتِهارِ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ فَساوى الِاسْمَ العَلَمَ في الدَّلالَةِ.
وذُكِرَتْ صِلَتانِ فِيهِما دَلالَةٌ عَلى الِانْفِرادِ بِالقُدْرَةِ العَظِيمَةِ. وعَلى النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ أُقْحِمَ لَفْظُ (لَكم) في المَوْضِعَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: الَّذِي جَعَلَ الأرْضَ مِهادًا وجَعَلَ فِيها سُبُلًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٦] لِأنَّ ذَلِكَ مَقامُ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ، فَسِيقَ لَهُمُ الِاسْتِدْلالُ بِإنْشاءِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تُعَدُّ إعادَةُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها شَيْئًا عَجِيبًا.
ولَمْ يُكَرِّرِ اسْمَ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ لِأنَّ الصِّلَتَيْنِ تَجْتَمِعانِ في الجامِعِ الخَيالِيِّ إذْ كِلْتاهُما مِن أحْوالِ الأرْضِ فَجَعْلُهُما كَجَعْلٍ واحِدٍ. وضَمائِرُ الخِطابِ الأحَدَ عَشَرَ الواقِعَةُ في الآياتِ الأرْبَعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا﴾ إلى قَوْلِهِ مُقْرِنِينَ لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ بَلْ هي جارِيَةٌ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.
والمِهادُ: اسْمٌ لِشَيْءٍ يُمَهَّدُ؛ أيْ يُوَطَّأُ ويُسَهَّلُ لِما يَحِلُّ فِيهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ [الأعراف: ٤١] في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَجْهُ الِامْتِنانِ أنَّهُ جَعَلَ ظاهِرَ الأرْضِ مُنْبَسِطًا وذَلِكَ الِانْبِساطُ لِنَفْعِ البَشَرِ السّاكِنِينَ عَلَيْها. وهَذا لا يُنافِي أنَّ جِسْمَ الأرْضِ كُرَوِيٌّ كَما هو ظاهِرٌ؛ لِأنَّ كُرَوِيَّتَها لَيْسَتْ مَنفَعَةً لِلنّاسِ.
وقَرَأ عاصِمٌ (مَهْدًا) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهاءِ وهو مُرادٌ بِهِ المِهادُ.
والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ، ويُطْلَقُ السَّبِيلُ عَلى وسِيلَةِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٤] . ويَصِحُّ إرادَةُ المَعْنَيَيْنِ هُنا؛ لِأنَّ في الأرْضِ طُرُقًا يُمْكِنُ سُلُوكُها، وهي السُّهُولُ وسُفُوحُ الجِبالِ وشِعابُها، أيْ لَمْ يَجْعَلِ الأرْضَ كُلَّها
صفحة ١٧٠
جِبالًا فَيَعْسُرَ عَلى الماشِينَ سُلُوكُها، بَلْ جَعَلَ فِيها سُبُلًا سَهْلَةً وجَعَلَ جِبالًا لِحِكْمَةٍ أُخْرى ولِأنَّ الأرْضَ صالِحَةٌ لِاتِّخاذِ طُرُقٍ مَطْرُوقَةٍ سابِلَةٍ.
ومَعْنى جَعْلِ اللَّهِ تِلْكَ الطُّرُقَ بِهَذا المَعْنى: أنَّهُ جَعَلَ لِلنّاسِ مَعْرِفَةَ السَّيْرِ في الأرْضِ واتِّباعَ بَعْضِهِمْ آثارَ بَعْضٍ حَتّى تَتَعَبَّدَ الطُّرُقُ لَهم وتَتَسَهَّلَ ويَعْلَمَ السّائِرُ أيَّ تِلْكَ السُّبُلِ يُوصِلُهُ إلى مَقْصِدِهِ.
وفِي تَيْسِيرِ وسائِلِ السَّيْرِ في الأرْضِ لُطْفٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّ بِهِ تَيْسِيرَ التَّجَمُّعِ والتَّعارُفِ واجْتِلابَ المَنافِعِ والِاسْتِعانَةَ عَلى دَفْعِ الغَوائِلِ والأضْرارِ، والسَّيْرُ في الأرْضِ قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا مِن أكْبَرِ مَظاهِرِ المَدَنِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ، ولِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ في الأرْضِ مَعايِشَ النّاسِ مِنَ النَّباتِ والثَّمَرِ ووَرَقِ الشَّجَرِ والكَمْأةِ والفَقْعِ وهي وسائِلُ العَيْشِ فَهي سُبُلٌ مَجازِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ طه.
والِاهْتِداءُ: مُطاوِعُ هَداهُ فاهْتَدى. والهِدايَةُ حَقِيقَتُها: الدَّلالَةُ عَلى المَكانِ المَقْصُودِ، ومِنهُ سُمِّيَ الدّالُّ عَلى الطَّرائِقِ هادِيًا، وتُطْلَقُ عَلى تَعْرِيفِ الحَقائِقِ المَطْلُوبَةِ ومِنهُ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] . والمَقْصُودُ هُنا المَعْنى الثّانِي، أيْ رَجاءَ حُصُولِ عِلْمِكم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وبِما يَجِبُ لَهُ، وتَقَدَّمَ في ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
ومَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن (لَعَلَّ) اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، مَثَّلَ حالَ مَن كانَتْ وسائِلُ الشَّيْءِ حاضِرَةً لَدَيْهِ بِحالِ مَن يُرْجى لِحُصُولِ المُتَوَسَّلِ إلَيْهِ.
الزخرف 43:11
﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾
انْتَقَلَ مِن الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِخَلْقِ الأرْضِ إلى الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِخَلْقِ وسائِلِ العَيْشِ فِيها، وهو ماءُ المَطَرِ الَّذِي بِهِ تُنْبِتُ الأرْضُ ما يَصْلُحُ لِاقْتِياتِ النّاسِ.
وأُعِيدَ اسْمُ المَوْصُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ اهْتِمامًا يَجْعَلُها مُسْتَقِلَّةً فَلا يَخْطُرُ حُضُورُها بِالبالِ عِنْدَ حُظُورِ الصِّلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَها فَلا جامِعَ بَيْنَها وبَيْنَهُما في الجامِعِ
صفحة ١٧١
الخَيالِيِّ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ وغَيْرِها فَأُعِيدَ اسْمُ المَوْصُولِ لِأنَّ مِصْداقَهُ هو فاعِلُ جَمِيعِها.
والإنْشاءُ: الإحْياءُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى مَن قَرَأ كَيْفَ نَنْشُرُها بِفَتْحِ النُّونِ وضَمِّ الشِّينِ وتَلا ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] فَأصْلُ الهَمْزَةِ فِيهِ لِلتَّعْدِيَةِ، وفِعْلُهُ المُجَرَّدُ (نَشَرَ) بِمَعْنى حَيِيَ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتُ، بِرَفْعِ المَيِّتِ قالَ الأعْشى:
حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ
وأصْلُ النَّشْرِ بَسْطُ ما كانَ مَطْوِيًّا وتَفَرَّعَتْ مِن ذَلِكَ مَعانِي الإعادَةِ والِانْتِشارِ.
والنَّشْرُ هُنا مَجازٌ؛ لِأنَّ الإحْياءَ لِلْأرْضِ مَجازٌ، وزادَهُ حُسْنًا هُنا أنْ يَكُونَ مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .
وضَمِيرُ فَأنْشَرْنا التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. والمَيِّتُ ضِدُّ الحَيِّ.
ووَصْفُ البَلْدَةِ بِهِ مَجازٌ شائِعٌ؛ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣] .
وإنَّما وُصِفَتِ البَلْدَةُ وهي مُؤَنَّثٌ بِالمَيِّتِ وهو مُذَكَّرٌ لِكَوْنِهِ عَلى زِنَةِ الوَصْفِ الَّذِي أصْلُهُ مَصْدَرٌ نَحْوَ: عَدْلٌ وزُورٌ فَحَسُنَ تَجْرِيدُهُ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ عَلى أنَّ المَوْصُوفَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ.
وجُمْلَةُ (كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ وهو اسْتِطْرادٌ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى ما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مِن إثْباتِ البَعْثِ، بِمُناسَبَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ بِدَلائِلَ في بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وإبْطالِ إحالَتِهِمْ إيّاهُ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِانْتِشارِ المَأْخُوذِ مِن فَأنْشَرْنا، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الِانْتِشارِ تُخْرَجُونَ مِنَ الأرْضِ بَعْدَ فَنائِكم، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو إحْداثُ الحَيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ.
والمَقْصُودُ مِنَ التَّشْبِيهِ إظْهارُ إمْكانِ المُشَبَّهَ كَقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:
صفحة ١٧٢
فَإنْ تَفُقِ الأنامَ وأنْتَ مِنهم ∗∗∗ فَإنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزالِ
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُخْرَجُونَ) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (تَخْرُجُونَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، والمَعْنى واحِدٌ.
الزخرف 43:12
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
هَذا الِانْتِقالُ مِن الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِخَلْقِ وسائِلِ الحَياةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ وسائِلِ الِاكْتِسابِ لِصَلاحِ المَعاشِ، وذَكَرَ مِنها وسائِلَ الإنْتاجِ وأتْبَعَها بِوَسائِلِ الِاكْتِسابِ بِالأسْفارِ لِلتِّجارَةِ.
وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ لِما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو كُلُّ ما يَصِيرُ بِهِ الواحِدُ ثانِيًا، فَيُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ زَوْجٌ لِلْآخَرِ مِثْلَ الشَّفْعِ. وغُلِّبَ الزَّوْجُ عَلى الذَّكَرِ وأُنْثاهُ مِنَ الحَيَوانِ، ومِنهُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ الزَّوْجُ عَلى الصِّنْفِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] . وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ أنْ يُرادَ هُنا، وفي أزْواجِ الأنْعامِ مَنافِعُ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها ونِتاجِها.
ولَمّا كانَ المُتَبادَرُ مِنَ الأزْواجِ بادِئَ النَّظَرِ أزْواجَ الأنْعامِ وكانَ مِن أهَمِّها عِنْدَهُمُ الرَّواحِلُ - عَطَفَ عَلَيْها ما هو مِنها وسائِلُ لِلتَّنَقُّلِ بَرّا وأدْمَجَ مَعَها وسائِلَ السَّفَرِ بَحْرًا.
فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ فالمُرادُ بِـ (ما تَرْكَبُونَ) بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْعامِ هو الإبِلُ لِأنَّها وسِيلَةُ الأسْفارِ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] وقَدْ قالُوا: الإبِلُ سَفائِنُ البَرِّ.
صفحة ١٧٣
وجِيءَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مُراعاةً لِأنَّ الفُلْكَ مَصْنُوعَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، والأنْعامُ قَدْ عُرِفَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِشُمُولِ قَوْلِهِ: (خَلَقَ الأزْواجِ) إيّاها. ومَعْنى جَعْلِ اللَّهُ الفُلْكَ والأنْعامَ مَرْكُوبَةً: أنَّهُ خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةَ التَّفْكِيرِ الَّتِي يَنْساقُ بِها إلى اسْتِعْمالِ المَوْجُوداتِ في نَفْعِهِ فاحْتالَ كَيْفَ يَصْنَعُ الفُلْكَ ويَرْكَبُ فِيها واحْتالَ كَيْفَ يُرَوِّضُ الأنْعامَ ويَرْكَبُها.
وقَدَّمَ الفُلْكَ عَلى الأنْعامِ لِأنَّها لَمْ يَشْمَلْها لَفْظُ الأزْواجِ فَذِكْرُها ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى ولَوْ ذَكَرَ الأنْعامَ لَكانَ ذِكْرُهُ عَقِبَ الأزْواجِ بِمَنزِلَةِ الإعادَةِ. فَلَمّا ذَكَرَ الفُلْكَ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَرْكُوبًا عَطَفَ عَلَيْها الأنْعامَ فَصارَ ذِكْرُ الأنْعامِ مُتَرَقَّبًا لِلنَّفْسِ لِمُناسَبَةٍ جَدِيدَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
إذْ أعْقَبَ ذِكْرَ رُكُوبِ الجَوادِ بِذِكْرِ تَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلْمُناسَبَةِ، ولَمْ يُعْقِبْهُ بَقَوْلِهِ: ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً،؛ لِاخْتِلافِ حالِ الرُّكُوبَيْنِ: رُكُوبِ اللَّذَّةِ ورُكُوبِ الحَرْبِ.
والرُّكُوبُ حَقِيقَتُهُ: اعْتِلاءُ الدّابَّةِ لِلسَّيْرِ، وأُطْلِقَ عَلى الحُصُولِ في الفُلْكِ لِتَشْبِيهِهِمُ الفُلْكَ بِالدّابَّةِ بِجامِعِ السَّيْرِ، فَرُكُوبُ الدّابَّةِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ ورُكُوبُ الفُلْكِ يَتَعَدّى بِـ (في) لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأصِيلِ واللّاحِقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] في سُورَةِ هُودٍ.
ومِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما تَرْكَبُونَ. وحَذَفَ عائِدَ الصِّلَةِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وإذْ قَدْ كانَ مَفْعُولُ تَرْكَبُونَ هُنا مُبَيَّنًا بِالفُلْكِ والأنْعامِ كانَ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى إلى أحَدِهِما بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِـ (في) فَغَلَبَتِ التَّعْدِيَةُ المُباشِرَةُ عَلى التَّعْدِيَةِ بِواسِطَةِ الحَرْفِ لِظُهُورِ المُرادِ، وحَذَفَ العائِدَ بِناءً عَلى ذَلِكَ التَّغْلِيبِ.
واسْتِعْمالُ فِعْلِ تَرْكَبُونَ هُنا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
والِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. والظُّهُورُ: جَمْعُ ظَهْرٍ، والظَّهْرُ مِن عَلائِقِ الأنْعامِ لا مِن
صفحة ١٧٤
عَلائِقِ الفُلْكِ، فَهَذا أيْضًا مِنَ التَّغْلِيبِ. والمَعْنى: عَلى ظُهُورِهِ وفي بُطُونِهِ. فَضَمِيرُ ظُهُورِهِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ الصّادِقِ بِالفُلْكِ والأنْعامِ كَما هو قَضِيَّةُ البَيانِ.
عَلى أنَّ السَّفائِنَ العَظِيمَةَ تَكُونُ لَها ظُهُورٌ، وهي أعالِيها المَجْعُولَةُ كالسُّطُوحِ لِتَقِيَ الرّاكِبِينَ المَطَرَ وشِدَّةَ الحَرِّ والقَرِّ. ولِذَلِكَ فَجَمْعُ الظُّهُورِ مِن جَمْعِ المُشْتَرِكِ، والتَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ (عَلى) بُنِيَتْ عَلى أنَّ لِلسَّفِينَةِ ظَهْرًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] .
وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِلْإشارَةِ إلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ حِينَئِذٍ، فَإنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ في حالِ التَّلَبُّسِ بِمَنافِعِها أوْقَعُ في النَّفْسِ وأدْعى لِلشُّكْرِ عَلَيْها. وأجْدَرُ بِعَدَمِ الذُّهُولِ عَنْها، أيْ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً لِتَشْعُرُوا بِها فَتَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فالذِّكْرُ هُنا هو التَّذَكُّرُ بِالفِكْرِ لا الذِّكْرُ بِاللِّسانِ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ تَقَلَّبُوا في نَعَمِ اللَّهِ وشَكَرُوا غَيْرَهُ إذِ اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ وهم لَمْ يُشارِكُوهُ في الأنْعامِ.
وذِكْرُ النِّعْمَةِ كِنايَةٌ عَنْ شُكْرِها؛ لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ لازِمٌ لِلْإنْعامِ عُرْفًا فَلا يَصْرِفُ عَنْهُ إلّا نِسْيانُهُ فَإذا ذَكَرَهُ شَكَرَ النِّعْمَةَ.
وعَطَفَ عَلى ﴿تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ قَوْلَهُ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ لِتَشْكُرُوا اللَّهَ في نُفُوسِكم وتُعْلِنُوا بِالشُّكْرِ بِألْسِنَتِكم، فَلَقَّنَهم صِيغَةَ شُكْرٍ عِنايَةً بِهِ كَما لَقَّنَهم صِيغَةَ الحَمْدِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وصِيغَةَ الدُّعاءِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وافْتَتَحَ هَذا الشُّكْرَ اللِّسانِيَّ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّهُ جامِعٌ لِلثَّناءِ إذِ التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ بِالصَّرِيحِ ويَدُلُّ ضِمْنًا عَلى إثْباتِ الكِمالاتِ لِلَّهِ في المَقامِ الخَطابِيِّ.
واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ التَّسْبِيحِ حَتّى يَصِيرَ الحَمْدُ الَّذِي أفادَهُ التَّسْبِيحُ شُكْرًا لِتَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ في مُقابَلَةِ التَّسْخِيرِ لَنا.
صفحة ١٧٥
واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى المَرْكُوبِ - حِينَما يَقُولُ الرّاكِبُ هَذِهِ المَقالَةَ - مِن دابَّةٍ أوْ سَفِينَةٍ.
والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ. وتَسْخِيرُ اللَّهِ الدَّوابَّ هو خَلْقُهُ إيّاها قابِلَةً لِلتَّرْوِيضِ فاهِمَةً لِمُرادِ الرّاكِبِ، وتَسْخِيرُ الفُلْكِ حاصِلٌ بِمَجْمُوعِ خَلْقِ البَحْرِ صالِحًا لَسَبْحِ السُّفُنِ عَلى مائِهِ، وخَلْقِ الرِّياحَ تَهُبُّ فَتَدْفَعُ السُّفُنَ عَلى الماءِ، وخَلْقِ حِيلَةِ الإنْسانِ لِصُنْعِ الفُلْكِ، ورَصْدِ مَهابِّ الرِّياحِ، ووَضْعِ القُلُوعِ والمَجاذِيفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتْ قُوَّةُ الإنْسانِ دُونَ أنْ تَبْلُغَ اسْتِخْدامَ هَذِهِ الأشْياءِ القَوِيَّةِ.
ولِهَذا عَقَّبَ بَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ مُطِيقِينَ، أيْ بِمُجَرَّدِ القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ، أيْ لَوْلا التَّسْخِيرُ المَذْكُورُ. فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَنا) أيْ سَخَّرَها لَنا في حالِ ضَعْفِنا بِأنْ كانَ تَسْخِيرُهُ قائِمًا مَقامَ القُوَّةِ.
والمُقْرِنُ المُطِيقُ، يُقالُ: أقْرَنَ: إذا أطاقَ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ:
لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وخُتِمَ هَذا الشُّكْرُ والثَّناءُ بِالِاعْتِرافِ بِأنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ، أيْ بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا إدْماجٌ لِتَلْقِينِهِمُ الإقْرارَ بِالبَعْثِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ إرْجاعِ المُسافِرِ إلى أهْلِهِ فَإنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إرْجاعِ الأمْواتِ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ يُرْجى لِإرْجاعِ المُسافِرِ سالِمًا إلى أهْلِهِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُفارِقُهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ التَّنْزِيهِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ بِالإشْراكِ وبِنِسْبَةِ العَجْزِ عَنِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. لِأنَّ المَعْنى: وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ: لِتَشْكُرُوا بِالقَلْبِ واللِّسانِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى أكَّدَ الخَبَرَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ كَما شَكَرُوا لِلَّهِ ما سَخَّرَ لَهم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ.
صفحة ١٧٦
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ في أحْوالِهِ كُلِّها مُلاحِظًا لِلْحَقائِقِ العالِيَةِ ناظِرًا لِتَقَلُّباتِ الحَياةِ نَظَرَ الحُكَماءِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِبَسائِطِ الأُمُورِ عَلى عَظِيمِها.
الزخرف 43:13
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
هَذا الِانْتِقالُ مِن الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِخَلْقِ وسائِلِ الحَياةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ وسائِلِ الِاكْتِسابِ لِصَلاحِ المَعاشِ، وذَكَرَ مِنها وسائِلَ الإنْتاجِ وأتْبَعَها بِوَسائِلِ الِاكْتِسابِ بِالأسْفارِ لِلتِّجارَةِ.
وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ لِما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو كُلُّ ما يَصِيرُ بِهِ الواحِدُ ثانِيًا، فَيُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ زَوْجٌ لِلْآخَرِ مِثْلَ الشَّفْعِ. وغُلِّبَ الزَّوْجُ عَلى الذَّكَرِ وأُنْثاهُ مِنَ الحَيَوانِ، ومِنهُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ الزَّوْجُ عَلى الصِّنْفِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] . وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ أنْ يُرادَ هُنا، وفي أزْواجِ الأنْعامِ مَنافِعُ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها ونِتاجِها.
ولَمّا كانَ المُتَبادَرُ مِنَ الأزْواجِ بادِئَ النَّظَرِ أزْواجَ الأنْعامِ وكانَ مِن أهَمِّها عِنْدَهُمُ الرَّواحِلُ - عَطَفَ عَلَيْها ما هو مِنها وسائِلُ لِلتَّنَقُّلِ بَرّا وأدْمَجَ مَعَها وسائِلَ السَّفَرِ بَحْرًا.
فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ فالمُرادُ بِـ (ما تَرْكَبُونَ) بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْعامِ هو الإبِلُ لِأنَّها وسِيلَةُ الأسْفارِ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] وقَدْ قالُوا: الإبِلُ سَفائِنُ البَرِّ.
صفحة ١٧٣
وجِيءَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مُراعاةً لِأنَّ الفُلْكَ مَصْنُوعَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، والأنْعامُ قَدْ عُرِفَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِشُمُولِ قَوْلِهِ: (خَلَقَ الأزْواجِ) إيّاها. ومَعْنى جَعْلِ اللَّهُ الفُلْكَ والأنْعامَ مَرْكُوبَةً: أنَّهُ خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةَ التَّفْكِيرِ الَّتِي يَنْساقُ بِها إلى اسْتِعْمالِ المَوْجُوداتِ في نَفْعِهِ فاحْتالَ كَيْفَ يَصْنَعُ الفُلْكَ ويَرْكَبُ فِيها واحْتالَ كَيْفَ يُرَوِّضُ الأنْعامَ ويَرْكَبُها.
وقَدَّمَ الفُلْكَ عَلى الأنْعامِ لِأنَّها لَمْ يَشْمَلْها لَفْظُ الأزْواجِ فَذِكْرُها ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى ولَوْ ذَكَرَ الأنْعامَ لَكانَ ذِكْرُهُ عَقِبَ الأزْواجِ بِمَنزِلَةِ الإعادَةِ. فَلَمّا ذَكَرَ الفُلْكَ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَرْكُوبًا عَطَفَ عَلَيْها الأنْعامَ فَصارَ ذِكْرُ الأنْعامِ مُتَرَقَّبًا لِلنَّفْسِ لِمُناسَبَةٍ جَدِيدَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
إذْ أعْقَبَ ذِكْرَ رُكُوبِ الجَوادِ بِذِكْرِ تَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلْمُناسَبَةِ، ولَمْ يُعْقِبْهُ بَقَوْلِهِ: ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً،؛ لِاخْتِلافِ حالِ الرُّكُوبَيْنِ: رُكُوبِ اللَّذَّةِ ورُكُوبِ الحَرْبِ.
والرُّكُوبُ حَقِيقَتُهُ: اعْتِلاءُ الدّابَّةِ لِلسَّيْرِ، وأُطْلِقَ عَلى الحُصُولِ في الفُلْكِ لِتَشْبِيهِهِمُ الفُلْكَ بِالدّابَّةِ بِجامِعِ السَّيْرِ، فَرُكُوبُ الدّابَّةِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ ورُكُوبُ الفُلْكِ يَتَعَدّى بِـ (في) لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأصِيلِ واللّاحِقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] في سُورَةِ هُودٍ.
ومِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما تَرْكَبُونَ. وحَذَفَ عائِدَ الصِّلَةِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وإذْ قَدْ كانَ مَفْعُولُ تَرْكَبُونَ هُنا مُبَيَّنًا بِالفُلْكِ والأنْعامِ كانَ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى إلى أحَدِهِما بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِـ (في) فَغَلَبَتِ التَّعْدِيَةُ المُباشِرَةُ عَلى التَّعْدِيَةِ بِواسِطَةِ الحَرْفِ لِظُهُورِ المُرادِ، وحَذَفَ العائِدَ بِناءً عَلى ذَلِكَ التَّغْلِيبِ.
واسْتِعْمالُ فِعْلِ تَرْكَبُونَ هُنا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
والِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. والظُّهُورُ: جَمْعُ ظَهْرٍ، والظَّهْرُ مِن عَلائِقِ الأنْعامِ لا مِن
صفحة ١٧٤
عَلائِقِ الفُلْكِ، فَهَذا أيْضًا مِنَ التَّغْلِيبِ. والمَعْنى: عَلى ظُهُورِهِ وفي بُطُونِهِ. فَضَمِيرُ ظُهُورِهِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ الصّادِقِ بِالفُلْكِ والأنْعامِ كَما هو قَضِيَّةُ البَيانِ.
عَلى أنَّ السَّفائِنَ العَظِيمَةَ تَكُونُ لَها ظُهُورٌ، وهي أعالِيها المَجْعُولَةُ كالسُّطُوحِ لِتَقِيَ الرّاكِبِينَ المَطَرَ وشِدَّةَ الحَرِّ والقَرِّ. ولِذَلِكَ فَجَمْعُ الظُّهُورِ مِن جَمْعِ المُشْتَرِكِ، والتَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ (عَلى) بُنِيَتْ عَلى أنَّ لِلسَّفِينَةِ ظَهْرًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] .
وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِلْإشارَةِ إلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ حِينَئِذٍ، فَإنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ في حالِ التَّلَبُّسِ بِمَنافِعِها أوْقَعُ في النَّفْسِ وأدْعى لِلشُّكْرِ عَلَيْها. وأجْدَرُ بِعَدَمِ الذُّهُولِ عَنْها، أيْ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً لِتَشْعُرُوا بِها فَتَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فالذِّكْرُ هُنا هو التَّذَكُّرُ بِالفِكْرِ لا الذِّكْرُ بِاللِّسانِ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ تَقَلَّبُوا في نَعَمِ اللَّهِ وشَكَرُوا غَيْرَهُ إذِ اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ وهم لَمْ يُشارِكُوهُ في الأنْعامِ.
وذِكْرُ النِّعْمَةِ كِنايَةٌ عَنْ شُكْرِها؛ لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ لازِمٌ لِلْإنْعامِ عُرْفًا فَلا يَصْرِفُ عَنْهُ إلّا نِسْيانُهُ فَإذا ذَكَرَهُ شَكَرَ النِّعْمَةَ.
وعَطَفَ عَلى ﴿تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ قَوْلَهُ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ لِتَشْكُرُوا اللَّهَ في نُفُوسِكم وتُعْلِنُوا بِالشُّكْرِ بِألْسِنَتِكم، فَلَقَّنَهم صِيغَةَ شُكْرٍ عِنايَةً بِهِ كَما لَقَّنَهم صِيغَةَ الحَمْدِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وصِيغَةَ الدُّعاءِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وافْتَتَحَ هَذا الشُّكْرَ اللِّسانِيَّ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّهُ جامِعٌ لِلثَّناءِ إذِ التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ بِالصَّرِيحِ ويَدُلُّ ضِمْنًا عَلى إثْباتِ الكِمالاتِ لِلَّهِ في المَقامِ الخَطابِيِّ.
واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ التَّسْبِيحِ حَتّى يَصِيرَ الحَمْدُ الَّذِي أفادَهُ التَّسْبِيحُ شُكْرًا لِتَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ في مُقابَلَةِ التَّسْخِيرِ لَنا.
صفحة ١٧٥
واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى المَرْكُوبِ - حِينَما يَقُولُ الرّاكِبُ هَذِهِ المَقالَةَ - مِن دابَّةٍ أوْ سَفِينَةٍ.
والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ. وتَسْخِيرُ اللَّهِ الدَّوابَّ هو خَلْقُهُ إيّاها قابِلَةً لِلتَّرْوِيضِ فاهِمَةً لِمُرادِ الرّاكِبِ، وتَسْخِيرُ الفُلْكِ حاصِلٌ بِمَجْمُوعِ خَلْقِ البَحْرِ صالِحًا لَسَبْحِ السُّفُنِ عَلى مائِهِ، وخَلْقِ الرِّياحَ تَهُبُّ فَتَدْفَعُ السُّفُنَ عَلى الماءِ، وخَلْقِ حِيلَةِ الإنْسانِ لِصُنْعِ الفُلْكِ، ورَصْدِ مَهابِّ الرِّياحِ، ووَضْعِ القُلُوعِ والمَجاذِيفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتْ قُوَّةُ الإنْسانِ دُونَ أنْ تَبْلُغَ اسْتِخْدامَ هَذِهِ الأشْياءِ القَوِيَّةِ.
ولِهَذا عَقَّبَ بَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ مُطِيقِينَ، أيْ بِمُجَرَّدِ القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ، أيْ لَوْلا التَّسْخِيرُ المَذْكُورُ. فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَنا) أيْ سَخَّرَها لَنا في حالِ ضَعْفِنا بِأنْ كانَ تَسْخِيرُهُ قائِمًا مَقامَ القُوَّةِ.
والمُقْرِنُ المُطِيقُ، يُقالُ: أقْرَنَ: إذا أطاقَ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ:
لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وخُتِمَ هَذا الشُّكْرُ والثَّناءُ بِالِاعْتِرافِ بِأنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ، أيْ بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا إدْماجٌ لِتَلْقِينِهِمُ الإقْرارَ بِالبَعْثِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ إرْجاعِ المُسافِرِ إلى أهْلِهِ فَإنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إرْجاعِ الأمْواتِ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ يُرْجى لِإرْجاعِ المُسافِرِ سالِمًا إلى أهْلِهِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُفارِقُهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ التَّنْزِيهِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ بِالإشْراكِ وبِنِسْبَةِ العَجْزِ عَنِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. لِأنَّ المَعْنى: وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ: لِتَشْكُرُوا بِالقَلْبِ واللِّسانِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى أكَّدَ الخَبَرَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ كَما شَكَرُوا لِلَّهِ ما سَخَّرَ لَهم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ.
صفحة ١٧٦
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ في أحْوالِهِ كُلِّها مُلاحِظًا لِلْحَقائِقِ العالِيَةِ ناظِرًا لِتَقَلُّباتِ الحَياةِ نَظَرَ الحُكَماءِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِبَسائِطِ الأُمُورِ عَلى عَظِيمِها.
الزخرف 43:14
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ﴿وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾
هَذا الِانْتِقالُ مِن الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِخَلْقِ وسائِلِ الحَياةِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ وسائِلِ الِاكْتِسابِ لِصَلاحِ المَعاشِ، وذَكَرَ مِنها وسائِلَ الإنْتاجِ وأتْبَعَها بِوَسائِلِ الِاكْتِسابِ بِالأسْفارِ لِلتِّجارَةِ.
وإعادَةُ اسْمِ المَوْصُولِ لِما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ آنِفًا.
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ، وهو كُلُّ ما يَصِيرُ بِهِ الواحِدُ ثانِيًا، فَيُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنهُما أنَّهُ زَوْجٌ لِلْآخَرِ مِثْلَ الشَّفْعِ. وغُلِّبَ الزَّوْجُ عَلى الذَّكَرِ وأُنْثاهُ مِنَ الحَيَوانِ، ومِنهُ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ الزَّوْجُ عَلى الصِّنْفِ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] . وكِلا الإطْلاقَيْنِ يَصِحُّ أنْ يُرادَ هُنا، وفي أزْواجِ الأنْعامِ مَنافِعُ بِألْبانِها وأصْوافِها وأشْعارِها ولُحُومِها ونِتاجِها.
ولَمّا كانَ المُتَبادَرُ مِنَ الأزْواجِ بادِئَ النَّظَرِ أزْواجَ الأنْعامِ وكانَ مِن أهَمِّها عِنْدَهُمُ الرَّواحِلُ - عَطَفَ عَلَيْها ما هو مِنها وسائِلُ لِلتَّنَقُّلِ بَرّا وأدْمَجَ مَعَها وسائِلَ السَّفَرِ بَحْرًا.
فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ فالمُرادُ بِـ (ما تَرْكَبُونَ) بِالنِّسْبَةِ إلى الأنْعامِ هو الإبِلُ لِأنَّها وسِيلَةُ الأسْفارِ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيّاتِهِمْ في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤٢] وقَدْ قالُوا: الإبِلُ سَفائِنُ البَرِّ.
صفحة ١٧٣
وجِيءَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مُراعاةً لِأنَّ الفُلْكَ مَصْنُوعَةٌ ولَيْسَتْ مَخْلُوقَةً، والأنْعامُ قَدْ عُرِفَ أنَّها مَخْلُوقَةٌ لِشُمُولِ قَوْلِهِ: (خَلَقَ الأزْواجِ) إيّاها. ومَعْنى جَعْلِ اللَّهُ الفُلْكَ والأنْعامَ مَرْكُوبَةً: أنَّهُ خَلَقَ في الإنْسانِ قُوَّةَ التَّفْكِيرِ الَّتِي يَنْساقُ بِها إلى اسْتِعْمالِ المَوْجُوداتِ في نَفْعِهِ فاحْتالَ كَيْفَ يَصْنَعُ الفُلْكَ ويَرْكَبُ فِيها واحْتالَ كَيْفَ يُرَوِّضُ الأنْعامَ ويَرْكَبُها.
وقَدَّمَ الفُلْكَ عَلى الأنْعامِ لِأنَّها لَمْ يَشْمَلْها لَفْظُ الأزْواجِ فَذِكْرُها ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى ولَوْ ذَكَرَ الأنْعامَ لَكانَ ذِكْرُهُ عَقِبَ الأزْواجِ بِمَنزِلَةِ الإعادَةِ. فَلَمّا ذَكَرَ الفُلْكَ بِعُنْوانِ كَوْنِها مَرْكُوبًا عَطَفَ عَلَيْها الأنْعامَ فَصارَ ذِكْرُ الأنْعامِ مُتَرَقَّبًا لِلنَّفْسِ لِمُناسَبَةٍ جَدِيدَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأِ الرّاحَ الكُمَيْتَ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
إذْ أعْقَبَ ذِكْرَ رُكُوبِ الجَوادِ بِذِكْرِ تَبَطُّنِ الكاعِبِ لِلْمُناسَبَةِ، ولَمْ يُعْقِبْهُ بَقَوْلِهِ: ولَمْ أقُلْ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً،؛ لِاخْتِلافِ حالِ الرُّكُوبَيْنِ: رُكُوبِ اللَّذَّةِ ورُكُوبِ الحَرْبِ.
والرُّكُوبُ حَقِيقَتُهُ: اعْتِلاءُ الدّابَّةِ لِلسَّيْرِ، وأُطْلِقَ عَلى الحُصُولِ في الفُلْكِ لِتَشْبِيهِهِمُ الفُلْكَ بِالدّابَّةِ بِجامِعِ السَّيْرِ، فَرُكُوبُ الدّابَّةِ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ ورُكُوبُ الفُلْكِ يَتَعَدّى بِـ (في) لِلْفَرْقِ بَيْنَ الأصِيلِ واللّاحِقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] في سُورَةِ هُودٍ.
ومِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ بَيانٌ لِإبْهامِ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ ما تَرْكَبُونَ. وحَذَفَ عائِدَ الصِّلَةِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ مَنصُوبٌ، وحَذْفُ مِثْلِهِ كَثِيرٌ في الكَلامِ. وإذْ قَدْ كانَ مَفْعُولُ تَرْكَبُونَ هُنا مُبَيَّنًا بِالفُلْكِ والأنْعامِ كانَ حَقُّ الفِعْلِ أنْ يُعَدّى إلى أحَدِهِما بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِـ (في) فَغَلَبَتِ التَّعْدِيَةُ المُباشِرَةُ عَلى التَّعْدِيَةِ بِواسِطَةِ الحَرْفِ لِظُهُورِ المُرادِ، وحَذَفَ العائِدَ بِناءً عَلى ذَلِكَ التَّغْلِيبِ.
واسْتِعْمالُ فِعْلِ تَرْكَبُونَ هُنا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
والِاسْتِواءُ: الِاعْتِلاءُ. والظُّهُورُ: جَمْعُ ظَهْرٍ، والظَّهْرُ مِن عَلائِقِ الأنْعامِ لا مِن
صفحة ١٧٤
عَلائِقِ الفُلْكِ، فَهَذا أيْضًا مِنَ التَّغْلِيبِ. والمَعْنى: عَلى ظُهُورِهِ وفي بُطُونِهِ. فَضَمِيرُ ظُهُورِهِ عائِدٌ إلى (ما) المَوْصُولَةِ الصّادِقِ بِالفُلْكِ والأنْعامِ كَما هو قَضِيَّةُ البَيانِ.
عَلى أنَّ السَّفائِنَ العَظِيمَةَ تَكُونُ لَها ظُهُورٌ، وهي أعالِيها المَجْعُولَةُ كالسُّطُوحِ لِتَقِيَ الرّاكِبِينَ المَطَرَ وشِدَّةَ الحَرِّ والقَرِّ. ولِذَلِكَ فَجَمْعُ الظُّهُورِ مِن جَمْعِ المُشْتَرِكِ، والتَّعْدِيَةُ بِحَرْفِ (عَلى) بُنِيَتْ عَلى أنَّ لِلسَّفِينَةِ ظَهْرًا، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] .
وقَدْ جُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ تَوْطِئَةً وتَمْهِيدًا لِلْإشارَةِ إلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ حِينَئِذٍ، فَإنَّ ذِكْرَ النِّعْمَةِ في حالِ التَّلَبُّسِ بِمَنافِعِها أوْقَعُ في النَّفْسِ وأدْعى لِلشُّكْرِ عَلَيْها. وأجْدَرُ بِعَدَمِ الذُّهُولِ عَنْها، أيْ جَعَلَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً لِتَشْعُرُوا بِها فَتَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فالذِّكْرُ هُنا هو التَّذَكُّرُ بِالفِكْرِ لا الذِّكْرُ بِاللِّسانِ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ تَقَلَّبُوا في نَعَمِ اللَّهِ وشَكَرُوا غَيْرَهُ إذِ اتَّخَذُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ وهم لَمْ يُشارِكُوهُ في الأنْعامِ.
وذِكْرُ النِّعْمَةِ كِنايَةٌ عَنْ شُكْرِها؛ لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ لازِمٌ لِلْإنْعامِ عُرْفًا فَلا يَصْرِفُ عَنْهُ إلّا نِسْيانُهُ فَإذا ذَكَرَهُ شَكَرَ النِّعْمَةَ.
وعَطَفَ عَلى ﴿تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ قَوْلَهُ: ﴿وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾، أيْ لِتَشْكُرُوا اللَّهَ في نُفُوسِكم وتُعْلِنُوا بِالشُّكْرِ بِألْسِنَتِكم، فَلَقَّنَهم صِيغَةَ شُكْرٍ عِنايَةً بِهِ كَما لَقَّنَهم صِيغَةَ الحَمْدِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ وصِيغَةَ الدُّعاءِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وافْتَتَحَ هَذا الشُّكْرَ اللِّسانِيَّ بِالتَّسْبِيحِ لِأنَّهُ جامِعٌ لِلثَّناءِ إذِ التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا لا يَلِيقُ، فَهو يَدُلُّ عَلى التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقائِصِ بِالصَّرِيحِ ويَدُلُّ ضِمْنًا عَلى إثْباتِ الكِمالاتِ لِلَّهِ في المَقامِ الخَطابِيِّ.
واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما يُؤْذِنُ بِهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ التَّسْبِيحِ حَتّى يَصِيرَ الحَمْدُ الَّذِي أفادَهُ التَّسْبِيحُ شُكْرًا لِتَعْلِيلِهِ بِأنَّهُ في مُقابَلَةِ التَّسْخِيرِ لَنا.
صفحة ١٧٥
واسْمُ الإشارَةِ مُوَجَّهٌ إلى المَرْكُوبِ - حِينَما يَقُولُ الرّاكِبُ هَذِهِ المَقالَةَ - مِن دابَّةٍ أوْ سَفِينَةٍ.
والتَّسْخِيرُ: التَّذْلِيلُ والتَّطْوِيعُ. وتَسْخِيرُ اللَّهِ الدَّوابَّ هو خَلْقُهُ إيّاها قابِلَةً لِلتَّرْوِيضِ فاهِمَةً لِمُرادِ الرّاكِبِ، وتَسْخِيرُ الفُلْكِ حاصِلٌ بِمَجْمُوعِ خَلْقِ البَحْرِ صالِحًا لَسَبْحِ السُّفُنِ عَلى مائِهِ، وخَلْقِ الرِّياحَ تَهُبُّ فَتَدْفَعُ السُّفُنَ عَلى الماءِ، وخَلْقِ حِيلَةِ الإنْسانِ لِصُنْعِ الفُلْكِ، ورَصْدِ مَهابِّ الرِّياحِ، ووَضْعِ القُلُوعِ والمَجاذِيفِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَتْ قُوَّةُ الإنْسانِ دُونَ أنْ تَبْلُغَ اسْتِخْدامَ هَذِهِ الأشْياءِ القَوِيَّةِ.
ولِهَذا عَقَّبَ بَقَوْلِهِ: ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أيْ مُطِيقِينَ، أيْ بِمُجَرَّدِ القُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ، أيْ لَوْلا التَّسْخِيرُ المَذْكُورُ. فَجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (لَنا) أيْ سَخَّرَها لَنا في حالِ ضَعْفِنا بِأنْ كانَ تَسْخِيرُهُ قائِمًا مَقامَ القُوَّةِ.
والمُقْرِنُ المُطِيقُ، يُقالُ: أقْرَنَ: إذا أطاقَ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ:
لَقَدْ عَلِمَ القَبائِلُ ما عُقَيْلٌ ∗∗∗ لَنا في النّائِباتِ بِمُقْرِنِينا
وخُتِمَ هَذا الشُّكْرُ والثَّناءُ بِالِاعْتِرافِ بِأنَّ مَرْجِعَنا إلى اللَّهِ، أيْ بَعْدَ المَوْتِ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وهَذا إدْماجٌ لِتَلْقِينِهِمُ الإقْرارَ بِالبَعْثِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ إرْجاعِ المُسافِرِ إلى أهْلِهِ فَإنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إرْجاعِ الأمْواتِ إلى الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ يُرْجى لِإرْجاعِ المُسافِرِ سالِمًا إلى أهْلِهِ.
والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَكانِ الَّذِي يُفارِقُهُ.
والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ التَّنْزِيهِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ عَلى كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ بِالإشْراكِ وبِنِسْبَةِ العَجْزِ عَنِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ. لِأنَّ المَعْنى: وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ: لِتَشْكُرُوا بِالقَلْبِ واللِّسانِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، ولِمُلاحَظَةِ هَذا المَعْنى أكَّدَ الخَبَرَ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُؤْمِنِينَ بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ كَما شَكَرُوا لِلَّهِ ما سَخَّرَ لَهم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ.
صفحة ١٧٦
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ في أحْوالِهِ كُلِّها مُلاحِظًا لِلْحَقائِقِ العالِيَةِ ناظِرًا لِتَقَلُّباتِ الحَياةِ نَظَرَ الحُكَماءِ الَّذِينَ يَسْتَدِلُّونَ بِبَسائِطِ الأُمُورِ عَلى عَظِيمِها.
الزخرف 43:15
﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ هَذا مُتَّصِلٌ بَقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الزخرف: ٩] أيْ ولَئِنْ سَألْتَهم عَنْ خالِقِ الأشْياءِ لَيَعْتَرِفُنَّ بِهِ وقَدْ جَعَلُوا لَهُ مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ جُزْءًا.
فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الزخرف: ٩] . ويَجُوزُ كَوْنُها لِلْحالِ عَلى مَعْنى: وقَدْ جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، ومَعْنى الحالِ تُفِيدُ تَعْجِيبًا مِنهم في تَناقُضِ آرائِهِمْ وأقْوالِهِمْ وقَلْبِهِمُ الحَقائِقَ، وهي غَبارَةٌ في الرَّأْيِ تَعْرِضُ لِلْمُقَلِّدِينَ في العَقائِدِ الضّالَّةِ لِأنَّهم يُلَفِّقُونَ عَقائِدَهم مِن مُخْتَلِفِ آراءِ الدُّعاةِ فَيَجْتَمِعُ لِلْمُقَلِّدِ مِن آراءِ المُخْتَلِفِينَ في النَّظَرِ ما لَوِ اطَّلَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُقْتَدِينَ بِهِمْ عَلى رَأْيِ غَيْرِهِ مِنهم لَأبْطَلَهُ أوْ رَجَعَ عَنِ الرَّأْيِ المُضادِّ لَهُ.
فالمُشْرِكُونَ مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُ الأشْياءِ كُلِّها ومَعَ ذَلِكَ جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ، وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ إلَهًا، وجَعَلُوا لِلَّهِ بَناتٍ، والبُنُوَّةُ تَقْتَضِي المُماثَلَةَ في الماهِيَّةِ، وكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ لِخالِقِ الأشْياءِ كُلِّها بَناتٌ فَهُنَّ لا مَحالَةَ مَخْلُوقاتٌ لَهُ فَإنْ لَمْ يَكُنَّ مَخْلُوقاتٍ لَزِمَ أنْ يَكُنَّ مَوْجُوداتٍ بِوُجُودِهِ فَكَيْفَ تَكُنَّ بَناتِهِ. وإلى هَذا التَّناقُضِ الإشارَةُ بَقَوْلِهِ: (مِن عِبادِهِ) أيْ مِن مَخْلُوقاتِهِ، أوْ لَيْسَتِ العُبُودِيَّةُ الحَقَّةُ إلّا عُبُودِيَّةَ المَخْلُوقِ جُزْءًا، أيْ قِطْعَةً.
والجُزْءُ: بَعْضٌ مِن كُلٍّ، والقِطْعَةُ مِنهُ. والوَلَدُ كَجُزْءٍ مِنَ الوالِدِ لِأنَّهُ مُنْفَصِلٌ مِنهُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْوَلَدِ: بَضْعَةٌ. فَهم جَمَعُوا بَيْنَ اعْتِقادِ حُدُوثِ المَلائِكَةِ وهو مُقْتَضى أنَّها عِبادُ اللَّهِ وبَيْنَ اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها وهو مُقْتَضى أنَّها بَناتُ اللَّهِ لِأنَّ البُنُوَّةَ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الماهِيَّةِ.
ولَمّا كانَتْ عَقِيدَةُ المُشْرِكِينَ مَعْرُوفَةً لَهم ومَعْرُوفَةً لِلْمُسْلِمِينَ كانَ المُرادُ مِنَ الجُزْءِ:
صفحة ١٧٧
البَناتِ، لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ، أيْ أُمَّهاتُهم سَرَواتُ الجِنِّ، أيْ شَرِيفاتُ الجِنِّ فَسَرَواتُ جَمْعُ سُرِّيَّةٍ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ أنَّ المُبَرِّدَ قالَ: الجُزْءُ هاهُنا البَناتُ، يُقالُ: أجْزَأتِ المَرْأةُ: إذا ولَدَتْ أُنْثى.
وفِي اللِّسانِ عَنِ الزَّجّاجِ: أنَّهُ قالَ: أنْشَدْتُ بَيْتًا في أنَّ مَعْنى جُزْءِ مَعْنى الإناثِ ولا أدْرِي البَيْتَ أقَدِيمٌ أمْ مَصْنُوعٌ، وهو:
إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ قَدْ تُجْزِيءُ الحُرَّةُ المِذْكارُ أحْيانًا
وفِي تاجِ العَرُوسِ أنَّ هَذا البَيْتَ أنْشَدَهُ ثَعْلَبٌ، وفي اللِّسانِ أنْشَدَ أبُو حَنِيفَةَ:
زُوِّجْتُها مِن بَناتِ الأوْسِ مُجْزِئَةً ∗∗∗ لِلْعَوْسَجِ الرَّطْبِ في أبْياتِها زَجَلُ
ونَسَبَهُ الماوَرْدِيُّ في تَفْسِيرِهِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ. وجَزَمَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّ هَذا المَعْنى كَذِبٌ عَلى العَرَبِ وأنَّ البَيْتَيْنِ مَصْنُوعانِ.
والجَعْلُ هُنا مَعْناهُ: الحُكْمُ عَلى الشَّيْءِ بِوَصْفٍ حُكْمًا لا مُسْتَنَدَ لَهُ فَكَأنَّهُ صُنْعٌ بِاليَدِ، والصُّنْعُ بِاليَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الجَعْلُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ تَذْيِيلٌ يَدُلُّ عَلى اسْتِنْكارِ ما زَعَمُوهُ بِأنَّهُ كُفْرٌ شَدِيدٌ. والمُرادُ بِـ (الإنْسانِ) هَؤُلاءِ النّاسُ خاصَّةً.
والمُبِينُ: المُوَضِّحُ كُفْرَهُ في أقْوالِهِ الصَّرِيحَةِ في كُفْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ.
الزخرف 43:16
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينِ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهْوَ كَظِيمٌ﴾ أمْ لِلْإضْرابِ وهو هُنا انْتِقالِيٌّ لِانْتِقالِ الكَلامِ مِن إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمْ بُنُوَّةَ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى بِما لَزِمَهُ مِنِ انْتِقاضِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، إلى إبْطالِهِ بِما يَقْتَضِيهِ مِنِ
صفحة ١٧٨
انْتِقاصٍ يُنافِي الكَمالَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الإلَهِيَّةِ. والكَلامُ بَعْدَ (أمْ) اسْتِفْهامٌ، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ . ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الإناثَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهم فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ أبْناءً إناثًا وهَلّا جَعَلُوها ذُكُورًا. ولَيْسَتْ لَهم مَعْذِرَةٌ عَنِ الفَسادِ المُنْجَرِّ إلى مُعْتَقَدِهِمْ بِالطَّرِيقَتَيْنِ لِأنَّ الإبْطالَ الأوَّلَ نَظَرِيٌّ يَقِينِيٌّ. والإبْطالُ الثّانِي جَدَلِيٌّ بَدِيهِيٌّ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] . فَهَذِهِ حُجَّةٌ ناهِضَةٌ عَلَيْهِمْ لِاشْتِهارِها بَيْنَهم.
ولَمّا ادَّعَتْ سَجاحُ بِنْتُ الحارِثِ النُّبُوءَةَ في بَنِي تَمِيمٍ أيّامَ الرِّدَّةِ وكانَ قَدِ ادَّعى النُّبُوءَةَ قَبْلَها مُسَيْلِمَةُ الحَنَفِيُّ، والأسْوَدُ العَنْسِيُّ، وطَلِيحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، قالَ عُطارِدُ بْنُ حاجِبٍ التَّمِيمِيُّ.
أضْحَتْ نَبِيئَتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ النّاسِ ذُكْرانا
وأُوثِرَ فِعْلُ (اتَّخَذَ) هُنا لِأنَّهُ يَشْمَلُ الِاتِّخاذَ بِالوِلادَةِ، أيْ بِتَكْوِينِ الِانْفِصالِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِالمُزاوَجَةِ مَعَ سَرَواتِ الجِنِّ، ويَشْمَلُ ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو التَّبَنِّي. فَعَلى كِلا الفَرْضَيْنِ يَتَوَجَّهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ ما هو لِلَّهِ أدْوَنَ مِمّا هو لَهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] . وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾، فَهَذا ارْتِقاءٌ في إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمْ بِإبْطالِ فَرْضِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَنّى المَلائِكَةَ، سَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ بابَ التَّأوُّلِ والتَّنَصُّلِ مِن فَسادِ نِسْبَتِهِمُ البَناتِ إلى اللَّهِ، فَلَعَلَّهم يَقُولُونَ: ما أرَدْنا إلّا التَّبَنِّيَ، كَما تَنَصَّلُوا حِينَ دَمَغَتَهم بَراهِينُ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ فَقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
واعْلَمْ أنَّ ما تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) حَيْثُما وقَعَتْ مِن تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها هو هُنا اسْتِفْهامٌ في مَعْنى الإنْكارِ وتَسَلُّطُ الإنْكارِ عَلى اتِّخاذِ البَناتِ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ البَناتِ لِكَوْنِ المَعْلُومِ مِن جَعْلِ المُشْرِكِينَ لِلَّهِ جُزْءًا أنَّ المَجْعُولَ جُزْءًا لَهُ هو المَلائِكَةُ وأنَّهم يَجْعَلُونَ المَلائِكَةَ إناثًا، فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
والنَّفْيُ الحاصِلُ مِن الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُنْصَبٌّ إلى قَيْدِ الحالِ، فَحَصَلَ
صفحة ١٧٩
إبْطالُ اتِّخاذِ اللَّهِ البَناتِ بِدَلِيلَيْنِ، لِأنَّ إعْطاءَهُمُ البَنِينَ واقِعٌ فَنَفْيُ اقْتِرانِهِ بِاتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ البَناتِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ اتِّخاذِهِ البَناتِ فالمَقْصُودُ اقْتِرانُ الإنْكارِ بِهَذا القَيْدِ.
وبِهَذا يَتَّضِحُ أنَّ الواوَ في جُمْلَةِ (وأصْفاكم) لَيْسَتْ واوَ العَطْفِ لِأنَّ إنْكارَ أنْ يَكُونَ أصْفاهم بِالبَنِينِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الأوْلادِ الذُّكُورِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
والخِطابُ في (وأصْفاكم) مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِيَكُونَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ أوْقَعَ عَلَيْهِمْ لِمُواجَهَتِهِمْ بِهِ.
وتَنْكِيرُ (بَناتٍ) لِأنَّ التَّنْكِيرَ هو الأصْلُ في أسْماءِ الأجْناسِ. وأمّا تَعْرِيفُ البَنِينَ بِاللّامِ فَهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُتَقَدَّمُ في قَوْلِهِ: (الحَمْدُ لِلَّهِ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ. والمَقْصُودُ مِنهُ هُنا الإشارَةُ إلى المَعْرُوفِ عِنْدَهُمُ المُتَنافَسِ في وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] في سُورَةِ الشُّورى.
وتَقْدِيمُ البَناتِ في الذِّكْرِ عَلى البَنِينَ لِأنَّ ذِكْرَهُنَّ أهَمُّ هُنا إذْ هو الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ بِخِلافِ مَقامِ قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. ولِما في التَّقْدِيمِ مِنَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في تَحْقِيرِهِمُ البَناتِ وتَطَيُّرِهِمْ مِنهُنَّ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّورى.
والإصْفاءُ: إعْطاءُ الصَّفْوَةِ، وهي الخِيارُ مِن شَيْءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (أحَدُهم) فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِيَكُونُوا مَحْكِيًّا حالَهم إلى غَيْرِهِمْ تَعْجِيبًا مِن فَسادِ مَقالَتِهِمْ وتَشْنِيعًا بِها إذْ نَسَبُوا لِلَّهِ بَناتٍ دُونَ الذُّكُورِ وهو نَقْصٌ، وكانُوا مِمَّنْ يَكْرَهُ البَناتِ ويُحَقِّرُهُنَّ فَنِسْبَتُها إلى اللَّهِ مُفْضٍ إلى الِاسْتِخْفافِ بِجانِبِ الإلَهِيَّةِ.
والمَعْنى: أتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ اللَّهُ وأصْفاكم بِالبَنِينَ في حالِ أنَّكم إذا بُشِّرَ أحَدُكم بِما ضَرَبَهُ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا.
صفحة ١٨٠
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨] .
واسْتِعْمالُ البِشارَةِ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] لِأنَّ البِشارَةَ إعْلامٌ بِحُصُولِ أمْرٍ مُسَرٍّ.
و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ مَوْصُولَةٌ، أيْ بُشِّرَ بِالجِنْسِ الَّذِي ضَرَبَهُ، أيْ جَعَلَهُ مَثَلًا وشَبَهًا لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإذْ جَعَلُوا جِنْسَ الأُنْثى جُزْءًا لِلَّهِ، أيْ مُنْفَصِلًا مِنهُ فالمُبَشَّرُ بِهِ جِنْسُ الأُنْثى، والجِنْسُ لا يَتَعَيَّنُ. فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: بُشِّرَ بِمِثْلِ ما ضَرَبَهُ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا.
والمَثَلُ: الشَّبِيهُ.
والضَّرْبُ: الجَعْلُ والصُّنْعُ، ومِنهُ ضَرْبُ الدِّينارِ، وقَوْلُهم: ضَرْبَةُ لازِبٍ، فَماصَدَقُ ﴿ما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ هو الإناثُ.
ومَعْنى (ظَلَّ) هُنا: صارَ، فَإنَّ الأفْعالَ النّاقِصَةَ الخَمْسَةَ المُفْتَتَحَ بِها بابُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى صارَ.
واسْوِدادُ الوَجْهِ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْظِ إذْ يَصْعَدُ الدَّمُ إلى الوَجْهِ فَتَصِيرُ حُمْرَتُهُ إلى سَوادٍ، والمَعْنى: تَغَيَّظَ.
والكَظِيمُ: المُمْسِكُ، أيْ عَنِ الكَلامِ كَرْبًا وحُزْنًا.
الزخرف 43:17
﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وأصْفاكم بِالبَنِينِ﴾ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهْوَ كَظِيمٌ﴾ أمْ لِلْإضْرابِ وهو هُنا انْتِقالِيٌّ لِانْتِقالِ الكَلامِ مِن إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمْ بُنُوَّةَ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى بِما لَزِمَهُ مِنِ انْتِقاضِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ، إلى إبْطالِهِ بِما يَقْتَضِيهِ مِنِ
صفحة ١٧٨
انْتِقاصٍ يُنافِي الكَمالَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الإلَهِيَّةِ. والكَلامُ بَعْدَ (أمْ) اسْتِفْهامٌ، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ . ومَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الإناثَ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهم فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ أبْناءً إناثًا وهَلّا جَعَلُوها ذُكُورًا. ولَيْسَتْ لَهم مَعْذِرَةٌ عَنِ الفَسادِ المُنْجَرِّ إلى مُعْتَقَدِهِمْ بِالطَّرِيقَتَيْنِ لِأنَّ الإبْطالَ الأوَّلَ نَظَرِيٌّ يَقِينِيٌّ. والإبْطالُ الثّانِي جَدَلِيٌّ بَدِيهِيٌّ قالَ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١] ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢٢] . فَهَذِهِ حُجَّةٌ ناهِضَةٌ عَلَيْهِمْ لِاشْتِهارِها بَيْنَهم.
ولَمّا ادَّعَتْ سَجاحُ بِنْتُ الحارِثِ النُّبُوءَةَ في بَنِي تَمِيمٍ أيّامَ الرِّدَّةِ وكانَ قَدِ ادَّعى النُّبُوءَةَ قَبْلَها مُسَيْلِمَةُ الحَنَفِيُّ، والأسْوَدُ العَنْسِيُّ، وطَلِيحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ، قالَ عُطارِدُ بْنُ حاجِبٍ التَّمِيمِيُّ.
أضْحَتْ نَبِيئَتُنا أُنْثى نَطِيفُ بِها وأصْبَحَتْ أنْبِياءُ النّاسِ ذُكْرانا
وأُوثِرَ فِعْلُ (اتَّخَذَ) هُنا لِأنَّهُ يَشْمَلُ الِاتِّخاذَ بِالوِلادَةِ، أيْ بِتَكْوِينِ الِانْفِصالِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى بِالمُزاوَجَةِ مَعَ سَرَواتِ الجِنِّ، ويَشْمَلُ ما هو دُونَ ذَلِكَ وهو التَّبَنِّي. فَعَلى كِلا الفَرْضَيْنِ يَتَوَجَّهُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ ما هو لِلَّهِ أدْوَنَ مِمّا هو لَهم كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾ [النحل: ٦٢] . وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾، فَهَذا ارْتِقاءٌ في إبْطالِ مُعْتَقَدِهِمْ بِإبْطالِ فَرْضِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَنّى المَلائِكَةَ، سَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ بابَ التَّأوُّلِ والتَّنَصُّلِ مِن فَسادِ نِسْبَتِهِمُ البَناتِ إلى اللَّهِ، فَلَعَلَّهم يَقُولُونَ: ما أرَدْنا إلّا التَّبَنِّيَ، كَما تَنَصَّلُوا حِينَ دَمَغَتَهم بَراهِينُ بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ فَقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
واعْلَمْ أنَّ ما تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) حَيْثُما وقَعَتْ مِن تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها هو هُنا اسْتِفْهامٌ في مَعْنى الإنْكارِ وتَسَلُّطُ الإنْكارِ عَلى اتِّخاذِ البَناتِ مَعَ عَدَمِ تَقَدُّمِ ذِكْرِ البَناتِ لِكَوْنِ المَعْلُومِ مِن جَعْلِ المُشْرِكِينَ لِلَّهِ جُزْءًا أنَّ المَجْعُولَ جُزْءًا لَهُ هو المَلائِكَةُ وأنَّهم يَجْعَلُونَ المَلائِكَةَ إناثًا، فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن كَلامِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وأصْفاكم بِالبَنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.
والنَّفْيُ الحاصِلُ مِن الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُنْصَبٌّ إلى قَيْدِ الحالِ، فَحَصَلَ
صفحة ١٧٩
إبْطالُ اتِّخاذِ اللَّهِ البَناتِ بِدَلِيلَيْنِ، لِأنَّ إعْطاءَهُمُ البَنِينَ واقِعٌ فَنَفْيُ اقْتِرانِهِ بِاتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ البَناتِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ اتِّخاذِهِ البَناتِ فالمَقْصُودُ اقْتِرانُ الإنْكارِ بِهَذا القَيْدِ.
وبِهَذا يَتَّضِحُ أنَّ الواوَ في جُمْلَةِ (وأصْفاكم) لَيْسَتْ واوَ العَطْفِ لِأنَّ إنْكارَ أنْ يَكُونَ أصْفاهم بِالبَنِينِ لا يَقْتَضِي نَفْيَ الأوْلادِ الذُّكُورِ عَنِ اللَّهِ تَعالى.
والخِطابُ في (وأصْفاكم) مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا، وفِيهِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِيَكُونَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ أوْقَعَ عَلَيْهِمْ لِمُواجَهَتِهِمْ بِهِ.
وتَنْكِيرُ (بَناتٍ) لِأنَّ التَّنْكِيرَ هو الأصْلُ في أسْماءِ الأجْناسِ. وأمّا تَعْرِيفُ البَنِينَ بِاللّامِ فَهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُتَقَدَّمُ في قَوْلِهِ: (الحَمْدُ لِلَّهِ) في سُورَةِ الفاتِحَةِ. والمَقْصُودُ مِنهُ هُنا الإشارَةُ إلى المَعْرُوفِ عِنْدَهُمُ المُتَنافَسِ في وُجُودِهِ لَدَيْهِمْ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] في سُورَةِ الشُّورى.
وتَقْدِيمُ البَناتِ في الذِّكْرِ عَلى البَنِينَ لِأنَّ ذِكْرَهُنَّ أهَمُّ هُنا إذْ هو الغَرَضُ المَسُوقُ لَهُ الكَلامُ بِخِلافِ مَقامِ قَوْلِهِ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ [الإسراء: ٤٠] في سُورَةِ الإسْراءِ. ولِما في التَّقْدِيمِ مِنَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في تَحْقِيرِهِمُ البَناتِ وتَطَيُّرِهِمْ مِنهُنَّ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّورى.
والإصْفاءُ: إعْطاءُ الصَّفْوَةِ، وهي الخِيارُ مِن شَيْءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ [الإسراء: ٤٠]، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (أحَدُهم) فَعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِيَكُونُوا مَحْكِيًّا حالَهم إلى غَيْرِهِمْ تَعْجِيبًا مِن فَسادِ مَقالَتِهِمْ وتَشْنِيعًا بِها إذْ نَسَبُوا لِلَّهِ بَناتٍ دُونَ الذُّكُورِ وهو نَقْصٌ، وكانُوا مِمَّنْ يَكْرَهُ البَناتِ ويُحَقِّرُهُنَّ فَنِسْبَتُها إلى اللَّهِ مُفْضٍ إلى الِاسْتِخْفافِ بِجانِبِ الإلَهِيَّةِ.
والمَعْنى: أتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ اللَّهُ وأصْفاكم بِالبَنِينَ في حالِ أنَّكم إذا بُشِّرَ أحَدُكم بِما ضَرَبَهُ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا.
صفحة ١٨٠
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: ١٨] .
واسْتِعْمالُ البِشارَةِ هُنا تَهَكُّمٌ بِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] لِأنَّ البِشارَةَ إعْلامٌ بِحُصُولِ أمْرٍ مُسَرٍّ.
و(ما) في قَوْلِهِ: ﴿بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ مَوْصُولَةٌ، أيْ بُشِّرَ بِالجِنْسِ الَّذِي ضَرَبَهُ، أيْ جَعَلَهُ مَثَلًا وشَبَهًا لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، وإذْ جَعَلُوا جِنْسَ الأُنْثى جُزْءًا لِلَّهِ، أيْ مُنْفَصِلًا مِنهُ فالمُبَشَّرُ بِهِ جِنْسُ الأُنْثى، والجِنْسُ لا يَتَعَيَّنُ. فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ: بُشِّرَ بِمِثْلِ ما ضَرَبَهُ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا.
والمَثَلُ: الشَّبِيهُ.
والضَّرْبُ: الجَعْلُ والصُّنْعُ، ومِنهُ ضَرْبُ الدِّينارِ، وقَوْلُهم: ضَرْبَةُ لازِبٍ، فَماصَدَقُ ﴿ما ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ هو الإناثُ.
ومَعْنى (ظَلَّ) هُنا: صارَ، فَإنَّ الأفْعالَ النّاقِصَةَ الخَمْسَةَ المُفْتَتَحَ بِها بابُ الأفْعالِ النّاقِصَةِ، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى صارَ.
واسْوِدادُ الوَجْهِ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْظِ إذْ يَصْعَدُ الدَّمُ إلى الوَجْهِ فَتَصِيرُ حُمْرَتُهُ إلى سَوادٍ، والمَعْنى: تَغَيَّظَ.
والكَظِيمُ: المُمْسِكُ، أيْ عَنِ الكَلامِ كَرْبًا وحُزْنًا.
الزخرف 43:18
﴿أوَمَن يَنْشَؤُا في الحِلْيَةِ وهْوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾
عَطْفُ إنْكارٍ عَلى إنْكارٍ، والواوُ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ وهي مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدْرَ؛ وأصْلُ التَّرْتِيبِ: وأمَن يُنَشَّأُ. وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ مَعْطُوفَةٌ عَلى الإنْكارِ المُقَدَّرِ بَعْدَ (أمْ) في قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزخرف: ١٦]، ولِذَلِكَ يَكُونُ مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (اتَّخَذَ)
صفحة ١٨١
فِي قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] . والتَّقْدِيرُ: أاتَّخَذَ مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ إلَخْ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (بَناتٌ) بَدَلًا مُطابِقًا وأُبْرِزَ العامِلُ في البَدَلِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ لا سِيَّما وهو قَدْ حُذِفَ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ.
وإذْ كانَ الإنْكارُ إنَّما يَتَسَلَّطُ عَلى حُكْمِ الخَبَرِ كانَ مُوجِبُ الإنْكارِ الثّانِي مُغايِرًا لِمُوجِبِ الإنْكارِ الأوَّلِ وإنْ كانَ المَوْصُوفُ بِما لِلْوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ تَعَلَّقَ بِهِما الإنْكارُ مَوْصُوفًا واحِدًا وهو الأُنْثى.
ونَشْءُ الشَّيْءِ في حالَةٍ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ وجُودِهِ مُقارِنًا لِتِلْكَ الحالَةِ فَتَكُونَ لِلشَّيْءِ بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ. ولِذَلِكَ اجْتُلِبَ حَرْفُ (في) الدّالَّةِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وإنَّما هي مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى المُصاحَبَةِ والمُلابَسَةِ فَمَعْنى (مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ) مَن تُجْعَلُ لَهُ الحِلْيَةُ مَن أوَّلِ أوْقاتِ كَوْنِهِ ولا تُفارِقُهُ، فَإنَّ البِنْتَ تُتَّخَذُ لَها الحِلْيَةُ مِن أوَّلِ عُمُرِها وتُسْتَصْحَبُ في سائِرِ أطْوارِها، وحَسْبُكَ أنَّها شُقَّتْ طَرَفا أُذُنَيْها لِتُجْعَلَ لَها فِيهِما الأقْراطُ بِخِلافِ الصَّبِيِّ فَلا يُحَلّى بِمِثْلِ ذَلِكَ وما يُسْتَدامُ لَهُ.
والنَّشْءُ في الحِلْيَةِ كِنايَةٌ عَنِ الضَّعْفِ عَنْ مُزاوَلَةِ الصِّعابِ بِحَسَبِ المُلازَمَةِ العُرْفِيَّةِ فِيهِ. والمَعْنى: أنْ لا فائِدَةَ في اتِّخاذِ اللَّهِ بَناتٍ لا غَناءَ لَهُنَّ فَلا يَحْصُلُ لَهُ بِاتِّخاذِها زِيادَةُ عِزَّةٍ، بِناءً عَلى مُتَعارَفِهِمْ، فَهَذا احْتِجاجٌ إقْناعِيٌّ خِطابِيٌّ.
والخِصامُ ظاهِرُهُ: المُجادَلَةُ والمُنازَعَةُ بِالكَلامِ والمُحاجَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّ المَرْأةَ لا تَبْلُغُ المَقْدِرَةَ عَلى إبانَةِ حُجَّتِها. وعَنْ قَتادَةَ: ما تَكَلَّمَتِ امْرَأةٌ ولَها حُجَّةٌ إلّا جَعَلَتْها عَلى نَفْسِها، وعَنْهُ: مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ هُنَّ الجَوارِي، يُسَفِّهُهُنَّ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَرَجَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ.
والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّهُنَّ غَيْرُ قَوادِرَ عَلى الِانْتِصارِ بِالقَوْلِ فَبِالأوْلى لا يَقْدِرْنَ عَلى ما هو أشَدُّ مِن ذَلِكَ في الحَرْبِ، أيْ فَلا جَدْوى لِاتِّخاذِهِنَّ أوْلادًا.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُحْمَلَ الخِصامُ عَلى التَّقاتُلِ والدِّفاعِ بِاليَدِ فَإنَّ الخَصْمَ يُطْلَقُ عَلى المُحارِبِ، قالَ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩] فُسِّرَ بِأنَّهم نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مَعَ نَفَرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ تَقاتَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ١٨٢
فَمَعْنى (﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾) غَيْرُ مُحَقِّقِ النَّصْرِ. قالَ بَعْضُ العَرَبِ وقَدْ بُشِّرَ بِوِلادَةِ بِنْتٍ: واللَّهِ ما هي بِنِعْمَ الوَلَدِ؛ بَزُّها بُكاءٌ ونَصْرُها سَرِقَةٌ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا فَضْحُ مُعْتَقَدِهِمُ الباطِلِ وأنَّهم لا يُحْسِنُونَ إعْمالَ الفِكْرِ في مُعْتَقَداتِهِمْ وإلّا لَكانُوا حِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ بُنُوَّةً أنْ لا يَجْعَلُوا لَهُ بُنُوَّةَ الإناثِ وهم يَعُدُّونَ الإناثَ مَكْرُوهاتٍ مُسْتَضْعَفاتٍ.
وتَذْكِيرُ ضَمِيرِ (﴿وهُوَ في الخِصامِ﴾) مُراعاةً لِلَفْظِ (مَن) المَوْصُولَةِ.
والحِلْيَةُ: اسْمٌ لِما يُتَحَلّى بِهِ، أيْ يُتَزَيَّنُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُون مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَنْشَأُ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ النُّونِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يُنَشَّأُ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ النُّونِ وتَشْدِيدِ الشِّينِ ومَعْناهُ: يُعَوِّدُهُ عَلى النَّشْأةِ في الحِلْيَةِ ويُرَبّى.
الزخرف 43:19
﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِنْدَ الرَّحْمَنِ إناثًا أاشْهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْئَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]) أُعِيدَ ذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] لِيُبْنى عَلَيْهِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ بَقَوْلِهِ: (﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾) اسْتِقْراءً لِإبْطالِ مَقالِهِمْ إذْ أُبْطِلَ ابْتِداءً بِمُخالَفَتِهِ لِدَلِيلِ العَقْلِ وبِمُخالَفَتِهِ لِما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الكَمالِ، فَكَمُلَ هُنا إبْطالُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِدَلِيلِ الحِسِّ.
وجُمْلَةُ (﴿الَّذِينَ هم عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾) صِفَةُ المَلائِكَةِ.
قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (عِنْدَ) بِعَيْنٍ فَنُونٍ ودالٍ مَفْتُوحَةٍ والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ، أيِ الَّذِينَ هم مَعْدُودُونَ في حَضْرَةِ القُدْسِ المُقَدَّسَةِ بِتَقْدِيسِ اللَّهِ فَهم يَتَلَقَّوْنَ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ بِدُونِ وساطَةٍ وهم دائِبُونَ عَلى عِبادَتِهِ، فَكَأنَّهم في حَضْرَةِ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩]
صفحة ١٨٣
وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «تَحاجَّ آدَمُ ومُوسى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» الحَدِيثَ، فالعِنْدِيَّةُ مَجازٌ والقَرِينَةُ هي شَأْنُ مَن أُضِيفَتْ إلَيْهِ (عِنْدَ) .
وقَرَأ الباقُونَ عِبادُ الرَّحْمَنِ بِعَيْنٍ ومُوَحَّدَةٍ بَعْدَها ألْفٌ ثُمَّ دالٌ مَضْمُومَةٌ عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ، فالإضافَةُ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ تُفِيدُ تَشْرِيفَهم، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] والعُبُودِيَّةُ عُبُودِيَّةٌ خاصَّةٌ وهي عُبُودِيَّةُ القُرْبِ كَقَوْلِهِ تَعالى فَكَذَّبُوا عَبْدَنا.
وجُمْلَةُ آاشْهِدُوا خَلْقَهم مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والأُخْرى مَضْمُومَةٌ وسُكُونِ شِينِ (اشْهِدُوا) مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، وكَيْفِيَّةُ أداءِ الهَمْزَتَيْنِ يَجْرِي عَلى حُكْمِ الهَمْزَتَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. وجِيءَ بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ دُونَ صِيغَةِ الفاعِلِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْلُومٌ أنَّهُ اللَّهُ تَعالى لِأنَّ العالَمَ العُلْوِيَّ الَّذِي كانَ فِيهِ خَلْقُ المَلائِكَةِ لا يَحْضُرُهُ إلّا مَن أمَرَ اللَّهُ بِحُضُورِهِ؛ ألا تَرى إلى ما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن قَوْلِ كُلِّ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِبابٍ مِن أبْوابِ السَّماواتِ لِجِبْرِيلَ حِينَ يَسْتَفْتِحُ «مَن أنْتَ ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قالَ: ومَن مَعَكَ ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: مَرْحَبًا ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ وفَتَحَ لَهُ» .
والمَعْنى: أأشْهَدَهُمُ اللَّهُ خَلْقَ المَلائِكَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] .
وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَشِينٍ مَفْتُوحَةٍ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فالهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ (شَهِدَ)، أيْ ما حَضَرُوا خَلْقَ المَلائِكَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] .
وجُمْلَةُ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أأُشْهِدُوا خَلْقَهم لِأنَّ
صفحة ١٨٤
ذَلِكَ الإنْكارَ يَشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ. وهَذا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَعُّدِ. وكِتابَةُ الشَّهادَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ عَلى كَذِبِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى سَنَكْتُبُ ما قالُوا. والسِّينُ في سَنَكْتُبُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ.
والمُرادُ بِشَهادَتِهِمْ: ادِّعاؤُهم أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وأطْلَقَ عَلَيْها شَهادَةً تَهَكُّمًا بِهِمْ.
والسُّؤالُ سُؤالُ تَهْدِيدٍ وإنْذارٍ بِالعِقابِ ولَيْسَ مِمّا يُتَطَلَّبُ عَنْهُ جَوابٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
لَذاكَ أهْيَبُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولٌ
أيْ مَسْئُولٌ عَمّا سَبَقَ مِنكَ مِنَ التَّكْذِيبِ الَّذِي هو مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ.
الزخرف 43:20
﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، فَإنَّها اسْتِدْلالٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غَيْرُ أهْلٍ لِأنْ تُعْبَدَ. فَحُكِيَ هُنا ما اسْتَظْهَرُوهُ مِن مَعاذِيرِهِمْ عِنْدَ نُهُوضِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ يَرُومُونَ بِها إفْحامَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا الأصْنامَ، أيْ لَوْ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أنْ نَعْبُدَها لَكانَ اللَّهُ صَرَفَنا عَنْ أنْ نَعْبُدَها، وتَوَهَّمُوا أنَّ هَذا قاطِعٌ لِجِدالِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم لِأنَّهم سَمِعُوا مِن دِينِهِ أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في الحَوادِثِ فَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ المُرادِ مِنهُ. فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ما عَبَدْناهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ ومِن ذِكْرِ فِعْلِ العِبادَةِ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهُمُ الغالِبُ، وأقْوامٌ مِنهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ؛ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١] .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كانَ نَفَرٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ الجِنَّ، وأقْوامٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ مِثْلَ بَنِي مُلَيْحٍ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وبِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ. فَضَمِيرُ جَمْعِ
صفحة ١٨٥
المُذَكِّرِ تَغْلِيبٌ ولَيْسَ عائِدًا إلى المَلائِكَةِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ المَلائِكَةَ إناثًا فَلَوْ أرادُوا المَلائِكَةَ لَقالُوا: ما عَبَدْناها أوْ: ما عَبَدْناهُنَّ.
وهَذا هو الوَجْهُ في مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ مُعادَ الضَّمِيرِ (المَلائِكَةَ) ولَعَلَّهم حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ عَقِبَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ: إنَّهم إناثٌ ولَيْسَ اقْتِرانُ كَلامٍ بِكَلامٍ بِمُوجِبٍ اتِّحادَ مَحْمَلَيْهِما. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَرَجَ صاحِبُ الكَشّافِ وهو بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْظِ لِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ كَما عَلِمْتَ، ومِنَ الواقِعِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَعْبُدْ مِنهُمُ المَلائِكَةَ إلّا طَوائِفُ قَلِيلَةٌ عَبَدُوا الجِنَّ والمَلائِكَةَ مَعَ الأصْنامِ ولَيْسَتْ هي الدِّيانَةَ العامَّةَ لِلْعَرَبِ. وهَذِهِ المَقالَةُ مَثارُها تَخْلِيطُ العامَّةِ والدَّهْماءِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ المَشِيئَةِ والإرادَةِ. وبَيْنَ الرِّضا والمَحَبَّةِ، فالعَرَبُ كانُوا يَقُولُونَ: شاءَ اللَّهُ وإنْ شاءَ اللَّهُ، وقالَ طَرَفَةُ:
فَلَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ عاصِمٍ ولَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ
فَبَنَوْا عَلى ذَلِكَ تَخْلِيطًا بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِمَعْنى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِوُقُوعِ شَيْءٍ، وبَيْنَ مَشِيئَتِهِ الَّتِي قَدَّرَها في نِظامِ العالَمِ مِن إناطَةِ المُسَبَّباتِ بِأسْبابِها، واتِّصالِ الآثارِ بِمُؤَثِّراتِها الَّتِي رَتَّبَها اللَّهُ بِقَدَرٍ حِينَ كَوَّنَ العالَمَ ونَظَّمَهُ وأقامَ لَهُ سُنَنًا ونَوامِيسَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَدارِها إلّا إذا أرادَ اللَّهُ قَلْبَ نُظُمِها لِحِكْمَةٍ أُخْرى.
فَمَشِيئَةُ اللَّهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلَيْها ما أقامَهُ مِن نِظامِ أحْوالِ العالَمِ وأهْلِهِ. ومَشِيئَتُهُ بِالمَعْنى الثّانِي تَدُلُّ عَلَيْها شَرائِعُهُ المَبْعُوثَةُ بِها رُسُلُهُ.
وهَذا التَّخْلِيطُ بَيْنَ المَشِيئَتَيْنِ هو مَثارُ خَبْطِ أهْلِ الضَّلالاتِ مِنَ الأُمَمِ، ومَثارُ حَيْرَةِ أهْلِ الجَهالَةِ والقُصُورِ مِنَ المُسْلِمِينَ في مَعْنى القَضاءِ والقَدَرِ ومَعْنى التَّكْلِيفِ والخِطابِ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وهَذا القَوْلُ الصّادِرُ مِنهم يُنْتَظَرُ مِنهُ قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ أنْ يُقالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما
صفحة ١٨٦
عَبَدْنا الأصْنامَ، بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في شُئُونِنا وُشُئُونِ الخَلائِقِ، لَكِنّا عَبَدْنا الأصْنامَ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ فَقَدْ شاءَ اللَّهُ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ.
وقَدْ أُجِيبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم مُسْتَنَدٌ ولا حُجَّةٌ عَلى قِياسِهِمْ لِأنَّ مُقَدَّمَ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ وهو: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ - مَبْنِيٌّ عَلى التِباسِ المَشِيئَةِ التَّكْوِينِيَّةِ بِالمَشِيئَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَكانَ قِياسُهم خَلِيًّا عَنِ العِلْمِ وهو اليَقِينُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ بَقَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ بَلْ هو مِن جَهالَةِ السَّفْسَطَةِ واللَّبْسِ.
والإشارَةُ إلى الكَلامِ المَحْكِيِّ بَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ.
والخَرْصُ: التَّوَهُّمُ والظَّنُّ الَّذِي لا حُجَّةَ فِيهِ؛ قالَ تَعالى: قُتِلَ الخَرّاصُونَ.
الزخرف 43:21
﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ: ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ. فَبَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم مُسْتَنِدًا إلى حُجَّةِ العَقْلِ، انْتَقَلَ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلى حُجَّةِ النَّقْلِ عَنْ إخْبارِ العالِمِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ الَّتِي هي مِن شُئُونِهِ.
واجْتَلَبَ لِلْإضْرابِ حَرْفَ (أمْ) دُونَ (بَلْ) لِما تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) مِنِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها، وهو إنْكارِيٌّ. والمَعْنى: وما آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ. وضَمِيرُ (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في أوَّلِ السُّورَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . وفي هَذا ثَناءٌ ثالِثٌ عَلى القُرْآنِ ضِمْنِيٌّ لِاقْتِضائِهِ أنَّ القُرْآنَ لا يَأْتِي إلّا بِالحَقِّ الَّذِي يُسْتَمْسَكُ بِهِ.
وهَذا تَمْهِيدٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] .
و(مِن) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى (قَبْلَ) . والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (قَبْلَ) ضَمِيرُ
صفحة ١٨٧
القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّهُ ظاهِرٌ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ: (كِتابًا) .
و(مُسْتَمْسِكُونَ) مُبالَغَةٌ في مُمْسِكُونَ؛ يُقالُ: أمْسَكَ بِالشَّيْءِ: إذا شَدَّ عَلَيْهِ يَدَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في مَعْنى الثَّباتِ عَلى الشَّيْءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣] .
الزخرف 43:22
﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ هَذا إضْرابُ إبْطالٍ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] فَهو إبْطالٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ؛ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ فِيما قالُوهُ ولا نَقْلٌ. فَكانَ هَذا الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ الذَّمِّ لَهم إذْ لَمْ يُقارِنُوا بَيْنَ ما جاءَهم بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ ما تَلَقَّوْهُ مِن آبائِهِمْ فَإنَّ شَأْنَ العاقِلِ أنْ يُمَيِّزَ ما يُلْقى إلَيْهِ مِن الِاخْتِلافِ ويَعْرِضَهُ عَلى مِعْيارِ الحَقِّ.
والأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى المِلَّةِ والدِّينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ
أيْ ذُو دِينٍ.
و(عَلى) اسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ لِلْمُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ.
وقَوْلُهُ: (﴿عَلى آثارِهِمْ﴾) خَبَرُ (إنَّ) . و(مُهْتَدُونَ) خَبَرٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿عَلى آثارِهِمْ﴾) مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْتَدُونَ) بِتَضْمِينِ (مُهْتَدُونَ) مَعْنى (سائِرُونَ) أيْ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ إلّا تَقْلِيدُ آبائِهِمْ، وذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ عِنْدَ المُحاجَّةِ إذْ لا حُجَّةَ لَهم غَيْرُ ذَلِكَ.
وجَعَلُوا اتِّباعَهم إيّاهُمُ اهْتِداءً لِشِدَّةِ غُرُورِهِمْ بِأحْوالِ آبائِهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَأمَّلُونَ في مُصادَمَةِ أحْوالِهِمْ لِلْحَقِّ.
الزخرف 43:23
صفحة ١٨٨
﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَمَسُّكِ المُشْرِكِينَ بِدِينِ آبائِهِمْ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِمْ: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، أيْ ومِثْلُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ قالَ المُتْرَفُونَ مِن أهْلِ القُرى المُرْسَلُ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ مِن قَبْلِكَ.
والواوُ لِلْعَطْفِ أوْ لِلِاعْتِراضِ (وما الواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ في الحَقِيقَةِ إلّا تَعْطِفُ الجُمْلَةَ المُعْتَرِضَةَ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفًا لَفْظِيًّا) .
والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الضَّلالِ مِنَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، قَدِ اسْتَوَوْا فِيهِ كَما اسْتَوَوْا في مُثارِهِ وهو النَّظَرُ القاصِرُ المُخْطِئُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، أيْ بَلْ هُمُ اشْتَرَكُوا في سَبَبِهِ الباعِثِ عَلَيْهِ وهو الطُّغْيانُ.
ويَتَضَمَّنُ هَذا تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ، بِأنَّ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ لَقُوا مِثْلَ ما لَقِيَ.
وكافُ التَّشْبِيهِ مُتَعَلِّقٌ بَقَوْلِهِ: (﴿قالَ مُتْرَفُوها﴾) وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُشابَهَةِ والتَّشْوِيقِ لِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.
وجُمْلَةُ: إلّا قالَ مُتْرَفُوها. في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مِن أحْوالٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ ما أرْسَلْنا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالِ قَوْلٍ قالَهُ مُتْرَفُوها: إنّا وجَدْنا آباءَنا إلَخْ.
والمُتْرَفُونَ: جَمْعُ المُتْرَفِ وهو الَّذِي أُعْطِيَ التَّرَفَ، أيِ النِّعْمَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والمَعْنى: أنَّهم مِثْلُ قُرَيْشٍ في الِازْدِهاءِ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هم فِيها، أيْ في بَطَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي أنَّهم مِثْلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ في سَبَبِ الِازْدِهاءِ وهو ما هم
صفحة ١٨٩
فِيهِ مِن نِعْمَةٍ حَتّى نَسُوا احْتِياجَهم إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .
وقَدْ جاءَ في حِكايَةِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ الحاضِرِينَ وصْفُهم أنْفُسَهم بِأنَّهم مُهْتَدُونَ بِآثارِ آبائِهِمْ، وجاءَ في حِكايَةِ أقْوالِ السّابِقَيْنِ وصْفُهم أنْفُسَهم بِأنَّهم بِآبائِهِمْ مُقْتَدُونَ، لِأنَّ أقْوالَ السّابِقَيْنِ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجْمَعُ مُخْتَلِفَها أنَّها اقْتِداءٌ بِآبائِهِمْ، فَحِكايَةُ أقْوالِهِمْ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى، وحِكايَةُ القَوْلِ بِالمَعْنى طَرِيقَةٌ في حِكايَةِ الأقْوالِ كَثُرَ وُرُودُها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ.
الزخرف 43:24
﴿قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (قُلْ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ لِمُفْرَدٍ فَيَكُونُ أمْرًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] .
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (قالَ) بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ المُسْنَدِ إلى المُفْرَدِ الغائِبِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى نَذِيرِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . فَحَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ أجابُوا أقْوامَهم بِهَذا الجَوابِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ جاءَ فِعْلُ (قُلْ) أوْ (قالَ) مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ واقِعٌ في مَجالِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (جِئْتُكم) بِضَمِيرِ تاءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (جِئْناكم) بِنُونِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وأبُو جَعْفَرٍ مِنَ الَّذِينَ قَرَأُوا (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (جِئْناكم) عائِدًا لِلنَّبِيءِ ﷺ المُخاطَبِ بِفِعْلِ (قُلْ) لِتَعْظِيمِهِ ﷺ مِن جانِبِ رَبِّهِ تَعالى الَّذِي خاطَبَهُ بَقَوْلِهِ: (قُلْ) .
والواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ) عاطِفَةٌ الكَلامَ المَأْمُورَ بِهِ عَلى كَلامِهِمْ، وهَذا العَطْفُ مِمّا يُسَمّى عَطْفَ التَّلْقِينِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] .
صفحة ١٩٠
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَشُوبِ بِالإنْكارِ. وقُدِّمَتْ عَلى الواوِ لِأجْلِ التَّصْدِيرِ.
و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ، و(لَوْ) الوَصْلِيَّةُ تَقْتَضِي المُبالَغَةَ بِنِهايَةِ مَدْلُولِ شَرْطِها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في آلِ عِمْرانَ، أيْ لَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِن دِينِ آبائِكم تَبْقَوْنَ عَلى دِينِ آبائِكم وتَتْرُكُونَ ما هو أهْدى.
والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرُهم عَلى ذَلِكَ لِاسْتِدْعائِهِمْ إلى النَّظَرِ فِيما اتَّبَعُوا فِيهِ آباءَهم لَعَلَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ أهْدى مِنهم.
وصَوْغُ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنَ الهَدْيِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ لَهم لِيَتَدَبَّرُوا، نَزَّلَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مَنزِلَةَ ما فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الهُدى اسْتِنْزالًا لِطائِرِ المُخاطَبِينَ لِيَتَصَدَّوْا لِلنَّظَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] .
* * *
﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، لِأنَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى: لا نَتَّبِعُكم ونَتْرُكُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وضَمِيرُ (قالُوا) راجِعٌ إلى (مُتْرَفُوها) لِأنَّ مَوْقِعَ جُمْلَةِ (﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٥]) يُعَيِّنُ أنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ وقَعَ الِانْتِقامُ مِنهم فَلا يَكُونُ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ وقَعَ تَهْدِيدُهم بِأُولَئِكَ.
وقَوْلُهم: ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ، فَإطْلاقُهُمُ اسْمَ الإرْسالِ عَلى دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ تَهَكُّمٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى وإنَّما قالُوا إنّا بِما زَعَمْتُمْ أنَّكم مُرْسَلُونَ بِهِ، وما أُرْسِلُوا بِهِ تَوْحِيدُ الإلَهِ.
الزخرف 43:25
﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤]، أيِ انْتَقَمْنا مِنهم عَقِبَ
صفحة ١٩١
تَصْرِيحِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ. وهَذا تَهْدِيدٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الَّذِينَ شابَهُوهم في مَقالِهِمْ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.
والِانْتِقامُ افْتِعالٌ مِنَ النَّقْمِ وهو المُكافَأةُ بِالسُّوءِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ، يُقالُ: نَقِمَ كَعَلِمَ وضَرَبَ: إذا كافَأ عَلى السُّوءِ بِسُوءٍ، وفي مَثَلٍ: هو كالأرْقَمِ إنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ وإنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ. الأرْقَمُ: ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ يَعْتَقِدُ العَرَبُ أنَّهُ مِنَ الجِنِّ فَإنْ تَرَكَهُ المَرْءُ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ فَيَلْسَعُهُ ويَقْتُلُهُ وإنْ قَتَلَهُ المَرْءُ انْتَقَمَ بِتَأْثِيرِهِ فَأماتَ قاتِلَهُ، وهَذا مِن أوْهامِ العَرَبِ.
والمُرادُ بِالِانْتِقامِ اسْتِئْصالُهم وانْقِراضُهم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
ولِذَلِكَ فالنَّظَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ نَظَرُ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ فِيما قَصَّ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أخْبارِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] في سُورَةِ النَّمْلِ، ولَيْسَ نَظَرَ البَصَرِ؛ إذْ لَمْ يَرَ النَّبِيءُ حالَةَ الِانْتِقامِ فِيهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ.
و(كَيْفَ) اسْتِفْهامٌ عَنِ الحالَةِ وهو قَدْ عَلَّقَ فِعْلَ النَّظَرِ عَنْ مَفْعُولِهِ.
الزخرف 43:26
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ وشَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ ساقَ لَهم أمْثالًا في ذَلِكَ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ مِنها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ.
وابْتَدَأ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، بِأنَّ أوْلى آبائِهِمْ بِأنْ يَقْتَدُوا بِهِ هو أبُوهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِنِسْبَتِهِ إبْراهِيمُ.
صفحة ١٩٢
وجُمْلَةُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى عُمُومِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾، وهو عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَعْنى: واذْكُرْ زَمانَ قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ قَوْلًا صَرِيحًا في التَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.
وخُصَّ أبُو إبْراهِيمَ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ قَوْمِهِ وما هو إلّا واحِدٌ مِنهُمُ اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِأنَّ بَراءَةَ إبْراهِيمَ مِمّا يَعْبُدُ أبُوهُ أدَلُّ عَلى تَجَنُّبِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِحَيْثُ لا يُتَسامَحُ فِيها ولَوْ كانَ الَّذِي يَعْبُدُها أقْرَبَ النّاسِ إلى مُوَحِّدِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ مِثْلَ الأبِ، ولِتَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ قُدْوَةً لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] أيْ فَما كانَ لَكم أنْ تَقْتَدُوا بِآبائِكُمُ المُشْرِكِينَ وهَلّا اقْتَدَيْتُمْ بِأفْضَلِ آبائِكم وهو إبْراهِيمُ.
والبَراءُ بِفَتْحِ الباءِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الفَعالِ مِثْلُ الظَّماءِ والسَّماعِ، يُخْبَرُ بِهِ ويُوصَفُ بِهِ في لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ وهي ما فَوْقَ نَجْدٍ إلى أرْضِ تِهامَةَ مِمّا وراءَ مَكَّةَ وأمّا أهْلُ نَجْدٍ فَيَقُولُونَ بَرِيءٌ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِي فَطَرَنِي اسْتِثْناءٌ مِن (ما تَعْبُدُونَ) و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ. وقَدْ بَسَطْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] .
وفَرَّعَ عَلى هَذا قَوْلَهُ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنى: إنَّنِي اهْتَدَيْتُ إلى بُطْلانِ عِبادَتِكُمُ الأصْنامَ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ١٩٣
وسِينُ الِاسْتِقْبالِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ أخْبَرَهم بِأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ إيّاهُ قَدْ تَمَكَّنَتْ وتَسْتَمِرُّ في المُسْتَقْبَلِ، ويُفْهَمُ أنَّها حاصِلَةٌ الآنَ بِفَحْوى الخِطابِ.
وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ أبِيهِ وقَوْمِهِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ الآنَ عَلى هُدًى، فَهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ سَيَكُونُ عَلى هُدًى في المُسْتَقْبَلِ.
الزخرف 43:27
﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ وشَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ ساقَ لَهم أمْثالًا في ذَلِكَ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ مِنها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ.
وابْتَدَأ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، بِأنَّ أوْلى آبائِهِمْ بِأنْ يَقْتَدُوا بِهِ هو أبُوهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِنِسْبَتِهِ إبْراهِيمُ.
صفحة ١٩٢
وجُمْلَةُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى عُمُومِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾، وهو عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.
و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمَعْنى: واذْكُرْ زَمانَ قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ قَوْلًا صَرِيحًا في التَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.
وخُصَّ أبُو إبْراهِيمَ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ قَوْمِهِ وما هو إلّا واحِدٌ مِنهُمُ اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِأنَّ بَراءَةَ إبْراهِيمَ مِمّا يَعْبُدُ أبُوهُ أدَلُّ عَلى تَجَنُّبِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِحَيْثُ لا يُتَسامَحُ فِيها ولَوْ كانَ الَّذِي يَعْبُدُها أقْرَبَ النّاسِ إلى مُوَحِّدِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ مِثْلَ الأبِ، ولِتَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ قُدْوَةً لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] أيْ فَما كانَ لَكم أنْ تَقْتَدُوا بِآبائِكُمُ المُشْرِكِينَ وهَلّا اقْتَدَيْتُمْ بِأفْضَلِ آبائِكم وهو إبْراهِيمُ.
والبَراءُ بِفَتْحِ الباءِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الفَعالِ مِثْلُ الظَّماءِ والسَّماعِ، يُخْبَرُ بِهِ ويُوصَفُ بِهِ في لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ وهي ما فَوْقَ نَجْدٍ إلى أرْضِ تِهامَةَ مِمّا وراءَ مَكَّةَ وأمّا أهْلُ نَجْدٍ فَيَقُولُونَ بَرِيءٌ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِي فَطَرَنِي اسْتِثْناءٌ مِن (ما تَعْبُدُونَ) و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ. وقَدْ بَسَطْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] .
وفَرَّعَ عَلى هَذا قَوْلَهُ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنى: إنَّنِي اهْتَدَيْتُ إلى بُطْلانِ عِبادَتِكُمُ الأصْنامَ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ.
صفحة ١٩٣
وسِينُ الِاسْتِقْبالِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ أخْبَرَهم بِأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ إيّاهُ قَدْ تَمَكَّنَتْ وتَسْتَمِرُّ في المُسْتَقْبَلِ، ويُفْهَمُ أنَّها حاصِلَةٌ الآنَ بِفَحْوى الخِطابِ.
وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ أبِيهِ وقَوْمِهِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ الآنَ عَلى هُدًى، فَهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ سَيَكُونُ عَلى هُدًى في المُسْتَقْبَلِ.
الزخرف 43:28
﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَطَفَ عَلى إذْ قالَ إبْراهِيمُ أيْ أعْلَنَ تِلْكَ المَقالَةَ في قَوْمِهِ مُعاصِرِيهِ وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَنْقُلُونَها إلى مُعاصِرِيهِمْ مِنَ الأُمَمِ. إذْ أوْصى بِها بَنِيهِ وأنْ يُوصُوا بَنِيهِمْ بِها، قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ”﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] ﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]“، فَبِتِلْكَ الوَصِيَّةِ أبْقى إبْراهِيمُ تَوْحِيدَ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ والعِبادَةِ في عَقِبِهِ يَبُثُّونَهُ في النّاسِ. ولِذَلِكَ قالَ يُوسُفُ لِصاحِبَيْهِ في السَّجْنِ ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وقالَ لَهُما ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] .
فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في جَعَلَها عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وهو الظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والمُناسِبُ لِقَوْلِهِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يوسف: ٦٢] ولِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمِ اسْمُ الجَلالَةِ لِيَعُودَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ جَعَلَها.
وحَكى في الكَشّافِ أنَّهُ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اللَّهِ وجَزَمَ بِهِ القُرْطُبِيُّ وهو ظاهِرُ كَلامِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ وجَعَلَها عائِدٌ إلى الكَلامِ المُتَقَدِّمِ. وأُنِّثَ الضَّمِيرُ لِتَأْوِيلِ الكَلامِ بِالكَلِمَةِ نَظَرًا لِوُقُوعِ مَفْعُولِهِ الثّانِي لَفْظَ كَلِمَةٍ لِأنَّ الكَلامَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، أيْ
صفحة ١٩٤
قَوْلُ الكافِرِ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . وقالَ تَعالى ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] وهي قَوْلُهُمُ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا وقَدْ قالَ تَعالى (﴿وأوْصى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: ١٣٢])، أيْ بِقَوْلِهِ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] فَأعادَ عَلَيْها ضَمِيرَ التَّأْنِيثِ عَلى تَأْوِيلِ (الكَلِمَةِ) .
واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يُقالُ لِلْكَلامِ كَلِمَةٌ إذا كانَ كَلامًا سائِرًا عَلى الألْسِنَةِ مُتَمَثَّلًا بِهِ، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»، أوْ كانَ الكَلامُ مَجْعُولًا شِعارًا كَقَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةُ الإسْلامِ وقالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٧٤] .
فالمَعْنى: جَعَلَ إبْراهِيمُ قَوْلَهُ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] شِعارًا لِعَقِبِهِ، أيْ جَعَلَها هي وما يُرادِفُها قَوْلًا باقِيًا في عَقِبِهِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ فَلا يَخْلُو عَقِبُ إبْراهِيمَ مِن مُوَحِّدِينَ لِلَّهِ نابِذِينَ لِلْأصْنامِ.
وأشْعَرَ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ بِأنَّ هاتِهِ الكَلِمَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بَيْنَ عَقِبِ إبْراهِيمَ دُونَ أنْ تَعُمَّ العَقِبَ، فَإنْ أُرِيدَ بِالعَقِبِ مَجْمُوعُ أعْقابِهِ فَإنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لَمْ تَنْقَطِعْ مِنَ اليَهُودِ وانْقَطَعَتْ مِنَ العَرَبِ بَعْدَ أنْ تَقَلَّدُوا عِبادَةَ الأصْنامِ إلّا مَن تَهَوَّدَ مِنهم أوْ تَنَصَّرَ، وإنْ أُرِيدَ مِن كُلِّ عَقِبٍ فَإنَّ العَرَبَ لَمْ يَخْلُوا مِن قائِمٍ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مِثْلَ المُتَنَصِّرِينَ مِنهم كالقَبائِلِ المُتَنَصِّرَةِ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، ومِثْلَ المُتَحَنِّفِينَ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ. وذَلِكَ أنَّ (في) تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ كَما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ وقالَ سَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو الفَقْعَسِيُّ مِنَ الحَماسَةِ:
ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ الَّذِينَ لا يَنْفَصِلُونَ مِن أصْلِهِمْ بِأُنْثى، أيْ جَعَلَ إبْراهِيمُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ باقِيَةً في عَقِبِهِ بِالوِصايَةِ عَلَيْها راجِيًا أنَّهم يَرْجِعُونَ، أيْ يَتَذَكَّرُونَ بِها التَّوْحِيدَ إذا رانَ رَيْنٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوِ اسْتَحْسَنُوا عِبادَةَ الأصْنامِ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَهْتَدُونَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ حِينَ يَضِيقُ الزَّمانُ عَنْ بَسْطِ الحُجَّةِ. وهَذا شَأْنُ الكَلامِ الَّذِي يُجْعَلُ شِعارًا لِشَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ أصْلًا مَوْضُوعًا قَدْ تَبَيَّنَ
صفحة ١٩٥
صِدْقُهُ وإصابَتُهُ، فاسْتِحْضارُهُ يُغْنِي عَنْ إعادَةِ بَسْطِ الحُجَّةِ لَهُ.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾“ لِأنَّ جَعْلَهُ كَلِمَةَ ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] باقِيَةً في عَقِبِهِ، أرادَ مِنها مَصالِحَ لِعَقِبِهِ مِنها أنَّهُ رَجا بِذَلِكَ أنْ يَرْجِعُوا إلى نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ إنْ فُتِنُوا بِعِبادَتِها أوْ يَتَذَكَّرُوا بِها الإقْلاعَ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ إنْ عَبَدُوها، فَمَعْنى الرُّجُوعِ، العَوْدُ إلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الكَلِمَةُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٨]، أيْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنْ كُفْرِهِمْ.
فَحَرْفُ (لَعَلَّ) لِإنْشاءِ الرَّجاءِ، والرَّجاءُ هَنا رَجاءُ إبْراهِيمَ لا مَحالَةَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى قَوْلٍ صادِرٍ مِن إبْراهِيمَ بِإنْشاءِ رَجائِهِ، بِأنْ يُقَدَّرَ: قالَ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، أوْ قائِلًا: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ.
والرُّجُوعُ مُسْتَعارٌ إلى تَغْيِيرِ اعْتِقادٍ طارِئٍ بِاعْتِقادٍ سابِقٍ، شَبَّهَ تَرْكَ الِاعْتِقادِ الطّارِئِ والأخْذَ بِالِاعْتِقادِ السّابِقِ بِرُجُوعِ المُسافِرِ إلى وطَنِهِ أوْ رُجُوعِ السّاعِي إلى بَيْتِهِ.
والمَعْنى: يَرْجِعُ كُلُّ مَن حادَ عَنْها إلَيْها، وهَذا رَجاؤُهُ قَدْ تَحَقَّقَ في بَعْضِ عَقِبِهِ ولَمْ يَتَحَقَّقْ في بَعْضٍ كَما قالَ تَعالى ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيِ المُشْرِكِينَ. ولَعَلَّ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِ رَجاءُ إبْراهِيمَ عَمُودُ نَسَبِ النَّبِيءِ ﷺ وإنَّما كانُوا يَكْتُمُونَ دِينَهم تَقِيَّةً مِن قَوْمِهِمْ، وقَدْ بَسَطْتُ القَوْلَ في هَذا المَعْنى وفي أحْوالِ أهْلِ الفَتْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ في رِسالَةِ طَهارَةِ النَّسَبِ النَّبَوِيِّ مِنَ النَّقائِصِ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ كانَتْ غَيْرَ مَجْهُولَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَتَّجِهُ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى العِلْمِ بِوُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ كانَتْ بالِغَةً لِأكْثَرِ الأُمَمِ بِما تَناقَلُوهُ مِن أقْوالِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ، ومِن تِلْكَ الأُمَمِ العَرَبُ، فَيَتَّجِهُ مُؤاخَذَةُ المُشْرِكِينَ عَلى الإشْراكِ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهم أهْمَلُوا النَّظَرَ فِيما هو شائِعٌ بَيْنَهم أوْ تَغافَلُوا عَنْهُ أوْ أعْرَضُوا. فَيَكُونُ أهْلُ الفَتْرَةِ مُؤاخَذِينَ عَلى نَبْذِ
صفحة ١٩٦
التَّوْحِيدِ في الدُّنْيا ومُعاقَبِينَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما ورَدَ في صِحاحِ الآثارِ مِن تَعْذِيبِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي سَنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ وما رُوِيَ أنَّ امْرَأ القَيْسِ حامِلُ لِواءِ الشُّعَراءِ إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وهَذا الَّذِي يُناسِبُ أنْ يَكُونَ نَظَرَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالشَّرْعِ لا بِالعَقْلِ وهو المَشْهُورُ عَنِ الأشْعَرِيِّ، والَّذِينَ يَقُولُونَ مِنهم إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الفَتْرَةِ مُخَلَّدُونَ في النّارِ عَلى الشِّرْكِ.
وأمّا الَّذِينَ قالُوا بِأنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ عَقْلًا وهو قَوْلُ جَمِيعِ الماتُرِيدِيَّةِ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ فَلا إشْكالَ عَلى قَوْلِهِمْ.
الزخرف 43:29
﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِ ”﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨]“، وهو إضْرابُ إبْطالٍ، أيْ لَمْ يَحْصُلْ ما رَجاهُ إبْراهِيمُ مِن رُجُوعِ بَعْضِ عَقِبِهِ إلى الكَلِمَةِ الَّتِي أوْصاهم بِرَعْيِها. فَإنَّ أقْدَمَ أُمَّةٍ مِن عَقِبِهِ لَمْ يَرْجِعُوا إلى كَلِمَتِهِ، وهَؤُلاءِ هُمُ العَرَبُ الَّذِينَ أشْرَكُوا وعَبَدُوا الأصْنامَ.
وبَعْدَ (بَلْ) كَلامٌ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الإبْطالُ وما بَعْدَ الإبْطالِ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: بَلْ لَمْ يَرْجِعْ هَؤُلاءِ وآباؤُهُمُ الأوَّلُونَ إلى التَّوْحِيدِ ولَمْ يَتَبَرَّأُوا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ولا أخَذُوا بِوِصايَةِ إبْراهِيمَ.
وجُمْلَةُ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ يَسْألُ عَمّا عامَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ جَزاءً عَلى تَفْرِيطِهِمْ في وِصايَةِ إبْراهِيمَ وهَلّا اسْتَأْصَلَهم. كَما قالَ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٥]، فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ مَتَّعَهم بِالبَقاءِ إلى أنْ يَجِيئَهم رَسُولٌ بِالحَقِّ وذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها اللَّهُ يَرْتَبِطُ بِها وُجُودُ العَرَبِ زَمَنًا طَوِيلًا بِدُونِ رَسُولٍ، وتَأخُّرُ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلى الإبّانِ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ.
وبِهَذا الِاسْتِئْنافِ حَصَلَ التَّخَلُّصُ إلى ما بَدا مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ
صفحة ١٩٧
ﷺ مِن فَظِيعِ تَوَغُّلِهِمْ في الإعْراضِ عَنِ التَّوْحِيدِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أبُوهم فَكانَ مُوقِعُ (بَلْ) في هَذِهِ الآيَةِ أبْلَغَ مِن مَوْقِعِها في قَوْلِ لَبِيدٍ:
بَلْ ما تَذَكَّرُ مِن نَوارَ وقَدْ نَأتْ وتَقَطَّعَتْ أسْبابُها ورِمامُها
إذْ كانَ انْتِقالُهُ اقْتِضابًا وكانَ هُنا تَخَلُّصًا حَسَنًا.
وهَؤُلاءِ إشارَةٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ أنَّ مُصْطَلَحَ القُرْآنِ أنْ يُرِيدَ بِمِثْلِهِ مُشْرِكِي العَرَبِ، ولَمْ أرَ مَنِ اهْتَدى لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، وقَدْ قَدَّمْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وفي مَواضِعَ أُخْرى.
والمُرادُ بِآبائِهِمْ آباؤُهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا عِبادَةَ الأصْنامِ مِثْلُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ والَّذِينَ عَبَدُوها مِن بَعْدِهِ. وتَمْتِيعُ آبائِهِمْ تَمْهِيدٌ لِتَمْتِيعِ هَؤُلاءِ، ولِذَلِكَ كانَتْ غايَةُ التَّمْتِيعِ مَجِيءَ الرَّسُولِ فَإنَّ مَجِيئَهُ لِهَؤُلاءِ.
والتَّمْتِيعُ هُنا التَّمْتِيعُ بِالإمْهالِ وعَدَمِ الِاسْتِئْصالِ كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الغايَةُ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ .
والمُرادُ بِـ ”الحَقِّ“ القُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠] وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وهَذِهِ الآيَةُ ثَناءٌ راجِعٌ عَلى القُرْآنِ مُتَّصِلٌ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ.
فَإنَّهُ لَمّا جاءَ القُرْآنُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ انْتَهى التَّمْتِيعُ وأُخِذُوا بِالعَذابِ تَدْرِيجًا إلى أنْ كانَ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ ويَوْمِ حُنَيْنٍ، وهَدى اللَّهِ لِلْإسْلامِ مَن بَقِيَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وأيّامَ الوُفُودِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] في سُورَةِ هُودٍ.
والحَقُّ الَّذِي جاءَهم هو: القُرْآنُ، والرَّسُولُ المُبِينُ: مُحَمَّدٌ ﷺ . ووَصْفُهُ بِـ ”مُبِينٍ“ لِأنَّهُ أوْضَحَ الهُدى ونَصَبَ الأدِلَّةَ وجاءَ بِأفْصَحِ كَلامٍ. فالإبانَةُ راجِعَةٌ إلى مَعانِي دِينِهِ وألْفاظِ كِتابِهِ.
والحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُشَرِّفَ هَذا الفَرِيقَ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ بِالِانْتِشالِ
صفحة ١٩٨
مِن أوْحالِ الشِّرْكِ والضَّلالِ إلى مَناهِجِ الإيمانِ والإسْلامِ واتِّباعِ أفْضَلِ الرُّسُلِ وأفْضَلِ الشَّرائِعِ، فَيَجْبُرَ لِأُمَّةٍ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ ما فَرَّطُوا فِيهِ مِنَ الِاقْتِداءِ بِأبِيهِمْ حَتّى يَكْمُلَ لِدَعْوَتِهِ شَرَفُ الِاسْتِجابَةِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا زِيادَةُ الإمْهالِ لَهم لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ كَما قالَ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧] .
ويَسْتَرْوِحُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قَوْلِهِ وآباءَهم أنَّ آباءَ النَّبِيءِ ﷺ في عَمُودِ نَسَبِهِ لَمْ يَكُونُوا مُضْمِرِينَ الشِّرْكَ وأنَّهم بَعْضٌ مِن عَقِبِ إبْراهِيمَ الَّذِينَ بَقِيَتْ كَلِمَتُهُ فِيهِمْ ولَمْ يَجْهَرُوا بِمُخالَفَةِ قَوْمِهِمُ اتِّقاءَ الفِتْنَةِ. ولا عَجَبَ في ذَلِكَ فَإنَّ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ إنَّما وجَبَ بِالشَّرْعِ ولَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ شَرْعٌ.
الزخرف 43:30
﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾
تَعْجِيبٌ مِن حالِ تَغافُلِهِمْ، أيْ قَدْ كانَ لَهم بَعْضُ العُذْرِ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ؛ لِأنَّ لِلْغَفَلاتِ المُتَقادِمَةِ غِشاوَةً تُصَيِّرُ الغَفْلَةُ جَهالَةً، فَكانَ الشَّأْنُ أنْ يَسْتَيْقِظُوا لَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ فَيَتَذَكَّرُوا كَلِمَةَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ، ولَكِنَّهم لَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا: هَذا سِحْرٌ، أيْ قالُوا لِلرَّسُولِ: هَذا ساحِرٌ، فازْدادُوا رَيْنًا عَلى رَيْنٍ.
فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ لا في إفادَةِ صُدُورِ هَذا القَوْلِ مِنهم لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ لَهم ولِلْمُسْلِمِينَ.
صفحة ١٩٩
وفِي تَعْقِيبِ الغايَةِ بِهَذا الكَلامِ إيذانٌ بِأنَّ تَمْتِيعَهم أصْبَحَ عَلى وشْكِ الِانْتِهاءِ.
فَجُمْلَةُ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ﴾ [الزخرف: ٢٩] فَإنَّ (لَمّا) تَوْقِيتِيَّةٌ فَهي في قُوَّةِ (حَتّى) الغائِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وآباءَهم، فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ عَقِبَ ذَلِكَ التَّمْتِيعِ لَمْ يَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ، أيْ كانُوا قَبْلَ مَجِيءِ الحَقِّ مُشْرِكِينَ عَنْ غَفْلَةٍ وتَساهُلٍ، فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ صارُوا مُشْرِكِينَ عَنْ عِنادٍ ومُكابَرَةٍ.
وجُمْلَةُ وإنّا بِهِ كافِرُونَ مَقُولٌ ثانٍ، أيْ قالُوا: هَذا سِحْرٌ فَلا نَلْتَفِتُ إلَيْهِ وقالُوا إنّا بِهِ، أيْ بِالقُرْآنِ، كافِرُونَ، أيْ سَواءَ كانَ سِحْرًا أمْ غَيْرَهُ، أيْ فَرَضُوا أنَّهُ سِحْرٌ ثُمَّ ارْتَقَوْا فَقالُوا إنّا بِهِ كافِرُونَ، أيْ كافِرُونَ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سَواءً كانَ سِحْرًا، أمْ شِعْرًا، أمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ. ولِهَذا المَعْنى أكَّدُوا الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِيُؤْيِسُوا الرَّسُولَ ﷺ مِن إيمانِهِمْ بِهِ.
الزخرف 43:31
﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ”﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠]“ فَهو في حَيِّزِ جَوابِ (لَمّا) التَّوْقِيتِيَّةِ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْجِيبِ أيْضًا، أيْ بَعْدَ أنْ أخَذُوا يَتَعَلَّلُونَ بِالعِلَلِ لِإنْكارِ الحَقِّ إذْ قالُوا لِلْقُرْآنِ: هَذا سِحْرٌ، وإذْ كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الَّذِي جاءَ بِالقُرْآنِ ساحِرٌ انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ طَعْنٍ آخَرَ مِنهم في الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن عُظَماءِ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ.
و(لَوْلا) أصْلُهُ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، اسْتُعْمِلَ هُنا في مَعْنى إبْطالِ كَوْنِهِ رَسُولًا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ المُلازِمَةِ لِأنَّ التَّحْضِيضَ عَلى تَحْصِيلٍ ما هو مَقْطُوعٌ بِانْتِفاءِ حُصُولِهِ يَسْتَلْزِمُ الجَزْمَ بِانْتِفائِهِ.
والقَرْيَتانِ هُما: مَكَّةُ والطّائِفُ لِأنَّهُما أكْبَرُ قُرى تِهامَةَ بَلَدِ القائِلِينَ وأمّا يَثْرِبُ وتَيْماءُ ونَحْوَهُما فَهي مِن بَلَدِ الحِجازِ.
صفحة ٢٠٠
فالتَّعْرِيفُ في القَرْيَتَيْنِ لِلْعَهْدِ، جَعَلُوا عِمادَ التَّأهُّلِ لِسِيادَةِ الأقْوامِ أمْرَيْنِ: عَظَمَةُ المُسَوَّدِ، وعَظَمَةُ قَرْيَتِهِ، فَهم لا يَدِينُونَ إلّا مَن هو مِن أشْهَرِ القَبائِلِ في أشْهَرِ القُرى لِأنَّ القُرى هي مَأْوى شُئُونِ القَبائِلِ وتَمْوِينِهِمْ وتِجارَتِهِمْ، والعَظِيمُ: مُسْتَعارٌ لِصاحِبِ السُّؤُودِ في قَوْمِهِ، فَكَأنَّهُ عَظِيمُ الذّاتِ.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم عَنَوْا بِعَظِيمِ مَكَّةَ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ، وبِعَظِيمِ الطّائِفِ حَبِيبَ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ. وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم عَنَوْا بِعَظِيمِ مَكَّةَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وبِعَظِيمِ الطّائِفِ كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ. وعَنْ قَتادَةَ عَنَوُا الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ.
ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم قالُوا هَذا اللَّفْظُ المَحْكِيُّ عَنْهم في القُرْآنِ ولَمْ يَسْمَعُوا شَخْصَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم سَمَّوْا شَخْصَيْنِ ووَصَفُوهُما بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فاقْتَصَرَ القُرْآنُ عَلى ذِكْرِ الوَصْفَيْنِ إيجازًا مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى ما كانُوا يُؤَهِّلُونَ بِهِ الِاخْتِيارَ لِلرِّسالَةِ تَحْمِيقًا لِرَأْيِهِمْ.
وكانَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ عَنَوْهُما ذَوَيْ مالٍ لِأنَّ سَعَةَ المالِ كانَتْ مِن مُقَوِّماتِ وصْفِ السُّؤْدَدِ كَما حُكِيَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهم ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ.
الزخرف 43:32
﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾
إنْكارٌ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَإنَّهم لَمّا نَصَّبُوا أنْفُسَهم مَنصِبَ مَن يَتَخَيَّرُ أصْنافَ النّاسِ لِلرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ، فَقَدْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ ذَلِكَ لا لِلَّهِ، فَكانَ مِن مُقْتَضى قَوْلِهِمْ أنَّ الِاصْطِفاءَ لِلرِّسالَةِ بِيَدِهِمْ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ ضَمِيرُ (هم) المَجْعُولُ مُسْنَدًا إلَيْهِ، عَلى مُسْنَدٍ فِعْلِيٍّ لِيُفِيدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ فَسَلَّطَ الإنْكارَ. عَلى هَذا الحَصْرِ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ وتَخْطِئَةً لَهم في تَحَكُّمِهِمْ.
صفحة ٢٠١
ولَمّا كانَ الِاصْطِفاءُ لِلرِّسالَةِ رَحْمَةً لِمَن يُصْطَفى لَها، ورَحْمَةً لِلنّاسِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، جَعَلَ تَحَكُّمَهم في ذَلِكَ قِسْمَةً مِنهم لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِاخْتِيارِهِمْ مَن يَخْتارُ لَها وتَعْيِينِ المُتَأهِّلِ لِإبْلاغِها إلى المَرْحُومِينِ.
ووُجِّهَ الخِطابُ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأُضِيفَ لِفَظُ (الرَّبِّ) إلى ضَمِيرِهِ إيماءً إلى أنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُهُ تَأْنِيسًا لَهُ، لِأنَّ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] قَصَدُوا مِنهُ الِاسْتِخْفافَ بِهِ، فَرَفَعَ اللَّهُ شَأْنَهُ بِإبْلاغِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ وبِإظْهارِ أنَّ اللَّهَ رَبَّهُ، أيْ مُتَوَلِّي أمْرَهُ وتَدْبِيرَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ المُسْتَفادِ مِنهُ، واسْتِدْلالٌ عَلَيْهِ، أيْ لَمّا قَسَمْنا بَيْنَ النّاسِ مَعِيشَتَهم فَكانُوا مُسَيَّرِينَ في أُمُورِهِمْ عَلى نَحْوِ ما هَيَّأْنا لَهم مِن نِظامِ الحَياةِ وكانَ تَدْبِيرُ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى بِبالِغِ حِكْمَتِهِ، فَجَعَلَ مِنهم أقْوِياءَ وضُعَفاءَ، وأغْنِياءَ ومَحاوِيجَ، فَسَخَّرَ بَعْضَهم لِبَعْضٍ في أشْغالِهِمْ عَلى حِسابِ دَواعِي حاجَةِ الحَياةِ، ورَفَعَ بِذَلِكَ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ، وجَعَلَ بَعْضَهم مُحْتاجًا إلى بَعْضٍ ومُسَخَّرًا لَهُ.
فَإذا كانُوا بِهَذِهِ المَثابَةِ في تَدْبِيرِ المَعِيشَةِ الدُّنْيا، فَكَذَلِكَ الحالُ في إقامَةِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لِلتَّبْلِيغِ فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ شُئُونِ البَشَرِ. فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.
والسُّخْرِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وبِكَسْرِها وهُما لُغَتانِ ولَمْ يُقْرَأْ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ إلّا بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ في الشّاذِّ بِكَسْرِ السِّينِ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُسَخَّرِ، أيِ المَجْبُورِ عَلى عَمَلٍ بِدُونِ اخْتِيارِهِ، واسْمٌ لِمَن يُسْخَرُ بِهِ، أيْ يُسْتَهْزَأُ بِهِ كَما في مُفْرَداتِ الرّاغِبِ والأساسِ والقامُوسِ. وقَدْ فُسِّرَ هُنا بِالمَعْنَيَيْنِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُما لُغَتانِ في مَعْنى التَّسْخِيرِ ولا تَدَخُّلَ لِمَعْنى الهُزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ غَيْرُهُ وكَلامُ الرّاغِبِ مُحْتَمَلٌ. واقْتَصَرَ الطَّبَرِيُّ عَلى مَعْنى التَّسْخِيرِ. فالوَجْهُ في ذَلِكَ أنَّ المَعْنِيَّيْنِ مُعْتَبَرانِ في هَذِهِ الآيَةِ. وإيثارُ لَفْظِ ”سُخْرِيًّا“ في الآيَةِ دُونَ غَيْرِهِ لِتَحَمُّلِهِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وهو اخْتِيارٌ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لِيَتَعَمَّلَ بَعْضُهم بَعْضًا في شُئُونِ حَياتِهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ مَدَنِيٌّ، أيْ مُحْتاجٌ إلى إعانَةِ بَعْضِهِ بَعْضًا، وعَلَيْهِ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ وقالَهُ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ والضَّحاكُ وابْنُ زَيْدٍ،
صفحة ٢٠٢
فَلامَ ”لِيَتَّخِذَ“ لامُ التَّعْلِيلِ تَعْلِيلًا لِفِعْلِ قَسَمْنا، أيْ ”قَسَمْنا“ بَيْنَهم مَعِيشَتَهم، أيْ أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ لِيَسْتَعِينَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَيَتَعارَفُوا ويَتَجَمَّعُوا لِأجْلِ حاجَةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ فَتَتَكَوَّنَ مِن ذَلِكَ القَبائِلُ والمُدُنُ.
وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ بَعْضُهم بَعْضًا عامًّا في كُلِّ بَعْضٍ مِنَ النّاسِ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا وهو مُسْتَعْمِلٌ لِغَيْرِهِ وهو مُسْتَعْمَلٌ لِغَيْرٍ آخَرَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْمًا مِنَ السُّخْرِيَةِ وهي الِاسْتِهْزاءُ. وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ ولَمْ يُعَيِّنْ قائِلَهُ وبِذَلِكَ تَكُونُ اللّامُ لِلْعاقِبَةِ مِثْلُ ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وهو عَلى هَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتُهْزَءُوا بِالمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى ”فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا“ في سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ. وقَدْ جاءَ لَفْظُ السُّخْرِيِّ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ في آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] وقَوْلُهُ ”﴿أتَّخَذْناهم سُخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ [ص: ٦٣]“ . ولَعَلَّ الَّذِي عَدَلَ بِبَعْضِ المُفَسِّرِينَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِهَذا المَعْنى اسْتِنْكارُهم أنْ يَكُونَ اتِّخاذُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مَسْخَرَةً عِلَّةً لِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى في رَفْعِهِ بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، ولَكِنَّ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ واسِعٌ في نَظائِرِهِ وأشْباهِهِ. وتَأْوِيلُ مَعْنى اللّامِ ظاهِرٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ رَدٌّ ثانٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّ المالَ الَّذِي جَعَلُوهُ عِمادَ الِاصْطِفاءِ لِلرِّسالَةِ هو أقَلُّ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ فَهي خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ المالِ الَّذِي جَعَلُوهُ سَبَبَ التَّفْضِيلِ حِينَ قالُوا ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَإنَّ المالَ شَيْءٌ جَمَعَهُ صاحِبُهُ لِنَفْسِهِ فَلا يَكُونُ مِثْلَ اصْطِفاءِ اللَّهِ العَبْدَ لِيُرْسِلَهُ إلى النّاسِ.
ورَحْمَةُ اللَّهِ: هي اصْطِفاؤُهُ عَبْدَهُ لِلرِّسالَةِ عَنْهُ إلى النّاسِ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾، والمَعْنى: إذا كانُوا غَيْرَ قاسِمِينَ أقَلَّ أحْوالِهِمْ؛ فَكَيْفَ يَقْسِمُونَ ما هو خَيْرٌ مِن أهَمِّ أُمُورِهِمْ.
الزخرف 43:33
صفحة ٢٠٣
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظُهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها.
لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِن خُلُقِهِمْ تَعْظِيمَ المالِ وأهْلِ الثَّراءِ وحُسْبانَهم ذَلِكَ أصْلَ الفَضائِلِ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِزَكاءِ النُّفُوسِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أبْطَلَ جَعْلَهُمُ المالَ سَبَبَ الفَضْلِ بِإبْطالَيْنِ، بِقَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ أنَّ المالَ والغِنى لا حَظَّ لَهُما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وجَعَلَ لِلْأشْياءِ حَقائِقَها ومَقادِيرَها فَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ لِلْكافِرِينَ ومَن لا خَلاقَ لَهم مِنَ الخَيْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المالَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ جَعَلَ لَهُ أسْبابًا نَظَمَها في سِلْكِ النُّظُمِ الِاجْتِماعِيَّةِ وجَعَلَ لَها آثارًا مُناسِبَةً لَها، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَواهِبِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ والسَّرائِرِ الطَّيِّبَةِ، فالمالُ في الغالِبِ مَصْدَرٌ لِإرْضاءِ الشَّهَواتِ ومَرْصَدٌ لِلتَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ. وأمّا مَواهِبُ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ فَمَصادِرُ لِنَفْعِ أصْحابِها ونَفْعِ الأُمَّةِ، فَفي أهْلِ الشَّرِّ أغْنِياءُ وفُقَراءُ وفي أهْلِ الخَيْرِ أمْثالُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ التَّبايُنُ بَيْنَ آثارِ كَسْبِ المالِ وأثارِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّحْقِيرِ لِلْمالِ إبْطالٌ ثالِثٌ لِما أسَّسُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
والنّاسُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ البَشَرِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِاتِّحادٍ في نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ
صفحة ٢٠٤
حالَةٍ مُعَرَّفٍ بِها فَمَعْنى أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يَحْتَمِلُ أنَّ لَوْلا أنْ يَصِيرَ البَشَرُ عَلى دِينٍ واحِدٍ وهو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، أيِ الكُفْرُ ونَبْذُ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
فالمَعْنى عَلَيْهِ: لَوْلا أنْ يَصِيرَ النّاسُ كُلُّهم كُفّارًا لَخَصَّصْنا الكافِرِينَ بِالمالِ والرَّفاهِيَةِ وتَرَكْنا المُسْلِمِينَ لِما ادَّخَرْنا لَهم مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَيَحْسَبُ ضُعَفاءُ العُقُولِ أنَّ لِلْكُفْرِ أثَرًا في حُصُولِ المالِ جَعَلَهُ اللَّهُ جَزاءً لِمَن سَمّاهم بِالكافِرِينَ فَيَتْبَعُوا دِينَ الكُفْرِ لِتَخَيُّلِهِمُ المُلازِمَةَ بَيْنَ سَعادَةِ العَيْشِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في الأجْيالِ الأوْلى أصْحابَ أوْهامٍ وأغْلاطٍ يَجْعَلُونَ لِلْمُقارَنَةِ حُكْمَ التَّسَبُّبِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: لَوْلا تَجَنُّبُ ما يُفْضِي إلى عُمُومِ الكُفْرِ وانْقِراضِ الإيمانِ، لَجَعَلْنا المالَ لِأهْلِ الكُفْرِ خاصَّةً، أيْ واللَّهُ لا يُحِبُّ انْقِراضَ الإيمانِ مِنَ النّاسِ ولَمْ يُقَدِّرِ اتِّحادَ النّاسِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] أيْ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالعِبادِ فَعَطَّلَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى اضْمِحْلالِ الهُدى مِن بَيْنِهِمْ، أيْ أبْقى بَيْنَهم بَصِيصًا مِن نُورِ الهُدى.
ويُحْتَمَلُ وهو الأوْلى عِنْدِي: أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعَهْدِ مُرادًا بِهِ بَعْضُ طَوائِفِ البَشَرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ وجُمْهُورُهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ وعَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ويَكُونُ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّحادُهم في الثَّراءِ.
