Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — محمد 47:1 – الفتح 48:29

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. محمد 47:1
  2. محمد 47:2
  3. محمد 47:3
  4. محمد 47:4
  5. محمد 47:5
  6. محمد 47:6
  7. محمد 47:7
  8. محمد 47:8
  9. محمد 47:9
  10. محمد 47:10
  11. محمد 47:11
  12. محمد 47:12
  13. محمد 47:13
  14. محمد 47:14
  15. محمد 47:15
  16. محمد 47:16
  17. محمد 47:17
  18. محمد 47:18
  19. محمد 47:19
  20. محمد 47:20
  21. محمد 47:21
  22. محمد 47:22
  23. محمد 47:23
  24. محمد 47:24
  25. محمد 47:25
  26. محمد 47:26
  27. محمد 47:27
  28. محمد 47:28
  29. محمد 47:29
  30. محمد 47:30
  31. محمد 47:31
  32. محمد 47:32
  33. محمد 47:33
  34. محمد 47:34
  35. محمد 47:35
  36. محمد 47:36
  37. محمد 47:37
  38. محمد 47:38
  39. الفتح 48:1
  40. الفتح 48:2
  41. الفتح 48:3
  42. الفتح 48:4
  43. الفتح 48:5
  44. الفتح 48:6
  45. الفتح 48:7
  46. الفتح 48:8
  47. الفتح 48:9
  48. الفتح 48:10
  49. الفتح 48:11
  50. الفتح 48:12
  51. الفتح 48:13
  52. الفتح 48:14
  53. الفتح 48:15
  54. الفتح 48:16
  55. الفتح 48:17
  56. الفتح 48:18
  57. الفتح 48:19
  58. الفتح 48:20
  59. الفتح 48:21
  60. الفتح 48:22
  61. الفتح 48:23
  62. الفتح 48:24
  63. الفتح 48:25
  64. الفتح 48:26
  65. الفتح 48:27
  66. الفتح 48:28
  67. الفتح 48:29

محمد 47:1

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ صَدَّرَ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ بِتَوْطِئَةٍ لِبَيانِ غَضَبِ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ لِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وتَحْقِيرِ أمْرِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُثِيرًا في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حَنَقًا عَلَيْهِمْ وكَراهِيَةً فَتَثُورُ فِيهِمْ هِمَّةُ الإقْدامِ عَلى قِتالِ الكافِرِينَ، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِما هم فِيهِ مِن قُوَّةٍ، حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ المُشْرِكِينَ ويَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٤] . صفحة ٧٣ وفِي الِابْتِداءِ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ المُتَضَمِّنَةِ كُفْرَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُناوَأتَهم لِدِينِ اللَّهِ - تَشْوِيقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الحُكْمِ المُناسِبِ لِلصِّلَةِ، وإيماءٌ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ، أيْ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِلْغَرَضِ المَقْصُودِ. والكُفْرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ كَما هو مُصْطَلَحُ القُرْآنِ حَيْثُما أُطْلِقَ الكُفْرَ مُجَرَّدًا عَنْ قَرِينَةِ إرادَةِ غَيْرِ المُشْرِكِينَ. وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ثَلاثَةِ أوْصافٍ لِلْمُشْرِكِينَ. وهي: الكُفْرُ، والصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وضَلالُ الأعْمالِ النّاشِئُ عَنْ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهم. والصَّدُّ عَنِ السَّبِيلِ: هو صَرْفُ النّاسِ عَنْ مُتابَعَةِ دِينِ الإسْلامِ، وصَرْفُهم أنْفُسَهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وأُضِيفَ السَّبِيلُ إلى اللَّهِ لِأنَّهُ الدِّينُ الَّذِي ارْتَضاهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . واسْتُعِيرَ اسْمُ السَّبِيلِ لِلدِّينِ لِأنَّ الدِّينَ يُوَصِّلُ إلى رِضا اللَّهِ كَما يُوَصِّلُ السَّبِيلُ السّائِرَ فِيهِ إلى بُغْيَتِهِ. ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ قالَ تَعالى ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الحج: ٢٥] . ومِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ: إخْراجُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِن مَكَّةَ، وصَدُّهم عَنِ العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ. ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إطْعامُهُمُ النّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ لِيَثْبُتُوا مَعَهم ويَكْثُرُوا حَوْلَهم، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن سادَةِ المُشْرِكِينَ مَن قُرَيْشٍ. وهم: أبُو جَهْلٍ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، ونُبَيْهُ بْنُ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهُ بْنُ الحَجّاجِ، وأبُو البَخْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ، والحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، وهَذا الأخِيرُ أسْلَمَ مِن بَعْدُ، وصارَ مِن خِيرَةِ الصَّحابَةِ. وعُدَّ مِنهم صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وسَهْلُ بْنُ عَمْرٍو، ومِقْيَسٌ الجُمَحِيُّ، والعَبّاسُ بْنُ صفحة ٧٤ عَبْدِ المَطْلَبِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، وهَذانِ أسْلَما وحَسُنَ إسْلامُهُما وفي الثَّلاثَةِ الآخَرِينَ خِلافٌ. ومِنَ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . والإضْلالُ: الإبْطالُ والإضاعَةُ، وهو يَرْجِعُ إلى الضَّلالِ. وأصْلُهُ الخَطَأُ لِلطَّرِيقِ المَسْلُوكِ لِلْوُصُولِ إلى مَكانٍ يُرادُ وهو يَسْتَلْزِمُ المَعانِيَ الأُخَرَ. وهَذا اللَّفْظُ رَشِيقُ المُوَقِّعِ هُنا لِأنَّ اللَّهَ أبْطَلَ أعْمالَهُمُ الَّتِي تَبْدُو حَسَنَةً، فَلَمْ يُثِبْهم عَلَيْها مِن صِلَةِ رَحِمٍ، وإطْعامِ جائِعٍ، ونَحْوِهِما، ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنْ كانَ غالِبُ أعْمالِهِمْ عَبَثًا وسَيِّئًا ولِأنَّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ أنَّ اللَّهَ خَيَّبَ سَعْيَهم فَلَمْ يَحْصُلُوا مِنهُ عَلى طائِلٍ فانْهَزَمُوا يَوْمَ بَدْرٍ وذَهَبَ إطْعامُهُمُ الجَيْشَ باطِلًا، وأُفْسِدَ تَدْبِيرُهم وكَيْدُهم لِلرَّسُولِ ﷺ فَلَمْ يَشْفُوا غَلِيلَهم يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَوالَتِ انْهِزاماتُهم في المَواقِعِ كُلِّها قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] .

محمد 47:2

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهْوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ هَذا مُقابِلُ فَرِيقِ الَّذِينَ كَفَرُوا وهو فَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإيرادُ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِلْإيماءِ إلى وجْهُ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّتِهِ، أيْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ. . . إلَخْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ. وقَدْ جاءَ في مُقابَلَةِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ الَّتِي أُثْبِتَتْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِثَلاثَةِ أوْصافٍ ضِدَّها لِلْمُسْلِمِينَ وهي: الإيمانُ مُقابِلُ الكُفْرِ، والإيمانُ بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ مُقابِلُ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَمَلُ الصّالِحاتِ مُقابِلُ بَعْضِ ما تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، و﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ مُقابِلُ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ مُقابِلُ بَقِيَّةِ ما تَضَمَّنُهُ ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] . وزِيدَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلَهُ ﴿وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ صفحة ٧٥ وهُوَ نَظِيرٌ لِوَصْفِهِ بِسَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١] . وعُبِّرَ عَنِ الجَلالَةِ هَنا بِوَصْفِ الرَّبِّ زِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ المُسْلِمِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ رَبِّهِمْ. وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ غُفْرانُها لَهم فَإنَّهم لَمّا عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهم سَيِّئاتِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها قَبْلَ الإيمانِ، وكَفَّرَ لَهُمُ الصَّغائِرَ، وكَفَّرَ عَنْهم بَعْضَ الكَبائِرِ بِمِقْدارٍ يَعْلَمُهُ إذا كانَتْ قَلِيلَةً في جانِبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحاتِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] . والبالُ: يُطْلَقُ عَلى القَلْبِ، أيِ العَقْلُ وما يَخْطُرُ لِلْمَرْءِ مِنَ التَّفْكِيرِ وهو أكْثَرُ إطْلاقِهِ ولَعَلَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: فَعادى عِداءً بَيْنَ ثَـوْرٍ ونَـعْـجَةٍ وكانَ عِداءُ الوَحْشِ مِنِّي عَلى بالٍ وقالَ: عَلَيْهِ القَتامُ سَيْءُ الظَّنِّ والبالِ ومِنهُ قَوْلُهم: ما بالُكَ ؟ أيْ ماذا ظَنَنْتَ حِينَ فَعَلْتَ كَذا، وقَوْلُهم: لا يُبالِي، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنهُ، أيْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، ومِنهُ بَيْتُ العُقَيْلِيِّ في الحَماسَةِ: ونَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكم عَلَيْكم ∗∗∗ ونَقْتُلُكم كَأنّا لا نُبالِـي أيْ لا نُفَكِّرُ. وحَكى الأزْهَرِيُّ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، أيْ مَعْنى لا أُبالِي: لا أكْرَهُ اهـ. وأحْسَبُهم أرادُوا تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى ولَمْ يَضْبِطُوا تَفْسِيرَ مَعْنى الكَلِمَةِ. ويُطْلَقُ البالُ عَلى الحالِ والقَدَرِ. وفي الحَدِيثِ: «كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهو أبْتَرُ» . قالَ الوَزِيرُ البَطْلَيُوسِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ امْرِئِ القَيْسِ: قالَ أبُو سَعِيدٍ: كُنْتُ أقُولُ لِلْمِعَرِّي: كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: بِخَيْرٍ أصْلَحَ اللَّهُ بالَكَ. ولَمْ يُوفِّهِ صاحِبُ الأساسِ حَقَّهُ مِنَ البَيانِ وأدْمَجَهُ في مادَّةِ (بَلَوَ) . وإصْلاحُ البالِ يَجْمَعُ إصْلاحَ الأُمُورِ كُلِّها لِأنَّ تَصَرُّفاتِ الإنْسانِ تَأْتِي عَلى صفحة ٧٦ حَسَبِ رَأْيِهِ، فالتَّوْحِيدُ أصْلُ صَلاحِ بالِ المُؤْمِنِ، ومِنهُ تَنْبَعِثُ القُوى المُقاوِمَةُ لِلْأخْطاءِ والأوْهامِ الَّتِي تَلَبَّسَ بِها أهْلُ الشِّرْكِ، وحَكاها عَنْهُمُ القُرْآنُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ والمَعْنى: أقامَ أنْظارَهم وعُقُولَهم فَلا يُفَكِّرُونَ إلّا صالِحًا ولا يَتَدَبَّرُونَ إلّا ناجِحًا.

محمد 47:3

﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ هَذا تَبْيِينٌ لِلسَّبَبِ الأصِيلِ في إضْلالِ أعْمالِ الكافِرِينَ وإصْلاحِ بالِ المُؤْمِنِينَ. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ أكْمَلُ تَمْيِيزٍ تَنْوِيهًا بِهِ. وقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الإشارَةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ في هَذِهِ الآياتِ المُتَتابِعَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. والإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَبَرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وهَمّا ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢]، مَعَ اعْتِبارِ عِلَّتَيِ الخَبَرَيْنِ المُسْتَفادَتَيْنِ مِنِ اسْمِي المَوْصُولِ والصِّلَتَيْنِ وما عُطِفَ عَلى كِلْتَيْهِما. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ إلَخْ خَبَرُهُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومَجْرُورُها في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ اتِّباعِ الكافِرِينَ الباطِلَ واتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ جامِعًا لِلْخَبَرَيْنِ المُتَقَدِّمِينَ كانَ الخَبَرُ عَنْهُ مُتَعَلِّقًا بِالخَبَرَيْنِ وسَبَبًا لَهُما. وفِي هَذا مُحَسِّنُ الجَمْعِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ ويُسَمُّونَهُ - كَعَكْسِهِ - التَّفْسِيرَ لِأنَّ في الجَمْعِ تَفْسِيرًا لِلْمَعْنى الَّذِي تَشْتَرِكُ فِيهِ الأشْياءُ المُتَفَرِّقَةُ تَقَدَّمَ أوْ تَأخَّرَ. وشاهِدُهُ قَوْلُ حَسّانَ مِن أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ: قَوْمٌ إذا حارَبُوا ضَرُّوا عَـدُوَّهُـمْ أوْ حاوَلُوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نَفَعُوا سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِـمْ غَـيْرُ مُـحْـدَثَةٍ ∗∗∗ إنِ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها الـبِـدَعُ قالَ في الكَشّافِ: وهَذا الكَلامُ يُسَمِّيهِ عُلَماءُ البَيانِ التَّفْسِيرَ، يُرِيدُ أنَّهُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ. ونُقِلَ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ أنْشَدَ لِنَفْسِهِ لَمّا فَسَّرَ لِطَلَبَتِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقُيِّدَ عَنْهُ في الحَواشِي قَوْلَهُ: صفحة ٧٧ بِهِ فُجِعَ الفُرْسانُ فَوْقَ خُيُولِـهِـمْ ∗∗∗ كَما فُجِعَتْ تَحْتَ السُّتُورِ العَواتِقُ تَساقَطَ مِن أيْدِيهِمُ البِيضُ حَـيْرَةً ∗∗∗ وزُعْزِعَ عَنْ أجِيادِهِنَّ المَخانِـقُ وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ بَيْنَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ و”الَّذِينَ آمَنُوا“ وبَيْنَ ”الحَقِّ“ و”الباطِلِ“ . وفي بَيْتَيِ الزَّمَخْشَرِيِّ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ بَيْنَ ”فَوْقَ“ و”تَحْتَ“ . واتِّباعُ الباطِلِ واتِّباعُ الحَقِّ تَمْثِيلِيّانِ لِهَيْئَتَيِ العَمَلِ بِما يَأْمُرُ بِهِ أيِمَّةُ الشِّرْكِ أوْلِياءَهم وما يَدْعُو إلَيْهِ القُرْآنُ، أيْ عَمِلُوا بِالباطِلِ وعَمِلَ الآخَرُونَ بِالحَقِّ. ووَصْفُ الحَقِّ بِأنَّهُ مِن رَبِّهِمْ تَنْوِيهٌ بِهِ وتَشْرِيفٌ لَهم. * * * ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ لِلْحالَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ الأحْوالَ لِلنّاسِ بَيانًا واضِحًا. والمَعْنى: قَدْ بَيَّنّا لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ حالَهُ تَفْصِيلًا وإجْمالًا، وما تُفْضِي إلَيْهِ مِنَ اسْتِحْقاقِ المُعامَلَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ خَفاءٌ في كُنْهِ الحالَيْنِ، ومِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ يُمَثِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ كَيْلا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِمُ الأسْبابُ والمُسَبِّباتُ. ومَعْنى ”يَضْرِبُ“: يُلْقِي. وهَذا إلْقاءُ تَبْيِينٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والأمْثالُ: جَمْعُ مَثَلٍ بِالتَّحْرِيكِ وهو الحالُ الَّتِي تُمَثِّلُ صاحِبَها، أيْ تَشْهَرُهُ لِلنّاسِ وتُعَرِّفُهم بِهِ فَلا يُلْتَبَسُ بِنَظائِرِهِ. واللّامُ لِلْأجَلِ، والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ النّاسِ. وضَمِيرُ ”أمْثالَهم“ لِلنّاسِ. والمَعْنى: كَهَذا التَّبْيِينِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أحْوالَهم فَلا يَبْقَوْا في غَفْلَةٍ عَنْ شُئُونِ أنْفُسِهِمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ تَحَقُّقِ كُنْهِهِمْ بِحِجابِ التَّعَوُّدِ لِئَلّا يَخْتَلِطَ الخَبِيثُ بِالطَّيِّبِ، ولِكَيْ يَكُونُوا عَلى بَصِيرَةٍ في شُئُونِهِمْ، وفي هَذا إيماءٌ إلى وُجُوبِ التَّوَسُّمِ لِتَمْيِيزِ المُنافِقِينَ عَنِ المُسْلِمِينَ حَقًّا، فَإنَّ مِن مَقاصِدَ السُّورَةِ التَّحْذِيرَ مِنَ المُنافِقِينَ.

محمد 47:4

صفحة ٧٨ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدَ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِأنَّ فِيها قَوْلَهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ . وهو الحُكْمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ العِقابُ عَلى ما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن فِداءِ الأسْرى الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) الآيَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ ذَلِكَ مُقَرَّرًا يَوْمَئِذٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن إثارَةِ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ بِتَشْنِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ وظُهُورِ خَيْبَةِ أعْمالِهِمْ وتَنْوِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ وتَوْفِيقِ آرائِهِمْ. والمَقْصُودُ: تَهْوِينُ شَأْنِهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وإغْراؤُهم بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن مَنافِعِ فِداءِ أسْراهم بِالمالِ لِيَعْبُدَ المُسْلِمُونَ رَبَّهم آمِنِينَ. وذَلِكَ ناظِرٌ إلى آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ وإلى ما يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ . و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ غالِبُ اسْتِعْمالِها وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ . واللِّقاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المُقابَلَةُ: وهو إطْلاقٌ شَهِيرٌ لِلِّقاءِ. يُقالُ: يَوْمَ اللِّقاءِ، فَلا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا لِقاءُ الحَرْبِ، ويُقالُ: إنْ لَقِيتَ فَلانًا لَقِيتَ مِنهُ أسَدًا، وقالَ النّابِغَةُ: تَجَنَّبْ بَنِي حُنٍّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بَصائِرُ فَلَيْسَ المَعْنى: إذا لَقِيتُمُ الكافِرِينَ في الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وبِذَلِكَ لا يُحْتاجُ لِذِكْرِ مُخَصَّصٍ لِفِعْلِ لَقِيتُمْ. والمَعْنى: فَإذا قاتَلْتُمُ المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ فَأمْعِنُوا في قَتْلِهِمْ حَتّى إذا رَأيْتُمْ أنْ قَدْ خَضَدْتُمْ شَوْكَتَهم، فَأْسِرُوا مِنهم أسْرى. ”وضَرْبَ الرِّقابِ“: كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القَتْلِ سَواءٌ كانَ بِالضَّرْبِ أمْ صفحة ٧٩ بِالطَّعْنِ في القُلُوبِ بِالرِّماحِ أوْ بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ، وأُوثِرَتْ عَلى كَلِمَةِ القَتْلِ؛ لِأنَّ في اسْتِعْمالِ الكِنايَةِ بَلاغَةٌ؛ ولِأنَّ في خُصُوصِ هَذا اللَّفْظِ غِلْظَةً وشِدَّةً تُناسِبانِ مَقامَ التَّحْرِيضِ. والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى: القَطْعُ بِالسَّيْفِ، وهو أحَدُ أحْوالِ القِتالِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شَجاعَةِ المُحارِبِ لِكَوْنِهِ مُواجِهًا عَدُوَّهُ وجْهًا لِوَجْهٍ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم سَواءٌ كانَ القَتْلُ بِضَرْبِ السَّيْفِ، أوْ طَعْنِ الرِّماحِ، أوْ رَشْقِ النِّبالِ، لِأنَّ الغايَةَ مِن ذَلِكَ هو الإثْخانُ. والَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ مِن تَصارِيفِ مادَّةِ الكُفْرِ، نَحْوِ: الكافِرِينَ، والكُفّارِ، والَّذِينَ كَفَرُوا، هو الشِّرْكُ. و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الغايَةُ مَعَها يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى التَّفْرِيعِ. والإثْخانُ: الغَلَبَةُ لِأنَّها تَتْرُكُ المَغْلُوبَ كالشَّيْءِ المُثْخَنِ وهو الثَّقِيلُ الصُّلْبُ الَّذِي لا يَخِفُّ لِلْحَرَكَةِ، ويُوصَفُ بِهِ المائِعُ الَّذِي جَمُدَ أوْ قارَبَ الجُمُودَ بِحَيْثُ لا يَسِيلُ بِسُهُولَةٍ، ووُصِفَ بِهِ الثَّوْبُ والحَبْلُ إذا كَثُرَتْ طاقاتُهُما بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفَكُّكُها. وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى التَّوْهِينِ بِالقَتْلِ، وكِلا المَعْنِيِّينِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا فُسِّرَ بِالغَلَبَةِ كانَ المَعْنى حَتّى إذا غَلَبْتُمْ مِنهم مَن وقَعُوا في قَبْضَتِكم أسْرى فَشَدُّوا وثاقَهم. وعَلَيْهِ، فَجَوازُ المَنِّ والفِداءِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ. وإذا فُسِّرَ الإثْخانُ بِكَثْرَةِ القَتْلِ فِيهِمْ كانَ المَعْنى حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ الجَيْشِ إلّا القَلِيلُ فَأْسِرُوا حِينَئِذٍ، أيْ أبْقُوا الأسْرى، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَأْوِيلٍ في نَظْمِ الآيَةِ إلّا أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] . وانْتَصَبَ ضَرْبَ الرِّقابَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ ثُمَّ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، والتَّقْدِيرُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، فَلَمّا حَذَفَ الفِعْلَ اخْتِصارًا قَدَّمَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ ونابَ مَنابَ الفِعْلِ في العَمَلِ في ذَلِكَ المَفْعُولِ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ إضافَةَ الأسْماءِ إلى الأسْماءِ لِأنَّ المَصْدَرَ راجِحٌ في الِاسْمِيَّةِ. صفحة ٨٠ والشَّدُّ: قُوَّةُ الرَّبْطِ، وقُوَّةُ الإمْساكِ. والوَثاقُ بِفَتْحِ الواوِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَوْثَقُ بِهِ، ويَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الواوِ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأسْرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ يَسْتَلْزِمُ الوَضْعَ في القَيْدِ يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم، فَإنْ أثْخَنْتُمْ مِنهم فَأْسِرُوا مِنهم. وتَعْرِيفُ الرِّقابِ والوَثاقَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ فَضَرْبَ رِقابَهم وشُدُّوا وثاقَهم. والمَنُّ: الإنْعامُ. والمُرادُ بِهِ: إطْلاقُ الأسِيرِ واسْتِرْقاقُهُ فَإنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَنٌّ عَلَيْهِ إذْا لَمْ يُقْتَلْ، والفِداءُ: بِكَسْرِ الفاءِ مَمْدُودًا تَخْلِيصُ الأسِيرِ مِنَ الأسْرِ بِعِوَضٍ مِن مالٍ أوْ مُبادَلَةٍ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ في يَدَيِ العَدُوِّ. وقَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ تَرْجِيحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ أعْوَنُ عَلى امْتِلاكِ ضَمِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ بَعْضُهُ. وانْتَصَبَ ”مَنًّا“ وفِداءً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن عامِلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: إمّا تَمُنُّونَ وإمّا تَفْدُونَ. وقَوْلُهُ ”بَعْدُ“ أيْ بَعْدَ الإثْخانِ، وهَذا تَقْيِيدٌ لِإباحَةِ المَنِّ والفِداءِ. وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ أمِيرِ الجَيْشِ بِحَسَبِ ما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ والأصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ أيِمَّةِ الفِقْهِ وأهْلِ النَّظَرِ. فَقَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ، أيْ مُشْرِكٍ يَشْمَلُ الرِّجالَ وهُمُ المَعْرُوفُ حَرْبُهم ويَشْمَلُ مَن حارَبَ مَعَهم مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والأحْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ لِتَحْدِيدِ أحْوالِ القِتالِ وما بَعْدَهُ، لا لِبَيانِ وقْتِ القِتالِ ولا لِبَيانِ مَن هُمُ الكافِرُونَ، لِأنَّ أوْقاتَ القِتالِ مُبِيَّنَةٌ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . ومَعْرِفَةُ الكافِرِينَ مَعْلُومَةٌ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) في سُورَةِ الأنْفالِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ في القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ صفحة ٨١ وهُوَ أحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَواهُ الطَّحاوِيُّ، ومِنَ السَلَفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّها تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في أسْرى المُشْرِكِينَ بَيْنَ القَتْلِ أوِ المَنِّ أوِ الفِداءِ، وأمِيرُ الجَيْشِ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ أنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ الإذْنُ في المَنِّ أوِ الفِداءِ فَهي ناسِخَةٌ أوْ مُنْهِيَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها ناسِخَةً لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ هو تَعْيِينُ أوْقاتِ المُتارَكَةِ وأوْقاتِ المُحارَبَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَؤُلاءِ بِحَظْرِ قَتْلِ الأسِيرِ في حِينِ أنَّ التَّخْيِيرَ هُنا وارِدٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما القَتْلُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ ثُبُوتًا مُسْتَفِيضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ مِن أسْرى بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ» وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وقَتَلَ أسْرى قُرَيْظَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقَتَلَ هِلالَ بْنَ خَطَلٍ ومِقْيَسَ بْنَ حُبابَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَتَلَ بَعْدَ أُحُدٍ أبا عَزَّةَ الجُمَعِيَّ الشّاعِرَ وذَلِكَ كُلُّهُ لا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّها جَعَلَتِ التَّخْيِيرَ لِوَلِيِّ الأمْرِ. وأيْضًا لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ الِاسْتِرْقاقِ، وهو الأصْلُ في الأسْرى، وهو يُدْخَلُ في المَنِّ إذا اعْتُبِرَ المَنُّ شامِلًا لِتَرْكِ القَتْلِ، ولِأنَّ مُقابَلَةَ المَنِّ بِالفِداءِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَشْرُوعٌ. وقَدْ رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ المَنَّ مِنَ العِتْقِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ فَقَطْ دُونَ قَتْلِ الأسِيرِ، فَقَتْلُ الأسِيرِ يَكُونُ مَحْظُورًا. وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُعَضِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وعَطاءٌ. وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأسِيرِ المُشْرِكِ إلّا القَتْلُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: لا بَأْسَ أنْ يُفادى أسْرى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِأسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِيَدِ صفحة ٨٢ المُشْرِكِينَ. ورَوى الجَصّاصُ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ فَدى أسِيرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأسِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في ثَقِيفٍ» . والغايَةُ المُسْتَفادَةُ مِن (حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّقْيِيدِ، أيْ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، أيْ لِيَكُفَّ المُشْرِكُونَ عَنْها فَتَأْمَنُوا مِنَ الحَرْبِ عَلَيْكم ولَيْسَتْ غايَةً لِحُكْمِ القِتالِ. والمَعْنى يَسْتَمِرُّ هَذا الحُكْمُ بِهَذا لِيَهِنَ العَدُوُّ فَيَتْرُكُوا حَرْبَكم، فَلا مَفْهُومَ لِهَذِهِ الغايَةِ، فالتَّعْلِيلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَضَرْبَ الرِّقابِ، أيْ لا تَتْرُكُوا القَتْلَ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَيَكُونُ وارِدًا مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ والمَوْعِظَةِ، أيْ فَلا تَشْتَغِلُوا عِنْدَ اللِّقاءِ لا بِقَتْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِتَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها فَإذا غَلَبْتُمُوهم فاشْتَغِلُوا بِالإبْقاءِ عَلى مَن تَغْلِبُونَهُ بِالأسْرِ لِيَكُونَ المَنُّ بَعْدَ ذَلِكَ أوِ الفِداءُ. والأوْزارُ: الأثْقالُ، ووَضْعُ الأوْزارِ تَمْثِيلٌ لِانْتِهاءِ العَمَلِ فَشُبِّهَتْ حالَةُ انْتِهاءِ القِتالِ بِحالَةِ وضْعِ الحَمّالِ أوِ المُسافِرِ أثْقالَهُ، وهَذا مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وأخَذَ مِنهُ عَبَدُ رَبِّهِ السُّلَمِيُّ، أوْ سُلَيْمٌ الحَنَفِيُّ قَوْلَهُ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِـرُ فَشَبَّهَ حالَةَ المُنْتَهِي مِن كُلْفَةٍ بِحالَةِ السّائِرِ يُلْقِي عَصاهُ الَّتِي اسْتَصْحَبَها في سَيْرِهِ. * * * ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هُنالِكَ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى هُنا، ويُفِيدُ اسْمُ الإشارَةِ تَقْرِيرَ الحُكْمِ ورُسُوخِهِ في النُّفُوسِ. والجُمْلَةُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ والمَحْذُوفِ مُعْتَرِضَةٌ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ صفحة ٨٣ أيْ أُمِرْتُمْ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ، والحالُ أنَّ اللَّهَ لَوْ يَشاءُ لاسْتَأْصَلَهم ولَمْ يُكَلِّفْكم بِقِتالِهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ناطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها المُعْتادَةِ وهي أنْ يَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ. وتَعْدِيَةُ انْتَصَرَ بِحَرْفِ (مِن) مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: انْتَقَمَ. والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما في مَعْنى المَشِيئَةِ مِنَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَرَكَ الِانْتِقامَ مِنهم لِسَبَبٍ غَيْرِ ما بَعْدَ الِاسْتِدْراكِ. والبَلْوُ حَقِيقَتُهُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو هُنا مَجازٌ في لازِمِهِ وهو ظُهُورُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن رَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ووَقْعِ بَأْسِهِمْ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ ومِن إهانَةِ الكُفّارِ، وهو أنَّ شَأْنَهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ. * * * (﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾) هَذا مِن مَظاهِرِ بَلْوى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وهو مُقابِلُ ما في قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإمّا فِداءً﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ إهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذُكِرَ هُنا ما هو مِن رِفْعَةِ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِقِتالِ المُشْرِكِينَ أعْقَبَ الأمْرَ بِوَعْدِ الجَزاءِ عَلى فِعْلِهِ. وذِكْرُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلَنْ يُضِلَّ اللَّهُ أعْمالَكم، وهَكَذا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ إفادَةٌ تُقَوِّي الخَبَرَ، ولِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْوِيهِ بِصِلَتِهِ، ولِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ ما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ. صفحة ٨٤ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ، وقُرِنَتْ بِالفاءِ لِإفادَةِ السَّبَبِيَّةِ في تَرَتُّبِ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما يُشْرَبُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيُقْرَنُ خَبَرُهُ بِالفاءِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِيغَةُ الماضِي في فِعْلِ (قاتَلُوا) مُنْصَرِفَةً إلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الشَّرْطِ. وجُمْلَةُ سَيَهْدِيهِمْ وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ آنِفًا عَلى مَعْنى إضْلالِ الأعْمالِ وإصْلاحِ البالِ. ومَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أنَّهُ وصَفَها لَهم في الدُّنْيا فَهم يَعْرِفُونَها بِصِفاتِها، فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، أوِ المَعْنى هَداهم إلى طَرِيقِها في الآخِرَةِ فَلا يَتَرَدَّدُونَ في أنَّهم داخِلُونَها، وذَلِكَ مِن تَعْجِيلِ الفَرَحِ بِها. وقِيلَ عَرَّفَها جَعَلَ فِيها عَرْفًا، أيْ رِيحًا طَيِّبًا، والتَّطْيِيبُ مِن تَمامِ حُسْنِ الضِّيافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قاتَلُوا“ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُجاهِدِينَ أحْيائُهم وأمْواتُهم. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (قُتَلُوا) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ مَضْمُونُ الآيَةِ جَزاءَ الشُّهَداءِ، فَهِدايَتُهم وإصْلاحُ بالِهِمْ كائِنانِ في الآخِرَةِ.

محمد 47:5

صفحة ٧٨ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدَ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِأنَّ فِيها قَوْلَهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ . وهو الحُكْمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ العِقابُ عَلى ما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن فِداءِ الأسْرى الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) الآيَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ ذَلِكَ مُقَرَّرًا يَوْمَئِذٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن إثارَةِ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ بِتَشْنِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ وظُهُورِ خَيْبَةِ أعْمالِهِمْ وتَنْوِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ وتَوْفِيقِ آرائِهِمْ. والمَقْصُودُ: تَهْوِينُ شَأْنِهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وإغْراؤُهم بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن مَنافِعِ فِداءِ أسْراهم بِالمالِ لِيَعْبُدَ المُسْلِمُونَ رَبَّهم آمِنِينَ. وذَلِكَ ناظِرٌ إلى آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ وإلى ما يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ . و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ غالِبُ اسْتِعْمالِها وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ . واللِّقاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المُقابَلَةُ: وهو إطْلاقٌ شَهِيرٌ لِلِّقاءِ. يُقالُ: يَوْمَ اللِّقاءِ، فَلا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا لِقاءُ الحَرْبِ، ويُقالُ: إنْ لَقِيتَ فَلانًا لَقِيتَ مِنهُ أسَدًا، وقالَ النّابِغَةُ: تَجَنَّبْ بَنِي حُنٍّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بَصائِرُ فَلَيْسَ المَعْنى: إذا لَقِيتُمُ الكافِرِينَ في الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وبِذَلِكَ لا يُحْتاجُ لِذِكْرِ مُخَصَّصٍ لِفِعْلِ لَقِيتُمْ. والمَعْنى: فَإذا قاتَلْتُمُ المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ فَأمْعِنُوا في قَتْلِهِمْ حَتّى إذا رَأيْتُمْ أنْ قَدْ خَضَدْتُمْ شَوْكَتَهم، فَأْسِرُوا مِنهم أسْرى. ”وضَرْبَ الرِّقابِ“: كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القَتْلِ سَواءٌ كانَ بِالضَّرْبِ أمْ صفحة ٧٩ بِالطَّعْنِ في القُلُوبِ بِالرِّماحِ أوْ بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ، وأُوثِرَتْ عَلى كَلِمَةِ القَتْلِ؛ لِأنَّ في اسْتِعْمالِ الكِنايَةِ بَلاغَةٌ؛ ولِأنَّ في خُصُوصِ هَذا اللَّفْظِ غِلْظَةً وشِدَّةً تُناسِبانِ مَقامَ التَّحْرِيضِ. والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى: القَطْعُ بِالسَّيْفِ، وهو أحَدُ أحْوالِ القِتالِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شَجاعَةِ المُحارِبِ لِكَوْنِهِ مُواجِهًا عَدُوَّهُ وجْهًا لِوَجْهٍ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم سَواءٌ كانَ القَتْلُ بِضَرْبِ السَّيْفِ، أوْ طَعْنِ الرِّماحِ، أوْ رَشْقِ النِّبالِ، لِأنَّ الغايَةَ مِن ذَلِكَ هو الإثْخانُ. والَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ مِن تَصارِيفِ مادَّةِ الكُفْرِ، نَحْوِ: الكافِرِينَ، والكُفّارِ، والَّذِينَ كَفَرُوا، هو الشِّرْكُ. و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الغايَةُ مَعَها يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى التَّفْرِيعِ. والإثْخانُ: الغَلَبَةُ لِأنَّها تَتْرُكُ المَغْلُوبَ كالشَّيْءِ المُثْخَنِ وهو الثَّقِيلُ الصُّلْبُ الَّذِي لا يَخِفُّ لِلْحَرَكَةِ، ويُوصَفُ بِهِ المائِعُ الَّذِي جَمُدَ أوْ قارَبَ الجُمُودَ بِحَيْثُ لا يَسِيلُ بِسُهُولَةٍ، ووُصِفَ بِهِ الثَّوْبُ والحَبْلُ إذا كَثُرَتْ طاقاتُهُما بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفَكُّكُها. وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى التَّوْهِينِ بِالقَتْلِ، وكِلا المَعْنِيِّينِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا فُسِّرَ بِالغَلَبَةِ كانَ المَعْنى حَتّى إذا غَلَبْتُمْ مِنهم مَن وقَعُوا في قَبْضَتِكم أسْرى فَشَدُّوا وثاقَهم. وعَلَيْهِ، فَجَوازُ المَنِّ والفِداءِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ. وإذا فُسِّرَ الإثْخانُ بِكَثْرَةِ القَتْلِ فِيهِمْ كانَ المَعْنى حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ الجَيْشِ إلّا القَلِيلُ فَأْسِرُوا حِينَئِذٍ، أيْ أبْقُوا الأسْرى، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَأْوِيلٍ في نَظْمِ الآيَةِ إلّا أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] . وانْتَصَبَ ضَرْبَ الرِّقابَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ ثُمَّ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، والتَّقْدِيرُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، فَلَمّا حَذَفَ الفِعْلَ اخْتِصارًا قَدَّمَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ ونابَ مَنابَ الفِعْلِ في العَمَلِ في ذَلِكَ المَفْعُولِ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ إضافَةَ الأسْماءِ إلى الأسْماءِ لِأنَّ المَصْدَرَ راجِحٌ في الِاسْمِيَّةِ. صفحة ٨٠ والشَّدُّ: قُوَّةُ الرَّبْطِ، وقُوَّةُ الإمْساكِ. والوَثاقُ بِفَتْحِ الواوِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَوْثَقُ بِهِ، ويَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الواوِ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأسْرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ يَسْتَلْزِمُ الوَضْعَ في القَيْدِ يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم، فَإنْ أثْخَنْتُمْ مِنهم فَأْسِرُوا مِنهم. وتَعْرِيفُ الرِّقابِ والوَثاقَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ فَضَرْبَ رِقابَهم وشُدُّوا وثاقَهم. والمَنُّ: الإنْعامُ. والمُرادُ بِهِ: إطْلاقُ الأسِيرِ واسْتِرْقاقُهُ فَإنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَنٌّ عَلَيْهِ إذْا لَمْ يُقْتَلْ، والفِداءُ: بِكَسْرِ الفاءِ مَمْدُودًا تَخْلِيصُ الأسِيرِ مِنَ الأسْرِ بِعِوَضٍ مِن مالٍ أوْ مُبادَلَةٍ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ في يَدَيِ العَدُوِّ. وقَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ تَرْجِيحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ أعْوَنُ عَلى امْتِلاكِ ضَمِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ بَعْضُهُ. وانْتَصَبَ ”مَنًّا“ وفِداءً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن عامِلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: إمّا تَمُنُّونَ وإمّا تَفْدُونَ. وقَوْلُهُ ”بَعْدُ“ أيْ بَعْدَ الإثْخانِ، وهَذا تَقْيِيدٌ لِإباحَةِ المَنِّ والفِداءِ. وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ أمِيرِ الجَيْشِ بِحَسَبِ ما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ والأصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ أيِمَّةِ الفِقْهِ وأهْلِ النَّظَرِ. فَقَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ، أيْ مُشْرِكٍ يَشْمَلُ الرِّجالَ وهُمُ المَعْرُوفُ حَرْبُهم ويَشْمَلُ مَن حارَبَ مَعَهم مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والأحْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ لِتَحْدِيدِ أحْوالِ القِتالِ وما بَعْدَهُ، لا لِبَيانِ وقْتِ القِتالِ ولا لِبَيانِ مَن هُمُ الكافِرُونَ، لِأنَّ أوْقاتَ القِتالِ مُبِيَّنَةٌ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . ومَعْرِفَةُ الكافِرِينَ مَعْلُومَةٌ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) في سُورَةِ الأنْفالِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ في القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ صفحة ٨١ وهُوَ أحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَواهُ الطَّحاوِيُّ، ومِنَ السَلَفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّها تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في أسْرى المُشْرِكِينَ بَيْنَ القَتْلِ أوِ المَنِّ أوِ الفِداءِ، وأمِيرُ الجَيْشِ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ أنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ الإذْنُ في المَنِّ أوِ الفِداءِ فَهي ناسِخَةٌ أوْ مُنْهِيَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها ناسِخَةً لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ هو تَعْيِينُ أوْقاتِ المُتارَكَةِ وأوْقاتِ المُحارَبَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَؤُلاءِ بِحَظْرِ قَتْلِ الأسِيرِ في حِينِ أنَّ التَّخْيِيرَ هُنا وارِدٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما القَتْلُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ ثُبُوتًا مُسْتَفِيضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ مِن أسْرى بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ» وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وقَتَلَ أسْرى قُرَيْظَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقَتَلَ هِلالَ بْنَ خَطَلٍ ومِقْيَسَ بْنَ حُبابَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَتَلَ بَعْدَ أُحُدٍ أبا عَزَّةَ الجُمَعِيَّ الشّاعِرَ وذَلِكَ كُلُّهُ لا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّها جَعَلَتِ التَّخْيِيرَ لِوَلِيِّ الأمْرِ. وأيْضًا لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ الِاسْتِرْقاقِ، وهو الأصْلُ في الأسْرى، وهو يُدْخَلُ في المَنِّ إذا اعْتُبِرَ المَنُّ شامِلًا لِتَرْكِ القَتْلِ، ولِأنَّ مُقابَلَةَ المَنِّ بِالفِداءِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَشْرُوعٌ. وقَدْ رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ المَنَّ مِنَ العِتْقِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ فَقَطْ دُونَ قَتْلِ الأسِيرِ، فَقَتْلُ الأسِيرِ يَكُونُ مَحْظُورًا. وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُعَضِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وعَطاءٌ. وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأسِيرِ المُشْرِكِ إلّا القَتْلُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: لا بَأْسَ أنْ يُفادى أسْرى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِأسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِيَدِ صفحة ٨٢ المُشْرِكِينَ. ورَوى الجَصّاصُ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ فَدى أسِيرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأسِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في ثَقِيفٍ» . والغايَةُ المُسْتَفادَةُ مِن (حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّقْيِيدِ، أيْ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، أيْ لِيَكُفَّ المُشْرِكُونَ عَنْها فَتَأْمَنُوا مِنَ الحَرْبِ عَلَيْكم ولَيْسَتْ غايَةً لِحُكْمِ القِتالِ. والمَعْنى يَسْتَمِرُّ هَذا الحُكْمُ بِهَذا لِيَهِنَ العَدُوُّ فَيَتْرُكُوا حَرْبَكم، فَلا مَفْهُومَ لِهَذِهِ الغايَةِ، فالتَّعْلِيلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَضَرْبَ الرِّقابِ، أيْ لا تَتْرُكُوا القَتْلَ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَيَكُونُ وارِدًا مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ والمَوْعِظَةِ، أيْ فَلا تَشْتَغِلُوا عِنْدَ اللِّقاءِ لا بِقَتْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِتَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها فَإذا غَلَبْتُمُوهم فاشْتَغِلُوا بِالإبْقاءِ عَلى مَن تَغْلِبُونَهُ بِالأسْرِ لِيَكُونَ المَنُّ بَعْدَ ذَلِكَ أوِ الفِداءُ. والأوْزارُ: الأثْقالُ، ووَضْعُ الأوْزارِ تَمْثِيلٌ لِانْتِهاءِ العَمَلِ فَشُبِّهَتْ حالَةُ انْتِهاءِ القِتالِ بِحالَةِ وضْعِ الحَمّالِ أوِ المُسافِرِ أثْقالَهُ، وهَذا مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وأخَذَ مِنهُ عَبَدُ رَبِّهِ السُّلَمِيُّ، أوْ سُلَيْمٌ الحَنَفِيُّ قَوْلَهُ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِـرُ فَشَبَّهَ حالَةَ المُنْتَهِي مِن كُلْفَةٍ بِحالَةِ السّائِرِ يُلْقِي عَصاهُ الَّتِي اسْتَصْحَبَها في سَيْرِهِ. * * * ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هُنالِكَ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى هُنا، ويُفِيدُ اسْمُ الإشارَةِ تَقْرِيرَ الحُكْمِ ورُسُوخِهِ في النُّفُوسِ. والجُمْلَةُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ والمَحْذُوفِ مُعْتَرِضَةٌ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ صفحة ٨٣ أيْ أُمِرْتُمْ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ، والحالُ أنَّ اللَّهَ لَوْ يَشاءُ لاسْتَأْصَلَهم ولَمْ يُكَلِّفْكم بِقِتالِهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ناطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها المُعْتادَةِ وهي أنْ يَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ. وتَعْدِيَةُ انْتَصَرَ بِحَرْفِ (مِن) مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: انْتَقَمَ. والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما في مَعْنى المَشِيئَةِ مِنَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَرَكَ الِانْتِقامَ مِنهم لِسَبَبٍ غَيْرِ ما بَعْدَ الِاسْتِدْراكِ. والبَلْوُ حَقِيقَتُهُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو هُنا مَجازٌ في لازِمِهِ وهو ظُهُورُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن رَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ووَقْعِ بَأْسِهِمْ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ ومِن إهانَةِ الكُفّارِ، وهو أنَّ شَأْنَهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ. * * * (﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾) هَذا مِن مَظاهِرِ بَلْوى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وهو مُقابِلُ ما في قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإمّا فِداءً﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ إهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذُكِرَ هُنا ما هو مِن رِفْعَةِ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِقِتالِ المُشْرِكِينَ أعْقَبَ الأمْرَ بِوَعْدِ الجَزاءِ عَلى فِعْلِهِ. وذِكْرُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلَنْ يُضِلَّ اللَّهُ أعْمالَكم، وهَكَذا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ إفادَةٌ تُقَوِّي الخَبَرَ، ولِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْوِيهِ بِصِلَتِهِ، ولِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ ما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ. صفحة ٨٤ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ، وقُرِنَتْ بِالفاءِ لِإفادَةِ السَّبَبِيَّةِ في تَرَتُّبِ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما يُشْرَبُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيُقْرَنُ خَبَرُهُ بِالفاءِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِيغَةُ الماضِي في فِعْلِ (قاتَلُوا) مُنْصَرِفَةً إلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الشَّرْطِ. وجُمْلَةُ سَيَهْدِيهِمْ وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ آنِفًا عَلى مَعْنى إضْلالِ الأعْمالِ وإصْلاحِ البالِ. ومَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أنَّهُ وصَفَها لَهم في الدُّنْيا فَهم يَعْرِفُونَها بِصِفاتِها، فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، أوِ المَعْنى هَداهم إلى طَرِيقِها في الآخِرَةِ فَلا يَتَرَدَّدُونَ في أنَّهم داخِلُونَها، وذَلِكَ مِن تَعْجِيلِ الفَرَحِ بِها. وقِيلَ عَرَّفَها جَعَلَ فِيها عَرْفًا، أيْ رِيحًا طَيِّبًا، والتَّطْيِيبُ مِن تَمامِ حُسْنِ الضِّيافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قاتَلُوا“ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُجاهِدِينَ أحْيائُهم وأمْواتُهم. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (قُتَلُوا) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ مَضْمُونُ الآيَةِ جَزاءَ الشُّهَداءِ، فَهِدايَتُهم وإصْلاحُ بالِهِمْ كائِنانِ في الآخِرَةِ.

محمد 47:6

صفحة ٧٨ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدَ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ لِأنَّ فِيها قَوْلَهُ ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ . وهو الحُكْمُ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ العِقابُ عَلى ما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ مِن فِداءِ الأسْرى الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) الآيَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ ذَلِكَ مُقَرَّرًا يَوْمَئِذٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْفالِ. والفاءُ لِتَفْرِيعِ هَذا الكَلامِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن إثارَةِ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ بِتَشْنِيعِ حالِ المُشْرِكِينَ وظُهُورِ خَيْبَةِ أعْمالِهِمْ وتَنْوِيهِ حالِ المُسْلِمِينَ وتَوْفِيقِ آرائِهِمْ. والمَقْصُودُ: تَهْوِينُ شَأْنِهِمْ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وإغْراؤُهم بِقَطْعِ دابِرِهِمْ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن مَنافِعِ فِداءِ أسْراهم بِالمالِ لِيَعْبُدَ المُسْلِمُونَ رَبَّهم آمِنِينَ. وذَلِكَ ناظِرٌ إلى آيَةِ سُورَةِ الأنْفالِ وإلى ما يُفِيدُهُ التَّعْلِيلُ مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ . و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُضَمَّنَةً مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ غالِبُ اسْتِعْمالِها وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ . واللِّقاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المُقابَلَةُ: وهو إطْلاقٌ شَهِيرٌ لِلِّقاءِ. يُقالُ: يَوْمَ اللِّقاءِ، فَلا يُفْهَمُ مِنهُ إلّا لِقاءُ الحَرْبِ، ويُقالُ: إنْ لَقِيتَ فَلانًا لَقِيتَ مِنهُ أسَدًا، وقالَ النّابِغَةُ: تَجَنَّبْ بَنِي حُنٍّ فَإنَّ لِقاءَهُـمْ كَرِيهٌ وإنْ لَمْ تَلْقَ إلّا بَصائِرُ فَلَيْسَ المَعْنى: إذا لَقِيتُمُ الكافِرِينَ في الطَّرِيقِ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ وبِذَلِكَ لا يُحْتاجُ لِذِكْرِ مُخَصَّصٍ لِفِعْلِ لَقِيتُمْ. والمَعْنى: فَإذا قاتَلْتُمُ المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ فَأمْعِنُوا في قَتْلِهِمْ حَتّى إذا رَأيْتُمْ أنْ قَدْ خَضَدْتُمْ شَوْكَتَهم، فَأْسِرُوا مِنهم أسْرى. ”وضَرْبَ الرِّقابِ“: كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القَتْلِ سَواءٌ كانَ بِالضَّرْبِ أمْ صفحة ٧٩ بِالطَّعْنِ في القُلُوبِ بِالرِّماحِ أوْ بِالرَّمْيِ بِالسِّهامِ، وأُوثِرَتْ عَلى كَلِمَةِ القَتْلِ؛ لِأنَّ في اسْتِعْمالِ الكِنايَةِ بَلاغَةٌ؛ ولِأنَّ في خُصُوصِ هَذا اللَّفْظِ غِلْظَةً وشِدَّةً تُناسِبانِ مَقامَ التَّحْرِيضِ. والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى: القَطْعُ بِالسَّيْفِ، وهو أحَدُ أحْوالِ القِتالِ عِنْدَهم؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى شَجاعَةِ المُحارِبِ لِكَوْنِهِ مُواجِهًا عَدُوَّهُ وجْهًا لِوَجْهٍ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم سَواءٌ كانَ القَتْلُ بِضَرْبِ السَّيْفِ، أوْ طَعْنِ الرِّماحِ، أوْ رَشْقِ النِّبالِ، لِأنَّ الغايَةَ مِن ذَلِكَ هو الإثْخانُ. والَّذِينَ كَفَرُوا: هُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ مِن تَصارِيفِ مادَّةِ الكُفْرِ، نَحْوِ: الكافِرِينَ، والكُفّارِ، والَّذِينَ كَفَرُوا، هو الشِّرْكُ. و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ. ومَعْنى الغايَةُ مَعَها يُؤَوَّلُ إلى مَعْنى التَّفْرِيعِ. والإثْخانُ: الغَلَبَةُ لِأنَّها تَتْرُكُ المَغْلُوبَ كالشَّيْءِ المُثْخَنِ وهو الثَّقِيلُ الصُّلْبُ الَّذِي لا يَخِفُّ لِلْحَرَكَةِ، ويُوصَفُ بِهِ المائِعُ الَّذِي جَمُدَ أوْ قارَبَ الجُمُودَ بِحَيْثُ لا يَسِيلُ بِسُهُولَةٍ، ووُصِفَ بِهِ الثَّوْبُ والحَبْلُ إذا كَثُرَتْ طاقاتُهُما بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفَكُّكُها. وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى التَّوْهِينِ بِالقَتْلِ، وكِلا المَعْنِيِّينِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا فُسِّرَ بِالغَلَبَةِ كانَ المَعْنى حَتّى إذا غَلَبْتُمْ مِنهم مَن وقَعُوا في قَبْضَتِكم أسْرى فَشَدُّوا وثاقَهم. وعَلَيْهِ، فَجَوازُ المَنِّ والفِداءِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ. وإذا فُسِّرَ الإثْخانُ بِكَثْرَةِ القَتْلِ فِيهِمْ كانَ المَعْنى حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ مِنَ الجَيْشِ إلّا القَلِيلُ فَأْسِرُوا حِينَئِذٍ، أيْ أبْقُوا الأسْرى، وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا يَخْلُو مِن تَأْوِيلٍ في نَظْمِ الآيَةِ إلّا أنَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ في سُورَةِ الأنْفالِ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] . وانْتَصَبَ ضَرْبَ الرِّقابَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن فِعْلِهِ ثُمَّ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، والتَّقْدِيرُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، فَلَمّا حَذَفَ الفِعْلَ اخْتِصارًا قَدَّمَ المَفْعُولَ المُطْلَقَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ ونابَ مَنابَ الفِعْلِ في العَمَلِ في ذَلِكَ المَفْعُولِ وأُضِيفَ إلى المَفْعُولِ إضافَةَ الأسْماءِ إلى الأسْماءِ لِأنَّ المَصْدَرَ راجِحٌ في الِاسْمِيَّةِ. صفحة ٨٠ والشَّدُّ: قُوَّةُ الرَّبْطِ، وقُوَّةُ الإمْساكِ. والوَثاقُ بِفَتْحِ الواوِ: الشَّيْءُ الَّذِي يَوْثَقُ بِهِ، ويَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الواوِ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ. وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الأسْرِ؛ لِأنَّ الأسْرَ يَسْتَلْزِمُ الوَضْعَ في القَيْدِ يُشَدُّ بِهِ الأسِيرُ. والمَعْنى: فاقْتُلُوهم، فَإنْ أثْخَنْتُمْ مِنهم فَأْسِرُوا مِنهم. وتَعْرِيفُ الرِّقابِ والوَثاقَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ فَضَرْبَ رِقابَهم وشُدُّوا وثاقَهم. والمَنُّ: الإنْعامُ. والمُرادُ بِهِ: إطْلاقُ الأسِيرِ واسْتِرْقاقُهُ فَإنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَنٌّ عَلَيْهِ إذْا لَمْ يُقْتَلْ، والفِداءُ: بِكَسْرِ الفاءِ مَمْدُودًا تَخْلِيصُ الأسِيرِ مِنَ الأسْرِ بِعِوَضٍ مِن مالٍ أوْ مُبادَلَةٍ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ في يَدَيِ العَدُوِّ. وقَدَّمَ المَنَّ عَلى الفِداءِ تَرْجِيحًا لَهُ؛ لِأنَّهُ أعْوَنُ عَلى امْتِلاكِ ضَمِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ لِيُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ بَعْضُهُ. وانْتَصَبَ ”مَنًّا“ وفِداءً عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ بَدَلًا مِن عامِلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ: إمّا تَمُنُّونَ وإمّا تَفْدُونَ. وقَوْلُهُ ”بَعْدُ“ أيْ بَعْدَ الإثْخانِ، وهَذا تَقْيِيدٌ لِإباحَةِ المَنِّ والفِداءِ. وذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى نَظَرِ أمِيرِ الجَيْشِ بِحَسَبِ ما يَراهُ مِنَ المَصْلَحَةِ في أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما فَعَلَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ غَزْوَةِ هَوازِنَ. وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ والأصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ أيِمَّةِ الفِقْهِ وأهْلِ النَّظَرِ. فَقَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا عامٌّ في كُلِّ كافِرٍ، أيْ مُشْرِكٍ يَشْمَلُ الرِّجالَ وهُمُ المَعْرُوفُ حَرْبُهم ويَشْمَلُ مَن حارَبَ مَعَهم مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ والأحْبارِ. وهَذِهِ الآيَةُ لِتَحْدِيدِ أحْوالِ القِتالِ وما بَعْدَهُ، لا لِبَيانِ وقْتِ القِتالِ ولا لِبَيانِ مَن هُمُ الكافِرُونَ، لِأنَّ أوْقاتَ القِتالِ مُبِيَّنَةٌ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . ومَعْرِفَةُ الكافِرِينَ مَعْلُومَةٌ مِنَ اصْطِلاحِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . ثُمَّ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) في سُورَةِ الأنْفالِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ في القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ والشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ صفحة ٨١ وهُوَ أحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَواهُ الطَّحاوِيُّ، ومِنَ السَلَفِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وأنَّها تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في أسْرى المُشْرِكِينَ بَيْنَ القَتْلِ أوِ المَنِّ أوِ الفِداءِ، وأمِيرُ الجَيْشِ مُخَيَّرٌ في ذَلِكَ. ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ هَذا القَوْلِ يَرَوْنَ أنَّ مَوْرِدَ الآيَةِ الإذْنُ في المَنِّ أوِ الفِداءِ فَهي ناسِخَةٌ أوْ مُنْهِيَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]) إلى قَوْلِهِ ﴿لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] في سُورَةِ الأنْفالِ. وهَذا أوْلى مِن جَعْلِها ناسِخَةً لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ مَوْرِدَ تِلْكَ هو تَعْيِينُ أوْقاتِ المُتارَكَةِ وأوْقاتِ المُحارَبَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هَؤُلاءِ بِحَظْرِ قَتْلِ الأسِيرِ في حِينِ أنَّ التَّخْيِيرَ هُنا وارِدٌ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، ولَمْ يُذْكَرْ مَعَهُما القَتْلُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ ثُبُوتًا مُسْتَفِيضًا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتَلَ مِن أسْرى بَدْرٍ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ» وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وعُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ وقَتَلَ أسْرى قُرَيْظَةَ الَّذِينَ نَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقَتَلَ هِلالَ بْنَ خَطَلٍ ومِقْيَسَ بْنَ حُبابَةٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَتَلَ بَعْدَ أُحُدٍ أبا عَزَّةَ الجُمَعِيَّ الشّاعِرَ وذَلِكَ كُلُّهُ لا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّها جَعَلَتِ التَّخْيِيرَ لِوَلِيِّ الأمْرِ. وأيْضًا لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآيَةِ جَوازُ الِاسْتِرْقاقِ، وهو الأصْلُ في الأسْرى، وهو يُدْخَلُ في المَنِّ إذا اعْتُبِرَ المَنُّ شامِلًا لِتَرْكِ القَتْلِ، ولِأنَّ مُقابَلَةَ المَنِّ بِالفِداءِ تَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِرْقاقَ مَشْرُوعٌ. وقَدْ رَوى ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ: أنَّ المَنَّ مِنَ العِتْقِ. وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ: التَّخْيِيرُ بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ فَقَطْ دُونَ قَتْلِ الأسِيرِ، فَقَتْلُ الأسِيرِ يَكُونُ مَحْظُورًا. وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُعَضِّدُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَسَنُ وعَطاءٌ. وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الأسِيرِ المُشْرِكِ إلّا القَتْلُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ، ورَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو المَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ مِن أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ: لا بَأْسَ أنْ يُفادى أسْرى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا بِأسْرى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِيَدِ صفحة ٨٢ المُشْرِكِينَ. ورَوى الجَصّاصُ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ فَدى أسِيرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ بِأسِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في ثَقِيفٍ» . والغايَةُ المُسْتَفادَةُ مِن (حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّقْيِيدِ، أيْ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، أيْ لِيَكُفَّ المُشْرِكُونَ عَنْها فَتَأْمَنُوا مِنَ الحَرْبِ عَلَيْكم ولَيْسَتْ غايَةً لِحُكْمِ القِتالِ. والمَعْنى يَسْتَمِرُّ هَذا الحُكْمُ بِهَذا لِيَهِنَ العَدُوُّ فَيَتْرُكُوا حَرْبَكم، فَلا مَفْهُومَ لِهَذِهِ الغايَةِ، فالتَّعْلِيلُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والتَّقْدِيرُ: فَضَرْبَ الرِّقابِ، أيْ لا تَتْرُكُوا القَتْلَ لِأجْلِ أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، فَيَكُونُ وارِدًا مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ والمَوْعِظَةِ، أيْ فَلا تَشْتَغِلُوا عِنْدَ اللِّقاءِ لا بِقَتْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا لِتَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها فَإذا غَلَبْتُمُوهم فاشْتَغِلُوا بِالإبْقاءِ عَلى مَن تَغْلِبُونَهُ بِالأسْرِ لِيَكُونَ المَنُّ بَعْدَ ذَلِكَ أوِ الفِداءُ. والأوْزارُ: الأثْقالُ، ووَضْعُ الأوْزارِ تَمْثِيلٌ لِانْتِهاءِ العَمَلِ فَشُبِّهَتْ حالَةُ انْتِهاءِ القِتالِ بِحالَةِ وضْعِ الحَمّالِ أوِ المُسافِرِ أثْقالَهُ، وهَذا مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وأخَذَ مِنهُ عَبَدُ رَبِّهِ السُّلَمِيُّ، أوْ سُلَيْمٌ الحَنَفِيُّ قَوْلَهُ: فَألْقَتْ عَصاها واسْتَقَرَّ بِها النَّوى ∗∗∗ كَما قَرَّ عَيْنًا بِالإيابِ المُسافِـرُ فَشَبَّهَ حالَةَ المُنْتَهِي مِن كُلْفَةٍ بِحالَةِ السّائِرِ يُلْقِي عَصاهُ الَّتِي اسْتَصْحَبَها في سَيْرِهِ. * * * ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] لِلنُّكْتَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هُنالِكَ، وهو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ. وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والمُشارُ إلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى هُنا، ويُفِيدُ اسْمُ الإشارَةِ تَقْرِيرَ الحُكْمِ ورُسُوخِهِ في النُّفُوسِ. والجُمْلَةُ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ والمَحْذُوفِ مُعْتَرِضَةٌ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُقَدَّرِ في المَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ صفحة ٨٣ أيْ أُمِرْتُمْ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ، والحالُ أنَّ اللَّهَ لَوْ يَشاءُ لاسْتَأْصَلَهم ولَمْ يُكَلِّفْكم بِقِتالِهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ ناطَ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها المُعْتادَةِ وهي أنْ يَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ. وتَعْدِيَةُ انْتَصَرَ بِحَرْفِ (مِن) مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: انْتَقَمَ. والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما في مَعْنى المَشِيئَةِ مِنَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَرَكَ الِانْتِقامَ مِنهم لِسَبَبٍ غَيْرِ ما بَعْدَ الِاسْتِدْراكِ. والبَلْوُ حَقِيقَتُهُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو هُنا مَجازٌ في لازِمِهِ وهو ظُهُورُ ما أرادَهُ اللَّهُ مِن رَفْعِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ ووَقْعِ بَأْسِهِمْ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ ومِن إهانَةِ الكُفّارِ، وهو أنَّ شَأْنَهم بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ. * * * (﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾) هَذا مِن مَظاهِرِ بَلْوى بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وهو مُقابِلُ ما في قَوْلِهِ ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وإمّا فِداءً﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مَظاهِرِ إهانَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذُكِرَ هُنا ما هو مِن رِفْعَةِ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ. وجُمْلَةُ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾) إلَخْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ لَمّا أمَرَهم بِقِتالِ المُشْرِكِينَ أعْقَبَ الأمْرَ بِوَعْدِ الجَزاءِ عَلى فِعْلِهِ. وذِكْرُ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلَنْ يُضِلَّ اللَّهُ أعْمالَكم، وهَكَذا بِأُسْلُوبِ الخِطابِ، فَعُدِلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ؛ لِيَكُونَ في تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ إفادَةٌ تُقَوِّي الخَبَرَ، ولِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ لِلتَّنْوِيهِ بِصِلَتِهِ، ولِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى الصِّلَةِ بِأنَّ تِلْكَ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ ما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ. صفحة ٨٤ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ خَبَرٌ عَنِ المَوْصُولِ، وقُرِنَتْ بِالفاءِ لِإفادَةِ السَّبَبِيَّةِ في تَرَتُّبِ ما بَعْدَ الفاءِ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ لِأنَّ المَوْصُولَ كَثِيرًا ما يُشْرَبُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيُقْرَنُ خَبَرُهُ بِالفاءِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ صِيغَةُ الماضِي في فِعْلِ (قاتَلُوا) مُنْصَرِفَةً إلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ ذَلِكَ مُقْتَضى الشَّرْطِ. وجُمْلَةُ سَيَهْدِيهِمْ وما عُطِفَ عَلَيْها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ . وتَقَدَّمَ الكَلامُ آنِفًا عَلى مَعْنى إضْلالِ الأعْمالِ وإصْلاحِ البالِ. ومَعْنى ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ أنَّهُ وصَفَها لَهم في الدُّنْيا فَهم يَعْرِفُونَها بِصِفاتِها، فالجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، أوِ المَعْنى هَداهم إلى طَرِيقِها في الآخِرَةِ فَلا يَتَرَدَّدُونَ في أنَّهم داخِلُونَها، وذَلِكَ مِن تَعْجِيلِ الفَرَحِ بِها. وقِيلَ عَرَّفَها جَعَلَ فِيها عَرْفًا، أيْ رِيحًا طَيِّبًا، والتَّطْيِيبُ مِن تَمامِ حُسْنِ الضِّيافَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قاتَلُوا“ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُجاهِدِينَ أحْيائُهم وأمْواتُهم. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (قُتَلُوا) بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ مَضْمُونُ الآيَةِ جَزاءَ الشُّهَداءِ، فَهِدايَتُهم وإصْلاحُ بالِهِمْ كائِنانِ في الآخِرَةِ.

