Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الحجرات 49:1 – ق 50:45
المحتويات
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
الحجرات 49:1
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾
الِافْتِتاحُ بِنِداءِ المُؤْمِنِينَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أهَمِّيَّةِ ما يَرِدُ بَعْدَ ذَلِكَ النِّداءِ لِتَتَرَقَّبَهُ أسْماعُهم بِشَوْقٍ.
ووَصْفُهم بِـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جارٍ مَجْرى اللَّقَبِ لَهم مَعَ ما يُؤْذِنُ بِهِ أصْلُهُ مِن أهْلِيَّتِهِمْ لِتَلَقِّي هَذا النَّهْيِ بِالِامْتِثالِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى أغْراضِ السُّورَةِ أنَّ الفَخْرَ ذَكَرَ أنَّ اللَّهَ أرْشَدَ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ، وهي إمّا في جانِبِ اللَّهِ أوْ جانِبِ رَسُولِهِ ﷺ، أوْ بِجانِبِ الفُسّاقِ أوْ بِجانِبِ المُؤْمِنَ الحاضِرِ أوْ بِجانِبِ المُؤْمِنَ الغائِبِ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ، فَذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأرْشَدَ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مَعَ قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ إلَخْ، فَهَذا النِّداءُ الأوَّلُ انْدَرَجَ فِيهِ واجِبُ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ، تُعْرِضُ الغَفْلَةُ عَنْها.
والتَّقَدُّمُ حَقِيقَتُهُ: المَشْيُ قَبْلَ الغَيْرِ، وفِعْلُهُ المُجَرَّدُ: قَدَمَ مِن بابِ نَصَرَ، قالَ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٩٨] . وحَقُّ قَدَّمَ بِالتَّضْعِيفِ أنْ يَصِيرَ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ وإنَّما يُعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِحَرْفِ (عَلى) .
صفحة ٢١٦
ويُقالُ: قَدَّمَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قَدَّمَ نَفْسَهُ، فَهو مُضاعَفٌ صارَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ. فَمَعْنى لا تُقَدِّمُوا لا تَتَقَدَّمُوا.
فَفِعْلُ لا تُقَدِّمُوا مُضارِعُ: قَدَّمَ القاصِرَ بِمَعْنى تَقَدَّمَ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ لِهَذا الفِعْلِ مَفْعُولٌ، ومِنهُ اشْتُقَّتْ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ لِلْجَماعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنهُ وهي ضِدُّ السّاقَّةِ. ومِنهُ سُمِّيَتْ مُقَدِّمَةُ الكِتابِ الطّائِفَةَ مِنهُ المُتَقَدِّمَةَ عَلى الكِتابِ. ومادَّةُ فَعَّلَ تَجِيءُ بِمَعْنى تَفَعَّلَ، مِثْلَ وجَّهَ بِمَعْنى تَوَجَّهَ وبَيَّنَ بِمَعْنى تَبَيَّنَ، ومِن أمْثالِهِمْ: بَيَّنَ الصُّبْحُ لِذِي عَيْنَيْنِ.
والتَّرْكِيبُ تَمْثِيلٌ بِتَشْبِيهِ حالِ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا دُونَ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ بِحالِ مَن يَتَقَدَّمُ مُماشِيَهُ في مَشْيِهِ ويَتْرُكُهُ خَلْفَهُ. ووَجْهُ الشَّبَهِ الِانْفِرادُ عَنْهُ في الطَّرِيقِ.
والنَّهْيُ هُنا لِلتَّحْذِيرِ إذْ لَمْ يَسْبِقْ صُدُورُ فِعْلٍ مِن أحَدٍ افْتِيانًا عَلى الشَّرْعِ. ويَسْتَرْوِحُ مِن هَذا أنَّ هَذا التَّقَدُّمَ المَنهِيَّ عَنْهُ هو ما كانَ في حالَةِ إمْكانِ التَّرَقُّبِ والتَّمَكُّنِ مِنِ انْتِظارِ ما يُبْرِمُهُ الرَّسُولُ ﷺ بِأمْرِ اللَّهِ فَيُومِئُ إلى أنَّ إبْرامَ الأمْرِ في غَيْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ لا حَرَجَ فِيهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ الفُقَهاءِ: إنَّ المُكَلَّفَ لا يُقْدِمُ عَلى فِعْلٍ حَتّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ. وعَدَّ الغَزالِيُّ العِلْمَ بِحُكْمِ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ المُكَلَّفُ مِن قِسْمِ العُلُومِ الَّتِي هي فَرْضٌ عَلى الأعْيانِ الَّذِينَ تُعْرَضُ لَهم.
والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ النَّهْيُ عَنْ إبْرامِ شَيْءٍ دُونَ إذْنٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذُكِرَ قَبْلَهُ اسْمُ اللَّهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ إنَّما يُعْرَفُ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ ﷺ .
وقَدْ حَصَلَ مِن قَوْلِهِ: ”لا تُقَدِّمُوا“ إلَخْ مَعْنى اتَّبِعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في قِصَّةِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ «قَدِمَ رَكْبٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ عَلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أمِّرْ عَلَيْهِمُ القَعْقاعَ بْنَ مَعْبَدَ بْنَ زُرارَةَ. وقالَ عُمَرُ: بَلْ أمِّرِ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ما أرَدْتَ إلّا خِلافِي أوْ إلى خِلافِي قالَ عُمَرُ: ما أرَدْتُ
صفحة ٢١٧
خِلافَكَ أوْ إلى خِلافِكَ، فَتَمارَيا حَتّى ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما في ذَلِكَ فَنَزَلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات»: ٢] .
فَهَذِهِ الآيَةُ تَوْطِئَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الأصْواتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ ونِدائِهِ مِن وراءِ الحُجُراتِ.
وعَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً فَقَتَلَتْ بَنُو عامِرٍ رِجالَ السَّرِيَّةِ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ نَجَوْا فَلَقُوا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَسَألُوهُما عَنْ نِسْبَتِهِما فاعْتَزَيا إلى بَنِي عامِرٍ ظَنًّا مِنهُما أنَّ هَذا الِاعْتِزاءَ أنْجى لَهُما مِن شَرٍّ تَوَقَّعاهُ لِأنَّ بَنِي عامِرٍ أعَزُّ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَتَلُوا النَّفَرَ الثَّلاثَةَ وسَلَبُوهُما ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ”بِئْسَما صَنَعْتُمْ كانا مِن بَنِي سُلَيْمٍ، والسَّلْبُ ما كَسَوْتُهُما“ أيْ عَرَفَ ذَلِكَ لَمّا رَأى السَّلْبَ فَعَرَّفَهُ بِأنَّهُ كَساهُما إيّاهُ وكانَتْ تِلْكَ الكِسْوَةُ عَلامَةً عَلى الإسْلامِ لِئَلّا يَتَعَرَّضَ لَهُمُ المُسْلِمُونَ فَوادَّهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ونَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا﴾ الآيَةَ»، أيْ لا تَعْمَلُوا شَيْئًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم في التَّصَرُّفِ مِنَ الأُمَّةِ إلّا بَعْدَ أنْ تَسْتَأْمِرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ تَكُونُ القِصَّةُ جَرَتْ قُبَيْلَ قِصَّةِ بَنِي تَمِيمٍ فَقُرِنَتْ آيَتاهُما في النُّزُولِ.
وهُنالِكَ رِواياتٌ أُخْرى في سَبَبِ نُزُولِها لا تُناسِبُ مَوْقِعَ الآيَةِ مَعَ الآياتِ المُتَّصِلَةِ بِها. وأيًّا ما كانَ سَبَبُ نُزُولِها فَهي عامَّةٌ في النَّهْيِ عَنْ جَمِيعِ أحْوالِ التَّقَدُّمِ المُرادِ.
وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ مُقَدَّمَةً عَلى تَوْبِيخِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ حِينَ نادَوُا النَّبِيءَ ﷺ مِن وراءِ الحُجُراتِ لِأنَّ ما صَدَرَ مِن بَنِي تَمِيمٍ هو مِن قَبِيلِ رَفْعِ الصَّوْتِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ ولِأنَّ مُماراةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وارْتِفاعَ أصْواتِهِما كانَتْ في قَضِيَّةِ بَنِي تَمِيمٍ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] الآيَةَ، لِأنَّ مَن خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الحُظْوَةِ، أيْ جَعَلَ إبْرامَ العَمَلِ بِدُونِ أمْرِهِ كَإبْرامِهِ بِدُونِ أمْرِ اللَّهِ حَقِيقٌ بِالتَّهَيُّبِ والإجْلالِ أنْ يُخْفَضَ الصَّوْتُ لَدَيْهِ.
صفحة ٢١٨
وإنَّما قَدَّمَ هَذا عَلى تَوْبِيخِ الَّذِينَ نادَوُا النَّبِيءَ ﷺ لِأنَّ هَذا أوْلى بِالِاعْتِناءِ إذْ هو تَأْدِيبُ مَن هو أوْلى بِالتَّهْذِيبِ.
وقَرَأهُ الجُمْهُورُ: ”تُقَدِّمُوا“ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ الدّالِ مُشَدَّدَةً. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِهِما عَلى أنَّ أصْلَهُ: لا تَتَقَدَّمُوا.
وقالَ فَخْرُ الدِّينِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] في هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ فِيها إرْشادَ المُؤْمِنِينَ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ وهي: إمّا مَعَ اللَّهِ أوْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِما مِن أبْناءِ الجِنْسِ، وهم عَلى صِنْفَيْنِ لِأنَّهم: إمّا أنْ يَكُونُوا عَلى طَرِيقَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الطّاعَةِ، وإمّا أنْ يَكُونُوا خارِجِينَ عَنْها بِالفِسْقِ؛ والدّاخِلُ في طَرِيقَتِهِمْ: إمّا حاضِرٌ عِنْدَهم، أوْ غائِبٌ عَنْهم، فَذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وأرْشَدَ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ إلى مَكْرُمَةٍ مِن قِسْمٍ مِنَ الأقْسامِ الخَمْسَةِ: فَقالَ أوَّلًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وهي تَشْمَلُ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ الرَّسُولُ مَعَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ لا تُعْلَمُ إلّا بِقَوْلِ الرَّسُولِ فَهَذِهِ طاعَةٌ لِلرَّسُولِ تابِعَةٌ لِطاعَةِ اللَّهِ.
وقالَ ثانِيًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] لِبَيانِ الأدَبِ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لِذاتِهِ في بابِ حُسْنِ المُعامَلَةِ.
وقالَ ثالِثًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآيَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ سُلُوكِ المُؤْمِنِينَ في مُعامَلَةِ مَن يُعْرَفُ بِالخُرُوجِ عَنْ طَرِيقَتِهِمْ وهي طَرِيقَةُ الِاحْتِرازِ مِنهُ لِأنَّ عَمَلَهُ إفْسادٌ في جَماعَتِهِمْ، وأعْقَبَهُ بِآيَةِ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .
وقالَ رابِعًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] فَنَهى عَمّا يُكْثِرُ عَدَمَ الِاحْتِفاظِ فِيهِ مِنَ المُعامَلاتِ اللِّسانِيَّةِ الَّتِي قَلَّما يُقامُ لَها وزْنٌ.
وقالَ خامِسًا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] اهـ.
ويُرِيدُ: أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ مِثالًا مِن كُلِّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ مَكارِمِ الأخْلاقِ بِحَسَبِ ما
صفحة ٢١٩
اقْتَضَتْهُ المُناسَباتُ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ الِابْتِداءِ بِما نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجَلِّهِ ابْتِداءً لِيَكُونَ كُلُّ مِثالٍ مِنها دالًّا عَلى بَقِيَّةِ نَوْعِهِ ومُرْشِدًا إلى حُكْمِ أمْثالِهِ دُونَ كُلْفَةٍ ولا سَآمَةٍ.
وقَدْ سَلَكَ القُرْآنُ لِإقامَةِ أهَمِّ حُسْنِ المُعامَلَةِ طَرِيقَ النَّهْيِ عَنْ أضْدادِها مِن سُوءِ المُعامَلَةِ لِأنَّ دَرْءَ المَفْسَدَةِ مُقَدَّمٌ في النَّظَرِ العَقْلِيِّ عَلى جَلْبِ المَصْلَحَةِ.
وعَطْفُ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ تَكْمِلَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ تَرْكَ إبْرامِ شَيْءٍ دُونَ إذْنِ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَقْوى اللَّهِ وحْدَهُ، أيْ ضِدُّهُ لَيْسَ مِنَ التَّقْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ولِلْأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ.
والسَّمِيعُ: العَلِيمُ بِالمَسْمُوعاتِ، والعَلِيمُ أعَمُّ، وذَكَرَها بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ كِنايَةً عَنِ التَّحْذِيرِ مِنَ المُخالَفَةِ فَفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ والأمْرِ.
الحجرات 49:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضِ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ .
إعادَةُ النِّداءِ ثانِيًا لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الغَرَضِ والإشْعارِ بِأنَّهُ غَرَضٌ جَدِيرٌ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ حَتّى لا يَنْغَمِرَ في الغَرَضِ الأوَّلِ فَإنَّ هَذا مِن آدابِ سُلُوكِ المُؤْمِنِينَ في مُعامَلَةِ النَّبِيءِ ﷺ ومُقْتَضى التَّأدُّبِ بِما هو آكَدُ مِنَ المُعامَلاتِ بِدَلالَةِ الفَحْوى.
وهَذا أيْضًا تَوْطِئَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] وإلْقاءٌ لِتَرْبِيَةٍ أُلْقِيَتْ إلَيْهِمْ لِمُناسَبَةِ طَرَفٍ مِن أطْرافِ خَبَرِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ.
والرَّفْعُ: مُسْتَعارٌ لِجَهْرِ الصَّوْتِ جَهْرًا مُتَجاوِزًا لِمُعْتادِ الكَلامِ، شَبَّهَ جَهْرَ الصَّوْتِ بِإعْلاءِ الجِسْمِ في أنَّهُ أشَدُّ بُلُوغًا إلى الأسْماعِ كَما أنَّ إعْلاءَ الجِسْمِ أوْضَحُ لَهُ في الإبْصارِ، عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، أوْ شَبَّهَ إلْقاءَ الكَلامِ بِجَهْرٍ قَوِيٍّ بِإلْقائِهِ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ كالمِئْذَنَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ.
صفحة ٢٢٠
و(فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ) تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ لا تَرْفَعُوا وهو فَوْقٌ مَجازِيٌّ أيْضًا.
ومَوْقِعُ قَوْلِهِ: (فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ) مَوْقِعُ الحالِ مِن أصْواتِكم، أيْ مُتَجاوِزَةً صَوْتَ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ مُتَجاوِزَةَ المُعْتادِ في جَهْرِ الأصْواتِ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَتَكَلَّمُ بِجَهْرٍ مُعْتادٍ.
ولا مَفْهُومَ لِهَذا الظَّرْفِ لِأنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، إذْ لَيْسَ المُرادُ أنَّهُ إذا رَفَعَ النَّبِيءُ ﷺ صَوْتَهُ فارْفَعُوا أصْواتَكم بِمِقْدارِ رَفْعِهِ.
والمَعْنى: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم في مَجْلِسِهِ وبِحَضْرَتِهِ إذا كَلَّمَ بَعْضُكم بَعْضًا كَما وقَعَ في صُورَةِ سَبَبِ النُّزُولِ.
ولَقَدْ تَحَصَّلَ مِن هَذا النَّهْيِ مَعْنى الأمْرِ بِتَخْفِيضِ الأصْواتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ لَيْسَ المُرادُ أنْ يَكُونُوا سُكُوتًا عِنْدَهُ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ: قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ «فَما كانَ عُمَرُ يَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى يَسْتَفْهِمَهُ» . ولَمْ يَذْكُرْ (أيِ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ذَلِكَ عَنْ أبِيهِ يَعْنِي أبا بَكْرٍ، ولَكِنْ أخْرَجَ الحاكِمُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ”والَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ يا رَسُولَ اللَّهِ لا أُكَلِّمُكَ إلّا كَأخِي السِّرارِ حَتّى ألْقى اللَّهَ“» .
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «قالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ كادَ الخَيِّرانِ أنْ يَهْلِكا أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَفَعا أصْواتَهُما عِنْدَ النَّبِيءِ» ﷺ .
وهَذا النَّهْيُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ المَواضِعِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِالجَهْرِ فِيها كالأذانِ وتَكْبِيرِ يَوْمِ العِيدِ، وبِغَيْرِ ما أذِنَ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ إذْنًا خاصًّا كَقَوْلِهِ لِلْعَبّاسِ حِينَ انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ «نادِ يا أصْحابَ السَّمُرَةِ» وكانَ العَبّاسُ جَهِيرَ الصَّوْتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ نُهِيَ عَنْ جَهْرٍ آخَرَ، وهو الجَهْرُ بِالصَّوْتِ عِنْدَ خِطابِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ لِوُجُوبِ التَّغايُرِ بَيْنَ مُقْتَضى قَوْلِهِ: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ﴾ ومُقْتَضى ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ .
صفحة ٢٢١
واللّامُ في ”لَهُ“ لِتَعْدِيَةِ ”تَجْهَرُوا“ لِأنَّ ”تَجْهَرُوا“ في مَعْنى: تَقُولُوا، فَدَلَّتِ اللّامُ عَلى أنَّ هَذا الجَهْرَ يَتَعَلَّقُ بِمُخاطَبَتِهِ، وزادَهُ وُضُوحًا التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ .
وفِي هَذا النَّهْيِ ما يَشْمَلُ صَنِيعَ الَّذِينَ نادَوُا النَّبِيءَ ﷺ مِن وراءِ الحُجُراتِ فَيَكُونُ تَخَلُّصًا مِنَ المُقَدِّمَةِ إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ، ويَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] .
و﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصَبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ لا لِلنَّهْيِ، أيْ أنَّ الجَهْرَ لَهُ بِالقَوْلِ يُفْضِي بِكم - إنْ لَمْ تَكُفُّوا عَنْهُ - أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم، فَحَبْطُ الأعْمالِ بِذَلِكَ مِمّا يُحْذَرُ مِنهُ فَجَعَلَهُ مَدْخُولًا لِلامِ التَّعْلِيلِ مَصْرُوفًا عَنْ ظاهِرٍ. فالتَّقْدِيرُ: خَشْيَةَ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم، كَذا يُقَدِّرُ نُحاةُ البَصْرَةِ في هَذا وأمْثالِهِ. والكُوفِيُّونَ يَجْعَلُونَهُ بِتَقْدِيرِ (لا) النّافِيَةِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: أنْ لا تَحْبَطَ أعْمالُكم فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ عَلى حَسَبِ الظّاهِرِ.
والحَبْطُ: تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ بِسَبَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْها مِنَ الكُفْرِ مَأْخُوذٌ مِن حَبِطَتِ الإبِلُ إذا أكَلَتِ الخُضْرَ فَنَفَخَ بُطُونَها وتَعْتَلُّ ورُبَّما هَلَكَتْ، وفي الحَدِيثِ: «وإنَّ مِمّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ لَما يَقْتُلُ حَبْطًا أوْ يُلِمُّ» . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] .
وظاهِرُ الآيَةِ التَّحْذِيرُ مِن حَبْطِ جَمِيعِ الأعْمالِ لِأنَّ الجَمْعَ المُضافَ مِن صِيغِ العُمُومِ ولا يَكُونُ حَبْطُ جَمِيعِ الأعْمالِ إلّا في حالَةِ الكُفْرِ لِأنَّ مِنَ الأعْمالِ الإيمانَ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ عَدَمَ الِاحْتِرازِ مِن سُوءِ الأدَبِ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ هَذا النَّهْيِ قَدْ يُفْضِي بِفاعِلِهِ إلى إثْمٍ عَظِيمٍ يَأْتِي عَلى عَظِيمٍ مِن صالِحاتِهِ أوْ يُفْضِي بِهِ إلى الكُفْرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلى الوَحْشَةِ في نُفُوسِكم فَلا تَزالُ مُعْتَقَداتُكم تَتَدَرَّجُ القَهْقَرى حَتّى يَئُولَ ذَلِكَ إلى الكُفْرِ فَحَبْطِ الأعْمالِ. وأقُولُ: لِأنَّ عَدَمَ الِانْتِهاءِ عَنْ سُوءِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يُعَوِّدُ النَّفْسَ بِالِاسْتِرْسالِ فِيهِ فَلا تَزالُ تَزْدادُ مِنهُ ويَنْقُصُ تَوْقِيرُ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ النَّفْسِ وتَتَوَلّى مِن سَيِّئٍ إلى أشَدَّ مِنهُ حَتّى يَئُولَ إلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالتَّأدُّبِ مَعَهُ وذَلِكَ كُفْرٌ. وهَذا مَعْنى ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
صفحة ٢٢٢
لِأنَّ المُنْتَقِلَ مِن سَيِّئٍ إلى أسْوَأ لا يَشْعُرُ بِأنَّهُ آخِذٌ في التَّمَلِّي مِنَ السُّوءِ بِحُكْمِ التَّعَوُّدِ بِالشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى تَغْمُرَهُ المَعاصِي ورُبَّما كانَ آخِرُها الكُفْرَ حِينَ تَضْرى النَّفْسُ بِالإقْدامِ عَلى ذَلِكَ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ حَبْطُ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى أنَّهُ عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ فَيَكُونُ المَعْنى حُصُولَ حَطِيطَةٍ في أعْمالِهِمْ بِغَلَبَةِ عِظَمِ ذَنْبِ جَهْرِهِمْ لَهُ بِالقَوْلِ، وهَذا مُجْمَلٌ لا يَعْلَمُ مِقْدارَ الحَبْطِ إلّا اللَّهُ تَعالى.
فَفِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ تَنْبِيهٌ إلى مَزِيدِ الحَذَرِ مِن هَذِهِ المُهْلِكاتِ حَتّى يَصِيرَ ذَلِكَ دُرْبَةً حَتّى يَصِلَ إلى ما يُحْبِطُ الأعْمالَ، ولَيْسَ عَدَمُ الشُّعُورِ كائِنًا في إتْيانِ الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ صاحِبُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ لِامْتِناعِ تَكْلِيفِ الغافِلِ ونَحْوِهِ.
الحجرات 49:3
﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] كانَ أبُو بَكْرٍ لا يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ إلّا كَأخِي السِّرارِ، أيْ مُصاحِبِ السِّرِّ مِنَ الكَلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ التَّحْذِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] إلَخْ يُثِيرُ في النَّفْسِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ ضِدِّ حالِ الَّذِي يَرْفَعُ صَوْتَهُ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ وجَزاءِ عَمَلِهِمْ، وتُفِيدُ الجُمْلَةُ تَعْلِيلَ النَّهْيَيْنِ بِذِكْرِ الجَزاءِ عَنْ ضِدِّ المَنهِيِّ عَنْهُما وأكَّدَ هَذا الِاهْتِمامَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ مَعَ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِالخَبَرِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.
وإذْ قَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أنَّ مُحَصِّلَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْهَرُوا﴾ [الحجرات: ٢] الأمْرُ بِخَفْضِ الصَّوْتِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ يَتَّضِحُ لَكَ وجْهُ العُدُولِ عَنْ نَوْطِ
صفحة ٢٢٣
الثَّناءِ هُنا بِعَدَمِ رَفْعِ الصَّوْتِ وعَدَمِ الجَهْرِ عِنْدَ الرَّسُولِ ﷺ إلى نَوْطِهِ بِغَضِّ الصَّوْتِ عِنْدَهُ.
والغَضُّ حَقِيقَتُهُ: خَفْضُ العَيْنِ، أيْ أنْ لا يُحَدِّقَ بِها إلى الشَّخْصِ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِخَفْضِ الصَّوْتِ والمِيلِ بِهِ إلى الإسْرارِ.
والِامْتِحانُ: الِاخْتِبارُ والتَّجْرِبَةُ، وهو افْتِعالٌ مِن مَحَنَهُ، إذا اخْتَبَرَهُ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِهِمْ: اضْطَرَّهُ إلى كَذا.
واللّامُ في قَوْلِهِ ”لِلتَّقْوى“ لامُ العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: امْتَحَنَ قُلُوبَهم لِأجْلِ التَّقْوى، أيْ لِتَكُونَ فِيها التَّقْوى، أيْ لِيَكُونُوا أتْقِياءَ، يُقالُ: امْتُحِنَ فُلانٌ لِلشَّيْءِ الفُلانِيِّ كَما يُقالُ: جُرِّبَ لِلشَّيْءِ ودُرِّبَ لِلنُّهُوضِ بِالأمْرِ، أيْ فَهو مُضْطَلِعٌ بِهِ لَيْسَ بِوانٍ عَنْهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ الِامْتِحانَ كِنايَةً عَلى تَمَكُّنِ التَّقْوى مِن قُلُوبِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يُوجِدُونَ في حالٍ ما غَيْرَ مُتَّقِينَ وهي كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ لِكَوْنِ الِانْتِقالِ بَعْدَهُ لَوازِمُ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ فِعْلُ ”امْتَحَنَ“ مَجازًا مُرْسَلًا عَنِ العِلْمِ، أيْ عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم مُتَّقُونَ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ اللّامُ مِن قَوْلِهِ: ”لِلتَّقْوى“ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن قُلُوبٍ، أيْ كائِنَةً لِلتَّقْوى، فاللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.
وجُمْلَةُ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ خَبَرُ (إنَّ) وهو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنِفَةِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ. وجَعَلَ في الكَشّافِ خَبَرَ (إنَّ) هو اسْمُ الإشارَةِ مَعَ خَبَرِهِ وجَعَلَ جُمْلَةَ ”لَهم“ مُسْتَأْنَفَةً ولِكُلٍّ وجْهٌ فانْظُرْهُ.
وقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ بِنَظْمِها الَّذِي رُتِّبَتْ عَلَيْهِ مِن إيقاعِ الغاضِّينَ أصْواتَهُمُ اسْمًا لِـ " (إنَّ) المُؤَكِّدَةِ وتَصْيِيرُ خَبَرِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَعْرِفَتَيْنِ مَعًا. والمُبْتَدَأُ اسْمُ الإشارَةِ، واسْتِئْنافُ الجُمْلَةِ المُسْتَوْدَعَةِ ما هو جَزاؤُهم عَلى عَمَلِهِمْ، وإيرادُ الجَزاءِ نَكِرَةً مُبْهَمًا أمْرُهُ ناظِرَةً في الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الِاعْتِدادِ والِارْتِضاءِ لِما فَعَلَ الَّذِينَ وقَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وفي الإعْلامِ بِمَبْلَغِ عِزَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وقَدْرِ شَرَفِ مَنزِلَتِهِ اهـ.
وهَذا الوَعْدُ والثَّناءُ يَشْمَلانِ ابْتِداءَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ إذْ كانَ كِلاهُما يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَأخِي السِّرارِ.
الحجرات 49:4
صفحة ٢٢٤
﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] بَيانًا بِالمِثالِ وهو سَبَبُ النُّزُولِ.
فَهَذا شُرُوعٌ في الغَرَضِ والَّذِي نَشَأ عَنْهُ ما أوْجَبَ نُزُولَ صَدْرِ السُّورَةِ فافْتُتِحَ بِهِ؛ لِأنَّ التَّحْذِيرَ والوَعْدَ اللَّذَيْنِ جُعِلا لِأجْلِهِ صالِحانِ لِأنْ يَكُونا مُقَدِّمَةً لِلْمَقْصُودِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ نَسْجٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ جَلِيلٌ وإنْ خالَفَ تَرْتِيبُ ذِكْرِهِ تَرْتِيبَ حُصُولِهِ في الخارِجِ، وقَدْ صادَفَ هَذا التَّرْتِيبُ المَحَزَّ أيْضًا إذْ كانَ نِداؤُهم مِن وراءِ الحُجُراتِ مِن قَبِيلِ الجَهْرِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَكانَ النَّهْيُ عَنِ الجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ نِدائِهِ مِن وراءِ الحُجُراتِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ يُنادُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِن وراءِ الحُجُراتِ جَماعَةٌ مِن وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ جاءُوا المَدِينَةَ في سَنَةِ تِسْعٍ وهي سَنَةُ الوُفُودِ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أوْ أكْثَرَ.
وكانَ سَبَبُ وُفُودِ هَذا الوَفْدِ إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّ بَنِي العَنْبَرِ مِنهم كانُوا قَدْ شَهَرُوا السِّلاحَ عَلى خُزاعَةَ، وقِيلَ كانُوا مَنَعُوا إخْوانَهم بَنِي كَعْبِ بْنِ العَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ، وكانَ بَنُو كَعْبٍ قَدْ أسْلَمُوا مِن قَبْلُ، ولَمْ أقِفْ عَلى وقْتِ إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّهم أسْلَمُوا في سَنَةِ الوُفُودِ «فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشْرَ بْنَ سُفْيانَ ساعِيًا لِقَبْضِ صَدَقاتِ بَنِي كَعْبٍ، فَمَنَعَهم بَنُو العَنْبَرِ فَبَعَثَ النَّبِيءُ ﷺ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ في خَمْسِينَ مِنَ العَرَبِ لَيْسَ فِيهِمْ أنْصارِيٌّ ولا مُهاجِرِيٌّ فَأُسِرَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى عَشْرَةَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا. فَجاءَ في أثَرِهِمْ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ لِفِدائِهِمْ فَجاءُوا المَدِينَةَ» .
وكانَ خَطِيبُهم عُطارِدَ بْنَ حاجِبِ بْنِ زُرارَةَ، وفِيهِمْ سادَتُهُمُ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، ومَعَهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ الغَطَفانِيُّ وكانَ هَذانِ الأخِيرانِ أسْلَما مِن قَبْلُ وشَهِدا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوَةَ الفَتْحِ، ثُمَّ جاءَ مَعَهُمُ الوَفْدُ فَلَمّا دَخَلَ الوَفْدُ المَسْجِدَ وكانَ وقْتَ القائِلَةِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ نائِمٌ في
صفحة ٢٢٥
حُجْرَتِهِ، نادَوْا جَمِيعًا وراءَ الحُجُراتِ: (يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا ثَلاثًا، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وإنَّ ذَمَّنا شَيْنٌ، نَحْنُ أكْرَمُ العَرَبِ) سَلَكُوا في عَمَلِهِمْ هَذا مَسْلَكَ وُفُودِ العَرَبِ عَلى المُلُوكِ والسّادَةِ، كانُوا يَأْتُونَ بَيْتَ المَلِكِ أوِ السَّيِّدِ فَيَطِيفُونَ بِهِ يُنادُونَ لِيُؤْذَنَ لَهم كَما ورَدَ في قِصَّةِ وُرُودِ النّابِغَةِ عَلى النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ.
وقَوْلُهم: إنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، طَرِيقَةٌ كانُوا يَسْتَدِرُّونَ بِها العُظَماءَ لِلْعَطاءِ فَإضافَةُ: مَدْحِنا وذَمِّنا إلى الضَّمِيرِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قالُوا: جِئْناكَ نُفاخِرُكَ فائْذَنْ لِشاعِرِنا وخَطِيبِنا إلى آخَرِ القِصَّةِ.
وقَوْلُهم: نُفاخِرُكَ، جَرَوْا فِيهِ عَلى عادَةِ الوُفُودِ مِنَ العَرَبِ أنْ يَذْكُرُوا مَفاخِرَهم وأيّامَهم، ويَذْكُرَ المَوْفُودُ عَلَيْهِمْ مَفاخِرَهم، وذَلِكَ مَعْنى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ في قَوْلِهِمْ: نُفاخِرُكَ، وكانَ جُمْهُورُهم لَمْ يَزالُوا كُفّارًا حِينَئِذٍ وإنَّما أسْلَمُوا بَعْدَ أنْ تَفاخَرُوا وتَناشَدُوا الأشْعارَ.
فالمُرادُ بِـ الَّذِينَ يُنادُونَكَ رِجالُ هَذا الوَفْدِ. وإسْنادُ فِعْلِ النِّداءِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لِأنَّ جَمِيعَهم نادَوْهُ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ووَقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ الَّذِي نادى النِّداءَ هو الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعَلَيْهِ فَإسْنادُ فِعْلِ ”يُنادُونَكَ“ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ عَنْ نِسْبَةِ فِعْلِ المَتْبُوعِ إلى أتْباعِهِ إذْ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ مُقَدَّمَ الوَفْدِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] .
ونَفِيُ العَقْلِ عَنْهم مُرادٌ بِهِ عَقْلُ التَّأدُّبِ الواجِبِ في مُعامَلَةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ عَقَلُ التَّأدُّبِ المَفْعُولِ عَنْهُ في عادَتِهِمُ الَّتِي اعْتادُوها في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والعُنْجُهِيَّةِ، ولَيْسَ فِيها تَحْرِيمٌ ولا تَرَتُّبُ ذَنْبٍ.
وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُنادِ النَّبِيءَ ﷺ مِثْلَ نِدائِهِمْ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ اسْتِثْناءُ اللَّذَيْنِ كانا أسْلَما مِن قَبْلُ.
فَهَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وإخْراجٌ لَهم مِن مَذامِّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.
والوَراءُ: الخَلْفُ، وهو جِهَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ بِحَسَبِ مَوْقِعِ ما يُضافُ إلَيْهِ.
صفحة ٢٢٦
والمَعْنى: أنَّ الحُجُراتِ حاجِزَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهم لا يَرَوْنَهُ فَعَبَّرَ عَنْ جِهَةِ مَن لا يَرى بِأنَّها وراءُ.
و(مِن) لِلِابْتِداءِ، أيْ يُنادُونَكَ نِداءً صادِرًا مِن وراءِ الحُجُراتِ فالمُنادُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانُوا وراءَ حُجُراتِهِ فالَّذِي يَقُولُ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، لا يُرِيدُ وراءَ مَفْتَحِ الدّارِ ولا وراءَ ظَهْرِها ولَكِنْ أيَّ جِهَةٍ مِنها وكانَ القَوْمُ المُنادُونَ في المَسْجِدِ فَهم تُجاهَ الحُجُراتِ النَّبَوِيَّةِ، ولَوْ قالَ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، دُونَ حَرْفِ (مِن)، لَكانَ مُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ المُنادِي والمُنادى كِلاهُما في جِهَةٍ وراءَ الدّارِ، وأنَّ المَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولِهَذا أُوثِرَ جَلْبُ (مِن) لِيَدُلَّ بِالصَّراحَةِ عَلى أنَّ المُنادى كانَ داخِلَ الحُجُراتِ لِأنَّ دَلالَةَ (مِن) عَلى الِابْتِداءِ تَسْتَلْزِمُ اخْتِلافًا بَيْنَ المَبْدَأِ والمُنْتَهى كَذا أشارَ في الكَشّافِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَعْنِي أنَّ اجْتِلابَ حَرْفِ (مِن) لِدَفْعِ اللَّبْسِ فَلا يُنافِي أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ هَذا الفَرْقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] في سُورَةِ الرُّومِ. وفِيما ذَكَرْنا ما يَدْفَعُ الِاعْتِراضاتِ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ.
فَلَفْظُ وراءَ هُنا مَجازٌ في الجِهَةِ المَحْجُوبَةِ عَنِ الرُّؤْيَةِ.
والحُجُراتُ، بِضَمَّتَيْنِ ويَجُوزُ فَتْحُ الجِيمِ: جَمَعُ حُجْرَةٍ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهي البُقْعَةُ المَحْجُورَةُ، أيِ الَّتِي مُنِعَتْ مِن أنْ يَسْتَعْمِلَها غَيْرُ حاجِرِها فَهي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَغُرْفَةٍ، وقُبْضَةٍ. وفي الحَدِيثِ: ”«أيْقِظُوا صَواحِبَ الحُجَرِ» “ يَعْنِي أزْواجَهُ، وكانَتِ الحُجُراتُ تُفْتَحُ إلى المَسْجِدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الحُجُراتِ“ بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.
وكانَتِ الحُجُراتُ تِسْعًا وهي مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، أيِ الحَواجِزِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى، وعَلى أبْوابِها مُسُوحٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ وعَرْضُ البَيْتِ مِن بابِ الحُجْرَةِ إلى بابِ البَيْتِ نَحْوَ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ومِساحَةُ البَيْتِ الدّاخِلِ، أيِ الَّذِي في داخِلِ الحُجْرَةِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، أيْ فَتَصِيرُ مِساحَةُ الحُجْرَةِ مَعَ البَيْتِ سَبْعَةَ عَشَرَ
صفحة ٢٢٧
ذِراعًا. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ في خِلافَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَأتَناوَلُ سُقُفَها بِيَدِي.
وإنَّما ذَكَرَ الحُجُراتِ دُونَ البُيُوتِ لِأنَّ البَيْتَ كانَ بَيْتًا واحِدًا مُقَسَّمًا إلى حُجُراتٍ تِسْعٍ.
وتَعْرِيفُ الحُجُراتِ بِاللّامِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ يُنادُونَكَ مُؤَذِنٌ بِأنَّ الحُجُراتِ حُجُراتُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعَرَّفْ بِالإضافَةِ.
وهَذا النِّداءُ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنادُونَكَ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ نِدائِهِمْ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يُكْسِبُهم وقارًا بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ ويَسْتَدْعِي لَهُمُ الإقْبالَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ غَيْرَ كارِهٍ لِنِدائِهِمْ إيّاهُ، ورَفْعِ أصْواتِهِمْ في مَسْجِدِهِ فَكانَ فِيما فَعَلُوهُ جَلافَةً.
فَقَوْلُهُ ”خَيْرًا“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، ويَكُونُ في المَعْنى: لَكانَ صَبْرُهم أفْضَلَ مِنَ العَجَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أيْ لَكانَ صَبْرُهم خَيْرًا لِما فِيهِ مِن مَحاسِنِ الخُلُقِ بِخِلافِ ما فَعَلُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فالآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وتَعْلِيمُهم مَحاسِنَ الأخْلاقِ وإزالَةُ العَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ الذَّمِيمَةِ.
وإيثارُ (حَتّى) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾ دُونَ (إلى) لِأجْلِ الإيجازِ بِحَذْفِ حَرْفِ (أنْ) فَإنَّهُ مُلْتَزَمٌ حَذْفُهُ بَعْدَ (حَتّى) بِخِلافِهِ بَعْدَ (إلى) فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
وفِي تَعْقِيبِ هَذا اللَّوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُحْصِ عَلَيْهِمْ ذَنْبًا فِيما فَعَلُوا ولا عَرَّضَ لَهم بِتَوْبَةٍ.
والمَعْنى: واللَّهُ شَأْنُهُ التَّجاوُزُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا جاهِلِينَ.
الحجرات 49:5
صفحة ٢٢٤
﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] بَيانًا بِالمِثالِ وهو سَبَبُ النُّزُولِ.
فَهَذا شُرُوعٌ في الغَرَضِ والَّذِي نَشَأ عَنْهُ ما أوْجَبَ نُزُولَ صَدْرِ السُّورَةِ فافْتُتِحَ بِهِ؛ لِأنَّ التَّحْذِيرَ والوَعْدَ اللَّذَيْنِ جُعِلا لِأجْلِهِ صالِحانِ لِأنْ يَكُونا مُقَدِّمَةً لِلْمَقْصُودِ فَحَصَلَ بِذَلِكَ نَسْجٌ بَدِيعٌ وإيجازٌ جَلِيلٌ وإنْ خالَفَ تَرْتِيبُ ذِكْرِهِ تَرْتِيبَ حُصُولِهِ في الخارِجِ، وقَدْ صادَفَ هَذا التَّرْتِيبُ المَحَزَّ أيْضًا إذْ كانَ نِداؤُهم مِن وراءِ الحُجُراتِ مِن قَبِيلِ الجَهْرِ لِلرَّسُولِ ﷺ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَكانَ النَّهْيُ عَنِ الجَهْرِ لَهُ بِالقَوْلِ تَخَلُّصًا لِذِكْرِ نِدائِهِ مِن وراءِ الحُجُراتِ.
والمُرادُ بِالَّذِينَ يُنادُونَ النَّبِيءَ ﷺ مِن وراءِ الحُجُراتِ جَماعَةٌ مِن وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ جاءُوا المَدِينَةَ في سَنَةِ تِسْعٍ وهي سَنَةُ الوُفُودِ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا أوْ أكْثَرَ.
وكانَ سَبَبُ وُفُودِ هَذا الوَفْدِ إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّ بَنِي العَنْبَرِ مِنهم كانُوا قَدْ شَهَرُوا السِّلاحَ عَلى خُزاعَةَ، وقِيلَ كانُوا مَنَعُوا إخْوانَهم بَنِي كَعْبِ بْنِ العَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ، وكانَ بَنُو كَعْبٍ قَدْ أسْلَمُوا مِن قَبْلُ، ولَمْ أقِفْ عَلى وقْتِ إسْلامِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّهم أسْلَمُوا في سَنَةِ الوُفُودِ «فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشْرَ بْنَ سُفْيانَ ساعِيًا لِقَبْضِ صَدَقاتِ بَنِي كَعْبٍ، فَمَنَعَهم بَنُو العَنْبَرِ فَبَعَثَ النَّبِيءُ ﷺ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ في خَمْسِينَ مِنَ العَرَبِ لَيْسَ فِيهِمْ أنْصارِيٌّ ولا مُهاجِرِيٌّ فَأُسِرَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى عَشْرَةَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا. فَجاءَ في أثَرِهِمْ جَماعَةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ لِفِدائِهِمْ فَجاءُوا المَدِينَةَ» .
وكانَ خَطِيبُهم عُطارِدَ بْنَ حاجِبِ بْنِ زُرارَةَ، وفِيهِمْ سادَتُهُمُ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ، وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، ومَعَهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ الغَطَفانِيُّ وكانَ هَذانِ الأخِيرانِ أسْلَما مِن قَبْلُ وشَهِدا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ غَزْوَةَ الفَتْحِ، ثُمَّ جاءَ مَعَهُمُ الوَفْدُ فَلَمّا دَخَلَ الوَفْدُ المَسْجِدَ وكانَ وقْتَ القائِلَةِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ نائِمٌ في
صفحة ٢٢٥
حُجْرَتِهِ، نادَوْا جَمِيعًا وراءَ الحُجُراتِ: (يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا ثَلاثًا، فَإنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، وإنَّ ذَمَّنا شَيْنٌ، نَحْنُ أكْرَمُ العَرَبِ) سَلَكُوا في عَمَلِهِمْ هَذا مَسْلَكَ وُفُودِ العَرَبِ عَلى المُلُوكِ والسّادَةِ، كانُوا يَأْتُونَ بَيْتَ المَلِكِ أوِ السَّيِّدِ فَيَطِيفُونَ بِهِ يُنادُونَ لِيُؤْذَنَ لَهم كَما ورَدَ في قِصَّةِ وُرُودِ النّابِغَةِ عَلى النُّعْمانِ بْنِ الحارِثِ الغَسّانِيِّ.
وقَوْلُهم: إنَّ مَدْحَنا زَيْنٌ، طَرِيقَةٌ كانُوا يَسْتَدِرُّونَ بِها العُظَماءَ لِلْعَطاءِ فَإضافَةُ: مَدْحِنا وذَمِّنا إلى الضَّمِيرِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ. فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قالُوا: جِئْناكَ نُفاخِرُكَ فائْذَنْ لِشاعِرِنا وخَطِيبِنا إلى آخَرِ القِصَّةِ.
وقَوْلُهم: نُفاخِرُكَ، جَرَوْا فِيهِ عَلى عادَةِ الوُفُودِ مِنَ العَرَبِ أنْ يَذْكُرُوا مَفاخِرَهم وأيّامَهم، ويَذْكُرَ المَوْفُودُ عَلَيْهِمْ مَفاخِرَهم، وذَلِكَ مَعْنى صِيغَةِ المُفاعَلَةِ في قَوْلِهِمْ: نُفاخِرُكَ، وكانَ جُمْهُورُهم لَمْ يَزالُوا كُفّارًا حِينَئِذٍ وإنَّما أسْلَمُوا بَعْدَ أنْ تَفاخَرُوا وتَناشَدُوا الأشْعارَ.
فالمُرادُ بِـ الَّذِينَ يُنادُونَكَ رِجالُ هَذا الوَفْدِ. وإسْنادُ فِعْلِ النِّداءِ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ لِأنَّ جَمِيعَهم نادَوْهُ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ. ووَقَعَ في حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ أنَّ الَّذِي نادى النِّداءَ هو الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وعَلَيْهِ فَإسْنادُ فِعْلِ ”يُنادُونَكَ“ إلى ضَمِيرِ الجَماعَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ عَنْ نِسْبَةِ فِعْلِ المَتْبُوعِ إلى أتْباعِهِ إذْ كانَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ مُقَدَّمَ الوَفْدِ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، قالَ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] .
ونَفِيُ العَقْلِ عَنْهم مُرادٌ بِهِ عَقْلُ التَّأدُّبِ الواجِبِ في مُعامَلَةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ عَقَلُ التَّأدُّبِ المَفْعُولِ عَنْهُ في عادَتِهِمُ الَّتِي اعْتادُوها في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَفاءِ والغِلْظَةِ والعُنْجُهِيَّةِ، ولَيْسَ فِيها تَحْرِيمٌ ولا تَرَتُّبُ ذَنْبٍ.
وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يُنادِ النَّبِيءَ ﷺ مِثْلَ نِدائِهِمْ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ اسْتِثْناءُ اللَّذَيْنِ كانا أسْلَما مِن قَبْلُ.
فَهَذِهِ الآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وإخْراجٌ لَهم مِن مَذامِّ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.
والوَراءُ: الخَلْفُ، وهو جِهَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ بِحَسَبِ مَوْقِعِ ما يُضافُ إلَيْهِ.
صفحة ٢٢٦
والمَعْنى: أنَّ الحُجُراتِ حاجِزَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيءِ ﷺ فَهم لا يَرَوْنَهُ فَعَبَّرَ عَنْ جِهَةِ مَن لا يَرى بِأنَّها وراءُ.
و(مِن) لِلِابْتِداءِ، أيْ يُنادُونَكَ نِداءً صادِرًا مِن وراءِ الحُجُراتِ فالمُنادُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ كانُوا وراءَ حُجُراتِهِ فالَّذِي يَقُولُ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، لا يُرِيدُ وراءَ مَفْتَحِ الدّارِ ولا وراءَ ظَهْرِها ولَكِنْ أيَّ جِهَةٍ مِنها وكانَ القَوْمُ المُنادُونَ في المَسْجِدِ فَهم تُجاهَ الحُجُراتِ النَّبَوِيَّةِ، ولَوْ قالَ: نادانِي فُلانٌ وراءَ الدّارِ، دُونَ حَرْفِ (مِن)، لَكانَ مُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونَ المُنادِي والمُنادى كِلاهُما في جِهَةٍ وراءَ الدّارِ، وأنَّ المَجْرُورَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ ولِهَذا أُوثِرَ جَلْبُ (مِن) لِيَدُلَّ بِالصَّراحَةِ عَلى أنَّ المُنادى كانَ داخِلَ الحُجُراتِ لِأنَّ دَلالَةَ (مِن) عَلى الِابْتِداءِ تَسْتَلْزِمُ اخْتِلافًا بَيْنَ المَبْدَأِ والمُنْتَهى كَذا أشارَ في الكَشّافِ، ولا شَكَّ أنَّهُ يَعْنِي أنَّ اجْتِلابَ حَرْفِ (مِن) لِدَفْعِ اللَّبْسِ فَلا يُنافِي أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ هَذا الفَرْقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الروم: ٢٥] في سُورَةِ الرُّومِ. وفِيما ذَكَرْنا ما يَدْفَعُ الِاعْتِراضاتِ عَلى صاحِبِ الكَشّافِ.
فَلَفْظُ وراءَ هُنا مَجازٌ في الجِهَةِ المَحْجُوبَةِ عَنِ الرُّؤْيَةِ.
والحُجُراتُ، بِضَمَّتَيْنِ ويَجُوزُ فَتْحُ الجِيمِ: جَمَعُ حُجْرَةٍ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وهي البُقْعَةُ المَحْجُورَةُ، أيِ الَّتِي مُنِعَتْ مِن أنْ يَسْتَعْمِلَها غَيْرُ حاجِرِها فَهي فُعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ كَغُرْفَةٍ، وقُبْضَةٍ. وفي الحَدِيثِ: ”«أيْقِظُوا صَواحِبَ الحُجَرِ» “ يَعْنِي أزْواجَهُ، وكانَتِ الحُجُراتُ تُفْتَحُ إلى المَسْجِدِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”الحُجُراتِ“ بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ الجِيمِ.
وكانَتِ الحُجُراتُ تِسْعًا وهي مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، أيِ الحَواجِزِ الَّتِي بَيْنَ كُلِّ واحِدَةٍ والأُخْرى، وعَلى أبْوابِها مُسُوحٌ مِن شَعْرٍ أسْوَدَ وعَرْضُ البَيْتِ مِن بابِ الحُجْرَةِ إلى بابِ البَيْتِ نَحْوَ سَبْعَةِ أذْرُعٍ، ومِساحَةُ البَيْتِ الدّاخِلِ، أيِ الَّذِي في داخِلِ الحُجْرَةِ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، أيْ فَتَصِيرُ مِساحَةُ الحُجْرَةِ مَعَ البَيْتِ سَبْعَةَ عَشَرَ
صفحة ٢٢٧
ذِراعًا. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: كُنْتُ أدْخُلُ بُيُوتَ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ في خِلافَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَأتَناوَلُ سُقُفَها بِيَدِي.
وإنَّما ذَكَرَ الحُجُراتِ دُونَ البُيُوتِ لِأنَّ البَيْتَ كانَ بَيْتًا واحِدًا مُقَسَّمًا إلى حُجُراتٍ تِسْعٍ.
وتَعْرِيفُ الحُجُراتِ بِاللّامِ تَعْرِيفُ العَهْدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ يُنادُونَكَ مُؤَذِنٌ بِأنَّ الحُجُراتِ حُجُراتُهُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعَرَّفْ بِالإضافَةِ.
وهَذا النِّداءُ وقَعَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنادُونَكَ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ نِدائِهِمْ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم أنَّهُ يُكْسِبُهم وقارًا بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ ويَسْتَدْعِي لَهُمُ الإقْبالَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ إذْ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ غَيْرَ كارِهٍ لِنِدائِهِمْ إيّاهُ، ورَفْعِ أصْواتِهِمْ في مَسْجِدِهِ فَكانَ فِيما فَعَلُوهُ جَلافَةً.
فَقَوْلُهُ ”خَيْرًا“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ، ويَكُونُ في المَعْنى: لَكانَ صَبْرُهم أفْضَلَ مِنَ العَجَلَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا ضِدَّ الشَّرِّ، أيْ لَكانَ صَبْرُهم خَيْرًا لِما فِيهِ مِن مَحاسِنِ الخُلُقِ بِخِلافِ ما فَعَلُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فالآيَةُ تَأْدِيبٌ لَهم وتَعْلِيمُهم مَحاسِنَ الأخْلاقِ وإزالَةُ العَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ الذَّمِيمَةِ.
وإيثارُ (حَتّى) في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ﴾ دُونَ (إلى) لِأجْلِ الإيجازِ بِحَذْفِ حَرْفِ (أنْ) فَإنَّهُ مُلْتَزَمٌ حَذْفُهُ بَعْدَ (حَتّى) بِخِلافِهِ بَعْدَ (إلى) فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ.
وفِي تَعْقِيبِ هَذا اللَّوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى لَمْ يُحْصِ عَلَيْهِمْ ذَنْبًا فِيما فَعَلُوا ولا عَرَّضَ لَهم بِتَوْبَةٍ.
والمَعْنى: واللَّهُ شَأْنُهُ التَّجاوُزُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ رَحْمَةً بِالنّاسِ لِأنَّ القَوْمَ كانُوا جاهِلِينَ.
الحجرات 49:6
صفحة ٢٢٨
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾
هَذا نِداءٌ ثالِثٌ ابْتُدِئَ بِهِ غَرَضٌ آخَرُ وهو آدابُ جَماعاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وقَدْ تَضافَرَتِ الرِّواياتُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وابْنِ عَبّاسٍ والحارِثِ بْنِ ضِرارَةَ الخُزاعِيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَنْ سَبَبِ قَضِيَّةٍ حَدَثَتْ. ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ بَعَثَ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ إلى بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ لِيَأْتِيَ بِصَدَقاتِهِمْ فَلَمّا بَلَغَهم مَجِيئُهُ، أوْ لَمّا اسْتَبْطَئُوا مَجِيئَهُ، فَإنَّهم خَرَجُوا لِتَلَقِّيهِ أوْ خَرَجُوا لِيُبَلِّغُوا صَدَقاتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وعَلَيْهِمُ السِّلاحُ، وأنَّ الوَلِيدَ بَلَغَهُ أنَّهم خَرَجُوا إلَيْهِ بِتِلْكَ الحالَةِ وهي حالَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ في تَلَقِّي المُصَّدِّقِينَ وحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، أوْ لَمّا رَآهم مُقْبِلِينَ كَذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ خافَ أنْ يَكُونُوا أرادُوا قَتْلَهُ إذْ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم شَحْناءُ مِن زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ فَوَلّى راجِعًا إلى المَدِينَةِ.
( هَذا ما جاءَ في رِواياتٍ أرْبَعٍ مُتَّفِقَةٍ في صِفَةِ خُرُوجِهِمْ إلَيْهِ مَعَ اخْتِلافِها في بَيانِ الباعِثِ لَهم عَلى ذَلِكَ الخُرُوجِ وفي أنَّ الوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِهِمْ إلَيْهِ أوْ رَآهم أوِ اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ خَوْفًا وأنَّ الوَلِيدَ جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ أرادُوا قَتْلِي وإنَّهم مَنَعُوا الزَّكاةِ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَمَّ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ لِيَنْظُرَ في أمْرِهِمْ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ بَعَثَ خالِدًا وأمَرَهُ بِأنْ لا يَغْزُوَهم حَتّى يَسْتَثْبِتَ أمْرَهم وأنْ خالِدًا لَمّا بَلَغَ دِيارَ القَوْمِ بَعَثَ عَيْنًا لَهُ يَنْظُرُ حالَهم فَأخْبَرَهُ أنَّهم يُقِيمُونَ الأذانَ والصَّلاةَ فَأخْبَرَهم بِما بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وقَبَضَ زَكاتَهم وقَفَلَ راجِعًا.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهم ظَنُّوا مِن رُجُوعِ الوَلِيدِ أنْ يَظُنَّ بِهِمْ مَنعَ الصَّدَقاتِ فَجاءُوا النَّبِيءَ ﷺ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ خالِدٌ إلَيْهِمْ مُتَبَرِّئِينَ مِن مَنعِ الزَّكاةِ ونِيَّةِ الفَتْكِ بِالوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم لَمّا وصَلُوا إلى المَدِينَةِ وجَدُوا الجَيْشَ خارِجًا إلى غَزْوِهِمْ.
فَهَذا تَلْخِيصُ هَذِهِ الرِّواياتِ وهي بِأسانِيدَ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ في الصَّحِيحِ.
وقَدْ رُوِيَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَضِيَّتانِ أُخْرَيانِ، وهَذا أشْهَرُ.
ولِنَشْتَغِلِ الآنَ بِبَيانِ وجْهِ المُناسَبَةِ لِمَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّ
صفحة ٢٢٩
الِانْتِقالَ مِنها إلى هَذِهِ يَقْتَضِي مُناسِبَةً بَيْنَهُما، فالقِصَّتانِ مُتَشابِهَتانِ إذْ كانَ وفْدُ بَنِي تَمِيمٍ النّازِلَةُ فِيهِمُ الآيَةُ السّابِقَةُ جاءُوا مُعْتَذِرِينَ عَنْ رَدِّهِمْ ساعِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَبْضِ صَدَقاتِ بَنِي كَعْبِ بْنِ العَنْبَرِ مِن تَمِيمٍ كَما تَقَدَّمَ، وبَنُو المُصْطَلِقِ تَبَرَّءُوا مِن أنَّهم يَمْنَعُونَ الزَّكاةَ إلّا أنَّ هَذا يُناكِدُهُ بُعْدُ ما بَيْنَ الوَقْتَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ في تَعْيِينِ سَنَةِ وفْدِبَنِي تَمِيمٍ وهْمٌ.
وإعادَةُ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفَصْلُهُ بِدُونِ عاطِفٍ لِتَخْصِيصِ هَذا الغَرَضِ بِالِاهْتِمامِ كَما عَلِمْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] .
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْمُناسَبَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها.
ولا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِتَشْرِيعٍ في قَضِيَّةِ بَنِي المُصْطَلِقِ مَعَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ لِأنَّها قَضِيَّةٌ انْقَضَتْ وسُوِّيَتْ.
والفاسِقُ: المُتَّصِفُ بِالفُسُوقِ، وهو فِعْلُ ما يُحَرِّمُهُ الشَّرْعُ مِنَ الكَبائِرِ.
وفُسِّرَ هُنا بِالكاذِبِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ وسَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وأُوثِرَ في الشَّرْطِ حَرْفُ (إنْ) الَّذِي الأصْلُ فِيهِ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ المَشْكُوكِ في وُقُوعِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شَأْنَ فِعْلِ الشَّرْطِ أنْ يَكُونَ نادِرَ الوُقُوعِ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ.
واعْلَمْ أنْ لَيْسَ الآيَةُ ما يَقْتَضِي وصْفَ الوَلِيدِ بِالفاسِقِ تَصْرِيحًا ولا تَلْوِيحًا.
وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الوَلِيدَ ظَنَّ ذَلِكَ كَما في الإصابَةِ عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ ولَيْسَ في الرِّواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ تَعَمَّدَ الكَذِبَ. قالَ الفَخْرُ: إنَّ إطْلاقَ لَفْظِ الفاسِقِ عَلى الوَلِيدِ شَيْءٌ بَعِيدٌ لِأنَّهُ تَوَهَّمَ وظَنَّ فَأخْطَأ، والمُخْطِئُ لا يُسَمّى فاسِقًا.
قُلْتُ: ولَوْ كانَ الوَلِيدُ فاسِقًا لَما تَرَكَ النَّبِيءَ ﷺ تَعْنِيفَهُ واسْتِتابَتَهُ فَإنَّهُ رَوى أنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلى قَوْلِهِ لَهُ: ”«التَّبْيِينُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» “، إذْ كانَ تَعْجِيلُ الوَلِيدِ الرُّجُوعَ عَجَلَةً. وقَدْ كانَ خُرُوجُ القَوْمِ لِلتَّعَرُّضِ إلى الوَلِيدِ بِتِلْكَ الهَيْئَةِ مَثارَ ظَنِّهِ
صفحة ٢٣٠
حَقًّا إذْ لَمْ يَكُنِ المَعْرُوفُ خُرُوجَ القَبائِلِ لِتَلَقِّي السُّعاةِ. وأنا أحْسَبُ أنَّ عَمَلَهم كانَ حِيلَةً مِن كُبَرائِهِمْ عَلى انْصِرافِ الوَلِيدِ عَنِ الدُّخُولِ في حَيِّهِمْ تَعَيُّرًا مِنهم في نَظَرِ عامَّتِهِمْ مِن أنْ يَدْخُلَ عَدُوٌّ لَهم إلى دِيارِهِمْ ويَتَوَلّى قَبْضَ صَدَقاتِهِمْ فَتُعَيِّرُهم أعْداؤُهم بِذَلِكَ يَمْتَعِضُ مِنهم دَهْماؤُهم ولِذَلِكَ ذَهَبُوا بِصَدَقاتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ في رِوايَةٍ أوْ جاءُوا مُعْتَذِرِينَ قَبْلَ مَجِيءِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ إلَيْهِمْ في رِوايَةٍ أُخْرى.
ويُؤَيِّدُ هَذا ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ هَذا الخَبَرِ أنَّ الوَلِيدَ أُعْلِمَ بِخُرُوجِ القَوْمِ إلَيْهِ، وسَمِعَ بِذَلِكَ فَلَعَلَّ ذَلِكَ الإعْلامَ مُوعَزٌ بِهِ إلَيْهِ لِيَخافَ فَيَرْجِعَ. وقَدِ اتَّفَقَ مَن تَرْجَمُوا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ عَلى أنَّهُ كانَ شُجاعًا جَوادًا وكانَ ذا خُلُقٍ ومُرُوءَةٍ.
واعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ أهْلِ السُّنَّةِ عَلى اعْتِبارِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ عُدُولًا وأنَّ كُلَّ مَن رَأى النَّبِيءَ ﷺ وآمَنَ بِهِ فَهو مِن أصْحابِهِ. وزادَ بَعْضُهم شَرْطَ أنْ يَرْوِيَ عَنْهُ أوْ يُلازِمَهُ ومالَ إلَيْهِ المازِرِيُّ. قالَ في أمالِيهِ في أُصُولِ الفِقْهِ: ”ولَسْنا نَعْنِي بِأصْحابِ النَّبِيءِ كُلَّ مَن رَآهُ أوْ زارَهُ لِمامًا إنَّما نُرِيدُ أصْحابَهُ الَّذِينَ لازَمُوهُ وعَزَّزُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِالفَلاحِ اهـ.
وإنَّما تَلَقَّفَ هَذِهِ الأخْبارَ النّاقِمُونَ عَلى عُثْمانَ إذْ كانَ مِن عِدادِ مَناقِمِهِمُ الباطِلَةِ أنَّهُ أوْلى الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إمارَةَ الكُوفَةِ فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلى غَيْرِ وجْهِها وألْصَقُوا بِالوَلِيدِ وصْفَ الفاسِقِ، وحاشاهُ مِنهُ لِتَكُونَ وِلايَتُهُ الإمارَةَ باطِلًا. وعَلى تَسْلِيمِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ إشارَةً إلى فاسِقٍ مُعَيَّنٍ فَلِماذا لا يُحْمَلُ عَلى إرادَةِ الَّذِي أعْلَمَ الوَلِيدَ بِأنَّ القَوْمَ خَرَجُوا لَهُ لِيَصُدُّوهُ عَنِ الوُصُولِ إلى دِيارِهِمْ قَصْدًا لِإرْجاعِهِ.
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ خالِدًا وصَلَ إلى دِيارِ بَنِي المُصْطَلِقِ. وفي بَعْضِها أنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ ورَدُوا المَدِينَةَ مُعْتَذِرِينَ، واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ عَلى أنَّ بَيْنَ بَنِي المُصْطَلِقِ وبَيْنَ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ شَحْناءَ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ.
وفِي الرِّوايَةِ أنَّهُمُ اعْتَذَرُوا لِلتَّسَلُّحِ بِقَصْدِ إكْرامِ ضَيْفِهِمْ. وفي السِّيرَةِ الحَلَبِيَّةِ، أنَّهم قالُوا: خَشِينا أنْ يُبادِئَنا بِالَّذِي كانَ بَيْنَنا مِن شَحْناءَ. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ مِن وُجُوبِ البَحْثِ عَنْ دَخِيلَةِ مَن جُهِلَ حالُ تَقْواهُ. وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لا يُؤْسَرُ أحَدُ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ، وهي أيْضًا أصْلٌ عَظِيمٌ في
صفحة ٢٣١
تَصَرُّفاتِ وُلاةِ الأُمُورِ وفي تَعامُلِ النّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِن عَدَمِ الإصْغاءِ إلى كُلِّ ما يُرْوى ويُخْبَرُ بِهِ.
والخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُرادٌ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ ومَن مَعَهُ ويَشْمَلُ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ إذْ صَدَّقَ مَن أخْبَرَهُ بِأنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ يُرِيدُ لَهُ سُوءًا ومَن يَأْتِي مِن حُكّامِ المُؤْمِنِينَ وأُمَرائِهِمْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَشْرِيعُ تَعْدِيلِ مَن لا يُعَرَفُ بِالصِّدْقِ والعَدالَةِ.
ومَجِيءُ حَرْفِ (إنْ) في هَذا الشَّرْطِ يُومِئُ إلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يَقَعَ إلّا نادِرًا.
والتَّبْيِينُ: قُوَّةُ الإبانَةِ وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ بِمَعْنى أبانَ، أيْ تَأمَّلُوا وأبِينُوا. والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بِنَبَأٍ أيْ تَبَيَّنُوا ما جاءَ بِهِ وإبانَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِها.
والأمْرُ بِالتَّبْيِينِ أصْلٌ عَظِيمٌ في وُجُوبِ التَّثَبُّتِ في القَضاءِ وأنْ لا يَتَتَبَّعَ الحاكِمُ القِيلَ والقالَ ولا يَنْصاعَ إلى الجَوَلانِ في الخَواطِرِ مِنَ الظُّنُونِ والأوْهامِ.
ومَعْنى فَتَبَيَّنُوا تَبَيِّنُوا الحَقَّ، أيْ مِن غَيْرِ جِهَةِ ذَلِكَ الفاسِقِ. فَخَبَرُ الفاسِقِ يَكُونُ داعِيًا إلى التَّتَبُّعِ والتَّثَبُّتِ يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ مُسْتَنَدًا لِلْحُكْمِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ وقَدْ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ:“ لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ.
وإنَّما كانَ الفاسِقُ مُعَرَّضًا خَبَرُهُ لِلرِّيبَةِ والِاخْتِلاقِ لِأنَّ الفاسِقَ ضَعِيفُ الوازِعِ الدِّينِيِّ في نَفْسِهِ، وضَعْفُ الوازِعِ يُجَرِّئُهُ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِالمَحْظُورِ وبِما يُخْبِرُ بِهِ في شَهادَةٍ أوْ خَبَرٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما إضْرارٌ بِالغَيْرِ أوْ بِالصّالِحِ العامِّ ويُقَوِّي جُرْأتَهُ عَلى ذَلِكَ دَوْمًا إذا لَمْ يَتُبْ ويَنْدَمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهُ ويُقْلِعْ عَنْ مِثْلِهِ.
والإشْراكُ أشَدُّ في ذَلِكَ الِاجْتِراءِ لِقِلَّةِ مُراعاةِ الوازِعِ في أُصُولِ الإشْراكِ.
وتَنْكِيرُ ”فاسِقٌ“، و(نَبَإٍ)، في سِياقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ في الفُسّاقِ بِأيِّ فِسْقٍ اتَّصَفُوا، وفي الأنْباءِ كَيْفَ كانَتْ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ فاسِقٍ جاءَكم بِأيِّ نَبَأٍ فَتَوَقَّفُوا فِيهِ وتَطَلَّبُوا بَيانَ الأمْرِ وانْكِشافَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”فَتَبَيَّنُوا“ بِفَوْقِيَّةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَنُونٍ مِنَ التَّبْيِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ فَتَثَبَّتُوا بِفَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ مِنَ التَّثَبُّتِ. والتَّبْيِينُ: تَطَلُّبُ البَيانِ وهو ظُهُورُ الأمْرِ، والتَّثَبُّتُ التَّحَرِّي وتَطَلُّبُ الثَّباتِ وهو الصِّدْقُ.
صفحة ٢٣٢
ومَآلُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ مَعْناهُما. وعَنِ النَّبِيءِ ﷺ «”التَّثَبُّتُ مِنَ اللَّهِ والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ» .
ومَوْقِعُ ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا﴾ إلَخْ نَصْبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةً. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ.
والمُعَلَّلُ بِاللّامِ المَحْذُوفَةِ أوِ المُقَدَّرَةِ هو التَّثَبُّتُ، فَمَعْنى تَعْلِيلِهِ بِإصابَةٍ يَقَعُ إثْرَها النَّدَمُ هو التَّثَبُّتُ.
فَمَعْنى تَعْلِيلِهِ بِإصابَةٍ يَقَعُ آخِرَها النَّدَمُ أنَّ الإصابَةَ عِلَّةٌ تُحْمَلُ عَلى التَّثَبُّتِ لِلتَّفادِي مِنها فَلِذَلِكَ كانَ مَعْنى الكَلامِ عَلى انْتِفاءِ حُصُولِ هَذِهِ الإضافَةِ لِأنَّ العِلَّةَ إذا صَلَحَتْ لِإثْباتِ الكَفِّ عَنْ فِعْلٍ تَصْلُحُ لِلْإتْيانِ بِضِدِّهِ لِتَلازُمِ الضِّدِّ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وهَذا التَّحْذِيرُ مِن جَرّاءِ قَبُولِ خَبَرِ الكاذِبِ يَدُلُّ عَلى تَحْذِيرِ مَن يَخْطُرُ لَهُ اخْتِلاقُ خَبَرٍ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى خَبَرِهِ الكاذِبِ مِن إصابَةِ النّاسِ. وهَذا بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ.
والجَهالَةُ: تُطْلَقُ بِمَعْنى: ضِدِّ العِلْمِ، وتُطْلَقُ بِمَعْنى: ضِدِّ الحِلْمِ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: جَهِلَ كَجَهْلِ السَّيْفِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ مُتَلَبِّسِينَ أنْتُمْ بِعَدَمِ العِلْمِ بِالواقِعِ لِتَصْدِيقِكُمُ الكاذِبَ، ومُتَعَلِّقُ“ تُصِيبُوا ”عَلى هَذا الوَجْهِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا، أيْ أنْ تُصِيبُوهم بِضُرٍّ، وأكْثَرُ إطْلاقِ الإصابَةِ عَلى إيصالِ الضُّرِّ، وعَلى الإطْلاقِ الثّانِي الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِفِعْلٍ مِن أثَرِ الجَهالَةِ، أيْ بِفِعْلٍ مِنَ الشِّدَّةِ والإضْرارِ.
ومَعْنى فَتُصْبِحُوا فَتَصِيرُوا لِأنَّ بَعْضَ أخَواتِ كانَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ. والنَّدَمُ: الأسَفُ عَلى فِعْلٍ صَدَرَ. والمُرادُ بِهِ هُنا النَّدَمُ الدِّينِيُّ، أيِ النَّدَمُ عَلى التَّوَرُّطِ في الذَّنْبِ لِلتَّساهُلِ وتَرَكِ تَطَلُّبِ وُجُوهِ الحَقِّ.
وهَذا الخِطابُ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
صفحة ٢٣٣
مُوَجَّهٌ ابْتِداءً لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْبَرِينَ بِفَتْحِ الباءِ كُلٌّ بِحَسَبِ أثَرِهِ بِما يَبْلُغُ إلَيْهِ مِنَ الأخْبارِ عَلى اخْتِلافِ أغْراضِ المُخْبِرِينَ بِكَسْرِ الباءِ.
ولَكِنَّ هَذا الخِطابَ لا يَتْرُكُ المُخْبِرِينَ بِكَسْرِ الباءِ بِمَعْزِلٍ عَنِ المُطالَبَةِ بِهَذا التَّبَيُّنِ فِيما يَتَحَمَّلُونَهُ مِنَ الأخْبارِ وبِتَوَخِّي سُوءِ العاقِبَةِ فِيما يَخْتَلِقُونَهُ مِنَ المُخْتَلَقاتِ، ولَكِنَّ هَذا تَبَيَّنٌ يُخالِفُ تَبَيُّنَ الآخَرِ وتَثَبُّتَهُ، فَهَذا تَثَبُّتٌ مِنَ المُتَلَقِّي بِالتَّمْحِيصِ لِما يَتَلَقّاهُ مِن حِكايَةٍ أوْ يَطْرُقُ سَمْعَهُ مِنَ الكَلامِ والآخَرُ تَمْحِيصٌ وتَمْيِيزٌ لِحالِ المُخْبِرِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَتَخَرَّجُ مِنها أرْبَعُ مَسائِلَ مِنَ الفِقْهِ وأُصُولِهِ: المَسْألَةُ الأُولى: وُجُوبُ البَحْثِ عَنْ عَدالَةِ مَن كانَ مَجْهُولَ الحالِ في قَبُولِ الشَّهادَةِ أوِ الرِّوايَةِ عِنْدَ القاضِي وعِنْدَ الرُّواةِ. وهَذا صَرِيحُ الآيَةِ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها دالَّةٌ عَلى قَبُولِ الواحِدِ الَّذِي انْتَفَتْ عَنْهُ تُهْمَةُ الكَذِبِ في شَهادَتِهِ أوْ رِوايَتِهِ وهو المَوْسُومُ بِالعَدالَةِ، وهَذا مِن مَدْلُولِ مَفْهُومِ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وهي مَسْألَةٌ أُصُولِيَّةٌ في العَمَلِ بِخَبَرِ الواحِدِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَجْهُولِ عَدَمُ العَدالَةِ، أيْ عَدَمُ ظَنِّ عَدالَتِهِ فَيَجِبُ الكَشْفُ عَنْ مَجْهُولِ الحالِ فَلا يُعْمَلُ بِشَهادَتِهِ ولا بِرِوايَتِهِ حَتّى يُبْحَثَ عَنْهُ وتَثْبُتَ عَدالَتُهُ.
وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ والمُحَدِّثِينَ وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ بَعْضُهم: الأصْلُ في النّاسِ العَدالَةُ ويُنْسَبُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَيُقْبَلُ عِنْدَهُ مَجْهُولُ الباطِنِ ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِمَسْتُورِ الحالِ. أمّا المَجْهُولُ باطِنُهُ وظاهِرُهُ مَعًا فَحُكِيَ الِاتِّفاقُ عَلى عَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِ، وكَأنَّهم نَظَرُوا إلى مَعْنى كَلِمَةِ الأصْلِ العَقْلِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ قالَ:“ المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ ”وأنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ ظُهُورُ شَهادَةِ الزُّورِ رَجَعَ فَقالَ:“ لا يُؤْسَرُ أحَدٌ في الإسْلامِ بِغَيْرِ العُدُولِ " .
ويُسْتَثْنى مِن هَذا أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ فَإنَّ الأصْلَ أنَّهم عُدُولٌ حَتّى يَثْبُتَ خِلافُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لا خِلافَ فِيهِ في الدِّينِ ولا يَخْتَلِفُ فِيهِ اجْتِهادُ المُجْتَهِدِينَ. وإنَّما تُفِيدُ الآيَةُ هَذا الأصْلَ إذا حُمِلَ مَعْنى الفاسِقِ عَلى ما يَشْمَلُ المُتَّهَمَ بِالفِسْقِ.
صفحة ٢٣٤
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ أنَّهُ تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ فِيما يُوجِبُ النَّدَمَ شَرْعًا، أيْ ما يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِن تِلْكَ الإصابَةِ، فَكانَ هَذا كِنايَةً عَنِ الإثْمِ في تِلْكَ الإصابَةِ فَحَذَّرَ وُلاةَ الأُمُورِ مِن أنْ يُصِيبُوا أحَدًا بِضُرٍّ أوْ عِقابٍ أوْ حَدٍّ أوْ غُرْمٍ دُونَ تَبَيُّنِ وتَحَقُّقِ تَوَجُّهِ ما يُوجِبُ تَسْلِيطَ تِلْكَ الإصابَةِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ يُوجِبُ اليَقِينَ أوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ وما دُونَ ذَلِكَ فَهو تَقْصِيرٌ يُؤاخَذُ عَلَيْهِ، ولَهُ مَراتِبُ بَيَّنَها العُلَماءُ في حِكَمٍ خَطَّها القاضِي وصِفَةِ المُخْطِئِ وما يُنْقَضُ مِن أحْكامِهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ الفِعْلِ، وهو الإصابَةُ بِدُونِ تَثَبُّتٍ والتَّنْبِيهُ عَلى خَطَرِ أمْرِهِ.
الحجرات 49:7
﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] عَطْفُ تَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ ولَيْسَ مَضْمُونُها تَكْمِلَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] إلَخْ بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في الأنْفالِ.
وقَوْلِهِ ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إنَّ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّحْذِيرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ. فَإنَّ كَوْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يُخْبَرُ عَنْهُ. فالمَقْصُودُ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ بِاتِّباعِ ما شَرَعَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأحْكامِ ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مُوافِقَةٍ لِرَغَباتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
فَضَمِيرا الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”يُطِيعُكم“ وقَوْلِهِ: ”لَعَنِتُّمْ“ عائِدانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا عَلى تَوْزِيعِ الفِعْلِ عَلى الأفْرادِ فالمُطاعُ بَعْضُ الَّذِينَ آمَنُوا وهُمُ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ أنْ يَعْمَلَ
صفحة ٢٣٥
الرَّسُولُ ﷺ بِما يَطْلُبُونَ مِنهُ، والعانِتُ بَعْضٌ آخَرُ وهم جُمْهُورُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ قَضاءُ النَّبِيءِ ﷺ بِحَسَبِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ”لَوْ يُطِيعُكم“ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”فِيكم“ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُخاطَبِينَ، مِن جِهَةِ أنَّ مَضْمُونَ جَوابِ لَوْ عَنِتَ يَحْصُلُ لِلْمُخاطَبِينَ.
ومَآلُ الِاعْتِبارَيْنِ في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ واحِدٌ وانْتِظامُ الكَلامِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ غَيْرُ مُنْثَلِمٍ.
والطّاعَةُ: عَمَلُ أحَدٍ يُؤْمَرُ بِهِ وما يُنْهى عَنْهُ وما يُشارُ بِهِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ أطاعَكم فِيما تَرْغَبُونَ.
و”الأمْرُ“ هُنا بِمَعْنى الحادِثِ والقَضِيَّةِ النّازِلَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأُمُورِ ولِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِلَفْظِ ”كَثِيرٍ مِن“ أيْ في أحْداثٍ كَثِيرَةٍ مِمّا لَكم رَغْبَةٌ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنها فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ.
وهَذا احْتِرازٌ عَنْ طاعَتِهِ إيّاهم في بَعْضِ الأمْرِ مِمّا هو مِن غَيْرِ شُئُونِ التَّشْرِيعِ كَما أطاعَهم في نُزُولِ الجَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى جِهَةٍ يَسْتَأْثِرُونَ فِيها بِماءِ بَدْرٍ.
والعَنَتُ: اخْتِلالُ الأمْرِ في الحاضِرِ أوْ في العاقِبَةِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لَوْ يُطِيعُكم مُسْتَعْمَلَةٌ في الماضِي لِأنَّ حَرْفَ (لَوْ) يُفِيدُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ في الماضِي، وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، أيْ لَوْ أطاعَكم في قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ولَوْ أطاعَكم كُلَّما رَغِبْتُمْ مِنهُ أوْ أشَرْتُمْ عَلَيْهِ لَعَنِتُّمْ؛ لِأنَّ بَعْضَ ما يَطْلُبُونَهُ مُضِرٌّ بِالغَيْرِ أوْ بِالرّاغِبِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ قَدْ يُحِبُّ عاجِلَ النَّفْعِ العائِدِ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ.
وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الكَوْنِ فِيهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ واجِبَهُمُ الِاغْتِباطُ بِهِ والإخْلاصُ لَهُ لِأنَّ كَوْنَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لِجَماعَتِهِمْ وصَلاحٌ لَهم.
صفحة ٢٣٦
والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ لَأصابَ السّاعِينَ في أنْ يَعْمَلَ النَّبِيءُ ﷺ بِما يَرْغَبُونَ العَنَتَ. وهو الإثْمُ إذِ اسْتَغْفَلُوا النَّبِيءَ ﷺ ولَأصابَ غَيْرَهُمُ العَنَتُ بِمَعْنى المَشَقَّةِ وهي ما يَلْحَقُهم مِن جَرَيانِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلائِمُ الواقِعَ فَيَضُرُّ بِبَقِيَّةِ النّاسِ، وقَدْ يَعُودُ بِالضُّرِّ عَلى الكاذِبِ المُتَشَفِّي بِرَغْبَتِهِ تارَةً، فَيَلْحَقُ عَنَتُ مَن كَذَّبَ غَيْرَهُ تارَةً أُخْرى.
* * *
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
الِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنَّ) ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ لِأنَّهُ اقْتَضى أنَّ لِبَعْضِكم رَغْبَةً في أنْ يُطِيعَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما يَرْغَبُونَ أنْ يَفْعَلَهُ مِمّا يَبْتَغُونَ مِمّا يَخالُونَهُ صالِحًا بِهِمْ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ تُعْرَضُ لَهم.
والمَعْنى: ولَكِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ رَسُولَهَ إلّا بِما فِيهِ صَلاحُ العاقِبَةِ وإنْ لَمْ يُصادِفْ رَغَباتِكُمُ العاجِلَةَ وذَلِكَ فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ، فالإيمانُ هَنا مُرادٌ مِنهُ أحْكامُ الإسْلامِ ولَيْسَ مُرادًا مِنهُ الِاعْتِقادُ، فَإنَّ اسْمَ الإيمانِ واسْمَ الإسْلامِ يَتَوارَدانِ، أيْ حُبِّبَ إلَيْكُمُ الإيمانُ الَّذِي هو الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى التَّسْلِيمِ لِما يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ولِذا فَكَوْنُهُ حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ إدْماجٌ وإيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَكُمُ الإسْلامَ وحَبَّبَهُ إلَيْكم أيْ دَعاكم إلى حُبِّهِ والرِّضى بِهِ فامْتَثَلْتُمْ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: هُمُ الظّالِمُونَ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنْ يَتْرُكُوا ما لَيْسَ مِن أحْكامِ الإيمانِ فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ
صفحة ٢٣٧
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الحِيادِ عَنْ مَهِيعِ الإيمانِ وتَجْنِيبًا لَهم ما هو مِن شَأْنِ أهْلِ الكُفْرِ.
فالخَبَرُ في قَوْلِهِ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ إلى قَوْلِهِ: والعِصْيانَ مُسْتَعْمَلٌ في الإلْهابِ وتَحْرِيكِ الهِمَمِ لِمُراعاةِ الإيمانِ وكَراهَةِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ أحْبَبْتُمُ الإيمانَ وكَرِهْتُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ فَلا تَرْغَبُوا في حُصُولِ ما تَرْغَبُونَهُ إذا كانَ الدِّينُ يَصُدُّ عَنْهُ وكانَ الفُسُوقُ والعِصْيانُ يَدْعُو إلَيْهِ. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِانْدِفاعَ إلى تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ مِنَ الهَوى دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما يُرْضِي اللَّهَ وما لا يُرْضِيهِ أثَرٌ مِن آثارِ الجاهِلِيَّةِ مِن آثارِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ.
وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ في صَدْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ مِنَ المَهابَةِ والرَّوْعَةِ.
وما يَقْتَضِيهِ مِن واجِبِ اقْتِبالِ ما حَبَّبَ إلَيْهِ ونَبْذِ ما كَرَّهَ إلَيْهِ.
وعُدِيَّ فِعْلا ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى بَلَّغَ، أيْ بَلَّغَ إلَيْكم حُبَّ الإيمانِ وكُرْهَ الكُفْرِ.
ولَمْ يُعَدَّ فِعْلُ ”وزَيَّنَهُ“ بِحَرْفِ (إلى) مِثْلَ فِعْلَيْ ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“، لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ لَمّا رَغَّبَهم في الإيمانِ وكَرَّهَهُمُ الكُفْرَ امْتَثَلُوا فَأحَبُّوا الإيمانَ وزانَ في قُلُوبِهِمْ.
والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ حَسَنًا قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
أجْمَعَتْ خُلَّتَيْ مَعَ الفَجْرِ بَيْنا جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنا
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلْمَدْحِ. والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ”إلَيْكم“ مَرَّتَيْنِ وفي قَوْلِهِ: ”قُلُوبِكم“ أيِ الَّذِينَ أحَبُّوا الإيمانَ وتَزَيَّنَتْ بِهِ قُلُوبُهم، وكَرِهُوا الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ هُمُ الرّاشِدُونَ، أيْ هُمُ المُسْتَقِيمُونَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ القَصْرَ وهو قَصْرُ إفْرادٍ إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهم فَرِيقًا لَيْسُوا بِراشِدِينَ وهُمُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالفِسْقِ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ فَإنْ أقْلَعُوا عَنْهُ التَحَقُوا بِالرّاشِدِينَ.
صفحة ٢٣٨
وانْتَصَبَ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ مِن أفْعالِ ”حَبَّبَ وزَيَّنَ وكَرَّهَ“ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحْبِيبَ والتَّزْيِينَ والتَّكْرِيهَ مِن نَوْعِ الفَضْلِ والنِّعْمَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
الحجرات 49:8
﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] عَطْفُ تَشْرِيعٍ عَلى تَشْرِيعٍ ولَيْسَ مَضْمُونُها تَكْمِلَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦] إلَخْ بَلْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
وابْتِداءُ الجُمْلَةِ بِـ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في الأنْفالِ.
وقَوْلِهِ ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إنَّ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ والتَّحْذِيرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ. فَإنَّ كَوْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يُخْبَرُ عَنْهُ. فالمَقْصُودُ تَعْلِيمُ المُسْلِمِينَ بِاتِّباعِ ما شَرَعَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأحْكامِ ولَوْ كانَتْ غَيْرَ مُوافِقَةٍ لِرَغَباتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا.
فَضَمِيرا الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ”يُطِيعُكم“ وقَوْلِهِ: ”لَعَنِتُّمْ“ عائِدانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا عَلى تَوْزِيعِ الفِعْلِ عَلى الأفْرادِ فالمُطاعُ بَعْضُ الَّذِينَ آمَنُوا وهُمُ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ أنْ يَعْمَلَ
صفحة ٢٣٥
الرَّسُولُ ﷺ بِما يَطْلُبُونَ مِنهُ، والعانِتُ بَعْضٌ آخَرُ وهم جُمْهُورُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ قَضاءُ النَّبِيءِ ﷺ بِحَسَبِ رَغْبَةِ غَيْرِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ”لَوْ يُطِيعُكم“ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”فِيكم“ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ يَتَعَلَّقُ بِأحْوالِ المُخاطَبِينَ، مِن جِهَةِ أنَّ مَضْمُونَ جَوابِ لَوْ عَنِتَ يَحْصُلُ لِلْمُخاطَبِينَ.
ومَآلُ الِاعْتِبارَيْنِ في مَوْقِعِ الجُمْلَةِ واحِدٌ وانْتِظامُ الكَلامِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ غَيْرُ مُنْثَلِمٍ.
والطّاعَةُ: عَمَلُ أحَدٍ يُؤْمَرُ بِهِ وما يُنْهى عَنْهُ وما يُشارُ بِهِ عَلَيْهِ، أيْ لَوْ أطاعَكم فِيما تَرْغَبُونَ.
و”الأمْرُ“ هُنا بِمَعْنى الحادِثِ والقَضِيَّةِ النّازِلَةِ.
والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأُمُورِ ولِذَلِكَ جِيءَ مَعَهُ بِلَفْظِ ”كَثِيرٍ مِن“ أيْ في أحْداثٍ كَثِيرَةٍ مِمّا لَكم رَغْبَةٌ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مِنها فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ.
وهَذا احْتِرازٌ عَنْ طاعَتِهِ إيّاهم في بَعْضِ الأمْرِ مِمّا هو مِن غَيْرِ شُئُونِ التَّشْرِيعِ كَما أطاعَهم في نُزُولِ الجَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى جِهَةٍ يَسْتَأْثِرُونَ فِيها بِماءِ بَدْرٍ.
والعَنَتُ: اخْتِلالُ الأمْرِ في الحاضِرِ أوْ في العاقِبَةِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لَوْ يُطِيعُكم مُسْتَعْمَلَةٌ في الماضِي لِأنَّ حَرْفَ (لَوْ) يُفِيدُ تَعْلِيقَ الشَّرْطِ في الماضِي، وإنَّما عَدَلَ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، أيْ لَوْ أطاعَكم في قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ ولَوْ أطاعَكم كُلَّما رَغِبْتُمْ مِنهُ أوْ أشَرْتُمْ عَلَيْهِ لَعَنِتُّمْ؛ لِأنَّ بَعْضَ ما يَطْلُبُونَهُ مُضِرٌّ بِالغَيْرِ أوْ بِالرّاغِبِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ قَدْ يُحِبُّ عاجِلَ النَّفْعِ العائِدِ عَلَيْهِ بِالضُّرِّ.
وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الكَوْنِ فِيهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ واجِبَهُمُ الِاغْتِباطُ بِهِ والإخْلاصُ لَهُ لِأنَّ كَوْنَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لِجَماعَتِهِمْ وصَلاحٌ لَهم.
صفحة ٢٣٦
والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، أيْ لَأصابَ السّاعِينَ في أنْ يَعْمَلَ النَّبِيءُ ﷺ بِما يَرْغَبُونَ العَنَتَ. وهو الإثْمُ إذِ اسْتَغْفَلُوا النَّبِيءَ ﷺ ولَأصابَ غَيْرَهُمُ العَنَتُ بِمَعْنى المَشَقَّةِ وهي ما يَلْحَقُهم مِن جَرَيانِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلائِمُ الواقِعَ فَيَضُرُّ بِبَقِيَّةِ النّاسِ، وقَدْ يَعُودُ بِالضُّرِّ عَلى الكاذِبِ المُتَشَفِّي بِرَغْبَتِهِ تارَةً، فَيَلْحَقُ عَنَتُ مَن كَذَّبَ غَيْرَهُ تارَةً أُخْرى.
* * *
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
الِاسْتِدْراكُ المُسْتَفادُ مِن (لَكِنَّ) ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ لِأنَّهُ اقْتَضى أنَّ لِبَعْضِكم رَغْبَةً في أنْ يُطِيعَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ فِيما يَرْغَبُونَ أنْ يَفْعَلَهُ مِمّا يَبْتَغُونَ مِمّا يَخالُونَهُ صالِحًا بِهِمْ في أشْياءَ كَثِيرَةٍ تُعْرَضُ لَهم.
والمَعْنى: ولَكِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ رَسُولَهَ إلّا بِما فِيهِ صَلاحُ العاقِبَةِ وإنْ لَمْ يُصادِفْ رَغَباتِكُمُ العاجِلَةَ وذَلِكَ فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأحْكامِ، فالإيمانُ هَنا مُرادٌ مِنهُ أحْكامُ الإسْلامِ ولَيْسَ مُرادًا مِنهُ الِاعْتِقادُ، فَإنَّ اسْمَ الإيمانِ واسْمَ الإسْلامِ يَتَوارَدانِ، أيْ حُبِّبَ إلَيْكُمُ الإيمانُ الَّذِي هو الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وهَذا تَحْرِيضٌ عَلى التَّسْلِيمِ لِما يَأْمُرُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ولِذا فَكَوْنُهُ حَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ إدْماجٌ وإيجازٌ. والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَكُمُ الإسْلامَ وحَبَّبَهُ إلَيْكم أيْ دَعاكم إلى حُبِّهِ والرِّضى بِهِ فامْتَثَلْتُمْ.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ﷺ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ الكُفْرِ والفُسُوقِ، قالَ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: هُمُ الظّالِمُونَ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا أنْ يَتْرُكُوا ما لَيْسَ مِن أحْكامِ الإيمانِ فَهو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ
صفحة ٢٣٧
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾ [الحجرات: ١١] تَحْذِيرًا لَهم مِنَ الحِيادِ عَنْ مَهِيعِ الإيمانِ وتَجْنِيبًا لَهم ما هو مِن شَأْنِ أهْلِ الكُفْرِ.
فالخَبَرُ في قَوْلِهِ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ إلى قَوْلِهِ: والعِصْيانَ مُسْتَعْمَلٌ في الإلْهابِ وتَحْرِيكِ الهِمَمِ لِمُراعاةِ الإيمانِ وكَراهَةِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ أحْبَبْتُمُ الإيمانَ وكَرِهْتُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ فَلا تَرْغَبُوا في حُصُولِ ما تَرْغَبُونَهُ إذا كانَ الدِّينُ يَصُدُّ عَنْهُ وكانَ الفُسُوقُ والعِصْيانُ يَدْعُو إلَيْهِ. وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ الِانْدِفاعَ إلى تَحْصِيلِ المَرْغُوبِ مِنَ الهَوى دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ ما يُرْضِي اللَّهَ وما لا يُرْضِيهِ أثَرٌ مِن آثارِ الجاهِلِيَّةِ مِن آثارِ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ.
وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ في صَدْرِ جُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِ دُونَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِما يُشْعِرُ بِهِ اسْمُ الجَلالَةِ مِنَ المَهابَةِ والرَّوْعَةِ.
وما يَقْتَضِيهِ مِن واجِبِ اقْتِبالِ ما حَبَّبَ إلَيْهِ ونَبْذِ ما كَرَّهَ إلَيْهِ.
وعُدِيَّ فِعْلا ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“ بِحَرْفِ (إلى) لِتَضْمِينِها مَعْنى بَلَّغَ، أيْ بَلَّغَ إلَيْكم حُبَّ الإيمانِ وكُرْهَ الكُفْرِ.
ولَمْ يُعَدَّ فِعْلُ ”وزَيَّنَهُ“ بِحَرْفِ (إلى) مِثْلَ فِعْلَيْ ”حَبَّبَ“ و”كَرَّهَ“، لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ لَمّا رَغَّبَهم في الإيمانِ وكَرَّهَهُمُ الكُفْرَ امْتَثَلُوا فَأحَبُّوا الإيمانَ وزانَ في قُلُوبِهِمْ.
والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ حَسَنًا قالَ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
أجْمَعَتْ خُلَّتَيْ مَعَ الفَجْرِ بَيْنا جَلَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الوَجْهَ زَيْنا
وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِلْمَدْحِ. والإشارَةُ بِـ ”أُولَئِكَ“ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ”إلَيْكم“ مَرَّتَيْنِ وفي قَوْلِهِ: ”قُلُوبِكم“ أيِ الَّذِينَ أحَبُّوا الإيمانَ وتَزَيَّنَتْ بِهِ قُلُوبُهم، وكَرِهُوا الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ هُمُ الرّاشِدُونَ، أيْ هُمُ المُسْتَقِيمُونَ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ.
وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ القَصْرَ وهو قَصْرُ إفْرادٍ إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهم فَرِيقًا لَيْسُوا بِراشِدِينَ وهُمُ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِالفِسْقِ حِينَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ فَإنْ أقْلَعُوا عَنْهُ التَحَقُوا بِالرّاشِدِينَ.
صفحة ٢٣٨
وانْتَصَبَ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ مِن أفْعالِ ”حَبَّبَ وزَيَّنَ وكَرَّهَ“ لِأنَّ ذَلِكَ التَّحْبِيبَ والتَّزْيِينَ والتَّكْرِيهَ مِن نَوْعِ الفَضْلِ والنِّعْمَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ﴾ إلى آخِرِها إشارَةٌ إلى أنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن آثارِ عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ. والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ.
الحجرات 49:9
﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ لِما جَرى قَوْلُهُ: أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ الآيَةَ كانَ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ إصابَةُ قَوْمٍ أنْ تَقَعَ الإصابَةُ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ مِنَ الأخْبارِ الكاذِبَةِ أخْبارَ النَّمِيمَةِ بَيْنَ القَبائِلِ، وخَطَرُها أكْبَرُ مِمّا يَجْرِي بَيْنَ الأفْرادِ، والتَّبْيِينُ فِيها أعْسَرُ، وقَدْ لا يَحْصُلُ التَّبْيِينُ إلّا بَعْدَ أنْ تَسْتَعِرَ نارُ الفِتْنَةِ ولا تُجْدِيَ النَّدامَةُ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ مُرُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى حِمارٍ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبالَ الحِمارُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: خَلِّ سَبِيلَ حِمارِكَ فَقَدْ آذانا نَتَنُهُ. فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: واللَّهِ إنَّ بَوْلَ حِمارِهِ لَأطْيَبُ مِن مِسْكِكَ فاسْتَبّا وتَجالَدا وجاءَ قَوْماهُما الأوْسُ والخَزْرَجُ، فَتَجالَدُوا بِالنِّعالِ والسَّعَفِ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ فَأصْلَحَ بَيْنَهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ: ولَيْسَ فِيهِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في تِلْكَ الحادِثَةِ.
ويُناكِدُ هَذا أنَّ تِلْكَ الوَقْعَةَ كانَتْ في أوَّلِ أيّامِ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ. وهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ وأنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ لَمْ يَجْزِمْ بِنُزُولِها في ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فَبَلَغَنا أنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ . اللَّهُمَّ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ أُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ.
صفحة ٢٣٩
١٠٣ وعَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في فِتْنَةٍ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأتِهِ أحَدُهُما مِنَ الأوْسِ والآخَرُ مِنَ الخَزْرَجِ انْتَصَرَ لِكُلٍّ مِنهُما قَوْمُهُ حَتّى تَدافَعُوا وتَناوَلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالأيْدِي والنِّعالِ والعِصِيِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَأصْلَحَ بَيْنَهُما وهَذا أظْهَرُ مِنَ الرِّوايَةِ الأُولى فَكانَتْ حُكْمًا عامًّا نَزَلَ في سَبَبٍ خاصٍّ.
و(إنْ) حَرْفُ شَرْطٍ يُخَلِّصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ فَيَكُونُ في قُوَّةِ المُضارِعِ. وارْتَفَعَ ”طائِفَتانِ“ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ”اقْتَتَلُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِالفاعِلِ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ المُضارِعِ بَعْدَ كَوْنِهِ الألْيَقَ بِالشَّرْطِ لِأنَّهُ لَمّا أُرِيدَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ عَلى فِعْلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ جُعِلَ الفِعْلُ ماضِيًا عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ الفَصِيحِ في مِثْلِهِ مِمّا أُولِيَتْ فِيهِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ الِاسْمَ نَحْوَ ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] . قالَ الرَّضِيُّ: وحَقُّ الفِعْلِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الِاسْمِ الَّذِي يَلِي (إنْ) أنْ يَكُونَ ماضِيًا وقَدْ يَكُونُ مُضارِعًا عَلى الشُّذُوذِ وإنَّما ضَعُفَ مَجِيءُ المُضارِعِ لِحُصُولِ الفَصْلِ بَيْنَ الجازِمِ وبَيْنَ مَعْمُولِهِ.
ويَعُودُ ضَمِيرُ ”اقْتَتَلُوا“ عَلى ”طائِفَتانِ“ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّ طائِفَةَ ذاتُ جَمْعٍ، والطّائِفَةُ الجَماعَةُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ في سُورَةِ النِّساءِ.
والوَجْهُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ ”اقْتَتَلُوا“ مُسْتَعْمَلًا في إرادَةِ الوُقُوعِ مِثْلَ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ومِثْلَ ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، أيْ يُرِيدُونَ العَوْدَ لِأنَّ الأمْرَ بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما واجِبٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ في الِاقْتِتالِ وذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ بَوادِرِهِ وهو أوْلى مِنِ انْتِظارِ وُقُوعِ الِاقْتِتالِ لِيُمْكِنَ تَدارَكُ الخُطَبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] .
وبِذَلِكَ يَظْهَرُ وجْهُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ عَلى جُمْلَةِ ”اقْتَتَلُوا“، أيْ فَإنِ ابْتَدَأتْ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ قِتالَ الأُخْرى ولَمْ تَنْصَعْ إلى الإصْلاحِ فَقاتِلُوا الباغِيَةَ.
صفحة ٢٤٠
والبَغْيُ: الظُّلْمُ والِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو غَيْرُ مَعْناهِ الفِقْهِيِّ فَـ ”الَّتِي“ تَبْغِي هي الطّائِفَةُ الظّالِمَةُ الخارِجَةُ عَنِ الحَقِّ وإنْ لَمْ تُقاتِلْ لِأنَّ بَغْيَها يَحْمِلُ الطّائِفَةَ المَبْغِيَّ عَلَيْها أنْ تُدافِعَ عَنْ حَقِّها.
وإنَّما جُعِلَ حُكْمُ قِتالِ الباغِيَةِ أنْ تَكُونَ طائِفَةً لِأنَّ الجَماعَةَ يَعْسُرُ الأخْذُ عَلى أيْدِي ظُلْمِهِمْ بِأفْرادٍ مِنَ النّاسِ وأعْوانِ الشُّرْطَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ كَفُّهم عَنِ البَغْيِ بِالجَيْشِ والسِّلاحِ.
وهَذا في التَّقاتُلِ بَيْنَ الجَماعاتِ والقَبائِلِ، فَأمّا خُرُوجُ فِئَةٍ عَنْ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ فَهو أشَدُّ ولَيْسَ هو مَوْرِدَ هَذِهِ الآيَةِ ولَكِنَّها أصْلٌ لَهُ في التَّشْرِيعِ.
وقَدْ بَغى أهْلُ الرِّدَّةِ عَلى جَماعَةِ المُسْلِمِينَ بَغْيًا بِغَيْرِ قِتالٍ فَقاتَلَهم أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبَغى بُغاةُ أهْلِ مِصْرَ عَلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكانُوا بُغاةً عَلى جَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، فَأبى عُثْمانُ قِتالَهم وكَرِهَ أنْ يَكُونَ سَبَبًا في إراقَةِ دِماءِ المُسْلِمِينَ اجْتِهادًا مِنهُ فَوَجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ طاعَتُهُ لِأنَّهُ ولِيُّ الأمْرِ ولَمْ يَنْفُوا عَنِ الثُّوّارِ حُكْمَ البَغْيِ.
ويَتَحَقَّقُ وصْفُ البَغْيِ بِإخْبارِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الفِئَةَ بَغَتْ عَلى الأُخْرى أوْ بِحُكْمِ الخَلِيفَةِ العالِمِ العَدْلِ، وبِالخُرُوجِ عَنْ طاعَةِ الخَلِيفَةِ وعَنِ الجَماعَةِ بِالسَّيْفِ إذا أمَرَ بِغَيْرِ ظُلْمٍ ولا جَوْرٍ ولَمْ تُخْشَ مِن عِصْيانِهِ فِتْنَةٌ لِأنَّ ضُرَّ الفِتْنَةِ أشَدُّ مِن شَدِّ الجَوْرِ في غَيْرِ إضاعَةِ المَصالِحِ العامَّةِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْ طاعَةِ الخَلِيفَةِ بَغْيٌ عَلى الجَماعَةِ الَّذِينَ مَعَ الخَلِيفَةِ.
وقَدْ كانَ تَحْقِيقُ مَعْنى البَغْيِ وصُوَرُهُ غَيْرَ مَضْبُوطٍ في صَدْرِ الإسْلامِ وإنَّما ضَبَطَهُ العُلَماءُ بَعْدَ وقْعَةِ الجَمَلِ ولَمْ تَطُلْ ثَمَّ بَعْدَ وقْعَةِ صِفِّينَ، وقَدْ كانَ القِتالُ فِيها بَيْنَ فِئَتَيْنِ ولَمْ يَكُنِ الخارِجُونَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الَّذِينَ بايَعُوهُ بِالخِلافَةِ، بَلْ كانُوا شَرَطُوا لِمُبايَعَتِهِمْ إيّاهُ أخْذَ القَوَدِ مِن قَتَلَةِ عُثْمانَ مِنهم، فَكانَ اقْتِناعُ أصْحابِ مُعاوِيَةَ مَجالًا لِلِاجْتِهادِ بَيْنَهم وقَدْ دارَتْ بَيْنَهم كُتُبٌ فِيها حُجَجُ الفَرِيقَيْنِ ولا يُعْلَمُ الثّابِتُ مِنها والمَكْذُوبُ إذْ كانَ المُؤَرِّخُونَ أصْحابَ أهْواءٍ مُخْتَلِفَةٍ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: كانَ طَلْحَةُ والزُّبَيْرُ يَرَيانِ البَداءَةَ بِقَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمانَ أوْلى، إلّا أنَّ العُلَماءَ حَقَّقُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ البَغْيَ في جانِبِ أصْحابِ مُعاوِيَةَ لِأنَّ البَيْعَةَ بِالخِلافَةِ لا تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ بِشَرْطٍ.
صفحة ٢٤١
وقَدِ اعْتَرَفَ الجَمِيعُ بِأنَّ مُعاوِيَةَ وأصْحابَهُ كانُوا مُدافِعِينَ عَنْ نَظَرٍ اجْتِهادِيٍّ مُخْطِئٍ، وكانَ الواجِبُ يَقْضِي عَلى جَماعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ الدُّعاءَ إلى الصُّلْحِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ أمْرِ القُرْآنِ وُجُوبَ الكِفايَةِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ وقَعَ التَّداعِي إلَيْهِ ولَمْ يَتِمَّ لِانْتِقاضِ الحَرُورِيَّةِ عَلى أمْرِ التَّحْكِيمِ فَقالُوا: لا حُكْمَ إلّا لِلَّهِ ولا نَحْكُمُ الرِّجالَ.
وقِيلَ: كِيدَتْ مَكِيدَةٌ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ مُضْطَرِبَةٌ عَلى اخْتِلافِ المُتَصَدِّينَ لِحِكايَةِ القَضِيَّةِ مِنَ المُؤَرِّخِينَ أصْحابِ الأهْواءِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِالضَّمائِرِ.
وسُئِلَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنِ القِتالِ بَيْنَ الصَّحابَةِ فَقالَ: شَهِدَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ وغِبْنا وعَلِمُوا وجَهِلْنا. وقالَ المُحاسِبِيُّ: تَعْلَمُ أنَّ القَوْمَ كانُوا أعْلَمَ بِما دَخَلُوا فِيهِ مِنّا.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ لِلْوُجُوبِ، لِأنَّ هَذا حُكْمٌ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ والقَضاءُ بِالحَقِّ واجِبٌ لِأنَّهُ لِحِفْظِ حَقِّ المُحِقِّ، ولِأنَّ تَرْكَ قِتالِ الباغِيَةِ يَجُرُّ إلى اسْتِرْسالِها في البَغْيِ وإضاعَةِ حُقُوقِ المَبْغِيِّ عَلَيْها في الأنْفُسِ والأحْوالِ والأغْراضِ واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، ولِأنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُ غَيْرَها عَلى أنْ تَأْتِيَ مِثْلَ صَنِيعِها فَمُقاتَلَتُها زَجَرٌ لِغَيْرِها. وهو وُجُوبُ كِفايَةٍ ويَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الإمامِ جَيْشًا يُوَجِّهُهُ لِقِتالِها إذْ لا يَجُوزُ أنْ يَلِيَ قِتالَ البُغاةِ إلّا الأئِمَّةُ والخُلَفاءُ. فَإذا اخْتَلَّ أمْرُ الإمامَةِ فَلْيَتَوَلَّ قِتالَ البُغاةِ السَّوادُ الأعْظَمُ مِنَ الأُمَّةِ وعُلَماؤُها. فَهَذا الوُجُوبُ مُطْلَقٌ في الأحْوالِ تُقَيِّدُهُ الأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى عَدَمِ المَصِيرِ إلَيْهِ إذا عُلِمَ أنَّ قِتالَها يَجُرُّ إلى فِتْنَةٍ أشَدِّ مِن بَغْيِها.
وقَدْ تَلْتَبِسُ الباغِيَةُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المُتَقاتِلَتَيْنِ فَإنَّ أسْبابَ التَّقاتُلِ قَدْ تَتَوَلَّدُ مِن أُمُورٍ لا يُؤْبَهُ بِها في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَثُورُ الثّائِرَةُ ويَتَجالَدُ الفَرِيقانِ فَلا يُضْبَطُ أمْرُ الباغِي مِنهُما، فالإصْلاحُ بَيْنَهُما يُزِيلُ اللَّبْسَ فَإنِ امْتَنَعَتْ إحْداهُما تَعَيَّنَ البَغْيُ في جانِبِها لِأنَّ لِلْإمامِ والقاضِي أنْ يُجْبِرَ عَلى الصُّلْحِ إذا خَشِيَ الفِتْنَةَ ورَأى بَوارِقَها، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ لِكِلْتا الطّائِفَتَيْنِ شُبْهَتُها إنْ كانَتْ لَها شُبْهَةٌ وتُزالُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ والبَراهِينِ القاطِعَةِ ومَن يَأْبَ مِنهُما فَهو أعَقُّ وأظْلَمُ.
صفحة ٢٤٢
وجَعَلَ الفَيْءَ إلى أمْرِ اللَّهِ غايَةً لِلْمُقاتِلَةِ، أيْ يَسْتَمِرُّ قِتالُ الطّائِفَةِ الباغِيَةِ إلى غايَةِ رُجُوعِها إلى أمْرِ اللَّهِ، وأمْرُ اللَّهِ هو ما في الشَّرِيعَةِ مِنَ العَدْلِ والكَفِّ عَنِ الظُّلْمِ، أيْ حَتّى تُقْلِعَ عَنْ بَغْيِها. وأُتْبِعَ مَفْهُومُ الغايَةِ بِبَيانِ ما تُعامَلُ بِهِ الطّائِفَتانِ بَعْدَ أنْ تَفِيءَ الباغِيَةُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ والمَجْرُورُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”أصْلِحُوا“ .
والعَدْلُ: هو ما يَقَعُ التَّصالُحُ عَلَيْهِ بِالتَّراضِي والإنْصافِ وأنْ لا يَضُرَّ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ فَإنَّ المَتالِفَ الَّتِي تَلْحَقُ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ قَدْ تَتَفاوَتُ تَفاوُتًا شَدِيدًا فَتَجِبُ مُراعاةُ التَّعْدِيلِ.
وقَيَّدَ الإصْلاحَ المَأْمُورَ بِهِ ثانِيًا بِقَيْدِ أنْ تَفِيءَ الباغِيَةُ بِقَيْدِ ”بِالعَدْلِ“ ولَمْ يُقَيِّدِ الإصْلاحَ المَأْمُورَ بِهِ، وهَذا القَيْدُ يُقَيَّدُ بِهِ أيْضًا الإصْلاحُ المَأْمُورُ بِهِ أوَّلًا لِأنَّ القَيْدَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ لِاتِّحادِ سَبَبِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، أيْ يَجِبُ العَدْلُ في صُورَةِ الإصْلاحِ فَلا يُضَيِّعُوا بِصُورَةِ الصُّلْحِ مَنافِعَ عَنْ كِلا الفَرِيقَيْنِ إلّا بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الصُّلْحِ مِن نُزُولٍ عَنْ بَعْضِ الحَقِّ بِالمَعْرُوفِ.
ثُمَّ أمَرَ المُسْلِمِينَ بِالعَدْلِ بِقَوْلِهِ: ”وأقْسِطُوا“ أمْرًا عامًّا تَذْيِيلًا لِلْأمْرِ بِالعَدْلِ الخاصِّ في الصُّلْحِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، فَشَمِلَ ذَلِكَ هَذا الأمْرَ العامَّ أنْ يَعْدِلُوا في صُورَةِ ما إذا قاتَلُوا الَّتِي تَبْغِي، ثُمَّ قالَ فَإنْ فاءَتْ فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما. وهَذا إصْلاحٌ ثانٍ بَعْدِ الإصْلاحِ المَأْمُورِ بِهِ ابْتِداءً. ومَعْناهُ: أنَّ الفِئَةَ الَّتِي خَضَعَتْ لِلْقُوَّةِ وألْقَتِ السِّلاحَ تَكُونُ مَكْسُورَةَ الخاطِرِ شاعِرَةً بِانْتِصارِ الفِئَةِ الأُخْرى عَلَيْها فَأوْجَبَ عَلى المُسْلِمِينَ أنْ يُصْلِحُوا بَيْنَهُما بِتَرْغِيبِهِما في إزالَةِ الإحَنِ والرُّجُوعِ إلى أُخُوَّةِ الإسْلامِ لِئَلّا يَعُودَ التَّنَكُّرُ بَيْنَهُما.
قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: ومِنَ العَدْلِ في صُلْحِهِمْ أنْ لا يُطالَبُوا بِما جَرى بَيْنَهم مُدَّةَ القِتالِ مِن دَمٍ ولا مالٍ فَإنَّهُ تَلَفٌ عَلى تَأْوِيلٍ، وفي طَلَبِهِمْ بِهِ تَنْفِيرٌ لَهم عَنِ الصُّلْحِ واسْتِشْراءٌ في البَغْيِ وهَذا أصْلٌ في المَصْلَحَةِ اهـ.
ثُمَّ قالَ: لا ضَمانَ عَلَيْهِمْ في نَفْسٍ ولا مالَ عِنْدَنا (المالِكِيَّةُ) . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ يَضْمَنُونَ. ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: فَأمّا ما كانَ قائِمًا رُدَّ بِعَيْنِهِ. وانْظُرْ هَلْ يَنْطَبِقُ
صفحة ٢٤٣
كَلامُ ابْنُ العَرَبِيِّ عَلى نَوْعَيِ الباغِيَةِ أوْ هو خاصٌّ بِالباغِيَةِ عَلى الخَلِيفَةِ وهو الأظْهَرُ.
فَأمّا حُكْمُ تَصَرُّفِ الجَيْشِ المُقاتِلِ لِلْبُغاةِ فَكَأحْوالِ الجِهادِ إلّا أنَّهُ لا يُقْتَلُ أسِيرُهم ولا يُتَّبَعُ مُدَبَّرَهم ولا يُذَفَّفُ عَلى جَرِيحِهِمْ ولا تُسْبى ذَرارِيَّهم ولا تُغْنَمُ أمْوالُهم ولا تُسْتَرَقُّ أسْراهم.
ولِلْفُقَهاءِ تَفاصِيلُ في أحْوالِ جَبْرِ الأضْرارِ اللّاحِقَةِ بِالفِئَةِ المُعْتَدى عَلَيْها والأضْرارِ اللّاحِقَةِ بِالجَماعَةِ الَّتِي تَتَوَلّى قِتالَ البُغاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِهِمْ ما يَرى أُولُو الأمْرِ المَصْلَحَةَ في الحَمْلِ عَلَيْها جَرْيًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ .
الحجرات 49:10
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾
تَعْلِيلٌ لِإقامَةِ الإصْلاحِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ إذا اسْتَشْرى الحالُ بَيْنَهم، فالجُمْلَةُ مَوْقِعُها مَوْقِعُ العِلَّةِ، وقَدْ بُنِيَ هَذا التَّعْلِيلُ عَلى اعْتِبارِ حالِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ كَحالِ الإخْوَةِ.
وجِيءَ بِصِيغَةِ القَصْرِ المُفِيدَةِ لِحَصْرِ حالِهِمْ في حالِ الإخْوَةِ مُبالَغَةً في تَقْرِيرِ هَذا الحُكْمِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ أوْ هو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى أصْحابِ الحالَةِ المَفْرُوضَةِ الَّذِينَ يَبْغُونَ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم إخْوَةٌ مَجازًا عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ زِيادَةً لِتَقْرِيرِ مَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَهم حَتّى لا يَحِقَّ أنْ يُقْرَنَ بِحَرْفِ التَّشْبِيهِ المُشْعِرِ بِضَعْفِ صِفَتِهِمْ عَنْ حَقِيقَةِ الأُخُوَّةِ.
وهَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى تَقَرُّرِ وُجُوبِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ شَأْنَ (إنَّما) أنْ تَجِيءَ لِخَبَرٍ لا يَجْهَلُهُ المُخاطَبُ ولا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ أوْ لِما يَنْزِلُ مَنزِلَةَ ذَلِكَ كَما قالَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ في الفَصْلِ الثّانِيَ عَشَرَ وساقَ عَلَيْهِ شَواهِدَ كَثِيرَةً مِنَ القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ فَلِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ مُفِيدَ أنَّ مَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَهم مَعْلُومٌ مُقَرَّرٌ. وقَدْ تَقَرَّرَ ذَلِكَ في تَضاعِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَلامِ
صفحة ٢٤٤
رَسُولِهِ ﷺ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] في سُورَةِ الحَشْرِ، وهي سابِقَةٌ في النُّزُولِ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ فَإنَّها مَعْدُودَةٌ الثّانِيَةَ والمِائَةَ، وسُورَةُ الحُجُراتِ مَعْدُودَةٌ الثّامِنَةَ والمِائَةَ مِنَ السُّورِ. وآخى النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ حِينَ وُرُودِهِ المَدِينَةَ وذَلِكَ مَبْدَأُ الإخاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وفي الحَدِيثِ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ» ولَكِنَّ أُخُوَّةَ الإسْلامِ أفْضَلُ.
وفِي بابِ تَزْوِيجِ الصِّغارِ مِنَ الكِبارِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَطَبَ عائِشَةَ مِن أبِي بَكْرٍ. فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ: إنَّما أنا أخُوكَ، فَقالَ: أنْتَ أخِي في دِينِ اللَّهِ وكِتابِهِ وهي لِي حَلالٌ» .
وفِي حَدِيثِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ ولا يَحْقِرُهُ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ» .
وفِي الحَدِيثِ: «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ أيْ يُحِبَّ لِلْمُسْلِمِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
فَأشارَتْ جُمْلَةُ ”﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾“ إلى وجْهِ وُجُوبِ الإصْلاحِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ المُتَباغِيَتَيْنِ مِنهم بِبَيانِ أنَّ الإيمانَ قَدْ عَقَدَ بَيْنَ أهْلِهِ مِنَ النَّسَبِ المُوحى ما لا يَنْقُصُ عَنْ نِسَبِ الأُخُوَّةِ الجَسَدِيَّةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِلْمَرْأةِ الَّتِي شَكَتْ إلَيْهِ حاجَةَ أوْلادِها وقالَتْ: أنا بِنْتُ خُفافِ بْنِ أيْماءَ، وقَدْ شَهِدَ أبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ الحُدَيْبِيَةَ فَقالَ عُمَرُ: مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ.
ولَمّا كانَ المُتَعارَفُ بَيْنَ النّاسِ أنَّهُ إذا نَشِبَتْ مُشاقَّةٌ بَيْنَ الأخَوَيْنِ لَزِمَ بَقِيَّةَ الإخْوَةِ أنْ يَتَناهَضُوا في إزاحَتِها مَشْيًا بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما فَكَذَلِكَ شَأْنُ المُسْلِمِينَ إذا حَدَثَ شِقاقٌ بَيْنَ طائِفَتَيْنِ مِنهم أنْ يَنْهَضَ سائِرُهم بِالسَّعْيِ بِالصُّلْحِ بَيْنَهُما وبَثِّ السُّفَراءِ إلى أنْ يُرَقِّعُوا ما وهى، ويَرْفَعُوا ما أصابَ ودَهى.
وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِالإصْلاحِ بَيْنَ الأخَوَيْنِ، عَلى تَحْقِيقِ كَوْنِ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً تَأْكِيدٌ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ (إنَّما) مِنَ التَّعْلِيلِ فَصارَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ الواقِعِ ابْتِداءً دُونَ تَعْلِيلٍ في
صفحة ٢٤٥
قَوْلِهِ ”﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩]“، وقَوْلِهِ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩] قَدْ أُرْدِفَ بِالتَّعْلِيلِ فَحَصَلَ تَقْرِيرُهُ، ثُمَّ عُقِّبَ بِالتَّفْرِيعِ فَزادَهُ تَقْرِيرًا.
وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا النَّظْمِ ما يُشْبِهُ الدَّعْوى وهي كَمَطْلُوبِ القِياسِ، ثُمَّ ما يُشْبِهُ الِاسْتِدْلالَ بِالقِياسِ، ثُمَّ ما يُشْبِهُ النَّتِيجَةَ.
ولَمّا تَقَرَّرَ مَعْنى الأُخُوَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ كَمالَ التَّقَرُّرِ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: فَأصْلِحُوا بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ فَهو وصْفٌ جَدِيدٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾، فَتَعَيَّنَ إطْلاقُهُ عَلى الطّائِفَتَيْنِ فَلَيْسَ هَذا مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ فَتَأمَّلْ.
وأُوثِرَتْ صِيغَةُ التَّثْنِيَةِ في قَوْلِهِ: ”أخَوَيْكم“ مُراعاةً لِكَوْنِ الكَلامِ جارٍ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَجُعِلَتْ كُلُّ طائِفَةٍ كالأخِ لِلْأُخْرى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بَيْنَ أخَوَيْكم بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الأخِ، أيْ بَيْنَ الطّائِفَةِ والأُخْرى مُراعاةً لِجَرَيانِ الحَدِيثِ عَلى اقْتِتالِ طائِفَتَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بَيْنَ أخَوَيْكم بِلَفْظِ تَثْنِيَةِ الأخِ عَلى تَشْبِيهِ كُلِّ طائِفَةٍ بِأخٍ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ (فَأصْلِحُوا بَيْنَ إخْوَتِكم) بِتاءٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ الواوِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أخٍ بِاعْتِبارِ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ كالأخِ.
والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ فَيَشْمَلُ الطّائِفَتَيْنِ الباغِيَةَ والمَبْغِيَّ عَلَيْها، ويَشْمَلُ غَيْرَهُما مِمَّنْ أُمِرُوا بِالإصْلاحِ بَيْنَهُما ومُقاتَلَةِ الباغِيَةِ، فَتَقْوى كُلٌّ بِالوُقُوفِ عِنْدَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ كُلًّا مِمّا يَخُصُّهُ، وهَذا يُشْبِهُ التَّذْيِيلَ.