والمَعْنى: لَوْلا أنْ تَصِيرَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أهْلَ ثَرْوَةٍ كُلَّهم أيْ وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنِ اشْتِمالِ كُلِّ بَلَدٍ وكُلِّ قَبِيلَةٍ وكُلِّ أُمَّةٍ عَلى أغْنِياءَ ومَحاوِيجَ لِإقامَةِ نِظامِ العُمْرانِ واحْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذا لِمالِهِ، وهَذا لِصِناعَتِهِ، وآخَرُ لِمَقْدِرَةِ بَدَنِهِ لَجَعَلْنا مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ وهم أهْلُ مَكَّةَ سَواءً في الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ يَتَلَخَّصُ مِنَ المَعْنى أنَّ الثَّراءَ والرَّفاهِيَةَ لا يُقِيمُ المُدَبِّرُ الحَكِيمُ لَهُما وزْنًا فَلا يُمْسِكُهُما عَنِ النّاكِبِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والكَمالِ، فَصارَ الكَلامُ يَقْتَضِي مُقَدَّرًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لا يَكُونُ النّاسُ سَواءً في الغِنى لِأنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ لِأنّا قَدَّرْنا في نِظامِ الكَوْنِ البِشْرِيِّ
صفحة ٢٠٥
أنْ لا تَكُونَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أوْ قَبِيلَةٌ أوْ أهَلُ بَلْدَةٍ أغْنِياءَ لَيْسَ فِيهِمْ مَحاوِيجُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى انْحِرامِ نِظامِ الِاجْتِماعِ وارْتِفاعِ احْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَيَهْلِكُ مُجْتَمَعُهم، واللَّهُ أرادَ بَقاءَهم إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ.
ويُرَجِّحُ هَذا جَعْلُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ يَكْفُرُ خُصُوصَ وصْفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أنْكَرُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وقالُوا وما الرَّحْمَنُ وقَدْ تَكَرَّرَ التَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
ومَعْنى لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ لَقَدَّرْنا في نِظامِ المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ أسْبابَ الثَّراءِ مُتَّصِلَةً بِالكُفْرِ بِاللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الكُفْرُ سَبَبًا ومَجْلَبَةً لِلْغِنى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ في عُقُولِ النّاسِ وأسالِيبِ مُعامَلاتِهِمُ المالِيَّةِ؛ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اللَّهَ مَنَعَ أسْبابَ تَعْمِيمِ الكُفْرِ في الأرْضِ لُطْفًا مِنهُ بِالإيمانِ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ كُفْرٍ جُزْئِيٍّ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ حِفْظًا مِنهُ تَعالى لِنامُوسِ تَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.
وهَذا مِن تَفارِيعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، أيْ لَجَعَلْنا لِبُيُوتِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِبُيُوتِهِمْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. وإنَّما صَرَّحَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِلتَّوْكِيدِ كَما فَعَلُوا في البَدَلِ مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ في نَحْوِ: مَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَرَنُوا البَدَلَ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ ولَمْ يَقُولُوا: مَن ذا سَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونُكْتَةُ هَذا الإبْدالِ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ ابْتِداءً بِفِعْلِ الجَعْلِ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ في هَذا المَقامِ المَقْصُودِ مِنهُ قَرْنُهُ مَعَ مَظاهِرِ الغِنى في قَرْنِ التَّحْقِيرِ، ثُمَّ يَذْكُرُ ما يَعِزُّ وُجُودُ أمْثالِهِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وإذْ قَدْ كانَ الخَبَرُ كُلُّهُ مُسْتَغْرَبًا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُنْظَمَ في أُسْلُوبِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَقْفًا بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ القافِ جَمْعُ سَقْفٍ بِفَتْحِ السِّينِ
صفحة ٢٠٦
وسُكُونِ القافِ وهو: البِناءُ المُمْتَدُّ عَلى جُدْرانِ البَيْتِ المُغَطِّي فَضاءَ البَيْتَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. وهَذا الجَمْعُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا رَهْنٌ ورُهُنٌ ولا ثالِثَ لَهُما.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ سَقْفًا بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ. والمُرادُ مِنَ المُفْرَدِ الجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ بَيْتٍ سَقْفٌ.
والزُّخْرُفُ الزِّينَةُ قالَ تَعالى ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ هُنا عَطْفًا عَلى سَقْفًا جَمْعًا لِعَدِيدِ المَحاسِنِ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّهَبِ لِأنَّ الذَّهَبَ يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]، فَيَكُونُ وزُخْرُفًا عَطْفًا عَلى سَقْفًا بِتَأْوِيلِ: لَجَعَلْنا لَهم ذَهَبًا، أيْ لَكانَتْ سُقُفُهم ومَعارِجُهم وأبْوابُهم مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ مُنَوَّعَةً لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ في تَلْوِينِها.
وابْتُدِئَ بِالفِضَّةِ لِأنَّها أكْثَرُ في التَّحَلِّياتِ وأجْمَلُ في اللَّوْنِ، وأخَّرَ الذَّهَبَ، لِأنَّهُ أنْدَرُ في الحُلِيِّ، ولِأنَّ لَفْظَهُ أسْعَدُ بِالوَقْفِ لِكَوْنِ آخِرِهِ تَنْوِينًا يَنْقَلِبُ في الوَقْفِ ألِفًا فَيُناسِبُ امْتِدادَ الصَّوْتِ وهو أفْصَحُ في الوَقْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ زُخْرُفًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ، فَلا يَرِدُ سُؤالٌ عَنْ تَخْصِيصِ السَّقْفِ والمَعارِجِ بِالفِضَّةِ.
و“ مَعارِجَ ”اسْمُ جَمْعِ مِعْراجٍ، وهو الدَّرَجُ الَّذِي يُعْرَجُ بِهِ إلى العَلالِي.
ومَعْنى“ يَظْهَرُونَ ": يَعْلُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أيْ أنْ يَتَسَوَّرُوهُ.
وسُرُرُ بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وفائِدَةُ وصْفِها بِجُمْلَةِ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهم يُعْطَوْنَ هَذِهِ البَهْرَجَةَ مَعَ اسْتِعْمالِها في دَعَةِ العَيْشِ والخُلُوِّ عَنِ التَّعَبِ.
والمُرادُ أنَّ المَعارِجَ والأبْوابَ والسُّرُرَ مِن فِضَّةٍ، فَحُذِفَ الوَصْفُ مِنَ المَعْطُوفاتِ لِدَلالَةِ ما وُصِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٠٧
وذَيَّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ السَّقْفِ والمَعارِجِ والأبْوابِ والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ مَتاعُ الدُّنْيا لا يَعُودُ عَلى مَن أُعْطِيَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وأمّا السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ فَقَدِ ادَّخَرَها اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ ولَيْسَتْ كَمَثَلِ البَهارِجِ والزِّينَةِ الزّائِدَةِ الَّتِي تُصادِفُ مُخْتَلَفَ النُّفُوسِ وتَكْثُرُ لِأهْلِ النُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ الخَسِيسَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنُ المَئابِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ فَتَكُونُ (إنْ) الَّتِي قَبْلَها مُخَفِّفَةً مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وتَكُونُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَما) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ و(إنْ) المُخَفَّفَةِ و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (لَما) بِتَشْدِيدِ المِيمِ فَهي (لَما) أُخْتُ إلّا المُخْتَصَّةِ بِالوُقُوعِ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَكُونُ (إنْ) نافِيَةً، والتَّقْدِيرُ: وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا.
الزخرف 43:34
صفحة ٢٠٣
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظُهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها.
لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِن خُلُقِهِمْ تَعْظِيمَ المالِ وأهْلِ الثَّراءِ وحُسْبانَهم ذَلِكَ أصْلَ الفَضائِلِ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِزَكاءِ النُّفُوسِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أبْطَلَ جَعْلَهُمُ المالَ سَبَبَ الفَضْلِ بِإبْطالَيْنِ، بِقَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ أنَّ المالَ والغِنى لا حَظَّ لَهُما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وجَعَلَ لِلْأشْياءِ حَقائِقَها ومَقادِيرَها فَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ لِلْكافِرِينَ ومَن لا خَلاقَ لَهم مِنَ الخَيْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المالَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ جَعَلَ لَهُ أسْبابًا نَظَمَها في سِلْكِ النُّظُمِ الِاجْتِماعِيَّةِ وجَعَلَ لَها آثارًا مُناسِبَةً لَها، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَواهِبِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ والسَّرائِرِ الطَّيِّبَةِ، فالمالُ في الغالِبِ مَصْدَرٌ لِإرْضاءِ الشَّهَواتِ ومَرْصَدٌ لِلتَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ. وأمّا مَواهِبُ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ فَمَصادِرُ لِنَفْعِ أصْحابِها ونَفْعِ الأُمَّةِ، فَفي أهْلِ الشَّرِّ أغْنِياءُ وفُقَراءُ وفي أهْلِ الخَيْرِ أمْثالُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ التَّبايُنُ بَيْنَ آثارِ كَسْبِ المالِ وأثارِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّحْقِيرِ لِلْمالِ إبْطالٌ ثالِثٌ لِما أسَّسُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
والنّاسُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ البَشَرِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِاتِّحادٍ في نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ
صفحة ٢٠٤
حالَةٍ مُعَرَّفٍ بِها فَمَعْنى أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يَحْتَمِلُ أنَّ لَوْلا أنْ يَصِيرَ البَشَرُ عَلى دِينٍ واحِدٍ وهو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، أيِ الكُفْرُ ونَبْذُ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
فالمَعْنى عَلَيْهِ: لَوْلا أنْ يَصِيرَ النّاسُ كُلُّهم كُفّارًا لَخَصَّصْنا الكافِرِينَ بِالمالِ والرَّفاهِيَةِ وتَرَكْنا المُسْلِمِينَ لِما ادَّخَرْنا لَهم مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَيَحْسَبُ ضُعَفاءُ العُقُولِ أنَّ لِلْكُفْرِ أثَرًا في حُصُولِ المالِ جَعَلَهُ اللَّهُ جَزاءً لِمَن سَمّاهم بِالكافِرِينَ فَيَتْبَعُوا دِينَ الكُفْرِ لِتَخَيُّلِهِمُ المُلازِمَةَ بَيْنَ سَعادَةِ العَيْشِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في الأجْيالِ الأوْلى أصْحابَ أوْهامٍ وأغْلاطٍ يَجْعَلُونَ لِلْمُقارَنَةِ حُكْمَ التَّسَبُّبِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: لَوْلا تَجَنُّبُ ما يُفْضِي إلى عُمُومِ الكُفْرِ وانْقِراضِ الإيمانِ، لَجَعَلْنا المالَ لِأهْلِ الكُفْرِ خاصَّةً، أيْ واللَّهُ لا يُحِبُّ انْقِراضَ الإيمانِ مِنَ النّاسِ ولَمْ يُقَدِّرِ اتِّحادَ النّاسِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] أيْ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالعِبادِ فَعَطَّلَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى اضْمِحْلالِ الهُدى مِن بَيْنِهِمْ، أيْ أبْقى بَيْنَهم بَصِيصًا مِن نُورِ الهُدى.
ويُحْتَمَلُ وهو الأوْلى عِنْدِي: أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعَهْدِ مُرادًا بِهِ بَعْضُ طَوائِفِ البَشَرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ وجُمْهُورُهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ وعَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ويَكُونُ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّحادُهم في الثَّراءِ.
والمَعْنى: لَوْلا أنْ تَصِيرَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أهْلَ ثَرْوَةٍ كُلَّهم أيْ وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنِ اشْتِمالِ كُلِّ بَلَدٍ وكُلِّ قَبِيلَةٍ وكُلِّ أُمَّةٍ عَلى أغْنِياءَ ومَحاوِيجَ لِإقامَةِ نِظامِ العُمْرانِ واحْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذا لِمالِهِ، وهَذا لِصِناعَتِهِ، وآخَرُ لِمَقْدِرَةِ بَدَنِهِ لَجَعَلْنا مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ وهم أهْلُ مَكَّةَ سَواءً في الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ يَتَلَخَّصُ مِنَ المَعْنى أنَّ الثَّراءَ والرَّفاهِيَةَ لا يُقِيمُ المُدَبِّرُ الحَكِيمُ لَهُما وزْنًا فَلا يُمْسِكُهُما عَنِ النّاكِبِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والكَمالِ، فَصارَ الكَلامُ يَقْتَضِي مُقَدَّرًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لا يَكُونُ النّاسُ سَواءً في الغِنى لِأنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ لِأنّا قَدَّرْنا في نِظامِ الكَوْنِ البِشْرِيِّ
صفحة ٢٠٥
أنْ لا تَكُونَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أوْ قَبِيلَةٌ أوْ أهَلُ بَلْدَةٍ أغْنِياءَ لَيْسَ فِيهِمْ مَحاوِيجُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى انْحِرامِ نِظامِ الِاجْتِماعِ وارْتِفاعِ احْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَيَهْلِكُ مُجْتَمَعُهم، واللَّهُ أرادَ بَقاءَهم إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ.
ويُرَجِّحُ هَذا جَعْلُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ يَكْفُرُ خُصُوصَ وصْفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أنْكَرُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وقالُوا وما الرَّحْمَنُ وقَدْ تَكَرَّرَ التَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
ومَعْنى لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ لَقَدَّرْنا في نِظامِ المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ أسْبابَ الثَّراءِ مُتَّصِلَةً بِالكُفْرِ بِاللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الكُفْرُ سَبَبًا ومَجْلَبَةً لِلْغِنى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ في عُقُولِ النّاسِ وأسالِيبِ مُعامَلاتِهِمُ المالِيَّةِ؛ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اللَّهَ مَنَعَ أسْبابَ تَعْمِيمِ الكُفْرِ في الأرْضِ لُطْفًا مِنهُ بِالإيمانِ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ كُفْرٍ جُزْئِيٍّ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ حِفْظًا مِنهُ تَعالى لِنامُوسِ تَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.
وهَذا مِن تَفارِيعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، أيْ لَجَعَلْنا لِبُيُوتِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِبُيُوتِهِمْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. وإنَّما صَرَّحَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِلتَّوْكِيدِ كَما فَعَلُوا في البَدَلِ مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ في نَحْوِ: مَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَرَنُوا البَدَلَ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ ولَمْ يَقُولُوا: مَن ذا سَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونُكْتَةُ هَذا الإبْدالِ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ ابْتِداءً بِفِعْلِ الجَعْلِ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ في هَذا المَقامِ المَقْصُودِ مِنهُ قَرْنُهُ مَعَ مَظاهِرِ الغِنى في قَرْنِ التَّحْقِيرِ، ثُمَّ يَذْكُرُ ما يَعِزُّ وُجُودُ أمْثالِهِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وإذْ قَدْ كانَ الخَبَرُ كُلُّهُ مُسْتَغْرَبًا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُنْظَمَ في أُسْلُوبِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَقْفًا بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ القافِ جَمْعُ سَقْفٍ بِفَتْحِ السِّينِ
صفحة ٢٠٦
وسُكُونِ القافِ وهو: البِناءُ المُمْتَدُّ عَلى جُدْرانِ البَيْتِ المُغَطِّي فَضاءَ البَيْتَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. وهَذا الجَمْعُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا رَهْنٌ ورُهُنٌ ولا ثالِثَ لَهُما.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ سَقْفًا بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ. والمُرادُ مِنَ المُفْرَدِ الجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ بَيْتٍ سَقْفٌ.
والزُّخْرُفُ الزِّينَةُ قالَ تَعالى ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ هُنا عَطْفًا عَلى سَقْفًا جَمْعًا لِعَدِيدِ المَحاسِنِ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّهَبِ لِأنَّ الذَّهَبَ يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]، فَيَكُونُ وزُخْرُفًا عَطْفًا عَلى سَقْفًا بِتَأْوِيلِ: لَجَعَلْنا لَهم ذَهَبًا، أيْ لَكانَتْ سُقُفُهم ومَعارِجُهم وأبْوابُهم مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ مُنَوَّعَةً لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ في تَلْوِينِها.
وابْتُدِئَ بِالفِضَّةِ لِأنَّها أكْثَرُ في التَّحَلِّياتِ وأجْمَلُ في اللَّوْنِ، وأخَّرَ الذَّهَبَ، لِأنَّهُ أنْدَرُ في الحُلِيِّ، ولِأنَّ لَفْظَهُ أسْعَدُ بِالوَقْفِ لِكَوْنِ آخِرِهِ تَنْوِينًا يَنْقَلِبُ في الوَقْفِ ألِفًا فَيُناسِبُ امْتِدادَ الصَّوْتِ وهو أفْصَحُ في الوَقْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ زُخْرُفًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ، فَلا يَرِدُ سُؤالٌ عَنْ تَخْصِيصِ السَّقْفِ والمَعارِجِ بِالفِضَّةِ.
و“ مَعارِجَ ”اسْمُ جَمْعِ مِعْراجٍ، وهو الدَّرَجُ الَّذِي يُعْرَجُ بِهِ إلى العَلالِي.
ومَعْنى“ يَظْهَرُونَ ": يَعْلُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أيْ أنْ يَتَسَوَّرُوهُ.
وسُرُرُ بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وفائِدَةُ وصْفِها بِجُمْلَةِ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهم يُعْطَوْنَ هَذِهِ البَهْرَجَةَ مَعَ اسْتِعْمالِها في دَعَةِ العَيْشِ والخُلُوِّ عَنِ التَّعَبِ.
والمُرادُ أنَّ المَعارِجَ والأبْوابَ والسُّرُرَ مِن فِضَّةٍ، فَحُذِفَ الوَصْفُ مِنَ المَعْطُوفاتِ لِدَلالَةِ ما وُصِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٠٧
وذَيَّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ السَّقْفِ والمَعارِجِ والأبْوابِ والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ مَتاعُ الدُّنْيا لا يَعُودُ عَلى مَن أُعْطِيَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وأمّا السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ فَقَدِ ادَّخَرَها اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ ولَيْسَتْ كَمَثَلِ البَهارِجِ والزِّينَةِ الزّائِدَةِ الَّتِي تُصادِفُ مُخْتَلَفَ النُّفُوسِ وتَكْثُرُ لِأهْلِ النُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ الخَسِيسَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنُ المَئابِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ فَتَكُونُ (إنْ) الَّتِي قَبْلَها مُخَفِّفَةً مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وتَكُونُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَما) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ و(إنْ) المُخَفَّفَةِ و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (لَما) بِتَشْدِيدِ المِيمِ فَهي (لَما) أُخْتُ إلّا المُخْتَصَّةِ بِالوُقُوعِ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَكُونُ (إنْ) نافِيَةً، والتَّقْدِيرُ: وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا.
الزخرف 43:35
صفحة ٢٠٣
﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظُهَرُونَ﴾ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ ﴿وزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفُ شَرْطٍ دَلَّ امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُقُوعِ شَرْطِها، فَيَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أرادَ امْتِناعَ وُقُوعِ أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أيْ أرادَ الِاحْتِرازَ مِن مَضْمُونِ شَرْطِها.
لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ مِن خُلُقِهِمْ تَعْظِيمَ المالِ وأهْلِ الثَّراءِ وحُسْبانَهم ذَلِكَ أصْلَ الفَضائِلِ ولَمْ يَهْتَمُّوا بِزَكاءِ النُّفُوسِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أبْطَلَ جَعْلَهُمُ المالَ سَبَبَ الفَضْلِ بِإبْطالَيْنِ، بِقَوْلِهِ ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقَوْلُهُ ﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ أنَّ المالَ والغِنى لا حَظَّ لَهُما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ وجَعَلَ لِلْأشْياءِ حَقائِقَها ومَقادِيرَها فَكَثِيرًا ما يَكُونُ المالُ لِلْكافِرِينَ ومَن لا خَلاقَ لَهم مِنَ الخَيْرِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المالَ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ جَعَلَ لَهُ أسْبابًا نَظَمَها في سِلْكِ النُّظُمِ الِاجْتِماعِيَّةِ وجَعَلَ لَها آثارًا مُناسِبَةً لَها، وشَتّانَ بَيْنَها وبَيْنَ مَواهِبِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ والسَّرائِرِ الطَّيِّبَةِ، فالمالُ في الغالِبِ مَصْدَرٌ لِإرْضاءِ الشَّهَواتِ ومَرْصَدٌ لِلتَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ. وأمّا مَواهِبُ النُّفُوسِ الطَّيِّبَةِ فَمَصادِرُ لِنَفْعِ أصْحابِها ونَفْعِ الأُمَّةِ، فَفي أهْلِ الشَّرِّ أغْنِياءُ وفُقَراءُ وفي أهْلِ الخَيْرِ أمْثالُ ذَلِكَ، فَظَهَرَ التَّبايُنُ بَيْنَ آثارِ كَسْبِ المالِ وأثارِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ.
ويَحْصُلُ مِن هَذا التَّحْقِيرِ لِلْمالِ إبْطالٌ ثالِثٌ لِما أسَّسُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ورَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
والنّاسُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَيَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ جَمِيعُ البَشَرِ، والأُمَّةُ: الجَماعَةُ مِنَ البَشَرِ المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِاتِّحادٍ في نَسَبٍ أوْ دِينٍ أوْ
صفحة ٢٠٤
حالَةٍ مُعَرَّفٍ بِها فَمَعْنى أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يَحْتَمِلُ أنَّ لَوْلا أنْ يَصِيرَ البَشَرُ عَلى دِينٍ واحِدٍ وهو الغالِبُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، أيِ الكُفْرُ ونَبْذُ الفِكْرَةِ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
فالمَعْنى عَلَيْهِ: لَوْلا أنْ يَصِيرَ النّاسُ كُلُّهم كُفّارًا لَخَصَّصْنا الكافِرِينَ بِالمالِ والرَّفاهِيَةِ وتَرَكْنا المُسْلِمِينَ لِما ادَّخَرْنا لَهم مِن خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَيَحْسَبُ ضُعَفاءُ العُقُولِ أنَّ لِلْكُفْرِ أثَرًا في حُصُولِ المالِ جَعَلَهُ اللَّهُ جَزاءً لِمَن سَمّاهم بِالكافِرِينَ فَيَتْبَعُوا دِينَ الكُفْرِ لِتَخَيُّلِهِمُ المُلازِمَةَ بَيْنَ سَعادَةِ العَيْشِ وبَيْنَ الكُفْرِ، وقَدْ كانَ النّاسُ في الأجْيالِ الأوْلى أصْحابَ أوْهامٍ وأغْلاطٍ يَجْعَلُونَ لِلْمُقارَنَةِ حُكْمَ التَّسَبُّبِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى: لَوْلا تَجَنُّبُ ما يُفْضِي إلى عُمُومِ الكُفْرِ وانْقِراضِ الإيمانِ، لَجَعَلْنا المالَ لِأهْلِ الكُفْرِ خاصَّةً، أيْ واللَّهُ لا يُحِبُّ انْقِراضَ الإيمانِ مِنَ النّاسِ ولَمْ يُقَدِّرِ اتِّحادَ النّاسِ عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] أيْ أنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالعِبادِ فَعَطَّلَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى اضْمِحْلالِ الهُدى مِن بَيْنِهِمْ، أيْ أبْقى بَيْنَهم بَصِيصًا مِن نُورِ الهُدى.
ويُحْتَمَلُ وهو الأوْلى عِنْدِي: أنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ في النّاسِ لِلْعَهْدِ مُرادًا بِهِ بَعْضُ طَوائِفِ البَشَرِ وهم أهْلُ مَكَّةَ وجُمْهُورُهم عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ وعَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ويَكُونُ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّحادُهم في الثَّراءِ.
والمَعْنى: لَوْلا أنْ تَصِيرَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أهْلَ ثَرْوَةٍ كُلَّهم أيْ وذَلِكَ مُخالِفٌ لِما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنِ اشْتِمالِ كُلِّ بَلَدٍ وكُلِّ قَبِيلَةٍ وكُلِّ أُمَّةٍ عَلى أغْنِياءَ ومَحاوِيجَ لِإقامَةِ نِظامِ العُمْرانِ واحْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، هَذا لِمالِهِ، وهَذا لِصِناعَتِهِ، وآخَرُ لِمَقْدِرَةِ بَدَنِهِ لَجَعَلْنا مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ وهم أهْلُ مَكَّةَ سَواءً في الثَّراءِ والرَّفاهِيَةِ. وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ يَتَلَخَّصُ مِنَ المَعْنى أنَّ الثَّراءَ والرَّفاهِيَةَ لا يُقِيمُ المُدَبِّرُ الحَكِيمُ لَهُما وزْنًا فَلا يُمْسِكُهُما عَنِ النّاكِبِينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والكَمالِ، فَصارَ الكَلامُ يَقْتَضِي مُقَدَّرًا مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ لَكِنْ لا يَكُونُ النّاسُ سَواءً في الغِنى لِأنّا لَمْ نَجْعَلْ ذَلِكَ لِأنّا قَدَّرْنا في نِظامِ الكَوْنِ البِشْرِيِّ
صفحة ٢٠٥
أنْ لا تَكُونَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ أوْ قَبِيلَةٌ أوْ أهَلُ بَلْدَةٍ أغْنِياءَ لَيْسَ فِيهِمْ مَحاوِيجُ لِأنَّهُ يُفْضِي إلى انْحِرامِ نِظامِ الِاجْتِماعِ وارْتِفاعِ احْتِياجِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَيَهْلِكُ مُجْتَمَعُهم، واللَّهُ أرادَ بَقاءَهم إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ.
ويُرَجِّحُ هَذا جَعْلُ مُتَعَلِّقِ فِعْلِ يَكْفُرُ خُصُوصَ وصْفِ الرَّحْمَنِ فَإنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ أنْكَرُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وقالُوا وما الرَّحْمَنُ وقَدْ تَكَرَّرَ التَّوَرُّكُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في آيٍ كَثِيرَةٍ.
ومَعْنى لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ لَقَدَّرْنا في نِظامِ المُجْتَمَعِ البَشَرِيِّ أسْبابَ الثَّراءِ مُتَّصِلَةً بِالكُفْرِ بِاللَّهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الكُفْرُ سَبَبًا ومَجْلَبَةً لِلْغِنى، ولَوْ أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهَيَّأ لَهُ أسْبابَهُ في عُقُولِ النّاسِ وأسالِيبِ مُعامَلاتِهِمُ المالِيَّةِ؛ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ اللَّهَ مَنَعَ أسْبابَ تَعْمِيمِ الكُفْرِ في الأرْضِ لُطْفًا مِنهُ بِالإيمانِ وأهْلِهِ وإنْ كانَ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ كُفْرٍ جُزْئِيٍّ قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ حِفْظًا مِنهُ تَعالى لِنامُوسِ تَرْتِيبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها.
وهَذا مِن تَفارِيعِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرِّضا والإرادَةِ فَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ مِثْلُ اللّامِ في قَوْلِهِ لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، أيْ لَجَعَلْنا لِبُيُوتِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ لِبُيُوتِهِمْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِمَّنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ. وإنَّما صَرَّحَ بِتَكْرِيرِ العامِلِ لِلتَّوْكِيدِ كَما فَعَلُوا في البَدَلِ مِنَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ في نَحْوِ: مَن ذا أسَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَرَنُوا البَدَلَ بِأداةِ اسْتِفْهامٍ ولَمْ يَقُولُوا: مَن ذا سَعِيدٌ أمْ عَلِيٌّ ؟ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ونُكْتَةُ هَذا الإبْدالِ تَعْلِيقُ المَجْرُورِ ابْتِداءً بِفِعْلِ الجَعْلِ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِذِكْرِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ في هَذا المَقامِ المَقْصُودِ مِنهُ قَرْنُهُ مَعَ مَظاهِرِ الغِنى في قَرْنِ التَّحْقِيرِ، ثُمَّ يَذْكُرُ ما يَعِزُّ وُجُودُ أمْثالِهِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وإذْ قَدْ كانَ الخَبَرُ كُلُّهُ مُسْتَغْرَبًا كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُنْظَمَ في أُسْلُوبِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ سَقْفًا بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ القافِ جَمْعُ سَقْفٍ بِفَتْحِ السِّينِ
صفحة ٢٠٦
وسُكُونِ القافِ وهو: البِناءُ المُمْتَدُّ عَلى جُدْرانِ البَيْتِ المُغَطِّي فَضاءَ البَيْتَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] في سُورَةِ النَّحْلِ. وهَذا الجَمْعُ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا رَهْنٌ ورُهُنٌ ولا ثالِثَ لَهُما.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ سَقْفًا بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ القافِ عَلى الإفْرادِ. والمُرادُ مِنَ المُفْرَدِ الجِنْسُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِبُيُوتِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: لِكُلِّ بَيْتٍ سَقْفٌ.
والزُّخْرُفُ الزِّينَةُ قالَ تَعالى ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ هُنا عَطْفًا عَلى سَقْفًا جَمْعًا لِعَدِيدِ المَحاسِنِ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّهَبِ لِأنَّ الذَّهَبَ يُتَزَيَّنُ بِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]، فَيَكُونُ وزُخْرُفًا عَطْفًا عَلى سَقْفًا بِتَأْوِيلِ: لَجَعَلْنا لَهم ذَهَبًا، أيْ لَكانَتْ سُقُفُهم ومَعارِجُهم وأبْوابُهم مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ مُنَوَّعَةً لِأنَّ ذَلِكَ أبْهَجُ في تَلْوِينِها.
وابْتُدِئَ بِالفِضَّةِ لِأنَّها أكْثَرُ في التَّحَلِّياتِ وأجْمَلُ في اللَّوْنِ، وأخَّرَ الذَّهَبَ، لِأنَّهُ أنْدَرُ في الحُلِيِّ، ولِأنَّ لَفْظَهُ أسْعَدُ بِالوَقْفِ لِكَوْنِ آخِرِهِ تَنْوِينًا يَنْقَلِبُ في الوَقْفِ ألِفًا فَيُناسِبُ امْتِدادَ الصَّوْتِ وهو أفْصَحُ في الوَقْفِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ زُخْرُفًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنَيَيْهِ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ، فَلا يَرِدُ سُؤالٌ عَنْ تَخْصِيصِ السَّقْفِ والمَعارِجِ بِالفِضَّةِ.
و“ مَعارِجَ ”اسْمُ جَمْعِ مِعْراجٍ، وهو الدَّرَجُ الَّذِي يُعْرَجُ بِهِ إلى العَلالِي.
ومَعْنى“ يَظْهَرُونَ ": يَعْلُونَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧]، أيْ أنْ يَتَسَوَّرُوهُ.
وسُرُرُ بِضَمَّتَيْنِ: جَمْعُ سَرِيرٍ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤٤] في سُورَةِ الصّافّاتِ، وفائِدَةُ وصْفِها بِجُمْلَةِ عَلَيْها يَتَّكِئُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهم يُعْطَوْنَ هَذِهِ البَهْرَجَةَ مَعَ اسْتِعْمالِها في دَعَةِ العَيْشِ والخُلُوِّ عَنِ التَّعَبِ.
والمُرادُ أنَّ المَعارِجَ والأبْوابَ والسُّرُرَ مِن فِضَّةٍ، فَحُذِفَ الوَصْفُ مِنَ المَعْطُوفاتِ لِدَلالَةِ ما وُصِفَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ.
صفحة ٢٠٧
وذَيَّلَ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ كُلُّ ما ذُكِرَ مِنَ السَّقْفِ والمَعارِجِ والأبْوابِ والسُّرُرِ مِنَ الفِضَّةِ والذَّهَبِ مَتاعُ الدُّنْيا لا يَعُودُ عَلى مَن أُعْطِيَهُ بِالسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ وأمّا السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ فَقَدِ ادَّخَرَها اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ ولَيْسَتْ كَمَثَلِ البَهارِجِ والزِّينَةِ الزّائِدَةِ الَّتِي تُصادِفُ مُخْتَلَفَ النُّفُوسِ وتَكْثُرُ لِأهْلِ النُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ الخَسِيسَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنُ المَئابِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (لَما) بِتَخْفِيفِ المِيمِ فَتَكُونُ (إنْ) الَّتِي قَبْلَها مُخَفِّفَةً مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ لِلتَّوْكِيدِ وتَكُونُ اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى (لَما) اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ و(إنْ) المُخَفَّفَةِ و(ما) زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (لَما) بِتَشْدِيدِ المِيمِ فَهي (لَما) أُخْتُ إلّا المُخْتَصَّةِ بِالوُقُوعِ في سِياقِ النَّفْيِ فَتَكُونُ (إنْ) نافِيَةً، والتَّقْدِيرُ: وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا.
الزخرف 43:36
﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهْوَ لَهُ قَرِينٌ﴾
ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ووَصْفِهِ بِأنَّهُ ذِكْرٌ وبَيانٌ لِلنّاسِ، ووَصْفِ عِنادِ المُشْرِكِينَ في الصَّدِّ عَنْهُ والإعْراضِ، وأعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لا يَتْرُكُ تَذْكِيرَهم ومُحاجَّتَهم لِأنَّ اللَّهَ يَدْعُو بِالحَقِّ ويَعِدُ بِهِ.
وأطْنَبَ في وصْفِ تَناقُضِ عَقائِدِهِمْ لَعَلَّهم يَسْتَيْقِظُونَ مِن غِشاوَتِهِمْ، وفي تَنْبِيهِهِمْ إلى دَلائِلِ حَقِّيَّةِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ بِهَذا القُرْآنِ، وفُضِحَتْ شُبُهاتُهم بِأنَّهم لا تَعْوِيلَ لَهم إلّا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُمُ الأوَّلُونَ الضّالُّونَ، وأُنْذِرُوا بِاقْتِرابِ انْتِهاءِ تَمْتِيعِهِمْ وإمْهالِهِمْ، وتَقَضّى ذَلِكَ بِمَزِيدِ البَيانِ، وأفْضى الكَلامُ إلى ما قالُوهُ في القُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ”عَظِيمٍ“، وما أُلْحِقَ بِهِ مِنَ التَّكَمُّلاتِ، عادَ الكَلامُ هُنا إلى عَواقِبِ صَرْفِهِمْ عُقُولَهم
صفحة ٢٠٨
عَنِ التَّدَبُّرِ في الدَّعْوَةِ القُرْآنِيَّةِ فَكانَ انْصِرافُهم سَبَبًا لِأنْ يُسَخِّرُ اللَّهُ شَياطِينَ لَهم تُلازِمُهم فَلا تَزالُ تَصْرِفُهم عَنِ النَّظَرِ في الحَقِّ وأدِلَّةِ الرُّشْدِ. وهو تَسْخِيرٌ اقْتَضاهُ نِظامُ تَوَلُّدِ الفُرُوعِ مِن أُصُولِها، فَلا يُتَعَجَّبُ مِن عَمى بَصائِرِهِمْ عَنْ إدْراكِ الحَقِّ البَيِّنِ، وهَذا مِن سُنَّةِ الوُجُودِ في تَوَلُّدِ الأشْياءِ مِن عَناصِرِها فالضَّلالُ يَنْمِي ويَتَوَلَّدُ في النُّفُوسِ ويَتَمَكَّنُ مِنها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتّى يَصِيرَ طَبْعًا عَلى القَلْبِ وأكِنَّةً فِيهِ وخَتْمًا عَلَيْهِ ولا يَضْعُفُ عَمَلُ الشَّيْطانِ إلّا بِتَكَرُّرِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ وبِالزَّجْرِ والإنْذارِ، فَمِن زِنادِ التَّذْكِيرِ تَنْقَدِحُ شَراراتُ نُورٍ؛ فَرُبَّما أضاءَتْ فَصادَفَتْ قُوَّةَ نُورِ الحَقِّ حالَةَ وهَنِ الشَّيْطانِ فَتَتَغَلَّبُ القُوَّةُ المَلَكِيَّةُ عَلى القُوَّةِ الشَّيْطانِيَّةِ فَيُفِيقُ صاحِبُها مِن نَوْمَةِ ضَلالِهِ.
وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ”﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]“ كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما ارْعَوى ضالٌّ عَنْ ضَلالِهِ ولَما نَفَعَ إرْشادُ المُرْشِدِينَ في نُفُوسِ المُخاطَبِينَ.
فَجُمْلَةُ ”﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿ولَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ قالُوا هَذا سِحْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٠]“ الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في إظْهارِهِمْ عَدَمَ فَهْمِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِمْ ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] بِحالِ مَن يَعْشُو عَنِ الشَّيْءِ الظّاهِرِ لِلْبَصَرِ.
ويَعْشُ: مُضارِعُ عَشا كَغَزا عَشْوًا بِالواوِ، إذا نَظَرَ إلى الشَّيْءِ نَظَرًا غَيْرَ ثابِتٍ يُشْبِهُ نَظَرَ الأعْشى، وإمّا العَشا بِفَتْحِ العَيْنِ والشِّينِ فَهو اسْمُ ضَعْفِ العَيْنِ عَنْ رُؤْيَةِ الأشْياءِ، يُقالُ: عَشَيَ بِالياءِ مِثْلُ عَرَجَ إذا كانَتْ في بَصَرِهِ آفَةُ العَشا ومَصْدُرُهُ عَشىَ بِفَتْحِ العَيْنِ والقَصْرِ مِثْلُ العَرَجِ.
والفِعْلُ واوِيٌّ عَشا يَعْشُو، ويُقالُ عَشِيَ يَعْشى إذا صارَ العَشا لَهُ آفَةٌ؛ لِأنَّ أفْعالَ الأدْواءِ تَأْتِي كَثِيرًا عَلى فِعْلٍ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ مَرَضٍ.
وعَشِيَ ياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِأجْلِ كَسْرَةِ صِيغَةِ الأدْواءِ.
صفحة ٢٠٩
فَمَعْنى ومَن يَعْشُ مَن يَنْظُرُ نَظَرًا غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ في القُرْآنِ، أيْ مَن لا حَظَّ لَهُ إلّا سَماعُ كَلِماتِ القُرْآنِ دُونَ تَدَبُّرٍ وقَصْدٍ لِلِانْتِفاعِ بِمَعانِيهِ، فَشَبَّهَ سَماعَ القُرْآنِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ بِنَظَرِ النّاظِرِ دُونَ تَأمُّلٍ.
وعُدِّيَ يَعْشُ بِـ (عَنْ) المُفِيدَةِ لِلْمُجاوَزَةِ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وإلّا فَإنَّ حَقَّ عَشا أنْ يُعَدّى بِـ (إلى) كَما قالَ الحَطِيئَةُ:
مَتى تَأْتِهِ تَعْشُهُ إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ
ولا يُقالُ: عَشَوْتُ عَنِ النّارِ إلّا بِمِثْلِ التَّضْمِينِ الَّذِي في هاتِهِ الآيَةِ. فَتَفْسِيرُ مَن فَسَّرَ ”﴿يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ بِمَعْنى يُعْرِضُ: أرادَ تَحْصِيلَ المَعْنى بِاعْتِبارِ التَّعْدِيَةِ بِـ (عَنْ)، وإنْكارُ مَن أنْكَرَ وُجُودَ عَشا بِمَعْنى أعْرَضَ أرادَ إنْكارَ أنْ يَكُونَ مَعْنًى أصْلِيًّا لِفِعْلِ عَشا وظَنَّ أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالإعْراضِ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى الفِعْلِ ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلتَّعْدِيَةِ بِـ (عَنْ) فالخِلافُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لَفْظِيٌّ.
و”﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ هو القُرْآنُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥] . وإضافَتُهُ إلى الرَّحْمَنِ إضافَةُ تَشْرِيفٍ وهَذا ثَناءٌ خامِسٌ عَلى القُرْآنِ.
والتَّقْيِيضُ: الإتاحَةُ وتَهْيِئَةُ شَيْءٍ لِمُلازَمَةِ شَيْءٍ لِعَمَلٍ حَتّى يُتِمَّهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ وهو قَيَّضَ البَيْضَةَ، أيِ القِشْرَ المُحِيطَ بِما في داخِلِ البَيْضَةِ مِنَ المُحِّ لِأنَّ القَيْضَ يُلازِمُ البَيْضَةَ فَلا يُفارِقُها حَتّى يَخْرُجَ مِنها الفَرْخُ فَيَتِمَّ ما أُتِيحَ لَهُ القَيْضُ.
فَصِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلْجَعْلِ مِثْلُ طَيَّنَ الجِدارَ: ومِثْلُ أزَرَهُ، أيْ ألْبَسَهُ الإزارَ، ودَرَعُوا الجارِيَةَ، أيْ ألْبَسُوها الدِّرْعَ. وأصْلُهُ هُنا تَشْبِيهٌ أيْ نَجْعَلُهُ كالقَيْضِ لَهُ، ثُمَّ شاعَ حَتّى صارَ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ﴾ [فصلت: ٢٥] في سُورَةِ فُصِّلَتْ فَضُمَّ إلَيْهِ ما هُنا.
وأتى الضَّمِيرُ في (لَهُ) مُفْرَدًا لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِمُ الشَّرْطُ شَيْطانًا ولَيْسَ لِجَمِيعِهِمْ شَيْطانٌ واحِدٌ ولِذَلِكَ سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ [الزخرف: ٣٨] بِالإفْرادِ، أيْ قالَ كُلُّ مَن لَهُ قَرِينٌ لِقَرِينِهِ.
صفحة ٢١٠
ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ ”نُقَيِّضُ“ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ مَفْعُولِهِ وهو شَيْطانًا فَعُلِمَ مِنهُ أنَّهُ مُقَيَّضٌ لِإضْلالِهِ، أيْ هم أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ لَهم.
وفُرِّعَ عَنْ نُقَيِّضُ قَوْلُهُ فَهو لَهُ قَرِينٌ لِأنَّ النَّقِيضَ كانَ لِأجْلِ مُقارَنَتِهِ.
ومِنَ الفَوائِدِ الَّتِي جَرَتْ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ نَيْلِ الِابْتِهاجِ بِتَطْرِيزِ الدِّيباجِ في تَرْجَمَةِ الحَفِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّهِيرِ بِابْنِ مَرْزُوقٍ قالَ (قالَ صاحِبُ التَّرْجَمَةِ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ شَيْخِنا ابْنِ عَرَفَةَ أوَّلَ مَجْلِسٍ حَضَرْتُهُ فَقَرَأ ”﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾“ فَقالَ: قُرِئَ ( يَعْشُو) بِالرَّفْعِ و(نُقَيِّضْ) بِالجَزْمِ. ووَجَّهَها أبُو حَيّانَ بِكَلامٍ ما فَهِمْتُهُ. وذَكَرَ أنَّ في النُّسْخَةِ خَلَلًا وذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ الكَلامِ. فاهْتَدَيْتُ إلى تَمامِهِ وقُلْتُ: يا سَيِّدِي مَعْنى ما ذُكِرَ أنَّ جَزْمَ (نُقَيِّضْ) بِـ (مَن) المَوْصُولَةِ لِشَبَهِها بِالشَّرْطِيَّةِ لِما تَضَمَّنَها مِن مَعْنى الشَّرْطِ، وإذا كانُوا يُعامِلُونَ المَوْصُولَ الَّذِي لا يُشْبِهُ لَفْظَ الشَّرْطِ بِذَلِكَ فَما يُشْبِهُ لَفْظُهُ لَفْظَ الشَّرْطِ أوْلى بِتِلْكَ المُعامَلَةِ. فَوافَقَ وفَرِحَ لَمّا أنَّ الإنْصافَ كانَ طَبْعَهُ. وعِنْدَ ذَلِكَ أنْكَرَ عَلَيَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَجْلِسِ وطالَبُونِي بِإثْباتِ مُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ فَقُلْتُ: نَصُّهم عَلى دُخُولِ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ في نَحْوِ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَنازَعُونِي في ذَلِكَ وكُنْتُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِحِفْظِ التَّسْهِيلِ فَقُلْتُ: قالَ ابْنُ مالِكٍ فِيما يُشْبِهُ المَسْألَةَ
وقَدْ يَجْزِمُهُ مُسَبِّبٌ عَنْ صِلَةِ ∗∗∗ الَّذِي تَشْبِيهًا بِجَوابِ الشَّرْطِ
وأنْشَدْتُ مِن شَواهِدِ المَسْألَةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
كَذاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلى النّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعْ
فَجاءَ الشّاهِدُ مُوافِقًا لِلْحالِ. قالَ: وكُنْتُ في طَرَفٍ الحَلْقَةِ، فَصاحَ ابْنُ عَرَفَةَ وقالَ: يا أخِي ما بَغَيْنا، لَعَلَّكَ ابْنُ مَرْزُوقٍ ؟ فَقُلْتُ: عَبْدُكم ) انْتَهى مِنِ اغْتِنامِ الفُرْصَةِ. ا ه.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ، أيْ فَكانَ قَرِينًا مُقارَنَةً ثابِتَةً دائِمَةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَقَلْ: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا قَرِينًا لَهُ. وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى
صفحة ٢١١
مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: لَهُ قَرِينٌ لِلِاهْتِمامِ بِضَمِيرِ مَن يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ أيْ قَرِينٌ لَهُ مُقارَنَةً تامَّةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُقَيِّضْ بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ ياءَ الغائِبِ عائِدًا ضَمِيرُهُ عَلى ”الرَّحْمَنِ“ .