محمد 47:7

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهم عُلِمَ مِنهُ أنَّ ما أمَرَ بِهِ المُسْلِمِينَ مِن قِتالِ الكُفّارِ إنَّما أرادَ مِنهُ نَصْرَ الدِّينِ بِخَضَدِ شَوْكَةِ أعْدائِهِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النّاسَ عَنْهُ، أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في نَصْرِ اللَّهِ، والوَعْدِ بِتَكَفُّلِ اللَّهِ لَهم بِالنَّصْرِ إنْ نَصَرُوهُ، وبِأنَّهُ خاذِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَبَبِ كَراهِيَتِهِمْ ما شَرَعَهُ مِنَ الدِّينِ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لَهاتِهِ المُناسِبَةِ. وافْتُتِحَ التَّرْغِيبُ بِنِدائِهِمْ بِصِلَةِ الإيمانِ اهْتِمامًا بِالكَلامِ وإيماءً إلى أنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي مِنهم ذَلِكَ، والمَقْصُودُ تَحْرِيضِهِمْ عَلى الجِهادِ في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ أنِ اجْتَنَوْا فائِدَتَهُ مُشاهَدَةً يَوْمَ بَدْرٍ. صفحة ٨٥ ومَعْنى نَصْرِهِمُ اللَّهَ: نَصْرُ دِينِهِ ورَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ في تَنْفِيذِ إرادَتِهِ كَما قالَ ﴿ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ [محمد: ٤] . ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ بَيْنَ تَنْصُرُوا واسْمِ الجَلالَةِ تَقْدِيرُهُ: دِينُ اللَّهِ، لِأنَّهُ يُقالُ: نَصَرَ فُلانٌ فُلانًا، إذا نَصَرَ ذَوِيهِ وهو غَيْرُ حاضِرٍ. وجِيءَ في الشَّرْطِ بِحَرْفِ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ لِلْإشارَةِ إلى مَشَقَّةِ الشَّرْطِ وشِدَّتِهِ لِيُجْعَلَ المَطْلُوبُ بِهِ كالَّذِي يُشَكُّ في وفائِهِ بِهِ. وتَثْبِيتُ الأقْدامِ: تَمْثِيلٌ لِلْيَقِينِ وعَدَمِ الوَهَنِ بِحالَةِ مَن ثَبَتَتْ قَدَمُهُ في الأرْضِ فَلَمْ يَزَلْ، فَإنَّ الزَّلَلَ وهَنٌ يُسْقِطُ صاحِبَهُ، ولِذَلِكَ يُمَثَّلُ الِانْهِزامُ والخَيْبَةُ والخَطَأُ بِزَلَلِ القَدَمِ قالَ تَعالى ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها﴾ [النحل: ٩٤] .

محمد 47:8

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]) فَإنَّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. والتَّعْسُ: الشَّقاءُ ويُطْلَقُ عَلى عِدَّةِ مَعانٍ: الهَلاكُ، والخَيْبَةُ، والِانْحِطاطُ، والسُّقُوطُ، وهي مَعانٍ تَحُومُ حَوْلَ الشَّقاءِ، وقَدْ كَثُرَ أنْ يُقالَ: تَعْسًا لَهُ، لِلْعاثِرِ البَغِيضِ، أيْ سُقُوطًا وخُرُورًا لا نُهُوضَ مِنهُ. ويُقابِلُهُ قَوْلُهم لِلْعاثِرِ: لَعًا لَهُ، أيِ ارْتِفاعًا، قالَ الأعْشى: بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَـثَـرَتْ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا وفِي حَدِيثِ الإفْكِ فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، لِأنَّ العِثارَ تَعْسٌ. ومِن بَدائِعِ القُرْآنِ وُقُوعُ فَتَعْسًا لَهم في جانِبِ الكُفّارِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . صفحة ٨٦ والفِعْلُ مِنَ التَّعْسِ يَجِيءُ مِن بابِ مَنَعَ وبابِ سَمِعَ، وفي القامُوسِ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ: تَعَسْتَ كَمَنَعَ، وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ. وانْتَصَبَ تَعْسًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَعِسُوا تَعْسَهم، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ مِثْلُ تَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ. وقُصِدَ مِنَ الإضافَةِ اخْتِصاصُ التَّعْسِ بِهِمْ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلى الفاعِلِ لامُ التَّبْيِينِ فَصارَ تَعْسًا لَهم. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، أوْ بِعامِلِهِ المَحْذُوفِ عَلى التَّحْقِيقِ وهو مُخْتارُ ابْنِ مالِكٍ وإنَّ أباهُ ابْنُ هِشامٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْسًا لَهم مُسْتَعْمَلًا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ التَّحْقِيرِ والتَّفْظِيعِ، وذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ هَذا المُرَكَّبِ مِثْلَ سَقْيًا لَهُ، ورَعْيًا لَهُ، وتَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في الآيَةِ فِعْلُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ اللَّهُ: تَعْسًا لَهم، أوْ فَيُقالُ: تَعْسًا لَهم. ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى تَعْسًا وهو خَبَرُ المَوْصُولِ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] هُنالِكَ. والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ إلَخْ في مَعْناهُ، وفي مَوْقِعِهِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وفي نُكْتَةِ تَكْرِيرِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ذَلِكَ ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] . والإشارَةُ إلى التَّعْسِ وإضْلالِ الأعْمالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما. والكَراهِيَةُ: البُغْضُ والعَداوَةُ. و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والبَعْثِ، قالَ - تَعالى - ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] . والباءُ في ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ. صفحة ٨٧ وإحْباطُ الأعْمالِ إبْطالُها: أيْ جَعْلُها بُطْلًا، أيْ ضائِعَةً لا نَفْعَ لَهم مِنها، والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ: الأعْمالُ الَّتِي يَرْجُونَ مِنها النَّفْعَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَرْجُونَ نَفْعَها في الآخِرَةِ إذْ هم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وإنَّما كانُوا يَرْجُونَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ رِضا اللَّهِ ورِضا الأصْنامِ لِيَعِيشُوا في سَعَةِ رِزْقٍ وسَلامَةٍ وعافِيَةٍ، وتَسْلَمَ أوْلادُهم وأنْعامُهم، فالأعْمالُ المُحْبَطَةُ بَعْضُ الأعْمالِ المُضَلِّلَةِ، وإحْباطُها هو عَدَمُ تَحَقُّقِ ما رَجَوْهُ مِنها فَهو أخَصُّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ كَما عَلِمْتَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] أوَّلَ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّها قَدْ تُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ فَقَدْ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ، كَما في حَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أعْمالٍ كانَ يُتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن عَتاقَةٍ ونَحْوِها فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ» أيْ ولَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَما كانَ لَهُ فِيها خَيْرٌ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ لانْتَفَعُوا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ وهي المَقْصُودُ الأهَمُّ وفي الدُّنْيا عَلى الجُمْلَةِ. وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ تَأْكِيدُ الخَيْرِ المَذْكُورِ.

محمد 47:9

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]) فَإنَّ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَهَذا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. والتَّعْسُ: الشَّقاءُ ويُطْلَقُ عَلى عِدَّةِ مَعانٍ: الهَلاكُ، والخَيْبَةُ، والِانْحِطاطُ، والسُّقُوطُ، وهي مَعانٍ تَحُومُ حَوْلَ الشَّقاءِ، وقَدْ كَثُرَ أنْ يُقالَ: تَعْسًا لَهُ، لِلْعاثِرِ البَغِيضِ، أيْ سُقُوطًا وخُرُورًا لا نُهُوضَ مِنهُ. ويُقابِلُهُ قَوْلُهم لِلْعاثِرِ: لَعًا لَهُ، أيِ ارْتِفاعًا، قالَ الأعْشى: بِذاتِ لَوْثٍ عَفَرْناةٍ إذا عَـثَـرَتْ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا وفِي حَدِيثِ الإفْكِ فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ في مِرْطِها فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، لِأنَّ العِثارَ تَعْسٌ. ومِن بَدائِعِ القُرْآنِ وُقُوعُ فَتَعْسًا لَهم في جانِبِ الكُفّارِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] . صفحة ٨٦ والفِعْلُ مِنَ التَّعْسِ يَجِيءُ مِن بابِ مَنَعَ وبابِ سَمِعَ، وفي القامُوسِ إذا خاطَبْتَ قُلْتَ: تَعَسْتَ كَمَنَعَ، وإذا حَكَيْتَ قُلْتَ: تَعِسَ كَسَمِعَ. وانْتَصَبَ تَعْسًا عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. والتَّقْدِيرُ: فَتَعِسُوا تَعْسَهم، وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ مِثْلُ تَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ. وقُصِدَ مِنَ الإضافَةِ اخْتِصاصُ التَّعْسِ بِهِمْ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلى الفاعِلِ لامُ التَّبْيِينِ فَصارَ تَعْسًا لَهم. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَصْدَرِ، أوْ بِعامِلِهِ المَحْذُوفِ عَلى التَّحْقِيقِ وهو مُخْتارُ ابْنِ مالِكٍ وإنَّ أباهُ ابْنُ هِشامٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْسًا لَهم مُسْتَعْمَلًا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ لِقَصْدِ التَّحْقِيرِ والتَّفْظِيعِ، وذَلِكَ مِنَ اسْتِعْمالاتِ هَذا المُرَكَّبِ مِثْلَ سَقْيًا لَهُ، ورَعْيًا لَهُ، وتَبًّا لَهُ، ووَيْحًا لَهُ، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ في الآيَةِ فِعْلُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ اللَّهُ: تَعْسًا لَهم، أوْ فَيُقالُ: تَعْسًا لَهم. ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى تَعْسًا وهو خَبَرُ المَوْصُولِ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وتَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] هُنالِكَ. والقَوْلُ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ إلَخْ في مَعْناهُ، وفي مَوْقِعِهِ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ وفي نُكْتَةِ تَكْرِيرِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ذَلِكَ ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] . والإشارَةُ إلى التَّعْسِ وإضْلالِ الأعْمالِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما. والكَراهِيَةُ: البُغْضُ والعَداوَةُ. و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ هو القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ والبَعْثِ، قالَ - تَعالى - ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣] . والباءُ في ﴿بِأنَّهم كَرِهُوا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ. صفحة ٨٧ وإحْباطُ الأعْمالِ إبْطالُها: أيْ جَعْلُها بُطْلًا، أيْ ضائِعَةً لا نَفْعَ لَهم مِنها، والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ: الأعْمالُ الَّتِي يَرْجُونَ مِنها النَّفْعَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَرْجُونَ نَفْعَها في الآخِرَةِ إذْ هم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وإنَّما كانُوا يَرْجُونَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ رِضا اللَّهِ ورِضا الأصْنامِ لِيَعِيشُوا في سَعَةِ رِزْقٍ وسَلامَةٍ وعافِيَةٍ، وتَسْلَمَ أوْلادُهم وأنْعامُهم، فالأعْمالُ المُحْبَطَةُ بَعْضُ الأعْمالِ المُضَلِّلَةِ، وإحْباطُها هو عَدَمُ تَحَقُّقِ ما رَجَوْهُ مِنها فَهو أخَصُّ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ كَما عَلِمْتَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] أوَّلَ السُّورَةِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها لِئَلّا يَظُنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّها قَدْ تُخَفِّفُ عَنْهم مِنَ العَذابِ فَقَدْ كانُوا يَتَساءَلُونَ عَنْ ذَلِكَ، كَما في حَدِيثِ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أعْمالٍ كانَ يُتَحَنَّثُ بِها في الجاهِلِيَّةِ مِن عَتاقَةٍ ونَحْوِها فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ مِن خَيْرٍ» أيْ ولَوْ لَمْ يُسْلِمْ لَما كانَ لَهُ فِيها خَيْرٌ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ لانْتَفَعُوا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ وهي المَقْصُودُ الأهَمُّ وفي الدُّنْيا عَلى الجُمْلَةِ. وقَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ هَذا الخاصِّ بَعْدَ العامِّ تَأْكِيدُ الخَيْرِ المَذْكُورِ.

محمد 47:10

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكَفَرَيْنِ أمْثالُها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٨] الآيَةَ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظائِرِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] في سُورَةِ الرُّومِ وفي سُورَةِ غافِرٍ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، والمَعْنى: ألَيْسَ تَعْسُ الَّذِينَ كَفَرُوا مَشْهُودًا عَلَيْهِ بِآثارِهِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ أمْثالِهِمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهم يَدِينُونَ بِمِثْلِ دِينِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ. والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ والدَّمارُ وهو الهَلْكُ. صفحة ٨٨ وفِعْلُ (دَمَّرَ) مُتَعَدٍّ إلى المُدَمَّرِ بِنَفْسِهِ، فَيُقالُ: دَمَّرَهُمُ اللَّهُ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّدْمِيرِ، فَحُذِفَ مَفْعُولُ دَمَّرَ لِقَصْدِ العُمُومِ، ثُمَّ جُعِلَ التَّدْمِيرُ واقِعًا عَلَيْهِمْ فَأفادَ مَعْنى دَمَّرَ كُلَّ ما يَخْتَصُّ بِهِمْ، وهو المَفْعُولُ المَحْذُوفُ، وأنَّ التَّدْمِيرَ واقِعٌ عَلَيْهِمْ فَهم مِن مَشْمُولِهِ. وجُمْلَةُ ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] . والمُرادُ بِالكافِرِينَ: كُفّارُ مَكَّةَ والمَعْنى: ولِكُفّارِكم أمْثالُ عاقِبَةِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الدَّمارِ وهَذا تَصْرِيحٌ بِما وقَعَ بِهِ التَّعْرِيضُ لِلتَّأْكِيدِ بِالتَّعْمِيمِ ثُمَّ الخُصُوصِ. وأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ بِكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ، وجَمَعَ الأمْثالَ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْصَلَ الكافِرِينَ مَرّاتٍ حَتّى اسْتَقَرَّ الإسْلامُ فاسْتَأْصَلَ صَنادِيدَهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالسَّيْفِ، ويَوْمَ حُنَيْنٍ بِالسَّيْفِ أيْضًا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ يَوْمَ الخَنْدَقِ فَهَزَمَهم وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والمَذَلَّةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وكُلُّ ذَلِكَ مُماثِلٌ لِما سَلَّطَهُ عَلى الأُمَمِ في الغايَةِ مِنهُ وهو نَصْرُ الرَّسُولِ ﷺ ودِينِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ما نَصَرَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ أعْلى قِيمَةً بِكَوْنِهِ بِيَدِهِ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ مُباشَرَةً بِسُيُوفِهِمْ وذَلِكَ أنْكى لِلْعَدُوِّ. وضَمِيرُ ”أمْثالُها“ عائِدٌ إلى عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّها حالَةُ سُوءٍ.

محمد 47:11

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾ [محمد: ٣] وقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ [محمد: ٤] . واسْمُ الإشارَةِ مُنْصَرِفٌ إلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] بِتَأْوِيلِ: ذَلِكَ المَذْكُورِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا لِلْمُشْرِكِينَ بِالتَّدْمِيرِ، وفي تَدْمِيرِهِمُ انْتِصارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما لَقُوا مِنهم مِنَ الأضْرارِ، فَأُفِيدَ أنَّ ما تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مُسَبَّبٌ عَلى أنَّ اللَّهَ نَصِيرُ الَّذِينَ آمَنُوا وهو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيلِ وما بَعْدَهُ تَتْمِيمٌ. صفحة ٨٩ والمَوْلى هُنا: الوَلِيُّ والنّاصِرُ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ دِينَهُ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا ولا يَنْصُرُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ، فَأشْرَكُوا مَعَهُ في إلَهِيَّتِهِ وإذا كانَ لا يَنْصُرُهم فَلا يَجِدُونَ نَصِيرًا لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَنْصُرَهم عَلى اللَّهِ، فَنُفِيَ جِنْسُ المَوْلى لَهم بِهَذا المَعْنى مِن مَعانِي المَوْلى. فَقَوْلُهُ ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ أفادَ شَيْئَيْنِ: أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم، وأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرُهم فَلا ناصِرَ لَهم، وأمّا إثْباتُ المَوْلى لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ [يونس: ٢٨] إلى قَوْلِهِ ﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] فَذَلِكَ المَوْلى بِمَعْنًى آخَرَ، وهو مَعْنى: المالِكِ والرَّبِّ، فَلا تَعارُضَ بَيْنِهِما.

محمد 47:12

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانَيٌّ جَوابُ سُؤالٍ يُخْطَرُ بِبالِ سامِعِ قَوْلِهِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وعَنْ رِزْقِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا، فَبَيَّنَ اللَّهُ أنَّ مِن وِلايَتِهِ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعْطِيَهُمُ النَّعِيمَ الخالِدَ بَعْدَ النَّصْرِ في الدُّنْيا، وأنَّ ما أعْطاهُ الكافِرِينَ في الدُّنْيا لا عِبْرَةَ بِهِ لِأنَّهم مَسْلُوبُونَ مِن فَهْمِ الإيمانِ فَحَظُّهم مِنَ الدُّنْيا أكْلٌ وتَمَتُّعٌ كَحَظِّ الأنْعامِ، وعاقِبَتُهم في عالَمِ الخُلُودِ العَذابُ، فَقَوْلُهُ ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ في مَعْنى قَوْلِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . وهَذا الِاسْتِئْنافُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [محمد: ١٠] وجُمْلَةُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ [محمد: ١٣] الآيَةَ. والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَأْكُلُونَ“، أوْ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِـ ”يَأْكُلُونَ“ لِبَيانِ نَوْعِهِ. والتَّمَتُّعُ: الِانْتِفاعُ القَلِيلُ بِالمَتاعِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ ﴿ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. صفحة ٩٠ والمَثْوى: مَكانُ الثَّواءِ، والثَّواءُ: الِاسْتِقْرارُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] في الأنْعامِ. وعُدِلَ عَنِ الإضافَةِ فَقِيلَ مَثْوًى لَهم بِالتَّعْلِيقِ بِاللّامِ الَّتِي شَأْنُها أنْ تُنَوَّنَ في الإضافَةِ لِيُفادَ بِالتَّنْوِينِ مَعْنى التَّمَكُّنِ مِنَ القَرارِ في النّارِ، ”مَثْوًى“ أيْ مَثْوًى قَوِيًّا لَهم لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ النّارِ في هَذِهِ الآيَةِ حَصَلَ قَبْلَ مُشاهَدَتِها، فَلِذَلِكَ أُضِيفَتْ في قَوْلِهِ ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨] لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْها وهم يُشاهِدُونَها في المَحْشَرِ.

محمد 47:13

﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ اتَّصَلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وكَلِمَةُ (كَأيِّنْ) تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ الحَجِّ. والمُرادُ بِالقَرْيَةِ: أهْلُها، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أهْلَكْناهم، وإنَّما أُجْرِيَ الإخْبارُ عَلى القَرْيَةِ وضَمِيرِها لِإفادَةِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ أهْلِها وجَمِيعِ أحْوالِهِمْ، ولِيَكُونَ لِإسْنادُ إخْراجِ الرَّسُولِ إلى القَرْيَةِ كُلِّها وقَعَ مِنَ التَّبِعَةِ عَلى جَمِيعِ أهْلِها سَواءٌ مِنهم مَن تَوَلّى أسْبابَ الخُرُوجِ، ومَن كانَ يَنْظُرُ ولا يَنْهى قالَ - تَعالى - ﴿وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] . وهَذا إطْنابٌ في الوَعِيدِ لِأنَّ مَقامَ التَّهْدِيدِ والتَّوْبِيخِ يَقْتَضِي الإطْنابَ، فَمَفادُ هَذِهِ الآيَةِ مُؤَكِّدٌ لِمَفادِ قَوْلِهِ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]، فَحَصَلَ تَوْكِيدُ ذَلِكَ بِما هو مُقارِبٌ لَهُ مِن إهْلاكِ الأُمَمِ ذَواتِ القُرى والمُدُنِ بَعْدَ أنْ شَمِلَ قَوْلُهُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَن كانَ مِن أهْلِ القُرى، وزادَ هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أشَدَّ قُوَّةً مِنهم لِيَفْهَمُوا أنَّ إهْلاكَ هَؤُلاءِ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ التَّهْدِيدُ السّابِقُ تَهْدِيدًا بِعَذابِ السَّيْفِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآياتِ، قَدْ يُلْقِي في نُفُوسِهِمْ غُرُورًا صفحة ٩١ فَتَعَذَّرَ اسْتِئْصالُهم بِالسَّيْفِ وهم ما هم مِنَ المَنَعَةِ وأنَّهم تَمْنَعُهم قَرْيَتُهم مَكَّةُ وحَرْمَتُها بَيْنَ العَرَبِ فَلا يَقْعُدُونَ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، فَرُبَّما اسْتَخَفُّوا بِهَذا الوَعِيدِ ولَمْ يَسْتَكِينُوا لِهَذا التَّهْدِيدِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ قُرًى كَثِيرَةً كانَتْ أشَدَّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِهِمْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا نَصِيرًا. وبِهَذا يَظْهَرُ المَوْقِعُ البَدِيعُ لِلتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ . وزادَ أيْضًا إجْراءَ الإضافَةِ في قَوْلِهِ ”قَرْيَتِكَ“، ووَصَفَها بِـ الَّتِي أخْرَجَتْكَ لِما تُفِيدُهُ إضافَةُ القَرْيَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَعْبِيرِ أهْلِها بِمَذَمَّةِ القَطِيعَةِ ولِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ إهْلاكِهِمْ بِسَبَبِ إخْراجِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ مِن قَرْيَتِهِ قالَ - تَعالى - ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] . وإطْلاقُ الإخْراجِ عَلى ما عامَلَ بِهِ المُشْرِكُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِنَ الجَفاءِ والأذى ومُقاوَمَةِ نَشْرِ الدِّينِ إطْلاقٌ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ سُوءَ مُعامَلَتِهِمْ إيّاهُ كانَ سَبَبًا في خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ وهي قَرْيَتُهُ، فَشَبَّهَ سَبَبَ الخُرُوجِ بِالإخْراجِ ثُمَّ أطْلَقَ عَلَيْهِ فِعْلَ ”أخْرَجَتْكَ“، ولَيْسَ ذَلِكَ بِإخْراجٍ وإنَّما هو خُرُوجٌ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُلْجِئُوا النَّبِيءَ ﷺ بِالإخْراجِ بَلْ كانُوا عَلى العَكْسِ يَرْصُدُونَ أنْ يَمْنَعُوهُ مِنَ الخُرُوجِ خَشْيَةَ اعْتِصامِهِ بِقَبائِلَ تَنْصُرُهُ فَلِذَلِكَ أخْفى عَلى النّاسِ أمْرَ هِجْرَتِهِ إلّا عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فَقَوْلُهُ ”أخْرَجَتْكَ“ مِن بابِ قَوْلِكَ: أقْدَمَنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلى فُلانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ عَلى التَّحْقِيقِ، ولَيْسَ مَجازًا عَقْلِيًّا إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ إخْراجٌ حَتّى يُدَّعى أنَّ سَبَبَهُ بِمَنزِلَةِ فاعِلِ الإخْراجِ، ولا هو مِنَ الكِنايَةِ وإنْ كانَ قَدْ مَثَّلَ بِهِ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ لِلْمَجازِ العَقْلِيِّ، والمِثالُ يَكْفِي فِيهِ الفَرْضُ والِاحْتِمالُ. وفَرَّعَ عَلى الإخْبارِ بِإهْلاكِ اللَّهِ إيّاهُمُ الإخْبارَ بِانْتِفاءِ جِنْسِ النّاصِرِ لَهم، أيِ المُنْقِذِ لَهم مِنَ الإهْلاكِ. والمَقْصُودُ: التَّذْكِيرُ بِأنَّ أمْثالَ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لَمْ يَجِدُوا دافِعًا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الإهْلاكَ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِن إلْفاءِ ناصِرٍ يَنْصُرُهم في حَرْبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ قَطْعًا لِما قَدْ يُخالِجُ نُفُوسَ المُشْرِكِينَ أنَّهم لا يُغْلَبُونَ لِتَظاهُرِ قَبائِلِ العَرَبِ مَعَهم، ولِذَلِكَ حَزَّبُوا الأحْزابَ في وقْعَةِ الخَنْدَقِ. وضَمِيرُ (هم) عائِدٌ إلى مِن قَرْيَةٍ لِأنَّ المُرادَ بِالقُرى أهْلُها. والمَعْنى: صفحة ٩٢ أهْلَكْناهم إهْلاكًا لا بَقاءَ مَعَهُ لِشَيْءٍ مِنهم لِأنَّ بَقاءَ شَيْءٍ مِنهم نَصْرٌ لِذَلِكَ الباقِي بِنَجاتِهِ مِنَ الإهْلاكِ. واسْمُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ”فَلا ناصِرَ“ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ فَلِذَلِكَ لا يُقْصَدُ تَضَمُّنَهُ لِزَمَنٍ ما لِأنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ؛ بَلْ مُجَرَّدُ الِاتِّصافِ بِالمَصْدَرِ فَتَمَحَّضٌ لِلِاسْمِيَّةِ، ولا التِفاتَ فِيهِ إلى زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ، ولِذا فَمَعْنى ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾: فَلَمْ يَنْصُرْهم أحَدٌ فِيما مَضى. ولا حاجَةَ إلى إجْراءِ ما حَصَلَ في الزَّمَنِ الماضِي مَجْرى زَمَنِ الحالِ، وقَوْلُهُمُ اسْمُ الفاعِلِ حَقِيقَةٌ في الحالِ جَرى عَلى الغالِبِ فِيما إذا أُرِيدَ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وكَأيِّنْ“ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الكافِ وبِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِألِفٍ بَعْدَ الكافِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَكْسُورَةً وهي لُغَةٌ.

محمد 47:14

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أهْلَكْناهم فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] لِتَحْقِيقِ أنَّهم لا ناصِرَ لَهم تَحْقِيقًا يَرْجِعُ إلى ما في الكَلامِ مِنَ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ فَهو شَبِيهٌ بِالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ جاءَ بِأُسْلُوبِ التَّفْرِيعِ. ويَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [محمد: ١٢] الآيَةَ، فَيَكُونُ لَهُ حُكْمُ الِاعْتِراضِ لِأنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى اعْتِراضٍ. وهَذا تَفَنُّنٌّ في تَلْوِينِ الكَلامِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِينَ وهو مِنَ الأسالِيبِ الَّتِي ابْتَكَرَها القُرْآنُ في كَلامِ العَرَبِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُماثَلَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها حَرْفُ التَّشْبِيهِ. والمَقْصُودُ مِن إنْكارِ المُشابَهَةِ بَيْنَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ هو تَفْضِيلُ الفَرِيقِ الأوَّلِ، وإنْكارُ زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّهم خَيْرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَما ظَهَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ صفحة ٩٣ كَقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] (فاتَّخَذْتُمُوهم سُخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ) . والمُرادُ بِالمَوْصُولَيْنِ فَرِيقانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في أحَدِهِما ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ . والبَيِّنَةُ: البُرْهانُ والحُجَّةُ، أيْ حُجَّةٍ عَلى أنَّهُ مُحِقٌّ. و(مِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، وفي التَّعْبِيرِ بِوَصْفِ الرَّبِّ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الفَرِيقِ تَنْبِيهٌ عَلى زُلْفى الفَرِيقِ الَّذِي تَمَسَّكَ بِحُجَّةِ اللَّهِ. ومَعْنى وصْفِ البَيِّنَةِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ: أنَّ اللَّهَ أرْشَدَهم إلَيْها وحَرَّكَ أذْهانَهم فامْتَثَلُوا وأدْرَكُوا الحَقَّ، فالحُجَّةُ حُجَّةٌ في نَفْسِها وكَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَزْكِيَةٌ لَها وكَشْفٌ لِلتَّرَدُّدِ فِيها وإتْمامٌ لِدَلالَتِها، كَما يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ أخْذِ العِلْمِ عَنْ مُتَضَلِّعٍ فِيهِ وأخْذِهِ عَنْ مُسْتَضْعَفٍ فِيهِ وإنْ كانَ مُصِيبًا. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّمَكُّنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا الفَرِيقُ هُمُ المُؤْمِنُونَ وهم ثابِتُونَ عَلى الدِّينِ واثِقُونَ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ. فَلا جَرَمَ يَكُونُ لَهُمُ الفَوْزُ في الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَسَّرَ لَهم أسْبابَهُ فَإنْ قاتَلُوا كانُوا عَلى ثِقَةٍ بِأنَّهم عَلى الحَقِّ وأنَّهم صائِرُونَ إلى إحْدى الحُسْنَيَيْنِ فَقَوِيَتْ شَجاعَتُهم، وإنْ سالَمُوا عُنُوا بِتَدْبِيرِ شَأْنِهِ وما فِيهِ نَفْعُ الأُمَّةِ والدِّينِ فَلَمْ يَأْلَوْا جُهْدًا في حُسْنِ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ مِن آثارِ أنَّ اللَّهَ أصْلَحَ بالَهم وهَداهم. والفَرِيقُ الَّذِي زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ هُمُ المُشْرِكُونَ، فَإنَّهم كانُوا في أحْوالِ السُّوأى مِن عِبادَةِ الأصْنامِ والظُّلْمِ والعُدْوانِ وارْتِكابِ الفَواحِشِ، فَلَمّا نَبَّهَهُمُ اللَّهُ لِفَسادِ أعْمالِهِمْ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا بَيَّنَ لَهم صالِحَ الأعْمالِ وسَيِّئاتِها لَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ، ورَأوْا فَسادَهم صَلاحًا، فَتَزَيَّنَتْ أعْمالُهم في أنْظارِهِمْ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا الإقْلاعَ عَنْها وغَلَبَ الفَهْمُ وهَواهم عَلى رَأْيِهِمْ فَلَمْ يَعْبَئُوا بِاتِّباعِ ما هو صَلاحٌ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ بِإيجازٍ. وبُنِيَ فِعْلُ ”زُيِّنَ“ لِلْمَجْهُولِ لِيَشْمَلَ المُزَيِّنِينَ لَهم مِن أيِمَّةِ كُفْرِهِمْ، وما سَوَّلَتْهُ لَهم أيْضًا عُقُولُهُمُ الآفِنَةُ مِن أفْعالِهِمُ السَّيِّئَةِ اغْتِرارًا بِالإلْفِ أوِ اتِّباعًا لِلَّذّاتِ العاجِلَةِ صفحة ٩٤ أوْ لِجَلْبِ الرِّئاسَةِ، أيْ زَيَّنَ لَهُ مُزَيِّنٌ سُوءَ عَمَلِهِ، وفي هَذا البِناءِ إلى المَجْهُولِ تَنْبِيهٌ لَهم أيْضًا لِيَرْجِعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَيَتَأمَّلُوا فِيمَن زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ. ولَمّا كانَ تَزْيِينُ أعْمالِهِمْ لَهم يَبْعَثُهم عَلى الدَّأْبِ عَلَيْها كانَ يَتَوَلَّدُ مِن ذَلِكَ إلْفُهم بِها ووَلَعُهم بِها فَتَصِيرُ لَهم أهْواءً لا يَسْتَطِيعُونَ مُفارَقَتَها أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ . والفَرْقُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بَيِّنٌ لِلْعاقِلِ المُتَأمِّلِ بِحَيْثُ يَحِقُّ أنْ يَسْألَ عَنْ مُماثَلَةِ الفَرِيقَيْنِ سُؤالَ مَن يَعْلَمُ انْتِفاءَ المُماثَلَةِ ويُنْكِرُ عَلى مَن عَسى أنْ يَزْعُمَها. والمُرادُ بِانْتِفاءِ المُماثَلَةِ الكِنايَةُ عَنِ التَّفاضُلِ، والمَقْصُودُ بِالفَضْلِ ظاهَرٌ وهو الفَرِيقُ الَّذِي وقَعَ الثَّناءُ عَلَيْهِ.

محمد 47:15

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى ولَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ما جَرى مِن ذِكْرِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢] مِمّا يَسْتَشْرِفُ السّامِعُ إلى تَفْصِيلِ بَعْضِ صِفاتِها، وإذْ قَدْ ذُكِرَ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ مُوهِمٌ السّامِعَ أنَّها أنْهارُ المِياهِ لِأنَّ جَرْيَ الأنْهارِ أكْمَلُ مَحاسِنِ الجَنّاتِ المَرْغُوبِ فِيها، فَلَمّا فُرِغَ مِن تَوْصِيفِ حالِ فَرِيقَيِ الإيمانِ والكُفْرِ، ومِمّا أعَدَّ لِكِلَيْهِما، ومِن إعْلانِ تَبايُنِ حالَيْهِما ثُنِيَ العِنانُ إلى بَيانِ ما في الحِنَةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ، وخُصَّ مِن ذَلِكَ بَيانُ أنْواعِ الأنْهارِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْقِعَ الجُمْلَةِ كانَ قَوْلُهُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: ما سَيُوصَفُ أوْ ما سَيُتْلى عَلَيْكم، أوْ مِمّا يُتْلى عَلَيْكم. وقَوْلُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَدَّرٌ فِيهِ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [محمد: ١٤] صفحة ٩٥ والتَّقْدِيرُ: أكَمَن هو خالِدٌ في النّارِ. والإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى التَّشْبِيهِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. والخَبَرُ قَوْلُهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾، أيْ كَحالِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ حالِ النّارِ عَنْ حالِ الجَنَّةِ، فَحَصَلَ نَحْوُ الِاحْتِباكِ إذْ دَلَّ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ عَلى مَثَلِ أصْحابِها ودَلَّ مَثَلُ مَن هو خالِدٌ في النّارِ عَلى مَثَلِ النّارِ. والمَقْصُودُ: بَيانُ البَوْنِ بَيْنَ حالَيِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ التَّفاوُتِ بَيْنَ حالَيْ مَصِيرِهِما المُقَرَّرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ﴾ [محمد: ١٢] إلى آخِرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ أصْحابِ الجَنَّةِ وأصْحابِ النّارِ في خِلالِ ذِكْرِ الجَنَّةِ والنّارِ، فَقالَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ وقالَ بَعْدَهُ ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ . ولِقَصْدِ زِيادَةِ تَصْوِيرِ مُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِبَيِّنَةِ رَبِّهِ وبَيْنَ التّابِعِ لِهَواهُ، أيْ هو أيْضًا كالَّذِي يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ ذاتِ تِلْكَ الصِّفاتِ وبَيْنَ النّارِ ذاتِ صِفاتٍ ضِدِّها. وفِيهِ اطِّرادُ أسالِيبِ السُّورَةِ إذِ افْتُتِحَتْ بِالمُقابَلَةِ بَيْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ آمَنُوا، وأُعْقِبَ بِاتِّباعِ الكافِرِينَ الباطِلَ واتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، وثُلِّثَ بُقُولِهِ ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [محمد: ١٤] إلَخْ. والمَثَلُ: الحالُ العَجِيبُ. وجُمْلَةُ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها تَفْصِيلٌ لِلْإجْمالِ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾، فَهو اسْتِئْنافٌ، أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ عَلى رَأْيِ مَن يُثْبِتُهُ في أنْواعِ البَدَلِ. والأنْهارُ: جَمْعُ نَهْرٍ، وهو الماءُ المُسْتَبْحِرُ الجارِي في أُخْدُودٍ عَظِيمٍ مِنَ الأرْضِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٩٦ فَأمّا إطْلاقُ الأنْهارِ عَلى أنْهارِ الماءِ فَهو حَقِيقَةٌ، وأمّا إطْلاقُ الأنْهارِ عَلى ما هو مِن لَبَنٍ وخَمْرٍ وعَسَلٍ فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ مُماثَلَةٌ لِلْأنْهارِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ تامَّةً في أنَّها كالأنْهارِ مُسْتَبْحِرَةٌ في أخادِيدَ مِن أرْضِ الجَنَّةِ فَإنَّ أحْوالَ الآخِرَةِ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ المَعْرُوفَةِ في الدُّنْيا، فَإنَّ مَرْأى أنْهارٍ مِن هَذِهِ الأصْنافِ مَرْأًى مُبْهِجٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُماثَلَةُ هَذِهِ الأصْنافِ لِلْأنْهارِ في بَعْضِ صِفاتِ الأنْهارِ وهي الِاسْتِبْحارُ. وهَذِهِ الأصْنافُ الخَمْسَةُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ كانَتْ مِن أفْضَلِ ما يَتَنافَسُونَ فِيهِ ومِن أعَزِّ ما يَتَيَسَّرُ الحُصُولُ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ الكَثِيرُ مِنها، فَكَيْفَ إذا كانَ مِنها أنْهارٌ في الجَنَّةِ. وتُناوُلُ هَذِهِ الأصْنافِ مِنَ التَّفَكُّهِ الَّذِي هو تَنَعُّمُ أهْلِ اليَسارِ والرَّفاهِيَةِ. وقَدْ ذُكِرَ هُنا أرْبَعَةُ أشْرِبَةٍ هي أجْناسُ أشْرِبَتْهِمْ، فَكانُوا يَسْتَجِيدُونَ الماءَ الصّافِيَ لِأنَّ غالِبَ مِياهِهِمْ مِنَ الغُدْرانِ والأحْواضِ بِالبادِيَةِ تَمْتَلِئُ مِن ماءِ المَطَرِ أوْ مِن مُرُورِ السُّيُولِ فَإذا اسْتَقَرَّتْ أيّامًا أخَذَتْ تَتَغَيَّرُ بِالطُّحْلُبِ وبِما يَدْخُلُ فِيها مِنَ الأيْدِي والدِّلاءِ، وشُرْبِ الوُحُوشِ، وقَلِيلٌ البِلادُ الَّتِي تَكُونُ مُجاوِرَةً الأنْهارَ الجارِيَةَ. وكَذَلِكَ اللَّبَنُ كانُوا إذا حَلَبُوا وشَرِبُوا أبْقَوْا ما اسْتَفْضَلُوهُ إلى وقْتٍ آخَرَ لِأنَّهم لا يَحْلُبُونَ إلّا حَلْبَةً واحِدَةً أوْ حَلْبَتَيْنِ في اليَوْمِ فَيَقَعُ في طَعْمِ اللَّبَنِ تَغْيِيرٌ. فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ قَلِيلَةً عَزِيزَةً عِنْدَهم لِقِلَّةِ الأعْنابِ في الحِجازِ إلّا قَلِيلًا في الطّائِفِ، فَكانَتْ الخَمْرُ تُجْتَلَبُ مِن بِلادِ الشّامِ ومِن بِلادِ اليَمَنِ، وكانَتْ غالِيَةَ الثَّمَنِ وقَدْ يَنْقَطِعُ جَلْبُها زَمانًا في فَصْلِ الشِّتاءِ لِعُسْرِ السَّيْرِ بِها في الطُّرُقِ وفي أوْقاتِ الحُرُوبِ أيْضًا خَوْفَ انْتِهابِها. والعَسَلُ هو أيْضًا مَن أشْرَبَتِهِمْ، قالَ تَعالى في النَّحْلِ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ [النحل: ٦٩] والعَرَبُ يَقُولُونَ: سَقاهُ عَسَلًا، ويَقُولُونَ: أطْعَمَهُ عَسَلًا. وكانَ العَسَلُ مَرْغُوبًا فِيهِ، يُجْتَلَبُ مِن بِلادِ الجِبالِ ذاتِ النَّباتِ المُسْتَمِرِّ. فَأمّا الثَّمَراتُ فَبَعْضُها كَثِيرٌ عِنْدَهم كالتَّمْرِ وبَعْضُها قَلِيلٌ كالرُّمّانِ. والآسِنُ: وصْفٌ مَن أسَنَ الماءُ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ وفَرِحَ، إذا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (أسِنٍ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعِلٍ لِلْمُبالِغَةِ. صفحة ٩٧ والخَمْرُ: عَصِيرُ العِنَبِ الَّذِي يُتْرَكُ حَتّى يُصِيبَهُ التَّخَمُّرُ وهو الحُمُوضَةُ مِثْلُ خَمِيرِ العَجِينِ. و”لَذَّةٍ“ وصْفٌ ولَيْسَ بِاسْمٍ، وهو تَأْنِيثُ اللَّذِّ، أيِ اللَّذِيذِ قالَ بَشّارٌ: ذَكَرْتُ شَبابِي اللَّذَّ غَيْرَ قَـرِيبِ ومَجْلِسَ لَهْوٍ طابَ بَيْنَ شُرُوبِ واللَّذاذَةُ: انْفِعالٌ نَفْسانِيٌّ فِيهِ مَسَرَّةٌ، وهي ضِدُّ الألَمِ وأكْثَرُ حُصُولِهِ مِنَ الطَّعُومِ والأشْرِبَةِ والمَلامِسِ البَدَنِيَّةِ، فَوَصْفُ خَمْرٍ هُنا بِأنَّها ”لَذَّةٍ“ مَعْناهُ يَجِدُ شارِبُها لَذاذَةً في طَعْمِها، أيْ بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا فَإنَّها حَرِيقَةُ الطَّعْمِ فَلَوْلا تَرَقُّبُ ما تَفْعَلُهُ في الشّارِبِ مِن نَشْوَةٍ وطَرَبٍ لَما شَرِبَها لِحُمُوضَةِ طَعْمِها. والعَسَلُ المُصَفّى: الَّذِي خُلِّصَ مِمّا يُخالِطُ العَسَلَ مِن بَقايا الشَّمْعِ وبَقايا أعْضاءِ النَّحْلِ الَّتِي قَدْ تَمُوتُ فِيهِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى العَسَلِ وتَرْبِيَتِهِ في سُورَةِ النَّحْلِ. ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أصْنافٌ مِن جَمِيعِ أجْناسِ الثَّمَراتِ، فالتَّعْرِيفُ في الثَّمَراتِ لِلْجِنْسِ، و(كُلِّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقِيقَتِها وهو الإحاطَةُ، أيْ جَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الثَّمَراتِ مِمّا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا وما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ. و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] . و”مَغْفِرَةٌ“ عَطْفٌ عَلى ”أنْهارٌ“ وما بَعْدَهُ، أيْ وفِيها مَغْفِرَةٌ لَهم، أيْ تَجاوُزٌ عَنْهم، أيْ إطْلاقٌ في أعْمالِهِمْ لا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ كَمَغْفِرَتِهِ لِأهْلِ بَدْرٍ إذْ بُيِّنَتْ بِأنْ يَعْمَلُوا ما شاءُوا في الحَدِيثِ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» وقَدْ تَكُونُ المَغْفِرَةُ كِنايَةً عَنِ الرُّضْوانِ عَلَيْهِمْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] . وتَقْدِيرُ المُضافِ في مَثَلِهِ ظاهِرٌ لِلْقَرِينَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ جِيءَ بِهِ لِمُقابَلَةِ ما وُصِفَ مِن حالِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، أيْ أنَّ أهْلَ النّارِ مَحْرُومُونَ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ المَشْرُوباتِ. ولَيْسُوا بِذائِقِينَ إلّا الماءَ صفحة ٩٨ الحَمِيمَ الَّذِي يُقَطِّعُ أمْعاءَهم بِفَوْرِ سَقْيِهِ. ولِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجْ هُنا عَلى طَعامِ أهْلِ النّارِ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ [الواقعة: ٥٢] ﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٣] ﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٤] وقَوْلِهِ ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّهم لَآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦] ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] . وضَمِيرُ ”سُقُوا“ راجِعٌ إلى مَن هو خالِدٌ في النّارِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) وهو الفَرِيقُ مِنَ الكافِرِينَ بَعْدَ أنْ أُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ المُفْرَدِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ خالِدٌ﴾ . والأمْعاءُ: جَمْعُ مَعًى مَقْصُورًا وبِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها، وهو ما يَنْتَقِلُ الطَّعامُ إلَيْهِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ المَعِدَةِ. ويُسَمّى عَفِجًا بِوَزْنِ كَتِفٍ.

محمد 47:16

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾ ضَمِيرُ ومِنهم عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم غَيْرَ مَرَّةٍ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ ومِنَ الكافِرِينَ قَوْمٌ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ، وأرادَ بِمَن يَسْتَمِعُ مَعَهُمُ المُنافِقِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ . ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ المُسْتَمِعِينَ مِثْلَ ما في قَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [يونس: ٤٢] وقَوْلِهِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الأنعام: ٢٥] لِلْفَرْقِ الواضِحِ بَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ، وهَذا صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الكافِرِينَ الَّذِينَ أسَرُّوا الكُفْرَ وتَظاهَرُوا بِالإيمانِ، وقَدْ كانَ المُنافِقُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ مَقْصُودِينَ مَن لَفْظِ الكُفّارِ. وهَذِهِ السُّورَةُ نازِلَةٌ بِقُرْبِ عَهْدٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِيها الفَرِيقانِ مِنَ الكُفّارِ. ومَعْنى ﴿يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾: يَحْضُرُونَ مَجْلِسَكَ ويَسْمَعُونَ كَلامَكَ وما تَقْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ. وهَذِهِ صِفَةُ مَن يَتَظاهَرُ بِالإسْلامِ فَلا يُعْرِضُونَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ إعْراضَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ. رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ صفحة ٩٩ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ورِفاعَةَ بْنِ الثّابُوتِ، والحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، وزَيْدِ بْنِ الصَّلْتِ، ومالِكِ بْنِ الدَّخْشَمِ. والِاسْتِماعُ: أشَدُّ السَّمْعِ وأقْواهُ، أيْ يَسْتَمِعُونَ بِاهْتِمامٍ يُظْهِرُونَ أنَّهم حَرِيصُونَ عَلى وعْيِ ما يَقُولُهُ الرَّسُولُ ﷺ وأنَّهم يُلْقُونَ إلَيْهِ بالَهم، وهَذا مِنَ اسْتِعْمالِ الفِعْلِ في مَعْنى إظْهارِهِ لا في مَعْنى حُصُولِهِ. وحَقُّ فِعْلِ ”اسْتَمَعَ“ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] فَإذا أُرِيدَ تَعَلُّقُهُ بِالشَّخْصِ المَسْمُوعِ مِنهُ يُقالُ: اسْتَمَعَ إلى فُلانٍ، كَما قالَ هُنا ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾، وكَذا جاءَ في مَواقِعِهِ كُلِّها مِنَ القُرْآنِ. و(حَتّى) في قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ و(إذا) اسْمُ زَمانٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”قالُوا“ . والمَعْنى: فَإذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا. . . إلَخْ. والخُرُوجُ: مُغادَرَةُ مَكانٍ مُعَيَّنٍ مَحْصُورًا وغَيْرَ مَحْصُورٍ، فَمِنهُ ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، ومِنهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعراف: ١١٠] . والخُرُوجُ مِن عِنْدِ النَّبِيءِ ﷺ مُغادِرَةُ مَجْلِسِهِ الَّذِي في المَسْجِدِ وهو الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ هُنا بِلَفْظِ ”عِنْدَكَ“ . و(مِن) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ ”خَرَجُوا“ ولَيْسَتِ الَّتِي تُزادُ مَعَ الظُّرُوفِ في نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩] . والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ: هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُلازِمُونَ لِمَجْلِسِهِ. وسُمِّيَ مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأبُو الدَّرْداءِ وابْنُ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أنا مِنهم وسُئِلْتُ فِيمَن سُئِلَ. والمَعْنى: أنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيءِ ﷺ مِنَ القُرْآنِ وما يَقُولُهُ مِنَ الإرْشادِ وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَسْتَمِعُ“ لِيَشْمَلَ ذَلِكَ. صفحة ١٠٠ ومَعْنى آنِفًا: وقْتًا قَرِيبًا مِن زَمَنِ التَّكَلُّمِ، ولَمْ تَرِدْ هَذِهِ الكَلِمَةُ إلّا مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنِ اسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأهُ ا هـ يُرِيدُ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلٍ مَزِيدٍ ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ، وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الأنْفُ، أيْ جارِحَةُ الشَّمِّ وكَأنَّهم عَنَوْا بِهِ أنْفَ البَعِيرِ لِأنَّ الأنْفَ أوَّلُ ما يَبْدُو لِراكِبِهِ فَيَأْخُذُ بِخِطامِهِ، فَلُوحِظَ في اسْمِ الأنْفِ مَعْنى الوَصْفِ بِالظُّهُورِ، وكُنِّيَ بِذَلِكَ عَنِ القُرْبِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مُشْتَقٌّ مِن أُنُفٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ النُّونِ يُوصَفُ بِهِ الكَأْسُ الَّتِي لَمْ يُشْرَبْ مِنها مِن قَبْلُ، وتُوصَفُ بِهِ الرَّوْضَةُ الَّتِي لَمْ تُرْعَ قَبْلُ، كَأنَّهم لاحَظُوا فِيها لازِمَ وصْفِ عَدَمِ الِاسْتِعْمالِ وهو أنَّهُ جَدِيدٌ، أيْ زَمَنٌ قَرِيبٌ، فَـ ”آنِفًا“ زَمانًا لَمْ يَبْعُدِ العَهْدُ بِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: آنِفًا مَعْناهُ: السّاعَةُ القَرِيبَةُ مِنّا وهَذا تَفْسِيرُ المَعْنى ا هـ. وفي كَلامِهِ نَظَرٌ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ فَسَّرُوهُ بِوَقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا. وصِيغَ عَلى زِنَةِ اسْمِ الفاعِلِ ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، فَهَذا اسْمٌ غَرِيبُ التَّصْرِيفِ ولا يُحْفَظُ شَيْءٌ مِن شِعْرِ العَرَبِ وقَعَ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ. واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِهِ بِصِيغَةِ فاعِلٍ وشَذَّتْ رِوايَةٌ عَنِ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ (أنِفًا) بِوَزْنِ كَتِفٍ. وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ عُلَماءِ القِراءاتِ نِسْبَتَها إلى ابْنِ كَثِيرٍ ولَكِنَّ الشّاطِبِيَّ أثْبَتَها في حِرْزِ الأمانِي وقَدْ ذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ. فَإذا صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ عَنِ البَزِّيِّ عَنْهُ كانَ (أنِفًا) حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿مَن يَسْتَمِعُ﴾ أُجْرِيَ عَلى الإفْرادِ رَعْيًا لِلَفْظِ (مَن) . ومَعْناهُ: أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ في حالِ أنَّهُ شَدِيدُ الأنَفَةِ، أيِ التَّكَبُّرِ إظْهارًا لِتَرَفُّعِهِ عَنْ وعْيِ ما يَقُولُهُ النَّبِيءُ ﷺ ويَنْتَهِي الكَلامُ عِنْدَ ماذا. وزَعَمَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ: أنَّ البَزِّيَّ تَوَهَّمَهُ مِثْلَ حاذِرٍ وحَذِرٍ. ولا يُظَنُّ مِثْلُ هَذا بِالبَزِّ‌يِّ لَوْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وسِياقُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ذَمِّ هَذا السُّؤالِ لِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَهو سُؤالٌ يُنْبِئُ عَنْ مَذَمَّةِ سائِلِيهِ، فَإنْ كانَ سُؤالُهم حَقِيقَةً أنْبَأ عَنْ قِلَّةِ وعْيِهِمْ لِما يَسْمَعُونَهُ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهم يَسْتَعِيدُونَهُ مِنَ الَّذِينَ عَلِمُوهُ فَلَعَلَّ اسْتِعادَتَهم إيّاهُ لِقَصْدِ أنْ يَتَدارَسُوهُ إذا خَلَوْا مَعَ إخْوانِهِمْ لِيَخْتَلِقُوا مَغامِرَ يُهَيِّئُونَها بَيْنَهم، أوْ أنْ يُجِيبُوا مَن يَسْألُهم مِن إخْوانِهِمْ عَمّا سَمِعُوهُ في المَجْلِسِ الَّذِي كانُوا فِيهِ. صفحة ١٠١ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ناوِينَ بِهِ الِاسْتِهْزاءَ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ اهْتِمامَهم بِاسْتِعادَةِ ما سَمِعُوهُ ويَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، أوْ أنْ يَكُونَ سُؤالُهم تَعْرِيضًا بِأنَّهم سَمِعُوا كَلامًا لا يَسْتَبِينُ المُرادُ مِنهُ لِإدْخالِ الشَّكِّ في نُفُوسِ مَن يُحِسُّونَ مِنهُمُ الرَّغْبَةَ في حُضُورِ مَجالِسِ النَّبِيءِ ﷺ تَعْرِيضًا لِقِلَّةِ جَدْوى حُضُورِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ أشارَتْ إلى حادِثَةٍ خاصَّةٍ ذَكَرَ فِيها النَّبِيءُ ﷺ المُنافِقِينَ وأحْوالَهم وعَلِمَ الَّذِينَ كانُوا حاضِرِينَ مِنهم أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِذَلِكَ، فَأرادُوا أنْ يَسْألُوا سُؤالَ اسْتِطْلاعٍ هَلْ شَعَرَ أهْلُ العِلْمِ بِأنَّ أُولَئِكَ هُمُ المَعْنِيُّونَ، فَيَكُونُ مَفْعُولُ يَسْتَمِعُونَ مَحْذُوفًا لِلْعِلْمِ بِهِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ . * * * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ سُؤالٌ غَرِيبٌ مِن شَأْنِهِ إثارَةُ سُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ سَبَبِ حُصُولِهِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ السّابِقَةِ في مُرادِهِمْ مِنهُ. وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ذِكْرِ صِفاتِهِمْ تَشْهِيرًا بِهِمْ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَمَيِّزِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هم أشْخاصُ الفَرِيقِ المُتَقَرِّرِ بَيْنَ النّاسِ أنَّهم فَرِيقٌ مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ أنْ الَّذِينَ صَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ هم قَدْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وأنَّهم مُتَّبِعُونَ لِأهْوائِهِمْ، فَأفادَتْ أنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَمِعِينَ زُمْرَةٌ مِن ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَهَذا التَّرْكِيبُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والطَّبْعُ عَلى القَلْبِ: تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ مُخالَطَةِ الهُدى والرُّشْدِ لِعُقُولِهِمْ بِحالِ الكِتابِ المَطْبُوعِ عَلَيْهِ، أوِ الإناءِ المَخْتُومِ بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْهِ مَن يُحاوِلُ الوُصُولَ إلى داخِلِهِ، فَمَعْناهُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ قُلُوبَهم، أيْ عُقُولَهم غَيْرَ مُدْرِكَةٍ ومُصَدِّقَةٍ لِلْحَقائِقِ والهُدى. وهَذا الطَّبْعُ مُتَفاوِتٌ يَزُولُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِهِ في مُدَدٍ مُتَفاوِتَةٍ ويَدُومُ مَعَ بَعْضٍ إلى المَوْتِ كَما وقَعَ، وزَوالُهُ بِانْتِهاءِ ما في العَقْلِ مِن غِشاوَةِ الضَّلالَةِ وبِتَوَجُّهِ لُطْفِ اللَّهِ بِمَن شاءَ بِحِكْمَتِهِ اللُّطْفَ بِهِ المُسَمّى بِالتَّوْفِيقِ الَّذِي فَسَّرَهُ الأشْعَرِيَّةُ بِخَلْقِ القُدْرَةِ صفحة ١٠٢ والدّاعِيَةِ إلى الطّاعَةِ، وبِأنَّهُ ما يَقَعُ عِنْدَهُ صَلاحُ العَبْدِ آخِرَةً. وفَسَّرَ المُعْتَزِلَةُ اللُّطْفَ بِإيصالِ المَنافِعِ إلى العَبْدِ مِن وجْهٍ يَدِقُّ إدْراكُهُ وتَمْكِينُهُ بِالقُدْرَةِ والآلاتِ.

محمد 47:17

﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] وما فُهِمَ عَنْها مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ﴾ [محمد: ١٨] والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الِاعْتِراضِ: مُقابَلَةُ فَرِيقِ الضَّلالَةِ بِفَرِيقِ الهِدايَةِ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِها. فَهَذا أُسْلُوبٌ مُسْتَمِرٌّ وإنِ اخْتَلَفَتْ مَواقِعُ جُمَلِهِ. والمَعْنى: والَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهم لِلْإيمانِ فاهْتَدَوْا لَطَفَ اللَّهِ بِهِمْ فَزادَهم هُدًى وأرْسَخَ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ ووَفَّقَهم لِلتَّقْوى، فاتَّقَوْا وغالَبُوا أهْواءَهم. وإيتاءُ التَّقْوى مُسْتَعارٌ لِتَيْسِيرِ أسْبابِها إذِ التَّقْوى مَعْنًى نَفْسانِيٌّ، والإيتاءُ يَتَعَدّى حَقِيقَةً لِلذَّواتِ. وإضافَةُ التَّقْوى إلى ضَمِيرِ ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [مريم: ٧٦] إيماءٌ إلى أنَّهم عُرِفُوا بِها واخْتَصَّتْ بِهِمْ.

محمد 47:18

﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما مَضى مِن وصْفِ أحْوالِ الكافِرِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [محمد: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] الشّامِلَةَ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ فَفَرَّعَ عَلَيْها أنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ حُلُولَ السّاعَةِ لِيَنالُوا جَزاءَهم عَلى سُوءِ كُفْرِهِمْ فَضَمِيرُ ”يَنْظُرُونَ“ مُرادٌ بِهِ الكافِرُونَ لِأنَّ الكَلامَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَنْتَظِرُونَ أُمُورًا أُخَرَ مِثْلَ النَّصْرِ والشَّهادَةِ، قالَ - تَعالى - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] الآيَةَ. والنَّظَرُ هُنا بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] الآيَةَ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ مَشُوبٌ بِتَهَكُّمٍ، وهو إنْكارٌ وتَهَكُّمٌ عَلى غائِبِينَ، مُوَجَّهٌ إلى صفحة ١٠٣ الرَّسُولِ ﷺ، أيْ لا تَحْسَبْ تَأْخِيرَ مُؤاخَذَتِهِمْ إفْلاتًا مِنَ العِقابِ، فَإنَّهم مُرْجَوْنَ إلى السّاعَةِ. وهَذا الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] . والقَصْرُ الَّذِي أفادَهُ الِاسْتِثْناءُ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ، نُزِّلَ انْتِظارُهم ما يَأْمُلُونَهُ مِنَ المَرْغُوباتِ في الدُّنْيا مَنزِلَةَ العَدَمِ لِضَآلَةِ أمْرِهِ بَعْدَ أنْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ فِيما يَنْتَظِرُونَ السّاعَةَ لِأنَّهم لِتَحَقُّقِ حُلُولِهِ عَلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِأنْ يَكُونُوا مِن مُنْتَظِرِيها. و﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ السّاعَةِ. و”بَغْتَةً“ حالٌ مِنَ السّاعَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] . والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَرَّةِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الوَصْفُ، أيْ مُباغِتَةً لَهم. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ السّاعَةَ مَوْعِدُهم وأنَّ السّاعَةَ قَرِيبَةٌ مِنهم، فَحالُهم كَحالِ مَن يَنْتَظِرُ شَيْئًا فَإنَّما يَكُونُ الِانْتِظارُ إذا اقْتَرَبَ مَوْعِدُ الشَّيْءِ، هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ تَهَكُّمِيَّةٌ. والفاءُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ فاءُ الفَصِيحَةِ كالَّتِي في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ الأحْنَفِ: قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسَـانَـا وهَذِهِ الفَصِيحَةُ تُفِيدُ مَعْنى تَعْلِيلِ قُرْبِ مُؤاخَذَتِهِمْ. والأشْراطُ: جَمْعُ شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو: العَلامَةُ والأمارَةُ عَلى وُجُودِ شَيْءٍ أوْ عَلى وصْفِهِ. وعَلاماتُ السّاعَةِ هي عَلاماتُ كَوْنِها قَرِيبَةً. وهَذا القُرْبُ يُتَصَوَّرُ بِصُورَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّ وقْتَ السّاعَةِ قَرِيبٌ قُرْبًا نِسْبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى طُولِ مُدَّةِ هَذا العالَمِ ومَن عَلَيْهِ مِنَ الخَلْقِ. والثّانِيَةُ: أنَّ ابْتِداءَ مُشاهَدَةِ أحْوالِ السّاعَةِ يَحْصُلُ لِكُلِّ أحَدٍ بِمَوْتِهِ فَإنَّ رُوحَهُ إذا خَلَصَتْ عَنْ جَسَدِهِ شاهَدَتْ مَصِيرَها مُشاهَدَةً إجْمالِيَّةً. وبِهِ فُسِرَّ حَدِيثُ أبِي صفحة ١٠٤ هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وهو ضَعِيفٌ ويُفَسِّرُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذا ماتَ المَيِّتُ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ فَإنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ ثُمَّ يُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ» ونِهايَةُ حَياةِ المَرْءِ قَرِيبَةٌ وإنْ طالَ العُمُرُ. والأشْراطُ بِالنِّسْبَةِ لِلصُّورَةِ الأُولى: الحَوادِثُ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّها تَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ، وأوَّلُها بِعْثَتُهُ لِأنَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ وشَرِيعَتُهُ آخِرُ الشَّرائِعِ ثُمَّ ما يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ، وبِالنِّسْبَةِ لِلصُّورَةِ الثّانِيَةِ أشْراطُها الأمْراضُ والشَّيْخُوخَةُ. * * * ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ . و(أنّى) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى الحالَةِ، ويُضَمَّنُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ كَثِيرًا وهو هُنا اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ كَيْفَ يَحْصُلُ لَهُمُ الذِّكْرى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ، والمَقْصُودُ: إنْكارُ الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرى حِينَئِذٍ. و(أنّى) مُبْتَدَأٌ ثانٍ مُقَدَّمٌ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ. و”ذِكْراهم“ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و”لَهم“ خَبَرٌ عَنْ (أنّى)، وهَذا التَّرْكِيبُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ [الدخان: ١٣] في سُورَةِ الدُّخانِ، وضَمِيرُ ”جاءَتْهم“ عائِدٌ إلى السّاعَةِ.