ومَعْنى ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾: تُرْجى لَكُمُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللَّهِ فَتَجْرِي أحْوالُكم عَلى اسْتِقامَةٍ وصَلاحٍ. وإنَّما اخْتِيرَتِ الرَّحْمَةُ لِأنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى واقِعٌ إثْرَ تَقْرِيرِ حَقِيقَةِ الأُخُوَّةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وشَأْنُ تَعامُلِ الإخْوَةِ الرَّحْمَةُ فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلَيْها مِن جِنْسِها.
الحجرات 49:11
صفحة ٢٤٦
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾
لَمّا اقْتَضَتِ الأُخُوَّةُ أنْ تُحْسَنَ المُعامَلَةُ بَيْنَ الأخَوَيْنِ كانَ ما تَقَرَّرَ مِن إيجابِ مُعامَلَةِ الإخْوَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَقْتَضِي حُسْنَ المُعامَلَةِ بَيْنَ آحادِهِمْ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ مُنَبِّهَةً عَلى أُمُورٍ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ قَدْ تَقَعُ الغَفْلَةُ عَنْ مُراعاتِها لِكَثْرَةِ تَفَشِّيها في الجاهِلِيَّةِ لِهَذِهِ المُناسَبَةِ، وهَذا نِداءٌ رابِعٌ أُرِيدَ بِما بَعْدَهُ أمْرُ المُسْلِمِينَ بِواجِبِ بَعْضِ المُجامَلَةِ بَيْنَ أفْرادِهِمْ.
وعَنِ الضَّحّاكِ: أنَّ المَقْصُودَ بَنُو تَمِيمٍ إذْ سَخِرُوا مِن بِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، فَيَكُونُ لِنُزُولِ الآيَةِ سَبَبٌ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لِأجْلِهِ وهَذا مِنَ السُّخْرِيَةِ المَنهِيِّ عَنْها.
ورَوى الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ كانَ في سَمْعِهِ وقْرٌ وكانَ إذا أتى مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ يَقُولُ: أوْسِعُوا لَهُ لِيَجْلِسَ إلى جَنْبِهِ فَيَسْمَعُ ما يَقُولُ فَجاءَ يَوْمًا يَتَخَطّى رِقابَ النّاسِ فَقالَ رَجُلٌ: قَدْ أصَبْتَ مَجْلِسًا فاجْلِسْ. فَقالَ ثابِتٌ: مَن هَذا ؟ فَقالَ الرَّجُلُ: أنا فُلانٌ. فَقالَ ثابِتٌ: ابْنُ فُلانَةَ وذَكَرَ أُمًّا لَهُ كانَ يُعَيَّرُ بِها في الجاهِلِيَّةِ، فاسْتَحْيا الرَّجُلُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَهَذا مِنَ اللَّمْزِ.
ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّها نَزَلَتْ لَمّا عَيَّرَتْ بَعْضُ أزْواجِ النَّبِيءِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ بِالقِصَرِ، وهَذا مِنَ السُّخْرِيَةِ.
وقِيلَ: عَيَّرَ بَعْضُهُنَّ صَفِيَّةَ بِأنَّها يَهُودِيَّةٌ، وهَذا مِنَ اللَّمْزِ في عُرْفِهِمْ.
وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الآياتُ بِإعادَةِ النِّداءِ لِلِاهْتِمامِ بِالغَرَضِ فَيَكُونُ مُسْتَقِلًّا غَيْرَ تابِعٍ حَسْبَما تَقَدَّمَ مِن كَلامِ الفَخْرِ. وقَدْ تَعَرَّضَتِ الآياتُ الواقِعَةُ عَقِبَ هَذا النِّداءِ لِصِنْفٍ مُهِمٍّ مِن مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِمّا فَشا في النّاسِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ التَّساهُلُ فِيها. وهي مِن إساءَةِ الأقْوالِ ويَقْتَضِي النَّهْيُ عَنْها الأمْرَ بِأضْدادِها. وتِلْكَ المَنهِيّاتُ هي السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ.
صفحة ٢٤٧
والسَّخْرُ، ويُقالُ السُّخْرِيَةُ: الِاسْتِهْزاءُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: فَيَسْخَرُونَ مِنهم في سُورَةِ بَراءَةٌ، وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَتِهِ بِـ (مِن) .
والقَوْمُ: اسْمُ جَمْعٍ: جَماعَةُ الرِّجالِ خاصَّةً دُونَ النِّساءِ، قالَ زُهَيْرٌ:
وما أدْرِي وسَوْفَ أخالُ أدْرِي أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ ؟
وتَنْكِيرُ قَوْمٍ في المَوْضِعَيْنِ لِإفادَةِ الشِّياعِ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَهْيُ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَخِرُوا مِن قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ.
وإنَّما أسْنَدَ ”يَسْخَرْ“ إلى ”قَوْمٌ“ دُونَ أنْ يَقُولَ: لا يَسْخَرْ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ كَما قالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] لِلنَّهْيِ عَمّا كانَ شائِعًا بَيْنَ العَرَبِ مِن سُخْرِيَةِ القَبائِلِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ فَوَجَّهَ النَّهْيَ إلى الأقْوامِ. ولِهَذا أيْضًا لَمْ يَقُلْ: لا يَسْخَرْ رَجُلٌ مِن رَجُلٍ ولا امْرَأةٌ مِنِ امْرَأةٍ.
ويُفْهَمُ مِنهُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَسْخَرَ أحَدٌ مِن أحَدٍ بِطَرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ. وهَذا النَّهْيُ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ.
وخَصَّ النِّساءَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ القَوْمَ يَشْمَلُهم بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ العُرْفِيِّ في الكَلامِ، كَما يَشْمَلُ لَفْظُ (المُؤْمِنِينَ) المُؤْمِناتِ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ مَقامِ التَّشْرِيعِ، فَإنَّ أصْلَهُ التَّساوِي في الأحْكامِ إلّا ما اقْتَضى الدَّلِيلُ تَخْصِيصَ أحَدِ الصِّنْفَيْنِ بِهِ دَفَعًا لِتَوَهُّمِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِسُخْرِيَةِ الرِّجالِ إذْ كانَ الِاسْتِسْخارُ مُتَأصِّلًا في النِّساءِ، فَلِأجَلِ دَفْعِ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن هَذَيْنِ السَّيِّئَيْنِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ مِن آيَةِ القِصاصِ ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في النَّهْيِ عَنِ السُّخْرِيَةِ بِذِكْرِ حالَةٍ يَكْثُرُ وُجُودُها في المَسْخُورِيَّةِ، فَتَكُونُ سُخْرِيَةُ السّاخِرِ أفْظَعَ مِنَ السّاخِرِ، ولِأنَّهُ يُثِيرُ انْفِعالَ الحَياءِ في نَفْسِ السّاخِرَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ. ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ”عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم“ صِفَةً لِقَوْمٍ مِن قَوْلِهِ: ”مِن قَوْمٍ“ وإلّا لَصارَ النَّهْيُ عَنِ السُّخْرِيَةِ خاصًّا بِما إذا كانَ المَسْخُورُ بِهِ مَظِنَّةَ أنَّهُ خَيْرٌ مِنَ السّاخِرِ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جُمْلَةِ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولَيْسَتْ صِفَةً لِـ ”نِساءٍ“ مِن قَوْلِهِ: ”مِن نِساءٍ“ .
صفحة ٢٤٨
وتَشابُهُ الضَّمِيرَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ لا لَبْسَ فِيهِ لِظُهُورِ مَرْجِعِ كُلِّ ضَمِيرٍ، فَهو كالضَّمائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها في سُورَةِ الرُّومِ، وقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم ∗∗∗ بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
* * *
﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾اللَّمْزُ: ذِكْرُ ما يَعُدُّهُ الذّاكِرُ عَيْبًا لِأحَدٍ مُواجَهَةً فَهو المُباشَرَةُ بِالمَكْرُوهِ. فَإنْ كانَ بِحَقٍّ فَهو وقاحَةٌ واعْتِداءٌ، وإنْ كانَ باطِلًا فَهو وقاحَةٌ وكَذِبٌ، وكانَ شائِعًا بَيْنَ العَرَبِ في جاهِلِيَّتِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] يَعْنِي نَفَرًا مِنَ المُشْرِكِينَ كانَ دَأْبُهم لَمْزَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَكُونُ بِحالَةٍ بَيْنِ الإشارَةِ والكَلامِ بِتَحْرِيكِ الشَّفَتَيْنِ بِكَلامٍ خَفِيٍّ يَعْرِفُ مِنهُ المُواجَهُ بِهِ أنَّهُ يُذَمُّ أوْ يُتَوَعَّدُ، أوْ يُتَنَقَّصُ بِاحْتِمالاتٍ كَثِيرَةٍ، وهو غَيْرُ النَّبْزِ وغَيْرُ الغَيْبَةِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ وكُتُبِ اللُّغَةِ اضْطِرابٌ في شَرْحِ مَعْنى اللَّمْزِ وهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ هو المَنخُولُ مِن ذَلِكَ.
ومَعْنى (﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾) لا يَلْمِزْ بَعْضُكم بَعْضًا فَنُزِّلَ البَعْضُ المَلْمُوزُ نَفْسًا لِلامِزِهِ لِتَقَرُّرِ مَعْنى الأُخُوَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والتَّنابُزُ: نَبْزُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والنَّبْزُ بِسُكُونِ الباءِ: ذَكَرَ النَّبَزَ بِتَحْرِيكِ الباءِ وهو اللَّقَبُ السُّوءُ، كَقَوْلِهِمْ: أنْفُ النّاقَةِ، وقُرْقُورٌ، وبَطَّةُ، وكانَ غالِبُ الألْقابِ في الجاهِلِيَّةِ نَبْزًا. قالَ بَعْضُ الفَزارِيِّينَ:
أُكَنِّيهِ حِينَ أُنادِيهِ لِأُكْرِمَهُ ولا أُلَقِّبُهُ والسَّوْأةُ اللَّقَبُ
رُوِيَ بِرَفْعِ ”السَّوْأةُ اللَّقَبُ“ فَيَكُونُ جَرْيًا عَلى الأغْلَبِ عِنْدَهم في اللَّقَبِ وأنَّهُ سَوْأةٌ. ورَواهُ دِيوانُ الحَماسَةِ بِنَصْبِ السَّوْأةِ عَلى أنَّ الواوَ واوُ المَعِيَّةِ. ورُوِيَ بِالسَّوْأةِ اللَّقَبا أيْ لا أُلَقِّبُهُ لَقَبًا مُلابِسًا لِلسَّوْءَةِ فَيَكُونُ أرادَ تَجَنُّبَ بَعْضِ اللَّقَبِ
صفحة ٢٤٩
وهُوَ ما يَدُلُّ عَلى سُوءٍ. ورِوايَةُ الرَّفْعِ أرْجَحُ وهي الَّتِي يَقْتَضِيها اسْتِشْهادُ سِيبَوَيْهِ بِبَيْتٍ بَعْدَهُ في بابِ ظَنَّ. ولَعَلَّ ما وقَعَ في دِيوانِ الحَماسَةِ مِن تَغْيِيراتِ أبِي تَمّامٍ الَّتِي نُسِبَ إلَيْهِ بَعْضُها في بَعْضِ أبْياتِ الحَماسَةِ لِأنَّهُ رَأى النَّصْبَ أصَحَّ مَعْنًى.
فالمُرادُ بِـ ”الألْقابِ“ في الآيَةِ الألْقابُ المَكْرُوهَةُ بِقَرِينَةِ ”﴿ولا تَنابَزُوا﴾“ .
واللَّقَبُ ما أشْعَرَ بِخِسَّةٍ أوْ شَرَفٍ سَواءٌ كانَ مُلَقَّبًا بِهِ صاحِبُهُ أمِ اخْتَرَعَهُ لَهُ النّابِزُ لَهُ.
وقَدْ خُصِّصَ النَّهْيُ في الآيَةِ بِـ ”الألْقابِ“ الَّتِي لَمْ يَتَقادَمْ عَهْدُها حَتّى صارَتْ كالأسْماءِ لِأصْحابِها وتُنُوسِيَ مِنها قَصْدُ الذَّمِّ والسَّبِّ خُصَّ بِما وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «أصْدَقَ ذُو اليَدَيْنِ»، وقَوْلُهُ لِأبِي هُرَيْرَةَ: يا أبا هِرٍّ، ولُقِّبَ شاوُلُ مَلِكُ إسْرائِيلَ في القُرْآنِ طالُوتَ، وقَوْلُ المُحَدِّثِينَ الأعْرَجُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، والأعْمَشُ لِسُلَيْمانَ بْنِ مِهْرانَ.
وإنَّما قالَ: ”ولا تَلْمِزُوا“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الواقِعِ مِن جانِبٍ واحِدٍ وقالَ: ”﴿ولا تَنابَزُوا﴾“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ الواقِعِ مِن جانِبَيْنِ، لِأنَّ اللَّمْزَ قَلِيلُ الحُصُولِ، فَهو كَثِيرٌ في الجاهِلِيَّةِ في قَبائِلَ كَثِيرَةٍ، مِنهم: بَنُو سَلِمَةَ بِالمَدِينَةِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
* * *
﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾
تَذْيِيلٌ لِلْمَنهِيّاتِ المُتَقَدِّمَةِ وهو تَعْرِيضٌ قَوِيٌّ بِأنَّ ما نُهُوا عَنْهُ فُسُوقٌ وظُلْمٌ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ مَدْلُولِ هَذِهِ الجُمْلَةِ وبَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها لَوْلا مَعْنى التَّعْرِيضِ بِأنَّ ذَلِكَ فُسُوقٌ وذَلِكَ مَذْمُومٌ ومُعاقَبٌ عَلَيْهِ فَدَلَّ قَوْلُهُ ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾، عَلى أنَّ ما نُهُوا عَنْهُ مَذْمُومٌ لِأنَّهُ فُسُوقٌ يُعاقَبُ عَلَيْهِ ولا تُزِيلُهُ إلّا التَّوْبَةُ فَوَقَعَ إيجازٌ بِحَذْفِ جُمْلَتَيْنِ في الكَلامِ اكْتِفاءً بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّذْيِيلُ، وهَذا دالٌّ عَلى أنَّ اللَّمْزَ والتَّنابُزَ مَعْصِيَتانِ لِأنَّهُما فُسُوقٌ. وفي الحَدِيثِ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ» .
ولَفْظُ الِاسْمِ هُنا مُطْلَقٌ عَلى الذِّكْرِ، أيِ التَّسْمِيَةِ، كَما يُقالُ: طارَ اسْمُهُ
صفحة ٢٥٠
فِي النّاسِ بِالجُودِ أوْ بِاللُّؤْمِ. والمَعْنى: بِئْسَ الذِّكْرُ أنْ يُذَكَرَ أحَدٌ بِالفُسُوقِ بَعْدَ أنْ وُصِفَ بِالإيمانِ.
وإيثارُ لَفْظِ الِاسْمِ هُنا مِنَ الرَّشاقَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ السِّياقَ تَحْذِيرٌ مِن ذِكْرِ النّاسِ بِالأسْماءِ الذَّمِيمَةِ إذِ الألْقابُ أسْماءٌ فَكانَ اخْتِيارُ لَفْظِ الِاسْمِ لِلْفُسُوقِ مُشاكَلَةً مَعْنَوِيَّةً.
ومَعْنى البَعْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ”﴿بَعْدَ الإيمانِ﴾“: بَعْدَ الِاتِّصافِ بِالإيمانِ، أيْ أنَّ الإيمانَ لا يُناسِبُهُ الفُسُوقُ لِأنَّ المَعاصِيَ مِن شَأْنِ أهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ لا يَزَعُهم عَنِ الفُسُوقِ وازِعٌ، وهَذا كَقَوْلِ جَمِيلَةَ بِنْتِ أُبَيٍّ حِينَ شَكَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أنَّها تَكْرَهُ زَوْجَها ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ وجاءَتْ تَطْلُبُ فِراقَهُ: ”لا أعِيبُ عَلى ثابِتٍ في دِينٍ ولا في خُلُقٍ ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ بَعْدَ الإسْلامِ (تُرِيدُ التَّعْرِيضَ بِخَشْيَةِ الزِّنا) وإنِّي لا أُطِيقُهُ بُغْضًا“ .
وإذْ كانَ كُلٌّ مِنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والتَّنابُزِ مَعاصِيَ فَقَدْ وجَبَتِ التَّوْبَةُ مِنها فَمَن لَمْ يَتُبْ فَهو ظالِمٌ: لِأنَّهُ ظَلَمَ النّاسَ بِالِاعْتِداءِ عَلَيْهِمْ، وظَلَمَ نَفْسَهُ بِأنْ رَضِيَ لَها عِقابَ الآخِرَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الإقْلاعِ عَنْ ذَلِكَ فَكانَ ظُلْمُهُ شَدِيدًا جِدًّا. فَلِذَلِكَ جِيءَ لَهُ بِصِيغَةِ قَصْرِ الظّالِمِينَ عَلَيْهِمْ كَأنَّهُ لا ظالِمَ غَيْرُهم لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالظّالِمِينَ الآخَرِينَ في مُقابَلَةِ هَؤُلاءِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ لِيَزْدَجِرُوا.
والتَّوْبَةُ واجِبَةٌ مِن كُلِّ ذَنْبٍ وهَذِهِ الذُّنُوبُ المَذْكُورَةُ مَراتِبُ، وإدْمانُ الصَّغائِرِ كَبِيرَةٌ.
وتَوْسِيطُ اسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ ولِلتَّنْبِيهِ، بَلْ إنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا قَصْرَ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.
الحجرات 49:12
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾
أُعِيدَ النِّداءُ خامِسَ مَرَّةٍ لِاخْتِلافِ الغَرَضِ والِاهْتِمامِ بِهِ. وذَلِكَ أنَّ المَنهِيّاتِ المَذْكُورَةَ بَعْدَ هَذا النِّداءِ مِن جِنْسِ المُعامَلاتِ السَّيِّئَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَتَفَطَّنُ لَها مَن عُومِلَ بِها فَلا يَدْفَعُها، فَما يُزِيلُها مِن نَفْسِ مَن عامَلَهُ بِها.
صفحة ٢٥١
فَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ تَأْدِيبٌ عَظِيمٌ يُبْطِلُ ما كانَ فاشِيًا في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ والتُّهَمِ الباطِلَةِ وأنَّ الظُّنُونَ السَّيِّئَةَ تَنْشَأُ عَنْها الغَيْرَةُ المُفْرِطَةُ والمَكائِدُ، والِاغْتِيالاتُ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والمُبادَأةُ بِالقِتالِ حَذَرًا مِنِ اعْتِداءٍ مَظْنُونٍ ظَنًّا باطِلًا، كَما قالُوا: ”خُذِ اللِّصَّ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَكَ“ .
وما نَجَمَتِ العَقائِدُ الضّالَّةُ والمَذاهِبُ الباطِلَةُ إلّا مِنَ الظُّنُونِ الكاذِبَةِ قالَ تَعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقالَ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] وقالَ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ثُمَّ قالَ ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨] .
وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «إيّاكم والظَّنَّ فَإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ» .
ولَمّا جاءَ الأمْرُ في هَذِهِ الآيَةِ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ عَلِمْنا أنَّ الظُّنُونَ الآثِمَةَ غَيْرُ قَلِيلَةٍ، فَوَجَبَ التَّمْحِيصُ والفَحْصُ لِتَمْيِيزِ الظَّنِّ الباطِلِ مِنَ الظَّنِّ الصّادِقِ.
والمُرادُ بِـ ”الظَّنِّ“ هُنا: الظَّنُّ المُتَعَلِّقُ بِأحْوالِ النّاسِ، وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ إلى كُلِّ ظَنٍّ مُمْكِنٍ هو إثْمٌ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ يَسْتَوْقِفُ السّامِعَ لِيَتَطَلَّبَ البَيانَ فاعْلَمُوا أنَّ بَعْضَ الظَّنِّ جُرْمٌ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ وُجُوبِ التَّأمُّلِ في آثارِ الظُّنُونِ لِيَعْرِضُوا ما تُفْضِي إلَيْهِ الظُّنُونُ عَلى ما يَعْلَمُونَهُ مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ، أوْ لِيَسْألُوا أهْلَ العِلْمِ عَلى أنَّ هَذا البَيانَ الِاسْتِئْنافِيَّ يَقْتَصِرُ عَلى التَّخْوِيفِ مِنَ الوُقُوعِ في الإثْمِ. ولَيْسَ هَذا البَيانُ تَوْضِيحًا لِأنْواعِ الكَثِيرِ مِنَ الظَّنِّ المَأْمُورِ بِاجْتِنابِهِ، لِأنَّها أنْواعٌ كَثِيرَةٌ فَنَبَّهَ عَلى عاقِبَتِها وتَرَكَ التَّفْصِيلَ لِأنَّ في إبْهامِهِ بَعْثًا عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ.
ومَعْنى كَوْنِهِ إثْمًا أنَّهُ: إمّا أنْ يَنْشَأ عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ عَمَلٌ أوْ مُجَرَّدُ اعْتِقادٍ، فَإنْ كانَ قَدْ يَنْشَأُ عَلَيْهِ عَمَلٌ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كالِاغْتِيابِ والتَّجَسُّسِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَلْيُقَدِّرِ الظّانُّ أنَّ ظَنَّهُ كاذِبٌ ثُمَّ لْيَنْظُرْ بَعْدُ في عَمَلِهِ الَّذِي بَناهُ عَلَيْهِ فَيَجِدُهُ قَدْ عامَلَ بِهِ مَن لا يَسْتَحِقُّ تِلْكَ المُعامَلَةَ مِنِ اتِّهامِهِ بِالباطِلِ فَيَأْثَمُ مِمّا طَوى عَلَيْهِ قَلْبَهُ لِأخِيهِ
صفحة ٢٥٢
المُسْلِمِ، وقَدْ قالَ العُلَماءُ: إنَّ الظَّنَّ القَبِيحَ بِمَن ظاهِرُهُ الخَيْرُ لا يَجُوزُ.
وإنْ لَمْ يَنْشَأْ عَلَيْهِ إلّا مُجَرَّدُ اعْتِقادٍ دُونَ عَمَلٍ فَلْيُقَدِّرْ أنَّ ظَنَّهُ كانَ مُخْطِئًا يَجِدُ نَفْسَهُ قَدِ اعْتَقَدَ في أحَدٍ ما لَيْسَ بِهِ، فَإنْ كانَ اعْتِقادًا في صِفاتِ اللَّهِ فَقَدِ افْتَرى عَلى اللَّهِ وإنْ كانَ اعْتِقادًا في أحْوالِ النّاسِ فَقَدْ خَسِرَ الِانْتِفاعَ بِمَن ظَنَّهُ ضارًّا، أوِ الِاهْتِداءَ بِمَن ظَنَّهُ ضالًّا، أوْ تَحْصِيلَ العِلْمِ مِمَّنْ ظَنَّهُ جاهِلًا ونَحْوَ ذَلِكَ.
ووَراءَ ذَلِكَ فالظَّنُّ الباطِلُ إذا تَكَرَّرَتْ مُلاحَظَتُهُ ومُعاوَدَةُ جَوَلانِهِ في النَّفْسِ قَدْ يَصِيرُ عِلْمًا راسِخًا في النَّفْسِ فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الآثارُ بِسُهُولَةٍ فَتُصادِفُ مَن هو حَقِيقٌ بِضِدِّها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] .
والِاجْتِنابُ: افْتِعالٌ مِن جَنَّبَهُ وأجْنَبَهُ، إذا أبْعَدَهُ، أيْ جَعَلَهُ جانِبًا آخَرَ، وفِعْلُهُ يُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، يُقالُ: جَنَّبَهُ الشَّرَّ، قالَ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] . ومُطاوِعُهُ أجْتَنِبُ، أيْ أبْتَعِدُ، ولَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلُ أمْرٍ إلّا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ.
ومَعْنى الأمْرِ بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ الأمْرُ بِتَعاطِي وسائِلِ اجْتِنابِهِ فَإنَّ الظَّنَّ يَحْصُلُ في خاطِرِ الإنْسانِ اضْطِرارًا عَنْ غَيْرِ اخْتِيارٍ، فَلا يُعْقَلُ التَّكْلِيفُ بِاجْتِنابِهِ وإنَّما يُرادُ الأمْرُ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ وتَمْحِيصِهِ والتَّشَكُّكِ في صِدْقِهِ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ مُوجِبُهُ بِدُونِ تَرَدُّدٍ أوْ بِرُجْحانٍ أوْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ فَتُكَذِّبُ نَفْسَكَ فِيما حَدَّثَتْكَ.
وهَذا التَّحْذِيرُ يُرادُ مِنهُ مُقاوَمَةُ الظُّنُونِ السَّيِّئَةِ بِما هو مِعْيارُها مِنَ الأماراتِ الصَّحِيحَةِ. وفي الحَدِيثِ: «إذا ظَنَنْتُمْ فَلا تُحَقِّقُوا» .
عَلى أنَّ الظَّنَّ الحَسَنَ الَّذِي لا مُسْتَنَدَ لَهُ غَيْرُ مَحْمُودٍ لِأنَّهُ قَدْ يُوقِعُ فِيما لا يُحَدُّ ضُرُّهُ مِنِ اغْتِرارٍ في مَحَلِّ الحَذَرِ ومِنِ اقْتِداءٍ بِمَن لَيْسَ أهْلًا لِلتَّأسِّي. وقَدْ «قالَ النَّبِيءُ ﷺ لِأُمِّ عَطِيَّةَ حِينَ ماتَ في بَيْتِها عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وقالَتْ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّايِبِ فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ“ ”وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمَهُ ؟“ . فَقالَتْ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ ومَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ ؟“ فَقالَ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ وإنِّي
صفحة ٢٥٣
أرْجُو لَهُ الخَيْرَ وإنِّي واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي“ . فَقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: واللَّهِ لا أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا» .
وقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ وتَبْيِينِهِ بِأنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ أنَّ بَعْضًا مِنَ الظَّنِّ لَيْسَ إثْمًا وأنّا لَمْ نُؤْمَرْ بِاجْتِنابِ الظَّنِّ الَّذِي لَيْسَ بِإثْمٍ لِأنَّ كَثِيرًا وصْفٌ، فَمَفْهُومُ المُخالَفَةِ مِنهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ لَمْ نُؤَمَرْ بِاجْتِنابِهِ وهو الَّذِي يُبَيِّنُهُ ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ أيْ أنَّ بَعْضَ الظَّنِّ لَيْسَ إثْمًا، فَعَلى المُسْلِمِ أنْ يَكُونَ مِعْيارُهُ في تَمْيِيزِ أحَدِ الظَّنَّيْنِ مِنَ الآخَرِ أنْ يَعْرِضَهُ عَلى ما بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ في تَضاعِيفِ أحْكامِها مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وما أجْمَعَتْ عَلَيْهِ عُلَماءُ الأُمَّةِ وما أفادَهُ الِاجْتِهادُ الصَّحِيحُ وتَتَبُّعُ مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ، فَمِنهُ ظَنٌّ يَجِبُ اتِّباعُهُ كالحَذَرِ مِن مَكائِدِ العَدُوِّ في الحَرْبِ، وكالظَّنِّ المُسْتَنِدِ إلى الدَّلِيلِ الحاصِلِ مِن دَلالَةِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإنَّ أكْثَرَ التَّفْرِيعاتِ الشَّرْعِيَّةِ حاصِلَةٌ مِنَ الظَّنِّ المُسْتَنِدِ إلى الأدِلَّةِ. وقَدْ فَتَحَ مَفْهُومُ هَذِهِ الآيَةِ بابَ العَمَلِ بِالظَّنِّ غَيْرِ الإثْمِ إلّا أنَّها لا تَقُومُ حُجَّةً إلّا عَلى الَّذِينَ يَرَوْنَ العَمَلَ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ وهو أرْجَحُ الأقْوالِ، فَإنَّ مُعْظَمَ دَلالاتِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ عَلى المَفاهِيمِ كَما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ.
وأمّا الظَّنُّ الَّذِي هو فَهْمُ الإنْسانِ وزَكانَتُهُ فَذَلِكَ خاطِرٌ في نَفْسِهِ وهو أدْرى فَمُعْتادُهُ مِنهُ مِن إصابَةٍ أوْ ضِدِّها قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ:
الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّ نَّ كَأنْ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا
* * *
﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ التَّجَسُّسُ مِن آثارِ الظَّنِّ لِأنَّ الظَّنَّ يَبْعَثُ عَلَيْهِ حِينَ تَدْعُو الظّانَّ نَفْسُهُ إلى تَحْقِيقِ ما ظَنَّهُ سِرًّا فَيَسْلُكُ طَرِيقَ التَّجْنِيسِ فَحَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِن سُلُوكِ هَذا الطَّرِيقِ لِلتَّحَقُّقِ لِيَسْلُكُوا غَيْرَهُ إنْ كانَ في تَحْقِيقِ ما ظَنَّ فائِدَةٌ.والتَّجَسُّسُ: البَحْثُ بِوَسِيلَةٍ خَفِيَّةٍ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الجَسِّ، ومِنهُ سُمِّي الجاسُوسُ.
والتَّجَسُّسُ مِنَ المُعامَلَةِ الخَفِيَّةِ عَنِ المُتَجَسَّسِ عَلَيْهِ. ووَجْهُ النَّهْيِ عَنْهُ أنَّهُ ضَرْبٌ
صفحة ٢٥٤
مِنَ الكَيْدِ والتَّطَلُّعِ عَلى العَوْراتِ. وقَدْ يَرى المُتَجَسِّسُ مِنَ المُتَجَسَّسِ عَلَيْهِ ما يَسُوءُهُ فَتَنْشَأُ عَنْهُ العَداوَةُ والحِقْدُ. ويَدْخُلُ صَدْرَهُ الحَرَجُ والتَّخَوُّفُ بَعْدَ أنْ كانَتْ ضَمائِرُهُ خالِصَةً طَيِّبَةً وذَلِكَ مِن نَكَدِ العَيْشِ.
وذَلِكَ ثَلْمٌ لِلْأُخُوَّةِ الإسْلامِيَّةِ لِأنَّهُ يَبْعَثُ عَلى إظْهارِ التَّنَكُّرِ ثُمَّ إنِ اطَّلَعَ المُتَجَسَّسُ عَلَيْهِ عَلى تَجَسُّسِ الآخَرِ ساءَهُ فَنَشَأ في نَفْسِهِ كُرْهٌ لَهُ وانْثَلَمَتِ الأُخُوَّةُ ثُلْمَةٌ أُخْرى كَما وصَفْنا في حالِ المُتَجَسِّسِ، ثُمَّ يَبْعَثُ ذَلِكَ عَلى انْتِقامِ كِلَيْهِما مِن أخِيهِ.
وإذْ قَدِ اعْتُبِرَ النَّهْيُ عَنِ التَّجَسُّسِ مِن فُرُوعِ النَّهْيِ عَنِ الظَّنِّ فَهو مُقَيَّدٌ بِالتَّجَسُّسِ الَّذِي هو إثْمٌ أوْ يُفْضِي إلى الإثْمِ، وإذا عُلِمَ أنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ عامَّةٌ صارَ التَّجَسُّسُ كَبِيرَةً. ومِنهُ التَّجَسُّسُ عَلى المُسْلِمِينَ لِمَن يَبْتَغِي الضُّرَّ بِهِمْ.
فالمَنهِيُّ عَنْهُ هو التَّجَسُّسُ الَّذِي لا يَنْجَرُّ مِنهُ نَفَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهم فَلا يَشْمَلُ التَّجَسُّسَ عَلى الأعْداءِ ولا تَجَسُّسَ الشُّرَطِ عَلى الجُناةِ واللُّصُوصِ.
* * *
﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيِّتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ الِاغْتِيابُ: افْتِعالٌ مِن غابَهُ المُتَعَدِّي، إذا ذَكَرَهُ في غَيْبِهِ بِما يَسُوءُهُ.
فالِاغْتِيابُ ذِكْرُ أحَدٍ غائِبٍ بِما لا يُحِبُّ أنْ يُذْكَرَ بِهِ، والِاسْمُ مِنهُ الغِيبَةُ بِكَسْرِ الغَيْنِ مِثْلَ الغِيلَةِ. وإنَّما يَكُونُ ذِكْرُهُ بِما يَكْرَهُ غِيبَةً إذا لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرَهُ بِهِ مِمّا يَثْلِمُ العِرْضَ وإلّا صارَ قَذْعًا.
وإنَّما قالَ ﴿ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: اجْتَنِبُوا الغَيْبَةَ. لِقَصْدِ التَّوْطِئَةِ لِلتَّمْثِيلِ الوارِدِ في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ لِأنَّهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ التَّمْثِيلُ مُشْتَمِلًا عَلى جانِبِ فاعِلِ الِاغْتِيابِ ومَفْعُولِهِ مَهَّدَ لَهُ بِما يَدُلُّ عَلى ذاتَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ التَّمْثِيلَ وُضُوحًا.
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ تَقْرِيرِيٌّ لِتَحَقُّقِ أنَّ
صفحة ٢٥٥
كُلَّ أحَدٍ يُقِرُّ بِأنَّهُ لا يُحِبُّ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ أُجِيبَ الِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ: ”﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾“ .
وإنَّما لَمْ يَرِدِ الِاسْتِفْهامُ عَلى نَفْيِ مَحَبَّةِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: ألا يُحِبُّ أحَدُكم، كَما هو غالِبُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ، إشارَةً إلى تَحَقُّقِ الإقْرارِ المُقَرَّرِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتْرُكُ لِلْمُقَرَّرِ مَجالًا لِعَدَمِ الإقْرارِ ومَعَ ذَلِكَ لا يَسَعُهُ إلّا الإقْرارُ. مُثِّلَتِ الغَيْبَةُ بِأكْلِ لَحْمِ الأخِ المَيِّتِ وهو يَسْتَلْزِمُ تَمْثِيلَ المَوْلُوعِ بِها بِمَحَبَّةِ أكْلِ لَحْمِ الأخِ المَيِّتِ، والتَّمْثِيلُ مَقْصُودٌ مِنهُ اسْتِفْظاعُ المُمَثَّلِ وتَشْوِيهُهُ لِإفادَةِ الإغْلاظِ عَلى المُغْتابِينَ لِأنَّ الغِيبَةَ مُتَفَشِّيَةٌ في النّاسِ وخاصَّةً في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ.
فَشُبِّهَتْ حالَةُ اغْتِيابِ المُسْلِمِ مَن هو أخُوهُ في الإسْلامِ وهو غائِبٌ بِحالَةِ أكْلِ لَحْمِ أخِيهِ وهو مَيِّتٌ لا يُدافِعُ عَنْ نَفْسِهِ، وهَذا التَّمْثِيلُ لِلْهَيْئَةِ قابِلٌ لِلتَّفْرِيقِ بِأنْ يُشَبَّهَ الَّذِي اغْتابَ بِآكِلِ لَحْمٍ، ويُشَبَّهَ الَّذِي اغْتِيبَ بِأخٍ، وتُشَبَّهَ غِيبَتُهُ بِالمَوْتِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾“ فاءُ الفَصِيحَةِ، وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى ”أحَدُكم“، أوْ يَعُودُ إلى ”لَحْمَ“ .
والكَراهَةُ هُنا: الِاشْمِئْزازُ والتَّقَذُّرُ. والتَّقْدِيرُ: إنْ وقَعَ هَذا أوْ إنْ عَرَضَ لَكم هَذا فَقَدَ كَرِهْتُمُوهُ.
وفاءُ الفَصِيحَةِ تُفِيدُ الإلْزامَ بِما بَعْدَها كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] في سُورَةِ الفُرْقانِ، أيْ تَدُلُّ عَلى أنْ لا مَناصَ لِلْمُواجَهِ بِها مِنِ التِزامِ مَدْلُولِ جَوابِ شَرْطِها المَحْذُوفِ.
والمَعْنى: فَتَعَيَّنَ إقْرارُكم بِما سُئِلْتُمْ عَنْهُ مِنَ المُمَثَّلِ بِهِ (إذْ لا يُسْتَطاعُ جَحْدُهُ) تَحَقَّقَتْ كَراهَتُكم لَهُ وتَقَذُّرُكم مِنهُ، فَلْيَتَحَقَّقْ أنْ تَكْرَهُوا نَظِيرَهُ المُمَثَّلَ، وهو الغَيْبَةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فاكْرَهُوا المُمَثَّلَ كَما كَرِهْتُمُ المُمَثَّلَ بِهِ.
وفِي هَذا الكَلامِ مُبالَغاتٌ: مِنها الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ الَّذِي لا يَقَعُ إلّا عَلى أمْرٍ مُسَلَّمٍ عِنْدَ المُخاطَبِ فَجَعْلُكَ لِلشَّيْءِ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ يَقْتَضِي أنَّكَ تَدَّعِي أنَّهُ لا يُنْكِرُهُ المُخاطَبُ.
ومِنها جَعْلُ ما هو شَدِيدُ الكَراهَةِ لِلنَّفْسِ مَفْعُولًا لِفِعْلِ المَحَبَّةِ لِلْإشْعارِ بِتَفْظِيعِ
صفحة ٢٥٦
حالَةِ ما شُبِّهَ بِهِ وحالَةِ مَنِ ارْتَضاهُ لِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أيَتَحَمَّلُ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا، بَلْ قالَ أيُحِبُّ أحَدُكم.
ومِنها إسْنادُ الفِعْلِ إلى أحَدٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ أحَدًا مِنَ الأحَدَيْنِ لا يُحِبُّ ذَلِكَ.
ومِنها أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى تَمْثِيلِ الِاغْتِيابِ بِأكْلِ لَحْمِ الإنْسانِ حَتّى جَعَلَ الإنْسانَ أخًا.
ومِنها أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى كَوْنِ المَأْكُولِ لَحْمَ الأخِ حَتّى جَعَلَ الأخَ مَيِّتًا.
وفِيهِ مِنَ المُحَسِّناتِ: الطِّباقُ بَيْنَ ”أيُحِبُّ“ وبَيْنَ ”فَكَرِهْتُمُوهُ“ .
والغِيبَةُ حَرامٌ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ وآثارٍ مِنَ السُّنَّةِ بَعْضُها صَحِيحٌ وبَعْضُها دُونَهُ.
وذَلِكَ أنَّها تَشْتَمِلُ عَلى مَفْسَدَةِ ضَعْفٍ في أُخُوَّةِ الإسْلامِ. وقَدْ تَبْلُغُ الَّذِي اغْتِيبَ فَتَقْدَحُ في نَفْسِهِ عَداوَةً لِمَنِ اغْتابَهُ فَيَنْثَلِمُ بِناءُ الأُخُوَّةِ، ولِأنَّ فِيها الِاشْتِغالَ بِأحْوالِ النّاسِ وذَلِكَ يُلْهِي الإنْسانَ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمُهِمِّ النّافِعِ لَهُ وتَرْكِ ما لا يَعْنِيهِ.
وهِيَ عِنْدَ المالِكِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ وقَلَّ مَن صَرَّحَ بِذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّيْخَ عَلِيًّا الصَّعِيدِيَّ في حاشِيَةِ الكِفايَةِ صَرَّحَ بِأنَّها عِنْدَنا مِنَ الكَبائِرِ مُطْلَقًا. ووَجْهُهُ أنَّ اللَّهَ نَهى عَنْها وشَنَّعَها. ومُقْتَضى كَلامِ السِّجِلْماسِيِّ في كِتابِ العَمَلِ الفاسِيِّ أنَّها كَبِيرَةٌ.
وجَعَلَها الشّافِعِيَّةُ مِنَ الصَّغائِرِ لِأنَّ الكَبِيرَةَ في اصْطِلاحِهِمْ فِعْلٌ يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ فاعِلِهِ بِالدِّينِ ورِقَّةِ الدِّيانَةِ، كَذا حَدَّها إمامُ الحَرَمَيْنِ.
فَإذا كانَ ذَلِكَ لِوَجْهِ مَصْلَحَةٍ مِثْلِ تَجْرِيحِ الشُّهُودِ ورُواةِ الحَدِيثِ وما يُقالُ لِلْمُسْتَشِيرِ في مُخالَطَةٍ أوْ مُصاهَرَةٍ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِغِيبَةٍ، بِشَرْطِ أنْ لا يَتَجاوَزَ الحَدَّ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ وصْفُ الحالَةِ المَسْئُولِ عَنْها.
وكَذَلِكَ لا غِيبَةَ في فاسِقٍ بِذِكْرِ فِسْقِهِ دُونَ مُجاهَرَةٍ لَهُ بِهِ. وقَدْ «قالَ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا اسْتُؤْذِنَ عِنْدَهُ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ بِئْسَ أخُو العَشِيرَةِ» لِيَحْذَرَهُ مَن سَمِعَهُ إذْ كانَ عُيَيْنَةُ يَوْمَئِذٍ مُنْحَرِفًا عَنِ الإسْلامِ.
صفحة ٢٥٧
وعَنِ الطَّبَرِيِّ صاحِبِ العُدَّةِ في فُرُوعِ الشّافِعِيَّةِ أنَّها صَغِيرَةٌ، قالَ المَحَلِّيُّ وأقَرَّهُ الرّافِعِيُّ ومَن تَبِعَهُ. قُلْتُ: وذَكَرَ السِّجِلْماسِيُّ في نَظْمِهِ في المَسائِلِ الَّتِي جَرى بِها عَمَلُ القُضاةِ في فاسَ فَقالَ:
ولا تُجَّرِحْ شاهِدًا بِالغِيبَه لِأنَّها عَمَّتْ بِها المُصِيبَه
وذَكَرَ في شَرْحِهِ: أنَّ القُضاةَ عَمِلُوا بِكَلامِ الغَزالِيِّ.
وأمّا عُمُومُ البَلْوى فَلا يُوجِبُ اغْتِفارَ ما عَمَّتْ بِهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ والتَّعَذُّرِ كَما ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ أبِي زَيْدٍ.
وعِنْدِي: أنَّ ضابِطَ ذَلِكَ أنْ يَكْثُرَ في النّاسِ كَثْرَةً بِحَيْثُ يَصِيرُ غَيْرَ دالٍّ عَلى اسْتِخْفافٍ بِالوازِعِ الدِّينِيِّ فَحِينَئِذٍ يُفارِقُها مَعْنى ضَعْفِ الدِّيانَةِ الَّذِي جَعَلَهُ الشّافِعِيَّةُ جُزْءًا مِن ماهِيَّةِ الغَيْبَةِ.
* * *
﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمَلِ الطَّلَبِ السّابِقَةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ وهَذا كالتَّذْيِيلِ لَها؛ إذْ أمَرَ بِالتَّقْوى وهي جِماعُ الِاجْتِنابِ والِامْتِثالِ فَمَن كانَ سالِمًا مِنَ التَّلَبُّسِ بِتِلْكَ المَنهِيّاتِ فالأمْرُ بِالتَّقْوى يُجَنِّبُهُ التَّلَبُّسَ بِشَيْءٍ مِنها في المُسْتَقْبَلِ، ومَن كانَ مُتَلَبِّسًا بِها أوْ بِبَعْضِها فالأمْرُ بِالتَّقْوى يَجْمَعُ الأمْرَ بِالكَفِّ عَمّا هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنها.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّذْيِيلِ لِأنَّ التَّقْوى تَكُونُ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالإثْمِ فَقِيلَ ﴿إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ﴾ وتَكُونُ التَّقْوى ابْتِداءً فَيَرْحَمُ اللَّهُ المُتَّقِيَ، فالرَّحِيمُ شامِلٌ لِلْجَمِيعِ.
الحجرات 49:13
صفحة ٢٥٨
﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
انْتِقالٌ مِن واجِباتِ المُعامَلاتِ إلى ما يَجِبُ أنْ يُراعِيَهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ، وأُعِيدَ النِّداءُ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الغَرَضِ، إذْ كانَ إعْجابُ كُلِّ قَبِيلَةٍ بِفَضائِلِها وتَفْضِيلُ قَوْمِها عَلى غَيْرِهِمْ فاشِيًا في الجاهِلِيَّةِ كَما تَرى بَقِيَّتَهُ في شِعْرِ الفَرَزْدَقِ وجَرِيرٍ، وكانُوا يُحَقِّرُونَ بَعْضَ القَبائِلِ مِثْلَ باهِلَةَ، وضُبَيْعَةَ، وبَنِي عُكْلٍ.
سُئِلَ أعْرابِيٌّ: أتُحِبُّ أنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ وأنْتَ باهِلِيٌّ فَأطْرَقَ حِينًا ثُمَّ قالَ: عَلى شَرْطِ أنْ لا يَعْلَمَ أهْلُ الجَنَّةِ أنِّي باهِلِيٌّ. فَكانَ ذَلِكَ يَجُرُّ إلى الإحَنِ والتَّقاتُلِ وتَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والنَّبْزُ والظَّنُّ والتَّجَسُّسُ والِاغْتِيابُ الوارِدَةُ فِيها الآياتُ السّابِقَةُ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِتَأْدِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى اجْتِنابِ ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ لِاقْتِلاعِ جُذُورِهِ الباقِيَةِ في النُّفُوسِ بِسَبَبِ اخْتِلاطِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ سَنَةِ الوُفُودِ إذْ كَثُرَ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ.
فَعَنْ أبِي داوُدَ أنَّهُ رَوى في كِتابِهِ المَراسِيلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي بَياضَةَ مِنَ الأنْصارِ أنْ يُزَوِّجُوا أبا هِنْدٍ (مَوْلى بَنِي بَياضَةَ قِيلَ اسْمُهُ يَسارٌ) امْرَأةً مِنهم فَقالُوا: تُزَوِّجُ بَناتِنا مَوالِيَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا»﴾ الآيَةَ. ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ في سَبَبِ نُزُولِها.
ونُودُوا بِعُنْوانِ النّاسِ دُونَ المُؤْمِنِينَ رَعْيًا لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ هَذا العُنْوانِ وبَيْنَ ما صُدِّرَ بِهِ الغَرَضُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّ أصْلَهم واحِدٌ، أيْ أنَّهم في الخِلْقَةِ سَواءٌ لِيُتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ التَّفاضُلَ والتَّفاخُرَ إنَّما يَكُونُ بِالفَضائِلِ وإلى أنَّ التَّفاضُلَ في الإسْلامِ بِزِيادَةِ التَّقْوى فَقِيلَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ .
فَمَن أقْدَمَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ السُّورَةِ اغْتَرَّ بِأنَّ غالِبَ الخِطابِ بِـ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إنَّما كانَ في المَكِّيِّ.
والمُرادُ بِالذَّكْرِ والأُنْثى: آدَمُ وحَوّاءُ أبَوا البَشَرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ .
صفحة ٢٥٩
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ» كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا. فَيَكُونُ تَنْوِينُ ﴿ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ لِأنَّهُما وصْفانِ لِمَوْصُوفٍ فَقَرَّرَ، أيْ مِن أبٍ ذَكَرٍ ومِن أُمٍّ أُنْثى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ ”ذَكَرٍ وأُنْثى“ صِنْفُ الذَّكَرِ والأُنْثى، أيْ كُلُّ واحِدٍ مُكَوَّنٌ مِن صِنْفِ الذَّكَرِ والأُنْثى.
وحَرْفُ (مِن) عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لِلِابْتِداءِ.
والشُّعُوبُ: جَمْعُ شَعْبٍ بِفَتْحِ الشِّينِ وهو مَجْمَعُ القَبائِلِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى جَدٍّ واحِدٍ مِن أُمَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وقَدْ يُسَمّى جَذْمًا، فالأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ فَمُضَرُ شَعْبٌ، ورَبِيعَةُ شَعْبٌ، وأنْمارٌ شَعْبٌ، وإيادٌ شَعْبٌ، وتَجْمَعُها الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ المُسْتَعْرِبَةُ، وهي عَدْنانُ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِمْيَرُ وسَبَأٌ، والأزْدُ شُعُوبٌ مِن أُمَّةِ قَحْطانَ. وكِنانَةُ وقَيْسٌ وتَمِيمٌ قَبائِلُ مِن شَعْبِ مُضَرَ. ومَذْحِجٌ، وكِنْدَةُ قَبِيلَتانِ مِن شَعْبِ سَبَأٍ. والأوْسُ والخَزْرَجُ قَبِيلَتانِ مِن شَعْبِ الأزْدِ.
وتَحْتَ القَبِيلَةِ العِمارَةُ مِثْلُ قُرَيْشٍ مِن كِنانَةَ، وتَحْتَ العِمارَةِ البَطْنُ مِثْلُ قُصَيٍّ مِن قُرَيْشٍ، وتَحْتَ البَطْنِ الفَخِذُ مِثْلَ هاشِمٍ وأُمَيَّةَ مِن قُصَيٍّ، وتَحْتَ الفَخِذِ الفَصِيلَةُ مِثْلُ أبِي طالِبٍ والعَبّاسِ وأبِي سُفْيانَ.
واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الشُّعُوبِ والقَبائِلِ لِأنَّ ما تَحْتَها داخِلٌ بِطْرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ.
وتَجاوَزَ القُرْآنُ عَنْ ذِكْرِ الأُمَمِ جَرْيًا عَلى المُتَداوَلِ في كَلامِ العَرَبِ في تَقْسِيمِ طَبَقاتِ الأنْسابِ إذْ لا يُدْرِكُونَ إلّا أنْسابَهم.
وجُعِلَتْ عِلَّةُ جَعْلِ اللَّهِ إيّاهُ شُعُوبًا وقَبائِلَ. وحِكْمَتُهُ مِن هَذا الجَعْلِ أنْ يَتَعارَفَ النّاسُ، أيْ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والتَّعارُفُ يَحْصُلُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُتَدَرِّجًا إلى الأعْلى، فالعائِلَةُ الواحِدَةُ مُتَعارِفُونَ، والعَشِيرَةُ مُتَعارِفُونَ مِن عائِلاتٍ إذْ لا يَخْلُونَ عَنِ انْتِسابٍ ومُصاهَرَةٍ، وهَكَذا تَتَعارَفُ العَشائِرُ مَعَ البُطُونِ والبُطُونُ مَعَ العَمائِرِ، والعَمائِرُ مَعَ القَبائِلِ، والقَبائِلُ مَعَ الشُّعُوبِ لِأنَّ كُلَّ دَرَجَةٍ تَأْتَلِفُ مِن مَجْمُوعِ الدَّرَجاتِ الَّتِي دُونَها.
صفحة ٢٦٠
فَكانَ هَذا التَّقْسِيمُ الَّذِي ألْهَمَهُمُ اللَّهُ إيّاهُ نِظامًا مُحْكَمًا لِرَبْطِ أواصِرِهِمْ دُونَ مَشَقَّةٍ ولا تَعَذُّرٍ فَإنَّ تَسْهِيلَ حُصُولِ العَمَلِ بَيْنَ عَدَدٍ واسِعِ الِانْتِشارِ يَكُونُ بِتَجْزِئَةِ تَحْصِيلِهِ بَيْنَ العَدَدِ القَلِيلِ ثُمَّ بِبَثِّ عَمَلِهِ بَيْنَ طَوائِفَ مِن ذَلِكَ العَدَدِ القَلِيلِ ثُمَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَماعاتٍ أكْثَرَ. وهَكَذا حَتّى يَعُمَّ أُمَّةً أوْ يَعُمَّ النّاسَ كُلَّهم وما انْتَشَرَتِ الحَضاراتُ المُماثِلَةُ بَيْنَ البَشَرِ إلّا بِهَذا النّامُوسِ الحَكِيمِ.
والمَقْصُودُ: أنَّكم حَرَّفْتُمُ الفِطْرَةَ وقَلَبْتُمُ الوَضْعَ فَجَعَلْتُمُ اخْتِلافَ الشُّعُوبِ والقَبائِلِ بِسَبَبِ تَناكُرٍ وتَطاحُنٍ وعُدْوانٍ.
ألا تَرى إلى قَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ:
مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِيَنا لا تَنْبُشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا
لا تَطْمَعُوا أنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكم ∗∗∗ وأنْ نَكُفَّ الأذى عَنْكم وتُؤْذُونا
وقَوْلُ العُقَيْلِيِّ وحارَبَهُ بَنُو عَمِّهِ فَقَتَلَ مِنهم:
ونَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكم عَلَيْكم ∗∗∗ ونَقْتُلُكم كَأنّا لا نُبالِي
وقَوْلُ الشَّمَيْذَرِ الحارِثِيِّ:
وقَدْ ساءَنِي ما جَرَّتِ الحَرْبُ بَيْنَنا ∗∗∗ بَنِي عَمِّنا لَوْ كانَ أمْرًا مُدانِيا
وأقْوالُهم في هَذا لا تُحْصَرُ عَدا ما دُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفاخُرِ والتَّطاوُلِ والسُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والنَّبْزِ وسُوءِ الظَّنِّ والغِيبَةِ مِمّا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وقَدْ جَبَرَ اللَّهُ صَدْعَ العَرَبِ بِالإسْلامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] فَرَدَّهم إلى الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها وكَذَلِكَ تَصارِيفُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ تَرْجِعُ بِالنّاسِ إلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ.
ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَكُونُوا إخْوَةً وأنْ يُصْلِحُوا بَيْنَ الطَّوائِفِ المُتَقاتِلَةِ ونَهاهم عَمّا يَثْلِمُ الأُخُوَّةَ وما يَغِينُ عَلى نُورِها في نُفُوسِهِمْ مِنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والتَّنابُزِ والظَّنِّ السُّوءِ والتَّجَسُّسِ والغِيبَةِ، ذَكَّرَهم بِأصْلِ الأُخُوَّةِ في الِأنْسابِ الَّتِي أكَّدَتْها أُخُوَّةُ الإسْلامِ ووَحْدَةُ الِاعْتِقادِ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّذْكِيرُ عَوْنًا عَلى تَبَصُّرِهِمْ في حالِهِمْ،
صفحة ٢٦١
ولَمّا كانَتِ السُّخْرِيَةُ واللَّمْزُ والتَّنابُزُ مِمّا يُحْمَلُ عَلَيْهِ التَّنافُسُ بَيْنَ الأفْرادِ والقَبائِلِ جَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ في هَذِهِ المَوْعِظَةِ الحَكِيمَةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى النِّداءِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم عَمَدُوا إلى هَذا التَّشْعِيبِ الَّذِي وضَعَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فاسْتَعْمَلُوهُ في فاسِدِ لَوازِمِهِ وأهْمَلُوا صالِحَ ما جُعِلَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ”لِتَعارَفُوا“ ثُمَّ وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ فَإنْ تَنافَسْتُمْ فَتَنافَسُوا في التَّقْوى كَما قالَ تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] .
والخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ المُساواةِ في أصْلِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ لِيُتَوَصَّلَ مِن ذَلِكَ إلى إرادَةِ اكْتِسابِ الفَضائِلِ والمَزايا الَّتِي تَرْفَعُ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ كِنايَةً بِمَرْتَبَتَيْنِ. والمَعْنى المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ هو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ فَتِلْكَ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ مَنزِلَةَ المَقْصِدِ مِنَ المُقَدِّمَةِ والنَّتِيجَةِ مِنَ القِياسِ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ البَيانِ.
وأمّا جُمْلَةُ ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ.
والمَقْصُودُ مِنِ اعْتِراضِها: إدْماجُ تَأْدِيبٍ آخَرَ مِن واجِبِ بَثِّ التَّعارُفِ والتَّواصُلِ بَيْنَ القَبائِلِ والأُمَمِ وأنَّ ذَلِكَ مُرادُ اللَّهِ مِنهم.
ومِن مَعْنى الآيَةِ ما خَطَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ إذْ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ ألا إنَّ رَبَّكم واحِدٌ وأنَّ أباكم واحِدٌ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ ولا لِأسْوَدَ عَلى أحْمَرَ ولا لِأحْمَرَ عَلى أسْوَدَ إلّا بِالتَّقْوى» .
ومِن نَمَطِ نَظْمِ الآيَةِ وتَبْيِينِها ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وفَخْرَها لا لِآباءِ النّاسِ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ أوْ فاجِرٍ شَقِيٍّ أنْتُمْ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ» “ . وفي رِوايَةٍ أنَّ ذَلِكَ مِمّا خَطَبَ بِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ( عُبِّيَّةُ بِضَمِّ العَيْنِ المُهْمَلَةِ وبِكَسْرِها وبِتَشْدِيدِ المُوَحَّدَةِ المَكْسُورَةِ ثُمَّ تَشْدِيدِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ: الكِبْرُ والفَخْرُ. ووَزْنُهُما عَلى لُغَةِ ضَمِّ الفاءِ فُعْوِلَّةٌ وعَلى لُغَةِ كَسْرِ الفاءِ فِعْلِيَّةٌ، وهي إمّا مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعْبِيَةِ فَتَضْعِيفُ الباءِ لِمُجَرَّدِ
صفحة ٢٦٢
الإلْحاقِ مِثْلُ: نَضَّ الثَّوْبُ بِمَعْنى نَضى أوْ مُشْتَقَّةٌ مِن عُبابِ الماءِ فالتَّضْعِيفُ في الباءِ أصْلِيٌّ.
وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدِهِ إلى ابْنِ عُمَرَ «طافَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ خَطَبَهم في بَطْنِ المُسِيلِ» فَذَكَرَ الحَدِيثَ وزادَ فِيهِ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا وإنَّما أُخِّرَتْ في النَّظْمِ عَنْ جُمْلَةِ: ”﴿إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾“، لِتَكُونَ تِلْكَ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ كالتَّوْطِئَةِ لِهَذِهِ وتَتَنَزَّلُ مِنها مَنزِلَةَ المُقَدِّمَةِ لِأنَّهم لَمّا تَساوَوْا في أصْلِ الخِلْقَةِ مِن أبٍ واحِدٍ وأُمٍّ واحِدَةٍ كانَ الشَّأْنُ أنْ لا يَفْضُلَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا بِالكَمالِ النَّفْسانِيِّ وهو الكَمالُ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ لَهم والَّذِي جَعَلَ التَّقْوى وسِيلَتَهُ ولِذَلِكَ ناطَ التَّفاضُلَ في الكَرَمِ بِـ ”عِنْدَ اللَّهِ“ إذْ لا اعْتِدادَ بِكَرَمٍ لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ.
والمُرادُ بِالأكْرَمِ: الأنْفَسُ والأشْرَفُ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.
والأتْقى: الأفْضَلُ في التَّقْوى وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ صِيغَ مِنِ اتَّقى عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ أيْ إنَّما كانَ أكْرَمُكم أتْقاكم لِأنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالكَرامَةِ الحَقِّ وأنْتُمْ جَعَلْتُمُ المَكارِمَ فِيما دُونَ ذَلِكَ مِنَ البَطْشِ وإفْناءِ الأمْوالِ في غَيْرِ وجْهٍ وغَيْرِ ذَلِكَ الكَرامَةُ الَّتِي هي التَّقْوى خَبِيرٌ بِمِقْدارِ حُظُوظِ النّاسِ مِنَ التَّقْوى فَهي عِنْدَهُ حُظُوظُ الكَرامَةِ، فَلِذَلِكَ الأكْرَمُ هو الأتْقى، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] أيْ هو أعْلَمُ بِمَراتِبِكم في التَّقْوى، أيِ الَّتِي هي التَّزْكِيَةُ الحَقُّ. ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ (﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]) .
عُلِمَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ لا يُنافِي أنْ تَكُونَ لِلنّاسِ مَكارِمُ أُخْرى في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بَعْدَ التَّقْوى مِمّا شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ أثَرُ تَزْكِيَةٍ في النُّفُوسِ مِثْلُ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ ونَقاءِ النَّسَبِ والعَراقَةِ في العِلْمِ والحَضارَةِ وحُسْنِ السُّمْعَةِ في الأُمَمِ وفي
صفحة ٢٦٣
الفَصائِلِ، وفي العائِلاتِ، وكَذَلِكَ بِحَسَبِ ما خَلَّدَهُ التّارِيخُ الصّادِقُ لِلْأُمَمِ والأفْرادِ فَما يَتْرُكُ آثارًا لِأفْرادِها وخِلالًا في سَلائِلِها قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «النّاسُ مَعادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ خِيارُهم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُهم في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا» .