الزخرف 43:37
﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسِبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ فَهو لَهُ قَرِينٌ أيْ مُقارَنَةَ صَدٍّ عَنِ السَّبِيلِ.
وضَمِيرا ”إنَّهم ويَصُدُّونَ“ عائِدانِ إلى ”شَيْطانًا“ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ مِن مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ الواقِعِ جَوابَ شَرْطٍ اكْتَسَبَ العُمُومَ تَبَعًا لِعُمُومِ (مَن) في سِياقِ الشَّرْطِ فَإنَّها مِن صِيَغِ العُمُومِ؛ مِثْلُ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ عَلى خِلافٍ بَيْنَ أئِمَّةِ أُصُولِ الفِقْهِ في عُمُومِ النَّكِرَةِ الواقِعَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ ولَكِنَّهُ لا يَجْرِي هُنا لِأنَّ عُمُومَ ”شَيْطانًا“ تابِعٌ لِعُمُومِ ”مَن“ إذْ أجْزاءُ جَوابِ الشَّرْطِ تَجْرِي عَلى حُكْمِ أجْزاءِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَقَرِينَةُ عُمُومِ النَّكِرَةِ هُنا لا تَتْرُكُ مَجالًا لِلتَّرَدُّدِ فِيهِ لِأجْلِ القَرِينَةِ لا لِمُطْلَقِ وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ الشَّرْطِ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ في يَصُدُّونَهم عائِدٌ إلى (مَن) لِأنَّ (مَن) الشَّرْطِيَّةُ عامَّةٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُلُّ مَن يَعْشُو عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهم شَياطِينَ لِكُلِّ واحِدٍ شَيْطانٌ.
وضَمِيرا ”﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾“ عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ مِن يَصُدُّونَهم، أيْ ويَحْسَبُ المَصْدُودُونَ عَنِ السَّبِيلِ أنْفُسَهم مُهْتَدِينَ.
وقَدْ تَتَشابَهُ الضَّمائِرُ فَتَرُدُّ القَرِينَةُ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
صفحة ٢١٢
فَضَمِيرُ: أحْرَزُوا، لِجَمْعِ المُشْرِكِينَ، وضَمِيرُ: جَمَّعُوا، لِلْمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]“ في سُورَةِ الرُّومِ.
والتَّعْرِيفُ في السَّبِيلِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ السّابِلَةُ المُمْتَدَّةُ المُوَصِّلَةُ إلى المَطْلُوبِ.
وقَدْ مُثِّلَتْ حالَةُ الَّذِينَ يَعْشُونَ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وحالُ مُقارَنَةِ الشَّياطِينِ لَهم بِحالِ مَنِ اسْتَهْدى قَوْمًا لِيَدُلُّوهُ عَلى طَرِيقٍ مُوصِلٍ لِبُغْيَتِهِ فَضَلَّلُوهُ وصَرَفُوهُ عَنِ السَّبِيلِ وأسْلَكُوهُ في فَيافِي التِّيهِ غِشًّا وخَدِيعَةً، وهو يَحْسَبُ أنَّهُ سائِرٌ إلى حَيْثُ يَبْلُغُ طَلِبَتَهُ.
فَجُمْلَةُ ”﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”وإنَّهم“، فَهي في مَعْنى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ”فَهو“ والرّابِطُ واوُ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ويَحْسَبُ المَصْدُودُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ بِهِمْ إلى السَّبِيلِ.
والِاهْتِداءُ: العِلْمُ بِالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى المَقْصُودِ.
الزخرف 43:38
﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وهي تُفِيدُ التَّسَبُّبَ الَّذِي هو غايَةٌ مَجازِيَّةٌ. فاسْتِعْمالُ (حَتّى) فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
ولَيْسَتْ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى دَوامِ الصَّدِّ عَنِ السَّبِيلِ وحُسْبانِ الآخَرِينَ الِاهْتِداءَ إلى فَناءِ القَرِينَيْنِ، إذْ قَدْ يُؤْمِنُ الكافِرُ فَيَنْقَطِعَ الصَّدُّ والحُسْبانُ فَلا تَغْتَرَّ بِتَوَهُّمِ مَن يَزْعُمُونَ أنَّ الغايَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تُفارَقُ (حَتّى) في جَمِيعِ اسْتِعْمالاتِها.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ”جاءانا“ بِألِفِ ضَمِيرِ المُثَنّى عائِدًا عَلى مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ وقَرِينِهِ، أيْ شَيْطانِهِ، وأُفْرِدَ ضَمِيرُ ”قالَ“ لِرُجُوعِهِ إلى مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ خاصَّةً، أيْ قالَ الكافِرُ مُتَنَدِّمًا عَلى ما فَرَّطَ مِنِ اتِّباعِهِ إيّاهُ وائْتِمارِهِ بِأمْرِهِ.
صفحة ٢١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ جاءَنا بِصِيغَةِ المُفْرَدِ والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”مَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ“، أيْ قالَ أحَدُهُما وهو الَّذِي يَعْشُو. فالمَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ لِأنَّ قِراءَةَ التَّثْنِيَةِ صَرِيحَةٌ في مَجِيءِ الشَّيْطانِ مَعَ قَرِينِهِ الكافِرِ وأنَّ المُتَنَدِّمَ هو الكافِرُ، والقِراءَةُ بِالإفْرادِ مُتَضَمِّنَةٌ مَجِيءَ الشَّيْطانِ مِن قَوْلِهِ ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ إذْ عَلِمَ أنَّ شَيْطانَهُ القَرِينَ حاضِرٌ مِن خِطابِ الآخَرِ إيّاهُ بِقَوْلِهِ وبَيْنَكَ.
وحَرْفُ يا أصْلُهُ لِلنِّداءِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلتَّلَهُّفِ كَثِيرًا كَما في قَوْلِهِ يا حَسْرَةً وهو هُنا لِلتَّلَهُّفِ والتَّنَدُّمِ.
والمُشْرِقانِ: المَشْرِقُ والمَغْرِبُ، غُلِّبَ اسْمُ المَشْرِقِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ خُطُورًا بِالأذْهانِ لِتَشَوُّفِ النُّفُوسِ إلى إشْراقِ الشَّمْسِ بَعْدَ الإظْلامِ.
والمُرادُ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ: إمّا مَكانُ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها في الأُفُقِ، وإمّا الجِهَةُ مِنَ الأرْضِ الَّتِي تَبْدُو الشَّمْسُ مِنها عِنْدَ شُرُوقِها وتَغِيبُ مِنها عِنْدَ غُرُوبِها فِيما يَلُوحُ لِطائِفَةٍ مِن سُكّانِ الأرْضِ. وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهو مَثَلٌ لِشِدَّةِ البُعْدِ.
وأُضِيفَ ”بُعْدَ“ إلى المَشْرِقَيْنِ بِالتَّثْنِيَةِ بِتَقْدِيرِ: ”بَعُدَ“ لَهُما، أيْ مُخْتَصٌّ بِهِما بِتَأْوِيلِ البُعْدِ بِالتَّباعُدِ وهو إيجازٌ بَدِيعٌ حَصَلَ مِن صِيغَةِ التَّغْلِيبِ ومِنَ الإضافَةِ. ومُساواتُهُ أنْ يُقالَ بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ والمَغْرِبِ مِنَ المَشْرِقِ فَنابَتْ كَلِمَةُ المَشْرِقَيْنِ عَنْ سِتِّ كَلِماتٍ.
وقَوْلُهُ ”فَبِئْسَ القَرِينُ“ بَعْدَ أنْ تَمَنّى مُفارَقَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ ذَمًّا، فالكافِرُ يَذُمُّ شَيْطانَهُ الَّذِي كانَ قَرِينًا، ويُعَرِّضُ بِذَلِكَ لِلتَّفَصِّي مِنَ المُؤاخَذَةِ، وإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى الشَّيْطانِ الَّذِي أضَلَّهُ.
والمَقْصُودُ مِن حِكايَةِ هَذا تَفْظِيعُ عَواقِبِ هَذِهِ المُقارَنَةِ الَّتِي كانَتْ شَغَفَ المُتَقارِنِينَ، وكَذَلِكَ شَأْنُ كُلِّ مُقارَنَةٍ عَلى عَمَلٍ سَيِّءِ العاقِبَةِ، وهَذا مِن قِبَلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] .
صفحة ٢١٤
والمَقْصُودُ تَحْذِيرُ النّاسِ مِن قَرِينِ السُّوءِ وذَمِّ الشَّياطِينِ لِيَعافُهُمُ النّاسُ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .
الزخرف 43:39
﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] وأنَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ جاءَنا الدّالُّ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ حَضَرا لِلْحِسابِ وتِلْكَ الحَضْرَةُ تُؤْذِنُ بِالمُقاوَلَةِ فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمّا حَضَرا وتَبَرَّأ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ قَصْدًا لِلتَّفَصِّي مِنَ المُؤاخَذَةِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ آنِفًا فَيَقُولُ اللَّهُ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ.
والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ عَشَوْا عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ولِشَياطِينِهِمْ.
وفِي هَذا الكَلامِ إشارَةٌ إلى كَلامٍ مَطْوِيٍّ، والتَّقْدِيرُ: لا تُلْقُوا التَّبِعَةَ عَلى القُرَناءِ فَأنْتُمْ مُؤاخَذُونَ بِطاعَتِهِمْ وهم مُؤاخَذُونَ بِإضْلالِكم وأنْتُمْ مُشْتَرِكُونَ في العَذابِ ولَنْ يَنْفَعَكم أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ لِأنَّ عَذابَ فَرِيقٍ لا يُخَفِّفُ عَنْ فَرِيقٍ كَما قالَ تَعالى ﴿لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] .
ووُقُوعُ فِعْلِ يَنْفَعُكم في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الِاشْتِراكُ في العَذابِ نافِعًا بِحالٍ لِأنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنِ الشَّرِيكِ مِن عَذابِهِ. وأمّا ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِن تَسَلِّي أحَدٍ بِرُؤْيَةِ مِثْلِهِ مِمَّنْ مُنِيَ بِمُصِيبَةٍ؛ فَذَلِكَ مِن أوْهامِ البَشَرِ في الحَياةِ الدُّنْيا، ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم ذَلِكَ رَحْمَةً بِهِمْ في الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَعالَمُ الحَقائِقِ دُونَ الأوْهامِ. وفي هَذا التَّوَهُّمِ جاءَ قَوْلُ الخَنْساءِ:
ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وقَرَأ الجُمْهُورُ أنَّكم بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى جَعْلِ المَصْدَرِ فاعِلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إنَّكم بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ويَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ إذْ ظَلَمْتُمْ
صفحة ٢١٥
وفاعِلُ يَنْفَعُكم ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى التَّمَنِّي بِقَوْلِهِمْ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ، أيْ لَنْ يَنْفَعَكم تَمَنِّيكم ولا تَفَصِّيكم.
و(إذْ) أصْلُهُ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي يُضافُ هو إلَيْها ويَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى ما يُقارِبُها بِتَوَسُّعٍ أوْ إلى ما يُشابِهُها بِالمَجازِ. وهو التَّعْلِيلُ، وهي هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، شُبِّهَتْ عِلَّةُ الشَّيْءِ وسَبَبُهُ بِالظَّرْفِ في اللُّزُومِ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ مَعْنى التَّعْلِيلِ مِن مَعانِي (إذْ) ولَمْ يَنْسُبْهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ النَّحْوِ واللُّغَةِ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِنَ اليَوْمِ، وتَأوَّلَ الكَلامَ عَلى جَعْلِ فِعْلِ ”ظَلَمْتُمْ“ بِمَعْنى: تَبَيَّنَ أنَّكم ظَلَمْتُمْ، أيْ واسْتَعْمَلَ الإخْبارَ بِمَعْنى التَّبَيُّنِ، كَقَوْلِ زائِدِ بْنِ صَعْصَعَةَ الفَقْعَسِيِّ:
إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ∗∗∗ ولَمْ تَجِدِي مِن أنْ تُقِرِّي بِهِ بُدّا
أيْ تَبَيَّنَ أنْ لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: راجَعْتُ أبا عَلِيٍّ مِرارًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ الآيَةَ مُسْتَشْكِلًا إبْدالَ (إذْ) مِنَ اليَوْمِ؛ فَآخِرُ ما تَحَصَّلَ مِنهُ أنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ سَواءٌ في حُكْمِ اللَّهِ وعِلْمِهِ فَكَأنَّ اليَوْمَ ماضٍ أوْ كانَ (إذْ) مُسْتَقْبِلَةٌ ا ه. وهو جَوابٌ وهِنٌ مَدْخُولٌ.
وأقُولُ: اجْتَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ دَوالٌّ عَلى ثَلاثَةِ أزْمِنَةٍ وهي (لَنْ) لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، و”اليَوْمَ“ اسْمٌ لِزَمَنِ الحالِ، و(إذْ) اسْمٌ لِزَمَنِ المُضِيِّ، وثَلاثَتُها مَنُوطَةٌ بِفِعْلِ ”يَنْفَعَكم“ ومُقْتَضَياتُها يُنافِي بَعْضُها بَعْضًا، فالنَّفْيُ في المُسْتَقْبَلِ يُنافِي التَّقْيِيدَ بِـ ”اليَوْمَ“ الَّذِي هو لِلْحالِ، و(إذْ) يُنافِي نَفْيَ النَّفْعِ في المُسْتَقْبَلِ ويُنافِي التَّقْيِيدَ بِـ ”اليَوْمَ“ فَتَصَدّى الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ لِدَفْعِ التَّنافِي بَيْنَ مُقْتَضى (إذْ) ومُقْتَضى ”اليَوْمَ“ بِتَأْوِيلِ مَعْنى (إذْ) كَما عَلِمْتَ، ولَمْ يَتَصَدَّ هو ولا غَيْرُهُ لِدَفْعِ التَّنافِي بَيْنَ مُقْتَضى (اليَوْمَ) الدّالِّ عَلى زَمَنِ الحالِ وبَيْنَ مُقْتَضى (لَنْ) وهو حُصُولُ النَّفْيِ في الِاسْتِقْبالِ. وأنا أرى لِدَفْعِهِ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ ظَرْفًا لِلْحُكْمِ والإخْبارِ، أيْ تَقَرَّرَ اليَوْمَ انْتِفاءُ انْتِفاعِكم بِالِاشْتِراكِ في العَذابِ انْتِفاءً مُؤَبَّدًا مِنَ الآنَ، كَقَوْلِ مِقْدامٍ الدُّبَيْرِيِّ:
صفحة ٢١٦
٦٩ لَنْ يُخْلِصَ العامَ خَلِيلٌ عَشْرا ∗∗∗ ذاقَ الضِّمادَ أوْ يَزُورَ القَبْرا
وقَدْ حَصَلَ مِنِ اجْتِماعِ هَذِهِ الدَّوالِّ الثَّلاثِ في الآيَةِ طِباقٌ عَزِيزٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ مَعانٍ مُتَضادَّةٍ في الجُمْلَةِ.
الزخرف 43:40
﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] لِأنَّ ذَلِكَ أفادَ تَوَغُّلَهم في الضَّلالَةِ وعُسْرَ انْفِكاكِهِمْ عَنْها، لِأنَّ مُقارَنَةَ الشَّياطِينِ لَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّهْوِينِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ما يُلاقِيهِ مِنَ الكَدِّ والتَّحَرُّقِ عَلَيْهِمْ في تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ والغَيِّ وفِيهِ إيماءٌ إلى تَأْيِيسٍ مِنَ اهْتِداءِ أكْثَرِهِمْ.
والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ حِرْصُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى هُداهم ناجِعًا فِيهِمْ إذا كانَ اللَّهُ قَدَّرَ ضَلالَهم فَأوْجَدَ أسْبابَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، ولَمّا كانَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ في مُعاوَدَةِ دَعْوَتِهِمْ كَحالِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إيصالِ التَّذْكِيرِ إلى قُلُوبِهِمْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ فَخُوطِبَ بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى كَلامٍ فِيهِ طَرِيقُ قَصْرٍ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ مَعَ إيلاءِ الضَّمِيرِ حَرْفَ الإنْكارِ وهو قَصْرٌ مُؤَكَّدٌ وقَصْرُ قَلْبٍ، أيْ أنْتَ لا تُسْمِعُهم ولا تَهْدِيهِمْ، بَلِ اللَّهُ يُسْمِعُهم ويَهْدِيهِمْ إنْ شاءَ، وهو نَظِيرُ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .
ومِن بَدِيعِ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ وصَفَ حالَ إعْراضِهِمْ عَنِ الذَّكَرِ بِالعَشاءِ وهو النَّظَرُ الَّذِي لا يَتَبَيَّنُ شَبَحَ الشَّيْءِ المَنظُورِ إلَيْهِ ثُمَّ وصَفَهم هُنا بِالصُّمِّ العُمْيِ إشارَةً أنَّ التَّمَحُّلَ لِلضَّلالِ ومُحاوَلَةَ تَأْيِيدِهِ يَنْقَلِبُ بِصاحِبِهِ إلى أشَدِّ الضَّلالِ، لا أنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ، والأحْوالُ تَنْقَلِبُ مَلَكاتٍ. وهو مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لا يَزالُ العَبْدُ يَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» أيْ حَتّى يَحِقَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَذِبَ مَلَكَةٌ لَهُ، وإذْ قَدْ كانَ إعْراضُهُمُ انْصِرافًا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وعَنِ النَّظَرِ في الآياتِ كانَ حالُهم يُشْبِهُ حالَ الصُّمِّ العُمْيِ كَما مَهَّدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦]
صفحة ٢١٧
كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، فَظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ وصْفِهِمْ بِالعَشا وبَيْنَ ما في هَذا الِانْتِقالِ لِوَصْفِهِمْ بِالصُّمِّ العُمْيِ.
وعَطْفُ ”﴿ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾“ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِن كُلٍّ مِنَ الصُّمِّ والعُمْيِ بِاعْتِبارِ انْفِرادِهِما، وبِاعْتِبارِ أنَّ الصَّمَمَ والعَمى لَمّا كانا مَجازَيْنِ قَدْ يَكُونُ تَعَلُّقُهُما بِالمَسْمُوعِ والمُبْصَرِ جُزْئِيًّا في حالَةٍ خاصَّةٍ فَكانَ الوَصْفُ بِالكَوْنِ في الضَّلالِ المُبِينِ تَنْبِيهًا عَلى عُمُومِ الأحْوالِ وهو مَعَ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ اجْتِماعَ الصَّمَمِ والعَمى أبْيَنُ ضَلالًا.
الزخرف 43:41
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [الزخرف: ٤٠]“ إلى آخِرِها المُتَضَمِّنَةِ إيماءً إلى التَّأْسِيسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ، والصَّرِيحَةِ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شِدَّةِ الحِرْصِ في دَعْوَتِهِمْ، فَجاءَ هُنا تَحْقِيقُ وعْدٍ بِالِانْتِقامِ مِنهم، ومَعْناهُ: الوَعْدُ بِإظْهارِ الدِّينِ إنْ كانَ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، ووَعِيدُهم بِالعِقابِ في الدُّنْيا قَبْلَ عِقابِ الآخِرَةِ، فَلِأجْلِ الوَفاءِ بِهَذَيْنَ الغَرَضَيْنِ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أمْرانِ: الِانْتِقامُ مِنهم لا مَحالَةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ واقِعًا في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ. والمُفَرَّعُ هو فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ وما ذُكِرَ مَعَهُ، فَمُرادٌ مِنهُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
و(إمّا) كَلِمَتانِ مُتَّصِلَتانِ أصْلُهُما (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ و(ما) زائِدَةٌ بَعْدَ (إنْ)، وأُدْغِمَتْ نُونُ (إنْ) في المِيمِ مِن حَرْفِ (ما)، وزِيادَةُ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، ويَكْثُرُ اتِّصالُ فِعْلِ الشَّرْطِ بَعْدَ (إنِ) المَزِيدَةِ بَعْدَها (ما) بِنُونِ التَّوْكِيدِ زِيادَةً في التَّأْكِيدِ، ويَكْتُبُونَها بِهَمْزَةٍ ومِيمٍ وألِفٍ تَبَعًا لِحالَةِ النُّطْقِ بِها.
والذَّهابُ بِهِ هُنا مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّوَفِّي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾“ لِأنَّ المَوْتَ مُفارَقَةٌ لِلْأحْياءِ فالإماتَةُ كالِانْتِقالِ بِهِ، أيْ تَغْيِيبِهِ ولِذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنِ المَوْتِ بِالِانْتِقالِ. والمَعْنى: فَإمّا نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بَعْدَ وفاتِكَ.
صفحة ٢١٨
وقَدِ اسْتَعْمَلَ مُنْتَقِمُونَ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ اسْتِعْمالَ اسْمِ الفاعِلِ في الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ والقَرِينَةُ قَوْلُهُ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ.
والمُرادُ بِـ الَّذِي وعَدْناهُمُ الِانْتِقامُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى الِانْتِقامَ مِنهم بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ هي بَطْشَةُ بَدْرٍ.
وجُمْلَةُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وإنَّما صِيغَ كَذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الِانْتِقامِ ودَوامِهِ، وأمّا جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾“ فَهي دَلِيلُ جَوابِ جُمْلَةِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ المَعْطُوفَةِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ اقْتِدارَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلى إراءَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ الِانْتِقامَ مِنهم، فالجَوابُ مَحْذُوفٌ لا مَحالَةَ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. وتَقْدِيرُهُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم، وهو الِانْتِقامُ تَرَ انْتِقامًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أيْ مُتَقَدِّرُونَ الآنَ، فاسْمُ الفاعِلِ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ وهو حَقِيقَتُهُ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾“ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ يَصِيرُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الِانْتِقامَ مِنهم فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ مِنهم وعَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقَيْهِما لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ في التَّمَكُّنِ بِالِانْتِقامِ والِاقْتِدارِ عَلَيْهِمْ.
والوَعْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ، فَإنَّ الوَعْدَ إذا ذُكِرَ مَفْعُولُهُ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُهُ انْصَرَفَ لِلْخَيْرِ وأمّا الوَعِيدُ فَهو لِلشَّرِّ دائِمًا.
والِاقْتِدارُ: شِدَّةُ القُدْرَةِ، واقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ. وقَدْ غَفَلَ صاحِبُ القامُوسِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
وقَدِ اشْتَمَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ وجَواباهُما عَلى خَمْسَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي (ما) الزّائِدَةُ، ونُونُ التَّوْكِيدِ، وحَرْفُ (إنَّ) لِلتَّوْكِيدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى مُنْتَقِمُونَ.
صفحة ٢١٩
وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ في هَذا الشَّرْطِ تَعْمِيمُ الحالَيْنِ حالِ حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ وحالِ وفاتِهِ. والمَقْصُودُ: وقْتُ ذَيْنِكَ الحالَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْقِيتُ الِانْتِقامِ مِنهم.
والمَعْنى: أنَّنا مُنْتَقِمُونَ مِنهم في الدُّنْيا، سَواءٌ كُنْتَ حَيًّا أوْ بَعْدَ مَوْتِكَ، أيْ فالِانْتِقامُ مِنهم مِن شَأْنِنا ولَيْسَ مِن شَأْنِكَ لِأنَّهُ مِن أجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْ أمْرِنا ودِينِنا، ولَعَلَّهُ لِدَفْعِ اسْتِبْطاءِ النَّبِيءِ ﷺ أوِ المُسْلِمِينَ تَأْخِيرَ الِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيءِ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِن دَعْوَتِهِ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُفْلِتُهم مِنَ الِانْتِقامِ عَلى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَفي هَذا الوَعِيدِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ لِما يَسْمَعُونَهُ.
الزخرف 43:42
﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [الزخرف: ٤٠]“ إلى آخِرِها المُتَضَمِّنَةِ إيماءً إلى التَّأْسِيسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ، والصَّرِيحَةِ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شِدَّةِ الحِرْصِ في دَعْوَتِهِمْ، فَجاءَ هُنا تَحْقِيقُ وعْدٍ بِالِانْتِقامِ مِنهم، ومَعْناهُ: الوَعْدُ بِإظْهارِ الدِّينِ إنْ كانَ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، ووَعِيدُهم بِالعِقابِ في الدُّنْيا قَبْلَ عِقابِ الآخِرَةِ، فَلِأجْلِ الوَفاءِ بِهَذَيْنَ الغَرَضَيْنِ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أمْرانِ: الِانْتِقامُ مِنهم لا مَحالَةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ واقِعًا في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ. والمُفَرَّعُ هو فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ وما ذُكِرَ مَعَهُ، فَمُرادٌ مِنهُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.
و(إمّا) كَلِمَتانِ مُتَّصِلَتانِ أصْلُهُما (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ و(ما) زائِدَةٌ بَعْدَ (إنْ)، وأُدْغِمَتْ نُونُ (إنْ) في المِيمِ مِن حَرْفِ (ما)، وزِيادَةُ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، ويَكْثُرُ اتِّصالُ فِعْلِ الشَّرْطِ بَعْدَ (إنِ) المَزِيدَةِ بَعْدَها (ما) بِنُونِ التَّوْكِيدِ زِيادَةً في التَّأْكِيدِ، ويَكْتُبُونَها بِهَمْزَةٍ ومِيمٍ وألِفٍ تَبَعًا لِحالَةِ النُّطْقِ بِها.
والذَّهابُ بِهِ هُنا مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّوَفِّي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾“ لِأنَّ المَوْتَ مُفارَقَةٌ لِلْأحْياءِ فالإماتَةُ كالِانْتِقالِ بِهِ، أيْ تَغْيِيبِهِ ولِذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنِ المَوْتِ بِالِانْتِقالِ. والمَعْنى: فَإمّا نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بَعْدَ وفاتِكَ.
صفحة ٢١٨
وقَدِ اسْتَعْمَلَ مُنْتَقِمُونَ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ اسْتِعْمالَ اسْمِ الفاعِلِ في الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ والقَرِينَةُ قَوْلُهُ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ.
والمُرادُ بِـ الَّذِي وعَدْناهُمُ الِانْتِقامُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى الِانْتِقامَ مِنهم بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ هي بَطْشَةُ بَدْرٍ.
وجُمْلَةُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وإنَّما صِيغَ كَذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الِانْتِقامِ ودَوامِهِ، وأمّا جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾“ فَهي دَلِيلُ جَوابِ جُمْلَةِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ المَعْطُوفَةِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ اقْتِدارَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلى إراءَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ الِانْتِقامَ مِنهم، فالجَوابُ مَحْذُوفٌ لا مَحالَةَ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. وتَقْدِيرُهُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم، وهو الِانْتِقامُ تَرَ انْتِقامًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أيْ مُتَقَدِّرُونَ الآنَ، فاسْمُ الفاعِلِ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ وهو حَقِيقَتُهُ.
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾“ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ يَصِيرُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الِانْتِقامَ مِنهم فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ مِنهم وعَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقَيْهِما لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ في التَّمَكُّنِ بِالِانْتِقامِ والِاقْتِدارِ عَلَيْهِمْ.
والوَعْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ، فَإنَّ الوَعْدَ إذا ذُكِرَ مَفْعُولُهُ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُهُ انْصَرَفَ لِلْخَيْرِ وأمّا الوَعِيدُ فَهو لِلشَّرِّ دائِمًا.
والِاقْتِدارُ: شِدَّةُ القُدْرَةِ، واقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ. وقَدْ غَفَلَ صاحِبُ القامُوسِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
وقَدِ اشْتَمَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ وجَواباهُما عَلى خَمْسَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي (ما) الزّائِدَةُ، ونُونُ التَّوْكِيدِ، وحَرْفُ (إنَّ) لِلتَّوْكِيدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى مُنْتَقِمُونَ.
صفحة ٢١٩
وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ في هَذا الشَّرْطِ تَعْمِيمُ الحالَيْنِ حالِ حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ وحالِ وفاتِهِ. والمَقْصُودُ: وقْتُ ذَيْنِكَ الحالَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْقِيتُ الِانْتِقامِ مِنهم.
والمَعْنى: أنَّنا مُنْتَقِمُونَ مِنهم في الدُّنْيا، سَواءٌ كُنْتَ حَيًّا أوْ بَعْدَ مَوْتِكَ، أيْ فالِانْتِقامُ مِنهم مِن شَأْنِنا ولَيْسَ مِن شَأْنِكَ لِأنَّهُ مِن أجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْ أمْرِنا ودِينِنا، ولَعَلَّهُ لِدَفْعِ اسْتِبْطاءِ النَّبِيءِ ﷺ أوِ المُسْلِمِينَ تَأْخِيرَ الِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيءِ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِن دَعْوَتِهِ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُفْلِتُهم مِنَ الِانْتِقامِ عَلى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَفي هَذا الوَعِيدِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ لِما يَسْمَعُونَهُ.
الزخرف 43:43
﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ ما يُلاقِيهِ مِن شِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أمَرَهُ بِالثَّباتِ عَلى دِينِهِ وكِتابِهِ وأنْ لا يَخُورَ عَزْمُهُ في الدَّعْوَةِ ضَجَرًا مِن تَصَلُّبِهِمْ في كُفْرِهِمْ ونُفُورِهِمْ مِنَ الحَقِّ.
والِاسْتِمْساكُ: شِدَّةُ المَسْكِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ.
والأمْرُ بِهِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِفِعْلٍ لِمَن هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ لا يَكُونُ لِطَلَبِ الفِعْلِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وهو هُنا طَلَبُ الثَّباتِ عَلى التَّمَسُّكِ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾“ وهَذا كَما يُدْعى لِلْعَزِيزِ المُكْرَمِ، فَيُقالُ: أعَزَّكَ اللَّهُ وأكْرَمَكَ، أيْ أدامَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: أحْياكَ اللَّهُ، أيْ أطالَ حَياتَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في تَعْلِيمِ الدُّعاءِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
والَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو القُرْآنُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَأْيِيدٌ لِطَلَبِ الِاسْتِمْساكِ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ وتَعْلِيلٌ لَهُ.
صفحة ٢٢٠
والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو العَمَلُ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِيُفِيدَ أنَّ الرَّسُولُ ﷺ راسِخٌ في الِاهْتِداءِ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى كَما يَتَمَكَّنُ السّائِرُ مِن طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَشُوبُهُ في سَيْرِهِ تَرَدُّدٌ في سُلُوكِهِ ولا خَشْيَةُ الضَّلالِ في بُنْياتِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادِ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
وهَذا تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وثَناءٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ما زاغَ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ عَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، كَقَوْلِهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ويَتْبَعُهُ تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ. وهَذا أيْضًا ثَناءٌ سادِسٌ عَلى القُرْآنِ.
الزخرف 43:44
﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ ذُكِرَ حَظُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الثَّناءِ والتَّأْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ المَجْعُولِ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ آخَرُ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ حَظِّ القُرْآنِ مِنَ المَدْحِ، والنَّفْعِ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ لِذِكْرٌ، وتَشْرِيفُهُ بِهِ بِقَوْلِهِ لَكَ، وأُتْبِعَ بِحَظِّ التّابِعِينَ لَهُ ولِكِتابِهِ مِنَ الِاهْتِداءِ، والِانْتِفاعِ، بِقَوْلِهِ ولِقَوْمِكَ. ثُمَّ عَرَّضَ بِالمُعْرِضِينَ عَنْهُ والمُجازِفِينَ لَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾“، مَعَ التَّوْجِيهِ في مَعْنى كَلِمَةِ (ذِكْرٌ) مِن إرادَةِ أنَّ هَذا الدِّينَ يُكْسِبُهُ ويُكْسِبُ قَوْمَهُ حُسْنَ السُّمْعَةِ في الأُمَمِ فَمَنِ اتَّبَعَهُ نالَ حَظَّهُ مِن ذَلِكَ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ عُدَّ عِدادَ الحَمْقى كَما سَيَأْتِي، مَعَ الإشارَةِ إلى انْتِفاعِ المُتَّبِعِينَ بِهِ في الآخِرَةِ، واسْتِضْرارِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ فِيها، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ.
فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى عَشَرَةِ مَعانٍ، وبِذَلِكَ كانَتْ أوْفَرَ مَعانِيَ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ
صفحة ٢٢١
المَعْدُودِ أبْلَغَ كَلامٍ مِن كَلامِهِمْ في الإيجازِ إذْ وقَفَ، واسْتَوْقَفَ، وبَكى واسْتَبْكى. وذَكَرَ الحَبِيبَ، والمَنزِلَ في مِصْراعٍ. وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَجاوَزُ مِقْدارَ ذَلِكَ المِصْراعِ وعِدَّةُ مَعانِيها عَشَرَةٌ، في حِينَ كانَتْ مَعانِي مِصْراعِ امْرِئِ القَيْسِ سِتَّةً مَعَ ما تَزِيدُ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ، وهي التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ والكِنايَةِ ومُحَسِّنِ التَّوْجِيهِ.
والذِّكْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ العَقْلِ، أيِ اهْتِداءَهُ لِما كانَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ، فَشُبِّهَ بِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ وهو ما فُسِّرَ بِهِ كَثِيرُ الذِّكْرِ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ المَوْعِظَةِ.
ويَحْتَمِلُ ذِكْرَ اللِّسانِ، أيْ أنَّهُ يُكْسِبُكَ وقَوْمَكَ ذِكْرًا، والذِّكْرُ بِهَذا المَعْنى غالِبٌ في الذِّكْرِ بِخَبَرِهِ.
والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ سَبَبُ الذِّكْرِ لِأنَّهُ يُكْسِبُ قَوْمَهُ شَرَفًا يُذْكَرُونَ بِسَبَبِهِ. وقَدْ رُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ قالَ القُرْطُبِيُّ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنُ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ، فالقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فاحْتاجَ أهْلُ اللُّغاتِ كُلِّها إلى لِسانِهِمْ كُلُّ مَن آمَنَ بِذَلِكَ؛ فَشَرُفُوا بِذَلِكَ عَلى سائِرِ أهْلِ اللُّغاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بَعْدَكَ ؟ سَكَتَ حَتّى إذا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ إذا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قالَ: لِقُرَيْشٍ» .
ودَرَجَ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ.
فَفِي لَفْظِ ”ذِكْرٌ“ مُحَسِّنُ التَّوْجِيهِ فَإذا ضُمَّ إلَيْهِ أنَّ ذِكْرَهُ وقَوْمَهُ بِالثَّناءِ يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ مَن خالَفَهم كانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُعْرِضِينَ عَنْهُ. و(قَوْمُهُ) هم قُرَيْشٌ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ أوْ جَمِيعُ العَرَبِ؛ لِأنَّهم شَرُفُوا بِكَوْنِ الرَّسُولِ الأعْظَمِ ﷺ مِنهم ونُزُولِ القُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ الشَّرَفُ لَهم في سائِرِ الأعْصُرِ إلى اليَوْمِ، ولَوْلاهُ ما كانَ لِلْعَرَبِ مَن يَشْعُرُ بِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العَظِيمَةِ الغالِبَةِ عَلى الأرْضِ.
وهَذا ثَناءٌ سابِعٌ عَلى القُرْآنِ.
والسُّؤالُ في قَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ سُؤالُ تَقْرِيرٍ. فَسُؤالُ المُؤْمِنِينَ عَنْ
صفحة ٢٢٢
مِقْدارِ العَمَلِ بِما كُلِّفُوا بِهِ، وسُؤالُ المُشْرِكِينَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ، قالَ تَعالى: ”﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]“ وقالَ تَعالى: " ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] .
الزخرف 43:45
﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ الأمْرُ بِالسُّؤالِ هُنا تَمْثِيلٌ لِشُهْرَةِ الخَبَرِ وتَحَقُّقِهِ كَما في قَوْلِ السَّمَوْألِ أوِ الحارِثِيِّ:
سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ
وقَوْلِ زَيْدِ الخَيْلِ:
سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنا
وقَوْلِهِ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] إذْ لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ ﷺ في شَكٍّ حَتّى يَسْألَ، وإلّا فَإنَّ سُؤالَهُ الرُّسُلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ مُتَعَذِّرٌ عَلى الحَقِيقَةِ. والمَعْنى: اسْتَقْرِ شَرائِعَ الرُّسُلِ وكُتُبَهم وأخْبارَهم هَلْ تَجِدُ فِيها عِبادَةَ آلِهَةٍ. وفي الحَدِيثِ واسْتَفْتِ قَلْبَكَ أيْ تَثَبَّتْ في مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ.
وجُمْلَةُ ”أجَعَلْنا“ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”واسْألْ“، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو إنْكارِيٌّ وهو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ، وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] أيْ لَيْسَ آباؤُكم بِأهْدى مِنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ تَكْذِيبَ رَسُولِنا لِأنَّهُ أمَرَكم بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ السُّؤالُ عَنْ شُهْرَةِ الخَبَرِ.
ومَعْنى الكَلامِ: وإنّا ما أمَرْنا بِعِبادَةِ آلِهَةٍ دُونَنا عَلى لِسانِ أحَدٍ مِن رُسُلِنا. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن قَبْلِكَ“ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الظَّرْفِ بِعامِلِهِ.
صفحة ٢٢٣
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن رُسُلِنا بَيانٌ لِـ ”قَبْلِكَ“ .
فَمَعْنى ”أجَعَلْنا“ ما جَعَلْنا ذَلِكَ، أيْ جَعْلَ التَّشْرِيعِ والأمْرِ، أيْ ما أمَرْنا بِأنْ تُعْبَدَ آلِهَةٌ دُونَنا.
فَوَصَفَ آلِهَةً بِـ يُعْبَدُونَ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَرْضى بِعِبادَةِ غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ إلَهًا مِثْلَهُ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وكانُوا في عَقائِدِهِمْ أشْتاتًا فَمِنهم مَن يَجْعَلُ الأصْنامَ آلِهَةً شُرَكاءَ لِلَّهِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُوهُ مِنَ اللَّهِ زُلْفى، ومِنهم مَن يَزْعُمُهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. فَلَمّا نُفِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ جَعَلَ آلِهَةً يُعْبَدُونَ أبْطَلَ جَمِيعَ هَذِهِ التَّمَحُّلاتِ.
وأُجْرِيَ ”آلِهَةً“ مَجْرى العُقَلاءِ فَوُصِفُوا بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ بِقَوْلِهِ ”يُعْبَدُونَ“ . ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ جَرْيًا عَلى ما غَلَبَ في لِسانِ العَرَبِ إذِ اعْتَقَدُوهم عُقَلاءَ عالِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ (وسَلْ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ.
الزخرف 43:46
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾
قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] . وساقَ بَعْدَ ذَلِكَ تَذْكِرَةً بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ، وما تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ مِن أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ فَلَمّا تَقَضّى أُتْبِعَ بِتَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ طُغاةِ قَوْمِهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِحالِ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، فَإنَّ لِلْمِثْلِ والنَّظائِرِ شَأْنًا في إبْرازِ الحَقائِقِ وتَصْوِيرِ الحالَيْنِ تَصْوِيرًا يُفْضِي إلى تَرَقُّبِ ما كانَ لِإحْدى الحالَتَيْنِ مِن عَواقِبَ أنْ تَلْحَقَ أهْلَ الحالَةِ الأُخْرى، فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ تَلَقَّوْا مُوسى بِالإسْرافِ في الكُفْرِ وبِالِاسْتِهْزاءِ بِهِ وبِاسْتِضْعافِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ ذا بَذْخَةٍ ولا مُحَلًّى بِحِلْيَةِ الثَّراءِ وكانَتْ مُناسِبَةً قَوْلَهُ:
صفحة ٢٢٤
﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، الآيَةُ هَيَّأتِ المَقامَ لِضَرْبِ المَثَلِ بِحالِ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِشَرِيعَةٍ عُظْمى قَبْلَ الإسْلامِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو قَوْلُهُ فِيها ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، فَإنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ المُكَذِّبُونَ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ.
ومِنَ المَقْصُودِ مِنها بِالخُصُوصِ هُنا: قَوْلُهُ ”ومَلَئِهِ“ أيْ عُظَماءِ قَوْمِهِ فَإنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بِحالِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ لِأنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحالِ قُرَيْشٍ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٦]، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] لِأنَّهم أشْبَهُوا بِذَلِكَ حالَ أبِي جَهِلٍ ونَحْوِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] إلّا أنَّ كَلِمَةَ سادَةِ قُرَيْشٍ كانَتْ أقْرَبَ إلى الأدَبِ مِن كَلِمَةِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَؤُلاءِ كانَ رَسُولُهم مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَتْرُكُوا جانِبَ الحَياءِ بِالمَرَّةِ وفِرْعَوْنُ كانَ رَسُولُهُ غَرِيبًا عَنْهم. وقَوْلُهُ ”﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]“ لِأنَّهُ مُشابِهٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، فَإنَّ عَظَمَةَ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ كانَتْ بِوَفْرَةِ المالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ مِن قِصَصِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهم يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ وهو مُضاهٍ لِقَوْلِهِ في قُرَيْشٍ ”﴿هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠]“، وقَوْلُهُ ”﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]“ الدّالُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم كُلَّهم، وذَلِكَ إنْذارٌ بِما حَصَلَ مِنِ اسْتِئْصالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
فَحَصَلَ مِنَ العِبْرَةِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجَهَلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في رَدِّ فَضْلِ الفُضَلاءِ فَيَتَمَسَّكُونَ بِخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ مِنَ الأُمُورِ العَرَضِيَّةِ الَّتِي لا أثَرَ لَها في قِيمَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ.
وثانِيهِما: أنَّ فِرْعَوْنَ صاحِبَ العَظَمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ صارَ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا انْتَصَرَ عَلَيْهِ الَّذِي اسْتَضْعَفَهُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ٢٢٥
و(إذا) حَرْفُ مُفاجَأةٍ، أيْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ تَرَقُّبٍ فَتُفْتَتَحُ بِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي يُفادُ مِنها حُصُولُ حادِثٍ عَلى وجْهِ المُفاجَأةِ.
ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (إذا) جَوابًا لِحَرْفِ (لَمّا)، وهي جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ و(لَمّا) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَوابُها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، لِأنَّ ما في (إذا) مِن مَعْنى المُفاجَأةِ يَقُومُ مَقامَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.