محمد 47:19

﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ فُرِّعَ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ وحالِ الكافِرِينَ ومِن عَواقِبِ ذَلِكَ ووَعْدِهِ أوْ وعِيدِهِ أنْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالثَّباتِ عَلى ما لَهُ مِنَ العِلْمِ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ وعَلى ما هو دَأْبُهُ مِنَ التَّواضُعِ لِلَّهِ بِالِاسْتِغْفارِ لِذَنْبِهِ ومِنَ الحِرْصِ عَلى نَجاةِ المُؤْمِنِينَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم لِأنَّ في ذَلِكَ العِلْمِ وذَلِكَ الدَّأْبِ اسْتِمْطارُ الخَيْراتِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ صفحة ١٠٥ والتَّفْرِيعُ هَذا مَزِيدُ مُناسَبَةٍ لِقَوْلِهِ آنِفًا ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] الآيَةَ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ (فاعْلَمْ) كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ العِلْمِ وهو العَمَلُ بِالمَعْلُومِ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ عَلَيْهِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وعَلِمَهُ المُؤْمِنُونَ، وإذا حَصَلَ العِلْمُ بِذَلِكَ مَرَّةً واحِدَةً تَقَرَّرَ في النَّفْسِ لِأنَّ العِلْمَ لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَلَيْسَ الأمْرُ بِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ بَلْ لِطَلَبِ الثَّباتِ فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . وأمّا الأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ فَهو لِطَلَبِ تَجْدِيدِ ذَلِكَ إنْ كانَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن قَبْلُ وعَمِلَهُ، أوْ هو لِطَلَبِ تَحْصِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ مِن قَبْلُ. وذِكْرُ ”المُؤْمِناتِ“ بَعْدَ ”المُؤْمِنِينَ“ اهْتِمامٌ بِهِنَّ في هَذا المَقامِ وإلّا فَإنَّ الغالِبَ اكْتِفاءُ القُرْآنِ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وشُمُولِهِ لِلْمُؤْمِناتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ لِلْعِلْمِ بِعُمُومِ تَكالِيفِ الشَّرِيعَةِ لِلرِّجالِ والنِّساءِ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنَ التَّكالِيفِ. ومِنَ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ أنْ أمَرَ هُنا بِالعِلْمِ قَبْلَ الأمْرِ بِالعَمَلِ في قَوْلِهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمّا سُئِلَ عَنْ فَضْلِ العِلْمِ: ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ حِينَ بَدَأ بِهِ ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ . وتَرْجَمَ البُخارِيُّ في كِتابِ العِلْمِ مِن صَحِيحِهِ بابَ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ والعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ فَبَدَأ بِالعِلْمِ. وما يَسْتَغْفِرُ مِنهُ النَّبِيءُ ﷺ لَيْسَ مِنَ السَّيِّئاتِ لِعِصْمَتِهِ مِنها، وإنَّما هو اسْتِغْفارٌ مِنَ الغَفَلاتِ ونَحْوِها، وتَسْمِيَتُهُ بِالذَّنْبِ في الآيَةِ إمّا مُحاكاةٌ لِما كانَ يُكْثِرُ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وإنَّما كانَ يَقُولُهُ في مَقامِ التَّواضُعِ، وإمّا إطْلاقٌ لِاسْمِ الذَّنْبِ عَلى ما يَفُوتُ مِنَ الِازْدِيادِ في العِبادَةِ مِثْلُ أوْقاتِ النَّوْمِ والأكْلِ، وإطْلاقُهُ عَلى ما عَناهُ النَّبِيءُ ﷺ في قَوْلِهِ: «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي وإنِّي أسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» . صفحة ١٠٦ واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِذَنْبِكَ“ لامُ التَّعْيِينِ بَيَّنَتْ مَفْعُولًا ثانِيًا لِفِعْلِ ”اسْتَغْفِرْ“ واللّامُ في قَوْلِهِ ”ولِلْمُؤْمِنِينَ“ لامُ العِلَّةِ، أوْ بِمَعْنى (عَنْ) والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيِ اسْتَغْفِرِ الذُّنُوبَ لِأجْلِ المُؤْمِنِينَ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: ولِلْمُؤْمِنِينَ لِذُنُوبِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ جامِعٌ لِأحْوالِ ما تَقَدَّمَ. فالمُتَقَلَّبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّقَلُّبِ، أُوثِرَ جَلْبُهُ هُنا لِمُزاوَجَةِ قَوْلِهِ ومَثْواكم. والتَّقَلُّبُ: العَمَلُ المُخْتَلِفُ ظاهِرًا كانَ كالصَّلاةِ، أوْ باطِنًا كالإيمانِ والنُّصْحِ. والمَثْوى: المَرْجِعُ والمَآلُ، أيْ يَعْلَمُ اللَّهُ أحْوالَكم جَمِيعًا مِن مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، وقَدَّرَ لَها جَزاءَها عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَراتِبِها ويَعْلَمُ مَصائِرَكم وإنَّما أمَرَكم ونَهاكم وأمَرَكم بِالِاسْتِغْفارِ خاصَّةً لِإجْراءِ أحْكامِ الأسْبابِ عَلى مُسَبِّباتِها فَلا تَيْأسُوا ولا تُهْمِلُوا.

محمد 47:20

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَأوْلى لَهُمْ﴾ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ بِالمَدِينَةِ وقَدْ بَدَتْ قُرُونُ نِفاقِ المُنافِقِينَ، فَلَمّا جَرى في هَذِهِ السُّورَةِ وصْفُ حالِ المُنافِقِينَ أُعْقِبَ ذَلِكَ بِوَصْفِ أجْلى مَظاهِرِ نِفاقِهِمْ، وذَلِكَ حِينَ يُدْعى المُسْلِمُونَ إلى الجِهادِ فَقَدْ يَضِيقُ الأمْرُ بِالمُنافِقِينَ إذْ كانَ تَظاهُرُهم بِالإسْلامِ سَيُلْجِئُهم إلى الخُرُوجِ لِلْقِتالِ مَعَ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أمْرٌ لَيْسَ بِالهَيِّنِ لِأنَّهُ تَعَرُّضٌ لِإتْلافِهِمُ النُّفُوسِ دُونَ أنْ يَرْجُوا مِنهُ نَفْعًا في الحَياةِ الأبَدِيَّةِ إذْ هم لا يُصَدِّقُونَ بِها فَيُصْبِحُوا في حَيْرَةٍ. وكانَ حالُهم هَذا مُخالِفًا لِحالِ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِي تَمَنَّوْا أنْ يَنْزِلَ القُرْآنُ بِالدَّعْوَةِ إلى القِتالِ لِيُلاقُوا المُشْرِكِينَ فَيَشْفُوا مِنهم غَلِيلَهم، فَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ حُكِيَ تَمَنِّي المُؤْمِنِينَ نُزُولَ حُكْمِ القِتالِ لِأنَّهُ يَلُوحُ بِهِ تَمْيِيزُ حالِ المُنافِقِينَ، ويَبْدُو مِنهُ الفَرْقُ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ كُرْهَ القِتالِ لَدَيْهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ. فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو قَوْلُهُ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَةَ، وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ بِذِكْرِ سَبَّبِهِ، وأفادَ تَقْدِيمُهُ صفحة ١٠٧ أيْضًا تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا، وأفادَ ذِكْرُهُ مُقابَلَةً بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ هَذِهِ السُّورَةِ. ومَقالُ الَّذِينَ آمَنُوا هَذا كانَ سَبَبًا في نُزُولِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]، ولِذَلِكَ فالمَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها القِتالُ هَذِهِ السُّورَةُ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها. ومَعْلُومٌ أنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ هَذا واقِعٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ: إمّا لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ مِثْلَ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨]، وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذا القَوْلِ. وتَبَعًا لِذَلِكَ تَكُونُ (إذا) في قَوْلِهِ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ ظَرْفًا مُسْتَعْمَلًا في الزَّمَنِ الماضِي لِأنَّ نُزُولَ السُّورَةِ قَدْ وقَعَ، ونَظَرُ المُنافِقِينَ إلى الرَّسُولِ ﷺ هَذا النَّظَرَ قَدْ وقَعَ إذْ لا يَكُونُ ذَمُّهم وزَجْرُهم قَبْلَ حُصُولِ ما يُوجِبُهُ فالمَقامُ دالٌّ والقَرِينَةُ واضِحَةٌ. و(لَوْلا) حَرْفٌ مُسْتَعْمَلٌ هُنا في التَّمَنِّي، وأصْلُ مَعْناهُ التَّخْصِيصُ فَأُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ التَّمَنِّي لِأنَّ التَّمَنِّيَ يَسْتَلْزِمُ الحِرْصَ والحِرْصُ يَدْعُو إلى التَّحْضِيضِ. وحُذِفَ وُصْفُ ”سُورَةٌ“ في حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾، أيْ كَما تَمَنَّوُا اقْتَضى أنَّ المَسْئُولَ سُورَةٌ يُشَرَّعُ فِيها قِتالُ المُشْرِكِينَ. فالمَعْنى: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ يُذْكَرُ فِيها القِتالُ وفَرْضُهُ، فَحُذِفَ الوَصْفُ إيجازًا. ووَصْفُ السُّورَةِ بِـ ”مَحْكَمَةٌ“ بِاعْتِبارِ وصْفِ آياتِها بِالإحْكامِ، أيْ عَدَمِ التَّشابُهِ وانْتِفاءِ الِاحْتِمالِ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُقابَلَةُ المُحْكَماتِ بِالمُتَشابِهاتِ في قَوْلِهِ ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أيْ لا تَحْتَمِلُ آياتُ تِلْكَ السُّورَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقِتالِ إلّا وُجُوبَ القِتالِ وعَدَمَ الهَوادَةِ فِيهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآياتَ، فَلا جَرَمَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي الَّتِي نَزَلَتْ إجابَةً عَنْ تَمَنِّي الَّذِينَ آمَنُوا. وإنَّما قالَ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ لِأنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ كُلُّها مُتَمَحِّضَةٌ لِذِكْرِ القِتالِ فَإنَّ سُوَرَ القُرْآنِ ذَواتُ أغْراضٍ شَتّى. صفحة ١٠٨ والخِطابُ في ”رَأيْتَ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ لاحِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] . و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المُبْطِنُونَ لِلْكُفْرِ فَجَعَلَ الكُفْرَ الخَفِيَّ كالمَرَضِ الَّذِي مَقَرُّهُ القَلْبُ لا يَبْدُو مِنهُ شَيْءٌ عَلى ظاهِرِ الجَسَدِ، أيْ رَأيْتَ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ. وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلى المُنافِقِينَ، وأنَّ النِّفاقَ مَرَضٌ نَفْسانِيٌّ مُعْضِلٌ لِأنَّهُ تَتَفَرَّعُ مِنهُ فُرُوعٌ بَيَّنّاها في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وانْتَصَبَ ﴿نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ صِفَةِ النَّظَرِ مِن قَوْلِهِ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ فَهو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ ثَباتُ الحَدَقَةِ وعَدَمُ التَّحْرِيكِ، أيْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المُتَحَيِّرِ بِحَيْثُ يَتَّجِهُ إلى صَوْبٍ واحِدٍ ولا يَشْتَغِلُ بِالمَرْئِيّاتِ لِأنَّهُ في شاغِلٍ عَنِ النَّظَرِ، وإنَّما يُوَجِّهُونَ أنْظارَهم إلى النَّبِيءِ ﷺ إذْ كانُوا بِمَجْلِسِهِ حِينَ نُزُولِ السُّورَةِ، وكانُوا يَتَظاهَرُونَ بِالإقْبالِ عَلى تَلَقِّي ما يَنْطِقُ بِهِ مِنَ الوَحْيِ فَلَمّا سَمِعُوا ذِكْرَ القِتالِ بُهِتُوا، فالمَقْصُودُ المُشابِهَةُ في هَذِهِ الصُّورَةِ. وفي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] في سُورَةِ الأحْزابِ. و(مِن) هُنا تَعْلِيلِيَّةٌ، أيِ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ لِأجْلِ المَوْتِ، أيْ حُضُورِ المَوْتِ. وفُرِّعَ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] . وهَذا التَّفْرِيعُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ [محمد: ٢١] . ولَفْظُ (أوْلى) هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا في ظاهِرِهِ اسْتِعْمالَ التَّفْضِيلِ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ أوْلى لَهم مِن ذَلِكَ الخَوْفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ نَظَرُهم كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، أنْ يُطِيعُوا أمْرَ اللَّهِ ويَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وهو قَوْلُ سَمِعْنا وأطَعْنا، فَذَلِكَ القَوْلُ المَعْرُوفُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا أوْ أُمِرُوا كَما قالَ - تَعالى - صفحة ١٠٩ ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١] في سُورَةِ النُّورِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَتَعْدِيَةُ (أوْلى) بِاللّامِ دُونَ الباءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أوْلى وأنْفَعُ، فَكانَ اجْتِلابُ اللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى النَّفْعِ. فَهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ أزْكى لَكُمْ﴾ [النور: ٣٠] وقَوْلِهِ ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] . وهُوَ يَرْتَبِطُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ مُسْتَعْمَلًا في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٥] في سُورَةِ القِيامَةِ، وهو الَّذِي اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلَيْهِ. ومَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ عَنْ تَوَعُّدِهِ إيّاهم. ثُمَّ قِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ إنَّ ”أوْلى“ مَرْتَبَةٌ حُرُوفُهُ عَلى حالِها مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ، وأنَّ وزْنَهُ أفْعَلُ. وقالَ الجُرْجانِيُّ: هو في هَذا الِاسْتِعْمالِ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ. فَأصْلُ أوْلى: أوْيَلُ، أيْ أشَدُّ ويْلًا، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، ووَزْنُهُ أفْلَعُ. وفي الصِّحاحِ عَنِ الأصْمَعِيِّ ما يَقْتَضِي: أنَّهُ يَجْعَلُ (أوْلى لَهُ) مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ. والتَّقْدِيرُ: أقْرَبُ ما يُهْلِكُهُ، قالَ ثَعْلَبٌ: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ في (أوْلى لَهُ) أحْسَنَ مِمّا قالَ الأصْمَعِيُّ. واللّامُ عَلى هَذا الوَجْهِ إمّا مَزِيدَةٌ، أيْ أوْلاهُمُ اللَّهُ ما يَكْرَهُونَ فَيَكُونُ مِثْلَ اللّامِ في قَوْلِ النّابِغَةِ: سَقْيًا ورَعْيًا لِذاكَ العاتِبِ الزّارِي وإمّا مُتَعَلِّقَةً بِـ (أوْلى) عَلى أنَّهُ فَعْلُ مُضِيٍّ، وعَلى هَذا الِاسْتِعْمالِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] كَلامًا مُسْتَأْنَفًا وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ خَيْرٌ لَهم، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الأمْرُ طاعَةٌ، وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، أيْ أمَرَ اللَّهُ أنْ يُطِيعُوا.

محمد 47:21

صفحة ١١٠ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى وصْفِ حالِ المُنافِقِينَ مِنَ الهَلَعِ عِنْدَ سَماعِ ذِكْرِ القِتالِ فَإنَّهُ إذا جَدَّ أمْرُ القِتالِ، أيْ حانَ أنْ يُنْدَبَ المُسْلِمُونَ إلى القِتالِ سَيَضْطَرِبُ أمْرُ المُنافِقِينَ ويَتَسَلَّلُونَ لِواذًا مِن حُضُورِ الجِهادِ، وأنَّ الأوْلى لَهم حِينَئِذٍ أنْ يُخْلِصُوا الإيمانَ ويُجاهِدُوا كَما يُجاهِدُ المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ وإلّا فَإنَّهم لا مَحِيصَ لَهم مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا حُضُورُ القِتالِ بِدُونِ نِيَّةٍ فَتَكُونُ عَلَيْهِمُ الهَزِيمَةُ ويَخْسَرُوا أنْفُسَهم باطِلًا، وإمّا أنْ يَنْخَزِلُوا عَنِ القِتالِ كَما فَعَلَ ابْنُ أُبَيٍّ وأتْباعُهُ يَوْمَ أُحُدٍ. و(إذا) ظَرْفٌ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ وهو الغالِبُ فِيها فَيَكُونُ ما بَعْدَها مُقَدَّرًا وجُودُهُ، أيْ فَإذا جَدَّ أمْرُ القِتالِ وحَدَثَ. وجُمْلَةُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ دَلِيلُ جَوابِ (إذا) لِأنَّ (إذا) ضُمِّنَتْ هُنا مَعْنى الشَّرْطِ، أيْ كَذَّبُوا اللَّهَ وأخْلَفُوا فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهم، واقْتِرانُ جُمْلَةِ الجَوابِ بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَضْمِينِ (إذا) مَعْنى الشَّرْطِ، وذَلِكَ أحْسَنُ مِن تَجْرِيدِهِ عَنِ الفاءِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ الجَوابِ شَرْطِيَّةً أيْضًا. والتَّعْرِيفُ في ”الأمْرُ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أوِ اللّامُ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ أمْرُ القِتالِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ [محمد: ٢٠] . والعَزْمُ: القَطْعُ وتَحَقُّقُ الأمْرِ، أيْ كَوْنُهُ لا مَحِيصَ مِنهُ. واسْتُعِيرَ العَزْمُ لِلتَّعْيِينِ واللُّزُومِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ بِتَشْبِيهِ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ، أيِ القِتالِ بِرَجُلٍ عَزَمَ عَلى عَمَلٍ ما وإثْباتُ العَزْمِ لَهُ تَخْيِيلَةٌ كَإثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ، وهَذِهِ طَرِيقَةُ السَّكّاكِيِّ في جَمِيعِ أمْثِلَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، وهي طَرِيقَةٌ دَقِيقَةٌ لَكِنْ بِدُونِ اطِّرادٍ ولَكِنْ عِنْدَما يَسْمَحُ بِها المَقامُ. وجَعَلَ في الكَشّافِ إسْنادَ ”العَزْمِ“ إلى ”الأمْرِ“ مَجازًا عَقْلِيًّا، وحَقِيقَتُهُ أنْ يُسْنَدَ لِأصْحابِ العَزْمِ عَلى طَرِيقِ الجُمْهُورِ في مِثْلِهِ وهو هُنا بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى حُصُولِ الجِدِّ مِن أصْحابِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] فالكَلامُ فِيها سَواءٌ. صفحة ١١١ ومَعْنى ﴿صَدَقُوا اللَّهَ﴾ قالُوا لَهُ الصِّدْقَ، وهو مُطابَقَةُ الكَلامِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ لَوْ صَدَقُوا في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ، وهم إنَّما كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذْ أظْهَرُوا لَهُ خِلافَ ما في نُفُوسِهِمْ، فَجَعَلَ الكَذِبَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَذِبًا عَلى اللَّهِ تَفْظِيعًا لَهُ وتَهْوِيلًا لِمَغَبَّتِهِ، أيْ لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ وقاتَلُوا بِنِيَّةِ الجِهادِ لَكانَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَفي الدُّنْيا خَيْرُ العِزَّةِ والحُرْمَةِ وفي الآخِرَةِ خَيْرُ الجَنَّةِ. فَهَذِهِ الآيَةُ إنْباءٌ مِمّا سَيَكُونُ مِنهم حِينَ يَجِدُّ الجِدُّ ويَجِيءُ أوانُ القِتالِ وهي مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ في الإخْبارِ بِالغَيْبِ فَقَدْ عَزَمَ أمْرُ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ وخَرَجَ المُنافِقُونَ مَعَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ في صُورَةِ المُجاهِدِينَ فَلَمّا بَلَغَ الجَيْشُ إلى الشَّوْطِ بَيْنَ المَدِينَةِ وأُحُدٍ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ: ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هاهُنا أيُّها النّاسُ ؟ ورَجَعَ هو وأتْباعُهُ وكانُوا ثُلُثَ الجَيْشِ وذَلِكَ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، أيْ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنِينَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ جَوابٌ كَما تَقَدَّمَ، وفي الكَلامِ إيجازٌ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿لَكانَ خَيْرًا﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ إذا عَزَمَ الأمْرُ حَصَلَ لَهم ما لا خَيْرَ فِيهِ. ولَفْظُ ”خَيْرًا“ ضِدُّ الشَّرِّ بِوَزْنِ فَعْلٍ، ولَيْسَ هو هُنا بِوَزْنِ أفْعَلَ.

محمد 47:22

﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ مُقْتَضى تَناسُقِ النَّظْمِ أنَّ هَذا مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] لِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ إذا عَزَمَ الأمْرُ تَوَلَّوْا عَنِ القِتالِ وانْكَشَفَ نِفاقُهم فَتَكُونُ إتْمامًا لِما في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِما سَيَكُونُ مِنَ المُنافِقِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. وقَدْ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هاهُنا ؟ ورُبَّما قالَ في كَلامِهِ: وكَيْفَ نُقاتِلُ قُرَيْشًا وهم مِن قَوْمِنا، وكانَ لا يَرى عَلى أهْلِ يَثْرِبَ أنْ يُقاتِلُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ ويَرى الِاقْتِصارَ عَلى أنَّهم آوَوْهُ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَلى الِالتِفاتِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّكْذِيبِ لِما سَيَعْتَذِرُونَ بِهِ لِانْخِزالِهِمْ ولِذَلِكَ جِيءَ فِيهِ صفحة ١١٢ بِـ (هَلْ) الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ لِأنَّها في الِاسْتِفْهامِ بِمَنزِلَةِ (قَدْ) في الخَبَرِ، فالمَعْنى: أفَيَتَحَقَّقُ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنَّكم تُفْسِدُونَ في الأرْضِ وتُقَطِّعُونَ أرْحامَكم وأنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَوَلَّيْتُمْ إبْقاءً عَلى أنْفُسِكم وعَلى ذَوِي قَرابَةِ أنْسابِكم عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦] وهَذا تَوْبِيخٌ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٥] . والمَعْنى: أنَّكم تَقَعُونَ فِيما زَعَمْتُمُ التَّفادِيَ مِنهُ وذَلِكَ بِتَأْيِيدِ الكُفْرِ وإحْداثِ العَداوَةِ بَيْنَكم وبَيْنَ قَوْمِكم مِنَ الأنْصارِ. فالتَّوَلِّي هُنا هو الرُّجُوعُ عَنِ الوِجْهَةِ الَّتِي خَرَجُوا لَها كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦] وقَوْلِهِ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم: ٣٣] وقَوْلِهِ ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ [طه: ٦٠] . وبِمِثْلِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَ التَّفاسِيرِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَ التَّوَلِّيَ عَلى أنَّهُ مُطاوِعُ وُلّاهُ إذا أعْطاهُ وِلايَةً، أيْ وِلايَةَ الحُكْمِ والإمارَةِ عَلى النّاسِ وبِهِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ وكَعْبُ الأحْبارِ. وهَذا بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ ومِنَ النَّظْمِ وفِيهِ تَفْكِيكٌ لِاتِّصالِ نَظْمِ الكَلامِ، وانْتِقالٌ بِدُونِ مُناسَبَةٍ، وتَجاوَزَ بَعْضُهم ذَلِكَ فَأخَذَ يَدَّعِي أنَّها نَزَلَتْ في الحَرُورِيَةِ ومِنهم مَن جَعَلَها فِيما يَحْدُثُ بَيْنَ بَنِي أُمَيَّةَ وبَنِي هاشِمٍ عَلى عادَةِ أهْلِ الشِّيَعِ والأهْواءِ مِن تَحْمِيلِ كِتابِ اللَّهِ ما لا يَتَحَمَّلُهُ ومِن قَصْرِ عُمُوماتِهِ عَلى بَعْضِ ما يُرادُ مِنها. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ ”عَسِيتُمْ“ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِفَتْحِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ عَسى إذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجْهُ الكَسْرِ أنَّ فِعْلَهُ: عَسِيَ مِثْلُ رَضِيَ، ولَمْ يَنْطِقُوا بِهِ إلّا إذا أُسْنِدَ هَذا الفِعْلُ إلى ضَمِيرٍ، وإسْنادُهُ إلى الضَّمِيرِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، أمّا بَنُو تَمِيمٍ فَلا يُسْنِدُونَهُ إلى الضَّمِيرِ البَتَّةَ، يَقُولُونَ: عَسى أنْ تَفْعَلُوا.

محمد 47:23

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ الإشارَةُ إلى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦] ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَوْجِبُ اللَّعْنَةَ ولا أنْ مُرْتَكِبِيهِ بِمَنزِلَةِ صفحة ١١٣ الصُّمِّ، عَلى أنَّ في صِيغَةِ المُضِيِّ في أفْعالِ: لَعَنَهم، وأصَمَّهم، وأعْمى، ما لا يُلاقِي قَوْلَهُ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ولا ما في حَرْفِ (إنْ) مِن زَمانِ الِاسْتِقْبالِ. واسْتُعِيرَ الصَّمَمُ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعاتِ مِن آياتِ القُرْآنِ ومَواعِظِ النَّبِيءِ ﷺ، كَما اسْتُعِيرَ العَمى هُنا لِعَدَمِ الفَهْمِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ لِأنَّ حالَ الأعْمى أنْ يَكُونَ مُضْطَرِبًا فِيما يُحِيطُ بِهِ لا يَدْرِي نافِعَهُ مِن ضارِّهِ إلّا بِمَعُونَةِ مَن يُرْشِدُهُ، وكَثُرَ أنْ يُقالَ: أعْمى اللَّهُ بَصَرَهُ، مُرادًا بِهِ أنَّهُ لَمْ يَهْدِهِ، وهَذِهِ هي النُّكْتَةُ في مَجِيءِ تَرْكِيبِ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ مُخالِفًا لِتَرْكِيبِ فَأصَمَّهم إذْ لَمْ يَقُلْ: وأعْماهم. وفِي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ الفَسادَ في الأرْضِ وقَطِيعَةَ الأرْحامِ مِن شِعارِ أهْلِ الكُفْرِ، فَهُما جُرْمانِ كَبِيرانِ يَجِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ اجْتِنابُهُما.

محمد 47:24

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣]، أيْ هَلّا تَدَبَّرُوا القُرْآنَ عِوَضَ شَغْلِ بِالِهِمْ في مَجْلِسِكَ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أوْ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] . والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم بِعُقُولٍ غَيْرِ مُنْفَعِلَةٍ بِمَعانِي الخَيْرِ والصَّلاحِ، فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ مَعَ فَهْمِهِ أوْ لا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَلَقِّيهِ وكِلا الأمْرَيْنِ عَجِيبٌ. والِاسْتِفْهامُ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ عِلْمِهِمْ بِالقُرْآنِ ومِن إعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِهِ. وحَرْفُ (أمْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ. والمَعْنى: بَلْ عَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ وهَذا الَّذِي سَلَكَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وهو الجارِي عَلى كَلامِ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ، خِلافًا لِما يُوهِمُهُ أوْ تَوَهَّمَهُ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ. والتَّدَبُّرُ: التَّفَهُّمُ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ ما يَخْفى مِنهُ وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الشَّيْءِ، أيْ خَلْفُهُ. صفحة ١١٤ والأقْفالُ: جَمْعُ قُفْلٍ، وهو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شُبِّهَتِ القُلُوبُ، أيِ العُقُولُ في عَدَمِ إدْراكِها المَعانِيَ بِالأبْوابِ أوِ الصَّنادِيقِ المُغْلَقَةِ، والأقْفالُ تَخْيِيلٌ كالأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها ألْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لا تَنْفَـعُ وتَنْكِيرُ ”قُلُوبٍ“ لِلتَّنْوِيعِ أوِ التَّبْعِيضِ، أيْ عَلى نَوْعٍ مِنَ القُلُوبِ أقْفالٌ. والمَعْنى: بَلْ بَعْضُ القُلُوبِ عَلَيْها أقْفالٌ. وهَذا مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ قُلُوبَهم مِن هَذا النَّوْعِ لِأنَّ إثْباتَ هَذا النَّوْعِ مِنَ القُلُوبِ في أثْناءِ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ تَدَبُّرِ هَؤُلاءِ القُرْآنَ يَدُلُّ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ أنَّ قُلُوبَ هَؤُلاءِ مِن هَذا النَّوْعِ مِنَ القُلُوبِ ذَواتِ الأقْفالِ. فَكَوْنُ قُلُوبِهِمْ مِن هَذا النَّوْعِ مُسْتَفادٌ مِنَ الإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ في حِكايَةِ أحْوالِهِمْ. ويَدْنُو مِن هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَهَـا ∗∗∗ أوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها يُرِيدُ نَفْسَهُ لِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ. . . البَيْتَ، أيْ أنا تَرّاكُ أمْكِنَةٍ. وإضافَةُ أقْفالٍ إلى ضَمِيرِ قُلُوبٍ نَظْمٌ بَدِيعٌ أشارَ إلى اخْتِصاصِ الأقْفالِ بِتِلْكَ القُلُوبِ، أيْ مُلازَمَتِها لَها فَدَلَّ عَلى أنَّها قاسِيَةٌ.

محمد 47:25

﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ لَمْ يَزَلِ الكَلامُ عَلى المُنافِقِينَ فالَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مُنافِقُونَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ قَوْمٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ كانُوا قَدْ آمَنُوا حَقًّا ثُمَّ رَجَعُوا إلى الكُفْرِ لِأنَّهم كانُوا ضُعَفاءَ الإيمانِ قَلِيلِي الِاطْمِئْنانِ وهُمُ الَّذِينَ مَثَّلَهُمُ اللَّهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] الآيَةَ. صفحة ١١٥ والِارْتِدادُ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ: تَمْثِيلٌ لِلرّاجِعِ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ بِحالِ مَن سارَ لِيَصِلَ إلى مَكانٍ ثُمَّ ارْتَدَّ في طَرِيقِهِ. ولَمّا كانَ الِارْتِدادُ سَيْرًا إلى الجِهَةِ الَّتِي كانَتْ وراءَ السّائِرِ جُعِلَ الِارْتِدادُ إلى الأدْبارِ، أيْ إلى جِهَةِ الأدْبارِ. وجِيءَ بِحَرْفِ (عَلى) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الِارْتِدادَ مُتَمَكِّنٌ مِن جِهَةِ الأدْبارِ كَما يُقالُ: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. والهُدى: الإيمانُ، وتَبَيَّنَ الهُدى لَهم عَلى هَذا الوَجْهِ تَبَيُّنًا حَقِيقِيًّا لِأنَّهم ما آمَنُوا إلّا بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهم هُدى الإيمانِ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ لَيْسَ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ أصْحابَ هَذِهِ الصِّلَةِ بَعْضُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ جَمِيعُ المُنافِقِينَ، عُبِّرَ عَنْ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ مُشارَكَتِهِمُ المُسْلِمِينَ في أحْوالِهِمْ في مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ والصَّلاةِ مَعَهُ وسَماعِ القُرْآنِ والمَواعِظِ بِالِارْتِدادِ لِأنَّهُ مُفارَقَةٌ لِتِلْكَ الأحْوالِ الطَّيِّبَةِ، أيْ رَجَعُوا إلى أقْوالِ الكُفْرِ وأعْمالِهِ وذَلِكَ إذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ، وتَبَيُّنُ الهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ كَوْنُهُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وهو بَيِّنٌ لَهم لِوُضُوحِ أدِلَّتِهِ ولا غُبارَ عَلَيْهِ، فَهَذا التَّبَيُّنُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أيْ لَيْسَ مَعَهُ ما يُوجِبُ رَيْبَ المُرْتابِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ لَمْ يُقاتِلُوا مَعَ المُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ القِتالَ حَقٌّ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ، وعَلَيْهِ فَلَعَلَّ المُرادَ: الجَماعَةُ الَّذِينَ انْخَزَلُوا يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، والِارْتِدادُ عَلى الأدْبارِ عَلى هَذا الوَجْهِ حَقِيقَةٌ لِأنَّهم رَجَعُوا عَنْ مَوْقِعِ القِتالِ بَعْدَ أنْ نَزَلُوا بِهِ فَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ وكانَتِ المَدِينَةُ خَلْفَهم. وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ وألْيَقُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ [محمد: ٢٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧] . والهُدى عَلى هَذا الوَجْهِ هو الحَقُّ، أيْ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا أنَّ الحَقَّ قِتالُ المُشْرِكِينَ. وأُوثِرَ أنْ يَكُونَ خَبَرُ (إنَّ) جُمْلَةً لِيَتَأتّى بِالجُمْلَةِ اشْتِمالُها عَلى خَصائِصِ الِابْتِداءِ بِاسْمِ الشَّيْطانِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ في غَرَضِ ذَمِّهِمْ، وأنْ يُسْنَدَ إلى اسْمِهِ مُسْنَدٌ فِعْلِيٌّ لِيُفِيدَ تَقَوِّيَ الحُكْمِ نَحْوُ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ. صفحة ١١٦ والتَّسْوِيلُ: تَسْهِيلُ الأمْرِ الَّذِي يُسْتَشْعَرُ مِنهُ صُعُوبَةٌ أوْ ضُرٌّ وتَزْيِينُ ما لَيْسَ بِحَسَنٍ. والإمْلاءُ: المَدُّ والتَّمْدِيدُ في الزَّمانِ، ويُطْلَقُ عَلى الإبْقاءِ عَلى الشَّيْءِ كَثِيرًا، أيْ أراهُمُ الِارْتِدادَ حَسَنًا دائِمًا كَما حَكى عَنْهُ في قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]، أيْ أنَّ ارْتِدادَهم مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ إلى المَجْهُولِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى المُتَكَلِّمِ فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اللَّهِ - تَعالى -، أيِ الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأنا أُمْلِي لَهم فَيَكُونُ الكَلامُ وعِيدًا، أيْ أنا أُؤَخِّرُهم قَلِيلًا ثُمَّ أُعاقِبُهم.

محمد 47:26

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ واللَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَهُمْ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ إذِ التَّقْدِيرُ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ مَظْهَرِ تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ لَهُمُ الِارْتِدادَ بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى، فَأُجِيبَ بِأنَّ الشَّيْطانَ اسْتَدْرَجَهم إلى الضَّلالِ عِنْدَما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى فَسَوَّلَ لَهم أنْ يُوافِقُوا أهْلَ الشِّرْكِ والكُفْرِ في بَعْضِ الأُمُورِ مُسَوِلًا أنَّ تِلْكَ المُوافَقَةَ في بَعْضِ الأمْرِ لا تَنْقُضُ اهْتِداءَهم فَلَمّا وافَقُوهم وجَدُوا حَلاوَةَ ما ألِفُوهُ مِنَ الكُفْرِ فِيما وافَقُوا فِيهِ أهْلَ الكُفْرِ فَأخَذُوا يَعُودُونَ إلى الكُفْرِ المَأْلُوفِ حَتّى ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ. وهَذا شَأْنُ النَّفْسِ في مُعاوَدَةِ ما تُحِبُّهُ بَعْدَ الِانْقِطاعِ عَنْهُ إنْ كانَ الِانْقِطاعُ قَرِيبَ العَهْدِ. فَمَعْنى قالُوا: قالُوا قَوْلًا عَنِ اعْتِقادٍ ورَأْيٍ، وإنَّما قالُوا ﴿فِي بَعْضِ الأمْرِ﴾ احْتِرازًا لِأنْفُسِهِمْ إذا لَمْ يُطِيعُوا في بَعْضِ. والَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ هُمُ الَّذِينَ كَرِهُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا، وهم: إمّا المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ قالَ - تَعالى - فِيهِمْ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٩] وقَدْ كانَتْ لَهم صِلَةٌ بِأهْلِ يَثْرِبَ فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى صفحة ١١٧ ٧٢ المَدِينَةِ اشْتَدَّ تَعَهُّدُ أهْلِ مَكَّةَ لِأصْحابِهِمْ مِن أهْلِ يَثْرِبَ لِيَتَطَلَّعُوا أحْوالَ المُسْلِمِينَ، ولَعَلَّهم بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ كانُوا يَكِيدُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ويَتَأهَّبُونَ لِلثَّأْرِ مِنهُمُ الَّذِي أنْجَزُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وإمّا اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [الحشر: ١١] . فالمُرادُ بِـ ﴿بَعْضِ الأمْرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في مَحْمَلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] إفْشاءُ بَعْضِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ وإشْعارُهم بِوَفْرَةِ عَدَدِ المُنافِقِينَ وإنْ كانُوا لا يُقاتِلُونَ لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ. والمُرادُ بِـ ﴿بَعْضِ الأمْرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي بَعْضُ أمْرِ القِتالِ، يَعْنُونَ تِلْكَ المَكِيدَةُ الَّتِي دَبَّرُوها لِلِانْخِزالِ عَنْ جَيْشِ المُسْلِمِينَ. والأمْرُ هو: شَأْنُ الشِّرْكِ وما يُلائِمُ أهْلَهُ، أيْ نُطِيعُكم في بَعْضِ الكُفْرِ ولا نُطِيعُكم في جَمِيعِ الشُّئُونِ لِأنَّ ذَلِكَ يَفْضَحُ نِفاقَهم، أوِ المُرادُ في بَعْضِ ما تَأْمُرُونَنا بِهِ مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ وإرادَةِ اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ. وأيًّا ما كانَ فَهم قالُوا ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ سِرًّا فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ ولِذَلِكَ قالَ - تَعالى - ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ . وقَرَأ الجُمْهُورُ (أسْرارَهم) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ سِرٍّ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مَصْدَرُ أسَرَّ.

محمد 47:27

﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ الفاءُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ وما بَيْنَهُما مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] بِناءً عَلى المَحْمَلِ الأوَّلِ لِلِارْتِدادِ فَيَكُونُ التَّفْرِيعُ لِبَيانِ ما سَيَلْحَقُهم مِنَ العَذابِ عِنْدَ المَوْتِ وهو اسْتِهْلالٌ لِما يَتَواصَلُ مِن عَذابِهِمْ عَنْ مَبْدَأِ المَوْتِ إلى اسْتِقْرارِهِمْ في العَذابِ الخالِدِ. صفحة ١١٨ ويَجُوزُ عَلى المَحْمَلِ الثّانِي وهو أنَّ المُرادَ الِارْتِدادُ عَنِ القِتالِ وتَكُونُ الفاءُ فَصِيحَةً فَيُفِيدُ: إذا كانُوا فَرَّوا مِنَ القِتالِ هَلَعًا وخَوْفًا فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، أيْ كَيْفَ هَلَعُهم ووَجَلُهُمُ الَّذِي ارْتَدُّوا بِهِما عَنِ القِتالِ. وهَذا يَقْتَضِي شَيْئَيْنِ: أوَّلُهُما أنَّهم مَيِّتُونَ لا مَحالَةَ، وثانِيهُما أنَّ مَوْتَتَهم يَصْحَبُها تَعْذِيبٌ. فالأوَّلُ مَأْخُوذٌ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١] . والثّانِي هو صَرِيحُ الكَلامِ وهو وعِيدٌ لِتَعْذِيبٍ في الدُّنْيا عِنْدَ المَوْتِ. والمَقْصُودُ: وعِيدُهم بِأنَّهم سَيُعَجَّلُ لَهُمُ العَذابُ مِن أوَّلِ مَنازِلَ الآخِرَةِ وهو حالَةُ المَوْتِ. ولَمّا جُعِلَ هَذا العَذابُ مُحَقَّقًا وُقُوعُهُ رُتِّبَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ عَنْ حالِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى تَعْجِيبِ المُخاطَبِ مِن حالِهِمْ عِنْدَ الوَفاةِ، وهَذا التَّعْجِيبُ مُؤْذِنٌ بِأنَّها حالَةٌ فَظِيعَةٌ غَيْرُ مُعْتادَةٍ إذْ لا يُتَعَجَّبُ إلّا مِن أمْرٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، والسِّياقُ يَدُلُّ عَلى الفَظاعَةِ. و(إذا) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ حالُهم أوْ عَمَلُهم حِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ. وكَثُرَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ (كَيْفَ) في أمْثالِ هَذا مُقَدَّرًا مُؤَخَّرًا عَنْ (كَيْفَ) وعَنْ (إذا) كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] . والتَّقْدِيرُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ ويَحْتالُونَ. وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ كَيْفَ في مِثْلِهِ ظَرْفًا وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ في الكافِيَةِ. ولَعَلَّهُ أرادَ الفِرارَ مِنَ الحَذْفِ. وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحالِ: وعِيدُهم بِهَذِهِ المِيتَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لَهم وجَعَلَ المَلائِكَةَ تَضْرِبُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم، أيْ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي وقَوْها مِن ضَرْبِ السَّيْفِ صفحة ١١٩ حِينَ فَرُّوا مِنَ الجِهادِ فَإنَّ الوُجُوهَ مِمّا يُقْصَدُ بِالضَّرْبِ بِالسُّيُوفِ عِنْدَ القِتالِ قالَ الحَرِيشُ القُرَيْعِيُّ، أوِ العَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ: نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلنِّظامِ ويَضْرِبُونَ أدْبارَهُمُ الَّتِي كانَتْ مَحَلَّ الضَّرْبِ لَوْ قاتَلُوا، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لَوْ قاتَلُوا لَفَرُّوا فَلا يَقَعُ الضَّرْبُ إلّا في أدْبارِهِمْ.

محمد 47:28

﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَوْتِ الفَظِيعِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [محمد: ٢٧] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. واتِّباعُهم ما أسْخَطَ اللَّهَ: هو اتِّباعُهُمُ الشِّرْكَ. والسُّخْطُ مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الرِّضا بِالفِعْلِ. وكَراهَتُهم رِضْوانَ اللَّهِ: كَراهَتُهم أسْبابَ رِضْوانِهِ وهو الإسْلامُ. وفِي ذِكْرِ اتِّباعِ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَةَ رِضْوانِهِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ مَرَّتَيْنِ لِلْمُضادَّةِ بَيْنَ السُّخْطِ والرِّضْوانِ، والِاتِّباعِ والكَراهِيَةِ. والجَمْعُ بَيْنَ الإخْبارِ عَنْهم بِاتِّباعِهِمْ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ مَعَ إمْكانِ الِاجْتِزاءِ بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ضَرْبَ المَلائِكَةِ وُجُوهَ هَؤُلاءِ مُناسِبٌ لِإقْبالِهِمْ عَلى ما أسْخَطَ اللَّهَ، وأنَّ ضَرْبَهم أدْبارَهم مُناسِبٌ لِكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ لِأنَّ الكَراهَةَ تَسْتَلْزِمُ الإعْراضَ والإدْبارَ، فَفي الكَلامِ أيْضًا مُحَسِّنُ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ. فَكانَ ذَلِكَ التَّعْذِيبُ مُناسِبًا لِحالَيْ تَوَقِّيهِمْ في الفِرارِ مِنَ القِتالِ ولِلسَّبَبَيْنِ الباعِثَيْنِ عَلى ذَلِكَ التَّوَقِّي. وفَرَّعَ عَلى اتِّباعِهِمْ ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتِهِمْ رِضْوانَهُ قالَ ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ فَكانَ اتِّباعُهم ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَراهَتُهم رِضْوانَهُ سَبَبًا في الأمْرَيْنِ: ضَرْبِ المَلائِكَةِ وُجُوهَهم وأدْبارَهم عِنْدَ الوَفاةِ، وإحْباطِ أعْمالِهِمْ. صفحة ١٢٠ والإحْباطُ: إبْطالُ العَمَلِ، أيْ أبْطَلَ انْتِفاعَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوها مَعَ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْلِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ومِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ ما هو بِمَعْناهُ في أوَّلِ السُّورَةِ.

محمد 47:29

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ إلى الإنْذارِ بِأنَّ اللَّهَ مُطْلِعٌ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما يُضْمِرُهُ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَكْرِ والكَيْدِ لِيَعْلَمُوا أنَّ أسْرارَهم غَيْرُ خافِيَةٍ فَيُوقِنُوا أنَّهم يَكُدُّونَ عُقُولَهم في تَرْتِيبِ المَكائِدِ بِلا طائِلٍ وذَلِكَ خَيْبَةٌ لِآمالِهِمْ. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ في مَعْنى (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، والِاسْتِفْهامُ المُقَدِّرُ بَعْدَ (أمْ) لِلْإنْكارِ. وحَرْفُ (لَنْ) لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ، أيْ لا يَحْسَبُونَ انْتِفاءَ إظْهارِ أضْغانِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، كَما انْتَفى ذَلِكَ فِيما مَضى، فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَفْضَحَ نِفاقَهم. واسْتُعِيرَ المَرَضُ إلى الكُفْرِ بِجامِعِ الإضْرارِ بِصاحِبِهِ، ولِكَوْنِ الكُفْرِ مَقَرُّهُ العَقْلُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالقَلْبِ كانَ ذِكْرُ القُلُوبِ مَعَ المَرَضِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ القَلْبَ مِمّا يُناسِبُ المَرَضَ الخَفِيَّ إذْ هو عُضْوٌ باطِنٌ فَناسَبَ المَرَضَ الخَفِيَّ. والإخْراجُ أُطْلِقَ عَلى الإظْهارِ والإبْرازِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الإخْراجَ اسْتِلالُ شَيْءٍ مِن مَكْمَنِهِ، فاسْتُعِيرَ بِخَبَرٍ خَفِيٍّ. والأضْغانُ: جَمْعُ ضِغْنٍ بِكَسْرِ الضّادِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وهو الحِقْدُ والعَداوَةُ. والمَعْنى أنَّهُ يُخْرِجُها مِن قُلُوبِهِمْ وكانَ العَرَبُ يَجْعَلُونَ القُلُوبَ مَقَرَّ الأضْغانِ قالَ الشّاعِرُ، وهو مِن شَواهِدِ المِفْتاحِ لِلسَّكّاكِيِّ ولا يُعْرَفُ قائِلُهُ: الضّارِبِينَ بِكُلِّ أبْيَضَ مِخْذَمِ والطّاعِنِينَ مَجامِعَ الأضْغانِ

محمد 47:30

صفحة ١٢١ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ كانَ مَرَضُ قُلُوبِهِمْ خَفِيًّا لِأنَّهم يُبالِغُونَ في كِتْمانِهِ وتَمْوِيهِهِ بِالتَّظاهُرِ بِالإيمانِ، فَذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّهُ لَوْ شاءَ لَأطْلَعَهُ عَلَيْهِمْ واحِدًا واحِدًا فَيَعْرِفُ ذَواتَهم بِعَلاماتِهِمْ. والسِّيمى بِالقَصْرِ: العَلامَةُ المُلازِمَةُ، أصْلُهُ: وِسْمى بِوَزْنِ فِعْلى مَنِ الوَسْمِ وهو جَعْلُ سِمَةٍ لِلشَّيْءِ، وهو بِكَسْرِ أوَّلِهِ. فَهو مِنَ المِثالِ الواوِيِّ الفاءُ حُوِّلَتِ الواوُ مِن مَوْضِعِ فاءِ الكَلِمَةِ فَوُضِعَتْ في مَكانِ عَيْنِ الكَلِمَةِ وحُوِّلَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ إلى مَوْضِعِ الفاءِ فَصارَتْ سِوْمى فانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً لِسُكُونِها وانْكِسارِ ما قَبْلَها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: لَأرَيْناكَ أشْخاصَهم فَعَرَفْتَهم، أوْ لَذَكَرْنا لَكَ أوْصافَهم فَعَرَفْتَهم بِها ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ شاءَ ذَلِكَ وأراهم لِلرَّسُولِ ﷺ . فَعَنْ أنَسٍ «ما خَفِيَ عَلى النَّبِيءِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهم» ذَكَرَهُ البَغْوِيُّ والثَّعْلَبِيُّ بِدُونِ سَنَدٍ. ومِمّا يُرْوى عَنْ حُذَيْفَةَ ما يَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ عَرَّفَهُ بِالمُنافِقِينَ أوْ بِبَعْضِهِمْ، ولَكِنْ إذا صَحَّ هَذا فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِإجْرائِهِمْ عَلى غَيْرِ حالَةِ الإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَّهَ قالَ هَذا إكْرامًا لِرَسُولِهِ ﷺ ولَمْ يُطْلِعْهُ عَلَيْهِمْ. واللّامُ في لَأرَيْناكَهم لامُ جَوابِ (لَوْ) الَّتِي تُزادُ فِيهِ غالِبًا. واللّامُ في ”فَلَعَرَفْتَهم“ تَأْكِيدٌ لِلّامِ لَأرَيْناكَهم لِزِيادَةِ تَحْقِيقِ تَفَرُّعِ المَعْرِفَةِ عَلى الإرادَةِ. * * * ﴿ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ هَذا في مَعْنى الِاحْتِراسِ مِمّا يَقْتَضِيهِ مَفْهُومُ ﴿لَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهُمْ﴾ مِن عَدَمِ وُقُوعِ المَشِيئَةِ لِإرادَتِهِ إيّاهم بِنُعُوتِهِمْ. والمَعْنى: فَإنْ لَمْ نُرِكَ إيّاهم بِسِيماهم فَلَتَقَعَنَّ مَعْرِفَتُكَ بِهِمْ مِن لَحْنِ كَلامِهِمْ بِإلْهامٍ يَجْعَلُهُ اللَّهُ في عِلْمِ رَسُولِهِ ﷺ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن لَحْنِ كَلامِهِمْ صفحة ١٢٢ فَيَحْصُلُ لَهُ العِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم إذا لَحَنَ في قَوْلِهِ، وهم لا يَخْلُو واحِدٌ مِنهم مِنَ اللَّحْنِ في قَوْلِهِ، فَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم حاصِلَةٌ وإنَّما تَرَكَ اللَّهُ تَعْرِيفَهُ إيّاهم بِسِيماهم ووَكَلَهُ إلى مَعْرِفَتِهِمْ بِلَحْنِ قَوْلِهِمْ إبْقاءً عَلى سُنَّةِ اللَّهِ - تَعالى - في نِظامِ الخَلْقِ بِقَدْرِ الإمْكانِ لِأنَّها سُنَّةٌ ناشِئَةٌ عَنِ الحِكْمَةِ فَلَمّا أُرِيدَ تَكْرِيمُ الرَّسُولِ ﷺ بِإطْلاعِهِ عَلى دَخائِلِ المُنافِقِينَ سَلَكَ اللَّهُ في ذَلِكَ مَسْلَكَ الرَّمْزِ. واللّامُ في ولَتَعْرِفَنَّهم لامُ القَسَمِ المَحْذُوفِ. ولَحْنُ القَوْلِ: الكَلامُ المُحالُ بِهِ إلى غَيْرِ ظاهِرِهِ لِيَفْطِنَ لَهُ مَن يُرادُ أنْ يَفْهَمَهُ دُونَ أنْ يَفْهَمَهُ غَيْرُهُ بِأنْ يَكُونَ في الكَلامِ تَعْرِيضٌ أوْ تَوْرِيَةٌ أوْ ألْفاظٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْها بَيْنَ شَخْصَيْنِ أوْ فِرْقَةٍ كالألْفاظِ العَلْمِيَّةِ قالَ القَتّالُ الكِلائِيُّ: ولَقَدْ وحَيْتُ لَكم لِكَيْما تَفْهَمُوا ولَحَنْتُ لَحْنًا لَيْسَ بِالمُرْتابِ كانَ المُنافِقُونَ يُخاطِبُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِكَلامٍ تَواضَعُوهُ فِيما بَيْنَهم، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَأْخُذُهم بِظاهِرِ كَلامِهِمْ فَنَبَّهَهُ اللَّهُ إلَيْهِ فَكانَ بَعْدَ هَذا يَعْرِفُ المُنافِقِينَ إذا سَمِعَ كَلامَهم. * * * ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ تَذْيِيلٌ، فَهو لِعُمُومِهِ خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ المَقْصُودُ مِنهُ التَّعْلِيمُ وهو مَعَ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِهِ وهو الوَعِيدُ لِأهْلِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى أعْمالِهِمْ، والوَعْدُ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى أعْمالِهِمْ، وتَنْبِيهٌ لِأهْلِ النِّفاقِ بِأنَّ اللَّهَ يُوشِكُ أنْ يَفْضَحَ نِفاقَهم كَما قالَ آنِفًا ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] . واجْتِلابُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَعْلَمُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرٌّ.

محمد 47:31

صفحة ١٢٣ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهَدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] . ومَعْناهُ مَعْنى الِاحْتِراسِ مِمّا قَدْ يَتَوَهَّمُ السّامِعُونَ مِن قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] مِنَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّكْلِيفِ. ووَجْهُ هَذا الِاحْتِراسِ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ يَتَعَلَّقُ بِأعْمالِ النّاسِ بَعْدَ أنْ تَقَعَ ويَتَعَلَّقُ بِها قَبْلَ وُقُوعِها فَإنَّها سَتَقَعُ ويَتَعَلَّقُ بِعَزْمِ النّاسِ عَلى الِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ التَّكالِيفِ قُوَّةً وضَعْفًا، ومِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ كُفْرًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِن حِكْمَةِ التَّكالِيفِ أنْ يَظْهَرَ أثَرُ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِ النّاسِ وتَقَدُّمُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. ولَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ لِكُلِّ عَبْدٍ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ أوْ مِنَ النّارِ. فَقالُوا: أفَلا نَتَّكِلُ عَلى ما كُتِبَ لَنا ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، وقَرَأ ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] . والبَلْوُ: الِاخْتِبارُ وتَعَرُّفُ حالِ الشَّيْءِ. والمُرادُ بِالِابْتِلاءِ الأمْرُ والنَّهْيُ في التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ المُطِيعُ والعاصِي والكافِرُ، وسُمِّيَ ذَلِكَ ابْتِلاءً عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ الِابْتِلاءُ وإنْ كانَ المَقْصُودُ مِنهُ إقامَةَ مَصالِحِ النّاسِ ودَفْعَ الفَسادِ عَنْهم لِتَنْظِيمِ أحْوالِ حَياتِهِمْ ثُمَّ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَآلُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ في الآخِرَةِ. ولَكِنْ لَمّا كانَ التَّكْلِيفُ مُبَيِّنًا لِأحْوالِ نُفُوسِ النّاسِ في الِامْتِثالِ ومُمَحِّصًا لِدَعاوِيهِمْ وكاشِفًا عَنْ دَخائِلِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ما يُشْبِهُ الِابْتِلاءَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أحْوالِهِمْ، ولَكِنَّها لا تَظْهَرُ لِلْعِيانِ لِلنّاسِ إلّا عِنْدَ تَلَقِّي التَّكالِيفِ فَأشْبَهَتْ الِاخْتِبارَ، فَإطْلاقُ اسْمِ الِابْتِلاءِ عَلى التَّكْلِيفِ مَجازٌ مُرْسَلٌ وتَسْمِيَةُ ما يَلْزَمُ التَّكْلِيفَ مِن إظْهارِ أحْوالِ النُّفُوسِ ابْتِلاءً اسْتِعارَةٌ، فَفي قَوْلِهِ ولَنَبْلُوَنَّكم مَجازٌ مُرْسَلٌ واسْتِعارَةٌ. و(حَتّى) حَرْفُ انْتِهاءٍ فَما بَعْدَها غايَةٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها وهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ تَشْبِيهًا لِعِلَّةِ الفِعْلِ بِغايَتِهِ فَإنَّ غايَةَ الفِعْلِ باعِثٌ لِفاعِلِ الفِعْلِ في الغالِبِ، فَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُ (حَتّى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] صفحة ١٢٤ فالمَعْنى: ولَنَبْلُوَنَّكم لِنَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ، ولَيْسَ المُرادُ انْتِهاءَ البَلْوى عِنْدَ ظُهُورِ المُجاهِدِينَ مِنهم والصّابِرِينَ. وعِلَّةُ الفِعْلِ لا يَلْزَمُ انْعِكاسُها، أيْ لا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ لِلْفِعْلِ عِلَّةٌ غَيْرُها فَلِلتَّكْلِيفِ عِلَلٌ وأغْراضٌ عَدِيدَةٌ مِنها أنْ تَظْهَرَ حالُ النّاسِ في قَبُولِ التَّكْلِيفِ ظُهُورًا في الدُّنْيا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مُعامَلاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ. وعِلْمُ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَ عِلَّةً لِلْبَلْوِ هو العِلْمُ بِالأشْياءِ بَعْدَ وُقُوعِها المُسَمّى عِلْمُ الشَّهادَةِ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَن سَيُجاهِدُ ومَن يَصْبِرُ مِن قَبْلِ أنْ يَبْلُوَهم ولَكِنَّ ذَلِكَ عِلْمُ غَيْبٍ لِأنَّهُ قَبْلَ حُصُولِ المَعْلُومِ في عالَمِ الشَّهادَةِ. والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ حَتّى نَعْلَمَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى حَتّى نُظْهِرَ لِلنّاسِ الدَّعاوِيَ الحَقَّ مِنَ الباطِلَةِ، فالعِلْمُ كِنايَةٌ عَنْ إظْهارِ الشَّيْءِ المَعْلُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ إظْهارِهِ لِلْغَيْرِ كَما هُنا أوْ لِلْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ: وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَـا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها أرادَ لِيُظْهِرَ لِلنّاسِ أنَّهُ شُجاعٌ ويَظْهَرُ مَن هو مِنَ القَوْمِ جَبانٌ، فاللَّهُ شَرَعَ الجِهادَ لِنَصْرِ الدِّينِ، ومِن شَرْعِهِ يَتَبَيَّنُ مَن يُجاهِدُ ومَن يَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ، ويَتَبَيَّنُ مَن يَصْبِرُ عَلى لَأْواءِ الحَرْبِ ومَن يَنْخَزِلُ ويَفِرُّ، فَلا تَرُوجُ عَلى النّاسِ دَعْوى المُنافِقِينَ صِدْقَ الإيمانِ، ويَعْلَمُ النّاسَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. وبَلْوُ الإخْبارِ: ظُهُورُ الأُحْدُوثَةِ مِن حُسْنِ السُّمْعَةِ وضِدِّهِ. وهَذا في مَعْنى قَوْلِ الأُصُولِيِّينَ تَرَتَّبَ المَدْحُ والذَّمُّ عاجِلًا، وهو كِنايَةٌ أيْضًا عَنْ أحْوالِ أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ لِأنَّ الأخْبارَ إنَّما هي أخْبارٌ عَنْ أعْمالِهِمْ، وهَذِهِ عِلَّةٌ ثانِيَةٌ عُطِفَتْ عَلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ . وإنَّما أُعِيدَ عَطْفُ فِعْلِ ”نَبْلُوَ“ عَلى فِعْلِ ”نَعْلَمَ“ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ ”أخْبارَكم“ بِالواوِ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في ”لَنَبْلُوَنَّكم“ ولا يُعادُ ”نَبْلُوَ“، فالعُدُولُ عَنْ مُقْتَضى ظاهِرِ النَّظْمِ إلى هَذا التَّرْكِيبِ لِلْمُبالَغَةِ في بَلْوِ الأخْبارِ لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ بَلْوِ أعْمالِهِمْ وهي المَقْصُودُ مِن بَلْوِ ذَواتِهِمْ، فَذِكْرُهُ كَذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ إذْ تَعَلَّقَ البَلْوُ الأوَّلُ بِالجِهادِ والصَّبْرِ، وتَعَلَّقَ صفحة ١٢٥ البَلْوُ الثّانِي بِالأعْمالِ كُلِّها، وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدُ البَلْوِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ﴾ ونَبْلُوَ بِالنُّونِ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تِلْكَ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمائِرُ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ونَبْلُوَ“ بِفَتْحِ الواوِ عَطْفًا عَلى ”نَعْلَمَ“ . وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِسُكُونِ الواوِ عَطْفًا عَلى ”ولَنَبْلُوَنَّكم“ .