فَإنَّ في خُلُقِ الأبْناءِ آثارًا مِن طِباعِ الآباءِ الأدَنَيْنَ أوِ الأعْلَيْنَ تَكُونُ مُهَيَّئَةً نُفُوسُهم لِلْكَمالِ أوْ ضِدِّهِ وأنَّ لِلتَّهْذِيبِ والتَّرْبِيَةِ آثارًا جَمَّةً في تَكْمِيلِ النُّفُوسِ أوْ تَقْصِيرِها ولِلْعَوائِدِ والتَّقالِيدِ آثارُها في الرِّفْعَةِ والضَّعَةِ، وكُلُّ هَذِهِ وسائِلُ لِإعْدادِ النُّفُوسِ إلى الكَمالِ والزَّكاءِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُخَطِّطُهُ التَّقْوى.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الأمْرِ بِتَزْكِيَةِ نَواياهم في مُعامَلاتِهِمْ وما يُرِيدُونَ مِنَ التَّقْوى بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في نُفُوسِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْهِ.
الحجرات 49:14
﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكم وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
كانَ مِن بَيْنِ الوُفُودِ الَّتِي وفَدَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَنَةِ تِسْعٍ المُسَمّاةِ سَنَةَ الوُفُودِ، وفْدُبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وكانُوا يَنْزِلُونَ بِقُرْبِ المَدِينَةِ، وكانَ قُدُومُهُمُ المَدِينَةَ عَقِبَ قُدُومِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ الَّذِي ذُكِرَ في أوَّلِ السُّورَةِ، ووَفَدَ بَنُو أسَدٍ في عَدَدٍ كَثِيرٍ وفِيهِ ضِرارُ بْنُ الأزْوَرِ، وطُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي ادَّعى النُّبُوءَةَ بَعْدَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ أيّامَ الرِّدَّةِ، وكانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ جَدْبٍ بِبِلادِهِمْ فَأسْلَمُوا وكانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: أتَتْكَ العَرَبُ بِأنْفُسِها عَلى ظُهُورِ رَواحِلِها وجِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ والذَّرارِيِّ ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ مُحارِبُ خَصَفَةَ وهَوازِنَ وغَطَفانَ. يَفِدُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَرُوحُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ ويَمُنُّونَ عَلَيْهِ ويُرِيدُونَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْهِمُ الصَّدَقاتِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ لِوُقُوعِ القِصَّتَيْنِ: قِصَّةِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وقِصَّةِ وفْدِ بَنِي أسَدٍ في أيّامٍ مُتَقارِبَةٍ، والأغْراضُ المَسْكُوَّةُ بِالجَفاءِ مُتَناسِبَةٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في الأعْرابِ المَذْكُورِينَ في سُورَةِ الفَتْحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] الآيَةَ.
صفحة ٢٦٤
قالُوا آمَنّا لِيَأْمَنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ فَلَمّا اسْتُنْفِرُوا إلى الحُدَيْبِيَةِ تَخَلَّفُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والأعْرابُ: سُكّانُ البادِيَةِ مِنَ العَرَبِ. وأحْسَبُ أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى أهْلِ البادِيَةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا مُفْرَدَ لَهُ فَيَكُونُ الواحِدُ مِنهُ بِياءِ النِّسْبَةِ أعْرابِيٌّ.
وتَعْرِيفُ الأعْرابِ تَعْرِيفُ العَهْدِ لِأعْرابٍ مُعَيَّنِينَ وهم بَنُو أسَدٍ فَلَيْسَ هَذا الحُكْمُ الَّذِي في الآيَةِ حاقًّا عَلى جَمِيعِ سُكّانِ البَوادِي ولا قالَ هَذا القَوْلَ غَيْرُ بَنِي أسَدٍ.
وهم قالُوا: آمَنّا حِينَ كانُوا في شَكٍّ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِنهم فَأنْبَأهُمُ اللَّهُ بِما في قُلُوبِهِمْ وأعْلَمَهم أنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ بِالقَلْبِ لا بِمُجَرَّدِ اللِّسانِ لِقَصْدِ أنْ يُخَلِصُوا ويَتَمَكَّنُوا مِنهُ كَما بَيَّنَهُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١٥] الآيَةَ.
والِاسْتِدْراكُ بِحَرْفِ (لَكِنْ) لِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ أنَّهم جاءُوا مُضْمِرِينَ الغَدْرَ بِالنَّبِيءِ ﷺ . وإنَّما قالَ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ تَعْلِيمًا لَهم بِالفَرْقِ بَيْنَ الإيمانِ والإسْلامِ فَإنَّ الإسْلامَ مُقِرُّهُ اللِّسانُ والأعْمالُ البَدَنِيَّةُ، وهي قَواعِدُ الإسْلامِ الأرْبَعَةُ: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وصِيامُ رَمَضانَ وحَجُّ الكَعْبَةِ الوارِدُ في حَدِيثِ عُمَرَ عَنْ سُؤالِ جِبْرِيلَ النَّبِيءَ ﷺ عَنِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ والسّاعَةِ، الإسْلامُ: «أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وتُقِيمَ الصَّلاةَ وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ وتَصُومَ رَمَضانَ وتَحُجَّ البَيْتَ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا» فَهَؤُلاءِ الأعْرابُ لَمّا جاءُوا مُظْهِرِينَ الإسْلامَ وكانَتْ قُلُوبُهم غَيْرَ مُطْمَئِنَّةٍ لِعَقائِدِ الإيمانِ لِأنَّهم حَدِيثُو عَهْدٍ بِهِ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ آمَنّا لِيَعْلَمُوا أنَّهم لَمْ يَخْفَ باطِنُهم عَلى اللَّهِ، وأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِالإسْلامِ إلّا إذا قارَنَهُ الإيمانُ، فَلا يُغْنِي أحَدَهُما بِدُونِ الآخَرِ، فالإيمانُ بِدُونِ إسْلامٍ عِنادٌ، والإسْلامُ بِدُونِ إيمانٍ نِفاقٌ، ويَجْمَعُهُما طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ .
وكانَ مُقْتَضى ظاهِرِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، أوْ أنْ يُقالَ: قُلْ لا تَقُولُوا آمَنّا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا، لِيَتَوافَقَ المُسْتَدْرَكُ عَنْهُ والِاسْتِدْراكُ بِحَسَبِ النَّظْمِ المُتَعارَفِ في المُجادَلاتِ، فَعَدَلَ عَنِ الظّاهِرِ إلى هَذا النَّظْمِ لِأنَّ فِيهِ
صفحة ٢٦٥
صَراحَةً بِنَفْيِ الإيمانِ عَنْهم فَلا يَحْسَبُوا أنَّهم غالَطُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .
واسْتُغْنِيَ بِقَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ عَنْ أنْ يُقالَ: لا تَقُولُوا آمَنّا، لِاسْتِهْجانِ أنْ يُخاطَبُوا بِلَفْظٍ مُؤَدّاهُ النَّهْيُ عَنِ الإعْلانِ بِالإيمانِ لِأنَّهم مُطالَبُونَ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَقُولُوا: آمَنّا قَوْلًا صادِقًا لا كاذِبًا فَقِيلَ لَهم لا تُؤْمِنُوا تَكْذِيبًا لَهم مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ التَّكْذِيبِ ولَكِنْ وقَعَ التَّعْرِيضُ لَهم بِذَلِكَ بَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] أيْ لا أنْتُمْ ولِذَلِكَ جِيءَ بِالِاسْتِدْراكِ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ إلى ﴿قُولُوا أسْلَمْنا﴾ تَعْرِيضًا بِوُجُوبِ الصِّدْقِ في القَوْلِ لِيُطابِقَ الواقِعَ، فَهم يَشْعُرُونَ بِأنَّ كَذِبَهم قَدْ ظَهَرَ، وذَلِكَ مِمّا يُتَعَيَّرُ بِهِ، أيِ الشَّأْنُ أنْ تَقُولُوا قَوْلًا صادِقًا.
وقَوْلُهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ وهو مُبَيِّنٌ لِمَعْنى نَفْيِ الإيمانِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ بِأنَّهُ لَيْسَ انْتِفاءَ وُجُودِ تَصْدِيقٍ بِاللِّسانِ ولَكِنِ انْتِفاءُ رُسُوخِهِ وعَقْدِ القَلْبِ عَلَيْهِ إذْ كانَ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنِ ارْتِيابٍ كَما أشْعَرَ بِهِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ [الحجرات: ١٥] .
واسْتُعِيرَ الدُّخُولُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ لِلتَّمَكُّنِ وعَدَمِ التَّزَلْزُلِ لِأنَّ الدّاخِلَ إلى المَكانِ يَتَمَكَّنُ ويَسْتَقِرُّ والخارِجَ عَنْهُ يَكُونُ سَرِيعَ المُفارَقَةِ لَهُ مُسْتَوْفِزًا لِلِانْصِرافِ عَنْهُ.
و(لَمّا) هَذِهِ أُخْتُ (لَمْ) وتَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْيَ بِها مُتَّصِلٌ بِزَمانِ التَّكَلُّمِ وذَلِكَ الفارِقُ بَيْنَها وبَيْنَ (لَمْ) أُخْتِها. وهَذِهِ الدَّلالَةُ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ إلى زَمَنِ المُتَكَلِّمِ تُؤْذِنُ غالِبًا، بِأنَّ المَنفِيَّ بِها مُتَوَقَّعُ الوُقُوعِ. قالَ في الكَشّافِ: وما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ دالٌّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ.
وهِيَ دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ. وهَذا مِن دَقائِقِ العَرَبِيَّةِ. وخالَفَ فِيهِ أبُو حَيّانَ، والزَّمَخْشَرِيُّ حُجَّةٌ في الذَّوْقِ لا يُدانِيهِ أبُو حَيّانَ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ تَكْرِيرًا مَعَ قَوْلِهِ لَمْ تُؤْمِنُوا.
صفحة ٢٦٦
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ إرْشادٌ إلى دَواءِ مَرَضِ الحالِ في قُلُوبِهِمْ مِن ضَعْفِ الإيمانِ بِأنَّهُ إنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ حَصَلَ إيمانُهم فَإنَّ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ بَيانُ عَقائِدِ الإيمانِ بِأنْ يُقْبِلُوا عَلى التَّعَلُّمِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدَّةَ إقامَتِهِمْ بِالمَدِينَةِ عِوَضًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِالمَنِّ والتَّعْرِيضِ بِطَلَبِ الصَّدَقاتِ.
ومَعْنى لا يَلِتْكم لا يَنْقُصُكم، يُقالُ: لاتَهُ مِثْلُ باعَهُ. وهَذا في لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، ويُقالُ: ألَتَهُ ألْتًا مِثْلَ: أمَرَهُ، وهي لُغَةُ غَطَفانَ قالَ تَعالى: ﴿وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] في سُورَةِ الطُّورِ.
وقَرَأ بِالأُولى جُمْهُورُ القُرّاءِ وبِالثّانِيَةِ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ. ولِأبِي عَمْرٍو في تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ فِيها وتَخْفِيفِها ألِفًا رِوايَتانِ فالدُّورِيُّ رَوى عَنْهُ تَحْقِيقَ الهَمْزَةِ والسُّوسِيُّ رَوى عَنْهُ تَخْفِيفَها.
وضَمِيرُ الرَّفْعِ في ”يَلِتْكم“ عائِدٌ إلى اسْمِ اللَّهِ ولَمْ يَقُلْ: لا يَلِتاكم بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِأنَّ اللَّهَ هو مُتَوَلِّي الجَزاءِ دُونَ الرَّسُولِ ﷺ .
والمَعْنى: إنْ أخْلَصْتُمُ الإيمانَ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ أعْمالَكُمُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ مِن أنَّكم جِئْتُمْ طائِعِينَ لِلْإسْلامِ مِن غَيْرِ قِتالٍ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِئْنافُ تَعْلِيمٍ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يَتَجاوَزُ عَنْ كَذِبِهِمْ إذا تابُوا، وتَرْغِيبٌ في إخْلاصِ الإيمانِ لِأنَّ الغَفُورَ كَثِيرُ المَغْفِرَةِ شَدِيدُها، ومِن فَرْطِ مَغْفِرَتِهِ أنَّهُ يُجازِي عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ الواقِعَةِ في حالَةِ الكُفْرِ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِها فَإذا آمَنَ عامِلُها جُوزِيَ عَلَيْها بِمُجَرَّدِ إيمانِهِ وذَلِكَ مِن فَرْطِ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ.
وتَرْتِيبُ ”رَحِيمٌ“ بَعْدَ ”غَفُورٌ“ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أصْلٌ لِلْمَغْفِرَةِ وشَأْنُ العِلَّةِ أنْ تُورَدَ بَعْدَ المُعَلَّلِ بِها.
الحجرات 49:15
صفحة ٢٦٧
﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾
هَذا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ إلى قَوْلِهِ: ”في قُلُوبِكم“ وهو مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْأعْرابِ، أيْ لَيْسَ المُؤْمِنُونَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُخالِطْ إيمانَهُمُ ارْتِيابٌ أوْ تَشَكُّكٌ.
و(إنَّما) لِلْحَصْرِ، و(إنَّ) الَّتِي هي جُزْءٌ مِنها أيْضًا لِلتَّعْلِيلِ وقائِمَةٌ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، أيْ إنَّما لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لِأنَّ الإيمانَ يُنافِيهِ الِارْتِيابُ.
والقَصْرُ إضافِيٌّ، أيِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هَذِهِ صِفاتُهم غَيْرُ هَؤُلاءِ الأعْرابِ.
فَأفادَ أنَّ هَؤُلاءِ الأعْرابَ انْتَفى عَنْهُمُ الإيمانُ لِأنَّهُمُ انْتَفى عَنْهم مَجْمُوعُ هَذِهِ الصِّفاتِ.
وإذْ قَدْ كانَ القَصْرُ إضافِيًّا لَمْ يَكُنِ الغَرَضُ مِنهُ إلّا إثْباتَ الوَصْفِ لِغَيْرِ المَقْصُورِ لِإخْراجِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم عَنْ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، ولَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الصِّفاتِ لِأنَّ عَدَّ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ صِفَتَيِ الإيمانِ وانْتِفاءِ الرَّيْبِ فِيهِ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ لِأنَّ الَّذِي يَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لا يَنْتَفِي عَنْهُ وصْفُ الإيمانِ إذْ لا يَكْفُرُ المُسْلِمُ بِارْتِكابِ الكَبائِرِ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ. وما عَداهُ خَطَأٌ واضِحٌ، وإلّا لانْتَقَضَتْ جَماعَةُ الإسْلامِ بِأسْرِها إلّا فِئَةً قَلِيلَةً في أوْقاتٍ غَيْرِ طَوِيلَةٍ.
والمَقْصُودُ مِن إدْماجِ ذِكْرِ الجِهادِ التَّنْوِيهُ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ المُجاهِدِينَ وتَحْرِيضُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإيمانِ عَلى الِاسْتِعْدادِ إلى الجِهادِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ.
و(ثُمَّ) مِن قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا﴾ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ كَشَأْنِها في عَطْفِ الجُمَلِ. فَفي (ثُمَّ) إشارَةٌ إلى أنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ في إيمانِهِمْ أهَمُّ رُتْبَةً مِنَ الإيمانِ إذْ بِهِ قِوامُ الإيمانِ،
صفحة ٢٦٨
وهَذا إيماءٌ إلى بَيانِ قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أيْ مِن أجْلِ ما يُخالِجُكُمُ ارْتِيابٌ في بَعْضِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِمّا اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ قَصْرٌ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ أيْضًا، أيْ هُمُ الصّادِقُونَ لا أنْتُمْ في قَوْلِكم آمَنّا.
الحجرات 49:16
﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكم واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
أُعِيدَ فِعْلُ قُلْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المَقُولَ لَهم هَذا هُمُ الأعْرابُ الَّذِينَ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم: ”لَمْ تُؤْمِنُوا“ إلى آخِرِهِ، فَأُعِيدَ لَمّا طالَ الفَصْلُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِالجُمَلِ المُتَتابِعَةِ، فَهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] اتِّصالَ البَيانِ بِالمُبَيِّنِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ.
وجُمْلَةُ قُلْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُبَيِّنَةِ والمُبَيَّنَةِ.
قِيلَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] الآيَةَ، جاءُوا إلى النَّبِيءِ ﷺ وحَلَفُوا أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ ولَمْ يُرْوَ بِسَنَدٍ مَعْرُوفٍ وإنَّما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ تَفْسِيرًا ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ عَلى الأيْمانِ الكاذِبَةِ كَما وبَّخَ المُنافِقِينَ في سُورَةِ (بَراءَةٌ) بِقَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] الآيَةَ. ولَمْ أرَ ذَلِكَ بِسَنَدٍ مَقْبُولٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ مِمّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم.
والتَّعْلِيمُ مُبالَغَةٌ في إيصالِ العِلْمِ إلى المُعَلَّمِ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْعِيلِ تَقْتَضِي قُوَّةً في حُصُولِ الفِعْلِ كالتَّفْرِيقِ والتَّفْسِيرِ، يُقالُ: أعْلَمَهُ وعَلَّمَهُ كَما يُقالُ: أنْبَأهُ ونَبَّأهُ. وهَذا يُفِيدُ أنَّهم تَكَلَّفُوا وتَعَسَّفُوا في الِاسْتِدْلالِ عَلى خُلُوصِ إيمانِهِمْ لِيُقْنِعُوا بِهِ الرَّسُولَ ﷺ الَّذِي أبْلَغَهم أنَّ اللَّهَ نَفى عَنْهم رُسُوخَ الإيمانِ بِمُحاوَلَةِ إقْناعِهِ تَدُلُّ إلى مُحاوَلَةِ إقْناعِ اللَّهِ بِما يَعْلَمُ خِلافَهُ.
وباءُ ”بِدِينِكم“ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ٢٦٩
لَكَ الخَيْرانِ وارَتْ بِكَ الأرْضُ واحِدًا
والِاسْتِفْهامُ في ﴿أتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ وقَدْ أُيِّدَ التَّوْبِيخُ بِجُمْلَةِ الحالِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ .
وفِي هَذا تَجْهِيلٌ إذْ حاوَلُوا إخْفاءَ باطِنِهِمْ عَنِ المُطَّلِعِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ تَذْيِيلٌ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِن ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ صِفاتِهِ ويَعْلَمُ المَوْجُوداتِ الَّتِي هي أعْلى مِنَ السَّماواتِ كالعَرْشِ.
الحجرات 49:17
﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أُرِيدَ بِهِ إبْطالُ ما أظْهَرَهُ بَنُو أسَدٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن مَزِيَّتِهِمْ إذْ أسْلَمُوا مِن دُونِ إكْراهٍ بِغَزْوٍ.
والمَنُّ: ذِكْرُ النِّعْمَةِ والإحْسانِ لِيُراعِيَهُ المُحْسَنُ إلَيْهِ لِلذّاكِرِ، وهو يَكُونُ صَرِيحًا مِثْلَ قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
أتَنْسى دِفاعِي عَنْكَ إذْ أنْتَ مُسْلَمٌ وقَدْ سالَ مِن ذُلٍّ عَلَيْكَ قَراقِرُ
ويَكُونُ بِالتَّعْرِيضِ بِأنْ يَذْكُرَ المانُّ مِن مُعامَلَتِهِ مَعَ المَنُونِ عَلَيْهِ ما هو نافِعُهُ مَعَ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُجَرَّدَ الإخْبارِ مِثْلَ قَوْلِ الرّاعِي مُخاطِبًا عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ:
فَآزَرَتُ آلَ أبِي خُبَيْبٍ وافِدًايَوْمًا أُرِيدَ لِبَيْعَتِي تَبْدِيلا
أبُو خُبَيْبٍ: كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وكانَتْ مَقالَةُ بَنِي أسَدٍ مُشْتَمِلَةً عَلى النَّوْعَيْنِ مِنَ المَنِّ لِأنَّهم قالُوا ولَمْ نُقاتِلْكَ كَما قاتَلَكَ مُحارِبٌ وغَطَفانُ وهَوازِنُ وقالُوا: وجِئْناكَ بِالأثْقالِ والعِيالِ.
و”أنْ أسْلَمُوا“ مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ التَّعْدِيَةِ، يُقالُ: مَنَّ عَلَيْهِ
صفحة ٢٧٠
بِكَذا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم إلّا أنَّ الأوَّلَ مُطَّرِدٌ مَعَ (أنْ) و(أنْ) والثّانِي سَماعِيٌّ وهو كَثِيرٌ.
وهم قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: ”آمَنّا“ كَما حَكاهُ اللَّهُ آنِفًا، وسَمّاهُ هُنا إسْلامًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] أيْ أنَّ ما مَنَّوْا بِهِ عَلَيْكَ إسْلامٌ لا إيمانٌ.
وأُثْبِتَ بِحَرْفِ (بَلْ) أنَّ ما مَنَّوْا بِهِ إنْ كانَ إسْلامًا حَقًّا مُوافِقًا لِلْإيمانِ فالمِنَّةُ لِلَّهِ لِأنْ هَداهم إلَيْهِ فَأسْلَمُوا عَنْ طَواعِيَةٍ.
وسَمّاهُ الآنَ إيمانًا مُجاراةً لِزَعْمِهِمْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ كَوْنِ المِنَّةِ لِلَّهِ فَمُناسَبَةُ مُسابَرَةِ زَعْمِهِمْ أنَّهم آمَنُوا، أيْ لَوْ فُرِضَ أنَّكم آمَنتُمْ كَما تَزْعُمُونَ فَإنَّ إيمانَكم نِعْمَةٌ أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم.
ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَنَفى أوَّلًا أنْ يَكُونَ ما يَمُنُّونَ بِهِ حَقًّا، ثُمَّ أفادَ ثانِيًا أنْ يَكُونَ الفَضْلُ فِيما ادَّعَوْهُ لَهم لَوْ كانُوا صادِقِينَ بَلْ هو فَضْلُ اللَّهِ.
وقَدْ أُضِيفَ إسْلامٌ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّهم أتَوْا بِما يُسَمّى إسْلامًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤] .
وأُتِيَ بِالإيمانِ مُعَرَّفًا بِلامِ الجِنْسِ لِأنَّهُ حَقِيقَةٌ في حَدِّ ذاتِهِ وأنَّهم مُلابِسُوها.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في يَمُنُّونَ مَعَ أنَّ مَنَّهم بِذَلِكَ حَصَلَ فِيما مَضى لِاسْتِحْضارِ حالَةِ مَنِّهِمْ كَيْفَ يَمُنُّونَ بِما لَمْ يَفْعَلُوا مِثْلَ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ لِأنَّهُ مَنٌّ مَفْرُوضٌ لِأنَّ المَمْنُونَ بِهِ لَمّا يَقَعْ.
وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّهُ سَيَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ ما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وهَذا مِنَ التَّفَنُّنِ البَدِيعِ في الكَلامِ لِيَضَعَ السّامِعَ مَعَ كُلِّ فَنٍّ مِنهُ في قَرارِهِ، ومِثْلُهم مَن يَتَفَطَّنُ لِهَذِهِ الخَصائِصِ.
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ التَّقْوِيَةِ مِثْلُ: هو يُعْطِي الجَزِيلَ، كَما مَثَّلَ بِهِ عَبْدُ القاهِرِ.
الحجرات 49:18
صفحة ٢٧١
﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾
ذُيِّلَ تَقْوِيمُهم عَلى الحَقِّ بِهَذا التَّذْيِيلِ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَكْتُمُ، وأنَّهُ لا يَكْذِبُ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ فَإنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا تَخْطُرُ بِبالِ كَثِيرٍ مِنهم أُصُولُ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ.
ورُبَّما عَلِمَها بَعْضُهم مِثْلَ زُهَيْرٍ في قَوْلِهِ:
فَلا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ ما في نُفُوسِكم لِيَخْفى فَمَهْما يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ
(ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن آثارِ تَنَصُّرِهِ) .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِأنَّهم بِحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الغَيْبَ فَكَذَبُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَكانَ كَذِبُهم عَلَيْهِ مِثْلَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ.
وقَدْ أفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ جُمْلَتَيْ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الحجرات: ١٦]، ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الحجرات: ١٦] ولَكِنَّ هَذِهِ زادَتْ بِالتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ الأُمُورَ الغائِبَةَ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ العُمُومَيْنِ في الجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها عُمُومانِ عُرْفِيّانِ قِياسًا عَلى عِلْمِ البَشَرِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَطْفُ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ وكانَ شَأْنَ الغائِبِ أنْ لا يُرى، عَطَفَ عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِالمُبْصَراتِ احْتِراسًا مِن أنْ يَتَوَهَّمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خَفايا النُّفُوسِ وما يَجُولُ في الخَواطِرِ ولا يَعْلَمُ المُشاهَداتِ، نَظِيرَ قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفَلاسِفَةِ: إنَّ الخالِقَ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ ولا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ، ولِهَذا أُوثِرَ هُنا وصْفُ ”بَصِيرٌ“ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”بِما تَعْمَلُونَ“ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ.
* * *
صفحة ٢٧٢
صفحة ٢٧٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ق
سُمِّيَتْ في عَصْرِ الصَّحابَةِ (سُورَةَ ق) يُنْطَقُ بِحُرُوفِ: قافٍ، بِقافٍ، وألِفٍ، وفاءٍ.
فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ سُورَةَ ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق»: ١] . ورُبَّما قالَ: ق ويَعْنِي في الرَّكْعَةِ الأُولى.
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ هِشامٍ بِنْتِ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ ”ما أخَذْتُ“ ق والقُرْآنِ المَجِيدِ ”إلّا عَنْ لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَؤُها كُلَّ يَوْمٍ عَلى المِنبَرِ إذْ خَطَبَ النّاسَ“ .
ورَوى مُسْلِمٌ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الفَجْرِ بِـ قافْ ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق»: ١]، هَكَذا رَسْمُ قافْ ثَلاثُ أحْرُفٍ، وقَوْلُهُ (في الفَجْرِ) يَعْنِي بِهِ صَلاةَ الصُّبْحِ لِأنَّها الَّتِي يُصَلِّيها في المَسْجِدِ في الجَماعَةِ فَأمّا نافِلَةُ الفَجْرِ فَكانَ يُصَلِّيها في بَيْتِهِ.
وفِي المُوَطَّأِ ومُسْلِمٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ أبا واقَدٍ اللِّيثِيَّ: «ما كانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الأضْحى والفِطَرِ ؟ فَقالَ: كانَ يَقْرَأُ فِيهِما بِـ ”قافْ» هَكَذا رَسْمُ قافْ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ مِثْلُ ما رُسِمَ حَدِيثُ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق: ١] و﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
وهِيَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي سُمِّيَتْ بِأسْماءِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في ابْتِدائِها مِثْلَ طه وص. وق. ويس لِانْفِرادِ كُلِّ سُورَةٍ مِنها بِعَدَدِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِها بِحَيْثُ إذا دُعِيَتْ بِها لا تَلْتَبِسُ بِسُورَةٍ أُخْرى.
وفِي الإتْقانِ أنَّها تُسَمّى سُورَةَ (الباسِقاتِ) . هَكَذا بِلامِ التَّعْرِيفِ، ولَمْ يَعْزِهِ
صفحة ٢٧٤
لِقائِلٍ والوَجْهُ أنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُها هَذِهِ عَلى اعْتِبارِ وصْفٍ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُورَةُ النَّخْلِ الباسِقاتِ إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] .
وهَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ والإتْقانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ: اسْتِثْناءُ آيَةٍ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، يَعْنِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إذْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ، يَعْنِي أنَّ مَقالَةَ اليَهُودِ سُمِعَتْ بِالمَدِينَةِ، يَعْنِي: وأُلْحِقَتْ بِهَذِهِ السُّورَةِ لِمُناسَبَةِ مَوْقِعِها.
وهَذا المَعْنى وإنْ كانَ مَعْنًى دَقِيقًا في الآيَةِ فَلَيْسَ بِالَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ نُزُولُ الآيَةِ في المَدِينَةِ فَإنَّ اللَّهَ عَلِمَ ذَلِكَ فَأوْحى بِهِ إلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى أنَّ بَعْضَ آراءِ اليَهُودِ كانَ مِمّا يَتَحَدَّثُ بِهِ أهْلُ مَكَّةَ قَبْلَ الإسْلامِ يَتَلَقَّوْنَهُ تَلَقِّيَ القَصَصِ والأخْبارِ. وكانُوا بَعْدَ البَعْثَةِ يَسْألُونَ اليَهُودَ عَنْ أمْرِ النُّبُوَّةِ والأنْبِياءِ، عَلى أنَّ إرادَةَ اللَّهِ إبْطالَ أوْهامِ اليَهُودِ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤَخِّرَ إبْطالَها إلى سَماعِها بَلْ قَدْ يَجِيءُ ما يُبْطِلُها قَبْلَ فُشُوِّها في النّاسِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
ووَرَدَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أتاهُ بَعْضُ أحْبارِ اليَهُودِ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّماواتِ عَلى أُصْبُعٍ والأرْضِينَ عَلى أُصْبُعٍ والبِحارَ عَلى أُصْبُعٍ والجِبالَ عَلى أُصْبُعٍ ثُمَّ يَقُولُ:“ أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ ؟ " فَتَلا النَّبِيءُ ﷺ الآيَةَ» . والمَقْصُودُ مِن تِلاوَتِها هو قَوْلُهُ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] . والإيماءُ إلى سُوءِ فَهْمِ اليَهُودِ صِفاتِ اللَّهِ.
وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والثَلاثُونَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُرْسَلاتِ وقَبْلَ سُورَةِ لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ.
وقَدْ أجْمَعَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيِها خَمْسًا وأرْبَعِينَ.
* * *
صفحة ٢٧٥
أغْراضُ هاتِهِ السُّورَةِ
أوَّلُها التَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ.
ثانِيها: أنَّهم كَذَّبُوا الرَّسُولَ ﷺ لِأنَّهُ مِنَ البَشَرِ، وثالِثُها: الِاسْتِدْلالُ عَلى إثْباتِ البَعْثِ وأنَّهُ لَيْسَ بِأعْظَمَ مِنِ ابْتِداءِ خَلْقِ السَّماواتِ وما فِيها وخَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها، ونَشْأةُ النَّباتِ والثِّمارِ مِن ماءِ السَّماءِ وأنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ.
الرّابِعُ: تَنْظِيرُ المُشْرِكِينَ في تَكْذِيبِهِمْ بِالرِّسالَةِ والبَعْثِ بِبَعْضِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المَعْلُومَةِ لَدَيْهِمْ، ووَعِيدُ هَؤُلاءِ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
الخامِسُ: الوَعِيدُ بِعَذابِ الآخِرَةِ ابْتِداءً مِن وقْتِ احْتِضارِ الواحِدِ، وذِكْرُ هَوْلِ يَوْمِ الحِسابِ.
السّادِسُ: وعْدُ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ.
السّابِعُ: تَسْلِيَةُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأمْرُهُ بِالإقْبالِ عَلى طاعَةِ رَبِّهِ وإرْجاءِ أمْرِ المُكَذِّبِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وأنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ لَأخَذَهم مِنَ الآنَ ولَكِنْ حِكْمَةُ اللَّهِ قَضَتْ بِإرْجائِهِمْ وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُكَلَّفْ بِأنْ يُكْرِهَهم عَلى الإسْلامِ وإنَّما أُمِرَ بِالتَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ.
الثّامِنُ: الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَذَكَّرُونَ بِالقُرْآنِ.
التّاسِعُ: إحاطَةُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِخَفِيّاتِ الأشْياءِ وخَواطِرِ النُّفُوسِ.
ق 50:1
﴿ق﴾ القَوْلُ فِيهِ نَظِيرُ القَوْلِ في أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ. فَهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي. وقَدْ رَسَمُوهُ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ حَرْفِ القافِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها في المَكْتَبِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ النُّطْقَ بِها بِاسْمِ الحَرْفِ المَعْرُوفِ، أيْ يَنْطِقُونَ بِقافٍ بَعْدَها ألِفٌ، بَعْدَهُ فاءٌ.
صفحة ٢٧٦
وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ القُرّاءِ عَلى النُّطْقِ بِهِ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ هِجاءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
ووَقَعَ في رِوايَةِ بَعْضِ القَصّاصِينَ المَكْذُوبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ق اسْمُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن جِبالٍ سَبْعَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرَضِينَ السَّبْعِ واحِدًا وراءَ واحِدٍ كَما أنَّ الأرَضِينَ السَّبْعَ أرْضٌ وراءَ أرْضٍ. أيْ فَهو اسْمُ جِنْسٍ انْحَصَرَتْ أفْرادُهُ في سَبْعَةٍ، وأطالُوا في وصْفِ ذَلِكَ بِما أمْلاهُ عَلَيْهِمُ الخَيالُ المَشْفُوعُ بِقِلَّةِ التَّثَبُّتِ فِيما يَرْوُونَهُ لِلْإغْرابِ، وذَلِكَ مِنَ الأوْهامِ المَخْلُوطَةِ بِبَعْضِ أقْوالِ قُدَماءِ المَشْرِقِيِّينَ، وبِسُوءِ فَهْمِ البَعْضِ في عِلْمِ جُغْرافِيَةِ الأرْضِ وتَخَيُّلِهِمْ إيّاها رِقاعًا مُسَطَّحَةً ذاتَ تَقاسِيمَ يُحِيطُ بِكُلِّ قِسْمٍ مِنها ما يَفْصِلُهُ عَنِ القِسْمِ الآخَرِ مِن بِحارٍ وجِبالٍ، وهَذا مِمّا يَنْبَغِي تَرَفُّعُ العُلَماءِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ لَوْلا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوهُ.
ومِنَ العَجَبِ أنَ تُفْرَضَ هَذِهِ الأوْهامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ مِنَ القُرْآنِ ألَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى صُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي مِثْلَ: الم والمص وكهيعص ولَوْ أُرِيدَ الجَبَلُ المَوْهُومُ لَكُتِبَ قافٌ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ كَما تُكْتَبُ دَوالُ الأشْياءِ مِثْلُ عَيْنٍ: اسْمُ الجارِحَةِ، وغَيْنٍ: مَصْدَرُ غانَ عَلَيْهِ، فَلا يَصِحُ أنْ يُدَلَّ عَلى هَذِهِ الأسْماءِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي كَما لا يَخْفى.
* * *
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾
قَسَمٌ بِالقُرْآنِ، والقَسَمُ بِهِ كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِأنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَ المُقْسِمِ فَكانَ التَّعْظِيمُ مِن لَوازِمِ القَسَمِ.
وأتْبَعَ هَذا التَّنْوِيهَ الكِنائِيَّ بِتَنْوِيهٍ صَرِيحٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِـ ”المَجِيدِ“ فالمَجِيدُ المُتَّصِفُ بِقُوَّةِ المَجْدِ. والمَجْدُ ويُقالُ المُجادَّةُ: الشَّرَفُ الكامِلُ وكَرَمُ النَّوْعِ.
صفحة ٢٧٧
وشَرَفُ القُرْآنِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الكَلامِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْلى المَعانِي النّافِعَةِ لِصَلاحِ النّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ.
وأمّا كَمالُ مَجْدِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ بِوَصْفِ ”مَجِيدٍ“ فَذَلِكَ بِأنَّهُ يَفُوقُ أفْضَلَ ما أبْلَغَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن أنْواعِ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى إذْ أوْجَدَ ألْفاظَهُ وتَراكِيبَهُ وصُورَةَ نَظْمِهِ بِقُدْرَتِهِ دُونَ واسِطَةٍ، فَإنَّ أكْثَرَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى أوْجَدَهُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِ يُعَبِّرُونَ بِكَلامِهِمْ عَمّا يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ.
ويَدْخُلُ في كَمالِ مَجْدِهِ أنَّهُ يَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُونِ واسِطَةِ المَلائِكَةِ، ومِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أقْوالِ اللَّهِ تَعالى المُعَبَّرِ عَنْهُ في اصْطِلاحِ عُلَمائِنا بِالحَدِيثِ القُدُسِيِّ، فَإنَّ القُرْآنَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ.
ويَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِوَفْرَةِ مَعانِيهِ وعَدَمِ انْحِصارِها، وأيْضًا بِأنَّهُ تَمَيَّزَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ بِأنَّهُ لا يَنْسَخُهُ كِتابٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ وما يُنْسَخُ مِنهُ إلّا شَيْءٌ قَلِيلٌ يَنْسَخُهُ بَعْضُهُ.
وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ في المَقامِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ابْتِداءُ السُّورَةِ بِحَرْفِ ق المُشْعِرِ بِالنِّداءِ عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الإضْرابُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ .
والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ بِالحَقِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] . أوْ يُقَدَّرُ الجَوابُ: إنَّهُ لَتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْتَقَلًا مِنهُ والقَسَمُ بِدُونِ جَوابٍ لا يُعْتَبَرُ كَلامًا تامًّا فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدِّرَ السّامِعُ جَوابًا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
صفحة ٢٧٨
وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ وحَسَّنَهُ أنَّ الِانْتِقالَ مُشْعِرٌ بِأهَمِّيَّةِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، أيْ عُدْ عَمّا تُرِيدُ تَقْدِيرَهُ مِن جَوابٍ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سَبَبِ إنْكارِهِمُ الَّذِي حَدا بِنا إلى القَسَمِ كَقَوْلِ القائِلِ: دَعْ ذا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَدَعْ ذا وسَلِ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقَوْلِ الأعْشى:
فَدَعْ ذا ولَكِنْ رُبَّ أرْضٍ مُتَيَّهَةٍ ∗∗∗ قَطَعْتُ بِحُرْجُوجٍ إذا اللَّيْلُ أظْلَما
وتَقَدَّمَ بَيانُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] في سُورَةِ ص.
وقَوْلِهِ: ”عَجِبُوا“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ إنْكارًا لِعَجَبِهِمُ البالِغِ حَدَّ الإحالَةِ.
و”عَجِبُوا“ حَصَلَ لَهُمُ العَجَبُ بِفَتْحِ الجِيمِ وهو الأمْرُ غَيْرُ المَأْلُوفِ لِلشَّخْصِ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ في أتَعْجَبِينَ إنْكارٌ وإنَّما تُنْكَرُ إحالَةُ ذَلِكَ لا كَوْنُهُ مُوجِبَ تَعَجُّبٍ. فالمَعْنى هُنا: أنَّهم نَفَوْا جَوازَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهم، قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، فَمَعادُهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أعْنِي افْتِتاحَ السُّورَةِ بِحَرْفِ التَّهَجِّي الَّذِي قُصِدَ مِنهُ تَعْجِيزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ لِأنَّ عَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في حالِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ لُغَتِهِمْ يَدُلُّهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ بَشَرٍ بَلْ هو كَلامٌ أبْدَعَتْهُ قُدْرَةُ اللَّهِ وأبْلَغَهُ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى لِسانِ المَلَكِ فَإنَّ المُتَّحَدِّينَ بِالإعْجازِ مَشْهُورُونَ يَعْلَمُهُمُ المُسْلِمُونَ وهم أيْضًا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالتَّحَدِّي بِالإعْجازِ. عَلى أنَّهُ سَيَأْتِي ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ”فَقالَ الكافِرُونَ“ .
وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ . والمُرادُ: أنَّهُ مِن نَوْعِهِمْ أيْ مِن بَنِي الإنْسانِ.
صفحة ٢٧٩
و”أنْ جاءَهم“ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) المَحْذُوفَةِ مَعَ (أنْ)، أيْ عَجِبُوا مِن مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنهم، أوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعاءِ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم.
وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ مُنْذِرٍ وهو المُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ عَجَبَهم كانَ ناشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ في الرَّسُولِ ﷺ إحْداهُما أنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذابٍ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ مُخْبِرٌ بِما لا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
والثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِن نَوْعِ البَشَرِ.
وفَرَّعَ عَلى التَّكْذِيبِ الحاصِلِ في نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وعَنْ شُبْهَتِهِمُ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ الآيَةَ.
وخَصَّ هَذا بِالعِنايَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أدْخَلُ عِنْدَهم في الِاسْتِبْعادِ وأحَقُّ بِالإنْكارِ فَهو الَّذِي غَرَّهم فَأحالُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أحَدًا مِن نَوْعِهِمْ ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّسُولَ ﷺ ابْتِداءً بِصِفَةِ مُنْذِرٍ قَبْلَ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما أنْذَرَهم بِهِ هو الباعِثُ الأصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما قَوّى الِاسْتِبْعادَ والتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنهُ إلى إبْطالِ حُجَّتِهِمْ وإثْباتِ البَعْثِ وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] إلى قَوْلِهِ كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
فَقَدْ حَصَلَ في ضِمْنِ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إيجازُ الحَذْفِ، ومِنها ما أفادَهُ الإضْرابُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ البَعْثِ، ومِنها الإيجازُ البَدِيعُ الحاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِـ ”مُنْذِرٌ“، ومِنها إقْحامُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِأنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا في تَعَجُّبِهِمْ، ومِنها الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، ومِنها الإجْمالُ المُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ.
وعَبَّرَ عَنْهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في ”﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾“ دُونَ: فَقالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن آثارِ الكُفْرِ، ولِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ.
صفحة ٢٨٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ ”هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ“ إلى ما هو جارٍ في مَقامِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ مِن دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالرَّجْعِ، أيِ البَعْثِ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ إلَخْ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإبْطالِ، يُرِيدُونَ تَعْجِيبَ السّامِعِينَ مِن ذَلِكَ تَعْجِيبَ إحالَةٍ لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ.
وجَعَلُوا مَناطَ التَّعْجِيبِ الزَّمانَ الَّذِي أفادَتْهُ (إذا) وما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ زَمَنَ مَوْتِنا وكَوْنِنا تُرابًا.
والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ظَرْفُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ والتَّقْدِيرُ: أنَرْجِعُ إلى الحَياةِ في حِينِ انْعِدامِ الحَياةِ مِنّا بِالمَوْتِ وحِينِ تَفَتُّتِ الجَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ تُرابًا، وذَلِكَ عِنْدَهم أقْصى الِاسْتِبْعادِ.
ومُتَعَلِّقُ (إذا) هو المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ المَحْذُوفُ المُقَدَّرُ، أيْ نَرْجِعُ أوْ نَعُودُ إلى الحَياةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها.
وجُمْلَةُ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ والذِّكْرِ، بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِطَرِيقِ المَجازِ والحَذْفِ، لِأنَّ شَأْنَ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ أجْلى دَلالَةً.
والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَ، أيِ الرُّجُوعُ إلى الحَياةِ.
ومَعْنى ”بَعِيدٌ“ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ تَصَوُّرِ العَقْلِ، أيْ هو أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ.
ق 50:2
﴿ق﴾ القَوْلُ فِيهِ نَظِيرُ القَوْلِ في أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ. فَهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي. وقَدْ رَسَمُوهُ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ حَرْفِ القافِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها في المَكْتَبِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ النُّطْقَ بِها بِاسْمِ الحَرْفِ المَعْرُوفِ، أيْ يَنْطِقُونَ بِقافٍ بَعْدَها ألِفٌ، بَعْدَهُ فاءٌ.
صفحة ٢٧٦
وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ القُرّاءِ عَلى النُّطْقِ بِهِ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ هِجاءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
ووَقَعَ في رِوايَةِ بَعْضِ القَصّاصِينَ المَكْذُوبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ق اسْمُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن جِبالٍ سَبْعَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرَضِينَ السَّبْعِ واحِدًا وراءَ واحِدٍ كَما أنَّ الأرَضِينَ السَّبْعَ أرْضٌ وراءَ أرْضٍ. أيْ فَهو اسْمُ جِنْسٍ انْحَصَرَتْ أفْرادُهُ في سَبْعَةٍ، وأطالُوا في وصْفِ ذَلِكَ بِما أمْلاهُ عَلَيْهِمُ الخَيالُ المَشْفُوعُ بِقِلَّةِ التَّثَبُّتِ فِيما يَرْوُونَهُ لِلْإغْرابِ، وذَلِكَ مِنَ الأوْهامِ المَخْلُوطَةِ بِبَعْضِ أقْوالِ قُدَماءِ المَشْرِقِيِّينَ، وبِسُوءِ فَهْمِ البَعْضِ في عِلْمِ جُغْرافِيَةِ الأرْضِ وتَخَيُّلِهِمْ إيّاها رِقاعًا مُسَطَّحَةً ذاتَ تَقاسِيمَ يُحِيطُ بِكُلِّ قِسْمٍ مِنها ما يَفْصِلُهُ عَنِ القِسْمِ الآخَرِ مِن بِحارٍ وجِبالٍ، وهَذا مِمّا يَنْبَغِي تَرَفُّعُ العُلَماءِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ لَوْلا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوهُ.
ومِنَ العَجَبِ أنَ تُفْرَضَ هَذِهِ الأوْهامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ مِنَ القُرْآنِ ألَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى صُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي مِثْلَ: الم والمص وكهيعص ولَوْ أُرِيدَ الجَبَلُ المَوْهُومُ لَكُتِبَ قافٌ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ كَما تُكْتَبُ دَوالُ الأشْياءِ مِثْلُ عَيْنٍ: اسْمُ الجارِحَةِ، وغَيْنٍ: مَصْدَرُ غانَ عَلَيْهِ، فَلا يَصِحُ أنْ يُدَلَّ عَلى هَذِهِ الأسْماءِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي كَما لا يَخْفى.
* * *
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾
قَسَمٌ بِالقُرْآنِ، والقَسَمُ بِهِ كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِأنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَ المُقْسِمِ فَكانَ التَّعْظِيمُ مِن لَوازِمِ القَسَمِ.
وأتْبَعَ هَذا التَّنْوِيهَ الكِنائِيَّ بِتَنْوِيهٍ صَرِيحٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِـ ”المَجِيدِ“ فالمَجِيدُ المُتَّصِفُ بِقُوَّةِ المَجْدِ. والمَجْدُ ويُقالُ المُجادَّةُ: الشَّرَفُ الكامِلُ وكَرَمُ النَّوْعِ.
صفحة ٢٧٧
وشَرَفُ القُرْآنِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الكَلامِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْلى المَعانِي النّافِعَةِ لِصَلاحِ النّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ.
وأمّا كَمالُ مَجْدِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ بِوَصْفِ ”مَجِيدٍ“ فَذَلِكَ بِأنَّهُ يَفُوقُ أفْضَلَ ما أبْلَغَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن أنْواعِ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى إذْ أوْجَدَ ألْفاظَهُ وتَراكِيبَهُ وصُورَةَ نَظْمِهِ بِقُدْرَتِهِ دُونَ واسِطَةٍ، فَإنَّ أكْثَرَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى أوْجَدَهُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِ يُعَبِّرُونَ بِكَلامِهِمْ عَمّا يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ.
ويَدْخُلُ في كَمالِ مَجْدِهِ أنَّهُ يَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُونِ واسِطَةِ المَلائِكَةِ، ومِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أقْوالِ اللَّهِ تَعالى المُعَبَّرِ عَنْهُ في اصْطِلاحِ عُلَمائِنا بِالحَدِيثِ القُدُسِيِّ، فَإنَّ القُرْآنَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ.
ويَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِوَفْرَةِ مَعانِيهِ وعَدَمِ انْحِصارِها، وأيْضًا بِأنَّهُ تَمَيَّزَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ بِأنَّهُ لا يَنْسَخُهُ كِتابٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ وما يُنْسَخُ مِنهُ إلّا شَيْءٌ قَلِيلٌ يَنْسَخُهُ بَعْضُهُ.
وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ في المَقامِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ابْتِداءُ السُّورَةِ بِحَرْفِ ق المُشْعِرِ بِالنِّداءِ عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الإضْرابُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ .
والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ بِالحَقِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] . أوْ يُقَدَّرُ الجَوابُ: إنَّهُ لَتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْتَقَلًا مِنهُ والقَسَمُ بِدُونِ جَوابٍ لا يُعْتَبَرُ كَلامًا تامًّا فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدِّرَ السّامِعُ جَوابًا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
صفحة ٢٧٨
وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ وحَسَّنَهُ أنَّ الِانْتِقالَ مُشْعِرٌ بِأهَمِّيَّةِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، أيْ عُدْ عَمّا تُرِيدُ تَقْدِيرَهُ مِن جَوابٍ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سَبَبِ إنْكارِهِمُ الَّذِي حَدا بِنا إلى القَسَمِ كَقَوْلِ القائِلِ: دَعْ ذا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَدَعْ ذا وسَلِ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقَوْلِ الأعْشى:
فَدَعْ ذا ولَكِنْ رُبَّ أرْضٍ مُتَيَّهَةٍ ∗∗∗ قَطَعْتُ بِحُرْجُوجٍ إذا اللَّيْلُ أظْلَما
وتَقَدَّمَ بَيانُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] في سُورَةِ ص.
وقَوْلِهِ: ”عَجِبُوا“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ إنْكارًا لِعَجَبِهِمُ البالِغِ حَدَّ الإحالَةِ.
و”عَجِبُوا“ حَصَلَ لَهُمُ العَجَبُ بِفَتْحِ الجِيمِ وهو الأمْرُ غَيْرُ المَأْلُوفِ لِلشَّخْصِ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ في أتَعْجَبِينَ إنْكارٌ وإنَّما تُنْكَرُ إحالَةُ ذَلِكَ لا كَوْنُهُ مُوجِبَ تَعَجُّبٍ. فالمَعْنى هُنا: أنَّهم نَفَوْا جَوازَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهم، قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، فَمَعادُهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أعْنِي افْتِتاحَ السُّورَةِ بِحَرْفِ التَّهَجِّي الَّذِي قُصِدَ مِنهُ تَعْجِيزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ لِأنَّ عَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في حالِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ لُغَتِهِمْ يَدُلُّهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ بَشَرٍ بَلْ هو كَلامٌ أبْدَعَتْهُ قُدْرَةُ اللَّهِ وأبْلَغَهُ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى لِسانِ المَلَكِ فَإنَّ المُتَّحَدِّينَ بِالإعْجازِ مَشْهُورُونَ يَعْلَمُهُمُ المُسْلِمُونَ وهم أيْضًا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالتَّحَدِّي بِالإعْجازِ. عَلى أنَّهُ سَيَأْتِي ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ”فَقالَ الكافِرُونَ“ .
وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ . والمُرادُ: أنَّهُ مِن نَوْعِهِمْ أيْ مِن بَنِي الإنْسانِ.
صفحة ٢٧٩
و”أنْ جاءَهم“ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) المَحْذُوفَةِ مَعَ (أنْ)، أيْ عَجِبُوا مِن مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنهم، أوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعاءِ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم.
وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ مُنْذِرٍ وهو المُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ عَجَبَهم كانَ ناشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ في الرَّسُولِ ﷺ إحْداهُما أنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذابٍ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ مُخْبِرٌ بِما لا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
والثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِن نَوْعِ البَشَرِ.
وفَرَّعَ عَلى التَّكْذِيبِ الحاصِلِ في نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وعَنْ شُبْهَتِهِمُ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ الآيَةَ.
وخَصَّ هَذا بِالعِنايَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أدْخَلُ عِنْدَهم في الِاسْتِبْعادِ وأحَقُّ بِالإنْكارِ فَهو الَّذِي غَرَّهم فَأحالُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أحَدًا مِن نَوْعِهِمْ ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّسُولَ ﷺ ابْتِداءً بِصِفَةِ مُنْذِرٍ قَبْلَ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما أنْذَرَهم بِهِ هو الباعِثُ الأصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما قَوّى الِاسْتِبْعادَ والتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنهُ إلى إبْطالِ حُجَّتِهِمْ وإثْباتِ البَعْثِ وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] إلى قَوْلِهِ كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
فَقَدْ حَصَلَ في ضِمْنِ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إيجازُ الحَذْفِ، ومِنها ما أفادَهُ الإضْرابُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ البَعْثِ، ومِنها الإيجازُ البَدِيعُ الحاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِـ ”مُنْذِرٌ“، ومِنها إقْحامُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِأنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا في تَعَجُّبِهِمْ، ومِنها الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، ومِنها الإجْمالُ المُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ.
وعَبَّرَ عَنْهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في ”﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾“ دُونَ: فَقالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن آثارِ الكُفْرِ، ولِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ.
صفحة ٢٨٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ ”هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ“ إلى ما هو جارٍ في مَقامِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ مِن دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالرَّجْعِ، أيِ البَعْثِ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ إلَخْ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإبْطالِ، يُرِيدُونَ تَعْجِيبَ السّامِعِينَ مِن ذَلِكَ تَعْجِيبَ إحالَةٍ لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ.
وجَعَلُوا مَناطَ التَّعْجِيبِ الزَّمانَ الَّذِي أفادَتْهُ (إذا) وما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ زَمَنَ مَوْتِنا وكَوْنِنا تُرابًا.
والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ظَرْفُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ والتَّقْدِيرُ: أنَرْجِعُ إلى الحَياةِ في حِينِ انْعِدامِ الحَياةِ مِنّا بِالمَوْتِ وحِينِ تَفَتُّتِ الجَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ تُرابًا، وذَلِكَ عِنْدَهم أقْصى الِاسْتِبْعادِ.
ومُتَعَلِّقُ (إذا) هو المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ المَحْذُوفُ المُقَدَّرُ، أيْ نَرْجِعُ أوْ نَعُودُ إلى الحَياةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها.
وجُمْلَةُ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ والذِّكْرِ، بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِطَرِيقِ المَجازِ والحَذْفِ، لِأنَّ شَأْنَ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ أجْلى دَلالَةً.
والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَ، أيِ الرُّجُوعُ إلى الحَياةِ.
ومَعْنى ”بَعِيدٌ“ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ تَصَوُّرِ العَقْلِ، أيْ هو أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ.
ق 50:3
﴿ق﴾ القَوْلُ فِيهِ نَظِيرُ القَوْلِ في أمْثالِهِ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ. فَهو حَرْفٌ مِن حُرُوفِ التَّهَجِّي. وقَدْ رَسَمُوهُ في المُصْحَفِ بِصُورَةِ حَرْفِ القافِ الَّتِي يُتَهَجّى بِها في المَكْتَبِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ النُّطْقَ بِها بِاسْمِ الحَرْفِ المَعْرُوفِ، أيْ يَنْطِقُونَ بِقافٍ بَعْدَها ألِفٌ، بَعْدَهُ فاءٌ.
صفحة ٢٧٦
وقَدْ أجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ القُرّاءِ عَلى النُّطْقِ بِهِ ساكِنَ الآخِرِ سُكُونَ هِجاءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
ووَقَعَ في رِوايَةِ بَعْضِ القَصّاصِينَ المَكْذُوبَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ق اسْمُ جَبَلٍ عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِالأرْضِ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِن جِبالٍ سَبْعَةٍ مُحِيطَةٍ بِالأرَضِينَ السَّبْعِ واحِدًا وراءَ واحِدٍ كَما أنَّ الأرَضِينَ السَّبْعَ أرْضٌ وراءَ أرْضٍ. أيْ فَهو اسْمُ جِنْسٍ انْحَصَرَتْ أفْرادُهُ في سَبْعَةٍ، وأطالُوا في وصْفِ ذَلِكَ بِما أمْلاهُ عَلَيْهِمُ الخَيالُ المَشْفُوعُ بِقِلَّةِ التَّثَبُّتِ فِيما يَرْوُونَهُ لِلْإغْرابِ، وذَلِكَ مِنَ الأوْهامِ المَخْلُوطَةِ بِبَعْضِ أقْوالِ قُدَماءِ المَشْرِقِيِّينَ، وبِسُوءِ فَهْمِ البَعْضِ في عِلْمِ جُغْرافِيَةِ الأرْضِ وتَخَيُّلِهِمْ إيّاها رِقاعًا مُسَطَّحَةً ذاتَ تَقاسِيمَ يُحِيطُ بِكُلِّ قِسْمٍ مِنها ما يَفْصِلُهُ عَنِ القِسْمِ الآخَرِ مِن بِحارٍ وجِبالٍ، وهَذا مِمّا يَنْبَغِي تَرَفُّعُ العُلَماءِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِذِكْرِهِ لَوْلا أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرُوهُ.
ومِنَ العَجَبِ أنَ تُفْرَضَ هَذِهِ الأوْهامُ في تَفْسِيرِ هَذا الحَرْفِ مِنَ القُرْآنِ ألَمْ يَكْفِهِمْ أنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلى صُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي مِثْلَ: الم والمص وكهيعص ولَوْ أُرِيدَ الجَبَلُ المَوْهُومُ لَكُتِبَ قافٌ ثَلاثَةُ حُرُوفٍ كَما تُكْتَبُ دَوالُ الأشْياءِ مِثْلُ عَيْنٍ: اسْمُ الجارِحَةِ، وغَيْنٍ: مَصْدَرُ غانَ عَلَيْهِ، فَلا يَصِحُ أنْ يُدَلَّ عَلى هَذِهِ الأسْماءِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي كَما لا يَخْفى.
* * *
﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بِعِيدٌ﴾
قَسَمٌ بِالقُرْآنِ، والقَسَمُ بِهِ كِنايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ لِأنَّ القَسَمَ لا يَكُونُ إلّا بِعَظِيمٍ عِنْدَ المُقْسِمِ فَكانَ التَّعْظِيمُ مِن لَوازِمِ القَسَمِ.
وأتْبَعَ هَذا التَّنْوِيهَ الكِنائِيَّ بِتَنْوِيهٍ صَرِيحٍ بِوَصْفِ القُرْآنِ بِـ ”المَجِيدِ“ فالمَجِيدُ المُتَّصِفُ بِقُوَّةِ المَجْدِ. والمَجْدُ ويُقالُ المُجادَّةُ: الشَّرَفُ الكامِلُ وكَرَمُ النَّوْعِ.
صفحة ٢٧٧
وشَرَفُ القُرْآنِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الكَلامِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْلى المَعانِي النّافِعَةِ لِصَلاحِ النّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ.
وأمّا كَمالُ مَجْدِهِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُبالَغَةِ بِوَصْفِ ”مَجِيدٍ“ فَذَلِكَ بِأنَّهُ يَفُوقُ أفْضَلَ ما أبْلَغَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن أنْواعِ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى إذْ أوْجَدَ ألْفاظَهُ وتَراكِيبَهُ وصُورَةَ نَظْمِهِ بِقُدْرَتِهِ دُونَ واسِطَةٍ، فَإنَّ أكْثَرَ الكَلامِ الدّالِّ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى أوْجَدَهُ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ المُتَكَلِّمُونَ بِهِ يُعَبِّرُونَ بِكَلامِهِمْ عَمّا يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَحْيِ.
ويَدْخُلُ في كَمالِ مَجْدِهِ أنَّهُ يَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ مِثْلَ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُونِ واسِطَةِ المَلائِكَةِ، ومِثْلَ ما أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ مِن أقْوالِ اللَّهِ تَعالى المُعَبَّرِ عَنْهُ في اصْطِلاحِ عُلَمائِنا بِالحَدِيثِ القُدُسِيِّ، فَإنَّ القُرْآنَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمّا جَعَلَهُ اللَّهُ بِأفْصَحِ اللُّغاتِ وجَعَلَهُ مُعْجِزًا لِبُلَغاءِ أهْلِ تِلْكَ اللُّغَةِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ.
ويَفُوقُ كُلَّ كَلامٍ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ بِوَفْرَةِ مَعانِيهِ وعَدَمِ انْحِصارِها، وأيْضًا بِأنَّهُ تَمَيَّزَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ بِأنَّهُ لا يَنْسَخُهُ كِتابٌ يَجِيءُ بَعْدَهُ وما يُنْسَخُ مِنهُ إلّا شَيْءٌ قَلِيلٌ يَنْسَخُهُ بَعْضُهُ.
وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ في المَقامِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ ابْتِداءُ السُّورَةِ بِحَرْفِ ق المُشْعِرِ بِالنِّداءِ عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ القُرْآنِ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ بِذَلِكَ، أوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ الإضْرابُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ .
والتَّقْدِيرُ: والقُرْآنُ المَجِيدُ إنَّكَ لِرَسُولُ اللَّهِ بِالحَقِّ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ٤] . أوْ يُقَدَّرُ الجَوابُ: إنَّهُ لَتَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ في نَحْوِ ﴿حم﴾ [الزخرف: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢] ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] ونَحْوِ ذَلِكَ. والإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ يَقْتَضِي كَلامًا مُنْتَقَلًا مِنهُ والقَسَمُ بِدُونِ جَوابٍ لا يُعْتَبَرُ كَلامًا تامًّا فَتَعَيَّنَ أنْ يُقَدِّرَ السّامِعُ جَوابًا تَتِمُّ بِهِ الفائِدَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ.
صفحة ٢٧٨
وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ وحَسَّنَهُ أنَّ الِانْتِقالَ مُشْعِرٌ بِأهَمِّيَّةِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، أيْ عُدْ عَمّا تُرِيدُ تَقْدِيرَهُ مِن جَوابٍ، وانْتَقَلَ إلى بَيانِ سَبَبِ إنْكارِهِمُ الَّذِي حَدا بِنا إلى القَسَمِ كَقَوْلِ القائِلِ: دَعْ ذا، وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَدَعْ ذا وسَلِ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقَوْلِ الأعْشى:
فَدَعْ ذا ولَكِنْ رُبَّ أرْضٍ مُتَيَّهَةٍ ∗∗∗ قَطَعْتُ بِحُرْجُوجٍ إذا اللَّيْلُ أظْلَما
وتَقَدَّمَ بَيانُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] في سُورَةِ ص.
وقَوْلِهِ: ”عَجِبُوا“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ إنْكارًا لِعَجَبِهِمُ البالِغِ حَدَّ الإحالَةِ.
و”عَجِبُوا“ حَصَلَ لَهُمُ العَجَبُ بِفَتْحِ الجِيمِ وهو الأمْرُ غَيْرُ المَأْلُوفِ لِلشَّخْصِ ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ في أتَعْجَبِينَ إنْكارٌ وإنَّما تُنْكَرُ إحالَةُ ذَلِكَ لا كَوْنُهُ مُوجِبَ تَعَجُّبٍ. فالمَعْنى هُنا: أنَّهم نَفَوْا جَوازَ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بَشَرًا مِثْلَهم، قالَ تَعالى: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] .
وضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، فَمَعادُهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ أعْنِي افْتِتاحَ السُّورَةِ بِحَرْفِ التَّهَجِّي الَّذِي قُصِدَ مِنهُ تَعْجِيزُهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ القُرْآنِ لِأنَّ عَجْزَهم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ في حالِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن حُرُوفِ لُغَتِهِمْ يَدُلُّهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامِ بَشَرٍ بَلْ هو كَلامٌ أبْدَعَتْهُ قُدْرَةُ اللَّهِ وأبْلَغَهُ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ عَلى لِسانِ المَلَكِ فَإنَّ المُتَّحَدِّينَ بِالإعْجازِ مَشْهُورُونَ يَعْلَمُهُمُ المُسْلِمُونَ وهم أيْضًا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالتَّحَدِّي بِالإعْجازِ. عَلى أنَّهُ سَيَأْتِي ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرَ بِقَوْلِهِ: ”فَقالَ الكافِرُونَ“ .
وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”عَجِبُوا“ . والمُرادُ: أنَّهُ مِن نَوْعِهِمْ أيْ مِن بَنِي الإنْسانِ.
صفحة ٢٧٩
و”أنْ جاءَهم“ مَجْرُورٌ بِـ (مِن) المَحْذُوفَةِ مَعَ (أنْ)، أيْ عَجِبُوا مِن مَجِيءِ مُنْذِرٍ مِنهم، أوْ عَجِبُوا مِنِ ادِّعاءِ أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم.
وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ مُنْذِرٍ وهو المُخْبِرُ بِشَرٍّ سَيَكُونُ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ عَجَبَهم كانَ ناشِئًا عَنْ صِفَتَيْنِ في الرَّسُولِ ﷺ إحْداهُما أنَّهُ مُخْبِرٌ بِعَذابٍ يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ، أيْ مُخْبِرٌ بِما لا يُصَدِّقُونَ بِوُقُوعِهِ، وإنَّما أنْذَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ البَعْثِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] .
والثّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِن نَوْعِ البَشَرِ.
وفَرَّعَ عَلى التَّكْذِيبِ الحاصِلِ في نُفُوسِهِمْ ذِكْرَ مَقالَتِهِمُ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْهُ وعَنْ شُبْهَتِهِمُ الباطِلَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ الآيَةَ.
وخَصَّ هَذا بِالعِنايَةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أدْخَلُ عِنْدَهم في الِاسْتِبْعادِ وأحَقُّ بِالإنْكارِ فَهو الَّذِي غَرَّهم فَأحالُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ إلَيْهِمْ أحَدًا مِن نَوْعِهِمْ ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّسُولَ ﷺ ابْتِداءً بِصِفَةِ مُنْذِرٍ قَبْلَ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ما أنْذَرَهم بِهِ هو الباعِثُ الأصْلِيُّ لِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما قَوّى الِاسْتِبْعادَ والتَّعَجُّبَ.
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ يُتَخَلَّصُ مِنهُ إلى إبْطالِ حُجَّتِهِمْ وإثْباتِ البَعْثِ وهو المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] إلى قَوْلِهِ كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
فَقَدْ حَصَلَ في ضِمْنِ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ خُصُوصِيّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إيجازُ الحَذْفِ، ومِنها ما أفادَهُ الإضْرابُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ البَعْثِ، ومِنها الإيجازُ البَدِيعُ الحاصِلُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِـ ”مُنْذِرٌ“، ومِنها إقْحامُ وصْفِهِ بِأنَّهُ مِنهم لِأنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا في تَعَجُّبِهِمْ، ومِنها الإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، ومِنها الإجْمالُ المُعَقَّبُ بِالتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ أئِذا مِتْنا﴾ إلَخْ.
وعَبَّرَ عَنْهم بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في ”﴿فَقالَ الكافِرُونَ﴾“ دُونَ: فَقالُوا، لِتَوْسِيمِهِمْ فَإنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن آثارِ الكُفْرِ، ولِيَكُونَ فِيهِ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ.
صفحة ٢٨٠
والإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ ”هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ“ إلى ما هو جارٍ في مَقامِ مَقالَتِهِمْ تِلْكَ مِن دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم لِلْإيمانِ بِالرَّجْعِ، أيِ البَعْثِ وهو الَّذِي بَيَّنَتْهُ جُمْلَةُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ إلَخْ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإبْطالِ، يُرِيدُونَ تَعْجِيبَ السّامِعِينَ مِن ذَلِكَ تَعْجِيبَ إحالَةٍ لِئَلّا يُؤْمِنُوا بِهِ.
وجَعَلُوا مَناطَ التَّعْجِيبِ الزَّمانَ الَّذِي أفادَتْهُ (إذا) وما أُضِيفَ إلَيْهِ، أيْ زَمَنَ مَوْتِنا وكَوْنِنا تُرابًا.
والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ظَرْفُ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ والتَّقْدِيرُ: أنَرْجِعُ إلى الحَياةِ في حِينِ انْعِدامِ الحَياةِ مِنّا بِالمَوْتِ وحِينِ تَفَتُّتِ الجَسَدِ وصَيْرُورَتِهِ تُرابًا، وذَلِكَ عِنْدَهم أقْصى الِاسْتِبْعادِ.
ومُتَعَلِّقُ (إذا) هو المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ المَحْذُوفُ المُقَدَّرُ، أيْ نَرْجِعُ أوْ نَعُودُ إلى الحَياةِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها.
وجُمْلَةُ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”أئِذا مُتْنا وكُنّا تُرابًا“ بِطَرِيقِ الحَقِيقَةِ والذِّكْرِ، بَعْدَ أنْ أُفِيدَ بِطَرِيقِ المَجازِ والحَذْفِ، لِأنَّ شَأْنَ التَّأْكِيدِ أنْ يَكُونَ أجْلى دَلالَةً.
والرَّجْعُ: مَصْدَرُ رَجَعَ، أيِ الرُّجُوعُ إلى الحَياةِ.
ومَعْنى ”بَعِيدٌ“ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ تَصَوُّرِ العَقْلِ، أيْ هو أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ.
ق 50:4
﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾
رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ”ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ“ فَإنَّ إحالَتَهُمُ البَعْثَ ناشِئَةٌ عَنْ عِدَّةِ شُبَهٍ: مِنها: أنَّ تَفَرُّقَ أجْزاءِ الأجْسادِ في مَناحِي الأرْضِ ومَهابِّ الرِّياحِ لا تُبْقِي أمَلًا في إمْكانِ جَمْعِها إذْ لا يُحِيطُ بِها مُحِيطٌ وأنَّها لَوْ عُلِمَتْ مَواقِعُها لَتَعَذَّرَ التِقاطُها وجَمْعُها، ولَوْ جُمِعَتْ كَيْفَ تَعُودُ إلى صُوَرِها الَّتِي كانَتْ مُشْكِلَةً بِها، وأنَّها لَوْ عادَتْ كَيْفَ تَعُودُ إلَيْها، فاقْتَصَرَ في إقْلاعِ شُبَهِهِمْ عَلى إقْلاعِ أصْلِها وهو عَدَمُ العِلْمِ بِمَواقِعِ تِلْكَ الأجْزاءِ وذَرّاتِها.
صفحة ٢٨١
وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّها ابْتِداءُ كَلامٍ لِرَدِّ كَلامِهِمْ، وهَذا هو الألْيَقُ بِنَظْمِ الكَلامِ.
وقِيلَ هي جَوابُ القَسَمِ كَما عَلِمْتَهُ آنِفًا وأيًّا ما كانَ فَهو رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ”﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]“ .
والمَعْنى: أنَّ جَمْعَ أجْزاءِ الأجْسامِ مُمْكِنٌ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ، وإذا كانَ عالِمًا بِتِلْكَ الأجْزاءِ كَما هو مُقْتَضى عُمُومِ العِلْمِ الإلَهِيِّ وكانَ قَدْ أرادَ إحْياءَ أصْحابِها كَما أخْبَرَ بِهِ، فَلا يَعْظُمُ عَلى قُدْرَتِهِ جَمْعُها وتَرْكِيبُها أجْسامًا كَأجْسامِ أصْحابِها حِينَ فارَقُوا الحَياةَ فَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ إيماءٌ إلى دَلِيلِ الإمْكانِ لِأنَّ مَرْجِعَهُ إلى عُمُومِ العِلْمِ كَما قُلْنا.
فَأساسُ مَبْنى الرَّدِّ هو عُمُومُ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يَجْمَعُ إبْطالَ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ شُبْهَتِهِمْ فَلَوْ قالَ: نَحْنُ قادِرُونَ عَلى إرْجاعِ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم، لَخَطَرَ في وساوِسِ نُفُوسِهِمْ شُبْهَةُ أنَّ اللَّهَ وإنْ سَلَّمَنا أنَّهُ قادِرٌ فَإنَّ أجْزاءَ الأجْسادِ إذا تَفَرَّقَتْ لا يَعْلَمُها اللَّهُ حَتّى تَتَسَلَّطَ عَلى جَمْعِها قُدْرَتُهُ فَكانَ البِناءُ عَلى عُمُومِ العِلْمِ أقْطَعَ لِاحْتِمالاتِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ بَيانٌ لِلْإمْكانِ رَعْيًا لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم مِنَ الإحالَةِ لِأنَّ ثُبُوتَ الإمْكانِ يَقْلَعُ اعْتِقادَ الِاسْتِحالَةِ مِن نُفُوسِهِمْ وهو كافٍ لِإبْطالِ تَكْذِيبِهِمْ ولِاسْتِدْعائِهِمْ لِلنَّظَرِ في الدَّعْوَةِ، ثُمَّ يَبْقى النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ الإعادَةِ، وهي أمْرٌ لَمْ نُكَلَّفْ بِالبَحْثِ عَنْهُ وقَدِ اخْتَلَفَ فِيها أئِمَّةُ أهْلِ السُّنَّةِ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ: تُعادُ الأجْسامُ بَعْدَ عَدَمِها. ومَعْنى إعادَتِها، إعادَةُ أمْثالِها بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ أجْسادًا مِثْلَ الأُولى تُودَعُ فِيها الأرْواحُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا حالَّةً في الأجْسادِ المَعْدُومَةِ الآنَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الجِسْمُ لِصاحِبِ الرُّوحِ في الدُّنْيا وبِذَلِكَ يَحِقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا هو فُلانٌ الَّذِي عَرَفْناهُ في الدُّنْيا إذِ الإنْسانُ كانَ إنْسانًا بِالعَقْلِ والنُّطْقِ، وهُما مَظْهَرُ الرُّوحِ. وأمّا الجَسَدُ فَإنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّراتٍ كَثِيرَةٍ ابْتِداءً مِن وقْتِ كَوْنِهِ جَنِينًا، ثُمَّ مِن وقْتِ الطُّفُولَةِ ثُمَّ ما بَعْدَها مِنَ الأطْوارِ فَتَخْلُفُ أجْزاؤُهُ المُتَجَدِّدَةُ أجْزاءَهُ المُتَقَضِّيَةَ، وبُرْهانُ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ في عِلْمِ الطَّبِيعِيّاتِ، لَكِنَّ ذَلِكَ التَّغَيُّرَ لَمْ يَمْنَعْ مِنِ اعْتِبارِ الذّاتِ ذاتًا واحِدَةً لِأنَّ هُوِيَّةَ الذّاتِ حاصِلَةٌ مِنَ الحَقِيقَةِ
صفحة ٢٨٢
النَّوْعِيَّةِ والمُشَخِّصاتِ المُشاهَدَةِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ بِدُونِ شُعُورِ مَن يُشاهِدُها.
فَلِذا كانَتْ حَقِيقَةُ الشَّخْصِ هي الرُّوحُ وهي الَّتِي تُكْتَسى عِنْدَ البَعْثِ جَسَدَ صاحِبِها في الدُّنْيا، فَإنَّ النّاسَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ بِزَمَنٍ قَلِيلٍ لا تَبْلى في مِثْلِهِ أجْسامُهم تَرْجِعُ أرْواحُهم إلى أجْسادِهِمُ الباقِيَةِ دُونَ تَجْدِيدِ خَلْقِها، ولِذَلِكَ فَتَسْمِيَةُ هَذا الإيجادِ مَعادًا أوْ رَجْعًا أوْ بَعْثًا إنَّما هي تَسْمِيَةٌ بِاعْتِبارِ حالِ الأرْواحِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ أيْضًا تَشْهَدُ عَلى الكُفّارِ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لِأنَّ الشّاهِدَ في الحَقِيقَةِ هو ما بِهِ إدْراكُ الأعْمالِ مِنَ الرُّوحِ المَبْثُوثَةِ في الأعْضاءِ.
وأدِلَّةُ الكِتابِ أكْثَرُها ظاهِرٌ في تَأْيِيدِ هَذا الرَّأْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] .
وقالَ شُذُوذٌ: تُعادُ الأجْسامُ بِجَمْعِ الأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ يَجْمَعُها اللَّهُ العَلِيمُ بِها ويُرَكِّبُها كَما كانَتْ يَوْمَ الوَفاةِ. وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ أجْزاءَ الجِسْمِ الإنْسانِيِّ إذا تَفَرَّقَتْ دَخَلَتْ في أجْزاءٍ مِن أجْسامٍ أُخْرى مِن مُخْتَلِفِ المَوْجُوداتِ ومِنها أجْسامُ أُناسٍ آخَرِينَ.
ووَرَدَ في الآثارِ: ”«أنَّ كُلَّ ابْنِ آدَمَ يَفْنى إلّا عَجَبُ الذَّنْبِ مِنهُ خُلِقَ ومِنهُ يُرَكَّبُ» “ رَواهُ مُسْلِمٌ. وعَلى هَذا تَكُونُ نِسْبَةُ الأجْسادِ المُعادَةِ كَنِسْبَةِ النَّخْلَةِ مِنَ النَّواةِ. وهَذا واسِطَةٌ بَيْنَ القَوْلِ بِأنَّ الإعادَةَ عَنْ عَدَمٍ والقَوْلِ بِأنَّها عَنْ تَفَرُّقٍ.
ولا قائِلَ مِنَ العُقَلاءِ بِأنَّ المَعْدُومَ يُعادُ بِعَيْنِهِ وإنَّما المُرادُ ما ذَكَرْناهُ وما عَداهُ مُجازَفَةٌ في التَّعْبِيرِ.
وذَكَرَ الجَلالُ الدَّوانِيُّ في شَرْحِ العَقِيدَةِ العَضُدِيَّةِ أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ لَمّا سَمِعَ ما في القُرْآنِ مِنَ الإعادَةِ جاءَ إلى النَّبِيءِ ﷺ وبِيَدِهِ عَظْمٌ قَدْ رُمَّ فَفَتَّتَهُ بِيَدِهِ وقالَ: يا مُحَمَّدُ أتُرى يُحْيِينِي بَعْدَ أنْ أصِيرَ كَهَذا العَظْمِ ؟ فَقال لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «نَعَمْ ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ النّارَ» . وفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .
وعَبَّرَ بِـ ”تَنْقُصُ الأرْضُ“ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالإعْدامِ لِأنَّ لِلْأجْسادِ دَرَجاتٍ مِنَ
صفحة ٢٨٣
الِاضْمِحْلالِ تَدْخُلُ تَحْتَ حَقِيقَةِ النَّقْصِ فَقَدْ يَفْنى بَعْضُ أجْزاءِ الجَسَدِ ويَبْقى بَعْضُهُ، وقَدْ يَأْتِي الفَناءُ عَلى جَمِيعِ أجْزائِهِ، عَلى أنَّهُ إذا صَحَّ أنَّ عَجَبَ الذَّنْبِ لا يَفْنى كانَ فَناءُ الأجْسادِ نَقْصًا لا انْعِدامًا.
وعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ قَوْلُهُ: ”وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ“ عَطْفَ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ، وهو بِمَعْنى تَذْيِيلٍ لِجُمْلَةِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ وعِنْدَنا عِلْمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ثابِتًا فَتَنْكِيرُ ”كِتابٌ“ لِلتَّعْظِيمِ، وهو تَعْظِيمُ التَّعْمِيمِ، أيْ عِنْدِنا كِتابُ كُلِّ شَيْءٍ.
و”حَفِيظٌ“ فَعِيلٌ: إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ حافِظٍ لِما جُعِلَ لِإحْصائِهِ مِن أسْماءِ الذَّواتِ ومَصائِرِها. وتَعْيِينِ جَمِيعِ الأرْواحِ لِذَواتِها الَّتِي كانَتْ مُودَعَةً فِيها بِحَيْثُ لا يَفُوتُ واحِدٌ مِنها عَنِ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالبَعْثِ وإعادَةِ الأجْسادِ وبَثِّ الأرْواحِ فِيها.
وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَحْفُوظٍ ما فِيهِ مِمّا قَدْ يَعْتَرِي الكُتُبَ المَأْلُوفَةَ مِنَ المَحْوِ والتَّغْيِيرِ والزِّيادَةِ والتَّشْطِيبِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
والكِتابُ: المَكْتُوبُ، ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ الصَّحائِفِ.
ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ حَقِيقَةً بِأنْ جَعَلَ اللَّهُ كُتُبًا وأوْدَعَها إلى مَلائِكَةٍ يُسَجِّلُونَ فِيها النّاسَ حِينَ وفَياتِهِمْ ومَواضِعِ أجْسادِهِمْ ومَقارِّ أرْواحِهِمْ وانْتِسابِ كُلِّ رُوحٍ إلى جَسَدِها المُعَيَّنِ الَّذِي كانَتْ حالَّةً فِيهِ حالَ الحَياةِ الدُّنْيا صادِقًا بِكُتُبٍ عَدِيدَةٍ لِكُلِّ إنْسانٍ كِتابُهُ، وتَكُونُ مِثْلَ صَحائِفِ الأعْمالِ الَّذِي جاءَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وقَوْلُهُ ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ”﴿وعِنْدَنا كِتابٌ﴾“ تَمْثِيلًا لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِحالِ عِلْمِ مَن عِنْدَهُ كِتابٌ حَفِيظٌ يَعْلَمُ بِهِ جَمِيعَ أعْمالِ النّاسِ.
والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ: ”وعِنْدَنا كِتابٌ“ مُسْتَعارَةٌ لِلْحِياطَةِ والحِفْظِ مِن أنْ يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ ما يُغَيِّرُ ما فِيهِ أوْ مَن يُبْطِلُ ما عُيِّنَ لَهُ.
ق 50:5
صفحة ٢٨٤
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾
إضْرابٌ ثانٍ تابِعٌ لِلْإضْرابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] عَلى طَرِيقَةِ تَكْرِيرِ الجُمْلَةِ في مَقامِ التَّنْدِيدِ والإبْطالِ، أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] لِأنَّ ذَلِكَ العَجَبَ مُشْتَمِلٌ عَلى التَّكْذِيبِ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ يَقْتَضِيانِ فَصْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِدُونِ عاطِفٍ.
والمَقْصِدُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ: أنَّهم أتَوْا بِأفْظَعَ مِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ وذَلِكَ هو التَّكْذِيبُ بِالحَقِّ.
والمُرادُ بِالحَقِّ هُنا القُرْآنُ لِأنَّ فِعْلَ التَّكْذِيبِ إذا عُدِّيَ بِالباءِ عُدِّيَ إلى الخَبَرِ وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ كانَ لِتَكْذِيبِ المُخْبِرِ.
و(لَمّا) حَرْفُ تَوْقِيتٍ فَهي دالَّةٌ عَلى رَبْطِ حُصُولِ جَوابِها بِوَقْتِ حُصُولِ شَرْطِها فَهي مُؤْذِنَةٌ بِمُبادَرَةِ حُصُولِ الجَوابِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَدْ مَضَيا في سُورَةِ البَقَرَةِ. ومَعْنى ”جاءَهم“ بَلَغَهم وأُعْلِمُوا بِهِ.
والمَعْنى: أنَّهم بادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ دُونَ تَأمُّلٍ ولا نَظَرٍ فِيما حَواهُ مِنَ الحَقِّ بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ فَكَذَّبُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وهو أوَّلُ حَقٍّ جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [ق: ١١] .
فالتَّكْذِيبُ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ يَعُمُّ التَّكْذِيبَ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ.
وفُرِّعَ عَلى الخَبَرِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ بِالإضْرابِ وصَفُ حالِهِمُ النّاشِئَةِ عَنِ المُبادَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ قَبْلَ التَّأمُّلِ بِأنَّها ”أمْرٌ مَرِيجٌ“ أحاطَ بِهِمْ وتَجَلْجَلُوا فِيهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ.
و”أمْرٍ“ اسْمٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ شَيْءٍ، ولَمّا وقَعَ هُنا بَعْدَ حَرْفِ (في) المُسْتَعْمَلِ في الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ الحالَ المُتَلَبِّسُونَ هم بِهِ تَلَبُّسَ المَظْرُوفِ بِظَرْفِهِ وهو تَلَبُّسُ المَحُوطِ بِما أحاطَ بِهِ فاسْتِعْمالُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ.
صفحة ٢٨٥
والمَرِيجُ: المُضْطَرِبُ المُخْتَلِطُ، أيْ لا قَرارَ في أنْفُسِهِمْ في هَذا التَّكْذِيبِ، اضْطَرَبَتْ فِيهِ أحْوالُهم كُلُّها مِن أقْوالِهِمْ في وصْفِ القُرْآنِ فَإنَّهُمُ ابْتَدَرُوا فَنَفَوْا عَنْهُ الصِّدْقَ فَلَمْ يَتَبَيَّنُوا بِأيِّ أنْواعِ الكَلامِ الباطِلِ يُلْحِقُونَهُ فَقالُوا: ”سِحْرٌ مَبِينٌ“ وقالُوا: ”أساطِيرُ الأوَّلِينَ“ وقالُوا: ”قَوْلُ شاعِرٍ“، وقالُوا: ”قَوْلُ كاهِنٍ“ وقالُوا: هَذَيانُ مَجْنُونٍ. وفي سُلُوكِهِمْ في طُرُقِ مُقاوَمَةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ وما يَصِفُونَهُ بِهِ إذا سَألَهُمُ الوارِدُونَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ. ومَن بَهَتَهم في إعْجازِ القُرْآنِ ودَلالَةِ غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وما دَمَغَهم بِهِ مِنَ الحُجَجِ عَلى إبْطالِ الإشْراكِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لِلَّهِ. وهَذا تَحْمِيقٌ لَهم بِأنَّهم طاشَتْ عُقُولُهم فَلَمْ يُتْقِنُوا التَّكْذِيبَ ولَمْ يَرْسُوا عَلى وصْفِ الكَلامِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ.
ق 50:6
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] إلى قَوْلِهِ: ”مَرِيجٍ“ لِأنَّ أهَمَّ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالبَعْثِ، وخَلْقُ السَّماواتِ والنُّجُومِ والأرْضِ دالٌّ عَلى أنَّ إعادَةَ الإنْسانِ بَعْدَ العَدَمِ في حَيِّزِ الإمْكانِ فَتِلْكَ العَوالِمُ وُجِدَتْ عَنْ عَدَمٍ وهَذا أدَلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا. والنَّظَرُ نَظَرُ الفِكْرِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] .
ومَحَلُّ الإنْكارِ هو الحالُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها كَيْفَ بَنَيْناها، أيْ ألَمْ يَتَدَبَّرُوا في شَواهِدِ الخَلِيقَةِ فَتَكُونُ الآيَةُ في مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الروم: ٨] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، والنَّظَرُ المُشاهَدَةُ، ومَحَلُّ التَّقْرِيرِ هو فِعْلُ ”يَنْظُرُوا“، أوْ يَكُونَ ”كَيْفَ“ مُرادًا بِهِ الحالُ المُشاهَدَةُ.
هَذا وأنَّ التَّقْرِيرَ عَلى نَفْيِ الشَّيْءِ المُرادِ الإقْرارُ بِإثْباتِهِ طَرِيقَةً قُرْآنِيَّةً ذَكَرْناها غَيْرَ
صفحة ٢٨٦
مَرَّةٍ، وبَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِنهُ إفْساحُ المَجالِ لِلْمُقَرَّرِ إنْ كانَ يَرُومُ إنْكارَ ما قُرِّرَ عَلَيْهِ، ثِقَةً مِنَ المُقَرِّرِ بِكَسْرِ الرّاءِ بِأنَّ المُقَرَّرَ بِالفَتْحِ لا يُقْدِمُ عَلى الجُحُودِ بِما قُرِّرَ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقَوْلِهِ: ”ألَسْتُ بِرَبِّكم“ كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ.
وهَذا الوَجْهُ أشَدُّ في النَّعْيِ عَلَيْهِمْ لِاقْتِضائِهِ أنَّ دَلالَةَ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةَ عَلى إمْكانِ البَعْثِ يَكْفِي فِيها مُجَرَّدُ النَّظَرِ بِالعَيْنِ.
و”فَوْقَهم“ حالٌ مِنَ السَّماءِ. والتَّقْيِيدُ بِالحالِ تَنْدِيدٌ عَلَيْهِمْ لِإهْمالِهِمُ التَّأمُّلَ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ إذِ السَّماءُ قَرِيبَةٌ فَوْقَهم لا يُكَلِّفُهُمُ النَّظَرُ فِيها إلّا رَفْعَ رُءُوسِهِمْ.
و(كَيْفَ) اسْمُ جامِدٌ مَبْنِيٌّ مَعْناهُ: حالَةٌ، وأكْثَرُ ما يَرِدُ في الكَلامِ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالَةِ فَيَكُونُ خَبَرًا قَبْلَ ما لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ مِثْلَ: كَيْفَ أنْتَ ؟ وحالًا قَبْلَ ما يُسْتَغْنى عَنْهُ نَحْوَ: كَيْفَ جاءَ ؟ ومَفْعُولًا مُطْلَقًا نَحْوَ: ”كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ“، ومَفْعُولًا بِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١] . وهي هُنا بَدَلٌ مِن ”فَوْقِهِمْ“ فَتَكُونُ حالًا في المَعْنى. والتَّقْدِيرُ: أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم هَيْئَةَ بَنْيِنا إيّاها، وتَكُونُ جُمْلَةُ ”بَنَيْناها“ مُبَيِّنَةً لِـ ”كَيْفَ“ .
وأُطْلِقَ البِناءُ عَلى خَلْقِ العَلَوِيّاتِ بِجامِعِ الِارْتِفاعِ.
والمُرادُ بِـ ”السَّماءِ“ هُنا ما تَراهُ العَيْنُ مِن كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي تَبْدُو كالقُبَّةِ وتُسَمّى الجَوَّ.
والتَّزْيِينُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَيْنا، أيْ حَسَنًا أيْ تَحْسِينُ مَنظَرِها لِلرّائِي بِما يَبْدُو فِيها مِنَ الشَّمْسِ نَهارًا والقَمَرِ والنُّجُومِ لَيْلًا.
واقْتَصَرَ عَلى آيَةِ تَزْيِينِ السَّماءِ دُونَ تَفْصِيلِ ما في الكَواكِبِ المُزَيَّنَةِ بِها مِنَ الآياتِ لِأنَّ التَّزْيِينَ يَشْتَرِكُ في إدْراكِهِ جَمِيعُ الَّذِينَ يُشاهِدُونَهُ ولِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ والِامْتِنانِ بِنِعْمَةِ التَّمْكِينِ مِن مُشاهَدَةِ المَرائِي الحَسَنَةِ كَما قالَ تَعالى
صفحة ٢٨٧
﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] في شَأْنِ خَلْقِ الأنْعامِ في سُورَةِ النَّحْلِ.
ثُمَّ يَتَفاوَتُ النّاسُ في إدْراكِ ما في خَلْقِ الكَواكِبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ونِظامِها مِن دَلائِلَ عَلى مِقْدارِ تَفاوُتِ عُلُومِهِمْ وعُقُولِهِمْ.
والآيَةُ صالِحَةٌ لِإفْهامِ جَمِيعِ الطَّبَقاتِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَتَيْ ﴿كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ فَهي حالٌ ثالِثَةٌ في المَعْنى.
والفُرُوجُ: جَمْعُ فَرْجٍ، وهو الخَرْقُ، أيْ يُشاهِدُونَها كَأنَّها كُرَةٌ مُتَّصِلَةُ الأجْزاءِ لَيْسَ بَيْنَ أجْزائِها تَفاوُتٌ يَبْدُو كالخَرْقِ ولا تَباعُدٌ يَفْصِلُ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ فَيَكُونُ خَرْقًا في قُبَّتِها.
وهَذا مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ إذْ يَكُونُ جِسْمٌ عَظِيمٌ كَجِسْمِ كُرَةِ الهَواءِ الجَوِّيِّ مَصْنُوعًا كالمَفْرُوغِ في قالَبٍ.
وهَذا مُشاهِدٌ لِجَمِيعِ طَبَقاتِ النّاسِ عَلى تَفاوُتِ مَدارِكِهِمْ ثُمَّ هم يَتَفاوَتُونَ في إدْراكِ ما في هَذا الصُّنْعِ مِن عَجائِبِ التِئامِ كُرَةِ الجَوِّ المُحِيطِ بِالأرْضِ.
ولَوْ كانَ في أدِيمِ ما يُسَمّى بِالسَّماءِ تُخالِفٌ مِن أجْزائِهِ لَظَهَرَتْ فِيهِ فُرُوجٌ وانْخِفاضٌ وارْتِفاعٌ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ المُلْكِ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [الملك: ٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] .
ق 50:7
﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾
عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ ”أفَلَمْ يَنْظُرُوا“ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ وهو في مَعْنى الإخْبارِ. والتَّقْدِيرُ: ومَدَدْنا الأرْضَ.
ولَمّا كانَتْ أحْوالُ الأرْضِ نُصْبَ أعْيُنِ النّاسِ وهي أقْرَبُ إلَيْهِمْ مِن أحْوالِ السَّماءِ
صفحة ٢٨٨
لِأنَّها تَلُوحُ لِلْأنْظارِ دُونَ تَكَلُّفٍ لَمْ يُؤْتَ في لَفْتِ أنْظارِهِمْ إلى دَلالَتِها بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن نَظَرَ في أحْوالِ الأرْضِ فَلَمْ يَكُونُوا بِحاجَةٍ إلى إعادَةِ الأخْبارِ بِأحْوالِ الأرْضِ تَذْكِيرًا لَهم.
وانْتَصَبَ ”الأرْضَ“ بِـ ”مَدَدْناها“ عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ.
والمَدُّ: البَسْطُ، أيْ بَسَطْنا الأرْضَ فَلَمْ تَكُنْ مَجْمُوعَ نُتُوءاتٍ إذْ لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ المَشْيُ عَلَيْها مُرْهِقًا.
والمُرادُ: بَسْطُ سَطْحِ الأرْضِ ولَيْسَ المُرادُ وصْفَ حَجْمِ الأرْضِ لِأنَّ ذَلِكَ لا تُدْرِكُهُ المُشاهَدَةُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ المُخاطَبُونَ نَظَرَ التَّأمُّلِ فَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِمْ بِما لا يَعْلَمُونَهُ فَلا يُعْتَبَرُ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى القُدْرَةِ عَلى خَلْقِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ولا في سِياقِ الِامْتِنانِ بِما في ذَلِكَ الدَّلِيلِ مِن نِعْمَةٍ فَلا عَلاقَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ بِقَضِيَّةِ كُرَوِيَّةِ الأرْضِ.
والإبْقاءُ: تَمْثِيلٌ لِتَكْوِينِ أجْسامٍ بارِزَةٍ عَلى الأرْضِ مُتَباعِدٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإلْقاءِ: رَمْيُ شَيْءٍ مِنَ اليَدِ إلى الأرْضِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ بِخِلْقَةِ الجِبالِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] . و”فِيها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وصْفٌ لِـ ”رَواسِيَ“ قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ فَصارَ حالًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِـ ”ألْقَيْنا“ .
ورَواسِي: جَمْعُ راسٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ مِثْلَ: فَوارِسُ وعَواذِلُ.
والرُّسُوُّ: الثَّباتُ والقَرارُ.
وفائِدَةُ هَذا الوَصْفِ زِيادَةُ التَّنْبِيهِ إلى بَدِيعِ خَلْقِ اللَّهِ إذْ جَعَلَ الجِبالَ مُتَداخِلَةً مَعَ الأرْضِ ولَمْ تَكُنْ مَوْضُوعَةً عَلَيْها وضْعًا كَما تُوضَعُ الخَيْمَةُ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَتَزَلْزَلَتْ وسَقَطَتْ وأهْلَكَتْ ما حَوالَيْها.
وقَدْ قالَ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] أيْ دَفْعَ أنْ تَمِيدَ هي، أيِ الجِبالُ بِكم، أيْ مُلْصَقَةٌ بِكم في مَيْدِها، وهُنالِكَ وجْهٌ آخَرُ مَضى في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
والزَّوْجُ: النَّوْعُ مِنَ الحَيَوانِ والثِّمارِ والنَّباتِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه.
صفحة ٢٨٩
والمَعْنى: وأنْبَتْنا في الأرْضِ أصْنافَ النَّباتِ وأنْواعَهُ.
وقَوْلُهُ: ”مِن كُلِّ زَوْجٍ“ يُظْهِرُ أنَّ حَرْفَ (مِن) فِيهِ مَزِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ. وزِيادَةُ (مِن) في غَيْرِ النَّفْيِ نادِرَةٌ، أيْ أقَلُّ مِن زِيادَتِها في النَّفْيِ، ولَكِنَّ زِيادَتَها في الإثْباتِ وارِدَةٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ، فَأجازَ القِياسَ عَلَيْهِ نُحاةُ الكُوفَةِ والأخْفَشُ وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وابْنُ جِنِّي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] إنَّ المَعْنى: يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالًا فِيها بَرَدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.
فالمَقْصُودُ مِنَ التَّوْكِيدِ بِحَرْفِ (مِن) تَنْزِيلُهم مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعٍ حِينَ ادَّعَوُا اسْتِحالَةَ إخْراجِ النّاسِ مِنَ الأرْضِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّوْكِيدِ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الكَلامَ فِيها عَلى المُشْرِكِينَ ولَمْ يُؤْتِ بِالتَّوْكِيدِ في آيَةِ سُورَةِ طه.
ولَيْسَتْ (مِن) هُنا لِلتَّبْعِيضِ إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.
فَكَلِمَةُ (كُلُّ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ فِيها ﴿وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ [الأنعام: ٧٠]، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] في سُورَةِ طه.
وفائِدَةُ التَّكْثِيرِ هُنا التَّعْرِيضُ بِهِمْ لِقِلَّةِ تَدْبِيرِهِمْ إذْ عَمُوا عَنْ دَلائِلَ كَثِيرَةٍ واضِحَةٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ.
والبَهِيجُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، يُقالُ: بَهُجَ بِضَمِّ الهاءِ، إذا حَسُنَ في أعْيُنِ النّاظِرِينَ، فالبَهِيجُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُنْبَهَجٌ بِهِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ يُسَرُّ بِهِ النّاظِرُ، يُقالُ: بَهَجَهُ مِن بابِ مَنَعَ، إذا سَرَّهُ، ومِنهُ الِابْتِهاجُ المَسَرَّةُ.
وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ ذِكْرُهُ تَقْوِيَةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى دِقَّةِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، وإدْماجَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لِيَشْكُرُوا النِّعْمَةَ ولا يَكْفُرُوها بِعِبادَةِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٢٩٠
﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥] ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] .
ق 50:8
﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾
مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِلْأفْعالِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ”بَنَيْناها وزَيَّنّاها“ وقَوْلِهِ مَدَدْناها ﴿وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها﴾ [ق: ٧] إلَخْ، عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَها عَلى نَحْوٍ مِن طَرِيقَةِ التَّنازُعِ، أيْ لِيَكُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ ومَعْمُولاتِها تَبْصِرَةً وذِكْرى، أيْ جَعَلْناهُ لِغَرَضِ أنْ نُبَصِّرَ بِهِ ونَذْكُرَ كُلَّ عَبْدٍ مُنِيبٍ.
وحَذَفَ مُتَعَلِّقَ تَبْصِرَةً وذِكْرى لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَصْلُحُ أنْ يُتَبَصَّرَ في شَأْنِهِ بِدَلائِلِ خَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها، وأهَمُّ ذَلِكَ فِيهِمْ هو التَّوْحِيدُ والبَعْثُ كَما هو السِّياقُ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا.
وإنَّما كانَتِ التَّبْصِرَةُ والذِّكْرى عِلَّةً لِلْأفْعالِ المَذْكُورَةِ لِأنَّ التَّبْصِرَةَ والذِّكْرى مِن جُمْلَةِ الحِكَمِ الَّتِي أوْجَدَ اللَّهُ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ لِأجْلِها. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ انْحِصارَ حِكْمَةِ خَلْقِها في التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى، لِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لَها حِكَمٌ كَثِيرَةٌ عَلِمْنا بَعْضَها وخَفِيَ عَلَيْنا بَعْضٌ.
والتَّبْصِرَةُ: مَصْدَرُ بَصَّرَهُ. وأصْلُ مَصْدَرِهِ التَّبْصِيرُ، فَحَذَفُوا الياءَ التَّحْتِيَّةَ مِن أثْناءِ الكَلِمَةِ وعَوَّضُوا عَنْها التّاءَ الفَوْقِيَّةَ في أوَّلِ الكَلِمَةِ كَما قالُوا: جَرَّبَ تَجْرِبَةً وفَسَّرَ تَفْسِرَةً، وذَلِكَ يَقِلُّ في المُضاعَفِ ويَكْثُرُ في المَهْمُوزِ نَحْوَ: جَزَّأ تَجْزِئَةً، ووَطَّأ تَوْطِئَةً. ويَتَعَيَّنُ في المُعْتَلِّ نَحْوَ: زَكّى تَزْكِيَةً، وغَطّاهُ تَغْطِيَةً.
والتَّبْصِيرُ: جَعْلُ المَرْءِ مُبْصِرًا وهو هُنا مَجازٌ في إدْراكِ النَّفْسِ إدْراكًا ظاهِرًا لِلْأمْرِ الَّذِي كانَ خَفِيًّا عَنْها فَكَأنَّها لَمْ تُبْصِرْهُ ثُمَّ أبْصَرَتْهُ.
والذِّكْرى اسْمُ مَصْدَرِ ذَكَرَ، إذا جَعَلَهُ يَذْكُرُ ما نَسِيَهُ. وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى مُراجَعَةِ النَّفْسِ ما عَلِمَتْهُ ثُمَّ غَفَلَتْ عَنْهُ.
و”عَبْدٍ“ بِمَعْنى عَبْدِ اللَّهِ، أيْ مَخْلُوقٍ، ولا يُطْلَقُ إلّا عَلى الإنْسانِ. وجَمْعُهُ: عِبادٌ دُونَ عَبِيدٍ.
صفحة ٢٩١
والمُنِيبُ: الرّاجِعُ، والمُرادُ هُنا الرّاجِعُ إلى الحَقِّ بِطاعَةِ اللَّهِ فَإذا انْحَرَفَ أوْ شَغَلَهُ شاغِلٌ ابْتَدَرَ الرُّجُوعَ إلى ما كانَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ والِامْتِثالِ فَلا يُفارِقُهُ حالُ الطّاعَةِ وإذا فارَقَهُ قَلِيلًا آبَ إلَيْهِ وأنابَ.
وإطْلاقُ المُنِيبِ عَلى التّائِبِ والإنابَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِن تَفارِيعِ هَذا المَعْنى، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤] في سُورَةِ ص.
وخُصَّ العَبْدُ المُنِيبُ بِالتَّبْصِرَةِ والذِّكْرى وإنْ كانَ فِيما ذُكِرَ مِن أحْوالِ الأرْضِ إفادَةُ التَّبْصِرَةِ والذِّكْرى لِكُلِّ أحَدٍ لِأنَّ العَبْدَ المُنِيبَ هو الَّذِي يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَكَأنَّهُ هو المَقْصُودُ مِن حِكْمَةِ تِلْكَ الأفْعالِ. وهَذا تَشْرِيفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضٌ بِإهْمالِ الكافِرِينَ التَّبَصُّرَ والتَّذَكُّرَ. ويُحْمَلُ (كُلِّ) عَلى حَقِيقَةِ مَعْناهُ مِنَ الإحاطَةِ والشُّمُولِ. فالمَعْنى: أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ قُصِدَ مِنها التَّبْصِرَةُ والذِّكْرى لِجَمِيعِ العِبادِ المُتَّبِعِينَ لِلْحَقِّ إذْ لا يَخْلُونَ مِن تَبَصُّرٍ وتَذَكُّرٍ بِتِلْكَ الأفْعالِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهِمْ في ذَلِكَ.
ق 50:9
﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
بَعْدَ التَّنَظُّرِ والتَّذْكِيرِ والتَّبْصِيرِ في صُنْعِ السَّماواتِ وصُنْعِ الأرْضِ وما فِيهِما مِن وقْتِ نَشْأتِهِما نَقَلَ الكَلامَ إلى التَّذْكِيرِ بِإيجادِ آثارٍ مِن آثارِ تِلْكَ المَصْنُوعاتِ تَتَجَدَّدُ عَلى مُرُورِ الدَّهْرِ حَيَّةً ثُمَّ تَمُوتُ ثُمَّ تَحْيا دَأْبًا، وقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ لِهَذا الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ﴾ [ق: ٦] إلى أُسْلُوبِ الإخْبارِ بِقَوْلِهِ ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ إيذانًا بِتَبْدِيلِ المُرادِ لِيَكُونَ مِنهُ تَخْلُصٌ إلى الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في قَوْلِهِ: ”﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]“ . فَجُمْلَةُ ”ونَزَّلَنا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [ق: ٧]“ .
وقَدْ ذُكِرَتْ آثارٌ مِن آثارِ السَّماءِ وآثارِ الأرْضِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ عَلى وفْقِ اللَّفِّ.
والمُبارَكُ: اسْمُ مَفْعُولٍ لِلَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ البَرَكَةُ، أيْ جُعِلَ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
صفحة ٢٩٢
وأفْعالُ هَذِهِ المادَّةِ كَثِيرَةُ التَّصَرُّفِ ومُتَنَوِّعَةُ التَّعْلِيقِ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ لِما يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ مِن إنْباتِ الحُبُوبِ والأعْنابِ والنَّخِيلِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى المُبارَكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي هَذا اسْتِدْلالٌ بِتَفْصِيلِ الإنْباتِ الَّذِي سَبَقَ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] لِما فِيهِ مِن سَوْقِ العُقُولِ إلى التَّأمُّلِ في دَقِيقِ الصُّنْعِ لِذَلِكَ الإنْباتِ وأنَّ حُصُولَهُ بِهَذا السَّبَبِ وعَلى ذَلِكَ التَّطَوُّرِ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ وسَعَةِ عِلْمِهِ مِمّا لَوْ كانَ إنْباتُ الأزْواجِ بِالطَّفْرَةِ، إذْ تَكُونُ حِينَئِذٍ أسْبابُ تَكْوِينِها خَفِيَّةً فَإذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ وما فِيها، ومَدُّ الأرْضِ، وإلْقاءُ الجِبالِ فِيها، دَلائِلَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِخَفاءِ كَيْفِيّاتِ تَكْوِينِها فَإنَّ ظُهُورَ كَيْفِيّاتِ التَّكْوِينِ في إنْزالِ الماءِ وحُصُولِ الإنْباتِ والإثْمارِ دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي ما شُجِّرَ بِالكَرْمِ وأشْجارِ الفَواكِهِ والنَّخِيلِ.
والحَبُّ: هو ما يَنْبُتُ في الزَّرْعِ الَّذِي يُخْرِجُ سَنابِلَ تَحْوِي حُبُوبًا مِثْلَ البُرِّ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ والسُّلْتِ والقَطانِيِّ مِمّا تُحْصَدُ أُصُولُهُ لِيُدَقَّ فَيَخْرُجُ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ.
و”حَبُّ الحَصِيدِ“ مَفْعُولُ ”أنْبَتْنا“ لِأنَّ الحَبَّ مِمّا نَبَتَ تَبَعًا لِنَباتِ سُنْبُلِهِ المَدْلُولِ عَلى إنْباتِهِ بِقَوْلِهِ: ”الحَصِيدِ“ إذْ لا يُحْصَدُ إلّا بَعْدَ أنْ يَنْبُتَ.
والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ، أيِ المَقْطُوعُ مِن جُذُورِهِ لِأكْلِ حَبِّهِ، فَإضافَةُ حَبٍّ إلى الحَصِيدِ عَلى أصْلِها، ولَيْسَتْ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ: الإشارَةُ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ اسْتِحْصالِ ما يَنْفَعُ النّاسَ مِن أنْواعِ النَّباتِ فَإنَّ الجَنّاتِ تُسْتَثْمَرُ وأُصُولُها باقِيَةٌ والحُبُوبُ تُسْتَثْمَرُ بَعْدَ حَصْدِ أُصُولِها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ الحَصِيدِ، مَنافِعَ لِلْأنْعامِ تَأْكُلُهُ بَعْدَ أخْذِ حَبِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] .
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ تَناوُلِ جَنّاتٍ لَهُ لِأنَّهُ أهَمُّ الأشْجارِ عِنْدَهم وثَمَرَهُ أكْثَرُ أقْواتِهِمْ، ولِإتْباعِهِ بِالأوْصافِ لَهُ ولِطَلْعِهِ مِمّا يُثِيرُ تَذَكُّرَ بَدِيعَ قَوامِهِ، وأنِيقَ جَمالِهِ.
صفحة ٢٩٣
والباسِقاتُ: الطَّوِيلاتُ في ارْتِفاعٍ، أيْ عالِياتٌ فَلا يُقالُ: باسِقٌ لِلطَّوِيلِ المُمْتَدِّ عَلى الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ شَدّادٍ: الباسِقاتُ الطَّوِيلاتُ مَعَ الِاسْتِقامَةِ. ولَمْ أرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ولَعَلَّ مُرادَهُ مِنَ الِاسْتِقامَةِ الِامْتِدادُ في الِارْتِفاعِ. وهو بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ عَدا بَنِي العَنْبَرِ مِن تَمِيمٍ يُبْدِلُونَ السِّينَ صادًا في هَذِهِ الكَلِمَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الأصْلُ السِّينُ وإنَّما الصّادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ ﷺ في صَلاةِ الصُّبْحِ قَرَأها بِالصّادِّ. ومِثْلُهُ في ابْنِ عَطِيَّةَ وهو حَدِيثٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
والَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ مَرْوِيَّةٌ بِالسِّينِ. ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: وفي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”باصِقاتٍ“ .
وانْتَصَبَ ”باسِقاتٍ“ عَلى الحالِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإيماءُ إلى بَدِيعِ خِلْقَتِهِ وجَمالِ طَلْعَتِهِ. اسْتِدْلالًا وامْتِنانًا.
والطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِن ثَمَرِ التَّمْرِ، وهو في الكُفُرّى، أيْ غِلافِ العُنْقُودِ.
والنَّضِيدُ: المَنضُودُ، أيِ المُصَفَّفُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ما دامَ في الكُفُرى فَإذا انْشَقَّ عَنْهُ الكُفُرى فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فَهو مَعْناهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ قالَ تَعالى: وطَلْحٍ مَنضُودٍ.
وزِيادَةُ هَذِهِ الحالِ لِلِازْدِيادِ مِنَ الصِّفاتِ النّاشِئَةِ عَنْ بَدِيعِ الصَّنْعَةِ ومِنَ المِنَّةِ بِمَحاسِنِ مَنظَرِ ما أُوتُوهُ.
ق 50:10
﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾
بَعْدَ التَّنَظُّرِ والتَّذْكِيرِ والتَّبْصِيرِ في صُنْعِ السَّماواتِ وصُنْعِ الأرْضِ وما فِيهِما مِن وقْتِ نَشْأتِهِما نَقَلَ الكَلامَ إلى التَّذْكِيرِ بِإيجادِ آثارٍ مِن آثارِ تِلْكَ المَصْنُوعاتِ تَتَجَدَّدُ عَلى مُرُورِ الدَّهْرِ حَيَّةً ثُمَّ تَمُوتُ ثُمَّ تَحْيا دَأْبًا، وقَدْ غَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ لِهَذا الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ﴾ [ق: ٦] إلى أُسْلُوبِ الإخْبارِ بِقَوْلِهِ ﴿ونَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا﴾ إيذانًا بِتَبْدِيلِ المُرادِ لِيَكُونَ مِنهُ تَخْلُصٌ إلى الدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ في قَوْلِهِ: ”﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]“ . فَجُمْلَةُ ”ونَزَّلَنا“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ [ق: ٧]“ .
وقَدْ ذُكِرَتْ آثارٌ مِن آثارِ السَّماءِ وآثارِ الأرْضِ عَلى طَرِيقَةِ النَّشْرِ المُرَتَّبِ عَلى وفْقِ اللَّفِّ.
والمُبارَكُ: اسْمُ مَفْعُولٍ لِلَّذِي جُعِلَتْ فِيهِ البَرَكَةُ، أيْ جُعِلَ فِيهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ.
صفحة ٢٩٢
وأفْعالُ هَذِهِ المادَّةِ كَثِيرَةُ التَّصَرُّفِ ومُتَنَوِّعَةُ التَّعْلِيقِ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ لِما يَتَسَبَّبُ عَلَيْهِ مِن إنْباتِ الحُبُوبِ والأعْنابِ والنَّخِيلِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى المُبارَكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفِي هَذا اسْتِدْلالٌ بِتَفْصِيلِ الإنْباتِ الَّذِي سَبَقَ إجْمالُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] لِما فِيهِ مِن سَوْقِ العُقُولِ إلى التَّأمُّلِ في دَقِيقِ الصُّنْعِ لِذَلِكَ الإنْباتِ وأنَّ حُصُولَهُ بِهَذا السَّبَبِ وعَلى ذَلِكَ التَّطَوُّرِ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ وسَعَةِ عِلْمِهِ مِمّا لَوْ كانَ إنْباتُ الأزْواجِ بِالطَّفْرَةِ، إذْ تَكُونُ حِينَئِذٍ أسْبابُ تَكْوِينِها خَفِيَّةً فَإذا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ وما فِيها، ومَدُّ الأرْضِ، وإلْقاءُ الجِبالِ فِيها، دَلائِلَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِخَفاءِ كَيْفِيّاتِ تَكْوِينِها فَإنَّ ظُهُورَ كَيْفِيّاتِ التَّكْوِينِ في إنْزالِ الماءِ وحُصُولِ الإنْباتِ والإثْمارِ دَلالَةٌ عَلى عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.
والجَنّاتُ: جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي ما شُجِّرَ بِالكَرْمِ وأشْجارِ الفَواكِهِ والنَّخِيلِ.
والحَبُّ: هو ما يَنْبُتُ في الزَّرْعِ الَّذِي يُخْرِجُ سَنابِلَ تَحْوِي حُبُوبًا مِثْلَ البُرِّ والشَّعِيرِ والذُّرَةِ والسُّلْتِ والقَطانِيِّ مِمّا تُحْصَدُ أُصُولُهُ لِيُدَقَّ فَيَخْرُجُ ما فِيهِ مِنَ الحَبِّ.
و”حَبُّ الحَصِيدِ“ مَفْعُولُ ”أنْبَتْنا“ لِأنَّ الحَبَّ مِمّا نَبَتَ تَبَعًا لِنَباتِ سُنْبُلِهِ المَدْلُولِ عَلى إنْباتِهِ بِقَوْلِهِ: ”الحَصِيدِ“ إذْ لا يُحْصَدُ إلّا بَعْدَ أنْ يَنْبُتَ.
والحَصِيدُ: الزَّرْعُ المَحْصُودُ، أيِ المَقْطُوعُ مِن جُذُورِهِ لِأكْلِ حَبِّهِ، فَإضافَةُ حَبٍّ إلى الحَصِيدِ عَلى أصْلِها، ولَيْسَتْ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ.
وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ: الإشارَةُ إلى اخْتِلافِ أحْوالِ اسْتِحْصالِ ما يَنْفَعُ النّاسَ مِن أنْواعِ النَّباتِ فَإنَّ الجَنّاتِ تُسْتَثْمَرُ وأُصُولُها باقِيَةٌ والحُبُوبُ تُسْتَثْمَرُ بَعْدَ حَصْدِ أُصُولِها، عَلى أنَّ في ذَلِكَ الحَصِيدِ، مَنافِعَ لِلْأنْعامِ تَأْكُلُهُ بَعْدَ أخْذِ حَبِّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] .
وخُصَّ النَّخْلُ بِالذِّكْرِ مَعَ تَناوُلِ جَنّاتٍ لَهُ لِأنَّهُ أهَمُّ الأشْجارِ عِنْدَهم وثَمَرَهُ أكْثَرُ أقْواتِهِمْ، ولِإتْباعِهِ بِالأوْصافِ لَهُ ولِطَلْعِهِ مِمّا يُثِيرُ تَذَكُّرَ بَدِيعَ قَوامِهِ، وأنِيقَ جَمالِهِ.
صفحة ٢٩٣
والباسِقاتُ: الطَّوِيلاتُ في ارْتِفاعٍ، أيْ عالِياتٌ فَلا يُقالُ: باسِقٌ لِلطَّوِيلِ المُمْتَدِّ عَلى الأرْضِ. وعَنِ ابْنِ شَدّادٍ: الباسِقاتُ الطَّوِيلاتُ مَعَ الِاسْتِقامَةِ. ولَمْ أرَهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ولَعَلَّ مُرادَهُ مِنَ الِاسْتِقامَةِ الِامْتِدادُ في الِارْتِفاعِ. وهو بِالسِّينِ المُهْمِلَةِ في لُغَةِ جَمِيعِ العَرَبِ عَدا بَنِي العَنْبَرِ مِن تَمِيمٍ يُبْدِلُونَ السِّينَ صادًا في هَذِهِ الكَلِمَةِ. قالَ ابْنُ جِنِّي: الأصْلُ السِّينُ وإنَّما الصّادُ بَدَلٌ مِنها لِاسْتِعْلاءِ القافِ. ورَوى الثَّعْلَبِيُّ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيءَ ﷺ في صَلاةِ الصُّبْحِ قَرَأها بِالصّادِّ. ومِثْلُهُ في ابْنِ عَطِيَّةَ وهو حَدِيثٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
والَّذِي في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ قُطْبَةَ بْنِ مالِكٍ مَرْوِيَّةٌ بِالسِّينِ. ومِنَ العَجِيبِ أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: وفي قِراءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”باصِقاتٍ“ .
وانْتَصَبَ ”باسِقاتٍ“ عَلى الحالِ. والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ الإيماءُ إلى بَدِيعِ خِلْقَتِهِ وجَمالِ طَلْعَتِهِ. اسْتِدْلالًا وامْتِنانًا.
والطَّلْعُ: أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِن ثَمَرِ التَّمْرِ، وهو في الكُفُرّى، أيْ غِلافِ العُنْقُودِ.
والنَّضِيدُ: المَنضُودُ، أيِ المُصَفَّفُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ما دامَ في الكُفُرى فَإذا انْشَقَّ عَنْهُ الكُفُرى فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ. فَهو مَعْناهُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ قالَ تَعالى: وطَلْحٍ مَنضُودٍ.
وزِيادَةُ هَذِهِ الحالِ لِلِازْدِيادِ مِنَ الصِّفاتِ النّاشِئَةِ عَنْ بَدِيعِ الصَّنْعَةِ ومِنَ المِنَّةِ بِمَحاسِنِ مَنظَرِ ما أُوتُوهُ.
ق 50:11
﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾
مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِقَوْلِهِ: ”فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ“ إلى آخِرِهِ، فَهو مَصْدَرٌ، أيْ لِنَرْزُقَ العِبادَ، أيْ نُقَوِّتَهم.
والقَوْلُ في التَّعْلِيلِ بِهِ كالقَوْلِ في التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ”﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ [ق: ٨]“ .
والعِبادُ: النّاسُ وهو جَمْعُ عَبْدٍ بِمَعْنى عَبْدِ اللَّهِ، فَأمّا العَبْدُ المَمْلُوكُ فَجَمْعُهُ العَبِيدُ. وهَذا اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ.
* * *
صفحة ٢٩٤
﴿وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ عَطْفٌ عَلى ”رِزْقًا لِلْعِبادِ“ عَطْفَ الفِعْلِ عَلى الِاسْمِ المُشْتَقِّ مِنَ الفِعْلِ وهو رِزْقُهُ المُشْتَقُّ لِأنَّهُ في مَعْنى: رِزْقُنا العِبادَ وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، أيْ لِرَعْيِ الأنْعامِ والوَحْشِ فَهو اسْتِدْلالٌ وفِيهِ امْتِنانٌ.
والبَلْدَةُ: القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ.
والمَيْتُ بِالتَّخْفِيفِ: مُرادِفُ المَيِّتِ بِالتَّشْدِيدِ قالَ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] .
وتَذْكِيرُ المَيْتِ وهو وصْفٌ لِلْبَلْدَةِ، وهي مُؤَنَّثٌ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبَلَدِ لِأنَّهُ مُرادِفُهُ، وبِالمَكانِ لِأنَّهُ جِنْسُهُ، شَبَّهَ الجَدْبَ بِالمَوْتِ في انْعِدامِ ظُهُورِ الآثارِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ضِدَّهُ وهو إنْباتُ الأرْضِ حَياةً. ويُقالُ لِخِدْمَةِ الأرْضِ اليابِسَةِ وسَقْيِها: إحْياءُ مَواتٍ.
* * *
﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلائِلِ بِصُنْعِ اللَّهِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ لِأنَّ خَلْقَ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ مِن عَدَمٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ إعادَةَ بَعْضِ المَوْجُوداتِ الضَّعِيفَةِ أمْكَنُ وأهْوَنُ، جِيءَ بِما يُفِيدُ تَقْرِيبَ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ الخُرُوجُ“ .
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ السّابِقَةُ فَوَجَبَ انْفِصالُ هَذِهِ الجُمْلَةِ فَتَكُونُ اسْتِئْنافًا أوِ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُهُ وهو الأصَحُّ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ آنِفًا مِن إحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، أيْ كَما أحْيَيْنا الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ نُحْيِي النّاسَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وبِلاهم، مَعَ إفادَتِها تَعْظِيمَ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، أيْ مِثْلُ البَعْثِ العَظِيمِ الإبْداعُ.