والضَّحِكُ: كِنايَةً عَنِ الِاسْتِخْفافِ بِالآياتِ والتَّكْذِيبِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ الحاضِرِينَ صَدَرَ مِنهم ضَحِكٌ، ولا أنَّ ذَلِكَ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَةِ آيَةٍ إذْ لَعَلَّ بَعْضَها لا يَقْتَضِي الضَّحِكَ.
الزخرف 43:47
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾
قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] . وساقَ بَعْدَ ذَلِكَ تَذْكِرَةً بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ، وما تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ مِن أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ فَلَمّا تَقَضّى أُتْبِعَ بِتَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ طُغاةِ قَوْمِهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِحالِ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، فَإنَّ لِلْمِثْلِ والنَّظائِرِ شَأْنًا في إبْرازِ الحَقائِقِ وتَصْوِيرِ الحالَيْنِ تَصْوِيرًا يُفْضِي إلى تَرَقُّبِ ما كانَ لِإحْدى الحالَتَيْنِ مِن عَواقِبَ أنْ تَلْحَقَ أهْلَ الحالَةِ الأُخْرى، فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ تَلَقَّوْا مُوسى بِالإسْرافِ في الكُفْرِ وبِالِاسْتِهْزاءِ بِهِ وبِاسْتِضْعافِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ ذا بَذْخَةٍ ولا مُحَلًّى بِحِلْيَةِ الثَّراءِ وكانَتْ مُناسِبَةً قَوْلَهُ:
صفحة ٢٢٤
﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، الآيَةُ هَيَّأتِ المَقامَ لِضَرْبِ المَثَلِ بِحالِ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِشَرِيعَةٍ عُظْمى قَبْلَ الإسْلامِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو قَوْلُهُ فِيها ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، فَإنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ المُكَذِّبُونَ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ.
ومِنَ المَقْصُودِ مِنها بِالخُصُوصِ هُنا: قَوْلُهُ ”ومَلَئِهِ“ أيْ عُظَماءِ قَوْمِهِ فَإنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بِحالِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ لِأنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحالِ قُرَيْشٍ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٦]، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] لِأنَّهم أشْبَهُوا بِذَلِكَ حالَ أبِي جَهِلٍ ونَحْوِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] إلّا أنَّ كَلِمَةَ سادَةِ قُرَيْشٍ كانَتْ أقْرَبَ إلى الأدَبِ مِن كَلِمَةِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَؤُلاءِ كانَ رَسُولُهم مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَتْرُكُوا جانِبَ الحَياءِ بِالمَرَّةِ وفِرْعَوْنُ كانَ رَسُولُهُ غَرِيبًا عَنْهم. وقَوْلُهُ ”﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]“ لِأنَّهُ مُشابِهٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، فَإنَّ عَظَمَةَ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ كانَتْ بِوَفْرَةِ المالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ مِن قِصَصِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهم يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ وهو مُضاهٍ لِقَوْلِهِ في قُرَيْشٍ ”﴿هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠]“، وقَوْلُهُ ”﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]“ الدّالُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم كُلَّهم، وذَلِكَ إنْذارٌ بِما حَصَلَ مِنِ اسْتِئْصالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.
فَحَصَلَ مِنَ العِبْرَةِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجَهَلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في رَدِّ فَضْلِ الفُضَلاءِ فَيَتَمَسَّكُونَ بِخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ مِنَ الأُمُورِ العَرَضِيَّةِ الَّتِي لا أثَرَ لَها في قِيمَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ.
وثانِيهِما: أنَّ فِرْعَوْنَ صاحِبَ العَظَمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ صارَ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا انْتَصَرَ عَلَيْهِ الَّذِي اسْتَضْعَفَهُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
صفحة ٢٢٥
و(إذا) حَرْفُ مُفاجَأةٍ، أيْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ تَرَقُّبٍ فَتُفْتَتَحُ بِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي يُفادُ مِنها حُصُولُ حادِثٍ عَلى وجْهِ المُفاجَأةِ.
ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (إذا) جَوابًا لِحَرْفِ (لَمّا)، وهي جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ و(لَمّا) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَوابُها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، لِأنَّ ما في (إذا) مِن مَعْنى المُفاجَأةِ يَقُومُ مَقامَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.
والضَّحِكُ: كِنايَةً عَنِ الِاسْتِخْفافِ بِالآياتِ والتَّكْذِيبِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ الحاضِرِينَ صَدَرَ مِنهم ضَحِكٌ، ولا أنَّ ذَلِكَ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَةِ آيَةٍ إذْ لَعَلَّ بَعْضَها لا يَقْتَضِي الضَّحِكَ.
الزخرف 43:48
﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها وأخَذْناهم بِالعَذابِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأنَّ الواوَ واوُ الحالِ وأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن أحْوالٍ، وما بَعْدَ (إلّا) في مَوْضِعِ الحالِ، واسْتَغْنَتْ عَنِ الواوِ لِأنَّ (إلّا) كافِيَةٌ في الرَّبْطِ.
والمَعْنى: أنَّهم يَسْتَخِفُّونَ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى في حالِ أنَّها آياتٌ كَبِيرَةٌ وعَظِيمَةٌ فَإنَّما يَسْتَخِفُّونَ بِها لِمُكابَرَتِهِمْ وعِنادِهِمْ.
وصَوْغُ نُرِيهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.
ومَعْنى هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ تَأْتِي تَكُونُ أعْظَمَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ هُنالِكَ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ لِدَلالَةِ المَقامِ، أيْ مِن أُخْتِها السّابِقَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ أنْ تَكُونَ الآياتُ مُتَرَتِّبَةً في العِظَمِ بِحَسَبِ تَأخُّرِ أوْقاتِ ظُهُورِها لِأنَّ الإتْيانَ بِآيَةٍ بَعْدَ أُخْرى ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ الِارْتِداعِ مِنَ الآيَةِ السّابِقَةِ.
ويَحْتَمِلُ ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ أنَّ الآياتِ مَوْصُوفاتٌ بِالكِبَرِ لا بِكَوْنِها مُتَفاوِتَةً فِيهِ وكَذَلِكَ العادَةُ في الأشْياءِ الَّتِي تَتَلاقى في الفَضْلِ وتَتَفاوَتُ مَنازِلُها فِيهِ
صفحة ٢٢٦
التَّفاوُتَ اليَسِيرَ، أيْ تَخْتَلِفُ آراءُ النّاسِ في تَفْضِيلِها، فَعَلى ذَلِكَ بَنى النّاسُ كَلامَهم فَقالُوا: رَأيْتُ رِجالًا بَعْضُهم أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورُبَّما اخْتَلَفَتْ آراءُ الرَّجُلِ الواحِدِ فِيها فَتارَةً يُفَضِّلُ هَذا وتارَةً يُفَضِّلُ ذاكَ، ومِنهُ بَيْتُ الحَماسَةِ:
مَن تَلْقَ مِنهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهم مِثْلَ النُّجُومِ الَّتِي يَسْرِي بِها السّارِي
وقَدْ فاضَلَتِ الأنْمارِيَّةُ بَيْنَ الكَمَلَةِ مِن بَنِيها ثُمَّ قالَتْ: لَمّا أبْصَرْتُ مَراتِبَهم مُتَقارِبَةً قَلِيلَةَ التَّفاوُتِ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أيَّهم أفْضَلُ، هم كالحَلْقَةِ المُفَرَّغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها.
فالمَعْنى: وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا وهي آيَةٌ جَلِيلَةُ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ تَكادُ تُنْسِيهِمُ الآيَةَ الأُخْرى. والأُخْتُ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُماثَلَةِ في كَوْنِها آيَةً.
وعُطِفَ ”﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾“ عَلى جُمْلَةِ وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ لِأنَّ العَذابَ كانَ مِنَ الآياتِ.
والعَذابُ: عَذابُ الدُّنْيا، وهو ما يُؤْلِمُ ويَشُقُّ، وذَلِكَ القَحْطُ، والقُمَّلُ، والطُّوفانُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ في الماءِ.
والأخْذُ بِمَعْنى: الإصابَةِ. والباءُ في بِالعَذابِ لِلِاسْتِعانَةِ كَما تَقُولُ: خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ، أيْ ابَتْدَأْناهم بِالعَذابِ قَبْلَ الِاسْتِئْصالِ لَعَلَّ ذَلِكَ يُفِيقُهم مِن غَفْلَتِهِمْ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِأهْلِ مَكَّةَ إذْ أُصِيبُوا بِسِنِي القَحْطِ.
والرُّجُوعُ: مُسْتَعارٌ لِلْإذْعانِ والِاعْتِرافِ، ولَيْسَ هو كالرُّجُوعِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨] .
وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في نُرِيهِمْ وأخَذْناهم، ولَعَلَّهم عائِدَةٌ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ.
الزخرف 43:49
صفحة ٢٢٧
﴿وقالُوا يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾
عَطَفَ عَلى ”﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ [الزخرف: ٤٨]“ . والمَعْنى: ولَمّا أخَذْناهم بِالعَذابِ عَلى يَدِ مُوسى سَألُوهُ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِكَشْفِ العَذابِ عَنْهم.
ومُخاطَبَتُهم مُوسى بِوَصْفِ السّاحِرِ مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ تَزَلُّفًا إلَيْهِ لِأنَّ السّاحِرَ عِنْدَهم كانَ هو العالِمَ وكانَتْ عُلُومُ عُلَمائِهِمْ سِحْرِيَّةً، أيْ ذاتَ أسْبابٍ خَفِيِّةٍ لا يَعْرِفُها غَيْرُهم وغَيْرُ أتْباعِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ لَهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ.
وكانَ السّاحِرُ بِأيْدِي الكَهَنَةِ ومِن مَظاهِرِهِ تَحْنِيطُ المَوْتى الَّذِي بَقِيَ بِهِ جُثَثُ الأمْواتِ سالِمَةً مِنِ البِلى ولَمْ يَطَّلِعْ أحَدٌ بَعْدَهم عَلى كَيْفِيَّةِ صُنْعِهِ.
وفِي آيَةِ الأعْرافِ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، ولا تُنافِي ما هُنا لِأنَّ الخِطابَ خِطابُ إلْحاحٍ فَهو يَتَكَرَّرُ ويُعادُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿يا أيُّهَ السّاحِرُ﴾“ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ في الوَصْلِ وهو ظاهِرٌ، وفي الوَقْفِ أيْ بِفَتْحَةٍ دُونَ ألِفٍ وهو غَيْرُ قِياسِيٍّ لَكِنَّ القِراءَةَ رِوايَةٌ. وعَلَّلَهُ أبُو شامَةَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الرَّسْمَ وفِيهِ نَظَرٌ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الألِفِ في الوَقْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الهاءِ في الوَصْلِ خاصَّةً وهو لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ كَلِمَةُ (أيُّهَ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهاءِ، والأصْلُ أنْ تَكُونَ بِألِفٍ بَعْدِ الهاءِ لِأنَّها (ها) حَرْفُ تَنْبِيهٍ يَفْصِلُ بَيْنَ (أيْ) وبَيْنَ نَعْتِها في النِّداءِ فَحُذِفَتِ الألِفُ في رَسْمِ المُصْحَفِ رَعْيًا لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ والأصْلُ أنْ يُراعى في الرَّسْمِ حالَةُ الوَقْفِ.
وعَنَوْا ”بِرَبِّكَ“ الرَّبَّ الَّذِي دَعاهم مُوسى إلى عِبادَتِهِ. والقِبْطُ كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَبًّا، ولا يُحِيلُونَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، وكانَتْ لَهم أرْبابٌ كَثِيرُونَ مُخْتَلِفَةٌ أعْمالُهم وقَدْرُهم. ومِثْلُ ذَلِكَ كانَتْ عَقائِدُ اليُونانِ.
وأرادُوا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ما خَصَّكَ بِعِلْمِهِ دُونَ غَيْرِكَ مِمّا اسْتَطَعْتَ بِهِ أنْ تَأْتِيَ بِخَوارِقِ العادَةِ.
صفحة ٢٢٨
وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ مَعْلُولَةٌ لِعِلَلٍ خَفِيَّةٍ قِياسًا عَلى مَعارِفِهِمْ بِخَصائِصِ بَعْضِ الأشْياءِ الَّتِي لا تَعْرِفُها العامَّةُ، وكانَ الكَهَنَةُ يَعْهَدُونَ بِها إلى تَلامِذَتِهِمْ ويُوصُونَهم بِالكِتْمانِ.
والعَهْدُ: هو الِائْتِمانُ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ، ولَيْسَ مُرادُهم بِهِ النُّبُوءَةَ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ وإذْ لَمْ يَعْرِفُوا كُنْهَ العَهْدِ عَبَّرُوا عَنْهُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”ادْعُ“ وهي لِلِاسْتِعانَةِ. ولَمّا رَأوُا الآياتِ عَلِمُوا أنَّ رَبَّ مُوسى قادِرٌ، وأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَهْدًا يَقْتَضِي اسْتِجابَةَ سُؤْلِهِ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾“ جَوابٌ لِكَلامٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾“ أيْ دَعَوْتَ لَنا وكَشَفْتَ عَنّا العَذابَ لَنُؤَمِّنَنَّ لَكَ كَما في آيَةِ الأعْرافِ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ الآيَةَ.
فَـ ”مُهْتَدُونَ“ اسْمُ فاعِلٍ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الوَعْدِ وهو مُنْصَرِفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ بِالقَرِينَةِ كَما دَلَّ قَوْلُهُ ”يَنْكُثُونَ“ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الدُّخانِ حِكايَةً عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٢] الآيَةَ. وسَمَّوْا تَصْدِيقَهم إيّاهُ اهْتِداءً لِأنَّ مُوسى سَمّى ما دَعاهم إلَيْهِ هَدْيًا كَما في آيَةِ النّازِعاتِ ”﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩]“ .
الزخرف 43:50
﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ أيْ تَفَرَّعَ عَلى تَضَرُّعِهِمْ ووَعْدِهِمْ بِالِاهْتِداءِ إذا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ أنَّهم نَكَثُوا الوَعْدَ.
والنَّكْثُ: نَقْضُ الحَبْلِ المُبْرَمِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] في سُورَةِ الأعْرافِ، وهو مَجازٌ في الخَيْسِ بِالعَهْدِ.
والكَلامُ عَلى تَرْكِيبِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِثْلُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧] .
الزخرف 43:51
صفحة ٢٢٩
﴿ونادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيَ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾
لَمّا كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بِدَعْوَةِ مُوسى، وأضْمَرَ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ نَكْثَ الوَعْدِ الَّذِي وعَدُوهُ مُوسى بِأنَّهم يَهْتَدُونَ، خَشِيَ فِرْعَوْنُ أنْ يَتَّبِعَ قَوْمُهُ دَعْوَةَ مُوسى ويُؤْمِنُوا بِرِسالَتِهِ فَأعْلَنَ في قَوْمِهِ تَذْكِيرَهم بِعَظَمَةِ نَفْسِهِ لِيُثَبِّتَهم عَلى طاعَتِهِ، ولِئَلّا يَنْقُلَ إلَيْهِمْ ما سَألَهُ مِن مُوسى وما حَصَلَ مِن دَعْوَتِهِ بِكَشْفِ العَذابِ ولِيَحْسَبُوا أنَّ ارْتِفاعَ العَذابِ أمْرٌ اتِّفاقِيٌّ إذْ قَوْمُهُ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى ما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى مِن سُؤالِ كَشْفِ العَذابَ.
والنِّداءُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وإسْنادُهُ إلى فِرْعَوْنَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّهُ الَّذِي أمَرَ بِالنِّداءِ في قَوْمِهِ. وكانَ يَتَوَلّى النِّداءَ بِالأُمُورِ المُهِمَّةِ الصّادِرَةِ عَنِ المُلُوكِ والأُمَراءِ مُنادُونَ يُعَيَّنُونَ لِذَلِكَ، ورُبَّما نادَوْا في الأُمُورِ الَّتِي يُرادُ عِلْمُ النّاسِ بِها. ومِن ذَلِكَ ما حُكِيَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣] .
ووَقَعَ في المَقامَةِ الثَّلاثِينَ لِلْحَرِيرِيِّ فَلَمّا جَلَسَ كَأنَّهُ ابْنُ ماءِ السَّماءِ، نادى مُنادٍ مِن قِبَلِ الأحْماءِ، وحُرْمَةِ ساسانَ أُسْتاذِ الأُسْتاذِينَ، وقُدْوَةِ الشَّحّاذِينَ، لا عَقَدَ هَذا العَقْدَ المُبَجَّلَ، في هَذا اليَوْمِ الأغَرِّ المُحَجَّلِ، إلّا الَّذِي جالَ وجابَ، وشَبَّ في الكُدْيَةِ وشابَ، فَذَلِكَ نِداءٌ لِإعْلانِ العَقْدِ.
وجُمْلَةُ ”قالَ“ إلَخْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”نادى“، والمَجازُ العَقْلِيُّ في قالَ مِثْلُ الَّذِي في ”﴿ونادى فِرْعَوْنُ﴾“ .
وفِرْعَوْنُ المَحْكِيُّ عَنْهُ في هَذِهِ القِصَّةِ هو مِنفِطاحُ الثّانِي.
فالأنْهارُ: فُرُوعُ النِّيلِ وتُرَعُهُ، لِأنَّها لِعِظَمِها جُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِثْلُ نَهَرٍ فَجُمِعَتْ عَلى أنْهارٍ، وإنَّما هي لِنَهَرٍ واحِدٍ هو النِّيلُ. فَإنْ كانَ مَقَرُّ مُلْكِ فِرْعَوْنَ هَذا في مَدِينَةِ مَنفِيسَ فاسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”﴿وهَذِهِ الأنْهارُ﴾“ إشارَةً إلى تَفارِيعِ النِّيلِ الَّتِي تَبْتَدِئُ قُرْبَ القاهِرَةِ فَيَتَفَرَّعُ النِّيلُ بِها إلى فَرْعَيْنِ عَظِيمَيْنِ: فَرْعُ دِمْياطَ
صفحة ٢٣٠
وفَرْعُ رَشِيدٍ، وتُعْرَفُ بِالدِّلْتا. وأحْسَبُ أنَّهُ الَّذِي كانَ يُدْعى فَرْعُ تَنِيسَ لِأنَّ تَنِيسَ كانَتْ في تِلْكَ الجِهَةِ وغَمَرَها البَحْرُ، ولَهُ تَفارِيعُ أُخْرى صَغِيرَةٌ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنها تُرْعَةٌ، مِثْلُ تُرْعَةِ الإسْماعِيلِيَّةِ، وهُنالِكَ تَفارِيعُ أُخْرى تُدْعى الرَّياحُ. وإنْ كانَ مَقَرُّ مُلْكِهِ طَيْبَةَ الَّتِي هي بِقُرْبِ مَدِينَةِ (آبُو) اليَوْمَ فالإشارَةُ إلى جَداوِلِ النِّيلِ وفُرُوعِهِ المَشْهُورَةِ بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ لِعُيُونِهِمْ.
ومَعْنى قَوْلِهِ ”﴿تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ادَّعى أنَّ النِّيلَ يَجْرِي بِأمْرِهِ، فَيَكُونُ ”مِن تَحْتِي“ كِنايَةً عَنِ التَّسْخِيرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ [التحريم: ١٠] أيْ كانَتا في عِصْمَتِهِما. ويَقُولُ النّاسُ: دَخَلَتِ البَلْدَةُ الفُلانِيَّةُ تَحْتَ المَلِكِ فُلانٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أرادَ أنَّ النَّيْلَ يَجْرِي في مَمْلَكَتِهِ مِن بِلادِ (أصْوانَ) إلى البَحْرِ فَيَكُونُ في تَحْتِي اسْتِعارَةً لِلتَّمَكُّنِ مِن تَصارِيفِ النِّيلِ كالِاسْتِعارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] عَلى تَفْسِيرِ سَرِيًّا بِنَهْرٍ، وكانَ مِثْلُ هَذا الكَلامِ يَرُوجُ عَلى الدَّهْماءِ لِسَذاجَةِ عُقُولِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأنْهارِ مَصَبَّ المِياهِ الَّتِي كانَتْ تَسْقِي المَدِينَةَ والبَساتِينَ الَّتِي حَوْلَها وأنَّ تَوْزِيعَ المِياهِ كانَ بِأمْرِهِ في سِدادٍ وخِزاناتٍ، فَهو يُهَوِّلُ بِأنَّهُ إذا شاءَ قَطَعَ عَنْهُمُ الماءَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ يُوسُفَ ﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] فَيَكُونُ مَعْنى ”مِن تَحْتِي“ مِن تَحْتِ أمْرِي أيْ لا تَجْرِي إلّا بِأمْرِي، وقَدْ قِيلَ: كانَتِ الأنْهارُ تَجْرِي تَحْتَ قَصْرِهِ.
والِاسْتِفْهامُ في أفَلا تُبْصِرُونَ تَقْرِيرِيٌّ جاءَ التَّقْرِيرُ عَلى النَّفْيِ تَحْقِيقًا لِإقْرارِهِمْ حَتّى أنَّ المُقَرِّرَ يَفْرِضُ لَهُمُ الإنْكارَ فَلا يُنْكِرُونَ.
الزخرف 43:52
﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾
(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ أأنا خَيْرٌ، والِاسْتِفْهامُ اللّازِمُ تَقْدِيرُهُ بَعْدَها تَقْرِيرِيٌّ. ومَقْصُودُهُ: تَصْغِيرُ شَأْنِ مُوسى في نُفُوسِهِمْ بِأشْياءَ هي عَوارِضُ لَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً انْتَقَلَ مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ نَفْسِهِ إلى إظْهارِ
صفحة ٢٣١
البَوْنِ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى الَّذِي جاءَ يُحَقِّرُ دِينَهُ وعِبادَةَ قَوْمِهِ إيّاهُ، فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِن هَذا. والإشارَةُ هُنا لِلتَّحْقِيرِ. وجاءَ بِالمَوْصُولِ لِادِّعاءِ أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ شَيْءٌ عُرِفَ بِهِ مُوسى.
والمَهِينُ بِفَتْحِ المِيمِ: الذَّلِيلُ الضَّعِيفُ، أرادَ أنَّهُ غَرِيبٌ لَيْسَ مِن أهْلِ بُيُوتِ الشَّرَفِ في مِصْرَ ولَيْسَ لَهُ أهْلٌ يَعْتَزُّ بِهِمْ، وهَذا سَفْسَطَةٌ وتَشْغِيبٌ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ انْتِصارٍ حَتّى يُحَقَّرَ القائِمُ فِيهِ بِقِلَّةِ النَّصِيرِ، ولا مَقامَ مُباهاةٍ حَتّى يُنْتَقَصَ صاحِبُهُ بِضَعْفِ الحالِ.
وأشارَ بِقَوْلِهِ ”﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾“ إلى ما كانَ في مَنطِقِ مُوسى مِنَ الحُبْسَةِ والفَهاهَةِ كَما حَكى اللَّهُ في الآيَةِ عَنْ مُوسى ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] وفي الأُخْرى ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧]، ولَيْسَ مَقامُ مُوسى يَوْمَئِذٍ مَقامَ خَطابَةٍ ولا تَعْلِيمٍ وتَذْكِيرٍ حَتّى تَكُونَ قِلَّةُ الفَصاحَةِ نَقْصًا في عَمَلِهِ، ولَكِنَّهُ مَقامُ اسْتِدْلالٍ وحُجَّةٍ فَيَكْفِي أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى إبْلاغِ مُرادِهِ ولَوْ بِصُعُوبَةٍ وقَدْ أزالَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ حِينَ تَفَرَّغَ لِدَعْوَةِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما قالَ ”﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٣٦]“ .
ولَعَلَّ فِرْعَوْنُ قالَ ذَلِكَ لِما يَعْلَمُ مِن حالِ مُوسى قَبْلَ أنْ يُرْسِلَهُ اللَّهُ حِينَ كانَ في بَيْتِ فِرْعَوْنَ فَذَكَرَ ذَلِكَ مِن حالِهِ لِيُذَكِّرَ النّاسَ بِأمْرٍ قَدِيمٍ فَإنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي بُعِثَ مُوسى في زَمَنِهِ هو (مِنفِطاحُ الثّانِي) وهو ابْنُ (رَعْمَسِيسَ الثّانِي) الَّذِي وُلِدَ مُوسى في أيّامِهِ ورُبِّيَ عِنْدَهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ مِنفِطاحَ كانَ يَعْرِفُ مُوسى ولِذَلِكَ قالَ لَهُ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] .
وأمّا رَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ فَلَمّا أُرْسِلَ إلى أُمَّةٍ ذاتِ فَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ، وكانَتْ مُعْجِزَتُهُ القُرْآنَ المُعْجِزَ في بَلاغَتِهِ وفَصاحَتِهِ، وكانَتْ صِفَةُ الرَّسُولِ الفَصاحَةَ؛ لِتُكُونَ لَهُ المَكانَةُ الجَلِيلَةُ في نُفُوسِ قَوْمِهِ.
ومَعْنى ﴿ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ ويَكادُ أنْ لا يُبِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
الزخرف 43:53
صفحة ٢٣٢
﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾
لَمّا تَضَمَّنَ وصْفُهُ مُوسى بِمَهِينٍ ولا يَكادُ يُبِينُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهُ دَعْواهُ الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ”﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾“ تَرَقِّيا في إحالَةِ كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وفِرْعَوْنُ لِجَهْلِهِ أوْ تَجاهُلِهِ يُخَيِّلُ لِقَوْمِهِ أنَّ لِلرِّسالَةِ شِعارًا كَشِعارِ المُلُوكِ.
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
والإلْقاءُ: الرَّمْيُ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في الإنْزالِ، أيْ هَلّا أُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السَّماءِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ، أيْ سَوَّرَهُ الرَّبُّ بِها لِيَجْعَلَهُ مَلِكًا عَلى الأُمَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”أساوِرَةٌ“، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ (أسْوِرَةٌ) .
والأساوِرَةُ: جَمْعُ أسْوارٍ لُغَةً في سِوارٍ. وأصْلُ الجَمْعِ أساوِيرُ مُخَفَّفٌ بِحَذْفِ إشْباعِ الكَسْرَةِ ثُمَّ عَوَّضَ الهاءُ عَنِ الحُرُوفِ كَما عَوَّضَتْ في زَنادِقَةٍ جَمْعُ زِنْدِيقٍ إذْ حَقُّهُ زَنادِيقُ. وأمّا سِوارٌ فَيُجْمَعُ عَلى أسْوِرَةٍ.
والسِّوارُ: حَلْقَةٌ عَرِيضَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ تُحِيطُ بِالرُّسْغِ، وهو عِنْدُ مُعْظَمِ الأُمَمِ مِن حِلْيَةِ النِّساءِ الحَرائِرِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ في المَثَلِ ”لَوْ ذاتُ سَوارٍ لَطَمَتْنِي“ أيْ لَوْ حُرَّةٌ لَطَمَتْنِي، قالَهُ أحَدُ الأسْرى لَطْمَتْهُ أمَةٌ لِقَوْمٍ هو أسِيرُهم. وكانَ السِّوارُ مِن شِعارِ المُلُوكِ بِفارِسَ ومِصْرَ يَلْبَسُ المَلِكُ سِوارَيْنِ. وقَدْ كانَ مِن شِعارِ الفَراعِنَةِ لُبْسُ سِوارَيْنِ أوْ أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ، ورُبَّما جَعَلُوا سِوارَيْنِ عَلى الرُّسْغَيْنِ وآخَرَيْنِ عَلى العَضُدَيْنِ. فَلَمّا تَخَيَّلَ فِرْعَوْنُ أنَّ رُتْبَةَ الرِّسالَةِ مِثْلُ المُلْكِ حَسَبَ افْتِقادَها هو مِن شِعارِ المُلُوكِ عِنْدَهم أمارَةٌ عَلى انْتِفاءِ الرِّسالَةِ.
و”أوْ“ لِلتَّرْدِيدِ، أيْ إنْ لَمْ تُلْقَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ فَلْتَجِئْ مَعَهُ طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ شاهِدِينَ لَهُ بِالرِّسالَةِ.
صفحة ٢٣٣
ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّهم كانُوا يُثْبِتُونَ وُجُودَ المَلائِكَةِ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ عِنْدَ أهْلِ الدِّينِ الإلَهِيِّ فَلَعَلَّ فِرْعَوْنُ ذَكَرَ المَلائِكَةَ مُجاراةً لِمُوسى إذْ لَعَلَّهُ سَمِعَ مِنهُ أنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً أوْ نَحْوَ ذَلِكَ في مَقامِ الدَّعْوَةِ؛ فَأرادَ إفْحامَهُ بِأنْ يَأْتِيَ مَعَهُ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ يَظْهَرُونَ لَهُ.
و”مُقْتَرِنِينَ“ حالٌ مِنَ ”المَلائِكَةِ“، أيْ مُقْتَرِنِينَ مَعَهُ؛ فَهَذِهِ الحالُ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”مَعَهُ“ لِئَلّا يُحْمَلَ مَعْنى المَعِيَّةِ عَلى إرادَةِ أنَّ المَلائِكَةَ تُؤَيِّدُهُ بِالقَوْلِ مِن قَوْلِهِمْ: قَرَنْتُهُ بِهِ فاقْتَرَنَ، أيْ مُقْتَرِنِينَ بِمُوسى وهو اقْتِرانُ النَّصِيرِ لِنَصِيرِهِ.
الزخرف 43:54
﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأطاعُوهُ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ فَتَفَرَّعَ عَنْ نِداءِ فِرْعَوْنَ قَوْمَهُ أنْ أثَّرَ بِتَمْوِيهِهِ في نُفُوسِ مَلَئِهِ فَعَجَّلُوا بِطاعَتِهِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِاتِّباعِ مُوسى لَمّا رَأوُا الآياتِ. فالخِفَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِانْتِقالِ مِن حالَةِ التَّأمُّلِ في خَلْعِ طاعَةِ فِرْعَوْنَ والتَّثاقُلِ في اتِّباعِهِ إلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ لَهُ كَما يَخِفُّ الشَّيْءُ بَعْدَ التَّثاقُلِ.
والمَعْنى يَرْجِعُ إلى أنَّهُ اسْتَخَفَّ عُقُولَهم فَأسْرَعُوا إلى التَّصْدِيقِ بِما قالَهُ بَعْدَ أنْ صَدَّقُوا مُوسى في نُفُوسِهِمْ لَمّا رَأوْا آياتِهِ نُزُولًا ورَفْعًا. والمُرادُ بِـ ”قَوْمَهُ“ هُنا بَعْضُ القَوْمِ، وهُمُ الَّذِينَ حَضَرُوا مَجْلِسَ دَعْوَةِ مُوسى هَؤُلاءِ هُمُ المَلَأُ الَّذِينَ كانُوا في صُحْبَةِ فِرْعَوْنَ.
والسِّينُ والتّاءُ في اسْتَخَفَّ لِلْمُبالَغَةِ في أخَفَّ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] وقَوْلُهم: هَذا فِعْلٌ يَسْتَفِزُّ غَضَبَ الحَلِيمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾“ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةٍ فَأطاعُوهُ كَما هو شَأْنُ (إنَّ) إذا جاءَتْ في غَيْرِ مَقامِ التَّأْكِيدِ فَإنَّ كَوْنَهم قَدْ كانُوا فاسْقِينَ أمْرٌ بَيَّنَ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى جاءَهم فَدَعاهم إلى تَرْكِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ فَلا يَقْتَضِي في المَقامِ تَأْكِيدَ كَوْنِهِمْ فاسِقِينَ، أيْ كافِرِينَ. والمَعْنى: أنَّهم إنَّما خَفُّوا لِطاعَةِ رَأْسِ الكُفْرِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا يُؤَلِّهُونَ فِرْعَوْنَ فَلَمّا حَصَلَ
صفحة ٢٣٤
لَهم تَرَدُّدٌ في شَأْنِهِ بِبِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ رَجَعُوا إلى طاعَةِ فِرْعَوْنَ بِأدْنى سَبَبٍ.
والمُرادُ بِالفِسْقِ هُنا: الكُفْرُ، كَما قالَ في شَأْنِهِمْ في آيَةِ الأعْرافِ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] .
الزخرف 43:55
﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾
عُقِّبَ ما مَضى مِنَ القِصَّةِ بِالمَقْصُودِ وهو هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المُتَرَتِّبَةُ المُتَفَرِّعُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وهي: الِانْتِقامُ، فالإغْراقُ، فالِاعْتِبارُ بِهِمْ في الأُمَمِ بَعْدَهم.
والأسَفُ: الغَضَبُ المَشُوبُ بِحُزْنٍ وكَدَرٍ، وأُطْلِقَ عَلى صَنِيعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فِعْلُ آسَفُونا؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِقامُ اللَّهِ مِنهُمُ انْتِقامًا كانْتِقامِ الآسِفِ؛ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهُ وصَمَّمُوا عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ آياتِ الصِّدْقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فاسْتُعِيرَ ”آسَفُونا“ لِمَعْنى عَصَوْنا لِلْمُشابَهَةِ، والمَعْنى: فَلَمّا عَصَوْنا عِصْيانَ العَبْدِ رَبَّهُ المُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ، واللَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالآسِفِ كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالغَضَبِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم كَما يُعامِلُ السَّيِّدُ المَأْسُوفُ عَبْدًا أسَفَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ لِرَحْمَةِ سَيِّدِهِ مَسْلَكًا.
وفِعْلُ آسَفَ قاصِرٌ فَعُدِّيَ إلى المَفْعُولِ بِالهَمْزَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ”﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾“ إيجازٌ لِأنَّ كَوْنَهم مُؤْسَفِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ حَتّى يُبْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ مِنهم فَدَلَّ إناطَةُ أداةِ التَّوْقِيتِ بِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ، والتَّقْدِيرُ: فَآسَفُونا فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم.
والِانْتِقامُ تَقَدَّمَ مَعْناهُ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.
وإنَّما عُطِفَ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ عَلى ”﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾“ مَعَ أنَّ إغْراقَهم هو عَيْنُ الِانْتِقامِ مِنهم، إمّا لِأنَّ فِعْلَ ”انْتَقَمْنا“ مُؤَوَّلٌ بِقَدَّرْنا الِانْتِقامَ مِنهم فَيَكُونُ
صفحة ٢٣٥
عَطْفُ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ كالعَطْفِ في قَوْلِهِ ”﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً لِتَأْكِيدِ تَسَبُّبِ“ آسَفُونا ”في الإغْراقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: انْتَقَمْنا مِنهم أغْرَقْناهم، عَلى أنَّ جُمْلَةَ“ فَأغْرَقْناهم ”مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ“ انْتَقَمْنا مِنهم ”فَزِيدَتِ الفاءُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّبْيِينِ، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ عاطِفَةً جُمْلَةَ“ انْتَقَمْنا ”عَلى جُمْلَةِ“ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] ”فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ وتَكُونُ جُمْلَةُ“ ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ والمُفَرَّعَةِ عَنْها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] .
وفُرِّعَ عَلى إغْراقِهِمْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم سَلَفًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ، أيْ يَأْتُونَ بَعْدَهم.
والسَّلَفُ بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: جَمْعُ سالِفٍ مِثْلَ: خَدَمٍ لِخادِمٍ، وحَرَسٍ لِحارِسٍ. والسّالِفُ الَّذِي يَسْبِقُ غَيْرَهُ في الوُجُودِ أوْ في عَمَلٍ أوْ مَكانٍ، ولَمّا ذُكِرَ الِانْتِقامُ كانَ المُرادُ بِالسَّلَفِ هُنا السّالِفَ في الِانْتِقامِ، أيْ أنَّ مَن بَعْدَهم سَيَلْقَوْنَ مِثْلَ ما لَقَوْا. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ والكِسائِيُّ (سَلَفًا) بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ اللّامِ وهو جَمْعُ سَلِيفٍ اسْمٌ لِلْفَرِيقِ الَّذِي سَلَفَ ومَضى.
والمَثَلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، يُقالُ: مَثَلَ بِفَتْحَتَيْنِ كَما يُقالُ شَبَهُ، أيْ مُماثِلٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ. وأُطْلِقَ المَثَلُ عَلى لازِمِهِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، أيْ جَعَلْناهم عِبْرَةً لِلْآخِرِينَ، يَعْلَمُونَ أنَّهم إنْ عَمِلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ أصابَهم مِثْلُ ما أصابَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ هُنا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَجِيبِ الشَّأْنِ الَّذِي يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ مَسِيرَ الأمْثالِ، أيْ جَعَلْناهم لِلْآخَرِينَ حَدِيثًا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ ويَعِظُهم بِهِ مُحَدِّثُهم.
ومَعْنى الآخِرِينَ: النّاسُ الَّذِينَ هم آخِرُ مُماثِلٍ لَهم في حِينِ هَذا الكَلامِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ هَؤُلاءِ هم آخِرُ الأُمَمِ المُشابِهَةِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ في عِبادَةِ الأصْنامِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ. ومَعْنى الكَلامِ: فَجَعَلْناهم سَلَفًا لَكم ومَثَلًا لَكم فاتَّعِظُوا بِذَلِكَ.
ويَتَعَلَّقُ لِلْآخِرِينَ بِـ“ ﴿سَلَفًا ومَثَلًا﴾ " عَلى وجْهِ التَّنازُعِ.
الزخرف 43:56
﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾
عُقِّبَ ما مَضى مِنَ القِصَّةِ بِالمَقْصُودِ وهو هَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ المُتَرَتِّبَةُ المُتَفَرِّعُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ وهي: الِانْتِقامُ، فالإغْراقُ، فالِاعْتِبارُ بِهِمْ في الأُمَمِ بَعْدَهم.
والأسَفُ: الغَضَبُ المَشُوبُ بِحُزْنٍ وكَدَرٍ، وأُطْلِقَ عَلى صَنِيعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فِعْلُ آسَفُونا؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْتِقامُ اللَّهِ مِنهُمُ انْتِقامًا كانْتِقامِ الآسِفِ؛ لِأنَّهم عَصَوْا رَسُولَهُ وصَمَّمُوا عَلى شِرْكِهِمْ بَعْدَ ظُهُورِ آياتِ الصِّدْقِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
فاسْتُعِيرَ ”آسَفُونا“ لِمَعْنى عَصَوْنا لِلْمُشابَهَةِ، والمَعْنى: فَلَمّا عَصَوْنا عِصْيانَ العَبْدِ رَبَّهُ المُنْعِمَ عَلَيْهِ بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ، واللَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالآسِفِ كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّصِفَ بِالغَضَبِ عَلى الحَقِيقَةِ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم كَما يُعامِلُ السَّيِّدُ المَأْسُوفُ عَبْدًا أسَفَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ لِرَحْمَةِ سَيِّدِهِ مَسْلَكًا.
وفِعْلُ آسَفَ قاصِرٌ فَعُدِّيَ إلى المَفْعُولِ بِالهَمْزَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ”﴿فَلَمّا آسَفُونا﴾“ إيجازٌ لِأنَّ كَوْنَهم مُؤْسَفِينَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ حَتّى يُبْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلِانْتِقامِ مِنهم فَدَلَّ إناطَةُ أداةِ التَّوْقِيتِ بِهِ عَلى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ، والتَّقْدِيرُ: فَآسَفُونا فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم.
والِانْتِقامُ تَقَدَّمَ مَعْناهُ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.
وإنَّما عُطِفَ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ عَلى ”﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾“ مَعَ أنَّ إغْراقَهم هو عَيْنُ الِانْتِقامِ مِنهم، إمّا لِأنَّ فِعْلَ ”انْتَقَمْنا“ مُؤَوَّلٌ بِقَدَّرْنا الِانْتِقامَ مِنهم فَيَكُونُ
صفحة ٢٣٥
عَطْفُ ”فَأغْرَقْناهم“ بِالفاءِ كالعَطْفِ في قَوْلِهِ ”﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ زائِدَةً لِتَأْكِيدِ تَسَبُّبِ“ آسَفُونا ”في الإغْراقِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: انْتَقَمْنا مِنهم أغْرَقْناهم، عَلى أنَّ جُمْلَةَ“ فَأغْرَقْناهم ”مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ“ انْتَقَمْنا مِنهم ”فَزِيدَتِ الفاءُ لِتَأْكِيدِ مَعْنى التَّبْيِينِ، وإمّا أنْ تَجْعَلَ الفاءَ عاطِفَةً جُمْلَةَ“ انْتَقَمْنا ”عَلى جُمْلَةِ“ ﴿فاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ [الزخرف: ٥٤] ”فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ وتَكُونُ جُمْلَةُ“ ﴿انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ ”مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ والمُفَرَّعَةِ عَنْها، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] .
وفُرِّعَ عَلى إغْراقِهِمْ أنَّ اللَّهَ جَعَلَهم سَلَفًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ، أيْ يَأْتُونَ بَعْدَهم.
والسَّلَفُ بِفَتْحِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: جَمْعُ سالِفٍ مِثْلَ: خَدَمٍ لِخادِمٍ، وحَرَسٍ لِحارِسٍ. والسّالِفُ الَّذِي يَسْبِقُ غَيْرَهُ في الوُجُودِ أوْ في عَمَلٍ أوْ مَكانٍ، ولَمّا ذُكِرَ الِانْتِقامُ كانَ المُرادُ بِالسَّلَفِ هُنا السّالِفَ في الِانْتِقامِ، أيْ أنَّ مَن بَعْدَهم سَيَلْقَوْنَ مِثْلَ ما لَقَوْا. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ والكِسائِيُّ (سَلَفًا) بِضَمِّ السِّينِ وضَمِّ اللّامِ وهو جَمْعُ سَلِيفٍ اسْمٌ لِلْفَرِيقِ الَّذِي سَلَفَ ومَضى.
والمَثَلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، يُقالُ: مَثَلَ بِفَتْحَتَيْنِ كَما يُقالُ شَبَهُ، أيْ مُماثِلٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَثَلُ واحِدٌ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ. وأُطْلِقَ المَثَلُ عَلى لازِمِهِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، أيْ جَعَلْناهم عِبْرَةً لِلْآخِرِينَ، يَعْلَمُونَ أنَّهم إنْ عَمِلُوا مِثْلَ عَمَلِهِمْ أصابَهم مِثْلُ ما أصابَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ هُنا بِمَعْنى الحَدِيثِ العَجِيبِ الشَّأْنِ الَّذِي يَسِيرُ بَيْنَ النّاسِ مَسِيرَ الأمْثالِ، أيْ جَعَلْناهم لِلْآخَرِينَ حَدِيثًا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ ويَعِظُهم بِهِ مُحَدِّثُهم.
ومَعْنى الآخِرِينَ: النّاسُ الَّذِينَ هم آخِرُ مُماثِلٍ لَهم في حِينِ هَذا الكَلامِ فَتَعَيَّنَ أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّ هَؤُلاءِ هم آخِرُ الأُمَمِ المُشابِهَةِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ في عِبادَةِ الأصْنامِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ. ومَعْنى الكَلامِ: فَجَعَلْناهم سَلَفًا لَكم ومَثَلًا لَكم فاتَّعِظُوا بِذَلِكَ.
ويَتَعَلَّقُ لِلْآخِرِينَ بِـ“ ﴿سَلَفًا ومَثَلًا﴾ " عَلى وجْهِ التَّنازُعِ.