محمد 47:32

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنِيَّ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ كَفَرُوا المَذْكُورُونَ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وفِيما بَعْدُ مِنَ الآياتِ الَّتِي جَرى فِيها ذِكْرَ الكافِرِينَ، أيِ الكُفّارُ الصُّرَحاءُ عادَ الكَلامُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الفَراغِ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُخْفُونَ الكُفْرَ، عَوْدًا عَلى بَدْءٍ لِتَهْوِينِ حالِهِمْ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ، فَبَعْدَ أنْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ أضَلَّ أعْمالَهم وأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الباطِلَ وأمَرَ بِضَرْبِ رِقابِهِمْ وأنَّ التَّعْسَ لَهم وحَقَّرَهم بِأنَّهم يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ، وأنَّ اللَّهَ أهْلَكَ قُرًى هي أشَدُّ مِنهم قُوَّةً، ثُمَّ جَرى ذِكْرُ المُنافِقِينَ، بَعْدَ ذَلِكَ ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا أيْضًا لِيُعَرِّفَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم في هَذِهِ المَآزِقِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ لا يَلْحَقُهم مِنهم أدْنى ضُرٍّ، ولِيَزِيدَ وصْفَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم شاقُّوا الرَّسُولَ ﷺ . فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهي تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] . وفَعْلُ ”شاقُّوا“ مُشْتَقٌّ مِن كَلِمَةِ شِقٍّ بِكَسْرِ الشِّينِ وهو الجانِبُ، والمُشاقَّةُ المُخالَفَةُ، كُنِّيَ بِالمُشاقَّةِ عَنِ المُخالَفَةِ لِأنَّ المُسْتَقِرَّ بِشِقٍّ مُخالِفٌ لِلْمُسْتَقَرِّ بِشِقٍّ آخَرَ فَكِلاهُما مُخالِفٌ، فَلِذَلِكَ صِيغَتْ مِنهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ. وتَبَيُّنُ الهُدى لَهم: ظُهُورُ ما في دَعْوَةِ الإسْلامِ مِنَ الحَقِّ الَّذِي تُدْرِكُهُ العُقُولُ إذا نُبِّهَتْ إلَيْهِ، وظُهُورُ أنَّ أمْرَ الإسْلامِ في ازْدِيادٍ ونَماءٍ، وأنَّ أُمُورَ الآخَرِينَ في إدْبارِ، فَلَمْ صفحة ١٢٦ يَرْدَعْهم ذَلِكَ عَنْ مُحاوَلَةِ الإضْرارِ بِالرَّسُولِ ﷺ كَما قالَ - تَعالى - ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الرعد: ٤١] . فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ. وقِيلَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا في هَذِهِ الآيَةِ يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرُ، وعَلَيْهِ فَمُشاقَّتُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ مُشاقَّةٌ خَفِيَّةٌ مُشاقَّةُ كَيْدٍ ومَكْرٍ، وتَبَيُّنُ الهُدى لَهم ظُهُورُ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو المَوْعُودُ بِهِ في التَّوْراةِ وكُتُبِ الأنْبِياءِ، فَتَكُونُ الآيَةُ تَمْهِيدًا لِغَزْوِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وانْتَصَبَ ”شَيْئًا“ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِـ ”يَضُرُّوا“ والتَّنْوِينُ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ لا يَضُرُّونَ في المُسْتَقْبَلِ اللَّهَ أقَلَّ ضُرٍّ. وإضْرارُ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ إضْرارُ دِينِهِ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ والتَّشْرِيفِ لِهَذا الدِّينِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ . والإحْباطُ: الإبْطالُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. ومَعْنى إبْطالُ أعْمالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِأعْمالِهِمْ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ أنَّ اللَّهَ يَلْطُفُ بِرَسُولِهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِتَيْسِيرِ أسْبابِ نَصْرِهِمْ وانْتِشارِ دِينِهِ، فَلا يَحْصُلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أعْمالِهِمْ لِلصَّدِّ والمُشاقَّةِ عَلى طائِلٍ. وهَذا كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ”أضَلَّ أعْمالَهم“ . وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ هُنا لِتَحْقِيقِ حُصُولِ الإحْباطِ في المُسْتَقْبَلِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ مُحْبِطُ أعْمالِهِمْ مِنَ الآنِ إذْ لا يُعْجِزُهُ ذَلِكَ حَتّى يَتَرَصَّدَ بِهِ المُسْتَقْبَلَ، وهَذا التَّحْقِيقُ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿قالَ سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] .

محمد 47:33

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢]، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [محمد: ٣٤] وُجِّهَ بِهِ صفحة ١٢٧ الخِطابُ إلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وتَجَنُّبِ ما يُبْطِلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ اعْتِبارًا بِما حُكِيَ مِن حالِ المُشْرِكِينَ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومُشاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . فَوَصْفُ الإيمانِ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُقابِلُ وصْفِ الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [محمد: ٣٢]، وطاعَةُ اللَّهِ مُقابِلُ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وطاعَةُ الرَّسُولِ ضِدُّ مُشاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، والنَّهْيُ عَنْ إبْطالِ الأعْمالِ ضِدُّ بُطْلانِ أعْمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا. فَطاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ الَّتِي أُمِرُوا بِها هي امْتِثالُ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ مِن أحْكامِ الدِّينِ. وأمّا ما لَيْسَ داخِلًا تَحْتَ التَّشْرِيعِ فَطاعَةُ أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِ طاعَةُ انْتِصاحٍ وأدَبٍ، ألا تَرى أنَّ بَرِيرَةَ لَمْ تُطِعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مُراجَعَةِ زَوْجِها مُغِيثٍ لَمّا عَلِمَتْ أنَّ أمْرَهُ إيّاها لَيْسَ بِعَزْمٍ. والإبْطالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ باطِلًا، أيْ لا فائِدَةَ مِنهُ، فالإبْطالُ تَتَّصِفُ بِهِ الأشْياءُ المَوْجُودَةُ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنْ إبْطالِهِمُ الأعْمالَ: النَّهْيُ عَنْ أسْبابِ إبْطالِها، فَهَذا مَهْيَعُ قَوْلِهِ ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ . وتَسْمَحُ مَحامِلُهُ بِأنْ يَشْمَلَ النَّهْيَ والتَّحْذِيرَ عَنْ كُلِّ ما بَيَّنَ الدِّينُ أنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْعَمَلِ كُلًّا أوْ بَعْضًا مِثْلَ الرِّدَّةِ ومِثْلَ الرِّياءِ في العَمَلِ الصّالِحِ فَإنَّهُ يُبْطِلُ ثَوابَهُ. وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَخْشى أنْ يَكُونَ ارْتِكابُ الفَواحِشِ مُبْطِلًا لِثَوابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ويَحْمِلُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ قالَتْ عائِشَةُ لَمّا بَلَغَها أنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ عَقَدَ عَقْدًا تَراهُ عائِشَةُ حَرامًا أخْبَرُوا زَيْدًا أنَّهُ أبْطَلَ جِهادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ لَمْ يَتْرُكْ فَعْلَهُ هَذا ولَعَلَّها أرادَتْ بِذَلِكَ التَّحْذِيرَ وإلّا فَما وجْهُ تَخْصِيصِ الإحْباطِ بِجِهادِهِ وإنَّما عَلِمَتْ أنَّهُ كانَ أنْفَسُ عَمَلٍ عِنْدَهُ. وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ والزُّهْرِيِّ لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَعاصِي الكَبائِرِ. ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعابِ: أنَّ زَيْدَ بْنَ أرْقَمَ قالَ «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وغَزَوْتُ مِنها مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً» . وهَذِهِ كُلُّها مِن مُخْتَلِفِ الأفْهامِ في المَعْنِيِّ بِإبْطالِ الأعْمالِ وما يُبْطِلُها وأحْسَنُ صفحة ١٢٨ أقْوالِ السَّلَفِ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ كُنّا نَرى أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن حَسَناتِنا إلّا مَقْبُولًا حَتّى نَزَلَ ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾، فَقُلْنا: ما هَذا الَّذِي يُبْطِلُ أعْمالَنا ؟ فَقُلْنا: الكَبائِرُ المُوجِباتُ والفَواحِشُ حَتّى نَزَلَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَكَفَفْنا عَنِ القَوْلِ في ذَلِكَ وكُنّا نَخافُ عَلى مَن أصابَ الكَبائِرَ ونَرْجُو لِمَن لَمْ يُصِبْها ا هـ. فَأبانَ أنَّ ذَلِكَ مَحامِلُ مُحْتَمَلَةٌ لا جَزْمَ فِيها. وعَنْ مُقاتِلٍ لا تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِالمَنِّ وقالَ: هَذا خِطابٌ لِقَوْمٍ مِن بَنِي أسَدٍ أسْلَمُوا وقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَدْ آثَرْناكَ وجِئْناكَ بِنُفُوسِنا وأهْلِنا، يَمُنُّونَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ونَزَلَ فِيهِمْ أيْضًا قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧] . وهَذِهِ مَحامِلُ ناشِئَةٌ عَنِ الرَّأْيِ والتَّوَقُّعِ، والَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ وبَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ولَمْ يَجِئْ: أنَّ السَّيِّئاتِ يُذْهِبْنَ الحَسَناتِ، وقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] . وتَمَسَّكَ المُعْتَزِلَةُ بِهاتِهِ الآيَةِ فَزَعَمُوا أنَّ الكَبائِرَ تُحْبِطُ الطّاعاتِ. ومِنَ العَجَبِ أنَّهم يَنْفُونَ عَنِ اللَّهِ الظُّلْمَ ولا يُسَلِّمُونَ ظاهِرَ قَوْلِهِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ومَعَ ذَلِكَ يَجْعَلُونَ اللَّهَ يُبْطِلُ الحَسَناتِ إذا ارْتَكَبَ صاحِبُها سَيِّئَةً. ونَحْنُ نَرى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَسْطُورٌ في صُحُفِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ وأنَّ الحَسَنَةَ مُضاعَفَةٌ والسَّيِّئَةَ بِمِقْدارِها. وهَذا أصْلٌ تَواتَرَ مَعْناهُ في الكِتابِ وصَحِيحُ الآثارِ، فَكَيْفَ يُنْبَذُ بِالقِيلِ والقالِ مَن أهْلِ الأخْبارِ ؟ وحَمَلَ بَعْضُ عُلَمائِنا قَوْلَهُ تَعالى ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ عَلى مَعْنى النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ العَمَلِ المُتَقَرَّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى. وإطْلاقُ الإبْطالِ عَلى القَطْعِ وعَدَمِ الإتْمامِ يُشْبِهُ أنَّهُ مَجازٌ، أيْ لا تَتْرُكُوا العَمَلَ الصّالِحَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَأخَذُوا مِنهُ أنَّ النَّفْلَ يَجِبُ بِالشُّرُوعِ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ في النَّوافِلِ مُطْلَقًا. ونَسَبَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ مِثْلَهُ إلى مالِكٍ. ومِثْلُهُ القُرْطُبِيُّ وابْنُ الفُرْسِ. ونَقَلَ صفحة ١٢٩ الشَّيْخُ الجَدُّ في حاشِيَتِهِ عَلى المَحَلِّيِّ عَنِ القَرافِيِّ في شَرْحِ المَحْصُولِ ونَقْلَ حَلُولُو في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ عَنِ القَرافِيِّ في الذَّخِيرَةِ: أنَّ مالِكًا قالَ بِوُجُوبِ سَبْعِ نَوافِلَ بِالشُّرُوعِ، وهي: الصَّلاةُ والصِّيامُ والحَجُّ والعُمْرَةُ والِاعْتِكافُ والِائْتِمامُ وطَوافُ التَّطَوُّعِ دُونَ غَيْرِها نَحْوُ الوُضُوءِ والصَّدَقَةِ والوَقْفِ والسَّفَرِ لِلْجِهادِ، وزادَ حَلُولُو إلْحاقَ الضَّحِيَّةِ بِالنَّوافِلِ الَّتِي تَجِبُ بِالشُّرُوعِ ولَمْ أقِفْ عَلى مَأْخَذِ القَرافِيِّ ذَلِكَ ولا عَلى مَأْخَذِ حَلُولُو في الأخِيرِ. ولَمْ يَرَ الشّافِعِيُّ وُجُوبًا بِالشُّرُوعِ في شَيْءٍ مِنَ النَّوافِلِ وهو الظّاهِرُ.

محمد 47:34

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَكْمِلَةٌ لِآيَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٢] إلَخْ لِأنَّ تِلْكَ مَسُوقَةٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمَشاقِّهِمْ ولِبَيانِ أنَّ اللَّهَ مُبْطِلُ صَنائِعِهِمْ، وهَذِهِ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ إذْ ماتُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. واقْتِرانُ خَبَرِ المَوْصُولِ بِالفاءِ إيماءٌ إلى أنَّهُ أشْرَفُ مَعْنى الشَّرْطِ فَلا يُرادُ بِهِ ذُو صِلَةٍ مُعَيَّنٌ بَلِ المُرادُ كُلُّ مَن تَحَقَّقَتْ فِيهِ ماهِيَّةُ الصِّلَةِ وهي الكُفْرُ والمَوْتُ عَلى الكُفْرِ.

محمد 47:35

﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَرَّرَ في نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ مَن خَذْلِ اللَّهِ - تَعالى - المُشْرِكِينَ بِما أخْبَرَ بِهِ مِن أنَّهُ أضَلَّ أعْمالَهم وقَدَّرَ لَهُمُ التَّعْسَ، وبِما ضَرَبَ لَهم مِن مَصائِرِ أمْثالِهِمْ مِنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم ولَمْ يَجِدُوا ناصِرًا، وما وعَدَ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ وما أمَرَهم بِهِ مِن قِتالِهِمْ وبِتَكَفُّلِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالوِلايَةِ وما وعَدَهم مِنَ الجَزاءِ في دارِ الخُلْدِ وبِما أتْبَعَ ذَلِكَ مِن وصْفِ كَيْدِ فَرِيقِ المُنافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ صفحة ١٣٠ وتَعَهُّدِهِمْ بِإعانَةِ المُشْرِكِينَ، وذَلِكَ مِمّا يُوجِسُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ خِيفَةً إذْ يَعْلَمُونَ أنَّ أعْداءً لَهم مُنْبَثُّونَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. فَعَلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَرَّعَ نَهْيَهم عَنِ الوَهَنِ وعَنِ المَيْلِ إلى الدَّعَةِ ووَعْدَهم بِأنَّهُمُ المُنْتَصِرُونَ وأنَّ اللَّهَ مُؤَيِّدُهم. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّفْرِيعُ عَلى أقْرَبِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١] . وهَذا النَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ وعَنِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ تَحْذِيرٌ مِن أمْرٍ تَوَفَّرَتْ أسْبابُ حُصُولِهِ مُتَهَيِّئَةً لِلْإقْدامِ عَلى الحَرْبِ عِنْدَ الأمْرِ بِها ولَيْسَ نَهْيًا عَنْ وهَنٍ حَصَلَ لَهم ولا عَنْ دُعائِهِمْ إلى السَّلْمِ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ وقَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ في مُدَّةٍ لَمْ يَكُنْ فِيها قِتالٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ ولَكِنَّ التَّحْذِيرَ مِن أنْ يَسْتَوْهِنَهُمُ المُنافِقُونَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أمْرِ القِتالِ فَيَقُولُوا: لَوْ سالَمْنا القَوْمَ مُدَّةً حَتّى نَسْتَعِيدَ عُدَّتَنا ونَسْتَرْجِعَ قُوَّتَنا بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ لَمّا رَجَعُوا إلى مَكَّةَ مَفْلُولِينَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، يَتَرَبَّصُونَ بِالمُسْلِمِينَ فُرْصَةً يُقاتِلُونَهم فِيها لِما ضايَقَهم مِن تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لَهم في طَرِيقِ تِجارَتِهِمْ إلى الشّامِ مِثْلَ ما وقَعَ في غَزْوَةِ السَّوِيقِ، وغَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، فَلَمّا كانَ في المَدِينَةِ مُنافِقُونَ وكانَ عِنْدَ أهْلِ مَكَّةَ رِجالٌ مِن أهْلِ يَثْرِبَ خَرَجُوا مِنها مَعَ أبِي عامِرٍ الضُّبَعِيِّ المُلَقَّبِ في الجاهِلِيَّةِ بِالرّاهِبِ والَّذِي غَيَّرَ النَّبِيءُ ﷺ لَقَبَهُ فَلَقَّبَهُ الفاسِقَ. كانَ مِنَ المُتَوَقَّعِ أنْ يَكِيدَ لِلْمُسْلِمِينَ أعْداؤُهم مِن أهْلِ يَثْرِبَ فَيُظاهِرُوا عَلَيْهِمُ المُشْرِكِينَ مُتَسَتِّرِينَ بِعِلَّةِ طَلَبِ السَّلْمِ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِن أنْ يَقَعُوا في هَذِهِ الحِبالَةِ. والوَهَنُ: الضَّعْفُ والعَجْزُ، وهو هُنا مَجازٌ في طَلَبِ الدَّعَةِ. ومَعْناهُ: النَّهْيُ عَنْ إسْلامِ أنْفُسِهِمْ لِخَواطِرِ الضَّعْفِ، والعَمَلُ بِهَذا النَّهْيِ يَكُونُ بِاسْتِحْضارِ مَساوِئِ تِلْكَ الخَواطِرِ فَإنَّ الخَواطِرَ الشِّرِّيرَةَ إذا لَمْ تُقاوِمْها هِمَّةُ الإنْسانِ دَبَّتْ في نَفْسِهِ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنها فَتُصْبِحَ مَلَكَةً وسَجِيَّةً. فالمَعْنى: ادْفَعُوا عَنْ أنْفُسِكم خَواطِرَ الوَهَنِ واجْتَنِبُوا مَظاهِرَهُ، وأوَّلُها الدُّعاءُ إلى السَّلْمِ وهو المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ. والنَّهْيُ عَنِ الوَهَنِ يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ في حالِ وهَنٍ. صفحة ١٣١ وعَطْفُ ”وتَدْعُوا“ عَلى ”تَهِنُوا“ فَهو مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَّهْيِ، والمَعْنى: ولا تَدْعُوا إلى السَّلْمِ وهو عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ مِن وجْهٍ، لِأنَّ الدُّعاءَ إلى المُسْلِمِ مَعَ المَقْدِرَةِ مِن طَلَبِ الدَّعَةِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ اسْتِبْقاءِ النُّفُوسِ والعِدَةِ بِالِاسْتِراحَةِ مِن عُدُولِ العَدُوِّ عَلى المُسْلِمِينَ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ كانُوا مُتَكالِبِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَرُبَّما ظَنَّ المُسْلِمُونَ أنَّهم إنْ تَداعَوْا مَعَهم لِلسَّلْمِ أمِنُوا مِنهم، وجَعَلُوا ذَلِكَ فُرْصَةً لِيَنُشُّوا الدَّعْوَةَ فَعَرَّفَهُمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَضَرَّةِ لِأنَّهُ يَحُطُّ مِن شَوْكَتِهِمْ في نَظَرِ المُشْرِكِينَ فَيَحْسَبُونَهم طَلَبُوا السَّلْمَ عَنْ ضَعْفٍ فَيَزِيدُهم ذَلِكَ ضَراوَةً عَلَيْهِمْ وتَسْتَخِفُّ بِهِمْ قَبائِلُ العَرَبِ بَعْدَ أنْ أخَذُوا مِن قُلُوبِهِمْ مَكانَ الحُرْمَةِ وتَوَقُّعِ البَأْسِ. ولِهَذا المَقْصِدِ الدَّقِيقِ جُمِعَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنِ الوَهَنِ والدُّعاءِ إلى السَّلْمِ وأُتْبِعَ بِقَوْلِهِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ . فَتَحَصَّلَ مِمّا تَقَرَّرَ أنَّ الدُّعاءَ إلى السَّلْمِ المَنهِيِّ عَنْهُ هو طَلَبُ المَسْألَةِ مِنَ العَدُوِّ في حالِ قُدْرَةِ المُسْلِمِينَ وخَوْفِ العَدُوِّ مِنهم، فَهو سَلْمٌ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ داعِينَ لَهُ وبِكَوْنِهِ عَنْ وهَنٍ في حالِ قُوَّةٍ. قالَ قَتادَةُ: أيْ لا تَكُونُوا أوَّلَ الطّائِفَتَيْنِ ضَرِعَتْ إلى صاحِبَتِها. فَهَذا لا يُنافِي السَّلْمَ المَأْذُونَ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] في سُورَةِ الأنْفالِ، فَإنَّهُ سَلْمٌ طَلَبَهُ العَدُوُّ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً لِآيَةِ الأنْفالِ ولا العَكْسَ ولِكُلٍّ حالَةٌ خاصَّةٌ، ومُقَيَّدٌ بِكَوْنِ المُسْلِمِينَ في حالَةِ قُوَّةٍ ومَنَعَةٍ وعِدَّةٍ بِحَيْثُ يَدْعُونَ إلى السَّلْمِ رَغْبَةً في الدَّعَةِ. فَإذا كانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ في السَّلْمِ أوْ كانَ أخَفَّ ضُرًّا عَلَيْهِمْ فَلَهم أنْ يَبْتَدِئُوا إذا احْتاجُوا إلَيْهِ وأنْ يُجِيبُوا إلَيْهِ إذا دُعُوا إلَيْهِ. وقَدْ صالَحَ النَّبِيءُ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ لِمَصْلَحَةٍ ظَهَرَتْ فِيما بَعْدُ، وصالَحَ المُسْلِمُونَ في غَزْوِهِمْ أفْرِيقِيَّةَ أهْلَها وانْكَفَئُوا راجِعِينَ إلى مِصْرَ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في كَلامٍ لَهُ مَعَ بَعْضِ أُمَراءِ الجَيْشِ فَقَدْ آثَرْتُ سَلامَةَ المُسْلِمِينَ. وأمّا الصُّلْحُ عَلى بَعْضِ الأرْضِ مَعَ فَتْحِها فَذَلِكَ لا يُنافِي قُوَّةَ الفاتِحِينَ كَما صالَحَ أُمَراءُ أبِي بَكْرٍ نِصْفَ أهْلِ دِمَشْقَ وكَما صالَحَ أُمَراءُ عُمَرَ أهْلَ سَوادِ العِراقِ وكانُوا أعْلَمَ بِما فِيهِ صَلاحُهم. صفحة ١٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ إلى السَّلْمِ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ بِكَسْرِ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ عَطْفُ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعْدِ. والأعْلَوْنَ: مُبالَغَةٌ في العُلُوِّ. وهو هُنا بِمَعْنى الغَلَبَةِ والنَّصْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُوسى ﴿إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ [طه: ٦٨]، أيْ واللَّهُ جاعِلُكم غالِبِينَ. ”واللَّهُ مَعَكم“ عَطْفٌ عَلى الوَعْدِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ الرِّعايَةِ والكَلاءَةِ، أيْ واللَّهُ حافِظُكم وراعِيكم فَلا يَجْعَلُ لِلْكافِرِينَ عَلَيْكم سَبِيلًا. والمَعْنى: وأنْتُمُ الغالِبُونَ بِعِنايَةِ اللَّهِ ونَصْرِهِ. وصِيغَ كُلٌّ مِن جُمْلَتَيْ ﴿أنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الغَلَبِ لَهم، وثَباتِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ وعْدٌ بِتَسْدِيدِ الأعْمالِ ونَجاحِها عَكْسُ قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١] فَكُنِّيَ عَنْ تَوْفِيقِ الأعْمالِ ونَجاحِها بِعَدَمِ وتْرِها، أيْ نَقْصِها لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ إذا كانَ لا يَنْقُصُها فَبِالحَرِيِّ أنْ لا يُبْطِلَها، أيْ لا يُخَيِّبُها، وهو ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهم سَيَهْدِيهِمْ ويَصْلُحُ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] . يُقالُ: وتَرَهُ يَتِرَهُ وتْرًا وتِرَةً كَوَعَدَ، إذا نَقَصَهُ، وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ «مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ» . ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ مِنهُ صَرِيحُهُ، أيْ يَنْقُصَكم ثَوابَكم عَلى أعْمالِكم، أيِ الجِهادِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ فَيُفِيدُ التَّحْرِيضَ عَلى الجِهادِ بِالوَعْدِ بِأجْرِهِ كامِلًا.

محمد 47:36

﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] الآيَةَ، وافْتِتاحُها بِـ (إنَّ) مُغْنٍ عَنِ افْتِتاحِها بِفاءِ التَّسَبُّبِ عَلى ما بَيَّنَهُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، ولَيْسَ اتِّصالُ صفحة ١٣٣ (إنَّ) بِـ (ما) الزّائِدَةِ الكافَّةِ بِمُغَيِّرٍ مَوْقِعَها بِدُونِ (ما) لِأنَّ اتِّصالَها بِها زادَها مَعْنى الحَصْرِ. والمُرادُ بِـ ”الحَياةِ“ أحْوالُ مُدَّةِ الحَياةِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافَيْنِ. واللَّعِبُ: الفِعْلُ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ فاعِلُهُ الهَزْلَ دُونَ اجْتِناءِ فائِدَةٍ كَأفْعالِ الصِّبْيانِ في مَرَحِهِمْ. واللَّهْوُ: العَمَلُ الَّذِي يُعْمَلُ لِصَرْفِ العَقْلِ عَنْ تَعَبِ الجِدِّ في الأُمُورِ فَيَلْهُو عَنْ ما يَهْتَمُّ لَهُ ويُكِدُّ عَقْلَهُ. والإخْبارُ عَنِ الحَياةِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شُبِّهَتْ أحْوالُ الحَياةِ الدُّنْيا بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ في عَدَمَ تُرَتُّبِ الفائِدَةِ عَلَيْها لِأنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ، والآخِرَةُ هي دارُ القَرارِ. وهَذا تَحْذِيرٌ مِن أنْ يَحْمِلَهم حُبُّ لَذائِذِ العَيْشِ عَلى الزَّهادَةِ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ ويَتْلُو إلى مُسالَمَتِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُغْرِي العَدُوَّ بِهِمْ. وحُبُّ الفَتى طُولَ الحَياةِ يُذِلُّهُ وإنْ كانَ فِيهِ نَخْوَةٌ وعِـزامُ

محمد 47:37

﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكم ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ الأشْبَهُ أنَّ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] تَذْكِيرًا بِأنَّ امْتِثالَ هَذا النَّهْيِ هو التَّقْوى المَحْمُودَةُ، ولِأنَّ الدُّعاءَ إلى السَّلْمِ قَدْ يَكُونُ الباعِثُ عَلَيْهِ حُبَّ إبْقاءِ المالِ الَّذِي يُنْفَقُ في الغَزْوِ، فَذُكِّرُوا هُنا بِالإيمانِ والتَّقْوى؛ لِيَخْلَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمُ الوَهَنَ لِأنَّهم نُهُوا عَنْهُ وعَنِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ فَكانَ الكَفُّ عَنْ ذَلِكَ مِنَ التَّقْوى، وعُطِفَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ لا يَسْألُهم أمْوالَهم إلّا لِفائِدَتِهِمْ وإصْلاحِ أُمُورِهِمْ، ولِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ”عَنْ نَفْسِهِ“، عَلى أنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَعْلِيلُ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] مُشِيرًا إلى أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا إذا عُمِّرَتْ بِالإيمانِ والتَّقْوى كانَتْ سَبَبًا في الخَيْرِ الدّائِمِ. صفحة ١٣٤ والأُجُورُ هُنا: أُجُورُ الآخِرَةِ وهي ثَوابُ الإيمانِ والتَّقْوى. فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ”فَلا تَهِنُوا“ الآيَةَ. والمَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ ”وتَتَّقُوا“ وأمّا ذِكْرُ ”تُؤْمِنُوا“ فَلِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الإيمانِ. ووُقُوعُ ”تُؤْمِنُوا“ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِ إيمانِهِمْ حاصِلًا يُعَيِّنُ صَرْفَ مَعْنى التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فِيهِ إلى إرادَةِ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ إذْ لا تَتَقَوَّمُ حَقِيقَةُ التَّقْوى إلّا مَعَ سَبْقِ الإيمانِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] الآيَةَ. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] إدْماجٌ، وأنَّ المَقْصُودَ مِن جَوابِ الشَّرْطِ هو جُمْلَةُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] . وعَطْفُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]، أيْ أنَّ اللَّهَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِالخَيْراتِ ولا يَحْتاجُ إلى أمْوالِكم، وكانَتْ هَذِهِ المُناسَباتُ أحْسَنَ رَوابِطَ لِنَظْمِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ المَواعِظِ لِأنَّ البُخْلَ بِالمالِ مِن بَواعِثِ الدُّعاءِ إلى السَّلْمِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ومَعْنى الآيَةِ: وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا بِاتِّباعِ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ يَرْضَ اللَّهُ مِنكم بِذَلِكَ ويَكْتَفِ بِهِ ولا يَسْألْكم زِيادَةً عَلَيْهِ مِن أمْوالِكم. فَيُعْلَمُ أنَّ ما يَعْنِيهِ النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ إنَّما هو بِقَدْرِ طاقَتِهِمْ. وهَذِهِ الآيَةُ في الإنْفاقِ نَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى لِجَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في شَأْنِ الخُرُوجِ إلى الجِهادِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . فَقَوْلُهُ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] يُفِيدُ بِعُمُومِهِ وسِياقِهِ مَعْنى لا يَسْألُكم جَمِيعَ أمْوالِكم، أيْ إنَّما يَسْألُكم ما لا يُجْحِفُ بِكم، فَإضافَةُ أمْوالٍ وهو جَمْعٌ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تُفِيدُ العُمُومَ، فالمَنفِيُّ سُؤالُ إنْفاقِ جَمِيعِ الأمْوالِ، فالكَلامُ مِن نَفْيِ العُمُومِ لا مِن عُمُومِ النَّفْيِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] الآيَةَ. صفحة ١٣٥ ويَجُوزُ أنْ يُفِيدَ أيْضًا مَعْنى: أنَّهُ لا يُطالِبُكم بِإعْطاءِ مالٍ لِذاتِهِ، فَإنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكم، وإنَّما يَأْمُرُكم بِإنْفاقِ المالِ لِصالِحِكم كَما قالَ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨] . وهَذا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٨] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [محمد: ٣٨] أيْ ما يَكُونُ طَلَبُ بَذْلِ المالِ إلّا لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ، وأيَّةُ مَصْلَحَةٍ أعْظَمُ مِن دَمْغِها العَدُوَّ عَنْ نَفْسِها لِئَلّا يُفْسِدَ فِيها ويَسْتَعْبِدَها. وأمّا تَفْسِيرُ سُؤالِ الأمْوالِ المَنفِيِّ بِطَلَبِ زَكاةِ الأمْوالِ فَصَرْفٌ لِلْآيَةِ عَنْ مَهْيَعِها فَإنَّ الزَّكاةَ مَفْرُوضَةٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّ الزَّكاةَ فُرِضَتْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ عَلى الأصَحِّ. وجُمْلَةُ ”إنْ يَسْألْكُمُوها“ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ سُؤالِهِ إيّاهم أمْوالَهم، أيْ لِأنَّهُ إنْ سَألَكم إعْطاءَ جَمِيعَ أمْوالِكم وقَدْ عَلِمَ أنَّ فِيكم مَن يَسْمَحُ بِالمالِ لا تَبْخَلُوا بِالبَذْلِ وتَجْعَلُوا تَكْلِيفَكم بِذَلِكَ سَبَبًا لِإظْهارِ ضِغْنَكم عَلى الَّذِينَ لا يُعْطُونَ فَيَكْثُرُ الِارْتِدادُ والنِّفاقُ وذَلِكَ يُخالِفُ مُرادَ اللَّهِ مِن تَزْكِيَةِ نُفُوسِ الدّاخِلِينَ في الإيمانِ. وهَذا مُراعاةٌ لِحالِ كَثِيرٍ يَوْمَئِذٍ بِالمَدِينَةِ كانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ وكانُوا قَدْ بَذَلُوا مِن أمْوالِهِمْ لِلْمُهاجِرِينَ فَيَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لَمْ يَسْألْهم زِيادَةً عَلى ذَلِكَ، وكانَ بَيْنَهم كَثِيرٌ مِن أهْلِ النِّفاقِ يَتَرَصَّدُونَ الفُرَصَ لِفِتْنَتِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧] . وهَذا يُشِيرُ إلَيْهِ عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ﴾ أيْ تَحْدُثُ فِيكم أضْغانٌ فَيَكُونُ سُؤالُهُ أمْوالَكم سَبَبًا في ظُهُورِها فَكَأنَّهُ أظْهَرَها. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في سَدِّ ذَرِيعَةِ الفَسادِ. والإحْفاءُ: الإكْثارُ وبُلُوغُ النِّهايَةِ في الفِعْلِ، يُقالُ: أحْفاهُ في المَسْألَةِ إذا لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الإلْحاحِ. وعَنْعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ: الإحْفاءُ أنْ تَأْخُذَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدَيْكَ، وهو تَفْسِيرٌ غَرِيبٌ. وعُبِّرَ بِهِ هُنا عَنِ الجَزْمِ في الطَّلَبِ وهو الإيجابُ، أيْ فَيُوجِبُ عَلَيْكم بَذْلَ المالِ ويَجْعَلُ عَلى مَنعِهِ عُقُوبَةً. والبُخْلُ: مَنعُ بَذْلِ المالِ. صفحة ١٣٦ والضِّغْنُ: العَداوَةُ، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩] . والمَعْنى: يَمْنَعُوا المالَ ويُظْهِرُوا العِصْيانَ والكَراهِيَةَ، فَلُطْفُ اللَّهِ بِالكَثِيرِ مِنهُمُ اقْتَضى أنْ لا يَسْألَهم مالًا عَلى وجْهِ الإلْزامِ ثُمَّ زالَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمّا تَمَكَّنَ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ فَأوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الإنْفاقَ في الجِهادِ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”ويُخْرِجْ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ إلى البُخْلِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ”تَبْخَلُوا“ أيْ مِن قَبِيلِ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُخْرِجْ“ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِنُونٍ في أوَّلِهِ.

محمد 47:38

﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ كَلامُ المُفَسِّرِينَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] إلى قَوْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ يُعْرِبُ عَنْ حَيْرَةٍ في مُرادِ اللَّهِ بِهَذا الكَلامِ. وقَدْ فَسَّرْناهُ آنِفًا بِما يَشْفِي وبَقِيَ عَلَيْنا قَوْلُهُ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا﴾ إلَخْ كَيْفَ مَوْقِعُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] فَإنَّ الدَّعْوَةَ لِلْإنْفاقِ عَيْنُ سُؤالِ الأمْوالِ فَكَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ ما هُنا وبَيْنَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ لِتَدْفَعُوا أعْداءَكم عَنْكم ولَيْسَ ذَلِكَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ اللَّهُ كَما قالَ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ . ونَظْمُ الكَلامِ يَقْتَضِي: أنَّ هَذِهِ دَعْوَةٌ لِلْإنْفاقِ في الحالِ ولَيْسَ إعْلامًا لَهم بِأنَّهم سَيُدْعَوْنَ لِلْإنْفاقِ فَهو طَلَبٌ حاصِلٌ. ويُحْمَلُ ”تُدْعَوْنَ“ عَلى مَعْنى تُؤْمَرُونَ أيْ أمْرُ إيجابٍ. ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ ”تُدْعَوْنَ“ عَلى دَعْوَةِ التَّرْغِيبِ، فَتَكُونُ الآيَةُ تَمْهِيدًا لِلْآياتِ المُقْتَضِيَةِ إيجابَ الإنْفاقِ في المُسْتَقْبَلِ مِثْلَ آيَةِ ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] ونَحْوِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إعْلامًا بِأنَّهم سَيُدْعَوْنَ إلى الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ فِيما بَعْدَ هَذا الوَقْتِ فَيَكُونُ المُضارِعُ مُسْتَعْمَلًا في زَمَنِ الِاسْتِقْبالِ، والمُضارِعُ يَحْتَمِلُهُ في أصْلِ وضْعِهِ. صفحة ١٣٧ وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَوْلُهُ ﴿فَمِنكم مَن يَبْخَلُ ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إمّا مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ أوْ مَساقَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ في الشُّحِّ بِبَذْلِ المالِ في الجِهادِ الَّذِي هو مَحَلُّ السِّياقِ؛ لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَبْخَلُ بُخْلًا لَيْسَ عائِدًا بُخْلُهُ عَنْ نَفْسِهِ. ومَعْنى قَوْلِهِ ﴿فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ إذْ يَتَمَكَّنُ عَدُّوهُ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَيْهِ فَعادَ بُخْلُهُ بِالضُّرِّ عَلَيْهِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ بِحِرْمانِها مِن ثَوابِ الإنْفاقِ. والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ قَلْبٍ بِاعْتِبارِ لازِمِ بُخْلِهِ لِأنَّ الباخِلَ اعْتَقَدَ أنَّهُ مَنَعَ مَن دَعاهُ إلى الإنْفاقِ، ولَكِنَّ لازِمَ بُخْلِهِ عادَ عَلَيْهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن مَنافِعِ ذَلِكَ الإنْفاقِ، فالقَصْرُ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُرَكَّبٌ. وفِعْلُ (بَخِلَ) يَتَعَدّى بِـ (عَنْ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإمْساكِ ويَتَعَدّى بِـ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّضْيِيقِ عَلى المَبْخُولِ عَلَيْهِ. وقَدْ عُدِّيَ هُنا بِحَرْفِ (عَنْ) . وها أنْتُمْ هَؤُلاءِ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَةِ (ها) تَنْبِيهٌ في ابْتِداءِ الجُمْلَةِ، ومِن ضَمِيرِ الخِطابِ ثُمَّ مِن (ها) التَّنْبِيهِ الدّاخِلَةِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ المُفِيدَةِ تَأْكِيدَ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ١٠٩] في سُورَةِ النِّساءِ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ في مِثْلِهِ مُجَرَّدًا عَنْ (ها) اكْتِفاءً بِـ هاءِ التَّنْبِيهِ الَّتِي في أوَّلِ التَّرْكِيبِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ ”تُدْعَوْنَ“ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، ومَجْمُوعُ ذَلِكَ يُفِيدُ حُصُولَ مَدْلُولِ جُمْلَةِ الحالِ لِصاحِبِها حُصُولًا واضِحًا. وزَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ أنَّ عَدَمَ ذِكْرَ اسْمِ الإشارَةِ بَعْدَ ها أنا ونَحْوِهِ لَحْنٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ دُخُولُ (ها) التَّنْبِيهِ عَلى اسْمٍ غَيْرِ اسْمِ الإشارَةِ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ مُغْنِي اللَّبِيبِ، بِناءً عَلى أنَّ (ها) التَّنْبِيهِ المَذْكُورَةَ في أوَّلِ الكَلامِ هي الَّتِي تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الإشارَةِ في نَحْوِ: هَذا وهَؤُلاءِ، وأنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَها فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ اسْمِ الإشارَةِ. ولَكِنْ قَدْ وقَعَ ذَلِكَ في كَلامِ صاحِبِ المُغْنِي في دِيباجَةِ كِتابِهِ إذْ قالَ: وها أنا بائِحٌ بِما أسْرَرْتُهُ، وفي مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ مِنهُ نَبَّهَ عَلَيْهِما بَدْرُ صفحة ١٣٨ الدِّينِ الدَّمامِينِيُّ في شَرْحِهِ ”المَزْجِ عَلى المُغْنِي“، وذَكَرَ في شَرْحِهِ الَّذِي بِالقَوْلِ المُشْتَهِرِ بِـ ”الحَواشِي الهِنْدِيَّةِ“ أنَّ تَمْثِيلَ الزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ بِقَوْلِهِ لَها إنَّ زَيْدًا مُنْطَلَقٌ يَقْتَضِي جَوازَ: ها أنا أفْعَلُ، لَكِنَّ الرَّضِيَّ قالَ: لَمْ أعْثُرْ بِشاهِدٍ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ تَذْيِيلٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَها فاللَّهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ، والغَنِيُّ المُطْلَقُ لا يَسْألُ النّاسَ مالًا في شَيْءٍ، والمُخاطَبُونَ فُقَراءُ فَلا يُطْمَعُ مِنهُمُ البَذْلُ فَتَعَيَّنَ أنَّ دُعاءَهم لِيُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ دُعاءٌ بِصَرْفِ أمْوالِهِمْ في مَنافِعِهِمْ كَما أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ومَن يَبْخَلْ فَإنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ . والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في الغَنِيِّ وفي الفُقَراءِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو فِيهِما مُؤْذِنٌ بِكَمالِ الجِنْسِ في المُخْبَرِ عَنْهُ، ولَمّا وقَعا خَبَرِينِ وهُما مَعْرِفَتانِ أفادا الحَصْرَ، أيْ قَصْرُ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيْ قَصْرُ جِنْسِ الغَنِيِّ عَلى اللَّهِ وقَصْرُ جِنْسِ الفُقَراءِ عَلى المُخاطِبِينَ بِـ ”أنْتُمْ“ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ فِيهِما مُرَتَّبٌ عَلى دَلالَةِ (ألْ) عَلى مَعْنى كَمالِ الجِنْسِ، فَإنَّ كَمالَ الغِنى لِلَّهِ لا مَحالَةَ لِعُمُومِهِ ودَوامِهِ، وإنْ كانَ يُثْبِتُ بَعْضَ جِنْسِ الغِنى لِغَيْرِهِ. وأمّا كَمالُ الفَقْرِ لِلنّاسِ فَبِالنِّسْبَةِ إلى غِنى اللَّهِ - تَعالى - وإنْ كانُوا قَدْ يُغْنَوْنَ في بَعْضِ الأحْوالِ لَكِنَّ ذَلِكَ غِنًى قَلِيلٌ وغَيْرُ دائِمٍ. * * * ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦] . والتَّوَلِّي: الرُّجُوعُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِاسْتِبْدالِ الإيمانِ بِالكُفْرِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ جَزاؤُهُ اسْتِبْدالَ قَوْمٍ غَيْرِهِمْ كَما اسْتَبْدَلُوا دِينَ اللَّهِ بِدِينِ الشِّرْكِ. والِاسْتِبْدالُ: التَّبْدِيلُ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ومَفْعُولُهُ قَوْمًا. والمُسْتَبْدَلُ بِهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلى تَقْدِيرِهِ قَوْلُهُ ”غَيْرَكم“، فَعُلِمَ أنَّ المُسْتَبْدَلَ بِهِ هو ما أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرُ لِتَعَيُّنِ انْحِصارِ الِاسْتِبْدالِ في شَيْئَيْنِ، فَإذا ذُكِرَ أحَدَهُما عُلِمَ الآخَرُ. والتَّقْدِيرُ: يَسْتَبْدِلُ قَوْمًا بِكم لِأنَّ المُسْتَعْمَلَ في فِعْلِ الِاسْتِبْدالِ والتَّبْدِيلِ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ هو المُعَوِّضُ ومَجْرُورُ الباءِ هو العِوَضُ كَقَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] صفحة ١٣٩ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنْ كانَ كِلا المُتَعَلِّقَيْنِ هو في المَعْنى مُعَوَّضٌ وعِوَضٌ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ، ولِذَلِكَ عُدِلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ ذِكْرِ المَجْرُورِ بِالباءِ مَعَ المَفْعُولِ لِلْإيجازِ. والمَعْنى: يَتَّخِذُ قَوْمًا غَيْرِكم لِلْإيمانِ والتَّقْوى، وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ لا يُوجِدُ قَوْمًا آخَرِينَ إلّا عِنْدَ ارْتِدادِ المُخاطَبِينَ، بَلِ المُرادُ: أنَّكم إنِ ارْتَدَدْتُمْ عَنِ الدِّينِ كانَ لِلَّهِ قَوْمٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يَرْتَدُّونَ وكانَ لِلَّهِ قَوْمٌ يَدْخُلُونَ في الإيمانِ ولا يَرْتَدُّونَ. رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ . قالُوا: ومَن يُسْتَبْدَلُ بِنا ؟ قالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مَنكِبِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ ثُمَّ قالَ: هَذا وقَوْمُهُ، هَذا وقَوْمُهُ» قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وفي إسْنادِهِ مَقالٌ. ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ هَذا الحَدِيثَ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ وزادَ فِيهِ «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كانَ الإيمانُ مَنُوطًا بِالثُّرَيّا لَتَناوَلَهُ رِجالٌ مِن فارِسَ» . وأقُولُ هو يَدُلُّ عَلى أنَّ فارِسَ إذا آمَنُوا لا يَرْتَدُّونَ وهو مِن دَلائِلِ نُبُوَّةِ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ العَرَبَ ارْتَدَّ مِنهم بَعْضُ القَبائِلِ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ وارْتَدَّ البَرْبَرُ بَعْدَ فَتْحِ بِلادِهِمْ وإيمانِهِمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً فِيما حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنِ أبِي زَيْدٍ، ولَمْ يَرْتَدَّ أهْلُ فارِسَ بَعْدَ إيمانِهِمْ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِصِفَةِ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ وعُلَوِّها عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ، أيْ ولا يَكُونُوا أمْثالَكم في التَّوَلِّي. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ بِـ (ثُمَّ) عَلى جُمْلَةِ ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ فَهي في حَيِّزِ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْطُوفُ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ التَّشْرِيكِ يَجُوزُ جَزْمُهُ عَلى العَطْفِ، ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الجَزْمِ وجاءَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] عَلى الرَّفْعِ. وأبْدى الفَخْرُ وجْهًا لِإيثارِ الجَزْمِ هُنا وإيثارِ الِاسْتِئْنافِ هُنالِكَ فَقالَ: وهو مَعَ الجَوازِ فِيهِ تَدْقِيقٌ وهو أنَّ هاهُنا لا يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّوَلِّي لِأنَّهم إنْ لَمْ يَتَوَلَّوْا يَكُونُونَ مِمَّنْ يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ عَلى الطّاعَةِ، وإنْ تَوَلَّوْا لا يَكُونُونَ مِثْلَهم لِكَوْنِهِمْ عاصِينَ وكَوْنِ مَن يَأْتِي اللَّهُ بِهِمْ صفحة ١٤٠ مُطِيعِينَ، وأمّا هُنالِكَ فَسَواءٌ قاتَلُوا أوْ لَمْ يُقاتِلُوا لا يَنْصُرُونَ فَلَمْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيقِ أيْ بِالشَّرْطِ هُنالِكَ وجْهٌ فَرُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهاهُنا جُزِمَ لِلتَّعْلِيقِ ا هـ. وهو دَقِيقٌ ويُزادُ أنَّ الفِعْلَ المَعْطُوفَ عَلى الجَزاءِ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ وقَعَ في آخِرِ الفاصِلَةِ الَّتِي جَرَتْ أخَواتُها عَلى حَرْفِ الواوِ والنُّونِ فَلَوْ أُوثِرَ جَزْمُ الفِعْلِ لَأُزِيلَتِ النُّونُ فاخْتَلَّتِ الفاصِلَةُ. * * * صفحة ١٤١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الفَتْحِ سُورَةُ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] سُمِّيَتْ في كَلامِ الصَّحابَةِ (سُورَةَ الفَتْحِ) . ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وفاءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ قالَ: «قَرَأ النَّبِيءُ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ (سُورَةَ الفَتْحِ) فَرَجَعَ فِيها» . وفِيها حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ لَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ولَوْ تَرى قِتالًا لَقاتَلْنا. ثُمَّ حَكى مَقالَةَ عُمَرَ إلى أنْ قالَ فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ آخَرٌ. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّها تَضَمَّنَتْ حِكايَةَ فَتْحِ مُتَّجَهِ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ كَما سَيَأْتِي. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ عَلى المُصْطَلَحِ المَشْهُورِ في أنَّ المَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ ولَوْ كانَ نُزُولُهُ في مَكانٍ غَيْرِ المَدِينَةِ مَن أرْضِها أوْ مِن غَيْرِها. وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ كُراعَ الغَمِيمِ بِضَمِّ الكافِ مَن كُراعٍ وبِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وكَسْرِ المِيمِ مِنَ الغَمِيمِ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وهو وادٍ عَلى مَرْحَلَتَيْنِ مِن مَكَّةَ وعَلى ثَلاثَةِ أمْيالٍ مِن عُسْفانَ وهو مِن أرْضِ مَكَّةَ. وقِيلَ نَزَلَتْ بِضَجْنانَ بِوَزْنِ سَكْرانَ وهو جَبَلٌ قُرْبَ مَكَّةَ ونَزَلَتْ لَيْلًا فَهي مِنَ القُرْآنِ اللَّيْلِيِّ. ونُزُولُها سَنَةَ سِتٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ مُنْصَرَفَ النَّبِيءِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ وقَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ. وفي المُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسِيرُ في بَعْضِ أسْفارِهِ أيْ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَسِيرُ مَعَهُ فَسَألَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَألَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَألَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقالَ: عُمَرُ ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مَرّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لا يُجِيبُكَ. قالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي وتَقَدَّمَتُ أمامَ النّاسِ وخَشِيتُ أنْ يَنْزِلَ فِيَّ القُرْآنُ فَما نَشِبْتُ أنْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُخُ بِي، فَقُلْتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ صفحة ١٤٢ اللَّهِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح»: ١] . ومَعْنى قَوْلِهِ لَهي أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ «أُنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] إلى قَوْلِهِ فَوْزًا عَظِيمًا مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عَلى وجْهِ الأرْضِ ثُمَّ قَرَأها» . وهِيَ السُّورَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ المِائَةِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ في قَوْلِ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الصَّفِّ وقَبْلَ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وعِدَّةُ آيِها تِسْعٌ وعِشْرُونَ. وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ الواحِدِيُّ وابْنُ إسْحاقَ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ومَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ قالا: «نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ في شَأْنِ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَ نُسُكِنا فَنَحْنُ بَيْنَ الحُزْنِ والكَآبَةِ أنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» وفي رِوايَةٍ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها. * * * أغْراضُها تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ عاقِبَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّهُ نَصْرٌ وفَتْحٌ فَنَزَلَتْ بِهِ السَّكِينَةُ في قُلُوبِ المُسْلِمِينَ وأزالَ حُزْنَهم مِن صَدِّهِمْ عَنِ الِاعْتِمارِ بِالبَيْتِ وكانَ المُسْلِمُونَ عِدَّةً لا تُغْلَبُ مِن قِلَّةٍ فَرَأوْا أنَّهم عادُوا كالخائِبِينَ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ العاقِبَةَ لَهم، وأنَّ دائِرَةَ السَّوْءِ عَلى المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ. والتَّنْوِيهَ بِكَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ ووَعْدَهُ بِنَصْرٍ مُتَعاقِبٍ. والثَّناءَ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَزَّرُوهُ وبايَعُوهُ، وأنَّ اللَّهَ قَدَّمَ مَثَلَهم في التَّوْراةِ وفي الإنْجِيلِ. صفحة ١٤٣ ثُمَّ ذِكْرَ بَيْعَةِ الحُدَيْبِيَةِ والتَّنْوِيهَ بِشَأْنِ مَن حَضَرَها. وفَضْحَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْها مِنَ الأعْرابِ ولَمْزَهم بِالجُبْنِ والطَّمَعِ وسُوءِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبِالكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَنعَهم مِنَ المُشارَكَةِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وإنْباءَهم بِأنَّهم سَيُدْعَوْنَ إلى جِهادٍ آخَرَ فَإنِ اسْتَجابُوا غُفِرَ لَهم تَخَلُّفَهم عَنِ الحُدَيْبِيَةِ. ووَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ بِفَتْحٍ آخَرَ يَعْقُبُهُ فَتْحٌ أعْظَمُ مِنهُ وبِفَتْحِ مَكَّةَ. وفِيها ذِكْرٌ بِفَتْحٍ مِن خَيْبَرَ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ [الفتح: ٢٠] .

الفتح 48:1

﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) ناشِئٌ عَلى ما أُحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكَآبَةِ عَلى أنْ أُجِيبَ المُشْرِكُونَ إلى سُؤالِهِمُ الهُدْنَةَ كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فالتَّأْكِيدُ مَصْرُوفٌ لِلسّامِعِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وأمّا النَّبِيءُ ﷺ فَقَدْ كانَ واثِقًا بِذَلِكَ، وسَيَأْتِي تَبْيِينُ هَذا التَّأْكِيدِ قَرِيبًا. والفَتْحُ: إزالَةُ غَلْقِ البابِ أوِ الخِزانَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ويُطْلَقُ عَلى النَّصْرِ وعَلى دُخُولِ الغازِي بِلادَ عَدُوِّهِ لِأنَّ أرْضَ كُلِّ قَوْمٍ وبِلادَهم مُواقَعٌ عَنْها فاقْتِحامُ الغازِي إيّاها بَعْدَ الحَرْبِ يُشْبِهُ إزالَةَ الغَلْقِ عَنِ البَيْتِ أوِ الخِزانَةِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى النَّصْرِ المُقْتَرِنِ بِدُخُولِ أرْضِ المَغْلُوبِ أوْ بَلَدِهِ ولَمْ يُطْلَقْ عَلى انْتِصارٍ كانَتْ نِهايَتَهُ غَنِيمَةٌ وأسْرٌ دُونَ اقْتِحامِ أرْضٍ فَيُقالُ: فَتْحُ خَيْبَرَ وفَتْحُ مَكَّةَ ولا يُقالُ: فَتْحُ بَدْرٍ. وفَتْحُ أُحُدٍ. فَمَن أطْلَقَ الفَتْحَ عَلى مُطْلَقِ النَّصْرِ فَقَدْ تَسامَحَ، وكَيْفَ وقَدْ عُطِفَ النَّصْرُ عَلى الفَتْحِ في قَوْلِهِ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] في سُورَةِ الصَّفِّ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم عَلى عَدِّ النَّصْرِ مِن مَعانِي مادَّةِ الفَتْحِ أنَّ فَتْحَ البِلادِ هو أعْظَمُ النَّصْرِ لِأنَّ النَّصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالغَلَبَةِ وبِالغَنِيمَةِ فَإذا كانَ مَعَ اقْتِحامِ أرْضِ العَدُوِّ صفحة ١٤٤ فَذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ انْهِزامِ العَدُوِّ أشْنَعَ هَزِيمَةٍ وعَجْزِهِ عَنِ الدِّفاعِ عَنْ أرْضِهِ. وأُطْلِقَ الفَتْحُ عَلى الحُكْمِ قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] الآيَةَ سُورَةِ الم السَّجْدَةِ. ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالفَتْحِ هَنا فَتْحُ مَكَّةَ وأنَّ مَحْمَلَهُ عَلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ. والمَعْنى: سَنَفْتَحُ. وإنَّما جِيءَ في الأخْبارِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ وتَيَقُّنِهِ، شُبِّهَ الزَّمَنُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمَنِ الماضِي فاسْتُعْمِلَتْ لَهُ الصِّيغَةُ المَوْضُوعَةُ لِلْمُضِيِّ. أوْ نَقُولُ اسْتُعْمِلَ ”فَتَحْنا“ بِمَعْنى: قَدَّرْنا لَكَ الفَتْحَ، ويَكُونُ هَذا الِاسْتِعْمالُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ مِن لَهُ التَّصَرُّفُ في الأشْياءِ لا يَحْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها مانِعٌ. وقَدْ جَرى عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبِرِ مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . وما يَنْدَرِجُ في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ فَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّهم أيْقَنُوا بِوُقُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ بِهَذا الوَعْدِ، وعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّكم تَحْمِلُونَ الفَتْحَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ عَلى فَتْحِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وإنْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ هو الغالِبُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَتْحِ. ويُؤَيِّدُ هَذا المَحْمَلَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ»، وفي رِوايَةٍ دَخَلَ مَكَّةَ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ. عَلى أنَّ قَرائِنَ كَثِيرَةً تُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفَتْحِ: أُولاها أنَّهُ جَعَلَهُ مُبِينًا. الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ عِلَّتَهُ النَّصْرَ العَزِيزَ ”الثّانِيَةَ“، ولا يَكُونُ الشَّيْءُ عِلَّةً لِنَفْسِهِ. صفحة ١٤٥ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿وأثابَهم فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١٨] . الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] . الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ في سُورَةِ الفَتْحِ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا إطْلاقَ اسْمِ الفَتْحِ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ آلَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، أوْ كانَ سَبَبًا فِيهِما «فَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَقَدْ كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ أعْظَمَ الفُتُوحِ ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ إلَيْها في ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ فَلَمّا وقَعَ صُلْحٌ مَشى النّاسُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، أيْ تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَدَخَلَ بَعْضُهم أرْضَ بَعْضٍ مِن أجْلِ الأمْنِ بَيْنَهم، وعَلِمُوا وسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَما أرادَ أحَدٌ الإسْلامَ إلّا تَمَكَّنَ مِنهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتانِ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاءُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ» اهـ، وفي رِوايَةٍ فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ أمِنَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا فالتَقَوْا وتَفاوَضُوا الحَدِيثَ والمُناظَرَةَ فَلَمْ يُكَلَّمْ أحَدٌ يَعْقِلُ بِالإسْلامِ إلّا دَخَلَ فِيهِ. وعَلى هَذا فالمَجازُ في إطْلاقِ مادَّةِ الفَتْحِ عَلى سَبَبِهِ ومَآلِهِ لا في صُورَةِ الفِعْلِ، أيِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ المَجازِيِّ قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَيَكُونُ اسْمُ الفَتْحِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وصِيغَةُ الماضِي اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنَيَيْها فَيَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في إيثارِ هَذا التَّرْكِيبِ. وقِيلَ: هو فَتْحُ خَيْبَرَ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . وعَلى هَذِهِ المَحامِلِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ لِما في حُصُولِ ذَلِكَ مِن تَرَدُّدِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ تَساؤُلِهِمْ، فَـ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَفَتْحٌ» . ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ ما هَذا بِفَتْحٍ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويُرَغِّبُونَ إلَيْكُمُ الأمانَ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا ولَقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ صفحة ١٤٦ مَأْجُورِينَ، فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكم، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وهو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ، ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا» . وحُذِفَ مَفْعُولُ فَتَحْنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإعْلامُ بِجِنْسِ الفَتْحِ لا بِالمَفْتُوحِ الخاصِّ. واللّامُ في قَوْلِهِ فَتَحْنا لَكَ لامُ العِلَّةِ، أيْ فَتَحْنا لِأجْلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ قَبْلَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ خِلافًا لِلْأصْلِ في تَرْتِيبِ مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ لَكَ. والتَّقْدِيرُ: إنّا فَتَحْنا فَتْحًا مُبِينًا لِأجْلِكَ لِغُفْرانِ اللَّهِ لَكَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وهِدايَتِكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ونَصْرِكَ نَصْرًا عَزِيزًا. وجُعِلَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ عِلَّةً لِلْفَتْحِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ بِسَبَبِ الفَتْحِ، ولَيْسَتْ لامُ التَّعْلِيلِ مُقْتَضِيَةً حَصْرَ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ تَكُونُ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ فَيُذْكَرُ بَعْضُها مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإذْ قَدْ كانَ الفَتْحُ لِكَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى رَبِّهِ - تَعالى - كانَ مِن عِلَّتِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَغْفِرَةً عامَّةً إتْمامًا لِلْكَرامَةِ فَهَذِهِ مَغْفِرَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ هي غَيْرُ المَغْفِرَةِ الحاصِلَةِ لِلْمُجاهِدِينَ بِسَبَبِ الجِهادِ والفَتْحِ. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الفَتْحِ غُفْرانَ جَمِيعِ ما قَدْ يُؤاخِذُ اللَّهُ عَلى مَثْلِهِ رُسُلَهُ حَتّى لا يَبْقى لِرَسُولِهِ ﷺ ما يَقْصُرُ بِهِ عَنْ بُلُوغِ نِهايَةِ الفَضْلِ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ. فَجَعَلَ هَذِهِ المَغْفِرَةَ جَزاءً لَهُ عَلى إتْمامِ أعْمالِهِ الَّتِي أُرْسِلَ لِأجْلِها مِنَ التَّبْلِيغِ والجِهادِ والنَصَبِ والرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ. فَلَمّا كانَ الفَتْحُ حاصِلًا بِسَعْيِهِ وتَسَبُّبِهِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ بِعِظَمِ أثَرِ ذَلِكَ الفَتْحِ بِإزاحَةِ الشِّرْكِ وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ صفحة ١٤٧ النُّفُوسِ وتَزْكِيَتِها بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ حَتّى يَنْتَشِرَ الخَيْرُ بِانْتِشارِ الدِّينِ ويَصِيرُ الصَّلاحُ خُلُقًا لِلنّاسِ يَقْتَدِي فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وكُلُّ هَذا إنَّما يُناسِبُ فَتْحَ مَكَّةَ. وهَذا هو ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١] أيْ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ غُفِرَ لَكَ أعْظَمَ مَغْفِرَةٍ وهي المَغْفِرَةُ الَّتِي تَلِيقُ بِأعْظَمِ مَن تابَ عَلى تائِبٍ، ولَيْسَتْ إلّا مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سابِقِها وما عَسى أنْ يَأْتِيَ مِنها مِمّا يَعُدُّهُ النَّبِيءُ ﷺ ذَنْبًا لِشِدَّةِ الخَشْيَةِ مِن أقَلِّ التَّقْصِيرِ كَما يُقالُ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مَعْصُومًا مِن أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها بِما يُؤاخَذُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما المَعْنى التَّشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ، ولِهَذا المَعْنى اللَّطِيفِ الجَلِيلِ كانَتْ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مُؤْذِنَةً بِاقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما فَهِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . والتَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِنَ الأحْوالِ النِّسْبِيَّةِ لِلْمَوْجُوداتِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ الِاعْتِبارِيَّةِ يُقالُ: تَقَدَّمَ السّائِرُ في سَيْرِهِ عَلى الرَّكْبِ، ويُقالُ: نُزُولُ سُورَةِ كَذا عَلى سُورَةِ كَذا ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الِاحْتِياجُ إلى بَيانِ ما كانَ بَيْنَهُما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ بِذَكَرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ. وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ يُقْطَعُ النَّظَرُ عَلى اعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ فَيَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ الأفْعالِ غَيْرِ النِّسْبِيَّةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في المُتَعَلِّقاتِ وأكْثَرُ ذَلِكَ إذا جُمِعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ . والمُرادُ بِـ ”ما تَقَدَّمَ“: تَعْمِيمُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ أوْ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ ذَنْبٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ - تَعالى - رَفَعَ قَدْرَهُ رَفْعَةَ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ لَوْ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهُ وقَدْ مَضى شَيْءٌ مِن بَيانِ مَعْنى الذَّنْبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] في سُورَةِ القِتالِ. وإنَّما أُسْنِدَ فِعْلُ ”لِيَغْفِرَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُسْنَدَ إلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْفُذُ في السَّمْعِ وأجْلَبُ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ وبِمُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أُنُفٌ لَمْ يَكُنْ صفحة ١٤٨ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْرُزِ الفاعِلُ في ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ﴾ لِأنَّ إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وهِدايَتَهُ مَعْلُومَةٌ وإنَّما أخْبَرَ بِازْدِيادِهِما. وإتْمامُ النِّعْمَةِ: إعْطاءُ ما لَمْ يَكُنْ أعْطاهُ إيّاهُ مِن أنْواعِ النِّعْمَةِ مِثْلَ إسْلامِ قُرَيْشٍ وخَلاصِ بِلادِ الحِجازِ كُلِّها لِلدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، وخُضُوعِ مَن عانَدَهُ وحارَبَهُ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَذَلِكَ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ وحَصَلَ بَعْدَ سِنِينَ. ومَعْنى ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾: يَزِيدَكَ هَدْيًا لَمْ يُسْبَقْ وذَلِكَ بِالتَّوْسِيعِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ والتَّعْرِيفِ بِما لَمْ يَسْبِقْ تَعْرِيفُهُ بِهِ مِنها، فالهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ثابِتَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وقْتِ بِعْثَتِهِ ولَكِنَّها تَزْدادُ بِزِيادَةِ بَيانِ الشَّرِيعَةِ وبِسِعَةِ بِلادِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مِمّا يَدْعُو إلى سُلُوكِ طَرائِقَ كَثِيرَةٍ في إرْشادِهِمْ وسِياسَتِهِمْ وحِمايَةِ أوْطانِهِمْ ودَفْعِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ الهِدايَةُ مُتَجَمِّعَةٌ مِنَ الثَّباتِ عَلى ما سَبَقَ هَدْيَهُ إلَيْهِ، ومِنَ الهِدايَةِ إلى ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الحَقِّ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وتَنْوِينُ صِراطٍ لِلتَّعْظِيمِ. وانْتَصَبَ ”صِراطًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَهْدِي“ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإعْطاءِ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ. والنَّصْرُ العَزِيزُ: غَيْرُ نَصْرِ الفَتْحِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الفَتْحِ فَهو ما كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وما عَقِبَهُ مِن دُخُولِ قَبائِلِ العَرَبِ في الإسْلامِ بِدُونِ قِتالٍ، وبَعْثِهِمُ الوُفُودَ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَتَلَقَّوْا أحْكامَ الإسْلامِ ويَعْلَمُوا أقْوامَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ. ووُصْفُ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما العَزِيزُ هو النَّبِيءُ ﷺ المَنصُورُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَزِيزِ المُعِزِّ كالسَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ: أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ أيِ المُسْمِعِ، وكالحَكِيمِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. والعِزَّةُ: المَنَعَةُ. وإنَّما أُظْهِرَ اسْمُ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمِيرِ اهْتِمامًا صفحة ١٤٩ بِهَذا النَّصْرِ وتَشْرِيعًا لَهُ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِصَراحَةِ الظّاهِرِ، والصَّراحَةُ أدْعى إلى السَّمْعِ، والكَلامُ مَعَ الإظْهارِ أعْلَقُ بِالذِّهْنِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ .

الفتح 48:2

﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) ناشِئٌ عَلى ما أُحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكَآبَةِ عَلى أنْ أُجِيبَ المُشْرِكُونَ إلى سُؤالِهِمُ الهُدْنَةَ كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فالتَّأْكِيدُ مَصْرُوفٌ لِلسّامِعِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وأمّا النَّبِيءُ ﷺ فَقَدْ كانَ واثِقًا بِذَلِكَ، وسَيَأْتِي تَبْيِينُ هَذا التَّأْكِيدِ قَرِيبًا. والفَتْحُ: إزالَةُ غَلْقِ البابِ أوِ الخِزانَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ويُطْلَقُ عَلى النَّصْرِ وعَلى دُخُولِ الغازِي بِلادَ عَدُوِّهِ لِأنَّ أرْضَ كُلِّ قَوْمٍ وبِلادَهم مُواقَعٌ عَنْها فاقْتِحامُ الغازِي إيّاها بَعْدَ الحَرْبِ يُشْبِهُ إزالَةَ الغَلْقِ عَنِ البَيْتِ أوِ الخِزانَةِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى النَّصْرِ المُقْتَرِنِ بِدُخُولِ أرْضِ المَغْلُوبِ أوْ بَلَدِهِ ولَمْ يُطْلَقْ عَلى انْتِصارٍ كانَتْ نِهايَتَهُ غَنِيمَةٌ وأسْرٌ دُونَ اقْتِحامِ أرْضٍ فَيُقالُ: فَتْحُ خَيْبَرَ وفَتْحُ مَكَّةَ ولا يُقالُ: فَتْحُ بَدْرٍ. وفَتْحُ أُحُدٍ. فَمَن أطْلَقَ الفَتْحَ عَلى مُطْلَقِ النَّصْرِ فَقَدْ تَسامَحَ، وكَيْفَ وقَدْ عُطِفَ النَّصْرُ عَلى الفَتْحِ في قَوْلِهِ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] في سُورَةِ الصَّفِّ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم عَلى عَدِّ النَّصْرِ مِن مَعانِي مادَّةِ الفَتْحِ أنَّ فَتْحَ البِلادِ هو أعْظَمُ النَّصْرِ لِأنَّ النَّصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالغَلَبَةِ وبِالغَنِيمَةِ فَإذا كانَ مَعَ اقْتِحامِ أرْضِ العَدُوِّ صفحة ١٤٤ فَذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ انْهِزامِ العَدُوِّ أشْنَعَ هَزِيمَةٍ وعَجْزِهِ عَنِ الدِّفاعِ عَنْ أرْضِهِ. وأُطْلِقَ الفَتْحُ عَلى الحُكْمِ قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] الآيَةَ سُورَةِ الم السَّجْدَةِ. ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالفَتْحِ هَنا فَتْحُ مَكَّةَ وأنَّ مَحْمَلَهُ عَلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ. والمَعْنى: سَنَفْتَحُ. وإنَّما جِيءَ في الأخْبارِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ وتَيَقُّنِهِ، شُبِّهَ الزَّمَنُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمَنِ الماضِي فاسْتُعْمِلَتْ لَهُ الصِّيغَةُ المَوْضُوعَةُ لِلْمُضِيِّ. أوْ نَقُولُ اسْتُعْمِلَ ”فَتَحْنا“ بِمَعْنى: قَدَّرْنا لَكَ الفَتْحَ، ويَكُونُ هَذا الِاسْتِعْمالُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ مِن لَهُ التَّصَرُّفُ في الأشْياءِ لا يَحْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها مانِعٌ. وقَدْ جَرى عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبِرِ مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . وما يَنْدَرِجُ في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ فَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّهم أيْقَنُوا بِوُقُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ بِهَذا الوَعْدِ، وعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّكم تَحْمِلُونَ الفَتْحَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ عَلى فَتْحِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وإنْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ هو الغالِبُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَتْحِ. ويُؤَيِّدُ هَذا المَحْمَلَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ»، وفي رِوايَةٍ دَخَلَ مَكَّةَ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ. عَلى أنَّ قَرائِنَ كَثِيرَةً تُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفَتْحِ: أُولاها أنَّهُ جَعَلَهُ مُبِينًا. الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ عِلَّتَهُ النَّصْرَ العَزِيزَ ”الثّانِيَةَ“، ولا يَكُونُ الشَّيْءُ عِلَّةً لِنَفْسِهِ. صفحة ١٤٥ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿وأثابَهم فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١٨] . الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] . الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ في سُورَةِ الفَتْحِ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا إطْلاقَ اسْمِ الفَتْحِ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ آلَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، أوْ كانَ سَبَبًا فِيهِما «فَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَقَدْ كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ أعْظَمَ الفُتُوحِ ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ إلَيْها في ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ فَلَمّا وقَعَ صُلْحٌ مَشى النّاسُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، أيْ تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَدَخَلَ بَعْضُهم أرْضَ بَعْضٍ مِن أجْلِ الأمْنِ بَيْنَهم، وعَلِمُوا وسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَما أرادَ أحَدٌ الإسْلامَ إلّا تَمَكَّنَ مِنهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتانِ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاءُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ» اهـ، وفي رِوايَةٍ فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ أمِنَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا فالتَقَوْا وتَفاوَضُوا الحَدِيثَ والمُناظَرَةَ فَلَمْ يُكَلَّمْ أحَدٌ يَعْقِلُ بِالإسْلامِ إلّا دَخَلَ فِيهِ. وعَلى هَذا فالمَجازُ في إطْلاقِ مادَّةِ الفَتْحِ عَلى سَبَبِهِ ومَآلِهِ لا في صُورَةِ الفِعْلِ، أيِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ المَجازِيِّ قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَيَكُونُ اسْمُ الفَتْحِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وصِيغَةُ الماضِي اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنَيَيْها فَيَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في إيثارِ هَذا التَّرْكِيبِ. وقِيلَ: هو فَتْحُ خَيْبَرَ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . وعَلى هَذِهِ المَحامِلِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ لِما في حُصُولِ ذَلِكَ مِن تَرَدُّدِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ تَساؤُلِهِمْ، فَـ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَفَتْحٌ» . ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ ما هَذا بِفَتْحٍ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويُرَغِّبُونَ إلَيْكُمُ الأمانَ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا ولَقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ صفحة ١٤٦ مَأْجُورِينَ، فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكم، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وهو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ، ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا» . وحُذِفَ مَفْعُولُ فَتَحْنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإعْلامُ بِجِنْسِ الفَتْحِ لا بِالمَفْتُوحِ الخاصِّ. واللّامُ في قَوْلِهِ فَتَحْنا لَكَ لامُ العِلَّةِ، أيْ فَتَحْنا لِأجْلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ قَبْلَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ خِلافًا لِلْأصْلِ في تَرْتِيبِ مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ لَكَ. والتَّقْدِيرُ: إنّا فَتَحْنا فَتْحًا مُبِينًا لِأجْلِكَ لِغُفْرانِ اللَّهِ لَكَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وهِدايَتِكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ونَصْرِكَ نَصْرًا عَزِيزًا. وجُعِلَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ عِلَّةً لِلْفَتْحِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ بِسَبَبِ الفَتْحِ، ولَيْسَتْ لامُ التَّعْلِيلِ مُقْتَضِيَةً حَصْرَ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ تَكُونُ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ فَيُذْكَرُ بَعْضُها مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإذْ قَدْ كانَ الفَتْحُ لِكَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى رَبِّهِ - تَعالى - كانَ مِن عِلَّتِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَغْفِرَةً عامَّةً إتْمامًا لِلْكَرامَةِ فَهَذِهِ مَغْفِرَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ هي غَيْرُ المَغْفِرَةِ الحاصِلَةِ لِلْمُجاهِدِينَ بِسَبَبِ الجِهادِ والفَتْحِ. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الفَتْحِ غُفْرانَ جَمِيعِ ما قَدْ يُؤاخِذُ اللَّهُ عَلى مَثْلِهِ رُسُلَهُ حَتّى لا يَبْقى لِرَسُولِهِ ﷺ ما يَقْصُرُ بِهِ عَنْ بُلُوغِ نِهايَةِ الفَضْلِ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ. فَجَعَلَ هَذِهِ المَغْفِرَةَ جَزاءً لَهُ عَلى إتْمامِ أعْمالِهِ الَّتِي أُرْسِلَ لِأجْلِها مِنَ التَّبْلِيغِ والجِهادِ والنَصَبِ والرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ. فَلَمّا كانَ الفَتْحُ حاصِلًا بِسَعْيِهِ وتَسَبُّبِهِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ بِعِظَمِ أثَرِ ذَلِكَ الفَتْحِ بِإزاحَةِ الشِّرْكِ وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ صفحة ١٤٧ النُّفُوسِ وتَزْكِيَتِها بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ حَتّى يَنْتَشِرَ الخَيْرُ بِانْتِشارِ الدِّينِ ويَصِيرُ الصَّلاحُ خُلُقًا لِلنّاسِ يَقْتَدِي فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وكُلُّ هَذا إنَّما يُناسِبُ فَتْحَ مَكَّةَ. وهَذا هو ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١] أيْ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ غُفِرَ لَكَ أعْظَمَ مَغْفِرَةٍ وهي المَغْفِرَةُ الَّتِي تَلِيقُ بِأعْظَمِ مَن تابَ عَلى تائِبٍ، ولَيْسَتْ إلّا مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سابِقِها وما عَسى أنْ يَأْتِيَ مِنها مِمّا يَعُدُّهُ النَّبِيءُ ﷺ ذَنْبًا لِشِدَّةِ الخَشْيَةِ مِن أقَلِّ التَّقْصِيرِ كَما يُقالُ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مَعْصُومًا مِن أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها بِما يُؤاخَذُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما المَعْنى التَّشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ، ولِهَذا المَعْنى اللَّطِيفِ الجَلِيلِ كانَتْ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مُؤْذِنَةً بِاقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما فَهِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . والتَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِنَ الأحْوالِ النِّسْبِيَّةِ لِلْمَوْجُوداتِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ الِاعْتِبارِيَّةِ يُقالُ: تَقَدَّمَ السّائِرُ في سَيْرِهِ عَلى الرَّكْبِ، ويُقالُ: نُزُولُ سُورَةِ كَذا عَلى سُورَةِ كَذا ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الِاحْتِياجُ إلى بَيانِ ما كانَ بَيْنَهُما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ بِذَكَرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ. وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ يُقْطَعُ النَّظَرُ عَلى اعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ فَيَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ الأفْعالِ غَيْرِ النِّسْبِيَّةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في المُتَعَلِّقاتِ وأكْثَرُ ذَلِكَ إذا جُمِعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ . والمُرادُ بِـ ”ما تَقَدَّمَ“: تَعْمِيمُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ أوْ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ ذَنْبٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ - تَعالى - رَفَعَ قَدْرَهُ رَفْعَةَ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ لَوْ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهُ وقَدْ مَضى شَيْءٌ مِن بَيانِ مَعْنى الذَّنْبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] في سُورَةِ القِتالِ. وإنَّما أُسْنِدَ فِعْلُ ”لِيَغْفِرَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُسْنَدَ إلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْفُذُ في السَّمْعِ وأجْلَبُ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ وبِمُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أُنُفٌ لَمْ يَكُنْ صفحة ١٤٨ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْرُزِ الفاعِلُ في ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ﴾ لِأنَّ إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وهِدايَتَهُ مَعْلُومَةٌ وإنَّما أخْبَرَ بِازْدِيادِهِما. وإتْمامُ النِّعْمَةِ: إعْطاءُ ما لَمْ يَكُنْ أعْطاهُ إيّاهُ مِن أنْواعِ النِّعْمَةِ مِثْلَ إسْلامِ قُرَيْشٍ وخَلاصِ بِلادِ الحِجازِ كُلِّها لِلدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، وخُضُوعِ مَن عانَدَهُ وحارَبَهُ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَذَلِكَ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ وحَصَلَ بَعْدَ سِنِينَ. ومَعْنى ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾: يَزِيدَكَ هَدْيًا لَمْ يُسْبَقْ وذَلِكَ بِالتَّوْسِيعِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ والتَّعْرِيفِ بِما لَمْ يَسْبِقْ تَعْرِيفُهُ بِهِ مِنها، فالهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ثابِتَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وقْتِ بِعْثَتِهِ ولَكِنَّها تَزْدادُ بِزِيادَةِ بَيانِ الشَّرِيعَةِ وبِسِعَةِ بِلادِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مِمّا يَدْعُو إلى سُلُوكِ طَرائِقَ كَثِيرَةٍ في إرْشادِهِمْ وسِياسَتِهِمْ وحِمايَةِ أوْطانِهِمْ ودَفْعِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ الهِدايَةُ مُتَجَمِّعَةٌ مِنَ الثَّباتِ عَلى ما سَبَقَ هَدْيَهُ إلَيْهِ، ومِنَ الهِدايَةِ إلى ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الحَقِّ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وتَنْوِينُ صِراطٍ لِلتَّعْظِيمِ. وانْتَصَبَ ”صِراطًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَهْدِي“ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإعْطاءِ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ. والنَّصْرُ العَزِيزُ: غَيْرُ نَصْرِ الفَتْحِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الفَتْحِ فَهو ما كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وما عَقِبَهُ مِن دُخُولِ قَبائِلِ العَرَبِ في الإسْلامِ بِدُونِ قِتالٍ، وبَعْثِهِمُ الوُفُودَ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَتَلَقَّوْا أحْكامَ الإسْلامِ ويَعْلَمُوا أقْوامَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ. ووُصْفُ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما العَزِيزُ هو النَّبِيءُ ﷺ المَنصُورُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَزِيزِ المُعِزِّ كالسَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ: أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ أيِ المُسْمِعِ، وكالحَكِيمِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. والعِزَّةُ: المَنَعَةُ. وإنَّما أُظْهِرَ اسْمُ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمِيرِ اهْتِمامًا صفحة ١٤٩ بِهَذا النَّصْرِ وتَشْرِيعًا لَهُ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِصَراحَةِ الظّاهِرِ، والصَّراحَةُ أدْعى إلى السَّمْعِ، والكَلامُ مَعَ الإظْهارِ أعْلَقُ بِالذِّهْنِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ .

الفتح 48:3

﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) ناشِئٌ عَلى ما أُحِلَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الكَآبَةِ عَلى أنْ أُجِيبَ المُشْرِكُونَ إلى سُؤالِهِمُ الهُدْنَةَ كَما سَيَأْتِي مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ فالتَّأْكِيدُ مَصْرُوفٌ لِلسّامِعِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، وأمّا النَّبِيءُ ﷺ فَقَدْ كانَ واثِقًا بِذَلِكَ، وسَيَأْتِي تَبْيِينُ هَذا التَّأْكِيدِ قَرِيبًا. والفَتْحُ: إزالَةُ غَلْقِ البابِ أوِ الخِزانَةِ قالَ - تَعالى - ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ويُطْلَقُ عَلى النَّصْرِ وعَلى دُخُولِ الغازِي بِلادَ عَدُوِّهِ لِأنَّ أرْضَ كُلِّ قَوْمٍ وبِلادَهم مُواقَعٌ عَنْها فاقْتِحامُ الغازِي إيّاها بَعْدَ الحَرْبِ يُشْبِهُ إزالَةَ الغَلْقِ عَنِ البَيْتِ أوِ الخِزانَةِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى النَّصْرِ المُقْتَرِنِ بِدُخُولِ أرْضِ المَغْلُوبِ أوْ بَلَدِهِ ولَمْ يُطْلَقْ عَلى انْتِصارٍ كانَتْ نِهايَتَهُ غَنِيمَةٌ وأسْرٌ دُونَ اقْتِحامِ أرْضٍ فَيُقالُ: فَتْحُ خَيْبَرَ وفَتْحُ مَكَّةَ ولا يُقالُ: فَتْحُ بَدْرٍ. وفَتْحُ أُحُدٍ. فَمَن أطْلَقَ الفَتْحَ عَلى مُطْلَقِ النَّصْرِ فَقَدْ تَسامَحَ، وكَيْفَ وقَدْ عُطِفَ النَّصْرُ عَلى الفَتْحِ في قَوْلِهِ ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] في سُورَةِ الصَّفِّ. ولَعَلَّ الَّذِي حَداهم عَلى عَدِّ النَّصْرِ مِن مَعانِي مادَّةِ الفَتْحِ أنَّ فَتْحَ البِلادِ هو أعْظَمُ النَّصْرِ لِأنَّ النَّصْرَ يَتَحَقَّقُ بِالغَلَبَةِ وبِالغَنِيمَةِ فَإذا كانَ مَعَ اقْتِحامِ أرْضِ العَدُوِّ صفحة ١٤٤ فَذَلِكَ نَصْرٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ انْهِزامِ العَدُوِّ أشْنَعَ هَزِيمَةٍ وعَجْزِهِ عَنِ الدِّفاعِ عَنْ أرْضِهِ. وأُطْلِقَ الفَتْحُ عَلى الحُكْمِ قالَ تَعالى ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [السجدة: ٢٨] الآيَةَ سُورَةِ الم السَّجْدَةِ. ولِمُراعاةِ هَذا المَعْنى قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالفَتْحِ هَنا فَتْحُ مَكَّةَ وأنَّ مَحْمَلَهُ عَلى الوَعْدِ بِالفَتْحِ. والمَعْنى: سَنَفْتَحُ. وإنَّما جِيءَ في الأخْبارِ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِهِ وتَيَقُّنِهِ، شُبِّهَ الزَّمَنُ المُسْتَقْبَلُ بِالزَّمَنِ الماضِي فاسْتُعْمِلَتْ لَهُ الصِّيغَةُ المَوْضُوعَةُ لِلْمُضِيِّ. أوْ نَقُولُ اسْتُعْمِلَ ”فَتَحْنا“ بِمَعْنى: قَدَّرْنا لَكَ الفَتْحَ، ويَكُونُ هَذا الِاسْتِعْمالُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ مِن لَهُ التَّصَرُّفُ في الأشْياءِ لا يَحْجِزُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها مانِعٌ. وقَدْ جَرى عَلى عادَةِ إخْبارِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّهُ لا خِلافَ في إخْبارِهِ، وذَلِكَ أيْضًا كِنايَةٌ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِ المُخْبِرِ مَثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] . وما يَنْدَرِجُ في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِفَتْحِ مَكَّةَ لِأنَّهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ فَعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ما كُنّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إلّا يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّهم أيْقَنُوا بِوُقُوعِ فَتْحِ مَكَّةَ بِهَذا الوَعْدِ، وعَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ تَعُدُّونَ أنْتُمُ الفَتْحَ فَتْحُ مَكَّةَ وقَدْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، ونَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ أنَّكم تَحْمِلُونَ الفَتْحَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ عَلى فَتْحِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وإنْ كانَ فَتْحُ مَكَّةَ هو الغالِبُ عَلَيْهِ اسْمُ الفَتْحِ. ويُؤَيِّدُ هَذا المَحْمَلَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الفَتْحِ»، وفي رِوايَةٍ دَخَلَ مَكَّةَ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ. عَلى أنَّ قَرائِنَ كَثِيرَةً تُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالفَتْحِ المَذْكُورِ في سُورَةِ الفَتْحِ: أُولاها أنَّهُ جَعَلَهُ مُبِينًا. الثّانِيَةُ: أنَّهُ جَعَلَ عِلَّتَهُ النَّصْرَ العَزِيزَ ”الثّانِيَةَ“، ولا يَكُونُ الشَّيْءُ عِلَّةً لِنَفْسِهِ. صفحة ١٤٥ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ ﴿وأثابَهم فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١٨] . الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] . الخامِسَةُ: قَوْلُهُ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ في سُورَةِ الفَتْحِ هو صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وجَعَلُوا إطْلاقَ اسْمِ الفَتْحِ عَلَيْهِ مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ أنَّهُ آلَ إلى فَتْحِ خَيْبَرَ وفَتْحِ مَكَّةَ، أوْ كانَ سَبَبًا فِيهِما «فَعَنِ الزُّهْرِيِّ لَقَدْ كانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ أعْظَمَ الفُتُوحِ ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ جاءَ إلَيْها في ألْفٍ وأرْبَعِمِائَةٍ فَلَمّا وقَعَ صُلْحٌ مَشى النّاسُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، أيْ تَفَرَّقُوا في البِلادِ فَدَخَلَ بَعْضُهم أرْضَ بَعْضٍ مِن أجْلِ الأمْنِ بَيْنَهم، وعَلِمُوا وسَمِعُوا عَنِ اللَّهِ فَما أرادَ أحَدٌ الإسْلامَ إلّا تَمَكَّنَ مِنهُ، فَما مَضَتْ تِلْكَ السَّنَتانِ إلّا والمُسْلِمُونَ قَدْ جاءُوا إلى مَكَّةَ في عَشَرَةِ آلافٍ» اهـ، وفي رِوايَةٍ فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ أمِنَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا فالتَقَوْا وتَفاوَضُوا الحَدِيثَ والمُناظَرَةَ فَلَمْ يُكَلَّمْ أحَدٌ يَعْقِلُ بِالإسْلامِ إلّا دَخَلَ فِيهِ. وعَلى هَذا فالمَجازُ في إطْلاقِ مادَّةِ الفَتْحِ عَلى سَبَبِهِ ومَآلِهِ لا في صُورَةِ الفِعْلِ، أيِ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ بِهَذا الِاعْتِبارِ المَجازِيِّ قَدْ وقَعَ فِيما مَضى فَيَكُونُ اسْمُ الفَتْحِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالَ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ، وصِيغَةُ الماضِي اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنَيَيْها فَيَظْهَرُ وجْهُ الإعْجازِ في إيثارِ هَذا التَّرْكِيبِ. وقِيلَ: هو فَتْحُ خَيْبَرَ الواقِعِ عِنْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ كَما يَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ [الفتح: ١٥] . وعَلى هَذِهِ المَحامِلِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ لِما في حُصُولِ ذَلِكَ مِن تَرَدُّدِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ تَساؤُلِهِمْ، فَـ «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قالَ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: نَعَمْ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لَفَتْحٌ» . ورَوى البَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ راجِعًا فَقالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: واللَّهُ ما هَذا بِفَتْحٍ صُدِدْنا عَنِ البَيْتِ وصُدَّ هَدْيُنا. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: بِئْسَ الكَلامُ هَذا بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ لَقَدْ رَضِيَ المُشْرِكُونَ أنْ يَدْفَعُوكم بِالرّاحِ عَنْ بِلادِهِمْ ويَسْألُوكُمُ القَضِيَّةَ ويُرَغِّبُونَ إلَيْكُمُ الأمانَ وقَدْ كَرِهُوا مِنكم ما كَرِهُوا ولَقَدْ أظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ غانِمِينَ صفحة ١٤٦ مَأْجُورِينَ، فَهَذا أعْظَمُ الفَتْحِ أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكم، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وهو أعْظَمُ الفُتُوحِ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما ذَكَرْتَ، ولَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وبِالأُمُورِ مِنّا» . وحُذِفَ مَفْعُولُ فَتَحْنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإعْلامُ بِجِنْسِ الفَتْحِ لا بِالمَفْتُوحِ الخاصِّ. واللّامُ في قَوْلِهِ فَتَحْنا لَكَ لامُ العِلَّةِ، أيْ فَتَحْنا لِأجْلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ قَبْلَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ خِلافًا لِلْأصْلِ في تَرْتِيبِ مُتَعَلِّقاتِ الفِعْلِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ والِاعْتِناءِ بِهَذِهِ العِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ لَكَ. والتَّقْدِيرُ: إنّا فَتَحْنا فَتْحًا مُبِينًا لِأجْلِكَ لِغُفْرانِ اللَّهِ لَكَ وإتْمامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْكَ، وهِدايَتِكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ونَصْرِكَ نَصْرًا عَزِيزًا. وجُعِلَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ عِلَّةً لِلْفَتْحِ لِأنَّها مِن جُمْلَةِ ما أرادَ اللَّهُ حُصُولَهُ بِسَبَبِ الفَتْحِ، ولَيْسَتْ لامُ التَّعْلِيلِ مُقْتَضِيَةً حَصْرَ الغَرَضِ مِنَ الفِعْلِ المُعَلَّلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ تَكُونُ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ فَيُذْكَرُ بَعْضُها مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ وإذْ قَدْ كانَ الفَتْحُ لِكَرامَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى رَبِّهِ - تَعالى - كانَ مِن عِلَّتِهِ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مَغْفِرَةً عامَّةً إتْمامًا لِلْكَرامَةِ فَهَذِهِ مَغْفِرَةٌ خاصَّةٌ بِالنَّبِيءِ ﷺ هي غَيْرُ المَغْفِرَةِ الحاصِلَةِ لِلْمُجاهِدِينَ بِسَبَبِ الجِهادِ والفَتْحِ. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ عِنْدَ حُصُولِ هَذا الفَتْحِ غُفْرانَ جَمِيعِ ما قَدْ يُؤاخِذُ اللَّهُ عَلى مَثْلِهِ رُسُلَهُ حَتّى لا يَبْقى لِرَسُولِهِ ﷺ ما يَقْصُرُ بِهِ عَنْ بُلُوغِ نِهايَةِ الفَضْلِ بَيْنَ المَخْلُوقاتِ. فَجَعَلَ هَذِهِ المَغْفِرَةَ جَزاءً لَهُ عَلى إتْمامِ أعْمالِهِ الَّتِي أُرْسِلَ لِأجْلِها مِنَ التَّبْلِيغِ والجِهادِ والنَصَبِ والرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ. فَلَمّا كانَ الفَتْحُ حاصِلًا بِسَعْيِهِ وتَسَبُّبِهِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ غُفْرانَ ذُنُوبِهِ بِعِظَمِ أثَرِ ذَلِكَ الفَتْحِ بِإزاحَةِ الشِّرْكِ وعُلُوِّ كَلِمَةِ اللَّهِ - تَعالى - وتَكْمِيلِ صفحة ١٤٧ النُّفُوسِ وتَزْكِيَتِها بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ حَتّى يَنْتَشِرَ الخَيْرُ بِانْتِشارِ الدِّينِ ويَصِيرُ الصَّلاحُ خُلُقًا لِلنّاسِ يَقْتَدِي فِيهِ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وكُلُّ هَذا إنَّما يُناسِبُ فَتْحَ مَكَّةَ. وهَذا هو ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١] أيْ إنَّهُ حِينَئِذٍ قَدْ غُفِرَ لَكَ أعْظَمَ مَغْفِرَةٍ وهي المَغْفِرَةُ الَّتِي تَلِيقُ بِأعْظَمِ مَن تابَ عَلى تائِبٍ، ولَيْسَتْ إلّا مَغْفِرَةَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ سابِقِها وما عَسى أنْ يَأْتِيَ مِنها مِمّا يَعُدُّهُ النَّبِيءُ ﷺ ذَنْبًا لِشِدَّةِ الخَشْيَةِ مِن أقَلِّ التَّقْصِيرِ كَما يُقالُ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ مَعْصُومًا مِن أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها بِما يُؤاخَذُ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإنَّما المَعْنى التَّشْرِيفُ بِهَذا الحُكْمِ ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذُنُوبٌ، ولِهَذا المَعْنى اللَّطِيفِ الجَلِيلِ كانَتْ سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مُؤْذِنَةً بِاقْتِرابِ أجَلِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما فَهِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ . والتَّقَدُّمُ والتَّأخُّرُ مِنَ الأحْوالِ النِّسْبِيَّةِ لِلْمَوْجُوداتِ الحَقِيقِيَّةِ أوِ الِاعْتِبارِيَّةِ يُقالُ: تَقَدَّمَ السّائِرُ في سَيْرِهِ عَلى الرَّكْبِ، ويُقالُ: نُزُولُ سُورَةِ كَذا عَلى سُورَةِ كَذا ولِذَلِكَ يَكْثُرُ الِاحْتِياجُ إلى بَيانِ ما كانَ بَيْنَهُما تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ بِذَكَرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ. وقَدْ يُتْرَكُ ذَلِكَ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وقَدْ يُقْطَعُ النَّظَرُ عَلى اعْتِبارِ مُتَعَلِّقٍ فَيَنْزِلُ الفِعْلُ مَنزِلَةَ الأفْعالِ غَيْرِ النِّسْبِيَّةِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ في المُتَعَلِّقاتِ وأكْثَرُ ذَلِكَ إذا جُمِعَ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ كَقَوْلِهِ هُنا ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ . والمُرادُ بِـ ”ما تَقَدَّمَ“: تَعْمِيمُ المَغْفِرَةِ لِلذَّنْبِ كَقَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فَلا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ فَرَطَ مِنهُ ذَنْبٌ أوْ أنَّهُ سَيَقَعُ مِنهُ ذَنْبٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهُ - تَعالى - رَفَعَ قَدْرَهُ رَفْعَةَ عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِذَنْبٍ لَوْ قُدِّرَ صُدُورُهُ مِنهُ وقَدْ مَضى شَيْءٌ مِن بَيانِ مَعْنى الذَّنْبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] في سُورَةِ القِتالِ. وإنَّما أُسْنِدَ فِعْلُ ”لِيَغْفِرَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُسْنَدَ إلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ قَصْدًا لِلتَّنْوِيهِ بِهَذِهِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ الِاسْمَ الظّاهِرَ أنْفُذُ في السَّمْعِ وأجْلَبُ لِلتَّنْبِيهِ وذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ وبِمُتَعَلِّقِهِ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ أُنُفٌ لَمْ يَكُنْ صفحة ١٤٨ لِلرَّسُولِ ﷺ عِلْمٌ بِهِ ولِذَلِكَ لَمْ يَبْرُزِ الفاعِلُ في ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ﴾ لِأنَّ إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ وهِدايَتَهُ مَعْلُومَةٌ وإنَّما أخْبَرَ بِازْدِيادِهِما. وإتْمامُ النِّعْمَةِ: إعْطاءُ ما لَمْ يَكُنْ أعْطاهُ إيّاهُ مِن أنْواعِ النِّعْمَةِ مِثْلَ إسْلامِ قُرَيْشٍ وخَلاصِ بِلادِ الحِجازِ كُلِّها لِلدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، وخُضُوعِ مَن عانَدَهُ وحارَبَهُ، وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَذَلِكَ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ وحَصَلَ بَعْدَ سِنِينَ. ومَعْنى ﴿ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾: يَزِيدَكَ هَدْيًا لَمْ يُسْبَقْ وذَلِكَ بِالتَّوْسِيعِ في بَيانِ الشَّرِيعَةِ والتَّعْرِيفِ بِما لَمْ يَسْبِقْ تَعْرِيفُهُ بِهِ مِنها، فالهِدايَةُ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ثابِتَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وقْتِ بِعْثَتِهِ ولَكِنَّها تَزْدادُ بِزِيادَةِ بَيانِ الشَّرِيعَةِ وبِسِعَةِ بِلادِ الإسْلامِ وكَثْرَةِ المُسْلِمِينَ مِمّا يَدْعُو إلى سُلُوكِ طَرائِقَ كَثِيرَةٍ في إرْشادِهِمْ وسِياسَتِهِمْ وحِمايَةِ أوْطانِهِمْ ودَفْعِ أعْدائِهِمْ، فَهَذِهِ الهِدايَةُ مُتَجَمِّعَةٌ مِنَ الثَّباتِ عَلى ما سَبَقَ هَدْيَهُ إلَيْهِ، ومِنَ الهِدايَةِ إلى ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ. والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: مُسْتَعارٌ لِلدِّينِ الحَقِّ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. وتَنْوِينُ صِراطٍ لِلتَّعْظِيمِ. وانْتَصَبَ ”صِراطًا“ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ”يَهْدِي“ بِتَضْمِينِ مَعْنى الإعْطاءِ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ. والنَّصْرُ العَزِيزُ: غَيْرُ نَصْرِ الفَتْحِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جَعَلَ عِلَّةَ الفَتْحِ فَهو ما كانَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ وما عَقِبَهُ مِن دُخُولِ قَبائِلِ العَرَبِ في الإسْلامِ بِدُونِ قِتالٍ، وبَعْثِهِمُ الوُفُودَ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِيَتَلَقَّوْا أحْكامَ الإسْلامِ ويَعْلَمُوا أقْوامَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ. ووُصْفُ النَّصْرِ بِالعَزِيزِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ وإنَّما العَزِيزُ هو النَّبِيءُ ﷺ المَنصُورُ، أوْ أُرِيدَ بِالعَزِيزِ المُعِزِّ كالسَّمِيعِ في قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ: أمِن رَيْحانَةِ الدّاعِي السَّمِيعِ أيِ المُسْمِعِ، وكالحَكِيمِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. والعِزَّةُ: المَنَعَةُ. وإنَّما أُظْهِرَ اسْمُ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ ولَمْ يَكْتَفِ بِالضَّمِيرِ اهْتِمامًا صفحة ١٤٩ بِهَذا النَّصْرِ وتَشْرِيعًا لَهُ بِإسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِصَراحَةِ الظّاهِرِ، والصَّراحَةُ أدْعى إلى السَّمْعِ، والكَلامُ مَعَ الإظْهارِ أعْلَقُ بِالذِّهْنِ كَما تَقَدَّمَ في ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ .

الفتح 48:4

﴿هو الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] . وحَصَلَ مِنها الِانْتِقالُ إلى ذِكْرِ حَظِّ المُسْلِمِينَ مِن هَذا الفَتْحِ فَإنَّ المُؤْمِنِينَ هم جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ قَدْ نُصِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِهِمْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] فَكانَ في ذِكْرِ عِنايَةِ اللَّهِ بِإصْلاحِ نُفُوسِهِمْ وإذْهابِ خَواطِرِ الشَّيْطانِ عَنْهم وإلْهامِهِمْ إلى الحَقِّ في ثَباتِ عَزْمِهِمْ، وقُرارَةِ إيمانِهِمْ تَكْوِينٌ لِأسْبابِ نَصْرِ النَّبِيءِ ﷺ والفَتْحِ المَوْعُودِ بِهِ لِيَنْدَفِعُوا حِينَ يَسْتَنْفِرَهم إلى العَدُوِّ بِقُلُوبٍ ثابِتَةٍ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ تَبَلْبَلَتْ نُفُوسُهم مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ إذِ انْصَرَفُوا عَقِبَهُ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ جاءُوا لِلْعُمْرَةِ بِعَدَدٍ عَدِيدٍ حَسِبُوهُ لا يُغْلَبُ، وأنَّهم إنْ أرادَهُمُ العَدُوُّ بِسُوءٍ أوْ صَدَّهم عَنْ قَصْدِهِمْ قابَلُوهُ فانْتَصَرُوا عَلَيْهِ وأنَّهم يَدْخُلُونَ مَكَّةَ قَسْرًا. وقَدْ تَكَلَّمُوا في تَسْمِيَةِ ما حَلَّ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَتْحًا كَما عَلِمْتَ مِمّا تَقَدَّمَ فَلَمّا بَيَّنَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم بَعْدَ الِاضْطِرابِ ورَسَخَ يَقِينُهم بَعْدَ خَواطِرِ الشَّكِّ فَلَوْلا ذَلِكَ الِاطْمِئْنانُ والرُّسُوخُ لَبَقَوْا كاسِفِي البالِ شَدِيدِي البِلْبالِ، فَذَلِكَ الِاطْمِئْنانُ هو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِالسَّكِينَةِ، وسُمِّيَ إحْداثُهُ في نُفُوسِهِمْ إنْزالًا لِلسَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ فَكانَ النَّصْرُ مُشْتَمِلًا عَلى أشْياءَ مِن أهَمِّها إنْزالُ السَّكِينَةِ، وكانَ إنْزالُ السَّكِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّصْرِ نَظِيرَ التَّأْلِيفِ بَيْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مَعَ اخْتِلافِ قَبائِلِهِمْ وما كانَ بَيْنَهُما مِنَ الأمْنِ في الجاهِلِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّصْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٢] . وإنْزالُها: إيقاعُها في العَقْلِ والنَّفْسِ وخَلْقُ أسْبابِها الجَوْهَرِيَّةِ والعارِضَةِ، وأُطْلِقَ عَلى ذَلِكَ الإيقاعِ فِعْلُ الإنْزالِ تَشْرِيفًا لِذَلِكَ الوِجْدانِ بِأنَّهُ كالشَّيْءِ الَّذِي هو مَكانٌ مُرْتَفِعٌ فَوْقَ النّاسِ فَأُلْقِيَ إلى قُلُوبِ النّاسِ، وتِلْكَ رِفْعَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مُرادٌ بِها شَرَفُ ما صفحة ١٥٠ أُثْبِتَتْ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ. ولَمّا كانَ مِن عَواقِبِ تِلْكَ السَّكِينَةِ أنَّها كانَتْ سَبَبًا لِزَوالِ ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ في نُفُوسِهِمْ مِنَ التَّأْوِيلِ لِوَعْدِ اللَّهِ إيّاهم بِالنَّصْرِ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ، وحَمْلِهِ عَلى النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ لِاسْتِبْعادِهِمْ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَتْحًا، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم، فَزالَ ما خامَرَها وأيْقَنُوا أنَّهُ وعْدُ اللَّهِ وأنَّهُ واقِعٌ فانْقَشَعَ عَنْهم ما يُوشِكُ أنْ يُشَكِّكَ بَعْضَهم فَيَلْتَحِقَ بِالمُنافِقِينَ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَإنَّ زِيادَةَ الأدِلَّةِ تُؤَثِّرُ رُسُوخَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ في العَقْلِ وقُوَّةَ التَّصْدِيقِ. وهَذا اصْطِلاحٌ شائِعٌ في القُرْآنِ وجُعِلَ ذَلِكَ الِازْدِيادُ كالعِلَّةِ لِإنْزالِ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ السَّكِينَةَ إذا حَصَلَتْ في قُلُوبِهِمْ رَسَخَ إيمانُهم، فَعُومِلَ المَعْلُومُ حُصُولُهُ مِنَ الفِعْلِ مُعامَلَةَ العِلَّةِ وأُدْخِلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْلِيلِ وهو لامُ كَيْ وجُعِلَتْ قُوَّةُ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ إيمانٍ آخَرَ دَخَلَ عَلى الإيمانِ الأسْبَقِ لِأنَّ الواحِدَ مِن أفْرادِ الجِنْسِ إذا انْضَمَّ إلى أفْرادٍ أُخَرَ زادَها قُوَّةً فَلِذَلِكَ عَلِقَ بِالإيمانِ ظَرْفُ (مَعَ) في قَوْلِهِ ﴿مَعَ إيمانِهِمْ﴾ فَكانَ في ذَلِكَ الحادِثِ خَيْرٌ عَظِيمٌ لَهم كَما كانَ فِيهِ خَيْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ كانَ سَبَبًا لِتَشْرِيفِهِ بِالمَغْفِرَةِ العامَّةِ ولِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ ولِهِدايَتِهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ولِنَصْرِهِ نَصْرًا عَزِيزًا، فَأعْظِمْ بِهِ حَدَثًا أعْقَبَ هَذا الخَيْرَ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِأصْحابِهِ. * * * ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ لِأنَّهُ أفادَ أنْ لا عَجَبَ في أنْ يَفْتَحَ اللَّهُ لَكَ فَتْحًا عَظِيمًا ويَنْصُرَكَ عَلى أقْوامٍ كَثِيرِينَ أشِدّاءَ نَصْرًا صَحِبَهُ إنْزالُ السَّكِينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ خامَرَهُمُ الفَشَلُ وانْكِسارُ الخَواطِرِ، فاللَّهُ مَن يَمْلِكُ جَمِيعَ وسائِلِ النَّصْرِ ولَهُ القُوَّةُ القاهِرَةُ في السَّماواتِ والأرْضِ وما هَذا نَصْرُ إلّا بَعْضِ مِمّا لِلَّهِ مِنَ القُوَّةِ والقَهْرِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ وجُمْلَةُ التَّذْيِيلِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وبَيْنَ مُتَعَلِّقِها وهو ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ. وأُطْلِقَ عَلى أسْبابِ النَّصْرِ الجُنُودُ تَشْبِيهًا لِأسْبابِ النَّصْرِ بِالجُنُودِ الَّتِي تُقاتِلُ وتَنْتَصِرُ. صفحة ١٥١ وفِي تَعْقِيبِ جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِجُمْلَةِ التَّذْيِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن جُنُودِ اللَّهِ وأنَّ إنْزالَ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ تَشْدِيدٌ لِعَزائِمِهِمْ، فَتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ قَبْلَ هَذا العُمُومِ وبَعْدَهُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ. فَمِن جُنُودِ السَّماواتِ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ أُنْزِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، والرِّيحُ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلى العَدُوِّ يَوْمَ الأحْزابِ، والمَطَرُ الَّذِي أُنْزِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَثَبَّتَ اللَّهُ بِهِ أقْدامَ المُسْلِمِينَ. ومِن جُنُودِ الأرْضِ جُيُوشُ المُؤْمِنِينَ وعَدِيدُ القَبائِلِ الَّذِينَ جاءُوا مُؤْمِنِينَ مُقاتِلِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ مَثْلُ بَنِي سُلَيْمٍ، ووُفُودُ القَبائِلِ الَّذِينَ جاءُوا مُؤْمِنِينَ طائِعِينَ دُونَ قِتالٍ في سَنَةِ الوُفُودِ. والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، والجُنْدُ اسْمٌ لِجَماعَةِ المُقاتِلِينَ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ وجَمْعُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الجَماعاتِ لِأنَّ الجَيْشَ يَتَألَّفُ مِن جُنُودٍ: مُقَدِّمَةٍ، ومَيْمَنَةٍ، ومَيْسَرَةٍ، وقَلْبٍ، وساقَةٍ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِإفادَةِ الحَصْرِ، وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ إذْ لا اعْتِدادَ بِما يَجْمَعُهُ المُلُوكُ والفاتِحُونَ مِنَ الجُنُودِ لِغَلَبَةِ العَدُوِّ بِالنِّسْبَةِ لِما لِلَّهِ مِنَ الغَلَبَةِ لِأعْدائِهِ والنَّصْرِ لِأوْلِيائِهِ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الفَتْحِ والنَّصْرِ وإنْزالِ السَّكِينَةِ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِأسْبابِ الفَتْحِ والنَّصْرِ وعَلِيمٌ بِما تَطْمَئِنُّ بِهِ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ البَلْبَلَةِ وأنَّهُ حَكِيمٌ يَضَعُ مُقْتَضَياتِ عِلْمِهِ في مَواضِعِها المُناسِبَةِ وأوْقاتِها المُلائِمَةِ.

الفتح 48:5

﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فَما بَعْدَ اللّامِ عِلَّةٌ لِعِلَّةِ إنْزالِ السَّكِينَةِ فَتَكُونُ عِلَّةً لِإنْزالِ السَّكِينَةِ أيْضًا بِواسِطَةِ أنَّهُ عِلَّةُ العِلَّةِ. صفحة ١٥٢ وذِكْرُ المُؤْمِناتِ مَعَ المُؤْمِنِينَ هُنا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ الوَعْدُ بِهَذا الإدْخالِ مُخْتَصًّا بِالرِّجالِ. وإذْ كانَتْ صِيغَةُ الجَمْعِ صِيغَةَ المُذَكَّرِ مَعَ ما قَدْ يُؤَكِّدُ هَذا التَّوَهُّمَ مِن وُقُوعِهِ عِلَّةً أوْ عِلَّةَ عِلَّةٍ لِلْفَتْحِ ولِلنَّصْرِ ولِلْجُنُودِ وكُلِّها مِن مُلابَساتِ الذُّكُورِ، وإنَّما كانَ لِلْمُؤْمِناتِ حَظٌّ في ذَلِكَ لِأنَّهُنَّ لا يَخْلُونَ مِن مُشارَكَةٍ في تِلْكَ الشَّدائِدِ مِمَّنْ يُقِمْنَ مِنهُنَّ عَلى المَرْضى والجَرْحى وسَقْيِ الجَيْشِ وقْتَ القِتالِ ومِن صَبْرِ بِعْضِهِنَّ عَلى الثُّكْلِ أوِ التَّأيُّمِ، ومِن صَبْرِهِنَّ عَلى غَيْبَةِ الأزْواجِ والأبْناءِ وذَوِي القَرابَةِ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ إلى المَذْكُورِ مِن إدْخالِ اللَّهِ إيّاهُمُ الجَنَّةَ. والمُرادُ بِإدْخالِهِمُ الجَنَّةَ إدْخالٌ خاصٌّ وهو إدْخالُهم مَنازِلَ المُجاهِدِينَ ولَيْسَ هو الإدْخالُ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِالإيمانِ وصالِحِ الأعْمالِ الأُخْرى. ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ . والفَوْزُ: مَصْدَرٌ، وهو الظَّفْرُ بِالخَيْرِ والنَّجاحِ. و﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”فَوْزًا“، أيْ فازُوا عِنْدَ اللَّهِ بِمَعْنى: لَقُوا النَّجاحَ والظَّفْرَ في مُعامَلَةِ اللَّهِ لَهم بِالكَرامَةِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ ذاتِ الكَرامَةِ.

الفتح 48:6

﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ الحَدِيثُ عَنْ جُنُودِ اللَّهِ في مَعْرِضِ ذِكْرِ نَصْرِ اللَّهِ يَقْتَضِي لا مَحالَةَ فَرِيقًا مَهْزُومًا بِتِلْكَ الجُنُودِ وهُمُ العَدُوُّ، فَإذا كانَ النَّصْرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ مَعْلُولًا بِما بَشَّرَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَلا جَرَمَ اقْتَضى أنَّهُ مَعْلُولٌ بِما يَسُوءُ العَدُوَّ وحِزْبَهُ، فَذَكَرَ اللَّهُ مِن عِلَّةِ ذَلِكَ النَّصْرِ أنَّهُ يُعَذِّبُ بِسَبَبِهِ المُنافِقِينَ حِزْبَ العَدُوِّ، والمُشْرِكِينَ صَمِيمَ العَدُوِّ، فَكانَ قَوْلُهُ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] . والمُرادُ: تَعْذِيبٌ خاصٌّ زائِدٌ عَلى تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ والنِّفاقِ وقَدْ أوْمَأ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ . صفحة ١٥٣ والِابْتِداءُ بِذِكْرِ المُنافِقِينَ في التَّعْذِيبِ قَبْلَ المُشْرِكِينَ لِتَنْبِيهِ المُسْلِمِينَ بِأنَّ كُفْرَ المُنافِقِينَ خَفِيٌّ فَرُبَّما غَفَلَ المُسْلِمُونَ عَنْ هَذا الفَرِيقِ أوْ نَسُوهُ. كانَ المُنافِقُونَ لَمْ يَخْرُجْ مِنهم أحَدٌ إلى فَتْحِ مَكَّةَ ولا إلى عُمْرَةِ القَضِيَّةِ لِأنَّهم لا يُحِبُّونَ أنْ يَراهُمُ المُشْرِكُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِأعْمالِ المُسْلِمِينَ مُظاهِرِينَ لَهم ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ المُشْرِكِينَ يُدافِعُونَ المُسْلِمِينَ عَنْ مَكَّةَ وأنَّهُ يَكُونُ النَّصْرُ لِلْمُشْرِكِينَ. والتَّعْذِيبُ: إيصالُ العَذابِ إلَيْهِمْ وذَلِكَ صادِقٌ بِعَذابِ الدُّنْيا بِالسَّيْفِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] وقالَ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، وبِالوَجَلِ، وحَذَرِ الِافْتِضاحِ، وبِالكَمَدِ مِن رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ مَنصُورِينَ سالِمِينَ قالَ تَعالى ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] وقالَ ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُوءُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٠] وصادِقْ بِعَذابِ الآخِرَةِ وهو ما خُصَّ بِالذِّكْرِ في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ﴾ . وعَطْفُ المُنافِقاتِ نَظِيرُ عَطْفِ المُؤْمِناتِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّ نِساءَ المُنافِقِينَ يُشارِكُونَهم في أسْرارِهِمْ ويَحُضُّونَ ما يُبَيِّتُونَهُ مِنَ الكَيْدِ ويُهَيِّئُونَ لَهم إيواءَ المُشْرِكِينَ إذا زارُوهم. وقَوْلُهُ ”الظّانِّينَ“ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ فَإنَّ حَقَّ الصِّفَةِ الوارِدَةِ بَعْدَ مُتَعَدِّدٍ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِهِ ما لَمْ يَكُنْ مانِعٌ لَفْظِيٌّ أوْ مَعْنَوِيٌّ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ في قَوْلِهِ ”ظَنَّ السَّوْءِ“ في قِراءَةِ جَمِيعِ العَشَرَةِ، وأمّا في قَوْلِهِمْ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ فَهو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالفَتْحِ أيْضًا. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ السِّينِ. والمَفْتُوحُ والمَضْمُومُ مُتَرادِفانِ في أصْلِ اللُّغَةِ ومَعْناهُما المَكْرُوهُ ضِدُّ السُّرُورِ، فَهُما لُغَتانِ مِثْلُ: الكَرْهُ والكُرْهُ، والضَّعْفُ والضُّعْفُ، والضَّرُّ والضُّرُّ، والبَأْسُ والبُؤْسُ. هَذا عَنِ الكِسائِيِّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وبَيَّنَهُ الجَوْهَرِيُّ بِأنَّ المَفْتُوحَ مَصْدَرٌ والمَضْمُومَ اسْمُ مَصْدَرٍ، إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَبَ المَفْتُوحُ في أنْ يَقَعَ وصْفًا لِمَذْمُومٍ مُضافًا إلَيْهِ مَوْصُوفُهُ كَما وقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ وفي قَوْلِهِ ﴿ويَتَرَبَّصُونَ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، وغَلَبَ المَضْمُومُ في مَعْنى الشَّيْءِ الَّذِي هو بِذاتِهِ شَرٌّ. صفحة ١٥٤ فَإضافَةُ الظَّنِّ إلى السَّوْءِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ. والمُرادُ: ظَنُّهم بِاللَّهِ أنَّهم لَمْ يَعِدِ الرَّسُولَ ﷺ بِالفَتْحِ ولا أمَرَهُ بِالخُرُوجِ إلى العُمْرَةِ ولا يُقَدِّرُ لِلرَّسُولِ ﷺ النَّصْرَ لِقِلَّةِ أتْباعِهِ وعِزَّةِ أعْدائِهِ، فَهَذا ظَنُّ سُوءٍ بِالرَّسُولِ ﷺ، وهَذا المُناسِبُ لِقِراءَتِهِ بِالفَتْحِ. وأمّا دائِرَةُ السَّوْءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهي الدّائِرَةُ الَّتِي تَسُوءُ أُولَئِكَ الظّانِّينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِمْ، ولا التِفاتَ إلى كَوْنِها مَحْمُودَةً عِنْدَ المُؤْمِنِينَ إذْ لَيْسَ المَقامُ لِبَيانِ ذَلِكَ والإضافَةُ مِثْلُ إضافَةِ ظَنَّ السَّوْءِ، وأمّا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو فَإضافَةُ (دائِرَةُ) المَضْمُومُ مِن إضافَةِ الأسْماءِ، أيِ الدّائِرَةُ المُخْتَصَّةُ بِالسَّوْءِ والمُلازِمَةُ لَهُ لا مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ. ولَيْسَ في قِراءَتِهِما خُصُوصِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ولَكِنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ فَفَتْحُ السَّوْءِ الأوَّلِ مُتَعَيِّنٌ وضَمُّ الثّانِي جائِزٌ ولَيْسَ بِراجِحٍ والِاخْتِلافُ اخْتِلافٌ في الرِّوايَةِ. وجُمْلَةُ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ أوْ وعِيدٌ، ولِذَلِكَ جاءَتْ بِالِاسْمِيَّةِ لِصَلُوحِيَّتِها لِذَلِكَ بِخِلافِ جُمْلَةِ ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهُمْ﴾ فَإنَّها إخْبارٌ عَمّا جَنَوْهُ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ فالتَّعْبِيرُ بِالماضِي مِنهُ أظْهَرُ.

الفتح 48:7

﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ هَذا نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ آنِفًا إلّا أنَّ هَذا أُوثِرَ بِصِفَةِ عَزِيزٍ دُونَ عَلِيمٍ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الجُنُودِ هُنا الإنْذارُ والوَعِيدُ بِهَزائِمَ تَحِلُّ بِالمُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ فَكَما ذُكِرَ ﴿ولِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فِيما تَقَدَّمَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ يَكُونُ بِجُنُودِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِما، ذِكْرُ ما هُنا لِلْوَعِيدِ بِالهَزِيمَةِ فَمُناسِبَةُ صِفَةِ عَزِيزٍ، أيْ لا يَغْلِبُهُ غالِبٌ.