والتَّعْرِيفُ في الخُرُوجِ لِلْعَهْدِ، أيْ خُرُوجِ النّاسِ مِنَ الأرْضِ كَما قالَ تَعالى
صفحة ٢٩٥
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا﴾ [المعارج: ٤٣] . فَـ ”الخُرُوجُ“ صارَ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ عَلى البَعْثِ، وسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]“ .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المُبْتَدَأِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ لِما في الخَبَرِ مِن دَفْعِ الِاسْتِحالَةِ وإظْهارِ التَّقْرِيبِ، وفِيهِ تَشْوِيقٌ لِتَلَقِّي المُسْنَدِ إلَيْهِ.
ق 50:12
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَعُقِّبَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِبِدْعٍ في الضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم أُمَمٌ. وذَكَرَ مِنهم أشْهَرَهم في العالَمِ وأشْهَرَهم بَيْنَ العَرَبِ، فَقَوْمُ نُوحٍ أوَّلُ قَوْمٍ كَذَبُوا رَسُولَهم، وفِرْعَوْنُ كَذَّبَ مُوسى، وقَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ وهَؤُلاءِ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ وعادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ فَهم مِنَ العَرَبِ.
وذُكِرُوا هُنا عَقِبَ قَوْمِ نُوحٍ لِلْجامِعِ الخَيالِيِّ بَيْنَ القَوْمَيْنِ وهو جامِعُ التَّضادِّ لِأنَّ عَذابَهم كانَ ضِدَّ عَذابِ قَوْمِ نُوحٍ إذْ كانَ عَذابُهم بِالخَسْفِ وعَذابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ لِشَبَهِ عَذابِهِمْ بِعَذابِ أصْحابِ الرَّسِّ إذْ كانَ عَذابُهم بِرَجْفَةِ الأرْضِ وصَواعِقِ السَّماءِ، ولِأنَّ أصْحابَ الرَّسِّ مِن بَقايا ثَمُودَ، ثُمَّ ذُكِرَتْ عادٌ لِأنَّ عَذابَها كانَ بِحادِثٍ في الجَوِّ وهو الرِّيحُ، ثُمَّ ذُكِرَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِأنَّهم كَذَّبُوا أشْهَرَ الرُّسُلِ قَبْلَ الإسْلامِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم مِن خُلَطاءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وعَبَّرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِـ ”إخْوانُ لُوطٍ“ ولَمْ يَكُونُوا مِن قَبِيلِهِ، فالمُرادُ بِـ ”إخْوانُ“ أنَّهم مُلازِمُونَ. وهم أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورَةَ وقُراهُما وكانَ لُوطٌ ساكِنًا في سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ لِأنَّ أهْلَ سَدُومَ كَنْعانِيُّونَ ولُوطًا عِبْرانِيٌّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ [الشعراء: ١٦١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وذُكِرَ قَوْمُ تُبَّعٍ وهم أهْلُ اليَمَنِ ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَعُدُّونَهم عَرَبًا.
صفحة ٢٩٦
وهَذِهِ الأُمَمُ أصابَها عَذابٌ شَدِيدٌ في الدُّنْيا عِقابًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
والرَّسُّ: يُطْلَقُ اسْمًا لِلْبِئْرِ غَيْرِ المَطْوِيَّةِ ويُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلدَّفْنِ والدَّسِّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهِ هُنا.
وأصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ عُرِفُوا بِالإضافَةِ إلى الرَّسِّ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إضافَتَهم إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَوْطِنِهِ مِثْلَ ”أصْحابِ الأيْكَةِ“، و”أصْحابِ الحِجْرِ“ و”أصْحابِ القَرْيَةِ“ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً إلى حَدَثٍ حَلَّ بِهِمْ مِثْلَ ”أصْحابِ الأُخْدُودِ“ . وفي تَعْيِينِ أصْحابِ الرَّسِّ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ أوْ تِسْعَةٌ وبَعْضُها مُتَداخِلٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الفُرْقانِ. والأظْهَرُ أنَّ إضافَةَ ”أصْحابٍ“ إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ اسْمٍ إلى حَدَثٍ حَدَثَ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْحابَ الرَّسِّ عُوقِبُوا بِخَسْفٍ في الأرْضِ فَوَقَعُوا في مِثْلِ البِئْرِ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ ألْقى أصْحابُهُ فِيهِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمْ حَيًّا فَهو إذَنْ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ وقِيلَ هو (فَلَجٌ) مِن أرْضِ اليَمامَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أصْحابِ الرَّسِّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] .
وأصْحابُ الأيْكَةِ هم مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الدُّخانِ.
وجُمْلَةُ ”كُلٌّ كَذِبَ الرُّسُلَ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾“ إلى آخِرِها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ”﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾“ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كَما حَقَّ عَلى أُولَئِكَ مُرَتَّبًا بِالفاءِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
صفحة ٢٩٧
وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ.
و”حَقَّ“ صَدَقَ وتَحَقَّقَ.
والوَعِيدُ: الإنْذارُ بِالعُقُوبَةِ واقْتَضى الإخْبارُ عَنْهُ بِـ ”حَقَّ“ أنَّ اللَّهَ تَوَعَدَهم بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا وكَذَّبُوا وُقُوعَهُ فَحَقَّ وصَدَقَ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها ”وعِيدِ“ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ وهو كَثِيرٌ.
ق 50:13
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَعُقِّبَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِبِدْعٍ في الضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم أُمَمٌ. وذَكَرَ مِنهم أشْهَرَهم في العالَمِ وأشْهَرَهم بَيْنَ العَرَبِ، فَقَوْمُ نُوحٍ أوَّلُ قَوْمٍ كَذَبُوا رَسُولَهم، وفِرْعَوْنُ كَذَّبَ مُوسى، وقَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ وهَؤُلاءِ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ وعادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ فَهم مِنَ العَرَبِ.
وذُكِرُوا هُنا عَقِبَ قَوْمِ نُوحٍ لِلْجامِعِ الخَيالِيِّ بَيْنَ القَوْمَيْنِ وهو جامِعُ التَّضادِّ لِأنَّ عَذابَهم كانَ ضِدَّ عَذابِ قَوْمِ نُوحٍ إذْ كانَ عَذابُهم بِالخَسْفِ وعَذابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ لِشَبَهِ عَذابِهِمْ بِعَذابِ أصْحابِ الرَّسِّ إذْ كانَ عَذابُهم بِرَجْفَةِ الأرْضِ وصَواعِقِ السَّماءِ، ولِأنَّ أصْحابَ الرَّسِّ مِن بَقايا ثَمُودَ، ثُمَّ ذُكِرَتْ عادٌ لِأنَّ عَذابَها كانَ بِحادِثٍ في الجَوِّ وهو الرِّيحُ، ثُمَّ ذُكِرَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِأنَّهم كَذَّبُوا أشْهَرَ الرُّسُلِ قَبْلَ الإسْلامِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم مِن خُلَطاءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وعَبَّرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِـ ”إخْوانُ لُوطٍ“ ولَمْ يَكُونُوا مِن قَبِيلِهِ، فالمُرادُ بِـ ”إخْوانُ“ أنَّهم مُلازِمُونَ. وهم أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورَةَ وقُراهُما وكانَ لُوطٌ ساكِنًا في سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ لِأنَّ أهْلَ سَدُومَ كَنْعانِيُّونَ ولُوطًا عِبْرانِيٌّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ [الشعراء: ١٦١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وذُكِرَ قَوْمُ تُبَّعٍ وهم أهْلُ اليَمَنِ ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَعُدُّونَهم عَرَبًا.
صفحة ٢٩٦
وهَذِهِ الأُمَمُ أصابَها عَذابٌ شَدِيدٌ في الدُّنْيا عِقابًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
والرَّسُّ: يُطْلَقُ اسْمًا لِلْبِئْرِ غَيْرِ المَطْوِيَّةِ ويُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلدَّفْنِ والدَّسِّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهِ هُنا.
وأصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ عُرِفُوا بِالإضافَةِ إلى الرَّسِّ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إضافَتَهم إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَوْطِنِهِ مِثْلَ ”أصْحابِ الأيْكَةِ“، و”أصْحابِ الحِجْرِ“ و”أصْحابِ القَرْيَةِ“ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً إلى حَدَثٍ حَلَّ بِهِمْ مِثْلَ ”أصْحابِ الأُخْدُودِ“ . وفي تَعْيِينِ أصْحابِ الرَّسِّ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ أوْ تِسْعَةٌ وبَعْضُها مُتَداخِلٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الفُرْقانِ. والأظْهَرُ أنَّ إضافَةَ ”أصْحابٍ“ إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ اسْمٍ إلى حَدَثٍ حَدَثَ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْحابَ الرَّسِّ عُوقِبُوا بِخَسْفٍ في الأرْضِ فَوَقَعُوا في مِثْلِ البِئْرِ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ ألْقى أصْحابُهُ فِيهِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمْ حَيًّا فَهو إذَنْ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ وقِيلَ هو (فَلَجٌ) مِن أرْضِ اليَمامَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أصْحابِ الرَّسِّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] .
وأصْحابُ الأيْكَةِ هم مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الدُّخانِ.
وجُمْلَةُ ”كُلٌّ كَذِبَ الرُّسُلَ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾“ إلى آخِرِها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ”﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾“ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كَما حَقَّ عَلى أُولَئِكَ مُرَتَّبًا بِالفاءِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
صفحة ٢٩٧
وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ.
و”حَقَّ“ صَدَقَ وتَحَقَّقَ.
والوَعِيدُ: الإنْذارُ بِالعُقُوبَةِ واقْتَضى الإخْبارُ عَنْهُ بِـ ”حَقَّ“ أنَّ اللَّهَ تَوَعَدَهم بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا وكَذَّبُوا وُقُوعَهُ فَحَقَّ وصَدَقَ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها ”وعِيدِ“ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ وهو كَثِيرٌ.
ق 50:14
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ وثَمُودُ﴾ ﴿وعادٌ وفِرْعَوْنُ وإخْوانُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَعُقِّبَ بِأنَّهم لَيْسُوا بِبِدْعٍ في الضَّلالِ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم أُمَمٌ. وذَكَرَ مِنهم أشْهَرَهم في العالَمِ وأشْهَرَهم بَيْنَ العَرَبِ، فَقَوْمُ نُوحٍ أوَّلُ قَوْمٍ كَذَبُوا رَسُولَهم، وفِرْعَوْنُ كَذَّبَ مُوسى، وقَوْمُ لُوطٍ كَذَّبُوهُ وهَؤُلاءِ مَعْرُوفُونَ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ، وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ وعادٌ وثَمُودُ وأصْحابُ الأيْكَةِ وقَوْمُ تُبَّعٍ فَهم مِنَ العَرَبِ.
وذُكِرُوا هُنا عَقِبَ قَوْمِ نُوحٍ لِلْجامِعِ الخَيالِيِّ بَيْنَ القَوْمَيْنِ وهو جامِعُ التَّضادِّ لِأنَّ عَذابَهم كانَ ضِدَّ عَذابِ قَوْمِ نُوحٍ إذْ كانَ عَذابُهم بِالخَسْفِ وعَذابُ قَوْمِ نُوحٍ بِالغَرَقِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثَمُودَ لِشَبَهِ عَذابِهِمْ بِعَذابِ أصْحابِ الرَّسِّ إذْ كانَ عَذابُهم بِرَجْفَةِ الأرْضِ وصَواعِقِ السَّماءِ، ولِأنَّ أصْحابَ الرَّسِّ مِن بَقايا ثَمُودَ، ثُمَّ ذُكِرَتْ عادٌ لِأنَّ عَذابَها كانَ بِحادِثٍ في الجَوِّ وهو الرِّيحُ، ثُمَّ ذُكِرَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ لِأنَّهم كَذَّبُوا أشْهَرَ الرُّسُلِ قَبْلَ الإسْلامِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ هم قَوْمُ شُعَيْبٍ وهم مِن خُلَطاءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وعَبَّرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ بِـ ”إخْوانُ لُوطٍ“ ولَمْ يَكُونُوا مِن قَبِيلِهِ، فالمُرادُ بِـ ”إخْوانُ“ أنَّهم مُلازِمُونَ. وهم أهْلُ سَدُومَ وعَمُّورَةَ وقُراهُما وكانَ لُوطٌ ساكِنًا في سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ نَسَبِهِمْ لِأنَّ أهْلَ سَدُومَ كَنْعانِيُّونَ ولُوطًا عِبْرانِيٌّ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم لُوطٌ﴾ [الشعراء: ١٦١] في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وذُكِرَ قَوْمُ تُبَّعٍ وهم أهْلُ اليَمَنِ ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَعُدُّونَهم عَرَبًا.
صفحة ٢٩٦
وهَذِهِ الأُمَمُ أصابَها عَذابٌ شَدِيدٌ في الدُّنْيا عِقابًا عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ. والمَقْصُودُ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والتَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ المُكَذِّبِينَ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
والرَّسُّ: يُطْلَقُ اسْمًا لِلْبِئْرِ غَيْرِ المَطْوِيَّةِ ويُطْلَقُ مَصْدَرًا لِلدَّفْنِ والدَّسِّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهِ هُنا.
وأصْحابُ الرَّسِّ قَوْمٌ عُرِفُوا بِالإضافَةِ إلى الرَّسِّ، فَيُحْتَمَلُ أنَّ إضافَتَهم إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَوْطِنِهِ مِثْلَ ”أصْحابِ الأيْكَةِ“، و”أصْحابِ الحِجْرِ“ و”أصْحابِ القَرْيَةِ“ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً إلى حَدَثٍ حَلَّ بِهِمْ مِثْلَ ”أصْحابِ الأُخْدُودِ“ . وفي تَعْيِينِ أصْحابِ الرَّسِّ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ أوْ تِسْعَةٌ وبَعْضُها مُتَداخِلٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ الفُرْقانِ. والأظْهَرُ أنَّ إضافَةَ ”أصْحابٍ“ إلى الرَّسِّ مِن إضافَةِ اسْمٍ إلى حَدَثٍ حَدَثَ فِيهِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أصْحابَ الرَّسِّ عُوقِبُوا بِخَسْفٍ في الأرْضِ فَوَقَعُوا في مِثْلِ البِئْرِ. وقِيلَ: هو بِئْرٌ ألْقى أصْحابُهُ فِيهِ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْهِمْ حَيًّا فَهو إذَنْ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ وقِيلَ هو (فَلَجٌ) مِن أرْضِ اليَمامَةِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى أصْحابِ الرَّسِّ في سُورَةِ الفُرْقانِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] .
وأصْحابُ الأيْكَةِ هم مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ.
وقَوْمُ تُبَّعٍ هم حِمْيَرُ مِن عَرَبِ اليَمَنِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُهم في سُورَةِ الدُّخانِ.
وجُمْلَةُ ”كُلٌّ كَذِبَ الرُّسُلَ“ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾“ إلى آخِرِها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ”﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾“ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ كَما حَقَّ عَلى أُولَئِكَ مُرَتَّبًا بِالفاءِ عَلى تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَشْرِيفٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلرُّسُلِ السّابِقِينَ.
صفحة ٢٩٧
وتَنْوِينُ (كُلٌّ) تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ أُولَئِكَ.
و”حَقَّ“ صَدَقَ وتَحَقَّقَ.
والوَعِيدُ: الإنْذارُ بِالعُقُوبَةِ واقْتَضى الإخْبارُ عَنْهُ بِـ ”حَقَّ“ أنَّ اللَّهَ تَوَعَدَهم بِهِ فَلَمْ يَعْبَئُوا وكَذَّبُوا وُقُوعَهُ فَحَقَّ وصَدَقَ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها ”وعِيدِ“ لِلرَّعْيِ عَلى الفاصِلَةِ وهو كَثِيرٌ.
ق 50:15
﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
تُشِيرُ فاءُ التَّفْرِيعِ إلى أنَّ هَذا الكَلامَ مُفَرَّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهو جُمْلَةُ أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وقَوْلُهُ: ”تَبْصِرَةً وذِكْرى“ المُعَرِّضُ بِأنَّهم لَمْ يَتَبَصَّرُوا بِهِ ولَمْ يَتَذَكَّرُوا. وقَوْلُهُ: ”﴿فَأنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ﴾ [ق: ٩]“ وقَوْلُهُ: وأحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الخُرُوجُ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ: ”﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾ [ق: ١١]“ .
والِاسْتِفْهامُ المُفَرَّعُ بِالفاءِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وتَغْلِيطٍ لِأنَّهم لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْيَ بِالخَلْقِ الأوَّلِ إذْ لا يُنْكِرُ عاقِلٌ كَمالَ قُدْرَةِ الخالِقِ وعَدَمَ عَجْزِهِ.
و”عَيِينا“ مَعْناهُ عَجَزْنا، وفِعْلُ عَيَّ إذا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ ضَمِيرٌ يُقالُ مُدْغَمًا وهو الأكْثَرُ ويُقالُ: عَيِيَ بِالفَكِّ فَإذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرٌ تَعَيَّنَ الفَكُّ. ومَعْناهُ: عَجَزَ عَنْ إتْقانِ فِعْلٍ ولَمْ يَهْتَدِ لِحِيلَتِهِ. ويُعَدّى بِالباءِ يُقالُ: عَيِيَ بِالأمْرِ والباءُ فِيهِ لِلْمُجاوَزَةِ. وأمّا أعْيا بِالهَمْزَةِ في أوَّلِهِ قاصِرًا فَهو لِلتَّعَبِ بِمَشْيٍ أوْ حَمْلِ ثِقَلٍ وهو فِعْلٌ قاصِرٌ لا يُعَدّى بِالباءِ.
فالمَعْنى: ما عَجَزْنا عَنِ الخَلْقِ الأوَّلِ لِلْإنْسانِ فَكَيْفَ نَعْجَزُ عَنْ إعادَةِ خَلْقِهِ.
و(بَلْ) في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ عَنِ
صفحة ٢٩٨
المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، أيْ بَلْ ما عَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ، أيْ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ويَعْلَمُونَ أنَّ الخَلْقَ الأوَّلَ لِلْأشْياءِ أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الأمْواتِ ولَكِنَّهم تَمَكَّنَ مِنهُمُ اللَّبْسُ الشَّدِيدُ فَأغْشى إدْراكَهم عَنْ دَلائِلِ الإمْكانِ فَأحالُوهُ، فالإضْرابُ عَلى أصْلِهِ مِنَ الإبْطالِ.
واللَّبْسُ: الخَلْطُ لِلْأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ الحَقائِقِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ أوْ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ مُخْتَلِفاتِها بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ.
والمُرادُ مِنهُ اشْتِباهُ المَأْلُوفِ المُعْتادِ الَّذِي لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ بِالواجِبِ العَقْلِيِّ الَّذِي لا يَجُوزُ انْتِفاؤُهُ، فَإنَّهُمُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ إحْياءُ المَوْتى وهو مُمْكِنٌ عَقْلًا بِالأمْرِ المُسْتَحِيلِ في العَقْلِ فَجَزَمُوا بِنَفْيِ إمْكانِهِ فَنَفَوْهُ، وتَرَكُوا القِياسَ بِأنَّهُ مَن قَدِرَ عَلى إنْشاءِ ما لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا هو عَلى إعادَةِ ما كانَ مَوْجُودًا أقْدَرَ.
وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ هَذا الحُكْمِ لَهم وأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِن نُفُوسِهِمْ لا يُفارِقُهُمُ البَتَّةَ، ولِيَتَأتّى اجْتِلابُ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ في الخَبَرِ فَيَدُلُّ عَلى انْغِماسِهِمْ في هَذا اللَّبْسِ وإحاطَتِهِ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ: ”﴿مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾“ ابْتِدائِيَّةٌ وهي صِفَةٌ لِـ ”لَبْسٍ“، أيْ لَبْسٍ واصِلٍ إلَيْهِمْ ومُنْجَرٍّ عَنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ، أيْ مِن لَبْسٍ مِنَ التَّصْدِيقِ بِهِ.
وتَنْكِيرُ لَبْسٍ لِلنَّوْعِيَّةِ وتَنْكِيرُ خَلْقٍ جَدِيدٍ كَذَلِكَ، أيْ ما هو إلّا خَلْقٌ مِن جُمْلَةِ ما يَقَعُ مِن خَلْقِ اللَّهِ الأشْياءَ مِمّا وجَّهَ إحالَتَهُ. ولِتَنْكِيرِهِ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ بِـ ”جَدِيدٍ“ .
والجَدِيدُ: الشَّيْءُ الَّذِي في أوَّلِ أزْمانِ وُجُودِهِ.
وفِي هَذا الوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلَيْهِمْ وتَحْمِيقٌ لَهم مِن إحالَتِهِمُ البَعْثَ، أيِ اجْعَلُوهُ خَلْقًا جَدِيدًا كالخَلْقِ الأوَّلِ، وأيُّ فارِقٍ بَيْنَهُما.
وفِي تَسْمِيَةِ إعادَةِ النّاسِ لِلْبَعْثِ بِاسْمِ الخَلْقِ إيماءٌ إلى أنَّها إعادَةٌ بَعْدَ عَدَمِ الأجْزاءِ لا جَمْعٌ لِمُتَفَرِّقِها، وقَدْ مَضّى القَوْلُ فِيهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.
ق 50:16
صفحة ٢٩٩
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾
هَذا تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ الخَلْقِ الأوَّلِ بِذِكْرِ خَلْقِ الإنْسانِ وهو أهَمُّ في هَذا المَقامِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُرادُ مِنَ الخَلْقِ الأوَّلِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ ﴿ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الَّذِي هو تَتْمِيمٌ لِإحاطَةِ صِفَةِ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] ولِيَنْتَقِلَ الإنْذارُ بِإحْصاءِ أعْمالِ النّاسِ عَلَيْها وهو ما اسْتَرْسَلَ في وصْفِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] إلَخْ.
ووَصَفَ البَعْثَ وصْفَ الجَزاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ [ق: ٢٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] .
وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِاللّامِ و”(قَدْ) مُراعًى فِيهِ المُتَعاطِفاتُ وهي (نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) لِأنَّهم وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ النّاسَ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِأحْوالِهِمْ.
و“ الإنْسانُ ”يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِنهم أوَّلًا المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ المَسُوقُ إلَيْهِمْ هَذا الخَبَرُ، وهو تَعْرِيضٌ بِالإنْذارِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠] .
والباءُ في قَوْلِهِ (بِهِ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، والضَّمِيرُ عائِدُ الصِّلَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَتَكَلَّمُهُ نَفْسُهُ عَلى طَرِيقَةِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.
وفائِدَةُ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ كُلِّ إنْسانٍ التَّنْبِيهُ عَلى سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ كُلِّها فَإذا كانَ يَعْلَمُ حَدِيثَ النَّفْسِ فَلا عَجَبَ أنْ يَعْلَمَ ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم.
والإخْبارُ عَنْ فِعْلِ الخَلْقِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ ظاهِرٌ، وأمّا الإخْبارُ عَنْ عِلْمِ ما تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِهِ تَعالى بِالوَسْوَسَةِ مُتَجَدِّدٌ غَيْرُ مُنْقَضٍ ولا مَحْدُودٍ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، والكِنايَةُ عَنِ التَّحْذِيرِ مِن إضْمارِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ.
صفحة ٣٠٠
وجُمْلَةُ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ“ ونَعْلَمُ ”.
والمَقْصُودُ مِنها تَأْكِيدُ عامِلِها وتَحْقِيقُ اسْتِمْرارِ العِلْمِ بِباطِنِ الإنْسانِ، ومَعْنى تُوَسْوِسُ تَتَكَلَّمُ كَلامًا خَفِيًّا هَمْسًا. ومَصْدَرُهُ الوَسْواسُ والوَسْوَسَةُ أُطْلِقَتْ هُنا مَجازًا عَلى ما يَجُولُ في النَّفْسِ مِنَ الخَواطِرِ والتَّقْدِيراتِ والعَزائِمِ لِأنَّ الوَسْوَسَةَ أقْرَبُ شَيْءٍ تُشَبَّهُ بِهِ تِلْكَ الخَواطِرُ وأحْسَنُ ما يُسْتَعارُ لَها لِأنَّها تَجْمَعُ مُخْتَلِفَ أحْوالِ ما يَجُولُ في العَقْلِ مِنَ التَّقادِيرِ وما عَداها مِن نَحْوِ ألْفاظِ التَّوَهُّمِ والتَّفَكُّرِ إنَّما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الخَواطِرِ دُونَ بَعْضٍ.
والحَبْلُ: هُنا واحِدُ حِبالِ الجِسْمِ. وهي العُرُوقُ الغَلِيظَةُ المَعْرُوفَةُ في الطِّبِّ بِالشَّرايِينِ، واحِدُها: شَرْيانٌ بِفَتْحِ الشِّينِ المُهْمَلَةِ وتُكْسَرُ وبِسُكُونِ الرّاءِ وتُعْرَفُ بِالعُرُوقِ الضَّوارِبِ ومَنبَتُها مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِن تَجْوِيفَيِ القَلْبِ. ولِلشَّرايِينِ عَمَلٌ كَثِيرٌ في حَياةِ الجِسْمِ لِأنَّها الَّتِي تُوصِلُ الدَّمَ مِنَ القَلْبِ إلى أهَمِّ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ مِثْلَ الرِّئَةِ والدِّماغِ والنُّخاعِ والكُلْيَتَيْنِ والمَعِدَةِ والأمْعاءِ. ولِلشَّرايِينِ أسْماءٌ بِاعْتِبارِ مَصابِّها مِنَ الأعْضاءِ الرَّئِيسِيَّةِ.
والوَرِيدُ: واحِدٌ مِنَ الشَّرايِينِ وهو ثانِي شَرْيانَيْنِ يَخْرُجانِ مِنَ التَّجْوِيفِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ. واسْمُهُ في عِلْمِ الطِّبِّ أوُرْطِيٌّ ويَتَشَعَّبُ إلى ثَلاثِ شُعَبٍ ثالِثَتُهُما تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ قِسْمٍ أكْبَرَ وقِسْمٍ أصْغَرَ. وهَذا الأُصَيْغِرُ يَخْرُجُ مِنهُ شَرْيانانِ يُسَمَّيانِ السُّباتِيَّ ويَصْعَدانِ يَمِينًا ويَسارًا مَعَ الوَدَجَيْنِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ يُسَمّى الوَرِيدَ. وفي الجَسَدِ ورِيدانِ وهُما عِرْقانِ يَكْتَنِفانِ صَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِهِما مُتَّصِلانِ بِالوَتِينِ يَرِدانِ مِنَ الرَّأْسِ إلَيْهِ.
وقَدْ تَخْتَلِفُ أسْماءُ أجْزائِهِ بِاخْتِلافِ مَواقِعِها مِنَ الجَسَدِ فَهو في العُنُقِ يُسَمّى الوَرِيدَ، وفي القَلْبِ يُسَمّى الوَتِينَ، وفي الظَّهْرِ يُسَمّى الأبْهَرَ، وفي الذِّراعِ والفَخِذِ يُسَمُّونَهُ الأكْحَلَ والنَّسا، وفي الخِنْصَرِ يُدْعى الأسْلَمَ.
وإضافَةُ“ حَبْلِ ”إلى“ الوَرِيدِ " بَيانِيَّةٌ، أيِ الحَبَلُ الَّذِي هو الوَرِيدُ، فَإنَّ إضافَةَ الأعَمِّ إلى الأخَصِّ إذا وقَعَتْ في الكَلامِ كانَتْ إضافَةً بَيانِيَّةً، كَقَوْلِهِمْ: شَجَرُ الأراكِ.
صفحة ٣٠١
والقُرْبُ هُنا كِنايَةُ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ بِالحالِ لِأنَّ القُرْبَ يَسْتَلْزِمُ الِاطِّلاعَ، ولَيْسَ هو قُرْبًا بِالمَكانِ بِقَرِينَةِ المُشاهَدَةِ فَآلَ الكَلامُ إلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ تَشْبِيهِ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، وهَذا مِن بِناءِ التَّشْبِيهِ عَلى الكِنايَةِ بِمَنزِلَةِ بِناءِ المَجازِ عَلى المَجازِ.
ومِن لَطائِفِ هَذا التَّمْثِيلِ أنَّ حَبْلَ الوَرِيدِ مَعَ قُرْبِهِ لا يَشْعُرُ الإنْسانُ بِقُرْبِهِ لِخَفائِهِ، وكَذَلِكَ قُرْبُ اللَّهِ مِنَ الإنْسانِ بِعِلْمِهِ قُرْبٌ لا يَشْعُرُ بِهِ الإنْسانُ فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ تَمْثِيلُ هَذا القُرْبِ بِقُرْبِ حَبْلِ الوَرِيدِ. وبِذَلِكَ فاقَ هَذا التَّشْبِيهُ لِحالَةِ القُرْبِ كُلَّ تَشْبِيهٍ مِن نَوْعِهِ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ. مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هو مِنهُ مِقْعَدُ القابِلَةِ ومُعَقَّدَ الإزارِ، وقَوْلُ زُهَيْرٍ:
فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
وقَوْلُ حَنْظَلَةَ بْنِ سَيّارٍ وهو حَنْظَلَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَيّارٍ العِجْلِيِّ مُخَضْرَمٌ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصْبِحٍ في إهْلِهِ ∗∗∗ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ
ق 50:17
﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
يَتَعَلَّقُ (إذْ) بِقَوْلِهِ: ”أقْرَبُ“ لِأنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ وإنْ كانَ لا يَعْمَلُ في الفاعِلِ ولا في المَفْعُولِ بِهِ واللُّغَةُ تَتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ ما لا تَتَوَسَّعُ في غَيْرِها، وهَذِهِ قاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ والكَلامُ تَخَلُّصٌ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّهْدِيدِ بِالجَزاءِ يَوْمَ البَعْثِ والجَزاءِ مِن إحْصاءِ الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها المَعْلُومَةِ مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ. وهَذا التَّخَلُّصُ بِكَلِمَةِ (إذِ) الدّالَّةِ عَلى الزَّمانِ مِن ألْطَفِ التَّخَلُّصِ.
وتَعْرِيفُ المُتَلَقِّيانِ تَعْرِيفُ العَهْدِ إذا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ آياتٍ فِيها الحَفَظَةُ، أوْ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والتَّثْنِيَةُ فِيها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مُقَسَّمٌ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
والتَّلَقِّي: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مُعْطِيهِ. اسْتُعِيرَ لِتَسْجِيلِ الأقْوالِ والأعْمالِ حِينَ صُدُورِها مِنَ النّاسِ.
صفحة ٣٠٢
وحُذِفَ مَفْعُولُ يَتَلَقّى لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . إذْ تُحْصى أقْوالُهم وأعْمالُهم.
فَيُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ يُحْصِيانِ أعْمالَهُ وأنَّ أحَدَهُما يَكُونُ مِن جِهَةِ يَمِينِهِ والآخَرُ مِن جِهَةِ شِمالِهِ. ووَرْدَ في السُّنَّةِ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ: أنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ والَّذِي عَنِ الشِّمالِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ ووَرَدَ أنَّهُما يُلازِمانِ الإنْسانَ مِن وقْتِ تَكْلِيفِهِ إلى أنْ يَمُوتَ.
وقَوْلُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قَعِيدٌ“ بَدَلًا مِنَ المُتَلَقِّيانِ بَدَلَ بَعْضٍ، و”عَنِ اليَمِينِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”قَعِيدٌ“، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الإحاطَةِ بِجانِبَيْهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَنِ اليَمِينِ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و”قَعِيدٌ“ مُبْتَدَأً وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ“ .
وعُطِفَ قَوْلُهُ ”وعَنِ الشِّمالِ“ عَلى جُمْلَةِ ”يَتَلَقّى“ ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”عَنِ اليَمِينِ“ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ القَعِيدَ قَعِيدٌ في الجِهَتَيْنِ بَلْ كُلٌّ مِنَ الجِهَتَيْنِ قَعِيدٌ مُسْتَقِلٌّ بِها. والتَّقْدِيرُ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ آخَرُ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَمِينِ“ و”الشِّمالِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ أوِ اللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ يَمِينِ الإنْسانِ وعَنْ شِمالِهِ.
والقَعِيدُ: المُقاعِدُ مِثْلُ الجَلِيسِ لِلْمُجالِسِ، والأكِيلِ لِلْمُؤاكِلِ، والشَّرِيبِ لِلْمُشارِبِ، والخَلِيطُ لِلْمُخالِطِ. والغالِبُ في فَعِيلٍ أنْ يَكُونَ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلَمّا كانَ في المُفاعَلَةِ مَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، جازَ مَجِيءُ فَعِيلٍ مِنهُ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ”قَعِيدَتُهُ.
والقَعِيدُ مُسْتَعارٌ لِلْمُلازِمِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَما أطْلَقُوا القَعِيدَ عَلى الحافِظِ لِأنَّهُ يُلازِمُ الشَّيْءَ المُوَكَّلَ بِحِفْظِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلَخْ مَبْنِيَّةٌ لِجُمْلَةِ“ يَتَلَقّى المُلْتَقِيّانِ ”فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. و(ما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ يَلْفِظُ عائِدٌ لِلْإنْسانِ.
صفحة ٣٠٣
واللَّفْظُ: النُّطْقُ بِكَلِمَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنًى، ولَوْ جُزْءِ مَعْنًى، بِخِلافِ القَوْلِ فَهو الكَلامُ المُفِيدُ مَعْنًى.
و(مِن) زائِدَةٌ في مَفْعُولِ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الِاسْتِغْراقِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ، أيْ ما يَقُولُ قَوْلًا في حالَةٍ إلّا في حالَةِ وُجُودِ رَقِيبٍ عَتِيدٍ لَدَيْهِ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذا العُمُومَ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ لِأنَّ المُراقَبَةَ هُنا تَتَعَلَّقُ بِما في الأقْوالِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَلا يَكْتُبُ الحَفَظَةُ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ الإنْسانِ أوْ فَسادُهُ إذْ لا حِكْمَةَ في كِتابَةِ ذَلِكَ وإنَّما يَكْتُبُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: يَكْتُبانِ كُلَّ ما صَدَرَ مِنَ العَبْدِ، قالَ مُجاهِدٌ وأبُو الجَوْزاءِ: حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
وإنَّما خُصَّ القَوْلُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ ابْتِداءً مِن هَذا التَّحْذِيرِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانُوا يُؤاخَذُونَ بِأقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الشِّرْكِ أوْ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ أذاهُ ولا يُؤاخَذُونَ عَلى أعْمالِهِمْ إذْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالأعْمالِ في حالِ إشْراكِهِمْ.
وأمّا الأعْمالُ الَّتِي هي مِن أثَرِ الشِّرْكِ كالتَّطْوافِ بِالصَّنَمِ، أوْ مِن أثَرِ أذى النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَإلْقاءِ سَلا الجُذُورِ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهم مُؤاخَذُونَ بِهِ في ضِمْنِ أقْوالِهِمْ عَلى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ لا تَخْلُو مِن مُصاحَبَةِ أقْوالٍ مُؤاخَذٍ عَلَيْها بِمِقْدارِ ما صاحَبَها.
ولِأنَّ مِنَ الأقْوالِ السَّيِّئَةِ ما لَهُ أثَرٌ شَدِيدٌ في الإضْلالِ كالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ونَهْيِ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وتَرْوِيجِ الباطِلِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، وتَغْرِيرِ الأغْرارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّ المُؤاخَذَةَ عَلى الأعْمالِ أوْلى مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الأقْوالِ وتِلْكَ الدَّلالَةُ كافِيَةٌ في تَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وضَمِيرُ لَدَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى: لَدى لَفْظِهِ بِقَوْلِهِ.
صفحة ٣٠٤
و“ عَتِيدٌ ”فَعِيلٌ مِن عَتَدَ بِمَعْنى هَيَّأ، والتّاءُ مُبَدَّلَةٌ مِنَ الدّالِ الأوَّلِ إذْ أصْلُهُ عَدِيدٌ، أيْ مُعَدٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] .
وعِنْدِي أنَّ“ عَتِيدٌ " هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن قَوْلِهِمْ عَتُدَ بِضَمِّ التّاءِ إذا جَسُمَ وضَخُمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ شَدِيدًا وبِهَذا يَحْصُلُ اخْتِلافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] ويَحْصُلُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ.
وقَدْ تَواطَأ المُفَسِّرُونَ عَلى تَفْسِيرِ التَّلَقِّي في قَوْلِهِ المُتَلَقِّيانِ بِأنَّهُ تَلَقِّي الأعْمالِ لِأجْلِ كَتْبِها في الصَّحائِفِ لِإحْضارِها لِلْحِسابِ وكانَ تَفْسِيرًا حائِمًا حَوْلَ جَعْلِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِفِعْلٍ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ بِدَلالَتِهِ الظّاهِرَةِ أوْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَمَلَ الإنْسانِ وقَوْلَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ مُنْفَصِلَةً عَنْ جُمْلَةٍ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] كَما سَنُبَيِّنُهُ.
ولِفَخْرِ الدِّينِ مَعْنًى دَقِيقٌ فَبَعْدَ أنْ أجْمَلَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما يُسايِرُ تَفْسِيرَ الجُمْهُورِ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ، يُقالُ: فُلانٌ تَلَقّى الرَّكْبَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْناهُ: وقْتَ ما يَتَلَقّاهُ المُتَلَقِّيانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ قَعِيدٌ، فالمُتَلَقِّيانِ عَلى هَذا الوَجْهِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَأْخُذانِ رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ أحَدُهُما يَأْخُذُ أرْواحَ الصّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى السُّرُورِ. والآخَرُ يَأْخُذُ أرْواحَ الطّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى الوَيْلِ والثُّبُورِ إلى يَوْمِ النُّشُورِ، أيْ وقْتِ تَلَقِّيهِما وسُؤالِهِما أنَّهُ مِن أيِ القَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ اليَمِينِ وقَعِيدٌ عَنِ الشِّمالِ مَلَكانِ يَنْزِلانِ، وعِنْدَهُ مَلَكانِ آخَرانِ كاتِبانِ لِأعْمالِهِ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] . فالشَّهِيدُ هو القَعِيدُ والسّائِقُ هو المُتَلَقِّي يَتَلَقّى رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ فَيَسُوقُهُ إلى مَنزِلِهِ وقْتَ الإعادَةِ، وهَذا أعْرَفُ الوَجْهَيْنِ وأقَرَبُهُما إلى الفَهْمِ اهـ.
وكَأنَّهُ يَنْحُو بِهِ مَنحى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٣] . ولا نُوقِفُ في سَدادِ هَذا التَّفْسِيرِ إلّا عَلى ثُبُوتِ وُجُودِ مَلَكَيْنِ يَتَسَلَّمانِ رُوحَ المَيِّتِ مِن يَدِ مَلَكِ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِها ويَجْعَلانِها في المَقَرِّ المُناسِبِ لِحالِها. والمَظْنُونُ بِفَخْرِ الدِّينِ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُؤَيِّدُهُ ما ذَكَرَهُ
صفحة ٣٠٥
القُرْطُبِيُّ في التَّذْكِرَةِ عَنْ مُسْنَدِ الطَّيالِسِيِّ عَنِ البَراءِ. وعَنْ كِتابِ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا حُضِرَ المَيِّتُ المُؤْمِنُ أتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضاءَ يَقُولُونَ: اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ، فَإذا قَبَضَهُ المَلِكُ لَمْ يَدَعْها في يَدِهِ طَرْفَةً فَتَخْرُجُ كَأطْيَبِ رِيحِ المِسْكِ فَتَعْرُجُ بِها المَلائِكَةُ حَتّى يَأْتُوا بِهِ بابَ السَّماءِ» . وساقَ الحَدِيثَ إلّا أنَّ في الحَدِيثِ مَلائِكَةً جَمْعًا وفي الآيَةِ المُتَلَقِّيانِ تَثْنِيَةً.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَفْعُولُ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ [ق: ١٩] . والتَّقْدِيرُ: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ رُوحَ الإنْسانِ. ويَكُونُ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ عَنْ يَمِينِها وعَنْ شِمالِها قَعِيدٌ، وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ عَنْ يَمِينِ أحَدِهِما وعَنْ شِمالِ الآخَرِ. ويَكُونُ قَعِيدٌ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى: قَعِيدانِ فَإنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ:
رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي
والِاقْتِصارُ عَلى ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ لِعَجْزِهِ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ في الغالِبِ إلّا أقْوالٌ مِن تَضَجُّرٍ أوْ أنِينٍ أوْ شَهادَةٍ بِالتَّوْحِيدِ، أوْ ضِدِّها، ومِن ذَلِكَ الوَصايا والإقْراراتُ.
ق 50:18
﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
يَتَعَلَّقُ (إذْ) بِقَوْلِهِ: ”أقْرَبُ“ لِأنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَعْمَلُ في الظَّرْفِ وإنْ كانَ لا يَعْمَلُ في الفاعِلِ ولا في المَفْعُولِ بِهِ واللُّغَةُ تَتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ والمَجْرُوراتِ ما لا تَتَوَسَّعُ في غَيْرِها، وهَذِهِ قاعِدَةٌ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ والكَلامُ تَخَلُّصٌ لِلْمَوْعِظَةِ والتَّهْدِيدِ بِالجَزاءِ يَوْمَ البَعْثِ والجَزاءِ مِن إحْصاءِ الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها المَعْلُومَةِ مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ. وهَذا التَّخَلُّصُ بِكَلِمَةِ (إذِ) الدّالَّةِ عَلى الزَّمانِ مِن ألْطَفِ التَّخَلُّصِ.
وتَعْرِيفُ المُتَلَقِّيانِ تَعْرِيفُ العَهْدِ إذا كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ آياتٍ فِيها الحَفَظَةُ، أوْ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والتَّثْنِيَةُ فِيها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مُقَسَّمٌ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ.
والتَّلَقِّي: أخْذُ الشَّيْءِ مِن يَدِ مُعْطِيهِ. اسْتُعِيرَ لِتَسْجِيلِ الأقْوالِ والأعْمالِ حِينَ صُدُورِها مِنَ النّاسِ.
صفحة ٣٠٢
وحُذِفَ مَفْعُولُ يَتَلَقّى لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ . إذْ تُحْصى أقْوالُهم وأعْمالُهم.
فَيُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ أنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ يُحْصِيانِ أعْمالَهُ وأنَّ أحَدَهُما يَكُونُ مِن جِهَةِ يَمِينِهِ والآخَرُ مِن جِهَةِ شِمالِهِ. ووَرْدَ في السُّنَّةِ بِأسانِيدَ مَقْبُولَةٍ: أنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلى اليَمِينِ يَكْتُبُ الحَسَناتِ والَّذِي عَنِ الشِّمالِ يَكْتُبُ السَّيِّئاتِ ووَرَدَ أنَّهُما يُلازِمانِ الإنْسانَ مِن وقْتِ تَكْلِيفِهِ إلى أنْ يَمُوتَ.
وقَوْلُهُ ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قَعِيدٌ“ بَدَلًا مِنَ المُتَلَقِّيانِ بَدَلَ بَعْضٍ، و”عَنِ اليَمِينِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”قَعِيدٌ“، وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الإحاطَةِ بِجانِبَيْهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَنِ اليَمِينِ“ خَبَرًا مُقَدَّمًا، و”قَعِيدٌ“ مُبْتَدَأً وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ“ .
وعُطِفَ قَوْلُهُ ”وعَنِ الشِّمالِ“ عَلى جُمْلَةِ ”يَتَلَقّى“ ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”عَنِ اليَمِينِ“ لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ القَعِيدَ قَعِيدٌ في الجِهَتَيْنِ بَلْ كُلٌّ مِنَ الجِهَتَيْنِ قَعِيدٌ مُسْتَقِلٌّ بِها. والتَّقْدِيرُ: عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ، وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ آخَرُ.
والتَّعْرِيفُ في ”اليَمِينِ“ و”الشِّمالِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ أوِ اللّامُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ يَمِينِ الإنْسانِ وعَنْ شِمالِهِ.
والقَعِيدُ: المُقاعِدُ مِثْلُ الجَلِيسِ لِلْمُجالِسِ، والأكِيلِ لِلْمُؤاكِلِ، والشَّرِيبِ لِلْمُشارِبِ، والخَلِيطُ لِلْمُخالِطِ. والغالِبُ في فَعِيلٍ أنْ يَكُونَ إمّا بِمَعْنى فاعِلٍ، وإمّا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، فَلَمّا كانَ في المُفاعَلَةِ مَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ مَعًا، جازَ مَجِيءُ فَعِيلٍ مِنهُ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ، ولِذَلِكَ قالُوا لِامْرَأةِ الرَّجُلِ ”قَعِيدَتُهُ.
والقَعِيدُ مُسْتَعارٌ لِلْمُلازِمِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَما أطْلَقُوا القَعِيدَ عَلى الحافِظِ لِأنَّهُ يُلازِمُ الشَّيْءَ المُوَكَّلَ بِحِفْظِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلَخْ مَبْنِيَّةٌ لِجُمْلَةِ“ يَتَلَقّى المُلْتَقِيّانِ ”فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ. و(ما) نافِيَةٌ وضَمِيرُ يَلْفِظُ عائِدٌ لِلْإنْسانِ.
صفحة ٣٠٣
واللَّفْظُ: النُّطْقُ بِكَلِمَةٍ دالَّةٍ عَلى مَعْنًى، ولَوْ جُزْءِ مَعْنًى، بِخِلافِ القَوْلِ فَهو الكَلامُ المُفِيدُ مَعْنًى.
و(مِن) زائِدَةٌ في مَفْعُولِ الفِعْلِ المَنفِيِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى الِاسْتِغْراقِ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ عامَّةٍ، أيْ ما يَقُولُ قَوْلًا في حالَةٍ إلّا في حالَةِ وُجُودِ رَقِيبٍ عَتِيدٍ لَدَيْهِ.
والأظْهَرُ أنَّ هَذا العُمُومَ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ لِأنَّ المُراقَبَةَ هُنا تَتَعَلَّقُ بِما في الأقْوالِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ لِيَكُونَ عَلَيْهِ الجَزاءُ فَلا يَكْتُبُ الحَفَظَةُ إلّا ما يَتَعَلَّقُ بِهِ صَلاحُ الإنْسانِ أوْ فَسادُهُ إذْ لا حِكْمَةَ في كِتابَةِ ذَلِكَ وإنَّما يَكْتُبُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الجَزاءُ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ. وقالَ الحَسَنُ: يَكْتُبانِ كُلَّ ما صَدَرَ مِنَ العَبْدِ، قالَ مُجاهِدٌ وأبُو الجَوْزاءِ: حَتّى أنِينَهُ في مَرَضِهِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
وإنَّما خُصَّ القَوْلُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ المَقْصُودَ ابْتِداءً مِن هَذا التَّحْذِيرِ المُشْرِكُونَ وإنَّما كانُوا يُؤاخَذُونَ بِأقْوالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الشِّرْكِ أوْ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ أذاهُ ولا يُؤاخَذُونَ عَلى أعْمالِهِمْ إذْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِالأعْمالِ في حالِ إشْراكِهِمْ.
وأمّا الأعْمالُ الَّتِي هي مِن أثَرِ الشِّرْكِ كالتَّطْوافِ بِالصَّنَمِ، أوْ مِن أثَرِ أذى النَّبِيءِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَإلْقاءِ سَلا الجُذُورِ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهم مُؤاخَذُونَ بِهِ في ضِمْنِ أقْوالِهِمْ عَلى أنَّ تِلْكَ الأفْعالَ لا تَخْلُو مِن مُصاحَبَةِ أقْوالٍ مُؤاخَذٍ عَلَيْها بِمِقْدارِ ما صاحَبَها.
ولِأنَّ مِنَ الأقْوالِ السَّيِّئَةِ ما لَهُ أثَرٌ شَدِيدٌ في الإضْلالِ كالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ونَهْيِ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ، وتَرْوِيجِ الباطِلِ بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، وتَغْرِيرِ الأغْرارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ»، عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ أنَّ المُؤاخَذَةَ عَلى الأعْمالِ أوْلى مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلى الأقْوالِ وتِلْكَ الدَّلالَةُ كافِيَةٌ في تَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وضَمِيرُ لَدَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْسانِ، والمَعْنى: لَدى لَفْظِهِ بِقَوْلِهِ.
صفحة ٣٠٤
و“ عَتِيدٌ ”فَعِيلٌ مِن عَتَدَ بِمَعْنى هَيَّأ، والتّاءُ مُبَدَّلَةٌ مِنَ الدّالِ الأوَّلِ إذْ أصْلُهُ عَدِيدٌ، أيْ مُعَدٌّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] .
وعِنْدِي أنَّ“ عَتِيدٌ " هُنا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن قَوْلِهِمْ عَتُدَ بِضَمِّ التّاءِ إذا جَسُمَ وضَخُمَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ شَدِيدًا وبِهَذا يَحْصُلُ اخْتِلافٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ الآتِي ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] ويَحْصُلُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ.
وقَدْ تَواطَأ المُفَسِّرُونَ عَلى تَفْسِيرِ التَّلَقِّي في قَوْلِهِ المُتَلَقِّيانِ بِأنَّهُ تَلَقِّي الأعْمالِ لِأجْلِ كَتْبِها في الصَّحائِفِ لِإحْضارِها لِلْحِسابِ وكانَ تَفْسِيرًا حائِمًا حَوْلَ جَعْلِ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ لِفِعْلٍ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ بِدَلالَتِهِ الظّاهِرَةِ أوْ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ. فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهم: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَمَلَ الإنْسانِ وقَوْلَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِهِمْ مُنْفَصِلَةً عَنْ جُمْلَةٍ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] كَما سَنُبَيِّنُهُ.
ولِفَخْرِ الدِّينِ مَعْنًى دَقِيقٌ فَبَعْدَ أنْ أجْمَلَ تَفْسِيرَ الآيَةِ بِما يُسايِرُ تَفْسِيرَ الجُمْهُورِ قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ التَّلَقِّي الِاسْتِقْبالُ، يُقالُ: فُلانٌ تَلَقّى الرَّكْبَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَعْناهُ: وقْتَ ما يَتَلَقّاهُ المُتَلَقِّيانِ يَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ قَعِيدٌ، فالمُتَلَقِّيانِ عَلى هَذا الوَجْهِ هُما المَلَكانِ اللَّذانِ يَأْخُذانِ رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ أحَدُهُما يَأْخُذُ أرْواحَ الصّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى السُّرُورِ. والآخَرُ يَأْخُذُ أرْواحَ الطّالِحِينَ ويَنْقُلُها إلى الوَيْلِ والثُّبُورِ إلى يَوْمِ النُّشُورِ، أيْ وقْتِ تَلَقِّيهِما وسُؤالِهِما أنَّهُ مِن أيِ القَبِيلَيْنِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَعِيدٌ عَنِ اليَمِينِ وقَعِيدٌ عَنِ الشِّمالِ مَلَكانِ يَنْزِلانِ، وعِنْدَهُ مَلَكانِ آخَرانِ كاتِبانِ لِأعْمالِهِ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] . فالشَّهِيدُ هو القَعِيدُ والسّائِقُ هو المُتَلَقِّي يَتَلَقّى رُوحَهُ مِن مَلَكِ المَوْتِ فَيَسُوقُهُ إلى مَنزِلِهِ وقْتَ الإعادَةِ، وهَذا أعْرَفُ الوَجْهَيْنِ وأقَرَبُهُما إلى الفَهْمِ اهـ.
وكَأنَّهُ يَنْحُو بِهِ مَنحى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكُمْ﴾ [الواقعة: ٨٣] . ولا نُوقِفُ في سَدادِ هَذا التَّفْسِيرِ إلّا عَلى ثُبُوتِ وُجُودِ مَلَكَيْنِ يَتَسَلَّمانِ رُوحَ المَيِّتِ مِن يَدِ مَلَكِ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِها ويَجْعَلانِها في المَقَرِّ المُناسِبِ لِحالِها. والمَظْنُونُ بِفَخْرِ الدِّينِ أنَّهُ اطَّلَعَ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُؤَيِّدُهُ ما ذَكَرَهُ
صفحة ٣٠٥
القُرْطُبِيُّ في التَّذْكِرَةِ عَنْ مُسْنَدِ الطَّيالِسِيِّ عَنِ البَراءِ. وعَنْ كِتابِ النَّسائِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا حُضِرَ المَيِّتُ المُؤْمِنُ أتَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضاءَ يَقُولُونَ: اخْرُجِي راضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إلى رَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ، فَإذا قَبَضَهُ المَلِكُ لَمْ يَدَعْها في يَدِهِ طَرْفَةً فَتَخْرُجُ كَأطْيَبِ رِيحِ المِسْكِ فَتَعْرُجُ بِها المَلائِكَةُ حَتّى يَأْتُوا بِهِ بابَ السَّماءِ» . وساقَ الحَدِيثَ إلّا أنَّ في الحَدِيثِ مَلائِكَةً جَمْعًا وفي الآيَةِ المُتَلَقِّيانِ تَثْنِيَةً.
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ مَفْعُولُ يَتَلَقّى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ [ق: ١٩] . والتَّقْدِيرُ: إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ رُوحَ الإنْسانِ. ويَكُونُ التَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ: ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ﴾ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ أيْ عَنْ يَمِينِها وعَنْ شِمالِها قَعِيدٌ، وهو عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ عَنْ يَمِينِ أحَدِهِما وعَنْ شِمالِ الآخَرِ. ويَكُونُ قَعِيدٌ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى: قَعِيدانِ فَإنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ:
رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي
والِاقْتِصارُ عَلى ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ لِأنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا تَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ لِعَجْزِهِ فَلا يَصْدُرُ مِنهُ في الغالِبِ إلّا أقْوالٌ مِن تَضَجُّرٍ أوْ أنِينٍ أوْ شَهادَةٍ بِالتَّوْحِيدِ، أوْ ضِدِّها، ومِن ذَلِكَ الوَصايا والإقْراراتُ.
ق 50:19
﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] لِاشْتِراكِهِما في التَّنْبِيهِ عَلى الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ. فَهَذا تَنَقُّلٌ في مَراحِلِ الأُمُورِ العارِضَةِ لِلْإنْسانِ الَّتِي تُسَلِّمُهُ مِن حالٍ إلى آخَرَ حَتّى يَقَعَ في الجَزاءِ عَلى أعْمالِهِ الَّتِي قَدْ أحْصاها الحَفِيظانِ.
وإنَّما خُولِفَ التَّعْبِيرُ في المَعْطُوفِ بِصِيغَةِ الماضِي دُونَ صِيغَةِ المُضارِعِ الَّتِي صِيغَ بِها المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لِقُرْبِهِ صارَ بِمَنزِلَةِ ما حَصَلَ قَصْدًا لِإدْخالِ الرَّوْعِ في نُفُوسِ
صفحة ٣٠٦
المُشْرِكِينَ كَما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] .
ويَأْتِي عَلى ما اخْتارَها الفَخْرُ في تَفْسِيرِ ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ﴾ [ق: ١٧] الآيَةَ أنْ تَكُونَ جُمَلُ ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الحالِ.
والتَّقْدِيرُ: وقَدْ جاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ حِينَئِذٍ.
والمَجِيءُ مَجازٌ في الحُصُولِ والِاعْتِراءِ وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ تَهْوِيلٌ لِحالَةِ احْتِضارِ الإنْسانِ وشُعُورِهِ بِأنَّهُ مُفارِقُ الحَياةَ الَّتِي ألِفَها وتَعَلَّقَ بِها قَلْبُهُ.
والسَّكْرَةُ: اسْمٌ لِما يَعْتَرِي الإنْسانَ مِن ألَمٍ أوِ اخْتِلالٍ في المِزاجِ يَحْجُبُ مِن إدْراكِ العَقْلِ فَيَخْتَلُّ الإدْراكُ ويَعْتَرِي العَقْلَ غَيْبُوبَةٌ. وهي مُشْتَقٌّ مِنَ السَّكْرِ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وهو الغَلْقُ لِأنَّهُ يُغْلِقُ العَقْلَ ومِنهُ جاءَ وصْفُ السَّكْرانِ.
والباءُ في قَوْلِهِ بِالحَقِّ لِلْمُلابَسَةِ، وهي إمّا حالٌ مِن سَكْرَةِ المَوْتِ أيْ مُتَّصِفَةٌ بِأنَّها حَقٌّ، والحَقُّ: الَّذِي حَقَّ وثَبُتَ فَلا يَتَخَلَّفُ، أيِ السَّكْرَةُ الَّتِي لا طَمَعَ في امْتِدادِ الحَياةِ بَعْدَها، وإمّا حالٌ مِنَ المَوْتِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِأنَّهُ الحَقُّ، أيِ المَفْرُوضُ المَكْتُوبُ عَلى النّاسِ فَهم مَحْقُوقُونَ بِهِ، أوِ الَّذِي هو الجِدُّ ضِدُّ العَبَثِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا﴾ [ص: ٢٧] .
وقَوْلُ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَوْتِ بِتَنْزِيلِ قُرْبِ حُصُولِهِ مَنزِلَةَ الحاصِلِ المُشاهَدِ.
و”تَحِيدُ“ تَفِرُّ وتَهْرُبُ، وهو مُسْتَعارٌ لِلْكَراهِيَةِ أوْ لِتَجَنُّبِ أسْبابِ المَوْتِ. والخِطابُ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإنْسانِ وبِالمَقْصُودِ الأوَّلِ مِنهُ وهُمُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم أشَدُّ كَراهِيَةً لِلْمَوْتِ لِأنَّ حَياتَهم مادِّيَّةٌ مَحْضَةٌ فَهم يُرِيدُونَ طُولَ الحَياةِ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] إذْ لا أمَلَ لَهم في حَياةٍ أُخْرى ولا أمَلَ لَهم في تَحْصِيلِ نَعِيمِها، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَإنَّ كَراهَتَهم لِلْمَوْتِ المُرْتَكِزَةَ في الجِبِلَّةِ بِمِقْدارِ الإلْفِ لا تَبْلُغُ بِهِمْ إلى حَدِّ الجَزَعِ مِنهُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وتَأْوِيلُهُ بِالمُؤْمِنِ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهُ لِلطَّمَعِ في الثَّوابِ، وبِالكافِرِ يَكْرَهُ لِقاءَ اللَّهِ. وقَدْ بَيَّنَهُ
صفحة ٣٠٧
النَّبِيءُ ﷺ فَقالَ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ رَأى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِن خَيْرٍ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ» أيْ والكافِرُ بِعَكْسِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى خِطابًا لِلْيَهُودِ ﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] .
وتَقْدِيمُ مِنهُ عَلى تَحِيدُ لِلِاهْتِمامِ بِما مِنهُ الحِيادُ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
ق 50:20
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ. فَأمّا عَلى تَفْسِيرِ الفَخْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وصِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ”ونُفِخَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى المُضارِعِ، أيْ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصِيغَ لَهُ المُضِيُّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ إذْ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ الَّذِي نُفِخَ في الصُّورِ عِنْدَهُ هو يَوْمُ الوَعِيدِ.
والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ راجِعَةٌ إلى النَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ . والإخْبارُ عَنِ النَّفْخِ بِأنَّهُ يَوْمُ الوَعِيدِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذَلِكَ حُلُولُ يَوْمِ الوَعِيدِ.
وإضافَةُ يَوْمٍ إلى الوَعِيدِ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما يَقَعُ فِيهِ، أيْ يَوْمَ حُصُولِ الوَعِيدِ الَّذِي كانُوا تُوُعِّدُوا بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الوَعِيدِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ هُمُ المُشْرِكُونَ. وفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، تَقْدِيرُهُ: ويَوْمُ الوَعْدِ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) عَلى جُمْلَةِ نُفِخَ في الصُّورِ. والمُرادُ بِـ ”كُلُّ نَفْسٍ“ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وهُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
صفحة ٣٠٨
أحَدُها: السِّياقُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ”مَعَها سائِقٌ“ لِأنَّ السّائِقَ يُناسِبُ إزْجاءَ أهْلِ الجَرائِمِ، وأمّا المَهْدِيُّونَ إلى الكَرامَةِ فَإنَّما يَهْدِيهِمْ قائِدٌ يَسِيرُ أمامَهم قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] .
والثّالِثُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] .
والرّابِعُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) . و”سائِقٌ“ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ الَّذِي هو مَعَها عَلى رَأْيِ مَن أجازَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ حالًا مِن كُلِّ نَفْسٍ. وعَطْفُ ”وشَهِيدٌ“ عَلى سائِقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَيَكُونَ المُرادُ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما يَسُوقُ النَّفْسَ إلى المَحْشَرِ والآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما حَوَتْهُ صَحائِفُ أعْمالِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ مِثْلَ:
إلى المَلِكِ القَرَمِ وابْنِ الهُمامِ
فَهُوَ مَلِكٌ واحِدٌ.
والسّائِقُ الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ أمامَهُ يُزْجِيهِ في السَّيْرِ لِيَكُونَ بِمَرْأًى مِنهُ كَيْلا يَنْفَلِتَ وذَلِكَ مِن شَأْنِ المَشْيِ بِهِ إلى ما يَسُوءُ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] وقالَ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] فَمُشاكَلَةٌ. وضِدُّ السَّوْقِ: القَوْدُ.
ق 50:21
﴿ونُفِخَ في الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ. فَأمّا عَلى تَفْسِيرِ الفَخْرِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وصِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ”ونُفِخَ“ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى المُضارِعِ، أيْ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَصِيغَ لَهُ المُضِيُّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ إذْ أنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ الَّذِي نُفِخَ في الصُّورِ عِنْدَهُ هو يَوْمُ الوَعِيدِ.
والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ راجِعَةٌ إلى النَّفْعِ المَأْخُوذِ مِن فِعْلِ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ . والإخْبارُ عَنِ النَّفْخِ بِأنَّهُ يَوْمُ الوَعِيدِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذَلِكَ حُلُولُ يَوْمِ الوَعِيدِ.
وإضافَةُ يَوْمٍ إلى الوَعِيدِ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما يَقَعُ فِيهِ، أيْ يَوْمَ حُصُولِ الوَعِيدِ الَّذِي كانُوا تُوُعِّدُوا بِهِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الوَعِيدِ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ مِن هَذِهِ الآيَةِ هُمُ المُشْرِكُونَ. وفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ، تَقْدِيرُهُ: ويَوْمُ الوَعْدِ.
وعُطِفَتْ جُمْلَةُ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) عَلى جُمْلَةِ نُفِخَ في الصُّورِ. والمُرادُ بِـ ”كُلُّ نَفْسٍ“ كُلُّ نَفْسٍ مِنَ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وهُمُ المُشْرِكُونَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
صفحة ٣٠٨
أحَدُها: السِّياقُ.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ”مَعَها سائِقٌ“ لِأنَّ السّائِقَ يُناسِبُ إزْجاءَ أهْلِ الجَرائِمِ، وأمّا المَهْدِيُّونَ إلى الكَرامَةِ فَإنَّما يَهْدِيهِمْ قائِدٌ يَسِيرُ أمامَهم قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] .
والثّالِثُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢] .
والرّابِعُ: قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ) . و”سائِقٌ“ مَرْفُوعٌ بِالظَّرْفِ الَّذِي هو مَعَها عَلى رَأْيِ مَن أجازَهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَعَها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ﴿مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ حالًا مِن كُلِّ نَفْسٍ. وعَطْفُ ”وشَهِيدٌ“ عَلى سائِقٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ ذاتٍ عَلى ذاتٍ فَيَكُونَ المُرادُ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما يَسُوقُ النَّفْسَ إلى المَحْشَرِ والآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما حَوَتْهُ صَحائِفُ أعْمالِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ مِثْلَ:
إلى المَلِكِ القَرَمِ وابْنِ الهُمامِ
فَهُوَ مَلِكٌ واحِدٌ.
والسّائِقُ الَّذِي يَجْعَلُ غَيْرَهُ أمامَهُ يُزْجِيهِ في السَّيْرِ لِيَكُونَ بِمَرْأًى مِنهُ كَيْلا يَنْفَلِتَ وذَلِكَ مِن شَأْنِ المَشْيِ بِهِ إلى ما يَسُوءُ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ [الأنفال: ٦] وقالَ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣] فَمُشاكَلَةٌ. وضِدُّ السَّوْقِ: القَوْدُ.
ق 50:22
﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾
مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دُلَّ عَلى تَعَيُّنِهُ مِنَ الخِطابِ، أيْ يُقالُ هَذا الكَلامُ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن نُفُوسِ المُشْرِكِينَ فَهو خِطابُ التَّهَكُّمِ التَّوْبِيخِيِّ لِلنَّفْسِ الكافِرَةِ لِأنَّ المُؤْمِنَ لَمْ يَكُنْ في غَفْلَةٍ عَنِ الحَشْرِ والجَزاءِ.
صفحة ٣٠٩
وجُمْلَةُ القَوْلِ ومَقُولِهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن كُلِّ نَفْسٍ أوْ مَوْقِعِ الصِّفَةِ، وعَلاماتُ الخِطابِ في كَلِماتِ: ”كُنْتَ“، و”عَنْكَ“، و”غِطاءَكَ“، و”بَصَرُكَ“ مَفْتُوحَةٌ لِتَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ أوْ بِالإنْسانِ ثُمَّ غَلَبَ فِيهِ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ. وهَذا الكَلامُ صادِرٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى وهو شُرُوعٌ في ذِكْرِ الحِسابِ.
والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ وأُطْلِقَتْ هُنا عَلى الإنْكارِ والجَحَدِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، ورَشَّحَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ بِمَعْنى: بَيَّنّا لَكَ الدَّلِيلَ بِالحِسِّ فَهو أيْضًا تَهَكُّمٌ.
وأُوثِرَ قَوْلُهُ ”في غَفْلَةٍ“ عَلى أنْ يُقالَ: غافِلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهُ ولِذَلِكَ اسْتَتْبَعَ تَمْثِيلَها بِالغِطاءِ.
وكَشْفُ الغِطاءِ تَمْثِيلٌ لِحُصُولِ اليَقِينِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ إنْكارِ وُقُوعِهِ، أيْ كَشَفْنا عَنْكَ الغِطاءَ الَّذِي كانَ يَحْجُبُ عَنْكَ وُقُوعَ هَذا اليَوْمِ بِما فِيهِ، وأُسْنِدَ الكَشْفُ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الَّذِي أظْهَرَ لَها أسْبابَ حُصُولِ اليَقِينِ بِشَواهِدِ عَيْنِ اليَقِينِ.
وأُضِيفَ (غِطاءَ) إلى ضَمِيرِ الإنْسانِ المُخاطِبِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ وأنَّهُ مِمّا يُعْرَفُ بِهِ.
وحِدَّةُ البَصَرِ: قُوَّةُ نَفاذِهِ في المَرْئِيِّ، وحِدَّةُ كُلِّ شَيْءِ قُوَّةُ مَفْعُولِهِ، ومِنهُ حِدَّةُ الذِّهْنِ، والكَلامُ يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَ حُصُولِ اليَقِينِ بِرُؤْيَةِ المَرْئِيِّ بِبَصَرٍ قَوِيٍّ، وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ ”اليَوْمَ“ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ، أيْ لَيْسَ حالُكَ اليَوْمَ كَحالِكَ قَبْلَ اليَوْمِ إذْ كُنْتَ في الدُّنْيا مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ.
والمَعْنى: فَقَدْ شاهَدْتَ البَعْثَ والحَشْرَ والجَزاءَ، فَإنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ، قالُوا أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لْمَدِينُونَ وقالُوا ﴿وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات: ٥٩] فَقَدْ رَأى العَذابَ بِبَصَرِهِ.
ق 50:23
﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾
الواوُ واوُ الحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن تاءِ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢]
صفحة ٣١٠
أيْ يُوَبَّخُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ العَذابِ بِكَلِمَةِ ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ [ق: ٢٢]، في حالِ قَوْلِ قَرِينِهِ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
وهاءُ الغائِبِ في قَوْلِهِ ”قَرِينِهِ“ عائِدَةٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ أوْ إلى الإنْسانِ.
”وقَرِينُ“ ”فَعِيلُ“ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَقْرُونٌ إلى غَيْرِهِ. وكَأنَّ فِعْلَ قَرَنَ مُشْتَقٌّ مِنَ القَرَنِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الحَبْلُ وكانُوا يَقْرِنُونَ البَعِيرَ بِمِثْلِهِ لِوَضْعِ الهَوْدَجِ، فاسْتُعِيرَ القَرِينُ لِلْمُلازِمِ. وهَذا لَيْسَ بِالتِفاتٍ إذْ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ ضَمِيرٍ ولَكِنَّهُ تَعْيِينُ أُسْلُوبِ الكَلامِ وأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ مَعْنى نَفْسٍ أيْ شَخْصٍ، أوْ غَلَبَ التَّذْكِيرُ عَلى التَّأْنِيثِ.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”هَذا ما لَدَيَّ“ إلَخْ، يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ ﴿ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
و(ما) في قَوْلِهِ ”ما لَدَيَّ“ مَوْصُولَةٌ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ. و”لَدَيَّ“ صِلَةٌ، و”عَتِيدٌ“ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالقَرِينِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: هو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِالإنْسانِ الَّذِي يَسُوقُهُ إلى المَحْشَرِ أيْ هو السّائِقُ الشَّهِيدُ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَرِينُ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧] بِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنى القَرِينِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ .
وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: أنَّ القَرِينَ شَيْطانُ الكافِرِ الَّذِي كانَ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ في الدُّنْيا أيِ الَّذِي ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥] .
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْضًا: أنْ قَرِينَهُ صاحِبُهُ مِنَ الإنْسِ، أيِ الَّذِي كانَ قَرِينَهُ في الدُّنْيا.
وعَلى الِاخْتِلافِ في المُرادِ بِالقَرِينِ يَخْتَلِفُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ فَإنْ كانَ القَرِينُ المَلَكَ كانْتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ هَذا إلى العَذابِ المُوكَّلِ بِهِ ذَلِكَ المَلَكُ؛ وإنْ كانَ القَرِينُ شَيْطانًا أوْ إنْسانًا كانَتِ الإشارَةُ مُحْتَمَلَةً لِأنَ تَعُودَ إلى العَذابِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ أنْ تَعُودَ إلى مَعادِ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ”قَرِينُهُ“
صفحة ٣١١
وهُوَ في نَفْسِ الكافِرِ، أيْ هَذا الَّذِي مَعِي، فَيَكُونُ لَدَيَّ بِمَعْنى: مَعِي، إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ مِن صاحِبٍ يَأْنَسُ بِمُحادَثَتِهِ والمُرادُ بِهِ قَرِينُ الشِّرْكِ المُماثِلِ.
وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ مَن كانَ قَرِينًا لِلْمُؤْمِنِ مِنَ المُشْرِكِينَ واخْتِلافَ حالَيْهِما يَوْمَ الجَزاءِ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أئِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥١] الآيَةُ في سُورَةِ الصّافّاتِ. وقَوْلُ القَرِينِ ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّلَهُّفِ والتَّحَسُّرِ والإشْفاقِ، لِأنَّهُ لَمّا رَأى ما بِهِ العَذابَ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ هُيِّئَ لَهُ، أوْ لَمّا رَأى ما قَدَّمَ إلَيْهِ قَرِينُهُ عَلِمَ أنَّهُ لاحِقٌ عَلى أثَرِهِ كَقِصَّةِ الثَّوْرَيْنِ الأبْيَضِ والأحْمَرِ اللَّذَيْنِ اسْتَعانَ الأسَدُ بِالأحْمَرِ مِنهُما عَلى أكْلِ الثَّوْرِ الأبْيَضِ ثُمَّ جاءَ الأسَدُ بَعْدَ يَوْمٍ لِيَأْكُلَ الثَّوْرَ الأحْمَرَ فَعَلا الأحْمَرُ رَبْوَةً وصاحَ: ألا إنَّما أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأبْيَضُ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى ”عَتِيدٌ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وهو هُنا مُتَعَيِّنٌ لِلْمَعْنى الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، أيْ مُعَدٌّ ومُهَيَّأٌ.
ق 50:24
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾
انْتِقالٌ مِن خِطابِ النَّفْسِ إلى خِطابِ المَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ السّائِقِ والشَّهِيدِ. والكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتِقالٌ مِن خِطابِ فَرِيقٍ إلى خِطابِ فَرِيقٍ آخَرَ، وصِيغَةُ المُثَنّى في قَوْلِهِ: ”ألْقِيا“ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في أصْلِها فَيَكُونُ الخِطابُ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في خِطابِ الواحِدِ وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِجَهَنَّمَ وخُوطِبَ بِصِيغَةِ المُثَنّى جَرْيًا عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ في الخِطابِ جَرَتْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ لِأنَّهم يَكْثُرُ فِيهِمْ أنْ يُرافِقَ السّائِرَ رَفِيقانِ، وهي طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ
وقَوْلِهِمْ: يا خَلِيلَيَّ، ويا صاحِبَيَّ. والمُبَرِّدُ يَرى أنَّ تَثْنِيَةَ الفاعِلِ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ لِاتِّحادِهِما كَأنَّهُ قِيلَ: ألْقِ ألْقِ لِلتَّأْكِيدِ.
صفحة ٣١٢
وهَذا أمْرٌ بِأنْ يَعُمَّ الإلْقاءُ في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ، فَيَعْلَمُ مِنهُ كُلُّ حاضِرٍ في الحَشْرِ مِن هَؤُلاءِ أنَّهُ مَدْفُوعٌ بِهِ إلى جَهَنَّمَ.
والكَفّارُ: القَوِيُّ الكُفْرِ، أيِ الشِّرْكِ.
والعَنِيدُ: القَوِيُّ العِنادِ، أيِ المُكابَرَةِ والمُدافَعَةِ لِلْحَقِّ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُبْطِلٌ.
والمَنّاعُ: الكَثِيرُ المَنعِ، أيْ صَدِّ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، والخَيْرُ هو الإيمانُ، كانُوا يَمْنَعُونَ أبْناءَهم وذَوِيهِمْ مِنِ اتِّباعِ الإيمانِ ومِن هَؤُلاءِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ كانَ يَقُولُ لِبَنِي أخِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في الإسْلامِ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ ما عِشْتُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا مَنعُ الفُقَراءِ مِنَ المالِ لِأنَّ الخَيْرَ يُطْلَقُ عَلى المالِ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ الفُقَراءَ ويُعْطُونَ المالَ لِأكابِرِهِمْ تَقَرُّبًا وتَلَطُّفًا.
والمُعْتَدِي: الظّالِمُ الَّذِي يَعْتَدِي عَلى المُسْلِمِينَ بِالأذى وعَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والقَوْلِ الباطِلِ.
والمُرِيبُ الَّذِي أرابَ غَيْرَهُ، أيْ جَعَلَهُ مُرْتابًا، أيْ شاكًّا، أيْ بِما يُلْقُونَهُ إلى النّاسِ مِن صُنُوفِ المُغالَطَةِ لِيُشَكِّكُوهم في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وبَيْنَ لَفْظَيْ عَتِيدٍ وعَنِيدٍ الجِناسُ المُصَحَّفُ.
ق 50:25
﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾
انْتِقالٌ مِن خِطابِ النَّفْسِ إلى خِطابِ المَلَكَيْنِ المُوَكَّلَيْنِ السّائِقِ والشَّهِيدِ. والكَلامُ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ انْتِقالٌ مِن خِطابِ فَرِيقٍ إلى خِطابِ فَرِيقٍ آخَرَ، وصِيغَةُ المُثَنّى في قَوْلِهِ: ”ألْقِيا“ تَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في أصْلِها فَيَكُونُ الخِطابُ لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في خِطابِ الواحِدِ وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِجَهَنَّمَ وخُوطِبَ بِصِيغَةِ المُثَنّى جَرْيًا عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ في الخِطابِ جَرَتْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ لِأنَّهم يَكْثُرُ فِيهِمْ أنْ يُرافِقَ السّائِرَ رَفِيقانِ، وهي طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ
وقَوْلِهِمْ: يا خَلِيلَيَّ، ويا صاحِبَيَّ. والمُبَرِّدُ يَرى أنَّ تَثْنِيَةَ الفاعِلِ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ تَثْنِيَةِ الفِعْلِ لِاتِّحادِهِما كَأنَّهُ قِيلَ: ألْقِ ألْقِ لِلتَّأْكِيدِ.
صفحة ٣١٢
وهَذا أمْرٌ بِأنْ يَعُمَّ الإلْقاءُ في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ، فَيَعْلَمُ مِنهُ كُلُّ حاضِرٍ في الحَشْرِ مِن هَؤُلاءِ أنَّهُ مَدْفُوعٌ بِهِ إلى جَهَنَّمَ.
والكَفّارُ: القَوِيُّ الكُفْرِ، أيِ الشِّرْكِ.
والعَنِيدُ: القَوِيُّ العِنادِ، أيِ المُكابَرَةِ والمُدافَعَةِ لِلْحَقِّ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُبْطِلٌ.
والمَنّاعُ: الكَثِيرُ المَنعِ، أيْ صَدِّ النّاسِ عَنِ الخَيْرِ، والخَيْرُ هو الإيمانُ، كانُوا يَمْنَعُونَ أبْناءَهم وذَوِيهِمْ مِنِ اتِّباعِ الإيمانِ ومِن هَؤُلاءِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ كانَ يَقُولُ لِبَنِي أخِيهِ: مَن دَخَلَ مِنكم في الإسْلامِ لا أنْفَعُهُ بِشَيْءٍ ما عِشْتُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا مَنعُ الفُقَراءِ مِنَ المالِ لِأنَّ الخَيْرَ يُطْلَقُ عَلى المالِ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَمْنَعُونَ الفُقَراءَ ويُعْطُونَ المالَ لِأكابِرِهِمْ تَقَرُّبًا وتَلَطُّفًا.
والمُعْتَدِي: الظّالِمُ الَّذِي يَعْتَدِي عَلى المُسْلِمِينَ بِالأذى وعَلى الرَّسُولِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والقَوْلِ الباطِلِ.
والمُرِيبُ الَّذِي أرابَ غَيْرَهُ، أيْ جَعَلَهُ مُرْتابًا، أيْ شاكًّا، أيْ بِما يُلْقُونَهُ إلى النّاسِ مِن صُنُوفِ المُغالَطَةِ لِيُشَكِّكُوهم في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وصِحَّةِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ. وبَيْنَ لَفْظَيْ عَتِيدٍ وعَنِيدٍ الجِناسُ المُصَحَّفُ.
ق 50:26
﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَألْقِياهُ في العَذابِ الشَّدِيدِ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ بَدَلًا مِن ”كَفّارٍ عَنِيدٍ“ فَإنَّ المَعْرِفَةَ تُبَدَّلُ مِنَ النَّكِرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢]، عَلى أنَّ المَوْصُولَ هُنا تَعْرِيفُهُ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ لِأنَّ مَعْنى الصِّلَةِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِمُعَيَّنٍ، وأنَّ قَوْلَهُ: ”فَألْقِياهُ“ تَفْرِيعٌ عَلى ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] ومَصَبُّ التَّفْرِيعِ المُتَعَلِّقِ وهو ﴿فِي العَذابِ الشَّدِيدِ﴾، أيْ في أشَدِّ عَذابِ جَهَنَّمَ تَفْرِيعًا عَلى الأمْرِ بِإلْقائِهِ في جَهَنَّمَ تَفْرِيعُ بَيانٍ، وإعادَةُ فِعْلِ ”ألْقِيا“ لِلتَّأْكِيدِ مَعَ تَفْرِيعِ مُتَعَلِّقِ الفِعْلِ المُؤَكَّدِ. وهَذا مِن بَدِيعِ النَّظْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]
صفحة ٣١٣
فَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ: ”كَذَّبَتْ“ إلَخْ قَوْلَهُ ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩] . ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، فالمَقْصُودُ بِالتَّفْرِيعِ هو قَوْلُهُ: ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] وإعادَةُ ”تَحْسَبَنَّهم“ تُفِيدُ التَّأْكِيدَ، وعَلَيْهِ فالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ: الكَفّارُ المُضافُ إلَيْهِ ”كُلَّ“ فَهو صادِقٌ عَلى جَماعَةِ الكَفّارِينَ فَضَمِيرُ النَّصْبِ في ”ألْقَيْناهُ“ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ جَمْعٍ، أيْ فَألْقَياهم.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ ويُضَمَّنُ المَوْصُولُ مَعْنى الشَّرْطِ فَيَكُونُ في وُجُودِ الفاءِ في خَبَرِهِ لِأجْلِ ما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ وهَذا كَثِيرٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ هُنا تَأْكِيدُ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤] .
ق 50:27
﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾
حِكايَةُ قَوْلِ القَرِينِ بِالأُسْلُوبِ المُتَّبَعِ في حِكايَةِ المُقاوَلاتِ في القُرْآنِ وهو أُسْلُوبُ الفَصْلِ دُونَ عَطْفِ فِعْلِ القَوْلِ عَلى شَيْءٍ، وهو الأُسْلُوبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، تُشْعِرُ بِأنَّ في المَقامِ كَلامًا مَطْوِيًّا هو كَلامُ صاحِبِ القَرِينِ طُوِيَ لِلْإيجازِ، ودَلِيلُهُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ القَرِينِ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ هو أطْغى صاحِبَهُ إذْ قالَ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ . وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في سُورَةِ ص صَرِيحًا بِقَوْلِهِ ﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ﴾ [ص: ٥٩] ﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ﴾ [ص: ٦٠] ﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ [ص: ٦١] . وتَقْدِيرُ المَطْوِيِّ هُنا: أنِ الكافِرَ العَنِيدَ لَمّا قَدِمَ إلى النّارِ أرادَ التَّنَصُّلَ مِن كُفْرِهِ وعِنادِهِ وألْقى تَبِعَتَهُ عَلى قَرِينِهِ الَّذِي كانَ يُزَيِّنُ لَهُ الكُفْرَ فَقالَ: هَذا القَرِينُ أطْغانِي، فَقالَ قَرِينُهُ ﴿رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ .
فالقَرِينُ هَذا هو القَرِينُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣] .
صفحة ٣١٤
والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في التَّعاظُمِ والظُّلْمِ والكُفْرِ، وفِعْلُهُ يائِيٌّ وواوِيٌّ، يُقالُ: طَغِيَ يَطْغى كَرَضِيَ، وطَغا يَطْغُو كَدَعا.
فَمَعْنى ”ما أطْغَيْتُهُ“ ما جَعَلْتُهُ طاغِيًا، أيْ ما أمَرْتُهُ بِالطُّغْيانِ ولا زَيَّنْتُهُ لَهُ. والِاسْتِدْراكُ ناشِئٌ عَنْ شِدَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَرِينِهِ لا سِيَّما إذا كانَ المُرادُ بِالقَرِينِ شَيْطانَهُ المُقَيَّضَ لَهُ فَإنَّهُ قُرِنَ بِهِ مِن وقْتِ إدْراكِهِ، فالِاسْتِدْراكُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ المُقارَنَةَ بَيْنَهُما تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ما بِهِ مِنَ الطُّغْيانِ بِتَلْقِينِ القَرِينِ فَهو يَنْفِي ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَ الِاسْتِدْراكَ بِجُمْلَةِ ﴿كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ فَأخْبَرَ القَرِينُ بِأنَّ صاحِبَهُ ضالٌّ مِن قَبْلُ فَلَمْ يَكُنِ اقْتِرانُهُ مَعَهُ في التَّقْيِيضِ أوْ في الصُّحْبَةِ بِزائِدِ إيّاهُ إضْلالًا، وهَذا نَظِيرُ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] . وفِعْلُ (كانَ) لِإفادَةِ أنَّ الضَّلالَ ثابِتٌ لَهُ بِالأصالَةِ مُلازِمٌ لِتَكْوِينِهِ.
والبَعِيدُ: مُسْتَعارٌ لِلْبالِغِ في قُوَّةِ النَّوْعِ حَدًّا لا يَبْلُغُ إلَيْهِ إدْراكُ العاقِلِ بِسُهُولَةٍ كَما لا يَبْلُغُ سَيْرُ السّائِرِ إلى المَكانِ البَعِيدِ إلّا بِمَشَقَّةٍ، أوْ بَعِيدُ الزَّمانِ، أيْ قَدِيمٌ أصِيلٌ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِمُفادِ فِعْلِ (كانَ)، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] في سُورَةِ النِّساءِ.
والمَعْنى: أنَّ تَمَكُّنَ الضَّلالِ مِنهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بِتابِعٍ لِما يُمْلِيهِ غَيْرُهُ عَلَيْهِ لِأنَّ شَأْنَ التّابِعِ في شَيْءٍ أنْ لا يَكُونَ مَكِينًا فِيهِ مِثْلَ عِلْمِ المُقَلَّدِ وعِلْمِ النُّظّارِ.
ق 50:28
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
هَذا حِكايَةُ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَئِذٍ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا والَّذِينَ اتُّبِعُوا، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
وعَدَمُ عَطْفِ فِعْلِ قالَ عَلى ما قَبْلَهُ لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ المُقاوَلَةِ، والتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَقَدْ صارَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَ ثَلاثِ جَوانِبَ.
صفحة ٣١٥
والِاخْتِصامُ: المُخاصَمَةُ وهو مَصْدَرٌ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي الأصْلُ فِيها أنَّها لِمُطاوَعَةِ بَعْضِ الأفْعالِ فاسْتُعْمِلَتْ لِلتَّفاعُلِ مَثَلَ: اجْتَوَرُوا واعْتَوَرُوا واخْتَصَمُوا.
والنَّهْيُ عَنِ المُخاصَمَةِ بَيْنَهم يَقْتَضِي أنَّ النُّفُوسَ الكافِرَةَ ادَّعَتْ أنَّ قُرَناءَها أطْغَوْها، وأنَّ القُرَناءَ تَنَصَّلُوا مِن ذَلِكَ وأنَّ النُّفُوسَ أعادَتْ رَمْيَ قُرَنائِها بِذَلِكَ فَصارَ خِصامًا فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ وطُوِيَ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ ”لا تَخْتَصِمُوا“ عَلَيْهِ إيثارًا لِحَقِّ الإيجازِ في الكَلامِ.
والنَّهْيُ عَنِ الِاخْتِصامِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِتَأْوِيلِ النَّهْيِ عَنِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، أيْ كَفُّوا عَنِ الخِصامِ.
ومَعْنى النَّهْيُ أنَّ الخِصامَ في ذَلِكَ لا جَدْوى لَهُ لِأنَّ اسْتِواءَ الفَرِيقَيْنِ في الكُفْرِ كافٍ في مُؤاخَذَةِ كِلَيْهِما عَلى السَّواءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ فَلا يُفِيدُهُمُ التَّخاصُمُ لِإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ.
ووَجْهُ اسْتِوائِهِما في العَذابِ أنَّ الدّاعِيَ إلى إضْلالِهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِن تَرْوِيجِ الباطِلِ دُونَ نَظَرٍ في الدَّلائِلِ الوِزاعَةِ عَنْهُ وأنَّ مُتَلَقِّيَ الباطِلِ مِمَّنْ دَعاهُ إلَيْهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الطّاعَةِ لِأئِمَّةِ الضَّلالِ فاسْتَوَيا في الدّاعِي وتَرَتُّبِ أثَرِهِ.
والواوُ في ”وقَدْ قَدَّمْتُ“ واوُ الحالِ.
والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”تَخْتَصِمُوا“ وهي حالٌ مُعَلِّلَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصامِ.
والمَعْنى: لا تَطْمَعُوا في أنَّ تَدافُعَكم في إلْقاءِ التَّبِعَةِ يُنْجِيكم مِنَ العِقابِ بَعْدَ حالِ إنْذارِكم بِالوَعِيدِ مِن وقْتِ حَياتِكم فَما اكْتَرَثْتُمْ بِالوَعِيدِ فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم لِأنَّ مَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ.
فَقَوْلُهُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالخِصامِ كَوْنَ العِقابِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ.
والباءُ في بِالوَعِيدِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
والمَعْنى: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ قَبْلَ اليَوْمِ.
صفحة ٣١٦
والتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قُدّامَ غَيْرِهِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا: كَوْنُهُ سابِقًا عَلى المُؤاخَذَةِ بِالشِّرْكِ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
فالمَعْنى الأوَّلُ المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾، أيْ لَسْتُ مُبْطِلًا ذَلِكَ الوَعِيدَ، وهو القَوْلُ، إذِ الوَعِيدُ مِن نَوْعِ القَوْلِ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أيْ فَما أوْعَدْتُكم واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعَهَّدَ أنْ لا يَغْفِرَ لِمَن يُشْرِكُ بِهِ ويَمُوتُ عَلى ذَلِكَ.
والمَعْنى الثّانِي المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أيْ فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ.
والمُبالَغَةُ الَّتِي في وصْفِ ظَلّامٍ راجِعَةٌ إلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ. والمُرادُ: لا أظْلِمُ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ولَيْسَ المَعْنى: ما أنا بِشَدِيدِ الظُّلْمِ كَما قَدْ يُسْتَفادُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُقَيَّدِ يُفِيدُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى القَيْدِ لِأنَّ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ. والأكْثَرُ في نَفْيِ أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ أنْ يُقْصَدَ بِالمُبالَغَةِ مُبالَغَةُ النَّفْيِ، قالَ طَرَفَةُ:
ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ
فَإنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْيَ كَثْرَةِ حُلُولِهِ التِّلاعَ وإنَّما أرادَ كَثْرَةَ النَّفْيِ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ تَوَجُّهَ نَفْيِ الشَّيْءِ المُقَيَّدِ إلى خُصُوصِ القَيْدِ كَتَوَجُّهِ الإثْباتِ سَواءً، ولَكِنَّ كَلامَ التَّفْتَزانِيِّ في كِتابِ المَقاصِدِ في أُصُولِ الدِّينِ في مَبْحَثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى أشارَ إلى اسْتِعْمالَيْنِ في ذَلِكَ، فالأكْثَرُ أنَّ النَّفْيَ يَتَوَجَّهُ إلى القَيْدِ فَيَكُونُ المَنفِيُّ القَيْدَ، وقَدْ يُعْتَبَرُ القَيْدُ قَيْدًا لِلنَّفْيِ وهَذا هو التَّحْقِيقُ.
عَلى أنِّي أرى أنَّ عَدَّ مِثْلِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ في عِدادِ القُيُودِ مَحَلَّ نَظَرٍ فَإنَّ المُعْتَبَرَ مِنَ القُيُودِ هو ما كانَ لَفْظًا زائِدًا عَلى اللَّفْظِ المَنفِيِّ مِن صِفَةٍ أوْ حالٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَسْتُ ظَلّامًا، ولَكِنْ أظْلِمُ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ لا آتِيكَ مُحارِبًا ولَكِنْ مُسالِمًا.
وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ إيثارَ وصْفِ ظَلّامٍ هُنا إيماءٌ إلى أنَّ المَنفِيَّ
صفحة ٣١٧
لَوْ كانَ غَيْرَ مَنفِيٍّ لَكانَ ظُلْمًا شَدِيدًا فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ أُخِذَ الجانِي قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ عَمَلَهُ جِنايَةٌ لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهُ بِها ظُلْمًا شَدِيدًا. ولَعَلَّ صاحِبَ الكَشّافِ يَرْمِي إلى مَذْهَبِهِ مِنِ اسْتِواءِ السَّيِّئاتِ، والتَّعْبِيرُ بِالعَبِيدِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ ونَحْوِهِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى الظُّلْمِ في نُفُوسِ الأُمَّةِ، أيْ لا أظْلِمُ ولَوْ كانَ المَظْلُومُ عَبْدِي فَإذا كانَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ العِبادَ قَدْ جَعَلَ مُؤاخَذَةَ مَن لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ظُلْمًا فَما بالَكَ بِمُؤاخَذَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّبِعاتِ دُونَ تَقَدُّمٍ إلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مِن قَبْلُ، ولِذَلِكَ يُقالُ: لا عُقُوبَةَ إلّا عَلى عَمَلٍ فِيهِ قانُونٌ سابِقٌ قَبْلَ فِعْلِهِ.
ق 50:29
﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
هَذا حِكايَةُ كَلامٍ يَصْدُرُ يَوْمَئِذٍ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا والَّذِينَ اتُّبِعُوا، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ [ق: ٢٢] .
وعَدَمُ عَطْفِ فِعْلِ قالَ عَلى ما قَبْلَهُ لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ المُقاوَلَةِ، والتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ فَقَدْ صارَتِ المُقاوَلَةُ بَيْنَ ثَلاثِ جَوانِبَ.
صفحة ٣١٥
والِاخْتِصامُ: المُخاصَمَةُ وهو مَصْدَرٌ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي الأصْلُ فِيها أنَّها لِمُطاوَعَةِ بَعْضِ الأفْعالِ فاسْتُعْمِلَتْ لِلتَّفاعُلِ مَثَلَ: اجْتَوَرُوا واعْتَوَرُوا واخْتَصَمُوا.
والنَّهْيُ عَنِ المُخاصَمَةِ بَيْنَهم يَقْتَضِي أنَّ النُّفُوسَ الكافِرَةَ ادَّعَتْ أنَّ قُرَناءَها أطْغَوْها، وأنَّ القُرَناءَ تَنَصَّلُوا مِن ذَلِكَ وأنَّ النُّفُوسَ أعادَتْ رَمْيَ قُرَنائِها بِذَلِكَ فَصارَ خِصامًا فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ وطُوِيَ ذِكْرُهُ لِدَلالَةِ ”لا تَخْتَصِمُوا“ عَلَيْهِ إيثارًا لِحَقِّ الإيجازِ في الكَلامِ.
والنَّهْيُ عَنِ الِاخْتِصامِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِتَأْوِيلِ النَّهْيِ عَنِ الدَّوامِ عَلَيْهِ، أيْ كَفُّوا عَنِ الخِصامِ.
ومَعْنى النَّهْيُ أنَّ الخِصامَ في ذَلِكَ لا جَدْوى لَهُ لِأنَّ اسْتِواءَ الفَرِيقَيْنِ في الكُفْرِ كافٍ في مُؤاخَذَةِ كِلَيْهِما عَلى السَّواءِ كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَدْ تَقَرَّرَ فَلا يُفِيدُهُمُ التَّخاصُمُ لِإلْقاءِ التَّبِعَةِ عَلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ.
ووَجْهُ اسْتِوائِهِما في العَذابِ أنَّ الدّاعِيَ إلى إضْلالِهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِن تَرْوِيجِ الباطِلِ دُونَ نَظَرٍ في الدَّلائِلِ الوِزاعَةِ عَنْهُ وأنَّ مُتَلَقِّيَ الباطِلِ مِمَّنْ دَعاهُ إلَيْهِ قائِمٌ بِما اشْتَهَتْهُ نَفْسُهُ مِنَ الطّاعَةِ لِأئِمَّةِ الضَّلالِ فاسْتَوَيا في الدّاعِي وتَرَتُّبِ أثَرِهِ.
والواوُ في ”وقَدْ قَدَّمْتُ“ واوُ الحالِ.
والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”تَخْتَصِمُوا“ وهي حالٌ مُعَلِّلَةٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصامِ.
والمَعْنى: لا تَطْمَعُوا في أنَّ تَدافُعَكم في إلْقاءِ التَّبِعَةِ يُنْجِيكم مِنَ العِقابِ بَعْدَ حالِ إنْذارِكم بِالوَعِيدِ مِن وقْتِ حَياتِكم فَما اكْتَرَثْتُمْ بِالوَعِيدِ فَلا تَلُومُوا إلّا أنْفُسَكم لِأنَّ مَن أنْذَرَ فَقَدْ أعْذَرَ.
فَقَوْلُهُ ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالخِصامِ كَوْنَ العِقابِ عَدْلًا مِنَ اللَّهِ.
والباءُ في بِالوَعِيدِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
والمَعْنى: وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ قَبْلَ اليَوْمِ.
صفحة ٣١٦
والتَّقْدِيمُ: جَعْلُ الشَّيْءِ قُدّامَ غَيْرِهِ.
والمُرادُ بِهِ هُنا: كَوْنُهُ سابِقًا عَلى المُؤاخَذَةِ بِالشِّرْكِ لِأنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
فالمَعْنى الأوَّلُ المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾، أيْ لَسْتُ مُبْطِلًا ذَلِكَ الوَعِيدَ، وهو القَوْلُ، إذِ الوَعِيدُ مِن نَوْعِ القَوْلِ، والتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، أيْ فَما أوْعَدْتُكم واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ اللَّهَ تَعَهَّدَ أنْ لا يَغْفِرَ لِمَن يُشْرِكُ بِهِ ويَمُوتُ عَلى ذَلِكَ.
والمَعْنى الثّانِي المُكَنّى عَنْهُ بُيِّنَ بِجُمْلَةِ ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أيْ فَلِذَلِكَ قَدَّمْتُ إلَيْكُمُ الوَعِيدَ.
والمُبالَغَةُ الَّتِي في وصْفِ ظَلّامٍ راجِعَةٌ إلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ. والمُرادُ: لا أظْلِمُ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ولَيْسَ المَعْنى: ما أنا بِشَدِيدِ الظُّلْمِ كَما قَدْ يُسْتَفادُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى المُقَيَّدِ يُفِيدُ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى القَيْدِ لِأنَّ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ. والأكْثَرُ في نَفْيِ أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ أنْ يُقْصَدَ بِالمُبالَغَةِ مُبالَغَةُ النَّفْيِ، قالَ طَرَفَةُ:
ولَسْتُ بِحَلّالِ التِّلاعِ مَخافَةً ولَكِنْ مَتى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أرْفِدِ
فَإنَّهُ لا يُرِيدُ نَفْيَ كَثْرَةِ حُلُولِهِ التِّلاعَ وإنَّما أرادَ كَثْرَةَ النَّفْيِ.
وذَكَرَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ تَوَجُّهَ نَفْيِ الشَّيْءِ المُقَيَّدِ إلى خُصُوصِ القَيْدِ كَتَوَجُّهِ الإثْباتِ سَواءً، ولَكِنَّ كَلامَ التَّفْتَزانِيِّ في كِتابِ المَقاصِدِ في أُصُولِ الدِّينِ في مَبْحَثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى أشارَ إلى اسْتِعْمالَيْنِ في ذَلِكَ، فالأكْثَرُ أنَّ النَّفْيَ يَتَوَجَّهُ إلى القَيْدِ فَيَكُونُ المَنفِيُّ القَيْدَ، وقَدْ يُعْتَبَرُ القَيْدُ قَيْدًا لِلنَّفْيِ وهَذا هو التَّحْقِيقُ.
عَلى أنِّي أرى أنَّ عَدَّ مِثْلِ صِيغَةِ المُبالَغَةِ في عِدادِ القُيُودِ مَحَلَّ نَظَرٍ فَإنَّ المُعْتَبَرَ مِنَ القُيُودِ هو ما كانَ لَفْظًا زائِدًا عَلى اللَّفْظِ المَنفِيِّ مِن صِفَةٍ أوْ حالٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَسْتُ ظَلّامًا، ولَكِنْ أظْلِمُ، ويَحْسُنُ أنْ يُقالَ لا آتِيكَ مُحارِبًا ولَكِنْ مُسالِمًا.
وقَدْ أشارَ في الكَشّافِ إلى أنَّ إيثارَ وصْفِ ظَلّامٍ هُنا إيماءٌ إلى أنَّ المَنفِيَّ
صفحة ٣١٧
لَوْ كانَ غَيْرَ مَنفِيٍّ لَكانَ ظُلْمًا شَدِيدًا فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لَوْ أُخِذَ الجانِي قَبْلَ أنْ يَعْرِفَ أنَّ عَمَلَهُ جِنايَةٌ لَكانَتْ مُؤاخَذَتُهُ بِها ظُلْمًا شَدِيدًا. ولَعَلَّ صاحِبَ الكَشّافِ يَرْمِي إلى مَذْهَبِهِ مِنِ اسْتِواءِ السَّيِّئاتِ، والتَّعْبِيرُ بِالعَبِيدِ دُونَ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ ونَحْوِهِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى الظُّلْمِ في نُفُوسِ الأُمَّةِ، أيْ لا أظْلِمُ ولَوْ كانَ المَظْلُومُ عَبْدِي فَإذا كانَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ العِبادَ قَدْ جَعَلَ مُؤاخَذَةَ مَن لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَشْرِيعٌ ظُلْمًا فَما بالَكَ بِمُؤاخَذَةِ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالتَّبِعاتِ دُونَ تَقَدُّمٍ إلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ مِن قَبْلُ، ولِذَلِكَ يُقالُ: لا عُقُوبَةَ إلّا عَلى عَمَلٍ فِيهِ قانُونٌ سابِقٌ قَبْلَ فِعْلِهِ.
ق 50:30
( ﴿يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ (
ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] . والتَّقْدِيرُ: قالَ لَهم في ذَلِكَ القَوْلِ يَوْمَ يَقُولُ قَوْلًا آخَرَ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ. ومُناسَبَةُ تَعْلِيقِهِ بِهِ أنَّ هَذا القَوْلَ لِجَهَنَّمَ مَقْصُودٌ بِهِ تَرْوِيعُ المَدْفُوعِينَ إلى جَهَنَّمَ أنْ لا يَطْمَعُوا في أنَّ كَثْرَتَهم يَضِيقُ بِها سَعَةُ جَهَنَّمَ فَيَطْمَعُ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ مِمَّنْ لا يُوجَدُ لَهُ مَكانٌ فِيها، فَحَكاهُ اللَّهُ في القُرْآنِ عِبْرَةً لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ وتَعْلِيمًا لِأهْلِ القُرْآنِ المُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ اسْتَوَتْ قِراءَةُ (يَقُولُ) بِالياءِ، وهي لِنافِعٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ جَرْيًا عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] . وقِراءَةُ الباقِينَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ بَلْ هو التِفاتٌ تابِعٌ لِتَبْدِيلِ طَرِيقِ الإخْبارِ مِنَ الحَدِيثِ عَنْ غائِبٍ إلى خِطابِ حاضِرٍ.
والقَوْلُ الأوَّلُ حَقِيقِيٌّ وهو كَلامٌ يَصْدُرُ مِن جانِبِ اللَّهِ بِمَحْضِ خَلْقِهِ دُونَ واسِطَةٍ. فَلِذَلِكَ أُسْنِدَ إلى اللَّهِ كَما يُقالُ القُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ.
والِاسْتِفْهامُ في ”هَلِ امْتَلَأْتِ“ مُسْتَعْمَلٌ في تَنْبِيهِ أهْلِ العَذابِ إلى هَذا السُّؤالِ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ.
وأمّا القَوْلُ لِجَهَنَّمَ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ في أصْواتِ لَهِيبِها أصْواتًا ذاتَ حُرُوفٍ يَلْتَئِمُ مِنها كَلامٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا عَنْ دَلالَةِ حالِها عَلى أنَّها
صفحة ٣١٨
تَسَعُ ما يُلْقى فِيها مِن أهْلِ العَذابِ بِأنْ يُكْشَفَ باطِنُها لِلْمَعْرُوضِينَ عَلَيْها حَتّى يَرَوْا سِعَتَها كَقَوْلِ الرّاجِزِ:
امْتَلا الحَوْضُ وقالَ: قَطْنِي والِاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّشْوِيقِ والتَّمَنِّي.
وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَوْجُوداتِ مُشَوِّقَةٌ إلى الإيفاءِ بِما خُلِقَتْ لَهُ كَما قالَ الشَّيْطانُ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى إظْهارِ الِامْتِثالِ لِما خَلَقَها اللَّهُ لِأجْلِهِ، ولِأنَّها لا تَتَلَكَّأُ ولا تَتَعَلَّلُ في أدائِهِ عَلى أكْمَلِ حالٍ في بابِهِ.
والمَزِيدُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وهو الزِّيادَةُ مِثْلَ المَجِيدِ والحَمِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ مِن زادَ، أيْ هَلْ مِن جَماعَةٍ آخَرِينَ يُلْقَوْنَ فِيَّ.
ق 50:31
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
ق 50:32
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
ق 50:33
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
ق 50:34
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
ق 50:35
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
عَطَفَ ”وأُزْلِفَتْ“ عَلى ”يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“ . فالتَّقْدِيرُ: يَوْمَ وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وهو رُجُوعٌ إلى مُقابِلِ حالَةِ الضّالِّينَ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] ولَوِ اعْتُبِرَتْ مَعْطُوفَةً عَلَيْها لَصَحَّ ذَلِكَ إلّا أنَّ عَطْفَها عَلى جُمْلَةِ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] غَنِيَّةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا سِيَّما مَعَ طُولِ الكَلامِ.
والإزْلافُ: التَّقْرِيبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّلَفِ بِالتَّحْرِيكِ وهو القُرْبَةُ، وقِياسُ فِعْلِهِ أنَّهُ كَفَرِحَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ ولَمْ يُرْوَ في كَلامِهِمْ، أيْ جُعِلَتِ الجَنَّةُ قَرِيبًا مِنَ المُتَّقِينَ، أيِ ادْنُوا مِنها.
والجَنَّةُ مَوْجُودَةٌ مِن قَبْلِ وُرُودِ المُتَّقِينَ إلَيْها فَإزْلافُها قَدْ يَكُونُ بِحَشْرِهِمْ لِلْحِسابِ
صفحة ٣١٩
بِمَقْرُبَةِ مِنها كَرامَةً لَهم عَنْ كُلْفَةِ المَسِيرِ إلَيْها، وقَدْ يَكُونُ عِبارَةً عَنْ تَيْسِيرِ وُصُولِهِمْ إلَيْها بِوَسائِلَ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ في عادَةِ أهْلِ الدُّنْيا.
وقَوْلُهُ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ يُرَجِّحُ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ، أيْ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنهم وإلّا صارَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِـ ”أُزْلِفَتْ“ كَما يُقالُ: عاجِلٌ غَيْرُ آجِلٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ [طه: ٧٩] والتَّأْسِيسُ أرْجَحُ مِنَ احْتِمالِ التَّأْكِيدِ.
وانْتَصَبَ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ وصْفٌ لِظَرْفِ مَكانٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: مَكانًا غَيْرَ بَعِيدٍ، أيْ عَنِ المُتَّقِينَ. وهَذا الظَّرْفُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ.
وتَجْرِيدُ ”بَعِيدٍ“ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ: إمّا عَلى اعْتِبارِ ”غَيْرَ بَعِيدٍ“ وصْفًا لِـ ”(مَكانٍ)، وإمّا جَرْيٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ في وصْفِ (بَعِيدٍ وقَرِيبٍ) إذا أُرِيدَ البُعْدُ والقُرْبُ بِالجِهَةِ دُونَ النَّسَبِ أنْ يُجَرَّدا مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ كَما قالَهُالفَرّاءُ أوْ لِأنَّ تَأْنِيثَ اسْمِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ كَما قالَ الزَّجّاجُ، وإمّا لِأنَّهُ جاءَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ مِثْلَ الزَّئِيرِ والصَّلِيلِ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] .
وجُمْلَةُ ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَها وحْدَها مُعْتَرِضَةً وما بَعْدَها مُتَّصِلًا بِما قَبْلَها فَتَكُونُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ وهَما لِلْمُتَّقِينَ و“ لِكُلِّ أوّابٍ ”، وتُجْعَلْ“ لِكُلِّ أوّابٍ ”بَدَلًا مِن“ لِلْمُتَّقِينَ ”، وتَكْرِيرُ الحَرْفِ الَّذِي جُرَّ بِهِ المُبْدَلُ مِنهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [سبإ: ٣٢] الآيَةَ وقَوْلُهُ: ﴿ولِأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] .
واسْمُ الإشارَةِ المُذَكَّرُ مُراعًى فِيهِ مَجْمُوعُ ما هو مُشاهَدٌ عِنْدَهم مِنَ الخَيْراتِ.
والأوّابُ: الكَثِيرُ الأوْبِ، أيِ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.
والحَفِيظُ: الكَثِيرُ الحِفْظِ لِوَصايا اللَّهِ وحُدُودِهِ.
والمَعْنى: أنَّهُ مُحافِظٌ عَلى الطّاعَةِ فَإذا صَدَرَتْ مِنهُ فَلْتَةٌ أعْقَبَها بِالتَّوْبَةِ.
و﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ بَدَلٌ مِن“ كُلِّ أوّابٍ ”.
صفحة ٣٢٠
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ. وأُطْلِقَتِ الخَشْيَةُ عَلى أثَرِها وهو الطّاعَةُ.
والباءُ في بِالغَيْبِ بِمَعْنى (في) الظَّرْفِيَّةِ لِتَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ، أيِ الحالَةُ الغائِبَةُ وهي حالَةُ عَدَمِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْهِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ في تِلْكَ الحالَةِ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الطّاعَةِ لِلَّهِ بِحَيْثُ لا يَرْجُو ثَناءَ أحَدٍ ولا عِقابَ أحَدٍ فَيَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالتّاءِ بِفِعْلِ خَشِيَ.
ولَكَ أنْ تُبْقِيَ الباءَ عَلى بَعْضِ مَعانِيها الغالِبَةِ وهي المُلابَسَةُ ونَحْوُها ويَكُونُ الغَيْبُ مَصْدَرًا والمَجْرُورُ حالًا مِن ضَمِيرِ خَشِيَ.
ومَعْنى ﴿وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أنَّهُ حَضَرَ يَوْمَ الحَشْرِ مُصاحِبًا قَلْبَهُ المُنِيبَ إلى اللَّهِ، أيْ ماتَ مَوْصُوفًا بِالإنابَةِ ولَمْ يُبْطِلْ عَمَلَهُ الصّالِحَ في آخِرِ عُمْرِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وإيثارُ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ هَذا المُتَّقِيَ يَخْشى اللَّهَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ رَحْمَنُ، ولِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أنْكَرُوا اسْمَهُ الرَّحْمَنَ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] .
والمَعْنى عَلى الَّذِينَ خَشُوا: خَشِيَ صاحِبُ هَذا الِاسْمِ، فَأنْتُمْ لا حَظَّ لَكم في الجَنَّةِ لِأنَّكم تُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ رَحْمَنُ بَلْهَ أنْ تَخْشَوْهُ.
ووَصْفُ قَلْبٍ بِـ“ مُنِيبٍ ”عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّ القَلْبَ سَبَبُ الإنابَةِ لِأنَّهُ الباعِثُ عَلَيْها.
وجُمْلَةُ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ مِن تَمامِ مَقُولِ القَوْلِ المَحْذُوفِ. وهَذا الإذْنُ مِن كَمالِ إكْرامِ الضَّيْفِ أنَّهُ إنْ دُعِيَ إلى الوَلِيمَةِ أوْ جِيءَ بِهِ فَإنَّهُ إذا بَلَغَ المَنزِلَ قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ بِسَلامٍ.
والباءُ في بِسَلامٍ لِلْمُلابَسَةِ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ مِن كُلِّ أذًى مِن تَعَبٍ أوْ نَصَبٍ، وهو دُعاءٌ.
صفحة ٣٢١
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ أيْضًا تَسْلِيمُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ حِينَ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
ومَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الَّتِي قَبْلَها الِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ لِأنَّ ما قَبْلَها يُثِيرُ تَرَقُّبَ المُخاطَبِينَ لِلْإذْنِ بِإنْجازِ ما وُعِدُوا بِهِ.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، والإشارَةُ إلى اليَوْمِ الَّذِي هم فِيهِ. وكانَ اسْمُ الإشارَةِ لِلْبَعِيدِ لِلتَّعْظِيمِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اليَوْمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما يُلاقِيهِ أهْلُ جَهَنَّمَ وأهْلُ الجَنَّةِ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً اعْتِراضًا مُوَجَّهًا إلى المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ إلى السّامِعِينَ في الدُّنْيا.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَإضافَةُ يَوْمٍ إلى الخُلُودِ بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ أيّامِ الخُلُودِ هي أيّامٌ ذاتُ مَقادِيرَ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، أوْ بِاعْتِبارِ اسْتِعْمالِ يَوْمٍ بِمَعْنى مُطْلَقِ الزَّمانِ.
وبَيْنَ كَلِمَةٍ“ ادْخُلُوها ”وكَلِمَةِ“ الخُلُودِ ”الجِناسُ المَقْلُوبُ النّاقِصُ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن بَقِيَّةِ ما يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ التِفاتًا وأصْلُهُ: لَكم ما تَشاءُونَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا خُوطِبَ بِهِ الفَرِيقانِ في الدُّنْيا وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَهي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا.
و“ ولَدَيْنا مَزِيدٌ "، أيْ زِيادَةٌ عَلى ما يَشاءُونَ مِمّا لَمْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ ووَرَدَتْ آثارٌ مُتَفاوِتَةُ القُوَّةِ أنَّ مِنَ المَزِيدِ مُفاجَأتَهم بِخَيْراتٍ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُفاجَأةَ بِالإنْعامِ ضَرْبٌ مِنَ التَّلَطُّفِ والإكْرامِ، وأيْضًا فَإنَّ الإنْعامَ يَجِيئُهم في صُوَرٍ مُعْجَبَةٍ. والقَوْلُ في مَزِيدٍ هُنا كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ السّابِقِ آنِفًا.
وجاءَ تَرْتِيبُ الآياتِ في مُنْتَهى الدِّقَّةِ فَبَدَأتْ بِذِكْرِ إكْرامِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثُمَّ بِذِكْرِ أنَّ الجَنَّةَ جَزاؤُهُمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ فَهي حَقٌّ لَهم، ثُمَّ أوْمَأتْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾ إلَخْ
صفحة ٣٢٢
ثُمَّ ذُكِرَتِ المُبالَغَةُ في إكْرامِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾، ثُمَّ طَمْأنَهم بِأنَّ ذَلِكَ نَعِيمٌ خالِدٌ، وزِيدَ في إكْرامِهِمْ بِأنَّ لَهم ما يَشاءُونَ ما لَمْ يَرَوْهُ حِينَ الدُّخُولِ، وبِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَزِيدِ مِن لَدُنْهُ.
ق 50:36
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهْوَ شَهِيدٌ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إلى التَّهْدِيدِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهَذا العَطْفُ انْتِقالٌ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥] . وفي هَذا العَطْفِ الوَعِيدُ الَّذِي أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ [ق: ١٢] إلى قَوْلِهِ ”فَحَقَّ وعِيدِ“ . فالوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ هو الِاسْتِئْصالُ في الدُّنْيا وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ .
والخَبَرُ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ وتَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وضَمِيرا ”قَبْلَهم“ و”مِنهم“ عائِدانِ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] . ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] . وجَرى عَلى ذَلِكَ السُّنَنِ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
و(كَمْ) خَبَرِيَّةٌ وجُرَّ تَمْيِيزُها بِـ (مِن) عَلى الأصْلِ.
والبَطْشُ: القُوَّةُ عَلى الغَيْرِ.
والتَّنْقِيبُ: مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْبِ بِسُكُونِ القافِ بِمَعْنى الثَّقْبِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى:
صفحة ٣٢٣
خَرَقُوا، واسْتُعِيرَ لِمَعْنى: ذَلَّلُوا وأخْضَعُوا، أيْ تَصَرَّفُوا في الأرْضِ بِالحَفْرِ والغَرْسِ والبِناءِ ونَحْتِ الجِبالِ وإقامَةِ السِّدادِ والحُصُونِ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] في سُورَةِ الرُّومِ.
وتَعْرِيفُ البِلادِ لِلْجِنْسِ، أيْ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] .
والفاءُ في فَنَقَّبُوا لِلتَّفْرِيعِ عَنْ ﴿أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾، أيْ بِبَطْشِهِمْ وقُوَّتِهِمْ نَقَّبُوا في البِلادِ.
والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ.
وجُمْلَةِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ كَما اعْتَرَضَ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أهْلَكْنا، أيْ إهْلاكًا لا مَنجًى مِنهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً.
فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ (مِن) عَلى الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ كَما يُقالُ: ما مِن مَحِيصٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ في سُورَةِ ص ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .
والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ إذا عَدَلَ وجادَ، أيْ لَمْ يَجِدُوا مَحِيصًا مِنَ الإهْلاكِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إهْلاكِ القُرُونِ الأشَدِّ بَطْشًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِدْلالٍ وتَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
والذِّكْرى: التَّذْكِرَةُ العَقْلِيَّةُ، أيِ التَّفَكُّرُ في تَدَبُّرِ الأحْوالِ الَّتِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ لِيَقِيسُوا عَلَيْها أحْوالَهم فَيَعْلَمُوا أنْ سَيَنالَهم ما نالَ أُولَئِكَ، وهَذا قِياسٌ عَقْلِيٌّ يُدْرِكُهُ اللَّبِيبُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ دُونَ احْتِياجٍ إلى مُنَبِّهٍ.
صفحة ٣٢٤
والقَلْبُ: العَقْلُ وإدْراكُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ: مُسْتَعارٌ لِشِدَّةِ الإصْغاءِ لِلْقُرْآنِ ومَواعِظِ الرَّسُولِ ﷺ كَأنَّ أسْماعَهم طُرِحَتْ في ذَلِكَ فَلا يَشْغَلُها شَيْءٌ آخَرُ تَسْمَعُهُ.
والشَّهِيدُ: المُشاهِدُ وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُذَكَّرِ، أيْ تَحْدِيقِ العَيْنِ إلَيْهِ لِلْحِرْصِ عَلى فَهْمِ مُرادِهِ مِمّا يُقارِنُ كَلامَهُ مِن إشارَةٍ أوْ سَحْنَةٍ فَإنَّ النَّظَرَ يُعِينُ عَلى الفَهْمِ.
وقَدْ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى اقْتِرانِ مَضْمُونِها بِمَضْمُونِ عامِلِها بِحَيْثُ يَكُونُ صاحِبُ الحالِ مُلْقِيًا سَمْعَهُ مُشاهِدًا. وهَذِهِ حالَةُ المُؤْمِنِ فَفي الكَلامِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بُعَداءٌ عَنِ الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرَياتِ والعِبَرِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ مَعَ المُشاهَدَةِ يُوقِظُ العَقْلَ لِلذِّكْرى والِاعْتِبارِ إنْ كانَ لِلْعَقْلِ غَفْلَةٌ.
ومَوْقِعُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لِأنَّ المُتَذَكِّرَ إمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ مِن فَهْمِ أدِلَّةِ القُرْآنِ ومِنَ الِاعْتِبارِ بِأدِلَّةِ الآثارِ عَلى أصْحابِها كَآثارِ الأُمَمِ مِثْلَ دِيارِ ثَمُودَ، قالَ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] فَقَوْلُهُ ”ألْقى السَّمْعَ“ اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ شَبَّهَ تَوْجِيهَ السَّمْعِ لِتِلْكَ الأخْبارِ دُونَ اشْتِغالٍ بِغَيْرِها بِإلْقاءِ الشَّيْءِ لِمَن أخَذَهُ فَهو مَن قِسْمِ مَن لَهُ قَلْبٌ، وإمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما يُبَلِّغُهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ كَأحادِيثِ القُرُونِ الخالِيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ خُصُوصُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ألْقَوْا سَمْعَهم لِهَذِهِ الذِّكْرى وشَهِدُوا بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِمْ بِها مِنَ التَّوْراةِ وسائِرِ كُتُبِهِمْ فَيَكُونُ شَهِيدٌ مِنَ الشَّهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ. وقالَ الفَخْرُ: تَنْكِيرُ قَلْبٍ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ. والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ذَكِيٌّ واعٍ يَسْتَخْرِجُ بِذَكائِهِ، أوْ لِمَن ألْقى السَّمْعَ إلى المُنْذِرِ فَيَتَذَكَّرُ، وإنَّما قالَ و”ألْقى السَّمْعَ“ ولَمْ يَقُلْ: اسْتَمَعَ، لِأنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ، أيْ يُرْسِلُ سَمْعَهُ ولا يُمْسِكُهُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّماعَ، أيْ تَحْصُلُ الذِّكْرى لِمَن لَهُ سَمْعٌ.
وهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ المُشْرِكِينَ بِمَن لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ وبِمَن لا يُلْقِي سَمْعَهُ.
ق 50:37
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهْوَ شَهِيدٌ﴾
انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ إلى التَّهْدِيدِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وهَذا العَطْفُ انْتِقالٌ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَلَّ بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥] . وفي هَذا العَطْفِ الوَعِيدُ الَّذِي أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ [ق: ١٢] إلى قَوْلِهِ ”فَحَقَّ وعِيدِ“ . فالوَعِيدُ الَّذِي حَقَّ عَلَيْهِمْ هو الِاسْتِئْصالُ في الدُّنْيا وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ .
والخَبَرُ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ وتَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
وضَمِيرا ”قَبْلَهم“ و”مِنهم“ عائِدانِ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] . ويُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿فَقالَ الكافِرُونَ هَذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢] . وجَرى عَلى ذَلِكَ السُّنَنِ قَوْلُهُ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥]، ونَظائِرُهُ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ.
و(كَمْ) خَبَرِيَّةٌ وجُرَّ تَمْيِيزُها بِـ (مِن) عَلى الأصْلِ.
والبَطْشُ: القُوَّةُ عَلى الغَيْرِ.
والتَّنْقِيبُ: مُشْتَقٌّ مِنَ النَّقْبِ بِسُكُونِ القافِ بِمَعْنى الثَّقْبِ، فَيَكُونُ بِمَعْنى:
صفحة ٣٢٣
خَرَقُوا، واسْتُعِيرَ لِمَعْنى: ذَلَّلُوا وأخْضَعُوا، أيْ تَصَرَّفُوا في الأرْضِ بِالحَفْرِ والغَرْسِ والبِناءِ ونَحْتِ الجِبالِ وإقامَةِ السِّدادِ والحُصُونِ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] في سُورَةِ الرُّومِ.
وتَعْرِيفُ البِلادِ لِلْجِنْسِ، أيْ في الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] .
والفاءُ في فَنَقَّبُوا لِلتَّفْرِيعِ عَنْ ﴿أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾، أيْ بِبَطْشِهِمْ وقُوَّتِهِمْ نَقَّبُوا في البِلادِ.
والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ.
وجُمْلَةِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ كَما اعْتَرَضَ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
وجُمْلَةُ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أهْلَكْنا، أيْ إهْلاكًا لا مَنجًى مِنهُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً.
فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ (مِن) عَلى الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ كَما يُقالُ: ما مِن مَحِيصٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ في سُورَةِ ص ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .
والمَحِيصُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِن حاصَ إذا عَدَلَ وجادَ، أيْ لَمْ يَجِدُوا مَحِيصًا مِنَ الإهْلاكِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ إلى آخِرِها يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى إهْلاكِ القُرُونِ الأشَدِّ بَطْشًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِدْلالٍ وتَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ مِن يَوْمِ الجَزاءِ.
والذِّكْرى: التَّذْكِرَةُ العَقْلِيَّةُ، أيِ التَّفَكُّرُ في تَدَبُّرِ الأحْوالِ الَّتِي قَضَتْ عَلَيْهِمْ بِالإهْلاكِ لِيَقِيسُوا عَلَيْها أحْوالَهم فَيَعْلَمُوا أنْ سَيَنالَهم ما نالَ أُولَئِكَ، وهَذا قِياسٌ عَقْلِيٌّ يُدْرِكُهُ اللَّبِيبُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ دُونَ احْتِياجٍ إلى مُنَبِّهٍ.
صفحة ٣٢٤
والقَلْبُ: العَقْلُ وإدْراكُ الأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ: مُسْتَعارٌ لِشِدَّةِ الإصْغاءِ لِلْقُرْآنِ ومَواعِظِ الرَّسُولِ ﷺ كَأنَّ أسْماعَهم طُرِحَتْ في ذَلِكَ فَلا يَشْغَلُها شَيْءٌ آخَرُ تَسْمَعُهُ.
والشَّهِيدُ: المُشاهِدُ وصِيغَةُ المُبالَغَةِ فِيهِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المُشاهَدَةِ لِلْمُذَكَّرِ، أيْ تَحْدِيقِ العَيْنِ إلَيْهِ لِلْحِرْصِ عَلى فَهْمِ مُرادِهِ مِمّا يُقارِنُ كَلامَهُ مِن إشارَةٍ أوْ سَحْنَةٍ فَإنَّ النَّظَرَ يُعِينُ عَلى الفَهْمِ.
وقَدْ جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلْإشارَةِ إلى اقْتِرانِ مَضْمُونِها بِمَضْمُونِ عامِلِها بِحَيْثُ يَكُونُ صاحِبُ الحالِ مُلْقِيًا سَمْعَهُ مُشاهِدًا. وهَذِهِ حالَةُ المُؤْمِنِ فَفي الكَلامِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ وتَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ بِأنَّهم بُعَداءٌ عَنِ الِانْتِفاعِ بِالذِّكْرَياتِ والعِبَرِ.
وإلْقاءُ السَّمْعِ مَعَ المُشاهَدَةِ يُوقِظُ العَقْلَ لِلذِّكْرى والِاعْتِبارِ إنْ كانَ لِلْعَقْلِ غَفْلَةٌ.
ومَوْقِعُ (أوْ) لِلتَّقْسِيمِ لِأنَّ المُتَذَكِّرَ إمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ مِن فَهْمِ أدِلَّةِ القُرْآنِ ومِنَ الِاعْتِبارِ بِأدِلَّةِ الآثارِ عَلى أصْحابِها كَآثارِ الأُمَمِ مِثْلَ دِيارِ ثَمُودَ، قالَ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] فَقَوْلُهُ ”ألْقى السَّمْعَ“ اسْتِعارَةٌ عَزِيزَةٌ شَبَّهَ تَوْجِيهَ السَّمْعِ لِتِلْكَ الأخْبارِ دُونَ اشْتِغالٍ بِغَيْرِها بِإلْقاءِ الشَّيْءِ لِمَن أخَذَهُ فَهو مَن قِسْمِ مَن لَهُ قَلْبٌ، وإمّا أنْ يَتَذَكَّرَ بِما يُبَلِّغُهُ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ كَأحادِيثِ القُرُونِ الخالِيَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِمَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ خُصُوصُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ألْقَوْا سَمْعَهم لِهَذِهِ الذِّكْرى وشَهِدُوا بِصِحَّتِها لِعِلْمِهِمْ بِها مِنَ التَّوْراةِ وسائِرِ كُتُبِهِمْ فَيَكُونُ شَهِيدٌ مِنَ الشَّهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ. وقالَ الفَخْرُ: تَنْكِيرُ قَلْبٍ لِلتَّعْظِيمِ والكَمالِ. والمَعْنى: لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ذَكِيٌّ واعٍ يَسْتَخْرِجُ بِذَكائِهِ، أوْ لِمَن ألْقى السَّمْعَ إلى المُنْذِرِ فَيَتَذَكَّرُ، وإنَّما قالَ و”ألْقى السَّمْعَ“ ولَمْ يَقُلْ: اسْتَمَعَ، لِأنَّ إلْقاءَ السَّمْعِ، أيْ يُرْسِلُ سَمْعَهُ ولا يُمْسِكُهُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ السَّماعَ، أيْ تَحْصُلُ الذِّكْرى لِمَن لَهُ سَمْعٌ.
وهُوَ تَعْرِيضٌ بِتَمْثِيلِ المُشْرِكِينَ بِمَن لَيْسَ لَهُ قَلْبٌ وبِمَن لا يُلْقِي سَمْعَهُ.
ق 50:38
صفحة ٣٢٥
﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾
مُناسَبَةُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠]، وكانَ ذَلِكَ قَرِيبًا مِمّا وُصِفَ في التَّوْراةِ مِن تَرْتِيبِ المَخْلُوقاتِ إجْمالًا ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥] كانَ بَعْضُ اليَهُودِ بِمَكَّةَ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ واسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ، وهَذا مَكْتُوبٌ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ.
والِاسْتِراحَةُ تُؤْذِنُ بِالنَّصْبِ والإعْياءِ فَلَمّا فَرَغَتِ الآيَةُ مِن تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ في أقْوالِهِمْ عَطَفَتْ إلى تَكْذِيبِ الَّذِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم بِحَدِيثِ الِاسْتِراحَةِ، فَهَذا تَأْوِيلُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَحَلِّ مَعَ ما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ في الكَلامِ عَلى طَلِيعَةِ السُّورَةِ فَقَوْلُ مَن قالَ نَزَلَتْ في يَهُودِ المَدِينَةِ تَكَلُّفٌ إذْ لَمْ يَكُنِ اليَهُودُ مَقْصُورِينَ عَلى المَدِينَةِ مِن بِلادِ العَرَبِ وكانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلى مَكَّةَ.
فَقَوْلُهُ ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ تَكْمِلَةٌ لِما وصَفَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ:﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ إبْطالًا لِمَقالَةِ اليَهُودِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الكَلامِ السّابِقِ وبَيْنَ ما فُرِّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٩] .
والواوُ في ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ واوُ الحالِ لِأنَّ لِمَعْنى الحالِ هُنا مَوْقِعًا عَظِيمًا مِن تَقْيِيدِ ذَلِكَ الخَلْقِ العَظِيمِ في تِلْكَ المُدَّةِ القَصِيرَةِ بِأنَّهُ لا يَنْصَبُ خالِقُهُ لِأنَّ الغَرَضَ مِن مُعْظَمِ هَذِهِ السُّورَةِ بَيانُ إمْكانِ البَعْثِ إذْ أحالَهُ المُشْرِكُونَ بِما يَرْجِعُ إلى ضِيقِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ عَنْ إيقاعِهِ، فَكانَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها مُشْتَمِلَةً عَلى إبْرازِ مَعْنى سَعَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ.
ومَعْنى ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾: ما أصابَنا تَعَبٌ. وحَقِيقَةُ المَسِّ: اللَّمْسُ، أيْ
صفحة ٣٢٦
وضْعُ اليَدِ عَلى شَيْءٍ وضْعًا غَيْرَ شَدِيدٍ بِخِلافِ الدَّفْعِ واللَّطْمِ. فَعَبَّرَ عَنْ نَفْيِ أقَلِّ الإصابَةِ بِنَفْيِ المَسِّ لِنَفْيِ أضْعَفِ أحْوالِ الإصابَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ [المجادلة: ٣] فَنَفْيُ قُوَّةِ الإصابَةِ وتَمَكُّنُها أحْرى.
واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِنَ الجَرْيِ والعَمَلِ الشَّدِيدِ.
ق 50:39
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] الآياتِ، ومُناسَبَةُ وقْعِهِ هَذا المَوْقِعَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [ق: ٣٦] الآيَةَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِما أخْبَرْتَهم مِنَ البَعْثِ وبِالرِّسالَةِ وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ المَوْصُولُ وهو ”ما يَقُولُونَ“ .
وضَمِيرُ ”يَقُولُونَ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ المَواعِظِ والنُّذُرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] .
* * *
﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَهو مِن تَمامِ التَّفْرِيعِ، أيِ اصْبِرْ عَلى أقْوالِ أذاهم وسُخْرِيَتِهِمْ. ولَعَلَّ وجْهَ هَذا العَطْفِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مِثْلَ قِصَّةِ إلْقاءِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ سَلا الجَزُورِ عَلى ظَهْرِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَجَدَ في المَسْجِدِ الحَرامِ في حِجْرِ الكَعْبَةِ فَأقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حَتّى أخَذَ بِمَنكِبِهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] .
فالمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ وهو مِن أسْماءِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ
صفحة ٣٢٧
المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ هُنا الصَّلاةُ. قُلْتُ: ولِذَلِكَ صارَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ في مَعْنى: صَلِّ.
والباءُ في ”بِحَمْدِ رَبِّكَ“ يُرَجِّحُ كَوْنَ المُرادِ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ لِأنَّ الصَّلاةَ تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةِ مِنها الفاتِحَةُ وهي حَمْدٌ لِلَّهِ تَعالى، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالصَّلاةِ مِن قَوْلِهِ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ السُّجُودِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: ”إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَنْ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“ يَعْنِي بِذَلِكَ العَصْرَ والفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأ جَرِيرٌ ”وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“» كَذا. والقِراءَةُ ”الغُرُوبُ“ .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَبْلَ الغُرُوبِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ. وعَنْ قَتادَةَ: العَصْرُ.
وقَوْلُهُ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ فِيهِ هو الصَّلاةُ، وعَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ فَعَلى أنَّ التَّسْبِيحَ الصَّلاةُ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَلاةُ المَغْرِبِ وصَلاةُ العِشاءِ.
وقَبْلَ الغُرُوبِ ظَرْفٌ واسِعٌ يَبْتَدِئُ مِن زَوالِ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ لِأنَّها حِينَ تَزُولُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ قَدْ مالَتْ إلى الغُرُوبِ ويَنْتَهِي بِغُرُوبِها، وشَمِلَ ذَلِكَ وقْتَ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْبِيحُ اللَّيْلِ بِصَلاتَيِ المَغْرِبِ والعَشاءِ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مَبْدَأُ اللَّيْلِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيالِي ويَبْتَدِئُونَ الشَّهْرَ بِاللَّيْلَةِ الأوْلى الَّتِي بَعْدَ طُلُوعِ الهِلالِ الجَدِيدِ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقِيلَ هَذِهِ المَذْكُوراتُ كُلُّها نَوافِلُ، فالَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَكْعَتا الفَجْرِ، والَّذِي قَبْلَ الغُرُوبِ رَكْعَتانِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قالَهُ أبُو بَرْزَةَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والَّذِي مِنَ اللَّيْلِ قِيامُ اللَّيْلِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
ويَأْتِي عَلى هَذا الوَجْهِ الِاخْتِلافُ في مَحْمَلِ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ إنْ كانا عامًّا أوْ
صفحة ٣٢٨
عَلى الوُجُوبِ إنْ كانا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ المُزَّمِّلِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] في سُورَةِ الإنْسانِ.
وقَرِيبٌ مِنها أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
وأمّا قَوْلُهُ ”﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]“ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ .
والإدْبارُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ لِأنَّ المُنْصَرِفَ يَسْتَدْبِرُ مَن كانَ مَعَهُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلِانْقِضاءِ، أيِ انْقِضاءِ السُّجُودِ، والسُّجُودُ: الصَّلاةُ، قالَ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] . وانْتِصابُهُ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ لِأنَّ المُرادَ: وقْتُ إدْبارِ السُّجُودِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إدْبارِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ: دُبُرٍ، بِمَعْنى العَقِبِ والآخِرِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو وقْتُ انْتِهاءِ السُّجُودِ.
فَفُسِّرَ السُّجُودُ بِالحَمْلِ عَلى الجِنْسِ، أيْ بَعْدِ الصَّلَواتِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، فَهو أمْرٌ بِالرَّواتِبِ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَواتِ. وهو عامٌ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِأوْقاتِ النَّوافِلِ، ومُجْمَلٌ بَيَّنَتِ السَّنَةُ مَقادِيرَهُ، وبَيَّنَتْ أنَّ الأمْرَ فِيهِ أمْرُ نَدْبٍ وتَرْغِيبٍ لا أمْرُ إيجابٍ.
وعَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ كانَ فَرْضًا فَنُسِخَ بِالفَرائِضِ.
وحُمِلَ عَلى العَهْدِ فَقالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو صَلاةُ المَغْرِبِ، أيِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الوِتْرُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”فَسَبِّحْهُ“ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ عَلى قَوْلِهِ: ”ومِنَ اللَّيْلِ“ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ لِإفادَةِ الوُجُوبِ فَيُجْعَلُ التَّفْرِيعُ اعْتِراضًا بَيْنَ الظُّرُوفِ المُتَعاطِفَةِ وهو كالتَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ [ق: ٣٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
ق 50:40
﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ [ق: ٢] الآياتِ، ومُناسَبَةُ وقْعِهِ هَذا المَوْقِعَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [ق: ٣٦] الآيَةَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ، أيْ فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ بِما أخْبَرْتَهم مِنَ البَعْثِ وبِالرِّسالَةِ وقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ المَوْصُولُ وهو ”ما يَقُولُونَ“ .
وضَمِيرُ ”يَقُولُونَ“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ المَواعِظِ والنُّذُرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] .
* * *
﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾
عَطْفٌ عَلى ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ فَهو مِن تَمامِ التَّفْرِيعِ، أيِ اصْبِرْ عَلى أقْوالِ أذاهم وسُخْرِيَتِهِمْ. ولَعَلَّ وجْهَ هَذا العَطْفِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ مِثْلَ قِصَّةِ إلْقاءِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ سَلا الجَزُورِ عَلى ظَهْرِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ سَجَدَ في المَسْجِدِ الحَرامِ في حِجْرِ الكَعْبَةِ فَأقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حَتّى أخَذَ بِمَنكِبِهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ الآيَةَ. وقالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلّا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] .
فالمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الصَّلاةُ وهو مِن أسْماءِ الصَّلاةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ
صفحة ٣٢٧
المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ هُنا الصَّلاةُ. قُلْتُ: ولِذَلِكَ صارَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِأنَّهُ في مَعْنى: صَلِّ.
والباءُ في ”بِحَمْدِ رَبِّكَ“ يُرَجِّحُ كَوْنَ المُرادِ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ لِأنَّ الصَّلاةَ تُقْرَأُ في كُلِّ رَكْعَةِ مِنها الفاتِحَةُ وهي حَمْدٌ لِلَّهِ تَعالى، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالصَّلاةِ مِن قَوْلِهِ: وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ السُّجُودِ فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ إذْ نَظَرَ إلى القَمَرِ فَقالَ: ”إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَنْ صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“ يَعْنِي بِذَلِكَ العَصْرَ والفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأ جَرِيرٌ ”وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها“» كَذا. والقِراءَةُ ”الغُرُوبُ“ .
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قَبْلَ الغُرُوبِ: الظُّهْرُ والعَصْرُ. وعَنْ قَتادَةَ: العَصْرُ.
وقَوْلُهُ ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ فِيهِ هو الصَّلاةُ، وعَنْ أبِي الأحْوَصِ أنَّهُ قَوْلُ سُبْحانَ اللَّهِ فَعَلى أنَّ التَّسْبِيحَ الصَّلاةُ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: صَلاةُ المَغْرِبِ وصَلاةُ العِشاءِ.
وقَبْلَ الغُرُوبِ ظَرْفٌ واسِعٌ يَبْتَدِئُ مِن زَوالِ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ لِأنَّها حِينَ تَزُولُ عَنْ كَبِدِ السَّماءِ قَدْ مالَتْ إلى الغُرُوبِ ويَنْتَهِي بِغُرُوبِها، وشَمِلَ ذَلِكَ وقْتَ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْبِيحُ اللَّيْلِ بِصَلاتَيِ المَغْرِبِ والعَشاءِ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مَبْدَأُ اللَّيْلِ، فَإنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ بِاللَّيالِي ويَبْتَدِئُونَ الشَّهْرَ بِاللَّيْلَةِ الأوْلى الَّتِي بَعْدَ طُلُوعِ الهِلالِ الجَدِيدِ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقِيلَ هَذِهِ المَذْكُوراتُ كُلُّها نَوافِلُ، فالَّذِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَكْعَتا الفَجْرِ، والَّذِي قَبْلَ الغُرُوبِ رَكْعَتانِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قالَهُ أبُو بَرْزَةَ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، والَّذِي مِنَ اللَّيْلِ قِيامُ اللَّيْلِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
ويَأْتِي عَلى هَذا الوَجْهِ الِاخْتِلافُ في مَحْمَلِ الأمْرِ عَلى النَّدْبِ إنْ كانا عامًّا أوْ
صفحة ٣٢٨
عَلى الوُجُوبِ إنْ كانا خاصًّا بِالنَّبِيءِ ﷺ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ المُزَّمِّلِ.
وقَرِيبٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] في سُورَةِ الإنْسانِ.
وقَرِيبٌ مِنها أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] في سُورَةِ الطُّورِ.
وأمّا قَوْلُهُ ”﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]“ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ .
والإدْبارُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ لِأنَّ المُنْصَرِفَ يَسْتَدْبِرُ مَن كانَ مَعَهُ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلِانْقِضاءِ، أيِ انْقِضاءِ السُّجُودِ، والسُّجُودُ: الصَّلاةُ، قالَ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] . وانْتِصابُهُ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ لِأنَّ المُرادَ: وقْتُ إدْبارِ السُّجُودِ.
وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وحَمْزَةُ وخَلَفٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إدْبارِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ: دُبُرٍ، بِمَعْنى العَقِبِ والآخِرِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ هو وقْتُ انْتِهاءِ السُّجُودِ.
فَفُسِّرَ السُّجُودُ بِالحَمْلِ عَلى الجِنْسِ، أيْ بَعْدِ الصَّلَواتِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، فَهو أمْرٌ بِالرَّواتِبِ الَّتِي بَعْدَ الصَّلَواتِ. وهو عامٌ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ بِأوْقاتِ النَّوافِلِ، ومُجْمَلٌ بَيَّنَتِ السَّنَةُ مَقادِيرَهُ، وبَيَّنَتْ أنَّ الأمْرَ فِيهِ أمْرُ نَدْبٍ وتَرْغِيبٍ لا أمْرُ إيجابٍ.
وعَنِ المَهْدَوِيِّ أنَّهُ كانَ فَرْضًا فَنُسِخَ بِالفَرائِضِ.
وحُمِلَ عَلى العَهْدِ فَقالَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ هو صَلاةُ المَغْرِبِ، أيِ الرَّكْعَتانِ بَعْدَها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ الوِتْرُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ”فَسَبِّحْهُ“ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ عَلى أنْ يَكُونَ الوَقْتُ عَلى قَوْلِهِ: ”ومِنَ اللَّيْلِ“ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ لِإفادَةِ الوُجُوبِ فَيُجْعَلُ التَّفْرِيعُ اعْتِراضًا بَيْنَ الظُّرُوفِ المُتَعاطِفَةِ وهو كالتَّفْرِيعِ الَّذِي في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ [ق: ٣٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] .
ق 50:41
صفحة ٣٢٩
﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ﴾
لا مَحالَةَ أنَّ جُمْلَةَ ”اسْتَمِعْ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ“، فالأمْرُ بِالِاسْتِماعِ مُفَرَّعٌ بِالفاءِ الَّتِي فُرِّعَ بِها الأمْرُ بِالصَّبْرِ عَلى ”ما يَقُولُونَ“ . فَهو لاحِقٌ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَكُونُ المَسْمُوعُ إلّا مِن نَوْعِ ما فِيهِ عِنايَةٌ بِهِ وعُقُوبَةٌ لِمُكَذِّبِيهِ.
وابْتِداءُ الكَلامِ بِـ ”اسْتَمِعْ“ يُفِيدُ تَشْوِيقًا إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
والأمْرُ بِالِاسْتِماعِ حَقِيقَتُهُ: الأمْرُ بِالإنْصاتِ والإصْغاءِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثُ طُرُقٍ في مَحْمَلِ ”اسْتَمِعْ“، فالَّذِي نَحاهُ الجُمْهُورُ حَمْلُ الِاسْتِماعِ وإذْ كانَ المَذْكُورُ عَقِبَ فِعْلِ السَّمْعِ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لِأنَّ اليَوْمَ لَيْسَ مِمّا يُسْمَعُ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ لِـ ”اسْتَمِعْ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيُقَدَّرُ: اسْتَمِعْ نِداءَ المُنادِي، أوِ اسْتَمِعْ خَبَرَهم، أوِ اسْتَمِعِ الصَّيْحَةَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ اسْتَمِعْ مُنْزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ كُنْ سامِعًا ويَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِهِ هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى الأمْرِ بِالِاسْتِماعِ تَخْيِيلًا لِصَيْحَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ في صُورَةِ الحاصِلِ بِحَيْثُ يُؤْمَرُ المُخاطَبُ بِالإصْغاءِ إلَيْها في الحالِ كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا
ونَحا ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَ ”اسْتَمِعْ“ عَلى المَجازِ، أيِ انْتَظِرْ. قالَ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ بِأنْ يَسْتَمِعَ في يَوْمِ النِّداءِ لِأنَّ كُلَّ مَن فِيهِ يَسْتَمِعُ وإنَّما الآيَةُ في مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَحَسَّسْ هَذا اليَوْمَ وارْتَقِبْهُ فَإنَّ فِيهِ تَبِينُ صِحَّةُ ما قُلْتَهُ اهـ. ولَمْ أرَ مَن سَبَقَهُ إلى هَذا المَعْنى، ومِثْلُهُ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ. ولَعَلَّهُما اطَّلَعا عَلَيْهِ لِأنَّهُما مُتَأخِّرانِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وهُما وإنْ كانَ مَشْرِقِيَّيْنِ فَإنَّ الكُتُبَ تُنْقَلُ بَيْنَ الأقْطارِ.
ولَلزَّمَخْشَرِيِّ طَرِيقَةٌ أُخْرى فَقالَ يَعْنِي: واسْتَمِعْ لِما أخْبَرَكَ بِهِ مِن حالِ يَوْمِ
صفحة ٣٣٠
القِيامَةِ. وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «يا مُعاذُ اسْمَعْ ما أقُولُ لَكَ» ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ولَمْ أرَ مَن سَبْقَهُ إلى هَذا وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.
واللّائِقُ بِالجَرْيِ عَلى المَحامِلِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مُبْتَدَأً وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ لِأنَّهُ اسْمُ زَمانٍ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الإعْرابُ والبِناءُ عَلى الفَتْحِ، ولا يُناكِدُهُ أنَّ فِعْلَ الجُمْلَةِ مُضارِعٌ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وهو قَوْلُ نُحاةِ الكُوفَةِ وابْنِ مالِكٍ ولا رِيبَةَ في أنَّهُ الأصْوَبُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] في قِراءَةِ نافِعٍ بِفَتْحِ (يَوْمَ) .
وقَوْلُهُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بَدَلٌ مُطابَقٌ مِن يَوْمَ يُنادِي المُنادِي وقَوْلُهُ: ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مَفْعُولًا فِيهِ لِـ ”اسْتَمِعْ“ وإعْرابُ ما بَعْدَهُ ظاهِرٌ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي ظَرْفًا في مَوْقِعِ الخَبَرِ المُقَدَّمِ وتَجْعَلَ المُبْتَدَأ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ويَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: واسْتَمِعْ ذَلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلَخْ، ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، أوْ راجِعًا إلى يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ وإنْ كانَ خَبَرًا عَنْهُ في المَعْنى، واسْمُ الإشارَةِ يَكْتَفِي بِالتَّقَدُّمِ اللَّفْظِيِّ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الخُطُورِ في الذِّهْنِ. وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ أنَّ يَعْقُوبَ أيِ الحَضْرَمِيَّ أحَدَ أصْحابِ القِراءاتِ العَشْرِ المُتَواتِرَةِ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ ”واسْتَمِعْ“ .
وتَعْرِيفُ ”المُنادِي“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ يَوْمَ يُنادِي مُنادٍ، أيْ مِنَ المَلائِكَةِ وهو المَلَكُ الَّذِي يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ فَتَتَكَوَّنُ الأجْسادُ وتَحِلُّ فِيها أرْواحُ النّاسِ لِلْحَشْرِ قالَ تَعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ.
وتَنْوِينُ ”مَكانٍ قَرِيبٍ“ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِهِ، ووَصْفُهُ بِـ ”قَرِيبٍ“ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُضُورِ المُنادَيْنَ، وهو الَّذِي فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ
صفحة ٣٣١
لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ النِّداءَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ لا يَخْفى عَلى السّامِعِينَ بِخِلافِ النِّداءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
و”بِالحَقِّ“ بِمَعْنى: بِالصِّدْقِ وهو هُنا الحَشْرُ، وُصِفَ بِالحَقِّ إبْطالًا لِزَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ اخْتِلاقٌ.
والخُرُوجُ: مُغادَرَةُ الدّارِ أوِ البَلَدِ، وأُطْلِقَ الخُرُوجُ عَلى التَّجَمُّعِ في المَحْشَرِ لِأنَّ الحَيَّ إذا نَزَحُوا عَنْ أرْضِهِمْ قِيلَ: خَرَجُوا، يُقالُ: خَرَجُوا بِقَضِّهِمْ وقَضِيضِهِمْ.
واسْمُ الإشارَةِ جِيءَ بِهِ لِتَهْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ فَأُرِيدَ كَمالُ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الخَبَرِ العَظِيمِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هو يَوْمُ الخُرُوجِ.
و”يَوْمُ الخُرُوجِ“ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى يَوْمِ البَعْثِ، أيِ الخُرُوجِ مِنَ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ تَذْيِيلٌ، أيْ هَذا الإحْياءُ بَعْدَ أنْ أمَتْناهم هو مِن شُئُونِنا بِأنّا نُحْيِيهِمْ ونُحْيِي غَيْرَهم ونُمِيتُهم ونُمِيتُ غَيْرَهم.
والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ”ونُمِيتُ“، وأمّا قَوْلُهُ نُحْيِي فَإنَّهُ لِاسْتِيفاءِ مَعْنى تَصَرُّفِ اللَّهِ في الخَلْقِ.
وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ في ”إلَيْنا المَصِيرُ“ لِلِاهْتِمامِ.
والتَّعْرِيفُ في ”المَصِيرُ“ إمّا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ كُلُّ شَيْءٍ صائِرٌ إلى ما قَدَّرْناهُ لَهُ وأكْبَرُ ذَلِكَ هو نامُوسُ الفَناءِ المَكْتُوبُ عَلى جَمِيعِ الأحْياءِ وإمّا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ المَصِيرُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وهو المَوْتُ لِأنَّ المَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ إلى حُكْمِ اللَّهِ.
وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلى قَوْلِهِ ”المَصِيُرُ“ مَكانٌ قَرِيبٌ هي مَعَ ما تُفِيدُهُ مِن تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُبَشِّرٌ بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ البَدِيعِيِّ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَقِبَ نِداءٍ يُفْزِعُهم فَيَلْقَوْنَ إثْرَهُ حَتْفَهم، وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَخُوطِبَ النَّبِيءُ ﷺ بِتَرَقُّبِ يَوْمٍ يُنادِيهِمْ فِيهِ مُنادٍ إلى الخُرُوجِ وهو نِداءُ الصَّرِيخِ الَّذِي صَرَخَ بِأبِي جَهْلٍ ومَن مَعَهُ بِمَكَّةَ بِأنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ وفِيها أبُو سُفْيانَ قَدْ لَقِيَها المُسْلِمُونَ بِبَدْرٍ وكانَ المُنادِي
صفحة ٣٣٢
٥٥ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ إذْ جاءَ عَلى بَعِيرِهِ فَصَرَخَ بِبَطْنِ الوادِي: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أمْوالُكم مَعَ أبِي سُفْيانَ قَدْ عَرَضَ لَها مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. فَتَجَهَّزَ النّاسُ سِراعًا وخَرَجُوا إلى بَدْرٍ.
فالمَكانُ القَرِيبُ هو بَطْنُ الوادِي فَإنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ.
والخُرُوجُ: خُرُوجُهم لِبَدْرٍ، وتَعْرِيفُ اليَوْمِ بِالإضافَةِ إلى الخُرُوجِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ الخُرُوجِ الَّذِي كانَ اسْتِئْصالُ سادَتِهِمْ عَقِبَهُ. وتَكُونُ جُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وعِيدًا بِأنَّ اللَّهَ يُمِيتُ سادَتَهم وأنَّهُ يُبْقِي مَن قَدَّرَ إسْلامَهُ فِيما بَعْدُ فَهو يُحْيِيهِ إلى يَوْمِ أجْلِهِ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ المُنادِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأها نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِياءٍ في الوَصْلِ وبِدُونِها في الوَقْفِ، وذَلِكَ جارٍ عَلى اعْتِبارٍ أنَّ العَرَبَ يُعامِلُونَ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ وخاصَّةً في الأسْجاعِ والفَواصِلِ فاعْتَبَرُوا عَدَمَ رَسْمِ الياءِ في آخِرِ الكَلِمَةِ مُراعاةً لِحالِ الوَقْفِ كَما هو غالِبُ أحْوالِ الرَّسْمِ لِأنَّ الأسْجاعَ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُكُونِ الأعْجازِ. وقَرَأها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ وخَلَفٌ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُعامِلُ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ. وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالياءِ وصْلًا ووَقْفًا اعْتِبارًا بِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ قَدْ يُخالِفُ قِياسَ الرَّسْمِ فَلا يُخالَفُ قِياسُ اللَّفْظِ لِأجْلِهِ.
ق 50:42
صفحة ٣٢٩
﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ﴾
لا مَحالَةَ أنَّ جُمْلَةَ ”اسْتَمِعْ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ“، فالأمْرُ بِالِاسْتِماعِ مُفَرَّعٌ بِالفاءِ الَّتِي فُرِّعَ بِها الأمْرُ بِالصَّبْرِ عَلى ”ما يَقُولُونَ“ . فَهو لاحِقٌ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَكُونُ المَسْمُوعُ إلّا مِن نَوْعِ ما فِيهِ عِنايَةٌ بِهِ وعُقُوبَةٌ لِمُكَذِّبِيهِ.
وابْتِداءُ الكَلامِ بِـ ”اسْتَمِعْ“ يُفِيدُ تَشْوِيقًا إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
والأمْرُ بِالِاسْتِماعِ حَقِيقَتُهُ: الأمْرُ بِالإنْصاتِ والإصْغاءِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثُ طُرُقٍ في مَحْمَلِ ”اسْتَمِعْ“، فالَّذِي نَحاهُ الجُمْهُورُ حَمْلُ الِاسْتِماعِ وإذْ كانَ المَذْكُورُ عَقِبَ فِعْلِ السَّمْعِ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لِأنَّ اليَوْمَ لَيْسَ مِمّا يُسْمَعُ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ لِـ ”اسْتَمِعْ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيُقَدَّرُ: اسْتَمِعْ نِداءَ المُنادِي، أوِ اسْتَمِعْ خَبَرَهم، أوِ اسْتَمِعِ الصَّيْحَةَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ اسْتَمِعْ مُنْزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ كُنْ سامِعًا ويَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِهِ هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى الأمْرِ بِالِاسْتِماعِ تَخْيِيلًا لِصَيْحَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ في صُورَةِ الحاصِلِ بِحَيْثُ يُؤْمَرُ المُخاطَبُ بِالإصْغاءِ إلَيْها في الحالِ كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا
ونَحا ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَ ”اسْتَمِعْ“ عَلى المَجازِ، أيِ انْتَظِرْ. قالَ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ بِأنْ يَسْتَمِعَ في يَوْمِ النِّداءِ لِأنَّ كُلَّ مَن فِيهِ يَسْتَمِعُ وإنَّما الآيَةُ في مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَحَسَّسْ هَذا اليَوْمَ وارْتَقِبْهُ فَإنَّ فِيهِ تَبِينُ صِحَّةُ ما قُلْتَهُ اهـ. ولَمْ أرَ مَن سَبَقَهُ إلى هَذا المَعْنى، ومِثْلُهُ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ. ولَعَلَّهُما اطَّلَعا عَلَيْهِ لِأنَّهُما مُتَأخِّرانِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وهُما وإنْ كانَ مَشْرِقِيَّيْنِ فَإنَّ الكُتُبَ تُنْقَلُ بَيْنَ الأقْطارِ.
ولَلزَّمَخْشَرِيِّ طَرِيقَةٌ أُخْرى فَقالَ يَعْنِي: واسْتَمِعْ لِما أخْبَرَكَ بِهِ مِن حالِ يَوْمِ
صفحة ٣٣٠
القِيامَةِ. وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «يا مُعاذُ اسْمَعْ ما أقُولُ لَكَ» ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ولَمْ أرَ مَن سَبْقَهُ إلى هَذا وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.
واللّائِقُ بِالجَرْيِ عَلى المَحامِلِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مُبْتَدَأً وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ لِأنَّهُ اسْمُ زَمانٍ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الإعْرابُ والبِناءُ عَلى الفَتْحِ، ولا يُناكِدُهُ أنَّ فِعْلَ الجُمْلَةِ مُضارِعٌ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وهو قَوْلُ نُحاةِ الكُوفَةِ وابْنِ مالِكٍ ولا رِيبَةَ في أنَّهُ الأصْوَبُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] في قِراءَةِ نافِعٍ بِفَتْحِ (يَوْمَ) .
وقَوْلُهُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بَدَلٌ مُطابَقٌ مِن يَوْمَ يُنادِي المُنادِي وقَوْلُهُ: ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مَفْعُولًا فِيهِ لِـ ”اسْتَمِعْ“ وإعْرابُ ما بَعْدَهُ ظاهِرٌ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي ظَرْفًا في مَوْقِعِ الخَبَرِ المُقَدَّمِ وتَجْعَلَ المُبْتَدَأ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ويَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: واسْتَمِعْ ذَلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلَخْ، ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، أوْ راجِعًا إلى يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ وإنْ كانَ خَبَرًا عَنْهُ في المَعْنى، واسْمُ الإشارَةِ يَكْتَفِي بِالتَّقَدُّمِ اللَّفْظِيِّ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الخُطُورِ في الذِّهْنِ. وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ أنَّ يَعْقُوبَ أيِ الحَضْرَمِيَّ أحَدَ أصْحابِ القِراءاتِ العَشْرِ المُتَواتِرَةِ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ ”واسْتَمِعْ“ .
وتَعْرِيفُ ”المُنادِي“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ يَوْمَ يُنادِي مُنادٍ، أيْ مِنَ المَلائِكَةِ وهو المَلَكُ الَّذِي يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ فَتَتَكَوَّنُ الأجْسادُ وتَحِلُّ فِيها أرْواحُ النّاسِ لِلْحَشْرِ قالَ تَعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ.
وتَنْوِينُ ”مَكانٍ قَرِيبٍ“ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِهِ، ووَصْفُهُ بِـ ”قَرِيبٍ“ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُضُورِ المُنادَيْنَ، وهو الَّذِي فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ
صفحة ٣٣١
لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ النِّداءَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ لا يَخْفى عَلى السّامِعِينَ بِخِلافِ النِّداءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
و”بِالحَقِّ“ بِمَعْنى: بِالصِّدْقِ وهو هُنا الحَشْرُ، وُصِفَ بِالحَقِّ إبْطالًا لِزَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ اخْتِلاقٌ.
والخُرُوجُ: مُغادَرَةُ الدّارِ أوِ البَلَدِ، وأُطْلِقَ الخُرُوجُ عَلى التَّجَمُّعِ في المَحْشَرِ لِأنَّ الحَيَّ إذا نَزَحُوا عَنْ أرْضِهِمْ قِيلَ: خَرَجُوا، يُقالُ: خَرَجُوا بِقَضِّهِمْ وقَضِيضِهِمْ.
واسْمُ الإشارَةِ جِيءَ بِهِ لِتَهْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ فَأُرِيدَ كَمالُ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الخَبَرِ العَظِيمِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هو يَوْمُ الخُرُوجِ.
و”يَوْمُ الخُرُوجِ“ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى يَوْمِ البَعْثِ، أيِ الخُرُوجِ مِنَ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ تَذْيِيلٌ، أيْ هَذا الإحْياءُ بَعْدَ أنْ أمَتْناهم هو مِن شُئُونِنا بِأنّا نُحْيِيهِمْ ونُحْيِي غَيْرَهم ونُمِيتُهم ونُمِيتُ غَيْرَهم.
والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ”ونُمِيتُ“، وأمّا قَوْلُهُ نُحْيِي فَإنَّهُ لِاسْتِيفاءِ مَعْنى تَصَرُّفِ اللَّهِ في الخَلْقِ.
وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ في ”إلَيْنا المَصِيرُ“ لِلِاهْتِمامِ.
والتَّعْرِيفُ في ”المَصِيرُ“ إمّا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ كُلُّ شَيْءٍ صائِرٌ إلى ما قَدَّرْناهُ لَهُ وأكْبَرُ ذَلِكَ هو نامُوسُ الفَناءِ المَكْتُوبُ عَلى جَمِيعِ الأحْياءِ وإمّا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ المَصِيرُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وهو المَوْتُ لِأنَّ المَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ إلى حُكْمِ اللَّهِ.
وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلى قَوْلِهِ ”المَصِيُرُ“ مَكانٌ قَرِيبٌ هي مَعَ ما تُفِيدُهُ مِن تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُبَشِّرٌ بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ البَدِيعِيِّ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَقِبَ نِداءٍ يُفْزِعُهم فَيَلْقَوْنَ إثْرَهُ حَتْفَهم، وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَخُوطِبَ النَّبِيءُ ﷺ بِتَرَقُّبِ يَوْمٍ يُنادِيهِمْ فِيهِ مُنادٍ إلى الخُرُوجِ وهو نِداءُ الصَّرِيخِ الَّذِي صَرَخَ بِأبِي جَهْلٍ ومَن مَعَهُ بِمَكَّةَ بِأنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ وفِيها أبُو سُفْيانَ قَدْ لَقِيَها المُسْلِمُونَ بِبَدْرٍ وكانَ المُنادِي
صفحة ٣٣٢
٥٥ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ إذْ جاءَ عَلى بَعِيرِهِ فَصَرَخَ بِبَطْنِ الوادِي: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أمْوالُكم مَعَ أبِي سُفْيانَ قَدْ عَرَضَ لَها مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. فَتَجَهَّزَ النّاسُ سِراعًا وخَرَجُوا إلى بَدْرٍ.
فالمَكانُ القَرِيبُ هو بَطْنُ الوادِي فَإنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ.
والخُرُوجُ: خُرُوجُهم لِبَدْرٍ، وتَعْرِيفُ اليَوْمِ بِالإضافَةِ إلى الخُرُوجِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ الخُرُوجِ الَّذِي كانَ اسْتِئْصالُ سادَتِهِمْ عَقِبَهُ. وتَكُونُ جُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وعِيدًا بِأنَّ اللَّهَ يُمِيتُ سادَتَهم وأنَّهُ يُبْقِي مَن قَدَّرَ إسْلامَهُ فِيما بَعْدُ فَهو يُحْيِيهِ إلى يَوْمِ أجْلِهِ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ المُنادِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأها نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِياءٍ في الوَصْلِ وبِدُونِها في الوَقْفِ، وذَلِكَ جارٍ عَلى اعْتِبارٍ أنَّ العَرَبَ يُعامِلُونَ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ وخاصَّةً في الأسْجاعِ والفَواصِلِ فاعْتَبَرُوا عَدَمَ رَسْمِ الياءِ في آخِرِ الكَلِمَةِ مُراعاةً لِحالِ الوَقْفِ كَما هو غالِبُ أحْوالِ الرَّسْمِ لِأنَّ الأسْجاعَ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُكُونِ الأعْجازِ. وقَرَأها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ وخَلَفٌ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُعامِلُ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ. وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالياءِ وصْلًا ووَقْفًا اعْتِبارًا بِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ قَدْ يُخالِفُ قِياسَ الرَّسْمِ فَلا يُخالَفُ قِياسُ اللَّفْظِ لِأجْلِهِ.
ق 50:43
صفحة ٣٢٩
﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ﴾
لا مَحالَةَ أنَّ جُمْلَةَ ”اسْتَمِعْ“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ“، فالأمْرُ بِالِاسْتِماعِ مُفَرَّعٌ بِالفاءِ الَّتِي فُرِّعَ بِها الأمْرُ بِالصَّبْرِ عَلى ”ما يَقُولُونَ“ . فَهو لاحِقٌ بِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَكُونُ المَسْمُوعُ إلّا مِن نَوْعِ ما فِيهِ عِنايَةٌ بِهِ وعُقُوبَةٌ لِمُكَذِّبِيهِ.
وابْتِداءُ الكَلامِ بِـ ”اسْتَمِعْ“ يُفِيدُ تَشْوِيقًا إلى ما يَرِدُ بَعْدَهُ عَلى كُلِّ احْتِمالٍ.
والأمْرُ بِالِاسْتِماعِ حَقِيقَتُهُ: الأمْرُ بِالإنْصاتِ والإصْغاءِ.
ولِلْمُفَسِّرِينَ ثَلاثُ طُرُقٍ في مَحْمَلِ ”اسْتَمِعْ“، فالَّذِي نَحاهُ الجُمْهُورُ حَمْلُ الِاسْتِماعِ وإذْ كانَ المَذْكُورُ عَقِبَ فِعْلِ السَّمْعِ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا لِأنَّ اليَوْمَ لَيْسَ مِمّا يُسْمَعُ تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مَفْعُولٍ لِـ ”اسْتَمِعْ“ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي بَعْدَهُ فَيُقَدَّرُ: اسْتَمِعْ نِداءَ المُنادِي، أوِ اسْتَمِعْ خَبَرَهم، أوِ اسْتَمِعِ الصَّيْحَةَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ فِعْلَ اسْتَمِعْ مُنْزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ كُنْ سامِعًا ويَتَوَجَّهُ عَلى تَفْسِيرِهِ هَذا أنْ يَكُونَ مَعْنى الأمْرِ بِالِاسْتِماعِ تَخْيِيلًا لِصَيْحَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ في صُورَةِ الحاصِلِ بِحَيْثُ يُؤْمَرُ المُخاطَبُ بِالإصْغاءِ إلَيْها في الحالِ كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيا
ونَحا ابْنُ عَطِيَّةَ حَمْلَ ”اسْتَمِعْ“ عَلى المَجازِ، أيِ انْتَظِرْ. قالَ لِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ يُؤْمَرْ بِأنْ يَسْتَمِعَ في يَوْمِ النِّداءِ لِأنَّ كُلَّ مَن فِيهِ يَسْتَمِعُ وإنَّما الآيَةُ في مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكُفّارِ فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَحَسَّسْ هَذا اليَوْمَ وارْتَقِبْهُ فَإنَّ فِيهِ تَبِينُ صِحَّةُ ما قُلْتَهُ اهـ. ولَمْ أرَ مَن سَبَقَهُ إلى هَذا المَعْنى، ومِثْلُهُ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ. ولَعَلَّهُما اطَّلَعا عَلَيْهِ لِأنَّهُما مُتَأخِّرانِ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ وهُما وإنْ كانَ مَشْرِقِيَّيْنِ فَإنَّ الكُتُبَ تُنْقَلُ بَيْنَ الأقْطارِ.
ولَلزَّمَخْشَرِيِّ طَرِيقَةٌ أُخْرى فَقالَ يَعْنِي: واسْتَمِعْ لِما أخْبَرَكَ بِهِ مِن حالِ يَوْمِ
صفحة ٣٣٠
القِيامَةِ. وفي ذَلِكَ تَهْوِيلٌ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِ المُخْبَرِ بِهِ، كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «يا مُعاذُ اسْمَعْ ما أقُولُ لَكَ» ثُمَّ حَدَّثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ولَمْ أرَ مَن سَبْقَهُ إلى هَذا وهو مَحْمَلٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ.
واللّائِقُ بِالجَرْيِ عَلى المَحامِلِ الثَّلاثَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مُبْتَدَأً وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ لِأنَّهُ اسْمُ زَمانٍ أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فَيَجُوزُ فِيهِ الإعْرابُ والبِناءُ عَلى الفَتْحِ، ولا يُناكِدُهُ أنَّ فِعْلَ الجُمْلَةِ مُضارِعٌ لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ ذَلِكَ وارِدٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وهو قَوْلُ نُحاةِ الكُوفَةِ وابْنِ مالِكٍ ولا رِيبَةَ في أنَّهُ الأصْوَبُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] في قِراءَةِ نافِعٍ بِفَتْحِ (يَوْمَ) .
وقَوْلُهُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بَدَلٌ مُطابَقٌ مِن يَوْمَ يُنادِي المُنادِي وقَوْلُهُ: ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مَفْعُولًا فِيهِ لِـ ”اسْتَمِعْ“ وإعْرابُ ما بَعْدَهُ ظاهِرٌ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي ظَرْفًا في مَوْقِعِ الخَبَرِ المُقَدَّمِ وتَجْعَلَ المُبْتَدَأ قَوْلَهُ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ ويَكُونُ تَقْدِيرُ النَّظْمِ: واسْتَمِعْ ذَلِكَ يَوْمَ الخُرُوجِ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلَخْ، ويَكُونُ اسْمُ الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ، أوْ راجِعًا إلى يَوْمَ يُنادِي المُنادِي، فَإنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ في اللَّفْظِ وإنْ كانَ خَبَرًا عَنْهُ في المَعْنى، واسْمُ الإشارَةِ يَكْتَفِي بِالتَّقَدُّمِ اللَّفْظِيِّ بَلْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الخُطُورِ في الذِّهْنِ. وفي تَفْسِيرِ النَّسَفِيِّ أنَّ يَعْقُوبَ أيِ الحَضْرَمِيَّ أحَدَ أصْحابِ القِراءاتِ العَشْرِ المُتَواتِرَةِ وقَفَ عَلى قَوْلِهِ ”واسْتَمِعْ“ .
وتَعْرِيفُ ”المُنادِي“ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ يَوْمَ يُنادِي مُنادٍ، أيْ مِنَ المَلائِكَةِ وهو المَلَكُ الَّذِي يَنْفُخُ النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ فَتَتَكَوَّنُ الأجْسادُ وتَحِلُّ فِيها أرْواحُ النّاسِ لِلْحَشْرِ قالَ تَعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ.
وتَنْوِينُ ”مَكانٍ قَرِيبٍ“ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِتَعْيِينِهِ، ووَصْفُهُ بِـ ”قَرِيبٍ“ لِلْإشارَةِ إلى سُرْعَةِ حُضُورِ المُنادَيْنَ، وهو الَّذِي فَسَّرَتْهُ جُمْلَةُ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ
صفحة ٣٣١
لِأنَّ المَعْرُوفَ أنَّ النِّداءَ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ لا يَخْفى عَلى السّامِعِينَ بِخِلافِ النِّداءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
و”بِالحَقِّ“ بِمَعْنى: بِالصِّدْقِ وهو هُنا الحَشْرُ، وُصِفَ بِالحَقِّ إبْطالًا لِزَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّهُ اخْتِلاقٌ.
والخُرُوجُ: مُغادَرَةُ الدّارِ أوِ البَلَدِ، وأُطْلِقَ الخُرُوجُ عَلى التَّجَمُّعِ في المَحْشَرِ لِأنَّ الحَيَّ إذا نَزَحُوا عَنْ أرْضِهِمْ قِيلَ: خَرَجُوا، يُقالُ: خَرَجُوا بِقَضِّهِمْ وقَضِيضِهِمْ.
واسْمُ الإشارَةِ جِيءَ بِهِ لِتَهْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ وهو يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ فَأُرِيدَ كَمالُ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الخَبَرِ العَظِيمِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هو يَوْمُ الخُرُوجِ.
و”يَوْمُ الخُرُوجِ“ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى يَوْمِ البَعْثِ، أيِ الخُرُوجِ مِنَ الأرْضِ.
وجُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وإلَيْنا المَصِيرُ تَذْيِيلٌ، أيْ هَذا الإحْياءُ بَعْدَ أنْ أمَتْناهم هو مِن شُئُونِنا بِأنّا نُحْيِيهِمْ ونُحْيِي غَيْرَهم ونُمِيتُهم ونُمِيتُ غَيْرَهم.
والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ”ونُمِيتُ“، وأمّا قَوْلُهُ نُحْيِي فَإنَّهُ لِاسْتِيفاءِ مَعْنى تَصَرُّفِ اللَّهِ في الخَلْقِ.
وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ في ”إلَيْنا المَصِيرُ“ لِلِاهْتِمامِ.
والتَّعْرِيفُ في ”المَصِيرُ“ إمّا تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ كُلُّ شَيْءٍ صائِرٌ إلى ما قَدَّرْناهُ لَهُ وأكْبَرُ ذَلِكَ هو نامُوسُ الفَناءِ المَكْتُوبُ عَلى جَمِيعِ الأحْياءِ وإمّا تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ المَصِيرُ المُتَحَدَّثُ عَنْهُ، وهو المَوْتُ لِأنَّ المَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ إلى حُكْمِ اللَّهِ.
وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِي المُنادِي إلى قَوْلِهِ ”المَصِيُرُ“ مَكانٌ قَرِيبٌ هي مَعَ ما تُفِيدُهُ مِن تَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مُبَشِّرٌ بِطَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ البَدِيعِيِّ إلى تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِعَذابٍ يَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا عَقِبَ نِداءٍ يُفْزِعُهم فَيَلْقَوْنَ إثْرَهُ حَتْفَهم، وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ فَخُوطِبَ النَّبِيءُ ﷺ بِتَرَقُّبِ يَوْمٍ يُنادِيهِمْ فِيهِ مُنادٍ إلى الخُرُوجِ وهو نِداءُ الصَّرِيخِ الَّذِي صَرَخَ بِأبِي جَهْلٍ ومَن مَعَهُ بِمَكَّةَ بِأنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ وفِيها أبُو سُفْيانَ قَدْ لَقِيَها المُسْلِمُونَ بِبَدْرٍ وكانَ المُنادِي
صفحة ٣٣٢
٥٥ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الغِفارِيَّ إذْ جاءَ عَلى بَعِيرِهِ فَصَرَخَ بِبَطْنِ الوادِي: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أمْوالُكم مَعَ أبِي سُفْيانَ قَدْ عَرَضَ لَها مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ. فَتَجَهَّزَ النّاسُ سِراعًا وخَرَجُوا إلى بَدْرٍ.
فالمَكانُ القَرِيبُ هو بَطْنُ الوادِي فَإنَّهُ قَرِيبٌ مِن مَكَّةَ.
والخُرُوجُ: خُرُوجُهم لِبَدْرٍ، وتَعْرِيفُ اليَوْمِ بِالإضافَةِ إلى الخُرُوجِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ ذَلِكَ الخُرُوجِ الَّذِي كانَ اسْتِئْصالُ سادَتِهِمْ عَقِبَهُ. وتَكُونُ جُمْلَةُ إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ وعِيدًا بِأنَّ اللَّهَ يُمِيتُ سادَتَهم وأنَّهُ يُبْقِي مَن قَدَّرَ إسْلامَهُ فِيما بَعْدُ فَهو يُحْيِيهِ إلى يَوْمِ أجْلِهِ.
وكُتِبَ في المُصْحَفِ المُنادِ بِدُونِ ياءٍ. وقَرَأها نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ بِياءٍ في الوَصْلِ وبِدُونِها في الوَقْفِ، وذَلِكَ جارٍ عَلى اعْتِبارٍ أنَّ العَرَبَ يُعامِلُونَ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ بِاللّامِ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ وخاصَّةً في الأسْجاعِ والفَواصِلِ فاعْتَبَرُوا عَدَمَ رَسْمِ الياءِ في آخِرِ الكَلِمَةِ مُراعاةً لِحالِ الوَقْفِ كَما هو غالِبُ أحْوالِ الرَّسْمِ لِأنَّ الأسْجاعَ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُكُونِ الأعْجازِ. وقَرَأها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ عامِرٍ وخَلَفٌ بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا لِأنَّ العَرَبَ قَدْ تُعامِلُ المَنقُوصَ المُعَرَّفَ مُعامَلَةَ المُنَكَّرِ. وقَرَأها ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ بِالياءِ وصْلًا ووَقْفًا اعْتِبارًا بِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ قَدْ يُخالِفُ قِياسَ الرَّسْمِ فَلا يُخالَفُ قِياسُ اللَّفْظِ لِأجْلِهِ.
ق 50:44
﴿يَوْمَ تَشَّقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾
إنْ جَرَيْتَ عَلى أقْوالِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ السّابِقَةِ أفادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَيانًا لِجُمْلَةِ ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنها مَعَ ما في المَعادِ مِنها مِن تَأْكِيدٍ لِمُرادِفِهِ.
وإنْ جَرَيْتَ عَلى ما ارْتَأيْتُهُ في مَحْمَلِ الآيَةِ السّابِقَةِ أفادَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا اسْتِدْلالًا عَلى إمْكانِ الحَشْرِ ووَصْفِ حالٍ مِن أحْوالِهِ وهو تَشَقُّقُ الأرْضِ عَنْهم، أيْ عَنْ أجْسادٍ مَثِيلَةٍ لِأجْسادِهِمْ وعَنِ الأجْسادِ الَّتِي لَمْ يَلْحَقْها الفَناءُ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (تَشَّقَّقُ) بِفَتْحِ التّاءِ
صفحة ٣٣٣
وتَشْدِيدِ الشِّينِ. وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ بِتاءَيْنِ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في الشِّينِ بَعْدَ قَلْبِها شِينًا لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ تَشَقَّقُ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ عَلى حَذْفِ تاءِ التَّفَعُّلِ لِاسْتِثْقالِ الجَمْعِ بَيْنَ تاءَيْنِ.
و”سِراعًا“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”عَنْهم“ وهو جَمْعُ سَرِيعٍ، أيْ سِراعًا في الخُرُوجِ أوْ في المَشْيِ الَّذِي يَعْقُبُهُ إلى مَحَلِّ الحِسابِ.
والقَوْلُ في إعْرابِ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهم سِراعًا ذَلِكَ حَشْرٌ كالقَوْلِ في إعْرابِ قَوْلِهِ: يَوْمَ يُنادِي المُنادِي مِن مَكانٍ قَرِيبٍ إلى ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ وكَذَلِكَ القَوْلُ في اخْتِلافِ اسْمِ الإشارَةِ مِثْلُهُ.
وتَقَدُّمُ المَجْرُورِ في ”عَلَيْنا“ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ هو يَسِيرٌ في جانِبِ قُدْرَتِنا لا كَما زَعَمَهُ نُفاةُ الحَشْرِ.
ق 50:45
﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فَهو إيغالٌ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ، وتَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في وعْدِ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعاقِبُ أعْداءَهُ.
وقَوْلُهُ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ تَطْمِينٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ غَيْرُ مَسْئُولٍ عَنْ عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ لِأنَّهُ إنَّما بُعِثَ داعِيًا وهادِيًا، ولَيْسَ مَبْعُوثًا لِإرْغامِهِمْ عَلى الإيمانِ، والجَبّارُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أكْرَهَهُ.
وفَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَهُ بِالتَّذْكِيرِ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ كَوْنِهِ جَبّارًا عَلَيْهِمْ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، ولَكِنْ خُصَّ التَّذْكِيرُ هُنا بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ أرادَ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَنْفَعُ المُذَكَّرَ. فالمَعْنى: فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
وكُتِبَ في المُصْحَفِ ”وعِيدِ“ بِدُونِ ياءِ المُتَكَلِّمِ فَقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِدُونِ ياءٍ في
صفحة ٣٣٤
الوَصْلِ والوَقْفِ عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ التَّخْفِيفِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.
* * *
صفحة ٣٣٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الذّارِياتِ
تُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ والذّارِياتِ بِإثْباتِ الواوِ تَسْمِيَةً لَها بِحِكايَةِ الكَلِمَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في أوَّلِها. وبِهَذا عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ وابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ والكَواشِيُّ في تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ والقُرْطُبِيُّ.
وتُسَمّى أيْضًا (سُورَةُ الذّارِياتِ) بِدُونِ الواوِ اقْتِصارًا عَلى الكَلِمَةِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ. وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ.
وكَذَلِكَ هي في المَصاحِفِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مِن مَشْرِقِيَّةٍ ومَغْرِبِيَّةٍ قَدِيمَةٍ.
ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمْ تَقَعْ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وقَدْ عُدَّتِ السُّورَةَ السّادِسَةَ والسِّتِّينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الأحْقافِ وقَبْلَ سُورَةِ الغاشِيَةِ.
واتَّفَقَ أهْلُ عَدِّ الآياتِ عَلى أنَّ آيَها سِتُّونَ آيَةً.
* * *
أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةُ
احْتَوَتْ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ.
وإبْطالِ مَزاعِمِ المُكَذِّبِينَ بِهِ وبِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ورَمْيِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ بِغَيْرِ تَثَبُّتٍ.
ووَعِيدِهِمْ بِعَذابٍ يَفْتِنُهم.
صفحة ٣٣٦
ووَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمِ الخُلْدِ وذِكْرِ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ تِلْكَ الدَّرَجَةَ مِنَ الإيمانِ والإحْسانِ.
ثُمَّ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ والِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وعَلى أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ بِما في بَعْضِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي يُشاهِدُونَها ويُحِسُّونَ بِها دالَّةً عَلى سَعَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ عَلى ما هو أعْظَمُ مِن إعادَةِ خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ فَنائِهِ وعَلى أنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ إلّا لِجَزائِهِ.
والتَّعْرِيضِ بِالإنْذارِ بِما حاقَ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَ اللَّهِ، وبَيانِ الشَّبَهِ التّامِّ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ.
وتَلْقِينِ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ الرُّجُوعَ إلى اللَّهِ وتَصْدِيقِ النَّبِيءِ ﷺ ونَبْذِ الشِّرْكِ. ومَعْذِرَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِن تَبِعَةِ إعْراضِهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِكُفْرانِ نِعْمَةِ الخَلْقِ والرِّزْقِ.
ووَعِيدِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.