الزخرف 43:57
صفحة ٢٣٦
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصُدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾
عَطَفَ قِصَّةً مَنَّ أقاصِيصِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ عَلى ما مَضى مِن حِكايَةِ أقاوِيلِهِمْ، جَرَتْ في مُجادَلَةٍ مِنهم مَعَ النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذا تَصْدِيرٌ وتَمْهِيدٌ بَيْنَ يَدَيْ قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ الآياتِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن عَطْفِ هَذا الكَلامِ عَلى ذِكْرِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
واقْتِرانُ الكَلامِ بِـ (لَمّا) المُفِيدَةِ وُجُودَ جَوابِها عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِها، أوْ تَوْقِيتِهِ، يَقْتَضِي أنَّ مَضْمُونَ شَرْطِ (لَمّا) مَعْلُومُ الحُصُولِ ومَعْلُومُ الزَّمانِ فَهو إشارَةٌ إلى حَدِيثٍ جَرى بِسَبَبٍ مِثْلُ ضَرَبَهُ ضارِبٌ لِحالٍ مِن أحْوالِ عِيسى، عَلى أنَّ قَوْلَهم ”﴿آلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَرى في أثْناءِ المُجادَلَةِ في شَأْنِ عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ حِكايَةِ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبَهِ عَقائِدِهِمْ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ إجْمالٌ يُبَيِّنُهُ ما يَعْرِفُهُ النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مِن جَدَلٍ جَرى مَعَ المُشْرِكِينَ، ويَزِيدُهُ بَيانًا قَوْلُهُ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أخْفى آيِ القُرْآنِ مَعْنًى مُرادًا.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما يُبَيِّنُ إجْمالَها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ ذَكَرَها في الكَشّافِ وزادَ مِن عِنْدِهِ احْتِمالًا رابِعًا. وأظْهَرُ الأقْوالِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ وجْهًا ثانِيًا ووَجْهًا ثالِثًا أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بَيانَ ”﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]“ ولَيْسَ خُلْقُهُ مِن دُونِ أبٍ بِأعْجَبَ مِن خَلْقِ آدَمَ مِن دُونِ أبٍ ولا أُمٍّ أوْ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِأنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وسُورَةَ الزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ النَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ عَبَدَنا المَلائِكَةَ أيْ يَدْفَعُونَ ما سَفَّهَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُسَفِّهَ النَّصارى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾“ الآيَةَ ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ عَنْ تَجاهُلٍ بِما جاءَ في القُرْآنِ مِن رَدٍّ عَلى النَّصارى.
صفحة ٢٣٧
والَّذِي جَرى عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إذْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ أخاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «هُوَ لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ الأُمَمِ»، قالَ: خَصَمْتُكَ ورَبُّ الكَعْبَةِ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ نَبِيءٌ وقَدْ عَبَدَتْهُ النَّصارى فَإنْ كانَ عِيسى في النّارِ فَقَدْ رَضِيَنا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهُ فَفَرِحَ بِكَلامِهِ مَن حَضَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ وضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ بِذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى لِجاجِهِمْ.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَزِيدُ في رِوايَةِ كَلامِ ابْنِ الزِّبَعْرى وقَدْ عَبَدَتْ بَنُو مُلَيْحٍ المَلائِكَةَ فَإنْ كانَ عِيسى والمَلائِكَةُ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا. وهَذا يَتَلاءَمُ مَعَ بِناءِ فِعْلِ ”ضَرَبَ“ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ الَّذِي جَعَلَ عِيسى مَثَلًا لِمُجادَلَتِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، ولَيْسَ مِن عادَةِ القُرْآنِ تَسْمِيَةُ أمْثالِهِ، ولَوْ كانَ المَثَلُ مَضْرُوبًا في القُرْآنِ لَقالَ: ولَمّا ضَرَبْنا ابْنَ مَرْيَمَ مَثَلًا، كَما قالَ بَعْدَهُ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ويَتَلاءَمُ مَعَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَصُدُّونَ بِحَرْفِ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ دُونَ حَرْفِ (عَنْ) ومَعَ قَوْلِهِ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ النَّصْبِ في ضَرَبُوهُ عائِدٌ إلى ابْنِ مَرْيَمَ.
والمُرادُ بِالمَثَلِ عَلى هَذا المُمَثَّلُ بِهِ والمُشَبَّهُ بِهِ، لِأنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى نَظَّرَ آلِهَتَهم بِعِيسى في أنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ مِثْلَهُ فَإذا كانُوا في النّارِ كانَ عِيسى كَذَلِكَ.
ولا يُناكِدُ هَذا الوَجْهَ إلّا ما جَرى عَلَيْهِ عَدُّ السُّوَرِ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ مِن عَدِّ سُورَةِ الأنْبِياءِ الَّتِي كانَتْ آيَتُها سَبَبَ المُجادَلَةِ مُتَأخِّرَةً في النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، ولَعَلَّ تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ عِنْدَهم بَكُرَ بِالإبْطالِ عَلى مَن جَعَلَ سُورَةَ الأنْبِياءِ مُتَأخِّرَةً في النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ سابِقَةً حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُذَكِّرَةً بِالقِصَّةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ سُورَةِ الأنْبِياءِ، ولَيْسَ تَرْتِيبُ النُّزُولِ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ولا بِمُحَقَّقِ السَّنَدِ فَهو يُقْبَلُ مِنهُ ما لا مُعارِضَ لَهُ. عَلى أنَّهُ قَدْ تَنْزِلُ الآيَةُ ثُمَّ تُلْحَقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
صفحة ٢٣٨
فَإذا رُجِّحَ أنْ تَكُونَ سُورَةُ الأنْبِياءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ كانَ الجَوابُ القاطِعُ لِابْنِ الزِّبَعْرى في قَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] لِأنَّهُ يَعْنِي أنَّ عَدَمَ شُمُولِ قَوْلِهِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] لِعِيسى مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَن لَهُ نَظَرٌ وإنْصافٌ لِأنَّ الحُكْمَ فِيها إنَّما أُسْنِدَ إلى مَعْبُوداتِ المُشْرِكِينَ لا إلى مَعْبُودِ النَّصارى وقَلِيلٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ بِالخِطابِ القُرْآنِيِّ أيّاَمَئِذٍ، ولَمّا أجابَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّ الآيَةَ لِجَمِيعِ الأُمَمِ إنَّما عَنى المَعْبُوداتِ الَّتِي هي مِن جِنْسِ أصْنامِهِمْ لا تَفْقَهُ ولا تَتَّصِفُ بِزَكاءٍ، بِخِلافِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ القُرْآنُ بِرِفْعَةِ الدَّرَجَةِ قَبْلَ تِلْكَ الآيَةِ وبَعْدَها، إذْ لا لَبْسَ في ذَلِكَ، ويَكُونُ الجَوابُ المَذْكُورُ هُنا في سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِقَوْلِهِ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ جَوابًا إجْمالِيًّا، أيْ ما أرادُوا بِهِ إلّا التَّمْوِيهَ؛ لِأنَّهم لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الأنْبِياءِ تُفِيدُ أنَّ عِيسى لَيْسَ حَصَبَ جَهَنَّمَ، والمَقامُ هُنا مَقامُ إجْمالٍ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ وتَذْكِيرٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ الحادِثَةِ حِينَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٍ (يَصُدُّونَ) بِضَمِّ الصّادِّ مِنَ الصُّدُودِ إمّا بِمَعْنى الإعْراضِ والمُعْرَضُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ يُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ لِأنَّهم أوْهَمُوا بِجَدَلِهِمْ أنَّ في القُرْآنِ تَناقُضًا، وإمّا عَلى أنَّ الضَّمَّ لُغَةٌ في مُضارِعِ صَدَّ بِمَعْنى ضَجَّ مِثْلُ لُغَةِ كَسْرِ الصّادِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الصّادِ وهو الصَّدُّ بِمَعْنى الضَّجِيجِ والصَّخَبِ.
والمَعْنى: إذا قُرَيْشٌ قَوْمُكَ يَصْخَبُونَ ويَضِجُّونَ مِنِ احْتِجاجِ ابْنِ الزِّبَعْرى بِالمَثَلِ بِعِيسى في قَوْلِهِ، مُعْجَبِينَ بِفَلْجِهِ وظُهُورِ حُجَّتِهِ لِضَعْفِ إدْراكِهِمْ لِمَراتِبِ الِاحْتِجاجِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِعُنْوانِ قَوْمِكَ. لِلتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ فَرِحُوا مِن تَغَلُّبِ ابْنِ الزِّبَعْرى عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِزَعْمِهِمْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ مَعَ أنَّهم قَوْمُكَ ولَيْسُوا قَوْمَ عِيسى ولا أتْباعَ دِينِهِ فَكانَ فَرَحُهم ظُلْمًا مِن ذَوِي القُرْبى، قالَ زُهَيْرٌ:
صفحة ٢٣٩
٦٩ وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مَن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ يَصُدُّونَ إلى ما في مَعْنى المَفْعُولِ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يُتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ (عَنْ)، ولا أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِها عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَكِنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يَصُدُّونَ“ تَعَلُّقًا عَلى مَعْنى الِابْتِداءِ، أيْ يَصُدُّونَ صَدًّا ناشِئًا مِنهُ، أيْ مِنَ المَثَلِ، أيْ ضُرِبَ لَهم مَثَلٌ فَجَعَلُوا ذَلِكَ المَثَلَ سَبَبًا لِلصَّدِّ.
وقالُوا جَمِيعًا: آلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو، تَلَقَّفُوها مِن فَمِ ابْنِ الزِّبَعْرى حِينَ قالَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَأعادُوها. فَهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى نَبِيءٌ وقَدْ عَبَدَتْهُ النَّصارى فَإنْ كانَ عِيسى في النّارِ قَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ وآلِهَتُنا في النّارِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو تَقْرِيرِيٌّ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّبِيءَ يُفَضِّلُ عِيسى عَلى آلِهَتِهِمْ، أيْ فَقَدْ لَزِمَكَ أنَّكَ جَعَلْتَ أهْلًا لِلنّارِ مَن كُنْتَ تُفَضِّلُهُ فَأمْرُ آلِهَتِنا هَيِّنٌ.
وضَمِيرُ الرَّفْعِ في ما ضَرَبُوهُ عائِدٌ إلى ابْنِ الزِّبَعْرى وقَوْمِهِ الَّذِينَ أُعْجِبُوا بِكَلامِهِ وقالُوا بِمُوجَبِهِ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ الغائِبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾، أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ ذَلِكَ المَثَلَ إلّا جَدَلًا مِنهم، أيْ مُحاجَّةً وإفْحامًا لَكَ ولَيْسُوا بِمُعْتَقِدِينَ هَوْنَ أمْرِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَهم، ولا بِطالِبِينَ المَيْزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَإنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّ عِيسى خَيْرٌ مِن آلِهَتِهِمْ ولَكِنَّهم أرادُوا مُجاراةَ النَّبِيءِ في قَوْلِهِ لِيُفْضُوا إلى إلْزامِهِ بِما أرادُوهُ مِنَ المُناقَضَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ النَّصْبِ في ”ضَرَبُوهُ“ عائِدًا إلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن فِعْلِ ”وقالُوا“، أيْ ما ضَرَبُوا ذَلِكَ القَوْلَ، أيْ ما قالُوهُ إلّا جَدَلًا. فالضَّرْبُ بِمَعْنى الإيجادِ كَما يُقالُ: ضَرَبَ بَيْتًا، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها
صفحة ٢٤٠
والِاسْتِثْناءُ في ”إلّا جَدَلًا“ مُفَرَّغٌ لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِهِ أوْ لِلْحالِ، فَيَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ جَدَلًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ ما ضَرَبُوهُ لِشَيْءٍ إلّا لِلْجَدَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِهِ بِمُجادِلِينَ أيْ ما ضَرَبُوهُ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالِ أنَّهم مُجادِلُونَ لا مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى وصْفِهِمْ بِحُبِّ الخِصامِ وإظْهارِهِمْ مِنَ الحُجَجِ ما لا يَعْتَقِدُونَهُ تَمْوِيهًا عَلى عامَّتِهِمْ.
والخَصْمُ بِكَسْرِ الصّادِ: شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِالخُصُومَةِ واللَّجاجِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ عِنْدَهُ، فَهو يُظْهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أآلِهَتُنا بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِها.
الزخرف 43:58
صفحة ٢٣٦
﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصُدُّونَ﴾ ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾
عَطَفَ قِصَّةً مَنَّ أقاصِيصِ كُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ عَلى ما مَضى مِن حِكايَةِ أقاوِيلِهِمْ، جَرَتْ في مُجادَلَةٍ مِنهم مَعَ النَّبِيءِ ﷺ .
وهَذا تَصْدِيرٌ وتَمْهِيدٌ بَيْنَ يَدَيْ قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ الآياتِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن عَطْفِ هَذا الكَلامِ عَلى ذِكْرِ رِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
واقْتِرانُ الكَلامِ بِـ (لَمّا) المُفِيدَةِ وُجُودَ جَوابِها عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِها، أوْ تَوْقِيتِهِ، يَقْتَضِي أنَّ مَضْمُونَ شَرْطِ (لَمّا) مَعْلُومُ الحُصُولِ ومَعْلُومُ الزَّمانِ فَهو إشارَةٌ إلى حَدِيثٍ جَرى بِسَبَبٍ مِثْلُ ضَرَبَهُ ضارِبٌ لِحالٍ مِن أحْوالِ عِيسى، عَلى أنَّ قَوْلَهم ”﴿آلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَرى في أثْناءِ المُجادَلَةِ في شَأْنِ عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ حِكايَةِ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبَهِ عَقائِدِهِمْ، فَفي هَذِهِ الآيَةِ إجْمالٌ يُبَيِّنُهُ ما يَعْرِفُهُ النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مِن جَدَلٍ جَرى مَعَ المُشْرِكِينَ، ويَزِيدُهُ بَيانًا قَوْلُهُ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] وهَذِهِ الآيَةُ مِن أخْفى آيِ القُرْآنِ مَعْنًى مُرادًا.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وما يُبَيِّنُ إجْمالَها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ ذَكَرَها في الكَشّافِ وزادَ مِن عِنْدِهِ احْتِمالًا رابِعًا. وأظْهَرُ الأقْوالِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وما ذَكَرَهُ في الكَشّافِ وجْهًا ثانِيًا ووَجْهًا ثالِثًا أنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا مِنَ النَّبِيءِ ﷺ بَيانَ ”﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]“ ولَيْسَ خُلْقُهُ مِن دُونِ أبٍ بِأعْجَبَ مِن خَلْقِ آدَمَ مِن دُونِ أبٍ ولا أُمٍّ أوْ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ لِأنَّ تِلْكَ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ وسُورَةَ الزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ النَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ عَبَدَنا المَلائِكَةَ أيْ يَدْفَعُونَ ما سَفَّهَهم بِهِ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يُسَفِّهَ النَّصارى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾“ الآيَةَ ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ عَنْ تَجاهُلٍ بِما جاءَ في القُرْآنِ مِن رَدٍّ عَلى النَّصارى.
صفحة ٢٣٧
والَّذِي جَرى عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] إذْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى قَبْلَ إسْلامِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ أخاصَّةٌ لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «هُوَ لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ الأُمَمِ»، قالَ: خَصَمْتُكَ ورَبُّ الكَعْبَةِ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ نَبِيءٌ وقَدْ عَبَدَتْهُ النَّصارى فَإنْ كانَ عِيسى في النّارِ فَقَدْ رَضِيَنا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهُ فَفَرِحَ بِكَلامِهِ مَن حَضَرَ مِنَ المُشْرِكِينَ وضَجَّ أهْلُ مَكَّةَ بِذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى لِجاجِهِمْ.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَزِيدُ في رِوايَةِ كَلامِ ابْنِ الزِّبَعْرى وقَدْ عَبَدَتْ بَنُو مُلَيْحٍ المَلائِكَةَ فَإنْ كانَ عِيسى والمَلائِكَةُ في النّارِ فَقَدْ رَضِينا. وهَذا يَتَلاءَمُ مَعَ بِناءِ فِعْلِ ”ضَرَبَ“ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ الَّذِي جَعَلَ عِيسى مَثَلًا لِمُجادَلَتِهِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى، ولَيْسَ مِن عادَةِ القُرْآنِ تَسْمِيَةُ أمْثالِهِ، ولَوْ كانَ المَثَلُ مَضْرُوبًا في القُرْآنِ لَقالَ: ولَمّا ضَرَبْنا ابْنَ مَرْيَمَ مَثَلًا، كَما قالَ بَعْدَهُ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ. ويَتَلاءَمُ مَعَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَصُدُّونَ بِحَرْفِ (مِن) الِابْتِدائِيَّةِ دُونَ حَرْفِ (عَنْ) ومَعَ قَوْلِهِ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ النَّصْبِ في ضَرَبُوهُ عائِدٌ إلى ابْنِ مَرْيَمَ.
والمُرادُ بِالمَثَلِ عَلى هَذا المُمَثَّلُ بِهِ والمُشَبَّهُ بِهِ، لِأنَّ ابْنَ الزِّبَعْرى نَظَّرَ آلِهَتَهم بِعِيسى في أنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ مِثْلَهُ فَإذا كانُوا في النّارِ كانَ عِيسى كَذَلِكَ.
ولا يُناكِدُ هَذا الوَجْهَ إلّا ما جَرى عَلَيْهِ عَدُّ السُّوَرِ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ مِن عَدِّ سُورَةِ الأنْبِياءِ الَّتِي كانَتْ آيَتُها سَبَبَ المُجادَلَةِ مُتَأخِّرَةً في النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ، ولَعَلَّ تَصْحِيحَ هَذا الوَجْهِ عِنْدَهم بَكُرَ بِالإبْطالِ عَلى مَن جَعَلَ سُورَةَ الأنْبِياءِ مُتَأخِّرَةً في النُّزُولِ عَنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ سابِقَةً حَتّى تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُذَكِّرَةً بِالقِصَّةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ نُزُولِ سُورَةِ الأنْبِياءِ، ولَيْسَ تَرْتِيبُ النُّزُولِ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ ولا بِمُحَقَّقِ السَّنَدِ فَهو يُقْبَلُ مِنهُ ما لا مُعارِضَ لَهُ. عَلى أنَّهُ قَدْ تَنْزِلُ الآيَةُ ثُمَّ تُلْحَقُ بِسُورَةٍ نَزَلَتْ قَبْلَها.
صفحة ٢٣٨
فَإذا رُجِّحَ أنْ تَكُونَ سُورَةُ الأنْبِياءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ كانَ الجَوابُ القاطِعُ لِابْنِ الزِّبَعْرى في قَوْلِهِ تَعالى فِيها ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] لِأنَّهُ يَعْنِي أنَّ عَدَمَ شُمُولِ قَوْلِهِ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] لِعِيسى مَعْلُومٌ لِكُلِّ مَن لَهُ نَظَرٌ وإنْصافٌ لِأنَّ الحُكْمَ فِيها إنَّما أُسْنِدَ إلى مَعْبُوداتِ المُشْرِكِينَ لا إلى مَعْبُودِ النَّصارى وقَلِيلٌ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الَّتِي لَمْ تُقْصَدْ بِالخِطابِ القُرْآنِيِّ أيّاَمَئِذٍ، ولَمّا أجابَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّ الآيَةَ لِجَمِيعِ الأُمَمِ إنَّما عَنى المَعْبُوداتِ الَّتِي هي مِن جِنْسِ أصْنامِهِمْ لا تَفْقَهُ ولا تَتَّصِفُ بِزَكاءٍ، بِخِلافِ الصّالِحِينَ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ القُرْآنُ بِرِفْعَةِ الدَّرَجَةِ قَبْلَ تِلْكَ الآيَةِ وبَعْدَها، إذْ لا لَبْسَ في ذَلِكَ، ويَكُونُ الجَوابُ المَذْكُورُ هُنا في سُورَةِ الزُّخْرُفِ بِقَوْلِهِ ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ جَوابًا إجْمالِيًّا، أيْ ما أرادُوا بِهِ إلّا التَّمْوِيهَ؛ لِأنَّهم لا يَخْفى عَلَيْهِمْ أنَّ آيَةَ سُورَةِ الأنْبِياءِ تُفِيدُ أنَّ عِيسى لَيْسَ حَصَبَ جَهَنَّمَ، والمَقامُ هُنا مَقامُ إجْمالٍ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إشارَةٌ وتَذْكِيرٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ الحادِثَةِ حِينَ نُزُولِ آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ وخَلَفٍ (يَصُدُّونَ) بِضَمِّ الصّادِّ مِنَ الصُّدُودِ إمّا بِمَعْنى الإعْراضِ والمُعْرَضُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ يُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ لِأنَّهم أوْهَمُوا بِجَدَلِهِمْ أنَّ في القُرْآنِ تَناقُضًا، وإمّا عَلى أنَّ الضَّمَّ لُغَةٌ في مُضارِعِ صَدَّ بِمَعْنى ضَجَّ مِثْلُ لُغَةِ كَسْرِ الصّادِ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ الصّادِ وهو الصَّدُّ بِمَعْنى الضَّجِيجِ والصَّخَبِ.
والمَعْنى: إذا قُرَيْشٌ قَوْمُكَ يَصْخَبُونَ ويَضِجُّونَ مِنِ احْتِجاجِ ابْنِ الزِّبَعْرى بِالمَثَلِ بِعِيسى في قَوْلِهِ، مُعْجَبِينَ بِفَلْجِهِ وظُهُورِ حُجَّتِهِ لِضَعْفِ إدْراكِهِمْ لِمَراتِبِ الِاحْتِجاجِ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِعُنْوانِ قَوْمِكَ. لِلتَّعْجِيبِ مِنهم كَيْفَ فَرِحُوا مِن تَغَلُّبِ ابْنِ الزِّبَعْرى عَلى النَّبِيءِ ﷺ بِزَعْمِهِمْ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ مَعَ أنَّهم قَوْمُكَ ولَيْسُوا قَوْمَ عِيسى ولا أتْباعَ دِينِهِ فَكانَ فَرَحُهم ظُلْمًا مِن ذَوِي القُرْبى، قالَ زُهَيْرٌ:
صفحة ٢٣٩
٦٩ وظُلْمُ ذَوِي القُرْبى أشُدُّ مَضاضَةً عَلى المَرْءِ مَن وقْعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِنهُ“ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ لَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ يَصُدُّونَ إلى ما في مَعْنى المَفْعُولِ، لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يُتَعَدّى إلَيْهِ بِحَرْفِ (عَنْ)، ولا أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِها عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَكِنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يَصُدُّونَ“ تَعَلُّقًا عَلى مَعْنى الِابْتِداءِ، أيْ يَصُدُّونَ صَدًّا ناشِئًا مِنهُ، أيْ مِنَ المَثَلِ، أيْ ضُرِبَ لَهم مَثَلٌ فَجَعَلُوا ذَلِكَ المَثَلَ سَبَبًا لِلصَّدِّ.
وقالُوا جَمِيعًا: آلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو، تَلَقَّفُوها مِن فَمِ ابْنِ الزِّبَعْرى حِينَ قالَها لِلنَّبِيءِ ﷺ فَأعادُوها. فَهَذا حِكايَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرى: إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى نَبِيءٌ وقَدْ عَبَدَتْهُ النَّصارى فَإنْ كانَ عِيسى في النّارِ قَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ وآلِهَتُنا في النّارِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو تَقْرِيرِيٌّ لِلْعِلْمِ بِأنَّ النَّبِيءَ يُفَضِّلُ عِيسى عَلى آلِهَتِهِمْ، أيْ فَقَدْ لَزِمَكَ أنَّكَ جَعَلْتَ أهْلًا لِلنّارِ مَن كُنْتَ تُفَضِّلُهُ فَأمْرُ آلِهَتِنا هَيِّنٌ.
وضَمِيرُ الرَّفْعِ في ما ضَرَبُوهُ عائِدٌ إلى ابْنِ الزِّبَعْرى وقَوْمِهِ الَّذِينَ أُعْجِبُوا بِكَلامِهِ وقالُوا بِمُوجَبِهِ.
وضَمِيرُ النَّصْبِ الغائِبُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾، أيْ ما ضَرَبُوا لَكَ ذَلِكَ المَثَلَ إلّا جَدَلًا مِنهم، أيْ مُحاجَّةً وإفْحامًا لَكَ ولَيْسُوا بِمُعْتَقِدِينَ هَوْنَ أمْرِ آلِهَتِهِمْ عِنْدَهم، ولا بِطالِبِينَ المَيْزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَإنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ أنَّ عِيسى خَيْرٌ مِن آلِهَتِهِمْ ولَكِنَّهم أرادُوا مُجاراةَ النَّبِيءِ في قَوْلِهِ لِيُفْضُوا إلى إلْزامِهِ بِما أرادُوهُ مِنَ المُناقَضَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ النَّصْبِ في ”ضَرَبُوهُ“ عائِدًا إلى مَصْدَرٍ مَأْخُوذٍ مِن فِعْلِ ”وقالُوا“، أيْ ما ضَرَبُوا ذَلِكَ القَوْلَ، أيْ ما قالُوهُ إلّا جَدَلًا. فالضَّرْبُ بِمَعْنى الإيجادِ كَما يُقالُ: ضَرَبَ بَيْتًا، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِها
صفحة ٢٤٠
والِاسْتِثْناءُ في ”إلّا جَدَلًا“ مُفَرَّغٌ لِلْمَفْعُولِ لِأجْلِهِ أوْ لِلْحالِ، فَيَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ جَدَلًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ ما ضَرَبُوهُ لِشَيْءٍ إلّا لِلْجَدَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِهِ بِمُجادِلِينَ أيْ ما ضَرَبُوهُ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالِ أنَّهم مُجادِلُونَ لا مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ إلى وصْفِهِمْ بِحُبِّ الخِصامِ وإظْهارِهِمْ مِنَ الحُجَجِ ما لا يَعْتَقِدُونَهُ تَمْوِيهًا عَلى عامَّتِهِمْ.
والخَصْمُ بِكَسْرِ الصّادِ: شَدِيدُ التَّمَسُّكِ بِالخُصُومَةِ واللَّجاجِ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ عِنْدَهُ، فَهو يُظْهِرُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أآلِهَتُنا بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِها.
الزخرف 43:59
﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ لَمّا ذُكِرَ ما يُشِيرُ إلى قِصَّةِ جِدالِ ابْنِ الزِّبَعْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وكانَ سَبَبُ جِدالِهِ هو أنَّ عِيسى قَدْ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، لَمْ يَتْرُكِ الكَلامَ يَنْقَضِي دُونَ أنْ يُرْدِفَ بِتَقْرِيرِ عُبُودِيَّةِ عِيسى لِهَذِهِ المُناسَبَةِ، إظْهارًا لِخَطَلِ رَأْيِ الَّذِينَ ادَّعَوْا إلَهِيَّتَهُ وعَبَدُوهُ وهُمُ النَّصارى حِرْصًا عَلى الِاسْتِدْلالِ لِلْحَقِّ.
وقَدْ قُصِرَ عِيسى عَلى العُبُودِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ قَصْرِ القَلْبِ لِلرَّدِّ عَلى الَّذِينَ زَعَمُوهُ إلَهًا، أيْ ما هو إلّا عَبْدٌ لا إلَهٌ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تُنافِي العُبُودِيَّةَ. ثُمَّ كانَ قَوْلُهُ أنْعَمْنا عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ قَدْ فُضِّلَ بِنِعْمَةِ الرِّسالَةِ، أيْ فَلَيْسَتْ لَهُ خُصُوصِيَّةُ مَزِيَّةٍ عَلى بَقِيَّةِ الرُّسُلِ، ولَيْسَ تَكْوِينُهُ بِدُونِ أبٍ إلّا إرْهاصًا.
وأمّا قَوْلُهُ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ فَهو إبْطالٌ لِشُبْهَةِ الَّذِينَ ألَّهُوهُ
صفحة ٢٤١
بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّ كَوْنَهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يُفِيدُ أنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالإلَهِيَّةِ، أيْ كانَ خَلْقُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ دُونَ أنْ يَقْرَبَها ذَكَرٌ لِيَكُونَ عِبْرَةً عَجِيبَةً في بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ضَعُفَ إيمانُهم بِالغَيْبِ وبَعْدَ عَهْدِهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ فَبَعَثَ اللَّهُ عِيسى مُجَدِّدًا لِلْإيمانِ بَيْنَهم، ومُبَرْهِنًا بِمُعْجِزاتِهِ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ، ومُعِيدًا لِتَشْرِيفِ اللَّهِ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جَعَلَ فِيهِمْ أنْبِياءَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوَّةِ الإيمانِ فِيهِمْ، ومُظْهِرًا لِفَضِيلَةِ أهْلِ الفَضْلِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولِعِنادِ الَّذِينَ مَنَعَهُمُ الدَّفْعُ عَنْ حُرْمَتِهِمْ مِنَ الِاعْتِرافِ بِمُعْجِزاتِهِ؛ فَناصَبُوهُ العَداءَ وسَعَوْا لِلتَّنْكِيلِ بِهِ وقَتْلِهِ؛ فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنهم ورَفَعَهُ مِن بَيْنِهِمْ فاهْتَدى بِهِ أقْوامٌ وافْتَتَنَ بِهِ آخَرُونَ.
فالمَثَلُ هُنا بِمَعْنى العِبْرَةِ كالَّذِي في قَوْلِهِ آنِفًا فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ.
وفِي قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ عِيسى لَمْ يُبْعَثْ إلّا إلى بَنِي إسْرائِيلَ وأنَّهُ لَمْ يَدْعُ غَيْرَ بَنِي إسْرائِيلَ إلى اتِّباعِ دِينِهِ، ومَنِ اتَّبَعُوهُ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ في عُصُورِ الكُفْرِ والشِّرْكِ فَإنَّما تَقَلَّدُوا دَعْوَتَهُ لِأنَّها تُنْقِذُهم مِن ظُلُماتِ الشِّرْكِ والوَثَنِيَّةِ والتَّعْطِيلِ.
الزخرف 43:60
﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾
لَمّا أشارَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ إلى إبْطالِ ضَلالَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، مِن قَصْرِهِ عَلى كَوْنِهِ عَبْدًا لِلَّهِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالرِّسالَةِ وأنَّهُ عِبْرَةٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ عُقِّبَ ذَلِكَ بِإبْطالِ ما يُماثِلُ تِلْكَ الضَّلالَةَ، وهي ضَلالَةُ بَعْضِ المُشْرِكِينَ في ادِّعاءِ بُنُوَّةِ المَلائِكَةِ لِلَّهِ تَعالى المُتَقَدِّمِ حِكايَتُها في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] الآياتِ. فَأُشِيرَ إلى أنَّ المَلائِكَةَ عِبادٌ لِلَّهِ تَعالى جَعَلَ مَكانَهُمُ العَوالِمَ العُلْيا، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم مِن سُكّانِ الأرْضِ بَدَلًا عَنِ النّاسِ، أيْ أنَّ كَوْنَهم مِن أهْلِ العَوالِمِ العُلْيا لَمْ يَكُنْ واجِبًا لَهم بِالذّاتِ وما هو إلّا وضْعٌ بِجَعْلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَما جَعَلَ لِلْأرْضِ سُكّانًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَعَكَسَ فَجَعَلَ المَلائِكَةَ في الأرْضِ بَدَلًا عَنْ
صفحة ٢٤٢
النّاسِ، فَلَيْسَ تَشْرِيفُ اللَّهِ إيّاهم بِسُكْنى العَوالِمِ العُلْيا بِمُوجِبٍ بُنُوَّتَهم لِلَّهِ ولا بِمُقْتَضٍ لَهم إلَهِيَّةً، كَما لَمْ يَكُنْ تَشْرِيفُ عِيسى بِنِعْمَةِ الرِّسالَةِ ولا تَمْيِيزُهُ بِالتَّكَوُّنِ مِن دُونِ أبٍ مُقْتَضِيًا لَهُ إلَهِيَّةً وإنَّما هو بِجَعْلِ اللَّهِ وخَلْقِهِ.
وجُعِلَ شَرْطُ (لَوْ) فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ المَشِيئَةَ لَمْ تَزَلْ مُمْكِنَةً بِأنْ يُعَوِّضَ لِلْمَلائِكَةِ سُكْنى الأرْضِ.
ومَعْنى (مِن) في قَوْلِهِ ”مِنكم“ البَدَلِيِّةُ والعِوَضُ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] .
والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جَعَلَنا“، وقُدِّمَ عَلى مَفْعُولِ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِمَعْنى هَذِهِ البَدَلِيِّةِ لِتَتَعَمَّقَ أفْهامُ السّامِعِينَ في تَدَبُّرِها.
وجُمْلَةُ ”﴿فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾“ بَيانٌ لِمَضْمُونِ شِبْهِ الجُمْلَةِ إلى قَوْلِهِ ”مِنكم“ وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَخْلُفُونَ“ لِدَلالَةِ ”مِنكم“ عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِما هو أدَلُّ عَلى كَوْنِ الجُمْلَةِ بَيانًا لِمَضْمُونِ مِنكم.
وهَذا هو الوَجْهُ في مَعْنى الآيَةِ وعَلَيْهِ دَرَجَ المُحَقِّقُونَ. ومُحاوَلَةُ صاحِبِ الكَشّافِ حَمْلُ ”مِنكم“ عَلى مَعْنى الِابْتِدائِيَّةِ والِاتِّصالُ لا يُلاقِي سِياقَ الآياتِ.
الزخرف 43:61
﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ الأظْهَرُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] ويَكُونُ ما بَيْنَهُما مُسْتَطْرِداتٍ واعْتِراضًا اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ.
لَمّا أُشْبِعَ مَقامُ إبْطالِ إلَهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ بِدَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ ثُنِي العِنانُ إلى إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، عَوْدًا عَلى بَدْءٍ.
وهَذا كَلامٌ مُوَجَّهٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى إلى المُنْكِرِينَ يَوْمَ البَعْثِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ .
وضَمِيرُ المُذَكَّرِ الغائِبُ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ وبِذَلِكَ
صفحة ٢٤٣
فَسَّرَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَيَكُونُ هَذا ثَناءً ثامِنًا عَلى القُرْآنِ، فالثَّناءُ عَلى القُرْآنِ اسْتَمَرَّ مُتَّصِلًا مِن أوَّلِ السُّورَةِ آخِذًا بَعْضَهُ بِحُجَزِ بَعْضٍ مُتَخَلَّلًا بِالمُعْتَرِضاتِ والمُسْتَطْرِداتِ ومُتَخَلِّصًا إلى هَذا الثَّناءِ الأخِيرِ بِأنَّ القُرْآنَ أعْلَمَ النّاسَ بِوُقُوعِ السّاعَةِ.
ويُفَسِّرُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، عَلى أنَّ وُرُودَ مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ القُرْآنُ كَثِيرٌ مَعْلُومٌ مِن غَيْرِ مَعادٍ فَضْلًا عَلى وُجُودِ مَعادِهِ.
ومَعْنى تَحْقِيقِ أنَّ القُرْآنَ عِلْمٌ لِلسّاعَةِ أنَّهُ جاءَ بِالدِّينِ الخاتَمِ لِلشَّرائِعِ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ مَجِيءِ القُرْآنِ إلّا انْتِظارُ انْتِهاءِ العالَمِ. وهَذا مَعْنى ما رُوِيَ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةِ كَهاتَيْنِ، وقَرَنَ بَيْنَ السَّبّابَةِ والوُسْطى مُشِيرًا إلَيْهِما»، والمُشابَهَةُ في عَدَمِ الفَصْلِ بَيْنَهُما.
وإسْنادُ ”عِلْمٌ لِلسّاعَةِ“ إلى ضَمِيرِ القُرْآنِ إسْنادٌ مَجازِيٌّ لِأنَّ القُرْآنَ سَبَبُ العِلْمِ بِوُقُوعِ السّاعَةِ إذْ فِيهِ الدَّلائِلُ المُتَنَوِّعَةُ عَلى إمْكانِ البَعْثِ ووُقُوعِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ العِلْمِ بِمَعْنى المُعْلِمِ، مِنِ اسْتِعْمالِ المَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ مُبالَغَةً في كَوْنِهِ مُحَصِّلًا لِلْعِلْمِ بِالسّاعَةِ إذْ لَمْ يُقارِبْهُ في ذَلِكَ كِتابٌ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ.
وقَدْ ناسَبَ هَذا المَجازَ أوِ المُبالَغَةَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ لِأنَّ القُرْآنَ لَمْ يُبْقِ لِأحَدٍ مِرْيَةً في أنَّ البَعْثَ واقِعٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ الضَّمِيرَ لِعِيسى، وتَأوَّلُوهُ بِأنَّ نُزُولَ عِيسى عَلامَةُ السّاعَةِ، أيْ سَبَبُ عِلْمٍ بِالسّاعَةِ، أيْ بِقُرْبِها، وهو تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ فَإنَّ تَقْدِيرَ مُضافٍ وهو نُزُولُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ويُناكِدُهُ إظْهارُ اسْمِ عِيسى في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ عِيسى إلَخْ.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (إنَّهُ) ضَمِيرَ شَأْنٍ، أيْ أنَّ الأمْرَ المُهِمَّ لِعِلْمِ النّاسِ بِوُقُوعِ السّاعَةِ.
صفحة ٢٤٤
وعُدِّيَ فِعْلُ ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: لا تُكَذِّبُنَّ بِها، أوِ الباءِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ.
* * *
﴿واتَّبَعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى، أيِ اتَّبَعُوا ما أرْسَلْتُ إلَيْكم مِن كَلامِي ورَسُولِي، جَرْيًا عَلى غالِبِ الضَّمائِرِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ كَما تَقَدَّمَ، فالمُرادُ بِاتِّباعِ اللَّهِ: اتِّباعُ أمْرِهِ ونَهْيِهِ وإرْشادِهِ الوارِدِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاتِّباعُ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لِامْتِثالِهِمْ ما دَعاهم إلَيْهِ بِأنَّ شَبَّهَ حالَ المُمْتَثِلِينَ أمْرَ اللَّهِ بِحالِ السّالِكِينَ صِراطًا دَلَّهم عَلَيْهِ دَلِيلٌ. ويَكُونُ هَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الشُّورى ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٣] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى النَّبِيءِ ﷺ بِتَقْدِيرِ: وقُلِ اتَّبِعُونِ، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ.
والإشارَةُ في ”﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾“ لِلْقُرْآنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أوِ الإشارَةِ إلى ما هو حاضِرٌ في الأذْهانِ مِمّا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أوِ الإشارَةِ إلى دِينِ الإسْلامِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا مَعَ بَقاءِ نُونِ الوِقايَةِ دَلِيلًًا عَلَيْها.
الزخرف 43:62
﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
لَمّا أُبْلِغَتْ أسْماعُهم أفانِينَ المَواعِظِ والأوامِرِ والنَّواهِي، وجَرى في خِلالِ ذَلِكَ تَحْذِيرُهم مِنَ الإصْرارِ عَلى الإعْراضِ عَنِ القُرْآنِ، وإعْلامُهم بِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى مُقارَنَةِ الشَّيْطانِ، وأخَذَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنَ البَيانِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى نَهْيِهِمْ عَنْ أنْ يَحْصُلَ صَدُّ الشَّيْطانِ إيّاهم عَنْ هَذا الدِّينِ والقُرْآنِ الَّذِي دَعَوا إلى اتِّباعِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الصُّدُودَ عَنْ هَذا الدِّينِ مِن وسْوَسَةِ
صفحة ٢٤٥
الشَّيْطانِ، وتَذْكِيرًا بِعَداوَةِ الشَّيْطانِ لِلْإنْسانِ عَداوَةً قَوِيَّةً لا يُفارِقُها الدَّفْعُ بِالنّاسِ إلى مُساوِي الأعْمالِ لِيُوقِعَهم في العَذابِ تَشَفِّيًا لِعَداوَتِهِ.
وقَدْ صِيغَ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ في صَدِّهِ إيّاهم بِصِيغَةِ نَهْيِ الشَّيْطانِ عَنْ أنْ يَصُدَّهم، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ في مُكْنَتِهِمُ الِاحْتِفاظَ مِنَ الِارْتِباقِ في شِباكِ الشَّيْطانِ، فَكُنِّيَ بِنَهْيِ الشَّيْطانِ عَنْ صَدِّهِمْ عَنْ نَهْيِهِمْ عَنِ الطّاعَةِ لَهُ بِأبْلَغَ مِن تَوْجِيهِ النَّبِيءِ ﷺ إلَيْهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ العَرَبِ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، ولا ألْفَيَنَّكَ في مَوْضِعِ كَذا.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ أنْ يَصُدَّهُمُ الشَّيْطانُ فَإنَّ شَأْنَ العاقِلِ أنْ يُحَذِّرَ مِن مَكائِدِ عَدُّوهِ.
وعَداوَةُ الشَّيْطانِ لِلْبَشَرِ ناشِئَةٌ مِن خُبْثِ كَيْنُونَتِهِ مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ الخُبْثِ مَن تَنافِي العُنْصُرَيْنِ فَإذا التَقى التَّنافِي مَعَ خُبْثِ الطَّبْعِ نَشَأ مِن مَجْمُوعِهِما القَصْدُ بِالأذى، وقَدْ أذْكى تِلْكَ العَداوَةَ حَدَثٌ قارَنَ نَشْأةَ نَوْعِ الإنْسانِ عِنْدَ تَكْوِينِهِ، في قِصَّتِهِ مَعَ آدَمَ كَما قَصَّهُ القُرْآنُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وحَرْفُ (إنْ) هُنا مَوْقِعُهُ مَوْقِعُ فاءِ التَّسَبُّبِ في إفادَةِ التَّعْلِيلِ.
الزخرف 43:63
﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو عَطْفٌ عَلى قِصَّةِ إرْسالِ مُوسى.
ولَمْ يُذْكَرْ جَوابُ (لَمّا) فَهو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
ومَوْقِعُ حَرْفِ (لَمّا) هُنا أنَّ مَجِيءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ صارَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ مِمّا تَقَدَّمَ
صفحة ٢٤٦
فِي قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] الآيَةَ، أيْ لَمّا جاءَهم عِيسى اخْتَلَفَ الأحْزابُ فِيما جاءَ بِهِ، فَحُذِفَ جَوابُ (لَمّا) لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ سَنَنَ الأُمَمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لَمْ يَخْتَلِفْ فَإنَّهُ لَمْ يَخْلُ رَسُولٌ عَنْ قَوْمٍ آمَنُوا بِهِ وقَوْمٍ كَذَّبُوهُ ثُمَّ كانُوا سَواءً في نِسْبَةِ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ بِمَزاعِمِ النَّصارى أنَّ عِيسى ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أيْ أشْرَكُوا كَما هو اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا. فَتَمَّ التَّشابُهُ بَيْنَ الرُّسُلِ السّابِقِينَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَحَصَلَ في الكَلامِ إيجازٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ فاءُ التَّفْرِيعِ.
وفِي قِصَّةِ عِيسى مَعَ قَوْمِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإشْراكَ مِن عَوارِضِ أهْلِ الضَّلالَةِ لا يَلْبَثُ أنْ يُخامِرَ نُفُوسَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِقًا بِها مِن قَبْلُ، فَإنَّ عِيسى بُعِثَ إلى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا يَدِينُونَ بِالشِّرْكِ إذْ هو قَدْ بُعِثَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّهم مُوَحِّدُونَ فَلَمّا اخْتَلَفَ أتْباعُهُ بَيْنَهم وكَذَّبَتْ بِهِ فِرَقٌ وصَدَّقَهُ فَرِيقٌ ثُمَّ لَمْ يَتَّبِعُوا ما أمَرَهم بِهِ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ حَدَثَتْ فِيهِمْ نِحْلَةُ الإشْراكِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ ولَيْسَتْ جَوابًا لِشَرْطِ ”لَمّا“ الَّذِي جُعِلَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [الزخرف: ٦٥] دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وفِي إيقاعِ جُمْلَةِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ بادَأهم بِهَذا القَوْلِ، لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ أنْ يُسْرِعُوا إلى غاياتِها، ولَوْ كانَتْ مَبادِئُ الدَّعْوَةِ تُنافِي عَقائِدَهم، أيْ لَمْ يَدْعُهم عِيسى إلى أكْثَرَ مِنِ اتِّباعِ الحِكْمَةِ وبَيانِ المُخْتَلَفِ فِيهِ ولَمْ يَدْعُهم إلى ما يُنافِي أُصُولَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حالُهُ مِن صُدُودٍ مُرِيعٍ عَنْهُ وتَكْذِيبٍ.