الفتح 48:8

صفحة ١٥٥ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ لَمّا أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنَ الوَعْدِ بِالفَتْحِ والنَّصْرِ وما اقْتَضاهُ ذَلِكَ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ ذِكْرُهُ، إلى تَبْيِينِ ما جَرى في حادِثَةِ الحُدَيْبِيَةِ وإبْلاغِ كُلِّ ذِي حَظٍّ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ نَصِيبَهُ المُسْتَحَقَّ ثَناءً أوْ غَيْرَهُ صَدَّرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُرادِ اللَّهِ مِن إرْسالِ رَسُولِهِ ﷺ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالمُقَدَّمَةِ لِلْقِصَّةِ وذُكِرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - تَعالى - في إرْسالِهِ ما لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِالواقِعَةِ المُتَحَدَّثِ عَنْها، فَذُكِرَتْ أوْصافٌ ثَلاثَةٌ هي: شاهِدٌ، ومُبَشِّرٌ، ونَذِيرٌ. وقُدِّمَ مِنها وصْفُ الشّاهِدِ لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الوَصْفانِ بَعْدَهُ. فالشّاهِدُ: المُخْبِرُ بِتَصْدِيقِ أحَدٍ أوْ تَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ أوِ ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالمَعْنى: أرْسَلْناكَ في حالِ أنَّكَ تَشْهَدُ عَلى الأُمَّةِ بِالتَّبْلِيغِ بِحَيْثُ لا يُعْذَرُ المُخالِفُونَ عَنْ شَرِيعَتِكَ فِيما خالَفُوا فِيهِ، وتَشْهَدُ عَلى الأُمَمِ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ حاصِلَةٌ في الدُّنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ، فانْتَصَبَ شاهِدًا عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو حالُ مُقارَنَةٍ ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي سَيَشْهَدُ بِهِ أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرٌ لِلْعاصِينَ عَلى مَراتِبِ العِصْيانِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ الأفْعالَ الأرْبَعَةَ لِتُؤْمِنُوا، وتُعَزِّرُوهُ، وتُوَقِّرُوهُ، وتُسَبِّحُوهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ في الأفْعالِ الأرْبَعَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في لِتُؤْمِنُوا لامَ كَيْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ أرْسَلْناكَ. والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ، أيْ لِتُؤْمِنَ أنْتَ والَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، والمَقْصُودُ الإيمانُ بِاللَّهِ. وأُقْحِمَ ورَسُولِهِ لِأنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْأُمَّةِ وهم مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَأْمُورٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ولِذَلِكَ كانَ يَقُولُ في تَشَهُّدِهِ: وأشْهَدُ أنَّ صفحة ١٥٦ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وقالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أشْهَدُ أنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» . وصَحَّ أنَّهُ كانَ يُتابِعُ قَوْلَ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنّاسِ خاصَّةً ولا إشْكالَ في عَطْفِ ورَسُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ ونَذِيرًا وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ لِتُؤْمِنُوا لامَ الأمْرِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا لِلْأمْرِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ في سُورَةِ الحَدِيدِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ فِيها، والضَّمائِرُ عائِدَةٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ لِأنَّ الشَّهادَةَ والتَّبْشِيرَ والنِّذارَةَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ، أيْ شاهِدًا عَلى النّاسِ ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ إلَخْ. والتَّعْزِيزُ: النَّصْرُ والتَّأْيِيدُ، وتَعْزِيزُهُمُ اللَّهَ كَقَوْلِهِ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ. والتَّوْقِيرُ: التَّعْظِيمُ. والتَّسْبِيحُ: الكَلامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَعالى - عَنْ كُلِّ النَّقائِصِ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ المَنصُوبَةُ الثَّلاثَةُ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَها اسْمَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما. والقَرِينَةُ عَلى تَعْيِينِ المُرادِ ذِكْرُ ”وتُسَبِّحُوهُ“، ولِأنَّ عَطْفَ ”ورَسُولِهِ“ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ اعْتِدادٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ إيمانٌ بِاللَّهِ فالمَقْصُودُ هو الإيمانُ بِاللَّهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: إنَّ ضَمِيرَ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ. والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: آخِرُهُ، وهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيعابِ الأوْقاتِ بِالتَّسْبِيحِ والإكْثارِ مِنهُ، كَما يُقالُ: شَرْقًا وغَرْبًا لِاسْتِيعابِ الجِهاتِ. وقِيلَ التَّسْبِيحُ هُنا: كِنايَةٌ عَنِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ والقَوْلُ في بُكْرَةٍ وأصِيلًا هو هو. وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ الأحْزابِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] صفحة ١٥٧ فَزِيدَ في صِفاتِ النَّبِيءِ ﷺ هُنالِكَ وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ولَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في الآيَةِ هَذِهِ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ ورَدَتْ في سِياقِ إبْطالِ شَكِّ الَّذِينَ شَكُّوا في أمْرِ الصُّلْحِ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِوَعْدِ الفَتْحِ والنَّصْرِ، والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ اطْمَأنُّوا لِذَلِكَ فاقْتُصِرَ مِن أوْصافِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الوَصْفِ الأصْلِيِّ وهو أنَّهُ شاهَدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ وكَوْنِهِ مُبَشِّرًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ ونَذِيرًا لِلْآخَرِ، بِخِلافِ آيَةِ الأحْزابِ فَإنَّها ورَدَتْ في سِياقِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مَطاعِنِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في تَزَوُّجِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها زَوْجَةُ ابْنِهِ، فَناسَبَ أنْ يُزادَ في صِفاتِهِ ما فِيهِ إشارَةٌ إلى التَّمْحِيصِ بَيْنَ ما هو مِن صِفاتِ الكَمالِ وما هو مِنَ الأوْهامِ النّاشِئَةِ عَنْ مَزاعِمَ كاذِبَةٍ مِثْلَ التَّبَنِّي، فَزِيدَ كَوْنُهُ داعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ، أيْ لا يَتَّبِعُ مَزاعِمَ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ وأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ يَهْتَدِي بِهِ مَن هِمَّتُهُ في الِاهْتِداءِ دُونَ التَّقْعِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأحْزابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

الفتح 48:9

صفحة ١٥٥ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ لَمّا أُرِيدَ الِانْتِقالُ مِنَ الوَعْدِ بِالفَتْحِ والنَّصْرِ وما اقْتَضاهُ ذَلِكَ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ ذِكْرُهُ، إلى تَبْيِينِ ما جَرى في حادِثَةِ الحُدَيْبِيَةِ وإبْلاغِ كُلِّ ذِي حَظٍّ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ نَصِيبَهُ المُسْتَحَقَّ ثَناءً أوْ غَيْرَهُ صَدَّرَ ذَلِكَ بِذِكْرِ مُرادِ اللَّهِ مِن إرْسالِ رَسُولِهِ ﷺ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالمُقَدَّمَةِ لِلْقِصَّةِ وذُكِرَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ - تَعالى - في إرْسالِهِ ما لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِالواقِعَةِ المُتَحَدَّثِ عَنْها، فَذُكِرَتْ أوْصافٌ ثَلاثَةٌ هي: شاهِدٌ، ومُبَشِّرٌ، ونَذِيرٌ. وقُدِّمَ مِنها وصْفُ الشّاهِدِ لِأنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الوَصْفانِ بَعْدَهُ. فالشّاهِدُ: المُخْبِرُ بِتَصْدِيقِ أحَدٍ أوْ تَكْذِيبِهِ فِيما ادَّعاهُ أوِ ادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلِهِ ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالمَعْنى: أرْسَلْناكَ في حالِ أنَّكَ تَشْهَدُ عَلى الأُمَّةِ بِالتَّبْلِيغِ بِحَيْثُ لا يُعْذَرُ المُخالِفُونَ عَنْ شَرِيعَتِكَ فِيما خالَفُوا فِيهِ، وتَشْهَدُ عَلى الأُمَمِ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ حاصِلَةٌ في الدُّنْيا وفي يَوْمِ القِيامَةِ، فانْتَصَبَ شاهِدًا عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو حالُ مُقارَنَةٍ ويَتَرَتَّبُ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي سَيَشْهَدُ بِهِ أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرٌ لِلْعاصِينَ عَلى مَراتِبِ العِصْيانِ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وتَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ وتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ الأفْعالَ الأرْبَعَةَ لِتُؤْمِنُوا، وتُعَزِّرُوهُ، وتُوَقِّرُوهُ، وتُسَبِّحُوهُ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ في الأفْعالِ الأرْبَعَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ في لِتُؤْمِنُوا لامَ كَيْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ أرْسَلْناكَ. والخِطابُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ، أيْ لِتُؤْمِنَ أنْتَ والَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، والمَقْصُودُ الإيمانُ بِاللَّهِ. وأُقْحِمَ ورَسُولِهِ لِأنَّ الخِطابَ شامِلٌ لِلْأُمَّةِ وهم مَأْمُورُونَ بِالإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولِأنَّ الرَّسُولَ ﷺ مَأْمُورٌ بِأنْ يُؤْمِنَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ولِذَلِكَ كانَ يَقُولُ في تَشَهُّدِهِ: وأشْهَدُ أنَّ صفحة ١٥٦ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وقالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أشْهَدُ أنِّي عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ» . وصَحَّ أنَّهُ كانَ يُتابِعُ قَوْلَ المُؤَذِّنِ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنّاسِ خاصَّةً ولا إشْكالَ في عَطْفِ ورَسُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ ونَذِيرًا وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ إلَخْ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً، ويَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ لِتُؤْمِنُوا لامَ الأمْرِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا لِلْأمْرِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ في سُورَةِ الحَدِيدِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِياءِ الغَيْبَةِ فِيها، والضَّمائِرُ عائِدَةٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ لِأنَّ الشَّهادَةَ والتَّبْشِيرَ والنِّذارَةَ مُتَعَيِّنَةٌ لِلتَّعَلُّقِ بِمُقَدَّرٍ، أيْ شاهِدًا عَلى النّاسِ ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا لَهم لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ إلَخْ. والتَّعْزِيزُ: النَّصْرُ والتَّأْيِيدُ، وتَعْزِيزُهُمُ اللَّهَ كَقَوْلِهِ إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ. والتَّوْقِيرُ: التَّعْظِيمُ. والتَّسْبِيحُ: الكَلامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَنْزِيهِ اللَّهِ - تَعالى - عَنْ كُلِّ النَّقائِصِ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ المَنصُوبَةُ الثَّلاثَةُ عائِدَةٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّ إفْرادَ الضَّمائِرِ مَعَ كَوْنِ المَذْكُورِ قَبْلَها اسْمَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما. والقَرِينَةُ عَلى تَعْيِينِ المُرادِ ذِكْرُ ”وتُسَبِّحُوهُ“، ولِأنَّ عَطْفَ ”ورَسُولِهِ“ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ اعْتِدادٌ بِأنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ ﷺ إيمانٌ بِاللَّهِ فالمَقْصُودُ هو الإيمانُ بِاللَّهِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْهُ: إنَّ ضَمِيرَ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ عائِدٌ إلى رَسُولِهِ. والبُكْرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ. والأصِيلُ: آخِرُهُ، وهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِيعابِ الأوْقاتِ بِالتَّسْبِيحِ والإكْثارِ مِنهُ، كَما يُقالُ: شَرْقًا وغَرْبًا لِاسْتِيعابِ الجِهاتِ. وقِيلَ التَّسْبِيحُ هُنا: كِنايَةٌ عَنِ الصَّلَواتِ الواجِبَةِ والقَوْلُ في بُكْرَةٍ وأصِيلًا هو هو. وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ الأحْزابِ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] صفحة ١٥٧ فَزِيدَ في صِفاتِ النَّبِيءِ ﷺ هُنالِكَ وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا ولَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في الآيَةِ هَذِهِ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ الفَتْحِ ورَدَتْ في سِياقِ إبْطالِ شَكِّ الَّذِينَ شَكُّوا في أمْرِ الصُّلْحِ والَّذِينَ كَذَّبُوا بِوَعْدِ الفَتْحِ والنَّصْرِ، والثَّناءِ عَلى الَّذِينَ اطْمَأنُّوا لِذَلِكَ فاقْتُصِرَ مِن أوْصافِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الوَصْفِ الأصْلِيِّ وهو أنَّهُ شاهَدٌ عَلى الفَرِيقَيْنِ وكَوْنِهِ مُبَشِّرًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ ونَذِيرًا لِلْآخَرِ، بِخِلافِ آيَةِ الأحْزابِ فَإنَّها ورَدَتْ في سِياقِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ مَطاعِنِ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في تَزَوُّجِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها زَوْجَةُ ابْنِهِ، فَناسَبَ أنْ يُزادَ في صِفاتِهِ ما فِيهِ إشارَةٌ إلى التَّمْحِيصِ بَيْنَ ما هو مِن صِفاتِ الكَمالِ وما هو مِنَ الأوْهامِ النّاشِئَةِ عَنْ مَزاعِمَ كاذِبَةٍ مِثْلَ التَّبَنِّي، فَزِيدَ كَوْنُهُ داعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ، أيْ لا يَتَّبِعُ مَزاعِمَ النّاسِ ورَغَباتِهِمْ وأنَّهُ سِراجٌ مُنِيرٌ يَهْتَدِي بِهِ مَن هِمَّتُهُ في الِاهْتِداءِ دُونَ التَّقْعِيرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الأحْزابِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ فارْجِعْ إلَيْهِ.

الفتح 48:10

﴿إنِ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عَهَدَ عَلَيْهِ اللَّهَ فَسَنُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ شُرُوعٌ في الغَرَضِ الأصْلِيِّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأكَّدَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”يُبايِعُونَكَ“ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ المُبايَعَةِ الجَلِيلَةِ لِتَكُونَ كَأنَّها حاصِلَةٌ في زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ أنَّها قَدِ انْقَضَتْ وذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ويَصْنَعُ الفُلْكَ. والحَصْرُ المُفادُ مِن (إنَّما) حَصْرُ الفِعْلِ في مَفْعُولِهِ، أيْ لا يُبايِعُونَ إلّا اللَّهَ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ بِادِّعاءِ أنَّ غايَةَ البَيْعَةِ وغَرَضَها هو النَّصْرُ لِدِينِ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَنَزَلَ الغَرَضُ مَنزِلَةَ الوَسِيلَةِ فادَّعى أنَّهم بايَعُوا اللَّهَ لا الرَّسُولَ. صفحة ١٥٨ وحَيْثُ كانَ الحَصْرُ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ، كَما قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: لَمْ أجْعَلْ (إنَّ) الَّتِي في مُفْتَتَحِ الجُمْلَةِ لِلتَّأْكِيدِ لِحُصُولِ التَّأْكِيدِ بِغَيْرِها فَجَعَلْتُها لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ غَرَضانِ. وانْتَقَلَ مِن هَذا الِادِّعاءِ إلى تَخَيُّلِ أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يُبايِعُهُ المُبايِعُونَ فَأُثْبِتَتْ لَهُ اليَدُ الَّتِي هي مِن رَوادِفِ المُبايَعِ بِالفَتْحِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيلَةِ مِثْلَ إثْباتِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ. وقَدْ هُيِّأتْ صِيغَةُ المُبايَعَةِ لِأنْ تُذْكَرَ بَعْدَها الأيْدِي لِأنَّ المُبايَعَةَ يُقارِنُها وضْعُ المُبايِعِ يَدَهُ في يَدِ المُبايَعِ بِالفَتْحِ كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: حَتّى وضَعَتْ يَمِينِي لا أُنازِعُهُ في كَفِّ ذِي يَسَراتٍ قِيلُهُ القِيلُ ومِمّا زادَ هَذا التَّخْيِيلَ حُسْنًا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ بَيْنَ يَدِ اللَّهِ وأيْدِيهِمْ كَما قالَ في المِفْتاحِ: والمُشاكَلَةُ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ واللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ اليَدِ وسِماتِ المُحْدَثاتِ. فَجُمْلَةُ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ المُفِيدَةِ أنَّ بَيْعَتَهُمُ النَّبِيءَ ﷺ في الظّاهِرِ، هي بَيْعَةٌ مِنهم لِلَّهِ في الواقِعِ فَقَرَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ وأكَّدَتْهُ ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنْ حَرْفِ العَطْفِ. وجُعِلَتِ اليَدُ المُتَخَيَّلَةُ فَوْقَ أيْدِيهِمْ: إمّا لِأنَّ إضافَتَها إلى اللَّهِ تَقْتَضِي تَشْرِيفَها بِالرِّفْعَةِ عَلى أيْدِي النّاسِ كَما وُصِفَتْ في المُعْطِي بِالعُلْيا في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى واليَدُ العُلْيا هي المُعْطِيَةُ واليَدُ السُّفْلى هي الآخِذَةُ»، وإمّا لِأنَّ المُبايَعَةَ كانَتْ بِأنْ يَمُدَّ المُبايِعُ كَفَّهُ أمامَ المُبايَعِ بِالفَتْحِ ويَضَعَ هَذا المُبايِعُ يَدَهُ عَلى يَدِ المُبايَعِ، فالوَصْفُ بِالفَوْقِيَّةِ مِن تَمامِ التَّخْيِيلِيَّةِ. ويَشْهَدُ لِهَذا ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا بايَعَهُ النّاسُ كانَ عُمَرُ آخِذًا بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيْ كانَ عُمَرُ يَضَعُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أيْدِي النّاسِ كَيْلا يَتْعَبَ بِتَحْرِيكِها لِكَثْرَةِ المُبايِعِينَ فَدَلَّ عَلى أنَّ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ تُوضَعُ عَلى يَدِ المُبايِعِينَ» . وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الفَوْقِيَّةِ هُنا تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ وإغْراقٌ في التَّخَيُّلِ. والمُبايَعَةُ أصْلُها مُشْتَقَّةٌ مِنَ البَيْعِ فَهي مُفاعَلَةٌ لِأنَّ كِلا المُتَعاقِدَيْنِ بائِعٌ، ونُقِلَتْ صفحة ١٥٩ إلى مَعْنى العَهْدِ عَلى الطّاعَةِ والنُّصْرَةِ قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيَةَ، وهي هُنا بِمَعْنى العَهْدِ عَلى النُّصْرَةِ والطّاعَةِ. وهِيَ البَيْعَةُ الَّتِي بايَعَها المُسْلِمُونَ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ شَجَرَةٍ مِنَ السَّمُرِ وكانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ عَلى أكْثَرِ الرِّواياتِ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أوْ أكْثَرَ، وعَنْهُ: أنَّهم خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى كانُوا ثَلاثَ عَشْرَةَ مِائَةً. وأوَّلُ مَن بايَعَ النَّبِيءَ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أبُو سِنانٍ الأسَدِيُّ. وتُسَمّى بَيْعَةَ الرِّضْوانِ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . وكانَ سَبَبُ هَذِهِ البَيْعَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْسَلَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى أهْلِ مَكَّةَ لِيُفاوِضَهم في شَأْنِ التَّخْلِيَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الِاعْتِمارِ بِالبَيْتِ فَأُرْجِفَ بِأنَّ عُثْمانَ قُتِلَ فَعَزَمَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى قِتالِهِمْ لِذَلِكَ ودَعا مَن مَعَهُ إلى البَيْعَةِ عَلى أنْ لا يَرْجِعُوا حَتّى يُناجِزُوا القَوْمَ، فَكانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بايَعُوهُ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا، وقالَ سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: بايَعْناهُ عَلى المَوْتِ، ولا خِلافَ بَيْنَ هَذَيْنِ لِأنَّ عَدَمَ الفِرارِ يَقْتَضِي الثَّباتَ إلى المَوْتِ. ولَمْ يَتَخَلَّفْ أحَدٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إلى الحُدَيْبِيَةِ عَنِ البَيْعَةِ إلّا عُثْمانُ إذْ كانَ غائِبًا بِمَكَّةَ لِلتَّفاوُضِ في شَأْنِ العُمْرَةِ، ووَضَعَ النَّبِيءُ ﷺ يَدَهُ اليُمْنى عَلى يَدِهِ اليُسْرى وقالَ: هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ ثُمَّ جاءَ عُثْمانُ، فَبايَعَ وإلّا الجِدُّ بْنُ قَيْسٍ السُّلَمِيُّ اخْتَفى وراءَ جَمَلِهِ حَتّى بايَعَ النّاسُ ولَمْ يَكُنْ مُنافِقًا ولَكِنَّهُ كانَ ضَعِيفَ العَزْمِ. وقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «أنْتُمْ خَيْرُ أهْلِ الأرْضِ» . وفُرِّعَ قَوْلُهُ ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾، فَإنَّهُ لَمّا كَشَفَ كُنْهَ هَذِهِ البَيْعَةِ بِأنَّها مُبايَعَةٌ لِلَّهِ ضَرُورَةَ أنَّها مُبايَعَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاعْتِبارِ رِسالَتِهِ عَنِ اللَّهِ صارَ أمْرُ هَذِهِ البَيْعَةِ عَظِيمًا خَطِيرًا في الوَفاءِ بِما وقَعَ عَلَيْهِ التَّبايُعُ وفي نَكْثِ ذَلِكَ. والنَّكْثُ: كالنَّقْضِ لِلْحَبْلِ. قالَ - تَعالى - ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النحل: ٩٢] صفحة ١٦٠ وغَلَبَ النَّكْثُ في مَعْنى النَّقْضِ المَعْنَوِيِّ كَإبْطالِ العَهْدِ. والكَلامُ تَحْذِيرٌ مَن نَكْثِ هَذِهِ البَيْعَةِ وتَفْظِيعٌ لَهُ لِأنَّ الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ. ومُضارِعُ يَنْكُثُ بِضَمِّ الكافِ في المَشْهُورِ واتَّفَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ. ومَعْنى فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ. أنَّ نَكْثَهُ عائِدٌ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (عَلى) . و(إنَّما) لِلْقَصْرِ وهو لِقَصْرِ النَّكْثِ عَلى مَدْلُولِ عَلى نَفْسِهِ لِيُرادَ لا يَضُرُّ بِنَكْثِهِ إلّا نَفْسَهُ ولا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا فَإنَّ نَكْثَ العَهْدِ لا يَخْلُو مِن قَصْدِ إضْرارٍ بِالمَنكُوثِ، فَجِيءَ بِقَصْرِ القَلْبِ لِقَلْبِ قَصْدِ النّاكِثِ عَلى نَفْسِهِ دُونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ . ويُقالُ: أوْفى بِالعَهْدِ وهي لُغَةُ تِهامَةَ، ويُقالُ: وفّى بِدُونِ هَمْزٍ وهي لُغَةُ عامَّةُ العَرَبِ، ولَمْ تَجِئْ في القُرْآنِ إلّا الأُولى. قالُوا: ولَمْ يَنْكُثْ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ سَبَبَ المُبايَعَةِ قَدِ انْعَدَمَ بِالصُّلْحِ الواقِعِ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَوَأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيما بَيْنَ ساعَةِ البَيْعَةِ وبَيْنَ انْعِقادِ الهُدْنَةِ، وحَصَلَ أجْرُ الإيفاءِ بِالنِّيَّةِ عَدَمُهُ لَوْ نَزَلَ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (فَسَنُؤْتِيهِ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا ضَمِيرُهُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ.

الفتح 48:11

﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ لَمّا حَذَّرَ مِنَ النَّكْثِ ورَغَّبَ في الوَفاءِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ التَّخَلُّفِ عَنْ الِانْضِمامِ إلى جَيْشِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ الخُرُوجِ إلى عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ وهو ما فَعَلَهُ الأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا نازِلِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ وهم سِتُّ قَبائِلَ: غِفارُ، ومُزَيَّنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، والدَّيْلُ، بَعْدَ أنْ بايَعُوهُ عَلى الخُرُوجِ مَعَهُ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صفحة ١٦١ لَمّا أرادَ المَسِيرَ إلى العُمْرَةِ اسْتَنْفَرَ مِن حَوْلِ المَدِينَةِ مِنهم لِيَخْرُجُوا مَعَهُ فَيَرْهَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ فَلا يَصُدُّوهُ عَنْ عُمْرَتِهِ فَتَثاقَلَ أكْثَرُهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ. وكانَ مِن أهْلِ البَيْعَةِ زَيْدُ بْنُ خالِدٍ الجُهَنِيُّ مَن جُهَيْنَةَ وخَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ مِن أسْلَمَ مِائَةُ رَجُلٍ مِنهم مِرْداسُ بْنُ مالِكٍ الأسْلَمِيُّ، والِدُ عَبّاسٍ الشّاعِرِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، وزاهِرُ بْنُ الأسْوَدِ، وأُهْبانُ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - بْنُ أوْسٍ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ الأسْلَمِيُّ، ومِن غِفارٍ خُفافُ - بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ - بْنُ أيْماءَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بَعْدَها تَحْتِيَّةً ساكِنَةً، ومَن مُزَيَّنَةَ عائِذُ بْنُ عَمْرٍو. وتَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مُعْظَمُهم وكانُوا يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، وأعَدُّوا لِلْمَعْذِرَةِ بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهم شَغَلَتْهم أمْوالُهم وأهْلُوهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِما بَيَّتُوهُ في قُلُوبِهِمْ وفَضَحَ أمْرَهم مِن قَبْلِ أنْ يَعْتَذِرُوا. وهَذِهِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ بِالأخْبارِ الَّتِي قَبْلَ وُقُوعِهِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإيفاءِ والنَّكْثِ، فَكُمِّلَ بِذِكْرِ مَن تَخَلَّفُوا عَنِ الدّاعِي لِلْعَهْدِ. والمَعْنى: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ مَرْجِعِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مُعْتَذِرِينَ كاذِبِينَ في اعْتِذارِهِمْ. والمُخَلَّفُونَ بِفَتْحِ اللّامِ هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا. وأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ ”المُخَلَّفُونَ“ أيْ غَيْرُهم خَلَّفَهم وراءَهُ، أيْ تَرَكَهم خَلْفَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنَّهم مَأْذُونٌ لَهم بَلِ المُخَلَّفُ هو المَتْرُوكُ مُطْلَقًا. يُقالُ: خَلَّفْنا فَلانًا، إذا مَرُّوا بِهِ وتَرَكُوهُ لِأنَّهُمُ اعْتَذَرُوا مِن قَبْلِ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَذَرَهم بِخِلافِ الأعْرابِ فَإنَّهم تَخَلَّفَ أكْثَرُهم بَعْدَ أنِ اسْتُنْفِرُوا ولَمْ يَعْتَذِرُوا حِينَئِذٍ. والأمْوالُ: الإبِلُ. وأهْلُونَ: جَمْعُ أهْلٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ أوِ الياءِ والنُّونِ، فَعُدَّ مِمّا أُلْحِقَ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ. ومَعْنى ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾: اسْألْ لَنا المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَهو طَلَبٌ صفحة ١٦٢ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم ظَنُّوا أنَّ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ ﷺ لَهم يَمْحُو ما أضْمَرُوهُ مِنَ النَّكْثِ وذَهَلُوا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ بِما أضْمَرُوهُ كَدَأْبِ أهْلِ الجَهالَةِ فَقَدْ قَتَلَ اليَهُودُ زَكَرِيّا مَخافَةَ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ دَعْوَةٌ عَلَيْهِمْ حِينَ قَتَلُوا ابْنَهُ يَحْيى ولِذَلِكَ عُقِّبَ قَوْلُهم هُنا بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ الآيَةَ. وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ﴾ . والمَعْنى: أنَّهم كاذِبُونَ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الِاعْتِذارِ، وإنَّما كانَ تَخَلُّفُهم لِظَنِّهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَقْصِدُ قِتالَ أهْلِ مَكَّةَ أوْ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ مُقاتِلُوهُ لا مَحالَةَ وأنَّ الجَيْشَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَغْلِبُوا أهْلَ مَكَّةَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا: يَذْهَبُ إلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ يَعْنُونَ غَزْوَةَ الأحْزابِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَيُقاتِلُهم وظَنُّوا أنَّهُ لا يَنْقَلِبُ إلى المَدِينَةِ وذَلِكَ مِن ضَعْفِ يَقِينِهِمْ. * * * ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما فِيهِ رَدُّ أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ لِيُعْلِمَهم أنَّ اسْتِغْفارَهُ اللَّهَ لَهم لا يُكْرِهُ اللَّهَ عَلى المَغْفِرَةِ بَلِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ إذا أرادَهُ فَإنْ كانَ أرادَ بِهِمْ نَفْعًا نَفَعَهم وإنْ كانَ أرادَ بِهِمْ ضُرًّا ضَرَّهم فَما كانَ مِنَ النُّصْحِ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَتَوَرَّطُوا فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَهُ. فَلَعَلَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم، فالغَرَضُ مِن هَذا تَخْوِيفُهم مِن عِقابِ ذَنْبِهِمْ إذْ تَخَلَّفُوا عَنْ نَفِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وكَذَبُوا في الِاعْتِذارِ لِيُكْثِرُوا مِنَ التَّوْبَةِ وتَدارُكِ المُمْكِنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَهُ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ. فَمَعْنى إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا هُنا الإرادَةُ الَّتِي جَرَتْ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ - تَعالى - مِن إعْطائِهِ النَّفْعَ إيّاهم أوْ إصابَتِهِ بِضُرٍّ وفي هَذا الكَلامِ تَوْجِيهٌ بِأنَّ صفحة ١٦٣ تَخَلُّفَهم سَبَبٌ في حِرْمانِهِمْ مِن فَضِيلَةِ شُهُودِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وفي حِرْمانِهِمْ مِن شُهُودِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِنَهْيِهِ عَنْ حُضُورِهِمْ فِيها. ومَعْنى المِلْكُ هُنا: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ، أيْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَ ما أرادَهُ اللَّهُ وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ. والغالِبُ في مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَلى تَحْوِيلِ الشَّرِّ خَيْرًا كَقَوْلِهِ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . فَكانَ الجَرْيُ عَلى ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مُقْتَضِيًا الِاقْتِصارَ عَلى نَفْيِ أنْ يَمْلِكَ أحَدٌ لَهم شَيْئًا إذا أرادَ اللَّهُ ضَرَّهم دُونَ زِيادَةٍ أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا، فَتُوَجَّهُ هَذِهِ الزِّيادَةُ أنَّها لِقَصْدِ التَّتْمِيمِ والِاسْتِيعابِ، ونَظِيرُهُ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] في سُورَةِ الأحْزابِ. وقَدْ مَضى قَرِيبٌ مِن هَذا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، فَراجِعْهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ضَرًّا“ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها وهُما بِمَعْنًى، وهو مَصْدَرٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا مُرادًا بِهِ مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنْ أرادَ أنْ يَضُرَّكم أوْ يَنْفَعَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ إنْ أرادَ بِكم ما يَضُرُّكم وما يَنْفَعُكم. ومَعْنى تَعَلُّقِ ”أرادَ“ بِهِ أنَّهُ بِمَعْنى أرادَ إيصالَ ما يَضُرُّكم أوْ ما يَنْفَعُكم. وهَذا الجَوابُ لا عِدَةَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم إذِ المَقْصُودُ تَرْكُهم في حالَةِ وجَلٍ لِيَسْتَكْثِرُوا مِن فِعْلِ الحَسَناتِ. وقُصِدَتْ مُفاتَحَتُهم بِهَذا الإبْهامِ لِإلْقاءِ الوَجَلِ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُغْفَرَ لَهم ثُمَّ سَيُتْبِعُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفتح: ١٤] الآيَةَ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الإطْماعِ. و(بَلْ) في قَوْلِهِ ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ . وبِهِ يَزْدادُ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ تَقْرِيرًا لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطالًا لِعُذْرِهِمْ، ومِن مَعْنى الإبْطالُ يَحْصُلُ بَيانُ صفحة ١٦٤ الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ كانَ اللَّهُ بِما تَعْلَمُونَ خَبِيرًا إذْ يُفِيدُ أنَّهُ خَبِيرٌ بِكَذِبِهِمْ في الِاعْتِذارِ فَلِذَلِكَ أبْطَلَ اعْتِذارَهم بِحَرْفِ الإبْطالِ. وتَقْدِيمُ بِما تَعْمَلُونَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ عَمَلِهِمْ هَذا. وماصَدَقُ (ما تَعْمَلُونَ) ما اعْتَقَدُوهُ وما ماهُوا بِهِ مِن أسْبابِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ نَفِيرِ الرَّسُولِ وكَثِيرًا ما سَمّى القُرْآنُ الِاعْتِقادَ عَمَلًا. وفي قَوْلِهِ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

الفتح 48:12

﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْلَمُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، أيْ خَبِيرًا بِما عَلِمْتُمْ، ومِنهُ ظَنُّكم ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ﴾ . وأُعِيدَ حَرْفُ الإبْطالِ زِيادَةً لِتَحْقِيقِ مَعْنى البَدَلِيَّةِ. كَما يُكَرَّرُ العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَأْوى. و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (أنَّ) المُشَدَّدَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَنْتُمْ، وجِيءَ بِحَرْفِ (لَنْ) المُفِيدِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ، وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ أبَدًا لِأنَّ ظَنَّهم كانَ قَوِيًّا. والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ وإنَّما جُعِلَ ذَلِكَ الظَّنُّ مُزَيَّنًا في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَفْرِضُوا غَيْرَهُ مِن الِاحْتِمالِ، وهو أنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ ﷺ سالِمًا. وهَكَذا شَأْنُ العُقُولِ الواهِيَةِ والنُّفُوسِ الهاوِيَةِ أنْ لا تَأْخُذَ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَتَصَوَّرُ بِها الحَوادِثُ إلّا الصُّورَةَ الَّتِي تَلُوحُ لَها في بادِئِ الرَّأْيِ. وإنَّما تَلُوحُ لَها أوَّلَ شَيْءٍ لِأنَّها الصُّورَةُ المَحْبُوبَةُ ثُمَّ يَعْتَرِيها التَّزْيِينُ في العَقْلِ فَتَلْهُو عَنْ فَرْضِ غَيْرِها فَلا تَسْتَعِدُّ لِحِدْثانِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ (حُبُكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ) . كانُوا يَقُولُونَ بَيْنَ أقْوالِهِمْ: ”إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ أكَلَةُ - بِفُتُحاتٍ ثَلاثٍ - رَأْسٍ“ كِنايَةً عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُشْبِعُهم رَأْسُ بَعِيرٍ لا يَرْجِعُونَ، أيْ هم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِقُرَيْشٍ والأحابِيشِ وكِنانَةَ، ومَن في حِلْفِهِمْ. صفحة ١٦٥ وظَنَّ السَّوْءِ أعَمُّ مِن ظَنِّهِمْ أنْ لا يَرْجِعَ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، أيْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ بِالدِّينِ وبِمَن بَقِيَ مِنَ المُوقِنِينَ لِأنَّهم جَزَمُوا بِاسْتِئْصالِ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّ المُشْرِكِينَ يَنْتَصِرُونَ ثُمَّ يَغْزُونَ المَدِينَةَ بِمَن يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ مِنَ القَبائِلِ فَيُسْقَطُ في أيْدِي المُؤْمِنِينَ ويَرْتَدُّونَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ ظَنُّ السَّوْءِ. والسَّوْءِ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. والبُورُ: مَصْدَرٌ كالهُلْكِ بِناءً ومَعْنًى، ومِثْلُهُ البَوارُ بِالفَتْحِ كالهَلاكِ ولِذَلِكَ وقَعَ وصْفًا بِالإفْرادِ ومَوْصُوفِهِ في مَعْنى الجَمْعِ. والمُرادُ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ، وهو عَدَمُ الخَيْرِ والنَّفْعِ في الدِّينِ والآخِرَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . وإقْحامُ كَلِمَةِ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كُنْتُمْ“ و”بُورًا“ لِإفادَةِ أنَّ البَوارَ صارَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لِشِدَّةِ تَلَبُّسِهِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.

الفتح 48:13

﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] الآياتِ، وقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفتح: ١٤] وهَذا الِاعْتِراضُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اسْتِدْراجِهِمْ أنْفُسَهم في مَدارِجِ الشَّكِّ في إصابَةِ أعْمالِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إلى دَرَكاتِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ إذْ كانَ تَخَلُّفُهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ وما عَلَّلُوا بِهِ تَثاقُلَهم في نُفُوسِهِمْ، وإظْهارُ عُذْرٍ مَكْذُوبٍ أضْمَرُوا خِلافَهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَوْمًا حَوْلَ حِمى الشَّكِّ يُوشِكُونَ أنْ يَقَعُوا فِيهِ. و(مِن) شَرْطِيَّةٌ. وإظْهارُ لَفْظِ الكافِرِينَ في مَقامِ أنْ يُقالَ: أعْتَدْنا لَهم سَعِيرًا، لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ. والسَّعِيرُ: النّارُ المُسَعَّرَةُ وهو مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

الفتح 48:14

صفحة ١٦٦ ﴿ولِلَّهِ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] فَهو مِن أجْزاءِ القَوْلِ، وهَذا انْتِقالٌ مِنَ التَّخْوِيفِ الَّذِي أوْهَمَهُ ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] إلى إطْماعِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي سَألُوها، ولِذَلِكَ قُدِّمَ الضُّرُّ عَلى النَّفْعِ في الآيَةِ الأُولى فَقِيلَ ﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] لِيَكُونَ احْتِمالُ إرادَةِ الضُّرِّ بِهِمْ أسْبَقَ في نُفُوسِهِمْ. وقُدِّمَتِ المَغْفِرَةُ هُنا بِقَوْلِهِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ لِيَتَقَرَّرَ مَعْنى الإطْماعِ في نُفُوسِهِمْ فَيَبْتَدِرُوا إلى اسْتِدْراكِ ما فاتَهم. وهَذا تَمْهِيدٌ لِوَعْدِهِمُ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] . وزادَ رَجاءَ المَغْفِرَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيِ الرَّحْمَةُ والمَغْفِرَةُ أقْرَبُ مِنَ العِقابِ، ولِلْأمْرَيْنِ مَواضِعُ ومَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ، والنَّوايا والعَوارِضِ، وقِيمَةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَدَّرَها تَقْدِيرًا. ولَفْظُ ”مَن يَشاءُ“ في المَوْضِعَيْنِ إجْمالٌ لِلْمَشِيئَةِ وأسْبابِها وقَدْ بُيِّنَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَضاعِيفِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

الفتح 48:15

﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ثانٍ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] . وهُوَ أيْضًا إعْلامٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما سَيَقُولُهُ المُخَلَّفُونَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وعُذْرِهِمُ الكاذِبِ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ حِينَ يَرَوْنَ اجْتِناءَ أهْلِ صفحة ١٦٧ ٧٢ الحُدَيْبِيَةِ ثَمَرَةَ غَزْوِهِمْ، ويَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ تَكْذِيبِهِمْ في اعْتِذارِهِمْ عَنِ التَّخَلُّفِ بِأنَّهم حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ هُنالِكَ مَغانِمَ مِن قِتالٍ غَيْرِ شَدِيدٍ يَحْرِصُونَ عَلى الخُرُوجِ ولا تَشْغَلُهم أمْوالُهم ولا أهالِيهِمْ، فَلَوْ كانَ عُذْرُهم حَقًّا لَما حَرَصُوا عَلى الخُرُوجِ إذا تَوَقَّعُوا المَغانِمَ ولَأقْبَلُوا عَلى الِاشْتِغالِ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ. ولِكَوْنِ هَذِهِ المَقالَةِ صَدَرَتْ مِنهم عَنْ قَرِيحَةٍ ورَغْبَةٍ لَمْ يُؤْتَ مَعَها بِمَجْرُورِ لَكَ كَما أُتِيَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ﴾ [الفتح: ١١] آنِفًا لِأنَّ هَذا قَوْلٌ راغِبٌ صادِقٌ غَيْرُ مُزَوَّرٍ لِأجْلِ التَّرْوِيجِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ كَما عَلِمْتَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ. واسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِنَ الأعْرابِ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُخَلَّفُونَ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ المُخَلَّفُونَ المَذْكُورُونَ. وقَوْلُهُ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ ولَيْسَ هو مَقُولُ القَوْلِ. و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، ووُقُوعُ فِعْلِ المُضِيِّ بَعْدَهُ دُونَ المُضارِعِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّحْقِيقِ، و(إذا) قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها خاصَّةٌ بِالزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ. والمُرادُ بِالمَغانِمِ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾: الخُرُوجُ إلى غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ مَغانِمَ مَجازًا لِعَلاقَةِ الأوَّلِ، مِثْلُ إطْلاقِ خَمْرًا في قَوْلِهِ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا. وفي هَذا المَجازِ إيماءٌ إلى أنَّهم مَنصُورُونَ في غَزْوَتِهِمْ. وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى المَدِينَةِ أقامَ شَهْرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وأيّامًا مِن مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ ثُمَّ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ خَيْبَرَ ورامَ المُخَلَّفُونَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَمَنَعَهم لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ غَنِيمَةً لِأهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ خاصَّةً إذْ وعَدَهم بِفَتْحٍ قَرِيبٍ. وقَوْلُهُ ”لِتَأْخُذُوها“ تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ وهو إيماءٌ إلى أنَّ المَغانِمَ حاصِلَةٌ لَهم لا مَحالَةَ. وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ نَبِيئَهُ ﷺ أنَّهُ وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ عَدَمِ دُخُولِ مَكَّةَ مَغانِمَ خَيْبَرَ. صفحة ١٦٨ و”مَغانِمُ“: جَمْعُ مَغْنَمٍ وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن غَنِمَ إذا أصابَ ما فِيهِ نَفْعٌ لَهُ كَأنَّهم سَمَّوْهُ مَغْنَمًا بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ المَغْنُومِ بِمَكانٍ فِيهِ غَنَمٌ فَصِيغَ لَهُ وزْنُ المَفْعَلِ. وأشْعَرَ قَوْلُهُ ”ذَرُونا“ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ سَيَمْنَعُهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ إلى غَزْوِ خَيْبَرَ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ لا يَخْرُجَ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ إلّا مِن حَضَرَ الحُدَيْبِيَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ [غافر: ٢٦] في سُورَةِ غافِرٍ. وقَوْلُهُ ”نَتَّبِعْكم“ حِكايَةٌ لِمَقالَتِهِمْ وهو يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ اسْتِنْزالًا لِإجابَةِ طَلَبِهِمْ بِأنْ أظْهَرُوا أنَّهم يَخْرُجُونَ إلى غَزْوِ خَيْبَرَ كالأتْباعِ، أيْ أنَّهم راضُونَ بِأنْ يَكُونُوا في مُؤَخِّرَةِ الجَيْشِ فَيَكُونَ حَظُّهم في مَغانِمِهِ ضَعِيفًا. وتَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ: مُخالَفَةُ وحْيِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ كَرامَةً لِلْمُجاهِدِينَ وتَأْدِيبًا لِلْمُخَلَّفِينَ عَنِ الخُرُوجِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. فالمُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ ما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِن وعْدِ أهِلِ الحُدَيْبِيَةِ بِمَغانِمِ خَيْبَرَ خاصَّةً لَهم، ولَيْسَ المُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ هُنا القُرْآنَ إذْ لَمْ يُنَزَّلْ في ذَلِكَ قُرْآنٌ يَوْمَئِذٍ. وقَدْ أُشْرِكَ مَعَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ مَن أُلْحِقَ بِهِمْ مَن أهْلِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ الَّذِينَ أعْطاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِوَحْيٍ. وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ بِكَلامِ اللَّهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ وهَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ لَمْ يُمْنَعُوا مَنعًا مُؤَبَّدًا بَلْ مُنِعُوا مِنَ المُشارَكَةِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ لِئَلّا يُشارِكُوا في مَغانِمِها فَلا يُلاقِي قَوْلَهُ فِيها ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] ويُنافِي قَوْلَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ، فَإنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وهي بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِها لِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيئِهِ ﷺ بِمَنعِهِمْ مِنَ المُشارَكَةِ في فَتْحِ خَيْبَرَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَنازُلُهم في قَوْلِهِمْ ”﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾“ فَهم يُرِيدُونَ حِينَئِذٍ أنْ صفحة ١٦٩ يُغَيِّرُوا ما أمَرَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ حِينَ يَقُولُونَ ”﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾“ إذِ اتِّباعُ الجَيْشِ والخُرُوجُ في أوَّلِهِ سَواءٌ في المَقْصُودِ مِنَ الخُرُوجِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿كَلامَ اللَّهِ﴾“ . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”كَلِمَ اللَّهِ“ اسْمُ جَمْعِ كَلِمَةٍ. وجِيءَ بِـ (لَنْ) المُفِيدَةِ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ في الإذْنِ لَهم بِاتِّباعِ الجَيْشِ الخارِجِ إلى خَيْبَرَ ولِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”تَتَّبِعُونا“ لِلْعِلْمِ بِهِ. و”مِن قَبْلُ“ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ طَلَبِكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِما سَيَقُولُونَهُ إذْ قالَ ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ بَعْدَ نَحْوِ شَهْرٍ ونِصْفٍ فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ المُتَأهِّبُونَ لِلْخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ مَقالَتَهم قالُوا: قَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ في الحُدَيْبِيَةِ بِأنَّهم سَيَقُولُونَ هَذا. و(بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ ”﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾“ وهو إضْرابُ إبْطالٍ نَشَأ عَنْ فَوْرَةِ الغَضَبِ المَخْلُوطِ بِالجَهالَةِ وسُوءِ النَّظَرِ، أيْ لَيْسَ بِكُمُ الحِفاظُ عَلى أمْرِ اللَّهِ، بَلْ بِكم أنْ لا نُقاسِمَكم في المَغانِمِ حَسَدًا لَنا عَلى ما نُصِيبُ مِنَ المَغانِمِ. والحَسَدُ: كَراهِيَةُ أنْ يَنالَ غَيْرُكَ خَيْرًا مُعَيَّنًا أوْ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ مَعَ تَمَنِّي انْتِقالِهِ إلَيْكَ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ، فالحَسَدُ هُنا أُرِيدَ بِهِ الحِرْصُ عَلى الِانْفِرادِ بِالمَغانِمِ وكَراهِيَةِ المُشارَكَةِ فِيها لِئَلّا يَنْقُصَ سِهامُ الكارِهِينَ. وتَقَدَّمَ الحَسَدُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] كِلاهُما في سُورَةِ البَقَرَةِ. وضَمِيرُ الرَّفْعِ مُرادٌ بِهِ أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، نَسَبُوهم إلى الحَسَدِ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الجَوابَ بِمَنعِهِمْ لِعَدَمِ رِضا أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ بِمُشارَكَتِهِمْ في المَغانِمِ. ولا يُظَنُّ بِهِمْ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الضَّمِيرِ شُمُولَ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ المُخَلَّفِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ لا يَتَّهِمُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِالحَسَدِ ولِذَلِكَ أبْطَلَ اللَّهُ كَلامَهم بِالإضْرابِ الإبْطالِيِّ فَقالَ ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾، أيْ لَيْسَ قَوْلُكَ لَهم ذَلِكَ لِقَصْدِ الِاسْتِبْشارِ بِالمَغانِمِ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ ولَكِنَّهُ أمْرُ اللَّهِ وحَقُّهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وتَأْدِيبٌ لِلْمُخَلَّفِينَ لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فِيما صفحة ١٧٠ يَأْتِي وهم ظَنُّوهُ تَمالُؤًا مِن جَيْشِ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَتَهُ وسَبَبَهم. وإنَّما نَفى اللَّهُ عَنْهُمُ الفَهْمَ دُونَ الإيمانِ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم كانُوا جاهِلِينَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ ونُظُمِهِ. وأفادَ قَوْلُهُ لا يَفْقَهُونَ انْتِفاءَ الفَهْمِ عَنْهم لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ كالنَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ بِقَوْلِهِ ”إلّا قَلِيلًا“ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وإنَّما قَلَّلَهُ لِكَوْنِ فَهْمِهِمْ مُقْتَصِرًا عَلى الأُمُورِ الواضِحَةِ مِنَ العادِيّاتِ لا يَنْفُذُ إلى المُهِمّاتِ ودَقائِقِ المَعانِي، ومِن ذَلِكَ ظَنُّهم حِرْمانَهم مِن الِالتِحاقِ بِجَيْشِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ مُنْبَعِثًا عَلى الحَسَدِ. وقَدْ جَرَوْا في ظَنِّهِمْ هَذا عَلى المَعْرُوفِ مِن أهْلِ الأنْظارِ القاصِرَةِ والنُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ مِنَ التَّوَسُّمِ في أعْمالِ أهِلِ الكَمالِ بِمِنظارِ ما يَجِدُونَ مِن دَواعِي أعْمالِهِمْ وأعْمالِ خُلَطائِهِمْ. و”قَلِيلًا“ وصْفٌ لِلْمُسْتَثْنى المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا فِقْهًا قَلِيلًا.

الفتح 48:16

﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ انْتِقالٌ إلى طَمْأنَةِ المُخَلَّفِينَ بِأنَّهم سَيَنالُونَ مَغانِمَ في غَزَواتٍ آتِيَةٍ لِيَعْلَمُوا أنَّ حِرْمانَهم مِنَ الخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ مَعَ جَيْشِ الإسْلامِ لَيْسَ لِانْسِلاخِ الإسْلامِ عَنْهم ولَكِنَّهُ لِحِكْمَةِ نَوْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها عَلى طَرِيقَةِ حِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ فَهو حِرْمانٌ خاصٌّ بِوَقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وأنَّهم سَيُدْعَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِتالِ قَوْمٍ كافِرِينَ كَما تُدْعى طَوائِفُ المُسْلِمِينَ، فَذِكْرُ هَذا في هَذا المَقامِ إدْخالٌ لِلْمَسَرَّةِ بَعْدَ الحُزْنِ لِيُزِيلَ عَنْهُمُ انْكِسارَ خَواطِرِهِمْ مِن جَرّاءِ الحِرْمانِ. وفي هَذِهِ البِشارَةِ فُرْصَةٌ لَهم لِيَسْتَدْرِكُوا ما جَنَوْهُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وكُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْسَلِخُوا عَنِ الإيمانِ، ألا تَرى أنَّ اللَّهَ لَمْ يُعامِلِ المُنافِقِينَ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ بِمِثْلِ هَذِهِ المُعامَلَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣] صفحة ١٧١ وكَرَّرَ وصْفَ ”مِنَ الأعْرابِ“ هُنا لِيُظْهِرَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قُصِدَ بِها الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] فَلا يَتَوَهَّمُ السّامِعُونَ أنَّ المَعْنِيَّ بِالمُخَلَّفِينَ كُلُّ مَن يَقَعُ مِنهُ التَّخَلُّفُ. وأُسْنِدَ تُدْعَوْنَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّ الغَرَضَ الأمْرُ بِامْتِثالِ الدّاعِي وهو ولِيُّ أمْرِ المُسْلِمِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدُ في تَذْيِيلِهِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الفتح: ١٧] ودَعْوَةُ خُلَفاءِ الرَّسُولِ ﷺ مِن بَعْدِهِ تَرْجِعُ إلى دَعْوَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ لِقَوْلِهِ ومَن أطاعَ أمْرِي فَقَدْ أطاعَنِي. وعُدِّيَ فَعْلُ سَتُدْعَوْنَ بِحَرْفِ (إلى) لِإفادَةِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى المَشْيِ، وهَذا فَرْقٌ دَقِيقٌ بَيْنَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الدَّعْوَةِ بِحَرْفِ (إلى) وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ نَحْوُ قَوْلِكَ: دَعَوْتُ فَلانًا لِما نابَنِي، قالَ طَرَفَةُ: وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها وقَدْ يَتَعاقَبُ الِاسْتِعْمالانِ بِضَرْبٍ مِنَ المَجازِ والتَّسامُحِ. والقَوْمُ أُولُو البَأْسِ الشَّدِيدِ يَتَعَيَّنُ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ لِأنَّ قَوْلَهُ - تَعالى - ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ يُشْعِرُ بِأنَّ القِتالَ لا يُرْفَعُ عَنْهم إلّا إذا أسْلَمُوا، وإنَّما يَكُونُ هَذا حُكْمًا في قِتالِ مُشْرِكِي العَرَبِ إذْ لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةَ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَوازِنَ وثَقِيفَ. وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، وذَلِكَ غَزْوَةُ حُنَيْنٍ وهي بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وأمّا فَتْحُ مَكَّةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ قِتالٌ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ ومُقاتِلٍ: أنَّهم أهْلُ الرِّدَّةِ لِأنَّهم مِن قَبائِلِ العَرَبِ المَعْرُوفَةِ بِالبَأْسِ، وكانَ ذَلِكَ صَدْرَ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وعَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ فَلا نَعْلَمُ مِن هم حَتّى دَعانا أبُو بَكْرٍ إلى قِتالِ بَنِي حَنِيفَةَ فَعَلِمْنا أنَّهم هم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ بْنِ أبِي رَباحٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والحَسَنِ هم فارِسُ والرُّومُ. وجُمْلَةُ ﴿تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ تُدْعَوْنَ، وإمّا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَضْمُونِ تُدْعَوْنَ. صفحة ١٧٢ و(أوْ) لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ والتَّنْوِيعِ في حالَةِ تُدْعَوْنَ، أيْ تُدْعَوْنَ إلى قِتالِهِمْ وإسْلامِهِمْ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الإمْعانَ في مُقاتَلَتِهِمْ والِاسْتِمْرارَ فِيها ما لَمْ يُسْلِمُوا، فَبِذَلِكَ كانَ ”﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾“ حالًا مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ”تُقاتِلُونَهم“ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ تُدْعَوْنَ. وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ تَعْبِيرٌ بِالتَّوالِي الَّذِي مَضى، وتَحْذِيرٌ مِنَ ارْتِكابِ مِثْلِهِ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ بِأنَّهُ تَوَلٍّ يُوقِعُ في الإثْمِ لِأنَّهُ تَوَلٍّ عَنْ دَعْوَةٍ إلى واجِبٍ وهو القِتالُ لِلْجِهادِ. فالتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ تَشْبِيهٌ في مُطْلَقِ التَّوَلِّي لِقَصْدِ التَّشْوِيهِ ولَيْسَ تَشْبِيهًا فِيما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ التَّوَلِّي.

الفتح 48:17

﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَن يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذابًا ألِيمًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ١٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ الآيَةَ قُصِدَ مِنها نَفْيُ الوَعِيدِ عَنْ أصْحابِ الضَّرارَةِ تَنْصِيصًا عَلى العُذْرِ لِلْعِنايَةِ بِحُكْمِ التَّوَلِّي والتَّحْذِيرِ مِنهُ. وجُمْلَةُ مَن يُطِعِ اللَّهَ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن إيتاءِ الأجْرِ لِكُلِّ مُطِيعٍ مِنَ المُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ، والتَّعْذِيبِ لِكُلِّ مُتَوَلٍّ كَذَلِكَ، مَعَ ما في جُمْلَةِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ مِن بَيانِ أنَّ الأجْرَ هو إدْخالُ الجَنّاتِ، وهو يُفِيدُ بِطَرِيقِ المُقابَلَةِ أنَّ التَّعْذِيبَ الألِيمَ بِإدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُدْخِلْهُ“ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ جَرْيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ.

الفتح 48:18

صفحة ١٧٣ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ ما جازى اللَّهُ بِهِ أصْحابَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ المُتَقَدِّمِ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فَإنَّ كَوْنَ بَيْعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ تُعْتَبَرُ بَيْعَةً لِلَّهِ - تَعالى - أوْمَأ إلى أنَّ لَهم بِتِلْكَ المُبايَعَةِ مَكانَةً رَفِيعَةً مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَمّا قُطِعَ الِاسْتِرْسالُ في ذَلِكَ بِما كانَ تَحْذِيرًا مِنَ النَّكْثِ وتَرْغِيبًا في الوَفاءِ، بِمُناسَبَةِ التَّضادِّ وذِكْرِ ما هو وسَطٌ بَيْنَ الحالَيْنِ وهو حالُ المُخَلَّفِينَ، وإبْطالُ اعْتِذارِهِمْ وكَشْفُ طَوِيَّتِهِمْ، وإقْصائِهِمْ عَنِ الخَيْرِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُبايِعِينَ وإرْجائِهِمْ إلى خَيْرٍ يَسْنَحُ مِن بَعْدِ إنْ هم صَدَقُوا التَّوْبَةَ وأخْلَصُوا النِّيَّةَ. فَقَدْ أنالَ اللَّهُ المُبايِعِينَ رِضْوانَهُ وهو أعْظَمُ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ قالَ - تَعالى - ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] والشَّهادَةَ لَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، وإنْزالَهُ السَّكِينَةَ قُلُوبَهم ووَعْدَهم بِثَوابِ فَتْحٍ قَرِيبٍ ومَغانِمَ كَثِيرَةٍ. وفِي قَوْلِهِ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُبايِعْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لَيْسَ حِينَئِذٍ بِمُؤْمِنٍ وهو تَعْرِيضٌ بِالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ إذْ كانَ يَوْمَئِذٍ مُنافِقًا ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ. وقَدْ دُعِيَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . و”إذْ يُبايِعُونَكَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”رَضِيَ“، وفي تَعْلِيقِ هَذا الظَّرْفِ بِفِعْلِ الرِّضا ما يُفْهِمُ أنَّ الرِّضا مُسَبَّبٌ عَنْ مَفادِ ذَلِكَ الظَّرْفِ الخاصِّ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، مَعَ ما يُعْطِيهِ تَوْقِيتُ الرِّضا بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ مِن تَعْجِيلِ حُصُولِ الرِّضا بِحِدْثانِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَعَ ما في جَعْلِ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً مِن حُصُولِ الرِّضا قَبْلَ انْقِضاءِ الفِعْلِ بَلْ في حالِ تَجَدُّدِهِ. فالمُضارِعُ في قَوْلِهِ ”يُبايِعُونَكَ“ مُسْتَعْمِلٌ في الزَّمانِ الماضِي لِاسْتِحْضارِ حالَةِ صفحة ١٧٤ المُبايَعَةِ الجَلِيلَةِ، وكَوْنُ الرِّضا حَصَلَ عِنْدَ تَجْدِيدِ المُبايَعَةِ ولَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ تَمامُها، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي: الشَّجَرَةُ الَّتِي عَهِدَها أهْلُ البَيْعَةِ حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّها، وهي شَجَرَةٌ مِن شَجَرِ السَّمُرِ بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وضَمِّ المِيمِ وهو شَجَرُ الطَّلْحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ البَيْعَةَ كانَتْ لَمّا أُرْجِفَ بِقَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ بِمَكَّةَ «. فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ تَفَرَّقَ النّاسُ في ظِلالِ الشَّجَرِ إذْ نادى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أيُّها النّاسُ البَيْعَةَ البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى البَيْعَةِ فَثارَ النّاسُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبايَعُوهُ كُلُّهم إلّا الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ» . وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ عَمِيَ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأرَيْتُكم مَكانَ الشَّجَرَةِ. وتَواتَرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عِلْمُ مَكانِ الشَّجَرَةِ بِصَلاةِ النّاسِ عِنْدَ مَكانِها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ المُسَيَّبِ أنَّهُ كانَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا خَرَجْنا مِنَ العامِ المُقْبِلِ أيْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها. وعَنْ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ ؟ قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ، أفَأنْتُمْ أعْلَمُ ؟ ! . والمُرادُ بِقَوْلِ طارِقٍ: ما هَذا المَسْجِدُ: مَكانُ السُّجُودِ، أيِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ المُرادُ البَيْتَ الَّذِي يُبْنى لِلصَّلاةِ لِأنَّ البِناءَ عَلى مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ كانَتْ مَعْرُوفَةً لِلْمُسْلِمِينَ وكانُوا إذا مَرُّوا بِها يُصَلُّونَ عِنْدَها تَيَمُّنًا بِها إلى أنْ كانَتْ خِلافَةُ عُمَرَ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ أنْ تَكُونَ كَذاتِ أنْواطٍ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ ما فَعَلَهُ المُسْلِمُونَ وبَيْنَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ وبَعْضَ أصْحابِهِ نَسُوا مَكانَها لِأنَّ النّاسَ مُتَفاوِتُونَ في تَوَسُّمِ الأمْكِنَةِ واقْتِفاءِ الآثارِ. صفحة ١٧٥ والمَرْوِيُّ أنَّ الَّذِي بَنى مَسْجِدًا عَلى مَكانِ الشَّجَرَةِ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ الخَلِيفَةُ العَبّاسِيُّ ولَكِنْ في المَسْجِدِ المَذْكُورِ حَجَرٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ أمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ - أكْرَمَهُ اللَّهُ - بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ مَسْجِدِ البَيْعَةِ وأنَّهُ بُنِيَ سَنَةَ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ، وهي تُوافِقُ مُدَّةَ المُتَوَكِّلِ جَعْفَرِ بْنِ المُعْتَصِمِ وقَدْ تَخَرَّبَ فَجَدَّدَهُ المُسْتَنْصِرُ العَبّاسِيُّ سَنَةَ ٦٢٩ هـ ثُمَّ جَدَّدَهُ السُّلْطانُ مَحْمُودُ خانْ العُثْمانِيُّ سَنَةَ ١٢٥٤ هـ وهو قائِمٌ إلى اليَوْمِ. وذُكِرَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ تَنْوِيهًا بِالمَكانِ فَإنَّ لِذِكْرِ مَواضِعِ الحَوادِثِ وأزْمانِها مَعانِيَ تُزِيدُ السّامِعَ تَصَوُّرًا ولِما في تِلْكَ الحَوادِثِ مِن ذِكْرى مِثْلِ مَواقِعِ الحُرُوبِ والحَوادِثِ «كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: ويَوْمُ الخَمِيسِ وما يَوْمُ الخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَعُهُ»، الحَدِيثَ. ومَواقِعُ المَصائِبِ وأيّامُها. و(إذْ) ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ رَضِيَ، أيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في ذَلِكَ الحِينِ. وهَذا رِضًا خاصٌّ، أيْ تَعَلَّقَ رِضا اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم بِتِلْكَ الحالَةِ. والفاءُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في قُلُوبِهِمْ لَيْسَ عَقِبَ رِضاهُ عَنْهم ولا عَقِبَ وُقُوعِ بَيْعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ فاءً فَصِيحَةً تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها. والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا بايَعُوكَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكَآبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الإخْبارِ بِرِضا اللَّهُ عَنْهم لِما في الإخْبارِ بِعِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن إظْهارِ عِنايَتِهِ بِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَوْطِئَةً لَهُ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ. والمَعْنى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ مِن أجْلِ مُبايَعَتِهِمْ عَلى نَصْرِكَ فَلَمّا بايَعُوا وتَحَفَّزُوا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ ووَقَعَ الصُّلْحُ حَصَلَتْ لَهم كَآبَةٌ في نُفُوسِهِمْ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن تِلْكَ الكَآبَةِ، وهَذا مِن عِلْمِهِ الأشْياءَ بَعْدَ وُقُوعِها وهو مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالحَوادِثِ بَعْدَ حُدُوثِها، أيْ عِلْمِهِ بِأنَّها وقَعَتْ وهو تَعَلُّقٌ حادِثٌ مِثْلُ التَّعَلُّقاتِ التَّنْجِيزَيَّةِ. والمَقْصُودُ بِإخْبارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما حَصَّلَ في قُلُوبِهِمُ الكَآبَةَ عَنْ أنَّهُ قَدَرَ ذَلِكَ صفحة ١٧٦ لَهم وشَكَرَهم عَلى حُبِّهِمْ نَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ بِالفِعْلِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . والسَّكِينَةُ هُنا هي: الطُّمَأْنِينَةُ والثِّقَةُ بِتَحَقُّقِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الفَتْحِ والِارْتِياضِ عَلى تَرَقُّبِهِ دُونَ حَسْرَةٍ فَتَرَتَّبَ عَلى عِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ إنْزالُهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَعَبَّرَ بِضَمِيرِهِمْ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّ قُلُوبَهم هي نُفُوسُهم. وعُطِفَ ”أثابَهم“ عَلى فِعْلِ رَضِيَ اللَّهُ. ومَعْنى أثابَهم: أعْطاهم ثَوابًا، أيْ عِوَضًا، كَما يُقالُ في هِبَةِ الثَّوابِ، أيْ عَوَّضَهم عَنِ المُبايَعَةِ بِفَتْحٍ قَرِيبٍ. والمُرادُ: أنَّهُ وعَدَهم بِثَوابٍ هو فَتْحٌ قَرِيبٌ ومَغانِمُ كَثِيرَةٌ، فَفِعْلُ ”أثابَهم“ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا الفَتْحُ هو فَتْحُ خَيْبَرَ فَإنَّهُ كانَ خاصًّا بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ قَرِيبًا مِن يَوْمِ البَيْعَةِ بِنَحْوِ شَهْرٍ ونِصْفٍ. والمَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ هُنا هي: مَغانِمُ أرْضِ خَيْبَرَ والأنْعامُ والمَتاعُ والحَوائِطُ فَوُصِفَتْ بِـ ”كَثِيرَةً“ لِتَعَدُّدِ أنْواعِها وهي أوَّلُ المَغانِمِ الَّتِي كانَتْ فِيها الحَوائِطُ. وفائِدَةُ وصْفِ المَغانِمِ بِجُمْلَةِ ”يَأْخُذُونَها“ تَحْقِيقُ حُصُولِ فائِدَةِ هَذا الوَعْدِ لِجَمِيعِ أهْلِ البَيْعَةِ قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِالفِعْلِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكَوْنِ الفَتْحِ قَرِيبًا، وبِشارَةٌ لَهم بِأنَّهم لا يَهْلِكُ مِنهم أحَدٌ قَبْلَ رُؤْيَةِ هَذا الفَتْحِ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مُفِيدَةٌ، تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ لِأنَّ تَيْسِيرَ الفَتْحِ لَهم وما حَصَلَ لَهم فِيهِ مِنَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ مِن أثَرِ عِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَتَعاصى عَلَيْها شَيْءٌ صَعْبٌ، ومِن أثَرِ حِكْمَتِهِ في تَرْتِيبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها في حالَةٍ لِيَظُنَّ الرّائِي أنَّها لا تُيَسَّرُ فِيها أمْثالُها.

الفتح 48:19

صفحة ١٧٣ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ عَوْدٌ إلى تَفْصِيلِ ما جازى اللَّهُ بِهِ أصْحابَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ المُتَقَدِّمِ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فَإنَّ كَوْنَ بَيْعَتِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ تُعْتَبَرُ بَيْعَةً لِلَّهِ - تَعالى - أوْمَأ إلى أنَّ لَهم بِتِلْكَ المُبايَعَةِ مَكانَةً رَفِيعَةً مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَمّا قُطِعَ الِاسْتِرْسالُ في ذَلِكَ بِما كانَ تَحْذِيرًا مِنَ النَّكْثِ وتَرْغِيبًا في الوَفاءِ، بِمُناسَبَةِ التَّضادِّ وذِكْرِ ما هو وسَطٌ بَيْنَ الحالَيْنِ وهو حالُ المُخَلَّفِينَ، وإبْطالُ اعْتِذارِهِمْ وكَشْفُ طَوِيَّتِهِمْ، وإقْصائِهِمْ عَنِ الخَيْرِ الَّذِي أعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُبايِعِينَ وإرْجائِهِمْ إلى خَيْرٍ يَسْنَحُ مِن بَعْدِ إنْ هم صَدَقُوا التَّوْبَةَ وأخْلَصُوا النِّيَّةَ. فَقَدْ أنالَ اللَّهُ المُبايِعِينَ رِضْوانَهُ وهو أعْظَمُ خَيْرٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ قالَ - تَعالى - ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] والشَّهادَةَ لَهم بِإخْلاصِ النِّيَّةِ، وإنْزالَهُ السَّكِينَةَ قُلُوبَهم ووَعْدَهم بِثَوابِ فَتْحٍ قَرِيبٍ ومَغانِمَ كَثِيرَةٍ. وفِي قَوْلِهِ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ﴾ إيذانٌ بِأنَّ مَن لَمْ يُبايِعْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لَيْسَ حِينَئِذٍ بِمُؤْمِنٍ وهو تَعْرِيضٌ بِالجَدِّ بْنِ قَيْسٍ إذْ كانَ يَوْمَئِذٍ مُنافِقًا ثُمَّ حَسُنَ إسْلامُهُ. وقَدْ دُعِيَتْ هَذِهِ البَيْعَةُ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ مِن قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ . و”إذْ يُبايِعُونَكَ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”رَضِيَ“، وفي تَعْلِيقِ هَذا الظَّرْفِ بِفِعْلِ الرِّضا ما يُفْهِمُ أنَّ الرِّضا مُسَبَّبٌ عَنْ مَفادِ ذَلِكَ الظَّرْفِ الخاصِّ بِما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، مَعَ ما يُعْطِيهِ تَوْقِيتُ الرِّضا بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ مِن تَعْجِيلِ حُصُولِ الرِّضا بِحِدْثانِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ومَعَ ما في جَعْلِ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها الظَّرْفُ فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً مِن حُصُولِ الرِّضا قَبْلَ انْقِضاءِ الفِعْلِ بَلْ في حالِ تَجَدُّدِهِ. فالمُضارِعُ في قَوْلِهِ ”يُبايِعُونَكَ“ مُسْتَعْمِلٌ في الزَّمانِ الماضِي لِاسْتِحْضارِ حالَةِ صفحة ١٧٤ المُبايَعَةِ الجَلِيلَةِ، وكَوْنُ الرِّضا حَصَلَ عِنْدَ تَجْدِيدِ المُبايَعَةِ ولَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ تَمامُها، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. والتَّعْرِيفُ في الشَّجَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ وهي: الشَّجَرَةُ الَّتِي عَهِدَها أهْلُ البَيْعَةِ حِينَ كانَ النَّبِيءُ ﷺ جالِسًا في ظِلِّها، وهي شَجَرَةٌ مِن شَجَرِ السَّمُرِ بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وضَمِّ المِيمِ وهو شَجَرُ الطَّلْحِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ البَيْعَةَ كانَتْ لَمّا أُرْجِفَ بِقَتْلِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ بِمَكَّةَ «. فَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، يَزِيدُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بَيْنَما نَحْنُ قائِلُونَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وقَدْ تَفَرَّقَ النّاسُ في ظِلالِ الشَّجَرِ إذْ نادى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أيُّها النّاسُ البَيْعَةَ البَيْعَةَ، نَزَلَ رُوحُ القُدُسِ فاخْرُجُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى البَيْعَةِ فَثارَ النّاسُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَبايَعُوهُ كُلُّهم إلّا الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ» . وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ أنْ عَمِيَ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ لَأرَيْتُكم مَكانَ الشَّجَرَةِ. وتَواتَرَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عِلْمُ مَكانِ الشَّجَرَةِ بِصَلاةِ النّاسِ عِنْدَ مَكانِها. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ المُسَيَّبِ أنَّهُ كانَ فِيمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قالَ: فَلَمّا خَرَجْنا مِنَ العامِ المُقْبِلِ أيْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ نَسِيناها فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْها. وعَنْ طارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ: ما هَذا المَسْجِدُ ؟ قالُوا: هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بايَعَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. فَأتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ سَعِيدٌ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يَعْلَمُوها وعَلِمْتُمُوها أنْتُمْ، أفَأنْتُمْ أعْلَمُ ؟ ! . والمُرادُ بِقَوْلِ طارِقٍ: ما هَذا المَسْجِدُ: مَكانُ السُّجُودِ، أيِ الصَّلاةِ، ولَيْسَ المُرادُ البَيْتَ الَّذِي يُبْنى لِلصَّلاةِ لِأنَّ البِناءَ عَلى مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ وقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمَنِ فَهَذِهِ الشَّجَرَةُ كانَتْ مَعْرُوفَةً لِلْمُسْلِمِينَ وكانُوا إذا مَرُّوا بِها يُصَلُّونَ عِنْدَها تَيَمُّنًا بِها إلى أنْ كانَتْ خِلافَةُ عُمَرَ فَأمَرَ بِقَطْعِها خَشْيَةَ أنْ تَكُونَ كَذاتِ أنْواطٍ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، ولا مُعارَضَةَ بَيْنَ ما فَعَلَهُ المُسْلِمُونَ وبَيْنَ ما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ وبَعْضَ أصْحابِهِ نَسُوا مَكانَها لِأنَّ النّاسَ مُتَفاوِتُونَ في تَوَسُّمِ الأمْكِنَةِ واقْتِفاءِ الآثارِ. صفحة ١٧٥ والمَرْوِيُّ أنَّ الَّذِي بَنى مَسْجِدًا عَلى مَكانِ الشَّجَرَةِ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ الخَلِيفَةُ العَبّاسِيُّ ولَكِنْ في المَسْجِدِ المَذْكُورِ حَجَرٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ أمَرَ عَبْدُ اللَّهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ - أكْرَمَهُ اللَّهُ - بِبِناءِ هَذا المَسْجِدِ مَسْجِدِ البَيْعَةِ وأنَّهُ بُنِيَ سَنَةَ أرْبَعٍ وأرْبَعِينَ ومِائَتَيْنِ، وهي تُوافِقُ مُدَّةَ المُتَوَكِّلِ جَعْفَرِ بْنِ المُعْتَصِمِ وقَدْ تَخَرَّبَ فَجَدَّدَهُ المُسْتَنْصِرُ العَبّاسِيُّ سَنَةَ ٦٢٩ هـ ثُمَّ جَدَّدَهُ السُّلْطانُ مَحْمُودُ خانْ العُثْمانِيُّ سَنَةَ ١٢٥٤ هـ وهو قائِمٌ إلى اليَوْمِ. وذُكِرَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ لِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ تَنْوِيهًا بِالمَكانِ فَإنَّ لِذِكْرِ مَواضِعِ الحَوادِثِ وأزْمانِها مَعانِيَ تُزِيدُ السّامِعَ تَصَوُّرًا ولِما في تِلْكَ الحَوادِثِ مِن ذِكْرى مِثْلِ مَواقِعِ الحُرُوبِ والحَوادِثِ «كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: ويَوْمُ الخَمِيسِ وما يَوْمُ الخَمِيسِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجَعُهُ»، الحَدِيثَ. ومَواقِعُ المَصائِبِ وأيّامُها. و(إذْ) ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ رَضِيَ، أيْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في ذَلِكَ الحِينِ. وهَذا رِضًا خاصٌّ، أيْ تَعَلَّقَ رِضا اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم بِتِلْكَ الحالَةِ. والفاءُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِما في قُلُوبِهِمْ لَيْسَ عَقِبَ رِضاهُ عَنْهم ولا عَقِبَ وُقُوعِ بَيْعَتِهِمْ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ فاءً فَصِيحَةً تُفْصِحُ عَنْ كَلامٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها. والتَّقْدِيرُ: فَلَمّا بايَعُوكَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكَآبَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الإخْبارِ بِرِضا اللَّهُ عَنْهم لِما في الإخْبارِ بِعِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن إظْهارِ عِنايَتِهِ بِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَوْطِئَةً لَهُ عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ. والمَعْنى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ مِن أجْلِ مُبايَعَتِهِمْ عَلى نَصْرِكَ فَلَمّا بايَعُوا وتَحَفَّزُوا لِقِتالِ المُشْرِكِينَ ووَقَعَ الصُّلْحُ حَصَلَتْ لَهم كَآبَةٌ في نُفُوسِهِمْ فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن تِلْكَ الكَآبَةِ، وهَذا مِن عِلْمِهِ الأشْياءَ بَعْدَ وُقُوعِها وهو مِن تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِالحَوادِثِ بَعْدَ حُدُوثِها، أيْ عِلْمِهِ بِأنَّها وقَعَتْ وهو تَعَلُّقٌ حادِثٌ مِثْلُ التَّعَلُّقاتِ التَّنْجِيزَيَّةِ. والمَقْصُودُ بِإخْبارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما حَصَّلَ في قُلُوبِهِمُ الكَآبَةَ عَنْ أنَّهُ قَدَرَ ذَلِكَ صفحة ١٧٦ لَهم وشَكَرَهم عَلى حُبِّهِمْ نَصْرَ النَّبِيءِ ﷺ بِالفِعْلِ ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ . والسَّكِينَةُ هُنا هي: الطُّمَأْنِينَةُ والثِّقَةُ بِتَحَقُّقِ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ مِنَ الفَتْحِ والِارْتِياضِ عَلى تَرَقُّبِهِ دُونَ حَسْرَةٍ فَتَرَتَّبَ عَلى عِلْمِهِ ما في قُلُوبِهِمْ إنْزالُهُ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، أيْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَعَبَّرَ بِضَمِيرِهِمْ عِوَضًا عَنْ ضَمِيرِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّ قُلُوبَهم هي نُفُوسُهم. وعُطِفَ ”أثابَهم“ عَلى فِعْلِ رَضِيَ اللَّهُ. ومَعْنى أثابَهم: أعْطاهم ثَوابًا، أيْ عِوَضًا، كَما يُقالُ في هِبَةِ الثَّوابِ، أيْ عَوَّضَهم عَنِ المُبايَعَةِ بِفَتْحٍ قَرِيبٍ. والمُرادُ: أنَّهُ وعَدَهم بِثَوابٍ هو فَتْحٌ قَرِيبٌ ومَغانِمُ كَثِيرَةٌ، فَفِعْلُ ”أثابَهم“ مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا الفَتْحُ هو فَتْحُ خَيْبَرَ فَإنَّهُ كانَ خاصًّا بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وكانَ قَرِيبًا مِن يَوْمِ البَيْعَةِ بِنَحْوِ شَهْرٍ ونِصْفٍ. والمَغانِمُ الكَثِيرَةُ المَذْكُورَةُ هُنا هي: مَغانِمُ أرْضِ خَيْبَرَ والأنْعامُ والمَتاعُ والحَوائِطُ فَوُصِفَتْ بِـ ”كَثِيرَةً“ لِتَعَدُّدِ أنْواعِها وهي أوَّلُ المَغانِمِ الَّتِي كانَتْ فِيها الحَوائِطُ. وفائِدَةُ وصْفِ المَغانِمِ بِجُمْلَةِ ”يَأْخُذُونَها“ تَحْقِيقُ حُصُولِ فائِدَةِ هَذا الوَعْدِ لِجَمِيعِ أهْلِ البَيْعَةِ قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِالفِعْلِ فَفِيهِ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِكَوْنِ الفَتْحِ قَرِيبًا، وبِشارَةٌ لَهم بِأنَّهم لا يَهْلِكُ مِنهم أحَدٌ قَبْلَ رُؤْيَةِ هَذا الفَتْحِ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وهي مُفِيدَةٌ، تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ لِأنَّ تَيْسِيرَ الفَتْحِ لَهم وما حَصَلَ لَهم فِيهِ مِنَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ مِن أثَرِ عِزَّةِ اللَّهِ الَّتِي لا يَتَعاصى عَلَيْها شَيْءٌ صَعْبٌ، ومِن أثَرِ حِكْمَتِهِ في تَرْتِيبِ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها في حالَةٍ لِيَظُنَّ الرّائِي أنَّها لا تُيَسَّرُ فِيها أمْثالُها.

الفتح 48:20

﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] إذْ عُلِمَ أنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، فَحَقَّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنْ صفحة ١٧٧ يَتَرَقَّبُوا مَغانِمَ أُخْرى فَكانَ هَذا الكَلامُ جَوابًا لَهم، أيْ لَكم مَغانِمُ أُخْرى لا يُحْرَمُ مِنها مَن تَخَلَّفُوا عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وهي المَغانِمُ الَّتِي حَصَلَتْ في الفُتُوحِ المُسْتَقْبَلَةِ. فالخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ تَبَعًا لِلْخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ولَيْسَ خاصًّا بِالَّذِينَ بايِعُوا. والوَعْدُ بِالمَغانِمِ الكَثِيرَةِ واقِعٌ في ما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ القُرْآنِ وعَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ مِمّا بَلَّغَهُ إلى المُسْلِمِينَ في مَقاماتِ دَعْوَتِهِ لِلْجِهادِ. ووَصْفُ ”مَغانِمَ“ بِجُمْلَةِ تَأْخُذُونَها لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ. وبِناءً عَلى ما اخْتَرْناهُ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ دُفْعَةً واحِدَةً يَكُونُ فِعْلُ ”فَعَجَّلَ“ مُسْتَعْمَلًا في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مَجازًا تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، أيْ سَيُعَجِّلُ لَكم هَذِهِ. وإنَّما جَعَلَ نُوالَهم غَنائِمَ خَيْبَرَ تَعْجِيلًا، لِقُرْبِ حُصُولِهِ مِن وقْتِ الوَعْدِ بِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَأخُّرُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إلى ما بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلى أنَّها تَكْمِلَةٌ لِآيَةِ الوَعْدِ الَّتِي قَبْلَها، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمَرَ بِوَضْعِها عَقِبَها وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ ولَكِنَّ هَذا غَيْرُ مَرْوِيٍّ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ هَذِهِ إلى المَغانِمِ في قَوْلِهِ ﴿ومَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ [الفتح: ١٩] وأُشِيرَ إلَيْها عَلى اخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ في اسْتِعْمالِ فِعْلِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾ . * * * ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةٍ غَفَلُوا عَنْها حِينَ حَزِنُوا لِوُقُوعِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وهي نِعْمَةُ السَّلْمِ، أيْ كَفِّ أيْدِيَ المُشْرِكِينَ عَنْهم فَإنَّهم لَوْ واجَهُوهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ بِالقِتالِ دُونَ المُراجَعَةِ في سَبَبِ قُدُومِهِمْ لَرَجَعَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ القِتالِ مُتْعَبِينَ. ولَما تَهَيَّأ لَهم فَتْحُ خَيْبَرَ، وأنَّهم لَوِ اقْتَتَلُوا مَعَ أهْلِ مَكَّةَ لَدُحِضَ في ذَلِكَ مُؤْمِنُونَ ومُؤْمِناتٍ كانُوا في مَكَّةَ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: ٢٥] الآيَةَ. فالمُرادُ بِـ ”النّاسِ“: أهْلُ مَكَّةَ جَرْيًا عَلى مُصْطَلَحِ القُرْآنِ في إطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ غالِبًا. صفحة ١٧٨ وقِيلَ: المُرادُ كَفُّ أيْدِي الإعْرابِ المُشْرِكِينَ مِن بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ وكانُوا أحْلافًا لِيَهُودِ خَيْبَرَ وجاءُوا لِنُصْرَتِهِمْ لَمّا حاصَرَ المُسْلِمُونَ خَيْبَرَ فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَنَكَصُوا. وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ بَعَثُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا لِيُصِيبُوا مِنَ المُسْلِمِينَ في الحُدَيْبِيَةِ فَأسَرَهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو ما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿وأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] . وقِيلَ: كَفَّ أيْدِيَ اليَهُودِ عَنْكم، أيْ عَنْ أهْلِكم وذَرارِيكم إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَهْجُمُوا عَلى المَدِينَةِ في مُدَّةِ غَيْبَةِ مُعْظَمِ أهْلِها في الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا القَوْلُ لا يُناسِبُهُ إطْلاقُ لَفْظِ النّاسِ في غالِبِ مُصْطَلَحِ القُرْآنِ، والكَفُّ: مَنعُ الفاعِلِ مِن فِعْلٍ أرادَهُ أوْ شَرَعَ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الكَفِّ الَّتِي هي اليَدُ لِأنَّ أصْلَ المَنعِ أنْ يَكُونَ دَفْعًا بِاليَدِ، ويُقالُ: كَفَّ يَدَهُ عَنْ كَذا، إذا مَنَعَهُ مِن تَناوُلِهِ بِيَدِهِ. وأُطْلِقَ الكَفُّ هُنا مَجازًا عَلى الصَّرْفِ، أيْ قَدَّرَ اللَّهُ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم بِأنْ أوْجَدَ أسْبابَ صَرْفِهِمْ عَنْ أنْ يَتَناوَلُوكم بِضُرٍّ سَواءٌ نَوَوْهُ أوْ لَمْ يَنْوُوهُ، وإطْلاقُ الفِعْلِ عَلى تَقْدِيرِهِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ حِينَ لا يَكُونُ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ المَعانِي الإلَهِيَّةِ فِعْلٌ مُناسِبٌ لَهُ في كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّ اللُّغَةَ بُنِيَتْ عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ مُخاطِباتِهِمْ وطَرَأتْ مُعْظَمُ المَعانِي الإلَهِيَّةِ بِمَجِيءِ القُرْآنِ فَتُغَيَّرُ عَنِ الشَّأْنِ الإلَهِيِّ بِأقْرَبِ الأفْعالِ إلى مَعْناهُ. * * * ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الواوَ عاطِفَةٌ وأنَّ ما بَعْدَ الواوِ عِلَّةٌ كَما تَقْتَضِي لامُ كَيْ فَتَعِيَّنَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَبْلَهُ في اللَّفْظِ أوْ عَطْفٌ عَلى تَعْلِيلٍ سَبَقَهُ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضِ التَّعْلِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] أوْ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ﴾ [الفتح: ٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وهو وإنْ طالَ فَقَدِ اقْتَضَتْهُ التَّنَقُّلاتُ المُتَناسِباتُ. والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِمَصالِحَ لَهم مِنها ازْدِيادُ إيمانِهِمْ واسْتِحْقاقُهُمُ الجَنَّةَ وتَكْفِيرُ سَيِّئاتِهِمْ صفحة ١٧٩ واسْتِحْقاقُ المُنافِقِينَ والمُشْرِكِينَ العَذابَ، ولِتَكُونَ السَّكِينَةُ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ عِبْرَةً لَهم واسْتِدْلالًا عَلى لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ وعَلى أنَّ وعْدَهُ لا تَأْوِيلَ فِيهِ. ومَضى كَوْنُ السَّكِينَةِ آيَةً أنَّها سَبَبُ آيَةٍ لِأنَّهم لَمّا نَزَلَتِ السَّكِينَةُ في قُلُوبِهِمُ اطْمَأنَّتْ نُفُوسُهم فَخَلُصَتْ إلى التَّدَبُّرِ والِاسْتِدْلالِ فَبانَتْ لَها آياتُ اللَّهِ فَتَأْنِيثُ ضَمِيرِ الفِعْلِ لِأنَّ مَعادَهُ السَّكِينَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٍ يُثارُ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، حُذِفَ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ في تَقْدِيرِهِ تَوْفِيرًا لِلْمَعْنى. والتَّقْدِيرُ: فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ لِغاياتٍ وحِكَمٍ ولِتَكُونَ آيَةً. فَهو مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ المُقَدَّرِ. فالتَّقْدِيرُ مَثَلًا: لِيَحْصُلَ التَّعْجِيلُ لَكم بِنَفْعٍ عِوَضًا عَمّا تَرَقَّبْتُمُوهُ مِن مَنافِعِ قِتالِ المُشْرِكِينَ، ولِتَكُونَ هَذِهِ المَغانِمُ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِنكم ومَن يَعْرِفُونَ بِها أنَّهم مِنَ اللَّهِ بِمَكانِ عِنايَتِهِ وأنَّهُ مُوفٍّ لَهم ما وعَدَهم وضامِنٌ لَهم نَصْرَهُمُ المَوْعُودَ كَما ضَمِنَ لَهُمُ المَغانِمَ القَرِيبَةَ والنَّصْرَ القَرِيبَ. وتِلْكَ الآيَةُ تَزِيدُ المُؤْمِنِينَ قُوَّةَ إيمانٍ. وضَمِيرُ (لِتَكُونَ) عَلى هَذِهِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ (هَذِهِ) عَلى أنَّها المُعَلِّلَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْخِصالِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها مَجْمُوعُ قَوْلِهِ ﴿فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِغاياتٍ جَمَّةٍ مِنها ما ذُكِرَ آنِفًا ومِنها سَلامَةُ المُسْلِمِينَ في وقْتٍ هم أحْوَجُ فِيهِ إلى اسْتِبْقاءِ قُوَّتِهِمْ مِنهم إلى قِتالِ المُشْرِكِينَ ادِّخارًا لِلْمُسْتَقْبَلِ. وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ جُمْلَةَ ﴿ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ مُعْتَرِضَةً، وعَلَيْهِ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ غَيْرُ عاطِفَةٍ وأنَّ ضَمِيرَ (لِتَكُونَ) عائِدٌ إلى المَرَّةِ مِن فِعْلِ ”كَفَّ“: أيِ الكَفَّةِ. وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويَهْدِيَكم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو حِكْمَةٌ أُخْرى، أيْ لِيَزُولَ بِذَلِكَ ما خامَرَكم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ فَتَتَجَرَّدُ نُفُوسُكم لِإدْراكِ الخَيْرِ المَحْضِ الَّذِي في أمْرِ الصُّلْحِ وإحالَتِكم عَلى الوَعْدِ فَتُوقِنُوا أنَّ ذَلِكَ هو الحَقُّ فَتَزْدادُوا يَقِينًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ (ويَهْدِيَكم) مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الإدامَةِ عَلى الهُدى وهو: الإيمانُ الحاصِلُ لَهم مِن قَبْلُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ.

الفتح 48:21

صفحة ١٨٠ ﴿وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ هَذا مِن عَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ، فَقَوْلُهُ (أُخْرى) مُبْتَدَأٌ مَوْصُوفٌ بِجُمْلَةِ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها والخَبَرُ قَوْلُهُ قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها. ومَجْمُوعُ الجُمْلَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً فَلَفْظُ (أُخْرى) صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ”مَغانِمَ“ الَّذِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها، أيْ هي نَوْعٌ آخَرُ مِنَ المَغانِمِ صَعْبَةِ المَنالِ، ومَعْنى المَغانِمِ يَقْتَضِي غانِمِينَ فَعُلِمَ أنَّها لَهم، أيْ غَيْرَ الَّتِي وعَدَهُمُ اللَّهُ بِها، أيْ هَذِهِ لَمْ يَعِدْهُمُ اللَّهُ بِها، ولَمْ نَجْعَلْ (وأُخْرى) عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (هَذِهِ) عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ إذْ لَيْسَ المُرادُ غَنِيمَةً واحِدَةً بَلْ غَنائِمَ كَثِيرَةً. ومَعْنى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها: أنَّها مَوْصُوفَةٌ بِعَدَمِ قُدْرَتِكم عَلَيْها، فَلَمّا كانَتْ جُمْلَةُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها صِفَةً لِـ (أُخْرى) لَمْ يَقْتَضِ مَدْلُولُ الجُمْلَةِ أنَّهم حاوَلُوا الحُصُولَ عَلَيْها فَلَمْ يَقْدِرُوا، وإنَّما المَعْنى: أنَّ صِفَتَها عَدَمُ قُدْرَتِكم عَلَيْها فَلَمْ تَتَعَلَّقْ أطْماعُكم بِأخْذِها. والإحاطَةُ بِالهَمْزِ: جَعْلُ الشَّيْءِ حائِطًا أيْ حافِظًا، فَأصْلُ هَمْزَتِهِ لِلْجَعْلِ وصارَ بِالِاسْتِعْمالِ قاصِرًا، ومَعْناهُ: احْتَوى عَلَيْهِ ولَمْ يَتْرُكْ لَهُ مُنْصَرَفًا، فَدَلَّ عَلى شِدَّةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ - تَعالى - ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أيْ إلّا أنْ تُغْلَبُوا غَلَبًا لا تَسْتَطِيعُونَ مَعَهُ الإتْيانَ بِهِ. فالمَعْنى: أنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلَيْها، أيْ قَدَرَ عَلَيْها فَجَعَلَها لَكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها. والمَعْنى: ومَغانِمُ أُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلى نَيْلِها قَدْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْها، أيْ فَأنالَكم إيّاها. وإلّا لَمْ يَكُنْ لِإعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ قَدَرَ عَلى ما لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ جَدْوى لِأنَّهم لا يَجْهَلُونَ ذَلِكَ، أيْ أحاطَ اللَّهُ بِها لِأجْلِكم، وفي مَعْنى الإحاطَةِ إيماءٌ إلى أنَّها كالشَّيْءِ المُحاطِ بِهِ مِن جَوانِبِهِ فَلا يَفُوتُهم مَكانُهُ، جُعِلَتْ كالمَخْبُوءِ لَهم. ولِذَلِكَ ذَيَّلَ بِقَوْلِهِ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا إذْ هو أمْرٌ مُقَرَّرٌ في عِلْمِهِمْ. صفحة ١٨١ فَعُلِمَ أنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ المَغانِمِ: نَوْعٌ مِن مَغانِمَ مَوْعُودَةٍ لَهم قَرِيبَةِ الحُصُولِ وهي مَغانِمُ خَيْبَرَ، ونَوْعٌ هو مَغانِمُ مَرْجُوَّةٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وقْتُ حُصُولِها، ومِنها مَغانِمُ يَوْمِ حُنَيْنٍ وما بَعْدَهُ مِنَ الغَزَواتِ، ونَوْعٌ هو مَغانِمُ عَظِيمَةٌ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ نُوالُها قَدْ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ولَعَلَّها مَغانِمُ بِلادِ الرُّومِ وبِلادِ الفُرْسِ وبِلادِ البَرْبَرِ. وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا النَّوْعَ الأخِيرَ لا يَنالُهُ جَمِيعُ المُخاطَبِينَ لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ في ذِكْرِهِ بِضَمِيرِهِمْ، وهو الَّذِي تَأوَّلَهُ عُمَرُ في عَدَمِ قِسْمَةِ سَوادِ العِراقِ وقَرَأ قَوْلَهُ - تَعالى - والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ.

الفتح 48:22

﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وبَعْضَهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَما بَيْنَهُما لَيْسَ مِن الِاعْتِراضِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كَفَّ أيْدِي النّاسِ عَنْهم نِعْمَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ بِاسْتِبْقاءِ قُوَّتِهِمْ وعِدَّتِهِمْ ونَشاطِهِمْ. ولَيْسَ الكَفُّ لِدَفْعِ غَلَبَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ عاقِبَةَ النَّصْرِ فَلَوْ قاتَلَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهَزَمَهُمُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَجِدُوا نَصِيرًا، أيْ لَمْ يَنْتَصِرُوا بِجَمْعِهِمْ ولا بِمَن يُعِينُهم. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ما أُرِيدَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانَ بِضَمِيرِ النّاسِ بِأنْ يُقالَ: ولَوْ قاتَلُوكم، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ تَوْلِيَةِ الأدْبارِ في قِتالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ. صفحة ١٨٢ و”الأدْبارُ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (ولَّوُا) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ضَمِيرِ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: لَوَلَّوْكُمُ الأدْبارَ. و”أل“ لِلْعَهْدِ، أيْ أدْبارَهم، ولِذَلِكَ يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ (أل) في مَثْلِهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وهو تَعْوِيضٌ مَعْنَوِيٌّ. والتَّوْلِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ والِيًا، أيْ لَجَعَلُوا ظُهُورَهم تَلِيكم، أيِ ارْتَدُّوا إلى ورائِهِمْ فَصِرْتُمْ وراءَهم. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَإنَّ عَدَمَ وِجْدانِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ أشُدُّ عَلى المُنْهَزِمِ مِنَ انْهِزامِهِ لِأنَّهُ حِينَ يَنْهَزِمُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أمَلٌ بِأنْ يَسْتَنْصِرَ مَن يُنْجِدُهُ فَيَكُرُّ بِهِ عَلى الَّذِينَ هَزَمُوهُ فَإذا لَمْ يَجِدْ ولِيًّا ولا نَصِيرًا تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ وأصْلُ الكَلامِ لَوَلَّوُا الأدْبارَ وما وجَدُوا ولِيًّا ولا نَصِيرًا. والوَلِيُّ: المُوالِي والصَّدِيقُ، وهو أعَمُّ مِنَ النَّصِيرِ إذْ قَدْ يَكُونُ الوَلِيُّ غَيْرَ قادِرٍ عَلى إيواءِ ولَيِّهِ وإسْعافِهِ. والسُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ والعادَةُ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) نِيابَةً عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى تَأْكِيدِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ - تَعالى - والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقالَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى. وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ أُحُدٍ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ» وقالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] صفحة ١٨٣ ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ ﷺ . فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «يَأْتِي زَمانٌ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النّاسِ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ أصْحابَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ مَن صاحَبَ النَّبِيءِ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ» . ومَعْنى ”خَلَتْ“ مَضَتْ وسَبَقَتْ مِن أقْدَمِ عُصُورِ اجْتِلادِ الحَقِّ والباطِلِ، والمُضافُ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ نُوِيَ مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ، أيْ لَيْسَ في الكَلامِ دالٌّ عَلى لَفْظِهِ ولَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ. وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ الدَّلالَةُ عَلى اطِّرادِها وثَباتِها. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ قالَ - تَعالى - كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. ولَمّا وُصِفَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ بِأنَّها راسِخَةٌ فِيما مَضى أعْقَبَ ذَلِكَ بِوَصْفِها بِالتَّحَقُّقِ في المُسْتَقْبَلِ تَعْمِيمًا لِلْأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لِأنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ النَّصْرِ في مُخْتَلَفِ الأُمَمِ والعُصُورِ وإخْبارَ اللَّهِ - تَعالى - بِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ - يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَأْيِيدَ أحْزابِهِ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ كائِنٌ أنْ يَحُولَ دُونَ إرادَةِ اللَّهِ - تَعالى.

الفتح 48:23

﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم عَلى أنَّ بَعْضَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وبَعْضَهُ مَعْطُوفٌ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَما بَيْنَهُما لَيْسَ مِن الِاعْتِراضِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا العَطْفِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ كَفَّ أيْدِي النّاسِ عَنْهم نِعْمَةٌ عَلى المُسْلِمِينَ بِاسْتِبْقاءِ قُوَّتِهِمْ وعِدَّتِهِمْ ونَشاطِهِمْ. ولَيْسَ الكَفُّ لِدَفْعِ غَلَبَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لِلْمُسْلِمِينَ عاقِبَةَ النَّصْرِ فَلَوْ قاتَلَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهَزَمَهُمُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَجِدُوا نَصِيرًا، أيْ لَمْ يَنْتَصِرُوا بِجَمْعِهِمْ ولا بِمَن يُعِينُهم. والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا ما أُرِيدَ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانَ بِضَمِيرِ النّاسِ بِأنْ يُقالَ: ولَوْ قاتَلُوكم، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو أنَّ الكُفْرَ هو سَبَبُ تَوْلِيَةِ الأدْبارِ في قِتالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ. صفحة ١٨٢ و”الأدْبارُ“ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (ولَّوُا) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ضَمِيرِ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: لَوَلَّوْكُمُ الأدْبارَ. و”أل“ لِلْعَهْدِ، أيْ أدْبارَهم، ولِذَلِكَ يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ (أل) في مَثْلِهِ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ وهو تَعْوِيضٌ مَعْنَوِيٌّ. والتَّوْلِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ والِيًا، أيْ لَجَعَلُوا ظُهُورَهم تَلِيكم، أيِ ارْتَدُّوا إلى ورائِهِمْ فَصِرْتُمْ وراءَهم. و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ فَإنَّ عَدَمَ وِجْدانِ الوَلِيِّ والنَّصِيرِ أشُدُّ عَلى المُنْهَزِمِ مِنَ انْهِزامِهِ لِأنَّهُ حِينَ يَنْهَزِمُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أمَلٌ بِأنْ يَسْتَنْصِرَ مَن يُنْجِدُهُ فَيَكُرُّ بِهِ عَلى الَّذِينَ هَزَمُوهُ فَإذا لَمْ يَجِدْ ولِيًّا ولا نَصِيرًا تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ وأصْلُ الكَلامِ لَوَلَّوُا الأدْبارَ وما وجَدُوا ولِيًّا ولا نَصِيرًا. والوَلِيُّ: المُوالِي والصَّدِيقُ، وهو أعَمُّ مِنَ النَّصِيرِ إذْ قَدْ يَكُونُ الوَلِيُّ غَيْرَ قادِرٍ عَلى إيواءِ ولَيِّهِ وإسْعافِهِ. والسُّنَّةُ: الطَّرِيقَةُ والعادَةُ. وانْتَصَبَ (سُنَّةَ اللَّهِ) نِيابَةً عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِن فِعْلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى تَأْكِيدِ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ - تَعالى - والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقالَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى. وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ أُحُدٍ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ» وقالَ اللَّهُ - تَعالى - ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] صفحة ١٨٣ ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ ﷺ . فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ: «يَأْتِي زَمانٌ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النّاسِ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ أصْحابَ النَّبِيءَ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ ثُمَّ يَأْتِي زَمانٌ فَيُقالُ: فِيكم مَن صَحِبَ مَن صاحَبَ النَّبِيءِ ؟ فَيُقالُ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ» . ومَعْنى ”خَلَتْ“ مَضَتْ وسَبَقَتْ مِن أقْدَمِ عُصُورِ اجْتِلادِ الحَقِّ والباطِلِ، والمُضافُ إلَيْهِ (قَبْلُ) مَحْذُوفٌ نُوِيَ مَعْناهُ دُونَ لَفْظِهِ، أيْ لَيْسَ في الكَلامِ دالٌّ عَلى لَفْظِهِ ولَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، فَلِذَلِكَ بُنِيَ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ. وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ الدَّلالَةُ عَلى اطِّرادِها وثَباتِها. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ اللَّهِ مَعَ الرُّسُلِ قالَ - تَعالى - كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ. ولَمّا وُصِفَتْ تِلْكَ السُّنَّةُ بِأنَّها راسِخَةٌ فِيما مَضى أعْقَبَ ذَلِكَ بِوَصْفِها بِالتَّحَقُّقِ في المُسْتَقْبَلِ تَعْمِيمًا لِلْأزْمِنَةِ بِقَوْلِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا لِأنَّ اطِّرادَ ذَلِكَ النَّصْرِ في مُخْتَلَفِ الأُمَمِ والعُصُورِ وإخْبارَ اللَّهِ - تَعالى - بِهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ - يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَأْيِيدَ أحْزابِهِ فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ كائِنٌ أنْ يَحُولَ دُونَ إرادَةِ اللَّهِ - تَعالى.

الفتح 48:24

﴿وهْوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم وهَذا كَفٌّ غَيْرُ الكَفِّ المُرادِ مِن قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. وتَقْدِيمُ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ القَصْرِ، أيْ لَمْ صفحة ١٨٤ يَكُفُّهم عَنْكم ولا كَفَّكم عَنْهم إلّا اللَّهَ تَعالى، لا أنْتُمْ ولا هم فَإنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ الشَّرَّ بِكم وأنْتُمْ حِينَ أحَطْتُمْ بِهِمْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ قَتْلَهم أوْ أسْرَهم فَإنَّ دَواعِيَ امْتِدادِ أيْدِيهِمْ إلَيْكم وامْتِدادِ أيْدِيكم إلَيْهِمْ مُتَوَفِّرَةٌ فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَوانِعَ لَهم ولَكم لاشْتَبَكْتُمْ في القِتالِ، فَكَفَّ أيْدِيَهِمْ عَنْكم بِأنْ نَبَّهَكم إلَيْهِمْ قَبْلَ أنْ يُفاجِئُوكم وكَفَّ أيْدِيَكم عَنْهم حِينَ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويُطْلِقَهم. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى كَفَّ في قَوْلِهِ آنِفًا وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الِاعْتِداءَ عَلى الفَرِيقِ الآخَرِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ ولَكِنَّ ذَلِكَ كانَ بِأسْبابٍ أوْجَدَها اللَّهُ - تَعالى - لِإرادَتِهِ عَدَمَ القِتالِ بَيْنَهم، وهي مِنَّةٌ ثانِيَةٌ مِثْلُ المِنَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم. وهَذِهِ الآيَةُ أشارَتْ إلى كَفٍّ عَنِ القِتالِ يَسَّرَهُ اللَّهُ رِفْقًا بِالمُسْلِمِينَ وإبْقاءً عَلى قُوَّتِهِمْ في وقْتِ حاجَتِهِمْ إلى ذَلِكَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ ووَقْعَةِ أُحُدٍ، واتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ الأوَّلُونَ عَلى أنَّ هَذا الكَفَّ وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ. وهَذا يُشِيرُ إلى ما رُوِيَ مِن طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ وبَعْضُها في سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وقالَ: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وفي بَعْضِها زِيادَةٌ عَلى بَعْضٍ «أنَّ جَمْعًا مِنَ المُشْرِكِينَ يُقَدَّرُ بِسِتَّةٍ أوْ بِاثْنَيْ عَشَرَ أوْ بِثَلاثِينَ أوْ سَبْعِينَ أوْ ثَمانِينَ مُسَلَّحِينَ نَزَلُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُونَ أنْ يَأْخُذُوا المُسْلِمِينَ عَلى غِرَّةٍ فَفَطِنَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ فَأخَذُوهم دُونَ حَرْبٍ فَأمَرَ النَّبِيءُ ﷺ بِإطْلاقِهِمْ» وكانَ ذَلِكَ أيّامَ كانَ السُّفَراءُ يَمْشُونَ بَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ وبَيْنَ أهْلِ مَكَّةَ ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ أطْلَقَهم تَجَنُّبًا لِما يُعَكِّرُ صَفْوَ الصُّلْحِ. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِ ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ووَجْهُ عَوْدِهِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ الَّذِينَ كَفَّ اللَّهُ أيْدِيَهم فَرِيقٌ غَيْرَ الفَرِيقِ الَّذِي في قَوْلِهِ ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو أنَّ عُرْفَ كَلامِ العَرَبِ جارٍ عَلى أنَّ ما يَصْدُرُ مِن بَعْضِ القَوْمِ يُنْسَبُ إلى القَوْمِ بِدُونِ تَمْيِيزٍ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم. وقَوْلُهُ (﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾) ظاهِرُ كَلامِ الأساسِ: أنَّ حَقِيقَةَ البَطْنِ جَوْفُ الإنْسانِ والحَيَوانِ وأنَّ اسْتِعْمالَهُ في مَعانِي المُنْخَفَضِ مِنَ الشَّيْءِ أوِ المُتَوَسِّطِ مَجازٌ، قالَ صفحة ١٨٥ الرّاغِبُ: ويُقالُ لِلْجِهَةِ السُّفْلى بَطْنٌ، ولِلْعُلْيا ظَهْرٌ. ويُقالُ: بَطْنُ الوادِي لِوَسَطِهِ. والمَعْرُوفُ مِن إطْلاقِ لَفْظِ البَطْنِ إذا أُضِيفَ إلى المَكانِ أنْ يُرادَ بِهِ وسَطُ المَكانِ كَما في قَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: فِي فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا أيْ في وسَطِ البَلَدِ الحَرامِ فَإنَّ قائِلَ: زُولُوا، هو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أوْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المَطَّلِبِ، غَيْرَ أنَّ مَحْمَلَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ بَيِّنٍ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ وُقُوعُ اخْتِلاطٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في وسَطِ مَكَّةَ يُفْضِي إلى القِتالِ حَتّى يُمْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِكَفِّ أيْدِي بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وكُلُّ ما وقَعَ مِمّا يُفْضِي إلى القِتالِ فَإنَّما وقَعَ في الحُدَيْبِيَةِ. فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا بَطْنَ مَكَّةَ في الآيَةِ عَلى الحُدَيْبِيَةِ مِن إطْلاقِ البَطْنِ عَلى أسْفَلِ المَكانِ، والحُدَيْبِيَةُ قَرِيبَةٌ مَن مَكَّةَ وهي مِن الحِلِّ وبَعْضُ أرْضِها مِنَ الحَرَمِ وهي عَلى الطَّرِيقِ بَيْنَ مَكَّةَ وجُدَّةَ وهي إلى مَكَّةَ أقْرَبُ وتُعْرَفُ اليَوْمَ باسِمِ الشَّمِيسِي، وجَعَلُوا الآيَةَ تُشِيرُ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ في جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ بِرِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ وهي ما قَدَّمْناهُ آنِفًا. ومِنهم مَن زادَ في تِلْكَ القِصَّةِ: أنَّ جَيْشَ المُسْلِمِينَ اتَّبَعُوا العَدُوَّ إلى أنْ دَخَلُوا بُيُوتَ مَكَّةَ وقَتَلُوا مِنهم وأسَرُوا، فَيَكُونُ بَطْنُ مَكَّةَ مَحْمُولًا عَلى مَشْهُورِ اسْتِعْمالِهِ، وهَذا خَبَرٌ مُضْطَرِبٌ ومُنافٍ لِظاهِرِ قَوْلِهِ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم. ومِنهم مَن أبْعَدَ المَحْمَلَ فَجَعَلَ الآيَةَ نازِلَةً في فَتْحِ مَكَّةَ وهَذا لا يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ ويُخالِفُ كَلامَ السَّلَفِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وهم أعْلَمُ بِالمَقْصُودِ، هَذا كُلُّهُ بِناءً عَلى أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ (﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ (كَفَّ)، أيْ كانَ الكَفُّ في بَطْنِ مَكَّةَ. ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا هو حالٌ مِن ضَمِيرَيْ (عَنْكم) و(عَنْهم) وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ لَوْ كُنْتُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ، أيْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الصُّلْحُ فَدَخَلْتُمْ مُحارِبِينَ كَما رَغِبَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَرِهُوا الصُّلْحَ كَما تَقَدَّمَ فَيَكُونُ إطْلاقُ بَطْنِ مَكَّةَ جارِيًا عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ، أيْ في وسَطِ مَدِينَةِ مَكَّةَ. صفحة ١٨٦ ولِهَذا أُوثِرَتْ مادَّةُ الظَّفَرِ في قَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ دُونَ أنْ يُقالَ: مِن بَعْدِ أنْ نَصَرَكم عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الظَّفَرَ هو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ فَلا يَقْتَضِي وُجُودَ قِتالٍ فالظَّفَرُ أعَمُّ مِنَ النَّصْرِ، أيْ مِن بَعْدِ أنْ أنالَكم ما فِيهِ نَفْعُكم وهو هُدْنَةُ الصُّلْحِ وأنْ تَعُودُوا إلى العُمْرَةِ في العامِ القابِلِ. ومُناسِبَةُ تَعْرِيفِ ذَلِكَ المَكانِ بِهَذِهِ الإضافَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ جَمْعَ المُشْرِكِينَ نَزَلُوا مِن أرْضِ الحَرَمِ المَكِّيِّ إذْ نَزَلُوا مِن جَبَلِ التَّنْعِيمِ وهو مِنَ الحَرَمِ وكانُوا أنْصارًا لِأهْلِ مَكَّةَ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ بِفِعْلِ كَفَّ بِاعْتِبارِ تَعْدِيَتِهِ إلى المَعْطُوفِ عَلى مَفْعُولِهِ، أعْنِي: وأيْدِيَكم عَنْهم لِأنَّهُ هو الكَفُّ الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ بِفِئَةِ المُشْرِكِينَ عَلى حَسَبِ تِلْكَ الرِّوايَةِ والقَرِينَةُ ظاهِرَةٌ مِن قَوْلِهِ مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ. وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ كَفَّ أيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ كانَ لِلْمُسْلِمِينَ إذْ مَنُّوا عَلى العَدْوِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنهُ. فَعُدِّيَ ”أظْفَرَكم“ بِـ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى أيَّدَكم، وإلّا، فَحَقُّهُ أنْ يُعَدّى بِالباءِ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلَّتِي قَبْلَها، والبَصِيرُ بِمَعْنى العَلِيمِ بِالمَرْئِيّاتِ، أيْ عَلِيمًا بِعَمَلِكم حِينَ أحَطْتُمْ بِهِمْ وسُقْتُمُوهم إلى النَّبِيءِ ﷺ تَظُنُّونَ أنَّكم قاتِلُوهم أوْ آسِرُوهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَعْمَلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ، أيْ عَلِيمًا بِما يَعْمَلُونَ مِنَ انْحِدارِهِمْ عَلى غِرَّةٍ مِنكم طامِعِينَ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِن أنْ يَغْلِبُوكم وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ اكْتِفاءٌ، أيْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ويَعْمَلُونَ بَصِيرًا، أوْ بِما يَعْمَلُونَ وتَعْمَلُونَ بَصِيرًا، لِأنَّ قَوْلَهُ كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم يُفِيدُ عَمَلًا لِكُلِّ فَرِيقٍ، أيْ عَلِمَ نَواياكم فَكَفَّها لِحِكْمَةِ اسْتِبْقاءِ قُوَّتِكم وحُسْنِ سُمْعَتِكم بَيْنَ قَبائِلِ العَرَبِ وأنْ لا يَجِدَ المُشْرِكُونَ ذَرِيعَةً إلى التَّظَلُّمِ مِنكم بِالباطِلِ.

الفتح 48:25

صفحة ١٨٧ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ انْتَقَلَ بِهِ مِن مَقامِ الثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وما اكْتَسَبُوا بِتِلْكَ البَيْعَةِ مِن رِضا اللَّهِ - تَعالى - وجَزائِهِ ثَوابَ الآخِرَةِ، وخَيْرِ الدُّنْيا عاجِلِهِ وآجِلِهِ، وضَمانِ النَّصْرِ لَهم في قِتالِ المُشْرِكِينَ، وما هَيَّأ لَهم مِن أسْبابِ النَّصْرِ إلى تَعْيِيرِ المُشْرِكِينَ بِالمَذَمَّةِ الَّتِي أتَوْا بِها وهي صَدُّ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وصَدُّ الهَدْيِ عَنْ أنْ يُبْلَغَ بِهِ إلى أهْلِهِ، فَإنَّها سُبَّةٌ لَهم بَيْنَ العَرَبِ وهم أوْلى النّاسِ بِالحَفاوَةِ بِمَن يَعْتَمِرُونَ، وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ زُوّارُهُ ومُعَظِّمُوهُ، وقَدْ كانَ مِن عادَتِهِمْ قَبُولُ كُلُّ زائِرٍ لِلْكَعْبَةِ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأدْيانِ، فَلا عُذْرَ لَهم في مَنعِ المُسْلِمِينَ ولَكِنَّهم حَمَلَتْهم عَلَيْهِ الحَمِيَّةُ. وضَمِيرُ الغَيْبَةِ المُفْتَتَحُ بِهِ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْلِهِ ﴿ولَوْ قاتَلُوكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ [الفتح: ٢٢] الآيَةَ. والمَقْصُودُ بِالِافْتِتاحِ بِضَمِيرِهِمْ هُنا لِاسْتِرْعاءِ السَّمْعِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الخَبَرِ كَما إذا جَرَّهُ حَدِيثٌ عَنْ بَطَلٍ في يَوْمٍ مِن أيّامِ العَرَبِ ثُمَّ قالَ قائِلٌ عَنْتَرَةُ هو البَطَلُ المُحامِي. والمَقْصُودُ مِنَ الصِّلَةِ هو جُمْلَةُ ﴿صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [المائدة: ٢] وذِكْرُ (الَّذِينَ كَفَرُوا) إدْماجٌ لِلنِّداءِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الكُفْرِ. ولِهَذا الإدْماجِ نُكْتَةٌ أيْضًا، وهي أنَّ وصْفَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ الجِنْسِ صارَ المَوْصُولُ في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ فَتُفِيدُ جُمْلَةُ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قَصْرَ جِنْسِ الكُفْرِ عَلى هَذا الضَّمِيرِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ لِكَمالِهِمْ في الكُفْرِ بِصَدِّهِمُ المُعْتَمِرِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وصَدِّ الهَدْيِ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. والهَدْيُ: ما يُهْدى إلى الكَعْبَةِ مِنَ الأنْعامِ، وهو مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ المَصْدَرِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَحُكْمِ المَصْدَرِ قالَ - تَعالى - ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] أيِ الأنْعامَ المَهْدِيَّةَ وقَلائِدَها وهو هُنا الجَمْعُ. والمَعْكُوفُ: اسْمُ مَفْعُولِ (عَكَفَ)، إذْ ألْزَمُهُ المُكْثُ في مَكانٍ، يُقالُ: عَكَفَهُ فَعَكَفَ فَيُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا عَنِ ابْنِ سِيدَهْ وغَيْرِهِ كَما يُقالُ: رَجَعَهُ فَرَجَعَ صفحة ١٨٨ وجَبَرَهُ فَجَبَرَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لا أعْرِفُ عَكَفَ مُتَعَدِّيًا، وتَأوَّلَ صِيغَةَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ - تَعالى - (مَعْكُوفًا) عَلى أنَّها لِتَضْمِينِ عَكَفَ مَعْنى حَبَسَ. وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الحالِ التَّشْنِيعُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا في صَدِّهِمُ المُسْلِمِينَ عَنِ البَيْتِ بِأنَّهم صَدُّوا الهَدايا أنْ تَبْلُغَ مَحِلَّها حَيْثُ اضْطَرَّ المُسْلِمُونَ أنْ يَنْحَرُوا هَداياهم في الحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ عَطَّلُوا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ شَعِيرَةً مِن شَعائِرِ اللَّهِ، فَفي ذِكْرِ الحالِ تَصْوِيرٌ لِهَيْئَةِ الهَدايا وهي مَحْبُوسَةٌ. ومَعْنى صَدِّهِمُ الهَدْيَ: أنَّهم صَدُّوا أهْلَ الهَدْيِ عَنِ الوُصُولِ إلى المَنحَرِ مِن مِنًى. ولَيْسَ المُرادُ: أنَّهم صَدُّوا الهَدايا مُباشَرَةً لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ المُسْلِمِينَ عَرَضُوا عَلى المُشْرِكِينَ تَخْلِيَةَ مَن يَذْهَبُ بِهَداياهم إلى مَكَّةَ لِتُنْحَرَ بِها. وقَوْلُهُ ”﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾“ أنْ يَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الهَدْيِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِحَرْفِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ وهو (عَنْ)، أيْ عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ. والمَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ: مَحَلُّ الحِلِّ مُشْتَقٌّ مِن فِعْلِ حَلَّ ضِدُّ حَرُمَ، أيِ المَكانُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ نَحْرُ الهَدْيِ، وهو الَّذِي لا يُجْزِئُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ بِمَكَّةَ بِالمَرْوَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَمِرِ، ولِذَلِكَ «لَمّا أُحْصِرُوا أمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْحَرُوا هَدْيَهم في مَكانِهِمْ إذْ تَعَذَّرَ إبْلاغُهُ إلى مَكَّةَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ مَنَعُوهم مِن ذَلِكَ» . ولَمْ يَثْبُتْ في السُّنَّةِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمَرَهم بِتَوَخِّي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلنَّحْرِ مِن أرْضِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ مِن سَماحَةِ الدِّينِ فَلا طائِلَ مِن وراءِ الخَوْضِ في اشْتِراطِ النَّحْرِ في أرْضِ الحَرَمِ لِلْمُحْصَرِ. * * * ﴿ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ أتْبَعَ النَّعْيَ عَلى المُشْرِكِينَ سُوءَ فِعْلِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وتَعْطِيلِ شَعائِرِ اللَّهِ وعْدَهُ المُسْلِمِينَ بِفَتْحٍ قَرِيبٍ ومَغانِمَ كَثِيرَةٍ، بِما يَدْفَعُ غُرُورَ المُشْرِكِينَ بِقُوَّتِهِمْ، ويُسْكِنُ تَطَلُّعَ المُسْلِمِينَ لِتَعْجِيلِ الفَتْحِ، فَبَيَّنَ أنَّ اللَّهَ كَفَّ أيْدِيَ المُسْلِمِينَ عَنِ المُشْرِكِينَ مَعَ ما قَرَّرَهُ آنِفًا مِن قَوْلِهِ ﴿ولَوْ قاتَلُوكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] صفحة ١٨٩ ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] أنَّهُ إنَّما لَمْ يَأْمُرِ المُسْلِمِينَ بِقِتالِ عَدُوِّهِمْ لَمّا صَدُّوهم عَنِ البَيْتِ لِأنَّهُ أرادَ رَحْمَةَ جَمْعٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ كانُوا في خِلالِ أهْلِ الشِّرْكِ لا يَعْلَمُونَهم، وعَصَمَ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في مَصائِبَ مِن جَرّاءِ إتْلافِ إخْوانِهِمْ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾ [الفتح: ٢٢] أوْ عَلى جُمْلَةِ وهو الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم إلَخْ. وأيًّا ما كانَ فَهي كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إلَخْ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ﴾ [الفتح: ٢٦] . ونَظْمُ هَذِهِ الآيَةِ بَدِيعٌ في أُسْلُوبَيِ الإطْنابِ والإيجازِ، والتَّفَنُّنِ في الِانْتِقالِ ورَشاقَةِ كَلِماتِهِ. و(لَوْلا) دالَّةٌ عَلى امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيِ امْتَنَعَ تَعْذِيبُنا الكافِرِينَ لِأجْلِ وُجُودِ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ بَيْنَهم. وما بَعْدَ (لَوْلا) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عَلى الطَّرِيقَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في حَذْفِهِ مَعَ (لَوْلا) إذا كانَ تَعْلِيقُ امْتِناعِ جَوابِها عَلى وُجُودِ شَرْطِها وُجُودًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحالٍ، فالتَّقْدِيرُ: ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ مَوْجُودُونَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾)، أيْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ بَيْنَهم، أيْ أنَّ وُجُودَ هَؤُلاءِ هو الَّذِي لِأجْلِهِ امْتَنَعَ حُصُولُ مَضْمُونِ جَوابِ (لَوْلا) . وإجْراءُ الوَصْفِ عَلى رِجالٍ ونِساءٍ بِالإيمانِ مُشِيرٌ إلى أنَّ وُجُودَهُمُ المانِعَ مِن حُصُولِ مَضْمُونِ الجَوابِ هو الوُجُودُ المَوْصُوفُ بِإيمانِ أصْحابِهِ، ولَكِنَّ الِامْتِناعَ لَيْسَ مُعَلَّقًا عَلى وُجُودِ الإيمانِ بَلْ عَلى وُجُودِ ذَواتِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بَيْنَهم. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾) لَيْسَ هو خَبَرًا بَلْ وصْفًا ثانِيًا إذْ لَيْسَ مَحَطَّ الفائِدَةِ. ووَجْهُ عَطْفِ: نِساءٌ مُؤْمِناتٌ مَعَ أنَّ وُجُودَ رِجالٌ مُؤْمِنُونَ كافٍ في رَبْطِ امْتِناعِ الجَوابِ بِالشَّرْطِ ومَعَ التَّمَكُّنِ مِن أنْ يَقُولَ: ولَوْلا المُؤْمِنُونَ، فَإنَّ جَمْعَ المُذَكَّرِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ يَتَناوَلُ النِّساءَ غالِبًا، أنَّ تَخْصِيصَ النِّساءِ بِالذِّكْرِ أنْسَبُ بِمَعْنى انْتِفاءِ المَعَرَّةِ بِقَتْلِهِنَّ وبِمَعْنى تَعَلُّقِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِنَّ. صفحة ١٩٠ ومَعْنى (﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾) لَمْ تَعْلَمُوا إيمانَهم إذْ كانُوا قَدْ آمَنُوا بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ مُهاجِرًا. فَعَنْ جُنْبُذِ (بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ ومُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ وذالٍ مُعْجَمَةٍ) بْنِ سَبُعٍ (بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ومُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ، ويُقالُ: سِباعٌ بِكَسْرِ السِّينِ يُقالُ: إنَّهُ أنْصارِيٌّ، ويُقالُ: قارِّيٌّ صَحابِيٌّ قالَ: هم سَبْعَةُ رِجالٍ سُمِّيَ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وسَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، وعَيّاشُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ، وأبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وأبُو بَصِيرٍ القُرَشِيُّ ولَمْ أقِفْ عَلى اسْمِ السّابِعِ، وعُدَّتْ أُمُّ الفَضْلِ زَوْجُ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ، وأحْسَبُ أنَّ ثانِيَتَهُما أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ الَّتِي لَحِقَتْ بِالنَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ أنْ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ. وعَنْ حَجَرِ بْنِ خَلَفٍ: ثَلاثَةُ رِجالٍ وتِسْعُ نِسْوَةٍ، ولَفْظُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ النِّساءَ أكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ( ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾)، ما يَشْمَلُ مَعْنى نَفْيِ مَعْرِفَةِ أشْخاصِهِمْ، ومَعْنى نَفْيِ العِلْمِ بِما في قُلُوبِهِمْ، فَيُفِيدُ الأوَّلُ أنَّهم لا يَعْلَمُهم كَثِيرٌ مِنكم مِمَّنْ كانَ في الحُدَيْبِيَةِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومَن مَعَهم مِنَ الأعْرابِ فَهم لا يَعْرِفُونَ أشْخاصَهم، فَلا يَعْرِفُونَ مَن كانَ مِنهم مُؤْمِنًا، وإنْ كانَ يَعْرِفُهُمُ المُهاجِرُونَ، ويُفِيدُ الثّانِي أنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإيمانِ أوْ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ، أيْ لا يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ الجَيْشُ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وأنْ تَطَئُوهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن رِجالٌ ومَعْطُوفِهِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في لَمْ تَعْلَمُوهم أيْ لَوْلا أنْ تَطَئُوهم. والوَطْءُ: الدَّوْسُ بِالرِّجْلِ، ويُسْتَعارُ لِلْإبادَةِ والإهْلاكِ، وقَدْ جَمَعَهُما الحارِثُ بْنُ وعْلَةَ الذُهْلِيُّ في قَوْلِهِ: ووَطِئْتَنا وطْأً عَلى حَنَقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتَ الهِرْمِ والإصابَةُ: لَحاقُ ما يُصِيبُ. و(مِن) في قَوْلِهِ مِنهم لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ الرّاجِعِ إلى مَعْنى التَّسَبُّبِ، أيْ فَتَلْحَقُكم مِن جَرّائِهِمْ ومِن أجْلِهِمْ مَعَرَّةٌ كُنْتُمْ تَتَّقُونَ لَحاقَها لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَهم. صفحة ١٩١ والمَعَرَّةُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن عَرَّهُ، إذا دَهاهُ، أيْ أصابَهُ بِما يَكْرَهُهُ ويَشُقُّ عَلَيْهِ مِن ضُرٍّ أوْ غُرْمٍ أوْ سُوءِ قالَةٍ، فَهي هُنا تَجْمَعُ ما يَلْحَقُهم إذا ألْحَقُوا أضْرارًا بِالمُسْلِمِينَ مِن دِياتِ قَتْلى، وغُرْمِ أضْرارٍ، ومِن إثْمٍ يَلْحَقُ القاتِلِينَ إذا لَمْ يَتَثَبَّتُوا فِيمَن يَقْتُلُونَهُ، ومِن سُوءِ قالَةٍ يَقُولُها المُشْرِكُونَ ويُشِيعُونَها في القَبائِلِ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ لَمْ يَنْجُ أهْلُ دِينِهِمْ مِن ضُرِّهِمْ لِيُكَرِّهُوا العَرَبَ في الإسْلامِ وأهْلِهِ. والباءُ في بِغَيْرِ عِلْمٍ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ مُلابِسِينَ لِانْتِفاءِ العِلْمِ. والمَجْرُورُ بِها مُتَعَلِّقٌ بِـ تُصِيبُكم، أيْ فَتَلْحَقُكم مِن جَرّائِهِمْ مَكارِهُ لا تَعْلَمُونَها حَتّى تَقَعُوا فِيها. وهَذا نَفْيُ عِلْمٍ آخَرَ غَيْرِ العِلْمِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ لَمْ تَعْلَمُوهم لِأنَّ العِلْمَ المَنفِيَّ في قَوْلِهِ لَمْ تَعْلَمُوهم هو العِلْمُ بِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بِالَّذِي انْتِفاؤُهُ سَبَبُ‌‌‌‌‌‌‌‌ إهْلاكِ غَيْرِ المَعْلُومِينَ الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ لَحاقُ المَعَرَّةِ. والعِلْمُ المَنفِيُّ ثانِيًا في قَوْلِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ هو العِلْمُ بِلَحاقِ المَعَرَّةِ مِن وطْأتِهِمُ التّابِعُ لِعَدَمِ العِلْمِ بِإيمانِ القَوْمِ المُهْلَكِينَ وهو العِلْمُ الَّذِي انْتِفاؤُهُ يَكُونُ سَبَبًا في الإقْدامِ عَلى إهْلاكِهِمْ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ واقِعٌ لا مَفْرُوضٌ، فَهو وُجُودُ شَرْطِ (لَوْلا) الَّذِي تَسَبَّبَ عَلَيْهِ امْتِناعُ جَوابِها فالمُعَلَّلُ هو رَبْطُ الجَوابِ بِالشَّرْطِ، أيْ لَوْلا وُجُودُ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ ونِساءٍ مُؤْمِناتٍ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا، وأنَّ هَذا الرَّبْطَ لِأجْلِ رَحْمَةِ اللَّهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذْ رَحِمَ بِهَذا الِامْتِناعِ جَيْشَ المُسْلِمِينَ بِأنْ سَلَّمَهم مِن مَعَرَّةٍ تَلْحَقُهم وأنْ أبْقى لَهم قُوَّتَهم في النُّفُوسِ والعُدَّةِ إلى أمَدٍ مَعْلُومٍ، ورَحِمَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ، ورَحِمَ المُشْرِكِينَ بِأنِ اسْتَبَقاهم لَعَلَّهم يُسْلِمُونَ أوْ يُسْلِمُ أكْثَرُهم كَما حَصَلَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، ورَحِمَ مَن أسْلَمُوا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ بِثَوابِ الآخِرَةِ، فالرَّحْمَةُ هُنا شامِلَةٌ لِرَحْمَةِ الدُّنْيا ورَحْمَةِ الآخِرَةِ. ومَن يَشاءُ يَعُمُّ كُلَّ مَن أرادَ اللَّهُ مِن هَذِهِ الحالَةِ رَحْمَتَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ فِيهِما مَعًا. وعَبَّرَ بِـ مَن يَشاءُ لِما فِيهِ مِن شُمُولِ أصْنافٍ كَثِيرَةٍ ولِما فِيهِ مِنَ الإيجازِ ولِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ رَحْمَةَ أُولَئِكَ. صفحة ١٩٢ وجَوابُ (لَوْلا) يَجُوزُ اعْتِبارُهُ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ (لَوْ) المَعْطُوفَةِ عَلى (لَوْلا) في قَوْلِهِ لَوْ تَزَيَّلُوا، ويَجُوزُ اعْتِبارُ جَوابِ (لَوْ) مُرْتَبِطًا عَلى وجْهِ تَشْبِيهِ التَّنازُعِ بَيْنَ شَرْطَيْ (لَوْلا) و(لَوْ) لِمَرْجِعِ الشَّرْطَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ وهو الِامْتِناعُ فَإنَّ (لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ أيْ تَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِها لِوُجُودِ شَرْطِها. و(لَوْ) حَرْفُ امْتِناعٍ لِامْتِناعٍ، أيْ تَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِها لِامْتِناعِ شَرْطِها؛ فَحُكْمُ جَوابَيْهِما واحِدٌ، وهو الِامْتِناعُ، وإنَّما يَخْتَلِفُ شَرْطاهُما؛ فَشَرْطُ (لَوْ) مُنْتَفٍ وشَرْطُ (لَوْلا) مُثْبَتٌ. وضَمِيرُ تَزَيَّلُوا عائِدٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلَخْ مِن جَمْعٍ مُخْتَلِطٍ فِيهِ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ مَعَ المُشْرِكِينَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَمْ تَعْلَمُوهم. والتَّزَيُّلُ: مُطاوِعُ زَيَّلَهُ إذا أبْعَدَهُ عَنْ مَكانٍ، وزَيَّلَهم، أيْ أبْعَدَ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ، أيْ فَرَّقَهم قالَ تَعالى فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وهو هُنا بِمَعْنى التَّفَرُّقِ والتَّمَيُّزِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ مُطاوَعَةٍ لِفِعْلِ فاعِلٍ، لِأنَّ أفْعالَ المُطاوَعَةِ كَثِيرًا ما تُطْلَقُ لِإرادَةِ المُبالَغَةِ لِدَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةِ المَعْنى وذَلِكَ أصْلٌ مِن أُصُولِ اللُّغَةِ. والمَعْنى: لَوْ تَفَرَّقَ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ عَنْ أهْلِ الشِّرْكِ لَسَلَّطْنا المُسْلِمِينَ عَلى المُشْرِكِينَ فَعَذَّبُوا الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابَ السَّيْفِ. فَإسْنادُ التَّعْذِيبِ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَأْمُرُ بِهِ ويُقَدِّرُ النَّصْرَ لِلْمُسْلِمِينَ كَما قالَ تَعالى: قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم في سُورَةِ (بَراءَةٌ) . و(مِن) في قَوْلِهِ مِنهم لِلتَّبْعِيضِ، أيْ لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِن ذَلِكَ الجَمْعِ المُتَفَرِّقِ المُتَمَيِّزِ مُؤْمِنِهِمْ عَنْ كافِرِهِمْ، أيْ حِينَ يَصِيرُ الجَمْعُ مُشْرِكِينَ خُلَّصًا وحْدَهم. وجُمْلَةُ لَوْ تَزَيَّلُوا إلى آخِرِها بَيانٌ لِجُمْلَةِ ولَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ إلى آخِرِها، أيْ لَوْلا وُجُودُ رِجالٍ مُؤْمِنِينَ إلَخْ مُنْدَمِجِينَ في جَماعَةِ المُشْرِكِينَ غَيْرِ مُفْتَرِقِينَ لَوِ افْتَرَقُوا لَعَذَّبْنا الكافِرِينَ مِنهم. وعَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ: لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