وابْتِداؤُهُ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ جاءَهم بِالحِكْمَةِ والبَيانِ وهو إجْمالُ حالِ رِسالَتِهِ تَرْغِيبٌ لَهم في وعْيِ ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن تَفاصِيلِ الدَّعْوَةِ المُفَرَّعِ بَعْضُها عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ .
والحِكْمَةُ هي مَعْرِفَةُ ما يُؤَدِّي إلى الحَسَنِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ وهي هُنا النُّبُوَّةُ،
صفحة ٢٤٧
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ جاءَ عِيسى بِتَعْلِيمِهِمْ حَقائِقَ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والمَواعِظِ.
وقَوْلُهُ: ”﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، عُطِفَ عَلى بِالحِكْمَةِ لِأنَّ كِلَيْهِما مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ“ جِئْتُكم ”. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والتَّبْيِينُ: تَجْلِيَةُ المَعانِي الخَفِيَّةِ لِغُمُوضٍ أوْ سُوءِ تَأْوِيلٍ، والمُرادُ ما بَيَّنَهُ عِيسى في الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أفْهامُ اليَهُودِ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِفَهْمِ التَّوْراةِ أوْ بِتَعْيِينِ الأحْكامِ لِلْحَوادِثِ الطّارِئَةِ.
ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ المَحْكِيَّ في آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ قالَهُ في مَقامٍ آخَرَ.
والمَقْصُودُ حِكايَةُ ما قالَهُ لَهم مِمّا لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ قَوْمَهُ بِالتَّكْذِيبِ فَهم كَذَّبُوهُ في وقْتٍ لَمْ يَذْكُرْ لَهم فِيهِ أنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ بَعْضِ الأحْكامِ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ كَذَّبُوهُ في حالِ ظُهُورِ آياتِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ وفي حالِ انْتِفاءِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ شَكًّا.
وإنَّما قالَ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، إمّا لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّ المَصْلَحَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِبَيانِ كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلى البَعْضِ ثُمَّ يَكْمُلُ بَيانُ الباقِي عَلى لِسانِ رَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ يُبَيِّنُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ.
وإمّا لِأنَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ البَيانِ غَيْرُ شامِلٍ لِجَمِيعِ ما هم مُخْتَلِفُونَ في حُكْمِهِ وهو يَنْتَظِرُ بَيانَهُ مِن بَعْدُ تَدْرِيجًا في التَّشْرِيعِ كَما وقَعَ في تَدْرِيجِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في الإسْلامِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ما كانَ الِاخْتِلافُ فِيهِ راجِعًا إلى أحْكامِ الدِّينِ دُونَ ما كانَ مِنَ الِاخْتِلافِ في أُمُورِ الدُّنْيا.
وفِي قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ تَهْيِئَةٌ لَهم لِقَبُولِ ما سَيُبَيَّنُ لَهم حِينَئِذٍ أوْ مِن بَعْدُ.
صفحة ٢٤٨
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ فِيما لَهُ ظاهِرٌ وفي ما يَرْجِعُ إلى البَيانِ بِالنَّسْخِ، والمَسْألَةُ مِن أُصُولِ الفِقْهِ.
وفَرَّعَ عَلى إجْمالِ فاتِحَةِ كَلامِهِ قَوْلَهُ“ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ”. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِتَفاصِيلِ الحِكْمَةِ وبَيانِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَإنَّ التَّقْوى مَخافَةَ اللَّهِ. وقَدْ جاءَ في الأثَرِ“ «رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللَّهِ» ”، وطاعَةُ الرَّسُولِ تَشْمَلُ مَعْنى ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فَإذا أطاعُوهُ عَمِلُوا بِما يُبَيِّنُ لَهم فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَيانِ وهو العَمَلُ. وأجْمَعُ مِنهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُفْيانَ الثَّقَفِيِّ وقَدْ سَألَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ في الإسْلامِ قَوْلًا لا يَسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَهُ قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، لِأنَّهُ ألْيَقُ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ في شَرِيعَةٍ لا يُتَرَقَّبُ بَعْدَها مَجِيءُ شَرِيعَةٍ أُخْرى، بِخِلافِ قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ“ وأطِيعُونِ ”فَإنَّهُ مَحْدُودٌ بِمُدَّةِ وُجُودِهِ بَيْنَهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَوَجَّهَ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ إذْ لا يَخافُ اللَّهَ إلّا مَنِ اعْتَرَفَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وانْفِرادِهِ بِها.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، أيِ اللَّهُ رَبِّي لا غَيْرُهُ. وهَذا إعْلانٌ بِالوَحْدانِيَّةِ وإنْ كانَ القَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِيسى مُوَحِّدِينَ، لَكِنْ قَدْ ظَهَرَتْ بِدْعَةٌ في بَعْضِ فِرَقِهِمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَإنَّ المُخاطَبِينَ غَيْرُ مُنْكِرِينَ ذَلِكَ.
وتَقْدِيمُ نَفْسِهِ عَلى قَوْمِهِ في قَوْلِهِ“ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ”لِقَصْدِ سَدِّ ذَرائِعِ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ عِيسى، وذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ سَتَغْلُو فِيهِ فِرَقٌ مِن أتْباعِهِ فَيَزْعُمُونَ بُنُوَّتَهَ مِنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَضِلُّونَ بِكَلِماتِ الإنْجِيلِ الَّتِي يَقُولُ فِيها عِيسى: أبِي، مُرِيدًا بِهِ اللَّهَ تَعالى.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ“ فاعْبُدُوهُ " فَإنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ حَقِيقٌ بِأنْ يُعْبَدَ.
صفحة ٢٤٩
والإشارَةُ بِـ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ، أيْ هَذا طَرِيقُ الوُصُولِ إلى الفَوْزِ عَنْ بَصِيرَةٍ ودُونَ تَرَدُّدٍ، كَما أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ لا يَنْبَهِمُ السَّيْرُ فِيهِ عَلى السّائِرِ.
الزخرف 43:64
﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَهو عَطْفٌ عَلى قِصَّةِ إرْسالِ مُوسى.
ولَمْ يُذْكَرْ جَوابُ (لَمّا) فَهو مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ بَقِيَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
ومَوْقِعُ حَرْفِ (لَمّا) هُنا أنَّ مَجِيءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ صارَ مَعْلُومًا لِلسّامِعِ مِمّا تَقَدَّمَ
صفحة ٢٤٦
فِي قَوْلِهِ ﴿إنْ هو إلّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩] الآيَةَ، أيْ لَمّا جاءَهم عِيسى اخْتَلَفَ الأحْزابُ فِيما جاءَ بِهِ، فَحُذِفَ جَوابُ (لَمّا) لِأنَّ المَقْصُودَ هو قَوْلُهُ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] لِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ سَنَنَ الأُمَمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لَمْ يَخْتَلِفْ فَإنَّهُ لَمْ يَخْلُ رَسُولٌ عَنْ قَوْمٍ آمَنُوا بِهِ وقَوْمٍ كَذَّبُوهُ ثُمَّ كانُوا سَواءً في نِسْبَةِ الشُّرَكاءِ في الإلَهِيَّةِ بِمَزاعِمِ النَّصارى أنَّ عِيسى ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا أيْ أشْرَكُوا كَما هو اصْطِلاحُ القُرْآنِ غالِبًا. فَتَمَّ التَّشابُهُ بَيْنَ الرُّسُلِ السّابِقِينَ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، فَحَصَلَ في الكَلامِ إيجازٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ فاءُ التَّفْرِيعِ.
وفِي قِصَّةِ عِيسى مَعَ قَوْمِهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإشْراكَ مِن عَوارِضِ أهْلِ الضَّلالَةِ لا يَلْبَثُ أنْ يُخامِرَ نُفُوسَهم وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِقًا بِها مِن قَبْلُ، فَإنَّ عِيسى بُعِثَ إلى قَوْمٍ لَمْ يَكُونُوا يَدِينُونَ بِالشِّرْكِ إذْ هو قَدْ بُعِثَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُلُّهم مُوَحِّدُونَ فَلَمّا اخْتَلَفَ أتْباعُهُ بَيْنَهم وكَذَّبَتْ بِهِ فِرَقٌ وصَدَّقَهُ فَرِيقٌ ثُمَّ لَمْ يَتَّبِعُوا ما أمَرَهم بِهِ لَمْ يَلْبَثُوا أنْ حَدَثَتْ فِيهِمْ نِحْلَةُ الإشْراكِ.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ ولَيْسَتْ جَوابًا لِشَرْطِ ”لَمّا“ الَّذِي جُعِلَ التَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ [الزخرف: ٦٥] دَلِيلًا عَلَيْهِ.
وفِي إيقاعِ جُمْلَةِ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ إيماءً إلى أنَّهُ بادَأهم بِهَذا القَوْلِ، لِأنَّ شَأْنَ أهْلِ الضَّلالَةِ أنْ يُسْرِعُوا إلى غاياتِها، ولَوْ كانَتْ مَبادِئُ الدَّعْوَةِ تُنافِي عَقائِدَهم، أيْ لَمْ يَدْعُهم عِيسى إلى أكْثَرَ مِنِ اتِّباعِ الحِكْمَةِ وبَيانِ المُخْتَلَفِ فِيهِ ولَمْ يَدْعُهم إلى ما يُنافِي أُصُولَ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حالُهُ مِن صُدُودٍ مُرِيعٍ عَنْهُ وتَكْذِيبٍ.
وابْتِداؤُهُ بِإعْلامِهِمْ أنَّهُ جاءَهم بِالحِكْمَةِ والبَيانِ وهو إجْمالُ حالِ رِسالَتِهِ تَرْغِيبٌ لَهم في وعْيِ ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِن تَفاصِيلِ الدَّعْوَةِ المُفَرَّعِ بَعْضُها عَلى هَذِهِ المُقَدِّمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ .
والحِكْمَةُ هي مَعْرِفَةُ ما يُؤَدِّي إلى الحَسَنِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ وهي هُنا النُّبُوَّةُ،
صفحة ٢٤٧
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَدْ جاءَ عِيسى بِتَعْلِيمِهِمْ حَقائِقَ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والمَواعِظِ.
وقَوْلُهُ: ”﴿ولِأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، عُطِفَ عَلى بِالحِكْمَةِ لِأنَّ كِلَيْهِما مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ“ جِئْتُكم ”. واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ. والتَّبْيِينُ: تَجْلِيَةُ المَعانِي الخَفِيَّةِ لِغُمُوضٍ أوْ سُوءِ تَأْوِيلٍ، والمُرادُ ما بَيَّنَهُ عِيسى في الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِمّا اخْتَلَفَتْ فِيهِ أفْهامُ اليَهُودِ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِفَهْمِ التَّوْراةِ أوْ بِتَعْيِينِ الأحْكامِ لِلْحَوادِثِ الطّارِئَةِ.
ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ المَحْكِيَّ في آيَةِ سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ قالَهُ في مَقامٍ آخَرَ.
والمَقْصُودُ حِكايَةُ ما قالَهُ لَهم مِمّا لَيْسَ شَأْنُهُ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ قَوْمَهُ بِالتَّكْذِيبِ فَهم كَذَّبُوهُ في وقْتٍ لَمْ يَذْكُرْ لَهم فِيهِ أنَّهُ جاءَ بِنَسْخِ بَعْضِ الأحْكامِ مِنَ التَّوْراةِ، أيْ كَذَّبُوهُ في حالِ ظُهُورِ آياتِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ وفي حالِ انْتِفاءِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُثِيرَ عَلَيْهِ شَكًّا.
وإنَّما قالَ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، إمّا لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ بِأنَّ المَصْلَحَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِبَيانِ كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلى البَعْضِ ثُمَّ يَكْمُلُ بَيانُ الباقِي عَلى لِسانِ رَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ يُبَيِّنُ جَمِيعَ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ.
وإمّا لِأنَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ البَيانِ غَيْرُ شامِلٍ لِجَمِيعِ ما هم مُخْتَلِفُونَ في حُكْمِهِ وهو يَنْتَظِرُ بَيانَهُ مِن بَعْدُ تَدْرِيجًا في التَّشْرِيعِ كَما وقَعَ في تَدْرِيجِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ في الإسْلامِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِـ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ ما كانَ الِاخْتِلافُ فِيهِ راجِعًا إلى أحْكامِ الدِّينِ دُونَ ما كانَ مِنَ الِاخْتِلافِ في أُمُورِ الدُّنْيا.
وفِي قَوْلِهِ ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ تَهْيِئَةٌ لَهم لِقَبُولِ ما سَيُبَيَّنُ لَهم حِينَئِذٍ أوْ مِن بَعْدُ.
صفحة ٢٤٨
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ فِيما لَهُ ظاهِرٌ وفي ما يَرْجِعُ إلى البَيانِ بِالنَّسْخِ، والمَسْألَةُ مِن أُصُولِ الفِقْهِ.
وفَرَّعَ عَلى إجْمالِ فاتِحَةِ كَلامِهِ قَوْلَهُ“ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ”. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ لِتَفاصِيلِ الحِكْمَةِ وبَيانِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَإنَّ التَّقْوى مَخافَةَ اللَّهِ. وقَدْ جاءَ في الأثَرِ“ «رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللَّهِ» ”، وطاعَةُ الرَّسُولِ تَشْمَلُ مَعْنى ﴿ولِأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ فَإذا أطاعُوهُ عَمِلُوا بِما يُبَيِّنُ لَهم فَيَحْصُلُ المَقْصُودُ مِنَ البَيانِ وهو العَمَلُ. وأجْمَعُ مِنهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُفْيانَ الثَّقَفِيِّ وقَدْ سَألَهُ أنْ يَقُولَ لَهُ في الإسْلامِ قَوْلًا لا يَسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَهُ قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، لِأنَّهُ ألْيَقُ بِكَلِمَةٍ جامِعَةٍ في شَرِيعَةٍ لا يُتَرَقَّبُ بَعْدَها مَجِيءُ شَرِيعَةٍ أُخْرى، بِخِلافِ قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ“ وأطِيعُونِ ”فَإنَّهُ مَحْدُودٌ بِمُدَّةِ وُجُودِهِ بَيْنَهم.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِأنَّهُ إذا ثَبَتَ تَفَرُّدُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَوَجَّهَ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ إذْ لا يَخافُ اللَّهَ إلّا مَنِ اعْتَرَفَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وانْفِرادِهِ بِها.
وضَمِيرُ الفَصْلِ أفادَ القَصْرَ، أيِ اللَّهُ رَبِّي لا غَيْرُهُ. وهَذا إعْلانٌ بِالوَحْدانِيَّةِ وإنْ كانَ القَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ عِيسى مُوَحِّدِينَ، لَكِنْ قَدْ ظَهَرَتْ بِدْعَةٌ في بَعْضِ فِرَقِهِمُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] .
وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ فَإنَّ المُخاطَبِينَ غَيْرُ مُنْكِرِينَ ذَلِكَ.
وتَقْدِيمُ نَفْسِهِ عَلى قَوْمِهِ في قَوْلِهِ“ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ ”لِقَصْدِ سَدِّ ذَرائِعِ الغُلُوِّ في تَقْدِيسِ عِيسى، وذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُ سَتَغْلُو فِيهِ فِرَقٌ مِن أتْباعِهِ فَيَزْعُمُونَ بُنُوَّتَهَ مِنَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَضِلُّونَ بِكَلِماتِ الإنْجِيلِ الَّتِي يَقُولُ فِيها عِيسى: أبِي، مُرِيدًا بِهِ اللَّهَ تَعالى.
وفُرِّعَ عَلى إثْباتِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ بِقَوْلِهِ“ فاعْبُدُوهُ " فَإنَّ المُنْفَرِدَ بِالإلَهِيَّةِ حَقِيقٌ بِأنْ يُعْبَدَ.
صفحة ٢٤٩
والإشارَةُ بِـ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الزخرف: ٦١] إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ، أيْ هَذا طَرِيقُ الوُصُولِ إلى الفَوْزِ عَنْ بَصِيرَةٍ ودُونَ تَرَدُّدٍ، كَما أنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ لا يَنْبَهِمُ السَّيْرُ فِيهِ عَلى السّائِرِ.
الزخرف 43:65
﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾
هَذا التَّفْرِيعُ هو المَقْصُودُ مَن سَوْقِ القِصَّةِ مَساقَ التَّنْظِيرِ بَيْنَ أحْوالِ الرُّسُلِ، أيْ عَقِبَ دَعْوَتِهِ اخْتِلافَ الأحْزابِ مِن بَيْنِ الأُمَّةِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ والَّذِينَ تَقَلَّدُوا مِلَّتَهُ طَلَبًا لِلِاهْتِداءِ.
وهَذا التَّفْرِيعُ دَلِيلٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) المَحْذُوفِ.
وضَمِيرُ ”بَيْنِهِمْ“ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ جاءَهم عِيسى لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِن سِياقِ القِصَّةِ مِن قَوْلِهِ ”جاءَ عِيسى“ فَإنَّ المَجِيءَ يَقْتَضِي مَجِيئًا إلَيْهِ وهُمُ اليَهُودُ.
و(مِن) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً لِتَأْكِيدِ مَدْلُولِ ”بَيْنَهم“ أيِ اخْتَلَفُوا اخْتِلافَ أُمَّةٍ واحِدَةٍ، أيْ فَمِنهم مَن صَدَّقَ عِيسى وهم: يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا ومَرْيَمُ أمُّ عِيسى والحَوارِيُّونَ الِاثْنا عَشَرَ وبَعْضُ نِساءٍ مِثْلُ مَرْيَمَ المَجْدَلِيَّةِ ونَفَرٍ قَلِيلٍ، وكَفَرَ بِهِ جُمْهُورُ اليَهُودِ وأحْبارُهم، وكانَ ما كانَ مَن تَألُّبِ اليَهُودِ عَلَيْهِ حَتّى رَفَعَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ انْتَشَرَ الحَوارِيُّونَ يَدْعُونَ إلى شَرِيعَةِ عِيسى فاتَّبَعَهم أقْوامٌ في بِلادِ رُومِيَّةَ وبِلادِ اليُونانِ ولَمْ يَلْبَثُوا أنِ اخْتَلَفُوا مِن بَيْنِهِمْ في أُصُولِ الدِّيانَةِ فَتَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: نَسْطُورِيَّةٍ، ويَعاقِبَةَ، ومَلْكانِيَّةٍ. فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَعاقِبَةُ: عِيسى هو اللَّهُ، أيْ بِطَرِيقِ الحُلُولِ، وقالَتِ المَلْكانِيَّةُ وهُمُ الكاثُولِيكُ: عِيسى ثالِثُ ثَلاثَةٍ مَجْمُوعُها هو الإلَهُ، وتِلْكَ هي: الأبُ اللَّهُ، والِابْنُ عِيسى، ورُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ فالإلَهُ عِنْدَهم أقانِيمُ ثَلاثَةٌ.
وقَدْ شَمِلَتِ الآيَةُ كِلا الِاخْتِلافَيْنِ فَتَكُونُ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَةِ التَّعْقِيبِ ومَجازِهِ. بِأنْ يَكُونَ شُمُولُها لِلِاخْتِلافِ الأخِيرِ مَجازًا عَلاقَتُهُ المُشابَهَةُ لِتَشْبِيهِ مُفاجَأةِ
صفحة ٢٥٠
طُرُوِّ الِاخْتِلافِ بَيْنَ أتْباعِهِ مَعَ وُجُودِ الشَّرِيعَةِ المانِعَةِ مِن مِثْلِهِ كَأنَّهُ حَدَثَ عَقِبَ بَعْثَةِ عِيسى وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَها زَمانٌ طَوِيلٌ دَبَّتْ فِيهِ بِدْعَتُهم، واسْتِعْمالُ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ شائِعٌ لِأنَّ المَدارَ عَلى أنْ تَكُونَ قَرِينَةُ المَجازِ مانِعَةً مِن إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ وحْدَهُ عَلى التَّحْقِيقِ.
وهَذا الِاخْتِلافُ أجْمَلُ هُنا ووَقَعَ تَفْصِيلُهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ تَتَعَلَّقُ بِما تَلَقّى بِهِ اليَهُودُ دَعْوَةَ عِيسى، وآياتٍ تَتَعَلَّقُ بِما أحْدَثَهُ النَّصارى في دِينِ عِيسى مِن زَعْمِ بُنُوَّتِهِ مِنَ اللَّهِ وإلَهِيَّتِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) في قَوْلِهِ مِن بَيْنِهِمِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ ”اخْتَلَفَ“ أيْ نَشَأ الِاخْتِلافُ مِن بَيْنِهِمْ دُونَ أنْ يُدْخِلَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرَهم، أيْ كانَ دِينُهم سالِمًا فَنَشَأ فِيهِمْ الِاخْتِلافُ.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَخْتَصُّ الخِلافُ بِأتْباعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّصارى إذِ اخْتَلَفُوا فِرَقًا وابْتَدَعُوا قَضِيَّةَ بُنُوَّةِ عِيسى مِنَ اللَّهِ فَتَكُونُ الفاءُ خالِصَةً لِلتَّعْقِيبِ المَجازِيِّ.
وفُرِّعَ عَلى ذِكْرِ الِاخْتِلافِ تَهْدِيدٌ بِوَعِيدٍ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ تَفْرِيعُ التَّذْيِيلِ عَلى المُذَيَّلِ، فالَّذِينَ ظَلَمُوا يَشْمَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ أشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهَذا إطْلاقُ الظُّلْمِ غالِبًا في القُرْآنِ، فَعُلِمَ أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الأحْزابِ أفْضى بِهِمْ أنْ صارَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ ما هو مَعْرُوفٌ في الِاسْتِعْمالِ مِن لُزُومِ مُناسَبَةِ التَّذْيِيلِ لِلْمُذَيَّلِ، بِأنْ يَكُونَ التَّذْيِيلُ يَعُمُّ المُذَيَّلَ وغَيْرَهُ فَيَشْمَلُ عُمُومُ هَذا التَّذْيِيلِ مُشْرِكِي العَرَبِ المَقْصُودِينَ مِن هَذِهِ الأمْثالِ والعِبَرِ، ألا تَرى أنَّهُ وقَعَ في سُورَةِ مَرْيَمَ قَوْلُهُ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] فَجُعِلَتِ الصِّلَةُ فِعْلَ ”كَفَرُوا“ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن آيَةِ سُورَةِ مَرْيَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّصارى ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] لَمّا أُرِيدَ التَّخَلُّصُ إلى إنْذارِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ إنْذارِ النَّصارى.
الزخرف 43:66
صفحة ٢٥١
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بِتَنْزِيلِ سامِعِ قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] مَنزِلَةَ مَن يَطْلُبُ البَيانَ فَيَسْألُ: مَتى يَحُلُّ هَذا اليَوْمُ الألِيمُ ؟ وما هو هَذا الوَيْلُ ؟ فَوَرَدَتْ جُمْلَةُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ جَوابًا عَنِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ السُّؤالِ، وسَيَجِيءُ الجَوابُ عَنِ الشِّقِّ الثّانِي في قَوْلِهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ﴾ [الزخرف: ٧٤] الآياتِ.
وقَدْ جَرى الجَوابُ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا العَذابَ واقِعٌ لا مَحالَةَ سَواءٌ قُرْبَ زَمانِ وُقُوعِهِ أمْ بَعْدُ، فَلا يُرِيبُكم عَدَمُ تَعْجِيلِهِ قالَ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ٥٠]، وقَدْ أشْعَرَ بِهَذا المَعْنى تَقْيِيدُ إتْيانِ السّاعَةِ بِقَيْدِ بَغْتَةً فَإنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لا تَسْبِقُهُ أمارَةٌ لا يُدْرى وقْتُ حُلُولِهِ.
و”يَنْظُرُونَ“ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَنْتَظِرُونَ بَعْدَ أنْ أشْرَكُوا لِحُصُولِ العَذابِ إلّا حُلُولَ السّاعَةِ. وعَبَّرَ عَنِ اليَوْمِ بِالسّاعَةِ تَلْمِيحًا لِسُرْعَةِ ما يَحْصُلُ فِيهِ.
والتَّعْرِيفُ في السّاعَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ.
والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، وهي: حُصُولُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ.
و”أنْ تَأْتِيَهم“ بَدَلٌ مِنَ السّاعَةِ بَدَلًا مُطابِقًا فَإنَّ إتْيانَ السّاعَةِ هو عَيْنُ السّاعَةِ لِأنَّ مُسَمّى السّاعَةِ حُلُولُ الوَقْتِ المُعَيَّنِ، والحُلُولُ هو المَجِيءُ المَجازِيُّ المُرادُ هُنا.
وجُمْلَةُ وهم لا يَشْعُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ”تَأْتِيَهم“ . والشُّعُورُ: العِلْمُ بِحُصُولِ الشَّيْءِ الحاصِلِ.
ولَمّا كانَ مَدْلُولُ ”بَغْتَةً“ يَقْتَضِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِوُقُوعِ السّاعَةِ حِينَ تَقَعُ عَلَيْهِمْ كانَتْ جُمْلَةُ الحالِ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها.
الزخرف 43:67
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:68
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:69
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:70
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:71
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:72
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:73
صفحة ٢٥٢
”﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ﴾“ ﴿يا عِبادِي لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مَن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ يُفِيدُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: بَيانُ بَعْضِ الأهْوالِ الَّتِي أشارَ إلَيْها إجْمالُ التَّهْدِيدِ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] .
وثانِيهِما: مَوْعِظَةُ المُشْرِكِيَّةِ بِما يَحْصُلُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأهْوالِ لِأمْثالِهِمْ والحَبْرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وقَدْ أُوثِرَ بِالذِّكْرِ هُنا مِنَ الأهْوالِ ما لَهُ مَزِيدُ تَناسُبٍ لِحالِ المُشْرِكِينَ في تَألُّبِهِمْ عَلى مُناواةِ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِ الإسْلامِ، فَإنَّهم ما ألَّبَهم إلّا تَناصُرُهم وتَوادُّهم في الكُفْرِ والتَّباهِي بِذَلِكَ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ وأسْمارِهِمْ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وتِلْكَ شَنْشَنَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن قَبْلُ.
وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ المُتَقَدِّمُ آنِفًا ﴿حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨] .
والأخِلّاءُ: جَمْعُ خَلِيلٍ، وهو الصّاحِبُ المُلازِمُ، قِيلَ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّخَلُّلِ لِأنَّهُ كالمُتَخَلِّلِ لِصاحِبِهِ والمُمْتَزِجِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] في سُورَةِ النِّساءِ. والمُضافُ إلَيْهِ (إذْ) مِن قَوْلِهِ ”يَوْمَئِذٍ“ هو المُعَوِّضُ عَنْهُ التَّنْوِينُ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ قَبْلَهُ في قَوْلِهِ ”﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]“ .
صفحة ٢٥٣
والعَدُوُّ: المُبْغَضُ، ووَزْنُهُ فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ عادٍ، ولِذَلِكَ اسْتَوى جَرَيانُهُ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ، والمُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَعْرِيفُ الأخِلّاءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ وهو مُفِيدٌ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيِ الأخِلّاءُ مِن فَرِيقَيِ المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ أوِ الأخِلّاءُ مِن قُرَيْشٍ المُتَحَدَّثِ عَنْهم، وإلّا فَإنَّ مِنَ الأخِلّاءِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ مَن لا عَداوَةَ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَخْدِمُوا خُلَّتَهم في إغْراءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلى الشِّرْكِ والكُفْرِ والمَعاصِي وإنِ افْتَرَقُوا في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ يَوْمَ القِيامَةِ.
و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عَدُوٌّ“، وجُمْلَةُ ”يا عِبادِي“ مَقُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ، أيْ نَقُولُ لَهم أوْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يا عِبادِي بِإثْباتِ الياءِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ والكِسائِيُّ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُها حَسَنٌ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ تَنْوِينٍ، وهي قَدْ عاقَبَتْهُ فَكَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الِاسْمِ المُفْرَدِ المُنادى كَذَلِكَ تُحْذَفُ الياءُ هُنا.
ومُفاتَحَةُ خِطابِهِمْ بِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم تَأْنِيسٌ لَهم، ومِنَّةٌ بِإنْجائِهِمْ مِن مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِسَبَبِ مُخالَفَةِ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الضَّلالَةِ فَإنَّهم يُشاهِدُونَ ما يُعامَلُ بِهِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَسادِ.
و”﴿لا خَوْفٌ﴾“ مَرْفُوعٌ مُنَوَّنٌ في جَمِيعِ القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وإنَّما لَمْ يُفْتَحْ لِأنَّ الفَتْحَ عَلى تَضْمِينِ (مِن) الزّائِدَةِ المُؤَكِّدَةِ لِلْعُمُومِ، وإذْ قَدْ كانَ التَّأْكِيدُ مُفِيدًا التَّنْصِيصَ عَلى عَدَمِ إرادَةِ نَفْيِ الواحِدِ، وكانَ المَقامُ غَيْرَ مُقامِ التَّرَدُّدِ في نَفْيِ جِنْسِ الخَوْفِ عَنْهم لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واقِعًا بِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ وُقُوعِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَأمارَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ واضِحَةٌ، لَمْ يَحْتَجْ إلى نَصْبِ اسْمِ (لا)، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرّابِعَةِ مِن نِساءِ حَدِيثِ أمْ زَرْعٍ «زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَهْ» رِوايَتُهُ بِرَفْعِ الأسْماءِ الأرْبَعَةِ لِأنَّ انْتِفاءَ تِلْكَ الأحْوالِ عَنْ لَيْلِ تِهامَةَ مَشْهُورٌ، وإنَّما أرادَتْ بَيانَ وُجُوهِ الشَّبَهِ مِن قَوْلِها كَلَيْلِ تِهامَهْ.
صفحة ٢٥٤
وجِيءَ في قَوْلِهِ ﴿ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ بِالمُسْنِدِ إلَيْهِ مُخْبَرًا عَنْهُ بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقَوِّي في نَفْيِ الحُزْنِ عَنْهم، فالتَّقَوِّي أفادَ تَقَوِّيِ النَّفْيِ لا نَفْيَ قُوَّةِ الحُزْنِ الصّادِقِ بِحُزْنٍ غَيْرِ قَوِيٍّ. هَذا هو طَرِيقُ الِاسْتِعْمالِ في نَفْسِ صِيَغِ المُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] تَطْمِينًا لِأنْفُسِهِمْ بِانْتِفاءِ الحُزْنِ عَنْهم في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، إذْ قَدْ يَهْجِسُ بِخَواطِرِهِمْ هَلْ يَدُومُ لَهُمُ الأمْنُ الَّذِي هم فِيهِ.
وجُمْلَةُ ”الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا“ نَعْتٌ لِلْمُنادى مِن قَوْلِهِ يا عِبادِي، جِيءَ فِيها بِالمَوْصُولِ لِدَلالَةِ الصِّلَةِ عَلى عِلَّةِ انْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وعُطِفَ عَلى الصِّلَةِ قَوْلُهُ ”﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾“ .
والمُخالَفَةُ بَيْنَ الصِّلَتَيْنِ إذْ كانَتْ أُولاهُما فِعْلًا ماضِيًا والثّانِيَةُ فِعْلَ كَوْنٍ مُخْبَرًا عَنْهُ باسِمِ فاعِلٍ لِأنَّ الإيمانَ: عَقْدُ القَلْبِ يَحْصُلُ دُفْعَةً واحِدَةً وأمّا الإسْلامُ فَهو الإتْيانُ بِقَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ كَما جاءَ تَفْسِيرُهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَهو مَعْرُوضٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ النَّفْسِ فَلِذَلِكَ أُوثِرَ بِفِعْلِ (كانَ) الدّالِّ عَلى اتِّحادِ خَبَرِهِ بِاسْمِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِن قِوامِ كِيانِهِ.
وعَطَفَ أزْواجَهم عَلَيْهِمْ في الإذْنِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن تَمامِ نِعْمَةِ التَّمَتُّعِ بِالخُلَّةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمْ في الدُّنْيا.
و”تُحْبَرُونَ“ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مُضارِعُ حُبِرَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وفِعْلُهُ حَبَرَهُ، إذا سَرَّهُ، ومَصْدَرُهُ الحَبْرُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والِاسْمُ الحُبُورُ والحَبْرَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
وجُمْلَةُ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ فَلَيْسَ في ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“ التِفاتٌ بَلِ المَقامُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ.
والصِّحافُ: جَمْعُ صَفْحَةٍ، إناءٌ مُسْتَدِيرٌ واسِعُ الفَمِ يَنْتَهِي أسْفَلُهُ بِما يُقارِبُ التَّكْوِيرَ. والصَّفْحَةُ: إناءٌ لِوَضْعِ الطَّعامِ أوِ الفاكِهَةِ مِثْلُ صِحافِ الفَغْفُورِيِّ الصِّينِيِّ تَسَعُ شِبَعَ خَمْسَةٍ، وهي دُونُ القَصْعَةِ الَّتِي تَسَعُ شِبَعَ عَشْرَةٍ. وقَدْ ورَدَأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابَ اتَّخَذَ صِحافًا عَلى عَدَدِ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يُؤْتى إلَيْهِ بِفاكِهَةٍ أوْ طُرْفَةٍ إلّا أرْسَلَ إلَيْهِنَّ مِنها في تِلْكَ الصِّحافِ.
صفحة ٢٥٥
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ وهو إناءٌ لِلشَّرابِ مِن ماءٍ أوْ خَمْرٍ مُسْتَطِيلُ الشَّكْلِ لَهُ عُنُقٌ قَصِيرٌ في أعْلى ذَلِكَ العُنُقِ فَمُهُ وهو مَصَبُّ ما فِيهِ، وفَمُهُ أضْيَقُ مِن جَوْفِهِ، والأكْثَرُ أنْ لا تَكُونَ لَهُ عُرْوَةٌ يُمْسَكُ مِنها؛ فَيُمْسَكُ بِوَضْعِ اليَدِ عَلى عُنُقِهِ، وقَدْ تَكُونُ لَهُ عُرْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وهو أصْغَرُ مِنَ الإبْرِيقِ إلّا أنَّهُ لا خُرْطُومَ لَهُ ولا عُرْوَةَ في الغالِبِ. وأمّا الإبْرِيقُ فَلَهُ عُرْوَةٌ وخُرْطُومٌ.
وحُذِفَ وصْفُ الأكْوابِ لِدَلالَةِ وصْفِ صِحافٍ عَلَيْهِ، أيْ وأكْوابٌ مِن ذَهَبٍ.
وهَذِهِ الأكْوابُ تَكُونُ لِلْماءِ وتَكُونُ لِلْخَمْرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ إلَخْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ.
وضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ عَمَّ قَوْلُهُ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ كُلَّ ما تَتَعَلَّقُ الشَّهَواتُ النَّفْسِيَّةُ بِنَوالِهِ وتَحْصِيلِهِ، واللَّهُ يَخْلُقُ في أهْلِ الجَنَّةِ الشَّهَواتِ اللّائِقَةِ بِعالَمِ الخُلُودِ والسُّمُوِّ.
”وتَلَذُّ“ مُضارِعُ لَذَّ بِوَزْنِ عَلِمَ: إذا أحَسَّ لَذَّةً، وحَقُّ فِعْلِهِ أنْ يَكُونَ قاصِرًا فَيُعَدّى إلى الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ اللَّذَّةُ بِالباءِ فَيُقالُ: لَذَّ بِهِ، وكَثُرَ حَذْفُ الباءِ وإيصالُ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِنَفْسِهِ فَيَنْتَصِبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، وكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ حَتّى صارَ الفِعْلُ بِمَنزِلَةِ المُتَعَدِّي فَقالُوا: لَذَّهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ التَّقْدِيرُ، وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ. والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ هو رابِطُ الصِّلَةِ بِالمَوْصُولِ.
ولَذَّةُ الأعْيُنِ في رُؤْيَةِ الأشْكالِ الحَسَنَةِ والألْوانِ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَها النَّفْسُ، فَلَذَّةُ الأعْيُنِ وسِيلَةٌ لِلَذَّةِ النُّفُوسِ فَعَطَفَ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ عَلى ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَطْفَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عُمُومٌ وخُصُوصٌ، فَقَدْ تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما لا تَراهُ الأعْيُنُ كالمُحادَثَةِ مَعَ الأصْحابِ وسَماعِ الأصْواتِ الحَسَنَةِ والمُوسِيقى. وقَدْ تُبْصِرُ الأعْيُنُ ما لَمْ تَسْبِقْ لِلنَّفْسِ شَهْوَةُ رُؤْيَتِهِ أوْ ما اشْتَهَتِ النَّفْسُ طَعْمَهُ أوْ سَمْعَهُ فَيُؤْتى بِهِ في صُوَرٍ جَمِيلَةٍ إكْمالًا لِلنِّعْمَةِ.
صفحة ٢٥٦
و”الأنْفُسُ“ فاعِلُ تَلَذُّ وحُذِفَ المَفْعُولُ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وأبُو جَعْفَرٍ ما تَشْتَهِيهِ بِهاءِ ضَمِيرٍ عائِدٍ إلى (ما) المَوْصُولَةِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ، وقَرَأهُ الباقُونَ (ما تَشْتَهِي) بِحَذْفِ هاءِ الضَّمِيرِ، وكَذَلِكَ رُسِمَ في مُصْحَفِ مَكَّةَ ومُصْحَفِ البَصْرَةِ ومُصْحَفِ الكُوفَةِ. والمَرْوِيُّ عَنْ عاصِمٍ قارِئِ الكُوفَةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما أخَذَ بِها حَفْصٌ والأُخْرى أخَذَ بِها أبُو بَكْرٍ. وحَذْفُ العائِدِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ بِفِعْلٍ أوْ وصْفٍ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ بِشارَةٌ لَهم بِعَدَمِ انْقِطاعِ الحَبْرَةِ وسَعَةِ الرِّزْقِ ونَيْلِ الشَّهَواتِ، وجِيءَ فِيهِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ تَأْكِيدًا لِحَقِيقَةِ الخُلُودِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِهِ طُولُ المُدَّةِ فَحَسْبُ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وعُطِفَ عَلى بَعْضِ ما يُقالُ لَهم مَقُولٌ آخَرُ قُصِدَ مِنهُ التَّنْوِيهُ بِالجَنَّةِ وبِالمُؤْمِنِينَ إذْ أُعْطُوها بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، فَأُشِيرَ إلى الجَنَّةِ بِاسْمِ إشارَةِ البَعِيدِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وإلّا فَإنَّها حاضِرَةٌ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ الآيَةَ تَذْيِيلٌ لِلْقَوْلِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و”الجَنَّةُ“ خَبَرُهُ، أيْ تِلْكَ الَّتِي تَرَوْنَها هي الجَنَّةُ الَّتِي سَمِعْتُمْ بِها ووُعِدْتُمْ بِدُخُولِها.
وجُمْلَةُ ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ صِفَةٌ لِلْجَنَّةِ.
واسْتُعِيرَ أُورِثْتُمُوها لِمَعْنى: أُعْطِيتُمُوها دُونَ غَيْرِكم، بِتَشْبِيهِ إعْطاءِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ نَعِيمَ الجَنَّةِ بِإعْطاءِ الحاكِمِ مالَ المَيِّتِ لِوارِثِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ القَرابَةِ لِأنَّهُ أوْلى بِهِ وآثَرُ بِنَيْلِهِ.
والباءُ في ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ وهي سَبَبِيَّةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ ووَعْدِهِ، ودَلَّ قَوْلُهُ ”﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾“ عَلى أنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الجَنَّةَ أمْرٌ كائِنٌ مُتَقَرَّرٌ، وأنَّ عَمَلَهم ذَلِكَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدٌ، أيْ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ إلى وفاتِهِمْ.
صفحة ٢٥٧
وجُمْلَةُ ﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلْجَنَّةِ. والفاكِهَةُ: الثِّمارُ رَطْبُها ويابِسُها، وهي مِن أحْسَنِ ما يُسْتَلَذُّ مِنَ المَآكِلِ، وطُعُومُها مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ سامِعٍ.
ووَجْهُ تَكْرِيرِ الِامْتِنانِ بِنَعِيمِ المَأْكَلِ والمُشْرَبِ في الجَنَّةِ: أنَّ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا تَخْتَلِفُ الطِّباعُ البَشَرِيَّةُ في اسْتِلْذاذِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾“ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
الزخرف 43:74
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعانِ: أحَدُهُما إتْمامُ التَّفْصِيلِ لِما أجْمَلَهُ الوَعِيدُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥] عَقِبَ تَفْصِيلِ بَعْضِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [الزخرف: ٦٦] إلَخْ. وبِقَوْلِهِ ﴿الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] حَيْثُ قُطِعَ إتْمامُ تَفْصِيلِهِ بِالِاعْتِناءِ بِذِكْرِ وعْدِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ فَهي في هَذا المَوْقِعِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ الوَعِيدِ وتَفْصِيلٌ لِإجْمالِها.
المَوْقِعُ الثّانِي: أنَّها كالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ يُثِيرُهُ ما يَسْمَعُ مِن وصْفِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ مِنَ التَّساؤُلِ: كَيْفَ يَكُونُ حالُ أضْدادِهِمُ المُشْرِكِينَ الظّالِمِينَ.
والمَوْقِعانِ سَواءٌ في كَوْنِ الجُمْلَةِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وافْتِتاحُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ لِتَنْزِيلِ السّائِلِ المُتَلَهِّفِ لِلْخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في مَضْمُونِهِ لِشِدَّةِ شَوْقِهِ إلَيْهِ، أوْ نَظَرًا إلى ما في الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِإسْماعِهِ المُشْرِكِينَ وهم يُنْكِرُونَ مَضْمُونَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم أيُّها المُجْرِمُونَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
والمُجْرِمُونَ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الإجْرامَ، وهو الذَّنْبُ العَظِيمُ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا: المُشْرِكُونَ المُكَذِّبُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ السِّياقَ لَهم، ولِأنَّ الجُمْلَةَ بَيانٌ لِإجْمالِ وعِيدِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [الزخرف: ٦٥]، ولِأنَّ جَوابَ المَلائِكَةِ نِداؤُهم
صفحة ٢٥٨
بِقَوْلِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] لا يَنْطَبِقُ عَلى غَيْرِ المُكَذِّبِينَ، أيْ كارِهُونَ لِلْإسْلامِ والقُرْآنِ، فَذِكْرُ المُجْرِمِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شِرْكَهم إجْرامٌ.
وجُمْلَةُ ”﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾“ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”عَذابِ جَهَنَّمَ“ . و”يُفَتَّرُ“ مُضاعَفُ فَتَرَ، إذا سَكَنَ، وهو بِالتَّضْعِيفِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ. والمَعْنى: لا يُفَتِّرُهُ أحَدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ .
والإيلاسُ: اليَأْسُ والذُّلُّ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ: وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ في مَعْنى الإيلاسِ قَيْدَ السُّكُوتِ ولَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، والحَقُّ أنَّ السُّكُوتَ مِن لَوازِمِ مَعْنى الإيلاسِ ولَيْسَ قَيْدًا في المَعْنى.