الفتح 48:26

صفحة ١٩٣ ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ صَدُّوكم أيْ صَدُّوكم صَدًّا لا عُذْرَ لَهم فِيهِ ولا داعِيَ إلَيْهِ إلّا حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وإلّا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ جاءُوا مُسالِمِينَ مُعَظِّمِينَ حُرْمَةَ الكَعْبَةِ سائِقِينَ الهَدايا لِنَفْعِ أهْلِ الحَرَمِ فَلَيْسَ مِنَ الرُّشْدِ أنْ يُمْنَعُوا عَنِ العُمْرَةِ ولَكِنَّ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ غَطَّتْ عَلى عُقُولِهِمْ فَصَمَّمُوا عَلى مَنعِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ آلَ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ إلى المُصالَحَةِ عَلى أنْ يَرْجِعَ المُسْلِمُونَ هَذا العامَ وعَلى أنَّ المُشْرِكِينَ يُمَكِّنُوهم مِنَ العُمْرَةِ في القابِلِ وأنَّ العامَيْنِ سَواءٌ عِنْدَهم ولَكِنَّهم أرادُوا التَّشَفِّيَ لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الإحَنِ عَلى المُسْلِمِينَ. فَكانَ تَعْلِيقُ هَذا الظَّرْفِ بِفِعْلِ وصَدُّوكم مُشْعِرًا بِتَعْلِيلِ الصَّدِّ بِكَوْنِهِ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ لِيُفِيدَ أنَّ الحَمِيَّةَ مُتَمَكِّنَةٌ مِنهم تَظْهَرُ مِنها آثارُها فَمِنها الصَّدُّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. والحَمِيَّةُ: الأنَفَةُ، أيِ الِاسْتِنْكافُ مِن أمْرٍ لِأنَّهُ يَراهُ غَضاضَةً عَلَيْهِ وأكْثَرُ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى اسْتِكْبارٍ لا مُوجِبَ لَهُ فَإنْ كانَ لِمُوجِبٍ فَهو إباءُ الضَّيْمِ. ولَمّا كانَ صَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ زِيارَةِ البَيْتِ بِلا حَقٍّ لِأنَّ البَيْتَ بَيْتُ اللَّهِ لا بَيْتُهم كانَ داعِي المَنعِ مُجَرَّدَ الحَمِيَّةِ قالَ تَعالى وما كانُوا أوْلِياءَهُ. و(جَعَلَ) بِمَعْنى وضَعَ، كَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ في المَقامَةِ الأخِيرَةِ: اجْعَلِ المَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ، وقَوْلِ الشّاعِرِ: وإثْمِدٌ يُجْعَلُ في العَيْنِ صفحة ١٩٤ وضَمِيرُ جَعَلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: لِيُدْخِلَ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ مِن قَوْلِهِ: لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ. والَّذِينَ كَفَرُوا مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ جَعَلَ. و(الحَمِيَّةَ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن الَّذِينَ كَفَرُوا، وفي قُلُوبِهِمْ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ جَعَلَ، أيْ تَخَلَّقُوا بِالحَمِيَّةِ فَهي دافِعَةٌ بِهِمْ إلى أفْعالِهِمْ لا يُراعُونَ مَصْلَحَةً ولا مَفْسَدَةً فَكَذَلِكَ حِينَ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وفي قُلُوبِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ جَعَلَ، أيْ وضَعَ الحَمِيَّةَ في قُلُوبِهِمْ. وقَوْلُهُ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ عَطْفُ بَيانٍ لِلْحَمِيَّةِ قُصِدَ مِن إجْمالِهِ ثُمَّ تَفْصِيلِهِ تَقْرِيرُ مَدْلُولِهِ وتَأْكِيدُهُ ما يَحْصُلُ لَوْ قالَ: ”إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمْ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ.“ وإضافَةُ الحَمِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّةِ لِقَصْدِ تَحْقِيرِها وتَشْنِيعِها، فَإنَّها مِن خُلُقِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ انْتِسابُ ذَمٍّ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . ويَعْكِسُ ذَلِكَ إضافَةُ السَّكِينَةِ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ لِأنَّ السَّكِينَةَ مِنَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ فَهي مَوْهِبَةٌ إلَهِيَّةٌ. وتَفْرِيعُ فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ، عَلى إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُؤْذِنُ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ ودُّوا أنْ يُقاتِلُوا المُشْرِكِينَ وأنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ لِلْعُمْرَةِ عَنْوَةً غَضَبًا مِن صَدِّهِمْ عَنْها ولَكِنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ. والمُرادُ بِالسَّكِينَةِ: الثَّباتُ والأناةُ، أيْ جَعَلَ في قُلُوبِهِمُ التَّأنِّيَ وصَرَفَ عَنْهُمُ العَجَلَةَ، فَعَصَمَهم مِن مُقابَلَةِ الحَمِيَّةِ بِالغَضَبِ والِانْتِقامِ فَقابَلُوا الحَمِيَّةَ بِالتَّعَقُّلِ والتَّثَبُّتِ فَكانَ في ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. صفحة ١٩٥ وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ النُّكَتِ المَعْنَوِيَّةِ مُقابَلَةُ ”جَعَلَ“ بِـ ”أنْزَلَ“ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ فَدَلَّ عَلى شَرَفِ السَّكِينَةِ عَلى الحَمِيَّةِ لِأنَّ الإنْزالَ تَخْيِيلٌ لِلرِّفْعَةِ، وإضافَةُ الحَمِيَّةِ إلى الجاهِلِيَّةِ، وإضافَةُ السَّكِينَةِ إلى اسْمِ ذاتِهِ. وعُطِفَ عَلى إنْزالِ اللَّهِ سَكِينَتَهُ ”ألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى“، أيْ جَعَلَ كَلِمَةَ التَّقْوى لازِمَةً لَهم لا يُفارِقُونَها، أيْ قَرَنَ بَيْنَهم وبَيْنَ كَلِمَةِ التَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ مُقابِلَ قَوْلِهِ: ﴿وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الفتح: ٢٥] فَإنَّهُ لَمّا رَبَطَ صَدَّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ رَبْطًا يُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما قَدَّمْناهُ آنِفًا، رَبَطَ مُلازَمَةَ المُسْلِمِينَ كَلِمَةَ التَّقْوى بِإنْزالِ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ، لِيَكُونَ إنْزالُ السَّكِينَةِ في قُلُوبِهِمْ، وهو أمْرٌ باطِنِيٌّ، مُؤَثِّرًا فِيهِمْ عَمَلًا ظاهِرِيًّا وهو مُلازَمَتُهم كَلِمَةَ التَّقْوى، كَما كانَتْ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ هي الَّتِي دَفَعَتِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى صَدِّ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في ”ألْزَمَهم“ عائِدٌ إلى المُؤْمِنِينَ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ عَوَّضَ اللَّهُ غَضَبَهم بِالسَّكِينَةِ ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ مُفارِقًا السَّكِينَةَ مِن قَبْلُ. و”كَلِمَةَ التَّقْوى“ إنْ حُمِلَتْ عَلى ظاهِرِ مَعْنى (كَلِمَةٍ) كانَتْ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ، وإطْلاقُ الكَلِمَةِ عَلى الكَلامِ شائِعٌ، قالَ تَعالى: «إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها فَفُسِّرَتِ الكَلِمَةُ هُنا بِأنَّها قَوْلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» . ورُوِيَ هَذا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: هو حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قُلْتُ: في سَنَدِهِ: ثُوَيْرٌ، ويُقالُ: ثَوْرُ بْنُ أبِي فاخِتَةَ قالَ فِيهِ الدّارَقُطْنِيُّ: هو مَتْرُوكٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هو ضَعِيفٌ. ورَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وسَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا، وكُلُّها ضَعِيفَةُ الأسانِيدِ. ورُوِيَ تَفْسِيرُها بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ. ومَعْنى إلْزامِهِ إيّاهم كَلِمَةَ التَّقْوى: أنَّهُ قَدَّرَ لَهُمُ الثَّباتَ عَلَيْها؛ قَوْلًا بِلَفْظِها وعَمَلًا بِمَدْلُولِها، إذْ فائِدَةُ الكَلامِ حُصُولُ مَعْناهُ، فَإطْلاقُ (الكَلِمَةِ) هُنا كَإطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ يَعْنِي بِها قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ. وإضافَةُ (كَلِمَةَ) إلى (التَّقْوى) عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إضافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ. ومَعْنى صفحة ١٩٦ إضافَتِها: أنَّ كَلِمَةَ الشَّهادَةِ أصْلُ التَّقْوى فَإنَّ أساسَ التَّقْوى اجْتِنابُ عِبادَةِ الأصْنامِ، ثُمَّ تَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ شُعَبُ التَّقْوى كُلُّها. ورُويَتْ أقْوالٌ أُخْرى في تَفْسِيرِ (﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾) بِمَعْنى كَلامٍ آخَرَ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ وهي تَفاسِيرُ لا تُلائِمُ سِياقَ الكَلامِ ولا نَظْمَهُ. ويَجُوزُ أنْ تُحْتَمَلَ (كَلِمَةَ) عَلى غَيْرِ ظاهِرِ مَعْناها فَتَكُونَ مُقْحَمَةً وتَكُونَ إضافَتُها إلى التَّقْوى إضافَةً بَيانِيَّةً، أيْ كَلِمَةً هي التَّقْوى، ويَكُونُ المَعْنى: وألْزَمَهُمُ التَّقْوى عَلى حَدِّ إقْحامِ لَفْظِ اسْمٍ في قَوْلِ لَبِيدٍ: إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِيهِ. ويَدْخُلُ في التَّقْوى ابْتِداءُ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ (كَلِمَةَ) مُطْلَقًا عَلى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. وجِماعُ مَعْناهُ كَإطْلاقِ الِاسْمِ في قَوْلِ النّابِغَةِ: نُبِّئَتْ زُرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ يَهْدِي إلى غَرائِبِ الأشْعارِ ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ ما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: كَلِمَةُ التَّقْوى: الإخْلاصُ. فَجَعَلَ الكَلِمَةَ مَعْنًى مِنَ التَّقْوى. فالمَعْنى عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ: أنَّهم تَخَلَّقُوا بِالتَّقْوى لا يُفارِقُونَها فاسْتُعِيرَ الإلْزامُ لِدَوامِ المُقارَنَةِ. وهَذانِ الوَجْهانِ لا يُعارِضانِ تَفْسِيرَ كَلِمَةِ التَّقْوى بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ المَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ يَكُونُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا بِجُزْئِيٍّ مِنَ التَّقْوى هو أهَمُّ جُزْئِيّاتِها، أيْ تَفْسِيرُ مِثالٍ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّ كَلِمَةَ التَّقْوى الوَفاءُ بِالعَهْدِ، فَيَكُونُ الإلْزامُ عَلى هَذا بِمَعْنى الإيجابِ، أيْ أمَرَهم بِأنْ يَفُوا بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ لِلْمُشْرِكِينَ ولا يَنْقُضُوا عَهْدَهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْقُضِ المُسْلِمُونَ العَهْدَ حَتّى كانَ المُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ ابْتَدَءُوا بِنَقْضِهِ. والواوُ في ”﴿وكانُوا أحَقَّ بِها﴾“ واوُ الحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ ألْزَمَهم تِلْكَ الكَلِمَةَ في حالٍ كانُوا فِيهِ أحَقَّ بِها وأهْلَها مِمَّنْ لَمْ يَلْزَمُوها وهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلُوا التَّوْحِيدَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] . صفحة ١٩٧ وجِيءَ بِفِعْلِ كانُوا لِدَلالَتِها عَلى أنَّ هَذِهِ الأحَقِّيَّةَ راسِخَةٌ فِيهِمْ حاصِلَةٌ في الزَّمَنِ الماضِي، أيْ في قَدَرِ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: أنَّ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ كانَتْ مُتَهَيِّئَةً لِقَبُولِ كَلِمَةِ التَّقْوى والتِزامِها بِما أرْشَدَها اللَّهُ إلَيْهِ. والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مُقَدَّرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، أيْ أحَقَّ بِها مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ لِأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَهُمُ الِاسْتِعْدادَ لِلْإيمان دُونَ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ. وأهْلُ الشَّيْءِ مُسْتَحِقُّهُ، والمَعْنى أنَّهم كانُوا أهْلَ كَلِمَةِ التَّقْوى لِأنَّها تُناسِبُ ضَمائِرَهم وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهم. وهَذِهِ الأهْلِيَّةُ مِثْلُ الأحَقِّيَّةِ مُتَفاوِتَةٌ في النّاسِ وكُلَّما اهْتَدى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ دَلَّ اهْتِداؤُهُ عَلى أنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الأهْلِيَّةُ لِلْإسْلامِ. وجُمْلَةُ وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا تَذْيِيلٌ، أيْ وسَبْقَ في عِلْمِ اللَّهِ ذَلِكَ في عُمُومِ ما أحاطَ بِهِ عِلْمُ اللَّهِ مِنَ الأشْياءِ مَجْرى تَكْوِينِهِ عَلى نَحْوِ عِلْمِهِ.

الفتح 48:27

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ ودَحْضُ ما خامَرَ نُفُوسَ فَرِيقٍ مِنَ الفَشَلِ أوِ الشَّكِّ أوِ التَّحَيُّرِ وتَبْيِينُ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى أهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ مِن ثَوابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ إلى كَشْفِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لِلْقَوْمِ في رُؤْيا رَآها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . ذَلِكَ أنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رُؤْيا قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الحُدَيْبِيَةِ، أوْ وهو في الحُدَيْبِيَةِ: كَأنَّهُ وأصْحابَهُ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ آمِنِينَ وحَلَقُوا وقَصَّرُوا» . هَكَذا كانَتِ الرُّؤْيا مُجْمَلَةً لَيْسَ فِيها وُقُوعُ حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ، والحِلاقُ والتَّقْصِيرُ مُناسِبٌ لِكِلَيْهِما. صفحة ١٩٨ وقَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤْياهُ عَلى أصْحابِهِ فاسْتَبْشَرُوا بِها وعَبَرُوها أنَّهم داخِلُونَ إلى مَكَّةَ بِعُمْرَتِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا لِأجْلِها، فَلَمّا جَرى الصُّلْحُ وتَأهَّبَ النّاسُ إلى القُفُولِ أثارَ بَعْضُ المُنافِقِينَ ذِكْرَ الرُّؤْيا فَقالُوا: فَأيْنَ الرُّؤْيا فَواللَّهِ ما دَخَلْنا المَسْجِدَ الحَرامَ ولا حَلَقْنا وقَصَّرْنا ؟ فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ المَنامَ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ وأنَّهُ سَيُدْخَلُ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. والمَعْنى أنْ رُؤْيا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ وأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ بِها وأنَّها وإنْ لَمْ تَقَعْ في تِلْكَ القَضِيَّةِ فَسَتُحَقَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ وكَأنَّ الحِكْمَةَ في إراءَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ تِلْكَ الرُّؤْيا أيامَئِذٍ وفي إخْبارِ الرَّسُولِ ﷺ أصْحابَهُ بِها: أنَّ اللَّهَ أدْخَلَ بِذَلِكَ عَلى قُلُوبِهِمُ الثِّقَةَ بِقُوَّتِهِمْ وتَرْبِيَةَ الجَراءَةِ عَلى المُشْرِكِينَ في دِيارِهِمْ فَتَسْلَمُ قُلُوبُهم مِن ماءِ الجُبْنِ فَإنَّ الأمْراضَ النَّفْسِيَّةَ إذا اعْتَرَتِ النُّفُوسَ لا تَلْبَثُ أنْ تَتْرُكَ فِيها بَقايا الدّاءِ زَمانًا كَما تَبْقى آثارُ المَرَضِ في العُضْوِ المَرِيضِ بَعْدَ النَّقاهَةِ زَمانًا حَتّى تَرْجِعَ إلى العُضْوِ قُوَّتُهُ الأُولى بَعْدَ مُدَّةِ مُناسِبَةٍ. وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (قَدْ) لِإبْطالِ شُبْهَةِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ قالُوا: فَأيْنَ الرُّؤْيا ؟ ومَعْنى صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا أنَّهُ أراهُ رُؤْيا صادِقَةً لِأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ فَآلَتْ إلى مَعْنى الخَبَرِ فَوُصِفَتْ بِالصِّدْقِ لِذَلِكَ. وهَذا تَطْمِينٌ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ لا مَحالَةَ وهو في حِينِ نُزُولِ الآيَةِ لَمّا يَحْصُلْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ. وتَعْدِيَةُ ”صَدَقَ“ إلى مَنصُوبٍ ثانٍ بَعْدَ مَفْعُولِهِ مِنَ النَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ المُسَمّى بِالحَذْفِ والإيصالِ، أيْ حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ بِالعَمَلِ فِيهِ النَّصْبَ. وأصْلُ الكَلامِ: صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ في الرُّؤْيا كَقَوْلِهِ تَعالى: صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صِدْقًا مُلابِسًا الحَقَّ، أوْ وُقُوعٍ حالًا صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ صِدْقًا مُلابِسًا وقَعَ حالًا مِنَ الرُّؤْيا. صفحة ١٩٩ والحَقُّ: الغَرَضُ الصَّحِيحُ والحِكْمَةُ، أيْ كانَتْ رُؤْيا صادِقَةً وكانَتْ مَجْعُولَةً مُحْكَمَةً وهي ما قَدَّمْناهُ آنِفًا. وجُمْلَةُ ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِجُمْلَةِ صَدَقَ اللَّهُ لِأنَّ مَعْنى لَتَدْخُلُنَّ تَحْقِيقُ دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ في المُسْتَقْبَلِ فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الرُّؤْيا إخْبارٌ بِدُخُولٍ لَمْ يُعَيَّنْ زَمَنُهُ فَهي صادِقَةٌ فِيما يَتَحَقَّقُ في المُسْتَقْبَلِ. وهَذا تَنْبِيهٌ لِلَّذِينَ لَمْ يَتَفَطَّنُوا لِذَلِكَ فَجَزَمُوا بِأنَّ رُؤْيا دُخُولِ المَسْجِدِ تَقْتَضِي دُخُولَهم إلَيْهِ أيّامَئِذٍ وما ذَلِكَ بِمَفْهُومٍ مِنَ الرُّؤْيا وكانَ حَقَّهم أنْ يَعْلَمُوا أنَّها وعْدٌ لَمْ يُعَيَّنْ إبّانَ مَوْعُودِهِ وقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ إذْ قالَ لَهم: إنَّ المَنامَ لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ وأنَّهُ سَيَدْخُلُ. وقَدْ جاءَ في سُورَةِ يُوسُفَ وقالَ يا أبَتِ هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِن قَبْلُ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانًا لِلرُّؤْيا لِأنَّ صِيغَةَ القَسَمِ لا تُلائِمُ ذَلِكَ. والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ”﴿صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ﴾“ أيْ سَيَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ لا مَحالَةَ فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِيَظْهَرَ مَعْنى الِاسْتِئْنافِ. وقَوْلُهُ ”﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾“ مِن شَأْنِهِ أنْ يُذَيَّلَ بِهِ الخَبَرُ المُسْتَقْبَلُ إذا كانَ حُصُولُهُ مُتَراخِيًا، ألا تَرى أنَّ الَّذِي يُقالُ لَهُ: افْعَلْ كَذا، فَيَقُولُ: أفْعَلُ إنْ شاءَ اللَّهُ، لا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّهُ يَفْعَلُ في الحالِ أوْ في المُسْتَقْبَلِ القَرِيبِ بَلْ يَفْعَلُهُ بَعْدَ زَمَنٍ ولَكِنْ مَعَ تَحْقِيقِ أنَّهُ يَفْعَلُهُ. ولِذَلِكَ تَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿وقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] أنَّ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“ لِلدُّخُولِ مَعَ تَقْدِيرِ الأمْنِ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ حِينَ قَدْ دَخَلُوا مِصْرَ. أمّا ما في هَذِهِ الآيَةِ فَهو مِن كَلامِ اللَّهِ فَلا يُناسِبُهُ هَذا المَحْمَلُ. ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ التَّنَصُّلَ مِنِ التِزامِ الوَعْدِ، وهَذا مِنِ اسْتِعْمالاتِ كَلِمَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَلَيْسَ هو مِثْلَ اسْتِعْمالِها في اليَمِينِ فَإنَّها حِينَئِذٍ لِلثُّنْيا لِأنَّها في مَوْضِعِ قَوْلِهِمْ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، لِأنَّ مَعْنى: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ: عَدَمُ الفِعْلِ، وأمّا إنْ شاءَ اللَّهُ، الَّتِي تَقَعُ مَوْقِعَ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، فَمَعْناهُ إنْ شاءَ اللَّهُ الفِعْلَ. صفحة ٢٠٠ والمَوْعُودُ بِهِ صادِقٌ بِدُخُولِهِمْ مَكَّةَ بِالعُمْرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وهي عُمْرَةُ القَضِيَّةِ، فَإنَّهم دَخَلُوا المَسْجِدَ الحَرامَ آمِنِينَ وحَلَقَ بَعْضُهم وقَصَّرَ بَعْضٌ غَيْرَ خائِفِينَ إذْ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ عَهْدٌ، وذَلِكَ أقْرَبُ دُخُولٍ بَعْدَ هَذا الوَعْدِ، وصادِقٌ بِدُخُولِهِمُ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ، وعَدَمُ الخَوْفِ فِيهِ أظْهَرُ. وأمّا دُخُولُهم مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ فَلَمْ يَكُونُوا فِيهِ مُحْرِمِينَ. قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ يَوْمَ الفَتْحِ ولَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا واللَّهُ أعْلَمُ. و﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ آمِنِينَ وعَطَفَ عَلَيْهِ ومُقَصِّرِينَ والتَّحْلِيقُ والتَّقْصِيرُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِن إتْمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وذَلِكَ مِنِ اسْتِمْرارِ الأمْنِ عَلى أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حَكَتْ ما رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رُؤْياهُ، أيْ يَحْلِقُ مَن رامَ الحَلْقَ ويُقَصِّرُ مَن رامَ التَّقْصِيرَ، أيْ لا يُعْجِلُهُمُ الخَوْفُ عَنِ الحَلْقِ فَيَقْتَصِرُوا عَلى التَّقْصِيرِ. وجُمْلَةُ ﴿لا تَخافُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُؤَكِّدَةً لِـ ”آمَنِينَ“ تَأْكِيدًا بِالمُرادِفِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْنَ كامِلٌ مُحَقَّقٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مُؤَسَّسَةً عَلى أنَّ ”آمِنِينَ“ مَعْمُولٌ لِفِعْلِ ”تَدْخُلُّنَ“ وأنَّ ”لا تَخافُونَ“ مَعْمُولٌ لِـ ”آمِنِينَ“، أيْ آمَنِينَ أمْنَ مَن لا يَخافُ، أيْ لا تَخافُونَ غَدْرًا. وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهم يَكُونُونَ أشَدَّ قُوَّةً مِن عَدُوِّهِمُ الَّذِي أمِنَهم، وهَذا يُومِئُ إلى حِكْمَةِ تَأْخِيرِ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ إلى عامٍ قابِلٍ حَيْثُ يَزْدادُونَ قُوَّةً واسْتِعْدادًا وهو أظْهَرُ في دُخُولِهِمْ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾“ لِتَفْرِيعِ الأخْبارِ لا لِتَفْرِيعِ المُخْبَرِ بِهِ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ سابِقٌ عَلى دُخُولِهِمْ وعَلى الرُّؤْيا المُؤْذِنَةِ بِدُخُولِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ. وفِي إيثارِ فِعْلِ جَعَلَ في هَذا التَّرْكِيبِ دُونَ أنْ يَقُولَ: فَتَحَ لَكم مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا أوْ نَحْوَهُ إفادَةُ أنَّ هَذا الفَتْحَ أمْرُهُ عَجِيبٌ ما كانَ لِيَحْصُلَ مِثْلُهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَوَّنَهُ، وصِيغَةُ الماضِي في ”جَعَلَ“ لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ المُحَقَّقِ مَنزِلَةَ الماضِي، أوْ لِأنَّ ”جَعَلَ“ بِمَعْنى (قَدَّرَ) . و(دُونِ) هُنا بِمَعْنى (غَيْرِ)، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أوْ صفحة ٢٠١ بَيانِيَّةٌ. والمَعْنى: فَجَعَلَ فَتْحًا قَرِيبًا لَكم زِيادَةً عَلى ما وعَدَكم مِن دُخُولِ مَكَّةَ آمِنِينَ. وهَذا الفَتْحُ أوَّلُهُ هو فَتْحُ خَيْبَرَ الَّذِي وقَعَ قَبْلَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ وهَذا القَرِيبُ مِن وقْتِ الصُّلْحِ.

الفتح 48:28

﴿هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ لِصِدْقِ الرُّؤْيا بِأنَّ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ ﷺ بِهَذا الدِّينِ ما كانَ لِيُرِيَهُ رُؤْيا صادِقَةً. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدٌ لِلتَّحْقِيقِ المُسْتَفادِ مِن حِرَفِ (قَدْ) ولامِ القَسَمِ في قَوْلِهِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ. وبِهَذا يَظْهَرُ لَكَ حُسْنُ مَوْقِعِ الضَّمِيرِ والمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ لِأنَّ المَوْصُولَ يُفِيدُ العِلْمَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ غالِبًا. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا﴾ [الفتح: ٢٧]، وهم يَعْلَمُونَ أنَّ رُؤْيا الرَّسُولِ ﷺ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ فَهو يُذَكِّرُهم بِهاتَيْنِ الحَقِيقَتَيْنِ المَعْلُومَتَيْنِ عِنْدَهم حِينَ لَمْ يَجْرُوا عَلى مُوجَبِ العِلْمِ بِهِما فَخامَرَتْهم ظُنُونٌ لا تَلِيقُ بِمَن يَعْلَمُ أنَّ رُؤْيا الرَّسُولِ وحَيٌ وأنَّ المُوحِيَ لَهُ هو الَّذِي أرْسَلَهُ فَكَيْفَ يُرِيهِ رُؤْيا غَيْرَ صادِقَةٍ. وفي هَذا تَذْكِيرٌ ولَوْمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ غَفَلُوا عَنْ هَذا وتَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ أدْخَلُوا التَّرَدُّدَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. والباءُ في بِالهُدى لِلْمُصاحَبَةِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلَ“ . والهُدى أُطْلِقَ عَلى ما بِهِ الهُدى، أيْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وعَطَفَ ”دِينِ الحَقِّ“ عَلى الهُدى لِيَشْمَلَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ الأحْكامِ أُصُولِها وفُرُوعِها مِمّا أُوحِيَ بِهِ إلى الرَّسُولِ ﷺ سِوى القُرْآنِ مِن كُلِّ وحْيٍ بِكَلامٍ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الإعْجازُ أوْ كانَ مِن سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالهُدى أُصُولَ الدِّينِ مِنِ اعْتِقادِ الإيمانِ وفَضائِلِ الأخْلاقِ الَّتِي بِها تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، و”بِدِينِ الحَقِّ“: شَرائِعُ الإسْلامِ وفُرُوعُهُ. صفحة ٢٠٢ واللّامُ في ”لِيُظْهِرَهُ“ لِتَعْلِيلِ فِعْلِ ”أرْسَلَ“ ومُتَعَلِّقاتِهِ، أيْ أرْسَلَهُ بِذَلِكَ لِيُظْهِرَ هَذا الدِّينَ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ السّالِفَةِ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِـ كُلِّهِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ. ومَعْنى ”يُظْهِرَهُ“ يُعْلِيهِ. والإظْهارُ: أصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِن ظَهَرَ بِمَعْنى بَدا، فاسْتُعْمِلَ كِنايَةً عَنِ الِارْتِفاعِ الحَقِيقِيِّ ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا عَنِ الشَّرَفِ فَصارَ أظْهَرَهُ بِمَعْنى أعْلاهُ، أيْ لِيُشَرِّفَهُ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، وهَذا كَقَوْلِهِ في حَقِّ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى﴾ إلَخِ الشَّهادَةَ بِأنَّ الرُّؤْيا صِدْقٌ ذَيَّلَ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا أيْ أجْزَأتْكم شَهادَةُ اللَّهِ بِصِدْقِ الرُّؤْيا إلى أنْ تَرَوْا ما صْدَقَها في الإبّانِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ.

الفتح 48:29

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ لَمّا بَيَّنَ صِدْقَ الرَّسُولِ ﷺ في رُؤْياهُ واطْمَأنَّتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ والثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَهُ. ومُحَمَّدٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: هو مُحَمَّدٌ يَعُودُ هَذا الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ عَلى قَوْلِهِ رَسُولَهُ في الآيَةِ قَبْلَها. وهَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ الَّذِي وصَفَهُ السَّكّاكِيُّ بِالحَذْفِ الَّذِي الِاسْتِعْمالُ وارِدٌ عَلى تَرْكِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وتَرْكِ نَظائِرِهِ. قالَ التَّفْتَزانِيُّ في المُطَوَّلِ ومِنهُ قَوْلُهم بَعْدَ أنْ يَذْكُرُوا رَجُلًا: فَتًى مِن شَأْنِهِ كَذا وكَذا، وهو أنْ يَذْكُرُوا الدِّيارَ أوِ المَنازِلَ رَبْعَ كَذا وكَذا. ومِن أمْثِلَةِ المِفْتاحِ لِذاكَ قَوْلُهُ: فَراجِعْهُما أيِ العَقْلَ السَّلِيمَ والطَّبْعَ المُسْتَقِيمَ في مِثْلِ قَوْلِهِ: سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ صفحة ٢٠٣ ٢٠٦ فَتًى غَيْرَ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرَ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ إذْ لَمْ يَقُلْ: هو فَتًى. وهَذا المَعْنى هو الأظْهَرُ هُنا إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وإنَّما المَقْصُودُ بَيانُ رَسُولِ اللَّهِ مَن هو بَعْدَ أنْ أجْرى عَلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ مِن قَوْلِهِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ إلى قَوْلِهِ: لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَيُعْتَبَرُ السّامِعُ كالمُشْتاقِ إلى بَيانِ: مَن هَذا المُتَحَدَّثُ عَنْهُ بِهَذِهِ الأخْبارِ ؟ فَيُقالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أيْ هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وهَذا مِنَ العِنايَةِ والِاهْتِمامِ بِذِكْرِ مَناقِبِهِ ﷺ . فَتُعْتَبَرُ الجُمْلَةُ المَحْذُوفُ مُبْتَدَؤُها مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لا تَخْفى، والأحْسَنُ مِنها هَذا. وفِي هَذا نِداءٌ عَلى إبْطالِ جَحُودِ المُشْرِكِينَ رِسالَتَهُ حِينَ «امْتَنَعُوا مِن أنْ يُكْتَبَ في صَحِيفَةِ الصُّلْحِ ”هَذا ما قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وقالُوا: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ما صَدَدْناكَ عَنِ البَيْتِ“» . وقَوْلُهُ ”والَّذِينَ مَعَهُ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً و”أشِدّاءُ“ خَبَرًا عَنْهُ وما بَعْدَهُ إخْبارٌ، والمَقْصُودُ الثَّناءُ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . ومَعْنى ”مَعَهُ“: المُصاحَبَةُ الكامِلَةُ بِالطّاعَةِ والتَّأْيِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم. والمُرادُ: أصْحابُهُ كُلُّهم لا خُصُوصُ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ. وإنْ كانُوا هُمُ المَقْصُودَ ابْتِداءً فَقَدْ عُرِفُوا بِصِدْقِ ما عاهَدُوا عَلَيْهِ اللَّهَ، ولِذَلِكَ «لَمّا انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المَطْلَبِ: نادِ يا أصْلَ السَّمُرَةِ» . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ والَّذِينَ مَعَهُ عَطْفًا عَلى رَسُولِهِ مِن قَوْلِهِ: هو الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ. والتَّقْدِيرُ: وأرْسَلَ الَّذِينَ مَعَهُ، أيْ أصْحابَهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالإرْسالِ ما يَشْمَلُ الإذْنَ لَهم بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعالى صفحة ٢٠٤ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] الآيَةَ فَإنَّ المُرْسَلِينَ إلى أهْلِ أنْطاكِيَةَ كانُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ، أمَرَهم عِيسى بِنَشْرِ الهُدى والتَّوْحِيدِ. فَيَكُونُ الإرْسالُ البَعْثَ لَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] وعَلى هَذا يَكُونُ ”أرْسَلْنا“ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. و”أشِدّاءُ“: جَمْعُ شَدِيدٍ، وهو المَوْصُوفُ بِالشِّدَّةِ المَعْنَوِيَّةِ وهي صَلابَةُ المُعامَلَةِ وقَساوَتُها، قالَ تَعالى في وصْفِ النّارِ ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] . والشِّدَّةُ عَلى الكُفّارِ: هي الشِّدَّةُ في قِتالِهِمْ وإظْهارُ العَداوَةِ لَهم، وهَذا وصْفُ مَدْحٍ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ كانُوا هم فِئَةَ الحَقِّ ونَشْرِ الإسْلامِ فَلا يَلِيقُ بِهِمْ إلّا إظْهارُ الغَضَبِ لِلَّهِ والحُبِّ في اللَّهِ والبُغْضِ في اللَّهِ مِنَ الإيمانِ، وأصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ أقْوى المُؤْمِنِينَ إيمانًا مِن أجْلِ إشْراقِ أنْوارِ النُّبُوَّةِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا جَرَمَ أنْ يَكُونُوا أشَدَّ عَلى الكُفّارِ فَإنَّ بَيْنَ نُفُوسِ الفَرِيقَيْنِ تَمامَ المُضادَّةِ وما كانَتْ كَراهِيَتُهم لِلصُّلْحِ مَعَ الكُفّارِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ ورَغْبَتُهم في قَتْلِ أسْراهُمُ الَّذِينَ ثَقِفُوهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ وعَفا عَنْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ إلّا مِن آثارِ شِدَّتِهِمْ عَلى الكُفّارِ ولَمْ تَكُنْ لاحَتْ لَهُمُ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ عَلى القِتالِ وعَلى القَتْلِ الَّتِي آثَرَها النَّبِيءُ ﷺ . ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُهم مُحاوَرَةً في إباءِ الصُّلْحِ يَوْمَئِذٍ أشَدَّ أشِدّائِهِمْ عَلى الكُفّارِ، وهو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وكانَ أفْهَمَهم لِلْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَوَخّاها النَّبِيءُ ﷺ في إبْرامِ الصُّلْحِ أبُو بَكْرٍ. وقَدْ قالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ: أيُّها النّاسُ اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فَلَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ أبِي جَنْدَلٍ، ولَوْ نَسْتَطِيعُ أنْ نَرُدَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ فِعْلَهُ لَرَدَدْناهُ، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. ثُمَّ تَكُونُ أحْكامُ الشِّدَّةِ عَلى الكُفّارِ مِن وُجُوبٍ ونَدْبٍ وإباحَةٍ وأحْكامِ صُحْبَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ جارِيَةً عَلى مُخْتَلِفِ الأحْوالِ ولِعُلَماءِ الإسْلامِ فِيها مَقالٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وفي سُورَةِ بَراءَةٌ. والشِّدَّةُ عَلى الكُفّارِ اقْتَبَسُوها مِن شِدَّةِ النَّبِيءِ ﷺ في إقامَةِ الدِّينِ قالَ تَعالى: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وأمّا كَوْنُهم رُحَماءَ بَيْنَهم فَذَلِكَ مِن رُسُوخِ أُخُوَّةِ الإيمانِ بَيْنَهم في نُفُوسِهِمْ. صفحة ٢٠٥ وقَدْ ورَدَتْ أخْبارُ أُخُوَّتِهِمْ وتَراحُمِهِمْ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ . وفِي الجَمْعِ لَهم بَيْنَ هاتَيْنِ الخَلَّتَيْنِ المُتَضادَّتَيْنِ الشِّدَّةِ والرَّحْمَةِ إيماءٌ إلى أصالَةِ آرائِهِمْ وحِكْمَةِ عُقُولِهِمْ، وأنَّهم يَتَصَرَّفُونَ في أخْلاقِهِمْ وأعْمالِهِمْ تَصَرُّفَ الحِكْمَةِ والرُّشْدِ فَلا تَغْلِبُ عَلى نُفُوسِهِمْ مَحْمَدَةٌ دُونَ أُخْرى ولا يَنْدَفِعُونَ إلى العَمَلِ بِالجِبِلَّةِ وعَدَمِ الرُّؤْيَةِ. وفِي مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] في سُورَةِ العُقُودِ. وفِي تَعْلِيقِ ”رُحَماءُ“ مَعَ ظَرْفِ (بَيْنَ) المُفِيدِ لِلْمَكانِ الدّاخِلِ وسَطَ ما يُضافُ هو إلَيْهِ تَنْبِيهٌ عَلى انْبِثاثِ التَّراحُمِ فِيهِمْ جَمِيعًا قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «تَجِدُ المُسْلِمِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ اشْتَكى لَهُ جَمِيعُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمّى» . والخِطابُ في تَراهم لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ بَلْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى رُؤْيَتُهُ إيّاهم، أيْ يَراهُمُ الرّائِي. وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، أيْ تَراهم كُلَّما شِئْتَ أنْ تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا. وهَذا ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِشِدَّةِ إقْبالِهِمْ عَلى أفْضَلِ الأعْمالِ المُزَكِّيَةِ لِلنَّفْسِ، وهي الصَّلَواتُ مَفْرُوضُها ونافِلَتُها وأنَّهم يَتَطَلَّبُونَ بِذَلِكَ رِضا اللَّهِ ورِضْوانِهُ. وفي سَوْقِ هَذا في مَساقِ الثَّناءِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ حَقَّقَ لَهم ما يَبْتَغُونَهُ. والسِّيما: العَلّامَةُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] في البَقَرَةِ، وهَذِهِ سِيما خاصَّةٌ هي مِن أثَرِ السُّجُودِ. واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنَ السِّيما الَّتِي وُصِفَتْ بِأنَّها مِن أثَرِ السُّجُودِ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ، الأوَّلِ: أنَّها أثَرٌ مَحْسُوسٌ لِلسُّجُودِ، الثّانِي: أنَّها مِنَ الأثَرِ النَّفْسِيِّ لِلسُّجُودِ، الثّالِثِ: أنَّها أثَرٌ يَظْهَرُ في وُجُوهِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. فَبِالأوَّلِ فَسَّرَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ قالَ مالِكٌ: السِّيما هي ما صفحة ٢٠٦ يَتَعَلَّقُ بِجِباهِهِمْ مِنَ الأرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ مِثْلَ ما تَعَلَّقَ بِجَبْهَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِن أثَرِ الطِّينِ والماءِ لَمّا وكَفَ المَسْجِدَ صَبِيحَةَ إحْدى وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ. وقالَ السَّعِيدُ وعِكْرِمَةُ: الأثَرُ كالغُدَّةِ يَكُونُ في جَبْهَةِ الرَّجُلِ. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَتَكَلَّفُونَ حُدُوثَ ذَلِكَ في وُجُوهِهِمْ ولَكِنَّهُ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِسَبَبِ تَكَرُّرِ مُباشَرَةِ الجَبْهَةِ لِلْأرْضِ وبَشَراتُ النّاسِ مُخْتَلِفَةٌ في التَّأثُّرِ بِذَلِكَ فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ إذا لَمْ يَتَكَلَّفُهُ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ رِياءً. وقالَ أبُو العالِيَةِ: يَسْجُدُونَ عَلى التُّرابِ لا عَلى الأثْوابِ. وإلى النَّحْوِ الثّانِي فَسَّرَ الأعْمَشُ والحَسَنُ وعَطاءٌ والرَّبِيعُ ومُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جَزْءٍ والضَّحّاكُ. فَقالَ الأعْمَشُ: مَن كَثُرَتْ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ. وقَرِيبٌ مِنهُ عَنْ عَطاءٍ والرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو حُسْنُ السَّمْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو نُورٌ مِنَ الخُشُوعِ والتَّواضُعِ. وقالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: بَياضٌ وصُفْرَةٌ وتَهَيُّجٌ يَعْتَرِي الوُجُوهَ مِنَ السَّهَرِ. وإلى النَّحْوِ الثّالِثِ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا والزُّهْرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ العَوْفِيِّ والحَسَنُ أيْضًا وخالِدٌ الحَنَفِيُّ وعَطِيَّةُ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: أنَّها سِيما تَكُونُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وقالُوا: هي بَياضٌ يَكُونُ في الوَجْهِ يَوْمَ القِيامَةِ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ كَرامَةً لَهم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾: النُّورُ يَوْمَ القِيامَةِ»، قِيلَ: وسَنَدُهُ حَسَنٌ. وهو لا يَقْتَضِي تَعْطِيلَ بَقِيَّةِ الِاحْتِمالاتِ إذْ كُلُّ ذَلِكَ مِنَ السِّيما المَحْمُودَةِ ولَكِنَّ النَّبِيءَ ﷺ ذَكَرَ أعْلاها. وضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”تَراهم، ويَبْتَغُونَ، و﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ﴾ عائِدَةٌ إلى“ الَّذِينَ مَعَهُ ”عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وإلى كُلٍّ مِن ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. * * * صفحة ٢٠٧ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن صِفاتِ الَّذِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ السّابِقَ في الذِّكْرِ بِمَنزِلَةِ الحاضِرِ فَيُشارُ إلَيْهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ فاسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ومَثَلُهم خَبَرُهُ. والمَثَلُ يُطْلَقُ عَلى الحالَةِ العَجِيبَةِ، ويُطْلَقُ عَلى النَّظِيرِ، أيِ المُشابِهِ فَإنْ كانَ هُنا مَحْمُولًا عَلى الحالَةِ العَجِيبَةِ فالمَعْنى: أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ هي حالُهُمُ المَوْصُوفُ في التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ:“ في التَّوْراةِ ”مُتَعَلِّقٌ بِـ“ مَثَلُهم ”أوْ حالٌ مِنهُ. فَيُحْتَمَلُ أنَّ في التَّوْراةِ وصْفَ قَوْمٍ سَيَأْتُونَ ووُصِفُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ هُمُ المَقْصُودُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ العَجِيبَةِ الَّتِي في التَّوْراةِ، أيْ أنَّ التَّوْراةَ قَدْ جاءَتْ فِيها بِشارَةٌ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ ووَصْفِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ . والَّذِي وقَفْنا عَلَيْهِ في التَّوْراةِ مِمّا يَصْلُحُ لِتَطْبِيقِ هَذِهِ الآيَةِ هو البِشارَةُ الرَّمْزِيَّةُ الَّتِي في الإصْحاحِ الثّالِثِ والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: (جاءَ الرَّبُّ مِن سِينا وأشْرَقَ لَهم مِن سَعِيرٍ وتَلَأْلَأ مِن جَبَلِ فارانَ، وأتى مِن رَبَواتِ القُدُسِ وعَنْ يَمِينِهِ نارٌ شَرِيعَةٌ لَهم فَأحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ وهم جالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يَتَقَبَّلُونَ مِن أقْوالِكَ) فَإنَّ جَبَلَ فارانَ هو حِيالُ الحِجازِ. وقَوْلُهُ:“ فَأحَبَّ الشَّعْبُ جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ ”يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ رُحَماءُ بَيْنَهم، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ ما يَنْطَبِقُ عَلى هَذا مِن سُورَةِ الفَتْحِ. وقَوْلُهُ: قِدِّيسِيهِ يُفِيدُ مَعْنى تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا ومَعْنى ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ . وقَوْلُهُ في التَّوْراةِ: جالِسُونَ عِنْدَ قَدَمِكَ يُفِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا. ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:“ ذَلِكَ ”إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ. * * * ﴿ومَثَلَهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ مُبْتَدَأٍ. ويَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ:“ في التَّوْراةِ ”والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: صفحة ٢٠٨ “ كَزَرْعٍ ”خَبَرُهُ، وهو المَثَلُ. وهَذا هو الظّاهِرُ مِن سِياقِ الآيَةِ فَيَكُونُ مُشِيرًا إلى نَحْوِ قَوْلِهِ في إنْجِيلِ مَتّى (الإصْحاحِ ١٣ فِقْرَةِ ٣): (هو ذا الزّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ [ يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ] وفِيما هو يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلى الطَّرِيقِ فَجاءَتِ الطُّيُورُ وأكَلَتْهُ) إلى أنْ قالَ: (وسَقَطَ الآخَرُ عَلى الأرْضِ الجَيِّدَةِ فَأعْطى ثَمَرُهُ بَعْضَ مِائَةٍ وآخَرُ سِتِّينَ وآخَرُ ثَلاثِينَ) . قالَ فِقْرَةً: (ثُمَّ قالَ وأما المَزْرُوعُ عَلى الأرْضِ الجَيِّدَةِ فَهو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلِمَةَ ويَفْهَمُ، وهو الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِائَةً وبَعْضٌ سِتِّينَ وآخَرُ ثَلاثِينَ) . وهَذا يَتَضَمَّنُ نَماءَ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ وبِأنَّهم يَدْعُونَ النّاسَ إلى الدِّينِ حَتّى يَكْثُرَ المُؤْمِنُونَ كَما تُنْبِتُ الحَبَّةُ مِائَةَ سُنْبُلَةٍ وكَما تَنْبُتُ مِنَ النَّواةِ الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ. وفِي قَوْلِهِ:“ أخْرَجَ شَطْأهُ ”اسْتِعارَةُ الإخْراجِ إلى تَفَرُّعِ الفِراخِ مِنَ الحَبَّةِ لِمُشابَهَةِ التَّفَرُّعِ بِالخُرُوجِ ومُشابَهَةِ الأصْلِ المُتَفَرَّعِ عَنْهُ بِالَّذِي يُخْرِجُ شَيْئًا مِن مَكانٍ. والشَّطْءُ بِهَمْزَةٍ في آخِرِهِ وسُكُونِ الطّاءِ: فِراخُ الزَّرْعِ وفُرُوعُ الحَبَّةِ. ويُقالُ: أشْطَأ الزَّرْعُ، إذا أخْرَجَ فُرُوعًا. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الطّاءِ وبِالهَمْزِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (شَطَأهُ) بِفَتْحِ الطّاءِ بَعْدَها ألِفٌ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ألِفًا. و“ آزَرَهُ ”قَوّاهُ، وهو مِنَ المُؤازَرَةِ بِالهَمْزِ وهي المُعاوَنَةُ وهو مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِ الإزارِ لِأنَّهُ يَشُدُّ ظَهْرَ المُتَّزِرِ بِهِ ويُعِينُهُ شَدُّهُ عَلى العَمَلِ والحَمْلِ كَذا قِيلَ. والأظْهَرُ عِنْدِي عَكْسُ ذَلِكَ وهو أنْ يَكُونَ الإزارُ مُشْتَقًّا اسْمُهُ مِن: آزَرَ، لِأنَّ الِاشْتِقاقَ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ نادِرٌ لا يُصارُ إلى دُعائِهِ إلّا إذا تَعَيَّنَ. وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ في“ آزَرَهُ ”مُسْتَعارَةٌ لِقُوَّةِ الفِعْلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: عافاكَ اللَّهُ، وقَوْلِهِ تَعالى وبارَكَ فِيها. والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في“ آزَرَهُ ”لِلشَّطْءِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلزَّرْعِ، أيْ قَوّى الشَّطْءُ أصْلَهُ. صفحة ٢٠٩ وقَرَأ الجُمْهُورُ:“ فَآزَرَهُ ”. وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ“ فَأزَّرَهُ ”بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى واحِدٌ. ومَعْنى“ اسْتَغْلَظَ ”غَلُظَ غِلْظًا شَدِيدًا في نَوْعِهِ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ: اسْتَجابَ. والضَّمِيرانِ المَرْفُوعانِ في“ اسْتَغْلَظَ ”و“ اسْتَوى ”عائِدانِ إلى الزَّرْعِ. والسَّوَقُ: جَمْعُ ساقٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ ساقًا لَيْسَ بِوَصْفٍ وهو اسْمٌ عَلى زِنَةِ فَعَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ. وقِراءَةُ الجَمِيعِ:“ عَلى سُوقِهِ ”بِالواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (سُؤْقِهِ) بِالهَمْزَةِ أيْ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ السِّينِ المَضْمُومَةِ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ يَهْمِزُونَ الواوَ الَّتِي قَبْلَها ضَمَّةٌ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى وتُنْسَبُ لِقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ولَمْ يَذْكُرْها المُفَسِّرُونَ ولَمْ يَذْكُرْها في حِرْزِ الأمانِي وذَكَرَها النَوْرِيُّ في كِتابِ غَيْثِ النَّفْعِ وكَلامُهُ غَيْرُ واضِحٍ في صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى قُنْبُلٍ. وساقُ الزَّرْعِ والشَّجَرَةِ: الأصْلُ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ السُّنْبُلُ والأغْصانُ. ومَعْنى هَذا التَّمْثِيلِ تَشْبِيهُ حالِ بَدْءِ المُسْلِمِينَ ونَمائِهِمْ حَتّى كَثُرُوا وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ بَدْءِ دِينِ الإسْلامِ ضَعِيفًا وتَقَوِّيهِ يَوْمًا فَيَوْمًا حَتّى اسْتَحْكَمَ أمْرُهُ وتَغَلَّبَ عَلى أعْدائِهِ. وهَذا التَّمْثِيلُ قابِلٌ لِاعْتِبارِ تَجْزِئَةِ التَّشْبِيهِ في أجْزائِهِ بِأنْ يُشَبَّهَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالزّارِعِ صفحة ٢١٠ كَما مَثَّلَ عِيسى غَلَبَ الإسْلامَ في الإنْجِيلِ، ويُشَبَّهُ المُؤْمِنُونَ بِحَبّاتِ الزَّرْعِ الَّتِي يَبْذُرُها في الأرْضِ مِثْلِ: أبِي بَكْرٍ وخَدِيجَةَ وعَلِيٍّ وبِلالٍ وعَمّارٍ، والشَّطْءُ: مَن أيَّدُوا المُسْلِمِينَ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا إلى اللَّهِ وحْدَهُ وانْضَمَّ إلَيْهِ نَفَرٌ قَلِيلٌ ثُمَّ قَوّاهُ اللَّهُ بِمَن ضامَنَ مَعَهُ كَما يُقَوِّي الطّاقَةَ الأوْلى مِنَ الزَّرْعِ ما يَحْتَفُّ بِها مِمّا يَتَوَلَّدُ مِنها حَتّى يُعْجِبَ الزُّرّاعَ. وقَوْلُهُ ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ تَحْسِينٌ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ لِيُفِيدَ تَحْسِينَ المُشَبَّهِ. * * * ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ تَمْثِيلُهم بِالزَّرْعِ المَوْصُوفِ مِن نَمائِهِمْ وتَرَقِّيهِمْ في الزِّيادَةِ والقُوَّةِ لِأنَّ كَوْنَهم بِتِلْكَ الحالَةِ مِن تَقْدِيرِ اللَّهِ لَهم أنْ يَكُونُوا عَلَيْها فَمَثَّلْ بِأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ أبُو عُرْوَةَ الزُّبَيْرِيُّ: كُنّا عِنْدَ مالِكِ بْنِ أنَسٍ فَذَكَرُوا عِنْدَهُ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَرَأ مالِكٌ هَذِهِ الآيَةَ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى أنْ بَلَغَ قَوْلَهُ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ فَقالَ مالِكٌ: مَن أصْبَحَ مِنَ النّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلى أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أصابَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ. وقُلْتُ: رَحِمَ اللَّهُ مالِكَ بْنَ أنَسٍ ورَضِيَ عَنْهُ ما أدَقَّ اسْتِنْباطَهُ. * * * ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ أعْقَبَ تَنْوِيهَ شَأْنِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِوَعْدِهِمْ بِالجَزاءِ عَلى ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَها الأثَرُ المَتِينُ في نَشْرِ ونَصْرِ هَذا الدِّينِ. وقَوْلُهُ:“ مِنهم ”يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) لِلْبَيانِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] صفحة ٢١١ وهُوَ اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، ويَجُوزُ إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِ المَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِ لِأنَّهُ وعْدٌ لِكُلِّ مَن يَكُونُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ ذِكْرُ (مِن) تَحْذِيرًا وهو لا يُنافِي المَغْفِرَةَ لِجَمِيعِهِمْ لِأنَّ جَمِيعَهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ هم خِيرَةُ المُؤْمِنِينَ. انْتَهَتْ سُورَةُ الفَتْحِ. * * * صفحة ٢١٢ صفحة ٢١٣ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الحُجُراتِ سُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ والتَّفْسِيرِ“ سُورَةَ الحُجُراتِ ”ولَيْسَ لَها اسْمٌ غَيْرُهُ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِها أنَّها ذُكِرَ فِيها لَفْظُ“ الحُجُراتِ " . ونَزَلَتْ في قِصَّةِ نِداءِ بَنِي تَمِيمٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن وراءِ حُجُراتِهِ، فَعُرِفَتْ بِهَذِهِ الإضافَةِ. وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْوِيلِ، أيْ مِمّا نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وحَكى السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ قَوْلًا شاذًّا أنَّها مَكِّيَّةٌ ولا يُعْرَفُ قائِلُ هَذا القَوْلِ. وفِي أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] الآيَةَ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ كَما سَيَأْتِي، ولَمْ يُثْبِتْ أنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ كَما سَيَأْتِي. ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّورِ المُسْتَثْنى بَعْضُ آياتِها. وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ بَعْدَ المِائَةِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُجادِلَةِ وقَبْلَ سُورَةِ التَّحْرِيمِ وكانَ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ سَنَةَ تِسْعٍ، وأوَّلُ آيِها في شَأْنِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] . وعَدَّ جَمِيعُ العادِّينَ آيَها ثَمانَ عَشْرَةَ آيَةً. * * * أغْراضُ هاتِهِ السُّورَةِ تَتَعَلَّقُ أغْراضُها بِحَوادِثَ جَدَّتْ مُتَقارِبَةً كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ ما فِيها مِن أحْكامٍ وآدابٍ. وأوَّلُها تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ بَعْضَ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأدَبِ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ في صفحة ٢١٤ مُعامَلَتِهِ وخِطابِهِ ونِدائِهِ، دَعا إلى تَعْلِيمِهِمْ إيّاها ما ارْتَكَبَهُ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ مِن جَفاءِ الأعْرابِ لَمّا نادَوُا الرَّسُولَ ﷺ مِن بُيُوتِهِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] . ووُجُوبِ صِدْقِ المُسْلِمِينَ فِيما يُخْبِرُونَ بِهِ، والتَّثَبُّتِ في نَقْلِ الخَبَرِ مُطْلَقًا وأنَّ ذَلِكَ مِن خُلُقِ المُؤْمِنِينَ، ومُجانَبَةِ أخْلاقِ الكافِرِينَ والفاسِقِينَ، وتَطَرَّقَ إلى ما يَحْدُثُ مِنَ التَّقاتُلِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، والإصْلاحِ بَيْنَهم لِأنَّهم إخْوَةٌ، وما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن آدابِ حُسْنِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أحْوالِهِمْ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، وتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ إلى التَّحْذِيرِ مِن بَقايا خُلُقِ الكُفْرِ في بَعْضِ جُفاةِ الأعْرابِ تَقْوِيمًا لِأوَدِ نُفُوسِهِمْ. وقالَ فَخْرُ الدِّينِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]: هَذِهِ السُّورَةُ فِيها إرْشادُ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي إمّا مَعَ اللَّهِ أوْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِما مِن أبْناءِ الجِنْسِ، وهم عَلى صِنْفَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ وداخِلِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ أوْ خارِجِينَ عَنْها وهو الفُسُوقُ، والدّاخِلُ في طائِفَتِهِمْ: إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهم فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ، قالَ: فَذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وأرْشَدَ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مِن قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ، وسَنَأْتِي عَلى بَقِيَّةِ كَلامِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآيَةِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وهَذِهِ السُّورَةُ هي أوَّلُ سُوَرِ المُفَصَّلِ بِتَشْدِيدِ الصّادِ ويُسَمّى المُحْكَمُ عَلى أحَدِ أقْوالٍ في المَذْهَبِ، وهو الَّذِي ارْتَضاهُ المُتَأخِّرُونَ مِنَ الفُقَهاءِ وفي مَبْدَأِ المُفَصَّلِ عِنْدَنا أقْوالٌ عَشَرَةٌ أشْهَرُها قَوْلانِ: قِيلَ: إنَّ مَبْدَأهُ سُورَةُ ق وقِيلَ: سُورَةُ الحُجُراتِ، وفي مَبْدَأِ وسَطِ المُفَصَّلِ قَوْلانِ أصَحُّهُما أنَّهُ سُورَةُ عَبَسَ، وفي قِصارِهِ قَوْلانِ أصَحُّهُما أنَّها مِن سُورَةِ والضُّحى. واخْتَلَفَ الحَنَفِيَّةُ في مَبْدَأِ المُفَصَّلِ عَلى أقْوالٍ اثْنَيْ عَشَرَ، والمُصَحَّحُ أنَّ أوَّلَهُ مِنَ صفحة ٢١٥ الحُجُراتِ، وأوَّلَ وسَطِ المُفَصَّلِ سُورَةُ الطّارِقِ، وأوَّلَ القِصارِ سُورَةُ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ. وعِنْدَ الشّافِعِيَّةِ قِيلَ: أوَّلُ المُفَصَّلِ سُورَةُ الحُجُراتِ، وقِيلَ سُورَةُ ق، ورَجَّحَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في التَّفْسِيرِ كَما سَيَأْتِي. وعِنْدَ الحَنابِلَةِ: أوَّلُ المُفَصَّلِ سُورَةُ ق. والمُفَصَّلُ هو السُّورُ الَّتِي تُسْتَحَبُّ القِراءَةُ بِبَعْضِها في بَعْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى ما هو مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.